مكتبة منصور أرشيف دائم
EN / AR
الكتب 2015

كتاب الحج بين الاسلام والمسلمين

الباب الأول : منهج القرآن الكريم فى التأكيد على التقوى غاية ومقصدا لفريضة الحج

الباب الأول : منهج القرآن الكريم فى التأكيد على التقوى غاية ومقصدا لفريضة الحج :

الفصل الأول : التقوى الاسلامية  فى فريضة الحج

 التقوى هى جوهر الاسلام

على اساسها قامت شريعة الاسلام الحقيقية المذكورة فى القرآن والتى طبقها خاتم الأنبياء محمد عليهم جميعا السلام. تاريخ المسلمين بفتوحاته وغزواته وامبراطورياته وتشريعاته وتراثه  يتناقض فى اغلبه مع جوهر الاسلام وبالتالى فان تشريعات المسلمين تتناقض مع تشريعات الاسلام الحقيقية. فى الدين السنى يقولون ( بنى الاسلام على خمسة : شهادة أن لا اله الا الله وان محمدا رسول الله ، واقامة الصلاة وايتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع اليه سبيلا ). ويتعلم الطفل المسلم منذ نعومة أظفاره هذه الأركان الخمسة للاسلام عندهم. ومن أنكرها فهو عندهم كافرلأن هذه الأركان الخمسة هى جوهر ( اسلامهم ). وفى ضوء الاسلام الحقيقى فى القرآن فان التناقض بين الاسلام وبين أولئك المسلمين يبدأ بمقولة تلك الأركان الخمسة عندهم ، ليس فقط لأن للاسلام ركنا واحدا وجوهرا واحدا هو التقوى ولكن أيضا لأن الصيغة التى قيلت بها مفردات الاركان الخمسة عندهم تخالف الاسلام.

1 ـ فشهادة الاسلام واحدة وليست إثنتين ، فهى شهادة أنه لا اله الا الله فقط. ومن شهد بهذا فقد آمن بكل الأنبياء دون أن يفرق بينهم ، أو أن يرفع واحدا من بينهم فوق الآخرين. حين يضاف الشهادة بمحمد رسولا فهنا تفضيل له على غيره من الأنبياء وتمييز له عنهم ، وهذا كفر بالاسلام وفقا لما أكده الله تعالى فى القرآن ( البقرة 136  ، 285 ) ( آل عمران 84 ) ( النساء 150 : 152 ) ( الأحقاف 9 ) ولكن  العقيدة الأساسية لديهم إن محمدا هو سيد المرسلين ، وهذا تأليه للنبى محمد  يؤكده قيامهم بالحج الى قبره و الصلاة اليه بزعم الصلاة عليه ووضع اسمه الى جانب اسم الله تعالى فى المساجد وفى الأذان للصلاة و قراءة الفاتحة له ، والاعتقاد الجازم فى شفاعته كأنه المالك ليوم الدين . وكل ذلك كفر عقيدى بالاسلام.

2 ـ  : بعد الشهادتين يذكرون العبادات ( إقامة الصلاة وايتاء الزكاة وصوم  رمضان  والحج ). هنا تناسوا فرائض اسلامية أخرى مثل التسبيح وذكر الله تعالى ، وله أوقاته اليومية ( طه 130 ـ الروم 17 : 18 ـ  ق 39 : 40 الطور 48 : 49  ) وله طريقته (آل عمران 191 : 194 ـ الأعراف 55 ـ 205  ) وتلاوة القرآن الكريم ( الاسراء 78 ـ  النمل 91 ـ 92 ـ   فاطر 29 ). ثم أنهم ذكروا إقامة الصلاة وايتاء الزكاة يريدون تأدية الصلاة وتقديم الصدقات. وعندهم فان تأدية الصلاة و تقديم الصدقة و الحج والصوم أهداف فى حد ذاتها ، ومن قام بها فقد ضمن الجنة مهما ارتكب من معاص وآثام.

 وليس هذا هو مفهوم اقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وفقا للقرآن الكريم ، إذ تعنى الطهارة الخلقية و السمو فى التعامل مع الناس لأن مجرد تأدية الصلاة و الصدقة و الحج والصوم وكل العبادات ليست هدفا فى حد ذاتها ولكنها وسائل لهدف أعظم هو التقوى جوهر الاسلام . ولذلك فان  أكثر المسلمين تدينا هم أسوأهم خلقا و أشدهم تزمتا وأكثرهم تطرفا . لأنه تيقن عندهم أنهم طالما يؤدون العبادات فقد أصبحوا فوق القانون الالهى ، وبل أصبح لهم مهمة التسلط على الآخرين. ان للدين الالهى ثلاثة جوانب أساسية تمثل جوهره الأصيل ( التقوى ) وهى الايمان بالله وحده لا شريك له ولا مثيل ولا ولد ولا زوجة، وعبادته وحده و التمسك بالقيم العليا الأخلاقية من العدل و الرحمة و السلام و الكرم و التسامح والاحسان ..الخ. أو باختصار : ايمان حقيقى بالله تعالى وعمل صالح يشمل عبادة الله تعالى وحده و حسن التعامل مع الناس .أو باختصار أكثر تقوى الله تعالى بحيث لا تؤمن باله سوى الله تعالى و لا تعبد غيره و لا تظلم أحدا من الناس. وهذه هى التقوى التى غفل عنها معظم المسلمين ولا يزالون.هذه لمحة  تشير للتناقض بين الاسلام والمسلمين،نتوقف  بعدها مع التقوى جوهر الاسلام الدين السماوى لكل الرسالات السماوية .  التقوى جوهر الدين السماوى

الاسلام هو دين الله تعالى لكل البشر ، وبه نزلت كل الرسالات السماوية ونطق به كل نبى باللغة التى يتكلم بها قومه ( ابراهيم 4 ) الى أن نطق الاسلام أخيرا باللغة العربية فى القرآن الكريم (مريم 97 ) الذى حمل الرسالة السماوية النهائية للبشر الى قيام الساعة رحمة للعالمين ونذيرا لهم:(الأنبياء 107 )(الفرقان 1). والتقوى هى جوهر كل الرسالات السماوية ، جاءت فى خطاب الله تعالى لكل الرسل فقال (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)( المؤمنون  ـ 52 ).  أى أمرهم بالتمسك بالتقوى والعمل الصالح.ولذلك  فكل نبى كان يأمر قومه بالتقوى،  وفى سورة الشعراء ـ التى قصّت سيرة كثير من الأنبياء ـ كان كل نبى منهم يقول لقومه : (أَلَا تَتَّقُونَ ؟ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) وتكرر هذا فى سور أخرى ، يقول تعالى ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ؟)   (فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ  أَفَلاَ تَتَّقُونَ؟ ) (المؤمنون 23 ـ32 ) (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ؟ ) (الاعراف 65 ) (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ اِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ ؟) (الصافات  ـ 124 ) (..ٍ وَاذكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (الاعراف171 ).

وخطاب القرآن بالتقوى لم يشر فقط الى الأمم السابقة وانما امتد به من عصره حتى قيام الساعة. فالنبى محمد  مأمور بالتقوى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ) ( الاحزاب 1 ) ،  وكذلك  الذين آمنوا معه وبعده (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ) ( التوبة 119 ) والصادقون هم مجموع الأنبياء , ويقول تعالى أيضا للمؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (الحجرات 1) أى يحرم عليهم المزايدة على الله تعالى ورسوله ، ويحذرهم بأنه سميع عليم . ويقول لهم فى نفس السورة (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )  (الحجرات 10 ) وفى التوصية لهم بالصدق يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ) (الاحزاب70 ) وفى التوصية لهم بالصبر يعدهم بالأجر فى الدنيا والآخرة اذا كانوا متقين ، فيقول لهم (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (الزمر 10 )وفى الرسالة الخاتمة أكّد رب العزة أنه أمر المسلمين وأهل الكتاب بالتقوى فقال (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ : أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ ) (النساء131 ). وكرر خطابه لبنى اسرائيل يأمرهم بالتقوى (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ , وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ) ( البقرة ـ  41 ). وكان مشركو العرب يؤمنون بأن الله تعالى خالق السماوا ت والأرض وبيده ملكوت كل شىء ومع ذلك يتخذون معه آلهة أخرى ، وفى حوار القرآن معهم اتخذ من ايمانهم بالله تعالى الخالق حجة عليهم فدعاهم لتقوى الله (قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ) (المؤمنون 87 ). بل ان الأمر بالتقوى يتوجه لجميع الناس يذكرهم  بماضيهم حيث جاءوا من أصل واحد ولهم اله واحد يراقب أعمالهم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) (النساء 1 ـ ) أو يذكرهم بالمستقبل حين تأتى القيامة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) (الحج 1 ).

 ان أكرمكم عند الله أتقاكم :

ولأن التقوى هى جوهر الدين الالهى للبشر جميعا فان الله تعالى يخاطبهم قائلا ( أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) ( الحجرات 13 ) أى انهم جميعا أخوة وابناء آدم وحواء ، وقد جعلهم شعوبا وقبائل مختلفى العنصر والثقافة ليتعارفوا لا ليتقاتلوا ، وهم جميعا متساوون فى نظر الرحمن ولكن الأفضل منهم يوم القيامة ليس هو الأغنى مالا أوالأكثر جاها وانما هو أتقاهم لله تعالى، وكل انسان يستطيع ـ إذا أراد أن يكون أتقى البشر ليصبح الأكرم عند الله مهما كان وضعه فى الدنيا. ولأن التقوى تعامل خاص ومباشر بين الانسان وربه جل وعلا فانه محرم التظاهر بالتقوى وتحويلها الى متاجرة بالدين وخداع للناس، ولذا فان الله تعالى يحرّم تزكية النفس بالتقوى، أى أن يمدح الانسان نفسه بالتقوى، يقول تعالى ( فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ) (النجم 32 ). وطالما أن الله وحده هو الأعلم بالسرائر والأعلم بما تخفيه الصدور والأعلم بالمتقين فلا مجال فى الاسلام لتأسيس كهنوت يزعم أنه المتحدث باسم الله تعالى ويتحكم فى الناس باسم الرحمن مغتصبا سلطة الله تعالى .

الجنة للمتقين فقط من عموم البشر

يوصف أصحاب الجنة بأنهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أى أن الإيمان وحده لا يكفى حتى لو كان إيمانا صحيحا بالله تعالى وحده لا شريك له ولا ولد ولا زوجة ، لا بد من اقتران الإيمان الصحيح بعمل صالح ينشغل به المؤمن بحيث لا يجد وقتا لإرتكاب المعاصى ،أى ان هذا الايمان مع العمل الصالح يساوى كلمة واحدة هى التقوى. وبالتالى فلا يدخل الجنة إلا المتقون. يقول تعالى ( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ) (البقرة 212  ). أى ان الكفرة يسخرون فى الدنيا من الذين آمنوا ، وفى الرد على سخريتهم لم يقل تعالى ( والذين آمنوا فوقهم يوم القيامة ) وإنما قال ( والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ) لأن المتقين فقط من أولئك المؤمنين هم الذين سيدخلون الجنة. وفى نهاية سورة الزمر عرض لمشاهد يوم القيامة ينتهى بدخول أهل النار للنار وأهل الجنة للجنة ، يقول تعالى عن أهل النار ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا) وفى المقابل لم يقل ( وسيق الذين آمنوا الى الجنة ) وانما قال (  وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ) ( الزمر ـ  73 ). وبهذا فانه بالتقوى ـ جوهر الاسلام ـ يفوز البشر بالجنة. وبدونها فهم أصحاب النار .

معنى التقوى :

ومن بعض الايات السابقة نفهم معنى التقوى ، فقوله تعالى لبنى اسرائيل (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ) يفيد أن معنى التقوى هو الخوف من الله تعالى بحيث لا يقع الانسان فى معصية ، أو يتوب اذا وقع فى معصية. وتأتى بمعنى الخشية. وتعبير الخشية لا يدل على مجرد الخوف من الله ، ولكنه الخوف الممتزج بالخشوع لذا يأتى فى الأغلب مرتبطا بتقوى الله تعالى والخشية منه كقوله تعالى (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) (النور 52 ). ان الخشية حالة خاصة من الخوف ينبغى أن يتوجه بها المؤمن التقى نحو الله تعالى فلا يخشى الا الله ، وهذا ما نفهمه من قوله تعالى للنبى محمد فى معرض التأنيب الحاد (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ )( الأحزاب 37 ) وقوله تعالى لأهل التوراة  (فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ) ( المائدة 44 )  وقوله تعالى للمؤمنين (أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ ) ( التوبة 13 ) . وتاتى التقوى بمعنى التوبة: وهذا يستدعى من المؤمن التوبة فتأتى التوبة ضمن معانى التقوى وصفات المتقين ، فاذا أذنب  أحدهم بادر بالتوبة وعزم على ألاّ يعود الى العصيان ، يقول تعالى عن المتقين (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (آل عمران  ـ 135). وهناك من هو أعلى درجة إذ يتذكر ربه قبل الوقوع فى المعصية وقبل ان يغويه الشيطان فيرفض الوقوع فى الذنب مستعيذا بالله تعالى من الشيطان الرجيم (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ) (الأعراف 201  )

 التقوى أساس الإيمان والعمل الصالح فى الاسلام

1 ــ قد يقال ان تقوى الله تعنى الخوف منه و خشيته و العمل على الفوز برحمته وجنته. وليست هذه العبارة صحيحة بهذا الشكل لأن معظم الناس يقولون انهم يخافون الله تعالى ويخشونه ، ولكن يخشون و يتقون مع الله تعالى آلهة أخرى . لذا فالعبارة الصحيحة أن تتقى الله فقط ولا تخشى غيره. لقد كان العرب قبل نزول القرآن الكريم يؤدون الصلاة و الحج ويقوم القرشيون على رعاية البيت الحرام ، ولكنهم أضافوا الى ذلك الحج الى القبور المقدسة و الأوثان ، و ارتكبوا المذابح والغارات وكل الفواحش معتقدين أن من يؤدى العبادات فقد غفر الله تعالى له ، وهو نفس الحديث الكاذب الذى اخترعوه ونسبوه للنبى محمد فى الدين السنى والقائل ( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ) أى رجع بدون ذنوب. ردّ الله تعالى على العرب المشركين فقال (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ) أى ان العبرة ليست بالتدين السطحى المظهرى ومجرد تادية الحج و الصلاة فى المساجد مع الاستمرار فى الكفر العقيدى و الظلم أو الكفر السلوكى ، ولكن العبرة بالتقوى ، تقول الآية التالية (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ )( التوبة: 17 ـ 18 ). فالمؤمن الحق بالله واليوم الاخر هو الذى يتحقق ايمانه باقامة الصلاة وايتاء الزكاة أى بالسمو الخلقى فى التعامل مع الناس ولا يخشى إلا الله تعالى.ولذا تأتى الصيغة بالأمر والنهى معا ، أى بخشية الله وعدم خشية غيره (فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ) ( المائدة 3 )( البقرة 150 ) أو تأتى باسلوب القصر والحصر كقوله تعالى (وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ ) (النحل 52 ) أى هو وحده الذى نتقى ونخشى (  وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ) (البقرة ـ 41 ).

ولتقرير أن الشفاعة لله وحده تقوم بها الملائكة حين تعرض أعمال الناس فان الأمر بالتقوى يأتى أحيانا ليؤكد نفى الشفاعة البشرية حتى ينهمك الناس فى العمل الصالح و يجتنبوا العمل السىء ، يقول تعالى عن القرآن الكريم و الانذار به ( وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) (الانعام 51 ـ ) فاذا تمسك المؤمن بالتقوى فى حياته فقد أصبح حسابه يوم القيامة يسيرا (الانشقاق 7 ، 8 ) لأنه حاسب نفسه فى الدنيا وتحكم فى غرائزها ، فاصبح حسابه فى الآخرة هينا :(وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَـكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) (الانعام  69 ) أى لا بد أن يتمسك بالتقوى ليظل على تذكر بها طيلة حياته الدنيا فاذا جاء اليوم الآخر نجا.

ولأن الانذار والبيان لا يكون إلا بالقرآن الكريم المحفوظ بقدرة الله تعالى إلى يوم القيامة فإن هذا القرآن فيه الهدى للمتقين (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)(البقرة 2 ـ )(وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ )(الحاقة 48).

لذا جاء بيان القرآن داخل القرآن نفسه بحيث لا يحتاج الى شروح بشرية تشوه حقائق القرآن كما فعل المسلمون فى تراثهم وتفاسيرهم التى أبعدت المسلمين عن التقوى جوهر الاسلام ، يقول تعالى عن بيان القرآن وتوضيحاته (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ )( البقرة 187 )  وجاءت الوصية العاشرة فى القرآن الكريم تأمر باتباع القرآن وحده دون غيره أملا فى تحقيق التقوى (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (الانعام 153 ) وهذا ما لم يفعله المسلمون الذين ابتدعوا لهم أديانا أرضية كالسنة و التشيع والتصوف ، وجعلوا لها وحيا إلاهيا بالكذب والإفتراء . وأهملوا ما فى القرآن من وعيد يهدف الى تربية الاحساس بتقوى الله تعالى (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ) (طه 113 ) وأهملوا ما فيه من أمثال وعظات جاءت بتناسق حتى يتقون (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) (الزمر ـ 28 ).

ومعلوم ارتباط التقوى بالإيمان الحقيقى بالله تعالى ، وهذه صفة أولياء الله تعالى من كل البشر الذين أمضوا حياتهم مؤمنين متقين (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ )(يونس ـ 63 )،لذا تبشرهم ملائكة الموت عند الاحتضار بالجنة : (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31)(فصلت) لذا فهم أصحاب الجنة ( وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ )(يوسف 57 )( وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ )(الجاثية 19). وقبل موت المؤمن فإنه حين يجاهد مخلصا فى سبيل الله يكون مواليا لله جل وعلا فيواليه الله جل وعلا ، لأنّ الله تعالى لا يوالى إلا المتقين ( إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ) (الانفال 34 )وقبل اليوم الآخر فان الله تعالى يشمل أولئك المتقين فى الدنيا بعنايته ورحمته ، وقد أنجى المتقين من الأمم السابقة بينما أهلك الظالمين الطغاة وأنجى المتقين (النمل 53 ) (فصلت 18 )

2 ــ وكما يتقى المؤمن ربه جل وعلا فى عقيدته وايمانه فانه يتقى الله تعالى تعامله مع الناس بحيث لا يظلم أحدا، و فى عبادته لتكون خالصة لله جل وعلا وحده . وهنا تأتى التقوى هدفا أساسيا للعبادات. التقوى هى الهدف الأساس من العبادات: 

ليس أعظم فى التشريع الاسلامى من أن تكون عبادة الله تعالى مجرد وسيلة للتقوى ، ومن التقوى حسن التعامل مع الناس. فالذى يصلى ويحج ويصوم ويتصدق ولكن يظلم الناس ويعتدى عليهم لا عبرة بعبادته طالما لم تنعكس عبادته خيرا و احسانا فى تعامله مع المجتمع. وقد جعل الله تعالى كل العبادات وسائل للتقوى وخاطب بذلك كل الناس (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة21 ) فالصلاة ـ  مع قراءة القرآن وذكر الله تعالى ـ هدفها إجتناب الفحشاء والمنكر والبغى (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت 45)والصوم حتى نتعلم التقوى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )(البقرة  183 ).

الفصل الثانى : التقوى والذّكر فى فريضة الحج

الباب الأول : منهج القرآن الكريم فى التأكيد على التقوى غاية ومقصدا لفريضة الحج :

الفصل الثانى : التقوى والذّكر فى فريضة الحج 

مقدمة

1 ــ الحج مدرسة نتزود فيها بالتقوى (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ) (البقرة 197 ) ، الحج هو معسكر للتزوّد بالتقوى فى رحلة الحياة هذه. العادة للمسافر أن يأخذ معه زاد الرحلة. وفترة الحياة لكل منا هى رحلة سفر ، تركب فيه البشرية قطار الزمن المتحرك دائما الى الأمام لا يتوقف الى أن تأتى الساعة بتدمير هذا العالم. كل منا يركب قطار الحياة فى محطة خاصة به هى وقت الميلاد ، ويظل راكبا فى القطار الماضى الى أن تأتيه لحظة الرحيل فيهبط من القطار فى لحظة الموت. وما بين حياته وموته تكون رحلته الشخصية فى هذه الحياة الدنيا. والمؤمن هو الذى يتزوّد فى هذه الرحلة بالتقوى فهى رصيده لليوم الآخر ليفوز بالجنّة . والحج مناسبة فى العمر بمثابة معسكر يتدرب فيه ويتزود فيه بالتقوى .

2 ــ وفى التقوى لا عبرة بالشكليات السطحية فى تأدية مناسك الحج ، لذا قال جل وعلا ردّا على الجاهليين القرشيين الذين حوّلوا التقوى الى عبادة سطحية بأن يأتوا بيوتهم من الخلف:( وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(البقرة 189). وحتى حين التمتع بلحوم الأضحيات فلا بد من تعظيما على أنها من التقوى:(ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) الحج 32 ) وفى كل واجبات الحج لا بد من مراعاة التقوى وإلا فان الله تعالى شديد العقاب (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (البقرة196 ). لذا فان من يفكر مجرد تفكير بالعصيان فان الله تعالى يتولى الانتقام منه لأنه حوّل التقوى فى الحج الى عكس المراد منها .( وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) ( الحج 25 ). أى إنّ مجرد ( الإرادة القلبية ) بالإلحاد والظلم عقوبتها العذاب الأليم .

3 ـ و( ذكر الله جلّ وعلا ) فى المفهوم القرآنى هو تعظيمه وحده ، وتقديسه وحده ، وتسبيحه وحده ، وعبادته وحده . وشأن المشركين أن يذكروا بالتعظيم والتقديس أولياء مع الله جل وعلا ، يجعلونهم شركاء له جل وعلا فى (الذكر ) . وشأن المشركين إذا ( ذكرت ) الله جل وعلا وحده إشمأزّوا ، أما إذا ذكرت أولياؤهم وآلهتهم مع الله إستبشروا ، فهم يعتقدون فى هذه الآلهة النفع والضّر وقدرتها على الشفاعة فيهم يوم الدين ، مع إن هذه الآلهة المقدسة لا تشفع ولا تنفع ، يقول جل وعلا : (أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (43)فالشفاعة لله جل وعلا وحده لأنه وحده مالك السماوات والأرض ، واليه وحده مصيرنا يوم القيامة : (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44)( الزمر ). إلّا إن المشركين فى تقديسهم هؤلاء الشفعاء لا يذكرون الله جل وعلا وحده أبدا ، لا بد أن يذكروا معه هذه الآلهة البشرية ،ولو سمعوا شخصا يذكر الله وحده إشمأزّت قلوبهم ، فإذا ذكر هذا الشخص آلهتهم مع الله إستبشروا ، يقول جل وعلا :  (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45)( الزمر ) .  هذا بالضبط ينطبق على أصحاب الديانات الأرضية من المسلمين ، لا يمكن لأحدهم أن يخلص لله جل وعلا عبادته ، إنه يجعل النبى عليه السلام شريكا لله جل وعلا فى ذكر شهادة الاسلام ،فليست عندهم شهادة واحدة طبقا لما يعرف بالتوحيد الاسلامى :( لا اله إلّا الله ) بل هو مثناة يرفعون فيها محمدا فوق بقية الأنبياء والرسل ويضيفونه الى الله تعالى فى الشهادة ، يفرّقون بين الله ورسلة ويفرّقون بين الأنبياء ويعصون أوامر الله جل وعلا فى سورة البقرة ( 136 ، 285 )وسورة آل عمران ( 84 : 85) وسورة النساء ( 150 : 152) وسورة الأحقاف ( 9) ، ويجعلونه شريكا لله جل وعلا فى الصلاة والأذان بالصلاة وفى الحج ، وحتى فى الشعارات التى يزينون بها مساجدهم.ثم لا يكتفون بتقديس النبى بل يقدسون معه آلهة أخرى من الصحابة والأولياء والأئمة ، يذكرونهم مع الله . وقد قال جل وعلا عن وعظهم بالقرآن وكفرهم به : (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً (46)( الاسراء ). ونتأمّل قوله جل وعلا : (وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً)، يعنى لو ذكرت ربّك وحده فى القرآن وحده ولّوا على أدبارهم نفورا . وتخيل نفسك خطيبا فى صلاة الجمعة تعظ بهذا الاسلام الحقيقى ، ولا مرجع لك سوى القرآن ولا تذكر سوى إسم رب العزة ..سترى من يستمع اليك وقد إنطبق عليهم قوله جل وعلا : (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً )..وصدق الله العظيم ..!!

4 ـ و( ذكر الله وحده ) بهذا المفهوم القرآنى يغلّف العبادات الاسلامية ، من دعاء وصلاة و قراءة للقرآن وتفكّر فى خلق السماوات والأرض . فالصلاة هى ذكر منظم يتكرر خمس مرات فى اليوم، وممكن لمن يريد أن يكون من السابقين أن يضيف نافلة قيام الليل بالصلاة والتهجّد وقراءة القرآن،  وهناك مناسبة سنوية تستمر عاما هى صوم شهر رمضان ، وفيه ترتبط عبادة الصوم بالذكر وقيام الليل والدعاء والاعتكاف فى المسجد ليحقق الصوم هدفه الأساس وهو التقوى ( البقرة 183 : 187 ). ويرتبط الذكر بالحج مؤكدا على أن الهدف منه هو التقوى فى فرصة تتاح للمستطيع ولو مرة فى حياته .ثم يأتى الذكر وحده قولا وفعلا عبادة قائمة بذاتها . وبهذا الذكر اليومى بالصلاة والسنوى بالصوم وفى مناسبة الحج يتزكّى الانسان وتسمو نفسه ليكون صالحا لدخول الجنة . 

أولا : نوعا الذكر : الذكر العملى :

1 ـ الذكر العملى هو الأكثر صلة بالتقوى. وهو أن يذكر المؤمن ربّه جلّ وعلا حين يوسوس اليه الشيطان بالإثم فلا يقع فى المعصية . يقول جلّ وعلا لخاتم النبيين عليهم جميعا السلام:( وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) الاعراف ) ثم يقول جلّ وعلا عن صفة المتقين:( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) ، أى تذكّروا وذكروا إسم الله جلّ وعلا فانتبهواوأقلعوا وابتعدوا عن الوقوع فى الإثم .هذا بينما يسيطر الشيطان على أتباعه فيمدّ لهم حبال الغى فلا يقصّرون:(وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (202) الاعراف). فالتذكّر هنا بمعنى التقوى والخشية قبل الوقوع فى المعصية.وهذا التذكّر فرصة لكل إنسان مهما بلغ طغيانه، حتى لو كان فرعون موسى . ولقد قال جل وعلا لموسى وهارون :(اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) طه ). أى (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى )..

2 ـ والتذكّربالتوبة بعد الوقوع فى المعصية، فالمتقى هو ايضا من يتوب بعد الوقوع فى المعصية، فمن صفات المتقين الاستغفار من الذنب الذى وقعوا فيه وعدم العودة للوقوع فيه :( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) آل عمران ). 

أنواع الذكر القولى :

1 ـ عبادة التسبيح ، ليس بالرقص والغناء كما تفعل الصوفية ، ولكن بتضرّع المتّقى بصوت خافت ليل نهار:(وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ (205) الاعراف ).

ويرتبط ذكر الله وتسبيحه : بالدعاء ودوام التذكّر لرب العزّة جلّ وعلا حتى لا ينسى المؤمن ربه جل وعلا :(وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً (24) الكهف ).

ويرتبط بالتفكر فى عظمة الخالق جل وعلا:(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)(آل عمران) .

كما يرتبط بالصبر (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130) (طه ). ومواجهة الشدائد، إذ قال جلّ وعلا لموسى حين أرسله لفرعون: (اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) طه).

ولذا كان موسى عليه السلام يذكر الله جلّ وعلا كثيرا : (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (34) طه ) وهوشأن المؤمن كما جاء فى سورة الأحزاب :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (42)،وفيه يستوى الرجال والنساء:(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (35)( الأحزاب ).

2 ــ ومنه عبادة الذكر بالقرآن الكريم :

2/ 1 : فالذكر من أوصاف القرآن الكريم : ( إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69)  يس ) ( ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1)ص )، (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (50)الانبياء ).

2/ 2 : والناس بالنسبة للقرآن الكريم نوعان ، منهم من يتّعظ به ويتذكّر ويتّبع القرآن:(إِنَّمَا تُنذِرُ مَنْ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) يس ). والمؤمن هو الذى يتدبرالقرآن بعقله وقلبه ليزداد به إيمانا ، فمن صفات عباد الرحمن : (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً (73 الفرقان)، ومن صفات المؤمنين حقا : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)(الأنفال).

ومنهم من لا يتعظ ولا يتذكّر، يقول جل وعلا فى سورة ( طه ):( كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (99) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً (100)، (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (126). ويقول جلّ وعلا فى سورة الكهف:( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (57). وفى إفتتاحية سورة الأنبياء :(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2). لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ). ويقول جلّ وعلا عن موقف أكثرية البشر من الوعظ القرآنى : ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (50 ). الفرقان).

 وذكر رب العزة الفريقين فى سورة السجدة : فى البداية يدعو الناس الى تذكّر الخالق جل وعلا بالكتاب الذى لا ريب فيه  :  (الم (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (4). ثم بعد هذا الاستفهام الاستنكارى : (أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ) يأتى فى منتصف السورة وصف المؤمنين حقا بأنّهم الذين يتذكّرون ويخشعون بالذكر القرآنى : ( إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (15) ، وفى المقابل يوجد المجرمون أظلم الناس :( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ (22) السجدة ).

3 ـ الصلاة والذكر: الصلاة فى حقيقتها إستدامة ذكر الله بطريقة يومية منظمة من قيام وركوع وسجود وجلوس وقراءة الفاتحة وآية التشهد والتسبيح والحمد. إى هى إقامة الصلاة بهدف ذكر الرحمن جل وعلا بترسيخ التقوى فى النفس يوميا. ، وعلى هذا قامت فريضة الصلاة فى ملة ابراهيم عليه السلام التى توارثها العرب من ذرية اسماعيل (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً (55)مريم ) وتوارثتها بنو إسرائيل ، ولكن مع تضييع هدفها فى ترسيخ التقوى،لأن الخلف من الذرية لم يقيموا الصلاة فأضاعوا التقوى حين إتّبعوا الشهوات دون توبة ودون ذكر الرحمن خلاف ما كان عليه أسلافهم العظام الذين كانوا يخرون سجّدا وبكيا حين يسمعون آيات الله تتلى عليهم،يقول عنهم جلّ وعلا:(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً (58) إختلف الوضع إذ أضاع الخلف مسيرة التقوى بتضييع الصلاة وإتّباع الشهوات : ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)(مريم ).أى أضاعوها بالمعاصى وعدم إقامة الصلاة لذكر الله جل وعلا تقوى وخشية . لذا قال جل وعلا لموسى عليه السلام فى أول وحى له بأن يقيم الصلاة وفق ملة ابراهيم الحقيقية لكى تكون الصلاة ذكرا للمولى جل وعلا:(إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (14) طه).والصلاة لنا من وسائل التقوى مع تلاوة القرآن الكريم وذكر الله جل وعلا ، وهذا ما قاله رب العزة لخاتم المرسلين عليهم جميعا السلام :(اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) العنكبوت ).

 ثانيا : مناسك الحج هى لذكر الله جل وعلا وحده أى تقوى الله جلّ وعلا وحده:

قلنا إنّ التقوى هي الهدف من فريضة الحج، كما هى المقصد لكل العبادات من صلاة وزكاة وصيام وحج وجهاد وذكر لله تعالى . ولكن موقع التقوى فريد في فريضة الحج . ومنهج القرآن هو التركيز على التقوى حتى لا تتحول مناسك الحج الى مجرد أداء سطحى ، أو أن تتحوّل المناسك الى مناسبات للإنحلال الخلقى والعصيان ، أو يتحوّل الحج الى مناسبة للإستغلال السياسى . وهذا ــ مع الأسف ـ ما وقعت فيه قريش والعرب قبل وأثناء نزول القرآن فى مكة ، ثم بعد موت خاتم النبيين عادوا الى نفس التحريف والانحلال والعصيان ، وتكفّل الدين السّنى بإعطاء مشروعية كاذبة باحاديثه وأحكامه الفقهية لهذه الافتراءات . وهو ما تطبّقه الآن دولة السعودية بدينها الوهابى التيمى الحنبلى السّنى. 

الذكر فى مناسك الحج

1 ـ من البداية ، من ملة ابراهيم ، يقول جلّ وعلا يربط الذكر بفريضة الحج :( وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ (28 ) ( الحج ) أى فالحج ومناسكه هو لذكر إسم الله جلّ وعلا فى أيام معلومات:( وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ (28 ) ( الحج ). أو أيام معدودات يتم التركيز فيها على التقوى :( وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنْ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203).( البقرة)

2 ــ وتأتى تفصيلات فى سورة الحج تربط ذكر الله جل وعلا بمناسك الحج ، فتعظيم الشعائر من علامات التقوى :( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32). والتقوى من مرادفاتها الإخبات ، وقد وصف الله جل وعلا المخبتين فى هذا السياق فقال : ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرْ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِ الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35) وحتى ( الهدى ) من الأنعام التى يتم نحرها لإطعام ضيوف الرحمن فى بيت الرحمن هى من شعائر الله جل وعلا ، لذا يجب ذكر إسم الله عليها وشكره جل وعلا ، وجعل التبرع بها وسيلة للتقوى (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرْ الْمُحْسِنِينَ (37) الحج )

3 ــ وتترى التوصيات بذكر الله جلّ وعلا فى سورة البقرة فى سياق تشريع الحج، ومنه ذكر الله بعد طواف الافاضة من عرفات عند المشعر الحرام  (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ (198). وذكر الله جل وعلا بعد قضاء المناسك: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ). وبدلا من التفاخر بالأنساب والآباء فإنّ ذكر الله فى بيته الحرام هو الأولى .( فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ). وبعض الناس تهمّه الدنيا ويريد متاعها فيدعو الله بالثراء والسعادة الدنيوية ناسيا الآخرة وهى الأبقى، لذا يأتى التنبيه بالدعاء الأفضل: ( فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)  . نقرأ الآيات بأكملها من سورة البقرة : ( وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) البقرة ).

أخيرا :

الحج مدرسة نتزود فيها بالتقوى. وذكر الله جل وعلا أهم ملامح التقوى . فلا ينبغى أن نذكر غير الله فى بيت الله وفى موسم الحج . هذا هو الحج فى الاسلام : يأتى المؤمن ليحج الى بيت الله الحرام قائلا : (لبيك اللهم لبيك ) ، ولا يصح أن يخلط هذا النداء وتلك الاستجابة بذكر غير الله ،أى لا تعظيم إلّا  لله جل وعلا  فى بيت الله .. جل وعلا .

الفصل الثالث : التقوى أساس فى الدعوة للحج :

الفصل الثالث :  التقوى أساس فى الدعوة للحج :

(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ  )

 للقرآن الكريم أسلوب فريد في الدعوة للحج . هو اسلوب يعتمد على التقوى ، ورغبة المؤمن فى التطهّر إبتغاء مرضاة الله عزّ وجل . وهنا نتدبّر قول الله سبحانه وتعالى:( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ(96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ(97)آل عمران).

أولا :  (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ )                                                                              

1 ــ  لم تأت الدعوة للحج بصيغة الأمر ( : حُجُّوا للبيت )وانما جاءت بالأسلوب الخبري فتقول الآية الكريمة:(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ).الأسلوب الخبرى أشدّ إلزاما من صيغة الأمر المباشر ، لأن الجملة الاسمية تفيد الثبوت والدوام وليست مقيدة بزمن معين. عندما تقول ( أكل فلان الطعام ، يأكل فلان الطعام سيأكل فلان الطعام ) فإنّ (أكل الطعام ) فى هذه الجملة الفعلية مرتبط بوقت ما فى الماضى أو الحاضر أو المستقبل، ولكن عندما تقول ( فلان آكل للطعام ) فهنا جملة إسمية تفيد الدوام والثبوت ، وانه آكل للطعام فى كل وقت . أى إنّ التعبير بالجملة الإسمية فى قوله جلّ وعلا:(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) أكثر تشديدا فى صيغة الإلزام من الأمر المباشر العادى.

2 ـ  يؤكد هذا أن السياق هنا بدأ أيضا بجملة إسمية تؤكّد بأن الكعبة هى أول بيت وضعه الله للبشر ليكون مباركاً وهدى للعالمين وأن فيه آيات بينات ، وأنه آمن لمن يدخله . ثم تأت الجملة الخبرية الأخيرة :(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ )  وفيها معنى الأمر اللازم لأي مؤمن يحرص فى قلبه على تقوى الله تعالى، لأنها تؤكد أن ( على ) البشر فريضة يؤدونها لله جل وعلا ، وأنها ( عليهم ) أى أنها ( دين ) عليهم ، وأنهم (مدينون ) لله جل وعلا بهذا ( الدّين ). وصياغة هذه الجملة الإسمية جاء محمّلا بكل أنواع الإلزام لقلب المؤمن التقى ، فلم يقل جل وعلا بالصيغة الإسمية (على الناس حج البيت )ولكن قال:(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ )، تقديم لفظ الجلالة هنا :(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) يفيد القصر والحصر ،أى هو لله جل وعلا وحده ، والمؤمن حقا ـ الذى إذا ذُكر الله جل وعلا وجل قلبه ـ عندما يتدبّر الآية ويجد لفظ الجلالة يتقدّم هذه الجملة :(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) فإنه يشعر بمدى الإلتزام هنا ، لأنّ الذى يناديه ويطالبه بتأدية هذه الفريضة هو رب العزة جل وعلا وحده لا شريك له .

 ثانيا :  (مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)

المؤمن غير المستطيع ليس مطالبا بهذا الأمر ، ولكنه يتحرّق شوقا لتلبية الأمر لو كان مستطيعا . لأن الحج فريضة لله جل وعلا على المستطيع من الناس. تقدير الاستطاعة بالمال والقوة الجسدية لا دخل فيه للفقهاء الذين حشوا مصنفاتهم الفقهية باللغو آلاف الصفحات فى تحديد المستطيع ومدى الاستطاعة . فأقحموا أنفسهم بين الله جل وعلا وعباده، وتدخّلوا فى شرع الله جل وعلا بما لم يأذن به الله جل وعلا جهلا منهم بتشريع الاسلام ومنهج القرآن فى جعل الحج وكل العبادات وسائل للتقوى.

إنّ تقدير الاستطاعة متروك لقلب المؤمن وحده ، هو الذى يقدّر وهو الذى يقرّر مدى إستطاعته المالية وظروفه الاجتماعية والجسدية ، وإذا كان متقيا فهو يعلم أن الله جلّ وعلا يعلم  سريرته وعلانيته ومدى إستطاعته. ولو خدع الناس جميعا فليس بأستطاعته أن يخفى عن رب العالمين سرّه. وبالتالى فإن لغو الفقهاء فى تحديد الاستطاعة والمستطيع ليس فقط جرأة على رب العزّة وثرثرة فى الممنوع وتشريعا لم يأذنه به جلّ وعلا بل هو أيضا تأليه لأنفسهم إذ نصبوا من أنفسهم متحدثين عن الرحمن فيمن يستطيع ومن لا يستطيع، وجعلوا من أنفسهم واسطة بين الله جل وعلا والناس.وهذا يتنافى مع الاسلام وعقيدته ، بل ويتنافى أيضا مع بدء الآية الكريم بلفظ الجلالة :(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) لتفيد القصر والحصر فى أن هذه الفريضة لله جل وعلا وحده وليس لبشر أن يقحم نفسه فيها بديلا عن رب العزّة.إن قوله جل وعلا :(مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) يجعل العلاقة مباشرة بين المؤمن وربّه جل وعلا ، لا مجال فيها للواسطة . وهذه هى التقوى. 

 ثالثا : ( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ )  : (وَمَنْ كَفَرَ ) 

بعدها يقول جل وعلا فى صيغة إسمية أيضا ولكن صاعقة للقلب المؤمن :( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ )، أى إنّ الذى يستطيع ولا يحج يكون كافرا،فيأتي التهديد صاعقا للمستطيع الرافض للحج بعد هذه الصيغة الاسمية بالغة الدلالة . هنا نتوقف مع نوع خاص من الكفر العقيدى يقع فيه ( المؤمن ). هو ليس كفرا بالله جلّ وعلا،ولكنه كفر بنعمته إذ مكّنه رب العزّة بالاستطاعة التى يقدر بها على تأدية فريضة الحج ، فكفر بالنعمة وجحدها ورفض تأدية حقّها ، رفض تأدية الفريضة. يؤيد هذا قوله جل وعلا بعدها إنه غنى عن العالمين ( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ )، أى ليس جل وعلا محتاجا لاستطاعة هذا المستطيع ،ولكن المتقى يعلم إنه المحتاج لربه حتى ينجو من النار ويدخل الجنة ، فالتقوى هى الأساس وهى المبنى وهى المعنى .والتقوى بالنسبة للمستطيع أن يقدّم حق الله جل وعلا فى الصدقة والزكاة المالية والجهاد فى سبيله وفى الحج الى بيته الحرام . ومن يجحد نعمة الله ويقع فى ( كفران النعمة ) يصبح ضمن الذين يبخلون ، ومصيرهم النار ، قال عنهم رب العزّة : (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) آل عمران) (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً (37) ( النساء ).ويحذّر رب العزة المؤمنين من سوء هذا المصير فيأمرهم بالانفاق فى سبيل الله جل وعلا قبل أن يحلّ بهم الموت ومعه الندم : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)( المنافقون ).

رابعا :( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ )  : ( فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ )

التأكيد هنا بالجملة الاسمية أيضا بأنّ الله جلّ وعلا غنى عن العالمين: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ )، أي فمن أعرض عن فريضة الحج مع أستطاعته فقد كفر وإن الله تعالى ليس محتاجاً لأحد من الخلق . نحن الذين نحتاج الى تزكية أنفسنا وتطهيرها بالتقوى،والحج أحد وسائل التقوى . وبالتقوى ننجو من النار والخلود فيها ، ونسعد بالخلود فى الجنّة. ونتوقف هنا مع قوله جل وعلا :( فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ ) وصلته بموضوع التقوى. ونبدأ بتقرير هذه الحقائق القرآنية :

 1 ــ الله جل وعلا يخاطب البشر بلسانهم ، واللسان البشرى يعرف ما يدركه ، ولا يستطيع التعبير عن الغيوب التى لا يدركها . وصفات ( الله ) جل وعلا ضمن ما لا يستطيع الادراك البشرى التعبير عنها ، لذا خاطب الله جل وعلا البشر بلسانهم ليقرّب لهم فهم صفاته ، ومن هنا ترى أوصافا لله جل وعلا تأتى بنفس أوصاف البشر ، مع التناقض الحقيقى بين صفات الله وصفات البشر . ولكنها طريقة لتقريب المعنى من أفهام البشر . لذا يستعمل رب العزة ( الكرسى ) و ( العرش ) ليدلّ على التحكم والسيطرة ، ويستعمل مصطلح الكيد ( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَأَكِيدُ كَيْداً (16) الطارق  ) ومصطلح (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) الانفال ) (وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (50) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) النمل ) ليدل على إحباط كيد ومكر المعتدين المشركين . نفس الحال فى مصطلح الغنى ، يأتى وصفا للبشر ووصفا لرب البشر جلّ وعلا .

 2ـ جاء وصف البشر بالغنى فى قوله تعالى فى تشريع الوصىّ على مال اليتيم:( وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ )(النساء 6). الوصف بالغنى والفقر هما للوصى على مال اليتيم . وجاء وصف الأقارب بالغنى والفقر :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) ( النساء 135). وصف الغنى والفقر للبشر هو نتيجة للتفاوت فى الرزق الذى يتحكّم فيه رب العزّة : (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ)( الرعد 26 )( وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ) ( النحل 71 ). كما أن لصفة الغنى والفقر فى نفسية البشر أبعادا أخرى لا تقتصر على وجود الثروة أو عدمها ، ونحن هنا نتحدث عن القناعة ، فهناك فقير فى ماله لكنه قانع راض لا يمتد بصره الى ما فى يد الغير. وهناك من هم على سنّة أبى لهب وحسنى مبارك وآل سعود ، مهما تضخمت ثرواتهم فهم لا يشبعون . هذا فى التعامل مع البشر فيما يخص صفة الغنى . ولكن فى كل الأحوال وفى تعامل البشر مع رب العزة فهم جميعا مفتقرون اليه ، وهو غنى عنهم : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ )(فاطر 15).

3 ـ وجاء وصف البشر بالاستغناء عن دعوة الحق ، فالبخيل لا يحب الاسلام لأنّ الاسلام هو دين العطاء والزكاة ، لذا يستغنى عن الاسلام ويكذّب بالقرآن (وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى )( الليل 8ـ ).وأحد أولئك المترفين الذين إستغنوا عن الاسلام حاول النبى دعوته للحق ، وأعرض النبى وعبس فى وجه فقير أعمى حتى لا يأنف المترف المستغنى من دين يدخله الفقراء والمستضعفون ، ونزل تأنيب النبى بسبب هذا الموقف: ( عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى ) ( عبس ـ 5 ـ ). ولكن تظل الحقيقة باقية ، وهى أن الله جل وعلا هو الذى يجعل هذا فقيرا ويجعل ذاك غنيا :( وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى ) (النجم 48) ( وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ) ( الضحى 8 ). ومن حمق الانسان الغنى أن يظنّ نفسه مستغنيا فيطغى بثروته:(كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)(العلق 6: 7). نوجز القول بأن الفقر والغنى للبشر حالات عرضية وقتية ، وهم فقراء لله جل وعلا المتحكّم فى الرزق.

4 ـ لذا فإن الغنى الحقيقى هو رب العزة وحده ، وكلنا فقراء محتاجون له :(يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ)(فاطر 15 :17 )، وهو الله الغنى عن الصدقة:(قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ) (البقرة 263) (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)(البقرة 267)، وهو الغنى عن جهاد المجاهدين: ( وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) (العنكبوت 6 )، وهو الغنى عن إيمان الناس به:( وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً)(النساء 131)وعن شكرهم له:(وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ )(النمل 40 )، ولا يهتم إذا كفروا به :( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ )(الزمرِ 7)( ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)(التغابن 6). هو جل وعلا يهتم بالناس لو إستغاثوا به ، عندها يعبأ بهم :( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ )(الفرقان 77).  

5 ـ ان الله الصمد جل وعلا قد قرّر حرية كل فرد فى الايمان والكفر،ومسئولية الفرد على عمله ، فمن يجاهد إنما يجاهد لنفسه ( وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (العنكبوت 6 )،ومن يؤمن ويشكر فلنفسه( وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ )(النمل 40)،ومن أحسن فلنفسه ومن إهتدى فلنفسه ومن ضلّ فعلى نفسه:(إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا )( مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا)(الاسراء 7 ، 15 ).ومن أدّى فريضة الحج فقد فعل لنفسه خيرا، ومن كفر وبخل مع إستطاعته فإن الله جلّ وعلا غنى عن العالمين :(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ )(آل عمران 97).  ولذا فالمؤمن لا يمنّ على الله جل وعلا بإيمانه بل هو الذى يحمد ربه أن هداه الى الايمان :(يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (17) ( الحجرات)، وبعض الحمقى يظنّ أنه لو أدّى بعض ركعات لله جل وعلا فقد أدّى خدمة لله تعالى . كلا إنه إذا إهتدى فقد أدى خدمة لنفسه ، وإذا تزكّى فقد تزكّى لنفسه:( وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18) فاطر ). والنفس التى تتزكى بالعبادة والعمل الصالح هى التى تدخل الجنة . فلا يدخل الجنة إلا  المتقون. ومن هنا ترتبط الدعوة للحج بالتقوى .

وفى النهاية فهى حريتنا المطلقة فى الاختيار ؛ من يشاء أن يتقى ومن يشاء أن يعصى ، من يشاء أن يؤمن ومن يشاء أن يكفر،وما نختاره سنواجه عاقبته بالخلود فى الجنة أو الخلود فى النار:(وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً (29) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30) أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (31)  ) ( الكهف ) ، المؤمن المتقى هو الذى يحتاج الى أن ينجو من النار و أن يتمتع بالجنة ، لذا يلتزم بالتقوى لصالح نفسه ، فالله جل وعلا ليس محتاجا لأن يعذّبنا طالما آمنّا وشكرنا :( مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً)(النساء 147 ). 

الفصل الرابع : دور التقوى فى إتمام فريضة الحج

الفصل الرابع : دور التقوى فى إتمام فريضة الحج

1 ــ للقرآن الكريم أيضا أسلوب فريد في الحثّ على إتمام فريضة الحج بمراعاة التقوى الى النهاية ، وتصحيح الخطأ الذى يقع فيه الحاج بدفع الفدية ، حتى يرجع من الحج فائزا بالثواب المراد. فقد( يؤدى ) الإنسان مناسك الحج بطريقة سطحية خالية من التقوى ، وقد يقع فى المحرمات المنهى عنها ، ويعود من فريضة الحج وقد إزداد من الله بُعداّ ، بعد ما تكلّفه من مشاق وأموال.!.

2 ــ إنّ الحج فريضة لها موسم سنوى يتكرر كل عام ، هو يشبه معسكرا للتقوى مثل المعسكرات التى تقام لتدريب الرياضيين ونقوية وتحصين أجسادهم . الحج هنا دورة تدريبية للنفس لتتعلم التطهر والسمو والتقوى ، وذلك بأن يعيش الحاج جواً مختلفاً في الزمان والمكان والمشاعر والحلال والحرام . ما يكون حلالاً في الأوقات العادية وفي الأماكن الأخرى ـ مثل الصيد والحلق والرفث مع الزوجة  ـ يكون حراماً وقت الاحرام ، وما يكون فيه ذنبا هيّنا مثل نيّة الالحاد والظلم يكون إثما عظيما مستوجبا للعقاب فى الحج .  لذا يستلزم الحج استعداداً نفسياً لتقبل مشاق التجربة من بدايتها إلى نهايتها ، ومن فشل فيها لم يتم الحج في ميزان رب العزة .  

3 ــ والحج هنا يشبه الصيام ، فالطعام والشراب والرفث مع الزوجة يكون حلالاً في ليل رمضان ولكنه حرام في نهار وصيام رمضان . والصائم والحاج رقيب على نفسه فى الصيام وفى الحج ، يخشى الله فى الغيب ، حيث لا يراه إلّا الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ، أى يكون متأكّدا بأنّ الله جلّ وعلا مطّلع عليه فى سرّه وعلانيته . هذه تجربة لا بد أن تستمر ناجحة يوما بيوم الى نهاية رمضان أو نهاية الاحرام . شأنها شأن معسكر التدريب الرياضى . المهم هو النتيجة النهائية والنجاح الى النهاية ليفوز المؤمن الصائم أو المؤمن الحاج بدرجة التقوى فى ختام الفريضة. لذا فالنقوى اليومية ضرورية ، وفيها يكون تعداد شهر رمضان بالأيام ، وكذلك تعداد وقت فريضة الحج بالأيام،أى أيام معلومات وأيام معدودات ، وبهذا جاء وصف شهرررمضان ، مع أنه شهر زمنى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ) ( البقرة 183 )،وبهذا جاء وصف العبادة والنسك فى موسم الحج ( وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ)(البقرة 203 )،المؤمن عليه إذا اراد اتمام الصيام لله تعالى أن يأخذ نفسه على الإلتزام بأوامر الله إلى أن ينتهي النهار، فيكون قد اتم يوماً من التقوى فى صيام شهر رمضان وكذلك الحج ، وهكذا فى اليوم التالى حتى تنتهى الأيام المعدودات عدّا ، فالحج وصيام رمضان كلاهما فريضة سنوية تستمر التقوى فيها أياماً (معلومات) أو (معدودات) . لذا كان لابد من الحرص على اتمام هذه التجربة بنجاح إلى النهاية دون ان يسقط فيها الصائم والحاج.

من هنا نرى التعبير القرآنى عن النتيجة النهائية هو( بالإتمام ) بالحج والعمرة طاعة لأوامر الله جلّ وعلا :" وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ .. البقرة 196"ونفس التعبير بالإتمام يقوله جلّ وعلا عن الصيام  " ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ"  البقرة 187" ، والأتمام هنا يعني أن تنهي الفريضة بنجاح لمن يؤديها إلى ان يفطر الصائم أو إلى أن يُحلّ المُحرم . واكثرية الناس تنسى اتمام الصيام واتمام الحج فلا يزدادون بهما إلا سخطا من الله تعالى لأن الشيطان سوّل لهم وأملى لهم وكان له عليهم سلطان.

وسوسة الشيطان

التقوى صفة تقبل الزيادة والنقص، أى ليست لازمة للمرء طيلة حياته، بل تتغير زيادة ونقصاً حسب الصراع القائم فى داخل الإنسان بين الخير والشر، بين الهوى والخشية، بين الشيطان والفطرة السليمة التى فطر الله الناس عليها، وقد خلق الله تعالى النفس البشرية وسواها على أساس الفجور والتقوى وقدم الفجور فيها على التقوى فقال ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس 7: 8). وصراع الشيطان مع الفطرة السليمة فى المؤمن مستمر باستمرار الحياة، وبينما تكون السيطرة الكاملة للشيطان على الكافر فإن المؤمن المتقى يظل فى صراع مع الشيطان فى داخل نفسه، وهذا الصراع قد ينجم عنه بعض زلات ومعاص فيسارع المؤمن بالاستغفار والتوبة، وقد يخرج منه منتصراً على هواه وغرائزه وحينئذ يكون تقياً.يقول سبحانه و تعالى عن سيطرة الشيطان على المشركين دون المؤمنين ﴿إِنّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىَ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىَ رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ. إِنّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىَ الّذِينَ يَتَوَلّوْنَهُ وَالّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (النحل 99،100)، ويقول ﴿إِنّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاّ مَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (الحجر 42). ويزيد من حدة الصراع فى داخل المؤمن أنه متفاعل مع البيئة، مطالب ليس فقط بمراعاة التقوى فى نفسه أثناء تعامله مع خضم الحياة- ولكن مطالب أيضاً بأن يؤثر فى مجتمعه بالخير، ومن الطبيعى وهو بشر غير معصوم أن تؤثر فيه بعض المحن وأن يستسلم حيناً للهوى وحظ النفس وحيل الشيطان، وحين يقع فى حبائل الشيطان فلن يكون تقياً، وحين يسارع بالتوبة والندم يكون تائباً، وحين ينجح فى السيطرة على نفسه وغرائزه وينجو من الوقوع فى الإثم يكون تقياً نقياً، وتلك مجرد حالة من حالاته.وهكذا، فتقواه فى حالة تغير مستمر وارتفاع وانخفاض طالما بقى حياً. والمؤمن إذا وقع فى المعصية - ولابد أن يحدث هذا- فسارع بالتوبة وعزم على ألا يعود  فيكون حينئذ ضمن المتقين طالما بر بوعده وأقلع، يقول تعالى ﴿وَالّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذّنُوبَ إِلاّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرّواْ عَلَىَ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْملُونَ﴾(آل عمران 135). فجعل من صفات المتقين المسارعة بذكر الله إذا وقع فعلاً فى معصية والعزم الصادق على ألا يصر على فعل المعصية. فالتقوى حركة مستمرة باستمرار الحياة يقويها فى نفس المؤمن الاستمرار فى ذكر الله تعالى، ومعنى أن يداوم على ذكر الله أن يخشاه ﴿إِنّ الّذِينَ اتّقَواْ إِذَا مَسّهُمْ طَائِفٌ مّنَ الشّيْطَانِ تَذَكّرُواْ فَإِذَا هُم مّبْصِرُونَ﴾ (الأعراف 201).

وليس معنى ذلك أن المؤمن ملتزم تماماً بالتقوى، لذا شرع الله جلّ وعلا العبادات وسائل للتقوى تعين المؤمن على الاستغفار وتوثّق صلته بره جلّ وعلا .ومن العبادات ( ذكر الله ) الذى يتكرّر ساعات الليل والنهار، ومنها ما يتكرّر خمس مرات فى اليوم ( الصلاة )، ومنها ما يستمر شهرا فى العام كالصوم ، ومنها ما يكون عبادة مركّزة للسمو بالنفس بالحج الى بيت الله الحرام مرة أو أكثر فى العُمر للمستطيع.  ومن الضرورى أن ينجح المؤمن فى هذا الاختبار بأن يتمّ ( الحجّ ) لله ، أى يؤدّيه على أحسن ما يمكن إبتغاء مرضاة الله جلّ وعلا . وبهذا ينجو من حبائل الشيطان . فالشيطان توعّد بإضلال أبناء آدم فقال له جلّ وعلا : (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) الحجر)(إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً (65) (الاسراء). وبإتمام الحج والصوم على أحسن ما ينبغى وبإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وبإستدامة ذكر الله جل وعلا وبالتوبة والاستغفار لا يكون سلطان  للشيطان على المؤمن (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100)(النحل ).

ويوم القيامة يقول رب العزة للغاوين من أبناء آدم (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (64)( يس ). ويتم إلقاؤهم مع الشيطان فى جهنم ، حيث يتلاومون فيها: (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101)( الشعراء ) ويتبرأ منهم الشيطان : (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)(ابراهيم) .من أولئك الغاوين الضالين من كان يحج ولكنّه لم ( يتم) الحج لله . كان يحج على الطريقة السعودية الوهابية ، يجعل الحج ليس مناسبة للتقوى ولكن للفجور والعصيان ..والبيزينس .!!

إتمام العمر بالطاعة :

1 ــ لقد أعطى رب العزة جلّ وعلا كل نفس بشرية مساحة زمنية ترتدى فيها جسدها وتعيش وقتها المحدد فى هذه الدنيا ، يبدأ الوقت المحدد بالميلاد وينتهى بالموت . وبالموت تفارق جسدها لتعود الى البرزخ الذى قدمت منه ، وقد وفّت عمرها ورزقها وكتاب أعمالها ، وتنتظر وقت البعث . إختبار النفس البشرية هو فى تلك الحياة الدنيا ، وقت حياتها فيها. ويوم القيامة تأتى توفية أخيرة بالحساب ، وبه تدخل النفس الجنة أو النار بعملها ، حيث لا يدخل الجنة إلا المتقون ، ونرجو أن نتدبر هنا قوله جل وعلا : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِوَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73)( الزمر )

2 ـ لكى تكون النفس البشرية من أهل الجنة لا بد من أن ( تتم ) العمر فى تقوى ، أى لا بد أن تستمر فى التقوى الى موعد الاحتضار . أى لا بد من التوبة مبكرا ، وكلما كانت التوبة مبكرة كان أفضل ، إذ لا تنفع التوبة المتأخرة عند الاحتضار:( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (17) وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (18)النساء ).   ولأنّ مجرد الايمان لا ينفع بل لا بد فيه من التقوى والتمسك بها حتى الموت فإن الله جل وعلا يقول لنا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) آل عمران)، لذا فإن يوسف عليه السلام يدعو ربّه جل وعلا أن يموت مسلما وأن يلحقه ربه بالصالحين فى الآخرة:(تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)   )( يوسف).

أى ليس النجاح فى إختبار هذه الحياة بإتمام الحج والعمر لله جل وعلا فقط ، ولكن إتمام العمر كله فى التقوى ، بأن يتمّ المؤمن كل عباداته وكل أعماله الصالحة ليكون بها صالحا لدخول الجنة .

الفصل الخامس : تشريعات الحج فى ضوء التقوى

الفصل الخامس  :  تشريعات الحج فى ضوء التقوى

 مقدمة

1 – مدارات التشريع الاسلامى فى القرآن الكريم ثلاثة: الفرض المكتوب او الاوامر ، ثم النواهى أو المحرمات ، ثم ما بينهما وهو المباح. ومنهج القرآن فيها أن يحدد الفروض والمحرمات ثم يترك المباح مفتوحا ، واذا كان هناك تشريع سابق يحرم شيئا وجاء القرآن بتحليله مجددا يأتى ذلك فى القرآن فى سياق الحلال الجديد كقوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ) البقرة 187) .وجاء الدين السنى بغيّر ويضيف ويحلّ ويحرّم ، وجعل مدارت التشريع خمسة، انتزع من المباح الحلال ،درجتين : هما المكروه والمندوب او المحبّب المسنون . فالمكروه هومباح ينبغى تركه ودرجة اقل من الحرام، والمندوب اوالمسنون هو مباح ينبغى فعله وان لم يكن واجبا لأنه اقل من الفرض الواجب  .

وترتب على هذا التأويل والتعديل للمدار التشريعى الاسلامى القرآنى نتيجتان :* الاولى:-   اضافة مصطلحات جديدة تخالف القرآن وهى المكروه والمندوب ، وعلى سبيل المثال فإن المكروه فى مصطلحات القرآن ليس مباحا اقل درجة من الحرام كما يقولون بل هو اشد انواع الحرام تجريما، قال تعالى (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ )(7) الحجرات 7) فالمحبّب عند الله جلّ وعلا هو الإيمان ، والمكروه هو الكفر والفسوق والعصيان . وبعد ان جاء تحريم الكفر وعقوق الوالدين والسرقة والقتل والزنا وأكل مال اليتيم فى سورة الاسراء قال تعالى عن هذه الكبائر:  (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (38) . * الثانية :-هى التضييق من دائرة الحلال المباح وتحويل المباح الحلال الى مكروه لا ينبغى العمل به، وهذا يعنى التدخل فى تشريع الله تعالى من حيث الدرجة ومن حيث التفصيلات.

2 ــ  بالنسبة للحج ففيه أوامر ونواهى ، وبينهما حلال مباح، والتقوى تغلّف كل هذا وتصاحب المؤمن فى تأديته المناسك . ونعطى التفاصيل هنا.

أولا : التقوى فى الأوامر والنواهى

1 ــ  فى سورة البقرة يقول جلّ وعلا:( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197). أى فالذى فرض على نفسه تأدية فريضة الحج عليه أن يجتنب الرفث ، وهو مجرد الكلام الجنسى مع الزوجة ، وما يوصّل اليه ، والفسوق أى عموم المعاصى ، والجدال . الرفث مع الزوجة مباح فى غير وقت الحج ، والجدال  مباح بشروطه خارج وقت الحج ، ولكنهما حرام فى الحج . والفسوق حرام فى كل وقت ، وفى وقت الحج يحرم مجرد النية وإرادة الظلم والإلحاد والفسوق : (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) الحج ).

وبسبب هذا التشريع الخاص المشدّد يأتى التذكير بالتقوى صراحة فى إعتبار الحج وسيلة للتقوى ، وأنّ التقوى هى خير زاد يتزوّد به المؤمن فى رحلته فى هذه الدنيا قبل أن يموت : (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ).

وتأتى الاشارة ضمنيا بالتقوى فى قوله جلّ وعلا :( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ) فهنا هى المرة الوحيدة فى القرآن التى يأتى فيها لفظ ( الفرض) منسوبا للبشر وليس للخالق جل وعلا فيما يخص العبادات والتعامل مع رب العزّة . العادة أن يأتى الفرض من الله أمرا لازما لنا ، كقوله جل وعلا فى تشريع عقوبة الزنا : ( سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) النور)وقوله جل وعلا لخاتم المرسلين : (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (85)( القصص ) (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً (38)الاحزاب ) وقوله عن المؤمنين:( قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (50) ( الأحزاب) ( قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) التحريم ). فى حقوق الزوجة والتعامل بين البشر يأتى ( الفرض والفريضة) بمعنى الصداق :( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (24)النساء) ( لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)(237) البقرة ).

ولكنها المرة الوحيدة فى القرآن أن يأتى ( الفرض) منسوبا للشخص نفسه :(  فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ) ، أى من أوجب على نفسه فريضة الحج إبتغاء مرضاة الله جل وعلا فعليه أن يتقى ربه فلا يرفث ولا يجادل ولا يعصى ولا يفسق . وهنا تعامل قلبى بين المؤمن الذى فرض على نفسه فريضة الحج وربّ العزّة . وهذا التعبير بالفرضية الذاتية أو الإلتزام الذاتى من أبلغ الدلالات الضمنية فى موضوع التقوى . وتتأكّد هذه الإشارة الضمنية بالتقوى فى أن هذا المؤمن التقى الذى فرض على نفسه فريضة الحج لا بد أن يبدأ بالتأكيد على نفسه بأن الله جل وعلا يعلم سريرته ومطلع على أعماله وتصرفاته ، وبالتالى عليه أن يتقى الله ، وهذا هو معنى قوله جل وعلا فى نفس الآية :  (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ).

2 ــ يقول جلّ وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ).المائدة 1 : 2 )

النواهى هنا هى (لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ )،(وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا)( وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ). والأوامر:(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى).وتأتى الأوامر والنواهى معا:(أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ )  والمباح (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ). والتقوى هى الأساس :(وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ).

3 ــ ويقول جلّ وعلا :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ . أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ . جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )( المائدة 94 : 98 ).

النواهى هنا :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ )(  وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً ) والفرض الواجب هو بالفدية الواجبة على من يقتل الصيد فى حالة الإحرام (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً ) . والمباح الحلال هو صيد البحر (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ) ومفهوم من قوله جل وعلا (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً ) أنه مباح وحلال صيد البر فى غير الاحرام .

والتقوى تغلّف هذا التشريع ، تأتى صراحة فى قوله جل وعلا:(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ )، وتأتى  ضمنا فى صور مختلفة : الاختبار لمدى خشية المؤمن فى الحج بأن يجعل الله حيوانات الصيد تقترب من الحجاج ليتبيّن المتقى من غيره :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ). أن يكون الحاج المؤمن رقيبا على نفسه وحكما على نفسه فى تطبيق التشريع ، فى قوله جلّ وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ  )، فموضوع التعمّد يرجع تقديره للشخص نفسه ، فالمؤمن الذى تعمّد قتل الصيد وهو فى حالة الإحرام هو الذى يبادر بنفسه بدفع الفدية خشية من ربه جل وعلا . ليس هنا ضبطية قضائية بشرية ، ولا تستطيع إمكانات السلطة البشرية تحديد هل هو متعمّد أم لا . هذا يرجع للمؤمن ومدى ما فى قلبه من تقوى ، أو بتعبير عصرنا يرجع الى ضمير المؤمن ، ونحن هنا فى تجربة وإختبار للتقوى فى ضمير المؤمن فى فريضة الحج. وتأنى التقوى ضمنا فى أسلوب الترهيب فى قوله جل وعلا :  ( فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ).( عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ ) .(جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ).

ثانيا : فى مستجدات التشريع فى الحج : الاحصار

1 ـ تشريع الحج للبيت الحرام جاء عاما لكل البشر فى الكرة الأرضية ، ليفدوا الى بيت الله الحرام : ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) الحج )، ولكنّ قريشا منعت النبى والمسلمين من الحج فقال جل وعلا فيهم :( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) الحج )، . وحين منعوا النبى والمؤمنين فعلا من دخول مكة قال جل وعلا : ( هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (25) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (26) لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (27) الفتح ) .

2 ـ وفى هذا الوضع الجديد نزل تشريع جديد فى الحج هو ( الإحصار).يقول فيه جل وعلا: ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196). البقرة )

الأوامر هنا متشابكة مع النواهى :( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ )، إى (يجب )على المحصور الممنوع من الحج لسبب خارج إرادته أن يرسل الهدى الى البيت الحرام ، وهو (منهى) عن حلق رأسه حتى يصل الهدى الى البيت الحرام :(وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)وهو (مأمور) بدفع الفدية لو اضطر لحلق رأسه :( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ). وفى حالة الأمن من الإحصار أو رفع الحصر فمن أراد التمتع بالعمرة الى الحج فهذا (مباح وحلال )ومتاح ، ولكن (يجب ) عليه تقديم ما يستطيع من الهدى : (فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ )، فإن عجز عنه وجب عليه صوم عشرة أيام ؛ ثلاثة منها فى الحج ، وسبعة بعد الرجوع  . ويأتى تذييل التشريع بالتقوى : (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ).

ثالثا :  الرد بالتقوى على الابتداع والتحريف والتدين السطحى الظاهرى :

1 ـ  نزل تشريع القرآن يردّ على تحريف قريش فى ملة ابراهيم فيما يخصّ الحج ، فقد حوّلوا التقوى الى تدين سطحى إحترافى ، كان يعطى القرشيين لقب ( الحمس ) ، ويعطيهم طقوسا خاصة يتميّزون بها عن الحجّاج الوافدين من القبائل العربية ، منها أنهم وقت الاحرام لا يدخلون بيوتهم من أبوابها ولكن من ظهورها ليظهروا بمظهر الأبرار المتقين ، فقال جل وعلا  ( وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) البقرة) ، أى فالتقوى داخل القلب وليس بالمظهر . (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ).!!

2 ـ وإعتبر القرشيون أنفسهم أولياء الله بسبب قيامهم على رعاية البيت ورعاية الحجاج ، ومع تكذيبهم للقرآن الكريم فقد أعطوا أنفسهم الحق فى ملكية بيت الله الحرام ومنع خصومهم من الحج ، وجاء الردّ من ربّ العزة إنهم ليسوا أولياء الله جل وعلا ، فأولياؤه هم المتقون ، وليس كفار قريش من المتقين. قال جل وعلا عنهم : ( وإذ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (34)الأنفال)

 3 ـ وإعتبر القرشيون أنفسهم أفضل المؤمنين لأنهم القائمون بعمارة البيت الحرام وسقاية الحجاج ، وتناسوا أن التعمير الحقيقى هو بالتقوى وبالمتقين ، ولا يمكن للقلوب المشركة الكافرة أن تعمّر بيتا لله جل وعلا ، فالذى يعمّر بيوت الله هم المتقون الذين لا يخشون إلّا الله ، ولا وجه للمقارنة بينهم وبين الكافرين الظالمين ، يقول جل وعلا: ( مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ (18) أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) التوبة ). والتدبر فى هذه الآيات الكريمة يؤكد أنها تنطبق على آل سعود فى عصرنا.

4 ـ وتدخل القرشيون فى شرع الله فى الحج ، فأوجبوا السعى بين جبلى الصفا والمروة ، وهو تطوّع مباح وليس واجبا ، فنزل قوله جل وعلا : ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) البقرة ). هنا يأتى التنبيه على الأهم وهو التطوّع القائم على التقوى .

5 ـ ولا جناح على من يستغل فريضة الحج فى التكسب بالمباحات ، بل يتحول هذا المباح الى حسنات وقربى الى الله جل وعلا لو إستشعر المؤمن فضل الله جل وعلا عليه ، يقول جلّ وعلا : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ ):البقرة 198 ).

أخيرا : التقوى تغلّف مناسك الحج وأوامره ونواهيه ، وحتى المباح فيه . ولا مجال فى الحج للتدين الظاهرى السطحى المرائى المنافق ، كما يقع فيه عوام المسلمين ووعّاظهم وأئمة ديانهم أ أديانهم الأرضية ، ولقد ورثوا من أئمة أديانهم الأرضية تحويل المباح الى مكروه وحرام وواجب ومستحب مسنون مندوب . وسيأتى تفصيل ذلك فى الحديث عن الحج فى الدين السّنى حيث تفوّق السنيون على كفار قريش فى تقويض فريضة الحج الاسلامى ، ولكن إشتركوا معهم فى تجنب التقوى وتجاهلها . وهذا جعلهم لا يفهمون معنى الاحرام ، إذ جعلوه مجرد لباس معين يؤكّد على التدين السطحى المظهرى بديلا عن التقوى القلبية .  

الفصل السادس : الاحرام تجسيد للتقوى فى الحج : ( الحج هو الاحرام : الحج أشهر معلومات)

الفصل السادس : الاحرام تجسيد للتقوى فى الحج : ( الحج هو الاحرام : الحج أشهر معلومات)

مقدمة :

1 ـ التقوى تتجسّد فى الحج بالاحرام . لا تتجسّد بالزى كما يفعل حجاج المسلمين اليوم حين يتحوّل الاحرام بالحج الى زىّ يكشف عورة الرجل ويعرقل حركته فى الطواف والصلاة وسائر المناسك . الإحرام بالحج يعنى أن تجتمع الحرمات الثلاث فى نفس الزمان ونفس المكان ومع خشوع قلب الانسان . هذه هى حكمة الحج الذى تجتمع فيه الحرمات الثلاثة :  الحرم المكانى وهو بيت الله الحرام ، والحرم المكانى هو الشهر الحرام ، والحرم الانسانى وهو القلب محل التقوى ، أو بالتعبير القرآنى ( تقوى القلوب ) وجاء هذا فى سياق تشريعات الحج فى سورة الحج (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32).

2 ـ و" حرم الإنسان " هو ما يحميه الإنسان وما يقاتل دفاعا عنه، و" الحُرمة " بضم الحاء مالا يحل انتهاكه، و" حرمك " بفتح الحاء أي نساؤك وما تحمي ، وهي (المحارم) ، والواحدة منها (محرمة) ، وكما للإنسان "حرم" يدافع عنه ويحميه فالله تعالى ثلاث من "الحرم ": زمانى ومكانى وقلبى إنسانى، وبالحج تجتمع الحرمات الثلاث فى الزمان والمكان والانسان.وهذا هو معنى (الاحرام )، إذ يؤدي الحاج مناسك الحج للبيت الحرام في الأشهر الحرم بقلب ملىء بالتقوى حيث الحرم الثالث داخل الإنسان. ومن هنا تأتى عالمية الحج ، فالدعوة من الله جل وعلا خالق الكون لكل البشر أن يقوموا بالحج في الأشهر الحرم إلى بيت الله العتيق أول بيت وضع للناس ببكة مباركاً وهدى للعالمين. ونتوقف مع بعض التفصيل.  أولا : الحرم الزمانى : الاحرام والأشهر الحرم:

 1 ـ حرم الله الزمانى وهو الأشهر الحرم الأربعة التي منع الله فيه الإنسان من أن يظلم أخاه ، وبالتالي فلا قتال إلا في حالة الدفاع . وهذا تشريع عام لكل البشر فى أى زمان وأى مكان:( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ )(36) التوبة). والحج للبيت الحرام ( الحرم المكانى ) يكون خلال هذه الأشهر الحرام . ويأتى التعبير القرآنى عنها بالأشهر الحرم وبالشهر الحرام . ويتم الحج فى أى وقت خلال الأشهر الحرم الأربعة ، حيث يستمر حج الفرد بضعة أيام ، يقضى فيها المناسك ثم يعود الى بيته. ويظل موسم الحج مفتوحا من بداية إفتتاح موسم الحج فيما يعرف بالحج الأكبر فى الاسبوع الأول من شهر ذى الحجة الى أن تنتهى الأشهر الأربعة الحرم مع نهاية ربيع الأول . ثم يأتى التيسير الالهى بجواز البدء بالحج بيومين قبل بدء شهر ذى الحجة ،وجواز التأخر يومين بعد إنتهاء الأشهر الحرم الأربعة فى ربيع الأول ، أى أول يومين فى ربيع الثانى .

2 ـ عن الأشهر الحرم التي يجوز الحج خلالها يقول رب العزة: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ  )(البقرة /197 ) . إذن هناك أشهر معلومة للحج يعلمها العرب، ومن أدى فريضة الحج في هذه الأشهر فعليه ان يلتزم بواجبات الحج والإحرام عند بيت الله. ومدة الحج خلال هذه الأشهر تستغرق أياماً معدودات معلومات لمن ادى الفريضة فيهن. وهذه الأيام المعدودات تكفي كل مناسك الحج من طواف ووقوف بعرفة والسعي بين الصفا والمروة وتقديم الهدي .والله تعالى يبيح للمضطر أن يبدأ الحج قبل بدايته بيومين او ان يتأخر بعده بيومين:( وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ.(203) البقرة). والشرط هنا هو مراعاة التقوى لمن يتقدم قبل الموعد ولمن يتأخّر بعده:( وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنْ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) ( البقرة ). والتعبير عن الحج هنا بذكر الله ، وسبق التعرّض لارتباط ذكر الله بالتقوى فى فريضة الحج . والمدة التى تتم فيها مناسك الحج هى (أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) يتم فيها ( ذكر الله ) فى مناسك الحج ،و يكون فيها تنفيذ (الاحرام) فى الحج .هى معدودات لأنه يتم فيها حساب التقوى أو تطبيق الاحرام بالدقيقة والساعة واليوم ، أى معايشة للتقوى خلال أيام معدودات محسوبات يستيقظ فيها ( ضمير المؤمن ) ذاكرا الله جل وعلا مستشعرا تجربة التقوى، أو حسب التعبير المعاصر ( تجربة روحية ). فيها يجتمع الحرم الزمانى (الشهر الحرام) بالحرم المكانى (البيت الحرام) مع قلب المؤمن ( الحرم الانسانى) الذى يتنفس التقوى ويسمو بالنفس .

3 ـ والنسق القرآني يجمع بين الحرمات الثلاث في قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا)(2)المائدة). فالناس يحجون إلى البيت الحرام في الشهر الحرام. وقد نهى الله تعالى عن استحلال شعائر الله والشهر الحرام والهدي والقلائد وحجاج البيت الحرام . فجمع هنا بين الحرم الزماني والحرم المكاني وما يتصل بهما. والحرم الانسانى أى القلب مفهوم وجوده فى السياق ضمنا ، لأنّ الله جل وعلا يخاطب قلوب المؤمنين يأمرهم بعدم إستحلال شعائر الله والشهر الحرام والهدى المقدم للبيت الحرام ، وحتى القلائد التى يتم بها تزيين وتمييز الحيوانات المقدمة هديا للبيت الحرام ، وعدم إستحلال حقوق وحياة القادمين للحج الذين يؤمون أو يقصدون أو يسافرون للبيت الحرام ، وعدم الاعتداء على من كان عدوا فى الأشهر الحرم ، ويأتى ختم الآية الكريمة بالتقوى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2).وهنا أيضا إشارة للإحرام أو تجسيد وتطبيق التقوى وقت الاحرام الذى يختلف عن الأوقات الأخرى حين يكون ( الحلّ) ( بكسر الحاء وتشديد اللام )، أى بعد انتهاء فترة ( الاحرام ) يعود الانسان الى ( الحلّ) ، ويمكن له حينئذ أن يصطاد : (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ).

ويقول سبحانه وتعالى:( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ )(97) المائدة) فالكعبة هي الحرم المكاني والشهر الحرام هو الحرم الزماني . وأيضا فالحرم الانسانى موجود هنا بالأمر بالتقوى وخشية الله جل وعلا :(جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100)المائدة ) .

وعن تحريم القتال في الشهر الحرام (الحرم الزمانى ) وعند البيت الحرام (الحرم المكانى ) يقول سبحانه وتعالى عن المشركين المعتدين البادئين بالعدوان على المسلمين المسالمين : ( وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ )(191) البقرة ). وتأتى التقوى فى نهاية التشريع فى الحديث عن الحرم الزمانى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ)(194) البقرة )، ثم بعدها تفصيلات الحج:( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) إلى ان يقول الله جلّ وعلا :(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ) (البقرة 196: 197 ).

4 ــ ويبدأ موسم الحج بشهر ذي الحجة. والقرآن يؤكد أن الأشهر الحرم أربعة:( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ )(36) التوبة)، والآية التالية يبيّن فيها رب العزّة جل وعلا كيف حرّف العرب في الأشهر الحرم فقال: ( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37) التوبة).

5 ـ وعاد التحريف في الأشهر الحرم بعد نزول القرآن ، فقد جعلوا شهر "رجب " أحد الأشهر الحرم ، وهو شهر منفصل عن بقية الأشهر التى إعتمدوها أشهرا حرما بالمخالفة لشرع الله جلّ وعلا. يروى البخارى حديث ابن عمر " أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشرة أيام من ذى الحج " وقال ابن عباس " ومن السنة أن لا يحرم بالحج إلا فى أشهر الحج " ( البخارى 2/173 ) .وأشهر الحج عند الشافعى هى شوال وذو القعدة وذوالحجة ( الأم 2/132 ) ويؤكد نفس المعنى ابن كثير بحديث يقول :( الحج أشهر معلومات : شوال وذوالقعدة وذوالحجة ).ويقول ابن كثير عن إختلاف المذاهب فى وقت الحج " بعضهم يرى بصحة الأحرام بالحج فى جميع شهور السنة ، وهذا مذهب مالك وأبو حنيفة وابن حنبل وإسحق بن راحوين والنخعى والثورى والليث بن سعد . وذهب الشافعى إلى أنه لا يصح الحج إلا فى أشهره واستدل بقوله سبحانه وتعالى " الحج أشهر معلومات "وبحديث جابر" لا ينبغى لأحد أن يحرم بالحج إلا فى أشهر الحج " ( تفسير ابن كثير 1/236 ، 235 ) .هذا فى الدين الأرضى السّنى.

 6 ـ ومن خلال سورة التوبة نتعرف على الأشهر الحرم الحقيقية فى الاسلام . فالرسول حج حجة الوداع في شهر ذي الحجة الحرام سنة 10 هجرية وفيه نزل إعلان البراءة من كل المشركين المعتدين ناكثى العهود . وأذيع ذلك الاعلان يوم الحج الأكبر ـ أو بداية موسم الحج ـ وأعطى المشركين مهلة أربعة أشهر هي الأشهر الحرم ليدخلوا في السلام أو الاسلام السلوكى بالكف عن الاعتداء وحفظ المواثيق . يقول الله سبحانه وتعالى : ( بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) التوبة). إذن هو إعلان بمهلة أربعة أشهر.  فمتى تبدأ هذه المهلة ؟، يقول جلّ وعلا : ( وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ) (3)  التوبة". إذن تبدأ المهلة من يوم الحج الأكبر في شهر ذي الحجة . واسمه الحج الأكبر لأنه إفتتاح موسم الحج .ويستمر موسم الحج طيلة الأشهر الأربعة التالية . والمفهوم أن يسرى ويستمر ويتتابع مفعول الآذان ـ او الانذار ـ في الشهور التالية لتكون الأشهر الحرم هي:( ذو الحجة ، محرم ، صفر ، ربيع أول ) فليس معقولاً ان ينذرهم الله بأشهر سابقة هي شوال وذو القعدة.! ثم يقول الله تعالى : (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ )(ٌ 5)التوبة). يقول سبحانه وتعالى:( فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ ) والانسلاخ فى اللسان العربى وفى اللسان القرآنى يفيد التتابع، أي ان الأشهر الأربعة الحرم تأتي متتابعة متلاحقة . وعن مفهوم الانسلاخ بالتتابع يقول سبحانه وتعالى : ( وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37)يس )، فالله سبحانه وتعالى يسلخ النهار عن الليل فيحل الظلام ،والنهار ينسلخ بالتتابع ومرة واحدة ،ولا تبقى أجزاء من النهار تأتي بعد الظلام. إذن كيف يكون رجب من الأشهر الحرم ؟وكيف يكون شوال وذو القعدة منهما ؟؟.

7 ــ ومن رحمة الله جلّ وعلا أن جعل مدة تأدية مناسك الحج أياما معدودات وقرنها بتيسير أكثر، فقال : (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ)َ(203) البقرة) . أي ان الله تعالى أجاز لمن يبدأ المناسك قبل ذي الحجة بيومين أو بعد أنتهاء ربيع الأول بيومين طالما إتقى الله .وقد قال تعالى " الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ )( 197) البقرة )، ذلك يعني بوضوح ان للمسلم أن يؤدي مناسك الحج في أي وقت خلال الأشهر الحرم الأربعة التي تبدا بذي الحجة فالمحرم فصفر فربيع الأول ، وله أن يتعجل قبلها بيومين او يتاخر بعدها بيومين إذا اتقى الله .وهذا تيسير من الله جلّ وعلا ، علاوة على أنه يحقق الحكمة من الحج حين يقترن الشهر الحرام بالبيت الحرام بالاحرام القلبى في موسم الحج . ولكن الذي حدث أن الناس حصروا الحج في بداية ذي الحجة إلى يوم الحج الأكبر . أي أقتصروا في الحج على موسم الافتتاح وحده ، ونسوا الباقي ، وتناسوا قوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ). وترتب عليه في عصرنا الراهن أن أصبح الحج عذاباً حين يتكدس الملايين في وقت واحد في مكان واحد يؤدون مشاعرهم معاً في وقت واحد ..

8 ـ هنا يبدو الفارق بين التيسير والتسهيل والتخفيف فى الدين الالهى عكس الدين الأرضى الذى يقوم دائما على التعسير والحظر والتعقيد والتزمت والتطرف . يقول جل وعلا عن رفع الحرج : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا (78) الحج ) (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ (6) المائدة)، ويقول جل وعلا عن التخفيف ( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً (28 )( النساء )ويقول:(ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ )(178) البقرة ) ويقول (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ) (185) البقرة ).

ويتجلّى التيسير فى فى تشريع الحج أكثر، فهو على المستطيع فقط أى لمن إستطاع اليه سبيلا وخلال أربعة أشهروليس فى اسبوع واحد ، وتيسيرا على المحصور نزل له تشريع خاص. وبالتالى فإن تكدس الناس بالملايين فى اسبوع واحد يجعل الحج غير واجب فى هذا التكدس لأن فيه حرجا ومشقة وعدم إستطاعة ، وبالتالى أيضا فأمام الناس متسع لتأدية مناسك الحج فى أى اسبوع خلال الأشهر الحرم الأربعة من ذى الحجة الى نهاية ربيع الأول . بل يأتى التخفيف بيومين قبل وبعد الأشهر الحرم . وإذا منع آل سعود الحج فى هذه الأشهر الحرم فيمكن لمن يريد الحج تطبيق شريعة الاحصار ، أى يظل فى بيته ويرسل ما تيسّر من الهدى الى البيت الحرام ، ويلتزم الإحرام فى بيته ولا يحلق شعره الى أن ينتهى الوقت الذى حدده لأداء المناسك. والآن توجد الرفاهية مؤكدة فى الحرم ولم يعد يحتاج الناس هناك للذبائح كما كان من قبل، بل قد يصبح تكدس الذبائح مشكلة، وقد يتم إلقاء بعضها فى الزيالة كما يقال ، لذا يمكن للحاج المحصور أن يرسل بالهدى الى المناطق التى تعانى من المجاعات ، ويخلص لله جل وعلا قلبه وييعمّر قلبه بالتقوى ، فهذا هو الغرض الأسمى من الحج .

9 ـ ولكن كيف حدث أن نسى الناس الأشهر الحرم ونسوا الحج خلالها ؟ وكيف قصروا تأدية الحج فى اسبوع واحد هو أول اسبوع من ذى الحجة ؟ . السياسة هي السبب ، فقد أنتقلت حركة الأحداث بعد الخلفاء الراشدين إلى العواصم الجديدة في الكوفة ثم في دمشق ثم في بغداد والفسطاط والقاهرة وبالتدريج تحولت الجزيرة العربية منذ القرن الثالث إلى الجاهلية فبدأت الغارات على قوافل الحجاج، مما استلزم ـ منذ بداية عصر التدوين ـ ان يتجمع الحجاج في مسيرة واحدة في وقت واحد ويقوم على حمايتهم جيش يقوده أمير الحج . وبذلك كانت وفود الحجيج من كل مكان تأتي في شكل حملات عسكرية لتحمي الحجاج من غارات البدو ، خصوصاً حين كانت الغارات على الحجاج تأخذ تشريعا أرضيا كما كان يفعل الخوارج ثم فى حركة الزنج ثم القرامطة . كانت تلك الأديان الأرضية تنتشر بين قبائل العرب فى منطقة نجد وغيرها. ومعلوم ما فعله القرامطة بالحجاج وبيت الله الحرام ، وقفزت غارات القرامطة إلى سطور التاريخ لارتباطها بحركات سياسية ، اما الغارات العادية للقبائل فقد كانت من الأنشطة العادية ، مما استلزم تجميع الوفود القادمة للحج لتكون في موسم الأفتتاح فقط . ولأن ذلك حدث مواكباً لبداية التدوين المنظم منذ القرن الثالث فقد صار تشريعاً بالأحاديث التي راجت في العصر العباسي . ويضاف إلى ذلك أن الخلفاء الأمويين وغيرهم ـ حرصوا على استغلال موسم الحج للدعاية السياسية في عصر لم يكن الاتصال فيه بين الولايات ميسوراً لذا كان موسم الحج فرصة سياسية ودعائية للخليفة ، سرعان ما استثمره العباسيون ، وغيرهم ، وصار الحج من الأدوات السياسية التي تستلزم حشد الجماهير في وقت محدد . وبذلك ترسب في الشعور أن الحج هو في تلك الأيام القليلة في بداية شهر ذي الحجة فقط .

 ثانيا : الحرم المكانى والاحرام فى البيت الحرام " الكعبة ":

1 ـ تاريخ حرمتها مرتبط ببداية الوجود البشرى على هذه الأرض :(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) آل عمران)،فهي اول بيت لله في هذه الأرض ، وأول بيت وضعه الله جل وعلا للناس مذ كان على الأرض ناس ، لذا فهو البيت العتيق أى المغرق في القدم .وقد اظهر الله مكان البيت لإبراهيم وأمره بإقامة قواعده، أي كان البيت الحرام معروفاً قبل إبراهيم،ولكن أمر الله إبراهيم أن يطهره من مظاهر الشرك التي أقامها القدماء حول البيت:( وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) الحج). وإستمرت حرمتها في الجاهلية فامتنّ الله جلّ وعلا على قريش أن عاشت آمنة منعّمة حول الكعبة فقال تعالى:( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) قريش) وقال عنهم:( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا)(57) القصص).وقال جلّ وعلا:(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ )(67) العنكبوت) وأمر الله جل وعلا رسوله الكريم أن يقول:( إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا )(91) النمل).ولا تزال حرمتها قائمة برغم تحريف أديان المسلمين الأرضية .

 2 ـ ومن مظاهر حرمة (البيت الحرام ) أنّ من دخله كان آمنا ( وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً )(97) آل عمران )، وهو مقصد ومثابة للناس وموضع الأمن لهم: ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً )(125)  البقرة ). ومن قصد البيت حاجّا فلا بد أن يتمتع بالأمن ، ليس هو فقط ، بل يتمتع بالأمن ما يحمله الحجاج من حيوانات الهدي والقلائد التى تميّزها وترافقهم ليقدموها هديا وهم في طريقهم للبيت:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً )(2) المائدة ) . ويتمتع بالأمن الحيوان البرى والطير في داخل الحرم: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ)(1) المائدة)،(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ )(95) المائدة )، ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (96) المائدة ) . ويحرم قتل الأحياء من الهوام والحشرات حتى فى الرأس ، ولذا يجب الحلق والتقصير قبل الدخول فى الاحرام . ويحرم القتال في مكة إلا للدفاع عن النفس :( وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) البقرة). قال (فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ) ولم يقل فإن (قاتلوكم فقاتلوهم ) وهى تفيد القصاص العادل ،لأنّ (قاتلوهم) تفيد مواصلة القتل،ولكن (فَاقْتُلُوهُمْ) تحصر القتل فى المعتدين المهاجمين المصممين على القتال الى النهاية وتستثنى من يغيّر رأيه منهم ويكفّ عن القتال. ومع ذلك فقد أقتتل المسلمون حول البيت الحرام في ثورة ابن الزبير في القرن الأول الهجري واحترقت بينهم الكعبة وكل ذلك بسبب حطام الدنيا ..!! وسيأتى تفصيل ذلك فى أوانه .

 3 ــ وتحيط مكة بالكعبة أو الحرم الالهى المكانى . ومن الحرم المكاني خرجت الرسالة الخاتمة للعالم إلى قيام الساعة ، وإلى الحرم المكاني يتوجه المسلمون نحو الكعبة للصلاة خمس مرات كل يوم ، وإلى الحرم المكاني يتوجهون كل عام في الأشهر الحرم للحج .وإسم مكة في القرآن الكريم هو(أم القرى ) ، ويرتبط هذا الإسم بالحديث عن القرآن الذي جاء عاماً لكل البشر إلى قيام الساعة، وأشرق نوره من مكة أم القرى للعالم ليكون الرسالة الالهية العالمية الأخيرة للبشر جميعا قبيل قيام الساعة، والتى تنبع من مكة أم القرى (مركز العالم) :(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ) (7) الشورى).إذن من مكة مركز الكرة الأرضية جاء الإنذار بالقرآن الرسالة الالهية الخاتمة إلى كل العالم : (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ) (92) الأنعام ). فأم القرى هى مكة مركز العالم ، وما حولها هو العالم كله شمالا وجنوبا وشرقا وغربا . ويقول سبحانه و تعالى عن عن العالم وما فيه من قرى وتجمعات بشرية:(وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا)( (59) الأنعام ).

 إذن مكة التي هي حرم الله المكاني هي في  نفس الوقت أم القرى ، وإليها يتجه المسلمون في الصلاة وفي الحج ومنها خرج القرآن للعالم كله .. وفيها اول بيت وضع للناس منذ أن كان على الكوكب ناس ..

4 ــ وحوائط الكعبة ليست مقدسة فقد بنيت هذه الحوائط وهدمت أكثر من مرة ، بناها إبراهيم وإسماعيل وبنتها قريش في حياة النبي عليه السلام ، وبناها ابن الزبير وغيره، ولم تكن احجار الكعبة من السماء وإنما من الأحجار التي تغطي أرض مكة ، والتي لا تختلف عن أي أحجار أخرى ، والذي يطوف بالبيت يجب أن يعى هذا ،وأن يغمر قلبه بتقوى الله لا بتقديس الأحجار. فليس فى الاسلام تقديس لبشر أو حجر. إنّ الشيئ الهام في الكعبة هو ما تحيط به جدرانها الأربعة ، أى ذلك المكان الذي أرشد الله إبراهيم إليه ، وذلك المكان هو المهم ، إنّه الذي تحدده وتحيط به جدران الكعبة والذى هو نقطة الارتكاز لبيت الله الحرام أو المسجد الحرام والذى قامت حوله مكة أم القرى. ذلك المكان هو نقطة الارتكاز للكرة الأرضية الذى يقع فى منتصفها تماما وفق ما نفهمه من وصف مكة بأم القرى. والذي اختاره الله حرماً مكانياً له تعالى ، والذى يجب أن يتجه إليه البشر من كل انحاء العالم شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً في الصلاة والحج .

ثالثا : الحرم الانسانى : القلب المتقى الذى يمارس الإحرام فى الحج تقربا لله جل وعلا .

1 ـ  طبقا لنظرية النسبية فالمكان هو ( الكتلة) بأضلاعه الثلاثة ،والزمن هو البعد الرابع الذي يكمل الأضلاع الثلاثة للمكان ، ونحن نرى المكان ولا نرى الزمن الذي يغلّف المكان .والجسد الإنساني من نفس المواد التي تنتمي إليها كتلة الكون المادي، والزمن هو الذي يغلف جسد الانسان ويعيش من خلاله راكبا قطار الزمن الذى يسير بسرعة 60 ثانية فى الدقيقة و60 دقيقة فى الساعة و24 ساعة فى اليوم . تدخل النفس فى جسد الجنين الخاص بها وهو فى رحم الأم ، ويركب الانسان قطار الزمن  لحظة مولده ويغادره بالموت حين تفارق النفس جسدها . كتلة الانسان المادية تتخللها النفس التي تنتمي إلى عالم البرزخ الذي لا نراه ولا نراها، وأعمال النفس خلال حياتها فى هذا العالم يتم تسجيلها فى كتاب عملها، وعلى أساسه سيكون حسابها بعد البعث والنشور. ومن تلك الأعمال تأدية العبادات ـ وهى وسائل لتقوى النفوس، ومنها الحج . وبالاحرام فى الحج تتألّق التقوى،وبالتقوى يمكن للنفس أن تدخل الجنة .

2 ـ  والكعبة هي الحرم المكاني كما ان الأشهر الحرم هي الحرم الزماني،وذلك أمر مقرر سلفاً منذ خلق الله الكون، يقول جلّ وعلا:(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ )(36) التوبة ). وموضوع الزمن من أشد موضوعات العلم تعقيداً . والله جلّ وعلا وحده هو الأعلم لماذا اختار الأربعة أشهر الحرم ( ذو الحجة محرم صفر  ربيع الأول ) من دون أشهر السنة القمرية ، وربما تكون السنة القمرية التي تحسب على أساسها الأشهر الحرم هي الأنسب حيث يتنوع المناخ خلال الفصول فلا يكون موسم الحج في خلال الصيف كل الأعوام. وعند الحج للبيت الحرام في الشهر الحرام ينبغي ان يتوحد الزمان الحرام والمكان الحرام في شخص الحاج الذى يتقى الله جل وعلا بالغيب . وشخص الحاج يتكون من جسد ونفس ، وعند الاحرام يتوحد الحرم المكاني والحرم الزماني في جسد الحاج ونفسه .  فلا حلق ولا تقصير في جسده ولا لغو ولا رفث ولا جدال في حواسه ولا على لسانه ولا إرادة للشرّ في قلبه . أي يكون ـ أو ينبغي أن يكون ـ في نفس المستوى اللائق أن يكون عليه وهو في بيت الله الحرام وشهر الله الحرام ، ما يكون حلالاً له في غير الإحرام يكون محظوراً عليه وهو محرم . وهذا هو معنى الاحرام .

3 ـ إن الذرة هي اصغر وحدة ـ معروفة ـ في المادة ، وهي تتكون من الكترونات " تطوف " حول النواة طوافاً أبدياً . وهي الطاعة التي ألزمها الله جلّ وعلا بها . ولكل كائن طريقته التي جبله الله عليها في التسبيح لله : (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ )(44)  الإسراء ).والإلكترون مجبور على الطاعة . ولكن الإنسان لديه الحرية في ان يطيع وان يعصي ، وهو يختار إذا كان مؤمناَ ان يطيع الله بإرادته ، وحين الإحرام فى الحج وحين الطواف حول البيت ، فإنه ـ ذكرا كان أو أنثى ـ  يجب أن يكون محايدا كالإلكترون ، ينسى غرائز الجنس ويكون نقيا ساميا ، بلا شرور في قلبه ولا شهوة في جسده ولا آثام على جوارحه . وكما يطوف الإلكترون حول النواة في الذرة طاعة لله كذلك يطوف الحاج حول حرم الله في مكة ام القرى مركز الكرة الأرضية . فمكة بالنسبة للأرض كالنواة للذرة ، وهنا طواف وهناك طواف ، والدعوة في ذلك عامة لكل الناس في كل الكرة الأرضية . وكما ان لله جلّ وعلا حرماً مكانياً وحرماً زمانياً لا ينبغي ان يشاركه فيها احد ، فلله أيضا حرم في داخل كل إنسان، وهو القلب الذي لا يعلم ما فيه إلا علام الغيوب : ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (19) غافر)، لا يستطيع بشر ان يعلم ما في سريرة الآخرين، ولقد قال الله تعالى لرسوله الكريم عن بعض الصحابة: ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ )(101) التوبة). وهذا القلب الإنساني الذي لا يعلم ما فيه إلا الله ينبغي ان يكون في الحج خالصاً لله صافياً من نوازع السوء ، يتعامل مع الله جل وعلا مباشرة ، يخشاه وحده ويتقيه وحده . لذلك فإن الله تعالى يعاقب على إرادة السوء فى قلب الحاج وهو فى حالة الاحرام : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) الحج ). وإذا نجح المؤمن فى إختبار الاحرام فاز بالتقوى، وتحقّق هدف الحج.

أخيرا

 1 ـ في الإسلام إله واحد هو رب العزة سبحانه وتعالى  هو خالق المكان والزمان والانسان، وله جل وعلا حرم مكاني واحد هو الكعبة، وحرم زماني واحد هو الأشهر الحرم ، والله وحده هو الذي يعلم ما في القلوب، وهو الأعلم بمن إتّقى .ولكن فى أديان المسلمين تتعدّد الآلهة وتتكاثر من صحابة وأئمة وأولياء ، ومن هذا الرجس العقيدى ينبع رجس فى العبادة بتقديس هذه الآلهة الأرضية،من حج للأنصاب والأضرحة ، أشهرها ذلك الرجس المسمى بقبر النبى ، وهو رجس من عمل الشيطان،وقد إخترعوا له حديثا شيطانيا يزعم أنه ( من حج ولم يزرنى فقد جفانى )( وما بين قبرى ومنبرى روضة من رياض الجنة ).

2 ــ وحيث يوجد هذا الشرك العقيدى وهذا الرجس فى تقديس القبور فلا محلّ أصلا للإحرام ، فكيف يصلح قلب ملىء بالرجس لأن يطهر ويسمو ؟ إن هؤلاء الحجاج يطوفون بالبيت ـ وقلوبهم متعلقة بذلك الرجس المسمى بقبر النبى فى المدينة ، وهم أصلا يحجون على أمل الذهاب للتبرك بهذا الرجس والتمسّح به تبركا .  ولا يتصوّر أحدهم أن يحج الى بيت الله الحرام دون الحج الى ( الحرم الثانى ) أو الرجس الذى فى المدينة أو ما يعرف بالمسجد النبوى . ورئيس الكهنوت السّنى لقبه الرسمى ( خادم الحرمين ) أى حرم الله وبيته الحرام ، وحرم آخر لمن جعلوه الاها مع الله جل وعلا، ونسبوا ذلك ظلما وزورا لخاتم المرسلين وجعلوه سنّة ، كما لو أنّه عليه السلام كان يحج الى قبره فى حياته .!!. هذا هو الشأن فى أى دين أرضى يقوم على خرافات تكتسب تقديسا لأن أحدا لا يجرؤ على مناقشتها ، فإذا تجرأ مفكر مسلم ونقدها لاحقته الاتهامات بالكفر من كل الرعاع.!

3 ــ وبعد الرجس العقيدى نراهم قد غفلوا عن المعنى الحقيقى للإحرام ، والذى شرحنا حكمته هنا . إذ جعلوا الاحرام مظهرا سطحيا ، هو لباس ( الاحرام ) العارى الذى يعيد ما ساد فى الجاهلية من ( طواف العرى ) وهذا للتشجيع على الفسق . ( ولا ننسى شهرتهم فى مجال الشذوذ الجنسى والزنا ) .وموعدنا مع هذا فى الباب الخاص بالشرع السّنى الذى أضاع فريضة الحج الاسلامية .

 4 ـ ولكن علينا أن نتذكر : إنّ الاحرام ليس بهذا الزى المضحك الهزلى والذى يتكون من قطعتى قماش يكشفان العورة للرجل ، وفق ما كان البدو يلبسون . الاحرام هو إخلاص القلب لله جل وعلا فى تأدية مناسك الحج فى الحرم المكانى ( مكة ) وقت تأدية الحج فى الحرم الزمانى ( أيام معدودات خلال أشهر الحرم ). هذا الاخلاص محلّه الحرم الانسانى أى قلب الانسان ونفسه ، بطاعة اوامرالله جلّ وعلا حتى بالامتناع عن الحلال ( الرفث مع الزوجة ) و تصفية القلب من كل نوازع الشر فلا إرادة بالحاد أو ظلم ، والمحافظة التامة على كل كائن حىّ فى بيت الله الحرام حتى إن من يأتى للحج يحلق أو يقصّر شعر رأسه حتى لا يقتل القمل أو الحشرات فى رأسه . الاحرام هو تجربة للتطهر القلبى وممارسة أعلى درجات التقوى بالحج خلال الأشهر الحرم فى بيت الله الحرام . ويبدأ الحاج الاحرام بمجرد دخول الحرم المكانى   وهو يتزين بملابسه طاعة لقوله جل وعلا (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ (31)( الاعراف ). وبالتالى فمن العبث تحديد أمكنة مختلفة لللحجاج القادمين لبدء الاحرام كما يقول الدين السنى حين يجعل المكان الفلانى لبدء إحرام أهل مصر والمكان الفلانى للحجاج القادمين من العراق ..الخ . والطريف أن أئمة الدين السّنى الذين حددوا هذه الأماكن للناس فى عصرهم  لم يحددوا أماكن للحجّاج القادمين من استراليا والامريكيتين وأوربا ، لأنهم صنعوا دينا على حسب مقاسهم ومدى معرفتهم . ويكفى أنهم تجاهلوا القرآن الكريم فجعلوا الحج فريضة محلية مقصورة على من جعلوهم من المسلمين فقط . 

الفصل السابع : التقوى وعمومية فريضة الحج على كل البشر

الفصل السابع : التقوى وعمومية فريضة الحج على كل البشر

  مقدمة : كما إن الأمر بالتقوى يأتى عاما لكل البشر فإن عبادة الحج تأتى أيضا عامة لكل البشر ، فالحج من وسائل التقوى . ومن مظاهر التعصب لدى الدين السّنى إنهم قصروا الحج على المسلمين دون غيرهم من الناس . فأصبح من شروط الحج أن يكون الحاج مسلماً ، وأصبح من التقاليد المرعية منع غير المسلمين من دخول "الأماكن المقدسة ". هم بذلك حوّلوا الاسلام دين الله جل وعلا الى دين محلى لا يسع لغيرهم ، واحتكروه لأنفسهم ، وتناسوا عالمية فريضة الحج ، وعالمية الأشهر الحرم وعالمية البيت الحرام الذى جعله الله جل وعلا مثابة للناس جميعا وامنا ، ومن دخله من الناس ـ أى ناس ـ كان آمنا .

أولا : القرآن الكريم يرفض ذلك .

1 ـ فالحج اوثق العبادات بملة إبراهيم ، ولم تكن ملة إبراهيم مقصورة على فئة معينة من الناس ، وإنما هي دعوة عامة لجميع الناس مهما اختلفت تسمياتهم ، يقول تعالى يخاطب جميع البشر: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً (125) النساء)، ( وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ (130) البقرة). ودعا الله تعالى اهل الكتاب لإتباع ملة إبراهيم ومنها الحج لبيت الله الحرام:( قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ (97) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) آل عمران).فالبيت الحرام هو أول بيت وضع للناس . وهو هدى للعالمين ، ومن دخله من كل الناس ينبغي ان يكون آمناً . ولله على الناس ـ جميعاً ـ حج البيت من استطاع إليه سبيلا.وهكذا فالنسق القرآني في الآيات يدل على عموم فرضية الحج على كل الناس .

ثانيا : كلمة الناس فى تشريع الحج تعنى البشر جميعا

1 ـ كلمة (الناس) قد تنحصر فى طائفة معينة محددة بالزمان والمكان مفهومة بالقرينة، كقوله تعالى عن قوم إبراهيم عليه السلام:(قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61)الأنبياء)،ومدين فى عهد موسى عليه السلام:(وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ(23)القصص)، والمصريين في عهده أيضا : (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) طه)،وحكام مصر في عصر يوسف عليه السلام: (لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) يوسف)، وأهل الكتاب: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) النحل)، وقد تفيد العرب في عهد محمدعليه السلام:( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حولهم ) (67) العنكبوت ) . وقد تتكرر كلمة الناس لتدل على أناس مختلفين فى زمان معين ومكان معين وموقف معين :(الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً)(173)آل عمران).

2 ـ وقد تكون كلمة "الناس" عامة تشمل البشر في كل زمان ومكان ، والقرينة أيضاً تدل على ذلك ، مثل قوله تعالى عن يوم الدين :(رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ َ)آل عمران: 9 )، (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُالنَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ)هود: 103 )(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) الحج )،وقوله عن ذاته جل وعلا : (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)). وتكررت في القرآن عبارات(ومن الناس) و(أكثر الناس)، ( يا أيها الناس)، وهي قرينة تدل على عمومية كلمة الناس وتحررها من الزمان والمكان.، مثل قوله جل وعلا : (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ )(165) البقرة )، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً )النساء:1 ) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)الحجرات: 13 ).ومن الأوامر العامة التي جاءت للناس أو البشر جميعاً قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) البقرة)، ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) (168) البقرة )، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ ً) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً)النساء 170 ، 174 ). ومن ( كل الناس ) فى كل زمان ومكان يقول رب العزة عن ( بعض الناس ): (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) يوسف : 103)( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ)الرعد: 1 ).( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ)الحج: : 3 )

3 ـ ومن استقراء كلمة الناس في القرآن وجدنا النسق القرآني في الحج يدل على أنها تعني عموم البشر في كل زمان ومكان وهذه امثلة : ـ

ا ـ يقول تعالى : (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ (97) آل عمران). الفاظ : (العالمين) تفيد الشمول العمومية،والقرينة في:(أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ) و(وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً )،(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) تفيد شمول الأمر كأنه جلّ وعلا قال:(يا أيها الناس).  ب ـ يقول تعالى:(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) البقرة). فالبيت مثابة للناس ـ كل الناس ـ وأمناً لهم.وما احوج البشر في هذه الغابة إلى مكان يكون لهم جميعاً مثابة وامناً. وأمر الله جلّ وعلا إبراهيم واسماعيل عليهما السلام أن يطهرا بيته لجميع الطائفين والعاكفين والركع السجود لكل الناس .

جـ  ـ ويقول سبحانه وتعالى: ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ) (97)المائدة )، فالبيت الحرام جعله الله جلّ وعلا قياماً للناس جميعاً ، وكذلك الشهر الحرام للناس جميعاً ، والزمن عام للناس جميعاً والشهر الحرام يمر على الناس جميعاً وليس على طائفة دون أخرى ، فالحرم الزماني عام ومثله الحرم المكاني .

د ـ ويقول تعالى عن مشركي قريش حين صدوا المسلمين عن المسجد الحرام: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) (25) الحج ). فالله تعالى جعل المسجد الحرام لجميع الناس سواءاً، لا فرق بين من يقيم فى مكة أو من يقطع البوادي سفراً إليه .. والذى يصدّ الناس عن القدوم لبيت الله الحرام فقد وقع في جريمة الصّد عن سبيل الله ومسجد الله الحرام . والجريمة التى وقعت فيها قريش حين صدّت المسلمين المسالمين عن المسجد الحرام مالبث أن صارت تشريعا فى الدين السّنى تقوم السعودية على تطبيقه اليوم ، تجعل من بيت الله الحرام ملكية خاصة بآل سعود .!! .

أخيرا :

وقد نشرنا مقالا هنا يدعو الى تحرير البيت الحرام من سيطرة الأسرة السعودية . نعيد نشره للتذكير.

إلى متى يظل المسجد الحرام وفريضة الحج رهينة لدى السعوديين ؟ والى متى تستمر هذه المخالفة لشرع الله جل وعلا؟

أولا :

فى كل موسم حج تحدث وفيات بالمئات نظرا  لتكدس ملايين الحجاج فى أسبوع واحد لقضاء فريضة الحج ، و قد كتبنا فى تأكيد قوله جل وعلا (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ) ( البقرة 197) مقالا قلت فى بدايته :(يمكنك أن تحج خلال أربعة أشهر ، من أول ذى الحجة الى نهاية ربيع الأول.) . ومع أن هذا التيسيرالالهى القرآنى فى فريضة الحج أصبح ضرورة ملحة الآن إلا إنه من المستحيل على الدولة السعودية تطبيقه وجعل موسم الحج مفتوحا من بداية ذى الحجة الى نهاية ربيع الأول ، لأن الوهابية يقوم شرعها على التزمت و التعقيد عكس دين الاسلام القائم على التيسير والتسهيل و التخفيف ورفع الحرج ، ولأن الوهابية السلفية تقدس ما وجدنا عليه آباءنا وما تعارف عليه السلف ، وطالما إختار السلف لظروف سياسية تجميع كل الحجاج فى موسم واحد هو افتتاح موسم الحج لحراستهم من غارات القبائل النجدية وغيرها فلا بد ان يظل الوضع كما هو عليه . وبالتالى فإذا كانت القبائل النجدية ـ التى كانت تقطع الطريق على قوافل الحج لتسلبهم وتقتلهم ـ هى المسئولة فى الماضى عن تركيز الحجاج فى قوافل محمية بجيوش وأمير للحج ،فإن الوهابية النجدية الآن هى المسئولة عن نهب ملايين الحجاج سنويا بفرض تلك الرسوم الباهظة عليهم بزعم حراستهم وتذليل الصعاب ، بينما يحشرونهم بالملايين فى اسبوع واحد ، يموت فيه المئات إختناقا وتحت الأقدام . وكل ذلك بالمخالفة لدين الاسلام .

ثانيا :

ليست هذه هى المخالفة الوحيدة التى تقع فيها الوهابية السعودية فى فريضة الحج .

لقد كتبنا فى التسعينيات فى أن الحج فريضة مفتوحة لكل الناس ، وأن البيت الحرام ـ شأن الأشهر الحرم ـ لكل الناس ، فكما للناس رب واحد جل وعلا ، فإن له جل وعلا بيتا واحدا هو المسجد الحرام فى هذه الكرة الأرضية ، وله جل وعلا زمن حرام هو الأشهر الحرم ، ويجب على الناس أن يحجوا الى رب الناس فى بيته الحرام فى أشهره الحرم ، وعند البيت الحرام يجب أن تصفو النفس من كل الشرور ومن كل الأهواء ومن كل النوايا السيئة وتترفع عن الغرائز حتى لو كانت رفثا مع الزوجة ، وأن تتسامى عن الجدل ، وأن يتمتع بالأمن كل من فى الحرم وكل من يقصد الحرم مسافرا ( المائدة 2 ) ، يستوى فى ذلك الانسان مع الطير و الحيوان ، وهذا هو معنى الاحرام الذى حرفته أديان المسلمين الأرضية وحولته من التقوى الى لباس فاضح يكشف سوأة الرجال تشجيعا على الانحلال .!!وكالعادة لم يلتفت لنا وقتها ـ أحد . ولذا نعيد ونؤكد هنا :

1 ـ ليس البيت الحرام والحج اليه مقصورا على من يسمون بالمسلمين فقط . البيت الحرام هو أول بيت وضعه الله جل وعلا للناس جميعا ، ومن دخله كان آمنا ، والحج لهذا البيت فريضة على المستطيع من الناس جميعا : (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ  ) ( آل عمران 96 ، 97 )

2 ـ البيت الحرام ـ بيت الله جل وعلا هو المكان الذى يأتى و يثوب اليه كل الناس ،ويجب أن يتمتع فيه الناس بالأمن ، وهذا هو موجز الأوامر التى جاءت لابراهيم واسماعيل عليهما السلام (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً ) ( البقرة 125 ).

3 ـ كل البشر سواء وسواسية فى هذا المسجدالحرام ، يستوى فى ذلك المقيم فى مكة العاكف فى البيت الملازم له طيلة حياته بذلك الذى يقطع البوادى سفرا له . ولو جعل أحدهم لنفسه أو قومه أو دولته سلطة عليا يستطيل بها على المسجد الحرام وضيوف الرحمن بحيث يمنع الناس من دخوله أو يتحكم فيه بغير حق فهو ممن يصدّ عن المسجد الحرام الذى جعله الله جل وعلا للناس سواء ، يقول تعالى (  إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) ( الحج 25 ).ونلاحظ فى الاية الكريم استعمال صيغة المضارع ( ويصدون ) إشارة الى امكانية أن يأتى بعد نزول القرآن الكريم من يكرر جريمة قريش فى التحكم فى بيت الله الحرام وتحويل الحج الى تجارة. وهذا ما نشهده الان فى تحكم الدولة السعودية فى موسم الحج وفى بيت الله الحرام مخالفة لدين الاسلام .ونلاحظ أيضا أن الله جل وعلا يعاقب هنا على مجرد النيةالسيئة ـ أو إرادة السوء ـ فقال جل وعلا ( بتعبير المضارع أيضا ) : (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ).

4 ـ بعدها يقول جل وعلا عن صفة من يأتى للبيت الحرام :(وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) ( الحج 26 ـ ) فالبيت الحرام هو لكل الناس ، من يرغب فى الطواف والصلاة ، ويأتى اليه من كل فج عميق من كل أنحاء الكرة الأرضية .

5 ـ ولأنه بيت الأمن والأمان و السلام لكل الناس وحتى الطير و الحيوانات بحيث يحرم الصيد فيه فلا مكان فيه للمعتدين الذين يعكرون أمن الناس و يعتدون عليهم ويهددون حياتهم .

إن للاسلام معنيين : معنى عقيدى فى التعامل مع الله جل وعلا هو الاستسلام والانقياد و الخضوع لله جل وعلا وحده لا شريك له (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) ( الأنعام 162). وهذا الجانب العقيدى خاص بعلاقة كل فرد من البشر بالله جل وعلا ، ويرجع لحريته فى الايمان و الكفر ، وليس لأحد أن يتدخل فى هذه العلاقة بين الانسان وربه ، وكل انسان مسئول عن اختياره أمام الواحد القهار يوم القيامة . أما المعنى السلوكى فالاسلام هو السلام ، وكل إنسان مسالم فهو مسلم ظاهريا بغض النظر عن عقيدته و دينه الرسمى و مذهبه . وللناس هنا الحق فى الحكم علىأى إنسان طبقا لسلوكه ، هل هو مسالم أم معتد مجرم ، وهناك من القوانين الالهية و الوضعية التى تحافظ على حقوق الانسان من تعد يقع عليه من أخيه الانسان .

ولذلك فللكفر و الشرك أيضا معنيان ، فى التعامل مع الله تعالى هو تغطية الفطرة السليمة بالاعتقاد فى شريك مع الله جل وعلا واتخاذ أولياء و شركاء مع الله ، وتلك العلاقة مع الله تعالى فى العقيدة و العبادة مرجعها الىالله تعالى ليحكم فيها بين الناس لأن كلواحد من الناس يرى نفسه على الحق ويرى مخالفيه على الباطل . الذى يهمنا هو الكفر السلوكى بمعنى الاعتداءو الظلم الذى يقع من إنسان على أخيه الانسان . هذا الكفر السلوكى بالاعتداء والظلم و القتل للبشر حق الحكم عليه ومحاسبة الواقع فيه حفظا لحقوق الانسان وحق المجتمع .

 صلة هذا بموضوع الحج فى الآتى :

 إن كل إنسان مسالم  من حقه الحج بغض النظر عن دينه الرسمى ، ويمتنع على كل وافد للحج أن يحمل سلاحا ، ولا بد من توفير الأمن لضيوف الرحمن ، ومن هنا نفهم السياق الذى نزلفيه قوله جل وعلا ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) ( التوبة 28 ) ،فالحديث هنا عن مجرمين معتدين إعتادوا الهجوم على الحجاج ـ وأدمنوا نقض العهود فكان لا بد من مواجهة حازمة لهم بدأت باعلان البراءة منهم وإعطائهم مهلة للتوبة قدرها أربعة أشهر حرم ، وبهذا بدأت سورة التوبة ( التوبة :1ـ  ) ، ومنها قوله جل وعلا عن أولئك الكفار بالسلوك والاعتداء : (لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ  ) فإن كفوا عن الاعتداء أصبحوا إخوة للمؤمنين :( فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) وان عادوا للاعتداءونقض العهد فقد وجب قتالهم دفاعيا (وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ) ( التوبة 10 : 12 ) .وبالتالى لا بد من منعهم من الحج طالما يواصلون إعتداءاتهم على الحجاج وضيوف الرحمن ،بل لا بد من منعهم من الاقتراب من المسجد الحرام الذى جعله الله جل وعلا مثابة للناس وأمنا ، من هنا نفهم قوله جل وعلا فى هذا السياق : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) ( التوبة 28 ) .الحديث هنا عن المشرك الكافر بالاعتداء و القتل وسفك دماء الأبرياء .

ثالثا : نظام السعودية الوهابى يخالف الاسلام فى كل ما سبق .

1 ـ أجدادهم فى نجد إعتادوا قطع الطريق على الحجاج طوال التاريخ الأموى و العباسى والمملوكى ، فى حملات ( علمانية ) أى لا تستند الى تسويغ دينى . وحين كانت تستند الى تسويغ دينى تكون الكارثة أعظم إذ يتحول القتل وسفك الدماء و انتهاك الأعراض و سلب المال جهادا ، وهذا ما فعله أسلاف السعوديين تحت شعار القرامطة ، والقرامطة هم الذين لم يكتفوا بقطع الطريق على الحجاج بل هاجموا مكة وقتلوا من فيها و ألقوا بجثث الضحايا فى بئر زمزم ، واقتلعوا الحجر الأسود،وكل ذلك منشور و مشهور فى التاريخ . ثم بعد قرون تجددت النحلة القرمطية تحت إسم جديد هو الوهابية بزعامة الأسرة السعودية التى كررت جرائم القرامطة من حيث القتل و السلب و النهب و انتهاك الأعراض باسم الجهاد ، حدث هذا فى الدولة السعودية الأولى ( 1745 : 1818 ) والتى استولت على الحجاز والمسجد الحرام عام 1805 وقامت بنهب المدينة المنورة ومنع قوافل الحج  من المجى  فى عام 1806 ، مما دفع بالدولة العثمانية لاصدار أمر للوالى محمد على باشا فى مصر باستخلاص الحجاز والأماكن المقدسة عام 1807 ، ونهض محمد على للتنفيذ عام 1811 ، وانتهت الحرب بتدمير الدرعية عاصمة السعوديين وقتها فى سبتمبر 1818 . ثم أقام عبد العزيز آل سعود الدولة السعودية الثالثة الراهنة فيما بين عامى 1902 : 1932 . وفى سبيل إقامة دولته ارتكب مذابح هائلة فى الجزيرة العربية و العراق و الشام ، وكان جل الضحايا من المدنيين سكان القرى فى العراق والشام ، وتفانى الإخوان ( جنود عبد العزيز ) فى الاغارات على القرى العراقية و الشامية وقتل كل من يعثرون عليه ، فقتلوا ما يقرب من مليون إنسان على أقل تقدير. ولم ينج الحجاز من مذابحهم . فى طريقهم لغزو الحجاز ارتكبوا مذبحة تربة فى يونية عام 1919 حيث كانت دماء الضحايا من سكان تربة تجرى كالنهر بين أشجار النخيل حسبما يروى الشريف عون الذى فرّ من المعركة وكان وقتها صبيا فى الخامسة عشر من عمره . وتلتها مذبحة الطائف فى سبتمبر عام 1924 ، بقتل معظم أهل الطائف المدنيين من الرجال و النساء و الأطفال ، وأدت وحشية السعوديين الى تسليم أهل مكة و المدينة و جدة بعد اقل من شهر واحد .!!ولنتذكر  أن الاعتداء على البيت الحرام عام 1979 ارتكبه وهابى عريق هو جهيمان العتيبى وصحبه ، وهو أحد تلامذة الشيخ بن باز .أى إن كل ما فعلته قريش الكافرة والذى شجبه القرآن الكريم ليس بشىء مقارنة بما فعله السعوديون ..

2 ـ وبسيطرة السعوديين الوهابيين جرى تعذيب الناس وترويعهم ومطاردتهم عن طريق المطوعة ، ولا يزال هذا ساريا  فقد أصبح نمط الحياة اليومية  ، لا فارق بين سكان الحرم وضيوفه وبين بقية السكان فى المملكة . أما أفراد الأسرة السعودية فلا يجرؤ أعتى رجال الهيئة ( المطوعة ) من الاقتراب منه مهما بلغ انحلاله وفسوقه وعصيانه .

3 ـ بالنسبة للحج والحجاج ، فلا بد  للنظام السعودى أن يتثبت من إسلام  من يرغب فى الحج ، خصوصا إذا لم يكن عربيا  ، وهو بذلك يعطى نفسه سلطة الاهية حين يبيح لنفسه التفتيش على عقائد الناس . إن مناط  الإشراف على الحج ليس التفتيش على العقائد والدين ولكن التفتيش الأمنى الظاهرى كمايحدث فى أى مطار فى العالم ، لا شىء أكثر من ذلك .

4 ـ الأسوا فيما تفعله الدولةالسعودية فى السعى الى فرض دينهاالوهابى على الناس بما تقوم به من دعاية  ، ثم فى نفس الوقت تستغل سلطتها على الحج والبيت الحرام وغيره فى اضطهاد الحجاج الشيعة و الصوفية والأحمدية وغيرهم من غير الوهابيين . وتستغل الحج وسيلة للدعاية الهابطة و الفجة لبيت آل سعود تتحدث بالمنّ والأذى عما يقدمونه رياء للاسلام و المسلمين من مكرمات وتبرعات ، وهى أولا لا تساوى شيئا مقارنة بما تقدمه المؤسسات الغربية والكنسية لفقراء المسلمين ، وهى ثانيا لاتقارن بما يجب عليها أن تتبرع به من عوائد النفط تحت مسمى زكاة المال ، وهى ثالثا لا تقارن بما تحصل عليه سنويا من رسوم وضرائب على الحجاج،وأخيرا لا تقارن بما ألحقوه بالاسلام من خسائر و سمعة سيئة  فى العالم كله.

5 ـ  بهذا ينطبق على آل سعود قوله جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) ( الحج 25 ). ينطبق عليهم بأعمالهم ، ولا شأن لنا بعقائدهم .

6 ـ إن تاريخ آل سعود وسلوكياتهم الحالية ووهابيتهم تتناقض مع الاسلام ، فكيف يكونون أمناء على بيت الله الحرام وفريضة الحج ؟ والى متى يسكت أحرار المسلمين على هذا الوضع  المخالف للاسلام ؟وهل البيت الحرام حكر على الوهابيين السعوديين وحدهم ؟ وهل لديهم من دليل من القرآن ـ أو من حتى دينهم الأرضى الوهابى يعطيهم شرعية تحكمهم فى بيت الله الحرام ؟ أم أن استيلاءهم عليه بالقوة  عام 1924 يعطيهم حقا شرعيا فى ادارته و التحكم فيه وإدارة فريضة الحج وفق شريعتهم المخالفة للاسلام ؟ ألايكفى المذبحة الهائلة التى اقترفوها فى الطائف فى طريقهم للاستيلاءعلى مكة وقتها لارهاب أهل مكة وارغامهم على الاستسلام ؟  وهل يصح الاعتداء ليكون وسيلة شرعية اسلامية للتحكم فى بيت الله الحرام و التحكم فى ضيوف الرحمن . أم أن هذا الاعتداء لا بد من شجبه اسلاميا و المطالبة بالغاء كل ما ترتب عليه من تحكم أولئك الناس فى بيت رب الناس؟

أخيرا :

1 ـ إن تحرير المسجد الحرام من إحتلال آل سعود  هو جهاد لاعلاء دين الله جل وعلا الحق . ولنبدأ هذا الجهاد السلمى بتوعية المسلمين خلال مؤتمرات وندوات تحكى المسكوت عنه من التاريخ ومن حقائق الاسلام ... ).

انتهى المقال ، ولكن لم تنته المأساة ، فستظل جاثمة طالما ظل آل سعود محور الشّر فى العالم ..!!

الفصل الثامن : التقوى وعمومية تشريعات الحج للمرأة كالرجل

الفصل الثامن : التقوى وعمومية تشريعات الحج للمرأة كالرجل

 أولا : ليس للمرأة تشريع خاص فى الحج .

1 ـ لو كان لها تشريع خاص فى مناسك الحج لنزل القرآن يوضّح ويبيّن . ولكن النسق القرآنى فى تشريعات الحج يأتى بصيغة العموم التى تشمل الرجل والمرأة . ومنها  كلمة ( الناس ). وهذا يذكرنا بقوله جل وعلا يخاطب البشر جميعا من ذكور وإناث (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)الحجرات: 13 )، فكلنا من ذكر وانثى أولاد لآدم وحواء ، كلنا أخوة وأخوات مهما إختلفت ألواننا وثقافاتنا ، واكرمنا عند الله جل وعلا هو أتقانا لله جل وعلا ، وهذا التقوى مأمور بها الرجل والمرأة من كل ذرية آدم : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) ( النساء ).وكل البشر مأمور بعبادة الله جل وعلا وحده للوصول الى التقوى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)البقرة: 21).والحج من وسائل التقوى .

2 ـ عمومية مناسك الحج باستعمال كلمة ( الناس )

( الناس ) هم البشر من ذكر وأنثى . النسق القرآني في الحج يستعمل لفظ ( الناس ) ليشملهما معا : ـ

ا ـ يقول تعالى " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ (97) آل عمران ) فالبيت الحرام أول بيت وضعه الله جل وعلا لكل الناس من الذكر والأنثى :( إنّ  أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ  ) ، ومفروض على كل الناس من ذكر وانثى الحج اليه لو استطاع ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ )، والاستطاعة هنا ترتبط بحال الشخص ذكرا كان أو أنثى . والانثى المستطيعة واجب عليها بخلاف الذكر غير المستطيع . و( وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ) سواء كان ذكرا أو أنثى . 

ب ـ يقول تعالى " وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) البقرة ". فالبيت مثابة لكل الناس من ذكر أو إنثى ، لا فارق بين هذا وهذه.وامر الله تعالى إبراهيم واسماعيل ان يطهرا البيت لجميع الطائفين والعاكفين والركع السجود من الرجال والنساء .

جـ  ـ ويقول تعالى "  جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ .. (97)  المائدة".. فالبيت الحرام قياماً للناس جميعاً من ذكر وانثى ، وكذلك الشهر الحرام للناس جميعاً .

د ـ ويقول تعالى عن مشركي قريش حين صدوا المسلمين عن المسجد الحرام : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ )(25) الحج ) فالله تعالى جعل المسجد الحرام لجميع الناس سواءاً ، لا فرق بين من يقيم بجواره أو من يقطع البوادي سفراً إليه،ولا فارق بين ذكر أو انثى فى مكة أو خارجها . جميع الذكور والاناث على المستطيع منهم أن يحج .

3 ـ عمومية مناسك الحج بتعبيرات أخرى تشمل الرجل والمرأة كما جاء فى سورة البقرة :

يخاطب الله جل وعلا الناس جميعا ذكورا وإناثا فيقول لهم :( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) هذا فى الأوقات العادية . فإن جدّت ظروف منعت الحج للرجال والنساء ، هنا يكون تشريع الإحصار للرجل والمرأة على السواء : ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196). وبنفس الطريقة يقول جل وعلا فى الآية التالية عن أشهر الحج :  ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ) ، وعمّن نوى الحج واستعدّ له من رجل وامرأة فلا بد أن يلتزم بالاحرام فى الحج ، ومن واجباته التى ينبغى ان يلتزم بها الرجال والنساء : أن لا رفث ولا فسوق ولا جدال (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ )وعلى الرجال والنساء معا وهم فى الاحرام أن يتقوا الله جل وعلا الذى يعلم ما يفعلون : (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ) وأن يجعلوا من فرصة الحج وسيلة يتزودون فيها بالتقوى فى رحلة هذه الحياة الدنيا،وهم فى قطار السفر  للآخرة ، وخير الزاد للآخرة هو التقوى(وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197) . وتتوالى الآيات تخاطب الرجال والنساء معا فى فريضة الحج :( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ (198) ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) ( فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)( وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنْ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) البقرة ). ومن قبل قال جل وعلا يخاطب الرجال والنساء : ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) البقرة )

ثانيا : تشريعات المرأة بين العمومية والخصوصية فى غير الحج

ولأن الحج مجرد شعيرة من شعائر الاسلام فإننا ـ لمزيد من التوضيح ـ نعطى لمحة سريعة عن عمومية التشريعات للرجل والمرأة ، وما تختص به المرأة من تشريعات .

1 ـ نماذج لعمومية العبادات للرجل والمرأة :

فى الوصايا العشر : (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)   ) ( الأنعام )

فى الصلاة : الأمر العام بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فى قوله جل وعلا :  (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) البقرة ) وفى صلاة التطوع وقيام الليل وقراءة القرآن الكريم ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20) المزمل ) وفى صلاة الجمعة للرجال والنساء معا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) ( الجمعة ) ف ( الذين آمنوا ) تخاطب الرجال والنساء . وفى صلاة الخوف :(حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ(239)البقرة ). ( وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً (101) النساء )

وفى تشريع الطهارة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً (43) النساء )( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) المائدة )

والحيض لا يمنع أى عبادة من العبادات . لايمنع الصلاة لأنها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ، لذا عليها أن تتطهر موضعيا وتغتسل أو تتوضأ وتصلى. والحيض لا يمنع قراءة القرآن ولا الصيام ولا الحج .الحيض يمنع فقط مباشرة الزوجة ، يقول جل وعلا :( وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (223) البقرة).

وفى الصيام ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183). والأعذار المبيحة للفطر هى عامة للرجال والنساء ( أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185).والاعتكاف فى المسجد للزوجين معا مع عدم ممارسة الجنس (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) البقرة )

وفى الهجرة ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً (97). والأعذار هنا عامة تشمل المستضعفين من الذكور والاناث معا ( إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً (99النساء ).

وفى القتال فى سبيل الله جلّ وعلا : ( فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (74)  النساء ) الأمر هنا عام للرجال والنساء .  وهكذا فى كل الآيات التى تحضّ على القتال الدفاعى ، هى موجهة للرجال والنساء معا، وتأكيدا على ذلك يأتى العذر فى القتال عاما يشمل الرجال والنساء معا :( لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً (17) الفتح ).

وفى التفاعل الايجابى بالخير:(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) المائدة )( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) المائدة ) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (135) ( النساء ) ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) التوبة )

وفى العقوبات : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (2) النور )(  وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39)) ( المائدة )

من التشريعات الخاصة بالنساء :

1 ـ فى الميراث (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7)(يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ.. )(11) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ(12) ( النساء )

3 ـ فى الأحوال الشخصية مثل فرضية الصداق للزوجة (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً(4)النساء) ومعاشرة الزوجة بالمعروف (وعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19)النساء )وحقها فى الرعاية والنفقة (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ (34)النساء) وحق المطلقة فى النفقة والسكنى:( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (6)الطلاق) وحق الأرملة فى المتعة (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) ومتعة للمطلقة ( وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ (241)البقرة )وعدّة المطلقة:(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (228)(البقرة)(وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ(4) الطلاق)،وعدة الأرملة:( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ (234) البقرة )

4 ـ وفى الزى والزينة: ( وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) ( النور ).

الفصل التاسع : التقوى تنفى أكذوبة الحج عن الغير

الفصل التاسع  : التقوى تنفى أكذوبة الحج عن الغير

أولا : لا إستنابة فى الحج

فى شرع الله جل وعلا لا يجوز أن يحُجّ أحد عن أحد ، فالمؤمن في مناسك الحج يقوم بها بنفسه ، فلا يصح الحج بالنيابة ، ولا تصح الاستنابة فى العبادات عموما وخصوصا  فى الحج ، فالحج تجربة شخصية على المستطيع بالنفس والمال ، لكى تتزكّى نفسه وتتطهّر . هذا التطهّر تجربة نفسية شخصية لا يصح أن يقوم بها أحد نيابة عن أحد . إنّ القائم بالحج يعيش جوا مختلفا فى الزمان والمكان والمشاعر والحلال والحرام ، ما يكون فيه حلالا فى الأوقات العادية وفى الأماكن الأخرى – مثل الصيد والحلق والرفث – يكون حراما . لذا يستلزم الحج إستعدادا نفسيا لتقبل مشاق التجربة من بدايتها إلى نهايتها ، ومن فشل فيها فإنه لم يتم الحج فى ميزان رب العزة . ولذا لا يجوز فيها أن يحج شخص عن آخر .  ودليلنا الآتى :

1 ـ يقول سبحانه وتعالى : ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ )28 ) الحج) . قال: (يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ ) ( رجالا ) أى (مترجلين )  ، وقال (يَأْتُوكَ) ولم يقل يرسلون من ينوب عنهم، وقال:( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ )، والشاهد هو الذي يحضر بنفسه لا من ينيب عنه غيره .

2 ـ  ذلك الذي يحج عن غيره إذا وقع في المحظور ـ من رفث وفسوق وعصيان وجدال وحلق في الأحرام او قتل للصيد ـ فمن يكون عليه الآثم ؟ هل هو القائم بالحج نيابة عن الغير ؟ أم ذلك الغير القاعد بعيدا فى بيته لم يرتكب ما يستوجب الفدية ؟ ثم من الذي منهما يدفع الفدية ؟ ..

3 ـ و ذلك الذي يحج عن غيره إذا تاب وأناب وأتم فريضة الحج على أكمل وجه بينما القاعد فى بيته يلهو ويلعب .. من منهما ينال الثواب ؟

4 ـ ثم موضوع التعمد فى قتل الصيد ، كيف يؤاخذ الذى كلّف غيره بالحج عن نفسه إذا تعمد الأجير الذى يحج عن غيره قتل الصيد ؟ يقول جلّ وعلا :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (95) المائدة ) . أن التعمّد إرادة نفسية شخصية ترتبط بصاحبها ، ويتحمل هو مسئوليتها فى الدنيا والآخرة أمام الله العزيز المنتقم الجبّار، وهو وحده الذى يحاسب عليها ، فهو وحده الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور: ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (19) غافر)،وهذا مختصّ بالقائم بالحج . والله جل وعلا يعفو عن الخطأ غير العمد ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ (5) الأحزاب ). وهذه علاقة خاصة بين الفرد وربه جل وعلا ، لا مجال فيها لوسيط أو وكيل أو نائب عن الفرد ، أى لا تصح فيها الاستنابة .  ومثل التعمد فى قتل الصيد أن تمتلىء النفس بإرادة الالحاد والظلم فى الحج . لذلك فإن الله تعالى يعاقب على إرادة السوء فى قلب الحاج وهو فى حالة الاحرام : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) الحج ).فمن يقع عليه العقاب هنا : الذى يحج عن غيره ؟ أم الذى يحج عنه غيره ؟

 5 ـ وقد يقول قائل : فما الذي يفعله صاحب المال الراغب فى الحج ولكنه غير قادر عليه بنفسه بسبب ضعف أو عجز  جسدى ؟ . ونقول ان الأستطاعة شرط في وجوب الحج ،والأستطاعة تشمل عموم المعنى ،اى الاستطاعة بالجسد وبالمال معا . ويكفي قوله تعالى " وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سبيلا) (97) آل عمران). ومن يمنعه عجزه الجسدي فليس عليه حج. اما إذا منعه مانع خارجي من الحج فقد دخلنا في موضوع الحصر في الحج .

6 ـ ويقولون انه يجوز للإنسان أن يحج عن الميت . وهذا خطأ فادح ، فالميت لم يعد له وجود فى هذه الدنيا ، وقد انتهى سعيه الدنيوى ـ إن خيرا أو شرا ـ بموته ، وسيراه يوم القيامة  (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40)النجم ) ، وعند الاحتضار تأتيه ملائكة الموت تبشره بالجنة أو بالنار فقد تحدد مصيره :( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوْا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) ) (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (32) النحل ) (فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)( الواقعة ). لقد تم طىّ كتاب اعمال الميت فلا يقبل زيادة او نقصاناً،ولن يستفيد الميت بسعي غيره كما لا يضره سعي غيره أيضاً ، ولم يعد للميت مال ، فقد أصبح المال ملكا للورثة ولمن أوصى لهم قبل موته من الوالدين والأقربين .

ثانيا : لا إستنابة فى العبادات عموما :

الاسلام يقوم على الحرية الدينية ومسئولية النفس البشرية على إختيارها يوم الحساب ، فإن تطهرت وتزكّت فلها ، وإن إختارت الفجور والعصيان فعليها ، ولا تتحمل نفس بشرية وزر أخرى ، ولا تجزى نفس بشرية عن أخرى ، وبالتالى فليس فى العبادات إستنابة ولا يجوز أن يحج شخص عن آخر.  هذه هى حقائق الاسلام التى يخالفها أصحاب الديانات الأرضية من المسلمين . ولمجرد التذكير ، وتأكيدا على تناقض الاسلام مع الوهابية بالذات فنعطى لمحة عن حقائق الاسلام التى يكفر بها الوهابيون والسلفيون والاخوان المسلمون وغيرهم من أساطين الديانات الأرضية فى العالم . 

1ـ الحرية الدينية المطلقة لكل نفس بشرية ومسئوليتها يوم القيامة على إختيارها:(الكهف 29 : 31 ) وعن حرية البشر فى الايمان أو عدم الايمان بالقرآن الكريم ، إقرأ(الاسراء 107 ) ، وعن حرية البشر فى الالحاد فى القرآن وعلم الرحمن بذلك وتهديده لهم بعذاب يوم القيامة (فصلت  40 ) 

2 ـ لا تتحمل نفس وزر أخرى، ومصيرنا الى الله جل وعلا يوم القيامة ليحكم بيننا فيما نحن فيه مختلفون   (فاطر 18 )(الأنعام:194 ) (لاسراء 15)( الزمر 7) (النجم 38 : 42 )

3 ـ الهداية والضلال إختيار شخصى ، وكل فرد مسئول عن نفسه ، إن إهتدى فلنفسه وإن ضلّ فعلى نفسه : (الإسراء: 15) (الجاثية:15 ) ، ولذا فلا ظلم يوم القيامة( فصلت:46 )، وكل نفس مؤاخذة بما كسبت بالحق كما خلق الله جل وعلا السماوات والأرض بالحق:( الجاثية:22 ) والتكليف على قدر الطاقة والاستطاعة: (البقرة:286 ).  والكافر عليه كفره والمؤمن يمهّد لنفسه مستقرا فى الجنة:( الروم:44 ) لذا فإن من يشكر الله جل وعلا مؤمنا به خاشعا له إنما يفعل ذلك خيرا لنفسه وستلقى نفسه ثواب ذلك فى الجنة ونجاة من النار ، ومن يكفر فإنّ الله جل وعلا غنى عنه وعن العالمين:( لقمان:12 )،( النمل:40 ). وثواب الحج هو لمن أدّى المناسك متقيا ربه جل وعلا، وليس الله جل وعلا محتاجا لحجّه لأنه جل وعلا غنى عن العالمين: (97) آل عمران ).

 4 ـ وتزكية النفس أيضا مسئولية شخصية . فقد خلق الله جل وعلا النفس البشرية وقد الهمها الفجور والتقوى، والفجور فيها مقدم على التقوى:(الشمس7 : 10)،والفلاح فى تزكية النفس  يعنى الدرجات العلا يوم القيامة: ( طه 76) .وعملية التزكية هى إرادة ذاتية يتم بها تحكم الفرد فى نفسه وأن يلزمها بالتقوى إبتغاء مرضاة الله جل وعلا.هنا نتحدث عن ( الأنا العليا ) أو الضمير اليقظ فى داخل كل إنسان الذى ينهى النفس عن الهوى (النازعات :40 : 41)،وهو عكس الذى يكون عبدا لهواه وغرائزه ونزواته :( فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39)النازعات ).وهناك وسائل كثيرة للتزكى ، أو السمو بالنفس حتى تكون متقية لله جل وعلا ، منها ذكر الله جل وعلا:(آل عمران: 135 )(الأعراف :205 )،والصلاة:(الأعلى14 : 15). والزكاة المالية (الليل 17 : 21 ).

 5 ـ والمتقى يعلم بأن الله جل وعلا يراه،ويؤمن بأن الله جل وعلا قائم على كل نفس بما كسبت  (الرعد :33 :42)،)ق (45)  لذا فإن المؤمن يخشى ربه جل وعلا فى سرّه قبل علانيته، يخشاه فى خلوته أو يخشاه بالغيب: (الملك  12 : 14). أولئك هم المتقون : (الأنبياء 50)، وهم من يقومون بتزكية أنفسهم ويحتاجون للوعظ المستمر حتى تستمر عملية التزكية والاصلاح ( فاطر 18 )( يس 11 ). هذه التزكية عملية ذاتية شخصية ، هى تعامل شديد الخصوصية بين الفرد وربّه جل وعلا ، بمحض إرادة المتقى دون فرض خارجى عليه من سلطة سياسية أو إجتماعية ، وبالتالى فلا مجال هنا لأن يقوم بها أو بوسائلها من الصلاة والحج شخص آخر .  

6 ـ آلية المساءلة يوم الحساب تنفى الاستنابة فى العبادة : فكل ما تفعله النفس يتم تسجيله عن طريق الملائكة الحافظين الذين يحفظون العمل ، يقول جل وعلا عن تسجيل العمل لكل نفس بذاتها : (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ)الطارق:4 )، وبالتالى تكون كل نفس فى الآخرة رهينة وأسيرة بما عملت فى الدنيا : (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)المدثر:38 ). ويوم الحساب لا تنفع شفاعات البشر لبعضهم، ولا ينوب بعضهم عن بعض ولا تنفع نفس نفسا : (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ)الإنفطار:19 )، ( وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ) البقرة  48) ، بل تأتى كل نفس تدافع عن نفسها : (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)النحل:111 ) عندئذ لا تستطيع نفس بشرية ـ تقية أو عاصية ـ أن تتكلم إلا بإذن الرحمن:( يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) هود:105 ) (رَبِّ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً (38) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (39) إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا (40)( النبأ ).

يوم الحساب تأخذ كل نفس حقها بالعدل وفق عملها المسجّل لها او عليها والذى عملته بجسدها المادى وقت حياتها فى هذه الدنيا ، وتكرّر هذا فى القرآن الكريم بصيغ مختلفة منها : (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ)الزمر:70 )(لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)إبراهيم:51 ) (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)آل عمران:25 ). لذا يقول جل وعلا يحذّرنا مقدما (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) البقرة:281 ).

وبالتالى لا ظلم يوم الحساب فهو بميزان دقيق للأعمال الى قامت بها النفس وقت تحكمها فى جسدها الدنيوى :( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)الأنبياء )، وبهذا الميزان الدقيق لعمل كل نفس سيكون هناك نفس خاسرة ظلمت نفسها بأن تظل خالدة فى النار أبد الآبدين : (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ)المؤمنون:103 ). الخسارة فى الدنيا هيّنة لأن الدنيا نفسها زائلة ووقتية ، والأحوال تتقلب فيها بين ربح يأتى بعد خسارة وخسارة تأتى بعد ربح ، وفى النهاية يأتى الموت. أما الخسارة الحقيقية فهى للنفس ذاتها حين تقضى حياتها الأبدية فى جحيم خالد ، يقول جل وعلا عن هذه الخسارة الحقيقية لأصحاب الجحيم:( قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)الزمر:15 )،( وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ)الشورى:45 ). والخاسرون فى النار نوعان حسب ظلمهم لأنفسهم ، فأكثرهم خسارة أو (الأخسرون ) هم ( رجال الدين ) والمتاجرون بالدين والذين يفترون على الله جل وعلا كذبا بأحاديث وأقاويل وتشريعات ، ويشترون بآيات الله جل وعلا ثمنا قليلا ، ويستخدمون دين الله جل وعلا فى الوصول الى حطام الدنيا، يقول جل وعلا عنهم وعن إفتراءتهم :(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ  (21) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ (22)هود:21 ).هذا هو مصير الوهابيين والاخوان والسلفيين وكافة رجال الدين الأرضى إذا ماتوا دون توبة . عندها تكون خسارتهم الحقيقية ، خسروا أنفسهم لأنهم ظلموا أنفسهم ، فالخسران هو عكس التزكية للنفس بالتقوى .

ويوم القيامة سيلقى من ظلم نفسه العذاب بعمله السىء الذى عمله بنفسه . اى سيتحول العمل الظالم الى عذاب لصاحبه، وهذا ما نفهمه من قوله جل وعلا : (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)غافر:17 )، فالجزاء هو بنفس العمل السىء : (فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)يس:54 )، ويشرح هذا قوله جل وعلا عن تعذيب من يكنز الأموال ولا ينفقها فى سبيل الله ، إذ تتحول هذه الأموال الى نار تكويه : (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (35) التوبة  )( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)آل عمران ). هذا فيمن يبخل بماله .. فكيف بمن ينهب أموال الآخرين ويكتنزها لنفسه ؟ وكيف بمن ينهب موارد شعب بأكمله ويكتنزها لنفسه ؟ وكيف بمن يسرق موارد شعب بأكمله ويكتنزها لنفسه ثم يزعم أن ذلك هو الاسلام ؟ وكيف بمن يفرض ضريبة على حجاج بيت الله الحرام متحكّما فيهم وفى بيت الله الحرام ويكتنز الأموال السحت مما يأخذه من الحجاج ومعظمهم فقراء ؟ نتحدث عن الأسرة السعودية محور الشّر فى العالم ..ونبشرهم مقدما بالخسران العظيم طالما هم على هذا الشّر قائمون ..

إن الله جل وعلا قد أوجز فى سورة ( ق ) مراحل البشر بين الدنيا وألآخرة تأكيدا على المسئولية الفردية لكل نفس . فعن تسجيل عمل كل نفس يقول جل وعلا : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18). وعن الموت لكل نفس والذى تتحاشاه وتتناساه كل نفس : ( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19). وبعد موت الأنفس كلها يتم تدمير هذا العالم ويأتى اليوم الآخر ويكون البعث بعد إنفجار البعث ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20). وفى الحشر يرى كل منا ( رقيب وعتيد ) اللذين كانا يسجلان أعماله فى الدنيا، وقد تحولا الى سائق وشهيد؛ أحدهما يقبض عليه ويسوقه والآخر يشهد عليه ( وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) . لم يكن يراهما فى الدنيا وهو فى جسده الترابى ، ولكن فنى جسده الترابى وأصبح فى عالم جديد إنكشف فيه عنه الغطاء:( لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) . ويرى الخاسر قرينه الشيطانى الذى كان يلازمه فى الدنيا يزين له الباطل حقا والحق باطلا ، ويتنازع مع قرينه الشيطانى  يتبرأ كل منهما من الأخر : ( وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (27).  وردا على هذا التخاصم يأتى ردّ رب العزّة بأنه لا تبديل لحكم اله جل وعلا فمن حكم الله جل وعلا بدخوله النار فلن يخرج منها فهذا هو العدل الالهى :(قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (29) . وبعد أن تمتلىء جهنم بأهلها يظل فيها متسع : (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30). هذا هو مصير الذين ظلموا أنفسهم .  أما المتقون فتأتى لهم الجنة : ( وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31). ويقال لهم ( هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)أى إن الجنّة تنتظر كل أوّاب تائب توّاب ، وسيدخلونها بسلام حيث كانوا فى الدنيا منحازين للسلام ومنقادين للرحمن . وتنتهى السورة بقوله جل وعلا لخاتم النبييّن:( نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45). فهو عليه السلام تنحصر وظيفته فى التذكير والتبليغ . أما الهداية فهى مسئولية شخصية . هذا فى الاسلام . أما فى الأديان الأرضية فهى تجارة يتم فيها بيع صكوك الغفران وتداول أساطير الشفاعات البشرية ، وتتحول فيها العبادات الى تجارة ينوب فيها فلان عن عن فلان ، ويحج فيها فلان عن فلان ، بل تتحول العبادات من سائل للتقوى الى تشجيع للإجرام ، فيظل أحدهم معظم العام سادرا فى الفسوق والعصيان ثم يقوم بالحج بضعة أيام ليرجع من الحج ( كمن ولدته أمه ) ..فلا ولدته أمّه ..!!

أخيرا :

الذى يحج الى بيت الله دون رغبة فى التقوى لن ينفعه حجّه . والذى يستأجر من يحج عنه لا ينفعه حج الغير عنه . والذى يحج عن ميت لا طائل من حجّه لهذا الميّت. والذى يحج وقلبه ملىء بالشرك سيحبط عمله بالشرك ، والذى يحج وهو مدمن للمعصية سيتضاعف نصيبه من المعصية ، والذى يحج الى البيت الحرام وقلبه معلّق ( بزيارة النبى ) هو عدو للنبى .  

الفصل العاشر : منهج القرآن الكريم فى تشريع الحج

 الفصل العاشر : منهج القرآن الكريم فى تشريع الحج  

1 ــ  الحج أكثر العبادات أرتباطاً بملة إبراهيم . فإبراهيم هو الذي هداه الله إلى مكان البيت وامره بتطهيره من الأوثان ومعالم الشرك فى مناسك الحج ورفع قواعد البيت:(وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) الحج )، ( وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) البقرة )،( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) البقرة ). وإبراهيم هو الذي دعا الناس إلى الحج لبيت الله فأقام فريضة الحج بالعبادة الخالصة لله جل وعلا وحده : ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ .. (27) الحج ). وابراهيم هو الذي ترك أبنه إسماعيل وذريته في ذلك الموضع الذي كان قفراً فما لبث أن أصبح عامراً بالناس ، ثم أصبح هذا الفرع من ذرية ابراهيم أُمة هي العرب المستعربة ، وتحقق جانب من دعوة ابراهيم : (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) إبراهيم ) ..

2 ــ وكان من دعوة إبراهيم وإسماعيل أن يأتى من ذريتهما رسول يواصل مسيرتهما : ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) البقرة .). وحين بعث الله تعالى خاتم النبيين عليهم السلام كان العرب قد حرّفوا مناسك الحج ، فنزل القرآن يوضح الحق .؛ يأمر بإتّباع ملة ابراهيم ويصحح ويعالج التحريف الذى أحدثه القرشيون فى فريضة الحج . توارث الجيل القرشى الذى عاصر نزول القرآن ملة ابراهيم بالتحريف الذى جاء فيها من الأجيال السابقة .أى كان من هذا المتوارث بعض الصحيح وبعض الفاسد المبتدع.

3 ـ نزل القرآن ليس تشريعا جديدا فى كل شىء ، بل فى إتّباع ملة ابراهيم الحنيفية التى تعنى التقوى وإخلاص العبادة والحج لله جل وعلا ، مع التنبيه على الفاسد ، ثم التأكيد على عنصر التقوى التى تخالف ما درج عليه الجاهليون من الاحتراف الدينى والتدين السطحى . ونعطى بعض التفصيل :

أولا :  خاتم النبيين عليهم جميعا السلام متبع لملة ابراهيم حنيفا :

على عكس ما يشيع أصحاب الديانات الأرضية من سنيين وشيعة وصوفية فإن خاتم النبييين كان مأمورا بإتّباع ملة ابراهيم ، والتى تزل القرآن ليعيد أصولها ويصحح ما لحقها من تحريف. أمره رب العزة جل وعلا أن يعلن وأن يقول : ( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ )( الانعام ). ومدح رب العزة جل وعلا خليله ابراهيم عليه السلام فقال فيه ما لم يقله جل وعلا فى القرآن عن غيره : ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ (122). وبعدها قال لخاتم النبيين :( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (123) النحل). ومن هنا تواتر فى القرآن الكريم الدعوة الى إتباع ملة ابراهيم ( حنيفا ) أى بإخ">  1 ـ نزل القرآن وفي مناسك الحج عند العرب الصحيح والفاسد فقام القرآن بتصحيح الخلل واقرار الصحيح في إطار نسيجه العام في الحديث عن الحج ، ثم نزل تشريع قرآنى جديد  لما استحدثته الظروف ، ثم لإنه تعالى يعلم ما سيكون من خلل في المستقبل فإن تفصيلات القرآن تحوي الرد على كل ما يستجد من تحريف ولا يستلزم الأمر إلا التدبر في كتاب الله .

2 ـ وكانت قريش تقوم على رعاية البيت وعمارته وسقاية الحاج ، ولكنهم حرفوا في مناسك الحج ، وكفر الملأ منهم بالقرآن ، فقال فيهم تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) التوبة).

3 ــ صحح القرآن الخلل الذي احدثه الحمس في المناسك.والحمس هم المتطرفون المتزمتون من قريش الذين جعلوا من أنفسهم مصدرا للتشريع فى مناسك الحج باعتبارهم القائمين على رعاية البيت الحرام وتعليم  الحجيج المناسك . لذا إختصّوا أنفسهم بطقوس معينة : كان الحمس لا يدخلون البيوت من أبوابها إذ كانوا مُحرمين ويعتبرون ذلك تمام الورع، فقال فيهم سبحانه وتعالى:( وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ )189) البقرة ). وحرّم الحمس على الحجاج القادمين أن يطوفوا في ملابسهم بل لا بد أن يشتروا ملابس للإحرام من متاجر قريش وإلّا طافوا عراة ، وحرّموا عليهم أن يأكلوا من طعام استقدموه معهم أو ان يتزينوا بزينة ، فنزل قوله تعالى : ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ .)32 الأعراف ). وكان الحمس لا يقفون بعرفة مثل باقي الحجاج ولا يفيضون منها فقال  جل وعلا لهم : ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ )(199) البقرة). وأغوى ابليس قريش فانتشر الانحلال الخلقى فى الحرم وقت الحج مصاحبا لطواف العري،وكان لابد أن يتكاثر الفسوق مصحوبا بالرفث والجدال ، لذا قال تعالى : ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197) البقرة ). وقال تعالى يحذرهم : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) الحج ". وكانوا يقعون في مفسدات اخرى مثل الحلق أثناء الإحرام وقتل الصيد ففرض الله على من يقع في ذلك أن يدفع فدية ( 2 / 196 ، 5 / 94 : 96 ) .وكانوا ـ في اجتماعهم ـ ينزعون للفخر بالآباء والأنساب فى حفلات لإنشاد الشعر بالفخر بعد أداء المناسك ، فدعاهم الله لأن يذكروا الله أكثر من ذكرهم اباءهم:( فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً )(200) البقرة )، وكانوا يقيمون الأسواق للبيع والشراء وخصوصا بيع ماشية وحيوانات الهدى ، وأباح لهم التجارة وتبادل المنافع:( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ )(198) البقرة ) ، ( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ)(28) الحج "  .

4 : ونفهم من قوله تعالى : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ ) (198) البقرة) أن حواراً دار حول مشروعية التجارة في الحج فنزل الأمر بإباحته.  ونفهم أيضا أن حوارا دار حول مشروعية الطواف بين الصفا والمروة بعد أداء مناسك الحج ، فنزل قوله جل وعلا : ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) البقرة ). أى كان تشريع القرآن ينزل يصحّح ويعلّق ، ويحرّم وينصح .

5 : وطرأت أحوال جديدة استدعت تشريعاً جديداً جاء في القرآن مفصلاً ، وذلك أن قريش صدت المسلمين عن الحج لبيت الله الحرام ، ثم منعت النبي والمسلمين من دخول مكة ، فنزل تشريع الإحصار في الحج مفصلاً في أطول آية عن الحج ( 2 / 169 ).

6 : وفيما بين تصحيح الخلل والتشريع الجديد المفصل مرّ القرآن الكريم سريعاً على المناسك المعروفة للحج والتي يمارسها العرب بلا تحريف مثل الطواف بالبيت والوقوف بعرفة وتقديم الهدي والحلق والتقصير ، وذلك أثناء الدعوة لتطهير مناسك الحج من الوقوع في الشرك وإلى الأكثار من ذكر الله تعالى ( 2 / 198 : 208 ، 22 / 25 : 37 ) .

 7 ـ  وبعد نزول القرآن وموت خاتم النبيين عليهم جميعا السلام مالبث أن عاد التحريف لمناسك الحج برعاية الدين السّنى ، وهو نفس التحريف الذى كان قبل القرآن فيما أحدثته قريش فى ملة ابراهيم . ومنه زى الاحرام ، الذى أعاد به الدين السّنى طواف العرى ، لذا فإنّ من تصحيحات القرآن التي نزلت على خاتم النبيين ما يصلح تصحيحاً للبدع التي طرأت بعد موت النبي ( ص ) كما جاء في زي الإحرام .

8 : وتفصيلات القرآن فيها الرد على كل ما يستحدث من تحريف في مناسك الحج يأتي بعد نزول القرآن ، مثل ابتداع الحج إلى المدينة ، او تقديم القرابين والهدي إلى غير بيت الله الحرام او الرمي بالجمار . 

الفصل الحادى عشر : مناسك الحج الحقيقية فى الاسلام :

  الفصل الحادى عشر : مناسك الحج الحقيقية فى الاسلام : 

أولا : رحلة ومناسك الحج الاسلامى فى السياق القرآنى

مقدمة : فى مواضع مختلفة نزل السياق القرآنى فى إصلاح شعيرة الحج المتوارثة من ملة ابراهيم ، بعد تعرضها للتحريف . وعلى هامش هذا الاصلاح ومواجهة التحريف أشار رب العزة الى مناسك الحج كلها.  ونعرض هنا لرحلة ومناسك الحج القرآنية  .

 قبل السفر للحج : الاستعداد المادى للحج : أو ( الاستطاعة ):

1 ـ يقول جل وعلا (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً )(97)( آل عمران ). أى يجب الحج للبيت الحرام على كل من إستطاع بكل السّبل الوصول اليه . أى من بداية بيتك الذى تعيش فيه الى بيت الله الحرام . أى لا بد أن تكون مستطيعا بذاتك ، بمالك وصحتك وجهدك .

وحدود الاستطاعة فى الاسلام سقفها الأعلى عدم تكليف النفس فوق طاقتها :(لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا ) (233) ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا  ) (286) البقرة ) ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا (7)  الطلاق )( لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا (152) الانعام )( لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا (42) الاعراف )( وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا (62) المؤمنون). فتشريعات الاسلام مؤسسة على اليسر والتخفيف:( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ (185) البقرة )( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ (28) النساء) وعلى رفع الحرج والمشقة:( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ (6)المائدة )( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ )(78)الحج ) . والتقوى هى التى تغلّف هذا التشريع ، والمتقى هو الذى يقدّر مدى إستطاعته المالية والجسدية عالما بأنّ الله جل وعلا :( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) غافر ).

2 ـ  ليس من الاستطاعة المالية أن تحجّ بمال الغير أن تكون مدينا فتؤجل سداد الديون وتحج بمال هوللغير، بل الأحق أن تسدد ما عليك . أو أن تكون عليك إلتزامات واجبة نحو بيتك وولدك ووالديك فتفرّط فيها لتقوم بالحج .  

3 ـ ولا يصح الحج بمال حرام أو مشبوه ، أو لم تخرج منه حقوق الزكاة والصدقات . لا بد من إخراج حقوق المستحقين أولا من الفقراء والساكين وذوى القربى واليتامى . ثم بالفائض يمكن الحج .

( عدم الاستطاعة لسبب خارجى )

ليس لعدم وجود الاستطاعة المالية أو الجسدية، ولكن لسبب خارجى ، وهو نوعان :

  1 :الاحصار بمنع الوصول للكعبة أثناء الطريق اليها:  

أى تكون مستطيعا وتسافر للحج مستعدا لتأدية الفريضة ، وتسافر ،ثم يطرأ طارىء يمنع وصولك الى البيت الحرام  مثل مرض قاهر أوغارات على القوافل أو حرب نشبت،أو قرار سياسى صدر أثناء الرحلة يمنع وصولكم للبيت الحرام .هنا تشريع الاحصار فى الحج ، والذى نزل بعد أن صدّ كفار قريش النبي وأصحابه عن بلوغ البيت الحرام:( هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ )(الحج 25 ). يقول جل وعلا فى تشريع الاحصار :( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ )(196)البقرة ). قوله جل وعلا : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) أى إذا وصلتم بسلام للبيت الحرام فأتموا الحج والعمرة لله جل وعلا، فإن حدث إحصار يحيل بينكم وبين الوصول للبيت الحرام فيجب ارسال الهدى الى الكعبة حسبما تيسّر :(فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ).

أنزل الله جل وعلا هذا التشريع الجديد حكماً عاماً يسري على أي حالة احصار بحرب أومرض عارض أو غيرها ، وفيها يقدم المحصور هدياً لله ولا يحلق رأسه حتي يبلغ الهدي محله الى البيت الحرام، وإذا حلق رأسه كانت عليه فدية . وإذا وصل الهدي إلى محله فقد قام بأداء الفريضة. وقد يتعذّر إيصال الهدي إلى بيت الله وحينئذٍ ينحر الهدي في موضع الإحصار بين ضيوف الرحمن القادمين للحج المحصورين . ويمكن إرسال الهدى الى الفقراء المستحقين حسبما يتيسر . أما إذا إستطاع في حالة الإحصار إرسال الهدي إلى الحرم فلابد من إرساله إلى محله بالغ البيت العتيق ، ويحلق رأسه بعدها، ويكون قد أدى الفريضة. وحينئذٍ لا ضرورة لموضوع الحج بالنيابة أو عن الغير .

 2 : الاحصار من البداية ،أى المنع من المنبع :

بصدور قرار بمنع طائفة معينة من الحج ، مثل منع السعودية الطائفة الأحمدية من الحج ، أو الخوف من القتل عند دخول مملكة آل سعود ، كما يحدث لأهل القرآن . هنا يكون الحكم الأصلى هو عدم الاستطاعة من الأساس . عدم الاستطاعة هنا لا يوجب الحج أصلا على المستطيع . ولكنه لو أراد أن يعايش مشاعر الحج بقلبه وجوارحه فيمكنه تطبيق تشريع الاحصار فى الحج ،أى يظل فى بيته ويرسل ما تيسّر من الهدى الى البيت الحرام، ويلتزم الإحرام فى بيته ولا يحلق شعره الى أن ينتهى الوقت الذى حدده لأداء المناسك. والآن توجد الرفاهية مؤكدة فى الحرم ولم يعد يحتاج الناس هناك للذبائح كما كان من قبل، بل قد يصبح تكدس الذبائح مشكلة، وقد يتم إلقاء بعضها فى الزبالة كما يقال ، لذا يمكن للممنوع من الحج أن يرسل بالهدى الى المناطق التى تعانى من المجاعات ، ويخلص لله جل وعلا قلبه ويعمّر قلبه بالتقوى. فهذا هو الغرض الأسمى من الحج .

الاستعداد القلبى للحج قبل الاحرام :

قبل دخول الحرم المكانى وقت الحرم الزمانى لا بد من تطهير القلب والجسد ليستعد لمعايشة الاحرام ، و ليكون الحرم الانسانى فتكتمل الحرمات الثلاث ،أى بالنية الصادقة الخلصة بإتخاذ مناسبة الحج فرصة للتقوى والتوبة والسمو الخلقى وتنقية العقيدة . ويصحب ذلك النية بالحج فقط أو بالحج والعمرة معا .

 بين الحج والعمرة :

 يشير القرآن إلى ان العمرة يمكن آداؤها في اشهر الحج وفي غيرهن ، يقول تعالى عن تشريع الحج فى أوقات الأمان وعدم الاحصار:( فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ)(البقرة 196 )، ثم قال جلّ وعلا في الآية التالية: ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)( البقرة 197). وكانت أشهر الحج معلومات للعرب ، وكانوا يعرفون أيضاً تأدية العمرة في غير أشهر الحج ، ولكن التشريع في الآية يوجب على من تمتع بالعمرة مع الحج أن يقدم ما تيسر من الهدي .

الاستعداد المادى للحج باستحضار الهدى

كما يشمل الاستعداد اصطحاب الهدى أو الاستعداد لشرائه وذبحه فى الحرم لاطعام ضيوف الرحمن . ويشير رب العزّة إلى الاستعداد للحج بإحضار الهدىفي قوله تعالى : ( هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ) 25 الفتح )، فالمسلمون قدموا للحج ومعهم الهدي الذي سينحرونه في الحج . وهذا الهدى من الأنعام كانت العادة تمييزها عن غيرها  بقلائد . والله جل وعلا يجعل من المحرمات التعرض لهذه الحيوانات وللقلائد التى تميزها عن غيرها حتى تظل معروفة ومصانة الى محطة وصولها الى البيت الحرام ، كما يحرّم رب العزة التعرّض لقوافل الحج ومن فيها وما فيها :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ )(2) المائدة ). والمفهوم هنا أن العرب إعتادوا إستحضار الهدى معهم فى طريقهم الى مكة. ومن هنا جاء التحريم المشدّد لأى إعتداء على هذه القوافل ، الى درجة أن يمتد ( الحرم والاحرام ) من الحرم المكانى ( الكعبة ) ليصحب هذه القوافل من خروجها من وطنها حتى وصولها الى ( الحرم ).

ونوعية الهدى وعددها متروك لامكانات الحاج وتقواه ، أى هو حسبما إستيسر من الهدى :( فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ) البقرة 196 ).أى ترك رب العزّة جل وعلا تحديد الهدي مفتوحاً ما بين شاه إلى بقرة او ناقة ..

الاستعداد المادى للحج بالحلق والتقصيرقبل الاحرام :

والحلق والتقصير ـ قبيل دخول الحرم هو لتأكيد الصدق فى المسالمة والسلام والأمن والأمان .يقول جلّ وعلا عن الحلق والتقصير قبيل الدخول في الأحرام: ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ )( 27 الفتح ). أي انهم دخلوا المسجد الحرام وكانوا قبلها محلقين رءوسهم ومقصرين حتى لا يضطروا إلى حلق رءوسهم اثناء الإحرام وهو محظور إلا عند العذر وحينئذٍ تجب الفدية. فالحلق قبل الإحرام وليس خلال الإحرام.. والحلق مرتبط بشعر الرأس حسب التعبير القرآنى ، سواء الحلق أم التقصير ، وهو للرجل والمرأة معا . والتقصير هو للتيسير على المرأة .

تطبيق الاحرام :

1 ـ بدخول الحرم بنية الحج يبدأ الاحرام . ويبدأ تطبيق الاحرام قلبيا وماديا وسلوكيا . وهنا يبدو الفارق بين تشريع الاسلام فى الاخلاص القلبى والتشريع السّنى فى التدين السطحى ؛ ففى الاسلام ينبغى أن يكون الاحرام تقوى قلبية يعبّر عنها سلوك خلقى راق وإخلاص فى تأدية مناسك الحج لله جل وعلا وحده، والتقرّب لله جل وعلا باستدامة ذكره جل وعلا ، ومعايشة للسلام والأمان والرحمة والتسامح والاحسان وغسل القلب من الشرور والاحقاد فى التعامل مع الناس . أما فى الدين السنى فالاحرام هو مجرد زى صحراوى بدوى من قطعتين يكشف العورة للرجل فى الصلاة ويعيق حركته.

2 ـ أتاح لنا ربّ العزة الاحرام فرصة لنبذ عاداتنا السيئة التى ينهى عنها حين قال جل وعلا :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)الحجرات).  ليس فى الحج أن يسخر قوم من قوم ، ولا تلامز ولا تنابز بالألقاب ولا فسوق ولا ظن بالسوء ولا ظلم ولا إغتياب ولا تجسّس ، بل الحج هو التوبة عن كل ذلك ، الاحرام هو فرصة للتوبة والكف عن كل هذه الموبقات.

3 ـ  وفى هذا الجو السامى يمكن للحجاج التعارف السلمى طبقا لما جاء فى قوله جل وعلا فى الآية التالية يخاطب البشر جميعا:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)  الحجرات ). هنا يكون الاحرام فرصة لمعايشة الأخوة بين البشر ، فكلنا ـ من ذكور وإناث ـ أخوة من أب واحد وأم واحدة مهما إختلفت ألواننا وثقافاتنا وطبقاتنا الاجتماعية ومستوياتنا العلمية . ومهما تباعدت أوطاننا فنحن نأتى الى مركز هذه الكرة الأرضية ( مكة ) حول البيت الحرام ، الحرم المكانى لربنا جل وعلا ، وفى خلال الأشهر الحرم الأربعة (الحو الزمانى ) لنتعرّف ببعضنا ونمارس هذه الأخوّة فى مناخ من السلام والشعور بالمساوة المطلقة بين كل بنى آدم. هذا مع التأكيد على أن معيار التفاضل بيننا هو التقوى بالسمو الخلقى وإخلاص القلب والعقيدة لله جل وعلا ، وهذا ما سيحكم به رب العزة بيننا يوم القيامة . أما فى هذه الدنيا فليجمعنا الاسلام بمعناه السلوكى ( اى السلام ) وليكون بيت الله الحرام مثابة لكل البشر وأمنا ، ومن دخله كان آمنا مهما كان معتقده ومهما كانت عقيدته . الحكم هنا بالأمن الظاهرى والاسلام السلوكى بمعنى السلام وإيثار الأمن والأمان .

  4 ـ تطبيق الاحرام فى الاسلام يتجلّى فى المبالغة فى الابتعاد عن المعاصى ( الفسوق ) ( تحريم نية أو إرادة الالحاد والظلم ) ( تحريم الجدال تأكيدا على المسالمة ونبذ الخلاف والشقاق )( التأكيد على حرمة الحياة لكل الكائنات الحية حتى الحشرات وحيوانات الصيد ) ، إجتناب الشهوات المباحة أوالرفث مع الزوجة. إنّه يعني الإلتزام بأوامر الله بالإمتناع عن المحرمات، وبعضها كان حلالاً قبل الإحرام وبعضها حرام في كل وقت وهو في الإحرام اشد تحريماً : ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ )( 197 البقرة )، (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) الحج ) ،وعدم قتل الصيد : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ) 95 )المائدة )( وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ )( 196البقرة ).الرفث حلال مع الزوجة في كل وقت ما عدا نهار رمضان وأيام الإحرام ـ ويحرم إذا كان مباشرة في حالة الحيض في أي وقت .. والفسوق حرام في كل وقت ، والجدال جائز بالتي هي أحسن ولكنه حرام في الإحرام والله يعاقب من ينوي الإلحاد والظلم في الحرم ، مجرد النية يعاقب عليها عذاباً أليماً . وذلك يعني أن من يقع فعلاً في المعاصي السابقة فالله يتولى عذابه عذاباً شديداً . وينبغي الحفاظ على كل كائن في الحرم ووقت الإحرام ، ولذلك فمن اضطر لأن يحلق رأسه عليه فدية ومن يرتكب قتل الصيد وهو محرم فعليه أن يقدم فدية تعادل الصيد المقتول أو ما يماثله من طعام للمساكين أو صوم : ( لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ )( المائدة 5 )، وقد كانوا يقعون في الصيد البري في الحرم فأنذرهم الله جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) المائدة). وبعد فرض الفدية على من يقتل الصيد وهو محرم قال تعالى : (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (95) المائدة).

العقوبات لمن ينتهك الاحرام

 1 ـ  والفدية ـ حسب تشريع القرآن ـ جاءت لتجبر المحظور في شيئين : الإضطرار لحلق الرأس بسبب مرض أو أذى في الرأس ، وفي قتل الصيد . وما عداهما فلا فدية على المحرم اذا وقع في المحظورات الأخرى من الرفث والفسوق والعصيان وارادة الظلم والإلحاد . إذ أن العقوبة عليها عند الله لا يجدي فيها تقديم هدي او فدية .

2 ـ تقدير  فدية قتل الصيد :  والفدية التي يدفعها من يحنث في يمينه هى إطعام عشرة مساكين أو ما يساوي صوم ثلاثة ايام:( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ )(89 ) المائدة).وبهذا التقدير يُحكم على من يقتل الصيد وهو مُحرم :( وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً )(95  )، فعلى قدر الصيد يكون الهدي المقدم فدية فإن لم يجد هدياً ينحره فدية يقدم ما يساويه طعاماً للمساكين ، فإن لم يجد المال كان عليه أن يصوم ثلاثة أيام في مقابل ما يساوي أطعام عشرة مساكين . وعلى سبيل المثال : إذا قتل بقرة وحشية كان عليه أن يقدم هدياً مقابلها بقرة ، فإن لم يجدها دفع ثمنها اطعاماً للمساكين أي أشترى طعاماً بـ 1500 جنيه حسب الأسعار في الحرم . وفرّق الطعام على المساكين في الحرم ، فيطعم بذلك نحو 150 مسكيناً . فإن لم يجد المال كان عليه أن يصوم ثلاثة أيام في مقابل أطعام عشرة مساكين أي صيام 50 يوماً .

والمحرم في كل ذلك يبتغي التكفير عن ذنبه والافلات من عقوبة مولاه العظيم ، لذلك كانت الفدية على من يقتل الصيد وهو متعمد لذلك : ( وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً )، وتقدير التعمد أو غيره أمر يرجع إلى ضمير المحرم نفسه وإلى تقواه ،فإذا خشي الله قام بالفدية إذا كان متعمداً قتل الصيد ،ودرجات الفدية على حسب الأحوال ومن لم يستطع الوفاء بها مالياً كان عليه أن يصوم. والهدف من هذه المحظورات والتشديد عليها والتحذير منها هو ان تكون فترة الإحرام درساً في تعليم المؤمن السمو بغرائزه وتزكية نفسه وتعليمها الصبر والتقوى والمعايشة مع الله في بيت الله .وفي خلال هذه الفترة يقوم المحرم بمناسك الحج والعمرة ، وبعدها تنتهي فترة الإحرام ويحل له الصيد: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ) 2 المائدة).ويحل له باقي الحلال .

3 ـ والفدية عن الحلق للمحرم جعلها القرآن فدية من صيام أو صدقة اونسك ، وتركها مفتوحة حسب مكانات الحاج وحسب تقواه ، وقد تكون صوما أو اطعام مساكين أو تقديم ذبائح . وهو نفس الحال فى تقديم الهدى عند الاحصار وعند الأمن ، يقول تعالى:( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ )البقرة 196) . وترك تحديد الهدي مفتوحاً ما بين شاه إلى بقرة او ناقة ..

مناسك الحج وقت الاحرام 

1 ـ ذكر الله جل وعلا : استغراق القلب فى ذكر الله جل وعلا وقت تأدية المناسك وفيما بينها، وعدم ذكر غيره ، حتى عدم ذكر الآباء . وقد عقدنا فصلا عن الحج وذكر الله جل وعلا . لكن نؤكد هنا على أمرين. الأول : شمولية الذكر للصلاة فى مقام ابراهيم ،والاعتكاف ودوام الركوع والسجود :( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) البقرة )( وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) الحج ). الثانى : الالتزام بتشريع الذكر والدعاء فى الاسلام ، وهو أن يكون الذكر والدعاء بتضرع وخشوع وخفوت فى الصوت :( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) ...( وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً (56)، ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ) (205) الاعراف ). وبالتالى فإن رفع الصوت بالتكبير والتلبية فى الحج ليست من الاسلام فى شىء . يجب أن تقال فى تضرع وخفوت صوت، وإلّا كانت إعتداءا لا يحبّه رب العزّة : ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ).

 2 ـ  والطواف بالبيت أول وأبرز مناسك الحج . ومع الطواف بالبيت يكون الاعتكاف عنده والصلاة فيه. طبقا لملّة إبراهيم عليه السلام: ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) البقرة )،(وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) الحج ). وبعد القيام بالمناسك يطوفون بالبيت طواف الوداع : ( ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) الحج  ) .الطواف واجب مرة واحدة ، ولكن يمكن القيام به مرات عديدة  خلال فترة الحج ، ومنها الطواف الأخير الوداع . والله جل وعلا ترك هذا مفتوحا ، ضمن الصلاة والركوع والسجود وذكر الله جل وعلا ، وايضا عدم تحديد مرات التطوع أو نوعيته فى الهدى . فالحج مناسبة لعمل اصالحات والتطهر القلبى.

ليس لمس الحجر الأسود أو تعظيمه أو تقديسه من الاسلام فى شىء . هو مجرد حجر لتعيين بداية الطواف ونهايته . وسبق لنا نشر مقال فى هذا الموضوع . كما إنه يحرم لمس بناء الكعبة نفسها ، فالطواف هو مجرد سبع دورات من الطواف يمتنع فيها لمس بناء الكعبة حتى لا تتحول الى وثن وعبادة للأحجار. الكعبة هى بناء من أحجار يحدد مركز الكرة الأرضية . والطواف سبعا هو حول هذا المكان المحدد بجدران الكعبة ، طاعة لأمر الله جل وعلا . وهذا الطواف مرتبط بقلب ينبض بطاعة الآمر جل وعلا ، كما فعلت الملائكة حين أمرها الله جل وعلا بالسجود لآدم فبادرت دون إعتراض أو تساؤل بينما شذّ عنها ابليس فلعنه الله جل وعلا وطرده من عالم الملائكة فأصبح من الجّن.

 3 ـ ويشير القرآن إلى الوقوف بعرفات والأفاضة منه وذكر الله عند المشعر الحرام الذي يعني عرفة وما حوله من مواقف يقول تعالى ينبه على ذكره تعالى " فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ (198) البقرة " .

4 ـ الهدي : سبق أن قلنا أن الله جل وعلا أوجب تقديم ما تيسر من الهدي على من حصره مانع من الحج : ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ)، واوجبه على من أراد الجمع بين الحج والعمرة : ( فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (196) البقرة.).وأوجبه الله على من قتل الصيد وهو محرم : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ )(95 المائدة ).

وما عدا ذلك فالهدي يقدمه المحرم لله تعالى تطوعاَ ، وقلنا إنه كانت العادة أن تزين الأنعام المقدمة هدياً لبيت الله بما يعرف بالقلائد ، وتكتسب تلك الأنعام حصانة فلا يتعرض لها أحد في طريقها للحرم ، شأنها في ذلك شأن زوار بيت الله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا )(2)  المائدة )، ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ )(97) المائدة ). 

وشراء وبيع الانعام فيه منافع للناس فى موسم الحج وشهوره الحرم الأربع ، لذا يذكر رب العزة جل وعلا الأنعام مرتبطة بالمنافع وبذكر إسم الله عليها حين تزكيتها بالذبح وتفرقتها على الفقراء السائلين وغير السائلين المتعففين ، يقول جل وعلا :( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) الحج ) بل يجعلها رب العزة مرتبطة بشعائر الله جل وعلا وحرماته فى الشهر الحرام ، يقول جل وعلا : ( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمْ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ )(30) الحج )،( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ )(34 ) ، (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) الحج ).

الأنعام الهدى فى الحج لها رمز خاص فى الإحرام المؤسّس على الطاعة المطلقة والمباشرة وعدم الجدال فى اوامر الله جل وعلا . فذبح أنعام الهدى المميزة بقلائدها وقت الاحرام هو قربة وطاعة لله جل وعلا، وفى نفس الوقت يكون التحريم الكامل لقتل أى كائن حىّ وتحريم قتل الصيد، وفرض عقوبة أو فدية على من يتعمّد ذلك . هنا تكون الطاعة فى تنفيذ الأمر ( ذبح الهدى ) وتكون الطاعة فى الابتعاد عن المنهى عنه ( قتل الصيد ). هنا تكون المبادرة بالطاعة تكرارا لما فعلته الملائكة حين أمرها الله جل وعلا بالسجود لآدم فأطاعت مباشرة ، وعصى ابليس وجادل فأصبح ملعونا .

ومن هنا أيضا يرتبط تقديم الهدى بالتقوى فى أروع معانيها ، فالحجّاج ضيوف الرحمن فى بيته الحرام ، وقد ضمن لهم فى هذا الوادى المفتقر للزرع عين ماء لا تنضب يشرب منها ضيوف الرحمن فى بيته الحرام ، ولكن يبقى لهم توفير أطيب الطعام من القادرين من الحجاج ، أى أن يطعمم الحجاج بعضهم بعضا من هذا الهدى ، سواء من يطلب أو من يتعفف ( القانع والمعترّ ). اى إنه للجميع؛ يأكل من الهدى صاحب الهدى والآخرون على السواء ، وجميعهم ضيوف الرحمن ، يأكلون من نعم الرحمن حيث جعلها من شعائره فى بيته الحرام : (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) الحج ) . لذا يقول ربّ العزة باسلوب بالغ الدلالة فى الآية التالية:( لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرْ الْمُحْسِنِينَ (37) الحج ). الله جل وعلا لا يناله شىء من لحوم الهدى ولا من دمائها ، ولكن ينال التقوى التى تصاحب تقديم الهدى. وهنا الموضع الوحيد فى القرآن الكريم الذى يشير الى أن الله جل وعلا ينال شيئا من البشر ، وهو جل وعلا الغنى عن العالمين ، حتى أنه الغنى عن حجّهم الى بيته : (آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ (97)( آل عمران ). لو شاء رب العزّة لأنزل على الحجّاج رزقا من السماء كما أنزل على بنى إسرائيل المنّ والسلوى ، ولكن شاء أن يختبر عباده فى بيته الحرام وهم ضيوفه ، ضمن لهم الماء الزلال من بئر زمزم ، وأمرهم بتقديم الهدى لتكون من شعائر الحج ، وجعل تقديمها تعظيما لشعائره ، وذكر جل وعلا إنه يناله التقوى ممّن يقدم هذا الهدى . وكفى بهذا فخرا لمن يقيم الاحرام فى بيت الله الحرام طاعة لله جل وعلا وخشوعا وتقوى .!!

8 ـ وينتهي الحج بعد الوقوف بعرفات وتقديم الهدي .. ومن أراد التطوع طاف بين الصفا والمروة بعد أكمال الحج أو العمرة وذلك ما نفهمه من قوله تعالى : ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) البقرة ). قال تعالى : ( فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ )، أي ان الطواف بالصفا والمروة بعد الانتهاء من الحج أو العمرة . ومع أنهما من شعائر الله إلا ان الطواف بهما تطوعي وليس فرضا أو إلزاماً : ( فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيم ) .

ثم يكون طواف الوداع للكعبة قبل المغادرة .

أخيرا : ليس من مناسك الحج :

  ليس من مناسك الحج تلك العادات الجاهلية التى توجب المبيت بمنى قبل الوقوف بعرفة ثم الذهاب الى المزدلفة بعد الوقوف بعرفة . وما إبتدعوه فيهما من طقوس وقصر للصلاة  بلا داع ، تأثرت كلها ببدعة وفرية كبرى هى حصر تأدية الحج خلال اسبوع الافتتاح فقط ، وتجاهل مشروعية الحج خلال الأشهر الحرم الأربعة كلها من بداية شهر ذى الحجة الى نهاية شهر ربيع الأول .  ثم أضافوا لشعائر ومناسك الحج رمى الجمرات ، وهذا إفك عظيم .  وسنعرض لمبتدعات الدين السّنى بالتفصيل فى الباب التالى . 

الباب الثانى : الدين السّنى وصناعة تشريع الحج . الفصل الأول : التواتر بين الدين الالهى والأديان الأر

الباب الثانى : الدين السّنى وصناعة تشريع الحج .

الفصل الأول : التواتر بين الدين الالهى والأديان الأرضية

أولا : نوعان من التواتر 

1 ـ تعارف البشر ـ أو تواتر لديهم ـ أنّ من القيم العليا : الشجاعة والكرم والصدق والأمانة والرحمة والعدل ونجدة المظلوم ..الخ. وتعارف البشر ـ أو تواتر لديهم ـ أن من الأخلاق الشريرة المذمومة الكذب والخيانة والظلم والجبن والبخل والنذالة والغلظة والقسوة ..الخ . وتعارف البشر أن الانسان فى داخله الخير والشّر ، وأنه يختار بين هذا وذاك ، وأنه خليط من هذا وذاك ، وأنه ليس شيطانا مائة فى المائة وليس ملاكا مائة فى المائة . وبالتالى فإن المتواتر لدى البشر نوعان : تواتر بالخير ، وتواتر بالشّر والسّوء .

2 ـ ومن القرآن نعرف تقسيم البشر الى نوعين ، فمن الناس من يفعل  (كذا )، وبالتالى فإنّ من الناس من لا يفعل هذا ( الكذا ) . ويتكرّر التعبير القرآني ( ومن الناس ) ليؤكّد أنه طالما يوجد ( ناس ) فإنّ منهم من يفعل هذا ، أى هى ظاهرة فى أى مجتمع وأى ناس . ونكتفى بأمثلة من سورة البقرة : يقول جل وعلا : (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)) هذا الصنف المخادع الذى يستخدم الدين فى الخداع موجود فى كل زمان ومكان . ونعانى منه حتى الآن . وهنا نتأّمّل قوله جل وعلا فى أولئك المفسدين المخادعين المتسترين بالدين: ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206).  هذه الآيات الكريمة تفضح كثيرا من المشاهير فى عصرنا ، بمجرد أن تقول لأحدهم ( إتّق الله ) ينقلب شيطانا مريدا تأخذه العزّة بالاثم .!.. وفى المقابل فهناك من الناس مخلصون لله جل وعلا قد أسلموا أنفسهم لله جل وعلا : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207). ويقول جل وعلا عن الذين يقدسون البشر ويرفعونهم الى مستوى الالوهية يحبونهم حبّ تقديس مثل حبهم لله جل وعلا : (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ )(165) ( البقرة ).وهى تنطبق على من يقدّس  البشر من الأنبياء ( محمدا والمسيح ) وأصحابهم ( الصحابة و الحواريين ) والأحبار والرهبان والبابوات والأئمة والأولياء. 

ثانيا : التواتر الحق فى الرسالات السماوية والتواتر الباطل لدى المشركين 

1 ـ القرآن الكريم كتاب ( مثانى ) يفسّر بعضه بعضا ، إذ يأتى المعنى موجزا ، ثم تأتى وتترى آيات كثيرة تشرح هذا المعنى الموجز . وينطبق هذا على نوعى التواتر لدى البشر.

فى عبارة قرآنية غاية فى الايجاز والإعجاز والإحكام يقول جل وعلا يخاطب خاتم النبيين ـ عليهم جميعا السلام :( مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ) (43) فصلت). أى ما يقال لك يامحمد قد سبق قوله لجميع الأنبياء والرسل من قبلك . والذى قيل ويقال له ولهم نوعان : وحى برسالة سماوية ، وتكذيب واتهامات من المشركين . وهذان النوعان من الأقوال قيلت لكل الأنبياء والرسل ، من نوح الى خاتم النبيين عليهم جميعا السلام .

2 ـ فالوحى واحد لهم جميعا:(إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ )النساء). والتشريع واحد لهم جميعا فى أساساته ، وهو إقامة الدين الحق سلوكا وتطبيقا، وعدم التفرق الى مذاهب وطوائف وأديان أرضية ، يقول جلّ وعلا:( شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)(13) الشورى). ويشمل هذا الوحى الواحد كل التفصيلات الأساس الخاصة بالعقيدة مثل ( لا اله إلّا الله ) وعبادة رب العزّة وحده : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) الأنبياء ) والتحذير لكل الأنبياء من الوقوع فى الشرك حتى لا يحبط عملهم ويضيع : ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ (65) الزمر ). كل هذا الوحى المشترك جاء لكل نبى بلسان قومه (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ )(4)( ابراهيم )، الى إن نطق القرآن باللسان العربى:(  فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً (97) مريم) (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58)( الدخان ). هذا هو التواتر فى الحق ممثّلا فى وحدة الوحى الالهى لكل الرسل والأنبياء .

3 ـ يقابله تواتر باطل فى الوحى الشيطانى . وفى القصص القرآنى فى سور ( الأعراف ) و ( هود ) و ( المؤمنون ) مثلا ، تجد الأنبياء يقولون نفس الدعوة لأقوامهم فى ( تواتر ) أنه لا اله إلا الله ، ويقابله تواتر مضاد من الملأ المستكبر بالرفض . وفى سورة الشعراء  تفصيل لهذين النوعين من التواتر ، الى أن يقول جل وعلا فى أواخر السورة عن القرآن الكريم :( وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195). أى فالقرآن الكريم نزل به جبريل باللسان العربى مصدقا لما سبقه من كتب سماوية ، أو هو موجود فى ( كتب ) أو ( زبر الأولين ): ( وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ (196) ، ولهذا كان يعلمه من قبل علماء بنى اسرائيل، وهذا كان فى حدّ ذاته كافيا لقريش لأن تؤمن بالقرآن  وتعتبره آية من الله جلّ وعلا : (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) (الشعراء). ثم ، يقول رب العزة إن القرآن لم تنزل به الشياطين : (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنْ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212). ثم يخبرنا عن الوحى الآخر النقيض ، وهو وحى الشياطين وأوليائهم الأفّاكين الكاذبين :( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) الشعراء ). أى لدينا نوعان من الوحى : وحى الاهى بالرسالات السماوية ، وهذا قد انقطع وانتهى بانتهاء القرآن الكريم نزولا وموت خاتم النبيين عليهم السلام ، ثم هناك وحى الشيطان الذى لا يزال مستمرا . وبينما يعبر القرآن الكريم المحفوظ من لدن الله جل وعلا عن التواتر الحق فإنّ الوحى الشيطانى المستمر والمؤسس للأديان الأرضية والمنتج لها هو التواتر الشرير المناقض للتواتر الحق.

4 ـ وهذا التناقض بين التواتر الحق والتواتر الباطل يعنى (عداء) أصحاب الوحى الشيطانى للأنبياء . فأولئك الرواة للأحاديث هم الأعداء الحقيقيون لخاتم المرسلين . هم متبعون لأسلافهم من الأفّاكين من شياطين الإنس الذين يذيعون وينشرون الباطل وينسبونه وحيا لله جل وعلا ورسوله، وبهم يتم التكذيب للقرآن وهجره ، ممّا سيجعل النبى محمدا عليه السلام يأتى يوم القيامة يتبرأ من أولئك الاعداء : ( وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً (31) الفرقان ). هنا حديث عن وجود عدو لكل نبى . أى تواتر بالعداء لكل نبى الى خاتم النبيين. وأولئك الأعداء الذين يتواترون فى كل عصر حتى عصرنا يحترفون تصنيع أحاديث شيطانية ، ولكى يخدعوا الناس ينسبونها الى الوحى الالهى ، للنبى ولرب العزّة ، ومن ينكرها ـ مثلنا ـ يكون كافرا متهما بإنكار السّنة .!!.

5 ـ ويقول جل وعلا  أيضا عن أولئك الاعداء للأنبياء ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً ) (114) الأنعام ). التعبير هنا بالماضى فى جعل أعداء لكل نبى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً )، ثم يأتى التعبير بالمضارع فى استمرار تواترهم بصناعة الكذب وترويج الوحى الشيطانى (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ)، والتعبير بالمضارع فى أستجابة العوام الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وعلى أساس هذا الوحى الكاذب يقترفون الاثام (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113).

والله جل وعلا يسمح بوجود هذا الوحى الشيطانى وترويجه إختبارا للناس ، وبدأ هذا منذ أن طرد ابليس : (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنْ الصَّاغِرِينَ (13) قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنْ الْمُنظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) ( الأعراف )، لذا فإن ابليس وذريته من الشياطين يجدون الأعوان من شياطين الانس والجن ، ويتعاونون معا فى تصنيع الأحاديث الكاذبة وينسبونها للوحى الالهى ويؤسسون على أساسها أديانا أرضية تصبح بالتواترـ  أيضا ـ نقيضا للقرآن الكريم الذى حوى فى داخله أسس كل ما قيل للأنبياء السابقين من عقائد وتشريعات.

ولأنه باطل متواتر قد تسلح كذبا ياسم الله جل وعلا ، وتسلّح كذبا بدين الله فإن أمنية كل نبى فى هداية كل قومه لا تتحقّق بسبب هذا التلاعب الشيطانى ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ )، ويسمح الله جل وعلا بنسخ أى تسجيل وكتابة هذا الزيف وأحاديثه الشيطانية ، وفى نفس الوقت ( يُحكم ) الله جل وعلا آياته ، ليظل نوعا التواتر ، تواتر الحق مقابل تواتر الزيف : (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52). وهنا يكون الاختبار، فكتب الأحاديث الضالة تملأ الآفاق ، يضل بها الناس ، وأيضا يمكن لمن أراد الهدى أن يتعظ فيزداد هدى ، فالمؤمن يزداد إيمانا والظالم الذى فى قلبه مرض يزداد كفرا : (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) الحج ).

5 ـ ولهذا يؤكّد رب العزّة أنّ أظلم الناس هم محترفو الكذب على الله جل وعلا المكذّبون لآياته ، يقول جل وعلا :(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ(68)) وفى المقابل هناك المهتدون الباحثون عن الحق باخلاص (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)العنكبوت ). وهنا ـ  أيضا ـ تواتر فى وجود الفريقين النقيضين .

6 ـ  والتواتر الكاذب هو الأكثر رواجا والأكثر انتشارا وجاذبية لأن أكثرية البشر ضالة مضلة لا تؤمن بالآخرة ولا تعمل لها ، لذا ترى فى الأحاديث الضالة راحة لها فى أن تعصى وتدخل الجنة بالشفاعات ، وتبرر جرائمها وموبقاتها . يقول جل وعلا لخاتم النبيين عليهم السلام : (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) الأنعام )، وجاء هذا تعليقا على الوحى الكاذب لشياطين الإنس والجن :( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) الأنعام ).

ولا يوجد فى الاسلام رجال دين على الاطلاق . ولكن هذه النوعية تتكاثر وتتسلّط على أكثرية المجتمع من الأغلبية الصامتة و العوام، يستعين المترفون المستبدون برجال الدين ، ليصبحوا معا ( أكابر المجرمين) الذين يستخدمون الدين الأرضى فى تدعيم سلطانهم. هى عادة سيئة للبشر فى كل زمان ومكان ، حيث ينتشر وباء التقديس لرجال الدين الأرضى وكهنته، بدءا من الساحر فى أدغال أفريقيا إلى بابوات الكنائس وشيوخ الصوفية وأئمة الشيعة والسّنة . وبالتحالف  بين أكابر المجرمين السياسيين والدينيين تتكون أقلية حاكمة فى كل مجتمع ، أو (كل قرية ) بالتعبير القرآنى ، وتتواتر هذه العادة السيئة لتصبح عارا فى تاريخنا البشرى الماضى والحاضر ، يقول جل وعلا يقرّر هذه الحقيقة :( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) الانعام). تراهم يحترفون المكر حتى ببعضهم البعض ، ويزايد بعضهم على بعض تنافسا فيكون بأسهم بينهم شديدا،أى يمكرون بأنفسهم وما يشعرون. وسبحان الله جل وعلا ، كأن هذه الآية الكريمة نزلت تعلّق على الاخوان والسلفيين والوهابيين فى عصرنا .!. هؤلاء المجرمون هم ايضا أعداء للأنبياء فى عصور الأنبياء ، يقول جل وعلا عنهم فى الآية التالية: (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124) الأنعام ).

 وبعد عصر الأنبياء يظلون يسخرون من أتباع الحق فى تواتر مستمر ، يقول جل وعلا عن هؤلاء المجرمين : (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30))، ولأنه تواتر سيظل مستمرا الى نهاية العالم فسيكون مصر أولئك المجرمين شائنا يوم القيامة ( فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) المطففين). يقول جل وعلا عنهم يوم القيامة:( تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ(110 ).الى أن يقول لهم رب العزّة (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (115)( المؤمنون).

7 ـ ويتواتر تكذيبهم للرسالة السماوية فى كل زمان ومكان فى عصور الأنبياء ، وهذا نقرؤه فى قصص الأنبياء فى القرآن ، ومثلا كانوا يتهمون الأنبياء بالسحر والجنون ، كأنما تواصوا على ذلك ، يقول جل وعلا يعلّق على اتهام مشركى قريش لخاتم النبيين بالسحر والجنون :( كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) الذاريات ). وكلهم طلب من النبى معجزة حسية ، فقال جلّ وعلا : ( وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ) (118) البقرة). وكلهم إحترف تكذيب الحق لأنه يتبع ( المتواتر الباطل ) الذى توارثه من الآباء والأسلاف:( وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23)الزخرف).

8 ـ ما سبق هو بعض التفصيلات القرآنية التى تشرح قوله جل وعلا :( مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ) (43) فصلت). وهى تأكيد على وجود نوعين من التواتر ، تواتر بالباطل وتواتر بالحق .

ثالثا : التحاكم الى القرآن الكريم لنعرف التواتر الحق من التواتر الباطل :

1ـ تراثنا خليط من تواتر بالحق وتواتر بالباطل ، أى فيه لقرآن ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا )(32)( فاطر) وفيه من العبادات ما يتفق  مع القرآن ولا يعارضه، وفيه المناقض المخالف المعادى للقرآن . وبالتحاكم للقرآن الكريم نعرف هذا من ذاك، فالقرآن الكريم هو الحكم على التواتر ، بل هو الحكم على كل ما عداه . والتحاكم للقرآن الكريم فريضة أساسية مستمرة الى الاصلاح . وهذا ما أمرنا به رب العزّة جل وعلا ، فقال عن تلك الأحاديث الشيطانية ونسبتها كذبا للوحى الالهى:( أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً ) (114)الأنعام ). كان هذا تعقيبا على قوله جل وعلا:( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) الانعام ). ويقول جل وعلا عن الهدى القرآنى: (وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً (31) الفرقان).جاء هذا تعقيبا على أعداء النبى الذين اتخذوا القرآن مهجورا ، أى موجودا ولكن ( تنسخه) أى تبطله وتلغيه سنتهم الكاذبة: ( وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً (31) الفرقان ).

2 ـ وعموما يقول جل وعلا فى الاحتكام للقرآن الكريم (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ  (10) الشورى ) . والتحاكم الى الله جل وعلا يعنى التحاكم الى الرسالة الالهية ، وهى الرسول بعد موت رسول الله محمد عليه السلام : (  فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) ( النساء ). أى إنّ الشرط هو أن يكون هذا التحاكم ناشئا عن إيمان حقيقى بالله جل وعلا وباليوم الآخر لدى الطرفين معا ، وإلّا كان إستخداما لدين الله جل وعلا فى الخداع ، كما فعل عمرو بن العاص فى التحكيم .

3 ـ بالاحتكام للقرآن نعرف إن الحديث الوحيد الذى نؤمن به هو القرآن الكريم فقط ( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)( المرسلات 50)،( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) الأعراف ) (تلك آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) ( الجاثية ).ونعرف أن النبى محمدا عليه السلام لم يتقوّل على الله جل وعلا شيئا فى الدين وينسبه لله تعالى (تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (44) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) ( الحاقة ) ، ونعرف أن الاسلام قد اكتمل وتمّ بانتهاء الوحى القرآنى نزولا ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً (3)( المائدة ) .وبالتالى نعرف أنّ كتب الأحاديث لدى السنيين والشيعة والصوفية هى أساطير شيطانية تناقض الاسلام . بل ونعرف إن حديث القرآن الكريم على تواتر قريش ينطبق على عصرنا لأنّ التواتر الباطل الأفاك الأفاّق لا يزال مستمرا قبل وبعد نزول القرآن الكريم مناقضا للتواتر الحق الذى جاء محفوظا فى القرآن الكريم . 

الفصل الثانى : التواتروملة ابراهيم

الباب الثانى : الدين السّنى وصناعة تشريع الحج .

الفصل الثانى  : التواتروملة ابراهيم   

أولا : ملة ابراهيم بين السلف والخلف

1 ـ  ملّة ابراهيم تعنى فى التعامل مع الله جل وعلا أن تعبد الله جل وعلا مُسلما له وحده نفسك ومخلصا له الدين (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3))،(قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (14)الزمر). وفى التعامل مع الناس هى التنافس فى الخيرات والمسالمة، وعدم الوقوع فى الفحشاء والمنكر . 

2 ـ وكل تواتر له بداية ، ثم يأتى التتابع والتواتر . والتواتر الحق فى دعوة ابراهيم عليه السلام بدأ حين كان يتذكر كيف ترك عند المسجد الحرام ابنه اسماعيل وذريته : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40)ابراهيم ). وعند المسجد الحرام وفى أداء فريضة الحج تأتى الفرصة لتطبيق ملة ابراهيم .

ثم تتابع هذا التواتر الحق فى ذرية ابراهيم ؛ فى اسماعيل : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً (55)مريم ) ، وفى اسحاق ويعقوب:( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73)الأنبياء ) .

3 ـ ومع هذا ظهر الانحراف فى ذرية ابراهيم من بنى اسماعيل وبنى يعقوب (أو اسرائيل) . ثم تواتر هذا الباطل ، متتبعا خطوات الشيطان، بجعل الصلاة مجرد طقوس شكلية مع تقديس البشر والحجر والوقوع  فى الفسوق والعصيان . يقول جل وعلا عن نوعى التواتر : التواتر الحق لدى الأنبياء والمؤمنين:( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً (58)ثم يقول جل وعلا فى الآية التالية عن التواتر الباطل لدى الخلف :(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)) أى اضاعوا الصلاة باتباع الشهوات ولم يقيموها بالتقوى ، ومع هذا فلديهم فرصة التوبة باتباع التواتر الحق : ( إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (60)مريم ).

4 ـ وهذه التوبة نوعان ، فى التعامل مع الله جل وعلا تكون بتنظيف القلب من تقديس البشر والحجر وبإخلاص العبادة لله جل وعلا وحده وعدم الفسوق. وهنا تكون الإقامة القلبية للصلاة وإيتاء الزكاة . وفى التعامل مع الناس تكون بكفّ الأذى وعدم الظلم وعدم الاعتداء، وهنا تكون الإقامة السلوكية للصلاة وإيتاء الزكاة  . والمؤمن الحقيقى هو الذى يجمع بين إسلام العقيدة ( الانقياد والتسليم لله جل وعلا ) وإسلام السلوكى ( المسالمة وعدم الظلم والاعتداء على الناس ) . والتائب الحق هو من يتوب من الكفر العقيدى القلبى والكفر السلوكى . وأعطى رب العزة للكافرين المعتدين سلوكيا فرصة التوبة إن إنتهوا عن الاعتداء والهجوم على المسلمين فى المدينة فلا مجال للحرب معهم : (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ (38) الأنفال ). وعندما قاموا بنقض العهود والهجوم على مكة بعد دخولها طوعا فى الاسلام نزلت سورة براءة ، تعطيهم مهلة للتوبة، فإن تابوا ظاهريا وكفّوا عن الاعتداء وإلتزموا السلم فقد أصبحوا أخوة للمؤمنين طبقا للاسلام السلوكى بمعنى السلام ، فقد حققوا الإقامة الظاهرية للصلاة  وإيتاء الزكاة :( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)،( لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11)التوبة ). والتوبة بابها مفتوح ليعود كل من يريد للصواب . والحج مناسبة مثالية للتوبة الحقيقية .

5 ـ  وفى ذرية يعقوب أو بنى اسرائيل تتابع الرسل والرسالات السماوية بالتواتر الحق ، كما تواتر وجود عصاة فاسقين وتواتر وجود مؤمنين منهم حتى عصر نزول القرآن الكريم ، فقل جل وعلا :( لَيْسُوا سَوَاءً ) أى ليس كل أهل الكتاب عصاة بل منهم من اتبع التواتر الحق فى ملة ابراهيم ( لَيْسُوا سَوَاءًمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) أى قائمة ومقيمة على التواتر الحق بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أو السمو الخلقى : (لَيْسُوا سَوَاءًمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌيَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ  وينْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)آل عمران ). هنا يبدو واضحا أنهم كانوا مثل أسلافهم يسارعون فى الخيرات ضمن ملامح التواتر الحق فى ملة ابراهيم . وكان الحج للبيت الحرام الذى بناه ابوهم ابراهيم هو الفرصة الحقيقية للمسارعة فى الخيرات.

6 ـ وعاش فى الجزيرة العربية العرب العاربة القحطانية والعرب المستعربة من ذرية اسماعيل ، بالاضافة الى سكان من اهل الكتاب من ذرية يعقوب أو بنى اسرائيل . الفارق بينهم أن العرب كانوا أميين لم يأتهم رسول قبل خاتم المرسلين بينما تواتر الأنبياء فى بنى اسرائيل وأهل الكتاب ، فكان مصطلح ( الأميين ) يقابل مصطلح ( أهل الكتاب ) : (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20) ) (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ )(75) (آل عمران ). وكان العرب الأميون الذين هم بلا كتاب سماوى يتمنون مبعث رسول من بينهم أسوة بأهل الكتاب ليصيروا مثلهم ( أهل كتاب ) فلما أرسل الله جل وعلا لهم خاتم النبيين بالرسالة الخاتمة إستجابة لدعوة ابراهيم كفروا بها ، يقول جل وعلا لهم : (أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157)الأنعام ) . هذا مع أن خاتم النبيين كان مأمورا باتباع ملة ابراهيم حنيفا ، طبقا لما جاء فى نفس السورة بعد ألايات السابقة : (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)( الأنعام ). والحج هو الفرصة المثالية لتطبيق ملة ابراهيم .

7 ـ نزل القرآن الكريم يؤكّد المعالم الحقيقية لملة ابراهيم فى العقيدة الايمانية وفى السلوك لدى المؤمنين الحقيقيين الذين يسارعون فى الخيرات :(إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)  المؤمنون ). ويحثّ على المسارعة فى الخيرات :( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ )(148) البقرة ). وبدلا من وجود التعصّب بين ( أهل القرآن ) و ( أهل الكتاب ) فلا بد من التسابق فى الخيرات:( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) (المائدة 48 ). والحج هو الفرصة المثالية للتسابق فى الخيرات .

8 ـ والتواتر الحق فى الرسالات السماوية وملة ابراهيم الحقيقية لا يلبث أن يتلاعب به الشيطان بخداعه ووحيه الضال . لذا كان أهل الكتاب ثلاث درجات ،منهم سابقون:(وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنْ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمْ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)( المائدة ). ومنهم مقتصدون ، وأغلبية ظالمة فاسقة (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66) ( المائدة ) .

ونفس التقسيم الثلاثى لأهل القرآن ، يقول جل وعلا عن القرآن الكريم :( وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31)، ثم يقول عن ( أهل القرآن ): (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)فاطر). وبالتالى فاهل القرآن هم كأهل الكتاب ثلاث درجات: منهم السابقون ومنهم المقتصدون والعصاة الظالمون . وأولئك العصاة الظالمون يرفضون الاحتكام الى القرآن الكريم فيما وجدوا عليه آباءهم من الموروث والتواتر . هم يتبعون بالضبط ما كانت تفعله قريش فى رفضها القرآن الكريم وفى تفضيلها للمتواتر الباطل الذى يخالف القرآن الكريم .

9 ـ وهكذا ، قوبلت دعوة رب العزّة الى التحاكم الى القرآن برفض مستميت من قريش . قريش كانت قد توارثت ملة ابراهيم ، وقد لحقها التحريف ، والتحريف لايعنى  التغيير الكامل أوالتبديل التام ، ولكن وجود اباطيل تداخلت مع الحقائق . وهذا التحريف والتضليل يصاحب مسيرة البشر . لهذا حفظ الله جل وعلا الرسالة الخاتمة لتكون حجة على البشر الى قيام الساعة ، حتى يرجع اليها ويحتكم اليها كل من يبغى الهداية مخلصا لله جل وعلا الدين .

10 ـ وطلبا للإصلاح ولترسيخ الاجتهاد فإن قانون الأزهر يجعل مهمة المدرس فى جامعة الأزهر ( تجلية حقائق الاسلام ) أى يعترف القانون بأن هناك حقائق اسلامية تم إخفاؤها وتجاهلها والتعمية عليها ، وهناك أباطيل تحولت بالسكوت عليها وعدم مناقشتها الى حقائق مقدسة ، ووظيفة عالم الأزهر أن يجلّى حقائق الاسلام مستعينا بالقرآن الكريم ،وبالتالى يفضح بالقرآن أكاذيب الاديان الأرضية التى حلّت محل الحقائق الغائبة والمنسية . وقد قمنا بهذه الوظيفة تنفيذا لقانون الأزهر حين كنا فى جامعة الأزهر فكوفئنا من الشيوخ الجهلة بالعزل والسجن فى عصر مبارك. وهم الآن يدفعون الثمن.

ثانيا : التواتر الباطل من صنع الشيطان ـ حتى الآن وفى كل آن .

1 ـ ولأن التواتر الباطل من صنع الشيطان ومن وحيه ، ولأنه يتسلل بخطواته خداعا للناس حيث يخلط الحق بالباطل وينسب ذلك الباطل وحيا الاهيا لرب العزّة فقد حذّر ربّ العزة البشر جميعا من هذا التواتر المزخرف المغرى الذى يصغى اليه العوام ويرتضونه:( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116)(الأنعام).  

2 ـ ولأن التواتر الباطل من صنع الشيطان ومن وحيه  فقد حذّرهم رب العزّة من إتّباع خطوات الشيطان ووسوسته وخداعه فقال جل وعلا:( وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168)  البقرة ). وهذا الشيطان العدو المبين ينشر عن طريق أتباعه وأوليائه وحيا مزيفا ينسبونه لله جل وعلا ورسوله يحضّ على السوء والفحشاء بزعم الشفاعات ، ويشجع على التقوّل على الله وتأسيس ديانات أرضية، يقول جل وعلا فى الآية التالية عن الشيطان :( إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (169) البقرة ). كان هذا فى الأصل خطابا للعرب وللبشر جميعا ، وجاءت الآية التالية ، وفيها يأمرهم رب العزة بالاحتكام الى القرآن الكريم إتّباعا له ضد هذا التواتر الباطل المناقض للقرآن ، ولكنهم تمسكوا بالتواتر الباطل و ما وجدوا عليه آباءهم، يقول رب العزة :( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ(170)البقرة ).

3 ـ ولأن التواتر الباطل من صنع الشيطان ومن وحيه فإن الله جل وعلا يجعلها دعوة شيطانية ويجعل مصير أتباعها عذاب السعير:( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21)  لقمان ) . وهذا فى مقابل من يتمسك بملة ابراهيم الحقيقية ويُسلم لله جل وعلا وجهه :(وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ (22) لقمان ). فالبشر قسمان : قسم يسلم وجهه لله جل وعلا متبعا ملة ابراهيم ، وقسم يتبع التواتر الشيطانى الباطل.

4 ـ ولأن التواتر الباطل من صنع الشيطان ومن وحيه فقد تطرفوا بالتمسك به ، وبدلا من الاكتفاء بالقرآن الكريم :( أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51)( العنكبوت ) فقد إكتفوا بتواترهم الباطل رفضا للقرآن الكريم، أو الرسالة الالهية :( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (104) المائدة ) كانوا يقولون (حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) مع إن آباءهم كانوا مثلهم فى الجهل . بل كانوا يتعجبون من هذا ( التطاول ) على ما وجدوا عليه آباءهم ، ويقولون إنهم ما سمعوا بهذا التطاول من قبل من شيوخهم وآبائهم السابقين : (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (7)ص ). أى يصفون القرآن بأنه إختلاق .

5 ـ ولأن التواتر الباطل من صنع الشيطان ومن وحيه، ولأن الشيطان يصاحب كل جيل من البشر يخدعه ويضله بنفس الطريقة فإن التمسك بما وجدنا عيه آباءنا ورفض الاحتكام فيه الى كتاب الله هو عادة سيئة تصاحب البشر فى سقوطهم وضلالهم حين يتحكم المترفون فى مجتمع ما ويتمسكون بالمتوارث الذى بنوا عليه مجدهم وتسلطهم ووضعهم المميز، يقول جل وعلا  عن قريش :( بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) الزخرف) .هذا ما كانت قريش تقوله ، وهو نفس ما إعتادت الأمم الظالمة قوله:( وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ )(23 ) ( الزخرف)  . وهذا ما يعتاد الوهابيون السلفيون قوله فى عصرنا البائس. هنا يتجلّى إعجاز القرآن حين يرفض السلفيون الاحتكام للقرآن الكريم تمسكا منهم بما ( أجمعت عليه الأمة ). مع إن هذه ( الأمّة ) لم تُجمع فى أديانها الأرضية وفى مذاهبها وطوائفها ومللها ونحلها إلّا على إتّخاذ القرآن مهجورا تمسكا بالمتواتر الباطل . وهم فى إتخاذهم القرآن مهجورا وفى إتخاذهم شعار السلف وفخرهم به لا يعلمون أن مصطلح  (السلف ) يأتى مذموما فى القرآن الكريم ، يقول جل وعلا عن فرعون وآله:( فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ (56)الزخرف ). ولكنها خديعة الشيطان لهذا الجيل المعاصر كما خدع أجيالا من قبلهم وأضلهم ، ويوم القيامة سيقول رب العزة للخاسرين من أبناء آدم  يذكّرهم : (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (64)) ( يس ). الواقع المؤسف إنهم أتبعوا كالخراف أسلافهم بلا وعى وبلا عقل ، أو كما قال جل وعلا : (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) الصافات ) . وفى الآيات السابقة يقول رب العزة عن عذابهم :( أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإٍلَى الْجَحِيمِ (68)( الصافات ). هل يستحق الشيطان وطاعة الشيطان كل هذا العذاب وكل هذا العناء ؟

6 ـ ولأن التواتر الباطل من صنع الشيطان ومن وحيه، ولأن الشيطان يأمر أتباعه بالسوء والفحشاء والتقول على الله جل وعلا : ( إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (169) البقرة )ولأنه يعدهم بالفقر ويأمرهم بالفحشاء ( الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) البقرة )ـ لذا فإن التواتر السىء الشرير حين يصبح دينا متسلطا فإنّه يجعل ممارسة الفحشاء فريضة دينية يأمر بها الله جل وعلا  ودينا متواترا وجدوا عليها آباءهم:( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (28) الاعراف ).

7 ـ وهذا ما كانت عليه قريش ، وما كانت تمارسه فى ( الاحرام ) فى الحج ، طبقا للتواتر السىء الذى تمسكوا به فى تحريفهم لمناسك الحج فى ملة ابراهيم . ومن أجل هذا التحريف رفضوا القرآن الكريم . 

الفصل الثالث : الملكية أساس التواتر فى الحج

الباب الثانى : الدين السّنى وصناعة تشريع الحج .

الفصل الثالث : الملكية أساس التواتر فى الحج  

مقدمة : 

الشيطان هو المؤسس الحقيقى للتواتر الباطل المناقض للتواتر الحق الذى نزلت به الرسالات السماوية  والتى طبّقها الأنبياء والمؤمنون. يسرى هذا على التواتر الحق فى ملة ابراهيم ، كما يسرى على التواتر الباطل الذى قام بتحريف ملة ابراهيم . وتشريع الحج كان فيه التواتر الحق واختلط به تواتر باطل  أحدثته قريش طبقا لمصالحها . ونبع هذا التحريف وتواتر من بؤرة أنهم ( يملكون ) البيت الحرام. هذا مع إنّ مفهوم ( الاحرام ) فى الحج أن يعايش الانسان الشعور بأنه ( مملوك ) لله جل وعلا ، إختار العبودية الكاملة للخالق جل وعلا فى بيته الحرام فى  آيام الحج فى الأشهر الحرم . وهكذا تكون ( الملكية ) هى الأساس والمنبع للتواتر الحق فى ( الاحرام ) كما تكون الملكية فى زعم بعضهم ملكية البيت الحرام هى اساس التواتر الباطل . وهذا هو موضوعنا . ونبدأ القصة من أولها .

أولا : المُلك الخالد غريزة الانسان وسبب شقائه

1 ـ البداية تأتى ـ كالعادة أيضا ـ من الشيطان . حين كان أبونا آدم فى الجنة يتمتع بها مع زوجه حواء خدعهما الشيطان وجعلهما يأكلان من الشجرة المحرمة . اساس الخداع الشيطانى عنصران ممتزجان هما ( الملكية و الخلود ). وسوس الشيطان لآدم يحثه على الأكل من الشجرة المحرمة ليحصل على الخلود والملك الذى لا يبلى ولا يفنى :( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى (120) طه ) . أكل آدم وحواء منها فهبطا الى الأرض وهبط معهما فى ذريتهما نفس الطمع فى ( الخلد والملك الذى لا يبلى ) . وفى سبيل هذا ( الخلد والملك الذى لا يبلى ) تثور العداوات والحروب بين أبناء آدم لأن حب الخلود والتملك غريزة اساس فينا ، وقد عاش معنا فى الأرض تاريخا من العداء والحروب والدماء:( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) البقرة) (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) الاعراف ).

2 ـ إنّ كل إنسان يعرف إن مصيره الى الموت شأن كل من سبق من البشر ، وبالتالى فلو عقل لأيقن عبثية التصارع حول ( أشياء ) لا بد أن يتركها بالموت . ولكن غريزة الطمع فى التملك والمّلك الذى لا يفنى يجعله ينسى الموت الذى ينتظره ، فيظل يتصارع من أجل ( ملكية) الأشياء ، الى أن ينتبه عند الاحتضار ويجد أمامه صفرا كبيرا هو حصيلة نضاله الدنيوى ، فلا يأخذ من هذه الدنيا إلا الكفن .!

ومهما قيل فى الوعظ فى المآتم وسرادقات العزاء فإن الشيطان ينجح فى إذكاء غريزة التملك وحب الخلود فى الدنيا فيجعل الانسان ينسى الموت ، بل يضحى بحياته موتا فى سبيل الثروة وهو يعرف أن الثروة لو دامت لغيره ما وصلت اليه . يتصارع فى سبيل السلطة والثروة ويتناسى أن هذا الكرسى لو دام لغيره ما وصل اليه ، هذا التناسى للموت يبدو معه الانسان كما لو اقسم إنه لن يموت ، ولهذا فإن الله جل وعلا سيقول لأصحاب النار يوم القيامة ( أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) ابراهيم ) . ويقول إنهم سكنوا فى مساكن من سبقهم من الظالمين ، وإنخدعوا مثلهم بنفس الغرور ، غرور التملك والخلود فى السلطة والثروة ، الى أن انتهى بهم الحال للموت مثل السابقين ، ثم ينتظرهم عذاب الجحيم :( وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمْ الأَمْثَالَ (45)( ابراهيم). فى سبيل المُلك الذى لا يفنى ولا يبلى يتصارع الانسان فى سبيل الاستحواذ على الذهب والفضة والأرض والمتاع والرياش ، ويموت فى سبيل هذا التملك وتبقى بعده تلك الأشياء تغرى وتغوى آخرين بالتصارع والموت فى سبيلها. وتخيل قطعة جواهر من العصر الفرعونى وظلت تنتقل من يد الى يد طيلة عشرات القرون ، تبقى وتسيل حولها دماء بنى آدم ، وهنا تواتر بشع وشرير سببه تلك الغريزة الحمقاء التى يستغلها الشيطان فى غواية وإضلال وتدمير بنى آدم ، إنتقاما من أبيهم آدم .

ثانيا : غريزة التملّك أساس التواتر الحق وأساس التواتر الباطل الشرير

1 ـ حضيض غريزة التملك حين ينزع فريق من بنى آدم الى ( تملك بيت الله الحرام ).

2 ـ  إن كل ما فى هذه الأرض مسخّر للإنسان ، وقد وجّه له رب العزة الدعوة ليسعى فى الأرض طلبا للرزق : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)(الملك )، وهذا يعنى التملك الوقتى لأى مكان فى الأرض ، عدا الموضع الوحيد الذى لا مجال فيه لملكية البشر. إنّه مركز هذه الكرة الأرضية ، حيث الحرم المكانى لرب العزة ، وحيث تقام الكعبة بناء يحدد مركز الأرض ، ويحيط بالكعبة بيت الله الحرام الذى جعله للبشر جميعا مثابة وأمنا ، وجعله للبشر جميعا سواء ، العاكف المقيم فيه ، والذى يقطع البوادى سفرا اليه . ولأنه مكان مخصص لملكية لله جل وعلا ، ولأنه ( بيت الله الحرام ) فهو ( محرم ) على أن يملكه شخص أو قبيلة أو جماعة أو دولة.

3 ـ  ولأنه ( بيت الله الحرام ) الذى هو ( محرم ) على أن يملكه شخص أو قبيلة أو جماعة أو دولة فليس فى هذه المنطقة موارد زراعية أو صناعية تغرى بالتملك أو تغرى بالصراع من أجلها ، إنها منطقة جبلية لا زرع فيها ولا ضرع ، وصفها ابراهيم عليه السلام بأنها واد غير ذى زرع وبلا وجود لبشر فيه ، لذا دعا ابراهيم ربه جل وعلا أن يجعل البشر يسكنون هذا المكان ويعمرونه : (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) ابراهيم )، لذا فإنّ من رحمة الله جل وعلا أن جعل الثمرات تأتى الي هذا الوادى القفر من الخارج ، بأن هدى الناس الى الحج ، فجاءوا ومعهم الثمرات. 

4ـ لقد أجرى رب العزة فى بيته الحرام فى هذا الوادى الصخرى الجبلى عين ماء مستمرة . وجعله مثابة للناس وأمنا . وبعد توفير الماء العذب يبقى الطعام والثمرات ، وهذا يتكفل به  الزوّار أنفسهم ، يأتى بعضهم بالهدى ، حيوانات لاطعام أنفسهم والآخرين ، ويأتى آخرون بحيوانات زيادة لبيعها لمن أراد ان يقدم هديا ، ومعه المال فقط ليشترى به ، ثم يأتى تجّار يبيعون الثمرات والملابس والمصنوعات ، ويقام على هامش فريضة الحج والعمرة ـ طوال العام ـ سوق رائجة ، ويصبح من أنشطة الحج أن يبتغى الناس من فضل الله جل وعلا ، وهذا تكرر فى سياق الحديث عن مناسك الحج :( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ (198) البقرة ) وتأتى الإشارة الى شهود وحضور الناس منافع لهم من بيع وشراء فى سياق الحديث عن القادمين للحج يركبون الابل ، وعن أنعام الهدى فى الحرم:( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) الحج ). وفى الاشارة القادمين الى الحرم فى الطريق ومعم أنعام الهدى بقلائدها ، وغيرها من أنعام معدة للبيع ، حيث يبتغى أصحابها فضلا من الله جل وعلا ورضوانا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً )(المائدة 2 ).

5 ـ هنا لا مجال لبشر أن يتملك شيئا، فالماء اصل الحياة قد ضمن الله جل وعلا جريانه فى بئر ( زمرم ) ، وهى ملك لله جل وعلا . والأنعام والثمرات يؤتى بها للبيع والشراء والاستهلاك الوقتى المستمر. إذن هى  بضائع ليست للتملك ولكن للإستهلاك السريع والمستمر طيلة العام .

6 ـ ليس المطلوب هنا دولة تزعم ملكية البيت الحرام وتتحكم فيه وفى القادمين اليه ، بل المطلوب إسلاميا هو قيام هيئة متخصصة فى الخدمات للتنظيم والاشراف والتسهيلات وخدمة ضيوف الرحمن تستقبلهم وترعاهم وتقوم بحمايتهم وضمان أمنهم ليستمر أداء مناسك الحج والعمرة فى أمن ، وليستمر التعارف والتبادل التجارى آمنا طيلة العام مع الحج والعمرة ، وليستمر الاحساس لدى ضيوف الرحمن بأنهم ضيوف الرحمن فى بيته الحرام ، وليسوا مالكين للبيت الحرام ـ بل إنهم فى الاحرام ينبغى أن يشعروا بأنهم مملوكون للرحمن .  هذا هو أساس التواتر الحق الصحيح والشريف الذى قام به ابراهيم واسماعيل عليهما السلام ، ومن تبعهما فى تطبيق ملة ابراهيم فى عبادة الحج .

7ـ ولكن إزدهر التواتر الشرير الباطل بتزعم قريش لمكة وتحكمها فى الحرم . لقد تمتعت قريش بالأمن وبالثمرات معا ،: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57)( القصص ). وإنهمرت عليهم خيرات العالم عن طريق قيادتهم لرحلة الشتاء والصيف ، فنعموا بالرخاء والأمن بينما عانى من حولهم من الجوع والخوف :: (لإِيلافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) قريش). وكفرت قريش بهذه النعمة ، فتوعدهم رب العزّة ـ هم ومن يسير على طريقهم ـ بالبوار فى الدنيا وبالعذاب فى الآخرة ـ : (أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29) ابراهيم ). وجعلهم الله جل وعلا مثلا وعبرة لغيرهم: ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113)( النحل ).

ولم تتعظ السعودية بهذه العبرة . فقد ابتلاهم الله جل وعلا بنعمة البترول وجعل الثمرات تنهال عليهم من كل الدنيا بلا تعب ، فبدّلوا نعمة الله كفرا ، وتحكموا فى بيته الحرام بأشد مما كانت تفعله قريش . ومصيرهم فى الاهلاك قادم بعونه جلّ وعلا .

8 ـ ووصلت بكفرها الى الحضيض لأنها إعتقدت أنها ( تمتلك ) بيت الله الحرام ،ولذا كانت تتحكّم فى الحجّاج ، وتمنع أعداءها من دخول مكة والحرم ومن تأدية فريضة الحج . وهم بذلك يخالفون ملة أبيهم ابراهيم:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) الحج ).حضيض الفسوق والعصيان والعداء للرحمن أن ينزع فريق من بنى آدم الى ( تملك بيت الله الحرام ).

9 ـ المقابل لذلك هو قمة التقوى فى ( الاحرام ) الذى يعنى أن يختار المؤمن ( الحاج ) وقت الاحرام أن يكون ( مملوكا ) أو ( ملكية ) للرحمن فى البيت الحرام فى الشهر الحرام وقت الحج .

هناك حتميات أربع مكتوبة لا مفر لأى إنسان من مواجهتها فى هذا العالم . ليس له دخل فى إختيارها ، ولن يكون مساءلا عنها يوم الحساب، وهى تخصّ الميلاد والوفاة والمصائب والرزق . المؤمن يتعامل مع هذه الحتميات بالصبر والرضى والحمد والشكر والتسليم بقضاء الله جل وعلا وقدره . وما عدا هذه الحتميات الأربع فكل منّا يتمتع بحريته الكاملة فى الايمان والكفر والطاعة والعصيان . ممكن أن يختار أحطّ درجات العصيان بأن يتحكّم فى بيت الله الحرام وفى ضيوف البيت الحرام ، كما كانت تفعل قريش قديما ، وكما تفعل السعودية حاليا . ومن الممكن أيضا أن يختار الانسان بكامل حريته أن يمارس العبودية التامة لرب العزة  بتطبيق الاحرام فى الحج بحذافيره طاعة لله جل وعلا . التطبيق الحرفى للإحرام هو أن تكون باختيارك الحرّ مملوكا لله جل وعلا. أن تختار بمشيئتك الحرة أن تتنازل عن حريتك طاعة لله جل وعلا ، أن تختار بارادتك الحرة أن تمتنع عن الحلال وهو الرفث مع الزوجة ، وأن تمتنع عن إرادة السوء فى قلبك ، وأن يتطهّر قلبك ويتفرّغ لذكر الله جل وعلا وحده . أن تشعر طيلة الاحرام أنك مملوك لله جل وعلا شأنك شأن البيت الحرام نفسه وفى الشهر الحرام . كونك مملوكا لله جل وعلا بلا إرادة سوى ما يريده الله يعنى أن تكون باختيارك الحرّ مثل الاليكترون الذى يطوف حول نواة الذرة . هذا الاليكترون محايد مطيع لأمر الله جل وعلا بلا إرادة ، أسلم لله كرها بلا إرادة . أما أنت لو كنت محرما فى الحج ، تؤدى الاحرام على حقيقته فأنت باختيارك تطوف حول مركز الأرض مستمتعا بكونك مملوكا لرب العزة . فارق هائل بين شعورك بأنك مملوك لله فى بيت الله الحرام وبين شعورك وأنت تعتقد بملكيتك لبيت الله الحرام وأنت تتحكّم فى ضيوف الرحمن فى بيت الرحمن .

بؤرة الموضوع هنا هو ( الملكية ) وتطبيقها هو فى البيت الحرام والحج للبيت الحرام . ومن هذه البؤرة نبع وينبع التواتر الحق ، كما طرأ وتواتر التواتر البشع .

ثالثا : قريش إختارت حضيض الضلالة  : الزعم بتملّك البيت الحرام

1 ـ الدليل أنها تحكّمت فيه وفى القادمين الحجّاج اليه ، وأنها قاموا بصدّ المؤمنين وخاتم المرسلين عن المسجد الحرام ، فتوعّدهم الله جل وعلا بالعذاب ، فقال:( وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ )(34) الانفال). نتوقف هنا مع قوله جلّ وعلا تعقيبا على جريمتهم بالصّد عن المسجد الحرام : (وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ ). هى المرة الوحيدة فى القرآن أن تأتى الولاية ـ أى الموالاة ـ للمسجد للحرام. العادة أن تنقسم الولاية أوالموالاة الى نوعين فقط : إمّا موالاة المؤمنين لله جل وعلا تقوى وجهادا فى سبيله، وإمّا موالاة وولاء الكفار للشيطان والطاغوت . وبالتالى فهذه الولاية من المؤمنين للمسجد الحرام هى موالاة لمالك البيت الحرام ـ رب العزّة جل وعلا . وبالتالى أيضا فهذه الموالاة لله جل وعلا ولبيته الحرام تعنى أن يختار المؤمنون أن يكونوا بإرادتهم الحرّة ( مماليك ) و ( مملوكين ) لله جل وعلا فيما يخص التعامل مع البيت الحرام.وهذا يعنى ايضا أن من يختار العكس ، وهو ( ملكية البيت الحرام ) يكون أبعد الناس عن ولاية الرحمن وموالاة البيت الحرام ؛ يكون وليا للشيطان . ولقد سارت قريش فى هذا الطريق الشائك الى نهايته ، فواصلت الاعتداء على المسلمين فى المدينة بعد طردهم من مكة ، فقال فيهم رب العزة يؤكّد ولاءهم للشيطان والطاغوت : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً (76)  النساء )

 2 ـ  ولأن قريش إختارت تملّك البيت الحرام فقد أحدثت تشريعات جديدة ، مالبث أن تحولت بالتواتر والتعود وعدم الاعتراض والنقد والنقاش الى دين أرضى . وأول هذه التشريعات التحكم فيمن يأتى ومن لا يأتى للحج . وحين نزل القرآن الكريم بتصحيح الانحراف عن ملة ابراهيم فقد إعترفوا بأنه ( هدى ) ولكن إتّباعهم لهذا الهدى يجلب لهم الخسائر ، ويثير عليهم القبائل. وجاء الردّ عليهم بقوله جل وعلا :( وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57)( القصص). وفى سبيل زعمهم بتملك البيت الحرام فقد كفروا بنعمة الله وأعلنوا إيمانهم بالباطل :( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) العنكبوت ). ومن أجل تملكهم للبيت الحرام تمسكوا بما وجدوا عليه آباءهم ورفضوا القرآن الكريم .

3 ـ ولكن لماذا إختارت قريش هذه الدرجة المنحطّة من الضلال ( تملك البيت الحرام )؟ والى أى حدّ تأثر التشريع القرشى فى تحريف ملة ابراهيم فى شعائر الحج وفيما يحدث فى بيت الله الحرام ؟

انتظرونا .. 

الفصل الرابع : تواتر العالمية فى تشريع الحج قبل الفتوحات العربية

الباب الثانى : الدين السّنى وصناعة تشريع الحج .

الفصل الرابع  :تواتر العالمية فى تشريع الحج قبل الفتوحات العربية

أولا : عالمية الحج للبيت الحرام قبل ابراهيم عليه السلام

1 ـ منذ البداية ارتبطت العالمية بالبيت الحرام والحج اليه ، فهو أول بيت وضعه رب العزة للناس مذ كان على هذا الكوكب بشر وناس:(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ(96)آل عمران). وحيث أن كل الرسالات السماوية تتضمن أسس الدين الالهى من عبادة وإخلاص الايمان بالله جل وعلا  فإن الحج الى البيت الحرام كان ضمن العبادات فى كل الرسالات السماوية لكل الناس.

2 ـ ونحن لا نعرف كل رسل الله جلّ وعلا ، فلم يذكرهم القرآن الكريم جميعا:( وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) (164) النساء)، ولكن نعرف أنه ما من أمة إلّا جاءهم نذير:( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ (24) فاطر ). و( النذير) قد يكون مرسلا من الله جل وعلا:(وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34)(سبأ )،وقد يكون  النذير متبعا للرسول :(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي )(108)( يوسف) ومن النذر ذلك الرجل الصالح فى سورة ( يس ) (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِاتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20)( يس ). وبالتالى فإن العلم بالبيت الحرام والحج اليه جاء فى كل الرسالات ، وقال به كل المنذرين فى كل الأمم .

3 ـ والبشرية كانت فى البداية أمما وتجمعات متفرقة فى شتى أنحاء الكرة الأرضية ،من المناطق المأهولة المعروفة فى ( العالم القديم ) فى آسيا وأفريقيا وأوربا الى سكان الأمريكيتين ونيوزلندة واستراليا وجزر المحيط الهادى الشرقية فى أقصى العالم. ومع قلة عدد السكان فى العصور السحيقة إلّا إن البشر انتشروا فى كل الكرة الأرضية ، وخلفوا آثارا تنطق بحضارات قديمة فى الزمن السحيق تم إكتشاف بعضها حديثا. والذى يؤمن بالقرآن يؤمن أيضا بأن فى كل هذه التجمعات السكانية القديمة جاء منذرون:( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ (24)فاطر ). وبهذا فإن العلم بالبيت الحرام شمل كل الناس حيث كان أول بيت وضعه الله جل وعلا للناس .

4 ـ  ولا تزال هناك ملامح مشتركة وألفاظ مشتركة لدى البشر فيما يخصّ تراثهم الدينى بما يؤكّد وجود وحى الاهى وكتب سماوية أى تواتر حق لكم ما لبث أن حرّفه وأضاع ملامحه تواتر باطل.

5 ـ والبشرية فى تاريخها مع الرسالات السماوية تنقسم قسمين : أمم بائدة أهلكها الله جل وعلا ، وذكر رب العزة منهم أقواما عاشوا فى الجزيرة العربية والشام ومصر، مثل قوم نوح وعاد وثمود ومدين وقوم لوط وقوم فرعون . ومنهم من إستمر بقاؤه بلا تدمير كامل . وبالتالى فإن قوم نوح ومن جاء بعدهم من الأمم البائدة كانت تعلم الحج الى البيت الحرام . وأن الحج للبيت الحرام عرف نوعين من التواتر ؛ تواتر بالحق وتواتر بالباطل .

ثانيا : ابراهيم عليه السلام وعالمية الحج للبيت الحرام

1 ـ بدأ فى عصر ابراهيم عليه السلام دخول جماعات وأمم البشرية فى التعارف والتواصل . ونفهم هذا من سيرة ابراهيم عليه السلام نفسه ، فقد تنقل من العراق الى الشام والى مصر والى الجزيرة العربية ، وترك قبائل من نسله هنا وهناك . من الطبيعى أنه عليه السلام لم يخترع هذا التواصل ولم يبتدعه ولم يبدأ به ، ولكنه كان يتحرك وسط ثقافة موجودة تعرف التواصل بين جماعات البشر الساكنة بين العراق والشام ومصر بلا حاجز صارم من اللغات ، والحدود السياسية . بهذا يحتل ابراهيم عليه السلام مرحلة هامة فى تاريخ الأنبياء وفى تاريخ المسجد الحرام ، إذ دخلت به عالمية الحج الى البيت الحرام الى مرحلة مميّزة .

2 ـ ونفهم تقسيم تاريخ البيت الحرام الى مرحلتين من قوله جلّ وعلا:( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ(96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ )(97)آل عمران ). فالبيت الحرام قبل ابراهيم عليه السلام هو أول بيت وضعه الله جل وعلا للناس فى مكة التى كان إسمها ( بكّة )، ثم هو بابراهيم أصبح فيه آيات بينات مقام ابراهيم.

 3 ـ ونفهم نوعي التواتر فى قوله جل وعلا ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)الحج )، أى جاء ابراهيم عليه السلام من الشام الى الجزيرة العربية بأمر الاهى ، وبهذا الوحى الالهى عرف ابراهيم طريقه الى مكة والبيت الحرام ـ أول بيت وضعه الله جل وعلا للناس ، وكان البيت الحرام تطغى عليه الأوثان برجسها طبقا للتواتر السيىّء ، فقام ابراهيم عليه السلام بتطهيره منها مطبقا التواتر الصحيح ، وأعاد مع ابنه اسماعيل بناء الكعبة . جاء ابراهيم فأعاد التواتر الشريف الصحيح وقام بتطهير البيت الحرام للطائفين والعابدين. وبعد تطهير البيت الحرام من رجس الأوثان أمر الله جل وعلا ابراهيم عليه السلام أن يطوف العالم المعروف وقتها يدعو الناس الى الحج ، يأتون الى مكة من أقصى البلاد ومن كل فجّ عميق، يقطعون الطريق الطويل يركبون الابل فتصبح   بطول المسافة الى إبل ضامرة نحيفة :( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) الحج ). وفود الحجاج من كل ( فج عميق ) أكبر دليل على عالمية الحج ، ودور ابراهيم فى هذه العالمية .

4 ـ  كما نفهم إن مناسك الحج الحقيقية كان التواتر الشرير قد أضاعها، لذا دعا ابراهيم عليه السلام ربه جل وعلا  وهو يرفع قواعد الكعبة أن يعرف مناسك الحج الصحيحة ، يقول جل وعلا:(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا )(128)البقرة). وأراه رب العزّة المناسك الحقيقية ، وهى المعروفة بملة ابراهيم فى الحج .

5 ـ ومن قوله جل وعلا :( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ )(28) الحج ) نفهم أن البيت الحرام فى عهد ابراهيم عليه السلام قد أصبح ملتقى عالميا للناس على اختلاف أوطانهم وعناصرهم ، حيث يتوافدون فى موسم الحج والعمرة يشهدون منافع لهم، يتبادلون التجارة والمعارف والخبرات والأدوات والسلع والبيع والشراء.

6 ـ وساعد على عالمية الحج فى حياة ابراهيم عليه السلام عدّة عوامل :

6/ 1 : إن الله جل وعلا كافأه على نجاحه فى الاختبارات والابتلاءات بأن جعله إماما للناس فى عهده ، أى إماما لكل الناس الذين يستطيع الوصول اليهم والتواصل معهم:( وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) البقرة ). وارتبطت هذه الإمامة بالبيت الحرام ومسئولية ابراهيم واسماعيل عن إعداده لاستقبال الحجيج ، لذا يقول جل وعلا فى الآية التالية :(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)البقرة ) . كانت هذه الامامة بعد   نضال ابراهيم ومعاناته من أبيه وقومه الى وصلت الى محاولة حرقه بالنار ، ثم بعد الهجرة من العراق الى الشام تعرض لاختبار أقسى ونجح فيه ، وهو أمره بذبح ابنه الوحيد وقتها ( اسماعيل ) . أى كانت هذه الامامة تتويجا لنضال سابق استغرق شباب ابراهيم وكهولته . ثم أصبحت هذه الامامة وسيلة للدعوة للحج وعالمية البيت الحرام فيما تبقى له من عُمر . وكان عمرا طويلا .

6/ 2 : ولقد عاش وعمّر طويلا ، أى ظل إماما مدة طويلة يدعو للحج ويعلم الناس المناسك ، أوالتواتر الصحيح الذى تسمى فيما بعد بملة ابراهيم بعد موت ابراهيم . ظل ابراهيم بلا ولد من زوجه سارة ، فتزوج وأنجب اسماعيل من السيدة هاجر . ثم أقامهما فى مكة حول الحرم ، وعاد لزوجته سارة . وعندما كبر اسماعيل وأصبح فتيا شابا شارك مع أبيه فى إعادة بناء الكعبة . وبالتالى كان ابراهيم يزور ابنه يقطع المسافة من الشام الى مكة ، وعندما بلغ من الكبر عتيا جاءته البشرى بأنّ زوجه سارة ستلد له إسحاق ـ وهى عجوز عقيم ، بل وجاءت البشرى بيعقوب الحفيد بعد اسحاق الابن ،أى سيعيش ابراهيم ليرى حفيده يعقوب وقد أصبح نبيا :(وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)هود).

ونفهم أن ابراهيم عاش طويلا من قوله جل وعلا : (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40)( ابراهيم ) نفهم : أنّ ابراهيم عليه السلام رأى فى حياته ذريته وقد تكاثرت من ولديه اسماعيل واسحق ، وهو يدعو الله جل وعلا أن يتطهّر هو وبنوه من عبادة الأصنام ، وأن يجعله وذريته ممّن يقيم الصلاة ، وأن يتقبّل دعاءهم ، ونفهم أن جزءا من ذريته ( اسماعيل وابناؤه ) يعيشون عند البيت الحرام وقد أصبحوا جماعة من الناس ، ويدعو ابراهيم أن يعيش معهم أناس آخرون لتعمير المنطقة ، وأنه يحمد الله جلّ وعلا أن وهبه ـ على الكبر وفى الشيخوخة ـ اسماعيل واسحاق .

6/ 3 ـ كما تمتع ابراهيم وقتها بالثروة والجاه ، ونفهم هذا مما جاء فى التوراة  فى سفر التكوين ، ومن  إشارت قرآنية . فعندما جاءته الملائكة فى هيئة بشر تبشّره باسحاق ويعقوب ـ بادر بأن قدّم لهم عجلا مشويا ، أى لديه زرع وضرع وخدم ، برغم انه كان يعيش وقتها بعيدا عن ابنه الوحيد اسماعيل : (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69)هود). وفى الجزء الأخير من حياته عاش ابراهيم سعيدا برفقة إبنه اسحاق ثم أحفاده من يعقوب وذريتهم حوله، وتمتع أيضا بمزيد من الثروة والجاه أجرا من الله جل وعلا على جهاده :(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ (27)) ( العنكبوت )، ويقول رب العزة عن نعيم ابراهيم فى دنياه قبل الآخرة ( وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ (122) ( النحل ). أى كان إماما للناس وقد إجتمع له النبوة والثروة والجاه والذرية الصالحة وعاش ليرى منهم اسماعيل واسحاق ويعقوب أنبياء . وهؤلاء الأنبياء كانوا مبعوثين فى حياة ابراهيم لمن حولهم من الأمم. وكان الحج للبيت الحرام من معالم الرسالات السماوية لابراهيم واسملعيل واسحاق ويعقوب . وبهم صار الحج عالميا لكل الناس تطبيقا للأمر الالهى :( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) الحج ). 

 ثالثا : عالمية الحج فى ذرية ابراهيم عليهم السلام ( أهل الكتاب والعرب وقريش )

1 ـ عاش ابراهيم عليه السلام ليرى بوادر تكوين أمم من ذريته ، فقد تكاثر ابناء اسماعيل حول البيت الحرام ، وتكاثر ابناء اسحاق وأحفادهم ، كما تكاثر أحفاد اسحاق من ابنه يعقوب ( اسرائيل ) فأصبحوا 12 قبيلة فى مصر بعد أن هاجروا اليها فى ظل تمكين يوسف بن يعقوب عليهما السلام فى مصر . وبالتالى أصبح ابناء ابراهيم قوة هائلة وقائدة ورائدة فيما بين العراق والشام والجزيرة العربية ، ولانتمائهم الى أصل واحد هو ابراهيم ولأنهم يحملون نفس الرسالة وهى ( ملة ابراهيم ) فقد إزدهرت عالمية الحج فى ظلّ هذا الجاه وذلك المُلك لآل ابراهيم ، يقول جل وعلا عنهم : (..فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (54)النساء ).

2 ـ. ولقد كان البحر الأحمر ـ ولا يزال ـ وسيلة تواصل بين مكة وصعيد مصر ، وشهد عبور قبائل عربية الى الصعيد ، وشهد إزدهارا للحج عن هذا الطريق . ومذكور فى الروايات أن مهندسا قبطيا قام ببناء الكعبة لقريش فى العصر الجاهلى ، وهذا يعزّز التواصل بين مكة القرشية والمصريين الأقباط قبل البعثة . وقد كان صعيد مصر محور الحضارة المصرية قديما وموطن الديانة المصرية . ومنه إنتقلت عبادة ( ايزيس ) الى قريش (ايزيس هى عزى ، أى العزّى ) والمرجح أن بنى اسرائيل وهم فى مصر كانوا من نقل هذه العقائد الفرعونية الى بنى عمومتهم القرشيين ، بدليل إن اليهود كانوا يعبدون ( عزير ) وهو نفسه ( أوزير) . أوزير بالمصرية هو (عزير) اله الموت فى الفرعونية ، ثم أصبح فى أساطير الدين السّنى المتأثر بالاسرائيليات ( عزرائيل ) ملك الموت . ولقد كان تأثر بنى اسرائيل بالديانة الفرعونية عميقا ، من عبادة العجل الى غيرها .

3 ـ وفى الشمال تأكّد هذا التواصل أكثر بين ابناء ابراهيم فى الشام والجزيرة العربية حيث الصحراء الممتدة بلا عوائق والتى تخترقها طرق القوافل . وتأكّد هذا التواصل أيضا فى الجنوب حيث نشاط أهل اليمن البحرى واتصالاتهم البحرية بفارس والخليج والبحر الاحمر ، وهجرات أهل اليمن المستمرة خصوصا بعد انهيار سد مأرب الى يثرب والشام و الخليج فأقاموا إمارات الغساسنة على تخوم الدولة الرومانية فى الشام و دولة المناذرة جنوب الدولة الفارسية وتحكمت قبائل ( كلب ) اليمنية المسيحية فى طرق القوافل فى الشام . وأسفر هذا التلاقى والتواصل عن نشر اليهودية ثم النصرانية فى اليمن نفسه . مما أوجد طوائف من أهل الكتاب فى جنوب الجزيرة العربية كان لهم تأثير ملموس فى تاريخ المسلمين المبكّر .

4 ـ ومنذ عصر يوسف عليه السلام استقر بنو اسرائيل فى مصر خصوصا فى الدلتا البعيدة عن البحر الأحمر ، إلا أن البحر الأحمر لم يكن عائقا بين بنى اسماعيل فى مكة وبنى اسرائيل فى مصر. والدليل إن بنى إسرائيل فى عهد موسى عندما عوقبوا بالتيه فى صحراء سيناء أربعين عاما وجدوا ضالتهم فى السير جنوبا الى مكة ، فجاء موسى بقومه الى البيت الحرام وقت أن كانت قريش تتحكم فى مكة والحج . وفى مكة دعا موسى وهارون عليهما السلام قريش الى اصلاح التواتر الباطل الذى أحدثوه فى ملة ابيهم ابراهيم ، فرفضت قريش واتهمت موسى وهارون بالسحر . وفيما بعد كرّرت قريش نفس الاتهام لخاتم النبيين عليهم السلام لنفس السبب.  وكانت قريش تتمنى مبعث رسول منهم بمثل ما تواترت به الرسل والمعجزات فى بنى عمومتهم بنى اسرائيل ، فلما بعث الله جل وعلا خاتم النبيين بالقرآن كفروا وطلبوا معجزة حسية مثل التى كانت لموسى ، وجاء الردّ من رب العزّة عليهم بذكّرهم بأنهم من قبل كفروا بدعوة موسى واتهموه وأخاه هارون بالسحر :( فَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48) القصص ).

5 ـ على إن الجزيرة العربية كانت فى عصر سلطة قريش كانت تموج بحضور قوى ومؤثر من أبناء ابراهيم ممّن اطلق عليهم ( أهل الكتاب )، كانوا عنصرا مؤثرا فى الحياة الدينية للناس وقتها ، وبالتالى كانوا من حجاج البيت الحرام تبعا لملة ابيهم ابراهيم ـ حتى مع التحريف فيها. ومن مظاهر هذا الحضور :

5/ 1 : تقسيم سكان الجزيرة العربية الى قسمين : ( أهل الكتاب ) من بنى اسرائيل ومعتنقى الانجيل و ( الأميين ) أى العرب من ذرية اسماعيل الذين لم يأتهم رسول .

5/ 2 ،وبسبب تميّز أهل الكتاب فقد كانت قريش والعرب المستعربة تتمنى مبعث رسول منهم أسوة ببنى اسرائيل ، بل كانوا يقسمون بالله جل وعلا جهد أيمانهم لو جاءهم رسول لاتبعوه وكانوا خيرا من بنى اسرائيل ، فلما جاءهم خاتم النبيين بالقرآن الكريم كفروا به : (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (42) فاطر ) لماذا كفروا ؟، يقول جل وعلا فى الآية التالية :( اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ )(43) ( فاطر ). وما هو مبعث الاستكبار فى الأرض ؟ هو تحكمهم فى البيت الحرام وفى الحجاج وتزعمهم قبائل العرب .

5/ 3 : وبينما ساد الضلال أهل الكتاب خارج الجزيرة العربية حتى لقد أخفت كنيسة روما الانجيل الحقيقى وقامت بتحريمه وفرضت كتابات متى ولوقا ..على أنها الاناجيل المعتمدة فإن الجزيرة العربية عرفت الانجيل الحقيقى الذى نزل على عيسى ، لذا قال جل وعلا عن عيسى وأتباع عيسى فى الجزيرة العربية حيث كان معهم الانجيل الحقيقى (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (47)( المائدة). ويقول جل وعلا عن التوراة وأتباعها من النبيين والمؤمنين:(إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ )(44)المائدة ) ويقول جل وعلا عن القرآن الذى نزل مصدّقا للتوراة والانجيل : (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ)(4) آل عمران ). وعندما طلب بعضهم الاحتكام للرسول قال جل وعلا : ( وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ) (43)المائدة ).

5/ 4 : كثرة الحديث عن أهل الكتاب وبنى اسرائيل وقصصهم فى القرآن الكريم المماثل لمعظم ما جاء فى العهد القديم، والملاحظ أيضا كثرة الحوار معهم، ودعوتهم للإحتكام للقرآن الكريم : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76)( النمل ) بل إن الله جل وعلا يشيد بالمؤمنين منهم ( القصص 52 : 55) ( آل عمران  113 : 116 ،  199 : 200) ( النساء 162)( الاسراء 107 : 109 )، ويدعو المؤمنين للتسابق معهم فى الخيرات: ( المائدة 48 ) .

5 / 5 : كما جاء حوار مع المشركين من اهل الكتاب القائمين بتحريف ملة ابراهيم. وجاء هذا مثلا  فى الجزء الأول من سورة البقرة ( 40 : 141 ) وفيه موضوع الحج ، ونفس الحال فى سورة آل عمران ، وفيها يتحدّاهم رب العزة بالاحتكام للتوراة التى فى أيديهم ثم يدعوهم الى إتباع ملة ابراهيم حنيفا والى الحج للبيت الحرام : ( كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) فَمَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (94) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ (97) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) آل عمران ).

5/ 6 : ومنه نستشف وجود علاقة بين مشركى قريش وكفار أهل الكتاب ، إذ عانى المؤمنون منهم ابتلاءات ومؤامرات فقال جل وعلا يخاطب المؤمنين يأمرهم بالصبر على مكائد الكفار من أهل الكتاب وقريش : ( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (186) آل عمران ) . وكان أئمة الكفر من أهل الكتاب يصدرون فتاوى لقريش بأن دينهم أوتواترهم الباطل لملة ابراهيم أفضل من دين محمد ، فقال جل وعلا يلعنهم :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (51) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (52) النساء). ونعرف أن يهود بنى قريظة قاموا بنقض التحالف مع النبى وغدروا بالمؤمنين فى حصار الأحزاب تعاونا مع قريش وأبى سفيان . وبإجلاء اليهود المعتدين ناكثى العهد من المدينة تعاظم تحالفهم مع قريش فى مكة ، وفى الوقت الذى فتحت فيه قريش أبواب مكة والحرم للحجاج من أهل الكتاب ومن كل إتّجاه فقد صدّت النبى عليه السلام والمؤمنين عن الحج .

أخيرا

هذا الوجود المكثف لأهل الكتاب فى الجزيرة العربية وخارجها إزدهرت معه عالمية الحج بعد أن دخلت فى دور جديد بابراهيم عليه السلام ، ثم أستفادت قريش من هذه العالمية وقامت بتطويرها تبعا لمصالحها التجارية ، فى رحلة الشتاء والصيف ، تلك المصالح التى نجم عنها تغيير وتحريف فى ملة ابراهيم ، ولكن هذا التحريف شجع على عالمية الحج لأنّ فيه فائدة إقتصادية لقريش وقوافلها التجارية ، ومن أجل هذه الفائدة الاقتصادية حاربت قريش الاسلام والمسلمين ومنعتهم من الحج ، ومن اجل إستمرار هذه الفائدة الاقتصادية اضطرت قريش لدخول الاسلام مؤخرا ، ثم ركبت ظهور العرب المسلمين بعد موت خاتم النبيين ، وبالفتوحات دخلت بالعرب بل والعالم كله فى تاريخ جديد ، يهمنا منه هنا أنه أعاق الاصلاح القرآنى لمناسك الحج ، فما لبث أن عاد التواتر الباطل الجاهلى القديم لمناسك الحج مضافا اليه منع أهل الكتاب من الحج للبيت الحرام . وموعدنا مع التفصيل لكل هذا . 

الفصل الخامس : التواتر وإستغلال قريش للبيت الحرام تجاريا

الباب الثانى : الدين السّنى وصناعة تشريع الحج .

الفصل الخامس : التواتر وإستغلال قريش للبيت الحرام تجاريا

 أولا : تميز قريش وزعامتها بسبب البيت الحرام

1 ـ قبل البعثة المحمدية كانت قريش تتميز عن بقية العرب من أبناء اسماعيل باستغلالها البيت الحرام وفريضة الحج لمصلحتها التجارية . وبهذا صارت الأكثر ثروة والأكبر قوة ، وتباهوا بقوتهم وأخذهم الزهو زالغرور بثرواتهم فاستكبروا وصدّوا عن سبيل الله جلّ وعلا الى درجة أن رب العزة كان يذكّرهم بأن بعض الأمم البائدة كان أكثر منهم قوة وأن آثار هذه الأمم البائدة تنطق بعظمتهم التى تفوق عظمة قريش فى صحرائها . لذا أمرهم رب العزّة مرارا أن يسيروا فى الأرض ليروا عظمة آثار السابقين ومدى قوتهم وكيف انتهوا بالاستكبار الى الهلاك والدمار. يقول جل وعلا :( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9)(الروم ) (أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21)،(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82)(غافر ).

2 ـ كان أمام قريش أن تختار بين طريقين : ملة ابراهيم ، ومنها أن يكون البيت الحرام للناس كافة ، العاكف فيه والبادى القادم اليه ، وبذلك تكون قريش مملوكة لله جل وعلا وخدما لبيته الحرام . وإمّا أن تتملك قريش البيت الحرام وتستغله والحجاج لمصلحتها. إختارت قريش أن تتملك البيت الحرام كفرا بملة ابراهيم وبرب العزة الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف .

ثانيا : أستغلال قريش للبيت الحرام فى رحلة الشتاء والصيف

1 ـ عندما إستولى ( قصى بن كلاب ) على مكة ، وأسّس تحكم قريش فى البيت الحرام وفريضة الحج ، كانت عالمية الحج قد وصلت الآفاق ، وتزامن هذا مع تسارع الاتصال التجارى بين الشرق والغرب ، بين كتلة فارس والهند والصين فى الشرق وأوربا ( الامبراطورية الرومانية ) فى الغرب . وتلامست تخوم الشرق والغرب فيما بين الرافدين ( سوريا والعراق ) حيث دار الصراع بين الامبراطوريتين الفارسية الكسروية والرومانية البيزنطية . وكان هذا الصراع معيقا للتبادل التجارى العالمى ، لذا جدّت الحاجة الى طريق آخر أكثر أمنا . فى هذا الوقت تمّ ترويض الابل على قطع المسافات الصحراوية الطويلة ، ووصلت قبائل اليمن المهاجرة الى الاستقرار بين جنوب الشام وجنوب العراق ، وبسبب معرفتهم بالطرق البحرية من اليمن الى الهند وما بعدها ، ومعرفتهم البرية بطرق الصحراء جاء البديل التجارى بأن تنقل سفن اليمن التجارة الشرقية من الهند والصين الى  اليمن لتحملها الابل عبر الصحراء الى الشام الذى يسيطر عليه الروم ، ويتم نقلها من الشام الى اوربا . ثم تعود تنقل بضائع أوربا والروم من الشام عبر الصحراء الى اليمن لتحملها سفن اليمن الى الشرق ( الهند والصين ). وبهذا تتفادى التجارة العالمية الطرق غير الأمنة فى مناطق الحروب بين الفرس والروم . كان هناك عائق وحيد ، هو أن القبائل العربية كانت تحترف الإغارة على بعضها ، وبالتالى ستتخذ من قوافل التجارة العالمية صيدا سهلا لها . كان البيت الحرام هو الحل . هذه القبائل العربية تقدّس البيت الحرام ، وتحج اليه، وبهذا يمكن التأثير عليهم بتأمين القوافل التجارية عن طريق قريش المسيطرة على البيت الحرام ، بأن تتولى قريش الوساطة فى هذه التجارة العالمية مستغلة التقديس للبيت الحرام ، أى تتولى شراء هذه البضائع من اليمن ، وتحملها بقوافلها على الابل الى الشام حيث تبادلها بتجارة أوربا وتحملها فى العودة الى اليمن لتبيعها هناك ليحملها اليمنيون الى الشرق . وتمّ هذا بالايلاف الذى صارت به قريش الأثرى والأقوى بين قبائل العرب. 

2 ـ  والايلاف فى علاقة قريش الخارجية يعنى أن تعقد قريش معاهدات مع القبائل الصحراوية تقوم بها هذه القبائل بتأمين رحلتى الشتاء والصيف ،مقابل أن تتيح قريش لهذه القبائل أن تنصب أصنامها وأوثانها فى الحرم لتنال جانبا من قدسية الحرم وشهرته ، أى تقوم قريش بتأمين أصنام القبائل أو تتّخذ من هذه الأصنام رهينة حتى تلتزم تلك القبائل بحماية رحلتى الشتاء والصيف، أى تتقاتل تلك القبائل فيما بينها ولكن تتفانى فى ضمان أمن القوافل التجارية القرشية . والايلاف فى علاقة قريش الداخلية أن تجمع قريش من داخلها رأسمال تجارتها ، بتقسيم رأس المال على أسهم، ولكل فرد من قريش أن يشترى ما يشاء من الأسهم ، ثم يتم حساب الأرباح عن كل سهم . وعلى هامش الربح تقام فى مكة أسواق تبيع بعض منتجات الشرق والغرب للحجاج والوافدين .

3 ـ وبهذا استغلت قريش البيت الحرام فى تأمين تجارتها العالمية ، واستخدمت فريضة الحج فى بيع جزء من هذه التجارة بأن ترغم الحجاج على شرائه من أسواق مكة ، وجعلته من مناسك الحج . وبالتالى فقد حرّفت قريش ملة ابراهيم ، فى إعادة الرجس الوثنى الى البيت الحرام بعد ان قام أبوهم ابراهيم بتطهيره من هذا الرجس ، ثم تلاعبوا فى المناسك بابتداع طواف العرى وفرض شراء الملابس والطعام من أسواق قريش وتحريم أن يحج الحجاج فى ملابسهم القادمين بها أو أن يحملوا معهم طعاما . بل ساعدت على نشر الانحلال الخلقى في الحرم بابتداع طواف العرى للنساء ،وأقامت فى البيت الحرام وثنا للشيطان بزعم رجمه ، وجعلت من مناسك الحج رمى الجمرات . وسيأتى تفصيل ذلك .

4 ـ وكانت قريش ترى أن ما تفعله من تحريف لملة ابراهيم هو ( تعمير للبيت الحرام ) خصوصا قيامهم بسقاية الحاج وتنظيم الشرب من بئر زمزم . فقال جل وعلا يرد عليهم بأن هذا ليس تعميرا لمساجد الله جلّ وعلا : ( مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) ) وأنّ التعمير الحقيقى للبيت الحرام وللمساجد هو بالايمان الصادق والعمل الصالح : ( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ (18)التوبة) .ثم يقول جل وعلا لهم :( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22) التوبة ).

ثالثا : عرض موجز لحرب قريش للاسلام حرصا على استغلال البيت الحرام

1 ـ عندما نزلت الرسالة الخاتمة على خاتم المرسلين باصلاح ملة ابراهيم وأن يكون البيت الحرام للناس كافة وحظر التجارة بالدين وعبثية تقديس البشر والحجر ، رأت قريش فى الاسلام الخطر الأعظم على مكانتها وثروتها فاضطهدت النبى والمسلمين حتى أرغمتهم على الهجرة . وفى عنفوان استكبارها رأت إفلات النبى والمسلمين من قبضتها ممّا يجرح كبرياءها ومكانتها بين القبائل ، ممّا قد يؤثر على تأمين قوافلها إذا إستخفّت بها القبائل ، لذا تابعت المسلمين بالغارات الحربية تقتلهم وهم فى المدينة ، حين كان المسلمون مأمورين بكف اليد وعدم رد العدوان . ثم نزل الإذن للمسلمين بالقتال الدفاعى ورد العدوان ، ففوجئت قريش بالمسلمين يتعرضون لقوافلها المحصّنة من الاعتداء . كانت أموال المسلمين المهاجرين  قد صودرت وبيعت أملاكهم وعقاراتهم وصارت جزءا من رأسمال هذه القوافل ، ومن حقهم أن يستعيدوا أموالهم المغتصبة . ونشبت معركة بدر ، وفوجىء العرب بإنتصار المسلمين على قريش ، لذا صممت قريش على الثأر فى ( أحد ) وانتصرت ، ورأت أن تعزّز إنتصارها وتستعيد هيبتها بإجتثاث المسلمين ، فقامت بتجميع القبائل وحاصرت المدينة فى غزوة الأحزاب ، وبفشل ( الاحزاب ) تحطّمت صورة قريش وبدأ العرب يراجعون الموقف برمّته.

2 ـ هنا يأتى دور القرآن الكريم بدعوته العقلية ، والتى سبقت هذه الحروب بين النبى وقريش . ومن البداية بدأ العرب يستمعون الى القرآن منبهرين بفصاحته ، وعلى هامش هذا الانبهار بدأ الاقتناع بالاسلام يسرى فى قلوبهم شيئا فشيئا الى أن دخلوا فى النهاية فى دين الله افواجا .أحدث القرآن بينهم وعيا بعبثية تقديس الأصنام والأحجار ، كما أبان لهم كيف إن قريش خالفت ملة ابراهيم باحتكارها السيطرة على البيت الحرام الذى جعله الله جل وعلا للناس كافة ، وإتّضح للعرب أن قريش إستغلتهم فى الايلاف وفى الحج أسوأ إستغلال . فبدأ الاسلام ينتشر بين القبائل طوعا ،خصوصا وأن هيبة قريش أضاعتها جرأة المسلمين فى مواجهة بالحرب الدفاعية ، وزاد هذا أن الحرب صارت سجالا بينهم وبين المسلمين .وبفشل الأحزاب فى إستئصال المسلمين وضح للعرب أن المسلمين هم المنتصرون وأن قوتهم فى تزايد مع دعوة القرآن السلمية . وبتزايد دخول القبائل فى الاسلام رأت تلك القبائل أن من مصلحتها عدم الالتزام بحماية قوافل قريش ، وأن قريش أعجز من أن تحاربهم وتحارب المسلمين فى نفس الوقت ، والأهم من ذلك أنه لم تعد لدى العرب قيمة أو قدسية لأصنامهم التى تحتجزها قريش فى البيت الحرام . وبالتالى كان من مصلحة تلك القبائل أن تغير على قوافل قريش بمثل ما فعل المسلمون فى معركة بدر .

3 ـ وبهذا حوصرت قريش فى مكة ، وتهددت تجارتها منبع قوتها وعنجهيتها ، وتبين لقريش أن مكانتها ستضيع لو ظلت على عدائها للاسلام الآخذ فى الانتشار ، فاضطرت للدخول فى الاسلام أخيرا حرصا على مكانتها وتملكها للبيت الحرام .

4 ـ ولكن لم يكن تسليم قريش مكة للنبى عليه السلام سهلا إذ سرعان ما قام متطرفو قريش بحركة إسترداد للبيت الحرام ، ونكثوا العهود التى أبرموها مع النبى والمسلمين ، فنزلت سورة براءة تعطيهم مهلة الأشهر الحرم ليتوبوا عن الاعتداء ، وإن لم يتوبوا فعلى المسلمين أن يشنوا عليهم حربا شاملة ليكفوا عن نكث العهود ويعود البيت الحرام مثابة للناس جميعا وأمنا.

5 ـ وإنصاع قادة قريش مؤقتا ،وانتظروا الى أن مات النبى ، فتحالف الأمويون ( قادة الكفر القرشى السابقين الذين أسلموا بعد طول عداء للاسلام ) مع المهاجرين القرشيين ، وبدأ عهد تحكّم جديد لقريش المتّحدة فى عهد ( الخلفاء الراشدين )، أسفر عن تهميش الأنصار ، وحرب الردة ، ومن ثمّ الفتوحات ـ وبهذا إستخدمت قريش الاسلام ليس فقط فى إعادة السيطرة عى البيت الحرام بل فى تكوين امبراطورية عظمى على حساب الفرس والروم ..وقبل ذلك وبعده على ( حساب الاسلام ). ثم ورث الأمويون سريعا هذه الامبراطورية وطوّروها بالفتوحات لتصل بين حدود الهند والصين الى جنوب فرنسا . أى قبل البعثة المحمدية كانت قريش تتميز عن بقية العرب من أبناء اسماعيل بتملك البيت الحرام فأصبحت بعد موت النبى تتميّز عن بقية العرب والعالم بتملك البيت الحرام وبأنّ منها جاء خاتم النبيين . واستخدمت هذا وذاك سياسيا فى تجارتها السياسية بالدين .

6 ـ وفى خضم هذا الصراع لم يكن متاحا الوقت الكافى لاصلاح ملة ابراهيم فيما يخص الحج . صحيح أنه تم تطهير البيت الحرام من الأوثان التى أصبح تقديسها مثارا للسخرية ، ولكن لم يحن للخلفاء الراشدين الوقت الكافى لاصلاح بقية المناسك ، فقد إنشغلوا بعيدا عن مكة بحروب الردة ثم الفتوحات وتوطيدها ثم الحروب الأهلية . وتركوا مكة والبيت الحرام بدون إصلاح حقيقى مما أسهم فيما بعد ـ فى العصر الأموى ـ فى عودة المناسك الجاهلية فى الزى ورمى الجمرات والانحلال الخلقى . ثم تمّ تشريعها بأحاديث مزورة فى العصر العباسى الذى شهد تأسيس الديانات الأرضية الكبرى للمسلمين والتى لا تزال سائدة ، وهى السنة و التشيع والتصوف .

 رابعا : تكذيب قريش القرآن وجحدهم الحق حرصا على ملكيتهم للبيت الحرام

1 ـ  آمنوا بأن القرآن هدى ، ولكن زعموا أن إتباعهم لهذا الهدى سيجعل العرب تحاربهم وتهدد تجارتهم ( وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا )(57)( القصص ). أى إنهم كانوا يكذّبون بالقرآن بدافع إقتصادى:(أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82)(الواقعة). كانوا يعرفون الحق ولكن يجحدونه ظلما وعدوانا ، وكانت إتهاماتهم للنبى تسبب حُزنا له عليه السلام ، فقال له ربّه جل وعلا إنهم فى الحقيقة لا يكذّبونه ولكن يجحدون الحق الذى يعرفونه : ( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33 )(الانعام). فلماذا جحدوا بالحق القرآنى ؟

خامسا : جحدوا بالقرآن إستكبارا بسبب ملكيتهم للبيت الحرام :

1 ـ سيطرتهم على البيت الحرام وإعتقادهم بملكيتهم له أسّس لدى قريش شعورا طاغيا بالاستكبار، لذا واجهوا القرآن الكريم بالتكذيب إستكبارا ، هذا مع أنهم كانوا من قبل يقسمون بالله جلّ وعلا ـ جهد أيمانهم لو جاءهم رسول سيهتدون به :( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (42) اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ)(43) فاطر). أى كفروا إستكبار فى الأرض ، إذ كيف سيكونون أتباعا لمحمد ، وكيف سيتنازلون عن مكانتهم بين القبائل وسمعتهم التجارية العالمية فى الأرض: (اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ فى الأرض). هم يرون أن هذا قد تحقّق لهم    بسيطرتهم على البيت الحرام .

2 ـ وبينما آمن بالقرآن بعض بنى أسرائيل فقد ظل أئمة قريش على عنادهم وإستكبارهم ، يقول جل وعلا : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ) الأحقاف:10 ). آمن بعض أهل الكتاب لأن القرآن نزل مصدقا لما سبقه من كتب سماوية ، ولأنهم كانوا يعرفون من كتبهم بقرب مبعث خاتم النبيين ، ولأن الرسالة الخاتمة نزلت بأسس التشريع التى جاءت من قبل فى رسالة نوح وابراهيم وموسى وعيسى : (شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ )الشورى:13 ). آمن بعض أهل الكتاب ولكن إستكبرت قريش أنفة واستعلاءا :( كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ).

3 ـ وبإستكبارهم أخذتهم حمية الجاهلية حين عزم النبى عليه السلام والمؤمنون على القدوم للحج رفضا للحصار القرشى . ( هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ) (25) الفتح ). كان هذا الصّد مدفوعا بالحمية الجاهلية والأنفة والاستكبار : ( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ )(26) (الفتح).

4 ـ ووصل بهم الاستكبار الى طلبهم أن تنزل عليهم الملائكة كما نزلت على النبى ، بل تطرفوا فى الاستكبار وطلبوا أن يروا الله جل وعلا :(وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدْ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً)الفرقان:21 ).أى وصل بقريش الاستكبار الى أن عتوا عتوا كبيرا .!!

5 ـ لذا سيكون موقفهم عسيرا يوم القيامة : فقد إستكبروا ورفضوا الايمان بالقرآن وبالكتب السماوية السابقة التى نزل القرآن مصدقا لها : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ )، ويأتى الرد فى نفس الآية ينبىء مقدما بحقارتهم أمام رب العزّة يوم الحساب ، وهم يتجادلون فيما بينهم ، يلوم الأتباع المستضعفون قادتهم المستكبرين، وفى الحوار بينهما يفضح رب العزة مكر المستكبرين قادة قريش المتحكمين فى البيت الحرام : (وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ  قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنْ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ  وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)سبأ:31 : 33 ).  وسينبئهم الله جل وعلا يوم القيامة وهم فى النار بما كانوا يفعلونه فى مكة حين كانوا يرفضون القرآن إستكبارا وحين كانوا يعقدون مجالس للسمر يستهزئون فيها بالقرآن :( قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَبِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ (67) المؤمنون). وأن إستكبارهم هذا أورثهم عذاب الذل والهوان:(وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ)الأحقاف:20 ).

6 ـ وأئمة الضلال فيهم كانوا الأكثر إستكبارا . منهم من كان يشترى ( لهو الحديث ) ليضلّ الناس عن ( أحسن الحديث ) القرآن الكريم ويتخذه هزوا ، فإذا تلا بعضهم عليه آيات القرآن ولّى مستكبرا :( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7) (لقمان). ولأن الحديث الوحيد الذى يجب الايمان به هو حديث الله جل وعلا فى القرآن الكريم فإن الله جل وعلا يصف هذا الصنف من البشر (ممّن يتخذ حديثا آخر يؤمن به ) بأنه أفّاك أثيم ، وأنه يصمم على رفض القرآن الكريم إستكبارا وعنادا ، فهذا كانت تفعله أئمة قريش، وهذا ما يفعله السلفيون الذين يتبعون السلف القرشى :( تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9) الجاثية ). ومن هذا السلف القرشى من كان يجادل فى القرآن بكل ما أوتى من جهل ومن إستكبار ، وعلى ( سُنّته ) يسير السلفيون ، يقول جل علا : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (10) الحج ). ولنتأمل قوله جل وعلا : (ثَانِيَ عِطْفِهِ)، فهو وصف ناطق بحركة المستكبر.

7 ـ وبعضهم غلبه الانبهار بالقرآن وفصاحته فكاد أن يؤمن ، ثم سرعان ما غلبه الاستكبار فعاد يتهم القرآن بالسحر ، فقال جل وعلا عنه يتوعّده : (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً (12) وَبَنِينَ شُهُوداً (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26)المدثر ). أى (أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ) منهما القرآن  ( فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (25)) ومصيره (سَقَرَ (26)).

8 ـ وقد استمرت عنجهية قريش قرونا ، حيث أمتد سلطانها فى معظم العالم ، فهى التى حكمت فيما بعد خلال الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين والفاطميين . لذا فقد راج حديث ( الأئمة من قريش ) وراج معه تقديس قريش فى العصور الأموية والعباسية . ولهذا يزعم كثيرون النسب القرشى طمعا فى الوصول للحكم .

9 ـ على إن هذه العنجهية القرشية عبّرت عن نفسها فى الصّدّ عن الاسلام وعن المسجد الحرام .

الفصل السادس : قريش تصدّ عن سبيل الله والمسجد الحرام

الباب الثانى : الدين السّنى وصناعة تشريع الحج .

الفصل السادس : قريش تصدّ عن سبيل الله والمسجد الحرام

أولا : مفهوم الصّد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام بين الاسلام والكفر

1 ـ للدفاع عن ملكيتها للبيت الحرام وسيطرتها على فريضة الحج مارست قريش منع النبى والمؤمنين من أداء فريضة الحج ، ومنعتهم من دخول مكة . والسبب هو أن القرآن الكريم أكّد أن البيت الحرام للناس كافة ودعا الى نبذ عبادة الأصنام بما يهدّد تجارة قريش بالدين . لذا قامت قريش بعملين معا : حاربت الاسلام والمسلمين ومنعت المسلمين من الحج ،أى قامت قريش بالصّد عن المسجد الحرام و بالصّد عن سبيل الله . عن صدّهم عن سبيل الله ( القرآن الكريم ) مع علمهم بأن القرآن هدى يقول جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (32) محمد ) ، ويتوعدهم رب العزة بتضييع أعمالهم الصالحة فيقول:( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1)(محمد). وعن صدّهم عن المسجد الحرام الذى جعله الله جل وعلا للناس كافة يقول جل وعلا :(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) (الحج ).

2 ـ ولقد سبق القول بأن كلمة ( الناس ) بمعنى جميع البشر قد تكررت فى تشريع الحج وفى الحديث عن البيت الحرام الذى جعله الله جل وعلا مثابة للناس وأمنا ، وفرض الحج اليه على المستطيع من الناس ، مهما كانت عقيدته وملته ودينه ، طالما كان مسالما ، بينما يحرّم رب العزة على المشركين المحاربين المعتدين مجرد الإقتراب من المسجد الحرام ، يقول جل وعلا للمؤمنين المسالمين :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) ( التوبة 28 ) .

الحديث هنا عن المشرك الكافر بالاعتداء و القتل وسفك دماء الأبرياء .وقد قلنا ـ ونعيد القول للتذكير و التأكيد ـأنّ للكفر و الشرك معنيين : فى التعامل مع الله تعالى هو تغطية الفطرة السليمة بالاعتقاد فى شريك مع الله جل وعلا واتخاذ أولياء و شركاء مع الله ، وتلك العلاقة مع الله تعالى فى العقيدة و العبادة مرجعها الىالله تعالى ليحكم فيها بين الناس لأن كلواحد من الناس يرى نفسه على الحق ويرى مخالفيه على الباطل . الذى يهمنا هو الكفر السلوكى بمعنى إستخدام الدين فى الاعتداء والظلم، أى الإكراه فى الدين أوالاضطهاد الدينى أو الفتنة بالمفهوم القرآنى ، والتى تصل الى الحروب والتهجير القسرى والتعذيب ومحاكم التفتيش ، والصّد عن سبيل الله والصّد عن المسجد الحرام الذى جعله الله جل وعلا للناس كافة وعلى قاعدة المساواة.

 3 ـ لا يقع فى الصّد عن سبيل الله الشخص المسالم المؤمن بحرية الدين له ولغيره على حدّ سواء . سواء كان هذا الشخص مؤمنا بالله جل وحده لا شريك له أم كان ممّن يقدس البشر والحجر ، المهم أنه يحترم حق كل إنسان فى حريته الدينية . هذا هو المسلم من حيث السلوك المسالم . وقد قلنا ـ ونعيد القول للتذكير و التأكيد ـ إن للاسلام معنيين : معنى عقيدى فى التعامل مع الله جل وعلا هو الاستسلام والانقياد و الخضوع لله جل وعلا وحده لا شريك له (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) ( الأنعام 162). وهذا الجانب العقيدى خاص بعلاقة كل فرد من البشر بالله جل وعلا ، ويرجع لحريته فى الايمان و الكفر ، وليس لأحد أن يتدخل فى هذه العلاقة بين الانسان وربه ، وكل انسان مسئول عن اختياره أمام الواحد القهار يوم القيامة . أما المعنى السلوكى فالاسلام هو السلام ، وكل إنسان مسالم فهو مسلم ظاهريا بغض النظر عن عقيدته و دينه الرسمى و مذهبه . وللناس هنا الحق فى الحكم علىأى إنسان طبقا لسلوكه ، هل هو مسالم أم معتد مجرم ، وهناك من القوانين الالهية و الوضعية التى تحافظ على حقوق الانسان من تعد يقع عليه من أخيه الانسان .

4 ـ. ( الصّد ) هو تطرف زائد على الكفر ، كما قال جل وعلا : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (167) ) النساء ) ، أى كفروا قلبيا ولم يكتفوا بهذا ، بل قاموا بالصد عن سبيل الله بالاكراه للغير فى الدين، هنا يكون ضلالهم عظيما ، ولن يغفر الله جل وعلا لهم لو ماتوا بلا توبة: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (168))، ومصيرهم جهنم :( إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (169)(النساء ).

5 ـ وتتدرّج أنوّع ( الصّد ) من أيسرها ، وهو ( الصّد بالدعوة سلميا فقط ) الى أبشع أنواع الصّد ( الصّد بالقتال والفتنة فى الدين ). يبدأ الصّد عن سبيل الله بالدعوة. ومن حق كل صاحب نحلة أن يمارس حريته فى الدعوة الى ما يعتقده ، ولكنه بمجرد أن يدعو الى دين أرضى يقدّس فيه البشر والحج فإنه يقوم بالصّد عن سبيل الله قوليا ، لأنه بذلك يدعو الى النار . وهنا يكون مشركا بدعوته ، ويحرم تزويجه أو تزويجها تنفيذا لقوله جل وعلا : ( وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)( البقرة ). فالسبب فى منع الزواج والتزويج هنا هو الدعوة الى النار . وهذا الداعية الى الشرك بالله جل وعلا وتقديس البشر والحجر يعلن عقيدته ويدعو اليها ، وبالتالى فلا تستقيم الحياة الزوجية بينه وبين شريك حياة يخالفه فى دينه ومعتقده ، إذ يتحول فراش الزوجية من سكن ومودة ورحمة الى ساحة معارك . ولكن تحريم الزواج هنا لا ينفى حق هذا الداعية للشرك فى أن نتعامل معه بالبرّ والقسط ، طالما لم يقم بالاعتداء العملى بالقتال وطرد السملمين المسالمين ، وطالما لم يقم بالتحريض على الاعتداء والطرد ،يقول جل وعلا:( لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) الممتحنة ) .

6 ـ يصل الصّد عن سبيل الله الى أحطّ درجاته بالكفر السلوكى . وهنا يكون النهى عن (موالاة ) المشركين الكافرين المعتدين الذين أخرجوا المظلومين المسالمين من ديارهم أو ساعدوا على إخراجهم بالتحريض والدعم المالى والمادى : (إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (9) الممتحنة)،هنا النهى عن موالاة المعتدين أى التحالف معهم ضد المظلومين، فالموالاة والبراء بمعنى التحالف عند الحرب وليس فى أوقات السّلم . وبالتالى ففى حالة الحرب والطرد والتهجير القسرى الظالم يكون واجبا شرعا قطع الصلة الزوجية بين زوجين أحدهما مسلم مهاجر بسبب الاضطهاد والآخر كافر فاجر معتد يمارس الاضطهاد الدينى ، وجاء هذا التشريع فى الآية التالية من سورة الممتحنة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10)( الممتحنة ). والتفصيل فى بحث لنا منشور هنا عن البراء والولاء.

ثانيا الجمع بين نوعى الصّد ( عن سبيل الله والمسجد الحرام )

1 ـ الصّد عن سبيل الله يشمل الصّد عن المسجد الحرام وعن سبيل الله وهو القرآن ، الرسالة الالهية الأخيرة ، وفيها إصلاح ملة ابراهيم ، ومن ملامح الاصلاح هذا إصلاح فريضة الحج وألا يكون البيت الحرام ملكا لطائفة من الناس . وبهذا يتداخل الصد عن المسجد الحرام مع الصّد عن القرآن أو الاسلام أو سبيل الله.

2 ـ ومن هنا يقترن نوعا الصّد فى حالة قريش . يقول جل وعلا :( يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا )(217)(البقرة ). هنا ( الصد عن سبيل الله ، والكفر بالله ) و ( الصد عن المسجد الحرام ، وإخراج أهله منه ) وملاحقة المؤمنين بالهجوم الحربى لإرجاعهم الى دين الأسلاف والردة عن الاسلام ، أى الفتنة فى الدين أو الإكراه فى الدين ، وهو بتعبير ربّ العزة أكبر من القتل . وهذا الصّد بكل أنواعه ارتكبته قريش مع النبى عليه السلام والمؤمنين . وعلى سنّة القرشيين يسير الوهابيون السلفيون. وعن صدّهم عن المسجد الحرام يقول جل وعلا: ( وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (34) (الأنفال).ثم يقول رب العزة عن صّدهم عن سبيل الله :( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ )(36) الأنفال ).

ثالثا : تحالف قريش مع الضالين من أهل الكتاب فى الصّد عن سبيل الله 

1 ـ فى ضوء مصلحتها التجارية أفسحت قريش لأهل الكتاب الحج بينما منعت المسلمين . كان هناك تحالف بين قريش وقبائل كلب المسيحية المتحكمة فى طرق التجارة فى الشام ، وتحالفات أخرى مع قبائل عربية مسيحية ، علاوة على تحالفات وعلاقات بين قريش وأحبار ورهبان معادين للاسلام داخل الجزيرة العربية أشار اليها القرآن الكريم . وأولئك شاركوا قريش فى الصّد عن سبيل الله ، فواجههم رب العزة بالتأنب والتحذير: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)آل عمران ).

2 ـ وعملت قريش كل وسعها لتصدّ النور القرآنى فلم تفلح ، فإنتشر القرآن الذى يكرهونه ـ رغم أنوفهم ـ يقول جل وعلا عنهم : (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) الصّف). وعمل حلفاؤهم من أهل الكتاب كل وسعهم فى الصّد عن القرآن الكريم ففشلوا ، وقال جل وعلا يكرر نفس الحقيقة فى سياق الحديث عن أعداء القرآن من أهل الكتاب : (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)( التوبة ). وبعد الآية الكريمة أكّد رب العزة جل وعلا أن كثيرا من الأحبار والرهبان يحترفون التجارة بالدين خداعا للناس وصدّا عن سبيل الله:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ )(34) التوبة).

رابعا  : استخدام المال فى الصّد عن سبيل الله 

1 ـ قوله جل وعلا : :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ )(34) التوبة) يدخل بنا الى إستخدام المال فى الصّد عن سبيل الله.

2 ـ إستخدام المال أو التجارة بالدين هى عادة سيئة لم تبدأ بها قريش ، ولم تتوقف بعد قريش فلا يزال دور المال قويا فى الصّد عن سبيل الله ، وفى اكل أموال الناس بالباطل باستغلال دين الله جلّ وعلا.  ومنشور ومشهور أن السعودية ( التى تزعم إمتلاك البيت الحرام وتتحكم فى الحج اليه وفى الحجاج فى البيت الحرام ) أنفقت 50 بليون دولار فى نشر الوهابية ، مع وجود فقراء فيها أكلت الأسرة السعودية حقوقهم كى تنشر الوهابية خارج حدودها بتزمتها وارهابها وتطرفها. ولقد تخلص الغرب بنظمه العلمانية من مهمة نشر المسيحية ، ولا تنفق أمريكا ربع دولار فى نشر المسيحية ، وحتى الكنائس الغربية مع قيامها بمهمة التبشير فإنها على هامش التبشير تنفق البلايين فى عمليات الاغاثة والتعليم ورعاية المرضى والاعانات الانسانية . ولكن لا تزال السعودية ـ محور الشّر ـ تسير على سنّة قريش وثقافة التعصب فى العصور الوسطى .

3 ـ ونعود لقريش وصدّهم عن المسجد الحرام ، يقول جل وعلا: ( وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (34)(الأنفال). بعدها يقول رب العزّة عن إنفاقهم المال فى الصّد عن سبيل الله:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ )(36) الأنفال ). فهم ينفقون اموالهم للصّد عن سبيل الله .

4 ـ وقد أخذ الله جل وعلا الميثاق على أهل الكتاب ، ومنه ألا يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ،أى ألّا يتاجروا بالدين ، فعصى معظمهم : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) آل عمران )، وتكرر نفس الأمر لهم فى القرآن الكريم ( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) البقرة )( فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ (44) المائدة )، وبعض أهل الكتاب أطاع وامتنع عن التجارة بالدين : ( وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199)( آل عمران ). ونفس النهى نزل   (لأهل القرآن ):( وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (94) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (95) النحل ).

5 ـ ولكن أئمة الكفر من قريش أدمنوا حتى النهاية الصد عن سبيل الله والتجارة بالدين ، وأن تشترى بآيات الله ثمنا قليلا ، إحترف بعضهم شراء الأساطير لشغل الناس عن الانتباه للقرآن صدّا عن سبيل الله: ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) لقمان)، ثم تطور الصّد ( الثقافى ) ليصبح صدّا باستعمال السلاح ، فعن غزوة بدر يصف رب العزة خروج قريش للحرب بخيلائها وبطرها وصدها عن سبيل الله جل وعلا :( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) الانفال )، وفى آخر ما نزل من القرآن الكريم  يقول جل وعلا عن نقضهم للعهود وإعتدائهم : ( كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ (10) التوبة ).

خامسا : العقوبة فى الدنيا والآخرة على من يصدّ عن سبيل الله

1 ـ تنتظره عقوبة فى الدنيا ، وعقوبة الجحيم فى الآخرة ، وقد عوقبت قريش فى الدنيا ، وينتظر الكفار منهم الذين ماتوا وهم كفار عقوبة الخلود فى النار . يقول جلّ وعلا  عنهم : ( وإذ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (34) وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (35) الانفال ) . هنا البدء بالتكذيب والاصرار عليه الى درجة أنهم يدعون الله جل وعلا أن ينزل بهم العذاب لو كان القرآن حقا . وتأتى إشارة بتعذيب دنيوى قادم لقريش عقابا لهم على صدّهم عن المسجد الحرام :( وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (34) الانفال).

وهذا العذاب وقع فعلا بهم ، واشار اليه رب العزّة بينما تجاهلته روايات السيرة . وقد نبّه عنه مقدما ربّ العزة حين يقول جل وعلا عن قريش :(بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9) الدخان )، ثم يقول للنبى عليه السلام أن ينتظر ليرى عذابهم الدنيوى ينزل من السماء بدخان يغشاهم ، ( فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) الدخان )، وتضرعوا لله جل وعلا أن يكشف عنهم العذاب معلنين إيمانهم بعد أن كفروا بالرسول واتهموه بالجنون : ( رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّى لَهُمْ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14)، وكشف الله جل وعلا عنهم العذاب عالما جل وعلا إن توبتهم مزيفة، وعندها سيأتيهم عذاب ببطشة كبرى :  (إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ (16)(الدخان).

ونزلت بهم البطشة الكبرى  بعذاب أقسى ، يقول رب العزة يخاطب النبى عليه السلام عن صدّ قريش عن سبيل الله: ( أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنْ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74) المؤمنون )، ثم يقول جل وعلا عن تعذيب دنيوى عوقبت به قريش فلم ترتعد : (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77) المؤمنون).

ونعود الى آيات سورة الأنفال عن الجمع بين العقوبتين ، يقول جل وعلا عن كفار قريش :(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) الانفال ) أى ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ، وأنبأ رب العزة إنهم سينفقونها ، ثم يكون عقابهم الدنيوى بالهزيمة والحسرة ، وهذا فعلا ما حدث ، ومن مات منهم على كفره سيكون مصيره الى جهنم .

2 ـ ويقول جل وعلا فى عقوبة الخلود فى النار لمّن يرتكب الصّد عن سبيل الله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (168) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (169) النساء )، فهم لم يكتفوا بالكفر ، بل زادوا عليه الصّد والاعتداء ، زادوا على الكفر العقيدى الكفر السلوكى ، فسيزيدهم الله جل وعلا عذابا :( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88)النحل ).

3 ـ وفى مجال الصّد عن سبيل الله فإنّ اشدهم عذابا هم أئمة و علماء وشيوخ الضلال ممّن يكتمون الحق ويتاجرون بالدين ، وسيكون الله جل وعلا لهم خصما يوم القيامة ، وسيلاقون عذابا يستحق ـ صبرهم عليه ـ  العجب ، يقول جل وعلا :( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) البقرة )( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)  ( آل عمران )

سادسا : التوبة

ومجال التوبة مفتوح ، حتى لمن يصدّ عن سبيل الله بالحرب ، فإن كفّ وامتنع عن الاضطهاد والفتنة فى الدين والإكراه فى الدين فيجب التوقف عن حربه : ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) (الانفال )، وهذا قانون تكرر فى سياق إعتداء قريش الأخير قبيل موت النبى على المؤمنين فى المسجد الحرام ونقضهم للعهود ، مما أسفر عنه نزول البراءة منهم إن لن لم يتوبوا فى مهلة الأربعة أشهر الحرم . وإن لم يتوبوا خلالها ويحفظوا العهود فقد أمر الله جل وعلا رسوله الكريم بإعلان حرب شاملة عليهم ، فإن تابوا وكفّوا عن القتال ونقض العهود أصبحوا أخوة للمؤمنين :( فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) التوبة ).

هذه هى التوبة الظاهرية بالمسالمة والكف عن الاعتداء . أما التوبة القلبية الحقيقية فأمرها لله جل وعلا يوم القيامة ، ولن تكون هناك توبة لمن يموت على كفره وصدّه عن سبيل الله ، يقول جل وعلا عن التوبة فى الآخرة : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34)محمد ).

أخيرا :

إحترفت قريش الصّد عن سبيل الله والمسجد الحرام تمسكا بتواترها الباطل ، وحفاظا على مكانتها وتجارتها بالدين . وتنوع الصّد من شراء لهو الحديث واستخدام المال  الى الحرب الهجومية ونقض العهود. وعوقبت قريش فى الدنيا بالهزيمة فى حياة النبى عليه السلام ، ولكن سرعان ما استعادت نفوذها وهيمنتها بعد موته عليه السلام ، فقد سيطر الأمويون . وانتصرت بهم قريش الباغية لسببين : العصبية القبلية المحلية و التوافق مع ثقافة العصور الوسطى التى تخالف الاسلام بقدر ما تتفق مع ثقافة قريش فى الاستعباد والاستبداد والظلم والتجارة بالدين . وتأثر الحج بهذا الانتصار القرشى فعاد التواتر القرشى فى المناسك الجاهلية تتمسح باسم الاسلام ، بل جدّ تواتر أسوأ فى مناسك الحج ، لا يزال ساريا . وستأتى التفاصيل بعونه جل وعلا . 

الفصل السابع : لماذا إنتصر التواتر القرشى فى الحج ؟

الباب الثانى : الدين السّنى وصناعة تشريع الحج .

الفصل السابع :  لماذا إنتصر التواتر القرشى فى الحج ؟

أولا : ( لولا ..!! )

1 ـ كان دعوة الاسلام فرصة هائلة للمستضعفين المهمّشين فى مكة ، أعطاهم الاسلام فكرة الأمل فى العدل والمساواة وحرية الدين طالما يلتزم الفرد بالسلام والمسالمة ، لهذا دخل معظمهم الى الاسلام وهم فى مكة ، وقد ظنّوا أن سلبيتهم ومسالمتهم وهامشية وضعهم فى مجتمع قريش سيجعل قريش تستهين بهم .. لولا ..

2 ـ لولا أن العنجهية القرشية إستكثرت على هؤلاء الأتباع وسقط المتاع أن يكون لهم دين يخالف ما وجدت عليه قريش أسلافها ، فاضطهدت قريش أولئك المستضعفين والنبى عليه السلام ، وأجبرتهم على الهجرة للمدينة ، وفيها تمتع أولئك المستضعفون بحريتهم الدينية. فى بداية إستقرارهم فى المدينة أدمنوا عصيان الرسول والاعراض عنه تهاونا بشأنه لأنه ليست هناك عقوبة على عصيان الرسول بمثل ما كانت تفعل بهم قريش فى مكة ، لذا لم يأبهوا بقوله جل وعلا لهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)( الأنفال ). أى وقعوا فى العصيان والخيانة ، وكل ما هنالك أن جاء لهم التحذير من عذاب الله جل وعلا  ، فقد كان الأمر لهم بالتقوى والطاعة لله جل وعلا يأتى مشفوعا بالتحذير من عذاب الآخرة ، ولم يكونوا ـ فى معظمهم يؤمنون بالآخرة ، لذا ظلوا متبعين لعقائدهم المشركة متمتعين بالحرية الدينية فى الاسلام لكل مسلم مسالم . ظلوا على تقديسهم للأوثان والأنصاب ، الى درجة أن من أواخر ما نزل من القرآن كان نصيحة لهم بالانتهاء عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام لأنها رجس من عمل الشيطان . هكذا قال لهم رب العزة ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (91)( المائدة ) ثم يأمرهم بالطاعة ويقرّر لهم إن مسئولية الرسول هى فى مجرد التبليغ وليس الإكراه فى الدين : ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92)( المائدة ).

هم الذين ( أمنوا ) سلوكيا فقط ، أى بمعنى ( الأمن والأمان )، أو ( أسلموا ) سلوكيا بمعنى (المسالمة ) وقد عصوا أمر الله جل وعلا لهم وظلوا يعكفون على الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ، ولم يضيفوا الى الايمان السلوكى الظاهرى الايمان القلبى بالله وحده لا شريك له ، وبما أنزل فى كتابه الحكيم وما سبقه من كتب، ولقد قال لهم رب العزة :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136) ( النساء). هؤلاء الصحابة ( الذين آمنوا ) بمعنى ( الايمان الظاهرى بالتزام الأمن والسلام ) لم يؤمنوا الايمان القلبى ، ولم يأبهوا بتحذير رب العزّة لهم فى أنّ من يكفر قلبيا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضلّ ضلالا بعيدا . هؤلاء الصحابة راهنوا على السلام والمسالمة ، وأحبوا أن يعيشوا فى المدينة فى أمن وأمان متمتعين بعقائدهم الشركية والحرية الدينية التى كفلها الاسلام لكل مسالم ..لولا ..

3 ـ لولا .. إن قريش لم تتركهم ينعمون بحريتهم الدينية وحياتهم المسالمة فى المدينة ، إذ تابعت قريش هجومها الحربى على المسلمين فى المدينة بعد هجرة النبى والمسلمين اليها، وركن أولئك المسلمون المهاجرون الى السلبية والسكون متمتعين بالأمر الالهى لهم بالكفّ عن ردّ العدوان ..لولا  ..

4 ـ لولا .. أن نزل الأمر الالهى يأذن لهم بالقتال الدفاعى ضد أولئك الذين يقاتلونهم ، والذين قاموا من قبل بطرد المسلمين المسالمين من ديارهم وصادروا أموالهم : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ )(40) (الحج ).. عندها علا صوت أولئك الصحابة بالاحتجاج على فرضية القتال الدفاعى. ثم طلبوا مهلة ليستوعبوا الأمر، وجاء الرد الالهى على خوفهم من قريش ومن الموت : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ )(78) النساء ). كرهوا القتال الدفاعى ، ..لولا ..

5 ـ لولا ..إنه فرض مكتوب ، فهو خير لهم من أن تقتلهم قريش بلا مقاومة:(كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (216) البقرة ). لو لم يهبوا للقتال دفاعا عن أنفسهم ستبيدهم قريش . أى تحتّم عليهم القتال الدفاعى ..لولا ..

6 ـ لولا ..إنها قريش.. أى سيحاربون أهلهم وعشيرتهم وقومهم وأصل حسبهم ونسبهم ..أى بالحرب الحتمية ( تحتّم عليهم الاختيار بين نوعين من الانتماء : الانتماء للإسلام بما يعنيه من حرية وعدل ومساواة وكرامة إنسانية ، أو الانتماء للقبيلة ( قريش ) بكل ما يعتيه هذا من فخر وتميز على بقية القبائل . الحرب هنا تعنى الموالاة والتحالف إمّا مع الاسلام والمسلمين المحاربين للدفاع عن النفس ضد عدو مهاجم ، وإمّا أن توالى وتحالف هذا العدو المهاجم المعتدى لأنك تنتسب اليه بصلة الدم والقبيلة . كان ممكنا تجاهل موضوع الولاء الذى يقدح فى إكذوبة عصمة الصحابة ..لولا ..

7 ـ لولا ..أن القرآن الكريم ذكره وأكّده بما يوجب عدم كتمانه ، خصوصا ولأن موضوع الانتماء القبلى وموالاة المهاجرين فى المدينة لأهلهم القرشيين فى مكة هو السبب الأصيل فى إنتصار قريش وفرض تواترها الباطل فى الحج بعد موت النبى عليه السلام .

ثانيا : الصحابة المهاجرون ومحنة الولاء

1 ـ هنا نقرر أن الولاء والموالاة لا تكون إلا فى حالة الحرب . أى أن توالى وتتحالف مع هذا ضد ذاك .

2 ـ ولا يكون هناك مشكلة إلّا إذا تعارضت الولاءات كما هو الحال هنا . فالثقافة العربية ـ وخصوصا الجاهلية ـ مؤسسة على التعصب القبلى ( نسبة للقبيلة ) ، فالقبيلة كانت دولة بأفرادها ومواردها وقادتها وجيشها ، والانتماء للقبيلة يعطى الأمن لأفرادها ، والفخر بالقبيلة دليل الولاء لها ، لذا كان شعر الفخر والتفاخر بالأنساب ثقافة عربية ـ ولا تزال .. وإذا كان هذا ثقافة عربية لكل القبائل فكيف بقريش بعظمتها وعنجهيتها وإستكبارها ؟ !.

3 ـ زاد من حدّة المشكلة عدة عوامل أنّ الاغتراب كان عن الوطن ( مكة ) . فقبيلة قريش ليست من القبائل التى تحترف الرعى وتسير بإبلها خلف الكلأ والمرعى ، حيث تكون القبيلة دولة متحركة لا تعرف الانتماء لوطن معين . إستقرّت قريش فى مكة قرونا جيلا بعد جيل ، أى ( مكة ) هى وطن الأجداد  . ثم هى ( مكة ) حيث البيت الحرام الذى تهوى اليه أفئدة الناس . المهاجرون تركوا مكة وعاشوا يعانون الغربة عن الوطن فى بلد لم يألفوه من قبل. أى جمعوا شعورا مزدوجا بالغربة عن الوطن والأهل والعشيرة . وتناسوا بهذه المعاناة ظلم اهلهم القرشيين فى مكة، وهبط بهم  الحنين الى الوطن والأهل الى موالاة بعضهم لقريش ، وهى التى تشنّ عليهم حربا عدوانية تسلزم مواجهتها بالعداء وليس بالولاء . وخلاف الثقافة القرشية وغلظتها وتجبرها فلا توجد فى شريعة الاسلام عقوبة دنيوية على من يرتكب هذه الموالاة ، طالما لم تتحول الموالاة الى مشاركة فعلية تحمل السلاح وتقاتل .

4 ـ ونجرؤ على القول بأن هذا الولاء لقريش كان لدى جميع المهاجرين ، ولكن بمستويات مختلفة . كان ـ كأى حالة إنسانية  ـ حنينا كامنا فى القلب وحنايا الضلوع مترسبا فى الشعور ، يرتقب الفرصة للظهور . كل ما هنالك أن المؤمن لو زاد إيمانه فإنّه بتغلب على هذا الحنين . أما لو كان ضعيف الايمان فإن حنينه يغلبه. ومثلا ، فإن كبار الصحابة المهاجرين لم يظهر ولاؤهم لأهلهم من قريش طالما كانت قريش فى كفرها وحربها ضد النبى الاسلام ، فلما دخلت قريش فى الاسلام ومات النبى تحالف أولئك الكبار مع أعيان قريش من الأمويين ، وبهم أصبحت قريش كتلة واحدة بمهاجريها و(الطلقاء) منها الذين أسلموا بعد طول حرب للاسلام . وهنا دخلت قريش الموحّدة فى مواجهة ( سياسية) مع الأنصار ، أسفرت عن تهميش الأنصار بعد بيعة السقيفة ، ثم دخلت فى مواجهة عسكرية مع قبائل العرب فى حرب الردّة أسفرت عن فوز قريش الموحّدة ، ثم تولى ( الطلقاء الأمويون ) حرب الفتوحات التى أسّست إمبراطورية قريش ، وأرست تناقضها العملى السلوكى مع الاسلام .   

ثالثا : معالجة القرآن الكريم لمحنة الموالاة والولاء

التفاصيل فى بحث منشور هنا عن إنتماء المسلم ، وفى بحث آخر عن الولاء والبراء فى سورة الممتحنة . ولكن نعطى بعض ملاحظات سريعة فيما يخص موضوعنا :

1 ـ إن تقاعس المؤمنين المهاجرين عن الحرب كان يوازيه أمر للنبى عليه السلام بتحريضهم على الحرب الدفاعية مع تحريض الاهى لهم أيضا . يقول جل وعلا : ( فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (74) النساء ). هنا وعد الاهى لهم بالنصر والأجر العظيم . ثم يأتى التحريض الالهى لهم بالتذكير بظلم  قريش وأضطهادها لهم فى مكة ، واستمرار هذا الاضطهاد لمن بقى من المؤمنين عاجزين ممنوعين من الهجرة ( وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (75) النساء ). ثم التأكيد بأن المؤمن الحقيقى هو من يقاتل فى سبيل الله جل وعلا ، والكافر المعتدى هو الذى يقاتل فى سبيل الطاغوت ، وهو ولى للشيطان : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً (76) النساء ).

ويأتى الأمر للنبى عليه السلام بأن يقاتل فى سبيل الله بنفسه ، وأن يقوم بتحريض المؤمنين على القتال لمواجهة العدوان :( فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً (84) النساء ).

وفى سورة الأنفال يأتى تحريض مزدوج للنبى والمؤمنين بالقتال الدفاعى حتى لو كانوا قلة عددية :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (64) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (65) الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) الانفال ).

2 ـ وخلال سنوات لم يُجد نفعا هذا التحريض ، فتحوّل التحريض فى النهاية الى تأنيب فى آخر ما نزل من القرآن ، يقول جلّ وعلا : (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38) التوبة )، وبعد التأنيب يأتى التحذير والوعيد ( إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) التوبة )

3 ـ بالتوازى مع التقاعس عن القتال كان المهاجرون متهمين قرآنيا بموالاة عشيرتهم المعادية ، وهذا  بثقافة عصرنا ( خيانة عظمى ) وقت الحرب . والغريب أن هذه الموالاة من المهاجرين لأهاليهم القرشيين المعتدين بدأت مباشرة بعد الهجرة ومعاناة المهاجرين للغربة ، وتحولت هذه المعاناة الى موالاة للخصم الظالم ، واستمرت هذه الموالاة الى النهاية .

4 ـ فى مطلع سورة الممتحنة التى نزلت مباشرة بعد الهجرة مباشرة  يوجّه رب العزّة عتابا للمؤمنين الذين يوالون أعداء الله ويبادرون بالقاء المودة اليهم ، مع إن أولئك القرشيين الظالمين قد جمعوا بين الكفر القلبى العقيدى ( الكفر بالقرآن ) والكفر السلوكى بإخراج النبى والمؤمنين بسبب أنهم آمنوا بالله جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ )، فإن كان المؤمنون قد هاجروا جهادا فى سبيل الله جل وعلا فلا يصح أن يلقوا بالمودة سرّا لأولئك الكفار المعتدين  (إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ) ، ويحذّرهم رب العزة بأنه يعلم سرائرهم وعلانيتهم ، وأن من يفعل ذلك منهم فقد ضلّ سواء السبيل: (وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) الممتحنة ). ويؤكّد رب العزة لهم مقدما بأن العداوة الحقيقية ستظهر عندما يهاجم أولئك المعتدون المؤمنين بالسيف واللسان لارجاع المؤمنين للكفر:( إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2). ويأمرهم رب العزة بالتأسّى بابراهيم ومن معه حين تبرءوا من قومهم :( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ )(4). ثم يوضّح رب العزة إن هذه الموالاة الممنوعة مرتبطة فقط بمن يبدأ بالظلم والعدوان بإخراج المؤمنين من ديارهم والهجوم عليهم بالقتال ، ولكن يجب البر والعدل والاحسان بالمسالمين مهما كان ضلالهم الدينى :( لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ(9)الممتحنة ).

5 ـ وعصى الصحابة المهاجرون هذا التوجيه الالهى ، فنزل قوله جل وعلا ينفى الايمان الحقيقى بالله جل وعلا واليوم الآخر عن أولئك الذين يوادّون أقاربهم الذين أظهروا عداءهم لله جل وعل بكفرهم السلوكى وبإعتدائهم وظلمهم وطردهم للمؤمنين : ( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ )(22) المجادلة ). 

6 ـ وظل عصيان المهاجرين الى النهاية . كما جاء فى سورة التوبة . وقد بدأت السورة بإعلان البراءة من القرشيين ناقضى العهود ، وإعطائهم مهلة أربعة أشهر حتى يركنوا للسلم ، فإن لم يتوبوا ويكفوا عن الاعتداء فيجب شنّ حرب شاملة عليهم  : ( بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6) .... ) التوبة ).

والواضح أن هذه الآيات بنبرتها العالية وتفصيلاتها تشير الى حركة ردّة كبرى قامت بها قريش ، فنقضت العهد مع النبى ونجحت فى طرد المسلمين مؤقتا من مكة وإسترداد البيت الحرام والتحكم فيه .

والملاحظ هنا أوّلا : تقاعس المؤمنين المهاجرين عن حرب أولئك القرشيين المعتدين ناكثى العهود ، لذا يأتيهم التحريض مقترنا بالتأنيب فى قوله جل وعلا لهم:( أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) التوبة).ولأن أولئك المعتدين من قريش قد جاوزوا الحد فى الاعتداء فإن الله جل وعلا يقول فى التحريض على قتالهم يذكّر بتطرفهم فى العدوان : (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15) التوبة ). ومن أسف فإن السيرة لم تسجل وقائع تلك الحرب الى شنّها القرشيون واستردوا بها مؤقتا البيت الحرام على غفلة من المؤمنين بعد نقضهم العهد وأخذهم المؤمنين فى الحرم على حين غفلة . ولقد كان الرواة الأوائل للسيرة فى الفترة الشفوية من أبناء الصحابة من المهاجرين والأنصار ، لذا تحرّجوا من رواية الأحداث التى تشين أجدادهم ، ومنها تلك الأحداث التى نزل القرآن يعلّق عليها ، ويضع لها تشريعات خاصة مثل هذه الآيات من سورة التوبة .

والملاحظ  هنا ثانيا : أن تأنيب الصحابة المهاجرين عن تقاعسهم عن القتال الدفاعى إرتبط بتأنيب آخر بسبب موالاتهم لعشيرتهم القرشيين المعتدين ، لذا قال جل وعلا لهم مؤنبا محذّرا مهدّدا يصفهم بالظلم والفسق : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) التوبة ). أى استمر عصيانهم وموالاتهم الاعداء المعتدين الى آخر ما نزل من القرآن ، وفى ظروف غاية فى الدقة والحرج حين قامت قريش بحركة ردة كبرى نقضت فيها العهد .

والملاحظ ثالثا : إن حركة الردة هذه تمت وقت أن كان النبى فى مكة ، لذا همّوا بإخراج الرسول من مكة والحرم ، ولم يتمكنوا، ولولا أن الله جل وعلا سجّل هذا فى كتابه المحفوظ ما عرفنا هذه الحقيقة التاريخية المنسية ، يقول جل وعلا فى سياق التحريض على قتالهم:( أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) التوبة ). فهم الذين بدءوا بالحرب على حين غفلة بنقض العهد ورفع السلاح فى بيت الله الحرام ، وكان النبى وقتها فى الحرم ، فعصمه الله جل وعلا منهم ، وفى النهاية كانت هزيمتهم ونزل منع المعتدين من دخول البيت الحرام ، ووصفهم بأصل النجاسة تحقيرا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28) التوبة ).

والملاحظ أخيرا : هذا التشابه الواضح بين تأنيب الصحابة المهاجرين بسبب موالاتهم لكفار قريش بعد الهجرة كما جاء فى سورة الممتحنة ثم بعدها فى أواخر ما نزل فى سورة التوبة :( أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) التوبة ).( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ ). فى الحالتين أخرجت قريش المعتدية النبى أو حاولت إخراجه ، وفى الحالتين بدأت قريش بالعدوان ، وفى الحالتين ظل ـ مكتوما أو معلنا ـ ولاء المهاجرين لقريش برغم ما فعلته .

رابعا : إستخدام قريش الموحدة الاسلام لمصلحتها وإعادة تواترها الباطل فى الحج

1 ـ فى حياة النبى عليه السلام إنقسمت قريش الى قسمين : قسم إحترف الاعتداء والبغى وتمسك بالتواتر الباطل وعاش فى مكة متحكما فى البيت الحرام والحج اليه ، وقسم هاجر الى المدينة ، ولكن ظل ولاؤه صريحا أو مكتوما للقسم الباغى المعتدى . وبموت النبى إتّحدت قريش كلها فى إطار البغى والاعتداء ( الفتوحات )، وبالتالى تأكّد الولاء لقريش على حساب الاسلام والتواتر الحقّ.

2 ـ ودخلت قريش بالفتوحات فى دور جديد عاد به التواتر الباطل أقوى مما كان ـ بل أضافت اليه الفتوحات القرشية العربية أباطيل جديدة منها :

2/ 1 : منع أهل الكتاب من الحج بعد أن قام عمر بن الخطاب فى خلافته بتهجيرهم من الجزيرة العربية وإخراجهم من ديارهم دون أن يرتكبوا إثما . وأسفرت الفتوحات عن تكوين الامبراطورية العربية وتقسيم العالم الى معسكرين متحاربين : معسكر قريش الذى يحمل شعارالاسلام ، ومعسكر الصليب الذى تحملة الامبراطورية البيزنطية. والحرب بين المعسكرين أسفر عنها التأكيد على تحريم البيت الحرام على أهل الكتاب .

2/ 2 : ومنها حصر الحج فى اسبوع واحد بسبب تهديد القبائل العربية والخوارج لقوافل الحج .

2/ 3 : تجاهل ثم نسيان حرمة الأشهر الحرم فى خضم الحروب الأهلية بين الأمويين وخصومهم من الزبيريين والخوارج والشيعة والعلويين والأقباط والبربر والموالى ..الخ ..

3 ـ إذ أنّه بعد الوعى الذى أحدثه الاسلام والقرآن لدى القبائل العربية فلم يعد مقبولا  لديهم عودة الهيمنة القرشية، لذا ثارت القبائل العربية فيما يعرف بحرب الردّة التى كانت إحتجاجا ضد قريش ، عبّر عنه مسيلمة الكذاب بقوله ( لقريش نصف الأرض ولنا نصفها ) . وبإخماد حركة الردة رأت قريش أن توجّه شوكة القبائل العربية للفتوحات الخارجية ، بعد أن أقنعت كبار المهاجرين بأن الجهاد هو قتال غير العرب المسالمين ، بحجة تخييرهم بين واحد من ثلاث ( الاسلام ، الجزية ، الحرب ) . وبالانتصار تم الإحتلال والاستعمار والاستيطان والاستعباد والاسترقاق والسلب والنهب والسبى باسم الاسلام . وإحتكرت قريش خيرات الأمم المفتوحة فثارت الحرب الأهلية بقتل عثمان مما أسفر فى النهاية عن تأسيس ملك الأمويين الذين يعبرون عن التواتر الباطل القرشى . وتحوّل الأعراب الثائرون على قريش الى ما يسمى بالخوارج ، وقد أرهقوا الدولة الأموية فى حروب مستمرة ، وبهم إستمرت الغارات على قوافل الحج مما إستدعى حصر الحج فى اسبوع واحد هو بداية الموسم فى الاسبوع الأول من ذى الحجة .

4 ـ وإذا كانت  المبادرة القرشية بالفتوحات قد أدّت الى تعطيل الاصلاحات القرآنية فى ملة ابراهيم فإن العصر الأموى أعاد التواتر القرشى الباطل فى مناسك الحج .

5 ـ كما إن تهميش الأنصار ثم إنتقال عاصمة المسلمين من المدينة الى الكوفة ثم الى دمشق ثم بغداد ، وإنحسار الأضواء عن المدينة بعد أن كانت مهد الاسلام ـ كل ذلك أدّى الى رد فعل عكسى لدى أهل المدينة ، عبّر عنه الامام مالك فى أول تأليف فقهى إعتمد على الأحاديث المنسوبة للنبى وللصحابة والتابعين وعمل أهل المدينة . وبدأ به تقديس المدينة وتحويلها الى ( حرم ) يضاهىء الحرم المكّى ، وتحول مسجد المدينة الى مزار مقصود بالحج ، وتحول ( قبر النبى ) الى وثن مقدس ، لا يتم الحج للبيت الحرام بدون زيارته .

وهذا يحتاج تفصيلا .   

الفصل الثامن : تواتر الانحلال الخلقى الجاهلى فى مكة وخارجها

الباب الثانى : الدين السّنى وصناعة تشريع الحج .

الفصل الثامن  : تواتر الانحلال الخلقى الجاهلى  فى مكة وخارجها

مقدمة : كان الانحلال الخلقى فى الجاهلية هو الأرضية الاجتماعية التى تأسس عليها تواتر قريش الباطل فى مناسك الحج . وقد استمر هذا الانحلال الخلقى بعد الاسلام بانتصار قريش ، مما ساعد على استمرار التواتر القرشى فى الحج . لذا نعطى فكرة سريعة عن هذا الانحلال الخلقى الذى كان تمهيدا لعودة التواتر الباطل فى مناسك الحج بعد موت النبى عليه السلام .   

 أولا : الانحلال الخلقى فى العصر الجاهلى 

1 ـ لا يخلو أى مجتمع من وجود الفواحش . ولكن قد تتحول من ظاهرة إنسانية عادية الى حالة مرضية ( من المرض ) عندما تسود وتصبح عادة إجتماعية ودينا. وهذا ما ساد فى مكة وكان لبّ التواتر القرشى فى الحج كما سنعرض له فى الفصل القادم .

2 ـ ثقافة الانحلال الخلقى فى العصر الجاهلى تعتبر المرأة سلعة بشرية للمُتعة، وهذا أساس التشريع السّنّى الوهابى نحو المرأة والمتاُثّر بالثقافة العربية الجاهلية. وهذه الثقافة نتاج للحياة الصحراوية ، حيث لا إستقرار ينشىء دولة كالبيئة النهرية ، حيث يتعاون الرجل والمرأة فى البيت والحقل ، بل قبيلة أشبه بدولة متحركة يتسيدها الذكور ، وتتعيش فيها القبيلة على تتبع مواطن العُشب والكلأ ، وتتقاتل مع القبائل الأخرى حول الماء والعشب ، وبالتالى فالرجل هو يتكفّل بالانفاق على المرأة والدفاع عنها  . وفى مجتمع يتعيش على الاغارات كان السلب والنهب للابل والمال والمتاع مقترنا بسبى النساء ، ولم يكن عيبا أن تستسلم المرأة لمن يسبيها طالما عجز زوجها عن حمايتها ، فهى مملوكة لمن يقدر على حمايتها . وفى سيرة مشاهير الفوارس العرب نجد تفاخرهم بسبى العشرات من النساء، وطال السبى أمهات كثيرات بلا عيب ولا حرج . هذا الى ما عرفه العرب من أنواع مختلفة من الزواج ، كان بعضها تقنينا للزنا مثل زواج الاستبضاع ، أى يرسل الزوج زوجته لتعاشر رجلا آخر وسيما أوقويا لتنجب منه إبنا يشبهه، أو يتزوج عدة رجال إمرأة واحدة يتبادلون الزنا بها فإذا حملت تلصق الوليد بمن تشاء منهم . الى جانب ذلك عرف العرب ( أصحاب الرايات الحمر ) أو ( إحتراف البغى ) ، وكان تجارة يمتهنها الأشراف والملأ من القوم بلا عيب ولا حرج . وهذا مفهوم فى مجتمع صحراوى ذىطبيعة متحررة يعيش فى مناخ حار وسط فراغ ويحتاج الى التسلية ، ولم يمتلك من ترف التسلية إلا القليل ، فكان الزنا وسيلة المتعة .

3 ـ ولشيوع الزنا وإدمانه بين الأشراف بلا نكير فقد لحق التحسين اللغوى كلمة (الزنا ) فتحول فى لسانهم الى ( بغاء) من (إبتغى وبغى واشتهى ورغب فى ). وحتى الآن يقال فى الجزيرة العربية ( أبغى ) أى أريد وابتغى . وكان يقال فى الجاهلية ( أبتغى بغيا ).

ولم يكن الزنا عارا يحمله أبناء العاهرات ، فقد كانت النابغة ام (عمرو بن العاص)( بغيا ) أشهر (عاهرة) فى مكة وأرخصهن أجرة،(. . فوقع عليها أبو لهب وأمية بن خلف الجمحي وهشام بن المغيرة  وأبو سفيان والعاص بن وائل السهمي .. فولدت " عمرا ... فأدعاه كل منهم ، فحكمت أمه فيه فقالت : هو من العاص . فقال أبو سفيان : . اما أني لا اشك أني وضعته في رحم أمه . فأبت الا العاص .).!!.

ومشهور إستلحاق زياد بن ابيه بأبى سفيان، لارتباطه بأحداث تاريخية فارقة ، وقد تعرضنا لهذا بالتفصيل فى سلسلة مقالات ( وعظ السلاطين ) ، وفى عام 42 تم الاستلحاق، إذ عقد الخليفة معاوية مجلسا أحضر اليه وجوه الناس ، وأحضر من يشهد لزياد ، وكان فيمن حضر أبو مريم السلولي.(.. فقال له معاوية‏:‏ بم تشهد يا أبا مريم ؟ فقال‏:‏ أنا أشهد أن أبا سفيان حضر عندي وطلب مني بغيًا ، فقلت له‏:‏ ليس عندي إلا سمية، فقال‏:‏ إيتني بها على قذرها ووضرها ، فأتيته بها ، فخلا معها ، ثم خرجت من عنده ، وإن إسكتيها لتقطران منيًا‏ ..).

4 ـ وهذا الانحلال الشائع المتعارف عليه بلا إنكار أوجد ما يعرف بطبقة ( أولاد الزنا ) ، واشتهر من هذه الطبقة الشاعر ( الحطيئة )، وهو شاعر مخضرم أدرك الجاهلية وعاش حتى خلافة ( عمر ) ، وقد أسلم ثم ارتدّ وهجا أبا بكر ، ثم عاد الى الاسلام .  قالوا عنه : ( إنه كان من أولاد الزنا الذين شرفوا .ونسبه متدافع بين القبائل . (أى كانت علاقات أمه على مستوى القبائل).  وامّه كان اسمها الضرّاء ، وقد سالها من أبوه ؟ فخلطت عليه فقال :

تقول لى الضراء لست لواحد   ولا اثنين فانظر كيف شرك أولئكما

وأنت أمرؤ تبغى أبا قد ضللته     هبلت ، ألمّا تستفق من ضلالكا

وكان الذى تزوج أمه من ولد الزنا أيضا ، واسمه الكلب بن كنيس ، أى كان معروف الأب .

 ثانيا : موقف الاسلام فى مواجهة هذا الانحلال الخلقى

1 ـ  ولم تكن يثرب ( المدينة ) بمعزل عن هذا الانحلال الخلقى ، وبعد هجرة النبى عليه السلام والمسلمين اليها نزلت تشريعات القرآن فى الاصلاح الدينى والأخلاقى ، ومنها مواجهة هذا الانحلال .

2 ـ وبعض هذه التشريعات نزلت تعلّق على ما يحدث فى المدينة مثل غيرها، مثل تحريم زواج الاستبضاع ( الممتحنة 12 )، وكان من حق مالك الجارية أن يضاجعها فنزلت تشريعات الاسلام تجعل للجارية مهرا، ولا يضاجعها مالكها إلا بعقد زواج ومهر ، كما حرّم رب العزة زواج السفاح وزواج الأخدان وجعل عقوبة المملوكة نصف عقوبة الحرّة فى الزنا المثبت :( النساء 24 : 25) بعدها قال جل وعلا للمؤمنين:( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27)(النساء). وواضح أن الذين يتبعون الشهوات هم ارباب الانحلال الخلقى. وردّا على إستنكافهم من الزواج بالجوارى المملوكات نزل القرآن يشجّع على الزواج بالصالحين والصالحات من الرقيق مع وعد بأن يغنيهم الله جل وعلا من فضله::(وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) النور) ويحضّ على العفّة الجنسية ويشجع على تحرير الرقيق بالمكاتبة ، ويحرّم إكراه الجارية على احتراف الزنا ، ولا يجعل عليها عقوبة بسببب الإكراه : ( وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) النور).وبعدها يقول جل وعلا للمؤمنين :( وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنْ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34).( النور).

3 ـ وحيث تكاثرت أعداد أبناء الزنا فقد شاع التبنى وأصبح للأبن بالتبنى نفس حقوق الابن الحقيقى ، فنزل تشريع القرآن يمنع هذا ، ويأمر بأن يحمل الابن المتبنى إسم أبيه الحقيقى إن كان معروفا ، وإلا فهو أخّ فى الدين لكل المسلمين: ( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (5)( الاحزاب ).

4 ـ وكان للمنافقين فى المدينة دور سىء سلبى فى الحض على المنكر وتشجيعه ، وقام بهذا الدور الرجال منهم والنساء يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، فتوعّدهم الله جل وعلا بالعذاب : (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68)(التوبة). كانوا( يحبّون) أن تشيع الفاحشة بين الذين آمنوا، وتوعّد رب العزة بعقوبة دنيوية وأخروية من ( يحب) أن تشيع الفاحشة فى المؤمنين:( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (19) النور) .على أنهم لم يكتفوا بالأمنيات ، بل قرنوها بالعمل ، فقد كان فى المدينة نساء متبرجات يتتبعهن الزناة فنزل تشريع خاص فى الزى المحتشم للإفلات من مطاردة أولئك الزناة :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا )( الاحزاب 59 ).

5 ـ ولقطع الطريق على الزنا فقد إتّخذ التشريع الاسلامى تدابير إستثنائية لتجفيف مقدماته ووسائله ، منها آداب الاستئذان من الخارج (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27: 29 ) النور ) وفى الداخل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ..) (58: 59) وأمر النساء المتقدمات فى السّن بالعفة والاقتصاد فى الزينة:( وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّوَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (60)( النور)، ونزل تشريع الزى والزينة وتحريم مقدمات الزنا كالنظرة الشهوانية والأمر بالعفة عن الزنا :( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ) (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا )،وتنتهى الآية بالأمر للمؤمنين بالتوبة أملا فى الفلاح يوم القيامة:(وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)  )(النور 30 : 31 )..ونزلت عقوبة مائة جلدة فى الزنا المثبت بالدليل عند الاصرار عليه وعدم التوبة منه ، ومنع الزواج من الزانى والزانية ، وثمانين جلدة عقوبة من يقذف المحصنات العفيفات بلا دليل، وعقوبة الحرابة لمن يقطع الطريق يقتل ويسبى ويغتصب.

ثالثا : الفتوحات أعادت الانحلال الخلقى فى عصر الراشدين بسلب ثروات الأمم المفتوحة

1 ـ على إن الاسلام لم يحتل سوى فترة زمنية قصيرة فى خضم هذا التواتر الجاهلى فى الانحلال الخلقى ، ومنتظر أن لا تجد تعاليمه الإصلاحية وحربه للزنا والفواحش أذنا صاغية فاستمرت مع الصحابة فى عهد الخلفاء الراشدين والأمويين وهم الأقرب الى عهد النبوة المُضىء، وعزّزها الدور السلبى للفتوحات التى  أعادت الثقافة الجاهلية فى السلب والنهب والسبى تحت شعار الجهاد الاسلامى ، وهذا التضليل الذى تم إرتكابه واقعيا ما لبث أن قام الدين السّنى بتشريعه وجعله فريضة ، ويمارسها الآن الوهابيون وينسبونها للاسلام .!!.

2 ـ وفي تاريخ الطبري مئاتالصفحات عن القتل والسلب والسبي فى الفتوحات ، نقتطف هذه الاسطر التي يحكيها احد الجنود العربوهو " محفز" الذي شارك في موقعة جلولاء سنة 16 هـ ، في ايران ، يقول ( ودخلواالمدائن ، ولقد اصبت بها تمثالا لو قسم في بكر بن وائل لسد منهم مسدا ، عليه جوهرفأديته ) أي سلمه للجيش .. الي ان يقول ( فاذا امرأة كالغزال في حسن الشمس فأخذتهاوثيابها ، فأديت الثياب ، وطلبت في الجارية حتي صارت لي ، فاتخذتها ام ولد : الطبري  [4/ 26 : 27 ) ويذكر الطبري عن غنائم العرب بعد فتح المدائن ما يفوق الخيال ، منالذهب والجواهر وكنوز كسري وعرشه ، حتي كانوا يجدون بعض البيوت مليئة بالذهبوالجواهر ، وجمعوا اطنانا من عطر الكافور وحسبوه ملحا فخلطوه بالطعام فأصبح شديدالمرارة ( تاريخ الطبري 3/19 :20 ، تاريخ ابن كثير 7/ 66 : 67  [.

3 ـ وأصبح كبار الصحابة بليونيرات بمفهوم عصرنا : (عثمان ) مع شدة كرمهوكثرة عطاياه كان له يوم مقتله ثلاثون الف الف درهم وخمسمائة الف درهم ومائة الفدينار ، وقد نهبها الثوار الذين قتلوه ، بالاضافة الي ما قيمته مائتا الف دينار منالاصول.(الزبير ابن العوام) : كانلديه  35 الف الف درهم ومائتا الف دينار ، ويقال 51 الف الف درهم او 52 الف الفدرهم ، بالاضافة الي مساكن وعقارات وخطط في الفسطاط والاسكندرية والبصرة والكوفة ،كما ترك غابة او بستانا هائلا بيع بـ الف الف وستمائة الف.(عبد الرحمن بن عوف) : مات سنة 32 هـ قبيل عثمان ، ترك ذهبا كانوا يقطعونه بالفئوس حتي محلت ايدي الرجالمنه.( سعد ابن ابي وقاص) : ترك 250الف درهم ، ( ابن مسعود) : توفي 32 هـ وكان من ضحايا عثمان وقد حرمه عثمان من عطائهسنتين ومع ذلك ترك 90 الف درهم.(طلحة بن عبيد الله ): كان فييده خاتم من ذهب فيه ياقوته حمراء ، وكان ايراده من ارضه في العراق الف درهم يوميااو ما بين 400 الي 500 الف درهم سنويا في رواية اخري ، وترك بعد موته الفي الف درهمومائتي الف درهم ، و مائتي الف دينار ، وترك اصولا وعقارات بثلاثين الف الف درهم.وترك مائة بهار مليئة بالذهب في كل بهار ثلاثة قناطير او اثنين من الارادب ، أيترك 300 اردبا ذهبا او 200 قنطار ذهبا ( طبقات ابن سعد 3/ 53 ، 76 ، 77، 157) ( المسعودي مروج الذهب 1/ 544 : 545[.( عمرو بن العاص ): ترك عندموته سبعين بهارا من الذهب ، أي 210 قنطارا او 140 اردبا من الذهب ، واثناء موتهعرض هذه الاموال علي اولاده فرفضوا وقالوا : حتي تعطي كل ذي حق حقه ، أي اعتبروهاسحتا ، فلما مات عمرو صادر معاوية هذا المال وقال ( نحن نأخذه بما فيه ) أي بما فيهمن سحت وظلم ( خطط المقريزي 1/ 140 ، 564 ).  ويذكر المسعودي في مروج الذهب ( 1/ 544) ان زيد بن ثابت حين مات ترك من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفئوس سوي الاموالوالضياع ، ومات يعلي بن امية وخلف خمسمائة الف دينار وديونا علي الناس وعقارات تبلغ300 الف دينار[..

4 ـ هذا بالاضافة الى الضرائب ( الخراج ) و الجزية . يقول  ابن سعد  عن ( عمر بن الخطاب ) : ( وضع الخراج علي الاراضين ، والجزية علي جماجم اهل الذمة فيما فتح منالبلدان ، ووضع علي الغني ثمانية واربعين درهما ، وعلي الوسط اربعة وعشرين درهما ،وعلي الفقير اثني عشر درهما ، وقال : لا يعوز " أي لا يرهق" رجل منهم " أي الفقراء" درهم في الشهر : الطبقات الكبرى لابن سعد 3/ 202 ).

أى إنّ الفقراء المعدمين في البلاد المفتوحة كانت تؤخذ منهم الاموال لاثرياء العرب الذينتكدست لديهم الاموال من الغنائم والخراج والجزية . ذلك ان كل كنوز وثروات الفرسوالمصريين وثروات وكنوز الروم التي تركوها في الشام ومصر ، كل ذلك سلبه العرب فيالفتوحات ، واقتسموه فيما بينهم ، فأصبحوا وقتها اثرى اثرياء العالم ، ومع ذلك لميتورعوا عن اخذ الجزية حتي من الفقراء المعدمين لتصب في جيوب اولئك الاثرياءالمتخمين بالكنوز . وذلك ليس مجرد تخمين ولكنه استنتاج لما جاء في تاريخ ابن سعد عنعمر ، فأبو هريرة جاء لعمر بخمسمائة الف درهم فوزعه علي الناس ، وجاء الي عمر كل منعثمان وابن عباس فأعطاهما مالا كثيرا ، يقول ابن عباس معبرا عن كثرة ذلك المال (اماعثمان فحثا ، واما انا فجثيت لركبتي ) أي كانوا يعبئون المال بكل ما يستطيعون ، وفيموقف اخر يقول ابن عباس ( دعاني عمر بن الخطاب فأتيته فاذا بين يديه نطع عليه الذهبمنثور حثا ، قال : هلم فاقسم هذا بين قومك ) وبعث عمر الي ام المؤمنين زينب بنت جحشبكومة ذهب ، فلما رأتها فزعت منها واستترت منها ، ثم القت عليها ثوبا ، وقالتلخادمتها ( اقبضي منه واذهبي به الي بني فلان ، وما زالت توزعه حتي نفذ ) ، واستمرعمر يوزع هذه الكنوز والاموال وهو يقول : لأزيدنهم ما زاد المال ، لأعدنه لهم عدا ،فأن اعياني لأكيلنه لهم كيلا ، فأن اعياني حثوته بغير حساب ) ويقول في موقف اخر] واني لأرجو ان اكيل لهم المال بالصاع ) : ( الطبقات الكبري لابن سعد 3 / 207 ، 215:[ 218 ) أي ان الذهب اصبح لديهم اكواما يوزعه عمر كما يوزع القمح والشعير ، بينمايأخذون الجزية والضريبة من فقراء مصر والعراق والشام وفارس ، وهمأيالفقراء- مستحقون للزكاة اصلا في شريعة الاسلام التي تنهي عن اكتناز الذهب والفضة ،فضلا عن سلبها من اصحابها ظلما وعدوانا.وهذه الأموال الضخمة توارثها الأبناء والأحفاد فى العصر الأموى وأعانتهم على الترف والمجون على نحو ما سنذكره بعد قليل .

رابعا : الفتوحات أعادت الانحلال الخلقى فى عصر الراشدين بسبى نساء الأمم المفتوحة

1 ـ بالفتوحات إمتلأت الجزيرة العربية وعواصم المسلمين فى دمشق والكوفة والبصرة والفسطاط بنساء السبى  من أجمل الجميلات العالم، وأصبحن سلعة رخيصة للمتعة الحرام . وبسرعة تناسى الصحابة شرع الله جل وعلا، لأن ثقافتهم المتوارثة فى السلب والنهب والسبى عادت أقوى وتحت شعار الجهاد الاسلامى الذى أرساه أبو بكر وعمر بتشجيع وتعضيد من الأمويين الذين ورثوا كل هذا فى النهاية .

2 ـ لقد عرفت الجاهلية تشريع السبي والاسترقاق على نطاق ضيّق وبسيط مقارنة بالفتوحات . وقلنا إنّ الجاهلية  كانتتستحل الاموال والاعراض في الغارات المتبادلة بين القبائل ، ولم يكن عيبا سبيالنساء العربيات وتداولهن بين ايدي الغزاة حسب الاكثر قوة . وقد أعيد هذا فى الفتوحات فى التعامل مع الأمم المفتوحة التى لم تبدأ العرب المسلمين بالعدوان . وبهذا أعيد إنتاج ثقافة السبى والاسترقاق على أوسع نطاق . لقد كان فارس الجاهليةاثناء ظهور الاسلام هو عمرو بن معدي يكرب اشهر من سبي السبايا في الجاهلية ، ثماسلم ثم ارتد ثم عاد الي الاسلام ، وعاد معه طليحة بن خويلد الذي ادعي النبوة فيحركة الردة ثم عاد الي الاسلام ، وقد بعث عمر بطليحة بن خويلد وعمرو بن معدي يكربللمشاركة في فتوحات فارس وليمارسا نفس ما كانا يفعلان في الجاهلية من سبى وسلب ، وكان عمرو بن معدي يكرب يروي لعمر بن الخطاب مآثره فيسبي النساء في الجاهلية ( مروج الذهب : 1/ 538 : 541 ). وبنفس العقلية توجه عمرو بن معدي يكرب للفتوحاتيقتل ويسلب ويسبي . وذكر ابن حجر بلاءه في الفتوحات في ( الاصابة 3/ 18 ).

3 ـ وفى الوقت الذى تمتع فيه الرجال بالسبايا فقد عانت نساؤهم من الحرائر ممن الاهمال والجوع الجنسى ممّا شجع على الانحلال . كما أدى غياب الرجال فى الغزوات والفتوحات الى شيوع الفاحشة فى مجتمع المدينة، وكانت مشكلة عانى منها (عمر)  فكان يسير ليلا يتجسّس على البيوت ومعه ( الدرة ) المشهورة ليؤدب بها من يستحق ، واثناء طوافه الليلي بالمدينة سمع امرأة تنشدشعرا:

تطاول هذا الليل تسريكواكبه               وارقني ، ألا ضجيع  ألاعبه ؟!!

فسأل عنها عمر فعرف انزوجها غائب في الغزو منذ عدة اشهر ، فكتب الي امراء الجيش الا يغيب زوج عن اهلهاكثر من اربعة اشهر) . وعن سيره يتجسس على الناس ليلا يقول ابن سعد عن ( عمر ): ( وهو أول من عسّ في عمله بالمدينة وحمل الدرة وأدّب بها .). ويروى ابن سعد : ( بينما عمر بن الخطاب يعسّ ذات ليلة إذا امرأة تقول‏:‏ ( هل من سبيل إلى خمرفأشربها أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج ) فلما أصبح سأل عنه فإذا هو من بني سليم فأرسلإليه فأتاه ، فإذا هو من أحسن الناس شعرا وأصبحهم وجها ، فأمره عمر أن يطمّ شعره ، ففعل،فخرجت جبهته فازداد حسنا ، فأمره عمر أن يعتمّ ،  ففعل ، فازداد حسنا ، فقال عمر : لا والذينفسي بيده لا تجامعني بأرض أنا بها ،  فأمر له بما يصلحه وسيرّه إلى البصرة .) أى نفاه الى البصرة لأن النساء فى المدينة إفتتنّ به . ولكن هل بذلك تم ّ حل المشكلة ؟ وماذا عن نساء البصرة ..والكوفة ومكة ؟ .

ويروى ابن سعد : ( خرج عمر بن الخطاب يعس ذات ليلة ، فإذا هو بنسوة يتحدثن ، فإذا هن يقلن : أيأهل المدينة أصبح ؟ ( أى أجمل ) فقالت امرأة منهن : أبو ذئب . فلما أصبح سأل عنه ، فإذا هو من بني سليم، فلما نظر إليه عمر إذا هو من أجمل الناس ، فقال له عمر : أنت والله ذئبهن . مرتين أوثلاثا ، والذي نفسي بيده لا تجامعني بأرض أنا بها . قال : فإن كنت لا بد مسيّرني فسيرنيحيث سيّرت إبن عمي ، يعني نصر بن حجاج السلمي. فأمر له بما يصلحه وسيّره إلى البصرة .) أى كانت البصرة منفى للرجال الذين يخشى عمر من إفتتان النساء بهم . ولا ذنب لهؤلاء الرجال ، وإنما هو الاشتهاء والحرمان الجنسى لدى نساء غاب عنهن أزواجهن فى مجتمع لا يعرف سوى الجنس متعة حسّية .

على أن بعض من بقى فى المدينة من الشباب فارغا بعيدا عن المشاركة فى الغزو قد وجد فى أولئك النسوة الجائعات شغلا ، وكانت الأخبار تصل الى أزواجهن فى الغزو. ومع إن أولئك الزواج كانوا يتمتعون بنساء السبى فى البلاد التى يفتحونها فقد كان بعضهم يحتج على زوجته لو جاءته أخبار بعلاقتها مع فلان من الشباب ، وبعضهم كان يرسل الى ( عمر ) يشكو له . يروى ابن سعد ( أن بريدا قدم على عمر، فنثركنانته ، فبدرت صحيفة ، فأخذها فقرأها ، فإذا فيها‏ شعرا فيه يشكو مرسل الرسالة من رجل إسمه ( جعدة ) يعاشر النساء المغيبات ، اى اللاتى غاب عنهن أزواجهن . وتنتهى الرواية وقد استدعى عمر هذا الجعدة وجلده مائة جلدة ( ..  ونهاه أن يدخل على امرأة مغيبة .).

وتطرّف ( عمر ) فى عقوبة الخمر ومطاردة أهل المجون العلنى  ، يقول ابن سعد : ( وهو أول من ضرب في الخمر ثمانين ، واشتد على أهل الريب والتهم وأحرق بيت رويشد الثقفيوكان حانوتا )، ( وغرّب ربيعة بن أمية بن خلف إلى خيبر ، وكان صاحب شراب فدخل أرض الرومفارتد) .

ولم يمنع هذا من تكاثر الانحلال فى المدينة بدليل كثرة عدد اللقطاء فى المدينة، ويذكر ابن سعد عناية عمر  باللقطاء :( وكانإذا أتي باللقيط فرض له مائة درهم وفرض له رزقا يأخذه وليه كل شهر ما يصلحه ثمينقله من سنة إلى سنة وكان يوصي بهم خيرا ويجعل رضاعهم ونفقتهم من بيت المال ) . أى أن ظاهرة اللقطاء كانت هائلة إستوجبت من عمر أن يجعل لهم نصيبا فى بيت المال ، ويفرض لهم مرتبات وعطايا لهم ولمن يقوم بشأنهم . فإذا كان هذا فى المدينة تحت ذقن ( عمر ) ولحيته وفى وجود درّته وقسوته وتجسّسه وتحرّزه فكيف بالحال فى بقية المدن وفى الصحراء العربية حيث الانطلاق والحرية ؟.جدير بالذكر ، أنّه بعد عمر لم ترد هذه الأخبار عن شيوع الانحلال الخلقى فقد أصبح ظاهرة مسكوتا عنها لا تستحق ّ التسجيل ، فهناك ما هو الأهمّ ، وهو أحداث الفتنة الكبرى.

4 ـ وبالانحلال الخلقى الشائع والمعتاد اشتهر بعض كبار الصحابة فى خلافة عمر ، ومنهم المغيرة بن أبى شعبة الذى كان ( زير نساء ) يهوى الزنا مع كثرة جواريه وكثرة زيجاته . فى شهرته النسائية تقول الروايات أنه لما كان يوم القادسية طعن المغيرة بن شعبة في بطنه فجئ بامرأة من طيئ تخيط بطنه فجعلت تخيطه فلما نظر إليها وهي تخيط قال : ألك زوج؟  قالت : وما يشغلك ما أنت فيه من سؤالك إياي؟!!. و يعترف المغيرة أنه رجل مطلاق يكثر من طلاق النساء دون مبرر ، قال : لقد تزوجت سبعين امرأة أو أكثر ..وكان تحت المغيرة بن شعبة أربع نسوة ، فصفّهن بين يديه وقال : أنتن حسنات الأخلاق طويلات الأعناق ، ولكني رجل مطلاق ، فأنتن طالقات.وكان ينكح أربعاً جميعاً ويطلقهن جميعاً.  
واشتهرت واقعة زنا المغيرة بن شعبة في البصرة . ورويت هذه الواقعة على ألسن المحدثين و أصحاب السير و السنن ، واشتهرت فلا مجال لإنكار أصلها ، و إنما خلط الرواة في بعض تفاصيلها . ومجمل القصّة أنّ المغيرة بن شعبة وهو أمير البصرة فى خلافة عمر كان يذهب سراً ليزنى بامرأة من ثقيف يقال لها الرقطاء ولها زوج من ثقيف يقال له الحجاج بن عتيك ، فلقيه أبو بكرة يوماً فقال : أين تريد ؟ قال : أزور آل فلان ، فأخذ [أبو بكرة] بتلابيبه و قال : إن الأمير يُزار ولا يزور.وكانت المرأة التي يأتيها جارة لأبي بكرة . فبينما أبو بكرة في غرفة له مع أخويه نافع وزياد ورجل آخر يقال له شبل بن معبد ، وكانت غرفة جارته تلك محاذية غرفة أبي بكرة ، فضربت الريح باب غرفة المرأة ففتحته فنظر القوم فإذا هم بالمغيرة ينكحها ، فقال أبو بكرة : هذه بلية قد ابتليتم فانظروا . فنظروا حتى أثبتوا ، فنزل أبو بكرة فجلس حتى خرج عليه المغيرة من بيت المرأة ، فقال له أبو بكرة : إنه قد كان من أمرك ما قد علمت فاعتزلنا ، فذهب المغيرة وجاء ليصلي بالناس الظهر فمنعه أبو بكرة وقال : لا والله لا تصلي بنا وقد فعلت ما فعلت ، فقال الناس : دعوه فليصل إنه الأمير.! فقال : اكتبوا إلى عمر فكتبوا إليه .... وسار المغيرة ، حتى قدم على عمر ، فجلس له عمر ودعا به وبالشهود . وشهد ثلاثة على المغيرة بن شعبة بالزنا بالتفصيل   وهم أبو بكرة ، ونافع ، ونفيع ، وزياد ،   فأما زياد فقال : رأيت نفساً تعلو ، و استاً تنبو ، ورأيت رجليها على عنقه كأنهما أذنا حمار ، ولا أدري يا أمير المؤمنين ما وراء ذلك ، فأسقط عمر الشهادة ولم يرها تامة .

خامسا : لمحة سريعة عن الانحلال فى العصر الأموى   

1 ـ كان هذا فى عصر عمر . وتفاقم الأمر فى العصر الأموى ، فبعد  مأساة الحسين وأقتحام المدينة ومكة وثورة ابن الزبير عمل الأمويون على شغل أبناء المهاجرين والأنصار باللهو والمجون ، وأغدقوا عليهم بألأموال  حتى لا ينشغلوا بالسياسة ، وهم أصلا قد ورثوا ثروات آبائهم الصحابة التى جاءت من الفتوحات . وبهذه الأموال والفراغ وكثرة الجوارى المجلوبات من الخارج من شتى أنحاء العالم  تحولت المدينة ومكة الى ماخور كبير.  واشتهر فيها أرباب الغناء من الرجال والنساء والمخنثين . ومنهم سلاّمة ومعبد وابن عائشة وجميلة ومالك بن أبي السمح.

ومن مشاهير الزناة الشاعر العرجى حفيد الخليفة عثمان ، وسهيل بن عبد الرحمن بن عوف مالك المغنية سلّامة التى عشقها عبد الرحمن القس ّ ، وقد انتشرت قصة سلّامة وغرام العابد الناسك بها ، ووصلت إلى دمشق حيث كان الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك مشهوراً بالمجون باحثاً عن الجديد من المتع ، وعرف أن سلامة وحبابة قد وصلتا إلى النهاية في الشهرة فبعث من اشتراهما له ، وسافرت سلامة إلى دمشق وحظيت مع حبابة لدى الخليفة الماجن . ولعلنا نذكر فيلم أم كلثوم ( سلّامة ).

ومن المشاهير من أبناء الزنا فى العصر الأموى كان المغنى ( محمد إبن عائشة ) الذى لم يكن يعرف له أب ، فكان ينسب الى أمه . ولقّبه أعداؤه بابن عاهرة الدار . وكانوا إذا استحسنوا صوته قالوا ( أحسن ابن المرأة ) .واشتهر بجودة الغناء و الغرور الشديد . وقالوا عنه إنه كان يفتن من يسمعه يغنى ، وأنه أفسد بغنائه فتيان المدينة . وكان أشهر المعجبين بصوته الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب والخليفة الوليد بن يزيد الأموى .

كل هؤلاء اشتهروا وذكرهم التاريخ بسبب صفاتهم الشخصية ، ولكن الالاف من أبناء الزنا أهملهم التاريخ الذى لا يذكر سوى الزعماء والقادة و النابغين .

 وبعض الخلفاء الأمويين كان متهما بالفواحش وترك الصلاة ومنهم يزيد بن معاوية ، صاحب الفواجع الثلاث : قتل الحسين وآله فى كربلاء ، وانتهاك حرمة مكة والمدينة .وحين ثارت المدينة على يزيد وخلعت طاعته كان زعيم الثوار عبدالله بن حنظلة الإنصارى الذى خطب فى قومه قبيل موقعة الحرة قائلا عن يزيد ( إن رجلا ينكح الأمهات والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة ، والله لو لم يكن معى أحد من الناس لأبليت لله فيه بلاء حسنا )  ( الطبقات الكبرى لأبن سعد ج5 ، 47 – تاريخ المنتظم ج6، 19 ) وقد وقعت موقعة الحرة سنة 63 هــ وفيها انتهكت حرمة المدينة وإغتصب جنود الأمويين نساء المدينة وافتضّوا أبكارها . وكان من القتلى زعيم الأنصار يومئذ ابن حنظلة . وتكرر نفس الإتهام للخلفاء الأمويين فى عهد عبد الملك بن مروان ، قاله سعيد بن جبير فى موقعة دير الجماجم ، قال  (قاتلوهم على جورهم فى الحكم وخروجهم من الدين وإماتتهم الصلاة ) ( طبقات ابن سعد ج6، 185 ) .

 وأتيح للخليفة يزيد بن عبد الملك أن يتفرغ للهو والخمر والمجون حتى مات شابا بسبب الانحلال الخلقى. إذ  مات حزنا على مغنيته حبابة ، ظل شاردا بجانب جثتها لا يريد دفنها ، فلما أرغموه على دفنها لبث بعدها قليلا ثم مات .!

بعده كان ابنه الوليد بن يزيد بن عبد الملك أكثر منه إنحلالا.  قال ابن كثير فى تاريخه ‏(‏ج/ص‏:‏ 10/3‏)‏  : إن عمه الخليفة هشام بن عبد الملك أراده أن يقلع عن الخمر ليؤهله للحكم من بعده فجعله أميرا على الحج سنة 116 فما كان منه إلا أن (أخذ معه كلاب الصيد خفية من عمه، حتى يقال‏:‏إنه جعلها في صناديق ..قالوا‏:‏ واصطنع الوليد قبة على قدر الكعبة، ومن عزمه أن ينصب تلكالقبة فوق سطح الكعبة ويجلس هو وأصحابه هنالك، واستصحب معه الخمور وآلات الملاهيوغير ذلك من المنكرات، فلما وصل إلى مكة هاب أن يفعل ما كان قد عزم عليه من الجلوسفوق ظهر الكعبة خوفاً من الناس ومن إنكارهم عليه ذلك،).

 وتولى هذا االوليد بن يزيد بن عبد الملك الخلافة فانطلق فى مجونه للنهاية ، حسبما يقول المؤرخون ((تاريخ الكامل لابن الأثير 4/ 486 ، المنتظم لابن الجوزى 7/236 -248 ). قالوا : (ثقل ذلك على الناس ورماه بنو هاشم وبنوالوليد بالكفر والزندقة وغشيان أمهات أولاد أبيه وباللواط وغيره )، (وكان هذا الرجل مجاهراً بالفواحش مصرّاً عليها، منتهكاً محارم الله عزوجل، لا يتحاشى من معصية‏.‏وربما اتهمه بعضهم بالزندقة والانحلال من الدين، وقد روي أن أخاه سليمان كان من جملة من سعى في قتله، قال‏:‏ أشهدأنه كان شروباً للخمر، ماجناً فاسقاً، ولقد أرادني على نفسي الفاسق !!. ) وقالوا فيه  )كان مشهورا بالالحاد مشتغلا باللعب واللهو والشراب ) . وقد ثار عليه ابن عمه يزيد بن الوليد وقتله وتولى بعده.  وفى أول خطبة لابن عمه يزيد بن الوليد الذى قتله وتولى الخلافة بعده قال عنه (كان جبارا مستحلا للحرم ..ما كان يصدق بالكتاب ولا يؤمن بيوم الحساب ).  ورووا أنه فتح المصحف يوما يستفتح به ـ أى يرى حظه في أول آية يقرؤها ـ  فرأى فيه قوله تعالى " واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد " فألقى المصحف ورماه بالسهام وهو يقول:

تهددنى بجبار عنيد            فها أنا ذاك جبار عنيد

اذا ما جئت ربك يوم حشر     فقل يارب خرقنى الوليد

أخيرا

فى هذا العصر هل نطمع فى وجود إصلاح لمناسك الحج فى مكة ؟ وإذا كان الأمويون أرباب الفسوق والعصيان قبل وبعد النبى عليه السلام ، فهل ننتظر منهم إصلاحا ؟ 

الفصل التاسع : قريش تجعل الانحلال الخلقى دينا

الباب الثانى : الدين السّنى وصناعة تشريع الحج .

الفصل التاسع :  قريش تجعل الانحلال الخلقى دينا

أولا : الدين الأرضى مؤسس على الهوى

1 ـ إن العادة السيئة للناس أنهم يُخضعون دين الله جل وعلا لأهوائهم فى تقديس البشر والحجر وفى غرائزهم الجنسية ، وإذا عبدوا ربهم جل وعلا عبدوه حسب الهوى ، يجعلون دينهم لهوا ولعبا وغرورا بالحياة الدنيا ، ويقومون بتشريعه بوحى مزيف تتحوّل به هذه الأهواء الى دين أرضى ، يسود ويقود الى التهلكة ، حيث يتدين الناس بدين مزيف مغشوش ، يموتون عليه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا كما يقول عنهم رب العزّة : (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً (102) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105)( الكهف ). أعمالهم التى ضاع ثوابها سيرونها حسرات عليهم وهم مخلدون فى النار: ( كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ (167)( البقرة ).   

2 ـ يجب أن نعبد الله جل وعلا وفق ما شرع الله جلّ وعلا لكي يقبل عبادتنا . وإذا عبدنا الله بغير ما شرع الله جلّ وعلا فقد حاق بنا غضب الله في الوقت الذي نظن فيه أّنّنا نرضيه ، وحين نقوم بالحج إلى بيت الله فلا بد من تحري مرضاة الله وإلا أحبط الله أعمالنا . هذه تذكرة لنا قبل أن نصمم على مناسك فى الحج ليس لها أصل في كتاب الله ـ بل لها نصيب في تواتر قريش المخالف لملة ابراهيم عليه السلام .

3 ـ والتواتر القرشى الباطل فى الحج تركّز حول الاستغلال القرشى للبيت الحرام واستغلال الحجاج ، لذا إمتلأ بيت الله الحرام بالأوثان والأصنام ، وساد الانحلال الخلقى مناسك الحج ، وحرّفت قريش فى المناسك لتتيح لها أكبر قدر من استنزاف الحجاج ماليا، وتضمن توافدهم حيث يجدون المتعة الحرام والغفران معا.  

4 ـ وبعد موت النبى عليه السلام دخلت قريش بالعرب والعالم أحداثا هائلة متتابعة ، نتخيل فيها العالم وقتها وقد كتم أنفاسه وهو يرى هذا التتابع المذهل فى الأحداث المحلية والعالمية ؛من حرب الردة الى حروب الفتوحات وتوسعها فى قارات العالم الثلاث ( آسيا وأفريقيا وأوربا ) حتى تصل من تخوم الهند والصين شرقا الى جنوب فرنسا غربا ، وفيها تمّ تدمير الامبراطورية الفارسية وتجاوزها شرقا فى أواسط آسيا ، وفى نفس الوقت هزيمة الامبراطورية الرومانية برا وبحرا ومحاولة غزو القسطنطينية واحتلال جزر البحر المتوسط ، واحتلال الاندلس ،أى غزو أوربا شرقا وجنوبا وغربا. وخلالها مقتل عمر ثم مقتل عثمان ثم الحرب الأهلية ومقتل على ثم مقتل الحسين وانتهاك المدينة ومكة والبيت الحرام ، ثم الصراع بين الأمويين والزبيريين فى موجة ثانية من الحروب الأهلية ، مع تتابع الثورات من الخوارج العرب والشيعة والموالى والأقباط والأمازيغ. وسط هذا الضجيج الهائل لم يحدث إلا تغيير طفيف فى مناسك الحج ( القرشى ) تركز فى هدم الأوثان وإلغاء طواف العُرى ، وإن لم يقض هذا على الانحلال الخلقى داخل وخارج الحرم لأنه كان ثقافة سائدة ، لذا ما لبث التواتر القرشى أن أعاد رمى الجمرات وزى الاحرام المفضوح بديلا عن طواف العُرى . ثم ما لبث أن عادت الأوثان للبيت الحرام بتقديس الحجر الأسود وإعتبار جدران الكعبة نفسها مقدسة. ثم تأكد الشرك بتقديس ما يعرف بقبر النبى والحج اليه واعتبار المدينة حرما يضاهىء بيت الله الحرام طبقا لطقوس تأليه النبى.  إنّ تأليه شخص النبى محمد هو عداء للنبى محمد والاسلام ، فهو مأمور بأن يعلن بأنّه بشر يوحى اليه بأنه لا اله إلا الله :(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)الكهف )، ويستحيل أن يزعم لنفسه تقديسا: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَإِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)(آل عمران). ولكنّ أعداء النبى هم الذين قدّسوه وعبدوه عصيانا لله جل وعلا ولرسوله .

5 ـ ـوقد تركّز فى مكة الجاه والثروة حيث كانت مركز التجارة العالمية ورحلة الشتاء والصيف التى من أجلها إمتلكت قريش البيت الحرام وتحكمت فى الحجّاج . ولأنّ قريش كانت تحترف التجارة بالدين فقد تمسحت بالدين لتبرّر به سلوكها . وهى العادة فى أى مجتمع يسيطر عليه الدين الأرضى ، إذ يتحول القتل والقتال العادى الى جهاد ، ويتحوّل الزنا الى طقس دينى ، والاغتصاب الى سبى مشروع ويتحوّل التسلط على الناس بالظلم الى ( أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ) . والانحلال الخلقى فى مكة إزدهر بكونها عاصمة عالمية للتجارة العالمية تفتح أبوابها للتجارة والتجّار كما تفتح أبوابها للحجّاج ، وللجميع تعطى تسهيلات المتعة الحرام بأن تجعلها ( ليس فقط حلالا ) بل فرضا دينيا . وردّا على هذا التواتر القرشى الباطل المتأثر بالانحلال الخلقى نتذكر أن رب العزة يحرّم مجرد الرفث مع الزوجة على من يقوم بالاحرام: ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197) البقرة)، كما يحرّم جلّ وعلا مجرد النيّة والارادة بالظلم والالحاد فى الحرم (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25)(الحج ) ،  كما أنه جل وعلا يتوعّد أيضا بعذاب أليم فى الدنيا والآخرة ذلك الذى ( يحب ) أن تشيع الفاحشة فى مجتمع مؤمن: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (19) النور) . ، فكيف بمن يحب أن يشيع ذلك فى البيت الحرام ؟؟!!

6 ـ وتعرضنا للإنحلال الخلقى فى مجتمع الجزيرة العربية قبل وبعد موت النبى عليه السلام ، وهذه الأرضية الاجتماعية للإنحلال الخلقى أضفت عليها قريش تشريعا دينيا يخدم مصالحها التجارية بما ترتب عليه التحريف فى مناسك الحج ، ولأن الانحلال الخلقى إستمر فقد أعاد التحريف بصورة أبشع لأنه هنا ظل محميا باسم الاسلام مع مخالفته للاسلام .  وهو ما فعلته قريش حين جعلت الانحلال الخلقى دينا .!

ثانيا  : الأسس الدينية للإنحلال الخلقى لدى قريش

إتّخاذه دينا أرضيا بأحاديث شيطانية منسوبة كذبا لله جل وعلا :

1 ـ  نكتشف من خلال القرآن الكريم أن قريش قد جعلت الفاحشة دينا وعادة اجتماعية متوارثة ونزل القرآن الكريم يردّ عليهم يندّد بتشريع هذه الفاحشة والتشويه لدين الله والافتراء عليه ، يقول جل وعلا عنهم : ( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ) ويرد عليهم : ( قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (28) الأعراف )

2 ـ ويلفت النظر قوله جل وعلا فى الرد عليهم : (أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُون ). أى كانوا يتقوّلون على الله جل وعلا ( أحاديث ) تفترى بأن الله جل وعلا أمرهم بالفاحشة ، وأن هذه الفاحشة هى تراث ( سلفى ) وجدوا عليه آباءهم . لذا يكمل رب العزة الرد عليهم بالتوضيح لحقائق الاسلام :( قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.. )(29)، ومع وجود مهتدين فقد ضلّ آخرون بالأحاديث الشيطانية ، وبسببها كانوا يحسبون أنهم مهتدون ،بينما هم أولياء الشيطان :( فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلالَةُ إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) الاعراف ). فالشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر لذا تكرّر تحذير المؤمنين من مكره وخطواته وسوسته : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ (21) النور) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168)  إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (169) البقرة )، (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268)( البقرة ).

دور الأولياء فى الشفاعة :

1 ـ جدير بالذكر أن سورة الأعراف التى جاء فيها الرد على إتّخاذ قريش الفاحشة دينا ، قد بدأت بالتحذير من عبادة الأولياء فقال جل وعلا  يخاطب النبى والمؤمنين : (كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2))أى لا يتحرّج هو والمؤمنون من الدعوة بالقرآن . ثم قال جل وعلا فى الآية التالية :(اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (3)الاعراف ) ،  فهنا أمر باتباع القرآن وحده ، يعزّزه نهى عن إتّباع غير القرآن من أحاديث إفتراها أولياء الشيطان بزعم أنها وحى الاهى . وهو التى تأسست عليها أديان المسلمين الأرضية من أحاديث شيطانية . ولذا قال جل وعلا فى ختام الآية (قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ). وفعلا ..سرعان ما نسى الصحابة ، وعادوا لملة قريش .

2 ـ والمُعادل الموضوعى لدي قريش فى تشريع الانحلال الخلقى هو شفاعة الأولياء لهم عند الله جل وعلا ، أى ينغمسون فى العصيان ويتكفّل الأولياء بالشفاعة فيهم، ومن هنا كانت عبادتهم للأولياء وقبورهم المقدسة ، أو ( الأنصاب أو النّصُب ) فى اللسان القرآنى . وهذا ينافى إخلاص الدين عقيدة وعبادة لله جل وعلا وحده القائل للنبى عليه السلام :( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ) ثم قال بعدها عن قومه من قريش وغيرهم : (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ )(3) الزمر).كان دور الأولياء أن تقرّبهم لله زلفى مهما أرتكبوا من عصيان، وبالتالى يضمنون تحقيق هواهم ، وهو الجمع بين العصيان ودخول الجنة، ويأتى الرد الالهى عليهم (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4) ( الزمر )

3 ـ ولنشر هذا الإفك صنعت قريش أحاديث فى الشفاعة تفترى بها على الله جل وعلا كذبا ، ومن أجلها رفضوا القرآن الكريم وطالبوا بتبديله ليوافق أحاديثهم الضالة المفتراة : (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ ) فأمر الله جل وعلا رسوله أن يقول لهم : ( قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (16) يونس) ويعلّق  رب العزة يصفهم بالظلم العظيم وبالاجرام والافتراء وعدم الفلاح:(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17) يونس) . وكان ضمن تلك الأحاديث المفتراة أحاديث الشفاعة للبشر الذين كانت قريش تحيطهم بالعبادة والتقديس، لذا قال جل وعلا فى الآية التالية عنهم: ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ). ولأن هذا إفتراء على الله جل وعلا ، فإنه جل وعلا ـ وهو صاحب الشأن هنا ـ يأمر النبى بأن يقول مندّدا بافترائهم : ( قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِوَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18)( يونس).

 حقيقة الأمر أنهم هم الذين إختاروا بأنفسهم أشخاصا من البشر جعلوهم (الأولياء )، وبعد إتّخاذهم هؤلاء الأولياء قرّروا أن يكون أولياؤهم شفعاء عند الله جل وعلا إفتراءا عليه جلّ وعلا ، لذا يرد عليهم رب العزة بأنهم لا يملكون شيئا فى ملك الله جل وعلا ، وهم أيضا لا يعقلون:(أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (43) الزمر ) وأن الشفاعة هى لله جل وعلا وحده وليست لبشر : ( قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44) ( الزمر )، فهو وحده الولى المقصود وحده بالتقديس والعبادة ، وهو وحده الشفيع لأنه وحده خالق السماوات والأرض وما بينهما من مجرات ونجوم وكواكب وثقوب سوداء وبيضاء يحار فيها عقل الانسان :( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (4)(السجدة ) . وقاله ربّ العزّة جل وعلا للنبى عليه السلام  فى تعامله مع عصره ومع المؤمنين أنه لا شفيع ولا ولىّ سواه جل وعلا : (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ ..)(51)، ونرجو تدبّر الآية التالية التى تساوى بين النبى وأصحابه فى المساءلة يوم الحساب ( وَلا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ (52) الانعام ).

ليس هناك بشر يشفع فى بشر، لأنّ الشفاعة يوم القيامة لملائكة حفظ الأعمال ، أى أن صاحب العمل الصالح يكون عمله الصالح شفيعا له يوم القيامة ، يحمله الملكان اللذان كانا يسجلان عمله فى الدنيا، وذلك بعد إذن الرحمن ورضاه:( يونس 3)( طه 108 : 110)( مريم 87 )( الأنبياء 27 : 28 )(النجم  26) ( الزخرف 86 )( ق  17 : 22). وبمكر الشيطان فإنّ أديان المسلمين الأرضية أعادت نفس ضلالات الشفاعة البشرية عبر أحاديث كاذبة تضيف الشفاعات للنبى وللأولياء والأئمة،وبنفس الهدف القرشى ؛أن تشجّع هذه الشفاعة على الانحلال الخلقى. 

 التمسح بالمشيئة الالهية

1 ـ راج فى العصر الأموى ـ حيث حكمت قريش بدينها وثقافتها الجاهلية ـ عقيدة الجبرية السياسية ، أى إن ما يقع من شرور وظلم إنّما هو إرادة الله جل وعلا ومن يعترض على الظلم فقد إعترض على مشيئة الرحمن ، وواجه الثوار الأحرار المسلمون هذا الإفك بما كان يعرف ب ( القدرية ) أى قالوا ( لا قدر وإنّما الأمر أنف ) أى إن الظلم ليس قدرا الاهيا لا فكاك منه ولا إعتراض عليه ، بل هو فعل بشرى يجرى رغم أنوف الناس وبقهرالظالمين لهم  . وفيما بعد قام الغزالى فى ( إحياء علوم الدين ) بتقعيد هذا الإفك القرشى الأموى تحت عنوان ( وحدة الفاعل ) حيث زعم أن الله جل وعلا هو الفاعل الحقيقى لكل أفعال البشر من ظلم وعدل ومعصية وطاعة . وقد قلنا بأن هناك حتميات أربع هى مجال القضاء والقدر الالهى ، وهذه الحتميات لا مفر لكل إنسان من مواجهتها وليس مسئولا عنها يوم القيامة ، وهى تخصّ الميلاد والموت والرزق والمصائب،  . وما عداها فهو مجال حرية البشر المطلقة فى الايمان والكفر والطاعة والمعصية والرضى أو العصيان والحب والكراهية ، وسيكون كل بشرى مسئولا عن هذا يوم الحساب .

2 ـ وقد بررت قريش وقوعها فى الشرك وتحريف ملة ابراهيم والانحلال الخلقى والعصيان بأنه مشيئة الله جل وعلا ، وردّ رب العزة إفتراء قريش ( وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (35)( النحل ). أى إنها عادة سيئة للمشركين فى كل عصر قبل وبعد نزول القرآن الكريم .

3 ـ بل نبّأ رب العزة مقدما بما سيقوله الغزالى وغيره من التحجّج بالمشيئة الالهية فى تبرير العصيان والشّرك ، كما قال السابقون الضّالون ، فقال جلّ وعلا :( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (148) الأنعام). نلاحظ قوله جل وعلا بصيغة المضارع التى تدل على الحاضر والمستقبل :( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ) لذا ردّ عليهم رب العزة يتحداهم مقدما : (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)الأنعام ) ثم أورد رب العزة بعدها الوصايا العشر لتكون حجة على البشر بعد نزول القرآن الكريم : ( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) الانعام ) . جدير بالذكر أن المسلمين فى أديانهم الأرضية عصوا كل تلك الوصايا ، وكان ذللك منهم إتّباعا منهم لسنّة قريش فى تمسحها فى المشية الالهية تشريعا للإنحلال داخل مكة وخارجها . وبهذا رجعت مناسك الحج الجاهلية بعد موت النبى عليه السلام .

الفصل العاشر :عودة التواتر الباطل فى مناسك الحج بعد موت النبى عليه السلام

الباب الثانى : الدين السّنى وصناعة تشريع الحج .

 الفصل العاشر :عودة التواتر الباطل فى مناسك الحج بعد موت النبى عليه السلام     

 أولا : إستغلال الحرم وفريضة الحج فى الترويج للأنحلال و للتجارة القرشية( طواف العرى )

1 ـ بكل دهاء التجّار ومكر المتاجرين بالدين قامت قريش بإستغلال الحرم وفريضة الحج فى الترويج للإنحلال الخلقى خدمة للتجارة القرشية حيث يتحول الحج الى ( سياحة جنسية ) بتعبير عصرنا والى رواج تجارى للبضائع القرشية . ويمكن تلخيص هذه ( الوصفة ) القرشية فى الجمع بين التوسل بالأولياء والأوثان ورمى الجمرات ولعن ابليس ، ضمانا مقدما للغفران من أى ذنب ، والتشجيع على الوقوع فى الفواحش بالذات لأنها عندهم دين ، وشفاعة الأولياء جاهزة لتقربهم الى الله جل وعلا زلفى مهما عصوا ، لذا كان  طواف العرى فى الحرم أهم وسيلة لعرض للأجساد والتعرف على ( البضاعة ) ، أى جعلوا البيت الحرام للعرض ، أما الممارسة فهى خارج الحرم ، فى حانات مكة وأسواقها ، حتى لا يصيبهم ما أصاب ( أساف ونائلة ) التى زعمت أساطيرهم أنهما رجل وامرأة زنيا فى الحرم فمسخهما الله جل وعلا ، فأصبحا وثنين يمثلان الشيطان ، ومن مناسك الحج رجمهما بالجمرات . فالرجم هنا لعن للشيطان عندهم ، وتذكير لهم بالابتعاد عن الزنا فى الحرم ، فيكفى فيه طواف العرى ، ولكن أسواق مكة ومواخيرها هى التى تستقبل الزبائن ، وأبواب الغفران مفتوحة لهم مقدما .

لم تكن مكة مركزا لأى إنتاج زراعى أو حيوانى أوصناعى ، فهى فى واد جبلى بلا زرع ولا ضرع . ولكن كانت خيرات العالم تأتى اليها ـ ولا تزال . أو كما قال جل وعلا بالتعبير بالمضارع  ( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا (57) ( القصص )، أى يتم فى كل وقت الإتيان بكل أنواع الثمرات الى مكة ، وهذا يحدث الآن ، ففى مكة كل بضائع العالم من الشرق والغرب ، وهكذا كان الحال تقريبا فى عصر نزول القرآن حيث تكفلت بذلك رحلة الشتاء والصيف بالتجارة العالمية بين الهندوالصين شرقا ، وأوربا غربا ، فعلى هامش هذه التجارة وتبادلها كان هناك جزء يتم تسويقه داخل مكة بإرغام الحجّاج على شرائه . لذا كانت قريش تمنع الحجاج القادمين من المجىء بطعام معهم ليشتروا طعامهم من أسواق مكة ، والطعام المشترى من أسواق مكة، لا بد من استهلاكه فيها ، ورمى الباقى فيها . وكانت تمنعهم من الطواف بملابسهم ، وتجبرهم على شراء ملابس الحرم من ثياب من متاجرها بزعم أنها ثياب ( أهل الحرم ) أو (الحمس من قريش ) وهى وحدها التى يجوز الطواف بها . ومن يمتنع يتعين عليه أن يطوف بالبيت عاريا ، وبعد الطواف يلقى بتلك الثياب ولا يجوز استعمالها أو بيعها وشراؤها حتى يستمر شراء الحجاج ملابس الاحرام من تجار مكة..  وأجبرت قريش بكل سطوتها العرب على هذا فطاف العرب عراة بالبيت ‏‏.‏‏ وكانت المرأة تستر عورتها بقطعة قماش ، بعد أن تخلع كل ثيابها ، فقالت امرأة من العرب ، وهي كذلك تطوف بالبيت ‏‏:‏‏ (اليوم يبدو بعضه أو كله * وما بدا منه فلا أحله )

2 ـ هذا هو المفهوم مما قاله ابن هشام فى السيرة ، قال : (  إبتدعت قريش رأي الحمس ( الأحمس هو المتشدد في الدين ) فتركوا الوقوف بعرفة والأفاضة منها وهم يعرفون ويقرّون انها من المشاعر والحج ودين إبراهيم ، ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها وأن يفيضوا منها ، إلا انهم قالوا نحن اهل الحرم فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة ولا نعظم غيرها كما يعظمها نحن الحمس .. " ثم أبتدعوا في ذلك أموراً لم تكن لهم ، حتى قالوا لا ينبغي للحمس ان يأتقطوا الأقط ( نوع من الطعام من لبن الغنم ) ولا يسلئوا السمن ( أي لا يطبخون بالسمن ) وهم حرم ولا يدخلون بيتاً من شعر ولا يستطيلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرماُ ، ثم رفعوا في ذلك فقالوا لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل إلى الحرم إذا جاءوا حجاجاً او عماراً (أي معتمرين ) ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس فإن لم يجدوا منها شيئاً طافوا بالبيت عراة ، فإن تكرم منهم متكرم من رجل او إمرأة ولم يجد ثياب الحمس فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل القاها إذا فرغ من طوافه ثم لم ينتفع بها ولم يمسها هو ولا احداً غيره أبداً ، فكانت العرب تسمي تلك الثياب ( اللقى ) فحملوا على ذلك العرب ، فدانت به ، ووقفوا على عرفات وافاضوا منها ، وطافوا بالبيت عراة،  اما الرجال فيطوفون عراة ، واما النساء فتضع احداهن ثيابها كلها إلا درعاً مفرجاً عليها ( المفرج هو المشقوق من قدام ومن خلف ) ثم تطوف فيه ، فقالت أمرأة من العرب وهي كذلك تطوف بالبيت : ـ

اليوم يبدو بعضه أو كله    وما بدا منه فلا أحله

فكانوا كذلك حتى بعث الله محمداً (ص) فأنزل عليهم حين احكم له دينه وشرع له سنن حجه "ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) البقرة . " يعني قريشاً ، والناس العرب فرفعهم في سنة الحج إلى عرفات والوقوف عليها والأفاضة منها . وأنزل الله عليه فيما كانوا حرموا على الناس من طعامهم ولبوسهم عند البيت حين طافوا عراة وحرموا ما جاءوا به من الحل من الطعام "يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ .. (32) الأعراف  " فوضع الله ( أى أبطل ) امر الحمس وما كانت قريش أبتدعت منه على الناس بالإسلام حين بعث الله به رسوله ( ص )( سيرة ابن هشام 1 / 199 ، 202 : 203 ).

ومن النص السابق نفهم ان قريش فرضت تحريفها على العرب ، ورفعوا انفسهم فوق الآخرين بأعتبارهم أهل الحرم ، وذلك بدافع أقتصادي في أجبار الحجاج على أرتداء ثياب الحمس من قريش ، ونفهم سبباً من أسباب وقوف تجار قريش ضد الدعوة الإسلامية وذلك ما جاء صريحاً في القرآن "وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) الواقعة " فقد كانوا يجعلون من موسم الحج تجارة يبيعون فيها ثيابهم للحجاج ويبيعون لهم الطعام إذ كانوا يحرمون على الحجاج أن ياتوا معهم بطعام من خارج مكة .. ثم في النهاية كشفوا عورة الحجاج من رجال ونساء ليشجعوا على الانحلال بعد تقديم هذا العرض الحىّ العارى فى البيت الحرام . إذن هي عنجهية ارتبطت باطماع أقتصادية .

3  ـ وما ذكره ابن هشام في السيرة رددته كتب الحديث .ينقل مسلم في صحيحه " كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس ، والحمس قريش وما ولدت ، كانوا يطوفون عراة إلا ان يعطيهم الحمس ثياباً فيعطي الرجال الرجال و النساء النساء ، وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة وكان الناس كلهم يبلغون عرفات ، قال هشام فحدثني أبي عن عائشة قالت : الحمس هم الذين أنزل الله فيهم " ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ (199)البقرة" قالت : كان الناس يفيضون من عرفات وكان الحمس يفيضون من المزدلفة يقولون : لا نفيض إلا من الحرم . فلما نزل : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ..(199) .. رجعوا إلى عرفات " وفي رواية أخرى لعائشة " كان قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحمس وكان سائر العرب يقفون بعرفة فلما جاء الإسلام أمر الله عز وجل نبيه (ص) أن ياتي عرفات فيقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله عز وجل : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ )( مسلم 4 / 43 : 44 ). ويروي البخاري : ( كان الناس يطوفون في الجاهلية عراة إلا الحمس والحمس قريش وما ولدت يحتسبون على الناس ، يعطي الرجل الرجل الثياب يطوف فيها ، وتعطي المرأة المراة الثياب تطوف فيها ، فمن لم يعطه الحمس طاف بالبيت عرياناً.. وقد  استمر طواف العري إلى أن حظره الرسول حين نادى أبو بكر في الناس :ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان )(البخاري 2 / 188 ، 200 ).

ننقل هذا على أنها أخبار تاريخية تحكى واقع الجاهلية القرشية فى إستغلال الحرم وفريضة الحج فى الترويج للإنحلال و التجارة القرشية ، تأكيدا لما أورده القرآن الكريم .

4 ـ ونعود للقرآن الكريم : يقول سبحانه وتعالى يخاطب البشر جميعا بنفس الخطاب العام فى موضوع الحج للناس جميعا : ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ..)(31) الأعراف )، ويقول ردأ على قريش ومن يسير على تواترها وسنّتها فى تحريم الحلال : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ (32) الأعراف ) ، وتأتى الآية التالية تؤكّد المحرّمات فى شرع الله جل وعلا  والتى جعلتها قريش دينا ، وهى الفواحش العلنية والسّرية وتسلطها على الناس إثما وبغيا ووقوعها فى الشّرك ، ثم التقوّل بالافتراء على الله جلّ وعلا  فى تشريع هذا الفسوق والعصيان:( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (33)(الاعراف ). ونلاحظ أنّ قوله جل وعلا :( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ..)(31) الأعراف ) جاء بدون كلمة ( قل ) المعتادة فى التشريع ، أى هو خطاب مباشر من رب العزّة الى جميع بنى آدم  بأن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد . والمسجد الحرام أولى بإن يتخذ المسلم عنده كامل زينته في لباسه وفي هيئته . ولكنهم اخترعوا زياً للإحرام يزري بمن يرتديه ويكشف عورته جزئياً وربما أكثر . والمؤسف : أن يحدث ذلك في بيت الله الحرام .  

ثانيا  : عودة طواف العُرى فى التشريع السّنى

1 ـ رجع في صورة جزئية فيما يعرف بزي الإحرام حيث يتجرد المحرم من المخيط فلا يلبس ثوباً ولا قميصاً ولا بُرنساً ولا يغطي رأسه ولا يلبس خفاً ولا حذاء . وإذا فعل أوجبوا عليه فدية .. وذلك كله لا أصل له في الإسلام ، بل هو ردة إلى طواف العري الجاهلي . عاد طواف العري فيما عرف بالأضطباع أو الطريقة التي احدثوها في ارتداء زي محدد للأحرام. بدأ بها شباب قريش فى العصر الأموى مخالفين للاصلاح الذى حدث فى عهد الرسول عليه السلام . لذا كان طاووس الفقيه العابد يقول محتجّا على فتية من قريش يطوفون بالكعبة : ( إنكم تلبسون لبوسا ما كان آباؤكم يلبسونها، وتمشون مشية ما يحس الزفانون أن يمشوها )(طبقات ابن سعد 5 / 395 ).اذن أعادت العنجهية القرشية تواترها بالأبتداع في الزي .

2 ـ ثم ما لبث ذلك الأبتداع في الزي أن وجد مسوغاً شرعياً بالأحاديث التي راجت ثم تم تدوينها في العصر العباسي . وسنعرض لها فى المقال القادم .

ثالثا  : في رمي الجمرات : ـ

1 ـ لم يرد في القرآن أدنى إشارة لما يعرف برمي الجمرات، بل وردت في القرآن الطريقة المثلى في التعامل مع الشيطان وهي الأستعاذة بالله من شره ، ولكن يبدو أن الشيطان يصمم على أن يذكره الناس وهم يؤدون فريضة الحج ، وعلى أن يكون له نُصُب في بيت الله الحرام بأي شكل كان .

إن ذكر الله في الحرم من أهداف الحج العظيمة ، ولذلك فإن الله تعالى يدعو الحجاج الذين تركوا خلفهم الأهل والوطن إلى أن يذكروا الله أكثر من ذكرهم آباءهم وذلك بعد أن ينتهوا من مناسكهم ، يقول سبحانه وتعالى : ( فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً )(200 البقرة ) ولكن الذي حدث ان الشيطان اوعز اليهم  قبل وبعد نزول القرآن أن يضيفوا بعد انتهاء المناسك وبعد الوقوف بعرفة ( رجم ) مشهد إبليس.

2 ـ لقد كانوا في الجاهلية يقدسون صنمين لأساف ونائلة ويرمونهما بالجمرات وينحرون عندهما ، يقول ابن هشام : ( وأتخذوا أساف ونائلة على موضع زمزم ينحرون عندهما ، وكان أساف ونائلة رجلاً وامراة من جرهم فوقع أساف على نائلة في الكعبة فمسخهما الله حجرين . قالت عائشة : ما زلنا نسمع أن اساف ونائلة كانا رجلا وامرأة من جرهم أحدثا في الكعبة فمسخهما الله تعالى حجرين.)( سيرة ابن هشام 1 / 82 : 83 ).ويقول ابن عباس: ( ان أسافا رجل من جرهم يقال له أساف بن يعلي ، ونائلة بنت زيد من جرهم كان يتعشقها في أرض اليمن فاقبلوا حجاجاً فدخلا الكعبة .. فوجدا غفلة من الناس وخلوة في البيت ففجر بها في البيت فمسخا حجرين فاصبحوا فوجدوهما مسخين فاخرجوهما فوضعوهما موضعهما فعبدتهما خزاعة وقريش ومن حج من العرب )( ابن القيم : أغاثة اللهفان 2 / 215 .)

كانت قريش فى تواترها الباطل ترى فى رجم صنمى أساف ونائلة نوعا من التطهير السطحى والتشجيع على ممارسة الفجور. أى رجم رمز الانحلال داخل الحرم وجعله من مناسك الحج تكفيرا عما يحدث من إنحلال فى أسواق مكة . وجاء الإسلام وفتح الرسول عليه السلام مكة وحطم الأصنام التي حول الكعبة . ومنها صنما اساف ونائلة ولكن عادت إلى رسوم الحج رمي الجمرات على موضع أساف ونائلة . خصوصا وأنه فى العصر الأموى عاد الانحلال الخلقى حتى داخل الحرم وأثناء الطواف .

 رابعا : لمحة عن الانحلال الخلقى فى مكة والحرم فى العصر الأموى

1 ـ يكفينا هنا قراءة سيرة الشاعر القرشى المكّى عمر بن أبى ربيعة ت 93 ، وقد عرضنا له فى حلقة خاصة فى برنامج ( فضح السلفية ) ضمن حلقات خاصة عن زىّ المرأة وزينتها.

2 ـ (عمر بن أبى ربيعة )هو أشهر شعراء الغزل والمجون فى العصر الأموى ، عاش فى مكة يلهو بالنساء القادمات للحج ، يستعد للقائهن بأن يلبس لهن لباسا خاصا ويلتزم بطقوس معينة فى استقبالهن قبل مكة ثم يصطحبهنّ الى مكة ، ثم عند البيت كان يطارد الحسناوات حتى اللائى لهن أزواج ، وكان يسعى للقاء المشهورات من النساء من البيت الأموى والهاشمى ، وكنّ يسعين للقائه ليذكرهنّ فى شعره ، حيث كان الشعر وسيلة إعلامية هائلة وقتها. وفى سبيل هذه الشهرة تمت التضحية بقدسية البيت الحرام والحج اليه ، خصوصا وأن الدولة الأموية شجعت الانحلال الخلقى فى مكة والمدينة لشغل أبناء المهاجرين والأنصار عن الطموح السياسى ، وللهدف نفسه شجعت الشعراء فى أغراض المدح والهجاء والفخر والتفاخر والتعصّب القبلى ..والمجون . وجمع ابن أبى ربيعة بين الشعر والمجون لذا تمتع باحترام قريش أحبّه الناقمون منهم على الأمويين كابن عباس الذى كان معجبا بشعر ابن أبى ربيعة الماجن ، و أحبّه الأمويون وتغاضوا عن غزله أو تشبيبه بأميرات البيت الأموى .

3 ـ ـ : ومثلا ، يقول عمر بن أبى ربيعة متفاخرا بلقائه بمحبوبته فى الطواف حول الكعبة :

أبصرتها ليلة ونسوتها  يمشين بين المقام والحجر

ما إن طمعنا بها ولا طمعت حتى التقينا يوما على قدر

بيضا حسانا خرائدا قطفا يمشين هونا كمشية البقر

قد فزن بالحسن والجمال معا وفزن رسلا بالدل والخفر

ينصتن يوما لها اذا نطقت كيما يشرفنها على البشر

قالت لترب لها تحدثها لنفسدن الطواف فى عمر

قومى تصدى له ليعرفنا ثم اغمزيه يا اخت فى خفر

قالت لها قد غمزته فأبى ثم اسبطرت تسعى على اثرى

من يسق بعد المنام ريقتها يسق بمسك وبارد خضر )

4 ـ وقد أصبح الطواف بالبيت وسيلة للإحتكاك بالنساء ، فقال شاعر :

ياحبذا الموسم من موقف   وحبذا الكعبة من مسجد

وحبذا اللاتى تزاحمننا      عند استلام الحجر الأسود

فقال خالد القسرى والى مكة فى العصر الأموى : أما إنهن لا يزاحمنك بعدها أبدا . ثم أمر بالتفريق بين الرجال والنساء فى الطواف .( مروج الذهب للمسعودى ج 2 136 ).

خامسا : في الحج إلى المدينة :

1 ـ أوجبوا زيارة ما يعرف بقبر الرسول في المدينة . وجعلوا المدينة حرماً يضاهئون به حرم الله في مكة .. ومعلوم أن ذلك لا يمكن أن يكون من شعائر الحج التي عملها الرسول في حياته . فليس معقولاً أن يكون الرسول قد حج إلى المدينة ، او أن يكون قد زار قبره .. بل أنه عليه السلام لم يكن ليعرف أين سيكون مدفنه لأن الله سبحانه وتعالى يقول : ( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ )(34) لقمان ". ومع ذلك وضعوا حديثاً يقول " ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة "ولا ندري متى قال ذلك ؟ أقاله بعد موته أم قبل موته ؟؟ .

2  ـ ولم يعرف الصحابة الحج إلا إلى الكعبة حرم الله في مكة . ولم يحدث ان قاموا بزيارة ما يعرف بقبر النبي  بعد موت النبى عليه السلام ، لأن هذا القبر لم يكن موجودا ، حيث تم دفنه عليه السلام فى حجرة عائشة كما يقولون ، وظلت تعيش فيها الى أن ماتت فى خلافة معاوية ، ولا يقال إن السيدة عائشة كانت تعيش فى قبر النبى ، فلم يكن ثمّة قبر للنبى بل حجرة تعيش فيها السيدة عائشة . وعندما هدم الخليفة الوليد بن عبد الملك مسجد المدينة والبيوت المحيطة به ومنها حجرات أمهات المؤمنين وأعاد بناء المسجد على مساحة كبرى ، لم يعد أحد يعرف اين هو بالتحديد الموضع الذى كانت فيه حجرة عائشة ضمن المساحة الكبرى لمسجد المدينة الجديد . ثم طرأت تحسينات وإضافات وتوسعات إستحال معها معرفة مكان حجرة السيدة عائشة .

3 ـ لذا فإن أقدم كتاب في الفقه وفي الأحاديث وهو (موطا مالك ) لم يرد به أدنى ذكر لزيارة المدينة أو القبر ضمن مناسك الحج . بل ان الشافعي فى تفصيلات كتابه ( الأمّ ) لم يذكر شيئا عن مناسك زيارة القبر في المدينة . والشافعى هو المؤسس الحقيقى للدين السّنى والذى بدأ بتقعيده فى ( الرسالة ) ووضع تفصيلاته شرحا لموطأ مالك ، فى كتاب ( الأم ) .

4 ـ ولكن لأن السّنة دين ارضى يصنعه أئمته لتلبية أهواء الناس وتعبيرا عن ثقافتهم فإنّ ماكينة إنتاج الأحاديث وتصنيعها أستمرّت بعد الشافعى تنتج آلاف الأحاديث ، وتضيف المزيد من تفصيلات الفقه السّنى وشرائعه ، ومنها ما يخصّ الحج الى قبر النبى ، بعد أن قام أهل المدينة فى القرن الثالث الهجرى بتحديد موضع قالوا إنه قبر النبى . وكان هذا تلبية ( لحاجة السوق ) ولانعاش المدينة إقتصاديا ، إذ كان الناس متشوقين لمعايشة ورؤية ولمس ومعاينة أى شىء مادى ملموس منسوب للنبى. فصنعوا لهم وثنا يأتون اليه بالنذور والقرابين ، ومن وقتها صار الحج لهذا الوثن ضمن معالم الحج ( للمسلمين ). !! . وبالتالى بدأت كتب الأحاديث فى البخارى ومسلم وغيرهما تتحدث عن فضائل المدينة واتخاذها حرماً ثم فضيلة الزيارة لقبر الرسول وشد الرحال إليه .

5 ـ  ثم عمّت البلوى بإنتشار التصوف والتشيع ، وهما يقومان على تقديس الأحجار والقبور ، فبدأت كتب التصوف والفقه والتشيع تتحدث عن رسوم وطقوس في زيارة قبر النبي وقبور الصحابة وآل البيت .هذا مع انهم يرددون الحديث القائل " من أحدث في ديننا شيئاً فهو عليه رد " وزيارة القبر والمدينة على أنها مناسك دينية تعتبر ابتداعاً في دين الله لم يعرفه الرسول في حياته ولا يمكن أن يكون من أصول الدين السّنى وفق المقاييس المعروفة لديهم ، ولم يعرفه الخلفاء الراشدون وأعلام الصحابة والتابعيون لهم في القرن الأول الهجري . ومن الطريف أن عمر بن الخطاب كان يقول " ولا تشد الرحال إلا إلى البيت العتيق " وذلك ما كان أبو الهذيل يسمعه من عمر:(البخاري 3 / 19 : 29 ، مسلم 4/ 112 : 127 ،طبقات ابن سعد 6 / 79 ). ولكنهم جعلوه حديثاً نبوياً بعد ان أضافوا مسجد المدينة والمسجد الأقصى ...

6 ـ وقبل الإسلام كان العرب يعرفون الحج للأنصاب والقبور المقدسة والتى حرّم رب العزة الأكل مما يقدّم لها من ذبائح . وبعض هذه الأنصاب كانوا يسمونها ( كعبات ) تشبيها لها بالكعبة ، وكانوا يحجّون إلى تلك الكعبات بجانب حجهم الى الكعبة ، وكان لتلك الأنصاب والكعبات حمى أو حرم ، بل كانت مراسيم الحج لتلك الأنصاب تماثل الحج لبيت الله من الذبائح أو الهدى الى الطواف .يقول ابن القيّم : ( وكانت العرب قد أتخذت من الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة ، لها سدنة وحجاج ، وتهدى لها كما تهدى للكعبة ، وتطوف بها كما تطوف بالكعبة وتنحر عندها كما تنحر عند الكعبة ، وكان لبني الحارث ابن كعب كعبة بنجران يعظمونها وهى التي ذكرها الأعشى في قوله :

وكعبة نجران ختم عليك      حتى تناخي بأبوابها ..) ( أغاثة اللهفان 2 / 219 ).

كما يقول ابن هشام فى السيرة عن ( ذي الكعبات ) : (أنه كان لبكر وتغلب ابني وائل واياد بسندان وفيه يقول الأعشى : ـ

بين الخوريق   والسدير وبارق    والبيت ذو الكعبات من سندان "  ( سيرة ابن هشام 1 / 88 .)

7 ـ والحج للأولياء والأضرحة أو المشاهد أى ( الأنصاب )أبرز طقوس الدين الصوفى والدين الشيعى حتى اليوم . بل تتعدّد الأوثان أو الأنصاب المقدسة لنفس الشخص ، ويتشارك الشيعة والصوفية فى تقديسها مثل مشاهد الحسين ومشاهد السيدة زينب . ولكن يظل القبر المنسوب للنبى عليه السلام هو الأكثر تقديسا ، ولذا جعلوا زيارته أو الحج اليه ضمن معالم فريضة الحج .. يشترك فى ذلك كل أتباع الديانات الأرضية من سنّة وشيعة وصوفية ،هذا مع أنه طبقا للقرآن الكريم هو رجس من عمل الشيطان ، بما يدلّ على التناقض الهائل بين الاسلام والمسلمين فى عقيدة ( لا إله إلّا الله )، كما يدُلّ على العداء الهائل بين أولئك المسلمين والنبى عليه السلام الذى كانت دعوته أنه لا اله إلا الله :(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ  ) (19) ( محمد )ولهذا جاهد وعانى وأوذى عليه السلام ، فجاء هؤلاء يجعلونه هو شريكا مع الله جل وعلا فى الصلاة  والأذان والذّكر وفى الحج بل وفى شهادة الوحدانية الاسلامية ( لا إله ألّا الله ).

الفصل الحادى عشر والأخير : لمحة عن إختلافات الدين السّنى فى مناسك الحج

الباب الثانى : الدين السّنى وصناعة تشريع الحج .

 الفصل الحادى عشر والأخير :  لمحة عن إختلافات الدين السّنى فى مناسك الحج

 أوّلا  ـ  إختلافات فى الحجّ السّنى ومحاولات التوفيق والتلفيق 

1ـ الأختلافات هي السمة البارزة في فقه المناسك ورواياتها . فعن أركان الحج نجد اختلافاً بين المذاهب . فعند الأحناف هناك ركنان فقط للحج هما طواف الأفاضة والوقوف بعرفة ،أمّا الشافعية والمالكية والحنابلة فقد قالوا بالأركان الأربعة للحج وهي الأحرام وطواف الأفاضة والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة . وزاد الشافعية الحلق أو التقصير وترتيب معظم الأركان . ويرى صاحب تفسير المنار ان أركان الحج خمسة هي الأحرام من الميقات ،والوقوف بعرفة ،والطواف بالكعبة ،والسعي بين الصفا والمروة والحلق أو التقصير للشعر:( تفسير المنار 2/177 ). ثم هناك اختلافات فرعية في تفصيلات المناسك .

2 ـ ولأن الحج عبادة عملية يؤديها المسلمون معاً من كل ملّة برغم إختلاف أديانهم الأرضية فقد بدأت مؤلفات سنيّة حديثة تحاول تجميع الآراء الفقهية المذهبية في رأي واحد ، فما كان فيه بعض إتّفاق في الألتزام به جعلوه ركناً واجباً ، وما كان فيه أختلاف جعلوه مندوبا مستحباً ، وما كان فيه اختلاف في تحريمه جعلوه مكروهاً . وأبرز الكتب في هذا المجال هو " منهاج المسلم " لأبى بكر الجزائرى . وهذا الكتاب  يعبر عن الحج العملي السلفى الملتزم بالوهابية التى تسيطر على فريضة الحج ومناسك الحج وعلى البيت الحرام، وبالتالى فما ذكره الوهابى صاحب " منهاج المسلم " هو ــ فى أغلبه ـــ الذي يؤديه المسلمون اليوم . ومحاولة التجميع والتوفيق والتلفيق هذه تخفى إختلافات أساس بين صنّاع الدين السّنى فى مناسك الحج.   

ثانيا : إختلافات عامة في الحج

1 ـ طبقا لروايات العصر العباسى لأئمة الدين السّنى فإن أعلام الصحابة المتفقهين كانوا اول من بدأ الأختلاف في فقه المناسك في الحج . ولا نرى هذا ، بل نعتقد أن أولئك الفقهاء إختلفوا فيما بينهم فحاول كل منهم تعزيز رأيه ليس بالاستشهاد بالقرآن الكريم والاحتكام اليه، ولكن بأسهل طريق وهو الكذب ونسبة آرائه الى النبى عليه السلام والصحابة لتكتسب قدسية وتتحصّن من النقد والنقاش . ولكن لأنهم جميعا إحترفوا هذا الكذب على النبى الصحابة فقد تعارضت تلك الأحاديث وتناقضت مع بعضها ، لذا نرى شيوع الاختلاف بين أولئك الفقهاء ـ صُنّاع الدين السّنى ـ ليس فقط أختلافهم فيما بينهم ولكن تناقضهم مع أنفسهم . هذه لمحة تفسر ما سنورده هنا .

2 ـ يروي مسلم حديث انس انه رأي النبي جمع بين الحج والعمرة وقال الراوي : فسألت ابن عمر فقال : اهللنا بالحج فرجعت إلى انس فأخبرته ما قال ابن عمر فقال كأنما كنا صبياناً"  ( مسلم 4/53 ). أي أن أنس يعرض بابن عمر الذي كان صبياً في حياة النبي ، ويروي ابن سعد ان أنس بن مالك أحرم " فما سمعناه متكلماً إلا بذكر الله حتى حل وقال : با ابن أخي هكذا كان الإحرام. "( تفسير ابن كثير1/237 ) فهنا تعريض خفي من أنس بما يفعله الآخرون في الإحرام .

وقد نفهم من يقصده أنس بن مالك بالتعريض إذا قرأنا ما نقله ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس وهو يرى أن الرفث المحظور في الحج هو ما يقال فقط عند النساء ، أمّا ما يقال عن النساء بعيدا عنهن فليس من الرفث مهما كان الكلام فاحشا وبذيئا . ولذلك كان يرتجز وهو في الإحرام بألفاظ فاحشة ، فيروى أبوالعالية الرياحى عن ابن عباس أنه كان يحدو ـ أى يغنى ـ وهو محرم فيقول عن الابل التى يركبها:

وهن يمشين بنا هميسا                             ان تصدق الطير ننك لميسا

فقال أبو العالية : تكلم بالرفث وأنت محرم ؟ قال ما أنما الرفث ما قيل عند النساء.

وهناك رواية أخرى تقول أن أبا حصين بن قيس قال : أصعدت مع ابن عباس فى الحاج ، وكنت خليلا له ، فلما كان بعد احرامنا قام ابن عباس فأخذ بذنب بعيره ، فجعل يلويه ويرتجز ، ويقول

وهنا يمشين بنا هميسا                    أن تصدق الطير ننك لميسا

قال : قلت : أترفث وأنت محرم ؟ فقال أنما الرفث ما قيل عن النساء ( تفسير ابن كثير 1/237 ) والمعروف أن الرفث هو الجماع وما دونه من قول الفحشاء مع النساء أو بدونهن، ولميس هى جارية ابن عباس ، وهو يريد انه سيعود ليمارس معها الجنس،واستعمل لفظا نابيا ( ننك ) من كلمة ( نيك).

3 ـ وفي رواية أخرى في صحيح مسلم ترى إختلافاً في الرأي بين ابن عمر وابن عباس . يروي مسلم حديث وبرة " كنت جالساً عند ابن عمر، فجاءه رجل فقال أيصلح لي ان اطوف بالبيت قبل ان آتي الموقف ؟ فقال : نعم فقال : أن ابن عباس يقول : لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف. فقال ابن عمر : فقد حج رسول الله (ص) فطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف، فيقول رسول الله أحق أن تأخذ أو بقول ابن عباس ان كنت صادقاً ..". ويأتي مسلم برواية أخرى " سأل رجل بن عمر : أطوف بالبيت وقد أحرمت بالحج ؟ فقال : وما يمنعك ؟ قال : اني رأيت أن فلاناً يكرهه وانت أحب إلينا منه  ، رأيناه قد فتنته الدنيا . فقال : وأينا وأيكم لم تفتنه الدنيا . ثم قال : رأينا رسول الله أحرم بالحج وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة فسنة الله ورسوله أحق ان تتبع من سنة فلان إن كنت صادقا . " . ( صحيح مسلم 4/53 ).

ثالثا : إختلافات في المواقيت التى إبتدعوها فى الاحرام :

1 ـ إبتدعوا للإحرام مواقيت ثم إختلفوا فيها . قالوا إنّه يبدأ الأحرام من الميقات أو المكان الذي زعموا أن النبى قام بتوقيته أو ( وقّته ) للحجّاج القادمين من هذا المكان أو ذاك ، وأنه ينبغي عليهم الأحرام عنده وبحيث إذا تعداه بلا إحرام وجب ان يعود إليه ليحرم عنده،وهذا إبتداع لم يأت ذلك في كتاب الله جلّ وعلا .ولكن أوجبت الميقات كتب الفقه وصنعت  له الروايات .

2 ـ وحديث الميقات للحج جاء منسوباً لعبد الله بن عمر، أى جعلوا إبن عمر مشرّعا له ، يقول إبن عمر : ( يهلّ اهل المدينة من ذي الحليفة ويهلّ أهل الشام  من الجحفة ويهلّ اهل نجد من قرن )، ثم قال إبن عمر : (ويزعمون أنه ـ أي النبي ـ قال : ويهل اهل اليمن من يلملم ).( الموطأ 133 ، صحيح البخارى ، 2/165 صحيح مسلم 4/6:7 ) . ولكن الحديث يعنى أن أهل الشام كانوا يؤدون الحج في عهد النبي ، وليس لذلك سند في التاريخ لأن الفتوحات العربية توطّدت في أواخر عهد عمر في الشام والعراق.

3 ـ ورويت أحاديث تجعل ميقات العراق والمشرق في ذات عرق . ويروي البخاري حديثاً لابن عمر يقول فيه أنه لما فُتح المصران يعني الشام والعراق : ( أتوا عمر فقالوا : يا أمير المؤمنين ان رسول الله حدَ لأهل نجد قرناً وهو جور عن طريقنا وانا إن أردنا قرنا شق علينا . قال : فأنظروا خذوها من طريقكم، فحدّ لهم ذات عرق . )..  إذن فالميقات ليس تشريعاً إلهياً وإنما تشريع سنّى مصنوع صنعه عمر تارة ، وصنعه ابن عمر تارة أخرى .!.

4 ـ وشكّك الشافعي في " الأم " فيما نسبوه للنبي من توقيت ذات عرق لأهل المشرق بحجة أنه :( لم يكن أهل المشرق حينئذِ )، يعني لم يكن هناك إسلام وقتها في المشرق في عصر النبي ، وقال : (سمعنا أنه وقّت ذات عرق أو العقيق  لأهل المشرق قال ولم يكن عراق ) أى لم يكن العراق قد تمّ فتحه فى عهد النبى . وقال : ( لم يوقّت النبي ذات عرق ولم يكن حينئذِ أهل مشرق ، فوقّت الناس ذات عرق .)،وقال : ( لم يوقّت النبي( ص ) لأهل المشرق شيئاً فأتخذ الناس بجبال قرن ذات عرق .). أي ان الناس هم الذين أختاروا ذلك المكان وليس النبى عليه السلام . ويروي الشافعي أيضاً عن ابن سيرين أن الخليفة عمر هو الذي وقّت ذات عرق لأهل المشرق ، ثم يخلص الشافعي من ذلك إلى أن الحاجّ : ( لا يضيق عليه أن يبتدىء الاحرام قبل الميقات ، كما لا يضيق عليه لو احرم من أهله ، فلم يأت الميقات إلا وقد تقدم بإحرامه . ). والشافعي هنا اوسع عقلاً من غيره لأنه ألمح إلى عدم الأعتداد بالميقات في الأحرام بالكلية . إلا أنه عاد إلى تحفظه فقال : ( ومن سلك بحراً او براً من غير وجه المواقيت  أهلّ بالحج اذا حاذى المواقيت ) ثم إستمر فى إبداء رأيه فقال : ( وأحبٌ إلى أن يحتاط فيحرم من وراء ذلك ).( الشافعى الأم 2/118 ).

5 ـ والشافعى فيما ( يحبّ ) نراه متأثرا برأي الفقيه التابعى عطاء القائل : ( من سلك بحراً أو براً من غير جهة المواقيت أحرم إذا حاذى المواقيت ).أى إذا كان فى سفينة فى عرض البحر وحاذت السفينة الميقات فعليه أن يبدأ الإحرام والاهلال قائلا :( لبيك اللهم لبيك ) . فكيف يعرف وهو فى السفينة أنه حاذى الميقات ؟ هل كان لديه فى عصر الشافعى بوصلة أو خريطة من جوجل .؟ أو BJS؟.وما الذي يفعله الحجاج القادمون من شتى بلاد العالم من آسيا وأفريقيا واستراليا والأمريكيتين ؟. ثم ، ما الداعي إلى تشريع لم يأت في كتاب الله ولم نستفد منه إلا الإختلاف .؟ واضح أن هؤلاء قاموا بالتشريع بقدر ما تصل اليه مداركهم ، وصنعوا دينا سنيّا خاطوه ثوبا على قدر حجمهم ، ثم إختلفوا ونسبوا للنبى عليه السلام المتناقض من التشريعات .  وبدلا من هذا التخبّط والاختلاف ، لماذا لا نرجع الى كتاب الله جلّ وعلا ، والمفهوم منه أنّ المحرم يبدأ إحرامه إذا دخل الحرم. 

رابعا : إختلافات فى محظورات الاحرام  

1 ـ وقد إبتدعوا من محظورات الأحرام استعمال الطيب ، أي العطور. وكالعادة إختلف أئمة الدين السّنى فى هذا ، وتبارزوا بالأحاديث كعادتهم .  يروي الشافعي في ( الأم ) أن عمر قال : ( اذا رميتم الجمرة فقد حُلّ لكم ما حُرّم عليكم إلا النساء والطيب ):( الشافعى 2/128: 129 ). وردّ آخرون على الشافعى بوضع حديث نسبوه للسيدة  عائشة يزعمون أنها قالت :( كنت اطيّب رسول الله لإحرامه قبل أن يحرم ولحلّه قبل ان يطوف بالبيت ). أي أن عائشة في هذه الرواية المصنوعة لا ترى إستعمال الطيب للمحرم حراماً .  

2 ـ وفي صحيح مسلم رواية أخرى تحرّم إستعمال العطور والطيب ، يرويها عن ابن المنتشر عن أبيه قال : ( سألت عبدالله بن عمر عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرماُ فقال : ما أحبّ ان أصبح محرماً أنضح طيباً ، لأن أطلى بقطران أحب إلى من أن أفعل ذلك .!!). ويقول الراوي فدخلت علي عائشة فأخبرتها ،فقالت : ( أنا طيّبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند احرامه ثم طاف في نسائه ثم أصبح محرماً ).( صحيح مسلم 4/12 :13 ). 

3 ـ وليس محظورا في كتاب الله استعمال الطيب في الإحرام .بل إنه من الممنوع فى شرع الله تحريم ما أحلّه الله جل وعلا من الطيبات : (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32). بل إن من أشد المحرّمات الافتراء على الله جلّ وعلا : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (33)( الاعراف ).

4 ـ إن المحظورات في الحج هي الرفث والفسوق والجدال وقتل الصيد وحلق الرأس أثناء الإحرام ـ حتى لا يقتل المحرم ما قد يكون في رأسه من حشرات ـ وقد جعل الله فدية على من يحلق رأسه وهو محرم أو من يقتل الصيد البري .يقول سبحانه وتعالى : ( وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (196)البقرة ) . ولكنهم ـ في التشريع السّنى أوجبوا الفدية على كل المحظورات التي ابتدعوها. وقد رددت كتب الأحاديث حديث كعب بن عجرة وزعموا فيه أنّ النبى مرّ به وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة،والقمل يتهافت على وجهه فقال له النبى بزعمهم  : أيؤذيك هوامّك ؟ قال : نعم . قال : فأحلق رأسك واطعم فرقاً بين ستة مساكين ( والفرق ثلاثة أصع )أو صم ثلاثة أيام أو أنسك نسيكة ، قال بن أبي نجيح أو ذبح شاة .). هذا القول الذى زعموه يتفق مع كتاب الله ، ويتفق مع المفهوم من الحج ومعنى حرم الله الآمن الذي يأمن فيه كل مخلوق من الحشرة إلى الإنسان، والذى لا يحلّ فيه قتل أى دابة.  ولكن زعموا حديثاً آخر يبيح قتل  خمس فواسق في الحرم: (وهن الفأرة والعقرب والغراب والحديا والكلب العقور.)(صحيح مسلم 4/18 ، موطأ مالك 147 ) .

خامسا : اختلافات في الطواف بالبيت والحجر الأسود :

1ـ الأصل في الطواف ألا يلمس الطائف بالبيت جدار الكعبة حتى لا يتحوّل بناء الكعبة الحجرى الى وثن مقدّس، وهكذا كانوا يفعلون إلا إذا تعوذ احدهم ببيت الله عندئذ يتعلق بأستار الكعبة ، يروي ابن سعد عن الحارث بن عبدالله بن ربيعة قوله :( طُفت مع عبدالملك بن مروان بالبيت فلما كان الشوط السابع دنا من البيت يتعوذ، فجذبته فقال : مالك يا جابر ؟ قلت يا أمير المؤمنين : أتدري أول من فعل هذا ؟ عجوز من عجائز قومك قال : فمضى عبدالملك ولم يتعوذ..).( طبقات ابن سعد 5/171 ). لم تكن مبتدعات الدين السّنى قد استشرت في القرن الأول الهجري، إلا انها في العصر العباسي ازدادت واحتاجت إلى تسويغ شرعي كاذب ، فتكفلت بذلك أحاديث منسوبة للنبي ولكبار الصحابة بعد موتهم بقرنين وأكثر، ثم إختلفوا فيها كالعادة .

2 ــ ومن ذلك أنهم جعلوا من استلام الحجر الأسود والركن اليماني أهم ما يحرص عليه الطائفون.والحجر الأسود هو علامة لابتداء الطواف، ولكن ما لبثوا أن جعلوه حجراً مقدساً يتبرك به المسلمون ويتصارعون للوصول إليه مع أنه لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ، ومع انه لا تقديس لأي حجر في الإسلام . ومشهور ذلك الحديث الذي يقول أن عمر قال للركن ـ أو الحجر الأسود ، أما والله اني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا اني رأيت رسول الله ( ص ) استلمك ما استلمتك .)( البخارى 2/185، وبلوغ المرام لأبن حجر 72 ).ويعارضه حديث آخر يزعم أن ابن عباس كان يقبّل الحجر الأسود ويسجد عليه ، وقد رواه الحاكم مرفوعاً والبيهقي موقوفاً . ( بلوغ المرام لأبن حجر 698 ).وأتى مسلم بأقاويل منسوبة لابن عمر يقول فيها أنه لم ير النبي يمسح من البيت إلا الركنين اليمانيين.). ( صحيح مسلم 4 / 65 : 66 )

3 ــ وقد اورد الشافعي هذه الروايات عن الحجر الأسود واستلامه وتقبيله هو والركن اليماني ثم قال يعبّر عن وجهة نظره : ( وإذا ترك استلام الركن لم أُحبّ ذلك له ولا شيئ عليه ، اخبرنا سعيد ابن سالم عن إبراهيم بن نافع قال : طفت مع طاوس فلم يستلم شيئاً من الأركان حتى فرغ من طوافه.).( الأم 2/145 : 146 ). وطاووس هذا من التابعين ، وقد جعلوه مصدرا للتشريع .!!. وإذا كان النبي قد فعل ذلك فعلاً فهو من شعائر الطواف التي ينبغي التمسك بها ـ ولكن لأنّ الشافعي ليس متأكداً منها لذلك لم يجعل استلام الركن وتقبيل الحجر الأسود واجباً ولم يجعل شيئاً على الذي لا يفعل ذلك ، واستدل بإن طاوس ـ العابد ـ  كان لا يستلم شيئاً من الأركان ، والواقع أن عصر طاوس في القرن الأول الهجري لم يعرف ذلك التقديس لأركان الكعبة والحجر الأسود ، ولم يذكر مالك في الموطأ تقبيل عمر للحجر الأسود ،وذكر فقط ان ابن عمر كان يمسّ الركنين اليمانيين: ( الموطأ 161 ) .و يقول الشافعي لا اختلاف في ان حدّ مدخل الطواف من الركن الأسود وأن كمال الطواف إليه.. 

سادسا : أختلافهم فى زى الاحرام

1 ـ وقلنا إن طواف العرى " رجع في صورة جزئية فيما يعرف بزي الإحرام حيث يتجرد المحرم من المخيط فلا يلبس ثوباً ولا قميصاً ولا بُرنساً ولا يغطي رأسه ولا يلبس خفاً ولا حذاء .. وإذا فعل أوجبوا عليه فدية .. وذلك كله لا أصل له في الإسلام ، بل هو ردة إلى طواف العري الجاهلي . عاد طواف العري فيما عرف بالأضطباع أو الطريقة التي احدثوها في ارتداء زي محدد للأحرام. بدأ بها شباب قريش فى العصر الأموى مخالفين للغصلاح الذى حدث فى عهد الرسول عليه السلام . لذا كان طاووس الفقيه العابد يقول محتجّا على فتية من قريش يطوفون بالكعبة : ( إنكم تلبسون لبوسا ما كان آباؤكم يلبسونها، وتمشون مشية ما يحس الزفانون أن يمشوها )(طبقات ابن سعد 5 / 395 ).اذن أعادت العنجهية القرشية تواترها بالأبتداع في الزي . ثم ما لبث ذلك الأبتداع في الزي أن وجد مسوغاً شرعياً بالأحاديث التي راجت ثم تم تدوينها في العصر العباسي .

2 ـ ولأنه ابتداع لا أصل له في الدين فقد اختلفت فيه الأحاديث وتناقضت ..هناك حديث ابن عمر " لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويل ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد النعلين  " وهناك رواية أخرى لمسلم يزعم فيها ان النبي نهى أن يلبس المحرم ثوباً مصبوغاً بزعفران أو ورس)  ( مسلم 4 / 2 : 3 ، البخاري 3 / 19 الأم للشافعي 2 / 125 ، الموطأ 145 ). ثم نرى أحاديث أخرى تناقض ما سبق ،  فابن عباس فيما يزعمه مسلم ـ يبيح السراويل لمن لا يجد الأزار والخفاف لمن لم يجد النعلين ،وحديث جابر " من لم يجد نعلين فليلبس خفين ومن لم يجد ازاراً فليلبس سراويل)( مسلم 4 / 2 :3 ،الأم للشافعي 2 / 125 )،ثم حديث البخاري  الذى يزعم أنه (..وانطلق النبي من المدينة بعدما ترجل وأدهن ولبس أزاره ورداءه هو وأصحابه فلم ينه عن شيئ من الاردية والأزر تلبس إلا المزعفرة التي تزرع على الجلد )( البخاري 2 / 169 .) إذن لا نهي هنا عن القمص والعمائم والسراويل والبرانس .. الخ .

3 ـ . ثم نأتي إلى طريقة أرتداء ذلك الزي وهي ما يعرف بالأضطباع ، وهو ليس من مصطلحات القرآن أو من مفرداته ، وهو تعرية المنكب الأيمن مع جزء من أعلى الجسم والصدر ، والأصل فيه كما يزعم الشافعي ان أبن جريح بلغه أن رسول الله ( ص ) اضطبع بردائه حين طاف "  (الأم 2 / 148  ) .وكيف يعرف جريح بذلك وهو من التابعين ؟ ، فهذا الجريج ( جورج الصغير ) لم ير النبى عليه السلام لأنه من أبناء الموالى بعد الفتوحات. !! وبعد الشافعي زعمت كتب الأحاديث حديث يعلي بن أمية أن النبي طاف مضطبعاً ببرداً اخضراً ، وقد رواه الخمسة إلا النسائي :( الصنعاني سبل السلام 2 / 384 .)

4 ـ ونعود للشافعي وهو يزعم أن عمر بن الخطاب استلم الركن ليسعى ثم قال عمر متسائلا :( لمن نبدي الآن مناكبنا ومن نرائى وقد أظهر الله الإسلام ؟ ):( الأم 2 / 148 .)، ومعناه ان الأضطباع ـ أو أظهار المناكب في الطواف كان طريقة أظهر بها النبي للمشركين قوته وهو يطوف بأصحابه أمامهم . ولا يبدو الشافعي مقتنعاً بوجوب زي محدد للإحرام ولا يوجب الأضطباع ، فهو يقول : ( ومن لم يجد أزاراً لبس سراويل ، فهما سواء .)، ويرد من طرف خفي على تحريم الثوب المصبوغ فيورد رواية تقول أن أسماء بنت أبي بكر كانت تلبس المعصفرات المشبعات وهي محرمة ، ويقول أن عمر بن الخطاب أبصر على عبدالله بن جعفر  ثوبين مضرجين وهو محرم فقال ما هذه الثياب ؟ فقال علي بن أبي طالب : ما اخال أحداً يعلمنا السنة فسكت عمر.)(نفس المرجع 2 / 148)(وحديث في نفس المعنى في الموطأ 146) . ثم يقول الشافعي عن الزي والأضطباع معاً : ( والأضطباع ان يشتمل بردائه على منكبه الأيسر ومن تحت منكبه الأيمن حتى يكون منكبه الأيمن بارزاً حتى يكمل سبعة . وأن كان في ازار و عمامة أحببت أن يدخلها تحت منكبه الأيمن وكذلك إن كان مرتدياً بقميص او سراويل أو غيره . وان كان مؤتزراً لا شيئ على منكبيه فهو بادي المنكبين لا ثوب عليه يضطبع فيه ثم يرمل حين يفتح الطواف ، فإن ترك الأضطباع في بعض السبع اضطبع فيما بقى منه ، وإن لم يضطبع بحال كرهته له كما اكره له ترك الرمل في الأطواف الثلاثة . ولا فدية عليه ولا اعادة.)( الأم 2 / 148). والشافعى يجعل من نفسه مصدرا للتشريع ، فهو يكرّر فى كتابه ( الأم ):( أحبّ أن يفعل كذا أو أحببت أن يفعل كذا أو من السّنة كذا ، وأكره له كذا ..).والمقصد هنا أن الشافعي لا يرى بأساً إذا طاف المحرم في ازار وعمامة وقميص وسراويل وغيره .. ولا يرى بأساً إذا ترك الأضطباع ولا فدية عليه .اما نحن فنرى باساً وحرجاً في أن يكشف الرجل عن جسده وهو يطوف ببيت الله وحوله نساء ، ونرى انه خروج عن امر الله تعالى حين قال : ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ (31) الأعراف)، وأمر الله أولى بالطاعة . وطالما نحن في بيت الله فلابد أن نطيع صاحب البيت ولا نعصي امره ولا نكرر قصة الجاهلية في طواف العرى الكلّى أو الجزئى .

سابعا : إختلافهم فى ( الرمل )

1 ـ  وهناك إختلاف فى (الرمل) في الطواف ثلاث مرات ثم المشي أربعة. والرمل هو ان يسارع الطائف في مشيه مع تقارب خطاه . وهو طريقة في الطواف زعموا أن النبي بدأها وشرعها ليُري المشركين في مكة قوته وقوة أصحابه . ويزعم البخاري أن عمر إعترض عليها وقال :( فما لنا وللرمل ؟ انما كنا رائينا به المشركين وقد أهلكهم الله ، ثم قال : شيئ صنعه النبي فلا نحب ان نتركه ).(البخارى 2/185 )، وهنا تناقض فى حديث البخارى ، فقد جعل عمر يعترض على الرمل فى الطواف لأنه كان فى ظروف محددة إنتهت ، ثم يختم الحديث بألّا يتركوا شيئا عمله النبى .! .

2 ـ ويروي مسلم ان أحدهم سأل ابن عباس:( أرأيت هذا الرمل بالبيت... أسنُة هو ؟ فإن قومك يزعمون انه سنُة ؟ قال صدقوا وكذبوا..إن رسول الله ( ص ) قدم مكة فقال المشركون أن محمداً وأصحابه لا يستطيعون ان يطوفوا بالبيت من الهزال ، وكانوا يحسدونه ، فأراهم  رسول الله أن يرملوا ثلاثة ويمشوا أربعة.). ويؤكّد مسلم هذا الحديث بحديث آخر لابن عباس: ( إنما سعى رسول الله ( ص ) ورمل بالبيت ليري المشركون قوته.)(مسلم 4/64: 65 ).

3 ـ وبالتالى فإن طريقة الطواف بالرمل فى نظرهم شريعة إنتهى مفعولها ولم يعد لها محل من الاعراب ، وإذن فما الداعى للإختلاف حولها طالما أنه لا تقدّم ولا تؤخّر ؟  لذا لا نعجب إذا قال الشافعي: ( وترك الرمل عامداً ذاكراً وساهياً وجاهلاً سواء ، لا يعيد ولا يفتدى من تركه . ) وهنا يكون كلامه مقبولا . إلّا إن الشافعى كعادته يستدرك على نفسه ليقول لنا ما يحبّه وما يكرهه جاعلا نفسه مصدرا للتشريع ، يقول عن الرمل : ( غير أني أكرهه للعامد ولا مكروه فيه على ساهِ ولا جاهل ، وسواء في ذلك كله طواف نسك قبل عرفه وبعدها في كل حج وعمرة .) ( الأم 2/149 ).وقلنا إنّ منهج الشافعى فى كتابه ( الأم ) أن يكرّر كلمة ( أحبّ كذا ، وأكره كذا ) أى يعطى وجهة نظره الشخصية فيما يحبّ وفيما يكره. أى قال الشافعي هنا (إني أكرهه للعابد ) فجاء الفقهاء بعده يقولون إنه مكروه .. وأصبح المكروه حكماً فقهياً ، طالما كرهه الشافعى .!!.

ثامنا : اختلافات في السعي بين الصفا والمروة :

1 ـ لم يتحدث القرآن الكريم عن ( وجوب السعي ) بين الصفا والمروة  وإنما قال جلّ وعلا : ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) البقرة ) إذن هو طواف وليس سعياً. وقد ذكر القرآن أنه تطوع يثيب الله جلّ وعلا فاعله ، وبالتالي فليس فرضا واجبا يأثم تاركه . 

2 ـ ولكن الاختلاف ما لبث أن لحق بذلك الأمروتشعّب مع وضوحه. وقد ذكر ابن كثير بعض هذه الخلافات فى حديث صفية بنت شيبة أن إمرأة أخبرتها أنها سمعت النبي يقول : "كتب عليكم السعي فاسعوا ". فهل يقول النبى عليه السلام حكما يخالف قوله جلّ وعلا : ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ )؟.

ولكن هذا الحديث الباطل قد استدل به من يرى أن السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج . ويقول إبن كثيرعمّن جعل السعى بين الصفا والمروة ركنا من أركان الحج ومن إختلف معهم : ( كما هو مذهب الشافعي ومن وافقه ،ورواية عن أحمد ،وهو المشهور عن مالك . وقيل انه واجب وليس بركن فإن تركه عمداً أو سهواً جبره بدم وهو رواية عن أحمد وبه يقول طائفة ، وقيل بل هو مستحب وإليه ذهب ابوحنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين وروي عن أنس وابن عمر وابن عباس،وحُكي عن مالك .).( تفسير ابن كثير 1/199) .

3 ـ وقد إختلفوا فى عدد مرات الطواف أو السعى بين الصفا والمروة ، فأوجب الشافعي أن يكون الطواف بين الصفا والمروة سبعاً وقال : ( فلو صدر ولم يكمله سبعا فإن ترك من السابع ذراعاً كان كهيئة لو لم يطف ورجع حتى يبتدئ طوافاً. ) . ( الأم 2/178 ) هذا مع ان مسلم يروي عن جابر: ( ولم يطف النبي ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً.). ( مسلم 4 / 70 ).

4 ـ والمفهوم من قوله سبحانه وتعالى : ( فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) أنه أستعمل الفعل مضعفا " يَطَّوَّفَ " ليدل على الزيادة ولم يقل ( يطوف ) بدون تضعيف ، ويلفت النظر ان القرآن العزيز استعمل نفس اللفظ في الطواف في البيت فقال (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) الحج ).إذن هو سبعة أشواط كالطواف بالبيت. مع كونه تطوعاً وليس ركناً يسقط الحج بتركه .

تاسعا : أختلافات في مناسك المرأة في الحج  

1 ـ ليس فى القرآن الكريم أحكام خاصة بالمرأة فيما يخصّ الحج . فالحج هو على المستطيع رجلا كان أم إمرأة . وكل مناسك الحج والأوامر الخاصة به تأتى للجميع رجالا ونساءا. ولا يمنع الحيض المرأة من الطواف وبقية المناسك . ولكن الذكور أئمة وصنّاع الدين السّنى المصنوع جعلوا التشريع السّنى يخالف ذلك لأنه يزدرى المرأة ويجعلها ناقصة عقل ودين. وهذا أيضا لم ينج من الخلافات بينهم ، وهم كالعادة تبارزوا بالأحاديث ـ كل منهم يصيغ وجهة نظره فى صيغة حديث ، فيردّ عليه الآخر بحديث ، وهى  أحاديث متعارضة لم يسمع بها الصحابة الذين إنشغل معظمهم بالفتوحات والفتنة الكبرى ، والسياحة فى البلاد المفتوحة والتزوج من بناتها والتسرى بالسبايا ، وجمع الأموال والضياع .

2 ـ صنع أئمة الدين السّنى أحاديث تفيد بإن المرأة تشارك في مناسك الحج من طواف وسعي . منها   حديث السيدة عائشة ( خرجنا مع رسول الله عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً ، قالت : فقدمت مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك لرسول الله فقال أنفقي رأسك وامتشطي واهلي بالحج ودعي العمرة ، قالت ففعلت فلما قضينا الحج  ارسلني رسول الله مع عبدالرحمن ابن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت .).وهناك رواية أخرى تزعم أنها  ( قالت خرجنا مع النبي (ص ) ولا نرى إلا الحج حتى إذا كنا بسرف أو قريباً منها  حضت ،  فدخل علي النبي وأنا ابكي فقال : أنفست ؟ ( يعني الحيضة ) قلت نعم قال إن هذا شيئ كتبه الله على بنات آدم فأقضي ما يقضى غير ان لا تطوفي بالبت حتى تغتسلي . ) وفي رواية جابر في نفس الحديث تقول : ( وكان رسول الله (ص) رجلاً سهلاً إذا هويت الشيئ تابعها عليه فأرسلها مع عبدالرحمن ابن أبي بكر فأهلت بعمرة من التنعيم . .. فكانت عائشة ‘ذا حجت صنعت كما صنعت مع نبي الله ..) ( مسلم 4/27، 30، 35:36) . أى رأى فريق من صانعى الدين السّنى منع الحائض من الطواف فقط  مع تأديتها بقية المناسك .

 إلا أن الشافعي يتطرف فيحكم بمنع المرأة من السعى والطواف جميعا ، ويزعم أن هذا قول ابن عمر :( وليس على النساء سعي بالبيت ولا بين الصفا والمروة )، ويقول : ( وسئل عطاء " أتسعى النساء ؟" فأنكره نكرة شديدة " وروى مجاهد : رأت عائشة النساء يسعين بالبيت فقالت أما لكن فينا أسوة ؟ فما عليكن سعي .). ( الأم 2/ 150 ) .

ويزداد التناقض برواية البخاري أن الخليفة الأموى هشام ابن عبد الملك منع النساء فى عهده من الطواف مع الرجال فاعترض عليه عطاء :( .. فقال عطاء : كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي مع الرجال ؟ )(البخارى 2/187). فهنا تناقض عجيب فى الأقاويل المنسوبة لعطاء. وهو من فقهاء التابعين فى العصر الأموى . نراه هنا  يعترض على منع النساء من الطواف مع الرجال ، أى يؤيد حقهنّ فى الطواف والسعى ، ثم نرى عطاء نفسه في رواية الشافعي يحتج على أن تسعى النساء مطلقاً وحدهن او مع الرجال ، ثم حديث آخر تحتج فيه عائشة على النساء سعيهن بالبيت ، وحديث سابق عن أداء عائشة للمناسك مع النبي والمؤمنين في حجة الوداع . نحن هنا أمام آراء متعارضة لبشر مختلفين فيما بينهم ، ولكن هؤلاء البشر هم صنّاع الدين السنّى الأرضى ، وهذا يؤكّد أنها شريعة بشرية ليست عالية الجودة ن بل متناقضة ومتخلّفة . ثم يأتى الوهابيون الأفّاقون فى عصرنا يزعمون بأن تلك الشريعة السّنية البشرية هى شريعة الله .!!

3 ـ ومن أسباب ذلك التناقض هو ذلك الانحلال الخلقى الذى كان يحدث في العصرالأموي وإستمر بعده ، ووصل الى الطواف حول البيت وقت إختلاط الرجال بالنساء مما ادى إلى ذلك التحذير الموجه للنساء ، وذلك أستدعى من الشافعي أن يقول : ( لا رمل على النساء ولا سعي بين الصفا والمروة ولا اضطباع .. وذلك انهن مأمورات بالأستتار ، والأضطباع والرمل مفارقان للأستتار.). ( الأم 150 ) .

4 ــ وقلنا إنه حين أنتقلت أضواء السياسة إلى دمشق عمد الأمويون إلى اغراق مكة والمدينة بالترف والجوارى والغناء والمجون والشعر الاباحى لينشغل أحفاد الصحابة عن مناوئتهم سياسيا، وبذلك برز بين صفحات الأدب أعلام من شعراء الماجنين والمعجبون بهم أمثال ابن عتيق ـ حفيد أبي بكر الصديق ، والعرجي ـ حفيد عثمان ، وسكينة بنت الحسين .. وقد عاشوا عصر الشاعر عمر بن أبي ربيعة الذي أشتهر في مكة وغيرها بمجونه وتعرضه للنساء في الطواف وفي الحرم ، ويقول الأصفهاني عنه " كان عمر بن أبي ربيعة يقدم فيعتمر في ذي القعدة ، ويحل ويلبس تلك الحلل والوشي .. ويلقى العراقيات فيما بينه وبين ذات عرق محرمات، ويتلقى المدينيات إلى مر ، ويتلقى الشاميات إلى الكديد .. " أى كان يتلقى النساء القادمات للحج ، ويطاردهن ويلاحقهنّ ويقول فى الحسناوات منهن شعرا. والمشهورات منهن كنّ يحرصن على الخلوة به فى مكة وقت الاحرام ، وكنّ لا يتورعن عن مغازلته وقت الطواف . والعجيب إن مجون عمر بن ربيعة لم يستجلب الانكار عليه ، بل على العكس كان إبن عباس من المعجبين بشعره ، ويحرص على أن يسمعه منه ، ويقول المؤرخ القرشى  الزبير بن بكار " أدركت مشيخة من قريش لا يزنون بعمر بن ربيعة شاعراً من أهل دهره في النسيب.( أى الغزل ).( الأغانى للأصفهانى : ط . دار الكتب 1/103 / 118 ، 221 وعن تعرضه للنساء فى الحرم وفى الطواف : 1/159 ، 160 ، 166-167 ، 169 ، 172 ، 176 ، 190 ، 199 ، 207 ، 247 ). . على أن عمر بن ربيعة لم يكن بدعا فى ملاحقة النساء فى الطواف بالكعبة ، فقد شاع هذا وذاع حتى لقد قال شاعر فى العصر الأموى :

ياحبذا الموسم من موقف   وحبذا الكعبة من مسجد

وحبذا اللاتى تزاحمننا      عند استلام الحجر الأسود

فقال خالد القسرى والى مكة فى العصر الأموى : أما إنهن لا يزاحمنك بعدها أبدا . ثم أمر بالتفريق بين الرجال والنساء فى الطواف . ( مروج الذهب للمسعودى: ج 2 ص 136 )

 وفى المقابل تطرّف زهاد مكة والمدينة والعراق فى الحظر والتحريم ، وعكسته فتاويهم بالحظر على النساء من الطواف والسعي خشية من اولئك المنحلّين خلقيا . والطريف أنّ الشافعي بعد أن قال أنه ليس على النساء سعي بين الصفا والمروة إستدرك على نفسه كعادته ، وقرّر ما ( يحبّه) ويهواه ، فعاد يقول : ( وأحبُ للمشهورة بالجمال أن تطوف وتسعى ليلاً ، وأن طافت بالنهار سدلت ثوبها على وجهها ، أو طافت في ستر ). ( الأم 178 ). ونتساءل :كيف يمكن تحديد المشهورة بالجمال ؟ هل نقيم حفلا لاختيار ملكات الجمال فى الحرم ومستويات الجمال للنساء لتحديد من تطوف نهارا أو ليلا ؟ والفائزات منهن عليها تطبيق ما ( يحبّه الشافعى )؟،ثمّ  إذا كان هذا هو الذى يحبّه الشافعى ، فهل ما يحبّه الشافعى وما يهواه بمزاجه الشخصى يكون لنا تشريعا ويصبح لنا .. دينا ؟ .  

5 ـ واقع الأمر إنّ المرأة فى الفقه السّنى ضحية .!. ثم جاء الوهابيون فأصبحوا هم الضحية للمرأة .. المرأة هى وسواسهم القهرى ، هى لهم الولع والجزع والهاجس والوجع ، هى لهم الجمر الذى عليه يجلسون والعذاب الذى به يحلمون .. ونخشى من فرط جنونهم بالمرأة أن يصدروا فتوى بإلغاء المرأة.!

فهل نصحو يوما لنجد العالم بلا مرأة ؟!!

يانهار إسود .!!  

الباب الثالث : الحج فى الدين الصوفى الفصل الأول : الشقاق والاختلاف فى الأديان الأرضية

كتاب الحج بين الاسلام والمسلمين

الباب الثالث : الحج فى الدين الصوفى الفصل الأول : الشقاق والاختلاف فى الأديان الأرضية

أولا : عمق الشقاق فى الأديان الأرضية

1 ـ فى  الباب الثانى عرضنا للتواتر الحق فى ملة ابراهيم فيما يخص فريضة الحج ، وكيف أعادت قريش التواتر الباطل لأغراض إقتصادية ، ثم كيف استمر هذا التواتر الباطل بقريش بعد الاسلام ، وختمنا الباب بصناعة الدين السّنى لمناسك الحج والذى أعاد التواتر الجاهلى القرشى عبر أحاديث مفتراة ومتناقضة . أى نحن هنا أمام دين أرضى واحد ، ومع أئمته الصانعين له ، ومع ذلك نجد شقاقا بينهم فى مناسك الحج ، بل إن التناقض تجده أحيانا فى الكتاب الواحد بل فى الحديث الواحد ، أى إن الشقاق والاختلاف يصل الى عمق الصناعة نفسها ، صناعة الدين السّنى لدى أئمته الأوائل .

2 ـ وبتكاثر الاختلافات تحوّل الدين السّنى الى أديان فرعية أرضية ، أو ( مذاهب ) مختلفة ، بقى منها اليوم أربعة مذاهب.  ومعنى ( مذهب ) أى أن الإمام المؤسس ( ذهب ) الى هذا الرأى وإختاره ،أى هذا هو ( مذهبه ). ولأنها صناعة شخصية ورؤية بشرية فهو يخالف نفسه أحيانا ، وبالتالى يخالفه أقرانه ( فيذهبون ) الى (مذاهب) أخرى بشرية ، ولكن جاء أتباع لهذا الامام أو ذاك فإختاروا أن يسيروا خلف هذا أو ذاك ، فأصبح جمهور لتلك المذاهب ، وقد تكاثر عبر السنين وتكاثرت معهم خلافاتهم بحيث تستعصى على الحصر، وبهذا الاختلاف والشقاق تكونت المذاهب الأربعة الحالية داخل الدين السّنى .

3 ـ ومع أنها ( مذاهب ) مصنوعة بالبشر ، ومع أن مصطلح ( المذاهب ) هذا ليس من اللسان القرآنى ، ومع تسليم أتباع المذاهب بأن أئمتهم بشر من بنى آدم عاشوا وماتوا كبقية البشر ، إلا إن نسبة أولئك الأئمة أراءهم للنبى عله السلام واعتبارها وحيا قد جعل تلك المذاهب ( شريعة الاهية ) بالإفك والبهتان ، وهذا ما يعتقده الوهابيون اليوم . ومن هنا تصبح تلك المذاهب أديانا أرضية صنعها البشر ، ونسبوها لله جل وعلا زورا وبهتانا ، ثم إختلفوا فيه وتنازعوا ـ ولا يزالون .

4 ـ ويتعمّق الاختلاف ويتمدّد داخل الدين السّنى على مستوى ( الأحاديث )، فأول كتاب فيها وهو موطأ مالك يمتلىء باختلافات بين روايات النسخ الى أملاها مالك لتلاميذه ، ثم تتعدد التناقضات داخل الأحاديث نفسها فى الرواية الواحدة ، ثم جاء الشافعى بكتابه ( الأم ) فكان يختلف مع نفسه  فى الصفحة الواحدة ، واختلف معه المزنى راوى كتاب ( الأم ) فى تعليقاته على كتاب ( الأم ) . وليس لأبى حنيفة كتاب مدوّن إذ قتله الخليفة المنصور عام 150  قبل أن يسود عصر التدوين، وجاء تلميذاه (الشيبانى) و(أبو يوسف ) شيخا المذهب الحنفى فتناقضا مع شيخهما أبى حنيفة فى كل شىء تقريبا.

 ولم يكن ابن حنبل فقيها بل كان من أصحاب الحديث ، و( مسند أحمد ) تم ترتيبه حسب الرواة باعتباره محدّثا وليس فقيها ، ولم يرتبه حسب أبواب الفقه كما فعل البخارى ومسلم . لكن إضطهاد الدولة العباسية له أسفر عن شهرته وتكوين ( حركة ) الحنابلة المتشددة ، فجعلوا له مذهبا فقهيا .

5 ـ وهذا التشابك بين ما هو ( حديث) وما هو (فقه) عمّق الاختلافات أكثر بين أصحاب الحديث واصحاب الفقه، خصوصا مع إدمان الفقهاء بتعزيز آرائهم الفقهية بأحاديث منسوبة للنبى عليه السلام ، وتعارض كل تلك الأحاديث مع بعضها، فحاول أرباب الحديث عبر ( الجرح والتعديل ) تدارك الأمر بفحص مدى صدق الرواة فى ( الاسناد ) أى فى نسبة الحديث الى النبى عبر عنعنات من الرواة ( روى فلان عن فلان عمن فلان..أن النبى قال ) . وهل هذا الراوى صادق أم كاذب ، وكما شرحنا فى بحث ( الاسناد ) إختلفوا وتنازعوا أكثر وأكثر ، ولم يجتمعوا على رأى واحد فى أن هذا الراوى صادق أم كاذب .

6 ـ هذا كله فى دين ( السّنة ) فيما يخصّ التشريع . وهناك فرع من دين السّنة يخص العقائد مثل صفات الله جل وعلا والقضاء والقدر..إلخ ، أو ما كان يعرف بعلم الكلام . وقد بدأ هذا العلم على يد المعتزلة الذين تأثروا بالفلسفات اليونانية وعملوا على التقريب بينها والاسلام ، فتصدّى لهم الفقهاء السنيون المحافظون الرافضون لأى فكر ( وافد ) ، وقد إنشقّ أبو الحسن الأشعرى عن المعتزلة موافقا الفقهاء ، وتكونت طائفة ( الأشاعرة ) السّنية فى العقائد المخالفة للمعتزلة ، وتبعتها طائفة (الماترودية) أتباع أبى منصور الماتوريدى الذين خالفوا أقرانهم الأشاعرة فى مسائل كثيرة . والمضحك أن الحنابلة يكرهون الأشاعرة ويختلفون معهم فى مسائل كثيرة برغم أن الأشعرى إنشق عن أقرنه المعتزلة موافقا أهل الحديث والفقه.

7 ـ وفى القرنين الرابع والخامس من الهجرة كان قد تأسّس لدى المسلمين مئات الفرق والملل والنحل والطوائف الدينية ، وبرز علم جديد متخصّص فى ( الملل والنحل ) منها ما يهاجم بقية الملل معبرا عن وجهة نظره كالملطى ( السّنى ) فى كتابه ( التبيه والرّد ) ، ومنها ما كان يكتفى برصد الخلافات بين تلك الملل والنحل كما فعل أبو الحسن الأشعرى ت 330 فى كتابه ( مقالات الاسلاميين ) وابن حزم الاندلسى ت 456 فى كتابه ( الفصل فى الملل والنحل ) والشهرستانى ت 548 فى ( الملل والنحل ). ثم تشعبت الملل والنحل فى العقائد وفى التشريعات بإزدهار التصوف وانتشار الطرق الصوفية .

8 ـ مع كل هذه الاختلافات بين ( أُمّة المسلمين) فإنّ من المضحك فى عصرنا أن تؤمن ملايين الحيوانات الأليفة بأسطورة (الاجماع )، وتزعم أن ( الأمة قد أجمعت على كذا وكذا ). يعنى أنّه تم عقد إجتماع للأمة المسلمة كلها فى العالم كله من عصر  الخلفاء الى عصرنا ،تم تجمعوا كلهم فى وقت واحد وفى (إستاد ) ضخم  يفوق إستاد القاهرة ، وأخذوا رأيهم فى كذا ، وسألهم المغنى ( فهد بلّان):( صح يارجال ؟ ) فهتفوا جميعا بالفم المليان : أيوه صح .!!. وبهذا حصل ( الإجماع ).. والمجانين فى نعيم .!!

9 ـ وإذا تركنا الدين السّنى الأرضى وذهبنا الى دين أرضى آخر كالتصوف وجدناه ( طرقا صوفية ) تتعدّد وتتكاثر وتتشعب ، منها ما يزدهر ثم يندثر ، ومنها ما يتشعّب ويتكاثر بتكاثر الأشياخ وبالتنافس حول المريدين وتنازع ورثة الأولياء على النذور والقرابين . ودين التشيع الأرضى هو الأخر مبلىُّ بالاختلافات والإنشقاقات من عهد عبد الله بن سبأ الى عصرنا ، من الإمامية الاثنى عشرية فى ايران الى الزيدية والحوثيين فى اليمن والعلويين فى سوريا وشتى طوائف الاسماعيلية. ونفس الحال لدى النصارى والمسيحيين ، من ديانة الأقباط ( الأرثوذكس ) الى ( الملكانيين ) و الكاثوليك قبل الاسلام ، ثم التشعب  فى كل طائفة ، ولا يزال المسلسل مستمرا . ونفس الحال فى اليهودية من الصدوقين والقرّائين ..الخ .. وهذه أديان أرضية تم تأسيسها على أنقاض الدين السماوى بغيا وعدوانا على رب العزة . وهناك أديان أرضية أخرى فى آسيا وأفريقيا نعتقد أنها أيضا تأسست بنفس البغى على رسالات سماوية لا نعرفها .

10 ـ أى أننا أمام حقيقة مرعبة : أن كل تلك الأديان الأرضية المختلفة والمتناقضة مع نفسها ومع غيرها تتفق جميعا على : البغى على الدين السماوى وعقيدته ( لا اله إلا الله ) ، وأنها كلها تقدّس البشر والحجر ، وأنها تصنع دينا بوحى شيطانى وتنسبه لله جل وعلا ظلما وزورا، وأنها تقوم على الهوى بينما يقوم الدين الالهى على ( التعقّل ) ، وأنها مؤسّسة بكهنوت يساند الظلم والاستبداد والفساد ، وأنها تخدع العوام بالدين لتسرق آمالها وأحلامها فى العدل والحرية والكرامة الانسانية . يجمعها كلها أنها ضد دين الله جل وعلا ( الاسلام ) الذى نزلت به كل الرسالات السماوية بألسنة مختلفة، تؤكّد بأنه لا اله إلا الله ، وتدعو للعدل والاحسان والسلام وحرية الدين والانتظار الى يوم الحساب للحكم بين البشر فيما هم فيه يختلفون .

ثانيا :  البدايات ( أ ) : تاليه الرسل هو البداية فى الشقاق

1 ـ لا يجرؤ إنسان مهما بلغ كفره على الزعم بأنه خالق البشر والسماوات والارض والكون الذى بينهما بمجراته ونجومه . لذا يؤكّد رب العزّة أنه لا اله ألا الله ، لأنه وحده خالق كل شىء سواه . يقول جل وعلا :(هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ )( فاطر 4)(أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (17) النحل) ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ (36) الطور ) (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) الرعد ). وطالما نؤمن فعلا بأن الله وحده خالق كل شىء فكلنا سواء من حيث أننا مخلوقات، وأنه لا يصح لأى مخلوق أن يوضع الى جانب الخالق. وبالتالى فإنّ الايمان الحق بأنه (لا اله إلا الله) تساوى بين البشر فى عبوديتهم لخالقهم ، سواء كان هذا المخلوق نبيا مرسلا أو بشرا عاديا . وبالمساواة فى عبودية البشر للخالق وحده فلا مجال للاختلاف بينهم فى الدين.

2 ـ  ولكن يبدأ الاختلاف فى الدين برفع مخلوق الى جانب الخالق جل وعلا . وهذا يبدأ أيضا بالتفريق بين رسل الله برفع واحد منهم فوق مستوى الآخرين وتمييزه عليهم . ولأنّ الرسل والأنبياء هم صفوة الخلق ، فإن رفع رسول منهم فوق الرسل الآخرين يعنى تأليهه ووضعه ـ وهو المخلوق ـ الى جانب الخالق جل وعلا، ويتولّد بهذا دين أرضى على أطلال الدين السماوى وينتمى هذا الدين الأرضى الى الاله الذى تم صنعه تحت إسم الرسول .  فعل هذا ( المسيحيون ) الذين رفعوا عيسى فوق مستوى الرسل وألّهوه ، ودخل أبناؤهم الى الاسلام بعد الفتوحات العربية ، فمالبثوا أن أضافوا لمحمد نفس صفات التأليه تقريبا الذى أضافه آباؤهم للمسيح ، فأصبحوا  ( أمّة محمد ) مقابل ( أمّة المسيح ) أى أصبحوا ( محمدين ) مقابل ( المسيحيين).

جعل (المسيحيون) المسيح هو (المخلّص   الذى يفتدى البشر ) وجعل المسلمون المحمديون ( محمدا ) هو الذى يقوم بالشفاعة العظمى فيخلّص البشر من هول الانتظار يوم القيامة . لم يجرؤ المسلمون على القول لفظا بأنّ محمدا هو ( ابن الله ) كما يقول المسيحيون ، ولكنهم قالوها بالمعنى، فى عقيدة ( الحقيقة المحمدية ) التى تجعل محمدا نورا أزليا منبثقا من النور الالهى ، وأنه قبل خلق العالم وقبل خلق آدم ، وصاغوا فيها أحاديث مثل : ( أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر ) ( كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ، وكنت نبيا وآدم لا ماء ولا طين ).

2 ـ بعد هذه البداية فى تأليه النبى والتفريق بين الأنبياء يتبعها إضافة أصحاب النبى وآله وأهله الى دائرة الألوهية ، فعل هذا المسيحيون مع الحواريين ، وفعلها المسلمون مع الصحابة. ثم تأتى الخطوة الثالثة وهى تقديس الأحيار والرهبان والأئمة والشيوخ والأولياء وإتخاذهم أربابا .ومع التحذير الذى جاء فى القرآن الكريم ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)( التوبة) فقد سار المسلمون على نفس الطريق يؤلهون الأئمة والعلماء مخترعى أديانهم الأرضية . ثم ينتهى الأمر بتأليه أنفسهم بزعمهم أنهم ابناء الله وأحباؤه ، هكذا قالت اليهود والنصارى:( وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ )ويرد عليهم رب العزّة : ( قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)(المائدة).وهكذا قال الصوفية المسلمون عن أنفسهم بأن النور الالهى إنتقل من محمد الى الأولياء والأقطاب ..الخ .

3 ـ وبهذا يتحول دين الله الواحد الى أديان أرضية متنافرة ، يتعدد فى كل دين منها آلهته الخاصة به ، ويعتقد كل فريق أنهم  أنهم دون غيرهم أصحاب الجنة، وهكذا يعتقد السنيون والشيعة والصوفية ، وقالها قبلهم النصارى واليهود:( وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى )البقرة (111)، ويرد عليهم رب العزة:( تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) البقرة ). يعتقد كل فريق أنه يملك الحقيقة المطلقة وأن غيرهم فى ضلال مبين: ( وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ) وهى عادة سيئة فى كل دين أرضى سبقت اليهود والنصارى، يقول جل وعلا ( كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ (113) البقرة).وسلك المسلمون بأديانهم الأرضية نفس الطريق، يقول الشيعة أن السّنة ليست على شىء، ويقول السنيون أن الشيعة والصوفية فى ضلال مبين  ، والمرجع لله جل وعلا يوم القيامة (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) البقرة ). وفى كل الأحوال فلن يرضى أصحاب اى دين أرضى بالدين الحق وأصحابه حتى يتبعوا ملتهم ، فهكذا كان موقف اليهود والنصارى من خاتم النبيين، يقول له ربّه جل وعلا :( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ  )(120) البقرة ) ويأمر رب العزّة رسوله أن يقول لهم بأن الهدى فى كتاب الله:( قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ) ويحذّر النبى من أن يتّبع أهواءهم:( وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (120) \( البقرة ) . ونفس الحال اليوم مع أصحاب الديانات الأرضية من المسلمين ، فالسنيون لا يقبلون النقاش مع من يؤمن بالقرآن وحده حديثا إلا بعد أن يعلن لهم تسليمه بالسّنة، والشيعة والصوفية يرفضوننا طالما لا نؤمن بأئمتهم وأوليائهم. وكلهم يرفض الهدى القرآنى القائم على أنه لا اله إلّا  الله . 

4 ـ الأساس يبدأ بتأليه المسلمين للنيى محمد خلافا للقرآن الكريم، إذ يعتقدون بأن محمدا هو ( أشرف المرسلين ) وأنه ( سيّد الأنبياء ) وهو المفضّل على الأنبياء بكذا وكذا ، وأنّه صاحب الشفاعة العُظمى يوم القيامة، وأنّ مالك يوم الدين ليس رب العزة ـ بل هو ( محمد ) الذى يأمر رب العزة فيطيع .! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . هذا الضلال الفاحش فى التفريق بين الرسل وقع فيه الكافرون من أهل الكتاب فقال لهم رب العزة يأمرهم بالايمان ليس بأشخاص الأنبياء والرسل ولكن بكل ما نزل على الأنبياء وعدم التفريق بينهم وبأن يسلموا وجههم لله جل وعلا وحده لا إله غيره:( قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136). وجعل ربّ العزّة هذا أساس الهداية وجعل التفريق بين الرسل أساس الشقاق والاختلاف، يقول جل وعلا بعدها يخاطب رسوله : ( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) البقرة).

ونفس الأمر جاء بنفس الكلمات تقريبا لخاتم النبيين ولنا : ( قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) آل عمران ) ثم يؤكّد رب العزة فى الآية التالية أن هذا هو الاسلام المقبول عنده جلّ وعلا يوم القيامة ، وأنّ من يقع فى التفريق بين الرسل فقد إيتغى غير الاسلام دينا:( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (85) آل عمران ). ويؤكّد نفس المعنى فى قوله جل وعلا :( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ )، وأن محكّ وميزان الايمان الحق للمؤمن أن يعلن طاعته بعدم تمييز رسول على رسول :( وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) البقرة ).

وبالتالى فإنّه يكون كافرا بعقيدته ذلك الذى يفرّق بين الله ورسله ، كما يفعل المسلمون مع (محمد) ، إذ يميزونه بذكره مع الله رب العزة فى الشهادة ، فلا ينطقون ( لا اله إلا الله ) إلا ومعها ( محمد رسول الله ) أى يجعلون شهادة ( الوحدانية ) مثنّاة، ويرفعون محمدا فوق بقية الرسل ، ثم يرفعونه مع الله جل وعلا فى الأذان وفى الصلاة وفى الحج .أولئك ـ إن لم يتوبوا ـ ينطبق عليهم قوله جلّ وعلا :(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (150) أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً (151) النساء ) وفى المقابل يقول جل وعلا عن المؤمنين الذين يؤمنون بالرسل جميعا دون نقريق بينهم : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (152)(النساء). والعجيب أن ينزل الله جل وعلا كتابا سماويا على رسول من الرسل يؤكّد على أنه ( لا اله إلا الله )، ويجاهد هذا الرسول ويعانى ثم ينتصر ويموت ، فلا يلبث بعد موته أن يتحوّل بالبغى الى إله مع الله .

ثالثا : البدايات( ب ):كان البشر أمة واحدة فأصبحوا (أمة المسيح )( أمة محمد ) و (أمة فلان وفلان) 

1 ـ كان البشر جميعا فى البداية أمة واحدة تحت شعار ( لا اله إلّا الله ) وكلهم سواء فى العبودية له ، وتمسكوا جميعا بالكتاب السماوى الذى جاء به الرسل ، وكانوا يحتكمون الى هذا الكتاب فى أى خلاف يطرأ بينهم ، ولكن بداية الاختلاف كانت بالبغى والافتراء على العلم الالهى أو الرسالة السماوية التى تنزل بالبينات . عن البشر جميعا يقول ربّ العزة : ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ). (213) البقرة ).

2 ـ وفى الوحى الذى نزل على جميع الرسل جاء التأكيد على أنهم جميعا ( أمّة واحدة ) مع إختلاف الزمان والمكان والزمان والظروف . ولكن يبدأ الشقاق والخلاف ويتفرّق الناس الى أحزاب ، ولكل حزب كتابه المقدس أو كتبه المقدسة ، وهذا ما حدث فى تاريخ بنى اسرائيل والمسيحيين والمحمديين . عن الشقاق بين أتباع الرسالات السماوية يقول جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) الأنبياء ) هذا هو الوحى الذى جاء للجميع ، ولكن يطرأ الشقاق ويتفرقون الى أحزاب ، ويتحول الكتاب الالهى كتاب مهجور ن ويستعيض كل فريق عنه بكتب أو ( زُبر ) : (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) المؤمنون ). ويقول جل وعلا أيضا يكرّر هذه الحقيقة : ( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93)(الأنبياء ).

3 ـ كانوا ( أمة ) واحدة فى عهد الرسول ولها كتاب مقدس واحد هو الرسالة السماوية ، ثم تحولوا بعده الى أحزاب وطوائف ، أى الى ( أمة فلان وأمة فلان )، وتكاثرت كتبهم المختلفة المتناقضة ، وكلها يفرح بها أصحابها برغم أنها رجس من عمل الشيطان ومن وحيه وإفترائه .حدث هذا قبل نزول القرآن ، ونزل القرآن ، وفيه يحذّر رب العزة مقدما أهل القرآن مما وقع فيه السابقون من الاختلاف ، فأمرهم بالاعتصام بالقرآن ونهاهم عن التفرق، يقول جل وعلا:( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا)(103) آل عمران)،(وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)آل عمران).

4 ـ ولكن مالبثوا أن تفرقوا من بعد ما جاءتهم بينات القرآن الكريم . أصبحوا ( أمة محمد )،  ثم أنقسمت ( أمّة محمد ) الى ( أمّة السّنة ) و (أمة الخوارج ) و( أمة التشيع ) و (أمة التصوف )..الخ ،  وكل أمة تتجزأ ، فأمة السنة منها أمة الحنفية وأمة المالكية وأمة الشافعية وأمة الحنابلة . ثم تقسيمات فرعية ، فأمة الحتبلية تتجزّأ ، وتتشعب الى يتولد منها مخلوق شائن قبيح فى عصرنا هو (الأمة الوهابية التيمية الحنبلية السنية المحمدية ) ، وهكذا التشرذم فى بقية الأمم ( المحمدية )..!!

رابعا : البدايات : ( ج ) الوحى الشيطانى الظالم الباغى على الكتاب السماوى   :

1 ـ سبق الاستشهاد بقول ربّ العزة : ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ).(213) البقرة)، فبداية الاختلاف كانت بالبغى على العلم الالهى أو الرسالة السماوية التى تنزل بالبينات . 

2 ـ إن الشرع الالهى واحد فى أساسياته فى الدعوة لإقامة الدين أو تطبيقه وفى عدم التفرق :( شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ) (13) الشورى )،ولكن يطرأ الشقاق والتفرّق بالبغى على كتاب الله جل وعلا :( وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ )(14) الشورى ). لذا يأمر رب العزة خاتم النبيين بأن يستقيم مع القرآن الكريم مؤمنا بكل الكتب السماوية بلا تفرقة بينها وألا يتّبع أهواء أصحاب الشقاق والخلاف : ( فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) الشورى). وهنا إشارة هامة الى دور الوحى الشيطانى الباغى الظالم ، والذى يحمل الشقاق والهوى فى عقائد أهل الديانات الأرضية، وأن المرجع الى الله جل وعلا فى الحكم فى هذا الشقاق والخلاف .

3 ـ  وفى نفس المعنى يقول جل وعلا عن تفرق أهل الكتاب بعد نزول بيّنات الكتاب : ( وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ (4) وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)البينة ). وقال جل وعلا عن بنى إسرائيل :( وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنْ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) الجاثية )، أى بغوا على الدين الالهى الذى نزل بالعلم الحقيقى فاختلفوا وتفرقوا ، والحكم لله جل وعلا عليهم يوم القيامة . ثم يأمر الله جل وعلا خاتم النبيين بألا يتبع أهواءهم.: ( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)(18) الجاثية )، وهنا أيضا تلازم البغى على الدين الالهى بمولد الدين الأرضى بالشقاق والهوى ، وأن مرجع الحكم عليهم لله جل وعلا يوم القيامة. 

4 ـ وفى نفس الموضوع جاء سياق آية ( التشهّد) المفروض قولها فى الصلاة دليلا على دين الاسلام و ( لا اله إلا الله )، وهى آية :( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) آل عمران ) فهذا هو الاسلام ، دين الله الحقّ كما جاء فى الآية التالية :( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ )19 ) آل عمران). جاء هذا فى سياق وقوع أهل الكتاب فى الاختلاف بينهم حين بغوا على الحق الالهى كفرا بآيات الله ، يقول جلّ وعلا فى نفس الآية الكريمة :( وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ  (19 )(آل عمران).أى إختلف أهل الكتاب بغيا وظلما وتعديا على الكتاب السماوى الذى نزل بالاسلام دين الله جل وعلا .

وجدير بالذكر أن المسلمين فى أديانهم الأرضية صنعوا اسطورة المعراج وصاغوا فيها ( التحيات ) ونسبوها فى صيغ مختلفة الى الصحابة ، ووضعوها مكان التشهّد القرآنى فى الصلاة ، وهو قوله جلّ وعلا :( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18). سلكوا مسلك ( أهل الكتاب ) وبعد أن كانوا ( أمة واحدة ) صاروا أحزابا ، كل حزب بما لديهم فرحون .

5 ـ الشيطان هو اللاعب الحقيقى هنا . فالوحى الالهى بالرسالة السماوية يواجهه وحى شيطانى يضلّ الناس ويوقع بينهم الفرقة والشقاق والبغضاء . ومن هنا فإنّ لكل نبى عدوأ من شياطين الإنس والجنّ الذين يفترون أحاديث وينسبونها ظلما وبغيا لله جل وعلا ولرسوله . يقول جل وعلا عن هذه الأحاديث الشيطانية ومخترعيها ومروّجيها من اعداء الأنبياء : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) الأنعام ) ويقول بعدها عن الاحتكام  الي القرآن الكريم فى تلك الأحاديث الضالة : ( أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً ) (114) الانعام ) . وتكرّر وصف رب العزة بأن أظلم الناس هم الذين يفترون على الله كذبا ويكذّبون بآياته . ومع هذا فإنّ اولئك الذين وصفهم رب العزة بالظلم والبغى هم الأئمة المقدسون لدى أتباع الديانات الأرضية من المسلمين . يكفى أن قلب القارىء يرتعش ويرتعب حين نؤكّد أن من بين أولئك الظلمة الفجرة : البخارى ومسلم والشافعى ومالك وابن حنبل ..الخ .. هذا الرعب من ذكر أسمائهم دليل تقديسهم وعبادتهم الذى عشنا عليه قرونا .!

خامسا :  تحذير أهل القرآن من التفرق والشقاق  الذى وقع فيه أهل الكتاب

1 ـ سبق أن ذكرنا بعض الآيات التى تحذّر خاتم النبيين من إتّباع أهواء أهل الكتاب من أهل الشقاق . ولقد تكرّر هذا أمرا ونهيا للنبى عليه السلام وللمؤمنين ، أمره رب العزة بأن يقيم وجهه للدين حنيفا ، وأمرنا ألّا نكون من المشركين الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعا وأحزابا وطوائف دينية : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) الروم ).

وأمر الله جل وعلا خاتم النبيين بالتبرؤ ممّن يقع فى التفريق فى الدين ، وأنّ مرجعهم الى الله جل وعلا يوم القيامة ليحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون : ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) الانعام ). وفى نفس السورة جاءت الوصية العاشرة من الوصايا العشر أمرا بالتمسك بالقرآن وحده صراطا مستقيما ونهيا عن إتّباع غيره لأن إتباع غيره من الكتب يورث الفرقة والاختلاف  :( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) الانعام ).

2 ـ وعلاجا للشقاق أوجب الله جل وعلا الاحتكام للقرآن الكريم فى كل زكان ومكان،فهو الرسول أو الرسالة التى حفظها رب العزة لتظل الرسول بعد موت الرسول محمد عليه السلام : ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) النساء) . لذا يقول رب العزّة عن النجاة من الاختلاف وهذا البغى : (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) الشورى ). وسبقت الاشارة الى وجوب الاحتكام الي القرآن الكريم فى تلك الأحاديث الضالة:( أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً )(114) الانعام )

3 ـ إننا نعيش إختبارا فى هذه الدنيا ، ولكل فرد حريته فى الايمان أو الكفر ، فى الطاعة أو المعصية ، ثم سيكون حسابنا على هذه الحرية يوم القيامة . إن الله جل وعلا لم ينزل مع الكتاب السماوى ملائكة العذاب ، بل جعل الدين حرا فى هذه الدنيا ، وجعل يوم الدين للحساب على موقف الناس من الدين . وأنزل الكتاب السماوى للناس ، وهم أحرار فى الايمان به والتمسّك به ، وإن فعلوا فلا سبيل للشقاق والاختلاف طالما يحتكمون الى القرآن وهم فعلا يؤمنون به ويخافون اليوم الآخر (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ )(59) النساء ) .

أمّا إذا لم يكونوا مؤمنين فعلا بالله جل وعلا وباليوم الآخر فسيتلاعبون بالقرآن ويزدادون به خسارا ، أمّا المؤمنون فيزدادون بالقرآن هدى ورحمة : (وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً (82) الاسراء ). ولهذا يمتلىء تراث الأديان الأرضية للمسلمين بالتلاعب بألايات القرآنية التى تعبّر عمّا فى قلوبهم من زيغ :( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (7) آل عمران ). وبالتالى يزدادون بالقرآن خسارا وإختلافا وأنقساما وشقاقا.

4 ـ الاحتكام للقرآن الكريم فى هذه الخلافات هى أن يبحث المؤمن عن الحق القرآنى بدون رأى مسبق بل طلبا للهداية ، وأن يتمسك بالحق ، ويعلن هذا الحق دون أن تأخذه فى الله جل وعلا لومة لائم ، وينتظر الحكم عليه وعلى الناس يوم القيامة .

ختاما :

1 ـ سبق أن عرضنا لخلافات الدين السّنى فى مناسك الحج ، وشريعة الحج فى الدينين  الصوفى والشيعى تنقلنا الى ميدان جديد ومختلف ، حيث السائد فيهما هو تقديس البشر والحجر والحج اليها وعبادتها وتقديسها على حساب رب العزة وكتابه الكريم وبيته الحرام .

2 ـ  وندخل بهذا على ( الحج فى دين التصوف ) .

الفصل الثانى : ( دين التصوف : لمحة تاريخية )

الفصل الثانى : ( دين التصوف : لمحة تاريخية )

 تعريفات التصوف :

 1-  ليس للتصوف عند أربابه تعريف محدد ، فى الرسالة القشيرية ـ دستور التصوف ـ  يقول القشيري ( تكلم الناس في التصوف ، ما معناه، وفى الصوفي من هو، فكلعبر عما وقع له ، واستقصاء جميعه يخرجنا عن المقصود من الإيجاز  ) ـ( الرسالة القشيرية ط صبيح : 217 ). والقشيري أسبق في الإشارة إلى أن كل صوفي يعبر عنذاته في تعريفه للتصوف ، فقد يكون للصوفي الواحد أكثر من تعريف للتصوف من غير أن يربط بينها رابط وذلك لأن الصوفي (ابن وقته ) فهو ينطق في كل وقت بما يغلب عليه الحال في ذلك الوقت . لذا فإن تعريفات التصوف لا تنتهي كثرة وتناقضاً واختلافاً ، ذلك أن لكل صوفي  (ذوقه ) أو بتعبيرنا ( لكلمنهم هواه )  فالهوى هو الأساس في اختلاف الصوفية في تعريف أهم الأشياء لديهم . وهو التصوف الذي به يدينون ويوصفون .

 وقد يسمون الهوى (ذوقاً) عند الأقدمين أو ( تجربة ) عند المحدثين ، إلا أن الهوىهو المعيار الذي نفسر به حقيقة التصوف ،  وقد جعل القرآن الكريم ( الهوى) نقيضاً للعقل ، ودعا لاستعمال العقل للوصولبه للإيمان الخالص بالله وحده ، وتكرر في القرآن الكريم (أفلا تعقلون ) (لعلكم تعقلون )،ووصف المشركين بأنهم (لا يعقلون ) وبأنهم يتبعون الهوى بلا عقل ({أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً  ؟. أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً } (الفرقان 43 ،44) .ولأن كل منهم يعبد هواه وينكر عقله فقد تفرقوا شيعاً وأحزاباً وطرقاً .

 ومن الملاحظأن الاختلاف سمة أساسية للتصوف يشمل كل شيء من تعريفه إلى اشتقاقاته ورسومهوشكلياته ، حتى يحتسب عمر الشقاق بين الصوفية  بعمر التصوف نفسه ، بل ومرتبطاًبعقيدة التصوف نفسها، حتى أن رويم الصوفي يقول: ( ما تزال الصوفية بخير ما تنافروا فإذا اصطلحوا فلا خير فيهم )".  ( الرسالة القشيرية 218 ).

إشتقاقات التصوف

 والاختلاف قائم هنا ايضا في اشتقاقات لفظ التصوف، هل من الصوف أو أهل الصفاء ..الخ ...يقول القشيري ( وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس.. ثم أن هذه الطائفة أشهر من أن تحتاج في تعيينهم  إلي قياس لفظواستحقاق اشتقاق ) ( الرسالة القشيرية :  217 ). والقشيري أراح نفسه من الترجيح بين الآراء مع إثباته فضل الصوفية ،وفى نفس الوقت نفى صحة هذه الاشتقاقات من حيث اللغة . ويعنينا من هذا كله أن التصوف منذ ظهوره في تاريخ المسلمين في  القرن الثالثالهجري وحتى الآن ، لم يجد اتفاقاً حول اشتقاقه اللغوي في لغة عربية تمتاز بأنها قياسيةفي قواعدها النحوية والصرفية ، وهذا منطقي في دين جديد يعانى من خلاف مستحكم بين أتباعه ، دين يقوم على الهوى أو (ذوق ) أشياخه ومؤسسيه.

مصدر التصوف

والاختلاف قائم بين الباحثين فى مصدر التصوف ، هل هو فارسى ، يونانى ، هندى ..الخ . ومن الخطأ إرجاع التصوف إلي مصدر بعينه ، فكل صوفي تأثر بنشأتهوثقافته ، وعليه يمكن القول بأن مصادر دين التصوف لدى المسلمين تتعدد بتعدد ثقافاتهم وبيئاتهم. ويمكن اعتبار الفرعونية مصدرا للتصوف للمسلمين المصريين خاصة ، فقد كان لأحد مؤسسى التصوف وهو ذو النون المصري اهتمامات و تطواف بالبراري والمعابد الفرعونية أشار إليها المقريزي: ( الخطط جـ1 / 63، 386، 387 ط 1324 .) والمسعودي  فى : ( مروج الذهب جـ2 / 401 . نشر بارتيه ورمنيار ).

بين التصوف والاسلام 

 1ـ  شاع بين الناس أن التصوف فرع من الإسلام ، أو هو الإسلام ، أو هو ذروةالإسلام ، ويقول تعالى (..الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً.. المائدة 3)  ومعناه أن دين الله قد اكتمل بنزول القرآن وتمامه، فلا مجال لأيبشر في أن يضيف لدين أكمله الله وحياً من السماء، فالتصوف إن كان يضيف للإسلامشيئا فذلك غير مقبول ، لأن تلك الإضافة إن كانت ضمن ما قرره القرآن فلا تعد إضافةلأنها موجودة من قبل، وإن كانت تلك الإضافة مختلفة عما قرره القرآن فهي مرفوضةوليست من الإسلام في شيء ، إن التصوف إذا اتفق مع الإسلام في شيء فلا حاجة بناللتصوف لأن لدينا الأصل وهو الإسلام دين الله ، والله جل وعلا سيحاسبنا على ذلك الأصل الذيأنزله ( وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ  الأنعام 135). وإن كان التصوف يختلف مع الإسلام فلا حاجة بنا لذلك التصوف الذي يبعدنا عنديننا الذي ارتضاه لنا ربنا . إنها قضية واضحة لا تحتمل التوسط ، فإما إسلام فقط وإماغيره منتصوف أو تشيع أو سنّة ، إما حق وإما باطل ، ولا وسطية ،يقول جل وعلا :( فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ ؟.. يونس 32 )  إما قرآن فقط وإما أتباع للضلال  (اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء ..الأعراف3).

2ـ وبداية الاختلاف  بين الإسلام والتصوف تكمن في أساس التشريع ؛ ففي الإسلامأساس التشريع لله وحده. والقرآن الكريم يحكم على النبي والمسلمين ، أما التصوففالشيخ الصوفي هو المشرع لأتباعه حسبما يوجهه هواه أو ( ذوقه ) أو (حاله ).  

والاختلاف الرئيس هو حين يضفون على ذلك التشريع البشرى سمة الشرعية ، يدعون أن الصوفي أوتى الكشف أو العلماللدني من الله أو الوحي الإلهي، مع أنه لا وحى في الدين بعد اكتمال نزول القرآن. وإضفاء الوحي والكشف والكرامة إلى الصوفي معناه الدعوة إلى تقديسه والتماس بركتهفي الدنيا وشفاعته في الآخرة ، وتلك سمة الاختلاف الرئيسية بين التصوفوالإسلام ، حيث يكون لله وحده علم الغيب والشفاعة والتصريف في الدنيا والآخرة ، إلا أننا لا نجد صوفياً إلا وادعى لنفسه أو لشيخه لوازم التصوف من الولاية والكرامات والعلماللدني ودعا الآخرين للاعتقاد فيه ، مع أن الاعتقاد لا يكون إلا في الله وحده إلها ووليامقدسا. نطلب منه المدد والعون ، نطلب ذلك منه وحده ،لا شريك له جل وعلا.

وذروة الاختلاف بين الإسلام والتصوف تكمن في العقيدة الأساس في كل منهما ،فعقيدة الإسلام لا إله إلا الله (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.. محمد  19 ) والله الإله الواحد، لا يشبه أحدا من خلقه ، ولا يشبهه احد من خلقه (..لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..الشورى 11 )  وصفات الله لايوصف بها غيره ، فالله واحد في ذاته ، واحد في صفاته ، إذا هو أحد متفرد عن باقي خلقه (قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد). أما عقيدة التصوفالحقيقية فهي (لا موجود إلا الله )  أو ما يعرف بوحدة الوجود والتي تعنى أن العالم جزء من الله، أو إن العالم هو الله ، وانه لا فارق بين الخالق والمخلوق ، وأن الخلق امتداد وفيض من الخالق ، وأن علاقة الخالق والمخلوق  كمثل البحر وأمواجه ، والصوفي الحق عندهم هو الذي يدرك ذلك ويهتكالحجاب ويعلن اتحاده بالله أو حلول الله فيه . وبالقطع فهذه العقيدة تناقض عقيدة القرآن .

3ـ  ولفظ التصوف لم يرد في القرآن الكريم ، اللهم إلا إشارة للرهبنة ليست فيصالح المتصوفة الذين يحاولون ربط التصوف بالرهبنة والزهد، يقول جل وعلا: (.. وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ )(الحديد 27 )، ولم يجرؤ وضّاع الأحاديث المزيفة على كتابة حديثفيه لفظ التصوف ، لعلمهم أن ذلك لم يكن معروفا في الجزيرة العربية وقت ظهور الإسلام ، واكتفوا بوضع أحاديث فيها لفظ الفقر والفقراء، حيث كان الفقر يدل عُرفا على التصوففي عصرهم ، مع دلالة الفقر على الاحتياج للمال في كل عصر.

وورد لفظ التصوف لأول مرة في تراث المسلمين في كتاب الجاحظ ( البيانوالتبيين)( ج 1/ 233 .). وقد كان ابن خلدون أقرب للصواب حين قال عن التصوف أنه من العلومالحادثة في الملة.)( المقدمة 467 . ط المكتبة التجارية )، وخطأ ابن خلدون في أنه اعتبر التصوف علما ، وليس التصوفبعلم ، حيث لا عقل فيه ولا منهج ، وإنما هو ذوق وهوى، ودين جديد  يخالف الإسلام ، وقدظهر بعده بقرنين .

4- والتصوف نوعان : احدهما ديني والآخر فلسفي ،  وإذاكان التصوف الديني يناقض دين الإسلام الذي لا مجال فيه لتقديس غير الله ، فإنالتصوف الفلسفي مرفوض أيضاً، لأن الفلسفة الدينية للتصوف  تعزز بالجدل عقائد التصوف الدينية . والتصوف الديني أدخل مصطلحات دينية مستحدثة في الحياة الدينيةللمسلمين لم يعرفها المسلمون الأوائل في الجزيرة العربية ، ومن المصطلحات الدينية الجديدة التي استحدثها دين التصوف : الكرامة ، المريد، المقام ،الوقت  الحال ، القبض ، الصحو والسكر ، الذوق  الشرب ، المحو والإثبات ، الستر والتجلي،المحاضرة والمكاشفة ، الحقيقة والطريقة ، الوارد، الشاهد، السر، المجاهدة ، الخلوة ، الزهد،الولاية ، .. الخ ، ولكل منها مدلول  في دين التصوف ، وسطرت في ذلك الكتب  وبالطبع هم مختلفون في معناها وعددها. وبعض هذه الألفاظ كان مستعملاً في الإسلام بغير ما يقصده الصوفية ، إلا أنهم أوّلوها واستحدثوا لها مدلولات جديدة تخرج عن الإسلام مثل(الولي والولاية ) . وموضوعات التصوف الديني والفلسفي  تتمثل في الشطحات ،وأحوال الفناء والحلولوالاتحاد والتحقق بالحق ، والإشراق ، وهى تخرج عن نطاق الإسلام عقيدة وعلما وفكرا.

 بين الزهد والتصوف:

اعتبر الكثيرون  أن الزهد مرحلة انتقالية أدت إلى ظهور التصوف في القرن الثالثالهجري، ومنهم ابن الجوزي الذي فرق بين الزهد  والتصوف فقال إن (الصوفية انفردواعن الزهاد  بصفات وأحوال ) وأنّ (.. التصوف طريقة كان ابتداؤها الزهد الكلى )(  تلبيس إبليس : 155 . ). ومع تمسكنا بوجود فروق أساس بين الزهد والتصوف ، إلا أننا نعتقد في أن لكلمن الزهد والتصوف عوامله الخاصة التي ساعدت على نشأته وتطوره منفردا عن الآخر. ودليلنا في استقلالية نشأة الزهد عن التصوف هو استمرار حركة الزهاد بمعزل عن الصوفية ،وقد عاب الغزالي علي زهاد عصره مغالاتهم في الصلاة والصوم والأمر بالمعروف والنهيعن المنكر احتسابا وتشديدهم في أعمال الجوارح فى نفس الوقت الذي هاجم فيهالصوفية المعاصرين له بصفات تناقض ما اشتهر به الزهاد ، فرمى الصوفية المنكرينللفرائض بدعوى وصولهم. للحق واتحادهم به  ( الإحياء : 3/ 341 : 343 ، 199، 344 : 347 ، 3/ 341 : 343 ،199 ، 344 : 347 المطبعة العثمانية ) ، مما يدل على أن الفارق جوهري بين الطائفتين في المعتقدات والسلوك . فالزهاد يتشددون في الصلاة ، والصوفية  ينكرونها لأنهمجزء من الله .

وقد تميز عصر الغزالي بتقرير التصوف ، ولو كان الزهد حركة انتقالية أدت للتصوفلذاب الزهاد في الحركة الصوفية الجديدة المعترف بها ولأنتقلت حركة الزهد إلى متحفالتاريخ عندما توطدت حركة التصوف . وتاريخيا فقد استمر الزهد منفصلا عن تيارالتصوف  الآخذ في الانتشار ، ومع تناقض الزهاد فقد ظل وجودهم قائما حتى بعد أنتمت للتصوف السيادة المطلقة في العصر العثماني، فالجبرتي مثلا يذكر زاهدا في القرنالثاني عشر الهجري هو الشيخ مصطفى العزيزي ت1154 ، وقال فيه ( كان أزهد أهل زمانه في الورع والتقشف في المأكل والملبس والتواضع وحسن الأخلاق ولا يرى لنفسهمقاما .. ولا يرضي للناس بتقبيل يده، ويكره ذلك ، فإذا تكامل حضور الجماعة وتحلّقواحضر من بيته ودخل إلى محل جلوسه بوسط الحلقة فلا يقوم لدخوله أحد..وإذا تمالدرس قام في الحال وذهب إلي داره )( عجائب الآثار 2/ 36 ط 1959 ).   وكان أغلب الزهاد في العصر المملوكي منالعلماء الفقهاء الذين كانت لهم سمات تخالف الصفات الكلاسيكية للشيخ الصوفي، ثم إن الزهد لم يلق في مولده ما لاقاه التصوف من إنكار مما يدل على اختلاف طبيعتهما إلى درجة لا يقبل معها أن يكون أحدهما حركة انتقالية للآخر، فقد بدأ التصوف بالشطح أو إعلان الكفر الصوفي مما أدى لاضطهاد رواد التصوف ، بينما حظي رواد الزهد بإعجابالعامة وعطف الخاصة حيث تركوا متاع الدنيا الذي تقاتل حوله الجميع .

والصوفية الأوائل هم سبب الخلط بين التصوف والزهد، إذ أنهم في اندفاعهم لتقرير دينهم وحمايتهم من المجتمع الذي يضطهدهم جعلوا من أوائل الزهاد المسلمين رواداللتصوف ، مع أنه لم تحفظ عن أولئك الزهاد شطحات صوفية ، مثل الحسن البصري وسفيانالثوري وسعيد بن جبير، وأولئك كانوا يتمتعون بتقدير؛ وطمع الصوفية في أن ينالهم منهشيء.

  ونعود للتصوف ، فقد بدأت جماعات الزهاد منتشرة بين الموالى تتمتع بعطف المجتمعوإعجابه ، فاتصل رواد التصوف بالزهاد واستفادوا منهم مع استقلالية كل حركة. ولم يقعصدام بين حركتي الزهد والتصوف وإنما وقع الصدام بين دينى السّنة والتصوف .

بداية التصوف:

 لنضع الأمور في نصابها الصحيح علينا أن نبدأ بالأساس الذي يجمع التصوفوالإسلام وهو العقيدة ، فالإسلام دين وعقيدة والتصوف كذلك ، والعقائد والأديان علىاختلافها تنقسم إلي قسمين :

ا - دين الله الذي شرعه لخلقه وهو الإسلام الذي جاء به وحي السماء بكل اللغات ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ..) ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ) آل عمران 19، 85 )، وهو يعنى الاستسلام الكامل لأوامر الله وحده وبكل اللغات والسلام مع الناس .

2- الدين الأرضي يخترعه البشر ويختلفون فيه حسب الهوى ، فيحرفون فيدين الله ويفترون عليه الكذب ويقدسون مع الله البشر من الرسل والأئمة ، وهذا هو الشرك أو الكفر، ولا فارق بينهما . ودين الله أسبق في الوجود في التاريخ الإنساني فقد فطر الله البشر على أن يسلموا له وحده (الأعراف 172 ، والروم 30 ) وكانآدم أبو البشر رسولا  لأولاده ( آل عمران 33) وتلاه الأنبياء يقولون نفس العقيدة لا إله إلا الله (الأنبياء 25)، ولكن باللغة التي ينطقونها ، ثم قيلت باللغة العربية في الرسالةالخاتمة.

وهناك قصة للصراع بين عقيدتي الإسلام الخالص والشرك تتكرر في تاريخ الأنبياء؛ فنوح عليه السلام تحمل الأذى حتى انتصر في النهاية ومعه قلة مؤمنة نجاها الله منالطوفان ، وتدور الأيام ، ويعود الشرك إلى قلوب الأحفاد من الذرية فيرسل الله رسولا آخريلقى نفس الأذى فيصمد، وهو يذكر قومه بما حدث من الأسلاف السابقين (وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ...الأعراف69)، ويهلك الله قوم عاد وينجى النبي هودا ومن آمنمعه ، وتدور الأيام فيكفر الأحفاد، و يأتي منهم نبي جديد هو صالح الذي يقول لقومه: ( وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ ...الأعراف74)، وهكذا تستمر قصة الصراع بينالعقيدتين ، ينتصر الرسول ، ثم يعود الشرك بعده متخفيا تحت دعاوى شتى منها حبالرسول نفسه وأصحابه ، ثم يتحول الحب إلى تقديس والتقديس إلى عبادة ، إلى أن يأتيرسول جديد تتكرر معه نفس القصة .

ثم جاء محمد خاتم الأنبياء بمعجزة القرآن الذي فصّل كل ملامح الشرك ورد عليها، وقد حفظ الله هذا القرآن ليكون حجة على البشر إلىيوم القيامة ، خصوصا الذين كرروا مسيرة الانحراف والقرآن في أيديهم ؛ يؤولون آياته ويخترعون مناهج أخرى لأديان ما أنزل الله بها من سلطان.

إن قصة الصراع العقيدي بينالإسلام والشرك لم تنته بانتصار خاتم النبيين ، وإنما استمرت محاولات العقاند الشركية القديمة للظهور تحت شعار الاسلام ، ثم ما لبثت أن انتصرت وانتزعت منه الساحةليصبح المتمسكون بالإسلام الحقيقي قلائل يعانون الاضطهاد ، كما حدث للقلةالمؤمنة في مكة .

وقد بدأت أولى المحاولات الشركية للظهور فيما عرف بحركة الردة التي ارتبطت بإدعاء النبوة والوحي وعلم الغيب مختلطة بعناصر جاهلية عربية كالعصبيةالقبلية والأنفة من سيطرة قريش وعدم دفع الزكاة. وبإخماد أبى بكر لحركة الردة كانتفكيره في دفع العرب للفتوحات شغلا لهم عن تكرار قصة الردة . وكانت الفتوحات عصيانا فاحشا لدين الاسلام ، وأسفرت فى البداية عنضم الشام والعراق ومصر وايران وهى مناطق عريقة في الفلسفات الوثنية والنزعات القومية.

بدأ عرق الردة ينبض عند الفرس أكثر الأجناس المحكومة قومية وتاريخا وكراهية للعرب. كان العرب قد    برروا استبداهم وفتوحاتهم وحروبهم الأهلية ـ دينيا بتشريع مصنوع بأحاديث ، وهو ما عُرف فيما بعد بالسّنة ، أو دين السّنة الأرضى بأحاديثه التى انتشرت شفويا ثم أُتح لها الكتابة والتدوين والتقعيد فى العصر العباسى . عانى الفرس من الاضطهاد خصوصا فى العصر الأموى ، ثم وجدوا ضالتهم في قيام الدولة العباسية بمساعدتهم ، فصار لهم فيهاالنفوذ ، فتطلعوا إلى أتمام استقلالهم بالردة عن الإسلام ، فكثر في العصر العباسي الأولوجود الزنادقة لولا أن العباسيين في قوتهم استأصلوا حركة الردة وقضوا عليها سياسيا. وثاروا عسكريا فى خراسان والشرق فأخمد العباسيون ثوراتهم بالحديد والنار. بعد هزيمتهم العسكرية التفت الفرس فى العصر العباسى الثانى إلى المقاومة الفكرية فى ميادين مختلفة منها تدعيم الدين السّنى نكاية فى الاسلام ، فكان روّاد الحديث فى العصر العباسى الثانى من الفرس كالبخارى ومسلم والنسائى والترمذى وابن ماجة ..الخ ، ومنها استغلال دين التشيع فقربوا بينه وبين عقاندهم القديمة وخلطوه بأغراض سياسية قومية فواجه الشيعة الشدة من بني العباس ودينهم السّنى . فكان إختراع التصوف آخر جهد فارسى فى الكيد للاسلام .

التشيع هو الذى أرسى للتصوف الأسس التي يقوم عليها. ورث التصوف عقائد التشيع ورسومه وتخفف من أوزاره السياسية ، فبدأ حركة دينية عقيدية أكثر، برواد من الأعاجم، تتلمذوا على يد أساطين الشيعة ، (فمعروف الكرخي) الرائد الصوفي كان نصررانيا فأسلم على يد الإمام على الرضى ، وهو من مواليه ، (ومعروف ) هو أستاذ ( السري السقطى)، الذي هو أستاذ (الجنيد) الملقببسيد الطائفة الصوفية ، وقد قال معروف لتلميذه السري : إذا كانت لك حاجة إلى اللهفاقسم عليه بي )، ( الرسالة القشيرية 15، 16 ،32 ).

فأرسى بذلك قاعدة التوسل بالأشخاص وجاههم عند الله . وبدأالتصوف بذلك مشواره العقيدي.

ثم دخلت الخلافة العباسية في دور الضعف حين تحكمفيهم الأتراك ، فاستفاد المتصوفة من ضعف العباسيين فتشكلت خلايا التصوف من شيخومريدين ، وتمت الاتصالات بينهم فيما بين مصر والعراق والحجاز والشام عبر السياحة الصوفية ، ورفعوا لواء الحب الإلهي ليخفوا تحته عقيدة الاتحاد الصوفية ، ومع ضعفالخلفاء العباسيين فلم تمر الحركة الصوفية الجديدة بدون رد فعل فلاحقت الدولة روادالتصوف بالمحاكمات والنفي والاضطهاد حتى اضطر الجنيد لأن يعلن أن (طريقته منوطبالكتاب والسنة )  ( الرسالة القشيرية 15، 16 ،32 )، وفى نفس الوقت يدرّس التصوف في عقر داره بين المخلصين منتلاميذه وبعد أن يقفل باب داره (ويضع المفتاح تحت وركه) خوفا من أن يتهموه بالزندقة ،ومع ذلك فلم ينج من الاتهام بسبب  كلمة قالها ، مما جعله يتستر بالفقه ويختفي ، وحوكمسمنون وذو النون المصري وسهل بن عهد الله، وبلغ اضطهاد الصوفية ذروته بقتل الحلاج  عام  301. ( الطبقات الكبرى للشعراني 10 ، 13 ، 14 ط صبيح ).

ولا يزال الجنيد زعيما للمعتدلين  من الصوفية بسبب ما اشتهر  عنه إعلان تمسكهبالكتاب والسنة حتى أن من أنكر على الصوفية فيما بعد خدعته أقاويل الجنيد التي قالها بالتقية ، فابن الجوزي ت 597 الفقيه السّنى الحنبلى يستدل  بقول الجنيد السابق ويتخذه حجة على الصوفية  الصرحاء الذين أعلنوا عقيدتهم فيما بعد في عصر ابن الجوزي نفسه ( تلبيس إبليس 162، 158 ).  ومع ذلك فإنالأقوال القليلة التي حفظت عن الجنيد تشي بعقيدته الحقيقية التي منع الخوف منظهورها ، فهو يرى أن العارف الصوفي هو ( من نطق عن سرك وأنت ساكت. ) ، أي سنّللصوفية ادعاء الكشف أو علم الغيب ، وسئل عن مصدره الذي يستقى منه أقواله الجديدةفقال ( من جلوس بين يدي الله ثلاثين سنة أسفل تلك الدرجة ، وأومأ إلى درجة - سلم -في داره )  ( الرسالة القشيرية 31 : 32  ) ، فأرسى مقولة العلم اللدني والوحي.

أي أن مسيلمة الحنفي ليس وحده الكذاب.!

التصوف المعتدل لا يفترق عن ادعاءات المرتدين كمسيلمة الكذاب ، غاية ما هنالك أنمسيلمة جاء في عصر قوة المسلمين ، أما "الجنيد" فقد جاء في عصر الوهن حيث ضعفالعباسيين وقوية الشعوبية وتدهور العرب ، حتى أن مصرع الحلاج زعيم الصوفية المتطرفينلم يتم إلا بدوافع سياسية أكثر منها دينية ، وبعد محاكمة زادت على العشر سنوات .وبمرور الزمن تغيرت الظروف أكثر لصالح التصوف فتضاءل الإنكار عليه ، وزاد انتشارهوبدأ يأخذ دوره في اضطهاد خصومه من الفقهاء، فتبدلت الآية ، وبدأت دورة أخرى   من دورات الصراع الديني.

إنتشار التصوف :

 انفتح الصوفية على العوام يرغبونهم في الانخراط فيالتصوف بإقامة حفلات السماع والطرب ، يقول ابن الجوزي (التصوف طريقة كانابتداؤها الزهد الكلى، ثم ترخص المنتسبون إليها بالسماع والرقص ، فمال إليهم طلابالآخرة من العوام لما يظهرونه من الزهد، ومال إليهم طلاب الدنيا لما يرون عندهم من الراحة واللعب )ـ( تلبيس ابليس161 :162 ، 155 : 156 .) . 

ولم يجعل الصوفية من العلم شرطا في مجال التصوف ، بل وقفواموقفا معاديا للعلم فاعتبروه علم الظاهر، بينما ادعوا أنهم اختصوا بالعلم الحقيقي (العلماللدني) الذي يأتي من الله بلا واسطة وبلا تعب أو مذاكرة . وسهل هذا الادعاء دخولالكثرة الكاثرة من العامة في سلك التصوف فزاد بهم قوة وصار معبرا عن العامة أكثريةالمجتمع ، والأكثرية يصفها القرآن بأنها لا تعقل ولا تفهم ولا تؤمن بالله إلا وهى مشركة .

واتصف أساطين التصوف بالمرونة الكافية التي مكنتهم من تحويل غضب الرأى العام ضدشطحات التصوف إلى غضب ضد أشخاص متفرقين من الصوفية مع عدم المساس بمبدأالتصوف ذاته ، فالقشيري مثلا انتقد صوفية عصره واتهمهم بكل نقيصة ليدافع عن مبدأالتصوف ذاته ، يقول في بداية رسالته (إن المحققين من هذه الطائفة - الصوفية ـ انقرضأكثرهم ولم يبق في زماننا من هذا من الطائفة إلا أثرهم .. مضى الشيوخ الذين كانوا بهماهتداء، وقلّ الشباب الذين كان لهم بسيرتهم وسنتهم اقتداء، وزال الورع واشتد الطمع ..وأرتحل عن القلوب حرمة الشريعة ، فعدوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة ، ورفضوا التمييزبين الحرام والحلال ، واستخفوا بأداء العبادات ، واستهانوا بالصوم والصلاة ، وركضوا فيميدان الغفلات ، وركنوا إلي إتباع الشهوات ، وقلة المبالاة بتعاطي المحظورات ، والارتفاقبما يأخذونه من السوقة والنسوان وأصحاب السلطان ، ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوءهذه الفعال ، حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال، وادعوا أنهم تحرروا  عن رقالأغلال ، وتحققوا بحقائق الوصال ، وأنهم قائمون بالحق ، تجرى عليهم أحكامه وهم محو،وليس لله عليهم فيما يؤثرونه أو يزرونه عتب ولا لوم  ، وأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية ،واختطفوا عنهم بالكلية ، وزالت عنهم أحكام البشرية ، وبقوا بعد فنائهم عنهم بأنوارالصمدية ، والقائل عنهم غيرهم إذا نطقوا .. الخ الخ ) فالقشيري يرمى معاصريه في القرنالخامس بكل نقيصة بشرية ، مع إهمالهم الفرائض الإسلامية وادعائهم للإلوهية طبقالعقيدة الاتحاد الصوفية ، ثم يقول ( ولما طال الابتلاء فيما نحن فيه من الزمان ، بما لوحتببعضه من هذه القصة ، وما كنت  لأبسط إلى هذه الغاية لسان الإنكار غيرة على هذهالطريقة أن يذكر أهلها بسوء، أو يجد مخالف لسلبهم مساغاً، إذ البلوى في هذه الدياربالمخالفين لهذه الطريقة والمنكرين عليها شديدة .. ولما أبى الوقت إلا استصعابا، وأكثر أهل العصر بهذه الديار إلا تماديا فيما اعتادوه ، واغترارا بما ارتادوه ، أشفقت على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر على هذه الجملة بني قواعده ، وعلى هذا النحو سار سلفه ،فعلقت هذه الرسالة إليكم .. وذكرت فيها بعض سير الشيوخ لهذه لطريقة في آدابها وأخلاقهم ومعاملاتهم وعقائدهم .(الرسالة القشيرية 4، 5 .). أي أن القشيري يعترف أنه لولا الإنكار علىالتصوف لما أطلق لسانه في صوفية زمانه الذين يعتبرهم خارجين علي مبدأ  التصوف ،ومع ذلك فإن الرسالة القشيرية تحوي من أقوال الشيوخ المعتدلين ما يهدم التصوف ويجعلهنقيضا للإسلام .

وصارت عادة عند محققي الصوفية أن يتهموا الصوفية المعاصرين لهم ويشيدوا بمنسبقهم، حفاظا على مبدأ التصوف وليواجهوا الإنكار عليهم من الفقهاء السنيين الأعداء التقليديينللصوفية.

وعلى نفس الطريق سار الغزالي ت : 505  فأنكر علي صوفية عصره  فى ( الإحياء جـ3 / 343 وما بعدها ، 199.).  ولأنه أصبحرأسا للصوفية والعلماء والفقهاء فقد واجه اتهامه للباقين أسوة بالصوفية فهاجم الزهادوالعلماء والعباد عامة ، والفقهاء خاصة ، وأصحاب الحديث وعلماء الكلام والنحاة على وجه الخصوص  .( الاحياء جـ 3/ 301 : 302 ، 333 :341 ،257 : 258. )، ومع ذلك فالغزالي يقرر عقيدة الصوفية في الاتحاد والعشق الإلهي، ودليله الحديثالمكذوب وتأويل الآيات القرآنية وكلام من سبقه من الصوفية : ( الأحياء 3/23: 25 ، 242 :246 ، جـ4/14 ،17 ، 18 ،22 ، 23 ،26 ،28 ،68 ،74 ،75: 77، 83: 85 ،94 ،100 ،102 ،104 ،211: 214 ،221 ،225 ،227 :228 ، 254 :263 ،266: 267 ،269 ،271 ،277، 278 :279 ،281 ،288 ،291 ،292 ،298 :299 .)

 وصار (إحياء علوم الدين ) قرآن الصوفية وحجتهم في تقرير مذهبهم في ( العالمالإسلامي) ، خاصة أن الغزالي عرض فيه لجانب من جوانب الفقه الممزوج بالعوامل الباطنية والروحية ، وهى الناحية التي تقاصر عنها فقهاء عصره ، فدان له الفقهاء بالتبعية ،وانحصر إنكارهم على أشخاص الصوفية المتطرفين  الذين هاجمهم الغزالي في الأحياء.

وإذا  كان أئمة الصوفية قد بدأوا بالهجوم على بعض الصوفية منهم ليسدوا الطريقعلي خصوم مذهبهم من الفقهاء فإن جهدهم توجه أيضا لاجتذاب العامة ومختلف طوائفالمجتمع ، وتمثل ذلك في إنشاء الطرق الصوفية . وقد  بدأ إنشاء الطرق الصوفية في تاريخمبكر في القرنين الثالث والرابع الهجريين . إلا أن العصر الذهبي للطرق الصوفية بدأ بعد تقرير التصوف كدين (في العالم الإسلامي). أي بعد الغزالي في القرن السادسالهجري، وأهم الطرق : الرفاعية التي أنشأها أحمد الرفاعي ت: 570  في القرن السابع ثمالجيلانية التي أسسها عبد القادر الجيلاني ت651، و الشاذلية لصاحبها أبى الحسنالشاذلي ت 656.

كان  للطرق الصوفية الدور الأول في نشر  التصوف بين  مختلف الطوائف،حتى أنمتطرفي الصوفية لجأوا لتكوين الطرق الصوفية للدعاية إلى مذهبهم كالطريقة الأكبرية نسبة لابن عربي الملقب  بالشيخ  الأكبر ،والطريقة السبعينية نسبة لابن سبعين المرسى .

وفى العصر المملوكي تحول التصوف إلي مجرد ترديد لعقائد السابقين ووضعالشروح عليها وتطبيق تعاليمهم ، فانصرف همّ المتصوفة المملوكيين إلى إنشاء الطرقالصوفية وتفرعها بحسب شهرة الشيخ وكثرة أتباعه ، فتفرعت الطريقة الشاذلية والأحمديةوالسطوحية وغيرها إلى عدة طرق تفرعت بدورها وهكذا .. هذا ، مع انعدام الفارق الحقيقي بين الطرق، اللهم إلا في طريقة الأذكار والزّى والعمائم ولون المرقعات ونصوص الأوراد وأسماء الشيوخ، وبمضي الزمن كان يزداد انتشار التصوف ويتعاظم تقديس أشياخه. وتقل في نفس الوقتثقافتهم وعلمهم، ويزداد تسلطهم علي المنكرين عليهم من الفقهاء.

ومقارنة صغيرة تظهر الفرق بين القرن الثالث والعصر المملوكي ..

فالجنيد اضطرللتستر بالفقه والاختفاء في عقر داره لكي يقول لأتباعه المقربين (العارف هو من نطق عنسرك وأنت ساكت ) وأن علم التصوف جاءه من الله أسفل درج داره، أما في العصر المملوكي فقد كان إبراهيم الدسوقي يقول مثلا ( أنا بيدي أبواب النار أغلقتها ، وبيدي جنةالفردوس فتحتها، ومن زارني أسكنته جنة الفردوس .. يا ولدى إن صح عهدك معي فأنا منك قريب غير بعيد، وأنا في ذهنك ، وأنا في سمعك ، وأنا في طرفك ، وأنا في جميعحواسك الظاهرة و الباطنة ) ـ (الشعراني : الطبقات الكبرى 1/ 157 . ،153 )، وكانوا يسجلون ذلك عنه افتخارا به ..وإذا كان الحلاج قد دفع حياته ثمنا لإحدى شطحاته وأوذي الآخرون ونفوا بسببالشطح ، فإن العصر المملوكي ودينه التصوف ـ قد جعل الشطح ـ أو إساءة الأدب معالله تعالى ـ من مستلزمات  الولاية الصوفية ، يقول الشعراني عن معاصره الشيخ أبيالسعود الجارحي ( وكان رضي الله عنه له شطحات عظيمة )( الشعراني : جـ2 /118. ).

 سيطرة التصوف على العصر المملوكي

تكفى قراءة سريعة لبعض صفحات الحوليات التاريخية المملوكية لنتعرف على سيطرةالتصوف على العصر المملوكي، ولأن التصوف العملي يعني الاعتقاد في الشيخ حيا أوميتا فإن عبارة (المعتقد) بفتح القاف تتردد كثيرا في وصف الآلاف المؤلفة من الأشياخالذين حفل بهم العصر، وبنفس الطريقة يوصف الآخرون بأن  أحدهم (حسن الاعتقاد) أيفي الأولياء الصوفية ، وهذا ما تعارف عليه العصر ورددته المصادر التاريخية دليلا على عمق التأثر بالتصوف وسيطرته .

ومع جبروت السلطة المملوكية  فقد كان السلطان يؤمن بالتصوف ويخضع للشيخ الصوفي يلتمس منه البركات ، وتفصيل ذلك يخرج عن المطلوب ،ولكن نكتفي ببعض الأمثلة :

فالظاهر بيبرس بدهائه وسطوته واستبداده سمح بوجود نفوذ للشيخ خضر بل،وتغاضي عن انحلاله الخلقي لأنه يعتقد في ولايته وفى معرفته للغيب ـ ( النويري : نهاية الأرب مخطوط 28 /41 ،119 ،120 ، تاريخ ابن كثير 13 / 265 ، 178 )، ومع حنكة برقوقالسياسية فقد كان يخضع للمجاذيب حتى أن أحدهم وهو الزهوري (كان يبصق فيوجهه )( إنباء الغمر : جـ2/ 57 ، النجوم الزاهرة ج13 /10 .). وعندما افتتح مدرسته الجامعة أعطاه مجذوب (طوبة ) وأمره أن يضعها فيالمدرسة ، فوضعها برقوق في قنديل وعلقه في المحراب ، وظلت فيه باقية ، يقول عنها ابن إياس في القرن العاشر (فهي باقية في القنديل حتى الآن )( تاريخ ابن إياس تحقيق محمد مصطفى 1/ 2/ 373 ).

ومن دراسة بعض المصادر الصوفية يتضح إلى أي مدى كان الصوفي يتسلط علىمريده الأمير، وكان ذلك عاديا لا يستوجب عجبا ولا إنكارا ، وإلا ما قرأنا هذا الكلامللشعراني في تقعيد علاقة الشيخ بمريده إذا كان أميرا مملوكيا ( وما منّ لله على إني لاأحجب أحدا من الأمراء إلا إن غلب على ظنه دخوله تحت طاعتي بطيبة نفسه ، بحيث يرىخروجه عن طاعتي من جملة المعاصي التي تجب التوبة عليه منها فورا .. وكل أمير لاينشرح صدره ويفرح بقلبه بالخروج عن جميع وظائفه وماله ونسائه ورقيقه ودوره وبساتينهإذا أمره شيخه بذلك فلا يصلح للفقير ـ أي الصوفي - أن يصحبه.. ومن أدب الأمير معالفقير أن يراه في غيبته أعظم حرمة من  بعض ملوك الدنيا) وفى مقابل خضوع الأميرالذليل لشيخه كان الشيخ لا يلتزم بشيء تجاه الأمير، يقول زكريا الأنصاري للأشياخ( إياكم أن تتحملوا عن أميركم جميع الشدة التي نزلت به فتلحقوه بالنساء في العجز و الكسل والنقص  بل أمروه بالتوجه إلى الله تعالى في دفع تلك الشدة ) وعد الشيخالخواص (من جهل الأمير رمى حملته على شيخه ). ومن أدب الأمير ألا يطلب من شيخهأن يكون معه علي خصمه ، وألا يطلب مساعدة  شيخه ، وألا يرى الأمير فضلا له على شيخهبما يرسله إلي زاويته من أصناف الأطعمة  وإذا طرده الفقير عن صحبته ألا يبرح بابه ولايجتمع بغيره من الفقراء، وعلى الأمير الخضوع والذلة لشيخه ، وأن يوالى من يواليهويعادى من يعاديه ،( فمن عادى الشيخ فقد عادى الله )، وألا يطلب من الشيخ حاجة إلاوهو في غاية الذل والانكسار والفاقة ، وأن يأمن شيخه على عياله وحريمه ولو اختلى بهم ، لا يخطر بباله أنه ينظر إلي إحداهن بشهوة ، وألا فقد أساء الأدب على الشيخ ، وأنيمرض لمرض شيخه ، وأن يحزن لحزنه ، وأن يرى النعم التي يعيش فيها من بركة شيخه ،وأن يرضى بحكم شيخه فيه كما يرضى العبد بحكم سيده، والأمير مع الفقير كعبد السوءمع سيده الكريم الواسع الخلق ، وعليه أن يعرض على شيخه كل قليل أفخر ما عنده منالنقود والملابس والمطاعم والمشارب إظهارا لشدة محبته له وبيانا لكونه لا يدخر عنه شيئا ،وأن يخلص النية كلما أراد الخروج لزيارة شيخه فلا تكون لعلة دنيوية أو أخروية )( الشعراني : إرشاد المغفلين . مخطوط 138 : 139 ، 233 : 237 ، 247 : 272 . رقمه بدار الكتب 921 تصوف طلعت .)

 لقدجعل أولئك الصوفية من أنفسهم آلهة على مريديهم من الأمراء والمماليك  وجعلوا لأنفسهمالغنم كله بلا مسئولية دينية أو إنسانية تجاه الأمير المريد، ولولا أن قلب العصر المملوكيكان ينبض بالتصوف لما جرؤ الصوفية على تقعيد مثل هذه العلاقة الغريبة بين الأميروشيخه الصوفي.

والعمارة المملوكية التي لا تزال تزين القاهرة حتى الآن هي أصدق دليل علي ما بلغهالتصوف وأشياخه من منزلة وتأثير على المماليك مهما بلغت قسوتهم، وتلك العمارةالمملوكية آية من آيات الفن المعماري وقد خصصت كلها للتصوف وأنشطته الدينيةوالعملية.

والحياة الفكرية والعقلية للعصر المملوكي إفراز لتأثير التصوف ، حيث دارت الحركةالعلمية بين شرح وتلخيص ونظم للمتون وإعادة شرح التلخيص والمتن دون ابتكار أوتجديد، وحيث فرض التصوف نفسه علما بين المناهج ، وحيث دارت الحياة العلمية فيالمؤسسات الصوفية ، وحيث تصوف الفقهاءوتقهقر مستواهم الفكري وطورد منهم من جرؤ على الاعتراض على الصوفية ، كما حدث لابن تيمية ومدرسته ، وبنفسالقدر الذي ازداد فيه تقديس الأولياء الصوفية الأميين ، وكان تقديس المجاذيب أكبر ما يعبر عن احتقار العصر المملوكي للعقل .

والشارع المملوكي كان أصدق ما يعبر عن سيطرة التصوف على الناس ، فالتوسلبالأولياء كان  أبرز نشاط ديني واجتماعي للناس ، وليس مهم شخصية الولي الحي الذييتوسلون به ويقصدونه من كل الجهات ، فقد اشتهر (عبد اسود) بالولاية فتوافدوا عليه منكل مكان  ، بل أن (طفلة صغيرة  ) بقليوب اشتهرت بالولاية فتوجه إليها الناس أفواجا(فبلغ كرى - أي إيجار - كل حمار من القاهرة إلى قليوب دينار اشرفي، وتوجه إليها جماعة من الخاصكية والأمراء  والأعيان  ).( تاريخ ابن إياس تحقيق محمد مصطفى جـ2 /277 ، 4/ 165 .).

ولا نجد أبلغ من وصف المؤرخ أبى المحاسن في اعتقاد الناس في المجذوب الشيخيحيي الصنافيري  يقول فيه ( اجمع الناس علي اعتقاده وهو لا يفيق من سكرته ، وكانالناس يترددون إليه فوجاً فوجاً من بين عالم وقاض وأمير ورئيس ولا يلتفت إليهم ، ولما زادتردد الناس إليه ، صار يرجمهم بالحجارة ، فلم يردهم ذلك عنه ، رغبة في التماس بركته ،ففر منهم وساح في الجبال (  المنهل الصافي مخطوط جـ5 /481 ، النجوم الزاهرة جـ 11 /118 ، 119 .)،  وكان شمس الدين الحنفي إذا حلق رأسه تقاتل الناس علي شعره يتبركونبه ويجعلونه ذخيرة عندهم ( الشعراني : الطبقات الكبرى جـ2 /183.) ، واقتتل الناس على الشيخ الدشطوطي يتبركونبه ( شذرات الذهب جـ8  /130 لابن العماد الحنبلي .ط 1351 هجرية .)،  وكان الشيخ محمد الديروطي لا يكاد يمشى وحده بل يتبعه الناس ( ومن لم يصلإليه رمي بردائه على الشيخ حتى يمس ثياب الشيخ ثم يرده  إليه ويمسح به وجهه  )  ( الغزي : الكواكب السائرة جـ1/84 : 85 بيروت 1945.)،  ورأى الشعراني ذلك المنظر ، وعقّب علية بقوله : (كما يفعل الناس بكسوة الكعبة  ) ( الشعراني تنبيه المغتربين 93 : 94 ط 1278 .).وذكرالشعراني عن نفسه أنه دخل الجامع الأزهر في صلاة جنازة فاكب الناس علية يقبلون يدهويخضعون له ،  وشيعوه حتى الباب حتى صاروا أكثر من الحاضرين في الجنازة) ( الشعراني : لطائف المنن 263 ط 1988 .)

 وإذ مات الشيخ الصوفي تنافس الناس في الحصول على ماء غسله للتبرك به ، وشراء أثوابه التي مات فيها لأخذها حرزا ، وحين مات الشيخ الشناوي  ( أقتتل الناسعلي النعش وذهلت عقولهم  من عظم المصيبة بهم ، وقد دفن في غفلة عنهم ). ( السخاوي : تحفة الأحباب 370 ط 1302 )  (الدوادار : زبدة الفكرة مخطوط 9/ 475 مكتبة جامعة القاهرة برقم 24028 .السبكي طبقات الشافعية 6/ 127 الطبعة الأولى .،  الشعراني : الطبقات الكبرى جـ2 /117)

 أخيرا

1 ـ تعاظمت سيطرة التصوف حتى تسيد العصر المملوكي ، وبينما قام الحنابلة باضطهاد الصوفية فى القرن الثالث الهجرى تغير الحال فى القرن الثامن الهجرى حين إضطهد الصوفية زعيم الفقهاء الحنابلة ابن تيمية وأتباعه، ثم اضطهاد تلميذه المتأخر فى القرن التاسع. تحكّم دين التصوف في المجتمع  المملوكي سياسيا وحضاريا ودينيا وأخلاقيا ، وكان هذا موضوع بحثنا للدكتوراة فى جامعة الأزهر . واستمرت سيطرة التصوف طيلة العصر العثمانى ، ووقف الصوفية المصريون فى الأزهر ضد الوهابية السنية حين ظهرت فى نجد ، وظل نفوذ التصوف سائدا أجبر دعاة الوهابية فى القرن العشرين على نبذ كلمة الوهابية واستبدالها بالسلف والسّنّة كى يتقبلهم المجتمع المصرى . ثم نشهد حاليا ظهور الدين السّنى الحنبلى الوهابى ، وهو الآن يتحرّش بالصوفية ، وبعدها لا ندرى ماذا سيكون ؟!  

الفصل الثالث ( دين التصوف : لمحة عن أهم عقائد التصوف )

الباب الثالث : الحج فى الدين الصوفى

الفصل الثالث  (  دين التصوف : لمحة عن أهم عقائد التصوف )

مقدمة : أهم عقائد التصوف هي " الاتحاد . والحلول ، ووحدة الوجود " :

 1 ـ   الفارق " شكلي" بين العقائد الثلاثة ، فأصحاب الاتحاد يعتقدون أن الصوفي إذا حسن حاله يصل " للفناء " في المعبود ويستغرق في حال ( المشاهدة ) و ( يتحقق بالحق ) أو يتحد بالله ( تعالى عن ذلك علوا كبيرا ). وأصحاب " الحلول " يعتقدون أن الذات العلية هى التى تتجلى على الصوفي الفاني فى ربه وتحلّ فيه ، فتنمحي في العبد صفة العبودية ويفنى في ربه متحداً فيه ويصير جزءا من الله ( تعالى عن ذلك علوا كبيرا ). و أصحاب  "وحدة الوجود " يعتقدون أن الوجود " بما فيه من خالق ومخلوق " واحد لا تعدد فيه ، وهو الله ( تعالى عن ذلك علوا كبيرا ) ، وأن المخلوقات هي صور يبدو فيها الحق واجب الوجود ،أى أن الله هو نفس المخلوقات ( تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ) وليس له وجود خارج المخلوقات ، ويعتقدون أنّ الصوفي هو الذي يصل إلى هذه الحقيقة التي لا يدركها المحجوبون من بقية البشر ، فإذا زال الحجاب عن قلب امرئ  رأى أن " الشاهد عين المشهود ".

2 ـ وقد يقال أن "عقيدة الاتحاد " لا تختلف في مقولتها عن "عقيدة الحلول" فالاتحاد صعود بالعبد إلى الله و "الحلول " نزول بالإلوهية إلى العبد ، فالخلاف لفظي . ويمكن القول أيضاً بأن الخلاف "كمّي " بين عقيدتي "الاتحاد ووحدة الوجود" فأصحاب الاتحاد يرون للعالم وجودين : خالق ومخلوق ،ثم يتحد الصوفي العارف بالخالق ويحقق الفناء في واجب الوجود ، بينما يتوسع أصحاب الوحدة في هذه المقولة ويجعلونها حقا لكل البشر بل والجمادات ، فهي كلها صور يتراءى فيها الخالق في خلقه .. فعقيدة الاتحاد جزء من عقيدة "وحدة الوجود " أو أن وحدة الوجود هي الهدف الأسمى للقائلين بالاتحاد : أو هي على حد قول بعضهم "الاتحاد المطلق" أي الذي يشمل الإنسان والجماد . ومعنى ذلك أن هناك درجات للعقيدة الصوفية تبدأ ( بالاتحاد والحلول ) وتنتهي( بوحدة الوجود ) أو (الاتحاد المطلق ).

ونعرض لعقائد التصوف كما عرضها الغزالى ،  ثم نناقشها .

   أولا : الغزالي ( 450 – 505) هـ :عقيدة التصوف في( الإحياء ): (درجات  التوحيد عند الغزالي):

1 ـ يقول الغزالى فى ( إحياء علوم الدين ) : ( التوحيد : القول فيه يطول وهو من علوم المكاشفة ) أي أن الغزالي يسد الطريق مقدماً على الفقهاء وهم محرومون من العلم  بالغيب الذي يكاشف الله به أولياءه ، ثم يقول : ( للتوحيد أربع مراتب ، وهو ينقسم إلى لب وإلى لب اللب وإلى قشر وإلى قشر القشر : فالمرتبة الأولى من التوحيد : هي أن يقول الإنسان بلسانه لا إله إلا الله وقلبه غافل عنه أو منكر له كتوحيد المنافقين ، والثانية : أن يصدق بمعنى اللفظ قلبه ، كما صدق به عموم المسلمين وهو اعتقاد العوام ، والثالثة : أن يشاهد ذلك بطريق الكشف بواسطة نور الحق ، وهو نظام المقربين ، وذلك بأن يرى أشياء كثيرة ولكن يراها على كثرتها صادرة عن الواحد القهار . والرابعة أن لا يرى في الوجود إلا واحداً ، وهي مشاهدة الصديقين ، وتسمّيه الصوفية الفناء في التوحيد ، لأنه من حيث لا يرى إلا واحداً فلا يرى نفسه أيضاً ، وإذا لم ير نفسه لكونه مستغرقاً بالتوحيد كان فانياُ عن نفسه في توحيده ، بمعنى أنه فني عن رؤية نفسه والخلق ..).

2- ثم يشرح الغزالي في ضوء ما سبق أنواع الموحدين ، يقول ( فالأول : موحد بمجرد اللسان ، و يعصم ذلك صاحبه في الدنيا عن السيف .. والثاني : موحَّد بمعنى أنه معتقد بقلبه مفهوم لفظه ، وقلبه خال عن التكذيب بما انعقد عليه قلبه ، وهو عقدة على القلب ليس فيه انشراح وانفساح ، ولكنه يحفظ صاحبه من العذاب في الآخرة إن توفى عليه ، ولم تضعف بالمعاصي عقدته ... والثالث : موحَّد بمعنى أنه لم يشاهد إلا فاعلاً واحداً ، إذا انكشف له الحق كما هو عليه ، ولا يرى فاعلاً بالحقيقة إلا واحداً، وقد انكشفت له الحقيقة كما هي عليه ، لا إنه كلّف قلبه أن يعقد على مفهوم لفظ الحقيقة فإن تلك رتبة العوام والمتكلمين .. والرابع : موحد بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد ، فلا يرى الكل من حيث أنه كثير ، بل من حيث أنه واحد ، وهذه هي الغاية القصوى في التوحيد ) [1].

ثانيا : ولنا على الغزالي ملاحظات :

1- أنه جعل للنفاق درجة في التوحيد وذلك ما لم يرد في مدرسة الجنيد ، ثم جعل التوحيد الإسلامي ( لا اله إلا الله ) توحيد العوام ، ويلمح إلى نوع من المقارنة بين الفريقين ، فالأول يعصمه الإقرار بالتوحيد من الموت بالسيف أما الثاني فيعصمه اعتقاده القلبي من العذاب في الآخرة .

 أما الصوفية عنده فلا يأبهون بالجنة أو بالنار ، يقول : ( ولذلك قال العارفون ليس خوفنا من نار جهنم ولا رجاؤنا للحور العين ، وإنما مطالبنا اللقاء ومهربنا الحجاب فقط ، وقالوا ومن يعبد الله بعوض فهو لئيم كأن يعبده لطلب جنته أو لخوف ناره ، بل العارف يعبده لذاته فلا يطلب إلا ذاته فقط ) [2].

ولسنا في مجال التعليق على ذلك النص الذي يجعل الصوفية أنداداً لله ويفضلهم على الرسل الذين كانوا يعبدون الله رغبة ورهبة ، ويكفى أن نقرر أن ترفع الصوفية عن الجنة وسخريتهم بالنار تردد في مواضع شتى في الإحياء [3] كإحدى مظاهر عقيدة الاتحاد التي تسبغ الألوهية على الصوفية .

ثم ارتقى الغزالي  بعقيدته الصوفية إلى المرتبتين الثالثة والرابعة .. بينما جعل المنافقين والعصاة في المرتبة السفلى ثم جعل صالحي المسلمين وهم (العوام ) في المرتبة التالية، وحرم عليهم الصعود لمرتبة العقيدة الصوفية حتى ولو كانوا من المتكلمين والفقهاء زعماء "العامة " ، ذلك لأن أساس العقيدة الصوفية في المرتبة الثالثة قائم على الكشف أي علم الغيب ، وهو للصوفية خاصة من دون الناس : يقول الغزالي عن المرتبة الثالثة ( أن يشاهد ذلك بطريق الكشف بواسطة نور الحق وهو مقام المقربين ) وشرح ذلك الكشف بقوله ( وقد انكشفت له الحقيقة كما هي ، لا أنه كلف قلبه أن يعقد على مفهوم لفظ الحقيقة ، فإن تلك رتبة العوام المتكلمين )..

لم يجد الغزالي سنداً للعقيدة الصوفية إلا الكشف أو الوحي الذي يتلقاه الصوفي من لدن ربه ، ومعنى ذلك أن هناك عقيدة جديدة نزلت من السماء تعلو فوق دين الله (الإسلام) .. ومعنى ذلك أن القرآن لم يشتمل على أسرار تلك العقيدة التي اختص بها الصوفية من دون الناس،ذلك أن القرآن والإسلام هما للعامة وزعمائهم من الفقهاء والمتكلمين ، وهما في الدرجة الدنيا في تقسيم الصوفية ..

قرر الغزالي في المرتبة الثالثة – أو المرتبة الأولى في عقيدة الصوفية – وحدة الفاعل ، ومعنى ذلك أن كل فعل يصدر عن البشر إنما يصدر في الحقيقة عن الله تعالى ، أي يسند أفعال البشر السيئة والدنيئة لله ( تعالى عن ذلك علواً كبيراً ) مع أن الله تعالى يقول (  مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ .. النساء 79 ) . والقول بالجبرية التامة من أسس العقيدة الصوفية التي تجعل الله (الروح ) المسيطر والكامن في المظاهر الحسية، وذلك يتناقض مع الإسلام والثواب العقاب والجنة والنار، وكلها في نهاية الأمر لا تهم الصوفية الذين يهتمون أساسا بالاتحاد أو التأليه.

ثم قرر الغزالي في المرتبة الأسمى وحدة الوجود ، أي أنّ الذوات أو الأشياء المخلوقة على كثرتها ليست إلا وجوداً  واحداً و ذاتاً واحدة  هو الله ( تعالى عن ذلك علوا كبيرا ) حتى أن الصوفي يفنى فلا يرى نفسه ، وبالطبع لن يرى غيره ،لأنه  يرى الله فقط في كل شيء حوله .

2 ـ رغم ما واجهه الغزالي من إنكار فإنه لم يتخل عن عقيدته بل جعلها من مقامات التصوف عنده في كتابه ( إشكالات الأحياء ) الذي رد به على المنكرين عليه ، يقول في مقام المشاهدة : إنها ( ثلاثة : مشاهدة بالحق ، وهى رؤية الأشياء بدلائل التوحيد ، ومشاهدة للحق ، وهى رؤية الحق في الأشياء ، ومشاهدة الحق ، وهى حقيقة اليقين بلا ارتياب)[4]. فالمشاهدة الأولى : إسلامية ، والثانية : تعبر عن الاتحاد ، والأخيرة : عن وحدة الوجود المطلقة .

ثالثا  : وحدة الوجود في الإحياء

1 ـ استخدم الغزالي مهارته في الفلسفة والمنطق في شرح عقيدة وحدة الوجود ، ولم يتورع عن المغالطة . فهو أحيانا يجعل المخلوقات أفعالا لله ويخلط بين الأفعال والصفات الإلهية ثم يخلط بينها وبين الله ، وذلك كله كي يحقق وحدة الوجود بين الخالق والمخلوقات ، أى أنه ليس لله جلّ وعلا وجود منفصل مستقل عن المخلوقات ، بل يجعل الله جل وعلا هو (عين) المخلوقات ( تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ) .  وأن هذه منزلة لا يدركها ولا يشاهدها سوى أولياء الصوفية المكشوف عنهم الحجاب ، أو اصحاب العلم اللدنى الذين يعلمون الغيب . يقول : ( فسبحان من احتجب عن الظهور بشدة ظهوره واستتر عن الأبصار بإشراق نوره .. المتحقق بالمعرفة لا يعرف غير الله تعالى ، و ليس في الوجود تحقيقاً إلا الله تعالى وأفعاله ، فمن عرف الأفعال من حيث أنها أفعال لم يجاوز معرفة الفاعل إلى غيره .. فكل موجود سوى الله تعالى فهو تصنيف الله تعالى وفعله وبديع أفعاله ، فمن عرفها من حيث صنع الله تعالى فرأى من الصنع صفات الصانع كانت معرفته ومحبته مقصورة على الله تعالى غير مجاوزة سواه )[5]

أي أنه قصر الوجود على الله تعالى وأفعاله واعتبر العالم فعلا لله تتجلى فيه ذات الله باعتبار أن الفعل صفة لله. وتناسى أن صفات الله قائمة بذاته لا تنفصل عنه . لذا قال الله تعالى ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ .الإخلاص1) أي في ذاته وصفاته ولم يقل ( كل هو الله واحد ) لأن ( أحد ) تمنع النظير في الذات والصفات معاً .

2 ـ  وهو أحياناً يخلط بين المخلوقات المخلوقة بقدرة الله تعالى والقدرة الالهية كصفة إلهية ، ثم يخلط بين الصفة الالهية وذات الله تعالى يقول ،( وجميع موجودات الدنيا أثر من أثارة قدرة الله تعالى ونور من أنوار ذاته ، بل لا ظلمة أشد من العدم ولا نور أظهر من الوجود ، ووجود الأشياء كلها نور من أنوار ذات الله تعالى)  [6] ).أي أن الموجودات هي قدرة الله ، وقدرة الله هي ذات الله فوجود الأشياء كلها من أنوار ذات الله تعالى ، حسب زعمه .

3 ـ ثم يخلط بين أفعال البشر وأفعال الله التي يجعلها صفات إلهية . ويرى ، أنها – أي الصفات – هي الأصل الذي تصدر عنه أفعال البشر ، يقول : ( والحداد يصلح آلات الحراثة والنجار يصلح آلات الحداد ، وكذا جميع أرباب الصناعات المصلحين لآلات الأطعمة ، والسلطان يصلح الصناع . والأنبياء يصلحون العلماء الذين هم ورثتهم ، والعلماء يصلحون السلاطين ، والملائكة يصلحون الأنبياء إلى أن ينتهي إلى حضرة الربوبية التي هي ينبوع كل نظام ومطلع كل حسن وجمال ومنشأ كل ترتيب وتأليف )[7].

فهنا تدرج يبدأ بالحداد والنجار وينتهي بالله – وليس ثمة فارق في النوع عنده وإنما الفارق في الترتيب ، إذ كل الموجودات صدرت عن الله وأفعالها ترجع في النهاية إليه حسب عقيدة وحدة الوجود ، التي تجعل الجمال الإلهي يشمل كل الكائنات ويبدو فيها وتعبر عنه ، يقول ( وجمال الحضرة الإلهية في نهاية الإشراق والاستنارة ، وفي غاية الاستغراق والشمول حتى لم يشذ عن ظهوره ذرة من ملكوت السموات والأرض ، فصار ظهوره سبب خفائه ، فسبحان من احتجب بإشراق نوره واختفى عن البصائر والإبصار بظهوره )[8].

  أي لأن الناس من غير الصوفية لا يقولون بهذا الرأي ولا يرون في مخلوقاته الظاهرة فقد خفي عنهم بشدة ظهوره في الموجودات ، وهم لا يرونه لأنهم محجوبون ، واستشهد الغزالي على ذلك بقول الشاعر الصوفي ) [9].

   لقد ظهرت فما تخفي على أحد           إلا على أكمه  لا يعرف  القمرا

   لكن بطنت بما أظهرت محتجباً           فكيف يعرف من بالعرف قد سترا

أما الصوفية فلا يرون في الوجود المادي والمعنوي إلا الله ، ولا يرون الله إلا في هذا الوجود أو بتعبيره ( فلم يروا في الكونين شيئا سواه، إن سنحت لأبصارهم صورة عبرت إلى المصور بصائرهم ).[10]

ولأن عقيدة وحدة الوجود لا ترى فارقا نوعيا بين الله والمخلوقات فقد مثّل الغزالي لنظريته وبرهن عليها بما في مظاهر الكون من كثرة وتعدد في الشيء الواحد ليطبق ذلك على الله باعتباره مع الكون المخلوق وجوداً واحداً .يقول عن الإنسان ( الشيء قد يكون كثيراً بنوع مشاهدة واعتبار ، ويكون واحداً بنوع آخر من المشاهدة والاعتبار ، وهذا كما أن الإنسان كثيراً إن التفت إلى روحه وجسده وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه ، وهو باعتبار آخر ومشاهدة أخرى واحد ، إذ نقول أنه إنسان واحد ، فهو بالإضافة إلى الإنسانية واحد، وكم من شخص يشاهد إنساناً لا يخطر بباله كثرة أمعائه وعروقه وأطرافه وتفصيل روّحه وجسده وأعضائه ، والفرق بينهما أنه في حالة الاستغراق والاستهتار به مستغرق بواحد ليس فيه تفريق ، وكأنه في عين الجمع والملتفت إلى الكثرة في تفرقة ،فكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة ، فهو باعتبار: واحد ، وباعتبارات أخرى سواه : كثير ).[11]

فهنا مقارنة بين الله والإنسان ، فكما أن الإنسان واحد لمن ينظر نظرة سطحية إلا أنه أيضا متعدد بأعضائه وجوارحه وخلاياه .. وكذلك يكون الله (واحدا) باعتبار و(كثيراً ) باعتبار آخر .. هكذا يبرهن الغزالي على وحدة الوجود متناسياً أن الله تعالى قال له (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  .. الشورى 11).

4 ـ وبعد المقارنة بالانسان يقارن الغزالى بين الله جل وعلا والجمادات ، كالشمس والماء ويقول : ( كما أن قوام نور الأجسام بنور الشمس المضيئة بنفسها ، ومهما انكشفت بعض الشمس فقد جرت العادة بأن يوضع طشت ماء حتى ترى الشمس فيه ، ويمكن النظر إليها ليكون الماء واسطة يغض قليلا من نور الشمس حتى يطاق النظر إليها ، فكذلك الأفعال واسطة تشاهد فيها صفات الفاعل ، ولا ننبهر بأنوار الذات بعد أن تباعدنا عنه بواسطة الأفعال )[12]

5 – ثم يتهرب الغزالي من الاستدلال على عقيدته بما جاء في كتاب الله ويعلن أن أسرار هذه العقيدة الدينية محظور أن تسجل في كتاب لأنها من ( الكشف )،أو الغيبيات التى هى مكشوف عنها للصوفية فقط ،  وأن من يفشى هذه الأسرار فقد كفر ، ثم أنها لا تتعلق بالفقه وأحكامه الدنيوية ، يقول : ( فإن قلت كيف يتصور أن لا يشاهد إلا واحداً وهو يشاهد السماء والأرض وسائر الأجسام المحسوسة وهي كثيرة، فكيف يكون الكثير واحداً ؟ فأعلم أن هذه غاية علوم المكاشفة ( أى الغيب الذى لا يعلمه إلا الصوفية بزعمه ) ، وأسرار هذا العلم لا يجوز أن تسطر في كتاب ، فقد قال العارفون : إفشاء سر الربوبية كفر ، ثم هو غير متعلق بعلم المعاملة )  [13] . أي الفقه  .

6- ومن خلال ( وحدة الوجود ) نظر الغزالي إلى عقيدة الإتحاد ، والصوفي المتحد بالله ، فقصر تعريف الصوفي على من يؤمن بوحدة الوجود، و سبق  قوله عن الصوفية ( فلم يروا في الكونين شيئا سواه )[14]. وفي معرض حديثه عن شكر الله تعالى قال عن الصوفية (إن نظر بعين التوحيد المحض ( يعني وحدة الوجود ) ، وهذا النظر يعرفك قطعا أنه الشاكر وأنه المشكور وأنه المحب وأنه المحبوب ،وهذا نظر من عرف أنه ليس في الوجود غيره ) ( ..فإذا نظرت من هذا المقام عرفت أن الكل منه مصدره ، وإليه مرجعه ، فهو الشاكر وهو المشكور وهو المحب وهو المحبوب ومن هنا نظر " حبيب بن أبي حبيب " حيث قرأ " أنا وجدناه صابراً نعم العبد أنه أواب " فقال : واعجباه أعطى و أثنى ، إشارة إلى أنه أثنى على إعطائه فعلى نفسه أثنى ، فهو المثني والمثنى عليه ، ومن هنا نظر الشيخ أبو سعيد المهيني حيث قرئ بين يديه ( يحبهم يحبونه ) فقال : لعمري يحبهم ودعه يحبهم فبحق حبهم لأنه إنما يحب نفسه ، إشارة إلى أنه المحب وهو المحبوب ، وهذه رتبة عالية لا تفهمها إلا بمثال على حد عقلك : فلا يخفى عليك أن المصنّف إذا أحب تصنيفه فقد أحب نفسه ، والصانع إذا  أحب صنعته فقد أحب نفسه ، والوالد إذا أحب ولده من حيث أنه ولده فقد أحب نفسه ، وكل ما في الوجود سوى الله تعالى فهو تصنيف الله تعالى وصنعته فإن أحبه فما أحب إلا نفسه )[15].

  ومعنى ذلك أن الكافرين – وهم أيضاً صنعة الله – يتمتعون بحب الله باعتبارهم جزءا منه .. وهو خطأ ،لأن الله تعالى يقول لهم – مثلاً -  ( لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ .. غافر10) ، ولكن الغزالي – كما أسلفنا – لإيمانه بوحدة الوجود فلا يرى بأساً في تمثيل الله تعالى بالبشر . ثم يقول الغزالي ليربط بين الاتحاد الصوفي ووحدة الوجود والإيمان بها (.. وهذا كله نظر بعين التوحيد ، وتعبر الصوفية عن هذه الحالة بفناء النفس ، أي فني عن نفسه ، وعن غير الله  فلم ير إلا الله تعالى ، فمن لم يفهم هذا ينكر عليهم ) [16].

7 ـ ووحدة الوجود هي الأصل في عقيدة الحلول والاتحاد . والحلول هو اتحاد الله بالصوفي والاتحاد هو استغراق الصوفي في الله ، أي أن الحلول هو الصورة السالبة للاتحاد .. يقول الغزالي عن وحدة الوجود ( وهذه المشاهدة التي لا يظهر فيها إلا الواحد الحق تارة تدوم ، وتارة تطرأ ، كالبرق الخاطف ، وهو الأكثر ، والدوام نادر عزيز [17]. ) وقد اصطنع الغزالي أسلوب القصص في الشرح  ..يقول مثلا : (كان إبراهيم بن أدهم سائرا في سياحته ، فسمع قائلا يقول :

                                    كل شيء منك مغفور سوى الإعراض عنّا.

                                      قد وهبنا لك ما فات  فهب  ما  فات  منّا .

فاضطرب و غُشي عليه فلم يفق يوماً وليلة ، وطرأت عليه أحوال ، ثم قال :ثم سمعت النداء من الجبل : يا إبراهيم كن عبداً . فكنت عبداً واسترحت ) .[18]. فإبراهيم بن أدهم سمع بزعمه شعراً اتحادياً فغاب عن طبيعته البشرية ( وطرأت عليه أحوال ) ثم ناداه ربه وأرجعه إلى بشريته فاستراح .. فهنا حلول استمر يوماً وليلة ...

8 ـ ويقرر الغزالى أنّ شعور الصوفي بحلول الله فيه يكون على قدر درجته وتحمله ، وهنا يفترق الشيخ الصوفى الواصل عن تلميذه المريد الصوفى الذى لا يزال فى بداية الطريق .يقول الغزالى  : ( حكي أبو تراب النخشبي أنه كان معجبا ببعض المريدين فكان يدنيه ويقوم بمصالحه .. فقال له أبو تراب مرة : لو رأيت أبا يزيد ؟ ( البسطامي ) فقال ( المريد ) : إني عنه مشغول. فلما أكثر عليه أبو تراب من قوله : لو رأيت أبا يزيد هاج وجد المريد ، فقال : ويحك ، ما أصنع بأبي يزيد ؟ قد رأيت الله تعالى فأغناني عن أبي يزيد ، قال : أبو تراب : فهاج طبعي ولم أملك نفسي ، فقلت :  ويلك تغتر بالله عز وجل ، لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة ، قال : فبهت الفتى من قوله وأنكره فقال : وكيف ذلك ؟ قال له : ويلك أما ترى الله  تعالى عندك فيظهر لك على مقدارك ، وترى أبا يزيد عند الله قد ظهر له على مقداره ، فعرف ما قلت فقال : أحملني إليه ) وتمضي الأسطورة فيموت المريد صعقاً عندما يرى أبا يزيد البسطامي ، ويفسر أبو يزيد البسطامى موت المريد بقوله ( كان صاحبكم صادقاً واستكن في قلبه سر لم ينكشف له بوصفه ، لما رآنا انكشف له سر قلبه فضاق عن حمله لأنه في مقام الضعفاء المريدين ، فقتله ذلك )[19].

أي أن حلول الله في المريد التلميذ يختلف عنه في الشيخ الاستاذ ، فالحلول درجات ، والصوفي إذا تحمل حلولاً فوق طاقته فقد يهلك أو يفقد عقله كما حدث في رواية أخرى سبكها الغزالي : ( روي أن بعض الصديقين سأله بعض الأبدال أن يسال الله تعالى أن يرزقه ذرة من معرفته (أي عقيدة الصوفية في الاتحاد والحلول) ، ففعل ذلك ، فهام في الجبال وحار عقله ووله قلبه وبقى شاخصاً سبعة أيام لا ينتفع بشيء ولا ينتفع به شيء ، فسأل له الصديق ربه تعالى فقال : يا رب أنقصه من الذرة بعضها ، فأوحى الله إليه : إنما أعطيناه جزءاً من مائة ألف جزء من ذرة المعرفة ، وذلك أن مائة ألف عبد سألوني شيئاً من المحبة في الوقت الذي سألني فيه هذا ، فأخرت إجابتهم إلى أن شفعت أنت لهذا ، فلما أجبتك فيما سألت أعطيتهم كما أعطيته ، فقسمت ذرة من المعرفة بين مائة ألف عبد فهذا ما أصابه عن ذلك ، فقال : سبحانك يا أحكم الحاكمين ، أنقصه مما أعطيته !!، فأذهب الله عنه جملة الجزء وبقى معه عشر معشاره .. فاعتدل خوفه وحبه وسكن وصار كسائر العارفين )[20].

وبهذا الافتراء الكاذب يحاول الغزالي أن يجد سنداً لعقيدة الحلول فيما زعمه من وحي كاذب ينسبه لله جل وعلا .والله سبحانه وتعالى يقول:  ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ... الأنعام 93 ) .

ثالثا :  تعقيب على الغزالي ووحدة الوجود

1 ) بالغت بعض الفلسفات في وثنيتها إلى درجة إنكار وجود الله تعالى .. وتطرفت فلسفات أخرى في الرد فادعت أن الله موجود في كل شيء أو أنه مصدر الوجود وأن الأعيان صور للموجود الأكبر يتراءى فيها .

 وكانت مصر والشام والعراق مراكز للفلسفات اليونانية والشرقية بمذاهبها المتعددة من وثنية وإلهية ، وقد سبق للفلسفة أن عمقت الخلاف بين المسيحيين حول طبيعة المسيح ، وأصبحت الفلسفة جزءاً من المسيحية ،وعند الفتح العربى خفُت صوت الفلسفة ثم استيقظ في صورة جدال احتدم بين المسلمين والمسيحيين في عصر المأمون ، وأضطر المسلمون لتعلم الفلسفة كي يردوا بها على المسيحيين الذين حذقوا أساليب الفلاسفة في الجدل والسوفسطائية . وكان يمكن لهم الإكتفاء بالقرآن الكريم ، وقد حوى كثيراً من الحوار مع أهل الكتاب ، إلا أنهم وقد تعلموا الفلسفة فقد وقعوا في هواها . وعملت الفلسفة على بعث المذاهب الدينية القديمة وأهمها وحدة الوجود ..

2 ـ   وقد تعلم  الغزالي الجدل والمنطق والحكمة والفلسفة وبرع فيها وصنّف كتبا. وأشرب حب الفلسفة ووجد صداها في التصوف بفلسفته الوجدانية الأفلاطونية الاشراقية، فآمن به وعلا به وجعله فوق الإسلام،  محاولاً التوفيق بين الحق والباطل متعللاً بشتى الحجج مستفيداً بالفلسفة وما أشاعته من أفكار خاطئة حظيت مع الأسف بالتسليم ، ومنها  أن الإسلام دين وسط بين الكفر وهو إنكار وجود الله ، والشرك وهو الإيمان بتعدد الآلهة .. يقول الغزالي ( التوحيد مسلك حق بين مسلكين باطلين ، أحدهما الشرك والثاني الإلباس ، وكلا الطرفين وسط ، والوسط إيمان محض وهو أحد من السيف وأضيق من خط الظل ، ولذا قال أكثر المتكلمين بتماثل إيمان جميع المؤمنين .. الخ ) [21].

وعجيب أن يشيد الغزالي برأي المتكلمين وهم أكثر الطوائف تعرضاً لنقمته وكراهيته في الإحياء.. ولكنه التأثر بالفلسفة وقد جمع بينهما ..

3) ونرد على الغزالي ووحدة الوجود بتقرير الحقائق التالية :

3/ 1 : عقيدة الإسلام – لا يمكن أن تكون وسطية أو فيها توسط فهي شهادة بأسلوب قصر – أي قصر الألوهية على الله تعالى وحده. وما عدا الله الحق من آلهة فهو باطل (فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ ) (يونس32). فعقيدة الاسلام ( لا اله ألا الله ) لا تحتمل الرأى الوسط بأي حال .. فإما إيمان كامل بالله المسيطر على كل شيء الذي لا شريك له من ولي أو رسول .. وإما شرك أو كفر. وقليل الشرك يحول الإيمان كله إلى شرك ، فإما إيمان كامل بالله وحده إلاهاً وإما كفر وشرك ،  فالمشركون كانوا يؤمنون بالله ولكنهم أشركوا فعبدوا معه الأولياء والوسائط فخرجوا عن عقيدة الاسلام ، ويؤنبهم الله تعالى في الآخرة بقوله ( ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا..) غافر12) . فهم لم يؤمنوا بالله إلا مع الآلهة والأولياء كوسائط فأصبحوا كفاراً .

3/ 2 : الشرك لا يختلف عن الكفر في المفهوم ودليلنا بالإضافة للآية السابقة قوله تعالى (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ... التوبة 17) . فاقترن اللفظان في أكثر من موضع بعبادة الله وعبادة الأولياء والأصنام و( الكفر) ومعناه التغطية والستر أي أنهم ستروا بشركهم عقيدة التوحيد التي فطر الله الناس عليها ..

3 / 3 : الإنسان في حقيقة أمره لا يمكن أن ينكر وجود الله والوهيته ، قد يتمسك بالشرك ولكنه إذا صدق مع نفسه لحظة لأيقن عبث وجوده بمعزل عن قدرة الخالق ، فالله هو الأساس في عقيدة البشر ، وكل ما هنالك أنهم نسوا عهد الله الأزلي فأشركوا وعبدوا معه الوسائط ، قال تعالى ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا ...  الأعراف 172 ). فالبشر فطروا على الإسلام مذ كانوا أنفساَ قبل الوجود الحسي ، أو بمعنى آخر فطرهم على الحنيفية ({فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ... الروم 30) . وكل إنسان يولد على الفطرة مسلماَ ثم يتأثر بما وجد عليه آباءه وبالمجتمع فيتعرف على الشرك .

3/ 4 : ولا محل لإنكار وجود الله الذي أشاعته الفلسفة اليونانية جدلاً بغير حق . فلم يحاول القرآن مطلقاً أن يدلل على وجود الله، وإنما برهن على وحدانيته وعبث الإشراك به..

3 / 5 :عقيدة وحدة الوجود هى الأكثر كفرا ، ورأينا الغزالى وهو يخلط بين الخالق والمخلوق والرب والمربوب، ويجعل في الإله صفات البشر الرذيلة والقبيحة على أساس وحدة الفاعل . يكفي أن جميع العقائد قالت بثنائية الوجود أو الوجود الإلهي والوجود المخلوق ، ووقعت العقائد الضالة فى الزعم بوجود شركة أو شركاء لله جل وعلا من البشر والملائكة ، ولكن مع المحافظة على ثنائية الوجود. إلا أن الصوفية خلطوا بين الوجودين وجعلوهما وجوداً واحداً أي وحدة الوجود ، فمحوا وجود الله جل وعلا وحصروه فى المخلوقات فقط . وهذا غاية في الشر والكفر إذا جعلوا الآلهة تتعدد بتعدد الموجودات من بشر وحجر وحيوان وجماد  ونبات وحشرات وهواء وماء وكل ما تقع عليه العين أو ما تشاهده ، أو على حد قولهم ( أنه الشاهد والمشهود ) تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ...

ومشركوا قريش أهون حالاً ، فقد قالوا بالاتحاد فقط ، وقصروه على الملائكة حين اعتبروها بنات الله ، ونعى عليهم القرآن ذلك ( وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ، أمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ }الزخرف 15، 16 ) .

أما الصوفية فقد قصروا الاتحاد على أنفسهم ثم تكرموا مع الكون فأشركوه في الألوهية ، وجاء الغزالي ليقنعنا بأن ذلك هو التوحيد المحض الذي لم يرد في كتاب ومحظور أن تفشى أسراره ، وأن إسلامنا ما هو إلا الدرجة السُفلى الذي لا يليق إلا بالعوام .

وانتصرت دعوة الغزالي لأن الصراع بين عقيدتي الإسلام والشرك مستمر باستمرار التاريخ الإنساني ، ولكل عقيدة جولة ، وقد انتصر الإسلام بمحمد عليه السلام وسلم على أتباع الشرك وتمت نصرته بدولته ، ولكن لكل شيء إذا تم نقصان . وبدأت حتمية الصراع تفرض نفسها ، وعاد التصوف ممثلاً لأفظع أنواع الشرك العقيدى حاملاً رداء الإسلام واسمه ، يجعل عقيدة الاسلام ( لا اله إلا الله ) في الدرجة السُفلى ، وتم النصر له بزعامة الغزالي الذي أصبح لقبه ( حجّة الاسلام ) كأن الاسلام بالقرآن الكريم ظلّ بدون حجة الى أن ظهر الغزالى فى القرن الخامس الهجرى ليكون بزعمهم ( حجة الاسلام )، مع إنه فى الحقيقة :( حجة ) للتصوف و( عدو  الإسلام ) ..

أخيرا

وإذا كان الغزالى يؤله الصوفية ويجعلهم مع الله جل وعلا فى نفس المستوى ( يجلسون معه فى الحضرة الالهية ) فماذا قال الغزالى عن العبادات الاسلامية التى تعبّر عن عبودية المسلم لله جل وعلا ؟

لقد قال الغزالى بإسقاط التصوف للعبادات الاسلامية .!! ومنها فريضة الحج . موعدنا فى الفصل القادم .



[1]
الإحياء ، جـ 1/ 211: 212 .

[2] إحياء جـ4/ 22.

[3] إحياء جـ 4/ 227 : 228 ، 254، 266، 299، 305 ، 308 ، 309 ، 326 مجرد أمثلة .

[4] إشكالات الأحياء64

[5]  إحياء جـ 2 / 247 : 248 .

[6] إحياء جـ 4 / 370 .

[7] إحياء جـ4 / 104 .

[8] إحياء جـ 4 / 276 .

[9]  إحياء جـ 4 / 277 .

[10] إحياء جـ 2 / 236 .

[11] إحياء جـ 2/ 212 : 213.

[12] إحياء جـ 4 / 370 .

[13]  إحياء جـ 4 212 : 213 .

[14]  إحياء جـ 2 / 236 .

[15]  إحياء جـ 4 / 74 .

[16] إحياء جـ 4 / 74 .

[17] إحياء جـ 4 / 213 .

[18] إحياء . جـ 4 / 74 .

[19]  إحياء جـ 4 / 305

[20] إحياء جـ4 / 288

[21] إشكالات الإحياء : 77 .

الفصل الرابع : الصوفية وإسقاط التكاليف (العبادات) الإسلامية :

الفصل الرابع  : الصوفية وإسقاط التكاليف (العبادات) الإسلامية :

أولا : فريضة العبادات بين الاسلام والتصوف

1- فرض الله تعالى على المؤمنين تكاليف تعبدية كالصلاة والصيام والزكاة  والحج والجهاد وذكره وتسبيحه ،إلى غير ذلك من فرائض يحقق بها المسلم تقواه ويجسد عقيدته الدينية القلبية فى صورة سلوك يأتمر بأوامر الله وينتهى عن نواهيه. والمسلمون سواسية أمام فرائض الله تعالى ،كل منهم يؤديها طالما إكتملت فيه شرائطها.. وأول المؤمنين إمتثالاً لأوامر الله تعالى هم الأنبياء.. بل ربما يُكلّف النبي فى العبادة لله مالا يطيقه المؤمن العادى ،وعلى ذلك فأكمل المؤمنين إيماناً هم أكثرهم لله طاعة، وبحساب الطاعة يكون الحساب الختامى لولاية العبد لله تعالى ..

 2- أما فى التصوف فالشأن مختلف .. فالعقل المجرد إذا أيقن أن الصوفية إدّعوا الأُولوهية انتظر منهم الخطوة التالية وهى إسقاط التكاليف الإسلامية ، فالمنطق يحتم ذلك ، فهذه التكاليف عنوان لعبودية المؤمن لله ، فلا تتفق بأى حال مع دعوى الأُلوهية الصوفية .. والصوفية كانوا صادقين مع أنفسهم وعقيدتهم فلم يتحرج المعتدلون منهم عن الدعوة لإسقاط التكاليف الإسلامية لأنها تتنافى مع عقيدة الإتحاد الصوفية.. وإن غلّفوا عباراتهم بشيء من الغموض وذلك شيء طبيعى ومنطقى فى مجتمع لا يتصور الإعلان عن إسقاط فرائض الله جلّ وعلا وشعائر دينه . من ذلك ما أورده الطوسى فى اللمع من أن الشبلى قال لرجل (تدرى لم لا يصح لك التوحيد) أى الاتحاد الصوفى (قال لا .قال : لأنك تطلبه بإياك)[1]. ويعني أنه يطلب الوصول لله تعالى ب(إياك نعبد وإياك نستعين) أي بالعبادة ،ومتى طلبه بالعبادة فلن يمكن أن يدعى الاتحاد بالله ، إذ كيف تصلى الآلهة لبعضها، وهل يتصور أن يخصع إله لإله؟؟.

ثانيا : الغزالى ومحاولة التوفيق بين دين الاسلام وإسقاط التكاليف الاسلامية عند الصوفية

1 ـ والأمام الغزالى وضع كتابه ( إحياء علوم الدين ) ليعقد صلحا بين الاسلام والتصوف ، ولهذا الهدف قام بتأويل الآيات القرآنية وإفتراء الأحاديث ، وجعل هذا التوفيق لصالح التصوف ،فكان يقرّر عقيدته الصوفية بين سطور كتابه ( إحياء علوم الدين ) مستخدما مصطلحات التصوف الخاصة فى تأليه الصوفية أنفسهم . وقد واجهته مشكلة ( أسلمة ) عقيدة الصوفية فى إسقاط التكليف الاسلامية ، وهى التى يؤمن بها الغزالى نفسه . فكيف قام بالتوفيق بينها وبين الاسلام الذى يتستّر به.؟  .

منهج الغزالى أنه كان ينكر ويندد بمن يعلن هذا من شيوخ التصوف فى عصره ـ، بينما يقوم هو بتقرير نفس العقيدة فى كتابه ( الاحياء ) مستخدما المصطلحات الصوفية وشتى التعليلات والتخريجات ، والتأويل وصنع الأحاديث ( النبوية )، ومعظم أحاديث الغزالى فى كتابه ( الاحياء ) لا أصل لها ، كما يؤكّد العراقى الفقيه الّسّنى الذى قام بتخريج الأحاديث فى ( الاحياء ) وعرضها على ميزان النقد والجرح والتعديل طبقا لمناهج أهل الحديث . ومعناه أن تلك الأحاديث التى أسرف الغزالى فى الاستشهاد بها لم تكن موجودة من قبل ، أى هو الذى إفتراها .  

2 ـ فالغزالى كان ينكر على أوباش الصوفية فى عصره دعوتهم لإسقاط الفرائض. يقول (ظن طائفة أن المقصود من العبادات المجاهدة حتى يصل العبد بها إلى معرفة الله تعالى فإذا حصلت المعرفة فقد وصل ، وبعد الوصول يستغنى عن الوسيلة والحيلة ،فتركوا السعى والعبادة وزعموا أنه ارتفع محلّهم ( أى مكانتهم وقدرهم ـ فى معرفة الله  تعالى عن أن يمتهنوا بالتكليف ( أى أن يذلّوا بالعبادة ) ، وإنما التكليف على عوام الخلق)[2].  وبعضهم (عجز عن قمع صفاته البشرية بالكلية) أى عجز عن إخماد الطبيعة البشرية فى داخله   وعجز عن أن يكون إلهاً متحداً بالله (فظن أن ما كلفه الشرع محال وأن الشرع تلبيس لا أصل له فوقع فى الإلحاد)[3].  أى أن الأولون (وصلوا) بتعبير الغزالى. أى وصلوا لدرجة الأُلوهية فأعلنوا أن التكليف سقط عنهم إذ هو على عوام الخلق ،أى البشر المخلوقين، والآخرون لم يصلوا للأُلوهية فادعوا أن السبب يكمن فى الشرع وتكليفه فأعلن أنه لا أصل للشرع  وأنه تلبيس واعتبر الغزالى ذلك الصنف ملحداً.

ومعنى ذلك أن الدعوة لإسقاط التكاليف قال بها الصوفية جميعاً فى عصر الغزالى، سواءٌ منهم من اعتبره الغزالى صوفياً واصلا  أم من إعتبرهم فى بداية الطريق ، ويعنى ذلك أيضاً أن دعوتهم هذ قوبلت بسخط  الناس وإنكارهم فى عصر الغزالى ، فرأى الغزالى أن يبادر بالإنكار عليهم حفظاً للدين الصوفى من أعدائه الفقهاء الحنابلة .

3  ـ إلا أن الغزالى فى نفس الكتاب ( الاحياء) يقرر عقيدته الصوفية الرامية لإسقاط التكاليف الإسلامية عن الصوفى الواصل ، وذلك بأسلوب ملتو غير مباشر كالشأن به دائماً فى مواضيع التصوف فى كتاب الاحياء ، يقول مثلاً : ( ليس يخفى أن غاية المقصود من العبادات الفكر الموصل للمعرفة والاستبصار بحقائق الحق)[4]. وخطورة هذه العبادة تتجلى فى أن الفقيه العادى يقرأها بطريقة حسنة النية فلا يرى فيها عوجاً ولا أمتاً ، أما قراءة الصوفى – والخطاب موجه إليه أساساً ـ   فيرى فيها تقريراً كاملاً لإسقاط التكاليف الإسلامية ، فالصوفى يفهم أن غاية العبادات هى المعرفة ، والمعرفة هى عندهم الاتحاد الصوفى بالله جلّ وعلا . ( والاستبصار بحقائق الحق )  أى معرفة الأسرار الإلهية اللدنية، أى العلم اللدنى الالهى الذى يزعمون أنه يأتى لقلب العارف الصوفى بالفيض من الله جل وعلا مباشرة حيث يخاطبه الله ويخاطب هو الله بلا واسطة  ، وهذا فرع من عقيدة الاتحاد بالله عندهم . ومعنى ذلك أن الغاية ( وهى المعرفة الصوفية) إذا حصلت للصوفى بجذبة إلهية مثلاً فقد استغنى عن الوسيلة( وهى العبادات) .

3 ـ وفى مواضع أخرى من كتاب ( الاحياء) تعرض الغزالى لعقيدة الصوفية فى بإسقاط  التكاليف الإسلامية  فضرب الأمثلة للتوضيح ، يقول : ( قيل لعبد الواحد بن زيد : ههنا رجل قد  تعبّد خمسين سنة . فقصده ، فقال له : يا حبيبي أخبرنى عنك ،هل قنعت به ؟ قال. لا . قال: هل أنست به ؟ قال : لا. قال : فهل رضيت عنه ؟ قال : لا . قال: فإنما مزيدك منه الصوم الصلاة؟     قال : نعم ، قال :  لولا أن استحي منك لأخبرتك بأن معاملتك خمسين سنة مدخولة) ، أى مغشوشة، ويشرح الغزالى هذه القصة فيقول أن المعنى أنه قال له :  ( إنه لم يفتح لك باب القلب فتترقى إلى درجات القرب بأعمال القلب ، وإنما أنت تُعدّ فى طبقات  أصحاب اليمين لأن مزيدك منه فى أعمال الجوارح التى هى مزيد أهل العموم)[5].  فهذه  قصة وهمية جعلت عبادة خمسين عاماً لاغية عند الصوفى عبد الواحد بن زيد ، لأن صاحبها لم يستشعر المقامات الصوفية الإتحادية من الأُنس والرضا والقرب، أو بتعبير الغزالى فقد حرمت  صاحبها من الترقى فى درجات القرب حتى يصل للإتحاد بالله جل وعلا والوصول الى أن يكون من ( أهل الحضرة ) أى الجلوس مع الله ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، لذا فإنّ منتهى أمر هذا العابد بعد خمسين عاما من العبادة أن يكون من أصحاب اليمين ( التى هى مزيد أهل العموم) أى عموم الخلق الذى لا عمل لهم إلا القيام بالعبادات الإسلامية ،أما الصوفية فهم ـ  بلا عبادة وبلا تكليف ـ  يتمتعون بالقرب من الله والأُنس بالله والمناجاة  مع الله والعشق الالهى ـ  تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا ..

ويلفت النظر هنا أن الغزالى احتج على أولياء عصره مقالتهم بأن التكليف بالعبادات على عوام الخلق فقط وليس عليهم ، وجاء هنا فى قصة عبدالواحد بن زيد فعلّق على العبادات والقائمين بها بأنها ( أعمال الجوارح التى هى مزيد أهل العموم ) فالمعنى واحد . والغزالى يقع دائماً فى التناقض مع نفسه وبإختياره ،. كى يحقق الصلح المستحيل بين الإسلام والتصوف ، فيضطر للإنكار على معاصريه من الصوفية ثم يعود ويقرر ما أنكره أو يؤكد ما ينفيه .

4 ـ  وفى موضع آخر يتحدث الغزالى عن التصوف وأعمال الباطن المزعومة ، ثم يعرض للتكاليف الإسلامية والعبادات ، فيقول ( فأما ما ذكرناه ، فهو تفكر فى عمارة الباطن ليصلح للقرب والوصال ، فإذا ضيّع جميع عمره فى إصلاح نفسه فمتى يتنعم بالقرب؟ !!. ولذلك كان الخوَاص يدور فى البوادى فلقيه الحسين بن منصور ( الحلاج) وقال : فيما أنت؟ قال: أدور فى البوادى أصلح حالى فى التوكل ، فقال الحسين : أفنيت عمرك فى عمران باطنك ، فأين الفناء فى التوحيد؟؟.  فالفناء فى الواحد الحق هو غاية مقصد الطالبين ومنتهى نعيم الصديقين . وأما التنزّه عن الصفات المهلكات فيجرى مجرى الخروج عن العدة فى النكاح ، وأما الاتّصاف بالصفات المُنجّيات وسائر الطاعات فيجرى مجرى تهيئة المرأة جهازها وتنظيفها وجهها ومشطها شعرها لتصلح بذلك للقاء زوجها . فإن استغرقت جميع عمرها فى تبرئة الرحم وتزيين الوجه كان ذلك حجاباً لها عن لقاء المحبوب . فهكذا ينبغى أن تفهم طريق الدين إن كنت من أهل المجالسة ، وإن كنت كالعبد السوء لا يتحرك إلا خوفاً من الضرب وطمعاً فى الأجر فدونك وإتعاب البدن  بالأعمال الظاهرة ، فإن بينك وبين القلب حجاباً كثيفاً، فإذا قضيت حق الأعمال كنت من أهل الجنة ، ولكن للمجالسة أقوام آخرون)[6].  

فالغزالى يظهر هنا على حقيقته كصوفى قح .. فهو ينظر بإحتقار إلى العبادات الاسلامية وطاعة الأوامر والنواهى الإلهية من خلال عقيدته الصوفية بالاتحاد بالله جلّ وعلا ، ومسمياتها الصوفية التى تساويهم بالله ، طبقا للرجس القائل عندهم بالعشق الالهى الذى يساوى بين الخالق والمخلوق ، ويستعمل مصطلحات العشق الالهى الصوفية من القرب والوصال والفناء والمجالسة والحجاب . ويبدأ النص بالغزالى وهويطرح سؤالاً صوفيا يقول : إذا ضيع الإنسان عمره فى إصلاح نفسه بالطاعة فمتى يتنعم بقرب الله تعالى؟  أو بالتعبير الحقيقى إذا أضاع عمره فى الطاعة فمتى يتنعم بالألوهية؟ واستشهد ـ  ليس بالقرآن وإنما بقصة صوفية عن الحلاج كان فيها الحلاّج يشرع للخواص أسهل الطرق للوصول للتأليه أو الاتحاد الصوفى بالله ، وأنها ليست بإصلاح الحال أى بالأعمال الصالحة، وإنما بالفناء فى التوحيد أى الاستغراق فى الألوهية باعلان عقيدة الاتحاد والفناء فى الذات الإلهية ، فذلك ( هوغاية مقصد الطالبين ومنتهى نعيم الصديقين) حسب قول الغزالى. ثم يصف الغزالى أعمال الطاعات بأنها تجرى ( مجرى تهيئة المرأة جهازها وتنظيفها وجهها ومشطها شعرها لتصلح بذلك للقاء زوجها) ، أى كالعروس التى تتجهّز لليلة الدُخلة ، ويصف الإنتهاء عما نهى الله عنه بأنه كخروج المرأة ( عن العدة فى النكاح) باستبراء الرحم من شبهة الحمل . فإذا ظلت العروس تجهّز نفسها لليلة الدخلة فمتى ستتمتّع بلقاء حبيبها ، يقول ( فإن استغرقت جميع عمرها فى تبرئة الرحم وتزيين الوجه كان ذلك حجاباً لها عن لقاء المحبوب) .

5 ـ  ومع بشاعة التشبيه الجنسى الذى قاله الغزالى فى وصفه العلاقة بين الله جل وعلا والبشر ، ومع بشاعة التشبيه للتكاليف الإسلامية فإنه يعكس نفسية الصوفية ونظرتهم لله تعالى ونظرتهم لأنفسهم كألهة يستحقون المساواة بالله ويعشقونه ( والعشق لغويا يعنى اللقاء الجنسى ) ، أى إنهم لا يرون لأنفسهم مقاماً إلا مجالسته وقربه والفناء فيه وعشقه ( تعالى عن ذلك علواًكبيراً).

 والغزالى لا يكتفى بذلك وإنما يعتبر التكاليف الإسلامية التى تعنى تطبيق العبودية لله تعالى ـ  حجاباً ومانعا يمنع الوصول لدرجة المجالسة مع الله والجلوس معه فى الحضرة الالهية ، فإذا أضاع الصوفى عمره فيها فقد حجب عن لقاء المحبوب يقول ( فإن استغرقت المرأة جميع عمرها فى تبرئة الرحم وتزيين الوجه كان ذلك حجاباً لها عن لقاء المحبوب ، فهكذا ينبغى أن تفهم طريق الدين إن كنت من أهل المجالسة ) أى الذين يجلسون مع الله .

ولا يكتفى الغزالى بذلك ، بل يصف الأنبياء والرسل وأتباعهم المؤمنين بأنهم ( عبيد سوء ) لأنهم اتعبوا أنفسهم  بالعبادة خوفاً من النار وطمعاً فى الجنة .. وأولئك إن افلحوا فمصيرهم الجنة، وليس لهم نصيب فى الجلوس فى الحضرة الالهية . أمّا الصوفية فلا يأبهون بالجنة ونعيمها ولا بالنار وعذابها ، لأنّ مرادهم الالوهية وألّا يتم حجبهم عن مجالسة الله والعشق الالهى بالمحبوب ..يقول الغزالى : ( فهكذا ينبغى أن تفهم طريق الدين إن كنت من أهل المجالسة ، وإن كنت كالعبد السوء لا يتحرك إلا خوفاً من الضرب وطمعاً فى الأجر فدونك وإتعاب البدن بالأعمال الظاهرة فإن بينك وبين القلب  حجاباً كثيفاً، فإذا قضيت حق الأعمال كنت من أهل الجنة ولكن للمجالسة قوم آخرون )..

والغزالى اختار لفظ (العبد) عمداً، فالطائعون (عبيد) لله و( عباد الرحمن ) أما الصوفية فهم  آلهة ينزعون للإتحاد بالله ويعتبرونه نداً يجالسونه ويفنون فيه عشقا واتحاداً به .. طريق اتحادهم يكمن فى القلب ،إذ بالقلب أوبالروح يتلقى الصوفى العلم الإلهى ويعلم الغيب وتكون الجذبه الإلهية ،و يصف الغزالى المؤمنين (عبيد السوء)بأن بينهم ( وبين القلب حجاباً كثيفاً)..وذلك الحجاب الكثيف هو الطاعة لله بأداء فرائضه والإنتهاء عن نواهيه..أى ان الفرائض الإسلامية حجاب عنده !!

ثالثا : الشعرانى وتسويغ إسقاط التكاليف فى العصرين المملوكى والعثمانى

1 ـ  وأتاح العصر المملوكى الفرصة للهرب من أداء التكاليف الشرعية ، فالصوفى يحظى بإعتقاد الناس فى كراماته وإن الأرض تُطوى له بخطوة ، أو أنه يتطور أو يتشكل فى صور متعددة ، ومن كان هذا شأنه سهل تصديقه ـ  وهو مصدق صدوق عندهم ـ  بأنه كان يصلى فى مكة أو القدس أو نحو ذلك ، مما سهل الطريق نوعاً ما على إمام التصوف الشعرانى فى القرن العاشر الهجرى ، فهب يدافع عن المقالة الصوفية الشهيرة التى سادت فى العصر المملوكى تزعم أن السالك الذى يصل إلى مقام الاتحاد يرتفع عنه التكليف ، ويفسرها الشعرانى بأنه يسقط عنه التكليف بأداء العبادات بمعنى ألّا تكون العبادة مُرهقة له أو مُملّة له ، يقول الشعرانى : ( قول بعض العارفين أن السالك يصل إلى مقام يرتفع عنه التكليف مرده بهذا التكليف ذهاب كُلفة العبادة فلا يصير يملّ منها .). ثم يؤكّد هذا التأويل بما شاع فى عصره من الاعتقاد فى كرامات الأولياء بحيث يتنقّل أحدهم فى لمح البصر من مكان الى مكان ، أو ما يُعرف بالطى للمكان ، فيصلّى حيث شاء من الأرض بلا مشقّة ، يقول : ( ومن عباد الله من لا يصلى الصلوات الخمس إلا بمكة ، ومن لا يصليها إلا ببيت المقدس ، ومنهم من لا يصليها إلا بالمدينة المشرفة ،ومنهم من لا يصليها إلا بجبل قاف ، ومنهم من لا يصليها إلا فى قبة أرين أو فوق سد اسكندر أوعلى الجبل المقطم [7]. ).  وهكذا ، فسيطرة التصوف أتاحت للشعرانى أن يؤول (سقوط التكليف) بأنها سقوط كلفة العبادة ومشقتها حيث يتمتع الصوفى بكراماته المزعومة بسفر سعيد ومريح وبسرعة الضوء إلى أماكن خاصة يؤدى فيها الفريضة بعيدا عن الناس ، ثم يعود بسرعة الضوء أيضا ، وكأن شيئاً لم يكن وبراءة الأطفال فى عينيه .

أخيرا : لمحة للتذكير :

 1 ـ هذا. ونتأهب فى هذا الباب لبحث الشعائر الدينية التى ارساها دين التصوف فى العصر المملوكى ،وكيف تعامل مع فريضة الحج . ونعيد التذكير بإنّ الحج كالصلاة وباقي شعائر الإسلام ، ليست فرضاً استحدثته رسالة الإسلام الخاتمة بل أن القرآن آخرالكتب السماوية يؤكد أن التشريع الإلهي واحد في أساسياته (الشورى13) كما أن الوحي للأنبياء جميعاً متفق في الإجمال(النساء163،فصلت43،الزمر65). وبينما اندثرت الكتب السماوية القديمة وأهلك الله تعالى الأمم السابقة،فإن ابراهيم عليه السلام يمثل مرحلة متميزة في تاريخ الأنبياء، فقد تناسلت من ذرينته أمة العرب المستعربة وأمة بني إسرائيل، وقد جاء منهم الأنبياء وأنزل الله فيهم الرسالات ، ثم ختمت الرسالات السماوية بالقرآن وكان محمد خاتم النبيين عليهم السلام . والرسالات السماوية التى نزلت في أبناء ابراهيم من الأنبياء كانت تدعوهم للتمسك بملة ابراهيم حنيفاً ، أى إسلام القلب والوجه والعقيدة لله تعالى وحده وتأدية العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج لله تعالى مخلصاً له الدين . وهذا ما يؤكده القرآن  كلمة الله تعالى الأخيرة – للبشر،حين يأمر النبي والمؤمنين وأهل الكتاب وجميع البشر باتباع ملة ابراهيم حنيفاً(البقرة:135 ،آل عمران95 ، النساء 125،الأنعام 161)، وكان الحج للبيت الحرام أهم معالم ملة ابراهيم .فابراهيم هو الذى أرشده الله تعالى لمكان البيت وأمره أن يطهره مما حوله من الأوثان وأن يدعو الناس جميعاً للحج إليه (الحج26)(البقرة125). وأكد القرآن على أن الحج للبيت فريضة عامة على كل البشر،إذ أنه أول بيت وضعه الله تعالى للناس وعلى الناس جميعاً الحج إليه (آل عمران96-) وقد جعله الله تعالى مثابة للناس وأمناً(البقرة125) والحج إليه واجب على جميع البشر،سواء من كان مقيماً في مكة.. او كان يقطع البوادي سفراًإليها(الحج25).

2 ـ وكان سكان الجزيرة العربية من أميين(لم ينزل عليهم كتاب سماوي) ومن أهل كتاب (كاليهود والنصارى ) يحجون إلى البيت الحرام.إلا أن العرب ما لبثوا أن قدسوا الأولياء وأقاموا لهم الأنصاب (الأضرحة) والأصنام   وزحفت تلك الأصنام إلى البيت الحرام ، حيث كانت لكل قبيلة صنم يمثلها عند الكعبة،وأصبح الحج لبيت الله البيت الحرام حجاً لتلك الأصنام المقدسة،هذا بالإضافة إلى كعبات أخرى أو موالد أخرى أقيمت في مناطق متفرقة. وأصبح لهذا التدين مصالح تجارية وأجتماعية وعلاقات متشابكة.وهذا ما نزل القرآن لإصلاحه داعياً للعودة إلى ملة ابراهيم الحنيفية،بأن تكون العقيدة والإيمان والعبادات والأخلاق خالصة لله تعالى وبلا تقديس لبشر أو حجر.ونجح خاتم النبيين أخيراً في العودة بالعرب إلى ملة ابراهيم في الصلاة والصيام والحج والزكاة.. ولكن مالبث أن عاد التواتر القرشى الجاهلى بعد موت النبى عليه السلام ، وتم تشريعه فى الدين السّنى كما سبق تفصيله . 

3 ـ وظهر دين التصوّف فكانت له طقوسه النابعة من عقيدته فى الحلول والاتحاد ووحدة الوجود والحقيقة المحمدية . وتأثرت بهذا فريضة الحج  عندهم .فالحج لم ينج أيضاً من عبث الصوفية .

والموقف الصوفي من فريضة الحج تفرع إلى ثلاثة أتجاهات،يكمل بعضها بعضاً :

أولاً : دعوة الصوفية لإهمال الحج الإسلامي والتهوين من شأن الكعبة ،

ثانياً: تشريع الحج الصوفي للأولياء الأحياء والأضرحة ،بنفس شعائر الحج الإسلامي تقريباً،

وثالثاً: التحوير في فريضة الحج الإسلامية بما يتلائم مع دين التصوف .

ويلاحظ أن موقف الصوفية من الحج يتناغم وموقفهم من الصلاة.. فهم أهملوها وحوروها وشرعوا لهم صلاة.. وصلاتهم للأولياء أو توسلهم بالأولياء يعني الاتجاه للولي بالزيارة والحج، فنظراَ لتعدد الأولياء وتواجد كل منهم في مكان فإن الصلاة لا تحلو  للصوفي إلا بين يدي الولي حياً أو مقبوراً في ضريح .. وهنا تتلازم عندهم فريضتا الحج والصلاة.. أو الزيارة والتوسل.. وتقوم (الموالد) الصوفية بالجمع بين الفريضتين (الصلاة والحج)أو(الزيارة والتوسل) ..والزيارة هى الحج،فالحج يعني في اللغة القصد (حج البيت أى قصد البيت ويقال حجيت الموضع أحجه حجاً إذا قصدته،ثم سمي السفر إلى البيت حجاً دون سواه)[8]أو(الحج في الأصل:القصد وفي العرف قصد مكة للنسك)[9]..

وإذا كانت زيارة البيت الحرام في وقت معين يسمى حجاً فإن زيارة الأنصاب والأضرحة في وقت معين والتمسح بها وإقامة الشعائر حولها بما يتشابه وشعائر الحج لا تفترق عن حج المسلم للكعبة..من حيث القصد والتقديس والعبادة ..

وهذا ما كان معمولاً به في العصر الجاهلي .. حيث حرفوا في نسك الحج مع قيامهم به منذ دعوة ابراهيم عليه السلام في نفس الوقت الذي قاموا فيه بالحج إلى الأنصاب والبيوت المعظمة في أوقات معلومة..

وأعاد التصوف هذه الجاهلية، إذ دارت الحياة الدينية فيه حول القبور المقدسة ؛بالصلاة والحج اليها .

وموعدنا الآن مع تفصيل ذلك كله..



[1]
اللمع 53.

[2]احياء جـ 3 /199.

[3]احياء جـ3/199

[4]احياء جـ 3 /73.

[5]احياء جـ4 /299.

[6]احياء جـ4 /367: 368.

[7]اليواقيت والجواهر153

[8]أبو بكر السجستانى * القرآن 73 نشر صبيح .

[9]الرازى .مختار الصحاح     (حج).

الفصل الخامس :( دعوة الصوفية لتحقير الكعبة )

الفصل الخامس :( دعوة الصوفية لتحقير الكعبة )

أولا : إستنكاف الصوفية من التوجه للكعبة في الصلاة:

1ـ يقول ابن عربي (اتفق المسلمون على أن التوجه للقبلة شرط من شروط صحة الصلاة ، ولولا أن الإجماع سبقني في هذه المسألة لم أقل أنه شرط .! )[1].  أى أنه لولا إجماع المسلمين على التوجه للكعبة في الصلاة لما سلم ابن عربي بهذا الشرط في الصلاة ، ففي كلام ابن عربي رائحة تشكيك حين يقول ( اتفق المسلمون) و (الإجماع) فهو يوحي بأن التوجه للقبلة في الصلاة جاء شرعا من اتفاق المسلمين واجماعهم وليس مصدره الشرع القرآني .

والتوجه للكعبة جاء أمراً صريحاً للنبى عليه السلام والمؤمنين في القرآن الكريم ( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ )( 144) (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ )(150) البقرة ) .  وطبق الرسول عليه السلام ذلك الأمر وتبعه المسلمون .ثم جاء ابن عربي فى القرن السابع الهجرى ليتجاهل هذه الآيات الصريحة، ولينزل بدرجة التشريع في التوجه للكعبة إلى مجرد الإجماع ، ولولاه ما اعتبر الكعبة محلاً للتوجه في الصلاة ..

2- والشعراني – في العصر المملوكي – يتابع استاذه ابن عربي في محاولة التشكيك في الكعبة كقبلة للصلاة، يقول وهو ينسب الرأى لشيخه الخواص ( وكان الخواص أميا لا يقرأ ولا يكتب ) : ( وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول مراراً : الإنصراف عن الصلاة إلى أى جهة شاء خاص بالأكابر الدائرين مع الأمر لا مع العلل ، فإذا رجّح الشارع بقعة قلدناه في ذلك ونسخنا ما في عقلنا ، وتأمل لو قال إنسان أن بقعة الكعبة كآحاد البقاع لا شرف لها مع غيرها ، كيف يخطّئه المسلمون كلهم )[2].

فالشعراني يرى أن من حق الأكابر – وهم عنده الأولياء الصوفية – أن  يصلّوا إلى أى جهة شاءوا دون التقيد بالقبلة . أما صغار الصوفية فمضطرون للتقليد والتوجه للكعبة ومخالفة العقل – عقلهم، الذى يرى ان الكعبة لا تشرف على غيرها من بقاع الأرض،وحرصاً منهم على ألا يخطئهم اجماع المسلمين..

3 ـ والطريف أن الصوفية يتمسحون بالعقل حين يرفضون تميّز الكعبة بالشرف على غيرها.. ومعلوم أن الصوفية دائماً ينبذون العقل ، فكيف يحتج به الشعراني حين يقول (فإذا رجح الشارع بقعة قلدناه في ذلك ونسخنا ما في عقلنا، وتأمل لو قال إنسان.. إلخ)..

والعقل الذي ظهرت أهميته فجأة للشعراني لا يوافق الصوفية على هواهم إذا كان عقلاً إسلامياً، فالعقل الإسلامي يستجيب لأمر الله تعالى دون لجاج أو جدال ، ويؤمن ويصدق بإخلاص شرف الكعبة كبيت لله تعالى وكحرم اختاره وفضله على سائر بقاع الأرض.. فهى كذلك طالما قال سبحانه وتعالى: ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97)المائدة97) (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (91) النمل91 ). والعقل الإسلامي يرفض أن يكون صاحبه ممّن يصد الناس  عن بيت الله الحرام في الصلاة والحج،ويتعرض لعقوبة رب العزّة جل وعلا، وهو القائل : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) الحج )   

4- والواقع أن التشكيك الصوفي ضد اتخاذ الكعبة قبلة في الصلاة يحركها حقد صوفي دفين ، ينقم على الكعبة أن تكون – دون الولي الصوفي – محل إتّجاه الناس. فالشيخ الصوفى يتمنى ان يتوجه اليه الناس بصلاتهم وليس نحو الكعبة، والمريد الصوفي يتمنى لو يتوجه بصلاته إلى شيخه وليس للكعبة ، ويرى في إرغامه في الاتجاه للكعبة عائقاً عن بلوغ الغاية في تقديس الشيخ ،ويتضح ذلك من قول أبى العبّاس المرسي : ( لو كان الحق سبحانه وتعالى يرضيه خلاف السّنة لكان التوجه في الصلاة إلى القطب الغوث أولى من التوجه إلى الكعبة)[3]. ( المرسى أبو العباس ) هنا جعل التوجه للقطب الصوفي أولى في الحقيقة من التوجه للكعبة، وعلل الإتجاه للكعبة بأنه مجرد متابعة للسنة . إنّ الأمر بالإتجاه للكعبة ورد في القرآن الكريم ، بيد أنّ  ابا العباس المرسى يتابع ابن عربي في التهوين من أدلة التشريع قي إتخاذ الكعبة قبلة . والمرسي يعنى نفسه في مقالته الآثمة تلك في الاتجاه بالصلاة إلى القطب الغوث ، فقد كان يزعم إنه هو القطب الغوث .!! أى يريد أن يتوجّه الناس اليه فى الصلاة بدلا من الكعبة ، لولا ( السّنة ) حسب زعمه . وقد ذكر ابن عطاء تلميذ أبى العباس المرسى في ترجمته ما يؤيد ذلك.. يقول ابن عطاء فى كتابه ( لطائف المنن ) الذى كتبه فى مناقي المرسى والشاذلى  : ( واخبرني الشيخ نجم الدين أيضاً قال: قال لي شيخي : إذا لقيت القطب فلا تصلين وهو وراءك،فجئت يوماً إلى أبي العباس وهوبالإسكندرية عند صلاة العصر فلما دخلت عليه قال: أصليت العصر قلت: لا ،قال: قم فصل. وفي المكان الذي هو فيه إيوانان قبلي وبحري، وكان الشيخ جالساً في البحري ، فلما قمت لأصلي ذكرت ما قاله شيخي إذا لقيت القطب فلا تصلين وهو ورائك وعلمت أني إذا صليت كان الشيخ وراء ظهري، فأقام الله بقلبى حاله، وقلت حيثما كان الشيخ هناك القبلة، فتوجهت ناحية الشيخ واردت أن أكبِر،فقال الشيخ : لا،هو لا يرضيه خلاف السنة)[4].، أى تواضع المرسى أبو العباس ورفض أن يتوجه اليه مريده بالصلاة لأنّ ذلك يخالف ( السّنة ).!!

ثانيا  حقدهم على الكعبة والطواف بها في الحج :

1- في الوقت الذي يعتبر فيه الصوفية شيخهم مستحقاً للتقديس  وقبورهم موضع العبادة، وفى الوقت الذى يدعون فيه الناس لتقديس شيوخهم وقبورهم المقدسة فإنهم من واقع هذه العقيدة يحقدون على الكعبة ويعتبرونها وثناً منافسا لهم ، يستأثر من دونهم باتجاه الناس إليه وطوافهم حوله . والمرسي أبو العباس صاحب القول السابق في أحقية القطب بالاتجاه إليه في الصلاة ، يقول للحجّاج المتوجهين للكعبة : ( إذا وصلتم إلى مكة فليكن همكم رب البيت لا البيت، ولا تكونوا ممن يعبد الأصنام والأوثان ) [5]...

بيد أن هذا المعنى أصيل في العقيدة الصوفية أورده الجنيد – المشهور بالاعتدال – ضمن قصة ــ وأسلوب القصص من طرق التشريع الصوفي ــ  فالجنيد يحكي أن امرأة مجهولة قالت له حين الطواف (أنت تطوف بالبيت أم برب البيت ؟ قلت : أطوف بالبيت، فرفعت رأسها للسماء وقالت : سبحانك سبحانك ما أعظم مشيئتك في خلقك ، خلق كالأحجار يطوفون بالأحجار ، ثم انشأت تقول :

يطوفون بالأحجار يبغون قربة

                                       إليك وهم أقسى قلوباً من الصخر

وتاهوا فلم يدروا إليه سيرهم

                                            وحلوا محل القرب في باطن الفكر

فلو أخلصوا في الود غابت صفاتهم

                                             وقامت صفات الود للحق بالذكر..

قال الجنيد: فغشى على من قولها،فلما أفقت لم أرها)  [6].

وبهذه الأقصوصة الخيالية يشرع الجنيد – سيد الطائفة الصوفية عندهم – أن الحج للكعبة هو تقديس للأحجار وأن الأفضل منه أن يعمر الباطن بالتصوف، وتفنى فيه الصفات البشرية لتقوم مكانها صفات الحق  ويتحقق الرجل بالله، ويصبح الاها حسب المعتقد الصوفى فى الاتحاد بالله ( تعالى عن ذلك علوا كبيرا ) وبالتالى فلا داعى للحج أو أى عبادة ، وطالما إنّحد بالله فيستغني عن الكعبة وغيرها، وكيف يحج للكعبة حينئذ وقد أحيا الألوهية في داخله حين زال الحجاب عن بشريته وتحقق بالحق؟؟ على زعمهم.!!

2- ولمجرّد التذكير ، نكرر ونؤكّد على الآتى :

2 / 1 : إنّ الله سبحانه وتعالى -  هو وحده -   المشرع في دينه، و المؤمن مطالب بالطاعة السريعة لكل أوامر الله تعالى حتى لو عجز عن فهم المقصود منها ، فيكفيه أن الله تعالى أمر بذلك فيسارع بالطاعة. بذلك يلتزم كل مؤمن وكل المؤمنين ، وأولهم الملائكة. فالله سبحانه وتعالى ينهى عن السجود لغيره ، ومع ذلك اختبر الملائكة فأمرهم بالسجود لآدم فسجدوا أجمعين.وسجودهم ليس لذات آدم أو شخصه وإنما إطاعة لأوامر الله تعالى . والله جلّ وعلا  ينهى عن قتل الأبناء ، ومع ذلك أمر ابراهيم عليه السلام بقتل ابنه. وجاء الأمر فى صورة منامية غير مباشرة .إلا أن ابراهيم سارع مع ابنه اسماعيل – عليهما السلام – بتنفيذ الأمر، وكان الفداء ، ونجح الوالد والولد فى إختبار الطاعة.

والله تعالى اختبر عباده بالفرائض كالصلاة والصيام واختبرهم بالنواهى ..وغيرها ، وغاية المؤمن أن يسارع بالطاعة انصياعا لأمر الله تعالى وحباً فيه .. ومن ذلك أن الله تعالى أمر ألا يقدس غيره ومع ذلك أمر أن يطاف حول موضع معين فى الأرض ،والمؤمن مطالب بالطاعة حتى لو خفى عليه –إلى حين – الحكمة فى الأمر.. هذا شأن المؤمن . وقد عصى إبليس ربه ورفض الأمر بالسجود لآدم : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (61) الإسراء )،وجادل ابليس وأبى واستكبر ، فحقت عليه اللعنة . وعلى طريقه سار أولياؤه من بعده يشككون فى أوامر الله تعالى ويشرعون لأنفسهم ، ومن ذلك موقفهم من الكعبة حيث اعتبروها وثناً، أما أنصابهم والطواف عليها وتقديسها فذلك دينهم .

2/ 2 : الصوفية المسلمون أكثر البشر عبادة للأحجار والأوثان والأنصاب . ومع ذلك هم يتهمون الكعبة بأنها وثن . وأن الطواف حولها عبادة للأوثان ، وتناسوا أنهم يطوفون بأضرحتهم وأوثانهم وأنصابهم ، ثم لا يعتبرون هذا عبادة للأوثان . مع أن الأمر مختلف تماما فى موضوع الكعبة والطواف حولها . لقد استغل الصوفية الفرصة فى أن الكعبة مقامة من أحجار لا تختلف   ــ حقيقة ــ عن الأحجار التى يطوف حولها عبدة الأنصاب والأصنام ، فقاموا يشككون ويصرحون بأنها وثنً معبود ، وتناسوا أن المراد ليس تعظيم الكعبة وأحجارها وإنما المراد هو تعظيم الآمر تعالى بإطاعة أمره، حتى لو تعارض ذلك الأمر مع مبلغ علم الناس وغاية اجتهادهم .

2/ 3 : إن لله سبحانه وتعالى فى كل أوامره ونواهيه حكمة بالغة قد  تعلو على مدارك الناس فى عصر معين . إلا أن الله سبحانه وتعالى يدّخر كشفها وإبانة وجه التشريع فيها إلى عصر لاحق لتكون فيه إحدى الآيات المتجددة. ومن ذلك أن الله تعالى حرم الأكل من الميتة، وقد جادل المشركون في ذلك بحجة أن الميتة قتلها الله فكيف نفضل عليها ما نذبحه نحن.. وقد رد القرآن آمراً المسلمين بعدم الجدال معهم : ( وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121 )الأنعام ).. أى إن أطعتموهم في الجدال في أوامر الله تعالى لأصبحتم مثلهم من أولياء إبليس الذي عصى ربه وجادل في أمره،وقد اكتشف عصرنا خطورة الأكل من الميتة وأن الذبح بالطريقة الإسلامية أطهر وأفضل وأكثر صوناً للذبيحة من الفساد والتلوث، أو هى(زكاة) وتطهير للذبيحة .

 وقد اكتشف عصرنا الحكمة في اتخاذ الكعبة قبلة ومقصداً للحج، فقد اكتشف بالصدفة أن مركز الأرض يقع في مكة بالضبط.. وقد أقيمت مكة حول الكعبة تحوطها من جميع الجهات، ومعنى ذلك فالكعبة هى منتصف مكة وهى النقطة الوسطى لهذا الكوكب الأرضي .. وإذا تخيلنا الأرض كرة فإن نقطة الكعبة هي التي تلتقي عندها جميع المسافات بالتساوي . وقد ظهر ذلك حديثاً في معرض اجراء للمسافات البحرية طولا وعرضا استخدمت فيه أحدث وسائل القياس العصري الإلكتروني .

وكما قلنا فالكعبة ليست حيطاناً تقام، فقد أقيمت تلك الحيطان وتهدمت أكثر من مرة ، وإنما هي مكان يقام حوله بناء يحدده مكان يمثل مركز الأرض، لذا يقول تعالى عن بناء ابراهيم للكعبة (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ )(26)( الحج), أي بيّنا له المكان فقام برفع قواعده  (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) البقرة 127).، أى كانت قواعد واساسات البيت العتيق موجودة ، ورفعها ابراهيم واسماعيل عليهما السلام ، وأقاما حوائط البيت أو الكعبة . فالطواف حول المكان وليس البناء ، ولذلك فإن الطواف يحرم فيه لمس البناء أو الكعبة،حتى لا يتحول لمس البناء إلى تقديس للحجر.  

ولقد جعل الله من هذه النقطة في الأرض حرماً مكانياً  له.. حرَمه ، وأمر بالحج إليه ، وجعل الرسالة الإسلامية الخاتمة تنبع من هذا المكان كمركزالعالم ، والرسالة الخاتمة رسالة عالمية فناسب أن تنبع من مكة مركز العالم. وإليها يتوجه المسلمون من كل أنحاء العالم خمس مرات حين الصلاة ، ويتوافد إليها الحجاج من كل فج عميق في الأشهر الحرام يحجون للبيت العتيق ، أقدم بيت أقيم على هذه الأرض المعمورة : (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29  0(الحج )  (  إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ (97 )(آل عمران  ).

ومن إعجاز القرآن الكريم أن أشار إلى أن مكة هى مركز الأرض ، ولذا كان اختيارها مهداً للنبي الخاتم والرسالة القرآنية العالمية ، يقول تعالى عن القرآن ومكة مركز العالم :(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7) الشورى). فمكة هي أم القرى ، أى مركز الكرة الأرضية ومركز هذا العالم بكل قراه وتجمعاته السكانية..والرسول مبعوث بالقرآن الرسالة العالمية لينذر أم القرى ومن حولها من قرى أى كل العالم ، وإذا مات فعلى أتباعه أن يواصلوا مسيرته ويصلوا بدعوته إلى كل قرية في العالم معززين بالقرآن المعجز لكل عصر ومكان. يقول جل وعلا :  (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا )(92) (الأنعام 92).

2/ 4 ـ وهكذا يتبين لنا حكمة الله تعالى بتشريعه الحج للكعبة والتوجه نحوها في الصلاة ، فالبيت الحرام هو الحرم المكاني في منتصف الكرة الأرضية ، وقد جعله الله تعالى للناس جميعاً مثابة للناس وأمناً، في كل الأيام، ولله تعالى حرم زماني وهو الأشهر الحرم (تبدأ بذي الحجة وتنتهي بربيع أول) وفي الحرم الزماني أو الأشهر الحرم منع الله تعالى القتل والقتال (التوبة 1 :5، 27) وجعل الحج أثناء هذه الأشهر الحرم ( البقرة 197 ) وأراد الله تعالى فيمن يحج إلى الحرم المكاني (الكعبة) في وقت الحج أى الحرم الزماني أى الأشهر الحرم أن يكون محرماً يؤدي مناسك الحج ، ممتنعاً عن بعض المباحات ، مخلصاً قلبه حتى من نوازع الشر (الحج25) وهذا هو معنى الحج، أي تتعانق الحرمات الثلاث(الحرم المكاني والحرم الزماني والحرم الإنساني) أي القلب فيمتنع القلب المؤمن عن تقديس غير الله وعن إرادة الشر (الحج25) ويؤدي مناسك الحج في أفضل حالات التقوى . وشيوخ الصوفية بعلمهم اللدنى المزعوم أجهل الناس بالاسلام والقرآن ، وقد استخدموا جهلهم اللدنى فى ( تحقير ) الكعبة وبيت الله الحرام .

ثالثا : تفضيل الولى الصوفى على الكعبة

1 ـ وقلنا إنّ التشكيك الصوفي في الكعبة كقبلة للصلاة أو كمقصد للطواف ينبع من رغبة دفينة في أن يتجه الناس إليهم بدلاً منها . وسنبحث فيما بعد مظاهر الحج الصوفي للأنصاب والأولياء. وإنما نعرض الآن لمحاولات الصوفية في تفضيل الولي الصوفي على الكعبة لنتعرف على هدفهم في عداء الكعبة ..

2 ـ يقول الغزالي في الإحياء حديثاً موضوعاً لا أصل له وهو(أن الله تعالى شرف الكعبة وعظمها، ولو أن عبداً هدمها حجراً حجراً ثم أحرقها ما بلغ جرم من استخف بولي من أولياء الله تعالى)[7].

وقد أورد الشيخ النويري الصوفى الاسكندرى فيما بعد هذا الحديث في كتابه (الإلمام ) ، ذكره بنصّه ، وأضاف حديثاَ آخر مفترى يقول( من آذى لي ولياً من أولياء الله تعالى فكأنما هدم الكعبة سبعين مرة ) [8]. وهما متأثران بحديث الولي فى البخارى ( من آذى لى وليا فقد آذنته بالحرب ..!!..).

فالصوفية يجعلون من الاستخفاف بأحدهم جرماً يعظم على تدمير الكعبة وإحراقها.. فهو تفضيل لا يخلو من حقد، وإلا فما الداعي لقولهم (ولو أن عبداًهدمها حجراً حجراً ثم أحرقها .. ) أو (فكأنما هدم الكعبة سبعين مرة) .. والمؤمن الحق يستعظم أن ينطق بذلك عن بيت الله العتيق أو أن يتخيله مجرد تخيل، أما الصوفي فيعبر عن مشاعره نحو الكعبة بهذا الإفك المفترى ، ليجعل للولي الصوفي مكانة حتى لو هدم في كلامه الكعبة سبعين مرة أو أحرقها حجراً حجراً.

رابعا : زعمهم بأن الكعبة تطوف بالشيخ الصوفى .!!

1 ـ وحقد الصوفية على الكعبة – بسبب طواف الناس حولها – جعلهم يبتكرون في كراماتهم المزعومة أن الكعبة تطوف بالولي .. يقول اليافعي (روي أن جماعة شوهدت الكعبة تطوف بهم طوافاً محققاً) وقد فصل اليافعي هذه الأخبار [9]، ويقول كاتب مناقب المنوفي (وقد حكى جماعة أن الكعبة رؤيت تطوف ببعض الأولياء)[10]. وحكى الشعراني أن الكعبة كانت تطوف (بالشيخ محيى الدين بن عربي)[11]..

وقد قال أبو العباس البصير(لله رجال يطوف بهم بيته، فنظر أبو الحجاج الأقصري فإذا الكعبة تطوف بأبي العباس،قال الأنبابي : ولا ينكر ذلك، فقد تضافرت أخبار الصالحين على نظائر ذلك)[12]..

2 ـ وإذا كانت الكعبة تطوف بهم فلا حاجة للمريد الصوفى للذهاب للكعبة ، فالكعبة عندهم وبزعمهم هى طوع أمر سيده وتطوف به فشيخه أحق منها بالطواف حوله ، وهذا ما كان يحدث، فالمريد الصوفى يطوف بشيخه ويزعم أنه رأى الكعبة تطوف بشيخه ، فشيخه أحق بالطواف حوله منها ، وقد ورد فى مناقب عبد الرحيم القنائى أن  ( فقيرا صوفيا ) أى ( مريدأ ) أراد الحج فأمره عبد الرحيم ، وقال له : ( أن قم طوف بى أسبوع فقام الفقير وطاف بالشيخ ،  فأنكر الراوى في نفسه فرأى فى المنام الكعبة تطوف بالشيخ فاستيقظ) فقال له عبد الرحيم القنائى مكاشفاً : (من الرجال من يروح إلى البيت حتى يطوف به ،وأنا من الرجال من يجئ البيت يطوف به)[13]. وقيل فى مناقب الوفائية أن ابن هارون ( قصد زيارة أبى الحسن الشاذلى فى خيمته،فاغتسل كغسل الإحرام، وطاف بخباءالأستاذ أسبوعاً، فأنكر عليه أصحابه فقال:والله ما اغتسلت وطفت الأسبوع إلا وقد رأيت الكعبة طايفة به)[14]. وجاء فى مناقب الحنفى أن مريدا استأذنه فى الحج فأغفى بين يديه، فرأى فى منامه الكعبة تطوف بشيخه ولما استيقظ كاشفه الحنفى فقال (الشأن) لمن يطوف بالكعبة؟ أولمن تطوف به الكعبة؟)[15].

وأثمرهذا التحقير للكعبة تهاوناً بها لدى عامة الناس، فجاء المثل الشعبى يشبه بعض الناس بالكعبة فروى الإبشيهى مقالتهم : " فلان كالكعبة يُزار ولا يزور"[16].



[7]
احياء جـ4/130

[8]الإلمام .. مخطوط جـ1/3.

[9]روض الرياحين 16.

[10]مناقب المنوفى 44.مخطوط.

[11]     لطائف المنن 425 الطبعة القديمة .

[12]الطبقات الكبرى للمناوى .مخطوط 260.

[13]مناقب عبد الرحيم. مخطوط 12.

[14]مناقب الوفائية .مخطوط 39.

[15]مناقب الحنفى .مخطوط 369: 270.

[16]المستظرف جـ1/29، 30.

الفصل السادس : الدعوة الصوفية لإهمال فريضة الحج الإسلامية :

الفصل السادس :  الدعوة الصوفية لإهمال فريضة الحج الإسلامية :

1- مرّ بنا ما قاله الجنيد فى أسطورته المزعومة التى اعتبر فيها الكعبة وطائفيها أحجاراً( خلقة كالأحجار يطوفون بالأحجار )[1]. والجنيد كان إستاذ الصوفية فى إستخدام تأليف القصص والمنامات فى ترسيخ التشريع الصوفى بطريق غير مباشر. وهو هنا يقرر عبثية الحج للكعبة ويرى أن الناس لو أصلحوا باطنهم لزال الحجاب عنهم وتحققوا بالحق وأصبحوا آلهة ، فلا داع حينئذ للحج ومشاقه ..

وما ألغز إليه الجنيدى صرّح به الحلاج وكان فيه هلاكه . إذ أن ما حُفظ عن الحلاج من شطحات كانت شفوية ، وكان ينكرها فى جلسات التحقيق معه ، وما كتبه منها كانت ألغازا ورموزا يمكن تأويلها . لذا لم يفلح الوزير العباسى الذى كان يحقق معه فى إثبات الكفر عليه ، الى أن عثر هذا الوزير ( حامد ) على سطور مكتوبة للحلاج  عن الحج ، فاستخدمها الوزير دليلا على كفره والحكم بقتله . وكان طبيعياً أن يسارع الجنيد المشهور بالتقية إلى التلميح برأيه السابق  حتى لا يلقى مصير الحلاج . يقول ابن الأثير فى سبب صلب الحلاج : ( وكان حامد يُخرج الحلاج إلى مجلسه ويستنطقه فلا يظهر منه مالا تكرهه الشريعة المطهرة، وطال الأمر على ذلك ، وحامد الوزير مُجدّ فى أمره ، وجرى له معه قصص يطول شرحها، وفى آخرها أن الوزير رأى له ( أى للحلاج ) كتاباً حكى فيه أن الإنسان إذا أراد الحج ولم يمكنه، أفرد من داره بيتاً لا يلحقه شىء من النجاسات ولا يدخله أحد، فإذا حضرت أيام الحج طاف حوله وفعل ما يفعله الحاج بمكة..فإذا فعل ذلك كان كمن حج، فما قرىء هذا على الوزير قال القاضى أبو عمرو للحلاج :كذبت يا حلال الدم ..)[2].  على هذا ، فقد جاءت نهاية الحلاج قتلا وصلبا بسبب إعلانه رأيه فى الدعوة لاهمال فريضة الحج ، وعدم الذهاب للبيت الحرام . ونسى الحلاج فى أنه الحج ليس فرضا إلا على المستطيع فقط ، وغير المستطيع لا شىء عليه أصلا .

وفى هذا العصر الأول لروّاد التصوف بدأ تأويل الرواد الصوفية لمناسك الحج صدّا منهم عن البيت الحرام ، فقيل إنه ( كان ذون النون المصرى يتأول مناسك الحج ويحولها لرموز وإشارات[3]. )

وهكذا وجد رواد التصوف فى الحج ميداناً خصباً يمارسون فيه الرمزيه – كما فعل الحلاج – (لذا فقد قال بعضهم بترجيح الباطن على الظاهر أو الحقيقة على الشريعة أوالإستغناء بالمحتوى الكامن للرمز عن المحتوى الظاهر له تحت اسم إسقاط التكاليف)[4].

واختلف الأمر فى عصر إزدهار التصوف والايمان بكرامات الأولياء الصوفية وتقديسهم وتأليههم .

2- ففى العصر المملوكى حيث ازدهار التصوف والاعتقاد في الكرامات اكتفى مشاهير الصوفية بادعاء الحج بخطوة أو طى المكان، أو ادعاء أنه يحج فى مكة وهو لا يزال بمصر، إلى غير ذلك من أساطير حظيت بالتصديق فى العصر ،وتأسيساً على ذلك كان المرسى يقول ( لو فاتنى الوقوف بعرفة سنة ما عددت نفسى من المسلمين )[5]. أى كان المرسى بزعمه يطير للكعبة ويقف فى عرفات كل عام فى لحظة ويعود .!

وزعم كاتب مناقب المنوفى أن بعضهم رأى المنوفى واقفاً بعرفات وكان فى نفس الوقت فى القاهرة[6]. ،

 أى رأوه فى نفس الوقت فى عرفات وفى القاهرة . وهذه الفرية الصوفية تجمع بين اسطورتين من كرامات الأولياء التى كان يؤمن بها العصر المملوكى : أسطورة الطىّ ( طىّ المكان ) واسطورة ( التطور ) أن الولى الصوفى له أجساد كثيرة تقوم نفسه بتدبيرها والسيطرة عليها ، وبالتالى يمكن رؤيته فى عدة أماكن فى وقت واحد . ومن مؤلفات السيوطى ( القول الجلى فى تطور الولى ) وفيها يحاول إثبات هذه الاسطورة على أنها من كرامات الأولياء ، وكان انتشار الاعتقاد بكرامتى ( الطى والتطور ) من أساليب الصوفية فى العصر المملوكى فى تبرير عدم صلاتهم وعدم قيامهم بالحج .

وعرض أبو الحسن الشاذلى فى أسطورة صوفية على الشيخ الفقيه عز الدين بن عبد السلام أن يخطو به  وبالناس جميعاً إلى عرفات . وهو كرم فى سرد الكرامات ، وكان أولى به أن يتوجه بتلك الكرامات المزعومة إلى التتار- وكانوا حسب الأسطورة – يمنعون الناس من الحج فلم يحج منهم إلا الشاذلى بخطوته المباركة[7]. حسب زعمهم .!!

وقيل فى ترجمة أبى الحسن الفران (كان من أرباب الطى – أى الذين تطوى لهم الأرض فيتنقلون حيث شاءوا – وكان إذا بقى للوقوف –أى الوقوف بعرفة – يوم ، يمضى ويحج ويأتى ، وقد شاع أنه أوصل رغيفين من امرأة عجوز إلى ولدها بالحجاز وكانا ساخنين )[8]. أى إن هذا الشيخ الفرّان كان يحج ويقف بعرفات ويعود الى مصر فى نفس اليوم . بل إنه أوصل رغيفين ساخنين من أم عجوز تعيش فى القاهرة لابنها فى الحجاز . وواضح أن هذا الشيخ ( الفرّان ) كان يعمل فرّانا من قبل ، ثم إستقال من حرفته ، واحترف المشيخة الصوفية ، ووجد من يؤمن به ويصدّقه ، وجاءت كراماته المزعومة تحمل آثار حرفته القديمة . وحمل كثير من شيوخ التصوف لقب حرفتهم القديمة ، من الحلاج والمزين فى بداية التصوف الى ( الخواص ) فى العصر المملوكى.

وفى عصر تشيع فيه  مثل هذه الأساطير وتحظى بالتصديق كان لابد لصوفيته أن ينعموا بالكسل فى بيوتهم لتشيع عنهم مثل هذه الكرامات التى تذكرنا بالصوفية المنقطعين عن الصلاة بحجة أنهم يصلون فى بيت المقدس أو الكعبة أو جبل قاف كل يوم ..

3- وفى نفس الوقت لم يغفل الصوفية عن الدعوه لكى يحج إليه مريدوهم .. أو يكتفى بهم المريدون عن الذهاب للحج بزعم أن الكعبة نفسها تأتى وتسعى لتطوف بالأشياخ ، فهم أولى منها بالطواف حول الشيخ وتقديسه، وسبق توضيح ذلك ، وكيف أن بعض المريدين صرح بأنه : ( والله ما اغتسلت وطُفت الأسبوع إلا وقد رأيت الكعبة طايفة به ) . وتلك دعوة معلنة للطواف بالشيخ وإهمال الحج الإسلامى كما فعل عبد الرحيم القنائى وشمس الدين الحنفى وقد أمر كل منهما مريده بأن يطوف به – حسب الأسطورة – ويكتفى بذلك عن الحج[9].

4- على أن أحد الصوفية ارتقى من التشريع بطريق ضمنى بسبك حكايات الكرامات إلى درجة الأمر المباشر بدون حاجة إلى أساطير وكرامات .. فيروى الشعرانى فى ترجمة الصوفى المشهور فى القرن العاشر (على وفا الشاذلى ) أنه : ( سئل رضى الله عنه عن مريد ادعى أنه شهد كمال أستاذه ( أى آمن بقلبه بألوهية شيخه الصوفى ) ثم آراد السفر عن حضرته لزيارة مكة.. فقال رضى الله عنه : المريد الصادق أول ما يشهد فى شيخه الكمال يجده حضرة الحق التى بها أرواح أئمة الهدى أجمعين بالنسبة له. فكيف مع هذا يفارق تلك الحضرة لمواضع آثار الأنبياء التى هى دون الحضرة التى شهد أستاذه فيها ؟ وكيف يشتغل عن بيت وضعه الحق لنفسه ببيت وضعه للناس)[10]. .

أى أن هذا الشيخ الصوفى ( على وفا ) الذى يحظى بقول الشعرانى عنه ( رضى الله عنه )  يرى  أن الولى الصوفى هو البيت الذى وضعه رب العزّة لنفسه ، تعالى عن ذلك علواً كبيراً،  أى حلّ رب العزة فى ذلك الشيخ  فيه، فهو أحق بالحج إليه والعكوف عليه من البيت العتيق الذى وضعه للناس .. !!

5 ـ وهكذا فالصوفية شككوا فى الكعبة كقبلة لأنهم يتمنون لو توجه الناس بالصلاة إلى ناحية القطب الغوث .. وشككوا بالكعبة كمقصد للحج ، وادعوا أنها تطوف بهم هم أحق منها بطواف الناس حولهم ، وأعلنوا ذلك بصراحة..

6 ـ وفى الوقت الذى اعتبروا الكعبة فيه وثناً فإنهم لم يتحرجوا من الدعوة للحج إلى أنصابهم وأضرحتهم وأوليائهم الأحياء .



[1]
روض الرياحين 40.

[2]تاريخ ابن الأثير جـ8 /47. المطبعة الأزهرية سنة 1301 .

[3]دائرة المعارف الإسلامية جـ9/426 فضلا عن حلية الأولياءجـ9/170.

[4]أحمد محمود صبحى. التصوف إيجابياته وسلبياته. عالم الفكر مجلد 6عدد2 ص347: 348.

[5]تعطير الأنفاس مخطوط 224 .لطائف المنن لإبن عطاء 98.

[6]مناقب المنوفي .مخطوط 41 .

[7]الإلمام للنويري مخطوط جـ2/ 78.

[8]الكواكب السيارة 149.

[9]مناقب الوفائية مخطوط 39 .مناقب الحنفى مخطوط 369: 370 .مناقب عبد الرحيم مخطوط 12 .

[10]الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2 /25.

الفصل السابع : تشريع الحج الصوفى للأولياء والأنصاب (الأضرحة )

الفصل السابع : تشريع الحج الصوفى للأولياء والأنصاب (الأضرحة )

أولا : الحج الجاهلى للأنصاب والأضرحة والكعبات المقدسة

1ـ  طبقا لعقيدة الشرك كان الجاهليون يعبدون الله جل وعلا ويعبدون معه الأولياء الموتى من خلال قبورهم المقدسة أو الأنصاب ، وتماثيلهم المقدسة أى الأصنام ، وكل ما يمتّ اليهم أى الأوثان . كانوا يعبدون    الأولياء على أنهم هم الذين يقربونهم الى الله زلفى .  وكانوا فى الجاهلية يقومون بالحج الى بيت الله الحرام ( الكعبة ) ويقومون بالحج ومناسكه لمعابدهم وأوثانهم . كانت هناك معابد كثيرة تقصد للحج ، تحيط بها مساحات واسعة تكون لها(حمى) أو(حرم)، ولا يجوز لأحد انتهاك حرمتها أو الاعتداء عليها، وإذا دخل حيوان فى داخلها عُدَ فى ملك الحرم لا يجوز استعادته. وبالإضافة لذلك فقد زرعوا فى البيت الحرام وحول الكعبة 136 صنما ، ولكل قبيلة صنم . وقد أطلقوا على بعض معابدهم الشركية لقب ( كعبات ) وجعلوها تحوز على تقديس وطواف ونذور وحج مثل الكعبة الحقيقية .  ومن هذه الكعبات :  كعبة ( ذو الشرى) فى بطرا حيث يقوم صنم(ذوالشرى) على قاعدة مكسوة بالذهب والصور فى موضع مرتفع على صخرة عالية ، ويحج إليه الجاهليون للتقرب إلى ذلك الإله الذى عرف بأنه رب البيت . ومنها ( كعبة سندان) وهو قصر، كانت العرب تحج إليه فتطوف حوله، ومنها ( ذات الكعبات) وهى مركز حج قبائل بكربن وائل . وكان بنجران بيت عبادة عرف بكعبة نجران، وهوبناء على هيئة الكعبة، كان إذا قصده الخائف أمن بزعمهم . وكان للصنمين (اللات والعزى) بيوت أقيمت عليها ، وسدنة يقومون بخدمتها، فبيت (اللات) بالطائف، وبيت(العزى) بوادى حراض، وتحج إليهما قريش والعرب، ويتقربون إليها بالذبائح، وكانت قريش قد حمت لإلهتها شعباً من وادى(حراض) يقال (سقام ) يضاهون به حرم الكعبة .. وهناك صخورأخرى بعكاظ تمتعت بتقديس الجاهليين وطوافهم حولها .

2 ـ وكما أن الحج لبيت الله الحرام يكون خلال الأشهر الحرم ، كانت العرب تحج إلى هذه الأوثان والكعبات فى أشهر معينة من السنة، وقد جعلوها أشهراً مقدسة أو حرماً زمنياً بالإضافة للحرم المكانى المحيط بتلك الأوثان .. فلكعبة(ذى الشرى) حج يقع فى اليوم الخامس والعشرين من شهر كانون الأول من كل عام ، فيتوافد إليها الناس فى ذلك الوقت يطوفون وينحرون ويتقربون ..  وهناك أوقات أخرى للأوثان الأخرى .. إلا أن شهر الحج لكل وثن يكون لقاء عاماً يجمع الناس لآداء الفروض وتبادل التجارة ..

3 ـ وحين ظهر الإسلام على الجزيرة العربية انفض الناس عن تلك الأوثان وزال تقديسها، واقتصر الحج على بيت الله الحرام والتزم العرب بالسلام فى الأشهر الحرام، ثم تغير الحال سريعا ، فنسى المسلمون الأشهر الحرم ، ولم يعودوا يهتمون بحرمتها فى القتل والقتال، ثم كانت الدعوة للحج للقبور الصوفية المقدسة والأشياخ الصوفية الأحياء فى أوقات معينة وتقديم النذور إليهم .وكل ذلك بزعم التوسل والتبرك وهى نفس حجة الجاهلين إذ كانوا يفعلون ذلك تحت شعار(مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى )(الزمر 3 ).

ثانيا : الحج الصوفى :

1 ـ أرجع دين التصوف عبادة الأولياء وتأليههم بحيث ينطبق على الصوفية كل ما قاله رب العزة فى القرآن الكريم عن عبادة وتقديس الأولياء فى العصر الجاهلى . أرجع التصوف هذا الدين الجاهلى لمجتمعات المسلمين بدءا العصر العباسى الثانى وحتى الآن .

2 ـ إلا إن الصوفية كانوا أشد كفرا من الجاهليين . لأن الصوفية فعلوا ويفعلون ذلك ومعهم القرآن الكريم ، الذى يزعمون الايمان به ، وهم يعرفون جهاد النبى عليه السلام ضد عبادة البشر والحجر ، وهم يزعمون الايمان به . الجاهليون مع عبادتهم لأوليائهم لم يقعوا فى ( الشطح ) أو سبّ الله جل وعلا كما كان يفعل أولياء التصوف ، كما إن الجاهليين مع تقديسهم لأوثانهم ولأنصابهم  وحجهم لكعباتهم فقد كانوا يقدسون البيت الحرام ويحترمون الكعبة ، أما الصوفية فقد أعلنوا إحتقارهم للكعبة وحقدهم عليها ، واعتقدوا بأحقيتهم دونها فى استقدام الناس إليهم .

3 ـ هذا مع أنهم قد حرصوا على وصف أنفسهم وأضرحتهم بصفات الكعبة وخصائصها، فالدسوقى يوصف أنه"كعبة الحقيقة "[1]. وكانت بعض الأضرحة تُبنى على شكل الكعبة مثل جوسق الماردانيين وقد وصفه السخاوى الصوفى بأنه مبنى على هيئة الكعبة وأن الدعاء تحته مستجاب[2]. بزعمهم . والسخاوى الصوفى هذا هو صاحب كتاب ( تحفة الأحباب ) الذى تخصّص فى تعريف الزوّار أو الحجّاج بالقبور المقدسة فى مقابر القاهرة.وهو غير السخاوى الأكثر شهرة المحدّث المؤرخ  المشهور بكتابه ( الضوء اللامع ) .

والطريف أن هذا ( الجوسق ) كان عمارة تجارية قديمة تنتمى لعائلة الماردانيين المشهورة فى القرن الثالث الهجرى، ثم مالبث أن تحول الى آثار ، ثم تحول بثقافة التصوف الى معبد يشاع أن الدعاء عنده مستجاب .

4 ـ وقد اشتهرت الكعبة فيما بعد بوجود الحجر الأسود فيها ، وهو فى الأصل لتعيين بداية الطواف ، إلا أن الشرك تسلل إلى عقائد المسلمين فقدسوا ذلك الحجر وألفوا فيه الأحاديث التى تحض على لمسه والتبرك به، واستقر فى عقيدة المسلمين تقديس ذلك الحجر والحرص على الوصول إليه بأى طريقة. وكالعادة حسد الصوفية ذلك الحجر وحرصوا على تزيين أضرحتهم بأحجار مثله . ففى ضريح البدوى – وهو مقصد للحجيج من كل أنحاء مصر- يوجد حجر أسود يقول عنه عبد الصمد الأحمدى فى العصر العثمانى "ومن كراماته –أى البدوى – أن حجراً أسود مثبتاً فى ركن القبة ، وكل من زار الأستاذ يتبرك به "[3].  وذلك الحجر ( الأسود ) منحوت فيه أثر قدم ، منسوب للنبى . ولا يزال يتبرك به الصوفية حتى الآن .

وعلى أساس بعض هذه الأحجار المقدسة شُيدت مساجد مثل مسجد الكف بدمشق : ( فيها موضع كف منسوب للرسول )،  وقد طلع إليها الشيخ ابن تيمية وقال : (هذا الكف مصنوع مكذوب معكوس الخنصر فيه موضع الإبهام والإبهام موضع الخنصر فكسرها )  [4].

5 ـ ومعنى ذلك أن هناك من كان يصنع الأحجار على هيئة الكف أو القدم، ويبيعها لتتزيّن بها الأضرحة وتتحول الى ما بشبه الكعبة والحجر الأسود . وهى عبادة صريحة للأحجار ، لا تزال موجودة . وقديماً كان ابراهيم عليه السلام يقول لقومه مستهزئاً من تخلفهم العقلى : (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) (الصافات ).

وفى العصرالمملوكى احترف بعض الصوفية نحت بعض الأحجار الرخام وكانوا يبيعونها للعامة. يقول السخاوى الصوفى فى اواخر القرن التاسع : (  وكان مع بعض الحجّارين رخامة جعلوا فيها أثر قدم ، وداروا فيها فى البلاد والبيوت والأسواق، يقولون للناس هذا موضع قدم نبيكم ، فيقبله الناس ويتبركون به ويعطونهم الأموال ..)[5].

6 ـ وضريح البدوى كان يجتذب الحجيج إليه من كل فج عميق ، ويقدسون فيه الحجر الأسود إلى جانب مقبرة البدوى . وأشاع الصوفية بين العامة أن الحج إلي ضريح البدوى سبع مرات تعدل الحج للكعبة، وبذلك تحقق أمل الصوفية فى الصدّ عن بيت الله الحرام . ومثل ضريح البدوى ـ الذى لا يزال يحتل مكانة مقدسة حتى الآن – كان هناك فى العصر المملوكى قبر ( فاطمة الموصلية ) ، يقول عنه السخاوى الصوفى  : ( يقال أن من أراد الحج وطاف حول قبرها سبع مرات ينوى بذلك الحج فإنه يحج من عامه ذلك . )، ويعلق السخاوى على ذلك بقوله : ( وهذا ليس بصحيح ) .

7 ـ وإذا كان السخاوى قد احتج على اعتقاد العامة وهم أبرز من يتأثر بالصوفية فإن شاعراً صوفياً مشهوراً هو البصيرى كان يقول فى أبى الحسن الشاذلى ..

أولم تدر أن مدح علىّ

                             مثل حج وعمرة وزيارة[6].

فالبصيرى يجعل من مجرد مدح الشاذلى – وإسمه الحقيقى : على بن عبد الجبار- يعدل الحج والعمرة والزيارة . ولا ريب بعدها أن الحج للشيخ الصوفى حياً أو ميتاً هو الأيسر والأسهل للمسلمين من الحج الى مكة . وذلك هو المدخل للدعوة للحج الصوفى وتشريعه .

ثالثا : دعوة للحج الصوفى قبل العصر المملوكى :

1 ـ على أن الدعوة للحج للأولياء والأضرحة قد بدأت قبل العصر المملوكى، وزعم الصوفية أن أويس القرنى –وهو شخصية خيالية وضعوا على لسانها بعض مظاهر التشريع الصوفى- قال داعياً لأحد مريديه "اللهم إن هذا يزعم أنه يحبنى فيك وزارنى من أجلك فعرفنى وجهه فى الجنة ".

2 ـ وتوسع الغزالى الذى أورد هذه المقالة فى تشريع الحج للأضرحة والأولياء .فيقول عن التبرك " يدخل ضمن السفر للعبادة كالحج والجهاد ، ومنها زيارة قبور الأنبياء عليهم السلام، وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والأولياء، وكل من يُتبرك بمشاهدته يُتبرك بزيارته بعد وفاته "[7]. أى إن الولى الصوفى المقدس فى حياته يتمتع قبره المقدس بالحج اليه بعد مماته . وبالتالى فالحج عند الغزالى هو لقبور الجميع طالما تحظى بالتقديس ، سواء كانوا أنبياء وصحابة أم فقهاء وصوفية .

3 ـ ثم يفتى الغزالى بإباحة الحج الصوفى فيفتى بجواز شد الرحال أو الحج لكل القبورالمقدسة ، ويثرثر محاولا تأويل حديث : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد ...) ليتسع مجال الحج لكل القبور المقدسة ، إلى أن يقول: ( وبالجملة زيارة الأحياء أولى من زيارة الأموات، والفائدة من زيارة الأحياء طلب بركة الدعاء وبركة النظر إليهم، فإن النظر إلى وجوه العلماء والصلحاء عبادة..!).

4 ـ والغزالى هنا متسق مع عقيدته الصوفية فى تقديس الأولياء الأحياء بالذات والحج اليهم واعتبار النظر الى وجوههم عبادة، أى يقوم بتشريع نوع جديد من العبادة فى الدين الصوفى هو: ( رؤية وجوه العلماء والصلحاء ). 

5 ـ والغزالى من ذكائه يدعو  لتفضيل زيارة الأحياء من علماء الصوفية لينعم هو بكثرة المريدين فى حياته، وليصرفهم عن الحج إلى غيره من الأضرحة الخاصة بالموتى . ومن أجل ذلك نرى الغزالى يمنع سفر المريد إلا فى أحوال محدده هى طلب العلم ، ( أو مشاهدة شيخ يقتدى به فى سيرته وتستفاد الرغبة فى الخير من مشاهدته "[8]. . 

رابعا : الدعوة للحج الصوفى فى العصر المملوكى :

1 ـ ثم ازدهر التصوف فى العصر المملوكى وكثر المشرعون للحج الصوفى حتى من بين الفقهاء الصوفية الذين احترفوا الهجوم على متطرفى الصوفية، ونمثل لهذا الصنف بالفقيه ابن الحاج العبدرى الذى أكثر فى كتابه ( المدخل ) من الهجوم على صوفية عصره، وأكثر  فى نفس الوقت من الدعوة للحج إلى أشياخ التصوف الأحياء والأموات ،  وحرص على استخدام الأسلوب الفقهى فى الوجوب والإلزام، يقول "ينبغى زيارة قبور الصلحاء والأولياء فى كل موضع مر به المسافر أو الزائر" ويقول "إن زيارة قبور الصالحين محبوبة لأجل التبرك مع الاعتبار،فإن بركة الصالحين جارية بعد مماتهم كما كانت فى حياتهم،والدعاء عند قبور الصالحين والتشفع بهم معمول به عند علمائنا المحققين من أئمة الدين. "، ويقول "ويتعين على الزائر قصدهم من الأماكن البعيدة، فإذا جاء إليهم فليتصف بالذل والإنكسار" ويقول "وينبغى للشخص ألا يخلى نفسه من زيارة الأولياء والصالحين الذين برؤيتهم يحيى الله القلوب الميتة كما يحيى بوابل المطر،فتنشرح بهم الصدور الصلبة،وتهون برؤيتهم الأمور الصعبة .. فتتعين المبادرة إلى رؤيتهم واغتنام بركتهم .. "[9].  ويلاحظ أن ابن الحاج مع استخدامه الأسلوب الفقهى فى الإلزام مثل "ينبغى " " يتعين " إلا أنه تحاشى الإتيان بلفظ الحج واستعمل بدلاً منه كلمة الزيارة كقوله (" ويتعين" على الزائر قصدهم من الأماكن البعيدة")، وهو بذلك لا يخدع إلا نفسه فما الحج إلا الزيارة الدينية من الآفاق .

2 ـ وكان الصوفية الخًلَص أصرح فى العبارة من الفقهاء الصوفية أمثال الغزالى وابن الحاج .. فالدسوقى يقول بصراحة داعياً للحج إلى نفسه فيقول:

حُجّوا إلى ذاتى ، فذاتى كعبة نُصبت

                                والسر فيها كَسّرّ البيت والحرم[10].

3 ـ وصار تقليداً بين الصوفية والفقهاء فى العصر المملوكى الدعوة إلى الحج للأضرحة والأولياء مع اختلاف الأسلوب بين الصراحة والتلاعب بالألفاظ ..

يقول السخاوى الصوفى : " وقبور الصالحين لا تخلوا من بركة ،وإن زائرها والمسلَم على أهلها والقارئ عندها والداعى لمن فيها لا ينقلب إلا بخير، وقد يجد لذلك أمارة تبدو له أو بشارة تنكشف له". ولا يكتفى السخاوى بدعوة الأحياء للحج إلى الأضرحة والتسليم على أصحابها بل يدعو الأحياء إلى أن يحجوا بموتاهم أيضاً إلى أقرب مكان للأضرحة المقدسة، يقول "ويستحب أن يقصد الإنسان بميته قبور الصالحين ويدفنه بالقرب منهم تبركاً بهم"[11].

4 ـ وتأتى الأساطير لتأخذ دورها فى الدعوة للحج الصوفى ، فيروى ابن الزيات عن صاحب ضريح أنه رؤى فى المنام بعد موته" فقيل له ما فعل الله بك؟قال : أعطانى نعيماً لا ينفذ، وحياة بلا موت ،والدعاء عند قبرى مجاب "[12]. إذن فقبره كما تحكى الأحاديث الكاذبة   روضة من رياض الجنة، ولم تأكل الأرض جسده والدعاء عنده مستجاب طالما هو فيه حىَ طبقاً لعقائدهم . وابن الزيّات هذا كان من مشايخ الزيارة ، أى من الشيوخ المتخصصين فى إرشاد الزوار أو الحجّاج الى القبور المقدسة فى مقابر القاهرة ، وقد كتب فى ذلك كتابه ( الكواكب السيارة فى ترتيب الزيارة )

5 ـ وبعض الأساطير لا تأتى بالأسلوب القصصى، وإنما بالتقرير الواثق كأن يقول الشعرانى فى جرأة نادرة " عند قبر الولى ملك يخلقه الله من همّة ذلك الولى ومن صورته،ينفذ الله به ما شاء من الأمور "[13]. وطالما خلق الله ملكاً ينفذ طلبات الحجيج عند الضريح فأولى بالناس أن يهرعوا للحج اليه من كل فج عميق . وهذا الفجور فى الكذب قاله الشعرانى بدون استدلال ، لأنّ العصر كان يصدّق كل تخاريف الشيوخ الصوفية ، ويؤمن بأنهم يعرفون الغيب ، ولديهم العلم الالهى اللدنى ، ينهلون منه ما شاءوا.!!

6 ـ وإعتقاد العصر فيهم جعل الصوفية يجرأون على الدعوة فى حياتهم لأن يحج الناس إلى قبورهم بعد موتهم، فالحنفى كان يقول فى مرض موته" من كانت له حاجة فليأت إلى قبرى ،ويطلب حاجته أقضها له، فإن ما بينى وبينكم غير ذراع من التراب، وكل رجل يحجبه عن أصحابه ذراع من تراب فليس برجل "[14]. وقبر الحنفى لا يزال يحظى بالتقديس فى القاهرة.

أما الفرغل فقد كان صوفياً قرويا صعيديا جاهلاً لا يعرف القرآن، ومع ذلك كان يقول فى حياته "أنا من المتصرفين فى قبورهم ،فمن كانت له حاجة فليأت إلى قبالة وجهى ويذكرها ، أقضيها له .. "[15].

ولا يزال قبر هذا الفرغل مقدسا فى الصعيد ،ويطلق المصريون على أبنائهم اسم ( فرغلى ) نسبة له وتبركا به ، فالمجانين ـ دائما ـ فى نعيم .!! .



[1]
حسن شمة :4.

[2]تحفة الأحباب 290، 291 .

[3]الجواهر 77 .

[4]تكسير الأحجار 141، 142، 145 .

[5]تحفة الأحباب 263.

[6]ديوان البوصيرى 85.

[7]الإحياء جـ3/194.

[8]الإحياء جـ2/219، 221.

[9]المدخل جـ3/26، جـ1/ 124، جـ1/ 125، جـ2/10، 11 .

[10]الجوهرة 100.

[11]تحفة الأحباب 27.

[12]الكواكب السيارة 226.

[13]درر الغواص 92.

[14]الطبقات الكبى للشعرانى جـ2/86.

[15]الطبقات جـ2/93 .

الفصل الثامن : مناسك الحج الصوفى :

الفصل الثامن : مناسك الحج الصوفى :

مقدمة :

الحج قدوم ثم تأدية للمناسك . بعد القدوم إلى الولى –الذى أوجبه دين التصوف على الناس – كان تشريع المناسك للحج الصوفى .. وتكاثرت هذه المناسك بين أقوال وأفعال مختلفة حسب الطرق الصوفية والأضرحة المتشعبة . ولكننا نبرز السمات العامة لهذه المناسك على النحو التالى:

أولا : المناسك القلبية :

1 ـ فاشترطوا فى الحاج أن يكون خاشعاً مؤمناً بالولى الذى يحج إليه، معتقداً فى حياته البرزخية وتصريفه الإلهى فى الخلق حتى يستحق نيل البركات ..

2 ـ يقول فى ذلك أبو المواهب الشاذلى "من أدب المريد إذا زار شيخاً فى قبره أن لا يعتقد أنه ميت لا يسمعه، بل الأدب أن يعتقد حياته البرزخية لينال بركته "[1]. وردد الشعرانى هذه الأقوال ونسبها لأبى المواهب هذا ، ومنها "إذا زار إنسان قبر الولى فإن ذلك الولى يعرفه، وإذا سلم عليه ردَ عليه السلام، وإذا ذكر الله على قبره ذكره معه .. ومعلوم أن الأولياء إنما ينقلون من دار إلى دار ، حرمتهم أمواتاً كحرمتهم أحياء، والأدب معهم بعد موتهم كالأدب معهم حال حياتهم ).   

3 ـ وكما أن الله جل وعلا هو الحىّ الذى لا يموت فإن الصوفية يعتقدون أنّ لأوليائهم نفس الحياة بلا موت ، يقول أبو المواهب الشاذلى يضفى الالوهية على الولى الصوفى الميت : " حاشا الصوفى أن يموت"، أى ليس يموت كالأنبياء والرسل وبقية البشر. وأبو المواهب يفترى هذا ليبرر الحج الى قبر الولى الميت ، يوهم بأنه ( حى لا يموت )..!  ويرى أبو المواهب الشاذلى أنّ الولى ( الحىّ فى قبره ) يكون مفيدا لمن يحج الى قبره ، بل ربما يكون أكثر نفعا فى قبره عنه عندما كان حيا يسعى فى هذا الدنيا .  يقول" من الأولياء من ينفع مريده الصادق بعد موته أكثر ما ينفعه حال حياته .. "[2].

4 ـ وكما يوكّد ربَ العزة على إخلاص العبادة لله، ، فأولئك الصوفية يحرصون على إخلاص المريد عقيدته فى تأليهه لصاحب الضريح حين يحج إلى الضريح متوسلا بصاحبه ، يقول السخاوى الصوفى عن بعض الأضرحة "ومن خصائص زيارتهم أن من زارهم سبعة سُبوت على نية الحج أو قضاء الدين أو حاجة قضى الله تعالى حاجته .فينبغى لمن عزم على زيارتهم وغيرهم أن يخلص نيته "[3]. .

ويشرع ابن الزيات فى كتابه (الكواكب السيارة) طريقة للمناسك ، ثم يقول محذراً "وإياك أن تجعله على وجه التجربة فإنك لا تنتفع به "[4]. أى لا بد أن تبدأ الحج والتوسل بصدق نية وعقيدة صافية مخلصة فى صاحب الضريح ، وليس بالشّك والتجربة . ويقول أيضا عن ضريح آخر "والمستحب لمن زار هذا المكان أن يحضر قلبه ويخلص نيته فإنه فى مكان مبارك "[5]

ثانيا :المناسك القولية :

1 ـ شرع ابن الحاج فى كتابه ( المدخل ) طريقة المناسك القولية، يبدأ بالقول  : ( إن كان الميت المُزار ممن تُرجى بركته فيّتوسل إلى الله تعالى به. ) أى إذا كان صاحب القبر يعتقد الناس فى بركته وجدوى التوسل به فيجوز التوسل به . وهنا تناقض فى قول الفقيه الصوفى ابن الحاج ، فهو يقرر فى البداية بأن صاحب القبر ميّت وليس حيّا فى قبره كما يقول الشعرانى وأبو المواهب الشاذلى ، فكيف يستجيب الميت المقبور لمن يتوسل به ، وكيف يتوسّط له عند الله جل وعلا بزعمهم ؟ .

ثم يشرح التوسل القولى : ( ويبدأ التوسل بالنبى(ص) إذ هو العمدة فى التوسل ، ثم يتوسل بأهل تلك المقابر أى الصالحين منهم فى قضاء حوائجه ،ثم يدعو لنفسه ولوالديه وأشياخه ولأقاربه ولأهل تلك المقابر ولأموات المسلمين ولأحيائهم وذريتهم إلى يوم الدين ، ولمن غاب عنه من إخوانه "[6].  وهنا تناقض آخر ، فهو يتوسل بهم ثم يدعو لهم .. أى يجعلهم آلهة يتضرع لهم ثم يجعلهم عبيداً مستضعفين يتضرع لله من أجلهم .. وهذا هو التناقض الذى يقع فيه الفقيه الصوفى الذى يحاول ( أسلمة التصوف )، يظل حيران يحاول التوفيق بين النقيضين :الإسلام والتصوف .

2 ـ وتظلّ هناك إختلافات فى المناسك القولية حسب هوى الأشياخ المشرعين ، يقول ابن الزيات " من قرأ عند مسجد الرفاعى " قل هو الله أحد " أحدى عشر مرة وسأل الله حاجة قضاها"[7].  ، بينما يقول تلميذه السخاوى الصوفى عن ضريح السيدة نفيسة "كانوا يقولون عند زيارتها والسلام عليها بعبارات خاصة فيها ذكر آبائها والتشفع والإستجارة بها "[8].

ثالثا : المناسك العملية وانواعها :

1 ـ معروفة المناسك العملية فى الحج الإسلامى من الطواف بالبيت والسعى بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة والإفاضة وتقديم الهدى .وتأثّر بها الحج الصوفى وقلّدها ، ففيه طواف بالضريح وسعى بين القبور ووقوف خاشع أمام بعضها ، بالإضافة إلى تقديم الهدى نذراً للأولياء .

ويبقى الخلاف بين الحجّ الاسلامى والحج الصوفى : ففى الإسلام لا حرم لله جل وعلا إلا البيت الحرام فى مكة، ولا حج إلا لبيت الله الحرام ، ولا طواف إلا بالكعبة ، وفى الطواف بها لا يجوز لمسها. أما فى العصر الجاهلى وفى دين التصوف فالأنصاب منتشرة تتمتّع بتقديس كما للكعبة وربما أكثر، ولكل منها ( الحرم ) الذى لا يجرؤ إنسان على اقتحامه. وبينما إعتاد حجاج البيت الحرام الوقوع فى الرفث والفسوق والعصيان فإن العابد الصوفى يطوف بالضريح بخشوع وخضوع ، والطواف بالقبر المقدس يعنى لمسه والتبرّك بأعتابه وزجاجه وقماشه وخشبه ، وحتى أقفاله ، حتى لو كان قفل المقصور مصنوعا فى الصين .!!

ثم لكل ضريح منها أيام مخصوصة ( موالد ) أو حرم زمانى يقصده فيها الناس بمثل ما يقصد المسلمون بيت الله فى أوقات معلومة موحدة فى العام . والمقارنة بين مناسك الحج الإسلامى ومناسك الحج الصوفى تستحق وقفة متأنية وبحثاً منفصلاً ولكن منهجنا هنا هو فى كيفية تأدية المناسك فى الحج الصوفى فى مصر المملوكية .

2 ـ وفى البداية فإن مراسم الحج التى للكعبة قد طبقها المصريون فى زيارتهم أو حجهم لضريح البدوى أشهر الأولياء. مقابل أشهر الحج ىللبيت الحرام فهناك موسم محدد للحج للبدوى، هو المولد الكبير فى نهاية  شهرأبيب وأول شهر مسرى بالإضافة إلى المولد الصغير والمولد الرجبى .وكما أن العمرة الإسلامية طوال العام فإن زيارة ضريح السيد البدوى مفتوحة أيضا طوال العام .  وفى موالد البدوى يقوم المصريون بكل مراسم الحج من قدوم وطواف وسعى وتقديم (عجل السيد) نذراً والتمسح بالحجر الأسود عند الضريح. وهناك شعرمنسوب للبدوى يلخص هذه المناسك يقول ..

ألا أيها الزوار حجوا لبيتنا

                        وطوفوا بأستار له تبلغوا المنى

وعند الصفى فاسعوا وحلوا

                       رحالكم تحط ذنوب فى مواطن أمننا

وفى يوم عيد الوصل أوفوا بنذوركم

                         كذا تفث فاقضوا وطوفوا ببيتنا

فكل زمان فيه وصلى فعيدكم

                          وكل زمان فيه قربى لكم منى[9]

ومن الناحية العملية فإن تلك الطقوس تقام عند الحج لأى ضريح صوفى ،إلا أن المراجع فى العصر المملوكى ذكرت تلك الطقوس متفرقة فى ثنايا الحديث عن الأضرحة وأصحابها الصوفية .

3 ـ فالإحرام (السّنى ) بالتجرد من لبس المخيط  جعلوه من أهم مراسم الحج لمولد وضريح عبد الرحيم القنائى ،وهو أشهر الأولياء فى الصعيد . وفى مناقب عبد الرحيم القنائى أنه "اتفق أهل بلاده على تجربة إجابة الدعاء عند قبره : يوم الأربعاء يمشى الإنسان حافياً مكشوف الرأس وقت الظهيرة ويصلى ركعتين، ويقرأ شيئا ًثم يقول: اللهم أنى توسلت إليك بجاه نبيك وبأبينا آدم وحواء وما بينهما من الأنبياء والمرسلين وبعبدك عبد الرحيم إقضى حاجتى"[10].

وكان الناس يمارسون هذه الطريقة فعلاً حتى أن الأدفوى مؤرخ الصعيد  فى كتابه ( الطالع السعيد ) ذكرها داعياً لها ،  يقول " هناك فائدة اسمها فائدة الأربعاء وهى أن يتجه الفرد يوم الأربعاء من كل أسبوع إلى مزار السيد القنائى بعد الظهر حافى القدمين، ثم يتوضأ ويصلى ركعتين، ويقرأ شيئاًمن القرآن الكريم ثم يدعو هذا الدعاء : اللهم أنى أتوسل إليك بجاه نبيك وبأبينا آدم وحواء .. إلخ[11]. . ولا تزال هذه الطريقة متبعة حتى الآن ..

وتطرف الصوفية فى مناسك الإحرام فأوجبوا خلع الحذاء، وليس  ذلك فى مناسك الإسلام من صلاة وحج . والمسلم الآن لا يجرؤ على الوقوف أمام ضريح وهو يرتدى حذاءه، بينما يسمح له الإسلام بالصلاة فى النعال ، ويروى الشعرانى عن شيخه الخواص أنه كان إذا زار السيدة زينب بادر بخلع نعله من العتبة ومشى حافياً حتى يجاور مسجدها[12]..

4 ـ والطواف حول كل ضريح من المناسك العادية والمشهورة، إلا أن ابن دقماق يذكر طريقة للطواف كان يمارسها المصريون على سفح الجامع العتيق ( جامع عمرو أو مسجد الفسطاط ) تماثل طريقة الطواف عند الكعبة . يقول " والطواف به سبع مرات ، يبدأ بالأولى من باب الخزانة الأولى التى يستبقلها الداخل من باب السطح ، وهو يتلو ، إلى أن يصل إلى زاوية السطح اليسرى عند المأذنة المعروفة بعرفة، يقف عندها ، ثم يدعو بما أراد،يمر وهو يتلو إلى أن يصل إلى الركن الشرقى عند المأذنة المشهورة بالكبيرة ، ثم يدعو بما أراد ،ثم يمر إلى الركن البحرى فيقف فيه محاذياً لغرفة المؤذنين ، ثم يدعو بما أراد، ثم يمر وهو يتلو إلى المكان الذى ابتدأ منه، ثم يفعل ذلك سبع مرات.."[13]

فهنا طواف سبع مرات ، وبداية ونهاية للطواف ، وأركان، و( ديكورات مصنوعة ) تمثل الصفا والمروة، ووقوف بمأذنة سموها عرفة، ودعاء فى الطواف، ولم يبقى إلا العثور على بئر زمزم لتتكامل الصورة، ولن نتعب كثيراً فقبل هذا الكلام حديث عن البئر التى فى الجامع – مع أن النيل قريب جداً من الجامع- ولكنه لزوم الديكور، يقول ابن دقماق عن تلك البئر ومائها " ومنها عند خزرة البئر الذى بالجامع .. أخبرنى من جرب ذلك غير مرة، وذكر أن ماء البئرالمذكورة من شربه أو استحم به للحمى زالت عنه[14]. أى أن ماء البئر(لما أُخذ له).  ومعناه أن الصوفية حولوا أول مسجد إسلامى أنشىء فى مصر إلى كعبة ( مصرية ) يضاهئون بها بيت الله وشرعوا لهم مناسك ما أنزل الله بها من سلطان .

بل أطلقوا على مسجد الفسطاط أو مسجد عمرو بن العاص :( المسجد العتيق ) تشبيها له باسم البيت الحرام ( البيت العتيق ) (ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)( الحج )، فكما إن جامع عمرو هو أول مسجد فى مصر فإن البيت الحرام هو أول بيت وُضع للناس :(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96)  ) ( آل عمران )

5 ـ والوقوف فى مكان معين يشير ويماثل الوقوف بعرفة ، وتكررت عبارة الوقوف فى سطور ابن دقماق فى حديثه عن مناسك الحج لمسجد الفسطاط ، بالاضافة الى المأذنة التى سمّوها ( عرفة ) : (والطواف به سبع مرات ، يبدأ بالأولى من باب الخزانة الأولى التى يستبقلها الداخل من باب السطح ، وهو يتلو ، إلى أن يصل إلى زاوية السطح اليسرى عند المأذنة المعروفة بعرفة، يقف عندها ، ثم يدعو بما أراد،يمر وهو يتلو إلى أن يصل إلى الركن الشرقى عند المأذنة المشهورة بالكبيرة ، ثم يدعو بما أراد ،ثم يمر إلى الركن البحرى فيقف فيه محاذياً لغرفة المؤذنين ، ثم يدعو بما أراد، ثم يمر وهو يتلو إلى المكان الذى ابتدأ منه، ثم يفعل ذلك سبع مرات  )

على أن الوقوف بعرفة فى المسجد العتيق لم يكن الوقوف الوحيد فى مناسك الحج  الصوفى .فالسخاوى الصوفى يذكر( أن العلماء –لاحظ وصفه لهم بالعلماء –والزوار كانوا يقفون عند قبر القمنى ويجعلون صلة- أى قبر صلة ابن ألآيهم - أمامهم وسالماً العفيف عن يمينهم وأبا الحسن الصائغ عن شمالهم ويدعون فيستجاب لهم)[15]. فهنا وقوف محدد فى بقعة معينة شرعها علماء الصوفية وطبقوها، وزعموا أن الدعاء بذلك مستجاب . ولا يجرؤ أحد على ان يسألهم عن دليلهم فى أن هذا يضمن إستجابة الدعاء .!! ويقول السخاوى عن وقوف آخر "إن من وقف بين قبر المحاملى والأنبارى ودعا بما شاء استجيب له"[16]. ويقول "وكل من وقف بين مشهد عبد الله بن عبد الرحمن الزهرى وبين قبر الشريف المؤيد ودعا استجيب له وجُرّب ذلك ..[17]. فالدليل هنا هو زعمهم بأنّ هذا صحيح بالتجربة . وفى نفس الوقت ينهون من يتوسل أن يفعل ذلك عن طريق التجربة بل لا بد أن يكون مخلصا فى إعتقاده .. تناقض كالعادة.!

6 ـ وضمت المناسك الصلاة والقراءة. ففى الحج لقبر فخر الدين الفاسى ذكر ابن الزيات والسخاوى أن أحدهم رأى النبى (ص ) فى رؤيا منامية يقول فيها : ( إن من توضأ ثم صلى فى المسجد ركعتين يقرأ فى الأولى فاتحة الكتاب وسورة تبارك وفى الثانية فاتحة الكتاب وهل أتى على الإنسان ، ويخرج من المسجد ووجهه إلى القبلة إلى أن يأتى قبر أبى الخير التيتانى لم يسأل حاجة إلا أعطاه إياها "[18]. ) .وهنا تشريع يفترى على الرسول كذباً ليكتسب مصداقية لدى الناس وليشيع شهرة لأولئك الأولياء الموتى ليحجّ اليهم الناس .

7 ـ واختصت المناسك الصوفية باختراع جديد لا يزال بعض علماء الأزهر يمارسونه حتى الآن ، وهو إسناد الظهر للضريح والتوسل به على هذا الشكل. وكان يفعل ذلك رئيس لجامعة الأزهر فى السبعينيات، كان يسند ظهره إلى ضريح الحسين ويتوسل به، وكان يفخر بذلك أمامنا ونحن طلبة فى الدراسات العليا. !

وقد أشار ابن الزيات إلى هذه الطريقة فى حديثه عن مسجد الرحمة " مسجد بنى قرافة " قال فيه "وقد كان من يلحقه من المصريين أمر ضايقه أو أصابته شدة يقصد هذا المسجد ويصلى فيه ،ويسند ظهره للعمود الذى فى وسطه،الذى عليه صفة منامه ورؤيا النبى فيه ،وأنه يأمر بالدعاء فيه، فتزول همومهم وتفرج غمومهم وتقضى حوائجهم [19].  

وروى ابن الزيات عن بعضهم أنه مرض مرضاً شديداً فرأى فى المنام من يقول له " أمضى إلى قبر عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وقف بينه وبين الشريف المدفون معه فى التربة ، وألصق ظهرك إلى الحائط وابتهل إلى الله، فلما أصبح فعل ذلك فعافاه الله، قال : وما وقعت بعد ذلك فى شدة أو تعسرت علىَ حاجة إلا أتيت المشهد ،ودعوت، فيستجاب لى ".

 رابعا : - المناسك المالية :

1 ـ ويقصد بها النذور التى كان الحجاج يقدمونها للأولياء وسدنة الأضرحة .. وقد حرص الصوفية على هذه المناسك بالذات حتى لقد ارتبط الحج الصوفى بتقديم النذور للأضرحة والأولياء .

ومعلوم أن النذر فى الإسلام لا يكون إلا لله وحده، يقول جل وعلا : (وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (270)( البقرة ). وفى تقديم النذور فى الحج يقول جل وعلا محذرا من رجس الأوثان ومن إفتراء الأكاذيب وقول الزور :( ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمْ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) الحج ). وقد ذكر رب العزة جل وعلا أن الجاهليين كانوا يقدمون النذور لله وللأولياء، ولأن الأولياء فى اعتقادهم هم الواسطة بينهم وبين الله فكانوا يقدمون كل النذور إليها بالأصالة وبالوساطة أى هى الواسطة عندهم لله ، فما يقدمون لله جل وعلا فهو أيضا لتلك الأولياء التى تقربهم لله زلفى بزعمهم ،يقول جل وعلا :( وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) الأنعام 136 ). وكان ـ ولا يزال الجاهليون والجاهلون ـ يحجون الى معابدهم المقدسة سراعا فى لهفة، والله جل وعلا يصور حالهم يوم البعث بحالهم وهم يسارعون الى الموالد والحج للقبور المقدسة ، يقول جلّ وعلا عن يوم البعث : (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43)(المعارج ). والى معابدهم المقدسة كانوا يقدّمون أيضا الهدى، أى ينحرون الذبائح قربانا للولى المدفون المعبود . والله جل وعلا حرّم الكل ممّا( ذُبح على النّصًب ): (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ) (3)( المائدة ).

2 ـ والغريب أن العصر المملوكى كان يطلق على القرابين التى تقدم للأولياء نذوراً، بينما يطلق على النذر المقدم لله قرباناً . ففى طاعون 822 قيل عن المؤيد شيخ " ذبح بيده قرباناً قربه إلى الله تعالى نحو مائة وخمسين كبشاً سميناً"[20]. ).

3 ـ والعادة أنّه عندما يموت الولى يقام على قبره ضريح ،وتشاع حوله الكرامات، فيتوافد عليه الحجاج، وتقدم له النذور والقرابين ويلاحظ أن موالد البدوى الثلاثة لا يتفق واحد منها مع تاريخ ميلاده أو حتى تاريخ وفاته، وإنما روعى فيها فقط أوقات النيل والزراعة والرى  ولتمكين أكبر عدد من الفلاحين من حضور المولد وجيوبهم عامرة بالأموال بعد بيع المحاصيل [21].

4 ـ وفى كتاب عبد الصمد الأحمدى عن البدوى وأتباعه ارتبطت الموالد بالقرابين التى تقدم للأضرحة، يقول : (فالموالد العظام أقيمت للشيخ يوسف الأنبابى) . والموالد إذا كانت عظيمة فالنذور فيها أعظم. ويقول عن أولاد الشيخ أحمد المعلوف بالقليوبية إن لهم  نذورا ، ويزعم أنّ ( كل من قطعها خربت دياره، ) وهذا تهديد لمن يحنث بالنذر ، ويعترف عبد الصمد أن أولاد هذا الولى الصوفى عصاة ، ومع ذلك فكرامات أبيهم سارية :( رغم كونهم على غير نعت الإستقامة )، وعن الشيخ على البريدى:( ينذر الناس له النذور.) والشيخ عمر الشناوى:( يُعمل له مولد عظيم .. ويحصل فيه مدد عظيم ) ،أى نذور عظيمة[22].

5 ـ وكان تقديم النذورإلى الضريح دلالة على الحج إليه فى المصادر التاريخية والصوفية، يقول المناوى عن البدوى  "وجعلواعلى قبره مقاماً واشتهرت كراماته وكثرت النذور إليه وعظُم أمره "[23]. ويقول المقريزى عن ضريح الدسوقى " قبره إحدى المزارات التى تحمل إليها النذور ويتبرك بها "[24]. ويقول عنه آخر "يزورونه ويقصدونه بالنذور وغيرها "[25]. . وقيل عن جد أبى المواهب الشاذلى "كان من الصلحاء ، وله ضريح بسنهور مقصود بالزيارة والنذور"[26].

6 ـ وحين ينصرف الناس عن أحد الأضرحة ولا يحجون إليهم ينعدم نصيبه من النذور، يقول ابن الزيات عن مسجد بنى قرافة " وكان هذا المسجد الشريف كثيراً ما تأتيه النذور بالشموع والخلوق والبخور، فغفل الناس عنه، وهو اليوم مهجور"[27].

7 ـ ولهذا حرص الصوفية من سدنة الأضرحة على استمرار نشر الكرامات لضمان توافد الحجاج باستمرار وضمان سيل النذور،وبلغ حرصهم حد التهديد بمعاقبة من لا  يوفى بالنذر . ولا يزال الفلاحون وأبناء البيئات الشعبية  فى المدن يتخوفون من عدم الوفاء بنذر الأولياء تأثراً بتلك الأساطيرالتى أشاعها الصوفية منذ العصر المملوكى . ويفترى الشعرانى أن شخصاً  نذر حصاناً لضريح الشيخ يوسف البرلسى ثم أراد الناذر أن يبيع الحصان فهرب منه الحصان ودخل قبر الشيخ البرلسى ولم يخرج منه، وقد ردد عبد الصمد هذه الأسطورة[28]. وأساطير أخرى من هذا النوع رددتها مراجع الصوفية[29].

8 ـ وأصبح النذر للاولياء عادة إجتماعية تحدث تلقائيا حتى بدون دعاية صوفية . فقد حدث فى العصر المملوكى سنة 781 أن شخصاً كان يتكلم من خلال حائط ، فافتتن به الناس ، وقالوا ( يارب سلّم ..الحيطة بتتكلّم.! ) . واصبحت من وقتها مثلا . صاروا يحجّون إلي الحائط  ، وبالتالى أخذوا يقدمون النذور لذلك الحائط ، يقول ابن إياس :" وصاروا يجلبون له أشياء كثيرة من الطيب والماورد ومن الزعفران كل يوم على وجه النذر" "ولما شاع أمره جاء إليه جماعة من الأمراء المقدمين والأعيان وحملوا إليه أشياء كثيرة من المآكل والمشارب وغير ذلك .. "[30].

9 ـ والناس لم يقدموا النذور للأضرحة بدون مقابل فهم يعتقدون فيها النفع والضرر.. وهكذا فللحج الصوفى أغراضه الدينية من تحقيق الرغبات وإجابة الدعوات ..



[1]
قواعد الصوفية جـ1/ 161.

[2]الطبقات الكبرى جـ2/65 طبعة قديمةز

[3]تحفة الأحباب 487 .

[4]الكواكب السيارة 288 ، 85.

[5]الكواكب السيارة 288، 85.

[6]المدخل جـ1/124 .

[7]الكواكب السيارة 128.

[8]تحفة الأحباب 117.

[9]عبد الصمد .الجواهر 122.

[10]مناقب عبد الرحيم. مخطوط ورقة 20.

[11]الطالع السعيد 157.

[12]لطائف المنن 337.

[13]الإنتصار 75.

[14]الإنتصار 75.

[15]تحفة الأحباب 261، 262، 284، 364، 365.

[16]تحفة الأحبابب 261، 262، 284، 364، 365.

[17]تحفة الأحباب 261، 262، 284، 364، 365.

[18]الكواكب السيارة 109،تحفة الأحباب4.

[19]الكواكب السيارة 179، 241.

[20]النجوم الزاهرة جـ14/79، تاريخ ابن اياس جـ2/46.

[21]عاشور.البدوى275.

[22]الجواهر 216، 7 2

[23]الطبقات الكبرى 274.

[24]السلوك جـ1/3/739.

[25]مناقب الوفائية 16.

[26]مناقب الوفائية 39.

[27]الكواكب السيارة 179.

[28]الطبقات الكبرى جـ2/95، الجواهر 27.

[29]مناقب الفرغل 14، 15. الكواكب السيارة 217، 218.

[30]تاريخ ابن إياس جـ1/2/246.

الفصل التاسع : أغراض الحج الصوفى ..

 الفصل التاسع : أغراض الحج الصوفى ..

مقدمة :

1 ـ فى الحث ّ على الحج الى الأنصاب الصوفية ترددت أقاصيص صوفية عن متوسلين بالأضرحة قدموا إليها من أماكن بعيدة، ثم ناموا عند أعتابها يشكون همومهم فيأتيهم صاحب الضريح فى المنام يحل مشاكلهم، فيستيقظ أحدهم فإذا الحلم حقيقة .. على أساس هذا الهيكل دارت معظم أساطير التوسل بالأضرحة [1].

2 ـ وبسبب سيطرة دين التصوف فقد اعتاد العصر المملوكى الحج إلى الأضرحة، وإمتلآت القرافة ( أو مكان الدفن فى القاهرة ومصر ) بقبور أصبحت أوثانا مقدسة تشاع حولها أساطير الكرامات ، غدت القرافة بتلك القبور المقدسة أهم المزارات يحج اليها آلاف الناس من القاهرة وخارجها حتى من القادمين لمصر أو ( السيّاح ). وقد حرص ابن بطوطة فى كتاب رحلته على تسجيل معالم القرافة وقبورها المقدسة ، ومثله فعل آخرون كالعلوى وابن ظهيرة دليلا على إزدهار ما يعرف الآن بالسياحة الدينية فى العصر المملوكى . بل أصبحت القرافة مقصدا للنزهة ، تأتى اليها العائلات للمبيت فى أيام محددة ، وتكون مناسبات للفسوق والعصيان مرتبطة بالتزاحم أمام الضريح والطواف حوله .

3 ـ هذا التوافد على القبور المقدسة فى قرافة القاهرة أسفر عن تخصص نفر من شيوخ الصوفية فى مهمة ارشاد الزوار،وأصبحت لهم مهنة مربحة ، فتكاثر العاملون بها من الشيوخ، وأصبحوا طبقة سميت بمشايخ الزيارة. ومن أعيان هذه الطبقة من ألَف فى طقوس الحج أو ترتيب الزيارة ، مثل ( ابن الزيات ) صاحب كتاب "الكواكب السيارة فى ترتيب الزيارة"، وتلميذه (السخاوى ) صاحب كتاب"تحفة الأحباب" . وحفلت هذه النوعية من الكتب بأساطير الكرامات للأولياء الموتى تعزّز من الاعتقاد فيهم ، ومن جدوى الحج الى أنصابهم . بل وتجعل للحج اليهم مكافأة ، أصبحت هذه المكافأة أغراضا للحج لتلك الأنصاب .

ونكتفى هنا بما كتب ابن الزيات وتلميذه السخاوى الصوفى  فى التعرف على أهم أغراض الحج الصوفى فى العصر المملوكى . وما ذكراه هو صادق فى تصوير عقلية العصر ومعتقداته ، وإن كانت هذه المعتقدات فى حد ذاتها خرافات دين أرضى كاذب فاجر .

الحج للضريح لأجل التداوى :

1 ـ عن طريق الأساطير والكرامات الصوفية والتى يذيعها سدنة الأضرحة اشتهر بعضها بترابها الشافى أو بمائها الذى يقال فى الأساطير أنه يبرئ المرضى ، وكان هذا نوعا من التخصص والتميز لتلك الأضرحة ، فكانت تلك الأضرحة مقصودة بالحج طلبا للتداوى إيمانا وتصديقا من الناس بتلك الخرافات . وقد ذكر السخاوى فى تحفة الأحباب كثيراً من الأمثلة منها ( مسجد الرعينى )  قال عنه "من المساجد الشريفة المقصودة بالدعاء وبه بئر يستشفى بمائها، وكان مستفيضاً عند المصريين أن من أصابته الحمى فيأخذ من هذا البئر ويغسل به فيذهب عنه الحمى "[2].  ، أى نحن أمام ( عيادة طبية متخصّصة ) مشهورة إستفاض عند المصريين شهرتها فى شفاء الحمى ،وبها بئر فيه ( شفاء للناس ).!

2 ـ ويهون الشرب من الماء إذ لم يكن ملوثاً، أما الذى لا تحمد عقباه فهو تناول تراب المقبرة والاكتحال به للتداوى فى علاج العيون.!. يقول السخاوى عن قبر على بن صالح الكحال : (لاحظ ارتباط اللقب بمهمة الضريح ) : "قيل من كراماته أن من أصابه رمد وجاء إلى قبره، وقرأ شيئاً من القرآن الكريم ثم قال بسم الله الرحمن الرحيم ويحسِن ظنه( لاحظ أثر الإيحاء هنا ) ويمسح على عينيه من تراب القبر فإنه ينفعه ذلك .. وقد جربه جماعة ووجدوا عليه الشفاء "[3]. .. وربما كانت هذه مؤامرة صوفية لإصابة المصريين بعمى البصر بعد عمى البصيرة !!

3 ـ وقال السخاوى عن قبر ذى النون المصرى "ما أخذ أحد من تراب مقبرة ذى النون قدر درهم أو أكثر وسأل الله حاجته وهو معه أو كان مريضاً وعلقه وسأل الله تعالى الشفاء إلا قضيت حاجته وشفى بإذن الله ، وقد جرب ذلك جماعة "[4]. أى إن تراب مقبرة ذى النون المصرى فيه إجابة لأى دعاء ، وشفاء لأى مرض.

وواضح التركيز هنا على التجربة، والتجربة مبنية هنا على الإشاعات والأساطير شأن كل إفتراءات الصوفية .

4 ـ وكما عاقب الصوفية المصريين بتكحيل عيونهم بتراب الأضرحة فإنهم اخترعوا نوعاً آخر من التعذيب والاذلال وامتهان الكرامة، حين أرغموهم على التشبه بالحيوانات التى تتمرغ فى التراب، تراب الأضرحة طبعاً .. يقول السخاوى عن مشهدين فى القرافة " ومن الناس من يأتى إلى هذين القبرين ويتمرغ بخده ويقصد بذلك الشفاء "[5]

وفى المصادر التاريخية ما يؤيد صاحب تحفة الأحباب فيذكر المؤرخ المملوكى أبو المحاسن بن تغرى بردى فى ( المنهل الصافى ) أن قبر الأمير المملوكى تمان تمرى  ت764 كان "يُزار" أى يحج اليه الناس ، ويتبرّكون بتراب القبر ، يقول :" ويؤخذ من ترابه للتبرك "[6].

وحتى يتم التبرّك بالتراب فلا بد من وضعه بكل إحترام على الوجه ومواضع المرض .

الحج لقضاء الدين :

1 ـ واشتهر بذلك ضريح عبد العزيز الدرينى شيخ الطريقة الرفاعية فى مصر العصر المملوكى . يقول  ابن الزيات فى ضريح الدرينى إنّه " مشهور بإجابة الدعاء فى قضاء الدين " ويقول فيه السخاوى " عُرفت هذه البقعة بإجابة الدعاء وأن من عليه دين إذا قال :"اللهم بما بين بينك وبين صاحب هذا القبر عبدك الردينى إلا ما وفيت دينى " إلا استجيب له"[7]. .. أى هم يعتقدون بالصلة الوثيقة بين الله جل وعلا والدرينى ، ويراهنون على متانة هذه الصلة فيقسمون بها على الله جل وعلا .!!

ورويت أساطير كثيرة فى هذا الشأن [8].

الحج للضريح توسلاً للحج إلى مكة :

1 ـ لم يترك الصوفية الحجّ لبيت الله خالياً من تدخلهم ، طبقاً لما أرسوه فى عقائد العصر المملوكى من اعتبارهم واسطة بين الناس ورب الناس . فلم يتركوا حجاج البيت الحرام دون الإلحاح بأن يستعينوا على الإستعداد للحج بالذهاب للأضرحة والتوسل بها كى تعينهم على الحج لمكة المكرمة .

ينقل ابن الزيات رأى شيخ صوفى وصفه بأنّه : (الإمام العالم العلامة ابن غزال الحضرمى )، يقول هذا الحضرمى فى تشريع جديد إفتراه : ( من أراد الحج إلى بيت الله الحرام فليغتسل فى آخر أربعاء فى الشهر ، أى شهر كان، بعد صلاة الفجر ، ويلبس ثوباً ، ويتطيب بطيب إن كان عنده، ويأتى إلى قبر الشيخ أبى الحسن الدينورى ، ويصلى عنده   أربع ركعات ، يقرأ فى الأولى بفاتحة الكتاب وأية الكرسى، والثانية بفاتحة الكتاب، وإنا أنزلناه فى ليلة القدر، وفى الثالثة بفاتحة الكتاب وألهاكم التكاثر، وفى الرابعة بفاتحة الكتاب وسورة الإخلاص، ثم يسلم ويقول : يا فرد لا يزدوج ، يا مالك الأشباح والمهج ، يا ودود يا ودود ، ويا ذا العرش المجيد ، يا مبدى يا معيد ، يا فعال لما يريد .. يا مغيث أغثنى  يا مغيث أغثنى، ويشير بأصبعه إلى القبر. ويكون ذلك قبل طلوع الشمس، ثم يقول الله أجعل ثواب هذه الصلاة للشيخ أبى الحسن الدينورى صاحب هذا القبر.. ثم تنزع ثيابك وتجعل فى وسطك سروالاً، وتتمرغ على القبر، وتجعل رجليك خارجاًعن القبر، فإنك تحج فى سنتك .. وإياك أن تجعله على وجه التجربة فإنك لا تنتفع به "[9]. )

2 ـ وبدراسة النص السابق يظهر منه أن الصوفية حرصوا على إيقاع من يريد الحج لبيت الله فى جريمة الشرك قبل أن يحج للكعبة . فأرغموه على أن يصلى إلى قبر ويتوسل به ويشير إليه بإصبعه متوسلا حين يدعو،ثم يبدأ الإحرام عند ذلك القبر بنزع ثيابه ولبسه سروالا ، بل يتمرغ كالحيوان فى تراب القبر ، ويتجه برجليه بعيدا عن الفبر تقديسا للقبر . وفى النهاية يحذره من أن يفعل ذلك على سبيل التجربة . بل لابد أن يقوم بكل هذا الذلّ والهوان وهو فى تمام الخشوع والإيمان .

3 ـ وهذه النصائح الثمينة وجدت لها المنفذين فى العصر المملوكى بدرجات متفاوتة، يقول ابن الزيات عن قبر فاطمة العابدة " من أراد الحج يطوف حول قبرها سبعاً وينوى بذلك تسهيل الحج فإنه يحج فى  سنته" [10].  ويقول السخاوى عن قبورأخرى " ومن خصائص زيارتهم أن من زارهم سبعة سبوت على نية الحج أو قضاء الدين أو حاجة، قضى الله حاجته، وقد جرب الناس ذلك فوجدوه كذلك . فينبغى لمن عزم على زيارتهم وغيرهم أن يخلص نيته"[11].

وهذا إصرار على أن يخلص الحاج لبيت الله الحرام فى توسله  بالأضرحة قبل أن يسافر إلى مكة ، كأنما يخافون أن تسرقه الكعبة منهم ..

خاتمة

فى الوقت الذى سيطر فيه دين التصوف الأرضى على المصريين وجعلهم يتمرغون بتراب الأضرحة طلبا للتداوى كانت أوربا تتحرّر من دينها الأرضى وتبدأ منهج البحث التجريبى ، كأنما تستجيب لقوله جلّ وعلا (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) ( العنكبوت ) وبدأت أوربا تسير فى الأرض وتفتح عصر الكشوف الجغرافية كأنما تستجيب لقوله جل وعلا (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) الحج ) (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)( الملك ) .

تحررالغرب من سيطرة أديانه الأرضية فدخل بالعالم وقتها الى عصر المخترعات والكشوف الجغرافية ، ويدخل الغرب بنا الآن يبحث فى فضاء النواة داخل الذرة وفى فضاء النجوم والمجرّة . بينما لا يزال المسلمون يقتتلون فيما بينهم فى صراع لا يهدأ، بين أديان أرضية شيطانية ثلاثة : السنة والتصوف والتشيع .

ثم يتهمون الاسلام بأنه هو السبب فى تخلف المسلمين السنين والصوفيين والشيعة .!! وحين نجتهد فى تبرئة الاسلام ونشير لأدينهم الأرضية بأصابع الاتهام يتهموننا بإزدراء الأديان .

نحن فعلا نزدرى تلك الأديان الأرضية . ونتقرب الى الله جل وعلا بإزدرائها ..

وموعدنا امام الواحد القهّار ليحكم بيننا فيما نحن فيه مختلفون .



[1]
الكواكب السيارة 43، 132، 133، 180.مجرد أمثلة.

[2]تحفة الأحباب 318.

[3]تحفة الأحباب 260.

[4]تحفة الأجباب 359، 360.

[5]تحفة الأحباب 332.

[6]المنهل الصافى جـ2/478.

[7]الكواكب السيارة 302، تحفة الأحباب440، 441.

[8]الكواكب السيارة 148،180،تحفة الأحباب 356.

[9]الكواكب السيارة 287، 288.

[10]الكواكب السيارة 122.      

[11]تحفة الأحباب 487.

الفصل العاشر : الكعبات الصوفية المشهورة بالحج إليها فى مصر المملوكية

الفصل العاشر : الكعبات الصوفية المشهورة بالحج إليها فى مصر المملوكية  

أولا : الحج لأنصاب مقدسة ولشخصيات حيّة مقدسة  

1 ـ كما كانت للعرب فى الجاهلية كعبات يحجون إليها بالإضافة إلى كعبة بيت الله الحرام فإن مصر المملوكية تناثرت فيها القبور المقدسة التى تضاهىء الكعبات الجاهلية ، وقصدها الناس بالتقديس والحج.

ولكن إزداد ضلال التصوف عن الجاهليين بتقديس الأحياء وليس فقط الأولياء الموتى . وقد شارك بعض الصوفية الأحياء فى استقطاب الناس فتوافدوا عليهم ، ووصف الشعرانى أحدهم فيقول: ( كان الناس يزدحمون على الشيخ شمس الدين الدمياطى لتقبيل يده، ومن لم يستطع يلقى عليه بردائه ثم يقبل ذلك الرداء، كما يفعل الناس بكسوة الكعبة .)[1].  

ولم يكن بعض الصوفية يحظى بهذا التقديس ورأى انصراف الناس عنه إلى الأولياء الموتى فقال مغتاظاً مقالة أبى العباس المرسى : ( يكون الرجل بين أظهرهم فلا يلقون إليه بالاً حتى إذا مات قالوا كان فلان، وربما دخل فى طريق الرجل بعد وفاته أكثر مما دخل فيها فى حياته"[2].) أى كان يشتهر بعضهم أكثر بعد موته وتحوله الى قبر ، والسبب هنا فى نجاح سدنة الضريح فى الدعاية لتنهال عليهم النذور بكل أنواعها ، فيأكلونها ويشربونها ( فى صحة الولى المقبور ).

2 ـ والواقع أن الإحتفال بالأضرحة والحج إليها كان ظاهرة تتجلى بين سطور الحوليات التاريخية للعصر المملوكى فضلاً عن كتب الصوفية،  فدائماً تتكرر عبارات (وقبره ظاهر يزار)، ( يقصد للزيارة والتبرك)، ( معروف بإجابة الدعاء ). وفى فتنة البقاعى وصراعه مع خصومه الصوفية بسبب تكفيره لابن عربى وابن الفارض، كان البقاعى وفقا لما جاء فى تاريخه المخطوط ، يصف خصومه الصوفية بأنه : ( كان معهم كثير من الجند ممن يُحسّن له أتباعه زيارة الأموات، ويوقع فى قلبه أن بيدهم الإسعاد والإشقاء )[3].  . كان تأثير شيوخ التصوف هائلا على العسكر المملوكى ، فانحازوا لهم فى صراعهم ضد البقاعى ، مع وضوح الحق الى جانب البقاعى . أى أقنع شيوخ التصوف العسكر المملوكى بأن الأولياء الموتى لديهم كرامات وتصريف فى الناس بالإسعاد والإشقاء .

ثانيا : تفضيل ضريح البدوى على ( الحرمين )

ومع التشابه فى الحج بين الجاهلية العربية والجاهلية الصوفية فإننا نلمح بين السطور أحيانا إشارات لتفضيل الحج للبدوى على الحج للبيت الحرام والقبر المنسوب للنبى فى المدينة ، ربما لأن الحج الى مكة والمدينة كان وقتها مثقلا بالمتاعب وإحتمالات الإغارة من الأعراب فى الطريق ، بينما كان الحج لضريح السيد البدوى فى طنطا نزهة بحرية برية رائعة عبر البحر المتوسط والنيل وفروعه وحقول الدلتا ، وحيث تتوسط طنطا الدلتا وتقع فى منتصف الطريق بين القاهرة والاسكندرية . من هنا تعاظم التوافد على طنطا حجّا للسيد البدوى ، وكان يحلو للعامة المقارنة بين الحج للبدوى والحج لبيت الله وتكون النتيجة طبعاً فى صالح البدوى ، يقول السخاوى المؤرخ المحدّث الفقيه فى تاريخه ( التبر المسبوك ) : ( قال الغوغاء فى مولد البدوى : جاء الزوار لسيدى أحمد من الشام وحلب ومكة والحجاز فى المحاير والماورديات أكثر من حجاج  الحرمين )[4]. والسخاوى الفقيه المحدّث هنا غير السخاوى الصوفى صاحب ( تحفة الأحباب فى المزارات ) . لذا نرى السخاوى المؤرخ الذى كان مشهورا بسلاطة اللسان يصف صوفية عصره بالغوغاء :( قال الغوغاء ) ، ولم يقل ( سيدى أحمد البدوى ) بل قال ( فى مولد البدوى ) ثم أورد كلامهم فى تقديس سيدهم البدوى (جاء الزوار لسيدى أحمد ) ونعرف أن من الحجّاج من أتى لطنطا حتى من الشام ومكة والحجاز ، وأن منهم من ركب السفن النيلية أو (المحاير والماورديات ).

ثالثا : عالمية الأنصاب المقدسة فى مصر  

1 ـ والواقع أن الحج للانصاب المصرية الصوفية كان عالميا حسب ظروف الوقت ، يأتى الحجاج للبدوى وغيره من خارج مصر . حتى أصبحت موردا سياحيا بتعبير عصرنا ، وصناعة قامت عليها أرزاق شيوخ الصوفية وأعوانهم ، من سدنة الأضرحة وشيوخ الزيارة ، علاوة على الأسواق التى كانت تزدهر فى الموالد . وأدى غرام الصوفية المصريين بتقديس الأضرحة وحرصهم على تحويلها الى مصدر رزق جعلهم يؤسسون أضرحة ترضى الجميع للصوفية ولغير الصوفية ، ليجتذبوا لهم الزبائن من ( كل فج عميق ) ومن كل الملل والنحل .  فبعض الأضرحة التى تشد إليها الرحال أقيمت على أسماء كثيرة لأنبياء وصحابة وزهّاد وعلماء من عصور سابقة كالعباسى والأموى ، بعضهم لم يأت أحدهم لمصر ولم يمت بها ، وبعضها لأشخاص وهميين لا وجود لهم فى الحقيقة ، هذا بالإضافة للصوفية والأشخاص العاديين. كما تنوعت فيها الجنسيات من مصريين وعرب ومغاربة وفرس ورجال ونساء وصبيان. ولاجتذاب الشيعة تم تشييد أضرحة مزورة منسوب لذرية على بن أبى طالب . وتكاثرت الأضرحة المزورة الى درجة أن شيوخ الزيارة أنفسهم كانوا يعترفون بذلك ، ولكن يوصون بزيارتها تمسكا بحُسن النية وسلامة الاعتقاد بزعمهم .

2 ـ وفى كتاب زبدة الممالك وهو كتاب ( محايد )  فى الجغرافيا أو علم ( المسالك والممالك )فى مصطلح العصر المملوكى ، عدّ المؤلف طائفة من الأماكن المقصودة بالحج منها :( مشهد زنبور، ومشهد التبرك، ومشهد القصر، يقال أن بهؤلاء رأس الحسن والحسين، ومشهد به صخرة موسى،ومشهد السيدة نفيسة، ومشهد فاطمة بنت إسماعيل بن جعفر الصادق، ومشهد أمينة بنت محمد الباقر، ومشهد رقية بنت على بن أبى طالب، ومشهد الشافعى، ومشهدعلى بن حسين بن على زين العابدين، ومشهد الكيزانى،ومشهد آل البيت، ومشهد على بن عبد الله بن القاسم، ومشهد ابنه موسى الكاظم، ومشهد يحيى ابن الحسين بن زيد بن الحسن بن على . ) ، ويستمر فى سرد المشاهد المنسوبةلآل البيت ، إلى أن يذكر بعدهم  مشاهد لأنبياء وأولاد الأنبياء، ومنها ( قبر روبيل بن يعقوب، ويهوذا أخيه ، وذو اليسع، وقبر خال النبى أخى حليمة السعدية . ). ثم يورد قبور صحابة وتابعين: ( ومشهد عمرو بن العاص، وقبر عبد الله بن الحارث، وقبر كعب الأحبار، ومقام موسى، ومعبده، ومقام ابراهيم، ومكان يعرف بصالح العزيز، والمطرية مكان مبارك يستخرج من بئر فيه دهن البلسم، وهناك عين شمس، وبالصعيد جبل الطير .. والجبل الساحرة وهو جبل مبارك يُنذر له، وفى غرب الحسينية قرية تعرف ببهدال به مشهد ينزل عليه النور، وهناك مساجد كثيرة تعرف بيوسف الصديق، والمسيح بن مريم، ويقال أن بالصعيد قبر ارسطاطاليس" [5].

أى أن المصريين فى العصر المملوكى أقاموا أضرحة تذكارية لأكثرالشخصيات المشهورة فى التراث السابق، ولأديان السّنة والتشيع والتصوف والأقباط ، بل للحيوانات أيضاً مثل بقرة موسى، كما أعادوا تقديس الأماكن الفرعونية والقبطية فى المطرية وعين شمس والصعيد.. وهنا تسامح دينى يتميز به دين التصوف خلافا لتزمت الدين السّنى !!. ومبعث هذا التسامح إقتصادى ، فعيونهم كانت ولا تزال على النذور.

رابعا : الاختلاف فى تحديد الكعبات الأكثر قداسة فى مصر المملوكية

1 ـ لم  يهتم كاتب ( زبدة الممالك ) بتحديد القبور الأكثر تقديسا والمشهورة بأن الدعاء عندها مستجاب . ولكن  إهتمت كتب المزارات الصوفية بأشهر الأضرحة بالبركة والدعاء المستجاب فى إعتقاد الناس .

2 ـ ويتفق ابن الزيات وتلميذه السخاوى الصوفى فى تعيين تلك الأضرحة ، يقول ابن الزيات : ( وهى بالترتيب : أبو الحسن الدينورى، ثم عبد الصمد البغدادى، ثم اسماعيل المزنى، ثم المفضل بن فضالة، ثم أبوبكر القمنى، ثم ذو النون المصرى، ثم يختم ببكار . )[6].

أما السخاوى فيقول عنهم: (  إن من زارهم زار القرافة بأكملها، ويبدأ بالدينورى، فالبغدادى، فالمزنى، فبكار،فالمفضل بن فضالة،ثم القمنى، ثم ذو النون " [7]. ) أى اختلف السخاوى مع استاذه فى ترتيب الزيارة وإن اتفق معه فى تحديد الأضرحة السبعة .

والرحالة المغربى ابن ظهيرة زار مصر المملوكية ، وكتب فيها (  المحاسن الباهرة فى فضائل مصر والقاهرة ) ، وقد زار القرافة وتجول فى طرقها وشاهد أضرحتها ، واستمع الى شيوخ الزيارة فيها ، وأورد ما شاهد وما سمع فى كتابه . وهو يختلف مع ابن الزيات والسخاوى  فى تحديد تلك الأضرحة السبعة المشهورة يقول: ( اشتهر عند المصريين أن بالقرافة سبعة قبور الدعاء عندها مستجاب مجرب لقضاء الحوائج ،وأن من زارها يوم السبت وسأل الله حاجته قضيت، وهى : قبر ذو النون المصرى، وقبر أبى الخير الأقطع، وقبر الربيع المالق، وقبر القاضى بكار، وقبر القاضى كنانة،وقبر أبى بكر المازنى، وقبر أبى الحسن الدينورى "[8]. ). وطبعا لا نعرف من أين عرفوا بأن الدعاء مستجاب عند هذه الأماكن ، وما هو المقياس فى تحديد هذه الأضرحة بالذات ، وما هو المعيار فى الترتيب . وبدلا من أن نرهق انفسنا فى التفكير علينا أن نتذكّر أنه دين أرضى يملك ويصنعه أصحابه، ولهم فيه سلطة التشريع في العقيدة وفى الطقوس . وحيث أننا هنا فى مجال المزارات المقدسة فأصحاب التشريع هنا ههم شيوخ الزيارة.

3 ـ ولأنه دين أرضى قائم على الاختلاف والشقاق والهوى فمن الطبيعى أن يكون ثمة اختلاف فى تحديد الأضرحة الهامة ، تبعاً لأهواء السادة الأشياخ الذين يشرعون للناس الأماكن التى يستجاب فيها الدعاء، وكيفية القدوم وترتيب الزيارة.

4 ـ  بل أن بعضهم قد يختلف مع نفسه فالسخاوى الذى رأيناه يحدد القبور السبعة بالإسم والترتيب فى المناسك نجده يذكر قبورا أخرى مستجاب عندها الدعاء ، يتحدث عن مسجد الأقدام، فيقول" وذكر جماعة من المصريين أن الدعاء به مستجاب، وهذا أحد المساجد السبعة الذين بالقرافة  المجاب عندهم الدعاء"[9]. المضحك أن مسجد الأقدام هذا لم يذكره السخاوى ضمن المساجد السبعة . وهذا المسجد كان بزعمهم يضم ( أرجل وأقدام ) بعض الأولياء أو الآلهة الصوفية، على نسق ( أضرحة الرءوس ) ، فرأس الحسين لها عدة أضرحة، تحظى كلها بالتقديس والحج اليها ، مع أنه كانت للحسين رأس واحدة لا غير ..اليس كذلك ؟

5 ـ نعود للسخاوى. وهو يعد  الأضرحة التى يستجاب عندها الدعاء، إلا أن حديثه عن بعضها يضعه فى تناقض مع تحديده للأضرحة السبعة سالفة الذكر، فهو يقول عن جامع الأولياء : ( وهذا الجامع مبارك لم يزل الناس يضرعون إليه فى أيام الشدائد للتضرع إلى الله تعالى ، وهو موضع شريف ، مجاب الدعاء فيه ، وما زال أهل الخير والصلاة يتبركون بهذا المكان إلى الآن، ولهذا اشتهر بجامع الأولياء"[10]. ) .. وإذا كان الأمر كذلك فلم لم يعده بين الأضرحة السبعة ؟

ويذكر السخاوى وابن الزيات أن المشايخ كانوا يقفون بين ضريحى ابن شقران وذى العقلين ويبتهلون فيستجاب لهم[11]. فهنا مكان آخر عندهما يتفقان على أنه مستجاب عنده الدعاء .!!.

ويقول السخاوى: (  وقيل أن بأرض مصر أربعة أماكن الدعاء فيها مستجاب : سجن يوسف عليه السلام، ومسجد موسى عليه السلام الذى بطرا، ومشهد السيدة نفيسة، والمخدع المذكور فى الجامع المؤيد"[12]. ) وهو هنا ينقل عن غيره ، يقول ( وقيل ..) أى هناك آراء أخرى لمشرّعين آخرين فى تحديد الكعبات المستجاب عندها الدعاء . ويلمح السخاوى إلى وجود اختلافات فى الأضرحة الهامة التى يزعمون استجابة الدعاء عندهم، فيقول عن قبر عقبة بن عامر الجهنى ت58 : ( الدعاء عنده مجاب وليس فى ذلك اختلاف" [13].  )أى أن هناك خلافاً فى غيره .

خامسا : أضرحة مقدسة خاصة بالنساء

1 ـ وهناك أضرحة للنساء مشهورة بالزيارة والحج ومعروفة لدى الناس بالدعاء المستجاب ، ولم يرد ذكرها ضمن السبعة ، مثل مشهد السيدة نفيسة ت208 ، يقول عنه السخاوى "قبرها معروف بإجابة الدعاء،[14].

2 ـ ويقول السخاوى عن مشهد لسيدة أخرى من العلويين : (  مشهد السيدة زينب معروف بإجابة الدعاء، إذا دخل الزائر إلى المشهد المذكور وجد أنساً عظيماً ، وكان أهل مصر يأتون إلى زيارتها. ).ويقول عن صاحبة المشهد : (  وهى السيدة زينب بنت يحيى المتوج بن الحسن الأنور بن زيد الأبلج بن حسن بن على ت240 . ) ، ويذكر بعض الكرامات  الشائعة عنها : (  وقيل أن النيل توقف فى بعض السنين فجاء أهل مصر إلى هذا المشهد يستسقون فجرى النيل، وفى مشهدها ضريح السيدة فاطمة العيناء من نسل الحسين والدعاء فى محرابها مجاب، وكان المصريون يعظمون هذا المشهد لما رأوا من عظيم بركته" [15]. ).

أى هى غير السيدة ( زينب بنت على ) صاحبة ( جامع السيدة زينب ) المشهور حاليا ، والمنسوب لها ( حى السيدة زينب ). إنّ مشهد السيدة زينب الحالى  لم يكن موجودا فى عصر السخاوى فى القرن التاسع الهجرى ، وإنما تم إختراعه فى القرن العاشر سنة 955 هجريه. بعد موت هذا السخاوى ب55 عاما . المسجد القديم الذى كان لتلك السيدة زينب فى عصر السخاوى لم يلبث أن اندثر ، وتناساه المصريون بعد إنشاء مسجد السيدة زينب القائم الآن ، إثر رؤيا منامية زعم صاحبها أنه رأى روح السيدة زينب تحطّ فى هذا المكان فسارع الكتخدا العثمانى الى تأسيس مسجد فى هذا المكان ، وأصبح من وقتها من أشهر الكعبات فى تاريخ مصر العثمانية و الحالية .. والجنون .. فنون ..!!.

3 ـ وعدَ ابن الزيات أضرحة للسيدات أثناء حديثه عن الأماكن التى تستجاب فيها الدعوات، منها أضرحة لنساء من آل البيت الهاشمى، مثل مشهد السيدة كلثم، وقبر الشريفتين فاطمة الكبرى وفاطمة الصغرى، وأضرحة لنساء عربيات مثل عاتكة بنت عيسى، وفاطمة بنت الأشعث، أو من بنات الأمراء والملوك مثل قطر الندى ، أو واحدة من بنات الشعب مثل عروسة الصحراء[16].

4 ـ ويبدو أن هناك معايير محددة فى الأساطير التى تضاف للقبور، فالقبر المنسوب لامرأة هاشمية لا يحتاج إلى تزكية كبيرة ليشتهر، فيكفى نسبها الشريف شفيعا لها فى شهرتها وتقديسها .  أما إذا كانت عربية غير هاشمية فلا بد من تزكيتها بالصلاة والزهد وقضاء الحاجات كما يقول السخاوى عن ضريح : ( المرأة الصالحة العابدة الناسكة فاطمة بنت الحسين من ولد الأشعث بن قيس كانت من الناسكات المعروفات بقضاء الحاجات وإجابة الدعوات وإغاثة الملهوف، والشهرة فى قومها بالصلاح والبركة وترك الدنيا.. إلخ)[17].وعلى نفس المنوال يقول عن إحدى نساء بنى أمية: (  مشهد السيدة أسماء بنت عبد العزيز بن مروان المعروفة بصاحبة المصحف، كان أهل مصر إذا نزل بهم فتحوا مصحفها بالنهار. ) ، ( ومن نساء التابعين فى وظيفتها رقية بنت عقبة بن نافع المستجاب الدعاء عند قبرها[18].)

أما إذا كانت المرأة مصرية لا نسب لها ولاحسب إحتيج إلى الكرامات لكى تسد النقص ليعلو شأن القبر ويتعاظم التوافد إليه وتتكاثر الأموال لدى سدنة الضريح، يقول السخاوى عن قبر عروس الصحراء أنها( ماتت بكراً من خجلها ليلة عرسها حين استحيت حياء عظيماً فعمت بالعرق، ثم قالت اللهم لا تهتكنى على يد أحد،فاستجاب الله دعائها وماتت، فأظهر هذا السر على قبرها، حتى إن الإنسان إذا وضع يده على قبرها فى زمن الشتاء، يجدها عرقانة . !.. والتربة معروفة بإجابة الدعاء " [19]. ) ، أى أنها استحيت ليلة زفافها فاستحقت أن يرتفع لها ضريح بكرامات مستمرة إلى جانب أضرحة نساء الأشراف اللائى لم يستحيين ليلة الزفاف!!

سادسا : مشهد الحسين ( الرجس الأكبر فى مصر).!! 

1 ـ والتزوير لم يكن فى سبك الكرامات حول الضريح وصاحبه فحسب ،  بل كان أيضاً فى نسبة الضريح إلى صاحبه، فأغلبية تلك الأضرحة كانت مزورة، وعلى رأسها بالطبع كان ضريح الحسين الذى أنشأته الدولة الفاطمية فى مصر فى أواخر عهدها حين احتاجت إلى تأييد المصريين بعد أن انفضوا عنها، يقول ابن تيمية عن ضريح الحسين : ( لم يُحمل رأس الحسين إلى القاهرة، فقد دفنت جثته حيث قتل ، وروى البخارى فى تاريخه أن رأس الحسين حمل إلى المدينة ودفن فى البقيع عند قبر أمه فاطمة .. فبين مقتل الحسين وبناء القاهرة نحو مائتين وخمسين سنة، وقد بنى الفاطميون مشهد الحسين فى أواخر سنة 550 هجريه وانقرضت دولتهم بعد هذا البناء بنحو أربع عشرة سنة، وهذا مشهد الكذب"[20]. )

ولو كان لرأس الحسين تصريف فى ملك الله لدافعت عن نفسها ولم تسمح لسيف الأمويين بقطعها، والله جل وعلا  قال لجد الحسين ( محمد رسول الله) : (لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ)(128)( آل عمران ) فهل يكون للحسين أو غيره تصريف فى ملك الرحمن جل وعلا ؟ .ولكن المصريين أقاموا ضريحاً مزوراً على ذكرى رأس غير موجودة، وحتى لو كانت موجودة فهى لم تغن عن صاحبها شيئاً .

2 ـ وبعد انشاء ضريح الحسين بنحو ربع قرن زار مصر الرحالة ابن جبير فى عصر الناصر صلاح الدين الأيوبى، وكعادة الرحالة المسلمين حج إلى المشاهد، وكان ضريح الحسين أول مشهد زاره يقول " فأول ما نبدأ بذكره منها الآثار والمشاهد المباركة التى ببركتها يمسكها الله عز وجل، فمن ذلك المشهد العظيم الشأن الذى بمدينة القاهرة حيث رأس الحسين بن على بن أبى طالب، وهو فى تابوت فضة مدفون تحت الأرض، وقد بنى عليه بنيان طفيل يقصر الوصف عنه" وأسهب فى وصف الضريح والمسجد إلى أن يقول " ومن أعجب ما شاهدناه فى دخولنا إلى هذا المسجدا المبارك حجر موضوع فى الجدار الذى يستقبل الداخل شديد السواد والبصيص" أى وضعوا الحجر الأسود لتتم معالم البيت المقدس.

3 ـ ويصف ابن جبير مناسك الحج فى عهده لضريح الحسين " وشاهدنا من استلام الناس للقبر المبارك، وإحداقهم به، وإنكبابهم عليه، وتمسحهم بالكسوة التى عليه وطوافهم حوله مزدحمين داعين باكين متوسلين ببركة التربة المقدسة ومتضرعين، ما يذيب الأكباد ويصدع الجماد، والأمر فيه أعظم ، ومرأى الحال أهول، نفعنا الله ببركة ذلك المشهد الكريم،وإنما وقع الإلماع بنبذه من صفته مستدلاًعلى ما وراء ذلك، إذ لا ينبغى لعاقل أن يتصدى لوصفه، لأنه يقف موقف التقصير والعجز وبالجملة فما أظن فى الوجود كله مصنعاً أحفل منه، ولا مرأى من البناء أعجب ولا أبدع، قدس الله العضو الكريم الذى فيه"[21]. ) وما يقوله ابن جبير يعبّر عن تقديس يعكس كفرا هائلا بالله جل وعلا . وتزايد تقديس مشهد الحسين فى العصر المملوكى ، يقول ابن تيمية فى العصر المملوكى (وأعظم المشاهد بالقاهرة مشهد الحسين فإن أمره عظيم. حتى إذا غلظ أحد اليمين على الحالف يحلفه عند مشهد الحسين ) [22].

سابعا : فنّ التزوير فى أضرحة المشاهير

1 ـ ونعود إلى الرحالة ابن جبيرالذى ألمح إلى شكّه فى الأضرحة فى القرافة وحقيقة انتمائها لأصحابها يقول : ( وأسماء أصحاب هذه المشاهد المباركة إنما تلقيناها من التواريخ الثابتة عليها مع تواتر الأخبار بصحة ذلك،والله أعلم بها" وحين تكلم عن مشاهد الصحابة والتابعين يقول فى البداية " والمقيد يبرأ من القطع بصحة ذلك، وإنما رسم من أسمائهم ما وجده مرسوماً فى تواريخها، وبالجملة فالصحة غالية لا يشك فيها أن شاء الله عز وجل"[23].

2 ـ وبعد ابن جبير وفى عصرنا المملوكى تكاثرت الأضرحة المزورة التى تنتسب إلى أنبياء وصحابة حتى اضطر كتاب المزارات أنفسهم إلى التنبيه على زيفها، وإن حرصوا فى نفس الوقت على الدعوة لزيارتها بإخلاص النية. فهناك فى القرافة مشهد لبلال مؤذن الرسول، ويعترف السخاوى بأنه لا أصل له،إلا أنه يقرر وجوب زيارته للتبرك[24]. ويؤكد السخاوى على كذب المشهد المنسوب إلى روبيل بن يعقوب إلا أنه يقول بناء على رؤيا منامية " فالمكان مبارك يزار بحسن النية"[25]. أما ابن الزيات فهو يعد مشهد اليسع ومشهد روبيل من الأضرحة المزورة، وفى نفس الوقت يجعلها من الأماكن التى تستجاب فيها الدعاء[26].

وفى بداية العصر العثمانى – فى القرن العاشر الهجرى- اخترع ضريح جديد نسبوه لزينب بنت على وتمت له الشهرة حتى لقد سميت المنطقة باسمه(السيدة زينب) وأضيفت لها الكرامات والمعجزات التى أضافها المصريين فى العصر القبطى للسيدة مريم وأضافوها من قبل لإيزيس .. أقاموا ضريح (السيدة زينب) سنة 955هجرية 1173م وسرعان ما أصبح مع ضريح الحسين أشهر المزارات فى القاهرة ومصر وأكبر شاهد على التزوير فى التاريخ ،  فلم تأت السيدة زينب بنت على لمصر إطلاقا فى حياتها ، ولم تمت فيها ، ولم تكن القاهرة قد بنيت فى عصرها ، ولم يكن لها قبر حقيقى أو مزور فى مصر حتى نهاية العصر المملوكى. وهو أيضا تزوير ورجس فى العقائد،وصدق الله العظيم : (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) ( الحج)." .

ثامنا : الرحالة والحج للأنصاب فى  القاهرة ومصر

واجتذبت الأضرحة أهواء الرحالة القادمين لمصر كما اجتذبت المقيمين فيها، ورأينا كيف بدأ ابن جبير رحلته لمصر فى العصر الأيوبى بزيارة ضريح الحسين وغيره .وفى العصر المملوكى توافد الرحالة من المشرق والمغرب، وكان الحج للأماكن المقدسة أبرز نشاط يحرصون عليه ، كذلك فعل ابن ظهيرة فى كتابه " المحاسن الباهرة" وفعل ابن بطوطة فى رحلته المشهورة، وفعل العلوى فى مخطوطة رحلته.وفيها يقول العلوى عن الإسكندرية" وفى الاسكندرية تربة لبعض الأنبياء وتربة لبعض التابعين" ويقول" استوفيت زيارتهم أجمعين وترددت إلى مبارك نفعهم".ويقول عن قرافة مصر " وهى إحدى العجائب بما تحتوى عليه من  مشاهد الأنبياء وأهل البيت والصحابة والتابعين والعلماء والزهاد والأولياء ذوى الكرامات الشهيرة والأنباء الغريبة، وقد رأيت فيها أثر النبى صالح وقبر روبيل بن يعقوب أخى يوسف وقبر آسية وقبور جماعة من أهل البيت .. على كل واحد منها بناء جميل بديع الإتقان عجيب البنيان.[27].  ).

أخيرا :

وفى كل عصر يتجلى ابليس يخدع كل جيل ، يجعلهم يعبدون الأضرحة ، وهو الصانع الحقيقى لهذا الإفك ، فقد وصفها رب العزة أنها رجس من عمل الشيطان ، وحذّر المؤمنين منها : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (91) ( المائدة )

ودائما .. صدق الله العظيم .!!



[1]
تنبيه المغترين 93، 94.

[2]لطائف المنن لابن عطاء 55.

[3]تاريخ البقاعى .مخطوط 59.

[4]السخاوى ..التبر المسبوك 176.

[5]زبدة كشف المماليك.

[6]الكواكب السيارة 321.

[7]تحفة الأحباب 485.

[8]المحاسن الباهرة 193، 194.

[9]تحفة الأحباب 167.

[10]تحفة الأحباب 309.

[11]تحفة الأحباب 364، الكواكب السيارة 240.

[12]تحفة الأحباب 79.

[13]تحفة الأحباب 366.

[14]تحفة الأحباب 107.

[15]تحفة الأحباب جـ4/225، 226.

[16]الكواكب السيارة 96، 156، 43 ،155، 143.

[17]تحفة الحباب جـ4/ 200.

[18]تحفة الأحباب جـ4 /236

[19]تحفة الحباب 279: 280.

[20]تكسير الأحجار 146.

[21]رحلة ابن جبير 48. دار الكتاب اللبنانى – المصرى .

[22]تكسير الحجار 146.

[23]رحلة ابن جبير 49، 50.

[24]تحفة الأحباب 139.

[25]تحفة الأحباب 415.

[26]الكواكب السيارة 283.

[27]رحلة العلوى .مخطوط. ورقة 42أ، 59، 60.

الفصل الحادى عشر : ( تحويل الصوفية للكعبة مقرا لآلهتهم المزعومة )

الفصل الحادى عشر :( تحويل الصوفية للكعبة مقرا لآلهتهم المزعومة )

 أولا : أصنام الصوفية في الكعبة :

1 ـ أعاد التصوف تواتر الجاهلية التى ملأت الحرم بالأصنام فجعل الصوفية الكعبة مكاناً مختاراً لآلهتهم من القطب والخضر والأولياء لتزاحم وتشارك التقديس الذى للبيت الحرام . 

2 ـ نظرا لحساسية المسلمين من الأصنام ـ وهى تماثيل تجسّم البشر ـ فقد بالغوا فى تحريمها الى درجة تحريم التصوير ، والتماثيل العادية ، فى نفس الوقت الذى عاد فيه بقوّة تقديس القبور خصوصا فى دينى التصوف والتشيع . إنمحى تقديس الأصنام والتماثيل المقدسة والصور المقدسة والأيقونات لدى المسلمين ، وحل بدله التركيز على عبادة الأولياء ( الأحياء ) والقبور المقدسة التى تنسب لأولئك الأولياء وغيرهم سواء كانوا مدفونين فيها حقيقة ، أو بزعم إن رأسه أو بعض أعضائه مدفون تحت ذلك الضريح ، أو مجرد الاسم والذكرى. 

3 ـ ولأن من المستحيل بناء قبر مقدس داخل الحرم المكى وبجانب الكعبة فقد تسلل الصوفية بعقائدهم الشركية لتحوّل بناء الكعبة نفسها الى حجر مقدس ، يشبه الضريح المقدس ، ثم جعلوها مقرا تجتمع فيه وفوق سطحها أولياء الصوفية ، وصار هذا من معالم تصنيع الكرامات لديهم فيما يخصّ الكعبة . أى إنمحى وجود الأصنام العادية والأنصاب العادية حول الكعبة ، وأصبح كافيا وجودها معنى واعتقاداً.

ثانيا : آلهة الصوفية الوهميون يجتمعون فى الكعبة

1 ـ هناك فى عقائد الصوفية ( مملكة صوفية غيبية ) تتكون من آلهة تقوم بتدبير أمور العالم ، والأغلب لديهم جعل ( الخضر) على رأس هذا الترتيب ، ثم هناك القطب الغوث،أو قطب الأقطاب ،والأقطاب الأربعة، والأبدال والأوتاد وأصحاب النوبة.وجعلوا الكعبة مكانهم المفضل لاجتماعهم وأجتماع أتباعهم بهم حسب زعمهم .

2 ـ ونستشهد بما جاء فى ( طبقات الشرنوبى ) . والمؤلف متاّثر بكتاب ابراهيم الدسوقى ( الجوهرة ) ينقل منه ما زعمه ابراهيم الدسوقى عن مكانته الالهية وتحكّمه فى ملكوت السماوات والأرض وفى الدنيا والآخرة وكونه من الأقطاب الأربعة طبقا لعقيدة الحقيقة المحمدية فى التصوف الشيعى . يقول فى مقمة الكتاب : (هذه طبقات العلامة الشيخ أحمد الشرنوبي ،نفعنا الله ببركاته يذكر فيها مناقب الأولياء الأربعة وكرامات أصحاب الأشاير الأربع رضي الله تعالي عنهم أجمعين . آمين . بســـم اللــــه الرحمــن الرحــيم . الحمد لله الذي احل أولياءه دار المقامة ،وحلّي أحبابه حلل الكرامة ، فقام قائمهم الليالي الطوال فلم يخيب مقامه ، وصام صائمهم الهجير فصان له صيامه ، فهم الذين يتجلى لهم علي القلوب ، ويطلعهم علي الغيوب ، ويعجل لهم الكرامة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من خلص من شرايب الشرك  إسلامه . وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا صلي الله عليه وسلم عبده ورسوله الذي نشرت من الملأ الاعلي أعلامه ، وزاد إلي الأبد مقامه ، صلي الله عليه وعلي آله وأصحابه إلي يوم القيامة " أما بعد" فيقول العبد الفقير إلي الله تعالي محمد البلقيني ،أنه أراد الله تعالي ومنًّ وتفضّل عليّ بأخذ العهد علي القطب الغوث سيدي أحمد بن عثمان الشرنوبي ، وسألته عن فروع الشريعة فأفادنيها ، ثم قال لي : يا مريدي وأفيدك علم الطريقة والحقيقة ، فأفادنيها . فقلت له يا سيدي : أخبرني عن كرامات السادات الأربع أصحاب الأشاير، وما سبب قسمتهم الأرض بينهم دون غيرهم ؟  فقال : يا مريدي أما كرماتهم لا تحصي . ولكن يا مريدي سأذكر لك بعضا منها . ثم قال : والله ثم والله ، اطّلعت علي اللوح المحفوظ فرأيت فيه أن أحمد الشرنوبي تابع لإبراهيم الدسوقي . وأخبرك يا مريدي إنه لما خلقت روح سيدي إبراهيم اطلع علي اللوح المحفوظ وفك طلاسمه جميعا . فقلت له يا سيدي ومن أخبرك بذلك ؟ فقال : لما منَّ الله سبحانه وتعالي علي الفقير بالقطبانية وأذن لي بالكلام اجتمعت بسيدي إبراهيم وقال لي : يا وزيري سنخبرك بكراماتنا وكرامات سيدي أحمد وسيدي عبد القادر وسيدي أحمد الرفاعي ، فأخبرني بذلك . وكنا علي سطح الكعبة المشرفة . قال  فقال لي يا أحمد اسمع فقلت حبا وكرامة فقال من كراماتنا : قال لي ربي أنت من نوريتي يا إبراهيم ، ولك البشري . ومن كراماتنا أني أُعطيت الحكم علي الحور العين . ومن كراماتنا أني لما وردت علي النيران هربت خوفا مني ، فرفصتها برجلي فصارت رمادا ، وصرخت عليها فغلقت أبوابها السبع . ومنها قال لي ربي : لك البشري أنت وأتباعك . ومنها تكرّم ربي عليّ أنا وأتباعي بدخولهم الجنة كرامة لأجلي . ومنها فتح أبواب الخير لأهل الطرق الأربع . ومنها أني أعطيت سجادة من نور ليست تعطي لأحد غيري إلي يوم القيامة . ومنها أني سددت أبواب جهنم السبع بفوطتى ، وفتحتها لأعدائي ، وأدخلتهم فيها . ومنها أني فتحت أبواب الجنة الثمانية بيدي ، وأدخلت أمة محمد صلي الله عليه وسلم فيها . ومنها أن صنج الميزان بيدي أصيّر حسنات مريدي أثقل من سيئاته ، ومسّيت عليها بيدي فصارت سيئات المنكرين عليً  أثقل من حسناتهم ولو كانوا مطيعين .ومنها أنه إذا دعاني مريدي أجبته ولو خلف قاف . ومنها أني أدخل أتباعي يوم الحشر أعلا  مرتبة من أتباع غيري. ومنها أن أول من نطق بكلمة التوحيد رسول الله صلي الله عليه وسلم والصحابة  ثم أنا . ومنها أن الله تعالي سكّن في  قلبي التوحيد قبل آدم وحوي وقبل العرش والكرسي واللوح والقلم والسماوات والأرض وقبل الماء والطين . ومنها أن جعلني ربي قطبا قبل بناء البيت الحرام وأعطاني علوما ليس يحصيها إلا هو . ومنها أن الله تعالي أجري لساني علي طلاسم القرآن العظيم . ومنها أن وهب لي علم الدنيا والآخرة وعلم الغيب وعلم النور وعلم سدرة المنتهي وعلم الساعة وحفظني طلاسم الغيوب وطلاسم اللوح المحفوظ . ومنها معرفة اسم من ينكر عليً إلي يوم القيامة . ومنها معرفة ما تحت الثري . ومنها أني حفظت علم القدرة الأبدية . ومنها أني حفظت علم الموت الذي يقبض به عزرائيل الأرواح . ومنها أني عرفت جميع الأسماء المكتوبة علي شجرة المنتهي . ومنها أني حفظت العلم الذى يسير به السحاب والعلم الذي ينزل به الغيث والعلم الذي يصعدون به الملائكة إلي السماء وهو الاسم الأعظم . ومنها أني حفظت الاسم الذي ينزلون به إلي الأرض والاسم الذي يأتي به الليل والاسم الذي يأتي به النهار. ومنها أنه لا يفرغ أجل  مؤمن حتي نعرف فروغ أجله ولا يموت أحد في ليل أو نهار حتي تأتيني روحه إن شئت رددتها إليه وإن كان فرغ أجله أجمعها من حينئذ فيموت .ومنها  أنه أذن لي ربي أن أتكلم وأقول أنا الله فقال لي قل أنا الله ولا تبالي ) .

3 ـ إضطررنا الى الاتيان بكل هذا الهُراء للإستدلال ليس فقط على مدى كُفر أولئك الصوفية ، ولكن أيضا استخدامهم الكعبة فى خيالاتهم مركزا لاجتماع الأولياء الأحياء بالأقطاب الأربعة الذين ماتوا من قبل . ونعيد التأكيد بأن هذه الخرافات مع أكاذيبها وفُجرها فهى صادقة فى تصوير عقائد الدين الصوفى وسيطرته على الحياة الدينية فى العصرين المملوكى والعثمانى . فلا يجرؤ إنسان فى عصرنا مهما بلغ كفره على ان يقول هذا ، لأنه لم يعد عصر تسلط الدين الصوفى .

ثالثا : الخضر والكعبة والحجاج الى الكعبة

1 ـ فى العصر المملوكى جعل الصوفية من الكعبة – خصوصاً وقت الحج – مكاناً لإجتماع لخضر والقطب وكبار الأولياء ، والخضر عند الصوفية ولي أزلي لا يموت ، وأنه هو الذى قابل موسى عليه السلام.

2 ـ والعبد الصالح المذكور في سورة الكهف كان نبياً، فقد وصفه الله تعالى بما يصف به الأنبياء عادة. وصفه بالعلم الالهى : ( فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (65 )الكهف ).  والأنبياء وحدهم هم محل العلم الإلهي تمكيناً لهم من آداء الرسالة المنوطة بهم، يقول تعالى عن رسوله الخاتم : (  وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ) (113)   النساء ). وبعض هذا العلم ما يكون مختصاً ببعض نواحي الغيب لبعض الأنبياء. يقول تعالى مخاطباً المؤمنين ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ  (179).آل عمران ). وقد ظهر في قصة العبد الصالح مع موسى عليهما السلام ان موسى كان يجهل بعض الغيب الذي أعلمه الله جل وعلا للعبد الصالح ، فالعبد الصالح نبي يأتيه الوحى يأمره بملاقاة موسى ليتعلّم منه موسى كيف يضبط إنفعالاته ويهدّىء من سرعة ردود أفعاله . يقول العبد الصالح نبى الله لرفيقه موسى عليهما السلام : ( وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (82) الكهف ).  لا نعرف اسم ذلك النبى العبد الصالح ، ولا يقدح ذلك في نبوته، فنحن لا نعلم أسماء كل الأنبياء ، والقرآن الكريم لم يقص علينا كل قصص الأنبياء :( وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ )(164) النساء )، وحتى فى القصص القرآنى فقد عرض رب العزّة لبعضهم  بالوصف دون الإسم ، كأن يقول سبحانه وتعالى مثلاً عن واحد من أنبياء بنى اسرائيل :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ )البقرة 246 )، ويذكر قصة أنبياء ثلاثة دون ذكر أسمائهم : (  وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14)) ( يس ) . 

فالعبد الصالح نبى من أنبياء الله جل وعلا صاحب علم لدني واعلمه الله ببعض الغيب . إلا أن الصوفية اعتبروا ذلك العبد الصالح فى قصة موسى وليا صوفيا ، وأسموه الخضر ، ليجعلوا الولى الصوفى أعلى قدرا من النبى ، فالخضر يعلم علما لدنّيا يفوق علم النبى موسى ويقوم بتعليم النبى موسى ، وبحثوا لنحلتهم عن سند يؤيدها فكان السند بتأويل الآيات القرآنية ، وبوضع أحاديث باطلة في حياة الخضر الخالدة ولقائه بالرسول عليه السلام .

3 ـ ونرجع إلى موضوعنا فنجد أن الخضر عند الصوفية مع تجوله الأزلي في العالم إلا أنه يكون حاضراً وقت اللزوم عند الكعبة ، أو في طريق الحجاج . فإذا إحتاج الصوفي شيئأً أو وقع في ورطة ، فالخضر يحضر ويجيبه ويغيثه ، يقول بعضهم ( بقيت في برية الحجاز أياماً لم آكل، فاشتهيت باقلاء حارا وخبزاً من باب الطاق .. فلم أتم خاطري حتى نادى إعرابي من بعيد: باقلاء حاراً وخبزاً، فتقدمت إليه ، فبسط مئزراً كان عليه ، وأخرج خبزاً وباقلاء حاراً وقال لي : كل فأكلت.. وقلت : بحق الذي بعثك في هذه البرية ألا ما قلت لي من أنت ؟ فقال : أنا الخضر.! ،وغاب عني فلم أره ، سلام عليه ورضوان )[1]. فالصوفي حين يسعى للحج فى الصحراء متوكلاً – أى بلا زاد – فإنه يعتقد أنه سيلقى الخضر في الطريق يحمل له الباقلاء الحار والخبز من باب الطاق ..

وعن اجتماع الخضر وإلياس – وهو نبي افترى عليه الصوفية وجعلوه يحيا خالداً – يقول الغزالي قبل العصر المملوكي (يقال أن الخضر وإلياس إذا التقيا من كل موسم – أى في الحج ـ لم يفترقا إلا عن هذه الكلمات : بسم الله ما شاء الله كل نعمة من الله ..)[2].

4 ـ ويجعلون  من الخضر رأساً للملكة الصوفية الوهمية المكونة من الأقطاب والأبدال وهم الذين يحكمون العالم ويسيرون دفته ، ومركز حكمهم مكة .. وقد نقل ابن حجر في العصر المملوكي عن الصوفي ابن أبي فارس قوله (إن الأقطاب سبعة والأبدال والأعين، وهم النجباء كذلك ،والغوث – أى القطب الغوث – يجمعهم  وهو مقيم بمكة .. والخضر يجول ولا حكم له إلا على أربعة أشياء: إغاثة ملهوف أو إرشاد ضال ، أو بسط سجادة شيخ ، أو تولية الغوث إذا مات. والغوث يحكم على الأقطاب ، والأقطاب على الأبدال ، والأبدال على الأوتاد ، فإذا مات الغوث ولَّى الخضر من يكون قطباً بمكة غوثاً، وجعل بدل مكة قطباً،وعين مكة بدلاً،و بدل مكة رشيداً.. وهكذا).. أى أجرى الخضر بينهم حركة ترقيات (فإن مات الخضر صلى الغوث في حجر اسماعيل تحت الميزان فتسقط عليه ورقة باسمه فيصير خضراً، ويصير قطب مكة غوثاً.. وهكذا قال الخضر في هذا الزمان وهو حسن بن يوسف الزبيدي اليمني )[3]..

رابعا : الكعبة والأقطاب

1 ـ جعلوا الكعبة مكة مركز الآلهة الصوفية التي تتحكم في العالم على مستوياتها المختلفة من خضر وقطب وغوث وقطب عادي وابدال وأوتاد .. ألخ . ومعلوم أن الصوفي الذي يحج إلى مكة يعي هذا جيدا ويتمنى أن يلقى فيها الخضر أو القطب ،وهى آلهة مزعومة لا تختلف عن هبل والعزى ومناة وغيرها التي كان الجاهليون يحجون إليها مع الكعبة . بل أن تقديس الصوفية للأقطاب أكبر من تقديس الجاهليين لآلهتهم ، يقول بعضهم عن القطب : ( القطب هو الذي تدور عليه الرحا والبكرة ، وقطب الكون هو الرجل الذي لأجله وجد الكون ،وعليه مدار الكونية للدارين ، ولكل عصر قطب وهو صاحب الوقت ، وقطب الأقطاب هو الذى لم يكن قبله ولا بعده مثله..)[4].                                                                               

2 ـ  يقول اليافعى أن أحدهم رأى بمكة القطب الغوث (على عجلة من ذهب، والملائكة يجرون العجلة فى الهواء بسلاسل من ذهب ، فسأله إلى أين ؟ قال إلى أخ من إخوانى إشتقت إليه، فقال :لو سألت الله تعالى أن يسوقه إليك فقال : وأين ثواب الزيارة )[5]وقيل نحو ذلك على ابى العباس المرسى (كان هو القطب، وقد رؤى فى مكة على كرسى بين السماء والأرض)[6].

3 ـ ولقد سئل الخواص (عن القطب الغوث هل هو دائماً مقيم بمكة كما قيل؟ فقال رضى الله عنه : قلب القطب دائماً طواف بالحق الذى و سعه ، كما يطوف الناس بالبيت فهو يرى وجه الحق في كل وجهة ، كما يستقبل الناس البيت ويرونه من كل وجهة ، إذ مرتبته رضى الله عنه التلقي عن الحق تعالى جميع ما يفضيه على الخلق، وهو بجسده حيث شاء الله من الأرض ..)[7].   

أخيرا : الحج ليس للبيت الحرام فقط ولكن لآلهة الصوفية

1ـ وفي أواخر العصر المملوكي اشتهر أن الأقطاب الأربعة هم البدوي والرفاعي والدسوقي والجيلاني، وقد ألف فيهم البلقيني طبقات الشرنوبي ، يقول أنه اجتمع بهم بعد موتهم بثلاثة قرون على سطح الكعبة. وكل منهم حكي له مناقبه وكراماته.ونعيد بعض ما قاله في مقدمة كتابه:( اجتمعت بسيدي ابراهيم (الدسوقي ) وقال له وزيري سنخبرك بكراماتنا وكرامات سيدي أحمد وسيدي عبد القادر وسيدي أحمد الرفاعي ، فأخبرني بذلك وكنا على سطح الكعبة المشرفة ، فقال من كراماتنا: قال لي ربي أنت من نوريتي يا ابراهيم، ولك البشرى ، ومن كراماتنا أني أُعطيت الحكم على الحور العين ،ومن كراماتنا أني لما وردت على النيران هربت خوفاً مني ، فرفصتها برجلي فصارت رماداً،وصرخت عليها فغلقت أبوابها السبع)[8]. . أى إن الكعبة صارت مصطبة يتسامر عليها آلهة الصوفية المزعومة، ويحكون افتراءاتهم فوق سطحها..

2 ـ  لذا لم يكن غريباً أن يسعى الصوفية للكعبة والحج أملاً في مقابلة الأقطاب والأولياء ، فيقول اليافعى، أن بعضهم ترك بضاعته وسافر للحج ( فقيل له في ذلك فقال : والله لو حصلت لي الدنيا كلها ما اخترتها على الحج ورؤية من يشهده من أولياء الله تعالى بعد أن رأيت ما رأيت وحكى كرامة صوفية حدثت في الحج عند الكعبة ثم قال (فهل يسمح بفوت مشهد يشهده مثل هؤلاء القوم ؟). ويقول اليافعي إن بعضهم أطال الإقامة في مكة فقيل له في ذلك فقال : ( ما من ولي لله تعالى صحّت ولايته إلا وهو يحضر هذا البلد في كل ليلة جمعة لا يتأخر عنه ،فمقامي هنا  لأجل من أراه منهم .. وقد أخبرني بعضهم أنه يرى حول الكعبة الملائكة والأنبياء والأولياء عليهم السلام ، وأكثر ما يراهم ليلة الجمعة وكذلك ليلة الإثنين وليلة الخميس ، وعد لي جماعة كثيرة من الأنبياء والأولياء، وذكر انه يرى كل واحد منهم في موضع معين يجلس فيه حول الكعبة) [9].

أى جعلوا من آلهتهم أصناماً لكل منها مكانا معينا حول الكعبة، وإليهم يتجهون بزعم الحج .. والهدف واضح : أن ينعم الأولياء بقدر من التقديس الذي يتوجه به الحجاج للكعبة والحرم، وفي نفس الوقت فإنهم يحتكرون لأضرحتهم وأشخاصهم في شتى أنحاء مصر  حق شد الرحال إليهم واستقدام الحجيج لهم من كل فج عميق ، وفق تشريع الحج الصوفي .



[1]
روض الرياحين 59.

[2]الأحياء جـ1/285..

[3]الدرر الكامنة جـ2/483: 484.

[4]الإلمام للنويرى جـ1/178.

[5]روض الرياحين 187.

[6]المناوى. الطبقات الكبرى مخطوط 341(ب).

[7]الشعرانى الطبقات الكبرى جـ2/145.

[8]مقدمة طبقات الشرنوبى .مخطوط.

[9]روض الرياحين 53، 54.

الفصل الثانى عشر والأخير : إفساد فريضة الحج الإسلامية بالحج لقبر النبى

الباب الثالث : الحج فى الدين الصوفى

الفصل الثانى عشر والأخير : إفساد فريضة الحج الإسلامية بالحج لقبر النبى

مقدمة

1 ـ بدأ الدين السنى بهذا الإفك متابعة للتواتر القرشى الجاهلى الباطل ، ومالبث أن وضعوا له إطارا عقيديا بتقديس المدينة واعتبارها حرما تاليا للبيت الحرام فى مكة ، ثم بتقديس موضع قالوا إنه قبر النبى محمد ، وجعلوه أكبر نُصب مقدس ، ومع إنه رجس من عمل الشيطان وفقا لما جاء فى القرآن فإنهم ما لبث ان شرعوا الحج الى هذا النّصب الرجسى ، الذى زعموا أنه روضة من رياض الجنة ، وزعموا فى أحاديثهم أنه ( حىّ ) فى قبره يرى ويسمع من يزوره ، ويشفع فيمن يتوسل به ويجيب من يدعوه ويجير من يحتمى بأعتابه ، وأنه يرد السلام على من يسلّم عليه ، وأنه وهو فى القبر تعرض عليها أعمال الناس ، ليقول رأيه فيها فيستغفر لمن يشاء ، ويهمل من يشاء ..الى آخر هذا الهراء ..!!. 

وقد تحرّجوا من القول بالحج اليه فجعلوها ( زيارة ) ، وأوجبوها على كل من يحج الى البيت الحرام ، وإلا فقد ( جفا ) النبى ، ولم يتم حجه . وبتوالى القرون أصبح الهدف الأول للعوام المسلمين ليس الحج للبيت الحرام بل ( زيارة الحبيب ) و ( التمسح بشباك قبره ) ، أما الحج للبيت الحرام فهو مجرد خطوة فى سبيل زيارة الحبيب إلتماسا لشفاعته والتبرك بقبره .

2 ـ نسى هؤلاء مئات الآيات القرآنية التى تنهى عن تقديس البشر والحجر ، بل تناسوا أنهم ـ  بكل غباء ـ وضعوا النبى محمدا فى موضع التحقير ، فهم بزعمهم حياة النبى فى هذا القبر قد حكموا عليه أن يظل سجينا فى حفرة  تحت الأرض الى قيام الساعة ، ثم هم يقفون بأقدامهم فوق رأسه. وبقولهم أن جسده لا يزال دون تحلّل فقد جعلوه فى مكانة فرعون موسى الذى عوقب بأن يظل جسده باقيا ليكون لمن خلفه آية ..!!، فمن إكرام الله جل وعلا لابن آدم أن تتحلّل سوأته ـ أى جيفته بعد موته ـ ليعود الى الأرض وعناصرها . ولقد حرم الله جل وعلا فرعون موسى من هذا التكريم . ويأتى  حمقى الأديان الأرضية من المسلمين ليجعلوا النبى وأوليائهم المقبورين فى مكانة فرعون ، بزعم أنهم أحياء فى قبورهم .

3 ـ بدأ الدين السّنى بهذا الإفك ،وتابعه الشيعة ثم الصوفية .

أولا : إفساد فريضة الحج الإسلامية بالحج لقبر النبى فى الدين السّنى

 1 ـ بدأ الأمر باعتبار المدينة حرماً يضاهى حرم الله فى مكة .

2 ـ وقد ترادف وضع الأحاديث التى ترفع من شأن المدينة فى كتب الدين السّنى المقدسة لدى المسلمين مثل صحيح البخارى ، ومنها حديث أنس "اللهم اجعل بالمدينة ضعفى ما جعلت بمكة من البركة". وحديث أبى هريرة " على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال".. وأحاديث تحريم المدينة جاءت فى روايات لأنس" اللهم إن إبراهيم حرم مكة وأنى أحرم المدينة ما بين لابتيها" وقد روى ذلك الحديث بطرق متعددة ويحظى بالإحترام لدى أتباع الدين السّنى . 3 ـ لم يناقش أحد مناقضة تلك الأحاديث للقرآن الكريم . فإبراهيم عليه السلام لم يكن هو الذى يملك ( تحريم مكة ) ، وإنما الذى حرم مكة هو الله جل وعلا ، ففيها بيته الحرام، والله سبحانه وتعالى أمر ابراهيم عليه السلام فقال له:( وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) (26) الحج ) ، ولم يقل له وطهر بيتك يا ابراهيم، ومحمد عليه السلام لا يملك حق التحريم وإلا فكيف يقول له ربه : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) التحريم ) وأعلنها عليه السلام فقال ما جاء فى القرآن الكريم أنه يعبد رب العزة الذى حرّم مكّة البلد الحرام : (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (91) النمل ) . فلله جلّ وعلا وحده حق التشريع. وكما أنه لا إله إلا الله فليس لله من حرم مكانى إلا حرم واحد هو الذى بمكة،وإليه يكون الحج والقصد،وكذلك فعل الرسول حين حج بأصحابه من المدينة إلى مكة، وبعد موت الرسول وإنتهاء التشريع فلا مجال للزيادة فى شرع الله باختراع حرم جدبد يقصده المسلمين وينسبونه للرسول. 

3 ـ وتسلل الشرك إلى عقائد الناس منذ القرن الثانى فتحول تقدير النبى إلى تقديس له ، وغدا مسجد المدينة مساوياً عند المسلمين للحرم، وأصبح قبر الرسول كالكعبة ،وصيغ ذلك  بأحاديث  شكّلت فيما بعد عقائد الأجيال اللاحقة وزادتها تلوثاً ،ففي البخاري " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة " ، وفيما بعد روى الحديث على أنه " ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة" ولا فارق بينهما في المعنى إذ أنه مدفون في بيته ، وكيف يتحدث عن قبره وهو لا يعلم اين سيموت : (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) لقمان 34).

4 ـ وإنعكس الوضع الجديد على فريضة الحج الإسلامي ..

فبعد أن كان القدوم لمكة فحسب أضحى للمدينة بل وللقدس ، وأصبح لكل مسجد درجته كما يظهر من هذه الأحاديث التي رواها البخاري " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول والمسجد الأقصى" أى أصبح التوحيد ثالوثاً . وهناك حديث فاضح يقول : ( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سوى المسجد الحرام). هو حديث فاضح لأنه تشويه لشخص النبى ولدين الله جل وعلا . إنّ الرسول كان متبعا للوحي ، وقد قرّر  ربه جل وعلا أن المساجد يجب أن تكون خالصة لله جل وعلا وحده:( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) الجن ) (( الجن 18) ، وقد قام عليه السلام وهو فى مكة يعلن هذا فى مساجد قريش التى أقاموا فيها القبور المقدسة، وجعلوا أولياءهم أصحاب تلك القبور تشارك رب العزة فى الأذان للصلاة وفى الصلاة ، فأمره ربه جل وعلا أن يعلن أن المساجد يجب أن تكون لله جل وعلا وحده : (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) الجن )، فلا تعظيم فيها لغير الله . وأعلن عليه السلام ذلك فى مساجد قريش فكادوا أن يفتكوا به : (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (19) الجن). فأمره ربه جل وعلا أن يقول لهم أنه يقوم بتبليغ الرسالة وجوهر الاسلام لينجو من عذاب الرحمن ، وأنه لا يملك لهم ضرا ولا رشدا : (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (19) (قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (20) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (22) الجن ). فإذا قال جل وعلا (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) الجن )، فكيف يعصي ربه ويقول "مسجدي .." . المؤسف أن هذا كان بداية لتأسيس مساجد بأسماء البشر ، فى أديان السنة والتشيع والتصوف .!!

ثانيا : دور التصوف السّنى فى تطوير هذا الافك

1 ـ قام القشيرى ثم الغزالى بتضييق الفجوة بين دينى السّنة والتصوف لصالح التصوف ،فيما   يعرف بالتصوف السّنى ، وكان التركيز فيه على المشترك وهو تقديس النبى والحج الى قبره . لذا إشتهر حديث  "من حج ولم يزرني فقد جفاني ".ولا ندري متى قال الرسول ذلك؟ أقاله قبل موته أم بعده؟ والإجابة تقطع بتزوير ذلك الحديث .

2 ـ والأفظع من ذلك انهم شرّعوا مناسك الحج إلى المدينة ، وقد فصَل فيها الغزالي في الاحياء ، فيما يخص النية وما يخص الأفعال والأقوال[1]، وكان فيها رائدا لصوفية عصرنا المملوكي وللمسلمين في عصرنا الراهن.

3 ـ وفي العصر المملوكي حيث ساد التصوف السّنى و حيث يقدس الناس أى شيء أصبح الحج لقبر الرسول من المعلوم من الدين بالضرورة عندهم . وذلك مما لا يستحق عناء إثباته، ولكن نكتفي بما ألفه فقيه صوفى مشهور هو" العلامة شيخ الإسلام والمسلمين ، تقي الدين السبكي "وهو كتاب " شفاء السقام في زيارة خير الأنام[2].

وقد قسمه إلى أبواب الأول في الأحاديث الواردة في الزيارة نصاً .الثاني : فيما ورد من الأخبار والأحاديث دالاً على فضل الزيارة وإن لم يكن فيه لفظ الزيارة الثالث : فيما ورد في السفر إلى زيارته(ص) صريحا الرابع : في نصوص العلماء على استحباب زيارة قبر سيدنا رسول الله وبيان أن ذلك مجمع عليه بين المسلمين، الخامس : تقرير كون الزيارة قربة، السادس : في كون السفر إليها قربة السابع :في دفع شبه الخصم ، الثامن : في التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبيى (ص) التاسع : في حياة الأنبياء ".

وواضح أنه اعتمد على الأحاديث وآراء العلماء المتأثرين بها. وهو صادق فيما ينقل عن دين التصوف السّنى . ولكن الإسلام هو دين الله الذي فصله في القرآن ولا معقب لكلمات الله ولكل انسان الحرية في التمسك بكتاب الله أو الإعراض عنه ، وفي النهاية سيلقى جزاءه في الآخرة : ( وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً (29) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30) الكهف ).

ثالثا  : الأساس العقيدي فى دين التصوف لتقديس قبر النبي:

1 ـ وأدت عقيدة الحقيقة المحمدية إلى تأكيد تقديس قبر النبي وتأكيد الحث على زيارته بحيث صارت أهم معالم النسك في الحج. والحقيقة المحمدية تعني تأليه النبي محمد واعتباره نورا إلهياً أزليا انبثق عن نور الله(تعالى الله عن لك علواً كبيراً)،وأن الله تعالى خلق الكون لأجل هذا النور المحمدي. وقد صيغت في ذلك أحاديث رددها الفقهاء السّنة  والصوفية مثل حديث " اول ما خلق الله  نور نبيك يا جابر " " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين،و كنت نبيا و آدم لا ماء ولا طين".

2 ـ وفي هذه العقيدة المخالفة للإسلام اتفق الصوفية والفقهاء برغم الصراع الذي دار بينهما ، إذ كانت عقائد الصوفية من الإتحاد والحلول ووحدة الوجود هى أساس ذلك الصراع ،حيث كان ينقم الفقهاء السنيون على الصوفية تلك العقائد، ولكنهم كانوا يوافقونهم الإعتقاد في تقديس وتأليه النبي محمد انطلاقا من " الحقيقة المحمدية".

3 ـ بيد أن الصوفية طبقا لنزعتهم في تأليه أنفسهم وأشياخهم أحدثوا تطورا في الحقيقة المحمدية ، فبينما حصرها الفقهاء في النبي محمد و قصروها عليه وحده ، فإن أرباب التصوف الشيعى جعلوا ذلك النور الإلهي يتنقل بعد محمد عليه السلام إلى علىٍ وذريته، ثم يتنقّل فى  الأقطاب الصوفية، حسب زعمهم  أنهم من ( الأشراف ). الجدير بالذكر أن الفقهاء السنيين لم ينكروا على الصوفية هذا الإدعاء خوفا من المساس بعقيدة الحقيقة المحمدية ذاتها..

4- وقد ساد الاعتقاد في الحقيقة المحمدية خصوصا في القرن العاشر الهجري ، حتى لقد صارت بعض الكتب والمراسلات تفتتح بها بدلا عن الصيغ المعروفة بالصلاة على النبي. والغريب أن السلطان سليم العثماني بعث برسالة إلى طومان باي – بعد مقتل السلطان الغوري في مرج دابق يدعوه فيها إلى الطاعة ،ويقول فيها إن الله " مهًد أول قواعد النبوة بكنت نبياً وآدم بين الماء والطين"[3]. أى يشير إلى حديث الحقيقة المحمدية" كنت نبيا وآدم بين الماء والطين". وذلك اعتراف رسمي بالحقبقة المحمدية عقيدة للمسلمين حينئذٍ.

ويقول عبد الصمد الأحمدي في مقدمة كتابه (الجواهر السنية) عن مناقب أحمد البدوي عندما أخذ في التسليم والصلاة على النبي " واشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم وعبده ورسوله وخليله الأول في الإيجاد والوجود والمستغرقة حقيقته الآحاد والأنواع والأجناس والعقود [4]. والحقيقة المحمدية عندهم تعني أن محمداً أول الموجودات ومنه جاءت الأكوان..

وفي كتاب" النورالسافر" الذى يؤرخ للقرن العاشر يقول المؤلف العيدروس في مقدمة الكتاب " أعلم ان الله سبحانه لما أراد إيجاد خلقه أبرز الحقيقة المحمدية من أنواره الصمدية  في حضرته الأحمدية، ثم سلخ منها العوالم كلها علوها وسفلها على ما اقتضاه كمال حكمته وسبق في علمه وإرادته ، ثم أعلمه تعالى بكماله ونبوته ، وبشره بعموم دعوته ورسالته وبأنه نبي الأنبياء وواسطة جميع الأصفياء وأبوه آدم بين الروح والجسد ، ثم انبجست منه عيون الأرواح، فظهر ممدَا لها في عالمها المتقدم على عالم الأشياخ، وكان هو الجنس العالي على جميع الأجناس، والأب الأكبر لجميع الموجودات والناس ، فهو وإن تأخر وجود جسمه متميز على العوالم كلها برفعته وتقدمه ، إذ هو خزانة السر الصمداني ومحتد تفرد الإمداد الرحماني ."[5]. والمؤرخ العيدروس كان فقيها ، ولم يكن شيخا صوفيا .

ومثله كان كاتب مجالس الغوري " نفائس المجالس السلطانية" وهويقول في بداية كتابه " والصلاة والسلام على شفيع المدنيين وسلطان الأنبياء والمرسلين الذي كان نبيا وآدم بين الماء والطين .."[6].

ويقول فقيه القرن العاشر ابن جعفر الهيثمي في مقدمة كتابه (مولد النبي) نفس ما قاله المؤرخ العيدروس مع تغيير طفيف في بعض الألفاظ : " شرف الله نبيه بسبق نبوته في سابق أزليته وذلك أنه تعالى لما تعلقت إرادته بإيجاد الخلق أبرز الحقيقة المحمدية من محض نوره المشار إليه بقوله تعالى ونفخت فيه من روحي، ثم سلخ منها العوالم كلها علوها وسفلها على ما سبق في سابق إرادته، ثم أعلمه تعالى بنبوته وبشره برسالته ،هذا وآدم لم يكن إلا كما قال فيما يأتي بين الروح والجسد، ثم انبجست فيه صلى الله عليه وسلم عيون الأرواح كلها، فظهر في الملاْء الأعلى أصلاً للعوالم كلها ، حتى انتهى الزمان بالإسم الباطن فى حقه صلى الله عليه وسلم إلى وجود جسمه وارتباط الروح به،انتقل حكم الزمان إلى الإسم الظاهر فظهر صلى الله عليه وسلم بكليته جسماً وروحاً، فهو –وإن تأخر وجوده – هو خزانة السر،فلا ينعقد أمرً إلا منه ولا ينقل خبرً إلا عنه..[7].

5- وشيوخ الصوفية من ناحيتهم حرصوا على الإستفادة من عقيدة الحقيقة المحمدية، بأن جعلوها تنتقل من محمد إليهم عبر سلاسل مثل سلاسل الخرقة والنسب، وشيوخ الصوفية المشهورين فى العصر المملوكى كل منهم حرص على ترصيع أوراده أو أشعاره بعبارات الحقيقة المحمدية، وبما يؤكد تمتعه بها وتقلبه فيها قبل وجوده فى الحياة.

فأحمد البدوى يقول فى صلواته " اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا محمد شجرة الأصل النورانية، ومعدن الأسرار الربانية وخزائن العلوم الإصطفائية .."[8].

وفى أشعاره يحرص البدوى على التأكيد بأنه –من خلال الحيقة المحمدية – كان قطباً وإماماً يقول:

أنا من قبل وجودى فى الورى

                              كنت قطباً وإماماً وأصلاً

ويقول مؤكداً وجوده من خلال الحقيقة فى شخصية الأنبياء السابقين :

فقرأت من توراة موسى تسعة

                              تليت على موسى لها لم يثبت

وقرأت من انجيل عيسى عشرة

                              تُليت على عيسى فزادت رفعتى[9]

أى أن موسى لم يثبت عندما تليت عليه التوراة، أما السيد(افندى) البدوى فقد قرأها فى ثبات وثقة !!

ولكن ابراهيم الدسوقى قام بالمزايدة على رفيقه أحمد البدوى فى هذا المجال، نثراً وشعراً. يقول الدسوقى فى الجوهرة عن نفسه" أنا موسى فى مناجاته، أنا" على" فى حملاته، أنا كل ولى فى الأرض.. كنت وأولياء الله أشياخاً فى الأزل، فإن الله عز وجل خلقنى من نور رسول الله، فنظر إلى الرسول فقال يا ابراهيم تقدم فتقدمت.. " ويقول أنه عرف التوحيد قبل آدم وحواء وقبل العرش والكرسى واللوح والقلم والسموات والأرض والماء والطين، وقد ردد أقوال الدسوقى عنه الشعرانى فى الطبقات الكبرى فى ترجمته لابراهيم الدسوقى، والشرنوبى فى طبقاته[10].

وترددت الحقيقة المحمدية فى أدبيات الشاذلية:

يقولون فى صلاة ابن بشيش" اللهم صلَ على من منه انشقت الأسرار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق، وله تضاءلت الفهوم، فلم يدركه منا سابق ولا لاحق .. ولا شئ إلا وهو به منوط".  ويقول البوصيرى شاعر الشاذلية :

أنت مصباح كل فضـل

                     فما تصدر إلا عن ضوئك الأضواء

لم تزل فى ضمائر الكون

                      تُختار لك الأمهات والآباء

ويقول البوصيرى :

محمد سيد الكونين والثقلين

                       والفريقين من عرب ومن عجم[11].

والشيخ أبو المواهب الشاذلى لم يسترح إلى قول البوصيرى يمدح النبى :

فمبلغ العلم فيه أنه بشر

                      وأنه خير خلق الله كلهم

لأن البوصيرى صرح فى شعره ببشرية النبى وأن ذلك هو مبلغ ما يعرفه عنه، ورغم العبارة تحتوى تأليهاً ضمنياً للنبى يخفى –بزعمه- عن علم البشر، إلا أن أبا المواهب الشاذلى زعم أنه رأى النبى فى المنام وعرف المعنى الحقيقى، وهو أن من لاعلم له بحقيقة النبى يظنه بشراً، ولكن الحقيقة أنه غير ذلك " وإلا فهو وراء ذلك كله بروح القدس " [12].

ويقول على وفا الشاذلى يمدح النبى:

لو أبصر الشيطان طلعة نوره

                             فى وجه آدم كان أول من سجد

أو لو رأى النمرود نور جماله

                             عبد الجليل مع الخليل وما عَنَد

لكن جمال الله جلَ فلا يُرى

                             إلا بتخصيص من الله الصمد

وقال على وفا فى حديث اسرائه يستعير الحقيقة المحمدية لنفسه "..فدخلت فإذا أنا بآدم، أى فإذا أنا فى صورة حقيقة آدم وناطق بناطقته"[13].

والشعرانى  ردد عقيدة الحقيقة المحمدية في بعض مؤلفاته الصوفية ،يقول في " اليواقيت والجواهر"  إن  " جميع الأنبياء والأولياء مستمدون من محمد عليه السلام" ويرى أن روح محمد عليه السلام هو القطب الواحد الممد لجميع الأنبياء والرسل والأقطاب من حيث النشأة الإنسانية إلى قيام الساعة[14]..

6-  وذلك الإعتقاد الراسخ في أُلوهية النبي والذي شمل الصوفية وغيرهم كان الأساس العقيدي للجميع في تقديس ما يعرف بقبر النبي، والحج إليه، وتشريع المناسك له، وتجلت تفصيلاته في كتاب الفقيه تقي الدين السبكي" شفاء السقام في زيارة خيرالأنام".

رابعا : شخصيتان متناقضتان للنبى محمد عليه السلام

1- المحصّلة النهائية أنهم خلقوا من أهوائهم شخصية الاهية للنبى محمد جعلوه فيها متحكما فى الدنيا والآخرة ، وبالغوا فى تأليهه فرفعوه احيانا فوق رب العزة ، بل ورفعوه فى التأليه فوق تأليه المسحيين للمسيح . وهذه الشخصية المزعومة للنبى محمد تناقض شخصيته الحقيقية التى أكّدها رب العزة فى القرآن  الكريم

2 ـ  فرب العزة يؤكد على بشرية النبي ، وأنه بشر مثلنا ولكن يوحى اليه ، يقول تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)الكهف  ). هو بشر يوحى اليه ، ولكن هذا الوحي لا يصعد بالنبي فوق مستوى البشر. فكل ما عليه هو تبليغ الوحي : ( مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99)    المائدة ). ثم هو اول من يتبع الوحي : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (2) الأحزاب )،  وعليه كالآخرين من قومه مسئولية التمسك بهذا الوحي: ( فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) الزخرف )، وسيكون مثلهم مساءلا يوم القيامة (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) الزخرف ).

أى هى مساواة بين النبي وقومه في المسئولية وفي الحساب.  بل أنها مساواة بينه وبين خصومه فى استحقاق الموت وفى التخاصم يوم الحساب أمام الله تعالى، يقول سبحانه وتعالى له :(إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31)الزمر)، وهناك مساواة بينه وبين المؤمنين معه يوم الحساب، لن يحملوا عنه حسابه ولن يحمل عنهم حسابهم :( وَلا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ (52) الأنعام )، و فى الآخرة  لن يستطيع إنقاذ أحد من النار:( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ )(19)الزمر ) فليس له من الأمر شىء، طبقا لقوله جل وعلا له:( لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ)(128)آل عمران ) ، فهو لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضراً:(  قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) الأعراف)، ( قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ ) (49) يونس ).

3 ـ هذا هو كلام رب العزة فى القرآن الكريم ، فأيهما نصدق؟ كتاب الله العزيز؟ أم هراء الصوفية والفقهاء ؟ !

أخيرا

معظم ما ذكرناه عن الحج الصوفى يتشابه بل ويتطابق مع الحج الشيعى . وهناك خصوصيات للحج الشيعى فى التطبير وغيره من طقوس يوم عاشوراء فى ذكرى مقتل الحسين . وهذا يحتاج الى باحث مسلم متخصص فى الدين الشيعى ليوضّح وليحلّل التناقض بين دين التشيع الأرضى وبين الاسم بنفس ما نفعله مع دينى السّنة والتصوف .

خاتمة الكتاب  : نصف كلمة .!!

المحمديون بأديانهم الأرضية زيفوا فريضة الحج الاسلامية .

والكتاب القادم سيعرض بعون الله جل وعلا لانتهاكهم حرمة البيت الحرام والشهر الحرام والآمّين ( القاصدين ) للبيت الحرام .



[1]
الإحياء جـ1/232، 243.

[2]طبع صبيح.

[3] أحمد فؤاد متولى : عن كتابه الفتح العثمانى لمصر ص 170 نقلا عن ترجمته للمراسلات بين سليم وطومان باى .

[4]الجواهر السنية 2 .

[5]العيدروس :النور السافر 2مخطوط.

[6]نفائس المجالس السلطانية،تحقيق عبد الوهاب عزام ص1 .

[7]ابن حجر الهيثمى :مولد النبي ص7.مخطوط.

[8]الخفاجى:النفحات الأحمدية 130: 149.

[9]عبد الصمد : الجواهر السنية 133 ، 89، 91: 92 .

[10]جوهرة الدسوقى 98: 102 ،الشعرانى، الطبقات الكبرى جـ1/ 153 ، 154،طبقات الشرنوبى مخطوط7، 2، 1.

[11]ديوان البوصيرى 2، 192.

[12]ترجمة أبو المواهب الشاذلى في الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/66.

[13]ترجمة على وفا في الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/20.

[14]اليواقيت والجواهرجـ2/73، 83. الكبريت الأحمر 10.

فهرس كتاب الحج بين الاسلام والمسلمين

فهرس كتاب الحج بين الاسلام والمسلمين

الباب الأول :

منهج القرآن الكريم فى التأكيد على التقوى غاية ومقصدا لفريضة الحج : ( 11 فصلا )

الفصل الأول : التقوى الاسلامية  فى فريضة الحج

(التقوى هى جوهر الاسلام ـ    التقوى جوهر الدين السماوى ـ  ان أكرمكم عند الله أتقاكم ـ الجنة للمتقين فقط من عموم البشر ـ معنى التقوى  ـ  التقوى أساس الإيمان والعمل الصالح فى الاسلام ).

الفصل الثانى : التقوى والذّكر فى فريضة الحج 

( مقدمة  ـ أولا : نوعا الذكر : الذكر العملى ـ أنواع الذكر القولى ـ عبادة الذكر بالقرآن الكريم ـ  ثانيا : مناسك الحج هى لذكر الله جل وعلا وحده أى تقوى الله جلّ وعلا وحده . الذكر فى مناسك الحج . )

الفصل الثالث :  التقوى أساس فى الدعوة للحج 

(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ  )أولا :  (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ). ثانيا (مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)ـ  ثالثا : ( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ )  : (وَمَنْ كَفَرَ )  ـ رابعا :( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ ) ( فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ ) .

 الفصل الرابع : دور التقوى فى إتمام فريضة الحج

(اسلوب القرآن الكريم فى الحثّ على فريضة الحج  ـ وسوسة الشيطان والتقوى ـ إتمام العمر بالطاعة .)  

الفصل الخامس  :  تشريعات الحج فى ضوء التقوى

( مقدمة ــ  أولا : التقوى فى الأوامر والنواهى  ـ ثانيا : فى مستجدات التشريع فى الحج : الاحصار ـ ثالثا :  الرد بالتقوى على الابتداع والتحريف والتدين السطحى الظاهرى )

الفصل السادس : الاحرام تجسيد للتقوى فى الحج : ( الحج هو الاحرام : الحج أشهر معلومات)

   ( مقدمة ـ أولا  : الحرم الزمانى ـ  ثانيا : الحرم المكانى والاحرام فى البيت الحرام " الكعبة "ـ ثالثا : الحرم الانسانى : القلب المتقى الذى يمارس الإحرام فى الحج تقربا لله جل وعلا . أخيرا  .)

الفصل السابع : التقوى وعمومية فريضة الحج على كل البشر

(  مقدمة ـ أولا : القرآن الكريم يرفض قصر الحج على المسلمين فقط  . ثانيا : كلمة الناس فى تشريع الحج تعنى البشر جميعا ـ مقال : إلى متى يظل المسجد الحرام وفريضة الحج رهينة لدى السعوديين ؟ والى متى تستمر هذه المخالفة لشرع الله جل وعلا؟ )

الفصل الثامن : التقوى وعمومية تشريعات الحج للمرأة كالرجل

( أولا : ليس للمرأة تشريع خاص فى الحج ـ 2 ـ عمومية مناسك الحج باستعمال كلمة ( الناس ) 3 ـ عمومية مناسك الحج بتعبيرات أخرى تشمل الرجل والمرأة كما جاء فى سورة البقرة  . ثانيا : تشريعات المرأة بين العمومية والخصوصية فى غير الحج .  نماذج لعمومية العبادات للرجل والمرأة ـ من التشريعات الخاصة بالنساء . )

 الفصل التاسع  : التقوى تنفى أكذوبة الحج عن الغير

( أولا : لا إستنابة فى الحج  ـ ثانيا : لا إستنابة فى العبادات عموما ـ )

 الفصل العاشر : منهج القرآن الكريم فى تشريع الحج  

( الحج أكثر العبادات أرتباطاً بملة إبراهيم .أولا :  خاتم النبيين عليهم جميعا السلام متبع لملة ابراهيم حنيفا ـ ثانيا : القرآن والدعوة الى إتباع ملة ابراهيم حنيفا ( الحنيفية تعنى التقوى القلبية العقيدية ) ـ ثالثا : منهج القرآن فى تصحيح ملة ابراهيم )

   الفصل الحادى عشر : مناسك الحج الحقيقية فى الاسلام

( أولا : رحلة ومناسك الحج الاسلامى فى السياق القرآنى ـ  قبل السفر للحج : الاستعداد المادى للحج : أو ( الاستطاعة ) ـ ( عدم الاستطاعة لسبب خارجى ) ـ   1 :الاحصار بمنع الوصول للكعبة أثناء الطريق اليها ـ  2 : الاحصار من البداية ،أى المنع من المنبع  ، الاستعداد القلبى للحج قبل الاحرام : بين الحج والعمرة : الاستعداد المادى للحج باستحضار الهدى ـ  الاستعداد المادى للحج بالحلق والتقصيرقبل الاحرام :تطبيق الاحرام :العقوبات لمن ينتهك الاحرام . مناسك الحج وقت الاحرام  : 1 ـ ذكر الله جل وعلا :  2 ـ الطواف بالبيت  .3 ـ   الوقوف بعرفات والأفاضة منه  .4 ـ الهدي  ـ السعى بين الصفا والمروة ـ ليس من مناسك الحج . )

الباب الثانى :

الدين السّنى وصناعة تشريع الحج .( 11 فصلا )

الفصل الأول : التواتر بين الدين الالهى والأديان الأرضية ( أولا : نوعان من التواتر  : حق وباطل ، ثانيا : التواتر الحق فى الرسالات السماوية والتواتر الباطل لدى المشركين  ـ ثالثا : التحاكم الى القرآن الكريم لنعرف التواتر الحق من التواتر الباطل : )

الفصل الثانى  : التواتر وملة ابراهيم  ( أولا : ملة ابراهيم بين السلف والخلف ـ  ثانيا : التواتر الباطل من صنع الشيطان ـ حتى الآن وفى كل آن .)

الفصل الثالث : الملكية أساس التواتر فى الحج ( مقدمة :  أولا : المُلك الخالد غريزة الانسان وسبب شقائه .  ثانيا : غريزة التملّك أساس التواتر الحق وأساس التواتر الباطل الشرير :  حضيض غريزة التملك حين ينزع فريق من بنى آدم الى ( تملك بيت الله الحرام ). ثالثا : قريش إختارت حضيض الضلالة  : الزعم بتملّك البيت الحرام  )

 الفصل الرابع  :تواتر العالمية فى تشريع الحج قبل الفتوحات العربية : ( أولا : عالمية الحج للبيت الحرام قبل ابراهيم عليه السلام  . ثانيا : ابراهيم عليه السلام وعالمية الحج للبيت الحرام.ثالثا : عالمية الحج فى ذرية ابراهيم عليهم السلام ( أهل الكتاب والعرب وقريش ) . أخيرا )

  الفصل الخامس : التواتر وإستغلال قريش للبيت الحرام تجاريا (  أولا : تميز قريش وزعامتها بسبب البيت الحرام ،  ثانيا : أستغلال قريش للبيت الحرام فى رحلة الشتاء والصيف ،  ثالثا : عرض موجز لحرب قريش للاسلام حرصا على استغلال البيت الحرام ،   رابعا : تكذيب قريش القرآن وجحدهم الحق حرصا على ملكيتهم للبيت الحرام،  خامسا : جحدوا بالقرآن إستكبارا بسبب ملكيتهم للبيت الحرام. ) .

  الفصل السادس : قريش تصدّ عن سبيل الله والمسجد الحرام ( أولا : مفهوم الصّد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام بين الاسلام والكفر.  ثانيا الجمع بين نوعى الصّد ( عن سبيل الله والمسجد الحرام ) .  ثالثا : تحالف قريش مع الضالين من أهل الكتاب فى الصّد عن سبيل الله  .  رابعا  : استخدام المال فى الصّد عن سبيل الله  .  خامسا : العقوبة فى الدنيا والآخرة على من يصدّ عن سبيل الله . سادسا : التوبة .  أخيرا ) .

 الفصل السابع :  لماذا إنتصر التواتر القرشى فى الحج ؟ ( أولا : ( لولا ..!! )، ثانيا : الصحابة المهاجرون ومحنة الولاء ، ثالثا : معالجة القرآن الكريم لمحنة الموالاة والولاء . رابعا : إستخدام قريش الموحدة الاسلام لمصلحتها وإعادة تواترها الباطل فى الحج . )

  الفصل الثامن  : تواتر الانحلال الخلقى الجاهلى  فى مكة وخارجها : ( مقدمة ،  أولا : الانحلال الخلقى فى العصر الجاهلى  ،  ثانيا : موقف الاسلام فى مواجهة هذا الانحلال الخلقى ،  ثالثا : الفتوحات أعادت الانحلال الخلقى فى عصر الراشدين بسلب ثروات الأمم المفتوحة ،  رابعا : الفتوحات أعادت الانحلال الخلقى فى عصر الراشدين بسبى نساء الأمم المفتوحة،  خامسا : لمحة سريعة عن الانحلال فى العصر الأموى   .  أخيرا : فى هذا العصر هل نطمع فى وجود إصلاح لمناسك الحج فى مكة ؟ وإذا كان الأمويون أرباب الفسوق والعصيان قبل وبعد النبى عليه السلام ، فهل ننتظر منهم إصلاحا ؟ )

الفصل التاسع :  قريش تجعل الانحلال الخلقى دينا : ( أولا : الدين الأرضى مؤسس على الهوى.  ثانيا  : الأسس الدينية للإنحلال الخلقى لدى قريش ، إتّخاذه دينا أرضيا بأحاديث شيطانية منسوبة كذبا لله جل وعلا :،  دور الأولياء فى الشفاعة ، التمسح بالمشيئة الالهية )

 الفصل العاشر :عودة التواتر الباطل فى مناسك الحج بعد موت النبى عليه السلام  (  أولا : إستغلال الحرم وفريضة الحج فى الترويج للأنحلال و للتجارة القرشية( طواف العرى ) ،  ثانيا  : عودة طواف العُرى فى التشريع السّنى.  ثالثا  : في رمي الجمرات ،  رابعا : لمحة عن الانحلال الخلقى فى مكة والحرم فى العصر الأموى .  خامسا : في الحج إلى المدينة .)  

   الفصل الحادى عشر والأخير :  لمحة عن إختلافات الدين السّنى فى مناسك الحج : ( أوّلا  ـ  إختلافات فى الحجّ السّنى ومحاولات التوفيق والتلفيق  .  ثانيا : إختلافات عامة في الحج ،  ثالثا : إختلافات في المواقيت التى إبتدعوها فى الاحرام ،  رابعا : إختلافات فى محظورات الاحرام  ،  خامسا : اختلافات في الطواف بالبيت والحجر الأسود ،  سادسا : أختلافهم فى زى الاحرام .  سابعا : إختلافهم فى ( الرمل )،  ثامنا : اختلافات في السعي بين الصفا والمروة  ،  تاسعا : أختلافات في مناسك المرأة في الحج  )؟

الباب الثالث :

الحج فى الدين الصوفى  (   فصلا )

الفصل الأول : الشقاق والاختلاف فى الأديان الأرضية ( أولا : عمق الشقاق فى الأديان الأرضية .ثانيا :  البدايات ( أ ) : تاليه الرسل هو البداية فى الشقاق ، ثالثا : البدايات( ب ):كان البشر أمة واحدة فأصبحوا (أمة المسيح )( أمة محمد ) و (أمة فلان وفلان)  ، رابعا : البدايات : ( ج ) الوحى الشيطانى الظالم الباغى على الكتاب السماوى ، خامسا :  تحذير أهل القرآن من التفرق والشقاق  الذى وقع فيه أهل الكتاب .  ختاما ) :

 الفصل الثانى : ( دين التصوف : لمحة تاريخية )(تعريفات التصوف ، إشتقاقات التصوف ، مصدر التصوف ، بين التصوف والاسلام ، بين الزهد والتصوف ،  بداية التصوف ، إنتشار التصوف ، سيطرة التصوف على العصر المملوكي . أخيرا . )

 الفصل الثالث  (  دين التصوف : لمحة عن أهم عقائد التصوف ) (مقدمة : أهم عقائد التصوف هي " الاتحاد . والحلول ، ووحدة الوجود " :     أولا : الغزالي ( 450 – 505) هـ :عقيدة التصوف في( الإحياء ): (درجات  التوحيد عند الغزالي):ثانيا : ولنا على الغزالي ملاحظات، ثالثا  : وحدة الوجود في الإحياء و  تعقيب على الغزالي ووحدة الوجود . )

الفصل الرابع  : الصوفية وإسقاط التكاليف (العبادات) الإسلامية : ( أولا : فريضة العبادات بين الاسلام والتصوف ، ثانيا : الغزالى ومحاولة التوفيق بين دين الاسلام وإسقاط التكاليف الاسلامية عند الصوفية. ثالثا : الشعرانى وتسويغ إسقاط التكاليف فى العصرين المملوكى والعثمانى . أخيرا : لمحة للتذكير )

 :

الفصل الخامس :( دعوة الصوفية لتحقير الكعبة ) ( أولا : إستنكاف الصوفية من التوجه للكعبة في الصلاة ـ  ثانيا  حقدهم على الكعبة والطواف بها في الحج  ، ثالثا : تفضيل الولى الصوفى على الكعبة ، رابعا : زعمهم بأن الكعبة تطوف بالشيخ الصوفى .!!)

 الفصل السادس :  الدعوة الصوفية لإهمال فريضة الحج الإسلامية : 

الفصل السابع : تشريع الحج الصوفى للأولياء والأنصاب (الأضرحة ) (أولا : الحج الجاهلى للأنصاب والأضرحة والكعبات المقدسة  . ثانيا : الحج الصوفى ، ثالثا : دعوة للحج الصوفى قبل العصر المملوكى  ، رابعا : الدعوة للحج الصوفى فى العصر المملوكى. )

الفصل الثامن : مناسك الحج الصوفى : ( مقدمة ، أولا : المناسك القلبية ، ثانيا :المناسك القولية ، ثالثا : المناسك العملية وانواعها ، رابعا : - المناسك المالية . )

  الفصل التاسع : أغراض الحج الصوفى ..( مقدمة ـ الحج للضريح لأجل التداوى،  الحج لقضاء الدين  ، الحج للضريح توسلاً للحج إلى مكة، خاتمة )

 الفصل العاشر : الكعبات الصوفية المشهورة بالحج إليها فى مصر المملوكية  ( أولا : الحج لأنصاب مقدسة ولشخصيات حيّة مقدسة ، ثانيا : تفضيل ضريح البدوى على ( الحرمين )، ثالثا : عالمية الأنصاب المقدسة فى مصر ، رابعا : الاختلاف فى تحديد الكعبات الأكثر قداسة فى مصر المملوكية ، خامسا : أضرحة مقدسة خاصة بالنساء ، سادسا : مشهد الحسين ( الرجس الأكبر فى مصر).!!  ، سابعا : فنّ التزوير فى أضرحة المشاهير ، ثامنا : الرحالة والحج للأنصاب فى  القاهرة ومصر . أخيرا . )  

 الفصل الحادى عشر  :( تحويل الصوفية للكعبة مقرا لآلهتهم المزعومة ) ( أولا : أصنام الصوفية في الكعبة ، ثانيا : آلهة الصوفية الوهميون يجتمعون فى الكعبة ، ثالثا : الخضر والكعبة والحجاج الى الكعبة، رابعا : الكعبة والأقطاب، أ خيرا : الحج ليس للبيت الحرام فقط ولكن لآلهة الصوفية. )

 الفصل الثانى عشر  : إفساد فريضة الحج الإسلامية بالحج لقبر النبى ( مقدمة  ، أولا : إفساد فريضة الحج الإسلامية بالحج لقبر النبى فى الدين السّنى ، ثانيا : دور التصوف السّنى فى تطوير هذا الافك ، ثالثا  : الأساس العقيدي فى دين التصوف لتقديس قبر النبي ، رابعا : شخصيتان متناقضتان للنبى محمد عليه السلام .  أخيرا)  والخاتمة: نصف كلمة : المحمديون بأديانهم الأرضية زيفوا فريضة الحج الاسلامية .والكتاب القادم سيعرض بعون الله جل وعلا لانتهاكهم حرمة البيت الحرام والشهر الحرام والآمّين ( القاصدين ) للبيت  الحرام .