مكتبة منصور أرشيف دائم
EN / AR
السيرة · تحيّة

حياةٌ في حُجّةٍ واحدة

في مارس ١٩٨٧ وقف رجلٌ أمام محكمة الأزهر القانونية ليجيب عمّا كتب. كان الأزهر أعرق مركز للعلم السنّي في العالم؛ قضى فيه أربعة عشر عاماً، آخرها سبعٌ عضواً في هيئة تدريسه. كانت الحجّة التي يحاكَم بسببها، في أبسط صياغتها، أن القرآن يكفي بشروطه الخاصّة. طردته المحكمة.

وبعد سبعة أشهر، في القاهرة، اعتُقل. وتلا الاعتقال اعتقالٌ ثانٍ في العام التالي. لم يكن سياسيّاً، ولم يكن — بأيّ معيار معقول — خطراً؛ كان مؤرّخاً قضى عقدَين في قراءة النصوص، فدفعته القراءة إلى موقف لا يستطيع التراجع عنه.

وقت أن منحته الولايات المتحدة اللجوء سنة ٢٠٠٢ كان قد أنتج جسم العمل الذي سيرافقه بقية حياته: كتب ومقالات وفتاوى وحلقات مرئية مسجَّلة — بالعربية أولاً، ثم بالإنجليزية فأكثر، يخاطب جمهورين قارئَين في آنٍ. وقبل أن تَدعوه أمريكا بالاعتراف المؤسّسيّ الذي حجَبَتْه مصر، كانت قد مرّت خمسة عشر عاماً من المنفى. ثم اتّصلت هارفرد. ثم اتصل مركز وودرو ويلسون. ثم اتصل مجلس الشيوخ.

{{ FOR EDITORIAL REVIEW }} الصفةُ التي تَلْفِت النظر في قراءة الأعمال متتابعةً عبر العقود هي الصبر. ليس منصور مجادلاً؛ هو أقرب مزاجاً إلى معلّم متمكِّن قرّر أن يتناول موضوعاً صعباً ووافق على أن يأخذ من الوقت ما يلزم. الحجّة نفسها — أنّ القرآن نزل تامّاً، وأنّ ما تلاه يجب أن يُقرأ بوصفه عمل جماعات بشرية — تُصاغ ثم يُعاد صياغتها سنةً بعد أخرى، في سجلات مختلفة وأمام جماهير مختلفة. هي موقفٌ، لا حملةٌ.

ليس الموقف نظريّاً. ينفتح على سياسات الردّة، وبنية الحسبة، وحقوق المرأة في المجتمعات الإسلامية، وتاريخية النزاع السياسي في صدر الإسلام، والنقد المعاصر للوهابية والسلفية والإسلام السياسي. كلٌّ من هذه الموضوعات يعالَج بتفصيل، بمراجع، بحرص باحثٍ يعرف أن الخطأ في تفصيل يُسقط الموقف الأكبر.

{{ FOR EDITORIAL REVIEW }} ليس ما تحاول المكتبة تكريمَه شخصاً. غرض هذا الأرشيف أن يُبقي العمل قابلاً للقراءة — كل رابط يصلح، وكل نصّ يُحمَّل، وكل هامش يُعثَر عليه — لأولئك الذين سيحتاجون إلى قراءته بعد عقدٍ أو قَرن. والأمل أن يكون بعضهم مصريّاً، وأن تكون شروط قراءتهم أفضل من شروط الكتابة.

الرجل الذي في قلب العمل وُلد عام ١٩٤٩ في قرية أبو حريز بمحافظة الشرقية، التحق بالأزهر في مطلع العشرينيات وغادره — رغماً عنه — في أواخر الثلاثينيات؛ فَقَد بلداً وبنى مجموعة؛ وقد أصاب — بأيّ حساب أمين — في معظم ما نهض ليجادل عليه. والجدلُ مستمرّ.

«وما يجيء بعد ذلك على عاتق من يقرأ.»

من مقالة سنة ٢٠١٤ عن الاستقبال العامّ للعمل