موقع التراث فى مستقبل الثقافة العربية :
مقدمة حزينة.!!
1 ـ د . على الشابى كان وزير الأوقاف فى تونس فى التسعينيات . كان وزيرا متفتحا ، تخرج فى قسم اللغات الشرقية بكلية الآداب جامعة القاهرة ، وبعد تخرجه فى هذا القسم بعشرين عاما تقريبا كان شقيقى الراحل د محمد علاء الدين منصور رئيسا لذلك القسم . قرأ د. على الشابى كتابى ( حد الردة ) الذى ينفى عن الاسلام هذه الأكذوبة . أعجبه الكتاب ، ودعانى رسميا لحضور إحتفالية تونس بإختيارها عاصمة ثقافية عام 1997 . كانت الدعوة مفاجئة لى ومفاجأة لى . لم يكن مطلوبا تجهيز ورقة بحثية ، ولكننى فى عدة ساعات كتبت هذه الورقة عن ( موقع التراث فى مستقبل الثقافة العربية ) . تمّ إستقبالى بحفاوة كما لوكنت وزير الثقافة المصرى، وتمتعت بكرم الضيافة التونسية ، وتمتعت اكثر بالتعرف الى الوزير د على الشابى وصُحبته ، وباقة من مثقفى تونس ، تكلموا معى فى إمكانية نشر كتبى فى باريس بما يدرّ دخلا هائلا . بالليل جاءت صحفية تصحبها فتاة رائعة الجمال تقول إنها ممثلة تريد منى أن أعرفها بالمخرج يوسف شاهين ، فقلت إنه لا يعرفنى . سجلت معى الصحفية الشابة حديثا مطولا عن رأيى فى تونس ونظامها الحاكم ( زين العابدين بن على ) فأفضت فى الدعوة للديمقراطية وحقوق الانسان . فى اليوم التالى لم أجد فى فعاليات الاحتفالات موقعا لألقى فيه ورقتى التى أعددتها . فهمت الرسالة فيما بعد لأن الحديث الذى أدليت به لم تنشره الصحيفة . طلب منى د .على الشابى أن أصحب وزير الثقافة التونسية ضمن شخصيات أخرى وهو يتفقد الاحتفاليات ومعرض الكتاب وغيره . سرت مع الوزير قليلا ، ثم تركته. فلست كومبارس يسير فى صُحبة وزير أو رئيس . قضيت أياما سعيدة كريمة فى تونس ، ثم عدت بنفس التكريم الذى حظيت به . وكالعادة عند عودتى من أى رحلة خارجية كان أمن الدولة فى إنتظارى بالمطار ، يعتقلنى ويستجوبنى ويفتش ما معى ، والويل كل الويل لو كان معى ورقة أو جريدة أو كتاب . وبعد التحقيق والتفتيش والاهانة إنتظر الضابط القرار من الرئيس الأعلى للجهاز . أفرجوا عنى بعد التنبيه المعتاد بأن أذهب للتحقيق مرة أخرى فى مقرّ أمن الدولة .
فارق كبير بين التكريم الذى تنعمت به فى تونس ــ برغم الاختلاف السياسى فى الرأى حول الديمقراطية وحقوق الانسان ــ والاهانة التى قابلتها من ( دولتى ) المصرية التى تنفذ أوامر سعودية بإهانة مواطن مصرى ، كل جريمته أنه مفكر اسلامى مسالم يدعو الى الاصلاح ويواجه الوهابية ـ التى تهدد وطنه ــ يحتكم بشأنها الى القرآن الكريم .
2 ـ أذكر أن د على الشابى دعانى بعدها فى مؤتمر تعقده وزارة الأوقاف التى يرؤسها ، وكالعادة قدمت لهم ورقة بحثية ــ نشرتها هنا ــ عن ( مدرسة الامام محمد عبده بين مصر وتونس) ، ولقيت نفس التكريم ، وطلبت أن أرى باقة المثقفين التونسيين الذين قابلتهم من قبل وسعدت بصحبتهم فسمعت إعتذرار مهذبا . وعُدت ، وكالعادة يخفق قلبى مما ينتظرنى من إعتقال فى المطار ، وأتمنى أن يمرّ على خير ، ولكن هذه المرة كانت بؤسا وذلّا لم أتوقعه . كان د على الشابى ــ دون أن أدرى ــ قد بعث خلفى بهدية علمية ، كانت حقيبة كبيرة تحتوى على أكثر من خمسين جزءا من تفسير القرآن للمفكر التونسى الطاهر بن عاشور مع مؤلفات التنوير لمؤلفين تونسيين . فوجئت بها فى مطار القاهرة تحمل إسمى وأختام وزارة الأوقاف التونسية ، وهى مغلقة . وقف جهاز امن الدولة فى مطار القاهرة على قدم واحدة ، فإذا كانت مجرد ورقة معى تستلزم التحقيق فكيف بهذه الحمولة من الكتب والمجلدات ؟ فتحوها وفحصوها وهم يستجوبوننى ، كما لو كانت مخدرات . قلت لهم أننى أعرف بوجودها لأول مرة ، وهى مختومة بختم وزارة الأوقاف التونسية وهى بالمناسبة نشيطة جدا فى مواجهة الارهاب ، وقد دعتنى لهذا السبب. وقلت لهم : لا أريد هذه الكتب ، خذوها واتركونى أرجع بيتى . بعد ساعات من المرمطة وانتظار لقرار رئيس مباحث أمن الدولة خرجت ،وأنا اشعر أننى أحمل مصريتى عارا فوق جبهتى . وهو نفس الشعور الذى كان ينتابنى مع كل إستدعاء من أمن الدولة لاهانتى تنفيذا لأوامر السفارة السعودية .
2 ـ إحساسى بأننى أحمل مصريتى عارا فوق جبهتى بدأ بتداعيات عودة العلاقات بين نظام حسنى مبارك والسعودية. كنت الضحية . قبلها كان الوزير يوسف والى فى صفى إثناء صرعى مع جامعة الأزهر ( 1985 : 1987 ) ، بعودة العلاقات بين مبارك و( الأسرة السعودية ) وضع فى أيديهم الملف الخاص بى ، وسرعان ما دخلت السجن ، وخرجت منه أواجه حملة إعلامية مركزة من التكفير وإهدار الدم بدأت بشهور قبل دخولى السجن واستمرت بعده. خفت على حياتى فهاجرت الى أمريكا فى يناير 1988 ، وتعرضت لابتلاء النصّاب رشاد خليفة ، وتركته ، وضاق بى الحال وخفت على أولادى الصغار ، فعدت فى اكتوبر 1988 ،عالما بما ينتظرنى. وكان أمن الدولة فى إنتظارى بالمطار. وقتها قضيت ليلة سوداء فى إعتقال المطار ، وزوجتى وأهلى ينتظرون خروجى بلا فائدة ، ثم نقلونى الى جُبّ ( سجن ) قضيت فيه ليلتين رهيبتين فى ضيافة أمن الدولة فى لاظوغلى ، وخرجت منه وأنا أحمل مصريتى عارا فوق جبهتى .
وأصبحت عادة من وقتها أن يتم إستدعائى بصورة دورية للتحقيق فى أمن الدولة ، بلا سبب ، لمجرد الارهاب والإذلال ، حيث كان ضابط امن الدولة يملك إحتجازى مع أعدائى المتطرفين أو الارهابيين إذا شاء، وبهذا كانوا يضغطون علىّ ، ينفذون أسيادهم السعوديين . فأعاشونى زمنا كئيبا أحمل فيه مصريتى عارا فوق جبهتى .
تجربة إستقبالى فى المطار بالاعتقال والاستجواب كانت فرصتهم لإيلامى . كنت كلما إقتربت الطائرة من القاهرة أعيش بين الشوق للوطن والخوف من الاعتقال لو إستمر . كنت أتعجب من اللافتة الضخمة المكتوبة تستقبل القادمين لمصر فى المطار ، تحمل الآية الكريمة (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ) ، وأتعجب واتألم وأنا أعيش فى وطن يبيعنى للسعوديين بثمن بخس ، ولو كنتُ شيخا فاسدا من الخونة المتاجرين بالدين لكان إستقبالى فى صالة كبار الزوار وليس فى حجرة الاعتقال .! .
3 ــ أذكر أننى دُعيت الى مؤتمر فى لندن للرد على الارهابيين ، وكانت لغة المؤتمر باللغة الانجليزية ، فاشتريت ( قاموس إلياس ) للجيب ، ومؤلفه مصرى وناشره مصرى . وحرصت عند العودة ألّا تكون معى أى ورقة تخفيفا من متاعب الاستجواب المنتظر . وفوجئت بإستجواب حاد وجاد لأن معى ( قاموس الياس للجيب ) . هى مهزلة.!!. وقتها كان ممكنا التواصل بالانترنت بلا ورقة . ولكنه التعمد لإذلالى تنفيذا لأوامر ( من فوق ).
4 ــ أذكر أن حوالى 70 من المثقفين والنشطاء المصريين حملتهم طائرة خاصة الى صنعاء لحضور مؤتمر هناك ، وكنت من بينهم . كان الاخوان المسلمون مشاركين بقوة ، ولم تكن رائحتهم العفنة قد فاحت بعد ، وكان هناك مناصرين لهم من التيار الناصرى والحقوقى . ودخلت فى جدل هائل مع الإخوان أفسدت عليهم رغبتهم فى السيطرة على المؤتمر ، وأظهرت جهلهم وعداءهم للإسلام ، الى درجة أن محاميا شهيرا اسكندرانيا من رواد حقوق الانسان أعلن تراجعه عن تأييدهم وعزمه على أن يقرا لى ليتعرف على الفكر الجديد . كان إنتصارا رائعا ، أسعدنى وقتها ، خصوصا ونظرات الحقد من الاخوان تتابعنى فى أروقة المؤتمر ممزوجة بالحسرة . كنت أعتقد أن عملاء أمن الدولة فى المؤتمر سينقلون صورة ما حدث لأنجو من إستجواب لى عما حدث وما قلت . تبدد هذا فى العودة ، ونحن نقف صفا فى المطار . خرجوا جميعا ، وتم إحتجازى أنا ، ورأيت مشاعر التشفى على وجوه الاخوان وهم يخرجون مع عبارات الترحيب بينما يصطحبنى المخبرون الى غياهب حجرات الاعتقال فى المطار والتعرض ساعات للإجتجاز والاستجواب .!!.
5 ـ تعدى الأمر الى أهلى البسطاء فى قريتى أبوحريز ، والذين لا ذنب لهم سوى أنهم أقاربى . إنى مُصاب بحبّ أهلى وأقاربى ، وكنت لا أحب الابتعاد عنهم . وكانت زيارتى لأمى ـ يرحمها الله جل وعلا ـ بلسما يريحنى من القلق الذى أعايشه فى القاهرة ، والذى كان يسبب لى أحيانا صدعا مستمرا . أتذكر أن هذا الصداع كان يختفى حين أركب السيارة الأجرة من موقف مسطرد الى الزقازيق ذاهبا الى ابوحريز . إعتدت الذهاب اسبوعيا اليها ، وإعتدت أن أصلى بأهلى الجمعة فى منزلنا ، والعيدين أيضا ، فى إجتماع عائلى دافىء لا زلت أحمل ذكراه حتى الآن . إخترع أمن الدولة حيلة خبيثة لمنعى من الذهاب لقريتى ورؤية اهلى . قبض على أحد أقاربى ، وأوسعوه ضربا وتعذيبا ، وأفرجوا عنه ليدخل البلد متورم الوجه وآثار التعذيب على وجهه وجسده ، وكان مُنهارا وهو يحكى لأختى ما جرى له بسببى . فهمت الرسالة ، وظللت بعيدا عن بلدتى ولقاء أهلى والذهاب لمحافظة الشرقية بأسرها خوفا من تعرض أحبتى للإهانة والتعذيب . شعرت أن حبى لأهلى قد اصبح نقمة ولعنة عليهم . ظللت مبتعدا عنهم الى أن هاجرت الى أمريكا ناجيا بحياتى وكرامتى . ماتت عمتى فلم أذهب لعزائها ، مات خالى فتحرّجت من حضور جنازته . كنت أشعر أن العار المصرى الذى أحمله فوق جبهتى قد إتّسع ليشمل كل من أحب .. بسببى . إستمر إضطهادهم لأهلى بموجتين من الاعتقال بعد هجرتى لأمريكا . ولا يزالون يعيشون فى خوف بسببى .!!
6 ـ صعب جدا أن تعيش فى وطن يكرهك وأنت تحبه ، يؤذيك وأنت تدافع عنه ، تضحّى من أجله وتسعى لسلامته وهو يريدك ميتا أو مسجونا ، تفخر به وهو يمقتُك . تريد أن ترفعه الى أعلى عليين وهو يريد أن يخسف بك فى أسفل سافلين . كل جريمتك أنك تدعو الى الاصلاح سلميا ، و لا تفرض رأيك على أحد ، ولا تفرض نفسك على أحد ، ولا تطلب أجرا من أحد ، ثم تعفو وتصفح ما استطعت . ولكن تظل فى نظرهم زنديقا مرتدا مُباح الدّم . إن لم يتمكنوا من قتلك ماديا فهم لا يتوانون عن إغتيالك معنويا بإتهامات الخيانة والعمالة والتكفير . ثم أنت فرد فقير قليل الحيلة ، وهم جيوش من الشيوخ فى الأزهر والجمعيات والجماعات وحملة الأقلام وحملة الحناجر والمباخر ، وخلفهم الرعاع والدهماء وملايين الدواب ـ شرّ الدواب ـ التى تسعى على قدمين . مُحرّم عليك أن تشكو إلّا لخالقك جل وعلا ، صعب أن تعيش فى دولها من المفروض أن تدافع عنك باعتبارك مواطنا شريفا مُسالما فتجد تلك الدولة تبيعك بثمن بخس لدولة أخرى تُعاديك .!!
صعب جدا أن أكتب فى مصر عشرات الكتب ومئات المقالات وأكون أكبر متخصص فى تاريخها فى العصور الوسطى ـ ثم أعيش فيها أحمل مصريتى عارا فوق جبهتى .!
6 ــ ما علينا .
الحمد لرب العالمين الذى أنجانا من القوم الظالمين .
أنشر لأول مرة هذه الورقة البحثية التى كتبتها عام 1997 ، عن موقع التراث فى مستقبل الثقافة العربية .
أنشرها كما هى لأنها تعبر عن آمال وطموحات تنتمى لوقتها فى اواخر القرن العشرين 1997 . وللقارىء أن يقارنها بالحاضر البائس فى القرن الحادى والعشرين .
أحمد صبحى منصور
فى أول مايو 2015
(1 ) الآثار الثقافية لسقوط الاتحاد السوفيتى
سقط الاتحاد السوفيتى والنظم الشيوعية فانهارت معه الملامح العامة للثقافة العتيدة للماضى والحاضر ، وبدأت ملامح جديده لثقافة الغد التى ستشكل الحركة الثقافية للقرن الحادى والعشرين .
ان الاتحاد السوفيتى يمثل أهم ظاهرة فى تاريخ القرن العشرين ، سواء فى قيامه وازدهاره وسقوطه أو فى دلالته على سقوط مرحلة ثقافية وبداية مرحلة أخرى .
سقوط الاتحاد السوفيتى : -
1 ــ لنتخيل مؤرخا يعيش فى القرن الحادى والعشرين يؤرخ لقرننا العشرين , وهو يتوقف بالدراسة والتحليل لأهم ظاهرة فى القرن العشرين ؛ قيام الاتحاد السوفيتى وتاثيره الضخم فى العالم ثم سقوطه الدرامى ، وآثار ذلك السقوط .
2 ــ ونتوقع من ذلك المؤرخ فى القرن القادم أن يتعجب من الظروف الفريدة لقيام وسقوط الإتحاد السوفيتى. فذلك الاتحاد أوجد صيغة للتحالف بين قوميات وثقافات ومناطق متباينة ، وكان الدين الذى توحدوا على أساسه هو الماركسية اللينينية . ثم مالبث أن نهض ذلك البنيان الضخم ممثلا للقوة الشرقية العالمية فى مواجهة القوة الغربية الرأسمالية ، وأسهم معها فى تشكيل سياسة العالم عدة عقود . ثم سقط فجأة بعد سبعين عاما فقط و بصورة أغرب من الخيال . وبعض الشركات الرأسمالية تظل على قيدالحياه مائتى عام وأكثر.
ثم أنه سقط أو انهار ودخل متحف التاريخ دون أن يطلق عليه أعداؤهالرأسماليون طلقة رصاصة واحدة , وهو الذى كان يخيف العالم بما لديه من مخزون سلاح استراتيجى قادر على إبادة الحياة الأرضية مئات المرات .ثم إن الذين أسقطوه هم أنفسهم الذين ورثوه .الذين أسقطوه كانوا من غلاة الشيوعيين ، وما لبثوا أن تحولوا الى النقيض يلعنون الشيوعيةويرتمون فى أحضان الرأسمالية . أى أنهم غيروا الإتحاد السوفيتى، ولكنهم بقوا فى مناصبالقيادة فى الدول التى ورثت الاتحاد السوفيتى .
3 ــ ومؤرخنا فى القرن القادم ربما تكون لديه وثائق وحقائق يكشف بها ما كان مستورا فىعصرنا، وربما يعرف أن حركة الأرصدة المالية المهربة من الإتحاد السوفيتى لصالح الرفاقالكبار هى الحركة الحقيقية التى سار بها الاتحاد السوفيتى الى مقبرته .
إن مؤرخنا فى القرن القادم ربما ستعفيه تلك الوثائق من التعمق فى التحليلوالتفكير. ولكننا مضطرون لتحليل ظاهرة الاتحاد السوفيتى وسقوطه السريع الدرامى , وارتباط ذلكبمستقبل الثقافة العالمية التى ستشكل عقلية مؤرخنا فى القرن الحادى والعشرين .
لماذا سقط الاتحاد السوفيتى
ونبدأ بسؤال عام . لماذا انهار الاتحاد السوفيتى هكذا سريعا ؟
1 ــ الإجابة تكمن فى أيدلوجية البناء السوفيتى نفسه ؛ النظرية الشيوعية . تلك النظرية التى لا تصلح لتأسيس دولة عتيدة تستمر ردحا طويلا من الزمان . والسبب أن النظرية الشيوعية هىمجرد رد فعل وليست عنصرا فاعلا مؤثرا فى حد ذاته . وحركات رد الفعل تصلح للغضب والثورة ، وقد تؤسس دولة ، ولكن قيام هذه الدولة واستمرارها رهن بقوة الدفع الكامنة فى رد الفعل , أى فى استمرار الغضب والانفعال والحماس .. فإذا بردالإنفعال وتراجع الغضب وجاء أوان تحقيق الآمال ظهر العجز وانهار البنيان فى داخل النفوس وازداد اعتماده على القسر والكبت والقمع . مما يؤدى فى النهاية إلى عجز النظام عن حماية نفسهفينهار فى أرض الواقع ..
والغضب عمره قصير. وباستعمال العسف والقمع يتم دق المسامير فى نعش النظام القائم . وذلك فصل الخطاب فى قيام الاتحاد السوفيتى وانهياره .
ولكن الأمر يحتاج الى تفصيلات أكثر تكمل الصورة . وتعطى أبعادا أخرى للأثار الثقافية لسقوط الاتحاد السوفيتى .
2 ــ فى فترة التكوين كان الستار الحديدى هو الدستور العملى . وأثناء عزلة الاتحاد السوفيتى صبغ الولايات الخاضعة له بالصبغة الشيوعية بالقسر والعنف وجرت مذابح وحركات إبادة جماعية وثقافية لشعوب وقوميات لتنصهر قهرا فى الدين الشيوعى الوافد . وارتبط هدم القديم ببناء الدولة الجديدة اقتصاديا وإداريا وسياسيا . وبعدأن اكتمل البنيان اتجه الاتحاد السوفيتى الناهض للخارج يواجه العالم الرأسمالى وقائدته أمريكا، فدخل العالم مرحلة الحرب الباردة والتسابق على التسليح الاستراتيجى . ودخل الاتحاد السوفيتى فى هذه المرحلة بداية النهايه .
فالولايات المتحدة الأمريكية أرهقت الاتحاد السوفيتى بسباق تسلح يفوق إمكاناته ويعطل خططهالإنتاجية وأحلام مواطينيه فى الرخاء بعد الشقاء , وأصبح السوفيت مهتمين بإنتاج احدث نوع من الصواريخ أكثرمن إهتمامهم بزراعة القمح وانتاج الزبد والضروريات المعيشية للشعب الكادح الجائع . وفى النهاية أصبح الاتحاد السوفيتى بكل امكاناته الزراعية الهائله يتسول القمح . وما أغنت عنه ترسانته النووية شيئا . إذن كانت القنبلة القاصمة هى سباق التسلح مع أمريكا الذى يفوق قدرة السوفيت . ولكنها لم تكنالقنبلة الوحيدة .
3 ــ إذ وجهت الولايات المتحدة الأمريكية قنبلة أخرى أشد فتكا ، لأنها اتجهت إلى عقل المواطن السوفيتى أساسا ؛ كانت قنبلة ناعمة مثيرة وبالألوان الطبيعية ، أنتجتها مصانع هوليوود وقصفت بها العقول السوفيتية البسيطة عبر شاشات السينما والتليفزيون وميكروفونات الاذاعة , وذلك بعدأن انتهى السور أو الستار الحديدى ، وأصبح بإمكان الشعوب السوفيتية أن تشاهد الافلام الأمريكية . كانت الافلام الأمريكية هى القنبلة الناعمة المثيرة التى أجهزت على الشخصية السوفيتية وعقيدتها ، إذ صورت الرأسمالية على أنها النعيم والجنة الموعودة بكل ما تزخر به الأفلام الامريكية من جمالفى الصورة وإبهار فى المناظر وانطلاق فى التعبير وجرأة فى الافكار، وما للمؤلف والمخرج من آفاق رحبة فى التعبير والتصوير والإبداع .
وفى المقابل فإن الفنان السوفيتى كان يجد أمامه عشرات المحاذير فى الرقابة وعشرات التوجيهاتالتى تكبل حركته وتقيد انطلاقه , وفى النهاية لن يكون إلا مجرد أداة للدعاية الخطابية المباشرةفى الدفاع عن النظام الشيوعى. ولأن النظام الشيوعى قد عجز عن توفير الرخاء بل المطالب الأساسيةللمواطن السوفيتى فى الغذاء والمسكن الملائم ، ( بينما يعيش القادة السوفيت فى ترف يفوق بليونيرات العالم الرأسمالى ) ، ولأن المواطن السوفيتى يعانى مع الفاقة الكبت والقهر والاستبداد ومصادرة حريته فى التعبير ــ فإنه بالتالى لن ينظر إلى السينما والدراما السوفيتية إلا على أنها أدوات فاشلة لتجميل نظاميكرهه ولا يستسيغه . وبالتالى فإذا أتيحت لذلك المواطن السوفيتى الفرصة لأن يرى الأفلامالأمريكية الرأسمالية بكل ما فيها من إبهار وجمال وروعة فإنه لن يتوانى فى الاستسلام لها ويتنازل لها طائعا عن عقله وقلبه ومشاعره ، ويعيش معها بوجدانه ويتخيل فى أحلام يقظته انه يعيش في عالمها المسحور ، فإذا عاد للواقع السوفيتى الكئيب ــ بما فيه من كبت وقمع وحرمان وشعارات فقدت بريقهاومضمونها ــ إزداد سخطا وثورة . ولأن القانون السوفيتى يمنع الإضراب ولأن السجون فى انتظار أى همس ساخط فإن الحل المتبقى هو التكاسل فى الإنتاج ، ومحاولة التدمير والسرقة ما أمكن .
وبذلك إنهار البنيان السوفيتى من الداخل . تباطأت فيه آلة الإنتاج رويدا رويدا حتى عجز النظامالسوفيتى عن توفير لقمة الخبز وقطعة الزبد وكوب اللبن . واتضح أن سلاح القمح قد يكون أشدفعالية من ترسانات الأسلحة الاستراتيجية .
الآثار الثقافية لسقوط الاتحاد السوفيتى :
1 ــ مفكرو اليسار هم أكثر الناس اعتزازا بلقب المثقف ، والمثقفون كانوا من أعمدة اليسار ومروجىأفكاره . إنهم تلك الطائفة المتعلمة من الطبقة الوسطى أو من وصل بهم التعليم إلى الصعود منأصولهم الريفية والشعبية إلى الطبقة المتوسطة وأصحاب الوظائف الحكومية . أولئك المثقفون اليساريون ـ فى أغلبهم ــ امتلأت عقولهم بأفكار ناقمة على الرأسمالية التى تحتكر الثروة والسلطة. وكانت الشيوعية هى الجنة التى يحلم بها أولئك المتقفون حيث تتحول الثروة الرأسمالية إلى ملكية عامة ويعيش المجتمعبلا استغلال ويجد الفقراء وأبناؤهم نفس الفرص بالتساوى مع الأغنياء.ارتبط المثقفون باليسار منذ البداية ، وهلل المثقفون لقيام الاتحاد السوفيتى وتزعمه للشيوعيةورعايته للشعوب التى عانت من الرأسمالية . وظل المثقفون أبواقا متحمسة للحركات والنظماليسارية . وذلك الإرتباط بينهما لابد أن يضع الثقافة فى مفترق الطرق بعد انهيار النظريةالشيوعية وبعد أن فشل النظام الشيوعى على أرض الواقع .
ولذك قامت حركات ثقافية تراجع ما حدث وتحاول أن تحلل أو تفسر أو تبرر أو تبحث عننظرية جديدة مختلفة . ومن هنا جاء التفكير فى الملامح السياسية والثقافية للغد وللقرن الحادى والعشرين الذى يسرعإلينا بخطواته .وهذه الورقة محاولة للتفكير فى مستقبلنا الثقافى عالميا وعربيا.
2 ــ لقد بات واضحا أن الشيوعية لم تكن سوى عملية جراحية لأصلاح الوجه الرأسمالى القبيح ، وبعد أن تم الإصلاح ونجحت ــ جزئيا ــ عملية التجميل للرأسمالية انتهى دور الشيوعية ، وسقطت بعدأن أدت دورها .
حين ظهر الفكر الشيوعى فى أوروبا كانت الرأسمالية الغربية فى أوج قوتها وحمقها وسيطرتها وعنفوانها وخطاياها . ونجحت الشيوعية فكرا وحركة ودولة فى تنبيه الرأسمالية إلى خطاياها الإجتماعية والإنسانية فى حق العمال والقفراء ، وفى مناخ الحرية الرأسمالى جرت مراجعة نقدية للذات والمنهج ، فكان أن صدرت القوانين التى ترضى العمالوتضمن حياة معقولة للفقراء والعاجزين . وبذلك سحبت الرأسمالية الغربية البساط من تحت أقدامالأحزاب الشيوعية العلنية، ولم تستطع تلك الأحزاب فى الشارع السياسى الغربى أن تهزم الرأسمالية فىمعركة مفتوحة مكشوفة وفى صناديق الانتخاب التى لا يعرفها المعسكر الشيوعى فى الأساس .هذا فى داخل المجتمع الرأسمالى .
3 ــ واختلف الأمر فى داخل النظم الشيوعية ، فالحركة السياسية فى اتجاه واحد هو اليسار ، والمعارضة السياسية ليس لها إلا اتجاه واحد هو السجن أو التصفية ، والتهمة جاهزة هى العمالة للرأسمالية . والعمال الذين تاجرت الشيوعية بآلامهم وأحلامهم أكتشفوا أنهم فى وضع أكثر سوءا منأوضاعهم السابقة أثناء سطوة الرأسمالية وحمقها . وإذا كانت الرأسمالية قد قلمت بعض أظافرهاوقامت بتحسين أحوال العمال والفقراء فإن النظام الشيوعى أعطى العمال شعارات جوفاء لا تُسمن ولا تغنى من جوع وطالبهم بالمزيد من الانتاج . وإذا كانت الثروة الرأسمالية تملكها طبقة فإن الثروة فى النظام الشيوعى يمتلكها شخص واحد ؛ أى أن رأسمالية الدولة فى النظام الشيوعى تعنى السيطرة لشخص واحدعلى البلاد والعباد ، ومن يعارضه فمصيره السجن والقتل وبئس المصير ، سواء كان من العمال أومن المثقفين أو السياسيين الشيوعيين .والمحصلة النهائية أن الشيوعية أفلحت فى تهذيب الرأسمالية وفشلت فى تهذيب نفسها . وتلكهى النتيجة الطبيعة لأى أيدلوجية تقوم على رد الفعل ولا تكون فعلا فى ذاتها ..
4 ــ ونقول إنه على المستوى الثقافى فإن دور الشيوعية فى تهذيب الرأسمالية لم ينته .
فالرأسمالية تعتمد على غريزة إنسانية هى حب التملك ، الا أنها تبالغ فيها بالطمع والاستغلال وتنسى أن العدالة مطلب إنسانى طبيعى . وحين تنسى هذا فإن المطالبة بالعدالة تتحول إلى ثورةتهدد التجارة والاقتصاد والمجتمع . وقد تظهر هذه الثورة الاجتماعية فى حركات دموية إجتماعيةدينية مثل ثورة الزنج أو حركة الزنج فى العصر العباسى ، وقد تظهر فى شكل أيدلوجية ماركسيةشيوعية وتداعياتها كما فى عصرنا الحديث ، والظروف واحدة هى حمق الرأسمالية وتحالفها مع سلطان مستبد ورجال للدين وتركز للثورة والسطة فى جانب مع جوع الاكثرية وهوانها ، مما يعطى الفرصة للناقمين من الثوار والمثقفين فتندلع شرارة الثورة وتحرق المجتمع على رؤوس المترفين فيه . .
وأعتقد أن الرأسمالية قد وعت الدرس وفهمته ، فالرأسمالية فى صورتها الجديدة – شركاتعملاقة متعددة الجنسيات - تريد من العالم أن يكون سوقا لها فى ظل النظام العالمى الجديد ،وبالتالى فليس من صالحها عودة النظم الشيوعية لتغلق أمامها الأسواق وتقيم فى وجهها الأسوار. وإذا كانت الرأسمالية قد أصلحت نفسها فى بلادها فهى لا تتوانى فى العمل على إصلاح النظمالسياسية التابعة لها فى البلاد الأخرى لتقطع الطريق على أى حركة شيوعية فى المستقبل .
( 2) ملامح ثقافة المستقبل
حقوق الإنسان :
1 ــ وهنا ندخل على الشعار الذى ترفعه الرأسمالية لتجمل به وجهها وتحقق من خلالهسياستها ؛.شعار حقوق الإنسان ، وهو أحد الملامح الثقافية للحاضر والمستقبل فى ظل تلك الظروف السياسية الجديدة . إن حقوق الإنسان من أهم الملامح الثقافيه التى تبدأ الآن فى التشكل ، والتى سيكون لها السيطرة فى القرن القادم .وانتهاك حقوق الإنسان عادة سيئة للنظم الشمولية والشيوعية على وجه الخصوص وهى من أهم الأسباب فى سقوط تلك النظم .
2 ــ وقد أجادت الرأسمالية توظيف حقوق الإنسان فى دعايتها المضادة ضد الاتحاد السوفيتى , وإذا كانت النظرية الشيوعية تؤمن بذوبان الفرد فى الجماعة فإن الرأسمالية تعلى من شأن الفرد وتتأسّس على إمكاناته , وبالتالى فإن اللعب على حقوق الفرد الانسان والتنديد بمن ينتهك تلك الحقوق كان من أهمالأسلحة الأمريكية ضد الاتحاد السوفيتى القديم ، وتفننت فى ذلك الدراما والأفلام الأمريكية.
وبسقوط الاتحاد السوفيتى سقطت معه الفكرة القائلة بذوبان الفرد لصالح المجموع ، إذ بات واضحا أن ذلك المجموع الذى يخضع له الأفراد ما هو إلا النظام الشيوعى أو الشمولى القائم على العسف والقمع ، وأن ذلك النظام ما هو إلا فرد واحد يملك البلاد والعباد ، إذن هى دعوة لاستبداد فرد واحد بمقدرات الشعب أو الشعوب فى ظل شعارات براقة .
3 ــ وبهذا المعنى فإن الإتحاد السوفيتى والشيوعيه لم يسقط وحده ، وإنما سقطت و تسقط وأيضا ستسقط كل النظم الشمولية التى تعتمد على سيطرة شخص أوحزب او جيش بغض النظر عن الشعار المرفوع ، دينيا كان أم قوميا أم وطنيا أو أمميا ، إذ أفلحت الدعاية الرأسمالية فى توظيف حقوق الإنسان لتكون أحد الملامح الثقافية فى أيامنا،ونشهد الآن نشاط تلك الحركة وتعضيد العالم الرأسمالى لها من خلال شركاته العملاقة ومؤسساته المدنية والسياسية ، الأمر الذى يؤكد أن ثقافة حقوق الإنسان سيكون لها السيطرة فى القرن القادم ..
دور وسانل الإتصال :
1 ــ على أن ثقافة حقوق الإنسان لم تأخذ تعضيدا من سقوط الإتحاد السوفيتى ونظريته فحسب وإنماأسهمت وتسهم عوامل أخرى فى تعضيدها ونشرها . فالوعى الفردى انتشر وتضاءلت أمامه دعاوى الاستبداد , وأصبحت مهمة عسيرة أمام جهازالدعاية فى الحكم الشمولى أن يقنع الفرد العادى بمبررات إحتكار السلطة. وأسهمت وسائل الإتصالالحديثة فى تحويل العالم إلى قرية صغيرة مكشوفة أمام الفرد العادى ، مما أتاح لحركة حقوق الإنسان وثقافتها فىالإنتشار والفعالية . ولم يعد بوسع أى حاكم أن ينفرد بشعبه يفعل به ما يشاء ، وأصبح من حق العالمالتدخل لحماية أى طائفة أو أى فرد تتعرض حقوقه للانتهاك . ولم يعد مصطلح الحدود أو الشئونالداخلية أو السيادة الوطنية قادرا على تبرير عسف السلطات بحقوق الإنسان، فقد بات مفهوما أنها تبرر إستبداد شخص واحد وأجهزته بالشعب المقهور .
2 ــ وفى المستقبل القريب جدا ستلغى وسائل الإتصال كل الحدود والقيود ؛ فالتليفزيون سيصبح فى حجم كف اليد وقادرا على التقاط كل القنوات فى الكرة الأرضية , ولن يعد بإمكان أى نظام سياسى السيطرةعلى عقول الأفراد فيه ، وسينتهى إلى الأبد عصر الثقافة الوحيدة المسيطرة وغسيل المخ الذى يسير فىاتجاه واحد فى تأكيد أيدلوجية محددة ، إذ أن العقل البشرى سيصبح مسرحا يستقبل شتى الآراءوالتوجهات والأيدلوجيات ، وسيرتفع به الوعى إلى الموازنة والإختيار بعد تمحيص وتدقيق . يؤكد هذا أن العصر القادم هو عصر انسياب المعلومات والأخبار والأنباء بدون رقيب أو مصادره، وذلك تأكيد آخر على حقوق الإنسان . وربما يكون الإنسان الوحيد الذى يفقد حقوقه فى الخصوصية هو الحاكم والمشاهير ، إذ ستعمل أجهزة الإعلام على كشف كل دقائق حياتهم بالصدق أو بالكذب ..
وإذا كانت وسائل الإتصال قد اخترقت الستار الحديدى وانهار أمامها الإتحاد السوفيى بكل عنفوانه فما بالنا بوسائل الإتصال بعد تطورها المذهل وما ستفعله مع أنظمة أقل قوة من الإتحاد السوفيتى الذى كان ؟..!!
عصر القومية العالميه :
لقد كان الستار الحديدى معنى سياسيا فى الماضى ، يعنى العزلة التى فرضها الاتحاد السوفيتى على نفسه ، إلا إن هناك أنواعا أخرى من الستائر أشد صلابة من الستار الحديدى ، أهمها الثقافاتالدينية المنغلقة والثقافات القومية المتعصبة . وتلك لا تحتاج لستار حديدى تصنعه السلطة الحاكمة لأنالفرد بنفسه هو الذى يغلف عقله بالحجاب عامدا متعمدا . ولكنه - أى الفرد - لن يستطيع بسهولة أنيصمد أمام الأجهزة التليفزيونية الساحرة ، وإذا نجح فى الإبتعاد عنها فلن ينجح فى حمل أبنائه علىاتباع منهجه ، وإذا قاطع أدوات الإتصال فقد حكم على نفسه بالخروج من العصر والزمن ، وأصبح منسقط المتاع ، يتحركالعالم للأمام وهو فى مكانه قد تجاوزته الأحداث ، وضاعبين اقدام البشريه المتحركة بسرعة الى الأمام .
بين الثقافه العالميه والخصائص القوميه :
1 ــ وذلك يعنى اننا على عتبة عصر ثقافى جديد يكون أقرب إلى العالمية ، يتحرك نحو المستقبل، ولا يتوقف كثيرا عند الماضى إلا بالنظرية النقدية التحليلية . وموقع الثقافات المحلية والقومية فى ذلكالعصر يتجه نحو التكامل والتوافق وليس التضارب والعداء ..
2 ــ ولا أعتقد أن الخصوصية الثقافية للقوميات ستلغى تماما . ولكن المنتظر أن يقوم أهل كل ثقافةبالإنتقاء والتهذيب وفق منهج نقدى مقارن يحتفظ بالعناصر الإيجابية فى كل ثقافة لتكون الخصوصيةمرادفه للتمييز والأصاله معا ،من واقع أرضية شديدة الحساسية ؛وهى أن كل قومية تشعر بأن ثقافتهاتدخل فى مضمار المنافسة مع الثقافات الأخرى فى مسرح مفتوح يشهده العالم كله عبر أدواتالإتصال . وذلك كله يؤكد على العالمية وتأثر الثقافات ببعضها وإقترابها من بعضها ، ويبرز العناصرالإنسانية المشتركة بينها ، ويحفظ فى نفس الوقت مكان الخصوصية بعد إنتقانها والإرتقاء بها.
ثورة المعلومات
1 ـ ويزيد من عالمية الثقافه الإنسانيه ثورة المعلومات الثى تشهدها اليوم والتى تتضخم وتتطور كلدقيقة. إن العلم ومنجزاته ذو طابع عالمى ، والقوانين الفيزيائية فى الخلية الحية والذرة تتكلم لغةواحدة ، والبشر على مستوى العلماء أو المنتجين أو المستهلكين يعرفون هذه اللغة ويؤمنون بها ويعولونعليها . وكل حقيقة علمية أو إكشاف علمى يكون فى متناول الجميع بغض النظر عن القومية أو اللغةأو الثقافة ..
2 ــ وإذا كانت الخصوصية الثقافية لكل قومية تظهر أكثر فى المجالات الأدبية والفنية فإن العلمومجالاته هو القدر المشترك العالمى للبشر جميعا . وثورة المعلومات تضع بصماتها بقوة على الثقافة العالمية ، وتظهر هذه البصمات فى صور شتى ؛ منها اختراع أدوات وأجهزة تحقق السيولة الكاملة فىالحصول على المعلومات والثقافات ونشر المنهج العلمى فى التفكير الأدبى والفنى مما يخفف من روحالتعصب والنرجسية ويرفع درجة الوعى بين النخبة والجماهير على السواء ..
نوع جديد من العلمانيه :
1 ــومما يؤكد على دور العلمانيه فى ثقافة الغد تعرض البشر جميعا لأمراض عالميه تتحدى التقدم العلمى مثل الإيدز والسرطان . وهذه الأمراض تضع العلمانية فى مفترق طرق .إن العلمانية هى الأخرى رد فعل وليست فاعلا أصيلا .
2 ــ لقد نشأت العلمانية فى أوروبا حركة احتجاج على تحالف الكنيسة مع النظام الإقطاعى القديم، واستطاعت البرجوازية القضاء على النظام القديم ( الملكية / الاقطاع / النبلاء ) وحاصرت الكنيسة بينجدرانها . وتطورت أوروبا صناعيا و( برجوازيا ثم رأسماليا )، فظهرت الشيوعية فكرة وعقيدة فى أوربا الصناعية . وتخلفت روسيا القيصرية عن أوربا بنظامها القيصرى الإقطاعى المتحالف مع الكنيسة . وكانت المفاجأةأن شهدت روسيا الزراعية ـ وليس أوربا الصناعية ــ قيام أول وأكبر نظام شيوعى ماركسى فيها ، وظهرت فيه علمانية أكثرتشددا ، لا تقتصر على حبس الدين فى الكنيسة وإنما تحكم بنفيه تماما على أنه أفيون الشعوب ..
3 ــ وفى جولات الحروب الباردة - والساخنة جزئيا - بين الرأسمالية والشيوعية تميزت نظرة كلفريق للعلمانية ، خصوصا فى علاقتها بالدين، إذ أصبح الغرب يفخر بإنتمائه الدينى مع حرصه علىتحديد إقامة الدين فى الكنائس والأديرة وإعتقاله فيها وفرض حظر تجول صارم عليه حتى لا يعود رجال الدين إلىالإنغماس فى السياسة والتحكم فيها. ونلاحظ أن بعض الأحزاب العلمانية حملت الوصف المسيحى طبقالهذا التوجه خصوصا فى ألمانيا الغربية التى كانت تواجه الشيوعية فى الجزء الشرقى من ألمانيا . وأدى ذلك إلى نوع من الإنفراج فى نظرة السوفيت للدين خصوصا بعد توثيق علاقتهم بدولالعالم الثالث ومن بينها الدول الاسلامية والعربية ، ولذلك كان السوفيت يسمحون أحيانا بفتح دور العباده نوعا من النفاق والمجاملة والدعاية المضادة ..
4 ــ ولكن بقى حظر التجول السياسى سدا منيعا أمام الدين ؛ فأوروبا لا تنسى بسهولة فظائع البابويةالسياسية ومغامرات البابا اسكندر السادس ، ولكن السياسى الأوروبى والامريكى يحتاج لإتهام الشيوعيةبالإلحاد ، كما يحتاج الفرد الأوربى العادى إلى الكنيسة ليأخذ بركاتها ويعترف أمامها بأخطائه ثم يعود نشيطا متشوقا إلى أخطائه بعد أن حصل على الغفران . أى ظل الدور الإجتماعى للكنيسة باقيا ومستمرا ومؤثرا..
ثم كان للبابا الحالى فى الفاتيكان دور فى مواجهة الشيوعية لأول مرة فى بولنده وفى غيرها .وأصبح واضحا أن الثورة على الشيوعية قد حظيت بمباركة البابا ، مما يعنى أن العلمانية الأوربيهالغربية لا تمانع فى استغلال الدين ولكن بشرط أن يكون تحت سيطرتها وتوجيهها .
وبسقوط الإتحاد السوفيتى ونظمه الشيوعية سقطت معه العلمانية الالحادية المصاحبة له ، وانفردت العلمانية الغربية بالبقاء . .
5 ــ إلا أنها تواجه اليوم مأزقا تزداد صعوبته فى المستقبل .
فالفرد الأوروبى يمارس العلمانية على أنها حريته المطلقة فى جسده وفى الإنحلال الخلقى ، ودور الكنيسه هو اعطاؤه الغفران وضمان موقع له فى الجنة إذا كان ممن يهتمون بذلك الأمر ، وبعد ذلك فهو مدمن للإنحلال الخلقى ويعتقد انه حر طالما لا يغتصب أحدا ولا يضر أحدا . ولكن الإنحلال الخلقى ( الطبيعى والشاذ ) أوجد أمراضا معديه مستعصيه تؤكد أن مفهوم الحرية العلمانى ضرر على الصحه العامة ، وإنه ينبغى المحافظة على الصحة العامة بإيجاد نوع من الضوابط لتلك الحياة الجنسية المفتوحة والتى تهدد بالقضاء على ملايين البشر بفيروس واحد اسمه الإيدز.
وحتى الآن يقف العلم عاجزا عن مواجهة الإيدز كما وقف من قبل عاجزا عن مواجهةفيروسات الانفلونزا.. وهى التى تنتج انواعا وفصائل جديدة تستعصى على كل جديد فى المضاداتالحيوية . وإذا كانت الانفلونزا لا تقتل ، فإن المعروف عن فيروس الإيدز أنه يصحب المريضحتى يسلمه للموت بعد معاناة شديدة ، وانه ينتشر بثبات وثقة ،وإذا استمر انتشاره بهذا المعدل فإنالعدوى به قد تصبح وباءا فى القرن القادم . وذلك يعنى إن السبيل المتاح حتى الآن هو الوقاية منه ، أى بالعفاف والحد من الإنفلات الجنسى؛ العادى و الشاذ .
6 ــ وذلك يرجح أن ثقافة الغد العالمية ستفسح صدرها لنوع آخر من العلمانية ليس فيها الإلحادالرسمى الذى سقط مع الاتحاد السوفيتى، كما إنه ليس فيها الانحلال الخلقى المطلق الذى كانت تسمح بهالعلمانية الغربية تحت دعوى الحرية الشخصية ..
7 ــ وأعتقد أن العلمانية المطلوبة ستكون معتمدة على جوهر الدين . وجوهر الدين دائما مع العدلوالإحسان والحرية المسئولة التى توازن بين حقوق الانسان وحقوق المجتمع ..
والوعى الجماعى للثقافةالعالمية لن تغيب عنه هذه الحقيقة ..
والعلمانية التى تتفق مع جوهر الدين هى العنصر الفاعل المؤثر الذى يستمر تأثيره ، أما العلمانية التى تنفى الدين تماما أو تدعو للانحلال الخلقى فهى نوع من أنواع التطرف .والتطرف دانما يكون رد فعل ، ورد الفعل لا يعيش طويلا .
( 3 ) مستقبل الثقافة العربية عالميا
موقع التراث فى مستقبل الثقافة العربية : ( 3 ) مستقبل الثقافة العربية عالميا
الثقافة العربية جزء من الثقافة العالمية :
1 ـ المستقبل هو عصر القرية العالمية وعصر الثقافة العالمية أيضا . وبهذا المفهوم فإن الثقافاتالتى كانت فيما مضى محلية ومحجوزة داخل أنماط الكتابة الخاصة بها كالصينية واليابانية ستكون منروافد الثقافة العالمية ومن نسيجها.
2 ــ والثقافة العربية ــ بموقعها الجغرافى الفريد وسط العالم ومتاخمة لأوربا ــ لم تكن محلية أو منغلقة على نفسها ، فرغم أن منطقالعصور الوسطى كان يقسم العالم المعروف إلى ديار الاسلام وديار الكفر إلا أن ذلك الإنفصالالسياسى لم يمنع التفاعل الثفافى بين المسلمن والأوروبيين . وأكنر من ذلك كانت أوقات الحرب وأماكنالصدام هى نفسها بوابات التفاعل الثقافي مثلما حدث في الأندلس وجزر البحر المتوسط وآسيا الصغرى والحروب الصليبية .
والثقافة اليونانية التي تفخر بها أوروبا العصور الوسطى ظهر حديثا أن لها جذورا من الثقافةالفرعونية . وتلك الثقافة اليونانية قام العرب المسلمون بترجمتها للعربية وتلقيحها بأفكارهم الشرقية ، وتلك الصياغة العربية الشرقية للثقافة اليونانية كانت في متناول أوروبا حين بدأت النهضة الأوروبية .
3 ــ وفي أبحاث لنا سلفت أثبتنا وحدة المنهج والفكر في الثقافتين العربية واليونانية في العصور الوسطى برغم العداء والحروب المتكررة بين العرب والأوروبيين ، ذلك أنها كلها تنتمي إلى ثقافة الشرق الأوسط والبحر المتوسط مهما اختلفت اللغات والأجناس .إذن فالثقافة العربية لم تكن يوما منغلقة أو محلية حتى فى أوقات الحروب والعداء مع الأوروربيين ، فالموقع الجغرافى وعلاقات الجيرة أقوى من دعاوي الإنعزال والإنغلاق .
4 ــ وإذا كان ذلك في العصور الوسطى ــ عصر الحروب والإنغلاق ومحاكم التفتيش والقوافلالصحراوية والمراكب الشراعية ــ فكيف يكون الحال مع المستقبل الذي تنعدم فيه المسافات والحدودوتُحاصرُ فيه الحروب والإنتهاكات لحقوق الإنسان ؟
إن النهضة الأوربية - ( Renaissance) ( 1300 : 1500) م - هى فترة الإنتقال الأوروبى من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة . وتلك النهضة الأوروبية قامت على أساس الصيغة العربية للتراث اليونانى وعلى ما أنتجتهقرائح العرب والمسلمين أثناء نهضتهم .وبذلك فالعصور الحديثة ومكتشفاتها لها جذورها فى الحضارة العربية فى حفظ التراث اليونانىوتطويره وتأثيرها فى النهضة الأوروبية . وذلك يؤكد أن الثقافة العربية الإسلامية كانت الناطق الفصيح بالثقافة العالمية ثم أصبحتمؤثرا هاما فى النهضة الأوروبية . وذلك يعطيها الآن الحق في أن تكون جزءا فاعلا فى الثقافةالعالمية ، وذلك برغم دعوات الإنغلاق التى يطلقها التيار السلفي المعادي للحضارة والثقافة الغربية .
5 ــ إن مستقبل الثقافة العالمية - والثقافة العربية الإسلامية جزء من نسيجها - لامكان فيه لدعواتالإنغلاق ، كما أنه لامكان فيه للحركات الدينية المتطرفة .
ثقافة التطرف لامستقبل لها :
إن الثقافة هى صدى الواقع السياسى والإجتماعى , وقد ربطنا ملامح المستقبل الثقافية بالأوضاع السياسية والاجتماعية للعالم بعد سقوط الإتحاد السوفيتى وقيام النظام العالمى الجديد .
وبدل ان نتحدث عن ثقافة التطرف وموقعها فى المستقبل فإننا يجب ان نناقش مستقبل التطرف نفسه على خريطة المستقبل السياسيه والإجتماعيه ؛ فإذا كان للتطرف وجود سياسى مستقبلى فله أيضا وجود فى ثقافة المستقبل . والعكس صحيح . فهل للتطرف مستقبل ؟ وهل لثقافته بالتالى مستقبل ؟ . إن التطرف يجثم على حاضرنا ويحتكر لنفسه السطور الأولى في الأخبار والأنباء ويكتبها بدمائنا وأشلائنا .! فهل ذلك الوجود الطاغي في الحاضر ينبئ بإستمراره في المستقبل ؟ .
وللإجابة على هذا السؤال نضع هذه الملاحظات التي نعتبرها حقانق ..
1- إن التطرف الديني السياسي ليس عنصرا فاعلا بل هو مُنتج وهابى مرتبط بدولة مؤقتة هى الدولة السعودية الوهابية ، وانتشرت وهابيتها بين المسلمين رد فعل للظروف الإجتماعيه والسياسيه فى بلاد المسلمين . وإذا عولجت تلك الظروف الفاعلة إنمحى أثرها ، والتطرف من ضمن تلك الآثار. الدولة السعودية هى دولة أسرة ، أى تنتمى بنفسها للعصور الوسطى حين كانت الدول تتسمى بأسماء منشئيها كالدول الأموية والعباسية والفاطمية والأيوبية والعثمانية . و بهذا التوصيف للدولة / الأسرة السعودية فهى الى زوال إن عاجلا أو آجلا . ولقد قامت ثلاث مرات وسقطت من قبل مرتين . وننتظر سقوطها الثالث فى القرن القادم إن شاء الله .! ومن الممكن تعجيل سقوطها بمواجهة الوهابية من داخل الاسلام لإثبات التناقش بينهما ، و لنزع شعار الاسلام الذى تتمسح به .
إن الظروف السياسية والإجتماعية هى البيئة التى ترعرعت فيها شجرة الشيوعيه وأثمرت حركتها ونظامها السياسي . وأسرعت الرأسمالية بإصلاح الظروف في بلادها فأحبطت آمالالشيوعية في الوصول للحكم عبر صناديق الإنتخابات الحرة.
لقد كانت الشيوعية هى الصورة المناسبة للإحتجاج الأوروبى ضد الرأسماليه والفسادوالكهنوت الكنسى ، واختلفت الصورة فى بلادنا عنها فى أوروبا , صحيح أننا عانينا من الإستبددوالإستغلال ولكن دين الإسلام على حقيقته لامكان فيه للكهنوت ، ويظل القرآن الكريم حجة على كل من يدعي لنفسه حقوقا تفوق ما كان للنبى ، ولم يكن للنبي كهنوت أو حاكميه أو علم بالغيب ..
وصحيح أن تاريخنا الوسيط والحديث عرف أنماطا من إدعاءات الكهنوت ولكنها كانت تفتقر إلى الحجة الدينية الدامغة، وكان ذلك مما يعوق أحلام الكهنوت الديني الشرقي الإسلامي فيالوصول إلى نفس ماكان للكهنوت الكنسي الأوروبي من تأثير سياسي.
ولذلك فإن الشيوعيين عندنا لم يجدوا نفس المناخ الصالح الذي كان للرفاق في أوروبا ، بل إنهموجدوا التدين الشرقي بما فيه كهنوت يرفض الشيوعية وما ارتبط بها من إلحاد ديني .
بل إن الشيوعيين حين تسللوا إلى الأحزاب الحاكمة عندنا لم يجرؤوا على إعلان الشيوعية واكتفوا بمصطلحات اليسار والتقدمية والإشتراكية العلمية .
وأسهم الأشتراكيون والجنرالات وبقية الأحزاب الحاكمة المستبدة في صنع الظروف السيئة التي أطاحت بأحلام الشباب. ووجد الشباب أنه عاش تجارب اليمين واليسار فما تحققت أمانيه . ولأن الإنسان الشرقي بالذات إذا أصابته محنة أستنجد بالله فقد إتجه الشباب في محنته إلى الدين .
فوجد أمامه التطرف الديني الوهابى ينفث فيه آلامه وآمالة المحبطة وكراهيته للمجتمع والناس . أى كانالتطرف الديني السياسي هو الصيغة التي اختارها الشرق المتدين للإحتجاج على الفساد بمثل ماكانت الشيوعية هى الصيغة المناسبة للإحتجاح الأوروبي .
وكما أفلحت أوروبا الغربية فى القضاء على أحلام الشيوعية فيها بالديمقراطية والإصلاح الإقتصادي ومحاربة الفساد وتقليم أظافر الرأسمالية ، فإنه يمكن لنا أن نفلح فى وأد التطرف بنفس الطريق: الإصلاح السياسي والإصلاح الإقتصادي وإلى جانبهما بل قبلهما الإصلاحالديني بالإحتكام للقرآن لتخليص عقائد المسلمين من أفكار التطرف .
ولنفرض أن نظاما عجز عن إصلاح نفسه وظل متسلطا مستبدا فاسدا , فهل يعني ذلك نجاحالتطرف في إقامة دولة دينية على حسابه ؟. ندخل بذلك على الحقيقة الثانية .
2- فلأن للتطرف رد فعل غاضبا ضد الظروف الإجتماعية والسياسية الفاسدة فإن درجة غضبه تتوقف على درجة الفساد فى مجتمعه ، فإذا كان الفساد متوسطا ظلت خطورة التطرف متوسطة ولا تسمح له بقيام دولة ، أما إذا كان الفساد متعمقا فإن رد الفعل فى الظروف يكون شديدا وبنفس الدرجة . ولكن شدة التطرف لاتسمح له - أيضا بقيام دولة فى القرن القادم . ولو قامت فستفشل وستسقط لأنها ضد ثقافة العصر .
والسؤال الهام لماذا ؟.والجواب :
2 / 1 : لأن التطرف بإعتباره مجرد رد فعل فإن شدته تكون في إطار رد الفعل أيضا ، أى تكون غضبا مستعرا ، يتحول إلى مجرد إرهاب بالقتل وسفك الدماء ، يهدم ولا يبنى . ولأنه يعجز أحيانا عنقتل السادة الكبار فإنه يلجأ لقتل الأبرياء من المسالمين من نساء وأطفال وسياح وموظفينومفكرين . المهم أنه يريد مجالا يفرغ فيه شحنته الغاضبة ، ويجد التبرير الدينى المزيف الذييسوغ له جرائمه . ومن الحقائق التاريخية أن الحركة السياسية إذا احترفت الإغتيال واتخذته منهجا فلن تنجحفي إقامة دولة لأن الشعوب تنفر منها ولاتطمئن لها وتقف مع النظام الفاسد المترهل لأنه سيئ فقطأما التطرف الارهابى الطامع للسلطة فهو أسوأ . وترضي الشعوب بالسيئ خوفا من الأسوأ.
وفى تاريخنا الإسلامي الوسيط كان التطرف هو العملة السائدة في العالم كله ، ولكن عرفتاريخنا حركات كانت أكثر تطرفا ، ارتبط مشروعها السياسي بالإغتيال وسفك دماء الأبرياء فمااستطاعت إقامة دولة ولم تنجح إلا في إنشاء عصابات في أماكن مهجورة بعيدة .
حدث ذلك في حركات الخوارج في العصر الأموي ، فقد نجح الخوارج في إضعاف الدولة الأموية بثوراتهم المتكررة ، ولكنهم أخافوا الناس حين أباحوا دماء المسلمين فظلوا محصورينفي إطار الارهاب . أرهقوا الدولة الأموية في حروب متكررة أستنزفت قوى الجانبين مما سهلللدعوة العباسية أن تسقط الدولة الأموية وتكسب قيام دولتها ، ودخلت ثورات الخوارج بعدئذ إلى متحف التاريخ إذ لم يعد لهم وجود هام على مسرح السياسة في العصر العباسي وكل مافعلوهأنهم ساعدوا في إسقاط أعدائهم لغيرهم ثم تواروا بين سطور التاريخ مع أعدائهم ..
وقام الحسن بن الصباح بإنشاء عصابة الحشاسين التى نشرت الرعب والإغتيال طيلة مقامها فى حصن الموت فى قزوين والذى استمر ما بين ( 090 1-1255 ) م . ولم ينجح الحسن بنالصباح فى إقامة دولة فظل هو وخلفاؤه مجرد رؤساء عصابات تسفك الدماء .
وعلى نفس الوتيرة لم ينجح إرهاب الزنج والقرامطة فى إنشاء دولة . هذا مع ان الجميع منالزنج والقرامطة والخوارج والباطنية الحشاشين وغيرهم كانت لهم عقائد دينية وتنظيمات وجيوش وقوة ونفوذ وضحايا بمئات الألوف ، ولكن ظل جهدهم محصورا فى إطار رد الفعل وفى سفك الدماء ، أى فى اطار زعيم العصابة الذى يصلح لقيادة عصابة ولكن لا ينفع فى قيادة أمة ورعاية شعب .!. تلك كانت تجربة العصور الوسطى نفسها ، والعصور الوسطى كانت عصور تطرف وفساد ، ومع ذلك فإن الارهاب التطرفى الذى يخرج عن مألوف العصور الوسطى كان محكوما عليهبالفشل فى العصور الوسطى نفسها . فكيف بالتطرف فى المستقبل ؟ والمستقبل هو عصر الحرية وحقوق الإنسان والقريةالعالميه ووسائل الإتصال والوعى والعقل المتفتح ؟
ثم ان هذا المستقبل لا مكان فيه لدولة استبدادية تضطهد الإنسان وتصادر حياته ، وإذا عجز نظام سياسى عن إصلاح نفسه فإن المجتمع الدولى لا يلبث أن يتدخل لإصلاحه ، أى أن الظروف السيئة التى تخلق التطرف محكوم عليها بالزوال وبالتالى فالتطرف محكوم عليه بالزوال .
2 / 2- إن التطرف الدينى السياسى حركة ردة للماضى الذى انتهى ، ولا مكان لحركة ماضوية تخالف منطقالعصر الذى تعيش فيه أن تسيطر على العصر الذى تعيش فيه . قد تنجح هذه الحركة فى أن تقوم لبعض الوقت بإستغلال بعض الفجوات السياسية المؤقتة ، ولكن لا يلبث إيقاعالعصر أن يؤثر فيها فيجذبها اليه ، فإما أن تجارى العصر وإما أن تموت . وتلك ليست مجرد حقيقة تاريخية انسانية ، بل هى أيضا حقيقة جيولوجية ؛ ففى أحد العصور الجيولوجية كان الديناصور أعظم مخلوق على الأرض , ولكن أتى عليه حين من الدهر أصبح يعيش فى غير عصره , أصبح يعيش عصر الثديات فسادت الثدييات الأقل حجما والأقل قوة ، وانقرض الديناصور الضخم لأنه أصبح يعيش فى غير عصره ..
2 / 3 : ونلقى نظرة على تاريخنا العربى الإسلامى لنعطى مثالا أوضح ..
فالإسلام حين نزل قرآنا على خاتم النبيين ما لبثت أن قامت على أساسه دولة مدنية فى ( المدينة )، تطبق كل تعاليم القرآن فى الحرية والديموقراطية والعدل والاحسان والسلام وردالاعتداء بمثله فقط . وكانت تلك الدولة الإسلامية فى كل توجهاتها تخالف المألوف والمعتاد فى العصور الوسطىحيث الإستبداد الدينى السياسى والظلم والفساد وسفك الدماء . أى كانت الدولة الاسلامية فى عهدالنبى تتكلم لغة قرآنية غير لغة العصر . لذلك كانت بين اختيارين : إما أن تسايرلغة العصر أو أن تندثر .واندثرت بالتدريج ، وانتهى الأمر بإقامة الملك الأموى الوراثى بالقوة والقهر. وأصبح الخليفه الأموى يشبه قيصر الروم ، ثم أصبح الخليفه العباسى يحاكى كسرى فارس . ولأن ذلك المنهج يخالف السنه الحقيقيه الفعلية للنبى والتى هى تطبيق عملى للقران فقد اخترع الخلفاء الجدد أرضيه تشريعيه نسبوها للنبي تضفى الشرعية على نظامهم المخالف لسنة النبى ، وتم تدوين تلك الأرضيه التشريعيه فى أحاديث مصنوعة وأحكام فقهيه ، وتم تغييب القران بتلك الأحاديث والفتاوى والتفسير ودعوى النسخ . وكل ذلك فى إطار التراث الذى ينبض بالتطرف .
وبذلك حدث الانسجام بين النظم التى تنسب نفسها للاسلام ونمط الحياة فى العصور الوسطى ، وأصبح الخليفه العباسى أو الفاطمى يحكم باعتباره ظل الله فى الأرض بنفس منطق الامبراطور الرومانى أو الملك الفرنسى أوالانجليزى ، بينما اندثرت دولة الاسلام الحقيقيةالتى تتناقض مع ثقافة عصرها ، ولم يعد من دليل عليها إلا القرآن الذى حفظه الله تعالى.
ثم دخل العالم فى العصر الحديث وقامت الدول القوميه فى أوربا على انقاض الإقطاع والإكليروس وبدأ الكفاح من أجل الدستور وأعلنت حقوق الانسان , ووصلت تلك المؤثرات الأوروبيه الينا خلال حملة بونابرت على مصر ، فقام ( محمد على ) بإنشاء الدولة الحديثه فى مصر محتفظا بسلطته الاستبداديه , وبرز اتجاهان للإصلاح , اتجاه تتزعمه مصر ينادى بالأخذ عنأوروبا ومحاكاتها فى اتجاهها العلمانى ،هذا الاتجاه يقف بقوة ضد اتجاه آخر ظهر من قبل فى الجزيرة العربيه يدعو للعودةإلى تراث الحنابلة في العصر العباسي، وبه قامت الدولة السعودية الأولى بناءا على إتفاق بين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود.
وتعطل المشروعان أحيانا فى مصر ونجد,اذ سقطت الدوله السعوديةمرتين وقامت ثلاث مرات , وتعطل مشروع الدوله الحديثه فى مصر فى عصر عباس وازدهر فى عصر اسماعيل , وجاءت الثورة المصريه بالدعوه القوميهفدخلت بالمنطقه على عصر جديد انتهى بالنكسه سنة 1967, وتعطل بها المشروع القومى الناصرى وذلك لصالح المشروع الدينى السلفى الوهابى السياسى الذى تؤيده السعوديه . وواكب ذلك فيما بعد ظهور قوة البترول فأعاد نشر كتب التراث الصفراء لتصبح اكثر بياضا وأكثر انتشارا وتأثيرا فى عقول الشباب الساخط . وبدلا من أن يكون الشباب قوة دافعه نحو المستقبل أصبح بذلك التراث قنبله تتفجرفى وجه المجتمع وتشده نحو الماضى ونحو الحياة السلفيه فى العصور الوسطى، وبينما يتقدم العالم للأمام ويعيش ثورة المعلومات ويفكر فى إنشاء مستعمرات فضائيه فإن الفقهاء الأبرار لا يزالون مختلفين فى حكم فوائد البنوك ومشروعية الحجاب والختان وازالة المنكر باليد أو باللسان .!.
ومن هنا أصبحنا نتكلم غير لغة العصر. وأصبحت البديهيات فى حاجة إلى إثبات ، ولكن ذلك لن يدوم ، لأن ثقافة الإبل أو سفينة الصحراء لا يمكن أن تصمد أمام ثقافة سفن الفضاء ، والأقمارالصناعية وما تبثه من معلومات ومرئيات تخطف الأبصار وتذهب بالألباب ستطيح ـ إن عاجلا أو آجلا ـ بأقاويل ابنتيمية وفتاوى الحنابلة وفكر ابن عبد الوهاب .وبالتالى فإنه إذا كانت المبادئ القرآنية العظيمة مخالفة للعصور الوسطى وقد نجحت العصورالوسطى فى تجاوزها وحجبها ، فإن التيار المتطرف الذى يتحدث لغة العصور الوسطى فى عصرنا الراهن لا مكان له فى المستقبل ، وسيتجاوزه الحاضر قبل المستقبل .
إن المستقبل الثقافى لا مكان فيه لتراث العصور الوسطى ومنه تراثنا .. إلا بمقدار .. وندخل بذلكعلى موقع التراث العربى فى ثقافة الغد .
( 4 ) الثراث العربى قى ثقاقة الغد
موقع التراث فى مستقبل الثقافة العربية : ( 4 ) الثراث العربى قى ثقاقة الغد:
مهزلة الرفض السلفى للحضارة الغربية
1 ــ كانت الثقافة العربية جزءا فاعلا مؤثرا فى الثقافة العالمية فى العصور الوسطى وستكون جزءافاعلا فى ثقافة الغد العالمية .وستنتهى دعوى الإنغلاق والرفض للحضارة الغربية التى يرفعهاالمتطرفون .
2 ــ والمضحك أن أولئك المتطرفين يعلنون رفضهم للحضارة الغربية وينسون انهم يستعملونأدوات الحضارة الغربية فى رفضهم للحضارة الغربية . يستخدمون الميكروفون والاذاعة والتليفزيونوالطباعة والأقمار الصناعية وأجهزة الاتصال ،بل وطعامهم ودواؤهم ووسانل مواصلاتهم وملابسهموأسلحتهم من انتاج الحضارة الغربية .أى يتناسون أن الحضارة الغربية تغلف حياتهم ، ويتناسون أن الحضارة الغربية بكل منجزاتها هى حضارة الإنسان وفيها كل تراث الانسانومجهوداته السابقة اللاحقة ، ومنها إسهامات العرب والمسلمين فى العصور الوسطى ..
ويتتاسون أن الإسهام فى الحضارة الحديثة بابه مفتوح لكل من يتعلم لغة العصر ، وجوائز نوبلفى الإختراع لا تفرق بين عربى وأعجمى إلا بالمقدرة على الابتكار . ويتناسون أن لغة العلم عالمية ، من أرقام ومعادلات وتصميمات ، وأن الشركات الكبرى تجرى وراء كلمخترع مهما كان لونه أو لغته أو قوميته . ولذلك أسهم فى التقدم النووى الى جانب اينشتاين الألمانى الأمريكى ثم علماء مسلمون من مصر وباكستاناحتضنتهم الحضارة الغربية . بل إن أمريكا متهمة بسرقة العقول من دول العالم الثالث التى تعجزعن التواصل مع العقول العبقرية من أبنائها.. ومعناه أن المجتمعات العربية إذا عالجت الفجوة بينها وبينالعقول العبقريه لأبنائها فإن تلك العقول ستسهم فى إلحاق مجتمعاتها بركب القرن الحادى والعشرين ..
وبالتالى فإن دعاوى الرفض والانفصال عن الحضارة الغربية مبعثه الشعور بالنقص والعجزعن اتخاذ موقف الند . وقديما قالوا بأن الناس اعداء ماجهلوا . وإذا تخلينا عن عقدة النقص وصممنا علىالدخول فى عصر العلم وبمنهج العلم فإن ثقافتنا العربية ستحتل مكانها اللائق فى المستقبل ..
3 ــ والسؤال الهام : كيف ندخل المستقبل بهذا التراث الذى نحمله فوق كاهلنا ؟ لأن ذلك التراث هوالذى يستشهد به السلفيون فى رفض الحضارة وعداء المستقبل ..
تراثنا : الثابت والمتغير
1 ــ نبدأ بالتعرف على تراثنا من حيث أصوله .
تراثنا ينقسم إلى ثابت ومتغير .
الثابت هو القرآن الحكيم . هو الوثيقة الأصلية والحقيقية والوحيدة للاسلام , وفيه السنة الحقيقيةللنبى والقصص الحقيقى لتاريخ الأنبياء والمسلمين والتشريع الحقيقى للإسلام .وهو الوثيقة الإلهية المحفوظة بقدرة الخالق جل وعلا إلى يوم القيامة ..
أما المتغير فى الثراث فهو ما أضافه المسلمون من مؤلفات فى العصر العباسى وهو عصر التدوين . وتلك المؤلفات لا تعبر عن الإسلام وأنما تعبر عن المسلمين وظروفهم السياسية والإجتماعيةوالنفسية وعلاقاتهم ببعضهم وعلاقاتهم بغيرهم .
2 ــ وذلك التراث المتغير بعضه صيغ فى شكل أحاديث وتفاسير منسوبة للنبى عليه السلام ، مع أنالمؤكد أن النبى نهى عن كتابة أى شئ سوى القرآن , وأنه ما ترك مكتوبا سوى القرآن ، وأن كتابة تلكالأحاديث قد تمت فى عهد الخلفاء العباسيين بعد قرنين من وفاة النبى استجابة لظروف متغيرة ومختلفةعن عصر الرسول .
ونسبة تلك الأحاديث للنبى أوجد عنصرا مناقضا للقرآن . وجعل للمسلمين صبغة دينية تتمشى ومنطقالعصور الوسطى التى نزل القرآن أساسا لإصلاحها واستنكارها . وتلك الصبغة المنتمية للعصور الوسطى هى التى يعتنقها تيار التطرف الدينى ويريد أنينشىء على أساسها دولة تعيد عصر الخلافة الأموية أو العباسية أو الفاطمية . وتلك الصبغة المنتمية للعصور الوسطى هى المسئولة عن الإرهاب والتعصب والتحجروالإنغلاق . خصوصا وأن الفكر الحنبلى الذى ينهل منه التطرف المعاصر هو أسوأ أنواع التراثإنغلاقا وتحجرا وتعصبا وجرأة على سفك الدماء ..
ومن الطبيعى ان ذلك التراث المتغير المعبر عن عصوره الوسطى لا مكان له فى حياتتا العقليةإلا فى إطار البحث التاريخى والمنهج النقدى الذى يربطه بظروفه الإجتماعية والسياسية والنفسية ..وإلا فكيف نحتكم إلى الشافعى أو بن تيمية فى أحوال القرن العشرين أو الحادى والعشرين . إنالشافعى لو خرج حيا من قبره وسار فى شوارع القاهرة الآن لمات ثانيا من الرعب والخوف . نقول القاهرة ولا نقول نيويورك أو طوكيو .. !!
والذين يحتكمون إلى التراث المتغير فى تفسير وحل مشاكلنا المعاصرة ينتهون إلى فتاوىمضحكة وسلوكيات فاضحة ، مثل ذلك الشيخ الذى أفتى بأن الارض لا تدور حول الشمس استنادا لفتوىابن تيمية ، أو مثل أولنك الذين يمارسون السحر والدجل باسم العلاج بالقرآن , ويعتمدون فى ذلك علىخرافات العصرين المملوكى والعثمانى ..
هذا عن التراث المتغير من أحاديث وتفاسير وتشريع فقهى ..
3 ــ أما عن التراث الثابت وهو القرآن الكريم فهو فوق الزمان والمكان ، وصالح لكل زمان ومكان . ومن الأهمية بمكان أن نتدبره فى قراءة موضوعية بلا رأى مسبق ، ونفهم مصطلحاته من خلاله هو ، وليس من خلال تراث المسلمين الذى تزدحم وتتلاطم مصطلحاتهم من السنة والتشيع والتصوف والأدب والبلاغة والنحو والصرف وعلوم الحديث وغيرها . تدبر القرآن فريضة على من يبحث القرآن برؤية واعية على أساس أنه يفسر بعضه بعضا وأن المتشابه فيهيدور فى إطار المحكم .وبهذا المنهج العلمى الموضوعى يمكن أن ندخل بالقرآن إلى ثقافة الغد ونحنمرفوعو الرأس ..
4 ــ ونتعرف على تراثنا من حيث مصدره وموضوعاته ..
فهو ينقسم إلى مصدر إلهى ومصدر بشرى . والموضوعات فى كل منهما تتأثر بالمصدر .
فالمصدر الالهى هو القرآن وحده . وهو كتاب له بداية ونهاية وعدد سور معروف وكل سورةتنقسم إلى آيات معدودة محددة مرقومة ، وكل حروفه متفق عليها ، لأنه محفوظ بقدرة الله تعالى إلى يومالقيامة ..
أما المصدر البشرى فمنه ما هو منسوب لله زورا ( أحاديث قدسية ) أو للرسول ( أحاديث نبوية ) وهى فى الحقيقة كتب بشرية لها مؤلفون من البشر اعتمدوا على روايات شفوية زعموا أنها إنتقلت اليهم بالاسناد عن السابقين ليؤكدوانسبة تلك الاقوال للنبى بعد وفاة النبى بقرون . والاسناد فى حد ذاته كذبة كبرى لا تستقيم فى المنهج العلمى ولا المنهج القانونى ولا القضائى . وهذه الكتب فى الأحاديث لا تنتهى عددا أو تناقضا . ومع أنالموضوعات مشتركة بين القرآن ذى المصدر الالهى والتراث ذى المصدر البشرى فإن التناقضواضح بينهما فى الأصول والفروع وفى الكليات والجزنيات .. وقد أثبتنا ذلك التناقض فى مئات المقالات وعشرات الأبحاث والكتب , وكوفئنا عليهابالاضطهاد والإتهامات والمؤامرات من شيوخ التطرف ومريديه ..
ونعطى أمثلة سريعة . .
1- فالقرآن يجعل الألوهية لله وحده فلا اله مع الله ولا أحد من الخلق يشبه الله أو يحل فيه جزء من الله ، ولكن التراث الصوفى والتراث الشيعى وبعض المصادر السنية تضفى الألوهية وصفاتها
على الأئمة والأولياء والأنبياء ( راجع كتابنا: السيد البدوى بين الحقيقة والخرافة - القاهرة 1982 ، الأنبياء فى الترآن الكريم - القاهرة 1985 ) .
2- وتشريعات القرآن تختلف عن التشريعات الفقهية فى المنهج والقواعد والتفصيلات بل
والاصطلاحات ( ويراجع فى ذلك كتابنا: شريعة الله وشريعة البشر, وقد صودر سنة 1987 ,
وكتاب : حد الردة : القاهرة 1994 , القرآن وكفى مصدرا للشريع :القاهرة 1991 ) .
3- والاتجاه العقلى التنويرى فى القرآن يناقضه الاتجاه الخرافى أو الإنغلاقى فى مصادر التراث
الصوفى أو التراث الحنبلى ( يراجع فى ذلك كتبنا : حقائق الموت فى القرآن الكريم : القاهرة
1990 , عذاب القبر والثعبان الأقرع : القاهرة 1994 , الأزهر والتنوير -:ينتظر النشر . . ,
دراسات فى الحركة الفكرية فى الحضارة الاسلامية : القاهرة 1985 , البحث فى مصادر التاريخ
الدينى : القاهرة 1984 ) .
4- وحقوق الانسان السياسية وغير السياسية مكفولة فى القرآن في إطار يحفظ حق الفرد وحق
المجتمع ، وفى صيغة توافق بين الحرية والعدالة . ولكن التراث البشرى للمسلمين يؤكد على الاستبداد ويصادر حقوق الانسان فى العقيدة والرأى وفى الأقليات . .
( يراجع فى ذلك بحوث لنا منها : حد الردة المشار اليه , وبحث عن حرية الرأى بين الاسلاموالمسلمين فى كتاب للمنظمة المصرية لحقوق الانسان صدر سنة 1994 , وكتاب : الشورىالإسلامية أصولها وتطبيقها , وقدم الكتاب بحثا فى الملتقى الفكرى الذى عقده المركز العالمى فى طرابلس فى شهر أكتوبر 1994 ، وبحث عن النسخ فى القرآن نشرته مجلة التنوير المصرية فىيونيه 1994 , وكتاب لم ينشر عن : حقوق الأقليات فى الإسلام , وكتاب آخر لم ينشر عن الجذورالدينية والتاريخية لاضطهاد الأقباط فى مصر الإسلامية , وكتاب : شخصية مصر بعد الفتحالإسلامى : منشور فى القاهرة 1984 , هذا عدا اشارات فى مئات المقالات المنشورة فى الصحفالمصرية ) .
والخلاصه أن صورة الإسلام الحقيقية تتجلى فى القرآن وهى الصورة التى يشرفنا أن تدخل بها ثقافتنا العربية الإسلامية في القرن القادم ، وهى الصورة التى نستطيع أن نتخلص بها من التطرفوأوزاره ، وبها يمكن أن يتحول التطرف إلى مجرد تراث يصلح للعبرة والاستفادة من أخطاء السابقين .
5 ـ إن هذه الصورة القرآنية المشرقة للإسلام لن تبرئه فقط من تهمة الإرهاب التى ألصقها بهالتراث وأرباب التطرف السائرون على منهاجه ، ولكن للقرآن دورا آخر هو التأكيد على الجوهرالحقيقى للدين وهو أنه للسمو الخلقى للبشر ولنشر الفضائل من التسامح والسلام والمحبة والعفووالتراحم والمغفرة ، وأنه لقيام المجتمع على أساس العدل والقسط ، وإنه يوازن بين الحقوق والواجبات ، وبينالمسئولية والجزاء والعقاب ، وبين حرية الفرد وحقوق المجتمع ، وبين حرية السوق والعدل الإجتماعى بما يمنع من قيام نُخبة من المترفين يحتكرون الثروة والسلطة ووجودهم يكون إرهاصا بتفجير المجتمع . تلك هى المثل الحقيقية للدين .وهى نفس المثل العليا التى يتخيلها الانسان فى أحلام اليوتوبيا والمدينة الفاضلة ، وهى التىسيحاول تحقيقها فى القرن القادم ..
6 ــ والقرن القادم سيشهد أجيالا تعلمت من الحروب أن تتجنب بواعثها وأسبابها من الفسادوالاستبداد واحتكار الثروة والسلطة .وتجارب الإنسان بعد عشرات القرون ستجعله مؤهلا لأن يعيش فى رقى وتحضر ، لأن الحروب القادمة ليس فيها غالب أو مغلوب , بل فيها التدمير المتبادل للجميع بدون سبب يستحق .إن الغرب المتحضر لم يدخل فى حروب فى أواخر هذا القرن بعد أن تعلم من الديموقراطية أنالاستبداد الداخلى هو الذى يدفع للحروب الخارجية لتدعيم مركز الديكتاتور الداخلى .
وشيوع الديمقراطية فى العالم الثالث كفيل بانعدام ذلك الصنف من الحكام المستبدين المغامرينالذين ينشرون الحروب والخراب .و إذا سكتنا عن وجود ذلك الصنف من الحكام فإن العالم لن يسكت عليه . لأن القرية العالمية لا مجال فيهاللصوص والمغامرين الذين يهددون سلامتها .والثقافة العالمية ستكون امتدادا لذلك الرقى .
والقرآن الكريم سيكون سندا لهذا الرقى وسندا لثقافتنا القومية ومؤكدا على دورها فى الثقافة
العالمية . ولكى نسرع للوصول إلى هذه المكانة علينا أن نفسح الطريق للقرآن وتدبره ..
فهو الطريق الوحيد للقضاء على ثقافة الإرهاب وللوصول إلى العالمية ..
ختاما :
افسحوا الطريق للقرآن . .