كتاب : ( أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الأول : أثر التصوف في ازدهار العمارة الدينية والتعمير فى مصر المملوكية
كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الأول : أثر التصوف في ازدهار العمارة الدينية والتعمير فى مصر المملوكية
التصوف وحركة التعمير فى مصر المملوكية..
كانت مؤسسات الصوفية تقام غالبا على اطراف المدن وبمرور الزمن يتم تعمير المكان وربما يتصل بالمدينة. وبجانب ضريح السيدة نفيسة أنشأت ام السلطان العادل الأيوبي رباطا ، ثم أنشأ الناصر محمد بن قلاوون جامعا بخطبة ، وصار الناس يتقربون اليها بالبناء حول ضريحها ، فأقيم فيها (قُبّة ) دفن فيها اول خليفة عباسي مات بالقاهرة ، وأقيمت بجواره مشاهد لجماعة من الاشراف )[1] ..
وأقام الشيخ حسن المسلمي بجامع الفيلة بالرصد، بعد ان كان مهجورا لا يأمن احد على الإقامة فيه، فلما اقام فيه الشيخ حسن عمّر المكان باجتماع الفقراء المسلمية فيه ) [2]
وأمر الشيخ المتبولي مريده محمد المنير بحفر بئر لزاويته على الطريق المهجور قبل عمارة البلد ، فأقام مدة يسقى عليها ، وبنى لزوجته خُصّا ، أى كوخا ، ثم عمرت الناس حول الخُص الى ان صارت بلدا سميت المنير... )[3] ، ولا تزال موجودة .
وأقيمت خانقاه سرياقوس في ارض سماسم في طريق القاهرة ويقول المقريزي : ( رغب الناس فى البناء حول خانقاه سرياقوس ، وبنو الدور والحوانيت والخانات حتى صارت بلدا كبيرة تعرف بمنشاة سرياقوس ، وتزايد الناس بها حتى انشأ بها سوى حمام الخانقاه عدة خانات ، وهي الى اليوم بلدة عامرة ، ولا يؤخذ بها مكس البته ما يباع من سائر الأصناف احتراما لسكان الخاناقاه ، ويُعمل بها يوم الجمعة سوق عظيم ترد الناس اليه من الأماكن البعيدة ، ويباع بها الخيل والجمال والحمير والبقر والطيور والغلات والثياب ) [4]
ويقول ابوالمحاسن عن خانقاه سرياقوس : ( ولم يكن حولها العمران الا القليل ثم عمر حولها ما هو موجود الآن )[5] ويقول أيضا ( وقد صارت الخانقاه مدينة عظيمة) [6].. والتدليل على كثرة السكان فيها أنه مات من سكانها طاعون سنة 864 ما يزيد على مائة نفس في اليوم (لم بلغ اكثر من ثلاثمائة،و يقول المُكثر اربعمائة في اليوم )[7] وهى تعرف الآن باسم الخانكة..
ويقول المقريزي عن خانقاه بكتمر، أنه ( انشأ بجانبها حماما وبستانا ،وعمرت تلك الخانقاة القرافة، وصار بها سوق كبير وعدد سكان، الا انه بخراب الخانقاه في سنة 806 خلت من السكان) [8]
والقرافة بما فيها من قبور (الأولياء) وغيرهم من المشاهير حظيت بقدر أكبر من التعمير حتى أصبحت مدينة على حدود القاهرة ومصر تجتذب اهتمام الراحلة . يقول ابن ظهيرة من محاسن مصر "ما اشتملت عليه القرافة من مدراس وجوامع وأنواع من البر والصداقات ) [9] ويقول العلوي عن القرافة ( وهى ما بين مصر والقاهرة ، مدينة منفردة بعيشها مستقلة بسوقها ومساجدها ) [10]
ويقول ابن شاهين الظاهري ( فى القرافة الكبرى عمائر كبيرة قيل انها في العمائر قدر ثغر الإسكندرية. والقرافة الصغرى وهي اعمر واحسن هيئة تضاهي مدينة حمص ) [11]..
وفى القرافة الكبرى اثنا عشر الف مسجد . وانشأ الناس بتربة باب النصر تربا وزايا ومساجد لا تحصى. وكان بها الى مطلع القرن العاشر من المساجد الجامعة سبع خطب ويقول السخاوى الصوفى صاحب كتاب ( تحفة الأحباب ) : ( وهذا لا يكون الا في بلد كبير )[12] وكثر عدد السكان في القرافة وفي طاعون 833 مات بالقرافتين من السودانيين فقط نحو ثلاثة ألاف انسان ما بين رجل وامرأة وصغير وكبير بالطاعون ) [13]..
وبسبب تضخم عدد سكانها تم تعيين والى لقرافة مصر العتيقة في سنة 786 وهو سليمان الكردي. ( وكان يتحدث على ولاية القرافة والى القاهرة فأخرجت عنه ) [14]
وفي سنة 871 قطع الطريق على جماعة من سكان القرافة في طريق الصحراء ) [15] وبسبب المخاطر نودي يمنع السكن بالصحراء وبعدم المبيت في التربة )[16] وما لبثت القاهرة ان ضاقت بمن فيها فاتسعت شرقا نحو الشرقية خارج بإنشاء الكثير من المساجد والقباب ) [17] وهكذا ..... فالتعمير جهد إيجابي في تاريخ صوفية العصر المملوكي حيث امتدت الحضارة والعمران في أماكن كان من الصعب الإقامة فيها لولا الصوفية وأتباعهم .
ولنتعرف الآن على أنواع المؤسسات الصوفية وأشهرها ..
مدخل عن تعريفات المؤسسات الصوفية :
للباحثين المحدثين اجتهادات في التفرقة بين مدلولات المؤسسات الصوفية المملوكية من الناحية التاريخية [18]أو المعمارية [19]أو الوثائقية[20] وكلها انصبت على التفرقة بين الخوانق والربط والزوايا وأهملت ما عداها من ترب وقباب وغيرها . على أن المصادر المملوكية لم تفرق بين تلك المؤسسات ، لأنها جميعاً اتخذت منازل للصوفية : ففى المصادر التاريخية للعصر المملوكى نجد أن :
.الخوانق : اختلطت بالجوامع [21] والزوايا[22]والربط[23]والقبة[24] والتربة[25],:
واختلط مفهوم الزوايا بالخوانق [26] والمقابر[27] والربط[28] والقباب[29]والجوامع[30]
وتداخل مفهوم الربط مع الزاوية [31]والخانقاه[32] والمشهد[33]أو القبة .
وأدت المؤسسات المجمعة إلى زيادة الخلط حيث كانت تضم مختلف النشاطات الصوفية بين الاعتكاف والتصوف والتعليم مع المدافن والقباب مثل مجموعة برقوق ( مسجد وخانقاه ومدافن ومدرسة وسبيل للشرب) ومجموعة برسباي (خانقاه وحوش للقبور وقبة ومصلى) ومجموعة قايتباي بالقرافة الشرقية ( مسجد ومدرسة وسبيل وكتاب وضريح) ومجموعة الغوري ( وكالة حمام ومنزل ومقعد وسبيل وكتاب ومدرسة وقبة) ومجموعة قلاوون (ضريح ومدرسة وبيمارستان)[34]
ويقول النويري (اهتم ركن الدين بيبرس بعمارة خانقاه ورباط وتربة لدفنه )[35].
وفي داخل القرافة تباينت القبور فاستحدثت لها الأسماء وحدث نوع آخر من الخلط بين التربة والمسجد والقبة والتربة[36]وعرفت (الحومة) وهى مجموعة القبور والمساجد المتجاورة[37] ومثلها تقريباً (الزريبة)[38] (والجوسق) وهو " قبة بغير سقف وقد بنى على هيئة الكعبة " ويحوي داخله القبور الهامة[39] .
هذا .
و( الخانقاه ) أو ( الخانكاه ) لفظ فارسى جلبه التصوف علما على مؤسسة صوفية يتفرغ فيها الصوفية للعبادة ( الصوفية ) ، ويقوم صاحب الخانقاة بالانفاق عليهم ، مقابل أن يدعو له وأن يشفعوا له يوم القيامة . وقد يضاف الى الخانقاة وظائف تعليمية للفقه والحديث والتفسير مع قراءة القرآن ، وقد تضم مكتبة وسبيلا لتعليم الأطفال . ويتم الانفاق عليه من مصدر دخل مستمر يوقف عليها مثل أرض زراعية أو محال تجارية . وظهرت مع الخوانق مؤسسات أصغر كالزوايا والأربطة ( جمع رباط ). ثم إتسع نشاط الصوفية بتأثير التصوف ليشمل المساجد والجوامع والقباب والتُّرب . وموعدنا مع بعض التفصيل .
أهم المؤسسات الصوفية في مصر المملوكية : الخوانق والزوايا
كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الأول : أثر التصوف في ازدهار العمارة الدينية والتعمير
أهم المؤسسات الصوفية في مصر المملوكية : الخوانق والزوايا
( الخوانـــــق )
1 ـ إن كان الفضل للأيوبيين في إنشاء الخانقاه الأولى ( خانقاه سعيد السعداء) إلا أن دولة المماليك البحرية أكثرت من بناء الخوانق وقد وضع لها المماليك تخطيطا ونظاماً معيناً وقد تركت كثرة من الخوانق منها : البندقدارية والجاولية والبيبرسية والقوصونية والناصرية والمهندارية والنظامية والشيخونية والجمالية واليونسية ..
2 ـ ويلاحظ أن معظم خوانق الدولة المملوكية البحرية أقامها الأمراء وخاصة أمراء الناصر محمد مثل بكتمر وطوسون والجمالي . كما أسهم في البناء طبقة من أثرياء التجار، فالشرابيشي أقام خانقاه بالدرب الأصفر. وشارك مشايخ الصوفية في البناء فنظام الدين شيخ الناصرية بسرياقوس يقيم خانقاه على سفح المقطم من ماله الخاص.
وفي عهد المماليك البرجية كان معظم بناة الخوانق من عظماء السلاطين، وقد بلغوا شأواً في عمارتها وفنونها . وتطورت الخانقاه في البرجية لتضم إلى جانب التدريس صلاة الجمعة ، وقضى ذلك على التقليد الذي اتبعه صوفية سعيد السعداء بتأدية صلاة الجمعة في الجامع الحاكمي[40] .
3 ــ وصار في مصر إلى أول القرن التاسع اثنتان وعشرون خانقاه[41] ، وضمت الخوانق حمامات ومطابخ وحظائر للدواب والمقاعد والأحواش[42] .
4 ــ وأهم الخوانق[43] المقامة في العصر كانت خانقاه سرياقوس ، وقبلها خانقاه بيبرس الجاشنكير التي عمرها وأوقف عليها أوقافاً جليلة ثم مات قبل افتتاحها فأغلقها الناصر محمد مدة ثم فتحها ورتب فيها جماعة من الصوفية بلغوا الأربعمائة " وبالرباط فيها مائة من الجند وأبناء الناس الذين قعد بهم الوقت" ومما أعانه على عمارتها عثوره على الرخام الأبيض[44] .
5 ــ ثم افتتح الناصر محمد خانقاته في سرياقوس 726 وحضرها أكابر الصوفية والقضاة.. وأكابر الدولة والأمراء، وفرقت على الصوفية الخلع، وقرر الأقصرائي شيخاً بها " مع جماعة قاطنين بها ليس لهم حرفة " [45].
مشيخة الشيوخ :
1 ـ ولقب بذلك شيخ خانقاه سعيد السعداء ويقول ابن الفرات "من عادة من يتولى وزارة الديار ـ المصرية من المتعلمين أن تفرش له سجادة بخانقاه سعيد السعداء، ويكون الشيوخ بها شركاء لشيخها .ولما ولى قاضي القضاة ابن بنت الأعز أرسل إلى الخانقاه سجادة لتفرش له على جاري العادة)[46] .
2 ــ وعندما أقيمت خانقاه سرياقوس حازت على مشيخة الشيوخ من خانقاه سعيد السعداء. وبعد وفاة المجد الأقصرائي عين الناصر محمد خادمه الركن الملطي في مشيخة الشيوخ في خانقاة سرياقوس [47] , وهى التي نافست سعيد السعداء .
3 ــ يقول السبكي عن هذا المنصب مشيخة الشيوخ :"ربما سمي كبير هذه الطائفة( الصوفية ) شيخ الشيوخ ، وربما قيل : شيخ شيوخ العارفين "وجعل من وظائفه : تربية المريدين وحمل الأذى والضيم على نفسه .. الخ[48] ، وهى أقرب إلى الآداب العامة .
وورد في وثيقة تقليد الأيكي مشيخة الشيوخ لخانقاه سعيد السعداء : ( أن يكون هذا الشيخ شمس الدين شيخ المشايخ الصوفية والناظر عليهم وعلى جميع أوقافهم بالخانقاه الصلاحية المعروفة بسعيد السعداء )[49] أي شيخاً لعموم المتصوفة " ..
4 ـ هذا، ويحدث أن يدفن شيخ الخانقاه فيها[50] .
الزوايــــــا :
1ــ الزاوية تُقام لشيخ صوفى واحد فى الأغلب ، يقيمها له السلطان أو الأمير المملوكى ، أو اتباعه أو هو بنفسه. وهى أصغر من الخانقاة ، ولكن قد تضم أنشطة تعليمية وطقوسا صوفية . وقد ابتنى السلاطين المماليك الكثير من الزوايا للمتصوفة كما فعل الظاهر بيبرس مع شيخه خضر العدوى [51] . ولما تسلطن لاجين أتقن عمارة زاوية للشيخ ابن عبود[52] ، وعمّر الناصر محمد بن قلاوون زاوية الشيخ رجب التي تحت القلعة [53] ، وأنشأ الظاهر جقمق زاوية لشمس الدين الحنفي[54] ، وبنوا زاوية لحسن السقا العريان[55] ، وأقام برسباي زاوية للصوفية وشيخهم حسن بن ساطلمش الرفاعي وأوقف عليها الأوقاف[56] .
2ــ ودخل ابن بطوطة مصر في أيام الناصر محمد بن قلاوون وقال عن أمراء مصر ( إنهم يتنافسون في بناء الزوايا وكل زاوية بمصر معينة لطائفة من الفقراء[57]).
3 ـ وقد بنى الأمراء زاوية لابى زكريا الصنافيري فلم يلتفت اليها [58] .
بل حمل الأمراء التراب في بناء زاوية الشيخ أبي السعود الجارحى [59] ، وأنشأ الأمير عز الدين أيبك زاوية الدمياطي خارج مصر [60] , وعمر الأمير القبرصي زاوية شهاب الدين الحنبلي[61] ...
3ــ وأقام بعض الصوفية ـ والأعاجم خاصة ـ زوايا خاصة بهم وبمريديهم خارجة عن تدخل الدولة، وحيث يمارسون طقوسهم بحرية. فالشيخ حسن الجواليقي قدم القاهرة وبنى زاوية لأتباعه [62] القلندرية ، وأنشأ بدر الدين الأصبهاني زاوية لأتباعه في النحرارية أصبحت زاوية [63] للأعاجم .. أما الشيخ عبد الله القاسمي نزيل مصر فقد أنشأ لأتباعه في بلاد متفرقة مائة وعشرين زاوية[64] ..
4ــ والمتصوفة المصريون أقاموا لهم زاوية خاصة بهم تقليداً للأعاجم مثل الشاب التائب[65] والمتبولي[66] والوفائية الشاذلية [67] ويوسف الإمبابي[68] والإبناسي[69].
5 ــ وبعد هذا، لا نسلم بذلك التعميم الذي اتجه إليه باحث حين قال (دلتني كثرة مباحثي على أن جميع الزوايا التي اتخذها مشايخ الصوفية للسكن والعبادة لم تكن من إنشائهم بل أصلها من الجوامع التي أهملت وتعطلت[70] ..) وقد يفهم عن بعض المراجع أن بعض صوفية العجم نزلوا بأحد الأبنية وجعلوه زاوية ، فابن أشيراك التركماني العجمي ( اتخذ لنفسه زاوية تحت القلعة وصار لزاويته فقراء يقيمون بها)[71] ، وسكن بهاء الدين الكازروني العجمي في زاوية المنتهى[72] ، ونزل بدر الدين الكردي بزاوية أخرى[73] ، وزاوية الشيخ نصر الله نزلها الشيخ النجاري[74] ، وكان حسن العجمي[75] شيخاً لزاوية , وعمّر عجمي آخر زاوية في مسجد وزاد فيه زاوية[76] أخرى ، وبنيت زاوية لابن القلانس[77] عدا زوايا لأعاجم آخرين ..[78] .
إلا أن التعميم أمر غير وارد في عصر كالعصر المملوكي الذي شهد ازدهار بناء المؤسسات الصوفية على يد الصوفية أنفسهم ومعقيدتهم ..
هذا ... ويصعب تصنيف الزوايا بسبب كثرتها ، حتى أن القارئ لبعض الصفحات الخاصة بها في المصادر المملوكية يتخيل الزوايا في كل مكان بمصر المملوكية[79] ، وأعترف أنها تستحق بحثاً مفصلاً مستقلاً ــ أرجو أن أنجزه فيما بعد- ولكن أشير هنا إلى أن بعضها قد خصص للنساء[80] مثل زاوية حليمة ، المبرقعة في باب الشعرية، وزاوية الست زينب خارج باب النصر ... وعرفت زوايا للقادمين من غير الأعاجم من الشام والمغرب[81] ... ويقول السبكي (وغالب الزوايا في البراري )[82] وهذا وضع طبيعي تفرضه العزلة الصوفية ولكن باتساع العمران اتصلت بعض الزوايا بالمدن ، والقرافة أقرب مثال لذلك حيث احتوت على الكثير من الزوايا[83] وما لبثت أن اتصلت بالمدينة باتصال القرافة بها مع عدم إغفال اختلاط مفهومي الزاوية بالتربة, ووصفت المرجع كثيراً من الزوايا بأنها (ظاهر القاهرة)[84] ولن تبقى ظاهرها إلى الأبد فقد امتد العمران ليصل القاهرة بمصر ...
وعرفت المدن الأخرى بل القرى إقامة الزوايا[85] مثل الجيزة[86] وفرجوط[87] ونواحي المنزلة[88] ومنية مرشد[89] ومنية السيرج[90] وشبرا بسيون [91] وصنافير[92] وميت جبرين[93] ويونين[94] وأقام جد الشعراني زاوية في بلده[95] ..
وفي داخل القاهرة استحوذت منطقة الأزهر على كثير من الزوايا كالجامع الأزهر[96] والحسين[97] والحسنية [98] والموسكي[99].....
أهم المؤسسات الصوفية في مصر المملوكية : الرُّبط والتُّرب
كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الأول : أثر التصوف في ازدهار العمارة الدينية والتعمير
أهم المؤسسات الصوفية في مصر المملوكية : الرُّبط والتُّرب
( الرُبــــــــــط )
1 ـ لا فارق كبيرا بين الرباط والزاية إلا مجرد الاسم ، غاية ما هناك أن الرباط كان يعنى فى الجهاد السنى فى العصور الوسطى المرابطة على ( الثغور ) أو الحدود مع الدولة البيزنطية فى قلاع تسمى ( رباط ) وجمعها ( أربطة ) . وجاء الصوفية بمفهوم جديد للجهاد يتفرغون له وهو ( جهاد النفس ) والذى إعتبروه فى التراث الجهاد الأكبر ، فأقيمت ( أربطة ) يقيم فيها الصوفية عالة على من ينفق عليهم بزعم جهاد النفس .
2 ـ وقد أقام المماليك الكثير من الربط . وأشهرها رباط الأفرم عز الدين أيبك وقرر فيه فقراء تنعقد بهم الجمعة ، ويقيمون فيه ليلاً ونهاراً وأقام لهم الرصد لصلاتهم[100] ، ورباط الآثار الذي أقامه الوزير ابن حنا ، واحتوى بعض الآثار المنسوبة للنبى عليه السلام وجُعِل فيه الطعام للوارد والصادر والجراية لخدمة الآثار النبوية[101] وشرطَ أن يسكنه عشرة من الفقراء المجردين[102] . واليه تُنسب منطقة ( أثر النبى ) الحالية فى القاهرة .
وجدد الأمير جانبك رباطا ً وأنزل فيه الفقراء[103] . ورباط الخازن أقامه علم الدين سنجر[104] ورباط قراسنقر[105] ورباط الأمير مسعود[106] ، وآخر للأمير ابن قزل بسطح المقطم[107] والرباط العديمي أقامه ابن العديم[108] ورباط الأمير الهكاري والي الإسكندرية[109] .
2 ــ وأقام المتصوفة كثيراً من الربط . وقبل العصر المملوكي أنشأ عبد الرحمن الغناني أول رباط بصعيد مصر ودفن فيه سنة 592 . وبنى محي الدين المصري رباطاً حسناً بمصر[110] ، واستوطن أبو الحسن القوص أخميم وبنى بها رباطاً[111]، وبنى عبد الغفار بن نوح رباطاً بظاهر قوص وأعانه في البناء أحد معتقديه[112] ، وبنى أبو القاسم سليمان رباطاً خارج ادفو[113] . وذكرت أربطة لمتصوفة آخرين مثل ابن مقلد وابن يحيى الصفي والخطاب السيوطي في الصعيد[114] .
3 ـ ويحدث أن يدفن في الرباط شيخه أو صاحبه .
4 ــ وأقيمت أربطة خاصة بالنساء لإيوائهن وتعليمهن مثل رباط البغدادية ورباط الست كليلة[115] ورباط بنت الخواص[116]
" التربــــــــــــــــــــة "
1- التربة ـ اى المقابر وأماكن دفن الموتى ، وأطلق عليها فى مصر ( القرافة ) .
وتلعب التربة - والضريح ــ دوراً هاماً في التاريخ الصوفي ، ويكفي أن التربة بمعناها التقليدي ( المقدس ) قد نشأت في تاريخ المسلمين بعناية التصوف . وبالتصوف أُقيمت زوايا صوفية داخل الترب والمقابر ، وتحولت بعض المقابر المقدسة الى أضرحة ، وأصبحت الترب أو المدافن مليئة بالناس ومقصدا للتنزه وزيارة الأولياء الأحياء والموتى ، بل أصبحت من معالم السياحة الدينية بمفهوم عصرنا ، يأتى اليها الزوار لمصر ، ومنهم رحالة كابن بطوطة وابن ظهيرة .
2- في العصر المملوكي أصبحت التربة إحدى وسائل الشهرة الصوفية فيقيم فيها أحدهم مُدّة فلا يلبث أن يعتقده الناس ، مثل يحي الصنافيري الذي أقام بالقرافة مدة يسيرة ثم توجه إلى صنافير فاشتهر حاله[117] . وأقام المتبولي بضريح البدوي وانتقل إلى القاهرة مشهوراً [118]. ونشأ عبد الله الدرويش بزاوية يوسف العجمي ثم خرج منها ( بجذبة ربانية ) ( ثم اشتهر حاله عندما أقام بباب القرافة وصار الناس يهرولون إليه من البلاد والقرى وشهد له علماء الزمان بالولاية) [119] . وأقام المنوفي بالتربة فاشتهر بالصلاح [120]. وكان الحيدري القاطن بتربة زوجة طرغان – معتقداً مقصوداً بالزيارة [121]. وأقام آخر بالقرافة ( فصار له أصحاب ومريدون ) [122].
2 ـ وتلقب بعض الصوفية بالقرافي ووصفوا بالولاية مثل المعتقد سليم القرافي [123]. وابن الناصح القرافي [124].
3- وبالتصوف أقام المماليك الترب لأنفسهم وللمتصوفة ، وبازدياد التصوف في البرجية ظهر فيها بناء المدافن الكبيرة [125]. فالأشرف برسباي أقام تربة بالصحراء [126]بجوار تربة الناصر فرج خارج باب النصر ، وقرر الناصر فرج في مشيخة تربته الشيخ صدر الدين العجمي ورتب عنده أربعين صوفياً بالخير واللحم والمعاليم [127]، وقريباً منها أنشأ خشقدم تربته وقرر فيها وظائف من الصوفية والقراء يحضرون في أوقات الصلاة وعمل لهم بيوتاً تصلح للزواج والسكنى ورتب لهم الأموال والطعام [128] ، أما قايتباي فقرر في مشيخة تربة قاضى الجماعة وقرر في خطبتها الشيخ الحرفي مع ثلاثين صوفياً في أوقات الصلاة، وبنى لهم البيوت وقرر لهم الجوامك ( المرتبات ) ، وجعل بها جامعاً بخطبة وحوضاً وصهريجاً .. الخ [129]
ويذكر أن السلطان قلاوون في الدولة البحرية " لما رأى التربة الصلاحية أمر بإنشاء تربة ومدرسة ..الخ "[130].
4 ــ وشارك الأمراء في الميدان حيث كان لبعضهم تربتان كالأمير أقوش النجيبي[131]، والأمير شرف الداودار[132] . ودفن الصوفي بيرم التركي في تربة جاني بك المشد[133] . وكان الصاحب بهاء الدين يحب الفقراء فأنشأ لهم تربة ( وكان يتولى تجهيزهم حتى جمع في تربته رفات مائة ولى)[134] وأنشأ كافور الضرغتمشى تربته وجعل فيها خطبة وصوفية ـ وأوقف عليها ـ ( وكان يحبها حباً عظيماً ويغضب ممن يسميها تربة وكان لا يزال يزخرفها ويجدد ما تلف فيها من الزخرفة)[135] .
5 ـ وأقام بعض الأمراء في تربته فالأمير بيدمر البدري (عمّر تربة مليحة أقام بها نحو الشهرين )[136] .
6 ــ وجدّد الأمير جانبك رباطا ، ثم جدّد أيضا تربة (وجعل فيها حوشاً ومقعداً وأصطبلاً ومطبخاً وميضأة وصهريجاً وحوضاً وكُتّاباً ( لتعليم الأطفال ) وجدد بئرها وقرر فيها شيخاً وخمسين صوفياً ومقرئين يقرأون في الخمسة أوقات ، كل جوقة ثلاثة نفر ، كل وقت، وجعل عليهم كاتب غيبة، ومادحاً ( أى منشدا للمدائح النبوية ) وخادماً للشيخ وإماماً وفراشاً وبواباً ومزملاتيا ( ساقيا للماء ) و سواقاً ورشاشاً ، وأجرى على الكل الجوامك اللائقة وكذا على الأيتام المنزلين بالكُتّاب)[137] . ويعطي النص السابق صورة الحياة الصوفية في التربة .
5 ــ ولا أدل على أهمية التربة في العصر المملوكي من تأليف الكتب في زيارتها مثل ( تحفة الأحباب ) للسخاوى الصوفى ، و( الكواكب السيارة فى ترتيب الزيارة ) لابن الزيات ، وهى تبين أهم قبورها[138] ومسالكها والأنشطة فيها ....
أهم المؤسسات الصوفية في مصر المملوكية : الأضرحة والأضرحة المزورة
كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الأول : أثر التصوف في ازدهار العمارة الدينية والتعمير
نبــذة عن المؤسسات الصوفية في العصر المملوكي : الأضرحة والأضرحة المزورة
" الأضرحــــــــة "
1ـ أقامها الفاطميون في مصر ،وأنشأها الأيوبيون ليحولوا الأنظار عن مشاهد الشيعة[139] وجعلت الأضرحة من محاسن مصر والقاهرة [140] في العصر المملوكي الذي ورث أضرحة الفاطميين والمماليك وأضاف إليها الكثير ، حتى أصبح من الدعوات للأولياء " نور الله ضريحه"[141] . وكانت قبور الأولياء توصف بأنها معروفة أو ظاهرة تقصد للزيارة[142]
2 ــ وكانت الأضرحة أحياناً تابعة للمؤسسة الصوفية مدرسة كانت أو جامعاً ، وقد يقام عليه قبة متصلة بالبناء ،أو تكون منفصلة قائمة بذاتها ، فمدرسة الأمير جرباش بها قبر الشيخ أسد ، وضريح علم الدين سنجر في مدرسته الجاولية أو خانقاته ، وبخانقاه شيخون أضرحة لجماعة من الأولياء[143] .
3 ــ ولا يكاد يخلو جامع أو مسجد فى العصر المملوكى من وجود ضريح لولى فيه أو عدة أضرحة[144] طبقاً لدين التصوف فى تقديس الأولياء والإشراك بالله جل وعلا.
4 ــ بل صار الضريح الأصل والصلاة تابعة أو كعامل ثانوي.. بل ورد في تحفة الأحباب :" بنى أبو بكر محمد مسجداً أنفق عليه ماله في مغارة ابن الفارض قيل أن عمر ابن الفارض كان يجلس هناك فاتخذه أبو بكر مسجداً" [145] .!. أى قيل إن عمر بن الفارض كان يجلس هنا فبنى معبدا له سماه مسجدا لعمر بن الفارض .!
5 ـ لذا كان شائعا رفع القباب على مكان دفن الولي، فابن القطان أقام قبة على ضريح المرسى [146] وصار مشهد ابن الفارض بدون حاجز عليه إلى أن أقيمت عليه قبة بأوقاف و أسمطة للزوار ورخام للمقام[147] . وقد جعلوا من السلطان قايتباي ولياً ودفن بقبة بناها بتربته[148] وحُملت الأخشاب لإقامة ضريح للشاذلي[149] ، وبنيت قبة عظيمة على ضريح يوسف حفيد الشيخ عدى[150] ، وبنيت على قبر أبي الخير الكليباتي عمارة وقبة[151]، وجعلت الأوقاف لتحسين مزار عبد الرحيم القنائي وتوسيعه[152] ، وجدد الناصر محمد مشهد السيدة نفيسة ووضع به المحراب على التحرير الصحيح [153] ، وجدد ابن الأشرف برسباي ضريح محمد بن أبي بكر وعمل فيه الأوقاف والسماعات[154] ، وقيل في ضريح زين الدين المرواني " وبناء تربته والقبة التي على ضريحه من أعاجيب البناء"[155].
6 ـ وأقيمت الأضرحة للنساء وعادة ما يكن (شريفات) أو (صالحات)[156] وأقيمت أضرحة للخدم (خدم الولي حياً أو خدم ضريحه) ويلحق بزاوية شيخه أو بضريحه[157] .
7ــ وهكذا صارت القرافة مميزة بقبابها يقول ابن بطوطة ( وهم يبنون بالقرافة القباب الحسنة ويجعلون عليها الحيطان فتكون كالدور ويبنون لها البيوت)[158] .
8 ــ وأقيمت القباب على غير الصوفية تعظيماً لشأنهم فالمنصور قلاوون أنشأ قبة عظيمة وجعل منها مدفناً ،ودُفن فيها ابنه الناصر محمد[159] ، ودفن المؤيد شيخ في القبة التي أقامها في جامعه[160] ، وبنيت قبة دفن فيها الحاكم بأمر الله الخليفة العباسي[161] ، ودفن أحمد العيدروسي في قبة أبيه[162] ، وجدد ابن زنبور قبة قطر الندى[163] .
9 ـ وكالعادة في المؤسسات الصوفية استفاد منها الصوفية حيث تقرروا فيها موظفين للتكفير عن ذنوب المدفونين فيها ، فالأشرف برسباي "بنى قبة كبيرة ووقف عليها وقفاً له متحصل كثير وعين شيخاً لها : الشيخ حسن العجمي" [164] ، وأنشأ جانبك الداودار قبتين بطرف بستانه وأنزل بهما جماعة كبيرة من صوفية الأعاجم وأجرى عليهم الرواتب الهائلة[165] . وأسهب المقريزي في محاسن القبة المنصورية التي أنشأها قلاوون وبها قبره .وقبر ابنة الناصر والصالح عماد الدين [166] ، وأوقف الأشرف خليل قلاوون عليها الأوقاف بعد فتح عكا[167].
وصار تقليداً أن يزور الأشرف خليل والناصر محمد القبة المنصورية في المناسبات الهامة ، فالأشرف خليل عمل بها ختما وزارها قبل توجهه لعكا[168] وزارها الناصر محمد بعد عودته من الخارج ، وتوجه رسل الملك أبي سعيد لزيارة القبة المنصورية[169] .
وأنشأ الناصر محمد القبة الناصرية ووقفها , وعيّن فيها شيخ الحديث والمؤذنين والقوَمة والقرائيين والخدام لخدمة المترددين والمجتازين( خلا موضع الضريح فإنه مرصد للدفن)[170] .
10 ـ واحتلت القبة مكانها (العالي ) في الأمثال الشعبية، فيُقال: ( يا شيخ يا للي في القبة ما كنتش بحبك في الدنيا حبيتك وأنت في التربة) ( بكرة تموت يا أبو جبة واعمل فوق قبرك قبة)،( افتكرنا تحت القبة شيخ ، الناس مقامات يعمل الحبة قبة )[171] .
الأضرحة المزورة : ـ
1 ـ ولم يكتف متصوفة العصر برفع أضرحة لأوليائهم وإنما أقاموا مشاهد لمشاهير الصحابة والأشراف والعلماء بل وبعض الأنبياء بدعوى وفاتهم في مصر، وهو افتراء باعتراف محققي الصوفية أنفسهم . ولم يعدم الصوفية الوسائل لتحقيق غرضهم فتارة يدعي أحدهم أن صاحب الضريح دعاه في رؤيا منامية لأن يقيم الضريح وتارة تُزوّر الرخامات وتحمل أسماء شهيرة تقام لها الأضرحة ، وفي تحفة الأحباب أن عبداً أسود جمع ألواح الرخام من القرافة وصار يضعها على القبور التي أقامها ونقش على الألواح أسماء اخترعها (وكان أول اسم اخترعه شكر وعمل عليه ستراً ، ولما عملوا الستر حملوه من باب البيمارستان المنصوري بالقاهرة إلى القرافة الكبرى، وكان يوماً مشهوداً في دولة الأشرف برسباي ... ثم انتدب إلى عمارة هذا المكان والبناء عليه وفعل الخيرات به الحاج عيسى سلاخوري الأمير جقمق العلائي أمير أخور) ،ويقول السخاوى أيضا : (واخترعت أسماء كأصحاب أضرحة "منهم عمرو بن العاص وجماعة من الصحابة . والحال أنه لم يذكر أحد من أهل التاريخ ولا من أهل الزيارات ذلك ولم يشتهر ، ولو كان لهذا صحة لعُرف واشتهر)[172].
أضرحـة مزورة للأشــــراف : ــ
1 ــ يقول ابن تيمية عن مشهد أو ضريح الحسين : ـ ( ولم يُحمل رأس الحسين للقاهرة ، فقد دفنت جثته حيث قتل ، وروى البخاري في تاريخه أن رأس الحسين حمل إلى المدينة ودفن بها في البقيع عند قبر أمه فاطمة . وبعض العلماء يقول أنه حمل إلى دمشق ودفن بها. فبين مقتل الحسين وبناء القاهرة نحو مائتين وخمسين سنة . وقد بنى الفاطميون مشهد الحسين في أواخر 550 وانقرضت دولتهم بعد هذا البناء بنحو أربعة عشرة سنة (أي جعلوا منه سنداً وقت ضعف دولتهم) (وهذا مشهد الكذب)[173]. ومشهد الحسين أكبر شاهد على الكذب والتدليس ، ويكفى تعدد المشاهد على ( رأس الحسين ) . ومبلغ علمنا أنه كان له ( رأس ) واحدة .!!
ومن الطبيعي أن ينشر المتصوفة التأكيد بصحة تواجد رأس الحسين بمشهده . وفي كتاب (الكواكب السيارة ) لابن الزيات قصة عن صوفي تعود أن يسلم على الحسين في مشهده ويسمع إجابته وذات مرة لم يسمع الإجابة فتضايق فرأى الحسين في المنام يعتذر له بأن جده كان يزوره فشغله عن رد السلام[174] .
وأثار ضريح الحسين خيال الصوفية خارج القاهرة فهناك مشهد الحجر بمدينة بالس قرب حلب ( يقال أن رأس الحسين وضعوه عليه )[175] وهناك صخرة المحراب في مسجد النارنج ( وقد استفاض بين الناس أنه حط عليها برأس الحسين فانشقت له ولها في كل سنة يوم عاشورة عيد يجتمع فيه الناس عندها ويتبركون بها ويقبلون وينذرون لها النذور[176] .. وتعددت الأضرحة حول ( رأس ) أو ( رءوس ) الحسين ، وإعتقدوا بقدسيتها وجاهها ، ولم يسأل أحدهم نفسه : إذا كانت بهذه القداسة فكيف إستطاع سيف قطعها ؟
2ــ ونعود إلى صوفية مصر لنعطى فكرة سريعة عن ( أضرحة المنامات ) . فقد رأى أحدهم في المنام فاطمة الزهراء تصلي في جامع ، فعُملت في الجامع مقصورة عرفت حتى وقت ابن دقماق بمقصورة فاطمة الزهراء[177] . ورأى ابن اللبان مناماً يخبره ( أن بهذا المكان على بن الحسين بن على بن أبي طالب فجدّد هذا المشهد) يقول ابن الزيات ( وليس بصحيح)[178] وهناك مشهد لمحمد بن الحنفية بن على ، يقول كاتبا المزارات : السخاوى وابن الزيات : (وليس بصحيح فإنه لم يمت أحد من أولاد الإمام على لصلبه بمصر)[179] ويقول السخاوى صاحب تحفة الأحباب ( وهناك ـ مشاهد للرؤوس .... منها مسجد الحسين ومشهد القبة ومشهد زين العابدين بن الحسين ومشهد محمد بن أبي بكر ........ )[180]
3 ـ وهناك مشهدان للسيدة سكينة بنت زين العابدين[181] وهناك مشاهد مزورة لأشراف مشهورين مثل محمد الأصغر بن على بن زين العابدين ومشهد للسيدة رقية بنت الإمام على وآخر للقاسم بن الحسين بن على مع أن الحسين لم يبق من أولاده إلا زين العابدين في كربلاء ، ومشهد للإمام جعفر الصادق مع أنه دفن بالبقيع ومات بالمدينة المنورة ، ومشهد للسيدة نفيسة عمة السيدة نفيسة بنت الحسن ومشهد للشريف العريضي بن جعفر الصادق [182] . هذا عدا مشاهد مزورة أخرى لأشراف أقل شهرة وربما ليس لهم وجود في التاريخ والأنساب[183]، هذا ولم يرد في المزارات ذكر لما يعرف الآن بمشهد السيدة زينب كمشهد صحيح أو مزور، مما يؤكد أنه اخترع في العصر العثماني.
للصحابة والتابعين والمشهورين : ـ
1ـ وفي البلاد التي حرمت من تلك الشخصيات قام الصوفية ببناء أضرحة وهمية لهم. وفي قرافة مصر أمثلة حية في العصر المملوكي ، وقد نبهت كتب المزارات على كذب ـ المشاهد المنسوبة ـ للصحابة وتابعين مشهورين مثل السيدة عائشة وقبر يزيد بن معاوية وقبر عبد الله ابنه وقبر جمل عائشة في موقعة الجمل وقبر ابن حليمة السعدية أخي النبي من الرضاعة وقبر صاحب البردة وقبور ومشاهد أخرى لعبد الله بن الزبير وأولاده ، وطلحة والزبير وأبي هريرة والمقداد بن الأسود وأبي ذر الغفاري وأبي ربيعة الأنصاري حامل راية الرسول عليه السلام وقبور أخرى لعقبة عامر وقبر سارية الجبل والرويني وساعي البحر الذي جاء بثياب عمر بن الخطاب للنيل ومعن بن زائدة وسياك بن خرشة ويحيى الدرعي وإدريس بن يحيى الخولاني[184].
2ـ بل اخترعوا أسماء وهمية وزعموا أنها لصحابة وأقاموا لها الأضرحة مثل مشهد زرع النوى أو خضر الصحابي وصاحب الكلوبة واليهودى الذى سحر البني "وعبد الله بن تميم الداري وتميم الداري لم يعقب" [185] . وحتى اختلفوا فيمن مات فعلا بمصر فاختلفوا في قبر عمرو بن العاص[186] وزوروا قبوراً أخرى لعلماء وخلفاء عباسيين[187] كالخليفة المأمون والسبتي بن هارون الرشيد وقبوراً أخرى لمتصوفة مشهورين كأبي تراب التخشبي وغيره[188] . والطريف أنهم زوروا أضرحة لأنبياء وإخوتهم وحواريين مثل روبل واليسع إخوة يوسف والنبي هارون وسام بن نوح وشمعون الصفا أحد الحواريين[189]...
أهم المؤسسات الصوفية في مصر المملوكية : المساجد والجوامع
كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الأول : أثر التصوف في ازدهار العمارة الدينية والتعمير
نبــذة عن المؤسسات الصوفية في العصر المملوكي : الأضرحة والأضرحة المزورة
المساجد والجوامع
1ـ صارت ممثلة للتصوف في العصر المملوكي ، وبازدهار التصوف في العصر المملوكي كثرت الرغبة في بناء الجوامع في الدولة البرجية حتى بلغت مائة وثلاثين جامعاً تُقام فيها الجمعة ـ كان منها بمصر العتيقة عشرة وبالقرافة أحد عشر وبجزيرة الروضة خمسة وبالحسينية اثنا عشر وعلى النيل خارج القاهرة أربعون وبين القاهرة ومصر ثلاثة وعشرون وبالقلعة أربعة وخارج القاهرة سبعة بالترب وداخل القاهرة سبعة عشر . وكان من بنى جامعا وقفه لله ووقف عليه الأوقاف [190].
2ـ وقد سعى المتصوفة لإقامة الجوامع؛ فالظاهر بيبرس يقيم جامعا بإشارة شيخه خضر[191] وتداعت أركان الجامع الحاكمي فجدده الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير وأوقف عليه إستجابة لطل شيخه نصر المنبجي[192] . وأمر السلطان محمد بن قايتباي ببناء جامع الفيوم وكان القائم في ذلك الشيخ الدشطوطي ،وأرسل صحبته جماعة من البنائين والمهندسين [193] ، ومن ناحية أخرى أقام المتصوفة مساجد بإشاعة الكرامات حولها أو بدعوى اكتشاف أثر قديم لولى أو نبي[194]
3- وأقام بعض المتصوفة بأنفسهم جوامع . واشتهر في ذلك ابن الزاهد الذي أقام عدة مساجد بها خطبة بالقاهرة [195] ، وابن مصلح المنزلاوي الذي عمّر عدة جوامع في المنزلة والبحر الصغير[196] ، وعمّر الحريتي عدة جوامع في دمياط والمحلة وغيرها[197] . أما الدشطوطي فقد أقام عدة جوامع بمصر وقراها، وكان المتولي لعمائرته الشيخ جلال الدين البكري[198] . وأنشأ الغمري جامعاً بالقاهرة[199]وحول آخر مسجد إلى جامع بخطبة[200].
4ـ وكان المتصوفة يقيمون في الجامع كوسيلة للشهرة والاعتقاد، مثل زين الدين السطحي المقيم بسطح جامع الحاكم[201] وبيرم التركي المقيم في جامع الحاكمي[202] ،وكلاهما (من المعتقدين ) أى الأولياء الذين يعتقد فيهم الناس وقتها . وعُرف مسجد قبالة بإقامة الفقراء[203] ، وسكن عمر البجائي بجامع الملك بالحسينية ثم انتقل إلى جامع محمود فنازعه أهل القرافة فرجع إلى قبة المارستان بخط بين القصرين[204] . وانقطع ابن الحداد في مسجده المعروف بالساحل[205] . واعتزل صوفي آخر أربعين عاماً في جامع[206] ، وأقام المعتقد رشيد التكروري بجامع راشد ، وهو آخر من سكنه من الصوفية [209] . وكان الاعتكاف أة الانقطاع فى جامع يجلب الشهرة بالصلاح وإعتقاد الناس فى بركة ذلك المنقطع فى الجامع أو المسجد ، وقد انقطع فقيه سنى شافعي في جامع فهرع الناس إليه معتقدين[210] ، وكان مسجد الحلبيين يعرف بالمشهد إلى أن انقطع فيه الشيخ الجعفري وقد أقام بهذا المسجد العارف عبد العزيز الحراني وقد توفي ودفن بمقصورة هذا المسجد[211].
5 ـ وقُرِر الصوفية موظفين متفرغين في الجوامع التي أنشأها المماليك وأتباعهم ، فعلى سطح الجامع الناصري أقيم أربعون صوفياً مجردين بشيخ وجراية وخبز ولحم ومقصورة [212] ، وأنشأ برسباي جامعا ً أوقفه على الصوفية مع إمام وخطيب وقراء[213] ، وأقام قايتباي بتربته جامعاً وقرر به صوفية وشيخاً لحضور وظيفة التصوف وعددهم أربعون[214] . وأقام إبراهيم ابن عبد الغني جامعاً ببولاق جعل فيه شيخاً وصوفية[215] ، وفيها أنشأ الزين الاستادار جامعاً بتصوف وميعاد[216] . وقد يُقام الجامع لصوفية الخانقاه أو الرباط كجامع بشتاك الناصري تجاه خانقاه[217] ـ وجامع الرصد ـ بجوار رباط الأفرم ومسجد آخر بجوار الرباط الغربي[218].
أخيرا
بهذا تمت سيطرة التصوف على كل المؤسسات الدينية ، منها ما كان صوفيا محضا كالخوانق والزوايا والأربطة والأضرحة والقباب والترب والمشاهد ، ومنها ما كان ( علميا ) كالمدارس التى تحولت الى خوانق ، أو الخوانق التى كانت تقوم بدور المدارس . ثم إنتدت سيطرة التصوف الى المساجد و( المساجد الكبرى الجامعة : الجوامع ). ونتذكر أن الله جل وعلا يأمر أن تكون المساجد خالصة له وحده وينهى أن ندعو غيره فى مساجده ، بحيث لا يرتفع الأذان إلا باسمه ولا تقوم في المسجد الصلاة إلا بذكره . ولكن التصوف وأربابه أقاموا فى العصر المملوكى أكبر حركة تعمير للمؤسسات الدينية ، لا تزال باقية حتى الآن تمثل معظم الآثار ( الاسلامية ) فى القاهرة حتى اليوم ، مع أنها لا صلة لها بالاسلام . فكما أنه فى الاسلام يجب أن تكون المساجد لله جل وعلا وحده خالصة فإن أرباب التصوف جعلوا المساجد ـ وغيرها ـ خالصة للتصوف وأوليائه ومريديه وأنصاره من المماليك وأتباعهم ، وكانوا طبقا لدينهم ينشئونها بالمال السُّحت وبالسُّخرة والنهب والسرقة ، معتقدين أن أولياء التصوف سيشفعون لهم يوم القيامة . وقد ناقشنا ذلك فى كتبنا السابقة فى موسوعة التصوف المملوكى ، فلا جاجة للتكرار.
ولكن ــ وبكل أسف نقول ـ إنه وحتى الآن فلا يوجد مسجد خالص لله جل وعلا ، يرتفع فيه الأذان بذكر الله جل وعلا وحده ، ولا تعظيم فيه إلا لله جل وعلا وحده . فى كل مساجد المحمديين من سنة وشيعة وصوفية وأحمدية تتعدد الآلهة ، من محمد الى الخلفاء الراشدين عند السنة ، الى محمد وعلى وآل بيته عند الشيعة ، ثم الأولياء الصوفية عند الصوفية .
عار على المحمديين الذين يزعمن أنهم يؤمنون بالقرآن أن تخلو بلادهم من مسجد إسلامى حقيقى .
عار على المحمديين كفرهم بقول الله جل وعلا : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (19) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (20) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (22) إِلاَّ بَلاغاً مِنْ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً (23) الجن )
[1]ــ تحفة الأحباب 119
[2]ــ الدرر الكامنة 2ر 122
[3]ــ الطبقات الكبرى 2ر 114 : 115 وهناك رواية أخرى في الكواكب للغزى 1 / 96
[4]ــ خطط المقريزي 4 / 285
[5]ــ المنهج الصافي مخطوط 3 / 311
[6]ــ النجوم الزاهرة 9 / 182
[7]ــ النجوم الزاهرة 16 / 139 : 140
[8]ــ خطط المقريزي 4 / 287
[9]ــ محاسن مصر والقاهرة 191
[10]ــ رحلة العلوى : مخطوط 59 : 60
[11]ــ زبدة كشف الممالك 27
[12]ــ تحفة الأحباب 318 ، 37 ، 202 وانظر المقفى 3 / 162 والكواكب السيارة 106 ، شذرات الذهب 6 / 149
[13]ــ النجوم الزاهرة 14 / 342
[14]ــ تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 355 : 356
[15]ــ تاريخ القاعى مخطوط 15 ب
[16]ــ حوادث الدهور 2 / 334
[17]ــ تاريخ العمارة 2 / 240
[18]ـ عاشور : البدوى 223 : 224 .
[19]ـ دولت عبد الكريم : الخوانق 26 : 33 رسالة دكتوراة غير منشورة .
[20]ـ محمد أمين الأوقاف 278 : 282 رسالة دكتوراة غير منشورة .
[21]ـ ابن دقماق الانتصار 101 الخطط المقريزية 4 / 9 ، 21 282، نهاية الأرب 30 ، 75 .
[22]ـ رحلة ابن بطوطة 1/ 23 .
[23]ـ الخطط 4 / 297 .
[24]ـ وثيقة وقف الامير صرغتمش .
[25]ـ النجوم الزاهرة 11/218 ، 219 وحاشية (1)
[26]ـ الطبقات الكبرى للشعراني 2/28 .
[27]ـ الكواكب السيارة 182 ، 189، تحفة الأحباب 147 .
[28]ـ النجوم الزاهرة 11/ 125 , تحفة الأحباب 62 ،148 ، 149 ، 476 ، 477 ، 162 ، 163 .
[29]ـ المنهل 3/ 104 شذرات الذهب 8 / 130 .
[30]ـ المنهل 3/ 104 .
[31]ـ الطبقات الكبرى للشعراني 2/ 90 .
[32]ـ المدخل 2/ 197 .
[33]ـ رحلة ابن بطوطة 1/21 .
[34]ـ العمارة الإسلامية سامح 99 ، 100 ، 106 ، 210.
[35]ـ نهاية الأرب 30 / 24 : 25 .
[36]ـ الكواكب السيارة 145 ، 18 تحفة الأحباب 310 وغيرها .
[37]ـ الكواكب السيارة 66 ، 12 ، 102 ، 120، 123 ، 150 ،155، 183 تحفة الأحباب 302 ، 304 ، 305 وغيرها ،
[38]ـ الكواكب السيارة 246 ، 301 ، تحفة الأحباب 250 .
[39]ـ الكواكب السيارة 154 ، 155 ، تحفة الأحباب 290 ، 211 .
[40]ـ دولت . الخوانق 37 ، 39 ، 40 .
[41]ـ على مبارك الخطط التوفيقية 1/ 225 .
[42]ـ دولت . الخوانق 178، 179 ، 180 ، 181 ، 183 .
[43]ـ باقي الخوانق 4/ 279 : 292 ، السلوك 2/ 2 / 423 ، 544 ، 3 / 1 / 17 ، 4 / 2/ 760 . النويري 31 / 103 : 104المقفى مخطوط 2/ 1154 ، تاريخ ابن الفرات 9/ 2 354 ، 355 المنهل الصافي 1/ 44 .الدرر الكامنة 4/ 324 ، 373 ، تاريخ ابن إياس 1/ 203 ، 226 ، 167 .
[44]ـ النويري . نهاية الأرب 30 / 44 ، 45 , عقد الجمان مخطوط 706 لوحة 371 الخطط 4/ 276 , النجوم الزاهرة 8/ 276 تاريخ ابن إياس 1/ 1/ 147 ط بولاق .
[45]ـ نهاية الأرب النويري 31 / 61 , تاريخ ابن الوردي 2/ 278 السلوك 2/ 1/ 261 عقد الجمان سنة 726 لوحة 3،درة الأسلاك 726 لوحة 237 ابن أيبك الداودار 313 ، 319 تاريخ ابن إياس 1/ 163 ط بولاق .
[46]ـ تاريخ ابن الفرات 8/ 124 .
[47]ـ السلوك 2/2/489 .
[48]ـ السبكى معيد النعم 162 .
[49]ـ تاريخ ابن الفرات 8/31 .
[50]ـ السلوك 2/ 2/ 327 ،328 ، 353 ، 390 . خطط المقريزي 4/141 الكواكب السيارة 319 وغير ذلك .
[51]ـ النويري . نهاية الأرب 28 /120 ، النجوم الزاهرة 7 / 163 .
[52]ـ الدرر الكامنة 2/ 153 .
[53]ـ تاريخ ابن إياس 1/ 175 ط بولاق .
[54]ـ التبر المسبوك 83
[55]ـ الضوء اللامع 3/ 133 .
[56]ـ وثيقة برسباي 46 ، 47 نشر دراج ..
[57]ـ رحلة ابن بطوطة 1/ 20 .
[58]ـ النجوم الزاهرة 11/ 119 .
[59]ـ شذرات الذهب 8/ 167 .
[60]ـ الخطط 4/ 297 .
[61]ـ المنهل الصافي مخطوط 2/ 618 .
[62]ـ السلوك 2/ 1/ 239 ، الدرر الكامنة 2/ 135 .
[63]ـ حوادث الدهور 3/ 721 ، أنباء الهصر 82 .
[64]ـ تحفة الأحباب 164 .
[65]ـ تحفة الأحباب 217 ، السلوك 4/2/ 815 ، 816 .
[66]ـ الضوء اللامع 1/ 85 .
[67]ـ جمهرة الأولياء 2/154 .
[68]ـ تاريخ ابن الفرات 9/ 1/ 42 .
[69]ـ شذرات الذهب 7/3 .
[70]ـ محقق النجوم الزاهرة 11 /185 حاشية 1 .
[71]ـ عقد الجمان . مخطوط وفيات 714 ، الدرر الكامنة 2/ 199 .
[72]ـ عقد الجمان مخطوط وفيات 774 .
[73]ـ تحفة الأحباب 23 .
[74]ـ الذيل على رقع الأصر 141 .
[75]ـ الضوء اللامع 13 :134 .
[76]ـ ابن دقماق : الانتصار 4/ 90 .
[77]ـ شذرات الذهب 6 / 56 .
[78]ـ أمثلة : الخطط 2/ 432 ، الهصر 194 ، السلوك 3/ 1 / 148 .
[79]ـ أمثلة رحلة ابن بطوطة 1/ 18 : 30 الانتصار 4/ 103 : 104 .
[80]ـ أنباء الغمر 2/29 ،الضوء اللامع 2/266 .
[81]ـ أمثلة المنهل الصافي 4/ 574 ، شذرات الذهب 6/ 267 ، تحفة الأحباب 35،ابن الفرات 8/102 .
[82]ـ معيذ النعم 171 .
[83]ـ أمثلة : تحفة الأحباب 75 ، 100 ، 162 ، 163 ، 164 ، 315 ، 322 ، 349 ، 372 ، 465 ، 467 ، ابن الفرات 8/ 219 ،
إنباء الغمر 1/ 184 .
[84]ـ أمثلة المنهل الصافي 1/ 165، 166 ، 263 عقد الجمان وفيات 711 ، 714 ، السلوك 3/2/ 685 .
[85]ـ راجع رحلة ابن بطوطة 1/ 18 : 30 .
[86]ـ تحفة الأحباب 146 ، 149 .
[87]ـ الدرر الكامنة 3/ 34 ، 149 .
[88]ـ الطبقات الكبرى 2/ 117 , 161 .
[89]ـ تاريخ ابن كثير 14/179، الدرر الكامنة 4/ 82 .
[90]ـ النجوم الزاهرة 11/ 193 .
[91]ـ رفع الأصر 248 .
[92]ـ الدرر الكامنة 4/132 .
[93]ـ الدرر الكامنة 4/ 272 .
[94]ـ المنهل الصافي 5 / 5 .
[95]ـ الطبقات الكبرى للشعراني 2/97 .
[96]ـ أنباء الغمر 2/ 305 .
[97]ـ المنهل الصافي 5/ 149 .
[98]ـ تاريخ ابن الوردي 2/368 .
[99]- أنباء الغمر 3/ 234 ، الضوء اللامع 1/ 83 .
[100]ـ الانتصار لواسطة عقد الأبصار 4/ 78، خطط المقريزى 4/88 ، 89 ، 293 ، 297 . صبح الأعشى 3/ 5 .
[101]ـ رحلة ابن بطوطة 1/26 .
[102]ـ خطط المقريزى 4/293 ، 215 .
[103]ـ تحفة الأحباب 403 ، 53
[104]ـ تحفة الأحباب 184 ، 185 .
[105]ـ المنهل الصافي 4/ 392 .
[106]ـ تحفة الأحباب 403 ،53.
[107]ـ تحفة الأحباب 403 ، 53.
[108]ـ تذكرة التنبيه 1/267 .
[109]ـ تاريخ ابن الفرات 8/15 .
[110]ـ عقد الجمان 54 / 591 .
[111]ـ الدرر الكامنة 3/ 80 .
[112]ـ الطالع السعيد 173 .
[113]ـ الطالع السعيد 428 .
[114]ـ الطالع السعيد 96، 366 ، 239 ، 376 ، 377 ، وأيضاً السبكي طبقات الشافعية 5/ 516 ، 6/ 144 .
[115]ـ خطط المقريزي 4/ 293 , 294 .
[116]ـ تحفة الأحباب 171 .
[117]- النجوم الزاهرة 11/119 ، الدرر الكامنة 4/ 432، تحفة الأحباب 471 .
[118]- الضوء اللامع 1/8.
[119]- الكواكب السيارة 186 ، تحفة الأحباب 319 .
[120]- الدرر الكامنة 2/ 419 ، مناقب المنوفي مخطوط 17، 18 .
[121]- المنهل الصافي 5/ 368 .
[122]- الكواكب السيارة 315 وانظر 13 م.
[123]- المنهل الصافي 3/ 250 ، النجوم الزاهرة 13/18 .
[124]- المنهل الصافي 1/284 .
[125]- عمائر أنيال 61، 68 .
[126]- المنهل الصافي 2/ 122 .
[127]- السلوك 4/ 1/ 135 .
[128]- تاريخ ابن إياس 2/ 393 محمد مصطفى في تاريخ البقاعي مخطوط 14 .
[129]- تاريخ ابن إياس 2/ 153 ،117 ط بولاق .
[130] ـ النويري نهاية الأرب 28 ، 29 .
[131] ـ المنهل الصافي 2/ 649 .
[132] ـ السلوك 3/2/ 689 .
[133] ـ الضوء اللامع 3/ 22 .
[134] ـ تحفة الأحباب 4/ 246 .
[135] ـ المنهل الصافي 4/ 256 .
[136] ـ المنهل الصافي 2/ 355 .
[137]ـ تحفة الأحباب 185 .
[138]ـ تحفة الأحباب 18 ، 19 ، 20 ، 33 ، 36 ،38 ، 45 ، 52 ، 165 ، 166 ، 210 ، 313 ، 438 .
[139]ـ سعاد ماهر مساجد مصر 2/ 10 ، 11 .
[140]ـ ابن ظهيرة 192 ، 193 .
[141]ـ أمثلة : رياض الصالحين 228 ، تحفة الأحباب 215 .
[142] الكواكب السيارة 110 , 263 ، 308 ،تحفة الأحباب 245 ، 215 ، 327 .
مثلاً : المنهل الصافي 1/ 93 ، 3/ 252 ، 525 ، 4/ 94 ، 197 .
النجوم الزاهرة 8/ 280 ، 9/295 ، 10 / 233 ، 14 / 194 .
الطبقات الكبرى 1/ 131 ،134 ، 173 ، 2/ 3 ، 18 ، 94 ، 95 .
الضوء اللامع 1/ 83 ، 2 / 112 ،الدرر الكامنة 2/ 132 ، 426 ، 3/ 149 .
الطالع السعيد 79 ، 417 ، ومراجع أخرى ..
[143]ـ تحفة الأحباب 88، 89 ، 91، 82 .
[144]ـ أمثلة الانتصار 4/ 81 : 92 .تحفة الأحباب 87 ، 88 ، 141 ، 255 ، 243 ، الطبقات الكبرى للشعراني 2/74 ، 79 ، 127 .
[145]ـ تحفة الاحباب 88
[146]ـ السندوبي . أبو العباس المرسى 126 .
[147]ـ تحفة الأحباب 434، 435 ، تاريخ ابن إياس 2/ 142 ط بولاق .
[148]ـ شذرات الذهب 8/ 8 ،9 .
[149]ـ الإلمام للنويري 2/ 80 .
[150]ـ تذكرة التنبيه 1/ 207 .
[151]ـ شذرات الذهب 8 /41.
[152]ـ الطالع السعيد 157 .
[153]تاريخ ابن إياس 1 / 157 .
[154]ـ تحفة الأحباب 138 ، 187 .
[155]ـ تحفة الأحباب 138 ، 187 .
[156]ـ تحفة الأحباب 200 ، 222 ، 246 ، 259 ،267 ، 310 ،318 ،331 ،332 ،337 ،345 ، 365 ، 369 ،395 ،424 ،428
449 , 451 ، 466 ، 474 .
[157]ـ تحفة الأحباب :30، 31 ،177 ، 181 ، 226 ، 250 ، 320 ،337 ، 436 ، 438 ، 472 ، الكواكب السيارة 186 ، 294 .
[158]ـ رحلة ابن بطوطة 1/ 21 .
[159]ـ تحفة الأحباب 59 ، تاريخ ابن إياس 1/ 174 ط بولاق .
[160]ـ المنهل الصافي 3/ 409 . ، تحفة الأحباب 81 ، 82 .
[161]ـ تاريخ ابن إياس 1/ 144 ط بولاق .
[162]ـ شذرات الذهب 8/ 105 ، 106 .
[163]ـ الكواكب السيارة 155 .
[164]ـ السلوك 4/ 3/ 1100 .
[165]ـ حوادث الدهور حوادث وفيات 867 .
[166]ـ خطط المقريزي 4/ 218 ، نظر السلوك 1/3 / 716 .
[167]ـ السلوك 1/ 3/ 769 .
[168]ـ تاريخ ابن الفرات 8/ 135 ، السلوك 1/ 3/ 764 ،777 .
[169]ـ نهاية الأرب 31 ، 78 .
[170]ـ ملاحق السلوك الملحق الأخير 1/3/1043 ، 1044 .نهاية الأرب 30 /12 :13 .
[171]ـ الأمثال الشعبية تيمور 404 ، الشعب المصري شعلان 177 ، 178 .
[172]ـ تحفة الأحباب 172 ، 173 ، 174 .
[173]ـ تكسير الأحجار 146 ، 147 .
[174]ـ الكواكب السيارة 65 .
[175]ـ تاريخ حلب 100 .
[176]ـ تكسير الأحجار 142 ، 143 .
[177]ـ الانتصار 124 .
[178]ـ الكواكب السيارة 37 .
[179]ـ تحفة الأحباب 366 ، الكواكب السيارة 242 .
[180]ـ تحفة الأحباب 319 .
[181]ـ تحفة الأحباب 246 .
[182]ـ تحفة الأحباب 53 ،94 ، 99 ، 113 ، 247 .
[183]ـ تحفة الأحباب 42 ،76 ، 101 ، 102 .
[184]ـ تحفة الأحباب 130، 145 ، 151 ،224، 277،281 ،282 ، 366، 367 ،442.
الكواكب السيارة 75 ، 93 ، 96 ، 115،117 ، 118 ، 185 ، 188 ، 193 ، 277 ، 203 , 141 .
التبر المسبوك 151 .
[185]ـ تحفة الأحباب 85 ، 139 ، 262 ، 451 وخطط المقريزى 4/266 .
[186]ـ تحفة الأحباب 223 .
[187]ـ تحفة الأحباب 82 ،104 ، 181 ، 233 ، 302 ، الكواكب السيارة 149 .
[188]ـ تحفة الأحباب 77 ، 414 : 415 الكواكب السيارة 185 ،282 ، 283 .
[189]ـ الانتصار 4/ 123 : 124 .
[190]ـ على مبارك الخطط التوفيقية 1/ 218 .
[191]ـ تحفة الأحباب 26 .
[192]ـ النويري نهاية الأرب 30 / 22 :23 .
[193]- تاريخ ابن إياس 2/ 342ط بولاق .
[194]- الانتصار 4/ 128 ،129، خطط المقريزي 4/269 الكواكب السيارة 183 ، تحفة الأحباب 317 ،8 .
[195]- الخططالتوفيقية 4/ 135 ، تحفة الأحباب 31 ، الطبقات الكبرى للشعراني 2/ 73 .عقد الجمان وفيات 819 لوحة 435 ،
الضوء اللامع 2/112 .
[196]- الضوء اللامع 2 / 211 ، الطبقات الكبرى للشعراني 2 /117 ، الغزي الكواكب السائرة 1 / 224 .
[197]ـ الطبقات الكبرى للشعراني 2/147 .
[198]ـشذرات الذهب 8/ 129 ، الطبقات الكبرى 2/15 الكواكب السائرة 1/ 248 .
[199]ـ إنباء الهصر 218 ، الخطط التوفيقية 4/141 .
[200]ـ تحفة الأحباب 23 .
[201]ـ أنباء الغمر 3/265 .
[202]ـ تحفة الأحباب 62، 63 .
[203]ـ الضوء اللامع 3/22 .
[204]ـ الانتصار 4/81 .
[205]ـ الطبقات الكبرى للشعراني 2/125 .
[206]تحفة الأحباب 376 .
[207]ـ الطبقات الكبرى 2/110 .
[208]ـ السلوك 3/2/ 821 ، 847 .
[209]ـ الضوء اللامع 2/265 .
[210]ـ تاريخ ابن الفرات 9/2/425 .
[211]ـ تحفة الأحباب 62 : 63 .
[212]ـ النويري.نهاية الأرب0 3 / 75 فتوح النصر مخطوط 2/228,السلوك 2/1/114 ،115 .
[213]ـ وثيقة برسباي نشر دراج 31، 52 .نزهة النفوس 3/ 395 ،السلوك 4/2/ 665 .
[214]ـ حجة قايتباي 62، 63 ، 66 ، تاريخ ابن إياس 2/ 117 ط بولاق .
[215]ـ الضوء اللامع 1/ 68 .
[216]ـ التبر المسبوك 217 .
[217]ـ الخطط التوفيقية 2/34 ، السلوك 2/423 ، النجوم الزاهرة 9/ 49 .
[218]ـ الانتصار 4/ 78 ، 80 .
الفصل الثانى :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية ):
كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الثانى :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية ):
( فى العلم ـ العلوم ـ التعليم ، الأدب والفنون )
الصوفية والعلم :
نظرة الصوفية من العلم " الظاهر " ودعوتهم للعلم اللدني
مدخـــل :ـــ
بازدياد التصوف لم يعد العلم شرطا في الانخراط في الطريق الصوفي ، بل كان من أسباب انتشاره عدم التقيد بالقراءة والكتابة ن بل أصبحت ( أمية الولى ) من مفاخر بعضهم . ومن بداية التصوف وقف بعض رواده موقف العداء من العلم وأهله ، ومنهم كالشبلي القائل :
( فلو طالبوني بعلم الورق برزت عليهم بعلم الخرق ) [1] ، يقصد علم التصوف.
وبسبب شهرة رواد التصوف الأوائل بالجهل فقد قال عنهم الشافعى : "لو ان رجلا تصوف اول النهار لا يأتي الظهر حتى يصير احمق ". وقال أيضا : " ما لزم احد الصوفية أربعين يوما فعاد إليه عقله أبدا )[2] . ولا شك أن نظرة الشافعي لهم كانت متأثرة بعداء عصره للصوفية والتصوف كمبدأ . وكان أولئك الصوفية من ناحيتهم يكرهون ( الحديث ) أهم علوم ( السّنة ) . قال أبو سعيد الكندي : ( كنت انزل رباط الصوفية وأطلب الحديث خفية بحيث لا يعلمون ، فسقطت الدواة ( دواة الحبر ) يوما منى ، فقال لي بعض الصوفية : استر عورتك )[3]..ومالبث أن إعتبر الصوفية العلم عائقا للوصول على الله لأن ( الاشراقات الإلهية ــ بزعمهم ــ لا ترد إلا على قلب فارغ من كل هم ومن كل علم )[4]...
وبهذا فإن جهد التصوف المملوكي في ناحية العلم كان سلبيا ، عطل التطور العلمى والعقلى وحارب من أوتي مقدرة على الاجتهاد ، خصوصا وأن بعض خصومهم كابن تيمية ـ قالوا عنه أنه اجتمعت فيه شروط الاجتهاد ......
والواقع انه مع الشهرة التي تمتع كثير من علماء العصر المملوكي فقد حرموا الابداع العقلي الذي يضف إلى التراث الإنساني . كان الاجتهاد ممكنا ومطلوبا ، ولكن تم وأده بسبب سيطرة التصوف ودعوته للتقليد وحربه للاجتهاد. ويلفت النظر ان من أوتى بعض العلم من أشياخ التصوف قبل العصر المملوكى وبعده ــ من الغزالى الى الشعرانى ــ وقفوا ضد العلم واستعمال العقل ، واستخدموا حصيلتهم العلمية في حرب المنكرين عليهم من الفقهاء ــ حماية لطريقهم الصوفي من الاعتراض . ومعروف أنه لا بد من تغييب العقل ومنع الاجتهاد العلمى والبحثى حتى يؤمن الناس بدعاوى الكرامات وتقديس الأولياء الصوفية ، وغضّ الطرف عن إنحرافاتهم السلوكية وعقائدهم فى الحلول والاتحاد ووحدة الوجود ، ومقالاتهم الفظيعة المنكرة فيما يُعرف بالشطح . وهذا هو ما حدث فى العصر المملوكى الذى اشتد نفوذهم فيه وسيطروا على الحياة الثقافية ، فكان أن وجهوها في خدمة طريقتهم الصوفية، فكانت تلك الردة العلمية في العصر المملوكي ، الذى جمع بين ظواهر متناقضة : وجود حركة تعليمية نشطة فى مؤسسات التصوف ، ووجود الأكثرية من (العلماء والفقهاء ) مع سيطرة التقليد العلمي وازدهار الايمان بخرافات التصوف.
متصوفة العصر المملوكي والعلم و نظرتهم للعلم والعلماء : ــ
1ــ فى العصر العباسى الثانى إنتصر الفقهاء السنيون الذين كانوا يمثلون ( الاتجاه المحافظ ) على علماء الاتجاهات العلمية العقلية والفلسفية ، من المعتزلة والفلاسفة والحكماء من الكندى والفارابى وابن سينا والخوارزمى والبيرونى والرازى وابن الهيثم ..الخ . وتسيد الفقهاء السنيون الساحة بزعامة الحنابلة ، وهم الأشد تطرفا ، ووجدوا فى صناعة الأحاديث وسيلة للإجتهاد ، فالرأى يُقال فى شكل حديث ينسبونه للنبى عليه السلام ، ويتحصّن بهذا الاسناد من النقد . وبوأد الحركة العلمية العقلية وإبادة المعتزلة ودفن جهود العلماء الأفذاذ الذين نفخر بهم الآن (الكندى والفارابى وابن سينا والخوارزمى والبيرونى والرازى وابن الهيثم ..الخ ) لم يعد موجودا على الساحة سوى الفقهاء السنيين ، واصبح لقبهم العلماء ، أى حلوا محلّ العلماء الحقيقيين فى عصر الازدهار العلمى والعقلى فى القرون الثانى والثالث والرابع والخامس من الهجرة . ( علماء ) السّنة بزعامة الحنابلة إضطهدوا خصومهم حتى من الشيوخ السنيين ( والطبرى أشهر ضحاياهم ). ونال الصوفية والشيعة الكثير من العنت . ثم تحول الموقف لصالح التصوف والصوفية ، وقد سبق شرح هذا ، وتسيد التصوف ، وأخذ شيوخ التصوف يضطهدون المنكرين عليهم من الفقهاء الحنابلة كابن تيمية والبقاعى ، وقد عرضنا لهذا من قبل .
2 ــ وفى حمأة الصراع بين الفقهاء السنيين والمتصوفة المملوكيين إحتقر شيوخ الصوفية علوم ( السنة ) وأطلقوا عليها ( العلم الظاهر )، وأطلقوا على علومهم الوهمية الخرافية إسم (العلم الباطن ) ، وغلفوه بادعاء الكرامات والمنامات التي ساد الاعتقاد بها في العصر حتى عرف " بالعلم اللدني" أي الذي يأتي من لدن الله بالوحي كما يزعمون .
وبهذا تغير الحال فى العصر المملوكى عنه فى العصر العباسى الثانى . الحنابلة السنيون جعلوا لهم علوما وهمية بالاسناد وصناعة الحديث ، وجعلوها علوما دينية ( التفسير والحديث النبوى والقدسى وعلوم القرآن ) وجعلوها ( وحيا الاهيا ) ، وقالوا إنها ( سُنّة ) وأن تلك السُّنّة ) وحى ، جاء بالاسناد والعنعنة . وهذا لا يتقبله عقل ، فكيف يأتى الوحى الالهى بالاسناد عن فلان عن فلان عن فلان .. وحتى يتجنب السنيون الاعتراض والتعقل حرّموا الفلسفة وعلم المنطق والعلوم الطبيعية ، كى يؤمن الناس بهذا الوحى القائم على الاسناد والعنعنة .
ثم جاء التصوف فى العصر المملوكى بعلم دينى آخر ، هو ( العلم اللدنى ) لا يحتاج الى عناء الاسناد و قولهم ( حدثنا فلان ، أخبرنى فلان عن فلان ) بل يقول الشيخ الصوفى ما يشاء ويزعم أنه من الله جل وعلا مباشر بلا واسطة ، اى وحى الاهى مباشر ، ومن يعترض عليه فهو محروم من ( الفتح عليه ). ولهذا أرسى التصوف التقليد ومنع الاعتراض ، وأوجب التسليم لكل ما يقوله الشيخ الصوفى وما يزعمه .وسيأتي اثر دعوى العلم اللدنى في نشر الجهل في العصر المملوكي .
3 ـ ونعرض لموقف شيوخ التصوف فى العصر المملوكي من العلم ( الظاهر)أى ( علوم السّنة ) ودعوتهم للعلم الباطني .
كان جدُّ ابن عطاء السكندرى فقيها سنيا ، ثم صار حفيده ابن عطاء مريدا لآبى العباس المرسي. ولم ينس أبو العباس المرسى أن جد مريده ابن عطاء كان فقيها سنيا ، فكان يقول عن ابن عطاء وقد استنسخ له كتابا : ( هذا الكتاب استنسخه لى ابن عطاء الله والله ما أرضى له بجلسة جدّه في العلم الظاهر ولكن بزيادة التصوف )، وقال أيضا عن جد ابن عطاء السكندرى وعن حفيده ابن عطاء :( صبرنا على جد هذا الفقيه لأجل هذا ــ الفقيه ).
وسئل المرسي عن بعض العلماء فقال " اعرفه هنا :وأشار إلى الأرض ــ "ولا اعرفه هناك" وأشار على السماء ) [5] ،.
( وكان الشيخ مدين اذا سأله احد عن مسألة في الفقه لا يجيبه ، ويقول : اذهب الى عيسى الضرير يجيبك عنها . وكان عيسى هذا اميا مقيما في الزاوية ) [6] ، اى إحتقارا للسائل وسؤاله .
اما احمد الزاهد فكان اذا أتاه من يريد الاشتغال بالفقه يقول له : ( يا ولدي ما نحن معدين لذلك اذهب الى الجامع الأزهر. ) ، ( ومنع فقراءه الا من تعليم العبادات فقط ) [7]
ويقول الشعرانى :( وإلأُمّى الذي لم يقدم له اشتغال بعلم الظاهر والنقل اقرب الى الفتح من الفقيه والمتكلم ،لأنهما عوقبا بالجهل بالعلم اللدني الفتحي ) [8]..أى يفضّل الشعرانى المريد الجاهل بالقراءة والكتابة ( الأمّى ) على مريد آخر يكون فقيها أو عالما بعلم ( الكلام ) أى العقائد السُّنيّة ، لأن الفقيه العالم بالشريعة السنية والمتكلم العالم بالعقائد السُّنيّة محرومان من الحصول على العلم اللدنى ( الفتحى ) أى الذى ينزل وحيا وفتحا لارباب التصوف بزعمهم.
4ــ وحين تتلمذ الشعراني على شيخه (الأُمّى) الخواص أمره الخواص في أول اجتماع به أن يجمع كتبه ويبيعها وينفق ثمنها احسانا ، فاستجاب لطلبه. وكان الشعرانى قد دوّن على هوامشها الكثير من تعليقاته ، حسبما يحكى عن نفسه . وطلب الخواص منه ان يستعيض عنها بالتجرد والذكر حتى ينساها، فاستجاب له ، ثم طلب منه ان يعرض عن حضور مجالس العلم عاما بأكمله فامتثل أمره . ثم اتصل به بعد هذا العام، فقال له شيخه: " بقيت فارغا والفارغ يملأ ".!. ثم طلب منه ان يعتزل الناس وينقطع للذكر ، فأقام على ذلك بضعة أشهر ، ثم امره بالزهد فانصاع ، حتى أصبح كأنه يصعد بالهمة في الهواء " ثم محى الله العلوم النقلية من قلبه واقبلت عليه العلوم ــ الوهبية ونزل به الهاتف في 17 رجب 931 أثناء وقوفه بالفسطاط اتجاه الروضة ، حيث تزاحمت العلوم اللدنية على أبواب قلبه وقد وسع كل باب ما بين السماء والأرض .............الخ ) [9].
الشعرانى إفترى هذا الكذب الهائل ليضع بالتلفيق أساسا لما يُعرف بالعلم اللدنى الذى يستوجب عندهم المحو الكامل لكل المعارف الفقهية وما يوصّل اليها من علوم اللغة والنحو والبلاغة . ولكن الشعرانى نفسه يُكذّب نفسه . فلم تنمح من قلبه تلك العلوم ( النقلية ) لأنه ببساطة كان أكبر فقيه فى القرن العاشر الهجرى . وعلى عادة العصر المملوكى قام الشعرانى بتلخيص ما قاله السابقون فى الفقه وعلوم اللغة ، وترك منها تراثا تفوق به على غيره فى عصره . الشعرانى هو الذى كتب ( الميزان الكبرى) وقد عرض فيه لمذاهب أصول الفقه، وأقوال الأئمة الفقهاء وتابعيهم ، وله أيضا : ( كشف الغُمّة عن جميع الأمة ) فى الفقه على المذاهب الأربعة . وله فى علوم اللغة (مختصر ألفية ابن مالك) فى النحو ، و( المقدمة النحوية )، كما كتب موسوعة ( الدرر المنثورة فى بيان زبدة العلوم المشهورة ) فى علوم القرآن والفقه وأصوله والنحو . بل قام بإختصار تذكرة الامام السويدى فى الطب .
ولكن الشعرانى بهذه الرواية يصور نظرة الصوفية للعلم السُّنى وكيفية التخلي عنه للوصول الى العلم اللدني . يقول باحث معاصر : ( وقد تابع الشعراني اساتذته في الهجوم على العلم الظاهر ولا يكاد يخلو له كتاب من حملاته على العلم) [10] .
5ــ وحقد الأولياء الصوفية الأميون على الفقهاء السنيين ،وأظهروا الاستعلاء عليهم بما ادعو من العلم اللدني ، فكان الخواص يقول : ( لا يسمى عالما عندنا إلا من كان علمه غير مستفاد من نقل او صور ، بأن يكون خضرى المقام) ، ويصف الفقيه فى العلم الظاهر بأنه ( حاك لعلم غيره فقط فله أجر من حمل العلم حتى أدّاه ، لا أجر العامل ) [11] ..
ويفتخر الخواص بعلم ( أهل الحال ) أى العلم اللدنى ، ويقول : (تمجُّه العقول من حيث أفكارها ولا تقبله إلا بالإيمان فقط ) [12] . اى بإعترافه أنه لا يستقيم مع العقل ، ولذا يحتاج الى الايمان والتسليم به دون تفكير أو نقاش .
وافتخر الشعراني بأن من المنن ترفقه بالفقهاء إذا حضروا مجلسه وهو يتكلم فى ( علوم التصوف ) ورموزه التى تستعصى على الفهم ، وأنه لا يحاول إحراج أولئك الفقهاء وإظهار جهلهم بعلوم التصوف ورموزه أمام المريدين ، وقال : ( هذا الأدب قلّ من يفعله من الفقراء ( أى الصوفية ) بل رأيت من يقصد الفقيه اذا حضر دروسه ويقول لأصحابه : إش قولكم فيمن يبين لكم جهله بالطريق : ثم يعزم عليه " ) [13] أي يدعوه للكلام في رموز الصوفية فلا يعرف ...
وقد جعلوا من انفسهم ناصحين للفقهاء بترك (العلم السّنى )، يقول المرصفي لأحد طلاب الأزهر: ( اياك ان تطالع شيئا من العلم واختص بالذكر . ). وعلّل ذلك بان ذلك الفقيه ( صاحب نفس ) أى صاحب إعتداد وفخر بعلمه ( الظاهر ) ، وأنه ( كلما ازداد علما إزداد تكبرا على الناس فأمره بالذكر لعل حجابه يرق ويذهب عنه العجب والرياء بعلمه . ) [14]
ويقول الخواص " ما جعل الله العلم في قلوب العلماء ليصيروا به أربابا على الناس وإنما اعطاهم العلم لينفعوا به الناس )[15] ... وتلك نصيحة غالية لولا أن الصوفية هم أول المتهمين بهذا مع افتقارهم للعلم . ولا ننسى ان الصوفية حينما سجنوا ابن تمية ـــ سجنه الأخير ــ ( منعوه من الكتابة والتصنيف والفقه وصادروا ما عنده من الكتب والورق وما صنفه، وكان خمس عشرة ربطة )[16]..
وجمع الخيال بكاتب مناقب الحنفى ، فافترى رواية تصور صاحب اعظم عقلية فى العصر المملوكى ـ عبد الرحمن بن خلدون ــ وقد انبهر بعلم الشيخ الصوفى شمس الدين الحنفى فأصيب بالجذب مما سمع ، تقول الرواية أن ابن خلدون حضر ميعاد الحنفى مترددا فتكلم الحنفى ( ودقّق وأطنب على الخواطر والأسرار حتى خرج كلامه عن الأفهام ، فصار ابن خلدون يضطرب وينتفض حتى وصل إلى محل النعال ، فلما انقضى الميعاد حملوه على الحنفى فرد عليه حاله فلما ان افاق طلب المبايعة وأن يكون من مريدي الحنفي . ).! ،وقال : ( وكان الحافظ ابن حجر يجلس بين يدي الحنفي جاثيا على ركبته ومثله البساطي والأخنائى والعيني ) [17]
وعلى أى حال فإن تفضيل المريد الصوفي على الفقيه مبدأ قديم قال به معتدلو الصوفية كابن الحاج القائل انه ( اذا كان قبيحا ان يُسأل عن العالم فيقال انه بباب الأمير، فما بالك بالمريد الذي خلف الدنيا وراء ظهره ) [18]..
6ــ وارتبط عداء الصوفية للعلم بدعوتهم للعلم اللدني الذي يهبه الحق تعالى للعارف بلا واسطة ) [19] بمجرد الرياضات ( الروحية ) الصوفية . وزعم الشعرانى أنه كان يلقى ( الخضر ) شيخ العلم اللدنى فى التصوف ، والذى يتمتع بالخلود دون موت بزعمهم .وكتب الشعرانى كتابه ( الميزان الخضرية ) أورد فيه أكاذيب يزعم أنه سمعها من الخضر ، ومنها أن الخضر نصحه بأن يكثر من الجوع والروع حتى يرقّ حجابة ويشهد الشريعة كشفا وشهودا ، أى تتنزل الشريعة وحيا على قلبه بالعلم اللدنى ، ففعل الشعراني ذلك حتى شهد من الشريعة وما تفرع عنها ) [20]
ويقول الشعراني فى الدعوة الى العلم اللدنى بديلا عن ( العلم الظاهر ) : ( لو انك يا اخى سلكت على يدي شيخ من اهل الله لوصلك إلى حضرة شهود الحق تعالى فتأخذ عنه العلم بلا واسطة عن طريق الإلهام الصحيح من غير تعب ولا نصب ولا سهر ، كما أخذه الخضر. فلا علم إلا ما كان عن كشف وشهود لا عن نظر وفكر وظن وتخمين ) [21]
وإعتبر الشاذلي (من لم يتغلغل في علوم القوم ( أى الصوفية ) مات مُصّرا على الكبائر )[22]
7ــ ولأنهم نبذوا العقل وأنكروا العلم ــ ولأن الحياة لا تعرف الفراغ فقد شغلت الخرافات ما كان يمكن ان يشغله العلم متحصنا بالعقل ) [23] .
ونلمح آثار تلك الخرافات واضحة في التراث الصوفي في العصر المملوكي يقول الشعراني عن السيوطي " رأيت الشيخ مرة ومعه مفاتيح كثيرة فأعطاها لي ، وقال : هذه مفاتيح علومي فخذها " ) [24] .
وروى عن احدهم قوله صعدت جبل قاف فرأيت سفينة نوح مطروحة فوقه " وقال آخر " جبل قاف امره قريب مثل جبل كاف وجبل صاد وجبل عين وهى جبال محيطة بالأرض حول كل ارض جبل بمنزلة حافظها ،وجبل قاف بهذه الأرض ، وهي أصغر الأرضين، وهو أيضا أصغر الجبال ،وهو جبل من زمردة خضراء. وقيل أن خضرة السماء من خضرته ، وحُكى أن وليا احتاج للنار فرفع يده الى القمر فاقتبس منه جذوة ...) [25]..
8 ــ واعترفت المصادر التاريخية والصوفية بجهل بعض مشاهير الصوفية مثل نصر المنبجي خصم ابن تيمية ، والذى كان متعصبا لابن عربى ، ولا يعرف عنه شيئا ، والذى ( كان لا يعرف ما يُعاب به ابن عربي الا لكونه منسوبا الى الزهد ) [26]
وكان شيخ الفارضية في القرن التاسع (يحب ابن الفارض وابن العربي على جهل ولم يكن له المام بشيء من العلم ،ولا يعرف شيئا ممّا يقولانه ) [27] .ويعترف الشعراني بهذه الحقيقة فيقول (ادعى طائفة من اهل الزمان أنهم خلفاء أشياخ من الأكابر ، وهم على طائفة من الجهل ) [28] .
وادعى الأميون من الصوفية العلم اللدني مثل ( المتبولى. ) [29] . وكان داود بن ماخلا ( جامعا بين علمي الظاهر والباطن وله مؤلفات عجيبة مع انه أمى ) [30] ومثله محمد وفا الذي كان ( أُمّيا ) ( وله لسان غريب في علوم القوم ) [31]. أى كان يتكلم كلاما غريبا عجيبا بطريقة الصفية ويسمى ذلك علما لدنيا .
وتناقض الشعرانى ، فكان يصف خصومه ومنافسيه من صوفية عصره بالجهل ، ويعتبر جهلهم عيبا ، ومع ذلك كان يفخر بشيخه الخواص ، وبأن الخواص كان أُمّيا لا يقرأ ولا يكتب . [32] فيقول عنه مثلا : ( فهذه نبذة صالحة من فتاوى شيخنا وقدوتنا ولى الله تعالى الكامل الراسخ الأمي : مترجما عن معنى بعضها لكونه رضي الله عنه كان اميا لا يقرأ ولا يكتب فلسانه يشبه لسان السرياني تارة والعبري تارة ) [33] . ومن الطبيعي أن تكون خرافات أولئك الأميين موصوفة بالغرابة والبعد عن مدلولات اللغة العربية والفهم العقلى ، بل كان هذا من ملامح التفاخر بهذا الهُراء ، والتسليم به على أنه فوق العقول لأنه ( علم لدنى الاهى ).
9 ــ وسوّغ ذلك للمتصوفة ادعاء أصناف عجيبة من العلوم واللغات. فالدسوقي قيل أنه ( كان يتكلم بجميع اللغات من عجمي وسرياني وغيرها، ويعرف لغات الوحش والطير ) [34] .
وتكلم المرسي على زعمه بالعربية والعجمية وقال " اذا كمل رجل نطق بجميع اللغات وعرف جميع الألسن. وقال مره لأحدهم : سل ما شئت بالعجمية أجبك بالعربية ، أو سل ما شئت بالعربية أجبك بالعجمية " ) [35] ولا نعرف ماذا يقصد باللغة العجمية . وربما تصور ان اللغات الحية لغتان فقط عربية فصيحة وعجمية غير مفهومة .
وأُتيح للصوفية أن يقولوا ما يريدون دون اعتراض بسبب التقديس الذي يتمتعون به . يقول على وفا : ( مجالس العارفين محاضرات روحية ، لا يعبأون فيها إلا بفصاحة اللسان الروحاني، وهو تحقيق المعاني ذوقا وحسن تلقيها صدقا ) [36]..اى تُقال طبقا للذوق الصوفى للشيخ القائل ، وعلى المريد أن يتقبلها بالتسليم الصادق.
10 ــ وقد وجدوا في الرمز وسيلة لإخفاء الجهل. ولقد ظهرت بوادر أسلوب الرمز في عصر مبكر في التصوف[37] . واستغل متصوفة العصر المملوكي الرمز الصوفي الذي لا يحتاج على تفسير وبالغوا فيه استطرادا وتفريعا وتنويعا وتباروا في هذه الرمزيات الغامضة كعلم كشفي فوق العقل والادراك، واعتبروه مقياس العلم اللدني فيما بينهم. وأضفى اتباعهم على ذلك الهراء مظهر التقديس ، فقيل في ترجمة محمد وفا: ( وله رموز فى منظوماته ومنثوراته مطلسمه الى وقتنا هذا، لم يفك احد فيما نعلم معناها . وسئل ولده على مع علو مقامة وفرقانه ان يشرح شيئا من تائية والده فقال: لا اعرف مراده لأنه لسانه أعجمى على لساننا" . وحتى نتعرف على لسانه الأعجمى هذا ، ننقل ومن كلامه في كتاب فصول الحقائق: ( نعوذ بالله من شياطين الخلق والكون وأبالسه العلم والجهل واغيار المعرفة والنكرة ....... الخ ) [38] . وافتخر الشعرانى بأنه كان يرسل الكلام ( من غير تحجير ولا تقييد على قدر فهم الحاضرين وقلّ من الفقراء من يتفطّن لهذا .. ) . ويقول عن البكرى : ( ولا يكاد احد من الحاضرين لدرس محمد البكري يتعقل شيئا من كلامه .. من الجن والانس والملائكة وغيرهم ) [39]...وكان لبركات الخياط ( كلام عال في الطريق لا يفهمه غالب الفقراء عصره) ، فإذا كان أغلب صوفية عصره لا يفهمونه فكيف بالآخرين ؟ .
11 ــ وكان هذا اللغو محل تفاخر بين شيوخ الصوفية ، فكان افضل الدين الشعراني يقسم ان مشايخ عصره لا يصلحون ان يكونوا له مريدين ( لأن شرط المريد ان يفهم كلام شيخه ) [40] وكلامه لايفهمه أحد .! و كان الحنفي (اذا استغرق في الكلام وخرج عن افهام الناس يقول وهنا كلام لو أبديناه لكم لخرجتم مجانين لكن نطويه عما ليس به صلة ) [41] . ويقول المتبولي : ( لا يبلغ الفقير مقام الكمال حتى يكون اماما في التفسير والفقه والحديث ويسلك الطريق على شيخ عارف حتى يصير يعرف الطريق بالذوق لا بالوصف والسماع وهناك يدخل الحضرات المحمدية يعرف احكام الشرائع المحمدية ) [42] وكان المتبولي أميا من أدعياء العلم اللدني...
التقييم العلمي لكبار الصوفية المملوكيين وتأثر الفقهاء علميا بالتصوف
كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الثانى :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )
التقييم العلمي لكبار الصوفية المملوكيين وتأثر الفقهاء علميا بالتصوف
1ــ قيل عن احمد البدوي أنه( قرأ شيئا من الفقه الشافعي وحفظ شيئا من القرآن ) [43]، وروى عنه شعر بعضه موزون معرب والآخر غير موزون وغير معرب ) [44]. والبدوي كداعية سياسي لم يجد الوقت الكافي دارسا أو مدرسا إلا في أوقات تستره من الظاهر بيبرس كما فصّلنا فى حركته السياسية .
وآثار البدوي عبارة عن صلوات ووصايا ذكرها عبدالصمد في مناقبه وهي تدل على ثقافة رشيقة. ولعل تلك الثقافة الهابطة للبدوي جعلت من اتباعه يسندون إليه كرامات أكثر حدة في معاقبة العلماء المنكرين عليه، حيث عوقب المنكر بشوكه في حلقه أو سلب العلم والحفظ من قلبه ، وفوق ذلك تميز البدوي ــ كما قيل ــ بأنه تبول من على سطح الدار في مجموعة من العلماء أتت لمناقشته ) [45]..
2ــ أما الدسوقي فقد ذكروا في مناقبه أنه ألف كتابه في الفقه والحقائق والرسالة والجوهرة وتلك أثار صوفية ) [46] وقال عنه الشعراني أنه ( تفقه على مذهب الشافعي ثم اقتفى اثار السادة الصوفية ) [47] مما جعلنا نشك في قيامه بالتأليف في كتاب للفقه حيث سارع بالتصوف وفي عمره القصير الذي لم يتعد الأربعين خاصة مع شهرته في مجال العلم اللدني..
3ــ وأخذ عبد العزيز الدريني بجانب من العلم حيث تتلمذ لعزالدين بن عبد السلام فجمع عظات في التفسير والفقه و اللغة ثم انشغل بالتصوف فألف في التصوف طهارة القلوب ) [48]..
4ــ وكان الفرغل ــ وهو احد الأولياء الموصوفين بالتمكن في الولاية ــ لا يحفظ القرآن وجاهلا . ويتكرر في الكرامات المسندة إليه أنه يعاقب من يعترض على جهله بمقولة ان الله لا يتخذ وليا جاهلا ) [49] ..
5ــ وأسندوا للشاذلي كتب( الأخوة والمقدمة مع الأحزاب والأذكار )[50]..، ونقل أتباعه الكثير من اشاراته او تفسيراته . إلا أن الشك قائم في صحة هذا النقل ، فالشاذلي يقول : ( كتبى اصحابي ) فهو معلم صوفى وليس بعالم .
نماذج لفقهاء تأثروا بالتصوف المملوكي بعد مرور مرحلة من حياتهم مع الفقه
1 ـ أبرزهم ابن دقيق العيد. قيل إنه كاد يصل إلى مرحلة الاجتهاد ، ثم نُسبت له كرامات ومعارف صوفية مع علمه بالعلوم الشرعية والعقلية و الدبنية) [51]..ولا يمكن اعتبار التصوف المملوكي مسئولا عن قعوده عن الاجتهاد ..
2 ـ عزالدين بن عبد السلام : كان واعظا جريئا حاد الطبع ، فأخاف بعض الأيوبيين المتعاونين مع الصليبين ، وتأسست بذلك شهرته، ثم زادها انخراطه في التصوف المملوكي حين جاء مصر، فحدث تحول هائل في حياته حتى انه كان (يحضر السماع ويرقص ) [52]. وكان ( يقود الشطحات الصوفية فتعقد له مجالس للتحقيق . ) [53] وبعد موته أسندت له الكرامات ) [54].. وبعد أن كانت له مؤلفات في الفقه والتفسير والحديث والسيرة ــ وكلها مؤلفات صغيرة ــ زاد عليها مؤلفات في التصوف .
والواقع ان ابن عبدالسلام لم يكن عالما بنفس مقياس شهرته في الوعظ او حتى على المستوى العلمي الذي كان لابن دقيق العيد ، ومؤلفاته خير دليل على ذلك ، وقد حاول بعض الباحثين التشكيك في علاقته بالصوفية والتصوف ) [55]. ولا ريب أن الصوفية استفادوا جيدا من هذين الفقيهين العز ابن عبد السلام وابن دقيق العيد .
3 ــ وبعد ذلك نرتفع أكثر لنصل إلى القاضي المؤرخ ابن حجر ، ولم يكن صوفيا وان خدم في المؤسسات الصوفية معلما ) [56] وهو يمثل طبقه من العلماء دانوا للتصوف بلقمة العيش وفي سبيلها لم يشتركوا مع الفقهاء الاخرين في الإنكار على الصوفية ...
4 ــ ومنهم ابن خلدون شيخ خانقاه بيبرس وبه نختتم تلك العلماء . والواقع أنه لم يكن متصوفا ولا يمكن ان يكون صوفيا لأن حياته لا تسمح له بسلوك هذا الطريق كما ان عقليته أكبر من ان تدين للتصوف في العصر المملوكي. ورغم انه اضطر للدفاع عن التصوف في مقدمته إلا أنه كان أقرب للباحث منه الى الفقيه الخاضع للتصوف . وبه تأثر تلامذته من الفقهاء والمؤرخين ، وأبرزهم المقريزى أعظم مؤرخى العصر المملوكى .
أخيرا ـ ونختم بالسيوطى( 849 ـ 911 )
السيوطى أحد الأعلام المشاهير،والذى يمثّل سطوة التصوف على الفقهاء فى أواخر العصر المملوكى. ومنسوب للسيوطى حوالى 600 كتاب ، المذكور منها اقل من رُبع هذا العدد . وليس منها على الإطلاق كتاب أصيل فيه إجتهاد ، مثل إجتهاد برهان الدين البقاعى فى كتابه (نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور ) .
السيوطى فى مؤلفاته يغلب عليه إنتحال مؤلفات الغير ونسبتها لنفسه ، وهذا ما قاله عنه خصمه المعاصر له السخاوى ، وقد كان السخاوى مع قلة مؤلفاته أفضل كثيرا من السيوطى فى مجال التأريخ والحديث . كما يغلب على السيوطى تلخيص مؤلفات الغير ، ونسبة هذا لنفسه ، وقبيل مولد السيوطى كان قد تم شرح وتلخيص التراث العباسى ـ فى التاريخ والتفسير والحديث وما يعرف بعلوم القرآن. فجاء السيوطى يعيد شرح ما سبق شرحه وتلخيص ما سبق تلخيصه ، وتفرغ لهذا العبث ـ ولهذا السبب فإن المئات من مؤلفاته لم يهتم بها أحد ، وسقطت فى بئر النسيان ، ولم يبق من الستمائة مؤلف الا ما وقعت عليه أيدينا .
إلا إن الخطيئة الكبرى للسيوطى فى نظرنا هى جُرأته الفائقة على الكذب ، فلم يكتف بزعم أنه يرى الرسول فى المنام بل زعم أن الرسول كان يأتى اليه فى اليقظة ، ويأخذ عنه العلم . وبالتالى فقد أباح لنفسه أن يصنع الكثير من الأحاديث ، يضيفها الى كتاباته فى شروح ما كتب السابقون أو فى مؤلفاته ورسائله على إختلاف موضوعاتها . وندعو الباحثين الجادين الى التخصص فى مؤلفات السيوطى ، وبيان ما إنتحله من السابقين ومدى أمانته فى النقل ، وتوضيح مفترياته فى الأحاديث ، وتناقضه فى مؤلفاته ، وما أضافه وما أهمله . ونسجل هنا ملامح سريعة عن مؤلفات السيوطى :
فى شرح وتلخيص مؤلفات السابقين :
فى علوم القرآن :
كان السيوطى خصما لبرهان الدين البقاعى ( 809 : 885 )بطل ما يعرف بكائنة البقاعى وابن الفارض فى عصر قايتباى ، وقد كتب البقاعى كتابين ( تحذير العباد ) و ( تنبيه الغبى الى تكفير ابن عربى ). وقد ردّ عليه السيوطى بكتاب تافه لم يُلتفت اليه ، بعنوان ( تنبيه الغبيّ في تبرئة ابن عربي). ومع هذا الخصومة فقد إستباح السيوطى لنفسه ـ بعد موت البقاعى ـ أن يلخص كتاب البقاعى ( نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور) وهو أول كتاب فى مناسبة الآيات والسور فى عدة مجلدات ، لم يسبق البقاعى فى هذا الاجتهاد أحد ، وهو منحى جديد فى علوم القرآن . جاء السيوطى فسرق جهد البقاعى فى كتاب صغير تافه ، ومن أسف فإن كتاب البقاعى فى علم المناسبة لم يتم طبعه ونشره حتى عام 1980 ، بينما تم نشر كتاب السيوطى .
وأخطر وأشهر كتب السيوطى هو : ( الاتقان فى علوم القرآن ) . وفارق هائل بين هذا الكتاب للسيوطى وبين ما كتبه القاضى الباقلانى ( 338 ــ 402 ) فى العصر العباسى عن إعجاز وعلوم القرآن . فى كتابه ( الاتقان فى علوم القرآن ) وجّه السيوطى سهامه للقرآن الكريم ، حيث جمع فيه حُثالة ما كُتب من قبل فى الطعن فى القرآن الكريم ومزاعم النسخ والتشكيك فى سور القرآن ، بحيث أن من يريد الطعن فى الاسلام فسيجد بُغيته فى هذا الكتاب. كتاب ( الاتقان فى علوم القرآن ) يستلزم بحثا مستقلا لا يتسع له المجال هنا ـ يوضح نقول السيوطى من السابقين وإفتراءته على القرآن الكريم . ومع ذلك فهو أهم كتب السيوطى وأكثرها شيوعا . وللسيوطى كتاب ( اعراب القرآن ) الذى نقله من التفاسير المتخصصة فى إعراب الآيات القرآنية . ومثله :( المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب) . وتجرّأ السيوطى على إتهام الكتاب المبين القرآن العظيم بآياته البينات فوصفه بالمُبهم وجعل هذا عنوانا لكتابه (مفحمات الأقران في مبهمات القرآن). ونقل من كتاب النياسبورى ( أسباب النزول ) وغيره فى كتاب (لباب النقول في أسباب النزول ). ونقل عن السابقين ما قالوه فى التفسير بالمأثور فى كتابه :(الدر المنثور فى التفسير بالمأثور )
فى الحديث :
فى شرح كتب الحديث السابقة : له : ( الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ) ( شرح سنن ابن ماجه ) ( تدريب الراوى في شرح تقريب النواوي) . وله فى شرح موطأ مالك كتابان ( تنوير الحوالك شرح موطأ مالك) وأيضا (كشف المغطي في شرح الموطأ). وله ( عقود الزبرجد على مسند الامام أحمد ) و ( شرح السيوطي على سنن النسائي) و ( همع الهوامع شرح جمع الجوامع ) و( مشتهى العقول في منتهى النقول ).
وتابع السابقين فى جمع الحديث وتزييف وصناعة الأحديث، وله فيها كتب ورسائل منها ( لباب الحديث). وكان السخاوى خصما للسيوطى . وللسخاوى كتاب (المقاصد الحسنة فى الأحاديث المشتهرة على الألسنة ). وبعد موت السخاوى نقل السيوطى نفس الكتاب تقريبا بعنوان ( الدرر المنتثرة فى الأحاديث المشتهرة ) . وللسيوطى أيضا نقلا عن السابقين ( اسباب ورود الحديث) . وجمع الأحاديث الموضوعة عن المهدى فى ( العرف الوردى فى اخبار المهدى ). هذا مع أن ابن القيم الجوزية أكّد فى كتابه ( المنار المنيف فى الصحيح والضعيف ) أن أحاديث المهدى موضوعة .
وتناقض السيوطى مع نفسه ، إذ كتب : ( اللآليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة )، وفيه تابع من كتب منتقدا الأحاديث الموضوعة كابن الجوزى فى كتابه عن الموضوع من الأحاديث وابن القيم فى ( المنار المنيف )وابن تيمية فى ( أحاديث القُصّاص ). وله ايضا : ( الانتصار بالواحد القهار) في وضع الحديث . ثم يكتب دفاعا عن السُّنّة : ( مفتاح الجنة في الاعتصام بالسنة) . يعنى تراه يصنع الأحاديث ويستشهد بها ثم يكتب متتبعا الأحاديث المصنوعة التى إختلقها غيره. ومن المهم جدا عقد مقارنة بين السيوطى وأولئك السابقين لمعرفة ما نقل عنهم وما أضاف فى كتابه من أحاديث وضعها عصره .
فى الفقه :
نقل عن السابقين كتابه ( الأشباه والنظائر ) فى اصول الفقه ، وله أيضا ( الحاوى للفتاوى ) ومثلهم كتب فى ( ذم المكس ) و ( أكام العقيان في أحكام الخصيان ).
وفى علوم اللغة والنحو
نقل عن السابقين :( المزهر فى علوم اللغة ) و ( الأشباه والنظائر فى علم النحو ) و ( عقود الجمان في علم المعاني والبيان) .
وفى التاريخ :
وصل علم التأريخ الى ذروته فى القرن التاسع الهجرى بمؤلفات المقريزى(764 ــ 845 ) وابن حجر ( 773 ــ 852 ). وتابعتهم ثلة من المؤرخين عاصرهم السيوطى مثل ابى المحاسن ابن تغرى بردى( 813 ــ 874 ) و السخاوى المؤرخ المحدث ( 831 ـ 902 ) وله كتاب ضخم فى ترجمة أعيان عصره هو ( الضوء اللامع فى اعيان القرن التاسع ) بالاضافة الى كتاب ( التبر المسبوك فى ذيل السلوك ). وابن اياس ( 852 ــ 930 ) فى موسوعته التاريخية ( بدائع الزهور ) فى 11 مجلدا ، عدا مؤلفات أخرى تاريخية .
السيوطى (849 ـ 911 ) لم يؤرخ لعصره ، إقتصر على نقل ما كتبه السابقون على النحو التالى :
إشتهر التأريخ للشخصيات ( أو الطبقات) ، وبدأ هذا مبكرا ب (محمد بن سعد) ت 230 ، فى الطبقات الكبرى ، ثم تابعه آخرون فى العصرين العباسى والمملوكى لتشمل كتاباتهم طبقات العلماء والأطباء والفقهاء والصوفية وأصحاب الحديث والتفسير ..الخ . نقل السيوطى عنهم : ( طبقات الحفاظ ) عن أهل الحديث ، ( طبقات المفسرين ). و له من هذه النوعية: ( اسعاف المبطأ برجال الموطأ ).
وكتب المقريزى موسوعته الضخمة ( المقفّى ) يرصد فيها من جاء لمصر من الصحابة والتابعين ، فنقل عنه السيوطى وكتب كتابا تافها بعنوان (در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة ). وكتب ابن الأثير ( 555 ـ 630 ) قبيل العصر المملوكى تاريخ ( الكامل ) الذى استكمل فيه تاريخ الطبرى، وكتب أيضا كتابا ضخما فى تاريخ الصحابة هو ( أُسد الغابة فى معرفة الصحابة ). وجاء السيوطى بعده بأربعة قرون يلخص هذا الكتاب فى (عين الإصابة في معرفة الصحابة ).
ومن كتب الحوليات التاريخية للعصر العباسى وغيره جمع السيوطى (تاريخ الخلفاء ) فى كتاب بهذا العنوان . وله أيضا فى تراجم المشاهير (نظم العقيان في أعيان الأعيان ) . ونقل بالتلخيص بعض مؤلفات المقريزى فى الخطط وغيرها فى كتاب (كوكب الروضة ) و (حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة ). ونقل عن ابن حزم الاندلسى ( 384 ــ 456 ) من كتابه ( جمهرة أنساب العرب ) مؤلفا هزيلا أسماه (لب اللباب في تحرير الأنساب).
كتب المناقب
لم يؤلف السيوطى كتابا فى التأريخ لعصره ، وفى المقابل إهتم بكتب المناقب التى تتحرر من الالتزام التاريخى بالأمانة والصدق، بل تتخصص فى المدح والتمجيد الذى يصل الى درجة التقديس للشخصيات التاريخية ، ولا تتورع عن سبك الأحاديث وصناعة الروايات ، وهذا منحى إستشرى بسيادة التصوف فتحولت به كتب الطبقات الى كتب متخصصة فى الإفتراء بحيث لا يُعوّل عليها فى البحث التاريخى بسبب كذبها ومبالغاتها المفرطة ، وإن كانت صادقة فى التعبير عن عقلية من كتبها . وبها يمكن إلقاء المزيد على عقلية السيوطى الذى كتب الكثير من كتب المناقب وملأها بأحاديث مصنوعة وروايات موضوعة . ونستعرض أهمها :
فى مناقبه الشخصية كتب السيوطى : ( التحدث بنعمة الله -)ذكر فيه بعض علومه وترجمته.و ( ارشاد المهتدين الى نصرة المجتهدين ) ( صفة صاحب الذوق السليم ). وتقربا من السلطان قايتباى كتب ( تاريخ قايتباي ). وفى الهجوم على خصومه كتب ( القام الحجر لمن سب ابا بكر وعمر )و ( الكاوى على السخاوى ). وفى مناقب الخلفاء الراشدين كتب : ( الروض الأنيق في فضل الصديق )( الدرر في فضل عمر )( تحفة العجلان في فضل عثمان)( القول الجلي في فضل علي ) ، وفى غيرهم : ( إحياء الميت بفضائل آل البيت )( العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية )( الأساس في مناقب بني عباس ) ( تزيين الممالك بمناقب الإمام مالك ). وفى كل ما سبق نقل عن السابقين واضاف أكاذيب من عنده .
فى التصوف :
بالاضافة الى دفاعه عن ابن عربى أشهر من أعلن عقيدة وحدة الوجود المناقضة للاسلام ـ نرى السيوطى ـ والمشهور أنه فقيه سُنّى ـ وقد وقع صريعا للتصوف وخرافاته ، يكتب فيه وفيها بحماس شديد يتناقض مع كونه سُنيا . عن الطريقة الشاذلية كتب السيوطى :( تأييد الحقيقة العلية وتشيد الطريقة الشاذلية ). وعن الأوراد الصوفية كتب : (عمل اليوم والليلة ) و (تحفة الأبرار بنكت الأذكار) وعن الموالد الصوفية كتب (حسن المقصد في عمل المولد ) . وأشاع الصوفية كرامات للولى الصوفى منها ( التطور ) أى تشكل الولى الصوفى وتجسده فى هيئة حيوان أو ملاك ، وكتب السيوطى يؤيد ذلك بروايات وأحاديث موضوعة فى رسالته : (القول الجلي في تطور الولي ) . وكان السيوطى ممّن يزعم رؤية النبى محمد عليه السلام فى المنام وفى اليقظة ، وقد شاع هذا فى عصر سيطرة الحنابلة وعكسه كتابات ابن الجوزى ت 597 فى أواخر العصر العباسى خصوصا فيما كتبه ابن الجوزى فى مناقب ابن حنبل . ثم أصبحت عقيدة ثابتة فى العصر المملوكى . وكتب السيوطى فى ذلك ( إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء) ( تنوير الفلك في رؤية النبي والملك ) ( الحبائك فى أخبار الملائك )
( إبداعات) السيوطى فى التوافه
1ــ كتب بعض الباحثين رأيا طيبا في العلم في العصر المملوكي يقول (ازدهرت الحركة العلمية والأدبية في أواخر القرن الثامن الهجري واوائل القرن التاسع وحفل القرن التاسع بالأخص بعدد كبير من الأساتذة البارزين في سائر العلوم والفنون وساهم الأزهر الى جانب المدارس الأخرى ) [57]. وهذا الرأي يقيس الازدهار بالكمّ دون اعتبار للكيف والنوع .
والواقع أن العصر المملوكي عصر التلامذة من الناحية العلمية ، إذ تكاثر فيه المتعلمون بدردجة تلميذ ، وندر فيه وجود الأستاذ أو العالم الحقيقى بالمعنى العلمي ، وحورب فيه الاجتهاد . وهذا شيء طبيعي في عصر ازدهر فيه التصوف المملوكي وتوارت فيه العلوم العقلية.، وهكذا فإن محاربة الاجتهاد وشيوع الحفظ ـــ كبديل للاجتهاد ــ وخفوت صوت العلوم العقلية تمثل أضلاعا ثلاثة للحياة العلمية المملوكية وتتأثر في نفس الوقت بالضلع الرابع وهو ازدهار التصوف المسئول عن هذه الردّة العلمية .
2ــ وتحريم الاجتهاد جهد صوفي بحت أعاق العقل عن البحث العلمى ليزدهر التصوف المملوكي في غيبة من العقل يقول الدسوقي : ( فيض الربوبية اذا فاض أغنى عن الاجتهاد ) [58] والغزالى الصوفي الشهير هوصاحب القول المشهور: ( ليس في الإمكان أبدع مما كان ) ، وتمسك متصوفو العصر المملوكي بتلك الكلمة لترسيخ التقليد وتحريم الاجتهاد ، فوضعوا عليها الشرح مثل محمد المغربي والسيوطي والشاذلي والشعرانى [59]..
ونتج عن تحريم الاجتهاد ان صار التقليد سيد الموقف. فعاب الفقيه السنى الصوفى ابن الحاج فى القرن الثامن على صوفية مصر تقليدهم ، وقال : ( أوضعوا تلك العوائد التي نشأت بها نفوسهم موضع السنن ، حتى انك إذا قلت لبعضهم: السنة كذا ، يقول جوابه لك على الفور : عادة الناس كذا وطريقة المشايخ كذا .! . فإن طالبته بالدليل الشرعي لم يقدر على ذلك إلا انه يقول : نشأت على هذا وكان والدي وجدي وكل من اعرفه على هذا المنهج ) [60] أى هى طريقة الجاهليين فيما وجدوا عليه آباءهم . وابن الحاج كوافد مغربي لمصر يتعجب لهذه الظاهرة ــ ظاهرة تقليد السابقين واتخاذها سنة مع تعطيل العقل وتقديم طريق الأشياخ عليه.
والصوفية قرنوا دعواتهم لنبذ الاجتهاد بتحصين طريقهم الصوفي من الاعتراض بشتى الطرق . يقول ابرهيم الدسوقي : ( صاحب الجهد قاصر ما لم يقرأ في لوح المعاني سر عطاء القادر ، فقد يعطي المولى من يكون قاصرا ما لم يعط أصحاب المحابر ، وليس مطلوب القوم الا هو ، ( أى الله ) فان حصلوا على ما ارادوا عرفوا بتعريفه كل شيء من غير تعب ولا نصب . ثم ان صحت له المعرفة فلا حجاب له بعد ذلك ) [61]...أي أنه يجعل الاجتهاد من نصيب أصحاب العلم اللدني دون غيرهم . ومن يصل الى الحلول والاتحاد و ووحدة الوجود ( تصح له المعرفة بلا حجاب" ) [62]...
والشعراني يفتخر بتصديقه للصالحين في كل ما يخبرون به وأن أنكره العقل ويبيح الاجتهاد لأهل الكشف لاطلاعهم على الأسرار الإلهية بلا نظر وتأمل. وفي نفس الوقت الذي يحرم فيه عن المريد التفكير وإطالة النظر رغبة في الفهم، ويستخدم في ذلك المنطق المعكوس والتخويف (.... اذ ينبغي التأدب مع الله ولا نتكلم إلا بما نعلم .... ولا نخوض من غير تحقيق .) [63] وافتخر الشعرانى بعدم قوله بالرأي في الأمور الدينية ، أى لا يقول رأيا جديدا ، أو لا يجتهد فى إبداء رأى جديد ، ويقول إنه اذا لم يجد في المسألة تصريحا توقف على العمل بها ولا يقدم عليها ، إلا أن رأى فيها نصا أو اجماعا او قياسا جليا . ( وقد منع بعض العارفين من القياس ) [64] . ويهدد الشعراني من يختلف مع أحد الأئمة الأربعة ، فيروى قصة عن شخص ألّف كراسة في الرد على أبي حنيفة وعرضها على الشعراني ، فطرده ، ثم وقع لذلك الشخص مكروه اعتبره الشعراني عقابا له على جرأته على أبي حنيفة ، ورفض أن يزوره في محنته ادبا بالإمام أبي حنيفة ، يقول : ( حتى لا أوالى من أساء الأدب معه ) [65]..
4ــ وفي عصر يسوده التقليد ويُحارب الاجتهاد لابد أن يكون الحفظ هو مقياس النبوغ العلمي فكان ( العالم ) في العصر يوصف بأنه (أعجوبة عصره في الحفظ ) ، وتُروي الحكايات بالتدليل على ذلك . وقد عقد [66] مجلس لامتحان الهروي ــ قاضي القضاة ــ وقد ادعى حفظ اثنى عشرة ألف حديث بأسانيده، وحضر السلطان المجلس مع العلماء ، وظهرت في روايات ابن حجر في ذلك المجلس العلمي ــ وكان حاضرا ــ تفاهة الأسئلة وسطحية الإجابات مما لا يتفق مع شهرة أسماء الحاضرين . [67].. وقيل عن الفوى : ( فأبهت الحاضرين من قوة استحضاره ) [68] ..
وفي مناظرة بين ابن مغلى والسيرامى حضرها السلطان المؤيد شيخ تبارى المتناظران في الحفظ وصاح المنتصر في النهاية: ( مولانا قاضي القضاة حفظه طاح ) [69].. ووُصف سراج الدين البلقيني باجتماع شروط الاجتهاد فيه حتى قيل انه مجدد القرن التاسع ، وليس في ترجمته مع ذلك ما يدل على الإبتكار ، أفكار ولم يرد فيها غير موهبته في الحفظ والاستحضار [70] الذي كان المقياس العلمي للعصر المملوكي ...
5 ــ وقد وضعت "الفوائد" للتمتع بدوام نعمة الحفظ . يقول الابشيهي : ( اذا أردت أن لا تنسى وكذا أردت ان ترزق الحفظ ، فقل خلف كل صلاة مكتوبة : بالله الواحد الأحد ....... الخ .. ومن فوائد سيدي الشيخ صالح بن عجيل في الحفظ : يقرأ في كل يوم عشر مرات: ففهمناها سليمان ...... الخ .. ) [71].
6 ـ وبسبب إتعدام الاجتهاد وشيوع التقليد تركز جهد أولئك ( العلماء ) على إختصار ما كتبه السابقون ، أو شرحه ، وتلخيص الشرح. وعقد ابن خلدون فصلا في المقدمة فى ( أن كثرة الاختصارات المؤلفة في العلوم مخلة بالتعليم، وان ذلك الاختصار في أمهات الكتب كان لتسهيل حفظها ) [72] وذلك منتظر من ابن خلدون الذي كان نادرة لا ينتمي لعصره المملوكى.
7 ـــ ولم يكن غريبا أن يخاف أولئك ( العلماء) في العصر من تهديد الصوفية لهم بسلب العلم والقرآن ،أي سلب ما لديهم من الحفظ ، الذي هو كل محصولهم العلمى ، مما يعد دليلا على ضعف الشخصية العلمية وهبوطها العقلي الذي يعتمد أولا وأخيرا على مجرد الحفظ ، ويعتقد في قدرة الكرامات الصوفية على محو ذاكرتهم وما يحفظونه ، فتخشاهم إبقاء عليها. وترددت كرامات فى تخويف أولئك العلماء بسلب ما يحفظون ، وكان لها أبلغ الأثر فى تدعيم سٌلطة الصوفية من ناحية ، وفى هبوط المستوى العقلى والعلمى من ناحية أخرى.
8 ـ وفي الوقت الذي أصبحت فيه خرافات التصوف علما ـــ حوربت العلوم العقلية ، فالسيوطي قد ألّف : ( الغيث المغدق في تحريم المنطق )، وجاء شخص للشيخ الفتوحي الحنبلي قاضي القضاة يريد ذلك الشخص أن يقرأ عليه شيئا من المنطق فقال له " يا ولدي قد صار الفقه ثقيلا على قلبي ، فما بالك بعلم أفتى بعض العلماء بتحريم الاشتغال به ) [73]. وقد سبق السبكي [74] في الانكار على من اشتغل في الفلسفة ، وهاجم الفارابي وابن سينا [75]
والحصاد العلمي لهذا العصر معدوم من الناحية النوعية فى رأى بعض الباحثين . ( واذا نظرنا إلى الأبحاث والمجادلات التي كانت في مجالس الغوري مثلا عرفنا ضيق الأفكار وقلة المعارف والولع بسفاسف الأمور والقصور في جلائها ) [76] . والسيوطي خير ما نتخذه مثلا للعلم المملوكي فمن عادته أن يفخر ( بالسرعة لا بالتدقيق ) [77] واهتم بنقله من كتب المتقدمين دون استنباط للجديد أو ابتداع للفكرة المستقلة ، وحتى دون ان يبدو في منقوله جهدا يوفيه ويرتبه ويهذبه ويستدل به ويعلق عليه ) [78] . هذا ما قاله بعض الباحثين المعاصرين .
وأقول إن القارىء للسيوطى يشعر أن السيوطي بأنه لا يستعمل عقله فيما ينقله. ففي إجابته عن سؤال أين تذهب الشمس بعد الغروب قال بأنه " يبتلعها حوت وتغرب في عبن حمئة ، وقيل انها تطلع من سماء إلى سماء حتى تسجد تحت العرش وتقول يا ربي ان قوما يعصونك فيأمرها بالرجوع ، وقال اما الحرمين وغيره لا خلاف في ان الشمس تطلع عند قوم وتغرب عند آخرين والليل طويل عند قوم وقصير عند الآخرين وعند خط الاستواء يكون الليل والنهار مستويين " ) [79] ..هى اجابات مختلفة نقلها وأراح عقله من محاولة الترجيح والاجتهاد .... والسيوطى صاحب أكبر عدد من المؤلفات ، وكلها تجميع وإختصار ونقل بلا وعى ، وسطو على مؤلفات الغير . نقول هذا بعد بحث ومراجعة لمؤلفاته ومعظمها رسائل لا تزال مخطوطة . وعليه فلا عبرة بما يجمعه من كتابات السابقين ، فإن قيمة العالم فيما يبتكره ولو كان قليلا وليس فيما يجمعه ولو كان كثيرا..
6ــ على أن هذا التناقض بين الكيف والكم في العصر المملوكي قد أثار انتباه بعض الباحثين المعاصرين مثل احمد أمين القائل : ( كانت حركة التأليف قوية في عصر المماليك حتى ليعجزنا حصر ما ألف في ذلك العصر ، ولكنها كانت قوية من حيث العدد لا من حيث القيمة . ومن الغريب أن عالما يأتي فيختصر ثم يأتي عالم اخر فيشرع ما اختصر .... ولم نكسب من ذلك إلا المجهود الضائع . وكل يوم يمر يزداد الحال سوءا ) [80] ويقول : ( يكاد العلم والأدب والفن قد انتهى فى العالم العربي بانتهاء القرن الخامس ، وربما تولد شيء في القرن السادس من الابتكار والتجديد ،أما بعد ذلك من ابتداء القرن السابع وحتى النهضة الحديثة (العصرين المملوكي والعثماني) فيكاد يكون ترديدا لما فات ، تجميعا لمتفرق او تفريقا لمتجمع" ) [81]...
7 ـ ونأخذ مسيرة ( علم الحديث ) مثالا على الفشل العلمى للعصر المملوكى : فالخطيب البغدادي ت463 أول المتأخرين وأخر المتقدمين في علم الحديث ، وضع مؤلفين : كتاب الكفاية في قوانين الرواية وكتاب الجامع لآداب الشيخ والسامع . وقد ظل هذان الكتابان محور النشاط العلمي للعصر المملوكي بالاختصار والشرح على النحو الآتي:
إبن الٌصلاح ت 643 ( عثمان بن عبد الرحمن الشهروزى ) جمع شتات مؤلفات الخطيب في كتاب له هو ( مقدمة ابن الصلاح فى علوم الحديث ) . وعكف المتأخرون بعده عليه اختصارا وشرحا: ابن جماعة ت 733 في كتابة المنهل الروي في الحديث النبوي الذي اختصر فيه كتاب الصلاح . وجاء بعده ابن ابي بكر ت819 فشرح مختصر ابن جماعة في كتابه ( المنهج السوي في شرح المنهل الروي ) . ثم سراج الدين البلقيني 805 الذى ألف ( محاسن الإصلاح في تضمين كتاب الصلاح ) وهو مختصر ، ثم : محيي الدين النووي 676 ــ الذى اختصر كتاب الصلاح في كتابين : (تدريب الارشاد إلى علم الاسناد ) وهو مختصر ، والثاني ( التقريب والتيسير) وهو مختصر المختصر . لذا انكب عليه متأخرون لاحقون بالشرح وشرح الشرح ، كما فعل الزين العراقي والسخاوي والسيوطي . وأنهمك آخرون في كتابة تعليقات ونكت كتاب ابن الصلاح كالعراقي في كتابة التقييد والايضاح وابن حجر في كتابة الإفصاح والزركشي... وقام اخرون بنظم كتاب ابن الصلاح شعرا ، مثل الحافظ العراقي 805 في ( نظم الدرر في علم الأثر ) . ثم قام نفسه بشرح النظم في كتابين احدهما مطول والأخر مختصر . وقام البقاعي بتأليف حاشية على الشرح المختصر اسماها ( النكت الوفية : بشرح الألفية ) ، وشرح السخاوي هذا النظم في ( فتح المغيث في شرح ألفية الحديث ) ، وشرحه السيوطي في ( لقط الدرر ) ، وشرحة الدمشقي في ( صعود المراقي ) وشرحة زكريا الأنصاري في : ( فتح الباقي بشرح ألفيه العراقي ). والأمر لا يحتاج على تعليق..
8 ــ والباحث المفكر الاستاذ أحمد أمين يعلل التقليد والجمود العلمى فى العصر المملوكى باختفاء العنصر العربي وغلبة العنصر الفارسي والتركي وسقوط المعتزلة وهجوم التتر وانتشار العصبيات المختلفة بين المسلمين مما نتج عنه اقفال باب الاجتهاد ) [82]..
والواقع انه قد ظلم العنصر الفارسي الذي أسهم فى الحياة العلمية في القرون السابقة، كما ان هجوم التتر لم يكن مانعا من الاجتهاد العلمي ، بل أنه ألهب حماسة العلماء لتعويض ما دمر من مؤلفات ، وكان العلماء العرب أساتذة للصليبيين ، وانتشار العصبيات لا يعوق الحركة العلمية بل قد يدفع للمنافسة بينها ، وما ذكر عن سقوط المعتزلة صحيح وان لم يعلل ذلك السقوط بانه كان هزيمه مبكرة للإتجاه العقلى أمام الحنابلة فى العصر العباسى الثانى . وكان هذا قبل العصر المملوكى بقرنين على الأقل ,
ويقترب باحث اخر من الحقيقة حين يقول مترفقا ( ومن سمات العصر قوة التصوف ولعل ذلك من عوامل ضعف الحركة العلمية، فإن العلم يعتمد على العقل والفكر على حين يعود التصوف الحق على الذوق والوجدان ) [83]..
9 ـ والحقيقة ان التصوف المملوكي هو المسئول عن ذلك الركود . اذ كانت علوم السابقين قد جُمعت وفُصّلت ، ولم يبق إلا البناء عليها بالاجتهاد والابتكار على نحو ما بدأت به مسيرة الحركة العلمية فى العصر العباسى الأول قبل أن يُجهضها الحنابلة فى العصر العباسى الثانى ، ثم تحكم التصوف فجعل التقليد دينا ، وأرسى الخرافة محل العلم ، وأعلى شأن الحفظ كمقياس وحيد للقدرة العلمية .
ويلاحظ ان العلاقة العكسية واضحة بين مسيرة العلم والتصوف في العصر المملوكى ، فكلما إزدهر التصوف بالتدريج تدهور العلم بنفس الوتيرة ، حتى إذا وصلنا الى نهاية العصر وتسيّد التصوف تحول التقليد الى جمود ، ثم اشتدت الظلمة تكاثفا في العصر العثماني باشتداد سلطان التصوف فيه. وأي مقارنة للإنتاج العلمي بين القرن السابع مثلا والقرن العاشر تُظهر ذلك بوضوح ، وعلى الأقل فاقرأ أسلوب المقريزى وابن حجر وقارنه بأسلوب ابن اياس وابن زنبل الرمال فى أواخر العصر المملوكى ومطلع العصر العثمانى ، تجد الفارق واضحا.
والمؤسف أن ربط الصوفية جهلهم بالدين قد جعل الإسلام مسئولا عن نشر ذلك الجهل . ونذكر بالعرفان قول كلوت بك يصف المصريين في العصر العثماني : ( السواد الأعظم من الامة المصرية هائم في الجهالة . وقد حاول بعضهم اسناد جهلهم إلى الديانة الإسلامية، وهو خطأ فاحش ومذهب باطل ، فإن في القرآن آيات كثيرة تدل على شرف العلم والحض على تحصيله ) [84] .. ...
10 ــ وبعدٌ ..
فإن تاريخ العلم يختلف عن التاريخ السياسي لأمة من الأمم. فمن الممكن أن تبدأ أُمّة بالضعف ثم تصل إلى القوة والشباب ثم تنحدر للضعف والانحلال . وهذا واضح فى مسيرة التاريخ الانسانى . إلا إن التاريخ العلمى ليس حتما أن يرتبط بهذا الخط البيضاوي البياني ، كما لا يرتبط تاريخ العلم في امة ما بقوتها السياسة، بل ربما تزداد القوة العلمية لأمة ما في عصر ضعفها بل تفككها السياسي، فالمسلمون تفرقوا دولا وأمراء في القرن الرابع الهجري وهو عصر الازدهار العلمي ، بل إن الأمة المهزومة قد تنتصر علميا على الفاتحين الجهلاء وفي التاريخ امثلة كثيرة ( أثينا مع اسبرطه والعرب مع البلاد المفتوحة والتتار مع العرب والصليبيون مع المسلمين والأتراك مع المصريين في الفتح العثماني ) .
العلم في الطريق الطبيعي ـ بدون عوائق ــ يسير في صعود وتقدم ، ويتوقف وينحسر ويذبل وينتهى إذا وُوجه بالجهل الذى يتمسح بالدين .
العلم فى أوربا ظل فى تقدم فى اليونان ( سقراط / افلاطون / ارسطو / جالينوس ..الخ ) ، وتلقّح بالحضارة الفارسية فى عهد الاسكندر الأكبر وخلفائه ، ثم قام الرومان بالبناء عليه ، ثم تحكمت الكنيسة فى العقل الأوربى فتوقفت مسيرة العلم الأوربى . العلم فى تاريخ المسلمين حمل الراية بعد اوربا بترجمة مؤلفات الاغريق وغيرهم ، والنقل عن الحضارات السابقة ـ أوربية وفارسية ـ وبنى عليها ، وظل فى تقدم إلى ان أوقفه الحنابلة باسم ( السّنة ) وأنها وحى سماوى، وجعل ( علوم السنة ) من حديث وتفسير وعقائد ( علم الكلام ) وما يسمى بعلوم القرآن ــ بديلا عن العلوم الحقيقية الفلسفية والطبيعية . ثم قضى التصوف بالتدريج على ما تبقى من ( العلوم السنية ) ، ووصل بالحياة العقلية الى الحضيض. هذا ، فى الوقت الذى بدأت فيه النهضة الأوربية بترجمة المؤلفات العربية ـ فى عصر الازدهار العلمى ـ والبناء عليها ، وإكتشاف المنهج العلمى التجريبى فى العلوم الطبيعية والذى دعا اليه القرآن الكريم ، كما إتبعوا دعوة القرآن فى السير فى الأرض ــ كل هذا بدون معرفة بالقرآن ـ ولكن وصلوا للمنهج القويم علميا لأنهم بدأوا الخطوة الأساس وهى تحجيم دور المسيحية وأربابها وتحريم تدخلها فى السياسة والتفكير وحظر تجولها فى الشارع ، وسجنها داخل أديرتها وكنائسها . بهذا إنطلقت أوربا تكتشف العالم وتستعمره ، وتكتشف البخار والقوى الكهربائية وتخترع ، ودخل بها العالم فى مسيرة علمية تتقدم الى الأمام حتى الآن ـ بعد أن تحرر العقل والفكر من تحكم المسيحية وكنيستها . ومن أسف أنه فى الوقت الذى كان فيه الشعرانى يسجل بطولاته الوهمية مع الجن وأسفاره الوهمية حول العالم ، وفى الوقت الذى عاش فيه المسلمون يفكرون فى ( جبل قاف ) وقدرة الولى الصوفى على تحريك الجبال وهزيمة الجيوش كانت أوربا تكتشف العالم الجديد ، وتجرّب إستعمال البخار قوة متحركة . وظل المصريون فى سُبات عميق الى أن أيقظتهم مدافع نابليون وهى تدكُ الأزهر ، فهرع شيوخ الأزهر يقاومون مدافع نابليون بتلاوة صحيح البخارى و ( دلائل الخيرات ) . وبعودة الحنبلية الوهابية تتحكم فى عقلية مسلمى اليوم عادت خرافات الأحاديث وعجائب الفتاوى الفقهية تصدر الساحة تحمل إسم الاسلام .
أثر التصوف فى الاتجاهات ( العلمية ) فى العصر المملوكى
كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الثانى :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )
أثر التصوف فى الاتجاهات ( العلمية ) فى العصر المملوكى
تنقسم هذه الاتجاهات إلى مؤلفات بأكملها ثم الى تفريعات داخلية . ونمثل لكل منها :ــ
1ــ وضعت مؤلفات في أصول صوفية كالولاية. وللسيوطي رسائل وكتب في تطور الولى ورؤيته النبي والملك وفضائل آل البيت وفضائل المسبحة وعمل اليوم في الأوراد [85] . وألف ابن داود في الأوراد مجلدا ضخما [86] . واهتم المؤلفون بكتب الزوايا والمناقب وحكايات الصالحين مثل الكواكب السيارة لابن الزيات وتحفة الأحباب للسخاوي، وألف الميقاتي احد مشايخ الزوايا "غرائب الأخبار" في حكايات الصالحين وجمع كتابا فيه قبور الصالحين بالقرافتين [87] . وفي القرن السابع أكثر شيوخ التصوف من التأليف في عقائد التصوف تحت مسمى ( التوحيد في الطريق وآدابها على المقامات والأحوال والحقائق ) [88] ويذكر ان الأبشيهي فى كتابه ( المستظرف فى كل فنّ مستظرف ) تابع ابن عبد ربه في كتاب ( العقد الفريد ) وزاد عليه الابشيهى ــ متأثرا بالتصوف ــ مناقب الصالحين وكرامتهم وذكر فصلا عن التصوف والوجد [89].....
2ــ وألف السيوطي في المظاهر الصوفية مثل "العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية" لبحث انساب الأشراف ، والمقصد في عمل المولد ، وقال فيه ان الشيخ تاج الدين ـــ الفكاهاني ألف كتابا في عمل المولد [90] . وللسيوطي رسالة أخرى في حياة الأنبياء في القبور .
3 ــ وساد الاعتقاد في الاتصال بالجان وتشكلهم وتجسدهم الحسي امام الأولياء، فوضع الشبلي كتابا هاما في أحكام الجان، وتابعه الشعراني الذي فى كتابه ( الران ..)
4 ـ والشعرانى قصر كتابا آخر هو (المنن الصغرى) على الهدية وأحكامها حيث كانت النذور ــ أو القرابين ــ تنهال على المتصوفة من النساء والرجال .
5 ــ وشارك أولياء الصوفية فى الانحلال الخلقي في العصر المملوكي ، وتلون تصوفهم بهذا اللون السيء ، وعكست بعض المؤلفات مظاهر ذلك فيما يعرف بالأدب المكشوف، فالسيوطي له منام " رشف الحلال الزلال "ل جعل فيها عشرين إماما من أئمة المعرفة يتحدثون بالتفصيل عن ليلة زفافهم كل بأسلوب علمه. وله أيضا (دقائق الأترج فى دقائق الغنج ). وفصل تحت هذا العنوان رسالة بأكملها أسندها للحور العين ولم ير فيما ذكره عيبا.
6 ـ ونشر الصوفية الشذوذ الجنسى وجعلوه من ملامح عقيدتهم وعبادتهم ، فردّ عليهم فقهاء سنيون مثل ابن تيمية فى كتابه (التنفير من الأمرد) وقال فيه :" وأما من نظر إلى الأمر ظانا أنه ينظر الى مظاهر الجمال الإلهي وجعل ذلك طريقا إلى الله كما يفعله طوائف المدعين للمعرفة فقوله هذا اعظم كفرا من عبادة الأصنام ) [91]...وكتب أبو الفتوح الدجاني فيهم حكم الأمر وفيه قال (من آفات هذا الزمان صحبة المردان خصوصا في فقراء هذا الأوان زاعمين أن صحبتهم طريق إلى الرحمن ) [92].....
6 ـ واكتشف الصوفية الحشيش ونادي بتشريعه وأنه حلال ، فألف الزركشي رسالة في الرد على من نادى من الصوفية بحل الحشيش.
7 ــ وأشاعت دعوات المتصوفة جوا من الاتهام السريع بالكفر ، فوضع الرشيدي رسالة جمع فيها الألفاظ المكفرة على عهده. ولابن حجر رسالة فى ( الخصال المكفرة ) [93]
8 ــ وكتب الصوفية في مناقب اوليائهم ، وتطوع آخرون فكتب في مناقب غير الصوفية كمناقب الشافعي والليث [94] ، وشاعت ثقافة تزكية النفس والغير ، فانتشرت كتب المناقب حتى أن السيوطي عدّد مناقب البرغوث في رسالة ( الطرثوث في فوائد البرغوث). وكثرة مؤلفات السيوطي وكثرة ما جمعه وضعف شخصيته العلمية اوقعه في التناقص في المؤلفات، فبينما وضع رسالة (ليس في الإمكان ابدع مما كان) وضع أخرى في (الرد على من جهل ان الاجتهاد فرض) وبينما جمع الحديث صحيحا وموضوعا في الجامع الكبير ألف رسالة ، فيمن يروى الموضوع من الحديث...
9ــ والتفريعات الخاصة بالتصوف والمتأثرة به أكثر من أن تستقصى، واهمها عن الكرامة وصلتها بالمعجزة [95] والمقارنة بين الذكر الصوفي وقراءة القرآن ، وأفضل صيغ الذكر [96] والخضر وحياته، وزيارة قبر النبي عليه السلام [97] ، وحكم النظر في علم النجوم [98] تأثرا بالكشف الصوفي ، وأثر جبل قاف في احداث الزلازل في الأرض [99] وحكم ركوب الأسد من الناحية الفقهية [100] تأثرا بما أشيع عن كرامات الأولياء الذين يركبون السباع . وبحث السبكي وغيره في معنى حديث (كنت نبيا وادم بين الماء والطين )من خلال العقيدة الصوفية (الحقيقة المحمدية الصوفية ) ، وألف الأزرعي كتابا في الفقه سماه (الغوث ) [101] تأثرا بالقطب الغوث في عقيدة التصوف المملوكى . هذا ويقول السخاوي [102] في ترجمة ابن الديري أنه (ألف الكواكب النيرات في وصول الثواب للطاعات إلى الأموات ) اقتفى فيه أثر السروجي مع زيادات كثيرة .... والسهام المارقة في كبد الزنادقة وفتوى في هل تنام الملائكة ام لا) إلى غير ذلك من أمور يهتم بها المتصوفة والمتأثرون بهم ...
أثر دعوى العلم اللدنى الصوفية فى الزعم بعلوم وهمية
أُكذوبة العلم اللدني الصوفية تفرع عنها ادعاء الكثير من العلوم التي اختلفوا في تحديد أسمائها واتفقوا في انها من خصائص الأولياء دون غيرهم، وكلها محض اختلاق..
فالمرسي كان يتحدث في ( العقل الأكبر والاسم الأعظم والأسماء والحروف ودوائر الأولياء واعداد الأذكار ومقامات الموقنين والملائكة المقربين ، ويوم المقادير وشان التدبير وعلم البدء وعلم المشيئة وشأن القبضة ورجال القبضة وعلوم الأفراد )......الخ ) [103] .
ويرى الدسوقي ان العارف الصوفى : ( أُعطى العلوم المكتوبة في ألواح المعاني، ففهم رموزها وعرف كنوزها وعرف العلوم المودعة في النقط ومعاني الحرف والقطع والوصل والهمز والشكل والنصب والرفع . ولهم الاطلاع على ما هو مكتوب على أوراق الشجر والماء والهواء ، وما في البر والبحر ، وما هو مكتوب على خيمة السماء، وما في جباه الانس والجن ) [104] . وزعم الدسوقي علم الدنيا والأخرة وعلم سدرة المنتهى وعلم الساعة وكلام الغيوب واللوح المحفوظ ، وعلم أسماء المنكرين عليه وعلم القدرة الأبدية ، وعلم الموت الذي يقبض به عزرائيل الأرواح، وعلم الأسماء المكتوبة على شجرة المنتهى ، والعلم الذي تسير به الرياح والسحاب الذي ينزل به الغيث والعلم الذي يصعد به الملائكة السماء، وعلم الاسم الأعظم ، وحفظة الاسم الذي ينزلون به الى الأرض ......) [105]الخ ..
والمتبولى الصوفى الأمي قال ( لا يكمل الرجل عندنا حتى يعلم حكمة كل حرف تكرر في القرآن ويخرج منها سائر الاحكام الشرعية ما شاء ) [106] وقال المتبولي (أعطيت استخراج العلوم من القرآن العظيم من فقه واصول وبيان وجدل وعروض وغير ذلك ) [107] وهذا الاعتدال لم يعجب أفضل الدين الشعراني فادعى أنه استخرج من سورة الفاتحة (مائتي ألف علم ونيفا وأربعين ألف علم ) [108]
بعيدا عن تلك الخرافات الصوفية نذكر ان اهم علوم اشتهرت عند الصوفية هي الحرف والكيمياء وكيمياء الرمل .... وبهم إشتهرت في العصر المملوكي ...وقد سبق التعرض لها فى مبحث التحايل فى الجزء الثالث عن أثر التصوف فى الانحلال الخُلُقى ، فى موضوع التحايل من كتاب ( أثر التصوف فى الحياة الدينية فى مصر المملوكية ) . فلا داعى للتكرار .
وهكذا فإن تلك ( العلوم الصوفية ) ــ ان صح وصفها بالعلوم ــ قائمة على أن أساس الادعاء ولا يصلح ذلك أساسا لأي منهج علمي ، فهي لا تختلف عن الأنواع الخرافية من أسماء العلوم التي ذكرت في اول المبحث.
أثر التصوف فى (التفسير) في العصر المملوكي :
كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الثانى :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )
ولكن كيف شارك الصوفية في العلوم السنية القائمة فعلا..؟ أسهموا في جمودها وتأخرها من واقع النظرة العامة للعلم . ونبحث بالتفصيل الأثر الصوفي في التفسير والحديث والتاريخ كأهم مواد علمية اهتم بها الصوفية . على أن اهتمامهم اقتصر على مواضع بعينها من هذه العلوم كتفسير آيات محدده وشرح احاديث خاصة بعضها موضوع بجهدهم هذا مع ترويج بعض الأحاديث الموضوعة من غيرهم طالما تخدم دعوتهم .ونبدأ بأثرهم فى التفسير .
اثر التصوف فى ( التفسير ) في العصر المملوكي
لمحة عن ( علم التفسير قبل العصر المملوكى )
1 ــ تعهد الله سبحانه وتعالى أن يضمن حفظ قرآنه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر:9 ، وذلك حتى لا يتعرض القرآن لمثل ما تعرضت له الكتب السماوية قبله من تأويل وتحريف ــ إلا أن أصحاب الأهواء ــ وقد عجزوا عن النيل من نصوص القرآن ــ ركزوا همهم في التلاعب بمعانى القرآن بما يعرف بالتفسير والتأويل واخضاع المتشابه من الآيات الى مفاهيمهم ، وهو جهد تنبأ القرآن بحدوثه في قوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) آل عمران : 7 )،
2 ــ ومن البداية نعتذر مقدما من إضطرارنا لاستعمال كلمة ( التفسير ) ، ونعلن أنها تكذيب لتأكيد رب العزة بأن القرآن كتاب مبين وأن آياته مبينات ، وأن بيان القرآن فى القرآن وتفسير القرآن بالقرآن . وأن إستعمال كلمة ( التفسير ) فيه إتهام لرب العزة بأنّه ـ تعالى عن ذلك علُوا كبيرا ــ أنزل كتابا ناقصا يحتاج للبشر لاستكماله ، وأنزله غامضا يحتاج من البشر الى تفسير وتأويل ، وأنه أنزل كتابا تتناقض أحكامه ويُلغى ـ أو بزعمهم ـ ينسخ بعضها بعضا ، أو أنه أزل كتابا محليا مرتبطا بمواضع النزول مقتصرا عليها ، لا ينفع الناس الى يوم القيامة ، أنه أنزل كتابا ليكون فى الدرجة الثانية بحيث تكون أقاويل البشر فى (السُنّة ) وأقاويل المفسرين وآراء الأئمة حكما على الآية القرآنية ، فلا يؤخذ بآية القرآنية إلا إذا كان أقاويل البشر مؤيدة لها ، شأن التلميذ الذى لا يؤخذ برأيه إلا إذا كان معه ولى أمره .!! . تعالى الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا . إنه الشطط الذى وقع فيه أئمة السنيين والشيعة والصوفية ، والذى ترتب عليه إتهام القرآن الكريم بأنه ( حمّال أوجه ) يعنى متناقض وفيه الرأى ونقيضه . ونتبرأ مقدما من هذا كله ونُنزّه عنه رب العزة وكتابه الفرقان الذى أُحكمت آياته ثم فُصّلت من لدن حكيم خبير ( هود 1 ).
3 ــ من بدايته عرف علم ( التفسير) السُّنّى ما يعرف بالاسرائيليات، واصطنع البعض (التفسير بالمأثور)، ولو كان هناك فعلا تفسير بالمأثور قاله النبى ــ حسبما يزعمون ـ لتوقف عنده ( علم التفسير ) ، ولم يجرؤ أحد على الكتابة بعد أن قال النبى القول الفصل فى التفسير . ولكن أنكر ابن حنبل نفسه التفسير بالمأثور فى قوله المشهور : ( ثلاثة لا أصل لها : التفسير والملاحم والمغازى ) . لم يقتنع أحد بصُدقية هذا التفسير بالماثور ، أو بصحة إسناده للنبى والصحابة ، فتكاثرت ( تفاسير ) القرآن فى العصر العباسى الثانى وبعده برعاية الفقهاء السنيين ، تحمل وجهات نظر أصحابها ، وتحمل ملامح ثقافته وتخصصه وإتجاهاته ، من الطبرى فى بداية العصر العباسى الثانى الى القرطبى وابن كثير فى العصر المملوكى ، وتنوعت إتجاهاتهم ( التفسيرية ) بعضهم يغلّب فى تفسيره علوم اللغة والنحو ، وبعضهم يثرثر بالروايات وأسباب النزول ، ومعظمهم يرصّع تفسيره بالأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين الذين ماتوا دون أن يعلموا شيئا عمّا أسندوه اليهم من أقوال.
4 ــ أضحى القرآن الكريم مجالا للتلاعب السُّنّى ، خصوصا مع ما يسمى بعلوم القرآن التى تطعن فى القرآن وفى تدوينه ، ومزاعم النسخ بمعنى إلغاء الأحكام التشريعية والزعم بتناقضها وإلغاء بعضها البعض . ثم دخل الميدان الصوفية الاتحاديون يحاولون ربط عقائدهم بالقرآن بالتأويل في التفسير والوضع في الحديث ، والصوفية الآخرون كان لهم جهدهم في شرح بعض الآيات بما يخدم غرضهم، ويكفى أنهم أرسوا في الأذهان أنهم اولياء الله المقصودون بقوله تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) مع ان الولاية والتقوى والإيمان والخشوع كلها صفات عامة مطروحة أمام جميع البشر وعليهم أن يتحلوا بها لو شاءوا الهداية ، وليس هناك من ولى دائم بسبب الصراع المستمر بين الخير والشر في نفس كل إنسان، تلك النفس التى وصفها سبحانه وتعالى بقوله ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا )الشمس : 7 : 9 ، ولأمثال أولئك يقول تعالى عمن يسبغون ما شاؤا من صفات على أنفسهم (فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى ) النجم : 32 ، ويقول (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) آل عمران : 188 ، ولو أنصفوا لنظروا في حالهم ــ وقد اتخذوا بدافع من انفسهم هم ــ ودون اختيار من الله ــ اولياء لهم، ثم لم يكتفوا بذلك بل توسلوا بهم واعتقدوا فيهم المنفعة والضرر وأضفوا عليهم التقديس والتأليه ، مع أن الولى بهذا المفهوم لا يكون إلا الله تعالى ، وسبق أن رب العزة ردّ عليهم مقدما ، في قوله تعالى (أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الشورى : 9 ، ويؤنبهم (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) الزمر : 36 ..والتفاصيل فى هذا سبقت فى كتابنا ( السيد البدوى بين الحقيقة والخرافة ) و ( أثر التصوف فى الحياة الدينية فى مصر المملوكية / الجزء الأول الخاص بالعقائد ).
ولقد سبق المستشرقون في بحث جهد الصوفية في التفسير. فيرى نيكلسون (أن القرآن في جملته لا يصلح لأن يتخذ أساسا لأي مذهب صوفي ،ومع ذلك فقد استطاع الصوفية بالتأويل شرح بعض الآيات بما يخدم غرضهم، وادعوا أن كل آية في القرآن تخفى وراءها معنى باطنا لا يعرفه إلا الأولياء ) [109]
و جولد زيهر يقول أن الصوفية (عبروا عن تفسيرهم بلفظ إشارات للتحايل على العلماء الآخرين في التأويل الصوفي ، ومراعاة لذلك لا يسمون تأويلهم للقرآن تفسيرا ، لأن ذلك يقتضي أن يكون مصحوبا لمعاني القرآن بالشرح والتفسير )، ويجعل من خصائص التفسير الصوفي تحريف النصوص القرآنية لتكون سندا للتصوف ، ويستدل على ذلك بكثرة تفسيرهم للآيات التي تحث على الذكر الكثير ، ويتجاهلون الآيات التي توضح كيفية الذكر في الإسلام لأنها تتعارض مع طريقتهم في الذكر ، وهي قوله تعالى (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ) الأعراف 205)[110]) .
وأقول ويتجاهلون أيضا الآيات التي تنهى عن اتخاذ الدين لهوا بمثل ما يفعلونهم في ذكرهم القائم على الرقص والغناء والموسيقى في بيوت الله كما سبق بيانه بالتفصيل فى الجزء الثانى ( كتاب العبادات)/ ( فصل الذكر ) من كتاب ( الحياة الدينية فى مصر المملوكية ) .
وقد يستنكف البعض من الاستشهاد بكلام المستشرقين (سيىء النية) مع ان الحق ينبغي اتباعه بغض النظر عن شخصية قائله . ولذلك فإننا سنعيش مع التفسير الصوفي ولن نجد فارقا بينه وبين اقوال المستشرقين عنه.
إتجاهات ( التفسير الصوفى) :
( التفسير) الرمزى :ــ
1 ـ الرمز هو الذي دخلوا به لتفسير القرآن على هواهم تحت اصطلاح الإشارات التي حدثنا عنها جلود زيهر آنفا .ويعترف شيخ الأزهر الأسبق ( الصوفى ) عبدالحليم محمود بهذا ، فيقول : (كان للصوفية في التفسير اسهامات واعترافات يسمونها إشارات) الا انه يرى ان تلك الإشارات ( لا تتعارض مع التفسير المألوف) وهو ما لا نسلم به ــ ويرى في نفس الوقت أنها ــ أي الإشارات ــ ( لا تحل محله ) [111]!!!( عبد الحليم محمود : أبوالعباس المرسى 91 : أعلام العرب 2 / 1967 ).
2 ــ وطبيعي أن يستخدم الصوفية تلك الإشارات فى تسويغ عقائدهم ، بتحريف معانى القرآن الكريم ، وهم بذلك يختلفون عن بقية المفسرين السنيين الذين يقومون ( بتفسير) كل القرآن الكريم . فالصوفية يختارون آيات معينة ، يرونها تتصل وتتشابك مع عقائدهم ، ثم يقومون بتحوير وتحريف معنا بقطعها عن السياق وتغيير مدلولها ، وإعطائها ( تفسيرا ) متفقا مع تصوفهم ، مع تجاهل الايات الأخرى التى تتناقض معهم . ففي قوله جل وعلا : ( اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) يقول ابن عطاء السكندرى : (الناس على قسمين : قوم وصلوا بكرم الله إلى طاعة الله وهو قد اجتباهم (ويقصد بهم الأولياء الصوفية) ، وقوم وصلوا بطاعة الله إلى كرم الله وهؤلاء قد هداهم ) [112] ( ابن عطاء : لطائف المنن : 110 ) ، ويعني بهم المتقين من المسلمين العاديين . وواضح أنه يفضل الصوفية على غيرهم حتى من اتقياء المسلمين فيجعل الله سبحانه وتعالى يعطى قداسة للصوفية من دون الخلق واوصلهم بكرمه إلى طاعته اما غيرهم من الطائعين لله بدافع من انفسهم فقد هداهم الله ووصلوا بطاعتهم هذه الى كرم الله الذي حصل عليه الصوفية بلا عناء .وهذا يعنى وصفا لله جل وعلا بالتحيّز للصوفية ، وإتهاما له عز وجل بالظلم ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا .!
ومن السهل الرد على هذا التفسير لابن عطاء ، وذلك بتوضيح المراد من الآية بأكملها لا مجرد الاجتزاء بنهايتها ، فالآية الكريمة هى : (شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ)( الشورى 13 )، وهى تتحدث عن وحدة العقيدة والتشريع لدى الرسل، وأن الهدف إقامة الدين وعدم التفرق فيه ، وأن ذلك من شانه ان يثقل على كاهل المشركين حين تتم دعوتهم الى الحق ، والله جل وعلا يجتبى ويختار ويصطفى من يشاء ليكونوا رسلا ، ويهدى الى الحق من يريد من البشر الهدائة ، وينيب ويؤوب ويتوب الى الله جل وعلا. فالرسل هم المقصودون بلفظ (يجتبي) بدليل ان الرسل دائما بالاختيار والاصطفاء ( ص 47 ) ( الحج 75 ) ( الانعام 124 ) ، وهداية البشر هى البداية ، ومن يشاء من البشر أن يهتدى يزده الله جل وعلا هدى ( محمد 17 ) ( مريم 76 )( العنكبوت 69 ).
التأويل الصوفى
1 ــ وبعض ( إشاراتهم ) فى ( التفسير ) استخدمت ( التأويل ) الذى إشتهر به الشيعة والمعتزلة ــ في التلاعب بالنص القرآني ، حتى لو كان النّص القرآنى واضحا صريحا . ففى قوله سبحانه وتعالى (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ)( الشورى 50) نرى أبا العباس المرسي يقول ( "ذكرانا " يعني علوما ، "اناثا " يعني حسنات ، "عقيما " يعني لا علم ولا حسنة) [113].
2 ــوصنف باحث معاصر تأويلات الصوفية في (التفسير) ، فهناك آيات وجد فيها الصوفية منطلقا للتعبير عن معانيهم الباطنية في غير تكلف مثل آية النور وآيات المعراج والنفس والولاية، وقصص القرآن وقد اطلقوه عن القيد الزمنى والمكاني إلى معان خارجة عن حدود الزمان كما في تفسير (إن الله يأمركم ان تذبحوا بقرة) [114]فالبقرة هنا هي النفس ، وفي قصة موسى العصا وهي الدنيا ) [115]..
3 ــ وبعضهم استخدم ( التأويل ) في اخضاع النص القرآني للعقائد الصوفية ، فابن عطاء السكندرى أوّلَ آيات الشرك في نطاق دعوته لترك الأسباب او التواكل ، وجعل معنى آيات الرجعة (إليه تُرجعون) وامثالها على معنى القيام بالاتحاد ، متناسيا تفسيرها القرىنى بأنه جل وعلا ( إليه المصير ). ، وأوّل ابن عربي آيات كثيرة لتتمشّى مع عقيدتهم فى ( وحدة الوجود ) ، مثل ( ولله المشرق والمغرب) . ( جولد زيهر : مذاهب التفسير .. 248 وما بعدها ) . وجدير بالذكر ان ابن عربي بحث بآية (ان كل شيء خلقناه بقدر) ليستدل بها على نظريته في وحدة الوجود التي تنادي بأن الله ــ تعالى عن ذلك ــ هو عين المخلوقات فجعل ابن عربي لفظ (كل) (وهو في الآية مفعول به) خبرا للضمير مرفوعا ليصبح المعنى ان الحق تعالى هو كل المخلوقات ) .
4 ــوتلاعب ــ في العصر المملوكي ـ الشيخ الصوفى محمد الكلائي الشاذلي بقوله سبحانه وتعالى (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) لكى يثبت الشفاعة للأولياء الصوفية ، فيقول متلاعبا بالآية الكريمة (ذل ) أي ذلّ نفسه (ذي) إشارة للنفس (يشف) أي تحصل له شفاعة (ع) أي افهموا ..... ) [116].... أي من ذل نفسه يشفع .
5 ـ ولم يتورع بعضهم عن إضفاء القدسية على تفسيره كالمرسي الذي قال عن سورة التين : ( تفكرت فى معنى هذه الآية فكشف لي عن اللوح المحفوظ فإذا مكتوب فيه لقد خلقنا انسان في احسن تقويم : روحا وعقلا ، ثم رددناه أسفل سافلين : نفسا وهوى ) [117]
(التفسير) بالعلم اللدني
1 ــ وملامحه تتضح من قول المرسي السابق عن اللوح المحفوظ وسورة التين ....
2 ــ إلا ان إضفاء هذه المسحة على التفسير الصوفي ازدادت بالازدهار المضطرد للتصوف في العصر المملوكي ولوجود كثرة أمية وجاهلة قليلة العلم بين مشاهير الصوفية ، وقد اكتسبوا قداسة وأضيفت لهم الكرامات ومنها العلم اللدنى ، وكان لهم أن يدلوا بدلوهم في (تفسير) القرآن ، فقالوا فيه ما شاء لهم جهلهم ، ووجدوا مع ذلك من يؤمن يهذا (التفسير) ويتقبله، بل يزداد إيمانه بتزايد غموض ذلك التفسير وخروجه عن دائرة الفهم.
3 ــ وإذا كان التفسير بالرمز والإشارات والتأويل اتخذ غرضا صوفيا لدي المتقدمين في العصر المملوكي فإن المتأخرين وقد سيطر عليهم الجهل وتمتعوا بقدر أكثر من التقديس فاستخدموا الرمز والايغال فيه سترا للجهل، وانعكس ذلك على التفسير الرمزي بالإشارات فشهد في أواخر العصر نظريات في التخريج على درجة مضحكة نشهدها في مناقب الوفائية في قوله جل وعلا حكاية عن المسيح عليه السلام : ( فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم)، فزعم كاتب ( مناقب الوفائية ) قائلا عن عيسى عليه السلام : ( معلوم انه كان باقيا لو أراد الموتة الحقيقية لقال:" فلما توفانى" ، فالمعني أي فلما ادخلنى في الدائرة الوفائية) [118] ، أى إن عيسى عليه السلام قال لربه جل وعلا ( فلما أدخلتنى فى الدائرة الوفائية ، أى الطؤيقة الوفائية ، وصار من أتباع ( على وفا).!!
4 ـ ويحكي الشعراني عن شيخه الأمى ( الخواص ) قدرته على استخراج (240999) علما من سورة الفاتحة وحدها )..وهذا ما نقله جولد زيهر متعجبا فى كتابه ( مذاهب التفسير الاسلامى : 280 ).
ونقل الشعرانى ( تفسير) شيخه الأمى الخواص لسورة الكوثر ، ونقرأ الأعاجيب، قال : ( اذا الشمس لطفت وباسمه الباطن ظهرت ولم تظهر ولم تبطن، انك لعلى خلق عظيم ، وانقسمت بعد أن توحدت، ثم تعددت وانعدمت بظهور المعدود. والقمر إذا تلاها. ثم نزلت بما عنه إنفصلت ، لما به اتصلت واتحدت . والنجم اذا هوى. ثم تنوعت بالأسماء واتحدت بالمسمى ، وظهرت في اعلى عليين الى اسفل سافلين ، ثم رجعت الى نحو ما تنزلت. ولولا دفع الله الناس بعضهم بعض لفسدت الأرض. وبالجبال سكن بيدها وبعدها هو فسادها . ثم تصفت وبعدت فيما وصفت به اتصفت وما اتصفت إلا لما خلقت ، واغرقت فحشرت ، وباعمالها انحشرت. ولوحوشها انتشرت . كل ميسر لما خلق له. كل يعمل على شاكلته ......) إلخ. ويستمر الخواص في هذا (التفسير ) العجيب إلى أن يصل إلى قوله تعالى( واذا السماء كشطت) فيقول : ( لا أطيق التعرض لمعناه . )
ويعلق الشعراني منبهرا : ( وهذا لسان لا اعرف له معنى على مراد قائله. وإنما ذكرته تبركاً )...( الطبقات الكبرى للشعرانى : 2 / 145 : 146 ).
5 ــ وفى ( ميعاد الحنفى ) ــ أو الندوة ( العلمية ) التى كان يعقدها الشيخ الصوفى الأمى شمس الدين الحنفى ـ كان يقول ما يرد على خاطره من تخريف ، بزعم ( التفسير ) ويجد المستمعين يصرخون به وجدا وإعجابا. وفي مناقبه قيل عنه: (ثم تكلم في علوم التفسير بكلام فيه رموز عجيبة واشارات غريبة ، ودقّق في الكلام حتى خرج عن الافهام. ).! وعبارة (حتى خرج عن الأفهام) تتردد كثيرا فى ( مناقب الحنفى ) للتأكيد على مقدرته الفذة في فروع العلم . ولم يرد في كتاب مناقبه شيء من ( تفسيره ) ، إلا أننا يمكن أن نتعرف على مقدرته في التفسير مما جاء في المناقب من شرحه فى ندوته العلمية لقول الناس (يا فقيه . فق فاقه . يا صريم الناقه . قلت له قوم صلي . قام جرى في الطاقة) يقول كاتب المناقب وقد نقل ذلك عنه الشعراني بنصه (وجعل سيدي يتكلم في هذا المعنى بالأسرار العجيبة والإشارات والرموز والعبارات حتى أذهل العقول وخرج الكلام عن الأفهام وارتفعت الأصوات بالصراخ والصياح وكثر الضجيج ........ الخ .... حتى تعين للحاضرين أن القيامة قامت .......وقد كان من بين الحاضرين قاضي القضاة شهاب الدين العجمي وقضاة المحلة وأعيانها) [119]..وكل ذلك لشرحه معضلة ( يا صريم الناقة ........ قام جري في الطاقة) .!!
6 ــ وفي طبقات الشرنوبي تفسير إجمالي لسور القرآن منسوب للدسوقي، وهو على أى حال يعبر عن أفكار أصحاب (التفسير) اللدني ، وقد كان الدسوقي من مدعى العلم اللدني ــ وننقل بعض فقراته: ( لما تـَقـَطّـبـتُ) يقصد عندما أصبح قطبا ــ يقول ( فكيت طلاسم سورة البقرة وآل عمران التي لم يقدر على فكها ميكائيل . وفكيت طلاسم سورة النساء التي لم يقدر على فكها اسرافيل) وهكذا تحدث عن تفسيره لكل سورة في القرآن ويلاحظ أنه في تفسيره المزعوم للسور الكبيرة اكتفى بتفضيل نفسه علما على غيره من الملائكة او الأنبياء والصالحين ، أما في السور الصغيرة فأعطى إشارة ضئيلة لمعرفته بإحدى آياتها وادعى بها معجزة تساويه بالله او بالرسل يقول (فكيت طلاسم سورة النبأ فرفصت برجلي جبل قاف فاهتزت الدنيا من رفصتي فعرفت أن الجبال أوتاد الأرض .... النازعات تعرفت من جاء ينازع في الجحيم ...) وهكذا إلى الفاتحة [120]...( طبقات الشرنوبى : مخطوط 2 : 4 )
ومن هذا النوع من التفسير ذكر المؤرخ ابو المحاسن تفسير للشيخ (على وفا ) وهو شيخ صوفى مشهور مع كونه أميا . ( المنهل الصافى : مخطوط : 4 / 166 ).
وتعرض هذا ( التفسير ) لانتقادات متفرقة من بعض الفقهاء المؤرخين . وفى تاريخ قاضى شهبة عن الشيخ صلاح الدين الشاذلي أنه كان (يتعرض لتفسير القرآن على طريقة بعض الجهلة فأتى بأشياء منكرة ) [121].. ( تاريخ قاضى شهبة 2 / 152 ). وقال المؤرخ المحدث الفقيه القاضى ابن حجر أن أبا بكر العلوي الشاذلي كان (يفسر القرآن برأيه على عادة شيخه فاضبطوا عليه أشياء ) [122]( إنباء الغمر بأبناء العمر : مخطوط 1023 : 1024 ).ومع ذلك فإن ( التفسير) اللدني أعتبر كرامة للصوفي يعبر عنها أحدهم بقوله (فمن ذلك اليوم فتح على في فهم القرآن ) وهذا ما ذكره ابن الزيات فى كتابه : (الكواكب السيارة فى ترتيب الزيارة: 263 ) .
وافتخر الشعراني بتسليمه للعارفين في تفسيرهم اللدني وإن خالف جمهور المفسرين (فان تفسير أهل الكشف اعلى من تفسير غيرهم لعدم تغيره في الدنيا والآخرة بخلاف تفسير أهل الفكر والفهم ) [123]
ويعتبر الشعراني كلام شيحه الخواص يشبه القرآن وجاء ذلك في قوله عنه (ونسمع شيئا من أجوبة الشيخ فيكتبه بلفظ الشيخ خاصة ولا يتصرف في عبارته فإنه لا مرقى في فهم كلامه .. وأنى لأمثالنا ذلك . وأسأل الله ان يحفظ لساني وقلبي من الزيغ عن مراده). ويقول أيضا فى مقجمة كتابه ( درر الغواص ) الذى قصره على أقوال شيخه ( الخواص ) ( فإذا علمت أن الجواب لايدرك إلا ذوقا ذكرت جوابه بلفظه من غير شرح لمعناه ، نظير الحروف فى أوائل سور القرآن ). .
وقال ( حسن شمه ) نحو ذلك عن كلام شيخه الدسوقى : ( ويحتمل لن تكون سريانية وكل حرف منها يدل على أسماء على نمط فواتح السور ) (مسرة العينين : ـ مخطوط صـــ 15) أي انهم نظروا بالتقديس الى ذلك الهراء الذي يقوله الأشياخ بدعوي العلم اللدني ...
( التفسير ) الصوفى المادي:
والدافع إليه هو حرمان بعض الصوفية من نعيم الدنيا ومحاولة تعويضه بوصف من الجنة في الآيات القرآنية .
وفي تفسير (ومساكن طيبة في جنات عدن) أنه قصر من لؤلؤة بيضاء في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوت حمراء، في كل دار سبعون بيتا من زمرد ، وفي كل بيت سرير يا له من سرير .! ، على كل سرير سبعون فراشا من كل لون ، على كل فرش زوجة من الحور العين . وفي كل بيت سبعون مائدة ،على كل مائدة سبعون لونا من الطعام، وفي كل بيت سبعون وصيفة ، ويعطى المؤمن في كل يوم من القوة ما يأتي على ذلك كله. والرجل من اهل الجنة يتزوج خمسمائة حور وأربعة الآف بكر وثمانية ألآف ثيّب، يعانق كل واحدة منهن مقدار عدد سنين مقدار عمره في الدنيا ....)
وفي تفسير قوله تعالى ( يطاف عليهم بصحاف من ذهب) انه يطاف بسبعين صحفة من ذهب ... وفي تفسير قوله تعالى( (ختامه مسك) انه شراب أبيض مثل الفضة ، ولو أن رجلا في الدنيا ادخل يده فيه ثم اخرجها لم يبقى ذو روح الا وجد ريح طيبها . وفي قوله تعالى : وفرش مرفوعة: ان ما بين الفراشين كما بين السماء والأرض ولو ان إمرأة من نساء الجنة طلعت على الأرض ملأت ما بينهما ريحا طيبا ..........الخ) ( الكواكب السيارة 263 ، روض الرياحين 259 إلى 260 )
الصوفية و تزييف ( الحــــديـث ) فى العصر المملوكى
كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الثانى :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )
اثر التصوف فى العلوم : فى تزييف الحديث
الصوفية و تزييف ( الحــــديـث ) فى العصر المملوكى
تزييف الحديث بين ( السنة والتصوف )
1 ــ بدأ أئمة السنّة فى إختراع أحاديث تحمل آراءهم الفقهية وتؤيدها ، بدءا من مالك والشافعى وابن حنبل ، ثم ظهرت أحاديث تتخصّص فى رواية وتسجيل الحديث ( علما قائما بذاته ) وإن كان الترتيب قائما على اساس فقهى كما فعل البخارى ومسلم ، ثم تكاثر إخترع الأحاديث بسيطرة السّنة وفكرها ، مما شجع كل من هبّ ودبّ على أن يقول ما يشاء ثم يخترع له إسنادا بالعنعنة ، ينسبه للرسول عليه السلام ، كما أشار الامام (مسلم ) لذلك فى مقدمة كتابه ( صحيح مسلم ).
2 ــ وكما حدث فى (علم التفسير) لم يقتنع أحد بما كتبه السابقون مما زعموا أنه (وحى ) بالسنة ، فظل كل قادم يصنع أحاديث جديدة ، ويؤلف كتبا فى الحديث ، مما إستدعى التأليف فى أتجاهات جديدة فى (علم الحديث )، فبالاضافة الى كتب الفقه القائمة على الحديث مثل كتاب ( الأم ) للشافعى ، وكتب رواية الحديث مثل صحيح البخارى وصحيح مسلم وبقية كتب ( المسانيد ) المشهورة برزت إتجاهات جديدة :
ــ منها ما يضع مناهج لتنقية الأحاديث ومعرفة الرواة والحكم عليهم ،هل هم ثقة أو غير ثقة ، وهو (علم المصطلح ) الذى حكم بأن كل الرواة الصحابة عدول ثقة معصومون من الخطأ ، هذا مع ان الله جل وعلا وصم ووصف الصحابة المنافقين بالكذب وأنهم إتخذوا أيمانهم جُنّة ووقاية ، وتركز (علم المصطلح ) على نقد الرواة بأحكام غيبية قاطعة ، مع ان الحكم على غيب النفوس وومعرفة السرائر لا يكون إلا للذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور . لذا إختلفوا فى تقييم الرواة ، ولم يتفقوا جميعا على ان هذا الراوى ثقة أو أنه ضعيف . وعلى هذا الأساس الهشّ جعلوا للحديث أقساما ساذجة .
ــ ومنها ما يعالج الأحاديث المتعارضة بالتأويل والتبرير ( تأويل مختلف الحديث )
ــ ومنها ما ينصّ على الأحاديث الموضوعة كما فعل ابن الجوزى فى القرن السادس ، ثم ابن تيمية وابن القيم فى القرن الثامن ، ثم السيوطى فى القرن العاشر .
3 ــ دخل العوام أفواجا فى دين وإنخرطوا فيه لأنه يعفيهم من تعلم الحديث وسماعه وتدوينه فى صحاف ، وشجهم الرواد الذين إتخذوا موقفا معارضا للحديث وعلوم السُّنة عموما ، وكان عوام الصوفية حتى القرن السادس يمسحون ألواح الكتابة المكتوب عليها الأحاديث كراهية فى علم الحديث. ثم جاء عصر شيوع التصوف ودخول الكثرة الكاثرة فيه وعقد الصلح بين التصوف والسنة ـ بظهور ما يعرف بالتصوف السنى بريادة الغزالى الذى حشا كتبه بالأحاديث المفتراة . هذا التطور جعل ( الحديث ) من وسائل الصوفية فى نشر التصوف . ليس فقط بدخولهم ميدان إختراع الأحاديث كما فعل الغزالى فى كتبه ـ والتى عرضنا لها من قبل فى الجزء الأول والثانى من كتاب ( اثر التصوف فى الحياة الدينية فى مصر المملوكية ) ، ولكن أيضا بقيامهم بشرح الأحاديث التى توافق أهواءهم .
4 ــ أى نفس الموقف من ( تفسير القرآن ) جعلوا الحديث في خدمة التصوف باختراع أحاديث أو بإختيار أحاديث معينة قاموا بتفسيرها من خلال الرؤية الصوفية كما في شرح المرسي للحديث ( لو تدرون على ما تكونون عندى من الذكر لصافحتكم الملائكة ...) [124] وشرح الشاذلي حديث ( من شغله ذكري عن مسألتي اعطيته أفضل ما أعطى السائلين) ويعطي الشاذلي انطباعا بان شرحه هذا يوحي إليه من الله او الرسول ،يقول : ( سمعت الحديث الوارد عن الرسول عليه السلام : انه ليغان في قلبي ــ فأشكل علىّ معناه فرأيت الرسول وهو يقول لي يا مبارك ذاك غين الأنوار لا غين الأغيار) ومصطلح ( الأغيار ) يعنى غير الصوفية ، وهو تعبير ومصطلح جديد نبت بعد القرن الثالث الهجرى ، ولم يكن معروفا من قبل ، ولكن الشاذلى ـ بجرأة شديدة ـ يفترى ان النبى جاءه فى المنام بهذا التفسير الصوفى لحديث تم إختراعه من قبل . ويفسر آخر الحديث المشهور الذى يزعم : ( ينزل ربكم في كل ليلة الى سماء الدنيا .. ) بأن سماء الدنيا هو الرجل العارف ، [125] ومن الطبيعي ان تحظى الاحاديث التي وضعها الصوفية بالنصيب الأكبر من الشرح والتفسير ، مثل حديث : من عادى لى وليا " [126]..وسنتوقف معه فيما بعد .
الصوفية وتزييف الأحاديث...
1 ــ بعد أن أوضحنا رأينا فى موضوع الحديث نبدأ بما قاله بعض من سبقنا من الباحثين ، فيرى الدكتور عبدالحليم محمود ان عوامل الوضع للحديث هى : ان بعض الناس كاذبون بطبيعتهم فكذبوا على الرسول عليه السلام، وبعضهم يسيطر عليه مذهب من المذاهب او نزعة من النزعات فيكذب على الرسول عليه السلام تأييدا لمذهبه وتأكيدا لنزعته وارضاء لهواه، وبعضهم دخل الإسلام ليكيد له، وآخرون استباحوا الكذب على رسول الله والإسلام في سبيل موعظة الآخرين وهدايتهم. [127] .
وما قاله الشيخ الصوفى عبد الحليم محمود ينطبق على أكثرية الصوفية الذين كانوا يتمتعون بوصف الصلاح ، فقيل في ذلك ( لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث). ويرى الاستاذ أحمد أمين ـ تأثرا بما قاله الامام (مسلم ) فى مقدمة صحيح مسلم ) أن هؤلاء الصالحين تساهلوا فى رواية أحاديث في باب الفضائل (تفضيل الأشخاص من صحابة وتابعين بل وصوفية وتفضيل سور القرآن سورة سورة تحت عنوان من قرأ سورة كذا فله كذا ) وكان للشيعة الجهد الأكبر في بداية الوضع في الحديث. [128] وتابعهم كثيرا من المتصوفة حيث نشأ التصوف في أحضان التشيع .
2 ـ ونعود إلى الصوفية ونذكر أن بعض أئمتهم اتهم بالوضع في الحديث مثل ذي النون المصري في القرن الثالث . وقد اعترف المناوى بأسبقيته في التصوف وفي الوضع في الحديث لذا يقال عنه أنه ( اول من تكلم بمصر في ترتيب الأحوال ومقامات الأولياء وكان زاهدا ضعيف الحديث ) [129] وفي الكواكب السيارة حديث موضوع راويه الوحيد هو ذو النون يقول فيه( سمعت جبريل عليه السلام يقول : يا محمد من قال من أُمّتك كل يوم مائة مرة .. الخ) [130] أي أن ذا النون سمع جبريل يخاطب محمدا عليهما السلام .! والأكثر من هذا ما يذكره المؤرخ الصوفى عبد الرحمن السلمى أن ذا النون المصرى انفرد برواية ( حديث قدسي ) يزعم أنه سمعه من رب العزة رأسا ، ويظهر الانتحال في هذا الحديث واضحا ، فيدعي ان الله يقول (من كان لي مطيعا كنت له وليا فليثق بي وليحكم علىّ ، فوعزتي لو سألني زوال الدنيا لأزلتها له ) [131] . والفجور فى هذا الحديث أنه يجعل الولى الصوفى متحكما فى رب العزة جل وعلا . وعلى أية حال فإن هذا الحديث الفاجر المروى عن ذى النون المصرى متأثر قطعا بالحديث المشهور الذى وضعه الصوفية الأوائل :"عبدي أطعنى تكن عبدا ربانيا تكون للشىء : كن فيكون " .
وعلى نفس الطريق فى وضع وتزييف الأحاديث سار الشيخ الصوفى عبد الرحمن السلمي في كتابة ( السنن)، وقد جمع فيه روايات ما يسمى ب ( التفسير بالمأثور) من غير اسناد ، فقال فيه المؤرخ الفقيه الحنبلى ابن الجوزي فى القرن السادس الهجرى : ( وكان السلمي غير ثقة ولم يكن سمع من الأصم شيئا كثيرا ، ) (الأصم) هو أحد شيوخ السنة الذين زعم عبد الرحمن السلمى أنه سمع منه الحديث ، ونتابع ابن الجوزى وهو يقول عن عبد الرحمن السلمى : ( وكان يضع للصوفية الأحاديث. ). ويقول ابن الجوزى أيضا عن أحد مشاهير الصوفية الأوائل ( أبو طالب المكى ) وكتابه المشهور ( قوت القلوب ) : ( وصنّف أبو طالب المكي "قوت القلوب " ، فذكر فيه الأحاديث الباطلة ومالا يستند على أصل من صلوات الأيام والليالى . ) [132] . وقبيل العصر المملوكي وصف احدهم بانه (كان متسامحا في باب الرواية متساهلا فيه إلى غاية .! ) [133]
3 ــ وفي العصر المملوكي جعلوه سوقا نافقة للأحاديث الموضوع لدرجة ان الحافظ الذهبي يجعل من "المحدث الصوفي " ( احد النوادر الثلاث ) [134] . وهذا شيء طبيعي في عصر كان العلم مجرد الجمع والنقل ، فكان مقياس الاجتهاد العلمي في الحديث هو جمع أو حفظ أكبر كمية منه ، فقيل مثلا في مجد الدين الطبري أنه اهتم بحديث النبي عليه السلام ( وجمع منه مالم يجمع لأحد ) [135] .
4 ــ والسيوطي أشهر من يعبر عن العصر وتناقضه وعن سطحية وضحالة ( العلم ) فى العصر المملوكى ؛ فهو من ناحية أفرد للأحاديث الموضوع كتابه اللأليء المصنوعة ثم عرض للأحاديث التي وضعها الصوفية ) [136] ، ومن ناحية أخرى يذكر كل ما يحفظه من احاديث يقال انها صحيحه او موضوعة في مؤلفاته الكثيرة ، ومنها رسائله التي خصّص بعضها فى إيراد الأحاديث في حادثة عرضت له او سأله أحد فيها ، وكان يخترع لها أسانيد من عنده بلا حياء أو خجل ، أي أنه استخدم الأحاديث لأغراضه الشخصية، فحين عرضت له ازمة مع قايتباي وضع رساله تنهى عن التردد للملوك، وانكروا عليه لباس الطيلسان فألف: ( الأحاديث الحسان في فضل الطيلسان) مع أن الطيلسان لباس فارسي لم يعرف إلا بعد العصر الأموي [137] ووضع رسالة أخرى في ذم تولى القضاء ، فى هجوم على أقرانه الفقهاء ممن تولى منصب القضاء ، عدا الرسائل التي كتبها في الفضائل، ومنها (الروض الأنيق في فضل الصديق) و( الدرر في فضل عمر ) و( تحفة العجلان في فضل عثمان) و( القول الجلي فى فضل على ) . وقدم تحية لصديقه الخليفة العباسي في القاهرة في رسالة : ( الأساس في مناقب بني عباس)، وكتب للأشراف رسالة فى ( فضائل اهل النبي) . وفي كتبه الأخرى تعرض للأحاديث ، ففي (كوكب الروضة ) أورد احاديث في فضل النيل وفضل مصر والنزهة ودفن يوسف [138] , وزعم فى كتابه ( حًسن المحاضرة ) حديثا يمدح مدينة الجيزة المصرية ، ويورد أحاديث مختلفة فى فضل مصر وفى ذمها أيضا .وفى كتابه ( اخبار الخلفاء ) أورد الأحاديث الموضوعة فى فضل الخلفاء ، حتى خلفاء بنى العباس.!. بل ( كتب ) السيوطي أحاديث في أغراض تافهه مثل رسائله عن (الاتكاء على الوسادة ) و( أصول التهاني ) و( قلم الاظفار) و( أخبار العقرب ) و ( قص الشارب) و( فضل السبحة) و( الطرثوث ) فى مناقب البرغوث. وفي النهاية أفرغ السيوطي جعبته في (الجامع الكبير) الذي أورد فيه كل ما يعرفه من حديث مشهور وموضوع ، وقد قام شيخ الأزهر الأسبق عبد الحليم محمود بنشر هذا ( الجامع الكبير ) بكل ما فيه من خبل . والسيوطي يفخر بعمله وبحفظه لمائتي ألف حديث، يقول : (ولو وجدت أكثر لحفظته ، ولعله لا يوجد على وجه الأرض أكثر من ذلك ) [139]. وفي مناقبه التى يذكرها عن نفسه انه حدّث وله عشرون سنة وأملى الحديث بعد ذلك بسنين )[140]، أي انه (تزبب قبل أن يتحصرم)، أى صار زبيبا وهو أخضر ، أى صار (عالما ) بلا إستعداد ، كما يصفه معاصره وخصمه المحدث الفقيه المؤرخ السخاوي ، الذى يقول أيضا عنه ( لم أزل اعرفه بالهوس) وذكر أكاذيبه وانتحاله لمؤلفات غيره ) [141]. ولقد كتب السيوطى رسالة يهاجم فيها منافسه السخاوى بعنوان ( الكاوى على السخاوى ) . وكان السيوطى والسخاوى معا أشهر (علماء ) الحديث فى أواخر القرن التاسع بعد موت ابن حجر واالعينى اشهر ( علماء الحديث ) فى منتصف القرن التاسع . وقارن بعضهم بين السيوطي والسخاوي في الحديث فرأى السخاوى قد تفرد بمعرفة علل الحديث وتفرد السيوطي بالحفظ ) [142] . وفى رسائل السيوطى الدليل الأكبر على تفاهته وتفاهة عصره وجرأته على تزييف الحديث ، دون إنكار عليه . ولا يزال حتى الآن ملء السمع والبصر ، بما يجعل القارىء يشعر بالدهشة لما نقوله عنه هنا .
5 ــ وبعيدا عن السيوطي نذكر صوفية وضّاعين أخرين، كالشريف الناسخ الكعبي الموصوف بالضعف بين المحدثين وبأنه (مزور كذاب سمع لنفسه وزور ) [143] .
وقال ابن حجر عن احدهم (كنت قد تتبعت اوهامه في كتابه معجم الزوائد فبلغني أن ذلك شق عليه فتركته رعاية له ) [144]..أى راعى خاطر هذا الوضّاع الكذّاب دون أن يراعى حق الرسول عليه السلام ووجوب تبرئته من الكذب عليه . وقد منعوا الشيخ الصفوري من القراءة لأنه جمع كتابا باسم ( نزهة المجالس) ملأه أحاديث موضوعة ، وقد اعلن توبته ) [145] إلا أن كتابه الان مطبوع ومتداول.
وجمع الشعراني أحاديث موضوعة تصل التصوف بالنبي عليه السلام، [146] واحتال ليضع أحاديث بالمنامات ومنها ان الرسول عليه السلام قال له في مناك بالسرياني (ومن واظب على النوم بعد صلاة الصبح ابتلاه الله تعالى بالجنب ) [147] ، أى كذب الشعرانى على الرسول بالعربى وبالسريانى .!
6 ــ وجمع الصوفية ما وضعوه من احاديث كاذبة بين الناس في كتبهم ومؤسساتهم . يقول الصاغاتي في مقدمة رسالته عن الأحاديث الموضوعة: ( وقد كثرت في زماننا الأحاديث الموضوعة ، يرويها القصاص على المنابر والمجالس ، ويذكرها الفقراء والفقهاء في الخوانق والمدارس ، وتداولوها في المحافل )[148]..
تقديس البخارى فى العصر المملوكى : نقد حديث ( من عادى لى وليا .. )
كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الثانى :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )
اثر التصوف فى العلوم : فى تزييف الحديث
تقديس البخارى فى العصر المملوكى
1 ــ كان لميعاد البخاري أهمية قصوى فى العصر المملوكى ، حتى ان الحوليات التاريخية كانت تذكره كل سنة في موعده وحضور السلطان له. ومثلا ، في تاريخ ابن حجر ( إنباء الغمر بأبناء العمر ) والذى أرّخ فيه ابن حجر لسنوات عمره ، يقول : ( في قراءة البخاري بالقلعة ــ على العادة ــ حضر الهروي القاضي وقد اختلق لنفسه اسنادا ليقرأ عليه به صحيح البخاري، وأرسل إلى القمازى ... فتناوله منه، وهو من اهل الفنّ ، فعرف فساده ، فاقتضى رأيه ان جامله ) [149] . أى إن قاضى القضاة الهروى إختلق لنفسه إسنادا ، أى شهادة بأنه سمع الحديث وتعلمه من فلان عن فلان ، وأنه روى من فلان عن فلان ، كى يكون أحد الأعلام فى ميعاد البخارى الذى كان يتم عقدة كل عام فى شهر رمضان ، حيث يُتلى ( صحيح البخارى ) بحضور السلطان والأمراء والأعيان . وقدّم الهروى ( مؤهلاته ) الى القمازى أحد (علماء ) الحديث ، ولم يكن القمازى من منافسى الهروى ، فجامله ، واعترف بصحة مؤهلاته . وقيل في سبب عزل الشيخ القرمي عن مشيخة الخانقاة عند بيبرس وعن درس الحديث (لأنه افتضح بين الناس لجهله بالحديث ) 2 ــ وبسبب الجهل بالحديث والوضع فيه ، فلا نثصور وجود (علماء ) فى الحديث بنتقدون البخارى ، خصوصا وان من يتفوق فى (علم ) الحديث كان يتعرض للمحن إذا لم تكن له صلة بالسلطان . وكان هناك من تفوق فى (علم ) الحديث ، فحورب وتعرض للمحن ، ومنهم ابن الصقلى الذي وصف بأنه (تفوق على كثير من مشايخه ، وازدحم عليه أصحاب الحديث) [150] ولذلك (جرت عليه محن شارك فيها الفقهاء والأولياء ) (6)[151] على حد قول الصوفي صاحب تحفة الأحباب . وهذا مفهوم فى عصر التقليد والجهل والجمود .
3 ــ وكان الشيخ "أحمد صارو" ناردة عصره . وقد وصفه المقريزي بأنه ( حسن الاعتقاد كثير الأنكار على المبتدعين، مُحبّا في السنة وأهلها ) [152] .
وذكر ابن حجر عن "صارو " هذا قوله للسلطان برقوق : ( لا يُلتفت لما فى البخارى ومسلم ، إذ أكثر ما فيهما كذب ). فقال له السلطان برقوق : ( يا شيخ . إنهما كانا فى زمن لو كذب فيه أحد على النبي صلى الله عليه وسلم قتلوه ) [153]...نحن هنا أمام (عالم) جرىء مُنكر للبخارى ومسلم ، يسبق عصرنا الراهن البائس الذى لا يزال يعيش محنة تقديس البخارى ، ولكن هذا ( العالم ) نجا من الاضطهاد بسبب صلته بالسلطان برقوق ، وهذا الدفاع من برقوق عن البخارى ومسلم فيه اتهام واضح لعصره و( علماء ) وصوفية عصره .
4 ـ ولكن صحيح البخارى إكتسب قدسية هائلة فى العصر المملوكى برغم أنف الشيخ أحمد صارو ، ولا تزال هذه القداسة للبخارى وكتابه سارية حتى الآن .
نقد حديث ( من عادى لى وليا .. )
1 ـ بسبب هذا الحديث : ( من عادى لى وليا .. ) الذى إختلقه البخارى حظى (صحيح البخارى ) بقدسية فى العصر المملوكى ، ليس فقط فى تخصيص ( ميعاد البخارى ) طوال شهر رمضان ، بل أيضا لأنه صار فى العصر المملوكى محور (علم ) الحديث ، قام بشرحه الفقيه الزركشى ( 745 : 794 ) فى ( التنقيح بشرح الجامع الصحيح )، وقاضى القضاة شهاب الدين ابن حجر ( 773 : 852 ) فى ( فتح البارى فى شرح صحيح البخارى ) وقاضى القضاة بدر الدين العينى ت 855 ، فى ( عمدة القارى شرح صحيح البخارى ) وشهاب الدين القسطلانى ( 851 : 923 ) فى ( إرشاد السارى فى شرح صحيح البخارى ).
2 ـ حديث البخارى : ( من عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب ..) يدافع عن الأولياء الصوفية ويُشرّع عقيدتهم فى الاتحاد ، وهى العقيدة المناقضة للاسلام ، كما سبق شرحه فى الجزء الأول من كتاب ( الحياة الدينية فى مصر المملوكية ) . ونتوقف مع هذا الحديث بالتحليل والنقد ؛ نناقشه من حيث السند وفق منهج ( علم المصطلح ) لدى (علماء ) الحديث ، ثم نناقش متن الحديث وتعارضه مع القرآن الكريم .
من حيث السند :
رُوى هذا الحديث على سبع روايات ، كلها ضعيفة .
1 ـ رواية أبى هريرة عن طريق خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال عن شريك عن عطاء بن يسار عن ابى هريرة . قال الذهبى فى ( ميزان الاعتدال ) وقد أسنده عن طريق خالد : ( هذا حديث غريب جدا ، ولولا هيبة الجامع الصحيح ( اى صحيح البخارى ) لعددته فى منكرات خالد . ، وذلك لغرابة لفظه . ولأنه مما ينفرد به ( شريك ) وليس بالحافظ . ولم يرد هذا المتن إلا بهذا الاسناد ، ولا أخرجه من عدا البخارى ، ولا أظنه فى مسند أحمد ). أى أن المسوغ الوحيد فى قبول هذا الحديث ــ طبقا لما قاله الامام الذهبى ــ هو أنه مذكور فى (صحيح البخارى ). والحديث ليس مذكورا يقينا بهذه الرواية فى مسند أحمد ابن حنبل .
2 ـ رواية عائشة ، ولها طرق متعددة ، فيروى عن أحمد فى الزهد ، وابن أبى الدنيا وأبى نعيم فى الحلية ( حلية الولياء ) ، والبيهقى فى الزهد ، والقشيرى فى الرسالة القشيرية عن طريق عبد الواحد بن ميمون عن عروة عن عائشة . وعبد الواحد بن ميمون موصوف بأنه ضعيف فى الرواية ، والرواة الذين زعموا النقل عنه صوفية . وقد رواه الطبرانى عن هارون بن كامل ، ووصف بأنه مجهول .
3 ــ رواية أبى أُمامة ، رواه الطبرانى والبيهقى فى الزهد باسناد عثمان بن أبى عاتكة وعلى بن يزيد ، وهما ضعيفان . وفى رواية على بن أبى طالب ، رواه الاسماعيلى فى سند على باسناد ضعيف .
3 ـ رواية ابن عباس ، رواه الطبرانى باسنادين ضعيفين ،
وفى رواية ( أنس ) رواه الطبرانى والقشيرى فى الرسالة القشيرية ، وهذا السند ضعيف أيضا .
7 ـ وفى رواية معاذ بن أبى جبل ، رواه ابن ماجه وابو نعيم مختصرا باسناد ضعيف . ( راجع تحقيق الحقيقة العلية الشاذلية 4 هامش 2 ).
وهكذا كانت روايات هذا الحديث تتراوح فى وصفه بين الغريب والمجهول والضعيف ، وقد تفوق الامام الذهبى فى نقده حين اشار الى أن متن الحديث غريب .
على أن الملفت للنظر هو إختلافات متن الحديث :
1 ــ فهو فى رواية ابى هريرة فى البخارى ( من عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب الىّ عبدى بشىء أحبّ الىّ مما إفترضته عليه . ولا يزال عبدى ..الخ ) وذكر ابن تيمية صيغة أخرى : ( من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة ) الى أن يقول ( فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش ..) ( رسالة الصوفية لابن تيمية ) . وذكر ابن عطاء السكندرى صيغة أخرى : ( من آذى لى وليا فقد آذنته بالحرب ) ( لطائف المنن 16 ). وفى صحيح البخارى من طريق عائشة زيادة ، هى : ( وفؤاده الذى يعقل به ، ولسانه الذى يتكلم به ). هذا عدا الاختلافات الأخرى فى رواياته السبع فى كتب الحديث الأخرى .
2 ـ فقرات متن الحديث تتناقض مع بعضها . ففى هذا الحديث : ( وما تقرب الى عبدى بشىء أحب الى مما إفترضته عليه ) ومعناه ان الله لا يحب من عبده أكثر من أدائه الفرائض ، ولا عبرة بغيرها لأن كلمة ( أحبّ ) أفعل تفضيل . ثم يتناقض هذا مع الفقرة التالية : ( ولا يزال عبدى يتقرب الىّ بالنوافل حتى أحبه ) .
وابتدأ الحديث بقول ( من عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب ) ومعنى ذلك أن هذا الولى ضعيف مقهور الى درجة ان الله فى زعمهم من يعاديه أو يؤذيه باعلان الحرب. ويتنافى ذلك مع صف الولى الضعيف بأن له يدا يبطش بها ، فالضعيف لا يد له يبطش بها ، فكيف يبطش المقهور الضعيف ؟ بل كيف تكون يد هذا الولى الضعيف المقهور متحدة بالله جل وعلا ويبطش بها ويحتاج الأمر الى أن يستعدى الله جل وعلا على من يؤذيه ؟ وهل يستطيع بشر أن يؤذيه ؟ ومن يستطيع إيذاءه حينئذ ؟ .!
ثم هناك نوع من عدم الترابط والانسجام بين الفقرة الأولى والثانية . فالآولى تتحدث عن الحرب والعداء ، والثانية تتحدث عن العبادات والقُربات .
3 ـ يتعارض الحديث جملة وتفصيلا مع القرآن الكريم ، تؤكد أن الله جل وعلا يبادر بإعلان الحرب على من يتجرأ على مجرد عداء الولى أو إيذائه . وهذه الصيغة الرهيبة لم ترد فى القرآن الكريم . فالله جل وعلا قال فى موضع مماثل ــ مع فارق ــ بلهجة هادئة ( من كان .. البقرة 98 ) مفارقة كبيرة يُحسّها القارىء لللآية الكريمة ولبداية ذلك الحديث . ففى الآية نرى أن الله سبحانه وتعالى يكتفى بردّ العداء بمثله على من يبدأ بالعداء لله جل وعلا وملائكته ورسله، واستمر على هذا العداء . أما الصوفية فقد جعلوا الله جل وعلا فى هذا الحديث يبادر بالاعلان بالحرب على من عادى وليا ، وفى ذلك تفضيل للولى الصوفى على الله جل وعلا ورسله وملائكته . هذا لو وُجد أولياء لله جل وعلا دائمون ، وقد سبق أن ولى الله جل وعلا هى صفات عامة مطروحة للبشر جميعا وهى الايمان والتقوى ، وتتعرض للزيادة والنقصان تبعا للظروف التى يتقلب فيها كل فرد . أى لا يوجد على الأرض ( ولى ) حىُّ يسعى . وعند الاحتضار سيعرف كل فرد هل هو من اولياء الله أو من أولياء الشيطان ــ طبقا لعمله وإيمانه . أما هذا الولى الصوفى فينطبق عليه تماما حديث رب العزة عن المشركين وإتخاذهم ( أولياء ) من البشر، يقدسونهم ويقدمون لهم القرابين والنذور ، وهو بالضبط ما كان الصوفية يفعلون فى العصر المملوكى ، ولا يزالون .
4 ـ والملفت للنظر تلك الصيغة الصوفية العقيدية التى لم ترد بالتفصيل لدى مشركى الجاهلية العربية الذين أتخذوا الأولياء أربابا يعبدونهم لتقربهم الى الله جل وعلا ولفى . ونقصد تلك الصيغة الاتحادة الصوفية التى يؤمن بها الصوفية ، فى عقائدهم من الحلول والاتحاد . وقدجاءت صريحة فى هذا الحديث الذى يقول ( كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ، ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى عليها ) . هذا كفر شنيع نستنكره ، ونتعجب من قائليه وواضعيه والمؤمنين به .
5 ــ وبدلا من استنكار هذه الصياغة الكافرة فى الحديث نجد محاولات التبرير . والسيوطى الذى عهدناه يجمع وينتحل بلا تفكير ، نراه يخرج عن مألوف عادته وعقليته ، ويفرد فصلا كاملا من كتابه ( تأييد الحقيقة العلية ) لتبرير عبارات الكفر فى هذا الحديث . والشوكانى ــ وهو من تلاميذ ابن تيمية فى العصر العثمانى ــ أرهق نفسه فى تبرير وتاويل عبارات الكفر الصوفية فى هذا الحديث ، وفى كتاب خاص لذلك هو ( قطر الولى فى حديث الولى ) ( راجع صفحات 410 : 428 . تحقيق د ابراهيم هلال ) . هى عبارات صريحة فى كفرها شنيعة فى سبّ رب العزة ، ولكن لأنه حديث كتبه البخارى فإن حق البخارى أعظم عندهم من حق الله جل وعلا . والانحياز للبخارى والتصديق بما جاء به فريضة عندهم ، وعلى أساسها يدافعون عن البخارى ضد رب العزة جل وعلا .
6 ــ جدير بالذكر أن الصوفية فى العصر المملوكى إبتهجوا بهذا الحديث ، ونسجوا على منواله أكاذيب أخرى ، فيروون ان ابا الحجاج الأقصرى روى بزعمه حديثا نبويا يقول : ( من آذى وليا من أولياء الله تعالى فكأنما هدم الكعبة سبعين مرة ) . وقد استعظم بعضهم هذا الحديث فردّ عليه الفقيه ابن دقيق العيد بقياسه على حديث الولى فى البخارى ، وأن محاربة الله لمن يعادى الولى هى أشدُّ من هدم الكعبة . ( النويرى الاسكندرى : الاعلام . مخطوط : 1 : 3 ) . وليس هناك أشنع من حديث الولى فى البخارى إلا قول أبى العباس المرسى يُشبّه رب العزة باللبؤة ـ دفاعا عن الولى الصوفى ، يقول لعنه الله : ( مثل ولىُّ الله مع الله كمثل اللبؤة مع ولدها . أتراها تاركة ولدها لمن يؤذيه ) . وهذا القول الكافر الشنيع رددته كتب الصوفية : رواه ابن عطاء عن قائله شيخه ابى العباس المرسى فى كتاب ( لطائف المنن ) الذى يتحدث فيه عن مناقب المرسى والشاذلى ، وذكره الشعرانى فى الطبقات الكبرى : 2 / 12 ، وعبد الصمد الأحمدى فى مناقب السيد احمد البدوى : (الجواهر 66 ).
7 ــ أخيرا : وقد حقق حديث ( من عادى لى وليا ) اغراضا هامة للمتصوفة أرهبوا به المنكرين عليهم وأظهروا به عقيدتهم فى الاتحاد بالله ورفعوا من شأن الولى وقدسوه كجزء من الله ــ تعالى عن ذلك علوا كبيرا ــ لذا أدخل مجد الدين الفيروزبادي في شرحه لصحيح البخاري كثيرا من كلام ابن عربي في الفتوحات [154] .
طائفة من ( الأحاديث) الصوفية فى العصر المملوكي
كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الثانى :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )
اثر التصوف فى العلوم : فى تزييف الحديث
طائفة من ( الأحاديث) الصوفية فى العصر المملوكي :
الصوفية يضعون ( يفترون ) الأحاديث
1 ـ وقد صنف أبو شامة كتاب ( الباعث..) ذكر فيه الأحاديث النبوية الموضوعة في صلاة ليلة النصف من شعبان وقال عن الوضّاعين ( حمّلوا عباد الله بالأحاديث فوق طاقتهم )[155] وهناك فقيه مجهول كتب رسالة فى الأحاديث الموضوعة فى العصر المملوكى ـ لا تزال محطوطة لم يتم نشرها بعد ـ وقد كتبها بدون أن يكتب إسمهه عليها ، والسبب معروف ، وهو خوف الاضطهاد . وقد قال فى رسالته أن هناك أحاديث وضعوها في فضائل شهر رجب وليلة الرغائب [156] ، وأورد الأبشيهي فى كتابه ( المستظرف ..) احاديث في فضل سور القرآن [157] ، وعدها المؤلف المجهول لرسالة الأحاديث الموضوعة ضمن الأحاديث الموضوعات [158]. ويذكر أن صوفيا كان يروي حديثا في قراءة سورة يس صيغته طويلة مهلهلة مختلفة عن الصيغ الأخرى [159] ، مما يدل على أنه وُضع في وقته . ومع ذلك قيل في أحدهم انه كان (يداوم على قراءة سورة يس في كل حال ويسند فيها حديثا موضوعا )[160] ...
2 ـ ووضع الصوفية احاديث نبوية في فضل الصوفية مثل صلة ابن أشيم الذي يدخل الجنة بشفاعته كذا وكذا ) [161] واويس القرني الذي يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر ،) [162]. وهذه الشفاعات ميزة للصوفية حرموا منها الصحابة انفسهم حتى في الموضوع من الحديث.
3 ــ ومن خلال كتاب السيوطي (اللأليء المصنوعة فى الأحاديث الموضوعة ) نجد اغلبها في المناقب ثم الزهد والمواعظ والذكر والدعاء ،وتلك موضوعات التصوف . وأغلب الاحاديث الضعيفة في الجامع الكبير للسيوطي ـــ وهو سجل للأحاديث المتداولة في العصر المملوكي ــ ترتب الثواب الجزيل على الأعمال السهلة ولاسيما الذكر باللسان . ويوجد فى (الجامع الكبير) للسيوطى حوالى مائة ألف حديث، منهما تسعون ألفا من الأحاديث الموضوعة فى العصر المملوكى فقط .
4 ــ وبعض الأحاديث النبوية السائدة فى العصر المملوكى تصرخ بأن واضعيها صوفية ، حيث وضعت في أمور تعبر عنهم كأفضلية السراج والقناديل في المسجد [163] ، وحديث (من خرج من بيته قاصدا الحج ومات قبل ان يخرج فان الله جل يوكل ملكا ينوب عنه بالحج في كل عام الى يوم القيامة ) [164] ، ومثله في وضوح وضع الانتحال حديث رواه فخر الدين الفارسي أحد أصحاب المنامات يقول فيها بإسناده( من ادعى مناما ليضحك الناس ويل له ويله ويل له )[165] وأظنه انتحل هذا ليبعد الشبهة عن نفسه كأشهر الناس في ادعاء المنامات فى عصره.
5 ــ ونمثل بأحاديث وضعها الصوفية تعبر عنهم ونشروها فى العصر المملوكى :ـــ
العزلة: روى اليحمودي شيخ التصوف بسنده هو (يأتي على الناس زمان لو سمعت باسم رجل خير لك من ان تلقاه ، ولو لقيته خير لك من أن تجربه، ولو جربته لابغضته وبصقت عليه ) [166]
العلم اللدني : إفتروا هذا الحديث ونشروه وشهروه ، وهو :( من اخلص لله أربعين صباحا فجر الله ينابيع الحكمة من قبله على لسانه ) [167]
الزهد (حب الدنيا رأس كل خطيئة الدنيا جيفة وطالبيها كلاب) (الدنيا قنطرة فاعتبروا ولا تعمروها) ( ومن تكلم بكلام الدنيا في المساجد أحبط الله اعماله أربعين سنة) (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) (الفقر فخرى وبه افتخر) (صاحب القميصين لا يجد حلاوة الايمان) ( خير الناس بعد المائتين ـ أي بعد ظهور التصوف ــ الخفيف الذي لا أهل له ولا ولد ) [168]
واحاديث الصلاة على النبي والحقيقة المحمدية كثيرة .ومنها (من صلى علىّ مرة لم يبقى من ذنوبه ذرة)( من شم الورد الأحمر ولم يصلّ علىّ فقد جفاني) (الورد الأحمر من عرق النبي) (أنا أكرم على الله من أن يتركني في التراب الف عام ) ، (لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك ) [169] .
وأقيمت لهم الولائم قبل وفى العصر المملوكى فصنعوا لها أحاديث مثل : ( الوضوء قبل الطعام ينفى الفقر ويصحح البصر) (الأرز منى وأنا من الأرز) (خلقت الأرز من بقية نفس ) ( لو كان الأرز حيوانا لكان آدميا ولو كان رجلا لكان صالحا ولو كان صالحا لكان نبيا ولو كان نبيا لكان مرسلا ولو كان مرسلا لكان إماما) (من أكل الأرز أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ) ( عليكم بالعدس فإنه مبارك، فقد بارك فيه سبعون نبيا في اخرهم عيسى ابن مريم) ، (لا تقطعوا الخبز واللحم بالسكين كما تقطع الأعاجم ولكن انهشوه نهشا)
ومنها الأحاديث الموضوعة في تفضيل البطيخ والباذنجان والكرفس والثوم والبصل وقولهم (الباذنجان لا آكل له ) (ولقد سئل عبد الله ابن مبارك عن من قدّس العدس من الأنبياء قال ولا نصف نبي )
وفى تنفيرهم من الاعتراض إخترعوا حديث(من عيّر اخاه بذنب لم يمت حتى يُصاب به ).
الحشيش ) [170] (ان في بلاد الهند أوراق مثل آذان الخيل فكلوا منها فإن فيها منفعة) واقاويل أخرى تروي في أكل الحشيش لم يثبت منها شيء [171]
الزعم بعلم الغيب أو الكشف: ( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله )
ومارس بعضهم التسول فقالوا حديث : (الحياء يمنع الرزق ).
وأظهر التصوف العقائد الفرعونية ، ومنها تقديس القطة ، فصاغوا حديث (حب الهرة من الإيمان).
وعن الشذوذ ، صاغوا حديث : (اطلبوا الخير عند حسان الوجوه) [172]
ونشروا الاعتقاد فى جدوى التفاؤل والتشاؤم، فانتشرت أحاديث تعبر عن هذا مثل : (من بشرني بخروج صفر بشرته بدخول الجنة) [173]، (البلاء موكل بالمنطق).
السياحة الصوفية : (سافروا تصحوا) .
ولم ينس الأشياخ خدامهم فوضعوا لهم الأحاديث (خادم الفقراء يحشر مع الأولياء).
ومن الموضوع قولهم بمسخ ستة عشر حيوانا كالقرود والدب والعقرب والضبع والسلحفاة والخنزير وغير ذلك . وهذا المسخ او التشكل بين الحيوانات والجان والآلهة القديمة عقيدة فرعونية وضعت فيها الأحاديث، ونشر الصوفية هذا ضمن كراماتهم التى أسموها بالتطور .وقد ذكر بعضها في ( آكام الجان ) [174] و( حياة الحيوان )[175] .
الفقهاء الحنابلة يرفضون الأحاديث الصوفية المشهورة فى العصر المملوكى
1 ـ ابن قيم الجوزيه:
صنف (المنار المنيف في الصحيح والضعيف) وضع فيه قواعد يعرف بها الحديث الموضوع من وجهة نظره ، منها : مناقضة الحديث للسنة الصريحة مناقضة بينة كاشتماله على فساد او ظلم او مدح باطل او ذم حق ، ومنها كل حديث ذكر فيه حسان الوجوه او الثناء عليهم او الأمر بالنظر إليهم او ان النار لا تمسهم.الخ ...
ومنها اشتماله على مجازفات مثل من فعل كذا أعطى في الجنة كذا وكذا ، ومنها تكذيب الحس مثل الباذنجان منه شفاء لكل داء وحديث اذا عطس الرجل فهو دليل صدقه ، ومنها سماجة الحديث وكونه ما يسخر منه مثل (لو كان الأرز رجلا لكان حليما.و لو يعلم الناس ما في الحلبة لاشتروها بوزنها ذهبا ، بئست البقلة الجرجير ، وفضل الكرات على سائر البقول كفضل البر على الحبوب ،و ان للقلب فرحة عند أكل اللحم، وربيع امتى العنب والبطيخ ، ومن اتخذ ديكا ابيض لم يغوه شيطان ولا سحر.. ومنها الأحاديث في مقدار الدنيا ، والأحاديث التي يذكر فيها الفقر ، وكل الأحاديث فى حياة الخضر كلها كذب ولا يصح في حياته حديث واحد . ومنها مخالفة الحديث صريح القرآن كمقدار الدنيا وأنها كذا فلا يعلم الساعة إلا الله ، والحديث الذي يروي في صخرة بيت المقدس وأنها عرش الله الأدنى ، ومنها صلوات الأيام والليالي كصلاة يوم الأحد وليلة الأحد يوم الاثنين ويوم الاثنين ليلة الثلاثاء وليالي الأسبوع، كل احاديثها كذب، كمثل من صلى ليلة الأحد أربع ركعات يقرأ في كل ركعة كذا ... وكذلك في الرغائب ليلة اول الجمعة من رجب كلها كذب ، وقد وضع ابن جهضم [176] حديثا يقول فيه (رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر امتي ) وكل حديث في ذكر شهر رجب وصومه وفضائل الأعمال فيه موضوع قال ابن حجر في كتابه( تبيين العجب بما ورد في فضل رجب) ، ومنها احاديث صلاة النصف من شعبان، وحديث يمدح العدس والأرز والباقلاء والباذنجان والرمان والزبيب والهندياء والكرات والجزر والجبن والهريسة والبطيخ والأزهار ،ومنها احاديث اللحوم كالنهي عن قطع اللحوم بالسكين وانه من صنع الاعاجم ،والنهى عن الأكل من السوق ، ومنها أحاديث الابدال والاقطاب والاغنياث والنقياء والنجياء والاوتاد (طبقات الصوفية) وكلها باطلة ، وأحاديث المهدى المنتظر ) [177] .
ابن تيمية
وابن قيم الجوزيه يتابع استاذه ابن تيمية الذى كان أكثر جرأة من تلميذه في تحليله للأحاديث ، ويتضح ذلك فى كتابه ( أحاديث القُصّاص) الذي أورد فيه احاديث موضوعة في خدمة التصوف ، وبعضها مشهور ومتداول حتى في عصرنا هذا.ومنها : ( ما وسعنى سمائي وأرضي بل وسعني قلب عبدي المؤمن) يقول ابن تيمية فيه (هذا مذكور في اسرائيليات وليس له سند معروف .. والا فمن قال ان ذات الله تحل في قلوب الناس فهو اكفر من النصارى الذي خصوا ذلك بالمسيح وحده) يشير بذلك الى الصوفية .( كنت كنزا لا يعرف فاحببت أن اعرف فخلقت خلقا فعرفتهم بي فبي عرفوني) يقول فيه ليس هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم و يعرف له اسناد صحيح ولا ضعيف) والحديث يعبّر عن الأولياء الصوفيين العارفين .(الدنيا خطوة مؤمن) يقول فيه (هذا لا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن سلف الأمة ولا خلفها ولا أئمتها) وطى الأرض بخطوة واحدة من أشهر كرامات الصوفية في زعمهم. (اتخذوا مع الفقراء ايادي فان لهم دولة )وقد ذكر ابن قيم الجوزية هذا الحديث في المكذوبات صـــ 140 تحت صيغة (اتخذوا مع الفقراء ايادي فان لهم في غد دولة وأي دولة)،والفقر والفقراء من صفات المتصوفة .(الفقر فخرى وبه افتخر) يقول عنه ابن تيمية وعن سابقه : كلاهما كذب لا يعرف له لأي من كتب للمسلمين المعروفة . حديث: ( إن أبا محذورة انشد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم :
قد لسعت جمرة الهوى كبدى فلا طيب لها ولا راقي ... الى اخرها
وتواجد النبي صلى الله عليه وسلم ووقعت البردة من كتفه فتقاسمها فقراء الصفة وجعلوها رقعا في ثيابهم . يقول ابن تيمية : هذا كذب باتفاق اهل الحديث لكن قد رواه بعضهم لكنه من الأحاديث الموضوعة) .ويتضح فى الحديث الجو الصوفي من الانشاد والوجد والحب الإلهي والتبرك بالمرقعات على نحو ما كان في العصر المملوكي ..( ان عمر ابن الخطاب قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا تكلم مع ابي بكر كنت بينهما كالزنجي الذي لا يفهم) هذا كذب ظاهر لم ينقله احد من أهل العلم بالحديث ولا يرويه إلا رجل جاهل او ملحد ) . ومن وجهة النظر الصوفية يعني الحديث أن الرسول عليه السلام يحدث ابي بكر حديث العارفين الذي لا يعرفه الأغيار كعمر مثلا . ( ان الله (تعالى عن ذلك) يعتذر الى الفقراء (الصوفية) ويقول : وعزتى وجلالي ما زويت الدنيا عنكم لهوانكم علىّ ولكن اردت ان ارفع قدركم في هذا اليوم . انطلقوا الى الموقف فمن احسن لكم بكسرة او سقاكم شربة من ماء أو كساكم خرقة انطلقوا به الى الجنة) يقول ابن تيمية (هذا الثاني كذب لم يروه احد من أهل العلم بالحديث فهو باطل مخالف الكتاب والسنة والاجماع ). وهو حديث يسند الى ان الصوفية يشفعون في الاخرة وهذا باطل. ( من زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد دخل الجنة) هذا حديث كذب موضوع ولم يروه أحد من اهل العلم بالحديث ) (فقراؤكم حسناكم) يقول ابن تيمية : هذا ليس مأثورا ولكن معناه صحيح (الشيخ في قومة كالنبي في أُمّته) يقول فيه (ليس من كلام النبي حتى في أصله ) . وحديث (كنت نبيا وأدم بين الماء والطين وكنت نبيا وآدم لا ماء ولا طين) ويقول (هذا اللفظ كذب باطل) .وهذا الحديث يعبر عن المذهب الصوفي فى الحقيقة المحمدية . ( من اخلص لله عز وجل أربعين يوما تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه) يقول ( رواه يوسف الصفار وهو ضعيف لا يجوز الاجتماع بحديثه) وهو يعبر عن العلم اللدني الصوفي . ( من اكل مع مغفور له غفر له) يقول (هذا ليس له اسناد عند اهل العلم ولا هو في سنن ..المسلمين وليس معناه صحيحا على الاطلاق فقد يأكل المسلم مع الكفار والمنافقين....) وهذا الحديث خلقته حاجةالصوفية للمآدب والولائم.. وقد ذكره ابن القيم الجوزيه في كتابه السابق صـــ 14 (من اشبع جوعة أو ستر عورة ضمنت له على الله الجنة) يقول (هذا اللفظ لا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم )،(اللهم احييني مسكيناوامتنى مسكينا واحشرني في زمرة المساكين) يقول فيه : يروى لكنه ضعيف لا يثبت .... ) وذلك حديث مشهور حتى وقتنا مع انه تعارض مع القرآن الكريم الذي يصف اليهود المعتدين بالذلة والمسكنة(البقرة 61) ويصف المؤمنين بالعزة ( المنافقون :8) (حسنات الأبرار سيئات المقربين) يقول ( هذا من كلام الناس ليس من كلام الرسول عليه السلام ) [178] وأقول لا يمكن للحسنة ان تكون سيئة، والأبرار والمقربون ليسوا طوائف دينية ، والإسلام لا يعرف التمايز بين الناس الا في الايمان والعمل الصالح ولا يعلم هذا إلا من يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور . ويتضح التشابه بين كتاب ( حديث القثصّاص ) لابن تيمية وكتاب ( المنار المنيف ) لتلميذه ابن القيم . إلا إن ابن القيم حافظ على هدوئه أغلب الوقت فى نقده لتلك الأحاديث وواضعيها من الصوفية ، ولكنه كان أحيانا يهيج غضبا كشيخه ، فحين عرض في كتابه (المنار المنيف) لحديث( حضر رسول الله مجلسا للفقراء ورقص حتى شق قميصه ) فقال : ( فلعن الله واضعه ما أجرأه على الكذب... السمج ) [179] ، وقال في حديث( لو احسن احدكم ظنه بحجر لنفعه) : ( وهو من وضع المشركين عباد الأصنام ) [180]...
(الوضع في التاريخ )
هذا موضوع يستحق بحثا مكتملا ، يخرج عن موضوعنا . وبسرعة نقول أن التاريخ عرف الكذب مع بدايته . كما أن الأحاديث السنية والصوفية والشيعية المخالفة للقرآن الكريم تعتبر تزييفا في التاريخ النبوي . على أن المناقب او سير الصوفية كانت المثل الحي على تزييف التاريخ .
وعن التصوف بالذات فإن كتب المناقب والكرامات أكبر مثل على التزييف فى تاريخ الأولياء ، وإن كانت صادقة فى التعبير عن عقائد عصرها وقائليها . وقيل في ترجمة نور الدين الشطنوفي ت 713 انه (جمع أخبار مناقب عبد القادر الجيلي في نحو ثلاث مجلدات وكتب فيها عمن اقبل وأدبر فراج عليه حكايات كثيرة مكذوبة ) [181] واسهمت كتب المزارات بدورها في تزييف التاريخ حين ذكرت عنه الكثير من المشاهد المزورة لصحابة وتابعين لم يأتوا لمصر [182] . ومن المؤسف ان كتب التاريخ قد نقلت بعض مفتريات كتب المناقب : كأسطورة ابن اللبان الذي اعترض على البدوي فسلبه العلم والقرآن ، وقد نقل ابن العماد الحنبلي تلك الأسطورة عن الجواهر السنية مع ان ابن اللبان كان صوفيا ملحدا من أصحاب الدعوات المتطرفة ولم يكن فقيها [183]
ومن الطبيعي أن يكون المؤرخ متأخرا عن زمن مؤلف المناقب فينقل المؤرح عنه معتقدا صحة ما كتب مؤلف المناقب .ويختلف الحال بالنسبة للمؤرخ المعاصر للولي صاحب المناقب فبينما يتحدث المؤرخ عن ذلك الولى باعتدال يتطرف مؤلف المناقب في تقديس شيخه ، وعلى سبيل المثال اعتدال العيني وأبو المحاسن وابن حجر في وصف علاقة الحنفي بالسلطان الظاهر ططر [184] وبالغ المتصوفة في سبك روايات تؤكد خضوع ططر للحنفي ) [185] وما سبق مجرد امثلة تفتح شهية من أراد التعمق فى هذا البحث .
أثر التصوف فى الحركة التعليمية : التعليم ومؤسسات الصوفية
كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الثانى :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )
مدخل عن أثر التصوف فى الحركة التعليمية :
قاد الصوفية الحركة التعليمية في العصر المملوكي ، وكانت المؤسسات الصوفية مسرح الحركة التعليمية، وقد أقامها المماليك أو الصوفية انفسهم ، مع اجتذاب المؤسسات الصوفية لمشاهير العلماء من غير الصوفية. وهذا ولا شك جهد إيجابي، الا ان هذا الجهد للأسف ــ لم يجن الثمار المأمولة منه ، وذلك راجع لأن التصوف نفسه هو السبب في تدهور الحياة العلمية. لذا فإن النشاط التعليمي مع اتساعه وسيطرة التقليد ثم الجمود بدأ فى الانحدار شيئا فشيئا . فالتعليم لا يمكن ان يتقدم الا بقيادة حركة علمية متطورة وأساتذة باحثين ، وإلا تحكم في قيادته انصاف المتعلمين ، ولا عبرة حينئذ بالكثرة التي لا تغني .
(1) التعليم ومؤسسات الصوفية..
وهي الخوانق والربط والزوايا والترب والقباب والمشاهد والجوامع ، بالإضافة الى المدارس التي أضحت مؤسسات صوفية بانتشار التصوف.
المدارس والتصوف
1 ــ بدأ التصوف والصوفية يزحفون للسيطرة على المدارس التي كان وجودها سابقا للعصر المملوكي ، وظل بعضها يمارس نشاطه التعليمي بلا تصوف فيها وقد ذكر المقريزي كثيرا من هذه المدارس وأغلبها في القرن الثامن [186].
2ــ ثم بدأ دور الصوفية يتقرر في المدارس بالتدريج وبانتشار التصوف ، وتجلي ذلك فيما عرف في العصر ب(الحضور) ودعاء الصوفية الحاضرين في المدرسة للواقف ، مع وجود طلبة اخرين غير صوفية يتعلمون بالمدرسة . وكانت المدرسة (الاقبغاوية) اول مدرسة ورد فيها ذكر متصوفة [187] ، وتم تعيينهم فيها أو (قُرّروا) بها ، ويقال حينئذ عن المدرسة ومن فيها من الصوفية والطلبة : ( رُتّب فيها درس للحنفية ) أى للطلبة الفقهاء من المذهب الحنفى ( وصوفية يحضرون عصر كل يوم .) ، (ورتب فيها حضور [188] في كل يوم للصوفية بالإضافة إلى دروس للمذاهب الأربعة). وقد تنشأ زاوية للصوفية تجاه المدرسة ، ثم يصبح الصوفية هم الطلبة في المدراس ويصبح شيخهم هو الشيخ للمدرسة فتتخذ المدرسة بذلك الصبغة الدينية ، فيقال: ( انشأ مدرسة وبها خطبة وصوفية ) [189]..
3 ـ ثم حدث الخلط بين الخانقاة والمدرسة فقيل عن الخاناقاه الجاولية والمهمنارية وخانقاه جمال الاستادار ومدارس برسباي انها مدراس [190] وكان يقال على ذلك :( ان سنجق من عبد الله التركي أوقف مدرسة ورباطا )[191] بل وقف بعض الصوفية (مدرسة )[192]
4 ــ وإنقلب الحال ، فكانت المدرسة تنشأ داخل الخانقاه الصوفية ، ويعني بها مكان تلقى العلم فأنشأ الأمير سودون مدرسة بخانقاه سرياقوس وجعل بها خطبة [193] . وحكى عن صوفي من خانقاه سعيد السعداء (انه سرق قمحا من حاصل المدرسة، فقام الصوفية عليه) [194] ، أى كانت هناك مدرسة داخل تلك الخانقاة الصوفية المشهورة ، وأن أحد الصوفية سرق قمحا من مخزن تلك المدرسة الملحقة بالخانقاة ، وقال ابن الصيرفي عنهم (ان لهم مباشرة بالمدرسة بالخانقاه المذكورة)[195] ، وهنا ترادف بين المدرسة والخانقاة .
5 ــ وفي عصر المماليك البرجية وجدت المؤسسات الصوفية المكتملة او المدرسة الخانقاه كالظاهرسة وبرقوق والغورية ) [196] . وفي هذا العصر كان الصوفية هم الطلبة والمدرسون والناس جميعا...
6 ــ وما لبث الخلط أن وقع بين المدرسة والزاوية حين أقيمت المدارس في القرافة وبني بها ضريح ويسكنها شيخ . يقول السخاوى عن مدرسة زين العابدين الدهوطي : بها قبر الشيخ العارف بالله (ودفن بزاويته ) [197]...
7 ــ وحدث خلط آخرين بين المدرسة والجامع ، فقيل عن جامع المؤيد شيخ : ( ذكر نزول السلطان مدرسته.. نزل السلطان الى جامعه الذي بناه بحذاء باب زويلة ) [198] وقيل عن جامع السلطان حسن (هذا الجامع يعرف بمدرسة السلطان حسن ) [199] .
ونتعرض سريعا للتعليم في المؤسسات الصوفية الأصلية ...
التعليم في الخوانق:ـــ
1 ــ ظهرت بعض الخوانق في أوائل القرن الثامن وأضيفت اليها وظيفة التدريس بجانب وظيفتها الأصلية ) [200] وكان ذلك مبررا للخلط بينهما وبين المدرسة . واشتهرت خانقاه جمال الدين الاستادار بالتدريس حتى يقال (أن الأصح أن يقال فيها مدرسة ) [201] وقد قسم الصوفية بها الى المجردين ( المتفرغين ) للعبادة وغير مجردين ، ورتب الطلبة من المجردين ودرسوا الفقه على المذاهب الأربعة كمادة أساسية الى جانب التفسير والحديث والعربية اختيارية . وكان الاهتمام في تلك الخانقاه بالفقه الشافعي ، وعينت وثيقة الوقف مكان جلوس الشيخ في كل مادة، فشيخ الفقه الشافعي مثلا يجلس في الايوان فيما بين طلوع الشمس على الظهر. وبينت الوثيقة طريق التعليم : ( فهو حل المشكلات وكشف الغامض وتسهيل العسير والإرشاد ) بالنسبة للفقه الشافعي ، وبالنسبة للحديث (يقرأ الطالب ما تيسر من الأحاديث ويفيدهم الشيخ .. ) بل شارك فيها الراغبون من خارج الخانقاة ، فعن الحديث تقول وثيقة الوقف : ( على ان الشيخ المذكور يتصدر في كل سنة الاستماع للطلبة ومن تيسر حضوره من المسلمين كتب الصحاح السند) وعن القراءات (ويفهمهم القرآن ومن تيسر حضوره من المسلمين من اهل المذكور ومن غيرهم تجويدا او تجهيرا وتلقينا ) [202] ولقد كان الفقه على المذاهب الأربعة مع الحديث والتجويد أهم المواد التي درست في الخوانق .
التعليم في الجوامع :ـــ
صار الجامع مؤسسة صوفية في العصر المملوكي ، فكان الصوفية يقررون في الجوامع بعد انشائها . وقد بنى السلطان الناصر محمد بن قلاوون الجامع الجديد (ورتب فيه صوفية يحضرون بعد العصر كما في الخوانق ، وهو من احسن الجوامع ) [203] وقيل عن جامع شيخون (جعل فيه خطبة وعشرين صوفيا ) [204]
ونشاط الصوفية والجوامع على نوعين :
1 ـ وظيفة التصوف . وهى حضور الصوفية في مواعيد معينة في الجامع : في الصباح أو بعد العصر ، وتُفرق عليهم أجزاء القرآن الكريم فيقرأ الشيخ ما تيسر وتقرأ الصوفية ويختمون القراءة مع الشيخ ثم يدعون للواقف ) [205] وتُذكر وظيفة التصوف في المؤسسات الصوفية الأخرى [206].
2ــ التعليم : أو ترتيب الدروس في الجوامع ) [207] فقد قرر الشيخ الديري في مشيخة الصوفية وتدريس الحنفية في جامع المؤيد شيخ [208] . بل ان بعض الصوفية اقام الجوامع مثل ابن المنزلاوي.. [209] الذي انتمى إليه في جامعة الفقراء والمريدون والطلبة [210] . ورتبت دروس الفقه على المذاهب الأربعة في الجامع المالكي الذي جدده بيبرس الجاشنكير ت 704 والجامع الأشرفي برسباي الذي قدر المعاليم ( المرتبات ) للطلبة على ان يحضروا وظيفة التصوف ) [211] وفي الجامع الحاكمي رتب إلى جانب الفقه دروس الحديث والقراءات والنحو والقاء العلوم وميعادا للعامة وفقيهين لتعليم الايتام ) [212]
وفي حجة أو وثيقة وقف المؤيد شيخ على جامعه أعدّ مكان الدرس: ( واما الأواوين المشار إليها أعلاه فانه وقفها وجعلها معدة لإقامة الصلوات الخمسة فيها ولجلوس المدرسين وطلبتهم والصوفية فيها على العادة ) وكان مدرس الحنفية من بين الصوفية والطلبة من الصوفية : ( فيرتب من أرباب الوظائف بالجامع المذكور الآتي ذكرهم رجلا من اهل الصلاح والعلم حنفي المذهب عالما بمذهب الامام ابي حنيفة النعمان ، ويكون شيخا للصوفية ، ويكون له قدم عالى في شروط الصوفية ، ويكون حسن الهيئة حسن الاعتقاد حافظا لنقول الفقهاء واختلاف المذاهب ونصوص الامام ابي حنيفة ، عارفا بحل كتب الحنفية) (ويسهل عسيرها...) ( ويكون الرجل المذكور الموصوف بما ذكر والقائم بتدريس الحنيفية بالجامع الكبير .... ويحضر وظيفة التصوف بعد الصلاة للعصر... على العادة في الخوانق والجوامع بالديار المصرية ... ويحضر معه جماعة الصوفية .... وطلبة العلم وغيرهم المرتبون بالجامع المذكور وظيفة التصوف ) [213] وقد واردنا ما سبق للتدليل على أن نشاط الصوفية في الجوامع سار في اتجاهي التصوف والتدريس معا...
التعليم للصوفية في الجامع الأزهر :ـــ
1 ــ قام صلاح الدين الأيوبى بتعطيل الجامع الأزهر ( الشيعى ) وأقام خانقاة سعيد السعداء الصوفية السنية لتنشر التصوف السنى بدلا من التشيع ، واستمر الأزهر معطلا طيلة العصر الأيوبى ، ثم عاد للعمل فى العصر المملوكى لينشر التصوف السنى الدين الواقعى للدولة المملوكية . بلغت عدة الفقراء الصوفية فى الأزهر سنة 818 سبعمائة وخمسون ، بين عجم وزيالعة ( من الصومال ) ومن اهل ريف مصر ومغاربة ، ولكل طائفة رواق يعرف بهم، يقول المقريزى ( ولا يزال الجامع عامرا بتلاوة القرآن ودراسته والاشتغال بأنواع العلوم والفقه والحديث والتفسير والنحو ومجالس الوعظ وحلق الذكر. وصار أرباب الأموال يقصدون الفقراء في الأزهر بأنواع البر . وقد امر الأمير سودون القاضي بإخراجهم من الجامع وإخراج ما كان لهم من خزائن وكراسي و مصاحف ) [214] .
2 ــ ومع ذلك استمر المماليك في اكرام المجاورين بالأزهر ، فكان الغوري ينفق فيهم في شهر رمضان الدنانير والعسل والقمح ) [215] وأوقف بشيك على الفقراء في الأزهر أراضي بالوجه البحري والقبلي . وأوقف اخر مكتبة على الفقراء في الأزهر . ورتب الأمير قرماس صوفية بالجامع (يحضرون كل يوم مع الشيخ ، بالجامع داخل المقصورة بعد صلاة العصر) [216] .
3 ــ ومن الطبيعي ان يتميز المجاورون في الأزهر بين صوفية فقراء مجردين متفرغين للعبادة وطلبة صوفية ، يقول ابن الصيرفي عن الشيخ المجذوب صالح الأزهرى (المشهور بالأزهري لكثرة إقامته بجامع الأزهر ومخالطة اهله من الفقراء والطلبة ) [217] .
4 ــ وكان بعض الصوفية معلمين في الأزهر، فالدميرى اشتغل بالعلم وانقطع بالجامع الأزهر وكان يقرىء الناس تبرعا ) [218] وكان فخر الدين البلبيسي امام الجامع الازهر ومعلما صوفيا ) [219] ودرّس زروق الفاسى في الأزهر، وكان يحضر درسه زهاء ستة آلاف نفس من القاهرة ومصر وأجوارها ) [220] وقد سمع المقريزي ميعاد الشاب التائب بالجامع الأزهر )[221]
الزوايا
وجدت زوايا التعليم في الجوامع القديمة مثل الخشابية والمجدية والصاجية والكمالية والتاجية والعلانية في الجامع العتيق ) [222] وقد درس ابن المرحل بزاوية بجامع عمرو ) [223] وكان للخاذندار وقف بالجامع الازهر وزاوية لمن يشتغل بمذهب الشافعي ) [224] ..
وفي الزوايا الصوفية وجد القراء ومؤدبو الأطفال وخزائن كتب لأن الزوايا كانت معاهد للعلم النافع في هذا العصر ) [225] ويقول السبكي : ( على شيخ الزاوية ان يسمع ما يقرأونه عليه ) ) [226] واتخذ إبراهيم الأبناسي الصوفى له زاوية في المقس، وجمع فيها الطلبة على التفقه وسعى لهم في الرزق ) [227] ونفس الحال في زاوية ابي عبد الله الكتاني ) [228] وافتخر الشعراني بمواصلة الذكر وقراءة القرآن والحديث والفقه والتصوف في زاويته ) [229]..
الرباط :ــ
قرر السلطان الأشرف شعبان في رباط الأثار درسا للفقهاء الشافعية بمدرس وعدة من الطلبة ، وأوقف عليها . وكان الفقهاء يحضرون في الرباط العلائي يوما في الأسبوع ) [230] وقد تولى مشيخة الناصري ابن الشربيني وهو احد المشتغلين بالعلم ) [231] وفي رباط ابن نصر الفقيه درس ابن عيسى القوصى ) [232]..
التعليم في المشاهد والترب والقباب ( الأضرحة ):ــ
1 ـ وكان هناك درس علم في مشهد الحسين تولاه بعض المشهورين من العلماء مثل ابن حمويه ) [233] والعلامة شمس الدين الأصبهاني الذي تخرج به خلق كثير ) [234] وشرف الدين الأرموي ) [235] .
2 ــ وقد أثار التعليم في القرافة اهتمام ابن بطوطة الرحالة ، فقال :( ومنهم من بنى الزاوية والمدرسة في جانب التربة ) ( رحلة ابن بطوطة : 1 / 21 ) . وقرر برسباي مدرسا وخطيباً بتربته التي انشاها بالصحراء ) [236] وفي وثيقة برسباي عن الترب (يصرف لأربعة نفر من الحنفية المشتغلين بالعلم المشهورين بالخير ...على أن يحضروا صحبة الدرس المذكورين كل يوم بالمدرسة ، ليلقي عليهم المدرس المذكور من العلوم الشريفة من السنن او الحديث الشريف او الفقه او النحو او مجموع ذلك . على أن يسكن المدرس بالمسكن المقرر له وتسكن الطلبة بالتربة ...بحيث لا ينقطع أحد منهم إلا لمرض يعرض له أو ضرورة شرعية ) [237] ..
3 ــ وسارت الحركة التعليمية في القباب أو الأضرحة . ففي القبة الركنية بيبرس درس الحديث بمدرس وعدة من المحدثين ) [238] وتخرج فيها الشهاب الحجازي على الكمال الدميرى ) [239] وأقام الناصر محمد (القبة الناصرية) وجلس بها شيخ الحديث عند افتتاحها سنة 703 ) [240] وتابع مشايخ القبة بعده. ولقد رتب الناصر القرّاء وشيخ الحديث للاشتغال به ولإسماعه ) [241]
وأعد المنصور قلاوون القبة المنصورية ورتب فيها درس حديث بمدرس وعددا من الطلبة وقارئا يقرأ الحديث ، ويأتي المدرس في أوقات الدروس، ويقرأ ميعادا للعوام بين يديه في صبيحة كل يوم أربعاء، ورتب درسا بمدرس وطلبة [242] . وممن تولى درس التفسير في القبة المنصورية النمراوي وابن لاجين الرشيدي وابن المنفلوطى ) [243] والعلم العراقى الفقيه ) [244] وسراج الدين القرمي )[245]ومن مدرسى الحديث ابن الكتاني والعسجدي) [246] ....
شيوخ الصوفية والتعليم المملوكى
كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الثانى :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )
شيوخ الصوفية والتعليم المملوكى
1ــ التدريس في المؤسسات الصوفية كمنصب :
1ــ وقد تولى تلك الحركة العلمية ( الدينية ) مشاهير الفقهاء ، فابن حجر درس الحديثبالشيخونية الجمالية والبيبرسية ودرس الفقه بالمؤيدية والشيخونة الصلاحية مع منصب قاضي القضاة. ولم يكن اكمل الدين البابوتي متصوفا ومع ذلك بنى له شيخونة خانقاه وقرره فباشرها أحسن مباشرة [247] ، وكان لقاضي القضاة ابن بنت الأعز سبعة عشر منصبا منها مشيخة الشيوخ وتدريس الصلاحية ، ومشهد الحسين [248] , وجمع غيره من القضاة بين أكثر من منصب ، مثل ابن جماعه وابن العماد المقدسي [249] والغاياتى والسراج [250] والبلقيني .
وتقلب غيرهم في وظائف التدريس كابن الحسن القونوي ولم يكن صوفيا [251] والافقهسي [252] والسراج القرمي [253] وابن ثابت الاندلسي الذي (ارتفع شانه فأضيفت له تداريس ومشايخ وأنظار وغيرها [254] . واشتهر الكثير من مشايخ الخانقاه بالعلم حسب المؤرخين لهم ، مثل بدر الدين الزركشي شيخ خاقناه كريم الدين بالقرافة وابن الصوفي [255] وابن الكتاني [256] والاصبهاني ، وغيرهم [257] ...
وكانت تجري بينهم حركة تنقلات، ففي حوادث سنة 798 (استقر الشيخ زادة الجزيرلى شيخا بخانقاه الشيخوينة عوضا عن القاضي الكلستاني كاتب السر الشريف، واخلع على القاضي بدر الدين الكلستاني كاتب السر أيضا واستقر مدرسا بالمدرسة الصرغتمشية عوضا عن القاضي جمال الدين القيصري بحكم ان الصرغتمشية كانت أولا مع القاضي الكلستاني كاتب السر فلما استقر شيخ الشيخونية اخذ القاضي القيصري مشيخة الصرغتشية، فلما تولى الشيخ زادة مشيخة الشيخونية استقر الكلستاني مشيخته بالصرغتشية في عادته ) [258]...
وفي حوادث 829 (خلع على القاضي العينتابي باستقراره قضى قاضي قضاة الحنفية عوضا عن الزين ..الذي استقر في مشيخة صوفية خانقاه شيخون بعد موت قاريء الهداية) [259] ....
وتولى عيسى بن الخضر بعدأبيه في الوزارة ، ثم عُزل ، وتولى نظر الاحباس وخانقاه سعيد السعداء ثم درس بمدرسة زين الدين النجار مدة [260].. واستدعى علاء الدين القونوي شيخ خانقاه سعيد السعداء وتولى منصب قضاء القضاة بدمشق، وعين بدله مجد الدين الاقصراني شيخ خانقاه سرياقوس في مشيخة سعيد السعداء، على ان يستنيب عنه جمال الدين الحديزاني ، واستقر في مشيخة الخانقاه الركنية الشيخ الخوارزمي عوضا عن مجد الدين الزنكلوني ونقل الزنكلوني الى مشيخة الحديث بالقبة البيبرسية [261] .. وهكذا تنقل الصوفية بين مناصب السياسة والقضاء ومشيخة الخوانق والتداريس.
ومن الطبيعي ان يتأثر التعيين والعزل بالسياسة ورضى السلطان ودسائس الصوفية. فلما تغير الناصر محمد بن قلاوون على ابن جماعة لأنه أيد عدوه المظفر بيبرس الجاشنكير ـــ عزله من مشيخة سعيد السعداء [262] .. وغضب على ابن حجر فأخذ (في مقاهرته حتى اخرج عنه نظر شيخونية ومشيختها ) [263] . ودرس الشيخ زادة العجمي في الشيخونية مدة طويلة حتى سعى عليه قاضي ابن العديم فعزل واستقر مكانه بجاهه [264] وغلب ابن الكركي على السلطان قايتباي فزادت مناصبه ، ثم تغير عليه قايتباي فجرده منها .....) [265]
الـمــيـــعــــــــــاد :
1ــ وهو يشبه بالندوة العلمية في عصرنا الراهن .يقول السبكي (قاريء الكرسي يجلس على الكرسي يقرأ على العامة شيئا من الرقائق والحديث والتفسير. وجلوسه في الجامع او في مدرسة او خانقاة، ولا يقرأ من كتاب ) [266]..
2ــ وعقدت المواعيد الصوفية في المؤسسات الصوفية حيث كانت احدى وسائل الصوفية في جذب الاتباع اليهم، وقد صار إسماعيل الامبابي يعمل ميعادا بعد موت والده ــ في كل ليلة اثنى عشر وتوجه اليه الناس في المواكب للفرجة ) [267] وكانت رواية ابي السعادات في أيامه ( يعجز الوصف عن جميع محاسنها ..... وكان يوم سبت العادة يروج بها أوقات عظيمة لا يتأخر عنه كبيرة ولا صغيرة ولا مقريء ولا واعظ .....)[268] وكان القضاة والعلماء والفقهاء والصوفية وأرباب الدولة يحضرون ميعادا في زوايا أخرى [269] . وعملت للسلاطين مواعيد في المؤسسات الصوفية ) [270] وأقيمت المواعيد في المساجد ) [271] واقيمت مواعيد فى الخوانق حيث أبيح للمترددين سماع الدروس . وفي وثيقة مغلطاي الجمالى (فيقرأ القاريء المذكور بحضرة الشيخ ومن عساه يحضر من المسلمين ما تيسر له قراءته من كتب تفسير القرآن الكريم ومن كتب الحديث النبوي المشهورة المعتمدة ومن كتب الرقايق والأذكار ) [272]....اى القرى، وكتب السنة وكتب التصوف فى الوعظ.
3ــ وللحصول على الشهرة أقام كثير من الصوفية المواعيد ، فالشاب التائب (صحب الفقراء وتصوف فعمل الميعاد وتكلم في التفسير ، وأقبل عليه الناس، وزاد اعتقادهم فيه ) [273] واجتمع الناس على ميعاد الصوفي إبراهيم الجعبرى ) [274] وعقد الحنفي ميعاده كل ثلاثاء ثم جعله يوم الأحد، وتميزت مواعيده بتواجد الناس وصراخهم وضجيجهم، كما يحكى في مناقب الحنفي )[275] ويبتديء ميعاده بمجلس الذكر . وحدد ميعاد للنساء على أيام الظاهر خشقدم ) [276] . وغلب الوعظ والتفكير والتذكير وعمل المواعيد على الشيخ الصوفي أبن العباس القدسي، وله باع واسع في الحفظ للأحاديث والتفسير وكرامات الصالحين ) [277] وحضر ميعاد ابن السكندري )[278] الكثيرون . وكذا احمد وفا حين جلس مكان أخيه )[279]..
يعقد ميعاد صحيح البخاري ــ كالعادة في القلعة أمام السلطان وبحضور القضاة الأربعة والأعيان من العلماء وكان يبدأ به في رجب ويختم في رمضان ) [280]...
وعقد آخرون مواعيد غير صوفية قصدوا بها الشهرة العلمية ) [281] وذلك أن الميعاد كان فرصة للقاء بين الجماهير والعالم ) [282] وانتهز بعضهم الفرصة وعقد ميعادا في الجهاد ليبالغ في أجور المجاهدون )[283] ...
الصوفية معلمون :ـــ
وصف الكثير من الصوفية بأنهم خير المعلمين . بعضهم (تخرج به أكثر علماء المصريين ) [284]، وأخر (سمع منه خلق من المصريين ) [285]وكانت الناس تأتى لآخر لتقرأ عليه ) [286] ووصف الكثيرون بانتفاع الطلبة بهم ) [287] أو انتفع جماعة من العلماء والعلماء والفقهاء ) [288] . وأقبلت الخلائق على السمهودي طائفة أثر طائفة فكان لا يجد وقتا يأكل فيه خاليا ) [289] وكان بهاء الدين النحاس اذا ضجر من الاشتغال عن الطلبة مشى بهم بين القصرين وألقى لهم الدروس ) [290] وقد صار اكثر الطلبة من تلاميذه )[291] واشتهر البلالي فرحل إليه الطلبة من الآفاق . واشغل الكرماني القاهريين من الأعيان ، وانتفع بالمولجي خلق كثيرون ، ودرس البيجوري احتسابا، وانتفع الكثيرون في قوص بالاصفوني ، واشتغل الخلق على المهلبي ، طبقة بعد طبقة . ولازم الزنكلوني الاشتغال ليلا ونهارا ، ومزج الدروس بالوعظ وحاكات الصالحين )[292] ..
المؤلفات العلمية التى تعلمها الطلبة :ـــ
يمثل القرن التاسع عشر ازدهار التصوف في العصر المملوكي، وفيه تمت سيطرته على شئون التعليم ومقرراته . لذا يمكن معرفة العلوم التي درست للطلبة من خلال ما كتبه السخاوي الذي ترجم لأعلام القرن في سفره الضخم (الضوء اللامع)، ونختار من بين آلاف التراجم ترجمة لأحدهم ، وهو أبو المجد الطلخاوي، يقول فيه ( نشأ بطلخا فقرأ القرآن ومختصر أبي شجاع ، وتلقن الذكر من يوسف الزهري أحد أصحاب الغمري الكبير ، ثم قدم القاهرة وأقام بالأزهر ، فجوّد القرآن ، وحفظ المنهاج ، وألفية النحو والفقه الفرائض لابن الهائم واللمحة للعفيف في الطب. وغالب جمع الجوامع والفقه والحديث والتلخيص ، وأخذ الفرائض والحساب والميقات والهندسة والجبر والمقابلة وحل الشمس .. عن الشهاب السجيني وراجع ابن الجيعان في شيء من الفرائض والحساب والبيئة مع الرياضيات .... وأخذ الحرف عن ناصر الدين بن قرقماس والرمل عن التحريري والفقه عن العبادي والوردي)، وكان من تلامذة المخلوى في الحديث) وعن هذه العلاقة أورد السخاوي تفصيل حياته العلمية .( الضوء اللامع 3 / 115 ).
.ونبدأ هذا النص يمكن ان نخرج بالنتائج الآتية :ـــ
(1)انه تلقى تعليمه الأولى في بلدله مقترنا بالتصوف حيث( تلقى الذكر عن يوسف الأزهري أحد أصحاب الغمرى الكبير) وإلا أدل على أهمية ذلك بالنسبة لموضوعنا هو ان تعليمه الأولى عمل على جانب التصوف شيئين هامين هما قراءة القرآن ودرس مختصر ابي شجاع في الفقه ) [293]..
(2) ان أثر التصوف لازمه في القاهرة بعد نشأته في بلدته، فهو يحفظ العلوم مع اختلافها من فقه وحديث وطب ونحو ، ثم هو بعد ذلك يدرس على الحرف وعلم الرمل ولا يجد تعارضا بين ذلك وبين دراسته للفقه. وقد ضمت هذه العلوم المتون مع الشرح المستفيض ومراجع دراسته مع جمع الجوامع والفروع المختلفة للعلم الواحد ...
(3)وفي القاهرة والأزهر تدرج علميا فأصبحت قراءة القرآن تجويدا ، واتسعت دراسته للفقه من بعد مختصر ابي شجاع الى دراسة الفرائض وكتب الفقه المختلفة على أساتذة مختلفين مع علوم أخرى.
(4) ان الدراسة في القاهرة شملت علوما كثيرة لم يدرس بعضها في القرن الرابع من الهجرة، ثم تعارضها مع بعضها بحيث يتعذر الجمع بينها كالفقه مع علمى الحرف والرمل. ولا يمكن التبحر في تلك العلوم كلها من نحو وطب وحديث وحساب وهيئة وهندسة ومقابلة . والواضح ان العلوم سارت على مبدأ الأخذ من كل علم بطرف . وربما اتخذت دراسة الفروع الكثيرة من الرياضة (كالحساب والهيئة والهندسة والجبر والمقابلة) لخدمة العلوم الأخرى التي اشاعها الصوفية في العصر كالحرف والرمل ، بل ان دراسة فروع الرياضة كانت متقدمة على اخذه لعلم الحرف (عن ناصر الدين بن قرقماس عن التحريري) كما يقول السخاوى .
والشعراني كصوفي متعلم ، بدأ يحفظ كتب الفقه والعلوم ، ثم طالع باختياره في كتب الشريعة ، فحفظ أولا المتون كأبي شجاع والأجرومية والمنهاج وألفية ابن مالك وتوضيح ابن هشان وجمع الجوامع) ثم الفيه العراقي، ثم تلخيص المنهاج ثم الشاطبية ثم قواعد ابن هشام. ثم ارتفعت الهمة على حد قوله ــ الى حفظ كتاب الروض من مختصر الروضة ..... وعدد من المنن مطالعته في كتب الشريعة ) [294]..
وذكر السبكي كتب التصوف التي كانت تدرس في المواعيد مثل )احياء علوم الدين ورياض الصالحين والأذكار للنووى وصلاح المؤمن في الأوعية لابن الامام وشفاء الاسقام في زيارة خير الانام للسبكي وكتب ابن الجوزي في الوعظ ) [295] .
وعلى هذا النظام تخرج الأساتذة في العصر المملوكي ثم العصر العثماني بعده الا أن عوامل أخرى عجلت بانهيار التعليم في العصر المملوكي ....
اثر التصوف فى انحدار التعليم :ـــ
بإنحدار المستوى العلمى إنحدر مستوى التعليم بنفس القدر . وعجلت أسباب بانهياره ، منها بيع الوظائف فابن خلدون تنازل عن درس الحديث في الصرغتشية لعبد الرحمن التفهني نظير مال ) [296] وابن المحرة درس بخانقاه شيخون بمال ) [297] واستشرت المحسوبية في التعيين بالوظائف ، وبرز الصوفية اعتمادا على صلاتهم بالسلاطين والأمراء، فالحافظ علاء الدين مغلطاي لازم الجلال زيني فتكلم مع السلطان فولاه تدريس الحديث بالظاهرية ) [298] وكان حاجى فقيه شيخ مشايخ الظاهرية (عريا عن العلم الا ان له اتصالا بالترك كدأب غيره ) [299] وتولى الهوريني مشيخة الخانقاه القوصونية حين تزوج قرابة الشيخ شمس الاصبهاني ) [300] ودرس ناصر الدين بن الدرديري (ففخم أمره بمصاهرته ، ووجد أبوه بذلك سبيلا الى تقديمه للتدريس مع صغر سنه وخلو وجهه عن الشعر جملة ) [301] .
وأصبح الابن يرث التدريس عن ابيه فنزل السراج البلقيني عند عبد الرحمن عن عدة وظائف وهي تدريس الخشابية والميعاد بالظاهرية )[302] وهذا شبيه بتوريث الولاية الصوفية ، وبعد موت قاريء الهداية اعطى السلطان برسباي تداريسه معها لابنه الصغير (واستنابوا عن ذلك في الوظائف فانه كان صغيرا جدا ) [303] ، أى جعلوا آخرين ينوبون عن هذا الطفل الى أن يكبر . ويذكر ان قاريء الهداية تمتع في حياته بالثراء من كثرة وظائفه ) [304] .
ولقد اثار بيع التداريس ثائرة بعض السلاطين ، يقول المقريزي في حوادث سنة 835 (نودى بألا ينزل احد من الفقهاء عن وظيفته أو أى شىء من الأوقاف وهدد من ينزل منهم عن وظيفة . فامتنعوا عن النزول ثم عادوا كما كانوا ، ينزل هذا عن وظيفة من الطلب في الدروس او التصوف في الخوانق أو القراءة أو المباشرة بالمال في الخوانق غير أهلها ويحرمها مستحقوها ، فان الوظائف المذكورة صارت بأيدي من هي بيده بمنزلة الأموال المملوكة ، فيبيعها اذا شاء ويسمى بيعها نزولا عنها ويرثها من بعده صغار . وسرى ذلك حتى في التداريس الجليلة والأفكار المعتبرة وفي ولاية القضاء والاعمال، يليه الصغير بعد موت أبيه ، ويستناب عنه ، كما يستناب في تدريس الفقه والحديث في نظر الجوامع ومشيخة التصوف..) ويعلق المقريزى فى حسرة قائلا : ( فيانفس جدّى إن دهرك هازل .!! ) [305].
اثر التصوف فى المكتبات المملوكية
كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الثانى :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )
اثر التصوف فى المكتبات المملوكية
مدخل :
التصوف لم يخترع المكتبات ، والصوفية لم يكونوا متخصصين فى الكتب ، نسخا ونشرا وحفظا ( وكانت تسمى مهنة الوراقة ) . ولكن التصوف أضحى الدين الواقعى الفعلى السائد ، وبه نطقت المؤسسات التعليمية و ( العلمية ) والعاملون فيها ، والأنشطة الملحقة بها ، من فصول الدراسة الى الندوات ( الميعاد والمواعيد ) وحتى فى الحديث العادى وشتى المناحى الثقافية ، وطبيعى أن ينعكس هذا على المكتبات ، سواء فى إنتشارها فى مؤسسات التصوف أو فى قواعد التعامل فى إستعارة الكتب .
ليس للتصوف دخل فى إختراع شىء من هذا ، ولكن لكى ندخل تلك المكتبات لا بد أن ندخل المؤسسة الصوفية وأن نرى العاملين فيها من الصوفية والمستعيرين من الصوفية . شئنا هذا أم أبينا . ولهذا نقول ( أثر التصوف فى المكتبات ) لأنه العنوان للحياة الثقافية للعصر المملوكى .
المكتبات فى مصر المملوكية فى المؤسسات الصوفية
1 ـ أُقيمت المكتبات ضمن المؤسسات الصوفية كضرورة علمية للطلبة فيها ، يقول المقريزي عن القبة المنصورية (وبهذه القبة وهي جليلة كان فيها عدة أحمال من الكتب في أنواع العلوم مما وقفه المنصور وغيره ) [306] .
2 ـ واحتوت المكتبة على( الختمات الشريفة) أى المصاحف التى كان يتم ختمها أى تلاوتها حتى الختام ( والربعات المنسوبات بالخط ) أى تقسيم المصحف الى اربعة أجزاء لتسهيل الحفظ ، وكانت مكتوبة بالخط العثمانى الذى لا يزال مستعملا حتى الآن ، ( وكتب التفسير والحديث والفقه واللغة والطب والأدبيات والدواوين .
3 ـ وكان في رباط الآثار( مكتبة عامرة بالرباط ) [307] ، ومكتبة في زاوية إبراهيم القس مكتبة (أوقف بها كتبا جليلة ، ورتّب فيها درسا وطلبة وحبس عليها رزقه ) [308] ،أى مورد يرتزق منه العاملون فى الرباط والمكتبة. وهناك مكتبة في الخانقاه البكتمرية ، وأيضا فى الخانقاه البرقوقية التي عمرها السلطان فرج بن برقوق ، وهو أيضا الذى أقام الجامع الأبيض بالقلعة ، وجعل به مكتبة . وقد جاء في وثيقة وقفة على هذا الجامع فيما يخصُّ المكتبة : ( وبالجانب الشرقي باب يُدخل منه الى بيت ومنافع وحقوق ، وهو مُعدُّ لوضع المصاحف والريعات الشريفة وكتب العلم )[309] .وفي جامع قايتباي (وقف خزانة الكتب التي بالسدلة ) [310] . وفي وثيقة مغلطاي الجمالى: ( وأما الخزائن الكتبية التي بأيوانها الكبير ، فيُحفظُ فيها ما لعلّه يكون بهذه الخانقاه من الكتب الموقوفة والربعات الشريفة والآلات المختصة بها )[311] وفي وثيقة السلطان إينال ( وبدور القاعة خزانة كتبية والباقيان مكتبتان أيضا )[312] . وجلب سرور الحبشى كُتُبا لخانقاته وعمل لها مكتبة ، أو بتعبيرهم (خزانة للكتب ) وهى ( غير خزانة كتب الوقف ) أى غير مكتبة الخانقاة المنشأة وفقا لكتاب الوقف عليها. [313]
مكتبات خاصة بشيوخ التصوف
وكان لبعض الصوفية مكتباتهم الخاصة ، وسمح بعض الصوفية بالاستعارة من مكتباتهم، فكان صالح البلقيني سمحا بعارية الكتب) [314] اما بهاء النحاس فكان فى مكتبته كتب بألف دينار ، وكان يحضر السوق ليجدد مشترياته من الكتب ، وإقتنى كتبا نفيسة.
عمل الصوفية فى المكتبات من خلال وثائق الوقف
1 ـ وعمل بعض الصوفية في المكتبات التى فى مؤسسات التصوف .
2 ـ وفي وثيقة جمال الاستادار على خانقاته : ( ويرتب من الصوفية المذكورين المجردين من اهل الخير والديانة والصيانة والأمانة يكون خازنا لما بالخانقاه من الريعات والمصاحف وكتب العلم الشريف... وما لعله يتحصل من نفايس الأشياء على العادة ... ويرتب أيضا من عدة الصوفية المذكورين أعلاه من المجردين أعلاه ثلاثة أنفس لخدمة الريعات الشريفة بالخانقاه المذكورة على ان يحضروها وقت حصور الوظيفة ، ويفرقوا أجزاءها على الجماعة القائمين بوظيفة التصوف... ويصرف للخازن المذكور في كل شهر عشر دراهم .... وليس عليه حضور وظيفة التصوف ولا يلزم بها ) [315] .
وفي حجة وقف السلطان برسباي على خانقاته : ( يُصرف لرجل من اهل الأمانة يتولى خزانة كتب العلم على العادة مبلغ ثلثمائة درهم ) [316] وإشترط قايتباى أن يكون خازن للكتب (من اهل الخير والديانة والأمانة ، يتولى خزن الكتب بها وحفظها وتنظيفها وتفقدها وعمل مصالحها ) [317] أي بينت واجباتها خازن الكتب ، أو أمين المكتبة فى عصرنا. ويذكر ان الوصف والديانة والأمانة كان يقصد به الصوفية . وقد عين اكمل الدين البايرتي الشيح الصوفى ابن زين العرب خازنا ( خزانة كتب الخانقاه الشيخونية ) [318] وقيل في ترجمة الصوفي سالم العبادي وأضيفت له خزانة المحمودية ) [319]..أى كان أمين هذه المكتبة فى الخانقاة المذكورة .
قواعد العمل والاعارة فى المكتبات من خلال الوثائق
1 ــ ووضعت بعض الوثائق قواعد للإعارة: فأمين المكتبة (يتسلم المصاحف والمربعات والكتب بها ويشهد عليها بتسليمها ويقرها بالرواق العالى ........... ويحفظها من البلل ويعهدها بالتقليب والإصلاح .....) .
2 ـ وبينت الوثيقة كيفية الاستعارة الداخلية : (ومن حضر من طلبة العلم الشريف من أهل الخانقاه المذكورية لاستعارة شيء من الكتب المذكورة ليشتغل فيه سلّمه ان كان ثقة . وان كان ممن يخشى منه منعه إلا ان يضمنه ثقة من اهل الخانقاة ) .
3 ـ وعن مُدّة الاستعارة تشترط الوثيقة (ولا يعر شيئا من الكتب المستعارة بيد المستعير أكثر من شهر واحد من حين استعارته، بل يأخذه منه عند مضى الشهر).
4 ـ وعن الاستعارة لغير أهل الخانقاة أو الاستعارة الخارجية تقول الوثيقة : (ولا يمكن احدا من اخراج شيء من الكتب الى خارج الخانقاه المذكورة) او الاستعارة لغير اهل الخانقاه (واذا كان المستعير من غير اهل الخانقاه المذكورة وما يريد استعارته فليطالع فيه نهارا بالخانقاه المذكورة ثم يبيتها عند الخادم ثم يستعيدها صباحا ) [320] .
مدى تطبيق تلك القواعد
1 ــ ولم يُعمل بهذا الشرط فقد كان علم الدين البلقيني وشرف الدين المناوى يستعيران الكتب من تلك الخانقاه ويخرجان بها الى منزلهما وتمكث عندهما الأيام الكثيرة , ولم يكونا من العاملين فيها . وقد وضع السيوطي رسالة في ذلك يدافع عنهما ويقول: ( فلولا رأيا ذلك جائزا ما فعلاه ) [321] . وتناسى السيوطى ضرورة الالتزام الشرعى بشروط الواقف .
مواعيد فتح المكتبات
اما عن مواعيد فتح المكتبة للاطلاع فقد كانت في الغالب في الأوقات المخصصة للدروس طبقا لشرط الواقف كما تشير الى ذلك وثيقة وقف الغوري (ويفتح الخزانة في أيام الدروس ويومين في الجمعة للعلم ) [322]..
تربية الأطفال فى المؤسسات الصوفية فى مصر المملوكية .
كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الثانى :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )
تربية الأطفال فى المؤسسات الصوفية فى مصر المملوكية .
مدخل :
إستفاد ( بعض ) الأيتام فى بعض المدن فى مصر المملوكية ( خصوصا القاهرة )، إذ كفلتهم (بعض ) المؤسسات الصوفية بإقامة كتاتيب لهم ، بعضها كان قائما بذاته أو ملحقا بالمنشأة الصوفية أو فوق ( سبيل ) أى مخزن للماء العذب يسقى الناس . الاحسان لليتيم فرض إسلامى تكرر فى القرآن الكريم ، وهو بهذا ناحية إيجابية للتصوف المملوكى ، وكان من النتائج الايجابية التى تنتج من ظلم مستقر ومستفزّ ، فالمماليك بالمال السُّحت والسخرة أقاموا المؤسسات الصوفية تكفيرا عن ذنوبهم وحتى يشفع فيهم الأولياء الصوفية طبقا لاعتقاد العصر فى شفاعة الأولياء ، وجعلوا من مهام الصوفية فى تلك المؤسسات الدعاء لمنشىء المؤسسة الصوفية ، واستفاد (بعض) الأيتام من هذا فوجدوا الرعاية والتعليم والمرتبات . وهو على أى حال تكافل إجتماعى ربما لم يكن موجودا بنفس المستوى فى أوربا وقتها . ونعطى لمحة عن تربية الأطفال فى المؤسسات الصوفية فى مصر المملوكية .
الصوفية مؤدبو أطفال خارج المؤسسات الصوفية
1 ــ بتعبير العصر كانت تلك الوظيفة تعنى ( التأديب ) و ( الإقراء ). ووظيفة ( التأديب) تشمل الى جانب التعليم العادى تعليم الآداب والسلوكيات المهذبة . كما أن وظيفة الإقراء تعنى تعليم القراءة والكتابة .
2 ــ وقد عمل بعض الصوفية معلمين خصوصيين لأولاد المماليك والأعيان ، فكان شهاب الدين الكناني احد صوفية سعيد السعداء يؤدب أولاد السلطان حسن [323] ،. لذا يقال (أدّدب الإمام فخر الدين التركي الملك الناصر في صغره ) [324] واحضر ابن المغلى الناصري صوفيا من الخانقاة الجاولية هو احمد السنباطي لاقراء ولده الكمال ) [325] وادب ابن المواز أولاد ابي هريرة ابن النقاش )[326]...
3 ــ واشتغل بعضهم (مؤدبا عاما) فوصف الكثير منهم بانه اقرأ الأطفال مثل يوسف البحيري )[327] وسليمان المنوفي ) [328] وابن قومه ) [329] والزنكلوني ) [330] ونور الدين )[331] وبلال المعتقد ) واشتغل بدر الدين القطبى ــ وهو صوفي في الشيخونية ــ لإقراء الأطفال ، وكان يأخذ معه السخاوى لمكتبه حتى ختم عنده القرآن، حسبما يذكر السخاوى فى كتابه( الضوء اللامع )[332] . وتعين البرهان القلقشندي صوفيا بالخانقاة البيبرسية والخانقاة ا لجمالية. وأقرأ كثيرا من الأطفال [333] . وأقام البهوتي بدمياط مؤدبا للأطفال )[334] وأدب الشيخ بلال الدين الاطفال بالجملون العتيق )[335] وأقرأ المرصوفي أطفال مصر العتيقة )[336] وادب البدر الفيومي الأطفال بالمقسم .
ويبدو أن شهرة الصوفى المصرى فى تعليم وتأديب الأطفال قد جاوزت مصر ، فكان بعضهم يُبعثّ به مثل المتعارف عليه اليوم بالبعثات التعليمية ، فذُكر ان الشيخ المعتقد نور الدين المصري كان يؤدب الأطفال بحلب )[337] .
واشتهر بعضهم بكثرة تلاميذه من الأطفال فابن السراج تفرغ لاقراء القرآن وتعلم الخط وانتفع به جماعة ) [338] وانتفع الأطفال فى مدينة بلبيس بإبراهيم الفاقوسي يؤدب بها ، بحيث لم يكن بها من هو أصغر منه فى السّن إلا وقد قرأ عليه . واشتهر بينهم ان من لم يقرأ عنده ليس له اكمال القرآن بل يقال ان بعد موت ما ختم من أهلها القرآن ) [339] وأدّب الشيخ حسن جماعة من اكابر الخروبية و (اعيانها وغيرهم طبقة بعد طبقة ) [340] .
( وتكسب النحريري من تأديب الطفال وانتفع به من لا يحصى كثرة ، واشتير إليه بالتقدم مع الحُرمة الوافرة وشدة البأس على الأطفال حتى حاولوا قتله بالسم .! ) [341] وتكسب آخرون من الصوفية بتأديب الأطفال واتخذوها وظيفة عليها الأجر ) [342] بينما أقام آخرون بذلك العمل احتسابا مثل الدميري )[343] والمرحومى ) [344] والأوكاوى ) [345] وابن مصلح المنزلاوي) [346] وعلى بن شهاب جد الشعراني )[347] . ويزعم الشعرانى أنه قد اخذت عليه العهود الّا يأخذ معلوما على تعليم الأطفال للقرآن )[348]
واهتم الصوفية من المؤلفين في بحث تربية الأطفال فقعد ابن الحاج فصلا في تعليم الأطفال ومشيهم [349] ويقول السبكي (ينبغي ان يكون معلم الكتاب صحيح العقيدة ، فلقد نشأ صبيان كثيرون عقيدتهم فاسدة لأن فقيههم كان كذلك ) وتلك ناحية خطيرة أشار اليها وهي تسرب العقائد الصوفية المتطرفة الى الأطفال بتأثير مؤدبي الأطفال من الصوفية يقول السبكي ( ومن حق معلم الصغار ان لا يعلمهم شيئا قبل القرآن ثم بعده حديث النبي عليه السلام ولا يتكلم معهم في العقائد بل يدعهم الى ان يتأهلوا حق التأهيل ) [350] ..
اقراء الأطفال في المؤسسات الصوفية :ــ
1 ـ وكان ( الكُتّاب ) أو مكان تعليم الأطفال تابعا أحيانا للمؤسسة الصوفية من خانقاة او تربة او زاوية وغيرها .
فالمنصور قلاوون عيّن أو ( رتّب) فقيهين يعلمان ستين صغيرا من ايتام المسلمين )[351] وعمّر برقوق صهريجا للماء ومكتبا للأيتام بقلعة الجبل ـ مقرّ الحكم . [352] و وأقام الأمير يونس النوروزى مكتبا للأيتام بجانب خانقاته [353] ومثله الأمير الجن بغا المظفرى )[354] . وأجرى الأمير جانبك الجوامك أى المرتبات على الأيتام المنزلين أى المعينين في الكُتّاب بتربته ) [355] . وأقام الأمير دولات بأي مكتبا للأيتام وسبيلا في جامع الحاكم ) [356] وجعل تاج الدين بن حنا فى تربته مكتبا للأيتام وجعل فى شروط الوقف إلزامهم وهم يكتبون القرآن في الواحهم فاذا أرادوا مسحها غسلوا الألواح وسكبوا ذلك على قبره. وسجله في وثيقة الوقف ) [357] وعمل ابن الجيعان مكتبا للأيتام وسبيلا بجانب مدرسته ) [358] .
وأقام عثمان الخطاب خلاوي لتعليم الأطفال في المدرسة السيفية )[359] وكانت الصبية تتعلم في زاوية الشعراني ) [360]...
2 ــ ويجمع كثير من وثائق الوقف على أن يكون الأطفال المنزلون بالمكاتب من الأيتام الذين لم يبلغوا سنّ الحلم والذين فيهم قابلية التعليم. بينما تشترط وثائق أخرى ان تكون الأطفال من الفقراء مع تفضيل الايتام منهم . واشترط بعضهم ان يكون الأطفال من أبناء السادة الأشراف الأيتام .
3 ـ وكان المكتب أو ( الكُتّاب ) يوجد عادة فوق ( السبيل) أى المكان المُعدّ للتزود بالماء للناس طلبا للثواب . وكان هذا الكُتّاب يوجد في مكان متسع طلق الهواء وتدخله الشمس ليساعد الأطفال في الاقبال على الدرس والانتباه . ونادرا ما يوجد مكتب الايتام في غير المكان , وتفرش المكاتب عادة بالحُصر ويجلس عليها الأطفال حول مؤدبهم ، كما كانت في حائط المكتب كتيبات و(دواليب) توضع فيها المصاحف والاقلام والالواح والدوى ( جمع دواة ) . وإذا كان عدد الأطفال في مكتب الايتام كبيرا فانه كان يعين لهم الكثرة من مؤدب وعريف ، ويؤذن لكل مؤدب عدد محدد من الأطفال لكي تكون عملية التربية اجدى وانفع ) [361] .
وإذا بلغ الأطفال الحلم يترك مكانه ويتعين عوضه بالمكتب طفل آخر، اللهم الا اذا اظهر نبوغا وميلا للدرس، وبقى عليه شىء لم يحفظه من القرآن ويرجى حفظه وفلاحه ــ على حد تغير اكثر الوثائق ــ استمر الى محله. وهذا احترام لمبدأ تكافؤ الفرص .
واقتصر تعليم الأطفال الكتاب على قدر معين من التحصيل ثم يحترف الصبي مهنة . وقد يعين الناظر على الوقف من بلغ الحلم في احدى الوظائف ، على ان يكون صالحا للقيام بها او يصرف له من ريع الأوقاف مبلغا من المال يستعين به حياته العلمية ) [362] .
ودارت العملية التعليمية للأطفال حول تعلم القراءة والكتابة ومباديء الدين وحفظ القرآن وبعض الحديث ، هذا الى جانب حكايات الصالحين والشعر والحساب وقواعد اللغة . وقام التعليم على قوة الحافظة والاستظهار والاعتماد على الذاكرة اللفظية . وقام الأطفال بالكتابة على الألواح أولا ثم كتابته بالحبر بعد ذلك . وهذا يتمشى مه ما تنادي به التربية الحديثة في تعليم الصغار. كما روعيت القدرات الخاصة للطفل ومدى استعداده لتقبل العلوم والمعارف. و ونصّت الكثير من وثائق الوقف على مراعاة (ما يطيقون تعليمه) وهذا يتفق مع ما يدعو اليه علم النفس التربوي من التدرج في تربية الصغار ومراعاة قدراتهم .
هذا .. وتشبه مكاتب الايتام الى حد كبير المدارس الابتدائية الراقية او المرحلة الأولى الإعدادية في مصطلح التنظيم التعليمي في العصر الحديث . والمؤدب هو الاسم الذي تطلقه معظم وثائق المماليك على المعلم في مكاتب الايتام بينما يسمى بالفقيه في وثيقة جمال الاستادار وغيرها كوثيقة قايتباي . واشترط في المؤدب شروطا خلقية منها ان يكون خيّرا ديّنا ذا عقل امينا على الأطفال المسلمين مع سلامة العقيدة ( الصوفية ) ، واشترط لبعضها ان يكون ملمّا بمادته ومراعيا لميول و حاجات الأطفال النفسية ..الخ. وإشترط فى مساعد المدرس أو ( العريف ) : الأهلية للتأديب ، وكان يبدأ عمله عندما ينتهي المؤدب المدرس، بأن يعين المتخلفين من الأطفال زمنيا وعقليا ، وهذا يقرر لنا حقيقة هامة هي إيمان التربية فى هذا العصر بمبدأ الفروق الفردية الذي تنادي به التربية الحديثة في القرن العشرين . وكان (العريف ) من جملة الايتام المنزلين بالمكتب والذين انتهوا من دراستهم في المرحلة بشرط ان يظهر تفوقا ونبوغا ، ويستمر في المكتب ولو كان بالغا . وكان الأطفال يعرضون عليه ألواحهم في غيبة الفقيه المدرس. وتذكر وثيقة الغوري وظيفة شخص كان يعلم الأطفال الخط العربي ، وهو لون من اولان التربية الجمالية له أهمية في تربية الذوق وتكوين الإحساس الفني في ناشئى فى ذلك العصر ....
وتستعرض وثيقة جمال الاستادار كمثل على النشاط التربوي في الخوانق : تقول عن شروط المعلم : ( ويرتب الناظر أيضا من عدة الصوفية المذكورين أعلاه من غير طائفة المجردين رجلا حافظا لكتاب الله العزيز ذا عفّة وصيانة وامانة متزوجا ذا خبرة ومعرفة صالحا لتعليم ....) أي جعلت المعلم للأطفال من أفضل العاملين داخل الخانقاة. وتقول عن العلوم التي يدرسها للصبيان انها (القرآن والخط والهجاء والاستخراج )، اى الاستدلال . وعن طريقة التربية والتعليم اوجبت الوثيقة على المعلم ان ( يعلمهم المؤدب بالإحسان والتلطف والاستعطاف فيما يرغبهم به في الاشتغال ) وعن عقاب المخطيء قالت (ومن اتى منهم بما لا يليق من فعل أدّبه بفعل ما اباح الشرع الشريف، ولا يضرب الضرب المبرح ) [363]. و حددت مواعيد الدراسة بكل دقة، فالغورى جعلها من اول النهار الى العصر سوى الثلاثاء او يوم الجمعة، فيمكث الى وقت الظهر ، مع اسقاط الاجازات وهي الجمعة والاعياد والمواسم . أما قايتباي فقد جعل الدراسة نصف اليوم فى يوم الخميس.
وحدّدت الوثائق سنّ الأطفال ، وسمحت لهم بالغياب بعذر كالمرض او التقلبات الجوية او ما عبر عنه قايتباي بالأعذار الشرعية. وفي وثيقة الاستادار (ومن مرض منهم اجرى عليه معلومه ( أى راتبه ) الى حين زوال مرضه ) . واذا انتهى الصبي من حفظ القرآن يقام له احتفال كبير يسمى (الاصرافة) .ومن يظل بالمكتب لحين البلوغ دون حفظ القرآن يصرف ليحل مكانه يتيم آخر . وكان يستبدل باليتيم يتيم آخر في حالة سفره سفر إقامة او تعذر حضوره . واهتموا بأنشاء المكاتب وتوفير المعلمين والعريفين والطعام والكساء والمعلوم الشهري بل وقرروا بها ادوات الكتابة . )[364]
أثر التصوف فى الأدب المملوكي : فى النثر والقصّة
كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الثانى :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )
أثر التصوف فى الأدب المملوكي : النثر والقصّة .
مدخل :ــ انعكس تأثير التصوف المملوكي على الحياة العلمية فأثر في المستوى العلمي ومسيرة بعض العلوم ، وأضعف التأثير الإيجابي لجهود الصوفية في مجال التعليم . ولكن يبدو ان تأثير الصوفية في الأدب يميل إلى نوع من التوازن ، فالنثر الصوفي أشاع دفئا وحرارة في نفس الوقت الذي تأثرت فيه الكتابة بالجمود العلمي والعقلي فقبعت تحت سلاسل المحسنات اللفظية دون معنى جليل أو فكرة هامة. وادعاء الكرامات أمر ممقوت دينيا إلا انه رب ضارة نافعة كما يقولون فمن هذا الطريق وجدت القصة الصوفية القصيرة والطويلة وأثر التصوف في الروايات ــ الشهيرة . والشعر المملوكي أثرى بالتصوف في اغراضه من حب الهى ومديح نبوى وابتدع أغراضا جديدة أهمها دخول الصراع الفقهي الصوفي إلى ميدان الشعر وما أثاره من فريحة وتجويد لدى الفقهاء ، فأشاع ذلك كله حرارة وصدقا شعريا بين الخصوم . يقابل ذلك انعكاس الحياة العقلية والثقافية الهابطة على بعض الشعراء خاصة في أواخر العصر وانتشار التصوف فقبعوا تحت التقليد وأثر فيهم الجهل ..والى بعض التفاصيل ، مع التذكير بأننا نتعرض لرءوس موضوعات تصلح لأبحاث متعمقة فى تحديد وتفصيل وتفريع أثر التصوف فى تلك النواحى ....
أثر التصوف في النـثــر : ...
"السجع" أهم ميزة في الأسلوب النثري للعصر المملوكي ، والسجع يعبر عن ملمح أساس فى الدين الأرضى ، وهو التدين السطحى بدون إعتبار للتقوى القلبية . ساد هذا فى الأدب منذ سيطرة الحنابلة ودينهم السُّنى فى العصر العباسى الثانى ، فأضحى الأدب والشعر ضحية الاهتمام بالمظهر ( اى المحسنات اللفظية من سجع وتورية وجناس وطباق ومقابلة ) على حساب المضمون، أى إختنق المعنى بسلاسل السجع والمحسنات اللفظية، ولم يعد مُهمّا ما يقال ، بل المهم هو السجع والتورية و الطباق والمقابلة .
على أن السجع بالذات هو الذى تميّز وساد ، حتى فى عناوين معظم المؤلفات ، ومثلا : تاريخ ابن حجر الذى يؤرخ فيه من سنة مولده جعل عنوانه ( إنباء الغمر بأبناء العمر ) وجاء تلميذه الصيرفى فكتب على منواله يؤرخ لعصره تحت عنوان ( إنباء الهصر بأبناء العصر ) ، وليس لكلمة الهصر معنى محدد ، أى جاء بها لمجرد السجع . كان هذا ساريا فى العصر العباسى الثانى ، ثم ساد وسيطر فى العصر المملوكى ، وظل حتى مطلع العصر الحديث ، ونتذكر كتاب رفاعة الطهطاوى ( تخليص الابريز فى تلخيص باريز ) . وفى أواخر العصر المملوكى صار السجع مقياس الفصاحة ، يقول السخاوى عن احد الكتاب : ( أتى بما يٌستظرف من السجعات المتوالية والكلمات المنتظمة [365] . ويقول أبو المحاسن عن كتاب أرسله ابن عثمان : وأظن أن منشئه غير كاتبه لأنه ارتج في كثير من السجع فكتبه غير محرر فتعب واتعب )[366] . وقد عد بعض الباحثين من خصائص الرسائل والدواوين : الإكثار على قلة المعاني والتزام السجع الطويل الفواصل والاحتفال بأنواع البديع وكثرة الحشو اللفظي والبديعي وكثرة الألقاب والأدعية ) [367] .
وبالسجع نشر التصوف نوعا جديدا من النثر ، هو تلك الأوراد الصوفية التي تفيض بالتضرعات الحارة والابتهالات [368] . كما يبدو أثر التصوف في افتتاح المكاتبات والمحاضر بقول الكاتب عن نفسه ( الفقير إلى الله فلان ) [369] ويقول ابن حجر (فسأل السلطان عن الفقير الى الله تعالى كاتبه القاضي المالكي عن حقيقة ذلك ) [370] . وتردد ذلك في كتب التاريخ الأخرى ، يقول القاضى المؤرخ العينى عن نفسه : ( والعبد الضعيف كان يتيما في تلك الأيام بمدينة عين تاب ) وكرر هذا الوصف. [371] . وقال آخر عن نفسه فى مقدمة كتابه : ( قال العبد الفقير إلى الله تعالى مؤلف هذا التاريخ وجامعه )[372] وفي كتب التاريخ المتأخرة في العصر كان المؤرخ يقول ــ ( أو كما قال) تعقيبا على لفظ البركة او ذكر الكرامة [373]. كما أن الانحلال الخلقى الذى اشاعه التصوف وجعله دينا إنعكس على الأدب المملوكى شعرا ونثرا ، بألفاظ خارجة بذيئة تعود الناس على قولها وسماعها بحيث لم تعد عيبا ، بل ووصلت الى تأليف مؤلفات خاصة بها ، وجعل عنوانينها بألفاظ خارجة . وسبقت الاشارة لذلك .
هذا .. وهناك مؤلفات وأبحاث فى الأدب المملوكى تخصّص بعضها فى النثر . ولذا نُعرض عن هذا الموضوع لنلتفت الى ناحية جديدة فى النثر لم تتوجّه اليها إهتمامات الباحثين ، وهى القصّة فى العصر المملوكى ، وتأثير التصوف فيها .
أثر التصوف في القصة في العصر المملوكي : ..
1ــ وظهرت "القصة " فى أقاصيص تسرد الكرامات الصوفية ، وكانت هذه الأقاصيص إحدى وسائل الصوفية في خدمة اغراضهم ، لذا كانت تحتشد بالحوار العاطفي الملتهب عن الوجد والأشواق ، وتتخلله الاغماءات وربما موت البطل وجدا وعشقا ، فيتأثرالقاريء وجدانيا وقد تنهمر دموعه ويتشرب أراءهم في الاتحاد أو يعطف على متصوفة أخرون من أصحاب الشطح ، ويصدق أن شطحهم كان بقوة الحب المتمكن في نفوسهم [374] ، على أن الاهتمام الأكبر للقصة الصوفية كان إرهاب المنكرين بشتى الوسائل [375] . هذا فى القصة القصيرة التى تكتمل فيها عناصر القصة بالمفهوم الحديث .
ونفس الحال مع القصة الطويلة، أو الرواية فى عصرنا ، مثل رواية فاطمة بنت برى مع البدوى،والتى أُستكملت فيها شخصية البدري فيها كفارس تشتهيه النساء خاصة وان البدوي لم يتزوج ولم ( يتسر ) أى لم تكن له جوارى وسرارى ملك اليمين كالشائع فى عصره. ويرى بعضهم أن تلك القصة قد وضعت لتغطية فشل البدري في رحلته للعراق [376]...
2ــ ومن عوامل اجادة القصة الصوفية الفراغ والخيال وحديث النفس والوجدان بالإضافة للحرمان، فأبدع اليافعي في كتابه ( روض الرياحين ) قصصا زعم حدوثها ، وهى من وحى خياله ، يصف فيها مدن الأولياء ( السحرية ) ، و يقول عن إحداها "فأقمنا بها أربعين يوما ليس لنا فيها من عمل إلا الصلاة والأكل " ) [377] . ولقد كان للقصة في العصر المملوكي خصائصها الفريدة [378] وشخصيتها التي أثرت على مجرى القصص في ذلك العصر ، الذي كان فيه للقصّاص أو الراوى الشعبى شعبية واسعة بين الناس في مجتمع سادت فيه البطالة . وكان القصّاص المصري أبرع صناعة وأرفع مكانة وأتسع خياله بعد نكبة بغداد والحروب الصليبية بقدر ما ضاق عقله وضاع علمه وأصبح أسيرا للتصوف ــ فاعتمد في السرد على الخوارق وحكاية الكرامات ومناقب الأشياخ والغيبيات والخرافات التى تشُدُّ إهتمام السامع والقارىء . لذا قيل أنه لم يتقيد بقواعد المنطق او الخُلق او الوقائع التاريخية الثانية فاصطنع اللهجة الصريحة والألفاظ القبيحة ، [379] وكان القصص من عمل الوعاظ الصوفية يمارس في المؤسسات الصوفية ولدى الأولياء منهم كما في كتب المناقب عادة .وما وصلنا من قصص ترجع للعصر المملوكي يبدو أثر التصوف فيها ، فقصة بيبرس فيها إضافات غريبة وخرافات خارقة للعادة، [380] .
3ـ وقصص (ألف ليلة وليلة ) تحتاج إلى وقفة لتبين أثر التصوف فيها. ورغم أنها كتبت بعد انتهاء العصر المملوكي أي في سنة 933 إلا أنها ذخيرة حية لحياة المجتمع المصري الذي استمر تأثيره بالتصوف على ما بعد العصر المملوكي ــ وقد تداولتها الألسن عهدا طويلا ، ومن الواضح ان جامعها مصري أخذ صيغتها النهائية من مجتمع القاهرة [381] ، الذي صار أسير التصوف. ففي الليالي فصل كامل بعنوان حكايات تتضمن عدم الاغترار بالدنيا والوثوق بها وما شابه ذلك ، [382] وفي باقي الحكايات يمثل الخضر دورا هاما في انقاذ المؤمنين ويدعو غيرهم للإسلام ، وإبراهيم الخواص ـ وهو اسم ولى صوفي ــ انقذ ابنة ملك كافر وحُجب عن العيون بالكرامة ، والحاكم يخبر وردان الجزار بالكشف الصوفي بما فعله في الغيب . هذا عدا زيارة قبور المشايخ تبركا كما فى قصة دليلة المحتالة . وظهر عبد القادر الجيلاني وبركة السيدة نفيسة في قصة علاء الدين الشامات والذي انجته تلك البركة من عدو كاد يقتله ، وفتن قاصّ الليالي بما يحض على الزهد بنوع خاص ، فأنشأ على منواله قصة طويلة تتضمن الكلام عن قماقم سيدنا سليمان ،وأضاف اليها قصة مدينة النحاس التي تتلخص في انها مواعظ سردت تقريريا في فناء الحياة الدنيا وان الزهد خير زاد في الحياة.....
4ــ وكتاب اليافعى ( روض الرياحين فى حكايات الصالحين ) هو المصدر الصوفي الذى استوحى منه مؤلف ( الف ليلة وليلة ) ، ومنه مثلا حكايات عن الجان وعلاقة الأولياء بهم ومدن الأولياء وأسفارهم وقبر سليمان وجنوده من الجن والطير وذخائره وخاتمه وبساط بلقيس وعرشها وسجن إبليس بل ووردت قصص عن هارون الرشيد وعلاقته بابنه الزاهد وعلاقته بمجذوب يسمى بهلول ) [383]. ويذكر ان اليافعي صاحب روض الرياض قد جمعه من كتب صوفية سابقة وأضاف الى ما جمعه وتوفي 768 [384] ، أي قبل كتابة الليالي بأكثر من قرن ونصف، فأخذ عنه وعن غيره كاتب الليالي وقلده حتى في ايراد الاشعار في غضون حوادث القصص. تلك الأشعار التي يبدو التشابه واضحا بينهما .وندخل على الشعر .
أثر التصوف في الشعر في العصر المملوكي :
كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الثانى :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )
أثر التصوف في الشعر في العصر المملوكي :
1ــ الأغراض ::ــ
المدح أثر التصوف في المديح عظيم فابتكروا شعر الحب الإلهي والمدح النبوي والتشويق للأماكن المقدسة ثم مدح المريد لشيخه ، هذا بالإضافة إلى ما قام به بعض الشعراء من إنكار على الصوفية:
الحب الإلهي :ــ تطور في القرن السابع وبلغ الذروة على يد عمر بن الفارض وتابعه أخرون كابن الصباع القوصي والدريني والقسطلاني )[385] ومحمد بن إسرائيل ) [386] وشرح الكاساني قصدية ابن الفارض في مجلدين )[387]..
المديح النبوي :ــنافس الحب الإلهي كسبيل للوجد الصوفي ، ولعلنا لا نجد شاعرا كبيرا في العصر لم يقل في المديح النبوي . وقد عرفت بعض القصائد بالبديعيات وهي ضرب من النظم حول المديح النبوي وضمنوه أبوابا من البديع ) [388] ..وأعجب المماليك بالمدائح النبوية فكان السلطان قايتباي لا يلتفت لمن يمدحه بالشعر ويقول لو اشتغل بالمدح النبوي كان أعظم من هذه المسالك ) [389].. وعنى الأمير على بن أمير ... بالمدائح النبوية فوجد في تركته لما مات خمسة وتسعون مجلدا كلها مدائح )[390].
ومن الصعب حصر الشعراء المادحين للنبي عليه السلام ولكن نقسمهم إلى نوعين :ــ شعراء صوفية تخصصوا في المدائح النبوية أو أكثر شعرهم فيه ، مثل احمد بن مسعود المادح )[391] ومحمد البديوي المادح [392] وسراج الدين التكريتي [393] والفيومي وابن سيد الناس [394].،وابن عامرية [395] وابن حنا وأحمد الخواص [396] وابن الزين [397] وشمس الدين الطبندي [398]..
وهناك قصائد صوفية ، قالها أكثرية من الشعراء المشهورين كالشاب الظريف وابن نباتة الإسرائيلي [399] من الصوفية وغيرهم [400] .
والبوصيري أشهر المادحين. ومدائحه تنقسم على قسم نظمه قبل ان يحج وقسم بعده ، وفيه قال الهمزية والبردة التي أثبت المحققون كذب أن تتسبب في شفاء صاحبها [401] . وقد وضع الصوفية لقراءتها شروطا لم يوضع مثلها للقرآن، مثل الوضوء والتوجه الى القبلة وتصحيح الألفاظ والعلم بمعانيها . وعن طريق البردة استمر المغاربة الصوفية والشاذلية فى رغج العسش بعد انهيار الدولة الفاطمية ، فاحتكروا نسخها وتأجيرها وقراءتها في حلقات الأذكار والأفراح ونشروها في العالم الإسلامي .[402] ، وشرحها الحلبي وخمسها [403] ، وعاش ابن عرب من نسخها . وبسبب شهرتها عارضها ـ أى صاغ على منوالها ـ الشعراء المشاهير مثل صفي الدين الحلي وابن جابر الأندلسي وابن حجة الحموي [404] .
ومن خلال المدائح شوّق الشعراء للأماكن المقدسة حيث ابتدأوا به الشعر النبوي [405]..
المـريد وشيخه :ــالبوصيري مدح أشياخه المرسى الشاذلي [406] ومدح ابن عطاء شيخه المرسي [407] ، ومدح آخرون البدوي ، ومدح أبوالعز بن حبيب شيخه صالح بن نجم المصري [408] ، ولا يلزم ان يكون الممدوح حيا يرزق ، فالبوصيرى ــ مثلا ـ مدح السيدة نفيسة ...
ولقد خيم الركود على العصر المملوكي بأثر التصوف وانعكس ذلك على الوصف الشعري بإغفالهم الأمور واكتفوا بوصف التافه منها [409]....
التـغــــــزل بالـمــذكــــــر ...غرض شعري قديم ولكن ساد في العصر المملوكي بأثر التصوف حتى غلب المديح عند بعض شعراء فتغزل الشعراء في قاض مليح وفي فقيه وفي محدث وفي إمام ومريد وفقير [410] .. وتصدرت قصائد الغزل بالمذكر قصائد المدح [411] .
وفى التغزل بالنساء كانوا يذكرون المرأة بالمذكّر ، كأنها شاب ، ولم يعد ذلك عيبا كشأن الفساد حسن حين يعُمّ ويستشرى. وقد روى ابن شاكر الكتبى قصائد للقاضي ابن خلكان يتغزل فيها بالمردان )[412].
ونمثل ــ في الختام ــ بالشاب الظريف وهو شاعر عريق فى التصوف ، فأبوه هو الصوفي الشهير العفيف التلمساني . يقول الشاب الظريف يتغزل فى قاضي القضاة [413]
صدودك هل له أمد قريب ووصلك هل يكون بلا رقيب
قضاة الحُسن ما صُنعى بطرف تمنى مثله الرشأ الرتيب
رمى فأصاب قلبي باجتهاد صدقتم كل مجتهد مصيب
ويتغزل فى قاضى القضاة حسام الدين الرازى فيقول :
لى من هواك بعيده وقريبه ولك الجمال بديعه وغريبه
يا من أُعيذ جماله بجلاله حذرا عليك من العيون تصيبه
هل من حرمة او رحمة لمتيم قد قلّ فيك نصيره ونصيبه
أؤلف القصائد فى هواك تغزلا حتى كأن بك النسيب نسيبه
المفجع هنا ان الشاب الظريف يتغزل فى " قاضى القضاة ". !!
هذا او اذا كان التصوف قد أثر في ( إتّجاه ) و( كمية ) بعض الأغراض كالمديح والغزل بالذكران ، فانه ابتدع اغراضا جديدة كالحشيشة والتوسل بالأولياء والدعوة للتصوف ، وأثر ذلك في ناحية أخرى حيث أثار الفقهاء فهاجموا الصوفية بالشعر ..ونعطى بعض التفصيل مع التنويه على أهمية هذه الموضوعات وحاجتها لأبحاث متعمقة .
الحشيشة :ــ اكتشاف صوفي أثار عاصفة فقهية وشعرية بين التأييد من المدمنين والاحتجاج من المعترضين، واحتلت مكان الخمر فى العصر العباسى ، واشتركت كعنصر ـ في أخيلة شعراء الشذوذ الجنسي والمجون ....
قال ابن الصاحب الصوفي : ..
فى خمار الحشيش معنى رامي يا أهيل العقول والافهام
حرموها من غير عقل ونقل وحرام تحريم غير الحرام [414]
وردّ عليه الفقيه الزركشي ( 745 ــ 794 ) فى كتابه ( زهر العريش فى تحريم الحشيش ) يفنّد رأيه :( [415])
قل لمن قال فى الحشيش جهلا أو عنادا لمحكم الأحكام
فى خمار الحشيش سرُّ خفىُّ دقّ تعبيره عن الأفهام
حرموها من غير عقل ونقل وحرام تحريم غير الحرام
أو ما قلت ان فيها خمارا وهو قاض بوصفها بالحرام
إن حفظ العقول يطلب عقلا وهو فرض فى شريعة الاسلام
وفى التوسل الصوفى :
يقول ابن ناشي فى التوسل وتقديس بعض الأولياء الصوفية [416] :
قد كان في الدنيا شيوخ صوالح اذا دهم الناس الدواهي توسلوا
مفرج منهم في البلاد وشيخنا أبونا أبو الحجاج ذاك المبجل
وشيخ شيوخ الأرض كان بأرضنا ابو الحسن الصباغ ذاك المدلل
ويقول العيدروس فى التوسل بروّاد التصوف [417] :
يا رب بالشيخ الجنيد وخاله وشقيق والشبلي وشهرة حاله
وبحبيب العجمي وداود فتى طىّ وبصرى وطبب وصاله
وبتسترى الدار سهل وما سرى بشراه فى الاسرار ومن سلساله
وبزهد ابراهيم صفوة أدهم وتقبيل الضافى على افضاله
ويقول العيدروس فى التوسل بالرسول :
يا رسول الله عونا ومدد انتم الوالد والعبد ولد
يا رسول الله فى جاهك ما يبلغ القاصد أفضل ما قصد
يا رسول الله مالى عتد غير حبك ويا نعم العتد
يا رسول الله قوّم أودى فلكم قوّمت بالدين أود
يا رسول الله هل من نظرة تصلح القلب سريعا والجسد
يا رسول الله هل من حذبة تجذب العبد الى التهجى الجدد
يا رسول الله كن لى شافعا انت والله شفيع لا تُرد
وهذا كُفر شنيع .!!
انكار الفقهاء والشعراء على الصوفية :
إنحلال الصوفية الدينى العقيدى والسلوكى أثار عليهم عاصفة من الاحتجاج أو ( الانكار ) بتعبير العصر المملوكى . وانعكس هذا على الشعر المملوكى .
الطريف ان شعر الفقهاء يتضح من خلال قراءته، بسبب غلبة الاسلوب الفقهى عليه كما يظهر من شعر الزركشى فى الرد على ابن الصاحب فى موضوع الحشيش. على أن كثيرا منهم لم يعلن نسبة القصيدة لنفسه ، ربما خوفا من نفوذ الصوفية ، ومع ذلك فنبرة الفقه والوعظ سمة واضحة..
والشعر ــ فى الإنكار على الصوفيةــ قد ركز على مظاهر التصوف المملوكي وتعرض لها بالسخرية ــ وذلك يوجد لدى أكثر الشعراء الأصليين ــ واما بالتفنيد والرد ــ وذلك واضح في شعر الفقهاء خاصة . ومع ذلك فان هناك فارقا ملحوظا بين الفقهاء والشعراء ، فالشعراء المملوكيون تأثروا بعصرهم وانحلاله وظهر ذلك في شعرهم الساخر اما الفقهاء فقد ارتقوا بالشعر والفاظه ومعانيه حتى في معرض السخرية .ونعطى بعض التفاصيل :
انكار الفقهاء على الصوفية :
وقد أثار الفقهاء انحرافات الصوفية ، وقد سبقت الاشارة الى رد الزركشي على ذلك الصوفى الذي نادى بحل الحشيش . وحفل شعر الفقهاء بالإنكار على السماع الصوفي بما فيه من غناء ورقص طعام ومآدب وأعراض مع ذلك عن القرآن الكريم..
يقول فقيه :
متى سمع الناس في دينهم بأن الغُنا سُنّة تتبــــــــــع
وأن يأكل المرء اكل البعير ويرقص في الجمع حتى يقع
ولو كان طاوى الحشا جائعا لما دار من طرب واستمع
وقالوا سكرنا بحب الاله وما أسكر القوم إلا القصع
كذلك البهائم إن أُشبعت يرقّصُها ريُّها والشبع
الى ان يقول
ويُسكره الناى ثم الغُنا و"يس " لو تُليت ما إنصدع
فيا للعقول ويا للنُهى ألا مُنكر منكم للبدع
تُهان المساجد بالسماع وتُكرّمُ عن مثل ذاك البيع [418]
وقال فقيه آخر ، وقد روى السخاوى هذا الشعر على انه (لأحد السادة الأوائل)(التبر المسبوك 220 : 221 ) وواضح انه فقيه حنبلى :
الضرب بالطار والتشبيب بالقصب شيئان قد عرفا باللهو والطرب
انى لأعجب من قوم وطيشهم وان أمرهم من اعجب العجب
إن نقروا الطار أمسوا يرقصون له شبه القرود ألا سحقا لمرتكب
صوفية أحدثوا فى ديننا لعبا وخالفوا الحق دين المصطفى العرب
من اقتدى بهم قد ضل مثلهم سحقا لمذهبهم لو كان من ذهب
اهل المراقص لا تأخذ بمذهبهم فقد تمادوا على التمويه والكذب
اُنكر عليهم إذا ما كنت مقتدرا واضرب ظهورهم بالسوط والخشب
ويقارن فقيه آخر، يبّن حالهم حين سماع القرآن وحين الغناء فيقول :
تُلى الكتاب فأطرقوا لا خيفة لكنه أطراق ساه لاهي
وأتى الغناء فكالحمير تناهقوا والله ما رقصوا لأجل الله
دفُّ ومزمار ونغمة شادن فمتى رأيت عبادة بملاهى
ثقل الكتاب عليهم لما رأوا تقييده بأوامر ونواهى
ورأوه أعظم قاطع للنفس عن شهواتها يا ويحها المتناهى
وأتى السماع موافقا أغراضها فلأجل ذاك غدا عظيم الجاه
ويقارن السماع بالخمر فيقول
ان لم يكن خمر الجسوم فانه خمر العقول مماثل ومضاهى
فانظر الى النشوان عند شرابه وانظر الى النشوان عند ملاهى
وانظر الى تمزيق ذا أثوابه من بعد تمزيق الفؤاد اللاهى
واحكم فأى الخمرين أحق بالتحريم والتأثيم عند الله ؟
وقال فقيه آخر يائسا ساخرا
برئنا الى الله من معشر بهم مرض من سماع الغُنا
وكم قلت يا قوم أنتم على شفا جرف ما به من بنا
وتكرار ذا النصح منا لهم لنعذر منهم الى ربنا
فلما استهانوا بتنبيهنا رجعنا الى الله فى أمرنا
فعشنا على سُنّة المصطفى وماتوا على ( تنتنا تنتنا ) ( أى نغمة الموسيقى )
ويردد فقيه آخر يأسه منهم فيقول
فدع صاحب المزمار والدف والغنا وما اختاره عن طاعة الله مذهبا
ودعه يعش فى غيّه وضلاله على ( تاتنا ) يحيا ويبعث أشيبا
وفى ( تنتنا ) يوم المعاد نجاته الى الجنة الحمراء يدعى مقربا
وقد أورد ابن القيم الجوزية فى كتابه ( إاثة اللهفان ) قصيدة طويلة يهجو الانحرافات الصوفية فى عصره ـ ولا ينسبها لنفسه ، وواضح انه صاحبها ، ومنها : فابن النقيب إعترض شعرا على إستخدام الصوفية الكيمياء للتحايل : فقال :
يا طالب الكيمياء مجتهدا أو ما تملُّ السؤال والطلبا
دع ابن حيان والشذور وما أُلغز فيها ودونك العتبا
( عيون التواريخ : مخطوط 2 / 384 ).
وللصوفية تعبيراتهم الخاصة فى عقائدهم فى الحلول والاتحاد ووحدة الوجود ، ولهم مصطلحاتهم ، وهم يقولونها بإعتبارها دينا ، ولكن الشاعر المصرى المملوكى ـ الظريف خفي الظل ـ البهاء زهير يحاكيهم ساخرا ـ يقول ، وما أروعه :
رفعت رايتي على العشاق واقتدى بى جميع تلك الرفاق
وتنحى اهل الهوى عن طريقي وانثنى عزم من يروم لحاقي
سرتُ في الحب سيرة لم يسرها عاشق في الورى على الاطلاق
ودعانى أجول فى كل ارض وطبولى يضربن فى الآفاق
مثُل العاشقون فوق بساطى فى مقام الهوى وتحت رواقى
ضربت سكّة المحبة باسمى و دعت لى منابر العشاق
كان للقوم في الزجاجة باق انا وحدى شربت ذاك الباقي
شربة لا أزال اسكر منها ليت شعري ماذا سقاني الساقي
أنا فى الحب ألطف الناس معنى دمث الخلق ذو حواش رقاق
........... الخ .... وهي طويلة )[420]
يبدو انه تأثر بأمين الدين الديسرى ت 680 الذي تهكم بأصحاب الاتحاد فأجاد :
متُّ في عشقي معشوقا انا ففؤادي من فراقي في عنـــا
غبت عني فمتى يجمعني انا من وجدى منى في فنـــا
أيها السامع تدرى ما الذي قلت ؟ والله فــ أدرى انـــــــا [421])
وسادة العصر المملوكى كانوا المماليك والصوفية . لذا يقول شهاب الدين المالكى ينصح من يريد السعادة من أهل عصره بتقليد المماليك أو الانخراط فى التصوف :
إذا شئت أن تحيا حياة سعيدة ويُستحسنُ الأقوام منك المُقبحا
تزيا بزى التُّرك واحفظ لسانهم وإلا فجانبهم وكن متصولحا ( إنباء الغمر لابن حجر : 2 / 210 )
والبوصيري كان شاعرا صوفيا ولكن اضطر لهجاء بعض الصوفية من الكتاب والقضاء فيقول )[422]
تنسّك معشر منهم وعُدّوا من الزهاد والمتورعينا
وقيل لهم دعاء مستجاب وقد ملأوا من السحت البطونا
وما أخشى على اموال مصر سوى من معشر يتأولونا
وما أروع البيت الأخير الذى ينطبق على مصر فى كل عصر.
وفى واقعة الأمير المملوكى يلبغا السالمى مع صوفية خانقاة سعيد السعداء وقد إكتشف إنحرافاتهم وفضحهم وعاقبهم ، يقول شاعر :
يا أهل خانقاة الصلاح أراكم ما بين شاك للزمان وشاتم
يكفيكموا ما قد أكلتم باطلا من وقفها وقد خرجتم بالسالمى ( خطط المقريزى 4 / 274 ، تاريخ ابن الفرات 9 / 2 / 406 )
وكان النُصيبى شاعرا ظريفا ، وقد إجتمع فى مجلس مع الشيخ الصوفى الحريرى الذى حكى كرامة له انه رأى هرّة تقرأ سورة يس ، فقال النصيبى متهكما : وكان غراب يقرأ سورة السجدة فإذا جاء عند آية السجدة ّسجد وقال: سجد لك سوادى وإطمأن بك فؤادى.( الوافى بالوفيات 1 / 164 ، الطالع السعيد فى أخبار الصعيد للأدفوى : 354 )
وقد أدخل بعضهم المذاهب الصوفية في الشعر .
فالحقيقة المحمودية أدخلت في شعر المديح ، وأدخلوا عقائد الحلول والاتحاد في شعر ابن الفارض وغيره ، حيث عبر بعضهم عن الحب الإلهي بتعبير حسى حتى لتحسبه من شعراء التغزل فى المرأة . ويقول أحدهم [423]
لما رأيتك مشرقا في ذاتي بدلت من حالى ذميم صفاتي
وكان الشرنوبي ينظم الموشحات الغريبة في معالم الطريق الصوفى [424] ..
في الأسلوب والمسار : ـــ
1 ــ لبعض الباحثين رأي طيب في الشعر الصوفي [425] وهو رأي صحيح في بعض نواحيه . ومع تحفظنا الدينى على مدائح البوصيرى إلّا أننا نقول من وجهة نظر أدبية نقدية أنها تحوى الصدق في المشاعر ، وهذا عكس الاسفاف فى بقية شعره . ومثله ابن برشق المادح يقول فيه ابن حجر "وكانت مدائحه في الأعيان سافلة وفي المدائح النبوية في الأوج ) [426] .فالمنهج العلمي لا يناسبه التعميم في الأحكام ، فقد كان من الصوفية من نظم في الحب الإلهي بأسلوب علمي ولغة دارجه يقول ابن حجر عن ابن البصيص " وكان ينظم نظما عاريا من الاعراب على طريق الصوفية ) [427] ، فالرأي الأقرب للصواب أن كل شاعر صوفي تأثر بمدى ثقافته وموهبته ، واذا كان الشعر الصوفي معبرا عن كل صوفي فإن التصوف نفسه ككل قد أثر على أسلوب الشعر المملوكي ومساره ، فكان ــ خصوصا في أواخر العصر وسيادة التصوف ــ كما قال أحد الباحثين ( تقليدا لا استقلال فيه وصدى لا حياة فيه وصورة معكوسة في الأيام الخالية وأجدر به اذا كان كذلك الا ان يكون فيه ابتكار ولا تجديد )[428] .
2 ــ وشاع التضمين الشعرى فى العصر المملوكى ، والتضمين هو أن يدخل الشاعر في أبيانه بيتاً (أو أبياناً) مشهورة، وكأنه يستشهد بها، وعادة ما يضع ما ضمن بين قوسين، كما أنه قد يضمن شعره الأمثال أو الحكم السائرة ليعطيه رونقاً وقوة..ولكن هذا التضمين فى العصر المملوكى كان يعكس التقليد فى الحياة العلمية التى صارت ترديدا لما سبق وشرحا له وتلخيصا للشرح . أى عاش العصر المملوكى عالة على التراث العباسى فى الفقه والحديث والتفسير والتصوف ..وفى الشعر ايضا ، بل كانوا يضعون ما يقتبسونه من السابقين فى شعرهم دون مراعاة للتناسق فى المعنى أو وحدة الموضوع ، لأن الذى غلب ذعليهم هو التناسق اللفظى بين شعرهم و ما يضاهيه لفظا وقافية من أقوال السابقين أو من القرآن الكريم . والتعمق فى هذا الموضوع يخرج عن المنهج ، لذا نكتفى بالاشارة الى ديوان ابن نباته ( 686 : 768 ) ونعطى أمثلة : صفحات 392 ، 425 ، 462 ، 476 ، 477 .
3 ـ وبصمات التصوف واضحة في الشعر المصري بوجه عام وقد عدّ احمد امين من خصائص الشعر المصري العناية غالبا بالجناس اللفظي والذوبان في الحب وتسلط النغمة الحزينة )[429] . وتلك آثار صوفية ..
العقائد والتعبيرات الصوفية فى الشعر المملوكى
وقد تردد في الأشعار المملوكية عقائد وتعبيرات التصوف .
ففي ديوان البوصيري: [430]
واختفى منهم على قرب مرآه ومن شدة الظهور الخفاء
والكرامات منهم معجزات حازها عن نوالك الأولياء
وسلام على ضريحك تحصل به منه قربة وعساء.
وله :
توسل به في كل ما انت طالب فكم نلت بالتوسل مطالبا
على أننى ما زلت من بركاته غنيا وفى نعمائه متقلبا
وله
واستمطر البركات من دعواته حيث استقل سحاب راحته الندى
وله
معنى الوجود الذى قام الوجود به وهل بغير المعانى قامت الصور
وله
وما هو إلا كيمياء سعادة ووصفي لتلك الكيمياء شذور
وله:
ولم تفته من الأوراد ناشئة في ليلة قام يحييها ولا سحر
وله :
قرن الوزارة بالولاية فهو في حبل من التقوى ومن إحرام
وفي ديوان الشاب الظريف يقول فى تأليه أبيه الشيخ عفيف الدين التلمسانى [431]
يا حاضرا غابت عشاقه عن كل ماض في الزمان وآت
إلى أن يقول : وأرى الوجود بأسره رجع الصدى وأرى وجودك منشأ الأصوات
وفي ديوان االبهاء زهير : ) [432]
لك في الأرض دعاء سدّ آفاق السماء
يسّر الله للقياك سرور الأولياء
وله يُحاكى أسلوب الاتحاد الصوفى ولكن بطريقته الظريفة الخفيفة :
انا في الحقيقة انتمو وهذا اعتقادي فيكمو
فالحب منى فيّ والاعراض منكمو عنكمو
وفى ديوان ابن نباته )[433]
من له في طريق الزهد حال وفي المشكلات كشف
وله:
يا شيخ اهل العلم والزهد سادات أهل الرفق والرقعة
لي خوفة ضاعت وانت الذي نلبس من عرفانه الخرقة
قد وصف ابن الخيمس سبحة سوداء ) [434]
ويقول ابن كميل )[435]
قلت لما جاءنى صباحا يسئل عيني عن المنامات
يا سائل العين عن كراها صبحت بالخير والكرامات
وظهر أثر علم الحرف الصوفي بالشعر في أواخر العصر خاصة وذلك بالتأريخ بحروف الجمل . فنظم الجعبرى قصيدة ذكر فيها الخلفاء كلا منهم بلقب وعمره ومدة خلافته بحروف الجمل )[436]
وقال آخر على سبيل المثال : )[437]
ان الرفاعي امام الاولياء لا ثم كف خير خلق الله
مولده وعمره وموته أرّخه غيبا بشير الله 578
ورقم 578 هو حساب جملة ( بشير الله ) وهو فى نفس الوقت تاريخ وفاة الشيخ الصوفى الرفاعى .
ومن ناحية أخرى أدى شيوع الرمز الصوفي الى الجهل وظهور الشعراء الأميين الذين يسترون جهلهم بقول كلام مُبهم غريب ، يزعمونه رمزا صوفيا . ومن هؤلاء الشيخ ابي النجا الفوى الصوفي ، وقد كانت له موشحات غريبة منها (أيها النموس يطلع كاقادوس ملا واندق روس ..... الخ )[438] .
وذكر شعراء أميون من غير الصوفية كالأمير بيبرس الفارقاني وابن الربيع الخياط وابن أسد وغيرهم [439]...
أثر التصوف في الموسيقى فى العصر المملوكى
كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الثانى :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )
أثر التصوف في الموسيقى فى العصر المملوكى
مدخل : سبق التعرض لأثر التصوف فى الغناء والرقص فى الجزء الثانى ( العبادات ) من كتاب ( أثر التصوف فى الحياة الدينية فى مصر المملوكية ) فى موضوع ( الذكر ) كما تعرضنا للأثر الصوفى فى الرقص فى الجزء الثالث من نفس الكتاب عن ( إنعكاسات للإنحلال الخلقى ). ولذا لا داعى لتكرار ما سبق ، ونكتفى هنا بما لم يسبق التعرض له ، وهو اثر التصوف فى الموسيقى . ونعطى لمحة عن أشهر الصوفية في الغناء والموسيقى :...
شيوخ نظم الأغا نى :
بعض الشيوخ أوتى موهبة التأليف الموسيقى والغنائى ، ومنهم الشيخ ( على وفا ) شيخ الطريقة الوفائية الشاذلية ،الذى ( رتّب لأصحابه اذكارا بتلاحين مطبوعة تستميل بها قلوب السامعين ) [440]، وقد اتخذت قصائد المديح الصوفية مادة ينشدها المداحون في المحافل الدينية وحفلات السماع . واشتهر الشاعر المداح شهاب الدين السنهوري الضرير بأغاني مديح شهيرة جرت على ألسنة المداحين . وعلى مثال ( على وفا ) نظم عبدالغفار بن نوح شعر اللحن لينشد في حلقات الصوفية . ومارس بعض شعراء الصوفية الانشاد بنفسه مثل حمزة الاسنوى الواعظ الذي( تغانى النظم ومدح وهو من ذوى الأصوات الطيبة ، وكلما طال غناؤه جاد صوته ) [441].
شيوخ الغناء ( الطرب ) و الــعــــزف : ..
1 ـ كان أكثر مطربو الصوفية من الوعاظ والمداحين، واستعمل اللقبان للدلالة على المطرب، وفي مناقب الحنفي يتكرر فى صفحات : 174 302، 482 ، أنه بعد اختتام الميعاد يبتدى المادح أي الواعظ فى الكلام ، ويتلقى النقوط الجزيل من الحاضرين، وأن الشيخ الحنفى إذا فرغ من إلقاء ميعاده أو ندوته يقوم الوعاظ ( أو المداحون ) فى المديح والانشاد. ويقول السبكي فى كتابه ( معيد النعم : 145 ) :(وينبغي على المنشد أن يذكر من الأشعار ما هو واضح اللفظ صحيح المعنى ، مشتملا على مدائح النبي صلى الله عليه وسلم وعلى ذكر الله وآلائه وعظمته وذكر الموت وما بعده )
2 ــ وأضيف للواعظ المنشد المداح لقب المطرب ، فكان ابن حلة منشدا مطربا واعظا مادحا ومن مشاهير الوعاظ على حد قول ابن اياس ( 2 / 242، ط بولاق ) ، وكان ابن العينولى مطربا واعظا بالجامع الأزهر كما يقول المقريزى فى المقفى ( مخطوط 4 / 21 ) ، وكان أبو الفداء مطربا ( واعظا مادحا حسن الصوت جيد الغناء) ( تاريخ ابن اياس : 2 / 218 ط بولاق ). واشتهر الواعظ عبدالقادر الوفائي الشاذلى بحُسن الصوت والنغمة (حتى يضرب بحُسن صوت المثل ، مع ذكره بذلك غربا وشرقا )، على حد قول المؤرخ ابى المحاسن فى ( حوادث الدهور 3 / 729 ، وابن الصيرفى فى ( إنباء الهصر 87 ، 68 ) . وذكر الشعرانى فى ( الطبقات الكبرى) أن الشيخ عبدالعال المجذوب كان (يمدح النبي عليه السلام فيُبكى الناس ، وكان يطوف القرى ويرجع الى مصر ) [442]...
3 ـ واشتهر صوفية آخرون بالغناء مثل ركن الدين الأربيلي شيخ رباط علاء الدين و( كان حسن الصوت ) ( تاريخ الجزرى : مخطوط : 2 / 79 )، وجمع بعضهم بين الغناء و ( الخلاعة ) مثل الشيخ زوين الصوفي الذى كان (حسن الغناء والخلاعة )، وهذا وصف المؤرخ ابن الفرات له ( تاريخ ابن الفرات : 9 / 2 / 356 ) . وبرع محمد برقوق التونسي في الغناء والانشاد ( وله شهرة طائلة)( تاريخ ابن اياس 2 / 128 ط بولاق ) ، ويصف المؤرخ ابو المحاس الشيخ الصوفى سليمان المادح، أنه كان (ذا صوت شجي طروب يروح النفوس) [443]وقال المؤرخ المحدث ابن حجر عن الشيخ عبدالله المارداني أنه نشأ (مع قراء الجوق وله صوت مطرب ) ( إنباء الغمر : 2 / 368 . ويذكر المقريزى فى تاريخه ( السلوك : 3 / 2 / 576 ) أنه اتفق في سنة 790 موت خمسة من مشهوري المطربين الصوفية لم يخلفهم مثلهم في فنهم وهم سليمان المادح وابن الجمّال وأخوه خليل المشبب، وابن الشاطر رئيس المؤذنين بالجامع الأزهر وإسماعيل الوجيجانى ) .
4 ــ وكان بعضهم عازفا مطربا مثل الواعظ ابن القرداح الذي مدحه السخاوى فى تاريخ ( الضوء اللامع : 2 / 142 : 143 ) بأنه (انتهى اليه حُسن الانشاد في زمانه، حسن الوجه والكلام ورخامة الصوت وله اليد الطولى في الضرب بالعود والبراعة في الضرب بالسنطير ) ، وقليلا ما كان السخاوى يمدح أحدا.!!. وكان للشيخ الكومي علّامة في ضرب العود وفي فن الموسيقا في زمنه ، طبقا لما قاله ابن اياس ( تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 301 ) . وانتهت الرئاسة في الضرب بالعود للشيخ الصوفى ابن باباي أحد ندماء السلطان فرج والسلطان المؤيد شيخ ). هذا ما ذكره المقريزى فى السلوك( 4 / 1 / 476 ) وأبو المحاسن فى النجوم الزاهرة : 14 / 151 : 152 ).
شيوخ الفنون الموسيقية .
1ــ إشتهر شيوخ صوفية بمعرفة الموسيقى، فالسيواسى (كان علّامة في الفقه والتصوف والموسيقى ودرّس بالمنصورية والشيخونية ) ( 444) ، أى جمع العلم بالمتناقضات ( الفقه السنى والموسيقى ).وقال المؤرخ العينى عن ابن شرنكار الحنفى إنه كان فاضلا في علم الموسيقى) [444]وكان الشيخ عارف العجمى أحد الصوفية بالخانقاة البيبرسية ( عارفا بالموسيقى وانتهت اليه الرئاسة في ذلك ) [445]وكان ابن عرب شاة ( يدري بالموسيقى ويقرأ في الترب) [446]، أى يستخدم موهبته الموسيقية فى التلاوة على القبور .
وقال المؤرخ السخاوى إنه : ( لم يُر بعد الشيخ حيدر وأخيه من يدانيهما في الموسيقى )[447] ولم يمنع إنشغال الشيخ شمس الدين الادفوى بالعلم والعبادة عن علمه بالموسيقى إذ ( كان يدري الموسيقى )على حد قول المؤرخ ابن حجر فى تاريخه ( الدرر الكامنة ) [448]، ويقول المؤرخ ابو المحاسن أنه كان لأبي عبد الله الحمصى ( يد ، في علم الموسيقى ) [449].
2 ــ وألف بعض الصوفية في علم الموسيقى مثل شرف الدين الصوفي المصري (وكانت له يد طولى في الموسيقى ، وله تصانيف في ذلك مشهورة ، منها نوتة الدوكاة : "وغيرى يغيره البُعاد الجافي." ) [450]أى ألّف قطعة موسيقية مشهورة بهذا العنوان . ويقول الصيرفى أن ابن تغرى بردي أخذ علم النعمات والموسيقى وادوار صفي الدين عبد المؤمن عن الشيخ الامام فتح الدين العجمي وعن غيره، وذكر له ( كتاب في الرياض والموسيقى) [451]. وانتهت الرئاسة في الموسيقى والالحان للشيخ حيدر الرومى الحنفى( وصنف فيهما مع الديانة والعبادة ) [452] ، أى كان موسيقيا ملحنا متدينا متعبدا .! وللصوفي الشهير أبو المواهب الشاذلي مؤلف في حل سماع العود ) [453]..
3 ــ وكان من الصوفية من ألف في الموسيقى مع موهبته في الشعر أو العزف مثل الشيخ شمس الدين المغازي الذي ( انتهت إليه الرئاسة في ضرب العود والموسيقى وهو صاحب التصانيف الهائلة في الموسيقى ) [454]وكان للشيخ شمس الدين البرهان ( نظم ونثر ويدري بالموسيقى وكان ينظم الشعر بالإيقاع على الضروب المختلفة يغني به المغنون ، وكان أيضا يلعب بالقانون . وقد رثى مملوكا له بشعر كثير ولحّنه ، فتداوله الناس ) [455]وكان الشيخ شرف الدين الصوفي الواعظ ينظم الشعر وله معرفة بالأنغام والألحان .. ) [456]..
4 ــ ومن الصوفية المطربين الواعظين من ألّف فى الموسيقى مثل ابن رحاب (المغنى الناشد المادح فريد عصره ، وكان من نوادر الزمان، ينظم الشعر ،ويلحّن الخفائف بألحان غريبة ، وكان أخر مغاني الدكة في الدخول والطرب ، ولم يجيء أحد في الدخول مثله ) [457]، روبما يعنى ( الدخول ) إفتتاح الأغنية .
وكان إسماعيل الزفتاوي( من المنشدين الذين يماشون الملك في تلك التلحينات ولقد تعانى الأنغام وذاق الفن ووزن الشعر) وألمّ أبوبكر التركستاني نزيل القبة الداودارية) [458](بعلم الموسيقى مع حُسن الصوت ) [459]ومثله في حسن الصوت الشيخ ابن القرداح الذي (صار له جوق ) أى فرقة موسيقية ) وحظى عند الملوك والأكابر، وأحسن العزف على بعض آلات الطرب ، وعرف طرفا من الموسيقى والأنغام ) [460].
الشيخ الموسيقار المجهول : إبن كُرّ
1 ــ ونتوقف مع المؤلف الموسيقى المشهور فى عصره : ( إبن كُرّ ). كان هذا الشيخ الصوفى إمام أهل عصره في الموسيقى. ومن خلال ما ذكره عنه المؤرخان ابن حجر وأبو المحاسن ـ وقد عاصراه ـ نعرف أن إبن كُرّ ـ كان شيخا للزاوية التي بجوار المشهد الحسيني ، وشيخا لزاوية أخرى بالقرب من شاطيء الخليج . وقد قرأ فن الموسيقى على الشيخ القاضي علاء الدين التراكيشي وغيره، وتفوق ابن كُرّ على أقرانه فى علم الموسيقى ، وصنّف فيه تصنيفا بديعا سماه (غاية المطلوب في فن الانغام والضروب) .
2 ــ يقول المؤرخ أبوالمحاسن ابن تغرى بردى : (سمغت مقدمته منه بمنزله فى الزاوية الذكور في شوال سنة 745 ، وقال: " ظهر لي خطأ جماعة من المتقدمين في هذا الفن مثل الفارابي وغيره وقد برهنت ذلك."). ويقول أبوالمحاسن عن فقهاء عصره الرافضين للموسيقى : (وعلماء عصرنا يستعيبون هذا الفن لعدم معرفتهم به ، وظنهم ان هذا الفن ليس هو غير ما يقوله العامة من الغناء والطرب . وليس هو كذلك . وإنما هو علم مستقل بذاته مشتق من العروض ، وفيه أراجيز ومصنفات نظم ونثر . وهو فن صعب إلى الغاية ، ولا يصل إليه إلا من له قوة في عصبه ، مع معقول جيد وذكاء وحُسن صوت . ومن الأراجيز في هذا العلم قول بعضهم :
أصل الضرب على أربع انقسم وانحسب فاصلة ومنفصلة والوتد والسبب
وأما علم النغمة فهو بحر لا قرار له . ) .
3 ــ ثم يعود المؤرخ أبو المحاسن ليقول عن الموسيقار ( إبن كُرّ) : ( وان ابن كُرّ هذا كان لا يمرّ به صوت مما ذكره أبوالفرج الاصفهاني في الأغاني إلا ويجي به ويجيده .) ومعروف أن أبا الفرج الأصفهانى ( 284 : 356 ) فى كتابه المشهور ( الأغانى ) كان يذكر الألحان للقصائد المُغنّاه المشهورة فى عصره العباسى . ونرجع الى أبى المحاسن وهو يقول عن إبن كُرّ يمدحه : ( وكان فيه شمم وعفاف ، لم يتخذ صناعة الموسيقى إسترزاقا ، بل فكاهة يروّح بها نفسه ) . أى كان مع علمه بالموسيقا هاويا لها وليس محترفا بها. ويقول عنه الفقيه قاضى القضاة المؤرخ ابن حجر: ( وقد رآه أحدهم غنّى فأضحك ثم غنى فأبكى ثم غنى فنوّم ، يقول : فرأيت بعيني ما كنت سمعت بأذني عن الفارابي . وقال أخر مر ابن كر على قوم يُغنُّون فحرك بغلته حتى مشت على إيقاعهم )[461].
4 ــ ومن أسف أن هذه الشخصية الموسيقية الفذّة لا يعلم بها أحد فى عصرنا ، والكتاب الذى صنّفه فى علم الموسيقى لم أعثر عليه فى المخطوطات . ويا حبذا لو إهتم بهذا الموسيقار ( الشيخ إبن كُرّ ) بعض الباحثين فى تاريخ الموسيقى ، ومن يفهم فى مصطلحات الموسيقى فى العصر المملوكى ، وأعترف بجهلى فى هذه المصطلحات حتى ما ذكره أبو الفرج الأصفهانى منها فى العصر العباسى . ويكفينا أننا أمطنا اللثام عن هذه العبقرية الموسيقية المجهولة .
أثر التصوف فى المغنى والغناء لغير الصوفية
كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الثانى :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )
أثر التصوف فى المغنى والغناء لغير الصوفية :..
وتأثر الأخرون بذلك الجو الفني الذي أشاعه الصوفية وجعلوه دينا في العصر المملوكي، فازدهر الغناء العادى ، أو ( العلمانى )..
من الأمراء والسلاطين :
فالسلطان المؤيد شيخ الذي عُرف بحب السماع ( الغناء ) كان يحسن عزف الموسيقى في مجالس أُنسه، وباهي أرباب الفن من ندمائه بحسن معرفته ) [462]. والسلطان الغوري كان له ولع بالموسيقى والغناء ، وكان له نظم والحان يُتغنى بها ) [463]. وتوفى في أيامه نديمه الأمير الناصري محمد بن قجق ، وكان (علّامة في ضرب الطنبورة عارفا بصنعة الأنغام ) [464]. وكان الماردينى نائب السلطنة (يجيد ضرب العود وقد حظى عند الناصر محمد ) [465]واجاد الناصري محمد بن على القلاووني ت 852 الغناء والموسيقى ) [466]وكانت للأمير ناصر بن البابا (مشاركة في الموسيقى ، وفضّل مجالسة الصوفية على مجالسة الأمراء) [467]
العوام :
ولم يتخلف العوام عن الركب الفني الذي قاده الصوفية فبرعوا في الغناء والتلحين ( الشعبى ) ،بل اظهروا به رأيهم في الحوادث السياسية وغير السياسية ، وسبقت الاشارة لذلك فى المبحث الخاص بأثر الانحلال الخلقى . وفي سنة 818 " سافر السلطان المؤيد شيخ للشام بسبب عصيان النواب المماليك هناك ، وقد هبط النيل فطلع وغطى الجسر الذي كان قد اقامه السلطان المؤيد ، يقول ابن اياس : ( فتهتك الناس على الفرجة عليهم، ونصبوا الخيام على شط الروضة والمنشية ، وصنفوا في ذلك أغنية...:
يا رايح الشام غــادي سلم وبوس الأيادي
وقل لجيش المؤيد آدي الحريم في الكوادي ) [468]
وقد وفى النيل سنة 845 فصنف العوام غنوة :
النيل أوفى في أبيب تعالى خش يا حبيب
يقول ابن اياس عن تلك الأغنية : ( وهو كلام مطول ولحّنوه ) [469]. وفي فتنة الأمير قرقماس الذى ثار وانتهى الأمر بقتله ، يقول ابن اياس عنه : ( صنف العوام غنوة :
يا قرقماس أُفُّو عليك عملت عملة وجت عليك). يقول ابن اياس : ( وهو كلام مُلحّن ) [470]، هذا عدا أمثلة أخرى تدخل في الاستشهاد بمواضع لغير هذا البحث...
حفلات الغناء :
1 ــ وهذا العصر الذى إتخذ الغناء شعيرة دينية إزدهرت الحفلات الغنائيةأو ( المغانى ) بتعبير العصر، ووجدت طريقها للتسجيل فى الحوليات التاريخية. فالمؤيد شيخ (أحضر المغاني وأرباب الالآت الى بركة النيل ، وانشرح في ذلك اليوم جدا ) على حد قول المؤرخ ابن اياس [471]..
2 ــ ويقول المؤرخ المملوكى ابو المحاسن ( وهو نفسه ابن الأمير المملوكى تغرى بردى ) ان العادة أن يكون لكل سلطان او ملك جوقة ( أى فرقة موسيقية ) من المغاني في داره، [472]. ويقول المؤرخ ابن اياس ( وهو ايضا من أصل مملوكى وقد عاصر السلطان الغورى) أن السلطان الغورى الهاوى للموسيقى كان يهتم بأصحاب المغاني وأرباب الالآت، ويصطحبهم معه في سفراته ونزهاته [473]. هذا فى أواخر الدولة المملوكية.
3 ــ ومن قبل وفى الدولة المملوكية البحرية القلاوونية أقام السلطان الناصر محمد بن قلاوون حفلا لابنه ، فأحضر كل امير من الأمراء فرقة طرب أو (جوقة من المغاني)، ( وحصل لكل جوقة من المغاني ألف وخمسمائة دينار ، غير الخلع ( أى الهدايا من الملابس والتشريفة ) ، ورقصت نساء الأمراء بأمر السلطان ) [474].
4 ــ وشاركت فرق أو جوق (المغاني ) في الاحتفالات الرسمية، فى انتصار السلطان او فى توديعه أو فى إستقباله عند قدومه من السفر . وعندما دخل برقوق القاهرة بعد إنتصاره على غريمه الأمير منطاش وكان الى جانبه السلطان القلاوونى الطفل المنصور ( لاقتهما المغاني ) [475]..
وحين انتصر السلطان المنصور قلاوون على التتار (غنت المغاني في الأسواق وعلى أبواب الأمراء ) [476]وحين عاد السلطان المؤيد شيخ إلى مصر( قعدت المغاني صفوفا على الدكاكين تدق بالدفوف ) [477].
5 ــ ومن الطبيعي أن تروج حرفة الغناء وتصبح حفلاتها احد معالم الشارع المصرى وقتها ، إذ كانت فرق الغناء او جوق المعانى تهرع لتتكسّب رزقها تنتهز أي حادث سعيد للكبار . ( وعندما شفى ناظر الخاص .... قعدت جوق المغاني على الدكاكين ) [478]. وكانت المغاني تزفُّ كتاب الوقف على المؤسسات الصوفية فى شوارع القاهرة ، [479] ..
6 ــ وتكونت فرق غنائية او جوقات تتزعمها مطربات ، واشتهرن ، فذكرتهن حوليات التاريخ. وفى نهاية العصر اشتهرت منهن الريّسة ( أنغام ) من أعيان مغاني البلد، والريسة خديجة ام خوجة من أعيان مغاني الدكة ، وعزيزة بنت السطحي فريدة عصرها في النشيد ، وهيفة اللذيذة التى صادر السلطان الغوري اموالها . [480]...
أخيرا : ملامح للتأثر بالتصوف فى الغناء المصرى الحديث والمعاصر
هذا يحتاج بحثا مستقلا ، ونشير اليه فى لمحة:
1 ـ لاتزال بصمات المتصوف واضحة في الغناء المصري الحديث والمعاصر . كانت مجالس الذكر الصوفى مدرسة لتخريج المغنيين ، ففيها نبغ عبده الحامولى ومحمد عثمان والشيخ سلامة حجازى و الشيخ يوسف المنيلاوى والشيخ سيد درويش. وفي القرى المصرية مئات من قراء الموالد هم في الأصل من أتباع الصوفية . وليس غريبا أن يُلقب اعلام الفن المتأخرون بالمشيخة كالشيخ صالح عبدالحي والشيخ زكريا أحمد، وفى عصرنا الشيخ إمام والشيخ سيد مكاوى. وليس غريبا أن تبدأ ام كلثوم حياتها بالإنشاد الصوفي في حلقات الذكر ، وأن يكون استاذها فى الغناء الشيخ أبو العلا ، وأن يبدأ محمد عبدالوهاب حياته صبيا مغنيا في مسجد الشعراني..!....
2 ــ وحقيقة والأمر أن التصوف مؤثر في الغناء المصري، إمّا بالأصالة حيث كان المتصوفة هم اهل صناعة الغناء المصري تأليفا وتلحينا وتطريباً ، وإما بالتأثير غير المباشر حيث أوجدوا الجو الملائم لازدهار الغناء . بل كانت ولا تزال الحفلات الدينية للذكر الصوفى يصدح فيها الغناء العادى بالعاطفة الملتهبة للمحبوب ، ويرقص عليها الصوفية وهم يتخيلون إلاههم هو ذلك المحبوب طبقا لعقيدتهم فى الاتحاد والحلول ووحدة الوجود. كما نلمح مظاهر الوجد الصوفي من المستمعين فى الحفلات العادية والشعبية ،حيث التهليل وصراخ الاستحسان من الجمهور ـ مقترنا بلفظ الجلالة والدعاء والصلاة على النبي عليه السلام والعبارات الدينية الأخرى، حتى في سماع الأغاني الماجنة ..
3 ــ والأغنية المصرية المعاصرة لا تزال محملة بالتأثير الصوفى : إذ يغلب عليها الاتجاه العاطفي المبالغ فيه كما لو كان المحبوب كائنا مقدسا ، أو ( وليا صوفيا ) ويكون المغنى ( مريدا له ) . ومع التهافت المزرى على المحبوب فإن المُحبّ لا يتحرك الى لقاء المحبوب ، بل يظل فى مكانه ينادى من يأتي له بحبيبه ، وهو دائما يظل يهتف بهذا لا يملّ ، مكتفيا بالنداء والقعود ، مثلا : هو لايذهب للمحبوب يعترف له بالحب ـ بل يجلس مكانه متكاسلا يقول ( قولوا له الحقيقة ..قولوا له بأحبه من أول دقيقة ) ، وحين يريد أن يعطى هدية للمحبوب يظل فى مكانه يطلب من الآخرين إحضار هدية للمحبوب ( يا رايحين الغورية هاتوا لحبيبى هدية ) . وحتى لو جاءه المحبوب يريد الزواج فإنه يظل قاعدا فى مكانه ينادى ( قولوا لمأذون البلد ييجى يكمل فرحنا ). وهذا التواكل من القيم الاجتماعية التى أرساها التصوف، وتعبر عنه الأغنية المصرية حتى الآن بلا خجل ولا وجل .
ولقد أشاع التصوف الشذوذ الجنسى وتعرضنا لذلك فى كتاب الانحلال الخلقى .وانعكس هذا فى التعبير عن المحبوبة الانثى بالمذكر ( يا حبيبى ـ وليس حبيبتى ) وشاع هذا فى قصائد الغناء ولا يزال ساريا ، حيث يصدح المطرب ينادى الحبيب وليس الحبيبة ـ هذا فى الأغلب طبعا.
هذا مع نغمة الحزن والسهر والسُهد بلا مبرر، والشكوى بلا طائل ، والهجر والحرمان والشوق الذى يعصف بالأبدان ، ( ثم إذا تزوج حبيبته عاملها كجارية بلا حقوق واعتبرها ناقصة عقل ودين .!!) .
الأغانى الشعبية فى الدلتا والصعيد والمقترنة بالمواويل يتسع مجالها ، ليس فقط فى الحب ولكن أيضا فى رواية الحكايات الشعبية التراثية أو المصنوعة والتى تعبر بصدق عن العقلية الجمعية للعوام . وهى لا تتوانى فى إعطاء المواعظ والنصائح ، بالحث على الصبر والرضى بالأمر الواقع أى (المقسوم) والتخويف من غدر الأيام ومن ( العزول ) أى الخصم الشامت و ( العويل ) أى البخيل ناكر الجميل ، والإشادة ب ( الأصيل ) أى الشهم أو ( الجدع ) .
إلّا أن الأغانى العادية التى تطارد الناس فى ( وسائل )الاعلام و( وسائل المواصلات) تركّز على الحب بين الذكر والأنثى ، وتتوارى فيها مشاعر الحب خارج هذا النطاق ؛ فقلما تجد أُغنية عن الحب الأخوى والصداقة والجيرة والأقارب والوالدين وحُب الانسانية والقيم العليا، بل لا تجد أثرا لوصف جمال الطبيعة ومباهج الحياة ، كل ذلك يتم إختزاله فى عشق رجل لمراة أو إمرأة لرجل .
كل هذا فى رأينا يهون ولا بأس به ، أما الذى نرفضه فهو استخدام لفظ الجلالة " الله" ليس فقط فى الغناء ، ولكن أيضا كفاصلة موسيقية . هذا يعكس الأصل الدينى الصوفى الذى جعل الدين لهوا ولعبا .
أثر التصوف في الفنون المعمارية والزخارف المملوكية
كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الثانى :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )
أثر التصوف في الفنون المعمارية والزخارف المملوكية ...
مدخل
1 ـ ليس فى الاسلام اهتمام بالمظهر لأنه دين التقوى القلبية فى الايمان بالخالق جل وعلا وحده ، وبإخلاص العبادة له وحده . والصلاة فى الاسلام لا يشترط فيها أن تكون فى جماعة ، بل ربما تكون صلاة الجماعة فرصة للرياء كما كان يفعل المنافقون خداعا لله جل وعلا : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142) التوبة) .ولا يشترط ان تكون الصلاة فى مساجد ، بل المهم ان يكون العابدون فى ( بيوت ) يعمرونها بالتقوى (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) النور ) وأن تكون الصلاة خاشعة لرب العزة ، فالمؤمنون المفلحون هم الذين فى صلاتهم خاشعون وعليها يحافظون (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) المؤمنون). هى ( إقامة الصلاة) التى تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر (وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ )(45)العنكبوت )، وتعمير المساجد ليس بزخرفتها ولكن بتعمير قلوب روادها بالخشوع والتقوى : ( مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ (18) أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19)التوبة ). هذا فى الاسلام القائم على تعمير القلوب والسمو بالسلوك .
2 ــ أما الدين الأرضى فهو مؤسس على الاحتراف الدينى والتدين السطحى المظهرى ، لذا ترتفع فيه المعابد سامقة عالية مزخرفة مزينة ، تبعث الرهبة فى النفوس ، ليحوز الحجر على التقديس ، وخصوصا حجر القبر المقدس أو الصنم المقدس أو الوثن المقدس .
والعمائر المملوكية الدينية لا تزال شاهدا على الفخامة حتى الآن ، وهى تشكل معظم الآثار الدينية فى القاهرة . ومن عجب أننا لا نجد من آثار المماليك قصورا لهم ، وحتى القلعة مركز الحكم ومقر السلطة ـ بناها صلاح الدين الأيويى . ولم يحرص المماليك على بناء قصور لهم بجوارها ، بل حرصوا على بناء (ترب ) أو مدافن ومقابر لهم ، وأقاموا على تلك الترب مؤسسات صوفية فخمة من الخارج مزخرفة من الداخل ، وعينوا فيها من يتفرغ فى الدعاء لهم ليدخلوا الجنة ، ووظّفوا من يقوم فيها بتدريس العلوم الشرعية من فقه وحديث وتفسير وقراءة قرآن وتعليم أيتام ليكون هذا ثمنا لدخولهم الجنة وتكفيرا عن ظلمهم البشع . وهم بذلك ممثلون حقيقيون لأتباع أى دين أرضى ( مزخرف ) ( منمق ) ، تخفى زخرفته ظلما للخالق جل وعلا وللناس أيضا . ويوم القيامة سيرون أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار: ( كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ (167) البقرة )
3 ــ ونعطى لمحة عن أثر التصوف فى الفنون المعمارية في القباب والزخارف بأنواعها حتى في غير المعمار....
القــبــاب
1 ـ توجد القباب فى معظم معابد الأديان الأرضية ، بل تتشابه قباب بيوت العبادة للمحمديين والمسيحيين ، لذا كان سهلا تحويل كنيسة آيا صوفيا فى القسطنطينية الى مسجد محمد الفاتح بعد فتحها . ويرى الباحثون المتخصصون أن القباب كانت أهم مميزات العمارة المملوكية الذى كان العصر الذهبى للعمارة الدينية ، فهو عصر التصوف وعصر القباب أيضا.، وأُطلق على المماليك (بناة القباب) ، حيث كانت القبة إحدى ميزات ثلاث للعمارة المملوكية ، تلك العمارة التي كان يلحق بها ضريح المنشيء ، فانتشرت القباب على منشئات دينية وغير دينية وانتشر بناء المدافن الكبيرة وهى تتشابه فى تصميمها الى حد كبير [481].
2 ـ وتقدمت صناعة القباب الحجرية في العصر المملوكي ووصلت الى الذروة جمال خطوطها وزخارفها من الداخل والخارج ، [482] ، وبذل معمار العصر جهده لتشرف القباب على الطريق [483] ..وظهرت أنواع مختلفة من القباب، منها نصف الكروية والمضلعة والبيضاوية، بل وجدت قبة كبيرة تنتهي فى اعلاها بمنور فوقه مثمنة تحمل قبة صغيرة مضلعة ، وهي قبة الشيخ المنوفي [484]..
3 ـ وتنوع استخدام القباب فكانت تستعمل غطاء للأضرحة خصوصا . واستخدمت القباب الصغيرة كمناور في سقف المسجد وردهات الدور لإضاءتها ، بل وسُقفت الحمامات بالقباب ، وأُستعملت لتغطية الميضات (دورات المياه) في وسط صحون المساجد المكشوفة [485] ، وعملوا على التنسيق بين القباب والمآذن. [486] ليصبحا معا أهم علامتين للعمارة الدينية فى العصور الوسطى .
4 ـ وتطورت القبة فىعصر المماليك البحرية فكانت أكبر حجما وتدل على مكان القبلة كما في مسجد بيبرس والناصر محمد والمارداني . وشهدت دولة المماليك البرجية نهاية تطور القبة ذات المقرنصات مع زيادة عدد صفوف المقرنصات ، وصغر حجم القبة والإسراف الشديد في زخارف القبة الخارجية .
5 ــ واعتنى عصر المماليك البرجية بالأضرحة مع التسيد المطلق وقتها للتصوف وتقديس أوليائه ، فأصبح الضريح أهم أجزاء المنشأة ، وكان الضريح قبل ذلك فى دولة المماليك البحرية فى ركن غير ظاهر . أكثر من هذا ، فقد أحيا عصر المماليك البرجية الأسلوب الفاطمى الشيعى فى تشييد أبنية مستقلة للأضرحة . [487] .
6 ـونذكر بعض الأمثلة لأهم القباب المملوكية :
فالقبة أهم ما يسترعى النظر فى مجموعة السلطان قلاوون ( الخانقاة وملحقاتها )، والقبة فى هذه المجموعة تعلو الضريح ،ويتوسطها قبر المنصور قلاوون وقبر ابنه الناصر محمد وقبر الحفيد علاء الدين اسماعيل . وتعتبر من أروع المدافن الأثرية ، وتظهر فيها التأثيرات السورية من الشرق والتأثيرات الأندلسية من الغرب )[488] ، تبعا للقدوم الصوفى لمصر من الشرق والغرب .
وواجهة مسجد الأمير سلار والأمير سنجر الجاولى فريدة في نوعها ، وتجاورهما مئذنة ، وتمتاز القبتان بشكلهما المضلع من الخارج .
وفي الرواقين الجانبين فى ضريح وخانقاة السلطان برقوق تجري البائكات في اتجاهين متعامدين مكونين قبابا منخفضة محمولة على مثلثات كروية .
وتشمل خانقاه برسباي بالقرافة على قبة حجرية عظيمة تظهر فيها عظمة القباب المملوكية الطراز [489] ،
7 ـ وقد روعى فى تصميم بناء المسجد نفس تصميم المدرسة والضريح [490]..وكان تشييد الخوانق سببا في إيجاد مظاهر معمارية متعددة كالمقعد لصاحب المنشأة ليجلس عليه عند زيارته لها. واتخذ المقعد اشكالا واوضاعا مختلفة [491]...
الـزخــــــرفــــة
1 ــ زادت العناية بواجهات المساجد كقاعدة متبعة في العصر المملوكي [492] . وبتصغير مساحة المنشأة في الدولة البرجية بولغ في النقش والزخرفة .[493] . ومن المعروف ان المساجد القديمة كانت خالية من أي نقش من الخارج ، وجدرانها كانت غاية في البساطة . أما مساجد المماليك فإن لها واجهات فخمة وقوارير غائرة ومداخل غير نافذة وأفاريز منقوشة [494].. وتفنن المعمار المملوكى في "RTL"> زخــرفــة الـكــتــب
1 ــ ومن ناحية أخرى كانت العناية بزخرفة جلود المصحف والكتب . ويرى السبكي انه من الحلال تحلية المصحف بالذهب مطلقا ، واما غير المصحف فقد اتفق أنه لا يجوز تحليته بالذهب [497]. وزخرفة المصحف ــ كتلحين القرآن ــ جهد صوفي يهتم بالمظهر ويهمل المضمون، لذا عمل الصوفية في ذلك الميدان . وازدهرت بهم حرفة تذهيب المصاحف مع حرفة تجليد الكتب وزخرفتها.
2 ــ وكان الشيخ شمس الدين بن هبة الله بارعا في تذهيب المصاحف [498] . وعمل اتباع الشيخ جمال الدين الشيرازي في تجليد الكتب [499] ، وتكسب بصناعة تجليد الكتب الشيخ سالم ( القرشي ثم الحموي ثم المكي ثم القاهري [500] أي انه طوف بتلك البلاد من حماة الى مكة ومنها الى القاهرة التى استقر بها حيث تروج حرفته، وتوظف صوفيا في حانقاة سعيد السعداء .
3 ــ وانفردتمصر المملوكية بنوع معين من الجلود ، قوام زخرفته رسوم هندسية او أشكال متعددة الاضلع مجتمعة في اشكال نجمية . وقد اشتهرت صناعة التجليد عند الأقباط قبل الفتح العربى ، إلا انها تطورت واتخذت الشكل (الاسلامى ) منذ القرن السابع بابتداء ازدهار التصوف. ثم بلغ فن التجليد في مصر أرقى مراتب التقدم في القرن الثامن، ومنذ ذلك الوقت قادت القاهرة فن التجليد ، حتى لقد استقدم تيمورلنك إلى بلاطه مهرة المجلدين المصريين .
4 ــ ويمتاز تجليد الكتب العربية والمصاحف والربعات المملوكية ( أجزاء المصحف ) بتغطية جلدة الكتاب كلها بزخارف هندسية متشابكة مطبوعة بالآت محمّاة ، وكان يزيد في رونقها زخارف ذهبية مضغوطة ....
5 ـ وبلغت صناعة التجليد في مصر أوج عظمتها حقا في القرن التاسع الهجرى الذي شهد انتاج أفخر المخطوطات وأثمن المصاحف ذات الخطوط الجميلة والزخارف من الجلود الفاخرة . ويعتبر هذا القرن العصر الذهبي لصناعة تجليد الكتب والمصاحف من حيث المهارة الفنية والغنى والرشاقة التي تتضح في زخارف ورسوم الجلد التي تضم المخطوطات والمصاحف. ورأيت بنفسى بعضها فى قسم المخطوطات فى دار الكتب المصرية ـ لا تزال تحتفظ برونقها بعد مئات السنين .!
6 ــ وعنوا أيضا بباطن المجلد وألبستها مع الكعب واللسان . وقد اشتهر ذلك الابداع الفني عموما في القرن التاسع وبداية القرن العاشر . وغطت الزخارف أحيانا السطح كله بالضغط أو الدق بآلات بسيطة .
7 ــ ولا شك أن فنون العمارة المملوكية وزخارفها قد أثرت على فن التجليد لدرجة أننا نجد الأشكال الهندسية والطبيعية سواء في الحجر والحصى والخشب ــ في جلود بعض المخطوطات والمصاحف التي ترجع إلى نفس العصر . [501]
8 ــ وقد تأثرت أوربا بذلك الفن عبر الحروب الصليبية . وتوسع بعض الباحثين في نواحي تأثير تلك الحرب في تقدم اوربا فى فن زخرفة جلود الكتب [502]..
الكتابة الفنية :ـــ( فنّ الخطّ العربى )
1 ــ كانت الكتابة الفنية إحدى عناصر الزخرفة في المعمار وتجليد الكتب . فواجهات الحوائط كان يتم زخرفتها بآيات قرآنية وأحاديث مكتوبة بخط رائع ، وكذلك الحال فى تجليد الكتب .
2 ـ وقد حرصوا على تدريس مادة ( الخطّ ) وأنواع الخطوط في المؤسسات الصوفية ، وإخترع الصوفية أنواعا جديدة من الخط ، أصبح منسوبا اليهم ، الى جانب الخطوط المختلفة المعروفة باسم ( النسخ ، الرقعة ، الكوفى )..الخ . وعرفت المؤسسات الصوفية وظيفة التكتيب أى تعليم هذه الخطوط المختلفة ، ومدرس الخطّ أو ( التكتيب ) كان يعلم الخط المنسوب للصوفية وغيرهم ، كما ورد في حجة جوهر اللالا . وممن تولى هذه الوظيفة في الخانقاة الأشرفية برسباي الشيخ فخر الدين موسى. وممن اشتهر بخطه في العصر المملوكي الشيخ خطاب الدنجيهي ، وقد كتب عدة مصاحف وغيرها للسلطان قايتباي ويشبك الداودار ، وتصدر للتكتيب بالجامع الأزبكي .
3 ـ ومدرس الخط ( أو التكتيب ) كان ينال أجازة ( أو شهادة ) في الخط تسمح له بتدريس الأنواع المختلفة من الأقلام الصوفية بالخوانق وغيرهم . وكانت الاجازة أو الشهادة الدراسية ــ بوجه عام ــ يمنحها الأساتذة لطلابهم في مادة معينة عندما يصبح الطالب قادرا على تدريسها لغيره كعنوان للإجادة . وكان الشيخ أبو الفضل بن الأعرج السنباطي كاتب وثائق الغوري (ممن تصدي للتكتيب ) فى عصره . وجاء في وثائق وقف الغوري :( يصرف لرجل كاتب ديّن ( أى متدين ) خيّر مأمون عالم بعلم الكتابة مُجازا بالأقلام السبعة ( انواع الخطوط السبعة ) يقرره الناظر في وظيفة التكتيب بهذا الوقف ، على أن يتردد للمكتب المذكور....فى كل أسبوع ، ويعلم الناس فنون كتابة ما يرغبون في تعليمه منه )[503] [504]
هذا .... وقد كانت خيمة المولد النبوي التي صنعت لقايتباي من عجائب الزخرفة فى عصرها يقول عنها ابن اياس : ( وكانت تلك الخيمة من جملة عجائب الدنيا ... وكانت كهيئة القاعد ولها أربعة أواوين وفوقهم قبه بقمريات ، والكل قماش ، وكان فيها تقاصيص غريبة وصنايع عجيبة ، لم يعمل الآن مثلها ابدا ، فكانت اذا جاءت أيام المولد يحضرون جماعة من النواتية نحو خمسمائة انسان ، حتى ينصبونها في الحوش السلطاني . وكانت ضمن شعار المملكة )... (تاريخ ابن اياس 5 / 172 تحقيق محمد مصطفى )
[1]ــ ابن الجوزي تلبيس إبليس 397 ، 343 ، 328 ، 329
[2]ــ ابن الجوزي تلبيس إبليس 397 ، 343 ، 328 ، 329
[3]ــ ابن الجوزي تلبيس إبليس 397 ، 343 ، 328 ، 329
[4]ــ أحمد محمود صبحي : التصوف إيجابياته وسلبياته .. عالم الفكر ص 361
[5]ــ لطائف المنن لابن عطية 68 ، 61
[6]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 91 ، 74
[7]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 74
[8]ــ الشعرانى آداب العبودية 15
[9]ــ لطائف المنن 167 وما بعدها ..
[10]ــ الطويل : الشعرانى إمام التصوف في عصره 101
[11]ــ الشعرانى الطبقات الكبرى 2 / 132
[12]ــ الشعرانى الجواهر والدرر 264
[13]ــ الشعرانى لطائف المنن 297 : 298
[14]ــ لطائف المنن 266 ، 374
[15]ــ لطائف المنن 266 ، 374
[16]ــ فتوح النصر مخطوط 2 / 259
[17]ــ مناقب الحنفى مخطوط : 181 : 183 ، 199 ، 202 ، 203
[18]ــ المدخل 2 / 166
[19]ــ الشعرانى كشف الران 63 الطبقات الكبرى للمناوى ب255 مخطوط
[20]ــ الشعرانى الميزان الخضرية 39
[21]ــ الشعرانى الطبقات الكبرى 1 ــ 5
[22]ـ الشعرانى ـ الجواهر والدرر 257
[23]ــ أحمد محمود صبحي التصوف 361
[24]ــ الشعرانى الطبقات الصغرى 31
[25]ــ اليافعى روض الرياحين 171 ، 172
[26]ــ الدرر الكامنة 4 ــ 392
[27]ــ تاريخ البقاعى مخطوط 6 أ ..
[28]ــ الجواهر والدرر 286
[29]ــ السيوطى أعيان الأعيان 23 ، لطائف المنن للشعرانى 34 ــ الطبقات الكبرى للمناوى مخطوط 336
[30]ــ طبقات الشاذلية 111
[31]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 19
[32]ــ الشعرانى لطائف المنن 404
[33]ــ درر الغواص 2
[34]ــ الطبقات الكبرى للمناوى مخطوط 254
[35]ــ لطائف المنن لابن عطاء 64 ، تعطير الأنفاس مخطوط 236 ، الطبقات الكبرى للشعراني 2 ــ 13 ، الطبقات الكبرى للمناوى 261
[36]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2 ــ 27 : 28
[37]ــ نيكلسون في التصوف الإسلامي 21
[38]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 19
[39]ــ لطائف المن للشعرانى 381
[40]ــ أخبار القرن العاشر مخطوط 198 : 199
[41]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2 ـ 86
[42]ــ لواقح الأنوار 271
[43]ــ عبد الصمد ــ الجواهر ــ 11 ، 84 ، 36
[44]ــ عبد الصمد ــ الجواهر ــ 11 ، 84 ، 36
[45]ــ عبد الصمد ــ الجواهر ــ 69 ، 35 ، 36
[46]ــ عبد الرؤوف سعد مقدمة الجوهرة للدسوقى
[47]ــ الطبقات الكبرى 1 ــ 154
[48]ــ الطبقات الكبرى 1 ــ 172 ، الضوء اللامع 1 ــ 332
[49]ــ مناقب الفرغل مخطوط في مواضع متفرقة والطبقات الكبرى للشعرانى 2 ــ 93
[50]دائرة المعارف الإسلامية 13 ــ 57
[51]ــ الطالع السعيد 317 : 338 ترجمته كاملة ..
[52]ــ ابن حجر رفع الأصر 351 ر 352 ، اليافعى مرآة الجنان 4 ــ 153 ، 154 ، الشعراني الطبقات الكبرى 1 ــ 15
[53]ــ تاريخ ابن اياس 1 ــ 112 طـ بولاق
[54]ــ راجع ثبت مؤلفات في القرعى : سلطان العلماء 27 : 29 ، على صافى حسين ابن دقيق العيد 50 : 51
[55]ــ السخاوى الذيل على رفع الأصر 85 ، التبر المسبوك 230 ، 235 ، ومثله إكمل الدين البابرتى السلوك 3 ــ 2 ــ 527 محمد عبدالغنى حسن : ابن خلدون المحلة عدد 53 ، ص 66 عبد الواحد وافى ، عبد الرحمن ابن خلدون 106 ، 107
[56]ــ دافع بعضهم عن العز وفسر علاقته بالشاذلى على انها صداقة وأن رقصه كان بمعنى الرقص الشائع في العصر المملوكي وأن تصوفه إشاعة سببها صلته بأشياخ الصوفية: ولكن لم ينقل عن العز إلا المدح للتصوف دون أدنى إشارة للإنكار مع ما عرف عنه من حدة في الطبع وإنكار على الملوك .. راجع دفاع : محمد حسن عبد الله في كتابه : عز الدين بن عبد السلام ص 165 : 190
[57]ــ سعاد ماهر : مساجد مصر 1 ــ 168
[58]ــ أبو الفيض المنوفي : جمهرة الأولياء 2 ــ 241
[59]أخبار القرن العاشر مخطوط 76
[60]ــ المدخل 2 ــ 102
[61]ــ أبو الفيض المنوفي جمهرة الأولياء : 2 ــ 241
[62]ــ لطائف المنن 293 : 294
[63]ــ آداب العبودية 11 ، 102
[64]ــ لطائف المنن 100 ،
[65]ــ لطائف المنن ، 154
[66]ــ النجوم الزاهرة 11 ــ 389 الذيل على رفع الإصر للسخاوى 90 ، البدر الطالع 2 / 234 ، 235
[67]ــ أنباء الغمر 3 ــ 57 إلى 64 ،
[68]ــ أنباء الغمر 2 / 80
[69]ــ النجوم الزاهرة 15/ـ 127
[70]ــ ابن العماد الحنبلى : شذرات الذهب 7 ــ 51 ، 52
[71]ــ الأبشيهى : المستظرف 1 ــ 22
[72]ــ المقدمة : 531 ، 522
[73]ــ أخبار القرن العاشر 79
[74]ــ الطبقات الصغرى للشعرانى 80
[75]ــ معبد المنعم 99 ، 100
[76]ــ عبد الوهاب عزام مجالس الغورى 38
[77]ــ أحمد أمين :ي قاموس العادات والتقاليد 173
[78]ــ حمودة : صفحات من عصر السيوطى 248
[79]ــ السيوطي أسئلة السلطان قايتباي مخطوط ورقة 27
[80]ــ ضحى الإسلام 4/ 210 ، 214 ، 215
[81]ــ ظهر الإسلام 4 ــ 191
[82]ــ ظهر الإسلام 4 ــ 191 : 195
[83]ــ محمد يوسف موسى ابن تيمية 48
[84]ــ لمحة عامة إلى مصر 1 ــ 554
[85]ــ ر اجع الكتب والرسائل في ثبت المراجع الخاص بالسيوطي
[86]ــ التبر المسبوك 401
[87]ــ تحفة الأحباب 217 ، 219
[88]ــ على صافى حسين : ابن الصباغ القوصى 161
[89]ــ المستظرف 1 ــ 98 ، 99 ، 136 ، 146 وما بعدها ..
[90]ــ المقصد في عمل المولد 306 مخطوط مجاميع تيمور ..
[91]ــ التنفير من الأمرد 255
[92]ــ حكم الأمرة مخطوط ورقة 40
[93]ــ التبر المسبوك 232
[94]ــ في كتب المناقب وفي الطالع السعيد الأدفوى
[95]ــ قواعد الصوفية 1 ــ 48
[96]ــ عمار : الشاذلى 1 ــ 202
[97]ــ الإلمام للنويري مخطوط 1 ــ 137 ، 231
[98]ــ الإلمام للنويري مخطوط 1ــ 137 ، 231
[99]ــ الدميري حياة السيوان 2 ــ 16
[100]ــ العيدروس النور السافر 2 : 5 مخطوط
[101]ــ تاريخ ابن اياس 1 ــ 2 ــ 287
[102]ــ الضوء اللامع 4 ــ 252
[103]ــ ابن عطاء لطائف المنن 71 ،
[104]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 1 / 144 ، 146
[105]ــ طبقات الشرنوبي مخطوط ورقة 1
[106]ــ لواقح الأنوار 271
[107]ــ لطائف المنن للشعرانى 55..
[108]ــ لواقح الأنوار 284
[109]ــ في التصوف الإسلامي 76 / ونحو ذلك في : الصلة بين التصوف والتشيع 432 : 425
[110]ـ جولد زيهر ـ مذاهب التفسير الإسلامي 247 ، 282 ، 283
[111]ــ لطائف المنن 110
[112]ــ عبد الحليم محمود : أبوالعباس المرسى 91 : أعلام العرب 2 / 1967
[113]ــ عبد الحليم محمود المرسى 120
[114]ــ أحمد محمود صبحى : التصوف اجابياته وسلبياته مجلد 6 عدد 2 / 350 : 354 يراجع معه عبد الحليم محمود كتابه المرسى 91 وما بعدها وكتابه عن الشاذلى 106 وما بعدها ولطائف المنن لابن عطاء 110 ، 119 ، 122 ، 125
[115]ــ مذاهب التفسير الاسلامي 248 وما بعدها
[116]ــ أنباء الغمر 2 / 87 : 88
[117]ــ كتاب عبد الحليم محمود عن المرسى 122
[118]ــ مناقب الوفائية مخطوط 100 ، 101
[119]ــ مناقب الحنفى مخطوط 298 : 301 ، الطبقات الكبرى 2 ــ 83
[122]ــ طبقات الشرنوبي مخطوط 2 :: 4
[124]ــ راجع عبد الحليم محمود : الشاذلى 101 وما بعدها، وكتابه ( أبو العباس المرسى 76 وما بعدها و103 وما بعدها
[125]ــ مناقب الوفائية مخطوط 101
[126]ــ لطائف المنن لابن عطاء 16 وما بعدها
[127]ــ القرآن والنبي 343
[128]ــ أحمد أمين فجر الإسلام 254 و 257 ، 329
[129]ــ الطبقات الكبرى للمناوى 1 ــ 223
[130]ــ 234
[131]ــ السلمى طبقات الصوفية 19 تحقيق شرابة
[132]ــ تلبيس إبليس 164
[133]ــ المقريزي : المقفى : مخطوط 3 ــ 40
[134]ــ النجوم الزاهرة 13 ــ 164
[135]ــ ابن حبيب درة الأسلاك مخطوط 1 / 113
[136]ــ تأيد الحقيقة العالية 5 وما بعدها
[137]ــ الطبقات الصغرى للشعرانى 33 وحاشية 1
[138]ــ كوكب الروضة مخطوط 1 ، 2 ، 33 ، 34 ، 75
[139]ــ الكواكب السائرة 1 ــ 228
[140]ــ مناقب السيوطى مخطوط ورقة 3
[141]ــ الضوء اللامع 4 ــ 68 ، 69
[142]ــ العيدروس : النور السافر فى أعيان القرن العاشر : 55
[143]ــ الوافى بالوفيات 2 ــ 132
[144]ــ أنباء الغمر 2 . 309 ، 310
[145]ــ تاريخ ابن طولون 1 ــ 159
[146]ــ قواعد الصوفية 1 ــ 27 : 29 ، 50
[147]ــ الطبقات الصغرى 61
[148]ــ رسائل الأحاديث الموضوعة مخطوط ورقة 424 ، رقمها بالدار 122 . مجاميع تيمورية ، آخر رسالة في المجموعة
[149]ــ أنباء الغمر 3 ــ 165
[150]ــ السلوك 3 ــ 1 ــ 871
[151]ــ تحفة الأحباب 184
[152]ــ أورد السخاوى في الضوء اللامع 2 ــ 263 نقلا عن عقود المقريزى وهو كتاب مجهول
[153]ــ انباء الغمر 3 ــ 49
[154]ــ انباء الغمر 3 / 49
[155]ــ التفاصيل في الباعث على إنكار الحوادث 9 : 29
[156]ــ مؤلف مجهول : رسالة في الاحاديث الموضوعة 430 : 432 مخطوط
[157]ــ المستظرف 1 / 19
[158]ــ رسالة في الأحاديث الموضوعة 425
[159]ــ نص الحديث في الكواكب السيارة 159
[160]ــ روض الرياحين 86 جوهرة الدسوقى 94
[161]ــ الكواكب السيارة 118 ، انباء الغمر 2 / 272
[162]ــ المستظرف 2 / 237 : 238
[163]ــ رسالة في الأحاديث الموضوعة 727
[164]ــ تعطير الأنفاس مخطوط 215 : 216
[165]ــ الكواكب السيارة 109
[166]ــ الكواكب السيارة 345
[167]ــ الإلمام للنويرى السكندرى : مخطوط 1 / 133 ، رسالة الأحاديث الموضوعة 430 ، المستظرف 2 / 297 : 301
[168]ــ رسالة الأحاديث 428 : 429 ، رسالة الأحاديث 430
[169]ــ تكسير الأحجار مخطوط 146
[170]ــ اكتشفه الصوفية ونشروه اقرأه في خطط المويزي ط
[171]ــ ألف الزركشي رسالة في الرد على من نادى بحل الحشيش اعتمادا على الأحاديث الموضوعة في ذلك من أدعياء الصوفية
[172]ــ رسالة في الأحاديث الموضوعة 427 : 520
[173]ــ رسالة في الأحاديث الموضوعة 427 : 520
[174]ــ مخطوط 18 ، 19 ، 20 ، 24 ، 25 ، 53 ، 64 ، 110 ، 130
[176]ــ هو صوفي كتب مناقب للصوفية بعنوان بهجة الأسرار
[177]ــ ابن القيم الجوزيه : المنار المنيف في الصحيح والضعيف تحقيق عبد الفتاح أبو غده .. متفرقات من صفحات 47 ، 52 ، 56 ، 61 ، 63 ، 50 ، 64 ، 66 ، 67 ، 76 ، 80 ، 95 ، 99 ، ــ 10 ، 106 ، 110 ، 112 ، 116 ، 117 ، 119 ، 128 ، 129 ، 130 ، 133 ، 134 ، 139 ... إلخ
[178]ــ ابن تيمية : أحاديث القصاص تحقيق الصباغ من ص 67 وما بعدها 1 ..
[179]ــ ابن القيم الجوزية المنار المنيف ــ 136 ، 139
[180]ــ ابن القيم الجوزية المنار المنيف ــ 136 ، 139
[181]ــ تحفة الأحباب 216
[182]ــ راجع الاستراحة المزورة في الأثر المعمارى
[183]ــ شذرات الذهب 5 / 347 والجواهر السنية لعبد الصمد 71 ــ 73 وانظر ما قبيل عن الحنبلي في تاريخ ابن كثير 14 / 7 والسلوك 2 / 2 / 48
[184]ــ أبناء الغمر : مخطوط 1226 ، 1227 ، عقد الجان وفيات 847 ، النجوم الزاهرة 11 ، 209 ، 15 ، 500 ، راجع مناقب الحنفى 356 وما بعدها
[185]ــ راجع مناقب الحنفى 352 وما بعدها ، 37 ، وارشاد المغفلين للشعراني 231 ، 232
[186]ــ خطط المقريزي : 4 / 201 : 256 ، 225 على الترتيب
[187]ــ مدرسة فخر الدين ابن الفرج نزهة النفوس 2 / 429 عقد الجمان 821 لوحة 470 مدرسة الجمالى
[188]ــ تاريخ ابن اياس 2 / 331 تحقيق محمد مصطفى وانظر تاريخ ابن اياس 1 / 230 ، 271 ، التبر المسبوك 276 ، أبناء الغمر 3 / 175 ، 425 ، انباء الهصر 194 المنهل الصافي ، الضوء اللامع 4 / 33 ، 6 / 216 ، وتحفة الأحباب 66 مجرد امثلة
[189]ــ تحفة الأحباب 84 ، المنهل الصافي 4 / 457 وانظر المنهل 4 / 394 حوادث الدهور 517
[190]ــ النجوم الزاهرة 14 / 266 تاريخ ابن اياس 1 / 221 بولاق
[191]ــ الخطط للمقريزي 4 / 241 ، 247 ، 248 ، 253 والمنهل الصافي 2 / 120 ، 121
[192]ــ تحفة الأحباب ، تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 792 ..
[193]ــ المنهل الصافي 3 / 253 أي المدرسة للتعليم والرباط للإقامة ..
[194]ــ الدرر الكامنة 3 / 23
[195]ــ النجوم الزاهرة 16 / 195 الضوء اللامع 3 / 76
[196]ــ أبناء الهصر 222 ، 223 ، السلوك 4 / 1 / 313 ، 3 / 2 / 946 صبح الأعشى 3 / 33 النجوم 11 / 240 المنهل 2 / 134 ، تاريخ ابن اياس 4 / 68 ، 236 نفائس المجالس 36
[197]ــ تحفة الأحباب 102 ، وسمي أبو المحاسن مدرسة برقوق تربة : النجوم 13 / 102 : 103
[198]ــ عقد الجمان مخطوطة سنة 822
[199]ــ خطط المقريزي 4 / 117
[200]ــ دولت حسن كريم الخوانق 37
[201]ــ د .حسن حبشى في تحقيق نزهة النفوس هامش 1 في 3 / 25
[202]ــ هيئة وقف الجمال الاستادار انظر الملاحق إبراهيم 46 : 47
[203]ــ صبح الأعشى 3 / 345
[204]ــ خطط المقريزي 4 / 113 وانظر غيره في الخطط 4 / 140 ، 136
[205]ــ حجة قايتباي 67 ، 68 حيدرساى تشردراج 3 وانظر السلوك 4 / 2 / 717 الخطط 4 / 124
[206]ــ وثيقة الغوري 83 سطر 1487
[207]ــ المقريزي 4 / 936
[208]ــ الضوء اللامع 2 / 211
[209]ــ النجوم 14 / 91
[210]ــ الضوء اللامع 2 / 211
[211]ــ حجة برسباي نشر دراج 29 : 30
[212]ــ نهاية الإرب النويري مخطوط 30 / 22 : 33
[213]ــ وثيقة المؤيد شيخ
[214]ــ السلوك 4 / 1 / 322 ، 324
[215]ــ تاريخ المقدسي مخطوط 59 ، 60 وقد ورد في انباء الهصر 188 : أن الدودار عمل معروفا للفقراء القاطنيين بجامع الأزهر ..
[216]ــ محمد امين : تاريخ الأوقاف 287 ، 326 ، 272
[217]ــ أبناء الغمر 458
[218]ــ الدرر الكامنة 3 / 219
[219]ــ شذرات الذهب 7 / 44
[220]ــ طبقات الشاذلية 124
[221]ــ السلوك 4 / 2 / 816
[222]ــ الاقتصاد لابن دقماق 100 ، 101
[223]ــ السلوك 2 / 1 / 167
[224]ــ المنهل الصافي 2 / 376
[225]ــ الطويل : الشعرانى إمام التصوف في عصره 13
[226]ــ معيد النعم 146 ــ 147
[227]ــ أبناء الغمر 2 / 112
[228]ــ المنهل الصافي 4 / 456 ــ 574
[229]ــ لطائف المنن 498
[230]ــ خطط المقريزي 4 / 296
[231]ــ شذرات الذهب 6 / 47
[232]ــ الطالع السعيد 339 طـ 1914
[233]ــ السبكى طبقات الشافعية 5 / 145
[234]ــ المنهل الصافي 5 / 271
[235]ــ رحلة ابن بطوطة 1 / 21
[236]ــ إنباء الغمر 3 / 548
[237]ــ وثيقة برسباي نشر أحمد دراج صــ 53
[238]ــ خطط المقريزي 4 / 276
[239]ــ الضوء اللامع 2 / 147 ، الضوء اللامع 3 / 9
[240]ــ النويري نهاية الإرب 30 ــ 12 ، عقد الجان مخطوط سنة 818 لوحة 419
[241]ــ النويري 30 / 14 نفس المرجع ..
[242]ــ نهاية الدب ـ مخطوط 29 / 30 ابن الفرات 8 / 9 ، 10 ، وثيقة الوقف في ملاحق السلوك ص 100 ملحق رقم 9
[243]ــ شذرات الذهب 6 / 26 ، 158 ، 233
[244]ــ السلوك 2 / 1 / 13
[245]ــ المنهل الصافي 4 / 281
[246]ــ شذرات الذهب 6 / 117 ، 184
[247]ــ أعيان الأعيان 31 وراجع أبناء الغمر 3 / 324 شذرات الذهب 6 / 293
[248]ــ أبناء الغمر 1 / 98 ، الدرر الكامنة 4 / 327ر
[249]ــ تاريخ ابن الفرات 8 / 127 والسلوك 1 / 3 / 773 رفع الأصر عن فقاه مصر 327 ، 362 ــ شذرات الذهب 5 / 353
[250]ــ شذرات الذهب 6 / 105 ، 268 ، 362 ، 5 / 353 ، تاريخ ابن الفرات 1 / 2 / 477
[251]ــ تحفة الاحباب 48 / 50 ، المنهل الصافي 4 / 1 مخطوط ، السلوك 2 / 2 / 315
[252]ــ تاريخ ابن الفرات 9 / 2 / 355
[253]ــ شذرات الذهب 7 / 85
[254]ــ الضوء اللامع 1 / 10 ، 11 ، وانظر 46 ، 47
[255]ــ شذرات الذهب 6 / 335
[256]ــ شذرات الذهب 5 / 447 ، 6 / 115 : 117
[257]ــ السلوك 2 / 2 / 504 ، 3 / 1 / 194
[258]ــ تاريخ ابن الفرات 9 /2 / 438
[259]ــ النجوم 14 / 285
[260]ــ تاريخ الذهبي مخطوط لوحة 18 ج 31
[261]ــ السلوك 2 / 1 / 287
[262]ــ السلوك 2 / 1 / 83
[263]ــ التبر المسبوك 115 ، أنظر 213 ، الذيل على رفع الأصر 84
[264]ــ شذرات الذهب 7 / 75
[265]ــ الضوء اللامع 1 / 59 ، 64
[266]ــ معيد النعم 149
[267]ــ تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 391
[268]ــ ابن ايبك 153
[269]ــ تحفة الأحباب 75
[270]ــ السلوك 4 / 1 / 284
[271]ــ الانتصار لواسطة عقد الأمصار 4 / 15 ، 85 الذيل على ربع الأصر 69
[272]ــ وثيقة مغلاطاى الجمالى
[273]ــ السلوك 4 / 2 / 815 ، 816
[274]ــ تذكرة النبيه تحقيق محمد امين 1 / 116
[275]ــ 54 ، 59
[276]ــ مناقب الحنفى 301 : 303 ، 286 : 287
[277]ــ النجوم 6 ، 347
[278]ــ النجوم 8 / 280
[279]ــ حوادث الدهور 2 / 353
[280]ــ ذكرته الحوليات التاريخية كل سنة
[281]ــ المنهل 4 / 357 ، 358
[282]ــ راجع بعضها في أبناء الغمر 3 / 18 أبناء الهصر 305 النجوم الزاهرة 15 / 494 ، الخطط 4 / 268
[283]ــ تاريخ ابن كثير 13 / 352
[284]ــ الدرر الكامنة 3 / 11
[285]ــ تاريخ الذهبي مخطوط 931 ، 52
[286]ــ المنهل الصافي مخطوط 3 / 143 : 144
[287]ــ المنهل الصافي 4 / 447 النجوم 13 / 4 أبناء الغمر 3 / 52 ، مناقب المنوفى 14 ، الطبقات الصغرى 37 نزهة النفوس 1 / 275
[288]ــ النجوم 11 / 94 ، حوادث الدهور 2 / 373
[289]ــ الطبقات الصغرى 61 / 62
[290]ــ الوافى بالوفيات 2 / 11
[291]ــ ذيل الدرر الكامنة مخطوط 19 : 20
[292]ــ شذرات الذهب : بالترتيب 7 / 147 / 6 / 158 7 / 44 ، 6 / 149 ، 6 / 44 الضوء اللامع 1 / 7= : 20 6 / 167 ، 6 / 120 / 5 / 125
[293]ــ الضوء اللامع 3 / 115
[294]ــ الشعراني : لطائف المنن 43 / 44 ، 52 ، 55 ..
[295]ــ معيد النعم 149 : 150
[296]ــ رفع الأصر عن قضاة مصر 33
[297]ــ السلوك 4 / 2 / 699
[298]ــ شذرات الذهب 6 / 171
[299]ــ انباء الغمر 3 / 78
[300]ــ تاريخ ابن الفرات 9 / 2 / 421
[301]ــ السلوك 4 / 52
[302]ــ نزهة النفوس 1 / 388
[303]ــ نزهة النفوس 3 / 108
[304]ــ السلوك 4 / 2 / 730 ، 4 / 2 / 619 وانظر 661 سنة 827
[305]ــ انظر السلوك : 4 / 2 / 619 وانظر 661 سنة 827
[306]ــ خطط المقريزي 4 / 219
[307]ــ ملحق السوك رقم 9 في 1 / 3 / 1000 : 1001 وانظر وثيقة العروبة نشر عبد اللطيف 44
[308]ــ خطط المقريزي 4 / 296
[309]ــ الضوء اللامع 1 / 172 / 173 نقلا عن المكتبة المملوكية عبد اللطيف 26
[310]ــ وثيقة فرج ابن برقوق ، خطط المقريزي 2 / 403 ، 424 ، 402 نقلا عن المكتبة المملوكية عبد اللطيف إبراهيم
[311]ــ وثيقة قايتباي 62
[312]ــ وثيقة مغلطاي الجمالي
[313]ــ وثيقة انيال
[314]الضوء اللامع 4 / 245 ، 246 ، الضوء اللامع 4 / 313
[315]ــ الوافى بالوفيات 2 / 12 ، وثيقة جمال الاستادار محكمة 106 محفظة 17
[316]ــ حجة برسباي نشر دراج 4
[317]ــ حجة قايتباي 62 ، 63 وثيقة الغوري 44 نشر عبد اللطيف
[318]ــ عقد الجمان مخطوط سنة 793 لوحة 38 ع
[319]ــ الضوء اللامع 4 / 240
[320]ــ وثيقة وقف جمال الاستادار
[321]ــ السيوطي : بذل المجهود في جزانة محمود مخطوط ص 1
[322]ــ وثيقة الغوري 44 نشر عبد اللطيف
[323]ــ تاريخ ابن الفرات 9 / 2 / 390
[324]ــ المنهل الصافي 5 / 279
[325]ــ الدرر الكامنة 2 / 264
[326]ــ الضوء اللامع 2 / 262 ، انباء الغمر 3 / 430
[327]ــ المنهل الصافي مخطوط 5 / 608
[328]ــ الطبقات الكبرى للمناوى مخطوط 342
[329]ــ أبناء الغمر مخطوط 1027
[330]ــ التبر المسبوك 246 ، 192
[331]ــ التبر المسبوك 246 ، 192
[332]ــ الضوء اللامع 3 / 135
[333]ــ التبر المسبوك 222
[334]ــ التبر المسبوك 380
[335]ــ الضوء اللامع 3 / 19
[336]ــ الطبقات الكبرى للشعراني 2 / 95
[337]ــ الضوء اللامع 3 / 111 الكواكب السائرة 1 ، 282
[338]ــ الدرر الكامنة 4 / 232 ــ 233
[339]ــ الضوء اللامع 1 / 188
[340]ــ الغزى الكواكب السائرة 1 / 282
[341]ــ التبر المسبوك 131
[342]ــ مراجع ترجمة في الضوء 3 / 93 ، 1 / 10 شذرات الذهب 7 / 108 أبناء الغمر 2 / 523 ، التبر المسبوك 131 ديوان البوصيري 8
[343]ــ ذيل ابن العراقي ـت مخطوط ورقة 75
[344]ــ الطبقات الكبرى للمناوى 350
[345]ــ الضوء اللامع 4 / 258
[346]ــ المغزى : الكواكي السائرة 1 / 224
[347]ــ الطبقات الكبرى للشعراني 2 / 96 : 97
[348]ــ البحر المورود 30 ، 269 ، 287
[349]ــ المدخل 3 / 180 ــ 182
[350]ــ معيد النعم 170
[351]ــ تاريخ ابن الفرات 8 / 10
[352]ــ السلوك 3 / 2 / 946
[353]ــ خطط المقريزي 4 / 291
[354]ــ خطط المقريزي 4 / 283
[355]ــ تحفة الأحباب 4 / 185
[356]ــ الضوء اللامع 3 / 220 : 221
[357]ــ عيون التواريخ مخطوط 3 / 126 ، الوافى بالوفيات 2 / 316 ، 1 / 218
[358]ــ التبر المسبوك 176
[359]ــ أبناء الهصر 384
[360]ــ الطبقات الكبرى 2 / 124
[361]ــ عبد اللطيف ابارهيم رسالة في الدكتوراة 347 دوريات القاهرة : نصّان جديدان من وثيقة 148 من وثيقة صرغتمش 243
[362]ــ عبد اللطيف إبراهيم : رسالة الدكتوراة 146 : 147 ، الدوريات 243
[363]ــ وثيقة وقف الأستادار
[364]ــ محمد أمين الأوقاف في العصر المملوكي 349 ، 351 ، 353 ، 355
[365]ــ الضوء اللامع 4 ــ 79
[366]ــ حوادث الدهور 2 ــ 263
[367]ــ حمودة : صفحات من عصر السيوطى 120
[368]ــ محمد فهمى عبد اللطيف : البدوى 14
[369]ــ قوات الوفيات 1 ــ 453
[370]ــ أبناء الغمر 3 ــ 166
[371]ــ عقد الجان حوادث سنة 792 لوحات 398 ، 372 ، 407 ، 408 ، 470 ، 441
[372]ــ تاريخ سلاطين المماليك نشر زيزسين 122
[373]ــالتبر المسبوك 271 ، وغيرها ..
[374]ــ راجع نماذج في روض الرياحين 21 ، 22 ، 36 ، 37
[375]ــ راجع نماذج قصصية من مناقب الحنفى 403 : 408 مناقب الرفاعى 17 : 19 ، الجواهر الأحمدية 72 : 75 ، لواقح الأنوار 99 : 101
[376]ــ عاشور: البدوى 68
[377]ــ روض الرياض 410 وانظر أيضا 185 ، 186
[378]ــ للباحث بحث في خصائص القصة الصوفية في العصر المملوكي رأينا إهماله اختصارا ولأنه لا يدخل في صلب الموضوع ..
[379]ــ الزيات : دائرة المعارف 2 ــ 545 ــ 546
[380]ــ دائرة المعارف 4 ــ 376
[381]ــ أحمد أمين : ضُحي : الإسلام 4 ــ 205 ــ سيرة القاهرة لين بول 219 ــ دائرة المعارف 2 ــ 547 : 548
[382]ــ ــ ألف ليلة وليلة طــ بولاق 2 ــ 388
[383]ــ راجع كمتال : صفحاته : 29 ، 30 ، 204 : 207
[384]ــ راجع 3 ، 4 من روض الرياحين
[385]ــ على صامى حسين : ابن الصباغ القوصى 223 ، 223
[386]ــ زغلول سلام : الأدب في العصر المملوكي 2ر 111
[387]ــ الوافى بالوفيات 2/ 140
[388]ــ زغلول سلام 1ر 228 ، 2ر 110 ، 111
[389]ــ النور السافر للعيدروس 15
391 الدرر الكامنة 3ر 99
[399]ــ راجع ديوان ابن نباتة 1 ، 3 ، 4 ، 180 : ـ 183 290، : 293 ، 372 ، 375 ، 428 : 429 و ديوان الشاب الظريف 56 : 154 المنهل الصافي 1 ؟ 31
[400]ــ المنهل الصافي 3ر 348 ، 5ر 279 ، الدرر الكامنة 1ر 25 ، 2ر 385 ، 3ر 23 ، التبر المسبوك 22 ، 11، 111 الضوء اللامع 4ر 252 الوافى بالوفيات 1ر 266 الذيل على رفع الأصر 134
[401]ــ كيلانى مقدمة ديوان البوصيرى 25 : 27 انظر المنهل الصافى 4ر 687 ، 688
[402]ــ نفس المرجع السابق : كيلانى
[403]ــ المنهل الصافي 3ر 437
[404]ــ عقد الجمان وفيات 830 لوحة 201
[405]ــ ضحى الاسلام 4ر 203 زغلول سلام الأدب في العصر المملوكي 1ر 231 رزق سليم: صفى الدين الحلى 66
[406]ــ ديوان البوصيري 201 : 212 المنهل الصافي 3ر 75 قوات الوفيات 2ر 485 : 486
408 ـ ديوان البوصيري 38 ، 61 ، 77 ، 330 ختام الجواهر السنية 84 وما بعدها ، ديوان البوصيري 59
[408]ــ النجوم الزاهرة 11 ، 193
[409]ــ حمودة: صفحات عصر السيوطى 137
[410]ــ المستظرف 2ر 199 : 203 راجع الأبيات فيها وديوان ابن نباتة 115 ، 187 ، 268 ، 269 الشاب الظريف 69 ، 70 ، 76 وما بعدها ..
[411]ــ ابن نباتة: القصائد المؤيدات والناصريات وغير ذلك ، وديوان البهاء زهير 101 ،
[412]ــ فوات والوفيات 1ر 101 : 8 : 1 ..
414 ـ ديوان الشاب الظريف 32 ، 33 ومثلها 68
[414]ــ البداية والنهاية لابن كثير 13 ر 314
[415]ــ زهر العريش فى تحريم الحشيش مخطوط في ص 1
[416]ــ تاريخ ابن الفرات 8ر 74
[417]ــ النور السافر للعيدروس 28 ، 37
[418]ــ الصفدى : شرح لامية العجم 1 / 106
420 : السخاوى : التبر المسبوك 220 : 221
[419]ــ إغاثة اللهفان 1 ــ 232 ، 233 ، 235
[420]ــ ديوان البهاء زهير 81 ، 111
[421]ــ قوات الوفيات 214
[422]ــ ديوان البوصيرى 103 ، الوافى بالوفيات 3/ 106
[423]ــ كامل حسين دوريات القاهرة 16 / 69
[424]ــ الغزى الكواكب السائرة 1 / 284
[428]ــ حمودة : صفحات من عصر السيوطى 135
[429]ــ قاموس العادات والتقاليد 249
[430]ــ ديوان البوصيري 5 ، 28 ، 29 ، 37 : 39 ، 49 ، 38 ، 80 ، 88 ، 100 ، 120
[431]ــ الديوان 76 : 77 وفيها تعبيرات أخرى
[432]ــ الديوان 10 ، 111 ، 87
[433]ــ الديوان 319 ، 329 ، 333 ، 355 ، 370 ، 161
[434]ــ التاريخ مخطوط 2 ــ 340
[435]ــ التبر المسبوك 111
[436]ــ العصر مخطوط 6 ــ 1 ــ 41 : 42
[437]ــ السيوطى : مخطوطة : نزول الرحمة في التحدث بالنعمة : ص 1
[438]ــ الشعرانى الطبقات الصغرى 15
[439]ــ رزق سليم مجلة الرسالة 825 ــ 777 : 778 سنة 17
[443]ــ شذرات الذهب 7 / 298 : 299
[444]ــ عقد الجمان : مخطوط : وفيات 821 لوحة 471
[445]ــ ابن حجر : إنباء الغمر : 1 / 184
[446]ــ ابن حجر : الدرر الكامنة 2 / 302
[447]ــ الضوء اللامع 3 / 105
[448]ــ الدرر الكامنة 2 / 302
[449]ــ المنهل الصافي 5 / 243
[450]ــ المنهل الصافى 4 / 300
[451]ـ"">[454]ــ النجوم الزاهرة 11ر 220 ، 221
[455]ــ المنهل الصافي 5ر 114
[456]ــ تاريخ الجزرى 1ر353 مخطوط
[457]ــ تاريخ ابن اياس 2ر 368 طـ بولاق
[458]ــ الضوء اللامع 2ر300
[459]ــ الضوء اللامع 3ر 138 : 139
[460]ــ المنهل الصافى 1ر279 : 280 ، شذرات الذهب 7ر238
[461]ــ أبو المحاسن المنهل مخطوط 5ر149 ، 150 ، النجوم الزاهرة 10 ر 230 ، 231، ابن حجر الدرر الكامنة 4ر128
[462]ــ النجوم الزاهرة 14ر 110 ، تاريخ ابن اياس 2ر 61 ، 62 تحقيق محمد مصطفى
[463]ــ عزام : مجالس الغورى 39
[464]ــ تاريخ ابن اياس 4ر 401
[465]ــ المنهل الصافي 4ر197 ، عقد الجمان مخطوط وفيات 791 لوحة 379
[466]ــ النجوم 15ر 528
[467]ــ الوافى بالوفيات 2ر310 ، 311
[468]ــ تاريخ ابن اياس 2ر 21 تحقيق محمد مصطفى
[469]ــ تاريخ ابن اياس 2ر 21 تحقيق محمد مصطفى
[470]تاريخ ابن اياس 2ر 229 تحقيق محمد مصطفى
[471]ــ تاريخ ابن اياس 2ر 202 تحقيق مصطفى
[472]ــ النجوم 11ر8
[473]ــ تاريخ ابن اياس 4ر 290 ، 291 ، 294 ، 337 ، 357 ، 415 ، 468 ، 473 ، 479
[474]ــ فتوح النصر مخطوط 7ر264
[475]ــ تاريخ ابن اياس 1ر2ر345 ، 346
[476]ــ عيون التواريخ 2ر242
[477]ــ النجوم 14ر60
[478]تاريخ ابن اياس 2ر335 تحقيق محمد مصطفى
[479]ــ خطط المقريزي 2ر89
[480]ــ تاريخ ابن اياس 4ر230 ، 258 ، 280 ، 285
[481]ــ لين بول سيرة القاهرة 199 ، 200 ــ عبدالجواد تاريخ العمارة 2/ 311 ، 237 ، 324 ، سامح : العمارة الاسلامية 78 ، عمائر اينال 57
[482]ــ عمائر اينال 57
[483]ــ نجيب : مدرسة قرقمافس 491 حاشية 3
[484]ــ عمائر اينال 69
[485]ــ دللى العمارة العربية 9 ، كلوت بك : لمحة عامة إلى مصر 1 / 584
[486]ــ كريستى : تراث الإسلام 151 : 152
[487]ــ تاريخ العمارة 2 / 329 ، سامح 210 : 213
[488]ــ سامح 82
[489]ــ سامح 82
[490]ــ سامح 86 ، 97 ، 99 عمائر اينال 57
[491]ــ دولت الخوانق 182
[492]ــ تاريخ العمارة 2 / 326 ، عمائر اينال 59
[493]ــ عمائر اينال 62
[494]ــ لين بوك سيرة القاهرة 198
[495]ــ سامح . العمارة الإسلامية 78 ، عمائر إينال 59 ، 67 ، 68
[496]ــ دولت الخوانق 188 : 207
[497]ــ معيد النعم 172
[498]ــ المنهل الصافي مخطوط 5 / 255
[499]ــ شذرات الذهب 7 / 331
[500]ــ الضوء اللامع 4 / 242
[501]ــ عبد اللطيف إبراهيم دوريات القاهرة 20 / 82 : 93
[502]ــ كريستي تراث الإسلام 88 : 91 عبد اللطيف ابراهيم دوريات القاهرة 20 ر 86
[503]ــ وثيقة الغورى وتعليق 267 عبد اللطيف إبراهيم
[504]ــ تاريخ ابن اياس 5 / 172 تحقيق محمد مصطفى
الفصل الثالث : أثرالتصوف فى الحياة الاجتماعية فى مصر المملوكية
كتاب : أثر التصوف الثقافى والمعمارى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الثالث : أثرالتصوف فى الحياة الاجتماعية فى مصر المملوكية
مدخــل للفصل الثالث :ــ
الحياة الاجتماعية شديدة التأثر بالنظام السياسى والدين الأرضى إذا ساد وسيطر . وقد عرضنا فى كتاب ( أثر التصوف السياسى فى الدولة المملوكية ) للعلاقة بين المجتمع والسلطة المملوكية ودور التصوف والصوفية فى هذه العلاقة . كما عرضنا فى الكتاب الخاص بأثر التصوف فى الانحلال الخلقى لذى ساد المجتمع المصرى المملوكى بتشريعات وعقائد الانحلال الخلقى . وهنا نتوقف مع تأثير التصوف فى المجتمع المصرى فى بقية النواحى الاجتماعية .
ونقول إن التصوف لم ينشىء تأثيرات إجتماعية كثيرة ، فأغلب تأثيراته كانت موجودة ، ولكنه أبرزها وأضفى عليها مسحة دينية صوفية . إن التصوف قائم على الهوى ، وما يهواه الفرد والناس والمجتمع يصبج دينا فى تشريع التصوف السائد والمسيطر . مثلا من يهوى الشذوذ او الحشيش أو الزنا .. يجعله عبادة دينية صوفية . الرضا بالظلم ونفاق الحاكم أصبح دينا . وبالتالى فإن القيم الاجتماعية فى المجتمع الزراعى من التواكل والخضوع والتقليد تكتسب تشريعا دينيا مع انها قيم إجتماعية مصرية . وهكذا العادات . ولا يخلو اى فرد أو شعب من عناصر إيجابية ، ويُتاح لها الظهور أيضا حتى مع غلبة الملامح السيئة . وبسيطرة التصوف وتسيده المجتمع المصرى فى أواخر العصر المملوكى أظهر تأثيرا جديدا فى التركيب الاجتماعى وقتها ، فأظهر طبقات وطوائف إجتماعية لم تكن معروفة من قبل . هذا مُجمل الفصل الرابع عن أثر التصوف فى المجتمع المصرى المملوكى . ونعطى المزيد من التفصيلات . ونبدأ بعلاقة الصوفية بطوائف المجتمع المصرى وقتها.
أولا :
علاقة الصوفية بطوائف المجتمع المصرى المملوكى
بين العزلة الصوفية والاختلاط بالمجتمع
1 ـ كانت العزلة مما تتميز به المتصوفة الا انهم في العصر المملوكي لم يمارسوا العزلة الكاملة عن المجتمع بحكم احتياجهم له واحتياجه لهم . وزاد اختلاطهم بعناصر المجتمع في أواخر العصر، والشعراني خير من يعبر عن هذه الفترة ، وقد وازن بين مزايا العزلة عن الناس والاختلاط بهم )[1].وافتخر بعدم الانكباب على معاشرة الناس وعدم انقباضه عنهم بالكلية )[2] وان العهود اخذت عليهم بالاعتزال في البيوت وقلة الاسفار والتحرك أيام الفتن )[3]. أى اضافت الاضطرابات السياسية سببا أخر للعزلة والخلوة الصوفية، ولم يمنع ذلك بمقارنتها بالاختلاط .
2 ـ والواقع أن عزلة الصوفية لم تكن مطلقة وعرف ذلك بعضهم في العصر المملوكي البحري حيث سمحت وثائق الوقف على الخوانق بدخول الآخرين على الصوفية للتشفع بهم لدى الحاكم، [4] وسبق بيان أن بعضهم مارس عمل المواعيد لغير الصوفية العاملين في الخانقاة ، فورد في وثيقة خانقاه جمال الأستادار: ( على أن الشيخ المذكور يتصدر في كل سنة لإسماع الطلبة ومن تيسر حضوره من المسلمين )[5]. وذلك الاتصال بالمجتمع عرفه أيضا من اشتهر من الصوفية بالعزلة والولاية حيث كانت له أوقات معينة للخلوة والأخرى للاجتماع بطالبي زيارتهم من العلماء والوزراء والأمراء..)[6]
3 ـ وهـذا التوازن بين عزلة الصوفية المقيدة واختلاطهم المتحفظ بالناس ساعد على تأثيرهم في المجتمع ، فالعزلة أضفت عليهم نوعا من الغموض والقدسية زاد من الاعتقاد فيهم فكان لكلامهم قدسية ولتصرفاتهم تأثير ، كما كانت العزلة مظنة للإلهام والوحي. ومن ناحية أخرى كان الاختلاط المتجدد فرصة للتعرف عليهم والتأثر بهم. ثم ان العزلة تعنى خفوت التعامل المباشر بين الصوفية والشعب ، والتعامل قمين بأن يُظهر الصوفي على حقيقته بشرا ضعيفا يتعرض للمرض من زكام واسهال وإمساك شأن بقية البشر ممن يعتقد فى كراماته ويتوسل به ،فكفتهم العزلة شر هذا الاعتقاد فيهم ، خاصة وقد عاشوا عالة على الناس من حكام ومحكومين . ولهذا إستمر الصوفية حتى اليوم على العزلة غير الدائمة .
4 ــ ونعرض لعلاقة الصوفية بطوائف المجتمع من تجار وفلاحين وحرفيين وغيرهم. والشعراني مرجعنا الأساسي نظرا لكتابته الكثيرة وعمق تعايشه مع عصره الذى شهد تسيد التصوف وتشعب وتعمق علاقة الصوفية بالناس..
عــــــلاقة الصوفية بالتجــــــــــــار
1 ـ تمثلت في طبقة التجار القوة الاقتصادية للشعب المصري في العصر المملوكي ، حتى ان التاجر كان يمثل الفتى " الأرستقراطي" في حكايات ألف ليلة وليلة . وثراء التجار أطمع فيهم أولياء التصوف في نهاية العصر ، فتنافسوا على تحويل التجار الميسورين الى مريدين طلبا للهدايا والعطايا والنذور والنقوط .
2 ــ الا ان حرفة التجارة وما تلتزمه من حرص على جمع المال وسعة في الأفق لدى التاجر ومعرفة لديه بطرق الخداع ــ قد فرض بعض الصعوبات في تعامل الصوفية مع التجار ، وأحسّ الشعراني بذلك وخشى أن يتطور الأمر من إنكار بعض التجار على الصوفية الى إنكار لدين التصوف نفسه والخروج التام منه ، لذا نراه يحرص على استمالة المنكرين من التجار على بعض الصوفية ويدعوهم إلى الاعتقاد في الصوفية )[7] كما ينصّب نفسه ناصحا للتجار فيدعوهم للفضائل ويضع لهم أداب الجلوس في السوق [8] . ومع ذلك فإنه يتهم التجار بطاعة الزوجات وأنهماكهم في الشهوات ، ففي حديثه عن المرأة وتحكمها فى الزوج يستشهد بالتجار فيقول : ( وان كانت تحكم عليه أي الزوج فهو تحت حكمها كما هو شأن من استرقتهم شهواتهم من التجار والمباشرين وغيرهم ، فلا يقدر احدهم على مخالفة زوجته أيضا )[9]. وإنتقد الشعرانى تفاخر التجار في اللباس حين دعى للتواضع في الحج بلبس الثياب اللائقة ، وقال ( لا كما يفعل التجار )[10] ودعا للإكثار من الصلاة في الحرم فى تأدية فريضة الحج ، والّا يفعل ( كالتجار الذين يبيعون في الموسم القماش ، ولا يستمتع أحدهم بالطواف والصلاة في جماعة ، فيصير في النهار غافلا وبالليل نائما )[11]..
3 ـ والواقع أن كثرة المتصوفة في عصر الشعراني وتكالبهم على أموال التجار وتنافسهم على تحويل التجار الى مريدين و ( مُمولين ) قد أرهق طبقة التجار، فتبرموا بكثرة مطالب شيوخ الصوفية بأخذ التبرعات من التجار بحجة عمل الموالد والولائم . وحتى لا يتطور الأمر الى الى كفر التجار بالتصوف نرى الشعراني يحاول ان يصلح الحال حماية للطريق الصوفي ، ونلمح ذلك من التمعن في قوله : ( أُخذ علينا العهود ما دمنا فقراء من المال ان لا نعمل مولدا لطفل ولا طهورا ولا سبوعا ولا وليمة واسعة ولا عزومة كبيرة ولا غير ذلك حفظا لديننا ، ورحمة بإخواننا التجار الذين لا يهون على احدهم كسرة ليتيم ، فانهم اذا رأونا في مُهمّ (يعني حفل) ربما تخوفوا في مساعدتنا رياء وسمعة او غصبا في عمل الطاعم أو في النقوط للمداحين ،ونحو ذلك. ويقولون فيما بينهم :ـ" ما بقى في هذه المسألة إلا سدّها" . وأكثر اخوان الفقير (يعنى اتباع الصوفى ) الان في هذا الزمان على علاله في صحبته ( يعنى متحرج متثاقل ومثقل بصحبته ) لأمور يطول شرحها من جانبه ومن جانبهم . وربما يقولون فيما بينهم : "بلغنا ان سيدي الشيخ ناوى يعمل مولدا أو طهورا أو عرسا لولده وما نعرف والله نساعده بايش.! وأيش قام على الفقير (يعنى الشيخ الصوفي) أن يعمل له مولدا او غيره ويكلف الناس ؟!" . فاذا قال بعضهم : "انا ناوى لا أساعده ولا احضره" يقول له بعضهم : " فضيحة من الشيخ ويبقى يعتبك وجماعته. " فيحتاج ان يحضر بغير نية صافية خوفا من العتب وإظهارا للتخوف كالمكره .!.)[12].
4 ــ وقد فهم الشعراني نفسة التجار في عصره فحاول اجتذاب بعضهم الى صفة خاصة أولئك المنكرين. وقد روى الشعرانى أن احد التجار كان ينكر عليه، فاستماله الشعراني بأن رفض أن يشترى منه جبة بثمن قليل ، ودفع فيها الشعراى سعرا زائدا ، فاعتقد التاجر من وقتها في أن الشعراني من الأولياء وصار مريدا له [13]. وبهذه الحيلة خسر الشعراى بضع دراهم وكسب مريدا ثريا من التجار .
5 ــ والواقع ان القرن التاسع شهد دخول الكثيرين من التجار الى دائرة التصوف او الاعتقاد في الصوفية مع عدم التخلي عن التجارة، فقال المؤرخ السخاوي عن ابن عليه التاجر أنه رزق من التجارة لإخلاصه ومحبته للفقراء واعتقاده فيهم ، وأنه صحب الشيخ محمد الغمري وغيره من المسلكين الذين يعطون العهود لمن يسلك فى دين التصوف ويكون مريدا ، ويقول السخاوى عنه أن بيته صار بيته موردا للصالحين .... بل محلا لإقامة غيرهم بعيالهم [14]. وقال السخاوى عن تاجر آخر غيره أنه نزل صوفيا في الخانقاه الجمالية واقتصر على التكسب مع التعبد والتلاوة ... )[15].
أصـحــــــاب الحـــــــــــرف :ــــ
1 ــ كانوا طبقة فقيرة اقترن ذكرهم بذكر الفقر والاحتياج ، ولم يتركهم الشعرانى فى بؤسهم فتصدى لهم بالنصيحة [16]ولم يمنعه التظاهر بالإشفاق عليهم من اباحته أكل الصوفية لطعامهم بدعوى امداده بالبركة الخفية .! . وما أسهل هذا الادعاء من أولياء التصوف وبه يمتصون دماء الفقراء والأثرياء . ونلمح خُبث الشعراني واستحلاله أكل الصوفية المُتخمين لطعام اولئك الفقراء الجائعين في قوله : ( أخذ علينا العهود ألا نمد يدنا على طعام فقير او صنايعي ، إلا إن كنا نمده بالبركة الخفية في الرزق . فإن علمنا من انفسنا عدم القدرة على ان نمده فالأولى لنا تركه ولا نلتفت إلى جبر خاطره . فإن السلامة مقدمة على الغنيمة . والفقير لقمته تقع بكُلفة ، ولا سيما ان كان ضعيف البصر عاجزا عن الصنعة ، فسلامتنا من منة ذلك الفقير أولى لنا من جبر خاطره )[17].
ويبدو من حديث الشعراني عن (جبر الخاطر) أن أولئك الحرفيين الفقراء كانوا صادقى النية في دعوة الصوفية لأكل طعامهم ، وكان أولى بالشعراني أن يحرم ذلك على الأولياء المتخمين بالولائم ، لا أن يبيحه لهم بحجة إدّعاء ( البركة الخفية في الرزق ) مع أن مرجع ذلك كله لله وحده . ويدل على خطئه أن أولئك الأولياء الصوفية الذين أكلوا أموال الحرفيين ( الصنايعية ) الفقراء استهانوا بهم واحتقروهم في نفس الوقت. وهذا باعتراف الشعراني نفسه في رسالته .. (ردع الفقراء) يقول عن مدح النقباء لشيخهم عند ذوى الجاه ابتغاء الرزق والاعتقاد فيه : ( وتأمل مدحهم لشيخهم انما يكون دائما عند الامراء وكبراء البلاد ونحوهم .... فما ترى منهم أحدا يمدح شيخه عند صنايعي فقير أبدا، ولا عند فقير صعلوك لعلهم ان هؤلاء ليس عندهم شيء يأخذه لهم ولا لشيخهم )[18]...
علاقتهم بالفلاحين :ــ
1ــ كانوا اغلبية السكان وأقلهم شانا وأكثرهم حرمانا إلى درجة صورها ابن الحاج الفقيه المغربي الأصل بأن الفلاح المصرى عند المماليك ( صار كالأسير الذليل الحقير وكأنه لا بال له عندهم ولا روح) )[19] . واتفق هذا مع نظرة بعض المؤرخين مثل عبد الباسط بن خليل الذي اعتبر مشافهة السلطان قايتباي لأحد الفلاحين أمرا حقيرا وضربا من النوادر )[20] وقد سبق التعرض للظلم الذي حاق بالفلاحين في بلادهم من التزامات عليه ان يدفعها للسلطة ، والجديد هنا هو تلك الزيارات التي كان يقوم بها السلاطين ونوابهم إلى القرى المصرية ينهبونها ويصادرون رزق الفلاحين )[21]. وقد استولى المماليك على غالبية الأراضي المصرية وفق نظام الاقطاع العسكري وأصبح الفلاح أداة زراعية عليه مسخرة ،وعليه أن يدفع من قوته الضئيل الضرائب والمغارم والمصادرات ،ومُنع بعد ذلك من الفرار من قريته ،وأعيد كثير من الفارين للأرض بعد توقيع العقوبات الصارمة عليهم . بالاضافة الى هذا ، قاسى الفلاح من تسلط العُربان عليه يسلبون وينهبون ويقتلون ، فأصبحت القرى المصرية ميدانا للقتال بين قوات المماليك والعربان . وفي مصائب المجاعات وانخفاض النيل تدخلت السلطات لنجدة القاهريين وأرباب الخوانق والزوايا بينما ترك الفلاح في قريته بعيدا مع المجاعات فهلك معظم الفلاحين !!..[22]
2 ـــ وبعد هذا العرض السريع للفلاح المصري في العصر نحاول أن نكشف علاقته بالصوفية من خلال كتابات الشعراني. ويؤسفنا هنا أنه مع اعترافه بسوء حال الفلاحين في عصره فإنه لم يتخذ موقفا حاسما كعادته بالنسبة لأكل الصوفية في عصره لأموالهم يقول مثلا:ــ (ولا ينبغي للشيخ ان يأكل من ضيافة فلاحي الوقف لضيق حالهم وماهم فيه من المغارم ، وليس على الشيخ لوم في ردها ، إذا جاءت فإنها خاصة به في العادة )[23]. والحقيقة أن الصوفية خصوصا في أواخر العصر تطفلوا على الفلاحين فى الارياف ، وأرهقوهم بزيارات للقرى على منوال زيارات المماليك ، وإن كانت زيارات المماليك بسيف القوة فإن زيارات الصوفية كانت تتم (بسيف الحياء ) كما يقولون . وقد ذكر الشعراني أن أصحاب الطرق البرهامية كانت تنزل الريف [24] ، وان أبا العباس الحريثي سار إلى الغربية فسار معه مائة من أتباعه بسبب كرم الفلاحين هناك وكانوا يقدمونه له ولهم من الدجاج والغنم . وحدث أن سافر مره الى البلاد الشرقية بأصحابه فأطعموه الشعير والفول الأخضر والدبس فتفرق عنه اتباعه [25].
3 ــ وكانت للصوفية حيلهم في أكل مال الفلاحين . فكان لكل شيخ صوفى أتباع في القرى ( يدعون ان أهل قريتهم في انتظاره ويصحبونه في الولائم ويهونون الأمر على الفلاح) صاحب الضيافة بقولهم (حصلت لك البركة بأكل سيدي الشيخ عندك )[26]. وكان من طقوسهم عند دخول الصوفية بلدا أنهم ينخرطون في الذكر بصوت مرتفع ليتلقاهم الفلاحون ويتعاونوا في ضيافتهم وفي إعطائهم الفتوح ( أي الهدايا) للشيخ وأصحابه وخدمه ، وعلف دوابه) . هذا ما يذكره الفقيه ابن الحاج ، الذى يسجل أيضا أن بعض الفلاحين كان يهرب من قريته عند قدوم ( الغزو الصوفى ) لعجزه عن القيام بالضيافة فلا يرحمه الصوفية بل يدخلون بيته في غيبته وينهبون ما به [27].
4 ــ واعتقد الفلاحون في بعض الصوفية فكانوا يقومون بزيارتهم في القاهرة حاملين معهم للشيخ ما لذ وطاب . وربما يرد الشيخ هدية الفلاح اذا استقلها [28]. ومع ان الشعراني اعتبر الأكل عند الفلاحين حراما [29] إلا انه افتخر بكثرة الفلاحين المعتقدين فيه [30]وقد أباح للمتصوفة ان يستضيفهم القادرون اذا سافروا إلى بلاد الريف [31]..
5 ــ ولكن : هـــل رد المتصوفة إحسان الفلاحين لهم ...؟؟ان الاحتقار هو أنسب ما يعبر عنه شعور المتصوفة تجاه الفلاحين ..فالشعراني عدّ من منن الله عليه ان هاجر من بلاد الريف الى القاهرة ، ونقله من أرض الجفاء والجهل والفقر إلى اللطف والعلم )[32] وقال ان العهود اخذت عليه ( الا ننكر انسابنا إلى أبينا أو أهلنا إذا رفع الله قدرنا ولو كان من أراذل الناس، كفلاح وحجام وكنّاس) ، فجعل الفلاح من أراذل الناس . ولا شك أنه يعبر عن عصره ونظرته للفلاح المصرى . وكان خليقا به أن يرتفع عن هذا لأنه أصلا من الريف المصرى وأعرف بمعاناة أهله ، ولكنه لم يفعل ، بل ان لهجته في نصح الفلاحين يبدو فيها الاستعلاء بالمقارنة بالتجار ، فيجعل ــ مثلا من العهود عليه أن (يرغّب الفلاحين وأهل الغيط في الزرع وغرس الأشجار ، وأن يبين لتارك الصلاة من الفلاحين والعوام وسائر الجهال ما جاء فى فضل الصلاة )[33]وحين هاجم خصومه المنافسين له من الشيوخ الصوفية وصفهم بأن (الفلاحين احسن حالا منهم )[34]. وهكذا لم يجد في الفلاح إلا ممثلا لأراذل الناس واجهلهم وأسوئهم . وقد شاركه في ذلك الشيخ يوسف العجمي الصوفي الذي كان يتفنن في إذلال مريده ، الأمير شيخون المشهور فكان (يأمره بأن يلبس لبس فلاح ويدخل الزاوية فيفعل )[35]..
علاقتهم بقطاع الطرق :ـــ
1ــ تفنن الحكم المملوكي العسكري في تعذيب قطاع الطرق قبل قتلهم ، وتشدد في إرهابهم وتتعبهم ومطاردتهم . ومع ازدهار التصوف ودخول الناس فيه أفواجا ــ كان من المنطقي ان يلجأ الكثيرون من قطاع الطرق للدخول ضمن الصوفية بحجة التوبة ، حيث يجدون الأمن والرزق الوفير مع الراحة والمكانة ، هذا بالإضافة إلى ما أوجده التصوف في نهاية العصر من طوائف الزوالق ــ والتي سيرد الحديث عنها بعد ـــ وهم أصلا قطاع طرق سابقين استخدمهم بعض الشيوخ للحماية ولفرض الهيبة أمام المنافسين والمنكرين .
2 ــ ولقد حرصت الروايات الصوفية على تغليف توبة أولئك اللصوص بالهاتف او الكرامات المسندة للأشياخ الذين قطعوا الطريق عليهم. اما المراجع التاريخية المحايدة فقد ذكرت الأمور على حقيقتها ، كما فعل الصفدى في تأريخه ( أعيان العصر ) الذى يؤرخ فيه لعصره ، وقد ذكر ( نجم الدين الحطينى ) أحد المجرمين المشهورين في عصر الصفدي وقد كان : ( يفتك نهارا وملأ الدنيا فجورا .. وكان شيطانا من الشياطين وإبليسا من الأباليس. وقد اتصل بخدمة الشيخ شمس الدين بن ابى طالب ، فقتل ضيفا في الخانقاه وسلبه ماله وهرب بعد ذلك إلى الصعيد . وجرت له جرائم أخرى من هذا النمط )[36]. أى إن هذا المجرم أعلن توبته وتصوف ولحق بالشيخ شمس الدين بن أبى طالب فى خانقاته ، ولكنه لم يستطع كبت نوازع الاجرام فى نفسه ، فما لبث أن قتل ضيفا فى الخانقاة وسلب ماله وهرب .
3 ــ وقد كان الآخرون أكثر دهاءا ومكرا منه ، فتظاهروا بالتوبة وأخذوا بالتصوف طواعية ما كانوا يحصلون عليه بالنهب قسرا ، وكوفئوا على هذا بأن رويت أعمالهم في المناقب ، بعد أن إعتبرهم الناس أولياء ، ومنهم حسن الحماقى (الذي كان يقطع الطريق ، فتاب على يد النبي ) بزعمه ، وتصوف. وكانت الكرامات المنسوبة له كلها قتل وسلخ ، ووصفها المناوى فى مناقبه فى ( الطبقات الكبرى ) بأنها (تقشعر منها الجلود )[37] . ومنهم أبوبكر البطائحي الذي كان في ابتداء امره قاطع طريق فتصوف حين ناداه الهاتف )[38] بزعمه . ومنهم عثمان الحطاب ، يقول عنه المناوى إنه كان (على زي اهل الشطارة ) أى اللصوص ( ثم أدركته العناية الإلهية فأقلع عن ذلك وسلك طريق التصوف )[39]. ويذكر المقريزى فى تاريخه ( السلوك ) أن الشيخ المعتقد مسلم المسلمي شيخ الطائفة المسلمية كان في ابتداء امره قاطع طريق )[40]. ثم أصبح شيخا لطائفة تحمل إسمه . وكان بعض اتباع الطريقة الوفائية الشاذلية من قطاع الطرق،واستعرض معهم ( على وفا ) كراماته فتابوا وتصوفوا واشتغلوا بالطريق ففتح عليهم وظهرت على أيديهم الخوارق )[41]ــ على حد زعمهم .!
4 ـ وقد كانت السياحة الصوفية من عوامل التلاقي بين الصوفية وقطاع الطرق ، فترددت فى الكرامات الصوفية عقوبات لمن يتعرض لهم فى سياحتهم مثل التسمير ( أى شل الحركة للجسد كله ) او تيبيس اليد بمعنى شل حركتها جزئيا ، وعندها يتوب قاطع الطريق ( الضحية ) ويصبح مريدا للشيخ الذى سمّره أو شلّ يده . وبهذه الوسيلة برّر الصوفية وجود الكثير من قطاع الطرق ضمن اتباعهم . وقيل عن الشيخ الصوفى المشهور محمد الشناوي أنه (كان ينظر على قاطع الطريق وهو مارُّ عليه، فيتبعه في الحال، فلا يستطيع رد نفسه عن الشيخ ) ورأي الشعراني جماعة منهم صاروا من اعيان جماعته [42].
وحيكت روايات أخرى عن لصوص آخرين خرجوا يقطعون الطريق على أشياخ وتنتهى الرواية بتوبتهم واتباعهم للشيخ )[43]. وفي الكرامات التي أضيفت للشاذلي بعد موته ان اللصوص كانوا يتوبون على يديه في طريقه للحج ويتبعونه )[44]، وأن زروق الفاسي في طريقه من فاس إلى مصر أظهر كرامات مع قطاع الطريق فاتبعوه (وصاروا معه لم يتخلف منهم احد ، وصاروا خدام الزاوية الزروقية ، بل ظل نسلهم يخدمون الزاوية )[45]..وترسب هذا في الأمثال الشعبية فتقول ( الطريقة تجيب العاصي )[46]..
عــلاقــــة الصــــوفــيــة بمشايخ العـــــرب
1ــ ثاروا على الحكم العسكرى المملوكى بزعامة حصن الدين ثعلب فى بداية الدولة المملوكية ، وتتابعث ثوراتهم بعدها يغيرون على أطراف العمران المصرى ، ومن حواف الصحراء التى تحيط بالوادى ، فى الدلتا والصعيد. وتعاظمت ثوراتهم فى أواخر العصر اللملوكى ( الدولة المملوكية البرجية ) ،وكانت تصل هجماتهم الى اسوار القاهرة نفسها . وهم المسئولون عن خراب العمران المصرى الذى كان يمتد من الاسكندرية الى طبرق . واضطرت الدولة المملوكية أخيرا بعدما ضعفت ــ إلى الاعتراف بهم كمراكز قوى داخل البلاد تجنبا لشرهم ، فأصبحوا قطاع طرق رسميين ينافسون أسيادهم المماليك فى سلب الفلاحين وظلمهم ، وبالتالى حلوا محل قطاع الطرق السابقين فيما يخص علاقة الصوفية بهم . وأكثر الشعراني من ذكرهم حيث قرنهم بالحكام واستعمل معهم أسلوب التهديد بالكرامات ، فادعى مثلا أن المتبولي دعى على بنى حرام فأضعف شانهم واذلهم بعد عزّ. )[47].
2 ــ وتنافس الصوفية فيما بينهم على مصاحبة مشايخ العرب مع علم أولئك الصوفية بإجرام ومظالم مشايخ العرب ومالهم السُّحت . وكان بعض الصوفية يسافر لأولئك الأعراب يتسول منهم ، مما أثار ضيق مشايخ العرب فقال بعضهم : (قد عجزنا في رضا هؤلاء المشايخ من كثرة ما يشحذون منا .! وكيف تطيب نفوسهم ان يأكلوا من طعامان ويقبلوا صدقاتنا مع علمهم بأن اموالنا لا تسلم من الحرام )[48].!! .. وقد بلغ تنافس الصوفية حول مشايخ العرب الى درجة الصراع فيما بينهم ، فيذهب أتباع شيخ صوفى إلى بعض مشايخ العرب ( يرغّبونه في الاجتماع بالقطب الغوث الفرد الجامع صاحب التصريف ، ولا يزالون به حتى يأخذ عليه العهد) ثم يحذرونه من الاجتماع بشيخ أخر ينقصون من قدره . ويقول الشعرانى أن بعض مشايخ العرب ثار على ذلك وقال : ( أنا لا أقدر على التحجير ( اى التحكم ) ولا اطلب أن أكون شيخا ، وان كان لهم عندي رزق فهو يصل اليهم بلا هذا التحجير )[49].
ثانيا
بعض آثار إيجــابية لبعض المتصوفة في العصر المملوكي .....
سبقت الإشارة إلى ما قامت به المؤسسات الصوفية من خدمات تعليمية لأناس من خارج الخوانق والزوايا ، كما عرضنا للشفاعة الصوفية عند الحكام في الباب السياسي . والواقع ان المؤسسات الصوفية ــ سواء أقامها الحاكم أو أقامها المتصوفة أدّت دورا هاما فى الضيافة زكفالة الأرامل والعجزة . كما ظهر من بين المتصوفة من إشتهر بالكرم والتفاعل الإيجابي مع المجتمع والسعى في مصالح الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومع ان هؤلاء كانوا قلة بالنسبة للكثرة الكاثرة من المستفيدين بالتصوف فإن وجود أولئك يعتبر دليلا حيا على أن أى مجتمع لا يخلو من الخير مهما تحكم فيه الدين الأرضى بسلبياته . وسنعرض لبعض هؤلاء الايجابيين ودورهم بقدر ما اسعفتنا به المراجع ..
الضـيــافـــة :ــ
1 ــ قامت بعض الزوايا الصوفية بدور هام في إيواء الغرباء وأبناء السبيل . وقد ذكر ابن بطوطة الزوايا الصوفية التي تنقل في ضيافتها أثناء رحلاته في مصر، فذكر أنه نزل بزاوية الشيخ مرزوق في البرلس وزاوية الشيخ القلوي في تنيس وزاوية الشيخ ابن قفل وزاوية الشيخ جمال الدين الساوي وزاوية ابن النعمان في دمياط وخارجها ، وقضى ليلة في رباط الآثار النبوية، واضافه ابن الصباغ في زاويته بأسيوط ، وابن عبد الظاهر في أخميم . وتحدث كثيرا ــ شأن المؤرخين الأخرين ــ عن زاوية عبد الله المرشدي الولى المشهور بالكرم بمنية مرشد [50] ..وكيف انقطع بمنية بنى مرشد وانفرد بزاوية هناك لا خدم له ولا صاحب ويقصده الأمراء والوزراء وتأتيه الوفود من طوائف الناس في كل يوم فيطعمهم ،وقد قصده السلطان الناصر محمد مرات بموضعه ، وتصادف وجود ابن بطوطة عنده وجود الأمير سيف الدين يلمك مع اتباعه ضيفا على الزاوية )[51]..واشتهر المرشدي في المصادر التاريخية بكرمه في زاويته وخدمته للضيوف بنفسه ، وانه حج في حاشية كبيرة فأنفق عليهم، ومع هذا كان لا يقبل من احد شيئا )[52]..
2 ـ وقبله كان قطب الدين الزاهد 686 مقصدا للمساكين والفقراء الواردين للقاهرة يمد لهم سماطا ، ويبرهم ويعين كثيرا منهم على الحج )[53] وعاصره ابن عدي 697 حيث كان يمد السماط (للوارد والمقيم) كل يوم مرتين ، وكان كريما حسن الأخلاق ، لا يبقى على درهم ولا دينار )[54] . وفي القرن الثامن الصوفي اشتهر ابن شيراك التركماني ، وكان نافذ الكلمة في مصر ، وخدم الصوفية فى زاويته الواردين اليها من الأغنياء والفقراء )[55] . ووصف الشيخ صالح المناوى بكثرة الضيافة للواردين إلى زاويته([56] ).
وعلى طريق المرشدي في الكرم مع عدم قبول المال من الآخرين سار العينتابى ت 800 في إدارة زاويته فأضاف من يرد عليها ، وأطعم كل يوم فوق المائتي نفس ، وأنفق من كدّ يمينه وأنشأ زاويته بماله واوقف عليها اوقافا كثيرة . ونلمح المبدأ عند ابن نبهان الذي كان زاهدا في بيت جبرين ، واشتهر بها ، وأطعم الضيوف الواردين، ولم يأخذ من احد شيئا، بل ان الأمير طشتمر(حمص اخضر) (أوقف على الزاوية أرضا فامتنع الشيخ ، فلم يزل به حتى سكت )[57] .
3 ــ واشترطت وثائق الوقف على الخوانق امكانية ايواء الضيوف ـ ففى وثيقة بيبرس الجاشنكير اشتراط السكن ( للمتأهل منهم والمتجرد والمقيم والمجتاز، بحيث لا يكون منهم ولا من أهل الرباط ) والمجتاز هو الضيف ابن السبيل . وجعل السبكي من واجبات شيخ الزاوية (تهيئة الطعام للمقيمين والمجتازين ومؤانستهم اذا قدموا ، بحث تزول وحشة الغربة عنهم ، ولا بأس بإفراد مكان للوارد حتى لا يستحي وقت اكله وراحته ..)[58] .
4 ــ وقد ورد المصادر الصوفية إشارات لدور الزوايا في الضيافة ، فالشعراني افتخر بان الضيوف في زاويته كل يوم سبعون نفسا ، زيادة على المجاورين، وأنه زوّج من المجاورين نحو خمسين نفسا ، دفع عنهم غالب المهور ، وعمل لهم طعام العروس والعقيقة ، وحج معه غالب أكابرهم فى عدة سنين ، ولم يكلف أحدا منهم بشيء . وقال أن عدد المجاورين في زاويته ضعف عددهم في زاوية المتبولي وعثمان الخطاب ومدين . [59] وقد ذكر الشعراني أن زاوية المنزلاوي كانت موردا للضيوف القادمين من دمياط والصادرين اليها )[60] وكان الوارد كثيرا على زاوية الشيخ السطيحة )[61]..
5 ــ ومن ناحية اخرى وصف كثير من الصوفية بالكرم وحُسن الخلق خارج نطاق الزوايا ، كابن النجار ، فقد كان متواضعا يخدم العميان والمساكين ليل نهار ويقضى حوائج الأرامل ويجمع لهم أموال الزكاة ويفرقها عليهم ولا يستأثر لنفسه بشيء منها ، ويقرى الضيف ويخدمه ، ولا يترك قيام الليل . ومع هذا فله هيبة عظيمة ، ويكاد من لا يعرفه يرعد من هيبته. ومثله شمس الدين البوصيري 824 الذى ( كان خيرا ديّنا كثير النفع للطلبة ، يحج كثيرا ، ويقصد الأغنياء لنفع الفقراء ، وربما استدان للفقراء على ذمته ، وكانت له عبادة )[62]..وووصف ابن عبد المؤمن بانه (كان صالحا سليم الصدر ناصحا للخلق قانعا بالسير باذلا للفضل بل لقوت يومه ، مع حاجته إليه )[63] ..
والتراجم السابقة لهؤلاء أظهرت أن كرمهم مرتبط بعبادتهم وحسن خلقهم ومع ذلك حرموا الشهرة بين الصوفية ، ويكفي أنهم لم يحظوا كالآخرين بوجود مناقب لهم في الكتب الصوفية.
6 ــ وعلى عادة الشعراني افتخر باهتمامه بأمر الضيف وكثرة سؤاله عنه وقت الغذاء والعشاء مع انشغاله " بأمور كثيرة"[64] ،( لطائف المنن 475 ) وأشاد بشقيقة عبدالقادر الشعراني الذي يتبرع بغسل الموتى وتكفينهم من عنده( لواقح الانوار 256 : 257 )[65] ، وذكر كرم بعض شيوخه مثل الخواص الذي جاءته الف دينار وهو يحلق فأعطاها الحلاق ، والشيخ ابن المنير الذي تصدق على شخص لا يعرفه ماتت جماله بطريق الحج فأعطاه خمسمائة دينار ، والشيخ الشناوى الذى اعطى ( مالا يحصى) ــ على حد قول الشعراني ( من حيوانات وحبوب ونقود( لواقح الانوار 60 : 61 )[66] وحكى ان الاستادار اعطى للشيخ المحلى ألف دينار فوضعها عند شخص وأرسل له المحتاجين واحدا واحدا حتى صرفها كلها عليهم ( لطائف المنن 170 )[67] .
وهذه الأخبار نظرا لكونها عادية فإنها قابلة للتصديق خاصة ، وقد تطهرت من دعاوي الكرامات والمبالغات التي تحفل بها كتابات الشعراني..
كفالة الأرامل والعجزة :ــ
1 ــ وجدت بعض الأرامل في مؤسسات الصوفية ملاذا يحفظهن ويقيهن السوء ، فبلغ عددهن في زاوية تاج الدين النخال نحو ستمائة بالإضافة الى مائة فقير، (67 ) وكان في زاوية عثمان الحطاب أكثر من مائة من الأرامل والفقراء )[68] .
2 ــ وبعض المؤسسات اقتصرت على كفالة الأرامل ، وأشهرها رباط البغدادية ورباط الأندلس السعدي ورباط زوجة اينال وقد اهتمت بكفالة المرأة ، مما يشير إلى تقدم اجتماعي لا شك فيه في ذلك العصر [69] . وكان رباط البغدادية أشهرها في خدمة الأرامل ، وقد ادارته الشيخة الصالحة زينب بنت أبي بركات البغدادية ت 796 فكانت ( تعظ النساء وتعلمهن الخير )[70] أي أنه قام بمهام دينية مع وظيفته الاجتماعية ، وقد بنت ذلك الرباط بنت الظاهر بيبرس، ( وصار كالمودع للنساء الأرامل )[71] .
3 ــ وقد سبق ذكر إيواء بعض المحتاجين مع النساء الأرامل في الزوايا ، وكانوا من الأيتام أو المُعاقين ، فالشعراني افتخر بان في زاويته نحو ثلاثين شخصا من العميان يرعاهم )[72] وقيل في ترجمة شهاب الدين السويداوى ت 804 ، أنه أُصيب فى آخر عمره بالعمى ، ( فانقطع بزاوية الست زينب خارج باب النصر )[73] أي انه وجد في الزاوية مأوى له حين أصابه العمى على كبر . وقيل في ترجمة المجاصى ت 802 انه مات بالقاهرة وقد ناهز الثمانين ، وكان حينئذ صوفيا فى خانقاة سعيد السعداء ، وقبلها كان يطوف البلاد ويتكسب بالشعر )[74] أي أنه لما علا سنّه آوى إلى الخانقاه حتى مات فيها ، وان أشهر الخوانق في العصر المملوكي وقبله الأيوبي (خانقاه سعيد السعداء) قدمت خدمات لأولئك المحتاجين .
وقد افتخر الشعراني بكثرة إيوائه ( الأيتام والعميان والعجزة والعرجان وسائر من به عاهه) وأنه يشفق عليهم حتى انه يتمنى لو كان المجاورين كلهم من أولئك )[75] . وسبق قيامه بتزويج بعض المجاورين في زاويته واصطحابه لهم معه في الحج على نفقته )[76] أي ان زاويته علاوة على الضيافة قدمت خدمات إنسانية ودينية للمجاورين فيها..
خـــدمـــات اجتماعية متفرقـــة :ـــ
1 ــ قام بعضهم بخدمات اجتماعية احتسابا كالشيخ فتح الأسمر 695 الذي كان يسقى الناس في دمياط وفي الأسواق من غير ان يأخذ شيئا مع ملازمة الصلاة في المسجد مع الجماعة، وكان لا يرى الا وقت الصلاة ، واذا سلم الإمام عاد الى انعكافه ، واستمر على ذلك الى ان توفى )[77]. ونحو ذلك ما ذكره الشعراني عن الخواص الذي كان يكثر من ملء الماء لقعاوى الكلاب وحيضان الخلاء ، والشيخ احمد الهنيدي في امبابة الذى (كان لا يمل من حفر الآبار وسقى الماء الى الأسقية ، تارة يحمله في يده وتارة على حمارته) والشيخ نور الدين الشعراني جد الشيخ الشعراني الذى ( كان يملأ كل يوم أسبلة الجامع للزاوية مع حيضان الخلاء )[78] ...
2 ــ وقد شارك الصوفية في الاحتفالات بكسوة الكعبة التي كانت تقام سنويا بالمحمل . ويقول المقريزي فى أحداث سنة 661 ( عملت كسوة الكعبة ــ في عهد الظاهر ــ وحملت على البغال وطيف بها القاهرة ومصر وركب معها الخواص وأرباب الدولة والقضاة والفقهاء والقراء والصوفية والخطباء وسافرت الى مكة )[79]
3 ــ ودور الصوفية كان يظهر في الأزمات خاصة فى حوادث القتل فى الفتن . وعندما قتل الأشرف خليل الأمير طرنطاي سنة 689 القيت جثته في القرافة الى جانب زاوية الشيخ ابي السعود ، فغسله الشيخ عمر السعودي شيخ الزاوية وكفنه من ماله ودفنه خارج الزاوية ليلا )[80] . وتكرر ذلك في مقتل الملك الناصر بن قايتباي سنة 904 ، فألقيت جثته على الأرض وظلت كذلك على أن حملها بعض اتباع شيخ الطالبية وواروه في جامع هناك )[81] وفي جنازة الخليفة الحاكم أول خليفة يموت بالقاهرة سنة 701 سير الأمير سلار نائب السلطة المشايخ والصوفية وأرباب الخوانق والزوايا بمصر، وتولى غسله وتكفينه شيخ الشيوخ بخانقاه سعيد السعداء )[82].
4 ــ وكان لهم دورهم في المصائب العامة كالطواعين وانخفاض النيل وذلك بالاستغفار والتضرع لله ، وفي طاعون 833 أشار صوفي عجمي على السلطان برسباي باختيار أربعين شريفا اسم كل منهم محمد، وتجمعوا في الجامع الأزهر فقرأوا القرآن وقت صلاة الجمعة ثم قاموا والناس على أرجلهم فدعوا الله تعالى ــ وقد غصّ الجامع بالناس، فلم يزالو يدعون حتى وقت العصر، فصعدوا إلى سطح الجامع ، واذنوا جميعا ، ثم نزلوا وصلوا بالناس العصر وانفضوا [83]).
وفي مجاعة سنة 854 خرج قاضي القضاة شرف الدين المناوي على الصحراء ماشيا ومعه الفقراء والصوفية وكثر الدعاء والابتهال وفعل ذلك بسائر الجوامع للاستسقاء )[84]..
وقبلها في مجاعة سنة 777 خرج القضاة بالصوفية والناس إلى رباط الآثار النبوية وقرأوا القرآن وتضرعوا ، وكان معهم المقريزي..( السلوك : 3 / 1 / 218 : 219 )
الأمــــر بالمعــــروف والنهـــي عـن المنـكـــــر :ـــ
1 ـ أرسى التصوف ( عدم الاعتراض ) نقيضا للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وسنعرض لذك فى موضوع ( القيم الاجتماعية ) التى نشرها التصوف فى المجتمع المصرى . وقد تمرد بعض المتصوفة السنيين على قاعدة عدم الاعتراض وعدم الإنكار ، فقاموا ينكرون على انحرافات عصرهم باليد وباللسان ، وكان منهم الشيخ عبد الغفار بن نوح الذى قال عنه الأدفوى فى ( الطالع السعيد : 171 ) :(كان فيه إنكار لكثير من المنكرات وأمر بمعروف) ، وهو المتهم في حرق الكنائس المصرية ، أى تطرف فى إنكاره الى درجة حرق الكنائس المصرية كلها ما عدا الكنيسة المعلقة إنتقاما من السلطة المملوكية التى أفشلت حركة البدوى السرية التى كانت تسع لقلب نظام الحكم وارجاع الخلافة الشيعية لمصر . ومعروف إنتماء عبد الغفار بن نوح للتصوف الشيعى وكونه من الجماعة السرية للحركة الشيعية المتسترة بالتصوف بزعامة أحمد البدوى . وشرحنا ذلك فى كتاب ( السيد البدوى بين الحقيقة والخرافة ). وقيل في ابن مصلح المنزلاوي ت 873 : (وكان على قدر عظيم من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ( الضوء اللامع : 2 / 211 ). وقد سبق ذكر الأمور التي قامت بها زاويته في إكرام الضيوف مما يدل على أن شخصيته كانت إيجابية في نواح كثيرة....
2 ـ وفي القرن التاسع ذكر المؤرخ ابو المحاسن جهدا عمليا في حرب المنكرات للشيخ سليم ابن عبد الرحمن الذي استغل مكانته لدي الأشرف برسباي استغلالا إيجابيا فكان (شديدا في أمر الله ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، وكان اذا سمع بمكان منكر جمع فقراءه وتوجه إليه بالسلاح والمطارق يدخل من غير إذن هجما ، ويكسر ما وجده من الخمور، وإن منعه احد قاتلهم بمن معه ، ومع هذا كان لا ينتهي عن ذلك مدة حياته )[85] أي إستغل مكانته لدى السلطان فى إزالة المنكر بالعنف والقتال . انه أضاع حياته في هدم ما تركه أخرون ينمو ويستشري من عدم الاعتراض وعلى طريقه سار الفاقوسي البلبيسي 862ت في بلبيس حسبما يروى السخاوى فى ( الضوء اللامع ) وقد وصفه بأنه كان خيّرا ساكنا معتقدا ببلده لمثابرته على أنواع العبادة محافظا على الأوراد وقراءة القرآن ، وما لبث أن ثار فى بلده بلبيس فلم فيها موطنا يُتجاهر فيه بالزنا ،وأكثر من إراقة الخمور. )[86] .
ويذكر الشعراني بالخير انه مع دعوته الكثيرة لعدم الاعتراض التي سنتعرض لها ــ لم ينس مهلة إزالة المنكر فعرض لها بالتخصيص دون التعميم كقوله (اخذت علينا العهود ان نُشدد فى إزالة المنكرات المجمع على تحريمها، اكثر من المختلف في تحريمها )[87] ومع ذلك الاحتراز فقد ناقض نفسه كما سيتضح في دوره في الدعوة لعدم الاعتراض ..
الســـعـــي في المـصـــالـح :ـــ
1 ــ تفرع عن جهد الصوفية السياسي في الشفاعة أن قام بعضهم بالسعي في مصالح الناس مثل الشيخ منتصر الكنانى ت 734 ، الذي ( بذل نفسه وماله وجاهه فى حوائج الناس ، مشفقا عليهم ، ومسافرا الأيام الكثيرة في مصالحهم) ووصف مع ذلك باتباع السنة وصحة الاعتقاد والسلامة من البدع ، وانه ( لا ينقطع عن صلاة الخمس في جماعة إلا لضرورة ، ويزور المرضى ويشيع الجنائز ويودع المسافر )[88] . وأكثر الشيخ مجد الدين الأقصري ت 740 من الشفاعات عند كريم الدين عبد الكريم حتى اضجره ، فسأله أن يخفف من ذلك، فقال له الشيخ الأقصرى : لا يسعنى ان أرد أحدا ، ولكننى انا أسألك فان منعت منعت من منعه الله وان اعطيته فمن فضل الله ) . واستخدم البعض مكانته لدي أولى الأمر في قضاء حوائج الناس مثل (الأمام المعتقد ابن جامع البحيري 850) الذي ( كان شيخا جميل الطريقة مهتما بقضاء حوائج الناس ولأرباب الدولة والأكابر فيه اعتقاد كبير ومحبة )[89] واشتهر بعض الصوفية الأعاجم في هذا الميدان مثل حسن الجواليقي القلندري 722 (وكان دأبه السعي في الصالحات والسفارة في حق الغائبين واستطلاق الأرزاق لهم وللحاضرين حتى عرف بالخير والمروءة والفتوة )[90] (ونفع خلقا كثيرا بجاهه )[91] .
ووصف تاج الدين الذاكرت 922 بكثرة الشفاعات وشدة الاهتمام بقضاء الحوائج )[92] وكان لوالد الشعراني (توجه صادق في حوائج الناس ويشهد بينهم ويحسب ويكتب محتسبا في ذلك )[93] .إلا ان بعض المصادر الصوفية بالغت في ذلك مع وجود أرضية صحيحة ــ ونقلت المصادر التاريخية التالية تلك المبالغات كما قيل عن محمد الشناوى 912 . قال عنه الشعراني (أقامه الله في قضاء حوائج الناس ليلا ونهارا )[94] ونقل ذلك الغزى بحروفه )[95] فكيف يتأتى هذا مع انشغاله المستمر بتعليم الناس الذكر حتى اشغل الغربية به على حد قول الشعراني نفسه ؟
وقد شهد العصر المملوكي نماذج طيبة للصوفية تفاعلوا إيجابيا فى مجتمعهم، وأثمر ذلك ذكرا حسنا في المصادر التاريخية ، كما قيل عن ناصر الدين الطوسي 793 من انه تربى بين صوفية الخانقاه الناصرية بسرياقوس (فلما بلغ سن التكليف داخل الناس وخدم اهل العلم وأعيان الناس وولى المباشرات الدينية مع التصوف بالخانقاه الصلاحية سعيد السعداء )[96] ووصف القاضي سعد الدين الدرديري بأنه باشر مشيخة الخانقاه المؤيدية بعد أبيه ، فانتفع به الناس في الفتاوى والمواعيد والاشتغال مع طلاقة اللسان وكثرة البشر وامن الجانب وفرط للتواضع مع الوفاء والمهابة والديانة والصيانة )[97]) وخالق عبد الرحمن التفهني الناس بخلق حسن مع الصيانة والافضال والانكباب على العلم والتصوف ، وحلف مره انه لم يرتش قط في الحكم ، وقد ولى قضاء الحنفية ، وكان من تلاميذ الخانقاه الشيخونية )[98] .
ومع التزام بعضهم بعدم التردد للأكابر والاعتكاف مثل الشيخ بدر الدين الاصبهاني 873 ــ فإنه وصف أيضا بحسن السيرة والعفة والسخاء والتواضع وملازمة العبادة )[99] أي لم يتخذ من العزلة طريقا وانتفاعا وشهرة ...
ووصف الشاذلي بكثرة السعي في المصالح حتى قال فيه ابن دقيق العيد ( جهل ولاة الأمور بقدر الشيخ أبي الحسن الشاذلي بكثرة تردده إليهم في الشفاعات ) حسبما يروى ابن عطاء تلميذ الشاذلى [100] ، ولكن من حقنا أن نتشكك فى هذه الرواية لأن أبا العباس المرسي خليفة الشاذلى لم يكن يسعى للناس فى قضاء مصالحهم ، وكان يقول للسائل : أنا اطلب لك ذلك من الله تعالى ، وكان يتحايل في التهرب من لقاء الرؤساء )[101] وتأثرت بذلك الطريقة الشاذلية فأصبح الاعراض عن الخلق من اهم تعليمات الشاذلية )[102]
الـتــســــــلــيــة :ـــ
وقد اتخذت بعض المؤسسات الصوفية منتزها للسلاطين والأمراء مثل تربة وبيت وخانقاه سرياقوس التي اعتاد البعض الركوب إليها [103] ، هذا عدا حفلات السماع التي اعتاد بعض الصوفية اقامتها للكبراء )[104] وسبق الحديث عنها ..وقد عد الشعراني من المنن انه لا يقول للمداح الذي ينشد (اسمعنا شيئا بحضرة ذلك الأمير، الا بنية صالحة) وقال (وهذا يحصل كثير من المتمشيخين اذا زارهم الأمراء )[105]...
ثالثا :
أثر التصوف المملوكي في القيم الاجتماعية فى مصر المملوكية :
عدم الاعتراض والانكار
مدخل :
الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قيمة إسلامية عُظمى يقوم بها المجتمع المسلم كله ، يتواصى بالحق والصبر ، ولا تتخصص فيه طائفة بعينها ، وهو مجرد التناصح القولى دون إكراه فى الدين ، وإذا أصر الشخص معاندا فالله جل وعلا يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105) المائدة ) ، وفى كل الأحوال يكون التبرؤ من العمل المستوجب للإنكار وليس من الشخص نفسه ، يقول جل وعلا لخاتم المرسلين (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) الشعراء ).
تطرف السنيون في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فجعلوا أنفسهم متخصصين ومُخولين بالتسلط على الآخرين فى تغيير ما يعتبرونه (المنكر) بالقوة وبالإكراه فى الدين والى درجة قتل المخالف لهم ، ووضعوا أحاديث وفتاوى بهذا الشأن .
لأنه واجه الانكار والاعتراض فقد تطرف التصوف فى الناحية العكسية ، يدعو الى عدم الاعتراض وعدم الانكار . ثم بعد تقرير التصوف السنى تحول الانكار ليكون على المتطرفين الصوفية أصحاب الإعلان عن وحدة الوجود والحلول والاتحاد والمتطرفين فى الانحلال الخلقى . وقد تعرضنا لذلك بالتفصيل فى كتاب ( الحياة الدينية فى مصر المملوكية بين الاسلام والتصوف) فى الجزء الأول والجزء الثالث . نتوقف هنا مع (عدم الاعتراض) التى نشرها فى مصر المملوكية .
أقـــوال الصوفية في عدم الاعتراض والإنكار
إهتم المتصوفة في العصر المملوكى بمبدئهم فى عدم الاعتراض ، فدعوا للتسليم لهم بحالهم ، وزادوا في ذلك إلى عدم الانكار على العصاة منهم ، وتوسعوا فدعوا الى عدم الانكار على غيرهم من العصاة الآخرين ، ثم شملوا أهل الكتاب برعايتهم فأوصوا بعدم الاعتراض عليهم أيضا .ونعطى بعض التفصيل :
1ــ ممنوع على المريد أن يعترض على شيخه ، وصار من الأمثال الشعبية المصرية الصوفية الأصل ( من إعترض فقد انطرد). وإحدى مقامات الطريق (حفظ خاطر المشايخ وعدم الاعتراض عليهم )[106] وأوصى الشعراني المريدين بالتسليم للأولياء والتصديق لهم في كل ما يخبرون به في حق الوجود )[107] واعتبر أبوعلي الدقاق أن من دخل في صحبة الشيخ ثم اعترض عليه فقد نقض عهد الصحبة )[108] واعتبره الدشطوطي أن كثرة الاعتراض( بُعدا عن حضرة الله )[109] ولا غرو فإن( من صفات المريد الصادق ترك الاعتراض على الشيخ في الظاهر والباطن في ليل او نهار او غيبة او حضور )[110] ..
2ــ ومن المريدين التفتوا للآخرين فدعوهم لعدم الانكار علي الأولياء ،وحذروهم بالقول واللعن والخواص دعا (لعدم الانكار على الولى )[111] او على (أرباب الأحوال خوف الهلاك والمقت )[112] ، وقال أبو عثمان (لعن الله من انكر على هذا الطريق ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلقل : لعنة الله عليه) . وحذّر أبو المواهب الشاذلي من ينكر على الأولياء بأنه (لا يفلح أبدا) ذلك ان أبا المواهب الشاذلى إشتهر بكثرة مزاعمه بأنه يرى الرسول فى المنام ، فأنكروا عليه ذلك ، فزعم أن الرسول قال له في المنام : (وعزة الله وعظمته من لم يؤمن بها أوكذّبك فيها لا يموت الا يهوديا أو نصرانيا او مجوسيا )[113]
3 ــ والشعراني يجعل من نفسه مثلا يدعو الآخرين للاحتذاء به، فهو يفتخر بكثرة أدبه وتعظيمه لكل من لبس زى الفقراء ( أى الصوفية ) وخوفه من فعل أي شيء يغيّر قلوبهم عليه حتى لا تحبط اعماله وان كانت مثل الجبال. وأوصى بحسن الظن في الفقراء وحسن التأويل لأحوالهم )[114] وهكذا تطرف الشعرانى فجعل الاعتراض على الأولياء جريمة تُحبط العمل الصالح ، مثل جريمة الشرك بالله جل وعلا. كل ذلك لحماية الأولياء الصوفية ...
4ــ وارتبط ذلك بالدعوة للتقليد وتجريم مناقشة المريد لشيخه ، مع إعطاء الشيخ منزلة الله جل وعلا. يتضح هذا من قول الشعرانى : ( فإذا قال المريد لشيخه (لِمَ) لا يفلح في الطريق بإجماع المشايخ وهي إساءة أدب في حق الله ..؟ )[115] . وبهذا أصبح التقليد دينا صوفيا يلتزم به أكابر الأولياء ، قال الشعراني : (لا يخرج أحد من الكمّل عن التقليد ، لأن التقليد هو الأصل )[116] واذا كان هذا حال (الكمّل) فكيف بالآخرين .؟؟ . والشعراني يقول عن عن نفسه أنه يصدق كل ما يروى عن الصالحين( وان إحالة العقل )[117] أي مهما نسبوا لأنفسهم او نسب غيرهم اليهم كرامات او منامات ينكرها العقل فهو يؤمن بها.
5 ـ وابن الحاج كفقيه سُنّى انكر تقليد الناس للبدع الصوفية البعيدة عن السنة المتوارثة ، وقال عنهم ( فإن طالبته بالدليل الحق لم يقدر على ذلك ، إلا انه يقول : نشأت على هذا ، أو كان والدي وشيخي وجدي وكل من اعرفه على هذا المنهج )[118] . كان هذا فى القرن الثامن الهجرى . وفي عصر الشعراني فى القرن العاشر تم الانقلاب وصار التقليد هو السنة المتبعة المرعية حتى أنه يقول : ( يجب على الأخ ألاّ يقر اخاه على بدعه وإلا يتركه خوفا على نفسه )[119] فالإنكار عليهم أصبح في نظره بدعة خرجت عن مألوف العصر تستوجب الحذر والخوف، ففى عصر الشعرانى أصبح التصوف هو الأصل وأصبح الاعتراض عليه هو الخروج على سنة العصر ومفهومه فانقلبت المفاهيم . والشعرانى كمدافع عن الصوفية ودارس للفقه استخدم مصطلحات الفقهاء في حربه للفقهاء المنكرين عليه ، ومن ذلك أن عباراته صيغت بحيث لا يعترض عليها أحد من حيث المبدأ خاصة إذا فصلت عن السياق .. مع أنه يقصد بها الدفاع عن الصوفية ..
6 ــ واستخدم الصوفية الحرب النفسية بتهديد المعترضين بكراماتهم ، واستغلوا اعتقاد العصر في كراماتهم ، كما إستغلوا ما كان يتكرر فى العصر المملوكى كل عام تقريبا من العزل والقتل والسجن والتعذيب ، واستغلوا الأحوال العادية من المرض والموت ــ وأوهموا الناس ان ذلك حدث بسبب اعتراض المصاب عليهم . ولا تكاد تخلو كتب المناقب والمزارات من كرامات فعلت الأعاجيب بالمنكرين [120] . ومن الطريف أن احد المنكرين على ابن الفارض مات في طريق الحج ــ وهذا شيء عادي جدا ــ إلا انهم صوروا موته على انه (بسبب كلامه في ابن الفارض )[121] . وقال الشاذلي مهددا من يعترض على ( أحوال الرجال الصوفية ) : ( من اعترض على أحوال الرجال فلا بد ان يموت قبل اجله ثلاث موتات ، موت بالذل ، وموت بالفقر ، وموت بالحاجة الى الناس ، ثم لا يرحمه منهم )[122] . وهذا القول يعكس حدة غضبهم على المعترضين ، والشعور بالتأليه . وقال الشعراني (ما رأينا أحد قط أذى الصالحين وأنكر عليهم بغمر طريق ومات على نعت الاستقامة ) والصالحون في عرف الشعراني هم الصوفية .وإيذاؤهم هو الاعتراض عليهم .
6ــ وتطورت الدعوة لعدم الاعتراض على الأولياء الصوفية دعا الصوفية إلى عدم الاعتراض على المسلمين العاديين ، أو ( آحاد المسلمين ) فدعا الشعرانى الى عدم الاعتراض على (آحاد المسلمين أسوة بالمشايخ ،ولاحتمال أن يكون أحدهم وليا مستورا) .وليس مهما ان يكون الفرد عاصيا ، فقد افتخر الشعراني بانه لا ينكر على أي عاص ( أدبا مع الله ) ، وهذا نابع من عقيدة الصوفية فى ( وحدة الفاعل ) والتى عرضنا لها فى كتاب ( العقائد الدينية ) ووحدة الفاعل عندهم تنسب المعصية لله جل وعلا ، وليس للشخص العاصى. وبهذا يرفض الشعرانى الاعتراض على الشخص العاصى أدبا مع الله ، لأن الشعرانى يؤمن أن العصيان وقع من ( الله ) وليس من الشخص . تعالى الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا.
7 ـ ثم يتطور الأمر الى التحذير من الاعتراض على اليهود والنصاري، واحتال لذلك بدعوى انه اعترض على يهودي فأصبح مثله يهوديا (من عصر يوم الجمعة إلى ثاني يوم الظهر ) وقال إن هذا وقع لبعض العارفين ( ومكث على الكفر سنين ...) وقال (أن أحمد الزاهد اعترض على نصراني فتحول نصرانيا (حتى ندم وانتحب فرجع الى عقيدته) ..
8 ــ وأمتدت حمايتهم الى العصاة الاخرين فدعوا إلى عدم الانكار عليهم مثل (محبي الغلمان ملاح الوجوه وعدم سوء الظن بهم ) على حد قول الشعراني الذي يفخر بأنه لا يعترض على (المخنثين لأنهم أصحاب امراض فربما ازدراهم أحد فابتلاه الله بمثل ما ابتلاهم به )
وتحذير الصوفية من الاعتراض( على آحاد المسلمين أسوة بالمشايخ ولاحتمال أحدهم وليا مستورا ) لم يكن ذلك حبا في آحاد المسلمين او رفقا باليهود والنصارى ، وإنما كان حماية لانحرافات طوائف الصوفية الذين اشتهروا في هذا المجال ، مثل الأحمدية والبرهامية الدسوقية والمطاوعة والقلندرية . ويتضح ذلك فيما يرويه الشعراني عن نفسه فقد انكر (على ما يفعله القلندرية في زاويتهم) يقول بزعمه (فإذا بشخص متربع في الهواء يقول لي: تنكر على القلندرية وأنا منهم .؟ فتركت الانكار).
وقيل في أولاد الشيخ أحمد المعلوف أنهم كانوا على غير نعت الاستقامة ) ومع ذلك أشاعوا أن انتقام البدوي حل على من ينكر عليهم [123] ، وكان الخواص أكثر صراحة حين دعا على عدم الطعن في ولاية من لم تظهر عنه اعمال صالحه )[124] وعدم الاعتراض على الولى الصوفى الذي (يأخذ من الظلمة مالا )[125]
9 ـ ومن الطبيعي ألا يستجيب لذلك الفقهاء السنيون الحنابلة المنكرون على صوفية عصرهم ، فابن تيمية نعى عليهم دعوتهم إلى عدم الانكار على الأولياء العُصاة الواقعين فى الكبائر ، يقول ابن تيمية : (رغم تركهم الصلاة المفروضة وأكلهم الخبائث وفعلهم الفواحش وظلم الناس وقتل النفس بغير حق والشرك بالله )[126] .
10 ــ وبعد ذلك يحق لنا ان نتشكك في جدية طريقة الصوفية لإزالة المنكر والتي هي (الإنكار القلبي والتوجه إلى الله تعالى في إزالته ، فتلك طريقة العارفين [127] او على حد قول المتبولي (تغيير المنكر باليد للولاة، وتغييره باللسان للعلماء وتغييره بالقلب للفقراء )[128] .... فذلك الإنكار القلبي ــ حتى مع التسليم بوجوده فعلا ــ لا يتناسب مع مكانة الصوفية ونفوذهم في العصر كما لا يتناسب مع دعوتهم الجدية لعدم الاعتراض ولو بالقلب . وأجدى ان نضع في الاعتبار كثرة انحرافات طوائفهم وخشية المحققين منهم على سلامة الطريق الصوفي وتحصينه من إنكار خصومهم الفقهاء..وحقيقة إنكارهم القلبي تظهر في قول أبى المواهب الشاذلي (ان كان ولابد للمريد من إزالة المنكر فليتوجه إلى الله بقلبه )[129] ونتمعن قوله )ان كان ولابد للمريد ....) ذلك ان من شان المريد في رأي أبى المواهب (ألا يتصدر قط لإزالة منكر )[130] .
11 ــ على أن بعض الكبار من الصوفية استخدم نفس الأساليب الصوفية للتحذير من إزالة المنكر ، كالمنامات التي يؤمن بها المريدون ، فيروي ان إبن على وفا ــ مثلا ــ قد همَّ بالإنكار على عاص فسمع هاتفا يقول له (نحن خلقناهم وشددنا أسرهم) ، أما أبوه ( على وفا ) فقد اعتبر الساعي في إزالة المنكر معترضا على الله في احكامه [131] ، طبقا لعقيدتهم فى ( وحدة الفاعل ). واستخدم البعض سلطته في حماية المنكر فروى أن مريدا من أتباع الشيخ مدين كسر جرة خمر فأخرجه الشيخ مدين من الزاوية [132] ..
11 ــ ولم يضع جهد الصوفية عبثا ، فقد انبهر الرحالة والوافدون الى مصر من الحرية السائدة فى الشارع المصرى المملوكى ، فيقول الرحالة ابن ظهيرة أن من محاسن مصر (عدم الاعتراض على الناس فلا ينكرون هم ولا يحسدونهم بل يسلمون لكل أحد حاله ، العالم مشغول بعلمه والعابد بعبادته والعاصي بمعصيته ، وكل ذي صنعة بصنعته ، ولا يلتفت احد إلى احد ، ولا يلومه بسبب وقوعه في معصية أو نقيصة )[133] وابن خلدون تعجب هو الآخر من احوال مصر حين أتى اليها ، يقول المقريزى عن المصريين: ( ومن اخلاقهم الانهماك في الشهوات والامعان في الملاذ وكثرة الاستهتار وعدم المبالاة. قال لي شيخنا عبد الرحمن بن خلدون : اهل مصر كأنما فرغوا من الحساب) ويقول عن القاهرة والصوفية بها ( والفقير المجرد فيها مستريح من جهة رخص الخبز وكثرته ، ووجود السماعات والفُرج ( أى المنتزهات ) في ظواهرها ودواخلها، وقلة الاعتراض عليه فيما تذهب إليه نفسه، يحكم فيها كيف يريد من رقص في السوق وتجريد او سكر من حشيشه أو غيرها او صحبة مروان وما أشبه بخلاف غيرها من بلاد المغرب).. ، (ولا يُنكر فيها إظهار اواني الخمر ولا آلات الطرب ذات الأوتار ولا تبرج النساء العواهر وغير ذلك مما ينكر في غيرها من بلاد المغرب ، وقد دخلت في الخليج الذي بين القاهرة ومصر .... ورأيت من العجائب، وربما يقع فيه قتل بسبب السكر وهو ضيق ، عليه في الجهتين مناظر كثيرة بعالم طرب والتهكم والمخالفة )[134] والنّص ليس بحاجة إلى التعليق....
من التواكل والتسول الى الخضوع والتذلل
التــــواكــــل
1 ـ دعت القصة الصوفية للتواكل ،ونفّرت من اتخاذ الأسباب حتى في السفر في الصحراء او في الحج بجعلهم (الحج بالتجريد) أي بدون ماء وزاد ، ويأتي لهم الماء والزاد في الطريق بالكرامات ، وربما يأتى الخضر بنفسه ـ بزعمهم . ومن أكاذيبهم قولهم أن الله حل وعلا خلق الناس واختار كل منهم صنعته وانفردت الصوفية كل منهم باختيار خدمة الله ، فسخر الله الخلق لخدمتهم )[135].. ودعا ابن الحاج المريد الصوفى صاحب الأولاد ألا يأبه لرزقهم لأن وجوده وعدمه في حقهم سيان ، والملك لا يضيق عن رزقهم [136] ، وهى عبارة تحتمل وجهين ، ولكن توجيهها للمريد الصوفى يؤكد معنى التواكل الصوفى وليس التوكل . ونصح الخواص الشعراني بألا يتخذ حرفه حتى لا يختار مع الله شيئا [137] واعتبر الصوفية بقية الناس العاملين المتوكلين جنسا آخر مختلفا أقل من الصوفية شأنا ، فسموهم (أبناء الدنيا ) ، وفي مناقب شمس الدين الحنفى قول كاتب المناقب عنه ضمن مناقبه : ( بلغنا ان سيدنا كان لا يتواضع لأبناء الدنيا) [138].
2 ـــ واشتهر الصوفية في العصر بالتواكل ، ووُصف هذا التواكل بالتوكل قلبا للحقائق ، فوصفتهم إحدى الوثائق بانهم (توكلوا عليه ، ليس لهم صناعة ولا يملكون بضاعة ، متجرهم ركعة ، ومنهلهم دمعة )[139] والغريب إعتبار هذا التنطع توكلا . وذكر ابن حجر فى تاريخه ( إنباؤ الغمر ) أنه شرع الجميع في حفر الخليج ، وشارك فى الحفر الامراء وتجار وقيل ثم دخل الناس في العمل حتى الصوفية ... ثم أعفوا من العمل )[140] ..وتأمل قوله ( حتى الصوفية ). فهذا تعبير عن رؤية العصر لهم . لذا تتردد فى تراجم شيوخ الصوفية أنه لم تكن لهم حرفة ، وأنه كفاهم الناس امر المعاش .[141]
3ــ وطبيعي ان يتأثر بهم الباقون من محبي التنطع والكسل. وما أسهل انتشار مثل هذه الدعوة في مجتمع يضمن الرزق للمتواكلين ، خاصة وأن بعض الصوفية أسبغ على دعوته للتواكل رداء الدين . وابن عطاء اظهر من قال بذلك في كتابه الشهير (التنوير في اسقاط التدبير) ولا يزال متداولا بين الشاذلية . وقد صاغه بأسلوب جذّاب على شكل حكم ومواعظ ذات وقع موسيقى ، ومن خلال هذه الصياغة الرائعة قرن اسقاط التدبير (او عدم العمل) بالدين ، وجعل السعى فى سبيل المعاش شركا بالله جل وعلا ، [142] . وكرر ذلك في كتب أخرى ، يقول في احداها للناس: ( ارادتك التجريد مع إقامة الله تعالى اياك الأسباب من الشهوة الخفية ، وارادتك الأسباب مع إقامة الله اياك في التجريد انحطاط عن الهمة العليّة ، أرح نفسك من التدبير فما قام به غيرك لا تقم به لنفسك..اجتهادك فيما ضمن لك وتقصيرك فيما طلب منك دليل على انطماس البصيرة منك )[143] .
4 ـت وتأثير آراء ابن عطاء خطير ، وممن تأثر بها الشعراني القائل عن الصوفية : (ومن آدابهم .. لا يعتمدون علي كسبهم ، فإن الاعتماد على الكسب شرك بالله )[144] . وحتى الآن يعكف الشاذلية وغيرهم على قراءة كتبه ومنها (التنوير في اسقطا التدبير) ، المسئول عن إشاعة التواكل والتبطل والدروشة [145] . ويظهر اثر ذلك في اعتماد الناس على الأوراد فى تحصيل الرزق ، وقد سئل السيوطي مرارا عن الأدعية والأذكار الجالية للرزق فوضع فيها رسالة خاصة [146] . وتصور الامثال هذا:( تجري جري الوحوش غير رزقك ما تحوش )[147] 5 ــ وأدى ذلك إلى دعوة بعضهم الى الزهد في الدنيا وتفضيل الموت على الحياة والركون الى الفقر، وقد تردد فى كتاب ( الإلمام ) لمؤلفه الصوفى النويرى السكندرى قوله : ( فالفقر صلاح ، وخير بلا خسارة وبلا هم ، والفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر ) [148]
5 ــ وقد سيطرت هذه العقيدة على العوام ، وأضرّت بالحياة الاجتماعية ، لأنها جعلت العامة تطمئن لفقرها ، وتعتبره طريق الأنبياء [149] والصالحين ، خصوصا مع وضع الصوفية لحديث ( اللهم أحينى مسكينا .. ) . وفي الأمثال نرى التأثر بهذا فى قولهم : (دنيا غرورة ، دنيا واللى متغطي بها عريان )[150] . إنتشر هذا مع حث الصوفية على الزهد [151] ، وإعتباره من أخلاق السلف الصالح [152] وأسوة بالأنبياء لا بالجبابرة كقارون [153] . ووضع السيوطي رسالة يفضل فيها الموت على الحياة. [154] .
6 ــ هذا ... وكان التسول أهم نتيجة عملية للتواكل الصوفي فمن اين يعيش المتواكل الذي لا يعمل ..؟؟. وقد عرضنا فى كتاب ( أثر التصوف فى العبادات ..) لازدهار التسول في العصر المملوكي عن طريق التصوف. فلا داعى للتكرار .
الخضوع والخمول والتذلل :ــ
1 ــ بالتصوف عرف العصر المملوكي الخضوع والتسليم للأولياء الصوفية والحكام ،وليس غريبا أن دعاة تقرير الظلم هم أبرز دعاة الشعب للخضوع وهم أنفسهم أرباب التقليد العلمي والخمول الاجتماعي . ويكفي اطلاق (الفقر) على صوفية العصر المملوكي وافتخارهم بهذا اللقب مع ما فى الفقر من ذلة وانكسار واحتياج للأخرين ، وتأليفهم و نشرهم حديثا يعبر عن الذلة والمسكنة هو ( اللهم أحينى مسكينا وأمتني مسكينًا واحشُرني في زُمْرَةِ المساكين) وصاغوا على منواله حديثا آخر يقول (اللهمَّ أحيني فقيرًا وأمتني فقيرًا واحشُرني في زُمْرَةِ الفقراء ) .
2 ــ إنّ عزة المسلم الحقيقى في طاعته ربه وإيمانه به جل وعلا الاها لا شريك له ، بحيث لا يذل نفسه لسواه ، وفى نفس الوقت فهو لا يتكبر على بشر مثله ولا يتكبر على الضعاف بل يتطامن لهم ويتواضع . والإسلام دين العقل المتفتح، والمؤمن فيه ليس امّعه يقلد الآخرين ويعيش خاملا، بل هو فعال للخير يتعاون على البر والتقوى .
إن الله جل وعلا جعل الذلة والمسكنة قرينة بغضبه على العُصاة من بنى اسرائيل وأهل الكتاب ، فقال جل وعلا:(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ)(61) البقرة ) ( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ ) (112) آل عمران )، بينما جعل العزة من نصيب المؤمنين مرتبطة بعزة الله جل وعلا ورسوله ، ولكن المنافقين لا يعلمون: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (8) المنافقون ). إن الايمان بالله جل وحده إلاها لا إله غيره يعنى أن يكون الفرد عبدا للخالق وحده ، وليس عبدا لمخلوق مثله ، وهذا فى حد ذاته فخر للمؤمن وعزّ له . والوقوع فى الشرك وتقديس البشر يؤسس الوضاعة والذلة والمسكنة داخل الفرد المُصاب بهذا الدين الأرضى . ومن هذا التذلل الدينى يمتد التذلل ( الاجتماعى ) ليصبح قيمة اجتماعية بسيطرة هذا الدين الأرضى ، فالذى يركع أمام رجل الدين الأرضى لا يجد غضاضة فى سجوده للمستبد وأصحاب السلطان . وهذا ما ساد فى العصر المملوكى . وعرضنا فى كتاب( أثر التصوف السياسى فى الدولة المملوكية ) لنشر التصوف لنفاق الحاكم المملوكى والتزلف اليه والرضى بظلمه وتحريم إنتقاده مهما أسرف فى ظلمه .
3 ـ والشعراني كان أكبر داعية للرضى بالظلم المملوكى ، وهو ــ كالعهد به ــ خير من يمثل دين التصوف المملوكي. وفي كتاباته يخلط بين الدعوة للخضوع للظلمة مع الخضوع للأخرين والتسليم وما ينتج عن ذلك كله من خمول، و يحتال لذلك بالمنطق المعوج مع التحذير والتخويف، كقوله :( اخذ علينا العهود ان نعلم إخواننا طريق الخلاص إذا قام عليهم قائم يؤذيهم ، وذلك بأن نأمرهم أن يحسنوا الى من قام عليهم بالدنيا والخلق والخدمة وليس هذا من الأمور المحرمة .. فمن عقل العاقل ان يذل ويخضع ويحسن الى من يشوش عليه ، ولو لم يكن بيده إلا لقمة واحدة دفعها إليه ، وذلك لأن جوع الانسان مع هدوء السر أحسن من شبعه مع النكد ، والذي حرك النكد هو الذي بيده تسكينه، فهو أولى بالإعطاء من الحاكم الذي يريد ذلك المظلوم ان يحتمى به . ويقع للكثير من ضعفاء العقول أنهم يحرمون الخصم ويطعمون الحكام ، ولو انهم قد أعطوا الخصم بعض ما اعطوه للحاكم لربما سد باب الأذى )[155] . وبالمنطق نفسه يستدل الشعراني برأي الخواص في تفصيل العبد القن على العبد المُكاتب الساعى لشراء حريته من سيده ، يقول: (لأن المُكاتب ساع في خروجه من رقّ سيّده ودخوله في رق نفسه وشهوته ، والعبد يُحمل إليه رزقه وهو في رق سيد واحد ، والمُكاتب يسعى في طلب رزقة ثلاثة : سيده ودينه ونفسه )[156] .
4 ــ والواقع ان علامة الصوفى ــ قبل الشعراني ــ تمثلت في قدرته على تحمل الأذى من القول بالغا ما بلغ ، فى نظير بلوغه هدفه. وقد لفت ذلك نظر ابن الحاج المغربي حيث سجل أن عادة الصوفية في الرباطات استقبال الضيف بالشتم والإيذاء ، فاذا تحمّل وتجلّد عرفوا صدق صوفيته، فادخلوه..)[157]
الخـــمــــول : ــ
1 ـ ومن الطبيعي ان يكون داعية التواكل هو داعية الخمول، فابن عطاء يقول في حكمه المأثورة ( ادفن وجودك في أرض الخمول ) [158] .. وفي نطاق دعوة الشعراني خلط بين التواكل الخمول ، وتمسح بالدين كعادته ، فجعل من أخلاق من أسماهم بالسلف الصالح (تقديمهم السلامة على الغنيمة ، من حيث رفض الدنيا وفراغ يدهم منها، فكانوا يقدمون فراغ يدهم من الدنيا على جمعها وانفاقها في سبيل الله تعالى خوفا ان يُنعوا منها حقها )[159] .. والسائد لدى السنيين أن الصحابة هم (السلف الصالح) الذين عاشوا فى خلافة الراشدين والأمويين ، مع أنه كان منهم المنافقون الذين نزلت فى كفرهم وتآمرهم وكذبهم عشرات الآيات القرآنية وأنهم الذين انهمكوا فى الفتوحات واحتلال بلاد الأمم الأخرى ، وانهمكوا أيضا فى التطاحن حول ثروات البلاد المفتوحة بدءا من الفتنة الكبرى وما تلاها فى العصر الأموى . وهم بذلك أبعد عما يقوله الشعرانى عن ( السلف الصالح ) ، وبهذا فإن الشعرانى لا يقصد بالسلف ( الصالح ) الصحابة والتابعين فى القرن الأول الهجرى ، ولكن يقصد السلف (الصالح) من شيوخه رواد التصوف . ومصطلح ( السلف الصالح ) على أى حال كذبة كبرى ، إعتاد الناس إبتلاعها دون التفكر فيها ، شأن أساطير كثيرة فى الأديان الأرضية تعيش متمتعة بالتصديق والتقديس لأنها فى مأمن من النقد والتمحيص .
2 ـ ونعود للشعرانى ، وهو يخلط التذلل بالدعوة للخمول في قوله : (أخذ علينا العهود أن تشهد مقامنا الحقيقي دائما كأنه دون مقام كل مؤمن ، فكأنه في التمثيل بالمحسوسات هو التراب الذي تطؤه الاقدام وتتبول عليه الكلاب ، ولا ترفع رؤوسنا عن الأرض ساعة من ليل او نهار . ومن فوائد هذا العمل ان صاحبه اذا وقع لا ينكسر ، لأنه جالس على الأرض بخلاف من رفع نفسه فوقها فإنه ربما ينكسر اذا وقع بقدر ما رفع نفسه . ) واستشهد بوصية أحمد الرفاعي لأتباعه : ( كونوا ذنبا ( ذيلا ) ولا تكونوا رأسا فإن الضربة اول ما تقع في الرأس) وبقوله للحاضرين (انظروا الى هذه النخلة لما قامت بصدرها جعل الله ثقل حملها عليها ولو حملت ما حملت لا يساعدها احد بخلاف شجرة اليقطين (القرع) لما مدت خدها على الأرض جعل الله ثقل حملها على غيرها ولو حملت مهما حملت لا تحس به )[160]..
3 ـ ويرى باحث ان الشعراني لا يميل للحض على الأعمال الإيجابية التي تستلزم جهودا في نضال البقاء ، بل اعتبر الكثير منها خروجا على الطريق كالشجاعة والاقدام ومقاومة الظلم، ويرى أن الأخلاق التي روج لها بين مريديه هي اخلاق العبيد [161]..
4 ــ وخمول التاريخ المصري في القرن التاسع وبداية العاشر يكاد يظهر في كل صفحة من تاريخ ابن اياس المعبر عن الرأي العام الشعبي ، والباحث فى تاريخ ابن اياس لا يرى حدثا هاما ، ويصطدم بتكرار قوله ( وأشيع بين الناس ) ، اى سريان الاشاعات فى شعب لا نشاط له سوى النميمة وتبادل الأقاويل . وسارت الأحوال على هذا النمط الرتيب البطىء الى أن جاء الاصطدام من الخارج بدخول السلطان الغورى فى العراك بين اسماعيل الصفوى وسليم العثمانى ، وما ترتب عليه أخيرا من فتح العثمانيين لمصر وتحولها الى ولاية عثمانية . ولم يحمل الفتح العثمانى جديدا يغير مسيرة المجتمع المصرى فى العصر العثمانى ـ بدليل أن العثمانيين أنفسهم إعتنقوا التصوف السنى على أنه الاسلام ، وحملوه شعارا فى غزوهم لأوربا، وأن أساطين التصوف المصرى ظل نفوذهم ممتدا بعد الاحتلال العثمانى ، وأبرزهم الشعرانى المخضرم الذى عاش أواخر العصر المملوكى وعايش العصر العثمانى ، وكتب معظم مؤلفاته فى هذا العصر العثمانى ومنها عن القيم الصوفية كالتواكل والخمول .
5 ــ لذا أثرت كتابات الشعراني في تشكيل نفسية الشعب في العصر العثماني مع كثافة التصوف والجهل ، ولفت ذلك نظر باحث أجنبي فقرر أنه (لو تُرك المصريون وشانهم أخلدوا إلى البطالة والكسل وتراموا في أحضان الدعة والخمول ، أي انه اذا لم تستفزهم إلى العمل إرادة فعالة وهمة نشيطة آثروا قضاء حيلتهم في البطالة التامة ، فالنظر إلى المستقبل لا يمتد عندهم إلى أبعد من الغد )[162] .أي انهم استجابوا لدعوة الشعراني ، وعبر عنهم وآثر الراحة لنفسه ولهم . فالقيم الايجابية ترهق الداعي لها كما ترهق عصره .
6 ـ هذا ، ونعيد التأكيد على أن تاريخ الحياة الاجتماعية لا يرتبط بالتاريخ السياسي؛ فالتاريخ السياسي مثلا للعصر المملوكي يبدأ بقيام الدولة المملوكية سنة 648 وينتهى بسقوطها سنة 923 ، أما الحياة الاجتماعية لعصر من العصور فيمكن رصدها قبل بداية ذلك العصر وبعد نهايته، لأن المجتمعات فى العصور الوسطى كانت أميل للتقليد وأبعد عن التطور الفجائي . وقد تبلورت الشخصية المصرية بالتصوف في العصر المملوكي بحيث كان المجتمع المصري في مصر العثمانية امتداد للعصر المملوكي ، خاصة وأن الحكم العثماني لم يكن مؤثرا في الأحوال الداخلية . والشعراني صوفى مخضرم عاصر الدولتين ، وهو مع كونه تلميذا لأشياخ التصوف المملوكي فهو شيخ المتصوفة طيلة الحكم العثماني، بل ان الحياة المصرية ظلت متأثرة بكتابات الشعراني حتى أوائل القرن الحالي . ولا عجب حينئذ أن نلمح في كتابات كلوت بك عن مصر في عهد محمد على ــ صدى لتوجيهات الشعراني ....
رابعا
أثر التصوف فى المعتقدات الاجتماعية
صدرت المعتقدات الاجتماعية في مصر المملوكية عن المعتقدات الصوفية المؤثرة فى المجتمع . وفي العصر المملوكي نشأ عن ( التوسل بالأولياء ) الاستغاثة بهم عند المرض والاعتقاد في جدوى التداوي بتراب القبور المقدسة . ومن الايمان بكرامات ألأولياء إعتقد العصر بجدوى (السحر) الذى أصبح قرينا بالكرامة . وازدهر (التنجيم) في مجتمع يؤمن بمعرفة البشر أو (الأولياء) للغيب . وهو نفس ما ساد فى العصر الجاهلى تحت إسم ( الأزلام ) والذى إعتبره رب العزة مع الخمر والميسر والأنصاب أو ( الأضرحة ) رجسا من عمل الشيطان ، وأمر بإجتناب كل ذلك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (91) المائدة ) . وآمنوا بالتعامل مع (الجان) على المستوى الحسى ، بل ان الشعراني وصف نوعا من الأولياء الأحياء يعتبرون وسطا بين الولى والجان، وهم ( أصحاب النوبة) ، وكتب السيوطي رسالة (القول الجلى في تطور الولي) عرض فيها لإمكانية تشكل الولي في أكثر من صورة ، وآمن العصر المملوكى ب (التطير) ، او : التفاؤل والتشاؤم ، و يشيع هذا في المجتمعات التي تؤمن بالأساطير والارواح والجان وتفسر المظاهر الطبيعية العادية وفقا لتلك المعتقدات فيكون التفاؤل والتشاؤم . لذا اعتقد العصر المملوكي في جدوى(التفاؤل والتشاؤم) نوعا من التنبؤ بالغيب .
2 ـ ومع انها صدرت عن التصوف كأثر مباشر فان هناك عاملا غير مباشر اسهم بدوره في التمكين لها بين المجتمع وطوائف المجتمع ، وهو جهد التصوف في نشر الجهل والجمود كما سبق بيانه في فصل العلم والعلوم . والعلم الحقيقى ينمى الوعى والتعقل ولا يدع مجالا لنشر الخرافات الدينية .
3 ــ ولا يزال سائدا حتى الآن الاعتقاد في إمكانية الاتصال بالجان وعلاقتهم بالأولياء خاصة ، حيث توصف ربيبات الزار بأن (عليها شيخ) أي ان صورة الجان إختلطت في اعتقادهم بصورة الولى الشيخ . والقانون يجرّم الدجالين منتحلى الطب الروحاني وأصحاب (الأعمال) السحرية ، ومع ذلك فإن لقبهم في عرف العامة هو (المشايخ)، وغالبا ما يرتدون زي الشيوخ وتروج تجارتهم في الموالد الصوفية وحول الأضرحة ، فلا يمكن ان يطلق لقب الشيخ على أولئك المحتالين المجرمين إلا بأثر التصوف الديني ، الذى لا يزال سائدا حتى بين بعض المثقفين وفى الطبقات العليا والمتوسطة فى الشعب المصرى . وكل ما سبق ناشىء عن ( الإيحاء ) ، أو الاعتقاد والتصديق .
ونعطى بعض التفاصيل :
فى التداوى
الأولياء الأطــــبــاء :ـــ
1 ــ اعتقد الناس في مقدرتهم على شفاء الناس المرضى بما لهم من تصريف وكرامات . وبهذا اشتهر بعضهم بالطب ، فكان إبراهيم الجعبري (يشارك في علم الطب )[163] ، وكان اذا اشتهر واحد بالولاية كان الناس يذهبون له بمرضاهم ، فقد ( ظهر عبد أسود قيل انه ولي ، فهرع إليه الخلق ، وفيهم الكثير من الزمني وذوي العاهات والمرضى )[164] ، ووصل الأمر الى أنه اشتهرت طفلة بالولاية ، وبأنها تشفى المعاقين فقصدها الناس لأنها ( تقيم المُقعد وترد بصر الأعمى )[165] .وتردد ذوو العاهات والامراض المزمنة على الشيخ على الخواص ، وقيل عنه أنه ( كان له طلب غريب )[166] ، وفى طب الأسنان عرف بعضهم بأنه يرقى الضرس المصاب : (رقائين الضروس) ، اى إشتهروا برقى الضروس التالفة ، أو كما قيل : (لأن الإنسان كان اذا وجعه ضرسه يرقونه فيسكن الوجع )[167] . وشاع أنه شفيت امرأة مقعدة على يد أبي بكر السبتي [168] وشفي أحدهم من مرض جلدي عن طريق الشيخ عمر المغربي [169] . ووصلت كرامة بعضهم الى الشفاء بالدعوة المستجابة ، فقد دعا الشيخ المنوفي للأمير بكتم ، وكان مريضا فشفى [170] . وزعموا أن ( رقية ) الحنفي كانت البلسم الشافى لكل من أصابها ( الطلق أوالصداع ) [171] .
2 ــ على ان البلسم الشافي فى إعتقادهم كان الماء الباقي من غُسل الولى الميت ، فيأخذه الناس قبل أن يصل إلى الأرض ليقتسموه في المكاحل في شفاء الرمد [172] ، الى جانب التكحل بتراب القبور المقدسة للأولياء .!!..
التراب كدواء :ــ
1 ــ أشيع بالقاهرة سنة 796 أن امرأة أصابها الرمد ، وأيس منها الأطباء فأمرت في المنام ان تتكحل برماد من سفح جبل المقطم ــ حيث مقابر الأولياء ــ وقيل أنها شفيت بذلك .. يقول المقريزي فلم يبق من الناس إلا من أخذ من الحصى الذي بالجبل واكتحل به ، وعُمل منه في الاثمد وغيره ، حتى أفنوا من ذلك ما لا يقدر )[173] . وهذه الاستجابة السريعة من العصر لا ترجع فقط للاعتقاد في صدق المنام وإنما أيضا لاعتقادهم الثابت في جدوى الاستشفاء بتراب الأضرحة وقبور الأولياء ....
2 ــ والواقع ان التداوي بالتراب المأخوذ من تلك القبور كان معروفا في العصر المملوكي ، حتى أن بعض قبور الأولياء أشيع عنها في العصر المملوكي الشهرة في شفاء المرض مثل قبر ذو النون ، وقبر المنوفي [174]، والعقيلي [175] وقبر الكحال [176] ويبدو أن القبر الأخير اكتسب هذا اللقب لصلته بشفاء امراض العيون . بل ان بعض الأماكن حازت شهرة في هذا المجال برعاية التصوف طبعا فقد اشتهرت بئر في مسجد الرعينى بشفاء الحمى لمن يغتسل منها)[177] ونصح صوفي مريضا بالبطن بأن يستف من تراب القبلة (ففعل فبريء لوقته) [178] كما يقولون ...
التمائم :ـــ
1 ـ راج استعمالها في العصر المملوكي لشفاء الأمراض واتقاء اذى الحشرات كالجراد وقرص الثعابين وطرد البراغيث .
2 ـ وكانت التمائم تحوى آيات قرآنية مع كلمات وحروف وأعداد غير مفهوم العلاقة بينها ، على نسق أصحاب علم الحرف الصوفي. يقول السخاوي الصوفى صاحب ( تحفة الأحباب ) : (بمشهد زيد بن على زين العابدين عمود رخام على يمين الداخل من الأبواب، به أسطر تكتب في ورقة وتوضع على عرق النسا ، يزول بإذن الله تعالى . وهي مجربة. وهذه صورة الأسطر : 1 ح 5 ب 51 ع 155 مرابية ) [179] ويفهم من كلام السخاوي ان تلك التميمة كانت مستعملة ــ او على حد قوله ( مجربة )لمن يقاسي من مرض عرق النسا .
2 ـ على ان هناك تمائم أخرى بنفس الأسلوب تقريبا ، أوردها الدميري فى كتابه ( حياة الحيوان ) ، تفيد ــ في إعتقادهم ـ فى شفاء الأمراض المختلفة ، كالطحال والصداع والأسنان [180] بل وضعت تمائم لطرد البراغيث [181] . وأورد السيوطي تميمة منسوية للخضر للرقية من سُم الثعبان [182] . إلا ان قصيدة البردة للبوصيري كانت أشهر التمائم المكتوبة باعتراف أبي المحاسن [183] ولا تدانيها في الشهرة إلا التميمة التي تحوى أسماء الفقهاء السبعة بالمدينة ، وكانت شهرتها في منع تسوس الحبوب [184]
3 ــ ومن أظرف التمائم تلك التي عرفت ب (حفيظة رمضان) وكانت تكتب فى آخر جمعة من رمضان والخطيب على المنبر يخطب ، وصيغتها (لا . إلاء، إلا . إلا . ولا . ؤل . يا الله. انك سميع عليم محيط به علمك . كسيعلمون . وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ). ومن الطريف ما يحكيه المؤرخ السخاوى عن شيخه المؤرخ ابن حجر ( العسقلانى ) أنه كان يخطب اخر جمعة من رمضان، في جامع عمرو ، فرأى شخصا بدكة المؤذنين يكتبها فانزعج .[185].!
4 ــ ولا يزال أصحاب التمائم يعيشون بيننا في الريف خاصة ، يتمتعون بألقاب المشيخة. وفي الامثال الشعبية قولهم : (خد من عبدالله واتكل على الله )[186]...
الاعتقاد في الجان
1 ــ الاعتقاد في الجان ظاهرة إنسانية عامة . وقد تردد ذكرهم في القرآن الكريم وخصصت باسمهم سورة الجن) ، ورب العزة جل وعلا يذكر إيمان بعضهم بالإسلام ( الأحقاف:29 )، وهم مخلوقات برزخية فى مستوى آخر من الوجود لا نُحسُّ به فى عالمنا المادى . وحين عصى ابليس طرده الله جل وعلا من الملأ الأعلى فصار وأصبح مع ذريته فى المستوى البرزخى للجن :( الكهف :50) .
2 ــ أما ما ينكره الإسلام فهو الاعتقاد في التعامل المادى الحسّى مع الجان على المستوى الحسي وإمكانية الاتصال بهم على نحو ما يشيع بين الناس ، مثلما أشاع الصوفية في العصر المملوكي ، لأن الله جل وعلا حكم علينا بعدم رؤيتهم مع انهم يروننا ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ) (الأعراف: 27).
3 ــ وينكر الإسلام تلك الخرافة الصوفية التى تزعم تشكل الولى بهيئة الجن ـ أو تطور الولى وتجسده ليكون من الجن ، أو ذلك الاختلاط والتماهى بين الجن وبين الأولياء الصوفية ممن يُطلق عليهم ( أصحاب النوبة ) الذين يحرسون الأرض فى زعمهم ، على نحو ما تحدث الشعراني ، [187]. فالشعراني يحتج على منكري وجود أصحاب النوبة ، وهو يخشى منهم ، ويعد من المنن عليه حفظه من تصريفهم فيه (بمرض او سلب حال )[188] ، وأنه يحرص استئذانهم كلما خرج من بيته ليكون في رعايتهم )[189] ، ويتذكر وصية الخواص بالاستعانة عليهم بالله ورسوله [190] . وهذا الاعتقاد فيهم مع الخوف منهم وعدم تحديد تام لشخصياتهم يجعلهم أقرب إلى الكائنات المجهولة أوالجان . واقرأ قول الشعراني يصف حالته حينما مر في أماكن مهجورة (.... وغفلت مرة فأحسست بنفسي أن ورائي تمساح كبير يريد ان يبتلعني ، فالتفت فاذا شخص منهم أشعث الرأس كأن عينيه جمرتان .!) ويقول: ( فلقيني واحد منهم فما كانت روحي إلا زهقت) [191] .
4 ــ ومن ناحية أخرى فالصوفية (أساتذة العصر) افتخر بعضهم باعتقاد الجان فيه وفى الأولياء )[192] ، وخضوع بعضهم للولى كخضوعهم لسليمان [193] . ، وافتخر الشعراني بكثرة اعتقاد الجن فيه [194] ، وألف كتاب : ( كشف الحجاب والران عن وجه أسئلة الجان ) للرد على أسئلة الجن له في التوحيد [195] ، أى جعل الجن تلاميذ له ينهلون من علمه اللدنى . ويتردد في مصادر العصر المملوكي ان بعض الأولياء كان يعلم الجان ويفتيهم [196] ، وفي هذا المجال اشتهر الحنفي حتى ان إحدى مريداته من الجنيات ــ على زعم كتب المناقب ــ طلبت أن تتزوج من صهر الحنفي فأفتى الحنفي بعدم الزواج شرعا إلا أن العريس نزل معها (تحت الأرض) حيث قابل ملك الجان فقال الأخير : لا اعتراض على سيدي محمد (يقصد الشيخ الحنفى ) فيما قال : ثم أمر الجنية بأن تعيد حبيبها على مكانه )[197] . وتابع الشعراني الحنفي فنسب لنفسه مغامرات مع الجان [198] ، واحترف بعض الصوفية استحضار الجان للمصاب بالصرع ، مثل ابن الرداد المعروف بشيخ الجن ( فكان من يعزم عليه ينصرع عمدا ليضحك الحاضرين ، وتكرر ذلك فصار يُعتقد ،وسُمّى شيخ الجن )[199] ...
5 ــ ومن الطبيعي أن ينعكس جهد الصوفية في معتقدات العصر في الجان ووجودهم الحسي حتى ان الشيخ الشبلي ــ وضع كتابا فقهيا بعنوان ( آكام المرجان في أحكام الجان) قص فيه حكايات عن زواج بين الإنس والجن وتسخير الإنس للجن وخوفهم منهم والحروز التي تعصم من كيدهم وتأثير الذكر والأوراد فيهم ودخولهم بدن المصروع وسحرهم للإنسان . الخ [200] وكانت الناس تفسر الأشياء الغريبة والتي تبدو كذلك في ضوء اعتقادهم في الجان [201] . وأشيع عن الجان انها تفر من الأترج .[202]..وصنعت تمائم للحفظ من الجان نسب بعضها للرسول عليه السلام [203] . ويقول ابن الحاج (من أراد أن يحفظ من العين ومن مردة الجان فيعلق الحروز من تحت ثوبه بحيث لا يظهر ..)[204].
6 ــ وتأثرت بعض العادات الاجتماعية بالاعتقاد في الجان ، فالنساء كن يضربن على الأواني النحاسية عند خسوف القمر لإبعاد الجن عنه( 205 ) ، ولا يزال ذلك ساريا .
7 ــ وللجان والعفاريت ذكر في الأمثال الشعبية المصرية [205] .. وحفلات الزار الحالية أثر للاعتقاد في الجان في العصر المملوكي .. والعفاريت فيها خليط من الجن والأولياء التي تركب الإنسان ، وتستعمل في أساليبهم الفاظ صوفية مثل ( دستور يا سيادي ، مدد يا اهل البيت) مع عبارات مختلفة فى التوسل بالأولياء وآل البيت . ثم ان رقص الزار هو إحدى حالات الذكر الصوفي. وتلك الأقاصيص الخرافية عن الجن لا تزال موضع التصديق في مجتمعاتنا الشرقية ، وقد إحتلت مكانها فى ( قصص ألف ليلة) التى تعبر عن المجتمع المصرى فى العصرين المملوكى والعثمانى .
الـســــــحـــــر :ـــ
1ــ تضاءل الفارق بين السحر وانتحال بعضهم إتيان الكرامة كمؤهل لصلاحيته كصوفي معتقد . وقد سجل الجويري في كتابه ( المختار في كشف الأسرار) حيلهم ، فكان يذكر الكرامة ثم يتبعها بكشف التحايل فيها ، مثل عدم احتراق أحدهم في النار ونبع الماء من بين أصبعه وبقائه بلا طعام او شراب مدة طويلة وغير ذلك مما ذكره مفصلا [206].. واكتشف ابن تيمية حيل الأحمدية في دخولهم النار وفضحهم امام الحاكم [207] .
2 ــ والقرآن الكريم ينفى عمل السحر ، ويؤكد أنه تخيُّل ممن يصدق الساحر ، وقد قال جل وعلا عن موسى وسحرة فرعون: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ) )طه :66) ، ( فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ )الأعراف 116 ) ، أى أن رصيد السحر والانتحال للكرامات في العصر المملوكي يكمن فقط في اعتقاد الناس فيهما.
3 ــ وبازدياد الاعتقاد في السحر فسرت الأشياء التي لا يفهمها الناس ــ او لا يستطيعون تعليلها ــ على انها سحر ( .. فكان يقع من ابن البرهان عجائب فيظن ان له رئيا من الجن يخبره ..) [208] وفي إحدى الفتن اشتهر الامير ( يلبغا المجنون ) بأن السهام لا تصيبه ، (واختلف الناس في امره ، فمنهم من يقول كان معه هيكل منيع ، ومنهم من يقول كان يتحوط بأدعية عظيمة ، ومنهم من يقول كان ساحرا) [209]..
4ــ وما لبثت الأشياء العادية أن فسرت بالسحر أيضا فقيل أن محمد ابن جقمق مرض ومات بالسحر ) [210] وقال نفس الشيء عن الاتابكي ازبك بن ططح ) [211].
5ــ وسار الاعتقاد في السحر باضطراد يواكب انتشار التصوف المضطرد، ونلحظ ذلك في اقوال ابن اياس عن مقتل الأمير المملوكى قرقماس ق 842 : (أن الضربات كانت تطيش ولا تصيب من قرقماس ، لأنه كان في فمه خاتم مرصود، أخرجوه من فمه ، وقتلوه ) [212] . وهذا يخالف ما ذكره من عاصر مقتل قرقماس من المؤرخين ، وما سجلوه عن مقتله كالمقريزى فى (السلوك ) وابو المحاسن فى ( النجوم الزاهرة ) [213] ، ومعنى ذلك ان ابن اياس المؤرخ في آخر العصر المموكي قد تأثر بما شاع في عصره من خرافات زادت حتى طغت على الحقيقة التي كتبها المؤرخون المعاصرون انفسهم . وابن اياس خير من يعبر عن عقلية هذه الفترة وتأثرها بالتصوف ..
6ـ وساد الاعتقاد فيما أطلقوا عليه ( إسم الله الأعظم ) الذى كان عندهم تميمة سحرية تعادل ( كن فيكون ) ، وكان العثور على (اسم الله الأعظم) قمة امنيات الساحر ، فبه يحقق كل اغراضه . و(اسم الله الأعظم) اختراع صوفي عرف منذ بداية التصوف، وتردد في كتب الصوفية فى محاولة العثور عليه لتحقيق المطالب والحصول على الكنوز الأثرية المدفونة [214]... وادعى كثير من الصوفية معرفة الاسم الأعظم وكان اغلبهم من أدعياء علم الغيب او الكشف كابن زقاعة [215] والنعمان [216] والأشمركاني [217] ، وافتخر الشعراني بانه اطلع على الاسم الأعظم عن طريق الكشف . [218] وعن هذه الصلة بين التصوف المملوكي والسحر ترسخ الاعتقاد في السحر كحقيقة حتى ان فقيها قاضيا استغل قوة الاعتقاد في السحر ــ ليحكم بقتل شخص بحجة أنه ساحر حلال الدم [219]..
والظريف ان الوزير عبد الباسط اتهم في محنته بأن معه الإسم الأعظم وأنه (يسحر السلطان لأنه كلما أراد عقوبته صرف السلطان عن ذلك ، ووجدت في عمامة عبد الباسط أوراق فيها ادعية ونحوها كما أشيع ) [220]..بهذا فسر العصر المملوكي محنة الوزير عبد الباسط مع أن تلك المحن كانت شيئا عاديا وقتها .
8ــ ومن الطبيعي أن يستهوي السحر عقول النساء في العصر المملوكي ، والحريم السلطاني على وجه الخصوص حيث مكائد النسوة لا تنتهي . فقيل ان والدة الناصر فرج زوجة السلطان برقوق قد سحرتها جارية من جواريها ، فقتلت الجارية وقتل نصراني اتهم بالتعاون معها .. )[221] وطلق السلطان جقمق زوجته لاتهامها بانها سحرت حظيته سرباي )[222] وفي هذا الجو مارست النساء السحر كصناعة للتكسب )[223] بل إن المقريزي ــ مع علو ثقافته بالنسبة لمعاصريه ــ ذكر كيفية معينة يمكن بها للمرأة ان تمنع المطر )[224] ..
9ــ واستمر الاعتقاد في السحر بعد العصر المملوكي فقال كلوت بك : ( ومسلمو مصر يعتقدون أن بإلامكان القيام بالإجراءات السحرية بحسب مبادئ الخير والشر ، وتسمى نظريتهم في الحالة الأولى بالعلم الروحاني وفي الحالة الثانية بالعلم الشيطاني )[225] . وهو هنا يفرق بين انتحال الكرامة وادعاء السحر . ونحن بهذا نصل آخر الموضوع بأوله.
الاعتقاد فى التفاؤل والتشاؤم
1 ــ التفاؤل والتشاؤم ظاهرة إنسانية توجد لدى بعض الأفراد ، وفى كل الشعوب . ولكن تحكم التصوف فى العصر المملوكى حوّل هذه الظاهرة العادية من ( تفاؤل ) بمعنى الشعور بالفرح والتشاؤم بمعنى الشعور بالانقباض الى الاعتقاد فى جدوى التفاؤل والتشاؤم فى التوقع بحدوث شىء مفرح أوشىء مكروه . وبسبب قسوة الحكم المملوكى وبطشه وكثرة الفتن العسكرية فيه والتنازع المستمر بين المماليك كان توقع السوء هو السائد ، فقلّ الشعور بالتفاؤل ، وساد الشعور بالتشاؤم ، وأصبح الحدث العادى منذرا بشر قادم . وعمّ هذا فى أواخر العصر المملوكى الى درجة انهم تشاءموا من لفظ التشاؤم نفسه، فعبروا عنه بلفظ التفاؤل ، فأضحى لفظ (تفاءل) معبرا عن المعنيين المتناقضين، ويُفهم المعنى بالقرينة .
2 ـ والواقع ان جدوى الاعتقاد فى التفاؤل والتشاؤم يتبع من من نشر التصوف للكشف ، أو العلم بالغيب الذى جعله التصوف مُباحا لكل من هبّ ودب ، كاشهر مجال للكرامات . ولهذا فقد سار الاعتقاد فى التفاؤل والتشاؤم فى ركاب التصوف فى العصر المملوكي ، وإزدهر بإزدياد سطوة التصوف طرديا . ومقارنة سريعة بين كتابات المقريزي وابن اياس تظهر تأثر ابن إياس أكثر من سابقه بالاعتقاد فى التفاؤل والتشاؤم . فالمقريزي مثلا يعلق على وباء الفئران الذي أهلك المحاصيل سنة 842 بقوله (وعندي ان هذا منذر بحادث ينتظر ...)[226]..أما في أواخر العصر فقد عمت هذه الظاهرة إلى درجة والمصريون في نهاية العصر كانوا (يتفاءلون) بأي شيء ، أى يتشاءمون من أى شىء ، ويتوقعون الشّر من أى شىء . وابن إياس اكبر من يعبر عن هذه الحقيقة حتى في الحوادث العادية [227] ، مثل سقوط رداء الخطيب على الأرض [228] وتوجه السلطان للمقياس، وزغردة النساء له في موكبه .[229] ..
3 ــ مظاهر التفاؤل والتشاؤم عديدة في العصر المملوكى، أبرزها ما كان متصلا بالسلاطين والأمراء حيث كان المستقبل السياسي غامضا في حكم عسكري يحكم فيه الأقوى عدة والأكثر دهاءا ومكرا . فإذا صكّ السلطان عملة نقدية وجعل اسمه بها في دائرة ( تفاءل الناس بأنه ستدور عليه الدوائر ويسجن) هذا ما كتبه المقريزى ، وأسهب ابن اياس في التعليق على هذه الحادثة بما يعبر عن عقليته وعصره مع انه لم يشهدها بنفسه وإنما نقلها عن المقريزي وكتبها في تاريخه [230]. وخسوف القمر ظاهرة عادية ، ولكن لحقها التشاؤم ، ولما خسف القمر يقول ابن إياس أنه ( "تفاءل " الناس بزوال السلطان لا سيما أن كان مريضا )[231]. و(تفاءل ) هنا بمعنى ( تشاءم ). وعندما سقطت منارة جامع السلطان حسن( لهجت العامة بزوال الدولة )[235] ...
5 ــ وفى الفتن التى كانت تحتدم بين السلطان والأمراء الطموحين كان (للتفاؤل) مظاهر جمة مثل ( حرق مهام السلطنة ) [236] إذ يعتبرونه (فألا) بالهزيمة ، أى تشاؤما بهزيمته وإرهاصا بها .. وحين زحف منطاش لحرب برقوق وقع من على فرسه ( فتفاءل الناس له بعدم النصرة ) [237]..أى تشاءموا من ذلك وتنبأوا بهزيمته . وحدث نفس الشيء للناصر فرج حين قتل بعض غلمانه . اما الثائرون عليه فقد رفع روحهم المعنوية ان قرأ لهم الامام في الصلاة آية ( وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ ).الأنفال : 26) [238] . وفي فتنة السلطان قرقماس مع السلطان جقمق (تفاءلوا) له بالهزيمة لأنه (كشف رأسه وهتف بنصرة الحق ، وتأكدت الطيرة عليه بسقوط درقته عن كتفه إلى الأرض ) [239]. ونفس الحال تقريبا للغوري حين تأهب لحرب العثمانيين فسقط هلال القبة الذي على رأسه وانكسر نصفين )[240]..
6 ــ ومن الطريف أنه حين ذهب الغوري للشام للقاء السلطان سليم العثمانى في تلك الحرب التى انهزم فيها الغورى وقتل ـ توقف الغورى فى دمشق ، وذهب المؤرخ ابن طولون للقائه مع جماعة صوفية ، وأرادوا تحية الغورى فاصطحبوا معهم مجموعة من القُرّاء العميان ليقرأوا له القرآن تبركا ، يقول المؤرخ ابن طولون (... فلما وصلوا إلى قربه وجلس الأضراء ــ جمع ضرير ــ يقرأون القرآن له فأمر مماليكه فضربوهم بالعصي ، وقالوا لهم : عندنا ميت حتى تيجوا تقرون عليه ....) [241] والذي لم يفهمه ابن طولون أن الغوري ومماليكه تشاءموا من قراءة الصوفية للقرآن له وهو في طريقه للحرب وإعتبروا ذلك ( تفاؤلا ) بموت الغورى , أى ( تفاؤلوا بموت السلطان )، ولذا غضب الغورى وغضب أمراؤه. ويدل على أن المصريين كانوا أكثر إحساسا من السوريين بالأعتقاد فى التفاؤل والتشاؤم ...
7ــ وفي الحياة اليومية كان للتفاؤل والتشاؤم مظاهر جمة .. فقد شاع في العصر مثلا أن ( البلاء موكل بالمنطق )[242] أي ان الإنسان ينطق في حديثه بكلمة او شعر أو غير ذلك فيتحقق وقوعه ويعتبر ذلك من الكشف الصوفي أبيح للأخرين ....وعرف الناس أيام السعد وضدها فيوم رابع عشرين من الأيام السبعة المكروهة عند الناس في العصر المملوكي [243] ، وظل هذا الى عصر محمد على وذكره كلوت بك [244] .... وكان الناس يتركون تنظيف البيت وكنسه اذا سافر احدهم (ويقولون ان ذلك ان فُعل لا يرجع المسافر ) [245]..
7 ــ وكان اظهر مما تشاءم به العصر المملوكي هو خروج الميت يوم السبت او دخوله القاهرة من احد أبوابها يوم السبت ، ويعتقدون ان هذا يعنى موت شخص آخر أكبر من نفس البيت . يقول أبو المحاسن (وقد عهدت الناس يتشاءمون بدخول ميت من احد أبواب القاهرة ) [246].. وقد دخلوا بنعش محمد بن جقمق من باب زويلة فتشاءم العوام بذلك )[247]. وبسبب هذا كان عزل ابن الديري كاتب السر ، لأن ربيبة السلطان ماتت واخرجت من القلعة يوم السبت ، فقال ابن الديري : (هذه الميتة قد خرجت من القلعة يوم السبت ولابد أن يعقبها أحد كبير واظنه السلطان ) فاغتاظ السلطان وقال له : ( يا قاضي في أي حديث ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت اذا خرج من عند أحد يوم السبت يعقبه أحد كبير ) وعزله [248]..
5ــ وتعكس الأمثال الشعبية في العصر المملوكي هذا ، فتقول (أي موضع راح الحزين يلقى جنازة) (اذا كان القطن أحمر والمغسل أعور والدكة مخلعة والنعش مكسر اعلم ان الميت من اهل سقر والوادي الأحمر ) (صباح الفوال ولا صباح العطار) ( صباحك ياعور قال دي خناقة بايتة.! ) (فرحت حزينة خربت مدينة.! ) [249]..
الاعتقاد فى التنجيم والاستخارة
مدخل
1 ــ مع شغف الانسان بمعرفة ما يخبىء له المستقبل نظر الى النجوم يتحسسها بعينيه باحثا عن غيب المستقبل ، فعرفت البشرية ( التنجيم ) نسبة الى النجوم ، و( الأبراج ) نسبة لأبراج النجوم . ولا يزال حتى الآن تقسيم للبشر حسب (الأبراج ) من برج الحمل والثور الى برج العقرب والدلو . وهناك المفتونون بهذه الأبراج ، وهناك باب فى الصحف يتخصص فيه أفاقون من الصحفيين يكتبون أكاذيب لأصحاب برج الحمل وبرج الثور وبرج الحمار .!!.
2 ــ هذا شىء عادى . ولكن الذى ليس عاديا أن يتحول التنجيم الى عقيدة إجتماعية ليست مقصورة على المنجمين ، بل يمارسها الشعب بطرق مختلفة ، ومن خلالها يفسر ما يحدث حتى من أمور إعتيادية مألوفة ومعروفة . هذا ما حدث فى العصر المملوكى حين إجتاحه وباء التصوف .
3 ــ فمن من أساسيات الدين الأرضى إسناد علم الغيب للآلهة المعبودة ، وتنضح كتب الصوفية بإسناد كتب الغيب إلى اوليائهم، وتلك ظاهرة عامة في التصوف تجافي الإسلام، فخاتم المرسلين نفسه لم يكن يعلم الغيب (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) الأعراف ) (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (9) الاحقاف 9 ) (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ ) (50) الأنعام ). ويقول جل وعلا (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ) الجن : 26 ، 27 ) . (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ .) آل عمران :179).
4 ــ وكانت العادة فى الجاهلية إرتباط الأزلام بالقبور المقدسة والاحتفالات الدينية عندها ، والأزلام هى الزعم بعلم الغيب . وكل ذلك رجس من عمل الشيطان يأمر الله جل وعلا المؤمنين باجتنابه : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (91) المائدة ). إلا أن العصر المملوكي اعتقد صدق ادعاء الصوفية بعلم الغيب حتى أصبح من أهم مؤهلات الولاية ... وعلى هامش هذا الإفك راج الاعتقاد فى التنجيم واستعمال الاستخارة . وسبق بحث دور التنجيم فى الأثر السياسي. ونصل الى التنجيم كمعتقد اجتماعي .
الاستخارة بالمصحف
1 ـ إخترع السنيون صلاة الاستخارة نوعا من مناشدة الوحى ليكتشفوا بها أى طريق يسلكون وأى قرار يتخذون . وليس فى الاسلام صلاة إستخارة . بل إن لفظ ( إستخارة ) لم يرد فى القرآن الكريم ، ولم يحدث فى قصص النبى محمد عليه السلام فى القرآن الكريم أنه إستخار بالصلاة ركعتين ، أو غير ذلك ، بل أمره ربه جل وعلا أن يستشير فى الأمر ثم إذا عزم على التنفيذ فليتوكل على الله . وحتى فى السيرة المصنوعة التى كتبها ابن اسحاق ليس فيها انه صلى ركعتى الاستخارة. وفى قصص الأنبياء فى القرآن ، وقد تعرضوا لمواقف شتى لم يرد أن أحدهم (إستخار ) وعلى سبيل المثال قصة موسى وقصة يوسف وقصة ابراهيم ، وما مروا به من محن ومشاقّ . الذى فى الاسلام هو التفكر والتعقل والتفقه ثم إتخاذ القرار بناء على ما نسميه بدراسة الجدوى والتنفيذ متوكلا على الله جل وعلا . وبالتوكل على الله يكون الدعا"> 2 ــ ومن الطريف ما ذكره المؤرخان ابن حجر العسقلانى والسخاوى ان الشيخ الأبناسى رفض منصب القضاء ، والسبب أنه استخار المصحف فخرج له ( قال رب السجن احب إلى مما يدعونني إليه) فأطبق المصحف وهرب الى منية السيرج واختفى فيها اياما حتى ولوا غيره، وعاد بعدها . وقد كان صوفيا معتقدا [251] .
3 ــ وعرضت الاستادارية على ابن نصر الله (وألحوا عليه فأمهلهم للاستخارة )[252] ...
التنجيم بصلاة الاستخارة
وكان لصلاة الاستخارة هواتها المعتقدون فيها ، مع إضافة بعض التعديلات الوثنية الصوفية . المستخير هنا هو الأمير قرقماس سىء الحظ.!. كان قرقماس واليا على الشام ، وفى الفتنة التى حدثت بين الأميرين شيخ ونوروز المتحكمين فى السلطة المملوكية كان قرقماس واليا على الشام . وكان على الأمير قرقماس تحديد موقفه ؛ هل ينحاز الى الأمير شيخ الذى ولّاه الشام أم الى خصمه القوى الأمير نوروز ، أم يستقل بالشام . وتردد قرقماس فقال له رفيقه ابن العطار (ان معي لوحا دفعه لى الشيخ نصر الجلالي ، من خاصته انه من أراد امرا يعلقه امامه في القبلة ، ثم يصلي ركعتي الاستخارة ، ويدعو ، فإذا انتهى يجد من يدفعه على إحدى جهتي اليمين او اليسار ، فأي الجهتين دفع إليهما فالخيرة )[253] .وانتهى الأمر بهزيمة قرقماس ومقتله ، وما أغنت عنه إستخارته شيئا .
التنجيم بظهور ( نجم ) أو كوكب فى السماء
1 ــ وكان ظهور نجم أو كوكب في السماء مثيرا للتنبؤات ، ففي ليلة مولد الناصر محمد بن قلاوون سنة 684 ظهر كوكب عظيم له ثلاث ذوائب طوال ، فأخبر بعض المنجمين أنه يدل على مولد سلطان تطول مدته [254] . وظهر هذا الكوكب سنة 783 ... أي بعد قرن تقريبا فعد ظهوره دليلا على قتل ملك من الملوك أو ظهور الطاعون . وفسره ابن اياس فيما بعد بانقراض دولة بني قلاوون واستيلاء الجراكسة يقول عن هذا الكوكب: ( وفي الغالب يحدث عقيب ظهور هذا الكوكب الزلازل والخسوف وكثرة الأهوال )[255]..
2 ــ وظهر كوكب أخر شبيه بالقمر في نوره ، وتصادف وقتها أن وقع ( فيل ) في القنطرة فمات الفيل ، فربط الناس بين ظهور هذا الكوكب ووقوع الفيل فى القنطرة . وقال أحد الزجّالين ( الشعراء الشعبيين ):
لما ظهر في أول شعبان أخر رجب
لاحت لنا فيه نجمة لها فيه ذنب
فقالت العالم بأجمع ذا له سبب
وايش في دلايل ذي الكوكب باين دره
دلت على موت هذا الفيل في القنطرة ) [256]
وظهر نجم عام 860 وزاد الكلام بسببه حسب تعبير المؤرخ ابن اياس [257] ، وقال المؤرخ أبو المحاسن عن نجم آخر ظهر سنة 890 : (ونسأل الله ان يكفينا شره )[258]..
الاعتقاد فى المنجمين
1 ــ وفي عصر كهذا تمتع المنجمون بالثقة مهما كذبهم الواقع ، وكانت النساء أكثر الطوائف اعتقادا في المنجمين ، فتسلط عليهن الدجالون باسم التنجيم ، فأمر السلطان سنة 733 باعتقال المنجمين وضربهم (لإفسادهم حال النساء) [259]..ولولا هذا ما تعرض لهم السلطان.
2 ــ وتعرض بعض المنجمين لنقمة السلطان اذا اخطأ كما حدث حين زعم بعض المنجمين كسوف الشمس ( فوجم بعض الناس، فلما لم يكن من أمر الكسوف كبير شيء طلب السلطان طائفة ممن ينتحل هذا الفن وأنكر عليهم وهددهم . [260] . ومع ذلك فالثقة فيهم كانت القاعدة ، حتى ان بعضهم اشتهر بالتكسب بالتنجيم ، كابن الفألاتي الفقيه واخوته (والفألاتي هو الذي يقرأ الفأل والطالع ) [261]...
3 ــ ومظاهر الثقة في المنجمين كثيرة ، حتى أن المقريزي مع ثقافته عقد في الخطط فصلا كاملا لذكر ما قيل في مدة بقاء القاهرة ووقت خرابها. [262] .. ومن الطريف أنه بلغ من اعتقاد السلطان الغوري في صدق المنجمين أنه صدقهم حين قالوا له أن من سيلى السلطنة بعده يبدأ إسمه بحرف (س )، فاعتقد الغورى أنه الأمير ( سيباى ) نائبه على الشام ، وشكّ فيه ، وحتى يأمن شره أرغمه على أن يصهر اليه . [263] . وقد تنبأ بعض المنجمين بهزيمة الغوري فقال ابن طولون معقبا (.... فالله يحسن العاقبة ) [264] أي انه كان يعتقد في التنجيم .
4 ـ وبسبب هذه الثقة كان المنجمون يدلون بآرائهم في الحوادث السياسية والطبيعية ويربطون بينها معتمدين على فهم الإطار العام للسياسة المملوكية القائم على الفتن خصوصا في بداية تولى السلطان للأمر وإشرافه على الموت . ومن ذلك ان الشمس كسفت في بداية ولاية جقمق فزعموا أن ذلك يدل على ( خروج الشام والصعيد عن طاعة السلطان ...) [265]..
كذب المنجمون ولو صدقوا
1ــ وفطن البعض إلى حيل المنجمين وخطئهم [266] ، وعاصر المؤرخون تنبؤات فاشلة للمنجمين ، وعلقوا عليها، كل منهم حسب عقليته ، يقول الفقيه المؤرخ برهان الدين البقاعي عن حادثة من هذا النوع: ( .. فكان ذلك منه تكذيبا لأهل النجوم فلعنة على من يصدقهم )[267] ... أما ابن اياس الذى كان يعكس عقلية المجتمع المصرى فى أواخر العصر المملوكى فيقول : ( أخبر المنجمون بوقوع كسوف الشمس فلم يقع ...فتعجب الناس من ذلك )( تاريخ ابن اياس 2 / 138 ) حوادث عام 834 ).
2 ـ وقد كان أبو المحاسن شديدا على كذبة المنجمين إلى درجة السباب حين يعلق على نبؤة لم تتحقق ؛ فقد كان ابن زقاعة الصوفي المنجم مستشارا للناصر فرج في حربه الأخيرة، فتسبب هلاكه . يقول فيه أبو المحاسن : (.. فلعمري هل رجع الشيخ برهان الدين بن زقاعة المذكور بعد ذلك عن معرفة هذا العلم أم استمر على دعواه .؟ وأنا اتعجب من وقاحة أرباب هذا الشأن حيث يقع لهم مثل هذا الغلط الفاحش وأمثاله، ثم يعودون للكلام فيه والعمل به )[268] ، وتكرر مثل ذلك من أبي المحاسن في مواضع أخرى من كتبه [269].. إلا انه ابن مخلص لعصره، ففي انكاره على المنجمين ينكر عليهم ان يتساووا بالأولياء في معرفة الغيب...[270]..
صدق المنجمون ولو كذبوا .!!!
وسبق قول ابن أياس عن خطأ ظاهر للمنجمين (أخبر المنجمون بوقوع كسوف الشمس فلم يقع) ... فتعحب الناس من ذلك )[271].. كما لو كان غريبا أن يخطيء منجم ...
هذا .... وتردد في كتابات المؤرخين في وصفهم للسلاطين والأمراء أن طوالعه سعيدة أو ان هذا من جملة سعده .... الخ )[272] وقد قرروا مثلا بالنسبة للسلطان برسباي أن (سعده لا يحصل إلا وهو بقلعة الجبل ، وحيثما تحرك بنفسه بطل سعده ..)[273] يعنون بذلك نجاحه ... والمهم أن رؤيتهم السياسية للأحداث تلونت بهذا اللون...
والسعد أو الحظ أو البخت له اعتبار ـ وأى اعتبار.!! ــ في التفكير المصري ..عكسته الأمثال الشعبية[274]. بما يخرج عن موضوعنا .
خامسا :
أثر التصوف في العادات الاجتماعية فى مصر المملوكية
مدخل :ــ
1 ـ لكل شعب عاداته الاجتماعية الخاصة به . وتشترك الشعوب في عادات إنسانية اجتماعية تصدر إما عن نوازع دينية كإحياء الذكرى لمعان دينية او أشخاص دينيين أو عن نواح إنسانية عامة، ولكن يلحقها التخصيص وإضفاء الطابع القوي او المحلي ، كما في العادات السائدة في كل مجتمع التى تظهر فى الزى ، وتصاحب المأكل والموت والولادة .
2 ـ والشعب المصري في العصر المملوكي كانت له عاداته الاجتماعية المتعددة أبرزها ما نبحثه في هذا الفصل. ويلاحظ انه يمكن تقسيمها إلى عادات دينية اكتسبت الطابع الاجتماعي تأثرا مباشرا بالتصوف كما في عادات الموالد وزيارة القبور ، أوالتأثر غير المباشر كما في الزي والألقاب والولائم ، وما استحدثه الصوفية وغيره كعادة شرب القهوة وغيرها .
3 ــ ومن الناحية الاجتماعية ـ وليس الدينية ـ فلم تخل بعض تلك العادات من فائدة ، ففى ( الموالد) فرقت الصدقات ومدت الموائد والولائم ، فأكل منها بعض المحرومين ( بالإضافة للمتخمين الصوفية ) ، وفي (موالد الأولياء) نشطت التجارة ونفقت السلع وحدث التعارف وربما المصاهرات ، ورُزق (المداحون )(بالنقوط) ، وتمتع الصوفية من الفقراء بعادة ( الولائم ) التي أقامها السلاطين ، واتخذ بعض أبناء السبيل من المؤسسات الدينية الصوفية مأوى ، وانتشرت عادة (النوم في الجوامع) التي لا تزال حية بيننا ، وعرف المصريون والمسلمون ثم العالم ــ القهوة وهي اكتشاف صوفي لا بأس به بالغ البعض في (اعتيادها) حتى بلغ درجة (الإدمان)...ونبدأ بالموالد التى صيرها التصوف عادة إجتماعية .
الموالد
مولد النبي عليه السلام
1ــ كان الاحتفال بمولد النبي ظاهرة اجتماعية دينية سجلتها الحوليات المملوكية في تاريخها لشهر ربيع الأول ، وتابعتها المؤلفات التي كتبت في سلطان معين. [275].. على أن ذلك الاهتمام بالمولد النبوي الرسمى الذي يقيمه السلطان في القلعة ليس معناه أن الناس اهملوا الاحتفال بالمولد النبوى ، بل كانوا (يعملونه ) (بالمغاني للفرح والسرور)[276] ، ويقول السخاوى المؤرخ : ( ولا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده صلى الله عليه وسلم ، ويعملون الولائم لذلك ، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرات ، ويعنون بقراءة مولده الكريم) [277] . وكان الشيخ نجم الدين بن عبود (يعمل كل سنة مولد النبي وينفق فيه أموالا عظيمة في الأطعمة، وتهاديه في ذلك جميع الأكابر ويحضروا عنده ...)[279].. وكان الأمراء والمماليك يقيمون حفلات خاصة بهذه المناسبة يدعون إليها مشاهير الأولياء [280] فيه ...
وقد نتج عن اهتمام الأولياء الصوفية بإقامة الموالد النبوية أن نسبت إليهم ، فالشيخ الصوفى يعمل مولد النبى ، ويعتاد على ذلك ، فينسب اليه هذا المولد فيقال ( مولد الشيخ فلان ). وبالتدريج اكتسبت موالدهم صفة الاستقلال عن المولد النبوي، وان تزاحموا على عقدها في شهر ربيع الأول . ثم لقد كان للصوفية أسبابهم القوية لعقد موالد خاصة بأوليائهم على نسق الموالد النبوية.
موالد الأولياء ...
ــ كان من الطبيعي أن يصحب الانتشار الصوفي والاعتقاد في الأولياء احياء الموالد في مكان قبر الولي وإحياء ذكراه ، بصرف النظر عن رعاية اليوم الذي ولد فيه صاحب المولد بالضبط ، لأن غالبية الأولياء لم يعرف تاريخ ميلادهم بالدقة ، هذا إلى أنه كان لبعض أولئك الأولياء أكثر من مولد في السنة كالبدوي الذي كانت له ثلاثة موالد [281] لجلب أكبر قدر من الروّاد والنذور.
مولد البدوي :ـــ
1 ــ ابتدأ حين انحدر المصريون إلى طنطا للتعزية في وفاة البدوي ، واتخذ خليفته عبدالعال من حضورهم شاهدا على مكانة شيخه من نفوسهم ، فجعل ذلك الموعد مجمعا لهم في كل عام ، وانقلب ( مولد البدوي) ليكون ميدانا يتبارى فيه شيوخ المتصوفة بوفرة اتباعهم وهداياهم . واتخذ الفلاح المصري وقتها من المولد مناسبة للترويح [282] . وعرف ذلك بالمولد الكبير . واما المولد الصغير فيرجع نشأته إلى قدوم الشيخ الشرنبلابي للزيارة مع أتباعه في غير وقت المولد وأقام في طنطا عدة ليال فاتخذت عادة سنوية ، وأما المولد الرجبى نسبه إلى الشيخ الرجبى أحد المشايخ الأحمدية ، وكان قد خطر له أن يجدد عمامة مقام البدوي فاستحضرها في جمع هائل على طنطا فصار ذلك عادة... )[283] ، وهكذا صار للبدوي ثلاثة موالد شهيرة لا تفوقها شهرة غير موسم الحج للبيت الحرام .
2 ــ وأحاطت الأساطير بمولد البدوي داعية الناس للقدوم ومهددة المنكرين على المولد ، حتى أصبح مولد البدوي من اهم المناسبات في العصر المملوكي، يقول عنه الشعرانى معبرا عن إعتقاد عصره : ( يحضره الرسول عليه السلام وجموع الأولياء ، المتوفين والأحياء . وقد كان الشيخ محمد السروى يحضره سنويا ،فمرض في سنة ولم يستطع الحضور، فقال لخادمه : احملني وضعني على طريق الناس الذين حضروا المولد . ففعل الخادم ذلك ، فصار يمسح وجهه بثيابهم ويتبرك بذلك )[284]..
موالد أخرى :
1 ــ كان مولد الدسوقي يتبع المولد الأحمدي وهو أقل منه ..[285] ويذكر حسن شمة مولدين للدسوقي . ويذكر على مبارك موالد في الشهور القبلية (برمودة وطوبة ومسرى) على التعاقب يستمر آخرها ثمانية أيام [286] .
2 ــ وأقيمت موالد لأولياء أخرين : فكان للشيخ مدين الأشموني مولد كبير يعمل له كل سنة)[287] . وكان الشيخ على المليجي معاصرا للبدوي ومولده يعمل كل سنة قبل مولد البدوي بجمعة [288] . أما عمر الشناوي الأشعث من أصحاب البدوي ، ( فيعمل له مولد عظيم كل سنة قبل مولد البدوي بيومين فقط [289] .
3 ــ ويقول الشعراني : (أخذ علينا العهود ألا نفتح على أنفسنا باب المشي إلى الولائم والموالد إلا ان تكون عملت على اسم احد من الاولياء المكملين. ومن الأولياء المكملين الشافعي والليث وذو النون المصري والبدوي والدسوقي ونحوهم . فان هؤلاء بركة من هذا الوجود ) [290].. أي أن الموالد عقدت لشخصيات توفيت قبل العصر المملوكي كالشافعي والليث (ولم يكونوا صوفية) وذى النون المصري، وهو من رواد التصوف فى القرن الثالث. ....
4 ــ بل ان قايتباي رسم بعمل مولد للسيدة نفيسة ، وحضره الخليفة العباسى والقضاة الأربعة وأعيان الناس وأمراء البلد قاطبة ،ومدّ هناك اسمطة حافلة ، وهو اول من أحدث هذا المولد بالمشهد الشريف . وذكر ابن اياس إنعقاده في السنة التالية . [291] .
5 ــ ولقد شارك المماليك في موالد الأولياء ، فأراد السلطان الشاب محمد بن قايتباي ــ وكان مشهورا بالخفة والطيش ــ حضور مولد البدوي فلم يمكنه الأمراء من ذلك . [292] ..
وقد حضر هذا السلطان مولد إسماعيل الأنبابي وشق البحر في مركب ومعه جماعة من العوام يغنون وكانت من الليالي المشهورة [293] . وفي سنة 866 خرجت الأميرة خوند شكرباي الأحمدية لزيارة البدوي فى مولده ، وكانت زوجة السلطان خشقدم ، وكانت تعتقد فى السيد البدوى وتؤمن به ، ولهذا نُسبت اليه: ( شكرباى الأحمدية ) . فخرجت في (محفّة زركش ، وحولها الطواشية وأعيان الناس، فزارت ورجعت ، ولم يقع هذا لأحد من الخوندات قبلها ).. وبعد وفاتها عمل السلطان خشقدم لها مولدا ، بعد عمل المولد النبوى ، وكرر ذلك في السنة التالية [294] ..
6 ــ وكان من مظاهر اعتقاد المماليك في ولي ما أن يقيموا له مولدا . وافتخر الشعراني بشيخه الخواص الذي رفض أن يعمل له احد من الأمراء مولدا [295] .. ذلك أن نهاية العصر المملوكي حفلت بكثرة من الأولياء تكالبوا فيها بينهم على أموال الأمراء بحجة عمل الموالد حتى يسافر أحدهم (البلاد فيجمع الآت طعام المولد من أموال الولاة والظلمة ثم يدعو الناس إليه )[296] .. ويدعو الأمراء إلى مولده افتخارا وبهاء )[297]..
7 ــ ولقد ارتبطت بالموالد عادات اجتماعية مثل النقوط ، أى الهدايا المالية والعينية ، فأحدهم يقيم مولدا لأن ( له فضة عند الناس متفرقة كان قد أعطاها في بعض الأفراح والمواسم ، ويريد أن يستردها فيعمل المولد حتى يكون ذلك سببا ).. ولا يزال هذا ساريا فى حفلات الزفاف . وقد كان النقوط واجبا مرعيا في الموالد ، حتى أن بعض أصحاب الشعراني كانوا يتهربون منه إذا سمعوا بعزمه على عمل مولد ، وقد فضلهم الشعراني على (من يحضر ويصير بنقوط المداحين بالفشافش والفلوس رياءا له)..( الفشافش والفلوس ) هى العملات النحاسية الزهيدة ، والتى هى لا شىء بالمقارنة بالعملات الفضية ( الدراهم ) والذهبية ( الدينار ) . والشعرانى كان يتضايق من أولئك الذين يعطون النقود بالملاليم للمنشدين ، ويلفتون لهم الأنظار . وكانت النقطة تقدم (لمداحي الصوفية أو المغاني بالرقص والسرور بالطار المصرصر والشبابة وغير ذلك )[298] ...
8 ــ وقد يتورع أحدهم فيقيم المولد بالقراء والفقراء والذاكرين او بقراءة البخاري تدينا ، مما يضجر السامعين ومحبي اللهو (فيتقلقون منه لكونه طوّل عليهم ولا يسكت ، حتى يشتغلوا بما يحبونه من اللهو ).
9 ـت ويقول ابن الحاج مستنكرا موالد الشيخات ، فقد كانت النساء الشيخات يعقدن موالد خاصة بهن ــ وأن كان الرجال يطلعون عليهن من الطاقات ، وتذهب النساء (متزينات للشيخة التي تدخل نفسها في تفسير القرآن وتحكي لهن قصص الأنبياء ، وتزيد وتنقص ، وليس ثمة من يردها أو يرشدها )[299] ..
10 ــ وعقدت الموالد عادة إلى جانب المؤسسات الصوفية . وقد حذر الخواص من عمل الموالد في المساجد لكثرة تقذيرها من ذلك )[300] وقد يقام المولد في المقابر فيقع الضرر على الحاضرين الأحياء (ولمن فيه من الأموات )[301] ..
ولقد كانت الموالد فرصة لعقد القرآن والزواج حيث اختلط مفهوم المولد بوليمة العرس في حديث الشعراني )[302] .. هذا إلى جانب أنه في الموالد العامة خاصة ــ كان يتم التعارف بين العائلات والأفراد فأدى ذلك للمصاهرات والا انطبق عليهم ذلك المثل الشعبي المشهور (طلع من المولد بلا حمص ) [303]..
الـــولائــــم
الولائم للشيوخ الصوفية
1ــ عن إشتهار الصوفية بالأكل منذ القرن السادس يقول ابن الجوزي (بالغ إبليس في تلبيسه على قدماء الصوفية فأمرهم بتقليل المطعم وخشونته ومنعهم شرب الماء البارد ، فلما بلغ المتأخرين استراح من التعب ، واشتغل بالتعجب من كثرة اكلهم ورفاهة عشيهم )[304]......
2ـ ويقول الشاذلي لأصحابه (كلوا من أطيب الطعام واشربوا من ألذ الشراب وناموا على أوطأ الفراش وألبسوا أحسن الثياب )[305] .. ويقول الخواص( الميل إلى مافي المال لا في المال نفسه )[306] .. وفي الحياة العملية عاش الولي المعتقد أبوعبد الله الكركي (وقد قارب المائة وهو متمتع حتى بالنساء )[307] . تلك مقدمة سريعة تظهر الفروق بين الزهد وبين التصوف في العصر المملوكي ، ندخل بهل على الولائم في العصر كعادة اجتماعية نشرها المتصوفة وأضفى حضورهم عليها ــ كأساتذة العصر ــ مظهرا دينيا ...
3ــ ولأنهم (عارفون) في الولائم وأصولها فقد وضعوا لها الآداب، فيقول الشاذلي (إذا اكلتم الطعام عند إنسان فاشربوا عنده حتى ينال الأجر العظيم )[308] .. وكان محمد بن عنان وعلى المرصفي والسروي إذا ذهبوا للطعام عند أحد يذهبون بجماعة قليلة، بشرط اعلام صاحب الطعام قبل الذهاب وانشراح خاطره. ( ولم يطبق الآخرون ذلك ) [309] .
4 ــ وواضح انهم يحثون الناس على دعوتهم للولائم بالتلويح لهم بالمقابل وهو البركة . وهذا التلويح بالبركة قد لا يأتي مباشرة للناس وإنما في معرض وصايا الصوفية لأنفسهم حتى يكون وقعه مؤثرا. يقول المتبولي : ( كل فقير لا يقدره الله على أن يمد صاحب الطعام بالبركة الخفية طول عامه فليس له أن يمد يده الى طعامه ). ويقول الخواص:( لا ينبغي لفقير أن يمد يده لطعام إنسان إلا إن كان يشاركه في بلاء تلك السنة كلها ، او يحمله عنه كله) [310] . ويكمل الشعراني طقوس الوليمة فيجعل من آدابها إعطاء الخبز حقه من الإكرام والتعظيم ، وإذا فرغوا من الأكل يقرءون سورة قريش وسورة الإخلاص. ويذكر بعض العبارات التي تقال عند الفراغ من الأكل.)[311]..
5ــ ولم يرحم الأشياخ مريديهم فكان الشيخ ــ على حد قول الشعراني ( يندلق على طعام المريد) . وعدّ الشعرانى من المنن تعففه من المبادرة إلى إجابة من دعاه[312] ، أي أنه يجيب ولكن بعد تمنع . ومعنى أنه يفخر بذلك دليل على ما وصل إليه حال معاصريه من الأشياخ ممن عدوا شراهتهم كرامة . يقول الدريني ( أما ما اتفق لبعض الأولياء من انه كان يأكل الطعام الكثير الذي يكفي الجماعة الكثيرة فإنما هو من باب التصريف وإظهار الكرامة )[313] .. أي أظهر شراهته في صورة كرامة . بل استأثر بعضهم بالولائم لنفسه دون المريدين فذكر الشعراني ان الشيخ دمرداش كان يأكل وحده أمام المريدين في الولائم ويمنعهم من الحضور )[314] . وكان المتبولي لا يصطحب معه أحدا منهم إذا دعي إلى وليمة عند احد الولاة.)[315]..
6 ــ وآتت الولائم ثمارها، فوصف بعض الأولياء السمنة ، حتى أن المرسي يقول (إياكم والاعتراض على من رايته سمينا ، فإن الحب إذا تمكن من العبد سمن )[316] . وشهرة بعض الصوفية بالسمنة جعلت أبا المواهب الشاذلي يصحح المفهوم الصوفي التقليدي للولي في عصره فيقول : ( قد غلط أكثر الناس في وصف اهل الصلاح بالنحول والتقشف فقط ، وليس الأمر كما ظنوا ، بل فيهم السمين والهزيل والمترفه) . وقد وصف البدوي بأنه ( كان غليظ الساقين عظيم البطن .)[317]..
أنواع أخرى من الولائم :
كان الصوفية نجوم العصر ، وإزدهرت بحضورهم الولائم الاجتماعية ، واهمها:
ولائم العرس
1 ـ وحضورهم فيها كان يعنى أن يتكلف صاحب العرس أو الختان فوق طاقته ، كما يقول الشعرانى ( فيطبخ ما ليس بقدرته أن يطبخه مما هو فوق طاقته ، فترى أبا العرس أو أم العروس يبيع احدهم ثيابه في عمل الطعام أو يقترض غير ذلك ولو بالربا.). [318]، . ويقول الشعراني ( دخل كثير من إخواننا الحبوس بسبب التزويج وعمل العرس والعزومات وهم عليهم دين )[319] . والداعي لذلك هو حضور الأولياء وأتباعهم لهذه المناسبة ، وتبرك الناس بهم وافتخارا بعدد الحاضرين : ( حتى صار الناس يتخاصمون في أن زفة فلان أكبر من زفة فلان ) . ولم يتحرج الأولياء الصوفية من حضور تلك الولائم حتى لو حضرها العوام والماجنون والعابثون . ويقول الشعرانى مستنكرا : ( ويقبح على من شابت لحيته من العلماء والصالحين وصار قدوة للناس أن يحضر مع الأطفال والفساق في مواضع لهوهم) [320] .. وامتد الحال إلى ..
طعام العزاء والجمع :
1 ــ (أي الخميس للمتوفي) و ( تمام الشهر ) (الأربعين) فيتكلف الناس فى إعداد تلك الولائم من تركة المتوفى ، وقد يكون له ورثة أيتام ، ولكن يتكلفون ما لا يطيقون ، يقول الشعرانى : (خوفا من عتب الناس الذين يعزون ويطلعون له التربة . وربما كان ذلك من مال الأيتام أو بعضهم ... وقد يحدث خناق بين المقرئين على الفلوس وانتهاب بعض الطعام ، وأهل الميت يسمعون ذلك) [321].. والظاهر ان ذلك دفعهم إلى اختراع المثل الظريف (موت وخراب ديار )
2 ـ وحضور الصوفية هذه المناسبات بالذات وضع وظيفي ، فهم ( أهل البركة ) و( اهل الشفاعة ) ومنهم المقرئون والوعاظ والمنشدون . وهنا لا فرق بين جنازة مملوكية أو جنازة شعبية . ويذكر المقريزى وابن الفرات أنه قد ( عُمل عزاء الملك الظاهر بيبرس عند تمام سنة من وفاته بالقرافة، ومدت الأسمطة للقراء والفقهاء ، وفرقت الأطعمة على أهل الزوايا ... وعُمل مجمع أخر بجامع ابن طولون والجامع الظاهري والمدرسة الصالحية ودار الحديث الكاملية والخانقاه الصلاحية والجامع الحاكمي وعمل للتكاررة والفقراء خوان ( مائدة كبيرة ) حضره كثير من أهل الخير )[322] . وكانت الولائم العادية تمتد ثلاث ليالي يجتمع فيها الناس على الطعام )[323] ( والغالب ان تقام في القرافتين .)[324]
3 ـ هذا ، ويحدث ان تقام الأسمطة بمناسبة الشفاء، يقول المقريزى عن مناسبة شفاء الأمير يلبغا اليحياوى فى عصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون : (فعُمل سماط لعافية الامير يلبغا اليحياوى ، فيه من الأطعمة والأشربة ما يجل وصفه ، واستدعى السلطان الناصر لحضوره جميع صوفية الخوانق والزوايا ) [325]...
ولائم النفاس والختان وغير ذلك :
1 ــ عندما ولد الشيخ المعتقد أبو الفتح السكندري (810 ــ 906) صنع والده وليمة بعد تمام أربعين يوما من ولادته ودعا جماعة من الأولياء الصالحين )[326] ..
2 ــ وكانت النساء يحضرن هذه الحفلات وولائمها فتتحول الى مناسبات للرقص واللهو ، وقد وصف الفقيه ابن الحاج ما يقع بهذه الولائم من رقص ولهو وطعام مدة سبعة أيام ، يقول : ( فكل من جاءت تهنى جددن لها اللهو واللعب والرقص والاستهتار ، حتى صار الأمر بينهم كأنه شعيرة من شعاير الدين) [327] وذلك لأنه مرتبط بالتصوف ،
3 ــ والأولياء الصوفية كانوا الأئمة فى ولائم النفاس والختان ، يقول ابن الحاج : ( وبعض من ينتسب للخرقة ( أى الطريقة الصوفية ) أو المشيخة يفعلون ذلك في بيوتهم ، ويستحسنونه ممن يفعله، بل يجمعون الناس عليه ، ويدعونهم إليه، ويذمون من يفعل ذلك ولا يدعوهم إليه) [328] .
4 ــ ويقول أيضا : (وليس ما يتعاطون من هذه الأشياء خاصا ما بأمر النفاس ، بل هو عندهم عام في كل امر حدث به سرور ، حتى في الحاج اذا قدم ، فعلوا مثلما تقدم ذكره )
5 ــ وشأن ما سبقها من ولائم فقد كانت هذه الحفلات والولائم مرهقة ماليا بسبب حضور ( الأكابر) لها ،. فاضطر بعضهم الى الامتناع عن عمل وليمة كختم لولده ، مع ان أصحابه واخواته يطلبونه بالختم ، وذلك يحتاج لنفقة كثيرة )[329] . وعدّ الشعراني من المنن انه لا يدعو أحدا من أكابر العلماء والأولياء في زفة ختان ، إعظاما لهم ، ويقول إنه شعر بالخجل الشديد من رؤيته أحدهم يمشي في الزفة )[330] ــ
6 ــ وعلاوة على الغناء واللهو كان البعض يعتمد على القراء المؤذنين والفقراء الذاكرين والمداحين...)[331] فى هذه الحفلات .
النقوط
وكالموالد إرتبطت الولائم بالنقوط ( أو الهدايا المالية والعينية ) ، فكانوا يتبادلون النقوط فى مناسبات العرس والختان والشفاء من المرض وغير ذلك . والشعراني يفخر بأنه يترفق بأصحابه فلا يعلمهم بما يريد ان يصنعه من وليمة عرس ونحوها خشية ان يكلفهم النقوط ، ويقول إن هذا خلق غريب في عصره، لأن بعض الفقراء قد يغضب على كل من لم يساعده في وليمته [332] .. ويفخر الشعراني أيضا بأنه يعطي النقوط لمن رزق بمولود على يد عياله سواء كان عليه دين النقوط أم لا، ولا يشح على عياله بفلوس النقوط (لأن كله سلف ودين )[333].....
فى الريف
1 ــ وامتدت الولائم للصوفية إلى الأرياف ،وعرف الفلاح المصرى فى الريف بكثرة الكرم وقرى الضيوف، ويقول الشعرانى أنه ( ربما عجنت المرأة وخبزت وطحنت في اليوم مرتين) . وإعتاد الصوفية القيام بحملات ( سلمية ) تغزو القرى طلبا للولائم ، ويقول الشعرانى أن مشايخ القاهرة كانوا يذهبون للريف بأتباعهم دون إعلام صاحب البيت ، بل ربما يكون الأخير مستندا إلى شيخ صوفي آخر غير الشيخ الذى جاء لزيارته فيقع الفلاح فى مشكلة : ( فيصير في غلبة بين مراعاة خاطر شيخه وبين القيام بواجب وحق الشيخ الآخر )[334] .. ..
2 ـ وتعكس الامثلة الشعبية فى العصر المملوكي رائحة الطعام فى الولائم ، فتقول : (كل من دعوته بأكلك كلما نظرك جاع) )[335] .. وبعد العصر قيل : ( غدوة في الصعيد ماهياش بعيد) (العيش من العيش والدناوة ليش ) [336]..
هذا ..والعادة أن الناس هى التى تُطعم الأولياء المقدسين وتنفق عليهم ، والله جل وعلا وحده هو الولى الذى يُطعم ولا يطعم : (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (14) الانعام ). وكل الطعام المقدم للاولياء إعتقادا فيهم وتبركا بهم يحرم أكله لأنه مما أُهلّ لغير الله به ، وخصوصا إذا كان هذا الطعام من حيوان تم تقديمه نذرا وقربانا لقبر مقدس ، أو ضريح ، أو نُصُب ، يقول جل وعلا : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ) (3) المائدة )
زيارة القبور كعادة اجتماعية..
مدخل
1 ـ زيارة القبور العادية عادة إنسانية إجتماعية ، وفيها يدعو الزائر الله جل وعلا ان يرحم المدفون . يختلف الأمر عن زيارة الفرد لقبر مقدس ، هنا تكون الزيارة ( حجا دينيا ) بهدف التوسل وطلب المدد ودفع الضرر ، أى ما ينبغى أن يطلبه الفرد من الله جل وعلا وحده يطلبه من القبر المقدس وصاحبه الذى تحول الى تراب لا يختلف عن التراب الذى يسير عليه هذا المأفون الساعى الى القبر يستمد منه البركة والعون.
2 ــ وحين سيطر التصوف على العصر المملوكى أصبحت زيارة القبور المقدسة عادة إجتماعية ، وليس مجرد شعيرة دينية ، ولأنها أصبحت عادة إجتماعية ولأن القرافة ( موضع القبور فى القاهرة ) وغيرها أصبحت تضم القبور المقدسة بالاضافة الى القبور العادية ،فقد أصبحت زيارة القرافة وقبورها المقدسة والعادية عادة إجتماعية فى مصر المملوكية . ومن الطبيعى أن تنشأ عن ذلك تجارة ، لها دعاية رائجة يروجها المنتفعون ، وبسبب الشهرة الدعائية فقد أصبحت معالم القرافة معالم سياحية حتى للوافدين والرحالة . ونعطى بعض التفصيلات :
الدعاية لزيارة القبور المقدسة
1 ــ سبك المنتفعون من زيارة المقابر أكاذيب يزعمون فيها أن صاحب القبر يدعو الناس لزيارة قبره ، وتأتى هذه الدعوة عن طريق المنامات ، فأولاد الصيرفي وجهوا دعوة لابن الجباس لزيارة قبورهم )[337] . وفى منام آخر يزعم أن صاحب القبر وجه عتابا لشخص من الأكابر يقول له فيه : ( يا شيخ على .. تدخل قبر صاحب الحفار ولا تزورنا ؟ ! . سوف تعلم غدا يوم القيامة من المقدم فينا ) [338]..اى هى المنافسة بين سدنة وخدم القبور فى استجلاب الزبائن طمعا في النذور .
2 ــ بل يصل التخطيط مقدما للإرتزاق عند إحتضار أحدهم ، فيقال إنه قال عند الموت : ( رحم الله مسلما زار قبري وحفرتي ) أى هنا تخطيط مقدم لعمل مشروع ( بيزينيس ) لقبر صاحبنا ، وهو لم يمت بعدُ. ونجح هذا التخطيط بدليل أن الذى ذكر الخبر السابق هو المؤرخ أبو المحاسن ، أى إنه صدق الرواية وابتلعها وذكرها ضمن الأحداث التاريخية . [339] .
3 ـ ومن فنون الدعاية لهذه التجارة أن يكون أشياخ الصوفية هم الأئمة والقدوة فى زيارة القبور ، وتحديد الزيارة فى يوم الجمعة ، وصار هذا عادة اسبوعية سجلها السيوطى فى نهاية العصر المملوكى ضمن رسالته فى ( عمل اليوم والليلة ) ، وأن يقول الزائر : ( السلام عليكم دار قوم مؤمنين ) [340] ، ولذا فقد كان الصوفي اذا اعتزل العالم لا يتردد إلا لصلاة الجمعة وزيارة القرافة .[341] . يعنى إن يعتزل العالم كله ولكن لا يعتزل زيارة القبور ولا يعتزل صلاة الجمعة ، فجعلهما ( زيارة القرافة وصلاة الجمعة ) متساويين . ووصف المؤرخ ابن حجر العسقلانى بعضهم بكثرة زيارة قبور الصالحين بالقرافة . [342] .
4 ـ ومن الدعاية أيضا تبشير الزائرين للمقابر بالجنة ، حتى لقد إشتهر بعضهم بلقب (مبشر الزوار بالجنة) كابن عنان [343] ، وثابت الطيان [344] أو ( واعظ المقبرة) [345] الذي وصف به أخرون . ، ولم يتحرج الصوفية من صناعة أحاديث تدعو لزيارة القبور كما يذكر المؤرخ الصوفى النويرى ، فى كتابه ( الالمام )[346] أو تتحدث عن حياتهم وتصرفاتهم داخل المقبرة كما يفترى السيوطى، فى رسالته ( بشرى الكئيب بلقاء الحبيب ) . [347] ...
3ــ ولأنها تجارة فقد تخصص فيها منتفعون منهم سدنة وخدم القبور ، ومنهم ( مشايخ الزيارة ) وهم العارفون بطرق ومسالك القرافة ، واشهر القبور المقدسة ، وكرامات أصحابها العامة والتخصصية ، والقصص الرائجة عنهم . وأشهر مشايخ الزيارة ( السخاوى الصوفى ) صاحب كتاب ( تحفة الأحباب ) وابن الزيات صاحب كتاب ( الكواكب السيارة فى ترتيب الزيارة ) .
ترتيب الزيارة :
1 ـ وعدا ما شرحه ابن الزيات فى ترتيب الزيارة فى كتابه السابق فهناك ترتيبات اخرى لزيارة القرافة وضعها مشايخ الزيارة من الصوفية ؛ فالشيخ شهاب الدين الأدمي ( أول من سار بالزيارة بالنهار في يوم الأربعاء )[348] ، بالاضافة الى يوم الجمعة ، وهناك زيارة بالليل كان يقوم بها مشايخ اخرون [349] ، وكان الشيخ عبد الله الجامى ( يجمع الزوار في ليالي الجمع )[350] ، بمعنى استمرار الزيارة نهار وليل الجمعة . هذا عن توقيتات الزيارة . أما عن مساراتها ، فالابتداء بزيارة المشهد النفسي ( ضريح السيدة نفيسة ) ( والزيارة النهائية ليوم الأربعاء المبارك )[351] ، ولا نعرف لماذا جعلوه ( الأربعاء المبارك ) ربما بسبب كرامة قيلت فيه . ( وبعده تربة أحمد ابن طولون )[352] ، أى تحول هذا الوالى الدموى الى قديس ، يُزار قبره . ويبدو أن جدول الزيارة كان أكثر تعقيدا مما نتصور ، أو يبدو أنه كانت فيه ( إجتهادات ) مختلفة ، وعدم (إجماع ) على جدول واحد ، لأنه يقال أنه ( في ليلة الجمع كان يُبتدأ بتربة العارف الصوفى عبد الله الأرزني ، ويختم بها تبركا بمن في التربة من الأولياء )[353] . وواضح أن هذه التربة كانت تحتوى على ( أولياء) موتى كثيرين ، كما يبدو أن لكل ( شيخ ) من مشايخ الزيارة ( طريقة ) على حد قول المثل الشعبى المصرى : ( كل شيخ وله طريقة) .
2 ــ ووضعوا شروطا للزيارة، بإعتبارها شعيرة دينية . فعلى الزائر للقبر ان يجعل القبر خلف ظهره ، وأن يستقبل جبل المقطم الذى يحوى بين جنباته رفات كثيرين من الأولياء ، ويسلّم عليهم ، وألا يدعو على من ظلمه.[354] . ولأنها عبادة جادّة فقد جعلوا الضحك مكروها بين المقابر ( فإنه من وضع الأشياء في غير محلها ) [355] . وكان الشيخ القضاعى يحث على زيارة سبعة قبور لأفضليتها [356] . وهذا لا يعنى إهمال القبور الأخرى، بل تُزار ـ مع حُسن النية ـ لو كانت أضرحة مزورة أو مشكوكا في أسماء أصحابها. [357] ...
معالم القرافة :
1 ــ اكسبت المنامات والدعاوى الصوفية بعض القبور شهرة معينة ، فأصبحت هناك معالم هامة يحرص الزائرون على مشاهدتها : ( فقبر صاحب الشمعة كانوا يرون على قبره شمعة تضيء في الليالي المظلمة فاشتهر بهذا )[358] ، ومثله (قبر صاحب القنديل ) [359] . أما قبر أو ( مشهد النور) فقيل ان أكثر الناس بالجيزة كانوا يرون عليه عمود نور إلى السماء ) [360] وشهد ( نور) آخر حذر صاحبه امرأة حائض وطأت قبره [361] . وواضح هذا التنافس بين سدنة القبور على التسمية للقبور التى يرتزقون منها بموضوع ( النور ) . وإجتهد آخرون فى إطلاق ألقاب أخرى على القبور التابعة لهم ، فاشتهر قبر بأن صاحبه رؤى في منام فقال " فاز من اتقاه " فأطلق على القبر هذا اللقب( فاز من إتقاه )[362] . وقال آخر في المنام انه غُفر له ولكل من صافح عند قبره ، فكان الزوار يتصافحون عنده واشتهر القبر بهذا [363] . وقيل عن قبر بأنه لعروس بكر ماتت خجلا ليلة الزفاف ، وأطلق على القبر ( قبر عروسة الصحراء ) وزعموا أن من يضع يده على قبرها يجدها تعرق في الشتاء ، كالعروسة صاحبة القبر )[364] . وبنفس الابداع فى الكذب اشتهر ( قبر سماسرة الخير ) بإطعام الجائع [365] . وزار الرحالة المغربى ( العلوى ) القرافة كغيره من ( السائحين ) وفى كتابه عن رحلته لمصر ذكر من معالم القرافة : قبر الناطق عند لحده في قبره ، وقبر الصامت الذي لم يتكلم أربعين سنة ، وقبر صاحب الأبريق [366]....
زيارة النساء للقرافة :
1 ــ شاركت النساء بكثافة في زيارة المقابر ، ليس فقط الزيارة بل بالمبيت فى القرافة مع الأولاد والبنات ، ويخرج معهم الباعة بأصناف الطعام ، وكان لذلك مواسم دينية معينة مما أثار اهتمام الرحالة ، يقول ابن بطوطة (يخرج الناس للمبيت في القرافة بأولادهم ونسائهم ، ويطوفون على المزارات الشهيرة ، ويخرجون أيضا للمبيت بها ليلة النصف من شعبان ويخرج أهل الأسواق بصنوف المآكل) [367] ...
2 ــ وصور ابن الحاج مواعيد زيارتهن اليومية والسنوية فقال إنهنّ : ( يخرجن في الغالب في الأيام والليالي الشريفة كليالي الجمع ، سيما المقمرة منها . ويقمن فيها ( فى القرافة ) يوم الجمعة ، ويرجعن يوم السبت . هذا بالإضافة على يوم عاشوراء والعيدين وليلة النصف من شعبان. ثم أضفن يوم الاثنين لزيارة الحسين ، ويوم الأربعاء لزيارة الست نفيسة ، ويوم الأحد لحضور سوق مصر. فلم يتركن الإقامة ( فى البيت ) في الغالب إلا يوما واحدا وهو يوم الثلاثاء. ).!
3 ـ وعن مظاهر الزيارة النسائية يقول : ( وفي القرافة تختلط الرجال بالنساء في سماع الواعظ والواعظة في الغناء والسماع ، فإذا وصلن البلد تنقبن واستترن . وصار ذلك عادة تستتر المرأة في البلد ولا تستتر في القبور أو الطريق اليها )[368] . كان النقاب هو (الحارس الأمين ) لهن فى الطريق الى القرافة ، فإذا وصلت القرافة خلعت النقاب ( وخلعت أشياء أخرى ، حيث إنتشر الانحلال الخلقى فى القرافة ، وأوضحنا ذلك فى كتاب أثر التصوف فى الانحلال الخلقى ) . وبسبب السُّمعة السيئة للقرافة فقد حرص المماليك على ترتيب خادم أمين ثقة لخدمة الحريم السلطاني عند زيارة الأضرحة والآثار الشريفة في ليل أو نهار. كما جاء فى بعض وثائق الوقف. [369]
4 ـ وأشار المؤرخون : المقريزى وابن حجر وابو المحاسن والصيرفى الى ما كان يحدث ( من مفاسد في المقابر حتى صارت جمعا للنسوان ومحلا للعب )[370] ، لذا كان يُنادي بمنع النساء من الذهاب الى التربة ، وتُهدّد المرأة بالتغريق ويُهدد المكاري ( الذى يحملها على الحمار ) بالشنق . ولم يجد ذلك فتيلا ...)[371]..أى بلا فائدة .
5 ــ وانتهز اللصوص الفرصة فكانوا يقطعون الطريق على رواد المقابر..
المبالغة فى الحزن
1 ــ ( الوجد ) من شعائر التصوف ، وبه يُطلق الصوفى لعواطفه العنان صخبا وصراخا وبكاء وفرحا ، (الوجد ) هو تطرف فى إعلان العواطف ، وايضا فى إعلان العقائد تحت مصطلح ( الشطح ). وفى كل الأحوال يجد الصوفى ( المتواجد ) من يعذره ، بل من يقدره وربما يقدسه . وعندما خيّم التصوف بظلاله على العصر المملوكى إنتقل ( الوجد ) الى الحياة العاطفية ، فارتفعت الأصوات بالصراخ فى حفلات السماع ، وامتدت الى مناسبات العزاء ، فأصبحت المبالغة فى إظهار الحزن شعيرة إجتماعية أو عادة إجتماعية ، ومن خلالها أطلق المصريون فى العصر المملوكى لعواطفهم العنان لدرجة أوجبت تدخل السلطة فأمر السلطان المؤيد شيخ بمنع النساء من النياحة على الأموات في الأسواق، وفقا لرواية المؤرخ ابن حجر [372] ،أى إمتدت النياحة على الموتى من البيوت والمقابر الى الأسواق . ويروى الصيرفى أنه توفى لامرأة ولد فألقت نفسها خلف ولده من اعلى الدار فماتت ..! [373] .
2 ــ وأصبحت المشاركة فى النياحات عادة اجتماعية ، فالجماهير تنوح بحرقة على موت المشاهير مهما كانت مساوئهم ، وعندما مات المنصور أبو بكر حفيد قلاوون كان البكاء والعويل بالقاهرة مع أنه كان متهما بمجامعة حريم أبيه )[374] . وأصبح الحزن على المتوفى يوصف بالوصف الصوفى ( وجد )، فقيل عن موت السعيد بركة ابن الظاهر بيبرس أنه ( وجد عليه الناس وجدا شديدا ، وخرجت الخوندات حاسرات ، ولم تزل امراته حزينة عليه حتى ماتت )[375] . ويروى ابو المحاسن أنه في مأتم خليل ابن الناصر فرج ( أمعنوا في الحزن وأفحشوا فيه للغاية ، بحيث ماتت امرأة من اللطم على وجهها وصدرها ، ومنع السلطان من النعي في شوارع القاهرة وخلف الجنازات )[376] ، وهذا الموت حزنا كان تعبيرا بلاغيا فأصبح بالتصوف واقعا حقيقيا.
3 ــ وبالاضافة الى ( حفلات العزاء ) كانت العواطف تنفجر لأتفه الأسباب ، حتى من العوام الذين لا ناقة لهم ولا جمل ، يروى المؤرخ ابن حجر أن العوام فرحت بعزل القاضى الهروي وتعيين البلقيني محله ، وحين خلع علي البلقينى بالقضاء ( قامت قيامة من الصياح والعياط والدعاء للسلطان ) [377]...حالات غريبة ، إستحقت أن يلتفت اليها المؤرخون بالتسجيل ، والعادة أن العوام لا يأبه بهم المؤرخون إلا فى الأحداث الاستثنائية . وهذه أحداث إستثنائية .
النوم في المساجد ..
1 ـ وهي عادة لا تزال باقية حتى الآن من أثار التصوف في العصر المملوكي الذى إستحدث عادة الاقامة فى المؤسسات الدينية، فمكتب السبيل ــ مثلا ــ موقوف لإقامة الأيتام به ومؤدبهم )[378] . وانتقل هذا من الخوانق والرباطات والزوايا والتُّرب الى المساجد والجوامع ،فأصبح عاديا إتخاذها مكانا للراحة والمبيت . ويقول المؤرخ السخاوى أن القناديل كانت لا تنطفىء في المساجد في شهر رمضان إلا قبيل طلوع الفجر ، مراعاة للنائمين ، حتى لا يستيقظ أحدهم فيظن أن الأكل والشرب حرم ، وليس كذلك )[379] ،
2 ــ وكانت الأضرحة استراحة للنائمين حتى لغير الصوفية ، فنهى الدشطوطي البكري الذي استخلفه على عمارة الجوامع من أن يدخل في المقام أحد من أبناء الدنيا (يقصد من غير المتصوفة ) وقال له : (واجعل جميع وظائفه وخبزه للفقراء) ، أى جميع الوظائف والمرتبات للصوفية فقط . وامتثل البكري ذلك فكان يتفقد كل من ينام عنده في المقام. [380] .
3 ــ واشتهر الجامع الأزهر بمبيت كثير من الناس فيه ، ما بين تاجر وفقيه وجندي وغيرهم ، منهم كان يقصد المبيت للبركة ، ومنهم من كان لا يجد مكانا يأويه ، وبعضهم (يستريح بالمبيت فيه خصوصا في زمن الصيف وأيام المواسم ، حيث يمتليء صحنه وأكثر رواقاته ) [381] .
4 ـ وفي أخر العصر مع تعاظم الانخراط فى التصوف على مستوى الشيوخ والمريدين ، تكاثر الوافدون للقاهرة من الريف ومن خارج مصر ، وإزدحمت المساجد بأولئك القادمين من كل فج عميق ، وازدادت عادة المبيت فى المساجد ، فيوصي المرصفي الشعراني بألا يسكن أحد في جامع أو زاوية لها وقف ومستحقون ) [382] ، ويجعل الشعراني من الآداب الواجب رعايتها عدم دخول المسجد بنية النوم والاستراحة [383] . ومع هذا استمر المجىء والمبيت فى المساجد والاقامة فيها ، وعندما قدم البلتاجي من بلده إلى مصر نام في بعض المساجد )[384]
5 ـ وفي الأمثال الشعبية (على قلبها الطالون )، قالها الفقراء المغاربة الوافدون في سفينة الى مصر ، وظنوا انها ستحملهم مباشرة إلى جامع أحمد بن طولون ، حيث سمعوا بكثرة المبيت فيه [385] ، وصارت مثلا . وظلت عادة مصرية حتى الآن ، ومن الأمثال الحديثة (اللى مالوش بيت الجامع بيته )[386]...
في التسميات والألقاب :ــ
1ــ كلمة سيد اطلقت على مشايخ الصوفية وكانت التسمية بسيدي مفضلة في الحديث عن الأولياء[387]. وهذا كثيرا ما يرد في كتب المناقب وكتابات الشعراني بالذات .
2 ــ وقد لقب المماليك أحيانا بلقب الصوفي مثل الأمير جان بك الصوفي وازدمر الصوفي ويشبك الصوفي وحاجب الحجاب سودون صوفي والأمير بيرم الصوفى [388] .
3 ــ وأثر التصوف يظهر في تسميات وألقاب أخرى ، فسمى الشيخ سليمان المعتقد بالقرافي لأنه يمشي في القرافة [389] وأصبح لقبا شائعا ، فهناك أبو الفتح القرافي [390] ، والشيخ محمد بن حسين القرافي خادم جامع الأولياء بالقرافة [391] والشيخ القرافي صاحب كتاب المفارقات في الفقه الشافعي [392] والقاضي شمس الدين القرافي [393]...
3ــ وهناك ألقاب أخرى مثل الشيخ شمس الدين الحرفي [394] ، نسبة إلى علم الحرف الصوفي ومحمد السميساطي نسبة للخانقاه السيمساطية [395] ، والشيخ السرياقوسي [396] نسبة لخانقاه سرياقوس ، وسمى عبد النبي [397] تأثرا بعقيدة المحمدية الصوفية ، ولقب بعضهم بقطب الدين [398] من القطب الصوفى . وهناك القاضي ابن حشيش [399] ، والحشيش اكتشفه واشتهر به الصوفة .[400]
4 ــ والجعيدية طائفة اجتماعية ظهرت بتأثير التصوف ونسب لها الكثيرون ، فهناك ابن الجعيد [401] وسنقر الخازندار المعروف بالجعيدي [402] والشيخ أبو هاشم الجعيد [403] وسنقر العايق الجعيدي [404] .
5 ــ ولا تزال البيئات الشعبية المصرية تسمي بركة ومبروك وبركات ومبروكة وابو ابركات ، ونحوها وسموا بعض الناس أبا خطوة تأثرا بالكرامة الصوفية الشهيرة التى تجعل الولى الصوفى يصل الى أى مكان فى خطوة واحدة . [405] .
6 ــ وتنتشر فى مصر ــ حتى الآن ـ أسماء غير مصرية مثل هندي عراقي بغدادي شامي مغربي .... إلخ ، وهذا أثر للقدوم الصوفي من هذه البلاد على مصر.. واشتهرت طنطا بضريح السيد البدوى ، فانتشر الانتساب الى طنطا ، فشاع إسم ( طنطاوى ) . وانتشر فى مصر ــ حتى الآن ــ التسمى بأسماء مشاهير الأولياء ، مثل الرفاعى والدسوقى وابراهيم الدسوقى ، والبرهامى ، والشاذلى ، والبدوى ، والسيد البدوى ، والأحمدى .
فى بعض مظاهر الزي
1ــ الزى أساس فى أى دين أرضى , وبه تتميز أرباب الأديان الأرضية بعضهم من بعض ، ومع تشابهها فهناك إختلافات فى اللون والشكل . والتصوف بالذات بدأ دينه بالخرقة ، أى قطعة قماش يتميز بها الصوفى عن غيره ، ثم أصبحت ( الخرقة ) تعنى دين التصوف ، ثم أصبحت مع تنوعها تدل على الطريقة الصوفية عندما تكاثرت الطرق الصوفية وتتنوع ، وتتخذ كل طريقة الخرقة التى تميزها عن غيرها . وبهذا الاحتراف الدينى صار الزى مثل العلامة التجارية للصوفى الذى يرتديه ، وبه يجلب النذور والنقوط . ( وقد سئل صوفي ان يبيع جبته فقال :اذا باع الصياد شبكته أبأي شيء يصطاد ؟! ) [406] . وكانت للتصوف لمساته على الزي في العصر المملوكي ...
2ــ فقد ترتب على ازدهار التصوف فيه أن أصبحت ( الخرقة ) أو ( المرقعات) ــ لباس التصوف المفضل ــ (موضة اجتماعية) للشيوخ الصوفية المترفين الميسورين للرياء والشهرة وحُبّ الظهور ، حتى أن ابن الحاج اهاب بالخياطين ان يحجموا عن خياطة (دلوق الشهرة والمرقعات التي اتخذها بعض الناس ... فتجد بعضهم يأخذ خرقة جُملة ، مختلفة الألوان ؛أبيض وأصفر وأحمر وأسود الى غير ذلك ، ويرتبونها واحدة بجنب الأخرى . وبعضهم يتغالى في تلك المرقعات فيجعلها من القماش الرفيع الفاخر ، الذي لتفصيله ثمن كثير ، فيقطعونها خرقة خرقة ، لأجل الشهرة الممنوعة في الشرع الشريف ــ فانظر رحمنا الله واياك إلى صفة هذه الرقعة أي شبه بينها وبين مرقعة عمر بن الخطاب ) [407]..فالخرقة التى كانت لدى رواد التصوف الأوائل فى القرن الثالث رمزا للفقر أصبحت فى العصر المملوكى موضة يتبارى الميسورين فى التزخرف بها .
3ــ وهكذا لم يعد غريبا في العصر أن يصبح ارتداء الفاخر من اللباس تقليدا اجتماعيا . فالصوفية ــ وهم أساتذة العصر ـــ فعلوا ذلك ، بل أن بعضهم بالغ في لباسه واشتهر بذلك مما أثار عليه الإنكار، كالحنفي ، وقد قامت أساطير الكرامات بالدفاع عنه في كتاب مناقبه [408] وبعض المجاذيب الصوفية كان ( لا يلبس إلا الحرير على بدنه )[409] . وكان القضاة أكثر الطوائف تأثرا بالتصوف فقبلوا أن يُخلع عليهم الحرير ، وهو مُحرّم لبسه للرجال وفقا للدين السّنى وللشريعة السنية التى يمثلونها . وعُدّ من الأثار الحسنة للفقيه ابن دقيق العيد انه رفض رداء الحرير عندما ولى القضاء واستبدل به رداء الصوف [410] .
4ــ وشاع في العصر المملوكي بتأثير التصوف اتخاذ الزي الطويل افتخارا ، ومخالفة للدين السُّنى وللشريعة السنية التى تأمر بتقصير الثياب ، واستمر ذلك حتى نهاية العصر ، وبولغ فى ذلك الى درجة يدعو معها الشعراني الصوفية الى تقصير ثيابهم . [411] ...
وقد كان السلطان جقمق من المنكرين على بعض تجاوزات الصوفية ، فهو الذي أبطل مولد البدوي ــ ويذكر له في مجال الزي أنه خالف عصره فكان متقشفا ، لا يلبس إلا القصير من الثياب ، ونهى الأمراء والأكابر من ارتداء الثوب الطويل (وأمعن في ذلك حتى انه بهدل جماعة من أعيان الدولة بسبب ذلك) على حد قول المؤرخ ابى المحاسن [412]....
5ــ وبتأثير التصوف صار لكل طبقة اجتماعية في العصر المملوكي زيا معينا ، فهم الذين جعلوا لرجل الدين زيا معينا ، وجعلوهم طبقة اجتماعية خاصة ، وبهم صار الأشراف طبقة اجتماعية ، ومعظمهم صوفية إنتحلوا النسب للأشراف . وقد فأمر السلطان الأشرف شعبان القلاوونى أن يجعل للسادة الأشراف في عمائمهم( شطفات خضر تميزا لهم عن غيرهم وتعظيما لقدرهم ) [413] .
6 ــ وامتد ذلك الى الوظائف ، فكان لكل وظيفة الزى الخاص بأصحابها ، وصار يُعبّر عن الوظيفة بالزي الخاصّ بها ، فيقال : (ترك الجندية وتزيّا بزيّ الفقهاء) أى لبس زى الفقهاء وصار فقيها ، ويقال ( وترقى في الخدمة حتى لبس زي الجند) أى ارتدى اللباس العسكرى ، وعن التعيين وزيرا يقال : (لبس خلع الوزارة ) ، وهذه متفرقات من تاريخ ( النجوم الزاهرة للمؤرخ المملوكى أبى المحاسن .[414] . ويذكر الشعرانى أن من شأن الصوفي : ( ألا يقتصر على لبس الزي والهيئة وارخار العذبة وحضور الولائم ...)[415] وهذه خصائص الصوفية في ذلك العصر ( لبس الزى الصوفى والهيئة الصوفية الخاصة وإرخاء طرف العمامة ) ثم لا يقتصر على ذلك المظهر بل يفعل كذا وكذا . ويذكر المؤرخ أبو المحاسن أنه فى حملة ( آمد ) سار السلطان برسباي هو الخليفة ومباشر الدولة بغير سلاح ( ليوهم انهم هم قضاة الشرع، لكون لبسهم على هيئة الفقهاء )[416] . وكان (لأهل الذمة ) ـ فى تعبير العصر المملوكى ــ زي خاص بهم ليعرفوا به بين المسلمين . وقد تعرض هذا الزي إلى تغيرات تأثرت بحركات التعصب التي كان يقوم بها الفقهاء الصوفية ضد أهل الكتاب ( فلبس المسيحيون عمائم زرقاء واليهود صفراء والسامراء حمراء ، وارتدى المسيحيون حزاما حول الوسط يطلق عليه زناد.)[417]
7ــ وتأثر زي القضاة والفقهاء بزي الصوفية ، يقول القلقشندى فى موسوعته ( صبح الأعشى ) إنهم استعملوا العذبة والدلق ولبس بعضهم الحرير [418] . ومع ذلك فقد تحرر بعض الصوفية من الالتزام بزي خاص ، بل ترك بعضهم زي الصوفية بالجملة ، وفقا لما ذكره المؤرخ ابن حجر فى تاريخه ( إنباء الغمر ) [419] بينما يذكر نفس المؤرخ فى كتابه ( الدرر الكامنة ) أن صوفيا آخر تولى القضاء فلم يغير زيه الصوفي [420] .
أما القاضى الهروي وهو صوفي فكان أعجوبة فى تغيير زيه تبعا لتغير وظائفه وتبعا لهواه ايضا ، ومما ذكره المقريزى عنه نعرف أنواع الزى وقتها ، فالهروى ظهر صوفيا فى البداية فى قدومه لمصر (يتزيا بزي العجم الصوفية ، فيلبس عامة عوجاء بعذبة عن يساره ، فلما ولى قاضي القضاة لبس الجبة والعمامة الكبيرة وأرخى العذبة بين كتفيه ، فلما ولى كتابه السّر البس تزيا بزي الكُتاّب وترك زي القضاة ولبس الذهب والحرير ، فلما أُعيد للقضاء أقام يمر في الشوارع بهيئة العجم ) [421]..أى الصوفية الأعاجم ..
8ــ وأثر التصوف في العمامة في ناحيتين : ارخاء العذبة وحجم العمامة . فرؤى الحنفي في منام ـ على حدّ زعمهم ــ ومعه الصحابة وأبوبكر يضع عمامة على رأس الحنفى ويرخي عذبتها. وحين روى ذلك المنام صار كل من حضر ينزع عمامته من على رأسه ويرخى لها عذبة [422]. وصارت موضة .!!. وقد (ركب ابن ميلق الشاذلي الصوفي وهو قاضي للقضاة وعلى رأسه عمامة لها عذبة على جانب واحد مثل الصوفية ) [423]...
ومن ناحية أخرى ظهر أثر التصوف في حجم العمامة ، فكلما كانت كبيرة دلت على عظم صاحبها . وهذا واضح فى دين أرضى يعتمد على المظهر ، ويقيس العلم بحجم عمامة الفقيه ، لذا يصف المؤرخ المملوكى أبو المحاسن كبار العلماء في العصر بكبار العمائم [424] ، وصار تكبير العمامة دليلا على علو المنصب، فحين أضمر السلطان أن يجعل العيني قاضيا أوعز إليه ان : (كبّر عمامتك غدا واحضر بكرة) من غير أن يفصح له بشيء . [425]
وفي زي النساء :
والأثر هنا غير مباشر .
1 ــ فقد أشاع التصوف انحلالا خلقيا في العصر المملوكي ، أسهم في ازدياده دعوتهم لعدم الاعتراض والانكار ، بل ان بعضهم أضفى على انحلاله الخلقي جانبا دينيا مثل طوائف القلندرية والمطاوعة، وقد اشتهر ذكرهم في العصر حتى وضعت فيهم المؤلفات التي تضفي عليهم اعتبارهم الزنا واللواط قربة لله وأهم تلك المؤلفات (المنازعة في حكم المطاوعة) للشيخ المقدسي الرجائي ورسالة ابن تيمية في التنفير من المردان ...وسبق تفصيل ذلك فى كتاب ( الانحلال الخلقى ).
2 ــ ومن الطبيعي في هذا الجو المُنحل خلقيا ان يصبح زي النساء معبرا عنه فيصير في تغيير وتبديل مستمر ، فأحيانا يلبسن القمصان الواسعة الأكمام الذي يظهر(جميع جسد المرأة من الداخل ويجعله مرئيا ) على حد قول المؤرخ الصيرفى [426] . وبرغم النداءات المهددة والمتكررة فلم ترعو النساء عن هذا الزي بل وصفهن ابن اياس بانهن ( أفحشن في ذلك حتى خرجوا عن الحد )[427] بل وصلت هذه (الموضة) إلى القرى والفلاحات فصاحب (هز القحوف) تزوج فلاحة وكثيرا ما كان يجامعها (من كم قميصها ) [428]....
3 ــ وقبلها وفى القرن الثامن عرفت النساء موضة الثوب الضيق ، وقد اشتهرت هذه الموضة إلى درجة أثارت ابن الحاج فأنكر عليهن هذا الزي الذي( لو عمل على عود لافتن بعض الرجال في الغالب لحسن منظره ومقالته ورقة قماشه.)[429] ، أي كان يصف ويشف.
4 ــ وفي هذا الجو المنحل أباحت الدولة البغاء وفرضت عليهن الضرائب (ضامنة المغاني )وكان لهن زي يعرفن به يطلق عليه (الملاءة ) [430]...وهى المعروفة حاليا فى الأحياء الشعبية ب ( الملاية اللف ) التى ترتديها المرأة على قميص النوم ـ تقريبا ـ وتشدها على جسدها تغطيه وتبرز مفاتنه فى نفس الوقت . كان هذا فى السبعينيات ، وربما إختفى الآن .
5 ــ وانتشر اللواط في العصر بجهد المطاوعة والقلندرية وغيرهم . وفي هذا الجو تشبهت النساء بالمردان حتى لبسن الطواقي ... يقول المقريزي( نشأ في اهل الدولة محبة الذكران فقصد نساؤهم التشبه بالذكران ليستملن قلوب رجالهن، فاقتدى بفعلهن في ذلك عامة نساء البلد )[431] أي أن المقريزي يعتبر المماليك سبب نشر هذا البلاء . ولو أنصف لذكر الصوفية أساتذة العصر حكاما ومحكومين...
القــهــــوة
1ــ ذكر اكثر من مصدر تاريخى ان مكتشفها هو (العارف بالله أبوبكر الشاذلي العيدروسي المتوفي سنة 909) وأنه وجد نبات القهوة أثناء سياحته، فاقتات من ثمره حين رآه متروكا مع كثرته (فوجد فيه تجفيفا للدماغ واجتلابا للسهر وتنشيطا للعبادة) فاتخذه قوتا وشرابا وأرشد اتباعه إلى تعاطيه. ثم انتشرت في اليمن ثم الحجاز ثم في الشام ثم في مصر وسائر البلاد )[432]...
2ــ وذكر الشعراني ما يفيد ان القهوة عرفت في عصر إبراهيم الدسوقي في القرن السابع وأنه حض مريديه على تعاطيها طلبا للحكمة ، يقول: ( يا أولاد قلبي ، عليكم بشراب القهوة القرقفية واستعمالها ، فوعزته وجلاله من صدق منكم واخلص لا يمسى إلا نبعث منه الحكمة وحصل عنده الشراب والسكر عن هذا الدار ) [433]....
3ــ وواضح أن الصوفية كالعادة بهم حين يدعون لشيء يضفون عليه الجانب الديني ليكون أكثر تأثيرا ، فالقهوة في دعوة العيدروسي فيها تنشيط للعبادة وفي دعوة الدسوقي جالية للحكمة والسُّكر الصوفي....
4ــ ومع الاختلاف الذي توحي به رواية الشعراني عن قول الدسوقي عن القهوة فإن الرأي الذى نراه هو في نسبة اختراعها للعيدروسي في القرن العاشر وليس للدسوقى فى القرن السابع . فلقد أثارت القهوة فى القرن العاشر جدلا وعراكا بين الفقهاء المنكرين عليها والصوفية المحبين لها والذين أعطوها مسوغا دينيا . ولم يكن هذا الجدل موجودا فى القرن السابع فى عصر الدسوقى . لذا نعتقد أن الشعرانى هو الذى نسب للدسوقى تزكية القهوة ضد المنكرين عليها من الفقهاء ، وفى وقت كانت للدسوقى مكانته المقدسة بين الفقهاء والصوفية .والمعروف عن فقهاء العصر المملوكي أنهم غالبا ما ينكرون على صوفية عصرهم مع الاعتقاد في الصوفية السابقين . ويدل على ذلك أن الشعراني نفسه عاب على الفقهاء المعارضين للقهوة بأنهم يقترفون الأمور المجمع على تحريمها كالغيبة والنميمة ، ( ومع ذلك تنفر نفوسهم من القهوة ) [434] . أى إنه خصم لهم فى موضوع القهوة .
وقال عن القهوة شاعر في القرن العاشر يتغزل فى إمرأة :
وترشف من ريقها قهوة : تغني عن الشهد وقطر النبات [435] ...
وما لبثت القهوة أن انتشرت حتى صارت المشروب المختار للمصريين أغنياء وفقراء [436] ... وصار لها ذكر في الأمثال الشعبية [437] ..
5ــ ومعروف أن الصوفية أقنعوا الناس بقدرتهم على معرفة الغيب . ولارتباط القهوة بهم فقد حملت انتحال العلم بالغيب ، أو ( الكشف الصوفى ) ، وذلك فيما يعرف في البيئات الشعبية حتى الآن من (قراءة الفنجان) او قراءة الغيب ، أو كشف الغيب عن طريق فنجان القهوة ... ويقوم به حاليا الدجالون ، وهم أقل ضررا من شيوخ الدجل باسم الدين الذين أهلكوا ( المسلمين ).!.
سادسا
أثر التصوف فى التركيب الاجتماعي فى مصر المملوكية :
مدخل :ــ
1ــ مع ولع بعض المتصوفة بالعزلة المؤقتة إلا ان مبدأ العزلة أثر على بعض الناس في العصر خارج نطاق الصوفية فمارسوا العزلة دلالة على قوة تأثير التصوف وولع الآخرين بتقليدهم . والمقريزي ليس صوفيا ومع ذلك وصف بملازمة بيته حتى عتب عليه الرؤساء انقطاعه) [438] وهرب عزالدين ابن جماعة من الاختلاط حتى انه لم يتزوج [439] وقيل في علم الدين الكناني (فيه الإنجماع عن الناس وملازمته للاشتغال) [440] ،أي انه استعاض عن الاختلاط بالناس بالانكباب على العلم ، و(انقطع) الأخميمي (عن الناس ) [441] ولم يكن صوفيا كسابقيه . وبعضهم أثر السكوت مع قلة الاجتماع بالأخرين مثل كاتب السر ابن مجلي [442] وفي القرن التاسع عرف بالعزلة نفر كثيرون كما في( الضوء اللامع )[443] وقال المثل الشعبي المصرى متأثرا بذلك (الوحدة عبادة )[444]....
2ــ والصوفية في داخل مملكتهم مارسوا نوعا اخر من التفكك بالعزلة بتأسيس الطرق الصوفية المختلفة ، مع عدم وجود فارق هام بينها إلا اذا عٌدّت الأوراد وألوان الرقع فوارق خطيرة ، يقول الشاذلي عن حزب البر (من قرأ حزبنا فله ما لنا وله ما علينا ) [445] ، بل أنه في داخل الطريقة الصوفية الواحدة كان نوع التفكك بين الفروع المختلفة يظهر في لهجة عبدالصمد الأحمدى عن صوفي أحمدى قال عنه (يرفع صوته بلهجة السطوحية ) [446].. ويقول زكي مبارك (والألفاظ الأحمدية غير الألفاظ الشاذلية ، واذا كان ذلك لأن الأحمدية طال عهدها بصحبة الفقراء المصرية اما الشاذلية فألفاظهم في الأصل مغربية ) [447] .والواقع ان العامل السياسي كان وراء تغلغل دعاة البدوي في انحاء مصر وقوة نفوذ اتباعه من بعده في داخل البلاد ، وهو الذي مكن لهم بين المصريين، خاصة وأن الطريقة تمصرت تماما بعد موت البدوي...
3ــ مع هذا التفكك فإن التصوف المملوكي أسهم في إضافة طوائف جديدة او اظهرها في الحياة الاجتماعية وهي إما طوائف صوفية كالطرق الصوفية وطبقة الأولياء والأشياخ الصوفية والمجاذيب او طبقة نمت بانتشار التصوف كطبقة الأشراف او طوائف مهنية استفادت بالتصوف إقتصاديا كالجعيدية والفقراء الطوافين والذاكرين ومشايخ الزيارة والزوالق . ونعطى بعض التفصيلات :
الطرق الصوفية
1 ــ تكونت الطرق الصوفية وتفرعت وانتشرت في هذا العصر وتغلغلت في أوساط الشعب والخاصة على السواء وتعددت أسماؤها واعترفت بها الدولة . ولكل طريقة قواعدها الخاصة بها ولكنها كلها تتفق في التنافس على إجتذاب المريدين والمعتقدين ، وتعطى العهود بمراسم مختلفة ، بها ينخرط المريدون والأتباع فى تلك الطرق ، مع الرقص والذكر والزى الخاص بكل طريقة لتتميز عن الأخرى . وبدخول العوام فى التصوف شيوخا ومريدين وتكوينهم طرقا صوفية كانت المبالغة في الشعوذة ودعاوى الكرامات وفى إضفاء صفات التقديس والتأليه على الشيخ الصوفى بقدر ما اهملوا التصوف النظرى الفلسفى .
2ــ والانقسام والتفكك أهم ما يميز الطرق الصوفية ، وكل منها اعتمدت على السلاسل الصوفية التي تربطها بالرواد الأوائل ، ومنهم الى الامام على بن ابى طالب الى النبى ثم الى جبريل ثم رب العزة ــ بزعمهم . وعلى هامش الطرق الصوفية والصراع بين الأشياخ الصوفية حول النذور ظهرت الكتابة فى المناقب الصوفية.
3 ـووصلت الطرق الصوفية في انتشارها إلى كل قرية ومدينة ، وأصبحت مؤثرة فى الثقافة الشعبية ، وظهر هذا فى الأمثال الشعبية ، فقيل : (كل شيخ وله طريقة ) ، (اللى مالوش شيخ شيخه الشيطان )، ( ما دام مانتاش رفاعي تمسك التعبان ليه ) [448] .
3 ـ ونعرض لأهم الطرق الصوفية بإيجاز...
أهم الطرق الصوفية :ـــ
1ــ الطريقة القادرية نسبة لعبد القادر الجيلاني (ت561) ويوجد لها بمصر فرعان القادرية القاسمية والقادرية الفارضية..
2ــ الطريقة الرفاعية نسبة لأحمد الرفاعى العراقى الموطن والذى لم يزر مصر ، وكان من أعمدة التنظيم السرى الذى كان يعمل لاسترجاع الحكم الشيعى فى مصر متسترا بالتصوف ، والذى اسفر عن مجىء البدوى لمصر ـ على نحو ما شرحناه فى كتابنا ( السيد البدوى بين الحقيقة والخرافة ). وكان ممثل الرفاعى فى مصر الشيخ أبو الفتح الواسطى ت 580 . وبعد فشل التنظيم تحول الأتباع الى طريقة صوفية تشتهر بالأعمال السحرية والتعامل مع الثعابين على أنها كراماتهم التخصصية . وكالعادة انقسمت الرفاعية الى طوائف وطرق متعددة .
3ــ الطريقة الأحمدية نسبة لأحمد البدوي الذى قاد سرا التنظيم الشيعى لاسقاط الدولة الأيوبية فى مصر ، ولكن تغلب مماليك الأيوبيين على الحكم وتثبيت أقدامهم فيه وإنتصارهم على حملة لويس التاسع والمغول والأعراب ـ وقوة شكيمتهم ـ كل ذلك أطاح بأحلام البدوى ، وأحس بالخطر يقترب منه فتظاهر بالتصوف الى النهاية وأرجأ مخططه السرى . وإضطر أتباعه ــ الذين رباهم على سطح داره والذين انتشروا دُعاة فى مصر ( السطوحية ) ــ الى تحويل نشاطهم الى التصوف العلنى فأصبحت الأحمدية السطوحية أكبر الطرق الصوفية ، بدءا من عبدالعال تلميذ البدوى وخليفته من بعده . وانتشرت هذه الطريقة وتفرعت في مصر إلى فرعين كبيرين ، البيت الكبير ويضم الطرق المرازقة والكناسية والامبابية والمنايفة والسلامية ، ويضم البيت الصغير ــ الحلبية والشعيبية والتسيقياتية والحمودية والزاهدية . وهناك طرق أخرى كالشناوية والسطوحية والبيومية ....
4ــ الطريقة البرهامية نسبة لإبراهيم الدسوقي، رفيق أحمد البدوى فى التنظيم السرى الشيعى ، وقد تحول أتباعه الى طريقة صوفية متآخية مع الطريقة الأحمدية ، ومعاصرة لها . وعلى هامشها تكونت طرق فرعية أهمها : الشهاوية والشرنوبية والسعيدية الشرنوبية..
5ــ الطريقة الشاذلية . كان الشاذلى هو الآخر رفيقا للبدوى فى دعوته ، ولهذا إنتقل من المغرب الى مصر . وتكونت الطريقة الشاذلية فى مصر ،ومنها إلى أقطار أخرى . وتفرع منها طرق صوفية كثيرة ، منها : القاسمية ــ المدنية السلامية ــ الحندوسية ــ القاوقجية ــ العفيفية الهاشمية و الادريسيةـ الجوهرية ــ الوفائية ــ الحامدية ــ العزمية ــ المحمدمية ــ الفيضية ــ الهاشمية المدينة .
6 ــ وهناك طرق أخرى كالرحيمية والخليلية . ثم ظهرت في اخر العصر الطريقة الخلوتية ..
طبقة الأولياء
توارث الولاية
1ــ كان أبناء الولي وأحفاده يسيرون على نهجه ويرثون مكانته ونفوذه ومريديه و( الفتوحات ) أى الموارد المالية التى ترد اليه من نذور ونقوط . وبكثرة الأولياء وبمرور الزمن كثرت عائلتهم والمنتسبون إليهم فكونوا طبقة تتوارث الولاية فيما بينهما. يولد ابن الولى طفلا يتبول على نفسه ولكن يكون وليا ، وتصاحبه الولاية فى مراهقته ، وحوله مريدو أبيه يروّجون لولايته وكراماته ، وعندما يموت الأب يصير وليا مكانه ، وإذا كانوا أكثر من ولد فلا بأس ، يتوارثون ولاية أبيهم أيضا . والمريدون يشاركون فى الانتفاع بهذا الميراث ، فلهم نصيب فى المكانة ، وفى ( الفتوحات ) أيضا .
2ــ ونعطى مثلا في العصر المملوكي بذرية عبد الرحيم القنائى الذي ينتمي نفسه إلى العصر الأيوبي ، فالحسن بن عبدالرحيم القنائي ( كان من كبار الصوفية أرباب الأحوال والكرامات [449] (ت655) ، وتولى محمد بن جعفر بن عبدالرحيم القنائي مشيخة خانقاه أرسلان (ت782) [450] ، وكان جعفر بن عبدالرحيم (ت696) من كبار الصوفية ، قالوا انه ( جمع بين الشريعة والحقيقة ) [451] أى بين الفقه والتصوف ، أو ( التصوف السنى ). ونقلت كرامات ومكاشفات محمد بن حسن بن عبدالرحيم القنائي (ت692) [452] ، ومثله أحمد ابن إبراهيم بن الحسن بن عبدالرحيم (ت728) [453] ومحمد بن هارون القنائي ابن اخت الشيخ محمد بن الحسن بن عبدالرحيم [454] .وهناك قبور للأولياء من ذية عبدالرحيم القنائي كمزارات ...)[455] .
3 ــ وكالقنائي عرفت ذرية أبى الحجاج الأقصري وابن الصباغ بالولاية في العصر المملوكي ، فأحمد بن النجم بن الحجاج الأقصري ( كانت له العديد من المكاشفات ) [456] ومثله ابنه جمال الدين بن احمد (ت696) ، وهناك ضريح للإمام يوسف بن محمد الذي دفن بجرجا في أعقاب القرن السابع [457] . وهناك مقبرة أولاد أبى الحجاج الأقصري في قرافة مصر (وهم جماعة من اهل العلم والخير ) [458] .
4 ــ ولما مات ابن الصباغ أجلس الفقراء مكانه صاحبه وزوج ابنته الشيخ القنائي ، وتخرج عليه جماعة تنسب إليهم كرامات ومكاشفات كأبي عبدالله الأسواني وأبي الطاهر المراغي وزين الدين بن شيخه ابن الصباغ [459] .
5 ـ وفى الطريقة الشاذلية : تصوف ابن عرام سبط أبي الحسن الشاذلي [460] ، وذكرت عنه كرامات )[461] ونشأ ابن محمد وفا على طريقة أبيه فاشتهر ودفن في مشيخة الوفائية وهكذا تتابعت الذرية من بعده [462] ،
6 ـ ونفس الحال : كان لمحمد ابن الشيخ الحنفي شهرة ومحبة [463] وقيل في ترجمة عبدالهادي السطامي اجتمع عليه أتباع أبيه فتمشيخ فيهم وراج امره ) [464] واشتهر إبراهيم الفاوي بالكرامات وقيل عن ابنه محمد (عليه مدار البلد من بعده ) [465] ، وقد تزوج القزويني باخت الشيخ ابي عبدالله الأسواني فولدت له صدر الدين (فنشأ في صلاح وله كرامات وكان ابوه صوفيا لبس الخرقة من السهرودى [466] . وكان الدسوقي من الأولياء وأمه بنت ولي آخر ) [467] ، وقدم إبراهيم الأندلسي مصر وتزوج فولد له ولد صار وليا ، وقبره مع والديه ، وتُستجاب الدعوة بينهما ) [468] ويقول السخاوي عن يوسف العجمي( وله ذرية باقية الى الآن ) [469] . وكان من العادة أن يتبع الولد أباه في التصوف فقيل عن إبراهيم ابن احمد الطنتدائي (لم يسلك طريق والده ) [470] أي أنه خالف المألوف..
ابن الولى لا يفلح
1ــ هذا مع أن الصوفية أنفسهم اعترفوا بأن ابن الولي لا يفلح غالبا ، ويقول الصوفى محمد بن أبي جمرة معترفا بالواقع : ( ثلاثة لا يفلحون في الغالب : ابن الشيخ وزوجته وخادمه. أمّا ابنه فإنه يفتح عينيه على تقبيل المريدين يده بالتبرك به فتكبر نفسه فلا يؤثر فيه وعظ واعظ ويتجرأ على الأكابر ...) [471] ويقول الخواص نفس المعنى تقريبا عن ابن الشيخ الصوفى : أنه (يتربى في الدلال على والده مع مساعدة أمه ، ويكتفي بتعظيم الناس له بحكم التبع لأبيه ، فلا يصير عنده داعية لاكتساب الفضائل )[472] ، وقد عد الشعراني من المنن فلاح ابنه عبد الرحمن وامتثاله لأمر والده، وقال أنه : ( قلّ ان يقع هذا من ولد فقير) ( أى ولى صوفى ). وقال الشعرانى : ( ولم يزل الفقراء يتجرعون الغصص من جهة أولادهم لما يرونه منهم من قلة سلوك طريق القوم ) [473]..اى يفترض الشعرانى أن ( القوم ) يعنى شيوخ التصوف كانوا على السلوك القويم,!
4ــ ومع هذا .. اكتسبت طبقة الأولياء امتيازات دينية خلعها عليهم المريدون، فعد الشعراني من المنن انه لا يتزوج أرملة ولي ، وكان الخواص ينكر على من يتزوج نساء الأولياء خوف العطب ) [474] ، أى التعرض لانتقام زوجها الولى صاحب الكرامات ، فى زعمهم . بل امتد ذلك الحكم ليشمل بنات الشيخ ، فعد الشعراني من المنن عدم تزوجه لابنة شيخه محمد الشناوي إجلالا له ، ولما تزوج ياقوت القرشي ابنة شيخه المرسي لم يقربها حياء من أبيها ، وفارقها بالموت وهي بكر....)[475]..فهل ارضى بذلك إبنة شيخه ؟! تبّا له ..تبّا تبّا ..!
طائفة المجاذيب فى مصر المملوكية
أولا : رؤية المجتمع المملوكى للمجاذيب
1ــ تكلمنا عن المجاذيب فى الكتاب الخاص بالحياة الدينية فى فصل عن أنواع الأولياء ، ونعطى لمحة إضافية . فقد اعتبرهم ابن خلدون نوعا من الأولياء مع سقوط التكاليف عنهم [476] ، وصاحب كتاب ( شفاء السائل ) اعتبرهم دون مرتبة الإنسان . [477] . والبعض ينسب هذا الكتاب لابن خلدون وقد ثبت لنا أن هذا الكتاب لا علاقة له بابن خلدون .
2 ــ فى دين التصوف يُعتبر المجاذيب النوع الأعلى من الأولياء ، فهناك الولى (السالك ) الذى (يسلك ) الطريق الصوفى بالتعلم ، أو بأخذ العهد والخرقة على يد شيخ ، و(يسلك ) أو يسير فى الطريق الصوفى طبقا للدرجات الى ان يكون قطبا . ولكن المجذوب عندهم هو الذى يتم إختياره ( إلاهيا ) بأن تجذبه العناية الالهية ، فتأخذه من عقله ويصبح فجأة متعلقا بعالم الملكوت وعائشا فى ( الحضرة الالهية ) قد زال عنه ( حجاب ) الجسد و( فنى ) عن البشرية و ( تحقق ) بالألوهية فى زعمهم . وكون المجذوب أعلى قدرا من السالك أكده ابن عطاء فى كتابه ( لطائف المنن ) [478] .
3 ــ وكان هذا الاعتقاد من حُسن حظ المجانين والمُلتاثين عقليا ، فأرتفعوا من درجة ( المجنون ) المُحتقر الى درجة ( المجذوب ) المُعتقد . وإذا جاءته اللوثة فهى الدليل القاطع على أنه من ( أرباب الأحوال ) الذى تعتريه حالات من الجذب الالهى . ومهما قال كلاما بشعا أو كلاما غير مفهوم ، ومهما أساء من تصرف فالاعتقاد فيه يزداد لأنه من (أرباب الأحوال) .
4 ــ وإنصافا للتصوف والعصر المملوكى فإن هذا الاعتقاد فى ( المجاذيب ) كان موجودا فى العصور الوسطى فى أوربا أيضا . فإبليس هو المُعلم للجميع . ولأن العقل السليم هو صمام الأمان والايمان للإنسان فإن الشيطان حريص على تغييب هذا العقل ، سواء بالخمر والمخدرات الحسية ، أو بالأديان الأرضية التى تجعل الفرد يغيب عقله وهو يقدس بشرا مثله ، أو يقدس قبورا وأصناما يصنعها بيده ثم يعكف عليها عابدا متبتلا ، أو يجعل المجنون فاقد العقل إلاها مقدسا بزعم أنه غائب عن هذا العالم المادى حاضر فى ( الحضرة الإلهية ). وهذه الخرافة تجد من يصدقها . وبهذا اصبح عاديا فى العصر المملوكى ان ترى المجنون فاقد العقل يسير فى الشارع فى شكل بشع ممزق الثياب ـ بل ربما بلا ثياب ، وتغلفه الحشرات ويعيش كالحيوان بين قاذورات ،وهو متمتع بالتقديس يتوسل به الناس يطلبون منه البركة والمدد . وكلما ساء حاله إزداد أتباعه .
5 ـ وهذه الحالة الفريدة من الخبل العقلى للعصر المملوكى فى تقديس المجاذيب ــ أرساها أرباب الصوفية المحققون الذين هم فى رتبة ( السالك ) الأقل درجة من رتبة المجذوب، فيرى ابن عنان أن المجاذيب يعيشون في عالم آخر، يقول : (ان من شأن المجذوب انك ترى أحدهم ماشيا وهو راكب وتراه يأكل في رمضان وهو صائم لم يفطر وتراه عاريا وهو مرتد لثيابه )[479] ، وبالتالى فلو رأيته يفطر فى رمضان فلا تصدق عينيك ، ولو كان عاريا فأنت لا ترى الثياب التى يرتديها .
ووضع الصوفية آدابا لمخاطبة المجاذيب بما يستحقون من تقديس ، وافتخر الشعراني بمراعاة الآداب معهم ، وأوصى بعدم مخالطتهم لأنهم يعلمون الغيب ويقرأون الخواطر والسرائر بإعتبار وجودهم فى الحضرة الربانية . وقال المتبولي :( سلموا على أرباب الأحوال بالقلب دون اللفظ ، فإنهم في حضرة لا يقدرون على خطاب أحد باللفظ )[480] ..
ثانيا : الانخراط فى ( الجذب ) خداعا
1 ــ وبسبب هذه المميزات والفضائل للمجاذيب ، وفرارا من الظلم المملوكى، ولسهوله الحصول على لقب ( مجذوب ) مقارنة بالصوفى السالك فقد إنخرط كثيرون فى سلك (الجذب) فانتشر المجاذيب فى كل مكان ، وأصبحوا يمثلون طبقة متحركة تهيم على وجهها فى المجتمع المصرى المملوكى .
2 ـ ولم يقتصر الأمر على العوام ، بل ادعى كثير من الأولياء الصوفية الجذبة المؤقتة ليحصل على إعتقاد الناس فيه ويتمتع بالتقديس الذى يتمتع به المجاذيب والمجانين الحقيقيون . ، ووصل الدشطوطى بإدعاء الجذب الى الشهرة ، وبعد أن صار وليا فى إعتقاد الناس ( عاد اليه عقله ) ليتمتع بثمار جذبته الاختيارية المؤقتة. ويصف الدشطوطي جذبته حاكيا عن نفسه (..فحصل لي جاذب إلهي وصرت اغيب اليومين والثلاثة ثم افيق اجد الناس حولي وهم يتعجبون من أمري ، ثم صرت اغيب العشرة أيام والشهر ولا آكل ولا أشرب ..... فخرجت سائحا إلى وقتي هذا ) [481] .وبهذا أصبح الدشطوطى متمتعا باعتقاد الناس ، إذ كان المجذوب يوصف عادة بأنه معتقد (بفتح القاف) وبانه مقصود بالزيارة ) [482]..
3ــ ونعطى أمثلة للفقهاء ( الماكرين ) الذين آثروا أن يتظاهروا بالجذب ( رياءا و إثما وعدوانا.!! ):
3 / 1 : محمد المجذوب ( كان طالب علم وصار خطيبا في جامع ، وما لبث أن هام على وجهه مجذوبا ) [483] . أى ترك الخطابة وترك الجامع وإنجذب فصار مشهورا ، فذكرته المراجع التارخية ، ولو ظل خطيبا ما إنتبه له المؤرخون .
3/ 2 : ابن البناء ( كان فقيها فاضلا عاقلا انتفع به جماعة من الطلبة فاحتجب وخرج على الناس مجذوبا )[484] ، أى إنه أحتجب ليسأل الناس عن سبب احتجابه وينتظرون ظهوره ، ثم يظهر لهم فجأة ، وهو مجذوب .!!.
3 / 3 : (واشتغل الكمال الدمياطي بالعلم وكان على طريقة حسنة ، ثم انجذب ) [485] . كان طالب علم ضمن آلاف الطلبة ، وعندما إنجذب صار شيئا مذكورا .
3 / 4 : وكان أبوبكر البجائي فقيها مالكيا (ثم حصل له جذبه وصار صاحب كرامات )[486] .
3 / 5 : قاضي القضاة الجلال الأنصاري انجذب بدعوى أن هاتفا دعاه للعبادة فساح في الأرض ( إلى أن أُذن له في الجلوس فبلغ المجاهدة مقام المشاهدة ) [487] ، أى زعم أنه هاتفا دعاه الى أن يكون مجذوبا فصار مجذوبا ، ثم جاء له الأمر بالجلوس شيخا صوفيا ، فجلس شيخا صوفيا ، وبلغ درجة ( المشاهدة ) أى مشاهدة الخالق جل وعلا بزعمه .!!،
3 / 6 : وكانت لآخرين أسبابهم القوية في الجذبة، فالشيخ حُطيبة ) [488] وإسماعيل الصالحي ) [489] كلاهما عشق امرأة فانجذب ، وضاق الطوخي بما عليه من ديون فأظهر الجذب وكثر من يعتقده ، وأحيانا كان يرجع عن جذبته ثم يعود إليها ) [490] . يعنى ينجذب إذا طارده الدائنون ، فإذا أمن منهم عاد لطبيعته
3 / 7 ولم يقنع بعض الصوفية فاتخذوا من الجذب وسيلة للشهرة ، فيحي الصنافيري كان صوفيا ثم حدثت له جذبه ربانية فوصل إلى مقام القطبانية وسعت له الخلق [491] وكان عمر الكردي صوفيا بخانقاة سعيد السعداء فانجذب واشتهر بالصلاح [492] وحتى يشتهر الدشطوطي كانت هيئته كالمجاذيب ) [493] وانجذب أبوالفضل وفا ) [494] .
واتخذ كثير من الأولياء في نهاية العصر سمة المجاذيب كما يظهر في الطبقات الكبرى للشعراني ....
ثالثا : بعض مظاهر الجذب
1ــ وكان المجذوب يهذي بماله علاقة بعمله قبل الجذب فكان( الشيخ بهاء الدين المجذوب يحفظ البهجة كأن لا تزال تسمعه يقرأ فيها..) .. وكان فرج المجذوب يقول : ( عندك رزقه فيها خراج ودجاج وفلاحون ) ، وابن البجائي يقول: ( الفاعل مرفوع والمخفوض مجرور وكان القاضي ابن عبدالكافي ( يقول في بيت الخلاء : ولا حقّ ولا استحقاق ولا دعوى ولا طلب ) [495]..
2ــ وتفنن المجاذيب في اتخاذ كل غريب في مظهرهم من حلق الوجه ولبس القرون او الألياف او الحرير او الحديد في اعناقهم ، او يتخذ الأعلام على رأسه، أاو يركب جريدة قد صور لها وجها وعينين ، أو يعلق فيها جرسا ، أو يتخذ الحروز الكثيرة حول عنقه كقلادة المرأة او يحمل الطبل في عنقه ) [496] . ومنهم من يمشي عريانا، أو يرتدي زي الجندي ويمشي بالسلاح والسيف ، أو يلبس زي القضاة والتجار ، ويغير الألوان . وربما حمل على رأسه عمامة نحو قنطار) [497] . وتارة يصيح احدهم ، أويصمت ، أو يتكلم ثلاثة أيام ويسكت مثلها ) [498] .
3 ــ وقد يعرف أحدهم بالوقوف الطويل في مكان معين لا ينتقل منه صيفا او شتاء ، وبما امتدت المدة إلى ثلاثين سنة فبما يزعمون ، أو ينام أحدهم في كانون الطباخ ، أو يقيم في الأمكنة الخربة او البرية وحوله الحيوانات ) [499] .
4 ــ وعٌرف المجاذيب من أتباع ابن خضر المجذوب بأن احدهم (إذا طاب يضرب رأسه بعصاه هائلة ضربات متعددة بحيله وقواه ، ولا يسيل له دم ) [500] .
وكانت لآخرين أحوال مضحكة فكان ابن مصيغير يخاصم ذباب وجهه ويتشوش من قول المؤذن (الله أكبر) فيرجمه ويقول عليك يا كلب نحن كفرنا يا مسلمين حتى تكبروا فينا ) .! . واذا مرت عليه جنازة وأهلها يبكون يمشي معهم ويقول : ( زلابية هريسة زلابية هريسة ) [501] .
وكان بعضهم إذا رأي امرأة في الطريق ( يضربها ويقول غطي يدك فاشتهر بذلك ) [502] وكان اذا سأل أحدهم الدعاء من الشيخ نجيم قال له: ( كشك ولحم )، واذا دفع لجمال الدين الأسود نقود جديدة انشرح وقال محمدي محمدي (فيحصل للسامع انبساط ) .[503]
5 ــ ويعبر عنهم المثل الشعبي ( زى المجاذيب .. كل ساعة في حال ) [504]
طبقة الأشراف فى مصر المملوكية
أساس الانتحال فى الانتساب الى النبى عليه السلام
1ــ لا ينفع أحدا أن يكون قريبا بالنسب الى نبى أو من ذريته ، فهناك ابن نوح ووالد ابراهيم ، وهناك أبو لهب عم خاتم النبيين ، وهناك زوجتا نوح ولوط . أولئكم جاء نصُّ القرآن الكريم عنهم بالضلال . وبعضهم مذكور بالاسم مثل آزر وأبى لهب .
إنّ كل الأنبياء بشر ، وسيفرّ كل منهم من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه فى يوم لا أنساب فيه ولا يتساءلون ، ولا يجزى فيه والد عن ولده ولا مولود عن والده ، ولا تملك نفس لنفس شيئا ، والأمر يومئذ لله مالك يوم الدين ، فلا شفاعة لبشر فى بشر ، ومن حقّت عليه كلمة العذاب لا يستطيع خاتم المرسلين إنقاذه من النار ، فهو لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا ــ شأن كل فرد من البشر ــ إلا بمشيئة الرحمن، بل سيكون شاهدا شهادة خصومة على الكافرين من أهله وقومه وأصحابه الذين صحبوه فى الزمان والمكان ، وسيأتى عليهم شهيدا يؤكد أن قومه إتخذوا القرآن مهجورا . هذا ما يؤكده رب العزة فى مئات الآيات القرآنية التى تنفى شفاعة البشر ، وتجعل الشفاعة شهادة تحملها ملائكة حفظ العمل لمن كان عمله صالحا وكان إيمانه بالله جل وعلا مخلصا خالصا ، ثم تكون هذه الشفاعة أو تقديم العمل يوم الحساب لمن أذن له الرحمن وارتضى .
2 ـ ولكن يتأسس الدين الأرضى عموما على الشفاعات والوساطات ، وبالتالى تتاسس على الشفاعة والوساطة جماعات كهنوتية ، يتوسل بها الناس ، يقترفون الجرائم وياكلون المال السُّحت ثم يطمعون فى دخول الجنة بتقديم بعض هذا المال يشترون به صكوك الغفران وقصورا فى الجنة . وبالتالى يكون من أهم المؤهلات لهذا الكهنوت هو الزعم بالانتساب للنبى محمد عند المحمديين ، ولهذا أصبح الانتساب للنبي عليه السلام هو العقدة الخالدة عند الشيعة ثم الصوفية بالذات .
3 ـ وأصبح هذا ( نسبا شريفا ) بمعنى أن غيره من النسب العادى هو (غير شريف ).!! بمعنى أنه لا بد أن تكذب حتى تكون ( شريفا ) ، ولو تمسكت بنسبك العادى لأهلك الحقيقيين من المصريين والايرانيين والسوريين والعراقيين ..الخ ... فأنت نسبك ( غير شريف ) حتى لو كنت ( عمر الشريف) أو ( نور الشريف) أو ( على الشريف) أو ( محمود الشريف ) أو ( كريمة الشريف ).! وبالمناسبة فإن صفوت الشريف ينتمى الى الأشراف ، هو ينتسب الى ( الأشراف ) بينما هو ( مسجل خطر ).!
الانتحال للنسب ( الشريف ) بين الشيعة والصوفية
1 ـ وانتحال النسب الشريف باب طرقه آخرون قبل صوفية العصر المملوكي ، والزعم بالمهدية ( اى أن يكون المهدى المنتظر ) لهدف سياسى ـ يقترن بزعم الأنتساب للنبى محمد عليه السلام . وهى فرية مضحكة وعادة سيئة تكررت وتتكرر فى تاريخ المحمديين تحمل معها سفك الدماء فى أغلب الأحيان .
2 ــ واشهر مدعى الانتساب للنبى هم الفاطميون الذين أقاموا الدولة والخلافة الفاطمية فى شمال أفريقيا ومصر، وأسّسوا القاهرة والأزهر(الشريف ) نسبة للسيدة (فاطمة الزهراء ) . وخصوم الفاطميين يطلقون عليهم ( بنوعبيد ) ، ومنهم الفقيه ابن تيمية المشهور بعدائه للشيعة والصوفية ، وهو يرى أن الفاطميين : (زنادقة ملاحدة قرامطة باطنية واسماعيلية ونصيرية ) [505] . وعلى خُطاه سار السيوطى فى كتابه ( تاريخ الخلفاء ) وقد تعصب فيه للخلفاء العباسيين يدافع عنهم بالباطل ، بل ويسجل تاريخ الخلفاء العباسيين فى القاهرة المملوكية ولم يكونوا سوى خدما للسلطة المملوكية ، وفى نفس الكتاب يهاجم بقسوة الخلفاء الفاطميين .
من ناحية أخرى كان المؤرخ المقريزي يفرط في تعظيم شيخه العلامة عبد الرحمن بن خلدون لكونه يجزم بصحة نسب بني عبيد (الفاطميين) إلى (على بن أبى طالب ) ويدفع ما نقل عن الأئمة في الطعن في نسبهم [506] ، وقيل إن دافع المقريزي لذلك أنه نفسه كان يدعي الانتساب للفاطميين ، وهذا ما يذكره المؤرخ ابو المحاسن تلميذ المقريزى، ونقله عنه ابن اياس [507] .
3 ــ وقد تابع الصوفية اساتذتهم الشيعة في ادعاء النسب العلوي، وكان هذا سهلا ، فالصوفى يتمتع بالتقديس والتصديق لكل ما يقول ، خصوصا لو زعم مناما أو رؤية أو وحيا . ولقد زعم عمر ابن الفارض لنفسه ذلك النسب عن طريق رؤية منامية نسبها للرسول عليه السلام [508].....
تكوين طبقة الأشراف بناءا على هذا الانتحال
1 ــ وانتشر الزعم بالانتساب للنبى ، فتكونت طبقة إجتماعية من ( الأشراف ) بناءا على هذا الزعم . وصار مُباحا لكل من هبّ ودبّ أن يصبح من ( الأشراف ) بهذا الانتحال ، ودخل فى الميدان دجالون كثيرون ، يطمع كل منهم أن يتمتع بمزايا ( الأشراف ). وأزعج هذا السيل من الأكاذيب بعض المؤرخين فانتقدوا من يعرفون من منتحلى النسب ( الشريف ).
2 ـ فابن حجر يقول عن أبن زقاعة الصوفي المحتال : (كان يدعي أنه من بني نوفل بن عبد مناف [509] . ويقول المقريزي عن محتال آخر: ( قدم رجل يدعي انه شريف اسمه هاشم ) [510] وذكر المقريزى أن الأمير يخشى بك غضب على محتال زعم انه شريف النسب فسبّه وشتمه فعوقب الأمير لأنه ( سبّ بعض من يدعى انه شريف ) [511] . وقال المؤرخ السورى ابن طولون أن الفقيه ابن الحنبلية ( جعل نفسه شريفا وهو ليس شريفا ) [512] . وقال المؤرخ ابن حجر أنّ الجروانى انتسب وصار شريفا، و ( كان يُطعن في نسبه ) [513] .ويذكر المقريزى فى ( الخطط ) زعم بعضهم أن النبي عليه السلام قال في منام لأحدهم : (يكون فرجك على رجل من أهل بيتي صحيح النسب )[514] . وهذا المنام المزعوم فى حد ذاته دليل على وجود من هم ليسوا بصحيحى النسب .! .
3 ــ لذا كان الشّكّ فى الانتساب للنبى هو السائد ، ولحق هذا الشك بمشاهير ( الأشراف ) ومنهم الشريف المكرانى ، وقد تشكّك بعضهم فى نسبة طبقا لما يقوله المؤرخ السخاوى . [515] بل وصل الشكُّ الى ابى الحسن الشاذلى نفسه ، يقول عنه المؤرخ الجزرى : (وأصحابه يذكرون له نسبا على الحسن بن على ) [516] ، وهى إشارة لطيفة فى التشكيك فى نسبه ( الشريف ) ، وكان مؤرخون آخرون أكثر صراحة ، منهم الصفدى القائل عن أبى الحسن الشاذلى : ( إنّ الشاذلي انتسب في بعض مصنفاته إلى على ابن أبي طالب . وقال شمس الدين الذهبي : هذا نسب مجهول لا يصح ،ولا يثبت ، وكان الأولى به تركه ) [517] . والطريف أنه حين اتهموا المؤرخ ابن خلكان بالكذب في انتسابه للبرامكة قال (... اذا كان لابد منه كنت انتسب إلى العباس أو إلى على ان ابي طالب أو إلى احد من الصحابة. [518] .
4 ـ وإنفتح الباب على مصراعيه للإنتساب للنبى حتى لقد أراد يهودي يقال له أبو السعود أن يعمل له ( محضر) بانه شريف [519] ما يدل على كثرة مدعى النسب وسهولة الخصول على مستند بالانتساب الى الأشراف ، فقد كانت تجارة إحترفها بعض نقباء الأشراف ، يأخذون الرشوة لإدخال من يريد في جملة الأشراف ويعطونهم شجرة النسب [520] . وأراد بعضهم الشهرة فتخصّص فى الطعن فى نسب المشاهير من ( الأشراف ) فذكره ابن حجر والسخاوى ، وقد قالا عن الشريف حسن بن محمد إنه كان ( عارفا بأنساب الأشراف كثير الطعن في كثير ممن يدعي الشرف ) [521] .
5 ــ وبالانتشار الهائل للتصوف فى نهاية العصر المملوكى تضخمت طبقة الأشراف ، وتكاثر النزاع بين أولئك المنتحلين ، ووصل النزاع الى السلطان الغورى فعقد الغوري مجلسا بالقضاة الأربعة بسبب الطعن في انساب جماعة من الأشراف [522] ، هذا مع وجود ديوان قديم للأشراف يختص بالفحص عن أنسابهم وحقوقهم، وقد ذكره القلقشندى فى موسوعته ( صبح الأعشى ) [523]..
إمتيازات طبقة الأشراف
1 ــ ولأولئك الأدعياء بعض العذر، فقد كان لطبقات الأشراف امتيازات، حيث مُيّزُوا بالعلامات الخضر في ملابسهم [524] وكان من يسُبُّ شريفا يُقتل حدّا بالشرع [525] . وقُتل احد منتخلى النسب ( الشريف ) فنسب ابن اياس ظهور طاعون والغلاء إلى هذا الحادث . [526] . والمقريزى تخلى عن عقله وموضوعيته فكتب رسالة في حق آل البيت الاشراف على من عداهم وجعل لهم حصانة ، وحذر من الوقوع في احد منهم مهما ارتكب من محرمات [527] وشاع حديث مصنوع منسوب للنبى يقول : ( إنّ لكل قوم فراسة ، وإنما يعرفها الأشراف )[528] وزعموا أن صاحب صقلية النصرانى المتعصب اطلق الأسرى من المسلمين لأنّ بينهم شريفا إكراما لهذا الشريف .[529] ، ولم يذكروا إسم ذلك الحاكم ولا إسم ذلك ( الشريف ) ولا زمان الحادثة ولا ظروفها ، أى هى رسالة مصنوعة موجهة للسلطات لمزيد نت التقديس والتبجيل ( للسادة الأشراف ) .
2 ـ لذا كان من الطبيعي أن تشعر نساء الأشراف بالاستعلاء والعنصرية نحو ( غير الشرفاء ) ممّن لا يحملون ( النسب الشريف ) ، وتجلّت هذه النزعة العنصرية فى نظرتهن للرجال ( غير الأشراف ) . وقد شاع هذا مبكرا منذ القرن الثامن الهجرى ، مرتبطا بالانحلال الخلقى الذى كان يسير مصاحبا للنقال ( السنى ) و الدين الصوفى . والتجديد الذى جاء به إستعلاء النساء من ( الأشراف ) غو إستخدام هذا الاستعلاء للإختلاط بالرجال من غير ( الأشراف ) بلا نقاب . وإحتجّ علي ذلك الفقيه الصوفى ابن الحاج ، يقول عنهن : (فلا يستحين إلا من شريف واما غيره فلا ، وبعض النسوة من الأشراف في بعض البلاد لا يحتجبن من الغريب أصلا ويتحدثن معه ... ويزعمن ان الغريب ليس من الرجال الذين يُستحي منهم ) [530]... نزعة استعلاء إختلطت بالانحلال ، لأن الاختلاط بالرجال وقتها كان يعنى الانحلال الخلقى .
هذا ، ومن الأمثال السائدة في العصر المملوكي : ( لا أصل شريف ولا وجه ظريف..) [531].
سابعا :
الأثر الاقتصادى للتصوف فى مصر المملوكية
من التركيب الاجتماعى الى أثر التصوف الاقتصادى
مقدمة
لاشك أن البحث فى الأثر الاقتصادى للتصوف فى مصر المملوكية يستحق أكثر من رسالة دكتوراه ، وما نقدمه فى هذا الكتاب هو مجرد فتح الباب أمام الباحثين الجادّين للتعمق فى النقاط التى وردت فى هذا الكتاب لتكون مبحثا مستقلا ، وخصوصا عن الأثر الاقتصادى للتصوف فى الدولة المملوكية .
وهنا ــ فى الموضع الاقتصادى ــ نضع فقط بعض إشارات وبعض نقاط فوق بعض الحروف كإشارات ضوئية للباحثين المهتمين . وقد سبق عرض بعض موضوعات تتداخل مع موضوع الاقتصاد مثل العمران الدينى الذى توسع فى العصر المملوكى بآثار سلبية وإيجابية ومثل القيم لاجتماعية التى نشرها التصوف والداعية للتواكل والتبطل ، وما نتج عنها من تضخم طوائف المتسولة ، ولهذا تأثير إقتصادى فى توسيع دائرة الفقر ، ولا ننسى أن مصطلح ( الفقر ) كان يعنى ( التصوف ) وأن ( الفقير ) إصطلاحا هو الصوفى ، ومعلوم أن ( الفقر ) الاقتصادى بمعنى ( العوز والحاجة ) يستند الى ثقافة تجعل الفرد سعيدا بفقره راضيا به ، وتزداد خطورة هذه الثقافة ( الفقرية ) إذا إرتبطت بالدين ( الأرضى ) وكان لها دُعاة مثل ابن عطاء السكندرى الذى جعل السعى والنشاط فى تحصيل المعاش شركا بالله عزوجل ، فهنا تداخل بين القيم والأقتصاد . والموالد وزيارة القبور لها تأثير فى الرواج الاقتصادى ، فهنا تداخل بين العادات والاقتصاد .
مسئولية التصوف فى نشر ثقافة الفقر تشمل أيضا قدوم وفود وجماعات صوفية الى مصر ، إحترفوا التسول ، وكان أكثرهم من الأعاجم ، كما أن التصوف خلق طوائف مهنية فى المجتمع المصرى ، وهنا يتداخل أثر التصوف فى التركيب الاجتماعى مع أثره الاقتصادى . والنشاط الاقتصادى جزء هام من التاريخ الاجتماعى ، ونعرض مجرد لمحات تجمع بين التأثير الاجتماعى ( فى التركيب الاجتماعى ) والتأثير الاقتصادى :
أولا : التركيب الاجتماعى والأثر الاقتصادى
طوائف الأعاجم ..
1 ــ تكاثر عددهم في مصر المملوكية بزيارة القادمين من الصوفية لمصر ، حتى لُقّب الصوفي بالأعجمي . ويقول ابن بطوطة عن الصوفية (وأكثرهم اعاجم ) [532] واحترف أكثرهم التسول [533] ، لذا فكثير ما كان يحدث النداء لهم بالطرد او النفي والضرب ، خاصة في الاضطرابات السياسية التي كانوا عنصرا فيها، ثم يعود الحال إلى ما كان عليه بالشفاعة فيهم [534]..
2 ــ وبالتالى كان أثرهم الاقتصادى سلبيا ، فلم يكونوا عنصرا منتجا ، بل حتى لم يقتصروا على التسول والحياة عالة على المجتمع بل كانوا عنصر شغب وفساد . وفى النهاية تم توطينهم فى مصر وصاروا جزءا من أهلها وعنصرا من نسيجها الاجتماعى والطبقى ..
طوائف مهنية بأثر التصوف
هذه الطوائف أثرت سلبيا على الاقتصاد ، فقد تركت العمل وإحترفت البطالة و أحيانا البلطجة ، وصار لهم نفوذ فى الشارع ، وتنظيمات ورؤساء ، أرغمت الدولة على التدخل لكفّ فسادهم . وأهم هذه الطوائف :
الجعيدية
1 ـ هم طائفة صوفية ظهرت في العصر المملوكي تحترف التسول كقيمة اجتماعية نشرها التصوف في المجتمع، حتى أصبح لقب الجعيدي علما على بعض الصوفية يطلقه على نفسه كما فعل المتبولي [535].. وقد دخل في هذه الطائفة ــ مع الصوفية المتسولين ــ أرباب العاهات والمحتاجون .
2 ـ وبانتشار التصوف وتسيده في نهاية العصر ضمت طائفة الجعيدية بعض المتبطلين القادرين على الكسب ، الذين استمرأوا سهولة الكسب بالتسول مع التواكل والتبطل. وكانوا بما أتوا من قوة ينتزعون الأموال من يد متولى الصدقة ، يقذفون به من فوق فرسه حتى أثاروا السلطان برسباي فطلب ( سلطان الحرافيش و شيخ الطوائف ) وألزمهما بمنع الجعيدية من التسول في الطرقات وألزمهم بالتكسب في الحفير ، فامتنعوا مؤقتا عن التسول، ولم يبق إلا أرباب العاهات . وقد اعتبر أبوالمحاسن ذلك من أكبر المصالح ( لأن معظم الجعيدية كان يترك الحرفة ليتسول ، ويقسم على الناس بالأنبياء والصالحين شاكيا من قسوة القلوب..) وتفنن أخرون في السؤال وإيذاء الناس بالقول( فما كان أحسن هذا ــ يقصد منع الجعيدية ــ لو دام واستمر ) [536]..وكالعادة ..ففى مصر : ( كل شىء يُنسى بعد حين ) و ( تعود ريمة الى عادتها القديمة ).
3 ــ وقد علا شأن بعض الجعيدية حتى تزعم الدهماء والعوام ( الحرافيش ) في وقته ، فذكر ابن إياس أن الشيخ على الجعيدي ن 793 كان سلطان الحرافيش في عهده ، وكانت له عليهم (حُرمة وافرة ... فلم يخلفه بعده مثله ) [537] .وواضح مما قاله أبو المحاسن وابن إياس أن للجعيدية رؤساء شأن الطوائف الأخرى .
4 ــ واستمرت الجعيدية كطائفة بعد العصر المملوكي وحتى عصر قريب [538] ...
الفقراء الطوافون
1 ــ ظهروا في نهاية العصر كمظهر لامتداد تيار التسول والتصوف فكانت طوائفهم تطوف على البيوت بزي التصوف تسأل الناس ، فعرفوا بالفقراء الطوافين ، واشتهروا بالإلحاح في السؤال مع القدرة على الكسب والتبطل .
2 ــ ومع ذلك فقد أجهد الشعراني نفسه في الدفاع عنهم، فطالب بألا ينكر عليهم احد لانهم ــ في زعمه ــ يريدون أن يحملوا عن الناس ذنوبهم وبلاءهم ، وأن العهود أخذت عليه ألا يمكّن احد من القول أنهم قادرون على الكسب لأن ذلك حجة في البخل . واعترف الشعراني أن احد الأولياء الصوفية كان منهم ( فكان يسأل ويتصنع السقوط حتى يظن من لا يعرفه أنه حشاش ) [539]..وربما كان وجود ذلك الولي الصوفى دافعا للشعراني في دفاعه عنهم مع كثرة انكاره على الصوفية في عهده..
الفقراء الذاكرون
1 ــ وهم صوفية احترفوا الذكر فى المناسبات وخصوصا الجنازات، ويتبعهم المريدون والغوغاء فتصير الجنازة في (غوغاء وتلخبط) كما يقول ابن الحاج ، وقد ذكر ان (لكل فرقة منهم طريقة مختلفة في الذكر تختص بها عن غيرها ، فيقولون هذه طريقة المسلمية وهذه طريقة كذا، كما جرت عادتهم في اختلافهم في الأحزاب التي يقرأونها ، وكل واحد لا يشبه الأخر غالبا ) [540] .
2 ــ وقد استمر الاعتماد عليهم بعد العصر المملوكي حيث يتقدم الجنازة طائفة من العميان في ثلاثة صفوف ينطقون بالشهادتين بطريقة خاصة...) [541]
الزوالق
1 ـ بانتشار التصوف وتنافس الصوفية فيما بينهم على استحواذ النفوذ ببين الجماهير والحكام ظهرت طائفة من ( الفتوات ) أو ( القبضايات ) لحماية الولى الصوفى ، وتسمى :(الزوالق). هم عُدّة كل ولي في مواجهة منافسيه من باقي الأولياء . أى تحول شيوخ الصوفية فى أواخر العصر المملوكى الى شيوخ عصابات باسم الدين ، بحيث يمكن أن تقول عنهم ( شيوخ قطع الطرق ) بدلا من ( شيوخ الطرق ).!!
2 ــ ويحس الشعراني بالرهبة من الزوالق يقول:( إياك ومعاداة الناس ولاسيما الزوالق ، ومن يحب الانفراد بالصيت في بلدك ، فإنهم يكدّرون عليك العيش ، ولوكنت من أكابر الأولياء ) [542] وقد عد من المنن عدم وجود أحد من الزوالق حوله . ونعرف عمل الزوالق من قول الشعرانى كأنه يشكو : ( وقلّ فقير إلا وحوله كل واحد يخلي له الإقليم. ومن مفاسدهم انهم يُطرون ( أى يمدحون ) من يكونون حوله ويبالغون في تعظيمه ورفع مقامه على سائر فقراء بلده ، ويقبلون يده ورجله، ويقفون بين يديه كما يفعل بالأمراء ... ومن مفاسدهم أيضا أنهم يؤذون من كان في صحبة شيخهم اذا اجتمع بغير شيخهم، وربما يضربونهم بالقباقيب والنعال ، ومنهم من يؤذي الناس بلسانهم ، ويبالغون في تعظيم شيخهم بحضرة من لا يعتقده ..... وهم في الولائم لا يميلون لسماع القرآن ، ويحبون الغناء . وربما قال أحدهم : ابطلوا القرآن واسمعونا ما يبسطنا ) [543]..
مشايخ الزيارة
1 ــ وهم صوفية أكثروا من زيارة قبور الأولياء بالقرافة حتى عرفوا مسالكها كما قيل عن الغمري (أكثر من زيارة الأولياء والصالحين حتى صار أحد مشايخ الزوار بالقرافين واشتهر ذكره ) [544] وقد وجدت هذه الطائفة فى البداية على نطاق ضيق، فالشيخ الكاتب أحد مشايخ الزيارة كان ( الجنيد ) أبرز رواد التصوف الأوائل يعظمه ، ومات الشيخ الكاتب بعد عام 340 [545]
2 ـ إلا انها ازدهرت كطائفة في العصر المملوكي ، يُرشد أربابها زوار القرافة . وابن الزيات صاحب (الكواكب السيارة) كان من مشايخ الزيارة ، فهو يتحدث عن بعضهم بلقب (شيخنا) [546] وتتردد أسماؤهم في كتابي المزارات (تحفة الأحباب) للسخاوي ، و(الكواكب السيارة) . وقد أورد فيه ابن الزيات بعض كراماتهم وحكاياتهم وأنهم كانوا يقومون بعملهم ليلا . وتابعه السخاوي فيما قاله [547]....
لمحة عن أثر التصوف إقتصاديا فى العصر المملوكى
آثار الوقف اقتصاديا ..
1 ــ ازدهر الوقف في العصر المملوكي بازدهار التصوف وعكست هذا وثائق الوقف على المؤسسات الصوفية في مقدماتها [548] ، وكما يبدو واضحا في الفصل الخاص بأثر التصوف فى العمارة واهتمام المماليك بإنشائها ورعاية الصوفية فيها ، والوقف عليها بأرضى زراعية ومحلات تجارية وأملاكا عقارية ،كلها يتخصص ريعها فى الانفاق على تلك المؤسسات . ولم ينته حكم المماليك إلا وبلغ الأراضي الزراعية الموقوفة حوالى عشرة قراريط من 24 قيرطا ، أى حوالى نصف الأرض الزراعية وكانت غالبية مباني القاهرة والفسطاط وقفا ، وقد كان المقريزي يشكك في صحة ملكية الأوقاف في عهده بسبب كثرتها .[549].
2 ـ وكان السلطان المملوكى يتحايل فى تحصين ثروته وحمايتها من المصادرة بأن يجعلها وقفا ، ويجعل نفسه وورثته قائمين على هذا الوقف ، يخصص جزءا منه للمؤسسة الصوفية والباقى له ولذريته . وكان السلطان التالى يطمع في إنتزاع أوقاف من سبقه ، ولم يستطيعوا حلها بطريق شرعي، فتحكموا في ريعها ثم عاونهم القضاة في اغتصابها عن طريق الاستبدال ، فيأخذون الأراضى العامرة الموقوفة مقابل أراضى صحراوية وخرائب وأراضي البور، فى عقد استبدال صورى [550] . وانتقل الأمر من السلاطين والأمراء الى ذوى النفوذ الأقل شأنا ، فقد اشتهر جمال الدين الاستادار بذلك، وعاونه ابن العديم قاضي القضاة وقتها ، واستولى هذا الاستادار على أوقاف كثيرة بحيلة الاستبدال ،واوقفها على خانقاته ، ومما يؤكد إصرار ابن العديم على خراب الأوقاف في مصر قوله لمن احتج عليه كثرة الاستبدال : (إن عشت أنا والقاضي مجد الدين لا يبقى في بلدكم وقف ) [551] .. واشتهر جمال الدين الاستادار بخانقاته وكثرة سرقاته وتخصصه فى الاستبدال . واشتهر كثيرون غيره في استبدال الوقف [552] متأثرين بانحراف القضاة والفساد الذى شاع في العصر بتأثير التصوف...
3 ــ ولم يكن الاستبدال هو الطريق الوحيد . كانت هناك طرق أخرى : كان الواقف يُرغم على الاشهاد على نفسه ــ في محنته ــ بأن أملاكه واوقافه من مال السلطان. وفي عهد برقوق استؤجرت الأوقاف بأقل من أجر مثلها فلجأ بعض مباشري الأوقاف إلى هدم العقارات الموقوفة بدل تعميرها ، وأحيانا كان يتم تعيين القاضي في مقابل أن يقرض السلطان من مال الأيتام الموقوف .
4 ـ وبمرور الزمن تلاشت كثير من الأوقاف ، ووضع آخرون يدهم عليها وتملكوها بحكم الواقع وتقادم السنين او بانقراض المستحقين او فقدان كتاب الوقف، مع إهمال القضاة في الإشراف على الأوقاف الموكل اليهم حفظها .[553]
5ــ وبالإضافة إلى إهمال الأوقاف وخرابها فقد أدى اتساعها مع اعفائها من الضرائب إلى قلة إيرادات بيت المال ، فضلا عن أن السلطان كان يعطي امتيازات خاصة لمناطق اوقافه ، هذا إلى أن طبيعة الوقف من شأنها حبس الأموال عن التداول بأي نوع من أنواع التصرف ، وبالتالي منعها من القيام بدورها في خدمة اقتصاد البلاد. ثم ان الواقفين حجروا على المباشرين في حرية التصرف وأدت الشروط المتعددة للواقف إلى سوء استثمار الموقوف لو إفترضنا حُسن النية لدى المباشر . وهذا متعذر فلا يهمه من الوقف إلا الريع دون الاهتمام بالإستثمار الأفضل . وبهذا خربت الأوقاف وقل ريعها فأثر ذلك على ثروة البلاد ..[554]..
6 ـ ــ ثم أن هذه الأوقاف كانت سبب تعطل من وقف عليهم اعتمادا عليها ، فعاشوا بلا عمل عالة عليها [555] ، ووجد فيها الصوفية فرصة الحياة المريحة فعاشوا عليها وأهملوا شروط الواقف مما دعا السلطان برسباي للكشف عن شروط وقفي المدراس والخوانق للعمل بها فسر الناس بذلك ثم تراجع عما عزم عليه ) هذا ما ذكره ابن حجر والمقريزى وابو المحاسن [556] ، ويقول أبوالمحاسن عن إهمال القضاة للأوقاف : ( من شان القضاة عدم الالتفاف لعمارة الأوقاف والمدراس التى يكونون أنظارها . وما ادرى ما الذي يعتذرون به عن ذلك بين يدي الله عز وجل ؟.... وقد شاع ذلك في الأقطار عن قضاة زمننا، وصار غالب الناس اذا وقف على مدرسة أو رباط او زاوية أو غير ذلك يجعل النظر فيه حاجب او الداودار او الزمام ولا يجعله لمتعمم ) [557]...
الأثار الاقتصادية للتواكل الصوفي : ترك الحرفة
1 ــ اتخاذ الحرفة أساس بناء الحضارة :
وبدعوة التواكل الصوفية ترك الكثيرون حرفهم وصاروا صوفية ، بل ان بعض الصوفية القادمين عنّ له أن يمارس حرفة فجرفه تيار التواكل )[558] ، والعيش الهنيء للصوفية في مصر داخل المؤسسات الصوفية يُغرى الحرفيين بترك الحرفة . بل إن بعض وثائق الوقف تتيح لتاركى الحرفة التوظيف فيها ليعيش عاطلا ، ففى وثيقة وقف مغلطاى الجمالى : ( ويرتب بها مع عشرين من الفقراء المتصفين بالخير والعيانة المتخليين عن الاكتساب ) [559]... أي كان ترك الحرفة شرطا للعيش الرغد في الخانقاه .
وصار ترك الحرفة لازمة من لوازم التصوف حتى أن الصوفي اذا نزع الى احتراف عمل يقتات منه تشكّكوا فيه و ( امتدت الى زهده الظنون ونالت ن سمعته الألسن) على حد قول الشعراني ) [560].
بل كان بعض الشيوخ الصوفية يزينون لمن يجتمع بهم ترك الحرفة والانقطاع عوضا عنها بترديد اورادهم وأحزابهم وصلواتهم الصوفية . ويقول الشعرانى أن بعض الشيوخ كان (يأمر المريد ان يخلى دكانه ويعرض عن الدنيا ) [561] . وأدت القصة الصوفية دورها المؤثر في هذا المجال ففي إحداها ان تاجرين تركا السوق وتصوفا [562]،
وفي الحوليات التاريخية نرى تأثر الكثيرين بدعوة الصوفية فترك الحرفة لمحبته في أهل الصلاح [563] بل أصبح أخرون أولياء بعد ان بدءوا تصوفهم بترك الحرفة مثل الأعسر )[564] ، والغمري [565] والحنفي )[566] .
وتسمى كثير من الصوفية بأسماء الحرف التي تركوها قبل الانخراط في التصوف مثل الحلاوي والسدار [567] وحسن الخباز صابح ياقوت الشاذلي [568] ، وقال الشيخ الحرار معللا تركه الحرفة (فلم أزل على حالتي اكب الحرير حتى قيل لي أن لم تتركه أعميناك ...)[569] ... وترك كثيرون حرفة الحياكة وتصوفوا مثل إسماعيل الباعوني [570] ومكين الدين الأسمر ) [571] ووضاح الخياط )[572] وبركات الخياط )[573] ، والغمري ) [574] وعمر الوفائي الحائك والدميري )[575] وقاريء البداية ) [576] والشيخ على القطناني )[577] ... وقد ذكرتهم المراجع التاريخية والصوفية ...
ــ والصوفية وقد تركوا الحرفة فعلى حد قول الشعراني (هم بعد ذلك على قسمين إما ان يطعمهم الشيخ من الصدقات وإما ان يسألوا الناس ) [578] أي أصبحوا عالة من الناحية الاقتصادية...
ــ وقد عاش بعض الصوفية في المؤسسات الخاصة بهم كموظفين ... والموظف لا يمكن ان يكون عنصرا منتجا خاصة إذا اتصل عمله بعمل الصوفية في الخوانق .
ونذكر هذا أن أن الصوفية بما نشروا من تواكل وخمول وبما مارسوه من وظائف في الخوانق والربط والزوايا قد غرسوا حب الوظيفة ، وهو نوع من الاستجداء الرسمي في عصرنا الحالي لا يختلف كثيرا عن التسول الصوفي .
ويقول المثل الشعبي (ان فاتك الميري اتمرغ في ترابه ) [579]...
بعض الأثار الإيجابية ..
بعض الآثار الإيجابية
1 ــ ومع ذلك فقد كان للتصوف بعض النواحي الإيجابية في الاقتصاد ، خاصة في الرواج التجاري في الموالد المشهورة والقرافة ... حتى ان من كرامات البدوي اجتماع التجار إليه سنويا من سائر الأقطار (وشاع بينهم أن من حضر المولد بتجارته نفقت بعد كسادها ) [580] وقد راجت تجارة الحمص في مولد البدوي وروى المقريزي والقلقشندي انه عد في طريق بين الفسطاط وجامع ابن طولون (أكثر من ثلثمائة وتسعين قدرا من للحمص المسلوق سوى المقاعد والحوانيت التي بها الحمص ) [581] ولا شك في ان ازدهار طنطا التجاري حتى الآن ــ يرجع إلى وجود ضريح البدوي ومولده بها ــ على ان بعض المحاصيل التجارية قد نسبت لبعض الأولياء لرواج بيعها في مولدهم فنسبت البطاطا إلى سيدي جابر والترمس للأنبابي وفي المثل الشعبي (ترمس امبابة احلى من اللوز قال وأجبر خاطر الفقرا ) [582] وكان الشعراني أحيانا يقرن ذكر المولد بالتجارة فيقول مثلا عن مولد المليجي (يحصل فيه جمعة (اجتماع) كبيرة وتنفيق سلع للناس ) [583]
وانتشرت الأسواق المتنقلة في القرافة والمزارات فيها ) [584].
وبالتصوف ومؤسساته تقدمت صناعات الرخام والمحاريب..
ة
[1]ــ الجوهر والدرر 267: 268
[2]ــ لطائف المنن 344
[3]ــ البحر المورود 187
[4]ــ وثيقة بيبرس الجاشتكير ..
[5]ــ وثيقة جمال الاستادار
[6]ــ تراجم مختلفة ترجمة القبارى في زبدة الفكر مخطوط 9 / 89 ، ترجمة نصر المنبجى في تاريخ ابن الوردى 2 / 368 ، ترجمة ابن سلطان في النجوم الزاهرة 15 / 542 ..
[7]ــ لطائف المنن 172
[8]ــ لطائف المنن 353 : 354 لواقح الأنوار 25 : 26 ، 133 ، 134 ، البحر المورود 130 ، 134 ، 72 ، 2731 ، 320
[9]ــ لواقح الأنوار : 288
[10]ــلواقح الأنوار 105 ، 94 ، 106
[11]ــ لواقح الأنوار 106
[12]ــ البحر المورود 304
[13]ــ لطائف المنن 172
[14]ــ الضوء اللامع 1 / 41 : 42
[15]ــ الضوع اللامع 1 / 13 ..
[16]ــ البحر المورود 233 ، 237
[17]ــ البحر المورود 116 : 117
[18]ــ ردع الفقراء 15
[19]ــ المدخل 4 / 8
[20]ــ عبد الباسط بن خليل الروض الباسم .. مخطوط 3 / 171 حوادث 872
[21]ــ الروض الباسم .. نفس المرجع 4 / 98 : 100 حوادث 873 حوادث الدهور 710 : 712
[22]ــ المقريزى : إغاثة الأمة بكشف الغمة : 74 : 75
[23]ــ البحر المورود 333
[24]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 99 : 100
[25]ــ لطائف المنن 511 : 512
[26]ــ ردع الفقراء للشعرانى صــ11
[27]ــ المدخل 2 / 204
[28]ــ لطائف المنن 176 ، المنن الصغرى مخطوط 50
[29]ــ لطائف المنن 249
[30]ــ لواقح الأنوار 193
[31]ــ البحر المورود 53
[32]ــ لطائف المنن 6 ، 43
[33]ــ لواقح الأنوار 28 ، 194
[34]ــ رسالة في مدعى الولاية 3 ، 6
[35]ــ لطائف المنن 391
[36]ــ الصفدى أعيان العصر 7 / 2 / 222 : 223
[37]ــ الطبقات الكبرى للمناوى مخطوط 385
[38]ــ الطبقات الكبرى للمناوى مخطوط 264 ب
[39]ــ الطبقات الكبرى للمناوى 355
[40]ــ السلوك للمقريزي 1 / 2 / 572
[41]ــ الطبقات الكبرى للمناوى 352
[42]ــ الطبقات الكبرى للشوافى 2 / 116
[43]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 86 ، والكواكب السيارة لابن الزيات 140 ، 229
[44]ــ النويري الإلمام مخطوط 2ر 78 : 79 ، تعطير الأنفاس 50 : 51
[45]ــ طبقات الشاذلية 125
[46]ــ الأمثال الشعبية لتيمور 180 ، شعلان الشعب المصري 324
[47]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 75
[48]ــ لطائف المنن للشعرانى 233 ، 236
[49]ــ لطائف المنن 277 : 278
[50]ــ رحلة ابن بطوطة : 1 : 13 ، 14 ، 16 ، 17 ، 18 ، 26
[51]ــ رحلة ابن بطوطة : 1 : 13 ، 14
[52]الدرر الكامنة 4 / 82 ، الصفدى الوافى بالوفيات 3 / 372 : 373 ، شذرات الذهب 6 / 116
[53]ــ تاريخ ابن الفرات 8ر 60 : 61
[54]ــ تذكرة النبيه 1ر 207
[55]ــ العيني : عقد الجان مخطوط وفيات 714
[56]ــ إنباء الغمر 2ر 33
[57]ــ الدرر الكامنة 4ر 272
[58]ــ معيد النعم : 171
[59]ــ لطائف المنن 501
[60]ــ الطبقات الكبرى 2ر 161
[61]ــ الطبقات الكبرى 2ر 119
[62]ــ شذرات الذهب 8ر 165 : 166 ، 7ر 167 / 168 ، 1596 بالترتيب
[63]ــ لطائف المنن 475
[64]ــ لواقح الأنوار 60 ، 61
[65]ــ لواقح الأنوار 1ر
[66]ــ لطائف المنن 170
[67]ــ طبقات الشاذلية 115
[68]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2ر 93 : 94
[69]ــ دولت الخوانق رسالة دكتوراه غير منشورة جامعة القاهرة ص 252..
[70]ــ السلوك 3ر 2ر 823
[71]ــ ابناء الغمر 1ر 480
[72]ــ لطائف المنن 500
[73]ــ شذرات الذهب 7ر 41
[74]ــ انباء الغمر 2ر 114
[75]ــ لطائف المنن 410
[76]ــ لطائف المنن 501
[77]ــ تاريخ ابن اياس 1ر 134 طـ بولاق
[78]ــ لواقح الأنوار 70ر 71
[79]ــ السلوك 1ر 2ر 502
[80]ــ النويري 29ر 51 .. مخطوط. تاريخ ابن الفرات 8ر 101
[81]ــ تاريخ ابن اياس 2ر 348 طـ بولاق
[82]ــ ابن ايبك سيرة الناصر 79 .. زتيرشين تاريخ السلاطين المماليك 106
[83]ــ نزهة النفوس مخطوط حوادث 833 ، النجوم الزاهرة 14ر 342 (2) النجوم الزاهرة 15ر 424 ، التبر المسبوك 311
[84]ــ ابو المحاسن : النجوم الزاهرة 15 / 424 ، السخاوى : التبر المسبوك 311 ..
[85]ــ المنهل الصافى مخطوط 3 / 250 : 251
[86]ــ الضوء اللامع 1 / 181 ..
[87]ــ البحر المورود 321
[88]ــالطالع السعيد 377 :
89ـ الدرر الكامنة 4 / 373
[89]ــ النجوم الزاهرة 15 / 516
[90]ــ بيبرس الداودار زبدة الفكرة 9 / 329 ورقة (1) ..
[91]ــ الدرر الكامنة 2 / 135
[92]ــ الغزى : الكواكب السائرة 1 / 258
[93]ــ شذرات الذهب 8 / 34
[94]ــ الطبقات الكبرى 2 / 115
[95]ــ الغزى : الكواكب السائرة 1 / 97
[96]ــ تاريخ ابن الفرات 9 / 2 / 288
[97]ــ ابن حجر .. رفع السر عن قضاة العصر 2 / 45
[98]ــ نفس المرجع 2 / 331
[99]ــ حوادث الدهور 3 / 721
[100]ــ لطائف المنن لابن عطاء : 131
[101]ــ أبو القيص المنونى .. جمهرة الأولياء 1 / 231 ز 232 و عبد الحليم محمود : الشاذلى : 71 ، 72
[102]ــ التفتانزانى ابن عطاء : 49
[103]ــ راجع انباء الهصر صفحات 18 ، 126 ، 127 ، 149 ، 273 ، 358 ، 474 تاريخ ابن اياس 4 / 309
[104]ــ انباء الغمر 3 / 36
[105]ــ لطائف المنن 143
[106]ــ النفحات الأحمدية 175
[107]ــ البحر المورود 319 ، وفتح السنة 22 والمنن الصغرى مخطوط ورقة 4 ، الطبقات الكبرى 2 / 62
[108]ــ الشعرانى .. قواعد الصوفية 1 / 174
[109]ــ لطائف المنن للشعرانى 212
[110]ــ لطائف المنن 388
[111]ــ لطائف المنن 543
[112]ــ لواقح الأنوار 102
[113]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 65
[114]ــ لطائف المنن 396 ، 405 ، 424 ، 426
[115]ــ قواعد الصوفية 1 / 204
[116]ــ الجواهر والدرر 170
[117]ــ لطائف المنن 383 ، 384 ، 294
[118]ــ المدخل 2 / 152
[119]ــ الشعرانى صحبة الأخبار 88 ..
[120]ــ عبد الصمد .. الجواهر : 77 ، 82 ، 83 ، 69 .. النصحية العلوية 35 وما بعدها ـ الكواكب السيارة 225 ، 291 ، مناقب الحنفى 256 ، 257 ، 410 412 ، لطائف المنن 293 مناقب الوفائية 66 : 67 .
[121]ــ تاريخ البقاعى : مخطوط ورقة 3
[122]ــ تعطير الأنفاس 203 ، 204 ، الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 9 ،
[123]ــ عبد الصمد .. الجواهر 26 : 27
[124]ــ الجواهر والدرر 271 : 272
[125]ــ لطائف المنن 180
[126]ــ ابن تيمية : مجموعة الرسائل والمسائل 1 / 70
[127]ــ لواقح الأنوار 345
[128]ــ لواقح الأنوار 173 : 174 ، البحر المورود 271 ، لطائف المنن 383
[129]ــ قواعد الصوفية 1 / 165
[130]ــ قواعد الصوفية 1 / 164
[131]ــ مناقب الوفائية مخطوط 46 : 71 ، 93 ..
[132]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 90
[133]ــ محاسن مصر .. ابن ظهيرة 204
[134]ــ خطط المقريزي 1 / 79
[135]ــ روض الرياحين 58 ، 69 ، 107 ، 153 ، 190 ، 192
[136]ــ المدخل 2 / 191
[137]ــ درر الغواص 76
[138]ــ مناقب الحفنى 228
[139]ــ وثيقة تقليد الأتابكى مشيخة خانقاه سعيد السعداء وردت في تاريخ ابن الفرات 8 / 30
[140]ــ انباء الغمر 3 / 54 : 55
[141]ــ ترجمة الزركشى في شذرات الذهب 6 / 335 وترجمة الدميري في الطبقات الكبرى للشعرانى ، وترجمة الجارحى والشونى وغيرهم في درر الغواص 34
[142]ــ التنوير 62 وما بعدها
[143]ــ تاج العروس . مخطوط . ورقة 70
[144]ــ آداب العبودية 34 ، صحبة الأخيار 97 ..
[145]ــ أحمد محمود صبحى .. عالم الفكر مجلد 6 عدد 2 ص 353 : 354 وهامش 1
[146]ــ السيوطى مقدمة رسالته حصول الرفق بأصول الرزق .. مخطوط ضمن مجموعة 209 تيمور بدار الكتب
[147]ــ الأمثال الشعبية لأحمد تيمور 160 ، 161 ..
[148]ــ النويري الإلمام مجلد لوحات 198 : 199 ، 285 : 288
[149]ــ محمد فهمى عبد اللطيف: البدوى 85 : 86
[150]ــ شعلان .. الشعب المصرى في أمثاله العلمية 171
[151]ــ الوصية المتبولية للشعراني : 7
[152]ــ الشعراني تنبيه المغترين 127 ، 131 ، 308
[153]ــ لطائف المنن للشعرانى 241 ، 242
[154]ــ السيوطى : بشرى الكئيب في لقاء الحبيب : خاصة من ص 3 : ص 12
[155]ــ البحر المورود 129 : 130
[156]ــ درر الغواص : 75
[157]ــ المدخل 2 / 198
[158]ــ تاج العروس 71 .. الحكم العطائية 462
[159]ــ نثبة المغترين 131
[160]ــ البحر المورود 23 ، 24
[161]ــ توفيق الطويل : الشعرانى : 136 : 137
[162]ــ كلوت بك : لمحة عامة 1 / 552
[163]ــ المنهل الصافى مخطوط 1 / 93 ، تحفة الأحباب 38
[164]ــ التبر المسبوك 302 وانظر المنهل الصافى 2 / 405
[165]ــ تاريخ ابن اياس 4 / 165
[166]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 130
[167]ــ الكواكب السيارة 144 ، تحفة الأحباب 280
[168]ــ الكواكب السيارة 294
[169]ــ انباء الغمر 2 / 215
[170]ــ مناقب المنوفى مخطوط ورقة 20
[171]ــ مناقب الحنفى مخطوط 521
[172]ــ الكواكب السيارة 207 ، 244 ، 245
[173]ــ السلوك 3 / 2 / 817
[174]ــ الكواكب السيارة 233
[175]ــ مناقب المنوفى مخطوط 52
[176]ــ الكواكب السيارة 197 ، تحفة الحباب 329
[177]ــ الكواكب السيارة 184
[178]ــ الكواكب السيارة 291
[179]ــ تحفة الأحباب 129
[180]ــ حياة الحيوان للدميري 2 / 213 ، 1 ــ 1874 ، 43
[181]ــ حياة الحيوان للدميري 1 / 122
[182]ــ بلوغ المأرب مخطوط
[183]ــ المنهل الصافى مخطوط 4 / 688
[184]ــ حياة الحيوان 2 / 39 ، المستطرف 2 / 114
[185]ــ التبر المسبوك 218
[186]ــ الأمثال الشعبية تيمور 212
[187]ــ لطائف المنن 144 ، 147
[188]ــ """ """"" """ """"
[189]ــ لطائف المنن 144 ، البحر المورود 89 ، 90
[190]ــ الطبقات الكبرى 2 / 144
[191]ــ درر الغواص 51 ، 52
[192]ــ روض الرياحين 216
[193]ــ حياة الحيوان للدميري 1 / 213 : 214
[194]ــ لطائف المنن ـ8 22
[195]ــ راجع أيضا : اليواقيت والجواهر 137 لطائف المنن 229
[196]ــ الكواكب السيارة 164 ، تحفة الأحباب 394 ، التبر المسبوك 370
[197]ــ مناقب الحنفى مخطوط 403 : 415 ، الطبقات الكبرى 2 / 84
[198]ــ لواقح الأنوار 116 ، لطائف المنن 31
[199]ــ التبر المسبوك 158 ، 159
[200]ــ أحكام الجان مخطوط بالدار رقم 2412 تاريخ ص 47، 58 ، 59 ، 62 ، 64 ، 74 ، 75 ، 79 وما بعدها ..
[201]ــ تاريخ ابن اياس 2 / 203 تحقيق محمد مصطفى
[202]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 85 ، حياة الحيوان 1 / 214 : 215
[203]ــ حياة الحيوان 2 / 265
[204]ــ المدخل 2 / 209
[205]ــ أنباء الهصر 366 ، قاموس العادات والتقاليد المصرية 410
تيمور الأمثال الشعبية 169 ، 318 ، 345 ، 80 شعلان الشعب المصري في امثاله : 187 ، 188 ،....
[206]ــ الجوبرى : المختار في كشف الأسرار 20 : 280
[207]ــ تاريخ ابن كثير 14 / 36
[208]ــ تاريخ ابن الفرات 8 / 56
[209]ــ حوادث الدهور 2 / 174
[210]ــ التبر المسبوك 83
[211]ــ تاريخ ابن اياس 2 / 355 طـ بولاق
[212]ــ تاريخ ابن اياس 2 / 206
[213]ــ السلوك 4 / 3 / 1092 ، 1093 ، النجوم الزاهرة 15 ــ 249
[214]ــ روض الرياحين 154
[215]ــ المنهل الصافى مخطوط 1 / 88 ، النجوم 14 / 177
[216]ــ الكواكب السيارة 182
[217]ــ المناوى الطبقات الكبرى مخطوط 357
[218]ــ لطائف المنن 507
[219]ــ انباء الغمر 3 / 457
[220]ــ النجوم الزاهرة 15 / 331 ، تاريخ ابن اياس 2 / 219 تحقيق مصطفى
[221]ــ نزهة النفوس 2 / 69
[222]ــ التبر المسبوك 209 ، تاريخ ابن اياس 2 / 263 ، 264 تحقيق مصطفى
[223]ــ نزهة النفوس مخطوط ورقة 181 حوادث 842 ، السلوك 4 / 3 / 1130 : 1131
[224]ــ حل لغز الماء . مخطوط ورقة 75 : 76
[225]ــ كلوت بك لمحة عامة إلى مصر 2 / 96
[226]ــ السلوك 4 / 3 / 1140
[227]ــ تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 275 ، 7 ، 8 ، 461 ، تاريخ ابن اياس 2 / 870 ، 395
[228]ــ تاريخ ابن اياس 2 / 282
[229]ــ تاريخ ابن اياس 1 / 395 ، 396
[230]ــ السلوك 3 / 2 / 562 ... ابن اياس : 1 / 2 / 382 تحقيق محمد مصطفى
[231]ــ تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 521 ، 2 / 78 تحقيق محمد مصطفى
[232]ــ خطط المقريزي 4 / 117 ، 118
[233]ــ البدر الطالع للشوكانى 1 / 282 .نقلا عن تاريخ ابن اياس 2 / 179 ، 409 ، 365 ،
[234]ــ النجوم الزاهرة 15 / 99 ، 16 / 125 ، السلوك 4 / 139 : 40 ، تاريخ ابن اياس : 2 / 87 ، 395
[235]ــ أنباء الغمر مخطوط حوادث 840 ، حوادث الدهور 26 ، التبر المسبوك 101 ، 186
[236]ــ تاريخ ابن اياس 2 / 447 ، 4 / 314 ، 419
[237]ــ تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 422
[238]ــ السلوك 4 / 1 / 199 ، النجوم 13 / 137 ، 141 ، أنباء الغمر 2 / 506
[239]ــ السلوك 5 / 2 / 1092 ، 155 / 267
[240]ــ تاريخ ابن اياس 4 / 419 ، 33 ، 336
[241]ــ تاريخ ابن طولون 2 / 20
[242]ــ الإلمام للنويري مخطوط 1 / 168 ، تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 115 ، 2 / 7
[243]ــ النجوم 16 / 289
[244]ــ لمحة عامة إلى مصر 2 / 91
[245]ــ المدخل 1 / 185
[246]ــ حوادث الدهور 3 / 534 ، 1 / 154
[247]ــ حوادث الدهور 1 / 154 ، التبر المسبوك 337
[248]ــ ابن اياس 2 / 398
[249]ــ المستظرف 34 : 36
[250]ــ تكسير الأحجار مخطوط ورقة 156
[251]ــ ذيل الدرر الكامنة لابن حجر : مخطوط ورقة 20 ، انباء الغمر 2 / 112 ، الضوء اللامع 1 / 173
[252]ــ نزهة النفوس مخطوط 144
[253]ــ التبر المسبوك 296
[254]ــ فتوح النصر مخطوط 2 / 159
[255]ــ تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 292
[256]ــ تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 694 : 650
[257]ــ تاريخ ابن اياس 2 / 733 تحقيق مصطفى
[258]ــ حوادث الدهور 2 / 270
[259]ــ تاريخ الجزرى مخطوط 2 / 192 ، تاريخ الخلفاء لابن حجر البرثمى مخطوط 128 ب ـ تاريخ ابن كثير 14 / 161
[260]ــ السلوك 4 / 2 / 918 : 919
[261]ــ النجوم 19 / 349 ، حاشية 5
[262]ــ المقريزي الخطط 2 / 196 : 197
[263]ــ الفقى تاريخ سليم والغورى مخطوط : 7
[264]ــ تاريخ ابن طولون 2 / 22
[265]ــ السلوك 4 / 3 / 1090
[266]ــ ابن تيمية مجموعة الرسائل والمسائل 1 / 141 ، النويري : الإلمام مخطوط 1 / 136 : 137
[267]ــ تاريخ البقاعى مخطوط ورقة 128
[268]ــ النجوم الزاهرة 13 / 136 ،
[269]ــ النجوم الزاهرة 16 / 331 : 335،، 15 / 506 ، وحوادث الدهور 3 / 693 16
[270]ــ النجوم الزاهرة 16 / 298
[271]ــ تاريخ ابن اياس 2 / 138
[272]ــ تاريخ ابن اياس 1 / 425 ، 427 ، 428 ، 619
[273]ــ 15 / 305
[274]ــ قاموس العادات والتقاليد 70 ، 171
الأمثال الشعبية لتيمور 131 ، 135 ، 136 ، 213 ، 306 ، 309 ، 384 ، وما بعدها ، 405 ، 417 ، 436 ...الخ ..
[275]ــ على سبيل المثال الألطاف الخفية لابن عبد الظاهر نفائس المجالس السلطانية 38 : 50
[276]ــ المدخل لابن الحاج 1 / 159
[277]ــ التبر المسبوك 13
[278]ــ ابن أيبك الداود سيرة الناصر
[279]ــ حسن السندوبي تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي 100 : 120
[280]ــ مناقب الوفائية 15
[281]ــ عاشور البدوى 255
[282]ــ السياسة الأسبوعية عدد 89 سنة 1927 ص 11
[283]ــ على مبارك الخطط التوفيقية 13 / 51
[284]ــ لطائف المنن للشعراني 255
[285]ــ السياسة الأسبوعية عدد 92 ص 12 سنة 1927
[286]ــ دائرة المعارف الإسلامية 9 / 238
[287]ــ الطبقات الكبرى 2 / 91 الشعراني
[288]ــ الطبقات الكبرى 2 / 172
[289]ــ عبد الصمد : الجواهر 27
[290]ــ البحر المورود 114
[291]ــ تاريخ ابن اياس طــ بولاق 2 / 221 : 222 ، 228
[292]ــ تاريخ ابن اياس 2 / 340 : 342 ، : طـ بولاق
[293]ــ تاريخ ابن اياس 2 / 340 : 342 ، طـ بولاق
[294]ــ النجوم الزاهرة 16 / 274 ، 283
[295]ــ لطائف المنن 223
[296]ــ لطائف المنن 562 ، 480
[297]ــ لطائف المنن 481
[298]ــ المدخل 1 / 154 ، 164
[299]ــ لطائف المنن 481
[300]ــ لطائف المنن 481
[301]ــ المدخل 1 / 152
[302]ــ لطائف المنن 563 ، 481 ، 251
[303]ــ الأمثال الشعبية تيمور 325
[304]ــ تلبيس إبليس 206
[305]ــ الوصية المتبولية 10
[306]ــ الجواهر والدرر 44 2
[307]ــ المقريزي السلوك 3 / 2 / 779
[308]ــ ابن عطاء ، لطائف المنن 124 ، 125
[309]ــ لطائف المنن للشعرانى 196
[310]ــ لطائف المنن للشعراني 195
[311]ــ الشعرانى صحبة الأخيار 119 : 121 ، 138
[312]ــ لطائف المنن 282 ، 332 وتناقض بين الدعوة لإجابة الوليمة أو رفضها : المنن الصغرى مخطوط 37 ، 41 لطائف المنن 192 ، 224 ، البحر المورود 104 ، 115 ، 248 لواقح الأنوار 3 7 ، 374
[313]ــ هز القحوف 250
[314]ــ لطائف المنن 196
[315]ــ الشعرانى قواعد الصوفية 1 / 79 ، الطبقات الكبرى 2 / 76 ، لطائف المن 490 ، آداب العبودية 38
[316]ــ قواعد الصوفية 1 / 128
[317]ــ الطبقات الكبرى للعشرانى 2 / 68 : 69
[318]ــ لطائف المنن للشعرانى 224
[319]ــ لواقح الأنوار 134 : 135
[320]ــ البحر المورود 104 : 105
[321]ــ لطائف المنن 225 ، البحر المورود 115 ، 116
[322]ــ السلوك 1 / 2 / 648 : 649 ، تاريخ ابن الفرات 7 / 115
[323]ــ المدخل 1 / 26
[324]ــ البحر المورود 105 : 106
[325]ــ السلوك 2 / 2 / 491
[326]ــ الكواكب السائرة 1 / 14 : 15
[327]ــ المدخل 1 / 32
[328]ــ المدخل 1 / 91
[329]ــ المدخل 1 / 91
[330]ــ لطائف المنن 326
[331]ــ المدخل 1 / 90 ، لطائف المنن 480
[332]ــ لطائف المنن 251
[333]ــ لطائف المنن 273
[334]ــ لطائف المنن 195 : 196
[335]ــ المستظرف 36
[336]ــ تيمور 368 ، 361
[337]ــ الكواكب السيارة 196 ، 305
[338]ــ الكواكب السيارة 495
[339]ــ النجوم الزاهرة 11 / 18
[340]ــ السيوطى عمل اليوم والليلة مخطوط 145 : 146
[341]ــ أخبار القرن العاشر 176 : 177 ترجمة ابن عنان . وفى تاريخ ابن الصيرفى ( إنباء الهصر) 468 ترجمة ابن جربغا
[342]ــ أنباء الغمر 2 / 274
[343]ــ تحفة الأحباب 336
[344]ــ الكواكب السيارة 204
[345]ــ الكواكب السيارة 43 ، 98
[346]ــ النويري الإلمام مخطوط 1 / 226
[347]ــ السيوطى بشرى الكتب : 45 : 60
[348]ــ تحفة الأحباب 30 ، 345
[349]ــ تحفة الأحباب 462
[350]ــ تحفة الأحباب 4 / 214
[351]ــ الكواكب السيارة 30 ، تحفة الأحباب 405 ، 440
[352]ــ تحفة الأحباب 405
[353]ــ تحفة الأحباب 214
[354]ــ الكواكب السيارة 294
[355]ــ الكواكب السيارة 15
[356]ــ الكواكب السيارة 17 ، تحفة الأحباب
[357]ــ تحفة الأحباب 486
[358]ــ الكواكب السيارة 189 ، 297 ، تحفة الأحباب 413
[359] الكواكب السيارة : 127 ، 184 ، 296
[360]ــ """"" """" """ """" """
[361]ــ """"" """" """ """" """
[362]ــ الكواكب السيارة 281 ، تحفة الأحباب 413
[363]ــ """"" """" 77 : """" """ 199
[364]ــ 143 ، 231 الكواكب السيارة
[365]ــ 143 ، 231 الكواكب السيارة
[366]ــ رحلة العلوى مخطوط ورقة 60 ب
[367]ــ رحلة ابن بطوطة 1 / 21
[368]ــ المدخل 1 / 151 ، 160 ، 161
[369]ــ وثيقة الغورى نشر عبد اللطيف ص 45 : 46
[370]ــ تحفة الأحباب 35
[371]ــ سنة 793 : عقد الجمان لوحة 436 مخطوط ، نزهة النفوس 1 / 334 ، انباء الغمر 3 / 437 ، 439 ، سنة 803 : المنهل الصافى مخطوط 1 / 263 ، سنة 824 السلوك 4 / 2 / 870 أنباء الغمر 3 / 470 . نزهة النفوس للصيرفى خوادث عام 835 ، وغير ذلك ...
[372]ــ عقد الجمان حوادث سنة 822 لوحة 485
[373]ــ نزهة النفوس مخطوط حوادث سنة 841 ص 169
[374]ــ تاريخ مرعى الحنبلى مخطوط 92
[375]ــ تاريخ مرعى الحنبلى 74 ، تاريخ المقدسي مخطوط 40
[376]ــ حوادث الدهور 2 / 208 ، 234
[377]ــ عقد الجمان حوادث 822 لوحة 479
[378]ــ وثيقة الزيني يحيي الأستادار
[379]ــ التبر المسبوك 151
[380]ــ الطبقات الصغرى للشعراني 50 ، 51
[381]ــ السلوك 2 / 1 / 324
[382]ــ الطبقات الكبرى 2 / 112
[383]ــ صحبة الأخيار 115
[384]ــ الطبقات الكبرى للمناوى 283 ب مخطوط
[385]ــ الأمثال الشعبية لتيمور 348 ، 349
[386]ــ الشعب المصري في امثاله العامية 271 لشعلان
[387]ــ دائرة المعارف 13 / 273
[388]ــ ابن اياس 4 / 80 ، 85 ، النجوم الزاهرة 15 ، 306 ، 446 ، 447 ، انباء الغمر 3 / 93 الهصر 47 ، التبرالمسبوك 268 ، الضوء اللامع 2 / 275 وغير ذلك
[392]ــ قاموس العادات 322
[393]ــ النجوم 16 / 325
[394]ــ تاريخ ابن الفرات 9 / 1 / 3 ، تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 693
[395]ــ تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 5
[396]ــ التبر المسبوك 393
[397]ــ الضوء اللامع 3 / 281 ، تاريخ ابن طولون 2 / 23 وما بعدها
[398]ــ الضوء اللامع 4 / 41
[399]ــ فتوح النصر مخطوط 2 / 232
[400]ــ خطط المقريزي 29 ص 516 وما بعدها طبعة دار الشعب
[401]ــ ذيل الدرر الكامنة مخطوط 169
[402]ــ التبر المسبوك 218
[403]ــ تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 753
[404]ــ التبر المسبوك 266
[405]ــ قاموس العادات والتقاليد 86 ، 194
[406]ــ تلبيس إبليس 198
[407]ــ المدخل 1 / 47
[408]ــ مناقب الحنفى مخطوط في مواضع متفرقة 185 ، 189 ، 221 ، 227 ... إلخ ..
[409]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 124 ترجمة احمد المجذوب
[410]ــ السيوطى : حسن المحاضرة 2 / 134
[411]ــ الشعرانى : صحبة الأخيار 110 ، 220
[412]ــ النجوم الزاهرة 15 / 458
[413]ــ تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 107
[414]ــ النجوم الزاهرة 15 / 487 ، 50 ، 16 ، 6 ، 85
[415]ــ الشعرانى آداب العبودية 38
[416]ــ النجوم الزاهرة 15 / 14
[417]ــ ماير : الملابس المملوكية 115 : 116
[418]ــ القلقشندى : صبح الأعشى 4 / 42
[419]ــ أنباء الغمر 2 / 215
[420]ــ الدرر الكامنة 3 / 94
[421]ــ السلوك 4 / 2 / 670 ، 4 / 1 / 448
[422]ــ مناقب الحنفى مخطوط 98
[423]ــ تاريخ ابن الفرات 9 / 15
[424]ــ النجوم الزاهرة 15 / 134
[425]ــ التبر المسبوك 377
[426]ــ نزهة النفوس 1 / 335
[427]ــ تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 448 : 449
[428]ــ الشربينى : هز القحوف 2 / 115 طــ بولاق
[429]ــ المدخل 2 / 25
[430]ــ خطط المقريزي 2 / 96
[431]ــ خطط المقريزي 2 / 104
[432]ــ الغزى : الكواكب 1 / 114 ، شذرات الذهب 8 / 39 : 40 ، طبقات الشاذلية 133
[433]ــ الشعرانى الطبقات الكبرى 2 / 152 طــ صبيح
[434]ــ البحر المورود 266
[435]ــ السيوطي شقائق الأترج فى دقائق الغنج : 244 مخطوط بالدار تحت رقم 72 بجامع تيمور رقم 14 في المجموعة ..
[436]ــ كلوت بك لمحة عامة على مصر 2 / 14
[437]ــ الأمثال الشعبية لتيمور : 136 ، 131 ، 226 ، 441 ..
[438]ــ التبر المسبوك 24 ، حوادث الدهور 1 / 138
[439]ــ عقد الجمان وفيات 819 لوحة 432
[440]ــ ذيل ابن العراقي مخطوط ورقة 247
[441]ــ الغزى للكواكب 1 / 467
[442]ــ أنباء الغمر 1 / 483
[443]ــ الضوء اللامع 1 / 84 ، 88 وغيرها
[444]ــ الأمثال الشعبية لتيمور 413 طـ 1
[445]ــ عبد الحليم محمود : الشاذلى 185
[446]ــ عبد الصمد : الجواهر 72
[447]ــ رسالة زكى مبارك عن التصوف 190
[448]ــ شعلان الشعب المصري في أمثاله 1729
[449]ــ الأدفوى : الطالع السعيد 105 ، حسن المحاضرة 1 / 245
[450]ــ الأدفوى : الطالع السعيد 179 ، الوافى بالوفيات 2 / 307
[451]ــ على مبارك الخطط التوفيقية 14 / 123
[452]ــ الطالع السعيد 281 ، تاريخ ابن الفرات 8 / 164 ، الوافي بالوفيات 2 / 371
[453]ــ الطالع السعيد 34
[454]ــ الطالع السعيد 361 : 363
[455]ــ تحفة الأحباب 369
[456]ــ الطالع السعيد 79 ، حسن المحاضرة 1 / 238
[457]ــ المراغى تعطير النواحي والأرجاء مخطوط 3 / 86
[458]ــ تحفة الأحباب 391
[459]ــ الطالع السعيد 428 ، 429
[460]السلوك 2 / 1 / 212
[461]ــ الطالع السعيد 143
[462]ــ شذرات الذهب 6 / 206 ، الدرر الكامنة 1 / 279
[463]ــ حوادث الدهور 3 / 574
[464]ــ انباء الغمر 2 / 370
[465]ــ الطالع السعيد 24
[466]ــ الطالع السعيد 252
[467]ــ دائرة المعارف 9 / 237
[468]ــ الطالع السعيد 27 ، 28
[469]ــ تحفة الحباب 350
[470]ــ الضوء اللامع 1 / 14
[471]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 1 / 136
[472]ــ تنبيه المغترين 16
[473]ــ لطائف المنن 413 ، 414
[474]ــ لطائف المنن 288
[475]ــ لطائف المنن 186 : 187 ، الطبقات الكبرى للمناوى مخطوط 333
[476]ــ المقدمة 110 ، 111
[477]ــ شفاء السائل 88
[478]ــ ابن عطاء : لطائف المنن 111
[479]ــ أخبار القرن العاشر 134
[480]ــ لطائف المنن 189 / 190 ، البحر المورود 185
[484]ــ الدرر الكامنة 1 / 297 : 298
[485]ــ التبر المسبوك 377
[486]ــ تاريخ ابن الفرات 9 / 2 / 418
[487]ــ تحفة الأحباب 193 : 195
[488]ــ الضوء اللامع 1 / 373
[489]ــ الغزى : الكواكب 1 / 161
[490]ــ أنباء الغمر 2 / 117، التبر المسبوك 246 ، 247
[491]ــ تحفة الأحباب 471
[492]ــ النجوم 16 / 328 ، تاريخ ابن اياس 2 / 413 تحقيق محمد مصطفى
[493]ــ الغزى الكواكب السائرة 1 / 248 ، الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 12
[494]ــ تاريخ ابن اياس 2 / 218 طـ بولاق ، الضوء اللامع 4 / 247 ، روض الرياحين 203 ، الغزى الكواكب 1 / 87
[495]ــ الشعرانى الطبقات الكبرى 2 / 12 ، اخبار القرن العاشر 181 ، الكواكب السيارة 195
[496]ــ رحلة تافور 3 / 64 ، المدخل لابن الحاج 2 / 203 ، 206 ، الطبقات الكبرى للمناوى 388 ، الضوء اللامع 2 / 266
[497]ــ عقد الجمان وفيات عام 721 لوحة 374 ر الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 161 وشذرات الذهب 8 / 176
[498]ــ إنباء الغمر 1 / 480 الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 129 ، 160
[499]ــ الطبقات الكبرى للشعراني 2 / 206 ، الضوء اللامع 4 / 247 ، روض الرياحين 203 ، الغزى الكواكب 1 / 87
[500]ــ المنهل الصافى 4 / 94
[501]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 122
[502]ــ تحفة الأحباب 196 . الكواكب السيارة 74
[503]ــ الكواكب السيارة 43
[504]ــ الأمثال الشعبية تيمور 179
[505]ــ تكسير الأحجار 147 : 148
[506]ــ رفع الأصر لابن حجر 347 : 348
[507]ــ النجوم الزاهرة 15 / 490 ، تاريخ ابن اياس 2 / 232 تحقيق محمد مصطفى
[508]ــ الكواكب السيارة 299 ، 300
[509]ــ عقد الجمان وفيات 816 لوحة 386
[510]ــ السلوك 4 / 2 / 833
[511]ــ السلوك 4 / 3 / 1139
[512]ــ تاريخ ابن طولون 2 / 27
[513]ــ انباء الغمر 6 / 475
[514]ــ خطط المقريزي 4 / 209
[515]ــ التبر المسبوك 370
[516]ــ تاريخ الجزرى 1 / 54
[517]ــ الصفدى : نكت الهميان 213
[518]ــ فوات الوفيات 1 / 102
[519]ــ تاريخ البقاعي حوادث سنة 879 : 151
[520]ــ السلوك 3 / 1 / 206 حوادث 774 ، تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 113 ، 114
[521]ــ الضوء اللامع 3 / 124 ، انباء الغمر 2 / 367
[522]ــ تاريخ ابن اياس 4 / 260 حوادث 918
[523]ــ صبح الأعشى 4 37 : 38 ، زبدة كشف المماليك 109
[524]ــ النجوم 11 / 120 ، تاريخ الخلفاء لابن حجر الهيئي 130 ت السلوك 3 / 1 / 199
[525]ــ انباء الغمر مخطوط ورقة 1052 ، 1053 ، نزهة النفوس مخطوط ورقة 184
[526]ــ تاريخ ابن اياس 2 / 271 : تحقيق محمد مصطفى
[527]ــ السلوك 4 / 2 / 815
[528]ــ مذكور في حياة الحيوان للدميري 2 / 18
[529]ــ تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 455
[530]ــ المدخل 3 / 86
[531]ــ المستظرف 37
[532]ــ رحلة ابن بطوطة 1 / 20
[533]ــ نزهة النفوس مخطوط 844 ورقة 193
[534]ــ منها مثلا في حوادث 801 : السلوك 3 / 3 / 962 ، حوادث 803 : انباء الغمر 2 / 144 ، حوادث 821 : انباء الغمر 3 / 155 ، حوادث 844 : السلوك 4 / 3 / 1206
[535]ــ لطائف المنن 34
[536]ــ نزهة النفوس مخطوط حوادث 841 ورقة 118 ب ، النجوم الزاهرة 15 / 97 : 98 ، تاريخ ابن اياس 2 / 184 تحقيق محمد مصطفى
[537]ــ تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 442
[538]ــ احمد أمين قاموس العادات والتقاليد 137
[539]ــ الشعراني : البحر المورود 127
[540]ــ المدخل 3 / 13 ، أيضا 2 / 50 ، 51
[541]ــ كلوت بك : لمحة عامة 2 / 74
[542]ــ تنبيه المغترين 249
[543]ــ لطائف المنن 313 ، 334
[544]ــ التبر المسبوك 403
[545]ــ ذكر في تحفة الأحباب : 423 : ...
[546]ــ الكواكب السيارة 81 ، 84 ، 106 ، 127
[547]ــ الكواكب السيارة 48 ، 77 ، 81 ، 84 ، 96 ، 132 ، 150 ـــ ، 197 ، 302 ، 311 ، تحفة الاحباب : 346 ، 329 ، 240
[548]ــ عبد اللطيف إبراهيم : رسالة في الدكتوراة 124
[549]ــ محمد امين : الأوقاف في العصر المملوكي رسالة دكتورة غير منشورة 76 ، 77 ، 111 ، 173 ، 395
[550]ــ كيلانى : مقدمة ديوان البوصيري
[551]ــ إنباء الغمر 2 / 47 ، أنظر رسالة الاوقاف 449 : 460
[552]ــ د محمد أمين : الأوقاف في العصر المملوكى 480 : 488 ، 469 : 477 ، 381
[553]ــ الأوقاف في العصر المملوكى 480 : 488 ، 469 : 477 ، 381
[554]ــ أحمد امين : قاموس العادات والتقاليد 76 ، رسالة الأوقاف 361 : 370
[555]ــ قاموس العادات والتقاليد 76
[556]ــ إنباء الغمر مخطوط 886 ، 887، السلوك 4 / 2 / ، 939 ، النجوم الزاهرة 15 / 57 : 58
[557]ــ حوادث الدهور 1 / 16 : 17
[558]ــ المدخل 1 / 39
[559]ــ وثيقة مغلطاى الجمالى
[560]ــ الشعرانى العهود المحمدية 65
[561]ــ لطائف المنن للشعراني 339
[562]ــ الكواكب السيارة 137 ، 252 ، تحفة الأحباب 377 ، 378
[563]ــ إنباء الغمر 2 / 76
[564]ــ تاريخ الجزرى مخطوط 3 / 62
[565]ــ التبر المسبوك 136 ، 85 ، مناقب الحنفى 44
[566]ــ التبر المسبوك 136 ، 85 ، مناقب الحنفى 44
[567]ــ تاريخ ابن اياس 2 / 243 طــت بولاق ، تحفة الأحباب 75 ، 76
[568]ــ النجوم 11 / 385 ، السلوك 3 / 2 / 685
[569]ــ الكواكب السيارة 153
[570]ــ إنباء الغمر 203
[571]ــ طبقات الشاذلية 88
[572]ــ الدرر الكامنة 4 / 107
[573]ــ الطبقات الكبرى 2 / 125
[574]ــ التبر المسبوك 136
[575]ــ البدر الطالع 2 / 233 ، 272
[576]ــ ذيل الدرر الكامنة مخطوط 9203
[577]ــ تاريخ ابن كثير 14 / 220
[578]ــ لطائف المنن 339
[579]ــ أمثال تيمور 110
[580]ــ النفحات الأحمدية 264
[581]ــ الخطط المقريزية 2 / 131 ، صبح الأعشى 3 / 337
[582]ــ أمثال تيمور ورقة 389
[583]ــ الطبقات الكبرى 1 / 172
[584]ــ التبر المسبوك 302
الخاتمة والفهرس
كتاب : أثر التصوف الثقافى والمعمارى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الخاتمة والفهرس
1 ـ تأثير التصوف سلبى إجمالا فى مصر المملوكية ثقافيا وإجتماعيا ، وإن إزدهرت به المنشئات المعمارية والتى لا تزال حتى الآن شاهدا على روعة المعمار المملوكى .
2 ــ ونكرر أن هذا البحث كان رائدا فى مجاله فى بحث أثر التصوف فى مصر المملوكية، والذى شمل شتى مناحى الحياة المملوكية من دينية وسياسية وثقافية واجتماعية ..الخ . وبالتالى فإن معظم النقاط التى تعرض لها البحث تصلح موضوعات مستقلة فى بحوث الدراسات العليا .
3ـ وبقيت موضوعات أخرى لم يتم نشرها ، وتحتاج الى مراجعة ، منها أثر التصوف فى بعث وإسترجاع العقائد الفرعونية القديمة فى العصر المملوكى ، وتأثر التصوف المملوكى بالمسيحية ، وموضوعات متنوعة عن ( الخضر ) و ( المجاذيب ) و( العشق الصوفى ) ودراسات تحليلية لأهم المصادر الصوفية. ولكن نتوقف الآن عن نشر المزيد من موسوعة التصوف ، لنلتفت الى أبحاث أخرى ننشرها ، نراها الآن أكثر أهمية .
4 ــ والله جل وعلا هو وحده المستعان .
فهرس كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية
الفصل الأول : أثر التصوف في ازدهار العمارة الدينية والتعمير فى مصر المملوكية
التصوف وحركة التعمير فى مصر المملوكية..
أنواع المؤسسات الصوفية وأشهرها ..مدخل عن تعريفات المؤسسات الصوفية :
أهم المؤسسات الصوفية في مصر المملوكية : الخوانق ـ الزوايا ــ الرُبــــــــــط ــ التربــــــــــــــــــــةـ
الأضرحة ـ الأضرحة المزورة ــ المساجد والجوامع .
الفصل الثانى :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )
فى العلم : مدخـــل :ـــ
متصوفة العصر المملوكي والعلم و نظرتهم للعلم والعلماء : ــ
التقييم العلمي لكبار الصوفية المملوكيين وتأثر الفقهاء علميا بالتصوف
أثر التصوف فى تدهور المستوى العلمى فى العصر المملوكى
أثر التصوف فى الاتجاهات ( العلمية ) فى العصر المملوكى
فى العلوم
أثر التصوف فى (التفسير) في العصر المملوكي :
الصوفية و الحديث : تزييف ( الحــــديـث ) فى العصر المملوكى ، تقديس البخارى فى العصر المملوكى : نقد حديث ( من عادى لى وليا .. )، طائفة من ( الأحاديث) الصوفية فى العصر المملوكي,
(الوضع في التاريخ )
فى التعليم : أثر التصوف فى الحركة التعليمية :مدخل :
التعليم ومؤسسات الصوفية..: التعليم في الخوانق:ـــ التعليم في الجوامع :ـــ التعليم للصوفية في الجامع الأزهر :ـــ الزوايا ـ الرباط :ــ التعليم في المشاهد والترب والقباب ( الأضرحة ):ــ شيوخ الصوفية والتعليم المملوكى : التدريس في المؤسسات الصوفية كمنصب : ــ الـمــيـــعــــــــــاد : ـ الصوفية معلمون :ـــ المؤلفات العلمية التى تعلمها الطلبة ــ اثر التصوف فى انحدار التعليم .
اثر التصوف فى المكتبات المملوكية : المكتبات فى مصر المملوكية فى المؤسسات الصوفية.
تربية الأطفال فى المؤسسات الصوفية فى مصر المملوكية . الصوفية مؤدبو أطفال خارج المؤسسات الصوفية . اقراء الأطفال في المؤسسات الصوفية .
أثر التصوف فى الأدب المملوكي : مدخل :ــ
أثر التصوف في النـثــر : ...
أثر التصوف في القصة في العصر المملوكي : ..
أثر التصوف في الشعر في العصر المملوكي : الأغراض ـ في الأسلوب والمسار
أثر التصوف في الموسيقى فى العصر المملوكى: مدخل :
شيوخ الغناء ( الطرب ) و الــعــــزف . شيوخ الفنون الموسيقية . الشيخ الموسيقار المجهول : إبن كُرّ.
أثر التصوف فى المغنى والغناء لغير الصوفية . ملامح للتأثر بالتصوف فى الغناء المصرى الحديث والمعاصر
أثر التصوف في الفنون المعمارية والزخارف المملوكية : مدخل . القــبــاب . الـزخــــــرفــــة . زخــرفــة الـكــتــب . الكتابة الفنية : فنّ الخطّ العربى .
الفصل الثالث : أثرالتصوف فى الحياة الاجتماعية فى مصر المملوكية
مدخــل
أولا : علاقة الصوفية بطوائف المجتمع المصرى المملوكى : بين العزلة الصوفية والاختلاط بالمجتمع : عــــــلاقة الصوفية بالتجــــــــــــار ــ أصـحــــــاب الحـــــــــــرف :ــ علاقتهم بالفلاحين :ــ علاقتهم بقطاع الطرق :ـــ عــلاقــــة الصــــوفــيــة بمشايخ العـــــرب .
ثانيا : بعض آثار إيجــابية لبعض المتصوفة في العصر المملوكي : الضـيــافـــة :ــ كفالة الأرامل والعجزة :ــخـــدمـــات اجتماعية متفرقـــة :ـــ الأمــــر بالمعــــروف والنهـــي عـن المنـكـــــر :ـــالســـعـــي في المـصـــالـح :ـــالـتــســــــلــيــة :ـــ
ثالثا : أثر التصوف في القيم الاجتماعية فى مصر المملوكية : عدم الاعتراض والانكار ــ من التواكل والتسول الى الخضوع والتذلل .
رابعا : أثر التصوف فى المعتقدات الاجتماعية : فى التداوى والاعتقاد فى الجان والسحر ـ الاعتقاد فى التفاؤل والتشاؤم . الاعتقاد فى التنجيم والاستخارة
خامسا : أثر التصوف في العادات الاجتماعية فى مصر المملوكية : الموالد : مولد النبى ـ موالد الأولياء .
ـ الولائم ــ : زيـــارة الـقــبـــور ــ في المبالغة فى الحزن، والنوم فى المساجد وفي التسميات والألقاب ـ في الزى وفى القهوة .
سادسا : أثر التصوف فى التركيب الاجتماعي فى مصر المملوكية : الطرق والأولياء الصوفية ــ طائفة المجاذيب ـ طبقة الأشراف ـ
سابعا : الأثر الاقتصادى للتصوف فى مصر المملوكية
من التركيب الاجتماعى الى أثر التصوف الاقتصادى
لمحة عن أثر التصوف إقتصاديا فى العصر المملوكى
الخاتمة
الفهرس