كتاب ( مقدمة ابن خلدون : دراسة تحليلية )
( مقدمات ) لكتاب ( مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية )
مقدمة الطبعة الثانية
ظروف تأليف هذا الكتاب
1 ــ كانت لدى نسخة من مقدمة ابن خلدون ، فى مكتبة الوالد رحمه الله جل وعلا . فى الصبا حاولت القراءة فيها ولم أفهمها . فى الدراسات العليا تم تكليفى فى ( قاعة البحث ) بعمل بحث عن رأى ابن خلدون فى ( العرب ) فتعاملت مع المقدمة كباحث عام 1974 حين كنت معيدا بقسم التاريخ والحضارة بجامعة الأزهر . فى رسالة الدكتوراة قرأت المقدمة كلها قراءة سريعة ، ثم ركّزت على ما يخص التصوف فيها . هذه القراءات المتعددة والمتباعدة خلقت داخلى شوقا لكتابة بحث يتخصص فى تحليل المقدمة ومواجهة ابن خلدون فيها لأتعرف أكثرعلى عبقريته .
2 ــ جاءت الفرصة عام 1998 ، فى مناسبة مرور عشر سنوات على تأسيس ( مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية ) فى القاهرة ، وخلال عشر سنوات كان هذا المركز بقيادة مؤسسه وصاحبه د سعد الدين ابراهيم قد أحدث نقلة نوعية فى التفكير السياسى والاجتماعى فى مصر وخارجها، وصادف هذا وصول د سعد الدين الى الستين من العمر . كنت أدير رواق ابن خلدون ، وهو ندوة اسبوعية مفتوحة تناقش بحرية كاملة شتى الموضوعات السياسية والدينية والاجتماعية ، وكنت كبير الباحثين فيه ومشرفا على عدة مشروعات بحثية وسياسية ، بالاضافة الى الكتابة فى النشرة التى يصدرها المركز شهريا ( المجتمع المدنى ) وفى تقريريه السنويين عن ( الأقليات ) و ( المجتمع المدنى ) . فى الاعداد للإحتفال بهذه المناسبة طلب منى د سعد الدين ابراهيم كتابة بحث عن العلامة عبد الرحمن ابن خلدون، يتناول حياته وإنتاجه العلمى . ورأيتها فرصة لمواجهة هذا العبقرى داخل ( مقدمته ) ، فعكفت عليها سويعات يومية خلال عدة أشهر خلال عملى المرهق فى مركز ابن خلدون ، حتى أتممت البحث فى موعده ، وتم طبعه ليكون جاهزا فى الإحتفالية العشرية عام 1998 .
3 ــ لم تنته علاقتى بالمقدمة . أحسست بأن هناك اسئلة لم تتم الاجابة عنها بما يكفى ، فأعددت بحثين إضافيين ظللت أحتفظ بهما على أمل النشر . وتأتى الفرصة الآن فى إعادة نشر هذا الكتاب هنا لنشرهما كملاحق .
4 ــ وبمناسبة إعادة نشر كتاب ( مقدمة ابن خلدون : دراسة تحليلية ) أرسل التحية لرفيق النضال د سعد الدين ابراهيم ، والذى أعتبره مفكرا سابقا لعصره فى مجال تخصصه ، ومناضلا مخلصا فى سبيل التنوير والديمقراطية وحقوق الانسان . كان يمكنه أن يعيش حياة هانئة ضمن آلاف المثقفين المترفين من ذوى الياقات البيضاء من خدم المستبد الشرقى ، ولكنه آثر أن يخوض معركة التنوير عالما بالتكلفة العالية لها . وكان من سوء حظه أن يعايش عصر مبارك ـ وهو أغبى وأجهل وأحطّ وأحقر فرعون حكم مصر . لذا كوفىء د سعد الدين ابراهيم على تفوقه العلمى ونشاطه التنويرى بحملات إغتيال معنوى لشخصيته شوّهت سُمعته ، قام بها أعوان مبارك ، خصوصا بعد أن أرسى د سعد الدين برنامج ( الشفافية ) الذى يناقش سرقات المستبد الشرقى وأعوانه ، وبرنامج الاصلاح فى التعليم وبرنامج تعليم المصريين حقوقهم السياسية والانتخابية ، وكنت مُشاركا قياديا فى هذه البرامج ، وجرى التنويه بها فى ندوات الراق ، وصارت خطرا ماحقا على الفرعون مبارك ، وهو يُعدُّ ابنه لوراثته . ولهذا كان غلق مركز ابن خلدون وسجن د سعد الدين ابراهيم ، وفرارى الى أمريكا من القو الظالمين . وهو شأن كل مُصلح ومُفكّر يسبق عصره سيجد د , سعد الدين ابراهيم الإنصاف فى المستقبل بعون الله جل وعلا الذى لا يضيع أجر من أحسن عملا .
هذا . وأقدم الشكر لأخى الاستاذ محمد دندن الذى ساعد فى مراجعة نسخ هذا الكتاب من أصله الورقى .
أحمد صبحى منصور
فيرجينيا 21 أغسطس 2015
تصدير الطبعة الأولى لكتاب ( مقدمة ابن خلدون : دراسة تحليلية ) عام 1998
( ابن خلدون ) في عشرية مركز ابن خلدون
بقلم د سعد الدين ابراهيم : مدير مركز ابن خلدون
يحتفل مركز ابن خلدون بالعشرية الأولي لإنشائه عام 1998 . ولم يجد المركز وسيلة أفضل لهذا الإحتفال من إعادة طبع ونشر أهم أعمال المفكر العربي الإسلامي الكبير عبدالرحمن بن محمد ابن خلدون ، وهي " المقدمة " .
ولد ابن خلدون عام 1332م (723هـ ) في قلعة بني سلامة بتونس ، وتوفي عام 1406(808هـ) في القاهرة بمصر.وخلال هذه الأربعة وسبعين عاما عاش وتجول وعمل وألف ابن خلدون ، كما لم يعش أو يتجول أو يعمل أو يؤلف أحد معاصريه . فسيرة الرجل الذاتية هي دراما مثيرة ومتصلة . وكأي دراما ، أنطوت حياة ابن خلدون على مغامرات ومتناقضات تجل عن الحصر ، ويتناولها بالتفصيل والتأمل ، في موضع آخر محقق هذا المجلد العلامة والمفكر الإسلامي النابه الدكتور أحمد صبحي منصور .
ويكفي في هذه المقدمة عن " المقدمة" ، أن نذكر أنها كانت تمهيدا لكتاب " العبر في أخبار العرب والبربر" . ولكن هذه المقدمة نفسها أصبحت عملا مستقلا أكثر صيتا وذيوعا من الكتاب الذي قصد أن تكون مقدمة له . فقد طالت صفحاتها من ناحية لتتجاوز عدة مئات ، وانطوت على معلومات وتأملات واجتهادات واستخلاصات ، جعلت منها بحق أهم مؤلف عن المجتمع العربي الإسلامي في العصور الوسطي ( أي من القرن الثامن إلي القرن الثامن عشر ). وأهمية مضمون " المقدمة " هو الذي أكسب عبدالرحمن ابن محمد ابن خلدون أوصافه الحالية بين مؤرخي الفكر المعاصرين ، ومنها أنه مؤسس علم الإجتماع( العمران ) ، ومؤسس علم التاريخ Historiography) ) ، ومؤسس علم " الإقتصاد" ، ومؤسس علم " السياسة " . أي أن كل العلوم الإجتماعية العربية تدعي ، وبحق " أبوته " لكل منها . ومن يقرأ المقدمة بإمعان ، يجد أن هذه " الأبوة " هي بالفعل أبوة شرعية بكل المقاييس . ويكفي للقارئ أن يطالع صفحات هذا المجلد بإمعان ليدرك صواب هذا الإستخلاص . لقد عاش وخدم في بلاط حكام خمسة أقطار عربية ، هي تونس والمغرب الأقصي ، والأندلس ، والجزائر ، ومصر . هذا فضلا عن خدمته في بعض هذه الأقطار ورحيله عنها ثم عودته إليها مرة أخري أكثر من مرة . بالإضافة إلي زيارات العبور أو الحج إلى عدة أقطار وأمصار أخرى بين المحطات الرئيسية المذكورة ، وأهمها الحجاز وبلاد الشام ، والتي قابل فيها سلطان المغول المعروف والمرهوب تيمورلنك . وقد كان هذا التنوع الهائل في الخبرات الحياتية ، والقراءات الكثيفة في كل معارف العصر ، والذكاء الوقاد لدى عبدالرحمن بن خلدون هي بعض مدخلات تلك العبقرية الفذة في تاريخ العرب .
لقد كان ابن خلدون مراقبا ثاقبا للشأن الانساني . وأدرك النزعة الانسانية للإعجاب بالسلطة واحترامها . ومن ذلك أن الشعوب المغلوبة تميل إلى تقليد عادات وإسلوب حياة الشعوب الغالبة ، بما في ذلك لباسهم. وهو الذي أرسي قواعد المعرفة عن العلاقة بين " البداوة " و" الفلاحة" و" الحضارة(المدينة ) كأنماط لحياة الفئات المختلفة في مجتمعه المعاصر ، وخصائص كل منها ، أي أنه بذلك وضع أسس ما سمي بعد ذلك " البناء الاجتماعي " Social Structure) ) ، ثم في حديثه الإضافي عن علاقات التعاون والصراع بين الأشكال الثلاثة ( البداوة والفلاحة والحضارة ) هو الذي يحدد التغير ، وما ينطوي عليه من نشأة وترعرع وازدهار الممالك ، ثم نضجها وشيخوختها وتدهورها وانحطاطها وسقوطها . وكيف أن هذه الدورة تبدأ في " البداوة " حيث القبائل وما تتمتع به من " عصبية " تجعلها خشنة شديدة المراس . وكيف أن أحد هذه القبائل ، التي تعيش في البادية أو مايسميه المؤرخين المغاربة " بلاد السيبة " ، تحت تأثير زعيم ملهم أو داعية ديني ، تشعر بأن لديها " رسالة " روحية أو إصلاحية ، فتزحف إلي مقر الحضارة ، أي المدينة ، أو مايسميه المؤرخون المغاربة " بلاد المخزن " ، فتحاصرها أو تقتحمها ؛ وتدخلها هذه القبيلة وحلفاؤها فاتحين منتصرين . ويبدأ جيل الكبار و" الأجداد " في هذه القبيلة يحكم الحاضرة الجديدة وماحولها ، بزهد وتقشف وصرامة واجتهاد . أي أننا هنا نكون بصدد الجيل " الفاتح " ، الذي يتمتع بأقوي شعور من " العصبية القبلية" و " الحمية الدينية ". ثم يتلوه " جيل " الآباء " ، الذي عاش جزءا في طفولته وصباه في البادية ، وجزءا من شبابه ورجولته في المدينة . وهذا الجيل هو الذي يشيد ، ويبني مؤسسات الدولة . وهو علي قدر ملموس من " العصبية القبلية " ، وإن تكن أقل من جيل آبائهم . ثم يتلوه جيل " الأبناء" ، وهو جيل ولد ونشأ في المدينة ، ولا يعرف عن البادية إلا ما يسمعه من الآباء أو الأجداد من قصص ، تبدو له كالأساطير . وهذا الجيل الثالث هو الذي يرعي الآداب والفنون ، ويشيد القصور الجميلة ، ويستمتع بطيب العيش فيها.وتتناقص مع هذا الجيل الثالث مشاعر العصبية القبلية إلى حد بعيد . ثم يأتي الجيل الرابع ، جيل " الأحفاد" ، وهو جيل يولد وفي أفواهه ملاعق من ذهب ، وتحيط به ويتربي على صدور الجواري الحسان ، في مناخ من دسائس القصور بين الأشقاء ونصف الأشقاء وأقرب الأقرباء ، وبين حاشية كل منهم ، وتتكاثر فيه مكائد النساء من الأمهات والجواري والعشيقات . وينصرف الجميع عن الممارسات الجادة لشئون الحكم ، ولا يكون لهم هم إلا تدبير الأموال للإنفاق على الملذات من ناحية أو لتمويل الدسائس والمؤامرات من ناحية أخرى . لذلك فإن الجيل الرابع هذا يكثر من فرض الضرائب ، وهو الأمر الذي يدفع التجار والصناع إلى هجر العاصمة والذهاب إلى مدينة أخرى أقل جوارا وأكثر إنصافا . ويتناقص قاعدة دافعي الضرائب والحاجة المستبدة للمال ، فإن الحكام يرفعون الضرائب أكثر وأكثر ؛ وتسير الأمور من سئ إلى أسوأ . ومن هنا أطلق ابن خلدون مقولته الشهيرة بأن " الظلم مؤذن بخراب العمران " . ومع الظلم والفساد والخراب تضعف الدولة ، وينخر فيها السوس ، وتخور عزائم من يتحكمون في أمورها ، فتنهار عند أول تحد لها من قبيلة آتية من البادية ، بخشونتها وعصبيتها وقوة مراسها . وتستولي هذه القبيلة الجديدة على السلطة ، وتتوالى دورة الأجيال الأربعة ؛ التي أصبحت تعرف باسم " الدورة الخلدونية " ، نسبة إلى مكتشفها ، علامتنا عبدالرحمن ابن خلدون . في سياق توصيف وتحليل دورة الأجيال الأربعة تلك ، كان ابن خلدون في الواقع يضع لبنات الساق الأخرى في دراسة المجتمعات ، وهي " التغير الاجتماعي" و" العملية الاجتماعية " التي هي آلية هذا التغير . وسواء في توصيفه وتحليله " للبناء الاجتماعي" أو " للتغيرالاجتماعي " ، فإن بن خلدون قدم لنا علما متكاملا سماه " علم العمران " . أي أنه أدرك أن ما كان يقوله في ذلك الصدد هو أشبه بقواعد العلم .
ويكاد يتطابق مفهوم أوجست لعلم الاجتماع في منتصف القرن التاسع عشر مع مفهوم ابن خلدون لعلم العمران في القرن الرابع عشر تطابقا تاما ، رغم أن خمسة قرون تفصل بين المفكرين العربي والفرنسي ، كذلك كان هناك تقارب شديد بين أفكار ابن خلدون في " المقدمة " وتلك التي ساقها نيقولا ماكيافيلي( 1469- 1526) في كتابه الأشهر " الأمير " ( الذي نشر عام 1513) . فكلاهما يتحدث عن العلاقة المعقدة بين " أصحاب القلم " . أي المفكرين و" أصحاب السيف " أي الحكام . والطريف هو أنه برغم الفاصل الزمني بين الرجلين الذي يزيد عن 135 سنة ، وفي مجتمعين مختلفين ، إلا أن التوازي الفكري بينهما لا يدانيه إلا توازي السيرة الشخصية لكل منهما . فمثلما تنقل ابن خلدون بين بلاط الملوك والأمراء ، وخدم في كل منها ، ولكنه انتهى بالفصل والنفي والتشريد ، كذلك حدث لمكيافيلي ، والذي شهد (مثل ابن خلدون )صعود وسقوط عدة أسر حاكمة في وطنه الأصلي جمهورية فلورنسا ، وفي جمهوريات المدن المجاورة . وفي أكثر من مناسبة ، تعرض ميكافيلي للسجن والتعذيب ، وانتهت حياته بالنفي إلى مزرعة صغيرة في سانت أندريا،جنوب فلورنسا،حيث قضى عدة سنوات ، كتب فيها أعمالا هامة أخرى غير كتاب " الأمير " ، وإن لم تكن معروفة للجميع – ومنها كتاب " الحوار حول الكتب العشرة الأولي لتيثوس ليفياس " الذي علق فيه باسهاب على المهارات والمواهب السياسية في روما القديمة ، وكتاب " فن الحرب " ، وقصة فكاهية بعنوان" ماندارجولا". ولكن التوازي الأقرب لابن خلدون هو محاولة مكيافيلي لكتابة " تاريخ فلورنسا "،الذي يذكرنا على الفور بكتاب"العبر في أخبار العرب والبربر " . فكلاهما ينقد المحاولات السابقة لكتابة التاريخ ، وخاصة السياسي منه ، حيث لاحظا على كتابات الآخرين أنها " انتقائية " أو " مثالية " أو غير عقلانية " . بينما نزع كل من ابن خلدون وميكافيلي إلى " الواقعية " الصارمة في تسجيل الوقائع واستخلاص الدروس المستفادة بشكل واقعي عقلاني ، ويستند على المعطيات المادية والبشرية للسياق الذي وقعت فيه أحداث هذا التاريخ. وربما كانت الملاحظة الأخيرة تلك هي التي أوحت لمفكر غربي آخر في القرن الثامن عشر ، وهو البارون س.ل . مونتسيكيو لكتابة مؤلفه ( الشهير " روح القوانين" الذي يعالج فيه المعطيات الموضوعية التي تؤثر في صياغة القوانين عامة والقرارات السياسية بصفة خاصة. ورغم وجود دلائل قاطعة على أن كلا من ميكيافيلي ( في القرن السادس عشر ) ، ومونتسيكيو ( في القرن الثامن عشر ) ، وأوجست كونت ( في القرن التاسع عشر) قد عرفوا أو قرأوا أو تأثروا تأثيرا مباشرا بكتابات ابن خلدون ، إلا أن مجرد التوازي الشديد بين أفكاره السابقة وأفكارهم اللاحقة، هو في حد ذاته دليل على عبقرية وريادة هذا المفكر العربي الكبير .
وعلى كل الأحوال فإن نظريتي " الانتشار الثقافي " لا تخرج عن ذلك كثيرا في كل من علم "الاجتماع المعرفي " و" الانثربولوجيا الحضارية " . فالتشابه الشديد بين الأفكار عبر المجتمعات وعبر الأزمنة ، يفسر بالنقل أو التقليد لفكرة أو ممارسة نشأت أصلا في موطن معين ثم انتقلت منه إلى مواطن أخرى دانية ، ثم إلى أماكن أخرى قاصية ، أو من خلال المسافرين والتجار والحجاج والطلاب والمهاجرين والفاتحين ، أو من خلال الرسائل والمخطوطات والكتب . أما النظرية الثانية فإن فحواها هو أن نفس الفكرة أو الممارسة قد تظهر مستقلة في أكثر من مجتمع أو موطن لتشابه المنبهات والمثيرات والمناخ والظروف التي تؤدي إلى نفس الاكتشاف أو الابتكار . وهناك على سبيل المثال تشابه هائل بين الظروف التي كانت تمر بها فلورنسا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر ، وتلك التي كانت تمر بها ممالك الطوائف في الأندلس وشمال أفريقيا في القرنين الثالث عشر والرابع عشر ؛ ونفس التشابه في السيرة الشخصية لكل من عبدالرحمن ابن خلدون ونيقولا ميكيافيلي . ومن ثم تشابه اجتهاداتهما ومقولاتهما في الاجتماع والسياسة ، أو " الاجتماع السياسي " بكلمات أدق .
ولا يفوتنا في هذه الاطلالة الانتقائية على ابن خلدون أن نشير إلى واقعة طريفة في ثمانينات القرن العشرين . فقد فوجئ أكثر من مائة مليون مشاهد أمريكي لرئيسهم رونالدريجان يخاطبهم على التليفزيون في أحد ليالي شتاء 1983 عن سياسته الاقتصادية الجديدة ، التي عرفت منذ ذلك الوقت باسم " اقتصاديات العرض " (Supply Side Economics) ، ويذكر لهم في هذا السياق اسما غريبا على الأذن الأمريكية وهو اسم " ابن خلدون ". (أو ابن كلدن ، كما نطقها الرئيس ريجان ). فقد استعان بمقولة ابن خلدون الشهيرة عن " أن الظلم مؤذن بخراب العمران ". وقال ريجان أن " الظلم " هو جباية الضرائب الفادحة من المواطنين ، لأن ذلك يصرفهم عن مضاعفة جهودهم في الإنتاج والتجارة والكسب ، لمعرفتهم أن الحكومة (السلطان ) لمصلحة الشعب ، الذي هو الأكثر قدرة على استثمار المال . والصورة المثلى لذلك عند ابن خلدون هي تقليص حجم الضرائب، حتى لا يهرب الناس من البلاد ، أو يخفون( يكتنزون ) ثرواتهم ، بدلا من استثمارها، خشية فرض الضرائب الباهظة عليها أومصادرتها بواسطة سلطان جائر .
إن الحديث عن ابن خلدون ، هو حديث بالنسبة لي ذو شجون متصلة . وكلما كتبت عن ابن خلدون ، كان هناك جديدا متجددا . وقد كان هذا الإعجاب بابن خلدون " المفكر "، وبابن خلدون " المدبر" ، وابن خلدون " المبادر" ، وابن خلدون " المغامر " هو الذي دفعنا إلى تسمية مركزنا باسمه ، لا فقط تيمنا به وتخليدا لذكراه ، وإنما أيضا لأن نظراته الثاقبة في بناء الدولة ، وإقرار العدالة ، وتنمية العمران ، وثقته في قدرات البشر (الرعية ) على تدبير وتسيير شئونهم ، هي قراءتنا المعاصرة لقيم وممارسات التنمية والعدالة الحرية والديموقراطية والمجتمع المدني . هذا ما فكرنا فيه منذ عشر سنوات حينما أنشانا مركز ابن خلدون . وهذا ما نؤكده مجددا بمناسبة العشرية الأولى لانشاء المركز .
وقل إعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون . سعد الدين إبراهيم : القاهرة : المقطم 1/5/1998
مقدمة بقلم المؤلف للطبعة الأولى عام 1988
العلامة عبدالرحمن بن خلدون كان قضية في حياته ، ولا يزال قضية منذ مماته . ولقد تعرفت إلى إبن خلدون معرفة سطحية حين الإعداد لرسالة الدكتوراه عن أثر التصوف في مصر العصر المملوكي (1975: 1977م). واقتصرت معرفتي به على رؤيته الصوفية ضمن حياته في مصر المملوكية وهي ربع قرن تقريبا من العصر المملوكي الممتد (648: 921هـ) . ثم أتيح لي في هذه الدراسة أن أعايشه في عصره وفي كتابه " العبر "، وفيها حاولت أن أبحث عن إبن خلدون في عقليته وفي شخصيته وثقافته وعلاقته بالزمان والمكان ، وكيف انطلق فوق عصره، وكيف خضع لعصره ،وذلك من خلال فصل تمهيدي عن " إبن خلدون بين التاريخ والتأريخ" ثم يتناول القسم الأول من البحث عرضا للمقدمة في لغة متوسطة بين عصرها وعصرنا ، ويتناول القسم الثاني رؤية تحليلية للمقدمة ، تاريخية وأصولية .
وأرجو بعد كل العناء الذي لاقيته في هذه الدراسة – أن يتوجه الإهتمام إلى مزيد من البحث في قضية إبن خلدون ، وحسب هذه الدراسة أن تثير قضايا في ملف إبن خلدون وتعطي بعض الإجابات . وننتظر من الآخرين المزيد من البحث والرؤى المختلفة .
والله – تعالى – المستعان
د.أحمد صبحي منصور
القاهرة – أبريل 1998
الإفتتـــاحية للمقدمــــة : القسم الأول : عرض مقدمة ابن خلدون
إفتتاحية مقدمة ابن خلدون
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
الإفتتـــاحية للمقدمــــة
الإشادة بعلم التاريخ
يتنافس في معرفته الجميع ويتساوون في فهمه ، وأنه في ظاهره معرفة أخبار السابقين وفي باطنه النظر والتحقيق والتعليل .
الحديث عن مناهج المؤرخين السابقين له
المؤرخون القدماء جمعوا الروايات . واختلط فيها الصحيح بالمزيف ، إلا أنهم لم يلاحظوا أسباب الوقائع ولم يحققوا الصحيح والمزيف منها . وذلك في الأغلب ، وأشهر المؤرخين وأكثرهم أمانة : إبن اسحق والطبري وإبن الكلبي والواقدي وسيف بن عمر الأسدي والمسعودي . وهناك نقد في كتب المسعودي والواقدي . وإن نقل عنهم الجميع ، والناقد يستطيع الحكم على رواياتهم . وأكثر تاريخهم عام المناهج والمسالك بسبب إتساع الدولة في صدر الإسلام . ثم جاء المؤرخون فيما بعد فكتبوا في التاريخ المحلي مثل أبي حيان في تاريخ الأندلس وإبن الرفيق مؤرخ أفريقية .ثم جاء الجيل الثالث ينقل ويقلد دون نقد مع تكرار الموضوع والروايات دون تعليل أو تحقيق ، ثم جاء الجيل الرابع باختصار ما كتبه السابقون كما فعل إبن رشيق في ميزان العمل .
تاريخ إبن خلدون
وكتابه في التاريخ فيه تفصيل الأخبار والإعتبار ، وأسباب نشأة الدول والعمران وتاريخ المغرب وأهله من العرب والبربر ، وشرح أحوال العمران والتمدن وما يعرض في الإجتماع الإنساني من عوامل ذاتية . وينقسم إلى ثلاثة كتب .
تقسيم موضوعات كتابه
· الكتاب الأول : العمران وعوارضه الذاتية من الملك والسلطان والكسب والمعاش والعلوم وأسباب ذلك . وهو مانعرفه بمقدمة إبن خلدون .
· الكتاب الثاني : أخبار العرب منذ الخليقة إلى عهده ، وتاريخ من عاصرهم من الأمم الأخرى .
· الكتاب الثالث : أخبار البربر من زناته وملكهم . وبذلك فإن كتاب إبن خلدون يقسمه صاحبه إلى ثلاثة أجزاء ، فقط ، وذلك يخالف المعهود لدينا حين نقسم الكتاب إلى جزءين كبيرين ، المقدمة والتاريخ ، وهو قد بدأ بافتتاحية ، ثم بمقدمة عن علم التاريخ ، وبعدها الكتاب الأول الذي جعلناه نحن مقدمة ، ثم الكتاب الثاني والكتاب الثالث وهما في التاريخ .
منهجه التفصيلي
الإختصار والتلخيص في عرض الأخبار ، والدخول من باب الأسباب على العموم إلى الأخبار على الخصوص ، وتعليل الحوادث وبيان أسبابها ، وجعل العنوان محتويا لموضوع الكتاب ، وقال إنه لم يترك شيئا إلا استوعبه في الموضوع ومع ذلك فإنه يقر بالتقصير .
إهداء كتابه إلى السلطان أبي فارس
ثم أهدى الكتاب لأمير المؤمنين أبي فارس عبدالعزيز بن أبي الحسن ، بعد أن مدحه ونافقه هو وآله ، وبعث بثمانية نسخ من الكتاب إلى خزائنه الموقوفة على طلبة العلم بجامع القرويين في مدينة فاس ، وبعد أن أسرف في نفاق السلطان أسرف أيضا في مدح عاصمة ملكه فاس ، ولم يذكر سنة إنتهائه من الكتاب على العادة السائدة ، أو متى بعث بالنسخ إلى فاس ، وقد ذكر ذلك في أواخر الكتاب الأول ( أو ما نسميه نحن بالمقدمة ) وذلك بمنتصف عام 779هـ .
المقدمة : في فضل علم التاريخ
وتحقيق مذهبه ، ومايعرض للمؤرخين
من الأوهام ، وأسباب ذلك
وهذه المقدمة – كما سبق توضيحه – هي عن علم التاريخ ، وليست مقدمة إبن خلدون ، إذ أن مقدمة إبن خلدون هي الكتاب التالي بعد هذه المقدمة .
فضل فن التاريخ
قال أنه فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية ، وهو معرفة تاريخ الماضين لنستفيد منها .
ثقافة المؤرخ الجيد
وحتى تتم الفائدة فالمؤرخ محتاج إلى معارف متنوعة وحسن نظر حتى لايقع في الخطأ ، والأخبار ليست بمجرد النقل ولكن بفهم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران وقياس الغائب على الشاهد ، وإلا فإن المؤرخ والمفسر يقعان في الغلط حين يقتصر على مجرد النقل ، خصوصا في إحصاء الأموال والعساكر .
الرد على المسعودي في روايته عن عدد بني إسرائيل
وقد حكى المسعودي عدد بني إسرائيل من الذكور البالغين ، كانوا أكثر من ستمائة ألف . وذلك يتنافى مع حقائق الزمان ، وقد كان ملك الفرس أعظم ولم تبلغ جيوشهم مثل ذلك العدد ، وكان عدد جيش رستم الفارسي في القادسية 120 ألفا ، واتسع ملك بني إسرائيل بين الأردن وفلسطين والحجاز ، وبين يعقوب وموسى أربعة آباء ، أو 220 سنة ، ولايعقل أن يبلغوا هذا العدد في تلك المدة أو حتى زمن سليمان . وقد ثبت في الإسرائيليات أن جند سليمان كانوا 12 ألفا ، وهو وقت عظمتهم .
إنتقاد مبالغة المؤرخين في التأريخ القريب وفي تاريخ اليمن والعرب
وبعضهم يبالغ في التأريخ لعصرهم القريب في عدد العساكر والخراج والنفقات ، فإذا تحققت من ذلك لم تجد معشار ما يذكرونه ، وذلك بسبب الرغبة في الغرائب .
ومن ذلك تأريخهم لليمن وقولهم إن أفريقش بن قيس غزا إفريقيا في عهدموسى وأنه الذى سمى أهلها بالبربر , وأنه جعل قبائل حمير تستوطن هناك ومنهم صنهاجة وكتامة , وذلك ما قاله الطبرى والجرجانى والمسعودي وإبن الكلبي والبيلي .
وانتقد روايات المسعودي التي تجعل ملوك اليمن يغزون المغرب والفرس وأذربيجان والترك وسمرقند والصين ، وتركوا قبائل من حمير في الصين . وغزوا بلاد الروم . وانتقد هذه الروايات من واقع العجز عن بلوغ تلك البلاد برا وبحرا .ثم أنه لم يحدث أن تقاتل اليمنيون مع الممالك القوية في الشام ومصر وهي الأقرب لهم .
إنتقاد مبالغة المفسرين في ذات العماد
وبالغوا في وصف ذات العماد ، قالوا إنها مدينة كانت لشداد بن عاد بن عوض بناها في صحاري عدن في ثلثمائة سنة من الذهب والزبرجد والياقوت ، وكان عمره 900 سنة ، ولما انتهى بناؤها سار إليها بجيشه ليسكنها فأهلكهم الله . الراوي لذلك كعب الأحبار ، وعنه تسلسلت الرواية حتى ذكرها الطبري والثعالبي والزمخشري وغيرهم . ويرد إبن خلدون أن صحاري عدن في وسط اليمن وهو مأهول بالسكان ، ولم يتحدث أحد عن رؤيته لتلك المدينة أو آثارها ، وبعضهم يهذي بأنها دمشق أو أنها مدينة مسحورة ، ويقول أن المفسرين أساءوا الفهم بسبب إعراب كلمة " إرم ذات العماد" ويرى أن العماد هى عماد الخيام وليس الأساطين أو الأعمدة المبنية .
إنتقاده روايات نكبة البرامكة وقصة العباسةمع جعفر البرمكي
وينكر أن تكون العباسة أخت الرشيد قد تحايلت حتى حملت من جعفر ، وقال إنها أعظم من أن تقع في ذلك . ويرى أن نكبة البرامكة بسبب إستبدادهم بالدولة واستئثارهم بالجباية وأموالها حتى زاحموا الرشيد في ملكه . حتى كان بدار الرشيد 25 رئيسا من ولد يحيى البرمكي ما بين قائد وكاتب ، مما دفع الحاقدين للكيد لهم واستغلوا إطلاقجعفر سراح العلوي الثائر يحيى بن عبدالله الحسني ، وكان الرشيد قد إئتمن جعفر عليه ، ودس الحاقدون من يغني أمام الرشيد : إنما العاجز من لايستبد . كما أنكر مقالة المؤرخين أنالرشيد كان يعاقر الخمر مع جعفر ، وأكد على تقوىالرشيد وورعه . وتقوى أسلافه وورع عصرهم . وقال إن الرشيد كان يشرب نبيذ العراق وكان أهل العراق يرونه حلالا ، وهو غير الخمر الصرفة .
واستنكر أيضا الرواية القائلة بأن المأمون كان يعاقر الخمر مع القاضي يحيى بن أكثم ، وذكر فضائل المأمون التي تنفي ذلك ، وكذا استنكر إتهام يحيى بن أكثم بالشذوذ مع الغلمان . وقد أنكر إبن حنبل هذا الاتهام ليحيى وكذلك إبن حيان في كتابه " الثقات " . وعلل إبن خلدون ذلك الإتهام ليحيى بأنه جاء من الحاسدين ، وأنكر رواية تعرف المأمون ببنت وزيرهالحسن بن سهل ، وكيف أنه وهو يطوف سرا صعد إلى منزل لايعرفه فرآها فيه وعاقرها الخمر، ثم في الصباح أرسل يتعرف على البيت فعرفها وتزوجها . وقال إن ذلك لا يليق بالمأمون ولا ببنت الحسن بن سهل ( بوران ).
وقال إن أمثال هذه الحوادث كثيرة وتنتشر لرغبة الناس في التأسي والإقتداء بها طاعة للهوى ، واستشهد بنصيحته لبعض الأمراء الذين ولعوا بالفن ، ولكنه قال أنه يتأسى بإبراهيم بن المهدي رئيس المغنيين في زمانه .
إنكاره الطعن في نسب العبيدين " الفاطميين"
وقال إنهم يعتمدون في ذلك على روايات ملفقة لإرضاء بنيالعباس . ورد على ذلك بذكر ملخص لدعوة الفاطميين وإنشائهم الدولة ، وتوسع الفاطميين شرقا إلى العراق حتى دعا البساسيري لهم على منابر بغداد . وبرغم ذلك فلم يظهر وقتها إتهامهم بانتحال النسب العلوي ، وقد كان القرمطي منتحلا للنسب الشريف فتلاشى أتباعه وساءت عاقبتهم . أما الفاطميون فقد دامت دولتهم نحو 270 سنة وتوسعت حتى مكة والمدينة , وبعد إنقراض دولتهم ظل أتباعهم في تقديسهم معتقدين في الوصية لأبنائهم ، وقد عاب إبن خلدون على القاضي الباقلاني إتهامه لهم في نسبهم بسبب عقائدهم الإسماعيلية " وما كانوا عليه من الإلحاد في الدين" . ويرى إبن خلدون أن كفرهم لا ينفي نسبهم الصحيح مثل إبننوح الذي ذكر القرآن عصيانه لأبيه . وقال إنهم كانوا تحت الرقابة والإضطهاد فاختفوا حتى سمي محمد بن إسماعيل بالمكتوم وهو جد المهدي ( عبيد الله ) وكان ذلك فرصة للعباسيين في الطعن في نسبهم ، وتقرب المنافقون بذلك إلى المستضعفين من خلفاء بني العباس ، واستراح لذلك أمراء الدولة العباسية لستر عجزهم عن مقاومة الغلبة الفاطمية على الشام ومصر والحجاز , وسجل القضاة والأشراف والعلماء وكبار الشيعة في العراق تلك الشهادة في الطعن في نسب الفاطميين , مع أن رسالة الخليفة المعتضد العباسي إلى إبن الأغلب بالقيروان وإبن مدرار بسجلماسة تعترف بصحة نسبهم .
إنكاره الطعن في نسب الأدارسة حكام المغرب الأقصى
واستنكر أيضا طعن العباسيين في الأدارسة حكام المغرب الأقصى . حيث يقولون إن إدريس ليس ابن إدريس الأكبر ، وإنما هو إبنراشد مولاهم ، ويقول أن إدريس الأكبر أصهر إلى البربر ، وأنه كان عريقا في البداوة حيث لا مكان للريب والشبهة , وإن راشداَ كان يتولى خدمة الحرم أجمعين تحت المراقبة من الأولياء والشيعة ، وقد اتفق برابرة المغرب الأقصى على البيعة لإدريس الأصغر بعد أبيه وتفانوا في الولاء له مما يدل على صحة نسبه . والذي حدث أن إدريس الأكبر عندما فر من العباسيين بعد موقعة " بخ " ونجا من ملاحقة العباسيين وعملائهم من الأغالبة ونجاحه في تأسيس ملكه في المغرب ، أرسل إليه الرشيد خادمه الشماخ جاسوسا فأصبح صديقا لإدريس وقتله ، وفرح العباسيون بقتله واجتثاث ملكه ، ولكن صعقوا عندما علموا أن امرأته حملت بولده إدريس الذي جدد الدعوة والدولة فطعنوا في نسبه إلى إدريس مع أنه قد ولد على فراش أبيه . ويرى إبن خلدون أن من ينكر نسبه لأبيه فقد كفر ، ويرى أن ذلك المحل منزه معصوم . ويتهم الطاعنين بالإنحراف عن آل البيت والإرتياب في الإيمان بسلفهم ، ويقول " لكني جادلت عنهم في الحياة الدنيا وأرجوا أن يجادلوا عني يوم القيامة " ويقول إبن خلدون أن بعض منتحلي النسب الشريف حسد أحفاد إدريس وأنكر نسبهم لأن نسبهم الشريف بلغ حد التواتر بالإضافة إلى ملكهم في المغرب ، لذلك ود كثير منهم لو يردونهم عن شرفهم وذلك " حسدا من عند أنفسهم " .
إنكاره الطعن في نسب الإمام المهديصاحب دولة الموحدين
قال إن أتباع المهدي ( محمد بن تومرت ) زعموا إنتسابه لآل البيت ، وقد أيد إبن خلدون ذلك الإدعاء ، وأن الفقهاء حسدوه لامتيازه عليهم بالسلطان مع أنه كان فقيها مثلهم ، لذلك انضموا لأعدائه ملوك لمتونه، وكانوا ملوكا سذجا بدوا فاهتموا بأولئك الفقهاء .
وقال إن المهدي دعا إلى الجهاد وأطاعه الموحدون حتى أقام الدولة ، وظل متمسكا بالزهد في الدنيا ، مما يدل على إخلاصه لله ، فلو كان قصده غير صالح لما تم أمره وانفسحت دعوته " سنة الله قد خلت في عباده ".
أثر تلك الأكاذيب في ضرورة التحليل التاريخي ، ومنهج التحليل التاريخي
وهو يرى أن هذه الأكاذيب تستدعي منهج التحليل التاريخي ، فإن تلك الروايات قد أثبتها المؤرخون الحفاظ ، ونقلها عنهم الكافة بدون دراية حتى صار فن التاريخ محتاجا إلى علم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات واختلاف الأمم والبقاع والأزمان في السير والأخلاق والعادات والمعتقدات ، والإحاطة بالحاضر من ذلك ومقارنته بالغائب وتعليل المتفق بينهما والمختلف ، وتفسير ظهور الدول والمعتقدات وانتشارها وأحوالها وأحوال القائمين عليها ، حتى يستوعب أسباب كل حادث ويشرح أصول كل خبر ويعرض المنقول على ما عنده من القواعد والأصول فإن وافقها كان صحيحا ، وإلا كان زيفا .
ومن الأخطاء تناسى تبدل الأحوال بتبدل الزمان
ويجعل من الأخطاء تناسي تبدل الأحوال بتبدل الزمان . يقول أن أحوال الأمم لا تدوم على وتيرة واحدة بل تختلف ، يحدث ذلك للإنسان كما يحدث في الدول والأمم والحضارات القديمة .
والسبب أن الناس على دين ملوكهم ، والملك القائم يتأثر بأحوال الملوك السابقين كما يتأثر بعصره ، وبالتالي فيحدث إختلال في الجيل الثاني للدولة عن الجيل الأول ، ثم بمرور الزمن يتزايد الإختلاف حتى يصل إلى التناقض ، والمؤرخ الذي لا يفطن إلى تبدل الأحوال والزمان يقع في الخطأ . ومن ذلك تعييرالحجاج وأبيه بأنهما كانا معلمي صبيان ، مع أنه في ذلك العصر لم يكن التعليم صناعة بل كان شرفا يقوم به الشرفاء ، ثم تغير الحال وأصبح مهنة للتكسب يقوم بها الضعفاء ، وإذن فهي كانت للحجاج وأبيه شرفا في عصره ، ولكن تبدلت الأحوال في عصر التدوين فجعلوها نقيصة للحجاج .
ومن ذلك أيضا إختلاف منزلة القاضي عن مكانتها العالية في عصر المنصور بن أبي عامر المتحكم في الأندلس في خلافة هشام والقاضي إبن عباد من ملوك الطوائف ، ولكن تحولت إلى وظيفة فقهية ، بعد أن كانت في أوان عظمتها بسبب العصبية من الموالي والأنصار .
ومن ذلك تشبه المؤرخين اللاحقين بالمؤرخين السابقين حين كانوا يذكرون نسب الملك ونساءه ولقبه وخاتمه وقاضيه وحاجبه ووزيره . وكان المؤرخون الأوائل يقصدون بذلك معرفة سير الأسلاف للملوك ليقتدي اللاحق بالسالف ، ولكن تغيرت الأحوال عن الدولتين الأموية والعباسية . فلم تعد هناك فائدة من تلك التفصيلات ولكنه تقليد المؤرخين اللاحقين للمؤرخين الأوائل .
التاريخ الخاص والتاريخ العام
والتاريخ هو ذكر الأخبار الخاصة بعصر أو جيل . أما ذكر الأحوال العامة للآفاق والأجيال وا لأعصار فهو أساس المؤرخ ينبني عليه أكثر مقاصده ، وذلك ما فعله المسعودي في الجزء الأول من كتابه ، وصار بذلك إماما للمؤرخين واقتفىالبكري أثره في المسالك والممالك .
وقال إن عصره شهد تبدل الأحوال من الإزدهار إلى الخراب ومن الإنتصار إلى الهوان فأصبح محتاجا لمن يعيد تدوين أحوال الخليقة ، ولذلك قام بتأليف هذا الكتاب مقتفيا طريق المسعودي ، مع التركيز فيه على أحوال المغرب لعدم إطلاعه على أحوال المشرق ، ولأن المسعودي إستوفى أحوال المشرق وقصر في شرح أحوال المغرب .
كتابته الحروف التي ليست في العربية
وتحدث عن حروف الهجاء العربية واختلاف الحروف بين اللغات ، وكيف أن بعضهم يهمل كتابة الحرف الذي لا يوجد في العربية ، وربما يرسمه بشكل الحرف الذي يليه ، أما هو فقد اختار أن يضع ذلك الحرف الأعجمي بما يدل على الحرفين اللذين يكتنفانه ليتوسط القارئ بالنطق . مثل الحرف الذي يقع بين الجيم والقاف والكاف (مثل G) وهذا الحرف يأتي كثيرا في لغة البربر.
عن التاريخ ومنهج ابن خلدون فى المقدمة والباب الأول منها
عرض مقدمة ابن خلدون: عن التاريخ ومنهج ابن خلدون فى المقدمة والباب الأول منها
كتاب ( مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية )
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون :
طبيعة العمران في الخليقة وما يعرض فيها من البدو والحضر والتغلب والكسب والمعاش والصنائع والعلوم ونحوها ، وما لذلك من العلل والأسباب
عن التاريخ ومنهج ابن خلدون فى المقدمة
حـقـيــقة التاريخ
هو خبر عن الإجتماع الإنساني ، وهو عمران العالم وما يحدث فيه من أحوال وتقلبات إجتماعية وسياسية وإقتصادية وعلمية وصناعية .
أسباب الكذب في الأخبار التاريخية
والكذب يتطرق للأخبار التاريخية لعدة أسباب منها :
1- التشيع لرأي أو مذهب .
2- الثقة بناقل الخبر دون تمحيص وتعديل .
3-الغفلة عن الهدف والمقصد من الخبر .
4- الاستعداد للتصديق ، أو توهم الصدق .
5- الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع ، أي الإحتكام إلى الظروف التاريخية العامة والخاصة .
6- التزلف للأكابر بالثناء والمدح والمبالغة ونشر الأكاذيب عن تحسين الأحوال .
7- وأهم الأسباب : الجهل بطبائع الأحوال في العمران .
أمثلة لأكاذيب تاريخية مرجعها الجهل بطبائع العمران
إذا كان السامع عالما بطبائع الحوادث والأحوال صار قادرا على تمحيص الخبر وتمييز صدقه من كذبه . وإلا فهو يقتنع بالخرافات التي نقلها المسعودي والبكري .
فقد ذكر المسعودي أن الإسكندر عندما صدته دواب البحر عن بناء الإسكندرية اتخذ تابوتا من الخشب وفي باطنه صندوق من الزجاج وغاص به إلى قعر البحر حتى رسم صور تلك الدواب الشيطانية التي رآها في جوف البحر ، ثم نحت تماثيل لها ونصبها على البحر ففرت . وما قاله في تمثال الزرزور في روما والذي تجتمع له طيور الزرازير في يوم معلوم كل سنة ، وما نقله البكري في بناء حديقة خرافية إسمها ذات الأبواب تشتمل على 10آلاف باب ، وما نقله المسعودي عن مدينة النحاس في صحراء سجلماسه ، وليس لها أثر .
غرض علم العمران : منهج النقد التاريخي
نقد وتمحيص الأخبار والروايات يكون بمعرفة طبائع العمران بفحص الخبر في حد ذاته وليس بنقد الرواة أولا . فإذا كان الخبر يحتمل الصدق في ذاته ننظر بعدها في نقد حال الرواة وإلا فلا . والمطابقة هي أساس التحري في صدق الواقعة التاريخية أو كذبها ، أي بإمكان وقوعها في عصرها ، وتلك المطابقة تسبق صياغة الخبر . وتأتي المطابقة بتمييز ما يمكن حدوثه في الاجتماع البشري بالطبع ونقيس عليه ، ونستبعد ما يكون عارضا ، وهذا هو غرض علم العمران .
إبتكاره علم العمران
قال عنه أنه علم مستحدث الصنعة ، ويختلف عن علم الخطابة المتصل بعلم المنطق والذي يهدف لإستمالة الجمهور ، كما يختلف عن علم السياسة المدنية التي تهدف إلى قيادة الناس بالأخلاق والحكمة لما يصلح شأنهم .
وعلم العمران بهذا لم يسبق إليه أحد من قبل إبن خلدون – هكذا يرى – أو ربما كتبوا فيه ولم يصل إليه العلم بذلك من أهل الأمم التي ضاعت مؤلفاتها وتراثها كالفرس والفراعنة والكلدانيين ، إذ لم يصل إلينا إلا علم اليونانيين .
أسباب تغافل العلماء عن هذا العلم
وقد اهتم العلماء بثمرة العلم ، ولذلك أهملوا هذا العلم لأن ثمرته في الأخبار والروايات فقط ، وإن كانت موضوعاته شريفة ، ولكن لأن ثمرته تصحيح وتعليل الأخبار التاريخية فقط ، لذلك فقد هجروه .
مسائل من علم العمران أشار إليها بعض العلماء
وجاءت إشارة إلى بعض مسائل هذا العلم في سياق العلوم الأخرى . فقد تكلموا في إثبات النبوة ببرهان هو أن البشر في تعاونهم يحتاجون إلى حاكم أو وازع . ومثل هذا الدليل أوالبرهان يأتي في الحاجة إلى اللغات للتفاهم وفي تعليل الأحكام الشرعية وتحريم الزنا والقتل والظلم ، وكل ذلك للمحافظة على المجتمع أو العمران .
الإشارة إلى مسائل من هذا العلم في كلمات للحكماء القدماء
وذلك كقول الموبذان بهرام بن بهرام : إن الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة ، ولا تقوم الشريعة إلا بالملك . ولايقوم الملك إلا بالرجال ، ولايقوم الرجال إلا بالمال ، ولا يأتي المال إلا بالعمارة ، ولاتزدهر العمارة إلا بالعدل . وهوقريب من مقالة أنو شروان الملك بالجند والجند بالمال والمال بالخراج والخراج بالعمارة والعمارة بالعدل , والعدل بإصلاح الولاه ، وإصلاح الولاه باستقامة الوزراء . والأساس في ذلك بأن يتفقد الملك الرعية بنفسه واقتداره على تأديبها حتى يملكها ولا تملكه .
وتردد نحو ذلك في كتاب السياسة لأرسطو ، وفي الكتاب جزء منه يصلح لعلم العمران . وتعرض إبن المقفع في رسائله لكثير من قضايا السياسة ، وطاف أبوبكر الطرطوشي في كتابه سراج الملوك بالأبواب التي ذكرها إبن خلدون إلا أنه لم يصب الهدف واقتصر على إيراد الأحاديث والأقاويل والمواعظ .
إبن خلدون وحده وهو مخترع علم العمران
إلا أنه وحده قد أطلعه الله على ذلك العلم من غير تعلم من السابقين
منهج الكتاب
يعرض ما يحدث للبشر في إجتماعهم في الملك والكسب والعلوم والصنائع عن طريق البرهان والإثبات .
أسباب تميز الإنسان على الكائنات
إذ قد تميز الإنسان عن سائر الحيوان بالعلوم والصنائع والحاجة إلى الحاكم أو الوازع والسعي في المعاش والعمل في تحصيله والعمران بالإنس بالعشيرة وقضاء الحاجات .
أنواع العمران
وهو نوعان : بدوي وحضري.
وجاء تقسيم الكتاب على أساس العمران
الباب الأول :العمران البشري إجمالا وأصنافه وقسطه من الأرض .
الباب الثاني : العمران البدوي والقبائل الوحشية .
الباب الثالث : الدولة والخلافة والملك والمراتب السلطانية.
الباب الرابع : العمران الحضري والبلدان والأمصار.
الباب الخامس : الصنائع والمعاش والكسب ووجوهه .
الباب السادس : العلوم واكتسابها .
أساس ترتيب الأبواب
وقدم العمران البدوي لأنه السابق للعمران الحضري ، وقدم المعاش لأنه ضروري طبيعي وليس من الكماليات ، وجعل الصنائع مع الكسب لأنها منه .
عرض مقدمة ابن خلدون:الباب الأول :عن العمران البشرى( 1 : 5 )
كتاب ( مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية )
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون :
الباب الأول: في العمران البشري على الجملة ، وفيه مقدمات
المقدمة الأولى:
أسباب ضرورة الإجتماع الإنساني
الإنسان مدني بالطبع ويحتاج إلى الإجتماع بغيره من بني جنسه لأنه يحتاج أصلا إلى الغذاء ولايستطيع الفرد الواحد أن يوفر لنفسه الطعام ، لذا يحتاج إلى غيره للتعاون معه ، وكذلك في الدفاع عن نفسه . وقد امتاز الإنسان على الحيوان بالفكر وباليد وبهما معا سيطر على الحيوانات ، والحيوان أقوى من الإنسان ، ولكن إجتماع الإنسان ببني جنسه أمكنه من التعاون في إختراع السلاح وفي الدفاع ,وبذلك إستحق خلافة الله في الأرض .
حاجة العمران إلى ملك حاكم
وهذا الإجتماع إذا تم به عمران العالم فلابد له من حاكم وازع يحكم بينهم ، وذلك الحاكم قد يوجد في الحيوان بالفطرة أما في الإنسان فيوجد بالفكرة والسياسة ، وتكون له الغلبة فالسلطة على الناس .
بين الحاكم والنبي
ويبرهن الفلاسفة بنفس البرهان على ضرورة النبوة ، أي احتياج البشر إلى وازع ، ثم يؤسسون على ذلك الحكم بشرع الله عن طريق نبي متميز على غيره من البشر. ويرى ابن خلدون ضعف هذا البرهان لأن أهل الكتاب أقلية بالنسبة لباقي البشر ، وكان للأكثرية ممن ليس لهم كتاب حضارة ، كما أن حياة البشر قد تتم بدون النبوة وعن طريق الحاكم ، ذلك فإن اثبات النبوة ليس بالدليل العقلي وإنما بالدليل الشرعي.
المقدمة الثانية
قسط العمران من الأرض
وما منه من الأشجار والأنهار والأقاليم
في هذه المقدمة الثانية جمع إبن خلدون المعارف الجغرافية المتاحة عن العالم المعروف وقتها . ومنها أن الأرض كروية والبحار تحيطها من جميع الجهات ، وأن الأرض المأهولة بالسكان أقل من الجزء غير المأهول ، وتتركز أغلبية البشر في الجزء الشمالي من خط الإستواء الذي يقسم الأرض قسمين من الغرب والشرق . ومساحة الأرض تنقسم إلى 360 درجة، والدرجة 25 فرسخا ،والفرسخ12 ألف ذراع أو 3 أميال. والميل 4 آلاف ذراع ، والذراع 34 إصبعا ، والإصبع 6 حبات شعير ملتصقة مصفوفة . وبين القطبين الشمالي والجنوبي 90 درجة ، والجزء المعمور شمال خط الإستواء 64 درجة والباقي خلاء للبرودة والجليد ، أما جنوب خط الإستواء فهو خلاء كله لشدة الحرارة .
وقسموا المعمور من الأرض إلى سبعة أقسام سموها الأقاليم السبعة وجعلوها متساوية في العرض مختلفة في الطول .
ويتفرع من البحر المحيط البحران المتوسط والأحمر . وتكلم عن البحر الرومي ( البحر المتوسط) ويخرج منه بحران أحدهما البحر الأسود ، ولم يذكر له إبن خلدون إسما واقتصر على ذكر المدن والأمم المحيطة به ، والآخر " بحر البنادقه" أو البحر الاردياتيكى . وتكلم عن البحر الأحمر الذي ينساب من البحر المحيط ، ووصف بدايته من باب المندب إلى السويس ، ثم سار من باب المندب إلى سواحل بحر العرب وشرق أفريقيا وسواحل الهند والصين ، وأشار إلى بحر آخر متقطع في أرض الديلم يسمى بحر جرجان وطبرستان ، ويقصد به بحر قزوين .
وأشار إلى الأنهار في ذلك الجزء المعمور . وبدأ بالنيل وقال إنه ينبع جنوب خط الإستواء بـ 16 درجة من جبل القمر حيث يصب في بحيرتين هناك ، ثم تخرج أنهار من البحيرتين فتصب كلها في بحيرة واحدة عند خط الإستواء ويسير شمالا ويمر ببلاد النوبة ثم بلاد مصر .
وأما الفرات فينبع في أرمينية ويمر جنوبا في أرض الروم ( آسيا الصغرى ) ثم يمر بصفين إلى أن يصب في البحر الحبشي ، أي الخليج .
وينبع دجلة من بلاد خلاط في أرمينية ويمر بالموصل وأذربيجان وبغداد إلى أن يصب في بحر فارس . أما جيحون فيبدأ من بلخ وتصب في أنهار عظام ويصب شمالا .
وقد اعتمد إبن خلدون في النقل على كتاب بطليموس " الجغرافيا " وكتاب الشريف الإدريسي الحمودي " نزهة المشتاق " الذي ألفه لملك صقلية روجار بن روجار ، وقد إستولى روجار على صقلية وكانت تابعة لإمارة مالطه الأندلسية ، ثم رحل إليه الشريف الإدريسي وجمع له كتب الجغرافيا والتاريخ العربية ، ومنها كتب المسعودي وإبن حوقل وإبن خرذدابه والقدري وإبن إسحق المنجم وبطليموس وغيرهم ، وكتب له نزهة المشتاق .
والواضح أن إبن خلدون نقل عن الإدريسي والمسعودي وبطليموس ، وأسهب في وصف الأقاليم السبعة المأهولة في الأرض ، فلم يكن العالم الجديد في الأمريكتين واستراليا قد تم إكتشافه بعد . كما أنه تجاهل الحديث عن أهل الصين واليابان وجغرافيتهما ضمن العالم المأهول ، وتوافرت لديه معلومات عن السود في النصف الجنوبي من أفريقيا ، وسماهم السودان .
المقدمة الثالثة
في المعتدل من الأقاليم والمنحرف
وتأثير الهواء في ألوان البشر والكثير من أحوالهم
المعتدل هو المسكون أكثر في الأرض وهو أعدلها في المناخ وفي البشر
المعمور في الأرض هو في وسطها ، وتتدرج الحرارة من الشمال والجنوب . وهما متضادان في الحرارة والبرودة ، ويكون الوسط معتدلا ، وعليه فالإقليم الرابع أعدل العمران ، وما يليه أقرب إلي الإعتدال .
الحضارة في المناطق المعتدلة
ولهذا كانت العلوم والصنائع والملابس والمباني والأقوات والحيوانات في الأقاليم المعتدلة. وسكانها من البشر أعدل أجساما وألوانا وأخلاقا وأديانا حتى توجد فيها النبوات ، وتوجد لديهم المعادن الطبيعية ويتعاملون بالذهب والفضة . وهؤلاء هم أهل المغرب والشام والحجاز واليمن والعراق والهند والسند والصين والأندلس والفرنجة والجلالقة والروم واليونان .
البدائية في المناطق غير المعتدلة في السود ( جنوبا ) والصقالبة ( شمالا)
أما الأقاليم البعيدة عن الإعتدال مثل الأقاليم الأول والثاني والسادس والسابع فمبانيهم من الطين والقصب وأقواتهم من الذرة والعشب وملابسهم من الجلود وأوراق الشجر ، وأكثرهم عرايا . وفواكههم غريبة . ومعاملاتهم بغير الذهب والفضة ، وأخلاقهم أقرب للحيوان ، وبعضهم يسكن الكهوف والغابات ويأكل العشب وربما يأكل البشر ، ولا يعرفون ديانة إلا إذا كان قريبا من أهل البلاد في الأقاليم المتحضرة مثل أهل الحبشة ومالي وكوكو والتكرور في أفريقيا ، والنصارى في شمال أوربا من الصقالبة والترك .
والعرب في الجزيرة العربية في الإقليم الأول والثاني – حسب هذا التقسيم – ولكن أحاط بها البحر فترطب هواؤها وأصبحت معتدلة نسبيا بسبب البحر .
المناخ الحار أو البارد هو تعليل السواد في الزنوج والبياض في أهل الشمال
وليس ذلك السّواد في السّود بسبب دعوة نوح على إبنه حام الذي ينتسب له السود ، ولكن بسبب حرارة الشمس طوال العام ، وهو نفس السبب في بياض أهل الشمال ، حين تضعف الحرارة ويشتد البرد طوال العام فتبيض ألوان أهلها وتنتهي إلى الزعورة ، ويتبع ذلك زرقة العيون وبرش الجلود ، ويتوسط أهل الإعتدال في اللون الذي يتبع الهواء أو المناخ ، ويرى إبن خلدون أن السود إذا عاشوا في المناطق الشمالية لا يلبث أن يبيض أحفادهم ، وكذلك أهل الشمال إذا عاشوا في المناطق الحارة لا يلبث أن يسود أبناؤهم . ويستشهد بقول إبن سينا :
بالزنج حر غيّر الأجسادا حتى كسا جلودها سوادا
والصقلب اكتسبت البياضا حتى غدت جلودها بضاضا
رد على النسابين الذين رأوا أن الأنساب هي الأصل في التمييز بين ألوان البشر
قسم النسابون البشر بحسب اللون إلى ولد حام وهم السود والزنوج ، وولد يافث وهم أبناء الشمال أو الجنس الأبيض ، وولد سام وهم الجنس المعتدل في الأقاليم الوسطى المعتدلة .
ومع تسليمه في صحة النسب إلا أن إبن خلدون يرى أن التمييز بين البشر لا يقع بالنسب فقط ، لأن ذلك قد يصح في جيل أو أمة بعينها كما للعرب وبني إسرائيل والفرس . ويكون أيضا بالجهة والسمة كالزنج والحبشة والصقالبة والسودان . ويكون بغير ذلك من أحوال الأمم وخواصهم ومميزاتهم . ويرى أنه من الغلط تعميم النسب في أهل جهة معينة من الجنوب أو الشمال .
المقدمة الرابعة
أثرالهواء في أخلاق البشر
تعليل الطيش والخفة والطرب لدى ( السودان ) وأهل السواحل
عنده يشتهر ( السودان ) بالخفة والطيش والطرب وحب الرقص والحمق ، ويرى إبن خلدون السبب في إنتشار الروح الحيواني لأن الحرارة تنتشر في الهواء ، ويزيد البخار فيحدث في البشر إنتشاء وفرح وسرور كما يحدث في المخمور ، وكما يحدث في المتنعمين في الحمامات . ولذلك فالزنوج أميل للطيش والفرح والرقص ، ومثلهم إلى حد ما أهل السواحل .
وأهل السواحل أكثر خفة من أهل البلاد الداخلية وأهل التلال والجبال حيث يسود بين الآخرين الحزن والحرص وخوف العواقب والتحسب للأزمات عكس أهل السواحل الذين لا يفكرون في العواقب ، ويجعل أهل مصر مثل أهل السواحل . ويجعل أهل فاس مثلا لأهل البلاد الداخلية..وانتقد إبن خلدون رأي المسعودي الذي يرى ضعف عقول ( السودان ) هو الأساس في طيشهم .
المقدمة الخامسة
إختلاف أحوال العمران في الخصب
والجوع وماينشأ عن ذلك من الآثار في أبدان البشر وأخلاقهم
أنواع الأقاليم المعتدلة من حيث الخصب والفقر
منها ماهو خصب يتوفر فيه الحبوب والفواكه ، ومنها الجرداء في الصحراء حيث يتغذى سكانها على الألبان واللحوم ويعانون من شظف العيش .
أهل الصحراء أفضل من أهل المدن والريف
وأهل الصحراء أحسن صحة وأصفى ذهنا وأخلاقا وأكثر قبولا للمعارف من أهل التلال ، لأن كثرة الأغذية ورطوباتها تولد في الجسم فضلات رديئة ينشأ عنها أخلاط فاسدة عفنة ، ويتبع ذلك إنكساف الألوان وقبح الأشكال من كثرة أكل اللحم ، وتغطي الرطوبة على الأذهان بأبخرتها الرديئة . والدليل أن الحيوان الوحشي أجمل من حيوان الزراعة ، وكذلك أهل الحضر والريف تجدهم فيهم بلادة وخشونة في أبدانهم مثل البربر المتنعمين في مقابل المتقشفين من قبائل المصامدة والسوس في الصحراء ، وهم أحسن حالا في الجسم والعقل ، والمتعود على التقشف والجوع تجده أفضل من المتنعم بالطيبات .
المتعبدون في أهل التقشف أفضل من أهل الترف
وفي حالة التدين تجد المتعود على التقشف أحسن دينا وأكثر إقبالا على العبادة من أهل الترف ، بل نجد أهل الترف قليلين في المدن .
المترفون أسرع للموت في المجاعات
وفي حالة المجاعة يسرع الهلاك إلى المتنعمين في الحضر بينما لا تنال من أهل التقشف ، لأن المتنعمين ما تعودوا الجوع فيتساقطون سريعا ، أما من تعود على التقشف في العيش فيستطيع تحمل المجاعة ، وهكذا فالذي يقتل المترفين في المجاعات ليس المجاعة وإنما قتلهم تعودهم على الشبع السابق لا الجوع اللاحق .
التدرج ضروري لتقبل النفس للجوع
النفس إذا تعودت على شئ صار من طبيعتها ، فإذا تعودت الجوع بالتدريج والرياضة أصبح عادة طبيعية لها . وهذا التدرج ضروري حتى إذا شاء أن يعود إلى الشبع والإمتلاء فلابد أن يعود إليه بالتدريج .
أمثلة لمن يستطيع الجوع مدة أطول
ويقول إبن خلدون أنه " شاهدنا من يصبر على الجوع أربعين يوما وصالا وأكثر " ورأينا كثيرا من أصحابنا أيضا من يقتصر على حليب شاة من المعز يلتقم ثديها في بعض الأنهار أو عند الأفطار ويكون ذلك غذاءه ، واستدام على ذلك خمس عشرة سنة وغيرهم كثير ، ولا يستنكر ذلك ".
الجوع أفضل للبدن وللعقل
لأن له أثرا في صلاح الأجسام وصفاء العقول ، أما المترفون فليس لديهم القدرة على الصبر والإحتمال . أما البدو المتقشفون فتنشأ أمعاؤهم كأمعاء الإبل في تحملها على الطعام الغليظ الذي لو تناوله المترفون ما تحملوه .
عرض مقدمة ابن خلدون:الباب الأول:(6):الغيب والنبوة والوحى والكهانة
كتاب ( مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية )
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون :
تابع الباب الأول:في العمران البشري على الجملة وفيه مقدمات
المقدمة السادسة
أصناف المدركين للغيب من البشر بالفطرة أو بالرياضة ، ومقدمة الكلام في الوحي والرؤيا
الله سبحانه وتعالى إختار الأنبياء وفضلهم بالوحي وجعلهم وسائل بينه وبين عباده لهدايتهم وزودهم بالخوارق والغيبيات دليلا على النبوة ، وخصائصها هي الوحي والعصمة والدعوة للحق وأن يكون ذا حسب في قومه ، وأن تكون له خوارق : _
خصائص النبوة ( الوحي)
وحين يأتي الوحي للنبي يغيب عن الحاضرين كما لو كان مغشيا عليه ، والواقع إنه استغرق في لقاء ملك الوحي بما يخرج عن مدارك البشر ، ثم يعود النبي إلى إدراكه البشري ، والوحي يكون إما بأن يستمع إلى دوي من الكلام فيتفهمه ، أو يتمثل له الملك في صورة شخص يخاطبه بالوحي الإلهي . ثم تنجلي عنه تلك الحالة وقد وعى ما ألقي إليه من الوحي ، واستشهد إبن خلدون على ذلك بأحاديث عن الوحي " يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده على ، فيفصم عنى وقد وعيت ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي مايقول " ، وحديث عائشة " كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا " . وآية " إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا "
ولذلك كان المشركون يتهمون الأنبياء بالجنون ، ويزعمون أن للنبي تابعا من الجن, بسبب ما شهدوه من حالات الأنبياء عند الوحي .
العصمة
يرى انها تكون قبل الوحي ، وهي إتباع الخير وإجتناب الشر والرجس . واستشهد برواية أن النبي قبل البعثة سقط إزاره وهو يحمل الحجارة لبناء الكعبة ، فانكشف فسقط مغشيا عليه حتى استتر ، ورواية أخرى أنه عزم على حضور وليمة عرس ولعب فغشاه النوم إلى اليوم التالي ولم يحضر . بل إنه كان لايقرب البصل والثوم .
الدعوة للحق
أي دعاء النبي إلى الدين والعبادة من الصلاة والزكاة والعفاف . واتخذت خديجة من ذلك حجة على نبوة النبي حين جاءه الوحي لأول مرة ، واستدل هرقل أمام أبي سفيان بذلك على صحة نبوة النبي حين أرسل له النبي يدعوه للإسلام .
أن يكون ذا حسب في قومه
واستدل بحديث " ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه " وقول هرقل لأبي سفيان عن النبي : " كيف هو فيكم " ؟ فقال أبوسفيان : " هو فينا ذو حسب " والسبب أن يكون في حماية من أهله وقومه .
أن يعطى الخوارق
وقوع الخوارق لهم يشهد بصدقهم . والخوارق أفعال يعجز البشر عن مثلها فسميت معجزة ، وهناك اختلاف في المعجزة ، المتكلمون يرون أنها بقدرة الله لا بفعل النبي ، وهو يتحدى بها المنكرين ، وذلك بإذن الله .
الاختلاف في المعجزة
والتحدي هو الفارق بين الكرامة والسحر وبين المعجزة ، فليس في السحر ولا في الكرامة تحد . وقد منع أبو إسحق وغيره من وقوع الكرامة حتى لاتلتبس بالنبوة ، ويرى إبن خلدون جواز وقوع الكرامة وهي تختلف عن المعجزة في موضوع التحدي . ويرى المعتزلة إنكار وقوع الكرامة لأن الخوارق ليست من أفعال العباد ، وأفعال العباد معتادة وليس فيها خوارق ، ويستحيل أن تقع الخوارق على الكاذب لأن ذلك يعني الخداع والضلال وذلك لا يجوز من الله تعالى .
رأي الحكماء
ويرى الحكماء أن الخوارق من صنع النبي بالفعل الذاتي ، والنفس النبوية عندهم لها خواص ذاتية منها صدور الخوارق بالقدرة الذاتية عنها وبدون شرط التحدي . والخوارق شاهد التصرف للنبي في الكون ، والنبي مجبول على الخير ممنوع من الشر. وخوارق النبي مخصوصة مثل الصعود للسماء واختراق الأجسام وإحياء الموتى وتكليم الملائكة . أما خوارق الولي فأقل من ذلك مثل تكثير القليل والحديث عن المستقبل ، ولايستطيع الولي الإتيان بخوارق النبي .
رأي إبن خلدون في معجزة القرآن
ويقرر إبن خلدون أخيرا أن أعظم المعجزات وأشرفها وأوضحها هو القرآن الكريم، والقرآن بنفسه هو الوحي وهو الخارق المعجز ، وإعجازه في داخله ولا يحتاج إلى دليل على صدقه من خارجه ، ففيه يتحد الدليل والمدلول . واستشهد بحديث : " ما من نبي من الأنبياء إلا وأوتى من الأنبياء ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحى إلى ، فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ".
تفسير حقيقة النبوة ، كما شرحه كثير من المحققين وحقيقة الكهانة ، ثم الرؤيا ثم شأن العرافين وغير ذلك من مدارك الغيب
تفسير حقيقة النبوة
قيام الكون وما فيه على أساس النظام والترتيب
يقوم العالم بمخلوقاته على نظام محكم متصلة حلقاته. يبدأ ذلك بالعالم المادي ، وأول ما فيه عناصره من الأرض ثم الماء ثم الهواء ثم النار ، وكل منها يتصل بالآخر ويتحول إلى الآخر صعودا وهبوطا إلى أن ينتهي إلى عالم الأفلاك ، وهو أرق مما سبق ، ويتصل ببعضه على هيئة لا يدرك الحس منها إلا الحركات فقط ، وعن طريق الحركات يهتدي الناس إلى معرفة مقاديرها وأوضاعها .
نظرية التطور " أو التدرج " من النبات إلى الحيوان فالإنسان
ثم هناك ترتيب في عالم التكوين ، يبدأ من المعادن إلى النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج . فنهاية التطور في المعادن يؤدي إلى النبات . مثل الحشائش وما لا بذور له ، ونهاية التطور في النبات يتصل بأبسط الحيوانات مثل النخل والعنب واتصاله بالحلزون والصدف وليس لهما إلا قوة اللمس فقط .
ومعنى ذلك أن نهاية التطور في المعدن لديه الإستعداد للتحول للصورة الدنيا للنبات ، وهكذا في تحول أعلى درجات النبات إلى أدنى صورة للحيوانات . وينتهى التطور والتدريج إلى الإنسان صاحب الفكر حيث تجتمع فيه بداية الحس والإدراك إلى نهاية الفكر والرأي والفعل .
نظرية التطور أو التدرج من الإنسان إلى الملائكة
وهناك آثار متنوعة لهذه العوالم المختلفة ، ففي العالم المادي آثار من حركات الأفلاك والعناصر ، وفي عالم التكوين آثار من حركة النمو والإدراك تشهد كلها بأن لها مؤثرا آخر للأجسام ، وهذا المؤثر روحاني إلا أنه يتصل بتلك المكونات ، وذلك المؤثر الروحاني هو النفس المدركة والمحركة ، وفوقها الملائكة ، وهي إدراك صرف وتعقل محض ، ومن الملائكة تأتي للنفس قوة الإدراك والحركة.
وعليه – وطبقا لنظرية التدرج- فإن لدي النفس إستعدادا للتحول إلى الطبيعة الملائكية في وقت من الأوقات وفي لمحة من اللمحات ، وذلك بعد أن تكتمل روحانيتها ويكون لها إتصال بالأفق الملائكي بنفس ما يحدث من تطور الأدنى للأعلى في الحلقات السابقة ، والطبيعة البشرية متصلة بعالم المادة عن طريق الجسد ، وعن طريق النفس يمكن أن ترقى إلى عالم الملائكة . وحينئذ تكتسب المدارك العلمية وتعلم الغيب ، حيث توجد الأحداث في عوالم الملائكة مجردة عن زمن الحدوث .
دور النفس بالنسبة للجسد
والنفس البشرية – رغم أنها لا تظهر للعيان – إلا أنها المسيطرة على الجسد وأعضائه وتصرفاته . وقوي النفس تكون بالفعل (الفاعلية ) بحركة اليد والقدم واللسان ، وتكون بالإدراك (المدركة ) ، والإدراك يرتقي إلى أن يصل للقوة العليا منها ومن المفكرة أو الناطقة .
الحس المشترك في النفس
وهناك تلازم بين القوى الفعلية الحسية والقوى المدركة ، فالإنسان يسمع ويبصر ويحس بالقوى الفاعلية في حواسه ، ولكن إحساسه المادي يأتي متفرقا حسب حركة كل حاسة من حواسه, ولكن القوى المدركة في الباطن تدرك المحسوسات مبصرة ومسموعة وملموسة وغيرها في حالة واحدة ، وهذا ما يعرف بالحس المشترك وهذا الحس المشترك يؤدي إلى الخيال .
الخيال بعد الحس المشترك
والخيال هو قوة تمثل الشيئ المحسوس في النفس مجردا عن المادة ، ويوجد الخيال والحس المشترك في البطن الأول من المخ . ومقدمة البطن الأول للحس المشترك ، ومؤخرة البطن الأول للخيال .
الواهمة بعد الخيال
ويرتقي الخيال إلى الواهمة التي تدرك المعاني المتعلقة بالشخصيات كعداوة فلان لفلان ورحمة الأم وحنان الأب ، وترتبط الواهمة بالحافظة .
الحافظة مستودع المدركات
والحافظة هي مستودع كل المدركات المتخيلة وغير المتخيلة ، وتوجد الواهمة في أول البطن المؤخر للمخ ، وتوجد الحافظة في نهاية البطن المؤخر للمخ .
قوة الفكر
وكل ذلك يرتقي إلى قوة الفكر التي تقع في منتصف المخ ، وفيها قوة التعقل والنزوع للآرتقاء والتشبه بالملأ الأعلى الملائكي الروحاني ، وهي تتحرك دائما نحوه ولكن بغير الحركة المادية ، وقد يحدث أن تتحول تلقائيا إلى الملأ الملائكي بفطرتها .
أنواع النفس البشرية من حيث سموها للعالم العلوي
والنفس البشرية من حيث سموها للعالم العلوي على ثلاثة أصناف :
1- صنف عاجز بالطبع عن السمو للملأ الأعلى فهو يميل دائما للإنحدار إلى أسفل ، نحو المدارك الحسية والخيالية وتركيب المعاني من الحافظة والواهمة في نطاق الإدراك البشري الجسماني ، وهذا هو مجال العلماء .
2- صنف يتوجه بالحركة الفكرية نحو العقل الروحاني ، والإدراك الذي لا يحتاج إلى الحواس الجسدية فيتسع نطاق إدراكه ليسبح في المشاهدات الباطنية الوجدانية اللا محدودة . وهذا هو مجال الأولياء أصحاب العلم اللدني ، ويتمتع بها أهل السعادة بعد الموت وأثناء البرزخ .
3- صنف يتحول بطبيعته إلى العالم العلوي حيث يصير في لمحة من اللمحات ملاكا من الملائكة ويشهد الملأ الأعلى ، وهذه درجة الأنبياء ، وهم ينسلخون إلى الملأ الأعلى حين الوحي .
ولذلك نزههم الله تعالى عن موانع البدن ماداموا في أجسادهم البشرية ووجههم بالعصمة وحببهم في العبادة ليكونوا أهلا للملأ الأعلى وينسلخوا عن البشرية ، إذا أرادوا, بتلك الفطرة التي أوجدها الله فيهم .
أنواع الوحي
وحين التحول للملائكية ، فالنبي يتلقى الوحي ليعود به على مداركه البشرية .
1- فتارة يسمعه دويا كأنه من رمز الكلام يأخذ منه المعنى ، ولا ينتهي الدوي إلا وقد وعاه النبى وفهمه . وهذه رتبة الأنبياء غير المرسلين .
2- وتارة يتمثل له الملك رجلا فيكلمه ويعي ما يقول ، وذلك في لمح البصر أو هو أقرب حيث لا زمان . فالوحي هو الأسرع حيث يحدث في لمح البصر ، وتلك رتبة الأنبياء المرسلين وهي أكمل من رتبة الأنبياء غير المرسلين .
الوحي وحواس النبي
ويعود النبي بالوحي على مداركه البشرية على السمع . وعندما يتكرر الوحي ويكثر التلقي ويصبح سهلا يعود الوحي على الحواس كلها خصوصا البصر .
شدة الوحي على النبي
وأشار القرآن إلى شدة الوحي وصعوبته " إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا " وأخبرت عائشة أن جبين النبي كان يتفصد عرقا من شدة الوحي ، ولذلك كان يحدث له إغماء وغيبوبة وغطيط.
الســـبب
والسبب في ذلك انسلاخ النبي عن بشريته وتحوله إلى الملائكية وتلقي كلام النفس ، لذلك قال النبي عن الوحي لأول سورة في القرآن " فغطني حتى بلغ مني الجهد ".
الدلـيـــل
والاعتياد يؤدي إلى السهولة بالقياس إلى ما قبله ، ولذلك كانت تنزل سورة القرآن حين كان بمكة أقصر منها وهو بالمدينة ، ولذلك نزلت سورة التوبة كلها أو أكثرها وهويسير على ناقته . وكان في مكة تنزل عليه السورة القصيرة في أوقات مختلفة ، واعتبروا ذلك علامات تتميز بها السور المكية عن المدنية . تفســير الكهــــــــانة
بين الكهانة والنبوة في السمو للعالم الأعلى
الكهانة من خواص النفس البشرية صاحبة الإستعداد للإنسلاخ من البشرية إلى الروحانية بما فيها من إستعداد فطري ، إلا أن أصحاب الكهانة أقل من الأنبياء ، وهذا النقص الفطري يعوقها عن درجة الأنبياء فلا تتحرك قوتها العقلية عندما تنزع للسمو لعالم الملائكة ، فلا يبقى أمامها إلا التشبث بأمور جزئية محسوسة أو متخيلة كالأجسام الشفافة وعظام الحيوانات وسجع الكلام .
نوعية وحي الكهانة
وبسبب هذا النقص والقصور عن الكلام كان إدراك الكهانة محصورا في الجزئيات أكثر من الكليات ، لذلك يكون الخيال لديهم أقوى حيث أن الخيال هو آلة الجزئيات ، ولا يقوى الكاهن على إدراك المعقولات لأن مصدر الوحي لديه من الشيطان .
سجع الكهـــان
وفي أرقى أحواله يستعين الكاهن بالسجع والموازنة ليكمل به إتصاله الناقص بالعالم العلوي ، وربما صدق وربما كذب ، وربما يستعين بالظن والتخمين والتمويه . وأصحاب السجع هم أرقى الكهان بدليل حديث " هذا من سجع الكهان " وحديث إبن صياد الذي قال عن الوحي الذي يأتيه " يأتيني صادق وكاذب ، فقال له : خلط عليك الأمر " وهنا تفترق الكهانة عن النبوة ، فلا مجال للكذب في وحي النبوة .
الكهانة لم تنقطع بعد البعثة المحمدية
وزعم بعضهم أن الكهانة قد انتهت بمنع الشياطين من إستراق السمع ، وليس ذلك بصحيح ، لأن علوم الكهان لا تأتي من الشيطان فقط ، وإنما تأتي من داخل نفوسهم التي تنزع للسمو بالعالم العلوي برغم ما فيها من نقص وقصور .
والقرآن تحدث عن منع الشياطين فيما يتعلق بخبر البعثة النبوية فقط وكان ذلك وقت النبوة ، ولعل ذلك المنع تم رفعه ، وهذه المدارك البشرية للكهان أخمدت في زمن النبوة وهي النور الأعظم ، ومن الطبيعي أن النور الأعظم للشمس يمحو نور الكواكب والنجوم .
الكهانة لا توجد مع كل نبوة ثم تنقطع
وزعم بعضهم أن الكهانة توجد بين يدي النبوة ثم تنقطع ، وهكذا مع كل نبوة , وذلك لارتباط النبوة بوضع فلكي يقتضي وجودها ، ونقص الوضع الفلكي عن بلوغ كمال النبوة يقتضي وجود ما ينقص عن النبوة وهو الكهانة , وهذا بناء على أن بعض الوضع الفلكى يقتضى بعض أثره ، وإبن خلدون لا يري هذا . ثم أن هؤلاء الكهان إذا عاصروا النبوة فإنهم عارفون بصدق النبي حيث يوجد لديهم بعض الوجدان من أمر النبوة ، ولا يجعلهم يكذبون النبي إلا طمعهم في أن تكون النبوة من نصيبهم ، ويكذبون بالنبي عنادا كما حدث لأمية بن الصلت وإبن صياد ومسيلمة . فإذا غلب عليهم الإيمان آمنوا وحسن إيمانهم كما حدث لطليحة الأسدي وسواد بن قارب .
عرض مقدمة ابن خلدون: تابع الباب الأول:(6):عن الرؤيا والكرامات والتنجيم
كتاب ( مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية )
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون :
تابع الباب الأول:في العمران البشري على الجملة وفيه مقدمات
تفسـير الرؤيـــا
حقيقة الرؤيا
مطالعة النفس لمحة من صور الحوادث في ذاتها الروحانية ، فالنفس عندما تكون روحانية توجد فيها صور الوقائع بالفعل ، وتصير النفس روحانية عندما تتجرد عن الجسم والحواس البدنية ، ويحدث ذلك في لمحة منامية فتقتبس بعض غيب المستقبل وتعود به إلى مداركها وتتكون بذلك الرؤيا .
متىتحتاج الرؤيا إلى تأويل وتفسير
إن كان الإقتباس ضعيفا مشوشا إحتاجت الرؤيا إلى تفسير وتعبير ، وإذا كان الإقتباس قويا إستغنى عن التفسير والتأويل .
السبب في وقوع الرؤيا باللمحة أن النفس ذات روحانية بالقوة مستكملة بالبدن وحواسه ومدركاته ، وتتحول ذاتها إلى تعقل محض ، ويكمل وجودها بالفعل فتصير ذاتا روحانية مدركة بغير الحواس ، إلا أن نوعها في الروحانيات أقل من نوع الملائكة وأهل السمو للملأ الأعلى والملائكة .
والإستعداد للرؤيا حاصل للنفس ما دامت في البدن ، ومنه خاص للأولياء ومنه عام لجميع البشر ، ومنه رؤيا الأنبياء .
رؤيــا الأنبيــاء
هو الإستعداد للإنسلاخ من البشر إلى عالم الملائكة المحضة . ويتكرر هذا الإستعداد في حالات الوحي ، لذلك قال الحديث عن الرؤيا جزء من 46 جزءا من النبوة ، وفي رواية 43 ، وفي رواية 70 والمراد بالعدد هو الكثرة ،واختلفت التفسيرات في العدد والجزء من هذا العدد .
النوم يرفع مانع الجسد والحواس
والحواس الظاهرة المادية هي أعظم موانع الإستعداد لملامسة العالم العلوي وما فيه ، وهي حجاب مانع ، ويمكن ارتفاع ذلك الحجاب بالنوم ، وعنده يمكن للنفس في لمحة أن تظفر بالمطلوب ، لذا يقول الحديث " لم يبق من النبوة إلا المبشرات "وهي الرؤيا الصالحة . يراها الرجل الصالح ، أو ترى له ".
سبب إرتفاع حجاب الحواس بالنوم
النفس تدرك بالروح الجسماني، وهو بخار لطيف بالتجويف الأيسر من القلب حسبما أشار جالنيوس في كتب التشريح ، وينبعث مع الدم إلى الشريان والعروق فيعطي الحس والحركة وسائر الأفعال البدنية . ويرتفع الجزء اللطيف منه إلى المخ فيعدل من برده . وبهذا تدرك النفس الناطقة بهذا الروح البخاري حيث لا يؤثر اللطيف في الكثيف .. ثم أفاض إبن خلدون في التعليلات الفلسفية .
أنواع الرؤيا
إن الرؤيا – كما جاء الحديث – من الله أو من الملك أو من الشيطان والرؤيا الجلية الواضحة من الله ، والرؤيا التي تحتاج إلى تفسير تكون من الملك أما أضغاث الأحلام فهي من الشيطان وهي باطلة .
عمومية الرؤيا في البشر
والرؤيا خواص للنفس الإنسانية موجودة في كل البشر على العموم . بل كل إنسان رأى في نومه ما صدر له في يقظته مرارا أكثر من مرة ، وتأكد له باليقين ، أن النفس مدركة للغيب في النوم . وإذا جاز ذلك في النوم فلا يمتنع في غيره من الأحوال ، لأن النفس المدركة واحدة وخواصها عامة في كل حال .
الحالوميــــة
قد تقع للبشر رؤيا بدون قصد ولا قدرة في لمحة منام ، بل تتشوق لها النفس . وهناك أسماء يذكرها الشخص عند النوم فيرى المنام الذي يتشوق إليه ، ويسمونها الحالومية ، مثل حالومة الطباع التام ، وهي كلمات أعجمية معينة تقال باخلاص قبل النوم ويذكر حاجته فيرى ما يسأل عنه في النوم ، وهذه الكلمات هي( تماغس بعدان يسواد وغداس نوفنا غادس )
أثر الحالومية في إحداث الرؤيا
ويذكر إبن خلدون أنه رأى بهذه الأسماء مرائي عجيبة وعرف بها أمورا غيبية كان يتشوق إلى معرفتها . ويرى أن هذه الحالومات تخلق في النفس إستعدادا لوقوع الرؤيا ، فإذا قوي الإستعداد رأي ما يتشوق إليه . ويقول القدرة على الإستعداد غير القدرة على الشئ .
أنواع من البشر يتكلمون بالغيب
بعض الناس يتميز بمعرفة الغيب بالفطرة بدون صناعة ولا تنجيم (علم النجوم ) مثل العراف والناظرين في الأجسام الشفافة وقلوب الحيوانات وأكبادها وعظامها ومن يزجر الطير والوحوش ، وضرب الودع والحصى والحبوب والنوى والمجانين والنائم والمحتضر قبيل موته ، وشيوخ التصوف وكراماتهم في علم الغيب ، ويقول إبن خلدون أن هذه كلها موجودة في عالم الإنسان لا يستطيع أحد جحدها ولا إنكارها .
التفسير العادي لإبن خلدون لذلك
ويحاول إبن خلدون تفسير ذلك بشرح إستعداد النفس لإدراك الغيب ، وهو تقريبا نفس الشرح السابق مع تفصيل أكبر إستخدم فيه تعبيرات الفلاسفة ، ثم أخذ في شرح أحوال وأنواع الناس أصحاب المقدرة على علم الغيب .
الناظرون في الأجسام الشفافة وقلوب الحيوانات .. الخ وضرب الودع
جعلهم من قبيل الكهان إلا أنهم أضعف منهم رتبة ، لأن الكاهن لا يحتاج إلى عناء في رفع حجاب الحس ، وهؤلاء يعانون في رفع حجاب الحس لإنحصار المدارك الحسية كلها في نوع واحد وهو البصر فيعكف على المرئي البسيط حتى يبدو له ما يريد إدراكه من الغيب ، ويظل ينظر إلى السطح إلى أن يغيب عن البصر ، ويبدو فيما بينه وبين سطح المرآه حجاب كأنه غمام تتمثل فيه مداركهم تشير بالمقصود فيخبرون بما أدركوه ، وهم لا يدركون الصورة في المرآة وغيرها ، وإنما يتشكل لهم إدراك نفسي . ومنهم من يشعل البخور ويطلق التعزيمات فتتشكل لهم الصور في الدخان تحكي لهم ما يطلبون .
زجر الطيـــر
أما زجر الطير والتطلع إلى إتجاهها عندما تطير ، والإستفادة بذلك في معرفة الغيب ، فذلك ينشأ من قوة في النفس تبعث على الحرص والفكر فيما زجر بسببه الطائر ويؤديه ذلك إلى الإدراك .
المجانين
والمجانين نفوسهم الناطقة ضعيفة التعلق بالجسد وبالحواس ، وقد يصيبه المرض أو الروحانية الشيطانية فيقع في التخبط ، وإذا غاب عن حسه أدرك لمحة من عالم نفسه وربما نطق بما رأى بدون قصد ، وإدراكه يختلط فيه الحق بالباطل .
العرافون
ليس لهم الاتصال الذي للمجانين ، إلا أنهم يسلطون الفكر على الأمر الذي يبحثونه ويتعلقون بالظن والتخمين ، وبذلك يدعون العلم بالغيب .
نقد للمسعودي
ويتيه إبن خلدون على المسعودي وينقده ، ويتهمه أنه نقل ما سمعه في هذا الموضوع من أهله ومن غير أهله ، وكان بعيدا عن الرسوخ في المعارف .
اعتقاد إبن خلدون في ذلك
ويرى إبن خلدون أن هذه الإدراكات موجودة في البشر ، واستدل باعتماد العرب على الكهان في معرفة الغيب ، وفي الإحتكام للقضايا ، وأشار إلى بعض مستوى الكهان وقصصهم وأشعارهم.
المقتول والنائم يعرفان الغيب
بعض الناس عندما يدخل في النوم يتحدث ببعض الغيب الذي يتوق لمعرفته ، وفي هذه اللحظة يفقد سيطرته على إختياره في الكلام ، وكذلك المقتول قبيل موته ، وقد حدث أن بعض الملوك قتل بعض المساجين ليتعرف من كلامهم قبيل الموت ما سيحدث له . ونقل إبن خلدون عن مسلمة في كتاب " الغاية تجربة " هي أنه لو مكث شخص أربعين يوما في برميل ملئ بدهن السمسم ، ويتغذى بالتين والجوز حتى يذهب لحمه ولا يبقى منه إلا العروق ، فحين يخرج من ذلك البرميل ويجف الدهن يستطيع الإجابة عن كل شئ ، وهذا من تفانين السحرة .
أصحاب الرياضات
بعضهم يحاول بالمجاهدة بالرياضات الروحية أن يميت غرائزه وتغذية نفسه بالذكروالجوع، وإذا أشرف الجسد على الموت تكشفت له الحقائق الغيبية ، وهذا ما يحاولون الوصول إليه . ومنهم الحوكية في الهند أصحاب الرياضات السحرية ، وبذلك يتصرفون في العالم ، ولهم في ذلك كتب وأخبار عجيبة .
المتصوفة وعلمهم بالغيب (الكشف) وتصرفهم في الكون ( الكرامة )
وهم أصحاب الرياضات الدينية ، ومقاصدهم محمودة ، ويقصدون الإقبال على الله ليحصل لهم الذوق ومعرفة الغيب ، ويجمعون بين الجوع والتغذية بالذكر الإلهي حتى يجتنبوا الشيطان. ويكون التصرف بالمعجزات بدون قصد في أول الأمر ، لأنه إذا قصد ذلك كانت رياضته بغرض آخر غير الله فأصبحت شركا لأنهم يقصدون المعبود ولا شئ سواه .
وقد يحدث لهم كشف الغيب والكرامات ، وكثير منهم يفر من ذلك ولايهتم به . ويسمون ما يحدث لهم كشفا وفراسة فيما يخص علم الغيب ، ويسمون التصريف كرامات . وهذا من حقهم.
إبن خلدون يعتقد في كرامات الأولياء
وهناك من ينكر كرامات الأولياء وكشفهم مثل أبي إسحق الإسفراييني وأبي محمد بن أبي يزيد المالكي حتى لا تلتبس المعجزة النبوية بالكرامة ، ويرى إبن خلدون أن هناك فارقا بينهما. وهذا يكفي لإثبات الكرامة . واستشهد إبن خلدون على ثبوت الكرامة بحديث :" إن فيكم محدثين وأن منهم عمر " وقول عمر " يا سارية الجبل " حين نادى عمر في المدينة لأحد الصحابة في الفتوحات ، وهو سارية بأن يلزم الجبل ، وقال أن أبا بكر تنبأ لعائشة بأن لها اختا لها ستلدها زوجته بنت خارجه بعد موته .
إبن خلدون يعتقد في كرامات المجاذيب
هم أشباه المجانين ، ومع ذلك صحت لهم مقامات الأولياء والصديقين ، وذلك معلوم من أحوالهم . ويفهمها عنهم أهل الذوق، مع أنهم غير مكلفين ، ولهم عجائب في الأخبار عن الغيب ، ولا يوافق إبن خلدون على إنكار الفقهاء على أولئك المجاذيب بحجة سقوط التكاليف عنهم ، وأن الولاية لا تحصل إلا بالعبادة . ويري إبن خلدون أن ذلك خطأ لأن الولاية لا تتوقف على العبادة ولا غيرها ، لأنها فضل الله يؤتيه من يشاء . ولأن النفس البشرية يخصها الله بما شاء من مواهبه ، وأولئك المجاذيب فقدوا العقل وهو مدار التكليف وتدبير المعاش ، ومن يفقد هذه الصفة لا يفقد نفسه فيكون موجود الحقيقة معدوم العقل التكليفى الذي هو معرفة المعاش . ولا يتوقف إصطفاء الله عباده للمعرفة على شئ من التكاليف .
بين المجذوب والمجنون
ويفرق إبن خلدون بين المجاذيب والمجانين في أن المجاذيب لا يخلو أحدهم من ذكر وعبادة ولكن على غير الشروط الشرعية ، ولهم وجهة ما . أما المجانين فليس لهم وجهة ، والمجاذيب يخلقون على البلاهة من نشأتهم، أما المجانيين فيصبحون مجانين بعد مدة من العمر لعوارض بدنية طبيعية ، والمجاذيب لهم كرامات في الناس بالخير والشر لأنهم غير مكلفين بالخير واجتناب الشر . أما المجانين فليس لهم تصريف بالكرامات .
مدارك للغيب تأتي يقظة : عن طريق التنجيم
المنجمون يقولون بالدلالات النجمية وأوضاعها في الفلك وآثارها في العناصر والهواء . ويقول : هؤلاء المنجمون ليسوا من الغيب في شئ ، إنما هي ظنون حدسية وتخمينات .
أصحاب الرمل
وهم يضعون من النقط أشكالا ذات أربع مراتب تختلف باختلاف مراتبها في الزوجية والفردية ، وفصل إبن خلدون القول في تلك الأشكال الرملية وطريقة إستعمالها ، ثم قال إن هذه الصناعة كثرت في العمران ووضعت فيها المؤلفات واشتهر فيها الأعلام . ويرى إبن خلدون أنها تحكم وهوى ، وليست من الغيب في شئ لأن الغيوب لا تدرك بصناعة أبدا ، وإنما تأتي من النخبة التي فطرها الله على الرجوع عن عالم الحس إلى عالم الروح ، ويستثني من ذلك إذا كان صاحب الرمل من أولئك الخواص وقصد أن ترجع النفس إلى عالم الروحانيات عن هذا الطريق . فشأنه شأن من يطرق الحصى ويضرب الودع وينظر في المرآة . وقال إن علامة هؤلاء الخواص أنه يعتريهم خروج على طبيعتهم كالتثاؤب والإغماء عندما يعرفون الغيب .
أصحاب حساب النيم : الحساب العددي للكلمات والحروف
وهي قوانين حسابية مذكورة في آخر كتاب السياسة لأرسطو يعرف بها الغالب من المغلوب من المتحاربين من الملوك ، وذلك عن طريق حساب الجمل حيث يكون لكل حرف قيمة عددية بالآحاد والعشرات والمئات والألوف ، وذكر إبن خلدون طريقة الإستعمال لحساب النيم .وقال أيضا أنها مدارك للغيب غير مستندة إلى برهان وتحقيق .
الزايرجة
وهي قوانين صناعية لاستخراج الغيوب ، وضعها أحمد السبتي الصوفي المغربي في أواخر المائة السادسة بمراكش . ووصفها إبن خلدون بالغرابة وأنها لغز ، ووصف طريقة العمل بها . وقال إنه رأي كثيرا من الخواص يتهافتون على استخراج الغيب منها ، ويقول أن ذلك لا يصح لأن الغيب لا يمكن إدراكه بأمر صناعي أبدا . ويقول أن بعض الأذكياء قد يفهم منها بعض المجهول إذا عرف التناسب بين بعض الأشياء ، وإذا عرف التناسب تيسر عليه إستخراج الجواب بتلك القوانين .
البــــاب الثانــــــي في أساس علم العمران وبدايته في العمران البدوي
عرض مقدمة ابن خلدون:الباب الثانى:(ف 1 : 13) : البدو والحضر والعصبية
كتاب ( مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية )
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
البــــاب الثانــــــي في أساس علم العمران وبدايته في العمران البدوي والأمم الوحشية والقبائل الفصل الأول :
في أن أجيال البدو والحضر طبيعية
النشاط الاقتصادي أساس الإختلاف بين الريف والحضر
إختلاف الأجيال باختلاف طريقتهم في كسب المعاش ، لأن إجتماعهم يكون للتعاون على كسب المعاش الضروري قبل الكماليات ، ومنهم من يحترف الزراعة ، ومنهم من يحترف الرعى. والمزارعون والرعاة يحتاجون إلى البداوة والصحراء .
تحول القرية إلى مدينة وتحول الريف إلى حضر
ثم إذا إزدهرت أحوال المزارعين والرعاة آثروا الدعة ومالوا إلى إدخار الزائد عن الحاجة وتوسعوا في البيوت وأقاموا المدن والحواضر . ثم إذا ازداد الترف بالغوا في التأنق في الطعام واللباس والمساكن والآلات التي تساعد على راحتهم في بيوتهم . وهؤلاء هم الحضر وتلك هي الحضارة ، وتعني ( الحاضرون من أهل البلاد والأمصار) ، وهنا تظهر حرفتا الصناعة والتجارة . وتكون مكاسبهما أكثر من مكاسب أهل الصحراء . وهكذا فأجيال البدو والحضر طبيعية ، والبدو مقصود بهم أيضا أهل القرى بالإضافة إلى أهل الصحراء ، حيث تشابه الفريقان في شمال أفريقيا في عهده ( أي إبن خلدون ).
الفصل الثانــي
في أن جيل العرب في الخلقة طبيعي
البدو والريف لا يحتاجون إلى الكماليات
البدو يعيشون على المعاش الطبيعي من الزراعة والرعي والضروري من الأقوات والملابس والمساكن دون إهتمام بالكماليات ، والمزارعون يقيمون في القرى والجبال وهم عامة البربر والأعاجم .
نوعية الحيوان تحدد درجة التحضر لدى الرعاة ومدى تنقلهم
والرعاة ينتقلون حسب الكلأ والمياه ، وإذا كانوا رعاة أغنام وبقر فلا ينتقلون كثيرا ، مثل البربر والترك والتركمان والصقالبة ، أما رعاة الإبل فهم أكثر وأبعد في التنقل ، فالإبل أصعب الحيوانات ، فاضطر رعاتها إلى الإبتعاد بها ، فكانوا أشد الناس توحشا ، وذلك ينطبق على العرب ( الأعراب ) وقبائل زناته بالمغرب ، والأكراد والتركمان والترك بالمشرق . إلا أن العرب أكثر توغلا في الصحراء وأشد بأسا وذلك لأنهم تخصصوا في الإبل فقط ، وغيرهم يرعى الشاة والبقر مع الإبل . وهكذا فجيل العرب طبيعي ، لا بد منه في العمران .
الفصل الثالث
البدو أقدم من الحضر ، والبادية أصل العمران
الأساس هو الحاجات الضرورية لدى البدو
البدو يقتصرون على الحاجات الضرورية ، وأهل الحضر يعيشون على الترف والكماليات ، والضروريات أقدم من الكماليات ، فالضروريات أصل والكماليات فرع . فالبدو أصل المدن والحضر ، لأن الضروري أول مطالب الإنسان ، فإذا حصل عليه طلب الكماليات ، والبدو يهاجر إلى الحضر فإذا وصل إليه عاش في دعة ، أما الحضري فلا يذهب للصحراء إلا للضرورة . والدليل أن أول من يسكن مدينة ناشئة هم البدو الأغنياء . وتتفاوت الأحوال داخل البدو وداخل الحضر ، فهناك قبيلة أعظم من قبيلة ومدينة أروع من مدينة .
الفصل الرابع
البدو أقرب للخير من أهل الحضر
مقارنة بين البدو وأهل الحضر
النفس إذا كانت على سجيتها تكون سريعة التأثر بالخير أو الشر ، واستدل بحديث " كل مولود يولد على الفطرة ". وإذا تأثر بالشر أو بالخير فإنه يلتزم بأحدهما ويبتعد عن الآخر . أما أهل الحضر فقد تلونت نفوسهم بالملذات والترف فانهمكوا في الترف وتظاهروا بالفواحش. وأهل البداوة لا يعرفون الشهوات إلا في الضروري ، لذا كانوا أقل وقوعا في الشر من أهل الحضر ، وكانوا أسهل في علاجهم من أهل الحضر . ولأن الحضارة هي نهاية العمران وغاية الشر فالبدو أقرب للخير من أهل الحضر .
رأي إبن خلدون في أن الحياة في الصحراء ليست ارتدادا للخلف
ورد إبن خلدون على حديث البخاري الذي يذكر أن النبي أذن لسلمة بن الأكوع في سكن البادية ، بأن ذلك خاص بسلمة ، وقد ورد في ذلك الحديث أن الحجاج بن يوسف إعترض على سلمة حياته في البادية وقال له : إرتددت على عقبيك .. ورأى إبن خلدون أن قول الحجاج إنما كان احتجاجا على سلمة أنه ترك السكنى في المدينة فقط ، وأن مشروعية الهجرة كانت لمناصرة النبي وليست لذم البدو .
الفصل الخامس
البدو أقرب للشجاعة من أهل الحضر
لأن أهل الحضر تعودوا الراحة والترف حيث يدافع عنهم الحاكم وجيشه ، فأصبحوا كالنساء والأطفال في اعتمادهم على الوالدين . أما البدو فقد توحشوا في القفار واحتاجوا للدفاع عن أنفسهم بأنفسهم فهم يحملون السلاح ويتوقعون الشر فصارت لهم الشجاعة خلقا . وأهل الحضر إذا صاحبوا البدو أصبحوا محتاجين لحمايتهم .
الفصل السادس
معاناة أهل الحضر للأحكام ( أي التحكم ) مفسدة للبأس فيهم ، ذاهبة بالمنعة ( أي العزة ) فيهم
كلما إزداد قهر الحاكم لأهل الحضر إزدادت ذلة الرعية
لأن أهل الحضر خاضعون للحاكم وأعوانه ، فإذا كان الحاكم عادلا مترفقا أصبح الإعتزاز بالنفس طبيعة لهم . أما إن كان الحاكم قاسيا فإن ذلك يجعلهم مقهورين . وشدة عقاب الحاكم تجعلهم أذلاء ، أما إذا اقتصر على التأديب والتهذيب وبالتدريج تربوا على الخوف والإنقياد بدون الإذلال .
هذا لا ينطبق على البدو أو الصحابة وينطبق على الطلبة الذين يتعرضون للضرب
ولهذا فالبدو أشد بأسا من الخاضعين للحكم في المدن الذين يرتضون الظلم ولا يقاومونه ، وتجد ذلك في طلبة العلم الخاضعين لشيوخهم ، ولا ينطبق ذلك على الصحابة حيث لم يكن تعليمهم صناعيا وإنما كان بتأثرهم بتعاليم الدين في الترغيب والترهيب . فظلوا متنعمين بالبأس والشجاعة ، وقد قال عمر : من لم يؤدبه الشرع فلا أدبه الله ، أي لا يخشى المؤمن غير الله .
ثم صار الشرع علما وصناعة مع تكوين المدن والأمصار فانتهت الشجاعة بتحكم السلاطين وتربية علماء الدين ، وأصبح الضرب وسيلة للتعليم والتأديب ، وقد نجا من ذلك البدو بينما عانى منه أهل الحضر ، ولذلك قال محمد بن يزيد أنه لا ينبغي للمؤدب أن يضرب الصبي أكثر من ثلاثة أسواط .
الفصل السابع
في أن سكنى البدو لا يكون إلا للقبائل أهل العصبية
الحاكم في الحضر يمنع إعتداء الناس على بعضهم أو إعتداء الغير عليهم ، وشيخ القبيلة يفعل نفس الشئ معتمدا على عصبيته القبلية
النفس البشرية مجبولة على الشر والخير معا ، والشر أقرب إليها من الخير إذا لم يتمسك الإنسان بالدين ، والأكثرية تقع في الشر والعدوان . إلا أن أهل الحضر يمنعهم من الاعتداء والظلم على بعضهم البعض سطوة الحكم ، إلا إذا جاء الظلم من جانب الحاكم نفسه . وأما البدو فإن شيوخهم يمنعون عدوان بعضهم على بعض ، وفي الحضر يقوم الحاكم بحماية المجتمع من الخطر الخارجي ، وفي البدو يعتمدون على أنفسهم في صد الخطر عن القبيلة .
العصبية أساس حماية القبيلة وتماسكها ، لذا لا يسكن الصحراء إلا أصحاب النسب الواحد
ومن هنا تتجلى أهمية العصبية والقرابة في الدفاع عن القبيلة لأنهم أهل نسب واحد فيتراحمون فيما بينهم ويتناصرون على عدوهم ، ولا يوجد ذلك لدى أصحاب الأنساب المختلفة ، ولذلك لا يسكن الصحراء إلا أصحاب النسب الواحد لأنهم أسرع في حماية بعضهم .
والعصبية أساس في سكنى القبيلة في الصحراء وفي حماية الدعوة الدينية أو السياسية
وإذا كان ذلك مطلوبا في السكنى فإنه أيضا يحتاج إليه في كل أمر يتم فرضه على الناس من نبوة أو إقامة ملك أو دعوة . إذ يتحتم هنا القتال لما في طبائع البشر من العناد ، ولا بد في القتال من وجود العصبية القائمة على القرابة والنسب .
الفصل الثامن
العصبية تكون من الإلتحام بالنسب أو ما في معناه
صلة الرحم طبيعية في البشر ، وتجعل الإنسان يدافع عن أهله وقبيلته ، خصوصا إذا كان النسب قريبا ، والحلف والولاء قريب من النسب ، واستشهد إبن خلدون بحديث " الولاء مثل لحمة النسب " ، وحديث : " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم " ، وإذا كان النسب بعيدا تعرض للنسيان ولم يعد مؤثرا في التناصر .
الفصل التاسع
النسب الصريح يوجد لدى العرب المتوحشين في قفار الصحراء وأمثالهم من الناس
الســــبب
لأنهم يعيشون في شظف ومشقة مع الإبل ، وينتقلون معها في بطون الصحراء بعيدا عن العمران ، فتباعد ما بينهم وبين غيرهم ، لذلك لا يختلطون بغيرهم وتظل أنسابهم نقية ومحفوظة وصريحة ، وكان ذلك في قبائل قريش وكنانة وثقيف وأسد وهذيل وخزاعة الذين إبتعدوا عن ريف العراق والشام .
أما عرب التلال والوديان الخصبة من حمير وكهلان مثل قبائل لخم وجذام وغسان وطئ وقضاعة وأياد فاختلطت أنسابهم وتداخلت ، ولذا قال عمر : تعلموا النسب ولاتكونوا كنبط السواد إذا سئل أحدهم عن أصله قال من قرية كذا.
وحدث الإنتماء إلى الموطن بعد الفتوحات فكان يقال جند قنسرين ، جند دمشق ، وانتقل ذلك إلى الأندلس ، ولا يعني ذلك أن العرب تركوا النسب ، ولكنهم صارت لهم علامة أخرى مميزة بالمكان إلى جانب النسب .
ثم اختلط العرب بالعجم وضاعت الأنساب وتراخت العصبية وتلاشت القبائل
الفصل العاشر
كيف يقع اختلاط الأنساب
يقع الإختلاط في الأنساب عندما يتداخل نسب فرع من قبيلة داخل فرع آخر ، أو عن طريق الحلف بين قبيلة وأخرى . وتختلط الأنساب بسبب المجاورة والمخالطة أو يفر أحدهم إلى قبيلة فلا يلبث أن يحمل أبناؤه نسبها . وفي كل الأحوال ينسى الناس النسب الأول بطول الزمان ويذهب أهل العلم به فيخفى على الأكثر ، ومازالت الأنساب تسقط من شعب إلى شعب ويلتحم قوم بآخرين في الجاهلية والإسلام والعرب والعجم ، وانظر إختلاف الناس في نسب آل المنذر ، وانتساب عرفجة بن هرثمة إلى بجيلة وليس منهم . وقد رفضوا أن يوليه عمر عليهم وقالوا إنه لزيق .
الفصل الحادي عشر
الرياسة تنحصر في نصابها أو نسبها المخصوص من أهل العصبية
في داخل كل حي أو بطن أو قبيلة توجد أنساب خاصة أشد تماسكا من النسب العام المشترك للقبيلة أو البطن أو الحي . مثل أهل البيت الواحد أو أبناء الأب الواحد . والرياسة تكون في نصاب واحد منهم ، ولأن الرياسة تكون بالقوة والتغلب وجب أن تكون عصبية هذا النسب الخاص أقوي من غيرها ، وتنتقل الرياسة داخل هذا العنصر الأقوى من هذا النسب الخاص وفروعه .
الفصل الثاني عشر
الرياسة على أهل العصبية لا تكون في غير نسبهم
العصبيات تكون رئاستها داخل الفرع الأقوى الأصيل فيها
الرياسة بالتغلب والقوة ، وهذا لا يكون إلا بالعصبية ، وفي داخل القبيلة الواحدة، لا يمكن أن تدين العصبيات الأخرى لفروع القبيلة إلا لعصبية فرع أقوى تكون أصرح نسبا ، وهذا لا يتم لمن يلتصق بالقبيلة ، خصوصا وأن الرياسة تنتقل في بيت واحد يتوارثها الأبناء عن الأجداد.
إدعاء البعض الإنتساب لنسب شهير
وكثير من الرؤساء للقبائل يصلون أنسابهم بالإدعاء إلى بعض القبائل والشعوب طلبا للشهرة ، وهم بذلك يطعنون في أنسابهم وفي رئاستهم ، من ذلك ما يدعيه أهل زناته أنهم من العرب ،وإدعاء أولاد رباب من زغبة أنهم من بني سليم ، وإدعاء بني عبدالقوي بن العباس بن توجين أنهم من ولد العباس بن عبدالمطلب ، وإدعاء أبناء زيان ملوك تلمسان أنهم من ولد القاسم بن إدريس الهاشمي , وقد أنكر يغمراسن بن زيان هذا النسب ، وقال بلغته الزناتية أنه نال الدنيا والملك بسيفه وليس بهذا النسب ، وإدعاء بني سعد بن يزيد من زغبة أنهم من ولد أبي بكر الصديق ، وإدعاء شيوخ رباح أنهم من نسل البرامكة ، وأمثال ذلك كثير .
الفصل الثالث عشر
البيت والشرف والأصل في الحقيقة لأهل العصبية ، ويكون لغيرهم بالمجاز وليس بالحقيقة
الحسب في النسب والعصبية معا ، وفي مجتمع البدو
البيت يعني أن يكون الرجل في نسبه من أشراف مذكورين ، ويحمل هذا الشرف بانتسابه لهذا البيت وأولئك الآباء . والناس في نشأتهم وتناسلهم معادن ، والحسب راجع إلى هذا النسب إذا كان شريفا .
وفائدة الأنساب في العصبية والمناصرة وحماية أهل النسب الواحد ، وهنا تزداد الفائدة بكثرة الأشراف في النسب ، وتزداد بذلك العصبية والمناصرة . وتقل العصبية بتفاوت البيوت في الشرف . والمفتقرون للنسب في الأمصار لا يكون لهم بيت إلا على المجاز ، وأن ادعوا ذلك فهو من قبيل الزخرف والمباهاة.
الحسب والعصبية لا يجتمعان في الحضر
والحسب في أهل الحضر أن يكون رب البيت قدوة في الأخلاق الحسنة وفي التعامل مع الناس ، مع إيثار السلامة ما استطاع . وهنا يختلف الأمر مع التعصب للقبيلة أو النسب ، إلا أنه يطلق مفهوم الحسب في أهل الحضر على المجاز وليس حسبا على الحقيقة حتى لو صح ذلك لغويا .
وقد يكون للبيت شرف بالعصبية والأخلاق الحسنة ، ثم ينسلخون عنه بالإستقرار في الحضر والإختلاط بالأوباش ، فتضيع العصبية والقدوة ، ولكن يبقي في نفوسهم الفخر بذلك الحسب القديم ، ويحدث ذلك لمن أقام من العرب والعجم لأول مرة في الأمصار ، كما يحدث لمن إنقطع نسبهم بالحياة في الحضر . وبنو إسرائيل هو المثل الواضح لذلك الوسواس بالفخر بالنسب القديم مع حياتهم الذليلة بين الأمم وسطوة الدول والحكام . فقد كانت فيهم النبوة والملك والكتب السماوية مع العصبية والقوة ، ثم ضربت عليهم الذلة والمسكنة واستعبدتهم الأمم والدول . ومازالوا يقولون هذا هاروني ، هذا من نسل يوشع ، هذا من عقب كالب .
خطأ إبن رشد في حصره الحسب في النسب فقط
ويرى إبن خلدون أن الفيلسوف إبن رشد قد أخطأ في كتابه " الخطابة " فيما ذكره عن الحسب وحصره في النسب فقط دون العصبية التي تحافظ على المهابة . ويعلل خطأ إبن رشد في أن إبن رشد عاش في جيل وموطن لم يعرف العصبية ولم يعرف صلتها بالحسب .
عرض مقدمة ابن خلدون:الباب الثانى :( ف 14 : 29 ):العصبية والمُلك وهمجية العرب
كتاب ( مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية )
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع البــــاب الثانــــــي
في أساس علم العمران وبدايته في العمران البدوي والأمم الوحشية والقبائل
الفصل الرابع عشر
البيت والشرف للموالي وأهل الاصطناع يكون بمواليهم الحكام وليس بأنسابهم
الشرف بالأصالة والحقيقة لأهل العصبية ، فإذا اتخذ أهل العصبية أعوانا وموالى من الخارج بالإسترقاق أو بالحلف والتحموا بهم التحق أولئك بالعصبية ، كما جاء في الحديث " مولى القوم منهم " ويكون لهم شرف إلا أنه أقل من الشرف الأصلي للعصبية بالنسب . وهذا ما حدث للموالي في الدول مثل البرامكة والأتراك في دولة العباسيين ، فكان جعفر البرمكي أعظم الناس بيتا لانتسابه إلى ولاء الرشيد لا للفرس ، مع أن البرامكة كانوا ذوي نسب عظيم في الفرس ، إلا أن ذلك النسب الفارسي إضمحل وبرز مجدهم بالتحامهم بخدمة العباسيين بحكم كونهم موالى للخلفاء .
الفصل الخامس عشر
نهاية الحسب في العقب الواحد " أربعة آباء "
الزوال هو قانون الوجود
كل العالم المادي في جوهره وأحواله ينتهي دائما إلى الزوال ، ويسري ذلك على أحوال
" الإنسان من العلوم والصنائع والحسب والنسب " وكل حسب ونسب مصيره إلى الزوال إلا حسب النبي عليه السلام وشرفه .
لو دامت لغيرك ما وصلت إليك
وقبل أن يحصل أحدهم على شرف فإن ذلك يعني خمول واندثار شرف سابق لآخرين ، ثم تأتي نهاية هذا الشرف الجديد في أربعة آباء .
فالذي بني المجد عانى في البناء وحافظ عليه وعلى أخلاقياته ، ثم يأتي إبنه وقد عايش أباه وتأثر به إلا أنه لا يخلو من التقصير ، ثم يأتي الثالث ليقتصر على التقليد ، ويقلد الثاني ويقع في التقصير ، ثم يأتي الرابع فيكون أكثر تقصيرا ويضيع الأخلاقيات التي قام عليها البناء ، بل يحتقرها ويتوهم أن ذلك البناء جاء سهلا كما ورثه سهلا ، وأنه أمر واجب لهم لمجرد النسب وبدون الحاجة إلى عصبية ومناصرة وتأييد ، بسبب أنه نشأ وعاش بين ترحيب وإجلال بسبب نسبه وما ورثه ، ويجهل كيف حدث ذلك وما تكلفه جده من عناء في بنائه ، وهكذا يتربى على الغرور واحتقار من حوله معتقدا أنه واجب عليهم احتمال غروره واستكباره، فينفرون منه وينقلبون عليه ويسقط ملكه وبيته وشرفه . ويبدأ بيت جديد . يحدث هذا في الدول والقبائل والأمراء وأهل كل عصبية .
ملاحظة : ينطبق هذا على الأسرات العربية الحاكمة فى عصرنا ، من المحيط ( المغرب ) الى الخليج البترولى .
لماذا ينتهى الشرف بالجيل الرابع
واشتراط الأربعة في الأحساب حسب الغالب ، وقد يتلاشى البيت دون الأربعة ، وقد يصمد إلى الخامس والسادس إلا أنه يستمر في الإنحطاط .
واعتبار الأربعة ( الأول بان والثاني مباشر ، والثالث مقلد ، والرابع هادم ) هو أقل ما يمكن, وقد أخذ إبن خلدون ذلك من حديث " إنما الكريم إبن الكريم إبن الكريم إبن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم " وما جاء في التوراة من أن الله يأخذ الأبناء بذنوب الآباء على الثوالث والروابع وهذا يدل على أن الأربعة أعقاب غاية في الأنساب والأحساب .
الفصل السادس عشر
الأمم الوحشية أقدر على التغلب ممن سواها
أهل البداوة أكثر شجاعة وأقدر على هزيمة أهل الحضر ، فإذا عاشوا في الحضر زال عنهم إستبسالهم وبداوتهم ، ويسرى ذلك على الحيوان الوحشي إذا تم ترويضه وتدجينه كالبقر الوحشي والحمار الوحشي والإنسان المتوحش .
ومن كان أعرق في البداوة والتوحش كان أقرب للتغلب على من سواه . وذلك شأن قبائل مضر البدوية مع قبائل ربيعة التي استوطنت أرياف العراق .
الفصل السابع عشر
الملك هو غاية العصبية وهدفها
معنى العصبية ومعنى الملك
العصبية تكون بها النصرة والحماية ، والبشر في إجتماعهم يحتاجون إلى من يقوم بنصرة الضعيف ، أي حاكم ، فلابد للحاكم من عصبية تعينه على هذه المهمة ويتغلب بها على الناس، وهذا التغلب هو الملك بين الرئاسة والملك
والملك أمر زائد على الرئاسة . فالرئاسة سؤدد وشرف والرئيس له أتباع إلا أنه ليس له سطوة على أتباعه . أما الملك فهو التغلب والحكم بالقهر . وصاحب العصبية والأتباع إذا وصل إلى منزلة طمع فيما فوقها ، فإذا وصل إلى الرئاسة تطلع إلى الملك ، ولا يستطيع ذلك إلا بعصبيته وقوته . وهكذا فالتغلب بالملك هو غاية العصبية وهدفها .
أثر العصبية في تكوين الملك والدولة
وفي القبيلة الواحدة تتعدد العصبيات ، ويستلزم الأمر وجود عصبية أقوى تغلب الجميع وتلتحم بها كل العصبيات الأخرى ، وإلا وقع الإختلاف . فإذا اشتدت عصبية قبيلة تطلعت للسيطرة على قبيلة أخرى أو عصبية أخرى بعيدة فيحدث الإقتتال ، فإن غلبتها التحمت بها واتحدت ، وتضاعف طموحها وهكذا إلى أن تصل إلى قوة الدولة ، فإذا كان إلى جانبها دولة تجتاز مرحلة الشيخوخة إستولت عليها وأنشأت لها ملكا بهذه الدولة ، فإذا كانت الدولة قوية نجت من عدوان تلك القبيلة . أما إذا كانت الدولة في حالة متوسطة تحتاج إلى تلك القبيلة الفتية لتستعين بها في تدعيم أركانها تحولت تلك القبيلة وعصبيتها إلى نوع من الملك أقل من الملك المستبد ، كما حدث للترك مع الدولة العباسية، وصنهاجة وزناته مع ملك كتامة ، وبني حمدان مع العباسيين والفاطميين .
وهكذا .. فالملك هو هدف العصبية وغايتها ، وإذا بلغت العصبية قوتها حازت الملك إما بالإستبداد أو بمناصرة الملك المستبد والعمل معه .
الفصل الثامن عشر
الترف من عوائق الملك
بقدر ما تتغلب العصبية يكون حصولها على النعمة ومشاركتها لأصحاب الثروة . وإذا كانت الدولة قوية واحتاجت لتلك العصبية والقبيلة في تدعيمها كانت مشاركة القبيلة وعصبتها في النعيم بقدر احتياج الدولة إلى تدعيم تلك القبيلة وعصبيتها . وصار إهتمام القبيلة وعصبيتها منصبا على التنعم والتشبه بأهل الملك في الترف في الملبس والمأكل والمسكن والرياش . فلا تلبث أن تذهب خشونتهم وبسالتهم وتضعف عصبيتهم .ثم لا يلبث أبناؤهم أن ينشأوا على الترف وخدمة الآخرين لهم ، فتضمحل عصبيتهم وتذهب قوتهم وينتهون إلى الفناء ، فالترف من عوائق الملك .
الفصل التاسع عشر
من عوائق الملك حصول المذلة للقبيلة والإنقياد إلى سواهم
الذل عكس العصبية والقوة
المذلة دليل على فقدان العصبية والقوة ، والعجز عن الدفاع عن النفس دليل على فقدان العصبية والقوة . كما حدث لبني إسرائيل حين عجزوا عن دخول الأرض المقدسة في عصر موسى . وذلك لأنهم تعودوا الخضوع الذليل للفراعنة . فعاقبهم الله بالتيه في الصحراء أربعين سنة حتى يفنى ذلك الجيل الذليل ويأتي جيل آخر لا يعرف الذل . مما يثبت أن الأربعين سنة أقل مدة يأتي فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر .
دفع الضرائب والزراعة من علامات الذل
ومما يوجب المذلة للقبيلة دفعها للضرائب والمغارم ، لأن في دفعها مذلة لا تحتملها النفوس الأبية ، ومنها العمل في الزراعة والحرث ، واستشهد بحديث ما دخلت هذه – أي المحراث والحرث – دار قوم إلا دخلهم الذل . ويصحب القهر أخلاق المكر والخديعة لدى المقهورين.
القبيلة التي تدفع الضرائب لا يمكن أن يكون لها ملك أو إستقلال بل تكون تابعة
وإذا رأيت قبيلة مثقلة بالضرائب والمغارم والذل فلن يكون لها ملك . وعلى ذلك أنكر إبن خلدون أن تكون قبيلة زناته بالمغرب قد دفعت الضرائب من قبل للملوك ،لأنه لو وقع منهم ذلك، ما استتب لهم ملك ولا قامت لهم دولة ، واستدل برفض شهر براز ملك الباب الزناتي أن يدفع جزية لعبد الرحمن بن ربيعة .
الفصل العشرون
من علامات المُلك التنافس في الخلال الحميدة وبالعكس
الملك شئ طبيعي للمجتمع
الإنسان من طبعه الإجتماع ، والاجتماع يستلزم المُلك ، فالملك شئ طبيعي للإنسان ، والإنسان أقرب إلى الخير بفطرته لأن الشر يأتيه من نوازعه الحيوانية ، لذا كان المُلك للإنسان أقرب لأن خلال الخير فيه هي التي تناسب الخير والسياسة والملك ، لأن الملك هو المناسب للإنسان وليس الحيوان.
حاجة الملك والعصبية للأخلاق
والمجد له أصل وهو العصبية والعشيرة ،وله فرع يكتمل به وهو الأخلاق الحميدة ، وإذا كان المُلك هدفا للعصبية فالملك أيضا هدف للأخلاق الحميدة . والملك بدون أخلاق كشخص مقطوع الأعضاء ، والعصبية بدون أخلاق تعتبر نقصا في أهل البيوت والأحساب .
والسياسة والمُلك هما كفالة للخلق وخلافة لله في العباد لتنفيذ أحكامه فيهم ، وأحكام الله إنما هي خير ورعاية للمصالح ، بينما تقوم أحكام البشر على الجهل والشيطان ،ويرى ابن خلدون أن الله تعالى فاعل للخير والشر معا إذ لا فاعل سواه ، ومن حصلت له العصبية والقوة مع أخلاق الخير لتنفيذ أحكام الله فقد تهيأ للخلافة وكفالة الخلق ، وأخلاق الخير شاهدة بوجود الملك لمن تمتع بوجود العصبية معه .
صفات الخير في الملك والخلافة
وأخلاق الخير هي الكرم والعفو والإحتمال من غير القادر والصبر على المكاره والوفاء بالعهد وصون الأعراض وتعظيم الشريعة وإجلال علمائها وتنفيذ تعليماتهم ، والإعتقاد في الأولياء ، والإنقياد للحق ، وانصاف المستضعفين ، والتواضع للمسكين واستماع شكوى المستغيثين ، والتدين بالشرائع والعبادات والقيام عليها ، والتجافي عن الغدر والمكر والخديعة ونقض العهد .
الملك يدوم بالأخلاق الحميدة
ومن تمتع بهذه الصفات فقد تخلق بخلق السياسة وتأهب للرئاسة ، فإذا كانت له عصبية فالمُلك أنسب المراتب له ، وقد تأذن الله له بالمُلك وساقه إليه ، ومن كان معه المُلك وارتكب الرذائل فقد تأذن الله بانقراض مُلكه . واستشهد إبن خلدون بقوله تعالى " {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً : الإسراء 16} ومن صفات الخير التي يتنافس فيها أصحاب العصبيات وتؤهلهم للمُلك ، إكرام العلماء والصالحين والأشراف وأهل الإحسان والتجار والغرباء ، ومن الطبيعي أن يكرم أهل الحسب نظراءهم من العصبيات الأخرى ليعلو شأنهم .
الفصل الحادى والعشرون
إذا كانت الأمة وحشية كان ملكها أوسع
لأنهم أقدر على التغلب على غيرهم شأن الحيوان المفترس مع الحيونات الأليفة , ثم إنهم ليس لهم وطن يقيمون فيه , ولكن الأوطان لديهم سواء , فينتقلون من موطن لآخر وينتقلون إلى الأقاليم البعيدة ويتغلبون على الأمم النائية . ولذلك حث عمر العرب على فتح العراق فقال : إن الحجاز ليس لكم بدار .. وغزا التبابعة وحمير من اليمن إلى المغرب وإلى العراق والهند وبذلك فعل الملثمون الذين انتقلوا من السودان إلى الأندلس من غير واسطة .
الفصل الثاني والعشرون
المُلك إذا ذهب عن بعض الشعوب ( العائلات ) من أمة فلابد
من عودته إلى شعب آخر منها ، ما دامت لهم العصبية
إذا وصلت العصبية للمُلك قام به صاحب الملك منشئ الدولة ، ثم لا يلبث آله أن ينغمسوا في الترف ويستعبدوا اخوانهم ، ويبقى الذين أبعدوهم عن المشاركة في الحكم في ظل عز الدولة التي يشاركونها بنسبهم ، ولكن محتفظين بحيوتهم لابتعادهم عن الترف ، فإذا استهلك الترف القائمين على الملك كانت عصبية الآخرين لاتزال قوية فيطمعون في الملك الذي أبعدوا عنه ، وهكذا يستولون على الأمر إلى أن يلحقهم الترف ويرثهم غيرهم من نفس الأمة . حدث هذا مع عاد وثمود ، ثم مع حمير والتبابعة ، وفي داخل الفرس حتى انقراض آل ساسان وهكذا ، إلى أن يقع في العالم تبديل كبير مثل تحويل ملة أو ذهاب عمران فيقوم جيل بذلك التبديل ، كما وقع في البعثة المحمدية .
الفصل الثالث والعشرون
المغلوب مولع دائما بالإقتداء بالغالب في شعاره
وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده
لأن النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها ، إما بسبب تعظيم الغالب أو لإعتقاد الكمال فيه ، لذا تنتحل مذاهب الغالب وتقتدي به ، لأنها تتوهم أنه تغلب بتلك المذاهب والعادات . وكما يتشبه الأبناء بالآباء لاعتقادهم الكمال فيهم فكذلك يتشبه المغلوب بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه وسائر أحواله .
وفي داخل كل قطر ترى الناس تقلد زي الحامية وجند السلطان لأنهم الغالبون لهم المسيطرون عليهم ، ولذلك يقال الناس على دين ملوكهم .
وإذا جاورت أمة غيرها ، وكانت تلك الأمة الأخرى أقوى ترى الأمة الضعيفة تتشبه بالقوية ، كما حدث من الأندلس مع الجلالقه في عصر ضعف الأندلس حتى كانوا يرسمون التماثيل في البيوت والمصانع .
الفصل الرابع والعشرون
الأمة إذا غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء
الأمة التي تخضع لغيرها تتربى على التكاسل فيقصر أملها ويضعف تناسلها ويتناقص عمرانها .
والإنسان بطبيعته رئيس بمقتضى استخلافه في الأرض ، والرئيس إذا أصبح مغلوبا تكاسل حتى عن طعامه وشرابه ، وهكذا تظل الأمة تتناقص إلى أن تفنى .
واستدل إبن خلدون على ذلك بأمة الفرس وكثرتها ، ثم أصابهم الفناء بعد أن قهرهم العرب، وليس ذلك لظلم العرب لهم وإنما هي طبيعة الإنسان .
وتذعن السودان للرق لنقص الإنسانية فيهم وقربهم من الحيوان ، وبعضهم يرضى بالرق ليصير مملوكا ويصل إلى السلطة والحكم ، لأن العادة جرت باستخلاص الدولة لهم .
الفصل الخامس والعشرون
العرب لا يتغلبون إلا على البسائط
لأنهم أهل نهب لما يقدرون عليه بأقل قدر من الأخطار ، لذلك يستسهلون الإغارة على السهول ، ولا يتعرضون للقبائل المتحصنة بالجبال والهضاب . وإذا كانت المنطقة السهلة بدون حامية ترددوا عليها بالغارات إلى أن يستولوا عليها ، ثم يتناوبون على حكمها إلى أن ينقرض عمرانها .
الفصل السادس والعشرون
العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب
لأنهم أمة وحشية بالطبع ، وتعودوا عدم الخضوع لحاكم أو سياسة ، وهذا ينافي العمران، وقد اعتادوا الرحلة والغارة ، وذلك يناقض الإستقرار وهو أساس العمران .
ولذلك يكون سهلا عليهم تخريب المباني واستخدام حجارتها للطبخ عليها ، واستخدام خشبها للخيام وللتدفئة . ثم أن طعامهم في انتهاب ما في أيدي الناس ورزقهم في ظلال رماحهم، وليس عندهم حد في النهب ، وذلك يعني بطلان السياسة التي تقوم على حفظ الأموال والعمران ، ثم هم لا يرون قيمة لعمال الحرف والصناعة ويسخرونهم بلا أجر فيكف العمال والحرفيون عن العمل ، وتتوقف حركة العمران . وربما يفرضون العقوبات المالية حرصا على تكثير الجباية وجمع الأموال بأي طريق فيكثر الفساد وتعم الفوضى .
ثم هم متنافسون في الرئاسة وأسرع للإختلاف ، ويتعدد امراؤهم وتمتد أيديهم في إطار التنافس إلى نهب ما في أيدي الناس ، فيفسد العمران . وعلى أيدي العرب تخربت الأمصار من اليمن إلى العراق والشام . وحدث نفس الشئ لشمال أفريقيا عندما سيطر عليها بنو هلال وبنوسليم إذ أصبح خرابا بعد أن كان عمرانا فيما بين السودان والبحر المتوسط .
الفصل السابع والعشرون
العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية
من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين
بسبب توحشهم فهم أصعب انقيادا ، لما فيهم من الأنفة والمنافسة في الرياسة فيما بينهم، فإذا كانت ثمة دعوة دينية أذهبت من نفوسهم أخلاق الكبر والمنافسة وإذا قام فيهم صاحب دعوة دينية ودعاهم بالدين وابتعد بهم عن الأخلاق الذميمة إستطاع تأليف كلمتهم وأرجعهم للفطرة الأولى .
الفصل الثامن والعشرون
العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك
لأنهم أكثر بداوة من سائر الأمم وأكثرهم ضربا في عمق الصحراء وابتعادا عن الحضر ، فكان صعبا أن ينقاد بعضهم إلى بعض ، ويضطر رئيسهم إلى الإحسان إليهم ليتألف قلوبهم وحتى لا ينقلبوا عليه ، وهذا ينافي سياسة الملك التى تقوم على القهر . ثم أنهم يعيشون على النهب فإذا ملكوا أمة تسلطوا عليها بالنهب والمصادرات وتحويل العقوبات إلى غرامات مالية ، مما ينشر الفساد والفوضى والتخريب .
ويتعرف العرب على السياسة إذا تبدلت طباعهم بالدعوة الدينية كما حدث منهم في تاريخ الإسلام . ثم إنهم بعد ذلك نبذوا الدين فنبذوا السياسة ورجعوا إلى الصحراء والتوحش ، وقد يحدث أن يتغلبوا على بعض الدول المستضعفة فيخربونها .
ملاحظة : كلام ابن خلدون عن العرب يعنى ( الأعراب ) خصوصا من (نجد )، ومن ( نجد ) كانت معظم الحركات التخريبية مثل قبائل بنى هلال وبنى سليم الذين جاءوا الى مصر فى العصر الفاطمى وخربوا الساحل الشمالى ومنه ذهبوا الى شمال افريقيا وواصلوا تخريبه . ومن اقليم ( نجد ) كانت تخرج غارات تخريب العراق والشام وقطع الطريق على الحجاج . وبعضها حمل راية دينية مثل حركة الردة بعد موت النبى عليه السلام ، ثم مشاركتهم فى ثورة الزنج والقرامطة فى العصر العباسى . ثم الوهابيون السعوديون فى عصرنا .
الفصل التاسع والعشرون
البوادي من القبائل والعصائب مغلوبون لأهل الأمصار
عمران البادية ناقص فليس فيها آليات الزاعة والصنائع والحرف بل والعملات المالية ، ويوجد عوضا عنها ما ينتجون من الألبان والصوف فيبيعونه لأهل الحواضر مقابل الدرهم والدينار ، فهم أكثر احتياجا إلى الأمصار ، وأهل الأمصار لا يحتاجون لهم كثيرا . وماداموا في البادية دون إستيلاء على الحواضر فهم محتاجون إليها وخاضعون لسلطة الدولة . والدولة إذا كانت أقل قوة أخضعتهم بالمال وإعطائهم الضروريات ، أو استعانت ببعضهم ضد الآخرين . وفي كل الأحوال فهم مغلوبون لأهل الأمصار طالما يعجزون عن حكمها.
الباب الثالث:( في العمران السياسي ) في الدولة العامة والملك والمراتب السلطانية
عرض مقدمة ابن خلدون:الباب الثالث (ف1: 9): الدولة والعصبية والدعوة الدينية
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
الباب الثالث:( في العمران السياسي ) في الدولة العامة والملك والمراتب السلطانية الفصل الأول
الملك والدولة العامة إنما يحصل بالقبيلة والعصبية
التغلب والقوة تكون بالعصبية ، ويتنافس الناس في الوصول إلى الملك ويتنازعون ، والغالب هو الأكثر قوة وإتباعا وعصبية .
وهذا ما يتناساه جمهور الناس بسبب طول العهد بعد إقامة الدولة . فلا يعرفون ما فعل الله أول الدولة ، وإنما يدركون تسليم الناس لصاحب السلطة الذي ورثها واستغنى عن العصبية ، وحدث ذلك لأهل الأندلس فتلاشى ملكهم .
الفصل الثاني
إذا استقرت الدولة وتمهدت فقد تستغني عن العصبية
في بداية الدولة لاينقاد لها الناس إلا بالقوة والعصبية ، فإذا توطدت الدولة وتوارثها أصحاب الملك تناسى الناس قيامها على العصبية . وأصبح التسليم للدولة عادة والقتال عنها عقيدة ، ولهذا جرت العادة على وضع الكلام في الإمامة بعد العقائد الإيمانية . كأنه من جملة الإيمان . وتدعم الدولة سلطانها بالموالى والأتباع الذين نشأوا في ظل سلطانها ، أو تستقدم موالي من الخارج .
وهذا ما حدث للعباسيين ، إذ استعانوا بالعرب ، فلما فسدت عصبية العرب تحولوا إلى الموالى من الترك والديلم ، ثم تغلب عليهم البويهيون ، ثم السلاجقة , وحدث هذا لصهناجة ـ بعد فساد عصبيتهم منذ القرن الخامس ـ تقلص سلطانهم في الثغور حتى انقرض وتأسست دولة الموحدين بقوة القبائل المصامدة .
وحدث هذا للدولة الأموية بالأندلس ، بعد فساد عصبيتها العربية تقسمت بين ملوك الطوائف الذين تحاربوا فيما بينهم ، ودعم كل منهم سلطانه بالموالي ، وحتى غزاهم المرابطون من شمال أفريقيا بعصبيتهم القبلية من لمتونة فاستولوا على الأندلس .
ويرد إبن خلدون على الطرطوشي في كتابه " سراج الملوك " حيث يرى الطرطوشي أن الجند أصحاب العطاء هم أصحاب العصبية ، ويرى إبن خلدون أن ذلك في الدولة بعد استقرارها ثم ضعفها ، لذا تلجأ إلى إستئجار الجند والموالي والمرتزقة .
الفصل الثالث
قد يحدث لبعض أهل النصاب الملكي دولة تستغني عن العصبية
إذا تغلبت إحدى العصبيات على الأمم والأجيال إنقادوا لها ، فإذا خرج ثائر ينتمي إلى هذه العصبية وارتحل إلى مكان بعيد عن مقر السلطان ، ولكن يموج هذا المكان بالإنتماء إلى هذه العصبية ودعوتها أصبح ممكنا أن تجتمع حوله عصبية جديدة تقوم معه تنشئ له ملكا جديدا إيمانا بأحقيته في السلطان وفي الإمامة .
وقد وقع هذا للإدارسة في المغرب الأقصى بعد فرار إدريس من العباسيين , وحدث ذلك للفاطميين في شمال أفريقيا ، وفي كل الأحوال وجدوا في القبائل عصبية لهم ، وهذه القبائل البربرية كانوا منقادين للفاطميين يتنافسون في خدمتهم إعتقادا منهم بأحقية العلويين بالإمامة.
الفصل الرابع
الدولة العامة القوية أصلها دعوة دينية
لأن الملك يتم بالغلبة والعصبية ، ولايتم ذلك إلا باتفاق القلوب على الإيمان بدعوة دينية ، والأمل في عون الله على إقامتها .
والسبب إن الهدف إذا كان دنيويا حمل في داخله التنافس والخلاف ، أما إذا كان دينيا اتحدوا جميعا في سبيله ، لذلك تقوم الدولة وتتوسع بالتعاون والتعاضد .
الفصل الخامس
الدعوة الدينية تزيد قوة الدولة على قوة العصبية
لأن الصبغة الدينية للدعوة تمنع التنافس الذي يصاحب العصبية ، وتجعلهم متحدين حول هدف واضح في مواجهة الدولة التي يريدون الوثوب عليها .
وأهل هذه الدولة وإن كانوا كثرة إلا أنهم متخاذلون مختلفون قد أرهقهم الترف لذا ينهارون سريعا أمام أصحاب هذه الدعوة الدينية . وذلك ما حدث في الفتوحات الإسلامية في القادسية واليرموك ،وحدث في حركة الموحدين وقبائل لمتونة حين هزموا قبائل المغرب وشمال أفريقيا .
فإذا انتهت الصبغة الدينية وبقيت العصبية يعود الخلاف ، ويتغلب الأقوى ، وقد كانت قبائل زناته أشد توحشا وقوة من المصامدة ، ولكن تغلب عليهم المصامدة لأنهم يحملون دعوة دينية . وقامت دولة الموحدين ، وأصبح الزناتيون أتباعا للمصامدة . فلما خمدت الدعوة الدينية في المصامدة تغلبت عليهم زناته وغلبوهم وانتزعوا منهم الأمر .
الفصل السادس
الدعوة الدينية لا تتم إلا بالعصبية
لأن كل أمر يتم فرضه على الناس لابد له من عصبية ، واستشهد بحديث : ما بعث الله نبيا إلا كان في منعة من قومه ، وقال إذا كان هذا في حق الأنبياء وهم أصحاب معجزات إلاهية فهو في غيرهم أولى .
وقد ثار الشيخ ابن قسي الصوفي في الأندلس وسمى أصحابه بالمرابطين قبيل دعوة المهدي ، فاستتب له الأمر برهة بسبب انشغال لمتونة بأمر الموحدين ، ولم تكن له قبائل تتعصب له ، فلما استولى الموحدون على المغرب دخل في طاعتهم وكان داعيتهم بالأندلس ، ولو كانت له عصبية لما أصبح تابعا لغيره . ومن ذلك ثورات الفقهاء الداعية إلى تغيير المنكر ، ويتبعهم العوام بدون عصبية قوية ، ويقول إبن خلدون " وأكثرهم يهلكون في تلك السبيل مأزورين غير مأجورين ، لأن الله سبحانه لم يكتب ذلك عليهم " فإذا ذهب أحد من الناس هذا المذهب بدون عصبية هلك . واستشهد إبن خلدون بالفتن الأهلية التي وقعت في بغداد بعد خلع المأمون ، وتزعم الفقهاء هذه الفتن تحت شعارات دينية ، وكان منهم خالد الدريوس وأبو حاتم سنة 201 ، ويحدث أن يقتدي بهم بعض الفقهاء في تزعم الفتن دون أن تكون له عصبية وينتهي أمره بالنجاة متهما بالجنون والوسوسة ، أو بالعقاب ، وبعضهم يزعم الإنتساب إلى المهدي المنتظر كما حدث في أول القرن الثامن الهجري حين زعم التوبذري الصوفي في سوسه أنه الفاطمي المنتظر ، فتجمع حوله بعض البربر، فأرسل إليه عمر السكسيوي زعيم قبائل المصامدة من اغتاله على فراشه ، وفي نفس العصر ظهر رجل آخر إسمه العباسي في غمارة وادعى أنه المهدي ،واحتل بادس ، ثم قتل بعد أربعين يوما . والسبب هو غفلتهم عن أهمية العصبية أو القوة المؤيدة .
ملاحظة
ينطبق هذا فى عصرنا على الدولة السعودية ، إذ إستعانت بالدعوة الدينية لابن عبد الوهاب ( الوهابية ) وأقامت دولتها الأولى . وقد دمرها الوالى ( محمد على ) عم 1818 ، دمّر محمد على الدولة ولكن ترك الدعوة فاشية ، فاستطاعت الدعوة بأنصارها ( أو عصبيتها بتعبير ابن خلدون ) إعادة إقامة الدولة السعودية الثانية ، وسرعان ما سقطت الدولة فأعاد عبد العزيز آل سعود إقامة الدولة السعودية الثالثة الراهنة عن طريق ( عصبية ) أسسها ، هم شباب الأعراب الذين علمهم الوهابية فى معسكرات منعزلة أسماها ( الهُجر ) . وأسماهم ( الاخوان ). وثار ( الاخوان ) على سيدهم عبد العزيز فهومهم وأسس فى مصر جمعيات وهابية كان أخطرها ( الاخوان المسلمون ) الذيم نشروا وباء الوهابية دعوة سياسية دينية ، تسير فى ركابها المذابح وحمامات الدم ..حتى الآن .
الفصل السابع
إن كل دولة لها حصة من الممالك والأوطان لا تزيد عليها
لأن عصبية الدولة من أمراء وجند لابد من توزيعهم على أرجاء الدولة من المدن وعلى الحدود ، لإدارة الدولة وحمايتها ، فإذا توزعوا على الحواضر والثغور فلابد من نفاذ عددهم ، فإذا اتسعت الدولة فوق امكانية عصبيتها حدث خلل يمكن أن ينتهزه العدو المجاور لغزو الدولة.
وإذا بقيت قوة من عصبية الدولة بعد توزيع الجنود والأمراء للحماية والإدارة ، فإن هذه البقية من القوة تعين الدولة على بلوغ مرادها . والدولة في مركزها أشد قوة عنها في الأطراف . ثم إذا أدركها الهرم فإن الضعف يبدأ من الأطراف إلى أن ينتهي في المركز ، فإذا جاء الضعف في المركز نفسه فلا ينفعها بقاء الأطراف بل تضمحل لوقتها . فالمركز هو القلب ، وحين سقطت عاصمة الفرس في المدائن لم ينفع يزدجر الثالث ما بقي بيده من الأطراف ، وعلى العكس من ذلك دولة الروم ، حين لم تسقط القسطنطينية إستمر ملكهم بدون الأطراف التي استولى عليها العرب .
والعرب في الفتوحات توسعوا فيما بين الهند والأندلس . فلما تفرقت قوتهم وعصبيتهم في تلك المساحة ، لم يستطيعوا تجاوز تلك الحدود ، ثم بدأ تراجعهم من الأطراف .وهكذا فإن اتساع الدولة على قدر نسبة عصبيتها وقوتها .
الفصل الثامن
عظم الدولة واتساعها وبقاؤها بقدر نسبة القائمين بها
لأن الملك يقوم على القوة والعصبية ، وهي تتوزع على الدولة ، وكلما ازدادت قوة الدولة إتسعت مساحتها ، وبلغ عدد الجيش الأخير للنبي في تبوك 110 ألف ، فلما جاءت الفتوحات أسقطوا فارس وتوسعوا في ممتلكات الروم ، ووصلوا ما بين الهند والأندلس ، ومن اليمن إلى الترك شمالا .
وكانت كتامة أكبر من صهناجة والمصامدة فاستطاعت بالدعوة الفاطمية أن تمتد فيما بين المغرب إلى مصر والشام والحجاز . ولأن زناته كانت أقل في العدد من المصامدة فقد قصر ملكهم على ملك الموحدين ، وهكذا تتسع الدولة بقدر تعداد وقوة عصبيتها .
ويتوقف على ذلك أيضا طول بقائها ،لأن عمر الدولة يتوقف على مدى قوة عصبيتها في النفوس ، والنقص في الدولة يبدأ في الأطراف ، فإذا تباعدت الأطراف لاتساع الدولة ، فإن النقص في الأطراف يأخذ وقتا حتى يتغلغل ويصل إلى القلب والمركز . مما يجعل أمد الدولة طويلا .
واستشهد بطول مدة الدولة العباسية بالمقارنة بغيرها من الدول اللاحقة .
الفصل التاسع
الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قل أن تستحكم فيها دولة
لأن اختلاف الأراء والأهواء ينتج عنه اختلاف العصبيات وكثرة الفتن والثورات ، لأن كل قبيلة أو عصبية تطمع في أن تصل بقوتها إلى الإستقلال ، والدليل على ذلك ما وقع في شمال أفريقيا بعد الفتح الإسلامي ، إذ قاوموا الفتح ، وبعد أن أسلموا إستمروا في الثورات على مذهب الخوارج ، ويقال أن البربر إرتدوا إثنتي عشرة مرة حتى إستقر الإسلام فيهم في ولاية موسى بن نصير وذلك بسبب كثرة قبائلها وعصبياتها . واختلف الشام والعراق عن شمال أفريقيا إذ سرعان ما تمهدت أمور المسلمين فيها على عكس البربر وقبائلهم . وقبل ذلك كان صعبا على بني إسرائيل إقامة ملك لهم في الشام الذي تكاثرت فيه القبائل من كل صنف ، وامتد ذلك الخلاف إلى بني إسرائيل أنفسهم فتفرقوا إلى أن غلبهم الفرس ثم الروم .
وعلى العكس من ذلك ، فالأوطان الخالية من العصبيات يسهل إقامة وتوطيد الدولة فيها كما في مصر والشام بعد الإسلام وفي عصر إبن خلدون .
مصر مطية راكب
ويقول ابن خلدون إن مصر بالذات في غاية الدعة والرسوخ لقلة أهل العصبيات ، وإنما هو سلطان ورعية ، ودولتها قائمة بالمماليك يتوارثها الأقوى فيهم ، والخلافة الاسمية لبني العباس ، وكذلك شأن الأندلس في ذلك الوقت .
ملاحظة : ابن خلدون أتم كتابة المقدمة والتاريخ قبل قدومه لمصر . ويبدو انه أضاف الحالة المصرية بعد مجيئه الى مصر ، وشعب مصر ليس قبائل مسلحة كما هو الحال فى الصحراء العربية والأفريقية ، بحيث ينطبق عليها وصف العصبية ، لذا هى خارجة عن تأطيره للعصبية .
مصر هى كما قال عمرو بن العاص ( مطية راكب ) أو كما يقول المصريون ( بلد اللى يركب ) ، ومن يركب مصر بعسكره هو الذى يحكم ، حتى لو كان أجنبيا ، أو رقيقا مملوكا ( المماليك ) . و العسكر حتى لو كان مصريا فهو يحكم مصر بنفس الحكم المملوكى العسكرى والأجنبى، يحتكر السلطة والسلاح والثروة ، ومنطق العسكر فى كل عصر أنهم ( السادة ) ، وأن الشعب المصرى مملوك لهم لأن الشعب منزوع السلاح عاجز عن تحرير نفسه من الاستبداد .
عرض مقدمة ابن خلدون: ب3 :( ف 10 : 20) الاستبداد والترف وأعمار الدُّول
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب الثالث:( في العمران السياسي ) في الدولة العامة والملك والمراتب السلطانية
الفصل العاشر
طبيعة الملك الإنفراد بالمجد
لأن الملك بالعصبية ، والعصبية تتآلف من عصبيات فرعية تخضع لأقواها ، والعصبية الأقوى يكون منها الملك هو صاحب الحسب والأصل فيهم .وإذا انفرد بالحكم أصابه التأله واستبد بالأمر ومنع الآخرين من أن يكون لهم في دولته نفوذ. ودائما ما يحدث ذلك في الملك الأول المؤسس للدولة ، ولايتم للثاني والثالث إلا بقدر تحكمه في العصبيات .
الفصل الحادي عشر
طبيعة الملك الترف
لأنه بحصولهم على الملك يتركون الخشونة إلى الترف والتنعم في المطاعم والمشارب والمساكن والأثاث ، ويتفاخرون في ذلك . وعلى قدر ملكهم يكون حظهم من الترف .
الفصل الثاني عشر
طبيعة الملك الدعة والسكون
لأن الوصول إلى الملك هو الغاية ، فإن حصل على غايته لم يعد له هدف أبعد من ذلك ، لذا يؤثر الراحة والتمتع بالدنيا في كل مظاهرها .
الفصل الثالث عشر
إذا تحكمت في الملك عوامل الاستبداد
والترف والدعة أصيبت الدولة بالهرم
وذلك لعدة أسباب :
الأول : لأن الإستبداد يجعل الآخرين يتكاسلون ويؤثرون الخنوع ، ثم يأتي الجيل الثاني من الأتباع يحسبون أن ما يأخذونه من السلطان أجرا على الحماية مع أنهم لا يرضون افتداء السلطان بحياتهم ، مما يسرع بضعف الدولة . أما إذا كان الأمر شورى ومشاركة إتحدوا جميعا في تدعيم الدولة والدفاع عنها .
الثاني : إن ترف السلطان يوقعه في الإسراف ، مما يجعل النفقات تزيد على الإيراد ويزداد الفقير فقرا ، ويستهلك المترف ما لديه بإسرافه ، ويزداد ذلك في الأجيال اللاحقة ، فتعجز الدولة عن نفقات الحروب ومرتبات الجند ، وعندها يلجؤون للمصادرات والعقوبات المالية ، ويضيع إيرادها بين أرباب الدولة فلا تستفيد منها شيئا غير الفساد والفوضى . وإذا كثر الترف والسرف في أرباب الدولة لم تعد مرتباتهم تكفي إسرافهم فيحتاج السلطان إلى زيادتها وتعجز موارد الدولة عن ذلك ، فتزداد الضرائب والمكوس ، وقد يلجأ إلى تقليل عدد الجند لتوفير النفقات فتضعف الدولة ، ويطمع فيها أعداؤها وجيرانها . والترف مفسدة للناس إذ يحيي في النفس الشرور ويضيع منها عوامل الخير .
الثالث : إن الملك حين يؤثر الدعة والراحة فإن الجيل الثاني من الملك ينسى الخشونة ، ويزول الفارق بينه وبين العوام ، وينغمس في الترف ويزداد اعتماده على الجند والحراسة من أصحاب البأس والخشونة ليدعم دولته ، وقد يشتري المماليك ليكونوا جندا ، وأبناء أولئك المماليك يكونون أقل خشونة وبسالة من آبائهم ، لأن الأبناء ولدوا وعاشوا وسط الدولة وترفها .
ملاحظة : هذا تأصيل سياسى رائع ، ينطبق على الدول الراهنة فى الشرق الأوسط من مصر الى الخليج .
الفصل الرابع عشر
الدولة لها أعمار طبيعية كالأشخاص
العمر الطبيعي للإنسان 120 عاما ، ولايزيد عن ذلك إلا نادرا . ويختلف العمر في كل جيل حسب كل قرن . من مائة عام إلى الستين والسبعين . وأعمار الدول أيضا لا تتعدى أعمار ثلاثة أجيال والجيل أربعون عاما .أي أن عمر الدولة 120 عاما . وأخذ إبن خلدون تحديد أربعين للجيل من الأربعين عاما التي قضاها بنو إسرائيل في التيه .
وعمر الدولة لا يزيد على ثلاثة أجيال ، لأن الجيل الأول يحتفظ بالخشونة والبسالة وبساطة العيش فيحتفظ بالقوة والعصبية والغلبة . ثم يأتي الجيل الثاني وقد تحول إلى الحضارة والترف واستبداد صاحب الأمر وخنوع الأتباع ، ولكن يبقى معهم شواهد عز من الجيل الأول وأهل في الإصلاح والإقتداء ، إلا أن الجيل الثالث يبلغ في الترف غايته ، ويصبح السلطان عالة على الدولة محتاجا إلى حمايتها كالنساء والصبيان ، ولا يتبقى له من الفروسية إلا أن يركب في المواكب والإحتفالات ، ويحتاج إلى إستجلاب الجند البواسل وشرائهم واستئجارهم إلى حين تنقرض الدولة .
وهكذا لا تعدو الدول هذه الأجيال الثلاثة إلا في ظروف إستثنائية كأن لا تكون هناك قوة أخرى تريد إزالتها .
الفصل الخامس عشر
إنتقال الدولة من البداوة إلى الحضارة
التغلب الذي يكون به الملك يأتي بالعصبية وشدة البأس أي البداوة ، ثم تأتي الحضارة والترف والدعة مع استقرار الملك ، وهذا ما حدث للعرب بعد استقرار الفتوح وبعد أن خدمهم أهل البلاد المفتوحة . ونرى ذلك حين نقارن أحوال العرب عند الفتح وقد رأوا الكافور في خزائن كسرى فاستعملوه في العجين ، بأحوالهم في الدولة العباسية حين تزوج المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل وما حدث في هذا الزفاف من ترف وسرف ، وكانت أعطيات بني أمية من الإبل فأصبحت لدى العباسيين أحمال المال والثياب ومراكب الخيل . ..
وهكذا تنتقل الحضارة من الدول السالفة إلى الدولة اللاحقة من الفرس لعرب بني أمية ثم بني العباس ثم الديلم ثم الترك ثم السلاجقة ثم المماليك .
وعلى قدر عظم الدولة يكون حظها من الحضارة لأن الحضارة من توابع الترف ، والترف من توابع الثروة والنعمة ، والنعمة من توابع الملك ، فعلي مقدار الملك يكون ذلك كله .
الفصل السادس عشر
الترف يزيد الدولة في أولها قوة إلى قوتها
لأن القبيلة إذا وصلت إلى الملك كثر التناسل فتكثر عصبيتها ، ويستكثرون أيضا من الموالي والأتباع ، فيزدادون عددا وقوة . فإذا ذهب الجيل الأول والثاني وأصيبت الدولة بالهرم لم يستقل أولئك الموالي بأنفسهم في تأسيس الدولة لأنهم كانوا عيالا على أهلها ، فإذا ذهب الأصل لم يستقل الفرع بالرسوخ.
واستشهد إبن خلدون على كثرة نسل العصبيات بتعداد بني العباس أيام المأمون وقد وصلوا إلى ثلاثين ألفا في أقل من مائتي سنة . ولم يصل العرب في أول الفتح هذا العدد.
الفصل السابع عشر
أطوار الدولة واختلاف أحوالها وأخلاق أهلها باختلاف الأطوار
تنتقل الدولة في أطوار مختلفة ، وفي كل طور يكتسب أهل الدولة حالات مختلفة ، وهناك خمسة أطوار للدولة :
الطور الأول : الإستيلاء على الملك ، ومؤسس الملك يكون قدوة في المجد والفروسية وإدارة الدولة ولا ينفرد بالأمر .
الطور الثاني : الإستبداد والإنفراد بالحكم ، ويهتم الملك باصطناع الأتباع الجدد وإبعاد العصبية التي أقامت الملك ، ويعاني في سبيل ذلك ما عاناه سابقه في الإستيلاء على الحكم .
الطور الثالث : الفراغ والدعة للتمتع بثمرات الملك ، وهنا يكون ضبط الإيراد وتحسينه وتشييد العمران وتفريق الأموال على الأتباع ، وهذا آخر أطوار القوة والإستقلال .
الطور الرابع : القنوع والمسالمة ، يقنع الملك هنا بما بناه السابقون ويقلدهم في مآثرهم.
الطور الخامس: الإسراف والتبذير : هنا يتلف الحاكم ما جمعه السابقون وينفقه على حاشية السوء ، ويقلدهم الوظائف الخطيرة ، وهنا تصاب الدولة بالهرم والمرض وتنقرض.
ملاحظة : هذا ينطبق الآن على الأسرات الحاكمة التى تحتكر السلطة والثروة .
الفصل الثامن عشر
آثار الدولة بقدر قوتها
الآثار إنما تحدث عن القوة التي بها كانت أولا ، وعلى قدرها يكون الأثر ، فآثار الدولة وهياكلها بقدر قوة الدولة ، لأن ذلك لا يتم إلا بكثرة العمال والصناع وحسن الإدارة . والدولة العظيمة الواسعة تترك آثارا تدل على عظمتها وسعتها . مثل إيوان كسرى وبلاط الوليد في دمشق وجامع بني أمية بقرطبة والأهرام بمصر . ومن تلك الآثار تعرف اختلاف الدول في القوة والضعف .
تصحيح ونقد لبعض الروايات
والآثار العظيمة القديمة لم تكن لأن الأقدمين كانوا عمالقة ولكنهم أقاموها بالتنظيم والإدارة واجتماع الأيدى العاملة ، وليس هناك فرق بين أحجام البشر ، إلا أن القصاصين حكوا خرافات عن عاد وثمود والعمالقة لا يقبلها عقل . ومنها أن عوج ابن عناق العملاق كان يتناول السمك من البحر ويشويه في الشمس ، ويرد إبن خلدون على ذلك أنهم لا يعلمون أن الحر هو الضوء ، والضوء فيما قرب من الأرض أكثر لانعكاس الأشعة من سطح الأرض بمقابلة الأضواء فتتضاعف الحرارة بسبب ذلك ، وإذا تجاوزت مطارح الأشعة المنعكسة فلا حر هنالك بل يكون البرد حيث يجاري السحب ، وأن الشمس في نفسها لا حارة ولا باردة وإنما هي جسم بسيط مضئ .
قوة الدولة بقدر ثرائها الاقتصادي
ومن آثار الدول أيضا حالها في إعطاء الهدايا ، وأن ذلك على قدرها وغناها وحضارتها ، واستشهد بجوائز المأمون والبرامكة وملوك صنهاجة .
وذكر إبن خلدون إيراد بيت المال في بغداد في خلافة المأمون بتفصيلاته من كل البلاد والأقطار ، وذكر أن عبدالرحمن الناصر ترك في بيت المال عند موته خمسة مليارات دينار ، وإيراد بيت المال في عهد الرشيد ( 7500) قنطار ذهب سنويا . وقال أن الناس قد يستكثرون ذلك مع أن هذه الثروات على قدر قوة الدول واتساعها . وقال أنهم كذبوا ما أخبر به ابن بطوطه في رحلته عن عجائب وثراء الهند لأنهم لم يروا إلا بلادهم ولا يتخيلون غيرها .
الفصل التاسع عشر
إستظهار صاحب الدولة على قومه أهل عصبيته بالموالى والأتباع
يتغلب صاحب الأمر بعصبيته على أعدائه ويقيم دولته ، ويستعين بهم في إدارة دولته وحمايتها ، فإذا جاء الطور الثاني إستبد الملك بالحكم وأقام عصبية جديدة يستعين بها ضد العصبية القديمة التي تتيه بمكانتها وسلطانها ، والتي رأته صغيرا ناشئا حين كانوا يقيمون الأمر لأبيه .
ولذلك يحتفي الملك بهذه العصبية الجديدة من الموالي والأتباع ويغدق عليهم الأموال والمناصب ، فيدب في الدولة الوهن والحقد والتآمر والفساد .
وقد حدث ذلك في بداية الأمويين والعباسيين ، إذ استعانوا برجالات العرب في بداية الأمر ثم اصطنعوا بعدها الموالي والأتباع .
الفصل العشرون
أحوال الموالى والأتباع في الدول
يتفاوت الأتباع في التعلق والإلتحام بصاحب الدولة بقدر قدمهم في خدمته، فالعصبية الأولى تكون بالنسب حيث يتناصر الأقربون فيما بينهم للوصول إلى المُلك ( أو التملك) ، وغير ذلك تكون العصبية بالحلف والولاء أي الإسترقاق بلا نسب وهي توجد صلة خاصة هي الإلتحام.
الولاية بين القبيلة وأوليائها أشد قبل حصول المُلك
والمقصود بالالتحام طول العشرة ودوام المدافعة والصحبة ، وقد يكون ذلك قبل التملك أكثر تعمقا حيث لم تكن التفرقة بين النسب وغيره قد وجدت بعد . أما بعد التملك فتتميز درجة الملك وأقرب أقاربه عن الآخرين ، ويضعف الإلتحام بمقدار الإبتعاد عن الملك وأسرته . ثم إن الإلتحام واصطناع الأولياء قبل التملك ينساه أهل الدولة بطول الزمان ، وأما بعد التملك فيكون معروفا .
ولذلك فإن من كان إصطناعه قبل التملك يكون أشد إلتحاما وأقرب قرابة من الملك ، ومن كان إصطناعه بعد التملك والرياسة لا يكون له نفس الدرجة من القرابة والصلة ، حتى أن الدولة في آخر عمرها تصطنع الأتباع ولكن بدون مجد يصل إلى مجد الأتباع الأوائل ، وهذا المجد الذي يناله الأتباع الأوائل يجعل السلطان ينفر منهم وينشئ أتباعا جددا ليحلوا محلهم .
عرض مقدمة ابن خلدون:ب3 : (ف 21 : 26):السلطان والامامة والخلافة
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب الثالث:( في العمران السياسي ) في الدولة العامة والملك والمراتب السلطانية
الفصل الحادي والعشرون
الحجر على السلطان
إذا استقر المُلك في أسرة واحدة وتوارثه الخلف عن السلف فربما يتولى صبي صغير يتغلب عليه الوزير أو الحاشية أو أحد الأقارب ، ويصير ولي العهد الصبي محجورا عليه ، ويعمل المستبد بأمره على أن يلهيه عن الحكم بالمجون ويجعله يعتقد أن حظ السلطان من السلطة هو الجلوس على العرش بدون نفوذ والتفرغ للملذات ، أما الحل والربط والإدارة والحكم إنما يكون للوزير القائم بالأمر المستبد به ، وبعد مدة يستغل ذلك المستبد بالأمر نفوذه ليقفز على السلطة وينفرد بالملك بعد أن يستكثر من الأشياع والأتباع ، وحدث ذلك لكافور الأخشيدي والمنصور بن أبي عامر وبني بويه .
وقد يبلغ ولي العهد مبلغ الرجال وقد يفطن لما ضاع منه فيحاول إسترداد ما ضاع منه ، وقد ينجح في ذلك نادرا ، والأغلب أنه لا ينجح ، لأن نفوذ الوزراء إذا بدأ فإنما يستمر في الدولة ، ولأن أبناء الملوك إذا تربوا في الترف والكسل تناسوا عهد الرجولة فلا ينزعون إلى رئاسة ، ويخضعون للظروف ولا يحاولون تغييرها .
وهذا الإنفراد للأتباع والحاشية بالحكم إنما يحدث عندما تستبد عشيرة الملك على قومها وتنفرد دونهم بالحكم . واستبداد الملك وعشيرته ،ثم استبداد الحاشية من أمراض الدول المستعصية .
الفصل الثاني والعشرون
المتغلبون على السلطان لا يشاركونه في لقب السلطنة
يحصل المُلك لآله بالعصبية والتغلب ، وبها يبقى رسم الدولة . والذي يتغلب على ولي العهد أو السلطان الصغير يتمتع بمظاهر المُلك من الأمر والنهي دون أن ينتزع المُلك نفسه ، لذلك يترك شارات الملك وألقابه حتى لاتهيج عليه عصبية الملك القائم بالإسم والرسم الذي يحكم بإسمه ، وحين حاول حفيد المنصور بن أبي عامر أن يشارك هشام في لقب الخلافة ، ولم يقنع بما قنع به أسلافه من التحكم دون لقب الخلافة خرج عليه بنو مروان وتخربت دولة بني عامر .
الفصل الثالث والعشرون
حقيقة الملك وأصنافه
ضرورة الملك للمجتمع
الملك منصب طبيعي ، لإحتياج المجتمع إلى رئيس يقيم العدل ويرعى المصالح .
ضرورة العصبية للملك
والملك يحتاج إلى العصبية التي تعينه في الحكم والإدارة ويصل بها إلى المُلك .
تفاوت العصببيات في قوتها
والعصبيات متفاوتة في القوة ، وكل عصبية تحكم وتغلب من يليها إلى أن تصل إلى المُلك الذي يحكم الجميع .
نفوذ الملك بقدر سيطرته على العصبيات
والملك يستبعد الرعية ويجبي الأموال ويرسل الجيوش ويحمي الحدود ، والملك الذي تتقاصر قوته وعصبيته عن ذلك يكون ناقص المُلك. والملك الذي تتقاصر قوته عن ضرب العصبيات داخل مملكته فهو ناقص المُلك وينطبق ذلك على الأمراء والملوك في النواحي والجهات الذين تجمعهم دولة واسعة مثل ملوك وأمراء العجم والبربر والطوائف في العصر العباسي والأندلس وفي عصر الأسكندر والفرس .
الفصل الرابع والعشرون
إرهاق الحد " العسف " مضر بالملك ومفسد له غالبا
رأى هام لابن خلدون: مصلحة (الرعية ) في رفق الملك
مصلحة الرعية ليست في ذات السلطان وجسمه ولكن من حيث فائدته لهم ،لأن السلطان أو الملك إضافة ، إذ هو المالك للرعية القائم في أمورهم ، فالسلطان من له رعية والرعية من لها سلطان ، ويجمع بينهما كونه يملك الرعية .
رأى هام لابن خلدون : مصلحة الملك في الرفق بالرعية
إذا ملك الملك الرعية بالرفق والجود كان في ذلك المصلحة ، وإن كان ذلك بالعسف والظلم ففيه الهلاك ، وهربت منه الرعية بالخوف والذل والمكر والنفاق ، وخذلوه وقت الشدة وربما قتلوه إذا استطاعوا . وإذا عجزوا عن قتله واستمر قهره فسدت عصبيته . أما إذا كان بهم رفيقا أحبوه وحاربوا أعداءه . ومن الرفق بهم النظر في معاشهم .
رأى غريب لابن خلدون : من الأفضل أن يكون الحاكم متوسط الذكاء
والرفق يوجد في المغفل ولا يوجد في شديد الذكاء ، لأن شديد الذكاء من الحكام يكلف الرعية فوق طاقتها . ولذلك إشترط في الحاكم قلة الإفراط في الذكاء . وعزل عمر زياد ابن أبيه عن العراق لشدة ذكائه حتى لا يحمل الناس على ما ليس في طبعهم . والأفضل في الحاكم أن يتوسط حتى لا يتطرف ولا يتعسف ، لأن الذكاء عيب في صاحب السياسة ولذلك يوصف الذكي الألمعي بصفات الشيطان فيقال إنه شيطان أو متشيطن .
الفصل الخامس والعشرون
معنى الخلافة والإمامة
لما كان المُلك يعني التغلب والقهر كانت أحكامه جائرة لأنه يحملهم ويرغمهم لتحقيق أغراضه مما يؤدي إلى الثورة والفتن لذلك يجب أن يرجع إلى قوانين السياسة التي يفرضها العقلاء.
والسياسة قد تكون عقلية وقد تكون شرعية إلاهية . وهكذا يكون لدينا ثلاثة أنواع من الملك:
الملك الطبيعي : وهو قهر الناس بالغرض والشهوة . والملك السياسي ، وهو حمل الناس بالنظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار . والملك الديني أو الخلافة ، وهي حمل الناس على مقتضى الشرع لرعاية مصالحهم الأخروية والدنيوية . وهي خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به . وهي الأفضل لأن الدنيا دون الدين مجرد عبث ، ولأن الدين هو طريق السعادة في الدارين ولأن أحكام السياسة العقلية عبارة عن نظر بغير نور الله وذلك مذموم .
ملاحظة : ينحاز ابن خلدون للدولة الدينية متأثرا بثقافة عصره . الفصل السادس والعشرون
إختلاف الأمة في حكم منصب الخلافة والإمامة وشروطه
معنى الخلافة والإمامة
الخلافة تعنى النيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا به والإمامة تشبيها بإمامة الصلاة من حيث الإقتداء ، ولهذا يقال لها الإمامة الكبرى .
ويقال خليفة لكونه يخلف النبي في أمته ،ويقال خليفة الله اقتباسا من الخلافة العامة من قوله تعالى " إني جاعل في الأرض خليفة " " جعلكم خلائف الأرض " ومنع جمهور العلماء ذلك لأن الآية لا تدل على ذلك ، ولرفض أبي بكر هذا حين قال " لست خليفة الله ولكني خليفة رسول الله " ولأن الإستخلاف إنما يكون في حق الغائب .
الإختلاف في حكم الإمامة ونصب الخليفة
ونصب الإمام واجب شرعا بالإجماع لأن الصحابة بايعوا أبابكر وسلموا النظر إليه في أمورهم ، وكذا في كل عصر بعد ذلك .
وقيل أنه واجب شرعا بالعقل ، والإجماع هو قضاء بحكم العقل . حيث يستحيل الإجتماع بدون حاكم وإلا كانت الفوضى والهلاك ، وحفظ النوع من مقاصد الشرع . وهونفس دليل وجوب النبوة عند الحكماء ، وذلك ما يخالف فيه إبن خلدون الحكماء . ويرى أن وجوب نصب الإمامة بالشرع والإجماع .
وقال بعضهم أنه لا يجب نصب الإمام لا بالشرع ولا بالعقل ، ومنهم الأصم من المعتزلة وبعض الخوارج ، وقالوا إن الأمة إذا اتفقت على تنفيذ الشرع والعدل لم يكن الأمرمحتاجا إلى إمام .
ويرى إبن خلدون أن الإجماع حجة على هذا الرأي. وقال أنهم اتجهوا إلى هذا الرأى فرارا من الإستبداد الذي يعطل الشريعة.
ويرى إبن خلدون أن الشرع لم يذم المُلك ولم يحرمه ، وإنما ذم المفاسد الناشئة عنه من القهر والظلم ، كما أثنى على العدل وإقامة معالم الدين ، وهي من توابع المُلك ، وكان داود وسليمان من الملوك . ثم إنهم طالما يقولون بإقامة أحكام الشريعة ، فهذا لا يحصل إلا بالعصبية والشوكة ، أي إقامة المُلك .
وهذا الواجب من فروض الكفاية ويرجع إلى اختيار أهل الحل والعقد فيتعين عليهم نصب الإمام ويجب على الخلق جميعا طاعته لقوله تعالى " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ".
شروط منصب الخلافة
وشروط المنصب أربعة : العلم والعدالة والكفاية ، وسلامة الحواس والأعضاء مما يؤثر في الرأي والعمل .
واختلف في الشرط الخامس ، وهو كونه قرشي النسب .
شرط العلم : أي بأحكام الشرع ، وأن يكون مجتهدا وليس مقلدا.
شرط العدالة : لأن الإمامة منصب ديني ، ومن شروط العدالة ألا يقع في المحظورات ، وقيل أيضا ألا يقع في البدع الإعتقادية .
شرط الكفاية : الجرأة والخبرة بالحرب وأحوال العصبيات وتدبير المصالح .
وسلامة الحواس والأعضاء في البصر والسمع واللمس والقدمين واليدين والأذنين وألا يكون ممنوعا من التصرف بالقهر كالأسير ، أو بالحجر عليه من بعض المتغلبين عليه .
متى تجوز الثورة على المتغلب على الحكم ؟
والمتغلب على السلطان تنتقل إليه الإشتراطات السابقة ، فإن تحلى بها جاز إقراره وإلا ثار عليه المسلمون لعزله وإعادة الإمام المغلوب .
شرط النسب القرشي
بدأ هذا الشرط باجتماع السقيفة وحجب سعد بن عبادة وحديث الأئمة من قريش إلا أن قريش أصابها الترف وضاعت عصبيتها ، وتلاشت في سائر الأقطار وتغلبت عليها الأعاجم ، فذهب كثير من المحققين إلى نفي شرط القرشية واستدلوا بحديث " إسمعوا وأطيعوا وإن ولي عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبه" .وقول عمر " لو كان سالم مولى حذيفة حيا لوليته " . ولا يأخذ إبن خلدون بالإستدلال بهذين الحديثين مع وضوح الإستدلال بهما . ومن القائلين بنفي شرط القرشية أبوبكر الباقلاني والخوارج . أما الجمهور من العلماء فيرى شرط القرشية حتى لو كان عاجزا غير كفء ، ولكن إبن خلدون يتمسك بالكفاءة حرصا على العصبية والقوة .
حكمة إشتراط النسب القرشي
1- التبرك بنسب النبي. 2- العصبية ، حيث كانت قريش عصبية مضر وأصلها وشرفها وينقاد الناس لهم . وقد استمر هذا في الإٍسلام إلى أن تلاشت عصبية العرب وغلبهم الأعاجم .
إشتراط العصبية بعد تلاشي قريش
وبعد تلاشي العرب وعصبية قريش يظل الشرط قائما ، وهو أن يكون الحاكم من قوم أولى عصبية قوية غالبة كما كان لقريش.
ابن خلدون مع الثيوقراطية ( الدولة الدينية )
وإذا نظرت إلى سر الله في الخلافة يتأكد لك أن الله جعل الخليفة نائبا عنه في القيام بأمور عباده ليحملهم على مصالحهم ويردهم عن مضارهم ، وهو مخاطب بذلك ، ولا يخاطب بالأمر إلا من له قدرة عليه ، كما خوطب الرجال وكان النساء تبعا للرجال في الخطاب .
عرض مقدمة ابن خلدون: ب3 (ف 27: 28 )الإمامة الشيعية وتحول الخلافة الى مُلك
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب الثالث:( في العمران السياسي ) في الدولة العامة والملك والمراتب السلطانية
الفصل السابع والعشرون
مذاهب الشيعة في حكم الإمامة الإمامة عند الشيعة
يتفق الشيعة على أن الإمامة ركن الدين وقاعدة الإسلام ولايجوز لنبي إغفالها . وليست من المصالح العامة التي تفوض للأمة ، ويجب على النبي تعيين الإمام الذي يكون معصوما من الكبائر والصغائر .
إمامة " علي " عندهم
ويرون أن عليا هو الإمام الذي أوصى به النبي ، ولهم في ذلك أدلة ونصوص مطعون فيها ، وهذا رأي إبن خلدون .
أدلتهم على إمامته
وتنقسم النصوص عندهم إلى نوعين : جلي وخفي
1- الجلي : أحاديث :" من كنت مولاه فعلي مولاه " ، " أقضاكم على " ، " من يبايعني على روحه وهو وصبي وولى هذا الأمر من بعدي " فلم يبايعه إلا علي .
2- الخفي : بعثه النبي إلى موسم الحج لقراءة سورة براءة وإنه لم يعرف أنه قدم أحدا على (علي) ً ، وقد قدم أسامة بن زيد وعمرو بن العاص على أبي بكر وعمر في غزوتين .
الخلافة بين الأمامية والزيدية في علي والشيخين
الأمامية : يرون أن النصوص السابقة تدل على تعيين " علي " بشخصه وتنتقل بعده إلى الأئمة ، ويتبرأون من أبي بكر وعمر ، وبعضهم يذم أبابكر وعمر .
الزيدية : يرون أن النصوص تدل على تعيين " علي " بالوصف ، ولا يتبرأون من أبي بكر وعمر ويقولون أن علياً أفضل منهما ، ولكن يجوزون إمامة المفضول مع وجود الفاضل .
الخلاف في إمامة ذرية على
الأمامية : يسوقون الإمامة في ولد فاطمة بالنص عليهم واحدا واحدا .
الزيدية : يجعلونها في ولد فاطمة بالإختيار من الشيوخ وبشرط أن يكون الإمام زاهدا عالما جوادا شجاعا ثائرا يخرج داعيا إلى إمامته .
الكيسانية : جعلوا الإمامة بعد علي وابنيه في محمد بن الحنفية ثم إلى ولده .
غلاةالشيعة
يؤلهون الأئمة على أنهم بشر إتصفوا بصفات الإله أو حل الإله فيها ، وتبرأ منهم علي ومحمد بن الحنفية وجعفر الصادق .
ومنهم من يقول بالتناسخ ، أي أن كمال الإمام ينتقل منه بعد وفاته إلى الإمام التالي ، ومنهم الواقفية أي يقف بالإمامة عند واحد يراه حيا لايموت وأنه غائب ، وقالوا بأن محمد بن الحنفية بعد موته يعيش في جبال رضوى بالحجاز ، وقال الإثنا عشرية أن الإمام محمد بن الحسن العسكري المهدي غائب في السرداب في منطقة " الحلة " إلى أن يخرج آخر الزمان لأنه المهدي المنتظر . وبعض الوقفية يعتقد أن الإمام الذي مات يرجع إلى حياته الدنيا مثل أهل الكهف .
ثورات الأئمة ودول وطوائف الشيعة
الكيسانية : جعلوا الإمامة بعد محمد بن الحنفية في إبنه أبي هاشم ، ومنهم من قال أن أبا هاشم أوصى بها إلى محمد بن علي بن عبدالله بن عباس ، وانتقلت منه إلى إبنه إبراهيم الإمام ، ولما قتله الأمويون إنتقلت إلى أخيه عبدالله السفاح ، ثم إلى أبي جعفر المنصور ثم خلفاء بني العباس ، وهذا مذهب الهاشمية .
الزيدية : قالوا أن الإمامة باختيار أهل الحل والعقد وليس بالنص ، وجعلوها في علي ثم الحسن ثم الحسين ثم علي زين العابدين ، ثم زيد المقتول بالكوفة بعد فشل ثورته ،وهوصاحب هذا المذهب وبعده ابنه يحيى الثائر في خراسان ، ثم أوصى من بعده لإبن عمه محمد النفس الزكية الذي ثار بالحجاز فقتله عسكر المنصور ، وبعده إبراهيم وعيسى فقتلهما أيضا جند المنصور بالبصرة ، وانتقلت الإمامة في آخرين على اختلاف في المذاهب ، وإليهم تنتسب حركة الزنج .
ويقال أن الإمام بعد محمد النفس الزكية أخوه إدريس الذي فر إلى المغرب ومات فيه ، فقام بالأمر إبنه إدريس الذي أقام مدينة فاس وأسس ملك الأدارسة.
ومن الدعوة الزيدية قامت دولة في طبرستان يتزعمها الحسن بن زيد وأخوه محمد بن زيد ،وقام بالدعوة الناصر الأطروشي في الديلم ، ومن الديلم جاء بنو بويه الذين سيطروا على الخلافة العباسية .
الإمامية : جعلوا الإمامة في علي ثم بالوصية إلى إبنه الحسن ثم إلى أخيه الحسين ثم إلى إبنه على زين العابدين ، ثم إبنه محمد الباقر ، ثم إبنه جعفر الصادق ثم إفترقوا فرقتين : الإسماعيلية ساقوها إلى إسماعيل بن جعفر الصادق ، والإثنا عشرية ساقوها إلى موسى الكاظم بن إسماعيل ،ويقفون عند الإمام الثاني عشر ويقولون بغيبته إلى آخر الزمان ، أما الإسماعيلية فينقلون الإمامة من إسماعيل إلى إبنه محمد المكتوم ، أو الأئمة المستورين ثم إبنه جعفر الصادق ثم إبنه محمد الحبيب ، ثم إبنه عبدالله المهدي صاحب الدعوة الفاطمية ، والإثنا عشرية ساقوها بعد جعفر الصادق إلى موسى الكاظم ، ثم إبنه على الهادي ، ثم إبنه محمد الحسن العسكري ، ثم إبنه محمد المهدي المنتظر ، وهذه أشهر مذاهب الشيعة .
الفصل الثامن والعشرون
إنقلاب الخلافة إلى المُلك
بين المُلك والعصبية
المُلك هدف طبيعي للعصبية . وبالعصبية تقام الشرائع على الناس .
المُلك والعصبية لا حرج فيهما إذا كانا في إقامة الشرع
وهناك من الأحاديث ما يشير إلى أهمية العصبية مثل " ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه"، وهناك ما يذم العصبية مثل " أن الله أذهب عنكم عصبية الجاهلية وفخرها بالآباء " كما يأتي ذم المُلك والترف والسرف .
ويوفق إبن خلدون بين هذا وذاك
ويرى أن الدنيا سبيل للآخرة ، والمراد ليس إقتلاع العصبية أو المُلك وإنما توجيههما لما فيه الخير والحق ، فالشهوات ليست مذمومة في حد ذاتها ، وإنما المذموم إستعمالها في الحرام ، وكذلك فالعصبية المذمومة هي التي تكون في الباطل ، أما العصبية في سبيل الحق فهي المطلوبة لإقامة الشرع ، وكذلك الملك إذا كان للظلم والترف والشهوات فهو مذموم ، وإن كان للتغلب بالحق وقهر الكافة على الدين ومراعاة المصالح فليس مذموما . واستشهد بدعاء سليمان " هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي" . قال أن عمر إحتج على موكب معاوية حين تشبه بكسرى ، فاحتج معاوية بأنه يريد مباهاة العدو بزينة الجهاد ، أي قصد بذلك وجه الله .
تفسير إبن خلدون ( التبريرى والتلفيقى ) لتاريخ المسلمين السياسي إلى نهاية الدولة العباسية
قال وهكذا كان شأن الصحابة في رفض المُلك وأحواله . ثم ارتضى الناس أبابكر للخلافة وهي حمل الكافة على أحكام الشريعة ، ولم يأت ذكر المُلك .
وسارت الخلافة الرشيدة على الزهد والبساطة في العيش التي اعتادها العرب حتى بعد أن ورثوا مُلك كسرى والروم ، وفي خلافة عثمان إقتنى الصحابة الضياع والمال واستشهد إبن خلدون بما ذكره المسعودي عن ثراء الصحابة ، ولكن إبن خلدون أكد على أنهم كسبوها بالحلال ولم يعرفوا الإسراف ، وكان جمعهم المال في سبيل الحق واكتساب الآخرة .
فلما وقعت الفتنة بين علي ومعاوية كان طريقهم فيها الحق والإجتهاد ، ولم يكن ذلك لغرض دنيوي أو لإيثار باطل أو لإستشعار حقد كما قد يتوهم متوهم وينزع إليه ملحد ، وإنما اختلف إجتهادهم في الحق وسفه كل واحد منهم نظر صاحبه باجتهاده في الحق فاقتتلوا عليه .. والكل كانوا في مقاصدهم على حق .
ثم اقتضت طبيعة المُلك الإنفراد بالمجد ، ولم يكن لمعاوية أن يدفع ذلك عن نفسه وقومه ، فهو أمر طبيعي ساقته العصبية بطبيعتها ، واستشعرته بنو أمية ، ولو خالف معاوية قومه وعصبيته لوقع في افتراق الكلمة ، وكان عمر بن عبدالعزيز يتمني أن يولي الخلافة بعده القاسم بن محمد بن أبي بكر لولا خوفه من بني أمية وهم أهل الحل والعقد وحتى لا تقع الفرقة والإختلاف ، وهذا كله حمله عليه منازع المُلك القائم على العصبية.
ويقول إبن خلدون إن من طبيعة الملك الإستبداد والإنفراد ، وليس ذلك عيبا فقد إنفرد سليمان وداود بمُلك بني إسرائيل . ولذلك عهد معاوية لإبنه يزيد خوفا من افتراق الكلمة ، ولم يكن معاوية يعرف أن إبنه يزيد فاسق ، يقول إبن خلدون " حاشا لله لمعاوية من ذلك " ودافع أيضا عن مروان بن الحكم وإبنه عبدالملك ، وقال أنهما تحريا الحق وخشيا افتراق الكلمة واقتديا بالسلف الصالح ، وقد احتج مالك في الموطأ بعمل عبدالملك ، وكان مروان من التابعين في الطبقة الأولى وعدالتهم معروفة . ثم تدرج الأمر في ولد عبدالملك وكانوا من الدين بالمكان الذي كانوا عليه ، وتوسطهم عمر بن عبدالعزيز فنزع إلى طريقة الخلفاء الأربعة والصحابة جهده . ثم جاء الخلفاء من بعده واستعملوا طبيعة الملك في أغراضهم الدنيوية ونسوا ما كان عليه أسلافهم من تحري الحق ، مما صرف الناس عنهم ، وجاءت الدولة العباسية وتحرى رجالها الحق والعدل ما استطاعوا ، ثم جاء بنو الرشيد من بعده فكان منهم الصالح والطالح وجاء بنوهم فانغمسوا في الترف والباطل فتأذن الله بحربهم وأمكن سواهم منهم .
ويخلص إبن خلدون إلى أن الأمر كان في أوله خلافة ، والدين فيها هو الباعث والوازع ، وكانوا يؤثرون الدين على الدنيا ، ثم صار الأمر ملكا بقيت فيه معاني الخلافة في تحري الحق ، ولكن تغير الباعث أو الوازع فأصبحت العصبية مكان الدين ، وسار على ذلك الأمويون ثم العباسيون في بداية عهد الدولة . ثم ذهبت معاني الخلافة ولم يبق إلا إسمها وصار الأمر ملكا بحتا بالقهر والتغلب في الشهوات ، واستمر ذلك ببقاء عصبية العرب وقوتهم إلى أن تلاشت العرب فأصبح الملك البحت في ملوك العجم وظل منصب الخلافة لمجرد التبرك .
أي أن الخلافة سبقت المُلك ووجدت بدونه . ثم إلتبست معانيهما واختلطت ، ثم بقي المُلك وانفرد ، حيث افترقت عصبيته من عصبية الخلافة .
عرض مقدمة ابن خلدون:ب3( ف 29 :31)البيعة وولاية العهد والمناصب الكبرى
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب الثالث:( في العمران السياسي ) في الدولة العامة والملك والمراتب السلطانية
الفصل التاسع والعشرون
معنى البيعة
معني البيعة عند ابن خلدون
البيعة هي العهد على الطاعة ، أي يبايع الأمير على التسليم له وتفويضه في النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في شئ من ذلك ، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر .
طريقة البيعة
وكانوا في البيعة يجعلون أيديهم في أيدي الأمير تأكيدا للبيعة. ومنها بيعة النبي عند الشجرة وبيعة الخلفاء . وكان الخلفاء يستحلفون على العهد بكل أنواع الإيمان والحلف ، وهذا ما يعرف بإيمان البيعة ، واقترنت بالإكراه ، ولهذا أفتى مالك بسقوطها .
البيعة في عصرإبن خلدون
وأصبحت في عصر إبن خلدون تحية الملوك التي تفيد الطاعة المجازية ، وهي تقبيل الأرض أو اليد أو الرجل أو الذيل ، وصارت حقيقة عرفية حلت محل المصافحة لحفظ منصب المملكة من الإبتذال حتى لا يصافح الناس .
الفصل الثلاثون
ولاية العهد
تولية العهد واجب على الإمام
طبقا لإيمانه بالثيوقراطية ( الدولة الدينية ) يرى ابن خلدون أن الإمام ينظر في مصالح الأمة لدينهم ودنياهم لأنه وليهم والأمين عليهم ، وهو ينظر لهم في حياته وبعد مماته بأن يعين لهم من يتولى أمورهم بعده والأمة تثق بنظره لها وفيمن يوليه عليها .
وذلك تشريع بإجماع الأمة على جوازه وانعقاده ، من خلال عهد أبي بكر لعمر ، وعهد عمر في الشورى إلى الستة وما تمخض عن ذلك من إختيار عثمان .
لاحرج على الإمام إذا عهد لإبنه بالحكم
ويرى إبن خلدون أن الإمام إذا عهد لإبنه فليس في ذلك شئ لأنه يؤثر المصلحة في اتفاق أهل الحل والعقد والعصبية وحتى لاتقع الفتنة والخلاف ، واستدل على ذلك بما فعل معاوية ، وسكوت الصحابة على ما فعل دليل الموافقة ، وإن كان عبدالله بن عمر قد هرب حتى لا يبايع فإن إبن خلدون يرى في هروبه تورعا من الدخول في شئ مباح ، أما رفض إبن الزبير للبيعة فهي مخالفة نادرة . وعهد الخلفاء الأكابر في أوائل الدولتين الأموية والعباسية لأولادهم وقد عرفوا بعدالتهم وحسن رأيهم في مصلحة المسلمين ، ولايعاب عليهم إيثار أبنائهم وخروجهم عن سنة الخلفاء الراشدين لأن الشأن مختلف حيث لم يعد الوازع أو الباعث دينيا كما كان ، إذ ظهرت العصبية التي تختار ، وبدونها يقع الإختلاف والإقتتال . ولذلك رفضت العصبية العباسية أن يعهد المأمون لعلى الرضا وتعددت الثورات ، فالعصور تختلف باختلاف في المصالح ، ولكل عصر ما يناسبه من الأحكام . وقال إبن خلدون إن كان القصد بالعهد حفظ المُلك في الأبناء فليس ذلك من المقاصد الدينية .
رأى ابن خلدون التلفيقى والتبريرى فى الصراع بين الصحابة :أنّ الصحابة إجتهدوا حين عارضوا خلافة يزيد بن معاوية
وأكد إبن خلدون أن معاوية لم يكن يعلم بفسق إبنه يزيد حين ولاه العهد وإنه كان يلومه على سماع الغناء ، وقال إن الصحابة إختلفوا في الثورة على يزيد بسبب فسقه ، منهم من ثار عليه كالحسين ، ومنهم من دعا له بالهداية ، ورفض الثورة وكلهم مجتهدون .
النبي لم يعهد لعلي بالخلافة
وعن العهد من النبي لعلى بالخلافة ، أنكر إبن خلدون ذلك وأتى بأدلة أهل السنة في الموضوع، وأكد إبن خلدون على أن الإمامة من الشؤون العامة للأمة خلافا للشيعة الإمامية ، وقال إن أمور الدين كانت بخوارق العادات ولم تكن محتاجة للعصبية كالإمامة لأنها من الأمور الدنيوية.
تبرير ابن خلدون للحروب الأهلية بين الصحابة والتابعين
وعن الحروب بين الصحابة والتابعين قال إن اختلافهم وقع في الأمور الدينية بسبب الإختلاف في الإجتهاد ، ويقول إن الحق واحد لدى كل من الطرفين المجتهدين ولا يأثم واحد منهما ، ولا يتعين المخطئ منهما . وغاية الخلاف أنه إجتهادي في مسائل ظنية دينية . وعن الحرب بين علي ومعاوية فسرها إبن خلدون في ضوء إختلاف وجهات النظر وقال بدفع التأثيم عن كل من الفريقين كالشأن في المجتهدين . وعن الثورة على عثمان قال إبن خلدون" إذا نظرت بعين الإنصاف عذرت الناس أجمعين في شأن الإختلاف في عثمان واختلاف الصحابة من بعده ، وعلمت أنها كانت فتنة إبتلى الله بها الأمة " وبعد أن فسر الفتنة التي أدت إلى قتل عثمان قال " فلكل من هؤلاء عذر فيما وقع ، وكلهم كانوا مهتمين بأمر الدين ولا يضيعون شيئا من تعلقاته ، ثم نظروا بعد هذا الواقع واجتهدوا والله مطلع على أحوالهم وعالم بهم ، ونحن لا نظن بهم إلا خيرا لما شهدت به أحوالهم ".
وعن ثورة الحسين على يزيد قال إن الحسين غلط حين توهم أنه يستطيع الإنتصار على عصبية الأمويين ، واستدرك فقال أنه غلط دنيوي لا يضر ، وأما الحكم الشرعي فلم يغلط فيه لأنه كان يظن القدرة على الأمر . ونهى إبن خلدون عن تأثيم الصحابة الذين تقاعسوا عن نصرة الحسين ، ونهى كذلك عن تصويب قتل الحسين لأن قتاله لم يكن عن إجتهاد ، وقال إن يزيد فاسق لأنه قتل الحسين ، والحسين قتل شهيدا وهوعلى الحق ، والصحابة الذين كانوا مع يزيد كانوا على حق أيضا . وقال إبن خلدون أن القاضي أبابكر بن العربي المالكي قد أخطأ في كتابه العواصم من القواصم حين قال أن الحسين قتل بشرع جده ، وقال إن ابن العربي غفل عن إشتراط الإمام العادل ، وأن الحسين كان أعدل أهل زمانه .
وقال أن إبن الزبير أخطأ في تقدير عصبية الأمويين . وقال أن يزيد بن معاوية فاسق . أما عبدالملك بن مروان فأعظم الناس عدالة لأن مالك احتج بفعله ، وكثير من الصحابة لم يتابع ابن الزبير . وقال أن الكل مجتهدون والقتلى شهداء مثابون باعتبار قصد الحق ، وهذا ما ينبغي أن تحمل عليه أفعال السلف من الصحابة والتابعين وهم خيار الأمة . واستشهد بحديث " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم مرتين".
وبعد هذا التبرير والتلفيق يحذر إبن خلدون من التعرض لهم باللسان أو بسوء الريب وقال " ألتمس لهم مذاهب الحق ما استطعت وما اختلفوا إلا عن بينة وما قاتلوا أو قتلوا إلا في سبيل جهاد أو إظهار حق ، وأعتقد أن اختلافهم رحمة لمن بعدهم ليقتدي كل واحد بمن يختاره منهم ويجعله إمامه وهاديه ودليله ".
الفصل الحادي والثلاثون
&n"> أنواع المساجد والمساجد نوعان : عظيمة تحت سيطرة الخلافة ، ويكون لها إمام بالتعيين للصلوات الخمس والجمعة والعيدين والإستسقاء والخسوف ، ومساجد محلية يقوم بأمرها أهلها ولاتحتاج إلى إدارة رسمية .
وكان الخلفاء والولاة يشهدون الصلاة في المساجد ، فلما جاءت الملكية بترفعها وترفها أصبح الملك يستنيب غيره للصلاة .
2- الفتيا : وصاحب الحق فيها هو الخليفة ، وهو يعين الكفء فيها ويمنع من ليس أهلا لها ، لأنها من مصالح المسلمين وحتي لا يضلوا بفتاوي باطلة . وأهل الفتوى هم العلماء في المدارس والمساجد ، وإذا كان المسجد جامعا عظيما رسميا فلابد للمفتي فيه أن يكون بإذن السلطان ، وإن كان مسجدا محليا فلا يحتاج إلى إذن ، ويجب على المفتي في كل الأحوال أن يخشى الله في فتواه.
3- القضاء : هو الفصل بين الناس في الخصومات بأحكام الكتاب والسنة ، وكان الخلفاء يتولونه بأنفسهم ، وكان عمر أول من استناب في القضاء ، فولى أبا الدرداء في المدينة وشريحا بالبصرة وأبا موسى الأشعري في الكوفة ، وكانوا يقلدون القضاء أصحاب عصبياتهم بالنسب أو الولاء.
وكان للقاضي في عصر الخلفاء الفصل في الخصومة فقط ، ثم أضيفت لها مهام أخرى فيما بعد مثل إستيفاء بعض الحقوق العامة للمسلمين ، مثل أموال المحجوز عليهم من اليتامى والمجانين وتنفيذ الوصايا والأوقاف وتزويج اليتامى والأيامى عند فقدان الولي ، والنظر في إصلاح الطرقات والمباني والتوثق من صلاحية الشهود والأمناء والنواب . وأحيانا كان يضاف للقاضي النظر في المظالم ، أي ينصف القاضي المظلوم من السلطة أو من أصحاب الجاه ، وذلك ما كان يحدث في العصر الأول للخلافة ، والقاضي هنا يكون صاحب جاه وورع ، وهو ينظر في الأدلة والقرائن ليحكم بالحق وينصف المظلوم .
وبعض الخلفاء كان يقضي بنفسه كما فعل أبوبكر والمهتدي العباسي وغيرهما ، وبعضهم كان يعين القاضي كما فعل عمر مع أبي إدريس والمأمون مع يحيى بن أكثم والمعتصم مع أحمد بن أبي داود.
وبعضهم كان يجعل القاضي قائدا حربيا كما فعل المأمون مع يحيى بن أكثم وعبدالرحمن الناصر مع منذر بن سعيد.
4- صاحب الشرطة
ينظر في الجرائم وإقامة الحدود ، وكان ذلك في الدول العباسية والفاطمية والأموية بالأندلس.
وفي بداية الأمر كانت تابعة للقضاء ثم إنفصلت عنه ، فأصبح من وظائف صاحب الشرطة إقامة التهمة ، وفرض العقوبات الزاجرة قبل ثبوت الجرائم ، وإقامة الحدود الثابتة على مستحقيها ، والحكم في القصاص والتعزيز والتأديب في حق من لم ينته عن الجرائم .
ثم إنقسمت وظيفة الشرطة إلى قسمين : وظيفة التهمة على الجرائم وإقامة حدودها وتنفيذ القطع والقصاص ، وذلك بالحكم السياسي دون مراجعة الأحكام الشرعية . ويقوم به الوالي أو صاحب الشرطة . ثم بقي قسم التعازير وإقامة الحدود في الجرائم الثابتة شرعا من إختصاص القاضي ، ولأنها من مهام الخلافة الدينية فكان يباشرها أصحاب العصبيات من أهل الكفاءة .
وبعد إنقراض الخلافة وتحولها إلي ملك وسلطنة وبعد إنقراض العرب وعصبيتهم إبتعدت هذه الوظائف عن المملكة وازداد إبتعادها عن العرب ، وأصبح من يتقلد هذه الوظائف من المستضعفين من أهل الأمصار من غير أهل الحل والعقد ، وأصبحوا مجرد رمز يدل على قيام المملكة بأحكام الشريعة ، وأصبح وجودهم مظهريا حيث كانت القوة في يد السلطان وجنده ، وأولئك كانوا العلماء المستضعفين .
والقضاة تابعون مأمورون بأوامر السلطان وحاشيته ، وليس لهم نفوذ إلا أنهم يصدرون الفتاوي إذا طلبت منهم في الأمور الشرعية فحسب ، دون السياسية أو أن يكون لهم دور في الشورى ، وبهذا يرد إبن خلدون على من إعترض على الحكام في إخراج الفقهاء والقضاة من الشورى .
وعلى من إستدل بحديث العلماء ورثة الأنبياء يرد إبن خلدون عليهم بأن العلماء الذين هم ورثة الأنبياء كانوا من السلف وأهل الدين والورع مثل الذين ترجم لهم القشيري في رسالته . ويرى إبن خلدون أن علماء العصور اللاحقة لا ينطبق عليهم هذا الوصف .
5- موظفو الشهادة – العدالة :وظيفة دينية تابعة للقضاء ، وهي تشمل الإشهاد والشهادة بين الناس عند التنازع وكتابة السجلات لحفظ الحقوق .
وشرطها العدالة والبراءة من الجروح والنقائص والمهارة في الكتابة والوصف والنقل والخبرة والعلم بالفقه . ويجب على القاضي تفحص أحوالهم ، وتلك مسؤوليته لإقرار العدالة.
ولأولئك الشهود ( العدول) حوانيت في المدن ، ويأتي لهم أصحاب المعاملات للإشهاد لديهم . أي هم بمثابة الختم الرسمى في عصرنا !!
6- الحسبة : وظيفة دينية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والحاكم يعين الكفء لذلك المنصب ، والمحتسب يتخذ الأعوان في البحث عن المنكرات وتعزير أصحابها ( يعنى يقوم بدور الشرطى والقاضى والجلاد )، ويحمل الناس على المصالح العامة في الطرقات والمباني وغيرها . ولا يتوقف على ذلك ، بل له النظر والحكم فيما يصل إلى علمه في الغش والتدليس في المعايش والمكاييل والموازين ، وحمل المماطلين على تسوية ما عليهم من ديون ، وغيرها مما ليس فيه سماع بينة ولا إنفاذ حكم ، وهي أحكام يتنزه عنها القاضي لشيوعها وسهولتها ، فهي وظيفة تخدم منصب القضاء . وقد كانت في كثير من الدول مثل الفاطمية والأموية بالأندلس ضمن اختصاصات القضاء ، ثم عندما تحولت الخلافة إلى مُلك إندرجت في وظائف المُلك وصارت وظيفة مستقلة .
7- السًكة : هي النظر في النقود وحفظها من الغش أو النقص وخلافه ، وكانت تتم بوضع خاتم السلطان بنقوشه على الدينار ليصبح عملة رسمية وذلك بالسبك والطرق وتخليص المعيار ليكون أجود وأبعد عن الزيف . وهي وظيفة دينية بهذا الإعتبار وكانت تندرج تحت وظيفة القضاء ، ثم إستقلت كالحسبة .
ما بقي وما إندثر من وظائف الخلافة
وبقيت من وظائف الخلافة وظائف أصبحت سلطانية كالإمارة والوزارة والحرب والخراج . وهناك وظائف للخلافة اندثرت مثل نقابة الأنساب والحق في بيت المال . وإجمالا ، فقد إندرجت وظائف الخلافة ورسومها في وظائف ورسوم الملك ، حين تحولت الخلافة إلى مُلك .
عرض مقدمة ابن خلدون:ب3:( ف 32 :33):أمير المؤمنين والبطرك والكوهن
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب الثالث:( في العمران السياسي ) في الدولة العامة والملك والمراتب السلطانية
الفصل الثاني والثلاثون
لقب أمير المؤمنين للخليفة
متى بدأ لقب أمير المؤمنين؟
كان لقب أبي بكر عندما تولى " خليفة رسول الله "، وبعده تلقب عمر بـ" خليفة خليفة رسول الله" ، وكانوا يسمون قادة الجيش بالأمير من الإمارة ، وتسمى سعد بن أبي وقاص أمير المؤمنين حين كان قائدا على جيش القادسية ، ونظرا لطول لقب عمر ، فقد استحسن أن يطلق عليه لقب " أمير المؤمنين " واختلف فيمن نادي عمر بهذا اللقب لأول مرة ، فقيل عبدالله بن جحش، وقيل عمرو بن العاص ، وقيل المغيرة بن شعبة ، ثم أصبح لقبا على كل خليفة .
بين لقب الإمام ولقب أمير المؤمنين
والشيعة إختصوا علياً بلقب الإمام هو ومن يجعلونه إماما من ذريته طالما يدعون له بالخلافة سرا ، فإذا نجح في إقامة الدولة تحول اللقب إلى أمير المؤمنين ، وهكذا فعل شيعة بني العباس ودعاة الفاطميين في شمال أفريقيا ، والأدارسة بالمغرب .
ألقاب أخرى لأمير المؤمنين
وكان لقب أمير المؤمنين سمة لمن يملك الحجاز والشام والعراق حيث عصبية العرب ومركز الدولة ، واستحدث العباسيون لقبا آخر للخلفاء يتميزون به عن غيرهم وعن الإمتهان في إستعمال الناس ، فتلقب العباسيون بالسفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد .. وسار على نهجهم الفاطميون . وأعرض عن ذلك بنو أمية في الأندلس لما فيهم من البساطة حيث كانت العروبة والبداوة لم تفارقهم بعد . ثم جاء الناصر ورأي تحكم الموالي في الخلفاء العباسيين فتسمي بأمير المؤمنين وتلقب بالناصر لدين الله ، وصارت عادة في دولته.
ألقاب للحكام المستبدين بالأمر
ثم انقرضت عصبة العرب فيما بين العراق ومصر وشمال أفريقيا والأندلس وتغلب الموالي على الحكم فاختلفت مذاهب الملوك في الإختصاص بالألقاب بعد أن تسموا جميعا باسم السلطان.
فملوك الشرق احتفظوا بألقاب تشريفية تعبر عن طاعتهم وحسن ولائهم مثل شرف الدولة وعضد الدولة وركن الدولة ومعز الدولة .. فلما استبدوا بالخلفاء قنعوا بألقابهم ولم يأخذوا ألقاب الخلافة تأدبا معها .
وحين تلاشت عصبية الخلافة وقوي إستبداد وتمكن المتغلبين أطلقوا على أنفسهم ألقابا ملكية مثل الناصر والمنصور بالإضافة إلى ألقاب دينية كصلاح الدين وأسد الدين ونور الدين . وأما ملوك الطوائف بالأندلس فقد إقتسموا ألقاب الخلافة وتوزعوها بما كان لهم من عصبيات محلية فقال فيهم ابن شرف :
مما يزهدني في أرض أندلس أسماء معتمد فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها كالهرّ يحكي إنتفاخا صولة الأسد
وفي شمال أفريقيا اقتصر أمراء صنهاجة على الألقاب التي كانت لهم في عصر الدولة الفاطمية ،مثل نصير الدولة ومعز الدولة ، وبعد أن نسوا عهد الخلافة الفاطمية إقتصروا على إسم السلطان . وكذلك فعل ملوك مغراوة بالمغرب .
ولما ملك إبن تاشفين بقبيلته لمتونة البربرية شمال أفريقيا والأندلس دخل في طاعة المستظهر بالله العباسي فاستخلفه المستظهر على المغرب ، وأعطاه لقب أمير المؤمنين تشريفا له فاتخذه لقبا.
ثم جاء المهدي بالموحدين ومذهب الأشعرية وعصمة الإمام ، وأعتقد محمد بن تومرت
( المهدي) أنه الإمام المعصوم الذي يحفظ بوجوده نظام العالم ، وترك لقب أمير المؤمنين ، ثم انتحل خليفته عبد المؤمن لقب أمير المؤمنين ، وسار على ذلك خلفاؤه حيث تلاشت عصبية قريش .
وبعده جاءت زناته فاتخذت لقب أمير المؤمنين أدبا مع رتبة الخلافة التي كانوا على طاعتها لبني عبد المؤمن ، ثم نزع المتأخرون منهم إلى لقب أمير المؤمنين .
الفصل الثالث والثلاثون
شرح إسم البابا البطرك لدى النصرانية وإسم الكوهن عند اليهود
تأثرا وإيمانا بثقافة الدولة الدينية القائمة على الاكراه فى الدين التى سيطرت على العصور الوسطى يرى ابن خلدون أن الملة لابد لها من قائم عند غيبة النبي يرغم الناس على أحكامها وشرائعها ، وهو يخلف النبي في الذي جاء به من التكاليف الشرعية . ويحتاج المجتمع إلى ملك يرغمهم على العدل : والجهاد الإسلامي مشروع لإرغام الناس على الإسلام طوعا أو كرها ، لذلك اتخذت فيها الخلافة والملك لتحقيق ذلك .
وما عدا ملة الإسلام لم تكن دعوة الملل الأخرى عامة ، ولم يكن الجهاد مشروعا إلا في الدفاع فقط ، فانفصل الدين عن السياسة ، وأقيم المُلك لديهم عرضا ولغرض غير ديني بحكم العصبية الطبيعية لطلب المُلك ، ولم يكونوا كالمسلمين مكلفين بالتغلب على الأمم الأخرى . بل كانوا مكلفين بإقامة دينهم داخلهم ، وهكذا بقى بنو إسرائيل بعد موسى ويوشع لا شأن لهم بالمُلك وإنما بإقامة الدين فقط ، وكان القائم بالدين عندهم يسمى الكوهن لأنه خليفة موسى فقط ، يقيم الصلاة والقربان ويشترط أن يكون من ذرية هارون لأن موسى لم يعقب ، ثم إختاروا لإقامة السياسة سبعين شيخا يتلون أحكامهم ، والكوهن أعظم رتبة في الدين . ولكنه كان أبعد عن شغب الحكام . وظلوا كذلك إلى أن قامت لهم شوكة وعصبية فغلبوا الكنعانيين وأقاموا لهم دولة ، ثم إنقسمت الدولة دولتين ، ثم غلبهم بختنصر .
وتتبع إبن خلدون ما حدث لليهود بعد السبي البابلي إلى نزول الإنجيل على عيسى ، وكتابة الأناجيل ، وأعمال الرسل ، وتأسيس المسيحية وإنقساماتها ووظيفة البطرك ، ونائبه أو الأسقف ، ثم القسيس الذي يقيم الصلاة لهم . ثم الراهب الذي يعتكف في الدير والصوامع .
وعرض إبن خلدون لمجمع نيقيه في عهد قسطنطين والإختلافات بعد ذلك ، وكانوا يدعون البطرك بالأب تعظيما ، ثم سموه البابا أي أبو الأباء ، وظهر هذا اللقب أولا لبطركية هرقل بالإسكندرية ثم نقلوه إلى روما لأنها كرسي بطرس الرسول .
وعرض إبن خلدون إلى تفرق المسيحية إلى ملكية ويعقوبية ونسطورية ، وطبقا لإيمانه بالثيوقراطية ( الدولة الدينية ) وحروبها الدينية يرى ابن خلدون أن المسيحين واليهود كلهم كفار ، ولا سبيل أمامهم – حسبما يقول – إلا بالإسلام أو الجزية أو القتل .
وقال عن طوائف المسيحية في عصره ، أن بطرك روما على رأي الملكية ( الكاثوليكية ) وبطرك مصر على رأي اليعقوبية ( الأرثوذكسية ) وتتبعه الحبشة ويرسل لهم أساقفة ينوبون عنه . وقال إن بطرك روما اختص بلقب البابا ، وإن مسيحي مصر الأرثوذكس لايسمون بطركهم بهذا اللقب (البابا) .
وقال أن بابا روما يحض الفرنجة على الإنقياد لملك واحدا خوف تفرق الكلمة وطلبا للعصبية ، وحتى تكون سيطرته عليهم جميعا . وقال أنه يقوم بتتويج الملك الأوربي ويسمى ذلك الانبرذور (الأمبراطور ).
عرض مقدمة ابن خلدون: ب3 :(ف 34)الوزارة والحجابة والدواوين والشرطة والأساطيل
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب الثالث:( في العمران السياسي ) في الدولة العامة والملك والمراتب السلطانية
الفصل الرابع والثلاثون
مراتب الملك والسلطان وألقابهما
السلطان راع لله على الناس لذا يحتاج إلى من يعاونه
السلطان في نفسه لا يستغني عمن يعاونه في حياته الشخصية ، وبالتالي فهو أحوج إلى من يساعده في الحكم . وطبقا لإيمانه بالثيوقراطية ( الدولة الدينية ) يقول ابن خلدون يعزّز رأيه : ( فما ظنك بسياسة من استرعاه الله من خلقه وعباده ).!. فالسلطان عنده وكيل عن رب العزة فى التصرف فى الناس.!
صفات الأعوان
والأفضل للأعوان أن يكونوا ذوي قربى من أهل النسب أو الولاء القديم .
أعوان القلم وأعوان السيف
ويستعين في ذلك بقلمه أو سيفه أو رأيه أو معارفه أو حجابه عن الناس . وقد يوجد ذلك كله في شخص واحد ، أو في عدة أشخاص ، وقد يتفرع كل واحد منهم إلى فروع كثيرة فالقلم يتفرع إلى قلم الرسائل والصكوك والإقطاعات والمحاسبات والسيف يتفرع إلى صاحب الحرب وصاحب الشرطة وصاحب البريد أي التجسس وصاحب الثغور .
والوظائف السلطانية تندرج تحت الخلافة التي تضم الدين والدنيا وحيث يتعلق الحكم الشرعي بها جميعا ، ويتكلم الفقيه في مراتبها وشروطها.
وأهم الوظائف السلطانية (1) الوزارة (2) الحجابة (3) ديوان المالية (4) ديوان الرسائل والكتابة (5) الشرطة (6) قيادة الأساطيل .
الوزارة : هي أم الوظائف السلطانية ، لأن اسمها يدل على مطلق الإعانة .
وظائف السلطان تدور حول أربعة أشياء
(1) الحماية وأسبابها من الجند والسلاح والمسئول عنها هو الوزير في الدول القديمة بالمشرق ، وفي عصر إبن خلدون في المغرب .
(2) مخاطبة ومراسلة البعيد وتنفيذ الأوامر ، وهذه مسئولية الكاتب .
(3) جباية المال وإنفاقه ، وضبط الإيرادات والمصروفات ، وهي مسئولية الوزير في المشرق في عهد إبن خلدون .
(4) الحاجب الذي يحول بين الناس والسلطان .
أرفع الوظائف
وأرفع هذه المناصب هو الحماية العامة ، حيث يقتضي صاحب هذا المنصب أن يشارك السلطان في سلطته . وإما ما كان خاصا ببعض الناس أو بعض الجهات مثل قيادة الجيش ، أو ثغر أو النظر في السًكة (العملة ) فإن صاحب هذا المنصب يكون تابعا لصاحب السلطة العامة ، أو الحماية العامة .
طبيعة الوظائف في دولة المسلمين الأولى
وبعد الإسلام والخلافة ذهبت تلك الوظائف مع نظم الملك القديمة ، إذ كان النبي يستشير ، وكان أبوبكر من أبرز مستشاريه حتى كانوا يسمونه الوزير ، وكانت نظم الجباية بسيطة وكانوا يستخدمون من يعرف الكتابة والحساب من الموالي ، وكان الحاجب الذي يحول بين السلطان والناس محظورا .
تغير الوظائف بعد الدولة الأولى
فلما انقلبت الخلافة إلى مُلك كان الحُجاب أول ما تم تنفيذه خشية الإغتيال كما وقع مع معاوية وعمرو خشية أن يحدث لهما ما حدث لعلي وعمر ، فاتخذا الحجاب .
وعندما تعقدت أمور المُلك ظهر المشير أو المستشار في أمور القبائل والعصبيات وأطلق عليه اسم الوزير ، وبقي ضبط حسابات الدواوين في الموالي وأهل الذمة ، وكان هناك كاتب يختص بأسرار السلطان ، وهو دون الوزير ، وظل الوزير عالي الشأن في الدولة الأموية تتناول سلطاته كل الشئون .
الوزير في العصر العباسي الأول
وارتفع شأن الوزير أكثر بتعاظم الحضارة ، وأصبحت مرتبته ظاهرة ، وكان له أن ينوب عن الخليفة في الحل والعقد ، وأن يباشر ديوان الحسابات والرسائل وسجلات وخاتم السلطان ، أي جمع الوزير بين السيف والقلم ، حتى لقد تلقب الوزير جعفر بن يحيى البرمكي بالسلطان في خلافة الرشيد ، ولم يخرج عن نفوذه إلا الحجابة أو القيام على باب الرشيد . ثم كان الوزير يستبد بالخليفة ، أو يسترجع الخليفة نفوذه من الوزير وعندما كان يستبد الوزير بالخليفة يحتاج منه إلى إستنابة ليكون حكمه شرعيا .
ومن هنا إنقسمت الوزارة إلى وزارة تنفيذ حين تكون السلطات كاملة للخليفة وتنحصر مهمة الوزير في تنفيذ أوامره ، ووزارة تفويض حين يستبد الوزير بالأمر .
الوزارة في العصر العباسي الثاني
وبعد تحكم الموالي العجم في الخلافة العباسية لم يتلقبوا بألقاب الخلفاء واستنكفوا أيضا من لقب الوزير ، والوزراء تابعون لهم ، فاختاروا الإمارة والسلطان . وأصبح المتغلب على الخلافة إسمه أمير الأمراء أو السلطان أو ما يختاره له الخليفة من ألقاب ، وانحصر لقب الوزير فيمن يقوم على خدمة الخليفة العباسي . واختص إسم الأمير بالقائد الحربي وكان صاحب النفوذ الأكبر.
الوزارة في الدولة المملوكية
كانت الوزارة قد أصبحت رتبة ناقصة ، فترفع عنها أمراء المماليك ، فاقتصرت على النظر في جباية الأموال . أما صاحب النفوذ التالي للسلطان فهو نائب السلطنة الذي ينظر في الأحكام وفي الجند . وبقي اسم الحاجب في مدلوله ، والدويدار هو الذي يقف بالوفود أمام السلطان ويعلمهم الآداب السلطانية " الاتيكيت " ويتبعه كاتب السر والمشرف على البريد .
الوزارة في دولة بني أمية في الأندلس
أصبح للوزارة أربعة ميادين ، لكل ميدان منها وزير إختص بوظيفة ، فوزير للمالية ووزير للمرسلات ، ووزير للمظالم ووزير للثغور والحراسة الحربية . وجعلوا لهم مجلسا للوزراء ، ويجتمعون فيه ، وهناك وزير منهم يكون صلة بينهم وبين السلطان ولقبه الحاجب ، وهو أعلى منهم منزلة . وبمرور الزمن ازدادت سلطة الحاجب ، حتى كان بعض ملوك الطوائف يحمل لقب الحاجب .
وفي الدولة الفاطمية
وقلدت الدولة الفاطمية الأمويين في الأندلس ، بعد فترة من البداوة .
في دولة الموحدين
وهكذا الحال مع الموحدين ، إلا أنهم جعلوا الوزير حاجبا للسلطان .
الحجابة
كانت في الدولتين الأموية والعباسية مجرد حاجب يعلوه الوزير ، وهي كذلك في الدولة المملوكية حيث يكون نائب السلطنة أعلى من الحاجب .
أما في الدولة الأموية بالأندلس فقد كان الحاجب واسطة بين السلطان والوزراء, وأعلى قدرا من الوزير . ثم حين إستبد الموالي بالدولة كان المستبد يحمل لقب الحاجب ، مثل المنصور بن أبي عامر وأبنائه ، وبعد أن تم لهم الملك إستمروا يحملون لقب الحاجب ، ويقال لأحدهم أنه الحاجب وذو الوزارتين ، أي الذي يحجب السلطان عن العامة والذي يجمع بين السيف والقلم ، ثم أصبح المختص بديوان المالية يسمى في عصر إبن خلدون بالوكيل . ولم يكن يوجد لقب الحاجب ووظيفته في دول شمال أفريقيا ، وربما كان موجودا لدى الدولة الفاطمية في مصر ولكن بدرجة أقل .
فدولة الموحدين لم يكن فيها من وظائف سوي الوزير ، وكان في البداية كاتبا يختص بأمور السلطان ، ثم أضيف له ديوان المالية ، ثم عظم شأنه بعد ذلك .
أما بنو حفص فكانت الرياسة لوزير الرأي ويعرف بشيخ الموحدين ، وله النظر في الولايات والعزل وقيادة الجيوش ، وهناك وزير الأشغال المختص بالأمور المالية ، وكان من بين الموحدين أهل السلطان ، واختص ديوان الرسائل بالأسرار ، ولم يشترط في صاحبه أن يكون من الموحدين ، لأنهم لم يكونوا من أهل الكتابة . واحتاج السلطان إلى حاجب يشرف على أحوال قصره وبيوته ، وأضيفت للحاجب حمل خاتم السلطان على السجلات ، وبعد أن إنعزل السلطان عن الشعب أصبح الحاجب واسطة بينه وبين الناس بما فيهم أصحاب المناصب ، ثم أصبح الحاجب يقود الجيوش, وأصبح صاحب الرأي والمشورة ، وبهذا تحكم الحاجب في السلطنة .
وعلى العكس من ذلك في دولة بني مرين ، فلا أثر لإسم الحاجب لديهم ، بل كان الوزير هو قائد الجيش ، وكان صاحب القلم من المتخصصين في الرسائل ، أما حاجب السلطان فكان إسمه المزوار ، وهو رئيس المتصرفين على باب السلطان ، وهو الذي ينفذ عقوبات السلطان ويباشر السجون .
وفي دولة بني عبد الواد لم تكن تلك الوظائف مميزة بسبب بداوتهم ، وكان الحاجب أحيانا هو خادم السلطان في بيته ، وقد يكون كاتب الدولة .
والحاجب في دولة المماليك من الأمراء ، ويقوم بتنفيذ الأحكام بين الناس ، ويتبع نائب السلطنة الذي يباشر التولية والعزل ، والحاجب يقوم بتنفيذ أوامر النائب . وللحاجب أن يحكم فقط في العوام والجند عندما يلجأون إليه ، وهو يجبر من يأبي الإنقياد للحكم . أما الوزير فهو المشرف على جباية الأموال وتصريفها ، وله التولية والعزل في الموظفين التابعين له . والمعتاد أن يكون الوزير من الأقباط الذين تخصصوا في الحسابات . وقد يتولاها أحد الأمراء المماليك .
ديوان الأعمال والجبايات : ديوان المالية
هو حفظ حقوق الدولة في الدخل والخراج ، وتقدير المصروفات حسب القوانين والقرارات الديوانية . ويرى إبن خلدون أن ديوان كلمة فارسية الأصل ثم أصبح يطلق على كتاب الحسابات من الدخل والمنصرف .
بداية الدواوين في دولة المسلمين
ويوجد ديوان المالية عندما تتوطد أمور الدولة حربيا وسياسيا ، والخليفة عمر هو أول من وضع الديوان ، وقيل أن ذلك باشارة من خالد بن الوليد أو الهرمزان الأمير الفارسي الأسير في المدينة ، وأول تدوين للديوان قام به عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم ، فكتبوا أسماء العسكر على ترتيب الأنساب بدءا من بني هاشم ، وكان ذلك سنة 20هـ .
تعريب الأمويين للدواوين
وبقى ديوان المالية على ما كان عليه بالفارسية في إيران والعراق ، وباللاتينية في الشام وبالقبطية في مصر يقوم بذلك نفس الموظفين ، إلى أن جاء عصر عبدالملك بن مروان وازداد احتكاك العرب بالحضارة والمهارة في الكتابة والحساب فأمر عبدالملك والي الأردن بنقل ديوان الشام إلى العربية فأكمله خلال سنة ، وانتهى توظيف الروم في ديوان الشام . أما في العراق فقد أمر الحجاج بن يوسف كاتبه صالح بن عبدالرحمن بنقل ديوان العراق من الفارسية للعربية ، ففعل ذلك بنفسه وكان يكتب بالعربية والفارسية .
صلة الدواوين بسياسة الملك
وكتب الأحكام السلطانية تبحث أحكام هذه الوظيفة وشروط من يتولاها ، ويركز إبن خلدون هنا على صلة هذه الوظيفة بطبيعة المُلك ، أي من الناحية السياسية ، ويرى إبن خلدون أن ديوان المالية ( الأعمال والجبايات ) هو الركن الثالث للملك ، فالملك يحتاج إلى الجند والمال والرسائل ، والأعوان في كل منها ، وفي دولة الموحدين كان " صاحب الأشغال " هو الذي يتولى ديوان المالية ، وكان يتولاها غالبا أحد عصبة السلطان . وفي دولة بني حفص وفدت إليهم جاليات أندلسية كان منها من يتقن هذه المهنة فتقلدها ، وحين إستبد الحاجب بالنفوذ أصبح صاحب ديوان المالية تحت إمرته . وفي دولة بني مرين تولى هذه الوظيفة رجل بين السلطان والوزير ، وكان خطه أو توقيعه نافذا في صحة الأوراق والحسابات . وفي الدولة المملوكية توزعت هذه الوظيفة بين أكثر من مسئول بسبب عظمة الدولة وإتساعها . فناظر الجيش هو صاحب ديوان العطاء ، والوزير هو الناظر في ديوان الجباية العامة ، ومعه أحد الأمراء يتابعه ، وناظر الخاص هو المشرف على أموال السلطان وإقطاعاته .ويشرف عليه أحد الأمراء إذا لم يكن من المماليك ، ثم هناك الخازن لأموال السلطان وهو يشرف على ناظر الخاص .
ديوان الرسائل والكتابة
وظيفة توجد في الدولة المتحضرة
ترتبط هذه الوظيفة بتقدم الدولة وحضارتها ، لذا لا توجد في الدول البدوية والبدائية ، وقد تأكدت الحاجة إليها في الدول الإسلامية بأهمية اللغة العربية وفصاحتها ، ولما دخل اللحن وأفسد السليقة العربية صارت الكتابة صناعة يتعلمها ويحسنها من يريد التوظيف بها ، وصارت وظيفة الكتابة رفيعة الشأن في الدولة العباسية .
طبيعة عمل الكاتب
والكاتب يصدر السجلات ويكتب عليها إسمه ويضع عليها خاتم السلطان ، وهو ختم منقوش فيه إسم السلطان أو شارته ، ويغمس في طين أحمر مذاب بالماء يسمى طين الختم ، ويطبع به على طرفي السجل عند طيه وإلصاقه . يشبه الشمع الأحمر الآن .
ثم صارت السجلات تصدر بإسم السلطان ثم يضع الكاتب عليها علامته ، وهذه العلامة على قدر صاحبها ، وقد يلغيها من هو فوق الكاتب ، ويضع علامته دليلا على ذلك ، وكان يحدث ذلك مثلا عندما إستبد الحاجب بالأمر في الدولة الحفصية .
التوقيع
والتوقيع من وظيفة الكتابة ، وهو أن يجلس الكاتب بين يدي السلطان في مجلس الحكم ، وحين يصدر السلطان حكما يقوم الكاتب بتسجيله بأفصح عبارة وأوجز لفظ ، لذا لابد أن يكون بليغا فصيحا ، وقد إشتهر جعفر البرمكي في التوقيع على الشكاوى بين يدي الرشيد ، ويرمي بالشكوى إلى صاحبها ، فكان أصحاب البلاغة يتنافسون في محاكاته وفي شراء الشكاوي التي يوقع عليها .
شروط الكاتب القائم بالتوقيع
ويشترط في الكاتب صاحب التوقيع أن يكون من أهل المروءة والحشمة والعلم والبلاغة ومن صفوة المجتمع ، حتى يستطيع أن يعرف آداب الملوك وما يدور في مجالسهم ويعكس ذلك في تعلقياته أو توقيعاته .
الدولة البدوية أو العسكرية تجعل أهل الثقة متحكمين في أهل الخبرة من الكتاب
وإذا كانت الدولة عسكرية بدوية فتسيطرعصبية السلطان على كل شئ من الأموال والعساكر والرسائل ، ولكن يحتاج المسؤول عن الأموال إلى معرفة الحساب ، كما يحتاج المسئول عن الرسائل إلى معرفة البلاغة ، وحين تضطر الدولة العسكرية إلى تعيين آخرين من ذوي الخبرة في هذين المنصبين فهي تجعلهما تحت سيطرة أهل العصبية من الدولة ، ومثلا فإن الدولة المملوكية العسكرية جعلت الأمير المملوكي الداودار – أي حامل الدواة – هو المسيطر على صاحب الإنشاء ، وكان في العادة من غير المماليك .
ملاحظة : رأى ابن خلدون ينطبق على دولة العسكر فى عصرنا .
شروط الكاتب كما جاء في نصائح عبدالحميد الكاتب
وأورد إبن خلدون كتاب عبدالحميد الكاتب الذي ينصح فيه الكُتاب ، وقد كان عبدالحميد أشهر كاتب في الدولة الأموية .
ومن الشروط التي نوه بها عبدالحميد أن يكون الكاتب حليما في موضع الحلم مقداما في موضع الإقدام محجما في موضع الإحجام مؤثرا للعفاف والعدل ، كتوما للأسرار وفيا عند الشدائد ، عارفا بكل فنون العلم متفقها في الدين عارفا بكتاب الله تعالى والفرائض ومتعمقا في اللغة العربية وأسرارها والشعر العربي وأيام العرب ، وأن يستفيد من خبرة الشيوخ فى الكتابة ، وأن يراقب الله عز وجل في تعامله مع الناس ، وأن يكون متواضعا حليما رفيقا في عمله وأن يبتعد عن الدناءة والنميمة والإستكبار والغرور والوقوع في الزلل والإسراف والترف .
وهذه النصائح الأخلاقية مطلوبة لكل إنسان في حياته وعمله ، وليست مختصة بالكتاب وحدهم .
الشرطة
هي وظيفة مرؤوسة تتبع قوة الدولة الحربية ، ويتحكم في رئيس الشرطة القائد الأعلى للحرب ، ورئيس الشرطة في شمال أفريقيا يطلق عليه اسم " الحاكم " ، ولقبه في الأندلس " صاحب المدينة " وفي الدولة المملوكية يطلق عليه " الوالي " .
الشرطة في الدولة العباسية
وتحددت وظيفتها في الدولة العباسية, في إثبات التهمة على المجرم ، ثم تنفيذ الحكم عليه بعد نطق القاضي بالحكم ، وكان يتم قهر المتهم على الإقرار بالجريمة إذا إستوجبت ذلك المصلحة العامة . وأحيانا كان من مسؤوليته تطبيق الحدود كلها ، وتقلد وظيفة الشرطة كبار القواد . ووظيفة الشرطة كانت تشمل في حدودها العوام والمشبوهين ، ودون أصحاب الطبقات العليا.
ملاحظة : ابن خلدون لا يرى مانعا من التعذيب للمتهم ، وفقا لثوابت عصره.
الشرطة في الأندلس
يقول إبن خلدون " ثم عظمت نباهتها في دولة بني أمية في الأندلس ، ونوعت إلى شرطة كبرى وشرطة صغرى ، وجعل حكم الكبرى على الخاصة والدهماء ، وجعل له الحكم على المراتب السلطانية .. وجعل صاحب الصغرى مخصوصا بالعامة " .
الشرطة في دول شمال أفريقيا ومصر
ولم تكن عامة في دولة الموحدين ، وفي البداية لم يكن يتولاها إلا رجال الموحدين ولم يكن لهم التحكم في أهل المراتب السلطانية . ثم فسد وضعها وتولاها من لايستحق . وفي دولة بني مرين تولاها أتباع السلطان . وفي الدولة المملوكية والأيوبية قبلها كانوا يتخيرون لها أصحاب الشدة والصلابة .
قيادة الأساطيل
يرأسها قائد القوات الحربية وتحت سيطرته في أغلب الأحوال ، وتخصصت دول شمال أفريقيا بهذه الوظيفة لوقوعها على البحر المتوسط جنوبا في مقابل الفرنجة في شماله . وسبق للأوربيين من الرومان والقوط أن قهروا سكان شمال أفريقيا على الساحل وأقاموا لهم مدنا ساحلية مثل قرطاجة وسبيطلة وجلولاء ومرناق وشرشال وطنجة .
وبعد الفتح الإسلامي لمصر خاف عمر على المسلمين من ركوب البحر ونهاهم عنه ، ثم أذن لمعاوية بذلك بعد أن إستقر سلطان العرب في الفتوحات .
وبذلك قامت الصناعات البحرية للسفن والأساطيل على طول السواحل الإسلامية من الشام إلى الأندلس ، وفي عهد عبدالملك أقام الوالي حسان بن النعمان ترسانة في تونس وبعد ذلك فتح أسد بن الفرات صقلية في عهد زيادة الله الأغلبي .
وبعدها كانت الأساطيل الإسلامية الفاطمية والأندلسية تهاجم وتخرب الموانئ الأوربية ، وكان أسطول عبدالرحمن الناصر مائتي مركب ، ونحوها في الدولة الفاطمية ، وتحول البحر المتوسط إلى بحيرة إسلامية عربية وتملك المسلمون جزر البحر الأبيض مثل ميورفة ومنورفه وسردينية وصقلية وقوصره ومالطة وكريت وقبرص . وكان الفاطميون في تونس يهاجمون جنوة وينهبونها ، وافتتح مجاهد العامري الأندلسي سردينية سنة 405 ثم إستعادها أصحابها في نفس العام . وبنو الحسن ملوك صقلية التابعون للفاطميين إعتادوا الإغارة على سواحل أوربا الجنوبية مما حصر الأساطيل الأوربية في السواحل الشمالية الشرقية للبحر المتوسط .
ثم أصاب العرب الوهن ، وضعفت الدولة الفاطمية والأندلسية فاستعاد الأوربيون جزر صقلية وكريت ومالطة . ثم تجاوزوا ذلك إلى إحتلال الموانئ العربية في الشام وأقاموا لهم الممالك والولايات الصليبية ، واحتلوا بعض المدن الساحلية في شمال أفريقيا مثل طرابلس وقابس وصفاقس . ووضعوا عليها الجزية ، وتملكوا المهدية التي كانت عاصمة الفاطميين في تونس . إلا أن الأساطيل الإسلامية في الساحل المغربي ظلت محتفظة بقوتها وقد سيطر عليها عبدالمؤمن ، وبلغت مائة سفينة بين المغرب والأندلس .
ولما توطدت دولة الموحدين في القرن السادس الهجري في المغرب والأندلس أقاموا أسطولا قويا قام بقيادته أحمد الصقلي ، وقد كان مسلما من جربة التونسية ولكن أسره الأوربيون وبيع في صقلية وتربى لدى ملكها وصار من قواده . ثم إنقلب عليهم وهرب إلى تونس حيث كان الوالي من الموحدين ، فألحقه بالخليفة يوسف بن عبدالرحمن فعينه قائدا للأسطول فأبلى بلاء حسنا في جهاد الأوربيين ، وبلغ الأسطول في عهده أوج عظمته .
وبعد هزيمة الصليبيين في حطين وإستعادة صلاح الدين لبيت المقدس تتابعت الأساطيل الصليبية تهاجم موانئ مصر والشام حيث كانت الأساطيل هناك ضعيفة ، فأرسل صلاح الدين الأيوبي إلى السلطان المغربي أبي يعقوب المنصور من دولة الموحدين يطلب منه أن يقطع أسطوله الطريق على السفن الصليبية ، وكان رسوله عبدالكريم بن منقذ ، وكتب الرسالة إليه القاضي الفاضل ، إلا أن الرسالة خلت من مخاطبة سلطان المغرب بلقب أمير المؤمنين ، فنقم أبو يعقوب ولم يجبه إلى طلبه .
وهكذا تخصص المغرب وشمال أفريقيا بالأساطيل ، بينما لم تهتم بها مصر والشام . وعندما ضعفت دولة الموحدين واستولى الأسبان على أكثرية الأندلس تملكوا الجزر الغربية من البحر المتوسط وسيطرت أساطيلهم على البحر المتوسط بينما تضاءلت الأساطيل الإسلامية ، ويقول إبن خلدون ،" فمن المشتهر بين أهل المغرب عن كتب الحدثان ( التنجيم) أنه لابد للمسلمين من الكرة – الإنتصار – على النصرانية وافتتاح ما وراء بلاد البحر من بلاد الفرنجة ، وأن ذلك يكون في الأساطيل ". فهل تحققت أمنية إبن خلدون ؟ !!
عرض مقدمة ابن خلدون:ب3 :( ف36 :37) شارات السلطة:الرايات ، العُملة،الخاتم والخُطبة ..
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب الثالث:( في العمران السياسي ) في الدولة العامة والملك والمراتب السلطانية
الفصل السادس والثلاثون
التفاوت بين مراتب السيف والقلم في الدول
السيف والقلم من أجهزة الدولة ، إلا أن الدولة في بدايتها وتوطيدها تحتاج أكثر إلى السيف ، ويكون القلم خادما للسيف . والدولة أيضا في نهايتها تحتاج أكثر للسيف ، حيث تحتاج إلى من يدافع عنها ، وفي الحالتين يكون أرباب السيف أوسع جاها وثروة .
أما في وسط الدولة حيث تتوطد الأمور فإن الحاكم يستغنى بعض الشئ عن السيف ويحتاج إلى من يعاونه من أرباب القلم في تنظيم وتكثير الإيرادات ، وحينئذ يكون أرباب القلم أوسع جاها وثروة وأقرب من السلطان مجلسا ، بينما يكون أصحاب السيف مبعدين عن السلطان وتقوى الشكوك بينهم وبينه ، ولذلك قال أبو مسلم الخراساني للمنصور أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء " .
الفصل السابع والثلاثون
شارات الملك خاصة به
هناك سمات للبذخ خاصة بالسلطان يتميز بها عن غيره .ومنها :
الآلة : أي الموسيقى العسكرية والأعلام الوطنية والرسمية ، أو حسبما يقول إبن خلدون " من شارات الملك إتخاذ الآلة من نشر الألوية والرايات وقرع الطبول والنفخ في الأبواق ، وذلك لإرهاب العدو في الحرب ، إذ أن للأصوات الهائلة تأثيرا في النفوس يخلق فيها الحماسة ، خصوصا مع الغناء الحماسي ، وكان العجم يستخدمون الموسيقى العسكرية في حروبهم , واتخذ العرب في حروبهم التغني بالشعر ، وكذلك كانت تفعل قبائل زناته في حروبها ، وكانوا يسمون الغناء الحماسي " ناصو كايت " .
أما تكثير الرايات وتلوينها وإطالتها فذلك للتهويل والحماسة . وعلى حسب قوة الدولة واتساعها يكثر ويقل إتخاذ الموسيقى والأعلام والرايات ، وكانت الرايات ولاتزال إشارات الحرب .
ولم يهتم المسلمون في بداية الأمر بالموسيقى العسكرية ، فلما إنقلبت الخلافة إلى مُلك تشبهوا بالفرس والروم في البذخ والترف ، وكان منها الموسيقي العسكرية ، فكان قائد الجيش أو الوالي يخرج من دار الخلافة في موكب من أصحاب الرايات والموسيقى العسكرية.
الرايات دليل على أصحابها
وكانت رايات العباسيين سوداء حزنا على ما أصاب الهاشميين من قتل وبغي ، وصارت كلمة المسودة دليلا على الجيش العباسي في بداية الدولة ، وحين خرج العلويين على العباسيين جعلوا راياتهم بيضاء وسموا المبيضة ، وصارت الأعلام البيضاء دليلا على كل ثائر على العباسيين من كل فرق الشيعة كالفاطميين والقرامطة .ونزع المأمون لبس السواد واختار اللون الأخضر.
الإستكثار في الرايات والآلات الموسيقية ليس له حد
فالعزيز بالله الفاطمي حين خرج إلى فتح الشام كان معه خمسمائة من البنود والأعلام وخمسمائة من الأبواق ، وملوك البربر من صنهاجة لم يقتصروا على لون واحد وكانوا يحلون الرايات بالذهب ، فلما جاءت دولة الموحدين وزناته بعدهم جعلوا الطبول والبنود قصرا على السلطان في موكب خاص يسمى الساقة .
وهناك تباين في العدد ، إذ اقتصر الموحدون وبنو الأحمر في الأندلس على سبع تبركا بالعدد سبعة ، ومنهم من بلغ عشرا أو عشرين كما في زناته ، وفي سلطنة أبي الحسن الذي أدركه إبن خلدون كان هناك مائة من الطبول ومائة من البنود من الحرير والذهب ، وهناك رايات ضئيلة من الكتان وطبل صغير في الحرب للولاة والقادة .
الرايات المملوكية
أما في الدولة المملوكية فهناك راية واحدة عظيمة في رأسها خصلة كبيرة من الشعر إسمها الشالش والجتر وهي شعار السلطان . ثم تتعدد الرايات للصناجق والصنجق تعني الراية باللغة التركية ، أما الطبول فيسمونها الكوسات ، ولكل أمير أن يتخذ ما يشاء من الصناجق والكوسات ما عدا شعار السلطنة أي الشالش .
الفرنجة والأسبان
أما الفرنجة والأسبان فهم يتخذون الألوية الطويلة ومعها الموسيقي الوترية والمزمار والغناء .
السرير
هو منضدة جلوس السلطان ، ويطلق عليه أحيانا المنبر ، والتخت والكرسي والأريكة ، وتكون مرتفعة عن كراسي الجالسين مع السلطان . وكان ذلك من سنن الملوك قبل الإسلام وبعده . وقد يتزين بالذهب في عصر ترف الدولة وازدهارها ، وقد يكون بسيطا مع بساطة الدولة وبداوتها .
ومعاوية هو أول من اتخذ سرير الملك وبرر ذلك باصابته بالبدانة ، أما عمرو بن العاص فكان يجلس في قصره على الأرض مع العرب ، وكان يأتيه المقوقس حاكم مصر السابق إلى مقره ومعه سريره الذهبي محمولا على الأيدي حتى يجلس عليه عند عمرو فيجلس عمرو على الأرض ولا ينكر عليه ما يفعل وفاء بعهد الذمة وهجرا لأبهة المُلك ، ثم أصبح اتخاذ سرير المُلك عادة للعباسيين والفاطميين وسائر ملوك المسلمين .
السّكة
السك أي ختم الدنانير والدراهم بنقش أو صورة بعد تقدير عيار الفضة في الدرهم أو الذهب في الدينار عن طريق السبك مرة بعد أخرى . وبها يكون التعامل المالي عن طريق العدد أو القيمة . ولفظ السكة جاء من الحديدة التي كان يتم بها سك النقوش على الذهب أو الفضة . ثم إستعملت في وظيفة أو مصلحة سك العملة.
وسك العملة من وظائف المُلك ليتميز السليم من المغشوش من النقود ، لذلك كان يتم التأكد بختم السلطان .
سك العملة في الإسلام
وكانت نقوش العملة قبل الإسلام وفي غير دول الإسلام بالتصوير والتمثيل ، وجاء الإسلام فكان المسلمون يتعاملون بالدرهم والدينار كما يتعاملون بالذهب والفضة وزنا ، وعلى أساسها يحسبون قيمة الدينار والدرهم، فلما كثر الغش أمر عبدالملك بن مروان الوالي الحجاج بضرب الدراهم سنة 74-75 هـ . وتم التعامل بها سنة 76 وكتب عليها " الله أحد الله الصمد " ثم استمرت التحسينات في إصدار العملة في ولاية ابن هبيرة للعراق وخالد القسري ويوسف بن عمر .
وهناك رأي يقول أن أول من سك العملة في الإسلام هو مصعب بن الزبير في العراق بأمر أخيه عبدالله بن الزبير حين إستولى على الخلافة ، وكتب " بركة الله " على وجه منها ، وعلى الوجه الآخر كتب إسم الله ، ثم غيرها الحجاج . وتقدير وزن الدرهم في عهد عمر كان ستة دوانيق ، فلما أصدر عبدالملك الدرهم العربي التزم بنفس الوزن ، وجعل فيه كلمات وليس صورا لأن العرب أقرب للكلام والبلاغة من الصور ، ولنهي الشرع عن الصور ، وهذا ما سار عليه الناس .
وكان الدرهم والدينار على شكل دائرة والكتابة في دوائر متوزاية ، ويكتب في وجه اسم الله والرسول مع التسبيح والتحميد والصلاة على النبي ، وفي الوجه الثاني تاريخ الإصدار واسم الخليفة أو السلطان ، وهكذا كان يفعل العباسيون والفاطميون والأمويون بالأندلس . وفي صنهاجة لم يتخذوا عملة إلا متأخرا في عهد المنصور صاحب بجاية كما ذكر ابن حماد في تاريخه .
ولما جاءت دولة الموحدين بمحمد بن تومرت المهدي أصدر درهما ودينارا كل منهما في "margin-right:-9pt;"> ديوان الخاتم
ومعاوية هو أول من اتخذ ديوان الخاتم ، لأنه أرسل مع عمر بن الزبير رسالة لزياد أن يعطيه زياد مائة ألف ، ففتح عمر الرسالة وجعل المائة مائتين ، فأعطاه زياد مائتين ، فلما عرف معاوية استرجع منه المائة ألف ، واتخذ ديوان الخاتم منعا للتزوير .
وديوان الخاتم يرسل رسائل السلطان وعليها ختمه بالشمع الأحمر أو بالعلامة السرية ، وهناك ما يعرف بطين الختم ، وكان يأتي من سيراف ويغمس فيه الخاتم ثم ينقش به على الورق ، وكان ذلك ساريا في ديوان الرسائل ، وللوزير في العصر العباسي . ثم إختلف العرف ، وأصبحوا في المغرب يستعملون الخاتم الملبوس في الإصبع يلبسه السلطان ويكون مرصعا بالأحجار الكريمة ، ويعدونه من علامات الملك ، كما كانت البردة والقضيب في الدولة العباسية ، والمظلة في الدولة الفاطمية .
الطراز
كانوا يطرزون أسماءهم وشعاراتهم على ثيابهم الحريرية ، ويأتي التطريز بلون مختلف للثوب وبخيوط الذهب وعلى أعلى مستوى من المهارة للتنويه بمن يرتدي ذلك من السلطان وأتباعه . وكان ملوك العجم يطرزون بصور الملوك وصور أخرى ، واستبدل الملوك المسلمون هذا بكتابة أسمائهم مع عبارات حسنة متفائلة .
وأقيمت دور الطراز داخل القصور الملكية ، ويرأسها صاحب الطراز ، وهو يشرف على الآلات والخياطين ومرتباتهم ، ويتولى هذه الوظيفة كبار الموظفين ، وهكذا كان الحال في الدولة الأموية بالأندلس والفاطمية والسلاجقة .
وتزدهر هذه الوظيفة مع ترف الدولة وثرائها ، وتنكمش مع بساطة الدولة وبداوتها وفقرها .
فدولة الموحدين في البداية مع أول القرن السادس لم تأخذ بذلك إذ كانوا يتورعون عن لباس الحرير والذهب والفضة ، ثم أخذ اللاحقون في التنعم واتخاذ الطراز . وأدرك إبن خلدون في الدولة المرينية بالغرب في عنفوانها وشموخها وهي تأخذ طريقة جديدة في الطراز تأثروا فيها بملوك الطوائف بالأندلس .
أما في الدولة المملوكية فلا يصنع الطراز داخل القصر السلطاني ، وإنما تصنعه للسلطان المصانع المختصة ، تصنع له " المزركش " من الحرير والذهب الخالص وعليه إسم السلطان أو الأمير .
الفسطاط والسياج
من شارات الملك وترف المملكة اتخاذ الخيام البديعة أو الفسطاط للسكن فيها أثناء السفر والنزهة ، وهي من ثياب الكتان والصوف والقطن ، وتتنوع الألوان والفخامة حسب ثروة الدولة.
والعرب حتى دولة بني أمية كانوا يسكنون خيام الوبر والصوف ، وكانت عدتهم في الترحال ، واستمرت عادة الترحال في الجيوش حيث تباعدت المنازل والأحياء ، ولذلك احتاج عبدالملك بن مروان إلى فرقة خاصة تقوم بحشد هذه التجمعات المتفرقة لتجتمع معا عند التحرك الحربي .
ودخل العرب في الترف وسكنت القبائل في المدن وعاش الأمراء في القصور فتحولت الخيام البسيطة عند السفر إلى فساطيط مختلفة الأشكال والألوان والزينة والأحجام ، وكل أمير يحيط فساطيطه بسياج من الكتان . وفي المغرب يسمي ذلك السياج الكتان " أفراج " ، ويختص به السلطان . وأما في المشرق فكل أمير من حقه أن يتخذ سياجا .
وفي البداية كانوا يحملون معهم نساءهم وأولادهم في الخيام ، وفي عصر الترف إستراحت النساء والأولاد في القصور ، وأصبحت الفساطيط قصرا على الرجال لذلك تقاصرت المسافات بينها بحيث أصبحت في معسكر واحد ، وهكذا كان الحال في دولة الموحدين وزناته التي أدرك إبن خلدون عصرها ، وقد كانوا يعيشون في الخيام ثم تطوروا وسكنوا القصور والفساطيط حين يجتمع العسكر معا.
المقصورة للصلاة والدعاء في الخطبة
وهي تختص بالخلافة والملك الإسلامي . والمقصورة أول من إتخذها معاوية بعد تعرضه لمحاولة إغتيال ، وبها أصبح يصلي في المسجد خلف سياج ، وبعدها أصبحت عادة يتميز بها السلطان عن غيره كإحدى مظاهر الترف التي لازمت الدول والملوك في الإسلام .
الدعاء على المنابر
وعمرو بن العاص أول من اتخذ المنبر ، وقد إحتج عليه عمر بن الخطاب حين بلغه ذلك . أما الدعاء للسلطان فأول من بدأ به عبدالله بن عباس حين كان واليا لعلي على البصرة فدعا لعلي قائلا: اللهم أنصر عليا على الحق ، يقول إبن خلدون " واتصل العمل على ذلك ".
وكان الخليفة هو الذي يؤم الصلاة ، ويخطب بنفسه ، ثم إحتجب الخليفة أو الملك من الناس ، وأصبح يستنيب في الصلاة والخطبة ، فكان الخطباء يمدح أحدهم الخليفة على المنبر ويدعو له ، أو على حد تعبير إبن خلدون " ودعاء له بما جعل الله مصلحة العالم فيه " واستشهد بقول السلف " ومن كانت له دعوة صالحة فليضعها في السلطان ".
فلما تغلب الموالي على الخلفاء أصبحوا يشاركون الخليفة في الدعاء على المنبر بعد إسمه ، وبعد إنفراد السلطان بالحكم إستأثر أيضا بالدعوة له على المنبر . وكان يحدث في بداية قيام الدولة وعدم وضوح الرؤية أن يقنع الخطيب بالدعاء بالإبهام وبالإجمال دون تحديد ، وتسمي هذه الخطبة " عباسية " .
وكان ذكر السلطان على المنبر في خطبة الجمعة دليل الإعتراف بشرعيته وتبعية الدولة له. وقد ذكر إبن خلدون بعض الأحداث التاريخية التي تؤكد ذلك.
عرض مقدمة ابن خلدون:( ف 38 ) عن الحروب والنصر فيها
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب الثالث:( في العمران السياسي ) في الدولة العامة والملك والمراتب السلطانية
الفصل الثامن والثلاثون
الحروب ومذاهب الأمم في ترتيبها
أسباب الحروب
الحرب بدأت مع بداية الإنسان ، وتنشأ بدافع الإنتقام وتعصب الناس لأهل عصبيتها ، فإذا نشبت الحرب وانتصرت طائفة فإن المنهزمة تطلب الإنتقام . وسبب الإنتقام يأتي من الغيرة والمنافسة ، والعدوان ، أو الغضب لله ودينه أو غضب للملك أو السعي في تمهيده.
أنواع الحروب عدوان أو جهاد
والغيرة والمنافسة تأتيان من القبائل المتجاورة والمتناظرة ،ويأتي العدوان من القبائل البدوية على الآخرين حيث تعيش تلك القبائل الرعوية على السلب والنهب ، والغضب لله ودينه ينشأ عنه الجهاد ، والغضب للملك وتوطيده هو حروب الدول مع الخارجين عليها .
ويرى ابن خلدون أن الحروب القبلية تدخل في إطار الفتنة والبغي ، أما الحرب في سبيل الله أو في سبيل الملك فهى حروب جهاد وعدل .
صفة الحروب
وصفة الحروب على نوعين : حرب بالزحف ، وحرب بالكر والفر ، وحرب الزحف هي طريقة العجم ، أما طريقة العرب فهي الكر والفر .
قتال الزحف
وقتال الزحف أوثق وأشد من الكر والفر لأن فيه ترتيبا للصفوف ويزحفون بالصفوف نحو العدو كالصف المرصوص الذي أشار إليه القرآن والحديث ، ولذلك حرم الله التولي يوم الزحف .
قتال الكر والفر
وقتال الكر والفر أقل شدة من قتال الزحف ، إلا أنهم قد يتخذون وراءهم موقعا ثابتا يرجعون إليه في الكر والفر ، ويقوم لهم مقام الزحف.
تقسيم الجيش وتعبئته في قتال الزحف
وكانوا يقسمون الجيش إلى كراديس أو أقسام . وذلك عندما تكاثرت أعداد الجيش من كل الجهات ، فاحتاجوا إلى تجميع كل نوعية من الجند الذين يعرف بعضهم بعضا في كردوس واحد، ويجري الترتيب بينهم على أساس وجود الملك في قلب الجيش وبين يديه عسكره ، ثم عن يمينه فرقة وهي الميمنة ، وعن يساره فرقة الميسرة ، ثم فرقة أمام الملك وهي المقدمة ، وفرقة المؤخرة أو الساقة.
ضرب المصاف في قتال الكر والفر وقتال الزحف
من طرق الحرب خصوصا الكر والفر اتخاذ ملاجئ وراء العسكر فيها المؤن والخيل والأنعام ، وتسمى المصاف ، وتؤخذ نقطة إنطلاق للهجوم وإعادة الهجوم ، حتى تدوم الحرب .
ومن ذلك إتخاذ الفرس الفيلة في زحفهم وعليها أبراج الخشب كالحصون مشحونة بالمقاتلين والسلاح، ويجعلونها وراءهم لتثبت الجنود ، وقد إستخدموها في القادسية وكادوا يغلبون بها لولا أن أبطال العرب قتلوا تلك الأفيال .
وأما الروم والقوط والعجم فكانوا ينصبون سريرا للملك وحوله حرسه ليستميت الجند في الدفاع عنه ، وتحيط بالسرير سياجات ورايات وصفوف من المقاتلة والرماة ، وكذلك فعل رستم قائد الفرس في القادسية ، وأما أهل الكر والفر من القبائل فيصفون الإبل وعليها النساء الظعائن ويسمونها المجبوذة . وانتهى العمل بذلك واستعاضوا عنه بالأنعام التي تحمل الأثقال والفساطيط في المؤخرة ، فصارت العساكر بذلك عرضه للهزائم . وكان الحرب أول الإسلام زحفا لمقابلة العدو الزاحف لكي يستميتوا في الجهاد تقربا لله .
متى بدا نظام الكراديس
ومروان بن الحكم هو أول من قام بالتعبئة على نظام الكراديس ، وذلك في قتاله للضحاك والجبيري من الخوارج ، وبذلك أبطل قتال الصف ، وتناسوا أيضا اتخاذ المصاف بالظعائن ، حيث عاشت النساء في القصر ، إستبدلوا بهن الفسطاط والترف ، فلم يعد هناك مايدعو للإستماتة في القتال .
ملوك المغرب تستعين بالفرنجة في حروبهم
وإعتاد ملوك المغرب الإستعانة بجند من الأفرنج الذين تخصصوا في القتال بالزحف ولم يعرفوا الكر والفر ، فكانوا أكثر ثباتا ، وكانوا يستعينون بهم في قتال العرب والبربر ، وليس في الجهاد ضد الفرنج حتى لايمالئوا أهلهم .
طرق الحرب لدى الترك
ومن طرق الحرب لدى الترك المناضلة بالسهام ، وتقسيم الجيش إلى ثلاثة صفوف ، صفا خلف صف ،وكل صف يحمي الصف الذي خلفه ،ثم يتحاربون جلوسا ،يقول " وكل صف ردء للذي أمامه أن يكبسهم العدو إلى أن يتهيأ النصر لأحدى الطائفتين على الأخرى".
حفر الخنادق
وكانوا يحفرون الخنادق حول معسكرهم للحماية من الإغارة ليلا ، وكانت لديهم المقدرة على ذلك بكثرة الرجال وضخامة الملك وكثرة العمران . وعندما تخرب العمران وضعفت الدول وقل الرجال انتهى العهد بالخنادق .
وصية " علي " يوم صفين
وأورد إبن خلدون وصية علي في صفين وقال أن فيها الكثير من علوم الحرب ومنها تسوية الصفوف وتقديم الدروع وتأخير ما ليس مدرعا والثبات عند القتال. وإقامة الرايات بأيدي الشجعان ، والصدق والصبر .
واستشهد بقول للأشتر النخعي يحرض قومه في الموقعه ، كما ذكر بعض الأشعار .
النصر في الحرب تبعا للحظ !!
ويرى إبن خلدون أن النصر في الحرب لا يمكن الوثوق به ،وإنما يقع اتفاقا وحسب الحظ حتى لو توافرت كل أسباب النصر.
ويرى أن أسباب النصرتجتمع في عدد الجيش وقوته ووفرة الأسلحة وجودتها ، وكثرة الشجعان ، وترتيب وتنظيم الخطة الحربية ، والصبر في القتال وجودة الخداع والتجسس وحرب الشائعات ، واختيار المرتفعات عند الهجوم وإقامة الكمائن المفاجئة ، وكلها من الأسباب الجلية ، وقد تأتي الأسباب الخفية من السماء فتقع الرهبة في القلوب ، ووقوع الأشياء الجلية هو معني البخت والمصادفة ، واستشهد بأحاديث :" الحرب خدعة" ، " نصرت بالرعب " ونصرة المسلمين بعددهم القليل على عدد أكبر منهم ".
وانتقد إبن خلدون رأي أبي بكر الطرطوشي في أن زيادة الفرسان الشجعان في أحد الجانبين ترجح كفته للنصر ، حتى لو زادوا واحدا ، ويرى إبن خلدون أن الصحيح هو حال العصبية ، فالعصبية الواحدة في جانب واحد تغلب العصبيات المختلفة في الجانب الآخر وليس مهما قيمة العدد.
الشهرة أيضا تأتي بالحظ
ويرى إبن خلدون أن الشهرة أو الصيت تلحق معنى الغلب في الحروب وأسبابها الخفية ، فالشهرة تأتي لمن لا يستحقها وتتجاوز من يستحقها، لأن الشهرة تأتي عن طريق الأخبار ، والأخبار تتأثر بالتعصب والتشيع ويدخل فيها الوهم والكذب والجهل والتلبيس والثناء والمدح. والنفوس مولعة بتناقل الأخبار المليئة بذلك خصوصا ما يدور منها حول الجاه والثروة ، ولا يرغبون في الفضائل أو في تحري الحقائق في الأخبار . ولهذا لاتتطابق الشهرة مع من يستحقها ، وتأتي بالبخت لمن لا يستحقها شأن النصر في الحرب .
عرض مقدمة ابن خلدون: ب3 (ف39 :47)الظلم والاستبداد سبب إنهيار الدولة
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب الثالث:( في العمران السياسي ) في الدولة العامة والملك والمراتب السلطانية
الفصل التاسع والثلاثون
الجباية وسبب قلتها وكثرتها
قاعدة ">ضرب المكوس في آخر الدولة
الدولة في بدايتها تكون بسيطة لاتعرف الترف والإسراف فتكفيها الجباية القليلة التي تجمعها. وعندما تدخل دور الترف والإسراف تحتاج إلى زيادة الجباية ، ثم تصاب الدولة بالهرم وتضعف عن جباية الأموال مع زيادة النفقات والتعود على الترف فتضطر لإستئجار الحاميات وزيادة من الضرائب وموظفي جمع الضرائب فيعم الخراب والكساد ويختل العمران . وقد وقع هذا أثناء إضمحلال الدولة العباسية والدولة الفاطمية وملوك الطوائف بالأندلس ، وبعد سقوط الدولة تقوم دولة جديدة تبدأ عهدها بالغاء الضرائب والمكوس الظالمة .
الفصل الحادي والأربعون
التجارة من السلطان مضرة بالرعايا مفسدة للجباية
الدولة المترفة تلجأ إلى زيادة الضرائب مع عملها في التجارة والزراعة
إذا وقعت الدولة في الترف وكثر إسرافها إحتاجت إلى زيادة الضرائب تحت أسماء مختلفة، وتتفنن في محاسبة موظفي الضرائب خشية أن يأخذوا شيئا لأنفسهم ، ثم يقوم السلطان أو الدولة بمباشرة الزراعة أو التجارة.
أضرار عمل الدولة في النشاط الإقتصادي وكيف يؤدي إلى نقص إيراد الدولة
ويرى إبن خلدون رأيا رائعا ينطبق على كل عصر ، وهو أن عمل السلطان أو الدولة في التجارة والزراعة خطأ عظيم ، لعدة أسباب منها :
1- منافسة ومضايقة الفلاحين والتجار في شراء البضائع وهم ليسوا أهلا لمنافسة الدولة أو السلطان.
2- إستخدام النفوذ السلطاني أو الرسمي في الشراء بثمن بخس . وإستخدام النفوذ في إرغام المزراعين أو التجار على الشراء من السلطان بالسعر الرسمي .
3- والبضائع تبقى راكدة ، وقد يستخدمون النفوذ في تحميل البضائع الراكدة وإلزام المزارعين والتجار بشرائها.
4- عند تكرار ذلك تتضاءل أرباح المزارعين والتجار ويقل حماسهم للعمل مما يؤدي إلى نقص مايدفعون من الضرائب ، ثم إلى خراب الإقتصاد والعمران .
كيفية زيادة الجباية
وجباية الضرائب بالعدل هي التي تؤدي إلى زيادة إيراد الدولة منها ، وترك الناس يعملون ويدفعون ضرائب عادلة .
الفصل الثاني والأربعون
ثروة السلطان وحاشيته وتكون في وسط الدولة
أحوال السلطان وأعوانه بين الثروة والسلطة من بداية الدولة إلى سقوطها
في بداية قيام الدولة يتوزع إيراد الدولة على القائمين بتوطيد سلطانها ، ويكتفي السلطان بسلطته ونفوذه دون حاجة إلى الأموال ، وتكون حاشيته فقيرة المال فقيرة في النفوذ.
وبعد توطيد الدولة وتأكيد نفوذها ينفرد السلطان بأموال الجباية وتتمتع حاشيته بالثروة والسلطة ، بينما ينكمش نفوذ وثروة الذين أسهموا من قبل في إقامة الدولة .
وعندما تدخل الدولة في الهرم والشيخوخة يحتاج السلطان إلى تقوية نفوذه بالجنود لمواجهة الثورات المضادة ، ويتعاظم الظلم والإسراف وفرض الضرائب ، ويرى السلطان أنه أحق وحده بالأموال ، فتكثر الثورات وينتشر الخراب ، وتسقط الدولة .
السلطان لايستطيع الفرار بأمواله من بلده
ولايستطيع السلطان أو صاحب النفوذ أن يفر بالأموال من بلده إلى بلد آخر ليتمتع بما جمعه من مال بعيدا عن متاعب المملكة الآيلة للسقوط . لأن العصبيات أو أصحاب النفوذ في الدولة لن يسمحوا للملك بالفرار ، كما لن يسمح له بذلك المنافسون له في الملك . أما إذا كان الراغب في الفرار بأمواله صاحب نفوذ أقل من الملك فإن الملك لن يسمح له بالفرار خوفا على مايعلمه من أسرار وعلى مالديه من كنوز وأموال حيث يرون أن تلك الأموال هي أموال السلطان . وكان ملوك الأمويين في الأندلس يمنعون أعيان دولتهم من السفر للحج خوفا من ذلك .
ثم إذا نجح أحد الملوك بالهرب بما لديه من أموال فإن صاحب المملكة التي يفر إليها ذلك السلطان السابق لن يتركه إلا بعد أن يستنزف مالديه من أموال . وهذا ما حدث من السلطان الناصر محمد بن قلاوون حين هرب إلى الإسكندرية السلطان أبو يحيى اللحياني الحفصي صاحب تونس سنة 718. ذلك أن الناصر محمد بن قلاوون أكرم ضيفه اللحياني الهارب ، ثم إستخلص أمواله شيئا فشيئا حتى لم يبق لديه شئ ومات سنة 728 لايملك سوى المرتب الشهري الذي فرضه له إبن قلاوون .
ملاحظة : ماذا لو عاش ابن خلدون عصرنا ؟ عصر تهريب الأموال وغسيلها ؟
الفصل الثالث والأربعون
نقص العطاء من السلطان نقص في جباية الضرائب
الدولة أو السلطان هي سوق الأموال وأصل العمران ، فإذا إكتنز السلطان الأموال وحجزها عن الدوران – أي دوران رأس المال ، حل بالناس الكساد وتوقف العمل التجاري والإقتصادي وبالتالي قلت الضرائب وقلت إيرادات الدولة ، فالمال يتردد في دورته بين السلطان والحاشية والرعية .. فإذا إكتنزه السلطان وقع الناس في الكساد ولحق الفقر بالدولة وإيراداتها.
الفصل الرابع والأربعون
الظلم مؤذن بخراب العمران
على قدر الظلم يكون التقاعس عن العمل
من آرائه الرائعة أن العدوان على أموال الناس يثبط آمالهم في الكسب والعمل طالما يرون أن ثمرة عملهم يأخذه السلطان . وعلى قدر العدوان على أموال الناس يكون تقاعسهم عن العمل والسعي ، فإذا كان الإعتداء عاما على كل أبواب المعاش كان القعود عن العمل عاما في الناس .
وعلى قدر العمران يكون السعي للعمل وتناقص الظلم
وتتوقف درجة العمران على مقدار سعي الناس ونشاطهم ، فإذا قعدوا عن العمل والسعي كسدت الأسواق وحل الخراب وهجر الناس الأسواق وهاجروا من البلدة وإستشهد إبن خلدون بقصة فارسية أوردها المسعودي تؤكد أن الظلم يخرب العمران . ويؤكد إبن خلدون على التناسب المطرد بين إزدهار العمران وتناقص الظلم والعدوان ، ويقول أنه قد تنهار الدولة الظالمة قبل أن يقع خراب البلد وتجئ دولة أخرى تحاول الإصلاح .
الظلم هو إغتصاب أي حق مادي أو معنوي
وفى مواجهة الظلم السائد فى عصره يؤكد إبن خلدون بشجاعةعلى أن المقصود بالظلم ليس مجرد أخذ المال أو الشئ من صاحبه بدون تعويض بل هو أعم من ذلك ، إذ يشمل إغتصاب الحقوق العينية والمالية والمعنوية ، وكلها تعود على الدولة بالخراب الآجل أو العاجل ، وتلك هي حكمة الشرع في تحريم الظلم حتى لايفنى الجنس البشري ، ولذلك كانت الحكمة العامة في الشرع هي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال .
السخرة من أفظع أنواع الظلم
وكانت السخرة عُرفا مشروعا فى عصره ، وقد خرج ابن خلدون على هذا العُرف فقال إن السخرة أفظع أنواع الظلم لأنها إغتصاب لعرق الضعفاء من العمال الذين لا مكاسب لهم إلا من خلال عملهم البدني الشاق ، ويؤكد على أن تكرار السخرة يؤدي إلى خراب العمران.
الإحتكار في البيع والشراء من أفظع أنواع الظلم ويؤدي إلى سقوط الدولة
وبنفس طريقته يرى أن من أفظع أنواع الظلم إستخدام التسلط والنفوذ في الشراء بثمن بخس وفرض السلعة على الناس بثمن مرتفع وذلك بالاكراه والغصب في الحالتين ، وذلك لتحقيق ربح أو لتعويض خسارة ، وفي كل الأحوال تقع الخسارة على التجار والمزارعين والمنتجين والمستهلكين . ويقع الكساد ويتكاسل الناس عن العمل ويقل الإنتاج، وبالتالي يقل إيراد الدولة ويحدث ذلك بالتدريج ، ويؤدي الظلم والفساد إلى سقوط الدولة . ولذلك حرص الشرع على القسط في التعامل مع الناس، وحرم أكل اموال الناس بالباطل .
وقال إن الدولة فى ترفها تحتاج الى تغطية اسرافها بكثرة الضرائب وأكل أموال الناس وعرقهم بالسخرة والاحتكار ، مما يؤدى الى سقوطها.
الفصل الخامس والاربعون
كيف يقع الحجاب فى الدولة وكيف يتعاظم عند هرمها
متى يبدأ الحجاب فى الدولة
الحجاب يعنى إتخاذ السلطان حجابا بينه وبين الرعية من الحراسة والحاشية .
ويقول ابن خلدون ان الدولة تبدأ بسيطة تقوم بالعصبية ، وبعيدة عن أبهة الملك ، سواء إعتمدت على الدين أم على بساطة البداوة .وبعد توطيد الحكم واستقراره ينفرد الملك بالحكم والنعيم ويحتاج الى الحجاب لينعزل عن الناس ، ويبدأ بذلك الحاجب ووظيفة الحجابة .
متى يتعدد الحجاب فى الدولة
وعندما يتسع المُلك تتحول أخلاق السلطان الى ما يسميه ابن خلدون بخُلُق المُلك ، وهى اخلاق غريبة تحتاج الى نوعية خاصة فى التعامل ( الاتيكيت ) ، ومن يجهلها يقع فى المتاعب لأنه لا يعرف آداب التعامل مع الملوك . وهذه الآداب يعرفها الخواص من الحاشية الذين يعرفون كيفية التخاطب مع الملك ، وهم يحجبونه عن الناس ، ثم لا يلبث أن يتخذوا لنفسهم حجابا عن غيرهم من اناس ، وهذا هو الحجاب الثانى . ثم يحدث حجاب ثالث عندما يتم الحجر على صاحب الدولة عند شيخوخة الدولة وتحكم الموالى فى السلطان . ويبدأ المتحكمون فى السلطان بحجب أبناء السلطان وأصدقائه عن الوصول اليه ، بحجة أن هيبة السلطان تستدعى ذلك ، ويكون ذلك إيذانا باضمحلال الدولة وقرب سقوطها .
ملاحظة : ينطبق هذا فى عصرنا على الدولة السعودية الراهنة . مؤسسها عبد العزيز ــ الذى أعطاها اسم اسرته عام 1932 ــ فى بداية عهده كان بابه مفتوحا ويمكن لأى فرد أن يقابله وأن يحادثه . من تولى من اولاده من ( سعود) عام 1953 الى الآن إنعزلوا عن الناس بقصورهم وحواشيهم وحراساتهم ، أو ما يسميه ابن خلدون بالحجاب .
الفصل السادس والاربعون
إنقسام الدولة الواحدة بدولتين
الترف هو السبب فى الانقسام .
اول مظاهر الانهيار فى الدولة إنقسامها . ذلك أن الملك عندما يصاب بالترف والاستبداد والاستئثار بالمجد والنعيم يقتل من يشتبه فى إحتمال من يثور عليه من أهله وغيرهم ، وهذا يرغمهم ــ تحت الضغط ــ الى الهرب بعيدا ليؤسّس أحدهم بذرة لدولة صغيرة ، تنقسم بها الدولة الكبرى الى قسمين . وصقر قؤيش عبد الرحمن الداخل هرب من متابعة العباسيين ، وما لبث أن استقل بالاندلس ، ونفس الشىء مع ادريس فى المغرب.
إزدياد التقلص والانقسام بزيادة ضعف الدولة
وعندما يرداد ضعف الدولة يزداد الانقسام ، ولذلك فإن الأغالبة ما لبثوا ان إستقلوا بتونس عن العباسيين، ثم جاء بعدهم الفاطميون فانتزعوا من العباسيين مصر والشام . وانقسمت بذلك الدولة الى ثلاث : العباسية و الفاطمية والأموية فى الاندلس . هذا بالاضافة الى إنقسامات أخرى فى شرق العراق وإيران . وحدث نفس الشىء مع السلاجقة ؛ استولوا على آسيا الصغرى والعراق وايران والشام ، ثم تفككت دولتهم الى دول . وأعطى ابن خلدون أمثلة أخرى فى شمال افريقيا ، من صنهاجة والموحدين وملوك الطوائف فى الاندلس . ويقول فى النهاية: ( وهكذا شأن كل دولة ، لا بد وأن تعرض عليها عوارض الهرم بالترف والدعة . ).
الفصل السابع والأربعون
الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع
شيخوخة الدولة أمر طبيعى ، كما يحدث للإنسان والحيوان . والأمور الطبيعية لا تتغير . وقد يحاول بعض السياسيين إصلاح الدولة الهرمة العجوز ، ولكن دون جدوى . فالسلاطين تعود آباؤهم الترف والاسراف ، ولا يمكنهم تغيير تلك العادات الراسخة ، ولأن الترف يكون ضروريا لهيبة الدولة ، فإذا زالت الأُبّهة ضاعت الهيبة . إلا إنه قد يحدث للدولة قبل سقوطها ومضة قوة ، ولكنها صحوة الموت.
عرض مقدمة ابن خلدون: ب3:(ف 48 :52 )انهيار دولة وقيام أخرى
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب الثالث:( في العمران السياسي ) في الدولة العامة والملك والمراتب السلطانية
الفصل الثامن والاربعون
كيفية طروق الخلل للدولة
يقوم المُلك على أساسين : الجُند والمال . ومنهما يأتى الخلل للدولة ، كالآتى : 1 - الخلل من الجند أو العصبية : يبدأ الملك بعد توطيد دولته بالإستبداد بالنفوذ دون أسرته أو عصبيته الأولى حتى لاينافسونه ، فيقهرهم سياسيا مع مالهم من أموال وترف فيؤثر فيهم القهر والترف ، ويتحول القهر عندهم إلى خوف مستمر من السلطان ثم يتحول خوف السلطان منهم إلى قتلهم ومصادرة أموالهم ، أي القضاء على أسرته سياسيا وإقتصاديا . وهم الدائرة الأولى من عصبيته وقوته .
ويستعيض السلطان عنها بالموالي ، وهم ليسوا في نفس إخلاص أسرته وأقاربه مما يجعل أصحاب العصبيات الأخرى تطمع في سلطانه ، وهكذا تتكاثر الثورات ويتكاثر أصحاب الثارات الطالبين الانتقام من السلطان ، مما يضطره إلى سحب قواته إلى عاصمة ملكه لحمايته ، وهذا يُضعف قبضته على أطراف دولته ،الأمر الذي يهيئ فرصة سانحة للثوار في تكوين مواطئ أقدام لهم في أطراف الدولة ، وتندلع الثورات في الأطراف وربما تنقسم الدولة ، وربما تصل الثورات إلى العاصمة . وتنتهى الدولة بالسقوط أو الإنقسام .
وضرب إبن خلدون مثالا لذلك بالدولة العربية الأموية ثم العباسية ، كيف قامت بعصبية بني عبد مناف وهو جد الأمويين والهاشميين ، وكيف إستأثر الأمويون بالأمر دون بني عمومتهم الهاشميين ، وإنتهى الأمر بسقوطهم وجاء العباسيون الهاشميون ، ولكنهم طاردوا أبناء عمومتهم أبناء علي بن أبي طالب ، فأدى ذلك إلى إستقلال الأطراف تباعا من الأندلس ثم المغرب ، ثم تونس ، ثم مصر .
وقال إنه قد يطول أمد الدولة الضعيفة بسبب إعتياد التسليم والإنقياد لها خشية النزاع ، كما حدث للخلافة العباسية في ضعفها ، إلى أن سقطت في النهاية .
2 ـ الخلل من جهة المال
تكون الدولة في بدايتها بدوية بسيطة متقشفه رفيقة بالناس في فرض الضرائب ، ثم يتضخم ملكها وتدخل في الترف والإسراف وتحتاج إلى المزيد من المال للإنفاق على الجند وعلى مطالب البذخ ، وتنتشر عادة الترف في المجتمع ، ويتعود السلطان فرض المزيد من الضرائب والظلم في تحصيلها ، ويقترن ذلك بشيخوخة الدولة وحاجتها لإسترضاء الأصدقاء والأعداء ، ومن هنا تنتشر المصادرات والرشاوي والفساد والثورات إلى أن تسقط الدولة.
"right" style="margin-right:-9pt;"> الدول المستجدة نوعان : إمارة قامت على الأطراف وإستقلت عن الدولة الأم وهي تقنع بالإستقلال ولاتريد القضاء على الدولة الأم ، ثم الدولة الخارجية التي تقوم باسقاط الدولة الأم بالحرب المتكررة وبسياسة النفس الطويل.
الدولة الأم المستقرة لا تسقط سريعا
ويرى إبن خلدون أن الدولة المستقرة أو الدولة الأم لا تسقط سريعا أي بالمناجزة ، وإنما تسقط بالمطاولة أي بالحروب الطويلة التي تدور سجالا بين الفريقين .
الأسباب
وفي تعليل رأيه يقول أن النصر في الحرب يقع بالتعبئة النفسية والخداع ، والدولة المستقرة إعتاد الناس طاعتها مما يجعل ذلك عائقا أمام الثوار ، ويكون من الصعب عليهم إقناع الناس بالخروج على دولة إعتادوا طاعتها ، وتظل تلك مشكلة إلى أن يتضخم عجز الدولة وشيخوختها مما يشجع على الثورة عليها .
بالإضافة إلى أن تلك الدولة المستقرة مع ضعفها تكون قد إكتنزت الأموال وتجيد إستخدامها في شراء الأنصار وفي تدعيم هيبتها ومظهرها الخارجي أمام الناس ، في نفس الوقت الذي يعاني فيه الثوار من نقص المال . ومن هنا يلجأ الثوار إلى سياسة النفس الطويل أو المطاولة حتى يستحكم الخلل في الدولة عن طريق الجند والمال .
ويضاف إلى ذلك عجز الثوار عن التجسس على السلطان ، وربما يكون أعوان السلطان وجواسيسه هم الأقدر على تتبع الثوار ، ثم إن عجز الثوار عن إختراق حصون السلطان يؤخر مسيرتهم ، إلى أن يظهر انهيار الدولة للعيان فيتشجعون على الحرب السريعة .
إستثناءات
وإستثنى إبن خلدون من ذلك الفتوحات الإسلامية حيث إعتبرها من الخوارق ومن معجزات النبي ، ولايقاس عليها .
أمثلة
وضرب أمثلة لنظريته بدعوة بني العباس خلال الدولة الأموية ، والدعوات الأخرى التي أقامت دولا في العصر العباسي على حساب الدولة العباسية ، مثل البويهيين والسلاجقة والفاطميين ، وأمثلة أخرى في المغرب وشمال أفريقيا . وكل دعوة أخذت وقتا حتى أقامت لها دولة .
الفصل الحادي والخمسون
وفور العمران آخر الدولة ومايقع فيها من الأوبئة والمجاعات
في بدايتها تكون الدولة رفيقة معتدلة بدعوتها الدينية أو بداوتها ، وهذا الرفق يجعل الناس تنشط للعمران فيكثر النسل بالتدريج ليظهر بعد جيل أوجيلين ، وبعدها تشرف الدولة على نهاية عمرها فيكون العمران وعدد السكان في غايته . وذلك مع وجود الظلم ، إلا أن الظلم يظهر أثره السئ في تناقص العمران بالتدريج ، وحينئذ يكثر الوباء والمجاعات .
وتحدث المجاعات بسبب كثرة العدوان والثورات والجرائم والفتن ، مما يعطل الزراعة ، والمجاعات تؤدي إلى الموت والعجز عن دفن المئات من الجثث ، وتحلل الجثث يؤدي إلى انتشار الأوبئة وفساد الجو ، ويكثر الوباء والموت في المدن الكبرى .
الفصل الثاني والخمسون
العمران البشري لابد له من سياسة ينتظم بها أمره
السياسة العقلية والسياسية الشرعية
يحتاج اجتماع البشري إلى حاكم ، وقد يستند الحاكم إلى سياسة شرعية تنفع في الدنيا والآخرة ، وقد يستند إلى سياسة عقلية تنفع في الدنيا فقط ، وما يقال عن عدم حاجة المدينة الفاضلة إلى حاكم إنما هو ضرب من الخيال .
أسس السياسة العقلية
ويرى إبن خلدون أن السياسة العقلية على وجهين:
1- رعاية المصالح العامة ومصالح السلطان ، وكانت تلك سياسة الفرس . ويرى إبن خلدون أن الخلافة والأحكام الشرعية تغنينا عن هذه السياسة .
2- رعاية مصلحة السلطان وإستبداده . وتفسير المصلحة العامة في ضوئها .
ملوك المسلمين يتبعون السياسة العقلية مع تهذيبها بالشرع
ويرى ابن خلدون أن ملوك المسلمين يأخذون من هذه السياسة ما يتفق مع الشريعة بحسب جهدهم ن وقال إن قوانينها لدى المسلمين تتضمن أحكاما شرعية وآدابا خلقية وقوانين اجتماعية طبيعية، مع مراعاة الشوكة وأصحاب النفوذ والعصبيات والاقتداء فيها أولا بالشرع ، ثم باقوال الحكماء وسيرة الملوك. واستشهد بكتاب طاهر بن الحسين لابنه عبدالله حين عبدالله حين ولاه المأمون الرقة ومصر وما بينهما .
كتاب طاهر بن الحسين في أصول السياسة
وملخص الكتاب : هو الوصية بتقوى الله والخوف من اليوم الاخر ، وان الله تعالى أوجب عليه بالنسبة للرعيةالعدل والدفاع عنهم وحقن دمائهم وراحتهم . وأكد عليه في الصلوات الخمس في جماعة مع السنن وإسباغ الوضوء وذكر الله الواحد والأخذ بسنة الرسول والسلف الصالح والاستخارة عندما يفكر في امر ، وأن يصحب الفقهاء ومن يحفظ كتاب الله ، وحسن الظن بالله حتى تستقيم له رعيته ، ولا يتهم أحدا قبل أن يكشف حقيقة امره ، وأن يحسن الظن بأعوانه ، وإقامة الحدود في أهل الجرائم وألا يؤخر العقوبة ، والابتعاد عن البدع والشبهات ، والوفاء بالعهد والابتعاد عن الكذب والزور وسماع النميمة واكتناز الأموال ، مع تفريق الأموال في التعمير . وأوصاه بالكرم والتحبب إلى الرعية ورعاية الجند والمسئولين عنده ، مع الاهتمام الكافي بالقضاء والعدل ، وان يلتزم العدل في توزيع الأموال ، وأن يجعل في كل ناحية رجلا يراقب سيرة الولاة والمسئولين ويكتب إليه بخبرهم ، وان يستشير في كل أمر اهل الاختصاص فيه ثم يعزم على التنفيذ ، وأن يكون حازما ،وألا يؤخرعمل اليوم إلى الغد ،وأن يجعل له مجلس شورى من أهل الفضل والعقل ،وأن يجري المرتبات والأموال على أهل البيوت المستورة والفقراء والمساكين، ويقيم المستشفيات للمرضى. وأن يقسم يومه على حسب الأعمال المطلوبة منهم ، وقد أعجب المأمون بهذا الكتاب ـ حسبما يقول ابن خلدون ـ وأمر الولاة بالاقتداء به .
عرض مقدمة ابن خلدون: ب3: (ف 53 : 54 )المهدى المنتظر وعلم الغيب
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب الثالث:( في العمران السياسي ) في الدولة العامة والملك والمراتب السلطانية
الفصل الثالث والخمسون
أمر الفاطمي وما يذهب الناس في شانه وكشف الغطاء عن ذلك
عقيدة المهدي المنتظر
ذكر ابن خلدون عقيدة المهدي المنتظر الذي يأتي من آل البيت في آخر الزمان يقيم العدل ويستولي على بلاد المسلمين وينزل على أثره عيسى ، ويقتل المسيح الدجال ويأتم عيسى بالمهدي في صلاته. ولهم في ذلك احاديث ، وعارضها آخرون ، وللمتصوفة أخبار ومنامات في هذا الموضوع .
رأي ابن خلدون في في آحاديث المهدي
وقال ابن خلدون ان جماعة من الأئمة أجازوا أحاديث المهدي، وأنكر إسنادها بعض علماء الجرح والتعديل ، وكيف أن الطعن في الأسانيد والرواة لا يصل إلى رواة الصحيحين البخاري ومسلم ، لأن الإجماع قد اتصل في الأمة على قبول الصحيحين والعمل بهما . ولذلك لم يجد ابن خلدون حرجا في الكلام في أسانيد أحاديث المهدي ، حيث لم ترد تلك الأحاديث في الصحيحين ، فلم يذكرها سوى الترمذي وأبي داوود والبزار وابن ماجة والحاكم والطبراني وأبي يعلي الموصلي . وتتبع ابن خلدون أحاديث المهدي التي ذكرها اولئك الأئمة والروايات المختلفة لكل حديث ورواته وما قيل في كل راو من التجريح، وفي النهاية قال " وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل والأقل منه".
أما عن المتصوفة فالأوائل منهم لم ينشغلوا بموضوع المهدي وانشغل الأمامية الشيعة بتفضيل (علي) وإمامته والطعن في الشيخين، ثم قالوا بعصمة الإمام، ثم جاء الإسماعيلية من الإمامية يدعون ألوهية الإمام وبحلول الله –تعالى- فيه ورجعة الأئمة الموتي بالتناسخ، وآخرون ينتظرون مجئ الموتى من الأئمة أو ينتظرون عودة الأمر إلى أل البيت متآثرين بأحاديث المهدي.
تأثر الصوفية بالتشريع
وتأثر الصوفية المتأخرون بذلك فقالوا بالحلول ووحدة الوجود والقطب والإبدال تشبها بالشيعة ، حتى أوصلوا نهاية الخرقة أي السلسلة الصوفية إلى " علي " وأنه ألبسها الحسن البصري . ويرى إبن خلدون أن هذه الطريقة لم تكن خاصة بعلي ، بل الصحابة كلهم أسوة في طريق الهدي ، وذلك دليل على تأثر التصوف بالتشيع ، وقال أن كتب المتأخرين من المتصوفة والإسماعيلية الشيعة مليئة بالحديث عن المهدي المنتظر ، وكان بعضهم يلقنه الآخرين ويستدلون بأدلة واهية ، وأكثرهم إبن عربي في كتابه ( عنقاء مغرب ) وإبن قسي صاحب كتاب (خلع النعلين ) وإبن سبعين .} ويرون أن النبوة جاء بعدها خلافة ، ثم بعدها المُلك ، ثم التجبر والباطل، وعلى نفس المنوال يرون الولاية بعد النبوة ، ثم الفاطمي بعد الولاية ، ويجعلون خاتم الأولياء في مقابل خاتم الأنبياء ، ومراتب الولاية مثل مراتب النبوة . ويجعلون الإمام المنتظر من أهل البيت ويقولون أن ظهوره بعد مضي ( خ ف ج) وقيمتها بحساب الجمل (خ = 600 ، ف = 80 ، ج = 3) والمجموع 683 ، أي يظهر سنة 683هـ ولم يظهر المهدي في تلك السنة ، فقال آخرون أن ظهوره سنة 743هـ.
واقترنت تلك الحسابات بأحاديث ومحاولات التوفيق بينها . أما المتصوفة الذين عاصروا إبن خلدون فأكثرهم يشير إلى ظهور رجل يجدد أحكام الملة .
رأي إبن خلدون في المهدي المنتظر
ويرى إبن خلدون رأيه السابق وهو أن أمر المهدي لا يتم إلا بعصبية قريش وبني هاشم ، وقد إنتهت عصبية قريش والهاشميين ، ومن بقي من بني هاشم يعيش في الحجاز ولايمكن أن تقوم دولة المهدي إلا إذا إستطاع أن يوحدهم ويحولهم إلى قوة تقيم له ملكا . أما ما يحدث من دعوات للمهدية يتبعها الدهماء والرعاع فإن مصيرها الفشل ، وقد ذكر إبن خلدون بعض الأحداث التاريخية مثالا على ذلك .
وقال أنه كانت بالمغرب قبيل عهده نزعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدون تشيع للفاطمي أو غيره ، والدافع عندهم فساد الأعراب وغرضهم حمل الأعراب على التوبة ، وكانت العادة أن تنتهي هذه الدعوات إلى لا شيئ .
الفصل الرابع والخمسون
فصل في إبتداء الدول والأمم ، وفيه الكلام
على الملاحم والكشف عن مسمى الجفر
التشوق إلى معرفة غيب المستقبل
البشر يتشوقون دائما إلى معرفة غيب المستقبل ، ويتخذون لذلك وسائل كالمنامات وأخبار الكهان ، ومن الناس من ينتحل مهنة علم الغيب ويتردد عليه العوام ، وأولئك أصحاب الرمل والمندل والمرآة.. وذلك أمر قد شاع وانتشر في عصر إبن خلدون الذي يستنكر ذلك ، إذ يؤكد أن البشر محجوبون عن علم الغيب إلا من أطلعه الله عليه في نوم أو ولاية .
ويقول إبن خلدون أن الملوك والأمراء أكثر الناس إهتماما بمعرفة مستقبل دولهم . لذلك راج إدعاء العلم بالغيب ، وكان لكل أمة كاهن أو منجم أو ولي يتحدث في " الحدثان "
" الحدثان " هو معرفة مستقبل الملوك والدول
والحدثان هو علم الغيب فيما يخص بقاء الدول وعدد الملوك وأسماء الملوك القادمين ، واشتهر منهم في الجاهلية شق وسطيح ، وفي تاريخ البربر القديم موسي بن صالح من بني يفرن ، وفي الدولة الإسلامية نقلوا أشياء عن الصحابة وعد منهم إبن خلدون كعب الأحبار ووهب بن منبه ، بالإضافة إلى جعفر الصادق .
ويرى إبن خلدون إحتمال أن يكون كعب الأحبار ووهب بن منبه إقتبسوا ذلك الغيب من ظواهر مأثرة وتأويلات محتملة ، ويرى أن جعفر الصادق وأمثاله من آل البيت يعلمون الغيب بالكشف والولاية ، واستشهد بحديث : إن فيكم محدثين
المنجمون والغيب
أما المنجمون فيقوم إدعاؤهم بعلم الغيب على القرانات ، أي الإقتران بين الكواكب ، ويقول إن زحل والمشتري يقترنان كل عشرين سنة ، ثم يعود الإقتران بين كوكبين آخرين وهكذا بالترتيب طبقا للحساب الفلكي عندهم ، وعندهم القران الكبير الذي يدل على عظائم الأمور ، والقران الأوسط ، والقران الصغير ، والأحداث على قدر كل قران .
وذكر إبن خلدون بعض تنبؤات المنجمين الكاذبة في مقدار مابقي من الدنيا ، وبعض التنبؤات التي صدقت في بعض الأحداث ، كما تعرض للإرتباط بين التنجيم وعلم الحرف . وقال أن المنجمين يستدلون بالقران الأوسط على ما يحدث في الدول وما فيها من ملوك ، وذكر إهتمام الخلفاء العباسيين كالرشيد والمأمون بالتنجيم .
كما ذكر بعض أبيات القصائد الرائجة لدى البربر في الحدثان أو التنبؤ بالغيب كما أشار إلى الباجربقي الصوفي المملوكي ورموزه في الكشف والتنجيم .
الباب الرابع : في عمران المدن والبلاد في البلدان والأمصار وسائر العمران
عرض مقدمة ابن خلدون: ب4:(ف1: 14)المدن،أشهرها،خرابها،أسعارها واحوالها
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
الباب الرابع : في عمران المدن والبلاد في البلدان والأمصار وسائر العمران
وما يعرض في ذلك من الأحوال
الفصل الأول:
الدول أقدم من المدن والأمصار ،
وأنها إنما توجد ثانية عن الملك
السبب
لأن بناء المدن من مظاهر الحضارة والترف الذي تصل به الدولة إلى غاية تطورها بعد مرحلة البداوة . وحيث يحتاج بناء المدن إلى التعاون بين كثرة الأيدي العاملة والإشراف عليها ويكون ذلك بالسخرة أو بالأجر ، ولا يُقدر على ذلك إلا بسلطة الدولة.
ويتوقف عمر المدن على عمر الدولة التي بنتها، فإذا كان عمر الدولة قصيرا إنتهى عمران تلك المدينة عند إنتهاء الدولة وتراجع عمرانها ، أما إذا طال عمر الدولة إتسعت المدينة المنشأة بأحيائها وأسواقها ، وحدث ذلك في بغداد والقاهرة والقيروان وقرطبة .
وإذا إنقرضت الدولة التي بنت المدينة : فإذا كانت المدينة تقترب من الجبال والبوادي فإن عمرانها لاينقطع، حيث يتوافد إليها أهل البوادي ويستقرون فيها . أما إذا لم يكن حولها مورد بشري يزودها بالعمران فلا يلبث أن يلحقها الخراب إذا إنقرضت دولتها ، وضرب إبن خلدون مثلا لذلك بمصر وبغداد والكوفة والقيروان والمهدية .
وربما يستقر بتلك المدينة مؤسس دولة أخرى لايريد أن يبني عاصمة جديدة، مكتفيا بتلك المدينة التي زال عنها مجدها ، وبذلك تتسع المدينة مع الدولة الجديدة .
الفصل الثاني
الملك يدعو إلى نزول الأمصار
أي أن السلطان يستدعي الإستقرار في المدن
القبائل إذا أسست ملكا أقامت ملكها في إحدى المدن أو الأمصار طلبا للراحة والإستقرار والتعمير والتحصن بهذه المدينة أمام الأعداء .
فإذا لم تكن هناك مدينة جاهزة للإستيلاء عليها أقاموا لهم مدينة جديدة .
الفصل الثالث
المدن العظيمة يقيمها الملك الكثير
منشآت الدولة تكون على مقدارها
فإذا كانت الدولة عظيمة سخرت في الإنشاءات كل ماتستطيع من أيدي عاملة وأموال وآلات، وتركوا آثارا هائلة ربما يتوهم من يراها أن من بناها كانوا عمالقة، مثل الأهرام وإيوان كسرى ، ويغفل عن التقدم الهندسي الذي مكن أولئك الأقدمين من فن المعمار .
ويؤكد إبن خلدون كذب القصاصين حين تحدثوا عن العمالقة القدماء ، من قوم عاد .
الفصل الرابع
الهياكل العظيمة جدا لاتستقل ببنائها الدولة الواحدة
تحتاج الأبنية الضخمة إلى قدر مضاعف من الجهد والهندسة وأزمنة متعاقبة وملوك متتابعين ، وتمر القرون فيظن الناس أن الباني دولة واحدة ، وهي في الحقيقة عدة دول .وضرب إبن خلدون مثلا على ذلك بسد مآرب الذي بناه سبأ ثم ملوك حمير بعده .
ويستدل إبن خلدون على مقولته بأنه عاصر مباني عظيمة عجز الملوك عن إتمامها فأتمها من جاء بعدهم ، كما عجز الرشيد عن هدم إيوان كسرى ، وعجز المأمون عن هدم الهرم الأكبر مما يدل على عظمة البناء الذي كان يفوق قدرة دولة واحدة .
الفصل الخامس
فيما يجب مراعاته في أوضاع المدن
ومايحدث إذا غُفل عن تلك المراعاة
شروط بناء المدن
المدن هي مستقر الأمم والدول
ويرى إبن خلدون أنه يجب أن يراعي في بناء المدينة وسائل الحماية وجلب المنافع وتسهيل المرافق . وعن وسائل الحماية من العدو الخارجي يقول أنه لابد من سياج أو سور يحمي المدينة ، وأن تقام على هضبة وعرة أو يحيط بها بحر أو نهر . وعن وسائل الحماية من الأمراض يرى أن يكون هواء المدينة صحيا بعيدا عن مواطن التلوث .
ويشترط في جلب المنافع وتسهيل المرافق أن يكون الماء متوفرا وقريبا من المدينة ، وأن يوجد إلى جانبها المزارع والمراعي والشجر ، لتوفير الدواجن والأنعام واللحوم والألبان والحبوب والخضروات والوقود ومواد البناء . ويفضل أيضا أن تكون قريبة من البحر ليسهل إتصالها بالعالم الخارجي .
العرب لم يراعوا تلك الشروط بعد الفتوحات
وقال إبن خلدون أن العرب في بداية الفتوحات إهتموا أكثر بما درجوا عليه عند البناء ، فلم يراعوا هذه الإشتراطات ، وتجلى ذلك في بنائهم للبصرة والكوفة والقيروان ، فلم يهتموا إلا بمراعي الإبل وأهملوا ماعدا ذلك .
شروط بناء المدينة الساحلية
واشترط إبن خلدون في المدن الساحلية أن تقام في منطقة جبلية أو قريبة من العمران ووسائل الحماية والدفاع حتى يسهل الدفاع عنها عندما يغير عليها العدو ، واستشهد بتسمية الإسكندرية بالثغر مع أنها ليست في آخر بلاد المسلمين ، وذلك لسهولة إحتلالها والهجوم عليها على عكس الموانئ الإسلامية البعيدة الحصينة مثل سبته وبجاية .
الفصل السادس
المساجد والبيوت العظيمة في العالم
طبقا لما جاء في الأحاديث جعل إبن خلدون مكة والمدينة وبيت المقدس أفضل بقاع الأرض وتحدث عنها بالتفصيل .
عن مكة والبيت الحرام
أشار إبن خلدون إلى تاريخ البيت الحرام منذ آدم إلى إبراهيم وإسماعيل ، ثم " جُرْهُم " إلى أن صار لقريش ، ثم إعادة بناء البيت قبيل البعثة حين احترق ، ثم بناء عبدالله بن الزبير للبيت بعد أن أصابته النار في حصار الأمويين الأول له ، ثم أعاد الحجاج بناء البيت ليكون على الأساس الذي بنته قريش من قبل .
وعن ساحة البيت أي الحرم ، فقد كانت فضاء إلى عهد عمر الذي اشترى الدور المحيطة وهدمها وأحاطها بسور ، ثم زيدت مساحة الحرم باضافات في عهد عثمان ثم إبن الزبير ثم الوليد بن عبدالملك ثم المنصورالعباسي وإبنه المهدي واستقرت الزيادة على ذلك إلى عهد إبن خلدون .
وتحدث إبن خلدون عن شرف البيت الحرام، وجعل من تشريفه منع كل من خالف الإسلام من دخول الحرم ، وأوجب على من يدخله أن يرتدي ملابس الإحرام ، ومن دخله كان آمنا من الناس والطيور والوحوش والشجر .
وذكر إبن خلدون نقلا عن تاريخ مكة أنه كان يوجد كنز من الدنانير بالكعبة من النذور ، وقد رفض النبي والخلفاء أخذه , إلى أن جاء الأفطس وهو الحسن بن الحسن حفيد على زين العابدين وثار سنة 199 في مكة فسلب ما في الكعبة من خزائن .
أما بيت المقدس
فيقول عنه إبن خلدون أنه المسجد الأقصى
وذكر أن بدايته أيام الصابئة كان " موضع الزهرة " أي كان معبدا لها حيث كان الصابئة يعبدون النجوم والكواكب ، ثم إتخذه بنو إسرائيل قبلة لصلاتهم .
وقال أن بني إسرائيل في عهد موسى وهم في فترة التيه نصبوا قبلة يصلون إليها ويقدمون لها المذابح ، ثم لما ملكوا الشام وضعوا تلك القبة على الصخرة ببيت المقدس . ثم بنى سليمان مسجدا على الصخرة بعد أربع سنين من ملكه أو خمسمائة سنة من وفاة موسى وجعل فيه تابوت العهد والقبة والأوعية والمذبح . ثم قام بختنصر بتخريبه بعد ثمانمائة سنة من بنائه ، وبعد الأسر البابلي عاد بنو إسرائيل إلى فلسطين فأعاد عزير بني إسرائيل بناء بيت المقدس بمعونة" بهمن " ملك الفرس ، ثم حكم اليونان والفرس والروم المنطقة ويهودها . وأعادوا بناء بيت المقدس على الأصل الأول الذي بناه سليمان وذلك بقيادة هيرودس وأكمل بناءه في ست سنين .
ثم استولى تيتوس ( طيطش) الروماني على فلسطين وخرب بيت المقدس وزرع مكانه ، ثم دخل الرومان في المسيحية ، وتنصرت هيلانه أم الأمبراطور قسطنطين وذهبت إلى القدس تطلب الصليب الذي زعموا أن المسيح صلب عليه فأخبروها أن المسيح ألقاه على الأرض والقيت عليه القمامة ، فاستخرجته وبنت مكانه كنيسة القيامة ، وألقت بالقمامة على الصخرة عقابا لليهود حتى خفي مكانها .وفي الفتوحات الإسلامية جاء عمر لفتح بيت المقدس ،وسأل عن الصخرة فأروها له وقد علاها الثرى والقمامة فبني عليها مسجدا بدويا بسيطا .ثم أقام الوليد بن عبدالملك المسجد الأقصى على سنن الإسلام كما فعل في المسجد الحرام والمسجد النبوي ومسجد دمشق ، وبعد قرون إحتل الصليبيون بيت المقدس وبنوا الكنيسة مكان المسجد على الصخرة ، واسترد صلاح الدين بيت المقدس فهدم الكنيسة وأظهر الصخرة وبني المسجد الذي ظل قائما إلى عهد إبن خلدون .
وأما المدينة
( يثرب) بناها يثرب بن مهلائل من العمالقة ، ثم ملكها بنو إسرائيل ضمن ما ملكوه من الحجاز ، ثم أخذها بنو قيله من غسان . ثم هاجر إليها النبي وأصبح أهلها الأنصار ، ومات فيها النبي ، وذكر إبن خلدون حديثا يقول : المدينة خير من مكة ، ويقرر إبن خلدون أن المدينة تلي المسجد الحرام .
وبعد تلك المساجد العظيمة في مكة وبيت المقدس والمدينة ذكر إبن خلدون بيوتا أخرى كان يعظمها أصحابها إلا أنه شكك فيها وفي مشروعيتها مثل مسجد آدم في سرنديب (سيلان) وبيوت النار للفرس وهياكل اليونان وبيوت العرب بالحجاز التي هدمها النبي .
الفصل السابع
المدن والأمصار بأفريقيا والمغرب قليلة
عاش البربر آلاف السنين قبل الإسلام ، وهم بدو لم يستكملوا أسباب الحضارة ، والدول التي ملكتهم لم يطل ملكهم فيهم ، ولبداوتهم كانوا أبعد عن ممارسة الصناعة ، وهم أهل عصبيات وأنساب يحرصون عليها ، وحفظ الأنساب جعلهم يحافظون على بداوتهم ويبتعدون عن سكنى المدن .
لذلك كان أكثر عمران شمال أفريقيا والمغرب في الخيام ، بينما استقر الآخرون في مصر والشام والعراق والأندلس في مدن ، حيث لايهتم أهلها بالنسب والعصبية القبلية .
الفصل الثامن
المباني والمصانع في الملة الإسلامية
قليلة بالنسبة إلى قدرتها ، وإلى من كان قبلها من الدول
والعرب أيضا أعرق في البداوة وأبعد عن الصناعة وحين سادوا الأمم العريقة في الحضارة اكتفوا بما فيها من المباني والمصانع ولم يتح لهم الوقت الكافي لاستنباط الوسائل الحضارية ، كما أن الدين كان مانعا في بداية الأمر من الترف والإسراف وألزم بالبساطة والتقشف في البناء ، كما حدث في بناء الكوفة .
فلما دخل العرب في دور الترف إستعانوا بالفرس وغير العرب فأقاموا لهم العمائر والمصانع وكان ذلك مؤذنا بانقراض دولتهم .
والأمم الأخرى من الفرس والفراعنة ، والروم والعرب البائدة طالت عصورهم فترسخت فيهم الصنائع والعمائر.
الفصل التاسع
المباني التي كانت تختطها العرب
يسرع إليها الخراب إلا في القليل
لأنهم بسبب بساطتهم وبداوتهم كانوا يفضلون المباني البسيطة الهزيلة ولا يحسنون اختيار أماكن المدن من حيث الموقع والمناخ والقرب من المزارع والمياه . إذ كان اهتمامهم الأساسي مراعاة إبلهم ، وحدث ذلك في بناء الكوفة والبصرة حيث جعلوهما على حافة الصحراء بعيدا عن المرافق والعمران . ولذلك أتي عليهما الخراب حين انحل أمرهم وذهبت قوتهم .
الفصل العاشر
مبادئ الخراب في الأمصار
المدن في بدايتها تكون قليلة المساكن بسيطة في مواد البناء كالحجر والجير فقيرة في مواد التأنق كالرخام والزجاج والفسيسفاء.
فإذا عظم عمران المدينة تكاثرت آلات العمارة وأدواتها وموادها وخبراؤها ، فإذا تراجع العمران قلت الصنائع والآلات والأدوات ، وقل جلب مواد البناء الغالية كالرخام والفسيفساء ، ويستعيضون عنها بنقلها من القصور الفارغة ، ويستمرون في ذلك إلى أن ترجع المدينة إلى بساطتها وفقرها لتصبح قرية أو مدينة بدوية ، كما كانت من قبل .
الفصل الحادي عشر
تفاضل المدن والأمصار في كثرة الرزق والأسواق
في تفاضل عمرانها في الكثرة والقلة
وفرة الإنتاج تعني التصدير والترف والتأنق
لايستطيع الفرد وحده أن يستقل بتحصيل حاجاته من طعام ومعاش ولباس فلابد من أن يتعاون مع الآخرين . وحين يتعاون الجميع في تحصيل وإعداد القوت فإنه يفيض عن حاجاتهم، وينصرف الزائد في الكماليات والترف وتصديره إلى الآخرين ويصبحون بذلك أكثر ثراءا وغنى.
والمكسب هو قيمة العمل ، فإذا كثر العمل كثر المكسب ، وإذا كثر المكسب والمال الفائض إحتاج أصحابه إلى التأنق في المسكن والملبس ووسائل المعيشة والترف والسرف .
التأنق يعني إزدهار الصناعات والحرف
وهذا التأنق يحتاج إلى عمال مهرة وصناعات خاصة ، لذلك تتكاثر أسواق العمال المهرة ويزداد العمران وتزداد مكاسب أهل الحرف ، وتزداد خبارتهم وابتكاراتهم مع الدخول في عصر الترف والسرف ، إذ أنه كلما كان العمران أكثر كان الترف فيه أكثر ، والعكس صحيح ، وينعكس هذا على أحوال الناس ووظائفهم ، فالقاضي في المدينة العامرة يكون أغنى من زميله في المدينة الخاملة وهكذا الشرطي والسوقي والأمير . ثم يزداد البؤس حين تصل إلى المجتمعات الصحراوية البسيطة ، وأعطى إبن خلدون أمثلة لذلك في المقارنة بين مدن شمال أفريقيا والمغرب ، إلى أن يقول أن الشحاذ في فاس أحسن حالا من زميله في تلمسان أو وهران ، وقد شاهد بنفسه الشحاذين في فاس يطلبون من النساء ثمن الضحية ويطلبون أشياء مترفة ويقترحون على المحسنين أفخر الطعام ، ويقول " ويبلغنا لهذا العهد عن أحوال القاهرة ومصر من الترف والغنى في عوائدهم ما يقضي منه العجب حتي أن كثيرا من الفقراء بالمغرب ينزعون إلى النقلة إلى مصر لذلك " ويرى إبن خلدون أن ذلك ليس لكرم المصريين ولكن بسبب الثراء وكثرة العمران ، ويستشهد على ذلك ببيوت الأغنياء كثيرة الخير حيث تزدحم عليها الحشرات والحيوانات والطيور طلبا للرزق ، بعكس بيوت الفقراء التي تنفر منها القطط والكلاب والفئران والطيور .
الفصل الثاني عشر
أسعار المدن
تشتمل الأسواق على الضروري من الأقوات وعلى الكماليات منها ، بالإضافة إلى الكماليات في الملابس والأدوات ومواد البناء والصنائع .
العلاقة بين العمران والأسعار للسلع الضرورية والكمالية
وإذا زاد العمران رخصت أسعار السلع الضرورية وغلي سعر الكماليات ، وإذا نقص العمران كان الأمر بالعكس ، لأن الحبوب من الضروريات التي يحرص عليها الجميع فيكثر عليها الطلب داخل البلد وخارجه ، وكل منهم يحرص على شراء المزيد مما يجعله يفيض عن حاجته ، وهذه الزيادة تسد احتياج الآخرين ، وبزيادة الأقوات ترخص أسعارها في الغالب إلا إذا أصابتها الآفات " ولولا احتكار الناس لها لما يتوقع من تلك الافات لبذلت دون ثمن ".
وأما الكماليات فلا يطلبها الجميع ولا يعمل فيها الجميع . ولكن إذا كان المجتمع موفور العمران والترف أصبحت الكماليات مطلوبة فلا يكفي المعروض منها حاجة الطالبين ، فتزداد الرغبة فيها ويعلو ثمنها ويغلو .
العلاقة بين العمران وازدهار الصنائع والحرف
أما الصنائع والأعمال الحرفية فإن أجورها وأثمانها ترتفع مع زيادة العمران لكثرة الرغبة في الترف وكثرة المترفين ورغبتهم في استئجار واستخدام العمال المهرة, واعتزاز العمال المهرة بأنفسهم وبمهارتهم وعدم اضطرارهم للعمل نظرا لسهولة العيش ، وتنافس المترفين في استخدام العمال المهرة والأكثر مهارة من غيرهم في نفس التخصص .
أما في المجتمعات قليلة السكان فالأقوات قليلة لقلة العمل وقلة الإنتاج، ويحاول كل منهم احتكار ما تصل إليه يداه من الضروريات فيعلو سعرها ، أما المرافق والكماليات فلا تكون الحاجة ماسة إليها فيرخص سعرها .
وتزيد أسعار المدن عن البادية بسبب الضرائب العالية واستخدام الأسمدة وارتفاع تكلفة الإصلاح ، ولذلك ارتفعت الأسعار في الأندلس عنها في المغرب .
الفصل الثالث عشر
في قصور أهل البادية عن سكني المصر الكثير العمران
لأن المصر أو المدينة العامرة يكثر فيها الترف وتتعدد حاجات أهلها من الكماليات التي لا تلبث أن تتحول إلى ضروريات ، وتصبح أجور الحرف والمرافق غالية خصوصا مع التكالب عليها والضرائب المفروضة عليها وعلى الأسواق . وبذلك ترتفع الأسعار على قدر نسبة العمران ، ويحتاج رب الأسرة إلى دخل كبير ليغطي مصاريفه .
والبدوي الفقير لا يستطيع أن يعيش في تلك المدينة العامرة خصوصا مع بساطته وعدم اهتمامه بالترف ، وإذا لم يكن ميسورا قادرا على الكسب في المدينة فإن بقاءه فيها لا يطول.
الفصل الرابع عشر
الأقطار في اختلاف أحوالها بالرفاهية والفقر مثل الأمصار ( المدن)
إذا تكاثر العمران في أحد الأقطار بالسكان إزدهرت الأحوال والأموال ، بسبب كثرة العمل وتزايد الإنتاج مما ينتج عنه فائض على قدر زيادة العمران والعمل ، والأرباح والفوائض يستغلها الناس في أسباب الرفاهية ، وتكثر موارد الدولة من الضرائب وتتكاثر الأسواق ، وتقام العمائر والمدن الجديدة .
ويعطي إبن خلدون أمثلة على ذلك بازدهار أقطار المشرق مثل مصر والشام والعراق وبلاد العجم والهند والصين ، وأوربا ، حيث كثر العمران وكثرت الأموال فكثرت المدن ، وقال أنه لمس الثراء الذي يبدو عليه تجار أوربا، كما أنه سمع بالرفاهية التي يعيش فيها المسلمون في الشرق " فإنه يبلغنا عنهم في باب الغنى والترف غرائب تسير الركبان بحديثها ".
ويرفض إبن خلدون تعليل الثراء في المشرق بوجود الذهب والفضة هناك ، وقرر أن الذهب الذي في المشرق يجلبونه من بلاد السودان ، كما رفض أيضا التفسير الفلكي وحده ، وأكد أنه إلى جانب المطابقة بين الأحكام النجومية والأحوال الأرضية فإن هناك سببا آخر هو كثرة العمران في بلاد المشرق وما ينتج عن العمران من كثرة العمل والإنتاج . واستشهد على ذلك بخراب برقة وشمال أفريقيا حين تناقص عمرانها بعد أن كانت مزدهرة في عهد الفاطميين ، وكذلك المغرب في حكم الموحدين ، ثم تناقص ذلك كله وحل الخراب محل العمار فيما بين برقة والمغرب .
عرض مقدمة ابن خلدون: ب4: (ف15: 22):الاستثمار والنفوذ والعمران
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب الرابع : في عمران المدن والبلاد في البلدان والأمصار وسائر العمران
وما يعرض في ذلك من الأحوال
الفصل الخامس عشر
تأثل ( إستثمار ) العقار والضياع في الأمصار وحال فوائدها ومستغلاتها
تغير أسعار العقارات والمزارع بين أنهيار دولة وقيام أخرى محلها
إستثمار العقارات والمزارع في المدن والأمصار لايكون دفعة واحدة ولا في عصر واحد ، ولكن يكون تدريجيا بالوراثة أو بتحول سعر العقارات في أواخر الدولة إلى الرخص . وحينئذ تكون الدولة القائمة قد انتهت واندثرت وقامت دولة أخرى فتية إنتظمت أحوالها فيأخذ الناس في شراء العقارات والضياع ، وهذا هو معنى الحوالة ، أو تحول ملكية العقارات والضياع إلى ملاك من أغنى أهل المدن .
إيراد العقارات للمعاش فقط
ويقولإبن خلدون إن اقتناء العقارات لايكفي إيراداته إلا للمعاش الضروري ، وإنما يقتنيها أصحابها لتكون مأوى ومصدر رزق للذرية إذا كانت ضعيفة عاجزة عن الكسب .
متى يربح الإستثمار العقاري
أما الإستثمار بشراء أو بناء العقارات فليس مجزيا في الربح إلا نادرا ، وقد يحدث ذلك بالحوالة المشار إليها ، وهي شراءالعقارات القديمة الرخيصة من أصحاب الجاه الغابر . ولكن ربما تمتد إليها أعين الأمراء ورجال الدولة الجدد فيغصبونه أويشترونه بثمن بخس .
الفصل السادس عشر
حاجة المتمولين ( الرأسماليين) من أهل الأمصار إلى الجاه ( النفوذ ) والمدافعة
إن الرأسمالي إذا زادت أمواله وعقاراته وضياعه واستثماراته تطلعت إليه العيون وتنافس مع الأمراء في الترف فيطمع الأمراء بنفوذهم وسلطتهم إلى مصادرة أمواله بشتى السبل والحيل . ويقول إبن خلدون أن أكثر الأحكام السلطانية جائرة في الغالب لأن العدل المحض يكون في الخلافة الشرعية وهي قليلة الدوام . وحينئذ فلابد لصاحب المال والثروة من نفوذ يدعمه ويقربه من السلطان حتى يحمي ثروته ، وإلا ضاع رأسماله .
الفصل السابع عشر
الحضارة في الأمصار (المدن) من قبل الدول وأنها ترسخ باتصال الدول ورسوخها
الحضارة أحوال عادية زائدة على الضروري من أحوال العمران . وتتفاوت هذه الزيادة بتفاوت الرفاهية وعدد السكان ، ويتبع الزيادة في الرفاهية زيادة المهارة الصناعية والتفنن في الإبداع ، وبمرور الأيام تزداد المهارة الصناعية وتترسخ . وهذا بدوره يتوقف على ثبات الدولة ورسوخها .
دور الدولة في الثراء الإقتصادي
فالدولة هي التي تجمع الأموال وهي التي تنفقها في رجالها ، ويدور المال بين رجال الدولة ورعاياها فتتعاظم الثروة والتنمية ، ويأتي الترف والتأنق وهذه هي الحضارة .
العاصمة مركز الثراء
ويتركز المال والحضارة أساسا في العاصمة ، ولذلك فإن المدن البعيدة القاصية تفتقر إلى الحضارة حتى لو كانت كثيرة السكان ، وذلك بخلاف المدن ذات الموقع المتوسط .
والدولة والسلطة سوق المجتمع ، فالبضائع تتوافر بالقرب من السلطان وعاصمة الدولة أكثر من غيرها .
رسوخ الدولة يؤدي لرسوخ الحضارة فيها
واستمرار الدولة ورسوخ سلطاتها يؤكد استحكام الحضارة كما حدث لبني إسرائيل والرومان والفراعنة ، وترى ذلك في مصر والعراق وإيران واليمن والأندلس .
أما في شمال أفريقيا فلم يكن بها قبل الإسلام ملك ضخم ، وقد سيطر الفرنجة على الساحل فقط ، وبعد الفتوحات لم يلبث فيهم حكم العرب إلا يسيرا وكان العرب في طور البداوة أيضا ، ولم يلبث البربر أن استقلوا بأنفسهم ، وفيما عدا الأغالبة في القيروان ظلت المنطقة أسيرة لبداوة البربر وبداوة العرب الهلاليين .
أما المغرب فقد انتقلت إليه حضارة الأندلس في عصر الموحدين ، واختلط أهل الأندلس بأهل المغرب ، كما انتقل بعض أهل شرق الأندلس إلى تونس فنقلوا إليها الحضارة ، إلا أن البربر بالمغرب وتونس عادوا إلى ما كانوا عليه من البداوة . ثم يعود إبن خلدون فيقول وعلى كل حال فآثار الحضارة بأفريقية أكثر منها بالمغرب لما تداول فيها من الدول السالفة أكثر من المغرب ولقرب عوائدهم من عوائد أهل مصر .
الخلاصة
وفي النهاية يقول إبن خلدون أن هناك تناسبا بين حال الدولة في القوة والضعف وبين عدد سكانها وعظم عمرانها ورخائها الاقتصادي ، فالدولة والسلطان صورة العمران ، وأموال السلطان تتسرب إلى الأسواق وتدور وترجع إليه بين الخراج والعطاء ، فعلى نسبة غنى الدولة يكون ثراء الناس ، والعكس صحيح ، والعمران هو الأصل في ذلك .
الفصل الثامن عشر
الحضارة غاية العمران ونهاية عمره ومؤذنة بفساده
العمران كله من بداوة وحضارة له عمر مثل الأشخاص . ويصل الإنسان إلى كمال الفترة في سن الأربعين وبعدها يأخذ التدهور تدريجيا ، وكذلك الحضارة في العمران .
من الترف والسرف إلى التضخم والغلاء
تصل الحضارة إلى مرحلة الترف والإسراف والتأنق في كل مناحي الحياة ، ويعني ذلك إستحكام الشهوات وتعود النفوس عليها بحيث لايمكن الشفاء منها ، وتتكاثر الحاجات التي كانت كماليات ثم أصبحت بالتعود ضروريات وتصبح باهظة التكاليف وعسيرة الحصول عليها . خصوصا وإن عصر الترف يعني ترهل الدولة وانكبابها على الإسراف وتغطية عجزها بفرض المزيد من الضرائب ، وينعكس ذلك بالطبع على الأسعار والإنتاج ، فتتضاعف الأسعار ويحجم الناس عن الإنتاج بسبب كثرة الضرائب ، فيحل الكساد في الأسواق .
من الفساد والفسق إلى السفه وعبادة المال
ويرتبط ذلك بفساد آخر في الناس ، إذ ينتشر فيهم الفسق والشر والسفه والحصول على المال بأي طريق ، ويصبح هذا نمطا سائدا في الحياة ، ويعلو أسافل الناس بما لديهم من أموال ، وتصبح أخلاقهم المثل الأعلى لغيرهم حتى من أهل البيوت العريقة . وبذلك يعم الفساد ويحين أوان الهلاك الألهي مصداقا لقوله تعالى "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا". ذلك أن مكاسبهم لم تعد تكفي لمتطلباتهم وشراهتهم فيتكالبون على متاع الدنيا ، ويتصارعون حوله بأي طريق ، وتتوارى الأخلاق الحميدة ليحل محلها الفساد ثم الإهلاك .
التفاخر بالزينة من علامات الإنهيار
ومن علامات اقتراب المدينة من الهلاك انتشار نبات الزينة ، إذ تعني أن الناس يتفننون في غرسها لمجرد ألوانها وتزيين البساتين بها ، فتصبح علامة على الترف الزائد عن الحاجة .
الترف عين الفساد
ويؤكد على أن أخلاق الترف هي عين الفساد ، لأن الإنسان هو القادر بنفسه على جلب المنافع ودفع الضرر ، ولكن الإنسان المترف لا يستطيع ذلك عجزا وتراخيا حيث تعود على أن يخدمه غيره فيصبح عالة على من يحميه ويخدمه ، وإذا فقد الإنسان قدرته على العطاء وخدمة نفسه بنفسه أصبح مسخا .
الفصل التاسع عشر
( العواصم ) الأمصار التي تكون كراسي
الملك تخرب بخراب الدول وانقراضها
إذا اختل نظام الدولة تناقص عمران عاصمة الدولة ، وذلك لعدة أسباب :
الأول : أن الدولة التي قامت على أنقاض دولة سابقة تكون في بدايتها بدوية بسيطة معادية للترف ، فترغم المجتمع على تقبل البساطة والإبتعاد على ما تعود عليه من الترف ، وهذه الحياة البسيطة بعد الترف تعني الخراب وتناقص العمران في العاصمة .
الثاني : إن الدولة الجديدة حين تتغلب عسكريا لاتلبث أن تفرض عوائدها وتقاليدها وثقافتها على المجتمع وتصبح عوائد الدولة البائدة مكروهة مستقبحة خصوصا أحوال الترف ، وتنشأ عادات وأعراف جديدة تكون عوضا عن العادات القديمة ، وتؤدي في النهاية إلى نفس النتائج وهي الترف . وفيما بين العهدين تندثر حضارة وتقوم حضارة أخرى . وهذا معنى اختلال العمران في العاصمة .
الثالث : أن كل أمة لها وطن أصلي ثم يملكون أوطانا أخرى ومدنا أخرى تكون تابعة للوطن الأول والعاصمةالأولى ، فإذا اتسع نطاق الدولة احتاجوا إلى إنشاء عاصمة تتوسط الدولة ، وينتقل العمران والنفوذ إلى العاصمة الجديدة وذلك على حساب تناقص العمران في المدن الأخرى والعواصم القديمة .
الرابع : أن الدولة الجديدة تقوم بنفي أتباع الدولة القديمة إلى قطر آخر ، وهم أعيان المجتمع الذين عاشوا في أحضان الدولة السابقة ، فتنقلهم الدولة الجديدة من العاصمة إلى الوطن الأساسي للدولة الجديدة قبل أن تستولي على العاصمة .فلا يبقى في العاصمة إلا العوام والسوقة ، ويقيم في العاصمة حامية الدولة الجديدة وأعيانها ، وهذا يعني خراب العاصمة برحيل أثريائها ، وتبدأ عمائر جديدة وحضارة مختلفة .
العلاقة بين الدولة والمجتمع أوالعمران
ويقول إبن خلدون إن الدولة بالنسبة للعمران كالصورة بالنسبة للمادة لايقوم أحدهما بدون الآخر، واختلال أحدهما يؤدي إلى اختلال الآخر، وانهيار أحدهما يؤدي إلى انهيار الآخر.
وهناك خلل عظيم عام ، وخلل جزئي شخصي .
الدولة الكبيرة لايؤثر فيها الخلل الشخصي للحكام
والخلل العظيم يصيب الدول الكبرى مثل دولة الروم أو الدولة الأموية أوالعباسية ، أما الخلل الشخصي فلا يؤثر كثيرا في اختلال الدولة الكبيرة ، لأن الدولة ثابتة الأركان مستمرة العمران بغض النظر عن أشخاص الحكام طالما بقيت شوكتها وعصبيتها . فإذا غلبتها شوكة أخرى أو عصبية أخرى كان الخلل العظيم .
الفصل العشرون
إختصاص بعض( المدن) الأمصار ببعض الصنائع دون بعض
تتعاون الأنشطة الإقتصادية والحرفية مع بعضها ، وتشتهر بعض المدن ببعض الصناعات والحرف يتخصصون فيها ويجعلونها معاشهم وفخرهم ، ويكون هذا التركيز والتخصص على حساب صناعات أخرى وحرف أخرى .
غير أنه توجد حرف ضرورية كالخياط والحداد والنجار ، وتوجد حرف أخرى من الكماليات ومظاهر الترف مثل صانع الزجاج والصائغ والدهان والطباخ والفراش ، وهذه الحرف الكمالية تتفاوت بقدر وجود الترف والحضارة ، وإذا زادت دواعي الترف استجدت حرف أخرى مثل الحمامات العامة التي لاتوجد إلا في العواصم المغرقة في الحضارة ، ولاتوجد في المدن المتوسطة ، وبعض الملوك يقيم الحمامات وعندما لايكون أهل المدينة قد وصلوا إلى هذه الدرجة من الترف فسرعان ما يصيبها الخراب لانصراف الناس عنها .
الفصل الحادي والعشرون
وجود العصبية في الأمصار وتغلب بعضهم على بعض
" كيف تبدأ العصبيات في الإتحاد والإستقلال وتكوين دولة
مستقلة عن الدولة الأم "
الصلة بين البشر تتعمق بالنسب والمصاهرة ، وتتكون بذلك العصبية ، وأهل الحضر تجد في أغلبهم الإلتحام بالنسب والمصاهرة ، وتتكون بين العائلات صداقة وعداء بمثل ما يحدث بين القبائل والعشائر في البدو .
فإذا دخلت الدولة في دور الهرم وتقلص نفوذها عن الأطراف البعيدة إحتاج أهل الأطراف إلى القيام على أنفسهم وحماية أرضهم ، وتكونت مجالس الشورى ، ومن هنا تتبلور الزعامات ويبدأ الطموح للإستقلال عن الدولة الأم ، وكل زعيم يحيط نفسه بالأنصار والأحلاف ، ويبدأ النزاع المسلح بين الزعامات ، وينتهي بأن يتغلب الأقوى ويصبح ملكا ، وتبدأ مملكة تسير في نفس الطريق ، من البداية والتمهيد إلى التوطيد ثم الإزدهار وبعده الترف والإنهيار.
وبعض أولئك الملوك الصغار في الأطراف يقلد عظماء الملوك في المظاهر والمآثر وبعضهم يفضل التمسك بالبساطة والبداوة حتى يتجنب السخرية .وضرب إبن خلدون مثلا لذلك مما وقع في الدولة الحفصية وفي أواخر الدولة الصنهاجية .ويقول إبن خلدون أنه في الغالب أن يكون المتغلبون على الأطراف من أصحاب البيوتات ورءوس العائلات ، وقد يتغلب بعض الغوغاء بتحالفهم مع اللصوص وأصحاب العصبيات.
الفصل الثاني والعشرون
لغات أهل الأمصار ( المدن)
سيطرة لغة العرب الغالبين على المجتمعات غير العربية
لغات المدن تكون بلسان الأمة أو الجيل الغالب كالعربية في الدولة الإسلامية التي غلبت اللغات الأخرى في مواطنها لأنها كانت لغة الدين والدولة . وأصبحت اللغات الأصلية دخيلة أو مندثرة .
تحول العربية إلى لهجات
إلا أن اللغة العربية الأصلية ما لبث أن لحقها اللحن ، واختلفت لهجات أهل المدن والحضر عن لغة البوادي التي كانت أقرب إلى العربية النقية . ثم ازداد فساد اللغة العربية بقدوم العناصر غير العربية التي حكمت في الشرق والغرب ، مثل البويهيين والسلاجقة وزناته والبربر ، إلا أن اللغة العربية الفصحى ظلت باقية بالقرآن والتراث .
إنقراض العربية في أقصى المشرق
ثم فسدت اللغة العربية على الإطلاق – حسبما يرىإبن خلدون – في بلاد المشرق في العراق وخراسان وما بعدها عندما أقام التتار ممالك لهم هناك بعد سقوط بغداد ، وبقيت اللغة العربية بمصر والشام والأندلس والمغرب .
الباب الخامس : في اقتصاد العمران في المعاش ووجوه من الكسب والصنائع وما يعرض في ذلك
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
الباب الخامس : في اقتصاد العمران في المعاش ووجوه من الكسب
والصنائع وما يعرض في ذلك كله من الأحوال ، وفيه مسائل
الفصل الأول
في حقيقة الرزق والكسب
وشرحهما وأن الكسب هو قيمة الأعمال البشرية
العمل = المكسب والمعاش
الإنسان محتاج إلى القوت ، وقد سخر الله تعالى للإنسان ما في السماوات والأرض واستخلفه في العالم ، وإذا وضع إنسان يده على شئ لم يأخذه منه غيره إلا في مقابل ، ويسعى الإنسان بالعمل ويقتني المكاسب وينفق ويشتري في مقابل عوض . وقد يحصل الرزق بدون سعي كالمطر في الأرض القابلة للزراعة . إلا أن ذلك يستلزم أيضا نوعا من السعي .
المكسب الزائد= إستثمار وكماليات
وتكون تلك المكاسب له معاشا إن كانت بمقدار الضرورة والحاجة ، فإذا زاد المكسب أصبح رياشا وزخرفا واستثمارا . وهذا المكسب إن عادت منفعته على الإنسان في إنفاقه على نفسه ومصالحه سمي رزقا ، واستشهد إبن خلدون بحديث "إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت " .
وإن لم ينتفع بالمكسب في شئ من مصالحه وحاجاته فلا يسمى رزقا بل يسمى كسبا . وذلك مثل الميراث الذي يسمى للميت كسبا ولايسمى رزقا لأن الميت لم ينتفع به ، بل يسمى رزقا للورثة . وهذا هو رأي أهل السنة ، أما المعتزلة فيجعلون الرزق فيما يصح تملكه ، ولم يجعلوا المال المكتسب من الحرام ضمن الرزق .
ولابد للرزق من سعي وعمل ، قال تعالى " فابتغوا عند الله الرزق ". ويكون السعي بإلهام الله تعالى وقدره . والعمل قد يكون عملا بنفسه وذاته مثل الصنائع وقد يكون باقتناء الحيوان والنبات والمعادن ، وقد جعل الله تعالى للذهب والفضة قيمة وثمنا لكل سلعة ، وإن اقتنى الإنسان غيرهما فإنما يكون ذلك بقصد الحصول عليهما . وما يكسبه الإنسان من الصنائع يأتي نتيجة عمله ، كما لابد من دخول قيمة العمل في غير الصنائع مثل اقتناء الأرض والحيوان والمعادن . وتخفي قيمة العمل في أسعار الأقوات في البلاد التي تتم الزراعة فيها بالمطر بدون عمل كثير .
إذا تناقص العمل تناقص العمران والإنتاج والمرافق
وهكذا فالعمل الإنساني هو أساس المكسب ومسمى الرزق ، فإذا تناقص العمل تناقص الإنتاج ، وانتقص العمران ، ولذلك فالبلاد قليلة السكان قليلة الأيدي العاملة يقل إنتاجها ويقل عمرانها ،والعكس صحيح ، حتى أن البلاد التي يتناقص عمرانها يجف ماؤها في الآبار والعيون والأنهار بسبب انعدام الرعاية والعناية .ولذلك يقترن الخراب في البلاد بذهاب مائها كما يقترن الإزدهار برعاية المياه والأنهار.
الفصل الثاني
وجوه المعاش وأصنافه ومذاهبه
المعاش هو ابتغاء الرزق والسعي في تحصيله
ووجوه المعاش أوتحصيل الرزق هي :
1- أخذه بالاقتدار بحكم القانون كالضرائب
2- الصيد البري والبحري .
3- إستغلال الحيوانات من الدواجن والأنعام وعسل النحل ودود القز .
4- الزراعة والفلاحة .
5- الأعمال الإنسانية من الحرف والصنائع كالكتابة والخياطة والتجارة.
6- من البضائع بالشراء والنقل .. أي التجارة .
رأي إبن خلدون في أنواع الحرف
ويقول إبن خلدون أن الفلاحة والصناعة والتجارة وجوه طبيعية للمعاش أما الزراعة فهي الأقدم والأبسط ، والصناعة جاءت متأخرة عن الفلاحة لأنها مركبة وتستلزم الإبتكار ، لذلك لاتوجد غالبا إلا في الحضر . أما التجارة فهي تحايل في الحصول على ما بين القيمتين في البيع والشراء إبتغاء المكسب .
الفصل الثالث
الخدمة ليست من الطبيعي في المعاش
لابد لدولة من إتخاذ أعوان يخدمونها من الجند والشرطة والموظفين كل منهم في مجاله ، ورواتبهم من خزينة الدولة .
وأما الأنواع الأخرى من الخدمة فمرجعها إلى استنكاف المترفين عن خدمة أنفسهم أو عجزهم عنها فيتخذون خدما ، وهذا نقص في الرجولة من المترفين ، ولكن تعودوا على أن يخدمهم غيرهم فأصبح ذلك كالطبع لديهم .
ويرى إبن خلدون أن الخادم الأمين الموثوق به لايوجد غالبا ، فالخادم قد يكون كفئا ولكن غير ثقة ، وقد يكون عاجزا وثقة ، وقد يكون عاجزا وغير ثقة . والصنف الأخير العاجز غير الثقة لايستعمله عاقل . ويرى إبن خلدون أن الخادم الكفء غير الثقة أرجح من الخادم العاجز الأمين . أما الخادم الكفء الثقة فلا يرى له وجودا .
الفصل الرابع
إبتغاء الأموال والدفائن والكنوز ليس بمعاش طبيعي
يعتقد ضعاف العقول أن أموال السابقين مكنوزه تحت الأرض مختوم عليها بطلسمات سحرية ، لا يستطيع فك طلاسمها إلا أصحاب العلم بذلك عن طريق الدعاء والبخور والقرابين .
وتنتشر هذه الخرافات في المشرق والمغرب ، وبعض طلبة العلم العاجزين عن الإكتساب الطبيعي يحترفون التحايل على الناس في المغرب بأوراق يزعمون أنها تحوي إشارات عن الكنوز المدفونة ، ويقنعون أصحاب الجاه على الحفر والتنقيب ، وقد يستعين بعضهم بأعمال السحر والخداع ليصدقه الناس . وبذلك إنخرط كثيرون في أعمال الحفر والتنقيب عن الكنوز ، فإذا لم يجدوا شيئا إعتقدوا أنهم لم يعرفوا حقيقة الطلسم . ويرى إبن خلدون أن سبب ذلك هو عجزهم عن السعي في سبيل الرزق بالصناعة والتجارة والزراعة مع ضعف عقولهم ، فاستسهلوا هذا الطريق للكسب السريع ، مع أنهم يبذلون فيه الكثير من الجهد بدون طائل وقد يتعرضون فيه للعقوبات ، وربما يكون تعود الترف وتطلع بعض الناس إلى الحصول على الأموال بلا تعب لينعموا بما ينعم به المترفون أحد أهم الأسباب حتى يحصل على كنز دفعة واحدة ، وتأخذه الأماني إلى هذا الطريق .
ويقول إبن خلدون إن هذا البحث عن الكنوز يوجد في سكان البلاد الواسعة المترفة مثل مصر ، ولذلك يجد المغاربة سوقا رائجة فيها ، يقول " هكذا بلغني عن أهل مصر في مفاوضة من يلقونه من طلبة المغاربة لعلهم يعثرون منه على دفين أوكنز " ويعتقدون أن الكنوز مخبأة في مجرى النيل لذا يحاولون بالأعمال السحرية أن ينضب ماء النيل ليعثروا على الكنوز. ويقول أن أهل مصر توارثوا السحر عن أجدادهم الفراعنة وآثارهم باقية.
وذكر قصيدة تحكي كيفية القيام بعمل سحري يجعل الماء يغور ، ويراها من التخريفات ، ويقول أن بعض الدجالين يتسللون إلى البيوت فيجعلون فيها إشارات ويخبئون فيها علامات ، ثم يذهبون إلى صاحب البيت فيخدعونه أن في بيته كنزا ويطالبونه بالأموال للحفر وذبح الحيوانات والبخور .
ويرى إبن خلدون أن هذا كله ليس له أصل في علم ولا في خبر ، وأنه قد توجد بعض الكنوز لكنها نادرة ويتم اكتشافها بالمصادفة كما يحدث في الركاز ، والأمر لا يستحق كل هذا السباق على التنقيب ، ثم إن من يخبئ ماله ويختم عليه بالطلاسم يكون عسرا الإهتداء إليه في رأي إبن خلدون . كما أن العاقل إنما يختزن الأموال لآولاده وأحفاده ، ولايقصد إخفائها تماما عن كل الناس .
وردا على حجة القائلين ، فأين أموال الأمم السابقة يقول إبن خلدون إن الأموال هي من الذهب والفضة والجواهر والأمتعة ، أي معادن ومكاسب ، أي هي متناقلة متوارثة بين الناس وبين البلاد الدول بحسب العمران وزيادته أو نقصانه هنا أو هناك . وأيضا فالمعادن الثمينة والجواهر يدركها الفناء كشأن غيرها .
أما عن كنوز الفراعنة في مصر فقد كانوا يدفنون الموتى بما يملكه الميت من ذهب وجواهر ، فلما انتهت دولة الفراعنة وجاء الفرس واليونانيون سلبوا مافي القبور من ذهب وجواهر ، ومن هنا صارت القبور الفرعونية مظنة العثور على الذهب والكنوز ، ولذلك عني أهل مصر بالتنقيب عنها واشتهروا بالبحث عن " المطالب " حتى لقد فرضت ضريبة على " أهل المطالب " ممن يشتغل بالبحث عن الكنوز من الحمقى والمهووسين . مع أنهم لايحصلون على شئ.
وفي النهاية ينصح إبن خلدون من أصيب بهذا الوسواس بأن يتعوذ بالله من العجز والكسل في طلب معاشه وينصرف عن طريق الشيطان ووسواسه.
الفصل الخامس
الجاه مفيد للمال
الغنى صاحب النفوذ أكثر ثروة من المحروم من الجاه ، لأن صاحب الجاه يتقرب إليه الناس بالخدمات وقضاء المصالح على سبيل النفاق ، لذلك تزدهر أعماله وتزيد ثروته بأسرع وقت . ولهذا كان المنصب السياسي أهم أسباب المعاش والتكسب والمحروم من الجاه حتى لو كان غنيا لايكون غناه إلا بمقدار ماله وسعيه .
ولذلك تجد التاجر صاحب الجاه أكثر غنى من التاجر الذي لا حول له ولا قوة .
الفقهاء أصحاب الشهرة والجاه يصبحون أغنياء
بل إن الفقهاء وأهل الدين إذا اشتهروا واعتقد الناس في صلاحهم أصبح لهم جاه بين الناس ، وسرعان مايتجسد هذا الجاه في إغداق الناس الأموال عليهم فيصبحون أصحاب ثروات بدون رأسمال سابق . وترى أحدهم معتكفا في بيته ويسعى الناس له بالهدايا فتتكاثر ثروته بدون جهد . الفصل السادس
السعادة والكسب يأتي لآهل الخضوع والتملق
وهذا الخلق من أسباب السعادة
العمل يأتي بالمال ، والجاه يفيد في تنمية المال
يأتي الكسب من العمل ، ولو فقد الإنسان عمله فقد كسبه ومعاشه ، وعلى قدر عمله وشرف عمله وحاجة الناس إليه تكون قيمته ومقدار كسبه . والجاه يفيد في تنمية المال حيث يتقرب الناس إلى صاحب النفوذ بالعمل والهدايا لدفع الضرر وجلب النفع لذلك سرعان ما يحوز صاحب النفوذ على الثروة .
الجاه يتركز في السلطان ومن حوله على قدر قربه
ويتوزع الجاه في الناس طبقة بعد طبقة ، يبدأ من السلطان في الأعلى ثم ينتهي إلى الذي لايملك ضرا ولا نفعا في الأسفل . وبينهما طبقات متعددة يتم إجبارها على التعاون فيما بينها حفظا للنوع ، وهذا معنى قوله تعالى " ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا .."
الجاه هو النفوذ والسيطرة على من هم دونه سياسيا أو شرعيا
فالجاه هو القدرة التي تتيح للبشر التصرف فيما تحت نفوذهم من البشر الآخرين بالإذن والمنع طلبا للمنفعة وطردا للضرر وذلك بأحكام الشرع والسياسية . وأحكام الشرع مقصودها العناية الربانية بالذات ، أما أحكام السياسة والأحكام الأخرى فتدخلها الشرور لأنه لايتم وجود الخير الكثير إلا بوجود شر يسير حتى في القضاء الألهي . وذلك معنى وقوع الظلم في الناس.
الجاه بين الطبقات الاجتماعية
وكل طبقة اجتماعية في مدينة أو إقليم لها سطوة وجاه على الطبقة التي دونها ، والطبقة السفلى تستمد جاهها من الطبقة التي تعلوها ،
ويزداد الكسب على قدر ذلك الجاه . ولذلك فإن الكسب أو الثروة تتسع وتضيق في كل طبقة حسب ما لديها من الجاه .
لماذا يتزلف المنافقون لأصحاب الجاه
وبدون الجاه يصير الكسب بقدر العمل أوبقدر المال الذي يتاجر به . وصاحب الجاه إذا ضاع منه جاهه واقتصر على عمله أصابه الفقر . ولذلك فإن الجاه أصل السعادة والخير ، وإعطاء الجاه للآخرين يعني إعطاء الثروة والنعيم . ومن هنا يتزلف المنافقون الباحثون عن الثروة والسطوة لأهل الجاه . لذلك كان الخضوع والتملق من أسباب حصول هذا الجاه ، ولذلك أيضا تجد أن من يترفع عن النفاق والتملق يقتصر في التكسب على عمله ولايلبث أن يصيبه الفقر.
إبن خلدون يعتبر الترفع عن النفاق صفة مذمومة
ويقول إبن خلدون " واعلم أن هذا التكبر والترفع عن الأخلاق المذمومة ، إنما يحصل لمن توهم الكمال وأن الناس يحتاجون إلى بضاعته من علم أو صناعة .. وكل محسن في صناعته يتوهم أن الناس محتاجون لما في يده فيحدث له ترفع عليهم بذلك ، وكذا يتوهم أهل الأنساب ممن كان في آبائه ملك أو عالم مشهور .. يتوهمون أنهم استحقوا مثل ذلك بقرابتهم إليهم ووراثتهم عنهم" .. وكذلك أهل الخبرة قد يتوهم بعضهم كمالا في نفسه ..
الكامل في المعرفة قليل الحظ
ويرى إبن خلدون أن هذه الأصناف تترفع على صاحب الجاه ولاتتملقه ويستصغرون من سواهم ، ويحقد على الناس لأنهم لا يعطونهم ما يستحقون من فضل ، ويمقتهم الناس لما في طباع البشر من التأله الذي لا يخضع إلا بالقهر والغلبة أي الجاه ، وحيث أن أولئك لا جاه لديهم فإنه يفقد الحظ لدى الكبار والصغار أيضا ، ويعاني العزلة والفقر ، ولذلك اشتهر بين الناس أن الكامل في المعرفة محروم من الحظ ، وأنه حوسب بما لديه من المعرفة واقتطع ذلك من حظه.
عند شيخوخة الدولة يرتفع السفلة المنافقون
ويقول ابن خلدون كأنه يصف عصرنا أن الدولة إذا دخلت في دور الترف ارتفعت فيها منزلة الكثيرين من أهل السفلة وهبطت منزلة أهل الوجاهة . لأن السلطان في هذه المرحلة يتساوى عنده كل من يخدمه ، ويستريح أكثر لمن يهين نفسه في خدمته ونفاقه ،وهكذا يصل السفلة إلى حاشية الملك على حساب أصحاب العصبيات القديمة الذين أسهموا في إنشاء الدولة وتوطيدها ، الذين يمل السلطان من أمجادهم . فيستبدلهم بأولئك السفلة الذين لا يعرفون إلا الخضوع المطلق والنفاق ، فيتسع جاههم وتعلو منازلهم وتزيد ثروتهم .
الفصل السابع
القائمون بأمور الدين من القضاء والفتيا
والتدريس والإمامة والخطابة والآذان
ونحو ذلك لا تعظم ثروتهم في الغالب
الكسب على قدر قيمة الأعمال ، وتتفاوت الأعمال على قدر الحاجة إليها ، فالأعمال الضرورية للمجتمع تعم الحاجة إليها وتزيد . والصنائع الدينية لاتضطر إليها عامة الناس ، وإنما يحتاج إليها القلة المتدينة ، وحتى في القضاء الشعبي لا يضطر الناس كثيرا إلى الفتوى .
ولكن الدولة تحتاج إلى علماء الدين في مناصبها الدينية ويأتي رزقهم من هذا السبيل ، ولكن لا وجه للمساواة بينهم وبين القادة والرؤساء ، ولكن العلماء يعتزون بأنفسهم وبضاعتهم فلا يخضعون لأهل الجاه ولايهينون أنفسهم في طلب الدنيا ، ولذلك لاتعظم ثروتهم في الغالب ، واستدل إبن خلدون على رأيه بمرتبات القضاة والأئمة والمؤذنين في عهد المأمون .
الفصل الثامن
الفلاحة من معاش المتضعفين (الضعفاء)
وأهل العافية ( القوة ) من البدو
لأن الفلاحة صنعة أصيلة في الطبيعة فلا يقوم بها أهل الحضر والمترفون ، ويوصف أهل الفلاحة بالذلة ، واستشهد بحديث عن أدوات الفلاحة " مادخلت هذه دار قوم إلا دخله الذل " ويرى إبن خلدون أن السبب فيما يتبعها من المغارم فيكون الفلاح ذليلا تحت سيطرة القهر .
عرض مقدمة ابن خلدون: ب5:(ف9: 22 )التجارة والاحتكار والصنائع
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب الخامس : في اقتصاد العمران في المعاش ووجوه من الكسب
والصنائع وما يعرض في ذلك كله من الأحوال ، وفيه مسائل
الفصل التاسع
في التجارة ومذاهبها وأصنافها
التجارة هى محاولة الكسب بتنمية المال عن طريق شراء السلع بالرخص وبيعها بالغلاء ، وذلك بخزن السلعة إلى أن يرتفع ثمنها أو نقلها من مكان لآخر يرتفع سعرها فيه . وقد قال بعض شيوخ التجارة عنها كلمتين : إشتراء الرخيص وبيع الغالي .
الفصل العاشر
أي أصناف الناس يحترف بالتجارة ، وأيهم ينبغي له اجتناب احترافها
علاقة الربح برأس المال
ربح التجارة قليل بالنسبة لرأس المال ، إلا أن المال إذا كان كثيرا أصبح الربح كثيرا لأن القليل في الكثير كثير .
مصاعب التجارة
وهناك مصاعب تواجه التجار هي قلة أصحاب الذمة ووقوع الغش وتطفيف الكيل والميزان والمماطلة في الدفع وجحود الحقوق ،وعدم وصول الحقوق عن طريق القضاء إلا بصعوبة وبعد مدة طويلة .
صفات التاجر الناجح
لذلك لا يفلح في التجارة إلا من كان جريئا على الخصومة بصيرا بعواقب الأمور شديد المماحكة مقداما عند الحكام . أو أن يكون صاحب جاه ونفوذ يستند إليه حتى يضمن حقوقه طوعا أو كرها .
من ينبغي له الإبتعاد عن التجارة
أما من ليست لديه جرأه ونفوذ فينبغي له الإبتعاد عن مهنة التجارة وإلا صار فريسة للباعة والرعاع ، لأن الناس وخصوصا الباعة شرهون إلى ما بأيدي الغير ولولا سلطة الحكم لأصبحت أموال الناس نهبا بين الناس .
الفصل الحادي عشر
خُلق التجار نازلة عن خُلق الأشراف والملوك
لابد في البيع والشراء من المساومة وهي بعيدة عن المروءة وأخلاق الملوك والأشراف ، وقد يضاف إلى المساومة أخلاق السفلة من الغش والأيمان الكاذبة ولذلك تجد أهل الرئاسة يتحامون التجارة ، ويندر من يكون تاجرا شريفا سليما من هذه الرذائل .
الفصل الثاني عشر
نقل التاجر للسلع
الأفضل في النقل السلعة متوسطة الجودة
التاجر الحاذق ينقل السلعة إذا كانت مطلوبة من الجميع من الغني والفقير ، وإلا كسدت تجارته بعد أن يتكلف نقلها ، وينبغي أن تكون السلعة المنقولة متوسطة الجودة لأن الصنف العالي يختصه المترفون وهم أقلية ، والأغلبية تستهلك السلعة متوسطة الجودة .
يرتفع ثمن السلعة المنقولة من بعيد أو من مكان خطر
ويرتفع ثمن السلعة إذا أتت من مكان بعيد أو اجتازت طريقا خطرا ، لأنها في هذه الحالة تكون نادرة ، بعكس إذا أتت من مكان قريب وطريق آمن فإنها تأتي بوفرة ويكثر عرضها فيقل ثمنها ، ولذلك فإن التجار الذين يسافرون لمجاهل السودان هم أثرى الناس . إذ ينقلون منه السلع التي لا ينقلها غيرهم وتكون نادرة ، وبطبيعة الحال غالية الثمن .
الفصل الثالث عشر
الإحتكار
واشتهر عند أهل الحذق من التجار أن الإحتكار مشؤوم في الزرع ، والسبب اضطرار الناس للشراء لحاجتهم إلى الطعام ، وبسبب إكراههم على دفع الأموال فإن نفوسهم تحمل على المحتكر الكثير من الحقد والحسد فيفسد ربحه .
الفصل الرابع عشر
رخص الأسعار يضر المحترفين بالرخص ( بالسلعة الرخيصة)
التجارة هي الربح من بيع السلعة بعد شرائها ، فإذا ظلت السلعة رخيصة ضاع الربح وحل الكساد وقعد التجار عن السعي . وإذا رخصت أسعار المحاصيل الزراعية قلت أرباح الزراع وأصبحوا فقراء ، ويتبع ذلك فقر أصحاب الحرف المتعلقة بالزراعة كالطحن والمخابز ، ويتأثر بذلك إيراد الدولة مما تجمعه من ضرائب تغطي به نفقاتها على الجند والعسكر . ونفس الحال يحدث مع رخص السكر والعسل والملبوسات ، فالرخص المفرط يجحف بمعاش المحترفين بذلك الصنف الرخيص .
وكذلك الغلاء الفاحش ، لأن معاش الناس في التوسط وسرعة تغير الأسعار في الأسواق . ومن الأهمية أن تكون أسعار المواد الغذائية رخيصة نظرا لأنها سلع ضرورية يحتاجها الأغنياء والفقراء .
الفصل الخامس عشر
خلق التجارة نازلة عن خلق الرؤساء وبعيدة عن المروءة
لابد للتاجر من المساومة واللجاج والخصومة ، وهذه الأوصاف نقص من المروءة والذكاء ، وتتعود بها النفس على الرذائل لأن النفس تتأثر بما تتعود عليه.
وتتفاوت هذه الآثار بتفاوت أصناف التجار ، منهم من يتعود السفالة محترفا للغش والفجور في الأثمان والأيمان ، ومنهم من يساعده الجاه على عدم الوقوع في ذلك ، وهو صنف نادر ، قد يكون قد ورث الأموال عن آبائه التجار فاتخذه سبيلا للوصول إلى أهل الدولة ، واستفاد بهذه الصلة جاها ونفوذا يمكنه من اصطناع الأعوان الذين يتاجرون باسمه فلا يختلط بالسوقة ويحتفظ بمكانته بعيدا عنهم .
الفصل السادس عشر
الصنائع لابد لها من المعلم
الصناعة نشاط عملي فكري
الصنائع بسيطة ومركبة
ومنها البسيط ومنها المركب ، البسيط يختص بالضروريات ، والمركب للكماليات . والبسيط متقدم في التعليم لأنه مختص بالضروري الذي تتوفر الدواعي لنقله ، ويتدرج تعليمه من النقص إلى الإجادة بالاستنباط والتدريج خلال أزمان وأجيال.
الصنائع ناقصة ومتطورة
والصنائع في البلاد الصغيرة ناقصة وبسيطة ، فإن تزايدت حضارتها ودخلت مرحلة الترف تطورت الصنائع .
الصنائع ضرورية وكمالية
وتنقسم الصنائع أيضا إلى الضروري المختص بالمعاش ، وغير الضروري المختص بالأفكار كالعلوم والصنائع والسياسة ، فالأول مثل الحياكة والجزارة والتجارة ،والآخر مثل الوراقة والإنتساخ والتجليد والغناء والشعر ومن الثالث الجندية .
الفصل السابع عشر
الصنائع إنما تكمل بكمال العمران الحضري وكثرته
السبب
قبل اكتمال العمران يهتم الناس أساسا بالضروريات ، فإذا دخلوا طور الحضارة احتاجوا الكماليات ، وهذا هو السبب في اكتمال الصنائع باكتمال العمران . وهناك سبب آخر ، فالصنائع والعلوم تعبر عن الجانب الفكري للإنسان أما القوة فترتبط بالجانب الحيواني فيه ، لذا تأتي متقدمة لضروريتها لأي مجتمع إنساني في بدايته ، ثم تأتي الصنائع بعدئذ.
الصنائع في البدو
وعلى مقدار العمران تكون درجة التقدم في الصنائع والتأنق فيها ، وأما العمران البدوي أو العمران البسيط فلا يحتاج من الصنائع إلا البسيط منها والضروري كالنجار والحداد والخياط والجزار ، وتوجد بدائية ناقصة وبمقدار الضرورة ولاتكون مقصودة لذاتها. أما في العمران المتكامل فيأتي التأنق في الصنائع واستنباط صنائع جديدة بدخول عصر الترف مثل الدهان والحمامي والطباخ والهراس والمغني والوراق وصناعات التجليد والزخرفة .
الصنائع في مصر
وقد تخرج هذه الصنائع عن الحد إذا كان العمران خارجا عن الحد ، ويستشهد في ذلك إبن خلدون بأحوال مصر في عهده ، يقول " كما بلغنا عن أهل مصر أن فيهم من يعلم الطيور العجم والحمر الإنسية ، ويتخيل أشياء من العجائب .. وغير ذلك من الصنائع التي لاتوجد عندنا بالمغرب لأن عمران أمصاره لم يبلغ عمران مصر والقاهرة ."
الفصل الثامن عشر
رسوخ الصنائع في الأمصار برسوخ الحضارة وطول أمدها
لأن رسوخ الصنائع من آثار العمران ، ويترسخ بتكراره وثباته واستمراره بتعاقب الأجيال ، وحتى لو تراجع العمران وتناقص تظل آثار الصنائع باقية في الناس ، ويتميز مجتمعهم بهذه الصنائع عن مجتمع آخر ناشئ في دور الحضارة أو داخل في الإزدهار .
وضرب إبن خلدون مثلا على ذلك بالأندلس التي لاتزال فيها أحوال الصنائع باقية راسخة في المباني والمطابخ وآلات الغناء واللهو والولائم والأعراس وكل نواحي الترف ، مع تناقص العمران فيها .
ونفس الحال في تونس إذ استكملت حضارتها بالدولة الصنهاجية ودولة الموحدين ، وإن كانت لاتصل إلى درجة الأندلس ، ولكن ساعد تونس في حضارتها قربها من مصر وتردد الزيارة والتوافد من مصر إلى تونس وبالعكس ، فتشابهت أحوالها بمصر .
الفصل التاسع عشر
الصنائع تستجاد وتكثر إذا كثر طالبها
وذلك لأن الإنسان لا يبيع عمله مجانا ، حيث يتكسب منه ، فإذا كانت الصناعة مطلوبة ومربحة إتجه الناس إلى تعلمها وإتقانها ، وإذا لم تكن تركها الناس ، ثم إن الدولة هي التي ترعى الصنائع الرابحة وتوجه لها الطالبين وتشجعهم على تعلمها .
الفصل العشرون
الأمصار إذا قاربت الخراب إنتقصت منها الصنائع
كما تزدهر الصنائع بالإقبال عليها فإذا تناقص العمران وتراجع الترف وعاد المجتمع إلى الإكتفاء بالضروريات فإن الصنائع تقل ، وأصحاب الصنائع القائمة على الترف تبور صنائعهم ، مثل النقاشة والجواهرجية ، وتنتهي .
الفصل الحادي والعشرون
العرب أبعد الناس عن الصنائع
لأنهم أعرق في البداوة وأبعد عن التحضر وما يستلزمه من الصنائع ، ويرى إبن خلدون أن أهل المشرق والعجم والأوربيين هم أصحاب الصنائع لأنهم أعرق في الحضارة ، ويستدل على ذلك بأن الإبل التي تعين العرب على التوغل في الصحراء والإبتعاد عن العمران – لا توجد في هذه المناطق ، والبربر في شمال أفريقيا مثل العرب ، وبلاد العرب والبربر قليلة الصنائع أو فقيرة بها ، في مقابل التقدم في الصنائع لدى الصين والهند والترك والأوربيين ، حيث ترسخت الصنائع لديهم من عصور الفرس والنبط والأقباط الفراعنة وبني إسرائيل واليونان والرومان . واستثنى إبن خلدون اليمن من بلاد العرب حيث قامت فيه حضارة وأسر حاكمة طال عليها الأمد فبقيت فيه رسوم الصنائع في الثياب والحرير .
الفصل الثاني والعشرون
من حصلت له ملكة في صناعة قل أن يجيد صناعة اخرى
فالخياط مثلا إذا أتقن حرفته فلا يفلح بعدها في حرفة التجارة أو البناء إلا إذا كانت الخياطة لم تسيطر على صاحبها ولم يتحكم فيها بعد .
ويرى إبن خلدون أن السبب في ذلك أن الملكات صفات للنفس فلا تزدحم داخل النفس الواحدة ، بل إذا بدا الإنسان بفطرته يتعلم إحدى الملكات فإن نفسه تصطبغ بهذه الملكة ويكون أضعف عن قبول غيرها ، ولذلك لاتجد صاحب صناعة أجادها وتخصص فيها ثم يستطيع أن يجيد صناعة أخرى بنفس القدر ، وحتى في مجال الفكر والعلم إذا تخصص عالم في فرع من العلوم وأجاد فيه لاتجده بنفس الإجادة في علم آخر .
عرض مقدمة ابن خلدون: ب5:(ف 23: 33 ) أنواع الصنائع
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب الخامس : في اقتصاد العمران في المعاش ووجوه من الكسب
والصنائع وما يعرض في ذلك كله من الأحوال ، وفيه مسائل
الفصل الثالث والعشرون
الإشارة إلى أمهات الصنائع
الصنائع كثيرة تستعصى على الحصر ، ويقتصر إبن خلدون على الضروري والشريف منها. ويجعل من الضروري الفلاحة والبناء والخياطة والتجارة ، أما الحرف أو الصنائع الشريفة فهي التوليد والكتابة والوراقة والغناء والطب . التوليد تتم به حياة المولود ورعاية الوالدة ، والطب حفظ الصحة ودفع المرض ، والكتابة تحفظ حاجة الإنسان وتحميه من النسيان وتخلد الأفكار والعلوم ، أما الغناء فهو الذي يظهر جمال الأصوات للأسماع ، وهذه الصنائع الثلاث ( الطب والتوليد ، ثم الكتابة ، ثم الغناء ) من وسائل الاتصال بالملوك ،ولذلك يجعلها إبن خلدون من الصنائع الشريفة .
الفصل الرابع والعشرون
صناعة الفلاحة
ثمرة الفلاحة إتخاذ الأقوات والحبوب عن طريق الإستنبات والرعاية بالسقي وخلافه إلى الحصاد ، وهي أقدم الصنائع لارتباطها بالقوت أول الضروريات . لذلك اختصت الفلاحة بالبدو لأن البداوة سابقة للحضارة ، لذلك كانت الفلاحة بدوية لا يقوم عليها الحضر ولا يعرفونها لأن أحوالهم كلها تالية بعد البداوة . وإبن خلدون هنا يعبر عن بيئته حيث لم يكن هناك فارق بين الفلاح في القرى الجبلية وبين البدو والقريبين منه ، وهذا وضع يختلف عن الأوطان فى أودية الأنهار مثل مصر والهند والصين .
الفصل الخامس والعشرون
صناعة البناء
أول صنائع العمران الحضري وأقدمها ، وهي معرفة العمل في إتخاذ البيوت والمنازل للسكن في المدن كي تدفع عن الإنسان الأذى والحر والبرد .
كيف تنشأ المدينة
وأهل الحضر يتخذون البيوت بالأسقف والحيطان ، أما أهل البداوة فيسكن بعضهم الكهوف المعدة بطبيعتها ، أو يتخذون المأوى ، وقد يتكاثر البدو في المكان الواحد ، ويحدث بينهم شقاق فيأخذ كل فريق في التكتل داخل سور وحوله ماء ، وتنشأ بذلك المدينة التي تحتاج إلى حكم وإدارة وحصن وجيش وأمراء ونظام اجتماعي واقتصادي . وتختلف أحوالهم بين غني وفقير.
البناء يدل على الغنى أو الفقر
وكذلك أحوال المدن ، من أهلها الأغنياء والحكام ويظهر ثراؤهم في البناء ، ومنهم الفقراء الذين يقيمون في بيوت بسيطة . وقد يقيم الملوك مدنا عظيمة وقصورا هائلة يتفننون في إتقانها . وصناعة البناء توجد في المناطق المعتدلة ، ولاتوجد صناعة البيوت في المناطق المنحرفة إذ يكتفي أهلها بحظائر من الطين والأعشاب .
اختلاف صناعة البناء
ويتفاوت أهل صناعة البناء في المهارة ، كما تختلف الصناعة بين البناء بالحجارة التي تلتصق فيما بينها بالطين والكلس ، والبناء بالتراب ، وذلك بصنع ألواح الطين بطريقة الطابية. وذكر إبن خلدون طريقة أخرى في صناعة البناء بالتراب ، وطريقة لعمل السقف وبناء الصهاريج ، وقال أنه عندما يتسع العمران ويزدحم السكان تتكاثر الخلافات بين الجيران حول الطرق والمنافذ وارتفاع البناء والحوائط والمياه والمجاري ، ويحتكمون إلى السلطات وتحتاج بدورها إلى خبراء .
وتختلف صناعة البناء حسب درجة التقدم الحضاري ، فالمجتمع البدوي بسيطة صناعته في البناء ،لذلك استورد الوليد بن عبدالملك العمال المهرة لبناء المساجد في دمشق والقدس والمدينة .
وقال أن صناعة البناء تحتاج إلى دراية بالهندسة في تسوية الحيطان وإجراء المياه وجر الأثقال من أسفل إلى أعلى . وهنا يخلط إبن خلدون بين الهندسة والميكانيكا في رفع الأثقال عن طريق البكر.
الفصل السادس والعشرون
صناعة النجارة
معنى صناعةالنجارة
من ضروريات العمارة ومادتها الخشب الذي يؤتي به من الشجر ، والشجر من نعم الله على الانسان .
وخشب الشجر يكون وقودا ويصنع منه العصيان والدعائم والأوتاد والرماح لأهل البدو ،والسقف والأبواب والكراسي في عمران أهل الحضر . وتحويل الخشب إلى هذه المنافع يكون بصناعة النجارة . والنجار يبدأ بتفصيل الخشب إلى قطع أصغر أو ألواح حسب الشكل المطلوب ثم بعدها بالإنتظام إلى أن تكون الشكل المطلوب .
إزدهار النجارة مع عصر الترف
وتعظم صناعة النجارة بازدياد العمران ودخول عصر الترف ، وحينئذ يتأنق النجار في صناعته ويحتاج إلى الزخرفة في الأبواب والكراسي ،ويحتاج النجار إلى صناعة الخرط . وتدخل النجارة في صناعة المراكب البحرية ذات الألواح .
صناعة السفن
ويصنع المركب على هيئة الحوت ويعتمد على طريقته في السياحة بالمجاديف ، وهي صنعة تحتاج إلى الكثير من الهندسة ، لذلك كان أئمة الهندسة اليونانيون من النجارين مثل إقليدس صاحب كتاب الأصول في الهندسة . وأبلونيوس صاحب كتاب المخروطات ، ويقال أن نوح عليه السلام هو معلم هذه الصناعة ، ولا يقوم على ذلك دليل . إلا أن سفينة نوح تؤكد قدم صناعة النجارة .
الفصل السابع والعشرون
صناعة الحياكة والخياطة
هما ضروريتان للعمران ، والحياكة لنسج غزل الصوف والقطن والكتان ، والخياطة لتقدير المنسوجات المختلفة حسب الموضه ( العوائد) حيث يتم تفصيلها بالمقص ثم تلحم القطع بالخياطة . وتزدهر في الحضر لأن أهل البدو يستغنون عنها ، حيث يلبسون القماش بلا تفصيل أو خياطة ، وهذا سر تحريم المخيط في الحج حيث يعتمد الحج على نبذ الزخرفة الدنيوية حتى يزداد تعلقه بالله .
وهاتان الصنعتان قديمتان في الخلق لأن طلب الدفء من ضرورات الحياة في المناطق المعتدلة ، أما السودان فأهله عراة في الغالب ، وينسبون هذه الصناعة إلى إدريس عليه السلام.
الفصل الثامن والعشرون
صناعة التوليد
هي استخراج المولود الآدمي من بطن أمه برفق ، وتهيئة أسباب ذلك ، ورعايته بعد خروجه ، وهي مختصة غالبا بالنساء . وتسمي " القائمة " بذلك القابلة من قبول واستقبال المولود. فالجنين إذا استكمل مدته يتهيأ للخروج ، فيحدث للمرأة ألام الوضع أو الطلق ، وهنا يأتي دور القابلة في تخفيف آلام الوضع بالضغط والتدليك لتسهيل خروج المولود. ثم إذا خرج تقطع الحبل السري من مكان معين ، ثم تعالج مكان القطع في بطن المولود أو في سرته ليلتئم. ثم تقوم القابلة بمعالجة وتحريك وتقليب الجنين حتى تكون أعضاؤه طبيعية ، ثم تراعى الوالدة بعد الوضع حتى تخرج منها الأفرازات التالية للولادة ، وتقوم على نظافتها الموضعية خشية التلوث والتعفن . ثم ترجع للمولود وتدلكه بالأدهان والمراهم ، كما تقوم بتخفيف رطوبات الرحم وتعمل على جفافه ليعود كما كان ، كما تداوي ما قد ينجم من جروح وتمزق في جدران المهبل . وللقوابل في كل ذلك خبرات وأدوية . ثم يقمن على رعاية المولود وهو يتناول رضاعته الأولى حتى الفصال والفطام ، وهن أمهر من الطبيب في هذه الشئون ، وهي صناعة ضرورية للعمران الإنساني .
وقد يستغنى عنها بعض الناس بمعجزة كالأنبياء أو بإلهام وهداية وكرامة. وعن المعجزة إستدل إبن خلدون بما روي عن النبي حيث قيل أنه ولد مختونا واضعا يديه على الأرض ، شاخصا ببصره نحو السماء ، وكذلك شأن عيسى في المهد ، وعن الإلهام يذكر غرائز الحيوان في الولادة ، ويستدل على ذلك بإمكانية الكرامات للأولياء في الولادة خصوصا وأن الطفل يلهم بالتقاط ثدي أمه بالفطرة .
ويخالف إبن خلدون الفلاسفة المسلمين الذين أنكروا الإلهام الإلهي العام يقول : " وتكلف إبن سينا في الرد على هذا الرأي وأطنب في بيان ذلك في الرسالة التي سماها رسالة حي بن يقظان ".
الفصل التاسع والعشرون
صناعة الطب والحاجة إليها في الأمصار دون البوادي
هي صناعة ضرورية في المدن والأمصار لحفظ الصحة ودفع المرض بالمداواة حتى يأتي الشفاء . ويرى إبن خلدون أن المرض يأتي من الأغذية مستشهدا بحديث : المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء ،والحمية هي الجوع أو الإحتماء من الطعام ، فالجوع هو الدواء العظيم ، وكذا حديث " أصل كل داء البردة " والبردة هي إدخال الطعام على الطعام قبل أن يتم هضم الأول . ويشرح إبن خلدون بأسلوب عصره كيف ينشأ المرض من "البردة ويتفرع في شرح الهضم ، وينشأ عن الخلط في الطعام الحمي ، وعلاجها قطع الغذاء أسابيع معلومة ، وإلا وقع المرض .
ويقرر أن أهل الحضر تروج فيهم الأمراض لكثرة المأكل وتعدده وخلطه بالتوابل والبقول والفواكه ، ثم لايمارسون الرياضة . أما البدو فالأغلب عليهم الجوع وقلة الأكل وكثرة الحركة فيحسن بذلك هضم طعامهم البسيط في مناخهم الجاف . لذلك لا يوجد الطبيب في البوادي .
الفصل الثلاثون
الخط والكتابة من الصنائع الإنسانية
معنى الخط والكتابة
هو رسوم وأشكال حرفية تدل على الكلمات المسموعة الدالة على مافي النفس ، وهو ثاني رتبة من الدلالة اللغوية . وهي صناعة شريفة لأنها تختص بالإنسان دون الحيوان ، ولأنها تطلع على ما في الضمائر وتتأدى بها الأغراض وتسجل بها العلوم والمعارف .
إزدهارها بالحضارة
وهي تكون بالتعليم ، وعلى قدر الحضارة والعمران ، لذلك يجود الخط في المدن فيصبح من جملة الصنائع ، بينما يكون أغلب البدو أميين ، ومن يقرأ منهم يكون خطه قاصرا . وفي المقابل عندما يستحكم العمران والحضارة يزدهر الخط والكتابة ، يقول إبن خلدون " كما يحكي لنا عن مصر لهذا العهد وأن بها معلمين منتصبين لتعليم الخط ، يلقون على المتعلم قوانين وأحكاما في وضع كل حرف ".
الخط العربي حتى عهد النبي (ص)
وبلغ الخط العربي غاية الإتقان في دولة التبابعة في اليمن ، وهوالخط الحميَري ، ومنها إنتقل إلى الحيرة في دولة المناذرة بالعراق ومن الحيرة إنتقل للطائف ومكة ، ويقال أن أباسفيان هو الذي تعلم الكتابة من الحيرة .
وكانت لحميَر كتابة تسمى المسند حروفها منفصلة ، وكانوا يمنعون تعلمها إلا بإذنهم . ومن حميَر إنتقلت إلى مُضر الكتابة العربية إلا أنهم لم يجيدوها لأنهم بدو لذلك كان الخط العربي في بداية الإسلام غير متقن ، وتأثرت بذلك كتابتهم الأولى للمصحف ، ثم اقتفى أثرهم التابعون تبركا بما كتبه الصحابة . ويعلل إبن خلدون إختلاف كتابة القرآن عن الكتابة العادية بسبب عدم إتقان الصحابة للكتابة . وقال إن صناعة الخط ليست كمالا في حق الصحابة ، كما أن الأمية ليست عيبا في خاتم النبيين لأنه تنزه عن الصنائع العملية التي هي من أسباب المعاش .
الخط العربي بعد الفتوحات
وبعد الفتوحات إحتاج العرب إلى الكتابة فراجت صناعتها خصوصا في الكوفة والبصرة . ثم ترقت صناعة الكتابة في العصر العباسي وظهر الخط البغدادي والخط الأفريقي ، والخط الأندلسي ، ومع ازدهار الحضارة إزدهرت الكتابة ونسخ المؤلفات ، وبعد تدمير بغداد إنتقل العلم والحضارة إلى مصر والقاهرة ، فازدهرت فيها أسواق الكتابة ، وتعليم الحروف وقوانينها .
أما أهل الأندلس بعد نكبتهم فقد انتقلوا إلى شمال أفريقيا وشاركوا أهلها بما لديهم من صناعة ومعارف فغلب خطهم الأندلسي على الخط الأفريقي . ولما تراجعت الحضارة بزوال دولة الموحدين تراجع الخط والكتابة لارتباطهما بالتقدم الحضاري . ومع ذلك بقيت هناك آثار للخط الأندلسي . وفي دولة بني مرين في المغرب الأقصى تأثروا بالخط الأندلسي ، ثم لم يلبث أن ضاع هذا التأثير فأصبحت الكتابة هناك رديئة مليئة بالأخطاء حيث تناقصت الحضارة .
الفصل الحادي والثلاثون
صناعة الوراقة
إزدهارها بالحضارة
إزدهرت مع ازدهار الحضارة والعمران حيث عني بالدواوين العلمية والسجلات ونسخها وتجليدها وتصحيحها بالرواية والضبط ، وكثرت التآليف العلمية والدواوين ، وحرص الناس على تناقلها ونسخها وتجليدها ، وازدهرت في صناعة الوراقين القائمين بالإنتساخ والتصحيح والتجليد وكل مايتعلق بالكتابة والدواوين وتخصصت في ذلك الأمصار العظيمة العمران .
من الجلد إلى الكاغد
وفي البداية إقتصرت الكتابة على الرسائل السلطانية وديوان الرسائل ومتطلبات الدولة فاستعملوا رقائق الجلد طلبا للصحة والاتقان . ثم ازداد التأليف والتراسل وعلاقات الدولة ولم تعد رقائق الجلد تكفي فاشار الفضل بن يحيي بصناعة الكاغد ، وراجت صناعته " والكاغد هو ورق البردي ".
الضبط والتنقيح في النسخ
"> ويفسر إبن خلدون سبب المتعة التي يحس بها الإنسان عند الطرب وذلك بتفسير عصره حيث تناسب المسموعات ما تهواه النفس وتمتزج به امتزاج أرواح العاشقين ويحسب الإنسان أنه قد امتزج بالكون واتحد به ،وتناسب الأصوات والألحان يعطيه هذا الإحساس. وبعض الناس يكون لديه القابلية للغناء والرقص مثل موهبة الشعر ومثل موهبة التلحين الذي يقوم عليه علم الموسيقي .
قراءة القرآن بالتلحين
ويقول إبن خلدون أن الإمام مالك أنكر قراءة القرآن بالتلحين وأجازها الشافعي . وليس المراد تلحين القرآن بالموسيقى الصناعية ، فذلك محظور قطعا ، لأنه يخالف القرآن بكل وجه . ولكن المراد بالتلحين هنا هو التلحين البسيط الذي يهتدي إليه القارئ بطبعه فيردد صوته بالقراءة ترديدا على نسب يدركها العالم بالغناء .
ويقول إبن خلدون أن الظاهرة تنزيه القرآن عن ذلك كله كما ذهب إليه الإمام أحمد لأن القرآن محل خشوع وليس مقام تمتع بالصوت أو اللحن ، ويرى إبن خلدون أن حديث " أوتي مزمارا من مزامير داود" أنه ليس المراد به التلحين وإنما حسن الصوت .
العرب والغناء قبل الإسلام
ويرى أن صناعة الغناء تنشأ في مجتمعات الترف التي تجاوزت مراحل الضروريات إلى الكماليات ويبدأ المجتمع في التفنن في المتع ومنها صناعة الغناء وهكذا كان العجم في حضارتهم . أما العرب فقد كان فيهم فن الشعر الذي امتازوا به وافتخروا ، وجعلوه ديوانا لأخبارهم وأيامهم ، وضم الشعر ( بما فيه من تناسب بين الأجزاء الساكنة والمتحركة ، ومافيه من وزن وقافية ) بداية الموسيقى العربية إلا أنهم لم يحفلوا بذلك حيث كانوا مطبوعين على الشعر بدون تكلف أو تعلم . إلا أن ترديدهم للشعر جعلهم يرجعون الأصوات ويترنمون بالشعر فظهر الغناء بالشعر . أما إذا كان بالتهليل أو بالقراءة سمي تغييرا . وعرفوا التناسب البسيط بين النغمات وكانوا يسمونه السناد ، وكان أكثره في الوزن الخفيف الذي يرقص عليه مع الدف والمزمار ، وكانوا يسمونه الهزج ، وذلك من أوائل التلحين ، وواضح أنه كان تلحينا فطريا بدون تعلم .
الغناء بعد الإسلام
وبعد الإسلام والفتوحات ودخولهم في عصر الترف عرفوا الغناء عن طريق الموالي وآلاتهم الموسيقية ، وظهر بالمدينة مغنون مشاهير منهم مثل طويس وسائب ونشيط ، وأولئك قاموا بتلحين شعر العرب وغنوه ، وأخذ عنهم شريح وأنظاره ، ثم اكتملت الصناعة في عصر بني العباس بإبراهيم بن المهدي وإبراهيم الموصلي وإبنه إسحق وإبنه حماد . وتفننوا في مجالس الغناء والرقص ، بل اتخذوا للرقص آلات تسمي الكرج وهي تماثيل خيل مسرجه من الخشب معلقه فيها أقبية تلبسها النسوة ويحاكين بها امتطاء الخيل ويمثلون الكر والفر ، وأقيمت في ذلك حفلات سمر في الولائم والأعراس والأعياد ومجالس المجون ، وكثر ذلك في العراق وغيرها ، واشتهر زرياب في الموصل وهجرها إلى الأندلس فأكرمه حاكمها الحكم بن هشام حفيد عبدالرحمن الداخل ، فأقام زرياب في الأندلس صناعة الغناء ، وظلوا يتناقلون تلك الصناعة في ملوك الطوائف ، وبعد انهيار حكمهم إنتقل الغناء إلى شمال أفريقيا مع من هاجر من الأندلسيين إليها . وبقيت منها آثار على عهد إبن خلدون ، لأن صناعة الغناء لا تروج إلا في التقدم الحضاري .
الفصل الثالث الثلاثون
الصنائع تكسب صاحبها عقلا ، خصوصا الكتابة والحساب
النفس الناطقة توجد في الإنسان بالقوة ، وتتحول إلى فعل يتحد مع العلوم والإدراك عن المحسوسات ، ثم يكتسب القوة النظرية إلى أن يصير إدراكا بالفعل وعقلا محضا ثم يصبح ذاتا روحانية كاملة .
وينتج عن الصنائع إستفادة علمية ، فالحنكة تفيد عقلا شأن الحضارة الكاملة ، وذلك بسبب الإختلاط وتحصيل المعارف والآداب والقيام بأمور الدين وآدابه ، وكلها ينتج عنها قوانين وعلوم تزيد في إتساع العقل . والكتابة أبعد أثرا في ذلك لاشتمالها على العلوم وتنميتها للخيال والإبداع ، وكذلك الحساب لأنه يحتاج إلى إستدلال وإبتكار .
الباب السادس في ثقافة العمران في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه
عرض مقدمة ابن خلدون: ب6:(ف1: 4 )العلم والتعليم وانواع العلوم
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
الباب السادس في ثقافة العمران في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه ومايعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مقدمة ولواحق
الفصل الأول
العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري
تميز الإنسان على الحيوان بالفكر الذي يستعين به على معاشه وعلاقاته بمن حوله واهتدائه إلى الرسالات السماوية .
والإنسان في كل ذلك مفكر لايستغني عن الفكر ، بل إن سرعة فكره أسرع من لمح البصر ، وعن هذا الفكر تنشأ العلوم والصنائع .وبهذا الفكر يقوم الإنسان بتحصيل ما ليس عنده من العلوم بالأخذ عما كتبه السابقون والإضافة إليهم . وقد يتوجه فكره إلى إحدى الحقائق فيركز عليها ويتخصص فيها ويقوم بتعليمها للاخرين فيأتون إليه للتعلم ، وبذلك يكون العلم والتعليم طبيعيا في البشر .
الفصل الثاني
التعليم للعلم من جملة الصنائع
معنى الملكة العلمية
التفنن في العلم يكون بالإحاطة بمبادئه وقواعده ومسائله واستنباط فروعه من أصوله ، وإلا فلا تفنن ولا تبحر في العلم ، وهذا ما يسميه إبن خلدون بالملكة ، أي ملكة الإحاطة بالعلم والإبداع فيه . ويرى إبن خلدون أن هذه الملكة هي في غير الفهم والوعي ، لأن الفهم والوعي يشترك فيهما العالم والعامي . أما الملكة فيختص بها العالم الباحث والفنان المبدع . والملكات كلها في رأيه جسمانية في البدن أو الدماغ من فكر أو فن ، أي كلها محسوسة تحتاج إلى التعليم شأن الصنائع . لذلك تحتاج الموهبة إلى صقل بالصناعة والتعليم .
مصطلحات في العلوم
ولكل صناعة في علم ممصطلحات خاصة يتعلمها المبتدئ عن الإمام في العلم أو الصنعة . ولذلك تختلف مصطلحات العلوم مابين الفقه والكلام وعلوم اللغة ، لأن هذه العلوم أصبحت صنائع أو صناعات في التعليم مع أن العلم واحد في نفسه .
التعليم في المغرب
ويؤكد إبن خلدون على أن العلم قد كاد ينقطع عن أهل المغرب بعد خراب القيروان وقرطبة، وخصوصا بعد انهيار دولة الموحدين ، ويرى إبن خلدون أن استمرارية العلم تقوم على السند يأخذه التلميذ عن شيخه ، وقد رحل إبن زيتون بعد انقراض دولة الموحدين في مراكش إلى المشرق في أواسط المائة السابعة فأدرك تلميذ ابن الخطيب فأخذ عنه العلوم العقلية والنقلية وعاد إلى تونس بعلم كثير ، ومثله إبن شعيب الدكالي الذي رحل من المغرب إلى مصر فأخذ عن شيوخها ورجع إلى تونس فأخذ عنهما أهل تونس ، واتصل سند تعليمها جيلا بعد جيل ، وانتقل من تونس إلى تلمسان ، إلا أن تلاميذ تلمسان أصبحوا قلة .
وقال إن التعليم تقاصر في المغرب ولم يتصل سنده ، فتعسر عليهم حصول الملكة وانصرفت عنايتهم إلى الحفظ ، وطالت مدة تحصيل الطالب في المغرب إلى ست عشرة سنة مع أنها في تونس خمس سنين فقط ، وذلك بسبب عسر التعليم في المغرب . وأما أهل الأندلس فقد تناقص فيها عمران المسلمين وتناقص تبعا لذلك عنايتهم بالتعليم ، ولم يبق فيه إلا فن العربية والأدب ، وضاع فيهم الفقه والعلوم العقلية ، وانشغلوا بالبحر ومعايشهم أكثر.
التعليم في المشرق
أما المشرق فلم ينقطع فيه سند التعليم ، بل أسواقه رائجة لاتصال العمران واتصال الحضارة والتعليم ، وانتقلت مدارس العلم والحضارة من الكوفة والبصرة وبغداد إلى عراق العجم شرقا ومصر غربا ، وأهل المشرق أعرق في العلم وأرسخ من أهل المغرب ، حتى يظن البعض أن أهل المشرق أكثر نباهة وعقلا من أهل المغرب . ولكنه التحضر بكل أصنافه ، فإن المشرق أكثر استقرارا منه في المغرب ، وهذا ما يؤكده إبن خلدون ، فيقول " ولقد بلغنا في تعليم الصنائع عن أهل مصر غايات لاتدرك ، منها أنهم يعلمون الحمر الأنسية والحيوانات العجم من الماشي والطائر مفردات من الكلام والأفعال يستغرب ندورها ، ويعجز أهل المغرب عن فهمها ".
زيادة الذكاء بالتعلم والممارسة
ويؤكد على ذلك إبن خلدون بأن ذكاء الإنسان يزداد بالتعلم وممارسة الصنائع فتزداد ملكاته ، ولذلك يتفوق إنسان الحضر على إنسان البدو ، وليس ذلك راجعا إلى تفاوت في حقيقة الإنسانية بينهما بل في تفاوت الملكات التعليمية والصنائعية بينهما في العادات والأحوال ، بل ربما ينبغ من أهل البداوة في الفهم عن بعض أهل الحضر .
ولذلك امتاز أهل المشرق برسوخ حضارتهم عن أهل المغرب الذين ترسخت فيهم البداوة .
الفصل الثالث
العلوم تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة
إزدهار التعليم بإزدهار العمران
لأن تعليم العلم إحدى الصنائع التي تكثر في الأمصار على قدر عمرانها في الكم والكيف . وعلى هذا المقياس يكون العلم ، فكلما تخفف الناس من هموم المعاش إهتموا بالعلوم والصنائع ، ومن يرغب في العلم من أهل القرى والبوادي لا يجد فيها مايتمنى ، لذلك يرحل إلى الأمصار. ولذلك إزدهر العلم في بغداد وقرطبه والقيروان والبصرة والكوفة عندما إزدهر فيها العمران ، ولما تناقص عمرانها تناقص العلم فيها .
إزدهار العلم بمصر
والعلم مزدهر في مصر بسبب إزدهار عمرانها واستحكام حضارتها منذ آلاف السنين ، لذلك إزدهرت فيها الصناعات ومنها صناعة العلم . ويضاف إلى ذلك إزدهار الأوقاف على إنشاء المدارس ، ذلك لأن الأمراء يخشون من السلطان أن يصادر أموالهم ، فيقومون بإنشاء المدارس ويوقفون عليها الضياع والعقارات ، ويجعلون النظر عليها لأولادهم ، فلا يستطيع السلطان مصادرة الأوقاف ، ولما كثرت الأوقاف على المدارس والزوايا والربط ( جمع رباط) كثرت صناعة العلم وارتحل الناس لطلب العلم من الأفاق إلى مصر.
الفصل الرابع
أصناف العلوم الواقعة في العمران في عهد إبن خلدون
نوعا العلوم
العلوم عنده نوعان : ( طبيعي ) للإنسان يهتدي إليه بفكره ، و( نقلي ) يأخذه عمن وضعه .
العلم الطبيعي : هو علوم الحكمة والفلسفة التي يصل إليها الإنسان بفكره فيعرف مسائلها وبراهينها والخطأ والصواب فيها .
أما العلوم النقلية الوضعية : فتعتمد على الإسناد إلى الشرع ، ولامجال فيها للعقل إلا في إلحاق الفروع والجزئيات بالأصول والكليات عن طريق القياس . والحكم الشرعي ثابت في الأصل ، ويقوم القياس بإلحاق الفروع والجزئيات إلى ذلك الأصل الشرعي . وأصل العلوم النقلية عنده هي الكتاب والسنة من الله تعالى ورسوله وما يتعلق بهما من علوم مساعدة وما يتبعهما من علوم اللغة العربية .
أنواع العلوم النقلية
وأصناف العلوم النقلية كثيرة . وتؤخذ بالنص أو بالإجماع والقياس . وعلم التفسير هو النظر في الكتاب لبيان ألفاظه ، وعلم القراءات هو إسناد النقل في القراءات وروايتها للنبي ، وعلم الحديث هو إسناد السنة إلى النبي وبحث أحوال الرواة ، من حيث العدالة والتوثيق أو الضعف ، وعلم أصول الفقه هو إستنباط الأحكام من أصولها ( القرآن والسنة ) من وجه قانوني يفيد العلم بكيفية هذا الإستنباط . وعلم الفقه : هو ثمرة المعرفة بأحكام الله تعالى في أفعال الناس المكلفين . والتكاليف – أي الفرائض – منها تكاليف بدنية وتكاليف قلبية إيمانية . وعلم الكلام هو المختص بالأدلة العقلية المتعلقة بالتكاليف القلبية – أي العقائد الإيمانية في ذات الله تعالى وصفاته ويوم القيامة والقضاء والقدر . والعلوم اللسانية اللغوية أنواع ، علوم اللغة والنحو والبيان والآداب.
تحريم العلوم النقلية غير الإسلامية
ويرى ابن خلدون أن العلوم النقلية كلها مختصة بالملة الإسلامية ، وإن كانت للملل الأخرى علومهم النقلية ، إلا أن العلوم النقلية الإسلامية تنسخ أو تبطل غيرها من أصحاب الملل الأخرى لأن الشرع نهى عن النظر في الكتب المنزلة غير القرآن بحديث : ولا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم " وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد " وحديث غضب النبي حين رأي مع عمر ورقة من التوراة. ويضيف إبن خلدون سببا آخر هو ازدهار واكتمال العلوم الشرعية النقلية الإسلامية من حيث الاصطلاحات والموضوعات . وقال إن المشرق إزدهرت فيه العلوم بينما كسدت في المغرب بسبب تناقص العمران فيه .
عرض مقدمة ابن خلدون: ب6:(ف5: 6)علوم القرآن والتفسير والحديث
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب السادس في ثقافة العمران في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه ومايعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مقدمة ولواحق
الفصل الخامس
في علوم القرآن من التفسير والقراءات
ماهية القرآن
القرآن كلام الله تعالى المنزل على النبي ، المكتوب بين دفتي المصحف ، وهو متواتر بين الأمة .
ماهية القراءات السبع
وقد روى الصحابة القرآن على طرق مختلفة في بعض الألفاظ وكيفيات الحروف في آدائها . وأشهر هذه الطرق ما يعرف بالقراءات السبع التي صارت أصولا لقراءة القرآن . وربما زادوا بعد ذلك قراءات أخرى أضعف ألحقوها بالسبع .
في تواتر القراءات
قال بعضهم بأن القراءات متواترة كلها سمعيا ولفظيا ، وقال بعضهم أنها متواترة فيما لا يتوقف على السمع فقط . وقال بعضهم أن القراءات كلها غير متواترة لأنها طرق لكيفية القراءة ، وذلك لايمكن ضبطه . وقالوا إن عدم التواتر في القراءات لا يقدح في تواتر القرآن نفسه.
تدوين القراءات
مثل باقي العلوم مرت القراءات بفترة الرواية الشفهية ، ثم تم تدوينها وصارت صناعة مخصوصة يتداولها الناس جيلا بعد جيل في المشرق والمغرب .
دور مجاهد العامري في علم القراءات
أخذ مجاهد العامري القراءات عن سيده المنصور بن أبي عامر، وتفوق في بلاط المنصور بن أبي عامر في علم القراءات، ثم تولى مجاهد إمارة دانية والجزائر الشرقية بالأندلس فاهتم في حكمه بالقراءات. . أبوعمرو الداني
ثم ظهر في عهده أبو عمرو الداني الذي تخصص في هذا الموضوع وانتهت إليه روايات القراءات وأسانيدها ، وتعددت مؤلفاته في هذا العلم ، ومنها كتابه التيسير .
أبو القاسم بن فيره
ثم ظهر أبو القاسم بن فيره من مدينة شاطبه فقام بتهذيب وتلخيص ما كتبه أبو عمرو الداني في قصيدة استوعب فيها هذا العلم ، وكان الناس يحفظونها ويلقنونها للمتعلمين من الأولاد في المغرب والأندلس.
علم رسم الكتابة القرآنية
أضيف إلى علم القراءات علم رسم الحروف القرآنية ، نظرا لاختلاف الكتابة القرآنية عن القواعد المعروفة للكتابة العربية ، لذلك احتاجوا إلى حصر الإختلافات بين نوعي الكتابة من خلال ماجاء في كتابة القرآن . وكتب في ذلك أبو عمرو الداني مجموعة من الكتب أشهرها كتاب " المقنع" ثم قام أبو القاسم بن فيره الشاطبي بتلخيصه في قصيدة إهتم الناس بحفظها وتلقينها . ثم كثر الخلاف في علم الرسم في كلمات وحروف أخرى من الكتابة القرآنية ، ذكرها إبن نجاح وهو من تلاميذ أبي عمرو الداني ، ثم نظم الخراز قصيدة أخرى زاد فيها على ما كتبه أبوعمرو الداني، واشتهرت قصيدة الخراز واقتصر الناس في المغرب على حفظها .
التفسير
نزل القرآن بلغة العرب وبأساليب البلاغة العربية ، فكانوا يفهمونه ، وكان ينزل حسب الوقائع . وينزل في العقائد وفي الفرائض ، ومنه ما يتقدم في النزول ومنه ما يتأخر. وقد تابع ابن خلدون ما قاله السابقون فى ( النسخ ) فقال أن من آيات القرآن ماتينسخ أيتيبطل حكم آيات أخرى ، وأن دور النبي في تبيين المجمل وتمييز الناسخ من المنسوخ ، ويعرف الصحابة ذلك ، كما عرفوا أسباب النزول ، وأخذ التابعون كل ذلك عن الصحابة ، وتداولته الروايات الشفهية حتى تم تدوينها ، وظهر الطبري والواقدي والثعالبي وغيرهم فكتبوا التفسير على أساس المرويات المنقولة عن الصحابة والتابعين .
التفسير النقلي والتفسير اللغوي
وبعد أن تأثر اللسان العربي باللحن نشأت علوم اللغة من نحو وبلاغة واحتاجوا في ذلك إلى تفسير لغوي للقرآن ، وبذلك انقسم التفسير إلى تفسير نقلي يقوم على الروايات والناسخ والمنسوخ و أسباب النزول ومقاصد الآيات وما نقلوه عن أهل الكتاب من روايات بدء الخليقة والأمم السابقة والملاحم وكلها بعيدة عن الأحكام الفقهية ، فكان سهلا تصديقها ، وكان مرغوبا معرفتها فامتلأ بها التفسير المنقول دون محاولة للتحقق من صدق هذه المنقولات عن أهل الكتاب . إلى أن قام إبن عطية بتلخيص تلك التفاسير وتحري الأقرب للصحة منها وتبعه القرطبي . أما التفسير اللغوي فقد ظهر بعد ازدهار علوم اللغة ، ومع ذلك فقلما ينفرد التفسير اللغوي عن التفسير النقلي لأن النقلي هو الأصل . وأبرز هذا النوع من التفسير اللغوي الكشاف للزمخشري ، إلا أنه يدافع عن مذهب الإعتزال ، وهذا ما يأخذه عليه إبن خلدون ، وإن كان يعترف بعبقرية الزمخشري في علوم اللغة . وقد قام شرف الدين الطيبي بشرح تفسير الزمخشري ولكن رد عليه من وجهة نظر أهل السنة المضادة للمعتزلة.
الفصل السادس
علوم الحديث
أنواع علوم الحديث
أنواعها كثيرة :
منها : النظر في الناسخ والمنسوخ : حيث يأتي النسخ للتخفيف ورعاية للمصلحة والمتأخر ينسخ المتقدم الذي يتعارض معه ، والناسخ والمنسوخ من أهم علوم الحديث وأصعبها .
ومنها معرفة الأسانيد: لمعرفة الحديث الذي يجب العمل به . حيث يجب العمل بما يترجح صدقه من الأحاديث ، وذلك عن طريق الظن بمعرفة رواة الحديث من حيث العدالة والضبط والجرح والغفلة ، أي هل الراوي ثقة أو غير ثقة ، وكذلك مراتب الرواة من الصحابة والتابعين وتفاوت بعضهم وتميز البعض الآخر . وكذلك تفاوت وتميز الأسانيد أو سلسلة الرواة . باتصالها أو بانقطاعها بأن يكون الراوي لم يلق الراوي الآخر الذي يروي عنه . ولهم في ذلك مصطلحات على مراتب الحديث مثل الصحيح والحسن والضعيف والمرسل والمتقطع والمعضل والشاذ والغريب وغيرها .
وقاموا بتبويب ذلك كله وما فيه من الخلاف وكيفية التوفيق ، ثم كيفية النظر في أخذ رواية البعض عن البعض ، وما يقع في متن الحديث نفسه من ألفاظ قد تكون غريبة أو غير مفهومة أو لحقها التصحيف في كتابتها.
أئمة الحديث
وكان رواة الأحاديث مشهورين في أوطانهم وعصورهم ، وكان أهل الحجاز أكثر ثقة في الحديث من غيرهم ، وإمامهم مالك وصاحبه الشافعي ثم ابن حنبل ، وكان علم الشريعة حينئذ بالنقل الصرف دون الرأي والاجتهاد ، لذا اهتموا بتحري الصحة في النقل ، وكتب مالك الموطأ في أصول الأحكام من الأحاديث الصحيحة المتفق عليها ورتبه على أبواب الفقه . ثم اهتم علماء الحديث بمعرفة طرق الأسانيد وروايات المختلفة .
وجاء البخاري فسجل أحاديث أهل السنة في أبوابها بجمع طرق الحجازين والعراقيين والشاميين ونظمها حسب الأبواب ، لذلك تكررت الأحاديث حتى وصلت 9200 منها ثلاثة آلاف مكررة ، وهي مختلفة الأسانيد والطرق .
ثم حذا مسلم في صحيحه حذو البخاري فنقل المجمع عليه وحذف المتكرر وجمع الطرق والأسانيد ورتبها على أبواب الفقه ، ومع ذلك لم يستوعب البخاري ومسلم كل الأحاديث الصحيحة ، لذلك استدرك العلماء عليهما كما فعل أبو داود السجستاني والترمذي والنسائي ، ولكن التزموا بشروط العمل من الرتبة العالية في الإسناد الصحيح ،والذي يكون دونه من الحسن وغيره .وبذلك اكتملت المسانيد المشهورة في السنة ، ومعرفة شروط واصطلاحات الحديث ترجع في الأغلب إلى هذه المسانيد من أمهات كتب الحديث .
وهناك من كتب في غريب الحديث، ومن كتب في مؤتلف ومختلف الحديث .
والحاكم النيسابوري هو الذي هذب علم الحديث ، وإبن الصلاح أشهر المتأخرين في علم الحديث في أوائل القرن السابع وتلاه النووي . ثم انقطع في عهد إبن خلدون تخريج الأحاديث لأن المتقدمين من الأئمة المجتهدين لم يتركوا شيئا لللاحقين ، لذلك لم يبق لللاحقين إلا تصحيح أمهات الكتب وضبطها والنظر في أسانيدها لتكون محكمة .
أهم كتب الحديث
ويرى أن صحيح البخاري أعلاها رتبه ولكنه أصعبها ولذلك يحتاج إلى إمعان النظر حيث تتكرر فيه الأحاديث حسب التراجم والموضوعات والمعاني ، ولذلك قيل أن " شرح البخاري دين على الأمة " يريدون أن العلماء لم يعطوا صحيح البخاري حقه من الشرح .
أما صحيح مسلم فقد اهتم به علماء المغرب وفضلوه على البخاري وأكثروا من شرحه ومنهم المارزي في كتابه المعلم بفوائد مسلم ، وأكمله القاضي عياض وسماه إكمال المعلم ، ثم شرح النووي وقد استوفى ما في الكتابين وزاد عليهما .
وأما كتب الأحاديث الأخرى – وفيها معظم مآخذ الفقهاء – فأكثر شرحها في كتب الفقه ، إلا فيما يختص بعلم الحديث ، حيث استوفى الناس ما يحتاج إليه علم الحديث من موضوعات وأسانيد . وتميزت الأحاديث بين صحيح وحسن وضعيف، وعرفها الأئمة بطرقها وأسانيدها ، بحيث لو روي حديث بغير سنده وطريقه يفطنون إلى أنه قد تغير وضعه .
تفاوت الأئمة في رواية الحديث
وتفاوت الأئمة في رواية الأحاديث ، فأبو حنيفة بلغت روايته سبعة عشر حديثا فقط . وقد صح عند مالك في الموطأ ثلاثمائة حديث لا غير . وفي مسند أحمد بن حنبل خمسون الف حديث .ولكل منهم إجتهاده في ذلك .
رأي إبن خلدون في الحديث
ولا يتهم إبن خلدون بالجهل من قلت روايته للأحاديث خصوصا الأئمة ، ويقرر أن الشريعة إنما تؤخذ من الكتاب والسنة ، ولكن قلل بعضهم الرواية خوف المطاعن والجرح والعلل التي في رواية الأحاديث فيؤديه الإجتهاد إلى ترك ما يشك فيه من الأحاديث فتقل روايته . هذا مع أن أهل الحجاز أكثر رواية لأن الحجاز مأوى الصحابة . وفى تعليل قلة أبى حنيفة فى رواية الحديث يرى ابن خلدون أن ذلك يرجع الى تشدده في الشروط ( وليس لأنه ترك الحديث متعمدا فحاشاه من ذلك بدليل اعتماد مذهبه بين العلماء.) ، وأما غيره من جمهور العلماء فقد توسعوا في الشروط وكثر رواياتهم في الحديث ، وقد توسع أصحاب أبي حنيفة بعده في الشروط وكثرت رواياتهم ، وكل منهم إجتهد . والمتأخرون كالطحاوي توسع في الشروط زيادة على شروط الصحيحين ، فلذلك فالصحيحان لهما التقديم . ويحسّ إبن خلدون بضعف حجته فيقول فيما يشبه التوسل للقارىء: " فلا تأخذك ريبة في ذلك ، فالقوم أحق الناس بالظن الجميل بهم والتماس المخارج الصحيحة لهم ." .!
عرض مقدمة ابن خلدون: ب6:(ف7: 9 )الفقه وأصول الفقه
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع البابالسادس في ثقافة العمران في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه ومايعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مقدمة ولواحق
الفصل السابع
في علم الفقه والفرائض
ما هو الفقه الفقه هو معرفة أحكام الله تعالى في تصرفات الناس المكلفين بالفرائض ، وذلك بأن تكون الأحكام واجبة أو محرمة أو مندوبة أو مكروهة . وتؤخذ الأحكام من الكتاب والسنة فإذا استخرجت الأحكام من الأدلة قيل أنه الفقه .
سبب الإختلاف الفقهي
ويؤمن ابن خلدون بمقولة " أن القرآن حمّال أوجه " ، ومن خلالها يعلل إختلاف السلف في فهم النصوص والإستدلال بها لأن اللفظ القرآني يقتضي معاني كثيرة ، ولاختلاف السنة في طرق الثبوت وتعارض أحكامها مما يحتاج إلى ترجيح حكم على آخر ، ثم إن الوقائع متجددة أكبر من طاقة النصوص مما يستدعي الخلاف . ووقع الخلاف بين السلف والأئمة .
أنواع العلماء وتسمياتهم
ولم يكن الصحابة كلهم أهل إفتاء ، بل كان منهم القراء أي من يقرأ الكتاب ، وهم الذين يعرفون الكتاب بما فيه من ناسخ ومنسوخ وغيره . ثم أطلق لقب الفقهاء والعلماء بديلا عن القراء عندما استكمل العلم وتحول إلى صناعة .
المذاهب الفقهية
وانقسم الفقه حسب المنهج إلى :
1- طريقة أهل الرأي والقياس ، وهم أهل العراق ، حيث كان الحديث قليلا في العراق فاستكثروا من القياس ، وإمامهم أبو حنيفة .
2- طريقة أهل الحديث وهم أهل الحجاز ، وإمامهم مالك والشافعي من بعده .
3- الظاهرية : أنكروا القياس وحصروا عملهم في ظاهر النص والإجماع ، وتزعم ذلك المذهب داود بن على وإبنه .
4- الفقه الشيعي القائم على ذم بعض الصحابة وعصمة الأئمة من ذرية علي .
5- الخوارج، وقد أنكر الجمهور مذهبهم ، فلم ينتشر إلا في مواطنهم .
رأي إبن خلدون في المذاهب الفقهية
ويستنكر إبن خلدون الفقه الشيعي والفقه الخارجي (نسبه للخوارج) وقال إن الفقه الظاهري قد انتهى في العراق ، ثم أحياه إبن حزم في المغرب والأندلس فتعرض للإستهجان مع إمامته في الحديث والفقه ، ومع أنه خالف داود الظاهري في أمور كثيرة . ولم يبق إلا مذهب أهل الرأي ( أبوحنيفة ) وأهل الحديث ( الشافعي ومالك وابن حنبل).
واستقر مذهب أبي حنيفة في العراق ، وقد شهد لأبي حنيفة مالك والشافعي ، وكان مالك إمام المدينة ثم الشافعي ، ثم إبن حنبل . واختص مالك بجعل عمل أهل المدينة ضمن مصادر التشريع لأنه اعتبر أهل المدينة قد تابعوا ما كان عليه النبي وأصحابه .واعتبر بعضهم أن عمل أهل المدينة من ضمن الإجماع ، ويرى إبن خلدون أن الإجماع عام لايخص أهل المدينة وحدهم ، والإجماع هو الإتفاق على أمر ديني عن طريق الإجتهاد ، وبهذا المعنى فإن مالكا لم يعتبر عمل أهل المدينة ضمن الإجماع وإنما اعتبره إتباعا من جيل لاحق لجيل سابق إلى أن ينتهي للنبي عليه السلام وعصره ، والإقتداء بذلك يعم الملة .
وجاء الشافعي بعد مالك ، وقد رحل من الحجاز إلى العراق فأخذ عن أصحاب أبي حنيفة ومزج بين طريقتي أهل الحجاز وأهل العراق وخالف مالكا وجاء بمذهب جديد . ثم جاء أحمد إبن حنبل وكان من علماء الحديث وتفقه أصحابه على مذهب أبي حنيفة مع علمهم بالحديث .
أسباب شيوع التقليد
وبعد عصر الإزدهار جاء عصر التقليد ، ويرى إبن خلدون أن أسباب شيوع التقليد هي سد أبواب الخلاف حيث تشعبت الإصطلاحات مما أعاق الوصول إلى مرتبة الإجتهاد وخافوا أن يسند العلم إلى غير أهله فردوا الناس إلى التقليد ، وعمل كل مقلد بمذهبه بعد تصحيح الأصول واتصال سندها بالرواية .
التقليد في عهد إبن خلدون وتوزع المذاهب في المنطقة
ويرى إبن خلدون أن من يدعي الإجتهاد في عصره يستحق الهجران والإنكار حيث عم تقليد الأئمة الأربعة .وابن حنبل أتباعه قليلون لابتعاده عن الإجتهاد وأكثرهم في الشام والعراق حول بغداد . وينتشر مذهب أبي حنيفة في العراق والهند والصين وما وراء النهر وفارس بسبب الخلافة العباسية ورعايتها للمذهب الحنفي ، وانتشر مذهب الشافعي في مصر ، حيث نزل الشافعي على بني عبدالحكم في مصر وأخذ عنه العلم جماعة من كبار العرب المصريين . ثم انقرض الفقه السني في مصر بقيام الدولة الفاطمية حيث حل فيها الفقه الشيعي ، ثم عاد الفقه السني بدولة صلاح الدين الأيوبي ، فظهر النووي وإبن عبدالسلام وإبن الرقعه وإبن دقيق العيد والسبكي وانتهى العلم إلى سراج الدين البلقيني في عصر إبن خلدون .
إنتشار مذهب مالك في المغرب والأندلس
وانتشر مذهب مالك في شمال أفريقيا والأندلس لسببين ، الأول : إن رحلة مسلمي المغرب وأفريقيا والأندلس غايتها الحجاز ولا تمر على العراق فاقتصروا على الأخذ عن علماء المدينة ومذهب مالك ، والثاني : تشابه ظروف الحجاز البدوية مع ظروف البدو في شمال أفريقيا .
التحول من الإجتهاد المطلق إلى الإجتهاد المقيد الفقهي
بتعذر الإجتهاد والقياس ورسوخ التقليد للأئمة احتاجوا إلى تنظير المسائل المطروحة تبعا لما قاله الإمام ، وسمى هذا التنظير " الفقه " الذي اقترن بالتقليد ، وقلد أهل المغرب الإمام مالك ، وكان تلامذة مالك قد تفرقوا في العراق ومصر ، ومن مصر انتقل إلى الأندلس عن طريق عبدالملك بن حبيب الأندلسي صاحب كتاب " الواضحة" ، ثم كتب تلميذه العتبي كتاب " العتبية ".
دور إبن القاسم المصري في تعليم المغاربة الفقه المالكي
وجدير بالذكر أن إبن القاسم في مصر الذي كان أستاذا للفقه المالكي أخذ عنه عبدالملك بن حبيب ، ثم أخذ عنه أيضا أسد بن الفرات ، وكتب أسد بن الفرات كتابه " الأسدية " وأخذ سحنون أيضا على إبن القاسم ، وعارض سحنون كتاب الأسدية ،ووافقه أستاذه إبن القاسم ، فاتبع الناس " مدونة " سحنون وأهملوا " أسدية " أسد بن الفرات . وعكف أهل المغرب ، على مدونة سحنون كما عكف أهل الأندلس على " واضحة " إبن حبيب " وعتبية " العتبي . ثم قام العلماء اللاحقون بشرح تلك الكتب وتلخيصها حسبما شاع في عصور التقليد والجمود .
مذهب مالك في مصر
وبقى مذهب مالك في مصر يتزعمه إبن مسكين وإبن المبشر وإبن اللهيث وإبن الرشيق ، وتزعمه في الإسكندرية بنو عوف وبنو سند ،ولكن اشتهر أبو عمرو إبن الحاجب ، وهو الذي انتقل علمه من مصر إلى شمال أفريقيا في أواخر القرن السابع ، إذ تركز في تونس والقيروان وانتقل منها إلى باقي أقطار المغرب .
الفصل الثامن
في علم الفرائض والميراث
هو معرفة فروض الميراث وتوزيع التركة على مستحقيها . أو حين يحدث اختلاف بين المستحقين ، ويحتاج ذلك التقسيم إلى الحساب ، لذلك أصبح علما خاصا بمؤلفاته ، واشتهر في هذا المجال الشافعية والحنفية والحنابلة ، وقد بالغوا في استخراج المسائل وافتراض الحالات ، ومع ذلك فهو مفيد للتدريب العقلي .
ويرى إبن خلدون أن تسمية هذا العلم بالفرائض إنما هو إصطلاح ناشئ للفقهاء عندما استحدثوا المصطلحات الفقهية .
الفصل التاسع
أصول الفقه وما يتعلق به من الجدل والخلافيات
معـــــــــــــناه
النظر في الأدلة الشرعية ( القرآن ، السنة ، الإجماع ، القياس ) التي تؤخذ منها الأحكام . والأدلة الشرعية في مفهوم إبن خلدون هي مصادر التشريع. وهى :
القـــــــــــــــرآن
والقرآن هو أول الأدلة الشرعية . ودليله المعجزة القاطعة في متنه ونصوصه والتواتر في نقله بحيث لم يبق فيه مجال للإحتمال.
الســــــــــــــنة
هى التي تبين القرآن ، ففي عهد النبي كان يبين الأحكام بقوله وفعله بخطاب شفهي لايحتاج إلى نقل أو نظر أو قياس ، وبعد النبي تعذر الخطاب الشفوي وأجمع الصحابة على وجوب العمل بما يصل من السنة بالنقل الصحيح قولا أو فعلا للنبي بما يغلب على الظن صدقه .
قواعد النظر في السنة
والمنقول من السنة محتاج إلى (1) تصحيح الحديث أو الخبر عن طريق البحث في طرق النقل وعدالة الرواة ،(2) وعند تعارض الحديثين ، طلب المتقدم منهما ومعرفة الناسخ والمنسوخ ، (3) ومعرفة دلالة الألفاظ بالمهارة في النحو والصرف والبلاغة ، (4) والمهارة في استفادة واستخلاص الأحكام من الأدلة ، أو المهارة الفقهية طبقا لقوانين وقواعد خاصة مثل أن اللغة لا تثبت قياسا ، والأمر قد يكون للوجوب أو الندب أو التراخي أو التنفيذ الفوري .
الإجمـــــــاع
وجعلوا الإجماع في منزلة الكتاب والسنة ، حيث أجمع الصحابة على استنكار من يخالفهم ، وهم لايتفقون من غير دليل ، بالإضافة إلى شهادة الأدلة بعصمة الجماعة .
القيــــــــاس
هو قياس الأشياء الشبيهة بما يشبهها ، ومناظرة المثال بما يماثلها بشروط المساواة حتى يغلب على الظن أن حكم الله واحد فيهما . وأجمع الصحابة على هذا القياس . والبحث في القياس أعظم نواحي علم الأصول لأن فيه تحقيق الأصل والفرع فيما يقاس ويتماثل من الأحكام بما يغلب على الظن أن حكم الأصل يسري على تلك الفروع .
آراء أخرى في الأدلة الشرعية أو المصادر الشرعية
ورأى بعضهم أن الإجماع والقياس لايؤخذ بهما . والحق بعضهم بها أدلة أخرى أعرض إبن خلدون عن ذكرها .
أصول الفقه لم يعرفه السلف من الصحابة والتابعين
وعلم أصول الفقه لم يعرفه الصحابة والتابعون حيث لم يحتاجوا إلى معرفة المعاني وأسانيد الرواة لأنهم هم الذين أخذ الناس عنهم الرواية واللغة والأحكام. فلما تحول العلم إلى صناعة إحتيج إلى قواعد لاستخراج الأحكام من المصادر الشرعية بعد تحديدها ، فكان علم أصول الفقه .
علم أصول الفقه لدى الفقهاء
والشافعي أول من كتب فيه رسالته المشهورة ، ذكر فيها الأوامر والنواهي والبيان والخبر والنسخ والعلة والقياس . ثم توسع الفقهاء الأحناف في الموضوع ، وكان أبوزيد الدبوسي إمام الأحناف فيه ، وكان البزدوي إمام المتأخرين الأحناف ، وجاء إبن الساعاتي الحنفي فجمع بين كتاب الأحكام للدبوسي وكتاب البزدوي وسمى كتابه البدائع . وصار كتاب البدائع حجة للعلماء المتأخرين يشرحونه ويلخصونه . وكتابة الفقهاء في الأصول أقرب للفقه وأكثر أمثلة ، أما المتكلمون الذين كتبوا فكانوا أقرب للتجريد .
علم أصول الفقه لدى المتكلمين
إذ كتب علماء الكلام في أصول الفقه من وجهة نظر عقلية صورية . وأحسن ما كتبه المتكلمون في الأصول كتاب البرهان للجويني إمام الحرمين ، والمستصفي للغزالي تلميذ الجويني . وهما معا من الأشعرية ، وكتاب العهد للقاضي عبدالجبار المعتزلي ، وقام تلميذه أبو الحسن البصري بشرح كتاب العهد . وقام اثنان بتلخيص الكتب الأربعة ، وهما إبن الخطيب في كتابه المحصول ، والآمدي في كتابه الأحكام وكان إبن الخطيب أقرب إلى الإستكثار من الأدلة والإحتجاج والرد ، بينما كان الآمدي مهتما بتحقيق المذاهب وتفريع المسائل . وفي عصور التقليد قام اللاحقون بتلخيص وشرح كتابي المحصول والأحكام .
الخلافات الفقهية قبل وبعد الأئمة
وفي بداية الإجتهاد الفقهي كثر الخلاف بين المجتهدين تبعا لاختلاف مداركهم ، ثم انتهى علم الفقه إلى الأئمة الأربعة ، ووثقت بهم الأمة فمنعوا تقليد سواهم ، وانحصرت الخلافات بين المذاهب الفقهية ، فيما يتفق أو يختلف فيه أئمة المذاهب الأربعة .
المناظرات بين المذاهب ونشأة علم الخلافات
وأدت المناظرات الفقهية بين المذاهب إلى نشأة علم الخلافيات الفقهية الذي يبحث في مآخذ واجتهادات واختلافات الأئمة والمذاهب . والمتخصص في الخلافيات الفقهية يتبحر في معرفة قواعد الإستنباط لأحكام شأن المجتهد الفقهي العادي ، إلا أنه يعرف تلك القواعد لكي يحتج بها دفاعا عن مذهبه وهجوما على المخالفين .
أهمية علم الخلافات وازدهاره لدى غير المالكية
وازدهار هذا العلم أفاد في معرفة دقائق الخلاف بين الأئمة وقام بتدريب الفقهاء على الجدل والبرهان ، ولذلك ازدهر لدى الحنفية والشافعية لاعتمادهم على القياس العقلي ، أما المالكية فهم أهل حديث وبداوة لذا لم يزدهر لديهم هذا العلم بنفس المقدار.
أهم المؤلفين في الخلافيات
وأشهر المؤلفين في الخلافيات الغزالي في المآخذ ، وأبوزيد الدبوسي في التعليقة . وقد جمع إبن الساعاتي في مختصره في أصول الفقه جميع ما ينبني عليه الفقه الخلافي في المسائل الخلافية.
الجدال الفقهي : تعريفه وأنواعه:
هو معرفة آداب المناظرة بين أهل المذاهب وغيرهم ، ومعرفة الحدود التي يقف عندها المتناظرون في الرد والقبول وكيف يسوغ له الإستدلال أو السكوت أو الإعتراض . وقيل أنه معرفة الحدود والآداب في الإستدلال في حفظ رأي وهدم الآخر ، سواء كان ذلك من الفقه أو من غيره . وهو نوعان : طريقة البزدوي ، وهي خاصة بالأدلة الشرعية من النص والإجماع والإستدلال ، وطريقة العميدي ، وهي عامة في كل دليل يستدل به من أي علم ، وأكثره إستدلال عقلي.
رأي إبن خلدون في طريقة العميدي
ويرى إبن خلدون أن طريقة الجدل لدى العميدي فيها نواحي حسنة وأخرى مغالطات مبنية على السوفسطائية وتحري الإنتصار في الجدل ولو على حساب الحقيقة ، وإن كان ذلك يتم وفق طرق الإستدلال المرعية ، والعميدي أول من كتب في الموضوع ، من خلال كتابه " الإرشاد " ثم سار النسفي على طريقته ، ثم كثرت التأليف ، إلى أن هجرها عصرالتقليد ، لأنها من العلوم الكمالية .
عرض مقدمة ابن خلدون: ب6:(ف10)علم الكلام
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب السادس في ثقافة العمران في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه ومايعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مقدمة ولواحق
الفصل العاشر
علم الكلام
مع ان ( علم الكلام ) اشتهر به المعتزلة وارتبط بهم أكثر من غيرهم إلا إن ابن خلدون يرى أنه علم الدفاع عن العقائد الإيمانية السنية السلفية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعين المنحرفين عن عقائد السلف وأهل السنة. ويجعل إبن خلدون من التوحيد ( السلفى ) سر العقائد الإسلامية .
السببية دليل التوحيد العقلي
ويستدل على التوحيد بالبرهان السببي ، أو برهان العلة : هذه الأشياء حادثة ، وكل حادث لابد له من محدث ، وتنتهي الأسباب إلى مسبب واحد وهو الله لا إله إلا هو .
الدعوة إلى عدم البحث في الأسباب والبحث في المسبب
والأسباب تعني الكائنات والموجودات في العالم المادي ، وما بينها من علاقات ، ويدعو إبن خلدون إلى عدم البحث في الأسباب ، لآنها تتضاعف ولا تستطيع النفس الإحاطة بها وبما فيها من أفكار ونظام ، واستشهد بقوله تعالي " ثم ذرهم في خوضهم يلعبون " ، وهو إستشهاد فى غير محله . وقال إن الباحث في الأسباب ربما يضل ويهلك . وقال إن تأثير الأسباب في المسببات مجهول وكيفيته مجهولة لذا يجب الامتناع عن بحث الأسباب ، والتوجه إلى الله مسبب الأسباب كلها لترسيخ صفة التوحيد في النفس ، واستشهد بحديث موضوع يقول " من مات يشهد أن لاإله إلا الله دخل الجنة ، فإن وقف عند تلك الأسباب فقد انقطع وحقت عليه كلمة الكفر ، وأن سبح في بحر النظر والبحث عنها وعن أسبابها وتأثيراتها واحدا بعد واحد فأنا الضامن له ألا يعود إلا بالخيبة " والواضح أنه حديث مصنوع .
ومثل أهل السُّنة يؤكد إبن خلدون على استحالة الإحاطة بالكائنات وأسبابها لأن كل عقل ينحصر علمه فيما يدركه ولا يتعدى ذلك إلى مالا يدركه ، مثل انحصار الأصم فيما لا يسمع والأعمى فيما لا يرى وانحصار الحيوان الأعجم بما لا عقل فيه . لذلك يدعو إلى أن يتهم الإنسان إدراكاته في الحصر ويتبع ما يأمره به الشارع في الإعتقاد والعمل لأن الشارع هو الأعلم بما ينفع .
العقل لا مجال له في التوحيد ولا في الأسباب
ولايعتبرإبن خلدون هذا إتهاما للعقل وإدراكاته ، إذ يرى أن العقل ميزان صحيح وأحكامه يقينية إلا أنه لامجال له في أمور التوحيد والآخرة والنبوة والصفات الألهية ، كما لا مجال له في الأسباب التي تتجاوز مدركاته ، ويصل إلى القول بأن التوحيد هو العجز عن إدراك الأسباب وكيفيات تأثيرها وتفويض ذلك إلى الخالق جل وعلا ، ويقول مقالة الصوفية " إذ لا فاعل غيره وكلها ترتقي إليه وترجع إلى قدرته " واستدل بقول بعضهم " العجز عن الإدراك إدراك ".
كمال التوحيد وكمال العبادات
ويرى إبن خلدون أن التوحيد مجرد الإيمان ، ولكن كمال التوحيد حصول صفة منه تتكيف بها النفس . وكمال العبادة حصول ملكة الطاعة وتفريغ القلب عما سوى المعبود حتى ينقلب المريد السالك ربانيا ، وكذلك العلم بالتوحيد يكون بالإتصاف به فترسخ ملكته في النفس ويحصل بذلك الإتصاف والتحقيق ، وهذا هو معنى الكمال في أوامر الشرع ، فالكمال في الإعتقاد يكون هو العلم الثاني أي الإتصاف بالتوحيد ، والكمال في العبادات الإتصاف بها والتحقق بها . ثم يأتي الإقبال على العبادة ثمرة للإتصاف بها ، واستشهد بحديث " جعلت قرة عيني في الصلاة " أي صارت الصلاة صفة له يجد فيها منتهى لذته.
وينتهي إبن خلدون إلى أن المطلوب في التكاليف حصول ملكة راسخة في النفس يحصل عنها علم إضطراري للنفس هو التوحيد ، وهو العقيدة الإيمانية ، وذلك يسري على التكاليف القلبية الإيمانية والعبادات البدنية . والإيمان مراتب أولها التصديق القلبي الموافق للسان وأعلاها تكيف الجوارح بذلك التصديق بحيث لا يقع المؤمن في معصية صغيرة أو كبيرة . واستشهد بحديث " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ".
عصمة الأولياء
وبسبب إنتمائه الصوفى فقد جعلها المرتبة الثانية من العصمة بعد عصمة الأنبياء ، وهذه العصمة للمؤمنين تأتي بسبب الإيمان والعمل ، وبالعصمة يتفاوت الإيمان تبعا للعمل .
بين الإيمان والعمل
ويرى إبن خلدون أن الإيمان فعلى ، والتصديق أول مراتبه . وهذا التصديق لا تفاوت فيه لأنه أقل ما يطلق عليه إيمان ، وهو الذي يمتاز به المؤمن عن الكافر ولكن التفاوت يأتي في الأعمال الناشئة عن الإيمان.
مفردات الإيمان
وقد كلفنا الشارع بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء خيره وشره ، وتلك هي العقائد الإيمانية المقررة في علم الكلام ( السنى )، ويجب الإيمان بها بالقلب والإقرار بذلك باللسان.
الإيمان بالله
يرى إبن خلدون عقيدة الصوفية فى ( وحدة الفاعل ) فيقول أن الله تعالى هو الخالق الذي ترد الأفعال كلها إليه وحده ، وفي هذا الإيمان نجاتنا ، ومعرفتنا بكنه حقيقة الله يتعذر على أدراكنا . لذلك فإن المطلوب منا إعتقاد تنزيهه تعالى عن مشابهة المخلوقين وعن صفات النقص "وتوحيده بالإتحاد وإلا لم يتم الخلق للتمانع "، والإعتقاد بأنه عالم قادر لتتم الأفعال التي تشهد بكمال إتحاده ، وأنه يعيدنا بعد الموت ، والإعتقاد في أنه بعث بالرسل وأنه جعل الجنة والنار .
نشأة علم الكلام
وكان السلف على هذا الإعتقاد ، إلا أنه حدث خلاف في التفاصيل بسبب الآيات المتشابهة ، وتطور الخلاف إلى خصام وتناظر بالعقل وزيادة الإستشهاد بالنقل من الآيات وبذلك نشأ علم الكلام .
فقد جاء في القرآن وصف المعبود بالتنزيه المطلق الظاهر الدلالة من غير تأويل ، ويجب الإيمان بها ، وجاءت تفسيرات نبوية من الصحابة والتابعين تفسر الأيات على ظاهرها ، وجاءت آيات أخرى في القرآن توهم التشبيه ، ورأي السلف عدم التعرض لمعناها ببحث أو تأويل مع الإيمان بها . إلا أن المبتدعة ( وهم فى نظره المخالفون لأهل السنة ) اتبعوا ماتشابه من الآيات وأوغلوا في التشبيه في حديث القرآن عن يد الله ووجه الله فوقعوا في التجسيم للذات الإلهية وخالفوا آيات التنزيه المطلق لله وهي الأكثر عدداالكثر ااا في القرآن والأوضح دلالة ، لأن التجسيم يقتضي النقص والإفتقار ، وقد احتجوا بأن له – تعالى – جسما لا كالأجسام ويرى إبن خلدون أنهم يقعون في التناقض والجمع بين النفي والإثبات.
ومنهم من ذهب إلى التشبيه في الصفات كإثبات الجهة والإستواء والنزول والصوت والحرف ، فوصلوا أيضا إلى التجسيم وقالوا صوت لا كالأصوات وجهة لا كالجهات.
آراء المعتزلة
ثم كثرت العلوم والصنائع والتدوين والبحث ، وجاء المعتزلة في تعميم التنزيه وذلك بنفي صفات المعاني من القدرة والعلم والإرادة والحياة زائدة على أحكامها ، حتى لا يقال بتعدد الذات ، ويرد عليهم إبن خلدون بأن الصفات ليست عين الذات ، وقضى المعتزلة بنفي السمع والبصر لكونهما من عوارض الأجسام والتجسيم ، ويرد إبن خلدون إنهما إدراك للمسموع والمبصور ، وقضى المعتزلة بنفي الكلام ، ويرى إبن خلدون أنهم لم يعقلوا صفة الكلام التي تقوم بالنفس ، وعلى ذلك حكموا بأن القرآن مخلوق. ويرى إبن خلدون أن خلق القرآن بدعه خالفها أهل السنة وأدت إلى ظهور الإشاعرة حين نهض أبو الحسن الأشعري للرد على المعتزلة .
الأشاعرة
وقد توسط الأشعري بين المشبهة المجسمة وبين المعتزلة ، فنفي التشبيه وأثبت الصفات المعنوية وقصر التنزيه على ما قصره عليه السلف . كما تحدث عن الإمامة ردا على الشيعة حين جعلوا الإمامة جزءا من عقائد الإيمان . ورأى الأشعري إنها قضية مصالح للأمة ولا تلحق بالعقائد . وتكاثر الكلام في الموضوع بعد ظهور الأشعري .
سبب تسمية علم الكلام
ولأن هذا العلم قام على المناظرات الكلامية خصوصا في صفة الكلام ونسبتها أو عدم نسبتها لله تعالى فقد أطلقوا على هذا العلم علم الكلام.
تلامذة الأشعري
وكان إبن مجاهد أهم تلامذة الأشعري ، وأخذ عنهم أبوبكر الباقلاني وأصبح إمام الأشاعرة ووضع لهم المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة ، وجعلها قواعد للعقائد الإيمانية الواجب اتباعها ، ثم جاء إمام الحرمين فوضع كتابه الكبير ( الشامل ) ثم اختصره في (الإرشاد) واتخذه الناس إماما لعقائدهم ، وانتشرت بعده علوم المنطق بين الناس .
أثر علم المنطق في علماء الكلام المتأخرين
وبانتشار علم المنطق فرقوا بينه وبين الفلسفة ، إذ جعلوا المنطق وسيلة للإستدلال ، وبالمنطق بحثوا علم الكلام لدى المتقدمين فخالفوا الكثيرين منهم بالإستدلال المنطقي ، وردوا بالمنطق على بعض التأثيرات الفلسفية لدى المتكلمين الأوائل ، وردوا على الفلاسفة ، وهذه طريقة المتأخرين من علماء الكلام ، وأولهم الغزالى ثم إبن الخطيب .. ثم توغل من جاء بعدهم في الفلسفة ، وخلطوا بين الفلسفة وعلم الكلام ، مع ما بينهما من فوارق .
بين الفلسفة وعلم الكلام
ومنهج البحث مختلف بين المتكلم والفيلسوف ، فعلم الكلام ينظر في الكائنات وأحوالها ليستدل بها على وجود الله وصفاته أما الفلسفة فتنظر في الكائنات من حيث الحركة والسكون .وتنظر الفلسفة في الإلهيات على أنها الوجود المطلق وما يقتضيه لذاته ، أما علم الكلام فيبحث العقائد من حيث الإستدلال عليها عقليا ووجوب الإيمان بها قلبيا ولرفع الشكوك والبدع . وما لبث أن وقع الإختلاط بين الفلسفة والكلام عند المتأخرين كما حدث لدى البيضاوي في كتابه " الطوالع ".
رأي إبن خلدون في ضرورة علم الكلام في عصره
ويرى إبن خلدون أنه لم تعد ضرورة لعلم الكلام في عصره إذا انقرضت المبتدعة والملاحدة ،وقد رد عليهم الأئمة ، ولكن علم الكلام يفيد آحاد الناس وطلبة العلم في حججه النظرية في الدفاع عن العقائد ( السنية بالطبع ).!.
عرض مقدمة ابن خلدون: ب6:(ف11: 12)التصوف وتفسير الاحلام
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب السادس في ثقافة العمران في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه ومايعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مقدمة ولواحق
الفصل الحادي عشر
علم التصوف
بداية التصوف
يرى إبن خلدون أن التصوف علم شرعي مستحدث ، وبدايته تكمن في انقطاع الصحابة والسلف للعبادة مع الزهد ، فلما غرق الناس في القرن الثاني في متاع الدنيا أطلق على الزهاد إسم الصوفية.أى أنه لا يفرّق بين الزهد والتصوف.
اشتقاق التصوف
ويخالف إبن خلدون القشيري الذي يرى أن التصوف ليس مشتقا من اللغة العربية بينما يرى إبن خلدون أنه مشتق من الصوف الذي يدل على الزهد.
إختصاص التصوف بالإدراك الوجداني أو الحال
ويقسم إبن خلدون المدركات إلى عقلية في العلوم والمعارف ، ووجدانية في أحوال الفرح والحزن والقبض والبسط . وقد اختص الصوفية بالمدركات أو الأحوال الوجدانية ، والمريد في مجاهدته ينشأ له عن كل مجاهدة حال ، فيكون صاحب حال .
بين الأحوال والمقامات
والأحوال التي تعرض للمريد قد تكون عن عبادة فترسخ وتصير مقاما للمريد وقد لا تكون عن عبادة كالأحوال النفسية المتغيرة .
نهاية الترقي إلى التوحيد
ولايزال المريد يترقى من مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى التوحيد أو المعرفة ، وذلك على أساس الطاعة والإخلاص القائمين على الإيمان . وإذا وقع تقصير في الوصول فمرجعه إلى النفس ، ولذلك يجب على المريد أن يحاسب نفسه .ويستعمل ابن خلدون مصطلح التوحيد دون تحديد معناه عند الصوفية ، مما يوحى بأنه نفس ( التوحيد ) الذى يقول به ( أهل السنة ).
الذوق أساس التصوف
والمريد يحاسب نفسه بالذوق – أو الوجدان ، وبالذوق أيضا يمكنه الوصول ويتعرف على نتائج المجاهدة ,إذا كانت مثمرة أم لا .
إصلاحات الصوفية وتدوينها
وللصوفية آداب خاصة ومصطلحات خاصة تختلف عن الفقهاء والمتكلمين، وهي تدور حول المجاهدة للنفس ومحاسبتها والذوق والمواجيد ، وفي عصر تدوين العلوم كتب الصوفية في التصوف كالقشيري والسهروردي والغزالي وأصبح التصوف علما بعد أن كان طريقة عبادة .
الكشف ( علم الغيب ) والكرامة
ويتابع ابن خلدون الصوفية فى أنه ينتج عن المجاهدة بالخلوة والذكر كشف حجاب الحس والإطلاع على الغيب أن الروح تقوى بالمجاهدة فتكشف لها العلوم اللدنية والفتح الإلهي حيث تقارب أفق الملائكة . ويقترن بالكشف التصرف في الكون – أو الكرامات . و يقول إن العظماء منهم لايهتمون بما يتجلى لهم من كشف أو ما يعرض لهم من كرامات ، ويرى إبن خلدون أن الصحابة كانت لهم كرامات ولم يهتموا بها أيضا ، ويؤكد أن الكشف ( علم الغيب ) يستلزم الإستقامة . وقد اهتم متأخرو الصوفية بالكلام عن الكشف وعما ظهر لهم من غيوب علوية وسفلية ، وبعضهم أنكر عليهم ، والبعض الآخر سلم لهم بما يقولون .
عقائد التصوف
1- مذهب التجلي ورأي إبن خلدون فيه
وكلامهم في الكشف والغيب أتاح لهم التعبير عن عقائدهم ، ومنها مذهب التجلي . وهو أن الوجود صدر عن الفاعل وفق ترتيب معين بطريقة التجلي. وأول مراتب التجلي تجلي الذات على نفسه الذي يتضمن الكمال ، وفيه تفصيل الحقائق وعالم المعاني والحضرة الكمالية والحقيقة المحمدية وحقائق الصفات واللوح والقلم والأنبياء والرسل والكاملين من أهل الملة المحمدية ، ويصدر عنها بالتجلي حقائق أخرى في الحضرة البهائية وعنها العرش ثم الكرسي ثم الأفلاك ثم عالم العناصر ثم عالم التركيب ، وهذا في عالم الرتق فإذا تجلت فهي في عالم الفتق . ويرى إبن خلدون أنه كلام غامض لايقدر عليه أهل النظر والبحث ، وربما ينكره ظاهر الشرع .
مذهب الوحدة المطلقة
ويقول إبن خلدون أنه أغرب من مذهب التجلي ، وهو أن الوجود بتفصيلاته يعتبر وحدة واحدة مع الذات الألهية التي إنبثت منها كل أنواع الوجود ، فالكل واحد وهو نفس الذات الإلهية ، وهي حقيقة عندهم بسيطة ، ولكن الإدراك العقلي يتيه عنها لأنه يستغرق في التفصيلات .
رأي إبن خلدون في الوحدة
ويرى إبن خلدون أن هذا الرأي ساقط ، ويقول أن محققي الصوفية المتأخرين رأوا أن عقيدة وحدة الوجود قد تعرض للمريد عند الكشف في البداية ، وذلك مقام الجمع ، ولكن يترقى إلى أن يصل إلى التمييز بين الموجودات ، وهو مقام الفرق . أي مقام العارف المحقق ، ويقول إبن خلدون أن متأخري الصوفية من أصحاب وحدة الوجود ذهبوا إلى الحلول والإتحاد وكتبوا في ذلك ، كما فعل الهروي وإبن عربي وإبن سبعين وإبن الفارض والعفيف التلمساني .
تأثر صوفية الوحدة بالشيعة
ويرى إبن خلدون أنهم تأثروا بالشيعة ، ويجمعهم القول بالحلول وإلاهية الأئمة والقطب والأبدال والنقباء ، واتخاذ علي بن أبي طالب إماما دون بقية الصحابة والكلام في الفاطمي المنتظر .وقال أن الفقهاء تم ندبهم للرد على أولئك الصوفية .
بين الصوفية والفقهاء
وفي البداية فإن إبن خلدون يرى أن الفقهاء لا يشاركون الصوفية في أحوالهم ومقاماتهم وأذواقهم . لذلك أنكر بعض الفقهاء على كلام الصوفية في الكشف والغيبيات .
رد إبن خلدون على الصوفية
وقام إبن خلدون بالرد على الصوفية في أربعة مواضيع:
كلامهم في المجاهدات والأذواق ومحاسبة النفس ، ويراهم على الحق .
كلامهم في كشف الغيوب من الصفات والعرش والكرسي وترتيب الأكوان ، يقول أنه أمر صحيح .
ودافع إبن خلدون عن كرامات الصوفية ، وعاب على الأشاعرة إنكارهم للكرامات وقال أنها لا تلتبس بالمعجزات النبوية لأنها ليس فيها التحدي ، كما أن الكرامات وقعت للصحابة والسلف .
4- شطحات الصوفية : ودافع عنها إبن خلدون طالما تصدر عند حالة الغيبة وقال أنه كلام وجداني متشابه يستحق التأويل ، أما إذا صدرت شطحات في حالة يقظة كما قال الحلاج فيستحق القتل .
دفاع إبن خلدون عن التصوف
وبذلك انتهى إبن خلدون إلى أن سلف الصوفية هم أعلام الله ولم يكن لهم حرص على كشف الغيوب ، بل اهتموا بالإتباع والإقتداء ، ومنعوا أتباعهم من الإهتمام بالكشف والخوض فيه ، وقال" وهكذا ينبغي أن يكون حال المريد ".
الفصل الثاني عشر
في علم تعبير الرؤيا
بدايته
علم تعبير الرؤيا علم شرعي مستحدث بعد أن تحولت العلوم إلى صناعة وحرفة ، أما الرؤية نفسها فقد كانت موجودة من قبل ، ولكن لم يصل إلينا تفسير الأحلام سوي عن يوسف في القرآن وعن النبي محمد وأبي بكر في الأحاديث .
الرؤيا والغيب
والرؤيا إحدى مدارك الغيب واستشهد إبن خلدون بحديث " الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " ، وأنه " لم يبق من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له " . وكانت الرؤيا أولى ارهاصات النبوة للنبي محمد فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح .
كيف تحدث الرؤيا
ويعلل إبن خلدون صلة الرؤيا بالغيب بتفسير العصور الوسطى ، وهو أن الروح القلبي المنبعث في جهاز القلب داخل الجسد الإنساني ينتشر في الشرايين مع الدم في سائر البدن فإذا أحس بالملل من الجسد رجع إلى القلب فيدخل الجسد إلى النوم ، وفي النوم يتخفف من أعباء الجسد ويستقبل المدركات من عالم الغيب ويحفظها في الحافظة .
ويضيف تفسيرا آخر وهو أن النفس تجرد من نفسها صورا نفسية عقلية عن طريق تجريد المحسوس ليكون معقولا وخيالا ، وتلقي النفس بهذه المعقولات والخيالات إلى الحس المشترك فيراه النائم كأنه محسوس .
أنواع الرؤى
ويرى إبن خلدون طبقا لبعض الأحاديث أن هناك ثلاثة أنواع للرؤى (1) رؤيا من الله وهي الصريحة التي لا تحتاج إلى تأويل بسبب وضوحها أو قربها من الأشياء المدركة ، (2) رؤيا من الشيطان ، وهي أضغاث الأحلام ، وهي صور من الخيال في حالة النوم ولكن مأخوذة من صور الخيال التي أودعها الخيال في الحافظة منذ اليقظة ، (3) رؤيا من الملك وهي صادقة ولكن تحتاج إلى تفسير ، وهي أيضا صورة من الخيال في حالة النوم ولكنها مأخوذة من الروح العقلي المدرك ، وليس من الحافظة المتأثرة بأحوال اليقظة . قوانين تعبير أو تأويل الرؤيا
يرى إبن خلدون أن الروح العقلي يدرك الأشياء في النوم ويلقيه في الخيال في صورة مناسبة لذلك الشئ ، وحين يحكيه النائم لمن يفسر الأحلام ينظر في قوة التشبيه وبالقرائن الأخرى عن حال صاحب الحلم ، كمن يرى البحر وتأويله بالسلطان أو الغيظ أو الهم العظيم .. والقرينة هي التي تحدد المراد ، وهو ما يعرف بقوانين تعبير الرؤيا .
علاقة الرؤيا بالإدراك الشخصي
ومن الطبيعي أن الإدراك الحسي يؤثر في استقبال الأحلام ، فالأعمى لايرى في المنام إلا الذي يتناسب مع طبيعة مدركاته ، وكذلك الأصم .
أشهر المؤلفين في تفسير الأحلام
وقد تنقل علم تعبير الرؤيا بين السلف وأشهرهم محمد بن سيرين الذي كتب قوانين تفسير الأحلام ، ثم الكرماني وكثيرون . وأشهرهم في المغرب في عصر إبن خلدون ، أبوطالب القيرواني والسالمي .
عرض مقدمة ابن خلدون:ب6:(ف13: 16)العلوم العقلية والعددية والهندسية والفلكية
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب السادس في ثقافة العمران في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه ومايعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مقدمة ولواحق
الفصل الثالث عشر
العلوم العقلية وأصنافها
عمومية العلوم العقلية
العلوم العقلية لاتختص بملة الإسلام وإنما هي عامة للبشر منذ الخليقة .
وتنقسم إلى : (1) علم المنطق ، وهو علم يعصم الذهن عن الخطأ ، (2) العلم الطبيعي الذي يبحث في المواد من المعدن ، والنبات والحيوان والفلك والحركات الطبيعية والنفس (3)الإلهيات ، وتتخصص في ما وراء الطبيعة من الروحانيات (4) التعاليم وهي النظر في المقادير .
أقسام التعاليم
وتنقسم التعاليم إلى أربعة علوم :
(1)الهندسة : وهي النظر في المقادير مطلقا سواء كانت منفصلة أومتصلة ذات البعد الواحد فهو الخط ، أو ذات بعدين كالسطح أوثلاثة أبعاد وعلاقاتها ببعضها .
(2 )العدد ( الأرتماطيقي ): وهو معرفة ما يعرض للكم وعلاقته بالخواص والعوارض وينقسم إلى الحساب والفرائض والمعاملات .
(3) الموسيقى : وهو معرفة نسب الأصوات والنغم بعضها من بعض وتقديرها بالعدد ، وذلك لمعرفة الألحان .
(4) الهيئة ( الفلك ) وهو تعيين أشكال الأفلاك وحصر أوضاعها وتعددها لكل كوكب ، ومن فروع الهيئة ما يعرف بالأزياج ، وهي قوانين لحساب حركات الكواكب وتعديلها للوقوف على مواضعها.
العلوم العقلية قبل الإسلام
وظهرت هذه العلوم لدى الفراعنة والسريانيين والكلدانيين ، ولاتزال آثار الفراعنة شاهدة بذلك في البراري ( في الصعيد) وأصبحت تصنف في بند السحر المحرم . وانتقلت تلك العلوم إلى الفرس والروم . وازدهرت هذه العلوم لدى الفرس ، ويقال إنها وصلت منهم لليونان بعد حملة الأسكندر الأكبر ، والمشهور أن اليونانيين حملوا مشعل العلوم وظهر فيهم المشاءون وأبقراط إلى أرسطو وأفلاطون . وكان أرسطو معلما للأسكندر الأكبر، وبعد زوال عظمة اليونان ورثهم الرومان ، وبعد اعتناق الرومان للنصرانية هجروا فلسفة اليونان ، وبقى تراث اليونان إلى أن جاءت الفتوحات إلى مصر والشام والعراق.
العلوم العقلية في عصر الإسلام
وحين فتح سعد بن أبي وقاص فارس إستشار عمر في أمر الكتب الكثيرة فأمر بتدميرها فذهبت علوم الفرس ولم تصل إلينا .
وفي عصر أبي جعفر المنصور حيث دخل المسلمون في عصر الحضارة إستورد كتب الفلسفة من ملك الروم ، ثم أقام المأمون نهضة علمية باستنساخ وترجمة التراث اليوناني ، وعكف عليها العرب والمسلمون وغيرهم . وظهر الفلاسفة المسلمون كالفارابي وإبن سينا وإبن رشد وإبن الصائغ ، وأثير الجدال حول هذه العلوم . ثم تناقصت تلك العلوم في المغرب بتناقص حضارته وبقيت في المشرق مع بقاء حضارته . ويقول إبن خلدون " ولقد وقفت بمصر على تآليف متعددة لرجل من عظماء هراة" يقصد سعد الدين التفتازاني ، ويقول أنه علم أن بلاد الفرنجة تزدهر فيها العلوم العقلية والفلسفية بمدارسها وطلبتها وأساتذتها.
الفصل الرابع عشر
العلوم العددية
الأرتماطيقي Arithmatic's
وهو معرفة خواص الأعداد من حيث التأليف إما على التوالى أو بالتضعيف ، وله قوانين ، مثل أن الأعداد إذا توالت متفاضله بعدد واحد فإن جمع الطرفين منها مساو لجمع كل عدد بعدهما من الطرفين بُعد واحد . ومثل : أن الأعداد إذا توالت على نسبة واحدة يكون أولها نصف ثانيها وثانيها نصف ثالثها ، الخ . ومثل مايحدث من الخواص العددية في وضع المثلثات العددية والمربعات والمخمسات والمسدسات إذا وضعت متتالية في سطورها بأن يجمع من الواحد إلى العدد الأخير فتكون مثلثة ، وتتوالى المثلثات هكذا في سطر تحت الأضلاع ، ثم تزيد على كل مثلث ثلث الضلع الذي قبله فتكون مربعة وتزيد على كل مربع مثلث الضلع الذي قبله فتكون مخمسة وهلم جرا ..
والأرتماطيقي أول أجزاء التعاليم ، ويدخل في براهين الحساب. وللحكماء المتقدمين فيه مؤلفات ، وأكثرهم يدرجونه ضمن التعاليم ولا يفردونه بالتأليف، كما فعل إبن سينا في كتاب الشفاء والنجاة . والمتأخرون هجروه واستخلصوا زبدته في البراهين الحسابية كما فعل إبن البناء في كتاب رفع الحجاب .
صناعة الحساب :
هو حساب الأعداد بالضم أي الجمع والضرب وبالتفريق أي الطرح والقسمة في العدد الصحيح أو الكسر وجذور الأعداد . ويقول إبن خلدون أن الحساب صناعة علمية جديدة إحتيج إليها في التعامل بين الناس ووضعت فيها المؤلفات ، وجرى تعليمها للنشء ، ومن الأفضل الإبتداء بتعليمها للأطفال حيث يتعلم الطفل من خلالها الصدق ، كما أنه ينشأ عنها في الغالب عقل مضئ يلتزم بالصواب . ومن المؤلفات في الحساب في المغرب في عصر إبن خلدون لإبن البناء المراكشي تلخيص كتاب الحصار الصغير،وشرحه بعنوان" رفع الحجاب "
الجبر والمقابلة :
وهو إستخراج العدد المجهول من المعلوم المفروض إذا كان بينهما نسبة تقتضي ذلك ، بأن جعلوا للمجهول مراتب بالتضعيف بالضرب ، أولها العدد وثانيها الشئ المجهول وثالثها المال وهو مبهم ، وما بعد ذلك فعلى الإس في المضروبين ثم يقع العمل المفروض في المسألة فتخرج إلى معادلة ، ويتم حل المعادلة . والخوارزمي أول من كتب في الجبر ، ثم أبو كامل شجاع بن أسلم الذي وضع المسائل الست في الجبر ، وشرح كتابه كثيرون من الأندلس ، ومنهم القرشي ، ومنهم من وضع مسائل بلغت فوق العشرين واستخرج لها أعمالا وبراهين هندسية .
المعاملات :
وهي تصريف الحساب في معاملات المدن في البيع والمساحات والزكاة وغيرها . أي تطبيق معرفة الحساب والجبر في التعامل الإقتصادي ، وهذا التطبيق يدرب العقل ، وهناك مؤلفات في هذا المجال في الأندلس منها معاملات الزهراوي وإبن السمح وأبي مسلم إبن خلدون.
الفرائض :
هو تصحيح الأسهم في الميراث عن طريق الحساب ، خصوصا عند تعقد مسائل الميراث بتعدد الورثة أو هلاك بعضهم أو زيادة الفروض على الأسهم مثل العول ، أو إنكار بعضهم ، ولذلك فهي صناعة تجمع بين الفقه والحساب ، ويورد أصحابها أحاديث تمدح ذلك العلم مثل " الفرائض ثلث العلم" " وأنها أول مايرفع من العلوم " . ويرى إبن خلدون أن تلك الأحاديث في الفرائض العينية وليست في فرائض الميراث . وذكر إبن خلدون مؤلفات عديدة في الميراث تدور حول الشرح والتلخيص .
الفصل الخامس عشر
في العلوم الهندسية
معنى الهندسة
هي النظر في المقادير المتصلة ( الخط المستقيم ، السطح ، الجسم ) أو المنفصلة ( الأعداد وعوارضها مثل : زوايا المثلث قائمتان ، الخطان المتوازيان لا يلتقيان ، الزوايا المتقابلة متساوية).
كتاب إقليدس في الهندسة
وكتاب إقليدس عمدة الهندسة وقد ترجم للعربية في عهد أبي جعفر المنصور ، وله عدة تراجم مختلفة حسب المترجمين ( حنين بن اسحق ، ثابت بن قرة ، يوسف بن الحجاج ) ويشتمل على خمس عشرة مقالة في المساحات والعدد والجذور والمجسمات والمنطقات ، وتعرض كتاب إقليدس للشرح والإختصار ، اختصره إبن سينا في الشفاء وإبن الصلت في الإقتصاد ، وشرحه كثيرون . ويرى إبن خلدون أن الهندسة تضئ العقل ويعتدل بها الفكر لاستقامتها ووضوحها.
الهندسة الكروية والمخروطية ( الميكانيكا )
في الهندسة الكروية كتابان يونانيان ، الأول منهما لثاودوسيوس والآخر تأليف ميلاوش ، ويرى إبن خلدون أنهما ضروريان لمن يتعلم علم الهيئة ( الفلك )
والهندسة المخروطية تنظر في الأجسام المخروطة ومايعرض لها ببراهين هندسية ، وهي مفيدة في النجارة والبناء والتماثيل وجر الأثقال ونقل الهياكل ، وكتب مؤلفون في الحيل العلمية بما يتضمن الصناعات الغريبة .
المساحة :
هو فن قياس الأرض بالشبر أو الذراع ، وهو علم مفيد في فرض الضرائب على الزراعة وتقسيم الميراث في الأراضي والبناء.
المناظرة الهندسية (الضوء)
علم يبحث أسباب الخطأ البصري ، ورؤية ماتحت الماء أو الأشياء الشفافة ، واختلاف مناظر القمر باختلاف العروض ، ورؤية الأهلة والكسوف والخسوف ، وإبن الهيثم أشهر من كتب في هذا العلم .
الفصل السادس عشر
في علم الهيئة ( الفلك )
ماهية علم الهيئة وموضوعاته
يبحث علم الهيئة في حركات الكواكب الثابتة والمتحركة والمتحيزة ليستدل منها على أشكال الأفلاك وأوضاعها بطرق هندسية ، ويبرهن على الإختلاف بين مركزي الأرض والشمس ويبرهن على وجود أفلاك تحمل الكواكب داخل الفلك الأعظم ، ويبرهن على وجود فلك ثامن وتعدد الأفلاك للكوكب الواحد بتعدد ميل المحاور .
الرصد اليوناني وفي الإسلام
ويتم البرهان عن طريق الرصد للحركات الكوكبية وأجناسها ، واعتنى اليونانيون بالرصد واتخذوا له الآلة المسماه ذات الحلق ، وتناقلها الناس عنهم ، وظهر الإهتمام بالرصد في خلافة المأمون حيث صنعت آلة ذات الحلق ، وفتر الإهتمام بعد المأمون .
وعلم الهيئة يعطي صورة للسماء والكواكب والأفلاك ، وليس حقيقتها الواقعية ، واستدل إبن خلدون على هذه المقولة بدليل عقلي .
المجسطي أحسن المؤلفات في علم الهيئة
وأفضل المؤلفات في علم الهيئة هو المجسطي لبطليموس ، وقد اختصره علماء المسلمين مثل إبن سينا في الشفاء وإبن رشد وإبن السمح وإبن الصلت وإبن الفرغاني .
علم الأزياج
ومن فروع علم الهيئة علم الأزياج ، وهو صناعة حسابية تقوم على قواعد حسابية تخص كل كوكب وحركته وسرعته وبطئه ، وله قوانين في معرفة الشهور والأيام والتواريخ الماضية ، وتوضع في جداول مرتبة تسمى بالأزياج .
والتقويم هو إستخراج مواضع الكواكب في أوقات معينة عن طريق تلك الأزياج .
المؤلفات في علم الأزياج
وأظهر من كتب في الأزياج البتاني وإبن المكماد ، واعتمد المغاربة في عهد إبن خلدون على زيج إبن اسحق ، ويقال أن إبن اسحق أخذه عن يهودي صقلي كان ماهرا في هذا العلم ، ولخص إبن البناء كتاب ابن اسحق وسماه المنهاج . ويحتاج التنجيم إلى علم الأزياج في معرفة تأثير الكواكب على أحوال الناس .
عرض مقدمة ابن خلدون: ب6:(ف17: 20 )علم المنطق والطبيعيات والطب والفلاحة
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب السادس في ثقافة العمران في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه ومايعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مقدمة ولواحق
الفصل السابع عشر
في علم المنطق
ماهية المنطق
والمنطق هو قوانين يعرف بها الصحيح من الفاسد في معرفة الأشياء والماهيات البراهين القاطعة .
صلة المنطق بالإنسان
والمنطق وثيق الصلة بالإنسان ، حيث يشترك الإنسان مع الحيوان في الإدراك الحسي ، إلا أن الإنسان يمتاز بإدراك الكليات المجردة عن الحس عن طريق التخيل ، فيأتي بصورة ذهنية كلية مجردة يمكن تطبيقها على صور المحسوسات .
وهناك منازل للتجريد تبدأ بالنبات ثم بالحيوان ثم بالإنسان ثم تنتهي بالجنس العالي وهو الجوهر الذي يتوقف العقل عنده بالتجريد.
قانون المنطق
وقد خلق الله تعالى الفكر داخل الإنسان ، فنشأ عن قابلية الإنسان للفكر والعلم تصوره للماهيات أي إدراكه للأشياء إدراكا بسيطا ، أو تصديقه لحكم ثابت بطريق العقل والفكر ، ويقوم الفكر بجمع تلك الماهيات والتأليف بينها لتكوين صورة عامة عنها يمكن أن تنطبق على كل الحالات ، هذا في تصور الماهيات ، وإما يحكم بأمر على أمر ليكون ذلك تصديقا له يتعرف به على حقائق الأشياء .
وهذا السعي من الفكر قد يكون بطريق صحيح وقد يكون بطريق فاسد ، وقانون المنطق هو الذي يميز الطريق الصحيح من الطريق الفاسد في تحصيل البراهين الفكرية والعلمية .
أرسطو والمنطق
وأرسطو هو الذي هذب مسائل المنطق ورتب فصوله ، ولذلك سمى بالمعلم الأول ، وكتابه في المنطق إسمه " النص" ويشتمل على ثمانية كتب ، منها أربعة في صورة القياس وأربعة في مادته ، والكتاب الأول منها في الأجناس العالية في التجريد وهو كتاب المقولات ، والثاني كتاب العبارة في القضايا التصديقية ، والثالث كتاب القياس ، والرابع كتاب البرهان للنظر في القياس المنتج لليقين ، والخامس كتاب الجدل ، وهو القياس الذي يفحم الخصم ، والسادس كتاب السفسطة وهو القياس المفيد للمغالطة ، والسابع كتاب الخطابة في التأثير على الجمهور ، والثامن كتاب الشعر المفيد للتمثيل والتشبيه في الترغيب والتنفير .
وبعد أرسطو أضاف اليونان الكلام في الكليات الخمس المفيدة للتصور .
المنطق في تاريخ المسلمين
وترجم المسلمون علوم الفلسفة والمنطق وشرحوها كما فعل الفارابي وإبن سينا وإبن رشد ، واستوعب الشفاء لإبن سينا علوم الفلسفة كلها ، ثم جاء المتأخرون فغيروا إصطلاح المنطق والحقوا بالنظر في الكليات الخمس ثمرته ، وهي الكلام في الحدود ، وغيروا وبدلوا في الكتب الأخرى ليوائموا بينها وبين علم الكلام والمنطق بما يتفق وثقافتهم ، وأول من فعل ذلك فخر الدين بن الخطيب ثم الخونجي في كتابه كشف الأسرار ، وتعرض للإختصار فتداوله المتعلمون في عصر إبن خلدون .
الفصل الثامن عشر
في الطبيعيات
ماهية علم الطبيعيات ومجالاته
يبحث عن الجسم وما يلحقه من الحركة والسكون وما يتولد عنه من حيوان وإنسان ونبات ومعدن، وما يتكون في الأرض من عيون وزلازل وما يتكون في السماء من سحب ورعد وبرق ومطر .
من أرسطو إلى علماء المسلمين
وترجمت كتب أرسطو أيام المأمون ، وألف المسلمون على منوالها كما فعل إبن سينا في الشفاء ، ثم لخصه في كتاب النجاة وكتاب الإشارات ، وخالف أرسطو في بعض المسائل ، أما إبن رشد فاكتفى بالتلخيص عن أرسطو دون أن يخالفه ، وتكاثرت المؤلفات في الطبيعيات ، وعنوا بشرح كتاب الإشارات لإبن سينا كما فعل إبن الخطيب والآمدي ونصير الدين الطوسي.
الفصل التاسع عشر
في علم الطب
ماهية علم الطب
هو صناعة النظر في جسم الإنسان من حيث المرض والصحة لحفظ الصحة وشفاء المرض والتداوي بالدواء والغذاء . وذلك بعد تبين المرض في العضو وأسباب ذلك المرض والدواء المناسب له وتأثير ذلك الدواء على الجسم وقبول الجسم له ، ويتم الفحص للنبض وفي الطباع والفضلات البشرية حسب أحوال الطبيعة . ويلحق به طب العيون أي أمراض العيون والإكحال المناسبة لها ، كما يلحق به منافع الأعضاء . أي وظائف الأعضاء،
وجالنيوس هو إمام الطب ، ومؤلفاته الطبية هي أمهات هذا العلم ، واقتدى به من جاء بعده ، خصوصا الرازي وإبن سينا والمجوسي ، ومن الأندلس إبن زهر .
وتناقص الطب مع اضمحلال الحضارة نظرا لأنه يزدهر مع الترف .
طب البادية
وهناك طب بدوي مبني على التجربة القاصرة على بعض الأشخاص والمتوارث عن الشيوخ والعجائز، وربما يصح بعضه ، إلا أنه ليس على قانون طبيعي .
رأى ابن خلدون فى ( الطب النبوى )
، ويدخل في الطب البدوى طب العرب الجاهليين والطب المنقول في الشرعيات، ويرى أن هذا الطب ( النبوى ) ليس من الوحي في شئ ، وإنما كان أمرا عاديا بين العرب وذكروه في أحوال النبي(ص) كإحدى العادات ، فالنبي لم يبعث لنا لكي يعلمنا الطب ، ولذلك قال: أنتم أعلم بأمور دنياكم . وماجاء في الأحاديث قد يستعمل على سبيل التبرك بصدق الإعتقاد فيكون له أثر عظيم في النفع تبعا للإيمان والتصديق ، كما يقال في مداواة المبطون بالعسل .
الفصل العشرون
علم الفلاحة
ماهية الفلاحة
هي النظر في النبات في إنمائه وعلاجه ورعايته.
علم الفلاحة لدى القدماء ولدى المسلمين
وارتبطت الفلاحة لدى القدماء بالسحر ومشابهة النبات لروحانيات الكواكب واشتهر في ذلك كتاب الفلاحة النبطية ، ولما جاء الإسلام إقتصر علماء المسلمين على الكلام في النبات من حيث الغرس والرعاية والعلاج ، واختصر إبن العوام كتاب الفلاحة النبطية بهذا المنهج ، وبقى الفن الآخر متعلقا بالسحر ، وكتب المتأخرين كثيرة في علم الفلاحة .
عرض مقدمة ابن خلدون: ب6:(ف21: 23) ماوراء الطبيعة والسحر وعلم الحرف
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب السادس في ثقافة العمران في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه ومايعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مقدمة ولواحق
الفصل الحادي والعشرون
(الإلهيات ( ما وراء الطبيعة )
ماهية علم الإلهيات
علم ينظر في الوجود المطلق ، في الأمورالعامة للجسمانيات والروحانيات من حيث الماهية والوحدة والكثرة والوجوب والإمكان ، ثم مبادئ الموجودات وأنها روحانيات ، ثم كيفية صدور الموجودات عن الروحانيات ومراتبها ، ثم أحوال النفس بعد مفارقة الجسد وعودتها إلى المبدأ.
ما فعله علماء المسلمين بعلم الإلهيات اليوناني
وترجمت كتب أرسطو في الإلهيات . ولخصها إبن سينا في الشفاء والنجاة ، ولخصها إبن رشد ، ثم رد الغزالي على الفلاسفة ، وحدث خلط بين علم الكلام وعلم الإلهيات ، وغيروا ترتيب المسائل كما فعل إبن الخطيب في المباحث الشرقية .
رأي إبن خلدون في الخلط بين علم الكلام وعلم الإلهيات
ولايرى إبن خلدون الخلط بين علمي الكلام والإلهيات، لأن مسائل علم الكلام عقائد مستقاة من الشريعة كما نقلها السلف بدون الرجوع إلى العقل ، حيث أن مدارك الشريعة أوسع من العقل لأنها تستمد من الأنوار الإلهية فلا تدخل تحت قانون العقل الضعيف ، فإذا هدانا الشرع إلى شئ فينبغي أن نقدمه على مداركنا العقلية ، ولو تعارض العقل مع الشرع إعتمدنا على الشرع وفوضنا إليه أمرنا وعزلنا العقل .
و( الشرع ) المقصود عند ابن خلدون هو القرآن والسنة ( الأحاديث ) التى يعتبرها وحيا ، وسرتفع بها فوق العقل.
ويرى إبن خلدون أن المتكلمين الأوائل لجأوا إلى الحجج العقلية للرد على الملحدين بنفس أسلحتهم دفاعا عن العقائد السلفية ، مما أوقعهم في الخلط بين علم الكلام والعلوم الطبيعية والإلهيات .
رأي إبن خلدون في الخلط بين الطبيعيات والإلهيات والخلط بين التصوف والإلهيات
ويختلف إبن خلدون مع المتأخرين الذين خلطوا علم الكلام بالطبيعيات والإلهيات في الوضع والتأليف ويرى أنهما مختلفان في الموضوع . ويقول نفس الشئ عن غلاة الصوفية الذين خلطوا التصوف بالإلهيات الإغريقية وجعلوهما واحدا في كلامهم عن النبوءات والإتحاد والحلول ووحدة الوجود ، ويرى إبن خلدون أن التصوف يخالف علم الكلام كما يخالف الإلهيات ، لأنه يقوم على الوجدان ولايقوم على العقل والبرهان .
الفصل الثاني والعشرون
في علوم السحر والطلسمات
ماهية السحر وماهية الطلمسات
وهوعلم بكيفية إستعداد لدى النفس بالتأثير في العناصر بغير معين أو مساعد . أما الطلسمات فهو علم بكيفية إستعداد لدى النفس بالتأثير في العناصر عن طريق معين أو مساعد .
المؤلفات في السحر والطلسمات قبل الإسلام وبعده
كتب فيهما الأنباط والأقباط والفراعنة والكلدانيون والبابليون ، ونظرا لاتهام السحرة بالكفر فلم تترجم تلك الكتب للعربية ، وما كتبوه مختلطا بالفلاحة قام المسلمون بترجمة الفلاحة وتركوا ما اختلط منها بالسحر .
وعن الخلط بين الكيمياء والسحر يقول ابن خلدون أنه ظهر جابر بن حيان كبير السحرة في هذه الملة فكتب في صناعة السحر والكيمياء لأن إحالة الأجسام من صورة إلى أخرى لايكون إلا بالقوة النفسية لا بالصناعة العملية ، فهو من قبيل السحر ، ثم ظهر مسلمة المجريطي في الأندلس فلخص كتب السابقين في السحر في كتابه " غاية الحكيم ".
وقال إن الفلاسفة يثبتون تأثير السحر والطلسمات ، وقالوا إنه تأثير عارض من كيفيات الأرواح ومن جهة التصورات والإيحاء.
أما من حيث الفرق بينهما فالسحر لايحتاج إلى معين ، والطلسم يحتاج إلى روحانيات الكواكب والإعداد ، والسحر إتحاد روح بروح والطلسم اتحاد روح بجسم والساحر مفطور على السحر لايكتسب سحره ، أما صاحب الطلسمات فيستعين بالتنجيم وغيره.
ويرى الفلاسفة أن المعجزة قوة إلهية من روح الله للخير ، أما السحر فمصدره ذات الساحر وبمدد الشياطين وفي الشر . وقد توجد كرامات لبعض الصوفية بالمدد الإلهي تبعا للنبوة وعلى قدر إيمان الولي وحاله وبعد الإذن الإلهي . ولأن المعجزة مدد إلهي فلا يقوى السحر على مواجهتها كما حدث مع سحرة فرعون أمام موسى .
رأي الفقهاء : لم يفرق الفقهاء بين السحر والطلسمات ، إذ حظروهما معا وحظروا معها التنجيم ، واعتبروا التحدي فارقا بين السحر والمعجزة واعتبروا الساحر كاذبا لا يستطيع التحدي.
الحسد ( الإصابة بالعين ) :
يراها إبن خلدون تأثيرا من الحاسد يأتيه بفطرته ، عندما يستحسن شيئا بشدة ويتمنى زواله ، فيزول ويرى أن الحاسد مجبور في صدور الحسد عنه .
الفصل الثالث والعشرون
علم أسرار الحروف
ماهيته ونشأته
هو علم السيمياء ، وهو علم حادث في تاريخ المسلمين ، إبتدعه غلاة الصوفية في رغبتهم في علم الغيب وافتعال الكرامات على أساس عقيدتهم في وحدة الوجود أو تنزل الوجود عن الواجد.
أساس علم الحرف
ويقوم هذا العلم على أساس أن الكمال الأسمائي للخالق يظهر في أرواح الأفلاك والكواكب وأن للحروف طبائع تسري في الكون وفق هذا النظام منذ أن أبدع الله تعالى الكون ، وتنتقل في أطواره وتكشف عن أسراره ، وهذه هي أسرار علم الحرف ، الذي كان من فروع علم السيمياء ثم أصبح يطلق عليه إسم السيمياء من باب اطلاق العام على الخاص .
ثمرة هذا العلم
وقد كتب فيه إبن عربي والبوني وغيرهما ، وثمرة هذا العلم هو أن النفوس الربانية ( الصوفية ) تستطيع أن تتصرف في الكون ( بالكرامات ) عن طريق الأسماء الحسنى والكلمات الإلهية الناشئة عن الحروف المحيطة بالأسرار السارية في الكون .
إختلافهم في سر قوة الحروف
واختلفوا في سر التصرف أو قوة الحروف إلى رأيين :
(أ) مزاج الحروف وكينونتها الداخلية ، وقسمت الحروف إلى أربعة أصناف مثل العناصر ، واختص كل صنف في الطبيعة بما يناسبه من الحروف يتصرف فيه الحرف طبقا لقانون صناعي اسمه التكسير ، وبالتكسير تتنوع الحروف إلى نارية وهوائية ومائية وترابية ، ومثلا لعنصر النار حروف سبعة وهي الألف والهاء والطاء والميم والفاء والسين والذال ، ولعنصر الهواء سبعة وهي الباء والواو والياء والنون والضاد والتاء والظاء ولعنصر الماء سبعة حروف وهى الجيم والزاي والكاف والصاد والقاف والثاء والغين . ولعنصر التراب أيضا سبعة وهي الدال والحاء واللام والعين والراء والخاء والشين وقالوا أن الحروف النارية لعلاج الأمراض الباردة ومضاعفة قوة الحرارة في الجسم ، أما الحروف المائية فهي لدفع الأمراض الحارة ولتضعيف القوى الباردة .
(ب) والرأي الثاني أن سر تصرف الحرف بقيمته العددية ، وذلك وفقا لجدول يبين قيمة كل حرف حسبما كان معتادا في ترتيب الحروف العربية وقيمة كل حرف .
أساس هذا العلم يقوم على علم الغيب
وسر التناسب بين الحروف وأمزجة الطبائع أو بينهما وبين الأعداد أمر عسير على الفهم ، إذ ليس من قبيل العلوم والقياسات ، وإنما يقوم على الذوق الصوفي أو الكشف أي العلم اللدني بالغيب والتوفيق الإلهي ، ومن هنا يرى إبن خلدون أن تصرفهم في الطبيعة بهذه الحروف أمر ثابت لاينكره أحد ، وقد تواترت أخباره عنهم . أي أن الأمر يحتاج إلى الإيمان والتسليم بدون إنكار .
الفرق بين مقدرة أصحاب الطلسمات السحرية ومقدرة أصحاب علم الحرف
التصرف يعني المقدرة على الأتيان بالخوارق ، ويرى إبن خلدون أن التصرف في عالم الطبيعة كله إنما هو للنفس الإنسانية والهمم البشرية ، حيث أن النفس البشرية محيطة بالطبيعة وحاكمة لها .
وأصحاب الطلسمات يتصرفون في الطبيعة باستنزال روحانية الأفلاك وربطها بالصور أو بالنسب العددية حتى يحصل من ذلك نوع من المزاج يفعل الإحالة أو قلب الأشياء إلى أشياء أخرى أي الإتيان بالمعجزة ، وذلك بالقهر والغلبة . أما تصرف أصحاب الأسماء فيحدث لهم بالمجاهدة الصوفية والعلم اللدني الغيبي أي الكشف الآتي من النور الإلهي والمدد الرباني فيستطيع بهذه القوة أن يسخر الطبيعة دون حاجة إلى إستمداد المقدرة من الأفلاك ، لأن مدده أعلى منها . وبينما يحتاج أهل الطلسمات إلى رياضيات ومجاهدات قليلة تمكنهم من إستخدام روحانيات الأفلاك فإن أهل الحروف يحتاجون إلى رياضيات كبرى ومجاهدات عليا ليحصلوا على الكرامات التي تعطيهم المقدرة على التصرف والإتيان بالمعجزات .
الفرق بين أصحاب علم الحروف وأصحاب السيمياء
فإذا وصل صاحب علم الحروف بالمجاهدات الكبرى إلى الكشف والعلم اللدني الرباني واقتصر في عمله على مناسبات الأسماء وطبائع الحروف كان من أصحاب السيمياء ، ولم يعد هناك فارق كبير بينه وبين أصحاب الطلسمات السحرية ، بل أن صاحب الطلسمات أوثق منه لأنه يرجع إلى أصول طبيعية علمية وقوانين مرتبة ، وأما صاحب الأسماء إذا فاته الكشف الأكبر الذي يطلع به على حقائق الكلمات وآثار المناسبات فليس له في العلوم الإصطلاحية قانون برهاني .
المزج بين الأسماء والطلسمات
وبعض أصحاب الأسماء والحروف يمزج قوى الكلمات والأسماء بقوى الكواكب فيعين لذكر الأسماء الحسنى ولسائر الأسماء أوفاقا أو أوقاتا تكون من حظوظ الكوكب الذي يناسب ذلك الإسم ، وذلك مافعله البوني في كتابه " الأنماط " . وهذا المزج يأتي عندهم من لدن الحضرة العمائية وهي برزخية الكمال الأسمائي ، ويتنزل تفصيلها في الحقائق على ماهي عليه من المناسبة ، وإثبات هذه المناسبة عندهم بحكم المشاهدة التي تأتي للعارفين من الأولياء الصوفية ، فإذا لم يصل صاحب علم الحرف إلى هذه الدرجة وتلقى تلك المناسبة تقليدا أصبح في منزلة صاحب الطلسمات السحرية ، بل يكون صاحب الطلسمات أوثق منه .
المزج بين الطلمسات والدعوات المكونة من أسماء وحروف
وقد يمزج صاحب الطلسمات بين عمله وقوى الكواكب وبين قوى الدعوات المؤلفة من كلمات مخصوصة بحيث تكون هناك مناسبة بين الكلمات والكواكب وتقوم هذه المناسبة على اقتسام الكواكب لجميع ما في عالم المكونات من جواهر وأعراض وذوات ومعاني ، ومن بينها الحروف والأسماء ، فلكل كوكب حظه من هذه الأسماء والحروف ، وعلى ذلك يقسمون آيات القرآن وسور القرآن تقسيمات غريبة كما فعل مسلمة المجريطي في كتابه " الغاية " ، وذلك مايبدو في كتاب " الأنماط " للبوني حين تعرض للدعوات وتقسيمها على ساعات الكواكب السبعة ، وحديثه عن قيامات الكواكب أو الدعوات التي تختص بكل كوكب . وفي النهاية يقرر إبن خلدون إيمانه بكل ذلك حيث يقول " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ، وليس كل ما حرمه الشارع من العلوم بمنكر الثبوت ، فقد ثبت أن السحر حق مع حظره ، لكن حسبنا من العلم ماعلمنا ".
إستخراج الأجوبة من الأسئلة
إحدى فروع السيمياء ، وذلك عن طريق إرتباط بين الكلمات والحروف ، وتدخل ضمن الزايرجة ، ولهم في ذلك أدعية وقصائد ومنها قصيدة السبتي ، وقد أوردها إبن خلدون ، وقسم أبياتها على عناوين ، مثل : الكلام على استخراج نسبة الأوزان وكيفياتها .. فيما يخص السيمياء ، والطب الروحاني ومواليد الملوك وبتيهم والانفعال الروحاني والانقياد الرباني ، ومقامات المحبة والعشق والطاعة .. الخ .
ثم أسهب إبن خلدون في شرح كيفية العمل في إستخراج أجوبة المسائل من زايرجة العالم ، مما نقله إبن خلدون عن القائمين بهذا العلم ، وتلخيص هذا الكلام أو عرضه ليس إلا مضيعة للوقت ، وإن كان يدلنا على أن عقلية إبن خلدون كانت تؤمن بهذا الكلام .
ثم عقد فصلا في الإستدلال على ما في الضمائر الخفية بالقوانين الحرفية .. وهي طريقة تنفع الدجالين في عصرنا حين يتصدون لما يسمى بالعلاج الروحاني ، ونحن نقصد أنها تنفعهم في خداع البسطاء.
عرض مقدمة ابن خلدون: ب6:(ف24: 27 ) علم الكيمياء والفلسفة والتنجيم
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب السادس في ثقافة العمران في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه ومايعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مقدمة ولواحق
الفصل الرابع والعشرون
في علم الكيمياء
ماهية علم الكيمياء
هو علم تحويل المواد إلى ذهب أو فضة ، وذلك بالعثور على المادة المستعدة للتحول إلى ذهب أو فضة سواء كانت من حيوانات أومعادن ، واخضاعها بالتحليل والتقطير والتجميد والتكليس إلى أن يستخرجوا منها الأكسير وهو الجسم الطبيعي الذي يلقي منه على الرصاص والقصدير والنحاس بعد أن يحمي بالنار فيصيرهم ذهبا أو فضة .
التأليف في الكيمياء
وإمام الكيمياء هو جابر بن حيان وله فيها سبعون رسالة مليئة بالألغاز ، ثم الطغرائي وله فيها دوواين ومناظرات ، ومسلمة المجريطي الأندلسي ، وله فيها كتاب رتبه الحكيم وجعله قرينا لكتابه الآخر عن السحر والطلسمات والذي عنوانه غاية الحكيم ، وكل مؤلفات الكيمياء عبارة عن ألغاز . وينسبون للغزالي معرفة الكيمياء ، وينكر ذلك إبن خلدون كما ينكر أن يعرف خالد بن يزيد بن معاوية الكيمياء لأن عصره كان بدويا بعيدا عن الصنائع .
رأي إبن خلدون في الكيمياء
ونقل إبن خلدون فقرات مطولة من كلام إبن بشرون في الكيمياء وهو كلام غير مفهوم لايخرج القارئ منه بطائل ، واستدل إبن خلدون بذلك على ألغازهم في الحديث عن الكيمياء وأنها ليست بصناعة طبيعية .
ويرى إبن خلدون أن الكيمياء من آثار النفوس الروحانية وتصرفها في عالم الطبيعية ، إما عن طريق الكرامة إذا كانت النفوس خيرة ، أو عن طريق السحر لأن الساحر في رأي إبن خلدون يستطيع قلب الأعيان كما حدث من سحرة فرعون وما يحدث من سحرة الهند والسودان ، واعتبر تخليق الذهب ضربا من ذلك السحر ، واعتبر المتكلمين في هذا العلم من الحكماء مثل جابر ومسلمة ، وقال أنهم لجأوا للألغاز خوفا من الإتهام بالسحر . وفات ابن خلدون تقرير القرآن الكريم على أن سحرة فرعون لم يقلبوا الحبال والعصى ثعابين ، وإنما جعلوا الناس يتخيلون هذا ، أى أنهم سحروا أعين الناس .
الفصل الخامس والعشرون
في إبطال الفلسفة وفساد منتحلها
نقل إبن خلدون للآراء الفلسفية
يقول إبن خلدون أن علوم الفلسفة تزدهر في الحضارة ، وضرر الفلسفة واضح بالدين لأن الفلاسفة يزعمون أن الوجود وكل أحواله إنما يدركه العقل ، وأن العقل هو الذي يصحح العقائد الإيمانية ، وقد وضعوا قانونا يستطيع به العقل تمييز الحق من الباطل وهو المنطق.
ويصف إبن خلدون الفلاسفة بأنهم صنف من عقلاء النوع الإنساني ، وأورد أقاويلهم في المحسوسات والمعاني والتجريد والمعقولات الثواني وتقدم الحكم على التصور وغير ذلك مما قاله أرسطو، وأن السعادة هي إدراك الموجودات في الحس وماوراء الحس بالبراهين الفلسفية . وترتيب الوجود لديهم يبدأ بالجسم السفلي المركب الحسي ثم النفس ثم العقل ، ووجود النفس والعقل للأفلاك كما هي للإنسان ، وربطوا بين إدراك الوجود والتمسك بالفضائل وذلك لتحقيق السعادة والبهجة واللذة ، وأن الجهل بذلك هو العذاب السرمدي ، وهذا هو معنى النعيم والعذاب في الآخرة .
وترجمت المؤلفات الفلسفية اليونانية للعربية في العصر العباسي ، وانشغل بها فلاسفة المسلمين كالفارابي وإبن سينا .
رأي إبن خلدون في الفلسفة
ويعتبر إبن خلدون بطلان مذهبهم في إسناد الموجودات كلها للعقل الأول ، لأن الوجود الذي خلقه الله تعالى أوسع من ذلك ، ويشبههم بالطبيعيين المنكرين لما وراء المادة ، ويرى أن براهين الفلاسفة قاصرة ، وتفتقر إلى اليقين ، ومسائل الطبيعيات لا تهمنا في ديننا ولا معاشنا فوجب علينا تركها . وماوراء الطبيعة عوالم مجهولة لايمكن التوصل إليها بالبرهان ، وغاية ما نصل إليه هو الظن بعد التعب . إذا فلا داعي لهذا المجال ، ويرى أن القول بأن السعادة هي إدراك الموجودات بتلك البراهين إنما هو قول مزيف ، وأستدل بسعادة الصبي الصغير بما يدركه بحواسة ، ولا شأن له بالبراهين .. كما استدل بالصوفية الساعين للسعادة بالادراك الوجداني وليس بالبراهين العقلية ، ويسخر إبن خلدون من قولهم بأن السعيد من أدرك منهم العقل الفعال – وهو أول رتبة في الكشف عن الروحانيات ، ولأنه يرى السعادة والشقاء من وراء الادراكات الجسمانية والروحانية ، فإن إبن خلدون يخالفهم في القول بأن الإنسان مستقل بتهذيب نفسه واصلاحها ، وقال أن إبن سينا قد تنبه لذلك حين قال في كتابه " المبدأ والمعاد" أن المعاد الروحاني يعرف بالبرهان العقلي ، أما المعاد الجسماني فلا يمكن إدراكه بالبرهان لأنه ليس على نسبة واحدة.
وينتهي إبن خلدون إلى أن علم الفلسفة لايفي بمقاصدهم ، وليس له إلا ثمرة واحدة ، هي تدريب الذهن على استخدام الأدلة والحجج للوصول إلى الصواب ، وينصح الناظر في الفلسفة بتجنب الزلل فيها ، وأن يتخصص أولا في الشرعيات والتفسير والفقه حتى يتسلح بعلوم الملة قبل أن يخوض بحار الفلسفة .
الفصل السادس والعشرون
في إبطال صناعة النجوم وضعف مداركها وفساد غايتها
ماهية علم النجوم
يزعم أصحاب هذا العلم أنهم يعرفون بها الكائنات في عالم العناصر قبل حدوثها عن طريق معرفة قوى الكواكب وتأثيراتها في العناصر ، ومن هنا تدل أوضاع الأفلاك على ماسيحدث في الكائنات الكلية والشخصية .الكائنات الكلية والشخصية
والمتقدمون من علماء التنجيم يرون معرفة قوى الكواكب وتأثيراتها بالتجربة ، وهو أمر تتقاصر عنه أعمار البشر ، ويرى آخرون أن المعرفة بذلك تأتي بالوحي ، ويعارض إبن خلدون هذا الرأي لأن الأنبياء يعلمون الغيب بالوحي من الله وليس بالتعلم والإستنباط الصناعي .
أقوال بطليموس والمتأخرين
ويرى بطليموس وأتباعه أن دلالة الكواكب على أحوال الكائنات دلالة طبيعية من مزاج الكواكب في العناصر ، مثل أثر الشمس في تبدل الفصول ونضج الثمار والزرع ، ولهم في بقية الكواكب طريقان في معرفة تأثيرها ، التقليد والحدس والتجربة بالقياس إلى الكوكب المنير الأعظم – أي الشمس - ، هل يزيد عند الاقتران أم ينقص ، ثم إذا عرفنا قوى الكواكب مفردة عرفناها مركبة عند تناظرها بأشكال التثليث والتربيع وذلك بالقياس إلى الكوكب المنيرالأعظم .وإذا عرفنا قوى الكواكب عرفنا تأثيرها في الهواء وفي المزاج وتأثير ذلك في العناصر والبشر والنفوس . ويقول بطليموس أن هذا علم ظني وليس من القضاء الإلهي ، ولكنه من جملة الأسباب الطبيعية للكون ، والقضاء الإلهي ، سابق عليها .
رأي إبن خلدون
ويستدل إبن خلدون – على ضعف هذا العلم بقيامه على الظن ، ويقرر أن القوى النجومية ليست الفاعلة وحدها بل هناك قوى أخرى فاعلة معها في الجزء المادي ، مثل قوة التوليد للأب في النطفة والقوى الخاصة داخل النوع ، وقال أنه يشترط مع العلم بتأثير النجوم إضافة المزيد من الحدس والتخمين حتى يقوي الظن ، وإلا تناقص وأصبح شكا . وقال أن اختصاص كل كوكب بقوة لا دليل عليه ، ولا يمكن إثبات قوى الكواكب الخمس بالقياس للشمس لأن قوة الشمس مستولية عليها ، وتأثير الكواكب فيما تحتها باطل حيث لا فاعل إلا الله ، والشرع يرد الحوادث كلها إلى قدرة الله ، والنبوات تنكر تأثير النجوم ، واستشهد بأحاديث مثل الشمس والقمر لايخسفان لموت أحد ولا لحياته ، أي أن علم النجوم باطل شرعا وعقلا .
إعتقاد العوام في النجوم
وقال أن بعض العوام يعتقد في النجوم والتنجيم إذا تصادف صدق تنبؤاتها فيرد الأشياء إلى غير خالقها . ونصح بقطع دابر هذه الصناعة في البلاد لضررها على الدين والدولة حيث تساعد على تطاول الأعداء وقيام الثورات . ويرى أنه من العبث تضييع العمر في تحصيل هذا العلم الظني الضار القاصر ، لأنه بعد تحريمه أصبحت مطالعة هذا العلم تتم سرا ، ومع صعوبته وقلة الملتفتين إليه فإن من المستحيل أن يتبحر أحد فيه .
الفصل السابع والعشرون
في إنكار ثمرة الكيمياء واستحالة
وجودها وما ينشأ من المفاسد من إنتحالها
الكيميائيون في عصر إبن خلدون
تحدث إبن خلدون عن التحايل بالكيمياء الذي صار في عصره أحد طرق إكتساب المعاش، حيث يعتقد أحدهم أنه من الأيسر له اقتناء الأموال عن طريق الكيمياء التي كانت تعني تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب ، فيضيع جهده ووقته وماله في غير طائل ويبوء بالخسران وأحيانا غضب السلطان .
طرق الكيمياء : تحويل المعادن إلى ذهب
ولديهم طرق مختلفة في تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب ، والأساس فيها الحصول على الحجر المكرم من البراز أو الدم أو الشعر أو البيض .. الخ ، ويقول إبن خلدون ثم تمهي بالفهر على حجر صلد أملس وتسقى أثناء إمهائها بالماء وتضاف لها العقاقير ، ثم تجفف أو تطبخ بالنار أو تقطر ، وفي النهاية يستخرج منها الإكسير الذي إذا ألقي على الفضة المحماة بالنار صارت ذهبا ، وإذا ألقي على النحاس المحمي بالنار صار فضة ، ويقولون إن الإكسير مادة مركبة من العناصر الأربعة فيها قوة مؤثرة مثلما تؤثر الخميرة في العجين فتحوله إلى عجين مخمر .
ويقول إن الكيميائيين في عصره عكفوا على هذه التجارب وتناقلوا ما كتبه جابر بن حيان والمجريطي والطغرائي والمغربي ، ولم يخرجوا من ذلك بطائل ، وقد استشار إبن خلدون الشيخ التلفيقي أكبر شيوخ الأندلس في بعض كتبهم ، فقال له بعد أن قرأ ذلك الكتاب أنه لايضمن لهم إلا الخيبة .
تورطهم في الخداع والتدليس والتزييف
وبعض الكيميائيين في عصر إبن خلدون يقع في التدليس كتمويه الفضة بالذهب أو إلقاء الشبه بين المعادن مثل تبييض النحاس ليشبه الفضة ، ولايكتشف ذلك إلا الخبراء ، وهم يضعون عليها علامة السلطان ، ويراهم إبن خلدون شر الناس ، حيث يسرقون الناس عن طريق تزييف الذهب والفضة والعملة وقال أن معظمهم من طلبة البربر الذين يعيشون على أطراف المدن يخدعون الأغنياء بمقدرتهم على استخلاص الذهب والفضة ، وبعد أن يفوزوا بالأموال يتركون المكان إلى بلد آخر ، ويطالب إبن خلدون بتشديد العقوبة عليهم لأنهم يفسدون العملات المعدنية من الذهب والفضة ويرى إبن خلدون أن هذا الصنف لايستحق الرد عليه .
ويقول إن الصنف الذي يستحق الرد عليه هو من تنزه عن التدليس والتزييف وآمن بصحة تحول المعادن الخسيسة إلى الفضة والذهب . وقال إنه لم يحدث أن نجح أحد من قبل في ذلك ، بل ذهبت أعمارهم في غير طائل ، مع أن انتحال هذه الصناعة قديم ، وأوضح إبن خلدون أصل الموضوع .
الأساس الفكري للكيمياء
قال إن المعادن السبعة القابلة للطرق هي الذهب والفضة والرصاص والقصدير والحديد والنحاس والخارصين ، وقد اختلف الحكماء هل هي من نوع واحد أو مختلفة الأنواع ، وعرض إبن خلدون لذلك الإختلاف بين إبن سينا والفارابي . ويرى الفارابي أنها نوع واحد لذلك يمكن تحويل بعضها إلى بعض بالكيمياء ، أما إبن سينا فيرى أنها مختلفة الأنواع يستحيل تحولها . ورد عليه الطغرائي بإمكانية التحويل بمثل ما تتخلق الحيوانات التي نجهلها من التراب والنتن ، وكانوا يعتقدون أن الحشرات تتولد من التراب والقاذورات والمهم هو الحصول على المادة المستعدة للتحول وقوتها الفاعلة التي تشبه الخميرة ، وهي الإكسير .
رأي إبن خلدون
وقرر أن تلك الأحوال التي يذكرونها عن المعادن لا نهاية لها ويعجز العلم البشري عنها مثل من يحاول تخليق إنسان أو حيوان أو نبات ، واستشهد بحجة إبن سينا وهي أن هذين المعدنين
( الذهب والفضة ) هما أساس الأموال ، ولوحصل عليهما أحد بالصنعة لبطلت حكمة الله في اتخاذهما ، وتكاثر وجودهما لايجعل لهما قيمة مالية ، وقال أنه لو كان سهلا الحصول عليهما بالطريق الصناعي لكان أسهل بالطريق الطبيعي .
ويوافق إبن خلدون على زعم الطغرائي في تخليق العقرب والنمل من التراب ، إلا أنه لايرى ذلك متفقا مع الكيمياء ، حيث لايزال أصحاب الكيمياء عاجزين عن الوصول لمطلبهم ، ولو نجح أحدهم لعرف الجميع بطريقته وتناقلوها.
وفي الرد على تشبيه الإكسير بالخميرة ، ينفي إبن خلدون ذلك الشبه ، لأن الخميرة تعد العجين للهضم وهو فساد ، والفساد في المواد سهل ميسور ، أما المطلوب من الإكسير فهوقلب المعدن إلى ما هو أشرف منه ، فهو صالح للتكوين ، وذلك أصعب من الفساد فلا يقاس الإكسير بالخميرة . ومن الواضح أنه يرد عليهم بالجدل المنطقي حسب المنهج العقلي الأرسطي .
وفي النهاية يرى إبن خلدون أن الكيمياء إذا صح وجودها فليست من الصنائع الطبيعية ، وإنما هي من الأمور السحرية والخوارق الخارجة عن حكم الصنائع ، فمن طلب الكيمياء عن طريق الصناعة أضاع ماله وعمله ، وأشار إبن خلدون إلى إمكانية الكيمياء واقعيا مما وراء الطبائع ( أى بالكرامات ) مثل المشي على الماء وامتطاء الهواء ومثل كرامات الأولياء أو معجزات الأنبياء ، وقد تأتي للغير الصالح أو غيره فتكون سحرا ، ولذلك كان الكلام فيها ألغازا لا يعرفها إلا من خاض لجة علم السحر واطلع على تصرفات النفس.أي يؤمن بالكيمياء إذا جاءت من الأولياء الصوفية.
وقال إنه يتعلق بها العاجزون عن الكسب الطبيعي من الفقراء طلبا للرزق السهل ، ولذلك آمن بها الفارابي وكان فقيرا ، بينما أنكرها إبن سينا وكان غنيا وزيرا .
عرض مقدمة ابن خلدون: ب6:(ف28: 36) عن عبثية الشروح والمتون وطرق التعليم
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب السادس في ثقافة العمران في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه ومايعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مقدمة ولواحق
الفصل الثامن والعشرون
كثرة التآليف في العلوم عائقة عن التحصيل
كان ابن خلدون رائعا فى هذا الفصل وهو ينتقد الحركة العلمية فى عصره الذى خلا من الاجتهاد، وتركز الانتاج العلمى على شرح وتلخيص كتب السابقين ، والاقتصار على الحفظ دون الابتكار والنقد ، فقال إنه مما يعوق التعليم والتفوق فيه كثرة المؤلفات واختلاف المصلحات العلمية وعدد طرقها ، ومطالبة الطالب بحفظها حتى يحصل على الشهادة أو الإجازة لذا يفنى عمره في حفظها في دائرة تخصصه ، ولايجد الوقت للتعمق أو التثقيف في غير مجاله .. وأعطى إبن خلدون أمثلة في الفقه المالكي ومؤلفاته ، ذلك أن مدونة مالك كتبوا عليها الكثير من الشروح مثل كتاب إبن يونس واللخمي وإبن بشير والتنبيهات والمقدمات والبيان والتحصيل ، وكذلك كتاب إبن الحاجب وما كتب عليه . هذا بالإضافة إلى الطرق القيروانية والقرطبية والبغدادية والمصرية ، وكلها مختلفة فيما بينها في المنطق الفقهي ، مع الإختلافات بين المتقدمين والمتأخرين والطالب عليه أن يعرف ذلك كله .
ويقول إبن خلدون أنه كان من المفيد والأسهل الإقتصار على المسائل المذهبية فقط ، إلا أن ذلك المنهج التعليمي في الفقه صار عادة مستحكمة ليس في الفقه فقط ، بل في علم العربية أيضا ، إذ تعاملت المدارس البصرية والكوفية والبغدادية والأندلسية في كتاب سيبويه بمثل ما تعاملت المدارس الفقهية مع مدونة مالك الفقهية ، وذلك الأسلوب يقضي على وجود أي مجتهد إذ ينقضي العمر في حفظ القشور ، وعد إبن خلدون من النوادر ظهور إبن هشام النحوي المصري الذي يقارن بإبن جني وسيبويه في النحو ، وقد أحاط بأصول اللغة ووصلت مؤلفاته إلى المغرب واستدل إبن خلدون بذلك على أن الفضل ليس منحصرا في المتقدمين .
الفصل التاسع والعشرون
كثرة الإختصارات في العلوم مخلة بالتعليم
ويستمر ابن خلدون فيقول انه عمد المتأخرون في عصر إبن خلدون إلى اختصار أمهات الكتب ، كما فعل إبن الحاجب في الفقه وإبن مالك في العربية والخونجي في المنطق وغيرهم ، ويرى إبن خلدون في ذلك فسادا في التعليم وإخلالا بالتحصيل لأنه يلقي الغايات أمام المبتدئ وهو لم يستعد لقبولها ، بالإضافة إلى أن التلخيص يعني تكثيف المعاني في أقل عدد من الألفاظ مما يجعل فهمها عسيرا على المبتدئ ، ثم أن الملكة العقلية الناتجة عن تلك المختصرات تكون قاصرة بعكس الملكة التي تتكون من قراءة الكتب المطولة ، ويقول إبن خلدون إنهم قصدوا تسهيل الحفظ على المتعلمين بهذه المختصرات فمنعوهم عن تحصيل الملكات النافعة وتمكنها .
الفصل الثلاثون
وجه الصواب في تعليم العلوم وطرق إفادته
واجبات المعلم : التدريج
يرى إبن خلدون أن تلقين العلوم للمتعلمين يكون مفيدا إذا كان على التدريج شيئا فشيئا مع تقريب الشرح على سبيل الإجمال مع مراعاة درجة عقله واستعداده لتقبل ما يرد عليه ، وهكذا إلى أن ينتهي إلى فهم الموضوع ، فتكتمل لديه ملكة ذلك العلم التي تؤهله لفهم الفن وتحصيل مسائله ، ثم يرجع به في التلقين إلى رتبة أعلى ويستوفي الشرح والبيان ، ويخرج عن الإجمال ويذكر له الخلاف في الموضوع إلى أن ينتهي به إلى آخر الفن فتجود ملكته وقد حصل على التعليم المفيد خلال ثلاث تكرارات ، وقد يحسب لبعضهم في أقل من ذلك .
ويقول إبن خلدون أنه رأي في عصره كثيرا من المعلمين يجهلون طرق التعليم ، إذ يطالبون المبتدئ بحل المسائل العويصة على سبيل المران ، وهو لم يستعد لهذه النهايات في العلوم ، وهذا خطأ لأن قبول العلم والاستعداد له ينشأ تدريجيا ويكون المتعلم أول الأمر عاجزا ويحتاج إلى التقريب والتبسيط والأمثال الحسية ، ثم يتدرج الإستعداد لديه قليلا قليلا ، وهذا يستلزم ألا تلقي عليه الغايات التي يعجز عن فهمها حتى لا يكره ذلك العلم أو التعليم أصلا .
ولا ينبغي للمعلم أن يزيد على التلميذ كتابا آخر ولا يخلط مسائل الكتاب بغيرها حتى يستوعب الكتاب المقرر أولا ، لأن التلميذ إذا أحس أنه تمكن من استيعاب ذلك الكتاب إشتاق إلى المزيد ، أما إذا أضيفت إليه كتب أخرى ومسائل أخرى قبل أن يستوعب المقرر الأول أصيب باليأس ، ولا ينبغي تفريق ساعات التدريس والتحصيل وتطويل الزمن بينها لأن ذلك الإنقطاع ذريعة للنسيان ، وانقطاع الصلة بين الموضوعات المتصلة التي يدرسها الطالب . وينبغي على المدرس ألا يخلط على التلميذ تعلم علمين في وقت واحد ، بل يتفرغ لأحدهما ليكون أيسر عليه.
الطبيعة الفكرية للإنسان
يبدأ إبن خلدون بعرض تصوره للطبيعة الفكرية للإنسان ، وأنها طبيعة فطرية ووجدان حركة النفس تكمن في البطن الأوسط من المخ , ومنها ترتيب الأفعال الإنسانية ومبدأ العلم حيث يقوم الجزء الأوسط من المخ بجمع طرفي النفي والإثبات للفكرة بأسرع من لمح البصر إن كان واحدا ، أو ينتقل إلى تحصيل الأفكار المتعددة وتجميعها .
ويرى أن الطبيعة المنطقية هي كيفية وآلية تصرف الطبيعة الفكرية للإنسان وهي بمثابة ميزان التصحيح الفكري والتوجه للوسطية ، ويراها إبن خلدون أمرا صناعيا ، ويأتي بعد الطبيعة المنطقية معرفة الألفاظ ودلالتها على المعاني الذهنية بالقراءة والإستماع للكلمات . ويضع إبن خلدون ترتيب الدلالات ، فأولها دلالة الكتابة على الألفاظ المنطوقة ، ثم دلالة الألفاظ المنطوقة على المعاني المطلوبة ، ثم قوانين ترتيب المعاني للإستدلال في قوالبها المعروفة في صناعة المنطق ، ثم تلك المعاني مجردة فكريا . ويقول أنه ليس لكل أحد أن يتجاوز هذه المراتب ، بل ربما يتوقف عند مرتبة منها بالجدل وبالشبهات ولا يتخلص منها إلا من هداه الله.
نصائح للتلميذ
ولذلك ينصح إبن خلدون التلميذ إذا وقع في الشبهات بأن يخلص إلى فضاء الفكر الطبيعي ويركز عليه بعيدا عن الألفاظ والأساليب معتمدا على الله ، وحينئذ يفتح الله عليه ، ثم يرجع إلى قوالب الأدلة فينظر فيها بالمنطق ، وينصح التلميذ بألا يتوقف عند الجدال وتفنيد الأدلة ، لأنها تعوق عن تحصيل المطلوب ، وحتى لا يقع في إدمان الجدل والحيرة بين الأدلة والتشكك فيها ، لأن الفكر الطبيعي هو التجرد عن الأوهام ، وأما المنطق فهو وصف لفعل هذا الفكر وليس حقيقة له .
الفصل الحادي والثلاثون
العلوم الإلهية لا توسع فيها الأنظار ولا تتفرع فيها المسائل
يرى إبن خلدون أن العلوم نوعان ، علوم مقصودة لذاتها كالشرعيات مثل التفسير والحديث والفقه والكلام ، والطبيعيات والإلهيات ، ثم العلوم التي هي وسائل لتلك العلوم المقاصد ، مثل علوم اللغة والحساب لعلوم الشرعية ، ومثل المنطق للفلسفة وأصول الفقه لعلم الفقه .
ويرى إبن خلدون أن العلوم المقصودة لذاتها لا حرج في توسع الكلام فيها وتفريع مسائلها ، أما العلوم التي هي وسائل فلا مجال للتوسع فيها أو التفريع لأن التوسع فيها يخرج بها عن مقصودها ويصبح لغوا ويزيدها تعقيدا ، وحين زاد المتأخرون في تفريعها جعلوها كالعلوم المقاصد , وعظم ضررها بالمتعلمين وأضاعوا اعمارهم في بحثها ، لذا لا يجب على المتعلمين التبحر فيها .
الفصل الثاني والثلاثون
في تعليم الولدان واختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية في طرقه
القرآن أصل التعليم للأولاد
القرآن هو أصل التعليم للأولاد في دول الإسلام ، وبه يترسخ الإيمان وتتقوى الملكات ، فالتعليم في الصغر أشد رسوخا .
إختلاف طرق المسلمين في تعليم الأولاد القرآن والعلوم
واختلفت طرق تعليم القرآن للأولاد ، فاقتصر أهل المغرب على تعليم القرآن فقط دون غيره حتى يحذق حفظ القرآن أوينقطع ، وينطبق ذلك عندهم على تعليم الكبار ، وأما أهل الأندلس فلا يقتصرون على تعليم القرآن ، ولأنهم يعتبرونه أصل الدين والعلم جعلوه أصلا في التعليم ، لذا يضيفون للأولاد مع القرآن رواية الشعر واللغة العربية وتجويد الخط ، ويصل الولد إلى البلوغ والشباب وقد تعلم طرفا من العلوم العربية والأدبية مما يكون له ذخيرة إذا انقطع عن التعليم . أما أهل شمال أفريقيا فيخلطون في تعليم القرآن تعليم الأولاد الحديث وقوانين العلوم ، إلا أن عنايتهم بالقرآن أكبر وعنايتهم بتعليم الخط أكبر تبعا لذلك وهم أقرب لطريقة أهل الأندلس .
أما أهل المشرق فهم يخلطون في التعليم بين القرآن وغيره ، ويجعلون لتعليم الخط منهاجا خاصا لأنه صناعة أكبر من أن يتعلمه الأطفال في الكتاتيب .
ويرى إبن خلدون أن اقتصار أهل المغرب على تعليم الأطفال القرآن فقط جعلهم قاصرين عن ملكة اللغة العربية لأن البشر عاجزون عن الإتيان بمعجزة القرآن ، وأهل أفريقية أقل وأخف من أهل المغرب حيث خلطوا تعليم القرآن بقوانين العلوم ، إلا أنهم قاصرون في البلاغة ، وأما أهل الأندلس فقد أفادهم التفنن في التعليم والشعر واللغة حصولهم على الملكة في التفوق في اللسان العربي مع تقصيرهم في سائر العلوم لابتعادهم عن مدارسة القرآن والحديث الذي هو أصل العلوم وأساسها ، فكانوا أهل أدب بارع .
رأي إبن العربي في ترتيب التعليم وتعقيب إبن خلدون عليه
وقد نادى القاضي أبوبكر بن العربي بتقديم العربية والشعر في التعليم على ما عداها ثم الحساب ثم القرآن ، وذلك حتى لايؤخذ الصبي بقراءة القرآن وهو لا يفهم ما يقرأ، ثم نصح بأن يتعلم الطالب أصول الدين ثم أصول الفقه ثم الجدل ثم الحديث وعلومه . ونهى عن أن يخلط في التعليم بين علمين إلا إذا كان عقل التلميذ يقبل ذلك ويستوعبه.
واستحسن إبن خلدون رأي إبن العربي واستدرك عليه بأن العوائد أي العادات لا تساعد عليه ، وهي المؤثرة في المجتمع ، حيث اعتاد الناس البدء بدراسة القرآن تبركا به وتقوية لإيمان الطفل قبل البلوغ لتكون له حصانة من الزيغ بعد البلوغ وأكد إبن خلدون على أهمية الأخذ برأى إبن العربي .
الفصل الثالث والثلاثون
الشدة على المتعلمين مضرة بهم
يرى إبن خلدون أن الشدة على الصغار في التعليم تعصف بعقليتهم ونشاطهم وتعودهم على الكذب والمكر والخديعة والكسل عن اكتشاف الفضائل .
وقال أن ما يحدث للفرد من القهر والعسف يحدث للأمة التي تتعرض للقهر واستشهد بما حدث لليهود وبما جبلوا عليه من أخلاق السوء بسبب ما تعرضوا له من قهر ، ولذلك نصح المعلم ألا يستبد في تأديب التلميذ ، ولا يزيد في ضربه على ثلاثة أسواط ، واستشهد بكلام عمر : من لم يؤدبه الشرع لا أدبه الله ، وذلك حرصا على صون النفوس من مذلة التأديب ، واستشهد إبن خلدون بوصية الرشيد لمعلم إبنه الأمين ، إذ وصاه بتعليم إبنه القرآن والتاريخ والأشعار والفصاحة وآداب السلوك من الضحك في أوقات الضحك وتعظيم شيوخ أسرته وقواد الدولة ، وأن يتوسط بين الشدة والتسامح ، وأن يستثمر أوقات الفراغ ، وأن يستعمل معه اللين أساسا وإلا فالشدة والغلظة .
الفصل الرابع والثلاثون
الرحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد من كمال العلم
يرى إبن خلدون أن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم بالعلم والتعليم بالإلقاء والمحاكاة والتلقين ، إلا أن التعليم الفعلي يكون بالمباشرة والتلقين ، ولذلك تترسخ ملكة التعليم بكثرة الشيوخ وكثرة مصطلحاتهم ، وبذلك تتعدد الشيوخ أمام المتعلم وتتعدد طرقهم ويستطيع التمييز بينها فيتسع عقله وينمو ، وكذلك فالرحلة لابد منها للقاء الشيوخ والأخذ عنهم .
الفصل الخامس والثلاثون
العلماء أبعد البشر عن السياسة ومذاهبها
والسبب إستغراقهم في النظر الفكري وتجريد المحسوسات لتصبح معاني والحكم عليهم بالعموميات ، وتطبيق الكليات العامة على الأمور الخارجية ، والميل للقياس الفقهي مهما اختلف مع الواقع ، والسياسة مختلفة عن ذلك إذ تحتاج إلى مراعاة الواقع كما تختلف أحوال العمران حسب الظروف ، وحينئذ لا تتفق مع تجريد الأحكام الفكرية الكلية ، لذلك يخطئ العلماء إذ طبقوا أفكارهم على الواقع على أساس اخضاع الواقع للفكر ، ويلحق بالعلماء أهل الذكاء الثاقب ، بينما المتوسط الذكاء من العوام يعطي لكل حال من الواقع حكمه ولا يجاوز في الأحكام ولا يعممها على ما لا تنطبق عليه .
ويخلص إبن خلدون إلى أن صناعة المنطق غير مأمونة الغلط بسبب ما فيها من تجريد وابتعاد عن الواقع الذي قد يخالفها في كثير من الأحيان : وخصوصا عند التطبيق والتجربة .
الفصل السادس والثلاثون
حملة العلم في الإسلام أكثرهم من العجم
ويرصد إبن خلدون باستغراب أن أكثر العلماء في العلوم الشرعية والعقلية من الأعاجم ، ومن كان منهم عربيا بالنسب تراه عجميا في تربيته وشيوخه ، مع أن الملة عربية والنبي عربي . ويرى السبب أن العرب ليسوا أهل علم أو صناعة بسبب البداوة وكانت أحوال الشريعة يأخذونها بالتلقي الشفوي ، ولم يعرفوا في البداية التعليم والتدوين والتأليف ، ومن تخصص منهم في ذلك سموا بالقراء أي الذين يقرؤون الكتاب وليسوا أميين حيث كانت الأمية فاشية بين الصحابة ، فقيل لحملة القرآن قراء ، وبمرور السنين تباعد النقل عن النبي في عصر العباسيين فاحتاجوا إلى وضع التفاسير وتقييد الحديث ومعرفة الأسانيد والجرح والتعديل للرواة ، ثم كثر استخراج الأحكام من الكتاب والسنة ، وفسد اللسان العربي باللحن فاحتاجوا إلى وضع القوانين النحوية ، خصوصا لحاجة العلوم الشرعية إلى العلوم النحوية واللغوية كآليات ووسائل لفهم العلوم الشرعية . كما احتيج إلى الإستنباط والقياس للدفاع عن العقائد أمام البدع والإلحاد ، وبذلك تكونت تلك العلوم التي احتاجت إلى التعليم الذي أصبح إحدى الصنائع الحضرية ، وبالتالي كان الموالي وأهل الحضر هم الأنسب لتلك الصناعة ، حيث ترسخت الحضارة فيهم ، ولذلك كان الأعاجم أئمة النحو والحديث وأصول الفقه والتفسير ، واستشهد بحديث " لو تعلق العلم بأكناف السماء لناله قوم من أهل فارس ".
وأما العرب فشغلتهم الحرب والرياسة والتكبر عن انتحال العلم حيث استنكفوا عن الصنائع والمهن وتركوها للموالي فصار الموالي أئمة العلوم الشرعية واللغوية . وأما العلوم العقلية فقد ظهرت بعد استقرار العلوم فاختص بها العجم المعربون واستمرت في العراق وخراسان وما وراء النهر ، فلما أصاب الخراب تلك البلاد ذهب العلم مع العمران ، ولذلك ازدهر العلم في مصر في عصر إبن خلدون ، يقول عنها " واختص العلم بالأمصار الموفورة الحضارة ، ولا أوفر اليوم من الحضارة في مصر فهي أم العالم وإيوان الإسلام وينبوع العلم والصنائع " وبقيت بعض مظاهر الحضارة في بلاد ما وراء النهر ، ووصلت مؤلفات بعض علماء أهلها إلى إبن خلدون وهو سعد الدين التفتازاني .
عرض مقدمة ابن خلدون: ب6:(ف37: 44)علوم النحو والبلاغة واللهجات العربية
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب السادس في ثقافة العمران في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه ومايعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مقدمة ولواحق
الفصل السابع والثلاثون
في علوم اللسان العربي
ومعرفتها ضرورية لأهل الشريعة وهي اللغة والنحو والبيان والأدب ، فالأحكام الشرعية من الكتاب والسنة باللغة العربية . والنحو أهمها وبه يعرف الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر ، ولولاه لضاعت الإفادة ، ولولا فائدته لكان علم اللغة أي الصرف هو المتقدم عليه.
علم النحو
ماهية اللغة العربية
اللغة هي عبارة المتكلم أو تعبيره عن مقصوده ، واللغة فعل لساني تصير ملكة في اللسان وهو العضو الفاعل في التطبيق ، واللسان يعبر في كل أمة باصطلاحها . وكانت اللغة العربية أوضح اللغات لأن الحروف مع الإضافة فيها تدل على كثير من المعاني وذلك لايوجد إلا في لغة العرب ، أما في غيرها فلكل معنى أو حال له اللفظ الخاص به ، ولذلك تطول الجملة في لغات العجم عنها في لغة العرب .
إختراع النحو لعلاج اللحن
وكان العرب ينطقون لغتهم بالسليقة فلما اختلطوا بالأمم المفتوحة ما لبث اللحن أن أفسد سليقتهم ، وخيف على ضياع اللغة العربية وما يستتبع ذلك من انغلاق الأفهام عن القرآن ، فاستنبطوا قواعد اللغة العربية من خلال السماع ومجرى الكلام ، واخترعوا مصطلحات لها مثل الإعراب والفاعل والمفعول ، وجعلوها صناعة .
علماء النحو
أول من كتب فيه أبو الأسود الدؤلي باشارة " علي " وكتب الناس بعده إلى أن جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي أقام علم النحو ، وأخذه عنه سيبويه الذي أكمل الفروع وأكثر الشواهد ووضع كتابه المشهور الذي أصبح إماما في النحو لكل كتاب بعده ، ثم حذا حذوه الفارسي والزجًاج في كتب مختصرة للتعليم. ثم انقسم النحويون إلى مدرستي البصرة والكوفة وكثر اللجاج بينهما في الأدلة والقاعدة والقياس والشواذ والإختلافات الإعرابية خصوصا في القرآن . ثم جاء المتأخرون فاختصروا المطولات كما فعل إبن مالك ، أو اقتصروا على المبادئ كما فعل الزمخشري في المفصل ، وربما حولوا المختصر إلى نظم كإبن مالك وإبن معطي .
وهكذا فالمؤلفات في النحو كثيرة وطرق التعليم فيه مختلفة ، وكادت أن تضيع هذه الصناعة بالمغرب بذهاب الحضارة ، ووصلهم في المغرب – كما يذكر إبن خلدون – كتاب إبن هشام المصري وإسمه " المغني " وفيه علم جم إقتفي فيه أثر إبن جني .
علم اللغة : ( الصرف)
هو بيان الموضوعات اللغوية ، ذلك أن فساد الإعراب في حركات آخر الكلمة بسبب الإختلاط بغير العرب ما لبث أن تبعه فساد آخر في بنيان الكلمة وتراكيبها ، فاحتاجوا إلى حفظ الموضوعات اللغوية .
الخليل بن أحمد
وبدأ الخليل بن أحمد يحصر تراكيب الكلمة العربية حسب الحروف الأبجدية من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي ، وذلك وفق قوانين حسابية خاصة ، وبعد أن حصر كل التراكيب رتب الخليل أبوابه على حروف الأبجدية ، واعتمد فيه ترتيب المخارج ، فبدأ بحروف الحلق ثم حروف الحنك ثم الأضراس ثم الشفة ، ثم حروف العلة الهوائية ، وبدأ من حروف الحلف بالعين لأنه الأقصر منها فلذلك سمي كتابه بالعين .
ثم بين المهمل من التراكيب والمستعمل منها ، وكان المهمل في الرباعي والخماسي أكثر لقلة استعمال العرب لهما .
بعد الخليل
ثم جاء أبوبكر الزبيدي بعد الخليل بقرنين فاختصر كتاب العين وحذف منه المهمل وكثيرا من شواهد المستعمل ، وكتب الجوهري في المشرق كتاب الصحاح على الحروف الأبجدية وبدأ بالهمزة واقتدى بالخليل في حصر التراكيب, وكتب إبن سيده من أهل دانية الأندلسية كتاب المحكم بطريق ترتيب كتاب العين وزاد فيه ذكر إشتقاقات الكلمات وتصاريفها , ولخصه محمد بن أبى الحسين في تونس الحفصية . وهناك مختصرات أخرى ، إلا أن كتاب الزمخشري في المجاز هو أروع ما وضع في مجازات الألفاظ ، وكتب الثعالبي فقه اللغة في معرفة إستعمال العرب للكلمة ، وكتب بعضهم في الألفاظ المشتركة وحصرها . وانتشرت المختصرات في هذا العلم – علم اللغة.
علم البيان ( البلاغة )
معنى علم البيان
إستحدث هذا العلم بعد النحو والصرف ، وهو يتعلق بدلالة الألفاظ وإفادتها المعنوية ، ذلك أن معنى الكلام المستفاد قد يأتي عن طريق مفردات الأسماء والأفعال والحروف ، أو بتغيير حركات الإعراب أو البناء وهذه صناعة النحو، وقد تأتي الإفادة عن طريق الدلالة المحيطة بواقعة الفعل ، وذلك بعد تحقيق صناعة النحو والصرف ، وعن طريق إختلاف الصيغة تختلف الدلالة وأهميتها ، فقولك جاءني زيد غير قولك زيد جاءني ، ففي الأولى تقدم المجئ لأهميته ، وفي الأخرى تقدم الجائي زيد لأهميته لدى المتكلم ، ونفس الحال في التأكيد من عدمه وزيادة التأكيد ، كقولك زيد قائم ، أن زيدا قائم وأن زيدا لقائم ، ومن ذلك إستعمال التنكير والعطف والإطناب والإيجاز والتشبيه والإستعارة والكناية وكلها هيآت وأحوال مختلفة الدلالات يبحثها علم البيان .
أقسام علم البيان
وينقسم علم البيان إلى ثلاثة أقسام : البلاغة : التي تبحث في الهيئات والأحوال التي تطابق باللفظ جميع مقتضيات الحال ، ثم البيان : يبحث عن دلالة اللازم اللفظي وملزومه وهي الإستعارة والكتابة ، ثم البديع وهو تزيين الكلام بالسجع والتورية والجناس ..
علماء علم البيان
وبدأ الكتابة في هذا العلم جعفر بن يحيى والجاحظ وقدامة ، ثم بدأ العلم في الإكتمال بكتاب السكاكي المفتاح في النحو والتصريف والبيان ، ولخص القزويني ذلك الكتاب في " الإيضاح والتلخيص " وإبن مالك في كتاب " المصباح ".
إزدهارعلم البيان في المشرق
ويقول إبن خلدون أن علم البلاغة أكمل لدى المشارقة عنه لدى المغاربة لأن الحضارة أتم هناك ، ولضلوع العجم في الحضارة ، ولذلك كان تفسير الزمخشري مبنيا على البيان ، ولكن اهتم أهل المغرب بالبديع فأكثروا من أبوابه وأنواعه لسهولته وعذوبته بالنسبة لدقة البيان وتعمقه ، وكتاب العمدة لإبن الرشيق أشهر الكتب في البديع .
ثمرة علم البيان
وثمرة علم البيان في فهم الإعجاز القرآني في البلاغة وهي أعلى مراتب الكلام في انتقاء الألفاظ وجودة تركيبها ، ويدرك هذا الإعجاز من كان له ذوق في فهم اللسان العربي ، وانفرد الزمخشري بتفسيره في تتبع الإعجاز البلاغي للقرآن ، لولا أنه – في رأي إبن خلدون – يؤيد عقائد أهل البدع يعني المعتزلة ، ولذلك يعرض عنه أهل السنة ، وينصح إبن خلدون من يقرأ تفسير الزمخشري بأن يتشرب عقائد السنة أولا ، ثم يقرأ ويرد على الزمخشري ، أو يعلم أنه بدعه فيعرض عنه .
علم الأدب
والمقصود بعلم الأدب ثمرته ، وهي الإجادة في فن الشعر والنثر على أساليب العرب ، وذلك بجمع كلام العرب من شعر وسجع وما يقع خلال ذلك من أيام العرب وأنسابهم وأخبارهم ويستخلص منها مناحي البلاغة وقوانين النحو والصرف ، ولذلك قالوا أن الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارهم والأخذ من كل علم بطرف من علوم اللسان أو العلوم الشرعية من حيث متونها فقط . وهي القرآن والحديث ، كما يحتاج صاحب هذا الفن لمعرفة الإصطلاحات .
وأمهات كتب الأدب أربعة ، أدب الكتاب لإبن قتيبة ، والكامل للمبرد والبيان والتبيين للجاحظ والنوادر لأبي علي القالي، ثم كتب الأخرون كثيرا في هذا الفن .
وكان الغناء تابعا للشعر ، ولم يكن الغناء في العصر العباسي ينافي الوجاهة والمروءة ، ولذلك كتب الأصفهاني الأغاني على أساس مائة صوت من الأغاني وجمع فيه أخبار العرب وأشعارهم وأنسابهم وأيامهم ودولهم ، وهو غاية كل أديب.
الفصل الثامن والثلاثون
اللغة ملكة صناعية
بين اللغة والبلاغة
يقول إبن خلدون أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة ، وبها يستطيع الإنسان التعبير عن المعنى المطلوب بحسب تمام ملكته في التعبير أو نقصانها . والبلاغة هي حصول الملكة التامة في تركيب الألفاظ المعبرة عن المعنى المقصود المطابق لمقتضى الحال .
بين الفعل والصفة والحال والملكة
ويقول إبن خلدون إن الملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال لأن الفعل يقع أولا فيصبح صفة للذات ، ثم تكرر الصفة فتكون حالا ، فالحال صفة غير راسخة ، ثم يزيد التكرار فتكون صفة راسخة ، وبذلك كان الطفل العربي بتعوده السمع والنطق الصحيح لايخطئ في الإعراب حتي صار ذلك ملكة أو صفة راسخة فيه ، ثم عندما اختلط العرب بالأمم المفتوحة أصبح أبناؤهم يسمعون اللحن في الكلام ويسمع كلاما أخر غير العربية فاختلط عليه الكلام ، وأخذ من هذه وتلك ، فتأثرت ملكة الأطفال ، وبهذا دخل اللحن في منطقهم وفسد اللسان العربي فاحتيج للنحو ، أي للضبط الصناعي للغة بعد ضياع السليقة ، وهذا بعد الفتوحات .
إختلاف الفصاحة بين القبائل
وقبل الفتوحات كان العرب داخل الصحراء أبعد عن الإختلاط بالأمم العجمية ، وكانت ملكاتهم نقية بالسليقة في اللسان العربي ، خصوصا قريش ،وثقيف وهذيل وخزاعة وكنانة وغطفان وأسد وتميم . أما عرب الأطراف على حدود الجزيرة العربية فقد فسد لسانهم من قبل لمجاورتهم الفرس والروم والأنباط ، مثل ربيعة ولخم وجذام وغسان وأياد وقضاعة . ولهذا لم يكن أهل النحو واللغة يحتجون بلسانهم في معرفة واستنباط قواعد اللغة من السليقة العربية الأصلية.
الفصل التاسع والثلاثون
لغة العرب في عهد إبن خلدون مختلفة عن لغة مُضر وحميَر
لهجة عصر إبن خلدون مثل لهجة مُضر
يرى إبن خلدون أن اللغة العربية في عهده تجري على طريقة لغة قبائل مُضر العربية ما عدا حركات الإعراب التي تحدد الفاعل المرفوع والمفعول المنصوب وغيرها ، وقد اعتاض الناس في عهد إبن خلدون بالتقديم والتأخير حتى يتحدد الفاعل والمبتدأ بالإضافة إلى القرينة .
إرتباط اللغة العربية بالبلاغة
ويرى إبن خلدون أن البلاغة في لسان قبائل مُضر أكثر حيث تدل الألفاظ على المعاني، وكل معنى لابد أن تكتنفه أحوال تخصه ، ويجب أن تعتبر تلك الأحوال في تأدية المقصود ، وتلك الأحوال لها ألفاظ مخصوصة في كل اللغات ، ولكن في اللغة العربية يستعاض عنها بالتقديم والتأخير والحذف وحركات الإعراب في تركيب الكلمة أو باضافة حروف غير مستقلة ، وذلك دون كلمات خاصة مثل باقي اللغات ولذلك تجد الكلام العربي موجزا وأقل ألفاظا من اللغات الأخرى.
ومن هنا ارتبطت اللغة العربية بالبلاغة إلى عهد إبن خلدون الذي يؤكد أنه يجد في عهده الكثير من ألفاظ العربية الأولى وتعبيراتها وأساليبها ومقاصدها ، ولم تفقد إلا حركات الإعراب في أواخر الكلم .
ومعروف أن لسان القبائل المُضرية إعتراه اللحن بعد اختلاطها بالأمم الأخرى فاحتيج إلى علم النحو لضبط اللغة ، وحتى لاينسى الناس لغة القرآن والحديث .
ويرى إبن خلدون أنهم لو اعتنوا باللسان العربي في عهدهم وعرفوا أحكامه لأمكنهم الاستغناء عن الحركات الإعرابية بأمور أخرى داخل اللغة منها قوانين ضبط الكلام ، وربما تكون في أواخر الكلام على غير المنهاج الأول في لغة مُضر .
بين لغة حميَر ولغة مُضر
ويقول أن لغة حميَر مع لغة مُضر كانتا بهذه المثابة ، وحدث إختلاف بين اللغتين فلا يصح إجراء اللغة الحميَرية على مقاييس لغة مُضر لأنهما كانتا لغتين مختلفتين . إلا أن العناية بلغة مُضر بسبب كونها لغة القرآن والشريعة جعلهم يستنبطون منها قواعد النحو ، وليس في عهد إبن خلدون ما يدعو إلى ذلك .
حرف Gأصيل في لغة مُضر
وأشار إبن خلدون إلى الإختلاف في نطق حرف القاف ، حيث جرت اللهجة على نطقها متوسطة بين الكاف والقاف ( أي مثل نطق حرف G باللغة الانجليزية ) ويرى إبن خلدون أن هذا التطور لحرف القاف هو الأصل في لغة مُضر ومما يتميز به العربي الصريح عن العربي الدخيل وعن لغة أهل الأمصار . لذلك فإن هذا النطق قد توارثته قبائل مُضر حتى عهده ، ويقول لعلها كانت لهجة النبي عليه السلام ، لذلك زعموا أن من لم يقرأ القرآن بها في صلاته فقد فسدت صلاته . ويبدي إبن خلدون حيرته في الأصل الذي جاءت منه القاف الصريحة لأن أهل الأمصار لم يستحدثوها وإنما تناقلوها أيضا من السلف ، وكان أكثر السلف من قبائل مُضر أيضا ، كما أن الجيل الذي ينطق بـ (G) لم يستحدثها وإنما تناقلها أيضا عن السلف إلا أنه تميز بعدم اختلاطهم بالأمصار وأهل العجم ، مما يرجح أن نطق القاف (G) لديه هو الأصل بدليل الإتفاق على أن هذا النطق إنما يميز العربي الصحيح من العربي الدخيل .
الفصل الأربعون
لغة أهل الحضر والأمصار لغة قائمة بنفسها مخالفة للغة مُضر
يرى إبن خلدون أن اللهجة السائدة في الأمصار والحضر ليست لغة مُضر القديمة ولا لغة أهل الجيل المعاصر لإبن خلدون بل هي لغة أخرى قائمة بذاتها . مختلفة عن لغة مُضر وعن لغة جيل إبن خلدون . ويبرهن على أن لغة الأمصار قائمة بذاتها بوجود الإختلاف في داخلها ، وهو ما يعتبره النحويون لحنا في الكلام ، ثم أن هذا الإختلاف يظهر في اختلاف المصطلحات واللهجات بين الأمصار فيما بين المشرق والمغرب والأندلس ، ومع ذلك فكل لهجة تؤدي المقصود منها في الدلالة على المعنى وبدون حاجة إلى الإعراب والتزام قواعد النحو .
كما يبرهن على كون لغة الأمصار مختلفة عن لغة مُضر بأن الإبتعاد عن لغة مُضر إنما يكون بقدر الإختلاط بالعجم ، ذلك الإختلاط الذي يؤثر على ملكة النطق العربي الفصيح حيث يسمع الطفل من هنا وذاك ، وبقدر ما يسمع من اللغة الأخرى يكون ابتعاده عن الفصاحة في لغته الأصلية ، وفي مناطق الأطراف حيث تكاثر الإختلاط مثل أفريقيا والمغرب تغلب العجمة على اللسان العربي وصارت هناك لغة أخرى خليطا بين العربية والبربرية ، ونفس الحال مع المشرق في الإختلاط بالفرس والترك ، وكذا مع الأندلس والأسبان ، ومن هنا صار لكل إقليم لغة مخصوصة به تخالف لغة مُضر وتخالف بعضها بعضا .
الفصل الحادي والأربعون
في تعليم اللسان المضري
لقد ذهبت ملكة اللسان المُضري العربي الفصيح ، وأصبحت اللغة في عهد إبن خلدون مغايرة للغة أهل مُضر التي نزل بها القرآن ، أي أصبحت لغة أخرى امتزجت فيها اللغة الأعجمية ، فكيف يمكن تعلم لغة مُضر القديمة ؟
يجيب إبن خلدون على هذا السؤال بأن يأخذ الإنسان نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على ألسنتهم من القرآن والحديث والشعر وكلام السلف حتى تتربي لديه ملكة اللغة السالفة الفصيحة البكر ، ثم يأخذ نفسه في تعبيره عما في ضميره بحسب عباراتهم وكلماتهم وما حفظه من أساليبهم ، ويداوم على ذلك الإستعمال ، وبالحفظ والتلقين وجريان اللسان بنفس اللغة تزداد الملكة رسوخا ، وهذا يحتاج إلى سلامة الطبع وتفهم العقلية العربية والذوق العربي . وعلى قدر المحفوظ وكثرة الإستعمال تكون جودة القول المصنوع بفصاحة ولغة أهل مُضر .
الفصل الثاني والأربعون
ملكة هذا اللسان غير صناعة العربية ومستغنية عنها في التعليم
صناعةالعربية هي معرفة قوانين هذه الملكة ومقاييسها ، أي هي علم بالكيفية ، وليس علما بنفس الملكة ، مثل الذي يعرف إحدى الصناعات علما نظريا ولا يستطيع أن يمارسها عمليا . وهكذا العلم بقوانين الإعراب ، فهو شئ ، ولكن تطبيقه والإلتزام به في النطق والكتابة شئ آخر ، والعكس صحيح ، فهناك من ينطق العربية نطقا صحيحا ، ويأتي بها شعرا ونثرا فصيحا ، وهو لا يدري شيئا عن قوانين النحو والصرف مع التزامه بهذه القوانين في سليقته وفطرته . وهكذا فالملكة أو السليقة تختلف عن صناعة العربية وقواعدها . وهناك من يجمع بين صناعة اللغة – أي الإعراب ، وبين الفصاحة ، وذلك قليل ، كما يقول إبن خلدون ، ولذلك حشا سيبويه كتابه في النحو بأمثلة وشواهد من الأدب العربي ، حتى تتوازن القواعد مع التطبيق والإستعمال أي تتوازن الملكة مع الصناعة . وذلك ما نفتقده في كتب النحاة المتأخرين ، الذين استغرقوا في القواعد دون إيراد الأمثلة والشواهد ، إلا أن الأندلس في عصر إبن خلدون إمتازت بالعناية بالأمثلة والشواهد والتطبيق عن المغرب وشمال أفريقيا اللتين أصبحت فيهما علوم النحو واللغة بحوثا نظرية جامدة وبعيدة عن المران وعن تربية الملكة والسليقة العربية .
الفصل الثالث والأربعون
تفسير الذوق في مصطلح أهل البيان
وتحقيق معناه وبيان أنه لايحصل للمستعربين من العجم
الذوق هو حصول ملكة البلاغة للسان ، والبلاغة هي مطابقة الكلام للمعنى المراد من جميع وجوهه بخواص في التركيب تفيد ذلك ، والبليغ العربي يتحرى ذلك في كلامه ، وهو بنفس القدر إذا سمع كلاما يخلو من البلاغة لم يهتم به . ويرى إبن خلدون أن البلاغة العربية ملكة تمكنت ورسخت بين العرب وظهرت كأنها طبع ،وهذه الملكة تتمكن بالممارسة والتكرار بالقول والسمع والتنبه لخواص البلاغة في الكلام، وليس بمعرفة القواعد البلاغية والنحوية، ولذلك فإن صاحب ملكة البلاغة لا يستطيع الفكاك منها إذا تكلم أو إذا استمع ، فإذا تكلم أفصح وكان بليغا ، وإذا استمع اهتز للبلاغة ولم يهتز للكلام غير البليغ ، وهذا أمر وجداني تخلقه الممارسة والمعايشة لكلام العرب وفصاحتهم . شأن من تربى في البادية الفصيحة فتكلم بالعربية الأولى في تلقائيتها وفصاحتها وبلاغتها والإلتزام الفطري بالإعراب .
واصطلح أهل البيان والبلاغة على أن الذوق هو تلك الملكة البلاغية التي ترسخ وتستقر في الوجدان ، وهو مأخوذ من ذوق الطعام باللسان ، وأصبح يدل على تذوق البليغ للكلام .
ومن الطبيعي فهذا الذوق البلاغي والأدبي بعيد عن الأعاجم أو الداخلين في تعلم اللغة العربية من غير العرب ، لأن ملكة الذوق تترسخ بعد معايشة للأسلوب العربي الفصيح . كما أن هذا الذوق قد ضاع من أهل الأمصار ، مع معرفتهم بالقواعد والأحكام , ويقول إبن خلدون إن أئمة البلاغة والنحو كانوا من الأعاجم مثل سيبويه والزمخشري والفارسي ، إلا أنهم تربوا في مجتمع عربي فصيح أضفى عليهم طابعه الثقافي بحيث كانوا أعاجم في النسب فقط ، وكانوا عربا في النشأة والثقافة والإنتماء والمهنة ، وكان ذلك في أوان قوة العربية وفصاحتها ، وعكفوا على الممارسة والدرس فحصلوا على الغاية من ذلك . ولايتوفر ذلك لأي أعجمي اليوم إذا خالط العرب حيث فسد اللسان العربي وضاع الذوق البلاغي العربي ، وحتى لو عرف القواعد النحوية والبلاغية فأين له بالملكة إذ ستكون متعذرة عليه لو حاول بالممارسة أن يرسخها في نفسه .
الفصل الرابع والأربعون
أهل الأمصار على الإطلاق قاصرون في تحصيل الملكة
اللسانية أو الفصاحة العربية التي تستفاد بالتعليم ، ومن كان منهم أبعد
عن اللسان العربي كان حصولها له أصعب
الملكة في الفصاحة هي الأساس
ذلك لأن المتعلم في الأمصار قد سبق له أن حصل على ملكة أخرى مخالفة للملكة اللسانية التي يريد أن يتعلمها . إذ تعلم في طفولته اللهجة المحلية وهي مزيج من العربية والأعجمية التي كانت سائدة قبل الفتح ، ولذلك يسارع بعضهم بتعليم الأولاد اللغة ، والنحو ، إلا أن قواعد النحو لاتفيد ، بل الذي يفيد هو تأسيس الملكة بمعايشة كلام العرب .
بين الأندلس وأفريقيا العربية
وكلما ابتعد القطر عن الفصاحة العربية والتحم بالأعاجم تباعد عن تعلم اللغة العربية ، وعن توافر ملكتها ، ولذلك كان أهل شمال أفريقيا والمغرب أعرق في العجمية وأبعد عن الفصاحة العربية في الشعر والنثر ، أما أهل الأندلس فقد كانوا أقرب إلى العربية بسبب معايشتهم للمحفوظات الشعرية والنثرية ، وكان فيهم إبن حيان المؤرخ وإبن عبد ربه والقسطلي ، وازدهر ذلك في عصر الطوائف ، وعندما ضعفوا أمام الزحف الأسباني تناقص العمران فيهم وتناقص شأن الصنائع ومنها الأدب ، وهجرها الأدباء ألى الساحل الأفريقي ، وهو دونهم في الملكة اللغوية والأدبية فانقرضوا .
بين الأندلس والمشرق
وشأن المشرق كالأندلس في تقوية الملكة ، وظهر في المشرق فحول الأدباء وأمهات الكتب مثل الأغاني للأصفهاني ، وبقيت الملكة مستحكمة في المشرق في الدولتين الأموية والعباسية ، بل ربما كان فيهم من هو أفصح ممن كان في الجاهلية ، وظل ذلك حتى تلاشى أمر العرب وفسدت لغتهم وغلبهم الأعاجم في عصر البويهيين والسلاجقة .
عرض مقدمة ابن خلدون: ب6:(ف 45 :51 ) الشعر والنثر
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
تابع الباب السادس في ثقافة العمران في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه ومايعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مقدمة ولواحق
الفصل الخامس والأربعون
إنقسام الكلام إلى فني النظم والنثر
بين الشعر والنثر
ينقسم كلام العرب إلى فنِين :- الشعر المنظوم ، وهو الكلام الموزون المقفي ، وأوزانه كلها على رَوِيْ واحد أي قافية واحدة ، ثم النثر وهو الكلام غير الموزون . وكل منهما يشمل فنونا ومذاهب . ففي الشعر نجد المدح والهجاء والرثاء ، وفي النثر نرى المسجع وهو إلتزام القافية في كل كلمتين منه ، والمرسل وهو الكلام المنطلق بلا تقييد ، والقرآن يخرج عن النوعين وإن كان منثورا ، فليس مرسلا ولا مسجعا ، بل تفصيل آيات تنتهي إلى مقاطع يشهد الذوق بانتهاء الكلام عندها، ثم يعاد الكلام في الآية الأخرى بدون التزام سجع أو قافية ، وآخر الآيات تشمل فواصل ليست قوافي أو أسجاعا .
أساليب الشعر والنثر
ولكل فن من هذين الفنّين أساليب ، مثل التشبيب في الشعر ، والحمد والدعاء في الخطب ، واستعمل المتأخرون أساليب الشعر وموازينه في النثر ، مثل السجع والقافية ، ولم يختلف عن الشعر إلا في الوزن . وظهر ذلك في المشرق في الكتابات السلطانية . ويرى إبن خلدون أن السجع الغليظ لايناسب الخطاب مع السلطان ، بل يناسبه الترسل في الكلام من غير تكلف مع مراعاة مقتضى الحال . ويرى أن وقوع الأدباء في العجمة وعجزهم عن الفصاحة هو السبب في الولوع بهذا السجع المتكلف ليستروا به فقرهم في البلاغة ، حتى أنهم يقعون في أخطاء نحوية وصرفية لكي يحافظوا على السجع والجناس .
الفصل السادس والأربعون
لا تتفق الإجادة في الشعر والنثر معا إلا للأقل
ملكة الفصاحة الفطرية تتم في الطفل العربي منذ نشأته حيث لم يعرف إلا العربية الفصحى . وإذا تنازعت ملكتان تعذر أن تتم الملكتان معا مثل البربري الذي يتعلم العربية ، ولا يمكن للعربية أن تتسيد على لسانه فيظل فيها قاصرا ، فالألسن واللغات مثل الصنائع ، والصنائع وملكاتها لا تزدحم ، ومن سبقت له إجادة في صناعة فقل أن يجيد في صناعة أخرى.
الفصل السابع والأربعون
صناعة الشعر ووجه تعلمه
قوانين الشعر العربي
يوجد الشعر في كل اللغات ، وله قوانينه في كل لغة ، والشعر العربي كلام مفصل قطعة قطعة متساوية في الوزن متحدة في الحرف الأخير من كل قطعة ، وكل قطعة تسمى بيتا والحرف الأخير من البيت هو الروي والقافية . وجملة الكلام تسمى قصيدة ، وكل بيت قائم بمعناه مستقل عما قبله وما بعده ، وإذا كان بيتا قائما بذاته كان تاما في المدح أو الهجاء. ويحرص الشاعر في القصيدة على أن ينتقل من أسلوب إلى آخر من النسيب إلى المديح مثلا ، وقد يمهد قبل أن ينتقل من غرض إلى آخر ، ومع اختلاف الأساليب أو الموضوعات فإنه يلتزم بالوزن الواحد.
علم العروض ، والبحور
وللموازين قواعد يتضمنها علم العروض ، وهناك خمسة عشر بحرا أو وزنا للقصيدة العربية ، وكان الشعر أشرف كلام للعرب ، واستحكمت ملكته فيهم ، مع صعوبة ملكة الشعر . وعلى من يريد اكتساب ملكة الشعر من المتأخرين أن يتعمق في رعاية الأساليب الشعرية القديمة واستعمالها وأن يحاول السير على منوالها ، ذلك أن الشعر يرجع إلى صورة ذهنية للتراكيب المنظمة التي تنطق على تركيب خاص ، ولكل فن من الكلام أساليب خاصة وتوجد فيه على أنحاء مختلفة . وذكر إبن خلدون أمثلة من افتتاحيات القصائد العربية المشهورة وأبيات أخرى في أغراض مختلفة .
الفصاحة أساس الشعر والنثر
ويقول إبن خلدون أن مؤلف الكلام كالبّناء أو النساج ، والصورة الذهنية المنطبقة كالقالب الذي يبني فيه أو المنوال الذي ينسج عليه ،فإن خرج عن القالب في بنائه أو عن المنوال في نسجه كان فاسدا . ولا تكفي في ذلك معرفة قوانين البلاغة لأنها قواعد علمية قياسية مثل قواعد اللغة العربية النحوية ، وإنما المطلوب ملكة الفصاحة التي تتكون من معايشة الفصاحة العربية الشعرية فينتج العقل والوجدان أمثلة لها من الشعر والنثر ، ولذلك كان الفصحاء من الشعراء والأدباء من غير النحويين وعلماء البلاغة والعروض . وأولئك الفصحاء عرفوا قواعد النحو والبلاغة ولكن أضافوا لها فهم القوالب الشعرية والنثرية وحفظ الأساليب والأدب والشعر القديم ومعايشته فانتحوا على مقايسه مما يناسب عصرهم .
حقيقة الشعر عند إبن خلدون
وعن حد الشعر أو رسمه لا يكتفي إبن خلدون بما قيل أن الشعر هو الكلام الموزون المقفي ولكنه يرى أن الشعر هو الكلام البليغ المبني على الإستعارة والأوصاف ، المفصل بأجزاء متفقة في الوزن ، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله ، والجاري على أساليب العربية المخصوصة به . وافاض إبن خلدون في شرح هذا التعريف الذي وضعه لممفهوم الشعر ، وأوضح به الفارق بين الشعر والنثر الفني ، بل أوضح به الفارق بين الشعر بهذا المفهوم وشعر المتنبي والمعري حيث لم يجريا على أساليب العرب .
كيفية عمل الشعر عند إبن خلدون
ويضع إبن خلدون شروطا لكيفية عمل الشعر وإحكام صناعته ، وهي الحفظ من جنس شعر العرب حتى تنشأ في النفس ملكة الشعر العربي وينسج على منوالها ، ويختار منه المحفوظ النقي الحر ، وأقل ما يكفي فيه شعر شاعر من الفحول الإسلاميين مثل جرير وإبن أبي ربيعة وكثير والبحتري وأبي نواس ، وأكثره في الأغاني ، والمختار من شعراء الجاهلية ، ومن كان خاليا من المحفوظ فشعره قاصر ردئ وأولى به ترك الشعر . ثم بعد امتلاء الحفظ يأخذ في نظم الشعر ويستكثر من النظم حتى تستحكم ملكته الشعرية ، ويشير إبن خلدون إلى نسيان المحفوظ على اللسان بعد أن يكون قد ترسخ في أعماق الشاعر ، وهنا يستعمل الشاعر ألفاظ عصره ولكن بقواعد ورسوم الشعر الأصيل .
ثم يتخير الخلوة والمكان الرائع الذي يستجلب قول الشعر مثل الحدائق ومجالس الطرب حتى تستنير القريحة الشعرية وتنشط ، بالإضافة إلى العوامل النفسية مثل السرور والعشق والإنتشاء كما أوضح إبن رشيق في كتابه العمدة ، وإن استصعب عليه الوقت فليترك الشعر إلى وقت آخر.
ويبني القصيدة على قافية واحدة ، وذلك في كل بيت ، ويكون كل بيت شعري مستقلا بنفسه مع مراعاة المناسبة بين الأبيات . ثم يراجع شعره بعد الإنتهاء منه ويقوم بتنقيحه ونقده ، ويتركه إذا لم يكن جيدا بما فيه الكفاية ، ولايستعمل فيه إلا أفصح التراكيب ، ولايلجأ إلى الضرورات اللسانية النحوية ، ويتجنب التراكيب المعقدة ، ويختار منها أقربها لسهولة الفهم ، ويبتعد عن حشد المعاني الكثيرة وتكثيفها في البيت الواحد لأن ذلك تعقيد لا ضرورة له . والمهم أن تكون المعاني على قدر الألفاظ ، والشعر السهل هو الذي تسابق معانيه ألفاظه ، ويجتنب الألفاظ الغربية والعامية والمبتذلة ، والشعر في الربانيات والنبوات قليل الجودة ولا ينبغ فيه إلا الفحول ، لأن معانية معروفة . وإذا تعذر الشعر فلا ييأس ، ولكن يعاوده لأن القريحة مثل الضرع يدر بالإمتراء ويجف بالترك والإهمال كما يذكر إبن رشيق ، وهو ما ينقل عنه إبن خلدون وينصح بالرجوع إليه.
الفصل الثامن والأربعون
صناعة النظم والنثر في الألفاظ وليس في المعاني
صناعة الشعر والنثر في الألفاظ ، والمعاني تتبع الألفاظ التي هي الأصل ، وملكة الشعر والنثر تتكون بالألفاظ وما تضمه من حفظ أشعار وآداب فصيحة . واللسان نفسه له ملكة النطق بالألفاظ وتكرارها ، وأما المعاني ففي الضمائر ، وهي موجودة لدى الجميع ولكن تحتاج إلى قوالب لفظية فنية من شعر ونثر تخرج فيها ، وبذلك يتميز الأديب عن غيره . والمعاني كالماء ، والألفاظ كالأواني ، وقد تختلف الأواني الذهبية عن القضية ، ولكن الماء واحد ، وكذلك جودة اللغة وبلاغتها تختلف باختلاف طبقات الكلام .
الفصل التاسع والأربعون
حصول هذه الملكة بكثرة الحفظ ، وجودتها بجودة المحفوظ
لابد من كثرة الحفظ لمن يريد تعلم اللسان العربي ، وعلى قدر جودة المحفوظ تكون جودة الملكة الناشئة عن هذا الحفظ ، فمن يحفظ للعتابي وإبن المعتز وإبن المقفع وإبن الزيات تكون ملكته أعلى ممن يحفظ للشعراء والأدباء المتأخرين ، فعلى مقدار جودة المحفوظ أو المسموع تكون جودة الإستعمال ، ثم تترقى الملكة بارتقاء المحفوظ ، وينشأ الطبع على منوالها .
والنفس تختلف في البشر بحسب ما يرد عليها من الإدراكات والملكات والألوان ، وتتطور الملكات بالتدريج سواء كانت في الشعر أم في النثر أم في العلوم أم في التصوف والروحانيات ، وتتلون النفس بذلك ، وكذلك الملكات داخل النفس .
قصور الفقهاء في الشعر
ولذلك ترى الفقهاء والعلماء قاصرين في الشعر والبلاغة حيث امتلأ حفظهم وملكاتهم بالفقه أو بالعلم ، وكلاهما بعيد عن البلاغة والشعر ، وتلونت بذلك أنفسهم وملكاتهم . حتى أن الفقيه الشاعر يتبدى فقهه في أبيات شعره ، ويعترف إبن خلدون أنه مع خبرته بالشعر فإنه يصعب عليه قول الشعر ، هذا مع أنه يحفظ من القرآن والحديث وكلام العرب ، ويرى السبب في تباعده عن الشعر ، أنه حفظ قصيدتي الشاطبي في القراءات ودرس كتابي إبن الحاجب في الفقه والأصول وجمل الخونجي في المنطق وبعض كتاب التسهيل وكثيرا من قوانين التعليم في المجالس . وهذه الثقافة العلمية والفقهية غطت على ملكته الشعرية .
أدباء المسلمين الأوائل أفصح من الجاهليين
ويرى إبن خلدون أن الأدباء المسلمين في القرنين الأول والثاني من الهجرة أعلى فصاحة من أدباء العصر الجاهلي بسبب معايشة المسلمين للقرآن وإعجازه الفصاحي والبلاغي ، ويضع إبن خلدون الحديث في نفس منزلة القرآن في الإعجاز الفصاحي وغيره ،إذ يقول " والسبب في ذلك أن هؤلاء الذين أدركوا الإسلام سمعوا الطبقة العالية من الكلام في القرآن والحديث اللذين عجز البشر عن الإتيان بمثليهما ".
الفصل الخمسون
ترفع أهل المراتب عن انتحال الشعر
كان الشعر ديوان العرب ، وكان الشاعر فخر قبيلته ، وافتخرت القبائل بشعرها ، ومن هنا كانت المعلقات السبع على الكعبة . وهي قصائد امرؤ القيس والنابغة الذبياني وزهير بن أبي سلمي وعنترة وطرفة بن العبد وعلقمة بن عبده والأعشى . ثم ظهر الإسلام بالقرآن فانشغل العرب به عن الشعر ، ولكن لم يحرم القرآن الشعر بل استمع إليه النبي ، فعاد العرب للشعر ، ولقى الشعر حظوته لدى الخلفاء في العصر الأموي والعصر الأول العباسي ، حيث تقرب الشعراء المجيدون للخلفاء ونالوا حظوتهم ومكانتهم . ثم تحكم الملوك والأعاجم في الخلافة العباسية وظهر شعراء الصنعة بلا ملكة شعرية حقيقية ، وتحولوا إلى الإستجداء بالشعر ونفاق ذلك الحاكم والكذب على ذاك . فاستنكف عن قول الشعر أهل المراتب من المتأخرين واصبح تعاطي الشعر مما يعاب به أهل الرياسة في عصر إبن خلدون .
الفصل الحادي والخمسون
في أشعار العرب وأهل الأمصار في عهد إبن خلدون
تأثر الشعر باللهجات
الشعر موجود في كل لغة ، عرفه الفرس واليونان وحميَر ومُضر ، إلا أن إختلاط العرب بالأعاجم أنشأ لغة جديدة بين الأمصار ، وهي لغة تخالف لغة مُضر في الإعراب والتصاريف ، وتخالف أيضا لغة الجيل العربي في عهد إبن خلدون ، بل هي تختلف بين أمصار المشرق والمغرب والأندلس . ومن الطبيبعي أن يتأثر الشعر بهذا التحول حيث يوجد الشعر بالطبع في كل لسان . ولذلك تغير الشعر بهذه اللغة الجديدة وإن حافظ على الوزن والقافية .
أنواع جديدة من الشعر في عصر إبن خلدون
والجيل العربي في عهد إبن خلدون حافظوا على الشعر السلفي وجاءوا بالمطولات مشتملة على أغراض الشعر بنفس الطريقة القديمة ، وسموا هذه القصائد بالأصمعيات في المغرب ، وييسميه أهل المشرق بالشعر البدوي . ويلحقون بعض الغناء بألحان بسيطة يسمونه الحوراني ، ولهم فن آخر إذ يأتون بالشعر على أربعة أجزاء يخالف المقطع الأخير المقاطع الثلاثة في القافية ، ويلتزمون بالقافية الرابعة في كل بيت إلى آخر القصيدة.
ويرى إبن خلدون أن ذلك راجع إلى فقدان الملكة في لغة عصره ، وقد تصح فيه البلاغة ،وإن كان الإعراب لا يوجد فيه ، إذ غالب كلاماتهم ساكنة ، ويتميز عندهم الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر بحسب القرينة ، وليس بحركات الأعراب
.الموشحات والأزجال في الأندلس
والملكة في الأندلس أتم ، وعندهم يكثر الشعر ويتهذب، فاستحدث المتأخرون فيهم فن الموشحات ، ينظمونه أسماطا أسماطا وأغصانا أغصانا ، ويسمون المتعدد منها بيتا ، ويلتزمون القوافي عند الأغصان ، وتتكون القصيدة من سبعة أبيات تقريبا ، ويشتمل كل ببيت على عدد من الأغصان بحسب المذهب ، وفيها الغزل والمدح ، وانتشر هذا اللون لسهولته وقربه .
واخترع الموشحات مقدم بن معافر الفريري ، وأخذه عنه أبو عبدالله بن عبد ربه صاحب كتاب العقد الفريد ، ثم برع فيه عبادة القزاز .. وذكر إبن خلدون بعض أخبار الموشحين وبعض الموشحات الأندلسية .
وفي النهاية يقول إبن خلدون أن الذوق البلاغي يأتي بالمخالطة اللغوية من الإستماع والقراءة والإستعمال ، وكل واحد منهم مدرك لبلاغة لغته .
وبعد ..
فهذا عرض للمقدمة أتى بلغة متوسطة بين لغة إبن خلدون ولغتنا المعاصرة . واحتوى العرض على كل ما جاء في المقدمة ، معتمدا على نسخة بولاق أقدم النسخ .
الفصل الأول من القسم التحليلى : موقع مقدمة إبن خلدون فى تاريخ الحضارة العربية
( ق 2 ف1 ) المنهج القرآني للفكر الإسلامي
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الأول من القسم التحليلى : موقع مقدمة إبن خلدون فى تاريخ الحضارة العربية
مدخل:
مقدمة إبن خلدون قضية فكرية في حد ذاتها ، يمكن أن تثير الكثير من الرؤى والإقترابات الفكرية ، ولكننا آثرنا أن نتعامل معها على مستويين ، مستوى أفقي يحاول تحديد موقعها في تاريخ التطور الفكري للحضارة العربية الإسلامية . ثم مستوى رأسي يناقش أهم الموضوعات التي جاءت فيها . من خلال هذين المستويين ( الأفقي والرأسي ، الشكلي العام ، والموضوعي الخاص) نناقش تأثر إبن خلدون بعصره منهجيا وموضوعيا وما تبقى منه لعصرنا .
وقد رأينا أهمية بحث الموقع الفكري للمقدمة في تاريخ التطور الفكري لحضارتنا وذلك لتوضيح حقيقة غائبة عن أكثرية المثقفين ، وهي أن عصر إبن خلدون هو عصر التقليد الفكري والجمود العقلي مقارنة بما سبقه من عصور ، ولأنه عصر متأخر زمنيا ( أواخر القرن الثامن وأوائل القرن التاسع من الهجرة ) ومتأخر فكريا وعقليا يعيش على تقليد الماضي دون ابتكار أو تجديد ، فإن تحديد هذا المناخ يستلزم العودة إلى الماضي ، وفي رصد وتقييم التاريخ الفكري للحضارة العربية الإسلامية قبل وأثناء عصر إبن خلدون ، لنرى موقع المقدمة في هذا السياق التاريخي ، وذلك على المستوى الأفقي ، ثم نتوقف معها بالنقد والنقاش على المستوى الرأسي والموضوعي.
المنهج القرآني للفكر الإسلامي
أولا :
1 ــ نقطة بالبداية لأي فكر إنساني تتمثل في المنهج الذي يقوم عليه ذلك الفكر ، فالمنهج هو الأساس الذي يقرر منذ البداية مدى صلاح ذلك الفكر ومدى استمراريته . وغالبا ما ينبثق المنهج الفكري لأي حضارة من عقيدة دينية ، فالإنسان حيوان متدين بغض النظر عن نوعية الدين الذي يدين به ، حقا كان أم باطلا توحيدا أو شركا، إيمانا أو إلحادا ، فالالحاد يتضمن بإله أيضا هو الهوى .
2 ـ والمنهج الفكري للحضارة الإسلامية أتي به القرآن الكريم الذي جاء تبيانا لكل شئ وما فرط الله جل وعلا فيه من شئ ، والمنهج الفكري القرآني للحضارة الإسلامية انبثق من عقيدة الإسلام التي تقصر الإلوهية والتقديس على الله تعالى وحده فلا مجال لتقديس بشر أو حجر أو كوكب أو شجر ، فالله وحده هو الإله القيوم على كل شئ وما من شئ إلا هو آخذ بناصيته مسيطر عليه ، و(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) من مخلوقاته (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) و(لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) الأنعام103. أما باقي الخلق فهم عبيد مشيئته وقدرته وتحكمه كائنا من كانوا، ملائكة أم رسلا أم بشرا أم حيوانات أم جمادات . فالإنفصال قائم بين وحدة الخالق المهيمن المسيطر الذي ليس كمثله شئ وبين وحدة المخلوقات التي صنعها الخالق ولايمكن أن تشبه الخالق بأي حال من الأحوال وللخالق عليها حق العبودية والخضوع والإستسلام طوعا أو كرها (أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ ؟ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ..آل عمران83) فكل ما خلق الله أسلم وخضع له وسجد لعظمته ، سبح بحمده كل المخلوقات ، كل الأشياء من أحياء وجمادات لا خالق لها إلا الله ولايستحق التقديس والعبادة إلا هو تعالى ولا واسطة بين الخالق والمخلوق . ومن هذه العقيدة التوحيدية إنبثق المنهج القرآني للفكر والعلم والتربية ، وقد صاغ ذلك المنهج رب العزة تعالى وهو الأعلم بخلقه {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ؟ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ؟ }الملك14.
3 ــ ويعتمد ذلك المنهج القرآني للفكر الإسلامي على أساس من الحكمة في خلق الإنسان والكون . فالله تعالى خلق الإنسان ليكون خليفة في الأرض يطبق فيها منهج الله القائم على الحق والخير وعدم الفساد . ولأن الإنسان مخلوق ليكون خليفة في الأرض فإن الله تعالى سخر له كل ما في الأرض وما في السموات{وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ...الجاثية13 }. وسخر بمعنى ذلل وأخضع ، أي فكل ما في السماوات والأرض من جماد وحيوان ونبات وأشعة وطاقة سخره الله للإنسان كي ينتفع بها كيفما يشاء ({هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ.. الملك15} ومن هنا فإن البحث في الأشياء المادية التي يمكن أن تقع عليها حواس الإنسان رهين بسعى الإنسان وكفاحه كي يتمكن من الإستفادة مما سخره الله له على أتم وجه . من هنا أيضا أمر الله تعالى الإنسان أن يسير في الأرض ويبحث فيها ليرى عظمة الخالق في خلقه . {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ، قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } العنكبوت19، 20.
4 ــ فالبحث العلمي في مخلوقات الله التي سخرها للإنسان فريضة إسلامية لها وسائل لها أهداف. فوسائلها السعي والسير والنظر بالعقل والعين واللمس والتحقق والتفكر ، ويستخدم الإنسان في سعيه كل حواسه من يد وعين وأذن وقدم وعقل{قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ }يونس 101{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ..}فصلت53 {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ ،وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ؟ }الذاريات 20،21 ) (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) ق )
والآيات السابقة التي دعت للبحث العلمي في الكون تحوى إعجازا علميا أثبته العصر الحديث بعد أن اتبع المنهج العلمي القرآني في البحث والتجربة والسعي والسير ..
5 ــ ويكفي أن الله تعالى جعل من صفات المتقين أولى الألباب والعقول لأنهم يذكرون الله ويتفكرون في خلقه ( آل عمران 190، 191) بينما جعل من صفات المشركين الإعراض عن آيات الله في الكون{وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} يوسف105.
6 ــ باختصار فالإسلام يدعو المسلمين إلى البحث العلمي التجريبي في الكون المادي الذي سخره الله تعالى للإنسان ، وغاية ذلك البحث التجريبي أن يصل الإنسان إلى عظمة الخالق تعالى وابداعه، وأنه يستحيل على من خلق وأبدع أن يكون له شريك أو معه ولي أو معين ، وحينئذ يزداد العالم خشية لله تعالى وخضوعا له . ويعزز ذلك أن القرآن الكريم دعا للعلم واستعمال العقل والنظر ، وتكررت فيه عبارات ( أفلا تعقلون ) ( أفلا تبصرون ) بل وارتبط فيه لفظ العلم بالتقوى والخشية ( {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ،وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ. فاطر 27، 28 } أي أن التفكر والبحث العلمي في بديع الخلق من إنزال المطر واختلاف الشجر والبشر والحجر من صفات العالم الحقيقي المؤمن الذي يدعو له الإسلام ، يقول تعالى {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ }الزمر9
ثانيا
1 ــ ويلاحظ أن الحضارة الغربية الحديث إتفقت مع الإسلام في وسائل البحث العلمي التجريبي ، فهي تسعى في الكون وتسير في الأرض فتمكنت من اكتشاف آلاء الله في الكون – وكان المسلمون أحق بهذا الإكتشاف لو اتبعوا منهج القرآن الكريم ، ولكن تلك قضية أخرى ، والمهم أن الحضارة الغربية إتبعت المنهج العلمي التجريبي ووسائله ولكن إختلف الهدف ، فالهدف من البحث التجريبي في الإسلام هو الوصول إلى عظمة الله وقدرته ليزداد الإنسان خشية لله وعبادة له وينشر الخير ويكون لله خليفة في الأرض بما وهبه الله تعالى من عقل وفطرة سليمة. أما الهدف من البحث التجريبي في الحضارة الغربية فكان في بعض الأحيان إستخدام العلم في خدمة الشيطان باختراع أسلحة الموت والدمار وتوجيه التقدم العلمي لتدمير الحضارة الإنسانية وإشاعة القلق والخوف والفقر والحروب والدماء والآلام ..
2 ــ وقلنا إن القرآن دعا المسلم إلى البحث فيما سخره الله له ، أي أن الله تعالى جعل تلك الأشياء المادية مسخرة خاضعة لحواس ذلك الإنسان وعقله وفي إمكان طاقته ، ويستطيع بالعقل الذي وهبه الله له أن يخترع من تلك الأشياء المُسَخّرة ما يمكن أن يفيده أو يضره ، ويتوقف ذلك على الهدف ، فإن كان الهدف طاعة الله كانت المخترعات في صالح الإنسان وسعادته، أما إن كانت الأخرى فهو التدمير والبؤس والفقر .
ثالثا :
وتبقى قضية أخرى :
1 ـ إن الله تعالى سخر الكون للإنسان ، ومن هنا كان من حق الإنسان بل من واجبه أن يبحث فيما سخره الله له ، ولكن خلق الله تعالى الإنسان لعبادة ربه فيستحيل أن يتمكن الإنسان المخلوق لعبادة الله من أن يتخذ الله تعالى مادة لبحثه ..
فالله تعالى هو الذي خلق الإنسان ويستحيل على المخلوق أن يتعرف على كنه الخالق ، والله تعالى هو الذي خلق عقل الإنسان وصممه على أساس أن يبحث فقط في الأشياء التي سخرها الله له ، وليس بإمكان ذلك العقل كما خلقه الله أن يسمو للبحث في ذات الخالق جل وعلا .
ويستحيل على الإنسان أن يبحث في ذات الله تعالى والله تعالى وصف ذاته بأن ( ليس كمثله شئ ) ومعنى ذلك أن أي شئ من المخلوقات لايمكن أن يشبه الله تعالى ، وكلمة (شئ) مفعول مطلق من كلمة (شاء) فالله تعالى اراد أو شاء شيئا فكانت كل المخلوقات أشياء، وكل المخلوقات أو الأشياء لا تشبه الله تعالى بأي حال من الأحوال ، فلا يستطيع الإنسان أن يتخيل كنة الله تعالى ، فعقل الإنسان لا يفهم إلا في الأشياء المخلوقة مثله ، والله تعالى أكبر من كل شئ .. وحواس الإنسان لا تدرك إلا ما سمح به الله تعالى ، والله تعالى جل أن تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير .
2 ــ بل إن مشيئة الله قضت أن يحجب عن أعين الناس بعض مخلوقاته ، والإنسان الحديث آمن بأنه لايرى كل شئ من الأشعة والموجات وإن أمكنه أن يستغلها في الراديو والتليفزيون واللاسلكي ، والله تعالى يقول للبشر ( فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ . الحاقة 38، 39) والله تعالى أخبر بأن الشياطين والجن يرون البشر ولا يمكن للبشر أن يروهم ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ .. الأعراف 27).
وإذا كانت بعض الأشياء المخلوقة محجوبة عن عين الإنسان لا يمكن أن يراها في هذا العالم المادي ولا يمكنه إخضاعها للتجربة المادية فكيف يطمح الإنسان إلى رؤية خالق الأشياء ومبدعها سبحانه وتعالى ؟ وإذا كان ممنوعا من الرؤية فكيف يبحث فيما لايستطيع رؤيته ؟
3 ــ على ذلك فإن العالم له شقان بالنسبة للإنسان ، عالم الشهادة ، أو المحسوسات المشاهدة من الكون والطبيعة وقد عرفنا منهج الإسلام فيها من حيث الوسائل والهدف ، أما عالم الغيب أو السمعيات فهي خارج نطاق المحسوسات ، وتخرج عن نطاق بحث الإنسان ، ومطلوب من الإنسان ألا يبحث فيها ولكن يؤمن بها ، فالإيمان بالغيب من أولى صفات المتقين ( الم ، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ .. البقرة 1، 2، 3 }.
4 ــ على أن يكون معروفا أن ذلك الغيب الذي نؤمن به هو غيب الله تعالى الذي أخبر به في كتابه الكريم خاصا بالله تعالى والملأ الأعلى من الملائكة والجنة والنار والآخرة والحساب والحشر ثم الجن والشياطين . وكلها أمور غيبية غير مشاهدة أخبر بها الله تعالى ومطلوب أن نؤمن بها .
على أن الإيمان الإسلامي لا يقبل القسمة على اثنين ، فالمؤمن بالله وحده يؤمن بغيب الله وحده ولا مجال لديه للإيمان بخرافات الأولياء وأكاذيب العامة والدهماء هذا هو الإيمان المطلوب ، إيمان بالله وحده وكفر بما عداه ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }البقرة 256
أخيرا
1 ــ ووضح مما سبق أن القرآن حدد المنهج التجريبي العلمي للبحث في عالم المشاهدة والكون والمادة المسخر للإنسان ، دعا للإيمان والتسليم والتصديق بعالم الغيب الذي يذكره الله تعالى في كتابه فقط وما عداه من كلام في الغيب إنما هو خرافة ، حيث أن النبي محمدا نفسه لا يعلم الغيب ، ومن هنا تضيق فجوة الإيمان بالغيب على قدر ما جاء في القرآن فقط ، ويتسع المجال أمام العقل كي يخترع ويبتكر في عالم الشهادة .
2 ــ ذلك ما ينبغي أن يكون ، وذلك ما كان يجدر بالمسلمين اتباعه ، ولكن المفروض شئ والواقع شئ آخر ، فالذي حدث أن الحضارة الإسلامية لم ترتبط تماما بالمنهج القرآني وإنما سارت على أساس منهج آخر مخالف ، هوالمنهج اليوناني فكانت الحضارة الإسلامية ترديدا في معظمها للحضارة اليونانية أو ترجمة لها بالعربية .
3 ـ قد أثمر الفتح العربى تكوين إمبراطورية مترامية الأطراف شملت أجناسا متباينة من فرس وأنباط ومصريين ،وأولئك الموالى كانت لهم اسهاماتهم في الحضارة الإسلامية بل هم الذين سيطروا عليها ، وكان من الطبيعي أن يسيروا بالمنهج الفكري الذي تعودوه قبل الإسلام وهو المنهج اليوناني .
4 ــ وأخيرا .. نذكّر هنا ونؤكد أن الحضارة ( الاسلامية ) أو أى حضارة ـ هى منتج بشرى ، شأن التاريخ والتراث ، فيه الخير وفيه الشّر ، شأن من صنعها وهم البشر . ولا يصح أن يكون الاسلام مسئولا عن هذه الحضارة ، بل هى مسئولية من قام بها . ونضطر لاستعمال مصطلح ( الحضارة الاسلامية ) لأنه الشائع ، مع رفضنا نسبة هذه الحضارة ( البشرية ) الى رب العزة جل وعلا ودينه المعصوم .
(ق2 ف1 ) المنهج الفكري اليونانى وتأثيره فى الحضارة العربية
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الأول : موقع مقدمة إبن خلدون فى تاريخ الحضارة العربية
المنهج الفكري للحضارة اليونانية
تشابهت عقائد الشرق الهندية والغرب اليونانية وأدى غزو الإسكندر الأكبر لامتزاج الحضارتين الشرقية والغربية فيما يعرف بالثقافة الهلينية ، ومن الطبيعي حينئذ ان تتطابق عقائد الشرق والغرب . ووحدة الوجود التي هي أساس عقائدهم الوثنية لا ترى فارقا أساسيا بين الخالق والكون ، والحضارة اليونانية كانت تعلى من شأن العقل بقدر ما تحتقر العمل اليدوي ، من هنا كان العقل أساسا للبحث اليوناني في فترته الأولى .
فالعقل اليوناني كان الأساس في بحث الطبيعة وما فيها من مواد وأجسام ، كما كان نفس العقل أساسا للبحث فيما وراء الطبيعة من سمعيات كالألوهية والقضاء والقدر ومشكلة الشر ونشأة العالم ..
ومن الطبيعي أن يفشل العقل في بحث الأمور الطبيعية التي لابد لها من المنهج التجريبي القائم على السير في الأرض والنظر والتفكر وإجراء التجارب كما أشار لذلك القرآن الكريم .
ومن الطبيعي أيضا أن يفلس العقل في بحث ما هو فوق طاقته من ذات الله تعالى وصفاته وقضائه وقدره وجنته وناره . وأدى إفلاس المنهج العقلي إلى البحث عن منهج آخر ، وكان البديل منبثقا عن نفس عقيدة وحدة الوجود ، وتم ذلك الإنقلاب الجديد على يد افلوطين السكندري الذي نشر مذهب الأفلاطونية الحديثة وقد استوحاها من نظرية الفيض الإلهي التي قال بها أفلاطون .
فأفلاطون قال بإمكانية صعود النفس للعقل الألهي حيث تخلص إلى عالم البقاء وذلك إذا تخلصت النفس من عجز الجسد والمادة ، وقد استوحى أفلوطين السكندري من تلك المقالة نظريته الجديدة في المنهج الفكري فطالما أن بإمكان النفس أن تتحد بالعقل الإلهي فيمكنها حينئذ أن تشرق فيها المعرفة الإلهية وتأخذ العلم من لدن الله .
من هنا بدأت مقولة العلم اللدني في الوسط المسيحي وأدت إلى تعزيز سيطرة رجال الكهنوت المسيحي الذين اتخذهم الناس أربابا من دون الله فأصبح من حقهم وحدهم بالرياضيات(الروحية) والأذكار والطقوس أن يصلوا إلى العلم الإلهي حيث لامجال للإعتراض أو المناقشة أو الحوار مع علم يزعمون أنه من لدن الله تعالى .
ومن الطبيعي حينئذ أن تتوقف الحياة العلمية العقلية التي أظهرتها مناقشات المنهج العقلي الذي ساد قبلا ، فالعلم اللدني ينظر أصحابه إلى العلم الآخر(العلم الظاهر ) نظرة إحتقار لأنه علم بشري مكتسب ، ويشترطون فيمن يتصدى للحصول على العلم الإلهي اللدني أن يكون قلبه فارغا من العلم البشري وصالحا لتلقي العلم الإلهي وذلك بوسائل أبعد ما تكون عن تحصيل العلم ( الظاهر ) والسعي إليه ، ثم إذا وصل صاحبنا بزعمه إلى العلم الإلهي فلا اجتهاد مع وجود نص ، ولا مجال لمناقشته أو الإعتراض عليه بل يجب أن يؤمن الناس بما يقوله وإن يسمعوا ويطيعوا.
وهكذا كانت مقولة العلم اللدني هي القاضية على الحياة العلمية ، وحين بدأت الفتوحات الإسلامية كانت المدارس اليونانية في الشام والعراق وآسيا الصغرى تعاني من تسلط الكهنوت المسيحي صاحب العلم اللدني وخرافاته ومزاعمه .
وبهذا انتهى المنهج اليوناني ، إلى لا شئ . وكان لابد أن ينتهي إلى نفس النتيجة كل من يتأسى بالمنهج اليوناني ، وذلك ما حدث مع الحضارة ( الإسلامية) .
المنهج الفكري للمسلمين
لم يرتبطوا بمنهج القرآن الذي أوضحناه في بداية المبحث وإنما التزموا منهج اليونان الذي عايشوه قبل الفتح الإسلامي بقرون .
أثر الموالي :
ويرجع ذلك إلى أن الموالى – أبناء البلاد المفتوحة هم الذين سيطروا على الحياة العلمية حيث انشغل العرب بالسياسة والحكم والحرب والفتن ، والعرب أساسا ليسوا أصحاب حضارة ومنهج فكري ، أما الموالي فهم اصحاب حضارة قديمة ولديهم الفراغ حيث لا إنقطاع للسياسة أو الحكم ، ولديهم أيضا الدافع للتفوق والإمتياز على العرب في مجال العلم الذي يجيدونه ويتفوقون فيه ، ثم لديهم دافع آخر هو توجيه الحضارة ( الإسلامية ) إلى ما ألفوه في سابق حياتهم ، ولدى بعضهم حقد على الإسلام وحرص على حربه ، ووسيلته للإنتقام هي تحريف عقيدة الإسلام بعقائد الشرك تحت ستار التشيع والتصوف والحب والوجد ، وليس مستغربا أن يكون رواد التشيع والتصوف من الأعاجم بل من أصحاب الحرف أحط طبقات المجتمع وقتها .
نظرتهم للقرآن
والموالي قادة الحضارة ( الإسلامية ) سواء كانوا حسني النية أو سيئي النية نظروا للقرآن الكريم نظرة قاصرة ، اعتبروه معجزا للعرب في الفصاحة فقط ، فحولوه إلى نص فصيح يستشهدون به في أمور البلاغة والبيان والاعراب ، ولاتزال تلك النظرة الخاطئة سارية حتى الآن ، وكانت النتيجة أنهم حرموا أنفسهم والعالم والمسلمين من الإستفادة بالقرآن الكريم في منهجه وحقائقه التشريعية والعلمية التي كانت في متناول المسلمين منذ أكثر من عشرة قرون دون أن يستفيدوا منها ، لأنهم استغرقوا في إعراب آيات القرآن الكريم وتبين أوجه البلاغة فيها دون فهم حقيقي لمضمونها ومقصودها .
ثم كانت المصيبة الأخرى التي فرض بها الموالي آراءهم على القرآن الكريم وتسللوا بها لتحريف معانيه وتشريعاته ، وهي اختراع علم ( التفسير) ومعلوم أن لفظ ( التفسير) لايناسب أن يرتبط بالقرآن الكريم ، فالقرآن الكريم ليس بحاجة لتفسير ، فالتفسير إنما يكون لكلام الغامض المستغلق على الفهم ، أما القرآن فهو ( كتاب مبين ) يسره الله تعالى للذكر ({وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ. القمر }( فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ .. مريم 97) {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ الدخان 58}.
وحقيقي فإن من إعجاز القرآن هو سهولته واقترابه من مدارك الشخص العادي إذا تدبر وتعقل معناه مع كونه في أعلى درجات الفصاحة المعجزة ، ويكفي أنه أعجز العرب الجاهلين في فصاحته ولايزال بيننا ميسرا للذكر ، هذا مع أننا لو قرأنا شعرا جاهليا رقيقا في الغزل لعجزنا عن فهمه لجزالة لفظه وغرابة معناه ، فاللغة كائن حي يتطور حسب ظروف كل مجتمع ، ولكن القرآن الكريم فهمه العرب الجاهليون كما فهمه أبناء القرن العشرين . والقرآن الكريم لايحتاج إلى تفسير لأنه يفسر بعضه بعضا ، فهو كتاب مثاني يجنح للتكرار المعجز ، يقول تعالى {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً. الفرقان 33 } فآيات القرآن هي أحسن تفسير لآيات القرآن ، والباحث في القرآن لا يفسره وإنما يتدبر الآيات في الموضوع المبحوث بمنهج عقلي غير منحاز ، وكذلك يجمع الآيات ويستعين ببعضها على البعض ليتوصل إلى حقائق جديدة وليس ذلك بالتفسير ، وإنما هو التعقل والتدبر ، وتدبر القرآن فريضة إسلامية .
وإذا جاز ـ فرضا ــ التسامح في إطلاق لفظ التفسير على البحث في كتاب الله تعالى فإنه لا يمكن التسامح مع استخدام ذلك التفسير لفرض آراء البشر على كلام الله تعالى ، فهنا يتحول التفسير إلى تحريف ، وذلك مع الأسف هو ما ارتبط بعلم التفسير حيث تسللت الإسرائيليات إليه وأفسدت عقائد المسلمين وافكارهم ، ولازلنا حتى اليوم لا نعترف بالآية القرآنية إلا أذا كانت أقوال المفسرين شفيعا لها ، وذلك منتهى الظلم لله تعالى ولكتابه الكريم ، وإلى الموالي يرجع ذلك التردي الذي لازلنا نعيشه في نظرتنا للقرآن الكريم وتعاملنا معه .
والموالي ــ قادة الحضارة ( الإسلامية ) ــ طالما نظروا للقرآن الكريم هذه النظرة فلا يمكن أن يخضعوا له في منهجهم العلمي ولابد أن تحدث الفجوة بين منهج القرآن والمنهج الذي سارت عليه الحضارة الإسلامية، بفعل قادتها من الموالي .
تناقص منهج الحضارة العربية مع القرآن الكريم
وهناك مظاهر عديدة لتناقض المنهج الفكري للحضارة ( الإسلامية ) مع القرآن الكريم أهمها ما يلي :
1- مخالفة المنهج القرآني في البحث التجريبي:
فقد رأينا القرآن يدعو للمنهج التجريبي في بحث العالم المادي الذي سخره الله تعالى للإنسان وذلك بالسير والسعي والنظر والتفكر واستعمال الحواس كي يصل الباحث إلى معرفة قدرة الله تعالى في الخلق .
أما المنهج اليوناني في مرحلته الأولى فقد كان يعول أساسا على البحث العقلي ويحتقر العمل اليدوي وقد تابع رواد الحضارة الإسلامية إتجاه اليونان إذ عكفوا على شرح التراث اليوناني وتأييد نتائجه في العلوم الطبيعية من طب وهندسة وكيمياء وفلك وجغرافيا ، ولم يختلفوا معه إلا بالقدر اليسير ، فكانوا إلى مجتهدي المذاهب أقرب ، أي مثل ذلك الذي يجتهد في إطار مذهب فقهي معين ، قد يأتي بجديد ولكن في إطار المذهب الفقهي الذي يتبعه ، وبالطبع لا يمكن أن يكون ذلك المجتهد في مذهب معين مبتكرا أو عالما مجددا ، وذلك حال علماء العرب والمسلمين في العلوم الطبيعية مثل إبن سينا والإدريسي وجابر بن حيان .
ولو اتخذ أولئك من القرآن هاديا ومرشدا واتبعوا منهجه لساروا في الأرض ونظروا كيف بدأ الله الخلق وكيف أحكم كل شئ وقدّره تقديرا ، ولجعلوا التجربة العملية الرائد الذي يتبعونه لا التراث اليوناني واساطينه ، ولو فعلوا لكان التقدم العلمي الحديث من نصيب المسلمين .
2- مخالفة منهج القرآن في البحث في عالم الغيب والسمعيات :
وعرفنا منهج القرآن في عالم الغيب والسمعيات ، إنه يدعو للإيمان بغيب الله وحده ، ومعنى أن يؤمن الإنسان يعني أنه لا مجال لديه إلا التسليم والإعتقاد بما أخبره به كتاب الله تعالى ، فالمؤمن مطالب بالإيمان بالله وملائكته والجن والملائكة ويوم الدين .
والله تعالى صاحب الشأن في هذه الغيوب ، وقد خلق العقل الإنساني وهو أعلم بما خلق ويعلم أن العقل الإنساني الذي خلقه لا يستطيع أن يفهم إلا ما سخره الله له في الكون من جماد ونبات وحيوان أما فوق ذلك فلا يستطيع ، والبحث في الأمور الغيبية يؤدي إلى الضلال والتفرق والشقاق .
ولكن اليهود الذين ضلوا بالعلم البغي حاولوا أن يضلوا المسلمين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام بأن أوعزوا إلى بعضهم بالسؤال عن ذات الله ، فكانت إجابة القرآن تنهي عن الخوض في ذلك {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ } {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ... البقرة 108 ، 109} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ، قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ .. المائدة 101، 102}، وسأل بعض المسلمين بإيعاز من اليهود عن جبريل صاحب الوحي وهو روح الله – وهذا لقبه – الروح – فقال تعالى . {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً.. الإسراء 85} وسألوا عن موعد الساعة ومتى تقوم القيامة فكانت الإجابة ({يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ. 187 الأعراف} ، { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا ؟ إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا . إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا... النازعات 42: 45 }.
إذن فالإبحار في بحر الغيب الإلهي ممنوع – وقد حذر الله تعالى من الخوض في ذات الله تعالى وجبريل – وهو الروح – وموعد الساعة ، وكان القرآن الكريم يخبر الرسول عما يسأله الناس من أمور الدين والدنيا والكون {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ، وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ.. . يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِير ... البقرة 189، 219، 217 }أما حين يأتي السؤال في المنهي عنه يأتي التحذير كما أشرنا .
كان أولى بعلماء الحضارة ( الإسلامية ) أن يتبعوا منهج القرآن فلا جدال في الله ( ُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ .الرعد13 } إلا أنهم مع شديد الأسف اتبعوا منهج السلف .. بحثوا في ذات الله وصفاته والقضاء والقدر وعلامات الساعة ، وقد ذكرنا الآيات التي ترجع علم الساعة إلى الله تعالى وحده وحتى فالرسول نفسه لا يعلم علاماتها ، ومع ذلك البيان الصريح بأنه لا يجلي الساعة لوقتها إلا الله وحده والرسول (ص) نفسه لا يعلم شيئا عنها ، فإنهم نسبوا للرسول أقوالا عن علامات الساعة ووقتها ويعتقدون حتى الآن صحتها .
مراحل علم اللاهوت عند المسلمين :
1- وقد بدأ علم اللاهوت – علم البغي – عند المسلمين فيما يعرف بعلم الكلام – أو ما يطلقون عليه علم التوحيد ثم انتهى إلى فلسلفة محضة .
بدأ علم الكلام فحوّل الفرق السياسية المسلمة إلى فرق مختلفة في العقيدة ، إختلف المسلمون حول الخلافة ومن يستحقها بين شيعة وخوارج ومرجئة فجاء علم الكلام فحول تلك الخلافات السياسية إلى خلافات عقيدية لاهوتية ، وتمت بذلك الكارثة ، فطالما وصل الإختلاف إلى الدين فقد وقع المحظور {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعا )ًالروم 31 : 32} {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ..الانعام 159 )
وكان أثر الفلسفة أكبر في الشيعة وهم فرس وأعاجم ويهود ممن أدمن الفلسفة ، لذا رأينا التشيع المتطرف يظهر منذ البداية في فرقة السبأية التي ادعت ألوهية ( علي ابن أبي طالب ) في خلافة (علي ) نفسه ، فكان أن حرّقهم علي بالنار ، ثم استمر تيار التشيع المتطرف وازداد حتى أقام له دولا كالدولة الفاطمية والدولة الزيدية والقرامطة .
2_وبعد أن استنفذ علم الكلام غرضه من تحويل الفرق السياسية إلى فرق لاهوتية أقام لنفسه فرقا لاهوتية صميمة مثل الأشاعرة والماتردية والمعتزلة ... وكلها فرق فلسفية فرقت وحدة المسلمين وفرقت دينهم ، وإذا راجعت مثلا كتاب أبي الحسن الأشعري ( مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ) وجدت فرقا كثيرة يصاحبها الخلاف حول كل شئ وتبحث في العلم الباغي واستنفذت جهود المسلمين في بحث ذات الله وصفاته وقضائه وقدره دون النظر في الكون والبحث فيما سخره الله تعالى للإنسان ، وكان أولى بالبحث والاهتمام، ولو فعلوا لتجنبوا مشقة الإختلاف ولأحرزوا النهضة العلمية التي دعا إليها القرآن ، وكانت من نصيب أوربا في النهاية.
وعلى سبيل المثال عرض الأشعري لمقالات فرقة المرجئة ، ونقتطف العناوين فقط
( إختلفوا في الإيمان على اثنتي عشرة فرقة .. إختلافهم في الكفر على سبع فرق ، إختلافهم في المعاصي وأصحابها على مقالتين ، قولهم فيمن يقلد الإيمان ، إختلافهم فيما أورده الله تعالى من أخبار على سبع فرق ، إختلافهم في الأمر والنهي .. على مقالتين ، إختلافهم في تخليد الكفار في النار ، إختلافهم في فجار أهل القبلة – هل يخلدهم الله في النار على خمسة أقاويل ... إختلافهم في الصغائر والكبائر والتوبة ومعاصي الأنبياء وكفر المتأولين والعفو عن العباد والتوحيد ورؤية الله والقرآن وماهية البارئ تعالى والقدر وأسماء الله وصفاته ...الخ)
كلها أقوال واختلافات لفرقة واحدة هي المرجئة بدأت بالسياسة ثم أقحمت نفسها في اللاهوت ، وامتلأت به إختلافا وتفرقا مع غيرها وفي داخلها .
أما المعتزلة وهي فرقة لاهوتية صميمة فقد بحثت ـ مثلا ــ في مكان الله تعالى واختلفوا هل هو في مكان أو في لا مكان ، واختلفوا في رؤية الله وعلمه وقدرته ( لم يزل عالما بالأجسام ، وهل المعلومات معلومات قبل كونها ، وهل الأشياء أشياء لم تزل أن تكون ... اختلفوا على سبع مقالات ...) واختلفوا في أفعال الله وصفاته الأزلية وأسمائه وحياته ، وفي القرآن الكريم هل هو صفة من صفات الله ، واختلفوا في صفات فعل الله وفي صفة القدم ، وهل الله تعالى (شئ) وفي صفة (الوجود) و( التكلم ) والسمع والبصر والقدرة ، والإرادة ، وهل الله تعالى جسم أم لا ، وهل يبقى كلام الله أم لا ، وحين يتكلم الإنسان بالقرآن هل يكون كلامه الخارج من لسانه كلام الله أم لا ، وكلام الله هل هو حروف أم لا وهل هو موجود مع كتابته أم لا ... وهكذا اختلاف في كل صفة وبحث في كل ما ينسب لله تعالى من أفعال وصفات ، ويضيق الوقت عن متابعة إختلافاتهم في كل تلك المباحث ...
ثم إختلف المتكلمون في أمور فلسفية أخرى في ماهية الجسم ( على اثنتي عشرة مقالة ) وفي الجوهر ( على أربعة أقاويل ) وفي الجواهر ( هل كلها أجسام أم لا على ثلاثة أقاويل ) ( وهل الجواهر جنس واحد وهل جوهر العالم جوهر واحد على سبعة أقاويل )( وهل يجوز على جميعها ما يجوز على بعضها ، وهل يتفرق الجسم أو يجتمع . والجزء الواحد هل تحل فيه حركتان أم لا ، وفي السكون والتحرك واجتماعهما أو تفرقهما ، وماهية الإنسان والروح والنفس والحواس ووصف الشئ لنفسه ، والأعراض في رؤيتها وفنائها وخلقها وبقائها وفي الخلق والبقاء والفناء والمعاني وأعراض الأجسام والأضداد ... الخ .
وتلك أمور أرهقت الفلسفة اليونانية ولم يزدادوا بها إلا تفرقا وجدلا وجهلا لأنهم بحثوها من وجهة نظر عقلية محضة ، ومع قابلية بعضها للتجربة العملية والبحث العلمي المادي إلا أنهم اكتفوا في بحثها بالعقل والجدال والمنطق .
3- وبعد تلك الفرق اللاهوتية المحضة جاء الفلاسفة الذين يتحدثون في العلم البغي جهارا تحت إسم الفلسفة حيث ردد فلاسفة المسلمين أقوال اليونان بحذافيرها وشرحوها واتخذوهم أئمة وأساتذة حتى في الدين والعقيدة ، فكان من الطبيعي أن يعيد التاريخ نفسه ، فكما عرفنا ، أفلس المنهج العقلي المحض في بحث الإلهيات والطبيعيات فجاء على أثره المنهج الإشراقي بعلمه اللدني الخرافي على يد أفلوطين السكندري .
ولأن الحضارة ( الإسلامية) تابعت طريق اليونان فقد عرفت المنهج العقلي المحض الذي بدأ بتحويل الفرق السياسية إلى فرق لاهوتية وأفرز في النهاية فرقا لاهوتية محضة مثل المعتزلة والأشاعرة والمجسمة والجبرية والجهمية ... الخ ، ثم توجت هذه المرحلة العقلية المحضة بظهور الفلاسفة أمثال الفارابي وإبن سينا وهم تلامذة مخلصون لأرسطو وأفلاطون ..
وأفلس المنهج العقلي المحض في الحضارة الإسلامية كما أفلس من قبل في الثقافات المسيحية والأثينية ، وكما ظهرت الغنوصية الإشراقية بالعلم اللدني لترث المنهج العقلي المحض قبل الإسلام فبعد الإسلام ظهر الغزالي يكرر نفس المقالة الغنوصية ويدعو للعلم اللدني وتقديس الأولياء أصحاب المقامات والعلم الإلهي اللدني وقفل باب الاجتهاد ويعلن أنه ( ليس في الإمكان أبدع مما كان ..) والعلم إما ظاهر مكتسب وإما باطني لدني إلهي يجب الإيمان به والحرص على اكتسابه بالرياضيات(الروحية) والخلوة والعزلة والجوع وقتل النفس وتنقية القلب والروح حتى يصعد العارف إلى الحضرة فينكشف عن قلبه الحجاب ويعلم الغيب وما كان وما سيكون ..
إذن لا جديد تحت الشمس ، عاد المسلمون بعد الفتح إلى سيرة آبائهم في عصر المسيحية ، وتابعوهم شبرا شبرا ، وما قاله أرسطو ردده فيما بعد الفارابي وإبن سينا وإبن رشد في المدرسة العقلية المحضة ، وما قاله أفلوطين السكندري والغنوصية ردده الغزالى وإبن عربي .
(ق2 ف1 ) بعض نواحي الإتفاق بين اللاهوت عند (المسلمين) واليونان
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الأول : موقع مقدمة إبن خلدون فى تاريخ الحضارة العربية
بعض نواحي الإتفاق بين اللاهوت عند ( المسلمين ) واللاهوت عند اليونان :
ولسنا في مجال التوسع في هذا الموضوع وإنما نكتفي ببعض الأمثلة يتضح منها التطابق في الفرعيات بين المسلمين واليونان والمسيحيين بعد أن تطابق المنهج لدى الجميع ، واختلف عن القرآن الكريم ..
ففي المرحلة العقلية المحضة :
1_ عكف الفارابي على التوفيق بين أرسطو وأفلاطون وخصص لذلك رسالة خاصة ، مع أنه يستحيل التوفيق بين الفكر الأرسطي والأفلاطوني ، وأصبح الفارابي المعلم الثاني بعد أرسطو المعلم الأول . وأقوال الفارابي في الألوهية مستقاة من أقوال أرسطو والفلسفة اليونانية ، فالله تعالى عنده هو الموجود الأول وكل ما عداه صادر عنه ، وتلك الموجودات متفاوتة المراتب والكمال ، فمن أكمل إلى كامل إلى أقل كمالا حتى تصل السلسلة إلى الجرثومية أو الذرة .
ويقول أنه نشأ عن الله تعالى ( أو واجب الوجود أو الموجود الأول على حسب تعبيره ) العقل الأول أو الموجود الثاني ، ومن اتصالهما نشأ العقل الثاني أو الموجود الثالث وعن تعقله نشأت السماء الأولى أو الفلك المحيط ، وعنه نشأ العقل الثالث أو الموجود الرابع ، وعن تعقله نشأت الكواكب وهكذا بقية العقول إلى العقل العاشر وبقية الكواكب .
واعتبر الفارابي واجب الوجود أو الموجود الأول على رأس سلسلة الموجودات في الكون ، وسمي العقل الأول بالموجود الثاني ، والعقل الثاني بالموجود الثالث ، وهكذا إلى أن أطلق على العقل العاشر اسم الموجود الحادي عشر ، وكل هذه العقول ناشئة عن البارئ الأول بطريقة مباشرة ، وكل الموجودات الصادرة عن الخالق أزلية مثله .
وبهذا يفسرون خلق الأفلاك والسماوات ، وصدق الله العظيم فيهم { مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً. الكهف51}
وإبن سينا كرر نفس الأقوال ، فقال أن أول ما صدر عن البارئ عالم العقول أو الصور وتابع الفارابي في مقولة العقل الفعال الموجود الثاني وما صدر عنه بنفس الترتيب اليوناني .
2- وذلك التطابق بين فلاسفة المسلمين ( إبن سينا والفارابي ) وفلاسفة أثينا لم يبدأ بظهور مرحلة الفلسفة (المسلمة) ، وإنما بدأ بظهور الفرق اللاهوتية من الأشاعرة والمعتزلة والمجسمة والجهنية الخ ..
ويكفي أنهم أهملوا القرآن الكريم في أمور العقيدة والدين واتبعوا المنهج اليوناني فيهما ، فاستدلوا على وجود الله تعالى بالأدلة الأرسطية والأفلاطونية من الأدلة على وجود الله كعلّة فاعلة ، والأدلة على وجوده كعلّة محركة ، والأدلة على وجوده كعلّة غائية ، يقولون مثلا في برهان وجوده كعلّة فاعلة ( إن كل ما يوجد ضرورة بفعل علة ، لأن من المستحيل أن شيئا ينشأ بدون علة ، وما ينتج العلة هو سابق بطبيعته عما ينتجه ...)
ولازلنا حتى اليوم نردد كالببغاوات أدلة اليونان على وجود الله تعالى ، مع تعارض ذلك مع منهج القرآن الكريم ومنطق الإسلام وعقله ..
فالله تعالى ليس محتاجا لشهادة إثبات لوجوده من بعض خلقه ، ففي ذلك سوء أدب مع الله تعالى . ثم أن القرآن الكريم وهو الأولى بالإتباع – أثبت أن الله تعالى فطر الناس على التوحيد منذ أن خلقهم { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا . الروم 30} ومنذ أن خلق الله الأنفس البشرية إستحضرها وأخذ عليها العهد والميثاق أن لا تشرك به شيئا ، إلا أنهم بعد أن نفخت نفوسهم في الأجساد وعاشوا على وجه الأرض أشركوا بالله واتخذوا معه أولياء وآلهه بسبب الغفلة ومتابعة الآباء في ضلالهم ، يقول تعالى في ذلك {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا ، أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ . الأعراف 172 ، 173 } .
فالمشرك مهما بلغ كفره يؤمن بالله ولكن يتخذ مع الله تعالى آلهة أخرى وأولياء آخرين ، فلا حاجة إذن لاثبات وجود الله للناس فهم يؤمنون به ، وذلك تحصيل حاصل ، أما المفيد فعلا فهو البرهان على أنه ليس محتاجا إلى شريك أو ولي أو معين أو نصير او ولد ، وذلك ما أثبته القرآن الكريم .
فليس في القرآن الكريم آية واحدة تبرهن على وجود الله ، وإنما فيه أدلة عقلية تثبت أنه لا إله معه ، وإقرأ مثلا {أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ... الأنبياء 21، 22 } أي أن وجود آلهة مع الله يؤدي إلى فساد نظام الكون القائم على الترتيب والنظام ، لأن خالقه واحد والمسيطر عليه هو الواحد { أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْر. الأعراف 54} وفي تفصيل أكثر يقول تعالى {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ... المؤمنون 91 }.
وأحيانا يوجه الله تعالى نظر الإنسان إلى روعة الخلق ليستدل بذلك على أنه لا إله إلا الله وأنه الذي أحسن كل شئ خلقه ولا يمكن أن يحتاج إلى شريك ، واقرأ قوله تعالى { الله خير أما يشركون؟ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ . أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ ؟ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.. النمل 60، 61} .
فالإسلام يبرهن على أنه لا إله إلا الله ، أما الشرك فغاية اهتمامه أن يثبت الوجود للخالق ليساوي بين الله وبين كل موجود طبقا لوحدة الوجود التي كان يدين بها أهل الشرق والغرب .
وحتى اليوم لازلنا نصف الله تعالى بأنه( موجود ) ويسمي بعض الناس باسم (عبدالموجود ) وإذا حاول أحدنا أن يتدين يقول ( الله موجود ) ويظن نفسه قد حاز الكمال في العبادة ، وليس في القرآن الكريم وصف لله تعالى بأنه ( موجود)ولا يمكن أن يكون . لأن موجود يعني مخلوق محتاج لمن أوجده ، ولا يمكن أن يوصف الله تعالى بذلك ، ومع ذلك نردد هذه الكلمة على لساننا بعادة التأثر بعقيدة وحدة الوجود اليونانية الصوفية . المعنى القرآنى هو وصف الله جل وعلا بالقيوم القائم على خلقه وعلى كل نفس بما كسبت . وبدلا من أن يقول ( المسلم ) عند العظة والاعتبار : ( الله موجود ) عليه أن يقول ( سبحان الحى القيوم الذى لا تأخذه سنة ولا نوم ) ، يقول جل وعلا فى آية تضم بعض أسمائه الحسنى : ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) البقرة )
3- وحتى في أسماء الله تعالى الحسنى تركوا كتاب الله واتبعوا أرسطو وأفلاطون، مع أن أي إنسان ذي عقل بسيط يؤمن بأن الله هو صاحب الشأن وحده فيما ينبغي أن يطلق عليه من أسماء وصفات ، ولكنهم تركوا الله تعالى واتبعوا (الشيخ ) أرسطو ومشايخ اثينا وحكماءها .
فهم يصفون الله تعالى بأنه ( القديم ) ويجعلون من صفاته ( القدم) ويضعون ( للقدم ) تعريفا ، وجاء المعتزلة والأشاعرة وغيرهم فرددوا نفس الأقوال عن ( القدم ) و ( القديم ).
ووصف الله تعالى بالقديم فيه اساءة لله تعالى ومساواة له بالخلق ، فالقديم يحتمل أن يوجد الأقدم منه. ولو رجعوا للقرآن الكريم لوجدوا الله تعالى يصف ذاته المقدسة في نفس المعنى بصفة اخرى أكثر مناسبة هي (الأول) فالله تعالى {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم ٌ. الحديد 3} والأول معناه الذي لم يسبقه أحد فليس قبل الأول شئ ، فكيف يتركون وصف ( الأول ) الذي جاء به القرآن إلى كلمة ( القديم ) التي جاء بها اليونان ؟ إلا إذا كانوا معرضين عن القرآن !.
4- وبنفس العقلية اليونانية نظر فلاسفة المسلمين إلى المادة ، فبالعقل الذي خاضوا به الألوهية بحثوا به العلم الطبيعي من نبات وإنسان وحيوان وأكوان ، دون تعويل يذكر على التجربة العملية ، أو أن يكلف أحدهم نفسه بالسعي والسير في الأرض واستعمال الحواس مع العقل كما أمر القرآن الكريم .
ويكفي أن إبن سينا أشهر العلماء على الإطلاق في الطب والفلسفة حاكى اليونان في الطب في كتابه ( القانون ) فشرح ولخص وناقش وعلل في أمور طبية كان الأحرى بها أن تتم بالتجربة المعملية لا بالبرهان العقلي النظري . وإذا قرأت له ( الشفاء ) في المنطق وجدت نفس السمة التي تحسها في كتابه الطبي ( القانون ) أدلة واستنتاجات وبراهين .
وكان لابد أن تنتهي تلك المرحلة العقلية المحضة بالإفلاس كما أنتهت من قبل في العصر المسيحي الروماني .
وظهر الغزالي خصما عنيفا للفلاسفة العقليين في كتابه ( تهافت الفلاسفة ) ولكن الغزالي لم يأت بجديد فهو لم يزد عن كونه تلميذا لأصحاب فلسفة وحدة الوجود ومذهب الغنوصية .
في مرحلة العلم اللدني :
الغنوصية كلمة يونانية تعني المعرفة و( الغنوصي) هو الإنسان العارف بالله تعالى ، الذي تمكن بالرياضات(الروحية) من تنقية ( روحه ) فاتحد بالله ، فاشرقت ذاته بالمعرفة الإلهية وعرفت العلم اللدني الإلهي . و( الغنوصية ) لها مرادف آخر هو ( الحكمة: سوفيا ) بالتعبير اليوناني الذي نقله المسلمون كما هو ( صوفي ) وردد ( الصوفية ) آراء الغنوصية في المعرفة وجعلوا الصوفى هو ( العارف بالله ) أو الولي الذي يسلك الطريق لله تعالى ويجذبه الله تعالى فيتحد به ويعلم الغيب والعلم اللدني .
والغزالي كبير الصوفية أو العارفين أو الغنوصيين – وكلها مترادفات – كان فقيها متكلما فحاول أن يوفق بين الإسلام والغنوصية القائلة بوحدة الوجود – وتم له ذلك عن طريق تأويل آيات القرآن الكريم ووضع الأحاديث الباطلة كما يظهر خلال كتابه ( إحياء علوم الدين ) وهو ملئ بالأحاديث الباطلة في أمور الدين والعقيدة ، معظمها من إفتراءاته .
والغزالى والصوفية يسمون العلم اللدني بعلم المكاشفة ( أي الذي يكاشفهم به الله حين يتحدون به ويصيرون في الحضرة الإلهية ) فهو علم مخصوص ( على حد قولهم ) بأرباب القلوب والأحوال . أي بالأولياء ( الصوفية ) ( العارفين )وحدهم .
وحتى يوفق الغزالى ( حجة الإسلام ) كما يزعمون بين الاسلام والغنوصية ووحدة الوجود ، فإنه يجعل للتوحيد أربع مراتب ويجعل عقيدة الإسلام التي جاءت بها الرسالات والرسل من توحيد العوام أما أعلى درجات التوحيد فهي وحدة الوجود أو إتحاد الخلق بالخالق . وفي ذلك يقول في كتابه المشهور (إحياء علوم الدين 4/ 213: 221) ( التوحيد القول فيه يطول وهو من علوم المكاشفة ) . أي العلم اللدني الصوفي ، فلا يصح أن يخوض فيه إلا الصوفية ، ولايجوز أن يعترض على أقوالهم أحد من الفقهاء أو علماء الظاهر .
ثم يقسم الغزالي درجات التوحيد : ( فنقول للتوحيد أربع مراتب ... فالرتبة الأولى من التوحيد هي أن يقول الإنسان بلسانه لا إله إلا الله وقلبه غافل أو منكر له كتوحيد المنافقين ، والثانية أن يصدق بمعنى اللفظ قلبه كما صدق به عموم المسلمين وهو اعتقاد العوام فالغزالي هنا يجعل التصديق القلبي اللساني بأنه لا إله إلا الله درجة العوام ) ، مع أن ذلك ما كان عليه الأنبياء وأتباعهم ، ثم يتحدث الغزالي عن توحيد الصوفية المزعوم فيقول عن المرتبة الثالثة ( والثالثة أن يشاهد ذلك بطريق الكشف ( أي العلم اللدني ) بواسطة نور الحق وهو مقام المقرببين ، وذلك بان يرى اشياء كثيرة ولكن يراها على كثرتها صادرة عن الواحد القهار).
فالغزالي هنا يقرر وحدة الفاعل ، أي فكل ما يصدر في الكون من حركات للإنسان والجماد إنما تصدر عن الله وحده ، وتلك البداية في عقيدة وحدة الوجود التي عبر عنها الهند فلاسفة الهند بأن الإلوهية تكمن في داخل كل كائن ، وهي التي تحركه بل هي الفكرة التي تنشا في كل رأس ، ونفس التعبير الذي قاله فيثاغورث ( فكل شئ ياتي من الأحد ) .
وخطورة هذا القول في أنه ينسب كل شر يقع من الإنسان لله تعالى ، فالله تعالى هو الذي يسرق وهو الذي يفعل الفاحشة والسوء – وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - فالله تعالى هو منبع الخير والهدى أما الشرور فمن أنفسنا يقول تعالى {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ . النساء 79 } وذلك خطاب للرسول (ص) نفسه ويقول له أيضا {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي . سبأ 50} .
ونعود للغزالي ومفترياته على الله تعالى ، فتراه بعد التمهيد لعقيدة وحدة الوجود بتقرير وحدة الفاعل يقول عن وحدة الوجود في المرتبة الرابعة ( والرابعة أن لا يرى في الوجود إلا واحدا ، وهي مشاهدة الصديقين وتسميه الصوفيه الفناء في التوحيد ، لأنه من حيث لا يرى إلا واحدا فلا يرى نفسه أيضا ) ومعنى أنه لا يرى في الوجود إلا واحدا يعني انه يرى الله في كل شئ ، وكل شئ يراه هو الله ، ويشرح الغزالي ذلك بقوله ( فهو موحد بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد ، فلا يرى الكل من حيث هو كثير ، بل من حيث هو ، من شجر وجماد وكواكب وحيوان ) لا يراها الصوفي إلا واحدا هو الله.
ويتابع الغزالي فلاسفة اليونان وآسيا الصغرى في العلاقة بين الكثرة والوحدة أو بين وحدة الوجود الإلهي الذي ( يتخذ شتى المظاهر والأشكال على اختلاف أنواعها فكل شئ يأتي من الأحد ، والأحد يأتي من كل شئ ، ولكن الكثرة دون الوحدة في الوجود الحقيقي وهو الله ).
وسبق أن قال بارمنيدس ( لا وجود لغير الواحد وأن كل وجود غيره وكل ما نراه من التعدد والتغير إنما هو وهم الحس وخداع الظواهر ) ويردد الغزالي نفس الأراء بالشرح والتفصيل فيقول بعد أن قرر وحدة الوجود الإلهي رغم كثرة الأجزاء والمظاهر ( فإن قلت كيف يتصور ألا يشاهد إلا واحدا وهو يشاهد السماء والأرض وسائر الأجسام المحسوسة وهي كثير فكيف يكون الكثير واحدا ؟) ويجيب الغزالي ( فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفة ) أي العلم اللدني ( وأسرار هذا العلم لا يجوز أن تسطر في كتاب فقد قال العارفون افشاء سر الربوبية كفر ) ومعناه أن الغزالي يخشى التصريح العلني بأسرار عقيدته التي جاءت بعد نزول القرآن وموت الرسول (ص) بأربعة قرون . وإذا كان ذلك العلم عقيدة إسلامية فلماذا أهمله القرآن الكريم ولم يتحدث عنه الرسول ، وإذا كان باطلا فإفشاؤه كفر كما اعترفوا بذلك .
ثم يضطر الغزالي إلى بعض التصريح فيقول " الشئ قد يكون كثيرا بنوع مشاهدة واعتبار، ويكون واحدا بنوع آخر من المشاهدة والإعتبار ، وهذا كما أن الإنسان ( كثيرا ) إن التفت إلى روحه وجسده وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه وهو باعتبار آخر ومشاهدة أخرى(واحد) إذ يقول أنه انسان واحد ... فكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق له إعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة فهو بإعتبار (واحد ) وبإعتبارات أخرى ( كثير) ،"، وواضح هنا تصريحه بان الخالق مع خلقه وحدة واحدة ، ويضرب على ذلك مثلا بالإنسان وما يجوز على الإنسان يجوز على الله ، فكما أن الإنسان واحد بجملته كثير بأجزائه فكذلك الله تعالى عند الغزالي ، واحد في جملته كثير بأجزائه التي تشمل كل موجود في الكون تراه العين ، وذلك يذكرنا بما قاله الجاهليون حين زعموا أن الملائكة بنات الله تعالى أي جزءا منه فقال فيهم {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ ، أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ. الزخرف 15، 16}. إلا أن الغزالي جعل الكون كله جزءا من الله تعالى .
ويظل الغزالي مخلصا لعقيدته فيقول في كتابه مشكاة الأنوار ( من هنا ترقى العارفون – أي الصوفية أو الغنوصيون – من حضيض المجاز إلى يفاع الحقيقة واستكملوا معراجهم فرأوا بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود إلا الله تعالى .. فيكون الموجود وجه الله تعالى فقط ، فإذن لا موجود إلا الله تعالى ووجهه ).
ويقول في نفس الكتاب " العارفون بعد العروج إلى سماء الحقيقة اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق ، وانتفت عنهم الكثرة بالكلية ، واستغرقوا بالفردانية المحضة ، فلم يكن عندهم إلا الله تعالى ، فقال أحدهم " أنا الحق " وقال الآخر ( سبحاني ما أعظم شأني ) وقال آخر ( ما في الجبة إلا الله )" ومعناه أن الصوفي إذا عرف أن الله هو كل الموجودات وأنه أي الصوفي ضمن الموجودات فمن حقه حينئذ أن يقول( مافي الجبة إلا الله ) وأن يدعي لنفسه الألوهية ويكفر أو يشطح كيفما شاء .
وبعد الغزالي جاء إبن عربي في القرن السابع الهجري ، فكان أكثر فصاحة فاستحق من الصوفية أن يجعلوه الشيخ الأكبر ، يقول في كتابه فصوص الحكم تحت عنوان ( فص حكمة إلهية في كلمة آدمية ) عن خلق آدم ( لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى أن يرى أعيانها .. فاقتضى وجود الأمر جلاء مرآة العالم فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة ) وفي مواضع أخرى قول ( ولذلك قال الله تعالى في خلق آدم الذي هو البرنامج الجامع لنعوت الحضرة الإلهية التي هي الذات والصفات والأفعال أن الله خلق آدم على صورته وليست صورته إلا الحضرة الإلهية ، فأوجدت في هذا المختصر الشريف الذي هو الإنسان الكامل جميع الأسماء الإلهية ) وواضح أن إبن عربي يردد مقالة التوراة المحرفة عن كون آدم صورة من صور الله ..
وبعد أن جعل إبن عربي من الإنسان صورة إلهية توسع فجعل الكون كله وحدة إلهية ، يقول عن الله تعالى ( فهو الشاهد من الشاهد والمشهود من المشهود فالعالم صورته وهوروح العالم المدبر له فهو الإنسان الكبير ) ثم يزاوج بين الله تعالى والخلق فيقول عن رب العزة ( إن شئت قلت هو الخلق ، وإن شئت قلت هو الحق ، وإن شئت قلت هو الحق والخلق ، وإن شئت قلت لا حق ولا خلق .. ) أي انعدمت الفوارق عنده بين الخالق والمخلوق فلك أن تسمي أحدهما بالآخر .
وهكذا ردد الصوفية مقالة وحدة الوجود ودعوا إلى مقالة العلم اللدني بنفس الطريقة الغنوصية ، ومن الطبيعي وقد تحول العلم اللدني إلى كهنوت أن تعقم الحياة العلمية وتنتهي إلى جمود فتأخر وجهل كما حدث في العصر المملوكي وما تلاه ..
( ق 2 ف1 ) أثر التصوف في الحركة العلمية في العصر المملوكي:عصر إبن خلدون
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الأول : موقع مقدمة إبن خلدون فى تاريخ الحضارة العربية
أثر التصوف في الحركة العلمية في العصر المملوكي : عصر إبن خلدون
منطقي أن تعقم الحركة العلمية المملوكية إذ تسيد العصر دعاة العلم اللدني الخرافي .. والواقع أن انتشار التصوف وتعاظم تأثيره ونفوذ رجاله وحربه للعلم كلها عوامل حددت مسيرة العلم في العصر المملوكي في اتجاه يخدم التصوف فخف ذلك التعارض الحاد والقديم بين التصوف والعلم إذ لم يعد ثمة علم في العصر المملوكي بالمعنى الحقيقي لكلمة ( علم ) . وذلك ما سنبحثه في هذه العجالة .
والمهم أن العصر المملوكي – بتصوفه وعلمه اللدني الخرافي – هوالعصر المثالي الذي دعا إليه الغزالي وتمناه حين حمل على العلم ورجاله ودعا للتقليد وأعلن أن ( ليس في الإمكان أبدع مما كان ) ولا أدل على ذلك من أن العصر المملوكي وصوفيته وعلماءه افتتنوا بتلك الكلمة الغزالية ( ليس في الإمكان ..) فوضعوا عليها الشروح والمصنفات كما فعل محمد المغربي والسيوطي والشعراني .
فرض التقليد ومنع الاجتهاد
1- على أن الصوفية المملوكيين لم يكتفوا بنشر العلم اللدني وإيمان العصر بهم وتسليمه لهم وإنما التفتوا للعلم فأوقفوا مسيرته بفرض التقليد وتحريم الإجتهاد .
والدعوة للتقليد وحجب العقل عن الإجتهاد و التفكير – لازمة من لوازم الشرك وقد نبه القرآن الكريم على ذلك مرارا .. يقول تعالى في المشركين المقلدين (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ،وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ. الزخرف 22: 23 }
2 ـ وأساطير الشرك لابد أن تتحصن بالدعوة للتسليم والتقليد حتى يؤمن بها الأتباع ، ومعنى ذلك أن تتعطل ملكة العقل في الإنسان حتى لو كان يشار إليه بالبنان ، والغزالي أصدق مثال : يقول ( روي أن كان في بني إسرائيل رجل يتعبد في صومعته ، فمكث كذلك زمانا طويلا ، فاشرف ذات يوم فإذا هو بإمرأة فافتتن بها ، وهم فاخرج رجله لينزل إليها ، فأدركه الله بسابقة ، فقال ما هذا الذي اريد أن أصنع ، فرجعت إليه نفسه ، وعصمه الله تعالى ، فندم فلما اراد أن يعيد رجله إلى الصومعة قال : هيهات ، رِجْلٌ خرجت تريد أن تعصي الله تعود معي في صومعتي ؟ لا يكون والله ذلك ابدا ، فتركها معلقة في الصومعة تصيبها الأمطار والرياح والثلج والشمس حتى تقطعت ، فسقطت ، فشكر الله له ذلك ).
3 ــ فهذه الصورة الوهمية لا يجيزها عقل صبي ، ولكن الغزالي يرويها مؤمنا بها وتلك جنايته على نفسه ، وجنايته على تلامذته في العصر المملوكي أشد وأنكى ، إذ جمعوا في مناقب أشياخهم المقدسين كل ما يخزي ويشين من الأقوال ، والأفعال ، ولو كان لديهم عقل ما فعلوا ، إذ أنهم بذلك أظهروا حقيقة أنفسهم واضحة جلية أمام كل ذي عقل . . ولكنه التقديس للأشياخ – تقديس يتوارى معه العقل الفطري ، حتى أن الشعراني صاحب المؤلفات المتنوعة في التصوف يفخر ويعد من منن الله عليه ( تصديقه للصالحين في كل ما يخبرون به وأن أحاله العقل منذ كان صغيرا ) .. أي أنه كان صغيرا – وحتى إن نضج لايزال يتمتع بنفس العقلية ( تصديق الأشياخ ) في كل ما يخبرون به ولذلك حشى كتابه ( الطبقات الكبرى ) بفضائح الأشياخ في عهده على أنها مناقب ومآثر ومفاخر ..
4 ــ ويتضح في قول الشعراني أن هدفه الدعوة لتصديق الأشياخ في أقوالهم ودعاويهم ، فهنا دعوة للتقليد موجهه لخدمة التصوف يؤكدها قوله ( أخذ علينا العهود ألا نمكن أحدا من الإخوان ينكر شيئا ما إبتدعه المسلمون على وجه القربة ورأوه حسنا ، فإن كل ما ابتدع على هذا الوجه من توابع الشريعة وليس هو من قسم البدع المذمومة في الشرع المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم . كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) فهو يخرج ممارسات التصوف عن دائرة البدع ويمنع أخوانه من إنكارها بحجة أن المسلمين ( ويقصد الصوفية ) إبتدعوها على وجه القربة لله ورأوها حسنا ....
5 ــ ويظهر من النصوص السابقة للغزالى والشعراني أن أساس التقليد هنا ديني وهو الدعوة للتصوف .. وعن الأساس الديني كانت النظرة للعلم فحرم الشعراني على مريديه التفكير وإطالة النظر رغبة في الفهم ( إذ ينبغي أن تتأدب مع الله ولا نتكلم إلا فيما نعلم ، ولا نتجاوز ظاهر الكتاب والسنة .. ومن آثر حكم العقل على حكم الله كان في ضلال مبين ) ( وأخذت علينا العهود ألا نتعب نفوسنا في الفحص عن معاني المتشابه في الكتاب والسنة ) وعد من المنن عدم قوله في دين الله تعالى برأيه فإذا لم يجد في المسألة تصريحا من الشارع توقف عن العمل ولا يقدم عليها إلا أن رأي فيها ( نصا أو إجماعا أو قياسا ، وقد منع بعض العارفين من القياس ). وأسلوب الشعراني لا يخلو من دهاء حيث يوحي بالتناقض بين العقل وحكم الله في الأمور الدينية ، وذلك مما يخالف منطق القرآن الكريم .
6 ــ وفي اسلوب الشعراني رائحة تهديد للمؤمنين العاقلين ، ويتضح التهديد في حكاية رواها أو لفّقها وموجزها أن شخصا تصدى للرد على الإمام أبي حنيفة وعمل في ذلك كراسة جاء بها للشعراني فطرده ، وحدث أن وقع حادث لذلك الشخص اعتبره الشعراني عقابا له ، ورفض أن يزوره في مرضه ( أدبا مع الإمام أبي حنيفة حتى لا يوالي من أساء الأدب معه ) ، وعليه فكل من أراد أن يجتهد بعد الأئمة الأربعة عليه أن ينتظر حادثا مؤسفا ..
7 ــ ومع ذلك فقد أباح الشعراني الإجتهاد لأهل الكشف لإطلاعهم على الأسرار الإلهية من غير نظر وتأمل وهو بذلك يتفق مع الدسوقي القائل ( فيض الربوبية إذا فاض أغنى عن الإجتهاد ، فإن صاحب الجهد قاصر ما لم يقرأ في لوح المعاني سر إعطاء القادر ، فقد يعطي المولى من يكون قاصرا ما لم يعط أصحاب المحابر ، وليس مطلوب القوم إلا هو ، فإن حصلوا على معرفته عرفوا بتعريفه كل شئ من غير تعب ولا نصب ، ثم إذا صحت المعرفة فلا حجاب له بعد ذلك ).
فالدسوقي يرى أن العلم اللدني الإلهي يغني صاحبه عن الإجتهاد ، فالمجتهد من البشر قاصر لقصور بشريته ، أما الصوفية فمطلوبهم الإتحاد بالله ، وبذلك يعرفون كل شئ ، وحينئذ فلا حجاب ولا داعي لإجتهاد .
8 ــ واستجاب العصر المملوكي لدعوة أشياخه المقدسين ، وما أسهل أن تشيع الدعوة للتقليد والجمود بين الناس – حتى أن مصر المملوكية برزت على غيرها من البلدان في إتباع التقليد وتقديمه على الشرع الإسلامي وتلك ظاهرة لفتت نظر الفقيه الصوفي المغربي إبن الحاج في القرن الثامن الهجري فقال ( وضعوا تلك العوائد التي أنشئت بها نفوسهم موضع السنن ، حتى أنك إذا قلت لبعضهم كذا يكون جوابه لك على الفور : عادة الناس كذا وطريقة المشايخ كذا ، فإن طالبته بالدليل الشرعي لم يقدر على ذلك ، إلا أنه يقول نشأت على هذا وكان والدي وجدي وشيخي وكل من أعرفه على هذا المنهاج ، ولا يمكن في حقهم أن يرتكبوا الباطل أو يخالفوا السنة ، فيشنع على من يأمره بالسنة ويقول ما أنت أعرف بالسنة ممن أدركتهم من هذه الجم الغفير ) أي : اصبح الشرع لديهم متمثلا – فقط -- في إتباع الأباء والأشياخ ..
9 ــ وهذه العقلية تفسر بوضوح اعجاز القرآن الكريم حين يتحدث عن تقليد المشركين {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ.البقرة 170 }{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ.المائدة 104 } {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِير--لقمان 21}
10 ــ وحتى تلتزم الحركة العلمية المملوكية بالطريق الصوفي كان تحريم العلوم العقلية والفلسفية ، فالسبكي أنكر على من إشتغل بالفلسفة وهاجم الفارابي وإبن سينا وألف السيوطي ( الغيث المغدق في تحريم المنطق ) .
وروى الشعراني أن( شيخ الإسلام ) شهاب الدين الفتوحي الحنبلي قاضي القضاء جاءه مرة شخص يريد أن يقرأ عليه شيئا من المنطق ( فقال له ياولدي قد صار الفقه ثقيلا على قلبي ، فما بالك بعلم أفتى بعض العلماء بتحريم الإشتغال به ) فهذا قاض للقضاء وشيخ الإسلام بزعمهم يقول ( قد صار الفقه ثقيلا على قلبي فما بالك بعلم أفتى بعض العلماء بتحريم الإشتغال به ) وتلك هي جناية التصوف على شيوخ الفقه في العصر المملوكي ..
ونحن لاندافع عن الفلسفة ولكن نقرر بعقلية المؤرخ أنه كان من الإنصاف أن يعامل المنطق والفلسفة معاملة علوم التصوف ويترك لكل إثبات وجوده.
11 ـ وذلك أنه مع انتفاء صفة العلم عن التصوف ومؤلفاته فإن التصوف أصبح علما في العصر المملوكي يدرس في الخوانق والمدارس والأزهر ،مع الإلتزام بمنهج التصوف في الحركة العلمية وسيطرته عليها ، ويمكن أن نرمز لخضوع العلم واستكانته للتصوف من تلك المقابلة التي تمت بين شيخ الإسلام شهاب الدين الفتوحي الحنبلي قاضي القضاة سالف الذكر و ( الخواص ) الصوفي الأمي يقول الشعراني ( ولما إجتمع بالخواص إعترف لأهل الطريق بالفضل ، وقال هؤلاء القوم قطعوا مقامنا وقعدوا إلى ما وراءه ، وتأسف على عدم إجتماعه بالقوم ) أي الصوفية .
الحفظ مقياس التفاضل بين (العلماء ) فى العصر المملوكى.
1- وفي عصور الإجتهاد يكون الإبتكار والإختراع والتجديد مقياس التفاضل بين العلماء. أما في عصور التقليد فالمقياس هو مجرد الحفظ .. حفظ أقوال السابقين واستظهارها وترديدها بلا زيادة او نقصان وبلا تفكير أو تعقل . وهذا ما كان في العصر المملوكي ، حيث يتردد في ترجمة النوابغ من علمائه مقدرتهم في الحفظ ، ولا شئ غير ذلك إلا المغالاة في مقدار ما حفظه وأن ذلك كان في مدة يسيرة ، فيقال مثلا في ترجمة إبن المرحل (665- 716) أنه ( كان أعجوبة في الذكاء والحفظ ، حفظ المفصل في مائة يوم ، وحفظ ديوان المتنبي في جمعة ، والمقامات في كل يوم مقامة .. الخ ).
وقيل في محاسن الدميري (805- 842) أن بعض شيوخه سأله في ليلة عيد هل يحفظ فيه خطبة رجاء إستنابته في خطبة العيد فقال له ( لا ، لكن إن كان عندك نسخة بخطبة فأرينيها حتى أمر عليها ، فأخرج له خطبة في كراسة بأحاديثها ومواعظها على جاري خطب العيد فتأملها في دون ساعة ثم خطب بها ). فالدميرى لم يستطع إرتجال خطبة العيد ، ولم يدر بخلد الراوي أنها منقصة في حقه ، وكل ما أثار إنتباهه هو مقدرة الدميرى على حفظ الخطبة في أقل من الساعة ( بأحاديثها ومواعظها ).
وقيل في ترجمة سراج الدين البلقيني (ت805) أنه ( إجتمعت فيه شروط الإجتهاد على وجهها وأنه مجدد القرن التاسع وانه ما رأى مثل نفسه ) ، وتلك أوصاف خطيرة تدل على موهبة فذة إلا أن الترجمة بأكملها إقتصرت على وصف موهبته في الحفظ والإستظهار ، دون أدنى إشارة إلى إبتكار أو تجديد ، أو أنه باختصار ( العلامة الإمام سراج البلقيني – كان أعجوبة في الذكاء والحفظ ) على حد قول أبي المحاسن .. أي إستحق أن يوصف بتلك الصفات لمهارته في الحفظ فقط .
2 ـ وكان الحفظ بطل المساجلات العلمية والفائز من المتنافسين من العلماء هو أكثرهم حفظا وأسرعهم استحضارا لما يحفظ . . ورددت المصادر التاريخية مناظرات علمية من هذا القبيل كان يحضرها السلطان وأرباب الدولة ورءوس الفقهاء والعلماء . .
فقد سرد إبن حجر بإسهاب نزاعا قام بين العلماء في عصره بسبب غيرتهم من الهروي قاضي القضاء الذي ذكر أنه يحفظ (إثني عشر ألف حديث وصحيح مسلم بأسانيده ) وعقد لذلك مجلس حضره السلطان وشهده المؤرخ إبن حجر بنفسه وتبودلت في المجلس الإتهامات بالكذب في حقيقة حفظ الهروي لهذا الكم من الأحاديث ، وظهر في سرد الواقعة تفاهة الأسئلة والإجابات من مجلس ضم أكثر العلماء شهرة في القرن التاسع . . ونقل تلك المناظرة بالكامل متعذر فقد بلغت في رواية إبن حجر سبع صفحات . .
ولعله من المفيد أن ننقل مناظرة أخرى مختصرة رواها أبو المحاسن ، يقول ( وقعت مناظرة بين إبن مغلي والسيرامي بحضرة المؤيد ( شيخ) فقال إبن مغلي للسيرامي : أسمع مذهبك . وسرد المسألة من حفظه ، وهذه كانت عادته ، وبذلك كان يقطع ( أي يغلب ) العلماء في الأبحاث – فجاراه السيرامي في المسألة ولازال يتكلم من شئ إلى شئ حتى دخل به إلى علم المعقول ، فارتبك ابن مغلي واستظهر الشيخ نظام الدين السيرامي وصاح عليه في الملأ : مولانا قاضي القضاة حفظه طاح ، هذا مقام التحقيق ، فلم يرد عليه ).
ويقول إبن حجر في مناظرة أخرى فاز فيها سراج الدين الضوي ت (801) ( فأبهت الحاضرين من قوة إستحضاره ما يتعلق بذلك النظير ).
3 ــ ولأن الحفظ مدار التفوق العلمي لجأ العلماء في العصر للأساليب الصوفية ليضمنوا دوام التمتع بنعمة الحفظ ، ووضع الصوفية لهم ( فوائد) أو تعاويذ تمنع النسيان ، ومنها مثلا ( إذا أردت ألا تنسى حرفا فقل قبل القراءة : اللهم إفتح علينا حكمتك وأنشر علينا رحمتك ياذا الجلال والإكرام ، وإذا أردت أن ترزق الحفظ فقل خلف كل صلاة مكتوبة : آمنت بالله الواحد الأحد الحق لاشريك له ، ومن فوائد سيدي الشيخ صالح بن عجيل في الحفظ : يقرأ في كل يوم عشر مرات : ففهمناها سليمان . . إلى قوله تعالى : . . . وكنا فاعلين ، ياحي ياقيوم يارب موسى وهارون ويارب إبراهيم ويارب محمد ألزمني الفهم وارزقني العلم. . ).
4 ـ وما معنى أن يلجأ علماء العصر إلى سيدهم الشيخ صالح بن عجيل وغيره من الصوفية ؟ معنى ذلك ببساطة أنهم يعتقدون في الصوفية ويأتمنونهم على ملكة الحفظ بما لديهم من كرامات شاع في العصر الإيمان بها والخوف من غضب أصحابها ، فإذا نقموا على عالم منكر أضاعوا عليه ( حفظه ) وهو كل ما يملك وإذا ( طاح حفظه ) فقد كل شئ ، فلا عقل لديه ولا فهم ولا تفكير خارج نطاق المحفوظ في الذاكرة ، عندما يسترجعه عند الحاجة بنصه ولفظه ، والذاكرة الإنسانية يعتريها الضعف أحيانا وينتابها النسيان غالبا ، وإذا كانت مطالبة بحفظ كل العلوم – كما حدث في العصر المملوكي – فقد زادت التبعة ، فالعصر المملوكي شهد تسجيل التراث العلمي بعد تدميره بيد المغول ، وانعدم الإجتهاد وتركز جهد العلماء المملوكيين على حفظ ذلك التراث بالذاكرة والقلم ، والعالم الفذ هو من يحفظ في قلبه ويسترجع بلسانه أكبر قسط من ذلك التراث . ويتطلع للأولياء الصوفية و( فوائدهم ) التي تحفظ عليه حفظه وتشحذ ذاكراته.! وانتهز الصوفية الفرصة فأشاعوا مقدرتهم على ( سلب العلم ) للضغط على العلماء ، حتى لاينكروا عليهم ، وتردد في كتب الصوفية كيف أن فلانا كان من أكابر العلماء فأنكر على الشيخ الصوفى الولى فسلبه الشيخ حفظه وعلمه فتاب . أي تاب من إنتقاد الولي الصوفي .
5 ــ إذا رجعنا إلى سجل العلماء في ذلك العصر فلن نجد منهم إسم صالح بن عجيل صاحب الفوائد في الحفظ ذلك الذي عدوه من أكابر العلماء ،على كثرة العلماء في العصر المملوكي وضخامة الألقاب التي تحلوا بها ، والهدف واضح هو إخافة ذلك الصنف من العلماء الذي إستكان للصوفية حتى لا يتحول إلى صف المنكرين على الأِشياخ ،أخافتهم بأسطورة كاذبة وشيخ لا وجود له هو الشيخ صالح بن عجيل ..
6 ــ ولقد افترى الصوفية كرامات فى سلب العلم من المنكرين عليهم من الفقهاء ، وأبطالها شخصيات لا وجود لهم تاريخيا ، وقد ورد أن الشيخ الواسطي كان ( من أكابر أهل العلم ) وينكر على البدوي فسلبه البدوي العلم فتاب وصار من جماعته ، وقيل أن فقيرا صوفيا سلب قارئا للقرآن – ما حفظه – لأنه لم يمتثل لأوامره ثم أعاد إليه حفظه بعد أن تمرغ بوجهه على قدمي الصوفي ، وأن الشيخ أبا أحمد سلب عالما – لم يذكر إسمه – ( جميع ما كان حصله من العلم والقراءة وكان يقرأ – هكذا في الأصل – قراءة معتبرة ) ثم أعاد له ما كان سلبه منه . وحكى الشعراني نزاعا حدث بين المرسي وأحد الفقهاء ولم يذكر إسمه على العادة – وانتهى النزاع بسلب علم الفقيه ( .. فقال له الشيخ أخرج يا ممقوت ، فأخرجوه فسلب جميع ما كان منه من القرآن والعلم وصار دائرا في أزقة المدينة كل من رآه يمقته ، فدلوه على سيدي ياقوت العرشي رضي الله عنه فشفع فيه عند سيدي الشيخ أبي العباس المرسي رضي الله عنه ، فقال : قد رددنا عليه الفاتحة والمعوذتين ليصلي بهما ، وكان قد حفظ القرآن وثمانية عشر كتاب في العلم . . ولم يزل مسلوبا إلى أن مات . . فإياك يا أخي ثم إياك من مثل ذلك ، والله تعالى يتولى هداك ).
7 ــ ولاشك أن تصديق العلماء بتلك الأسطورة ( أسطورة السلب ) دليل على ضعف مستواهم العلمي والعقلي ، أما الأفذاذ من العلماء وهم في نفس الوقت أعداء للصوفية – فقد استعان عليهم الصوفية بالسلطان ، كما فعلوا بإبن تيمية .
لا إبتكار ولا إجتهاد فى مؤلفات العصر المملوكى على كثرتها
1 ـ - والمؤلفات في العصر المملوكي خير ما يعبر عن الطبيعة العلمية ومستواها .
فعلى كثرة المؤلفات وتنوعها فقد كانت مجرد شروح وتليخصات للشرح لما سبق تأليفه في عصر الإزدهار العلمي في القرنين الثالث والرابع.
ونمثل بعلم الحديث وما قام به جهابذة العلم المملوكي من جهد في الشرح والتلخيص يدور حول كتاب واحد ... فالخطيب البغدادي ت 462 ( أول المتأخرين وآخر المتقدمين ) وضع في علم الحديث مؤلفين : ( كتاب الكفاية في قوانين الرواية ) و( كتاب الجامع لآداب الشيخ والسامع ) ، ثم جاء إبن الصلاح قبيل العصر المملوكي فجمع مؤلفات الخطيب في كتاب واحد " مقدمة إبن الصلاح " عكف عليه العصر المملوكي إختصارا وشرحا على النحو الآتي :
إبن جماعة ت 733: إختصر كتاب إبن الصلاح في كتاب عنوانه ( المنهل الروي في الحديث النبوي) ، إبن أبي بكر ت819: شرح مختصر إبن جماعة في كتابه ( المنهج السوي في شرح المنهل الروي) ، سراج الدين البلقيني ت805 : ألف ( محاسن الإصطلاح في تضمين كتاب إبن الصلاح ) وهو مختصر ، محي الدين النووي ت676: إختصر كتاب إبن الصلاح في كتابين ( تقريب الإرشاد إلى علم الإسناد) . وهو مختصر ، والثاني ( التقريب والتيسير ) وهو مختصر المختصر ، زين الدين العراقي والسخاوي والسيوطي : قاموا بشرح ( التقريب والتيسير ) للنووي الذي إختصر كتاب إبن الصلاح ، إبن حجر ، كتب تعليقات ونكتا حول كتاب إبن الصلاح وسماه (الإفصاح ) . العراقي : فعل نفس الشئ في كتابه ( التقييد والإيضاح ) ومثله الزركشي ، العراقي أيضا قام بنظم كتاب إبن الصلاح شعرا في كتابه ( نظم الدرر في علم الأثر ) ثم قام بشرح النظم في كتابين أحدهما مطول والآخر مختصر ، البقاعي : قام بتأليف حاشية على الشرح والمختصر سماها ( النكت الوفية بشرح الألفية ) ، السخاوي : شرح نظم العراقي في كتابه ( فتح المغيث في شرح ألفية الحديث ) السيوطي : شرح نفس النظم في كتابه ( لفظ الدرر ) ، قطب الدين الدمشقي : شرحه في ( صعود المراقي ) وزكريا الأنصاري شرحه في ( فتح الباقي بشرح ألفية العراقي ).
وما حدث في الحديث حدث نظيره في الفقه والنحو وبقية العلوم ويعرف ذلك المتخصصون في تحقيق التراث لتلك الفروع ، وعليه فالعصر المملوكي ليس عصر العلماء وإنما هو عصر التلامذة للعلماء السابقين ، فالعالم هو الذي يزيد بعقله وبعلمه ويضيف لمستوى العلم في عصره ، وقيمة الإنسان كما يقول جبران فيما يخلقه ولو كان قليلا وليس فيما يجمعه ولو كان كثيرا ، فلا عبرة بالكثرة التي لا تغني بل تعطل الملكة العقلية فيما لا طائل تحته من الإختصار وشرح الإختصار وإعادة إختصاره وهكذا .
2 ــ ويعلق(أحمد أمين ) على الحالة العلمية للعصر المملوكي فيقول ( كانت حركة التأليف قوية في عصر المماليك حتى ليعجزنا حصر ما ألف في ذلك العصر ، ولكنها كانت قوية من حيث العدد لا من حيث القيمة ، فلا تكاد تستطيع أن تعد كثيرا من أمثال مقدمة إبن خلدون ) ويقول ( ومن الغريب أن عالما يأتي فيختصر ثم يأتي عالم آخر في شرح ما اختصر ، حتى تكون لنا من ذلك ما هو أطول من المطولات ، ولم نكسب من ذلك إلا المجهود الضائع ، وكل يوم يمر يزداد الحال سوءا وركودا ) ويقول يصف العلماء ( قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ، مع أن الأحاديث جمعت وتحصيل العلم سهل ، ولكنها النفوس صغرت والهمم إضمحلت ).
3 ــ ويشرف أحمد أمين بنظرة شاملة على الحياة العقلية العربية وموضع العصر المملوكي فيها يقول ( يكاد يكون العلم والأدب والفن قد انتهى في العالم العربي بانتهاء القرن الخامس ، وربما وجد شيئ في القرن السادس الهجري من الإبتكار والتجديد ، أما بعد ذلك من إبتداء القرن السابع إلى النهضة الحديثة ( يعني العصرين المملوكي والعثماني ) فيكاد يكون ترديدا لما فات وجمعا لمتفرق أو تفريقا لمجمع ) .
وبذلك ختم أحمد أمين مجموعته( فجر الاسلام ) ( ضحى الاسلام ) بالكتاب الأخير (ظهر الإسلام ) واعتبر فيه أن الحياة العقلية انتهت ببداية العصر المملوكي عصر التصوف ، وهو يضع باختصار – ودون أن يقصد – علاقة للتضاد بين التجديد العلمي والتصوف ففي الوقت الذي بدأ فيه إنتشار التصوف ووضحت فيه غلبته على الحياة العربية إضمحل فيه العلم والإبتكار ، حتى إذا تمت له السيادة في العصر المملوكي نضب معين التجديد ودارت الحياة العلمية في إطار التلخيص والشرح ، وحتى ذلك التلخيص والشرح بدأ في الإضمحلال العلمي على نحو ما نشهده في تعليقات المتأخرين في القرن العاشر وما بعده ، حتى عم الظلام تماما في العصر العثماني وتفشت الأمية بين العلماء ، وأحكمت سيطرة التصوف على دقائق الحياة المصرية والعربية بشتى جوانبها حتى كانت مفاجأة المصريين بالحملة الفرنسية .
4 ــ ونعود للعصر المملوكي ونؤكد حقيقة تفاوت المستوى بين أوائل العصر في القرنين السابع والثامن وأواخر العصر في القرنين التاسع والعاشر مع إشتراكهما في الضعف ، وذلك تبعا للهبوط المضطرد للعلم مع الإزدهار المستمر في نفوذ التصوف .. وأي مقارنة بين مؤلفات العصرين تظهر هذا التفاوت أو على الأقل فاقرأ أسلوب إبن خلدون والعيني وإبن حجر في القرن التاسع وقارنه بأسلوب إبن إياس وإبن زنبل الرمال في القرن العاشر تجد الفارق واضحا في العرض والثقافة والعقلية .
و يقول باحث يصف عصر الغوري ( لم تكن المعارف منتشرة مزدهرة في مصر في عصر الغوري ، وإذا نظرنا إلى الأبحاث والمجادلات التي كانت في مجالس هذا السلطان عرفنا ضيق الأفكار وقلة المعارف والولع بسفاسف الأمور والقصور عن جلائلها ).
5- وقد إختلف في تعليل الجمود العلمي للعصر المملوكي فعلله أحمد أمين بإختفاء العنصر العربي وغلبة العنصر الفارسي والتركي عليه وبسقوط المعتزلة حاملى لواء النهضة الفكرية وسلطان العقل ، وبهجوم التتار وتدميرهم بغداد ، ثم إنتشار العصبيات المختلفة بين المسلمين وتفرقهم بين فقهاء وصوفية وسنية ومعتزلة وشيعة وحنابلة وشافعية مما نتج عنه إقفال باب الإجتهاد وانقلب المجتهد المطلق إلى مجتهد مذهب والمؤلف المبتكر إلى مؤلف مفسر .
والواقع أنه قد ظلم العنصر الفارسي الذي أسهم بدور هام في الحياة العلمية منذ بدايتها ومنهم الخوارزمي والبيروني وسيبويه أما هجوم التتر فلم يمنع الإجتهاد العلمي بل إنه ألهب حماسة العلماء لتعويض ما دمر من مؤلفات ، وكان ممكنا أن يأتي التجديد بأورع من سابقه ، وانتشار العصبيات لا يعوق الحركة العلمية ، بل يدفع للمنافسة العلمية بينها ، وهذا ما حدث في القرن الرابع الهجري في المشرق ، وما ذكره عن سقوط المعتزلة صحيح وإن لم يعلل ذلك السقوط بأنه كان هزيمة للعقل المتطرف أمام الحنابلة ثم التصوف ووجده وعاطفته . فارتضى الناس التصوف بديلا لعقل المعتزلة بعد أن أقحموا العقل في جدل عقيم فأشبهوا اليونان وفرضوا مقولاتهم على التراث الإسلامي.
ويقترب باحث آخر من الحقيقة حين يقول مترفقا ( ومن سمات العصر قوة التصوف . ولعل ذلك كان من عوامل ضعف الحركة العلمية فإن العلم يعتمد على العقل والفكر على حين يعود التصوف ، إن كان تصوفا حقا إلى الذوق والوجدان ) .
6 ــ والحقيقة أن التصوف هو المسئول عن ذلك الجمود إذ كانت العلوم قد جمعت وفصلت واختصرت وشرحت ، ولم يبق إلا الإجتهاد واستعمال العقل فألغى التصوف ذلك وأرسى قواعد التقليد وأعلى من شأن الحفظ كمقياس وحيد للمقدرة العلمية ،ونشر الخرافات وفرض الإيمان بها على أنها ( العلم اللدني ) وربط ذلك كله بالدين ، وهم على حق إذ كان التصوف هو الدين السائد ، وهو الشرك . والإسلام برئ من الجهل ومن هذا الشرك . ، وإن كان جهدهم في ربط جهلهم بالدين الاسلامى قد جعل الإسلام مسؤولا عن نشر ذلك الجهل.
ونذكر بالعرفان قول كلوت بك يصف المصريين في العصر العثماني : ( السواد الأعظم من الأمة المصرية هائم في الجهالة وقد حاول البعض إسناد جهلهم إلى الديانة الإسلامية ، وهو خطأ فاحش ومذهب باطل فإن في القرآن آيات كثيرة تدل على شرف العلم والحض على تحصيله ) وكفى بها شهادة للإسلام المظلوم الذي ظلمه الصوفية .
7 ـ وبعد .. فإن التاريخ العلمي يختلف عن التاريخ السياسي لأي أمة ، ولايعني قوة الدولة المملوكية عسكريا تقدمها علميا ، وبينما يتحتم على التاريخ السياسي لأي أمة أن يبدأ بالطفولة ثم يصل للقوة والشباب ثم ينحدر إلى الضعف والإنحلال ليفسح المجال لأمة شابة ، نجد أن التاريخ العلمي لا يرتبط بهذا الخط البيضاوي البياني تماما كما لا يرتبط تاريخ العلم في أمة ما بقوتها الحربية والسياسية ، بل ربما تزداد القوة العلمية لأمة ما في عصر ضعفها بل في تفككها السياسي كالعالم (الإسلامي) الذي تفرق دولا وإمارات في القرن الرابع الهجري وهو عصر الإزدهار العلمي ، بل أن الأمة المهزومة قد تنتصر علميا على الفاتحين إذا وصلت إلى الحضارة وكان الفاتحون في طور البداوة والخشونة ، ولايلبث الفاتحون أن يكتسبوا حضارة المهزومين أو ما يعرف بانهزام الفاتحين أمام حضارة الأمم المفتوحة ، وفي التاريخ أكثر من مثل ، فأثينا هزمت إسبرطة بحضارتها وفكرها ، واستفاد العرب من حضارة فارس التي قضوا على ملكها ومن حضارة سوريا ومصر ، ولم يلبث التتار أن خضعوا للحضارة العربية في ا لقرن السابع ودخلوا في الإسلام ، وتأثر الصليبيون بالحضارة العربية الإسلامية في الشام .
8 ــ بعد هذه المقدمة الطويلة نقول أن العلم في الطريق الطبيعي يسير في صعود وتقدم طالما لم يقابل بالعوائق وتأسس على منهج صحيح ، فالثورة الصناعية في أوربا في تقدم مضطرد بعد النهضة الأوربية ، واستمرت حتى يومنا هذا ، والعالم العربي الإسلامي ظل في تقدم مستمر إلى إن أصابه الخمول ابتداء من القرن الخامس تأثرا بدعوة الغزالى لقفل باب الاجتهاد ، ثم توقف نمو العلم نهائيا ابتداء من القرن السابع ثم تراجع العلم أمام ظلمات التصوف ابتداء من القرن الثامن وازداد تقهقرالعلم بازدياد التصوف . إلى أن نمنا في الجهل اللدني في العصر العثماني [1]، حتى أيقظتنا الحملة الفرنسية، واكتشفنا أن الغرب قد تفوق علينا ، ومازال . حيث إتبع المنهج التجريبي الذي دعا إليه القرآن ، وترك المنهج اليوناني الذي أعاق التطور البشري قرونا طويلة – ومنذ الإهتداء إلى هذا المنهج التجريبي ، والبشرية قد عرفت طريقها العلمي الصحيح – تتطور علميا ، من عصر البخار إلى عصر الفضاء ، ثم إلى عصر العولمة وثورة المعلومات والإتصالات . وتتوالى المخترعات بحيث إنعدم الفارق بين الواقع والخيال ، وبحيث يعجز الخيال عن تصور ماهية المخترعات في المائة عام القادمة وتتطور ثورة المعلومات بحيث تتضاعف بمتوالية هندسية ، يصعب معها التكهن بأبعادها بعد عدة عقود من الآن .
9 ــ إذن هو المنهج الذي يحدد إستمرارية الحركة العلمية وتطورها ، أو إضمحلالها وخفوتها . شأن التصميم الهندسي لأي مبنى أوعمارة سكنية ، إن كان صحيحا أصبح أصله ثابتا وفرعه في السماء ، وإذا كان خاطئا فلابد أن يخر عليهم السقف من فوقهم ويأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون .
إن المنهج الفكري الخاطئ الذي ساد في العصرين اليوناني والإسلامي لم يقم فقط بوقف النمو المطرد والمفروض للحركة العلمية ، وإنما قام بتعقيم العبقريات التي ظهرت ، بحيث وضع أمامها الكثير من المحاذير التي تحد من إنطلاقها العقلي .
10 ــ وهنا ندخل على أزمة إبن خلدون التي ربما لم يحس بها . فعقلية إبن خلدون كانت مرشحة لأن تخرج على عصرها باجتهاد راق ، ولكن هذه العقلية خضعت لمقاييس العصر في أغلب الأحيان ، وتمردت عليه بين السطور في بعض الأحيان . وحتى لانظلم الرجل فلنتذكر أنه عاش في فترة خاملة فكريا فجاء في المقدمة بما يؤهله لكي يكون أحد أعلام الإزدهار الفكري – المؤقت ، في القرنين الثالث والرابع من الهجرة ، ولو جاز لنا الإفتراض لقلنا أنه لو عاش عصرنا ، أو أنه لو إهتدى إلى المنهج الصحيح من خلال القرآن واتخذه نبراسا لحياته لربما تغيرت أمور كثيرة .. نقول هذا ، ونحن نتهيأ لتحسس مدى تأثر إبن خلدون بعصره وماذا بقى منه لعصرنا .
[1] نقل باختصار من كتاب د أحمد صبحي منصور : دراسات في الحركة الفكرية في الحضارة الإسلامية ص20 ، 31، 66، 210 . وهو أحد خمس كتب صدرت للمؤلف سنة 1985 وبسببها عوقب واضطر إلى ترك جامعة الأزهرسنة 1987م
الفصل الثاني : مدى تأثر إبن خلدون بعصره في المقدمة منهجيا وموضوعيا
( ق 2 ف 2 ) ابن خلدون والمنهج القرآنى
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الثاني : مدى تأثر إبن خلدون بعصره في المقدمة منهجيا وموضوعيا
التأثر المنهجى : ابن خلدون والمنهج القرآنى
لمحة
1 ـ ساد التصوف عصر إبن خلدون بحيث زال التعارض الحاد الذي كان محتدما بين الفقهاء والمحدثين من جانب والصوفية من جانب آخر، خصوصا بعد هزيمة إبن تيمية وصحبه في القرن الثامن الهجري . ومن ناحية أخرى فإن التقليد العلمي الذي أرساه التصوف ساعد على تقديس أئمة الفقه والحديث في عصور الإزدهار بالإضافة إلى تقديس الصحابة رواة الأحاديث ، ولايزال هؤلاء وأولئك حتى الآن يتمتعون بالتقديس والحصانة من النقد ، ولم يكن مستغربا أن يحظى جميعهم بالتقديس برغم ما كان بينهم من إختلاف سياسي وعقيدي ومذهبي ، سواء كانوا من الصحابة ، أو من الأئمة الفقهاء والصوفية وعلماء الحديث . لم يكن ذلك مستغربا لأن العصر أعطى العقل الناقد أجازة مفتوحة ، وعكف على التقليد الأعمى المذهبي ، لذلك كان معتادا في مناهج التعليم في الخوانق والأربطة والزوايا والمساجد تدريس التصوف مع الحديث والفقه ، وحفظ المؤلفات في هذا وذاك ، وهى – أي المؤلفات – عبارة عن شروح وملخصات ومتون ، تعيد إنتاج مخلفات الفكر السابق بصورة تزداد ضحالة وإسفافا في كل مرة .
2 ــ وكان قدر إبن خلدون أن نشأ في شمال أفريقيا (تونس) وتنقل بين المغرب وتلمسان والأندلس قبيل نكبتها . وتردد في المقدمة وصفه لموطنه بالتأخر الثقافي والعمراني والحضاري بالمقارنة بمصر والمشرق . أي أنه نبت ونشأ في أكثر المناطق تخلفا ، وكان منتظرا منه – إذا كان شخصا عاديا – أن تتقاصر قامته العلمية أمام العلماء المصريين والمشارقة الوافدين إلى مصر ، ولكن حدث العكس ، وهذا في حد ذاته أكبر شاهد على عبقرية إبن خلدون وتفرده في عصره .
3 ــ إلا أن هذا لا يعني أن إبن خلدون تمرد على عصره وأسس مشروعا فكريا متميزا . لم يحدث ذلك مطلقا على يد إبن خلدون ولا على يد غيره إلا حين بدأ محمد عبده في عصرنا الحديث ذلك المشرع الفكري في القراءة النقدية للتراث ( الصوفي والسلفي ) وناء بحمله ، وجاء تلميذه رشيد رضا فأجهض ذلك المشروع التنويري لصالح الفكر السلفي الوهابي ، ثم كان قدر كاتب هذه السطور أن يبنى على مشروع محمد عبده ليؤصل إسلاميا وتاريخيا التيار الفكرى القرآنى الاصلاحى فى مواجهة الوهابية وبقية أديان المحمديين الأرضية .
4 ــ والمهم أن إبن خلدون كان في تناسق مع أساسيات المنهج الفكري السائد في عصره ، لم يتمرد عليه ، إلا أن عبقريته برزت بين السطور في شذرات هنا وهناك . ثم ظهرت جلية واضحة في مجال علم جديد إبتكره ، وهو علم العمران- الإجتماع - وسار في ذلك العلم الجديد بدون أن يصطدم بالثوابت المقدسة لعصره ، ولذلك نجا من التكفير واتهاماته ومحاكماته، والتي كانت عادة سيئة في العصر المملوكي .
5 ــ وأساسيات المنهج الفكري في العصر المملوكي دارت حول نقيضين ، جعلهما التقليد العلمي صديقين ، وهما التصوف والسنة ، أو ( التصوف السنى ) الذى قام الغزالى بتقعيده وقام صلاح الدين الأيوبى بفرضه فى حربه ضد التشيع . ففي القرن الثالث الهجري كان أرباب الحديث وأولياء التصوف في شقاق إلا أن الصلح الذي عقده الغزالي في القرن الخامس بينهما أثمر عن التقليد والتقديس، فاصبح العصر المملوكي يقلد ويقدس هؤلاء وهؤلاء ويدرس هذا وذاك ، ويلتزم بعدم الإعتراض على شيخيه الصوفي والفقهي وأئمة عصره والعصور السابقة . ولم يخرج إبن خلدون عن هذا الإطار . هذا بالاضافة الى تقديس الصحابة ـ مع ما حدث بينهم من حروب أهلية يُطلق عليها تأدبا ( الفتنة الكبرى ).
6 ــ ونحاول هنا أن نحدد موقع عقلية إبن خلدون من خلال المناهج الفكرية لنتعرف إلى أي حد إلتزم بمنهج عصره ، ثم بعد المنهج نسير مع القضايا الأساسية في المقدمة .
أنواع ثلاثة للمناهج الفكرية
1 ـ وقد عرضنا للمنهج الفكري القرآني وعرفنا أنه يقوم بالنسبة لعالم الشهادة ( العالم المادى الطبيعى المُشاهد )على البحث التجريبي ، وبالنسبة لعالم الغيب على أساس الإيمان بالغيب المذكور في القرآن وحده ، واعتبار ما عداه خرافة . وعرفنا أن فكر الحضارة العربية الإسلامية سار على المنهج اليوناني في مرحلتيه ، المرحلة العقلية النظرية الأرسطية التي تهمل التجربة العملية وتفسر من خلال العقل النظري والمنطق الصوري عوالم الغيب والشهادة ، ثم إنتهت إلى لا شئ فيأتي البديل الأسوأ ، وهو المنهج الإشراقي القائم على العلم اللدني بزعم أن الرياضيات الصوفية ترفع الحجاب فتشرق الأنوار الإلهية ويفيض العلم اللدني ، ومن خلاله يأتي الغيب ومفاتيح العلوم .. وهذا هو الصفر الذى وصلت إليه الحضارة (العربية الإسلامية) في العصر المملوكي حيث تسيد التصوف وسيطر على العقل والعلم والتعليم والسياسة والمجتمع.
2 ـ فأي منهج من هذه المناهج اتبع إبن خلدون في المقدمة : المنهج القرآني ، أم العقلي الأرسطي ، أم الصوفي ؟
المنهج القرآني لدى إبن خلدون
1 ـ بالنسبة للمنهج القرآني نجده غائبا عن ذهنية إبن خلدون . فمع أنه – شأن السيرة العلمية المعتادة في عصره – حفظ القرآن منذ الصغر ، وتعلم القراءات القرآنية ، إلا أن هذه النوعية من التعامل مع القرآن هي في نظرنا المسؤولة عن الإبتعاد عن المضمون القرآني ومنهجه الفكري ، إذ إنصب ذلك التعامل على الشكل في القراءات والإعراب مع فهم نصوص الآيات من خلال آراء المفسرين وروايات النزول . وفق ما هو سائد حتى الآن في مناهج الأزهر العقيمة.
2 ـ إلا أن حالة إبن خلدون كانت فريدة في بابها . إذ يبدو واضحا ذلك التباعد بينه وبين القرآن ويتجلى هذا في عدة مظاهر منها :
2 / 1 : -- أنه لايجيد الإستشهاد بالآيات القرآنية بحيث يأتي بآية بعيدة الصلة عن الموضوع ، فتراه مثلا يتحدث عن ضرورة السعي للرزق ، والمتوقع أن يستشهد بقوله تعالى " فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ : الملك 15 " وذلك ما يردده أي خطيب متواضع على المنبر ، إلا أن إبن خلدون يستشهد بآية أخرى هي قوله تعالى "فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ [1] العنكبوت 17 " وهذه الآية جاءت في خطاب إبراهيم عليه السلام لقومه المشركين الذين تركوا عبادة الرازق ولجأوا لغيره ، فالإستشهاد هنا ليس في محله ، وإن كان قريبا بعض الشئ من الموضوع .
وفي موضع آخر يدعو إلى عدم البحث في الأسباب أو مظاهر الطبيعة ويستشهد بقوله تعالى " ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [2] . الأنعام 91" وهذا إستشهاد ليس في محله وبعيد تماما عن الموضوع ، لأن الآية لا تتحدث عن ترك الأسباب وتجاهل البحث في مظاهر الطبيعة ، ولكنها تتحدث عن تجاهل بني إسرائيل للتوراة .
بل قد يأتي أحيانا باستشهاد قرآني يتناقض تماما مع مقصده مما يدل على إبتعاده التام عن مضمون الآية ، فقد دافع عن الأدارسة وانتسابهم للأشراف العلويين ، وقال إنه يجادل عنهم في الدنيا ليجادلوا أي يدافعوا عنه في الآخرة . واستشهد بقوله تعالى "هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة [3].النساء 109" مع أن هذه الأية وما قبلها وما بعدها تنفي شفاعة النبي وتؤكد أن أحدا لايستطيع الجدال عن أحد يوم القيامة .
2 / 2 : وعموما، فإن إستشهاداته القرآنية في المقدمة ضيئلة ، ونفتقد تلك الإستشهادات حين نراه يتحدث بعقلية ناضجة عن مظاهر إجتماعية ويقول رأيا سديدا ، ويستطيع أن يستشهد بالقرآن ويستزيد منه علما وبحثا ولكنه لايفعل . لأن القرآن فيما يبدو غائب عن منهجه الفكري وتفصيلاته البحثية ، وعلى سبيل المثال تراه يتحدث كثيرا عن أثر الترف والظلم في سقوط الدولة [4] ويستشهد بآية وحيدة ، وهي " وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً : الإسراء 16 " ويتجاهل تفصيلات القرآن الأخرى في الحديث عن أثر الظلم والترف في إهلاك الأمم ، ويتجاهل العنصر الآخر وهو أن هذا الترف يعني تكدس الثروة لدى أقلية يجعلها هذا التكدس تقع في الترف والسرف ، بينما تكون الأغلبية جائعة محرومة مما يجعل المجتمع يتفجر من الداخل . وهذه حقائق قرآنية وتاريخية كان بإمكان إبن خلدون أن يرصع بها المقدمة إذا كان القرآن في بؤرة شعوره .
2 / 3 : إلا أنه من الواضح أنه كان بمعزل عن حقائق القرآن حتى ما كان منها معروفا ومفهوما ، بدليل أنه يجعل من خصائص النبوة أن يكون النبي ذا منعة في قومه [5] ، أي يكون عزيزا بعصببيته وأسرته ، ويتناسى قصص الأنبياء في القرآن واستطالة المشركين على النبي والمستضعفين الذين اتبعوه إلى درجة أن يأتي الإهلاك للأمم السابقة ونجاة النبي بمن اتبعه ، وينسى قول لوط لقومه " قَالَ يَا قَوْمِ هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ." قال ذلك حين اقتحموا عليه داره يريدون إغتصاب ضيوفه ، ثم قال لهم يائسا عاجزا" قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ: هود78 : 80" كما يتناسى قول مشركي قريش عن خاتم النبيين {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ . الزخرف 31 } ومقياس العظمة لديهم هو الجاه والمال والنفوذ أي المنعة والعصبية في لغة إبن خلدون ، وهذا ما لم يكن متاحا للنبي في مكة ، ولذلك تعرض مع أتباعه للأذى واضطر للهجرة بهم إلى المدينة . وتلك حقائق قرآنية وتاريخية كان أولى بإبن خلدون أن يعتبرها .
3 ـ ولو كان المنهج القرآني حاضرا في ذهنية إبن خلدون ما وقع في هذه الأخطاء وأخطاء كثيرة أخرى ، وعليه فقد كان إبن خلدون إبن الفكر السائد للحضارة( العربية الإسلامية ) في ذلك التجاهل للمنهج الفكري القرآني .
ويبقى بعد هذا أن نبحث عنه في منهجي حضارتنا ، المنهج العقلي الأرسطي ، والمنهج الصوفي ، أين كان موقعه فيهما .
( ق 2 ف 2 ) مدى تأثر إبن خلدون بعصره منهجيا :ابن خلدون بين المنهج العقلى والصوفى
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الثاني : مدى تأثر إبن خلدون بعصره في المقدمة منهجيا وموضوعيا
التأثر المنهجى : العقلى و الصوفى
المنهج العقلي النظري وإبن خلدون
1 ـ كما سبق فقد صادر التصوف ذلك المنهج العقلي الفلسفي النظري الأرسطي لصالح النظرية الأفلاطونية الإشراقية التي تتركز في العلم اللدني . ولكن عقلية إبن خلدون ودراسته للمنطق والعلوم العقلية وتعرضه لهذه العلوم في المقدمة – كل ذلك يفرض علينا أن نتحسس إلى أي مدى تأثر إبن خلدون بالمنهج العقلي النظري الذي لم يعد موجودا في عصره . .
وهنا نضع بعض الملاحظات :
(1) إن المنهج السائد في المقدمة هو الإتجاه الإشراقي الصوفي يبدو هذا في تقسيم إبن خلدون للعلوم إلى نوعين ، طبيعي يقوم على العقل " دون التجربة وفقا لما ساد في المنهج العقلي النظري " والنوع الآخر هو العلوم النقلية ، ويؤكد إبن خلدون على أنه لا مجال في هذه العلوم للعقل ، ولكن بالتسليم والإيمان.[6]
ثم تراه يدعو إلى عدم البحث في الأسباب ، أي في مظاهر الطبيعة لأنه يستحيل الإحاطة بالكائنات ، لذا يكفي الإعتقاد بما أمر به الشرع ، كما أنه لا مجال أيضا للعقل أو التعقل في أمور التوحيد واليوم الآخر [7]، باختصار لا مجال للعقل في عالم الشهادة كما أنه لا مجال له أيضا في عالم الغيب ، والبديل هو العلم اللدني ، ومنه جاءت علوم الصوفية أو بمعنى آخر خرافاتهم عن الله تعالى والأنبياء وعوالم الغيب .
(2) إلا أن عقلية إبن خلدون كانت أحيانا تتغلب على منهجه بين السطور ، خصوصا حين يواجه المنطق ، وكان علم المنطق مكروها في عصره ، لذا تراه في نقد المنطق الصورى يقترب من الحقيقة حين يقول أن صناعة المنطق تقع في الخطأ بسبب ما فيها من تجريد وإبتعاد عن الواقع ، وأن الواقع يخالفها عند التطبيق [8] ، وقد يقترب بعقله المجرد إلى حقيقة نظرية لا تحتاج إلى تجربة ، فيثبتها بين سطور المقدمة ، كقوله بأن الإدراك الحسي يؤثر في إستقبال الأحلام ، ويستشهد بأن الأعمى لا يرى في المنام إلا ما يتناسب مع طبيعة مدركاته ، فلا يرى الألوان ، وكذلك الأصم [9] لا يتخيل مدركاته في الأحلام ما يتناسب مع الأصوات ، وأحيانا تأتي التجربة الحياتية لإبن خلدون بآراء صائبة في العلوم النظرية ، كقوله أن العلماء بين البشر ابعد الناس عن السياسة ومذاهبها ، ويقصد أهل النظر السطحي المنحازين للقياس المنطقي البعيد عن الواقع لأن السياسة تقوم على الواقع ، وكذلك أحكام العمران [10].
وأغلب إجتهاداته الصائبة تنتمي إلى هذا النوع من الفكر النظري القائم على تدبر أحوال العمران والمجتمعات وتطورها التاريخي ، بالإضافة إلى خبرته العملية السياسية ، وربطه العقلي الصائب بين الجغرافيا والتاريخ من خلال خبرته الثقافية بالعالم الإسلامي . إلا أنه عندما يدخل بعقله النظري إلى غير مجاله يقع في أخطاء ، وهذا موضوع الملاحظة الثالثة .
(3) ذلك أن إبن خلدون تعرض في المقدمة لمجالات العلم الطبيعي ، أو عالم الشهادة التي ينبغي أن نبحثها بالسير في الأرض والتجربة العملية ، وليس منتظرا منه بأي حال أن يفعل ذلك ، لأنه ضد منطق عصره ، كما أنه ضد تخصصه العلمي كمؤرخ وباحث نظري . ولانتوقع منه على أي حال أن يصحح أخطاء السابقين من علماء فترة الإزدهار الفكري في بحثهم للأمور الطبيعية . إلا أننا كنا نتوقع منه أن ينقل عنهم أفضل ما كتبوا ، وهذا ما لم يفعل ، ونعطي لذلك عدة أمثلة .
( أ) ففي الكيمياء أهمل الجهد العملي لجابر بن حيان في التبخير والتقطير والإذابة ، وركز على أوهام تحويل المعادن إلى ذهب وفضة عن طريق الكرامات .
(ب) وفي الجغرافيا إكتفى بالنقل عن المسعودي مع إعترافه بما في كتابه من خرافات تولى هو بنفسه الرد عليها أحيانا ، وكان يخطئ في النقد ويصيب ، إلا أنه تجاهل البيروني أعظم عقلية عربية جغرافية ، وخصوصا كتابه " تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن " والذي كتبه في مدينة غزنة سنة 416هـ . وربما لم يتيسر لإبن خلدون أن يطلع على أهم الكتب الهامة في الجغرافيا والعلوم الطبيعية والفلسفية وينقل عنها ، وربما وجد كفايته في كتب الأدريسي والمسعودي وغيرهما .. إلا أنه من الواضح أنه قرأ رسائل إخوان الصفا وتأثر بها . وبذلك ندخل على قضية أخرى تتعلق بما أشيع عن إنتحاله للمقدمة وتأثره البالغ بإخوان الصفا ، وهذه قضية لا تبتعد بنا كثيرا عن موقف إبن خلدون من المنهج العقلي النظري .
(4) من الواضح أن إبن خلدون نظر في رسائل إخوان الصفا ، وتأثر بهم ، ولكن هذا التأثر تراوح بين درجة الصفر حين لم ينقل شيئا عنهم في موضوع الجغرافيا مكتفيا بالإدريسي والمسعودي لأنهما الأقرب إلى عقليته ، وبين التأثر بهم حين ينقل عنهم شيئا يتفق مع مزاجه الشخصي مثل الحديث عن علم الغيب ، ثم كان يتجاهل ما يخالف وجهة نظره ، فقد جعلوا الخدمة من أوجه المعاش ، ولكن إبن خلدون يؤكد في فصل كامل على أن الخدمة ليست من وجوه المعاش ، ويؤكد ذلك بما يشبه الإستنكار ، ولكن في كل الأحوال فإن عبقرية إبن خلدون في المقدمة لا تتجلى في النقل من هذه الموضوعات أو إختراعها ، ولكن في إختراعه لعلم العمران ، وهذا ما أكد عليه في إفتتاحية المقدمة .
ونقول بعد دراسة نقدية للتراث العربي الإسلامي أن إبن خلدون على حق في هذا الإدعاء ، صحيح أن هناك بعض البدايات جاءت في بعض المصادر الأولى ومنها رسائل إخوان الصفا عن حاجة الإنسان للتعاون وأثره في إزدهار الصنائع ومراتب الصناعات والغرض من الملك وأنواع العلوم [11] ، ولكن ما جاء به إبن خلدون هو تصور علمي كامل لعلم جديد ، بمنهج متكامل ، وقد سار فيه على وضع القواعد وتفسيرها تاريخيا ، وتفسيراته من واقع خبرته التاريخية ومتسقة مع تاريخه المكتوب – في الأغلب – ومتسقة أيضا مع شواهده ، وأغلبها أتى بها من ظروف موطنه شمال افريقيا ، وواضح أن تجربته السياسية العميقة قد أسهمت في صياغته لهذا العلم ، أي جمع بين التجربة السياسية والقراءة التاريخية والنظرة التأملية .
ومن الطبيعي أن ينقل ثقافة عصره ، وأن يتاثر بمنهج عصره ، وإذا كان هذا المنهج عقيما يصادر إمكانية الخروج على العصر ، فإن عقلية إبن خلدون إستطاعت أن تتحرر من هذا التقليد الأعمى حين اختارت جانبا هادئا هو ( علم العمران ) تنطلق فيه وتبدع ، وإن ظلت حريصة على عدم الخصومة مع عصرها ، ولذلك هادنت أو سالمت الخرافات الصوفية والتراثية المقدسة وانصاعت لها . فقد كان ذلك منهج العصر .. المملوكي ، وهذه هي المحطة الأخيرة .
منهج إبن خلدون الصوفي
ونقصد بذلك إنحياز إبن خلدون لتفكير عصره ومنطق العلم اللدني الصوفى في التفسير والفهم ، وإن كان ذلك لم يؤثر على جوهر فكرته عن علم العمران ، وقد نجت بذلك تفسيراته التاريخية لتطور المجتمعات في الأغلب ، ولهذا كان أغلبها صالحا لعصرنا الراهن، أما ما تعرض منها للتأثر بالتصوف وسلبياته فقد كان صادقا فقط في التعبير عن ثقافة عصر إبن خلدون ورؤيته للمجتمع والفكر الديني والسياسي . وقد قلنا فيما سبق أن التصوف حين سيطر وقام بإجهاض الحركة العلمية وتعقيمها وأرسى التقليد . وهذا التقليد السائد بديلا عن الإبتكار هو الذى آخى بين التصوف ومنهجه الذوقي الهوائي وبين علوم شديدة العداء للتصوف كالفقه والحديث . وهذا هو المنهج السائد في مقدمة إبن خلدون في مجالات التصوف والعلوم الشرعية ، بل حتى ما يتصل بها من مناطق تشابكت مع علم العمران – الإجتماع . وفيها تمسك إبن خلدون بالتسليم والإيمان وأعطى عقله العبقري أجازة ، بل ودعا الآخرين بأسلوب عاطفي مسكين ليفعلوا مثله .
وهنا نتوقف مع منهج إبن خلدون الصوفي التسليمي في مقدمته : .
1 : بالنسبة للتصوف نراه يعتبر شيوخ التصوف المذكورين في الرسالة القشيرية هم العلماء ورثة الأنبياء ، وفي موضع آخر يصف طريق التصوف بأنه طريق الهدى ، وفي إطار حديثه عن التصوف والغيب يتحدث عن المجاذيب من واقع الإعتقاد في كراماتهم وعلمهم بالغيب ، وقد إخترنا هذه المحطات السريعة عن التصوف في المقدمة لأنها تؤكد أن إبن خلدون قد أهمل عقله تماما ، ذلك أن من يريد الهجوم على التصوف وعقائده وشيوخه لن يجد أفضل من الرسالة القشيرية لكي يستشهد بها ، وذلك بشرط وحيد ، هو أن يقرأها بعقله وبمنهج موضوعي لا مجال فيه لمحاولات التبرير وعواطف التقديس والتأويل . أي أن إبن خلدون إذا قرأ الرسالة القشيرية فهو بالتأكيد لم يقرأها بعقله ، وإنما بعواطف التسليم والإذعان . وقد دعا القارئ في حديثه عن علم التصوف إلى التسليم بالصوفية وتبرير شطحاتهم وتأويلها .
وفي المقابل فإن إبن خلدون إستخدم عقله إستخداما سيئا لكي يقنعنا بأن في المجذوب شيئا إلاهيا يتمكن به من الكشف عن الغيوب، واستخدم نفس الطريقة العقلية لكي يدافع عن مظاهر صوفية أخرى تدور كلها حول العلم اللدني للأولياء الصوفية والأئمة الشيعة ، وتراه يحس بضعف حجته العقلية فيلجأ إلى الأسلوب العاطفي ، كما فعل في دفاعه عن تقديس شرف آل البيت من الأئمة الأدارسة [12] .
وبالتصوف شمل التقديس أئمة آل البيت مع أئمة الفقه والحديث ، مع الصحابة رواة الأحاديث ، وبذلك تدعم الصلح بين النقيضين الفقه السلفي السني والتصوف.
2 : ــ وبالمنهج الصوفى تعامل إبن خلدون بنفس التسليم مع التراث المقدس السني وتاريخ الصحابة والتابعين ، وتطوع فاضاف إليه الخلفاء الأقوياء من الأمويين والعباسيين . وحين يحسّ بضعف حجته العقلية تراه يلجأ الى إبتزاز عواطف القارىء .
2 / 1 : وإبن خلدون حين عرض لعلوم الحديث وأئمة هذا العلم بنفس الطريقة المتداولة والمتكررة قال في النهاية كأنه يسترحم العقول النقادة " .. فلا تأخذك ريبة في ذلك ، فالقوم أحق الناس بالظن الجميل بهم ، والتماس المخارج الصحيحة لهم ، والله سبحانه وتعالى أعلم بما في حقائق الأمور."[13] .
ويكاد القارئ العاطفي أن يتأثر بهذا الأسلوب ، لولا أن إبن خلدون بعد ذلك الأسلوب العاطفي يلجأ لأسلوب المغالطات في إثبات حجية الأحاديث المنسوبة للنبي ، أو ما اصطلحوا على تسميته بالسنة ، يقول " أجمع الصحابة على وجوب العمل بما يصل من السنة بالنقل الصحيح قولا أو فعلا للنبي بما يغلب على الظن صدقه " [14] وهو كمؤرخ يدرك أن الصحابة فى انشغالهم بالفتوحات والفتنة الكبرى والسياسة والحكم لم يتيسر لهم الإجماع بالمفهوم الأصولى للإجماع. يكفي أن ذلك المصطلح " إجماع " تم إختراعه في عصر الإزدهار الفقهي ، بعد الصحابة بقرن ونصف القرن . وانكره ابن حنبل فقال : ( من زعم الاجماع فى شىء فقد كذب ، وما أدراه أن الناس إختلفوا وهو لا يعلم ) .!. ونفس الحال مع المفهوم التقليدي للسنة الذي برز في العصر العباسي في مواجهة التشيع .
ثم أن مفاهيم النقل الصحيح للأحاديث لم يعرفه تاريخ الفكر للمسلمين إلا فى العصر العباسى الثانى ، عصر تدوين الحديث ، وإصطناع الأسانيد وما ترتب عليه من زعم التثبت من حال الرواة ، أو فيما يعرف بعلم الجرح والتعديل ، وذلك ما عرض له إبن خلدون في كلامه عن علوم الحديث متأثرا بما جاء في مقدمة صحيح مسلم والتي نراها أروع من كتاب صحيح مسلم ذاته.
ونرجع لإبن خلدون وحديثه عن الصحابة وعلوم الحديث . فكيف للصحابة في إنهماكهم في الفتوحات والخلافات السياسية أن يتطرقوا إلى مفاهيم أصولية لم تظهر إلا بعدهم بقرنين تقريبا ؟
وأكاد أقطع بأن ثقافة الصحابة البسيطة ـ حتى لو تفرغوا للعلم والبحث ـ لم تكن لتوافق على كلمة إبن خلدون" وجوب العمل بما يصل من السنة بالنقل الصحيح . . . بما يغلب على الظن صدقه ". ومع إفتراض علم بعضهم بالقرآن فإن القرآن ينهي عن إتباع الظن في الدين ، ويجعل الحق القرآني الذي لا ريب فيه هو وحده الحديث الذي نؤمن به في مقابل الطرق الأخرى القائمة على الريب والظن .
إلا أن بعض علماء الأصول فيما بعد فرقوا بين القرآن وتلك الأحاديث فجعلوها ظنية الدلالة وظنية الثبوت في مقابل القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . وبعدهم بخمسة قرون يأتي إبن خلدون لينسب تلك الأقاويل إلى الصحابة وهم لا يدرون عنها شيئا .
2 / 2 ــ وبنفس المغالطة يقول إبن خلدون في موضع آخر " إن هؤلاء الذين أدركوا الإسلام سمعوا الطبقة العالية من الكلام في القرآن والحديث اللذين عجز البشر عن الإتيان بمثيلهما " [15] . وهي مغالطة فجة لم يقلها أحد قبل إبن خلدون ، إذ جعل للأحاديث المنسوبة للنبي إعجازا كإعجاز القرآن بحيث يعجز البشر عن الإتيان بمثلهما .. وهذه المغالطة غير المسبوقة تتناقض مع تأكيدات القرآن على أنه لا مثيل للقرآن ( الإسراء 88) بل تتناقض مع تأكيدات إبن خلدون نفسه في المقدمة ، حين يقول أن إعجاز القرآن في داخله ولا يحتاج إلى دليل صدقه من خارجه ، ففيه يتحد الدليل والمدلول [16]، فكيف يتساوى القرآن بأحاديث تحتاج لأسانيد كي نصدقها ؟
3 ــ وهذا يجعلنا نشير إلى قضية أخرى ، وهي الهوى المذهبي الذي كان مؤثرا في منهج إبن خلدون وهو يكتب المقدمة ، ففي موضوع الحديث بالذات نراه – على غير العادة ينتقد الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر وينفيها بالتشكيك في الرواة بمنهج الجرح والتعديل ، ولم ينس ألا يصل بالنقد إلى البخاري ومسلم . وكل ذلك بسبب هواه المذهبي ضد الشيعة ، ثم يذكر أحاديث ضعيفة مشهورة بضعفها منها ما يأتي مدحا في علماء الموالي ، ومنها ما يأتي مدحا لبعض فروع العلم ، ومثل هذه الأحاديث المطعون فيها لايمكن أن نتصور أن إبن خلدون لا يعرف حالها ، إذا كان بهذه المقدرة على الجرح والتعديل في أحاديث المهدي المنتظر .
وبنفس الطريقة المذهبيبة نراه يمتدح تفسير الزمخشري ولكن يحذر من إتجاه الزمخشري المعتزلي ، ويحذر من علوم المنطق والفلسفة إلا بعد التعمق في علوم السنة والشرع [17] .
4 ــ وفي تاريخ الصحابة نراه يخاصم عقله لكي يثبت لهم عصمة برغم ما وقعوا فيه من خلافات وخصومات واقتتال . ومانتج عن هذه الحروب الأهلية من عشرات الألوف من القتلى ، ثم استمرت تلك الحروب في عصر التابعين وتابعيهم السائرين على طريق الفتنة والإقتتال . ويتعرض إبن خلدون لبداية الخلافة باكتناز الصحابة للأموال في عصر عثمان ، والخلاف بين الصحابة ، ويظل يؤكد أن ذلك الخلاف كان إجتهادا بالحق دون غرض دنيوي . ثم يصل إلى معاوية ويحاول أن يقنعنا أنه إضطر للإستبداد بالحكم واضطر لأن يجعل الحكم وراثيا بالعهد لإبنه حرصا على مصلحة المسلمين ، ثم يدافع عن الخلفاء الأقوياء من الأمويين والعباسيين . ومما يبعث على الغيظ أن يقول إبن خلدون عن إقتتال الصحابة أن الحق واحد لدى كل من الطرفين وكل منهم إجتهد ولا يأثم ، فكل واحد منهم على الحق ، فمن كان مع علي أو مع الحسين كان على الحق ، ومن كان مع معاوية او مع يزيد كان أيضا على الحق والكل مجتهدون والقتلى شهداء مثابون لأنهم قصدوا الحق . . . [18] ، وبالتالي فإن ذنب عشرات الألوف من القتلى يقع على الأسكيمو وسكان أمريكا الجنوبية !!
وإبن خلدون لابد وأنه يعرف عقوبة قتل مؤمن واحد على سبيل العمد ، وأن جزاءه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ( النساء 93) وأن قتل نفس بريئة واحدة كقتل الناس جميعا ( المائدة 32) ولأنه يعرف أنه يفتقد المنطق العقلي والدليل القرآني فلم يبق له إلا إستجداء العطف حين يحذر من التعرض للصحابة باللسان أو سوء الإرتياب ، ويقول " فالتمس لهم مذاهب الحق وطرقه ما استطعت ، فهم أولى الناس بذلك ، وما اختلفوا إلا عن بينة وما قاتلوا أو قتلوا إلا في سبيل جهاد أو إظهار حق ، وأعتقد مع ذلك أن إختلافهم رحمة لمن بعدهم من الأمة ، ليقتدي كل واحد بمن يختاره منهم ويجعله أمامه وهاديه ودليله "[19] . وفعلا فإننا إتبعنا نفس منهجهم في قتل أنفسنا بأنفسنا ، ولا تزال أفضل الأمم في الإقتتال المحلى . وليهنأ إبن خلدون فوصيته مرعية .
5 ــ وهكذا التزم إبن خلدون بمنهج عصره الصوفي ولم يخرج عنه ، ومن الطبيعي أن يؤكد ثوابت عصره الفكرية والعقيدية والثقافية ، وسنناقش من هذه القضايا ما ركز عليه ، مع التأكيد المسبق أنه كان مدافعا جيدا ( بالباطل ) عن تلك الثوابت( الخرافية ) في المقدمة ، وربما لم يستطع علماء الصوفية الدفاع عن التصوف بمثل ما فعل إبن خلدون .
6 ــ ونبدأ المناقشة بموضوع الجغرافية باعتبارها من العلوم الطبيعية ، التي تقوم على المنهج التجريبي ، وبعدها نناقش الموضوعات المتصلة بالتصوف ونتفرغ أخيرا لآرائه في علم العمران ، أو الإجتماع .
( ق 2 ف 2 ) التأثر الموضوعي : المعارف الجغرافية بين المسعودي وإبن خلدون والشعراني
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الثاني : مدى تأثر إبن خلدون بعصره في المقدمة منهجيا وموضوعيا
التأثر الموضوعي : نموذج للتأثر الموضوعي في العلوم الطبيعية :
المعارف الجغرافية بين المسعودي وإبن خلدون والشعراني
بين ابن خلدون والمسعودى(283 : 346 )
1 ـ يبدو من حديث إبن خلدون الجغرافي في المقدمة أنه كان ينقل عن السابقين ما يتفق مع عقله ويحاول الإجتهاد العقلي من خلال ما ينقل ، وذلك بالإستدلال العقلي وليس بطريق المعاينة والمشاهدة والتجربة العملية . وقد نص على أنه ينقل عن الإدريسي في كتابه " نزهة المشتاق " وعن جغرافية بطليموس بالإضافة إلى المسعودي في مروج الذهب في جزئه الأول الذي حوى معلومات جغرافية تنتمي لعصره.
2 ـ والجغرافيون قبل إبن خلدون من بطليموس إلى الإدريسي كانت معارفهم الجغرافية بالذات تأتي من خلال روافد مختلفة ، وهي التجربة والمعاينة الواقعية ، والمشاهدة والروايات أو الأخبار المتواترة ، ثم الإستدلال العقلي ، وفي عصر إبن خلدون حيث سيطر التصوف ظهر نوع جديد من الروافد المعرفية وهو العلم اللدني .
3 ـ وقد أشار إبن خلدون في المقدمة إلى تجربة بطليموس الفريدة في قياس محيط الأرض ، وذلك في حديثه عن الإقليم الأول والجزائر الخالدات " التي بدأ بطليموس منها يأخذ أطوال البلاد " [20] وهي الطريقة الوحيدة والحقيقية التي تحصل بها على الحقائق الطبيعية ، طريقة المعاينة الحقيقية والوصفية والتجارب الواقعية .
وأشار إبن خلدون إلى الطريق الآخر ، وهو المشاهدة والأخبار المتواترة ، وخلط بينهما وفق المنهج السائد في عصره يقول " إن الربع الشمالي من الأرض أكثر عمرانا من الربع الجنوبي . . ونحن نرى بالمشاهدة والأخبار المتواترة أن الأول والثاني من الأقاليم المعمورة اقل عمرانا مما بعدهما ..."[21]
4 ــ وقد نفهم إقتراب( المشاهدة ) من المنهج العلمي التجريبى القائم على المعاينة الحقيقية والوصفية والتجارب الواقعية ، ولكنها بهذا المعنى بعيدة عن مفهومها في عصر إبن خلدون وثقافته ، فهو يربطها بالأخبار – أي الروايات – المتواترة فى رأيه . أي أن هذه المشاهدة تكون بالنقل عن الآخرين وتصديقهم فيما يقولون ، والمهم عنده أن يتواتر النقل عن أكثر من واحد . أي أنه منهج الفقهاء والمحدثين أصحاب علوم الشرع والحديث ، حين يشيع حديث ما منسوب للنبي في تواتر الإستشهاد به ويصبح معلوما من الدين بالضرورة مع أن النبي عليه السلام لم يقله ولم يعرفه عصره .
وبنفس الطريقة شاعت أخبار كثيرة عن العوالم المجهولة غير المأهولة وغير المكتشفة في الكرة الأرضية ، وبسبب شيوع هذه الأخبار وتأكيد القائلين بأنهم رأوها وزاروها إرتبطت المشاهدة بالأخبار المتواترة . وأصبح هناك تلازم بين رافدين من روافد المعرفة الجغرافية ، وهما المشاهدة والأخبار المتواترة ثم العلم اللدني الصوفي .
5 ــ وإبن خلدون بعقليته الناقدة توقف كثيرا مع الروايات الخرافية في تاريخ الأمم السابقة وانتقد المسعودي خصوصا في رواياته التاريخية ، وعرض بالنقد له في تعليله لما يتصف به (الزنوج ) حسب قوله ، من الخفة والطيش وكثرة الطرب ، وقال إنه – أي المسعودي – إكتفى بالنقل عن جالينوس والكندي من أن السبب هو ضعف " أدمغتهم وما نشأ عنه من ضعف عقولهم ، وهذا كلام لا محصل له ولا برهان فيه ". وكان تعليل إبن خلدون يرجع إلى المناخ الحار والبخار الذي يجعل الزنجي ينتشي من الفرح والسرور [22] وهو تعليل لا يزيد في سذاجته كثيرا عن رأي المسعودي .
6 ــ لقد إكتفى إبن خلدون بالإعتكاف في بيته ينقل عن السابقين معارفهم الجغرافية وينتقد منها ما لا يتفق مع وجهة نظره ، ونظرا لأنه متأثر بعصره ولا يستطيع أن يفلت من هذا التأثر فالمنتظر أن يصدق الكثير من المعارف الجغرافية لأنها أتت وفق ثقافة هذا العصر ، أي بالأخبار المتواترة .
7 ــ وعن هذا الطريق تسللت إلى عقل إبن خلدون بعض الروايات الخرافية ، وأخذت طريقها إلى المقدمة. يقول ــ مثلا ــ متحدثا عن جزر المحيط الأطلنطي ، وقد كان ذلك المحيط يمثل نهاية العالم وقتها " وإنما هي في البحر المحيط جزر متكثرة أكبرها وأشهرها ثلاثة ، ويقال أنها معمورة ، وقد بلغنا أن سفائن من الإفرنج مرت بها في أواسط هذه المائة وقاتلوهم فغنموا منهم وسبوا ، وباعوا بعض أسراهم بسواحل المغرب الأقصي وصاروا إلى خدمة السلطان ، فلما تعلموا اللسان العربي أخبروا عن حال جزائرهم وأنهم يحتفرون الأرض للزراعة بالقرون ، وأن الحديد مفقود بأرضهم ، وعيشهم من الشعير ، وماشيتهم المعز ، وقتالهم بالحجارة يرمونها إلى خلف ، وعبادتهم السجود للشمس إذا طلعت ، ولا يعرفون دينا ولم تبلغهم دعوة ، ولا يوقف على مكان هذه الجزائر إلا بالعثور لا بالقصد إليها ، لأن سفر السفن في البحر إنما هو بالرياح ومعرفة جهات مهابها وإلى أين يوصل إذا مرت على الإستقامة من البلاد التي في ممر ذلك المهب ، وإذا اختلف المهب وعلم حيث يوصل على الإستقامة حوذي به القلع محاذاة يحمل السفينة بها على قوانين في ذلك محصلة عند النواتيةوالملاحين الذين هم رؤساء السفن في البحر والبلاد التي في حفافي البحر الرومي ( المتوسط) وفي عدوته ، مكتوبة كلها في صحيفة على شكل ما هي عليه في الوجود وفي وضعها في سواحل البحر على ترتيبها ومهاب الرياح وممراتها على اختلافها ، مرسوم معها في تلك الصحيفة ويسمونها الكنباص – البوصلة – وعليها يعتمدون في أسفارهم ، وهذا كله مفقود في البحر المحيط ، وكذلك لاتلج فيه السفن ، لأنها إن غابت عن مرأى السواحل فقل أن تهتدي إلى الرجوع إليها ، مع ما ينعقد في جو هذا البحر وعلى سطح مائه من الأبخرة الممانعة للسفن في سيرها ، وهي لبعدها لاتدركها أضواء الشمس المنعكسة من سطح الأرض فتحللها ، فلذلك عسر الإهتداء إليها وصعب الوقوف على خبرها " [23]
8 ــ لقد كان المحيط الأطلنطي بالنسبة لإبن خلدون وعصره هو " بحر الظلمات " بكل ما يعنيه هذا المفهوم من رهبة وخوف وخرافات . وإبن خلدون هنا يستعمل المنطق العقلي التجريدي الذي يخدم هذه الخرافة ويؤسسها في العقول ويجعل من المستحيل على السفن أن تبحر وتكتشف هذا المحيط وما وراءه مع أنه كان يعيش في المغرب بجوار هذا المحيط .
على العكس في حالة المسعودي وحياته في العراق . والمسعودي ذكر أن رجلا من الأندلس اسمه خشخاش من قرطبة قد أبحر في المحيط مع بعض الفتيان ، وغاب مدة ثم رجع بغنائم واسعة . وأن خبره مشهور عند الأندلس ، هذا مع أن المسعودي يذكر أن البحر المحيط ( أو الأوقيانوس ، أو بحر الظلمات ، أو الأطلنطي ) قد ذكر هرقل أنه لا طريق لإقتحامه .
أي أن المسعودي ذكر الرواية ، وذكر رواية أخرى تنفيها تثبت أنه من الممكن إقتحام بحر الظلمات وقد ردد هذه الروايات عن إقتحام المحيط الأطلنطي في كتابه " أخبار الزمان " [24] ، أي أنه قبل إبن خلدون بخمسة قرون ونصف القرن أكد إحتمال وجود عالم مسكون في الجانب الآخر ، أو ما يعرف الأن بأمريكا الجنوبية والشمالية ، ولكن كان المسعودي يعيش الفترة الذهبية في الإزدهار الفكري للحضارة (الإسلامية ) ، وقد أعقب هذه الفترة منذ القرن السابع الهجري عصر التقليد ، وجاء إبن خلدون بعقليته المتفردة في هذاالعصر فأخذ ينتقد المسعودي ، إلا أنه – أي إبن خلدون – لم يستطع الفكاك من التأثر بعصره وخرافاته ، بل إستخدم عقليته في تأصيل بعض تلك الخرافات عن بحر الظلمات .
9 ــ والمسعودي لم يكن عقلية متفردة في عصره ــ عصر الإزدهار الفكريــ بينما كان إبن خلدون عقلية متفردة في عصره ( التقليد والإنحدار الفكري) ، لذا فمن الطريف أن نراهما متعادلين .
وإذا كان إبن خلدون ينتقد المسعودي ، فإن المسعودي كان ينتقد الجاحظ في آرائه الجغرافية ويتهمه بالنقل عن كتب الوراقين دون تمييز ، كما أن المسعودي كان يعول على المشاهدة والأخبار المنقولة عن المسافرين والمغامرين [25] وهو ما سار عليه إبن خلدون فيما بعد .
بين ابن خلدون والشعرانى ( 898 : 973 )
1 ـ وبنفس القدر الذي إرتفعت به عقلية إبن خلدون لتسمو به عن عصره عصر التقليد والجمود لينافس المسعودي في عصر الإزدهار الفكري ، فإن إبن خلدون بنفس القدر إبتعد عن أسوأ نتاج فكري لعصره ، وهو ما أنتجه العلم اللدني الصوفي من معارف خرافية عن الجغرافية ، وقد أتاح لها الإعتقاد في التصوف وأوليائه أن تصبح خرافات مقدسة لا يستطيع أحد وقتها أن يجادلها .
فالصوفي – تبعا لاعتقاد العصر – يأتيه العلم من لدن الله ، وينكشف عنه الحجاب البشري فيفيض الله تعالى عليه ــ بزعمهم ـ من العلم أصنافا وأنواعا . ولا بأس بأن يتحدث في المعارف الجغرافية بما لديه من خيالات وأوهام ، ولذلك كان الإعتقاد في "جبل قاف " من أسس الإيمان في العصر المملوكي . وهو جبل يقع في آخر الدنيا وتحيط به حيّة عظيمة تلتف به ، وإلى هذا الجبل يطير الأولياء في سياحتهم الصوفية ، وقد تحاشي إبن خلدون الحديث عن هذا الجبل المزعوم ، سواء في كلامه عن الجغرافيا أو في كلامه عن كرامات الصوفية . ونعطي مثلا من جغرافية العلم اللدني :
2 ــ يقول الشعراني أشهر صوفي في القرن العاشر الهجري يفتخر بكراماته " ومما أنعم الله تبارك وتعالى به علي : مساعدتي لأصحاب النوبة في سائر أقطار الأرض في حفظ إدراكهم من براري وقفار ومدائن وبحار وقرى وجبال ، فأطوف بقلبي على جميع أقطار الأرض في نحو ثلاث درج ، وإيضاح ذلك أن حكم القلب حكم المرآه المعلقة بين السماء والأرض ، فيرتسم فيها جميع العلويات والسفليات ، ويصير البصر القلبي يدركها كلها على التفصيل ، فالمدار على قوة وسع دائرة البصر لا غير ، وإن شككت يا أخي في ذلك فأمتحن ذلك بمرآه صغيرة تضعها فوق منارة عالية ، فإنك إذا قابلتها بمدينة مصر كاملة تجدها مرتسمة في تلك المرآه الصغيرة ، فأعمل يا أخي على جلاء مرآة قلبك من الصدأ أو من الغبار إن أردت العمل بهذا الخُلُق ، فإنك تطوف أقاليم الأرض كلها في مقدار ساعة .
ومما وقع لي أن شخصا من بلاد الحبشة أسلم عندنا في مصر ، فسألته عن بلده وعن الكنيسة الكبيرة التي في آخر زقاق داره ، وعن شجرة النبق التي في دار جاره ، مع أني ما رحت إليها قط بجسمي ، وإنما نظرت إليها بقلبي ، وكذلك وقع لي مع خادم نبي الله لوط عليه السلام ، لما قدم علينا مصر ، فقلت له : ما فعل شجر الليمون المغروس تجاه مقام السيد لوط ؟ فقال : موجود لم يقطع منه شئ ، مع أنني لم أره إلا بقلبي . وفي كلام سيدي أحمد بن الرفاعي رضي الله تعالى عنه ، أن القلب إذا انجلى من محبة الدنيا وشهواتها صار كالبللور وأخبر صاحبه بما مضى وبما هو آت من أحوال الناس ، وإذا صدأ قلب الفقير ( أي الصوفي ) حدثه بأباطيل يغيب منها رشد الرجل وعقله . إنتهى .
وصورة طوافي كل ليلة على مصر وجميع اقاليم الأرض أنني اشير بأصبعي إلى أزقة جميع المدائن والقرى والبراري والبحار ، وأنا أقول الله الله الله ، فأبدأ بمصر العتيقة ثم بالقاهرة ، ثم بقراها ، حتى أصل إلى مدينة غزة ثم إلى القدس ثم إلى الشام ، ثم إلى حلب ثم إلى بلاد العجم ، ثم إلى البلاد التركية ، ثم إلى بلاد الروم ، ثم أعدي من البحر المحيط إلى بلاد المغرب ، فأطوف عليها بلدا بلدا حتى أجئ إلى الإسكندرية ثم أعطف منها إلى دمياط ، ثم منها إلى أقصى الصعيد ، ثم إلى أقصى بلاد العبيد ، ثم إلى بلاد الرجر وهي أقطاع جدي الخامس ، ثم أعطف إلى بلاد التكرور وبلاد السكوت ، ومنها إلى بلاد النجاشي ، ثم إلى أقصى بلاد الحبشة ، وهي سفر عشر سنين ، ثم منها إلى بلاد الهند ، ومنها إلى بلاد السند ، ثم إلى بلاد الصين ، ثم أرجع إلى بلاد اليمن ، ثم إلى مكة ، ثم أخرج من باب المعلى إلى الدرب الحجازي إلى بدر ، ثم إلى الصفراء ، ثم إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم فأستأذنه عند باب السور ، ثم أدخل حتى أقف بين يديه صلى الله عليه وسلم فاصلي وأسلم عليه وعلى صاحبيه ، وأزور من في البقيع ، ثم اقول " سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين " وما أرجع إلى داري بمصر إلا وأنا ألهث من شدة التعب ، كأني كنت حاملا جبلا عظيما . ولا أعلم أحدا سبقني إلى مثل هذا الطواف .
وكان إبتداء حصول هذا المقام لي في سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة ، فرأيت نفسي في محفة طائرة ، فطافت بي سائر أقطار الأرض في لحظة ، وكانت تطوف بي على قبور المشايخ من فوق أضرحتهم إلا ضريح سيدي أحمد البدوي ، وضريح سيدي إبراهيم الدسوقي ، رضي الله تبارك وتعالى عنهما ، فإن المحفة نزلت بي من تحت عتبة كل من أحدهما ومرت من تحت قبره ، ولم أعرف إلى الآن الحكمة في تخصيص هذين الشيخين بذلك ، نفعنا الله تعالى بهما . والحمد لله رب العالمين .. " [26]
3 ــ ومع الإختلاف بين خرافات الشعراني في سياحته الفضائية المزعومة حول العالم وفوق الأضرحة وتحت الأضرحة وبين الخرافات الهينة التي نقلها إبن خلدون عن المحيط الأطلنطي " بحر الظلمات " مع ذلك الإختلاف الشاسع بينهما إلا أنهما اتفقا في محاولة تسويغ الخرافة وتشريعها بالمنطق الأعرج .
فإبن خلدون يعلل إستحالة الإبحار في الأطلنطي بالبخار وعدم وصول أشعة الشمس . كما أن الشعراني بعده بأكثر من قرن ونصف قرن من الزمان يعلل وصول الإنسان للعلم اللدني بتشبيه القلب بالمرآه التي تنعكس عليها صورة العالم ، وبذلك يستطيع أن يرى بقلبه كل ما في العالم إذا كان ذلك القلب صوفيا نقيا !!
والنتيجة المشتركة بين عقلية إبن خلدون وعقلية الشعراني أنهما قاما معا بتسويغ الخرافات وجعلها منطقية . وقد إقتنع العالم ( الإسلامي ) وقتها بأن ليس في الإمكان أبدع مما كان وأن هذا هو كل المعروف عن العالم .
4 ــ ومع أن المسعودي ( قبل الشعراني بستة قرون ونصف القرن ) كان قد أشار إلى عوالم أخرى في الجانب الآخر من المحيط ، فإن الشعراني ( المتوفي 972هـ) حافظ بأساطيره وخرافاته على إستمرار الجهل وسيادته . وفي الوقت نفسه كان الأوربيون يكتشفون العالم الجديد ويقيمون لهم مستعمرات في شرق آسيا وفي ربوع بلاد الجنس الأصفر ، الذين لا نجد لهم ذكرا عند إبن خلدون . . ثم إذا فرغ الأوربيون من إستعمار العالم الجديد ( الأمريكتين وأستراليا ) وإستعمار العالم القديم في آسيا ( جنوب شرق آسيا والهند ) إقتحموا علينا الأبواب في الحملة الفرنسية ، فواجهناهم بالبخاري ودلائل الخيرات !! واليوم يقتحمون المريخ ونحن مشغولون بالإختلاف في المس الشيطاني والجلباب والنقاب وفوائد البنوك والثعبان الأقرع .
( ق 2 ف 2 ) التأثر الموضوعي لابن خلدون فى المقدمة في القضايا الدينية الصوفية
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الثاني : مدى تأثر إبن خلدون بعصره في المقدمة منهجيا وموضوعيا
التأثر الموضوعي في القضايا الدينية الصوفية
عقائد التصوف :
1 ــ التصوف هو المحور الأساسي الذي دار حوله إبن خلدون في منهجه وفي تفسيراته للقضايا الدينية والتراثية ، وبعض قضايا العمران ( الإجتماع ) والفلسفة والسياسة .
2 ــ وعقائد التصوف تدور حول الإتحاد بالله ، أو زعم الصوفي أنه يترقى بالرياضات الروحية حتى يتحد بالله – تعالى عن ذلك – أو العكس ، وهو الحلول ، أي أن الله – تعالى عن ذلك – هو الذي يتحد بالصوفي ويحل فيه ، وإذا ترقى الصوفي من هذا المقام أدرك أنه ليس وحده الذي يتحد بالله أو يحل الله فيه ، بل أن كل الكون جزء من الله – تعالى عن ذلك علوا كبيرا . بل يزعمون أنه – أي الكون – هو الله ،وتلك وحدة الوجود.
3 ــ وبين الإتحاد ووحدة الوجود توجد عقيدة وسطى ، وهى وحدة الفاعل ، أي أن كل ما يصدر عن الإنسان من خير أو شر يأتي من الله وليس من الإنسان ، باعتبار أن الذات الإلهية هي المسؤولة في داخل الإنسان .
4 ــ وبالإضافة إلى تلك العقائد الصوفية ، هناك عقيدة أخرى لها جذور شيعية بحكم تأثر التصوف بالتشيع وهي الحقيقة المحمدية ، وتعني أن محمدا عليه السلام ــ فى زعمهم ـ هو نور إنبثق من الله تعالى ، قبل خلق الكون وخلق من أجله الكون ، ثم تنقل هذا النور من الله تعالى إلى آدم ثم في كل نبي إلى أن ظهر في خاتم النبيين ، وبعده تنقل في الأئمة الشيعة والأقطاب الصوفية على خلافات كثيرة ببينهم في تحديد التنقل ، منهم من يقول أنه توقف عند النبي محمد عليه السلام ،ومنهم من يتوقف به عند الأئمة الشيعة ومنهم من يتوقف به عند خاتم الولاية ، ويختلفون في تحديده .
5 ــ هذه هي العقائد الصوفية التي راجت في العصر المملوكي ، في المشرق والمغرب من العالم " الإسلامي " ، فما هو موقف إبن خلدون منها ؟ وأيها سيطر على موضوعاته في المقدمة ؟
عقيدة إبن خلدون الصوفية
مع تقدير إبن خلدون للتصوف وأوليائه إلا أنه نثر بين سطور المقدمة ما يجعل له عقيدة خاصة لاتخرج كثيرا عن عقائد التصوف .
1 ــ بالنسبة للحقيقة المحمدية نراه في الإفتتاحية يشير إلى إيمانه بها حين يقول في الصلاة على النبي " الذي تمخض لفصاله الكون قبل أن تتعاقب الآحاد والسبوت "، إلا أنه حين عرض لعقيدة المهدي المنتظر وتأثرها بالتشيع هاجم تلك العقيدة طبقا لموقفه من التشيع .
أي أنه يعتقد في الحقيقة المحمدية ولكن يقصرها على النبي ولا يقول بتنقل النور الإلهي فيمن بعده من الإئمة والأولياء من الشيعة والصوفية .
إلا أنه من ناحية أخرى في حديثه عن علم الغيب اللدني يسنده إلى أئمة الشيعة خصوصا جعفر الصادق ، ويجعل تصديقه بالغيوب التي جاءت في كتاب " الجفر " للشيعة متوقفا على صحة نسب هذا الكتاب إلى جعفر الصادق . وهنا نوع من التناقض ، وإبن خلدون يقع في التناقض كثيرا .
2 ــ وعن عقيدة وحدة الوجود لا يبدو إبن خلدون سعيدا بهذه العقيدة ، بل أنه يرى أن الصوفية القائلين بها تأثروا بالشيعة. وهذا خطأ ( خلدونى ) لأن ابن خلدون لو قرأ الرسالة القشيرية بتمعن لأدرك أن أوائل الصوفية المعتدلين – قبل الحلاج – قد قالوا بها في عصور كانوا فيها مضطهدين ، ناهيك عن الغزالي في كتابيه " إحياء علوم الدين " و " مشكاة الأنوار " .
ومع ذلك يحاول إبن خلدون أن يستجدي التعاطف مع أصحاب الشطح الصوفي والقائلين بوحدة الوجود على أساس أنه من " المتشابه " أو أنه صدر عنهم هذا الكلام في حالة غياب عن الوعي .[27]
3 ــ وفي كلامه عن ( علم الكلام ) يسطر إبن خلدون عقيدته في الله تعالى ، وموجزها الآتي : الإيمان بالخالق الذي رد الأفعال كلها إليه ( أي وحدة الفاعل ) ولانعرف حقيقته لأنها فوق إدراكنا ، والمطلوب تنزيهه عن مشابهة المخلوقين وعن صفات النقص ، ثم يقول " ثم توحيده بالإتحاد ، وإلا لم يتم الخلق للتمانع ، ثم إعتقاد بأنه عالم قادر ، فبذلك تتم الأفعال شاهد قضيته لكمال الإتحاد والخلق " [28] وهذه عقيدة توفق بين علم الكلام والتصوف ، ولا تنجو من ا لوقوع في التناقض . لأن وحدة الفاعل الصوفية تنسب النقص لله تعالى حين تجعله أساس الشرور الإنسانية . ثم إن هذا الربط بين الإتحاد والتوحيد حتى يتم الخلق فيه إنحياز ضمني لعقيدة الإتحاد الصوفية وتفسير للخلق بأنه جاء عن طريق الإتحاد ، أو بالمعنى الصوفي جاء إمتدادا لله تعالى وفيضا منه ، أو كما يقولون بأن الفارق بين الخالق والمخلوقات كالفارق بين البحر وأمواجه . أي أنه يشير إلى عقيدة وحدة الوجود التي لا يستريح إليها ، وبعد هذا يتحدث عن تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين وصفات النقص ، وأننا لا نعرف حقيقة الخالق لأنها فوق إدراكنا ، أي أن تلك العبارات على قلتها إحتوت على تناقضات شرحها يطول ، وذلك لأنه حاول التوفيق بين عقيدتين مختلفتين في المنهج ، وهما علم الكلام الأرسطي الأصل والتصوف الإشراقي ، وإن كانا معا على خلاف مع القرآن الكريم .
4 ـ والخلاصة أن إبن خلدون لم يفلت من عقائد التصوف ، ومن الطبيعي أن يتأثر موضوعيا بها . و حتى لا نتوه في تحديد هذا التاثير، وهو قاسم مشترك في العناوين والأبواب والفصول وفيما بين السطور.
وقد بدأنا بتحديد عقائد التصوف نفسه ، ويبقى أن نتتبع تأثير تفصيلاته الأساسية فى المقدمة . إذ أنه بعد عقائد التصوف الأساسية التي أشرنا إليها ، فإن الصوفي عند إبن خلدون وعصره يتمتع بالكشف – أو علم الغيب ، وبالتصريف ، أي الكرامات . وفي القضايا المرتبطة بالكشف والعلم اللدني تحدث إبن خلدون عن الوحي وعلم الغيب وعلم الحرف والتنجيم والعرافين والكهان .. الخ ، وفي القضايا المرتبطة بالكرامات تحدث إبن خلدون عن السحر والكيمياء والمطالب أي البحث عن الكنوز القديمة . والأهم من ذلك أنه ربط بين الثيوقراطية ، أو الخلافة في الدولة الدينية وبين وحدة الفاعل في عقيدة الصوفية . وكان تأثره بهذه العقيدة هائلا . وتلك أهم الموضوعات التي تأثر فيها إبن خلدون بعصره الصوفي .
ولسنا في حاجة لاستعراض آراء إبن خلدون في تلك الموضوعات ، فقد سبق ذلك في القسم الأول ، ولكننا هنا نكتفي برؤيتنا التاريخية الأصولية .
علم الغيب ( الكشف الصوفى )
1 ــ أتاح تسيد التصوف للعصر المملوكي للأولياء الصوفية أن يزعموا ما يشاءون في علم الغيب ، فأبو السعود بن أبي العشائر تحدث عن " إيضاح أحوال الملكوت والآخرة ومنازل الرجال ومراتبهم من آدم إلى يوم القيامة "، ويقول علي وفا الشاذلي " ما من نطفة توضع في رحم . . إلا وقد أطلعني الله عليها " وقال المتبولي " لاتنزل قطرة من السماء ولا يطلع نبت من الأرض إلا علمته . . وهذا أمر قد أعطيته وأنا طفل "[29] ونكتفي بهذا ، لأنه لا تكاد تخلو صفحة من كتب المناقب الصوفية في العصر المملوكي من الحديث عن مزاعم الإدعاء بالغيب .
2 ـ وكان العصر على إستعداد لتصديق مزاعم الولي الصوفي مهما قال ، وذلك يسرى ليس فقط على العلماء الفقهاء والسلاطين والعوام ، ولكن كان يسري أيضا على إبن خلدون بعقليته المتفردة التي سخرها لمحاولة تسويغ العلم اللدني أو الكشف الصوفي أو إدعاء العلم بالغيب ، وهو يتناسى حقائق القرآن في الموضوع.
حقائق القرآن الكريم فى موضوع الغيب:
1- أن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى" قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ: النمل 65" " وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ: الأنعام 59 " إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ : يونس 20""
2- الغيب نوعان ، غيب كلي ينتمي إلى عوالم الغيب، من الذات الإلهية والبرزخ واليوم الآخر والجن والملائكة والشياطين ، وهذه يستحيل على الإنسان العلم بها إلا من خلال الوحى الإلهي المكتوب والمحفوظ من التحريف . ثم الغيب الجزئي المرتبط بقصور الحواس البشرية عن إدراك ما يبعد عنها . فإذا كنت في القاهرة وأولادك في مكان آخر فلا تستطيع أن تعرف ماذا يفعلون . وهذا الغيب الجزئي يشترك فيه كل الخلق ، أي أن أولادك أيضا لا يعرفون ما تفعله وأنت بعيد عنهم ، ثم أن هذا الغيب الجزئي تضيق مساحته كلما تعاظمت قدرات المخلوقات ، فالجن مثلا بانطلاقها وقدراتها غير المحدودة تضيق مساحة الغيب الجزئي أمامها ، فإذا تم تحييد وتقييد تلك القدرات تناقص مقدار ما تعلمه من الغيب بقدر ذلك التقييد ، والدليل على ذلك أنها حين سخرها الله تعالى للعمل أمام سليمان فأنها لم تعلم بموت سليمان إلا حين سقطت جثته " { فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِين : سبأ 14}. وقد ضاقت مساحة الغيب الجزئي في عصرنا عصر ( العولمة وثورة الاتصالات ).
3- بعض الأنبياء يعطيهم الله تعالى العلم ببعض الغيب دليلا على صدقهم في النبوة ،يقول تعالى للمؤمنين في عصر النبي { وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ، وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ: آل عمران 179 } وهؤلاء الأنبياء يعلنون هذه الآية ، ويكون علمهم بالغيب الجزئي ، ويتجلى هذا في قول يوسف لصاحبيه في السجن {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي : يوسف 37} أي يخبرهما مقدما بالطعام الآتي لهما . وهذا غيب جزئي ، لأن إدارة السجن هي التي تعد ذلك الطعام ، ويقول عيسى لقومه {وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ : آل عمران 49}وهذا أيضا غيب جزئي ، وكانت معرفتهما آية تشهد بصدقهما ، عليهما السلام.
4- والنبي الذي لا يعطيه الله تعالى علم الغيب ، يبدو ذلك من سيرته ، فإبراهيم ولوط ، كلاهما لم يعلم حقيقة الملائكة التي مرت عليه وكانت متجسدة فى هيئة بشرية ( هود 69: 81) وحين يُسأل ذلك النبي الذي لم يعط علم الغيب عن تلك الغيوب فإنه يعلن عدم معرفته بالغيب ، فعل ذلك نوح حين قال لقومه {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ : هود 31} وفعل ذلك خاتم النبيين عليه وعليهم السلام ، حين كرر مقالة نوح {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ: الأنعام 50} والفارق بين مقالتي نوح ومحمد عليهما السلام أن محمدا كان مأمورا بإعلان أنه لايعلم الغيب ، بكلمة " قل ".
5- وقد تكرر هذا الأمر للنبي محمد بقل مقترنا بأنه عليه السلام يتبع الوحي، مما يؤكد على أنه لم يتحدث مطلقا في الغيوب التي لا يعلمها ، من ذلك قوله تعالى له {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ : الأحقاف 9} وقد يتكرر هذا الأمر مقترنا بإثبات أن بعض الأنبياء كان يعلم بعض الغيب ، ولكن النبي محمدا لا يعلمه{قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً، عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ: الجن 25: 27 } وقد يتكرر الأمر بقل ليؤكد مرات عديدة على أنه لا يعلم الغيب ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ، وأنه مجرد نذير وبشير (الأعراف 187: 188) هذا بالإضافة إلى الآيات العديدة الأخرى التي تحتاج بحثا مستقلا .
6- الإيمان بالنبي محمد عليه السلام يستلزم الإيمان بأنه بلغ الرسالة والتزم بتنفيذ أوامر ربه، فإذا كان الله تعالى قد أمره أن يعلن أنه لا يعلم الغيب فلابد أن نؤمن أنه لم يتحدث في الغيب الكلي أو الجزئي ، وإذا كان الله تعالى قد هدده أنه إذا تقول على الله شيئا في كلامه أو في كتابه فإن الهلاك سيحيق به ( الحاقة45: 47 ) وحيث أن ذلك لم يحدث للنبي فهي شهادة من الله تعالى لرسوله الكريم بأنه بلغ الرسالة كما هي ، وأنه التزم بأوامر الله تعالى فلم يتحدث في الغيب أو في أي منطقة محظور عليه الحديث فيها . ويترتب على ما سبق أن كل الأحاديث المنسوبة للنبي في الغيب باطلة وأن الإيمان بها تكذيب للنبي والقرآن ، واتهام لخاتم النبيين بعصيان أوامر ربه . وتلك الأحاديث المنسوبة للنبي في أمور الغيب تشمل الحديث عن غيوب الماضي ( الأمم السابقة ) وغيوب المستقبل في الدنيا ( مثل التبشير بالجنة ، إختلافات الأمة ، وأحاديث الخلافة ، الخ ) وغيوب اليوم الآخر ( مثل موعد قيام الساعة ، وعلامات الساعة ، ومظاهر القيامة ، من بعث وحشر وشفاعة وميزان وحوض . . الخ ) وكلها أكاذيب ينبغي إذا كنا نحب النبي عليه السلام فعلا أن نبرأ الرسول منها ، وإلا أصبحنا ضمن أعداء النبي الذين وصفهم الله تعالى بأنهم هجروا القرآن ( الفرقان 30، 31 ) كما وصفهم بأتباع الأحاديث الشيطانية المخالفة للقرآن ( الأنعام 112: 117).
7 ــ وفيما يخص موضوعنا عن مزاعم الصوفية العلم بالغيب ودفاع إبن خلدون عن ذلك ، فإنه إذا كان خاتم النبيين صاحب الوحي والرسالة لم يكن يعلم الغيب ، فغيره من المؤمنين أولى ، خصوصا وأن الله تعالى يخاطب المؤمنين يقول { وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ : آل عمران 179 } . أما بالنسبة لمن لا يتبع الحق فإن من السهل عليه أن يزعم العلم بالغيب ، وهنا ننصح بقراءة الآيات القرآنية التي ترد على المشركين زعمهم بأن أولياءهم يعلمون الغيب ، مع هؤلاء الأولياء موتى في القبور لا يعلمون موعدهم عند البعث ( النحل 19: 21، النمل 65"> 2 ــ وهناك تقسيم آخر للوحي الإلهي ، فقد يكون ذلك الوحي رسالة سماوية تحملها الملائكة المختارة إلى الأنبياء المرسلين وهم بشر مختارون : {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ: الحج 75 } وجبريل هو رسول الوحي الإلهي للأنبياء ،لذا فإن كلمة الروح في القرآن لا تأتي إلا وصفا لجبريل ووظائفه في نفخ النفس في آدم والمسيح ، وفي النزول بالوحي ، وفي تثبيت المؤمنين ، ثم تأتي بالتبعية وصفا للقرآن والمسيح بسبب العلاقة ، وهذا هو المعنى الحقيقي للروح ، أما ما في داخل الإنسان فهي نفس وليست الروح .
3 ـ وعلى هامش الوحي الإلهي وتثبيت من هم حول النبي يأتي وحي آخر لغير الأنبياء ، يكون إلهاما بطريقة خاصة ومحددة ، ومنها وحى الله تعالى لأم موسى ( طه 28 القصص 7، 10) وأم عيسى ( آل عمران 41: 42) وللحواريين ( المائدة 111). وأولئك الذين نزل عليهم الوحي بمعنى الإلهام كانوا عونا للرسالة أو صاحبها ، ولم يتاجر أحدهم بذلك الإلهام ، ولم يزعم النبوة أو العلم اللدني الإلهي ، أو الألوهية والإتحاد بالخالق جل وعلا . إذ أن تلك المزاعم وجدت طريقها عبر نوع آخر من الوحى ، هو الوحي الشيطاني .
الوحى الشيطانى
1 ـ ذلك أن الوحي على عمومه ينقسم إلى نوعين : وحي إلهي بالقوانين التشريعية للأنبياء أو بالإلهام لصالح النبوة ، أو للملائكة رسلا بين الله تعالى والبشر ، وأما بالقوانين الطبيعية داخل الكون المادي والكائنات الحية ، ثم وحى شيطاني يأتي نقيضا للوحي الإلهى يحاول اضلال البشر .
2 ــ وقد تعرض القرآن الكريم لملامح ذلك الوحي الشيطاني من خلال عدة مستويات : ـ
2 / 1 : تارة في توضيح الفارق بين الوحي الشيطاني والوحي الإلهي ، فالقرآن تنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين جبريل على قلب النبي ليكون من المنذرين وذلك بلسان عربي مبين ، ولايمكن للقرآن أن تتنزل به الشياطين إذ أنه عن السمع معزولون ، ثم يخبر القرآن على من تتنزل الشياطين ، إنها تتنزل لتوحي على كل كذاب افاك أثيم ( الشعراء 192 – 210 – 221).
2 / 2 : وتارة في توضيح الفارق بين النبي الذي يتلقى الوحي ألإلهي وبين أعدائه الذين يتلقون الوحي الشيطاني ، فيخبر رب العزة جل وعلا أن لكل نبي عدوا من شياطين الأنس والجن ، يوحي بعضهم إلى بعض أحاديث من زخرف القول يغتر بها البشر حين يصدقونها ، ويصغون إليها ويقترفون على أساسها الشرور ( الأنعام 112: 113) وتأسيسا على ذلك فهم يهجرون القرآن مما يجعل النبي محمدا يوم القيامة يشكو قومه الذين هجروا القرآن ، وهم بذلك يستحقون الوصف بأنهم أعداء النبي ( الفرقان 30: 31) . 2 / 3 :ويتبع ذلك حديث القرآن عن إتباع الوحي الشيطاني وهم يحاولون إغراء المؤمنين بالجدال في آيات الله { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ : الأنعام 121}.
3 ــ وتارة يتحدث القرآن عن آلية الوحي الشيطاني أثناء نزول القرآن ، وبعد اكتمال الوحي القرآني ، فأثناء نزول القرآن كان الجن والشياطين ممنوعين من الإقتراب والتسمع ، حيث كان الوحي يتنزل مرورا بعوالم البرزخ ، وهو نفس المستوى الذي تعيش فيه الجن والمطرودون من عالم الملائكة حيث أصبح إبليس من الجن بعد لعنه وطرده من عالم الملائكة ، وهذا العالم البرزخي تخترقه الملائكة وهي تحمل الوحي ، ومن المنتظر أن تسترق الجن والشياطين إهتزازات الوحي بين السماء والأرض ، وهي تمر بعالم البرزخ ، ومن هنا كان حجبها ومنعها عن التنصت واستراق السمع ( الجن 8: 10 ، الصافات 7: 10) وذلك معنى حفظ الله تعالى للقرآن ، إنه حفظ في التنزيل وحفظ في التدوين وسيبقى محفوظا بقدرة الله تعالى في لفظه ونصه إلى قيام الساعة " {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. الحجر 9}.
4 ــ وقبل نزول القرآن إستطاع الوحي الشيطاني أن يتداخل بالتحريف في الرسالات السماوية السابقة ، ثم نزل القرآن الكريم مهيمنا على الكتب السماوية السابقة ومصدقا للحق الذي جاء فيها . وبسبب حفظ الله تعالى للنص القرآني في التنزيل والكتابة والتدوين ، فإن المجال المتاح أمام أتباع الوحي الشيطاني هو في تحريف المعاني وتغييرها ، وفي الكذب على الله تعالى ورسوله في أحاديث تسمى بالقدسية أو النبوية ، وهي تنوء بما تحمل من إسرائيليات ، بالإضافة إلى الإسرائيليات الأخرى في العلم المسمى بالتفسير ، وهذا يعنى إستمرار الوحي الشيطاني بعد اكتمال الوحي القرآني وحفظه .
5 ــ والله تعالى حين تحدث عن شياطين الجن والإنس الذين يوحي بعضهم إلى بعض إستعمل اللفظ المضارع الذي يفيد الإستمرار ، ثم أكد جل وعلا أن مشيئته الإلهية إقتضت السماح بوجود الوحي الشيطاني نقيضا للوحي الإلهي فقال{ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ: الأنعام 112} وهكذا فالوحي الإلهي الحق محفوظ وباق ، وكذلك الوحي الشيطاني موجود وباق ، وذلك إختبار للبشر وإختيار . فالإختبار للبشر في حريتهم في اختيار حديث الله تعالى في القرآن ، أو الأحاديث المنسوبة كذبا لله تعالى أو رسوله ،ولا يمكن الجمع فى الايمان بهما معا ، فإذا آمنت بحديث الله جل وعلا فى القرآن فلا بد أن تؤمن به وحده ، بحيث لو آمنت معه بحديث آخر أصبحت كافرا ، وهذا معنى قوله جل وعلا : (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) الاعراف ، المرسلات 50 ) (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) الجاثية ) .
6 ــ وفي سورة الحج بخير رب العزة إن كل رسول أو نبي كان يتمنى هداية قومه ولكن الشيطان بوحيه يعطل تحقيق هذه الأمنية ، فينسخ الله تعالى وحي الشيطان ، أي يسمح بكتابته وتدوينه ، والنسخ في مفهوم القرآن يعنى الكتابة والإثبات ، وليس الحذف والإلغاء ، ثم يحكم الله تعالى آياته ، وذلك حتى يكون الوحي الشيطاني المكتوب في نسخ وكتب فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ، بينما يكتفي أولو العلم بالوحي القرآني الحق ( الحج 52: 54).
7 ــ ومن آليات الوحي الشيطاني المشار إليها في القرآن الكريم أن الوسوسة الشيطانية يتلقاها كل البشر حتى المتقين ، ولكن المتقين يسارعون بالإستعاذه بالله من الشيطان الرجيم . أما أتباع الشيطان فتكون له السيطرة عليهم ( النحل 98، الإسراء 63ـ الأعراف 20) وتتنوع هذه السيطرة وتتدرج في دركات الضلال ، من تبرير المعصية إلى النفاق والشرك والكفر ، ثم تتخذ في النهاية طابعا مرضيا بالوسواس القهري والمنامات واختراع الأحاديث الكاذبة ونسبتها لله تعالى في تجارة الدين ، وذلك معنى المس الشيطاني الذي يحتل الدرك الأسفل من الضلال والإضلال في مقابل التقوى ، ويكفينا في المقارنة بينهما قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ، وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ:الأعراف 201: 202}.
وكان الوحي الشيطاني عاما في العصر المملوكي :
شمل مروجي الأحاديث الضالة بين أهل الحديث والصوفية ، كما شمل أصحاب المنامات والهاتف ، ولم يخرج عنه بقية الدجالين من المهووسين بالكيمياء وبالمطالب ، أي البحث عن الكنوز الفرعونية . وعقلية إبن خلدون في تمردها على عصرها بين سطور المقدمة أشارت إلى ذلك الهوس أو الوسواس الشيطاني القهر لدى أولئك ، فقال على من أصيب بوسواس المطالب " أن يتعوذ بالله من العجز والكسل في طلب معاشه وينصرف عن طريق الشيطان ووساوسه ".[30]
الوحي في التراث الصوفي
1 ــ أما عن الوحي في التراث الصوفي فيكاد يظهر في كل صفحة فيه خلال المنامات والهاتف ، من رسالة القشيري ، وحتى العصر المملوكي في تراثه الصوفي والفقهي أيضا .
2 ــ ونعطي بعض أمثلة من كتاب " لطائف المنن " لإبن عطاء الله السكندري ، وهو كتاب مشهور بالإعتدال كتبه إبن عطاء في مناقب شيخيه أبي العباس المرسي وأبي الحسن الشاذلي ، فالمرسي يقول " سمعت البارحة يقال لي : السلام عليكم يا عبادي )، وزعم آخر أنه وجد نفسه في الجنة تعرض عليه بحورها وقصورها ، وقيل له " يا عثمان لو وقفت مع الأولى لحجبناك عن الثانية ..." ، ويقول الشاذلي " إن الله تعالى عاتبه فقال له : ياعلي إف لمن يكون الكلب أزهد منه " وقيل له أيضا " من علامة الصديقية كثرة أعدائها " وقال الشاذلي " لما علم الله ما يقال في أوليائه والصديقين ، فبدأ بنفسه فقضى على قوم أعرض عنهم فنسبوا إليه الزوجة والولد ، فإذا قيل في صديق أنه زنديق أو قيل في " ولي " أنه غافل عن الله غوى ، فإن ضاق الولي أو الصديق بذلك ذرعا قيل له – أي جاءه الوحي : الذي قيل فيك هو وصفك لولا فضلى عليك ، وقد قيل في ما لا يستحقه جلالي "، أي أن الصوفي إذا هوجم جاءه الوحي الإلهي يهون عليه بأن الله تعالى ذاته يتعرض للهجوم والإفتراء ، أى إنه – جل وعلا فى زعم الشاذلى – أتاح للناس أن يهاجموه حتى لا يتضايق الولي الصوفي إذا هوجم ، وهكذا حمل الوحي الصوفي كل إفتراء الصوفية على الله تعالى ودينه. وفي موضع آخر يقول أبو الحسن الشاذلي " رأيت كأني بين العرش فقلت يارب يارب ، فقال : لبيك لبيك ، فقلت يارب ، فاهتز العرش ، فقلت يارب ، فاهتز اللوح المحفوظ والقلم ، فقلت : اسألك العصمة ، فقيل لي : لك ذلك "[31]
الكشف والتنجيم في العصر المملوكي :
1 ـ واعتقاد إبن خلدون في التنجيم جاء متسقا مع عصره ، ليس فقط في سيطرة التصوف ، ولكن لما أشار إليه إبن خلدون من إهتمام السلاطين بمستقبلهم السياسي ، وذلك في عصور كان من السهل أن تقوم فيها دولة على حساب أخرى ، أو يسقط فيها سلطان ويرتفع فيها سلطان آخر . وقد عاب إبن خلدون دور هذه المعتقدات في " تطاول الأعداء " وقيام الفتن والثورات [32].
2 ــ وحياة إبن خلدون السياسة التي تقلب فيها بين دول وإمارات تونس والجزائر والمغرب والأندلس أعطت له بلا شك شواهد على ذلك ، إلا أن شواهد العصر المملوكي كانت أكثر تأثيرا في مصر والشام .
3 ــ والخصوصية هنا تتمثل في أن السلطة المملوكية كانت لا تأبه كثيرا بمنطق الوراثة في الحكم ، وإنما بمقدرة الأمير المملوكي الطموح على إجادة فن التآمر لكي يصل إلى السلطنة ويقتل السلطان القائم الضعيف أو القوي ، أو ينفيه عن الحكم . حيث تساوى المماليك كلهم في الأصل والجلب من الخارج ، والتفاضل بينهم هو في مقدار الطموح للسلطة والمهارة في الوصول إليها . ، وهنا يأتي دور التبشير بالسلطنة فى تشجيع الأمير الطموح ، فهذا التبشير بالسلطنة لهذا المير أو ذاك يأتي من شيخ صوفي دجال يزعم العلم بالغيب ، ويؤمن العصر بعلمه بالغيب ، ونفس الحال مع أى دجال آخر يحترف التنجيم أو علم الحرف ، وتتعاظم الصلة بين أولئك وأولئك ، من الشيوخ الصوفية أو المنجمين ومن الأمراء والسلاطين . ومن الطبيعي أن تكون تلك البشارات بالسلطنة من عوامل الفتن تزيد من حدتها ، وكان من الطبيعي في ذلك الجو المضطرب بالفتن أن يبحث الشيخ الصوفي عن مملوك طموح فيغذي طموحه بتبشيره بالسلطنة ، ويسعى ذلك المملوك لها ، وعندما ينجح في الوصول إلى الحكم يعتقد في ولاية شيخه الصوفي الذي تنبأ له وبقربه منه ويسمع له ويطيع في سلطنته ، أما إذا فشل ذلك المملوك فسيكون مصيره الإختفاء بالقتل أو النفي ، وتختفي معه نبوءة الشيخ بالسلطنة .
وهكذا ، أفلحت تلك اللعبة الصوفية، ووصل بها كثيرون من الشيوخ إلى موقع الحظوة والـتأثير السياسي ، وأبرزهم الشيخ خضر العدوي الذي بشر الأمير بيبرس البندقداري بالسلطنة ، وعندما وصل بيبرس إلى السلطة إعتقد في كراماته ، وأصبح للشيخ خضر العدوي نفوذ هائل في سلطنة الظاهر بيبرس الذي كان لا يسمح لأحد أن ترتفع رأسه في عهده [33] . وعن هذا الطريق توصل قطب الدين الهرماس للسلطان حسن القلاووني وعلا شأنه معه حتى صار يدخل عليه بلا إذن [34] ، واشتهر القاضي شهاب الدين المالكي بسوء سيرته وجهله إلا أن السلطان الأشرف برسباي لم يسمع فيه أحدا لأنه كان يعتقد ولايته حيث بشره بالسلطنة ، وكان برسباي وقتها في السجن [35] .
4 ــ واستفاد المنجمون من هذا الجو فراج أمرهم مثل إبن الشاهد المنجم الذي " راج أمره عند الظاهر برقوق فولاه مشيخة الطريقة وانصلح حاله " على حد قول إبن حجر [36] وبعد برقوق إستمرت شهرة المنجمين وتكاثروا حول الأمير شيخ يبشرونه بالسلطنة [37]. وكان ذلك متوقعا لأن الأمير شيخ وقتها كان " نجمه " في صعوده كمرشح للسلطنة ، وفعلا تولاها فيما بعد .
5 ــ ولقد اقتصرنا على الإشارة إلى التنجيم السياسي أو تدخل التنجيم والعلم اللدني في التبشير بالسلطنة ، وهو نوع من التحايل على السلاطين والأمراء . ولكن التحايل بالعلم اللدني والكرامات المزعومة تطرق إلى نواحي إجتماعية وإقتصادية ، أجبرت إبن خلدون على أن يهاجم منتحلي الكيمياء والنجوم والمطالب لخداع الناس . ومن هنا وجب علينا أن نلقي الضوء على ذلك من التاريخ الإجتماعي للعصر المملوكي لنرى كيف كان إبن خلدون متسقا مع عصره في هذه القضايا ومتأثرا به .. حيث استقرت الحياة الاجتماعية في مصر وكثرت المصادر التاريخية بحيث يمكن رصد تأثرها بالعقائد التي تأثرت بها المقدمة أكثر من مجتمع إبن خلدون نفسه .
( ق 2 ف 2 ) التأثر الموضوعي في القضايا الإجتماعية : من ملامح التاريخ الإجتماعى الذي يتفق مع المقدمة
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الثاني : مدى تأثر إبن خلدون بعصره في المقدمة منهجيا وموضوعيا
التأثر الموضوعي: في القضايا الإجتماعية : من ملامح التاريخ الإجتماعى الذي يتفق مع المقدمة
التحايل والعلم اللدني
1 ـ وإدعاء العلم اللدني ومشتقاته هو الأساس في ممارسة الصوفية للتحايل ، وإذا راجعنا أقاويل الصوفية المشهورين في عصرنا المملوكي أيقنا أنهم لا يختلفون عن باقي المشعوذين ، فالدسوقي يقول " إذا كمل العارف في مقام العرفان أورثه الله علما بلا واسطة وأخذ العلوم المكتوبة في ألواح المعاني ففهم رموزها وعرف كنوزها وفك طلسماتها وعلم إسمها ورسمها ، وأطلعه الله تعالى على العلوم المودوعة في النقط ، ولولا خوف الإنكار لنطقوا بما يبهر العقول. وكذلك لهم من إشارات العبارات عبارات معجمة وألسن مختلفة ، وكذلك لهم في معاني الحروف والقطع والوصل والهمز والشكل والنصب والرفع ما لا يحصر ولا يطلع عليه إلا هم ، وكذلك لهم الإطلاع على ما هو مكتوب على أوراق الشجر والماء والهواء وما في البر والبحر وما هو مكتوب على صفحة قبة خيمة السماء وما في جباه الإنس والجن مما يقع لهم في الدنيا والآخرة ، وكذلك لهم الإطلاع على ما هو مكتوب بلا كتابة من جميع ما فوق الفوق وما تحت التحت " [38]
2 ـ وكان أبو العباس المرسي " يتحدث في العقل الأكبر والإسم الأعظم وشعبة الأربع والأسماء والحروف ودوائر الأولياء وإمداد الأذكار ومقامات الموقنين والأملاك المقربين عند العرش وعلوم الأسرار وإمداد الأذكار ويوم المقادير وشأن التدبير وعلم البدء وعلم المشيئة وشأن القبضة ورجال القبضة وعلوم الأفراد وما سيكون يوم القيامة من أفعال الله مع عباده .. الخ [39] وكان يقول " لولا ضعف العقول لأخبرت بما يكون غدا ، وكان يمسك بذقنه ويقول لو علم علماء العراق والشام ما تحت هذه الشعرات لأتوها ولو سعيا على وجوههم [40].
3 ـ وادعى أفضل الدين الشعراني أنه إستخرج من سورة الفاتحة مائتي ألف علم ونيفا وأربعين ألف علم [41] ،
4 ـ وإبراهيم المتبولي ، كان صوفيا أميا ومع ذلك يقول أعطيت إستخراج العلوم من القرآن العظيم من فقه وأصول ومعان وبيان وجدل وعروض وغير ذلك ، فلو جلس إلى مصنف نظيف القلب من الأدناس خال من الحسد لبينت له مادة كل علم وأوضحت له ذلك حتى لا يبقى عنده في ذلك شك [42] ويقول المتبولي أيضا " لا يكمل الرجل عندنا حتى يعلم حكمة كل حرف تكرر في القرآن ويخرج منه سائر الأحكام الشرعية إذا شاء " [43] .
علوم وهمية للتحايل
1 ـ لقد ادعى بعضهم علوما وهمية لا جود لها إلا في مخيلته ، واخترع لها العناوين مثلما فعل الدسوقي والمرسي ،وآخرون ادعوا علوما محددة وثيقة الصلة بادعاء العلم اللدني مثل علم الحرف والسيمياء والاسم الأعظم والمطالب والرمل ، هذا بالإضافة للكيمياء وهي بدورها وثيقة الصلة بادعاء الكرامات .
2 ـ وقد وصف الكثيرون بمعرفة تلك العلوم مجتمعة فقيل عن الشيخ أمين البرهان الطيب ت 743 أنه كان عالما بالكيمياء " إلى غير هذا مما كان مغري به من الروحانيات واعتقاد ما يقال من المخاطبات النجومية "[44] وكان شيخ الطريقة إبن الشاهد المنجم ت 801 " عارفا بحل الزيج متقنا لكيفية عمله في كتابه التقاويم وكان يعرف الضرب بالرمل وغير ذلك من الأمور الغيبية مع سلامة فيه وملازمة لبيته " [45] أي مع اتصافه بالصفات الحسنة كان يدعي علم الحرف ويضرب الرمل وعلم الغيب ، وبسبب معرفة أحدهم بالرمل وغيره – كما يقال عن إبن الميقاتي ت 801 قربه الظاهر برقوق وجعله شيخ طريقة [46].
أما إبن زقاعة ( 724 – 816) فقد كان مشهورا – في اعتقاد عصره – بكونه " إماما بارعا متفننا في علوم كثيرة ولا سيما معرفة النبات والأعشاب والرياضة والتصوف " مع علم الحرف ومعرفة الإسم الأعظم والنجوم والكيمياء [47] وحين تجرد إبن بهادر ت 816 للتصوف وتعلم علم الحرف وأقام بمنزله قصده الناس لتعلم علم الحرف على يديه خصوصا وقد كان يدري " طرفا من الشعوذة والكيمياء " على حد قول إبن حجر [48]. وقال السخاوي عن الشيخ بلال الحبشي ت 876 " تعانى علم الحرف واشتغل بالكيمياء مع إلمامه بالتصوف ومحبته في الفقراء والخلوة "[49] وكان إبن قرقماس الحنفي ت 882 يدعي معرفة علم الحرف وعلم الكيمياء وهو شيخ لتربة الظاهر خشقدم [50] وتأثر الكثيرون بما أحدثه التصوف من رواج لهذه العلوم الوهمية فوصف كثيرون بمحاولة تعلمها ، فالمقريزي المؤرخ المشهور قال عنه السخاوي أنه كان يعلم الرمل والإصطرلاب والميقات [51].
3 ـ وإذا كان كبار الصوفية يجعلون من ضرب الرمل مجديا في معرفة الغيب إلى درجة أن يتأثر المقريزي نفسه بذلك فإن المنتظر أن يكون العامة أكثر اعتقادا في ضرب الرمل ، ولابد حينئذ أن يكثر مدعو علم الرمل ، وقد كان ذلك قبل عصر المقريزي الذي ذكر بنفسه في السلوك أن الناصر محمد منع الجالسين في الطرقات لضرب الرمل والتكسب بذلك " [52] وكان ذلك في حوادث سنة 735 ، وبعدها بقرنين إنتشر الدجالون مدّعو هذه العلوم الخرافية ، واكتشف الناس أمرهم فاستنكف الشعراني منهم ، فالشعراني يفتخر بكراهيته منذ صغره لتعلم علم الحرف وعلم الرمل والهندسة والسيمياء وغيرها من علوم الفلاسفة وزجر أصحابه عن تعلم ذلك " فإنها أمور إنما يفعلها المفلسون من صفات الصالحين فيريدون أن يكون لهم تأثير في الوجود تشبها بالصالحين ".[53]
علم الحرف
1 ـ تكلم إبن خلدون عن ارتباطه بقسمة الطبائع من الماء والهواء والنار والتراب وبالأعداد ، وذكر طريقة حساب النيم وهي حساب للحروف الأبجدية من الواحد إلى الألف آحادا ، وعشرات ومئات وألوفا . فلكل حرف عدد يساويه ومن مجموع حروف إسم الشخص يمكن جمع القيمة العددية ويعرفون طالعه كما يزعمون .
2 ـ وقد ظل علم الحرف تقليدا صوفيا معمولا به حتى أوائل هذا القرن يقول أحمد أمين " يزعمون أن لكل حرف سرا وأن أسرار القرآن كلها وضعت في سورة الفاتحة لأن سر الفاتحة وضع في البسملة وأن أسرار البسملة وضعت في حرف الباء وهكذا . وكل حرف له خواص وله أعداد ، ومن ذلك حروف الجمل وتقابل أبجد هوز ، الخ فالألف بواحد والباء بإثنين ، ويقولون أن بعض هذه الحروف ناري والآخر ترابي ، وهوائي ومائي والأعداد للحروف كالأجساد للإنسان وللحروف قوة في باطن العلويات ولها هوة في باطن السفليات ، وبعضهم يجعل للحروف طبائع فبعضها حار وهي ا، و ، ن ، م ، ع وبعضها يابسة وهي س ف ب ج وبعضها رطبة وبعضها باردة وللحروف إتصالات بالبروج معقدة تسبب العداوة والبغضاء والسعادة والشقاء ولهم في ذلك حساب طويل وكتب خاصة "[54] .
3 ـ ووضحت تطبيقات علم الحرف فيما كتبه أحمد أمين آنفا ، وذلك ما كان معمولا به في العصر المملوكي كمحاولة لمعرفة الغيب ، فشاع إستخدام الحروف وإعدادها ، فالسلطان الظاهر تمربغا المملوكي الرومي الأصل ت879 كان يتوهم طول مدته في الحكم وأن الأمر عاد إلى الروم وأخذ ذلك من قوله تعالى " سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ"حيث كانت الباء باثنتين والعين بسبعين والضاد بثمانمائة ، بل زعم أن طالبا شاميا أخبره أنه سمع بسلطنته في مدينة غزة ، وانه أخبر بدمشق بمشاهدة درهم عتيق مسكوك باسم الظاهر تمربغا ، ويعلق السخاوي قائلا : فالله أعلم [55] . وقال شيخ الرباط بالخانقاه البيبرسية ، كان أول خروج تيمورلنك في سنة عذاب " يشير إلى أن أول ظهوره سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة لأن العين بسبعين والذال المعجمة بسبعمائة والألف والباء بثلاثة ، وعد إبن حجر هذه المقالة من لطائف شيخ الرباط [56] وقالوا عن السلطان العزيز يوسف بن برسباي " كانت مدته أربعة وتسعين يوما " ومن الإتفاق الغريب أن عدة حروف عزيز بالجمل أربعة وتسعين [57] مع أن مدة سلطنته فيها شك كبير .
وقال إبن إياس عن إنقراض الدولة القلاوونية " وقد صح ما أخبر به أرباب الملاحم " ووفق بين تاريخ إنقراض الدولة ، وأبيات من الشعر قيلت في ذلك بعد قيام الدولة البرجية [58] ومعناه أن أصحاب علم الحرف كانوا يحاولون إثبات دعواهم بشتى الطرق .
4 ــ ومن مشاهير الأولياء الصوفية المعتقدين أصحاب علم الحرف كان شرف الدين الإخميمي ت 648[59] ، وأبوذر 780 [60] الذي قدم القاهرة وكان يعرف علم الحرف ويدرس كتب إبن عربي فاعتقده الناس ، ومثله شهاب الدين أبو العباس الذي كان معاصرا له وقدم مصر وأقام"_ftnref64" title="">[64] ، وإلى علم الحرف نسب الشيخ محمد بن على" الحرفي " ت806 الذي كان من خواص الملك الظاهر [65]. وكان علم الحرف من ضمن العلوم التي درسها زكريا الأنصاري ، أخذه عن إبن قرقماس الحنفي [66] وقال الشاعر إبن نباته :
عندي غلام بعلم الحرف مشتغل وأي حرف إلى الفحشاء منحرف
أحكي الأنام لدال في تفاجعه وأنفق الناس من ميم على ألف [67]
5 ـ وبعضهم ساعدته الظروف فوصل بعلم الحرف إلى الشهرة لدى الحكام ، ومنهم إبن زقاعة ت 816 الذي " كان عارفا بالأوفاق وما يتعلق بعلم الحرف مشاركا في القراءات والنجوم وطرف من الكيمياء ، وقد عظمه الظاهر – برقوق – جدا بحيث كان لا يسافر إلا في الوقت الذي يحدده له " [68] والناس فيه فريقان فريق على أنه ولي ويحكي عنه خوارق ، وفريق يزعمون أنه مشعوذ " وظهر تحايله لدى السلطان برقوق فأعرض عنه ثم ما لبث أن علا نفوذه لدى إبنه السلطان الناصر فرج حتى كان لا يخرج إلى الأسفار إلا بعد أن يأخذ له الطالع ، إلا أن السلطان التالي المؤيد شيخ نقم عليه وأهانه ثم أعرض عنه فترك القاهرة [69] .
وقال المقريزي عن الشيخ الزعيفريني ت 830 " كان يزعم معرفة الحرف ويستخرج من القرآن ما يريد معرفته من الأخبار بالمغيبات " [70] أي أن المقريزي لا يصدقه ويعتبره محتالا ، وذلك ما قاله عنه السخاوي المؤرخ " كان يزعم أنه يعلم علم الحرف ويستخرج من القرآن ما يعلم به علم المغيبات ، وخدع بذلك طائفة من الأمراء في الأيام الناصرية وغيرهم من الأكابر "[71]والخداع معناه الحصول على أموال كثيرة يقول عنه إبن حجر " كان يتكلم في علم الحرف ويخبر عن المغيبات لذلك مال إليه جماعة من الأكابر وأثرى " [72] .
وقال إبن حجر عن "> 6 ــ وقد وقف بعض الفقهاء من علم الحرف موقف المعارضة ، فيقول عنه الذهبي " إن الدخول في علم الحرف ينافي طريق السلف ، وهو في شق وما جاء به الرسول في شق وهو في حرمة الله تعالى بقوله : وإن تقولوا على الله ما لا تعلمون ، وقال النبي (ص) إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، وعلم الحرف يشبه الكهانة والنجوم ، بل هو شر منه فنسأل الله أن يحفظ علينا إيماننا "[75].
" السيمياء ":
من تطبيقات علم الحرف وتخصصت كما يقول السبكي في إحداث المرض أو المحبة أو البغض أو التفريق بين الزوجين على وجه الحقيقة ، أو تكون تخييلا لا حقيقة له ، ويفرق بينها وبين الشعوذة في أن الأخيرة مبنية على خفة اليد والأخذ بالبصر [76] ورأينا اتصاف الكثيرين بعلم السيمياء ، ومن ذلك ما يقال عن الهرماس الصوفي أنه " كان يعرف أشياء عن السيمياء " [77] .
المطالب :
1 ـ وهي عبارة عن طلب إستخراج الكنوز المدفونة في باطن الأرض من آثار الفراعنة ، وطالما أن العصر المملوكي يعتقد في علم الصوفية بالغيب فمن المنتظر أن يكون " علم المطالب " من ممارسات الصوفية وطرقهم في التحايل .
2 ــ وقبل العصر المملوكي زار مصر المؤرخ الطبيب عبداللطيف البغدادي وقال عن آثارها " ومازالت الملوك تراعي بقاء هذه الآثار وتمنع من العبث فيها والعبث بها وإن كانوا أعداء لأربابها .. وأما في زمننا هذا فترك الناس سدى وسرحوا هملا وفوضت إليهم شئونهم فتحركوا بسبب أهوائهم وجروا نحو ظنونهم وأطماعهم .. فلما رأوا آثارها هائلة راعهم منظرها وظنوا ظن السوء .. وكان جل انصراف ظنونهم إلى معشوقهم .. وهو الدينار .. فهم يحسبون كل علم يلوح لهم أنه على مطلب وكل شئ منظور في جبل أنه يفضي إلى كنز ، وكل صنم عظيم أنه حاصل لمال تحت قدميه ، فصاروا يعملون الحيلة في تخريبه ويبالغون في تهديمه ، ويفسدون صور الأصنام إفساد من يرجو عندها المال .. وينقبون الأحجار نقب من لا يتماري أنها صناديق مقفلة على ذخائر .. ومن كان من هؤلاء له مال أضاعه في ذلك ، ومن كان فقيرا قصد بعض المياسير وقوى طمعه وقرب أمله بأيمان يحلفها له ، وعلوم يزعم أنه استأثر بها دونه وعلامات يدعي أنه شاهدها " [78] .
وقد وضح في هذا النص ما عاينه عبداللطيف البغدادي من تدمير للآثار الفرعونية بحثا عن الكنوز والمطالب ، وكيف أضاعوا الأموال في ذلك البحث المحموم ، والسلطة الأيوبية لم تتدخل في الأمر وتركتهم وشأنهم ، وأن بعض الفقراء – أي الصوفية – كانوا يخدعون الأثرياء ويطمعونهم بتمويل عمليات البحث ويدّعون العلم اللدني .
3 ـ وقد كثر عددهم في عصر إبن خلدون ، فقال عنهم " كثير من صغار العقول يحرصون على استخراج الأموال من تحت الأرض ويبتغون الكسب من ذلك ويعتقدون أن أموال الأمم السابقة مختزنة كلها تحت الأرض .. مختوم عليها كلها بطلاسم سحرية لا يفض خاتمها ذلك إلا من عثر على علمه واستحضر ما يحله من البخور والدماء والقربان " أي أنهم بعد أن عجزوا عن الوصول للكنوز الفرعونية التي أجاد أصحابها اخفاءها وجدوا المخرج في الإدعاءات الصوفية في الطلاسم والبخور والدماء والقرابين أي استرجاع بعض الممارسات الفرعونية ، وبذلك إزداد إرتباط المطالب بالتصوف والتحايل .
وبازدياد الصوفية إزداد عددهم، يقول إبن خلدون " وجدوا لهم سوقا رائجة في مصر ، حيث قبورالقبط منذ آلاف السنين مظنة لوجود توابيت الذهب فيها لذلك عني أهل مصر بالبحث عن المطالب حتى أنهم حين ضربت المكوس على الأصناف آخر الدولة ضربت على أهل المطالب ، وصدرت ضريبة على من يشتغل بذلك من الحمقى والمتهوسين فوجد بذلك المتعاطون من أهل الأطماع الذريعة إلى الكشف عنه والتذرع باستخراجه وما حصلوا إلا على الخيبة في جميع مساعيهم ".
4 ــ والدلجي – من تلاميذ إبن خلدون – يبحث إمكانية العثور على المطالب بالطرق الصوفية فيقول " وأما المطالب فلا بحث في إمكان أن يجد الشخص دفينا جاهليا أو إسلاميا على الإتفاق والصدف ، وإنما البحث في أن تحت الأرض مساكن وعمارات مبنية وفيها كنوز وأموال عظيمة وعليها موانع وطلسمات ، ولتلك الموانع طرق تزول بها ، وعلى تلك المطالب علامات وأمارات يتوصل بها إلى أمكنتها ويستدل عليها بها ، فهذا من مخارق المحتالين "[79] .
5 ــ وقد أشارت الحوليات التاريخية إلى بعض ما ذكره البغدادي وإبن خلدون والدلجي . فيذكر إبن حجر أن بكتوت القرماني ت749 كان " مغري بالمطالب والكيمياء مع كثرة أمواله [80] " وحين سافر الغوري سنة 918 للتنزه عند الأهرامات أشاعوا أن هذه " بسبب مطلب " [81]ورويت حكاية عن بعضهم مضمونها العثور على كنز ذهبي بجوار الأهرام [82].
وبعضهم أضاع أمواله في المطالب دون جدوى مثل الشيخ شمس الدين الصالحي ت843 الذي " كان مولعا بالمطالب ينفق عليها مع التقتير على نفسه " [83] وإبن قاسم العاجلى 835 الذي " غلب عليه حب المطالب فمات ولم يظفر بطائل " [84] ومثله أبو البقاء الشيباني 935[85].
وفي القرن العاشر حين أيقن البعض من عبثية الحصول على المطالب بالطرق الصوفية قال مقالة الشعراني " الفقراء الصادقون في غنية عن عمل الكيمياء وفتح المطالب " إلا أن الأغلبية كانوا يقعون فريسة لتحايل الصوفية من مدعي فتح المطالب وفك الطلسمات السحرية ، وكانوا يقدمون لأولئك المحتالين ما يريدون حتى الطعام والشراب والزنا بالزوجات يقول الشعراني " وبعضهم يقول للرجل عندك في بيتك مطلب ما يفتح إلا أن تخلي أجنبيا بإمرأتك سبعة أيام وأكثر ، وينام ويصبح معهما ، ويخدمهما بنفسه ويطعمهما أطيب الطعام حتى يأتي لهما بالخمر ، وبعضهم يقول : لا يفتح إلا أن مكنتني من زوجتك على باب المطلب ، ونحو ذلك "[86].
6 ــ واحتل جامع الحاكم مرتبة هامة في عقيدة الباحثين عن المطالب ، ربما لنسبته إلى الحاكم بأمر الله الفاطمي الذي ادعى الألوهية وأحاطت الأسرار بنشأته وحياته ومقتله وآمن بعضهم برجعته بعد موته ، وكان من حوادث سنة 841 أن بعضهم أقنع السلطان برسباي بأن إحدى الدعامات في جامع الحاكم مملوؤة ذهبا ، وركب السلطان إلى الجامع فعلم عجزه عن ذلك وقال " إن الذي نأخذه من الدعامة يصرف على عمارة ما نهدمه ولا ينوينا غير تعب السر " [87] .
وفي سنة 857 أمر السلطان بهدم مكان مبني على يمين محراب جامع الحاكم لأن شخصا قال للسلطان : عندي ما يدل على أنه بالموضع الفلاني صندوق بللور فيه أوراق تدل على خبيئة بالجامع المذكور ، يقول أبو المحاسن " فأمر السلطان يهدمه في حضرة الشخص المذكور فلم يجدوا إلا التعب وانتشار القالة " [88].
وفي سنة 871 أخبر مغربي جيران جامع الحاكم أن به كنزا عظيما ، وعلامة ذلك أن يجدوا بعد الحفر قبة كبيرة ، وذكر أنهم وجدوا القبة وتحتها ما يشبه القاعة [89].
وفي سنة 914 يذكر إبن أياس أن بواب جامع الحاكم طلع للسلطان وذكر له أنه رأى في المنام قائلا يقول له : قل للسلطان أن في جامع الحاكم في بعض دعائمه تحتها دنانير ذهب لا ينحصر عددها ، فمال السلطان لكلامه ، وأرسل خاير بك الخازندار والمحتسب والمهندسين ، وسألوا البواب فقال لا أعلم الدعامة التي تحتها الذهب ، فقال المهندسون ما يظهر ذلك حتى نهدم جميع الدعائم التي هنا ، فاجتمع الناس وكثر القيل واللقال ولم يوافق السلطان على هدم الجامع [90].
7 ـ وفيما عدا جامع الحاكم ذكر إبن إياس أنه احتال تاجر إسمه إبن القماح على صاحب قيسارية وأوهمه أن في بئرها كنزا واستطاع بذلك أن يسرق القيسارية [91]. . ومعناه أن التحايل في المطالب لم يعد قصرا على الصوفية .
8 ــ ولا يزال التحايل بالمطالب مستمرا على فترات متقطعة ، فلا تزال المطالب تعيش في الضمير الشعبي لإرتباطها الديني بالتصوف وكونها حلما يداعب خيال الناس ، ويأتي المثل الشعبي في عصرنا يقول في حصيلة المطالب " كل مطلب وعليه مهلك " ويقول فيمن نزلت عليه ثروة لا يستحقها " كلب أجرب وانفتح له مطلب " [92].
وإلى جانب العلم اللدني كان إشتهار الصوفية بالكرامات . وعن طريقها كان التحايل على الناس بالكيمياء .
الكيمياء ( إدعاء قلب الأشياء ذهبا ):
بين الكيمياء والتصوف
يتردد في الكرامات الصوفية إدعاء قلب الأشياء ذهبا ، وقبل التصوف كان الحلم المشهور يراود الجميع بإمكانية تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب ، وعلى هذا الطريق سارت الكيمياء حتى إكتسبت ذلك المفهوم ، ولما تعذر الوصول إلى هذه النتيجة أمل الباحثون إلى الوصول إلى إمكانية التحقيق عن طريق القوة النفسية أو ما يعرف بالكرامة في عصور التصوف .
يقول إبن خلدون عن الكيمياء " علم ينظر في المادة التي يتم بها كون الذهب والفضة بالصناعة " ، ويشرح العمل الذي يوصل إلى ذلك " فيتصفحون المكونات كلها بعد معرفة أمزجتها وقواها لعلهم يعثرون على المادة المستعدة لذلك حتى من الفضلات الحيوانية . . فضلا عن المعادن " ثم يشرح الأعمال التي تخرج بها تلك المادة من القوة إلى الفعل مثل حل الأجسام إلى أجزائها الطبيعية بالتصعيد والتقطير . . " وفي زعمهم أنه يخرج بهذه الصناعات كلها جسم طبيعي يسمونه الإكسير ، وأنه يلقى على الجسم المعدني المستعد لقبول صورة الذهب أو الفضة . . بعد أن يحمى بالنار فيعود ذهبا إبريزا ، وكلامهم في الكيمياء ألغاز ورموز" أي كأي علم قائم على غير أساس .
وفي فصل بعنوان " في إنكار ثمرة الكيمياء وإستحالة وجودها وما ينشأ من المفاسد عن إنتحالها " يقول إبن خلدون " وأعلم أن كثيرا من العاجزين عن معاشهم تحملهم المطامع على إنتحال هذه الصنائع ويرون أنها أحد مذاهب المعاش ووجوهه وأن اقتناء المال منها أيسر وأسهل على مبتغيه " " وتحقيق الأمر في ذلك أن الكيمياء إن صح وجودها فليست من باب الصنائع الطبيعية ولا تتم بأمر صناعي ، وليس كلامهم فيها من منحى الطبيعيات، إنما هو منحى كلامهم في الأمور السحرية وسائر الخوارق ، وما كان ذلك للحلاج وغيره . . ومن طلب الكيمياء . . ضيع ماله وعمله لأنه تدبير عقيم واقع مما وراء الطبائع والصنائع كالمشي على الماء وامتطاء الهواء ، ونحو ذلك من كرامات الأولياء الخارقة للعادة ، والكيمياء ربما يؤتاها الصالح وغيره فيكون عملها سحريا ".
فإبن خلدون بفكره الثاقب نفي عن الكيمياء في عصره صفة العلم وألصقها إما بكرامات الأولياء التي يؤمن بها أو بالسحر ، وتلميذه الدلجي يتابعه في رأيه فيقول " أما الكيمياء فلا بحث في إمكانها على يد ولي من قبيل الكرامات وخرق العادات ولا في الوصول إلى تصحيح صيغها ظاهرا على وجه التلبيس والغش كما يفعله الفساق ، وإنما البحث في تصيير النحاس ذهبا حقيقة على طريقة صناعية مطردة ، فهذا مما لا أعتقد صحته ، وقد صنف الشيخ تقي الدين إبن تيمية رسالة في إنكارها وكذلك إبن القيم الجوزية كما حكاه هو عن نفسه في كتابه المسمى مفتاح دار السعادة.[93]
ومن الطبيعي أن يقف العقليون هذا الموقف من الكيمياء طالما إرتبطت بالتصوف والخرافة ، وفي الرسالة التي أشار إليها الدلجي يقول إبن تيمية " فصار كثير من الناس لا يعلمون ما للسحرة والكهان وما يفعله الشياطين من العجائب وظنوا أنها لا تكون إلا لرجل صالح فصار من ظهرت له هذه يظن أنها كرامة فيقوى قلبه بأن طريقته هي طريقة الأولياء [94] . وإبن تيمية يظن أن الكيمياء يمكن أن تؤتي ثمرة ويجعلها إحدى الخوارق التي يؤمن العصر بإمكانية وقوعها على يد الولي الصوفي أو السحرة والكهان .
واليافعي يتحسب لذلك الخلط بين السحر والكرامة فيقول " فإن قال قائل : تشبه الكرامات بالسحر فالجواب ما أجاب به المشايخ العارفون العلماء المحققون في الفرق بينهما إن السحر يظهر على أيدي الفساق والزنادقة والكفار . . أما الأولياء فهم الذين بلغوا الدرجة العليا ، فافترقا . ثم إن كثيرا من المنكرين لو رأوا الأولياء والصالحين يطيرون في الهواء لقالوا هذا سحر أو قالوا هؤلاء شياطين، فواعجبا كيف ينسب السحر وفعل الشياطين إلى الأولياء "[95]
والشعراني حاول أن ينزه طريقه الصوفي من الكيمياء وما شاع حولها حين تكاثر منتحلوها في القرن العاشر ، فروي أن أخاه افضل الدين الشعراني أمره بعدم الإصغاء " إلى كلام من يزعم من فسقة المتصوفة أنه يعرف علم الكيمياء ‘ ، فإنه كافر " وأمره بأن يزجر أصحابه الذين يشتغلون بالكيمياء وقال له " كيمياء الفقراء هو أن يعطيهم الله تعالى حرف كن " [96] ، يعني يقول للنحاس مثلا كن ذهبا فيكون بدون تعب .
ولا أدل على ارتباط الكيمياء بالتصوف من أشهر علماء الكيمياء العرب وهو جابر بن حيان وصف بالصوفي ، وكان من أوائل من تسمى بذلك ، كما أن عثمان بن سويد الأخميمي الصوفي كان من تلامذة جابر بن حيان ، وكان في نفس الوقت وثيق الصلة بذي النون المصري الصوفي الرائد ، وكان ذو النون المصري من ناحية أخرى في طبقة جابر بن حيان في صناعة الكيمياء [97].
الصوفية وإدعاء الكيمياء
والشاذلي حكى عن نفسه " لما كنت في إبتداء أمري أطلب الكيمياء وأسأل الله فيها ، فقيل لي ( أي جاءه الوحي ) الكيمياء في بولك اجعل فيه ما شئت ، يعود كما شئت فحميت فأسا ثم طفيته في بولي ، فعاد ذهبا "[98] وهي طريقة عجيبة في الإدعاء ، ولكنها تتكرر في المصادر الصوفية عن الشاذلي فيقول في موضع آخر " كنت أطلب الكيمياء فقيل لي : الكيمياء في بولك " [99].
وتلميذه أبو العباس المرسي لم يجد بعد كلمة الشاذلي إلا أن يقول " ماذا أصنع بالكيماء ؟ والله لقد صحبت أقواما يعبر أحدهم على الشجرة اليابسة فيشير إليها فتثمر رمانا للوقت ، فمن صحب هؤلاء الرجال ماذا يصنع بالكيمياء ؟[100].
وبعضهم لم يكتف بالتسابق في ادعاء الكرامات الكيميائية ، وإنما طرق مجالا جديدا فأشاع – أحمد الزاهد – عن نفسه أنه تعلم الكيمياء فصنع منها خمسة قناطير ذهبا ثم نظر إليها وقال: أف للدنيا ، ثم رماهها في سراب جامعه [101]، وصدقه الناس لأنه ولي فلقبوه بالزاهد بسبب هذه الخرافة .
لذلك كان الولي الصوفي إذا اشتهر بالولاية أو بعلم الكيمياء يتوافد عليه المريدون أملا في تعلم الكيمياء وما يعنيه ذلك من أحلام طيبة ، فالشاذلي يقول "صحبني إنسان.. فقلت له ياولدي ما حاجتك ولم صحبتني ؟ قال ياسيدي قيل لي إنك تعلم الكيمياء فصحبتك لأتعلم منك " [102].
وجاء رجل إلى شمس الدين الحنفي ليعلمه الكيمياء لأنه " فقير ذو عيال " [103]، وإتهم بدر الدين النوري بعمل الكيمياء " فخدمه لذلك جمع من الأمراء منهم تغري بردي رجاء أن يتعلموا منه "[104].
وحكى الشعراني أنه إدعى لأحد الأولياء أنه يعرف علم الكيمياء فصار يخدمه وتبعه على أن يعلمه إياها ، وبعد مدة قال له الشعراني " هيهات كيف أعلمك شيئا يشغلك عن الله تعالى فما زال يقسم عليه فلا يجيبه ، ثم قال له الشعراني : يا شيخ محمد إن شهرتك في الزهد وأنت تحب الدنيا " [105] .
وافتخر الشعراني بأنه لا ينصب على الناس ويوهمهم بأنه يعرف علم الكيمياء ليجتذبهم إلى صفه ويرشدهم إلى طريق القوم " كما عليه جماعة ممن برزوا في هذا الزمان من فقراء العجم ، وقد أتلف هذا الباب خلائق لا يحصون ، وصار أصحابهم يجلبون أولاد المباشرين والتجار والعلماء إلى أشياخهم ، ويقولون شيخنا يقلب الأعيان ويجعل الرصاص ذهبا فيتركون الاشتغال بالعلم أو التجارة التي هي قوام معاشهم ويصير أحدهم يجعل له عذبه وجبة بيضاء " [106].
وتصوف كثيرون واشتهروا بالكيمياء مثل إبن عبدالرحمن المطري ت 822 [107] وكان إبن الجابي خطيبا واعظا مشهورا يقصده الناس لسماع خطبته من حسن صوته " وكان مهووسا بعلم الكيمياء " بل كان الفقيه المشهور إبن دقيق العيد أيضا " مهووسا بعلم الكيمياء معتقدا صحتها " [108]
إضاعة الأموال على الكيمياء
وبعض أولئك المهووسين بالكيمياء أضاعوا عليها أموالهم وأعمالهم كما يقول إبن خلدون ،ومنهم منصورالجناني الذي "كان أكثر ما يحصله يصرفه في عمل الكيمياء " [109] وكان الشيخ الطبري ت 800 إماما بجامع الطيبرسي " وفتن بصناعة الكيمياء فأفنى عمره وماله فيها ولم يحصل على طائل " [110] وانشغل إبن الأبله ت886 في الكيمياء " فكان ينفق ما يحصله من كد يمينه . . بحيث يصير مملقا وربما ليم على ذلك وهو لا ينكف "[111]وقال الشعراني " بلغني أن جماعة من الفقراء وطلبة العلم باعوا كتبهم وأمتعتهم في طلب علم الكيمياء ، وفتح المطالب وكان عاقبتهم الحرمان " [112] وكان علي الأسكندراني ت 802 أشهرهم جميعا قالت عنه المصادر التارريخية " أفنى عمره في الكيمياء تصعيدا تقطيرا ولم يصعد معه شئ [113].
وذلك يعني أنهم مارسوا الكيمياء العملية بالتصعيد والتقطير للحصول على الذهب دون جدوى ، أي لم يكتفوا بادعاء الكرامات وغيرها . وفي طرق الكيمياء كتب شرف الدين المقدسي ت 712 كاتب الإنشاء تخميسا لشذور الذهب في صنعة الكيمياء [114] . ولكن بعض الصوفية أفتوا ببعض الوصفات ضمن إدعاءات الكرامات الكيماوية الذهبية ففي كرامة للشيخ الفرغل كان يعلم فيها بعضهم الإكسير الذي " إذا وضع درهم منه على مائه درهم من النحاس الأحمر يصير ذهبا والرصاص يصير فضة " [115] ، وكان الشيخ المحلي إذا أتاه فقير يستعين به في شئ من الدنيا يقول له : هات ما تقدر عليه من الرصاص فإذا جاء يقول له ذويه بالنار فإذا أذابه يأخذ الشيخ باصبعه شيئا يسيرا من التراب ، ثم يقول عليه بسم الله ويحركه فإذا هو ذهب " [116]. وماأسهلها طريقة ، وما أنظفها بالمقارنة بطريقة الشاذلي المشهورة !!
وكان إعتقاد الناس في جدوى الكيمياء راسخا مهما قال إبن خلدون والدلجي ومهما رأوا أنه لا فائدة منها ، وذلك لارتباط التصوف بها ، إذ كان الناس على استعداد للتصديق بأي كرامة أو بأي خبر عن نجاح عملية كيمياء بل إنهم كانوا ينسبون هبوط ثروة على شخص ما بأنه يعرف الكيمياء ، إذ أن الخواجا إبن القبيش البرلسي حين شرع في بناء زاويته قال أعداؤه أن هذا المصروف العظيم إنما هو من الكيمياء [117] .
ومات التاجر الثري ناصر الدين الكارمي ت 776 وخلف أموالا كثيرة فقال عنه أبو المحاسن " خلف أموالا كثيرة من المتجر وعمل الكيمياء ، بحيث أنه لم يكن أحد من أهل عصره أكثر مالا منه " [118].
وعاش الصوفي إبن سلطان طويلا في أرغد عيش فاتهمه بعض الناس بمعرفة الكيمياء أو طرف منها خصوصا وأنه لم يكن يقبل من أحد شيئا إلا نادرا حسبما يحكي أبو المحاسن [119]وبعض الصوفية إدعى أنه كان ينفق من الغيب من كوة في بيته أو من تحت البساط يمد يده فيخرج المال – كما جاء في مناقب المنوفي – فاتهموه بعمل الكيمياء ، فشق ذلك على بعضهم وقالوا له : يقولون عنك إنك تعمل بالكيمياء ، فلم يتأثر بذلك بل قال : نعم نحن نعمل الكيمياء وهي تقوى الله . . [120].
وقيل في ترجمة محمد التوزي ت 930 " كانوا يقولون أنه يعرف الكيمياء وكان يعلم أنهم لا يعظمونه إلا لذلك " [121].
التحايل بالكيمياء
واتخذت الكيمياء وسيلة للتحايل على البسطاء من الناس وأكل أموالهم بحجة تحويل الأشياء لذهب أو فضة ، وفي حوادث سنة 872 ورد أن أحمد المكناسي أتلف أموال بعضهم بالكيمياء " وعمل له قرصا إدعى أنه فضة فضربه الداودار الكبير وجرّسه " وحدث ذلك أيضا مع إبن حمادة ، [122] وطبيعي أن المراجع التاريخية لم تذكر إلا من ظهر أمره وتعرض لعقوبة الضرب والتشهير والتجريس .
وبعضهم لم يكتف بالتحايل على البسطاء وإنما خدع السلاطين ، فأوسعت له المصادر التاريخية مثل يوسف الكيماوي ت 731 الذي اشتهر بالكيمياء فطلبه الناصر محمد وأحضر له الأدوات فأخرج له سبيكة جيدة عن طريق الحيلة فانخدع به الناصر وقربه ، إلا أن الخدعة إنكشفت ففر ، وانتهت حياته مسمرا مشهورا على جمل [123].
وتكررت الحادثة سنة 852 في سلطنة جقمق ، فالشريف الأعجمي أسد الكيماوي " تغير عليه السلطان جقمق " لكونه أتلف عليه مالا كثيرا ولم يظهر لما ادعاه أثر ، وكان قد نصب على التاجر ابن الشمسي حتى أخذ منه جملة من المال بإيهامه الكيمياء وتنازعا أمام السلطان فصدقه السلطان ونصره على التاجر وقربه ، واستغل الكيماوي هذه الصلة بالسلطان فأغراه بنفي التاجر ، وكان أسد الكيماوي أيام صحبته للتاجر قد أغراه بطلاق زوجته ، لأنها كانت تحذره منه ، وتقول له إذا كان يعرف الكيمياء فلن يحتاج إليك وإلى غيرك ، وعندما لم يظهر أثر لمحاولات أسد أمر السلطان بسجنه بالمقشرة ، وتغير السلطان على المحتسب يار على العجمي ، وعزله وقبض عليه ، لأنه كان الواسطة بينه وبين الكيماوي ، وأنه الذي أشاد به عنده [124] .
الإتهام بالكيمياء
لذا كانت ممارسة الكيمياء إتهاما في بعض الأحيان فيقال إتهم الشاذلي عند السلطان بأنه كيميائي "[125] ، كما إتهموا الشيخ حسين أبو علي بعمل الكيمياء [126]، وكان بعض الصوفية يأمر باخراج من يتهم بعمل الكيمياء من الزاوية ، بذلك أمر المنوفي والشعراني القائل " أخذ علينا العهود ألا نمكن أحدا من إخواننا بأن يشتغل بعلم جابر الملقب بالكيمياء ، ويجب إخراج من يفعل ذلك من الزاوية ، لئلا يفسد حال الفقراء " [127].
وانتهى العصر المملوكي ولم تنته مؤثرات التصوف ومنها الكيمياء فيقول كلوت بك " وفي مصر جمع غفير من المشتغلين بالكيمياء يضيعون أموال السذج والبلهاء في البحث عن الحجر الفلسفي الذي يحول المعادن إلى ذهب ، ويعتقدون أنهم سينجحون في ذلك إذا استطاعوا أن يقضوا سبعة أيام بلياليها من غير نوم مطلقا [128] وهذا هو التجديد الذي جاء به التصوف في العصر العثماني .
الكيمياء والسحر
إرتبطت الكيمياء بالسحر حتى أن إبن النديم في الفهرست عد جابر بن حيان كبير السحرة في هذه الملة ، وفسر كيمياء جابر بقوله : لأن إحالة الأجسام النوعية في صورة أخرى إنما يكون بالقوة النفسية لا بالصناعة العملية ، فهو من قبيل السحر . . [129].
وقال إبن خلدون في الكيمياء " والكيمياء ربما يؤتاها الصالح وغيره فيكون عملها سحريا " أي يعبر عن الرأي السائد ، وهو أن الخوارق إذا ظهرت على يد ولي صوفي فهي كرامة ، وإذا ظهرت على يد غيره فهي سحر ، وأدى ذلك الإرتباط بين الكرامة والسحر والكيمياء إلى إنتشار الإعتقاد في السحر واتخاذه وسيلة للتحايل عن طريق الإيهام بقيام أعمال سحرية والإتصال بالجان .
وكانت بعض الغرائب تفسر في ضوء السحر ، فيقول إبن الفرات أن إبن البرهان كان يقع له عجائب فيظن بعضهم أن له رئيا من الجن يخبره [130] ، وفي إحدى الفتن كانت السهام تطيش حول الأمير يلبغا المجنون ، يقول أبو المحاسن " واختلف الناس في أمره ، فمنهم من يقول كان معه هيكل منيع ، ومنهم من يقول كان يتحوط بأدعية عظيمة ، ومنهم من يقول كان ساحرا "[131].
وفي سلطنة جقمق إختفى السلطان المعزول العزيز بن برسباي فثارت فتنة ، وكالعادة فتشوا البيوت وأخذوا المظلوم بذنب الظالم ، وكان من المظلومين امرأة مسكينة " تزعم أن لها تابعا من الجن يخبرها بما يكون ، فتتكسب بذلك من النساء وجهلة الرجال ما يقيم أودها ، وذلك أنه وشى بها " في الفتنة فاعتقلت [132]. أي كان الناس يذهبون إلى محتالين يزعمون السحر والإتصال بالجان ، وكان السحر وسيلة هامة في مكائد النسوة لأنهن بالطبع أميل لتصديق الخرافات ، ولم تسجل المصادر التاريخية إلا أخبار المشهورات من النساء ، ففي سنة 802 ادعت والدة الناصر فرج أن إحدى جواريها سحرتها وماتت الجارية ومعها نصراني تحت العذاب [133]. وفي سنة 852 طلق السلطان جقمق زوجته خوند الكبرى مغل لأنه إتهمها بأنها سحرت جاريته المحبوبة سورياي الجركسية [134].
إذن كانت السلطة المملوكية تعتقد بجدوى السحر ، وكان عنصرا في المؤمرات السياسية ، ففي حوادث سنة 843 إتهم الزيني عبدالباسط بأن معه الإسم الأعظم أو أنه يسحر السلطان ، فإنه كلما أراد عقوبته صرف عن ذلك ، وفتشوه فوجدوا في ثيابه أوراقا فيها أدعية ونحوها [135].
وقيل في سبب موت محمد بن جقمق ت 847 أنه سُحر فمرض من ذلك السحر ومات [136] .
واتهموا يحيي بن الأتابكي أزبك بأنه قتل والده بالسحر عن طريق شخصين [137] كان عاقبتهما القتل .
ولأن الشائع أن الساحر يجب أن يقتل ، فقد وقع أحدهم في جريمة قتل ولكي يبرئ نفسه إدعى أن القتيل كان ساحرا ، وإن العلماء أفتوا بقتل السحرة [138] .
والمقريزي مع عقليته الناضجة فقد كان يعتقد بجدوى السحر ، وقال أنه بوسع المرأة أن تمنع سقوط المطر إذا تجردت من ثيابها ورفعت رجليها وباعدت ما بينهما وهي نائمة بشرط أن تكون حائضا [139].
وكان طبيعيا أن يزداد الإعتقاد في السحر في بيئة تؤمن بالتصوف ، ولذلك إنتشرت التمائم ، ومنها فائدة لوجع الرأس " جربت مرارا وهي أن يكتب الصورة الآتية ويككتب حولها إسم سيدي أحمد البدوي وسيدي إبراهيم الدسوقي وسيدي محمد الحنفي ثم توضع الورقة على محل الوجع " [140].
واستمر الإعتقاد في جدوى السحر في العصر العثماني ، يقول كلوت بك " ومسلمو مصر يعتقدون أن بالإمكان القيام بالإجراءات السحرية بحسب مبادئ الخير أو الشر وتسمى نظريتهم في الحالة الأولى بالعلم الروحاني ، وفي الحالة الثانية بالعلم الشيطاني ، فالسحر الروحاني . . يعمل بقصد محمود ، لأنه يعتمد فيه على الوسائل غير المنافية للدين " [141]. والبيئة الشعبية لا تزال تعتقد في السحر ، فيقول المثل الشعبي معبرا " روحي ياساحرة لا نايبك دنيا ولا آخرة " [142].
وحتى الآن لا يزال الناس معتقدين في الأعمال السحرية ومنتحليها الذين يوصفون بالمشيخة ، ويطاردهم القانون بتهمة الإحتيال ، وبالتصوف أصبح أولئك المحتالون أشياخا ، يرتدون العمامة ويتمتعون باعتقاد المثقفين من المصريين . وفي جريدة الأخبار في 11/11/1978 عنوان يقول " إعترافات دجال : لماذا يقبضون علىٌ ومعظم زبائني من المثقفين ؟" وهو تساؤل في محله ، والإجابة عليه بالرجوع إلى تصوف العصر المملوكي واشياخه الذين خلطوا الشعوذة والسحر بالدين ، ونقرأ ما يقوله الشعراني عن نفسه مفتخرا : " ومما أنعم الله تبارك وتعالى به علىّ إعتقاد كثير من الإنس والجن واليهود فيّ الصلاح وإجابة الدعاء .." وإذا علمت ذلك فمن جملة إعتقاد المسلمين في أنني أعطي أحدهم القشة من الأرض ، إذا طلب مني الدعاء لمريضة أو كتابة ورقة واقول له بخّر المريض بها ، فيفعل فيحصل له الشفاء . . فأعرف أنه لولا شدة إعتقاد أحدهم ما شفي الله تعالى مريضه بدخان تلك القشة ، فإن الأمور تجري بها المقادير الإلهية سرعة وبطأً بحسب قوة الإعتقاد وضعفه . . ووقائعي في ذلك كثيرة وشهيرة ، ومن جملة إعتقاد اليهود والنصارى أنهم يطلبون مني كتابة الحروز لأولادهم ومرضاهم ، فأعطي أحدهم القشة فيبخر بها مريضه فيحصل له الشفاء ، فأتعجب في إعتقادهم مع إختلاف الدين ، وكثيرا ما أقول لهم : لم لا تسألون رهبانكم وعلماءكم ، فيقولون : أنت أعظم عندنا من البترك ومن جميع أهل ديننا " [143]
السحر في القرآن الكريم
وحقيقة السحر أنه مجرد إعتقاد أو إيحاء ، فالساحر يؤثر على المجال البصري للمشاهدين الذين يعتقدون فيه ، أو على إستعداد لتصديقه ، أو يتمنون أن ينجح في عمله ويقنعون أنفسهم أنه ناجح فيما يفعل . وبمعنى آخر فإن الساحر لايستطيع أن يحول العصا والحبال إلى ثعابين تسعى ، إذ تظل تلك الحبال مجرد حبال ، ولكنه ينجح في التأثير البصري على المشاهدين حيث يقتنعون أن تلك العصي والحبال قد تحولت إلى حيات وثعابين تتلوى وتتحرك . وهذا ما كان عليه سحرة فرعون مع المصريين الذين كانوا مقتنعين ومعتقدين في السحر والسحرة . ولم يكن موسى عليه السلام بعيدا عن هذا التأثر والتأثير بالثقافة المصرية ، لذلك فإنه وقع تحت تأثير السحرة ، ويكفينا أن نتدبر آيات القرآن ، يقول تعالى عن حال المشاهدين "ْ{ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ : الأعراف 116}أي أن سحرهم إنصب على أعين المشاهدين وسيطر عليهم بالإيحاء وبالترهيب فكان بذلك سحرا عظيما . فالسحر العظيم هو السيطرة الكاملة على عقول المشاهدين وإقناعهم بأن الجماد قد تحول لكائن حي ، ويقول تعالى في نفس الموضوع يصف حال موسى { فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىَ َفَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى : طه 66: 69 }. إذن سيطر سحرهم على موسى نفسه فتخيل أن العصا والحبال قد تحولت إلى ثعابين مما أخافه واستلزم الأمر أن يأتيه الوحي يثبته ويؤكد له أنه مجرد سحر ستقضي عليه معجزته الحقيقية ، ولذلك فإن السحرة حين رأوا عصا موسى قد تحولت إلى ثعبان حقيقي يأكل العصا والحبال ، فإنهم سجدوا إيمانا وتسليما بأن موسى نبي وليس ساحرا محتالا .
وهكذا فالسحر مجرد تحايل يثمر مع ضعاف العقول ممن لديه إستعداد للتصديق والتأثر بالإيحاء . ولذلك فإن مجال تأثيره الأكبر ليس في الإيهام بقلب الأشياء إلى كائنات حية ، ولكن يتجلى أكثر في التاثير على المشاعر النفسية بتحويل الحب إلى كراهية ، والعكس ، وهذا ماأشار إليه القرآن في سحر هاروت وماروت : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّه : البقرة 102 } والتفريق بين المرء وزوجه يستطيعه كل إنسان خبيث ، وليس السحرة فقط ، ومع ذلك فإن الأمر يتوقف أساسا على مشيئة الله تعالى . وهكذا فالسحر مجرد وهم لا حقيقة له ، ولا يؤثر نفسيا إلا على من يصدقه ويؤمن به ، ولذلك يفلح السحر في عصرنا مع ضعاف العقول في شتى الطبقات ، خصوصا في الريف ، حيث يمارس الدجالون " الربط "الجنسي للرجال ليلة الزفاف طبعا الرجال الذين يؤمنون بهذا الدجل .
( ق 2 ف 2 ) التأثر الموضوعي فى المقدمة : في القضايا السياسية من وحدة الفاعل الصوفية إلى الثيوقرطية واستبداد الدولة الدينية
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الثاني : مدى تأثر إبن خلدون بعصره في المقدمة منهجيا وموضوعيا
التأثر الموضوعي : في القضايا السياسية من وحدة الفاعل الصوفية إلى الثيوقرطية واستبداد الدولة الدينية
1 ـ أحسن إبن خلدون صنعا حين أنكر التحايل ببعض تجليات عقيدة العلم اللدني المزعوم ، والكرامات المدعاة ، فيما قاله عن الكيمياء والمطالب ، إلا أنه أسهم في ترسيخ أكبر عملية تحايل راجت في العصور القديمة والوسطى ، ولازالت تروج بيننا حتى الآن ، وتجد لها الدعاة والأعوان ، وهي الحكم الديني ، أو الإستبداد السياسي بإسم الله ، أو أن يكون الخليفة حاكما بإسم الله ، أو الحق الملكي المقدس .
2 ــ وتلك أسطورة تتضمن الكذب على الله تعالى أولا ، إذ أنه جل وعلا لم يعط أحدا الحق في أن يتكلم أو يحكم بإسمه من هؤلاء السلاطين والخلفاء ، وإنما هو التسلط بالقوة واخضاع الناس عن طريق فتاوي وتشريعات دينية يخترعها علماء السلطة ، وكان منهم إبن خلدون الذي أرهق عقليته العبقرية في صياغة أرضية دينية عقيدية للثيوقراطية ، ووجدها – ليس في القرآن – ولكن في عقائد التصوف ، ونقصد بها وحدة الفاعل ، وهي العقيدة الحاكمة لدى عقلية إبن خلدون .
وحدة الفاعل بين سطور المقدمة
وتناثرت عبارات إبن خلدون التي تعبر عن عقيدته في وحدة الفاعل ، وإنه الله تعالى وحده .
1 ــ يقول مثلا في موضوع أبطال صناعة النجوم " تأثير الكواكب فيما تحتها باطل ، حيث لا فاعل إلا الله "[144]
2 ــ ويتحدث عن التوحيد باعتباره العجز عن إدراك الأسباب وكيفيات تأثيرها وتفويض ذلك إلى الخالق جل وعلا فيقول" إذ لا فاعل غيره ، وكلها ترتقي إليه وترجع إلى قدرته " [145] ، وذلك يعني أن البشر لا يفعلون الشرور ، بل إن مصدرها هو الله – تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. - وهذا ما يشير إليه إبن خلدون حين يقول " لا يتم الخير الكثير إلا بوجود شر يسير حتى في القضاء الإلهي ، وذلك معنى وقوع الظلم في الناس " [146] أي ينسب الظلم إلى الله تعالى.
3 ـ وهو هنا يتجاهل عشرات الآيات القرآنية التي تؤكد أن الله تعالى لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ، والآيات التي تؤكد مسؤولية كل نفس على ما تفعل ، ويتجاهل كذلك أن عقيدة الفاعل هذه تعني أنه لا حاجة إلى إرسال الرسل والأنبياء والكتب السماوية ، كما أنه لا داعي للحساب والثواب والعقاب واليوم الآخر طالما لا مسؤولية على البشر فيما يفعلون، لأنهم ببساطة لا يفعلون، وأن الله جل وعلا بزعمهم هو الفاعل وحده .
4 ــ ولكن هذه العقيدة – الضالة – وإن كانت تتناقض مع عقائد الإسلام ، فإنها تتفق في نظرية إبن خلدون – مع الثيوقراطية أو الإستبداد الديني السياسي . وعلى ذلك فإنه إذا كانت الشورى الإسلامية تتفق مع عقيدة ( لا إله إلا الله ) ، فإن الإستبداد السياسي يحتاج إلى عقائد دينية أخرى لا تتفق والإسلام لأنها تؤله الحاكم المستبد وتزعم أنه ( ظل الله على الأرض ).!
5 ــ فما هي نظرية إبن خلدون في الربط بين وحدة الفاعل والثيوقراطية ؟.
من وحدة الفاعل إلى الثيوقراطية
1 ــ وتبدأ ملامح هذه النظرية في أن إقامة الدولة إنما هي فعل منسوب لله ، يقول إن الناس يتناسون "ما فعل الله أول الدولة " " حين أقام الدولة [147] .
2 ــ ومن الطبيعي أن يكون ذلك بتدبير وسائل إقامة الدولة من القوة والعصبة المؤبدة ، أو العصبية في لغة إبن خلدون ، ويرى ان الله تعالى يساعد في إيجاد هذا التدبير لإقامة الملك الذي يريده والذي يحكم بإسم الله 3 ـ ويقول إن السياسة والملك هي " كفالة الخلق وخلافة الله في العباد لتنفيذ أحكامه فيهم ، وأحكام الله إنما هي خير ورعاية للمصالح .. بينما تقوم أحكام البشر على الجهل والشيطان ، والله تعالى فاعل للخير والشر معا ، إذ لا فاعل سواه ، ومن حصلت له العصبية والقوة مع أخلاق الخير لتنفيذ أحكام الله ، فقد تهيأ للخلافة وكفالة الخلق ".
4 ــ ولأن أسباب القوة هي الدليل على التأييد الإلهي فإن إبن خلدون يستنكر دعوات الفقهاء السياسية وثوراتهم الفاشلة حيث يفتقرون إلى العصبية والقوة المؤيدة ، وحينئذ فهم عصاة ، يقول " وأكثرهم يهلكون في تلك السبيل مأزورين غير مأجورين ، لأن الله سبحانه لم يكتب ذلك عليهم " [148] ، أي أنه لو أقام لهم عصبية مسلحة وقبولا بين الناس بحيث ينجحون فمعنى ذلك أن الثورة مفروضة عليهم ، وإلا فهم عصاة مخذولون ، وينبغي أن يفهموا أنه طالما حرمهم الله من القوة والعصبية فأنه لم يأذن لهم بالثورة تأسيسا على أنه الفاعل وحده – جل وتعالى عن ذلك .
5 ــ ومن هذا المنطلق أيضا نرى إبن خلدون يستنكر الروايات التاريخية التي تنال من الرشيد والمأمون والعباسة وبوران بنت الحسن بن سهل ويحيي بن أكثم قاضي القضاة في عهد المأمون . ودفاعه عنهم عاطفي يفتقر إلى المنطق ، ويتردد فيه أن ذلك لا يليق بهم. ومع أنه إستعمل الأسلوب العقلي المنطقي في نفي روايات أخرى ، إلا أن المنطق تجافاه هنا في دفاعه العاطفي. وبنفس القدر كان لا يحترم الضعاف من خلفاء الأمويين والعباسيين .
6 ـ والواضح أنه – طبقا لعقيدته في وحدة الفاعل – يرى أن نجاح الحاكم في إقامة وتوطيد سلطانه دليل كاف على صدقه وعصمته ، وبرهان كامل على دحض كل رواية تسئ إليه أو لا تتفق مع عظمته إذ لا ينبغي أن يقع في أخطاء وسقطات يمكن أن يقع فيها بقية الناس . ومن هنا كان دفاعه عن الرشيد والمأمون ضد من نسب لهما شرب الخمر ، وكان كذلك دفاعه عن نسب الأدارسة والفاطميين ، بل ونسب محمد بن تومرت منشئ دولة الموحدين. وهو يقرن دفاعه بنبرة إستجداء دينية ، تؤكد أن عقيدته في وحدة الفاعل هي الأساس في ذلك الدفاع، أي فطالما يعتقد أن الله – تعالى عن ذلك علوا كبيرا– هو الفاعل الحقيقي وهو الذي أقام لهم هذا الملك فلا يصح الإنتقاص من شأنهم أو التشكيك في نسبهم. وعلى سبيل المثال يدافع عن الفقيه محمد بن تومرت ونسبه المزعوم لآل البيت ، فيقول " لو كان قصده غير صالح لما تم أمره وانفسحت دعوته ، سنة الله التي قد خلت في عباده " . [149] .
7 ـ وعنده أنّ الخليفة إذا وصل إلى السلطة فهو أبلغ دليل على تأييد الله تعالى له ، وأنه على ذلك أصبح مالكا للرعية كفيلا بها بالضبط مثل النبي عندما ينزل عليه الوحي ويصير به نبي إختاره الله تعالى للتبليغ . وإبن خلدون يقول " وإذا نظرت سر الله في الخلافة تأكد من ذلك أن الله جعل الخليفة نائبا عنه في القيام بأمور عباده ليحملهم على مصالحهم ويردهم عن مضارهم ، وهو مخاطب بذلك ولا يخاطب بالأمر إلا من له قدرة عليه " [150] ويرى في موضع آخر أن الله قد استرعى السلطان على الخلق والعباد[151]، ولذلك يوجب على الناس أن يكون الدعاء للخليفة بما فيه مصلحة العالم حيث أنه المسؤول عن مصالح العالم ، واستشهد بقول السلف " من كانت له دعوة صالحة فليضعها في السلطان "[152].
الثيوقراطية وقهر الرعية
1 ـ وحيث يتملك السلطان الرعية ويقوم على رعايتها – شأن الراعي مع الأغنام – فإن عليه كما يقول إبن خلدون أنه يحملهم على مصالحهم ويردهم عن مضارهم ، و ( حمل على ) يعنى قهر وألزم ، وبذلك يرتبط بالإستبداد قهر الناس وإكراههم في أمور الدين والدنيا ، يقول أن الملة لابد لها من قائم بها عند غيبة النبي يرغم الناس على أحكامها وشرائعها ، وهو يخلف النبي في الذي جاء به من التكاليف الشرعية . ويحتاج المجتمع إلى ملك يرغمهم على العدل .
2 ـ ويصل الى تسويغ الجهاد ( السلفى ) أو الفتوحات التى قام بها الصحابة والأمويون ومن عداهم . هذا بالرغم من أنه إعتداء ظالم على أمم لم تقم بالاعتداء على المسلمين فى جزيرتهم العربية . وتشريع الاسلام يؤكد أن القتال هو للدفاع فقط (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) البقرة ) ( لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (9) الممتحنة ) ، ولكن ابن خلدون بثقافته السلفية يتابع الفقه السلفى فى أن هذا الجهاد في الإسلام مشروع لإرغام الناس على الإسلام طوعا أو كرها متناسيا أنه لا إكراه فى الدين ، ويقول أنه لذلك إتخذت فيها الخلافة والملك لتحقيق ذلك ، وبذلك إفترقت الملل الأخرى عن الإسلام إذ لم يكونوا كالمسلمين مكلفين بالتغلب على الأمم الأخرى [153].
3 ــ ويقول أن النبوة أو الدعوة تقوم على القهر ، وأن العصبية – أو القوة المسلحة الموالية للسلطان – يُحتاج إليها في كل أمر يتم فرضه على الناس من نبوة أو إقامة ملك أو دعوة إذ يتحتم القتال لما في طبائع البشر من العناد [154]. ويكرر ذلك في موضع آخر فيقول أن العصبية ليست مذمومة في حد ذاتها إلا إذ كانت في الباطل ، أما العصبية في سبيل الحق فهي المطلوبة لإقامة الشرع ، وكذلك الملك إذا كان للظلم والترف والشهوات فهو مذموم وإن كان للتغلب بالحق وقهر الكافة على الدين ومراعاة المصالح فليس مذموما ، واستدل بأن المسلمين إرتضوا أبا بكر للخلافة وهي لحمل الناس كافة على أحكام الشريعة .[155]
تقعيد الثيوقراطية
1 ــ ويقسم إبن خلدون النظم السياسية إلى ثلاثة أقسام (1) الملك الطبيعي وهو الإستبداد القائم على القهر والهوى والشهوة ، (2) الملك السياسي وهو حمل الناس أو قهرهم بالنظر العقلي لما فيه مصالحهم ودفع الأضرار ، (3) الملك الديني أو الخلافة ، أو الثيوقراطية وهي حمل الناس أو قهر الناس على التمسك بالشرع لمصلحة الدنيا والآخرة . ويرى القسم الثالث هو الأفضل [156].
2 ــ ويقولها صراحة أن السلطان من له رعية ، والرعية من لها سلطان ، ويجمع بينهما أن السلطان يملك الرعية [157] ، أي أن الرعية مجموعة قطيع من الأنعام يمتلكها السلطان بزعم أن هذه إرادة الله وفعله . 3 ــ بل يجعل إبن خلدون من الواجب على الرعية أن تقوم بنصب ذلك الراعي الذي يملكها ويقهرها ، فيقول أن نصب الإمام واجب شرعا بالإجماع لأن الصحابة بايعوا أبا بكر وسلموا النظر إليه في أ مورهم ، وأهل الحل والعقد هم الذين يقومون بنصب الإمام ويجب على الخلق جميعا طاعته ويستشهد بقوله تعالى : { أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ }[158].
4 ــ ويرى أن البيعة للسلطان هي مبايعة الأمير والتسليم له والإنقياد ، وأن يفوضه كل إنسان في النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في شئ من ذلك ، وأن يطيعه فيما يكلفه به من أمر .
5 ــ ويلتفت إبن خلدون إلى البيعة ببعض التفصيل فيقول أنها كانت بوضع اليد في يد الأمير ، فأصبحت في عهد إبن خلدون تقبيل الأرض او اليد أو الرجل ، وصارت حقيقة عرفية حلت محل المصافحة لحفظ منصب المملكة من الإبتذال حين يصافح الناس الملك ، ويجعل إبن خلدون من معرفة معنى البيعة فرضا واجبا نحو السلطان أو الإمام [159].
6 ــ ولايكتفي إبن خلدون بأن يجعل السلطان متحكما في الناس في حياته ، بل يجعل ذلك مستمرا بعد وفاته ؛ يقول " الإمام ينظر ( أى يفكر ويدبر ) في مصالح الأمة لدينهم ودنياهم ، لأنه وليهم والأمين عليهم ، وهو ينظر لهم في حياته وبعد مماته، بأن يقيم لهم من يتولى أمورهم بعده، والأمة تثق بنظره وفيمن يوليه عليها " [160].
7 ــ وفي النهاية لا يرى إبن خلدون في الإستبداد عيبا ، فقد إنفرد سليمان وداود بملك بني إسرائيل [161] !! . . إلا أنه سرعان ما يناقض نفسه فيجعل من الأمراض المستعصية إستبداد الملك وعشيرته ، ثم إستبداد الحاشية وحجّاب المملكة [162]. ثم يعترف بين السطور وعلى إستحياء بأن العدل المحض لا يوجد إلا في الخلافة الشرعية ، أي الخليفة الملتزم بالشرع ، ثم يقول " وهي قليلة الدوام [163].
8 ــ ويطول بنا المقام لو رددنا على ما قرره إبن خلدون ، ولكن نكتفي بتقرير أن حرية الرأي والعقيدة في الإسلام بدون حد أقصى ، وذلك ما صادرته الدولة العباسية باختراع حد الردة المزعوم . وحرية الرأي في الإسلام هي أساس المسؤولية للبشر يوم القيامة ، وقد فصلنا القول في هذا الموضوع في مؤلفاتنا [164]، ولكن نتوقف مع لمحة سريعة فى توضيح الفارق بين الدولة الاسلامية المدنية الديمقراطية فى التشريع الاسلامى والتى طبقها النبى عليه السلام وبين الدولة الدينية المستبدة التي أقيمت فيما بعد عصر النبي عليه السلام .
( ق 2 ف 2 ) بين الشورى والإستبداد في تاريخ المسلمين : قراءة سريعة
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الثاني : مدى تأثر إبن خلدون بعصره في المقدمة منهجيا وموضوعيا
ملاحظة : سبق نشره بالانجليزية فى الموقع
The Islamic History between Democracy and Despotism
http://www.ahl-alquran.com/English/show_article.php?main_id=2930
بين الشورى والإستبداد في تاريخ المسلمين : قراءة سريعة
من الصعب إيجاز تاريخ المسلمين السياسي في صفحات معدودة ، وهو يدور حول قضية الخلافة الرشيدة وغير الرشيدة ، ومن الأصعب أن يغطي هذا التاريخ الموجز قضايا عميقة التأثير دينيا وسياسيا.
ولأنها قراءة سريعة فقد آثرنا أن نتوقف عند محطات تاريخية فاصلة ، نعطي كلا منها عنوانا يدل عليها . ونبدأ هذه المحطات بدولة النبي عليه السلام .
أ- دولة النبي في المدينة : الشورى = الديمقراطية المباشرة
والملمح الأساسي هنا أن الشورى كانت فريضة إسلامية ، منبعها الأساسي عقيدة (لا إله إلا الله) ، وكان المسلمون يمارسون هذه الفريضة في المسجد . ويتفرع عن هذا الملمح الرئيسي المعاني القرآنية الآتية :
1- الشورى جزء من عقيدة الإسلام ، فالله تعالى وحده هو الذي لا يسأل عما يفعل، وما عداه من المخلوقات يتعرض للمساءلة (الأنبياء 23) والنبي محمد عليه السلام كان مأمورا بالشورى ( آل عمران 159) ومعناه أن الذي يستنكف عن الشورى إنما يرفع نفسه فوق النبي أي يكون مدعيا للألوهية . ويرتبط بذلك التكرار القرآني لقصة فرعون وإستبداده الذي أدى به إلى إدعاء الألوهية وإهلاك نفسه وقومه . أي أن الإستبداد شرك وكفر ، وأن الشورى من ملامح عقيدة لا إله إلا الله .
2- ولأنها جزء من عقيدة الإسلام فالمنتظر أن تكون فريضة إسلامية كالصلاة ، وهنا نلفت النظر إلى أن الأمر بالشورى كإحدى ملامح المجتمع الإسلامي جاء في سورة مكية قبل أن تقوم للمسلمين دولة ، وإسمها سورة الشورى ، وجاء الأمر بها بالجملة الإسمية التي تفيد تمام الثبوت وتمام التأكيد ، وجاءت الشورى ضمن عدة أوامر إسلامية أساسية ، بل جاءت فريضة بين فريضتي الصلاة والزكاة ( الشورى :38) أي أن الشورى فريضة كالصلاة ، فإذا كانت الصلاة تؤدى في المسجد وفي البيت وفي أي مكان فالشورى كذلك ، وإذا كانت الصلاة فرض عين لاتجوز فيها الإستنابة أو التمثيل النيابي ، فالشورى كذلك . فالمؤمن مأمور بالشورى في بيته وعمله ، كما هو مأمور بألا يتخلف عن الشورى في الأمور العامة في المسجد، حيث إعتاد المسلمون في دولة المدينة أن يرفعوا الآذان بقول " الصلاة جامعة " فيجتمع المسلمون جميعا ، رجالا ونساء ويتكون مجلس عام – وليس مجلسا نيابيا – كل أعضائه أفراد المجتمع، ( أو جمعية عمومية ) ويتداولون في الأمر المعروض ، وهذا ما تردد في القرآن مجالس الشورى ، وهذا ما أهملته المصادر التاريخية للسيرة النبوية لأنها كتبت في عصور الإستبداد العباسي . بمثل ما أهملوا تدوين خطب الجمعة للنبي عليه السلام ، ومن مجالس الشورى وخطب الجمعة للنبي كل أسبوع تعلم المسلمون على يد النبي إقامة دولة مدنية في المدينة وسط المجتمع الصحراوي .
3 ــ ويكفينا من حديث القرآن عن مجالس الشورى تلك الآيات الأخيرة من سورة النور ، وهي أوائل ما نزل في المدينة ، والواضح من قراءتها أن بعض أهل المدينة لم يتعود حضور مجالس الشورى ، فكان يتخلف عنها بعذر أو بدون عذر ، أو كان يتسلل خارجا ، فجاءت الآيات بانذار شديد لهم تجعل حضور هذه المجالس فريضة إيمانية تعبدية ،حتى لا يتحول المجتمع إلى أغلبية صامته وأقلية متحركة تقبض على زمام الأمور وتمارس الحكم النيابي ، ثم بعده الإستبداد الفردي – وهذا فعلا ما حدث بالترتيب بعد
وفاة النبي . .
هذا عن الملمح الأساسي في الشورى الإسلامية كما عرفها وطبقها النبي عليه السلام في المدينة . وهو كون الشوري جزءا من عقيدة الإسلام وفريضة تعبدية كالصلاة تماما.
ونصل إلى الملمح الفرعي ، وهوالسياسي ، وتتفرع عنه المبادئ القرآنية الآتية :
1- أن الأمة هي مصدر السلطات ، أي أن المجتمع هو صاحب الحق المطلق في الحكم. والنبي محمد حين كان حاكما قال له ربه {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر: آل عمران 159}أي بسبب رحمة من الله جعلك لينا معهم ، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ، وإذا انفضوا من حولك فلن تكون لك دولة ولن تكون لك سلطة ،
وستعود إليك سيرة الإضطهاد التي كانت في مكة ، إذن فاجتماعهم حولك هو الذي أقام لك سلطة سياسية ، ودولة ، أي أنهم مصدر السلطات ، لذا فاعف عنهمم إذا أذنبوا في حقك واستغفر لهم إذا أساءوا إليك ، وشاورهم في الأمر لأنهم أصحاب الأمر والسلطة .
2- ويترتب على هذا أن الدولة الإسلامية لا تعرف وجود الحاكم بالمفهوم الديمقراطي الغربي وفق نظرية العقد الاجتماعي الديمقراطية ، لأن المجتمع هو الذي يحكم نفسه بنفسه ، ولهذا تأتي الأوامر السياسية في القرآن لا تخاطب حاكما وإنما تخاطب مجتمع المسلمين تأمره بأداء الأمانة والحكم بالعدل ( النساء 58) ( النحل 90 ، الأنعام151).
بل إن لفظ يحكم في القرآن جاء ليس بمعنى الحكم السياسي ولكن بمعنى التقاضي ، باعتبار أن إقرار العدل هو أهم واجبات الدولة الإسلامية. ولفظ ( الحكام ) بمعنى الحكم السياسى جاء فى القرآن الكريم مرتبطا بالفساد وأكل أموال الناس بالباطل (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) البقرة )
3- أما آلية حكم المجتمع نفسه بنفسه فعلى أساس الشورى التي تعني الحكم الجماعي ومساءلة أولي الأمر بعد طاعتهم في إطار طاعة الله ورسوله . وأولوا الأمر في مصطلح القرآن تعني أصحاب الشأن والإختصاص في الموضوع المطروح ، وبهذا جاء المعنى في آيتين في القرآن (النساء 59، 83 ) .
وليس هذا نظاما يوتوبيا خياليا ، بل نجح في إقامة دولة النبي وتأسيس أمة وكوادر ، وأقرب النظم الحديثة له في عصرنا هو دول الإتحاد السويسري وبعض مناطق النمسا ، حيث يتناوب أفراد خبراء الحكم كموظفين يعينهم المجتمع ويسائلهم ويعزلهم ، وإذا أخرج من الحكم أصبح فردا عاديا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق .
4- ويرتبط بهذا النظام السياسي للشورى نظام إقتصادي يقوم على أساس حق المجتمع في ملكية الثروة ، وحق الأفراد النسبي في الثروة في ظل قواعد قرآنية تمنع الإنفاق الترفي والإستغلالي وتقطع الطريق أمام نشأة طبقة مترفة تتداول فيما بينها الثروة وتحتكرها وتسبب إهلاك المجتمع وتدميره .
ب – دولة قريش في عصر الخلافة الرشيدة :
1 ـ طبقا للديمقراطية المباشرة في عهد النبي نستطيع أن نعثر على الإجابة الحقيقية للسؤال الذي احتار فيه المؤرخون ، لماذا مات النبي دون أن يعين خليفة من بعده ، والجواب ببساطة لأنه لا يوجد حاكم بالمعنى المفهوم ، ولأن المجتمع قادر على أن يحكم نفسه بنفسه وفق الآليات السائدة . ولكن حدث تطور خارجي هو حركة الردة التى قام بها الأعراب الكارهون لعودة الملأ القرشى للصدارة بعد موت النبى محمد عليه السلام . وفى مواجهة حركة الردة إتحدت القوة الحربية لقريش في مكة مع القوة الحربية لقريش في المدينة ، أي إتحاد القرشيين بكل مجدهم السالف واللاحق قبل النبي وبعده ، وجاء هذا التحالف في وقت حرج ، وكان لابد أن تكون له ضحايا ، وأول الضحايا هم الأنصار ، وأبرز الضحايا هي دولة النبي " الديمقراطية المباشرة ". وبعد إخماد حركة الردة وخشية أن يعود الأعراب الى الثورة دفعت بهم قريش الى الفتوحات ، فأحدثت تغييرا هائلا فى التاريخ العالمى وقتها ، واشرف فيه العرب على العالم لأول مرة .
2 ـ وقبل أن تأتي التفصيلات نشير إلى حقيقة أخرى ، وهي أن الحكم السياسي في العالم وقتها كان يتنفس الإستبداد الديني والسياسي على كل المستويات ، أي كانت دولة النبي جملة إعتراضية في هذا العصر ، ومن المنتظر أن يهزمها العصر بأدواته من الخارج ( حركة الردة ) ومن الداخل القرشيون في مكة والمدينة وخصوصا (الأمويين) . ولكن من المنتظر أيضا أن يتم التحول تدريجيا من الديمقراطية المباشرة في عهد النبي إلى الإستبداد السياسي المقيد ( فى عهد الراشدين ) ثم الاستبداد الوراثى المطلق ( في العصر الأموي ) ، وأخيرا الإستبداد السياسي الكهنوتي ( في العصر العباسي ) ، وهذا التحول التدريجي دفع المسلمون ثمنه غاليا من حروب أهلية وإغتيالات سياسية وإنشقاقات مذهبية بدأت بالسياسة وانتهت بالتفرق في الفكر والدين ،من أقصى اليسار ( الخوارج ) إلى أقصى اليمين ( الشيعة ). ولا زلنا على نفس الدرب نسير .
والمحطة الأولى في درب الآلام هذا ، هو ماسميناه دولة قريش في عصر الخلافة الرشيدة ،وهذه المحطة الرئيسية تتفرع عنها محطات فرعية نتوقف معها سريعا كالآتي:
1- في بيعة السقيفة : وبها أمكن تهميش الأنصار ، وتم نفي زعيمهم سعد بن عبادة إلى الشام حيث تم إغتياله هناك ، وفي المقابل سلم الأنصار بأن العرب لا تخضع إلا لهذا الحي من قريش ، أي تحول الأمر إلى حكم وسيطرة . وفي بيعة السقيفة كاد عمر أن يقتل سعد بن عبادة والحباب بن المنذر .
2- وبعد بيعة السقيفة البيعة الخاصة كان لابد من تنظيم البيت القرشي من الداخل ليرضى الهاشميون والأمويون – وهما معا أبناء عبد مناف – بحكم أبي بكر ، وتم استرضاء أبي سفيان حين إحتج على أن يحكم الدولة رجل من أقل بيوت قريش شأنا. إسترضاه أبوبكر بتعيين إبنه يزيدا قائدا في حروب الردة ، واستعمل عمر الشدة مع أنصار " علي " وكاد يقتل الزبير بن العوام وانتهى الأمر بأن بايع " علي " " أبا بكر ".
3- واستطاعت قريش إخماد حركة الردة ، وحتى لا يعود الأعراب إلى الردة ثانيا، وحياتهم تقوم على السلب والنهب فقد قامت قريش بتصدير الشوكة الحربية للأعراب إلى خارج الجزيرة العربية فكان القادة في الفتوحات من قريش ، وكان الجند من الأعراب ، وبالفتوحات العربية دخل المسلمون في وضع جديد فقدوا فيه ملمحين آخرين من ملامح الدولة الإسلامية ، وهو أن يكون القتال في الإسلام لرد الإعتداء بمثله فقط ،ودون إعتداء على أحد ، وأن يعاقب المعتدي عند الإنتصار عليه بإرغامه على دفع الجزية دون إحتلال أرضه ، ولكن الفتوحات كانت إعتداءا على دول وشعوب في عقر دارها وتخييرها – أو بمعنى أصح – إرغامها على واحد من ثلاث : الإسلام أو الجزية،أو الحرب ، وهكذا تمثلت في خلافة أبي بكر إقامة حاكم يستشير حلقة ضيقة من أعوانه،والباقون أصبحوا مهمشين وهم الأنصار ، ثم يقوم بعمل توازنات سياسية داخل قبيلته ،ثم يدخل حربا ضد أمم وشعوب ويحتل أرضها ويفرض على أهلها الجزية ، وبذلك أصبحت الفجوة هائلة بين دولة النبي الإسلامية ، ودولة أبي بكر القرشية العربية .
4- ثم ازدادت الفجوة اتساعا في عهد عمر ، حيث أضيف إلى المهمشين أبناء الأمم المفتوحة ، والذين لم يقترفوا ذنبا في حق العرب المسلمين ، ومع ذلك فقد تعرضوا للسلب والنهب أثناء المعارك ، ودفع الجزية بعدها ، وأصبحوا مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة ، بالإضافة إلى سبي نسائهم وتحول أبنائهم إلى رقيق . وفي نفس الوقت كان قواد الفتوحات من قريش هم أمراء الولايات المفتوحة . واتبع عمر سياسة
الحزم والعدل مع العرب ، ونعُمَ العرب بعدله دون أبناء الأمم المفتوحة . وحرم دخول المدينة على غير العرب خوفا على حياته منهم .وفعلا كان إغتياله على يدي أبي لؤلؤة المجوسي أحد سبايا نهاوند في صغره ، والذي كان يبكي حين يجد صبيان السبي في معسكرات الأسر بالمدينة فيمسح رءوسهم متوعدا عمر .
5- وتولى عثمان الأموي فخالف سياسة عمر في عدله وحزمه ، إذ سيطر الأمويون في خلافته على الثروة والسلطة ، وتكونت في قريش إحتكارات هائلة ، واكتنز كبار الصحابة أرادب الذهب ، وهذه الأموال تم جمعها بغير طريق شرعي من البلاد المحتلة بالجزية والسلب والنهب ، فكان من الطبيعي حين يكتنزها القرشيون دون الأعراب جند الفتح – أن يحدث النزاع . وهذا هو السبب الحقيقي في الفتنة الكبرى ، وقد بدأت بالثورة على عثمان وحصاره في داره وقتله ، وانتهت بتفرق المسلمين إلى أحزاب سياسية
متقاتلة ، وإقامة حكم إستبدادي بين الأمويين ، يقوم على أساس التوارث والقوة المسلحة ، ويستخدم الصراع القبلي وسيلة للوصول للسلطة أو الإحتفاظ بها . . وهذه هي سمات المحطة التالية .
ج – دولة قريش في الخلافة الأموية
1 ـ والسمة الأساسية في هذه الدولة هي الإستبعاد والإستبداد والإستعباد .
2 ـ فقد تعاظم إستبعاد القرشيين من خارج البيت الأموي ، واتخذ الإستبعاد شكل التعصب على كل مستوياته.
3 ـ فالأمويون تعصبوا للجنس العربي ضد غير العرب من الموالي في العراق وإيران والأنباط في الشام والأقباط في مصر والبربر في شمال أفريقيا . وحولوا الأجناس غير العربية إلى رقيق أو ما يشبه الرقيق ، وذلك مفهوم الموالي في اللغة العربية ، وحتى من أسلم منهم كان مرغما على دفع الجزية . وإن إحتج على الظلم واجهته الدولة بترسانتها العسكرية .
4 ــ والأمويون في لعبة السياسة أثاروا العصبية القبلية بين العرب ، فكانوا في الأغلب ينحازون إلى قبائل اليمن ضد قبائل مُضر ، وأحيانا ينحاز الخليفة الأموي إلى قبائل مُضر وربيعة إذا علا نفوذ القبائل اليمنية ، وقد استفاد الخلفاء من هذا التعصب القبلي وسخروه في تدعيم نفوذهم السياسي حيث كانت القبائل هي عماد الدولة عسكريا ، ولكن عندما ضعف الخلفاء الأمويون أصبحوا ضحايا لهذه اللعبة القبلية .
5 ــ وفي داخل قريش تعصب الأمويون لبني عمهم الهاشميين إجتماعيا فقط ، وذلك ضد البطون القرشية الأخرى ، ولكن عاملوا الهاشميين بكل قسوة إذ ثاروا على الدولة ، وذلك تعصبا للأسرة الأموية ضد الهاشمية .
6 ــ وداخل الأسرة الأموية تعصب الخليفة لإبن عمه القريب ضد إبن عمه البعيد ، ثم على مستوى البيت نفسه كان الخليفة يتعصب لإبنه ضد أخيه ، إذ يولي إبنيه الخلافة بالعهد لهما من بعده ، ويخلع أخاه . فإذا تولى الإبن الأكبر بعد أبيه بادر بعزل أخيه والعهد لإبنه بدلا منه . وهكذا يفعل الإبن فيما بعد .
7 ــ وبالتالي فإن المستبعدين من المشاركة السياسية لم يكونوا فقط الأنصار ( في عهد أبي بكر ) أو الأمم المفتوحة ( في عهد عمر ) أو بقية العرب ( في عهد عثمان ) أوبقية قرش ( في عهد معاوية ) بل إنضم إليهم أخوة الخليفة وأبناء عمومته فى ذرية مروان بن الجكم . ولم يكن للقبائل العربية إلا إسترضاء الخليفة الذي كان يحكم مستبدا بالحديد والنار ، وذلك طمعا في بيت المال الذي إحتكره الخليفة لنفسه.
وضاقت حلقة المستشارين ( أهل الحل والعقد) وخف وزنهم ، فأصبحوا بعض شيوخ القبائل من قادة الجيش وبعض الولاة والخدم والكتبة . وكانت وظيفة هذا الملأ هي المسارعة لإرضاء الخليفة ونزواته إذا كان ماجنا .
8 ــ ويرتبط بالإستبداد والإستعباد والإستبعاد قسوة الدولة في معاملة رعاياها من غير العرب ، وقسوتها في معاملة العرب الثائرين عليها ، إذ كانوا من الخوارج أو من الهاشميين . وهذه القسوة لم تعرف القيود ولا الحدود ، ويكفي أنه في خلافة يزيد بن معاوية إرتكبت الدولة فظائع ثلاث في سنوات ثلاث هي حكم يزيد ؛ في السنة الأولى قتل الحسين وآله في كربلاء ، وفي السنة الثانية إقتحام المدينة وقتل أهلها وسبي نسائها، وفي السنة الثالثة حصار الحرم المكي وضرب الكعبة بالمجانيق أثناء ثورة إبن الزبير .فإذا كان الأمويون يفعلون هذا ببني عمومتهم الهاشميين وبمكة والمدينة وأهلها من قريش والأنصار فكيف بالموالي وبالخوارج ؟ ولهذا نفهم سطوة الولاة الأمويين كالحجاج بن يوسف وخالد القسرى وقرة بن شريك . ولذلك لا تتعجب من خطبة عبدالملك بن مروان سنة 75هـ في المدينة ، إذ قال لأهلها " أما بعد ، فلست بالخليفة المستضعف ( يعني عثمان ) ولست بالخليفة المداهن (يعني معاوية ) .. والله لا يأمرني أحد بعد مقامي هذا بتقوى الله إلا ضربت عنقه ".
9 ــ إذن هو حكم عسكري إستبدادي يقوم على القوة الصريحة ، ويستخدم كل الوسائل في سبيل البقاء في الحكم ، ومن ضمنها الدين والفتوحات بإسم الدين ، والعروبة ، والعصبيات القبلية ، ثم سلاح السيف ، وسلاح المال . . وتكالبت كل هذه الأسلحة ضد الدولة الأموية في النهاية ، فأسقطتها الدعوة العباسية في عز شبابها سنة 132 هـ .
د – دولة قريش في الخلافة العباسية
1 ـ تخصص الأمويون في التجارة ورحلة الشتاء والصيف ، وأحرزوا مكانتهم بالتجارة، وفي سبيلها عارضوا الإسلام في مكة ، ثم دخلوا فيه بعد فتح مكة ، وكان العباس بن عبدالمطلب عم النبي (ص) في مكة باقيا على دين آبائه قائما على رعاية حقوق بني هاشم في رعاية المسجد الحرام ورعاية الحجيج ، وفي سبيل هذه التجارة بالدين حارب العباس مع قومه المسلمين في بدر ، وكان من الأسرى وافتدى نفسه ، وعاد إلى مكة يمارس التجارة بالدين بينما يقود صديقه أبو سفيان التجارة ( العلمانية ) ، وعند فتح مكة توسط العباس لصديقه أبي سفيان لدى النبي لأن أبا سفيان رجل يحب الفخر ، لذلك أعلن أن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن . وظل العباس في مكة ومعه إبنه عبدالله بن عباس الذي لم ير النبي إلا مرتين أو ثلاث ، حيث مات النبي في المدينة وهو لا يزال صبيا في مكة .
2 ــ وانضم إبن عباس لإبن عمه علي بن ابي طالب في خلافته القصيرة الحزينة ، وحين إنهارت دولة علي بادر إبن عباس – وكان واليا لعلي على البصرة – بالهروب منها حاملا معه بيت المال ورفض كل توسلات " علي " له بأن يرجع هو أو يعيد بيت مال المسلمين، وهذا في نفس العام الذي شهد مقتل علي .
3 ــ إذن فأصحاب الحكم الإستبدادي ينتمون إلى الأمويين ( أبوسفيان ، الحكم بن العاص) وهم تجار إهتمامهم الأصلي الجاه والمال بأي طريق ، وكان ذلك مدار الحكم الأموي العسكري ( العلماني بمفهوم عصرنا) أو ينتمون إلى العباسيين ( عبدالله بن العباس )، وهم تجار دين يستخدمون الدين السائد طريقا للمال والجاه .
4 ــ وهذا هو الفارق الأساسي بين الخلافتين الأموية والعباسية، تراه نفس الخلاف بين معاوية وأبيه أبي سفيان من ناحية ، وعبدالله وأبيه العباس من ناحية أخرى، وفي علاقة الفريقين بالنبي محمد وإبن عمه علي بن أبي طالب . وترى نفس الخلاف في سياسة الدولتين . . فالخلافة الأموية كانت سلطة عربية مستبدة تتعصب للعرب وتحتقر غير العرب ، أما الخلافة العباسية فكانت سلطة كهنوتية سياسية مستبدة تتعصب لمفهومها الديني عن الإسلام وتحتقر المذاهب والأديان الأخرى ، من الشيعة وأهل الكتاب ، بغض النظر عن العرق والجنسية . ومن الطريف أن الأخطل الشاعر النصراني كان يدخل على الخلفاء الأمويين يحمل الصليب ويخرج مكرما لأنه عربي ، بينما يدفع المصري الجزية حتى لو أسلم لأنه غير عربي . وفي الدولة العباسية تقطع الدولة دابر من يخالفها في السياسة والفكر بدعوى الزندقة ، بينما يعيش زنادقة حقيقيون في داخل البلاط العباسي وفي معاهد الدولة العلمية وينالون التكريم لأنهم يؤيدون الدولة سياسيا ضد التشيع .
5 ــ ولم تقم الدولة الأموية عن طريق دعوة فكرية أو مذهبية ، ولكن على أساس القوة وحدها ، أي بقانون القوة ، ولذلك لم تلجأ إلى تبرير قسوتها بأى فتوى دينية حين ارتكبت المجازر أو الفظائع ضد آل النبي والمدينة ومكة . ولكن الدولة العباسية قامت عن طريق دعوة دينية مذهبية هي الدعوة للرضي من آل محمد ، وسرقت جهد الشيعة الكيسانية ، وأقامت الدولة العباسية عبر طريق مشوار طويل من العذاب قطعه من كان يعتقد أن الخليفة سيكون من ذرية " علي " . وبعد أن قامت الدولة العباسية إرتكبت نفس المجازر ضد أبناء عمومتهم من ذرية علي ، وضد الآخرين ، ولكن مع تغيير طفيف ، هو أن الخليفة كان يستصدر فتوى من علماء الدين الذين يعملون لديه ،أي أنها دولة قوةالقانون، ولكنه القانون الذي تستصدره عن طريق جهازها الفقهي والرسمي .
6 ــ باختصار كانت الدولة العباسية هي النموذج الكلاسيكي للدولة الدينية المذهبية الكهنوتية ، وعلى منوالها جاءت الدولة الفاطمية أكثر تطرفا في الكهنوت السياسي ، ثم كانت الدولة العثمانية وسطا بين هؤلاء وهؤلاء .
7 ــ ولقد خطب الخليفة أبوجعفر المنصور يوم عرفة فقال : أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه ، أسوسكم بتوفيقه ورشده ، وخازنه على فيئه أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه ، وقد جعلني الله عليكم قفلا ، إذا شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم وإذا شاء أن يقفلني عليه قفلني . . " . أي أن المنصور العباسي كان يحكم بمنطق العصور الوسطى ، أي بالحق الملكي المقدس حسبما كان سائدا في أوربا ، يستوي في ذلك الخليفة وإمبراطور الدولة الرومانية المقدسة أو هنري الثامن ، وتلك هي المحطة الأخيرة في طريق الإستبداد والإستبعاد والإستعباد .
هـ - وأخيرا
1 ــ يبقى أن نقول أن ثقافة الإستبداد إتخذت موقفا من تشريعات القرآن التي أسست دولة النبي ، خصوصا وأن تدوين الفكر في الحضارة الإسلامية تم في تلك الدول الدينية الإستبدادية ، ويمكن القول بأن الإستبعاد السياسي إقترن بإستبعاد تشريعي للآيات القرآنية التي تناهض الإستبداد والظلم والإسترقاق ، وأقيم بدلا منها منهج آخر يقوم على أحاديث موضوعة لم يقلها النبي عليه السلام ، وتغيير مفاهيم القرآن ومصطلحاته ، تحت دعوى النسخ ، مع أن مصطلح النسخ يعني في القرآن الكتابة والإثبات وليس الحذف والإلغاء . ومن المصطلحات التي غيروها مصطلح البيعة ، وهي في القرآن تعني المبايعة على التمسك بالحق والدفاع عنه ، فأصبحت في التراث تعني إعلان الخضوع للسلطان الجديد والتسليم له سياسيا ودينيا واقتصاديا . وفي نفس الوقت تم تجاهل مصطلح " الملأ " في القرآن ، ويعني الحاشية المفسدة التي تتبع
الحاكم المستبد ، وقد قام التراث بعملية تجميل لهذا المفهوم بوضع مصطلح جديد إسمه " أهل الحل والعقد " وهو مصطلح نراه يفتقر للواقعية السياسية ، لأن مراكز القوى في الخلافة العباسية كانت في أغلب الفترات مركزة في الحريم ، وكانوا جميعا من الجواري السابقات من محظيات الخلافة وكانت أمهات الخلفاء من الجواري (ما عدا زبيدة زوجة الرشيد وأم الأمين ) وأولئك الجواري كن يحكمن الدولة من وراء ستار. وعلى نفس المنوال كانت الخلافة الفاطمية ، ثم العثمانية ، لا فارق بين الخيزران
وقبيحة وشغب في الخلافة العباسية ، وست الملك في الخلافة الفاطمية وروكسلانة العثمانية .
2 ــ لقد تبين لنا من قراءة نقدية للتراث وقراءة عقلية للقرآن أن دولة الإسلام دولة مدنية تقوم على الحق المطلق للفرد في حرية الرأي والفكر والإعتقاد ، والحق المطلق للفرد في العدل ، وعلى حق المجتمع المطلق في الحكم والسلطة وفي الثروة وفي الأمن .وينشأ عن ذلك أن الدولة الإسلامية تقوم على الشورى التي تعني الديمقراطية المباشرة. وإذا كانت تلك المفاهيم تعارض العصور الوسطى فإنها تتفق مع عصرنا .
غير أن الأمر يستلزم إجتهادا ، والإجتهاد هو الفريضة الغائبة في مجتمعنا الراهن.
3 ــ ونعود إلى إبن خلدون لنؤكد أنه أخضع عقله لمنطق العصور الوسطي وأبعده عن منطق القرآن وما كان عليه رسول الإسلام عليه السلام . وقد حدد هذا إنطلاق عقله في موضوع العمران ، فالروشته الإصلاحية التي قدمها إبن خلدون لإصلاح العمران ينقصها الإصلاح السياسي الديمقراطي ، وتتفق مع وجود مستبد عادل إذا صح وجود هذا الصنف من البشر ، وهذا لا يوجد في الواقع . ولقد حاول أحمد بن طولون أن يكون مستبدا عادلا فما أفلح ، لأن الاستبداد والعدل لا يجتمعان .
[1]- المقدمة ، الفصل الأول ، الباب الخامس
[2]- المقدمة ، الفصل العاشر ، الباب السادس
[3]- المقدمة ص21
[4]- المقدمة ، الفصل الثامن عشر ، الباب الرابع
[5]- المقدمة ، 78: 79
[6]- المقدمة ، الفصل الرابع ، الباب السادس
[7]- المقدمة ، الفصل العاشر ، الباب السادس
[8]- المقدمة ، الفصل الرابع والثلاثون ، الباب السادس
[9]- المقدمة الفصل الثاني عشر ، الباب السادس
[10]- المقدمة الفصل الخامس والثلاثون ، الباب السادس ص 477.
[11]- رسائل اخوان الصفا ن دار صادر بيروت :1/100، 113، 153، 157، 158: 182، 266: 275، 284: 291.
[12]- المقدمة : الفصل الثالث والخمسون ، والفصل الحادي والثلاثون من الباب الثالث . بالإضافة إلى ص 78: 79
[13]- المقدمة ، الفصل السادس من الباب السادس .
[14]- المقدمة ، الفصل التاسع من الباب السادس ص 378.
[15]- المقدمة ، الفصل الثامن والأربعون ، من الباب السادس
[16]- المقدمة ص 80
[17]- الفصل 53 من الباب 3 والفصل 35 من الباب 3 والفصل 14 من الباب 6 والفصل 5 من الباب 6 من المقدمة .
[18]- المقدمة ، الفصل 30 من الباب 3.
[19] - المقدمة ، الفصل 30 من الباب 3.
[20] - المقدمة ، 44: 45
[21] - المقدمة ، 40: 41
[22] - المقدمة 73.
[23] - المقدمة 45
[24] - مروج الذهب للمسعودي 1/60 تحقيق محيي الدين عبدالحميد 1966.
[25] - نفس المرجع 1/74 ، 75، 77 ، 89، 97 . مجرد أمثلة .
[26] - الشعراني : لطائف المنن 173: 174 ، عالم الفكر .
[27] - المقدمة ، الفصل الحادي عشر ، الباب السادس .
[28] - المقدمة ، الفصل العاشر ، الباب السادس.
[29] - ابن الزيات : الكواكب السيارة 316: 317 المطبعة الأميرية 1907. مناقب الوفائية 43. الطبقات الكبرى للمناوي مخطوط بدار الكتب تحت رقم 1589 تاريخ تيمور 337 . على الترتيب . وهي مجرد أمثلة .
[30] المقدمة الفصل الرابع الباب الخامس
[31] - لطائف المنن لابن عطاء :107، 126 – 141، 224. مكتبة القاهرة 1979 ، ومناقب الحنفي 147: 148 ، تأليف البتنوني مخطوط بدار الكتب تحت رقم 1164 تاريخ .
[32] - المقدمة : الفصل الخامس والعشرون من الباب السادس .
[33]- تاريخ ابن كثير 13/278. مطبعة السعادة .
[34]- السلوك للمقريزي 3/1/11. تحقيق د. سعيد عاشور ، الدرر الكامنة لابن حجر 4/ 253 نشر دار الكتب ، الطبعة الثانية 1996.
[35]- أنباء الغمر لابن حجر 3/502: 504 تحقيق حسن حبشي 1972.
[36]- ابن حجر ، ذيل الدرر الكامنة 17 . مخطوط بدار الكتب تحت رقم 641 تاريخ تيمور .
[37]- تاريخ ابن إياس 2/20 تحقيق محمد مصطفي ، الطبعة الألمانية
[38]- الطبقات الكبرى للشعراني 1/ 147 ترجمة الدسوقي مطبعة صبيح .
[39]- ابن عطاء ، لطائف المننن 122: 123.
[40]- طبقات الشاذلية للكوهن 62 الطبعة الأولى 1347 .
[41]- لواقح الأنوار للشعراني 284 على هامش كتابه البحر المورود ص 308.
[42]- لطائف المنن 55 ط 1288 هـ
[43]- لواقح الأنوار271 ط . 1308 هـ
[44]- الصفدي الوافي بالوفيات 743 نشر ريتز . ط ألمانية
[45]- ابن حجر ، ذيل الدرر الكامنة 10، 11.
[46]- أنباء الغمر 2/77.
[47]- عقد الجمان ورقة 387 وفيات 816 مخطوط رقم 1584 تاريخ دار الكتب ، المنهل الصافي 1/152: 153 ، مخطوط بالدار تحت رقم 1209 تاريخ تيمور .
[48]- ذيل الدرر الكامنة 136.
[49]- الضوء اللامع 3/18 ، مطبعة القدس 1353 هـ .
[50]- تاريخ ابن إياس 2/181.
[51]- التبر المسبوك 24 للسخاوي .
[52]- السلوك 2/2/382.
[53]- لطائف المنن 350.
[54]- قاموس العادات والتقاليد 166 . مكتبة النهضة المصرية .
[55]- الضوء اللامع 3/41 للسخاوي .
[56]- أنباء الغمر 2/111 ، ابن حجر
[57]- السلوك 4/3/1085 المقريزي.
[58]- تاريخ ابن إياس 1/ 2/311 ، تحقيق محمد مصطفي .
[59]- الوافي بالوفيات 2/353 للصفدي .
[60]- أنباء الغمر 1/181. ابن حجر.
[61]- عقد الجمان : 243 وفيات 780 العيني .
[62]- أنباء الغمر 1/ 183.
[63]- النجوم الزاهرة 15/165: 166 لأبي المحاسن تحقيق د . طرخان .
[64]- أنباء الغمر 3/148.
[65]- السلوك 3/3/1149 ، النجوم 13/37.
[66]- الضوء اللامع 4/235.
[67]- ديوان ابن نباته 333 . الطبعة الأولى 1905.
[68]- أنباء الغمر 3/17
[69]- تحفة الأحباب 43: 44 . للسخاوي .
[70]- السلوك 4/3/759.
[71]- الضوء اللامع 2/250.
[72]- أنباء الغمر 3/387.
[73]- نفس المرجع 3/451: 452.
[74]- ابن حجر : ذيل الدرر الكامنة 17، أنباء الغمر 2/113 المنهل الصافي 1/85 ، نزهة النفوس للصيرفي 2/68 : 69.
[75]- تاريخ الذهبي ، مخطوط مجلد 31/40: 41 . رقم 42 تاريخ بالدار .
[76]- السبكي ، معيد النعم 155 على هامش تفريج المهج 1908.
[77]- الدرر الكامنة 4/33.
[78]- الإفادة والاعتبار لعبداللطيف البغدادي : نشرته مطبعة المجلة الجديدة تحت عنوان عبداللطيف البغدادي في مصر 47: 48
[79]- الفلاكة والمفلوكون : 30، 31 مطبعة الشعب 1322.
[80] - الدرر الكامنة 2/23.
[81] - تاريخ ابن إياس 4/293.
[82] - التبر المسبوك 173 ك 174 للسخاوي .
[83] - أنباء الغمر ، مخطوط 1124 تحت رقم 8844 الجزء المخطوط بالدار.
[84] - أنباء الغمر 3/485.
[85] - الضوء اللامع 3/172.
[86] - البحر المورود 40، لواقح الأنوار 375: 376.
[87] - النجوم الزاهرة 15/91، نزهة النفوس 3/402 لابن الصيرفي .
[88] - حوادث الدهور 2/197 لأبي المحاسن .
[89] - تاريخ البقاعي 12 مخطوط .
[90] - تاريخ ابن إياس 4/147 : 148.
[91] - نفس المرجع 1/2/299.
[92] - الأمثال الشعبية تيمور 324 ، 328 الطبعة الأولى 1949.
[93] - الفلاكة والمفلوكون 29
[94] - مجموعة الرسائل والمسائل 1/70 الطبعة الأولى بمصر 1323.
[95] - روض الرياحين 18، 19 ، ص 1307.
[96] - لطائف المنن 76 ، 73.
[97] - ابن النديم الفهرست 498، 500، 505 .
[98] - ابن عياد الشاذلي : المفاخر العلية 11
[99] - تعطير الأنفاس 31 ، لابن محسن رقم 1209 تاريخ تيمور بالدار .
[100] - تعطير الأنفاس 226 ، ابن عطاء ، لطائف المنن 59.
[104] - الطبقات الكبرى للمناوي 385.
[105] - لطائف المنن 75، 85.
[106] - لطائف المنن 75، 85.
[107]- أنباء الغمر 3/204
[108] - العيني ، عقد الجمان ورقة 269 ، وفيات 701.
[109] - الجزري ، الذيل ، 2/365 رقم 5422 تاريخ مخطوط بالدار .
[110] - أبناء القمر 2/30.
[111] - الضوء اللامع 1/183
[112] - لطائف المنن 75
[113] - ذيل الدرر الكامنة مخطوط 26 ،تاريخ قاضي شهبة2/167 لرقم 392 تاريخ بالدار ، أنباء الغمر 123.
[114] - الصفدي ، أعيان العصر 7/1/32 ، مخطوط رقم 191 تاريخ .
[115] - مناقب الفرغل 28: 29.
[116] - الطبقات الكبرى للشعراني 2/99.
[117] - نفس المرجع 2/80.
[118] - النجوم الزاهرة 11/ 132.
[119] - نفس المرجع 15/542: 543.
[120] - مناقب المنوفي 27، 32 .
[121] - الغزي ، الكواكب السائرة 1/94 ، ط بيروت 1945
[122] - تاريخ البقاعي 41 ب
[123] - العيني ، عقد الجمان حوادث 730 ورقة 16، 17 ، 18 . النويري : نهاية الإرب 31/105 ، الدرر الكامنة 4/455.
[124] - أبوالمحاسن : حوادث الدهور 1/33، 39، 40 السخاوي : التبر المسبوك 211 ، 212.
[125] تعطير الأنفاس 48 .
[126] - الطبقات الكبرى للشعراني 2/80 . ط صبيح.
[127] - البحر المورود 154.
[128] - لمحة عامة إلى مصر 2/97 ، ط أبو الهول.
[129] - الفهرست 497
[130] - تاريخ ابن الفرات 8/56ط . بيروت 36- 1939.
[131] - حوادث الدهور 2/174.
[132] - السلوك 4/3/1130
[133] - نزهة النفوس 2/69.
[134] - التبر المسبوك 209 ، تاريخ ابن إياس 2/263.
[135] - النجوم الزهرة 15/331.
[136] - التبر المسبوك 83.
[137] - تاريخ ابن اياس 2/350.
[138] - أنباء الغمر 3/457.
[139] - المقريزي : حل لغز الماء 75 ، 76 مخطوط بالدار رقم 5 في مجموعة 33 تيمورية .
[140] - شمة : مسرة العينين 710 ، مخطوط رقم 1095 تصوف طلعت .
[141] - لمحة عامة إلى مصر 2/96.
[142] - تيمور ، الأمثال الشعبية 246.
[143] - لطائف المنن 272: 274.
[144] - المقدمة ، الفصل 25 ، الباب السادس .
[145] - المقدمة ، الفصل العاشر ، الباب السادس .
[146] - المقدمة ، الفصل السادس ، الباب الخامس
-183 المقدمة ، الفصل العشرون ، الباب الثاني – الفصل السادس ، الباب الثالث – الفصل الرابع ، الباب الثالث
[149] - المقدمة ، الفصل الثاني عشر ، الباب الرابع والعشرون
[150] - المقدمة ، الفصل السادس والعشرون ، الباب الثالث .
[151] - المقدمة ، الفصل الرابع والثلاثون ، الباب الثالث
[152] - المقدمة ، الفصل السابع والثلاثون ، الباب الثالث
[153] - المقدمة ، الفصل الثالث والثلاثون ، الباب الثالث
[154] - المقدمة ، الفصب السابع ، الباب الثاني .
[155] - المقدمة ، الفصل الثامن والعشرون ، الباب الثالث
[156] - المقدمة ، الفصل الخامس والعشرون ، الباب الثالث
[157] - المقدمة ، الفصل الرابع والعشرون ، الباب الثالث
[158] - المقدمة ، الفصل السادس والعشرون ، الباب الثالث
[159] - المقدمة ، الفصل التاسع والعشرون ، الباب الثالث .
[160] - المقدمة ، الفصل الثلاثون ، الباب الثالث
[161] - المقدمة ، الفصل الثمن والعشرون ، الباب الثالث
[162] - المقدمة ، الفصل الواحد والعشرون ، الباب الثالث
[163] - المقدمة ، الفصل السادس عشر ، الباب الرابع .
[164] - راجع كتبنا : حد الردة : دار طيبة للنشر .
الحسبة : دار المحروسة .
حرية الرأي بين الإسلام والمسلمين : المنظمة المصرية لحقوق الإنسان .
الفصل الثالث : اجتهادات إبن خلدون لعصره وعصرنا
( ق2 ف3 ) أخطاء خلدونية منهجية
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الثالث : اجتهادات إبن خلدون لعصره وعصرنا
أخطاء خلدونية منهجية
فيما عدا التصوف السنى والثيوقراطية ، فإن عقل إبن خلدون إجتهد في علم العمران أوالإجتماع ، يضع القواعد والقوانين مستلهما أحداث التاريخ وتطور الحركة التاريخية ، ويربط بين الإنسان والمكان ، بين الجغرافيا والتاريخ ، وأحيانا يضيف لهذا الربط العنصر الثالث وهو الزمان ، وفي كل الأحوال فإن إجتهاده في علم العمران قد خرج به على مستوى العصر المملوكي بكل تأكيد ، بل أحيانا يقترب من نوابغ الحضارة ( العربية الإسلامية ) الذين كانوا إستثناء من قاعدة المنهج العقلي الأرسطي ، مثل البيروني والخليل بن أحمد والرازى الطبيب .
بين العقل الخلدونى والعقل ( الخليلى ) : الخليل بن أحمد الفراهيدى
1 ــ بل أنه في إختراعه لعلم جديد يجعله أكثر إقترابا من العبقرية العربية الفريدة الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي إخترع علم العروض ووضع أسس علم اللغة ( الصرف ) وقواعد النحو وبدايات علم الأصوات، ولم يأت بعده من يتطاول إلى قامته في تنوع المواهب والإختراعات مع عزة النفس والتواضع والإبتعاد عن صحبة الأمراء والأغنياء مكتفيا بالفقر والتفرغ للعلم ، وكان عصره لم يعرف بعدُ تأسس الديانات الأرضية وتسلطها من سنّة وتشيع وتصوف ، حيث توفى في منتصف القرن الثاني ( بين 160هـ ، 170هـ) ، شهد عصره جدلا فقهيا وعقيديا ، ولكنه كان في تفرغه للبحث فيما ينفع الناس بعيدا عن الجدل الفقهي والعقيدي العقيم الذي أبعد العقل عن القرآن وأدخله في متاهات عقيمة .
2 ـ ولا ندري ماذا كان مصير العقل الخلدوني إذا عاش منطلقا في عصر الخليل بن أحمد .!
ذلك أنه – بعد دراسة متأنية للعقلين الخليلي والخلدوني – وجدنا الكثير من المشترك بينهما ، مع إختلاف الصفات الشخصية والظروف الإجتماعية ، واختلاف العصر والثقافات . ولكن يبدو أحيانا أن كلا منهما قد أراد أن يكون ما كان بمحض إختياره ، فالخليل إختار بمحض إرادته الفقر والتفرغ للعلم والبحث والإبتعاد عن عصره وعن الأغنياء والأمراء ليعطي أكبر مساحة من الحرية لعقله العبقري ، بينما إختار إبن خلدون أن ينغمس في السياسة ويخدم الحكام ويخضع لثوابت عصره ، ويستخدم عقله العبقري في تسويغها وفى تبريرها . ومن هنا إنطلق الخليل بن أحمد فأتى بما لم يسبقه إليه أحد في اللغة والعروض وفي شذرات من الكيمياء والموسيقى ، على قلة إمكاناته وفقره الشديد وعلى بساطة المُتاح له من العلم والمعارف فى عصره ، حيث لاتدوين ولا ترجمة . بينما عاش ابن خلدون فى وقت إكتمل فيه تدوين الفكر ولم يعد إلا الاجتهاد فى الابتكار ، فإنطلق عقل إبن خلدون فوق مستوى عصره البائس علميا وفي مجال محدد بعيد عن المشاكل وهو علم العمران .
3 ــ وكان من الممكن أن ينطلق عقل إبن خلدون أبعد من علم العمران ليشتبك مع الثوابت الدينية الصوفية والسنية لعصره ناقدا مُصلحا ، ولكنه أراد التصالح مع العصر وأن يستخدم عقله في ذلك التصالح . ومن هنا كانت جنايته على عبقريته ، خدم عصره وظلم عقله . وبعد أن ظلمه الزمان وهو العصر – ظلمه أيضا المكان ، وهو موطنه الأصلي .
4 ــ وبين المكان والزمان تناثرت بعض الأخطاء . أهمها الخطأ المنهجى بإستغراقه فى موطنه الأصلى وتعميم أحكامه على العمران النهرى .
أهم أخطاء إبن خلدون في المقدمة : إستغراقه في ظروف موطنه
1 ـ وقد عرضنا لتأثر إبن خلدون بعصره في المنهج والموضوعات الأساسية . وهذا الأثر في حد ذاته هو النقيض الأساسي لإمكانات إبن خلدون العقلية ، ولم يكتف بتقييد العقلية الخلدونية ، بل أوقع صاحبها في أخطاء تناثرت بين سطور المقدمة .
2 ــ وأسهم ( المكان ) بوقوع ابن خلدون فى خطأ منهجى ، مبعثه إستغراقه في ظروف موطنه الذي كان يحيط به مكانيا وزمانيا ووجدانيا وماديا . ونعطي لذلك أمثلة عامة ، فهو يتجاهل دور المرأة السياسي ، مع أن شجرة الدر لم تكن بعيدة عنه زمنيا ، ومع أن خبرته كمؤرخ تجعل جعبته مليئة بشواهد على تأثير المرأة السياسي المباشر والخفي في العصرين العباسي والمملوكي . إلا أن البيئة البدوية التي تأثر بها إبن خلدون تصادر وجود المرأة إجتماعيا و إقتصاديا قبل أن تسمح بالحديث عن دورها السياسي . ولذلك كانت المرأة وهي نصف المجتمع أو نصف العمران غائبة عن حديث إبن خلدون في علم العمران . ولا ننسى أيضا تأثره بالدين السُّنى ونظرته المتدنية للمرأة ، ولا ننسى تمجيده للصحابة والفتوحات، ولعل هذا كان السبب فى خلو ( المقدمة ) من أى إشارة لأعظم زعيمة للبربر، تلك البطلة الأمازيغية التى وقفت ضد الفتح العربى.
3 ــ وفي المقابل إستغرق إبن خلدون في حديثه عن العصبية ودورها في إقامة السلطة والدعوة والأمة ، ولفظ العصبية بالذات يعطي الدلالة على المجتمع البدوي الصحراوي حيث يكون الإنتماء للقبيلة والنسب الواحد ، وحيث تكون القبيلة دولة متحركة ، داخلها جيشها الخاص وقوانينها الخاصة ورئاستها الخاصة ، وحيث يقع العبء على الرجل في الدفاع والقتال وتحصيل المعاش ، وتتحول المرأة إلى سلعة مقتناة يمكن أن تضيع بالسلب والنهب وتصبح من ممتلكات الآخرين في أي إغارة محتملة . وهكذا فالمجتمع القبلي هو مجتمع الرجل أو المجتمع الأبوي المطلق . ومن هنا كان تأثر إبن خلدون بهذا المصطلح ومدلوله ، وقد خضع له بحكم البيئة والمكان ، بل إنه إحتفى بمصطلح العصبية وخرج به من نطاق بيئته المحلية في الصحراء إلى آفاق أرحب ، فأصبحت العصبية في حديث إبن خلدون عن البيئات الأخرى النهرية تعني القوة المسلحة – مهما كانت طبيعتها – طالما يكون ولاؤها في شخص معين ، حاكما كان أو داعية للدين أو السياسة .
4 ـ ومن هنا تكررت أخطاؤه الفرعية كقوله أنه لابد في القتال من وجود العصبية القائمة على القرابة والنسب [1] ويتناسى أن الفتوحات العربية ، وقبلها المعارك في عهد النبي لم تقم كلها على القرابة والنسب ، بل إن الدفاع عن الوطن في البيئات النهرية لا شأن له إلا بالإنتماء للأرض ، أرض الوطن وتجعل جميع المواطنين على إختلاف النسب والأعراق والملل والنحل يتضامنون معا في رد الإعتداء عن الوطن الواحد ، كما حدث فى ثورات المصريين ( الأقباط ) ضد عمرو بن العاص والأمويين والعباسيين ، وثورات البربر ضد الغزو العربى .
ولا يقال هنا أن فكرة المواطنة وليدة الثقافة المعاصرة وكانت غائبة عن عصر إبن خلدون ، لأن إبن خلدون هنا يتحدث عن قواعد عامة لعلم العمران ، والمفروض أن تسري في كل زمان ومكان ، ثم إن شواهد إبن خلدون التاريخية كمؤرخ تحوي الكثير عن تضامن أبناء الوطن الواحد ضد الغزاة ، خصوصا في الحملات الصليبية التي لم تكن بعيدة عن عصره .
5 ــ ومن ذلك قوله " إذا كانت الأمة وحشية كان ملكها أوسع " ، " الأمم الوحشية أقدر على التغلب ممن سواها "[2] وإختيار كلمة " وحشية " ينطبق تماما على الطبيعة الصحراوية الجبلية أكثر من إنطباقه على البيئات النهرية المُسالمة . وإذ كانت الوحشية هي المقياس، وفي الوحشية يتنافس المتنافسون ، فإن القوة الآن – وقبل الآن – ليست في الوحشية ، ولكن للأقوى في العدد والعتاد والذكاء . ينطبق ذلك على العصور القديمة قبل عصرنا ، فالإسكندر الأكبر في فتوحاته وإنتصاراته كان أبعد ما يكون عن الوحشية بالمفهوم الخلدوني ، بل إن بعض الفتوحات العربية -- مع رفضنا لها قرآنيا وإسلاميا – كانت فى بعض الحالات أبعد ما تكون عن الوحشية بمفهوم إبن خلدون . وقد تنطبق رؤية إبن خلدون على أعراب القرامطة وعلى المغول والتتار خارج موطنه ، وقد ينطبق على الوهابية فى عصرنا ، ولكن لا يصح التعميمم أو أن يكون ذلك قاعدة إجتماعية في علم العمران .
6 ــ ومن تأثر إبن خلدون ببيئته البدوية الصحراوية نظرته المتدنية للتجار والخدم ، فحيث يكون الإحترام لمن يحمل السلاح أساسا ثم لمن يحمل القلم في الدول الصحراوية ، فإنه لا يتبقى من الإحترام شئ للتاجر الذي يكون فريسة للمسلحين اثناء تنقله في تجارته ، والذي لا يلبث أن يعوض خسائره من البدو عن طريق التحايل والكذب والمساومة ، ومن هنا يؤكد إبن خلدون مرتين على أن أخلاق التجار " نازلة عن خلق الرؤساء والأشراف وبعيدة عن المروءة "[3].
والخدم في هذا المجتمع البدوي أقرب للرقيق إن لم يكونوا من الرقيق ، ومن الطبيعي أن الأحرار الذين تضطرهم الظروف للعمل في الخدمة لا يتمتعون بأي إحترام في تلك المجتمعات. ومن هنا يؤكد إبن خلدون على أن الخدمة ليست من المعاش الطبيعي ، وإن شأن الرجل ألا يحتاج لمن يخدمه ، وأن الخادم الكفء الثقة لا يوجد [4] ويتناسى حديث القرآن الكريم عن { التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ : النور 31} وقول بنت الرجل الصالح لأبيها عن موسى { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ :القصص 26}.
غياب مصر عن العقلية الخلدونية
1 ــ وبسبب تأثره ببيئته المحلية قرر أن موالى الدولة التي تصل إلى الشيخوخة يكونون عيالا على هذه الدولة ، ولا يستطيعون الإستقلال بأنفسهم وتأسيس دولة خاصة بهم[5]. وقد ينطبق هذا على الممالك السريعة التي قامت وانهارت في شمال أفريقيا حيث القبائل وعصبياتها ومواليها التابعون لها وهم من الدرجة الثانية ، وبالتالي فإن هذه التبعية تحدد مكانتهم ودورهم وتصادر أحلامهم في إقامة دول مستقلة على حساب الأسياد أصحاب الأنساب .
2 ــ ولكن ذلك لا ينطبق على البيئات النهرية في مصر والشام . فالمماليك كانوا جندا مملوكين للدولة الأيوبية ، ولكن ما لبثوا أن أقاموا الدولة المملوكية وتزعمتهم امرأة هي شجرة الدر . ثم تعرضت هذه الدولة الوليدة إلى أقوى محنتين وانتصرت فيهما وأنقذت العالم العربي الإسلامي منهما ، وهما المغول والحملة الصليبية التي قادها لويس التاسع (658هـ ، 648هـ) وبعدهما أصبح من تبقى من أمراء وسلاطين البيت الأيوبي تابعا لهذه الدولة المملوكية إلى أن انقرضوا ، وظلت الدولة المملوكية تحكم من سنه 648 هـ . إلى أن جاءها إبن خلدون لاجئا سنة 784 وبقيت بعده حتى سقطت سنه 921هـ . أي أنه عاش في كنف الدولة المملوكية ، التي كانت بعيدة عن بؤرة شعوره ، وليس ذلك بغريب ، إذ أنه كتب المقدمة في منتصف سنة 779 قبل أن يأتي إلى مصر بخمس سنوات ، ثم هذبها ونقحها في مصر دون أن يستفيد من ظروف الموطن الجديد السياسية والعمرانية ، لأن أصداء الشمال الأفريقي كانت تسكن عقله ويكفي أنه في مصر ظل محافظا على لباسه المغربي إلى أن مات.
3 ــ إن البيئة النهرية – ومصر أبرز مثل لها – تخالف البيئة الصحراوية ، والجزيرة العربية والشمال الأفريقي أبرز مثلين لها ، أي كان بمقدور إبن خلدون وقد عاش الشطر الأول من حياته في الشمال الأفريقي (732- 784) ثم عاش الشطر الأخير في مصر ( 784- 808هـ) أن يتحدث في المقدمة عن ذلك التفاعل المستمر والفروق بين بيئتين مختلفتين مجاورتين ، بيئة الصحراء وبيئة النهر . خصوصا وأن الدواعي لذلك كثيرة فيمن يتصدى لتأسيس علم جديد ، إذ يظل تأسيسه ناقصا طالما اقتصر وانحصر في بيئته ، ثم من خلالها ينظر للعالم والعمران ويضع له القواعد ، وبالتالي كان ذلك تقصيرا هائلا من إبن خلدون .
4 ــ ونعرف حجم هذا التقصير حين ننظر أفقيا إلى تاريخ حياته ، إذ أنه في الشمال الأفريقي قضى الشطر العملي من حياته متعبا في تقلبات سياسية بين تونس وتلمسان والمغرب والأندلس ، حوالي ربع قرن من الزمان . ونجح خلال هذا الإنشغال أن يقتنص هُدنة يكتب فيها المقدمة والتاريخ ، وكان يتوق إلى التفرغ للبحث والتأليف ، ثم جاءته الفرصة في مصر كي يودع الطموح السياسي ، ويتفرغ للعلم خلال ما تبقى له من عمر، وحيث كان الرزق وفيرا ،ويعيش فى أمن من المطاردة كما كان العهد به سابقا ، وحيث كان العمل بالقضاء لا يعوق التأليف ، فقد كان القضاة من العلماء أصحاب التأليف ، و حيث كان منصب القضاء لإبن خلدون فترات محدودة ، وبعدها عاش في فراغ وكان بإمكانه أن يشغل هذا الفراغ في تنقيح المقدمة في ضوء المناخ الجديد والمعلومات الجديدة والنضج العقلي وخبرة السنين والمصادر العلمية المتوافرة والحياة العلمية الهادئة ، ولكنه لم يفعل. لذلك ظلت مصر بخصوصيتها ومناخها السياسي والإجتماعي غائبة عن مقدمة إبن خلدون ، لا ترى في المقدمة إلا حديثا عما يصل إلى إبن خلدون وهو بشمال أفريقيا عن ثراء مصر وتقدمها في العلوم والصنائع في عصره وهو عنها بعيد ، بالإضافة إلى بعض إستنتاجات تاريخية هزيلة . ثم إذا جاء إلى مصر واستقر بها لم يحاول التنقيح الحقيقي والإضافة طيلة أربعة وعشرين عاما قضاها في مصر .
5 ــ والمحصلة النهائية أن حياة إبن خلدون العملية هى حوالي نصف قرن من الزمان ، أضاع ربع قرن في حياة سياسية فاشلة في المغرب يتوق إلى لحظات تفرغ للعلم ، وفيها أنتج المقدمة والتاريخ ، ثم جاءه الإستقرار في الربع قرن الأخير من حياته فتكاسل عن التنقيح الحقيقي والتعديل والإضافة ، وضاعت منه الخبرة المصرية خلال إستقراره الطويل في مصر ، ضاعت من مقدمته ، وهذه المقدمة هي أروع ما كتبه إبن خلدون ، وأروع ما كتب في العصر المملوكي (648-921هـ) . ومن أروع ما أنتجته الحضارة العربية ( الاسلامية ).!
ونعطي بعض الشواهد
1 ـ يقول عن مصر وكان في شمال إفريقيا " ويبلغنا لهذا العهد عن أحوال القاهرة ومصر من الترف والغنى في عوائدهم ما يقتضي منه العجب ، حتى أن كثيرا من الفقراء بالمغرب ينزعون إلى النقلة إلى مصر لذلك " ويقول " كما بلغنا عن أهل مصر أن فيهم من يعلم الطيور العجم والحمر الأنسية .. وغير ذلك من العجائب التي لا توجد عندنا بالمغرب " ويقول " كما يحكي لنا عن مصر لهذا العهد وأن بها معلمين منتصبين لتعليم الخط . . "[6] . ومن الواضح انه كتب ذلك في المقدمة وهو يحلم بالإستقرار في مصر لينعم بكل ما يتصوره فيها من نعيم . وجاء فعلا إلى مصر سنة 784 ، ولقى فيها العلماء وأسهم في حركتها التعليمية ونظامها القضائي ، دون أن يضيف شيئا إلى مؤلفاته ، بل أن بعض سطور المقدمة تشير إلى أنه قام بتنقيح جزئي هزيل جدا وهو في مصر، قال فيه ملاحظتين ، الأولى قوله " ولقد وقفت بمصر على تآليف متعددة لرجل من عظماء هراة " يقصد سعد الدين التفتازاني والثانية قوله " ... ولا أوفر اليوم من الحضارة في مصر ، فهي أم العالم وإيوان الإسلام وينبوع العلم والصنائع [7]" ثم يذكر ما وصل إليه من كتب سعد الدين التفتازاني .
ولم تنجح مصر بحضارتها وعلومها في حث العقلية الخلدونية على المزيد من الإبداع سواء في تطوير المقدمة أو في مؤلفات أخرى ، في مرحلة النضج والإستقرار . ولذلك ظلت الأخطاء في المقدمة ، منها ما يخص مصر ، وما يخص غير مصر .
2 ــ إذ يبدو في المقدمة التجاهل الواضح للبيئة الزراعية ، يقول " إذا كانت المدينة تقترب من الجبال والبوادي فإن عمرانها لا ينقطع حيث يتوافد إليها أهل البوادي ويستقرون فيها " والواضح هنا أن حديثه متأثر بوطنه ولا يشمل البيئة الزراعية ، وإن كان قد جعلها قاعدة عامة .
وفي موضع آخر يجعل سبب المجاعات من الظلم والعدوان في نهاية عمر الدولة وكثرة سكانها ، وينتج عن المجاعة سقوط الموتى وانتشار الأوبئة . وأغلب المجاعات كانت تحدث في مصر بسبب فيضان النيل الزائد عن الحد أو نقصانه الزائد عن الحد ، ولم يكن بسبب الظلم ، مع أن الظلم في مصر ثابت البنيان راسخ الأركان ، بحيث يمكن القول إنه ـ أى الظلم ـ إستقرّ فى مصر وحصل ـ بجدارة ــ على الجنسية المصرية .! . ومع ذلك فلم يكن الفاعل المتسبب فى المجاعات والأبئة التى كانت تحدث دوريا فى مصر العصور الوسطى .
3 ــ وتصل قمة تأثره ببيئته البدوية حين يجعل إبن خلدون الفلاحة من خصائص البدو ولا يقوم بها أهل الحضر ، أو أن يقول إن البدو يتكاثرون في المكان الواحد ويحدث بينهم شقاق فيتكتل كل فريق داخل سور وحول ماء ، وتنشأ بذلك المدينة التي تحتاج إلى حكم وإدارة وحصن وجيش وعمران [8] ، وهذا عنده أساس الحضارة ( بدو يتحضرون ) .!. أمّا مصر أم الزراعة وأصل الإستقرار والحضارة والعمران فغائبة عن عقل إبن خلدون . وقد قام أبناؤها ببحث " شخصية مصر " تاريخيا وحضاريا . ومنهم كاتب هذه السطور في كتابه " شخصية مصر بعد الفتح الإسلامي " الذي أثبت أن مصر قد ( مصّرت) الفتح الإسلامي ،أى قامت بتمصيره وأضفت على تدينها الشخصية المصرية ، بالإضافة إلى العلامة جمال حمدان في كتابه شخصية مصر الذى بحث شخصية مصر من حيث الموقع والموضع .
( ق2 ف3 ) : أخطاء خلدونية مختلفة
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الثالث : اجتهادات إبن خلدون لعصره وعصرنا
أخطاء خلدونية مختلفة :
أولا : أخطاء صغيرة غريبة
1 ـ على أن تنقيح إبن خلدون الهزيل للمقدمة فى مصر لم يعصمها من أخطاء تاريخية نستغرب صدور بعضها عن مؤرخ مثله ، فهو يقول أن الخليفة المستظهر بالله العباسي أعطي لقب أمير المؤمنين إلى يوسف بن تاشفين [9]. والمشهور تاريخيا أنه أعطاه لقب " أمير المسلمين " . وقد ظننت في الأمر خطأ مطبعيا في طبعة بولاق الأصلية التي اعتمدت عليها في هذا البحث، ولكن وجدت نفس الكلام في طبعات أخرى للمقدمة . والغريب أن إبن خلدون بعدها في التاريخ يقرر أن الخليفة العباسي منح إبن تاشفين لقب أمير المسلمين ، وذلك في معرض تأريخه للمرابطين في الجزء السادس [10].
2 ــ ومن هذه الأخطاء التاريخية الغريبة حديثه عن معرفة الصحابة بالغيب في معرض كلامه عن الملاحم والجفر ويذكر من الصحابة كعب الأحبار ووهب بن منبه [11]. وهما من مسلمة بني إسرائيل وكعب الأحبار أسلم في خلافة عمر حيث جاء المدينة لأول مرة ، وبالتالي فلم يشهد النبي ولم يره ، ولم يكن من الصحابة .
3 ــ ويؤكد إبن خلدون في أكثر من موضع على أن مصطلح " القراء " هم الذين يعرفون القراءة والكتابة من الصحابة ، أي أنه مفهوم يناقض " الأمية " [12] ، وذلك تفسير خاص بإبن خلدون لا يتفق مع البداية التاريخية لولادة هذا المصطلح ، إذ أن مصطلح القراء كان لا يعني القراءة وإنما كان يعني الأعراب الذين كانوا يتهجدون بالليل يقرؤون القرآن ، وأولئك إنضموا إلى علي بعد ثورتهم على عثمان ، وحاربوا مع علي في الجمل وصفين ، وهم الذين أرغموا عليا على قبول التحكيم في صفين ، يقول الطبري في تاريخه بعد رفض علي للتحكيم " فقال له مسعر بن فدك التميمي وزيد بن حصين الطائي في عصابة معهما من القراء الذين صاروا خوارج فيما بعد : يا علي أجب إلى كتاب الله إذا دعيت إليه " [13]، وفعلا إشتهر الخوارج الأوائل بلقب القراء مع ألقاب أخرى . ولم يكن أولئك الأعراب يكتبون ويقرأون بالمدلول العلمي للكلمة .
4 ــ ومن آراء إبن خلدون التي كانت تحتاج إلى تنقيح ومراجعة تاريخية قوله بأن الخلفاء العباسيين إستحدثوا لقبا آخر للخلفاء يتميزون به فكان من ألقابهم المنصور والمهدي والهادي والرشيد ، وسار على نهجهم الفاطميون ، واضطرب تفسيره لذلك [14].
والذي نراه أن الأمويين كانوا حكاما عربا أقرب إلى شيوخ القبائل يحكمون بمنطق القوة وحدها ، أي بمنطق المُلك الطبيعي في مصطلح إبن خلدون . فجاء العباسيون بمنطق الدولة الدينية وشاراتها ورموزها ، وكان من رموزها تلقيب الخليفة بلقب ديني ، وبدأ هذا اللقب الديني بالمنصور والمهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون ، ثم أضيف له فيما بعد لفظ الجلالة ، كالمعتصم بالله والمكتفي بالله والناصر لدين الله . . وعلى نفس المنوال سار الفاطميون ، ثم الأيوبيون حيث كان يضاف لفظ الدين " صلاح الدين " " أسد الدين.." ثم أصبح عاما تلقيب كل إنسان في العصر المملوكي بلقب ديني خصوصا من العلماء ، مثل شهاب الدين ، زين الدين ، أكمل الدين . حيث سيطر التدين السطحي على الحياة الإجتماعية بعد أن انتقلت إليها العدوى من الحياة السياسية .
5 ــ ويقتضينا واجب الإنصاف أن نذكر لإبن خلدون أنه ذكر رسالة حي بن يقظان ونسبها إلى صاحبها الأصلي الرئيس إبن سينا ، وليس كما هو مشهور الفيلسوف الأندلسي ابن الطفيل.
ثانيا : أخطاء فى العلوم الطبيعية
وهذا يدخل بنا على المنهج العقلي الطبيعي وما تناثر من أخطاء في المقدمة في هذا المجال . ومنبع الخطأ هنا هو في أنه إتبع الثقافة السائدة في عصره.
1 ـ في الجغرافيا وتقسيم العالم إلى مناطق جغرافية وأجناس بشرية تابع ابن خلدون ما قاله بطليموس . وأخذ عنه تأثير الهواء في الناس وفي الألوان ، واكتسب منه رؤية عنصرية نحو الأفارقة ، وجعلهم أقرب إلى الحيوان ، مع أنه كان أقرب من بطليموس إلى الأفارقة في المكان والثقافة ، وسجل بعض تواريخهم في كتابه في العلاقة بالبربر على الخصوص ، لذلك فإنه من الخطأ أن يقول عنهم " تذعن السودان للرق لنقص الإنسانية فيهم وقربهم من الحيوان [15]. ويستثني الجزيرة العربية من الأقاليم الجغرافية البدائية وفق تقسيم بطليموس ، ويقول إن البحر أحاط بالجزيرة العربية فترطب هواؤها وأصبحت معتدلة نسبيا ، وهذا خطأ واضح ، ونرجو أن يكون قد عرف هذا الخطأ حين قام بالحج من مصر سنة 789هـ .
2 ــ وفي مجال التشريح نقل إبن خلدون أقسام المخ وموقعها من التفكير والتخيل ، وهو يخالف المعروف الآن عن فصوص المخ على الجانبين ،ولا ننتظر منه بالطبع أن يفعل ما فعله عبداللطيف البغدادي حين قدم إلى مصر في سلطنة العزيز عثمان بن صلاح الدين الأيوبي ، وكان وقت مجاعة ، والجثث منتشرة فأخذ يتفحصها وأضاف ثروة إلى معلوماته ومعلومات عصره .
ولكننا ننتظر من إبن خلدون رؤية واضحة لعلم العمران مستقاة من أحكام تاريخية ناضجة .
ثالثا : أحكام سياسية خاطئة
إلا أن بعض أحكامه السياسية تقع في الخطأ من وجهة نظرنا ، ونعطي أمثلة :
1- يقول أن الأمة المغلوبة التي غلبتها غيرها يسرع إليها الفناء [16] ، وليس ذلك صحيحا بدليل بقاء وتكاثر الموالي في العراق وإيران والأنباط في الشام والمصريين والبربر بعد الفتوحات . وبدليل أن بريطانيا كانت لا تغيب عن أملاكها الشمس ، وتناقص سكانها الآن بينما تضاعف سكان مستعمراتها فيما بين الهند شرقا إلى مصر وأمريكا غربا .
2- ويقول إن عظم الدولة واتساعها وبقاءها بقدر نسبة القائمين بها ، واستدل بأن كثرة الجيوش العربية أسقطت فارس وهزمت الروم . ولكن عدد سكان العرب كان بالتأكيد أقل من سكان الفرس والروم ، بل كان عدد سكان مصر في ذلك الوقت يتجاوز عشرة ملايين بدليل مقدار الجزية المدفوع ، والتفسير الصحيح ليس بالعدد أو الكم ولكن بالكيف ، فالعرب كانوا قوة مسلحة ناهضة لديها مشروع يحقق لهم خيرا دنيويا ويعدهم بالجنة في الآخرة ، وذلك في مواجهة إمبراطوريات متخمة أرهقها الترف .
3- ويقول إن بقاء الدولة يتوقف على مدى قوة عصبيتها في النفوس ومدى رسوخ دعوتها في قلوب المؤمنين بها [17]، وليس ذلك قاعدة مضطردة . فقد تستمر الدولة الضعيفة باقية لظروف إقليمية أو دولية ، ينطبق ذلك على الدولة العباسية والدولة الفاطمية والدولة العثمانية ، في فترات الضعف . إذ منع سقوطها السريع عوامل خارجية بعضها إقليمي وبعضها دولي .
4- وقال أن الدعوة الدينية تزيد قوة الدولة فوق قوة عصبيتها . ويرى أن الصبغة الدينية للدعوة تمنع التنافس الذي يصاحب العصبية ، ويجعل أهل الدول متحدين حول هدف واحد في مواجهة الدولة الأخرى التي يريدون فتحها والوثوب عليها . ويرى أن هذه الدولة الأخرى المطلوب فتحها يكونون كثرة إلا أنهم متخاذلون قد أرهقهم الترف وحب الدنيا ، لذا ينهارون سريعا أمام الدولة الفتية الناشئة ، ويستشهد بالفتوحات العربية الإسلامية وحركة الموحدين في شمال أفريقيا والأندلس .[18]
ومع تناقضه هنا مع رأيه السابق ، إلا أن تفسيره الثاني هو الأقرب للصواب ، وهي وقوع القوة الأخرى في الترف ، أما الصبغة الدينية فقد تنجح ولكن في البداية ، ثم يتحول الإتحاد إلى تفرق عند توزيع الغنائم والتنافس في المتاع الدنيوي . ويؤدي ذلك سريعا إلى تقاتل وشقاق مذهبي وعقيدي ، وذلك ما حدث فى الفتنة الكبرى بعد الفتوحات العربية ، وما نشأ عن من تأسيس أديان أرضية أكسبت الصراع بُعدا طائفيا دينيا ــ لا يزال حتى الآن .
5- ويؤكد رأيه السابق حين يقول أن السبب في إنشاء الدولة إذا كان دنيويا إستدعى التنافس والخلاف ، أما إذا كان دينيا إتحد الجميع خلف هدف واحد .[19] ونكرر ما قلناه ،بأن الهدف في جميع الأحوال سياسي دنيوي ، وقد يكون مختفيا حول شعارات دينية مثل العباسيين والشيعة . وفي كل الأحوال ، فالحركات الدينية السياسية التي تنجح في إقامة الدولة أو تفشل في ذلك ليست حركات دينية ، وإنما هي حركات مذهبية دينية ، أي تقوم على رؤية دينية خاصة مستقاة من أغراضها السياسية ، وتزعم أن هذه الرؤية السياسية الفكرية هي صحيح الدين ، وتريد أن تقفز على أكتاف الناس بهذا الإدعاء . وإذا وصلوا إلى الحكم بهذا السبيل لا يلبث الشقاق أن يدب ببينهم في خلافات داخلية يزعم كل منها أنه الأصح دينيا ويتهم الآخر بالكفر والمروق .
الخلافات الدنيوية السياسية الواضحة هى الأقرب إلى الحل ، لأنها مؤسسة على السياسة وتقبل أنصاف الحلول والصفقات المتبادلة ، أما الخلافات السياسية التي تختفي وراء المذاهب الدينية فلا سبيل إلى تجاوزها ، لأنها تدخل في نطاق الزعم بامتلاك الحقيقة المطلقة ، فكل فريق يرى أنه على الحق والآخر على الباطل . وهنا لابد من تصفية الخلاف بتصفية الآخر تماما . وهنا يظهر حد الردة ، كما حدث حين اخترعه العباسيون لأول مرة في تصفيتهم لخصومهم الفرس فيما يعرف بحركة الزندقة . وقام بذلك الخليفة المهدي( لاحظ مدلول اللقب ) ضد الزنادقة ( لاحظ أيضا مدلول اللقب ). وإستمر هذا هذا ساريا داخل الدول الشيعية ( الانشقاقات داخل الفاطمييين وداخل مذهبهم الشيعى الاسماعيلى ) ، ولا يزال هذا ساريا داخل الوهابية الحنبلية السنية فى عصرنا ( الخلافات بين عبد العزيز والاخوان النجديين ، الخلافات بين السعودية والاخوان المسلمين ، الخلافات بين التنظيمات الوهابية المسلحة ). ويتبع الخلاف التكفير ومحاولات التدمير.
6- وقال إبن خلدون [20] إن نهاية الحسب في العقب الواحد أربعة آباء ، واستشهد بالحديث القائل :
" إنما الكريم إبن الكريم إبن الكريم إبن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم " مع أنه لا علاقة لذلك الحديث باستشهاد إبن خلدون ، حيث استمر الحسب الطاهر متمثلا في نسب الأنبياء من بني إسرائيل حتى عيسى من ذرية يعقوب وإبراهيم عليهم السلام . بل يمكن القول بأن الإستشهاد بالحديث جاء على العكس ، لأن يوسف – على أساس الرؤية الخلدونية -- هو العقب الأخير ، ولكن يوسف لم يهدم ملك آبائه أو حسب آبائه وشرفهم . بل أن يوسف هو الذي استقدمهم إلى مصر حين أصبح العزيز فيها ، وهو الذي رفع أبويه على العرش وأقام لإخوته في مصر جاها سياسيا .
7 ــ وفي هذا السياق إستشهد إبن خلدون بما جاء في التوراة من أقوال نراها محرفة – وهي أن الله تعالى يأخذ الأبناء بذنوب الآباء على الثوالث والروابع ، أي حتى الجيل الرابع ، وذلك يخالف القاعدة الإلهية ، من أنه لا تزر وازرة وزر أخرى .
8 ـ وفي النهاية فإن القول بأن نهاية الحسب في أربعة آباء قد تصح حينا ، ولكنها تسقط كثيرا ، والأدلة كثيرة في بيوت علمية إشتهرت لأكثر من أربعة أجيال في العصر المملوكي ، مثل بيت الشحنة بين حلب والقاهرة ، وقد تخصصوا في القضاء ، وبيت البلقيني وبيت السبكي . ولماذا تذهب بعيدا ونترك الحسب العباسي الذي استمر منذ العباس عم النبي عليه السلام ثم تملك أمر المسلمين في الدولة العباسية إلي أن سقطت الدولة بالمغول ، ثم استمرت الخلافة العباسية في مصر المملوكية إلى أن انتقلت إلى بني عثمان بعد الغزو لمصر سنة 921، أي استمر هذا البيت وحده عشرة قرون متمتعا بالحسب والنسب والجاه . ومما لا شك فيه أن بعض هذه الأخطاء أوقع إبن خلدون في تناقض .
والتناقض سمة أساس في المقدمة .
( ق2 ف3 ) عبقرية إجتهادات إبن خلدون في علم العمران (الإجتماع )
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الثالث : اجتهادات إبن خلدون لعصره وعصرنا
عبقرية اجتهادات إبن خلدون في علم العمران ( الإجتماع )
مدخل :
1- في البداية فإن المصطلح الخلدوني " العمران " أدق في التعبير من " الإجتماع " الذي جاء ترجمة عن الغرب . ولكن شاع لدينا ( علم الاجتماع ) نقلا عن الغرب ، وذلك من منطلق ما قرره إبن خلدون في المقدمة من أن المغلوب مولع دائما بتقليد الغالب . وكان الأولى بنا التمسك بالمصطلح الخلدوني " علم العمران " ليس لأن إبن خلدون العربي المسلم هو منشئ هذا العلم ولكن أيضا لأن اختياره للمصطلح العربي كان غاية في الدقة .
فكلمة الإجتماع ، أو علم الإجتماع لسانيا لا يدل على المفهوم من هذا العلم ، فالإجتماع قد يكون " جماعا " جنسيا بين رجل وامرأة ، وقد يكون " إجتماعا سياسيا " بين رئيسين أو زعيمين أو أكثر ، وقد يكون إجتماعا سياسيا جماهيريا ، وقد يكون " إجماعا " بالإجتماع حول رأي واحد ، وفي هذه الأحوال فهو " إجتماع " بين بشر يبدأ بإثنين ، وقد يدخل فيه وجود مجتمع إجتمع في مكان واحد وزمان واحد ، وقد لا يوجد . ولكن اللفظ يدل على إجتماع" فوقي " بين الناس بدون علاقة وثيقة بالمكان ، وأحيانا يشمل إجتماع الحيوانات حيث تسير في قطيع سويا ينتقل من مكان إلى آخر . والله جل وعلا يقول : (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ )(38) الانعام ).
أما مصطلح علم العمران فهو أعمق وأدق . إنه يعني أن مجتمعا قام بتعمير مكان على كل المستويات السياسية والإقتصادية والعقلية والإنسانية ، وما يتبع إقامة ذلك العمران من علاقات مرتبطة بالإنسان والمكان والزمان . وبذلك تتحدد سمات علم العمران في المجتمعات الإنسانية – لا الحيوانية – التي تقيم في مكان وتؤثر فيه ويؤثر فيها ، وتتحدد علاقاتها الداخلية سياسيا وإقتصاديا ودينيا ، كما تتحدد علاقتها بالمجتمعات الأخرى بين حرب وسلام وتأثر وتأثير .
2-- وليس إجتهاد إبن خلدون قاصرا على اختياره الدقيق لإسم العلم الذي إخترعه، وإنما – كما سبق – خرج على تقاليد عصره باجتهاد عقلي ، مع كل تأثره وتسليمه بثوابت عصره ، ولم يأت بعده من العرب من أكمل طريقه ، لأن التقليد في عصر إبن خلدون تحول بعده إلى جمود وتأخر وجهل.
3 ـ ثم إن إبن خلدون في إختراعه لهذا العلم قد بلغ فيه النهاية في إستخلاص قوانين العمران حسب المتاح في العصور الوسطي ، وكانت تلك المجتمعات متشابهة بين الشرق والغرب ، حيث كان الإستبداد الديني الثيوقراطي يحكم بتأييد رجال الدين ، وحيث يملك الخليفة أو السلطان أو الإمبراطور الأرض ومن عليها . ومن هنا فإن إجتهاد إبن خلدون كان نافعا ومعبرا عن العالم في عصره ، وتلك ميزة .
4- ولكن يضاف لها ميزة أخرى ، أن العقل الخلدوني جاء بقوانين في العمران تنفع عصرنا برغم كثرة المتغيرات التي طرأت على العالم بعد إبن خلدون ، من إنهيار النظام الإقطاعي وتحالف الإكليروس والإستبداد الكهنوتي ، فقد بدأت الطبقة الوسطى البرجوازية الأوربية في الظهور ، وتتابعت المتغيرات من تقليص سلطان الكنيسة والإستبداد السياسي ، وتأسيس العقد الإجتماعي الذي يعطي السلطة للشعب ، وظهور الدولة القومية ، وما واكب ذلك من تطورات إقتصادية وسياسية أخرى إرتبطت بالكشوف الجغرافية والإستعمار ، وتحول البرجوازية إلى إستعمار ، ثم جاء عصرنا بنوع من الإستعمار الكوني من شركات متعددة الجنسيات تستخدم العولمة وثورة المعلومات والإتصالات في السيطرة على العالم الذي تحول إلى قرية مفتوحة مكشوفة .
وبالرغم من كل هذه المتغيرات فإن بعض القوانين الخلدونية لا تزال صالحة للإستعمال أو ( الاستهلاك الآدمى ).
4 ــ ويرجع ذلك إلى عدة عوامل:
4 / 1 : ، فالعبقرية الخلدونية مع تأثرها الواضح بالثوابت الأساسية لعصرها دينيا وسياسيا وثقافيا ، إلا أنها كانت تنفذ إلى داخل النفس البشرية برغاباتها وطموحاتها ، وكات تستلهم حقائق " إنسانية " من التاريخ السابق والمعاصر لها . ومن هذا وذاك إقتربت من الخصوصية الإنسانية على مستوى الفرد ومستوى البشر ، فأتى بقوانين سارية المفعول مهما اختلفت الظروف. ولعل ثقافة إبن خلدون الدينية أثرت عليه في تركيزه على صفات الإنسان والنفس مع ثقافة الوعظ والنقاء الخلقي ، بالإضافة إلى الموضوعات الفقهية في التعامل الإقتصادي وتراث المسلمين السياسي ، ومن المنتظر من العقلية الخلدونية التي تشربت ذلك وهي تمارس السياسة وتعمل بالتاريخ أن تجيد إستنباط العلاقات الإنسانية من ذلك التاريخ ، وتصوغ منه قوانين للعمران صالحة لكل زمان ومكان .
4 / 2 : ثم إن منطق العصور الوسطى لم ينته بانتهاء العصور الوسطى ، فبالرغم من آليات العصر الحديث في سائر المخترعات ، فإن تلك الآليات نفسها لا تزال تستخدم في الدعوة وفي إرساء وفي توطيد نظم ثيوقراطية أو علمانية مستبدة ، خصوصا في العالم الثالث حيث تتربع في أرجائه نُظُم حُكم مستبدة علمانية وعسكرية ودينية ثيوقراطية ، وتعمل وتطمح بعض القوى لإقامة أنظمة دينية سياسية تنتمي إلى ثقافة العصور الوسطى ، وتستخدم سائر المخترعات الحديثة للعولمة من الفاكس إلى الإنترنيت للرجوع بأوطانها إلى عصور السيف والرمح والقلم البوص والكاغد . ثم إلى جانب ذلك هناك مجتمعات بحكم موقعها لا تزال مشدودة إلى الماضي ، لأنها تعيش الحاضر فقط مهما اختلفت ظروف العالم حولها ، مثل القبائل المنقطعة في أوطانها في أطراف العالم وفي صحاريه وعلى امتداد خط الإستواء . وعليه فإن تقعيد إبن خلدون المتأثر بالعصور الوسطى لا يزال صالحا للإستهلاك الآدمي في عصرنا ، حيث لم تعد العصور مجرد فترة زمنية إنتهت ، ولكن أصبحت مصطلحا يدل على نوعية من الثقافة تقبل التطبيق في عصرنا إذا أعطى الناس عقولهم وحياتهم ومستقبلهم لزعيم ملهم أو مهدي منتظر أو غير منتظر !!
4 / 3 : كما أن تقعيد إبن خلدون للمجتمعات البدوية والمنقطعة التي تعيش حاضرها فقط – هذا التقعيد لا يزال ساريا حتى الآن ، لأن تلك المجتمعات لاتزال على حالها قبل عصر إبن خلدون ، وبعد عصر إبن خلدون.
4 / 4 : وهناك تقسيمات حديثة لعلم الإجتماع سياسيا ونفسيا ودينيا وإقتصاديا ، ومن الطبيعي أن يتطور علم الإجتماع المعاصر ليواكب المتغيرات المتلاحقة في عصرنا ، وذلك يذكرنا بميزة أخرى لإبن خلدون ، وهي أنه أحصى معالم العمران ( أنواع علم الإجتماع) في عصره ، لتشمل السياسة والإقتصاد والتعليم والدين والعلوم والدول والمدن والبدو والحضر.
تفوق المنهج التاريخى العمرانى ( الاجتماعى ) الخلدونى على علم الاجتماع السياسى المعاصر
1 ـ المنهج الخلدوني في علم العمران يقوم على إستخلاص قوانين المجتمع من جذوره التاريخية ويفسرها تاريخيا ، وهذا المنهج الخلدونى يغيب لدى علماء الإجتماع في عصرنا في تركيزهم على البحث الميداني والإستقراء الظاهري في دراسة الظواهر الإجتماعية ، وذلك دون غوص عميق يتعرض للجذور التاريخية والثقافية والدينية التي لا يمكن إنكار تأثيرها ، خصوصا في مجتمعاتنا التي لا تزال مشدودة للماضي ويشكل جزءا هاما من ثقافتها في محاولة منها لتعويض عجزها عن ملاحقة الحاضر . وهذه ميزة كبرى للمنهج الخلدوني .
6 ــ ومثلا : فإن بحث علماء الاجتماع السياسى المعاصرين للظاهرة المسماة ( بالاسلام السياسى ) يتركز على القشور. هى شجرة خبيثة لها جذورها التاريخية والأصولية ، ونعانى من ثمارها ، ولكن البحث الاجتماعى السيسيولوجى لهذه الحركة ( الأصولية) يقتصر على السطح الظاهرى بما يساعد ليس فقط عن العجز عن تفسيرها ومن ثم عن علاجها ،بل يتعدى الأمر الى تعضيد مباشر لهذه الظاهرة الارهابية بوصفها بالاسلامية تصديقا لمزاعمها وربطا لها بالاسلام ، وهى تناقضه فى عقيدته وشريعته وأخلاقياته وقيمه بما تقيم من المذابح والخراب فى الشرق الأوسط وخارجه .
وفى مواجهة هذا الطرح القاصر قدمنا التفسير التاريخى والدينى لهذه الظاهرة ، بإعتبار ان التوصيف الصحيح للمرض هو بداية العلاج الصحيح. وهو أن من الخطأ ـ الذى يقترب من الخطيئة ــ وصف تلك الظاهرة بالاسلامية .
البداية هى الفصل الحاسم والحازم بين: الاسلام دينا الاهيا له مصدر الاهى وحيد هو القرآن الكريم وبين المسلمين ، وهم بشر لهم تاريخهم البشرى وحضارتهم البشرية وتراثهم البشرى وأديانهم الأرضية وما تتضمنه من مفتريات مصنوعة فى شكل أحاديث ومنامات وفتاوى وتشريعات . وأن المسلمين ليسوا سواء ، هم مختلفون تراثيا بين أديان ارضية مختلفة ، أكبرها حجما هو التصوف السنى الذى يجمع بين السنة المعتدلة ( فى الشريعة السنية ) مع تقديس الأولياء والقبور ، والى هذا الدين الارضى ينتمى أغلب ( المسلمين ) ثم هناك أقليات ابرزها الشيعة والصوفية فقط والسنيون فقط ، ثم هناك طوائف ومذاهب داخل التشيع والسنة والتصوف . ثم هناك تقسيمات أخرى حديثة : مسلمون متدينون ، ومسلمون علمانيون وملحدون . من الخطأ إعتبار كل المسلمين كتلة واحدة صمّاء ، ومن الخطأ وصم كل المسلمين بالتطرف والارهاب لأن الأغلبية الساحقة منهم ( حوالى بليون وربع بليون ) تعيش فى اندونيسيا وبنجلاديش وماليزيا وسنغافورة ووسط آسيا ( دول الكومنولث السوفيتى ) بالاضافة الى مسلمى البلقان ووسط وشرق أوربا .. التطرف يتركز فى الدين السنى ، بينما يتطرف الشيعة لو وصلوا فقط للحكم ، أما الصوفية فهم الأقرب الى المسالمة واحترام التعددية وحرية الدين . والسنيون المتطرفون ليسوا سواء ، أشدهم فى التطرف كانوا الحنابلة ، وأشد الحنابلة تطرفا كانوا أتباع ابن تيمية ، ثم ظهرت الوهابية فى عصرنا ــ عصر الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان ـ لتكون أشد شراسة من خط ابن تيمية المتشدد . وبالوهابية قامت الدولة السعودية الأولى ، ثم الثانية ، ثم الثالثة الراهنة ، وهى التى أسّست الاخوان المسلمين فى مصر ، وقام الاخوان المسلمون المصريون بنشر الوهابية فى مصر والعالم على أنها صحيح الاسلام ، وظهر البترول مصاحبا لظروف اقليمية ودولية ، فحمل قطار النفط هذه الوهابية الى ربوع العالم ، على انه الاسلام . هذا هو موجز الأرضية التاريخية الدينية للظاهرة الارهابية التى تنتشر تحمل معها الدمار والدماء . والعلاج هو بتأكيد علمى تاريخى قرآنى على التناقض بين الاسلام والوهابية ، وبتأسيس إصلاح دينى تشريعى سياسى تعليمى نهضوى تنويرى لا يعطى فرصة لديدان الوهابية ان تزحف فى شقوق الظلام .
أما الاصرار على البحث الفوقى لهذه الظاهرة ( التراثية الماضوية ) والاصرار على وصفها بالاسلامية فهو الذى يعطى للارهابيين مجانا ما يريدون ، وهو وصفهم بالاسلاميين ، وعلى قدر ما فى هذا من تشويه للاسلام فهو أيضا تشويه للمصلحين المسلمين الحقيقيين وإتهام لهم بأنهم غير إسلاميين .
التطبيق العملى لهذا الفشل حدث فى جدل فكرى بين كاتب هذه السطور و د سعد الدين ابراهيم أستاذ علم الاجتماع السياسى ، حول إشراك الاخوان المسلمين فى العملية الديمقراطية . دافع د سعد الدين ابراهيم عن ( دمقرطة ) الاخوان المسلمين ، وكانت حٌجته أن ( الحركة الاسلامية ) تأقلمت مع الديمقراطية فى سنغافورة ومايزيا وتركيا وستتأقلم فى مصر والشرق الأوسط . وقلت أن الحركة الدينية السياسية فى ماليزيا وسنغافورة نبتت من دين أرضى متسامح هو التصوف السنى ، لذلك فهى تعترف وتؤمن بالتعددية ، بل إن الحركة السياسية الدينية فى تركيا نشأن ليس فقط فى بيئة التصوف السنى بل فى ظل علمانية أتاتورك المتطرفة ، أما حركات ما يسمى بالاسلام السياسى فى الشرق الأوسط فقد نبتت فى أرضية دينية وهابية تستحل دم المخالف لها فى السياسة ، ولو وصلت بالخداع الى الحكم ( عبر الانتخاب ) فلن تتركه لأن مذهبها السياسى هو ( إما أن نحكمكم وإما أن نقتلكم ) .
المنهج السطحى لعلم الاجتماع السياسى فى تناول هذه الظاهرة لا يفرق بين ( الاسلاميين ) فى تركيا أو سنغافورة أو البلقان وبين ( الاسلاميين ) فى مصر والسودان وأفغانستان وباكستان ، كما أنه لايفرّق بين مدرسة الامام محمد عبده التنويرية وحركة الاخوان المسلمين الوهابية الظلامية القرون أوسطية ، بل بعضهم يعتبر دعوة محمد بن عبد الوهاب دعوة إصلاحية.! .
ولأن علماء الاجتماع السياسى هم الأعلى صوتا والأكثر شهرة ، ولأن منهجهم القشرى السطحى يخدم الحركة الوهابية ويصمم على وصفها بالاسلامية ، ولأنه يحقق أمل الكارهين للاسلام فى تشويه الاسلام ــ لهذا كله فإن تفسيرهم وتحليلهم هو السائد . والنتيجة أن المذابح مستمرة ، ونحن نصرخ ولا يلتفت الينا أحد .!!
هذا مجرد مثل ، يرفع من شأن ابن خلدون حين ربط بين الظاهر العمرانية ( الاجتماعية ) وجذورها التاريخية ، وهو ما فشل فيه علماء الاجتماع السياسى فى عصرنا .
( ق2 ف3 ) أ ــ إجتهادات خلدونية في السياسة العمرانية (علم الاجتماع السياسي )
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الثالث : اجتهادات إبن خلدون لعصره وعصرنا
حظيت المقدمة بقراءات متعددة من متخصصين في علوم الإجتماع الحديث . ومن هنا نرجو منهم السماح لنا بهذه القراءة غير المتخصصة في " المادة الاجتماعية " في علم العمران الخلدوني . . وسبق لنا التعرض لآراء إبن خلدون وثقافته الدينية والصوفية وتجاوبه مع عصره فيها . وبقى أن نعيش مع آرائه في علم العمران ، وما يعبر منها عن العصور الوسطى ، وما يصلح منها لعصرنا .
أ ــ إجتهادات خلدونية في السياسة العمرانية (علم الاجتماع السياسي )
العرب والأنهار :
1- أعطى إبن خلدون للعرب صفات محددة ، ومنها أنهم لا يتغلبون إلا على السهول أو المناطق الزراعية غير المحصنة ، وهنا إشارة لقصة العلاقة بين الصحراء والأنهار، حيث إعتاد البدو الأعراب الإغارة على المناطق الزراعية المتاخمة للدول المجاورة إذا وصلت إلى دور الضعف ، ويخلص إلى النتيجة التالية ، وهي أنهم إذا سيطروا من خلال هذه الغارات على أوطان أسرع إليها الخراب .
ومع أن كلامه هذا يتناقض مع حديث له آخر عن البدو يصفهم فيه بأنهم أحسن أخلاقا وعقولا ، مع ذلك فإن حديثه الصادق هو عن وصف العرب بتخريب السهول المجاورة ، وهو يؤكده بأن طعام الأعراب أو العرب في انتهاب ما في أيدي الناس وأن رزقهم في ظل رماحهم. وقد صيغت هذه العادة البدوية السيئة في حديث كاذب منسوب للنبي يقول أن رزقه في ظل رمحه ، وهذا الحديث لا يزال متداولا حتى الآن بين الجماعات الإرهابية التي تستحل النهب والسلب للآخرين .
2- والشواهد التاريخية تؤكد ذلك ، سواء في تاريخ أعراب الجزيرة العربية قبل الإسلام وبعده ، فالسلب والسبي من مفاخر الأعراب ، وقد قاسى جنوب العراق والشام من غاراتهم ، ودفع الثمن الحجاج القادمون من الرافدين ومصر . كما أن أعراب الصحراء الغربية قاموا بتخريب العمران المصري الذي كان ممتدا بين السلوم والإسكندرية ، وفي العصر المملوكي كانت بعض القبائل الأعرابية تخدم الدولة وتحارب باسمها القبائل الأخرى التي كانت تغير على القرى وتصل غاراتها أحيانا إلى أسوار القاهرة . وكان تخريبهم لأطراف العمران المصري شديدا خصوصا في الشرقية والبحيرة والصعيد ولم يكن ذلك بعيدا عن إبن خلدون قبل وبعد أن أتى لمصر .
3- وعادة السلب والنهب تتعاظم وتتصاعد حين تجد متنفسا لها من خلال دعوة دينية تسبغ الشرعية على سلب الآخرين وتحوله إلى غنيمة وتعدهم بالجنة إذا قتلوا شهداء . وبهذا كان الإنتصار الساحق للفتوحات العربية والإمتداد العربي من اواسط آسيا والهند الى أسبانيا . وبذلك تم لقريش توظيف قوة العرب المسلحة وحياتهم القائمة على السلب والنهب في الفتوحات بديلا عن متاعبهم داخل الجزيرة العربية . وبعد إستقرار الدولة العربية الإسلامية ثار عليها الأعراب تحت دعاوي دينية أخرى حملت لواء الخوارج ، ثم الزنج ، ثم القرامطة ، وخرجت كلها من منطقة نجد إلى درجة أنهم صاغوا حديثا يؤكد أن قرن الشيطان يبرز من نجد ، وظلت نجد تصدر الدعوات الدينية المسلحة التي تستحل نهب الآخرين وسلبهم ، وحين لا تخرج منها تلك الدعوة الدينية فإن أهلها يمارسون قطع الطريق على الحجاج وسلبهم وقتلهم واغتصابهم في الصحراء ــ بدون تسويغ ديني . وفي النهاية أقيمت في نجد الدولة السعودية على أساس دعوة دينية هي الوهابية ، واعتمدت كالعادة منهج " الدم الدم الهدم الهدم " وسقطت الدولة السعودية مرتين ، وأقيمت ثلاث مرات ، وفي المرة الأخيرة أتيح لها نشر المذهب الوهابي السلفي في مصر في إطار دعوة الإخوان المسلمين القائمة على نسق حركة الأخوان السعودية. ومن مصر إنتشر ذلك المذهب السياسي الديني في العالم " الإسلامي "، ومن معالم هذا المذهب الأساسية الإستحلال ، ولذلك يتردد حتى الآن في الجماعات الإرهابية حديث " جعل رزقي تحت ظل رمحي ".
4- وما قلناه أشار إليه إبن خلدون في عنوان يقول أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين . . وهي مقولة تنطبق على العرب الصحراويين في العصور الوسطى وغيرها ، ومن الطبيعي أن هذا النوع الذي يجيد التخريب ينطبق عليه قول إبن خلدون " العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك " لأن سياسة الملك في رأي إبن خلدون تقوم على الإصلاح والعدل وإقامة العمران ، ومن لا يجيد إلا الهدم لايستطيع التعمير والإصلاح. وهذا ينطبق على أعراب الغزو والإغارات ، ولكن لا ينطبق على أحفادهم الذين يصبحون مسؤولين عن توطيد الملك وتعميره . والأعراب إذا عاشوا مسالمين على هامش الحضر عاجزين عن الإستيلاء عليه فهم في حالة إحتياج لهذا الحضر وتابعون له .[21] وكان يمكن لإبن خلدون أن يعطي المزيد لو إستفاد بالخبرة التاريخية المصرية في هذا الموضوع .
أطوار الدول والعمران
1- يرى إبن خلدون أن العمران كله من بداوة وحضارة له عمر زمني كالأشخاص ، وحين يصل العمران إلى درجة الترف تبدأ مرحلة الإنحلال ، وفيها يقترن الترف بالسرف والغلاء والتضخيم مع الفساد والفسق ، وتصبح للمال الغلبة على كل شئ وتضيع القيم الأخلاقية الرفيعة في خضم ذلك الصراع حول المال ، حيث يعني المال السيطرة السياسية ، وحيث يكون كل شئ معروضا للبيع . وهنا يكون المجتمع مرشحا للإنهيار والإنفجار من الداخل أو السقوط بعامل خارجي . وهذا الوصف الخلدوني ينطبق على العصر العباسي قبيل سقوط بغداد على أيدي المغول . كما ينطبق الآن على ما يحدث فى كثير من الدول الشرق أوسطية في عصرنا .
2- ويرى إبن خلدون للدول أعمارا طبيعية كالأشخاص ، من قيام الدولة إلى توطيدها وإزدهارها ثم إلى ضعفها ثم سقوطها . بنفس المراحل الزمنية للإنسان حيث قال تعالى : {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفا وشيبة ) الروم 54 ) ونسي إبن خلدون الإستشهاد بهذه الأية الكريمة في أطوار الدولة فجعله خمسة : الإستيلاء على الحكم ، الإستبداد بالحكم ، ثم الدعة والراحة ، ثم القنوع والمسالمة والإسراف والتبذير [22] قبيل الإنهيار والسقوط .
3- وهذه الأحكام الخلدونية تنطبق على الدول المستبدة التي تتركز في عائلة حاكمة ولها عصبية مسلحة ، ويستأثر السلطان بالحكم والثروة . وقد ينطبق هذا في عصرنا على الملكيات المستبدة والنظم العسكرية الحاكمة . أما النظم السياسية التي يختارها الشعب فعلى قدر تعبيرها عن الشعب يكون بقاؤها ، وتبقى ببقاء الشعب الذي يملك إختيارها وعزلها وتغييرها . ومن هنا فإن الملكيات المستنيرة في الغرب إختارت أن تكون مجرد رمز للشعب ووحدته ، وتدع الشعب يحكم نفسه من خلال نظم نيابية . وبهذا إستمرت من أواخر العصور الوسطى إلى عصرنا الراهن . ويمكن أن تستمر باستمرار تعبيرها عن شعبها واحتضان شعبها لها .
4- وفيما بين السطور يشير إبن خلدون إلى تفصيلات في أطوار الدولة على نسق العصر الأوسطي ، فالقبيلة إذا وصلت إلى الملك كثر عددها وتكاثر أنصارها [23]، وحتى مجرد بيت من قبيلة إذا وصل إلى السلطة عن طريق دعوة دينية ، فإنه يعمل على أن تتكاثر أعداد الأسرة لتصبح قبيلة ، وهذا ما حدث مع الأسرة السعودية التى تكاثرت عددا بالاكثار من الزوجات والإماء ، وحدث قبل ذلك مع الأسرة العباسية التي أصبحت عشرات الألوف في العصر العباسي الأول ، فيذكر إبن الجوزي في تاريخ المنتظم أن إحصاء بني العباس سنة 200هـ بلغ 33 ألفا من الذكور والإناث [24].
5- وينحت إبن خلدون مصطلح الإلتحام ويقصد به دوام الإنتماء والدفاع عن نظام الحكم القائم ، ويقول أنه يكون في البداية عن طريق العصبية في القوة المسلحة التي تقيم السلطنة وتقوم بتوطيدها ، وبعد التوطيد يحدث النفور بين السلطان وتلك العصبية التي يكون لها عليه دلال ونفوذ ، ولذلك يصطنع السلطان في المرحلة الثانية عصبية جديدة من الموالي يستعين بها على منافسيه من البيت الحاكم ومراكز القوى في العصبيات القديمة ، ويحاول أن يصنع لهم نفوذا ومجدا ، ولكن لا يصل إلى مجد العصبية الأولى التي أقامت السلطان ، ولا يكون لأولئك الموالي الجدد نفس الإلتحام الذي كان للعصبية السالفة [25].
6- وفي فترة التوطيد والتوسيع تصل الدولة إلى أقصى إتساع لها ، ولكن إذا زادت في التوسع عن إمكاناتها كان ذلك خطرا عليها ، لذلك يقرر إبن خلدون أن لكل دولة حصة من الممالك والأوطان لا تزيد عليها [26]، وهو تحليل رائع يصدق تماما على العصور الوسطى حيث كان سهلا أن تقوم الدول وأن تتوسع فإذا ازداد توسعها فوق إمكاناتها العسكرية أسرع إليها الفناء ، وحدث ذلك في الفتوحات العربية الإسلامية ، كما حدث في الغزو المغولي والسلجوقي . وبعد كتابة المقدمة شهد إبن خلدون فتوحات تيمورلنك التي وصلت إلى دمشق ، وقابلهإ ابن خلدون فيها ، ثم سرعان ما انهارت دولة تيمورلنك بعد موته .
7- وفي العصر الحديث ينطبق ذلك على الإمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس ، وسرعان ما انفصلت واستقلت عنها تلك المستعمرات ، والآن يتهدد الوطن البريطاني نفسه ( المملكة المتحدة ) بحركات إنفصالية ليست قاصرة على أيرلنده ، بل قد تمتد في المستقبل إلى سكوتلاندة ، ولنتذكر مشاعر الاسكتلنديين بعد فيلم " القلب الشجاع " هذامع وجود النظام الديمقراطي العريق في ( المملكة المتحدة ) .
8- ونعود للدولة بعد التوطيد حيث يصبح الإستسلام للدولة عادة بمرور الزمن ، ويصبح القتال عنها عقيدة ، ويلقي إبن خلدون بملاحظة ذكية في الموضوع حيث يقول " ولهذا جرت العادة على وضع الكلام في الإمامة بعد العقائد الإيمانية كأنه من جملة الإيمان " وينسى أن يشير إلى عقيدته الثيوقراطية التي تجعل الإمامة كإحدى العقائد ، وهوما تعلنه الشيعة في عقائدها . والمهم أنه بينما يخضع الناس للدولة والسلطان بحكم العادة والعقيدة فإن السلطان ربما يكون طفلا أو شابا ماجنا واقعا تحت سيطرة مراكز القوى التي تحاول شغل السلطان الصغير بالمجون ليترك لهم تصريف السلطنة ، ويرى إبن خلدون أن ذلك يحدث عندما تنفرد أسرة بالحكم وتتوارثه ، فيدفع الثمن ولي العهد الصغير حين يتحكم فيه الوزير أو القائد العسكري ، وذلك المتغلب على السلطة يمارسها فعلا ويترك رسوم السلطنة وشعاراتها للسلطان الصغير المستضعف الذي حكم بإسمه ، ولاينتزع منه شارات السلطنة ومظاهرها حتى لا يثير عصبيات السلطان الصغير [27].
9- ثم إذا وصلت الدولة إلى الترف واقترن الترف بالإستبداد دخلت في الشيخوخة والهرم وتأهبت للسقوط [28].
10- وتتوالى تقعيدات إبن خلدون لمرحلة الشيخوخة والسقوط ، وقد جعلها على شكل عناوين وتحليلات ، مثل إن الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع ، وإن الخلل يأتي للدولة من أسس قوتها وهي العصبية ( القوة المسلحة ) والمال ، ويبدأ الإنهيار في الأطراف بالإنقسام ويتوالى الإنقسام بضعف الدولة ، ويقوم بذلك الإنقسام عصبيات ناشئة منتصرة على غيرها وتضمها إليها ، ثم تتوسع في الأطراف إلى أن تتمكن أخيرا من إسقاط الدولة [29] .
طبيعة السلطان المستبد : الإنفراد بالسلطة والثروة
1- وبرغم تشريعه للثيوقراطية واستبداد الملوك إلا أنه كان أمينا في وصف طبيعة السلطان المستبد ، بما يعطي للقارئ فرصة في كراهية هذا النوع من الأنظمة . فيرى إبن خلدون أن طبيعة الملك الإنفراد بالمجد ، وهو عنوان دقيق أو عبارة دقيقة ، فلم يقل إن طبيعته الإنفراد بالأمر أو بالحكم ، وإنما قال الإنفراد بالمجد ، حيث لا يطيق المستبد أن يمدح الناس غيره في ملكه أو حتى خارج ملكه ، هذا ينطبق على العصور الوسطى وعلى الأنظمة الإستبدادية في عصرنا ، وذلك ما يفهمه تماما جهاز الإعلام الذي ينافق الإستبداد فيفرض صورة الزعيم الملهم على الناس صباح مساء ولايسمح إلا بوجود أقزام حول الزعيم .
2- ويرى أن طبيعة السلطان المستبد الترف ، وعلى قدر ملكه يكون حظه من الترف ، والعبارة الأخيرة غير دقيقة ، فهناك من الممالك الفقيرة ما يغالي السلطان فيها في الترف بدرجة تتجاوز سلطانا آخر أكبر شأنا . والأمثلة كثيرة في تاريخنا ، فالمعتضد بالله العباسي في خلافته ( 279- 289) كان مثل أغلب أسلافه يؤثر إكتناز الجواهر رصيدا للخلافة ، ثم تولى إبنه المقتدر ، وفي خلافته (295- 320) أضاع تلك الجواهر في ترفه وإسرافه ، كما كان الخليفة العباسي المهتدي بالله (255-256) في خلافته القصيرة غاية في الزهد ، وجاء بعده المعتمد على الله (256- 279هـ) فانهمك في اللهو والمجون والترف والسرف . وفي عصرنا الراهن كان الإمبراطور بوكاسا مترفا في مملكته أفريقيا الوسطى مع فقرها الشديد ، والملك الحسن عاهل المغرب لا يدانيه في الترف والسرف مع أن المغرب أكثر ثراء من أفريقيا الوسطى . وملوك أوربا الديمقراطية لا يزيد حظهم من الترف كثيرا عن الأثرياء في بلادهم ، ولا يزيد عن بعض رؤساء الدول الفقيرة المستبدين .
3- ويرى إبن خلدون أن طبيعة الملك الدعة والسكون ، إذ أنه بعد أن يصل إلى الحكم ويحقق هدفه يؤثر التمتع بالدنيا ، وذلك ليس حكما عاما ، إذ يتوقف على شخصية السلطان وظروف عصره ومراكز القوى حوله ، خصوصا وأن إبن خلدون نفسه تحدث عن إستظهار أو إستقواء السلطان على مراكز القوى أو عصبية أبيه بإنشاء موالي وأتباع يدينون له بالولاء والسمع والطاعة [30] ، ولم يكونوا مثل العصبية السابقة لأبيه قد رأوه صغيرا ولهم عليه الفضل في صيانة المملكة وتسليمها له . وهكذا فإن ذلك السلطان في الوقت المناسب لراحته وسكونه يكون مطالبا بتغيير جذري في الحاشية ومراكز القوى ، وقد يكلفه ذلك حياته وسلطانه ، وبالتأكيد فإنه يكلفه راحته وهدوء باله . ومن الطبيعي أن ذلك ينطبق على دول العالم الثالث ، ما يعيش منها في ظل إستبداد صريح أو ما يجتاز منها فترة التحول الديمقراطي .
4- وعن الثروة وعلاقتها بالسلطان ، يضع إبن خلدون لها قواعد تتعلق بحركة الثروة بين السلطان ومراكز القوى – أو العصبية – حوله ، ويكون الإنفراد بالسلطة هو المعادل الموضوعي للثروة .
يقول إبن خلدون أنه في بداية الدولة يكتفي السلطان بالسلطة وتتوزع الثروة على القائمين بتوطيد نفوذه ، وبعد توطيد الدولة ينفرد السلطان بالثروة دون الذين أسهموا في توطيد الدولة . ثم يزداد إنفراد السلطان بالثروة في شيخوخة الدولة ليحمي نفسه ويقوي سلطته . أي أنه طبقا لما يقوله إبن خلدون فإن السلطان يستأثر بالثروة في مرحلتي توطيد الدولة وشيخوختها . ولكنه يسمح بتوزيعها في بداية الدولة . ولكن الأغلب أن الثروة وثيقة الصلة بالسلطة ، وربما ينطبق على معاوية فقط أنه أفاض بالأموال على أنصاره وأعدائه السابقين حتى ينفرد بالسلطة باعتباره أول سلطان ملك بالمفهوم الصريح للملكية في تاريخ المسلمين ، وكان لا بد في وصوله إلى هذا التحول الخطير أن يعطي تنازلات ، منها إعطاء مصر طعمة أي ضيعة خاصة لعمرو بن العاص يأخذ خراجها لنفسه في مقابل أن يستولي عليها من ولاة " علي بن أبي طالب " ، ومنها العطايا المالية غير المسبوقة للقرشيين والهاشميين بعد توليه الخلافة . ولكننا نرى النقيض في بداية الدولة العباسية حيث كان أبو جعفر المنصور مشهورا بلقب أبي الدوانيق ، والدانق هو ما يساوي المليم ، وكان أبو جعفر المنصور في بخله الشديد يحاسب الولاة والقواد على الدرهم والدانق ، فسمى بأبي الدوانيق ، ومما يحكي عنه من نوادر أنه أراد فرض ضرائب على أهل الكوفة سنة 155 وأراد أن يعرف عددهم أولا ، فأمر بإعطاء كل فرد في الكوفة خمسة دراهم ، وتمكن بذلك من معرفة عددهم الصحيح ، وبعدها فرض على كل فرد منهم اربعين درهما ، ومن حصيلة الضرائب أقام سورا حول الكوفة وخندقا . فقال شاعر كوفي .
يالقومي مالقينـــــــــا من أمير المؤمنينــــــــا
قسم الخمسة فينــــــــــا وجبانا أربعينـــــــــا[31]
5- ونعود إلى إبن خلدون وهويؤكد حقيقة تاريخية عجيبة ، يقول أن السلطان لا يستطيع الفرار بأمواله من بلده ، وكذلك صاحب النفوذ التابع للسلطان [32] ، ولايستطيع أن يجد مثالا لهذه الحقيقة إلا في تاريخ موطنه شمال أفريقيا ، حيث كان سهلا أن تقوم الدولة وأن تسقط . وفي موطن يغلب عليه عدم الإستقرار السياسي فمن المنتظر أن نرى سلطانا يهرب من السلطنة بأمواله ، أو أن يفرض السلطان على أتباعه عدم الحج خوف الفرار ، وذلك ما أشار إليه إبن خلدون عن نظم الحكم المتشاحنة في الأندلس . إلا أن الحال إختلف في مصر المملوكية في نفس العصر ، فالسلطان والأمراء قاموا بتحصين أموالهم من المصادرة عن طريق الوقف الأهلى . بأن يقيم أحدهم مسجدا أو خانقاه ويوظف فيها هيئة كاملة من الإدارة والتعليم ، ثم يوقف للصرف عليهم أراضي زراعية وعقارات ويجعل نفسه قائما على ذلك الوقف ، وبالتالي تتحصن أطيانه الزراعية وعقاراته ومنشآته من المصادرة إذا ضاع سلطانه ونفوذه ، ومع هذا فقد كان بعض السلاطين يحتال على ذلك بالإستبدال كي يستولي على الأطيان الزراعية الجيدة بأراضي بور أو صحراوية وتكون متماثلة المساحة على الورق ومختلفة تماما في القيمة الحقيقية ، وكان قضاة السوء والفساد يساعدون في هذا التزييف.
وفي عصرنا تكفلت الحسابات السرية الأجنبية بحل المشاكل ، وكل عام وأنتم بخير .
6- وأشار إبن خلدون إلى قيام الملوك بتسخير الرعايا بدون أجر ، وقيامهم باحتكار السلع وعملهم بالتجارة إستغلالا منهم للنفوذ والسلطة ، وقد احتج إبن خلدون على ذلك ، إلا أن الإحتكار والتسخير للناس يعبر عن منطق الإستبداد ، إذ أن السلطان يعتقد أنه يملك الأرض ومن عليها ، طبقا للثيوقراطية التي آمن بها إبن خلدون.
7- ولأنه يعرف أنه ظالم معتد أثيم فإن السلطان المستبد يتوقع العقاب في الدنيا وأن يقع عليه ما يوقعه بالآخرين ، وبسبب هذا القلق السياسي على المستقبل فإن أولئك الملوك يتشوقون لمعرفة غيب المستقبل ، وهذا ما أشار إليه إبن خلدون حين قال أن الملوك والأمراء أكثر الناس إهتماما بمعرفة مستقبل دولهم . لذلك يهتمون بمدعى العلم بالغيب [33] وتلك أهم ملامح الإستبداد السياسي في الرؤية الخلدونية . ونستطيع أن نرى بعضها في عصرنا .
( ق2 ف3 ) أ ــ إجتهادات سياسية لإبن خلدون سارية المفعول
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الثالث : اجتهادات إبن خلدون لعصره وعصرنا
إجتهادات سياسية لإبن خلدون سارية المفعول
ونعطي لها أمثلة وتفسيرات
1- يقول أن الأوطان كثيرة القبائل والعصائب ( جمع عصبية ) قل أن تستحكم أي تتوطد
فيها دولة [34]. وترجمة هذه العبارة إلى ثقافة عصرنا تعني أن الأوطان كثيرة الأقليات
العنصرية والثقافية والدينية يندر أن تتحكم فيها دولة إذا تمتعت هذه الأقليات بعصبيات
أو قوة مسلحة . واستشهد إبن خلدون بالشمال الأفريقي حيث قبائل البربر وقبائل العرب
، وكلها قوة عسكرية. وقال إن ذلك لايوجد في الشام والعراق ومصر فتمهدت فيها الدول
عكس الشمال الأفريقي . ومعلوم أن الشام والعراق ملئ بالأقليات على اختلاف أنواعها،
ولكنها ليست أقليات مسلحة . لذلك يسهل أن تخضع لحكم مركزي قوي . ويؤكد على
ذلك بالإشارة إلى مصر حيث تخلو من العصبيات ولذلك يسهل إقامة وتوطيد الدولة المركزية
فيها ، وقال إن المصريين غاية في الدعة ، والسلطان راسخ نفوذه ، ومصر عبارة عن
سلطان ورعية . واكتفى بهذا ولم يبحث الموضوع في ضوء الطبيعة النهرية وحاجة
المجتمع الزراعي الممتد حول نهر النيل إلى حكم مركزي يدافع عن العمران ضد
الطامعين فيه ، ويقيم أنظمة الري والصرف وشؤون الزراعة .
2-- وتحت عنوان " كيف يقع الحجاب في الدولة وكيف يتعاظم [35] يشرح ابن خلدون
الإنفصام الذي يحدث بين الحكومة والشعب ، ويقوم بزرع الحاجز بين السلطة الحاكمة والشعب مجموعة الحاشية ، وعندما يتسع نفوذ الملك يحتاج إلى نوعية خاصة من التعامل أو " الإتيكيت " يعرفها الخواص من الملأ أو الحاشية ولا تلبث هذه الحاشية بدورها أن تتخذ لها حاشية ، وهكذا تتعدد الدوائر المغلقة حول السلطان وتتكاثف الحجب ( جمع حجاب ) بينه وبين الشعب ، وتتباعد بينهما المسافات ، إلى أن يفاجأ بسقوط دولته ، وما أشار إليه إبن خلدون ينطبق على السنوات الأخيرة من حكم شاه إيران ، وعلى بعض حكام العالم الثالث حين ترسخ إقدامهم في السلطة . وجدير بالذكر أن القرآن الكريم تحدث عن الملأ الذي ينافق السلطان ، سواء كان إمرأة مثل ملكة سبأ ، أو كان ذكرا مثل حاكم مصر في قصة يوسف ، إلا أنه عندما تحدث عن الملأ في قصة موسى وفرعون فقد ذكر أنواعا مختلفة ومتدرجة من الملأ ، حيث كان فرعون موسى يملك الأرض ومن عليها ، ويمثل أفظع أنواع الإستبداد الذي يصل إلى إدعاء الألوهية .
ثم إن هذا الإستبداد يستلزم درجات من الملأ ومن الحجب ( جمع حجاب ) تبدأ من عند المستبد وتتفرع في قنوات سرية لتصل إلى العمران ، وهذه القنوات تعمل في إتجاه واحد ، هو من الملك المستبد إلى الرعية ، تحمل أوامره ومصائبه للناس ،ولا تقوم بالتوصيل بين الناس والملك ، وبالطبع تستخدم نفوذها في الظلم والفساد . وباعتبارها قناة التوصيل الوحيدة للسلطان التي تأتي له بالمعلومات أو بمعنى أصح التي تحجب عنه المعلومات ، فلا يصل إليه منها إلا ما يفرحه ويسره ، حتى تحل الكارثة ، ولكي تحل الكارثة فإن ذلك السلطان المستبد يقمع كل رأي حر ويجعل مهمة الإعلام والصحافة مقصورة على التهليل والتقديس ، ويصور كل نقد إساءة لشخصه وخيانة وتلطيخا لسمعة الوطن ، حيث يكون هو الوطن والنظام والمجتمع والناس ، وبمرور الزمن تتضخم ذاته حتى تنفجر وينفجر معه نظامه . وسبحان من يرث الأرض ومن عليها .!
3-- والنظم العسكرية في عصرنا أقرب في طبيعتها للدول البدوية التي تتأسس وتقوم بالعصبية العسكرية . ومن هنا فإن بعض ما قاله إبن خلدون عن الدولة البدوية ينطبق على حكم العسكر . يقول إنها في بدايتها وفي نهايتها تحتاج أكثر إلى السيف أو القوة ، ويكون أرباب السيف أوسع جاها وأكثر ثروة ، أما في وسط الدولة فإنها تحتاج إلى أرباب القلم لتنظيم وتكثير الإيرادات . وشواهد عصرنا تؤكد على أن الفترة الأولى من الحكم العسكري يكون النفوذ الأكبر فيها للجيش ، ثم بعد فترة تنتقل السطوة للشرطة السرية والعلنية ، وبسبب القهر والإستبداد والفساد والتجارب الفاشلة يبدأ الإصلاح الجزئي ، وهنا يأتي دور أرباب القلم ، أو الخبراء في الإقتصاد والإدارة ، ولكن لابد أن يكون أولئك الخبراء من أهل الثقة وأصحاب الولاء للحاكم ، وهذا ما لم يغب عن عبقرية إبن خلدون القائل بأن الدولة البدوية تسيطر عصبية السلطان فيها على كل شئ من الأموال والرسائل وغير ذلك ، أي يتحكم فيها أهل الثقة من العسكر ، ثم تضطر الدولة إلى تعيين آخرين مدنيين من أهل الخبرة في الإقتصاد والادارة والكتابة ولكن كانت تجعلهم تحت سيطرة العسكر ، فالدولة المملوكية العسكرية جعلت الأمير المملوكي الداودار – حامل الدواة – هو المسيطر على كاتب السر أو صاحب ديوان الإنشاء ، وهو من غير المماليك.
والمشكلة أن بعض أولئك الموظفين المدنيين الكبار في السلطة العسكرية يتمتعون بالشرط الأساسي ، وهو ثقة السلطان أو الحاكم فيهم ، أي أهل الثقة. إلا أن خبرة بعضهم لا تكون كما ينبغي ، ذلك أنهم في محاولة إكتساب الثقة ينشغلون بالهتاف والتأييد للحاكم على حساب التخصص العلمي أو المهني في مجال عملهم . بينما ينكب المجتهدون على تحصيل العلم والخبرة ، بحيث لا يكون لديهم وقت للرقص أمام السلطان . وحين يحتاج السلطان إلى تعيين خبير فإنه بطبيعة الحال يفضل أهل الثقة فيجعله على قمة الجهاز ، لأن ولاء ذلك المنافق لشخص السلطان القائم في الحكم وليس لمصلحة البلد أو الدولة ، وحين يتربع المنافق على رأس الجهاز يشعر بالنقص العلمي في مواجهة ذلك الخبير المتمكن في العلم ، بينما يشعر الخبير المتمكن في علمه بالإحباط والظلم ، وينتهي الأمر بظلم زائد يقع على الخبير إذا أبدى ضيقا أو إعتزازا بنفسه ، ويفقد الوطن – والدولة – كفاءة لكي يزداد أهل الثقة واحدا إضافيا . ومن هنا فإن الشهرة يحوز عليها من يرضى عنه السلطان ، أي من يتملقون السلطان وينافقونه بينما المتفوق في مجاله قد يترفع عن التملق للسلطان وأصحاب الجاه.
وإبن خلدون مع عبقريته إلا أنه أخضعها لعصره ، من ثوابت فكرية ورموز سياسية ، ومن هنا فإنه لم يتعاطف مع العبقري الذي لم ينافق السلطان وأولى الجاه واعتبره متكبرا ، يقول " وإعلم أن هذا التكبر والترفع من الأخلاق المذمومة ، وإنما يحصل من توهم الكمال ، وأن الناس يحتاجون إلى بضاعته من علم أو صناعة " ، ويصف أولئك الخبراء الأكفاء بأنهم يحقدون على الناس حيث لا يعطيهم الناس ما يستحقون من تكريم . كما أن الناس تمقتهم وتكرهم لتكبرهم واعتزازهم بالنفس ، فيعانون العزلة والفقر ، ولذلك يقرر في موضوع آخر أن الشهرة تأتي بالحظ لمن لا يستحقها وتتجاوز من يستحقها من أهل النبوغ والكفاءة [36].
4-- هذا . . . وفي موضع آخر يشير إبن خلدون إلى قضية معاصرة في عالمنا اليوم، وهي التكنوقراط من كبار البيروقراطية المكتبية الذين يعملون بالسياسة ، وكل خبراتهم مكتبية نظرية بعيدة عن نبض الواقع ، ويصدرون اللوائح والقوانين التي لا تتفق مع الواقع ، ويريدون إخضاع الواقع لهم ، لا أن تخضع قراراتهم للواقع ، وهذا الصنف لم يوجد بهذه المواصفات كلها في عصر إبن خلدون ، إلا أن عقليته النافذة رصدت البدايات ، وهذا ما نفهمه من قوله عن علماء عصره النظريين ، أنهم أبعد عن السياسة ومذاهبها ، لأن السياسة تحتاج إلى مراعاة الواقع واختلافات أحوال العمران حسب الظروف ، لذلك من الخطأ إخضاع الواقع للفكر ، والسياسة هي فن التعامل مع الواقع ، والتعامل مع الواقع يستلزم سياسيا يستطيع التفاهم مع الجماهير على اختلاف مستوياتها الثقافية ، وذلك لا يتأتى لعالم نظري مكتبي ، بل لا يتأتى لذكي ألمعي عبقري يخرج به ذكاؤه عن مستوى عصره ، ومن هنا يرى أن الأفضل في السياسي أن يكون متوسط الذكاء لأنه أقرب إلى الأغلبية.
وفي موضع آخر يفضل أن يكون الحاكم السلطان متوسط الذكاء ، حتى لا يرهق الناس .[37].
وربما يكون رأى ابن خلدون وجيها فى بعض الظروف ، ولكن يظل هناك فارق بين الذكاء والعقل . العقل أكبر من المهارة فى الذكاء. النصّاب ذكى وليس عاقلا ، وقد يكون الحاكم ذكيا جدا يستخدم ذكاءه الخارق فى التآمر والوقيعة ، مثل الخليفة العباسى الناصر الذى تسبب فيما بعد فى تدمير الدولة العباسية بذكائه ( الأحمق ) . العاقل هو من يتدبر العواقب ، سواء كان حاكما أو شخصا عاديا ، بعقله يكتسب الأنصار ويحوّل الخصوم الى أصدقاء أو على الأقل الى محايدين . الأحمق هم من يفعل العكس ، وهناك حاكم جاهل وغبى وبليد وقد يستمر طويلا فى الحكم بسبب ظروف مواتية محلية واقليمية ودوليو . ومع الأسف ، فهذا الصنف متوافر حاليا فى السوق العربية.
5- وهناك إشارات أخرى كثيرة سارية المفعول ، نقتطف منها :
الترف من عوائق الملك ، وبقدر تغلب العصبية أو القوة المسلحة تكون ثروتها ،أي أن الثروة على قدر النفوذ والسلطة ، ولكن الثروة ما تلبث أن تذهب بأصحاب القوة المسلحة إلى الترف والترهل والضعف .
والنصر في الحرب يأتي تبعا للحظ لأسباب خفية وطارئة ، مهما كانت الإستعدادات ، وحيث لا يمكن الوثوق والتأكد من النصر .
وازدهار العاصمة مقترن بازدهار الدولة ، وتتعرض العاصمة للخراب إذا سقطت الدولة ، والدول الكبيرة لا يؤثر فيها اختلال الحاكم .
والأهم من ذلك كله كلمته المأثورة ، أنه كلما إزداد قهر الحاكم للشعب إزدادت الذلة فيهم ، وأن من مصلحة الحاكم والمحكومين الرفق في الحكم [38]. وهى حكمة بالغة ، ولكن من يعمل بها ؟. يقول جل وعلا عن الحكمة التى يعتاد البشر عدم العمل بها : (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) القمر ).!
( ق2 ف3 ) ب – إجتهادات خلدونية في إقتصاديات العمران ( علم العمران أو الإجتماع الإقتصادي)
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الثالث : اجتهادات إبن خلدون لعصره وعصرنا
ب – إجتهادات خلدونية في إقتصاديات العمران ( علم العمران أو الإجتماع الإقتصادي)
مقدمة إبن خلدون تحتاج لقراءة متخصصة من علماء الإقتصاد ، وفيها تتجلى عبقرية إبن خلدون التي إنطلقت في أمن من التعرض للثوابت الدينية والثقافية لعصره ، ومن هنا فإن إجتهاداته الإقتصادية ليست قاصرة على عصره وظروفه الإجتماعية . وحتى ما ارتبط منها بظروف سادت في العصور الوسطى فأننا لا نزال نسعد بوجود تلك الظواهر معنا ، ومنها التحايل بالكيمياء على ضعاف العقول وإقناعهم بإمكانية تحويل الأشياء إلى ذهب ، أو إدعاء البحث عن الكنوز والدفائن القديمة، واستخدام التدين في ذلك التحايل .
الزراعة
ومن الأنشطة الإقتصادية التي تعرض لها إبن خلدون من المنطلق الثقافي لعصره ، الزراعة. قال عن الزراعة معبرا عن عصره – إنها حرفة الضعفاء حيث يكون الفلاح ذليلا تحت سيطرة القهر ، ولاتزال تلك النظرة سائدة حتى الآن لدى بعض الدوائر الحاكمة حيث تصدر القرارات في مجال الزراعة دون مشورة أصحاب الشأن الفلاحين ، مع أن معظم أولئك الموظفين الكبار ينتمون إلى أصول ريفية ، ولكنهم توارثوا عن البيروقراطية العثمانية والمملوكية إحتقار الفلاح ، وهي نفس النظرة التي سجلها إبن خلدون عن عصره .
والزراعة – أو الفلاحة – تعني الإستقرار والسكون والصبر وطاعة الحاكم القائم بالحماية وتنظيم الري والصرف وشؤون الوادي . ومن هنا يصبر الفلاح على القهر ، فالظالمون يفني بعضهم بعضا ، ولكن يظل الفلاح ملح الأرض باقيا ما بقيت السماوات والأرض ، وذلك سر الإستمرارالفلاح المصري حتى الآن . ولو أنه لول مرة فى تاريخه الذى يزيد عن خمسين قرنا يهجر أرضه التى التصق بها من قبل ليهاجر الى الخليج ، أو الى القاهرة ليعمل ( بوابا ) .!
ومهما يكن فإن الزراعة فى بلاد النهر والتى تؤسس الحضارة هي حالة تختلف عن أحوال القبائل الرعوية المسلحة المتنازعة في شمال افريقيا ، والتي أهلكت بعضها دون أن تقيم حضارة أو تنشئ فكرا .
ويتكرر إعتراف إبن خلدون بتخلف وطنه بسبب التقلبات السياسية التي لا تنتهي هناك ، والتي لا ينتج عنها إلا الوحشية في سفك الدماء وفي التخريب .
وإذا كان لنا أن نقارن بين صبر الفلاح المصري ووقوعه ذليلا تحت سيطرة القهر ، وبين وحشية السكان الآخرين فالصبر عندنا ليس سكونا سلبيا ، ولكنه عمل إيجابي في البناء والإنتاج والإستقرار والإستمرار ، عكس التدمير والتخريب ، وإن كانت عبارة إبن خلدون عن الفلاح المصري في عهده صادقة في وصفها وفي إيلامها ، فإن التبعة تقع على عاتق أولئك الحكام الظالمين الذين ألهبت سياطهم ظهر الفلاح المصري ، وهو يكد في إنتاج الخير. . للغير..
عبقرية التحليل للدجل
وصدق إبن خلدون في وصف حال الفلاح المصري – بالذات – يؤكده نظرته الثاقبة للدجالين محترفي الزعم بتحويل المواد إلى ذهب ، فهو يصفهم بأنهم فقراء عاجزون عن الكسب الطبيعي ، وفي موضوع آخر يجعل أغلبهم من طلبة العلم ، أي مثقفون فقراء حولوا ذكاءهم وثقافتهم إلى تحايل ودجل لكسب المال بطريق سهل ، ويؤكد نظرته الإجتماعية حين يقول أن الفارابي آمن بفكرة تحويل المعادن إلى ذهب لأنه كان فقيرا ، بينما أنكر هذه الفكرة إبن سينا لأنه كان غنيا وزيرا ، أي أن الظروف الإجتماعية تؤثر في الآراء العلمية طالما قامت على أساس الجدل العقلي والمزاج الشخصي دون التجارب العملية .
وفي موضوع البحث عن المطالب والدفائن كانوا يستعملون الطرق السحرية في البحث ، وليس التنقيب العملي ، واستهواهم ذلك البحث السحري المزعوم حتى أصبح مرضا ، وإبن خلدون يستخدم تعبيرا بالغ الدلالة في وصف حالهم ، فهو ينصح من يصاب " بهذا الوسواس" ، بأن يتعوذ بالله من العجز والكسل وينصرف عن طريق الشيطان ، أي أن الأمر تحول إلى ما يشبه الوسواس (Obsession( القهري المرضي
. . وفي التجارة
وبعد الزراعة واحتراف الدجل في كسب المعاش نصل إلى التجارة . وسبق أن عرضنا لنظرة مجتمع إبن خلدون للتجارة. وقد شرح هذه النظرة المتدنية للتجار في فصلين ، يؤكد فيهما أن الأشراف وأصحاب المروءة لايحترفون التجارة . وهو في موضع آخر يتحدث عن المصاعب التي تواجه التجار منها قلة أصحاب الذمة والغش وتطفيف الكيل والميزان والمماطلة في الدفع وجحود الحق ، وعدم الوصول للحق بواسطة القضاء إلا بصعوبة وبعد مدة طويلة ، لذلك يرى أنه لا يصلح للتجارة ، ولا يفلح فيها إلا من كان جريئا في الخصومة بصيرا بعواقب الأمور شديد المماحكة مقداما على الحكام ، أو إذا كان صاحب جاه حتى يضمن حقه طوعا أو كرها ، ويؤكد أنه لذلك كانت أخلاق التجار بعيدة عن المروءة وأخلاق الملوك والأشراف بما فيها من مساومة وغش وحلف بالكذب ، ويندر من يكون من التجار شريفا سليما من هذه الرذائل [39]. ومن الطبيعى أن هذه الصفات للتجار مسئول عنها ـ جُزئيا ـ الفساد المرتبط بالاستبداد ، خصوصا مع عمل السلطان ( أو الجكومة ) فى الاقتصاد زراعة وتجارة وتدخلها بالقوانين واللوائح ، وشيوع الرشاوى ، وقد كان للرشاوى فى مصر المملوكية جهاز رسمى هو ( ديوان البذل والبرطلة ).
وقد وصف إبن خلدون الدول البدوية التي قامت : بأنها تحترف السلب والنهب والتخريب للأمصار ، ومن الطبيعي أن يكون التجار ضحايا مثاليين لهذا النوع من الأنظمة الحاكمة ، خصوصا وأن طرق القوافل يتحكم فيها قطاع الطرق من أتباع الدولة وخصومها . ومن هنا فالتاجر الذي يستطيع الصمود في هذا المناخ إما أن يكون مغامرا أقرب إلى قطاع الطرق ، وإما أن يكون وثيق الصلة بالحكام ، أي أقرب أيضا إلى قطاع الطرق الرسميين . وفي كل الأحوال فأولئك التجار مع أولئك الحكام أبعد ما يكون عن المروءة وأخلاق الملوك والأشراف . وحال التجار فى الدول البدوية غير المستقرة أسوأ من حالهم فى الدول النهرية الأميل الى الاستقرار .
والغريب أن إبن خلدون يغيب عنه ذلك التحليل ، ويكتفي بتسجيل رؤية عصره للتجار ، وهي رؤية خاصة بموطنها وتخالف الرؤية المصرية والمشرقية حيث الأمن أكثر إستتبابا، وحيث كان التاجر ذا وضع أكثر إحتراما ، وإبن التاجر في رواية ألف ليلة وليلة لايختلف كثيرا عن أبناء المترفين ، وكثير من التجار في العصر المملوكي أفسحت لهم الحوليات التاريخية بين سطورها وكان منهم من سلك طريق العلماء على سبيل الهواية ، ومنهم من سجلته الحوليات التاريخية بسبب كرمه وعلاقاته الطيبة بمجتمع العلماء والسياسيين ، ومنهم من ابتنى مساجد ومؤسسات دينية وتعليمية .
ورؤى إبن خلدون ونظراته الإقتصادية في المقدمة جاءت في صالح تحرير التجارة والإزدهار الإقتصادي ، وإذا جاز لنا الإفتراض التاريخي ، فإننا نقول أن الغرب لو إتبع نظرات إبن خلدون لاستراح العالم من تجربة الشيوعية التي أعاقت التطور الإنساني نحو قرن من الزمان ، ولم تفلح الشيوعية إلا في تقليم أظافر الرأسمالية وإصلاحها من الداخل . إذ تطرفت الرأسمالية في إستخدام نفوذها ضد العمال وأرهقتهم وأرهقت المجتمع بالإحتكار ، مما أدى إلى تطرف مضاد هو ظهور الفكر الشيوعي الذي أقيمت على أساسه نظم سياسية ، وفيها جاءت رأسمالية الدولة الصريحة في الصورة الشيوعية حيث يمتلك الدولة والشعب شخص واحد تتمثل فيه حقوق العمال الضائعة ولايستطيع أحد أن يناقشه ، وذلك في مقابل الرأسمالية وهي حفنة من الأسر والتكتلات الإقتصادية تحكم الشعب بمسرحية التمثيل النيابي والديمقراطية غير المباشرة ، إلا أن العمال فيها والجماهير أفضل حالا من أمثالهم في العالم الشيوعي .
بين الثروة والنفوذ ، بين الجاه والمال :
ويؤكد إبن خلدون على العلاقة بين الثروة والنفوذ، أو الجاه والمال ، أو التلازم بين السلطة والثروة . فيقول أن المتمول أو الرأسمالي يحتاج إلى الجاه ، فالتاجر صاحب الجاه أكثر ثروة من التاجر الذي لا جاه له ، بل أن الفقيه صاحب الشهرة لايلبث أن يصبح صاحب جاه ثم صاحب ثروة ، وهذه حقيقة تنطبق على كل زمان ومكان . وفي موضع آخر يقول أن المال يأتي عن طريق العمل ، ولكن الجاه يفيد تنمية المال ، وبدون الجاه يصير الكسب على قدر العمل .
ويلتفت إلى أحوال الجاه والنفوذ ، فالنفوذ يتركز في السلطان ثم يوزع من هذا المركز إلى الحاشية وأصحاب القوة وعلى قدر هذه القوة ، إلى أن ينتهي عند من لا حول له ولا قوة .
ويشير في نظرة ثاقبة إلى الطبقات الإجتماعية ، فيوضح أن لكل طبقة في المجتمع جاها ونفوذا وسطوة ، وهي تخضع للطبقة الأعلى منها والتي تكتسب منها النفوذ ، ثم تمارس هذا النفوذ على الطبقة التي تليها والتي تعطيها بعض النفوذ . وهكذا فالطبقة الأدنى تستمد نفوذها وجاهها من الطبقة التي تعلوها . وتزداد ثروتها بقدر الجاه الذي تتمتع به . وهكذا تتميز كل طبقة عن الأخرى بمقدار جاهها وثروتها . وهذا الفتح الخلدوني هو الأول في بابه في فقه الصراع الطبقي الذي يختال به الغرب علينا . وقد جاء بين سطور المقدمة في معرض العلاقة بين الجاه والثروة .
ثم يلتفت إبن خلدون إلى أحوال صاحب الجاه ويبين أنه إذا ضاع منه جاهه ونفوذه ضاعت منه ثروته ، وإذا اقتصر على عمله يصبح فقيرا . ويصل إلى نتيجة حقيقية ومؤلمة وهى إعطاء الجاه يعني إعطاء الثروة ، ومن هنا يتزلف المنافقون لأصحاب النفوذ طلبا للثروة والسطوة معا ، ومن يترفع عن النفاق ويقتصر في التكسب على عمله يظل فقيرا [40]مهما بلغت كفاءته ومهما بلغ نبوغه و إخلاصه لعمله . والمؤلم هنا أن هذه القاعدة الخلدونية سارية المفعول في عصرنا ، وهي من الأعراض المرضية ( من المرض ) في العالم الثالث ، وبها تهرب الكفاءات الى دول الغرب ، ورءوس المال ايضا ، فيظل الغرب فى تقدم مستمر ، ويظل الشرق ( الأوسط ) فى تراجع مستعرّ. !! .
( ق2 ف3 ) (ج )
وصفة سحرية خلدونية للإصلاح الإقتصادي: عدم تدخل الدولة فى الانتاج وتجريم الظلم
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الثالث : اجتهادات إبن خلدون لعصره وعصرنا
(ج ) وصفة سحرية خلدونية للإصلاح الإقتصادي
1 ـ ونؤكد في البداية على أن إستخلاص تلك الوصفة الإقتصادية السحرية مسؤولية المتخصصين في الإقتصاد ، وليس من حقهم الإستعلاء على ما جاء في مقدمة إبن خلدون ، لأن الرئيس الأمريكي ريجان أقام سياسته الإصلاحية على ما جاء في مقدمة إبن خلدون وأعلن ذلك في حينه ، ومن أسف أننا لم نوثق هذه المعلومة حين إذاعتها . وإن ظلت محفوظة في الذاكرة . وندلي باجتهادنا المتواضع في ذلك المجال .
2 ـ وقد سبق إيراد العلاقة بين النفوذ السياسي والثروة وتلازمهما ، بحيث يزداد أحدهما بازدياد الآخر ، ومن هنا فالسلطان الأكثر نفوذا وتسلطا هو الأكثر ثروة ، وفي هذا المناخ عاش إبن خلدون إلا أنه أطلق عبقريته تحاول الإصلاح الإقتصادي والإجتماعي في إطار تهذيب السلطة المطلقة لكي يكون المستبد عادلا ، ومن هنا فإن الرؤية الخلدونية ينقصها بالتأكيد ضرورة الإصلاح السياسي الحقيقي على مراحل.
الرؤية القرآنية تجعل المجتمع هو صاحب الحق المطلق في الثروة والسلطة ، وهو الذي يمارس هذا الحق في تعيين موظف من أصحاب الشأن أو الإختصاص أو الخبرة في موقع المسؤولية على أساس المحاسبة ، وعلى أساس أن طاعته مرتبطة بطاعة الله ورسوله أو كتابه ، وكما يمارس هذا الحق السياسي فإن المجتمع أيضا يمارس حقوقه على الثروة ، بحيث تكون للفرد طالما أحسن التصرف فيها ، فإذا ظهر أنه سفيه قام المجتمع بالحجر عليه والإنفاق عليه من أرباح ثروته التي يديرها المجتمع من خلال وصي ، ويخضع ذلك الوصي للمساءلة ( النساء /5: 6) .
لانريد أن نتوقف كثيرا في شرائع القرآن الإقتصادية والسياسية التي أهملها تراث المسلمين وعباقرة المسلمين أمثال إبن خلدون ، ونعود إلى الرؤية الخلدونية ، وهي تحاول الإصلاح الإقتصادي بديلا عن الإصلاح السياسي المستحيل في وقتها .
3 ــ ونتتبع ملامح هذا الإصلاح الخلدونى على النحو التالي :
3 / 1 - فهناك قواعد عامة تؤكد على دور الدولة في الإقتصاد ، منها أن آثار الدولة أي جهدها في العمران بقدر قوتها ، وقوتها بقدر ثرائها الإقتصادي ، ويعتمد هذا الثراء الإقتصادي على رسوخ الدولة أي استقرارها واستمرار هذا الإستقرار ، وذلك الإستقرار السياسي يتحول فيه الإزدهار الإقتصادي إلى حضارة مستحكمة ومستقرة [41].
3 / 2 : وبعد التأكيد على دور الدولة – التي هي السلطان المستبد – يعمل إبن خلدون على تقليص دور السلطان في التدخل في الحرية الإقتصادية بل يكون دوره في منع الظلم ،ومنع السلطان من الإحتكار والمغالاة في الضرائب. والسلطان هنا هو السُّلطة أو النظام الحاكم . ونصل إلى هذه التفصيلات .
3 / 3 - فيرى إبن خلدون أن من الخطأ أن يعمل السلطان – أو الدولة – في الزراعة والتجارة ، أو أي نشاط إقتصادي ، أي يرى من الخطأ أن تقوم الدولة بالإنتاج الإقتصادي ، لأن ذلك يعني تدخل السلطة في قهر المزارعين والتجار على أسعار لا يرتضونها ، مما يجعل حماسهم يضيع فلا ينتجون ، وطالما تناقص الإنتاج فإن دخل الدولة من الضرائب يتناقص [42]، لذلك لابد من رفع يد الدولة عن الإنتاج وأن تترك الناس يعملون مكتفية بفرض الضرائب . وهذا رأى رائع ، نتمنى تطبيقه فى مصر .!!
3 / 4 - ويرتبط ذلك بتجريم إبن خلدون للإحتكار ، وهو يقول في صراحة أن الإحتكار في الزرع مشؤوم [43] وبالتالي لا يجوز للسلطان أن يحتكر سلعة ويرغم الناس على شرائها بالتسعيرة التي يحددها ، ولايجوز له أن يبخس الناس أشياءهم ، وتلك قاعدة قرآنية .
3 / 5 : ويلتفت إبن خلدون إلى ناحية أخطر وهي إحتكار السلطان للثروة وليس مجرد الإنتاج الزراعي . فيؤكد على أن السلطان – أو الدولة – إذا إكتنز الأموال أو إحتكر الثروة ، فقد حل الكساد بالبلد . لذا نرى ابن خلدون يشجع السلطان على إطلاق الأموال في الناس حتى يدور المال دورته فينتعش الإقتصاد . وبالتالي تزداد حصيلة الضرائب من سرعة دوران المال وانتعاش الإقتصاد . ويلخص إبن خلدون ذلك كله في عنوان موجز يقول " نقص العطاء من السلطان نقص في الجباية " [44] أي باختصار يدعو إبن خلدون إلى تجريد السلطان من أمواله أو بتعبير مخفف يعطيها السلطان للشعب كي يستثمرها له ، ويكتفي السلطان – أو الدولة – بفرض الضرائب أو الجباية . . وهذا أيضا رأى رائع ، نتمنى تطبيقه فى مصر .!!
3 / 6 - ولكن السلطان قد يلجأ للظلم ، ظلم الناس واحتكار جهدهم بلا مقابل ، أو ما يعرف بالسخرة ، وهنا نجد إبن خلدون يقول محذرا في عنوان واضح " إن الظلم مؤذن بخراب العمران " [45]وهي كلمة نستسهل قولها ، ولكن ثقافة العصور الوسطى ــ القائمة أساسا على الظلم ــ تجعل من المخاطر أن تقال هذه الكلمة في عنوان واضح . ولايكتفي إبن خلدون بالعنوان وإنما يشرحه بالتفصيل وبالتحليل وإيراد الأمثلة ، ثم يجعل نصف الفصل في تحريم وتجريم السخرة ، وموجز كلامه أنه على قدر الظلم يكون التقاعس عن العمل والإنتاج ، وعلى قدر العمران والتعمير يكون السعي للعمل والإنتاج ، ويكون أيضا تناقض الظلم وشيوع العدل، ويرى أن الظلم هو إغتصاب أي حق مادي أو معنوي ، ثم يؤكد على أن السخرة من أفظع أنواع الظلم ، وكذلك الإحتكار في البيع والشراء ، والظلم يؤدي إلى خراب المجتمع وسقوط الدولة في النهاية .
4 ــ وحتى نقدر إبن خلدون على هذا التصريح نعطي أمثلة محددة صريحة وسريعة تكشف لنا كيف أصبح الظلم عادة يومية في العصر المملوكي لا تستوجب الكثير من الإستنكار ، فالعصر المملوكي هو عصر بناء العمائر الدينية ، تلك العمائر التي لا تزال تزين القاهرة الإسلامية حتى الآن . وتلك العمائر الدينية من المفهوم أن أصحابها أقاموها تقربا لله تعالى ، ومن المفروض أن تكون من مال حلال طيب ومنزهة من أي ظلم أو سخرة . . ولكن كان يحدث العكس .
ونستشهد بأقوال مؤرخين من نفس العصر :
4 / 1. . فالمؤرخ المملوكي الأصل أبو المحاسن إبن تغري بردي يقول عن المماليك " وأعجب من ظلمهم انشاؤهم المدارس والربط ( جمع رباط وهو مسجد صغير للصوفية ) من هذا المال القبيح " واستشهد أبوالمحاسن بمدرسة فخر الدين ومدرسة جمال الدين الإستادار وما حدث من ظلم في بنائهما بزعم التقرب لله.
4 / 2 وترددت إشارات أخرى كاستعمال العسف والقسوة في بناء العمائر الدينية ، فقد ذكر العيني أنه نودي في القاهرة ألا يخرج أحد من الناس إلى أن تتم عمائر السلطان الناصر فرج ، ومنعوا بيع المؤونة والغذاء " فحصل بذلك ضرر كثير للناس ".
4 / 3 ـ وأراد الناصر فرج سلب رخام مدرسة جمال الدين الإستادار ، وهو أمير ظالم سابق ، فألزم بعض أعوان السلطان بأن تصبح الخانقاه ملكا للسلطان ويمحو منها إسم جمال الدين الإستادار ، واستعان بالقضاة في تنفيذ ذلك عن طريق الإستبدال ، وكان ذلك بعد موت إبن خلدون بست سنوات [46] .
4 / 4 ـ ويذكر أبوالمحاسن أن الأمير قان بردي الأشرفي شرع في بناء عمائره الدينية وكان ذلك في عدة أيام ، ويصف أبوالمحاسن ما حدث للعمال ، يقول " ومع هذا ظلم في تلك الأيام الظلم الزائد ، وعسف بالصناع وأبادهم بالضرب وباستعمالهم بغير أجرة ، فما عف في ذلك ولا كف " [47] .
4 / 5 ـ وكان يونس الداودار مشهورا بحب الرشوة ، ومن أمواله تلك أقام مدرسة وخانقاه ورباطا وزاوية ومقاما أي تربة [48] وتوفى أثناء وجود إبن خلدون في مصر أي سنة 791هـ .
4 / 6 ـ وقال المقريزي [49] عن الأمير أقبغا " كان من الظلم والطمع والتعاظم على جانب كبير " ومع ذلك أقام مدرسته المعروفة بالاقبغاوية وفيها صوفية خصصهم للدعاء له .
4 / 7 ـ ولما بني السلطان المؤيد شيخ جامعه المشهور ، ينقل إبن إياس ما حدث للناس في بناء ذلك المسجد يقول " حصل للناس بسببه غاية الضرر لأجل الرخام ، وصار المؤيد يكبس ( أي يهجم ) الحارات التي فيها بيوت المباشرين ( أي كبار الموظفين ) وأعيان الناس ، بسبب الرخام ، وكان والي القاهرة يهجم على الناس في بيوتها ومعه المرخمون ( أي صناع الرخام ) فيقل"_ftnref52" title="">[52] ووصف المقريزي الظلم الذي صاحب إنشاء هذا الجامع الذي لايزال حتى الآن من مفاخر العمائر المملوكية .
وهذا جانب من الظلم السائد فى عصر ابن خلدون والذى حاربه إبن خلدون .
( ق2 ف3 ) (ج ) وصفة سحرية خلدونية للإصلاح الإقتصادي: الضرائب ، تحديد النسل والصناعة والأسعار
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الثالث : اجتهادات إبن خلدون لعصره وعصرنا
الضرائب ، تحديد النسل والصناعة والأسعار
الضرائب
1-- حين لا يتدخل السلطان بنفوذه فى التجارة والصناعة والزراعة ، وحين يكفُّ عن الظلم ، لا يبقى له من مورد إلا فى الضرائب . وهنا أيضا يتصدى له ابن خلدون بترشيد الضرائب أو الجباية . إنها نظريته الثاقبة التي طبقها ريجان وأشاد بها . تخفيف الضرائب مرتبط بتقليل دور الدولة فى النشاط الاقتصادى وتركها الناس ينتجون بدون تعقيدات حكومية وملايين الموظفين ، جالسين فى مكاتبهم يستنزفون ايراد الدولة ويسوغون لها فرض المزيد من الضرائب لإعالتهم ، وهذه الضرائب من عرق الكادحين ، وهي تعرقل عملهم وتُحبطه . ويرى ابن خلدون أنه أنه إذا قلت جباية الدولة قلت الوظائف الرسمية وقلت مصروفات الدولة وتشجع الناس على العمل فيكثر الإنتاج ويزداد العمران ، خصوصا مع قلة الغرامات ، والضرائب ، إلا أن تلك الضرائب المحدودة تتكاثر بزيادة الإنتاج وزيادة المنتجين أى زيادة عدد دافعى الضرائب . أما إذا زادت الضرائب والمغارم ضعفت عزائم الناس عن العمل ، لأن ناتج عملهم تأخذه الدولة ، فتتناقص الضرائب لقلة الإنتاج وتدهوره . ومع زيادة الضرائب على ذلك الإنتاج القليل الآخذ في التناقص يزاد العسف في تحصيل الضرائب وفي إزديادها مما يعجل بخراب العمران . . وهذا رأى رائع ، نتمنى تطبيقه فى مصر .!!
2 ـ ويضع إبن خلدون قواعد تربط بين مراحل الدولة وفرضها للضرائب ، فالدولة في بدايتها تكون بسيطة قليلة الإنفاق والمصاريف ، لا تعرف الترف ولاتفرض ضرائب كثيرة ، وحين تدخل في دول الترف تتكاثر مصاريفها ومشاكلها فتضطر لفرض ضرائب لتنفق منها على العسكر والحماية ، فيأتي الكساد والخراب . وتقوم دولة جديدة تبدأ عهدها بإلغاء الضرائب التي لا داعي لها .[53]
3 ـ وفي موضع آخر يؤكد على أن وفرة الإنتاج تعني التصدير والتأنق والترف ، وبالتالي إزدهار الصناعات والحرف ( جمع حرفة ) . أو يقول أن العمل يعني المكسب والمعاش ، والمكسب الزائد يعني الإستثمار واقتناء الكماليات ، أما إذا تناقص العمران تناقص العمل وتناقص الإنتاج وتخربت المرافق من المياه وغيرها [54].
تحديد النسل
1 ــ تناقص العمران أو زيادة العمران تعنى فى الرؤية الخلدونية تناقص أو تكاثر السكان . وواضح أنه يربط وفرة الانتاج بزيادة العمران أو زيادة عدد السكان ، هذا إذا عملوا وأنتجوا بلا تدخل من السلطان ( الدولة ) وبلا ظلم وبلا ضرائب باهظة .
2 ــ هنا يتلامس ابن خلدون مع قضية جدلية فى عصرنا ، هو ( تحديد أو تنظيم النسل ) التى لا وجود لها فى الدول المتقدمة القوية . ولكن تتبنى نظم الحكم المستبدة الفاشلة سياسة تحديد أو تنظيم النسل .
ولكن الانسان فى حد ذاته أعظم ثروة ، وأعظم مورد للإنتاج ، هذا إذا تم ( تصنيعه ) بالتعليم الجيد وتم توفير المناخ المناسب له لكى يبدع وينتج ، فى مجتمع ديمقراطى عادل ، يحترم كرامة الانسان وحريته ، ويقف مع الفاشل حتى ينجح ، ويختفل بالناجح ليزداد نجاحه ، ويحتفى بالمتفوقين والعباقرة ويوفر لهم ما يحتاجون .
3 ــ العكس تماما فى النظم المستبدة التى يتحكم فيها فرد ومعه الملأ ، أو بتعبير ابن خلدون ( العصبية ) سواء كانت عسكرية ، أو حزبا يحتكر السلطة والثروة . هنا يفوز أهل الثقة المنافقون الذين لا يجيدون سوى الرقص فى مواكب المستبد وأعوانه ، وليس لديهم موهبة سوى فى النفاق ، بهذا النفاق يحتلون مكانة الخبراء ، بينما الخبراء المتخصصون يلقون التجاهل ، و يُعانون الفقر والاضطهاد لو تكلموا فى الاصلاح . فى هذه الحالة ينتشر الفقر ، وتنكمش الطبقة المتوسطة ، وتتعاظم الفجوة بين المترفين والفقراء . وبدلا من الاصلاح السياسى والاقتصادى والتعليمى بتأسيس دولة ديمقراطية حقوقية يلجأ المترفون الى تقليل أعداد الأغلبية الجائعة بسياسة تحديد أو تنظيم النسل .
4 ــ وكم كان ابن خلدون رائعا وهو يرى أن البديل عن تدخل الدولة فى الانتاج وظلمها هو كثرة السكان ، وكثرة الأيدي العاملة التي تجد المجال مفتوحا لأن تعمل وتنتج في دولة مستقرة عادلة . وهذا ما يبدو من خلال الربط بين كثرة السكان وكثرة الإنتاج في حديث إبن خلدون ، فهو يقول أن تفاضل المدن في كثرة الأرزاق والأسواق ناشئ عن كثرة العمران والسكان . وازدياد السكان مع كثرة العمل يعني زيادة الإنتاج ، وزيادة الإنتاج ينتج عنه فائض بقدر الزيادة السكانية والعمرانية ، ويتحول هذا الفائض إلى الرفاهية وإنتاج الكماليات والتصدير . هذا طبعا فى ظل نظام عادل .
5 - وقد جاءت تلك الآراء أو الوصفة الخلدونية ضمن نظرات ثاقبة تصلح لأن تكون قواعد عامة ، منها : أن بعض المدن تتخصص في بعض الصناعات وتشتهر بها .
الترف يخلق أنشطة إقتصادية جديدة .
تختلف الأقطار في أحوالها الإقتصادية مثل إختلافات المدن إقتصاديا .
النشاط الإقتصادي أساس الإختلاف بين الريف والحضر .
بإزدهار النشاط الإقتصادي في الريف يتحول إلى حضر.
نوعية الحيوان في الرعي تحدد درجة التحضر لدى الرعاة ، وتحدد مدى تنقلهم قريبا أو بعيدا عن الحضر ، ولذلك كان العرب البدو أكثر خشونة وتخلفا لقدرة الإبل على التوغل بعيدا في عمق الصحراء.
يقوم الحضر على أساس الكماليات بينما تقوم حياة البدو على الضروريات . [55]
الصنائع (الصناعة) :
وعلى الرغم من موطنه الفقير في الصنائع ( الصناعات ) بالنسبة لمصر وغيرها فإن تقعيد إبن خلدون للصنائع يظل صالحا لعصرنا . وقد وضع في ذلك عدة قواعد منها :
1- العرب أبعد الناس عن الصنائع لأنهم أعرق في البداوة وأبعد عن التحضر وما يستلزمه من صنائع ، وفي المقابل ، فإن الصنائع ترتبط بازدهار العمران ، وعلى قدر العمران يكون التقدم في الصنائع والتأنق فيها ، وترسخ الصنائع برسوخ الحضارة وطول أمدها ، حتى لو تراجع العمران . وإذا تناقص العمران وتراجع الترف إكتفى المجتمع بالضروريات وقلت الصنائع وانتهت صناعات الترف مثل الجواهرجية والزخرفة .
2- تجود الصنائع إذا كانت مطلوبة ، ومن أتقن صناعة قل أن يتقن غيرها ، لأن الملكات صفات للنفس فلا تزدحم داخل النفس الواحدة ، فإذا بدأ الإنسان بفطرته بتعلم صناعة فإن نفسه تصطبغ بهذه الصناعة وتكون أضعف عن قبول غيرها، وينطبق ذلك على مجال الفكر والعلم .. [56].
الأسعار :
وقد وضع إبن خلدون عدة قوانين للأسعار جديرة بالإعتبار ، منها :
1-بالنسبة لعلاقة الأسعار بالعمران والضروريات والكماليات:
إذا زاد العمران رخصت السلع الضرورية وارتفعت أسعار الكماليات ، وإذا نقص العمران إرتفعت أسعار السلع الضرورية ، وانخفضت أسعار الكماليات . لأن الكماليات لا يطلبها الجميع ولايعمل فيها الجميع. وإذا زاد العمران أصبحت الكماليات مطلوبة فلا يكفي المعروض منها حاجة الطالبين فتزداد الرغبة فيها ويعلو ثمنها ويرتفع . وإذا زاد العمران إنتعشت الصنائع وارتفعت أجور الحرفيين وانتعشت أعمال الحرف. والواضح أن هذه القوانين تشير لقانون العرض والطلب الذي بدأ به علم الإقتصاد في الغرب .
2- وفي موضع آخر يتحدث عن أجورالحرفيين وظاهرة التضخم عند كثرة العمران والترف . يقول أنه بكثرة العمران والترف تتحول الكماليات إلى ضروريات وترتفع أسعار الحرفيين مما يجعل الأسعار كلها ترتفع على قدر العمران ، ويحتاج رب الأسرة إلى دخل كبير ليغطي مصاريف أسرته ، مما يجعل من العسير على الفقير أن يعيش في تلك المدن . وهذه الحالة تنطبق على عصرنا الراهن .
3- وعن أسعار العقارات والمزارع : يقول أنها تتغير إذا أشرفت الدولة على الأنهيار ، لأن أصحاب الدولة المشرفة على الإنهيار يضطرون إلى بيع ممتلكاتهم لتتحول إلى ملاك آخرين ، يشترونها رخيصة ثم يعلو سعرها بعد ذلك ، وهنا يريح الإستثمار في العقارات في الشراء من أصحاب المجد الزائل ، ولكن بشرط ألا تمتد أيدي أمراء الدولة الجديدة إلى ذلك الإستثمار بالإغتصاب أوبشرائه بثمن بخس . وإيراد العقارات تكفي المعاش فقط ، وتكون مصدرا للدخل للذرية الفقيرة . وواضح أن هذه القواعد لا تزال سارية المفعول ، ويعرفها جيدا من عاش في مصر عبدالناصر.
4- ويقترب مرة أخرى من نظرية العرض والطلب في حديثه عن نقل السلع فيقول أن الأفضل نقل السلع متوسطة الجودة ، وقال أنه يرتفع ثمن السلعة المنقولة من مكان بعيد أو مكان خطر ، لأن حجمها يكون قليلا ، أي أن عرضها يقل فيرتفع سعرها ، ولكن حين تأتي السلعة بوفرة يكثر عرضها ويقل ثمنها . واقترن حديثه ذلك بالهجوم على الإحتكار وفسر شؤم الإحتكار على الزرع بأنه سبب حقد الناس على المحتكر للأقوات ، مع أن نظرية العرض والطلب التي أشار إليها هي التفسير الصحيح .
5- وفي النهاية يرى إبن خلدون أن رخص الأسعار يضر بالفلاحين والتجار ومن لهم علاقة بتلك السلعة التي يرخص سعرها ، وبالتالي يتأثر إيراد الدولة . وأعطى مثلا على ذلك برخص أسعار الحبوب وقلة دخل المنتجين والتجار وأصحاب المخابز ، ولكنه أكد على أهمية أن تكون أسعار الغذاء رخيصة لأنها سلع ضرورية للجميع . وترك المسألة معلقة . وقد رأت الدولة المصرية الحل لتلك المشكلة في تدعيم سعر الرغيف ، وأن تتحمل الفرق لتعويض من يقع عليه الضرر ولتحافظ على سعر الرغيف ليكون في متناول الفقير ، وألحقت بذلك نظام بطاقة التموين ، ولكن المشكلة في وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين ، والمواءمة بين سياسة الدعم وتحرير الأسعار وآليات السوق . كما أن الحكومة الأمريكية تقوم بدعم المزارعين ، وتشترى منهم فائض القمح لترسله مساعدات خارجية ، أو لتتخلص منه بإلقائه فى البحر .
ونعود إلى إبن خلدون وهو يتحدث عن الغلاء الفاحش ويجعله ضارا أيضا بالناس ، حيث يقوم معاش الناس على التوسط والإعتدال ، ولا يستريحون لسرعة تغير الأسعار في السوق [57].
( ق2 ف3 ) : د – إجتهادات خلدونية في متفرقات إجتماعية: علم إجتماع المدن والصراع الطبقى
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الثالث : اجتهادات إبن خلدون لعصره وعصرنا :
د – إجتهادات خلدونية في متفرقات إجتماعية : علم إجتماع المدن والصراع الطبقى
في علم إجتماع المدن :
( إذا صحت هذه التسمية ) ، أو في القوانين العامة للعمران : توقف إبن خلدون مع عدة قواعد استنبطها ، منها :
1 ـ أن الدول أقدم من المدن ، حيث أن الدولة هي التي تبني المدينة ، وهذا يتفق أكثر مع موطن إبن خلدون ، وإن كان قد أشار إلى رأي متناقص في نشأة المدن من إقامة واستقرار البدو في مكان وتسويره ثم إقامة سلطة لحمايته ، أي أن المدينة سبقت قيام الدولة . وهذه إحدى تناقضان ابن خلدون فى المقدمة .
2 ـ أن السلطنة تستدعي الإقامة في المدن ، وهو هنا أيضا متأثر بالدول الصحراوية ، أو القبائل المسلحة التي تقهر مدينة ثم تقيم دولتها على ما تبقى من تلك المدينة .
3 ـ : أن الدولة العظيمة تقيم المدن العظيمة.
4 ـ الآثار العظيمة من هياكل ومشروعات لا تستقل ببنائها دولة واحدة ، بل تتعاقب الأجيال على بنائها ، واستشهد بالأهرامات .
5 ـ كما وضع شروطا في بناء المدن مثل إمكانات الحماية ووجود المنافع الإقتصادية وتسهيل المرافق ، وذلك بالقرب من المياه والمزارع والمراعي ، والقرب من البحر ليسهل الإتصال بالعالم الخارجي .
واشترط في المدن الساحلية أن تكون في منطقة جبلية أو قريبة من العمران ووسائل الحماية ليسهل الدفاع عنها .
6 ـ وقال إن المدن قليلة بشمال أفريقيا والمغرب لأن البربر قبائل تهتم بالإنتماء للنسب دون المكان وتتجمع في الصحراء ، ولا تهتم بالسكن في الحواضر . والعرب كذلك لم يهتموا بعد الفتوحات بإنشاء المدن الكبرى ، واكتفوا بالمدن القائمة ، خصوصا مع إبتعادهم وقتها عن الترف ، فلما دخلوا في الترف إستعانوا بأبناء الأمم المفتوحة في إقامة العمائر والمدن . والمدن التي أنشأها العرب لم يراعوا فيها إلا القرب من الصحراء ورعاية الإبل ، ولذلك كانت بعيدة عن المرافق والمياه ، ولذلك كان يسرع إليها الخراب ، واستشهد بالكوفة والبصرة . وقال إن تونس اختلفت عن بقية المنطقة بسبب سهولة الإتصال البحري بينها وبين مصر والتوافد المستمر بينهما ، فتشابهت أحوالها بمصر .
7 ــ وقال إن المدينة تبدأ بسيطة ثم تتطور وتتأنق ، ثم تعود إلى الإنكماش والتقلص ، ثم الخراب والبساطة الأولى . وهذا ينطبق أكثر على موطنه.
8 ـ وقال أن المال والحضارة أساس في العاصمة . وتفتقر المدن القاصية للحضارة حتى لو كانت كثيرة السكان ، وذلك بخلاف المدن ذات الموقع المتوسط [58].
الصراع الطبقى فى الرؤية الخلدونية :
1 ـكان إبن خلدون سابقا في رصد ( الصراع الطبقي ) الذى تم تأطيره وتنظيره وتطبيقه فى إقامة نُظم شيوعية فى القرن فى القرن العشرين . ، وإن كان ذلك المفهوم لم يكن واضحا لديه . إلا أنه سبقت الإشارة في موضوع العلاقة بين الجاه والنفوذ إلى كل طبقة تكتسب نفوذا من الطبقة الأعلى وتمارسه على الطبقة الأدنى ، مما يفيد وجود نوع من ( الإحتكاك الطبقي ) ، أدركته الرؤية الخلدونية الثاقبة .
2 ـ وقد أفاض إبن خلدون في الحديث عن مجتمع البدو وقيامه على العصبية والنسب والقوة المسلحة كما أشار إلى المترفين وظهور المنافقين السفلة في أواخر الدولة يتحكمون مع المترفين في شئونها .
3 ــ وكان ينقصه أن يرصد تلك الفجوة الهائلة التي تعني تركز الثروة في أيدي فئة قليلة ، أو بتعبير عبدالناصر مجتمع الواحد في المائة . وهذا يعني الإنفجار من الداخل.
وجود طبقة مترفة يعنى تحول الأثرياء باستغلال النفوذ وإحتكار الثروة الى ( الملأ ) المساند للمستبد . وهذا الملأ المترف لو سيطر فستتعاظم الفجوة بينهم وبين الأغلبية الساحقة من الفقراء ، فيصبح المترفون أكثر ثراءا ويصبح الفقراء أشد فقرا ، وتزول الطبقة المتوسطة التى هى صمام أمن للمجتمع ، حين تكون سلما آمنا يصعد عليه المتعلمون من أبناء الطبقات الدنيا ، ويرحب بمن ساء حظه في الثروة أو السلطة من الطبقات العليا . وبذلك يزول الحاجز الحديدي بين الطبقتين المتناقضتين المترفة والجائعة ،وتخف الفجوة بين السرف والجوع بين الجانبين . وينجو المجتمع من الانفجار الداخلى .
وقد أشار رب العزة جل وعلا الى إهلاك الأمم والمجتمعات الظالمة التى يتحكم فيها المترفون وتضيع فيها العدالة الاجتماعية ، وتنسدّ فيها اُفُق الآمال فى الاصلاح وفى أحلام المستقبل : يقول جل وعلا : ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً (16) الاسراء ) (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) الحج ).
ومن مميزات عصر عبد الناصر أنه جعل التعليم مجانيا وإلزاميا ومتاحا لأبناء الفقراء والعمال والفلاحين ، وأصبح دخول كليات الجامعة بالمجموع فى الثانوية العامة بلا مجاملة ، وكان التعيين فى سلك الجامعة بالتقدير الأعلى ، وكذلك إلتزام الدولة بتعيين جميع الخريجين ، وبغض النظر عن المستوى الاجتماعى . وبهذا وصل أبناء الفقراء لأعلى المناصب ، وصار التعليم سُلّما يصعد عليه أبناء الفقراء الى الطبقة الوسطى والمثقفة بل والعليا حين يتم تعيينهم فى مناصب عليا .
إنتهى هذا جزئيا فى عصر السادات بإنشاء الجامعات الخاصة لأبناء الطبقات التى أثرت من الانفتاح والفساد . وانتهى كليا فى عصر مبارك إذ إنسحبت الدولة من مجال الخدمات بينما شددت قبضتها الأمنية. زالت المعادلة الناصرية التى تقايض الحرية برغيف الخبز ، فقد ضمن عبد الناصر رغيف الخبز والعدالة الاجتماعية مقابل مصادرة الحرية ، جاء مبارك فألغى العدالة الاجتماعية واستمر فى مصادرة الحرية . ولم تعد الدولة ملتزمة بتعيين الخريجين ، وأصبح دخول الكليات العسكرية والشرطة بالمحسوبية ، كما أصبح التعيين فى المؤسسات ( السيادية ) مقصورا على أبناء الأكابر المترفين غير المحتاجين أصلا للمرتب ، وصار محرما على أبناء الفقراء المتفوقين بل والطبقات الوسطى التعيين فى رئاسة الجمهورية وديوان الوزارات والخارجية والنيابة والبورصة والبنوك. ومع فساد التعليم وفشل السياسات الاقتصادية وانتشار البطالة بين الشباب ضاع المفهوم الثقافى للطبقة المتوسطة ، فأصبح الميسورون ماليا أبرز شرائح الطبقة المتوسطة ، ومعظمهم من الحرفيين والمقاولين والعاملين فى الخارج ، وهم أغنياء ماليا وفقراء فى المعرفة والثقافة ، وهذا أدى الى تراجع المستوى الاعلامى والفنى الذى يسعى لارضاء الجمهور ، وأغلبه يتمتعون بالجهل وبالقدرة على الشراء ، بينما إنزوى المثقفون الحقيقيون فى نفق البحث عن لقمة العيش ، وتركوا المجال واسعا لمدعى الثقافة المنافقين ليتصدروا المشهد الثقافى والاعلامى يطبلون فى مواكب السلطان . ومقارنة بين حفلات أم كلثوم والحفلات الغنائية اليوم تُظهر الفارق بين الطبقة الوسطى المثقفة المحترمة فى عصر عبد الناصر والطبقة الوسطى الغوغائية فى عصر مبارك .
ونعود الى ابن خلدون :
4 ــ وبالتأكيد فإن مفهوم الطبقة الوسطى سياسيا وإجتماعيا لم يكن واضحا لدى ثقافة إبن خلدون وعصره ، وإن كان حديثه عن العلماء والمتعلمين والتجار يندرج ضمن الملامح الأساسية للطبقة الوسطى سياسيا وإجتماعيا، خصوصا وهو يصف الفلاحين بالضعف والذلة والخضوع للقهر ، ويصف التجار بالإنتهازية والمكر شأن حكام عصرهم ، ويجعل المثقفين والكتاب والعلماء من أصحاب القلم الذين يخدمون السلطة ، وكان منهم إبن خلدون ، بينما يتربع على القمة السلطان والأمراء وأصحاب العصبيات ومراكز القوى .
5 ـ وحيث لا يصل من أولئك العلماء والكتبة إلى السلطان إلا من يجيد النفاق والولاء فإن جزءا من الطبقة الوسطى يلتحق بالطبقة العليا ، بينما يزداد فقرا من حافظ على كرامته وكفاءته ، ويكون مرشحا للسقوط إلى الطبقة الدنيا .
6 ــ ويضاف إلى ذلك الحالات التى تعترى الدولة ( السلطان )( أو الأسرة الحاكمة ) ما بين توطيد الحكم وإستبداد السلطان ، إلى مجىء سلاطين عصر الدعة والسكون والقنوع والمسالمة ، ثم إلى ترف وضعف وشيخوخة وتحلل للدولة . وهذا التطور والصراع ينعكس بدوره على حركة الطبقات والإحتكاك بينها ، إذ تختفي العصبيات القديمة ، أو الطبقة العليا الأولى التي أسهمت في قيام الدولة ، ليحل محلها أتباع جدد منهم عسكر ومنهم مثقفون كتبة ، وأولئك قد يصعدون من أحقر طبقات المجتمع ( مماليك وخدم وجوارى ) أو من الطبقة الوسطى ( مثقفون ) بينما يقاسي أبناء العصبيات القديمة الزائلة من الفقر والإضطهاد والهجرة . ثم في نهاية الدولة ومجون السلطان وضعفه يقل عدد من حوله من الرجال المحترمين ويتكاثر الأسافل من المنافقين وتتكاثر دوائرهم حوله يحجبونه عن الشعب .
وذلك معروف في تاريخ الخلفاء الضعاف في العصر العباسي وغيره ، حيث تحكم فى الخلفاء رعاع الفقهاء الحنابلة المسيطرين على الشارع العباسى ، ثم تلاهم رؤساء العصابات المعروفون بالعيارين . وبالتالي ينعكس هذا على الإحتكاك الطبقي فيعلو قوم ويهبط آخرون من سائر الطبقات . وفى عصر آخر الخلفاء العباسيين فى بغداد كان خدم الخليفة هم وجهاء القوم ومعهم رؤساء العيارين ، بينما كان كبار العلماء على حافة الجوع .
7 ــ كل ذلك يمكن فهمه من خلال المقدمة ، ومن بين سطورها ، إلا أن ثقافة إبن خلدون في عصره كانت لا تسمح بتجلية هذا الموضوع في عناوين مستقلة ، ليس فقط لأن ثقافة الصراع الطبقي لم تكن قد ظهرت في العالم حينئذ ، ولكن لأن ( السلطان ) كان مدار( الكون ) فى ثقافة العصور الوسطى ، وعنه يبدأ الحديث وإليه ينتهي ، وحوله يدور المجتمع في " طبقات " كالكواكب حول الشمس . وتقديس الحاكم كان عادة سيئة لدى الشرق والغرب على السواء ، ومن هنا فالحديث عن ( غير السلطان ) من طبقات وأحوال إنما يدور في إطار مدى علاقته بالسلطان .
وعلى هذا المنهج سارت الحوليات التاريخية وسار إبن خلدون في المقدمة وفي التاريخ .
( ق2 ف3 ) : ابن خلدون : إحترنا فيك .!
د – إجتهادات خلدونية في متفرقات إجتماعية: فى العلم والتعليم
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الثالث : اجتهادات إبن خلدون لعصره وعصرنا : فى العلم والتعليم
عموما :
1 ــ كعادته يربط إبن خلدون كل مظاهر الحضارة بتقدم العمران وإزدهاره . لذلك يقول هنا أن إزدهار التعليم بإزدهار العمران .
2 ـ ، ويدعو إلى الرحلة في طلب العلم ، وكان ذلك عادة في التاريخ العلمى العربي ، إلا أن الرحلة كانت تقتصر على داخل العالم الإسلامي ، حيث لا حدود ولا قيود.
وهذه الدعوة للرحلة طلبا للعلم لاتزال سارية المفعول فى عصرنا، ولكن ليس للعالم الثالث ، ولكن إلى بلاد الحضارة حيث كانت، من اليابان شرقا إلى أوربا وأمريكا غربا .
3 ــ وفي العلوم دعا إبن خلدون إلى عدم التفريع في العلوم التي ليست مقصودة لذاتها كالنحو ، لأن التفريع فيه يصبح لغوا ويزيدها تعقيدا . هى ( علوم للوسائل ) أى بها يمكن فهم (علوم المقاصد ) وهى عندهم العلوم المتصلة بالقرآن والحديث والفقه والتشريع .
وكالعادة فإن مصطلح ( العلماء ) فى العصر المملوكى ـ عصر ابن خلدون ــ ينصرف أساسا الى الفقهاء والمتخصصين فى الحديث . وليست هذه فعلا علوما لأنها قامت فى العصر العباسى على إفتراء الأحاديث وبناء الفقه عليها . ثم جاء عصر التقليد العلمى ـ العصر المملوكى ـ الذى إنعدم فيه الابتكار والاجتهاد والتجديد ،فنشر هذه الأكاذيب وشرحها ولخّصها على أنها علوم .! .
4 ــ وفي التعليم أشار ابن خلدون من طرف خفي للربط بين زيادة الذكاء بالتعليم وممارسة الصنائع حتى تزداد ملكات التلميذ ، كما نهى عن الشدة في ضرب التلميذ ، ومراعاة التدرج في التدريس له [59].
5 ــ عرفنا المستوى الهابط للعلم في العصر المملوكي حيث دار حول التقليد والجمود وتلخيص ما سبق ثم شرح التلخيص ، ثم تحويل الملخص إلى متن وإعادة شرحه وهكذا ، وقد هاجم إبن خلدون هذه الظاهرة تحت عنوان "كثرة الإختصارات في العلوم مخلة بالتعليم " وعنوان " كثرة التأليف في العلوم عائقة عن التحصيل " وفيها رصد الأثر السئ لهذه الظاهرة على درجة إستيعاب الطالب لهذه المؤلفات التي تدور حول حشو وقشور وتفصيلات شكلية لا طائل من ورائها.
6 ــ إلا أن إبن خلدون فاته أن ينبه على خطورة الحفظ والتلقين فى قتل ملكة الإبداع والنقد ، وخصوصا حفظ مثل تلك المؤلفات والمتون والملخصات المتخلفة الهابطة .
7 ـ ولقد إهتم إبن خلدون بتنمية ملكات النفس في حديثه عن التعليم والصنائع ، إلا أنه كان يربطها أحيانا بملكة الحفظ والتلقين دون أن يدري خطورة التلقين على مستوى العقلية . بل إنه يعتقد بأهمية التلقين ويرى أن التعليم الفعلي يكون بالمباشرة والتلقين ، ويفتخر بشيخه السطي بأنه كان في الفقه لا يجاريه أحد في الحفظ والفهم . ومن هنا كان خضوع إبن خلدون لمنطق عصره القائم على الحفظ والتلقين وترديد ما قاله السابقون دون نقد أو إعتراض ، مع أن عقليته المتفردة كانت تطل بين السطور تبتكر وتقول ما لم تقله عقول الآخرين في عصره ، وعلى سبيل المثال فإنه يعلل إنتشار المذهب المالكي في شمال أفريقيا والأندلس برحلتهم إلى الحجاز دون المرور على العراق فاقتصروا على الأخذ عن علماء المدينة ومذهب مالك فيها ، ثم تشابه الظروف البدوية بين الحجاز وشمال أفريقيا [60].
إقتراب من نظريات علمية حديثة وتلك العقلية الخلدونية إقتربت بالفكر المجرد – دون تجربة – من بعض النظريات الحديثة في مجال العلم ، وقد شهدنا إقترابها من نظرية العرض والطلب ،وإبتكارها لكثير من قوانين العمران ، وصلاحية أغلب تلك القواعد والقوانين لعصرنا ، مع إختلاف الظروف .
1 ـ فقد سبق نيوتن في قانون الجاذبية القائل : كل فعل له رد فعل مساو له في القوة ومضاد له في الإتجاه ، إذ قال إبن خلدون : أن الآثار إنما تحدث عن القوة التي كانت بها أولا ، وعلى قدرها يكون الأثر [61].
2 ــ وسبق إبن خلدون نظرية النشوء والإرتقاء أو التطور التي نادى بها دارون وسماها إبن خلدون التدرج ونظرية إبن خلدون مختلفة عن نظرية دارون وأوسع وأشمل ، لأنها تبدأ بالمعادن وقابلية أعلى درجة منها لأن تلتحق بالدرجة السفلى من النبات ، ثم قابلية أفق النبات لكي يلحق بأسفل درجة من الحيوان ثم قابلية أفق الحيوان لأن يلتحق بالإنسان ، ثم قابلية أكمل البشر للسمو إلى عالم الملائكة [62]، وفيها يحدث الوحي . وهي نظرية خلدونية نرفضها تماما .
والحقيقة أننا فى حيرة مع العقلية الخلدونية
إبن خلدون : إحترنا فيك
وهذا بدوره يجعلنا نقترب من العقل الخلدوني الحائر بين الإنطلاق العبقري والخضوع لثوابت عقله .
1 ـ ففي أجزاء من نظريته عن التدرج يتفق بعقله المجرد مع حقائق علمية أثبتتها التجربة من حيث تحول المعادن إلى كائنات حية ، فهناك جراثيم الإنفلونزا ، التي تمر بفترة بيات وسكون تكون فيها مجرد بلورات معدنية ثم إذا جاءتها نقطة ماء دبت فيها الحياة ، إلا أن إبن خلدون حين يخضع لثوابت عصره ومنها العلم اللدني يقع في الخطأ ويفترض صعود الإنسان إلى عوالم الملائكة ، مع تأكيدات القرآن بأن الإنسان لن يرى الملائكة إلا عند الموت وعند البعث ، أي بعد أن يتخلى عن جسده المادي .
2 ــ وهناك مثل آخر على هذه الحيرة الخلدونية ، ففي الرد على أسطورة عوج بن عناق العملاق الذي كان يتناول السمك من البحر ليشويه في الشمس يقول إبن خلدون أن الحر هو الضوء ، والضوء فيما قرب من الأرض أكثر مما بعد عنها حيث تنعكس الأشعة من سطح الأرض بمقابلة الأضواء فتتضاعف الحرارة بسبب ذلك ، فإذا تجاوز الإنسان مطارح الأشعة الشمسية المنعكسة إنخفضت الحرارة ، أو بتعبيره " لا حر هناك بل يكون البرد حيث مجاري السحب " وهنا كلام علمي جميل ، إلا أنه سرعان ما يخضع لثوابت عصره فيردد ثقافة العصر القائلة بأن الشمس في حد ذاتها جسم بسيط مضئ ليس حارا ولا باردا [63]، ويتجاهل وصف القرآن للشمس بأنها سراج وهاج . وفي أثناء تأكيده على نظريات العلم اللدني الخرافية تتسلل بين السطور عبارات صحيحة علميا كقوله أن " سرعة فكر الإنسان أسرع من لمح البصر " [64] أو " أن الأحداث توجد في عوالم الملائكة ( أي البرزخ) مجردة عن زمن الحدوث ".
3 ــ وحتى في الأمور الطبية نرى عقله يفتي بأراء جيدة كقوله عن أهل الحضر أنه تكثر فيهم الأمراض لكثرة الأكل وتعدد ألوانه وخلطه بالتوابل والبقول ( أي الطعام المسبك ) ثم لا يمارسون الرياضة . أما البدو فالأغلب عليهم الجوع وقلة الأكل وكثرة الحركة والنشاط فيحسن بذلك هضم طعامهم البسيط القليل في مناخهم الجاف ، لذلك لا يحتاجون إلى الطبيب. وما أروع قوله عن طب البادية أنه مبني على التجربة القاصرة ، وليس على قانون طبيعي ، ويجعل منه الطب النبوي المنسوب للنبي ، وهذا كلام جيد خصوصا حين يقول أن النبي لم يأت ليعلمنا الطب وإنما لكي يعلمنا الشرائع . وليته يتوقف عند ذلك ، ولكنه يسرع باسترضاء ثوابت عصره فيقول أن ما جاء في الأحاديث يمكن استعماله على سبيل التبرك وصدق الإعتقاد فيكون له أثر عظيم في النفع تبعا للإيمان [65].
4 ــ وتصاحبنا هذه الحيرة حتى في آرائه الأدبية . إذ يطالعنا بآراء معقولة عن الملكات الأدبية مثل " إذ تنازعت ملكتان تعذر أن تتم الملكتان معا " أي في الألسن واللغات ، ويجعلها مثل الصنائع ، ويقول " ملكة الفصاحة تستفاد بالتعليم منذ الطفولة " ، " لا تتفق الإجادة في الشعر والنثر معا إلا للأقل من الناس "، " الفصاحة أساس الشعر والنثر " ،" صناعة النظم والنثر في الألفاظ وليس المعاني " [66].
وفي موضوع السجع الذي ساد النثر في العصرين المملوكي والعثماني نرى موقف إبن خلدون عجيبا . إذ يهاجم السجع ويرى وقوع الأدباء في السجع بسبب عجزهم عن الفصاحة ، لذا يسترون بالسجع فقرهم في البلاغة ، وهذا كلام صحيح ، ويعززه حديثه عن نفسه في تاريخه أنه حين عمل كاتبا للسر لدى السلطان أبو سالم لم يلتزم بأسلوب السجع المعتاد ، يقول عن طريقة السجع " لضعف انتحالها وخفاء المعاني منها على أكثر الناس ، بخلاف الكلام المرسل " ويقول أنه إنفرد بهجر أسلوب السجع وكتب كلاما مرسلا فاستغربه أهل صناعة الكتابة .[67]
وهذا كلام جميل . . إلا أن إبن خلدون في إفتتاحية المقدمة أنشأها بأسلوب السجع المتكلف اللزج المملوء نفاقا للسلطان أبي فارس وحتى لا تنتقده حاشية السلطان .
ولم يدرك إبن خلدون بعبقريته المعهودة أن ذلك السلطان لن يلبث أن يصبح نكرة مجهولا ، وإن إسم إبن خلدون هو الذي سيبقى في دنيا الحضارة . وما كان أجدره أن يحذف هذه السطور ويتخلى عن السجع الذي التزم به في الإفتتاحية حتى لا نحتار معه في تلك المتناقضات .
ولكنها في النهاية حيرة سهلة ، لأنها كانت تعبر عن ظاهرة العقلية الخلدونية التي تناقضت مع مألوف عصرها ولكن أرادت التصالح مع ذلك المألوف . وبين التناقض والتصالح تنشأ الحيرة . وإذا عُرف السبب بطلت الحيرة وبطل العجب .
[1] - الفصل السابع ، الباب الثاني.
[2] - الفصل الواحد والعشرون ، الباب الثاني . الفصل 16 الباب 2.
[3] - الفصل الخامس عشر ، والسادس عشر ، الباب الخامس .
[4] - الفصل الثالث ، الباب الخامس .
[5] - الفصل السادس عشر ، الباب الثالث
[6] - الفصل الحادي عشر ، الباب الرابع. الفصل السابع عشر ، الباب الخامس . الفصل الثلاثون ، الباب الخامس .
[9] - الفصل الثاني والثلاثون ، الباب الثالث.
[10] - تاريخ ابن خلدون : الجزء السادس ص 188 . ط بولاق
[11] - الفصل الرابع والخمسون ، الباب الثالث
[12] - الفصل الخامس والثلاثون ، الباب السادس
[13] - تاريخ الطبري ، 5/ 49.
[14] - الفصل الثاني والثلاثون ، الباب الثالث
[15] - الفصل الرابع والعشرون ، الباب الثاني 44- 49 .
[16] - الفصل الرابع والعشرون ، الباب الثاني
[17] - الفصل الثامن ، الباب الثالث .
[18] - الفصل الخامس ، الباب الثالث
[19] - الفصل الرابع ، الباب الثالث
[20] - الفصل الخامس عشر ، الباب الثاني .
[21] - المقدمة ، الفصل 25، 26، 27، 28، 29، من الباب الثاني .
[22] - المقدمة ، الفصل 14، 15 من الباب الثالث
والفصل 18 من الباب الرابع .
[23] - المقدمة الفصل السادس عشر الباب الثالث
[24] - ابن الجوزي ، المنتظم 10/86. ط . بيروت
[25] - المقدمة الفصل 20 الباب الثالث
[26] - الفصل 7 الباب الثالث .
[28] - الفصل 13 الباب 3
[29] - الفصول 21، 46، 47، 48، 49، 50 ، الباب 3.
[30] - الفصول ، 10، 11، 12، من الباب الثالث .
[31] - ابن الجوزي ، المنتظم 8/184.
[32] - المقدمة ، الفصل 42 الباب 3
[33] - المقدمة ، الفصل 54، الباب 3
[34] - المقدمة ، الفصل 14 ، الباب 3
[35] - المقدمة ، الفصل 45، الباب 3.
[36] - المقدمة : الفصل 36، 34 ، الباب 3 ، الفصل 6 الباب الخامس الفصل 38 الباب 3.
[37] - المقدمة ، الفصل 34 من الباب 6 ، والفصل 24 من الباب 3
[38] - المقدمة : الفصل 38 الباب 3 من الفصل 19 الباب 4 ، الفصل 24 الباب 3 ، الفصل 6 الباب 2
[39] - المقدمة : الفصل 4، 8 ،11، 10 ، الباب 5 ، والفصل 26 من الباب 6
[40] - المقدمة : الفصل 5، 6 من الباب 5 والفصل 16 من الباب 4 .
[41]- المقدمة : الفصل 17 ، الباب 4 ، الفصل 18 ، الباب 3
[42]- المقدمة : الفصل 4 ، الباب 3.
[43]- المقدمة : الفصل 13 ، الباب 5
[44]- المقدمة : الفصل 43 ، الباب 3
[45] - المقدمة : الفصل 44 ، الباب 3
[46]- العيني : عقد الجمان : مخطوط لوحة 331.
[47]- أبوالمحاسن : حوادث الدهور 3/728 نشر بارينير .
[48]- العيني : عقد الجمان لوحة 381 : 382.
[49]- خطط المقريزي 4/224: 225.
[50]- تاريخ ابن إياس 2/20 .
[51]- أبوالمحاسن : النجوم الزاهرة 16/28.
[52]- المقريزي : السلوك 20/ 385 .
[53]- المقدمة : الفصل 39 ، 40 ، الباب 3
[54]- المقدمة : الفصل 11، 14 الباب الرابع ، الفصل الأول ، الباب الخامس .
[55]- المقدمة : الفصل 20، 14 من الباب الرابع ، الفصل 1، 2، 3 من الباب الثاني
[56]-المقدمة : الفصول 17، 18، 19، 20، 21، 22 من الباب الخامس .
[57]- المقدمة : الفصول 12، 13، 15 من الباب الرابع ، والفصل 12، 13، 14 من الباب الخامس .
[58]- المقدمة : الفصول 1، 2، 3، 4، 5 ، 7، 8، 9، 10، 17 من الباب الرابع ، والفصل 18 من الباب الخامس.
[59]- المقدمة : الفصول 3، 33، 30,31، 2، 32، 29 من الباب السادس
[60]- المقدمة : الفصول 28 ، 27، 33، 7 من الباب السادس ، وتاريخ ابن خلدون 7/389.
[61]- المقدمة : الفصل 18 ، الباب 3
[62]- المقدمة 81: 82 .
[63]- المقدمة : الفصل 18 ، الباب الثالث
[64]- المقدمة : الفصل 1 ، الباب 6
[65]- المقدمة : الفصل 29 ، الباب 5 ، الفصل 19 ، الباب 6
[66]- المقدمة : الفصول 43، 45، 46، 47، الباب السادس
[67]- المقدمة : الفصل 44 الباب السادس ، تاريخ ابن خلدون 7/405.
الفصل الرابع : كان إبن خلدون في مصر، فهل كانت مصر في إبن خلـدون ؟
ق2 ف4
ابن خلدون مختلف عن الفقهاء والرحالة المغاربة القادمين لمصر
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الرابع : كان إبن خلدون في مصر، فهل كانت مصر في إبن خلـدون ؟
ابن خلدون مختلف عن الفقهاء والرحالة المغاربة القادمين لمصر
أولا :
1 ــ " مصر " – أقدم وطن وأقدم دولة في الوجود – لها مكانة خاصة لدى الرحالة المغاربة في العصور الوسطى ، ويتضح هذا من خلال ما كتبه إبن جبير وإبن بطوطه وإبن ظهيره والعلوي. وكانت مصر هي المحطة الأثيرة لديهم وهم في طريقهم للحج ، وكان يطول توقفهم فيها ، ويتشابه تعبيرهم عنها ودهشتهم من عمائرها وسكانها ، بل ربما تتشابه خطواتهم إلى الأماكن " السياحية " التي يزورونها في مصر ، وفي مقدمتها الأضرحة والمشاهد المقدسة من المشهد الحسيني إلى الأضرحة المقدسة في القرافتين ، مما يشجع الباحث المهتم بالرصد التاريخي الإجتماعي على تتبع المتغيرات الإجتماعية ونواحي التدين في دراسته لتلك الرحلات. وهذا هو ما ننتظره من شباب الباحثين فى الاستخلاص التاريخى للحركة الاجتماعية من دراسة كتب الرحالة . وقد عرضنا لهذا فى كتابنا ( البحث فى مصادر التاريخ الدينى : دراسة عملية) وكان مقررا فى جامعة الأزهر عام 1984 .
2 ــ وقد قام إبن جبير بثلاث رحلات ، الأولى والشهيرة هي التي صنف فيها كتابه المشهور " تذكرة بالأخبار عن إتفاقات الأسفار " المعروف برحلة إبن جبير والذي كتبه حوالي 582هـ . وقد إستمرت هذه الرحلة من 578 هـ إلى 581هـ . وقام برحلة أخرى بعد فتح صلاح الدين لبيت المقدس واستمرت عامين ( 585- 587) ثم كانت رحلته الثالثة والأخيرة ، وفيها أدى فريضة الحج وعاش في مصر إلى أن مات فيها 614هـ .
3 ـ وكانت رحلة إبن جبير شديدة التأثير في إبن بطوطة وفي صياغته لرحلته المسماه " تحفة الأنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار " وقد بدأ رحلته من طنجة يوم 2 رجب 725 وانتهت في 10 ذي الحجة 754هـ . أي حوالي ثلاثين عاما . وتردد أثناء ذلك على مصر ، ووصف فيها الإسكندرية والقاهرة والصعيد وطريق الحج ، وعادات المصريين ومن قابلهم من العلماء ، وكان ذلك في سلطنة الناصر محمد بن قلاوون .
4 ــ ورحلة إبن بطوطة مشهورة ، وشهرتها هذه غطت على رحلة أخرى لاتزال مجهولة وهي رحلة العلوي ( خالد بن عيسى بن أحمد بن إبراهيم ) وقد بدأ رحلته في 18 صفر سنة 736 أي في تاريخ مقارب لرحلة إبن بطوطة ، وليس من الغريب ذلك الإتفاق بين الرحلتين في وصف قبور الأولياء . ولاتزال رحلة العلوي مخطوطة بدار الكتب ( رقم 400 جغرافيا ) وإن كانت صعبة القراءة لأنها مكتوبة بخط مغربي غريب .
5 ــ ويضاف إلى ذلك رحلة إبن ظهيرة " الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة " والذي حققه مصطفي السقا ، ونشرته دار الكتب 1969 ، وقد احتوى على معلومات هامة عن مصر المملوكية من واقع الدهشة والمعايشة ، وقد قصره على مصر وعمرانها .
6 ــ وقد استقبلت مصر – غير الرحالة المغاربة – ألوف الفقهاء المغاربة في عصرها المملوكي ، وأغلبهم استقر فيها ووجد الوظائف الديوانية والدينية والتعليمية. وبعضهم أنطقته مصر فكتب فيها نوعا جديدا من الفقه نؤثر أن نطلق عليه مصطلح " الفقه الوعظي " وذلك في مواجهة الفقه الآخر ، وهو " الفقه النظرى " . وهذا ما فعله الفقيه إبن الحاج العبدري المغربي المتوفي 737هـ ، في كتابه القيم الرائع " المدخل " .
7 ــ والسائد في الكتابات الفقهية هو المنهج السرياني الصوري ، أي وضع القواعد النظرية وما تنطبق عليه من إحتمالات أو " صور فقهية " مثل إذا قال كذا أو فعل كذا فعليه كذا ، ويجنح هذا النوع من الفقه إلى تصور إحتمالات فقهية مستحيلة لاتزال تمتلئ بها كتب الفقه المقرر على الأزهر حتى الآن ، ونذكر منها ما كان مقررا علينا في الثانوي الأزهري في كتاب "الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع " صورة فقهية كانت تؤرق عقولنا الغضة ، وهي " إذا زنا بأمه في جوف الكعبة في نهار رمضان فماذا عليه من الإثم والعقوبة ". المهم أن الفقه النظري المغرق في التفصيلات الصورية والخيالية كان هو السائد في عصور التخلف العلمي ، أي في العصرين المملوكي والعثماني ، ومنهما لاتزال مؤلفات الفقه مقررة على طلبة الأزهر حتى الآن . وفيما يتصل بموضوعنا فإن الفقيه المغربي إبن الحاج هو الذي إستنطقته مصر فكتب نوعية جديدة ورائعة من الفقه الذي نسميه الفقه الوعظي ، وذلك في كتابه " المدخل " تأثرا منه بمصر ومجتمعها ونبض عمرانها . ويقول إبن حجر في صاحبنا إبن الحاج المغربي أنه قدم إلى مصر " وجمع كتابا إسمه " المدخل " كثير الفوائد كشف فيه عن معايب وبدع يفعلها الناس ويتساهلون فيها ، وأكثرها مما ينكر وبعضها مما يحتمل . "[1]
2 / 1 : فإبن خلدون يختلف عن أولئك الرحالة والفقهاء المغاربة ، فقبل أن يأتي لمصر كان قد كتب مقدمته العبقرية في علم العمران ، ومصر هي أم العمران ، ولا يصح إلا أن تكون أساس كتابه عن العمران ، ولكنها غائبة ، أو على الأقل وجودها النادر ينبه القارئ إلى غيابها أكثر.
2 / 2 : ثم إن هذه العقلية الخلدونية المتميزة كيف لم تنفعل بمصر ولو حتى بالقدر الذي انفعلت به عقليات أخرى مغربية عادية .
2 / 3 : وتلك العقليات الأخرى المغربية العادية لم تأخذ فرصة إبن خلدون في صلته بالحكام وصلته بالشارع والناس حيث عمل قاضيا ، كما أتيح له أيضا وقت طويل للتفرغ حوالي خمسة عشر عاما متصلة بين عزله من القضاء لأول مرة وعودته إليه مرة أخرى ، بالإضافة إلى سنوات أخرى متفرقة ، وقد قال في كتابه " العبر " أنه قام بتنقيح كتابه في تلك الفترة في مصر فلماذا لم يشمل التنقيح الأخير إعطاء مصر حقها ، خصوصا وأنه أكمل ذلك التنقيح سنة 797 أي قبل 11عاما من وفاته ؟.
إن الأمر يستحق الكثير من التفصيلات .
ظواهر غريبة فى علاقة ابن خلدون بمصر
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الرابع : كان إبن خلدون في مصر، فهل كانت مصر في إبن خلـدون ؟
ظواهر غريبة فى علاقة ابن خلدون بمصر
في البداية نسترجع بعض الخلفيات الضرورية :
فقد ولد إبن خلدون في تونس سنة 732 هـ من أسرة حضرموتية ، هاجرت إلى الأندلس بعد الفتوحات ، وأسهمت في سياستها ، واستقرت في أشبيلية ، ثم اضطر جده إلى الهجرة إلى تونس بعد سقوط إشبيلية وشارك في سياسة المنطقة ، وورث إبن خلدون شهرة هذه الأسرة وطموحها السياسي ، وقضى الفترة الأولى من حياته (21) عاما في التعليم والتنشئة على يد أبيه ورفاق أبيه من العلماء ، وهذه هي الفترة الأولي من حياته ( 732- 753) . وبدأت الفترة الثانية بعمله كاتبا للتوقيع لدى سلطان تونس سنة( 753 ) ، ثم خدمته لأبي عنان سلطان المغرب ، وتقلبه في فترة قلقه من حياته السياسية بين المغرب وتلمسان وبسكرة والأندلس وتونس ، وفيها تعرض للمطاردة والسجن ، وشارك في إقامة دول وفي إسقاط أخرى ، واسترق من هذه الفترة بضع سنوات من العزلة كتب فيها المقدمة ومعظم تاريخه "العبر.." وهذه هي فترة الفشل السياسي في حياته، والتي انتهت بهربه إلى مصر (753- 784) واستمرت فترة القلق هذه 31 عاما .
2 ــ ثم كانت فترة الإستقرار والهدوء في حياته في مصر من سنة 784 إلى سنة 808 أي حوالى 24 عاما إلى أن مات بالقاهرة يوم الأربعاء 26 رمضان 808هـ . وهنا تتجلى الغرائب فى علاقته بمصر :
أولى الغرائب :
1 ــ وفي مصر عمل بالتدريس في الأزهر وبعض المدارس والخوانق . وتخلل ذلك عمله بالقضاء المرة الأولى كانت فيما بين ( 19 جمادي الآخرة 786 إلى جمادي الأولى 787) والثانية كانت فيما بين ( الخميس 15 رمضان 801 إلى الخميس 12 محرم 803) والثالثة ( 3 رمضان 803 إلى 24 رجب 804 ) والرابعة ( 26 ذو الحجة 804 إلى 7 ربيع الأول 806) والخامسة ( شعبان 807 إلى 16 ذي القعدة 807 ) والسادسة ( في شعبان أو رمضان 808 إلى أن مات في 26 رمضان 808 ). والمحصلة النهائية أن عمله بالقضاء في تلك الفترات المتقطعة لا يكمل خمس سنوات فقط من حياته بالقاهرة ومصر التي استمرت 24 عاما .
2 ــ مع ملاحظة أنه تخلل هذه الفترة حوالى خمسة عشر عاما بين عزله عن القضاء سنة 787 إلى أن تولاه في المرة الثانية سنة 801 ، وملاحظة أخرى أن زملاءه من القضاة أنتجوا أروع أعمالهم التاريخية والفقهية ، ومنهم إبن حجر العسقلاني والعيني في فترة توليهم للقضاء ، أي أن العمل بالقضاء لم يكن أبدا عائقا دون التأليف .
3 ــ كما أنه في هذه الفترة لم يترك مصر إلا لأداء فريضة الحج ، واستغرقت الرحلة أقل من عام فيما بين منتصف رمضان 789 إلى وصوله للقاهرة عائدا من الحج في جمادي الأولى 790 . وكان ذلك في فترة عزله الطويلة عن القضاء التي استمرت حوالى خمسة عشر عاما (787 : 801) وفيها تمّ تنقيح المقدمة والتاريخ سنة 797 ، أي كان أمامه عشر سنوات في إتمام ذلك التنقيح لكي يعدل من نظرياته في المقدمة ، ولكي يكمل التأريخ لمصر في عهده كما فعل مع المغرب ، أو حتى يؤرخ لسيرة حياته بالتفصيل في مصر كما فعل في ختام تأريخه للمغرب ، ولكنه لم يفعل ، سواء في فترة فراغه الطويل أو في فترة انشغاله الجزئي بالقضاء .
4 ــ والخلاصة أنه أنهى حياته العلمية بمجيئه إلى مصر ، والتنقيح الذي أضافه للمقدمة والتاريخ كان شكليا بعد كتابتهما في قلعة إبن سلامة لأولاد عريف بالجزائر فيما بين ( 776: 780)، وأنه حينما جاء لمصر في عصر نضجه الفكري واستقراره النفسي والبيئة التي تساعد على الإبداع ، فلم يكن منه إلا أن كف عن الإبداع . وهذه إحدى الغرائب .ولكن تضاف غرائب أخرى .
ثانية الغرائب :
ففي المقدمة تردد بين سطورها أكثر من مرة ما يبلغه – حين كان يكتبها قبل مجيئه لمصر – عما في مصر من ثراء وعمران وتقدم بحيث يتقاطر إليها المغاربة حتى من الشحاذين . مما يؤكد تشوقه لزيارة مصر . وفي نهاية تاريخه ( العبر ) ذكر أنه كان يسائل القادمين من مصر قبل أن يأتي لها عن أحوال مصر ، وخصوصا عندما أقام في المغرب ، وقد ذكر إجابات بعضهم ، قال له أبو عبد الله المقري: من لم يرها لم يعرف عز الإسلام ، وقال له إبن ادريس كبير العلماء في بجاية ( تونس ): ( كأنما انطلق أهلها من السحاب ، يشير إلى كثرة سكانها وأمنهم من العواقب )، وقال له عنها أبو القاسم البرجي :( إن الذي يتخيله الإنسان فإنما يراه دون الصورة التي تخيلها . . إلا القاهرة فإنها أوسع من كل ما يتخيل فيها .! ). أي أنه كان يتساءل عن مصر متشوقا إلى أن يرى مصر ، ويتمنى بطبيعة الحال أن يستقر فيها ويستريح من قلاقل وطنه وحياته السياسية ، حيث كان يعبر في التأريخ لسيرته الذاتية عن أمنيته في أن ينقطع معتزلا للتأليف والتدريس . .
فلماذا نسى ذلك كله حين جاء لمصر ؟ .
ثالثة الغرائب
أنه ذكر في سيرته الذاتية وحياته السياسية القلقة – في نهاية تاريخه – كل أسماء السلاطين والقواد والعلماء وزعماء القبائل الذين تعامل معهم ، وحسبما قرر – وهو الشاهد الوحيد – فأنهم كانوا لا يلبثون أن يضيقوا بمقامه معهم ، والسمة الواضحة أنه كان لا يلبث طويلا مع أحد الحكام ، إذ سرعان ما ينتهي أمره بالإخفاق أو الطرد أو السجن ، وربما يهرب إلى حاكم فيطارده حاكم آخر . ولم تقتصر هذه المعاناة عليه ، وإنما أصابت أسرته في محاولتها اللحاق به . وكان ذلك من عناصر الضغط عليه في حله وترحاله .
ومع هذا كان يتبادل رسائل الحب أو النفاق مع أولئك الفرقاء ، ويحرص على تسجيل تلك الرسائل والأشعار والقصائد . وكل ذلك شئ عادي .
أما الغريب فهو أنه بعد هذه الثرثرة نراه يقتضب التاريخ لحياته حين قدم لمصر فلم تشغل في كتابه سوى حوالى عشر صفحات ( من ص 451: ص462) في مقابل أكثر من سبعين صفحة عن حياته في المغرب ( 379: 451) .
رابعة الغرائب
بل الأكثر من ذلك ، أن حديثه عن حياته في مصر إنصب أساسا ليس على مصر ، بل على لقائه في موسم الحج مع رفاقه المغاربة ومراسلاته معهم ، بحيث إستغرق ذلك سبع صفحات ( من ص 455: إلى ص 462) أي أنه لم يتحدث عن مصر في تاريخه وحياته سوى أربع صفحات تقريبا .. وهذه ملاحظة غريبة .
خامسة الغرائب : غريبة الغرائب
ولكن الأغرب منها أنه مع حرصه على تسجيل أسماء رفاقه وفرقائه في المغرب ، برغم ما عاناه منهم . فإنه تجاهل ــ وهو مؤرخ وفيلسوف فى التأريخ ــ أن يذكر إسم السلطان المملوكي برقوق وسائر من ساعده ووقف إلى جانبه في مصر من الأمراء وأهمهم الأمير الطنبغا الجوياني ، ومن العلماء ،وأهمهم المقريزي الذي ملأ الدنيا إشادة به ومدحا له .
1 : لم يرد على الإطلاق في تاريخه اسم برقوق مع إشاراته الموجزة لأفضال برقوق عليه ، وفيها أضفي ابن خلدون على نفسه ما يشاء من عزة ، متجاهلا اصحاب الفضل عليه وأولهم السلطان برقوق ، يقول بعد قدومه للقاهرة " ثم كان الإتصال بالسلطان فأبرّ مقامي وأنس الغربة ووفر الجراية ( أي المرتب ) من صدقاته شأنه مع أهل العمل ، وانتظرت لحاق أهلى وولدي من تونس ، وقد صدهم السلطان هنالك عن السفر إغتباطا بعودتي ، فطلبت من السلطان صاحب مصر الشفاعة إليه لتخلية سبيلهم ، فخاطبه في ذلك ".
2 ــ والذي لم يذكره إبن خلدون أن السلطان برقوق أرسل مبعوثا من لدنه إلى سلطان تونس ، وجعل ذلك السلطان أبا العباسي التونسي يرسل أولاد إبن خلدون في سفينة مع مبعوث تونسي وغرقت السفينة . 9
3 : ونعود إلى إبن خلدون في تأريخه لنقتطف منه بعض الشواهد على تجاهله للسلطان برقوق والشخصيات المصرية ، يقول دون ذكر اسم السلطان برقوق ". . ثم هلك بعض المدرسين بمدرسة القمحة ( المدرسة القمحية ) بمصر من وقف صلاح الدين الأيوبي فولاني تدريسها مكانه " . ويقول دون ذكر اسم القاضى : " وبينما أنا في ذلك إذ سخط السلطان (على) قاضي المالكية في دولته لبعض النزعات فعزله .. فلما عزل هذا القاضي المالكي سنة 786 إختصني السلطان بهذه الولاية تأهيلا لمكاني وتنويها بذكري ، وشافهته بالتفادي من ذلك فأبى إلا الإمضاء " أي حاول رفض الوظيفة ولكن صمم برقوق على تعيينه قاضيا للقضاة المالكية .
والذي لم يذكره إبن خلدون أن برقوق خرج عن عاداته إكراما لإبن خلدون ، إذ كان تعيين القضاة وباقي الوظائف يتم بالشراء والرشوة، ولكن برقوق " أنعم " على إبن خلدون بهذا المنصب بدون مقابل ، مع حرصه على المال وشهرته بأخذ " البراطيل " على حد قول المقريزي.
4: والذي لم يذكره أيضا إبن خلدون أنه عندما وصل القاهرة حرص على الإتصال بالأمير الطنبغا الجوياني " أمير مجلس " ، وكان رجلا شهما أمينا مستقيما – خلال ما يبدو من تاريخه – وهو الذي تولى مهمة توصيل إبن خلدون بالسلطان برقوق ، وكان له الفضل فى تعيين ابن خلدون مدرسا في الجامع الأزهر وفي المدرسة القمحية ، ثم كان ذلك الأمير ( الطنبغا الجوياني ) هو الساعي لدى السلطان برقوق في تولية إبن خلدون للقضاء المالكي [3]، وربما كان لهذا الأمير دور في عزل القاضي المالكي عبدالرحمن بن خير ليتولى إبن خلدون مكانه . هذا الأمير المملوكى الشهم ( الطنبغا الجوياني ) صاحب الفضل على ابن خلدون لم يذكره ابن خلدون فى تاريخه ، الذى كتبه وهو شاهد على عصره يروى قصة حياته .
5 ـ ونعود إلى إبن خلدون وهو يتحدث عن إكرام السلطان ( المجهول الذي لا إسم له ) ، وكيف أنه عندما عزم على الحج سنة 789 ، أعانه السلطان والأمراء ، وبعد عودته من الحج سنة 790 قابل السلطان بعد عودته وكيف تمتع بعناية السلطان . ثم أشار إلى نكبة برقوق وخلعه عن السلطنة في فتنة يلبغا ومنطاش ، ولم يذكر بالطبع كيف خان ( إبن خلدون ) السلطان برقوق أثناء محنته وأفتى (إبن خلدون ) بتكفير برقوق ليرضى منطاش ، ومع ذلك فإن برقوق حين عاد للسلطنة لم يعاقب إبن خلدون ، بل عندما مات القاضي إبن التنسي المالكي ، رفض رشوة من الدماميني الراغب في الوظيفة واستدعى إبن خلدون من قريته بالفيوم ليتولى القضاء سنة 801 . !!.
6 ــ ماذا قال ابن خلدون وهو يختم كتابه قبل هذا التاريخ ، أي سنة 797 ؟ قال " وبعد قضاء الفريضة رجعت إلى القاهرة محفوفا بستر الله ولطفه ، ولقيت السلطان فتلقاني أيده الله بمعهود عبرته وعنايته ، ولحقت السلطان النكبة التي محّصه الله فيها . . ثم أعاده إلى كرسيه للنظر في مصالح عباده . . أعاد لي ما كان أجراه من نعمته ولزمت كسر البيت ممتعا بالعافية لابسا برد العزلة عاكفا على قراءة العلم وتدريسه لهذا العهد فاتح سبع وتسعين . . وهذا آخر ما انتهيت إليه وقد نجز الغرض مما أردت إيراده في هذا الكتاب والله الموفق برحمته للصواب . . الخ ".
تجاهل ابن خلدون نذالته مع السلطان برقوق فى محنة السلطان برقوق ، ولم يتوقف بالتقدير لبرقوق حين عفا عنه وولاه القضاء . بل إستمر على تجاهل إسم برقوق ، وهو الذى كان يحرص فى تأريخه لحياته فى شمال افريقيا والمغرب والاندلس على تسجيل أسماء شتى المتغلبين من الحكام ، مع كثرتهم وصغارهم وتفاهتهم وتصارعهم فى زقاق التاريخ فى العصر الوسيط .
والمهم أن إبن خلدون إحتفل بالتأريخ لخصومه من موطنه بينما تجاهل أعلام الدنيا في مصر ، وهم أشهر الساسة والعلماء في ذلك العصر ، ولم يذكر أسماءهم ، مع عظيم فضلهم عليه . . وتلك أيضا إحدى الغرائب .
التحس بعد الاستغراب
1 ــ وبعد هذه الغرائب نصل إلى مرحلة التحسر؛ التحسر العلمي ، وذلك حين نقرأ صفحتين فقط من صفحاته القليلة عن حياته في مصر المملوكية ، وفي الصفحتين أشار إلى أن معاناته في توليته الأولى للقضاء (786 : 787) وكشف عما كان مستورا في الوسط القضائي ، من فساد الهيئة المعاونة للقضاة ، أي الموقعون والشهود وفساد هيئة الإفتاء من العلماء ، وما يسود القضاء من وساطة في الأحكام ، وإصدار الفتاوي مدفوعة الأجر في صدور الأحكام القضائية وفي تعديلها ، وتدخل الأمراء وأصحاب النفوذ في مسيرة العدالة كي تتحول إلى مسيرة للظلم.
2 ــ وهذا الجانب مسكوت عنه من معظم المؤرخين المعاصرين لهذه الفترة ، وهم الذين يسجلون أحداثها باليوم والشهر ، ويؤرخون لأعيانها من السلاطين والأمراء والعلماء ، والمؤسف أن أولئك المؤرخين كانوا من السلك القضائي كإبن حجر والعيني ، إلا أنهم سكتوا عما أشار إليه إبن خلدون في صفحتيه ، ولولا هاتين الصفحتين ما علمنا ذلك المسكوت عنه ، وهنا موطن الحسرة .
3 ــ فماذا لو ركز إبن خلدون بقلمه وعبقريته على أحوال مصر ؟ إن لديه مع عقليته النافذة الناقدة فراغا طويلا وتجربة حافلة بين مصر وموطنه الأصلي وحياته قبل وأثناء وجوده بمصر ، ويستطيع أن يفيد من هذه الحياة الزاخرة بالخبرات في التأريخ والتقعيد وعقد المقارنات ، بالإضافة إلى كشف المستور والأمور العادية من تفصيلات الحياة الإجتماعية التي لا يهتم بإبرازها المؤرخ من أبناء البلد ، أو يتحرج من الخوض فيها ، إذن يحق لنا أن نتحسر . .
ثم يحق لنا بعدها أن نتساءل لماذا ؟ .
لماذا كان ابن خلدون فى مصر ولم تكن مصر فى ابن خلدون ؟!.
ابن خلدون بين التعصب لموطنه وإيمانه بعقيدة وحدة الفاعل الصوفية
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الرابع : كان إبن خلدون في مصر، فهل كانت مصر في إبن خلـدون ؟
لماذا لم تكن مصر في إبن خلدون ؟ هل السبب تعصبه لوطنه أم إيمانه بعقيدة وحدة الفاعل الصوفية ؟
هنا نفكر معا في بعض الإجابات .
التعصب لموطنه
هل لأنه كان متعصبا لوطنه ( فيما بين تونس والجزائر والمغرب والأندلس )؟
1 : ويرجح هذا الإحتمال أنه جاء لمصر بعد أن بلغ الثانية والخمسين من عمره ، وفي هذه المرحلة العمرية يكون الإنتماء قد تحدد واكتمل ، خصوصا مع حياة حافلة بالتقلبات السياسية والمعارف الفكرية . فلم تكن مصر سوى منتجع للراحة يمارس فيها فترة السكون والمعاش والتمتع الهادئ بالحياة بعيدا عن المشاكل . .
2 : ويتفق مع هذا الإحتمال ما اشتهر به إبن خلدون من المحافظة على زيه المغربى الغريب في مصر ، ورفضه أن يرتدي زي القضاة ، مما أثار المؤرخ الساخط دائما السخاوي فقال عنه " لم يغير زيه المغربي ولم يلبس بزي قضاة هذا البلد لمحبته المخالفة في كل شئ " [4]. أي أنه خالف كل شئ إعتاد عليه المصريون ، كما خالف بذلك القادمين لمصر من المشرق والمغرب وهم كانوا أسرع إلى تمصير أنفسهم . . أي أن كل منهم كان يتمصر ولا يبقى من تاريخه القديم إلا لقب المغربي أو الحلبي أو الفاسي أو المقريزي أو العسقلاني أو العيني أو الشامي . . الحجازي . . الخ . . بينما ظل إبن خلدون في مصر على زيه وعاداته دون أن يتمصر . . أي كان متعصبا لموطنه وماضيه وتاريخه القديم . خصوصا وإن هذا التعصب يدعمه إحساسه بعبقريته وتفوقه على العلماء المصريين في عصره.
وهناك دلائل أخرى في تاريخه ومقدمته يظهر فيها هذا التعصب لموطنه ، إذ بني المقدمة على أحوال موطنه وعصبياته ، وكان يحلو له الإستشهاد – بما يشبه الفخر – بعلماء وطنه مع تأكيده المتكرر على ما أصاب وطنه من تأخر وتخلف.
3 : ثم يكفي عنوان كتابه " العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر " فالواضح أن العنوان ينقسم إلى تاريخ العرب والعجم وتاريخ البربر . ومن المنتظر ــ منهجيا ـ أن يحتل البربر نصف التاريخ حسب العنوان ، وإلا فليس هناك ما يدعو إلى جعلهم جزءا في العنوان ، إلا أن إبن خلدون حاول إختصار تاريخ العرب والعجم في كتابه الذي يشمل سبعة أجزاء ، ولكن ملأ تاريخ العرب والعجم خمسة أجزاء وشطرا من الجزء السادس . ولم يبق لتاريخ البربر من قبل الفتح الإسلامي وبعده حتى سيرة إبن خلدون إلا الشطر الباقي من الجزء السادس وبقية الجزء السابع والأخير . وإذا فالداعي الوحيد لذكرهم في العنوان هو مجرد التعصب للمنطقة مع قلة إسهامها في التاريخ العام فيما حولها .
4 ــ وليس ذلك عيبا في إبن خلدون ، لأنه لا يُعاب المرء بحب موطنه – ولكنها محاولة للإجابة على السؤال . . نقول ، ربما كان تعصبه لموطنه هو السبب في تجاهله لمصر في مقدمته وتاريخه .
إيمانه بعقيدة وحدة الفاعل الصوفية
وربما يكون ذلك بسبب إيمانه بعقيدة وحدة الفاعل الصوفية وما فيها من تفسير أو تبرير لحياته قبل وبعد مجيئه لمصر .
1 : فالواضح في مقدمته إيمانه بعقيدة وحدة الفاعل التي تجعل الله تعالى هو الفاعل في كل ما يصدر عن الإنسان من أفعال شريرة أو خيرة ، مع تعارض ذلك مع القرآن والإسلام ، والشواهد في ذلك كثيرة ، ولكن نكتفي منها مما قاله عن السلطان برقوق ونكبته وعزله ثم عودته : " ولحقت السلطان النكبة التي محصه الله فيها وأقاله ، وجعل إلى الخير فيها عاقبته ومآله ، ثم أعاده إلى كرسيه للنظر في مصالح عباده ، وطوقه القلادة التي ألبسه كما كانت " [5] ، والتمعن في ذلك الكلام يؤكد أن إيمان إبن خلدون بوحدة الفاعل – تلك العقيدة الصوفية – نتج عنه إيمانه بالثيوقراطية ، أي أن الله تعالى هو الذي يقيم الحاكم ، ومن هنا يكون من حق الحاكم النظر مستبدا في مصالح العباد بالقلادة التي ألبسه الله تعالى له . والتأكيد على الثيوقراطية أو الخلافة الشرعية أو الحق الملكي المقدس كان ثقافة العصور الوسطى ، وكان إحدى أساسات مقدمة إبن خلدون مع اللازمة الأخرى وهي العصبية التي تقيم ذلك الملك المقدس الذي يملك الأرض ومن عليها ولا يسأله أحد عما يفعل .
ومن خلال هذه العقيدة – وحدة الفاعل – التي آمن بها إبن خلدون ، يمكن تفسير حياته وإعطاء الإجابة على سؤالنا .
2 : لقد كتب إبن خلدون المقدمة والتاريخ في عزلته بقلعة إبن سلامة في الجزائر في حماية أعراب أولاد عريف ، في مدة أربع سنوات (776: 780) ووضع في المقدمة خبرة فشله في حياته السياسية المتقلبة قبل ذلك فيما بين 753 إلى 776 أي ثلاثة وعشرون عاما ، وصل فيها إلى أعلى المناصب من كاتب السر أى السكرتير الخاص بالسلطان والحاجب أي الذي يدير دولة السلطان ، وتآمر على كثيرين وتآمر عليه كثيرون ، وفي النهاية لم يصل إلى شئ . فالمحصلة النهائية أنه بعد الإرتفاع والإنخفاض وإقامة دول وإسقاط دول أخرى ، فإنه لم ينجح على الإطلاق في إقامة ملك لنفسه ، بل إن ما يبدو بين سطوره أن طموحه الشديد كان السبب في خوف السلطان منه ، وكانت العادة أن يستعينوا به لاستمالة أعراب الزواودة من بني رياح بسبب صلاته القوية لهم ، فإذا انتهت مهمته أصبح وجوده ثقيلا عليهم .
أي أنه ربما أدرك أنهم كانوا يستغلونه فقط في مشاحناتهم لصالحهم السياسي ، وهم مجرد ملوك ليس لهم من مميزات إلا عصبيات قائمة على النسب والإستقرار في المنطقة من قرون .وبهذا يمتازون عليه ، وهو حضرمي الأصل ، قدِمَ أسلافه إلى إشبيلية بالأندلس فلم ينجحوا في إقامة ولاية لهم ، ثم رحل جده إلى تونس بعد سقوط إشبيلية وليس له إلا خبرة سياسية تؤهله فقط لكي يكون الرجل الثاني أو الثالث في سلطنة حاكم صاحب عصبية قبلية تقيم الملك وتحرسه . وعبقرية إبن خلدون في حياته السياسية تلك لم تنجح في أن يحقق أكثر مما حققه أسلافه ، وذلك في منطقة لا تدين بالولاء إلا لصاحب العصبية والنسب من القبائل المتحاربة في المدن والصحراء ، ولأنه بلا جذور فقد تحتم عليه في عمله السياسي أن يخدم أصحاب العصبيات ، وأن تتغير تحالفاته حسب مصالحه ، وفي النهاية أخفق ، ورأي كيف عجز عن الدفاع عن نفسه عندما هاجمه أتباع أبو حمو السلطان البربري الذي غدر به إبن خلدون وتحالف ضده مع سلطان المغرب ، إذ لم تكن مع إبن خلدون عصبية تحميه وقت الأزمة ، وظل أبو حمو يطارده إلى أن لجأ في النهاية إلى حماية أولاد عريف بعائلته ، حيث عاش في قلعتهم معتزلا يكتب تاريخه ومقدمته ، فكتب المقدمة تأثرا بهذه الخبرة عن العصبية وأثرها في إقامة الدولة ، وأثرها في إنهيار دولة أخرى .
3 ــ وتبعا لإيمانه بالتصوف – الدين السائد في عصره – فإن التفسير الملائم لإخفاقه السياسي هو أن الله تعالى أراد له أن يكون بلا عصبية تقيم له الملك برغم ما حباه الله تعالى به من نبوغ ومقدرة هائلة على التأثير في المستمعين له سواء كانوا من الحكام أو من الأعراب . أي له كل مؤهلات الحكم والسياسة لولا افتقاره إلى العصبية ، وتلك إرادة إلاهية ، أن يظل نباتا طافيا بلا جذور ، في مجتمع يقوم على الأصل والنسب الثابت القديم . ومن هنا تبلورت لديه تلك الصلة التي وثق بها العلاقة بين وحدة الفاعل والثيوقراطية ، والتي أوضحها في المقدمة .
وتناثرت تجليات ذلك الربط في ثنايا المقدمة ، ومنها :
3 / 1 : هجومه على الفقهاء الذين لا تؤيدهم عصبيات ومع ذلك يقومون بثورات على الحكام ويكون مصيرهم إلى الفشل ، واعتبرهم إبن خلدون خارجين على إرادة الله لأنه حين حرمهم من وجود تلك العصبيات المسلحة المؤيدة ، فأنه لم يعطهم الإذن بالثورة ، ولعل ذلك يعطينا لمحة إلى أنه حاول أن تكون له العصبية فلم يستطع ، وكان ذلك تفسيره لفشله السياسي في المنطقة.
3 / 2 : ويفسر ذلك رأيه بأن من الأفضل للحاكم أن يكون متوسط الذكاء ليقترب من المستوى العام لعصره ، فهو هنا يعبر عن رأيه في نفسه وفي حكام عصره .
3 / 3 : كما يفسر ذلك رأيه في أن الشهرة تأتي بالحظ ولمن لا يستحق ، حيث اجتازته الشهرة وتركته إلى حكام متنازعين ليس لهم من مميزات إلا النسب والزعامة القبلية .
ويفسر هذا أيضا نفاق إبن خلدون للحاكم لأنه يعتقد أن الله تعالى قد اختار ذلك الحاكم ليحكم .
3 / 4 : ومن هنا لا يكتفي إبن خلدون بنفاق الحاكم – المتوسط الذكاء في نظره – وإنما يهاجم العالم الكفء الخبير الذي يحافظ على كرامته ولا ينافق الحكام والكبار ، ويعتبر ذلك الترفع من الأخلاق المذمومة [6] ،
3 / 5 : ويفسّر هذا لجوءه الى نفاق الكبار وغطرسته مع من هم دونه .
ولذلك أهدى كتابه العبقري للسلطان المغربي أبي فارس بعد أن أوسعه مدحا ونفاقا .
وفي حياته بمصر قيل عنه أنه كان حسن العشرة إذا كان معزولا عن السلطة، أما إذا تولى القضاء فلا يستطيع أحد أن يجلس معه ، بل ينبغي ألا يراه أحد ، ولذلك كان يتواضع للأكابر ويباسطهم ويمازحهم بخلاف تصرفه مع الناس إذا تولى القضاء [7]أي أنه من حقه أن ينافقه الناس إذا اختاره الله لمنصب ، بينما من واجبه أن ينافق من اختارهم الله للمنصب خصوصا السلطان .
كان بارعا فى (فنّ النفاق ) ، ولذلك إستطاع بمعسول حديثه أن يكتسب إعجاب الطاغية السفاح تيمورلنك الذي دمر دمشق سنة 803هـ . كما إستطاع بهذا المنطق الداهية أن يجعل برقوق يرضى عنه بعد عودته للسلطنة وينسى خيانة إبن خلدون له .
3 / 6 ـ إلا أن طريقته تلك في التعامل جعلت أصدقاءه وتلاميذه قليلين . وبالتالي فلم يكن له تأثير علمي في عصره يتناسب مع قامته العلمية ونبوغه الفكري . خصوصا وأنه ختم نبوغه بالمقدمة والتاريخ وأنهاه بقدومه لمصر ولم يزد شيئا كما قلنا .
4 ـ ومن هنا فلم يكن له من تلامذة إلا المقريزي والدلجي .
4 / 1 : والمقريزي الذي عاش بين عام (766)، (845) ، كان في الثامنة عشر من عمره حين قدم إبن خلدون مصر ، أي صحبه شابا إلى أن مات إبن خلدون وقد تجاوز المقريزي الأربعين من عمره ، وقد تأثر المقريزي بإبن خلدون في نقله ملاحظات خلدونية في الخطط المقريزية ، كقوله نقلا عن شيخه إبن خلدون ، إن أهل مصر كأنما فرغوا من الحساب " تعليقا على مظاهر الإنحلال الخلقي في ذلك الوقت ، وفي إنتقاد المقريزي للظلم المملوكي وعنايته بالأسعار والأحوال الإقتصادية في تاريخه السلوك وفي مؤلفاته الصغيرة ، والأمر يحتاج إلى دراسة متخصصة في مؤلفات المقريزي [8] . لتوضيح تأثر المقريزى بشيخه ابن خلدون ، وننتظر هذا البحث من شبابنا الباحثين الجادين ، فى عصرنا عصر السطحية العلمية ووالخواء الثقافى .!
4 / 2 : أما الدلجي ( شهاب الدين أحمد بن على ) فقد تأثر في كتابه " الفلاكة والمفلوكون " بإبن خلدون ونقل آراه في الكيمياء والمطالب أي الكنوز المدفونة وغيرها ، واستعمل نفس أسلوبه في المقدمة دون أن يشير إليه ، وتأثر بإبن خلدون في حياته ، إذ كان مهتما بالعقليات ومشهورا بانتقاصه للناس والإستهزاء بهم إلى أن مات 838[9].
وهذا هو ما رصدناه من المتأثرين بإبن خلدون.
5 ــ أما غيرهم ، فلم نجد تعاطفا مع إبن خلدون فيما ذكره عنه أعلام عصره كإبن حجر والعيني والسخاوي وحتى إبن تغري بردي أبوالمحاسن.
6 ــ وذلك وثيق الصلة بعقيدة إبن خلدون في وحدة الفاعل التي جعلته ينافق الأكابر دون حرج ولا يأبه بالآخرين ممن هم أقل منه أو يساوونه . لذلك قل اصدقاؤه وتكاثر منتقدوه . وبالتالي فإن مشروعه في إصلاح النظام القضائي في مصر لم يفلح ، حين قام بعزل الفاسدين من الشهود والموقعين ، وحين رفض الإستجابة للوساطات في القضاء ، إذ كان يمكنه أن يجمع حوله عصبية ممن هم أقل منه شأنا ليُآزروه في حركته الإصلاحية ، ولكن طريقته في التعامل حالت دون ذلك ، هذا بالإضافة إلى إحتقاره لعلماء عصره ، ومعرفته بنبوغه وتفوقه العلمي عليهم .
7 ــ وأدى هذا الفشل المزدوج ( في مشروعه لإصلاح القضاء في مصر بالإضافة إلى فشله السابق في مشروعه السياسي في موطنه ) إلى أن يعيش السنوات الأخيرة في حياته (803: 808) في إستسلام غريب للسقوط ، لانجد له تبريرا أيضا إلا في عقيدة الفاعل الصوفية ، أو بالتعبير المصرى الشائع " ربنا عايز كده ".
8 ــ وهكذا نفهم ما قالوه عنه في آخر حياته أنه سكن على البحر أي النيل وأكثر من الإستماع إلى المطربات ، ومعاشرة الأحداث ( أي الشذوذ الجنسي ) وأنه تزوج إمرأة لها أخ مصاب بالجنون مما جعل خصومه يشنعون عليه طبقا لهذا الاتهام بالشذوذ الجنسى ، ومع ذلك أكثر من الإزدراء بالناس ، حتى تخلى عنه المتحمسون له وكان منهم الإستادار الكبير الذي رفض شهادته لأنه لم يعد أهلا للشهادة ، وكيف أنه في ولاياته الأخيرة للقضاء لم يعد ذلك القاضي المصلح الذي كان ، بل أصبح لينا مفرطا عاجزا خائرا يسمع بعض نوابه يستهزئ به فلا يرد عليه [10].
في ضوء عقيدة الفاعل الصوفية يمكن تفسير حياة إبن خلدون بين الصعود والسقوط ، ويمكن أن نفهم من خلالها لماذا غابت مصر عن تاريخه وثقافته ، ولماذا لم يكن له فيها كثيرون من المعجبين والتلاميذ .
ولكنها ليست الإحتمال الأخير . .
سقوط نظريته فى العصبية فى مصر المملوكية ، وموت ابن خلدون الغامض
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الرابع : كان إبن خلدون في مصر، فهل كانت مصر في إبن خلـدون ؟
سقوط نظريته فى العصبية فى مصر المملوكية
في ضوء عقيدة الفاعل الصوفية يمكن تفسير حياة إبن خلدون بين الصعود والسقوط ، ويمكن أن نفهم من خلالها لماذا غابت مصر عن تاريخه وثقافته ، ولماذا لم يكن له فيها كثيرون من المعجبين والتلاميذ .
ولكنها ليست الإحتمال الأخير . . ربما كان السبب هو سقوط نظريته فى العصبية فى مصر المملوكية .
1 ــ إذ ربما يكون السبب أنه وجد في مصر ما يناقض الأساس الذي أقام عليه نظريته الكبرى في المقدمة ، وهي فكرة العصبية .
2 ــ ففكرة العصبية نجدها مثالية في المجتمعات الصحراوية حيث القبائل وحيث تقوم القبيلة على النسب الواحد ، وتكون القبيلة دولة متحركة بجيشها وقيادتها ونظامها الداخلي ، هى ثابتة بنسبها ولكن المكان متغير حسب قوة تلك القبيلة أو القبائل المتحالفة معا ، إذ تمتد تلك القبيلة بنفوذها وتحالفاتها وسيطرتها بقدر ما تصل إليه قوتها ،وسرعان ما تقوم الدول المؤقتة والمتحركة وسرعان أيضا ما تسقط ، دون إستقرار وثبات .
هنا ـ فى دول العصبية ومناطقها ـ يكون الإنتماء ليس للمكان والوطن بل للنسب والقبيلة ، فالمكان هناك مجرد جهة متغيرة ومتحركة . ( حتى الأن يطلقون فى تونس على المكان جهة، أو الجهوية ).
نجد العكس فى المجتمعات المستقرة الزراعية الثابتة ، فيها يكون الإنتماء الوحيد للمكان وللبلد أو حتى المدينة والقرية ، فتنتشر فى مصر أسماء الأشخاص تعكس إنتماءهم الى بلادهم. تنتشر فى مصر أسماء ( الاسكندراى ) ( الطنطاوى ) ( الجرجاوى ) ( المنياوى )( البحراوى )( الدمياطى ) ( الرشيدى )( الغرباوى )( الأسيوطى ) ( السيوطى )( القناوى ) ( الطهطاوى)( الصعيدى ) ( الشرقاوى ) ( البحيرى ) ( المنوفى ) ( السنباطى ) ( السخاوى ) ( البنهاوى ) ( الصاوى ) ( الاسوانى ) ( الأبنودى ) ( الطحاوى ) ( البهنساوى )( المنفلوطى )( السبكى ) ( البسيونى ) ( السويسى ) ( القرافى )( الأدفوى )( الجيزاوى )( المحلاوى ) ..الخ . بل إن الوافدين الذين إستقروا بمصر حملوا فى مصر إسم بلدهم الأصلى ( المكاوى ) ( المدنى ) ( الشامى )( المغربى ) ( التونسى ) ( المقريزى ) ( الفاسى ) ( الحجازى ) ( العراقى ) ( البصرى ) ( اليمنى )( حلبى )( البغدادى ) ( الكوفى ) ( النجدى ) ( الصفدى ) ( النابلسى ) ( الغزاوى ) ( العينى )..الخ .
فى مصر ــ ممثلة للبيئة النهرية المستقرة ـ يتركز الانتماء للمكان وللوطن كله وللدولة المستقرة منذ آلاف السنين وللقرية أو المدينة مسقط الرأس، وتلك هي الثقافة المصرية التي تخالف – إن لم تناقض – خبرة إبن خلدون التي أسس عليها مقدمته .
3 ــ ويزيد من ذلك نظام الحكم المملوكي الذي عاش إبن خلدون في كنفه في مصر ، فهو نظام يناقض تماما جوهر فكرة العصبية الخلدونية القائم على النسب والقبيلة ، فأولئك المماليك الحكام لا أصل لهم أساسا ولا نسب ، إذ يؤتى بأحدهم رقيقا من بلد مجهول ويتنقل من يد إلى أخرى إلى أن يباع في مصر ، وإذا حاز على إعجاب سيده يعتقه ، ويصير جنديا ،ثم يتعين عليه إذا أراد أن يترقى أن يدخل في حياة التآمر – وفي حياة التآمر هذه لا يكون إنتماؤه وولاؤه إلا لذاته ، لذلك فإن الأمير المملوكي لا يحفظ عهدا ،وإنما يبيع ولاءه أو ينقله حسب مصلحته ، وبذلك يصل إلى الإمارة أو السلطنة ، وقد يقتل قبل ذلك أو بعدها حسب الظروف ، ولكنها في النهاية معادلة مختلفة في بدايتها وفي تطورها عن تلك المعادلة البسيطة التي أقامها إبن خلدون في المقدمة.
ويكفي ذلك التشابك المعقد في النظام المملوكي السائد والمستقر في مصر والذي لم يسقط برغم ما في داخله من تآمر وشقاق ، والذي لم يسقط إلا بسبب تدخل خارجي وبظرف إستثنائي عجيب على يد سليم الأول العثمانى ، بل إن نظام المماليك إستمر يحكم مصر محليا فى إطار الدولة العثمانية .
ويتضح من المستحيل أن ينجح ذلك النظام المملوكي في موطن إبن خلدون القائم على العصبية والأنساب المستقرة في المنطقة ، كما كان من المستحيل أيضا أن تنجح كل نظريات العصبية الخلدونية وتفصيلاتها المتعددة على الحالة المصرية النهرية المستقرة ، تلك الحالة التي سمحت باستمرار حكم أجنبي ظالم رقيق مجلوب الى مصر يحكم مصر وأهلها من الأحرار .
4 ــ وكان مفروضا أن يعيد إبن خلدون كتابة المقدمة على أسس جديدة بحيث تكون مصر حاضرة فيها بظروفها العادية وظروفها الإستثنائية الغريبة ، مثل خضوعها للماليك القادمين رقيقا من سائر بلاد العالم ، إلا أن إبن خلدون قام بتنقيح المقدمة والتاريخ شكليا واكتفى بذلك ، ربما تعصبا لموطنه وربما لأنه علق الأمور كلها على وحدة الفاعل ، وربما لأسباب أخرى تظل مجهولة لدينا؛مثل نهاية حياته الغامضة .
موت ابن خلدون الغامض
1 ـ فقد مات إبن خلدون ( فجأة ) كما قال المؤرخون،وبعد أن تولى القضاء بأيام ، يوم الأربعاء 26 رمضان 808 هـ.
2 ــ صحيح أنه كان في السادسة والسبعين من عمره ، وهو سن مثالى ومناسب تماما للموت ، ولكن هذا الموت المفاجئ يسمح بظهور علامات إستفهام، يعززها خصومات إبن خلدون ، والمكائد التي أدخل نفسه فيها في المرحلة الأخيرة من حياته ، وما كان يتخلل هذه الخصومات من موت مفاجئ .
3 ــ ثم كان موت ابن خلدون الغامض هذا واقعا ضمن سلسلة من الموتات الغامضة في ذلك الوقت .
ونعطي بعض الأمثلة من عصر إبن خلدون ونقتصر على إيرادها على مصدر تاريخى واحد فقط ،هو: ( إنباء الغُمر بأبناء العمر ) الذى كتبه المؤرخ الفقيه الإمام إبن حجر العسقلانى ، ورتبه فى التأريخ لسنوات عمره من سنة ميلاده ، حيث كان يسجل الأحداث شاهدا على العصر .
من ( إنباء الغُمر بأنباء العُمر ) ننقل هذه الأحداث عن إغتيالات غامضة لم يتم التعرف على القتلة فيها.
ونرتب هذه الأحداث حسب السنين :
1- في سنة 789 جاء ناصر الدين الحلبي من حلب إلى القاهرة بسبب وظائف يتم توزيعها ، وكان بارعا في الفقه والحديث والأدب ، ومشهورا بحسن الخط وجودة الضبط ، فمات فجأة ، فاجأته الوفاة في ربيع الآخر 789 ويقال أنه مات مسموما .
2- ووفد أحمد بن يزيد الحنفي المشهور بمولانا زادة الحنفي إلى مصر تسبقه شهرته ، فأقام في خانقاه سعيد السعداء ، وجاءته وظائف كثيرة ، ثم دس بعض الحاسدين له سما فمات في المحرم سنة 791 وكان مشهورا بالذكاء .
3- وكان إبن مكانس أعجوبة في الذكاء والشعر والكتابة ، وقد استدعوه إلى القاهرة فاغتيل بالسم في الطريق ، فدخل القاهرة ميتا في 15 ذي الحجة 794.
4- وكان عمر الفوي أعجوبة في الحفظ ماهرا في الفقه والفرائض ، وتم اغتياله سنة 801 ، وكالعادة لم يعرف قاتله .
5- وكان شرف الدين الدماميني غريما لإبن غراب ـ وإسمه سعد الدين إبراهيم ، وكان إبن غراب هذا هو الذي سيطر على السلطان الناصر فرج بن برقوق ، وقد أرسل إبن غراب ذلك الرجل شرف الدين الدماميني قاضيا على الإسكندرية، وسرعان ما مات مسموما فيها سنة 803[11] .
6 ـ والمشهور أن إبن غراب هذا هو الذي أقام الناصر فرج سلطانا وكان صبيا صغيرا ، وهو الذي أثار عليه الأمراء المماليك ، ثم هو الذي أقنع السلطان الصغير بالإختفاء ، ثم أقام أخاه الأصغر سلطانا ، ثم أعاد الناصر فرج للسلطنة ، وخلع أخاه الأصغر ، وظل متحكما في سلطنة الناصر فرج إلى أن مات ( أي إبن غراب ) فجأة سنة 808 وكان في الثلاثين من عمره .
هناك بين السطورعلاقة غامضة بين ابن خلدون ( الشيخ العبقرى فى فنّ التآمر ) وهذا الشاب المصرى العبقرى سياسيا ( سعد الدين ابراهيم : المشهور بابن غراب ) ؟ ومن الغريب أن يموتا معا وفجأة وفى نفس التوقيت تقريبا عام 808 .! هل هى مصادفة ؟ .
أخيرا
هذا الغموض لا يزال يؤرقنا ..
دعنا نفتش بين السطور فى علاقة ( الشيخ ) ابن خلدون ( عبقرى التاريخ ) بالشاب المصرى المجهول ( عبقرى السياسة ) ، ربما نجد إجابات أخرى .
وإذا عجزنا فمن حقنا أن نتخيل ،ولكن فى بحث تاريخى مدعوم بتصور درامى .
فى تفسير موت ابن خلدون الغامض : هل تآمر إبن خلدون على دولة المماليك ؟
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الرابع : كان إبن خلدون في مصر، فهل كانت مصر في إبن خلـدون ؟
أولا
1 ـ ــ في البداية فإن إنشغال إبن خلدون في التآمر هو التفسير المنطقي لسكونه العلمي، فقد ودّع نبوغه العبقرى فجأة وهو فى مصر حيث وكان متوقعا أن يتفرغ للإبداع . بل من الغريب اختفاؤه بين سطور التاريخ المصرى بما لا يناسب قامته الفكرية وقربه من أهل الحكم فترة حياته في مصر ، وهذا بعد حياة حافلة بالإنجاز العلمي والتفاعل السياسي المتوهج . الانشغال بتحقيق هدف كبير هو التفسير المقبول لتوقف الابداع الخلدونى وأيضا التوقف ( المعلن ) لنشاطه السياسى الذى كان محور حياته من قبل . ونعيد القول بأنه من الغريب أن حياة إبن خلدون في مصر قد تحولت إلى سكون عجيب لا يتفق مع خضم الصراعات التي نشأت عليها أسرته ، والتي إنطبع بها تاريخه الشخصي خلال(31 )عاما ، فهل نتصور أن يحدث هذا من إبن خلدون في مصر المملوكية والتي يتاح فيها المجال للتآمر لكل قادر عليه ، خصوصا وأنه حين وصل إلى مصر في الثانية والخمسين من عمره كان أستاذا في التآمر ؟
2 ـ اللمحات القليلة التي ظهر فيها إبن خلدون بين سطور التاريخ المصري في هذه الفترة ( 784 ـ 808 ) المليئة بالتآمر كان فيها تأثيره كبيرا وواضحا ، وذلك مثل إتصاله السريع بالسلطان برقوق بمجرد وصوله للقاهرة ، وهذا لا يتأتى بسهولة لأى قادم لمصر ، وعلى مبلغ علمنا لم يحدث لأى فقيه أورحالة مغربى قادم لمصر أن تتيسّر له صلته بالسلطان ،وأن تتيسر له سُبُل المعاش والرعاية بسرعة . ثم هذه الصداقة السريعة مع السلطان برقوق ، وهوأحد كبار المتآمرين في العصر، ثم العلاقة الغامضة بين إبن خلدون و الأمير يلبغا الناصري الذي نجح في إزاحة برقوق من السلطة ، ثم عودة العلاقات إلى مجاريها بسرعة بين إبن خلدون والسلطان برقوق بعد عودة برقوق إلى السلطة ، ثم تلك الغرابة فى مسلك السلطان برقوق الذى إنتقم من كل من خانه ما عدا إبن خلدون ، ثم مقتل أحد خصوم إبن خلدون بعد أن دبر مكيدة لعزل إبن خلدون وسجنه، وذلك بعد موت برقوق ، واللقاء الذي تم بين إبن خلدون وسفاح عصره تيمورلنك حين كان يحاصر دمشق.
4 ــ الأهم من ذلك كله والأغرب، هى تلك العلاقة الغامضة بين إبن خلدون وتلميذه المجهول الأمير سعد الدين إبراهيم المعروف بإبن غراب ، ذلك الشاب الذي وصل إلى قمة النفوذ فى شبابه المبكر ، وذلك بتخطيط عبقري لا نتصور صدوره منه. هو نفس الشاب الذي تلاعب بالسلطة المملوكية في عصر أبناء برقوق فعزل الناصر فرج بن برقوق وعين أخاه عبد العزيز ،ثم عزل عبد العزيز وأرجع الناصر فرج ،
يقول المقريزى عن هذا الشاب المصرى( الأميرسعد الدين إبراهيم المعروف بإبن غراب ) وتلاعبه بالسلاطين من أبناء برقوق:( اقام دولة ثم ازال دولة ،ثم اقام ما ازال وازال ما اقام من غير حاجة او ضرورة الجأته الى ذلك ، وانه لو شاء اخذ الملك لنفسه)، كلام هائل من شيخ المؤرخين المصريين الذى كان شاهدا على عصره . هذا الشاب المصرى كاد يتولى السلطة بنفسه ليكون أول مصري يتولى السلطة بعد الفرعون أبسماتيك ، لولا أنه مات فجأة يوم 19 رمضان سنة 808 ،ثم مات أستاذه المجهول فجأة أيضا يوم 26 رمضان سنة 808 ، أي بعد أسبوع . وبالمناسبة فهذا الأستاذ المجهول هو إبن خلدون . يقول المقريزى فى وفيات شهر رمضان 808 : ( شهر رمضان، أوله الأحد:.. وفي تاسع عشره: مات سعد الدين إبراهيم بن غراب . ومات عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن خلدون أبو زيد ولي الدين، الحضرمي، الأشبيلي، المالكي، في يوم الأربعاء خامس عشرين شهر رمضان فجأة، ولي المالكية عدة مرار.ومات إبراهيم بن عبد الرازق بن غراب، الأمير القاضي سعد الدين بن علم الدين ابن شمس الدين، في ليلة الخميس تاسع عشر شهر رمضان، ولم يبلغ الثلاثين سنة. ).
من المستحيل فى رأينا ، ومن واقع التخصص فى العصر المملوكى أن يصل شاب مصرى ـ من أصل قبطى ـ غير عسكرى الى موقع يتحكم فيه فى السلاطين المماليك إلا إذا كان وراءه عقل جبار متمرس فى فن التآمر . وهذا العقل هو ابن خلدون.
ثانيا : استاذ التآمر ( ابن خلدون ) فى عاصمة التآمر ( القاهرة المملوكية )
1 ــ والعادة أنه فى حلبة التآمر فى الدولة المملوكية قد يصل المتآمر الى السلطة وقد يصل الى الموت.
2 ـ المناخ فى العصر المملوكى كان جاهزا للتآمر فى كل وقت ، لأن التآمر كان هو العملية السياسية المُتاحة للترقى وللوصول الى الحكم ، والاحتفاظ به . إن مفتاح الشخصية المملوكية – كنظام سياسي – هو المساواة بينهم جميعا في الأصل والنشأة والتفاضل بينهم يكون بالمقدرة القتالية والدهاء السياسي ، فكلهم جيء به من بلاده الأصلية رقيقا لينخرط في سلك المماليك ثم ليتدرج بكفاءته السياسية والحربية حتى يصل إلى السلطنة ، ولا عبرة إلا بملكات المملوك وقدراته. لذا نجد بعض الغرائب ؛ فالظاهر بيبرس كان في الأصل مملوكا لأحد الأمراء، وهو الأمير البند قداري ونسب الله فقيل بيبرس البند قداري . واعتقه سيده ثم وصل بيبرس بدهائه وقدرته إلى أن أصبح سلطانا وسيده السابق أصبح مجرد تابع صغير له في دولته . ومهارة بيبرس تتجلى في قدرته الفائقة على المؤامرات والدهاء مع نشاطه الحربي .وحين يصل مملوك ما بدهائه وحذقه في المؤامرات إلى السلطنة فأنه يواجه مؤامرات الآخرين إلى أن يموت نتيجة المؤامرة، أو يقضى على خصومه . وهكذا تدور السياسة المملوكية في حلقة لا تنتهي من الدسائس والمؤامرات . وقد تنتهي المؤامرة بقتل السلطان – وحينئذ يتولى القاتل السلطنة طالما كان كفئا , وبذلك يصبح قتل السلطان مسوغا شرعيا عندهم لصلاحية القاتل كسلطان شأن مجتمع الغاب , وذلك هو الأغلب في السلطات العسكرية فالأقوى هو الأغلب , ومعنى ذلك إن الأمراء لا يخضعون للسلطان إلا لأنه أقواهم , وهو قرين لهم وندُّ فإذا ما مات فحظ ابنه أن يكون مجرد فترة انتقالية ليظهر فيها الأكفاء من بينهم ليتغلب على السلطنة ويمسك بزمام الأمور ويعزل السلطان الصغير أو يقتله. ومن عجب إن أكثر السلاطين كان يخدع نفسه ويصدق نفاق أتباعه فيخيل إليه أنهم سيرعون حقه عليهم بعد موته في رعايتهم لابنه ولى عهده ، فيأخذ عليهم العهود والمواثيق ،ويمكن لابنه في حياته ما استطاع . ومع ذلك فإن أخلص ممن يقوم بأمر ابنه في حياته يكون هو نفسه الذي يعزله بعد فترة انتقالية معقولة ويتسلطن , وينشيء أتباعا جددا من المماليك الذين يشتريهم , ويبعد عنه رفاقه السابقين في المؤامرات ، , وأعدائه طبعا. وبعد أن تقترب منيته يظن أن الأمور استتبت له فيأخذ العهد لابنه ويأتمن عليه أخلص أتباعه إلا أن القصة تتكرر بحذافيرها , ويعزل التابع ابن سيده السلطان السابق وتتكرر القصة ، وهكذا ، وتستمر المؤامرات . وبهذا قامت الدولة المملوكية البحرية وبهذا استمرت، وبذلك قامت الدولة المملوكية البرجية وبذلك استمرت إلى أن سقطت .
ومثلا فقد تآمر الأمير بيبرس وقتل السلطان قطز وتولى مكانه ، وقام بيبرس بتوطيد الدولة المملوكية ، وحاول في أخريات حياته أن يوطد الأمر لابنه سعيد بركة فولاه العهد من بعده . وحتى يضمن ولاء المماليك له من بعده فقد زوجه من ابنة كبير المماليك قلاوون الألفي وجعل قلاوون نائبا له ، ولكن تآمر قلاوون على ابن بيبرس وعزله سنة 678 وتولى مكانه .وأقامت أسرة قلاوون في حكم مصر نحو قرن أو يزيد 678 – 784 ..وأنشأ قلاوون لنفسه عصبة خاصة من المماليك وأقام لهم أبراجا خاصة بالقلعة فعرفوا( بالمماليك البرجية) وأولئك هم الذين تآمروا على اغتصاب السلطة من أبناء وأحفاد السلطان قلاوون، ثم استطاع أحدهم في النهاية وهو برقوق إقامة الدولة المملوكية البرجية .
ولقد انعكس نفوذ المماليك البرجية على مصير السلاطين من أبناء وأحفاد الناصر محمد بن قلاوون بعد وفاته فكثر توليهم وعزلهم تبعا لمؤامرات كبار الأمراء البرجية ، حتى انه في العشرين سنة الأولى التي أعقبت وفاة الناصر محمد بن قلاوون تسلطن ثمانية من أولاده ( 741 – 762 ) ، وفي العشرين سنة التالية تسلطن أربعة من أحفاده . وبعضهم تسلطن وعمره عام واحد كالسلطان الكامل شعبان بن ناصر محمد ، وبعضهم لم يبق في الحكم إلا شهرين مثل الناصر أحمد بن الناصر محمد. وقد تمكن برقوق بسلسلة من الدسائس والمؤامرات أن يقيم الدولة البرجية وتغلب على مصاعب عديدة وصلت إلى درجة عزله من السلطنة إلا أنه عاد للسلطنة للمرة الثانية سنة 797 . ومات برقوق سنة 801 وتولى ابنه الناصر فرج .
3 ـ عاش ابن خلدون فى مصر فى فترة الاضطراب هذه ( نهاية الأسرة القلاوونية ، وتأسيس الدولة المملوكية البرجية على يد برقوق ) ، وشارك فى حلبة التآمر من وراء ستار إستخدم فيه الشاب سعد الدين ابراهيم ( ابن غراب ) .
4 ـ ونعيد ما قلناه من قبل عن المسرح السياسى المملوكى وابن خلدون : قبيل وصول إبن خلدون لمصر كان السلطان الرسمي هو الصبي حاجي إبن الأشرف شعبان القلاووني ، وكان كبار أمراء المماليك يتصارعون ليصل الأقوى منهم إلى السيطرة على السلطان الصغير حتى يعزله ويتولى مكانه. وفعلا تحالف الأميران بركة وبرقوق حتى تحكما في السلطنة ، ثم اختلفا وتصارعا وتغلب برقوق وانفرد بالحكم ، وبعدها عزل السلطان القلاووني الصغير وتولى السلطنة في 18 رمضان 784 . وكان إبن خلدون قد سافر إلى الأسكندرية في شعبان من نفس العام فوصل إليها في عيد الفطر 784 . ثم وصل إلى القاهرة في أول ذي القعدة 874 حيث كان برقوق يبدأ أول سنة له في الحكم سلطانا ، ثم لم يلبث أن ثار على برقوق سنة789 مملوكه الأمير منطاش والأمير يلبغا الناصري نائب الشام وانهزم عسكر برقوق وانضم أكثره إلى المماليك الثائرين ، فاختفى برقوق ، ثم سلم نفسه إليهما ، فأرسلوه سجينا إلى الأردن ( الكرك). ثم حدث الخلاف بين الأميرين منطاش ويلبغا الناصري ، وانتصر منطاش . وهرب برقوق من سجنه في الأردن وتجمع حوله أتباعه فجاء بجيش هزم به منطاش وعاد إلى السلطنة للمرة الثانية 792هـ . واستقر له السلطان إلى موته سنة 801.
5 ــ وتولى إبنه فرج بن برقوق وكان عمره أقل من عشر سنوات وثار عليه المماليك ، وهنا تجلى نفوذ سعد الدين ابراهيم (ابن غراب ) حين اقنع السلطان الناصر فرج ابن برقوق بالهرب والاختباء واخفاه فى بيته كى يتخلص من خصومه ، وقام سعد الدين باجلاس عبد العزيز بن برقوق على الحكم وسيطر على الدوله ، ثم بعد سبعين يوما عزل عبد العزيزواعاد الناصر فرج،وتلك ظاهرة لم تتكرر فى التاريخ المصرى بطوله ، او كما يقول المقريزى (اقام دولة ثم ازال دولة ،ثم اقام ما ازال وازال ما اقام من غير حاجة او ضرورة الجأته الى ذلك ، وانه لو شاء اخذ الملك لنفسه). ومن الصعب أن نصدق أن شابا مصريا مهما بلغت عبقريته يصل الى هذه الحنكة فى فنّ التآمر. والتفسير المقبول هووجود ابن خلدون من وراء ستار يحرّك الأحداث ويوجهها.وفشلت المؤامرة ، ودفع ابن خلدون وتلميذه الشاب الثمن ، فماتا ( فجأة ) .
6 ـ لا يمكن أن يتوب ابن خلدون عن التآمر وهو أستاذ فى هذا الفن ، وقد جاء الى أكبر حلبة للتآمر فى عصره ، وكان يتوق من قبل للمجىء اليها . ولنتذكر أن ابن خلدون السياسى ( أكبر ) من ابن خلدون مؤسس علم العمران والمؤرخ ، صحيح أنه فشل سياسيا ونجح واشتهر عالما ومؤرخا ، ولكننا نضع معيار الجهد والوقت الذى قضاه ابن خلدون فى ميدانى التأليف والعمل السياسى ، ولقد قضى أقل وقته فى التأليف وأغلب وقته فى العمل السياسى . وبذل بقية عمره فى مصر لكى يحقق بالسياسة ( وهى فنُّ التآمر وقتها ) ما كتبه عالما مؤرخا عن ( العصبية ).
7 ـ ولكن لا تزال هناك إسئلة مشروعة .!
رأينا فى تفسير موت ( إغتيال ) ابن خلدون الغامض
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الرابع : كان إبن خلدون في مصر، فهل كانت مصر في إبن خلـدون ؟
رأينا فى تفسير موت ( إغتيال ) ابن خلدون الغامض
أولا : ونبدأ بسؤال : ما الفائدة التي تعود على إبن خلدون من إشتراكه مع سعد الدين إبراهيم ابن غراب ضد الدولة المملوكية التي احتضنته ؟
1 : هناك فائدة سياسية متوقعة ، وهى أن يشارك إبن خلدون في جني ثمار نجاحه ، إذا نجحت خطته مع رفيقه سعد الدين إبراهيم . فى أن يحقق ابن خلدون طموحه السياسى الذى فشل فى تحقيقه فى الاندلس وشمال أفريقيا ،بل أن يحققه فى مصر التى كان يتوق الى القدوم اليها والاستقرار فيها . وواضح أنه لعب على الحبال المتاحة له ، فأيد الأميرين يلبغا ومنطاش فى ثورتهما على ولىّ نعمته السلطان برقوق ، ليس بالطبع حبا فيهما ولكن ليحقق طموحا سياسيا لا يمكن الوصول اليه إلا بفنّ التآمر السائد والمشروع وقتها، وابن خلدون بارع فى هذا الفنّ.
2 : وهناك أيضا فائدة خلدونية خاصة بصاحبها ، وهى إثبات نظرية إبن خلدون في العصبية ، وتطبيقها في مصر في عهده عمليا . فقد أقام إبن خلدون نظريته السياسية في "المقدمة " على العصبية القائمة على النسب، والتي تعنى أن أهل العصبية القبلية القائمة على النسب الواحد والأصل الواحد إذا أتيحت لهم أسباب القوة ، فإنهم يستطيعون إقامة ملك لهم .وذلك ما كان يحدث في شمال أفريقيا والمغرب والأندلس .. إذ تتجمع عصبية القبيلة تتحرك به في الصحراء إلى المدن الساحلية حيث تقيم لها ملكا ، إلا أن النظام المملوكي المستحكم والمتحكم في مصر والشام كان يناقض فكرة العصبية من أساسها .لأن المماليك ليس لهم أصل ولا نسب منذ البداية .
3 ــ وقد تجاهل إبن خلدون في أثناء مقامه في مصر الإشارة إلى ذلك التعارض بين النظام المملوكي ونظريته في العصبية ، كما لم يقم بتعديل نظريته في المقدمة . برغم أنه ختم حياته بربع قرن عاشه في مصر .
ولعله ـ وفقا لنظريتنا الخاصة ـ كان يؤجل هذا إلى أن ينجح في إثبات نظريته على أرض الواقع في إقامة ملك مصري يقوم على العصبية . وقد كانت عصبيات الأعراب في مصر موجودة ، وكانت هي القوة المسلحة الوحيدة في الداخل التي تناوئ السلطة المملوكية . ولكن كانت تحتاج إلى تنظيم وتقعيد .
4 ــ أي أن أدوات التآمر كانت متاحة أمام إبن خلدون لكي يثبت صدق نظريته في العمران ، وإمكان تطبيقها في مصر وهى أم العمران ، وذلك أكبر مكسب علمي ومعنوي يعود على إبن خلدون في تحالفه مع سعد الدين إبراهيم .
ثانيا : ماذا عن الدليل والبرهان
1 ـ ما سبق كله إفتراض يحتاج إلى دليل وبرهان ، ومن شأن التأريخ في الحوليات التاريخية أنها تسجل أحداث العصر باليوم والشهر وذلك على مدار العام أو الحول ، وكل عام ، وهذا ما فعله المؤرخون المعاصرون لابن خلدون وهو فى مصر ، مثل المقريزى في تاريخه " السلوك " وإبن حجر في تاريخه " إنباء الغمر" والعيني في تاريخه " عقد الجمان" . كانوا معاصرين لإبن خلدون في مصر ، ويرصدون ظواهر الأحداث من واقع المتابعة اليومية .
2 ــ ومن هنا فإن حركات التآمر التاريخي ـ والتى كانت تُشكل الحياة الواقعية ـ كانت تظهر أحيانا بين سطور الأحداث ، وتستلزم إستنطاق الوقائع وربطها ببعضها ، ويعتمد هذا الربط أساسا على منطقية التفسير للأحداث .
3 ــ المؤرخ وقتها يسجل ما يرد اليه من أحداث ، يسجل ما يصل الى السطح ، وهو بعيد عن العُمق ، ومكائد القصور. وهى ظاهرة لم تتكرر فى التاريخ المصرى بطوله ، أن يقوم شاب بما قاله المقريزى عن ابن غراب :(اقام دولة ثم ازال دولة ،ثم اقام ما ازال وازال ما اقام من غير حاجة او ضرورة الجأته الى ذلك ، وانه لو شاء اخذ الملك لنفسه). كيف وصل هذا الشاب الى تلك المنزلة؟ وكيف برع فى فنّ التآمر الى هذه الدرجة ؟ ومن كان خلفه يوجهه من وراء ستار؟ .. سطور التاريخ المعاصر تعطى إشارات ، والأحداث فيها تتحللها الفجوات . ومهمة الباحث التاريخى عسيرة فى الوصول الى مؤامرة تختبىء بين السطور ، ولا تحكى عنها السطور سوى شذرات من بينها ، احيانا ـ النتائج .
4 ـ الصعب هو أن تبحث عن مؤامرة فاشلة . المؤامرات التاريخية منها ما ينجح صاحبها فيصل الى الحكم أو يقيم دولة فيتراقص فى موكبه المؤرخون ، يحكون أصله وفصله وجهده . ومنها ما يفشل ، فيغيب صاحبها بالموت ، ويقبع بين سطور التاريخ بين أشلاء مؤامرته المبعثرة هنا وهناك .
5 ـ فى اول كتاب لنا :( السيد البدوى بين الحقيقة والخرافة ) عام 1982 ، وهو منشور هنا كشفنا مؤامرة شيعية كبرى لقلب نظام الحكم فى مصر الأيوبية ، وقد تستر أعيانها بالتصوف ، وكانت نقطة المركز فى قرية مجهولة يومئذ ، هى طنتدا ( طنطا ) وسط الدلتا المصرية ، وتزعمها فى المرحلة الحاسمة ( أحمد البدوى ) وعاونه ابوالحسن الشاذلى وابراهيم الدسوقى ، وكانت الدولة الأيوبية فى وقت ضعفها ، ولكن تغير المسرح سريعا بوثوب المماليك ( القوة العسكرية ) للحكم ، ونجاحهم فى تدمير الأيوبيين وقهر المغول وتقليم أظافر الصليبيين وقهر ثورة الأعراب ، وتلفت الظاهر بيبرس الذى وطّد الحكم المملوكى حوله فوصلت اليه انباء تلك الحركة الشيعية الغامضة ، وكان شيخه ( خضر العدوى ) جاسوسا لهم عليه . إنقلبت الأوضاع بالنسبة للسيد البدوى فى طنطا ، وأحس بالخطر فاستمر فى تنكره وتصوفه خائفا من جبروت الظاهر بيبرس . وفشلت تلك الحركة الشيعية التآمرية ، ونتج عنها تكوين طرق صوفية مشهورة . وإشتهر السيد البدوى علما تاريخيا بعد قرنين من وفاته ، بينما كان مجهولا فى حياته لم يسمع به أحد . هذا مثال على الحركات التآمرية الفاشلة التى حققناها من أكثر من ثلاثين عاما .
6 ــ والآن مع حركة تآمرية أبسط ، ودارت أيضا فى منطقة مفصلية ، بين سقوط الدولة المملوكية البحرية وتأسيس وتوطيد الدولة المملوكية البرجية . البطل هو الشاب ( المجهول تاريخيا ) سعد الدين ابراهيم ابن غراب الذى قال المقريزى عن تحكمه فى الدولة المملوكية عام 808 : ( اقام دولة ثم ازال دولة ،ثم اقام ما ازال وازال ما اقام من غير حاجة او ضرورة الجأته الى ذلك ، وانه لو شاء اخذ الملك لنفسه). قال المقريزى عن خلاف المماليك مع السلطان فرج بن قلاوون : ( ثم عادوا إلى ما هم عليه من الخلاف بعد قليل، وأعانهم السلطان على نفسه، بإخراج يشبك بن أزدمر، وأزبك، فأبدوا عند ذلك صفحات وجوههم، وأعلنوا بخلافه، وصاروا إلى أينال باي بن قجماس، ليلة الجمعة، وسعوا فيما هم فيه.) وقال عن دور الشاب سعد الدين ابن غراب ( كاتب السّر ) أى سكرتير السلطان وكاتم سرّه والمتحكم فيه : ( فخيّله منهم، حتى امتلأ قلبه خوفاً. فلما علم ابن غراب بما هو فيه من الخوف، حسّن له أن يفر، فمال إليه. وقام وقت الظهر من بين حرمه وأولاده، وخرج من ظهر القلعة فن باب السر الذي يلي القرافة، ومعه الأمير بيغوت، فركبا فرسين قد أعدهما ابن غراب، وسارا مع بكتمر مملوك ابن غراب، ويوسف بن قطلوبك صهره أيضاً، إلى بركة الحبش. ونزلا وهما معهما في مركب، وتركوا الخيل نحو طرا وغيبوا نهارهم في النيل، حتى دخل الليل، فساروا بالمركب إلى بيت ابن غراب، وكان فيما بين الخليج وبركة الفيل، فلم يجدوه في داره، فمروا على أقدامهم حتى أووا في بيت بالقاهرة لبعض معارف بكتمر مملوك ابن غراب. ثم بعثوا إلى ابن غراب فحول السلطان إليه وأنزله عنده بداره، من غير أن يعلم بذلك أحد. وقد حدثني بكتمر المذكور بهذا فيما بعد، وقد صحبته في السفر، فبلوت منه ديناً، وصدق لهجة، وشجاعة، ومعرفة ومحبة في العلم وأهله. ).أى يحكى المقريزى نقلا عن بكتمر مملوك ابن غراب ، والذى لعب دورا فى هذا بأوامر من سيده ابن غراب . وقام سعد الدين إبن غراب بتعيين أخ السلطان الغائب سلطانا بدير وأسماه : ( السلطان الملك المنصور) وهو عز الدين أبو العز عبد العزيز بن السلطان برقوق . ويقول المقريزى عن تقليد السلطنة للسلطان الجديد : ( وقد أحضروا الخليفة والقضاة الأربع، واستدعوا الأمير عبد العزيز بن الظاهر، وقد ألبسه ابن غراب الخلعة الخليفتية، وعمّمه. فعهد إليه الخليفة أبو عبد الله محمد المتوكل على الله بالسلطنة، ولقبوه الملك المنصور عز الدين، وكنوه بأبي العز. وذلك عند أذان عشاء الآخرة، من ليلة الاثنين سادس عشرين ربيع الأول، وقد ناهز الاحتلام . وصعدوا به من الإسطبل إلى القصر. ولم تدق البشائر على العادة، ولا زينت القاهرة، وأصبح الناس في سكون وهدوء، فنودي بالأمان والدعاء للملك المنصور. ) ويقول المقريزى عن تحكم سعد الدين ابن غراب فى السلطنة وقتئذ : ( وقام بن غراب بأعباء المملكة، يدبر الأمراء كيف شاء. والمنصور تحت كفالة أمه. ليس له من السلطنة سوى مجرد الاسم في الخطة، وعلى أطراف المراسيم .). وبين السطور صراعات معقدة بين المماليك ، وفريق منهم تحت إمرة ابن غراب ، واستمر هذا الصراع من ربيع الأول وانتهى فى رمضان من نفس السنة 808 وهى نفس السنة التى شهدت أوج عظمته وشهدت أيضا موته الغامض ، وموت استاذة ابن خلدون . ابن خلدون فى رأينا هو الذى كان فى الخلفية يخطط لابن غراب . فالأبطال هنا إثنان فقط : ابن خلدون وابن غراب . كانا على وشك تغيير تاريخى جذرى .. لولا الفشل .
7 ـ هذا الفشل فى حد ذاته هو الذى يجعل أشلاء المؤامرة مبعثرة فى صراع معقد ومتحرك تختلف شخصياته وتتنوع مواقفه، ويجعل أحداثها تُلمح ولا تُصرح ، تشى ولا تشرح ، ولكن تظل بين أخبارها غرائب تجعل الباحث يلهث خلفها يستنطق الأحداث ، ويسترجع ماقبلها وما بعدها ويتأمل ما بين السطور ، ويقارن التواريخ ، ويتساءل عن المسكوت عنه بين السطور ، ثم يقوم بتجميع الأحداث الأصلية والفرعية وما يتصل بهما ، ثم يحدد الفجوات بينها ، ويحاول أن يملأ تلك الفجوات بتصورات ( درامية ) محكومة بشخصيات العصر وثقافته . هذا ما فعلناه فى تصورنا البحثى لمؤامرة ابن خلدون وابن غراب ، لتجلية مؤامرة مسكوت عنها ، ولتجلية سبب الموت المفاجىء للعلامة ابن خلدون ، ولإماطة اللثام عن شخصية مجهولة فى التاريخ المملوكى هى الشاب سعد الدين ابراهيم المشهور بابن غراب .!.
قمنا ببحث مكثف بين سطور التاريخ المصري في هذه الفترة ( 784 ـ 808 )، تمّ فيه تجميع الأحداث ، وملء الفجوات بينها ، وتحديد الشخصيات وخلفياتها قبل وبعد هذا التاريخ ، ثم فيما بعد قمنا بصياغتها دراميا . ويبقى الأصل البحثى وهو المهم هنا .
8 ـ ومن حق القارىء أن يرفض تصوراتنا .. ولكن من حقنا أن نطالبه بتفسير لتلك الحالة الغريبة لشاب مصرى عاش فى حكم عسكرى مؤسس على التآمر فوصل الى أعلى منصب مدنى وتلاعب بالسلاطين. ليست جريمته أنه ـ برغم تحكمه فى الدولة العسكرية المملوكية فترة من الزمن ـ أنه قبع مجهولا بين سطور التاريخ . بل على العكس ، فهذا فى حدّ ذاته ـ أكبر باعث للبحث. وإذا كانت الفجوات بين الأحداث عائقا ، فالتصور الدرامى كفيل بتقديم الصورة ، لتكون أقرب للواقع ، فى تسلسها ومنطقيتها .
9 ــ ونقدم موجزا للأحداث التاريخية وبالتصورات الدرامية ، محتفظين لنا بكل التفاصيل ، وبحق تحويلها الى عمل درامى ، بعد عمل منهك ــ فى تجلية هذه الفترة الغامضة من التاريخ المملوكى ــ إستمر شهورا .
رؤية بحثية درامية للمؤامرة الخلدونية فى مصر المملوكية
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الرابع : كان إبن خلدون في مصر، فهل كانت مصر في إبن خلـدون ؟
رؤية بحثية درامية موجزة للمؤامرة الخلدونية فى مصر المملوكية
وهنا نلجأ إلى ربط الأحداث واستقراء الوقائع باختصار :
1 ـ ونبدأ بسنة 767 :في هذا العام كان قتل السلطان أبى عبد الله الذي ساعده إبن خلدون في استعادة ملكه في " بجاية " في المغرب ، وحيث عمل إبن خلدون حاجبا له يدير له الدولة ، ولكن بقتل السلطان أبى عبد الله وتعيين إبن خلدون وصيا على العرش أدرك إبن خلدون أنه لا طاقة له بمواجهة خصمه أبي العباس الطامع في " بجاية " ، لذلك ترك " بجاية " ورحل عنها إلى " بسكرة " في الجزائر.
2 ـ وفي نفس العام 767 ، كانت هناك محنة أقسى في الإسكندرية ، إذ أغار عليها ملك قبرص مع بعض السفن الإيطالية. وخلال أسبوع من فشل السلطة المملوكية في الدفاع عنها ـ في سلطنة الأشرف شعبان ـ إستطاع الفرنجة تدمير المدينة وقتل الآلاف من سكانها . وكان نائب السلطان المملوكي في الإسكندرية ـ والذي فشل في حمايتها هو الأمير إبن عرام ، وكان الحاكم المدني أو ناظر الإسكندرية هو غراب ، الذي كان قبطيا فأسلم ، ووصل غراب هذا إلى نظارة الإسكندرية مسقط رأسه ومعقل أسرته . وكان من معاوني غراب الشاب : جمال الدين محمود بن على بن أصفر عينه .
3 ــ وقد إنشغل هذا الأخير (جمال الدين محمود بن على بن أصفر عينه) أثناء محنة الغزو بسرقة بيوت الأثرياء ، الذين كان يعرف ثرواتهم بحكم عمله ، وإنهمك فى تجميع الأموال وقت الفوضى وتقاتل أهل الإسكندرية في الفرار من أبواب الإسكندرية. وبالمناسبة كان صاحبنا جمال الدين بن أصفر عينه هو المتولي لباب رشيد في الإسكندرية ، وقد ترك البوابة ليسطو على خزائن الأغنياء .
4 ــ وبعد رجوع الغزاة الفرنجة إلى البحر وبداية التحقيق كان كبش الفداء هو غراب ، إذ إتهمه إبن عرام وإبن أصفر عينه بأنه الذي خان وباع الإسكندرية للقبرصي الذي أغار عليها ، وعوقب غراب بالتوسيط ، أي بالقطع نصفين ، وتعليقه قطعتين على أبواب الإسكندرية . وترك غراب مع هذا العار ولده عبد الرزاق الذي سعى إلى إنصاف أبيه ، وحقق ذلك جزئيا بأن وصل إلى منصب أبيه ، وهو نظارة الإسكندرية ، ثم مات ميتة غامضة، وترك ولدين ، الأكبر فخر الدين ماجد ، والأصغر بطل قصتنا سعد الدين إبراهيم ، المولود سنة 778 هـ . هنا نكون قد تعرفنا على ( سعد الدين ابراهيم : ابن غراب )
5 ــ ونرجع الى ابن خلدون . ونصل إلى شهر شوال سنة 784 ، حيث وصل إبن خلدون إلى الإسكندرية ليأخذ طريقه منها إلى مكة للحج ، ولكن يتغير مساره، إذ يؤجل موضوع الحج ويسرع بالسفر إلى القاهرة ليجد الأحوال ممهدة له هناك . لأنه في نفس الوقت كان (جمال الدين محمود بن على بن أصفر عينه) قد أصبح صاحب حظوة لدى السلطان برقوق ، الذي وصل الحكم حديثا ، واشتهر بحبه الشديد للمال وبيعه للمناصب بالرشوة . ومن هنا كان من الطبيعي أن يصل إبن أصفر عينه سريعا بأمواله التي جمعها من محنة الإسكندرية .
وهكذا تقلب (جمال الدين محمود بن على بن أصفر عينه) فى المناصب ،عن طريق شراء المناصب في خدمة الأمراء المماليك إلى أن وصل إلى وظيفة شاد الدواوين ، أو الذي يعاقب كبار الموظفين ويستخلص منهم الأموال المنهوبة . وهى مهنة تدر الأموال على صاحبها ، لأنه بالتعذيب يستخلص الأموال ، ويتمكن من إختلاس بعضها لنفسه . وعندما وصل إلى هذا المنصب سافر إلى الإسكندرية ليؤمن مستقبله السياسي عن طريق إستمالة أسرة إبن غراب ، ولذلك أخذ الطفل سعد الدين إبراهيم ليعلمه ويربيه ويضمه اليه رهينة ليضمن سكوت اهله وهو يؤهل نفسه لمستقبل سياسى كبير فى القاهرة بما لديه من الموال ، فى دولة يمكن فيها شراء المناصب ، وخصوصا فى عهد برقوق المشهور بنهمه فى جمع الأموال وبيع المناصب بالرشوة .
6 ــ والمنتظر أن يقابل في الإسكندرية إبن خلدون الذي حل بهذا البلد يتلفت حوله عمن يسانده في حياته المقبلة بمصر . وما كان حلول إبن خلدون ليخفى على أولى الأمر بالإسكندرية ، كما أن وصول إبن أصفر عينه الذي أصبح اسمه جمال الدين محمود لم يكن ليمر بهدوء ، ومن هنا فإن المنتظر أن يلتقى الرجلان ، حيث يحتاج كل منهما للآخر في مستقبله السياسي .ابن أصفر عينه ( جمال الدين ) يريد أن يرصّع مظهره بصحبة الفقيه المغربى الكبير ابن خلدون ، وابن خلدون يريد من ابن أصفر عينه أن يكون وسيلة مواصلات تصله بكبار الدولة فى القاهرة.
7 ــ ومن هنا تتابعت الأحداث تربط بين الثلاثة إبن خلدون وجمال الدين محمود(جمال الدين محمود بن على بن أصفر عينه) والطفل الصغير الذي يحمل أحزان أسرته وطموحاتهم ، سعد الدين إبراهيم.
8 ــ وهذا التحالف السري يفسر الصعود المفاجئ لإبن خلدون في القاهرة ، إذ سرعان ما تعرف على الأمير الطنبغا الجوبانى صديق جمال الدين محمود ، وعن طريقه قام إبن خلدون بالتدريس في الأزهر سنة 784 ، واجتمع بالسلطان برقوق فأجرى عليه المرتبات ، ثم تولى التدريس بالمدرسة القمحية سنة 786 .
وأرسل السلطان برقوق مبعوثا خاصا إلى سلطان تونس ليستقدم أسرة إبن خلدون. ونجحت الوساطة وجاءت السفينة تحمل أسرة إبن خلدون ومعهما المبعوث المصري ومبعوث من سلطان تونس . ولكن غرقت السفينة في ميناء الإسكندرية . وفي نفس العام (786 ) تولى إبن خلدون منصب قاضى القضاة المالكية ، وشرع في إصلاح النظام القضائي في مصر باستبعاد المزورين من الشهود والموقعين ورفض الوساطات في القضاء ومنع التدخلات الفقهية في الحكم القضائي . ولكنه أثار زوبعة لم يجد من يسانده فيها حتى السلطان برقوق ذاته ،فاضطر السلطان لعزله في 7 جمادى الأولى سنة 787 .
9 ــ وفي الوقت الذي تفرغ فيه إبن خلدون للتدريس في الأزهر والمدرسة القمحية كان جمال الدين محمود (جمال الدين محمود بن على بن أصفر عينه) يترقى في المناصب ، إذ أصبح أستادار برقوق يوم الثلاثاء 3 من جمادى الآخرة سنة 790 .وبعدها بيومين أصبح أقوى رجل مصري في سلطنة برقوق ، إذ جمع بين الإشراف على دواوين الدولة المملوكية الثلاثة : الديوان المفرد أي الأستدارية ، وديوان الوزارة أو ديوان الدولة ، وديوان الخاص المتعلق بإيرادات السلطان وثروته الخاصة . وكان يتولى عقاب من يغضب عنه برقوق ليستخلص منهم الأموال وتتم مصادرتها لصالح برقوق. وبالتالى أتيحت له الفرصة ليحتفظ بجزء منها لنفسه ، وبهذا عظُم أمره ونفذت كلمته على حد قول المقريزى عنه في "الخطط المقريزية " .
10 ــ ونتصور إبن خلدون في هذه الفترة من العزل عن القضاء المالكي وقد اكتفى بالتدريس وتوثيق صلته بالصبي " سعد الدين إبراهيم : ابن غراب " الذي بلغ الثامنة عشرة من عمره، ويقوم على تعليمه سيده جمال الدين محمود الأستادار ، ويشارك إبن خلدون في تثقيفه ويتعرف منه على خبايا الدولة التي يديرها جمال الدين الأستادار .
11 ــ ثم اختفت دولة برقوق ،فيما عرف بفتنة منطاش ، ويلبغا الناصري ،التي إستمرت فيما بين يوم الاثنين 5 من جمادى الآخرة سنة 791 إلى عودة برقوق للحكم يوم الثلاثاء 14 من صفر سنة 792 ، وفي أيام هذه الفتنة إنحدر جمال الدين الأستادار من أعلى المناصب إلى أسفل الدرجات ، فأصبح سجينا في جب القلعة ضمن المماليك من المقربين من السلطان السابق برقوق، وصودرت أمواله ، وما جمع وما خبّأ من الذهب . بينما سارع ابن خلدون للتعاون مع النظام الجديد ( يلبغا / منطاش ) . وقبض ابن خلدون ثمن خيانته لبرقوق ، إذ تولى التدريس في المدرسة الصرغتمشية كما تولى شياخة الخانقاه الركنية بيرس ( في محرم ثم في ربيع الآخر سنة 791 ) .
وفي قضية مشهورة ـ وقتها ـ هي قضية الأعرابي إبن سبع حيث اختلف فيها قضاة القضاء الأربعة ، إستدعى يلبغا الناصري المتحكم في الدولة إبن خلدون ليحكم في القضية ، برغم أنه كان معزولا من القضاء ، وحكم إبن خلدون بتحويل الحكم ليلبغا ، وكانت تلك سابقة في التاريخ القضائي ، وحدثت في 25 من ذي القعدة سنة 791 .
12 ــ وانتهت محنة (جمال الدين محمود بن على بن أصفر عينه) جمال الدين الأستدار بعودة السلطان برقوق للسلطنة، فأعاده برقوق لمنصبه بالأستادارية . عاد جمال الدين الأستدار إلى مناصبه وأكرم برقوق إبنه فجعله نائبا للسلطنة في الإسكندرية بلده الأصلي . ولكن جمال الدين الأستدار(جمال الدين محمود بن على بن أصفر عينه) كان يريد معرفة الخائن الذي كشف عن خزائنه أو بعضها أثناء المحنة ، وجعله يخسر 58 قنطارا من الذهب ، صودرت منه .( ملاحظة : تخيل 58 قنطارا من الذهب حصيلة شخص واحد من الحرامية فى العصر المملوكى ، فماذا عمّن سبقه من الحرامية ، من عمرو بن العاص الذى ترك عند موته سبعين بهارا من الذهب ، أي 210 قنطارا او 140 اردبا من الذهب ،( خطط المقريزي 1/ 140 ، 564 ). الى مبارك فى عصرنا . وهى حقيقة أن مصر التى تحملت كل هذه السرقات طوال تاريخها هى أغنى دولة فى العالم ، وهذه حقيقة يعلمها اللصوص جيدا .! )
نعود الى هذا اللص ( جمال الدين الاستادار : ابن أصفر عينه ) والذى خرج من السجن متحسرا على ضياع ثروته متحفزا للبحث عمّن خانه ودلّ يلبغا على كنوزه المخبأة . وبالتالى لا بد أن تحوم الشبهات حول الشاب سعد الدين إبراهيم ابن غراب ، هذا الشاب الذى لم ينس ما فعله ابن أصفر عينه بجده غراب من قبل .
13 ــ بعودة (جمال الدين محمود بن على بن أصفر عينه) جمال الدين الأستدار الى قوته وبحثه عمّن خانه وكشف المخبّأ من كنوزه ، كان من الطبيعي أن يستعد الشاب سعد الدين إبراهيم ابن غراب لذلك اليوم الأسود بمكيدة محكمة ، لا نتصور أنه الذى حبكها ، والأصح أن يقال أن إبن خلدون، الأب الروحي ، هو الذي كان يتحسب بذلك ، بأنه هو الذي يحرك الشاب.
ولذلك فإنه في نفس اللحظة التي إكتشف فيها جمال الدين الأستدار خيانة الشاب الذي رباه ، كان قد وقع في المشكلة الكبرى الأساس ، مشكلة الكنوز التي نهبها من الإسكندرية وقت محنتها سنة 767 . والكنوز الأخرى التي نهبها أثناء توليه المناصب في سلطنة برقوق .
وتم التخطيط بدقة شديدة للإيقاع بجمال الدين الأستدار وهو في أوج عظمته . إذ ظهر منافس قوي له هو علاء الدين علي بن الطبلاوى ، والي القاهرة ، فاتصل به سعد الدين إبراهيم وحكي له عن كنوز وسرقات جمال الدين الأستادار ، واشترط أن يجلس مع الظاهر برقوق نفسه في خلوة ليحكى له . وتم ذلك للشاب الصغير ، واختلى بالسلطان ، وسمع له ، ومن هنا بدأت نكبة جمال الدين الأستادار الثانية والأخيرة ، وبها تم إنتقام سعد الدين إبراهيم لجده المظلوم ، وارتقى سلم المناصب .
14 ــ وهكذا شهد عام 797 تولى سعد الدين إبراهيم نظر الديوان المفرد في (11 من صفر) وخلال عامين بعدها قاسى محمود جمال الدين الأستادار وإبنه من ويلات السجن والعذاب إلى أن مات ليلة الأحد 9 من رجب 799 وقد اكتشفوا بمعونة سعد الدين إبراهيم كل دفائنه من الجواهر والأموال .
15 ـ بالقضاء على(جمال الدين محمود بن على بن أصفر عينه) جمال الدين الأستدارأصبح الشاب الصغير سعد الدين ابراهيم ابن غراب هو المنافس الوحيد لإبن الطبلاوى ،والذي تعاظمت سلطته بعد نكبة جمال الدين الأستادار. والمنتظر أن يعصف ابن الطبلاوى بهذا الشاب ، ولكن العجيب أن ينجح ذلك الشاب الصغير في الإيقاع بإبن الطبلاوى أيضاً ، إذ رسم له شيخه الروحي إبن خلدون، أن يتحالف مع شاب أمير مملوكي هو يشبك الشعباني ، كان نجما سياسيا صاعدا بين الأمراء المماليك . وبنفس الطريقة إعتقل إبن الطبلاوى وأخوه وصودرت أمواله وتعرض للتعذيب حتى حاول الإنتحار ، وكل ذلك خلال عام 800 هـ. وأصبح الشاب سعد الدين إبراهيم صاحب أكبر المناصب في السنتين الأخيرتين من سلطنة برقوق، وهو في الثانية والعشرين من عمره . وهذه سابقة فى التاريخ المصرى كله أن يتولى شاب مصرى مدنى هذه المناصب فى هذه السّنّ. ولا يمكن تصور هذا إلا بوجود عقلية جبارة هى العقلية الخلدونية .
ولم ينس سعد الدين إبراهيم شيخه الخفي إبن خلدون ، إذ جعل برقوق في أواخر أيامه يأمر بتنفيذ إصلاحات إبن خلدون القضائية بفرز وعرض الشهود، وأمر القضاة بذلك، وعندما لم يتم هذا الأمر الصادر في أخريات شعبان سنة 801 بعث السلطان برقوق بالبريد إلى الفيوم ليستدعى إبن خلدون ليتولى قضاء المالكية في 10 رمضان سنة 801 .
ولكن ما موقع إبن خلدون من هذا التألق الذي وصل إليه تلميذه ؟
إن إبن خلدون تولى القضاء في فترة التألق هذه، أي في 16 رمضان 808 . وسرعان ما مات فجأة تلميذه سعد الدين إبراهيم في 19 رمضان سنة 808 هـ ، ثم لحق به ابن خلدون فمات فجأة أيضاً في 26 رمضان 808 هـ . ولا يمكن أن تكون هذه مجرد مصادفات .
ولكن أين نظرية العصبية الخلدونية في ذلك كله؟
لقد كانت المرة الأولى التي يلجأ فيها مصري صميم للإستعانة بالأعراب وعصبياتهم .. حدث ذلك من سعد الدين إبراهيم حين استعان بأعراب "تروجه" بجوار الإسكندرية، ولكنهم خانوه، ففشل مشروع ابن خلدون ، وكان هذا الفشل سبب الموت ( المفاجىء ) للشاب سعد الدين ابراهيم ( ابن غراب ) ولأستاذه إبن خلدون..
16 ــ ونسترجع ما ذكره المقريزى فى رمضان عام 808 : ( شهر رمضان، أوله الأحد:.. وفي تاسع عشره: مات سعد الدين إبراهيم بن غراب . ومات عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن خلدون أبو زيد ولي الدين، الحضرمي، الأشبيلي، المالكي، في يوم الأربعاء خامس عشرين شهر رمضان فجأة، ولي المالكية عدة مرار.ومات إبراهيم بن عبد الرازق بن غراب، الأمير القاضي سعد الدين بن علم الدين ابن شمس الدين، في ليلة الخميس تاسع عشر شهر رمضان، ولم يبلغ الثلاثين سنة. ).
تحويل حياة ابن خلدون الي عمل درامي
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الرابع : كان إبن خلدون في مصر، فهل كانت مصر في إبن خلـدون ؟
تحويل حياة ابن خلدون الي عمل درامي :
مقدمة :
1- حين اخرج يوسف شاهين فيلما عن ابن رشد وجه ضربة لتاريخ ابن رشد الحقيقي ،وان كان ذلك في صالح هدفه في مواجهة الارهاب ،ولكن تبقي المشكلة الأساسية ،وهي ان الدرما قد تجور علي احداث التاريخ وتنشئ احداثا وشخصيات مزيفة وثقافة مغايرة حين تنقل الي السينما او التليفزيون حياة شخصية تاريخية أو فترة زمنية .
2- والعلاج لذلك هو تقديم الدراما التاريخية بيد المتخصصين في التاريخ ،وهم الذين يعرفون خفاياه وزواياه ،ونوادره وعجائبه ،وهنا يتقلص دور الأختراع أو التزييف في وقائع التاريخ وشخصياته ، حيث ان غرائب الوقائع التاريخية المجهولة تفوق خيال أي قصاص –وهنا أيضا يتجلي ابداع المؤلف –ليس في التزييف ولكن في ربط الأحداث التاريخية وخلق عمل درامي من خلالها ،ويكون في حد ذاته تفسيرا منطقيا –ويقترب من ان يكون علميا- للوقائع والشخصيات .
3- والتطبيق العملي لهذه الدراما التاريخية الواقعية والمتخصصة هو فكرة هذا العمل عن حياة العلامة العربي ابن خلدون فى مصر،والمستوحاة من كتاب صدر لنا عن حياته ،وفيه تحليل لعقليته ولمقدمته الرائعة .وقد صدر الكتاب ( مقدمة ابن خلدون : دراسة تحليلية تاريخية أصولية ) عن مركز ابن خلدون ودار الأمين للنشر عام 1988 .
الفكرة الأساس في دراما حياة ابن خلدون :
1- حياة ابن خلدون في حد ذاتها دراما حية ،حيث عاش حياته حتي سن الخمسين في صراعات مستمرة من تونس الي المغرب الي الأندلس ثم الي الجزائر الي المغرب الي الأندلس ثم الي الجزائر ثم الي تونس ،وفي النهاية هرب الي مصر ،حيث لازمه الصراع مع الفقهاء والقضاة وان كان خافتا حوالي 24 سنة ،وهذه الدراما الخلدونية لا تخلو من شجن عاطفي ،حيث كان ارتباطه قويا بزوجته ،التي لازمته في حله وترحاله ،واضطر احيانا لتركها تحت رحمة خصومه ،واستغل خصومه ذلك في منع اسرته من اللحاق به ،الي ان جاء الي مصر واسترحم السلطان برقوق فبعث رسولا الي السلطان التونسي ابي العباس ،فأرسل زوجة ابن خلدون واولاده ،وبعد ان وصلوا الي الأسكندرية تغرق بهم السفينة ،فماتت الزوجة والبنات ونجا ولدان له ،وبعدها وقع في غرام سيدة مصرية في أواخر عمره وتزوجها فثارت حوله الأقاويل ،بالأضافه الي إدمانه في نهاية حياته في مصر الاستماع الي الغواني ،وكلها تضيف الي الدراما العاطفية والانسانية وتتشابك مع صراعاته الفقهية في تلك الفترة المجهولة في حياته في مصر بعد ان كتب مقدمته الشهيرة .
2- ومع انه من السهل الاكتفاء بحياة ابن خلدون الدرامية ،الا ان البحث التاريخي المتعمق في حياته استطاع اظهار علاقات خفية تربط بين احداث حياة ابن خلدون في مصر وبين شخصية تاريخية مجهولة حتي الآن وان كانت مشهورة في عصرها ،وهي شخصية الشاب سعد الدين ابراهيم بن عبد الرزاق بن غراب السكندري ،اذ ان هناك صلة تبدو بين سطور الأحداث قد تثير النقاش حين تصدر في بحث تاريخي علمي ،ولكنها تكون اكثر ابهارا واقناعا حين تقوم الدراما بإظهارها وتجليتها ،مع التوثيق باليوم والشهر والعام .
3- ونعطي فكرة عن تلك الشخصية الموازية لأبن خلدون وعلاقتهما السرية ،من خلال ما كتبه اثنان من اعظم مؤرخي مصر في العصور الوسطي وهما المقريزي ،وابن حجر العسقلاني ،وقد عاشا معا هذه السنوات مع ابن خلدون وسعد الدين ابراهيم ،واتفقا معا في ايراد تاريخهما في (السلوك )و(الخطط) للمقريزي ،وفي (انباء الغمر )و (الدرر الكامنة) لابن حجر .
فكرة تاريخية عن سعد الدين ابراهيم بن عبد الرزاق ( المشهور بابن غراب ) وعلاقته بابن خلدون:
1 ـ اسلم جده غراب، وتولي نظر الاسكندرية أو الولاية عليها .وهو منصب مدنى.
وكان (محمود بن علي بن اصفر عينه ) يعمل تحت امرته شادا علي باب رشيد في الاسكندرية.
وحدث سنة 767 ان اغار الفرنج بزعامة القبرصي علي الاسكندرية واستباحها اسبوعا ،وذلك في غفلة من حاكمها العسكري ابن عرام ،وبعد انتهاء الغارة كانت التضحية (بالناظر غراب) اذ اتهموه بالخيانة ،ووسطوه – أي قطعوه نصفين –أي جعلوه كبش فداء بدلا من الحاكم العسكرى المملوكى.
وفي نفس الوقت استطاع( محمود بن علي بن اصفر عينه) اثناء تلك الغارات ان يسرق الأموال والذهب وهرب الي القاهرة .
وبعدها بحين تبين براءة الناظر غراب ،وتولي ابنه عبد الرزاق نفس وظيفة ابيه ،نظر الاسكندرية او الولاية عليها .
وفي نفس الوقت علا فى القاهرة شأن (محمود بن علي بن اصفر عينه) في ابتداء سلطنة برقوق بسبب ما معه من أموال ، واستطاع (بالبذل والبرطلة ) أى الرشوة أن يصبح استادرا للسلطان واصبح لقبه جمال الدين محمود الاستادار . وهو صاحب واحدة من أجمل الخانقاوات المقامة فى العصر المملوكى ، ولا تزال شاهدا على فن المعمار المملوكى حتى الآن . وقليلون من الباحثين فى العصر المملوكى من يعرف أن جمال الدين الاستادار المشهور ليس إلاّ ( محمود بن على بن أصفر عينه ) الخائن لسيده وولى نعمته غراب الضحية المظلوم فى محنة الاسكندرية عندما غزاها القبرصى.
2 ـ ويبدو أن خيال سيده المظلوم (غراب ) الذى قطعوه نصفين كان يؤرق جمال الدين اتلاستادار ، فهو الذى وشي بسيده القديم غراب واتهمه ظلما ، لذا فقد جاء الي الاسكندرية ليكفر عن ذنبه ،وهكذا يحدثنا المقريزي وابن حجر عن قدوم جمال الدين محمود الي الاسكندرية ليأخذ حفيد غراب ،وهو الصبي سعد الدين ابراهيم بعد موت ابيه عبد الرزاق لكي يعلمه ويربيه لديه في القاهرة ،وكان ذلك سنة 784 .
3 ـ وهونفس التوقيت الذي وصل فيه ابن خلدون أي في شوال، والمنتظر عند وصول ابن خلدون للاسكندرية ان يعمل علي تهيئة نفسه للحج الا انه كما قال في تاريخه اجّل موضوع الحج وسفره الي القاهرة ،و الواضح هنا ان ابن خلدون التقي بجمال الدين محمود وعرف صلته بالسلطان وكيف يصل للسلطان عن طريقه ،وبذلك نفسر ذلك اللقاء السريع الغير متوقع الذي تم بين ابن خلدون والسلطان برقوق في القاهرة ،وعن طريق الأمير الطنبغا الجوباني صديق جمال الدين محمود ،وكيف اعطي برقوق لابن خلدون المرتبات والجرايات وعينه مدرسا في الأزهر ثم في المدرسة القمحية ، ثم جعله قاضيا للقضاة المالكية ،وتوسط برقوق لاحضار اسرة ابن خلدون له من تونس وارسل لذلك سفينة خاصة بمبعوث خاص .
4 ـ وفي هذه الفترة (764 هـ –787هـ )ما بين وصول ابن خلدون الي عزله من القضاء في فترته الأولي كان الصبي سعد الدين ابراهيم يتعلم ويتفقه لدي استاذه (جمال الدين بن محمود بن اصفر عينه )او جمال الدين الاستادار ،ولكن الصبى الصغير كان قد رضع من اسرته ان ولي نعمته هذا هو سبب نكبة جده غراب . فعاش على أمل الانتقام منه . وهذا ما حدث فعلا.
5 ـ ونفهم بين سطور التاريخ ان جمال الدين الاستدادار استعان بصديقه ابن خلدون في تثقيف ذلك الصبي المولود في سنة 778 هـ وان ابن خلدون بدهائه ومقدرته علي التآمر وفن ادارة الصراع قد استخدم ذلك الصبي العبقري في نقل كل اخبار جمال الاستادار اليه ،وعمل علي توجيه الصبى الذكى واعداده ليصل الي اكبر المناصب ليصل عن طريقه ابن خلدون الي ما كان عليه من نفوذ سياسي في الدول التي اسهم في ادارتها قبل مجيئه الي مصر.
6 ـ وكان المناخ فى الدولة المملوكية مناسبا للتآمر ، بل كانت مصر والشام ميدانا للصراع على الحكم . فقد ثار( منطاش)( ويلبغا )وعزلوا برقوق من الحكم ونفوه الي الشام ،وبعد عدة حروب عاد برقوق ليحكم في سلطنته الثانية .
واستمرت فترة عزل برقوق فيما بين 791 : 792 وبسبب علاقته الوثيقة بالسلطان المعزول برقوق فإنه في هذه الفتره تعرض جمال الدين الاستادار الي الاعتقال والمصادرة واخذوا منه (58 ) قنطارا من الذهب.
7 ـ وفي نفس الوقت تعاون ابن خلدون مع منطاش ويلبغا، وافتي بكفر برقوق مع معظم القضاة ، لذا كان موقفه حرجا حين عاد برقوق الي الحكم وأخذ ينتقم ممن تخلي عنه في محنته ، ولكن الغريب أن إستطاع ابن خلدون ان ينجو من انتقام برقوق ، مع ان العلاقات بينه وبين جمال الدين الاستادار أصبحت بالغة السوء ،ومن الطبيعي ان يزداد نفوذ جمال الدين الاستادار بعودة سيده السلطان برقوق ،خصوصا وقد كان الاستادار ضمن مظاليم منطاش ويلبغا ومن المسجونين في القلعة بسبب علاقاته ببرقوق .
8 ـ وترتفع علامة استفهام : لماذا انتقم السلطان برقوق من كل من تخلى عنه وانضم للثائرين عليه ، وترك ابن خلدون ؟ وابن خلدون هو أسير لنعمة برقوق ، ولكنه سرعان ما انفض عنه فى محنته وانضم للأميرين الثائرين منطاش ويلبغا .
وهنا تعطينا الدراما التفسير لما حدث بعد عودة برقوق للحكم ، اذ ان من المنتظر ان يستخدم ابن خلدون سلاحه السري ضد جمال الدين الاستادار الذي اخذ نفوذه في الاتساع في وقت كان فيه برقوق يتتبع كل خصومه بالقتل والمحاكمات . وكان السلاح السري لابن خلدون هو الشاب سعد الدين ابراهيم (ابن غراب ) الذي يعمل كاتبا لدي جمال الدين الاستادار وكاتم سره ويتمتع بثقته والذي يحمل ( فى نفس الوقت ) حقدا هائلا علي سيده جمال الدين.
9 ـ ومن هنا نفهم ما وراء الاحداث التي تتابعت منذ 797 هـ وكان ابن غراب وقتها في التاسعة عشرة من عمره ،ولكنه تصرف بذكاء شديد ليوقع بسيده جمال الدين الاستادار وفق خطة مرسومة لا يمكن الا ان تكون من وضع وتخطيط ابن خلدون .
اذ كان المنافس الأكبر للاستادار جمال الدين محمود هو الأمير علاء الدين بن الطبلاوي والي القاهرة، ونشأ تحالف سري بين الشاب سعد الدين ابراهيم وابن الطبلاوي، وأوصله ابن الطبلاوى الي السلطان برقوق، وكشف سعد الدين للسلطان عن سرقات الاستادار وكنوزه ، وبدأ السلطان برقوق يستصفي اموال جمال الدين الاستادار تحت التعذيب ،وفى نهاية الامر اجرى مواجهة بين سعد الدين ابراهيم وجمال الدين الاستادار ،وكشف فيها سعد الدين ابراهيم كل الحقائق مما جعل السلطان يصدر قرارا باعدام جمال الدين، الي ان مات تحت التعذيب سنة 799 وتم انتقام سعد الدين لجده غراب.
وقد استفاد سعد الدين ابراهيم اكثر من ذلك بتعيينه ناظرا للديوان المفرد فى 11صفر سنة 798 وهواقل من عشرين عاما، ثم اضيف له –بواسطة ابن الطبلاوى –وظيفة ناطر الخاص وهى الاملاك الخاصة بالسلطان وذلك فى 15 ذى القعدة سنة 798ثم اضيف له نظر الجيوش فى 6ذى القعدة سنة 800 " فاظهر العفة والحشمة "كما يقولون ،ومات برقوق فى شوال سنة 801وقد جعله ضمن اوصيائه على السلطان الصغير الناصر فرج بن برقوق .
10 ـ ولكن طموح (ابن غراب : سعد الدين ابراهيم ) لم يتوقف بالقضاء على سيده السابق وعدوه جمال الدين الاستادار ، ولم تكفه كل المناصب التى حصل عليها بازالة سيده جمال الدين الاستادر، إذ بقى أمامه حليفه علاء الدين بن الطبلاوى الذى اصبح اكبر رجل مصرى مدنى فى الدولة المملوكية بعد القضاء على جمال الدين الاستادار ، وكان لا بد من التآمر عليه ليحتل مكانه . وكان معه استاذه ابن خلدون يرسم له الخطط . وهكذا قام سعد الدين ابراهيم (ابن غراب ) بتنفيذ خطه ماكره استطاع بها بالتحالف مع الامير يشبك الشعبانى القضاء على ابن الطبلاوى واخيه سنة 800وتولى مناصبه .
11 ـ ويلاحظ أنه فى فترة ظهور نفوذ الشاب سعد الدين ابراهيم نرى ابن خلدون وقد رجع للقضاء بعد ان ظل معزولا لمدة 15عاما وكانت تلك مكافأة سعد الدين ابن غراب لاستاذه ابن خلدون . وظل ابن خلدون فى القضاء بعد موت برقوق ، وتولى ابنه الصبى الناصر الى ان تم عزله بمؤامرة شارك فيها جلال الدين الدميرى الذى كاد ان يوقع محنه بابن خلدون فى محرم 803 بعد عزله مباشرة عن القضاء، وفى ذلك الوقت كان سعد الدين يجتاز فترة من الصراعات على القمة فى تحالفه مع امراء المماليك الشبان (يشبك الشعبانى )ضد الامراء الكبار ( أيتمش وتنم )ولكن انتقم سعد الدين ابراهيم لاستاذه ابن خلدون ،ذلك ان ابن خلدون وسعد الدين صحبا الجيش المملوكى الذى توجه للقاء تيمور لنك واجرى ابن خلدون معه محادثات باسم السلطان الناصر فرج، الذى كان على رأس الجيش ، وكان ضمن الجيش قاضى القضاه المالكى جلال الدين الدميرى خصم ابن خلدون ،وقد عاد الجيش وتاخر ابن خلدون فى العوده ،واثناء عودة الجيش مات جلال الدين الدميرى ميتة غامضه ،وعاد سعد الدين مع الجيش بدون قاضى القضاه المالكي وعين الاقفهسى مكانه ،ثم ما لبث ان عزل وعاد ابن خلدون للقضاءفى 23رمضان 803.
وهكذا كان ابن خلدون يلى القضاء مع علو نفوذ تلميذه سعد الدين ابن غراب ، ويعزل عنه بتاثير خصوم سعد الدين ابن غراب .
12 ـ ووصل نفوذ سعد الدين ابراهيم (ابن غراب ) الى الذروة حين اقنع السلطان الناصر فرج ابن برقوق بالهرب والاختباء واخفاه فى بيته كى يتخلص من خصومه ، وقام سعد الدين باجلاس عبد العزيز بن برقوق على الحكم وسيطر على الدوله ، ثم بعد سبعين يوما عزل عبد العزيزواعاد الناصر فرج،وتلك ظاهرة لم تتكرر فى التاريخ المصرى بطوله ، او كما يقول المقريزى (اقام دولة ثم ازال دولة ،ثم اقام ما ازال وازال ما اقام من غير حاجة او ضرورة الجأته الى ذلك ، وانه لو شاء اخذ الملك لنفسه). ومن الصعب أن نصدق أن شابا مصريا مهما بلغت عبقريته يصل الى هذه الحنكة فى فنّ التآمر. والتفسير المقبول هووجود ابن خلدون من وراء ستار يحرّك الأحداث ويوجهها.
ومن الطبيعى أن يستفيد ابن خلدون من نفوذه .فى هذه الفتره تولى ابن خلدون القضاء فى 16 رمضان .
13 ـ وبعد ان علا نفوذ سعد الدين ابراهيم (ابن غراب ) الى الذروه مات فجأة فى 26رمضان808 ،بعد ان كاد يتولي السلطنة بنفسه كما تشير بعض مصادر التاريخ.
14 ـ بعد كل هذا الا ينبغى للدراما ان تبحث هذا الموضوع ؟!
وهل يمكن لشاب مصري ان يتمتع بكل هذه العبقرية السياسية ويكون منسيا من التاريخ ضائعا بين السطور ؟
اللهم اذا كان سلاحا في يد ابن خلدون الذي اراد ان يستخدم ذلك الشاب في تحقيق ما عجز عنه ابن خلدون نفسه فيما بين الاندلس وشمال افريقيا ،حين صنع عروشا وتخلي عنه اصحابها .كما اراد ان يستخدمه ايضا في تحقيق نظريته عن العصبية التي شرحها في المقدمة والتاريخ في سبعة اجزاء قبل ان يأتي الي مصر ،ثم عاش في مصر حوالي ربع قرن الي ان مات دون ان يكتب جديدا يضيفه الى مقدمته ، مما يدل علي انه انشغل بشئ اهم وهو تنصيب شاب مصري سلطانا بدل السلاطين المماليك ليؤكد صحة نظريته السياسية عن ( العصبية ) وليحقق أمله السياسى الذى عجز عن تحقيقه فى شمال أفريقيا والاندلس ،وكاد ان يفلح في ذلك بأن يجعل المصرى سعد الدين ابراهيم ( ابن غراب ) سلطانا . ،وقد اشار المؤرخون المقريزي وابن حجر والعيني ان سعد الدين ابراهيم بن غراب اوشك ان يكون سلطانا، وعندما فشل المشروع مات في نفس الشهر ميتة غامضة هو واستاذه ابن خلدون .
وهنا تفسر الدراما اهم حقيقة غامضة في تاريخ ابن خلدون في مصر ، وتُجلّى فترة غامضة من التاريخ المصرى المملوكى ، وتقدم صورة حية للمجتمع المصرى وقتها على مستوى القمة ( المماليك وكبار المسئولين والقضاة ) والشعب .
المعالجة الدرامية باختصار :
أ-من الممكن ان تكون الدراما سيناريو مسلسل من 30 حلقة يتوقف مع ابن خلدون وهو يكتب التاريخ والمقدمة في قلعة بني سلامة بالجزائر ويسترجع تقلبات حياته السابقة ثم قراره بالذهاب الي تونس كخطوة لهربه الي مصر وفيها الدراما العاطفية بعلاقته بزوجته واولاده اثناء تنقلاته وغربته عنهم . ثم يتتبع في الفترة مابين ( 748 –803 ) صراعاته في مصر لاصلاح النظام القضائي وعلاقاته بجمال الدين الاستادار وسعد الدين ابراهيم وعلاقاته العاطفية ، وينتهى فى الفترة (803- 808 ) حيث مشاركته مع سعد الدين ابراهيم في محاولة الانقلاب علي الدولة المملوكية وتنفيذ نظرية ابن خلدون عن العصبية ،وموتهما في نفس الشهر ، وما تخلل ذلك من مؤامرات .
ب- تفصيلات المسلسل تتبع التطورات التاريخية لمصر منذ عهد السلطان الاشرف شعبان وهجوم الفرنجة والقبارصة علي الاسكندرية سنة 767 ،ويتتبع بشكل موازي تقلبات ابن خلدون السياسية في الشمال الافريقي والاندلسي ،والصراع مع فرنجة الأندلس الي ان أتي ابن خلدون لمصر فيتتبع علاقاته فيها وتحالفه السري مع سعد الدين ابراهيم الي نهاية حياتهما سنة 808 هـ ،.
ج ـ والأهمية القصوي ان كل مشهد موثق باليوم والشهر والعام ،وليس فيه اختراع او تزييف ، فالإبداع هنا في ربط الأحداث وتضفيرها لأظهار حقبة هامة من التاريخ المصري والعربي للمشاهدين علي اوسع نطاق .
د ـ هذه الدراما عن ابن خلدون جاهزة ( تقريبا ) ، تحتاج الى اللمسات الأخيرة ،وليس في ذلك مشكلةعلي الأطلاق .
ولكن المشكلة في تنفيذ عمل درامي حقيقي يعيش العصر بأحداثه وثقافته وعاداته وطريقته في الحديث والزي والتفكير ، ثم يقدم هذا العمل الدرامي اجابة عن سؤال علمي تاريخي هام .هو : لماذا عاش ابن خلدون في مصر الاربعة وعشرين عاما الأخيرة من حياته عازفا عن الكتابة ، والجواب أنه كان منشغلا بتحقيق هدف أعظم ، هو إقامة مصرى سلطانا على مصر بدلا من هؤلاء المماليك المجلوبين لمصر . هذه الأجابة يقدمها هذا العمل الدرامي عن الوجه السياسي الآخر لابن خلدون وهو وجه غامض ،يمكن توضيحه أكثر بالعمل الدرامى الذى يعطى الباحث التاريخى حرية فى الانطلاق و استقراء الأحداث وتجلية الغامض منها بصورة أكثر مما يعطيه له منهج البحث التاريخى الصارم .
وذلك ما يطمع هذا العمل بتقديمه بصورة علمية وفنية وراقية .
نقول :- ان المشكلة تكمن في تنفيذ هذا العمل …
لأن تحويل التراث الي دراما يتحكم فيه بعض مما لا يعرفون من حقائق التاريخ الا ما يحصلون عليه من خلال مؤلفات سطحية هامشية ،ويسدون هذا النقص بأختراع احداث وتزويرها ،وبدون فهم بأن لكل عصر لغته ومصطلحاته ،وازياءه وثقافته ..
المشكلة الحقيقية في تقديم عمل درامي يعيد الاحترام الي تراثنا كما يفعل الغرب مع تراثه مع ان تراثنا اثري واروع من تراث الغرب ..
فهل نجد من يتعاون معنا في هذه القضية .
نحن في الانتظار والله تعالي المستعان .
د.احمد صبحي منصور
ملاحظة
حقوق هذه المعالجة وهذا العمل محفوظة للمؤلف وورثته بعده .
وتمت كتابة هذه المعالجة عام 1999 ، وحاول المؤلف دون جدوى تسويقها فى مصر وقتها . وهذه محاولة أخرى .
والله جل وعلا هو المستعان .
9 اكتوبر 2015
[1]- ابن حجر : الدرر الكامنة في اعيان المائة الثامنة ،4/237 ط . بيروت .
[2]- المدخل لابن الحاج : دار الحديث 1981، اربعة أجزاء.
[3]- المقريزي : السلوك 3/517 ، ابن حجر : أنباء الغمر 2/158. السخاوي : الضوء اللامع 4/146 ، أبوالمحاسن : المنهل الصافي : الجزء المخطوط : ترجمة ابن خلدون.
[4]- الضوء اللامع 4/146.
[5]- تاريخ ابن خلدون 7/462.
[6]- مقدمة ابن خلدون الباب الخامس ، الفصل السادس ، والباب الثالث الفصل 38
[7]- الضوء اللامع 4/146، 147
[11]- أنباء الغمر 2/273، 364، 3/132، 4/75، 332.
الفصل الخامس : الفصل الخامس : تحقيق النظرية الخلدونية فى الدولة السعودية الأولى (1158-1233 /1745 –
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الخامس : الفصل الخامس : تحقيق النظرية الخلدونية فى الدولة السعودية الأولى (1158-1233 /1745 –1818 ):
لمحة عن ظروف إقامة الدولة السعودية الأولى وفقا لنظرية العصبية الخلدونية
أولا :
1 ـ لا مجال لتحقيق وتطبيق النظرية الخلدونية فى مجتمه نهرى كمصر والهند والرافدين والصين . مجالها حيث جاء وعاش وكتب ابن خلدون تجربته ، فى شمال أفريقيا ، أى فى المجتمعات الصحراوية والقبيلية ( من القبيلة ). وتتشابه الصحراء الكبرى ( فى أفريقيا ) مع صحراء الجزيرة العربية ، ولهذا كان التفكير فى إضافة فصل فى هذه الطبعة من الكتاب عن تحقيق النظرية الخلدونية فى قيام الدولة السعودية (الأولى ) 1745 ، بعد موت ابن خلدون فى مصر ب 350 عاما. ودون أن يعرف من أقامها ( ابن سعود وابن عبد الوهاب ) أى شىء عن ابن خلدون ومقدمته ونظريته .
2 ـ ولقد جاء قيام الدولة السعودية نتيجة تحالف الشيخ والأمير على اقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق المنهج السني الذي أرساه الحنابلة فى العصر العباسى الثانى ، وبه دمر الحنابلة العراق وقتها . إذ كانوا جماعات أو عصابات تخريبية تناوىء السلطة العباسية الضعيفة وتخيفها . الفارق هنا أن الدولة السعودية هى التى تطبق هذا الأمر بالمعروف وإزالة المنكر طبقا لمصالحاها ولرؤيتها الخاصة لما هو معروف وما هو منكر ، وتستخدمه للتوسع بالغزو والاحتلال ، بوصف الجيران بالكفر وأنهم ( مُنكر ) يجب إزالته ( شرعا ) ويجب الجهاد ضده ( شرعا ) ، والاستلهام هنا من حديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره ) والذى إخترعه الحنابلة أبان فتنة ( أحمد بن نصر الخزاعى ) وفتنة القول بخلق القرآن ، وقد فصلنا هذا فى كتاب منشور هنا عن ( الحنبلية ـ أم الوهابية ــ وتدمير العراق فى العصر العباسى الثانى ) . على أن الاستلهام الأكبر للحركة الوهابية التوسعية بالغزو والاحتلال جاء من ( فتوحات الصحابة ) و السيرة التى كتبها ابن إسحاق ، وصوّر فيها النبى محمدا عليه السلام بصورة دموية ، تتناقض معه حقيقيته عليه السلام ، وهو الذى ارسله ربه جل وعلا رحمة للعالمين ، وليس لغزو العالمين كما يزعم البخارى فى حديث ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ... ).
3 ــ وجاء –أيضا- قيام الدولة السعودية نتيجة تحالف بين عصبية قبلية يمثلها الأمير محمد بن سعود مع دعوة دينية يمثلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب تنشد إقامة دولة صحراوية ، تجدد ما سبق من إقامة دول متحركة فى المنطقة ، تحاول التوسع فى العراق ، كما حاولت حركة الزنج وحركة القرامطة ، وكان لكل منهما دعوة دينية ترفعها وتتمسح بها ، وبها يختلف طبيعة السلب والنهب والغارات فيها عن المُتعارف عليه بين القبائل التى إعتادت قطع الطريق على قوافل الحجاج بلا شعار دينى . هنا يكون الغزو والاغارة والسلب والنهب والسبى والاسترقاق والقتل يحمل شعار الجهاد ، وله مبرراته وتشريعاته السُّنّية المُتعارف عليها من قرون من قبل .
ولكن هناك إختلاف بين الدعوة الوهابية من نا حية ودعوتى الزنج والقرامطة.
فى حركة الزنج أعراب نجد للثورة مرة أخرى فى العصر العباسى بعد أن ملوا من الإغارة الروتينية على الحجاج، ووجدوا الغطاء الدينى فى دعوة المغامر على بن محمد فاتبعوه، مع أغلبية من الرقيق الزنوج فيما عرف بثورة الزنج التى خربت جنوب العراق طوال خمس عشر سنة (255-270) هـ الى أن تم اخمادها بصعوبة بالغة. وفى حركة الزنج قتل الثائرون ثلاثين ألفاً حين استولوا على مدينة الأبلة فى العراق سنة 256 هـ، وفى العام التالى دخل البصرة زعيم الزنج بعد أن أعطى أهلها الأمان، ولكنه نكث بعهده فقتل أهلها وسبى نساءها وأطفالها وأحرق مسجدها الجامع، وكان من بين سباياه نساء من الأشراف، وقد فرقهن على عسكره من الزنوج، وكانت السبايا العلويات تباع الشريفة منهن فى معسكره بدرهمين وثلاثة، وحين استجارت به إحداهن ليعتقها أو ينقذها من ظلم سيدها الزنجى قال لها: "هو مولاك وأولى بك من غيره".( تاريخ الطبرى: 9، 472، 481، والمسعودى: مروج الذهب 4 : 146 ). مع هذه الوحشية فإن قائد حركة الزنج كان مجهول النسب وأيضا مجهول الهوية الدينية ، إذ تردد بين دعوة الخوارج وبين دعوة الشيعة . وربما لهذا السبب لم تعمر حركته طويلا ، وتم القضاء عليها سريعا . كانت بمثابة نفثة غضب إنعالية ضد الفساد العباسى .
ثم ما لبث أعراب نجد أن اشتعلت ثورتهم هادرة تحت اسم القرامطة وفى دعوة شيعية إسماعيلية فى الأغلب. وامتدت غاراتهم إلى العراق والشام والحدود المصرية، ولم تنج الكعبة من تدميرهم، وقد سبقوا المغول فى سياسة الأرض المحروقة، أو إبادة كل الأحياء فى المدن التى يستولون عليها، وقد شهد المؤرخ الطبرى جانباً من فظائعهم وسجلها فى الجزء العاشر والأخير من تاريخه فيما بين (286-302) هـ واستمرت فظائعهم بعد الطبرى بقرنين تقريباً حتى تغلب عليهم أعراب المنتفق. وكان القرامطة أكثر وحشية فى استباحة الدماء والأعراض، ومن موقع المعاصرة والمشاهدة روى الطبرى بعض أخبار زعيمهم ، منها أنه خصص غلاماً عنده لقتل الأسرى المسلمين، وأنه استأصل أهل حماة ومعرة النعمان وقتل فيهما النساء والأطفال، ثم سار بعلبك قتل عامة أهلها، وسار إلى سلمية وأعطاهم الأمان ففتحوا له الأبواب فقتل من بها من بنى هاشم ثم اختتم بقتل أهل البلد أجمعين بما فيهم صبيان الكتاتيب، ثم خرج عن المدينة وليس فيها عين تطرف، ونشر الخراب والدماء فى القرى المحيطة. أما ما فعله فى الكعبة وقتل الحجاج فيها وإلقاء الجثث فى زمزم، واقتلاع الحجر الأسود، فذلك ما استفاضت فيه الأخبار، وهذه الوحشية فى قتل الأبرياء كانت تقوم على منهج فكرى أشار إليه النويرى فى حديثه عن التربية الفكرية لشباب القرامطة، كما أشار إليها الطبرى فى قصة واقعية لشاب اقتنع بالدين القرامطى وهجر أمه وأسرته مقتنعاً بالدين الجديد معتقداً استحلال الدماء. (أخبار القرامطة فى تاريخ الطبرى: 10، 71، 77، 86، 94، 99، 107، 115، 116، 121، 128، 130، 135، 148، وفى نهاية الأرب للنويرى 25، 195: 227 وما بعدها ).
- وبعد القرامطة عاد أعراب نجد إلى ما اعتادوه من قطع الطريق على الحجاج والاقتتال فيما بينهم، إلى أن ظهر فيهم محمد بن عبد الوهاب بدعوته الدينية وتحالف مع ابن سعود، وكان أهم بند فى التحالف بينهما (الدم الدم، الهدم الهدم)، وأعطاه ابن عبد الوهاب تشريع الاستحلال بعد أن اتهم كل المسلمين الآخرين بالكفر وجعل ذلك الاتهام مبررا دينياً للغزو والتوسع، وبذلك قامت الدولة السعودية الأولى، ونشرت السلب والنهب وسفك الدماء فى الجزيرة العربية وحول الخليج وفى العراق والشام، إلى أن اضطرت الدولة العثمانية للاستعانة بواليها على مصر "محمد على باشا" فقضى على الدولة السعودية ودمر عاصمتها "الدرعية" سنة 1818 م.
ولا تختلف مذابح الخوارج والزنج والقرامطة – وقادتهم من أعراب نجد أساسا- عن المذابح التى قام بها النجديون الوهابيون السعوديون فى تأسيس الدولة السعودية الأولى ، والدولة السعودية الثالثة الحالية، وقد وصلت تلك المذابح الى العراق والشام والبيت الحرام وسائر مدن الحجاز ، وكان أكثر الضحايا من النساء والأطفال والشيوخ . .
ولا تختلف هذه المدرسة الفكرية التى كان يعدها القرامطة لغسيل مخ الشباب عن الاعداد الفكرى الذى كان فقهاء الوهابية يعدونه لشباب الأعراب النجديين فى العقد الثانى من القرن العشرين والذى يتحول به الشاب الاعرابى الى مقاتل عنيد يرى الجهاد فى استحلال قتل كل من ليس وهابيا، وعن طريق هذا الاعداد الثقافى تكون "الاخوان " جنود عبد العزيز آل سعود الأشداء الذين أسسوا الدولة السعودية الحالية، وكانت سمعتهم فى القتل والتدمير ترعب قرى الشام والعراق، كما لايختلف عن الاعداد الثقافى الذى تقوم به جماعات الاخوان وبقية التنظيمات العلنية والسرية فى تاريخنا المعاصر والذى يجعل الشاب المصرى المسالم يستسهل تفجير الشوارع والمبانى معتقداً أن ذلك جهاد فى سبيل الله. كما لا يختلف ذلك عن الوحشية الهائلة التى يتعامل بها المتطرفون فى الجزائر مع أبناء الشعب المسالم من نساء وأطفال، وما حركة طالبان عن ذلك ببعيدة، فهم الذين تشربوا الفكر السلفى.
الوهابية هنا تتميز عن حركتى الزنج والقرامطة بمنهج سنى حنبلى واضح ، يعتمد على ثوابت الدين السّنى ، ويقوم الشيخ ابن عبد الوهاب بتأطيره فى رسائله الكثيرة ، فى وقت إختراع وإنتشار الطباعة . ولا تزال رسائله حتى الآن هى مصدر الهام لشيوخ الوهابية ، وقوة تأثيرها تتمثل فى إعتمادها على الأحاديث السنية والسيرة ( النبوية ) التى كتبها ابن اسحق والتى أصبحت بين المحمديين كالأناجيل الأربعة للمسيحيين ، والتى سجلت سيرة المسيح ، أو بمعنى أصح ( شوهت سيرة المسيح ) عليه السلام . وبهذا المنهج الذى أرساه ابن عبد الوهاب لا تزال الوهابية تتوسع تؤثر فى العالم ، وتحتكر لنفسه إسم الاسلام ، ولا أدل على ذلك من إطلاق إسم الاسلام عليها ، فيقال ( الاسلام السياسى ) و ( الاسلاميون ). .
4 ـ وجاء –أيضا- قيام الدولة السعودية نتيجة تحالف بين عصبية قبلية يمثلها الأمير محمد بن سعود مع دعوة دينية يمثلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليمثّل حلقة من حلقات الصراع بين دين السنة الأرضى ودينى التصوف والتشيع . لقد ساد التصوف السنى ـ على أنقاض نفوذ الحنبلية السنيين المتطرفين ـ بدءا من القرن السادس منذ أن قام بتأطيره أبو حامد الغزالى ت 505 ، وقام بفرضه وتطبيقه صلاح الدين الأيوبى ت 589 . وهذا التصوف السنى (المعتدل ) كان يتسامح مع الشيعة طالما لا يكونون خطرا سياسيا ، فإنتشر التشيع دينيا فى مناطق فى الشام والعراق فى العصرين المملوكى والعثمانى ، وكان العثمانيون يعتنقون دين التصوف السنى ، الذى كان سائدا وقت تاسيس دولتهم . وتعرض ابن تيمية الحنبلى للإضطهاد ، من المحاكمات الى السجن . وجاءت الحركة الوهابية السعودية فى دولتها الأولى على منهج ابن تيمية ولتطبق فتاويه الدموية التى كتبها حانقا على عصره وردا على إضطهاده .
5 ـ وجاء –أيضا- قيام الدولة السعودية نتيجة تحالف بين عصبية قبلية يمثلها الأمير محمد بن سعود مع دعوة دينية يمثلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليكون رد فعل إيجابيا مبكرا ضد الاستعمار الغربى ونفوذه فى الدولة العثمانية التى دخلت وقتها فى طور الضعف . صحيح أن مواجهة الغرب المستعمر لم تكن واضحة فى فترة التأسيس للدولة السعودية الأولى والتحالف بين الشيخ والأمير، ولكن توسع هذه الدولة وإنتشار وهابيتها إستفاد بالعلو المضطرد للنفوذ الغربى البريطانى والفرنسى ، ثم حاليا فى مواجهة أمريكا التى جعلوها زعيمة الاستكبار الصليبى .
منطقة ( نجد ) بين كتابات الرحالة والمؤرخين
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الخامس:الفصل الخامس: تحقيق النظرية الخلدونية فى الدولة السعودية الأولى (1158-1233 /1745 –1818 ):
ثانيا : منطقة ( نجد ) بين كتابات الرحالة والمؤرخين
1 ـ ومنطقة (نجد) هي المسرح الذي قامت عليه الدولة السعودية الأولى وتطورت، وبهذه الدولة السعودية برزت نجد على خريطة العالم وتاريخه منذ القرن الثاني عشر الهجري الثامن عشر الميلادي 1158هـ –1745 م . هى نفس المنطقة التى كان أهلها من الأعراب جندا لحركة الزنج ، ثم لحركة القرامطة بعدهم . وقد أتاحت الوهابية لهم ان يكونوا قلب الحركة الجديدة ،وتأسيس أول دولة متحركة تتحدى الدولة العثمانية الراسخة العتيدة ، وتهاجم العراق وتحتل الحجاز والحرم ، وتعجز عن مواجهتها الامبراطورية العثمانية فتلجأ مُضطرة الى الوالى العثمانى الطموح فى مصر ( محمد على باشا ) والذى إستطاع بعناء شديد تدمير الدولة السعودية الأولى نهائيا وتدمير عاصمتها الدرعية وأسر أميرها عام 1818 . وارساله الى الآستانة ليلقى حتفه هناك .
2 ـ كانت ( نجد ) بؤرة المشاكل فى تاريخ المسلمين منذ حركة الردة وكان أكبرها حركة مسيلمة الكذاب الذى ظهر فى نفس المنطقة من ( نجد ) والتى نشأ فيها ــ فيما بعد ـ محمد بن عبد الوهاب ، والتى إستمرت ( أى نجد ) ترسل كتائب التخريب ، ومنها ما وصل الى موطن ابن خلدون ، أى أعراب بنى هلال وبنى سليم الذين إستقدمهم الفاطميون ، وارسلوهم الى شمال أفريقيا فعاثوا فيها فسادا وتخريبا . مع ذلك التخصص ( النجدى ) فى الثورات والفتن وتصديرها الى الخارج من العراق والشام الى شمال أفريقيا ، فلم تحظ ( نجد ) بتفسير لوضعيتها هذه ، سوى حديث مشهور قيل فى تصوير ( نجد ) على أنها موطن الشيطان . وحتى ابن خلدون لم يتوقف مع ( نجد ) فى إستشهاداته فى المقدمة عن العرب ( الأعراب ) مع تعرضه لأعراب بنى هلال وبنى سليم .
3 ـ ولكن هذا البروز التاريخي الوهابى الحديث لمنطقة نجد ، أدخلها نوعا ما فى دائرة الضوء ، والأبحاث التاريخية . فقد حاول بعضهم تفسيرهذا البروز النجدى بعد حدوثه ،ونكتفي بمثلين الأول يمثل الرحالة الغربيين الذين جاءوا الى صحراء نجد يحاولون تفسير الظاهرة ،والثاني من الباحثين المسلمين في عصرنا الراهن .
4 ـ كتابات الرحالة بالذات تأتى بوصف غير معتاد للمناطق التى يزورها الرحالة . الرحالة عيناه مفتوحتان وهو فى دهشة مستمرة يسجل ما يراه ، ويقارن بوعى او بدون وعى بموطنه . وما يراه المؤرخ المحلى المعاصر عاديا لا يستحق التسجيل يراه الرحالة غرائب يسارع بتسجيلها . وإذا كان المؤرخ منهمكا فى التأريخ للسلطان وكبار القوم فإن الرحالة يهتم بتسجيل ما يراه فى الشارع والناس العاديين ،وهناك عادات اجتماعية سادت وازدهرت ثم بادت واندثرت دون ان تجد من يسجلها من مؤرخى عصرها لأنها كانت بالنسبة لهم شيئا عاديا لا يستحق التسجيل . ولو أدركها الرحالة لسجلوها وبقيت محفوظة فى ذاكرة التاريخ . والعادة أن تترك كتب الرحالة زادا رائعا للحياة الاجتماعية يغفل عنه ــ غالبا ـ المؤرخون المعاصرون .
5 ـ ومنطقة نجد بالذات لم تجد نؤرخا فى داخلها يؤرخ لها قبل ظهور الوهابية فيها ، كما لم تجد مؤرخا باحثا مثل ابن خلدون يربط طبيعتها القاحلة موقعها الجغرافى بتخصصها الدموى فى الاغارة على القوافل خصوصا قوافل الحج ، وفى تحويل الاغارات الى جهاد دينى . تاريخ ( نجد ) فى العصور ( العباسى والمملوكى والعثمانى ) مجهول قبل الحركة الوهابية ، فقد دخلت فى عصر الظلمات ، ويسمع بها الناس فقط فى ثوراتها وغاراتها على الآخرين . أما الداخل النجدى فهو اسير الظلام . حتى لفتت نظر العالم بدولتها السعودية وحركتها الوهابية ، فبرزت نجد حتى فى عناوين الكتب مثل كتاب ( آن بلنت :رحلة الي نجد ) وكتاب عثمان بن بشر : (عنوان المجد في تاريخ نجد )، وسجل المؤرخ المصرى الجبرتى أحداث الدولة السعودية فى كتابه (عجائب الآثار )، من خلال الأنباء التى كانت تصل اليه ، وكان الجبرتى يسجل شاهدا على عصره .
6 ــ وحظيت ( نجد ) بدولتها السعودية ودعوتها الوهابية بإهتمام الغرب ، فقد توافد على نجد قناصل ورحالة أوروبيون، وكتبوا عنها ما يعكس رؤاهم السياسية، منها رحلة سادليير 1819 م وبيلي 1864 –1865 ،وبركهايت 1814-1815 . ولكن الوحيدة التي كتبت بحياد وبعيدا عن الأهواء السياسية كانت رحلة الليدي آن بلنت 1879 ، فى وقت قيام الدولة السعودية الثانية ،وكان معها زوجها ويلفرد سكوين بلنت الذى كان قنصلا إنجليزيا ، إلا أنه إشتهر بميله للعرب والمسلمين ،وقد قام مع زوجته برحلة الى نجد بعد اعتزاله العمل السياسي ،وسجلت الليدي آن الرحلة في كتاب (pilgrimage to nijd).ونقله الى العربيه محمد أنعم غالب وقدم له الشيخ حمد الجاسر .
7 ـ ويظهر في كتاب الليدي بلنت أمانتها في الوصف وإعجابها بالعرب وبلادهم وموضوعيتها في الرأي. وقد عاصرت رحلتها في نجد الحرب الأهلية فى الدولة السعودية الثانية بين الأمير عبد الله وسعود الإمام فيصل ومبايعة الأمير عبد الرحمن بن فيصل على الرياض 1874 م وعلو نفوذ الأمير محمد بن الرشيد في حائل ونجد، وقد إستضافها محمد بن الرشيد، وتكلمت عنه كثيرا ،وقد كانت معلوماتها عن السعوديين والدعوة الوهابية مشوشة متأثرة باوضاعهم المضطربة في دولتهم الثانية والدعاية المضادة للوهابية ، ومع ذلك فإنها رصدت بأمانة ما شاهدته دون انحياز مع او ضد الدولة السعودية .
وقد جاءت بوصف رائع لجغرافية نجد السياسية المتأثرة بظروفها الطبيعية ،وكان ذلك ضمن حديثها عن حكم إبن الرشيد المستتب في شمر وحائل . لقد وصفت الطبيعة القاحلة لنجد وندرة آبار المياة وتباعدها وحيث توجد الآبار تقوم عليها قرى متباعدة وتفصل بينها الصحراوات مما أعطى لكل (قرية ) شخصيتها المستقلة ،إلا أن الصحراء يتجول فيها البدو حيث يسيطرون على الطرق ، وهم الأقرب لتلك الطرق ، وهم الأكثر عددا من سكان تلك (القرى ) أو المدن الصحراوية . ولأن تلك المدن الصحراوية لا تستطيع الإكتفاء بنفسها وتعتمد على الإستيراد من الخارج فإن قوافلها التجارية تحتاج إلى القبائل البدوية التي تتحكم في طرق القوافل والتي يمكن أن تُغيرَ على تلك المدن نفسها . ومن هنا فإن كل مدينة تضع نفسها تحت حماية شيخ بدوي في مقابل أتاوة سنوية تسمى (الأخاوة) . وحين يكون شيخ القبيلة قويا بدرجة كافية يقوم ببناء قلعة بالقرب من المدينة يعيش فيها بعد أن يصبح غنيا بما يجمعه من إتاوات ،ويعيش في تلك القلعة وقت الصيف، ثم إذا تطورت قوته أكثر تحول من حامي للمدنيين إلى صاحب سيادة عليهم ،ويتحول من شيخ للقبيلة إلى أمير . وإن تطورت قوته أكثر تحول إلي ملك على كل المدن التي تخضع له . وبهذا الوصف الرائع يمكن تفسير قيام الدول المتحركة والمؤقتة فى منطقة نجد وغيرها . ويمكن أن نفهم صحة النظرية الخلدونية فى العصبية البدوية القبلية ، وخصوصا إذا رفعت شعارا دينيا.
ثم تعرضت الليدي آن بلنت لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقيام الدولة السعودية دون أن تعطي تفسيرا للتغيرات الجديدة التي أتت بها الدعوة دينيا وسياسيا في منطقة نجد وما حولها،و دخلت سريعا في شرح لأحوال إبن الرشيد .[1]
8 ــ أما الدكتور أحمد شلبي صاحب موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ،فقد خصص الجزء السابع لتاريخ الجزيرة العربية والعراق منذ مطلع الإسلام وحتي الآن، وأعطى إهتماما خاصا بتاريخ نجد والمملكة السعودية، وأوضح فيما كتب أنه عاش في نجد باحثا في تضاريسها وتاريخها، يحاول الإجابة على ما أسماه بمفتاح تاريخ نجد الذي يفسر الغموض المحيط بتاريخها، إلى أن يقول (إن حياتي مع نجد باحثا وزائرا تجعلني أعتقد أن تاريخ نجد قبل قيام المملكة العربيةالسعودية ينضوي تحت ثلاثة محاور هي :1- الحياة القبلية ،2- زحف من الداخل تقوم به قبيلة ما وتسيطر على مجموعة من القبائل ،وكان هذا النوع قصير العمر ،ولم يكون دولة بالمعنى المعروف ،3- نفوذ أو زحف من الخارج يمتد من شرقي الجزيرة ومن غربها ..) ثم أخذ في تفسير المحاور الثلاثة معتمدا على رحلة الليدي آن بلنت وبعض المؤرخين النجديين دون أن يتوقف مع تأثير الدعوة الوهابية على طبيعة نجد السياسية والتاريخية .[2]
9 ــ والغريب أن يتفوق ـ من قبل ــ العلامة إبن خلدون في وضع التأصيل الذى ينطبق على التاريخ السعودي باعتباره كيانا سياسيا نشأ عن تحالف بين شيخ وأمير نتج عنه تأسيس دولة ، يجعلها ابن خلدون ضمن ما نطلق عليه الدولة الدينية التى تحكم بالشرع حسب قوله وتحمل الناس أى ترغمهم وتُكرههم بهذا الشرع وتكون مسئولة عن هدايتهم . وقد ناقشنا من قبل تناقض هذا مع الاسلام ودولته .
10 ــ ويهمنا التذكير بأن إبن خلدون مات في القاهرة سنة 808 هـ أي قبل التحالف بين الشيخ والأمير بثلثمائة وخمسين عاما، بل إن إبن خلدون إعتكف في قلعة إبن سلامة في الجزائر في حماية أعراب بني عريف سنة 776 ،وفي عامين أكمل تاريخه المشهور ومقدمته التاريخية التي وضع فيها خبرته بالعرب والقبائل العربية وثقافته الموسوعية مع تفصيل لتاريخه الشخصي وتحركاته وعلاقاته السياسية فيما بين شمال أفريقيا والمغرب والأندلس في الجزء الأخير المسمى بالعبر ،ثم جاء بعدها إلى مصر ،ثم قام بالحج سنة 789 هـ دون أن يمر على نجد، مع أن ما جاء في مقدمته ينطبق على نجد والدولة السعودية التي قامت فيها فيما يخص حديثه عن العصبية القبلية و العلاقات بين القبائل ،والتحالف بين أمير يمثل العصبية القبلية وشيخ يمثل الدعوة الدينية وما يثمر عنه هذا التحالف من إقامة ملك ديني يطبق الشرع السني .
فكيف تحدث إبن خلدون في مقدمته عن النموذج السعودي الوهابي ،هذا ما نتوقف معه في هذا الفصل عن
: تحقيق النظرية الخلدونية فى قيام الدولة السعودية .
تحقيق ( النظرية الخلدونية )على ( نجد ) قبل قيام الدولة السعودية
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الخامس : تحقيق النظرية الخلدونية فى الدولة السعودية الأولى (1158-1233 /1745 –1818 ):
تحقيق ( النظرية الخلدونية )على ( نجد ) قبل قيام الدولة السعودية.
اولا : كيف تحدث إبن خلدون عن العصبية القبلية والصراع القبلي والسياسي في نجد؟
مع أن إبن خلدون لم ير صحراء نجد إلا أن خبرته التاريخية ومعيشته مع القبائل في الصحراء الكبري في شمال أفريقيا المماثلة لصحراء نجد جعلت رؤيته تنطبق على نجد ،ليس فقط في عصره في القرن الثامن الهجري ،ولكن أيضا قبيل وأثناء نشأة الدولة السعودية الأولى في منتصف القرن الثاني عشر الهجري .
ونتتبع رؤية إبن خلدون على النحو الآتي :
بين الوحشية والقوة الحربية :
في البداية يضع إبن خلدون قاعدة هامة تقول أن نوعية الحيوان تحدد درجة التحضر لدي الرعاة ومدي تنقلهم ،فرعاة البقر والغنم لا ينتقلون كثيرا ولا يبتعدون عن المدن الحضارية ،أما رعاة الإبل فهم الأكثر والأبعد في التنقل ،حيث يمكن للإبل تحمل العطش والتوغل في الصحراء ،وحيث أن العرب قد تخصصوا في الإبل فقط فقد كانوا أكثر توغلا في الصحراء ،وأشد بأسا ،وأشد توحشا –حسب قوله - .
ويربط إبن خلدون بين الوحشية أو (البأس ) والقدرة الحربية للقبيلة ،فيقول (إن أهل البداوة أكثر شجاعة وأقدر على هزيمة أهل الحضر ،ومن كان أعرق في البداوة والتوحش ،كان أقدر على التغلب على من سواه من القبائل التي تعيش بجانب المدن الحضارية ،وتزول عنها خشونتها واستبسالها ،واستشهد إبن خلدون بتغلب قبائل مُضَرْ الصحراوية على قبائل ربيعة التي استوطنت أرياف العراق ،ويؤكد على أنه إذا كانت الأمة وحشية (أي باسلة )كان ملكها أوسع [3].
رحلة الليدي آن تؤكد رؤية إبن خلدون :
وما قاله إبن خلدون ينطبق على نجد إذ أنه بعد خمس قرون نرى صدى الرؤية الخلدونية يتردد عبر مشاهدات وملاحظات الليدي آن في رحلتها (1297 هـ –1879 م) إذ تتحدث عن قبائل نجد التي تتجول في صحراء النفوذ وتسيطر على الطرق المؤدية للمدن وهم ميالون للحرب بطبيعتهم ،وتصف جبل شمر بأنها من أقفر الصحاري ،وتصف سكان القبائل بأنهم أشرس من في العالم ،ومع ذلك فإنها الأكثر أمنا بسبب سيطرة الأمير محمد بن الرشيد على المنطقة ،وهذا الأمير الذي قابلته الليدي آن ووصفته بدقة يحرص على خشونته البدوية ، إذ يترك عاصمته ليقضي في الصحراء وقتا طويلا مع البدو،يعيش معهم مثلهم ، يخلع نعليه وكل ترف المدينة ويجوب معهم صحراء النفوذ ،ويفعل هذا في فصل الربيع وهو فصل الحروب ،وعندما تبلغ حرارة الصيف مداها يعود إلى حائل،وفي حائل يحرص إبن الرشيد على أن لا ينسيه ترف المدينة خشونة الصحراء ،لذا يشارك بنفسه في التدريب العسكري .وقد وصفت الليدي آن معركة مصطنعة أو مناورة حربية يشارك فيها إبن الرشيد بنفسه حيث كان يندفع كالآخرين وينسى هيبته وطباعه المدنية ويصبح بدويا حاسر الرأس تسيل ضفائره البدوية في الريح حافي القدمين عاري الساعدين ، يعدو هنا وهناك ، يطارد الآخرين ويطاردونه ،في معركة أو مناورة حربية كان فيها مثل أي شخص آخر من أتباعه [4] وبهذه الخشونة البدوية إتسع سلطان إبن الرشيد حيث لم يكن يملك دعوة دينية تمكنه من التوسع .
بين العصبية والقبلية :
يري إبن خلدون أن الأعراب يعيشون مع الإبل في تنقل داخل الصحراء لا يختلطون بغيرهم ،لذلك تظل أنسابهم نقية محفوظة ،أما عرب التلال القريبة من المدن فتختلط أنسابهم .وفي عرب الصحراء توجد أنساب خاصة أشد تماسكا من النسب المشترك العام ،وفيه تنحصر الرياسة ،وفيه توجد العصبية ،أو القلب التي تتجمع حوله باقي الأنساب ،ويحظي بانتماء باقي القبيلة إليه ،وهذا القلب هو موضع الرياسة أو الشرف .ويؤكد إبن خلدون على أن العصبية هي أساس حماية القبيلة وتماسكها ،لذا يقول أنه لا يسكن الصحراء إلا أصحاب النسب الواحد ،وتصبح العصبية أساس الحماية للدعوة السياسية أوالدينية ، خصوصا في قيامها على الإلتحام بالنسب والدفاع عن الأهل والعشيرة .
بين العصبية والملك :
ويري إبن خلدون أن العصبية تكون بها النصرة والحماية ،والبشرفي إجتماعهم يحتاجون إلى من يقوم بنصرة الضعيف ،أي يحتاجون إلى حاكم ،فلا بد للحاكم على عصبية تعينه على هذه المهمة ويتغلب بها على الناس ،وهذا التغلب هو الملك . وهكذا فالملك هو غاية العصبية ،وإذا بلغت العصبية قوتها حازت الملك ،إما بالإستبداد أو بمناصرة الملك المستبد والعمل معه. ويعطي إبن خلدون تفصيلات أكثر في أثر العصبية القبلية في تكوين الملك والدولة ،فيقول أنه في القبيلة الواحدة تتعدد العصبيات ويستلزم الأمر وجود عصبية أقوى تتغلب على الجميع وتلتحم بها كل العصبيات الأخرى ،وإلا وقع الإختلاف ، فإذا اشتدت عصبية القبيلة تطلعت إلى السيطرة على قبيلة أخرى أو عصبية أخرى ،فيحدث الإقتتال ،فإن غلبتها إلتحمت بها واتحدت معها ،وتضاعف طموحها ،وهكذا إلى أن تصبح دولة .وهكذا تؤدي العصبية القبلية إلى تكوين دولة يحكمها أمير أو ملك على أساس القوة أو القهر .
وبالتالي فإذا كانت العصبيات القبلية متكافئة إستحكم بينها الصراع القبلي ،وانتشر معه الدمار وسفك الدماء ،خصوصا مع قبائل شديدة البأس ،أو شديدة الوحشية حسب التعبير الخلدوني .وهنا نري أن إبن خلدون يتحدث على أن العرب إذا تمكنوا من أوطان أسرع أليها الخراب ،وهذا يعني أن تلك القبائل البدوية الصحراوية في تنافسها الصحراوي لاتجد ما تدمر ،حيث يعيشون في خيام ،أما إذا اشتد التنافس إلى السيطرة على المدن وتمكنوا من اقتحامها ،فإنه سرعان ما يصيبها الخراب [5].
ثانيا :مدي إنطباق الرؤية الخلدونية علي أحوال نجد قبيل وأثناء نشأة الدولة السعودية الأولي :
أدت الفتوحات العربية إلى تحرك الكثير من قبائل نجد من الجزيرة العربية ،إما على هيئة جنود في الجيوش أو كمجموعات إستقرت في البلاد المفتوحة .ومن هنا إختفت قبائل أسد وطيئ ،وبكر بن وائل،واستقر معظمها في العراق وسوريا .وفي منتصف القرن الثاني عشر الهجري حين ظهرت الدولة السعودية الأولى كان أهم القبائل في نجد هي عنزة وشمر والدواسر وسبيع وتميم وقحطان وظفير والصلة ،ويجاورهم في الأحساء آل مطير وبنو خالد والمناصير وعدنان وآل مرة وبني ياسر والعوازم والرشايدة [6].
ويمكن ترتيب العشائر والقبائل النجدية بوجه عام كالآتي:في الشمال شمر ،في الشمال الغربي عتيبة ،وفي الشمال الشرقي عنزة وحرب ،وفي الغرب سبيع ،وفي الشرق آل مرة وبنو خالد والعجمان وفي الجنوب والجنوب الشرقي قحطان .
والصراع لم يكن يتوقف بل كان يمتد داخل القبيلة الواحدة بل داخل البيت الحاكم فيها ،حيث يتقاتل أبناء العم والإخوة ،ويقتل الإبن أباه ،,قد أورد الشيخ إبراهيم إبن صالح بن عيسى في كتابه (تاريخ بعض الحوادث الواقعة في نجد ) الكثير من النماذج منها أن موسى بن ربيعة يحتال على قتل أبيه ربيعة بن مانع المريدي ويجرحه جراحات خطيرة ،ولكن يفلت الأب ويلجأ إلى رئيس العيينة يطلب حمايته ،ثم يندفع موسى بجنوده من المردة والموالفة ويهجم بهم على آل يزيد في النعيمة والوصيل ويقتل منهم أكثر من ثمانين رجلا ويستولي على منازلهم ويدمرها ،ويضرب في نجد بذلك المثل (صبّحهم فلان صباح الموالفة لآل اليزيد ) .ويزحف عريعر بن دجين على بريدة وعنيزة وينتصر عليهما ، ولكنه يموت بعد شهر فيتولى إبنه بطين ،فيقتله أخواه سعدون ودجين ،ويتولى دجين فيقتله سعدون .وفي 1081 تقع معركة الملتهبة وموقعة أكيتال بين قبائل الظفير والفضول ،وأمثلة أخرى عديدة للغارات على عنيزة والعيينية .[8]
وفي كتابه الذي تتبع به مدينة الرياض منذ أن كان إسمها حجر ،يذكر الشيخ حمد الجاسر نماذج للصراع القبلي الذي دار فيها وحولها، ونأخذ منها أمثلة سريعة : ففي عام 1033 قُتلَ أولاد مفرج بن ناصر صاحب بلدة مقرن ، وفي 1037 إستولى عليها آل مديرس ، وفي سنة 1056 مقتل محمد بن مهنة أمير مقرن ، ثم حكمها أبو زرعة 1099 ،وأطلق على مقرن إسم الرياض سنة 1049 ، واستمر آل زرعة يحكمون الرياض إلى أن إستولى دهام بن دواس عليها وحكمها ثلاثين عاما ، ودخل في حروب مع آل سعود فيما بين 1159 : 1187 ، وحدثت فيها خمسة وثلاثون معركة، وكان ضحاياها من الفريقين حوالي أربعة آلاف [9].
وظلت هذه هي طبيعة المنطقة بعد سقوط الدولة السعودية الأولى ثم فى الدولة السعودية الثانية ودخول آل سعود في فترة الحروب الأهلية فيما بينهم ،وبروز قوة محمد بن الرشيد . وتذكر الليدي آن بلنت سيرة آل الرشيد ووصول محمد بن الرشيد للحكم واغتياله للأمير محمد بن متعب ،وهو إبن أخيه ،وبعد أن قتله إستولى على القلعة ،وقتل أطفال محمد بن متعب ،وجميع أبناء عمه ،وانفرد بالحكم [10].
وفي خلال هذا الصراع الذي يتسع بين القبائل ويضيق ليصل إلى أبناء البيت الواحد ،لابد أن يصحبه الدمار ،ولعل ما أصاب مدينة الرياض على مر تاريخها خير شاهد على ذلك [11].
وبهذا تنطبق آراء إبن خلدون على منطقة نجد سكانها وحواضرها ،فإلى أي حد تنطبق على الدولة السعودية الأولى ؟.
الرؤية الخلدونية فى : حاجة ابن سعود الى شرعية سنية من ابن عبد الوهاب
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الخامس: تحقيق النظرية الخلدونية فى الدولة السعودية الأولى (1158-1233 /1745 –1818 )
الرؤية الخلدونية فى : حاجة ابن سعود الى شرعية سنية من ابن عبد الوهاب
1 ـ لا نصدق الشائعات الرائجة والقائلة بأن الأسرة السعودية يهودية الأصل جاء عميدها من العراق واستقر فى نجد . لأن العكس هو الذى يحدث وهو هجرة العرب من الصحراء الى العراق والشام .
إن النسب أساس فى التعارف والتناصر والتحالف فى الصحراء ، والغريب فيها معروف ، وقد يُسمح له بالعيش فى حماية آخرين ، ولكن لا يمكن أن تصبح للغريب أسرة اصلها أجنبى وأن تصبح لهذه الأسرة عصبية تخضع لها وتقاتل من أجلها القبيلة بأسرها . لا يحدث هذا إلا إذا كانت هذه السرة فعلا من أصل هذه القبيلة .
2 ـ تنتسب الأسرة السعودية إلى قبيلة عنزة وهي من قبائل ربيعة التي تنتشر فروعها بين نجد والعراق وسوريا . وقد إستقر مقرن بن مرخان جد السعوديين في الدرعية سنة 1100 / 1682 بعد تجوال فيما بين القطيف ونجد ،واستطاع حفيده سعود بن محمد بن مقرن تثبيت نفوذه في الدرعية ،إذ بنى فيها إمارة ومد نفوذه إلى ما جاورها من واحات . ووصل الحكم إلى إبنه محمد بن سعود الذي تحالف مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب سنة 1158 / 1745 .
3 ــ وفي هذا الوقت كان إقليم نجد مقسما إلى عدد من الإمارات الصغيرة المتشاحنة غير الخاضعة للإمارة السعودية .ويقول حافظ وهبة مستشار الملك عبد العزيز أنه قبل وفود الشيخ إبن عبد الوهاب لم يكن لآل سعود شأن كبير في نجد ،ولم يكن لهم تأثير يذكر في شأن الجزيرة العربية ،بل كان شأنهم شأن غيرهم من شيوخ المقاطعات النجدية ،وكانت الجزيرة العربية مقسمة إلى مناطق عدة ،لكل منطقة أمير يمتد أو يقصر نفوذه حسب قوته وكفاءته الشخصيه وهمته . وكان الأمراء البارزون في ذلك الوقت هم: أشراف الحجاز ،وبنو خالد حكام الأحساء وما والاها من المنطقة الشرقية على الخليج العربي ،وآل معمر في العينية ، والسعدون في العراق ،وإمام صنعاء في اليمن ، والسادة في نجران والبوسعيد في مسقط وعمان [12].
4 ــ وبالتحالف بين الشيخ والأمير عرف العالم بالدرعية وآل سعود والدعوة الوهابية لأول مرة ، ودخلت نجد وما حولها في منعطف تاريخي جديد أشارت إليه الرؤية الخلدونية قبل حدوثه بحوالي أربعة قرون، فى حديث إبن خلدون عن تحالف العصبية القبلية والدعوة الدينية .
5 ــ وبدون هذا التحالف لم يكن للأمير محمد بن سعود أن يواجه أقرانه من أمراء نجد فضلا عن الأمراء البارزين في الحجاز واليمن وفى الخليج .ومهما علا شأنه وعلى فرص نجاحه في هزيمة أقرانه في نجد فسيظل محاصرا داخل نجد ، وما كانت تعنيه نجد من صراع دموي مستمر لا يسمع به أحد خارجها ،وفي النهاية ستنتهي به طاحونة الصراع إلى بروز أمير آخر بقبيلة أخرى يحل محله ،وفق دوائر الصراع التي لا تنتهي فى نجد .
6 ــ ومن هنا فإن العصبية القبلية وحدها لا تصلح لتوسع ال سعود ،خصوصا وأنهم ليسوا الأكثر عددا والأكثر جندا. وفي وضعهم الحالي القائم على العصبية فقط فإن أقصى ما يطمحون فيه هو الحفاظ على ملكهم في الدرعية أمام المنافسين من آل معمر وبنو خالد ودهام بن دواس .
وفي نفس الوقت فإن الشيخ إبن عبد الوهاب وهو يتعرض للإضطهاد بسبب دعوته الحنبلية المعادية للصوفية والشيعة يحتاج إلى أمير طموح يقوم بحمايته ويساعده في مهمته. وبهذا التحالف بين الشيخ والأمير قامت الدولة السعودية الأولى لتتحقق القاعدة الخلدونية في أن العرب لا يحصل لهم ملك إلا بدعوة دينية .
يقول إبن خلدون كأنما يتحدث عن أهل نجد بالذات أن العرب –ويقصد بهم الأعراب البدو –هم أصعب قيادا بسبب توحشهم ،وما فيهم من الأنفة والمنافسه في الرياسة فيما بينهم ،فإذا كانت هناك دعوة دينية أذهبت من نفوسهم أخلاق الكبر والمنافسة .وإذا قام فيهم صاحب دعوة دينية ودعاهم بالدين وابتعد بهم عن الأخلاق الذميمة إستطاع تأليف كلمتهم وأرجعهم إلى الفطرة الأولى[13].
وعن طريق الدعوة السلفية السنية التي تحمل لواءها الإمارة السعودية الوليدة لم يكن صعبا أن يسير بعض أهل نجد خلف الراية السعودية الدينية . ولم يكن سهلا في نفس الوقت أن يقتنع معظم أهل نجد وما حولهم بترك التقديس للقبور والأوثان ،ومن هنا تحتمت الحرب وارتبط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحنبلى ( الوهابى ) بالقتال حسبما سبق التأصيل السني والفقهي في ذلك الموضوع .وبهذا وجدت الامارة السعودية فى الدعوة الوهابية شعارا تتوسع به في الجزيرة العربية ،تغزو وتحتل وتتحول من إمارة صغيرة مجهولة الى دولة تناطح الدولة العثمانية ، وهذه هى الدولة السعودية في دورها الأول (1158 –1233)(1745-1818).
عرض للرؤية الخلدونية :
1-تحت عنوان معنى الخلافة والإمامة يقول إبن خلدون أنه لما كان الملك يعني التغلب والقهر كانت أحكامه جائرة لأنه يرغم الناس على تحقيق أغراض السلطان مما يؤدي إلى الفتن والإضطرابات ،لذلك يجب الرجوع إلى قوانين السياسة التي يفرضها العقلاء .ثم قسّم ابن خلدون السياسة إلى نوعين ،سياسة عقلية و سياسة شرعية إلاهية. وقسّم الملك إلى أنواع ثلاثة :الملك الطبيعي وهوقهر الناس بالغرض والشهوة ،والملك السياسي هو حمل الناس بالنظر العقلي لجلب المصانع الدنيوية ودفع المضار ،والملك الديني أو الخلافة ( أو الدولة الدينية ) وهو حمل الناس على مقتضى الشرع لرعاية مصالحهم الأخروية والدنيوية . وقال إن الملك الديني هو خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا بالدين .وقال إنها الأفضل لأن الدنيا بدون دين مجرد عبث ،ولأن الدين هو طريق السعادة في الدارين .وأن أحكام السياسة العقلية عبارة عن نظر بغير نور الله وذلك مذموم.
ثم يؤكد على أن الخلافة تعني النيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا به ،ولهذا يطلق عليها الإمامة تشبيها بإمامة الصلاة من حيث الإقتداء ،ولهذا يقال عنها الامامة الكبرى .
ويرى إبن خلدون أن الشرع لم يذم الملك ،وإنما ذم المفاسد الناشئة عنه من القهر والظلم كما أثنى على العدل وإقامة معالم الدين ،وهي من توابع الملك ،وقد كان داوود وسليمان عليهما السلام من الملوك .وطالما يقول الملوك بإقامة أحكام الشريعة فهذا لا يحصل إلا بالعصبية أو الشوكة ،أي بسلطة الملك .
ويصل إبن خلدون إلى القول بأنه إذا نظرت إلى سر الله في الخلافة يتأكد لك أن الله جعل الخليفة نائبا عنه في القيام بأمور عباده ليحملهم على مصالحهم ويردهم عن مضارهم ،وهو مخاطب بذلك ولا يخاطب بالأمر إلا من له القدرة عليه كما خوطب الرجال وكان النساء تبعا للرجال في الخطاب .
وعن إنقلاب الخلافة إلى ملك يرى إبن خلدون أن الملك هدف طبيعي للعصبية ،وبالعصبية تقام الشرائع على الناس. ولا حرج في الملك والعصبية إذا كانا في إقامة الشرع ،فالدنيا سبيل للآخرة ،وليس المراد إقتلاع العصبية أو الملك وإنما توجيههما لما فيه الخير والحق وإقامة الشرع.
ثم قام بتفسير تاريخ المسلمين السياسي من بدايته إلى نهاية الدولة العباسية وفق هذا المفهوم ،وانتهى إلى أن الأمر كان في بدايته خلافة يقع فيها الدين موقع الباعث والوازع ،وكانوا يؤثرونه على الدنيا ،ثم صار الأمر ملكا بعثت فيه معاني الخلافة في تحري الحق ،ولكن تغير الباعث أو الوازع فأصبحت العصبية مكان الدين ،وسار على ذلك الأمويون ثم العباسيون في بداية عهدهم .ثم ذهبت معاني الخلافة ولم يبق إلا إسمها وصار الأمر ملكا بحتا بالقهر والتغلب ،واستمر ذلك ببقاء عصبية العرب وقوتهم ،إلى أن تلاشت قوة العرب فأصبح الملك البحت في ملوك العجم وظل منصب الخلافة لمجرد التبرك [14].
أي أن إبن خلدون يرى أن الشرعية تنحصر في الملك الديني الذي يقوم على أساس إقامة الشرع وفق ما يفهمه الخليفة من هذا الشرع ، والذى يفهمه الخليفة هو الاستبداد بالأمر وطاعة ( الرعية ) له بإعتباره ممثل الشرع ، أو بتعبير القرون الوسطى المُناقض للاسلام: ( ظلُّ الله فى الأرض )، وبهذه الصفة يطبق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو صاحب الحق فى تحديد ماهية المعروف وماهية المنكر ، وكيفية إزالة وتغيير المنكر . وحيث أن الشرع يتلخص في إفعل ولا تفعل فإن أوامر ( الإمام ) أى الحاكم المستبد بالمفهوم السلفى يجب على ( الرعية ) طاعتها . والذى يعصى فهو حلال الدم خارج عن الجماعة مستحق للقتل . وبهذا يجعل ابن خلدون ذلك الملك الديني (الخلافة ) نيابة عن الله تعالى في القيام بأمور عباده لحملهم على تطبيق معالم الشرع، ولا يهتم إبن خلدون بالمظهر الخارجي إذا كان خلافة أو ملكا ،لأن المهم هو إقامة الشرع ،وعلى ذلك فلا حرج في الملك أو الإعتماد على العصبية طالما تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بالمفهوم السلفى القائم على العنف ، وليس بالمفهوم الاسلامى القائم على مجرد الوعظ . ومعلوم أن ( الشرع ) الذى يقصده ابن خلدون هنا هو صناعة بشرية ، وهو بالنسبة للدولة السعودية هو الفقه الحنبلى التيمى الوهابى .
2- وفي موضع آخر يتحدث إبن خلدون عن أثر العصبية القبلية في تدعيم الدولة فيقول تحت عنوان (الدولة العامة القوية أصلها دعوة دينية )إن الملك يتم بالغلبة والعصبية ،ولا يحدث ذلك إلا باتفاق القلوب على الإيمان بدعوة دينية والأمل في عون الله على إقامتها ،ويعلل ذلك بأن السبب إذا كان سياسيا دنيويا فقط حمل في داخله التنافس والخلاف ،أما إذا كان دينيا إتحدوا جميعا في سبيله .وفي الفصل التالي وتحت عنوان (الدعوة الدينية تزيد قوة الدولة على قوة عصبيتها )يؤكد ما قاله سابقا أن العصبية الدينية للدعوة تمنع التنافس المصاحب للعصبية وتجعلهم متحدين حول هدف واحد ،فإذا انتهت الصبغة الدينية وبقيت العصبية ينشأ الخلاف ويتغلب الاقوى .
ثم في الفصل التالي تحت عنوان (الدعوة الدينية لا تتم إلا بالعصبية) يقول إن كل أمر يتم فرضه على الناس لابد له من عصبية ،واستشهد لما حدث لبعض المصلحين الذين ضاعوا بسبب عدم وجود عصبية تحميهم، منهم الشيخ إبن قسي ،واستشهد بثورات الفقهاء الداعين إلى تغيير المنكر ويتبعهم العوام دون عصبية قوية وانتهوا إلى لا شئ ،ومنهم في العصر العباسي خالد الدربوس وأبو حاتم سنة 201 هـ .[15]
أي يركز إبن خلدون على دور العصبية القبلية في تدعيم الدولة الدينية وإقامة الشرع ،وبدون هذه العصبية لا تقوم للدولة قائمة ،وبدونها يفشل الداعية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .وفي نفس الوقت يؤكد على أهمية الدعوة الدينية وأثرها في إتحاد أهل الدولة ،بحيث أنه إذا ضعف تأثير الدولة الدينية وأصبحت الدولة قائمة على مجرد العصبية وحدها فإن الدولة تقع فريسة الإختلاف والشقاق .
وما قاله إبن خلدون ينطبق على الدولة السعودية ،سواء في مرحلتها الأولى أو في دورها الثاني حيث الإختلاف والشقاق ..
:التحالف في ضوء الرؤية الخلدونية :
1 ـ من الملفت للنظر أن إبن خلدون حين عرض للخلافة والعصبية والملك توقف عند نهاية الدولة العباسية وأشار إلى تحول الخلافة العباسية إلى مجرد رمز للتبرك في العصر المملوكي ،حيث كان الخليفة العباسي بالقاهرة ضمن حاشية السلطان المملوكي ،وهذا ما شهده إبن خلدون أثناء حياته في القاهرة ،ووصف هذا الوضع بتلاشي قوة العرب لحساب الملوك العجم المتحكمين ،وبالتالي ضاع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .ولم يعرف إبن خلدون بأنه بعد موته بنحو ثلاثة قرون ونصف سيعقد تحالف بين إثنين من العرب أحدهما شيخ فقيه والآخر أمير صاحب عصبية في سبيل إقامة كيان سياسي يقيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمنهج السلفى و بمثل ما دعى إليه إبن خلدون .
2 ـ لقد إنتهت المرحلة الأولى من جهاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعقده التحالف مع الأمير محمد بن سعود الذي شهده بيت أحمد بن سويلم ،حيث قضى فيه الشيخ إبن عبد الوهاب ليلته الأولى بالدرعية.
إذ أنه بناءا على مشورة مشاري بن سعود ،ذهب الأمير بنفسه إلى لقاء الشيخ ورحب به ،وقال له (أبشر ببلاد خير من بلادك ،وأبشر بالعزة والمنعة ) .! فقال الشيخ (وأنا أبشرك بالعز والتمكين وهي كلمة لا إله إلا الله من تمسك بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد ،وهي كلمة التوحيد وأول ما دعت اليه الرسل من أولهم إلى آخرهم ). وخشي الأمير إبن سعود من أن يهجره الشيخ إلى مكان آخر ويستبدل به غيره أو أن يعارضه فيما يأخذه من ضرائب، ولذلك قال (يا شيخ إن هذا دين الله ورسوله الذي لاشك فيه وأبشر بالنصرة لك ولما أمرت به والجهاد لمن خالف التوحيد ،ولكن إشترط عليك إثنتين الأولى :نحن إذا قمنا بنصرتك والجهاد في سبيل الله وفتح الله لنا ولك البلدان أخاف أن ترحل عنا وتستبدل بنا غيرنا ، الثانية :إن لي على الدرعية قانونا آخذه منهم وقت الثمار وأخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيئا ) .فأجاب الشيخ : (أيها الأمير أما الأولى فأبسط يدك، الدم بالدم والهدم بالهدم، وأما الثانية :فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك من الغنائم ما هو خير منها. ) ،ثم إن محمدا بسط يده وبايع الشيخ على دين الله ورسوله والجهاد في سبيل الله وإقامة شرائع الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،فقام الشيخ ودخل معه اليد واستقر عنده )[16].
إن ما جاء في مفاوضات التحالف وبنوده يحقق رؤية إبن خلدون في إقامة دولة دينية سلفية تتمسح بالاسلام والجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لتغزو و ( تفتح ) وتحتل بلادا الآخرين بعد اتهامهم بالكفر ، ولتسلب وتنهب وتغتصب وتسبى أناسا أبرياء ، على أن ذلك هو الاسلام . وهذا ما حققته الدولة السعودية الأولى التى نشرت المذابح فى الجزيرة العربية واحتلت جزءا كبيرا منها بما فيه الحجاز ومكة والمدينة ، وهاجمت العراق والشام ، وهى ترفع شهادة لا إله إلا الله والجهاد في سبيل الله وإقامة شرائع الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
إن الشيخ الذي عانى الكثير من الإضطهاد أدرك أنه دخل مرحلة جديدة يستطيع فيها من خلال التحالف أن ينتقم من خصومه ،أو بتعبيره :الدم بالدم والهدم بالهدم ،ومعنى ذلك ،أنه سيواصل دعوته بالإكراه فى الدين والقتل والقتال والتدمير ، وهذا يعنى الكثير في مجتمع قبلي تتحول فيه الخلافات سريعا إلى معارك دامية ،ومن هنا تكون تلك المعارك سبيلا للتوسع السياسي للأمير الطموح محمد بن سعود ، وبدون ذلك لن يتميز عن أقرانه من أمراء نجد .
ويلاحظ بُعد نظر الأمير إبن سعود وتفكيره المستقبلي ،إذ يشترط على الشيخ أن يظل معه ولا يخرج عنه .أي يضمن لذريته وأسرته الملك الذي يستند على هذه الدعوة الدينية التي احتكرها في عصره الشيخ محمد بن عبد الوهاب ،ومن المنتظر أن تقوم بها بعده ذريته في إطار الحكم السياسي لآل سعود .
ويلاحظ مرونة الشيخ والأمير في التفاوض ،فقد وافق الشيخ على شرط الأمير بأن يبقي معه ولا يرحل عنه وتنازل الأمير بناء على مطلب الشيخ عما كان يأخذه من ضرائب من أهل الدرعية ، مقابل الغنائم التى سيأخذها الأمير من غزو ( الكفار ) وإحتلال بلادهم . وهى مكافأة لأهل الدرعية ، وضع الضرائب عنهم مقابل وقوفهم مع الأمير فى تحقيق طموحه السياسى . والضحية هم العرب الآخرون الذين شاء سوء حظهم أن يجاوروا الدرعية فيتهمهم الأمير والشيخ بالكفر ويكون الاتهام بالكفر وسيلة لاستحلال دمائهم وسلب أوطانهم وأموالهم وسبى نسائهم . !.
ويلاحظ أخيرا أن التفاوض لم يأخذ وقتا طويلا منهما ،إذ كان كلاهما في حاجة للآخر، وكانت الظروف الزمانية والمكانية والتاريخية تتطلع إلى تغيير حقيقي بعد خمول زرعه التصوف السّنّى إستمر قرونا ، فأتى في أوانه . وهذا يفسر كل ما صحب الدولة السعودية الأولى من صخب سياسي وعسكري ودولي وثقافي على المستوي المحلي والإقليمي والدولي .
فى الدعاية : رسائل ابن عبد الوهاب كانت إعلانا بالحرب
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الخامس: تحقيق النظرية الخلدونية فى الدولة السعودية الأولى (1158-1233 /1745 –1818 )
فى الدعاية : رسائل ابن عبد الوهاب كانت إعلانا بالحرب
1 ـ كانت إقامة الشرع السنى الحنبلى أساس التحالف بين الشيخ والأمير ،وأساس الخلافة أو الإمامة أو الملك الذي يتحرى الشرع وفق ما قرره إبن خلدون .إلا أن ذلك لم يكن مجرد كلمات أو تصريحات سياسية ،وإنما كان سياسة ثابتة للدولة الوليدة في تعاملها مع الداخل والخارج .وعلى أساس هذه السياسة ثار الضجيج حولها داخل أو خارج الجزيرة العربية .
2 ـ إن ابن عبدالوهاب لم يأت بجديد في تقعيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،وهو لم يكن مجتهدا يأتى بالجديد ، بل هو أعاد للصدارة الفكر الحنبلى التيمى ، أو قام بتلخيصه فى رسائله ، وكان تلخيصه فى تلك الرسائل أقل جودة من الأصل الذى تأثر به ، وهو رسائل ابن تيميه . ولقد راعى مكانة ( الأمير ) فى موضوع الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، مثل قوله في الرفق في الأمر والنهي (إن بعض أهل الدين ينكر منكرا وهو مصيب ،لكن يخطئ في تغليظ الأمور إلى شئ يوجب الفرقة بين الإخوان ،وأهل العلم يقولون الذي يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر يحتاج إلى ثلاث :أن يعرف ما يأمر به وينهي عنه ،ويكون رفيقا فيما يأمر به وينهي عنه ،صابرا على ما جاء من الأذى)وكقوله في نصح الأمير (إذا صدر المنكر من الأمير أو غيره ينصح برفق خفية .مايعلم أحد .فإن وافق وإلا أرسل له رجلا يقبل منه خفية ،فإن لم يفعل فيمكن الإنكار ظاهرا )[17].
ولكن تطبيقه للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى تعامله مع الآخر كان يعنى الحرب والفتح والغزو .
إلا أن عبقرية الشيخ ابن عبد الوهاب تبدو من فهمه لواقع المسلمين من حوله . كانوا فى غيابات الجهل الصوفى والشيعى فى تقديس القبور والاعتقاد فى خرافات الكرامات . وهذا التردى الصوفى الشيعى الواقعى يقوده شيوخ فى حضيض الجهل ، ومن السهل الانتصار عليهم بمقولات ابن تيمية . ولقد كانت لابن عبد الوهاب تجربته فى مناظرتهم وتفوق عليهم فاضطهدوه .
وبتحالفه مع ابن سعود فى تطبيق الجهاد السلفى على أرض الواقع ــ الرافض لفكر الشيخ ودعوته ــ إستحدث آليه للتطبيق يمكن تلمس ملامحها فى اسلوبه فى الدعاية بإرسال الرسائل التى كانت بمثابة إعلان للحرب وتسويغ للإحتلال والفتح .
3 ـ وهنا نلمس بعض التشابه والتأثر في أسلوب إبن تيميه في إرسال الرسائل والفتاوي ،غير أن إبن عبد الوهاب تميز بالدأب في كتابة الرسائل وفي المبادرة بتزويد الحجاج بها ليقوموا بتوصيلها إلى أوطانهم ، مستغلا سلطته فى الدولة السعودية ، وهذا لم يكن مُتاحا لابن تيمية الذى عانى الاضطهاد فى دعوته . ومن هنا وصلت رسائل ابن عبد الوهاب إلى كل من يعنيه الأمر، وأحدثت حركة في المياة الراكدة ،وأحيت الدعوة السنية الحنبلية التيميه ، وبعثتها من مرقدها مُعززة بالأحاديث السنية وسيرة ابن هشام وابن اسحاق والتى لا مجال للإعتراض عليها.
4 ــ وحققت بهذا مكاسب ، منها : مواجهة الدعاية المضادة للوهابيين والتعتيم على وحشية الوهابيين فى الغزو وتسويغ وتشريع وتبرير إحتلالهم لبلاد الآخرين ، وإكتساب أنصار خارج الجزيرة العربية ،كان منهم المؤرخ المصري الجبرتي الذي تتبع تاريخ الحركة الوهابية وصراعها مع الوالي التركي محمد علي باشا وأعلن مناصرته لها ودفاعه عنها ،مما سبب العداء بينه وبين الوالي .
أثر الدعاية الوهابية فى المؤرخ المصرى : الجبرتى
1 ــ في دفاعه عن ابن عبد الوهاب يقول المؤرخ المصرى الشهير الجبرتى في أحداث شهر ربيع الثاني سنة 1222 أن (أخبار الوهابي إضطربت بحسب الأغراض )أي تم تشويهها لحساب بعض الجهات ،ويقول أن الوهابي وزع كراسة يرد فيها على إتهامات المخالفين له ،أي أنه يخاطب الرأي المعاصر الإسلامي والعربي بعيدا عن السلطات العثمانية وأعوانها ،وهي بذلك أول محاولة لمخاطبة الرأي العام العربي بالكلمة المكتوبة في العصر الحديث . وأول منشور مكتوب على نطاق العالم العربي لشرح أهداف حركة دينية سياسية ،والعجيب أن تأتي من ( ظُلمات ) " نجد " لتخاطب الحواضر العربية فيما بين الخليج الي المغرب .
2 ــ وفي احداث 16 صفر سنة 1218 يكتب الجبرتي عن الوهابي الذي أصبح حديث القاهرة ،وينقل الجبرتي نص رسالة كاملة بعث بها الشيخ ابن عبد الوهاب مع شيخ ركب الحجاج المغربي ،وفيها يقول الشيخ ابن عبد الوهاب : (ولهذا قال غير واحد من العلماء يجب هدم القباب المبنية على القبور لأنها أسست على معصية الرسول (ص) فهذا هو الذي أوجب الإختلاف بيننا وبين الناس حتي آل بهم الأمر إلى أن كفرونا وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا حتي نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم ،وهو الذي ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه بعدما نقيم عليهم الحجة ) إلى أن يقول (وندعوا الناس إلي إقامة الصلوات في الجماعات على الوجه المشروع وإيتاء الزكاة وصيام شهر رىضان وحج البيت الحرام ونأمر بالمعروف وننهي عن المنكر ،كما قال تعالي (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ).
وبعد أن نقل الجبرتي هذا المنشور الوهابي بحذافيره قال عنه معجبا : (أقول إن كان كذلك فهذا ما ندين الله به نحن أيضا ،وهو خلاصة لباب التوحيد،وما علينا من المارقين والمتعصبين ،وقد بسط الكلام في ذلك إبن القيم في كتابه إغاثة اللهفان والحافظ ابن حجر والمقريزي في تجريد التوحيد ..الخ ).
3 ــ وكان الجبرتي أمينا مع نفسه فيما كتبه من قبل عن الوهابية وحركتها ،لم يكن قرأ من قبل ذلك رسائل الشيخ إبن عبد الوهاب لذا أكتفي بنقل ما يشاع في القاهرة عن الشيخ والدولة السعودية ،إذ يقول في حوادث الإثنين أول محرم سنة 1217 (ترادفت الأخبار بأمر عبد الوهاب وظهور شأنه من مدة ثلاث سنوات من ناحية نجد ، ودخل في عقيدته قبائل من العرب كثيرة ،وبث دعاته في أقاليم الأرض ، ويزعم أنه يدعو إلى كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله ، ويأمر بترك البدع التي إرتكبها الناس ومشوا عليها إلى غير ذلك .) . أي أنه في ذلك الخبر القصير عن الوهابية والسعودية يلخص الجبرتي طبيعة الدعوة والدولة ، ويشير إلى أن الشيخ بث دعاته في أقاليم الأرض . ولعل ذلك ما دفع الجبرتي إلى الحصول على منشور من المنشورات التي أرسلها الشيخ ، فلما قرأه تغيرت لهجته عن الدعوة ودولتها فلم يعد يقول (دخل في عقيدته )أو (يزعم ) ، وإنما أصبح مدافعا عنها ضد الباشا العثماني ( محمد على ) نفسه .والتزم بهذا الموقف مدافعا إلى نهاية كتابه .
4 ــ ونجاح هذه المنشورات الوهابية في كسب الجبرتي إلى جانبها يدل على عبقرية الشيخ في إختيار آلية مناسبة للدعوة الوهابية يؤثر بها على النخبة المثقفة من العلماء والشيوخ .
5 ــ على أن عبقرية ابن عبد الوهاب لا تتجلى فقط فى إستشهاده فى منشوراته ورسائله بالأحاديث والسيرة النبوية وتمسكه بالثوابت السنية المتفق عليها ، وإنما فى إتهامه ( كذبا ) للآخرين بأنهم الذين بدأوه بالقتال بسبب دعوته التى لاغُبار عليها ، يقول : (حتي آل بهم الأمر إلى أن كفرونا وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا حتي نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم . ) على أنه سريعا يعود الى مشروعية قتاله وغزوه لمن يرفض دعوته ، فيقول : ( وهو الذي ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه بعدما نقيم عليهم الحجة ). أى إن إقامة الحُجّة بارسال تلك المنشورات هى بمثابة إعلان الحرب . يرسل لهم المنشور فإن أذعنوا ودخلوا فى طاعته كفّ عنهم ، وإن رفضوا قاتلهم .
أى سار على ( السُّنّة ) التى ابتكرها أبوبكر فى الفتوحات ، أى تخيير البلاد بين واحد من ثلاث : الاسلام أو الجزية ، وإلّا فالحرب . ليس هذا تخييرا ، بل هو إكراه فى الدين وإرغام لأى بلد يحترم إستقلاله إما أن يرضى بذل الاحتلال ( والاستعمار ) وإما أن يدخل حربا ليس مستعدا لها ، ولكن تم فرضها عليه من جيش قادم للإعتداء يقف على حدود هذه الدولة يفرض عليها شروطه إما أن تدخل دينه أو تدفع له جزية ، وإلا يقاتلها ويحتلها .
لم يفعل هذا خاتم النبيين عليه السلام ، إكتفى فى أواخر عمره بارسال رسائل للدعوة لمجرد التبليغ ، ولم يدخل فى حرب هجومية ابدا ، بل كان يقاتل دفاعا فقط ملتزما بقول الله جل وعلا : (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) البقرة ) (لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (9) الممتحنة ).
ابن عبد الوهاب قام بتطبيق الشرع السنى فى جهاده السُّنّى ، والذى إستمد مشروعيته من الفتوحات العربية ، تلك الفتوحات التى تناقض الاسلام ، والتى كانت أكبر ردة عن الاسلام ، ومنها نبتت الأديان الأرضية للمحمديين ، من السّنة الى التشيع الى التصوف السّنّى . وكانت الوهابية هى الأكثر تعبيرا عن هذه الفتوحات العربية وما نتج عنها من الفتنة الكبرى والحروب الأهلية ، خصوصا وأن أعراب ( نجد ) كانوا جُند الفتوحات وأساس الفتنة الكبرى ، ثم بعدها بإثنى عشر قرنا أتى أحفاد الأعراب السابقين فى نفس المنطقة ( نجد) فكرروا نفس القصة فى نجد تحت دعوة دينية هى الوهابية. وهذا ما أشار اليه ابن خلدون من قبل .
فى تطبيق الشرع الحنبلى الوهابى
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الخامس: تحقيق النظرية الخلدونية فى الدولة السعودية الأولى (1158-1233 /1745 –1818 )
فى تطبيق الشرع الحنبلى
فى هدم القبور المقدسة
1 ـ ابن عبد الوهاب فى تطبيق شرعه الحنبلى ( الوهابى ) ـ المخالف للإسلام ـكان يعلن راية الاسلام ، ولقد كان سهلا عليه إقامة الحجة على الخصم الذى يقدس القبور ، وكانت تلك إحدى آليات الدعوة ،والتي تسبق الغزو والقتال بحجة تطبيق الأمر بالمعروف وإزالة المنكر بالمنهج الحنبلى التيمى . ونستدل على ذلك مما رواه الجبرتي المتعصب للوهابية ، الذى ردد قول ابن عبد الوهاب بأن هدم القباب المبنية على القبور قد تم (بعد المناظرة مع علماء تلك الناحية ،وإقامة الحجة عليهم بالأدلة القطعية التي لا تقبل التأويل من الكتاب والسنة، وإذعانهم لذلك)، أي أن خبر المناظرات وصل إلى علم الجبرتي في القاهرة مع حدوثها في الجزيرة العربية ، وذكرها الجبرتى فى تاريخه فى معرض الدعاية والدفاع عن الوهابية .
2 ـ ويقول الجبرتي في أحداث 14 رجب سنة 1220 (وردت الأخبار بأن الوهابيين إستولوا على المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم بعد حصارها نحو سنة ونصف بدون حر ب ،بل تحلقوا حولها وقطعوا عنها الوارد ..فلما اشتد بهم الضيق سلموها ودخلها الوهابيون، ولم يحدثوا بها حدثا غير منع المنكرات وشرب التنباك في الأسواق وهدم القباب ، ما عدا قبة الرسول صلي الله عليه وسلم ). لم يعلق الجبرتى على الحصار المشدد الذى إستمر عاما ونصف العام ، وألجأ اهل المدينة للتسليم. حاكم المدينة لم يهاجم الدولة السعودية ولم يحاصر عاصمتها الدرعية ، الوهابيون هم الذين حاصروا المدينة واحتلوا الحجاز ، وفرضوا شرعهم الحنبلى الوهابى فى تحريم الدخان وهدم القباب .
والله جل وعلا لم يأمر بهدم الأنصاب ( أى القبور المقدسة ) ولم يأمر بهدم الأوثان ، أمر فقط بإجتنابها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) المائدة ) (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) الحج ). ليس العيب فى أحجار القبور والأوثان. العيب فى العقول ، ولو تعقّل الناس لرأوا تلك القبور المقدسة مجرد قبور عادية ،وتلك الأصنام مجرد تماثيل .
وابن عبد الوهاب أصدر قرارا بتحريم التبغ ( الدخان ) ، ولم يكن معروفا فى عصر الأئمة من مالك الى ابن تيمية ، والعادة فى فقهاء التقليد ـ ومنهم ابن عبد الوهاب ـ أن ما لم يأت فيه حكم فقهى سابق ولم يكن معروفا فى عصر الأئمة فالاسهل تحريمه طبقا لأصول الفقه المالكى والحنبلى : ( سد الذرائع ). أو التعبير المصرى ( الباب اللى ييجى منه الريح سدُّه واستريح ) . وإذا كان المبدأ الاسلامى فى التشريع هو التيسير ورفع الحرج وأن الأصل هو الاباحة وحصر التحريم فيما ورد فيه نصُّ الاهى فإن العكس فى الدين الوهابى ، وهو سهولة الحظر والمنع والتزمت والتحريم .
والغريب أن ابن عبد الوهاب يتطرف فى موضوع التبغ الى جعله من الكبائر ـ أسوة بالشّرك بالله جل وعلا . والأغرب أنه يستحلّ قتل الأبرياء بعد إتهامهم بالكفر ويحتل بلادهم ويسلب أموالهم ويسبى نساءهم ، ثم يحرّم حلالا لم يرد فيه نصُّ قرآنى بالتحريم . والتحريم حق لرب العزة جل وعلا وحده ، وحين حرّم النبى شيئا على نفسه نزل الوحى يلومه بقسوة ، قال له ربه جل وعلا : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ )(1) التحريم ). وابن عبد الوهاب أرسى هذا فى الدين الوهابى الحنبلى السُّنّى : تحريم الحلال وإستحلال الحرام .
فى موضوع المحمل :
1 ــ ونعطي مثلا آخر لتطبيق الشرع الحنبلى في موضوع شائك صاحب الدولة السعودية الأولى واستمر إلى عصر عبد العزيز يسبب مشاكل للسعوديين مع مصر وغيرها، وهو دخول الحجاج إلى الحرم بالمحمل . كان الحجاز تابعا لمصر من الدولة الطولونية ، وظل تابعا لها حتى وهى ولاية عثمانية . ومن مظاهر هذه التبعية قيام مصر بارسال ( المحمل ) بكسوة الكعبة ورواتب العاملين فى مكة والمدينة ، مع الصدقات . وكان من المعتاد أن يصحب المحمل فى سفره من القاهرة الى مكة قوة حربية وفرقة موسيقية . وكان هذا متسقا مع دين التصوف السنى السائد فى مصر بعد سقوط الدولة الفاطمية . بإحتلال السعوديين لمكة كان لا بد من فرض شرعهم الحنبلى الذى يمقت الغناء ، علاوة على أن المحمل يمثل السيطرة المصرية على الحجاز ، وشعيرة الحج ، وقد أصبح الحجاز تحت سيطرتهم .
وعندما سيطر الأمير سعود الكبيرابن عبد العزيز بن محمد بن سعود ( الذى حكم فيما بين 1803 : 1814 ) على مكة أرسل رسالة جافة إلى السلطان العثماني يخاطبه فيها بإسمه المجرد على خلاف البروتوكول ، ويقول له : (من سعود إلى سليم .أما بعد فقد دخلت مكة في الرابع من محرم سنة 1218 وأمّنت أهلها على أرواحهم وأموالهم ،بعد أن هدمت ما هناك من أشباه الوثنية ،وألغيت الضرائب إلا ما كان منها حقا ،وثبتُّ القاضي الذي وليته أنت طبقا للشرع ،فعليك أن تمنع والي دمشق ووالي القاهرة من المجئ بالمحمل والطبول والزمور إلى هذا البلد المقدس ،فإن ذلك ليس من الدين في شيئ ،وعليك رحمة الله وبركاته ).
أي أنه يخبر السلطان بما فعله في مكة من إزالة المنكر ويأمره بعدم إرسال المحمل بالطبول والزمور لأنه ( ليس من الدين فى شىء ) ، كما لو كان إحتلال البيت الحرام بالقوة ( هو الدين وكل شىء.) .!
الغناء العادى ليس حراما ، هو مباح . وحتى ما كان منه فاحشا فهو يدخل فى اللمم ، أى السيئات المحرمة ، وليس من الكبائر .وليس فى الاسلام منع للغناء أو مصادرة له .
الغناء الدينى أو الانشاد الدينى ومنه التغنى بالقرآن الكريم وتحويل الدعاء الى أغنية ، هو لهو ولعب وسخرية بالقرآن الكريم وإستهزاء برب العزة جل وعلا ، وهو كفر مقيت ( نحن نحكم بتكفير الفعل وليس الشخص )، والمفروض إجتناب ذلك الفعل والابتعاد عن مجالسه وليس التدخل بمنعه . هذا الغناء الدينى أو الانشاد الدينى هو السائد الآن عند الصوفية والشيعة ، وهو محرم عند السنيين وخصوصا الحنابلة .
وقد كان هذا الخوض أو الغناء الدينى سائدا فى قريش ، ووصفهم رب العزة بأنهم إتخذوا دينهم لهوا ولعبا . وكانوا يعقدون مجالس اللهو هذه يخوضون فى آيات الله ، ويتسامرون ، قال جل وعلا عنهم : ( قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ (67)المؤمنون ) وكان النبى يحضرهذه المجالس ، فأمره ربه جل وعلا بالابتعاد عنها ، قال له ربه جل وعلا : (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) الزخرف) (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) المعارج ) . واستمر عليه السلام فى حضورها فى مكة فقال له ربه جل وعلا مؤكدا ومذكرا ( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى معَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)الانعام ). أى لا بأس أن يقعد معهم فإذا خاضوا فى آيات الله فعليه أن يبتعد عنهم حتى يخوضوا فى حديث غيره . وفى دولة النبى فى المدينة استمر المنافقون فى عقد جلسان الخوض هذه ، فقال جل وعلا عنهم : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) التوبة ) وقال جل وعلا بعدها للمؤمنين فى المدينة ينهاهم عن مشاركة المنافقين فى مجالس الخوض : (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (140) النساء) فى كل ما سبق لم ينزل الأمر بمنع هذا ، بل النهى عن حضور هذه المجالس ، والتأكيد على كفر يجب إجتنابه بمثل إجتناب الأوثان والأنصاب ( القبور المقدسة ). وعليه فليس فى الاسلام ذلك التشريع الحنبلى بالمنع والحظر . والواضح أن الأمير سعود الكبير يلقى أوامر للسلطان العثمانى بلهجة متعالية لأنه ينظر اليه على انه كافر ، طبقا للتشريع الوهابى فى تكفير من ليس وهابيا . ولو كان بمقدرة الأمير السعودى ارسال جيش للآستانة لحرب السلطان لفعل . فعل الأمير ما بوسعه وهو هذه الرسالة .
وكان فى وسع سعود الكبير التصرف فيما يستطيع ، وهو منع المحمل المصرى .
ويثبت الجبرتي في يوميات شهر جمادي الاخر 1221 أنه قابل مصطفي جاويش القائم على المحمل المصري فأخبره (المذكور ) أنه لما ذهب إلى مكة إجتمع به (الوهابي ) وقال له: ما هذه العويدات التي تأتون بها وتعظمونها بينكم ، يشير إلى المحمل ،فقال له مصطفي جاويش (جرت العادة من قديم الزمان بها، يجعلونها علامة وإشارة لإجتماع الحجاج .فقال له :لا تفعلوا ذلك ولا تأتوا به بعد هذه المرة وإن أتيتم به مرة أخرى فإني اكسره ).
ثم يعود الجبرتي فيثبت واقعة منع المحمل في يوميات شهر صفر مع عودة الحجاج المغاربة الذين جاؤوا بعد عودة أمير الحج السابق ،حيث عاد مصطفي جاويش سريعا ليبلغ خبر منع الدخول للمحمل ويؤكد الجبرتي على أن الحجاج المغاربة حجوا وقضوا مناسكهم ،وأن الملك (مسعود الوهابي ) على حد قول الجبرتى وصل إلى مكة بجيش كثيف دخل به مكة ، وحج مع الناس بالأمن وعدم الضرر مع رخاء الأسعار ، ويسجل الجبرتي على الركب الشامي أنهم إمتنعوا عن الحج (ولم يمتنعوا عن مناكيرهم ) حين طلب منهم (سعود الكبير) أن يتخلوا عن (الزمر والطبل والأسلحة وكل ما كان مخالفا للشرع ). اى يستحدم الجبرتى نفس تعبيرات الوهابية مؤيدا لهم .
وعن أهم أحداث سنة 1223 يقول الجبرتي أن منها (إنقطاع الحج الشامي والمصري معتلين ) بمنع الوهابي الناس عن الحج . أى قام سعود الكبير بصدّ الناس عن المسجد الحرام لأنهم على غير دين الوهابية . ومع ذلك يدافع الجبرتي عن الوهابيين والسعوديين ،فيقول (والحال ليس كذلك ،فإنه لم يمنع أحدا يأتي إلى الحج على الطريقة المشروعة ،وإنما من يأتي بخلاف ذلك من البدع التي لا يجيزها الشرع مثل المحمل والطبل والزمر وحمل الأسلحة ،وقد وصلت طائفة من الحجاج المغاربة وحجوا ورجعوا في هذا العام وقبله ولم يتعرض أحد لهم بشئ ).
وأرغم الأمير السعودى شريف مكة على تطبيق الشرع الحنبلى ، يقول الجبرتي في أحداث يوم السبت آخر محرم 1221 (وصلت الأخبار من الديار الحجازية بمسالمة الشريف غالب للوهابيين …ولم يسعه إلا الدخول في طاعته وسلوك طريقته ،وأخذ العهد على دعاتهم وكبيرهم بداخل الكعبة، وأمر بمنع المنكرات والتجاهر بها وشرب الأراجيل بالتنباك في المسعي وبين الصفا والمروة ،وبالملازمة على الصلوات الجامعة ودفع الزكاة وترك لبس الحرير والمقصبات وإبطال المكوس والمظالم) .وليس فى الاسلام إرغام على تأدية الصلاة ، وليس فيه تحريم للحرير .
ثم يصف الجبرتي ناحية إيجابية فى الحكم السعودى وهى كف مظالم الأشراف فى الحجاز ومكة ، فيقول عن حكم أوظلم الأشراف : ( وكانوا قد خرجوا عن الحدود في ذلك حتى أن الميت يأخذون عنه خمسة فرانسة أو عشرة بحسب حاله ،وإن لم يدفع أهله القدر الذي يتقرر عليه فلا يقدرون على رفعه ودفنه ،ولا يتقرب إليه العامل ليغسله حتى يأتيه الإذن ،وغير ذلك من البدع والمكوس والمظالم التي أحدثوها على المبيعات والمشتروات على البائع والمشتري ،ومصادرات الناس في أموالهم ودورهم ،فيكون الشخص من سائر الناس جالسا بداره فما يشعر على حين غفلة منه إلا والأعوان يأمرونه بإخلاء الدار وخروجه منها ويقولون (سيد الجميع يحتاج إليها )،فأما أن يخرج منها جملة وتصير من أملاك الشريف، وإما أن يصالح عليها بمقدار ثمنها أو أقل أو أكثر ،فعاهده (أي عاهد الشريف الأمير السعودي ) على ترك ذلك كله واتباع ما أمر الله تعالي به في كتابه العزيز من إخلاص التوحيد لله وحده ،واتباع سنة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وما كان عليه الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون والائمة المجتهدون إلى آخر القرن الثالث .)[18]
والواضح هنا لمن يدرس مظالم العصر المملوكي أن مظالم العصر العثماني قد تفوقت عليها بحيث يجرؤ شريف مكة على ممارستها لتصبح إحدى ممارسات السلطة السياسية العادية ،ويستلزم الأمر مجيئ الأمير سعود الكبير ليأخذ العهد على الشريف بإزالتها ضمن المنكرات الدينية الأخرى وليأمره بإقامة الصلاة وشرائع الدين . ولكن نُذكّر بأنه ليس فى الاسلام إرغام على تادية الصلاة وغيرها من العبادات ، كما أنه ليس فى الاسلام إكراه فى الدين عموما .
وهناك شهادة أخرى لمبعوث نابليون الذي تخفي تحت إسم الحاج علي العباسي ،وإسمه الحقيقي دومنجو باديا أي لبليخ ،وكانت مهمته أن يسبر غور الدولة السعودية الجديدة ،وقد وصل إلى مكة في 14 ذو القعدة 1221 وشهد دخول السعوديين إلى مكة وسجل أعمالهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومنها هدم بعض المزارات والقبور وتعيين الشرطة لحض الناس على الصلاة .[19] .
وهذا يذكرنا بما قاله ابن خلدون من وظيفة الامام أو الحاكم الدينى فى ( حمل الناس ) على تنفيذ الشرع ، إى إكراههم فى الدين .
فى نتائج التطبيق للشرع الوهابى :( الحزم فى الداخل والحرب مع الخارج )
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الخامس : تحقيق النظرية الخلدونية فى الدولة السعودية الأولى (1158-1233 /1745 –1818 ):
فى نتائج التطبيق للشرع الوهابى :( الحزم فى الداخل والحرب مع الخارج )
أولا : الحزم الوهابى فى الداخل :
بين السىء الوهابى والأسوأ العثمانى :
كان الإختبار بين السىء الوهابى والأسوأ العثمانى .الحكم العثمانى وفى داخله حكم الأشراف وصل الى حضيض الفساد ، والبديل الوهابى السعودى كان أقل فسادا بتطبيقه الجهاد والأمر بالمعروف وإزالة المنكر بالمفهوم الحنبلى .
السىء الوهابى
1 ــ قام الحاكم السعودى فى الدولة السعودية الأولى بفرض هيبة الدولة باسم الشرع الحنبلى فأرهب الأعراب ، ومنعهم من السلب داخل الدولة ، خصوصا وقد وجهت الدولة شوكتهم الحربية للخارج ، وبحرب الخارج انهالت عليهم الغنائم خصوصا من سلب ونهب المدن وثروات المشاهد المقدسة للشيعة والصوفية . وبتحقيق الأمن فى الداخل ازدهرت الزراعة وانتعشت التجارة .
2 ــ وقد زعم الشيخ عثمان بن سند البصري الفيلكاوي ــ وهو من خصوم الوهابيين ــ أن الأمن الذي حققه الحاكم السعودي كان دسيسة خدع بها السعوديون العوام، إلا أن الشيخ عثمان حلل القضية تحليلا رائعا حين يقول ،إن تحقيق الأمن يدفع الناس للإشتغال بالزراعة والتجارة وتربية الماشية للتكسب ،فإذا اشتغلوا بالكسب الحلال فلا ينهبون ولا يسرقون ولا يقتلون ،فمتي وجد الأمان إرتفع السارق والقاتل لاشتغالهم بالمعاش الحلال ،ومتى إشتغلوا به وُجد َالأمان ..أي أن الأمن والرخاء مقترنان ،يقوم أحدهما بالآخر .
أما في داخل الدولة العثمانية فكان الحال على النقيض ،يقول الشيخ عثمان نفسه : (ذهب الأمن وبطلت المعايش وتدهور الوطن العثماني إلى ما هو معروف .)ويضطر بالقول بأن من محاسن الوهابية (أنهم أماتوا البدع ومحوها ومن محاسنهم أنهم أمّنوا البلاد التي ملكوها ،وصار كل ما تحت حكمهم من هذه البراري والقفار يسلكها الرجل وحده ..خصوصا بين الحرمين الشريفين ،ومنعوا غزو الأعراب بعضهم لبعض ،وصار جميع العرب على اختلاف قبائلهم من حضرموت إلى الشام كأنهم إخوان أولاد رجل واحد ،إلى أن عَدُمَ الشرُّ في زمان إبن سعود ،وانتقلت أخلاق الأعراب من التوحش إلى الإنسانية ،تجد في بعض الأراضي المخصبة :هذا بيت غزي وبجانبه بيت عتيبي وبقربه بيت حربي وكلهم يرتعون كأنهم إخوان ،ورأيت لهم عقيدة منظومة يحفظها حتى رعاة غنمهم ،منها:
وما الدين إلا أن تقام شعائر وتأمن سبل بيننا وشعاب .
فكأنهم جعلوا تأمين الطرقات ركنا من أركان الدين )[20].
3 ــ ونأخذ شهادة أخرى من مبعوث نابليون المتنكر الذي شهد دخول السعوديون إلى مكة يؤددون المناسك في 45 ألف مجاهد من جيش سعود الكبير ،بينما اختفي شريف مكة وتجمد جنوده خوفا فوق أسلحتهم ،وقد سجل دومنجو باديا أي البليخ أو الحاج علي العباسي هذا المشهد وسلوك السعوديين بما نفهم سر توطيد الأمن في المناطق التي يسيطرون عليها ،يقول(لم يلبث الذعر أن اجتاح الجبل وما حوله ،عندما احتلته جموع الوهابيين وكان مشهدهم يملؤ النفوس ذعرا للوهلة الأولى ،ولكن ما أن يزول هذا الإنطباع حتي يكتشف المرء خصالهم الحميدة فهم لا يسرقون قط ،لا عن طريق القوة ولا عن طريق الحيلة إلا إذا اعتقدوا أن المتاع يخص عدوا أوكافرا ،وهم يؤدون ثمن كل ما يشترونه وأجور كل الخدمات التي تقدم لهم ..). أى يكتفون بسلب العدو ـ أى الغنائم .
الأسوأ العثمانى
1 ــ وقتها كانت الدولة العثمانية (الإسلامية ) فى عصر إنحلالها وإضمحلالها ، وكان جيشها وحامياتها العسكرية عنوان الفساد والإنحلال في كل عاصمة يحكمونها . كانوا همجا لا يعرفون سوى السلب والنهب والعربدة والسبى . والواقع ان الوالى محمد على أرسل بهم لحرب الوهابيين ليتخلص منهم لأنه كان يريد تأسيس جيش عصرى مدرب تدريبا حديثا ، وقد رفضوا هذا التدريب الحديث وخاف من شغبهم فكان الحل ان يتخلص منهم فى صحراء الجزيرة العربية. وبعدها أنشأ جيشا مصريا عصريا قامت حوله نهضة صناعية وتعليمية .
2 ــ وإذا رجعنا الي الجبرتي وهو يسجل إستعداد محمد علي لغزو الدولة السعودية نجد أن أول حملة كانت تحت قيادة طاهر باشا أخذت في السلب والنهب من المصريين بحجة تسهيل العسكر المسافر للخوارج أي السعوديين ،وانتهت بأن لم تسافر ، واكتفت بنهب المصريين.
أما الحملة التي وصلت إلى الحجاز لأنقاذه من (الخوارج ) فقد نزلت إلى (ينبع ) ، ولم يكن بها أحد من (الخوارج ) ومع ذلك فقد عاثت فيها فسادا ،يقول الجبرتي (نهبت ما كان بالينبع من الودائع والأموال والأقمشة والبن ،وسبوا النساء والبنات الكائنات بالبندر ،وأخذوهن أسرى يبيعونهن لبعضهن البعض ..) ، ثم إذا واجهوا السعوديين على أرض المعركة الحقيقية ينهزمون بقائدهم طوسون هزيمة منكرة ..
3 ــ وفي تفسير هذه الهزيمة يعترف أحد القادة للجبرتي وقد صقلته المواجهة مع الجيش السعودي فاستيقظ ضميره، قال : ( أين لنا النصر وأكثر عساكرنا على غير الملة ،وفيهم من لا يتدين بدين ولا ينتحل مذهبا ،وصحبتنا صناديق المسكرات ،ولايسمع في عرضينا (أي نواحي الجيش )آذان ولا تقام به فريضة ،ولا يخطر في بالهم ولا خاطرهم شعائر الدين ،والقوم (الوهابيون ) إذا دخل الوقت أذّنَ المؤذنون وينتظمون صفوفا خلف إمام واحد بخشوع وخضوع ،وإذا حان وقت الصلاة والحرب قائمة أذّن المؤذنون وصلوا صلاة الخوف ، فتقوم طائفة للحرب وتتأخر الإخرى للصلاة ،وعسكرنا يتعجبون لأنهم لم يسمعوا به أصلا ). ثم يقول عما فعله جيش طوسون عندما وصل إلى بدر (ولما وصلوا بدرا واستولوا عليها وعلى القري و بها خيار الناس وبها أهل العلم والصلحاء نهبوا وأخذوا نساءهم وبناتهم وأولادهم وكتبهم فكانوا يفعلون فيهم ويبيعونهم لبعضهم البعض ،ويقول عنهم هؤلاء الكفار الخوارج . حتى إتفق أن بعض أهل بدر الصلحاء طلب من بعض العسكر زوجته ،فقال تبيت معي الليلة ،وأعطيها لك في الغد .[21]
ثانيا : الحرب مع الخارج
1 ــ كانت الحرب حتمية بين القوتين السعودية والعثمانية خصوصا عندما إحتل السعوديون الحجاز وسيطروا على فريضة الحج التى كانت شعار الخلافة العثمانية . وقد أرسل الصدر الأعظم ( بمثابة رئيس الوزراء فى الامبراطورية العثمانية ) إلى شريف مكة يبلغه بحسن ظن الدولة به، وتأكد محمد علي من إنحياز الشريف له ،وكاتب الباب العالي يخبرهم بميل الشريف إليهم ورغبته في التعامل معهم [22] أى رغبته في خيانة الدولة السعودية التي أرغمته على أن يكون تابعا لها .
وقد استمرت الحرب بين جيوش محمد علي والدولة السعودية فيما بين 1811 –1818 ،وقاد الحرب فيها طوسون ثم محمد علي نفسه ،ثم إبراهيم باشا ،ومن الجانب السعودي شهدت السنوات الاخيرة من حكم سعود الكبير مع حكم إبنه عبد الله (1814-1818 ). وتخللها فترات من الهدنة ومحاولات الصلح .
2 ــ وفي مراسالات الصلح هذه كان الأمير عبد الله بن سعود يؤكد على أن هدف دولته إقامة شرائع الإسلام ،أي يتهم ضمنيا الخلافة العثمانية بأنها لا تقيم شرائع الاسلام .
3 ــ ونتذكر الرسالة المتعالية التى أرسلها الأمير سعود الكبير الى السلطان سليم العثمانى ، يقول فيها له : ( من سعود إلى سليم .أما بعد فقد دخلت مكة في الرابع من محرم سنة 1218 وأمّنت أهلها على أرواحهم وأموالهم ،بعد أن هدمت ما هناك من أشباه الوثنية ،وألغيت الضرائب إلا ما كان منها حقا ،وثبتُّ القاضي الذي وليته أنت طبقا للشرع ،فعليك أن تمنع والي دمشق ووالي القاهرة من المجئ بالمحمل والطبول والزمور إلى هذا البلد المقدس ،فإن ذلك ليس من الدين في شيئ ،وعليك رحمة الله وبركاته ).
إختلفت اللهجة فى خطابات الأمير السعودى للسلطان العثمانى يبرر فيها أفعاله متمسحا بالاسلام . وهذا حين اضطر لطلب الصلح سنة 1815 ، وتبودلت الرسائل بينه وبين محمد علي باشا يطلب فيها الأمان له ولقومه في مقابل إعترافه بالتبعية للدولة العثمانية ،ولم تفلح المفاوضات حينئذ ، ولكن من بين سطور رسائل الأمير عبد الله يقول فيها عن نفسه (من المسلمين الذي لا ينفكون عن آداء شروط الإسلام التي هي إعلاء كلمة الشهادة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج بيت الله الحرام ومنع الظلمة من الإضرار بالناس وكف أيديهم والحث والحض على تأدية الواجبات التي هي حقوق الله تعالي ومفروضاته ) إلى أن يقول عن شريف مكة أنه حسده بسبب ذلك )[23]
وفي رسالة أخرى إلى محمد علي باشا يقول له الأمير عبد الله بن سعود (إنما جاهدنا الأعراب حتى أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وألزمناهم صيام رمضان وحج بيت الله الحرام ومنعناهم من ظلم العباد والسعي في الأرض بالفساد وعن قطع سبيل المسلمين والتعرض لحجاج بيت الله الحرام من الوافدين ،وعند ذلك شكوا إلى والي مكة ورمونا بالكذب والبهتان وخرّجونا (أي إتهمونا بأننا خوارج ) وبدّعونا (أي إتهمونا بأننا مبتدعون )وقالوا فينا ما نحن منه براء، فسير علينا بأجناد وعدد وعدة فأعجزه الله وله الحمد والمنة ،فقاتلناهم دفعا لشره ومقابلة لفعله القبيح ومكره ،فرده الله بغيظه ،لم ينل خيرا ،واستولينا على الحرمين الشريفين وحده وينبع ،فلما تمكنا من أوطانه فعلنا معه كل جميل ..)
وفي رسالة أخرى منه إلى محمد علي باشا يكرر ما سبق من عمله على إقامة شعائر الإسلام ،ومن ذلك قوله (ولما كانت لنا قدرة عليهم أمرناهم بإقامة شعائر الإسلام والتزام سائر الإحكام من عبادة الله وحده لا شريك له ،إقامة الصلوات الخمس ، وصوم شهر مضان ،وحج بيت الله الحرام فانحسم بذلك مواد شرهم وفسادهم لأن أكثرهم مفسدون في الأرض ..بل أكثرهم للطرق قاطعون وجملتهم للبعث منكرون …فلما كانت لنا القدرة عليهم وجب علينا أن نحملهم على الشرع الشريف عملا بقوله تعالي (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر )[24]
ثالثا : نتيجة الحرب : سقوط الدولة السعودية الاولى واستمرار الوهابية
1 ـ لم تقم الدولة السعودية الأولى بتطبيق الشرع الاسلامى ، بل الشرع الحنبلى الوهابى الذى كان لا يخلو وقتها من بعض ملامح إيجابية فى مقارنة بالأسوأ العثمانى ، ولكن انتصر الأسوأ العثمانى وأسقط الدولة السعودية . اسقطها حربيا ولكن لم يستطع القضاء على الوهابية دينيا وفكريا ، لأن هذا يستلزم إجتهادا فكريا إسلاميا يوضح الفارق بين الشرع الاسلامى الحقيقى والشرع السنى الحنبلى التيمى الوهابى . ولقد كانت الغلبة للوهابية فى الجدل مع الصوفية والشيعة ، وبالتالى كان مستحيلا وجود إجتهاد صوفى أو شيعى يؤسس التناقض بين الاسلام الحقيقى والوهابية ، لأن هذا الاجتهاد الاسلامى نفسه سيطيح بالتصوف والتشيع أيضا .
2 ــ ظلت الوهابية منتصرة فكريا على التصوف والتشيع ، لذا إستمرت حية فى ( نجد ) بعد سقوط الدولة السعودية الأولى . وعندما قامت دولة آل الرشيد ،وهم من أعوان الأسرة السعودية بقيت آثار من ملامح الأمن وتطبيق بعض مظاهر الشرع الوهابى ،نلاحظ هذا فيما تحدثت عنه الليدي آن بلنت في رحلتها إلى نجد وما يتمتع به جبل شمر من أمن في عهد محمد بن الرشيد ،نذكر ما أسمته بأولى علامات الوهابية حين نودي لصلاة الظهر وجاء رجل يحث القاعدين على الصلاة وبعده إثنان من المطوعين، بل إنها تذكر أن المسافرين من المسلمين إلى نجد خلال صحراء النفوذ يستعدون لإقامة الصلاة ،تقول (يريدون أن يتمرنوا من إجل نجد حيث تسود الوهابية وحيث الصلاة أمر محبوب مرهوب )[25]. .
3 ــ بل إن جذوة الوهابية هى التى ساعدت فى إقامة الدولة السعودية الثانية ، ثم الدولة السعودية الثالثة الراهنة .
فى تزاوج السلطة السياسية والدينية فى الدولة السعودية الأولى
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الخامس: تحقيق النظرية الخلدونية فى الدولة السعودية الأولى (1158-1233 /1745 –1818 )
فى تزاوج السلطة السياسية والدينية فى الدولة السعودية الأولى :
أولا : فى الرؤية الخلدونية
1 ـ في فصل عن الخطط الدينية أو الوظائف في دولة الخلافة يرى إبن خلدون أنها تتركز في إمامة الصلاة والفتيا والقضاء وصاحب الشرطة والشهادة والحسبة وسك النقود، ومن خلال تفصيلاته عن هذه الوظائف نعرف أن العلماء ( الفقها ء ) أو ( المؤسسة الدينية ) ينوبون عن الخليفة في إمامة الصلاة وفي الإفتاء وهم أهل الفتوى والقضاء ،كما يشارك العلماء في وظائف الشهادة والحسبة .
2 ــ ويكرر إبن خلدون ما سبق قوله من أن الخلافة نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا به ،فصاحب الشرع متصرف في الدين (التكاليف الشرعية وحمل الناس عليها )وفي الدنيا برعاية مصالح الناس في العمران البشري .والأحكام الشرعية أكمل في تحقيق مصالح العمران البشري ،وبها يتحول الملك العادي إلى ملك إسلامي يندرج تحت الخلافة [29].
ومن هنا لابد من تدعيم دور العلماء ( الفقهاء ) في الدولة الدينية،
ثانيا : التطبيق فى الدولة السعودية الأولى
ونرى ملامح الرؤية الخلدونية في علاقة العلماء بالأمير في الدولة السعودية الأولى على النحو التالى :
1 ــ في البداية كان للشيخ عبد الوهاب دوره السياسي ،إذ كان له مطلق الحرية في التصرف في الغنائم والزكاة، وكان في عهد محمد بن سعود يجهز الجيوش ويكاتب أهل البلدان ويكاتبونه، وبعد موت محمد بن سعود كان الشيخ ابن عبد الوهاب على رأس من بايع عبد العزيز بن محمد بن سعود. وبعده أمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب جميع أهل نجد بمبايعة سعود بن عبد العزيز وليا لعهد أبيه فبايعوه جميعا في حياة أبيه عبد العزيز وبإذنه حسبما يقول إبن بشر وغيره . وتأسّس مبكرا معنى التحالف فى أن تكون المؤسسة الدينية ممثلة فى الشيخ وأسرته من بعده ، مؤيدة ومؤكدة للسلطة السياسية للأمير السعودى من ذرية محمد بن سعود.
2 ــ ومبكرا بعد تحالفه مع الشيخ ابن عبد الوهاب أصبح محمد بن سعود الحاكم الوحيد في نجد التي تسير إمارته وفق أحكام الشرع الوهابى الحنبلى . وباستكمال معالم الدولة السعودية الأولى برز دور العلماء ( الفقهاء ) التابعين لأسرة الشيخ ابن عبد الوهاب في الشوري والقضاء والتعليم ،وكانت تلك المؤسسة الدينية الوهابية عضدا لجكم آل سعود . ثم ازداد تقيد الدولة السعودية بأحكام الشرع الوهابى مع ازدياد توسعها ،فأصبح الحاكم السعودي يحمل لقب ( الإمام ) طبقا للمتعارف عليه فى الفقه التراثى السُّنّى . على عادة نظم الحكم السنية إسلامية .
3 ـ واضطر (الإمام ) أى الحاكم السعودي إلى إيجاد هيئات حكومية تسند إليها بعض اختصاصاته ،ومن الطبيعي أن يعتمد فيها على العلماء والأمراء .
4 ــ ومع أن الحاكم السعودي أو الإمام كانت له سلطاته في الإشراف الإداري على شؤون الدولة وشؤون الأمن وشؤون المالية والحربية والتعليمية ،إلا أن الملامح الدينية تبدو في ممارسته هذه السلطات ،فحين يرسل الكتب إلى عمال الأقاليم يوصيهم بتقوى الله ويحضهم على الجهاد وينهاهم عن المنكرات والمحظورات ،ويستشهد بأدلة من الكتاب والسنة. وكان إذا استشكل عليه أمر يستشير الأمراء ورؤوس القبائل وشيوخ العلم ،ومن الطبيعي أن يتزود الأمير الحاكم بالثقافة التراثية السنية ،ومن هنا كان حرص أمير الدرعية وأبنائه على حضور مجالس العلم والمشاركة في مناقشاتها والإهتمام بالمخصصات المالية للعلم والتعليم والعلماء .
5 ــ ومع حصول البيت السعودي على ثقافة تراثية سنية ومع توسع الدولة وتعقد شؤونها بدأ التخصص في توزيع المهام .
ويلاحظ ذلك اثناء حياة الشيخ إبن عيد الوهاب نفسه ،فقد كان للشيخ مشاركته السياسية بالإضافة إلى دوره الديني والإرشادي ،فلما اتسعت أملاك الدولة في عهد عبد العزيز بن محمد إنقطع الشيخ للأمور الدينية ،إلا أن عبد العزيز لم يكن في مقدوره أن يبت في كل الأمور بمفرده ، فظل يستشير إبن عبد الوهاب والأمراء والعلماء وأصحاب الرأي . وفي عهد سعود بن عبد العزيز وزيادة مهام الحكم وتعقد شؤون الإدارة تم تنظيم مراحل للشورى ،حيث تبدأ برؤساء البوادي ،ثم أصحاب الرأي من أهل الدرعية بما فيهم الأمراء ،وفي النهاية إستشارة أبناء الشيخ وأهل العلم ،وبناء على هذه الشورى يتخذ القرار المناسب ،أي كان العلماء حاضرين على مستوى الشورى في قاعدة الحكم ،وكان لهم حضور في الأقاليم حيث كان الحكام من المؤمنين بالدعوة السلفية المخلصين لها ،وكان إلى جانب حكام الأقاليم أصناف من العلماء يقومون بوظائف القضاء وإصدار الفتاوي ،والإشراف على تنفيذ أحكام الدين في الإقليم ،وجمع الزكاة طبقا لأحكام الشرع [31].
ونخلص من هذا إلى وجود الملاح الدينية في دور الحاكم السعودي الذي أصبح إماما بالإضافة إلى دور العلماء الذي أصبح مشاركة على مستوى العاصمة والأقاليم ،وأن ذلك بدأ بدور الشيخ ابن عيد الوهاب ،ثم اتسع مع إتساع الدولة. وبالإضافة إلى ما سبق كإن للعلماء دورهم الخاص بحكم تخصصهم في القضاء والتعليم .
كان القضاء في الدولة السعودية يسير وفقا لأحكام الفقه الحنبلى التيمى بتفسيراته الوهابية تحت شعار القرآن والسنة واجتهادات السلف. لذا كان يشترط فيمن يتولي القضاء أن يكون عالما ذا خبرة طويلة بعلوم الشرع .
6 ــ وكان عبد العزيز بن محمد بن سعود أول من أرسل قضاة إلى الأقاليم واختارهم من أقدر رجاله ،وأعد لهم راتبا سنويا من بيت المال ومنعهم من أخذ الرشاوي من الأطراف المتنازعة للشكوي [32].
وقيل إن هؤلاء القضاة في تطبيقهم للشرع والمعاملات كانوا لا يفرقون بين أمير وفقير ،ورفيع ووضيع حتى بلغ من تأثير ذلك على الناس مبلغا لا يحتاج معه إلى تنفيذ كثير من الحدود لاجتناب الناس لأسباب الحكم منها [33]. وهو قول فيه الكثير من المبالغة ومجافاة الواقع .
7 ــ و في الجدول الآتي بيان بأسماء القضاة فى الدولة السعودية الأولى :
اسماء القضاة
|
الرقم |
الاقليم |
قضاة عبد العزيز |
قضاة سعود |
قضاة عبد الله |
|
1- |
الدرعية |
الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ثم إبنه حسين و عبد الله بن الشيخ عبد الرحمن بن خميس |
عبد الله بن الشيخ ، علي بن حسين بن الشيخ ، عبد الرحمن بن حسين بن الشيخ ، سليمان بن عبد الله ، أحمد بن ناصر بن عثمان بن معمربن عبد الرحمن بن بن الخميس |
عبدالله بن الشيخ علي بن حسن ، عبد الرحمن بن حسن ، سليمان بن عبد الله ، عبد الله بن أحمد الوهبي |
|
2- |
الأحساء |
محمد بن سلطان الموسجي ثم عبد الرحمن بن نامي |
عبد الرحمن بن نامي |
|
|
3- |
عُمان |
إبراهيم بن سيف |
عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين |
|
|
4- |
القطيف |
محمود الفارس |
محمود الفارس |
|
|
5- |
الخرج |
محمد بن سويلم |
علي بن حامد بن راشد العريني |
|
|
6- |
الحوطة |
سعيد بن حجي |
رشيد الدوسر |
|
|
7- |
سدير |
حامد بن راشد العريني |
علي بن ساعد |
إبراهيم بن سيف |
|
8- |
منيخ |
محمد بن عثمان بن شبانة |
عثمان بن عبد الجبار بن شبانة |
عثمان بن عبد الجبار بن شبانة |
|
9- |
الوشم |
عبد العزيز بن عبدالله بن الحصين |
عبد العزيز بن عبدالله بن الحصين |
عبد العزيز بن عبدالله بن الحصين |
|
10- |
المحمل |
عبد الرحمن أبا الحسين |
محمد بن مقرن العوسجي |
|
|
11- |
القصيم |
عبد العزيز بن سويلم |
عبد العزيز بن سويلم |
عبد العزيز بن سويلم |
|
12- |
جبل شمر |
عبد الله بن سليمان بن عبيد |
عبد الله بن سليمان بن عبيد |
|
|
13- |
تهامة |
أحمد الحفظي |
تحت الحكم المصري |
|
|
14- |
اليمن |
حسن بن خالد الشريف |
تحت الحكم المصري |
|
|
15- |
الطائف |
عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين |
تحت الحكم المصري |
|
|
16- |
حريملا |
عبد الرحمن أبا حسين |
عبد الرحمن أبا حسين |
|
|
17- |
المدينة |
أحمد الياس الإسطنبولي ، أحمد بن رشيد الحنبلي |
تحت الحكم المصري |
|
|
18- |
مكة |
سليمان بن عبد الله بن الشيخ عبد الوهاب |
تحت الحكم ا لمصري |
* الأقاليم التي لم يذكر أمامها إسم قاض إما لأنها لم تكن قد خضعت بعد للدولة أو لأن قاضيها كان يغير كل عام[34].
8 ـ و نضع بعض الملاحظات على الجدول السابق :-
8 / 1 -تركز مناصب القضاة في أُسَرٍ بعينها ، أشهرها أسرة الشيخ إبن عبد الوهاب الذي تولي هو و أبناؤه و أحفاده قضاء الدرعية ، و منها أسرة آل خميس ، و حامد بن راشد العريني .. و آل شبانة.
8/ 2 -و هناك قضاة ترسخوا في منصب القضاء في إقليم محدد ، مثل إبن نامي في الأحساء و عبد العزيز آل حسين في الوشم و إبن سويلم في القصيم ، و إبن عبيد في شمر، و أبو حسين في حريملا، و محمود الفارس في القطيف .
8/ 3 -و هناك قضاة ينتقلون من إقليم إلى آخر مثل أبا بطين الذي كان في الطائف في عهد سعود ثم انتقل إلى عُمان في عهد عبدالله .
8 / 4 : و المستفاد من الملاحظات السابقة أن العلم كان يتركز في أُسَرٍ معينة فتتوارث و تتخصص في منصب القضاء فإذا كان لهذه العائلات نفوذ و عصبية في الإقليم كان سهلا أن تحتكر منصب القضاء في إقليمها ، حيث تجتمع العصبية القبلية مع التخصص العلمي الفقهي الذي اقتصر و قتها على المذهب الحنبلي و الدعوة الوهابية.
9 ــ وقامت الحركة التعليمية في الدولة السعودية الأولى على أكتاف العلماء ،وبسبب ظروف (نجد) ،فلم يكن فيها التعليم عصريا ،خصوصا وأن مصر ذاتها كانت تسير على التعليم التقليدي إلى أن بعث محمد علي البعوث إلى أوروبا .
وفي (نجد) لم يكن الطلاب يدرسون في مدارس نظامية ببرامج دراسية محددة في وقت معين ،وإنما اقتصر التعليم على علوم الدين من التفسير والحديث والفقه الحنبلي ،وأهم الكتب التي كان يتدارسها الطلاب والإمام السعودي نفسه هي تفسير الطبري ،وتفسير إبن كثير ،وصحيح البخاري ورياض الصالحين ،وكتب الشيخ إبن عبد الوهاب وكتب إبن تيمية .
وكان الذين يقومون بالإشراف على شؤون التعليم في الدرعية أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد أبيهم وعبد الله بن حماد والقاضي عبد الرحمن بن خميس ،أما في الأقاليم فكان القضاة يقومون بدور المعلمين .
وكانت المساجد وبيوت المعلمين هي أماكن الدراسة، وإذا أتم الطالب دروسه وأتقنها واقتنع به الشيخ أجازه ،أي أعطاه شهادة يكون بها مدرسا ،ويحق له التصدي للإفتاء والقضاء .وتكفلت الدولة بالإنفاق على التعليم ،وكان الإمام عبد العزيز يمنح المكافآت التشجيعية للطلاب المتفوقين [35].
وبهذا تخرج علماء( فقهاء وهابيون ) ساعدوا الدولة في وظائفها الدينية التي تهدف في النهاية إلى إقامة الشرع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق الشرع السنى الحنبلى التيمى الوهابى .
الرؤية الخلدونية وسقوط الدولة السعوديةالأولى والثانية
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الخامس : تحقيق النظرية الخلدونية فى الدولة السعودية الأولى (1158-1233 /1745 –1818 ):
الرؤية الخلدونية وسقوط الدولة السعودية الأولى والثانية :-
أولا :
وضع إبن خلدون بعض القواعد التي يمكن في إطارها تفسير إضمحلال وسقوط الدول منها ما هو قريب الصلة بالدولة السعودية .
1 ـ الدولة السعودية الأولى قد وصلت إلى أقصي توسع لها حسب الإمكانيات المتاحة ،وهذا ما قرره إبن خلدون فى قاعدتين ،أن عظم الدولة واتساعها بقدر نسبة القائمين عليها ،والقاعدة الثانية أن كل دولة لها حصة من الممالك والأوطان لا تزيد عليها .[36].
وبالتالي فإن العصبية السعودية وقوتها قد تحددت داخل الجزيرة العربية ولا يمكن أن تتوسع خارجها ،وعندما إستولت على الحجاز كان في ذلك نهاية أمرها ،حيث توقف وصول الحجاج بعد منع المحمل ،وبالتالي نضب مورد الرزق الذي يعيش عليه أهل الحجاز من بدو وحضر ،ومن ناحية أخرى كان ضم الحجاز تحديا للدولة العثمانية ،فجاء التدخل الخارجي ردا على هذا ليقضي على الدولة بعد أن وصلت إلى أقصى إتساع لها داخل الجزيرة العربية .
2 ــ وفي موضع آخر يقول إبن خلدون أن الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قل أن تتحكم فيها دولة [37].
والجزيرة العربية كثيرة القبائل والعصبيات ،وصحيح أن أكثر قبائل نجد وعصبياتها قد اقتنعت بالدعوة السلفية وصارت عضدا لها ،وتوسعت بها في الجزيرة العربية ولكن حين توسعت أكثر وضمت الحجاز دخلت في الدولة قبائل لم يكتمل إقتناعها بالدعوة ،مما سهل على محمد علي أن يستميلهم بالمال ،خصوصا و قد فقدوا موارد رزقهم بانقطاع قوافل الحجاج ،هذا بالإضافة إلى دور الأشراف ،وبهذا يمكن القول أن الجزيرة العربية بقبائلها الكثيرة قل أن تتحكم فيها دولة موحدة لمدة طويلة من الزمن حسبما يري إبن خلدون .
3 ــ وبمناسبة الزمن نجد أن إبن خلدون قد وضع قواعد لمراحل الدولة من بدايتها إلى نهايتها ،يقول أن نهاية الحسب ، أي النفوذ ،في العقب الواحد( أي الأسرة) هو أربع أبناء ،وقال أن الغالب أن ينتهي الشرف في الأسرة بالجيل الرابع ،وإذا كانت هذه الأسرة حاكمة فإن دولتها لا تزيد على ثلاثة أجيال إلا في ظروف إستثنائية ،وهذا ما أكده تحت عنوان (الدولة لها أعمار طبيعية كالأشخاص )وقد إعتبر الجيل أربعين عاما وجعل عمر الدولة مائة وعشرين عاما في أغلب الأحوال .
وتحت عنوان أطوار الدولة واختلاف أحوالها باختلاف الأطوار يجعل للدولة خمسة أطوار تبدأ بالإستيلاء على الحكم ،ثم الإنفراد به ،ثم التمتع به ،ثم القنوع والمسالمة وتقليد السلف ،ثم الإسراف والترف والتبذير ،وهي نهاية الدولة ،وأشار في مواضع أخرى إلى أثر الترف في إسقاط الدولة [38].
غير أن هذه القاعدة الخلدونية لا تنطبق على الدولة السعودية الأولى فلم تعمر سوي 75 عاما هجريا وسقطت في عز شبابها قبل أن تعرف الترف ،وسقطت بفعل عامل خارجي وليس لأسباب داخلية ..
4 ــ ولأنها سقطت بسبب تدخل حربي خارجي ،فلنستطلع رأي إبن خلدون في الحروب ،
لقد إستعرض إبن خلدون أسباب الحروب وأنواعها وتكتيكاتها القتالية المعروفة حتى عصره . ويرى أن أسباب النصر تتمثل في عدد الجيش وقوته ووفرة الأسلحة وجودتها وشجاعة الجند وترتيب وتنظيم الخطة الحربية والصبر في القتال وجودة الخداع والمهارات والتجسس ،واختيار المرتفعات عند الهجوم ،وإقامة الكمائن المفاجئة ،ويجعل ذلك كله من الأسباب الجلية الواضحة ولكنه يؤكد على الأسباب الخفية وهي إمكانية النصر بالحظ والنصيب [39].
وبالأسباب الجلية الواضحة نستطيع أن نفهم إنتصار السعوديين على أقرانهم داخل الجزيرة العربية ، ونستطيع أيضا أن نفهم هزيمتهم أمام جيش يفوقهم في العتاد ويستخدم أسلحة أحدث ،ولعل هذا هو السبب الحقيقي الذي كان ينقص الدولة السعودية الأولى ،أن تقرن دعوتها الدينية بتطور يواكب العصر . وربما فهم الملك عبد العزيز مؤسس الدولة السعودية الثالثة الراهنة هذا الدرس ووعاه. وكان التحديث واستعمال التليفون والموتوسيكل ومخترعات العصر ضمن اسباب خلافه مع الأخوان بعد قرن من سقوط الدولة السعودية الأولي .وبذلك نربط بين الدولتين السعوديتين الأولى والثالثة .
ثانيا :
1-وفي الطور الثاني للدولة السعودية توارت الدعوة الدينية ، بقدر ما برزت العصبية القبلية، فتحول السعوديون غالبا في هذا الدور إلى مجرد عصبية تتحارب مع غيرها من العصبيات في الخارج ، بل تدور الصراعات داخل البيت السعودي نفسه بما يسفر احيانا عن قتل بعضهم لبعض ،إذ أنه بعد إبعاد عبد الله لإبن سعود سنة 1234 هـ إستولي إبن معمر على الدرعية ، ولكن وصل إليها مشاري بن سعود سنة 1235 هـ واستردها ،ثم إستردها منه إبن معمر ،ولكن تركي بن عبد الله بن سعود يقتل إبنه سعود ويحكم الدرعية فيما بين 1235 :1249 .وقد إسترد الرياض وأخضع نجد إلا أن إبن عمه شباري بن سعود قتله سنة 1249 ،ويتمكن فيصل بن تركي من قتل قاتل أبيه ،وحكم الرياض ،وكان فيصل بن تركي قد فر من مصر ووفد على أبيه وشاركه في حملاته ضد خصومه السعوديين وغيرهم .ثم حكم بعد أبيه من 1250 :1254 ، وأخضع معظم الجزيرة ما عدا الحجاز ، وأعاد الأمن مما جعل الأتراك يرسلون حملة عسكرية فيها خالد بن سعود، واستمرت الحرب الأهلية سجالا بين الفريقين إلى أن استسلم فيصل وعاد إلى مصر وبقي فيها من 1254 :1259 تاركا حربا أهلية بين الأمراء السعوديين ، منهم إبراهيم بن خالد بن سعود وعبد الله بن ثنيان آل سعود . ثم هرب فيصل من مصر واستعاد مملكته القديمه ، فيما عدا الحجاز خصوصا بعد إنسحاب الجيوش المصرية من البلاد العربية واتفاقه مع الأتراك على الإعتراف بسيادتهم الإسمية ، وفي فترة حكمه الثانية 1259 :1281 هـ أعاد الإمام فيصل التركي الأمن للجزيرة العربية ونشطت الدعوة السلفية في البلاد الخاضعة له إلا أنه توفي 1280 هـ –1886 م وبموته إشتعلت الحرب الأهلية بين إبنيه عبد الله وسعود، وتدخل فيها أخوهم عبد الرحمن بن فيصل وانتهت باندثار النفوذ السعودي ولجوء عبد الرحمن بن فيصل للكويت بعد ان يأس من إستعادة الرياض ..
ثم ينجح إبنه عبد العزيز في إستعادة الرياض وتأسيس الدولة السعودية الثالثة [40].
2 ــ و هذا الطور الثاني للدولة السعودية ينطبق عليه حديث إبن خلدون عن الصراع السائر بين العصبيات القبلية في الصحراء والذي يصل إلى درجة الإقتتال بين الإخوة وقد سبقت الإشارة إلى ذلك، وهو شبيه بالصراعات العادية بين أمراء نجد والتى تصل الى تقاتل الأخوة .
3 ــ إلا أن إبن خلدون يعطي بعض الإشارات التي تتفق بعض الشئ مع حال السعوديين في الطور الثاني ،إذ يحدد طريقتين لتسرب الخلل إلى الدولة، من جهة الجند ومن جهة المال ،كما يشير إلى نوعين من إنهيار الدولة ،إما إستقلال أمراء الأطراف فتقوم دول مستقلة أو خروج ثائر من الخارج بدعوة دينية أو دعوة عصبية ،كما أنه يشير إلى أن الملك إذا ذهب عن العائلة الملكية أمكن أن يعود إليها طالما أنه لديهم عصبية [41].
وفي كل هذه الإشارات الخلدونية بعض السمات التي صاحبت الدولة السعودية في سقوطها سنة 1818 وفي طورها الثاني .
4 ــ إلا أن أهم ما ينطبق عليها هو ما سبقت الإشارة إليه من أقوال إبن خلدون عن أهمية الدعوة في جمع القلوب على هدف واحد بعيد عن الخلافات والأطماع السياسية، وهكذا نري رؤى إبن خلدون في المقدمة تصاحب الدولة السعودية في أطوارها الثلاثة سواء كانت تجسيدا وتمسكا بدعوتها الدينية السلفية أم إبتعدت عنها فوقعت في الخلاف والحروب الأهلية ،ومن الغريب أن عهد الإمام فيصل بن تركي في فترتي حكمه إقترن تمسكه بالدعوة السلفية الوهابية بنجاحه سياسيا وعسكريا وتوطيده للأمن ،والعكس صحيح في من كان قبله أو بعده من الأمراء المتنازعين.
الهوامش :
1- آن بلنت :رحلة الي نجد ،205 : 211 ،ترجمة محمد انعم غالب :تقديم حمد الجاسر .دار اليمامة .المملكة السعودية .الطبعة الثانية 1389-1978 .
2- د.احمد شلبي :موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية .ج 7 /52-،98 .مكتبة النهضة المصرية .الطبعة الثانية 1982 .
إبن خلدون –المقدمة :الباب الثاني :الفصل 2 ،الفصل 16 ،الفصل 21 .
3- رحلة الليدي آن بلنت 207-208 ،216 ،220 ،232 .
4- مقدمة إبن خلدون :الباب الثاني :الفصل 7 ،الفصل 8 ،الفصل 9 ،الفصل 11 ،الفصل 12 ،الفصل 17 ،الفصل 26 .
5- د.محمود طه :جغرافية شبه الجزيرة العربية :1/144 :145 .ط القاهرة 1965 .
6- د.أحمد شلبي :المرجع السابق 46 .
7- إبراهيم بن صالح بن عيسي :تاريخ بعض الحوادث الواقعة في نجد :37 ،115 ،70 ،85 ،119 ،236 ،35 ،نقلا عن د.أحمد شلبي .المرجع السابق 48 :50 ،64 ،76.
8- حمد الجاسر :مدينة الرياض :90 :96 ،منشورات اليمامة .السعودية .1386 هـ.
9- رحلة الليدي آن بلنت :المرجع السابق 159 :166 .
10- حمد الجاسر :مدينة الرياض ،المرجع السابق 87 .
11- حافظ وهبة :جزيرة العرب في القرن العشرين :215 .
حمد الجاسر :المرجع السابق 85 .
13-مقدمة إبن خلدون .الباب الثاني ،الفصل 27 .
14-مقدمة إبن خلدون :الباب الثالث ،الفصول 25 ،26 ،28 .
15-مقدمة إبن خلدون :الباب الثالث ،فصول 4،5،6.
16-عثمان بن بشر :عنوان المجد في تاريخ نجد :1 /11: 12 .ط.مكة المكرمة 1930
حسين بن غنام :تاريخ نجد :تحقيق د.ناصر الأسد :81 ،ط.1961 /1381 هـ
17-من رسالة الشيخ إلى أهل سدير ،نقلا عن كشك :السعوديون والحل الإسلامي ..القاهرة .
18-،19 –تاريخ الجبرتي في عجائب الآثار .ط.بولاق .المرجع السابق .
جلال كشك :السعوديون والحل الإسلامي :المرجع السابق 178 ،170 ،168 ،131 ، ،174 ،139 ،175 ،178 ،173 .
20-نقلا عن كشك :المرجع السابق 132 .
21- عجائب الآثار (تاريخ الجبرتي : المرجع السابق ،كشك :المرجع السابق 130 ،173،180 .
22- عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم :الدولة السعودية الأولى :289 : 290 .ط. القاهرة 1969 معهد البحوث والدراسات العربية .
23،24- عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم:المرجع السابق 311 -،391 ،-394،398.
25- رحلة الليدي آن بلنت :156 ،214، 66 ،139 : 140 .
29-المقدمة :المرجع السابق :الباب الثالث .الفصل 31 .
30 –إبن بشر :المرجع السابق 83 ،49 ،176 .
إبن غنام .المرجع السابق 125 ،169 ،170 .
حافظ وهبة :جزيرة العرب في القرن العشرين :218 .
31 –إبن بشر :المرجع السابق 127 ،166 ،168 ،169 ،174 ،125 ،129 ،175 .
32- لمع الشهاب :مؤلف مجهول :50 .
33- محب الدين الخطيب :الوهابية :مجلة الزهراء :مجلد 3 صفر 1345 ص 83 .
34- نقلا عن د.عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم :الدولة السعودية الأولى:226 :227 .
35 –إبن بشر :المرجع السابق 169 :170 ،127 .د.عبد الرحيم ،المرجع السابق
237 : 238 .
36- المقدمة الباب الثالث .فصل 8 ،فصل 7 .
37- المقدمة الباب الثالث .فصل 9 .
38 –المقدمة الباب الثاني فصول 15 ،14 ،17 ،11 ،12 ،13 .
39 –المقدمة .الباب الثالث .الفصل 38 .
40 –وهبة :جزيرة العرب في القرن العشرين ،227- .
41 –المقدمة الباب الثالث .فصل 48 ،49 ،الباب الثاني فصل 22 .
خاتمة كتاب ( مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية )
خاتمة كتاب ( مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية )
1 ـ فى النشر الثانى لهذا الكتاب تمت إضافة فصل عن تطبيق النظرية الخلدونية واقعيا على الدولة السعودية الأولى . بالاضافة الى بعض تنقيحات وتعديلات بسيطة .
2 ـ سبقت مؤلفات عن مقدمة ابن خلدون. وأزعم أنها دراسات سطحية ، لأن من يتصدى لبحث مقدمة ابن خلدون عليه أن يكون متخصصا فى الاسلام الحقيقى ( القرآنى ) وتاريخ المسلمين وتاريخ العصر المملوكى ، والتراث المكتوب فى هذا العصر ودقائق التصوف وعقائده والتصوف السنى وتميزه عن التصوف النظرى والدين السّنى العادى . وبهذا التعمق يدخل على بحث مقدمة ابن خلدون واضعا مسافة بينه وبين ابن خلدون ، يقوم بجولة فى عقل ابن خلدون يكتشف نواحى العبقرية ونواحى الخلل والسقوط يوضحها ويعللها . وهذا بعض ما قمنا به ولم يسبقنا أحد اليه .
3 ـ على أن أهمية هذا البحث أنه قام ولأول مرة فى القسم الأول من الكتاب بصياغة عصرية لمقدمة ابن خلدون باسلوب علمى مفهوم . ابن خلدون كتب مقدمته باسلوب غامض معقد وتعبيرات إندثر معظمها لارتباطها بعصرها فى الشمال الأفريقى . إعادة صياغة المقدمة إستلزم قراءة متأنية لكل فصل ، وفهمه ، وتقسيمه الى نقاط ، ثم وضع كل نقطة تحت عنوان يفسرها . وهذا جهد يقدره من يعانى فى قراءة المقدمة ثم يقرأ عرضنا لها .
القسم الثانى قام بتحليل أصولى تاريخى للمقدمة ، وأظهر قضايا غامضة فى تاريخ ابن خلدون وفى مقدمته ، وهى غياب مصر وهى ( أم العمران ) عن مقدمته وهى أساس (علم العمران ) ، ولقد عاش حوالى ربع قرن فى مصر ومات فيها . كان مفترضا فيه أن يتفرغ لانتاج ابحاث فيها من واقع إقامته فى مصر ، ولكنه لم يفعل . واجتهد الباحث فى تعليل هذا ، ووضع عدة إفتراضات كان أهمها إكتشافه مؤامرة خلدونية مع شخصية مصرية مجهولة للباحثين فى مصر المملوكية مع أن هذه الشخصية كانت لشاب مصرى أوشك بتخطيط ابن خلدون على ان يلى السلطنة فى مصر ، ويطيح بالنظام المملوكى . وانهمك ابن خلدون فى هذه المؤامرة إعدادا لهذا الشاب ووصل به الى التحكم فى السُّلطة المملوكية ،وكان على وشك أن يكون أول سلطان مصرى فى العصر المملوكى . وأخفق ابن خلدون مع هذا الشاب ولقيا مصيرهما معا فى موت غامض . ولتجلية هذه الحقائق التاريخية المجهولة فى العصر المملوكى لجأ المؤلف الى وضع تصور درامى محكوم بوقائع التاريخ يملأ الفجوات بينها ، موضحا أهمية الدراما التاريخية فى تجلية غوامض التاريخ إذا كتبها باحث متخصص ،خصوصا وأن تاريخنا ملىء بالغرائب ، ولكن ـ ومع الأسف ـ فإن مجال الدراما التاريخية يكتب فيه من ليس له أهلا .
4 ـ مراجعة الفهرس لهذا البحث يعطى صورة عن الجهد الذى بُذل فيه ، والجديد الذى قدمه . ومن أسف أن نشر هذا البحث المتفرد لم يحظ بما يستحقه من قراءة ، لأن عصرنا هذا هو عصر السطحية والتفاهة والسلفية التى أفسدت التعليم ، وهو أيضا عصر الانترنت الذى إمتلأ بكل من هبّ ودبّ من ( صعاليك الانترنت )، يفتى أحدهم فى كل شىء لمجرد أنه يستعمل الكيبورد .
5 ـ ويظل هناك أمل فى المستقبل . ولهذا نحن نكتب للأجيال القادمة التى نتوقع لها الشفاء من هذا الوباء السلفى الذى قتل كل جميل ورائع فى واقع ( المحمديين ) .
والله جل وعلا هو المستعان .
أحمد صبحى منصور
فى يوم الجمعة 16 اكتوبر 2015
( ملاحظة : هو نفس اليوم الذى فررت فيه من مصر من 14 عاما بالضبط ، وقبيل اعتقالهم لى بأربع وعشرين ساعة : يوم الثلاثاء : 16 اكتوبر 2001 ـ. جئت هاربا بحريتى وحياتى قادما الى أمريكا أرض الحرية والكرامة الانسانية. والحمد لله رب العزة جل وعلا رب العالمين، الذى أنجانا من القوم الظالمين .!! )
المصادر
كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية
بعض المصادر للبحث :
أولا : المخطوطات :
إبن إسحاق : خليل المالكي : ت767
مناقب عبدالله المنوفي ، مخطوط بالدار تحت رقم 1454 تاريخ تيمور .
البتنوني . علي بن علي ، في أواخر القرن التاسع
السر الصفي في مناقب الحنفي ، مخطوط بالدار 1164 تاريخ تيمور
العلوي : خالد بن عيسى بن أحمد بن إبراهيم ، في القرن الثامن .
رحلة العلوي . مخطوط بالدار تحت رقم 400 جغرافيا .
العيني : بدر الدين ( 762- 855).
عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان " تاريخ العيني " مخطوط بالدارر تحت رقم 1584 بتاريخ 2030ح .
إبن محسن : أبو الصلاح الصعيدي الشاذلي .
تعطير الأنفاس بمناقب أبي الحسن وأبي العباس ، أتم جمعه سنة 1110ه
ـ
أبوالمحاسن : إبن تغري بردي : (874هـ)
المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي : مخطوط تحت رقم 1209 تاريخ تيمور .
المقريزي تقي الدين أحمد بن على (845)هـ
حل لغز الماء : رسالة مخطوطة رقم "5" في مجموعة " 33ش مجاميع تيمورية .
المناوي : عبدالرؤوف (ت1031)هـ
الطبقات الكبرى . مخطوط بالدار تحت رقم 1589 تاريخ تيمور .
النويري : شهاب الدين أحمد بن عبدالوهاب ت 733هـ.
الأجزاء غير المحققة من كتابه نهاية الإرب وهي مخطوط مصوره تحت رقم 549 معارف .
ثانيا : المصادر الأصلية المطبوعة
الجبرتى
تاريخ الجبرتي في عجائب الآثار .ط.بولاق .
إبن الحاج : محمد بن محمد بن محمد العبدري المغربي (ت737)
المدخل : مدخل الشرع الشريف على المذاهب 4 أجزاء ، دار الحديث ، القاهرة
إبن حجر العسقلاني : أحمد بن علي : (733-852) هـ
إنباء الغمر بأنباء العمر . داار الكتب العلمية ، بيروت
الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة دار الكتب العلمية ، بيروت
حسين بن غنام :
تاريخ نجد :تحقيق د.ناصر الأسد : ،ط.1961 /1381 هـ
إبن خلدون : عبدالرحمن بن محمد (732-808)
مقدمة وتاريخ إبن خلدون ، طبعة بولاق .
الدلجي : أحمد بن علي ت 845
الفلاكة والمفلوكون . مطبعة الشعب 1322هـ.
السخاوي : محمد بن عبدالرحمن (831-902)
الضوء اللامع . ط . بيروت
الشعراني : عبدالوهاب أبو المواهب ( 898-973ه)
البحر المورود ط . مصر 1308.
الطبقات الكبرى ط صبيح .
لواقح الأنوار على هامش كتابه البحر الموررود.
لطائف المنن ، المعروف بالمنن الكبرى . نشر دار الحديث ، القاهرة
إبن الصيرفي : على بن داود (819-900)
أنباء الهصر بأبناء العصر . دار الفكر العربي 1970
ابن ظهيرة
الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة : وزارة الثقافة 1969
عثمان بن بشر :
عنوان المجد في تاريخ نجد :1 /11: 12 .ط.مكة المكرمة 1930
ابن عطا الله السكندري : تاج الدين .
لطائف المنن : مطبعةالقاهرة 1979
الغزالي : أبو حامد (ت505).
إحياء علوم الدين : المطبعة العثمانية .
أبوالمحاسن : إبن تغري بردي ت 874
حوادث الدهور حررها ويليام بير ط . باريس .
مجهول :
شفاء السائل في تهذيب المسائل
نشر وتعليق إغناطيوس اليسوعي ، معهد الآداب الشرقية رقم 11 . بيروت
مجهول :
لمع الشهاب
المقريزي : أحمد بن علي (766- 845)
السلوك لمعرفة دول الملوك ، تحقيق سعيد عاشور ، الجزء الثالث بأقسامه .
ثالثا :بعض المراجع الحديثة
د.احمد شلبي :
موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية .ج 7 .مكتبة النهضة المصرية .الطبعة الثانية 1982 .
آن بلنت :
رحلة الي نجد ، ،ترجمة محمد انعم غالب :تقديم حمد الجاسر .دار اليمامة .المملكة السعودية .الطبعة الثانية 1389-1978 .
جلال كشك :
السعوديون والحل الإسلامي ..القاهرة
حمد الجاسر :
مدينة الرياض : ،منشورات اليمامة .السعودية .1386 هـ.
د . عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم
الدولة السعودية الأولى : .ط. القاهرة 1969 معهد البحوث والدراسات العربية .
محب الدين الخطيب :
الوهابية :مجلة الزهراء :مجلد 3 صفر 1345
د.محمود طه :
جغرافية شبه الجزيرة العربية : .ط القاهرة 1965 .
فهرس
فهرس
( مقدمات ) لكتاب ( مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية )
مقدمة الطبعة الثانية
ظروف تأليف هذا الكتاب
تصدير الطبعة الأولى لكتاب ( مقدمة ابن خلدون : دراسة تحليلية ) عام 1998
( ابن خلدون ) في عشرية مركز ابن خلدون بقلم د سعد الدين ابراهيم : مدير مركز ابن خلدون . مقدمة بقلم المؤلف للطبعة الأولى عام 1988
فصل تمهيدي : إبن خلدون بين التاريخ والتأريخ
أولا : بيانات إبن خلدون :( موجز سيرة حياته )
ثانيا : تفاصيل حياة ابن خلدون العملية في شمال أفريقيا والمغرب والأندلس
753- 784: ( 31 عاما من القلق )
ثالثا : تفاصيل حياته العملية في مصر من قدومه حتى وفاته ( 784-808) : (24عاما) من الإستقرار
رابعا :مؤلفات ابن خلدون : كتابه في التاريخ : إبن خلدون مؤرخا ، مقدمة إبن خلدون : لمحة عامة ، مؤلفات إبن خلدون ، منهج إبن خلدون في المقدمة . أخطاؤه المنهجية في المقدمة . أسلوب إبن خلدون في المقدمة . منهج إبن خلدون في تاريخ العبر
القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون : الإفتتـــاحية للمقدمــــة
عرض مقدمة ابن خلدون : عن التاريخ ومنهج ابن خلدون فى المقدمة
طبيعة العمران في الخليقة وما يعرض فيها من البدو والحضر والتغلب والكسب والمعاش والصنائع والعلوم ونحوها ، وما لذلك من العلل والأسباب
عن التاريخ ومنهج ابن خلدون فى المقدمة
الباب الأول: في العمران البشري على الجملة ، وفيه مقدمات
البــــاب الثانــــــي
في أساس علم العمران وبدايته في العمران البدوي والأمم الوحشية والقبائل
الباب الثالث:( في العمران السياسي ) في الدولة العامة والملك والمراتب السلطانية
الباب الرابع :
في عمران المدن والبلاد في البلدان والأمصار وسائر العمران
وما يعرض في ذلك من الأحوال
الباب الخامس :
في اقتصاد العمران في المعاش ووجوه من الكسب
والصنائع وما يعرض في ذلك كله من الأحوال ، وفيه مسائل
الباب السادس :
في ثقافة العمران في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه ومايعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مقدمة ولواحق
القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون
الفصل الأول : موقع مقدمة إبن خلدون فى تاريخ الحضارة العربية
الفصل الثاني : مدى تأثر إبن خلدون بعصره في المقدمة منهجيا وموضوعيا
الفصل الثالث : اجتهادات إبن خلدون لعصره وعصرنا
الفصل الرابع : كان إبن خلدون في مصر، فهل كانت مصر في إبن خلـدون ؟
الفصل الخامس : الفصل الخامس : تحقيق النظرية الخلدونية فى الدولة السعودية الأولى (1158-1233 /1745 –1818 ):
الخاتمة
المصادر
الفهرس