أثر التصوف السياسي في الدولة المملوكية
فهرس كتاب (أثر التصوف السياسي في الدولة المملوكية )
الفهرس
تمهيد : لمحة عامة عن التصوف والدولة المملوكية
خطوات إقامة وتوطيد الدولة المملوكية في مصر
استعراض الدولة المملوكية
انتشار التصوف في مصر المملوكية
مكانة الصوفية لدى الحكام والمحكومين
الفصل الأول استفادة المماليك من الصوفية :ـ
في قيام الدولة المملوكية البحرية ثم الدولة المملوكية البرجية :ـ في قيام الدولة البحرية ..
مدخل عن دور الصوفية قبل قيام الدولة البرجية
شخصية برقوق
دور المتصوفة في قيام الدولة المملوكية البرجية
استغلال التكفير كسلاح سياسي لقتل الخصوم السياسيين بحكم الشرع :
تصوف الأمراء والوزراء
تصوف الأمراء والوزراء في ساعةالشدة :
المتصوفة في السفارات السياسية
المؤسسات الصوفية في مجال السياسة
الصوفية حماة الظلم : استفادة المماليك من تأييد الصوفية لظلمهم :
بين التصوف المملوكي والظلم المملوكي
الظلم في العصر المملوكي
دور أولياء التصوف في إرساء الظلم
دعاوى الكرامات والظلم
الفقهاء ومقاومة الظلم
الفصل الثاني :ـ استفادة الصوفية سياسيا
التصوف طريق للوصول للمناصب والنفوذ والمشاركة السياسية المملوكية
انغماسهم في الفتن السياسية
المؤسسات الصوفية والفتن
في الشفاعة
والنفوذ الشعبي
استغلال النفوذ السياسي للصوفية في الصراع مع الفقهاء
الفقهاء في العصر المملوكي صراع ابن تيمية مع الصوفية
السياسة المملوكية بين ابن تيمية والصوفية .
حركة ابن البرهان المصري
حركة البقاعي
أمراء المماليك بين الصوفية والفقهاء
استغلال النفوذ السياسي للصوفية ضد النصارى
حركات فردية
حركات جماعية
المماليك يقيمون العمائر الدينية للصوفية
الفصل الثالث : دور الصوفية في انهيار الدولة المملوكية :
أولا : دور الصوفية في انهيار الدولة المملوكية من الخارج
إسماعيل الصوفي ( الصفوي )وانهيار الدولة المملوكية
المرحلة الأولى :ظهور إسماعيل خطرا يهدد العثمانيين والمماليك
المرحلة الثانية : تحالف الغوري مع إسماعيل الصوفي وأثر ذلك في انهيار الدولة المملوكية ،
الصوفي وسليم بعد وفاة الغوري
ثانيا : دور المتصوفة في الداخل وقت انهيار الدولة المملوكية
جهود الغوري في استمالة الصوفية
الصوفية المصريون في مرج دابق
صوفية الشام بين الغوري والعثمانيين
طومان باي واستمالة الصوفية
سياسة المتصوفة مع العثمانيين بعد انهيار الحكم المملوكي
الخاتمة : الدرس المستفاد من تحالف المتصوفة ( رجال الدين ) مع حُكام العسكر المماليك
تمهيد : كتاب (أثر التصوف السياسي في الدولة المملوكية )
تمهيد : كتاب (أثر التصوف السياسي في الدولة المملوكية )
تمهيد : لمحة عن الدولة المملوكية : (648 هـ ـ 921 هـ ) ـ ( 1250 م ـ 1517م ).
يعتبر قيام الدولة المملوكية حدثا فريدا في التاريخ الإسلامي، حيث حكم المماليك وهم رقيق الأيوبيين – أملاك أسيادهم الأيوبيين ، وتقودهم في مبدأ الأمر امرأة هى شجرة الدر. وهذا الوضع لم يكن له ليستمر إلا بقوة المماليك ودهائهم وضعف الأيوبيين وتناحرهم وقوة مركز مصر في العالم الإسلامي على أنها الملجأ الوحيد لإنقاذ المنطقة من الصليبين والخطر المغولي القادم ،وقد استطاع المماليك تأكيد نفوذهم بإرهاق الوجود الصليبي ثم إزالته نهائيا في نفس الوقت الذي قضوا فيه على الخطر المغولي وبمطاردة المغول في الشام لم تقم للدولة الأيوبية قائمة في الشام بعد أن انتهت من مصر . وهكذا ورثت الدولة المملوكية الفتية العروش الأيوبية في الشام ومصر .
أولا : خطوات إقامة وتوطيد الدولة المملوكية فيمصر
يظهر أن المماليك لم يفكروا في الخروج على طاعة الأيوبيين إذ بذلوا كل ما في وسعهم في القضاء على حملة لويس التاسع ،وحفظوا السلطة كاملة لتوران شاه في وقت كان أبوه الصالح أيوب ميتا وهو بعيد في العراق . ولو كان لديهم طموح لاستغلوا تلك الجروح القاسية في مصلحتهم ،إلا أن أقصي ما كانوا يطمعون فيه هو التقدير والعرفان بالجميل ،ففوجئوا
وتوجسوا شرا من السلطان الجديد توران شاه وهو لا يختلف في شيء عن صغار الأيوبيين فعاجلوه بالقتل قبل أن يوقع بهم ، فقتل توران شاه كان عملا وقائيا في بدايته كما يظهر من استقراء وقائع التاريخ ،إلا أن القضاء على توران شاه أوقع المماليك البحرية في مشكلة من يخلفه. ولإنقاذ الموقف فقد توجت شجرة الدار أرملة الصالح أيوب ،وهي امرأة أظهرت حنكتها السياسية وقت الشدة ،وبدأت الدولة المملوكية بشجرة الدار وسيوف المماليك البحرية تفاوض لويس التاسع وإذ انتهت من ذلك حتى واجهت عدة مصاعب أهمها :
1- الخليفة العباسي والرأي العام الإسلامي :
لم يستسغ الخليفة العباسي – وهو يمثل الرأي العام المسلم – أن يتولى الأمر امرأة ولو كانت على مثال شجرة الدر . وبعث الخليفة يتندر على السلطة الجديدة. وتحاشيا لإغضابه والرأي العام معه فقد تم حل المشكلة بأن تتزوج من أيبك الداودار [1] وتقاسما السلطة وصارت شجرة الدار تحكم ولكن من وراء ستار. وإذ انتهت تلك المشكلة توجه المماليك لحل المشكلة الأخرى .
2- المصريون والأعراب والشيعة :
لم يرض المصريون أن يحكمهم مماليك الأيوبيين . يقول أبو المحاسن ( أن أهل مصر لم يرضوا بسلطان مسه الرق ،وظلوا إلى أن مات السلطان أيبك وهم يسمعونه ما يكره حتى في وجهه إذا ركب في الطرقات ) ولذا اشتد المماليك في قسوتهم على العامة المتذمرين من توليهم السلطة حتى أن المقريزي وأبا المحاسن يقولان إن الصليبين لو ملكوا مصر ما فعلوا بالمصريين كما فعل بهم المماليك [2] في بداية عهدهم .
ولا ريب أن المصريين وإن خضعوا بالقهر للقوة الجديدة إلا أن القهر لا يعني إلا الحقد الدفين المكبوت ،وقد أستغل هذا الشعور بعض العلويين فجمع إلى جانبه كثيرا من الأعراب وأعلن الثورة وأن ملك مصر يجب أن يكون للعرب وليس للأرقاء ،وهذا ما فعله حصن الدين ثعلب . الذي أقام دولة عربية مستقلة في مصر الوسطى ومنطقة الشرقية في بداية الدولة المملوكية وحاول حصن الدين الاتصال بالناصر الأيوبي عدو المماليك إلا أن عقد الصلح بينهما أضاع أمل حصن الدين فعول على الاعتماد على جهوده الذاتية .
وبعد أن فرغ أيبك من الخطر الأيوبي الخارجي قام بتوطيد سلطته في الداخل فأرسل أقطاي زعيم المماليك البحرية بجيش تمكن من هزيمة الأعراب في بلبيس . وطلب حصن الدين الأمان فأمنه المعز أيبك ثم اعتقله وقتل أصحابه وعامل الأعراب بالعسف حتى ذلوا وقلوا على حد قول المقريزي [3] .
والواقع أن توطيد الدولة المملوكية بدأ حقيقة في عهد قطز الذي انتصر على الخطر المغولي وفي عهد الظاهر بيبرس الذي قلّم أظافر المغول والصليبين لان الشام هو بوابة الخطر الذي يأتي لمصر في عهد الانتقال من دولة إلى دولة .
المماليك والشام
كان الشام الخطر الأكبر على الدولة المملوكية الناشئة ففيه الصليبيون ومفهوم أنهم أعداء للسلطة الجديدة التي أبادت حملة لويس التاسع ،وفيه الملوك الأيوبيون وهم لن يسامحوا في سقوط مصر بين مماليكهم وعبيدهم بعد أن قتلوا توران شاه .
ثم كان الخطر الأكبر على الجميع وهم المغول الذين اكتسحوا في الجولة السابقة الدولة الخوارزمية ثم عادوا في هذه الجولة فاكتسحوا قلاع النزارية الباطنية في آلموت ثم دمروا بغداد والخلافة العباسية سنة 658 . وتهاوت أمامهم العروش الورقية لأبناء أيوب وسلجوق في الشام والعراق ،ووقع على كاهل المماليك في بداية دولتهم أن يتعاملوا مع ذلك الخطر بعد أن انحدر للشام واتجه لمصر .وقد أفلحت الدولة المملوكية في مد سلطانها على الشام حتى الفرات بل وصلت إلى أبعد ما وصل إليه صلاح الدين في عهد الظاهر بيبرس الذي اخضع الأرمن ودمر عاصمتهم وامتد ملك الدولة في عهده إلى أقصي اتساعه .
ولتتبع خطوات المماليك في ضم الشام وتعاملها مع تلك القوي .
1- الورثة الأيوبيون في الشام :
تزعمهم الناصر داود الذي استولى على دمشق في الصراع ضد المماليك بعد تولى شجرة الدر السلطنة ، ذلك أن الناصر داود كان أكبر الورثة الأيوبيين، ثم أن مركزه الجديد في دمشق يفرض عليه أن يحدد موقفه من القاهرة . وتحالف الناصر داود مع الصليبين . وبدا الصراع بينه وبين المماليك في غزة سنة 648 فهزمه أقطاي كبير المماليك البحرية .
ولم ييأس الناصر داود فجمع أقاربه من الملوك الأيوبيين وزحف بهم إلى مصر ودارت معركة كبيرة عند الصالحية وانهزم فيها الناصر داود مع كثرة عساكره لان المماليك الذين كانوا في جيشه انحازوا إلى الجيش المملوكي المصري ،وأسر المعز أيبك جملة من الملوك الأيوبيين في المعركة والأمراء المتعاونين معهم .
وفي سنة 649 استولى أقطاي على الساحل الشامي ونابلس إلى نهر الشريعة فسير الناصر داود حملة من دمشق إلى غزة ، فخرج المعز أيبك بجيش إلى الصالحية. وترددت الرسل بينه وبين الناصر داود. وبعث الخليفة العباسي الشيخ الدردرائي ليصلح بين المعزأيبك والناصر داود ودارت مفاوضات طالب فيها المماليك بجزء من الساحل الشامي الجنوبي بالإضافة إلى مصر .
وفى سنة 651 تقرر الصلح على أن يكون للمصريين إلى الأردن وللناصر ما وراء ذلك وأن يدخل فيما للمصريين غزة والقدس ونابلس والساحل كله وأن يطلق المماليك الملوك الأيوبيين الأسرى [4] . وواضح أن المماليك نجحوا في مد سلطانهم إلى جنوب الشام مع الساحل ،وقد وافقهم الناصر داود ونال لنفسه الشام الشمالي وطبعا كان ذلك على حساب أقاربه الأيوبيين المأسورين عند المماليك منذ معركة الصالحية. وقد اشترى الناصر داود حريتهم من أسر المماليك بعد أن اتفق مع المماليك على اقتسام الشام .
ثم كان الامتحان الأكبر للدولة المملوكية الناشئة أمام المغول .
(( المماليك والمغول ))
وكان المغول أكبر خطر هدد المنطقة تحركوا من أقصي الشرق يدمرون كل جزء من العالم يمرون به، فقضوا على إمبراطورية الصين وتجمعات الترك الرعويين ، وما لبثوا أن هزموا الدولة الخوارزمية بعد عدة جولات . ومنها انفتح الطريق أمامهم للدولة العباسية فدمروا بغداد وقتلوا الخليفة العباسي وسكان بغداد . وسار الرعب في ركابهم وسبقهم في القدوم .واستسلم لهم بعض الأمراء الأيوبيين كحاكم حمص الذي خدم هولاكو وسار في صحبته والناصر داود حاكم دمشق وحماه .وخضع للمغول الصليبيون في إنطاكية والأرمن في أرمنيا . وتوغل المغول في الشام وبعث هولاكو للمماليك يطلب خضوعهم . كان قطز يتولى نيابة السلطنة للسلطان الصبي على إبن أيبك . وأنتهز الفرصة فأعلن نفسه سلطانا وأخذ في الاستعداد وأرسل مقدمته إلى غزة يقودها بيبرس فهزم حاميتها المغولية. وفي هذه الأثناء هلك منكوخان الخان الأكبر فانسحب هولاكو بجزء من الجيش إلى الشرق وترك الباقي تحت قيادة كتبغا ليواجه المماليك . وسار قطز قرب عكا ثم جاءته أنباء بأن كتبغا عبر نهر الأردن وأنه نفذ إلى الجليل الشرقي فسار مسرعا إلى الجنوب الشرقي فوصل عين جالوت .
معركة عين جالوت : ( 658 هـ 1260 م ) :
وقدم كتبغا ولم يكن يعلم أن جيش المماليك قد سبقه وكان قطز يدرك تفوق قواته في العدد فاخفي الجانب الأكبر منها في التلال ولم يعرض للعدو إلا المقدمة التي يقودها بيبرس ووقع كتبغا في الفخ فهجم على مقدمة الجيش بكل قوته فتقهقرت أمامه واستدرجته إلى التلال فأحاطت به جموع المماليك وطوقته ،وأبلى كتبغا في القتال دون جدوى إذ أن الهزيمة حاقت بالمغول [5] لأول مرة في تاريخهم .
وتعتبر عين جالوت من المعارك الفاصلة في التاريخ العالمي ، إذ بها اندحر المغول شرقا ، واكتسبت السلطة المملوكية الجديدة احترام العالم الإسلامي ، فقد أنقذوا المسلمين ليس في الشرق الأوسط فحسب وإنما في أفريقيا. ومن ناحية أخرى عجل القضاء الحربي على المغول بدخول بعضهم في الإسلام حين أسلمت القبيلة الذهبية التي تحكمت في العراق وكونت به دولة مغولية مسلمة .واستولى قطز على سائر بلاد الشام حتى الفرات وخضع له أمراء الشام الأيوبيون وعجلت هذه المعركة بزوال الصليبين إذ أن المماليك المنتصرين عزموا على التخلص النهائي من الصليبيين فتابع بيبرس الذي قتل قطز وخلفه – الجهاد ضد الصليبيين والمغول في نفس الوقت . وتأكدت بذلك سلطة المماليك كأكبر قوة في مصر والشام .
الظاهر بيبرس والمغول :
تمكن بيبرس بعد أن تسلطن من الاستحواذ على إمارات الأيوبيين في الشام وعاقب المسيحيين الذين تحالفوا مع المغول مثل ملك أرمنيا وأمير إنطاكية الصليبي .وفي هذه الآونة أعلن بركة خان زعيم القبيلة الذهبية إسلامه، وتحالف مع بيبرس وتعاونا معا أمداد كيكاوس السلجوقي بجنود تمكن بهم من استعادة ملكه في الأناضول .
ولم يستطع هولاكو الانتقام من المماليك مع تحالفه مع الأرمن والصليبين ،وانشغل بهجوم بركة خان عليه. وتمكن بيبرس بذلك من توفير وقته لإجهاد الوجود الصليبي في عكا [6] إلى أن انتهي نهائيا في عهد الأشرف خليل بن قلاوون الذى أجلاهم عن عكا آخر معقل لهم .
وحتى تستكمل مصر مظاهر زعامتها للعالم الإسلامي فقد دعا بيبرس أحد أقارب الخليفة العباسي ونصبه خليفة في القاهرة .إلا أن بيبرس تخوف من طموح الخليفة الجديد فحجز عليه ثم بدا له أن يتخلص منه فبعثه بجيش صغير ليحارب المغول فهزم وقتل . وعين آخر محله . واقتصر دور الخليفة على مبايعة كل سلطان [7] وأصبح من جمله شعائر الدولة المملوكية التي أضحت بها القاهرة حاضرة العالم الإسلامي بعد بغداد .
3- المماليك والصليبيون …
ارتفع شأن المماليك بانتصارهم على حملة لويس التاسع ، وارتبط توطيد الحكم المملوكي في عهد الظاهر بيبرس بحروب نشطة ضد الإمارات الصليبية في الشام .على أن جهد بيبرس توزّع بين قتال الصليبين والأرمن مع المغول في نفس الوقت .
ومن ذلك أن بيبرس هزم الأرمن ونهب مدنهم ليؤمن ملكه في حلب وشمال الشام . ولم يترك الفرنجة يستريحون ، فأكثر من الإغارة عليهم حتى أصبحت حياتهم في عكا لا تطاق ، ثم فاجأ إنطاكية وأقتحمها ودمرها بمن فيها ،وبسقوط إنطاكية في يد بيبرس أنهار الصليبيون في شمال الشام حتى أن الفرسان الصليبيين الدواية تخلوا عن قلاعهم المجاورة لإنطاكية [8] ..
وتابع قلاوون جهد سلفه بيبرس فاستولى على حصن المرقب الحصين واخرج عنه الأستبارية ثم أثم الاستيلاء على اللاذقية وفتح طرابلس ... ونقضت عكا الهدنة فتجهز للقضاء عليها – وكانت العقل الأخير للصليبين إلا أنه مات قبيل تحقيق غرضه فأتم ابنه ذلك العمل – عملا بوصية أبيه .. وباستيلاء الأشرف خليل بن قلاوون على عكا سلمت صور وبيروت وانطرطوس وعثيلت وارواد وظلت جيوش المماليك تزرع الساحل الشامي من أقصاه إلى أقصاه بضعة شهور تدمر كل أثر للفرنج في المنطقة وأنهي المماليك بذلك الحروب الصليبية [9] التي بدأت قبلهم بنحو قرن ونصف القرن وخلصت لهم سيطرتهم على الشام .
ثانيا : انتشار التصوف في مصر المملوكية
1- بدأ التصوف فردياً وانتشر تدريجياً بدخول الكثرة فيه لأنه لا يحتاج إلى عقل كبير وبحث كثير[10] حتى إذا جاء العصر المملوكي أصبح التصوف فيه ظاهرة بارزة ..
2- ولقد تداخلت العوامل التي أثرت في ازدهار التصوف في العصر المملوكي وتفاعلت في تاريخ التصوف ذاته ليصبح التصوف بها مؤثراً في تاريخ المجتمع. ولتوضيح ذلك فإن ظلم المماليك ـ مثلاً ـ كان من عوامل لجوء الناس للتصوف إلا أننا عندما نعرض لظاهرة الظلم نجد بعض الصوفية قد أسهم في تأييده إيجاباً وسلباً، مما يجعل الباحث دقيقاً في تعرضه للعوامل المؤثرة في الازدهار حتى لا تتداخل في آثار التصوف نفسه والتي هي صلب البحث .
3- وفي البداية : فالعصر المملوكي يمثل حلقة في العصور الوسطى التي تميزت بالتعصب الديني دون فهم حقيقي لروح الدين حتى أن الدين أصبح ممثلاً للقومية فالرحالة تافور يستعمل كلمة (مسلم ) تعبيراً عن الجنسية [11]... هذا مع تشابه الرسوم الدينية لدى المسلمين والنصارى في ذلك العصر، فالأضرحة والمزارات للمسلمين تقابلها تماثيل العذراء والأيقونات لدى النصارى كأساس عقائدي لدى الفريقين مع أن الإسلام منع التوسل والالتجاء لغير الله ولكن شاع التوسل لدى المسلمين والنصارى في العصور الوسيطة ، حتى أن الأكراد مثلاً وهم مسلمون عظّموا شريفاً صالحاً مرّ عليهم في سفره ولحبهم فيه (أرادوا قتله ليبنوا عليه قبة عظيمة يتوسلون بها) أسوة بما يفعله غيرهم إلا أن الشريف هرب منهم(بليل تاركاً حوائجه)[12] . وتأثر المغول – كأمة وافدة على المنطقة- بالتوسل الصوفي قبل إسلامهم وبعده. وحين مات هولاكو 663 بنيت على قبره قبة – كشيخ صوفي – بقلعة تلا [13]، واعتنق المغول الإسلام وتصوفوا حتى إن أحدهم ترك الملك لابن أخيه زهداً وتفرغاً للتصوف[14] ، وغدا قبر تيمورلنك ت808 مزاراً مقدساً تحمل له النذور ويتبركون به (ويأتون له من البلاد البعيدة للتوسل)[15] .
4- ومن ناحية أخرى فللمغول أثرهم في ازدهار التصوف ، لأن القاهرة احتلت مكانة بغداد كعاصمة للعالم الاسلامى بعد القضاء على الغزو المغولي وتأكد مركزها بانهيار الإمارات الإسلامية في الأندلس وتهديد الفرنجة للمسلمين في شمال أفريقيا ، فتوافد على مصر العلماء والمتصوفة من الشرق والغرب . والمقريزي يعلل كثرة قدوم المشارقة لمصر بتهديد المغول للخلافة العباسية وإسقاطها[16] و السخاوي يذكر أن الصوفي أبا إسماعيل القرشي جاء إلى مصر هرباً من التتار [17] ، بل أن العيني – المؤرخ المملوكي – كان من الوافدين على القاهرة وقد عد (من جملة الأوصاف الجميلة )للظاهر ططر (أن أي عالم أو فقير صالح يرد إلى الديار المصرية يحسن إليه[18]).
5- وساعدت السياحة الصوفية على كثرة القدوم للقاهرة ومصر، خاصة وأن موقعها المتوسط جعلها نقطة مرور للرحالة الصوفية ومحطة أساسية لمريدي الحج من صوفية شمال أفريقيا. فالعلوي المؤرخ المغربي في رحلته للقاهرة حرص على زيارة مشاهد الأولياء المغاربة من أساتذته[19] . وقيل في ترجمة أبى عبد الله (السائح) المغربي أنه ولد بالمغرب وساح طويلاً حتى رحل مكة وورد دمنهور فأخذ الطريقة الشاذلية[20]ت 684 ، أي أن هذا السائح الصوفي بدأ حياته في مسقط رأسه بالمغرب وبعد سياحته استقر به المقام بمصر شاذلياً حتى توفى .
على أن الأعاجم كانوا أكثر شهرة من المغاربة في السياحة الصوفية وفى القدوم إلى مصر، فوصف بعضهم ممن قدم القاهرة بأنه (أفنى حياته في السياحة) [21] وذكر أبو المحاسن أن شيخه الفولي قدم القاهرة في سياحة [22]وطاف نصر الله العجمي ببلاد كثيرة ونزل مصر ومعه مريدوه[23]وأكثر شمس الدين الأيكي من التنقل ( بين بغداد ومكة واليمن ودمشق وباشر مشيخة الشيوخ بالقاهرة)[24] ومثله تنقل مولانا زادة [30] ت687 والضياء السبتي ت696 [31] وقدم الشيخ حياك الله الموصلي في دولة المعز أيبك [32] والشيخ يادار ت780[33]وعلى الشامي ت783 [34] وعلى الخرساني ت 797 [35] وقنبر العجمي ت 787[36] وجمال الدين النيسابوري ت 791 ونصر الله العجمي بعد الثماني مائة [37]وشمس الدين الخرزباني ت 809[38] وابن الحداد ت819 [39] وعبد الرزاق بن عبد الله الذي وفد سنة810 [40]
وفى سلطنة برسباي وفد حيدر العجمي [41] ونور الدين العجمي [42] .. واستمر التوافد حتى نهاية الدولة فقدم حسن العراقي [43] وحملت الصوفية المعتقدة عائشة الباعونية إلى القاهرة وتوفيت بها سنة 922 [44] .
7- ونزل بعض القادمين في خانقاه سعيد السعداء مثل أبى بكر الشيباني البغدادي ، وخصصت لهم زوايا عرفت بزوايا الأعاجم . وحرص الواقفون على تخصيص أماكن للقادمين في الخوانق التي توقف على الصوفية ، ففي وثيقة الوقف على خانقاه بيبرس الجاشنكير (وله أن يقدم الوارد على الديار المصرية على غيره من أهلها .. ) فالوثيقة تفضل الصوفية القادمين على الصوفية المصريين ، وفي وثيقة وقف الناصر محمد (- .. الرباط الأول المشتمل على ستين بيتاً فإنه جعله رباطاً مأوى الفقراء الواردين إليه) واشترطت وثيقة جمال الأستادار في بعض الصوفية أن يكونوا ( غرباء عن البلاد المصرية أفاقية من أهل البلاد الشاسعة، لهم حسن حالة وتقدم وصحبة بالسادة المشايخ الصوفية)[45].
8- واصطحب بعضهم معه الوفود من المشرق فقدم علي الأوبراتى بمريدين من المغول[46] وقدم الفقراء الحيدرية مع شيخهم ابتداء من سنة 655 [47]. وقدم النسفي من خوارزم [48]بفقرائه، وأتى القراباغي بأصحابه من العراق[49] ، وجعل رجب التركماني زاوية بالرميلة مأوى لأتباعه الواردين من العجم [50]. وقدم نجم الدين الكردي بطائفة من الأكراد[51] ومثله البسطامي [52]. وحسن جلبي 879[53] وجمال الدين الشيرازي 881 [54] وفي حوادث سنة 740 قدوم طائفة من العجم بزى غريب ولهم شيخ يعرف بالشيخ زادة [55] . وفي القرافة (تربة آل المسلسل من آل العجم ولهم فيها زاوية )[56] .
والشاذلي أشهر الوافدين من شمال أفريقيا . ويعبر عن فرحته بالقدوم إلى مصر بقوله (لما قدمت إلى مصر قيل لي يا على ذهبت أيام المحن وأقبلت أيام المنن ) قد وجد في مصر ملاذا من الاضطهاد الذي عانى منه في أفريقيا وكتب من الإسكندرية ( الكتاب إليك من الثغر حرسه الله ونحن في سوابغ نعم الله نتقلب[57] .
ومن مراكش قدم فتح الأسمر ونزل دمياط[58] وقبله فخر الدين الفاسي 662 وخليفته عنبر و الأقطع التيتاني [59]وشهاب الدين التلمساني 776 [60] ومن تونس أبو المواهب الشاذلي 882[61]والشيخ مدين من ذرية أبو مدين[62] وأبو حفص البجائي 919 [63]. ومن الأندلس قدم ابن أبى جمرة [64]..
9- وقد وجد أولئك القادمون في مصر بيئة صالحة للتصوف في العصر المملوكي حيث استحوذ المماليك على الحكم والحرب وهم فئة غريبة ظالمة فلم يجد المصريون أمامهم إلا التصوف . والشعراني كمتصوف مصري عبر عما يختلج في نفسية المتصوف المصري حين عد من المنن الإلهية عليه شهودهُ(لأصل ولاة الزمان حال ولايتهم فيشهد الأمير تراباً حال رؤيته له أميراً) ويقول ( ولا تزال الأسافل ترتفع في الأرض قديماً ... وكذلك القول في سائر الجبابرة من الملوك إلى عصرنا ، هم كالتراب في حال ملكهم ...ومن هذا المشهد زهد في الدنيا من زهد ، وقالوا أف لدنيا سبقنا بها هؤلاء السفلة. وأيضاً فإن جميع أحوالها تفنى فتزهوا نفوسهم عن التعلق بشيء يفنى واختاروا الباقي )[65] . ويجعل أحمد أمين من ظلم المماليك دافعاً لانتشار التصوف حيث افتقد المصريون العدالة في الأرض فأملوها في السماء [66] .
10- وأسهمت الأوبئة والمجاعات و نقصان النيل في تحطيم الاستقرار النفسي للشعب المصري المملوكي . وقد كانت تلك الظواهر المفجعة شيئاً طبيعياً في العصر المملوك فلا يكاد يخلوا مصدر تاريخي من التعرض لطاعون أو مجاعة، فالطاعون مثلاً وقع في سنوات : 764، 781 ،791 ،819 ،821 ،822 ،833 ،841 ،847 ،853 ،864 ،873 ،896 ،902 ،903 ،908 ،909 ،910 ،911 ،918 [67] .
أي كان وقوع الطاعون شيئاً عادياً حتى ابن إياس يقول عن رياح الخماسين سنة 922 ( وكانت خماسينية مباركة لم يظهر فيها شيء من أمر الطاعون )[68] . وكثيراً ما يرتبط وقوع الطاعون بانخفاض مستوى النيل وحدوث المجاعات [69] حتى أن المقريزي وضع في ذلك رسالته( إغاثة الأمة في كشف الغمة ) يقول فيها عن مجاعة عام 696 (وجافت الأرض والنواحي والأسواق من كثرة الموتى وكثرة أكل لحوم بنى آدم وخصوصاً الأطفال[70].. ومن شأن النفس القلقة المنهارة أن تركن للدين ـ وكان التصوف هو الدين العملى وقتها .
مظاهر الانتشار الصوفي
1- الفقهاء صوفية
ولا أدل على انتشار التصوف من تأثر الفقهاء بالتصوف مع وجود العداء التقليدي بين الفقهاء والصوفية ، وابن تيمية – عدو الصوفية – قيل أنه (نشأ في تصوف وعفاف )[71] وتأثر في كتاباته بالمتصوفة السابقين [72] وبعد موته نسبت له بعض الكرامات [73] وتبرك الناس بنعشه وبماء تغسيله ورؤيت له منامات صالحة ودفن بمقابر الصوفية [74]، أي أنه تأثر بالتصوف حياً وميتاً.
وقيل في الفقيه ابن دقيق العيد ( له بالتجريد تخلق وبكرامات الصالحين تحقق )[75]، وقضى أكمل الدين البابرتي حياته في الفقه[76] ومع ذلك اعتقده الناس لصلاحه فاستقدم من حلب ليتولى الخانقاه الشيخونية ( وبسبب ذلك كان الملحوظ عند أرباب الدولة من الفقهاء )[77]
والواقع أن انتشار التصوف نشر في العصر حب المشهورين بالصلاح من غير الصوفية كما يظهر في ترجمة ابن النقاش[78] وابن النجار[79] والشمني [80]لذا تجد القاضي الأرمنتي يحب أن يوصف بالصلاح حتى يعتقده الناس حتى أنه ( إذا فهم من أحد أنه لا يعتقده يحقد عليه ويقصد ضرره )[81].
ودان بعض القضاة بالتصوف حتى تركوا وظائفهم وتصوفوا[82] وتنافس فقهاء آخرون في الاعتقاد في الأولياء حتى أن الشعراني يقول لخصومه من الصوفية ( لا تغتر بكثرة المعتقدين من العوام والفقهاء)[83] فقرن الفقهاء بالعوام في مجال الاعتقاد في الصوفية .
وتشبه الفقهاء بالصوفية فصارت للفقهاء خرقة تستعمل كناية عن وضعهم الوظيفي فيقول السبكي عنها ( هذه الخرقة – أعنى خرقة الفقهاء – رفيعة)[84] وأدى ذلك إلى الخلط بين مفهومي الصوفي والفقيه ولاحظ ابن بطوطة ( أن أكثرية الفقهاء بمصر من الأعاجم )[85] ، يقصد الصوفية ، و المقريزي المؤرخ المصري يقول عن الفقراء الصوفية ( وهم جل الفقهاء وطلاب العلم )[86]
2- المماليك صوفية :
ووصف المماليك عادة بالاعتقاد في الصوفية وقد جعل العيني ذلك من وجوه أحقية ططر للسلطنة ونصحه بالإحسان إليهم [87]
ومن ناحية أخرى تشبه المماليك بالصوفية فتجرد بعضهم للتعبد في مكة [88] وصار آخرون مريدين ،فكان للحنفي مريد من الأتراك[89] أى المماليك . وتقلد بعضهم (مناصب صوفية ) الأمير سيف الدين طغاي (كان نقيب الفقراء)[90] وكان معاصره قجماس من نقباء الطريقة الدسوقية[91] وكان الأمير طوغان نقيباً للأحمدية [92]والبيسري شيخاً لزاوية أبى السعود[93] والتزم بعضهم في رسوم الدفن بشارات الصوفية (فكان على نعش الظاهر خشقدم مرقعة الفقراء)[100] ومثله أرغون الناصري [101] ولقبت زوجة خشقدم بالأحمدية نسبة إلى أحمد البدوي وكانت تحرص على زيارة ضريحه وحين ماتت جعل على نعشها خرقة الفقراء والأعلام الأحمدية [102] . وكانت أم الأشرف شعبان تعتقد في الصالحين [103]، وقيل في تأبين السلطان قلاوون ( .. وهذا الذي ترك زينة الدنيا فما لقي الله إلا بلباس الفقراء ودليل ذلك ما على من هذه المرقعة)[104]
بل إن تسيد التصوف للحياة المملوكية حدا بكثير من المماليك للإعراض عن الجاه والانقطاع للزهد والتصوف فأمين الدين الأربلي تزهد بعد (الجندية وصار أحد مشايخ الصوفية)[105] ومثله السليماني[106] وصفى الدين بن أبى منصور[107] وترك علاء الدين المنصوري إمارة الطبلخانة وتصوف[108] وانقطع بلبان البيسري بزاوية أبى السعود [109] وتنفيذاً لأمر الناصر محمد طرح أحمد الجوكندار الإمرة ولبس زى الفقراء [110] ، وتصوف علم دار الناصري في أخر حياته [111]ومثله ابن الأمير[112] وابن أينال [113]وكان شاهين المحمدي مقرباً لدى قايتباي فرجاه أن يخليه للعبادة ففعل فساح في بلاد العجم ثم رجع ليقضى بقية حياته في جبل المقطم [114]..
مصر تصدر التصوف
3- وقد أخذت مصر تصدر الصوفية للمنطقة بعد أن تشبعت بهم هذا مع عدم إغفال عامل السياحة الصوفية ونشاط الطرق الصوفية المصرية الذي تعدى حدود مصر الجغرافية وقد كان الشيخ أحمد بن سالم المصري نزيل دمشق فقيراً متزهداً[115]. ونزل الأخميمي الزاهد ت685 سافح قاسيون ـ بدمشق ـ (وكان صاحب توجه وتعبد للناس فيه عقيدة عظيمة)[116]ومات ابن الفاقوس المصري ثم الدمشقي سنة 682 أمام المدرسة المجاهدية [117] . وكان اللخمي القبابي نسبة إلى قباب بالصعيد ) (زاهداً عابداً عارفاً أقام بحماه في زاوية يزار بها معظماً عند الخاص والعام )[118] . واشتهر بالقاهرة الشاب التائب فرحل إلى دمشق (وبنى بها زاوية عمل فيها المواعيد واعتقده أهلها )[119] وبدمشق نفسها توفى ابن خيمان المصري (وكان يتعانى طريق الصوفية )[120] ومثله ابن سعيد المصري 815 (الموصوف بالفقر)[121]وكان أبو بكر الدليواتي ت بعد915 (مصري الأصل ثم أصبح صاحب المزار المشهور بحلب)[122] وبها كان نور الدين المصري ت290 معتقداً [123]"ومن أتباع الطرق الصوفية قاسم الأحمدي ت 917 ــ من الطريقة الأحمدية ــ ووصف بالصلاح والاعتقاد [124]، وسلك ابن أحمد الوفائي ت 930 طريقة الوفائية كما كان أبوه وامتدت الوفائية الشاذلية إلى حلب [125] ..
وهكذا أصبح التصوف أبرز ظاهرة في العصر المملوكي دخله الكثيرون ، حتى أن الشعراني أنكر على الكثرة المنتحلين للتصوف ووضع في ذلك رسالته ( تنبيه المغترين) ، ووجه لهم رسالة أخرى بعنوان (رسالة إلى مدعى التصوف )، وطبيعي أن يعظم دور التصوف وتأثر العصر المملوكي به في النواحي السياسية والثقافية والفنية والمعمارية والاجتماعية .
مكانة الصوفية لدى الحكام والمحكومين
سبق أن ألمحنا في بحث انتشار التصوف في مصر المملوكية إلى إعجاب المماليك بالمتصوفة حتى أن بعضهم تصوف بصدق .
ولأن التصوف"LTR">[129]. وما كان للقشيري أن يتصرف هكذا مع لاجين ــ قاتل الأشرف خليل بطل عكا ومغتصب الملك من كتبغا ــ لولا ما يعرفه من اعتقاد لاجين فيه .
وتزايد نفوذ الصوفية عند أمراء المماليك البحرية ، فالأمير حسام الدين لاجين ت662 عرف بحب الفقراء وخدمتهم [130]. ورتب الأمير جمال الدين أيدغدي العزيزي ت664( صلة للفقراء في كل سنة تزيد على مائة ألف درهم وألوف أرادب غلة)[131].
ومن الطبيعي أن يترجم اهتمام الأمراء بالصوفية إلى نفوذ يعبر عنه المقريزي في ترجمة الشيخ القلانسي الذي قدم مصر (وحصل له بها رياسة ، واعتقده الأمراء وأهل الدولة ، وترددوا على زاويته )[132]. وقال النويري عن الوزير الشهير ابن حنا إنه كان (حسن الظن بالفقراء والمشايخ كثير الإكرام لهم ولا يمل من حوائجهم ويتشفع الناس عنده بهم فلا يردهم )[133]
وشهدت البرجية تطوراً في نفوذ الأشياخ ومكانتهم ازداد باطراد بازدياد التصوف ..
وبرقوق مع صرامته كان يعتقد في المجاذيب الصوفية حتى أن أحدهم وهو الزهوري كان يبصق في وجهه [134] ، وعندما افتتح برقوق مدرسته الجامعة أعطاه مجذوب (طوبة ) وأمره ـ أن يضعها في المدرسة فوضعها الظاهر برقوق في قنديل وعلقه في المحراب .. يقول ابن إياس عن تلك الطوبة فيما بعد : ( فهي باقية في القنديل حتى الآن )[135].
(واختص بالظاهر ططر الشيخ شمس الدين الحنفي ) وفصلت المراجع الصوفية الحديث عن ذلك [136]وأشار بعض المؤرخين لعلاقة الحنفي بططر[137] ومع ذلك فإن ططر لم يكن أسيراً للحنفي وحده في حكمه القصير إذ ذكرت المراجع غير الصوفية أن عبد الرحمن التفهني ـ أيضاً ـ كان معظماً عند الظاهر ططر (ولما تكلم الظاهر ططر في المملكة بعد المؤيد كان من أخص الناس به وسافر معه إلى الشام )[138]
بيد أن كثرة ما كتبه الصوفية في المناقب عن نفوذ الأشياخ جعلهم معولاً لدى المؤرخين اللاحقين يأخذون عنهم مصدقين معتبرين ذلك حقا لا جدال فيه مهما حوى من مبالغات لأن الأصل التاريخي ـ وهو تقديس الأشياخ ـ لا خلاف حوله .
وهكذا نجد ابن العماد الحنبلي يردد في شذرات الذهب قول الشعراني عن الدشطوطي وكيف أن السلطان قايتباي (كان إذا زاره يمرغ وجهه على أقدامه[139]).وعن أبى السعود الجارحي قال الشعراني (كان له القبول التام عند الخاص والعام والملوك والوزراء وكانوا يحضرون بين يديه خاضعين و عملوا بأيديهم في عمارة زاويته في حمل الطوب والطين)[140]
وقال ابن العماد في ذلك ( كان له قبول تام عند الأكابر تقف الأمراء بين يديه فلا يأذن لهم بالقعود وحملوا في عمارة زاويته الحجر والتراب )[141].. وهكذا تطابقت الرؤيتان التاريخيتان بين الصوفي (الشعراني ) والمؤرخ (ابن العماد الحنبلي) في التأريخ لنفوذ الأشياخ في أواخر العصر المملوكي..حتى إن ابن إياس وهو مؤرخ مخضرم (مملوكي عثماني) جمع في شخصيته الناحيتين الصوفية والتاريخية ـ قال عن الغوري أن من محاسنه (أنه كان له الاعتقاد الزائد في الصالحين والفقراء)[142]
والواقع أن ازدياد نفوذ التصوف في أواخر العصر خاصة ـ جعل الشعراني يفتخر بنفرته من كثرة اعتقاد الأمراء فيه[143]، ويبدو ذلك النفوذ واضحاً في مدى تسلط الصوفي المصري على الأمير المملوكي ـ الذي يعتقد في ذلك الشيخ الصوفي ـ حيث عومل الأمير معاملة المريد العادي وأقسى، ربما لمركب النقص الذي يحسه الصوفي كأحد المحكومين وقد أتيحت له فرصة التحكم في حاكم ظالم .. نفهم ذلك من دراسة أقوال الصوفية في تقعيد علاقة الشيخ بمريده الأمير ..
يقول الشعراني [144](ومما من الله على أنى لا أحجب أحداً من الأمراء إلا أن غلب على الظن دخوله تحت طاعتي بطيبة نفس بحيث يرى خروجه عن طاعتي من جملة المعاصي التي تجب التوبة عليه منها فوراً) وقال الخواص( كل أمير لا ينشرح صدره ويفرح قلبه بالخروج عن جميع وظائفه وماله ونسائه ورقيقه ودوره وبساتينه إذا أمره شيخه بذلك فلا يصلح للفقير أن يصحبه ...) الخ ( ومن أدب الأمير مع الفقير أن يراه في غيبته أعظم حرمة من بعض ملوك الدنيا ) ... وفي مقابل هذا الخضوع الذليل من الأمير لشيخه كان الصوفي لا يلتزم بشيء تجاه الأمير يقول زكريا الأنصاري : (إياكم أن تتحملوا عن أميركم جميع الشدة التي نزلت به فتلحقوه بالنساء في العجز والكسل والنقص بل أؤمره بالتوجه إلى الله تعالى في دفع تلك الشدة .. وربما كان الأمير لا يستحق المساعدة لكونه مرتكب لكبيرة أو مصراً على صغيرة ) وعدًّ الخواص(من جهل الأمير رمى حملته على شيخه ) ومن أدب الأمير أن لا يطلب من شيخه أن يكون معه على خصمه بالقهر والغلبة وألا يطالب مساعدة شيخه في حصول ولاية وألا يرى الأمير فضلاً له على شيخه بما يرسله إلى زاويته من أصناف الأطعمة وإذا طرده الفقير عن صحبته ألا يبرح بابه ولا يجتمع بغيره من الفقراء وعلى الأمير الخضوع و الذلة لشيخه وأن يوالى من والاه ويعادى من عاداه فمن عادى الشيخ فقد عادى الله وألا يطلب من الفقير حاجة إلا وهو في غاية الذل والانكسار والفاقة، وأن يأمن شيخه على عياله وحرمه ولو اختلى بهم ولا يخطر بباله أن ينظر إلى إحداهن بشهوة وإلا فقد أساء الأدب على الشيخ ، وأن يمرض لمرض شيخه ويحزن لحزنه وأن النعم التي يعيش فيها من بركة شيخه ؟ .. وأن يرضى بحكم شيخه فيه كما يرضى العبد بحكم سيده ) ، وقال أفضل الدين الشعراني (الأمير مع الفقير كعبد السوء مع سيده الكريم الواسع الخلق ..) وعد من واجبات الأمير (أن يعرض على شيخه كل قليل أفخر ما عنده من النقود والملابس والمطاعم والمشارب إظهاراً لشدة محبته له وبياناً لكونه لا يدخر عنه شيئاً، وأن يخلص النية كلما أراد الخروج لزيارة شيخه فلا تكون لعلة دنيوية أو أخروية )[145]وهكذا ...
أي إن أولئك الصوفية جعلوا من أنفسهم آلهة على مريديهم من الأمراء وجعلوا لأنفسهم الغنم كل الغنم ولمريدهم الأمير الغرم كله ،هذا في الوقت الذي تذللوا فيه للأمراء الآخرين غير المعتقدين فيهم من الظلمة الجبابرة وليس هذا عرفاً أخلاقياً أو إنسانياً فما أدراك بالإسلام ؟
ومن الصعب الفصل بين العوامل الخاصة للمماليك كحكام والعامة كمحكومين ـ في اعتقادهم في المتصوفة فتلك العوامل متداخلة ومترابطة إذ أن اعتقاد العامة في صوفي قد يكون مؤهلاً له لدى الحكام ، وشعبية الصوفي ترفع قيمته لدى أولى الأمر ، كما أن حظوة الصوفي عند الحاكم تزيد من جاهه لدى الناس ، وهكذا تفاعلت العوامل ليستفيد منها التصوف نفوذاً وانتشاراً...
فالأولياء قصدهم الناس من سائر البلاد للتبرك والتوسل مهما كانت شخصياتهم ، فقد اشتهر (عبد) بالولاية توافد الناس عليه [146] . بل إن (طفلة صغيرة) بقليوب اشتهرت بالولاية فاندفع الناس لرؤيتها أفواجاً ( بلغ كرى كل حمار من القاهرة إلى قليوب اشرفي. وتوجه إليها جماعة من الخاصكية والأمراء والأعيان)[147]أي أن المماليك والكبار كانوا في مقدمة المتبركين ولولا ذلك ما نوهت به المراجع التي لا تهتم إلا بالحكام وتحركاتهم .. ولا نجد أبلغ من وصف أبى المحاسن في اعتقاد الناس في المجذوب يحيى الصنافيري الذي تحدثت عنه مراجع أخرى فيقول عنه( أنه ممن سلم الناس من الإنكار عليه وأجمع الناس على اعتقاده وهولا يفيق من سكرته وكان الناس يترددون إليه فوجاً فوجاً من بين عالم وقاضى وأمير ورئيس ولا يلتفت إليهم ولما زاد تردد الناس إليه صار يرجمهم بالحجارة فلم يردهم ذلك عنه رغبة في التماس بركته ففر منهم وساح في الجبال مدة طويلة)[148].
وفي المراجع إشارة لاعتقاد الشعب في أشياخ الصوفية فذكر أن شمس الدين الحنفي كان إذا حلق رأسه تقاتل الناس على شعره يتبركون به ويجعلونه ذخيرة عندهم [149].
واقتتل الناس على الدشطوطي يتبركون به [150]، وكان محمد الضيروطي لا يكاد يمشى وحده بل يتبعه الناس (ومن لم يصل إليه رمى إليه بردائه حتى يمس ثياب الشيخ ثم يرده إليه ويمسح به وجهه)[151] . ورأى الشعراني ذلك وعلق بقوله ( كما يفعل الناس بكسوة الكعبة حين تمر عليهم )[152]
هذا .... وارتباط التصوف بالسياسة ليس بعيدا فقد أشير إلى أن التشيع والتصوف كانا من الأسلحة التي حارب بها الفرس المغلوبين العرب الغالبين [153]. وقد كان رؤوس التصوف الأوائل من صفوة الأعاجم وأبناء الأمراء مثل إبراهيم بن أدهم وابن المبارك وشقيق البلخي، ويقول إبراهيم بن أدهم يفضح نفسيتهم "لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم والسرور لجالدونا عليه بالسيوف" [154]. ووصف ابن المبارك الزهاد "بأنهم الملوك"[155]وقيل لمحمد بن واسع "ألزم الزهد في الدنيا تكن ملكاً في الدنيا والآخرة"[156]
وعندما أصبح العرب قوة من الدرجة الثانية وتحكم فيهم الأعاجم تبدل الوضع فأصبح كبار المتصوفة من العرب أو المنتسبين لهم ويلاحظ أنهم رجعوا بأنسابهم للأشراف والخلفاء الأربعة أملاً في عودة النفوذ القديم ولو في دنيا الباطن والتصوف .
* فالتصوف ـ والزهد ـ يكمل النقص لمن حرم من سلطان كان حقا له ـ أو اعتقد بأحقيته فيه ـ فهو يعلن زهده في دنيا غلبه عليها الآخرون ، أو يتطرف فيتصوف فيدعي إتحاده بالله السلطان الأكبر وبذلك فهو يتحكم عن طريقه في سلاطين الأرض . يقول الغزالي عن المعرفة الصوفية أو الإتحاد (لذة معرفة الله ومطالعة جمال حضرة الربوبية والنظر إلى أسرار الأمور الإلهية ألذ من الرياسة التي هي أعلى اللذات الغالبة على الخلق.. ولا يعرف هذا إلا من ذاق اللذتين جميعا فإنه لا محالة يؤثر التبتل والتفرد والفكر والذكر وينغمس في بحار المعرفة ويترك الرياسة ويستحقر الخلق الذين يرأسهم لعلمه بفناء رياسته وفناء من عليه رياسته وكونه مشوباً بالكدرات التي لا يتصور الخلو عنها وكونه متطوعا بالموت الذي لابد من إتيانه) [157].
* وتنضح كتب المناقب برغبة المتصوفة في التحكم السياسي في دنيا الباطن و الكرامات التي تشي بأحلامهم فيقول عبد القادر الجيلي لأصحابه (إني قد عهدت إليكم أني قد سلمت إلىَ العراق والآن فقد سلمت إلىّ الأرض شرقها وغربها وقفرها وعمرانها..الخ)[158]ووصف شمس الدين الحنفي بأنه(السلطان أبو عبد الله محمد وأنه سيد الملوك بأسرها وخضعت سيطرته ملوك الإنس والجان)[159]وقيل إن تاج الدين النخال (تصرف في مخلوقات الله فقضى وعزل وولى ونصب وحكم)[160].
* وفي الكرامات كان الشيخ يهدد السلطان بسلطته الدنيوية فيصيبه الشيخ في جسده وتنتهي الأسطورة بخضوع السلطان للشيخ فالشاذلي ـ حسب زعمهم ـ أصاب سلطان مصر بالشلل[161] والحنفي أصاب الناصر فرج بورم في محاشمه[162].
ولم يستطع سلطان أن ينال من ولي إلا حين استعان عليه بولي آخر[163]وقيل (إن لبعض الأولياء مقام التولية والعزل وأن الله تعالى قال لهما :إذا أردتما أن تفعلا شيئاً فافعلا ولا تسألاني فإني أكره أن أرى ذل السؤال في وجوهكما.)[164] .
وبغض النظر عن دلالة هذه الأساطير على عقيدة الصوفية فإن ما يهمنا هو أن العصر المملوكي أتاح الفرصة للصوفية في تجسيد أطماعهم السياسية إلى واقع عملي بعد أن كان مجرد أحلام يقظة ترددها الكرامات.
و أخيرا
فالتصوف في العصر المملوكي كان يعنى الاعتقاد في الشيخ الصوفي حياً أو ميتاً . حتى أن الصوفي كان يوصف بالمعتقد( بفتح القاف) أي الذي يعتقد فيه الآخرون النفع والضرر ومن يقرأ كتب المناقب والطبقات والحوليات التاريخية يجدها تفيض بمثل ذلك .. وإلى جانب صفة ..(المعتقد) وصف الصوفي بالفقير أو بالأعجمي أو بأرباب الخوانق.. وبهذه الصفات وغيرها يُحَدد الصوفي في كتب الحوليات التاريخية – غير الصوفية- هذا عدا ما يرد في سيرة المترجم له من قرائن صوفية كدراسته في خانقاه أو صحبته لشيخ صوفي ، أما مشاهير الصوفية فلهم بالطبع تراجمهم الخاصة ..
[1]السلوك : 1 / 2 / 368 .
[2]السلوك : 1 / 2 / 380 ،404 .
[3]السلوك : 1 / 2 / 386 : 338 .
[4]السلوك : 1 / 2 / 370 , 372 : 379 , 381 , 382 , 385 : 386 .
[5]السلوك : 1 / 2 / 414 , 415 , 416 , 417 : 419 , 422 : 425 , 427 : 433 .
[6]عن غزوات بيبرس ضد المغول : السلوك 1 / 2 / 465 , 473 : 474 , 495 , 497 , 600 , 602 , 604 : 607 , 628 : 629 , 633 .
[7]السلوك : 1 / 2 / 448 : 449 ،451،453 : 457 : 463 ،467 ،477 : 479 .
[8]عن غزوات بيبرس ضد الصليبين : السلوك 1 / 2 / 483 : 487 ،488 : 491،510 ،513 ،524 : 530 ،543 ،533 ،577 : 560 ،564 : 571 ،585 : 588 ،590 : 595 ،618 : 628 .
[9]السلوك : 1 / 3 / 747 ،753 : 754 ،762 : 766 .
[10]أحمد أمين ظهر الإسلام 4/219 .
[11]رحلة تافور 42 ،49 وما بعدها ترجمة حسن حبشي 1968 .
[12]عزام . مجالس الغوري 88 ط1941 .
[13]تاريخ ابن الوردي 2/218ط 1285 .
[14]تاريخ ابن الفداء 4/23 ط1286 .
[15]أبو المحاسن النجوم الزاهرة 13/162 تحقيق شلتوت.
[16]الخطط 1/364 : 365 .
[17]تحفة الأحباب 4/211 ط 1302 .
[18]الروض الزاهر 22 ط 1962 تحقيق هانس ارنست .
[19]رحلة العلوي . مخطوط ابتدائاً من ورقة 42 رقم المخطوط بدار الكتب 400جغرافيا.
[20]الكوهن .طبقات الشاذلية :65 ط1347
[21]أبو المحاسن : حوادث الدهور 2/ 358 ط باريس1930 .
[22]أبو المحاسن : حوادث الدهور 3/ 565 ط باريس 1930
[23]العيني عقد الجومان مخطوط مصور بالدار رقم 1584 تاريخ وفيات 833 .
[24]ابن حبيب درة الأسلاك مخطوط مصور بالدار رقم 617 ح:جـ 1 لوحة 137 .
[25]ابن العماد: شذرات الذهب 6/317 مكتبة القدس1351
[26]ابن حجر الدرر الكامنة 4/90 ط الهند 1350
[27]عقد الجمان وفيات 820
[28]رحلة ابن بطوطة 1/20ط2 مطبعة التقدم .
[29]عقد الجمان وفيات 664 .2 .
[30]أبو المحاسن النجوم الزاهرة 7/374
[31]شذرات الذهب 5/436.
[32]شذرات الذهب 6/35.
[33]الدرر الكامنة 3/133 .
[34]أبو المحاسن المنهل الصافي 5/ 368 مخطوط بالدار رقم 1209 تاريخ تيمور.
[35]الدرر الكامنة 3/ 33 .
[36]المنهل الصافي 2/81 .
[37]النجوم الزاهرة 11/220
[38]ابن حجر أنباء الغمر 1/501 .
[39]النجوم الزاهرة 13/ 4 .
[40]تاريخ ابن الفرات 9/1/178 بيروت 36 /1939 تحقيق قسطنطين رزيق .
[41]المنهل الصافي 5/430 .
[42]المقريزي السلوك 4/ 1/ 49 تحقيق عاشور .
[43]أنباء الغمر 3/117 .
[44]أنباء الغمر 2/391 .
[45]المنهل الصافي 3/ 101، 4/ 212.
[46]الشعراني الطبقات الكبرى 2/ 121.
[47]شذرات الذهب 8/ 111 .
[48]السلوك 3/1/339
[49]السخاوي الكواكب السيارة312 .
[50]الدرر الكامنة 2/ 199 .
[51]السلوك 1/3 /947 .
[52]أنباء الغمر 2/370 .
[53]شذرات الذهب 7/324 .
[59]ابن الزيات الكواكب السيارة 110 ط7 = 19
[60]الدرر الكامنة 2/351 .
[61]تحفة الأحباب 482، شذرات الذهب 7/ 335
[62]شذرات الذهب 8/353 .
[63]الشعراني الطبقات الكبرى 125 .
[64]الشعراني الطبقات الكبرى 1/172.
[65]الشعراني لطائف المنن 422 ،423 .
[66]ظهر الإسلام 4/219 .
[67]زكريا الأنصاري :الطواعين ورقة 19 مخطوط بالدار تحت رقم 134مجاميع تيمور.
[68]بدائع الزهور 5 /21 .
[69]السلوك 1/2 /508 ، إغاثة الأمة 39 ،41 نشر زيادة .
[75]المقريزي المقفى 3 /168 مخطوط مصور بالدار رقم 5372 تاريخ .
[76]المنهل الصافي 5 /195 ،197
[77]شذرات اذهب 6 /293 .
[78]شذرات الذهب 8 /165 ، الضوء اللامع 4 /141 ،2 /174 :178 .
[79]شذرات الذهب 8 /165 ،الضوء اللامع 4 /141 ،2 /174 :178 .
[80]شذرات الذهب 8 /165 ، الضوء اللامع 4 /141 ،2 /174 :178 .
[81]الادفوى الطالع السعيد 293 ،294 .
[82]الادفوى الطالع السعيد 368 ،425 ،أنباء الغمر 2 /33 .
[83]رسالة في مدعى الولاية :7 .
[84]معيد النعم 94 ط لندن ، أنباء الهصر 373 .
[85]رحلة ابن بطوطة 1/ 20 .
[86]إغاثة الأمة 72 :73 .
[87]الروض الزاهر 20 : 22
[88]المنهل 3 / 2535 .
[89]مناقب الحنفي 418 .
[90]نزهة النفوس 1 /476 .
[91]أنباء الغمر 2 /28 ،35.
[92]-أنباء الغمر2/28،35 .
[93]السلوك 2 /2 /405 .
[94]الضوء اللامع 3 /87 .
[95]العيدروس النور السافر 15 .
[96]تاريخ ابن إياس 2 /298 .
[97]أنباء الهصر 85 .
[98]المنهل الصافي 3 /429 .
[99]أنباء الغمر 215 .
[100]النجوم الزاهرة 16 /307 .
[101]تاريخ ابن الوردي 2 /295 .
[107]خطط المقريزي 4 /295 .
[108]عقد الجمان وفيات 708 .الدرر الكامنة 2/26 .
[109] عقد الجمان وفيات 707الدرر الكامنة 2 /26 .
[110]الدرر الكامنة 1 /115 ،116
[111]المنهل الصافي 4 /62 ،63 .
[112]نزهة النفوس 2 /178.
[113]المنهل الصافي 3 /103 .
[114]الشعراني الطبقات الكبرى 2 /158 .
[115]الذهبي العبر 5 /276 الكويت 1966 تحقيق صلاح المنجد .
[116]الذهبي تاريخ الذهبي مخطوط مصور 31 ـ 40 ،41 رقمه بالدار 42 تاريخ .
[117]الذهبي تاريخ الذهبي مخطوط مصور 31 ـ13 رقمه بالدار 42 تاريخ .
[118]شذرات الذهب 6 /107 .
[119]المنهل الصافي 1 /264 .
[120]أنباء الغمر 2/529 .
[121]أنباء الغمر 2/ 537 .
[122]الغزي الكواكب السائرة 1 /119 بيروت 1945 .
[123]الغزي الكواكب السائرة 1/ 282 .
[124]الغزي الكواكب الثائرة 1/294 .
[125]الغزي الكواكب السائرة 1/ 177 .
[126]نهاية الأرب مخطوط 28 /41، 119 ،120 .
[127]الدرر الكامنة 4/ 256 :257 .
[128]السلوك 2/1 /238 .
[129]الطالع السعيد 326 :327 .
[130]نهاية الأرب 28 /32 .
[131]نهاية الأرب 28 /39 .
[132]السلوك 2/ 1/239.
[133]نهاية الأرب 28 /123 .
[134]أنباء الغمر 2/57 ، النجوم 13 /10 .
[135]تاريخ ابن إياس 1/2 /373 تحقيق محمد مصطفى .
[136]مناقب الحنفي مخطوط 238: 239 ونقل الشعراني عنها في الطبقات الكبرى 2 /82 .
[137]السخاوي التبر المسبوك 84.
[138]رفع الإصر 331 .
[139]شذرات الذهب 8 /130، الطبقات الكبرى للشعراني 2 /120 .
[140]الطبقات الكبرى 2 /113 .
[141]شذرات الذهب 8 /166 :167 .
[142]تاريخ ابن إياس 5 /89 .
[143]لطائف المنن 142 .
[144]إرشاد المغفلين .مخطوط رقم 921تصوف طلعت بالدار صفحات 138 /139 ،233 :237 ، 247 :272 .
[145]قارن هذه الأقاويل بأقاويلهم في نفاق الحكام غير المعتقدين فيهم ـ وسنعرض لذلك في مبحث "الظلم "...
وعموماً فقد كان العصر المملوكي يؤلّه هؤلاء الصوفية ويقدسهم وإلا ما تجرأوا على هذه الادعاءات بالنسبة للأمراء المعتقدين فيهم..
[146]تاريخ ابن إياس 2 /277 تحقيق محمد مصطفى .
[147]تاريخ ابن إياس 4 /165 .
[148]المنهل الصافي مخطوط 5 /481 .
[149]الشعراني الطبقات الكبرى 2 /183 .
[150]شذرات الذهب 8 /130 .
[151]الغزي الكواكب الثائرة 1 /84 :85 .
[152]تنبيه المغترين 93 : 94 .
[153]ابن حزم : الفصل في الملل والنحل 2/ 115 ،4/ 188 .خطط المقريزي 2/362 ط 1270 .
[154]صفوة الصفوة 4/124 ، 109 .
[155]صفوة الصفوة 4/124، 109 .
[156]إحياء علوم الدين 4/48 .
[157]إحياء علوم الدين 4/ 265 .
[158]بهجة الأسرار: مخطوط 1/27 .
[159]طبقات الشاذلية 126.
[160]طبقات الشاذلية 115 .
[161]درة الأسرار 31: 32 .
[162]مناقب الحنفي مخطوط : 101 : 107 .
[163]روض الرياحين في حكايات الصالحين لليافعي 203 : 204 .
[164]روض الرياحين في حكايات الصالحين لليافعي 203 : 204 .
الفصل الأول : استفادة المماليك من الصوفية
ف 1 : دور الصوفية في قيام الدولة المملوكية البحرية ثم البرجية
كتاب : أثر التصوف السياسى فى الدولة المملوكية
الفصل الأول : استفادة المماليك من الصوفية
بعد ذلك العرض السريع لظروف قيام الدولة المملوكية البحرية نأتي لدور التصوف فيه .
وهو هنا قد أسبغ الشرعية على ما أتمه المماليك بأنفسهم من فرض الأمر الواقع على الحكام الأيوبيين ومواجهة الرأي العام الإسلامي والخليفة العباسي ــ الذي يمثل ذلك الرأي ــ بأن تزوج أيبك أحد زعماء المماليك من شجرة الدر وأصبحت بذلك السلطانة القديمة زوجة للسلطان الجديد.والتأم الصف المملوكي في الداخل بدهاء شجرة الدر وأيبك وبسيوف المماليك البحرية بزعامة أقطاي.
وفرض الأمر الواقع يعني إجراء محادثات الصلح لتقرير ما هو كائن . ووجد بعض الصوفية هنا دورهم حيث قام الشيخ البادرائي ت655 هـ بعقد الصلح بين السلطان أيبك والناصر صلاح الدين يوسف الأيوبي(على أن تكون الشام جملة للملك الناصر وديار مصر للملك المعز) وذلك سنة 641)[1]. وهكذا قامت الدولة المملوكية في مصر وضمت لها الشام بعد دحر المغول.
لم تشر المراجع إلى ظروف المحادثات التي قام بها البادرائي بل إن الغموض يسود تاريخ ذلك الرجل مع خطورة الدور الذي لعبه في تقرير الصلح بين المماليك والناصر الأيوبي، وكل ما قاله عنه المقريزي أنه عبد الله بن محمد بن الحسن أبو أسعد البادرائي البغدادي الشافعي رسول الخلافة (يعني للصلح).
ويقول المقريزي عن ظروف الصلح (تقرر الصلح بين الملك المعز أيبك والناصر صاحب دمشق بسفارة نجم الدين البادرائي وقد قدم القاهرة وبصحبته عز الدين أزدمر وكاتب الإنشا ببغداد .. لتمهيد القواعد فلم يبرحا إلى أن انفصلت القضية على أن يكون للمصريين ...الخ) نصوص الاتفاق.وأبو المحاسن لا يزيد عن قوله في ذلك (ثم وقع له ــ يقصد أيبك ــ فصول مع الملك الناصر يطول شرحها ).. راجع السلوك 1/385: 386، 407 .
دور الصوفية في قيام الدولة البرجية
قبل التعرض لدور التصوف نقدم الملاحظات عن دور التصوف السياسي قبل برقوق وبعده، ولمحات عن شخصية برقوق نفسه :
أولاً : عن دور التصوف :
1ـ إن التصوف دخل مرحلة جديدة من العمل الايجابي بحيث تحول من مجرد تسويغ وإسباغ الشرعية للدور المملوكي الذي أتمه المماليك أنفسهم خارج التأثير الصوفي إلى دور فعلي فأصبح للنفوذ الصوفي في عهد برقوق دور بارز دخل في المعادلات السياسية المملوكية نفسها فاعتمد عليه برقوق في شتى جهوده .. ويظهر ذلك بمقارنة دور البادرائي مع أيبك بالصوفية الآخرين ــ كالروبي مثلاً ــ مع برقوق.. كما سيظهر ..
2 ـ من العبث القول بأن ذلك الدور النشط قد هب فجأة .. ولكنه سار في دور التزايد الطبيعي مع تزايد انتشار الصوفي نفسه . ويدل على ذلك أن هناك مظاهر كثيرة لعب فيها الصوفية دوراً متفاوت الأهمية حسب الظروف السائدة في السياسة المملوكية قبل برقوق .ويدخل بحث ذلك ضمن مواضع أخرى ستظهر فيما بعد في الفصول التالية ..
وبدونها نمثل بمثال بطله (لاجين) الذي شارك في قتل السلطان الأشرف خليل بن قلاوون وكان وقتها أميراً تابعاً (لبيدرا) زعيم قتلة الأشرف خليل . ولقي (بيدرا) مصرعه وهرب (لاجين) إلى الشيخ الصوفي نجم الدين بن عبود [2] ، وكانت تلك مخاطرة كبرى من ابن عبود في وقت هاج الجميع فيه غضباً لاغتيال الأشرف خليل بن قلاوون البطل الذي أنهى الوجود الصليبي في عكا . والمهم أن (لاجين) ظهر بعد ذلك على مسرح السياسة كأحد أعوان السلطان كتبغا ثم سلب منه العرش وأصبح سلطاناً بعده .
3ـ واستمر الدور الصوفي بعد برقوق كما كان قبل سلطنته ..
ومعروف أن الأمير المملوكي الطموح يدخل في صراع مع منافسيه الطموحين حتى يصل إلى الصدارة بين حاشية السلطان .ويقوى هذا الصراع بين الأمراء أبان ضعف السلاطين أو صغر سنهم إذ يشتد الطموح بين الأمراء للوصول إلى نائب السلطنة أو ما يعني (المتحكم في السلطان) (اليوم) والذي سيسلبه عرشه (غدا) ويسفر النزاع عن غالب يرتفع شأنه ومغلوب يبحث لنفسه عن مأمن من القتل كما فعل الأمير بركة أحد زعماء الأمراء المماليك في فترة الاضطراب الذي انتهى بتأسيس الدولة البرجية على يد برقوق. وقد كان برقوق هو المنافس لبركة، وانتصر عليه سنة 782 هـ فاختفى بركه عند( الشيخ الصوفي محمد المقدسي المقيم بجامع المقدس)[3] .
وبعد برقوق كانت هناك شبه عادة بين المماليك هي أن يودع أحدهم أمواله وقت الشدة عند شيوخ الصوفية كما فعل الناصر فرج بن برقوق عندما توجه للشام[4].. أي أن بعضهم وقت الشدة أخفى نفسه أو أمواله عند الصوفية لما تمتعوا به من حصانة حرم منها السلاطين أنفسهم في عصر ملئ بالفتن.
وكثرت الفتن والدماء في نهاية الدولة فالأشرف قايتباي بعد نهاية حكم طويل خلف ابنا صغيراً تحكم فيه الأمراء وتنافسوا فيما بينهم وتزعمهم أقبردي الداودار (وامتنع البيع والشراء وكثر القتل والنهب) كما يقول ابن إياس فدخل على أقبردي (جماعة من الفقراء الرفاعية والقادرية والأحمدية وجماعة من الصوفية سألوه أن يقف عن القتال وأن يقع الصلح بين الطائفتين)[5]وتلك مبادرة حسنة من الصوفية نستدل منها على دخول أشياخ الطرق الصوفية في مجال التأثير السياسي بجانب الصوفية الآخرين غير شيوخ الطرق الصوفية. على أن تلك المبادرة السلمية الصوفية لم تثمر فقتل ابن قايتباي واستمر الاضطراب واستمر معه نفوذ الصوفية في تزايد حتى أن السلطان جان بلاط استعان بالصوفية حين حوصر بالقلعة ووجد منهم من أقام معه في محنته[6] وهو تحول إيجابي في نفوذ الصوفية لا بأس من الإشارة إليه .. لم يقتصر دورهم على مجرد إخفاء سلطان أو أمير في شدة وإنما أمتد إلى إضفاء الحماية والتأييد العلني على سلطان رسمي لا يزال في القلعة وبين جنوده.
ثانياً شخصية برقوق :
ولأن برقوق يحتل واسطة العقد في استغلال التصوف سياسياً حيث استخدمه في إنشاء وتوطيد الدولة البرجية المملوكية فإن المبحث يناقش قضيتين محددتين:
الأولى منهما عن اهتمام برقوق بالصوفية لخدمة طموحه السياسي .
وثانيهما عن شخصية برقوق كسلطان مملوكي نظر للتصوف من وجهة مصالحه السياسية وحدها
أ ) إهتمام برقوق بالتصوف : تردد في المراجع المملوكية إحترام برقوق لصوفية عصره حتى (أنه كان إذا دخل عليه عالم أو فقير انتصب له قائما . وقلما كان يمكن أحدهم من تقبيل يده ولم يكن يعهد ذلك من ملوك مصر قبله) وذكرت المراجع ما أنفقه على المؤسسات الصوفية في عهده [7]. وقيل في ترجمة البابرتي شيخ الخانقاه الشيخونية (إن أمره عظم عند برقوق بحيث أنه كان يجئ إلى شباك الشيخونية فيكلمه وهو راكب وينتظره حتى يخرج ... حتى إذا مات الشيخ البابرتي حضر السلطان جنازته ودفنه[8]).
وقال ابن الفرات المؤرخ المعاصر لبرقوق أن برقوق تكفل بجنازة أبي بكر البيجائي أحد المعتقدين (وندب لذلك الأمير يلبغا السالمي وأعطاه مائتي دينار لينفقها في إخراجه ... وقد دفن بحوش السلطان الظاهر.. وقرئت الختمات عنده سبعة أيام وكل ليلة يعمل سماط مليح بتربته يكفي الناس[9] ).
وأوصى برقوق بأن يدفن تحت أقدام جماعة من الصوفية كان البيجائي أحدهم، يقول أبو المحاسن :(أوصى برقوق بأن يدفن في لحد تحت أرجل الفقراء وهم الشيخ علاء الدين السيرامي الحنفي والشيخ أمين الدين الخلوتي الحنفي والمعتقد عبد الله الجبرتي والمعتقد طلحة والشيخ المعتقد أبو بكر البيجائي والمجذوب أحمد الزهوري[10]).
وأحاطت المظاهر الصوفية بجنازة برقوق ودفنه يقول ابن إياس: ( حين مات وصلوا به إلى البقعة التي اختار الدفنة فيها فحفروا له قبراً ودفنوه بين قبور المشايخ والفقراء الذين هناك ... وأقام الفقراء يقرؤون على قبره ثمان ليال متوالية[11]).
(ب) ومع ذلك فالواقع التاريخي يبين أن سيرة برقوق الذاتية تتنافى واهتماماته الدينية وتؤكد أن هدفه منها كان سياسياً.
فلقد كان جباراً قاسياً حين يتعلق الأمر بمصلحته السياسية ويكفي أنه استل سيفه لقتل الخليفة العباسي قبل أن يحقق معه عندما نما إلى علمه اشتراكه في مؤامرة ضده إلا أن الأمراء سارعوا بإنقاذ الخليفة من بين يديه ، وغضب على ناظر الجيش فضربه بدواة كانت بيده مجرد أنه رادده في إقطاع ـ ولم يكتف بذلك فأمر به فضرب بين يديه( حتى حمل في محفة ولم يلبث أن مات[12])... وعرف بالنهم في جمع المال وبأخذ (البدل على الولايات في وظيفة القضاء والأمور الدينية ) أي بيع الوظائف الدينية يقول فيه ابن حجر(وبذلك أفسد أحوال المملكة فقد كان طماعاً جداً بحيث لا يقدم على جمع المال شيئاً[13])، ومع ذلك اتهم في خلقه أو بتعبير المقريزي بـ (تقريب المماليك الحسان لعمل الفاحشة فيهم)[14] ومع ذلك فإن برقوق كان في مساوئه ــ بالنسبة للمماليك ـ كأحدهم وكل ما هنالك التناقض بين اهتماماته الدينية وسلوكه الشخصي إذا أسقطنا العامل السياسي المستتر خلف تلك الاهتمامات.
دور المتصوفة في قيام الدولة المملوكية البرجية
1ـ ولنتتبع دور برقوق وأصدقائه الصوفية في القضاء على البيت القلاووني المملوكية البحرية ( نسبة لمعسكرات المماليك فى الجزيرة ) ومواجهة منافسات الأمراء حتى إنشاء الدولة الجركسية البرجية ( نسبة لأبراج القلعة ) وتوطيدها..
2ـ فقد غدا أحفاد الناصر محمد بن قلاوون لعبة في أيدي كبار الأمراء البرجية وتزعمهم في هذه الآونة أميران كبيران هما بركة وبرقوق وبدأ الصراع بينهما بمناوشات بين أتباعهما ، فحدثت فتنة بين حليف الأتابكي برقوق وهو الأمير أيتمش البجاس مع الأمير بركة ، ويبدو أن الأخير هو الذي رتبها . ولما لم يكن برقوق مستعدا لدخول معركة مع الأمير بركة فقد بعث للشيخين أكمل الدين البابرتي الحنفي شيخ الخانقاه الشيخونية وأمين الدين الخلوتي بأن يتوسطا لدى الأمير بركة ليرضى عن حليفه أيتمش البجاسي وأثمرت مساعيهما(فتوجه الأمير أيتمش بصحبة الشيخين إلى بيت الأمير بركة فخلع عليه وخمدت الفتنة[15]). وانتظر برقوق الوقت المناسب ليواجه غريمه في مقتل ..
3ـ ودار الصراع بين برقوق وبركة في الوقت الذي حدده برقوق فانتهى لصالحه وأرسل للصلح الشيخ البابرتي مع القضاة الأربعة ليلتزم أمامهم الأمير بركة (بعدم التحدث في شيء من أمور الدولة وأن يترك ذلك لبرقوق بمفرده) وخلع برقوق على المشايخ[16] بعد أن أصبح المرشح عن الأمراء الجراكسة للتحكم في السلطان القلاووني تمهيدا لعزله . ويلاحظ أن برقوق استعان بالصوفية (البابرتي والخلوتي) في كبح جماح الأمير بركة حينما حاول استفزاز الأمير برقوق والتحرش بحليفه أيتمش فلجأ للصوفية وتم لهم ما أرادوا . أما حين انتصر برقوق على بركة واستسلم بركة احتاج برقوق إلى جانب الصوفية ـ القضاة الأربعة ـ ليشهدوا على تنازل بركة عن طموحه ، أي أن برقوق يستخدم أدواته السياسية بمهارة ..
4ـ وخلا الجو لبرقوق وعزم على أن يمهد السلطة لنفسه وقد خاف من صراحة قاضي القضاة ابن جماعة الذي تعود على المبادرة بتقديم استقالته على أهون الأسباب وتعود برقوق على ترضيته والموافقة على شروطه حتى يرجع عن استقالته .أما وقد أقدم برقوق على تنفيذ خطته ضد السلطان الشرعي ـ على بن الأشرف شعبان ـ وهذا مما يعارضه ابن جماعة ويقاومه ـ فقد بادر برقوق وعزل ابن جماعة دون سبب ظاهر بل وأخرجه إلى القدس كما لو كان منفياً وعين مكانه قاضياً صوفياً هو أبو البقاء السبكي[17]، ولم يعد هناك من يخشاه برقوق فبدأ في التنفيذ ..
5ـ وكان برقوق لا يزال يخشى منافسه القديم بركة فاعتقله في الإسكندرية وأوعز لواليها بقتله وحين ثار أتباع بركة أعلن برقوق استياءه لمقتله وسلم قاتله لهم. ثم تفرغ لتنفيذ مؤامرته ضد السلطان الصغير فاستخدم الصوفي علياً الروبي واستضافه يومين ــ وكان الطاعون سارياً فأشيع أن الروبي قد بشّر برقوق بالسلطنة وأنه سيليها في يوم الأربعاء تاسع عشر رمضان سنة 784 هـ وأن الطاعون سيرتفع عن القاهرة ثم يموت السلطان الطفل على .. ووقوع الطاعون وارتفاعه كان شيئاً عادياً في ذلك العصر المملوكي ولكن شاء سوء الطالع للسلطان الصغير أن يتخذ منه برقوق حجة لقتله. مع أنه لم يعرف للطاعون صرعى من السلاطين قبله في الدولة. وبعودة الشيخ الروبي أشيع موت السلطان الصغير 0 على ) ودفن في يومه ( وكان مع الأتابك برقوق في غاية الضنك ليس له في السلطنة إلا مجرد الاسم) ولم يجسر برقوق على أن يتسلطن بعده فبايع أخ السلطان وهو أمير حاج. ثم لم يلبث أن عقد مجلساً بالخليفة والقضاة الأربعة والأمراء . وفيه (عزل أمير حاج وبويع برقوق سلطاناً في يوم الأربعاء 9 رمضان سنة 874)[18]أي نفس التاريخ الذي حدده الروبي في تبشيره للسلطان الجديد . أي أنه هيأ الأذهان للتخلص من السلطان (على) وتولية السلطة مستغلا اعتقاد الناس في الروبي كشيخ صوفي ذي كرامات . وذلك كله ليسهل انتقال الأمر إليه من بيت قلاوون الذي ظل يحكم مصر من 679 :783 ولم يفلح سلطان أغتصب الحكم من أحد أبناء قلاوون حتى اكتسبوا مكانة لدى شعب يميل إلى عصر الأسرات الحاكمة..
6ـ وكأي متآمر ضليع عمد برقوق بعد أن تسلطن ــ إلى القضاء على شركائه في المؤامرة السابقة ــ حتى يخفي أثرها ولا يكون لأحد منهم عليه نفوذ . فقبض على جماعة من الأمراء واعتقلهم في الإسكندرية ونفى آخرين ثم عزل جماعة من القضاة والمباشرين ومنهم القاضي ابن فضل الله كاتب السر وكان هو الداعي لسلطنته في مجلس توليه السلطنة، وما لبث أن قبض على الخليفة المتوكل نفسه وسجنه في البرج وولى أخاه مكانه بعد أن ظل المتوكل خليفة لأكثر من عشرين عاماً ثم في النهاية أشيع موت الشيخ الروبي [19] في هذه الظروف مما يجعلنا نشك في أن لبرقوق علاقة بموته .
7ـ ومع ذلك حرص برقوق على استمرار تحالفه مع الصوفية المصريين ليستعين بهم في حل مشاكله المتوقعة وليكون منهم أعوانا جددا يدينون له بالولاء، فعين في أوائل سلطنته الشيخ خيري الدين العجمي في قضاء الحنفية بالقدس( ولم يعهد قبل ذلك بالقدس قاضي حنفي قبله) وكان خير الدين صوفياً في خانقاه شيخون التي يديرها البابرتي الذي سبقت معاونته لبرقوق ، بل إن برقوق ( خلع على موفق الدين من صوفية الخانقاه الشيخونية وقرره في قضاء الحنفية بغزة ولم يعهد قبل ذلك بغزة قاضٍ حنفي قبله وكان ذلك بسفارة الشيخ أكمل الدين البابرتي شيخ الشيخونية)[20] ويلفت النظر قول المراجع "ولم يعهد قبل ذلك (بالقدس ، بغزة) قاضي حنفي قبله" أي أن الصوفية من أتباع برقوق اكتسبوا أرضا جديدة في دولته .
8ـ وعندما واجه برقوق ثورة يلبغا وتفوقه عليه لجأ إلى ضريح الشيخ الرديني واستقدم معه البلقيني واعتذر للخليفة المتوكل بعد أن أطلقه من الحبس وأعاده بالخلافة[21] .
9ـ وحين قرر برقوق الاختفاء ـ بعد فشله أمام يلبغا ومنطاش ـ أودع أمواله لدى الشيخ أصلم وتواعدا على أن يختفي برقوق عنده في زاويته إلا أن أصلم خان العهد وهرب بالذهب[22] . وحتى مع ذلك فإن الذي اختفى عنده برقوق كان أميراً مملوكيا وصف بالميل إلى التصوف[23].
10ـ ونفى برقوق إلى الكرك معتقلاً . وهناك كان يتوجه نحو مدينة الخليل كل يوم من شباك الحصن يتوسل بإبراهيم الخليل ـ طبقاً لدعوة التوسل الصوفية في العصر ـ وكان بالخليل شيخ صوفي يعتقده الناس هناك فبشر برقوق برؤية منامية رفعت روحه المعنوية[24].
11ـ وفي الكرك اتصل ببرقوق الشيخ شمس الدين الصوفي وهو من العباسة بالشرقية وكان له نعم العون في استرداد ملكه. فبدأ في تلمس الأخبار له مشاركاً لأتباعه .وقد فرّ برقوق من الكرك وجهز الجيوش لاسترداد ملكه ، ودارت موقعة شقحب بينه وبين منطاش مملوكه الثائر عليه وهزم برقوق في أول الأمر إلا أن شمس الدين الصوفي تنكر في زى الخليفة العباسي (فحصل لبرقوق بذلك نوع مساعدة) وتمكن من أسر السلطان القلاووني الذي أعاده الثائرون ليحاربوا به برقوق، وأسر برقوق معه خزائنه والخليفة العباسي والقضاة الأربعة وقد كانوا جميعاً مع منطاش فتحول الميزان لصالح برقوق ، خاصة وقد توسط الشيخ شمس الدين الصوفي بين برقوق والسلطان القلاووني ونجح في أن يجعله يخلع نفسه ويسلم الأمر لبرقوق، وأشهد على ذلك الخليفة المتوكل والقضاة الأربعة وبويع برقوق بالسلطنة للمرة الثانية في شقحب [25].
وهكذا تولى برقوق السلطنة مرتين بمساعدة الصوفية(البابرتي ـ الروبي ـ شمس الدين الصوفي) .
12ـ وبعد هزيمة منطاش دخل السلطان برقوق القاهرة فخرج الصوفية يتلقونه (بطوائفهم الأحمدية والقادرية والسطوحية والقلندرية والحيدرية وغيرهم وبأيدهم الشموع وكان يوماً مشهوداً)[26]أي أن دور الطرق الصوفية بالنسبة لبرقوق كان مجرد الاحتفالات إلا أن دورهم استمر في ازدياد مع انتشار التصوف حتى بلغ في نهاية العصر ما بلغه الصوفية الآخرون من مشاهير العصر.
13ـ وتأكد سلطان برقوق ومع ذلك لم يغفل عن الاستفادة من الصوفية حين تعترضه أزمة كما حدث حين استعد لقتال تيمورلنك فقد زار القرافة وضريح الشافعي وتصدق على الصوفية هناك كما زار مشهد السيدة نفيسة وتصدق في صوفيته[27] ..
14ـ ومما يذكر أن برقوق لم يكن متسامحاً مع من انقلب عليه وساعد الثائرين كالشيخ سراج الدين البلقيني[28] وابن ميلق الشاذلي[29]وأصلم [30]وغيرهم.
ف1 : استغلال التكفير كسلاح سياسي وتصوف المماليك عند الشدّة
كتاب : أثر التصوف السياسى فى الدولة المملوكية
الفصل الأول : استفادة المماليك من الصوفية
استغلال التكفير كسلاح سياسي لقتل الخصوم السياسيين بحكم الشرع:
1ـ صارت لطائفة الاتحادية ومتطرفي الصوفية شأن كبير وقد رددته المراجع الصوفية[31] والتاريخية [32] على السواء بل قد ظهر منهم من ادعى النبوة والألوهية مثل الباجربقى[33] وابن اللبان[34] وابن البققي [35] وآخرين[36] واقترن ذلك بالدعوة بإهمال الفرائض الإسلامية[37] ،ومن الطبيعي في هذا الجو أن يحتدم الصراع بين أولئك الصوفية والفقهاء . ومع تمتع أكثرية الصوفية بالحظوة لدى المماليك فلم يكن ذلك مانعاً من سهولة اتهام بعضهم بالكفر. والفقهاء في العصر المملوكي دان أغلبهم بالتصوف وتركوا الاجتهاد وأثر فيهم الجو العقلي السائد مع حدة العاطفة وشيوع الجهل واضطراب العقيدة فسهل الوقوع في القول المكفر وكثر الاتهام بالكفر حتى بين الفقهاء أنفسهم[38]..
2- وأتاح ازدهار التصوف الطردي في الدولة البرجية أن يستخدم التكفير الذي انتشر استخداما سياسياً ، وبدأ ذلك ببداية الدولة البرجية التي شهدت فتنة منطاش مع برقوق فرددت المصادر المملوكية أن منطاش أرغم العلماء على الإفتاء بتكفير برقوق قبل موقعة شقحب[39].
3ـ إلا أن عهد السلطان جقمق (842- 857 ) شهد ازدهاراً مقيتاً لهذا النوع من التكفير. فقد بادر جقمق باستعمال سلاح التكفير ضد حليفه قرقماس الذي ثار عليه فاعتقله وأعد له السلطان مجلسا في القصر حضره القضاة الأربعة (لأجل قتله) كما يقول العيني وقد وصف المجلس حيث قام (بالدعوى) على قرقماس المعتقل القاضي نور الدين ، فادعى (أن قرقماس نقض الأيمان التي حلفها وخامر على السلطان وقاتله وقتل بسببه كثيرون) ،وطلب القاضي ابن يعقوب (البيان) فشهد بذلك جماعة من الأمراء المقدمين وغيرهم وقبلت شهادتهم وطلب الداعي بقتله بمقتضى مذهبه فأجاب وحكم بذلك ، وعين السلطان(طوغان) واثنين من الشهود(لإعلام) المتهم بالحكم وكتب بذلك إلى نائب الإسكندرية ـ حيث كان قرقماس معتقلا ـ فطلبه وقرأ عليه الكتاب بحضور قاضي الإسكندرية ثم نفذ فيه حكم القضاة [40].
وبرز أبو الخير النحاس وعلا نجمه ثم حاقت به المحنة فسجن وحاول جقمق التخلص منه فجعل شريفا يدعي عليه بالكفر وطلب جقمق من القاضي المالكي أنه إذا ثبت على أبى الخير الكفر فليضرب عنقه( بسيف الشرع) [41] .
بل إن جقمق استعمل نفس السلاح ضد أعوانه في تنفيذه ـ وهم القضاة ـ وذلك حين غضب على قاضي القضاة السباطي وعزله ـ حمله إلى قاضي القضاة ـ علم الدين البلقيني فادعى عليه ولم يثبت عليه شيء فحنق السلطان وسجنه بالمقشرة ثم أخرجه منها ماشياً إلى قضاة آخرين للدعوة عليه [42] ولم يستجب القضاة لرغبة جقمق في الحكم بتكفير زميل لهم وقتله، وهو الذى شارك بنفسه قبل ذلك في الحكم بتكفير قرقماس . بل إن بعضهم لمس تجني السلطان على خصومه فقد تغيظ السلطان جقمق على القاضي الحنفي بسبب تأخيره الحكم في الصارم إبراهيم بن رمضان [43] .
وخدع شيخ صوفي السلطان جقمق فأوهمه بمعرفته الكيمياء وتحويله المعادن ذهباً فعقد له مجلس بين يدي السلطان وادعى عليه عند المالكي بأنه دهري منكر للبعث والتمسوا منه الحكم بقتله فتوقف المالكي لما رأى من مزيد التعصب وقال إن مذهبي قبول توبته ، وساعد (الدسيطي) (والشاذلي) السلطان في اتهام الكيماوي بالكفر وكان غرضهما أن يوليهما السلطان القضاء وفوض النظر فيه إلى الدسيطي فبادر إلى الحكم بضرب عنق الكيماوي لثبوت زندقته عنده وأنه كذاب وملحد [44].
4ـ ويذكر أنه عندما انهزم السلطان الناصر فرج بن برقوق أمام الثائرين عليه (شيخ ونوروز) سنة 815 اعتقل وعقد مجلس لتكفيره " وقام في ذلك القاضي الحنفي قياماً تاماً " وأشهد الخليفة أنه خلع الناصر فرج من الملك ( لما ثبت عنده من الكفريات وانحلال العقيدة والزندقة) فحكم ابن العديم بسفك دمه [45].
وحين استعد المؤيد شيخ لحرب قرا يوسف سنة 821 كفّر فيه عدوه ونودي بذلك في المدينة[46].
واستخدم الظاهر خشقدم سلاح التكفير لقتل خصمه ابن الصفا وتحامل على القاضي المالكي حتى أفتى بقتله باستخدام الشهود الزور [47] .
وعقد خشقدم مجلساً آخر لأحد مشايخ العرب المشاغبين حيث ادعى عليه بدعاوٍى شنيعة من أخذ أموال الناس والتجاهر بالفسق والسجود للشمس . وحاول القاضي التوقف في الحكم وتعلل بأمور فنقلت الدعوة عند ابن حريز المالكي سالف الذكر فحكم في الحال بسفك دمه فنفذ فوراً[48].
وقد ضرب منصور الأستادار ابن كاتب . ولما عزل منصور مغضوبا عليه من خشقدم سعى ابن كاتب في قتله ـ بموافقة الظاهر خشقدم ـ فأشاع أنه وقع في كفر وادعى عليه ابن حريز المالكي و(خدم بماله له صورة ) .. (وقام معه قضاة الجاه حتى أثبتوا عليه ما يوجب تكفيره ) حتى ضربت عنقه [49] .
وضرب الأمير تمراز رجلاً أفسد جارية له وكان السلطان غاضباً على تمراز وندب إليه من ادعى عليه فحكم بسفك دمه [50] .
وكان من السهل الاتهام بالتكفير والقتل تأسياً على ذلك وقد هدد ابن الطبلاوي غريمه بعد شتمه وكفره وقال : (أوسطك من غير مراجعة وأثبت عند القضاء كفرك وأضرب عنقك )[51].
وفى سنة 911 أشيع على الثائر الشيعي الكفر وأنه يتوضأ باللبن حتى ظنه ابن إياس ساحراً لا ثائراً [52]... وتلك أمثلة سريعة وأليمة توضح إستخدام السلطة العسكرية المملوكية قُضاتها الصوفية فى الانتقام من الخصوم . وهى عادة سيئة فى أى نظام عسكرى إستبدادى .
تصوف الأمراء والوزراء في ساعة الشدة
1ـ كان بعضهم إذا فقد جاهه وأحس بالخطر يهدد حياته ادعى التصوف.
ففي سنة 761 هـ قبض على الأمير منجك بعد ما أقام مختفياً نحو سنة ( فحُمل إلى مصر إلى السلطان وهو لابس بشتاً من صوف وقد اعتم بمئزر من صوف فعفا عنه[53] ).
إلا أن النتيجة قد اختلفت بالنسبة للوزير تاج الدين حين ترك الوزارة مُصادراً ، فتصوف وانقطع بجامع عمرو إلا أن الأتابكي برقوق قبض عليه وصادره ثانياً واستمر يعاقبه حتى مات[54]، ذلك أن برقوق وهو خير من استخدم التصوف لخدمة أغراضه السياسية كانت تساوره الظنون في كل من يحذو حذوه. ونلاحظ هذا في حادثة تغري يرمش أمير سلاح حين تصوف وترك ممالكه وحاشيته فانقطع بجامع قوصون وأبى أن يعود لإمرته إلى أن ندم ووسط أكمل الدين البابرتي عند برقوق ليعيده إلى إمرته فغضب عليه برقوق ونفاه للقدس [55].
وكان خلفاء برقوق أكثر تساهلاً منه. ففي سنة 801 هـ وحين تولى فرج بن برقوق طلب الأمير الطبلاوي إلى القاهرة فخاف وتصوف وترك الإمرة وقال عنه تنم نائب الشام لمن جاء يستقدمه(هذا رجل قد قنع بالفقر فاتركوه) وبعد ذلك حدثت فتنة استعان فيها تنم نائب الشام بابن الطبلاوي وأقامه متحدثاً في أمور الدولة . أي أن تصوفه كان باتفاق مع تنم . والجدير بالذكر أن حياة ابن الطبلاوي السياسية لم تنته بتصوفه بل استمرت حتى أنه ولى القاهرة والقرافة[56]..
وفي شوال سنة 875هـ حضر قاسم شغيته الوزير المعزول الذي هرب من بيت كاتب السر يصحبه الشيخ إبراهيم المدبولي إلى بيته وهو لابس جبة على هيئة الفقراء وعلى رأسه مئزر وقد سأل المقر الزيني في الصبر عليه وتوجه لبيته بالقرافة وأقام بتربته[57].
وبعد مقتل الأمير يشبك سنة 885 سأل الأمير خايربك السلطان قايتباي في إقطاعه فرفض السلطان فأقام خايربك في منزله مغاضبا للسلطان وتكلم في حقه فاستدعاه فاختفى وارتدى زى الصوفية وأخذ بيده سبحة وادعى أنه قد ترك الدنيا وبقى فقيرا مجردا وانقطع بجامع قيدان[58]..
ويذكر أن بعض الأمراء قد سار على طريقة ابن الطبلاوي في ادعاء التصوف للتآمر ، فشاع في المدينة أن الأمير جركس المصارع ترك إمرته ولبس زى الفقراء ونزل في الزاوية . وقد قيل أن ذلك حيلة منهم على أن يجمعوا الأمراء الكبار ليلة الأربعاء عند السلطان بسبب ذلك ثم يمسكون من كان بينه وبين (جكم) مودة وصحبة ، ونفذوا ذلك، مما سبب ثورة الممالك على السلطان[59]..
وقد استغل التصوف للتهرب من القتال ، فقد ندب السلطان الأمير الكبير أزبك الأتابك للخروج إلى حلب لقتال العصاة (أقبردي وجماعته) فادعى الفقر وأنه (إن خرج ما يخرج إلا للصلح)[60].
2ـ وإلى جانب ذلك استعانوا بالصوفية في أزماتهم فالوزير ابن السلعوسي ـ وقد كان متسلطا في أيام الأشرف خليل ـ كان في الإسكندرية حين قتل سلطانه الأشرف فتركها خفية إلى القاهرة وامضي الليل بزاوية الشيخ جمال الدين بن الظاهري خارج باب البحر ولم ينم طول الليل ـ إذ تولى أعداؤه الأمر بعد مقتل الأشرف خليل ـ واستشار شيخ الزاوية هل يختفي أو يظهر فلم يشر عليه بشيء وقال:هذه الأمور الفقير قليل الخبرة بها [61]... وهذا الموقف السلبي من ذلك الصوفي يقابله موقف آخر من فقراء المقام الدسوقي حين استعان بهم الرئيس كمال الدين عندما تغير خاطر الغوري عليه(فطلع بهم للسلطان وهم يذكرون ومعهم أعلام ومصاحف وكمال الدين بطيلسان وعذبه في عمامته )[62] أي بهيئته الصوفية ...
ف 1 إستغلال المماليك للصوفية ومؤسساتهم سياسيا
كتاب : أثر التصوف السياسى فى الدولة المملوكية
الفصل الأول : استفادة المماليك من الصوفية
الصوفية فى السفارات السياسية
1ـ رغم استبداد المماليك بالحكم كطغمة عسكرية إلا أنهم احتاجوا إلى بعض المحكومين في بعض شئون الحكم ، وقد قام بعض الصوفية بتلك المهمات. وكان أبرزها اشتراك بعضهم في السفارات السياسية ، خاصة وقد عرف الصوفية بالسياحة والتردد على مصر وغيرها وعلو مكانتهم . ويلاحظ أن تلك السفارات التي شارك فيها الصوفية اتجهت نحو دول المشرق . وتعليل ذلك بسيط هو أن أولئك الصوفية قدموا مصر من المشرق ـ كصوفية الأعاجم ـ فكانوا أصلح ممثلين للحكم المصري لدى بلادهم الأصلية..
على أن بعض حكام المشرق ـ إيمانا منهم بأهمية الصوفية ودورهم في مصر ـ قد بادروا وأرسلوا مبعوثين عنهم إلى الممالك في القاهرة ، كما فعل التتار المتحكمون في المشرق والمجاورون لأملاك السلطنة المملوكية في الشام. وهذه القضية تستحق وقفة لتوضيح علاقة بعض صوفية المشرق بالتتار .
فقد بدأت هذه العلاقة بمقدم هولاكو، فقد لوحظ في المصادر التاريخية المعاصرة لفتح التتار لحلب أنه لم يسلم أحد من المذبحة التي أقامها التتار في حلب إلا من لجأ إلى بضع بيوت منها : خانقاه زين الدين الصوفي [63]،وأثناء اقتحام هولاكو بغداد رؤى شيخ صوفي آخذا بفرس هولاكو ويزعم ـ قاتله الله ـ أنه أمر في قلبه بذلك [64].
وحاول بعض الصوفية الآخرين التخفيف من كارثة بغداد وامتصاص كراهية المسلمين للتتار فنشروا المنامات الكاذبة التي تحذر من الاعتراض وتهوّن من الأمر يقول أحدهم (كنت بمصر فبلغني ما وقع ببغداد من القتل الذريع فأنكرته بقلبي وقلت يا رب كيف هذا وفيهم الأطفال ومن لا ذنب لهم فرأيت في المنام رجلا في يده كتاب فأخذته فإذا فيه :
دع الاعتراض فما الأمر لك ولا الحكم في حركات الفلك
لا تسأل الله عن فعـله فمن خـاض لجـة بحر هلك [65]
وروى السبكي رواية أخرى شبيهة بها في طبقات الشافعية[66] مما يدل على أن الأمر ليس مجرد حادث فردي وإنما هو دعاية منظمة أحكمها التتار وقد تمرسوا بفنون الدعاية وتكوين ما يعرف الآن بالطابور الخامس في أرض عدوهم .
وانخرط كثير من الصوفية في خدمة هولاكو مثل الصوفي محيي الدين القرشي (وقد سار إلى خدمة هولاكو فأكرمه وولاه قضاء الشام وخلع عليه )[67] وتوجه ابن حموية إلى خراسان(واجتمع بملوك التتار فأعطوه مالا كثيرا وبنى بآمل خانقاه وتربة وكان له قبول عظيم هناك)[68]،وسار ابن الزملكاني لخدمة هولاكو فأكرمه[69]..
هذا ومن الطبيعي أن يفطن التتار إلى أهمية دور الصوفية ويجتذبونهم للعمل معهم بما لهم من تأثير على العامة، وبما عرف عنهم من ولع بخدمة السلطان الغالب كائنا من كان.
وجدير بالذكر أن دور أولئك الصوفية قد دخل مرحلة جديدة باستقرار الملك المغولي في العراق ودخول حكام التتار في الإسلام بمفهومه السائد وقتها وهو( التصوف ) .بل إن بعضهم تصوف واعتزل الحكم.
وإذ صار للتصوف تلك الحظوة عندهم فقد بادر أحد مماليك الخليفة المستعصم العباسي وأظهر التزهد وتسمى عبد الرحمن واتصل بأحمد بن هولاكو ـ الحاكم المغولي الذي أسلم على يد الصوفية ـ ( فعظم عنده للغاية بحيث كان إذا شاهده ترجل وقبل يده وامتثل جميع ما يشير به)[70]، وكان رسوله إلى المنصور قلاوون فوصفه الملك المغولي لقلاوون بأنه (شيخ الإسلام قدوة العارفين كمال الدين عبد الرحمن الذي هو نعم العون لنا في أمور الدين)[71] طبقاً لما ورد في كتابه الرسمي الذي حمله عبد الرحمن هذا مبعوثاً إلى قلاوون ليصلح ما بينهما كحاكمين مسلمين متجاورين، وذلك في حد ذاته أثر طيب لذلك الشيخ الصوفي إلا أنه طموحه الشخصي ـ الذي وصل به إلى تلك المنزلة لدى ابن هلاوون (هولاكو) والذي بدت مظاهره جلية في تلك الصحبة الهائلة التي وفد فيها إلى المماليك، إلى جانب ما عرف عن بعض الصوفية من تعاون سابق مع المغول قبل إسلامهم ـ كل ذلك أفشل بعثة عبد الرحمن الصوفي ـ بل ووضع نهاية لطموحه ومستقبله..
2ـ وهكذا أتى عبد الرحمن سفيراً (فوق العادة) من لدن السلطان المغولي يصحبه بعض الأكابر من المغول مع أتباع من الكتبة والفقهاء والصوفية وأرباب السلاح. إلا أن السلطات المملوكية في الشام منعتهم من دخول الحدود بهذه المظاهرة ، بل ومنعوهم الاتصال بغيرهم ، وأخفوا أمرهم عن الناس ، حتى لقد أدخلوهم سراً وفي جنح الليل إلى قلعة دمشق. وظلوا في القلعة معتقلين إلى أن وصل قلاوون الشام بعد مقتل السلطان المغولي ابن هلاوون الذي أرسلهم . وكانوا في معتقلهم لا يدرون هذا النبأ . فاستدعاهم قلاوون فدخل عليه عبد الرحمن بزى الفقراء فأعلمه قلاوون بمقتل سلطانه . وعاد قلاوون إلى مصر وترك الصوفي ورفاقه معتقلين . ( ومات عبد الرحمن في حبسه ودفن بقاسيون وكانت له عدة سفرات إلى مصر والشام والحجاز)[72].
وواضح أن قلاوون قصد إلى التعرف بعبد الرحمن وامتحان صدقه كصوفي وكان من مؤهلات الصوفي الحقيقي في ذلك العصر هو الكشف أو علم الغيب فلما وجده لا يعلم نبأ مقتل ابن هلاوون رآه في حجمه الحقيق مدعياً طموحاً فتركه يموت في الحبس..
3ـ ولقد ظلت الصلة حية بين التتار وبعض الصوفية رغم انهيار سلطان التتار في بغداد والمشرق.
وقد وجدت تلك الصلة متنفساً لها بالطفرة التي بعثها تيمورلنك للنفوذ المغولي في المشرق، إلا أن تيمور لم يحسن الاستفادة بتلك الصلة ، ربما لتشككه في ولاء الصوفي الذي بعثه رسولا للقاهرة وقد رأى عليه ما يوجب الشك . فقد ذكر المقريزي أن الخواجا نظام الدين العجمي قدم دمشق في زى الفقراء وأقام بها. ولما قدمها تيمورلنك اتصل به نظام الدين فبعثه برسالة إلى القاهرة وعاد إليه وقد أثرى وحسنت حاله فلم يجد من تيمورلنك إقبالا وتنكر له. فعاد الصوفي إلى دمشق . ويبدو أن تيمورلنك كان أقرب إلى الصواب في نظرته لنظام الدين العجمي لان المقريزي يذكر أن العجمي عاد للقاهرة فيما بعد فولاه المؤيد شيخ نظر الأوقاف[73].
4ـ وكان لطائفة القلندرية الصوفية شأن في الشام والعصر المملوكي لفت نظر الأمير المملوكي المؤرخ بيبرس الداودار فقال عن الشيخ حسن الجواليقي القلندري أنه اشتهر (بالتردد بين أظهر الأمراء والكبراء والسفارات والوساطات)( ولقد أرسله الأمير زين الدين كتبغا أثناء سيره للشام بهدية إلى الملك المظفر صاحب حماه)[74]
5 ـ ومن ناحية أخرى بعث حاكم هندي مسلم بهدية إلى الناصر محمد بن قلاوون.وكان ذلك الحاكم الهندي قد قام بعدة فتوحات في الإمارات الهندية الأخرى غير المسلمة وانتصر فأراد الحج ، فبعث بهديته إلى الناصر محمد صاحب السلطة على الحجاز ، وبعث بعض الصوفية رسولا . إلا أن صاحب اليمن استولى على الهدية عنوة ، ونجا الصوفي ، وجاء بخبر الواقعة إلى الأمير عز الدين أيدمر الخطيري[75].
وقد شهد عصر قايتباي ازدياد نفوذ العثمانيين بقيادة محمد الفاتح في الإمارات التركمانية على الحدود المملوكية . وقد اشتد الصراع بين المماليك والعثمانيين في الإمارات التركمانية الواقعة بينهما . وفي أحد أدوار هذا النزاع بعث قايتباي سنة 901 بالشيخ عبد المؤمن العجمي شيخ القبة سفيراً (إلى ابن عثمان وصحبته هدية ) وعاد الشيخ عبد المؤمن وأخبر أن ابن عثمان (قد تلاشى أمر عسكره وبطلت همته عن محاربة عسكر مصر فسر السلطان بهذا الخبر)[76]. واختيار قايتباي مبعوثا صوفيا عجميا له مغزاه ، فالعثمانيون قد منحوا للصوفية مكانة هامة لديهم منذ وفدوا للمنطقة، ومن ناحية أخرى فإن الثقة متوافرة في الشيخ عبد المؤمن الذي عينه قايتباي قبل ذلك شيخا للقبة. أحد المعالم الأثرية الهامة في عصر قايتباي وقد أقامها بالمرج والزيات[77].ولا تزال الآن موجودة فى ميدان حدائق القبة بالقاهرة .
6 ـ وكان بعض الصوفية على خبرة بمراسم استقبال السفراء في المؤسسات الصوفية. فذُكر أن السلطان قايتباي خلع على الشيخ القصيري ناظر خانقاه سرياقوس وعلى شيخها ابن الأشقر لأن السلطان توجه للخانقاه المذكورة ومعه بعض من السفراء(قاصد حسن بك(الطويل) صاحب ديار بكر وقاصد صاحب الهند وغيرهما من الغرباء)( فشاهدوا ما لم يشاهدوه في بلادهم حتى كادت عقولهم تذهل لرؤية ذلك)[78].
وبذلك ندخل على دور المؤسسات الصوفية في الحياة السياسية ..
المؤسسات الصوفية في مجال السياسة
1ـ كان للمؤسسات الصوفية دورسياسى أسوة بأصحابها.
ولقد استفاد المماليك منها بعدة أوجه حيث كانت مأوى للجند البطالين أو المسرحين لسبب أو لآخر وقد شمل أولئك الجند كثيراً من الأمراء ضحايا الفتن والدسائس[79]، إذ أن البطالة الحربية تفيد العقاب بالتقاعد عن الخدمة العسكرية ، ولقد كان أولئك الجند عاملا مؤثرا في الإضطرابات السياسية فكان ينادى عليهم لخروجهم من القاهرة ويهدد المتخلف منهم [80]، وربما يهرب بعضهم خارج مصر فيشكل خطرا على السلاطين فيهتمون بردهم وعقابهم [81]،ولم يكن بوسع السلاطين الاستفادة منهم حتى في الجهاد خشية انحياز بعضهم للعدو في سبيل المال [82]ولقد تنبه السلاطين إلى خطورة وضع هذه الفئة التي تزداد عددا بزيادة الفتن فعملوا على إيوائهم فيما يشيدون من مؤسسات صوفية فضمت خانقاه بيبرس الجاشنكير كثيراً منهم[83] مع حق عتقاء السلطان في التقدم عليهم (فإن تعذر ذلك قدم من يرغب في الانقطاع من الجند البطالين على غيرهم)[84].
بل إن الصوفية أنفسهم آووا في زواياهم الخاصة من قعد به الحال من الجند البطالين من أتباع الأمراء السابقين فأقام سيف الدين البسيري في زاوية الشيخ أبو السعود بعد اعتقال أستاذه الأمير بدر الدين بيسري ، وامتدت إقامته بالزاوية خمسا وخمسين عاماً[85]
2ـ ولقد استخدمت المؤسسات الصوفية في الاستقبال والرحيل وأهمها في هذا الشأن خانقاه سرياقوس بسبب موقعها على طريق القاهرة ، ففي خانقاه سرياقوس استقبل برقوق والده ومد له سماطا وحضر الأمراء والقضاة الأربعة ثم اصطحب والده من سرياقوس إلى القاهرة[86]، وفيها استقبل (المؤيد شيخ) ابنه إبراهيم بعد أن رجع من غزوة موفقة وباتا فيها وتحركا منها للقاهرة[87]، وعندما رجع (المؤيد شيخ) بعد رحلة للشام نزل على الخانقاه وأقام فيها أياما إلى أن تحرك للقاهرة[88] . ويلاحظ اهتمام المؤيد شيخ بخانقاه سرياقوس. وفيها استقبل السلطان قايتباي [89]، ثم السلطان العادل طومان باي سنة 906[90].
3 ـ وفي هذه الخانقاه أقيمت الاستقبالات والمآدب للسفراء والقُصّاد، فالسلطان قايتباي استقبل فيها سفيرين للهند وديار بكر (وغيرهما من الغرباء)[91]وأضاف فيها المحتسب قاصدا من لدن إسماعيل الصفوي سنة 918 [92] ، وفيها استقبل قاصد من شاه سوار الثائر على الدولة في المشرق[93].
4 ـ ولنفس السبب تقريباً اتخذت سرياقوس محطة حربية للجيوش المتوجهة نحو الشام أو القادمة منها يقول ابن دقماق في حوادث سنة 790 (وصلت عساكر الشام إلى سرياقوس)[94]،وفي سنة 873 خرجت من القاهرة حملة لتأديب شاه سوار وعليها الأمير أزدمر الإبراهيمي الذي سار بمن معه دفعة واحدة إلى خانقاه سرياقوس ثم سافر منها[95]، وحين هزم قرقماس في ثورته على السلطان جقمق هرب فتوهم السلطان أنه توجه إلى الشام فبعث من يتعقبه إلى جهة الخانقاه فلم يجد في طريقه أثر أحد ، فعلم أن قرقماس اختفى في القاهرة[96].
5 ـ وكانت تلك الخانقاه محطة في طريق المنفيين من القاهرة إلى الشام وقد ينتظر أحدهم في الخانقاه إلى أن يشفع فيه فيرد للقاهرة[97]، وكانت الخانقاه محطة انتظار لنواب الشام حين يفدون إلى مصر لإعلان حسن النوايا إذا أثيرت شكوك السلطان بشأنهم بفعل وشاية الأمراء المنافسين[98] ، وعدا ذلك كانت تلك الخانقاه محطة استقبال ووصول للأمراء والقضاة[99].
6 ـ وشاركت مؤسسات صوفية أخرى سرياقوس في دورها مثل قبة الأمير يشبك بالمطرية وفيها أقام السلطان مأدبة للأمير جمجمة بن عثمان حضرها الأمراء المقدمون[100]، ونفى الخليفة العباسي المتوكل على الله إلى قوص فنزل برباط الآثار خارج مصر ليجهز حاله للسفر[101]،
ولاشك أن وقوع بعض تلك المؤسسات على أطراف القاهرة جعل منها مكانا مناسباً للوصول والرحيل وينطبق ذلك أكثر على الترب التي جعلها التصوف مناطق عامرة بالأحياء . ولقد أساء بعضهم للقاضي ابن جماعة فعزل نفسه وقام فتوجه إلى تربة كوكاي[102]، وأكره الأمير دمرداش المحمدي على ولاية ملطية فأخرج إلى الترب في طريقه للسفر[103]وقد وصل أحدهم إلى القاهرة فبات في التربة ثم طلع إلى القلعة فسلم على السلطان[104].
ف 1: استفادة المماليك من تأييد الصوفية لظلمهم : الصوفية حُماة الظلم المملوكى :
كتاب : أثر التصوف السياسى فى الدولة المملوكية
الفصل الأول : استفادة المماليك من الصوفية
بين (التصوف المملوكي) (والظلم المملوكي)
1 ـ يلفت النظر ما يلاحظه الباحث في العصر المملوكي من ازدهار مضطرد لظاهرتين هما التصوف والظلم ، ويلفت النظر أيضاً انعدام الثورة المصرية على ذلك العسف المملوكي الذي يتزايد بتزايد الوقت وبازدياد عدد الداخلين في التصوف مما يجعل أصابع الاتهام تشير إلى رجالات التصوف المملوكي بحكم نفوذهم على المظلومين وتعاونهم مع الظالمين ..
2 ـ والواقع أن النظرة العامة للتاريخ المصري تظهر أن الدين كان محركاً أساسياً للثورات المصرية أو في خفوتها عما يؤديه الدين من دور في الضمير المصريز وينطبق هذا على تقديس الفراعنة مع ما اتصفوا به من ظلم وعلى نشاط الكهنة السياسي في العصر الفرعوني باسم الدين وعلى ثورات المسيحيين المصريين ضد الحكام الرومان الوثنيين ثم المسيحيين ، وثورات الأقباط المتتابعة ضد الحكم الإسلامي بدافع ديني ـ وقد استمرت حتى القرن الثالث الهجري[105] وتحول المصريين المسلمين إلى أغلبية ، وثورات المصريين المسلمين على الحملة الفرنسية ثم الاستعمار الإنجليزي في العصر الحديث والمعاصر.
3 ـ إلا أن العصر المملوكي قد مر بدون ثورة تستحق الذكر مع ما تحمله المصريون من عسف تلك الطبقة المملوكية الغريبة ، فالمنطق يحتم أن يكون الدين في هذا العصر مؤثراً في ذلك السكوت المريب على الظلم. وقد كان التصوف زبدة الشعور الديني السائد في ذلك العصر. ولكن التصوف شيء والإسلام شيء آخر؛ فالإسلام حرم الظلم والرضي به والاستكانة له مع القدرة على مواجهته .
ولكن أولياء التصوف طبقوا دينهم الصوفى ، فقاموا بدور خطير في إخماد الثورات المصرية ببث الخنوع والنفاق في نفسية الشعب ، واستخدموا الدين نفسه في إخضاع الرقاب للظلمة، ولماذا يثور الناس وهم يعتقدون أن ظلم الحكام هو كله من عند الله وأن الحاكم هو مجرد سوط يعذب به الله الناس ، كما علمهم صوفية ذلك العصر ..!. وكله افتراء على الله ورسوله ودينه، ولكنه التحالف –غير المقدس ـ بين الصوفية والمماليك وقد استفاد منه الطرفين على حساب الشعب المقهور الذي خسرـ بالتصوف- الدنيا والآخرة..
الظلم في العصر المملوكي : ــ
4 ـ والظلم في العصر المملوكي نتيجة واقعية لحكم عسكري غريب عن الشعب ومتحكم فيه اعتماداً على طائفة صوفسة استحوذت على اعتقاد الشعب وتقديسه ــ وهذا في حد ذاته غريب عن عقائد الإسلام ــ فجني الفريقان ـ المماليك والصوفية ـ الغُنم ودفع الشعب الغُرم في الدنيا والآخرة معاً..
5- وقد تفنن المؤرخون للعصر المملوكي في وصف أنواع الظلم وطوائف الظلمة .
فالأمير أرغون شاه وصفه أبو المحاسن بأنه من (الظلمة الغشمة الفسقة عارف بفنون المباشرة وتنويع المظالم )[106]، أتى أنه خلط بين المباشرة والمظالم ووصف الأمير المملوكي بالخبرة في الظلم. ومع ذلك فإن المؤرخ أبا المحاسن وهو مؤرخ من أصل مملوكي يدافع عن السلطان المؤيد شيخ بأن للسلطان أن يقتل من اختار قتله [107]،
أما ابن إياس وقد كان رشيق الثقافة فقد مدح السلطان أينال بأنه لم يسفك دماً قط في أيام سلطنته " بغير وجه شرعي " وقال (وهذه من النوادر الغريبة )[108]، ومع ذلك فقد تناسى ابن إياس ما قام به سلاطين البرجية من تسخير القضاة لمآربهم وإعدام خصومهم وفق سلاح التكفير آنف الذكر، وربما كان عذره في كونه بعيداً زمنيا نسبياً عن بؤرة الأحداث .
6- ولا تكاد تخلو ترجمة لمملوك من الإشارة لظلمه وقسوته ويكفى أن يراجع المرء بضع ورقات من أي حولية مملوكية ليسمع أنات المظلومين . أما الجند العاديون ممن حرموا الترجمة المستقلة في كتب الحوليات فقد وجدوا في الفتن وسيلة لنهب الناس وإرتكاب الفسق بالنساء والصبيان والقتل . وليس ذلك بالشيء الهين، فالفتن المملوكية كانت مستمرة خاصة في أوقات مرض السلطان واحتضاره أو في غيبته . وابن إياس كمؤرخ شعبي خير من يمثل هذا الحال ، يقول في حوادث سنة 872 يصف الأحوال وقت احتضار خشقدم ( ... هذا كله جرى والسلطان (خشقدم) في التلف والإشاعة قائمة بموته والقاهرة في اضطراب ليلاً ونهاراً .. والمشاعلية تنادى بطول الليل بالأمان والاطمئنان وأن أحداً لا يخرج من داره من بعد العشاء ، وكان كل من رآه يمشى من بعد العشاء تقطع أذنيه ومنخاره أو يضربه بالمقارع، فاستمر الحال على ذلك نحو من عشرين يوماً والناس في اضطراب)[109]. وعد ابن إياس (من جملة ألطاف الله تعالى أن في غيبة السلطان (قايتباي في الشام 882 ) لم يقع الخلاف بين الأمراء بل كان الأمان والاطمئنان في القاهرة وجميع ضواحيها حتى عد ذلك من النوادر)[110].
7- والمصادرات من أبرز مظاهر الظلم يقول المقريزي في حوادث سنة 814 (وفيه شنعت المصادرات بالقاهرة وفحُش أخذ الأموال من الناس ، حتى خاف البريء وتوقع حل أحد أن يحل به البلاء)[111] وأصبحت المصادرات حقاً عرفياً للسلطان يعاقب به من يشاء، فصادر برقوق ميراث أحد التجار وحرم الورثة منه ( فكان هذا أول شيء حدث من المظالم العظيمة من برقوق، واستمر يفتح من أبواب المظالم شيئاً بعد شيء)[112]. وقُبض على ناظر الخاص ابن البقري وهو واقف في الخدمة لأن نساءه اجتمعن في داره لفرح وعليهن من اللؤلؤ والجواهر والذهب والحرير ما يجل قيمته فصادر برقوق ذلك كله فبلغ نحواً من مائتي ألف دينار .. وضرب ابن البقري بالمقارع وأخذ منه ما يقارن الثلثمائة دينار[113].
ويقول ابن إياس عن حوادث سنة 875 (وفيه وقعت فيه نادرة غريبة وهي أن السلطان (قايتباي) أعاد إلى جماعة ما كان أخذه منهم من المال ما صادرهم) وقال ( ولكن فعل بعد ذلك بالمصادرات وأخذ الأموال ما يعجز عنه الواصفون). وعدّ ابن إياس من النوادر أيضاً أن قايتباي أعطى ورثة نجار فقير مائة دينار لأنه سقط فمات أثناء عمله بالقلعة وأن السلطان شمَّت كاتب السر حين عطس[114].ومع ذلك فإن قايتباي كان من خيرة السلاطين المماليك .
8 ـ والظلم مؤذن بالخراب وقد بلغ عدد الحائكين في عهد برسباي ثمانمائة بالإسكندرية بعد أن كانوا أربعة عشر ألفاً. يقول أبو المحاسن ( فانظر إلى هذا التفاوت في هذه السنين القليلة ، وذلك لظلم ولاة الأمور وسوء سيرتهم وعدم معرفتهم كونهم يطعمون في النزر اليسير بالظلم فيفوتهم أموال كثيرة مع العدل .والفرق بين العامر والخراب ظاهر)[115]وبعد أن ذكر المقريزي أنواع المكوس والمظالم في عهده قال: ( ولعمري لقد سمعت عجائز أهلنا وأنا صغير يقلن: أنه ليأتي على الناس زمان يترحمون فيه على فرعون)(ولقد وقع ما أنذرنا به من قبل ولله عاقبة الأمور)[116]..
9 ـ والظلم في القرى كان أشد إيلاماً ولكن قلما تتعرض له المصادر التاريخية التى تركز على السلطان وحاشيته والقاهرة . وتردد في كتاب( هز القحوف) قصص عن خوف الفلاحين من انكسار مال السلطان[117] وفي حوادث سنة 817 (أظهر الأستادار المظالم في البلاد حتى شتت الفلاحين وأخرب البلاد وجبى الأموال بالعسف وسار به للسلطان)[118].
وبسبب ذلك الظلم الفادح كان الكثير من الفلاحين يهربون من قُراهم . وسُنَّت لذلك عقوبات صارمة توقع على الهاربين ، ومع ذلك فإن كثيراً منهم نجح في الهرب وصار من الصوفية[119] فاستفاد بهم التصوف وضم كثيراً منهم ، ففي مناقب الحنفي أخبارهم[120]ومعاناتهم في القرى قبل تصوفهم . ووجد آخرون في أروقة القاهرة وحاراتها ملجأ للهرب حتى أنه نودي في القاهرة بخروجهم إلى بلادهم (فلم يعمل بذلك)[121].
10 ـ والأمثال الشعبية في العصر المملوكي تصور يأس الشعب من كل حاكم مهما أعلن عن عزمه على العدل فسينحو نحو من سبقه . وفي المستظرف(لا تفرح عمن يروح حتى تنظر من يجئ)[122].!!
وفي الأمثال اللاحقة للعصر المملوكي تفصيلات أكثر عن الظلم : ( اضرب البريء لما يقر المتهوم) (حاميها حراميها) (سيف السلطنة طويل). وترسب في الضمير معنى لكلمة (الستر) (واللي سترها في الأول يسترها في التاني)[123].ولا تزال الأم الريفية تدعو لابنها (الله يكفيك شر الحاكم الظالم).
دور أولياء التصوف في إرساء الظلم:
وضح هذا الدور في الكتابات الصوفية في الدولة البرجية حيث عم التصوف المملوكي والظلم معا إلى درجة صرحت معها المصادر الصوفية بما يصح وصفه بسياسة الصوفية في مساندة الظلم والظلمة .ويمكن أن تتبين ملامح هذا التأييد في خطين متوازيين: الأول :مناصرة الظلمة ونفاقهم . الثاني: دعوة المظلومين للرضا والخنوع ثم دعوتهم لنفاق الظلمة وصبغ ذلك كله بالدين وهو منهم برئ ... وسنعرض لذلك بالتفصيل : ـ
أولا : ـ مناصرة الظلمة ونفاقهم :ـ
1 ـ وقد حرص المماليك في وثائق الوقف على المؤسسات الصوفية على إلزام الصوفية المعينين فيها بالدعاء لهم والاستغفار من أجلهم ليمارسوا الظلم وهم آمنون من غضب الله حسبما يعتقدون .
2 ــ وتمتعوا مع ذلك برضا أعوانهم من أولياء التصوف وحمايتهم في الدنيا والآخرة بزعمهم.وقد صرح أحدهم بالمغفرة للوالي مع ظلمه[124] واعتاد آخرون أكل طعام الظلمة ، واجتهد الشعراني في تلمس الأعذار لهم وعدم الاعتراض عليهم[125]، وتطوع المتبولي بصحبة الولاة(والأخذ بأيديهم في الشدائد دون مقابل)كما يروى الشعراني[126] الذي يذكر أن العهود أخذت عليه بأن(نحوط جميع الولاة على اختلاف مراتبهم صباحا ومساءاً.. حتى لا ينزل عليهم بلاء)[127]وافتخر بأنه موضع سر الولاة وأنه(لا يفشي سر من صحبه من الولاة إذا قربه وشاوره في أموره)[128]وافتخر بمولاته (لمن والى الإمام الأعظم)[129].
3 ــ واستند الظلمة من ناحيتهم لمشاهير الصوفية المملوكيين فورد في مناقب الحنفي أن "ابن التمار هو من الظلمة المباشرين كان مستندا للفقراء البسطامية ولهم شيخ مبارك يعرف بالبسطامي)[130]
4 ـ واتخذ الظلمة من هذا التحالف ذريعة لزيادة الظلم واعترف الشعراني بهذا فيقول(أكثر الحكام يظلم وينهب ويجور ويبلص ويهلك الحرث والنسل ويقول ما دام الشيخ طيباً علىَّ ما أخاف)[131] .
وهكذا تقربوا لأولئك الأدعياء(ولسان حالهم يقول ما دام سيدي الشيخ يدعو لنا وهو حامل حملتنا لا نبالي ولو ظلمنا العباد والبلاد)[132].
5 ـ ومن الطبيعي أن ينجو حلفاء الظالمين من ظلم الحكام ، فالشعراني نفسه الذي شهدنا رفقه بولاة الأمور وموالاته لهم يفخر ( بحماية أوقاف زاويته من الظلمة)[133] في وقت اشتد فيه الظلم على كاهل الآخرين .
6 ـ وهكذا لم ير الظلمة من المماليك تعارضاً بين الظلم والدين، حيث أن ممثلي الدين في نظرهم يباركون ظلمهم للناس ، فلم يعد غريباً أن نقرأ في ترجمة الأمير تمراز أنه كان (يظهر التدين ويقرأ القرآن وبه بطش وظلم وجبروت وكان يعاقب العقوبة الشديدة المؤلمة على الذنب الصغير)[134]
أما يلبغا السالمي فكان يضرب المظلوم (..ثم يصلي ثمان ركعات مع إطالة ركوعها وسجودها ولا يجسر أحد أن يترك الضرب دون فراغه)[135]
ويصور الشاعر الحراتي هذه الحالة الفريدة في أبياته[136]
قد بلينا بأمير ظلم الناس وسبح
فهو كالجزار فينا يذكر الله ويذبح
وتقول الأمثال الشعبية في العصر المملوكي (فم يسبح وقلب يدبح)[137]
7 ـ أ) ومن ناحية أخرى قام بعضهم بنفاق الظلمة فالبوصيري الشاعر الصوفي المشهور تغالي في مدح المماليك وهجاء العرب ومدح الشجاعي أحد مشاهير الظلمة[138] .
ب) وتأثر مؤرخو العصر بالتصوف السائد ودانوا به فألفوا كتبا ملأوها نفاقا للسلاطين مثل الروض الزاهر للعيني والدر الفاخر لابن أيبك وتاريخ قايتباي للسيوطي وسيرة قلاوون والألطاف الخفية وغيرها .
ج) ووضع أولياء التصوف لأنفسهم قواعد لنفاق الظلمة فالخواص مثلاً كان إذا بلغه أن أمير عزم على زيارته يبادر بالذهاب للأمير ليخفف عنه المشقة[139]،ويلوم الخواص المظلومين وينافق الظلمة حين يقول (والله لو تولى الخضر عليه السلام أو القطب شيئاً من ولايات هذا الزمان لما قدر أن يفعل مع الناس إلا ما يستحقونه بأعمالهم ... إنما هي أعمالكم ترد عليكم)[140]وكفى بهذا تحريضاً على الظلم . وأمر الشعراني الصوفية إذا اجتمعوا بسلطان أو أمير أو كبير:(أن نسأله أن يدعو لنا ولو كان غير صالح فإن الله تعالى يستحي أن يرد دعاء هؤلاء الأكابر بين قومهم ورعيتهم)[141] وعد من المنن تأدبه مع الأمير الذي للشعراني عليه أيادي (فإنه أتم نظر منه ولذلك ولاه الله البلاد والرقاب)[142] وإذا دخل على أمير لا يذكر له حديث الأمير الذي كان قبله بخير خوفاً من إثارة نفسه حيث يكره أصدقاء الأمير السابق[143] وإن من المنن حسن سياسته للأمراء ويكتب لهم الكلام الحسن ويؤول ذلك في نفسه يقول (وهذا دأبي دائماً في سياسة الولاة إذا علمت أن أحداً منهم ظلم إنساناً لا أجعل ذلك الظلم على علمه وإنما أقول بلغنا أن جماعتك ظلموا فلاناً من غير علمك . وكثيراً ما أقول السلام على الأخ العزيز العبد الصالح فلان ، وأقصد بذلك صلاحه لأحد الدارين الجنة أو النار)[144].. ونفاق الشعراني للسلطان وأولى الأمر وصل إلى درجة ادعائه المرض وامتناعه عن الأكل والنوم والضحك والجماع إذا ألمّ عارض بالظلمة[145] مواساة لهم ، وقد كان هذا شان شيوخه[146].
ثانياً التأثير على المظلومين للرضا بالظلم :
ومن ناحية أخرى حرص الصوفية على دعوة المظلومين للرضا بالظلم والخنوع بل ونفاق المظلومين للظلمة :
1ـ إما بالتخويف : ـ
فأوجب المتبولي على كل من لا يقدر على حماية نفسه من ظلم الولاة ألا يتعرض لإزالة منكراتهم خوفاً من إيذائهم[147] . وأسهب الشعراني في بيان العقوبات التي واجهها من حاول إزالة ظلم الولاة[148].
2ـ وإما باستغلال الوازع الديني والمنطق المعكوس : ـ
فالشعراني جعل من أخلاق السلف الصالح كثرة الصبر على جور الحكام لأنهم يعتقدون استحقاقهم الظلم نظير ما ارتكبوه من ذنوب[149]،ويجب أن يتأسى الآخرون بهم (ومن استحق أن يحرق بالنار فصولح بالرماد لا ينبغي له أن يتكدر وأيضاً فإن الظالمين ما ظلمونا حتى ظلمنا أنفسنا أو غيرنا ومن تأمل حال الظالمين في هذه الدار وجدهم من حيث الأداة كزبانية جهنم) وقال الخواص (الحاكم ظل والرعية شاخص فإن كان الشاخص أعوج كان ظله أعوج... فكل من شكا لنا من عوج أميره عرفنا عوجه هو)[150]،بل إن السلطان الجائر ـ في رأى الخواص ـ (يدخل ضمن قول الرسول عليه السلام: لا تنازعوا الأمر أهله إذ لولا استحقاق الخلق له ما ولاه الحق عليهم). وأوصي الخواص الشعراني ألا يعترض على( من ولاه الله على الناس فإن المولِي له هو الله وألا يتكلم في حق الولاة الظالمين لأن ذلك يسقط أجر الصبر علي ظلمهم)[151].
3 ـ وأكد الصوفية على تحاشي الدعاء على الظلمة لأن جورهم لم يصدر حقيقة عنهم وإنما صدر عن المظلوم إذ لا يصح أن المظلوم يظلِم حتى يُظلم والحكام إنما مسلطون بحسب الأعمال .
4 ـ فالظالم حكمه حكم السوط الذييضرب[152] به ومع أن الحق تعالى يقول( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم.. النساء 148) إلا أن الشعراني جعل من الآداب عدم سب الولاة الظالمين وإن جاروا[153].
5 ـ بل ومنعوا اغتياب الظلمة : ـ
(بعدم الجلوس في مجالس القيل و القال والطعن فيمن ولاه الولاة)( وعدم ذكر مساوئ أكابر الدولة في المجالس واحتمال آذاهم )( وألا يكثروا من اللغو وجرّ قوافي الولاة وغيرهم)[154].. إلى هذا الحد لم يسمحوا للمظلوم بأي متنفس ..
6ـ وفي الوقت نفسه أوجبواعلى المظلومين طاعة الظلمة بما يفرضون عليهم من مظالم ، فالمتبولي كان يوصي التجار بإعطاء(جباة الظلم)(عاداتهم وإلا حصل لكم الضرر أشد ما بخلتم به عليهم) (وكان يقول للتجار الذين يجيئون من الشام إلى مصر أعطوا الظلمة عادتهم)[155]،وقد أخذت العهود على الشعراني بالمبادرة إلى إعطاء المغارم للظلمة وعدم التشفع في ردها لأن ذلك حماية من الله وسترة للمظلوم. ويقول :
( وكان هذا خلق على الخواص الذي كان يزن المغارم كآحاد الناس ويقول إن الله يكره العبد المتميز عن أخيه)[156] ، وتلك دعوة ليتأسى بها المظلومون.
7 ـ ثم أوجبوا تعظيم الظَلَمة وتكريمهم: ـ (أدباً مع الله الذي ولّاهم وحكمّهم فينا) بل أوجبوا تقبيل أيديهم وأرجلهم والقيام لهم في الطريق (إعطاء للمراتب حقها أو دفعاً لشرهم)، وكان الخواص يقول مراراً ( مذهبي القيام للأمراء) . وقد قبّل الخواص قدم المحتسب (أدباً مع الله الذي ولاه) رغم إنكار بعض الفقهاء عليه ذلك [157]. ولنا وقفة مع الفقهاء فيما بعد ..
8 ـ ثم دعا الشعراني المظلومين إلى نفاق الظَلمةوقعّد لذلك القواعد وربطها بالدين الصوفى كعادته .
أ) فيقول :"أخذ علينا العهود أن ندور مع أهل زماننا ونخدع لهم .. ونتلون لهم كما يتلونون لنا .. وأن نأمر إخواننا بأن يدوروا مع الزمان وأهله كيف داروا ولا يزدرون قط من رفعه الله عليهم ولو في أمور الدنيا وولايتها كل ذلك أدباً مع الله عز وجل الذي رفعهم فإنه ما يرفع أحداً إلا لحكمة[158]."
ب) (ولا ترفع الشفاعة لحاكم إذا كان منحرف المزاج من المشفوع له [159] ولا يقام مولد في أيام نكد السلطان إلا أن يقصد صاحب المولد الدعاء للسلطان بالنصر وإهدائه ما يقرأ في المولد من قرآن[160].
ج) وألا يمكن أحداً من الأكابر حضور المواد للأولياء (فإن ذلك من سوء الأدب ومن أين لأمثالنا من الضعفاء أن يستحق مشي الأكابر إلى داره)[161].
د) وإذا حبس صديق أو قريب فتؤمر جماعته وإخوانه بعدم كثرة زيارته في الحبس وعدم كثرة إرسال الأطعمة له بل منعهم من ذلك أصلا إن أمكن (وذلك لأن المحبوس كلما ضاقت عليه كلما قصرت مدة حبسه)[162] وليس ذلك في حاجة لتعليق..
هـ)وأخيراً فإن هذا النفاق للحاكم مقصور على أيام حكمه، فإن عزل من ولايته فلا تعظيم ولا نفاق
(لأن التعظيم حقيقة إنما هو للرتب لا للذوات، فمن عظّم أميراً أو صاحب جهة في أيام عزله كما كان أيام ولايته أخطأ وجه الحكمة ونقص مقامه بقدر ما رفع ذلك المعزول)[163]... فهل يعرف الإسلام هذه الضعة؟ ؟.. ومع الأسف فإن البيئة الشعبية انقادت لهذه التعليمات بحكم اعتقاها في أولئك الصوفية وقد ترددت أمثال شعبية في العصر المملوكي تعبر عن هذه الروح الوضيعة التي يأباها الله ودينه ومع ذلك فقد صبغت بمنطق معكوس يسير على النهج السابق لأولئك الصوفية المملوكيين .. ومن تلك الأمثال(الخضوع عند الحاجة رجولية)(الناس أتباع لمن غلب) (سلطان غشوم خير من فتنة تدوم)[164].
وبعد العصر المملوكي حكيت أمثال أخرى على نفس النمط ( ضرب الحاكم شرف) (علقة تفوت ولا حد يموت)(طاطي لما تفوت)(ما حد يقول يا جندي غطي دقنك).
وكل ذلك للحفاظ على حياة ذليلة ، فإن خسر تلك الحياة ظلماً ـ وكثيرا ما يحدث هذا ـ يقول له المثل حينئذ ـ (المخوزق يشتم السلطان)[165]. وألفاظ الملق والنفاق كثيرة في اللغة الشعبية[166]يلمح فيها أثر أدعياء الصوفية والإسلام مثل (در مع الأيام إذا دارت)(إن دخلت بلد تعبد عجل حش وأطعمه)(اللي ما تقدر تواقعه نافقه) (اللي ما تقدر عليه فارقه وإلا بوس أيديه)( الأيد اللي ما تقدر تقطعها بوسها)( بوس الأيادي ضحك على الدقون)(إن كان لك عند الكلب حاجة قول له يا سِيد)[167]..
وأغلب تلك الأمثلة متأثرة كما يبدو بكتابات الشعراني إلا أنها خرجت من تعليماته بالمثل القائل (السلطان مع هيبته ينشتم في غيبته)[168] فقد منع الشعراني من شتم الظَلَمة واغتيابهم ..
دعاوى الكرامات والظلم : ـ
1 ـــ وأفلح أولئك الأولياء في سبك أساطير الكرامات والمنامات والإشاعات لخدمة أغراضهم المتنوعة لتأمين أنفسهم من اعتداء محتمل من ظالم لا يعتقد في شيخ بعينه ، فتناقلت المراجع المملوكية صوفية وتاريخية أسطورة جندي ظالم قتل صوفياً فعوقب وانتهى أمره بالتوبة والانخراط في سلك التصوف وأن ذلك حدث في عهد السري[169]بن الحكم الوالى ، مع أن هذا العهد لم يشهد تصوفاً كالذي تحكيه تلك الأسطورة.. وهددت أسطورة أخرى الظلمة في صورة ظالم حكى أنه هدد من ولىّ ِيطير في السماء بأنه (إذا آذيت ولى الله قتلناك)[170]وأشاعوا (أن الفقير إذا زاد عليه الحال بزعمهم صار كالأسد يكسر كل من وجده)[171]وما شهدنا أحدهم تأسد في وجه ظالم مهما بلغ به (الحال)،وقالوا إن الفقير لا يكمل حتى يقتل من الظلمة بعدد أعضائه[172] ،وعليه فقد عدمنا ذلك الفقير الكامل في العصر المملوكي في الواقع ، وإن قام المتصوفة الأولياء من جانبهم بإسناد بطولات ـ كرامات ـ وهمية ضد حكام ظلمة جعلوها لإبراهيم الجعبري[173] وابن عنان[174] تبرهن على ذلك الادعاء وغيره ، وقد وجدت أرضاً صالحة مستعدة لتصديق الادّعاءات بالغاً ما بلغت.
2 ــ ولا ريب أن تك الأساطير خدمت أغراض صوفية العصر المملوكي فظلت صورتهم لدى العامة خالية من شائبة التعاون مع الظلمة، فقد كانت دخانا عميت به الحقيقة عن العيون.
3 ــ وللإنصاف نذكر أن بعض تلك الأساطير والمنامات لاقت نجاحاً عند بعض السلاطين فقد ادعى أحدهم أنه رأى النبي عليه السلام وأنه أرسله ليقول للمؤيد شيخ أن يكف عن المظالم (وإن لم يرجع عما هو منه وإلا هلك) وأن المؤيد شيخ أمر برفع تلك المظالم بعد الرؤية المنامية[175] واستغل البعض قلق أولى الأمر من انخفاض النيل فعزوا ذلك لكثرة المظالم وأن امرأة صالحة (حين شح النيل رأت في المنام ملكيْن نزلا من السماء فرفس أحدهم النيل فهبط لأن الظلم تزايد بمصر)[176] . ولجأ آخرون إلى طريقة أخرى فأشاعوا أن الأمير فخر الدين الأستادارـ أحد مشاهير الظلمة ـ حين دفن كان يصيح في قبره[177]من العذاب.
4 ــ وكان من السهل اختراع تلك الأقاصيص ومن الأسهل تصديقها في عصر يؤمن إيمانا مطلقاً بحدوث الكرامات لكل من هب ودبّ . أما حين اخترع أحدهم طريقة جديدة زعم فيها أنه عثر على حصاة مكتوب عليها: ( قد قرب الوقت فاعتبروا واتقوا الله )،وأشاع أنه وجدها تمش على الأرض، فقد قال أبو المحاسن معلقاً على تلك الحادثة ( وأنا أستغفر الله وأقول أنها مصطنعة )[178]
طرق صوفية أخرى لمقاومة الظلم : ـ
1ـ وبعيداً عن الأساطير فلقد كان لبعض الصوفية أساليبهم الأخرى في مقاومة الظلم منها التوجه لله تعالى ليقوم ـ عنهم ـ بتأديب الظالم[179]،ولاشك أنها لا تختلف عن الدعوة للرضا السلبي بالظلم والتعايش معه ،خاصة وأن ذلك أسلوب الشعراني الذي عُدّ من العهود التي أخذت عليه أن يستعمل كلمات معينة عند الخوف من ظالم حتى( ولو كان له حال يقابل به الظالم ميلا إظهارا للضعف وأدباً مع الله ثم السلطان).[180]
2ـ ولم يكن الشعراني بدعاً في اختراع هذا الأسلوب (الكلامي) في مواجهة الظالم ، إذ ورد في مصادر متقدمة عنه (فوائد) عبارة عن تعبيرات معينة اخترعت لتُقال عند الخوف من ظالم على أن يرددها الخائف في أيام متوالية وبكيفية معينة أو نحو ذلك[181] .
3ـ واستغل آخرون اعتقاد السلاطين في المجاذيب وحريتهم المطلقة في القول والفعل فادعى الجذب حتى يتكلم مع السلطان بكلام خشن[182] .
الفقهاء السنيون ومقاومة الظلم : ـ
1ـ وقد تأثر أغلب فقهاء العصر بالتصوف ومع ذلك تلمح في بعضهم جانباً من الثورية في مقابل الظلم وإن واجههم المماليك بالشدة والعنف، فقد حدث أن ضرب أحد فقهاء دمنهور لأنه أنكر على الضامن ما يأخذه من المكوس وألزمه الظاهر برقوق بألا يسكن بدمنهور[183] حتى لا يثيرها.
وفي سنة 913 قتل الفقيه زين الدين العزيز بقرية مطوبس قرب الإسكندرية لأنه تعاون مع أهل البلدة حين رجموا أعوان الأمير طراباي صاحب الإقطاع[184]،.
وفي سنة 854 كثر ظلم الشهاب الزيني بالمحلة وكان أخاً للأستادار بالقاهرة فلم تحتمله العامة وتزعمهم الفقيه الواعظ ولى الدين فثاروا عليه وقتلوه ووصل الخبر إلى القاهرة فأرسل الاستادار جنداً ضربوا الثائرين واعتقلوا من لم يهرب منهم ،وقابل الاستادار المعتقلين عند شبرا فضربوا أمامهم وبينهم الواعظ وشهروا بالقاهرة، وتعاطف القاهريون مع أولئك ولعنوا الاستادار حتى خشي على نفسه . واهتم السلطان جقمق بالأمر فاستدعى القضاة واستفتاهم في المحبوسين فلم يوافقه على غرضه واحد منهم فكان أن عزّر بعضهم ونودي بالقاهرة بالمنع من حمل السلاح وعدم الخوض في الكلام حتى سكن الأمر كما يقول السخاوى[185] ..
2ـ وواضح من النصوص السابقة إباء فقهاء الريف وقوة صلتهم بالناس هناك وعدم تعاونهم مع السلطة ووقوفهم ضد ظلمها مما أوقع المماليك في وجل فتصرفوا معهم بالشدة . ولم يكن الحال بين القاهريين أقل منه في الريف بدليل مقتهم للأستادار وعمله بثوار المحلة، ونذكر قضاة جقمق بالخير لأنهم لم يوافقوا السلطان على هواه وقد عرف بقتل خصومه باتهامهم بالكفر. ويُذكر لقضاة برسباي موقف مشرف آخر وذلك حين أراد برسباي أخذ أموال الناس لقتال شاه رخ فقال بعض الفقهاء (وكيف نفتيه بأخذ أموال المسلمين وكان لبس زوجته يوم طهور ولدها ما قيمته ثلاثون ألف درهم وهى بدلة واحدة وإحدى نسائه) ولم يعرف القائل لذلك ، من بين الفقهاء غير أنه أشيع القول في أفواه الناس على حد قول أبو المحاسن[186] ،ويمكن أن نعذرهم في تلك المقاومة السلبية فهم تحت إذن السلطة وعينها .
3ـ ويبدو مما سبق أن المماليك كانوا في وجل من أي تعاون يتم بين الفقهاء السنيين والعامة على حسابهم فنال الفقهاء بذلك ضرر كبير في أي حركة تذمر حتى ولو كانت بعيدة عن الفقهاء مثلما حدث في سنة 770 حين وقفت العامة تحت القلعة طالبين تسليم والى القاهرة وغيره، فهاجمهم جند السلطان وقتلوا منهم جماعة، واعتقلوا آخرين وكان من القتلى بعض الفقهاء (من أهل الخبر والمستضعفين ومن لا يدخل في شيء من الفضول.. ثم نودي لهم بالأمان)[187] .
4 ــ ولكن هل كان القضاة وشيوخ الفقهاء الفقهاءـ وهم متأثرون بالتصوف المملوكي ـ عند ظن الشعب بهم في أزماته مع الظلمة؟
لندع أبا المحاسن يجيب على هذا التساؤل بتلك اللوحة التاريخية (اضطرب الناس وأبطل السلطان موكب ربيع الأول من القصر وجلس بالحوش ودعا القضاة الأربعة والأمراء والأعيان ووقف العامة أجمعون في الشارع الأعظم من باب زويلة إلى داخل القلعة واجتاز بهم قاضي القضاة علم الدين البلقيني ، وهو طالع إلى القلعة، فسلم على بعضهم بباب زويلة، فلم يرد عليه أحد السلام، بل انطلقت الألسن بالسب له وتوبيخه من كل جانب ، لكونه لا يتكلم في مصالح المسلمين . واستمر على هذه الصورة إلى أن طلع إلى القلعة ،وقد انفض المجلس بدون طائل ونودي في الحال بعدم معاملة الزغل ..فلم يسكن ما بالناس من الوهج ولهجوا بقولهم (السلطان من عكسه أبطل نصفه)،( وإذا كان نصفك أينالي لا تقف على دكاني) وأشياء كثيرة من هذا غير مراعاة وزن ولا قافية ، وانطلقت الألسن بالوقيعة في السلطان وأرباب الدولة، وخاف السلطان من قيام المماليك الجلبان بالفتنة وأن تساعدهم العامة وجميع الناس، فرجع عما كان قصده . وقد أفحش العامة إلى ناظر الخاص ورجموه وكادوا يقتلونه، وعظمت الغوغاء ، فأرسل إليهم ابن السلطان فسألهم عن غرضهم فقالوا: النداء بأن كل شيء على حاله . فقال لهم غداً أكلم السلطان ويفعل قصدكم . فأبوا ، وصمموا على النداء في هذا اليوم ، فأرسل لأبيه فتردد، ثم أجاب . وحصل بالنداء غاية الوهن في المملكة وطغى العامة وتجبروا)[188]
ويكفي هذا من أبي المحاسن كمؤرخ أرستقراطي يصور لوحة غير محببة إلى نفسه عن شعب لا تزال فيه بقية من إباء رغم جهد بعض الأولياء الذين قتلوا ثوريته ـوجعلوا الذل ديناً في مقابل استفادة سنعرض لها في الفصل التالي.
[1]- النجوم الزاهرة 7/10 .
[2]الدرر الكامنة لابن حجر 2/ 153 .
[3]ــ تاريخ ابن إياس 2/260 ط بولاق .
[4]ـ أنباء الغمر 2/481 : 482 عقد الجمان مخطوط 814 .
[5]ـ تاريخ ابن إياس 2/328 : 329 .
[6]ـ تاريخ ابن إياس 2/382 .
[7]ـ ذيل الأعلام 2/147 .مخطوط، السلوك 3/ 523 ، 944 ،45 النجوم 5 / 432 ، 599 ،11/ 291 :292 .
[8]ـ الدرر الكامنة 4/ 250 ، شذرات الذهب 6/293 .
[9]ـ تاريخ ابن الفرات 9/2 / 418 .
[10]ـ النجوم الزاهرة 12/ 104 ،/624 .
[11]ـ تاريخ ابن إياس 1/317 ط بولاق .
[12]ـ السلوك 3/2/495 ,516 .
[13]ـ خطط المقريزي 3/356 .إنباء الغمر 2/68 ,الضوء اللامع 3/12 .
[14]ـ السلوك 3/523 .
[20]ـ النجوم الزاهرة 228 ، تاريخ ابن إياس 1/2/ 324 .
[21]ـ عقد الجمان مخطوط حوادث 791 ، تاريخ ابن إياس 1/ 2/ 398 : 399 .
[22]ـ السلوك 3/2 / 770 ، النجوم الزاهرة 12/ 38 .
[23]ـ عقد الجمان حوادث 796 .
[24]ـ عقد الجمان حوادث 796 ، تاريخ ابن إياس 1/2/ 414 .
[25]ـ أنباء الغمر 1/399 تاريخ ابن إياس 1/ 4282 .
[26]ـ عقد الجمان مخطوط حوادث 792 .
[27]ـ نزهة النفوس 1/383 .
[28]ـ كاد الجند يقتلونه في موقعة شقحب لتعاونه مع منطاش عقد الجمان حوادث 792 .
[29]ـ سيأتي الحديث عنه في مبحث استغلال التصوف طريقا للوصول .
[30]ـ السلوك 93/2/ 770 ، النجوم الزاهرة 12/38 .
[31]ـ راجع في الطبقات الكبرى للشعراني مثلا 2/20، 28 ، 128 ، 160 ، والطبقات الكبرى للمناوي 99 ، 300 ، وجوهرة الدسوقي 18 وما بعدها ، لطائف المنن لابن عطاء 133 :134 .
[32]ـ الدرر الكامنة 4/279 ،308 ،205 إنباء الغمر 1/ 181 ،2/29 ،30 ،3/ 465 ، 2/83 شذرات الذهب 7/336 ،7/71 /5 /412 ، 6/ 301 ،7/ 20 ،95 ،96.
[33]ـ ترجمته في نهاية الأدب 30/26 ، فتوح النصر 2/209،الدرر الكامنة 4/12 :14 دول الإسلام للذهبي 2/177 شذرات الذهب 6/64 .
[34]ـ ترجمته في تاريخ ابن كثير 14/ 177 السلوك2/2/408 ، فتوح النصر 2/271 .شذرات الذهب6/164 .
[35]ـ الدرر الكامنة تفصيل عنه 1/329 :333 .
[36]ـ نماذج لهم في إنباء الغمر 3/ 226 وحوادث سنة 844 هـ وتاريخ ابن إياس 4/120 :121 والفلاكة والمفلوكون للدلجي 71 وغير ذلك ..
[37]ـالمراجع الصوفية: روض الرياحين 36 ،النفحات الأحمدية للخفاجي 234 ،النضجة العلوية 28,الطبقات الكبرى للشعراني 1/141 ،2/ 113 ،127 ،110 ،130 ، 77 ،120 ،131 الخ .المراجع التاريخية : المنهل الصافي 5/ 191 ،تاريخ ابن كثير 14/119 . التبر المسبوك .105 الخ.
[38]ـ مخطوط الألفاظ المكفرة من 102 : 121 السلوك 4/2/1031 : 1032 النجوم 14/ 320 ،تاريخ ابن طولون 1/127.
[39]- السلوك 3/2/944 ،النجوم 11 /294 ،عقد الجمان حوادث792 لوحة 392 .
[40]ـ عقد الجمان حوادث 842 لوحة 221 ، تاريخ ابن إياس 2/205 :206 تحقيق محمد مصطفى .
[41]ـ النجوم الزاهرة 15/ 421 .
[42]ـ تاريخ ابن إياس 2/266 :267 تحقيق محمد مصطفى.
[43]ـ أنباء الغمر مخطوط حوادث سنة 849 ورقة 1247 .
[44]ـ التبر المسبوك 212 : 213 ، 254 ، 256 ، حوادث الزهور 40 ،41 ،تاريخ ابن اياس 2/271 تحقيق محمد مصطفى .
[45]عقد الجمان حوادث سنة 815 لوحة 354 ،تاريخ ابن إياس 1/2 /819 :820 .
[46]عقد الجمان حوادث سنة 821 لوحة 460 : 461 .
[47]حوادث الزهور 3 /519 سنة 870 .
[48]حوادث الزهور 3 /420 .
[49]- تاريخ ابن إياس 2/419: 350 محمد مصطفي .
[50]تاريخ ابن إياس 2/ 446 ، حوادث الزهور 3 /598 .
[51]تاريخ قاضى نهبه . مخطوط 2 /113 .
[52]تاريخ ابن إياس 4 /87 .
[53]ـالسلوك 3/1/3
[54]ـ السلوك 3/1/391 ، تاريخ ابن إياس 1/2 /266 .
[55]ـ السلوك 3/ 2/457 :458 النجوم 11/ 210 .
[56]ـ النجوم الزاهرة 12/179 :182 ، السلوك 3/3 /972 ،984 ،1069 .
[57]ـ أنباء الهصر 281 .
[58]ـ تاريخ ابن إياس 2/201 ط بولاق .
[59]ـ نزهة النفوس :2/109 :112 .
[60]ـ تاريخ ابن طولون 1/ 219 حوادث 904 .
[61]ـ تاريخ ابن الفرات 8/ 176 ، تاريخ سلاطين الممالك .نشر زيتر ستين 28 .
[62]ـ تاريخ ابن إياس 4/ 254 .
[63]ـ تاريخ حلب : ابن الشحنة 96 ، تاريخ أبي الفداء 3/210، عقد الجمان للعيني مخطوط مصور مجلد 54 لوحة 424
[64]ـ ابن تيمية مجموعة الرسائل والمسائل 1/ 169 :170 .
[65]ـ عقد الجمان 54 لوحة 545 : 546 .
[66]ـ 5/116 .
[67]ـ شذرات الذهب 5/ 327 : 328 .
[68]ـ عقد الجمان 53 لوحة 354 .
[69]ـ اليافعي مرآة الجنان 4/170 .
[70]تاريخ الذهبي . مخطوط مجلد 31 لوحة 26 ،27 . ـ 22 سيرة المنصور قلاوون . مخطوط 138 .
[71]ـ سيرة المنصور قلاوون .مخطوط مصور 1ـ لوحة 98 تاريخ الذهبي مخطوط مصور 31 لوحة 26 النويري :نهاية الأرب مخطوط 29/ 23 : 24 .
[72]ـ سيرة المنصور قلاوون . مخطوط مصور 1/لوحة 98 تاريخ الذهبي مخطوط مصور 31 لوحة 26 النويري : نهاية الأرب 29/23 : 24 .
[73]ـ السلوك 4/1/515 .
[74]ـ زبدة الفكرة .مخطوط مصور 9/329 .
[75]ـ الصفدي . أعيان العصر 6/ 1/ 2: 3 .
[76]ـ تاريخ ابن إياس ط بولاق:2/292 .
[77]ـ تاريخ ابن إياس ط بولاق:2/292 .
[78]ـ أبناء الهصر : 19 : 20 .
[79]ـ للتدليل على كثرتهم راجع ترجمة بعضهم في النجوم الزاهرة 15/522 ، 525 ، 526، 531 ،547 ، 16/ 18 ، 70 ،81 ، 170 ،172 ،181 ، 185 ، 191 ، 19 ، 209 ،212 ، 254 ، 255 ، 289 .
[80]ـ حوادث الدهور 221 ، 278 ، تاريخ ابن إياس 2/ 322 تحقيق محمد مصطفى .
[81]ـ نهارية الأرب مخطوط 30/ 85 تاريخ ابن قاضي شهبة مخطوط 1/ 31 .
[82]ـ السلوك 3/3/ 1029 .
[83]ـ النويري نهاية الأرب مخطوط 30/44 .
[84]ـ حجة وقف بيبرس الجاشنكير محكمة 42 محفظة4
[85]ـ السلوك 2/ 2/ 405 ..
[86]ـ السلوك 3 / 1/ 403 ، تاريخ ابن إياس 1/2/ 278.
[87]ـ السلوك 4/ 1/ 506 , المنهل الصافي 1/ 39 , 62 . النجوم الزاهرة 14/ 89 .
[88]ـ العيني السيف المهند في سيرة الملك المؤيد تحقيق فهيم شلتوت ,328 , نزهة النفوس2/ 343 .
[89]ـ تاريخ ابن إياس 2/ 178 ط بولاق .
[90]ـ تاريخ ابن إياس 2/ 382 ط بولاق .
[91]ـ حوادث الدهور 3/880 , تاريخ ابن إياس 2/ 102 ط بولاق .
[92]ـ تاريخ ابن إياس 4/ 265 .
[93]ـ إنباء الهصر 47 .
[94]ـ الجوهر الثمين مخطوط ورقة 204 تحت رقم 1522 تاريخ بالدار .
[95]ـ إنباء الهصر 31 .
[96]ـ النجوم الزاهرة 15/ 272 .
[97]ـ النجوم الزاهرة 16 /81 , تاريخ ابن إياس 2/ 246 ط بولاق .
[98]ـ السلوك 3/ 2 /584 ، إنباء الغمر 3/ 125 .
[99]ـ إنباء الهصر 14 ، 136 ، 359 ،360،نزهة النفوس 3/72 ،115،السلوك 3/1/ 224 .
[100]ـ تاريخ ابن إياس 2/208 ط بولاق ،انظر أيضاً 2/ 192 : 193 .
[101]ـ السلوك 3/ 1/309 .
[102]ـ السلوك 3/1 /403 .
[103]ـ عقد الجمان مخطوط 232 حوادث 808 .
[104]ـ تاريخ البقاعي مخطوط 12 رقعة 5631 تاريخ .
[105]ـ النجوم الزاهرة ذكر فيها ثورات القبط ضد المسلمين ط سنة 107ـ 259 ، سنة 117 ,ص 265 ،سنة 119 هـص281 سنة 132ص316 ـ317 ، سنة 134 ص 325 ،الجزء الثاني في ولاية موسى بن على ص 26 سنة 170 ص62 سنة171 ، سنة 206 ص215 ،ص216 ، سنة 145 .
[106]- النجوم الزاهرة 15 /207 وطرق القتل تنم عن منتهى القسوة كالتوسيط والتسمير والمعاصر ونشر الأجسام وسلخ الجلود ودفن الأحياء وتعليق الرءوس في رقاب نساء القتلى ..
[107]- النجوم الزاهرة 14 /113 .
[108]تاريخ ابن إياس 2 /368 .
[109]- تاريخ ابن إياس 2/ 454 تحقيق محمد مصطفى .
[110]- تاريخ ابن إياس 2 /175 :176 ط بولاق .
[111]ـ السلوك 4/ 1 /185 .
[112]ـ تاريخ ابن إياس 1/2 / 277 .
[113]ـ تاريخ ابن إياس 1/2/ 336 .
[114]ـ تاريخ ابن إياس 2/125 ، 134 ،135 .ط بولاق .
[115]ـ النجوم الزاهرة 15/ 38 .
[116]ـ السلوك 4/2/708 .
[117]ـ الشر بيني.هذا التخوف في أكثر من موضع .
[118]ـ تاريخ ابن إياس 2/13 تحقيق محمد مصطفى .
[119]ـ تحفة الأحباب 27 . 28 ترجمة ابن الغنام.
[120]ـ مناقبه . مخطوط ورقمه 247 ، 248 ، 249، 346 ، 347 .
[121]ـ السلوك 4/2 /672 .حوادث سنة 827 .
[122]ـ الأبشيهي .المستظرف 37.
[123]ـ الأمثال الشعبية. لتيمور: 28، 188 ، 295 ، 54 .
[124]ـ المناوي الطبقات الكبرى مخطوط ورقة 296 ترجمة الأخميمي .
[125]ـ لطائف المنن 125 ، 171 ، 403 لواقح الأنوار 341 البحر المورود 31.
[126]ـ لطائف المنن 171 .
[127]ـ البحر المورود 16 ،17 .
[128]ـ لطائف المنن 244 .
[129]ـ مناقب الحنفي مخطوط 388 .
[130]ـ لطائف المنن 222 .
[131]ـ البحر المورود 314.
[132]ـ لطائف المنن 234 ،507 .
[133]ـ لطائف المنن 234، 507 .
[134]ـ حوادث الدهور 3/598 .
[135]ـ التبر المسبوك 135 .
[136]ـ أوردها زرق يسليم في مجلة الرسالة عدد 825 ص 779 .
[137]الأبشبهي .المستظرف 1/29 .
[138]ـ كيلاني .في مقدمته لديوان البوصيري .
[139]ـ لطائف المنن للشعراني 127 ، 452 .
[140]ـ لطائف المنن للشعراني 127 ،452 .
[141]ـ البحر المورود 23 .
[142]ـ لطائف المنن 452 .
[143]ـ لطائف المنن 451 ، 452 .
[144]ـ لطائف المنن 219: 220.
[145]ـ لطائف المنن 83، 127، 143، 338 .
[146]ـ الطويل : الشعراني 141 .
[147]ـ لطائف المنن 129 ، 130 ، لواقح الأنوار 167 ، البحر المورود ،270 ، 271 .
[148]ـ لطائف المنن 458 .
[149]ـ تنبيه المغترين 35 .
[150]ـ البحر المورود 108 :109 .
[151]ـ الجواهر والدرر 183 .
[152]ـ الجواهر والدرر 125 :126، البحر المورود 279 ، 280 .
[153]ـ صحبة الأخيار 114 .
[154]ـ البحر المورود 186 ، 319 ، لطائف المنن 370 .
[155]ـ لواقح الأنوار 339 .
[156]ـ البحر المورود 110 .
[157]- البحر المورود 205: 207 ، لطائف المنن 124 : 125
[158]- البحر المورود 173: 174 ،292 .
[159]ـ لطائف المنن 480 .
[160]طائف المنن 480 .
[161]ـ البحر المورود 304 : 305 .
[162]ـ البحر المورود 109 : 110 .
[163]ـ البحر المورود 155 : 156 .
[164]ـ الأبشيهي .المستظرف 1/29 .
[165]ـ تيمور الأمثال الشعبية " 318 ، 383 ، 322 ، 354 ، 372 وغيرها.
[166]ـ أحمد أمين .قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية 428 .
[167]ـتيمور: الأمثال الشعبية : 114 ، 126 ، 153 ، 233 ، 102 ، 12 ، 63 ، 292 .
[168]ـ تيمور : الأمثال الشعبية : 114 . 126 ، 153 ، 233 ، 102 ، 12 ، 63 ، 292 .
[169]ـ خطط المقريزي 4/86 ,87 تحفة الأحباب 413 ،414 ، الكواكب السيارة 282 .
[170]ـ الكواكب السيارة لأبن الزيات 135 :136 .
[171]ـ لطائف المنن للشعراني 432 .
[172]ـ لطائف المنن للشعراني 283 .
[173]ـ الطبقات الكبرى للمناوي .مخطوط 258 ، طبقات الشاذلية 69 .
[174]ـ الطبقات الكبرى للشعراني 2/110 .
[175]ـ السلوك 4/ 1/104 ،ونحو ذلك في تاريخ البقاعي 148 .
[176]ـ تاريخ ابن إياس 4/ 193 :194 .
[177]ـ النجوم الزاهرة 14/ 153 .
[178]ـ حوادث الدهور 3/ 697 ،أو في إنباء الهصر 47 : 48 وتاريخ ابن إياس ط بولاق 2/105 .
[179]ـ لطائف المنن للشعراني 432 .
[180]ـ لواقح الأنوار :167 ،339 .
[181]ـ المستظرف2/121 :122 ،257 ، :258 ،الدميري حياة الحيوان 1/36 :37 ,38 .
[182]ـ المنهل الصافي .3/25 ترجمة سليم بن عبد الرحمن،حوادث 877 في إنباء الهصر 481 ، 482 .
[183]ـ تاريخ ابن إياس 1/2/ 376 : 377 .
[184]ـ شذرات الذهب 8 /61 .
[185]ـ التبر المسبوك 322 : 323 .
[186]ـ النجوم الزاهرة 15/ 68 حوادث سنة 839 .
[187]ـ ذيل ابن العراقي .مخطوط ورقة 105 .
[188]ـ حوادث الدهور 2/ 294 : 296 .
الفصل الثاني : استفادة الصوفية سياسياً
كتاب : أثر التصوف السياسى فى الدولة المملوكية
الفصل الثاني : استفادة الصوفية سياسياً
مقدمة
1 ـ أسهم الصوفية في السياسة المملوكية إلى درجة يمكن معها اعتبارهم جزءاً من النظام المملوكي ..والمشاركة السياسية فى النظام المستبد تعني أن ينال كل شريك حظه في الاستفادة على حساب المحكوم. ومن الطبيعي أن ينال المماليك نصيب الأسد من الاستفادة ويتركوا الباقي لأعوانهم الصوفية شأن أتباع المستبد القانعين بالفتات، ولكنها استفادة ـ على كل حال ـ يكفي في بيانها أنها سمحت للصوفية بالوصول للمناصب على حساب أعدائهم من الفقهاء السنيين ، ثم استخدموا نفوذهم في حرب خصومهم من الفقهاء السنيين والأقباط مع تأكيد ذلك النفوذ على الساحة الشعبية عن طريق الشفاعات لدى أولى الأمر من المماليك..
2 ــ الأهم ، إن الصوفية نعموا بالأمن والغُنم في أحضان السلطة الحاكمة الظالمة وعلى حساب الشعب ومعاناته، وتمتعوا ـ مع ذلك ـ بتقديس الرعية وحبها، بينما افتقد المماليك ذلك الإحساس الشعبي. ولا أدل على ذلك من أنه إذا كانت الدولة المملوكية قد انتقلت إلى متحف التاريخ ومجلداته فإن دولة الصوفية المملوكية لا تزال حية في نفوس الشعب حتى أن القارئ لهذا الكتاب وما سبقه يُصدم بما ورد فيه من حقائق تناقض ما ترسب في الضمير المصري بتتابع القرون من تقديس الصوفية والإشادة بهم . هذا في الوقت الذي يرتبط فيه ذكر المماليك بالاستبداد والعسف..
3 ـ هذا ، وسنعرض في هذا الفصل إلى النواحي التي أفادت الصوفية سياسياً مع ذكر الناحية الأخرى من الاستفادة وهي بناء المماليك لحلفائهم الصوفية الخوانق والربط والزوايا.. الخ .
التصوف طريق للوصول للمناصب والنفوذ والمشاركة في السياسة المملوكية ـ
1 ــ بانتشار التصوف وعلو نفوذه في العصر المملوكي ازداد عدد الداخلين فيه وقد أطمعهم في اتخاذه طريقاً للوصول للنفوذ والمناصب السياسية .وأعانهم في طريق الوصول اعتقاد العصر ـ حكاماً ومحكومين ـ في معرفة الصوفية للغيب أو (الكشف) ــــ كإحدى لوازم التصوف ـــ فصارت مزية للصوفي في عصر تميز بالاضطراب السياسي وافتقر فيه الحكام والمحكومون للأمن والخوف مما يخبئه الغد ، فشغفوا باستكشاف المستقبل المجهول ومعرفته ، وبالتالى أصبح الكشف الصوفي عنصرا أساسيا في الفتن المملوكية سنعرض له في حينه ووصل به دعاته للنفوذ ،وبه انتهوا أيضا ..
2 ــ والمهم أن الصوفية الواصلين لم يختلفوا عن سادتهم المماليك في الفساد والإفساد بل ربما فاقوهم سوءا ، بادعاء ما ليس في طاقة البشر ألا وهو علم الغيب . أو ادعاء ما ليس في طاقتهم ـ وهو الصلاح والتقوى .
على أن بعضهم لم يقنع بالوصول إلى أعلى المناصب المدنية والدينية في الدولة المملوكية العسكرية ولكنهم انغمسوا في السياسية المملوكية نفسها مع السلاطين والأمراء وما تعنيه تلك السياسة من فتن ومؤامرات ودماء فأصبحت مؤسساتهم الصوفية ملتزمة بتقديم نصيبها من المكسب والخسارة ، كمسرح للمؤامرات والثورات..
3 ــ وسنعرض لذلك بالتفصيل .
استغلال التصوف طريقاً للوصول للمناصب والنفوذ السياسي.
1ـ غنى عن البيان أن "القضاء" من اختصاص الفقهاء السنيين، إلا أن الصوفية ـــ برغم جهلهم ــ زاحموا الفقهاء فيه واحتكروه حتى صار القضاء سيفاً مسلطاً على خصوم الصوفية من الفقهاءن ولا أدل على ذلك من موقف القضاة الأربعة من ابن تيمية (الفقيه) والبقاعي (الفقيه) ..
وصار التصوف طريقاً مضموناً للفوز بمنصب قاضي القضاة ، ومن أبرز من سلك هذا الطريق ابن ميلق الشاذلي ، الذي تزيا بزى الفقراء وأظهر الصلاح ووعظ وعمل المواعيد فتبرك به الناس وصار له مريدون فألبسه الظاهر برقوق تشريف القضاء بيده وأخذ طيلسانه تبركاً به . ومن المضحك أن الناس (خافوا ولايته ظناً منهم أنه سيحملهم على محض الحق وطريق السلف إلا أنه ما لبس أن عزل جميع قضاة مصر من العريش إلى أسوان ،وأعاد بعضهم بالواسطة بعد يومين ثم خلع زى الفقراء ولبس الغالي الثمين وترفع في مقاله وشح في العطاء ولاذ به جماعة غير محببين من الناس[1].
وبشَر شهاب الدين الأرموي الأمير برسباي بالسطنة ـ وكان في السجن ـ فلما تولى السلطنة اعتقد ولايته وولاه القضاء (ولم يسمع فيه كلاماً لأحد مع شهرته بسوء السيرة ومزيد الجهل والتجاهر بالرشوة حتى حصل من ذلك مالاً جزيلاً )[2]، وسنعرض لأصحاب الكشف فيما بعد، والمهم أن لوازم التصوف فتحت الطريق لمنصب القضاء أمام الصوفية، ولم يتعفف عنه كبار الصوفية مع ما تمتعوا به من جهل فى الفقه ، إلا أن عملهم بالقضاء كان يظهرهم على حقيقتهم كما سبق القول في ابن ميلق والأرموي..
وقد تولى ( شيخ الاسلام ).!! " زكريا الأنصاري"" القضاء (فكانت ولايته) على حد قول السخاوى(على المستحقين نقمة وجهالته في تصرفاته على المستحقين المسلمين غمة ، بحيث أعادت محبة الناس فيه عداوة ، وزادت الرغبة إلى الله بزواله عقب الصلاة والتلاوة )[3]، وزكريا الأنصاري يعترف بنفسه للشعراني يقول (توليتي للقضاء جعلتنى وراء الناس مع أني كنت مستوراً أيام السلطان قايتباي )[4]، والمشهور عن زكريا الأنصاري أنه من الفقهاء وأنه (شيخ الإسلام) ولكنه صوفي اتحادي كتب في تعظيم ابن عربي حتى عذله السخاوي مرة بعد أخرى (فما كفّ بل تزايد)[5] ، فهو يمثل قمة السيطرة الصوفية على الفقهاء، يقول فيه الشعراني (.. وقال لي مرة من صغري وأنا أحب طريق القوم ـ الصوفية ـ وكان أكثر اشتغالي بمطالعة كتبهم والنظر في أحوالهم حتى كان الناس يقولون هذا لا يجئ منه شئ في علم الشرع) وأراد أن يظهر تصوفه (فأشار عليه بعض الأولياء بالتستر بالفقه)[6]، ولمكانته بين الصوفية والفقهاء ولى القضاء فانكشف أمره وكان (مستوراً) ..
2- ويبدو أن انتحال التصوف طلباً لمنصب قد صار طريقاً مشهوراً نلمح ذلك من نبرة المؤرخين ـ خاصة الفقهاء المسالمين للصوفية كإبن حجر الذى يقول : ( وأظهر عبد العزيز بن جماعة التقشف الزائد لأصحاب السلطان فتولى القضاء)[7] وقيل عن القاضي السباطي ( أنه كان يظهر للناس نسكاً على وظيفة وعد بها)[8] ولولا هذا الوعد بالمنصب لما كان النسك والتصوف .
وفي تاريخ حياة القاضي ابن خالد البساطى ارتباط بين لوازم التصوف وتدرجه في المناصب، فقد تصوف حتى ناب في القضاء ، ثم تقشف وبذل طعامه للواردين وكثر مريدوه وادعى الاجتماع بالخضر وسعى لتولي القضاء فرقي إلى منصب قاضى القضاة سنة 778[9].
3ـ وبازدهار التصوف قدم لمصر كثير من الصوفية الأعاجم ومن شمال أفريقيا فتولوا بالتصوف منصب (قاضي القضاة) كالهروي الذي ( تزيا بزي الفقراء وتنقل في قضاء القضاة ومناصب أخرى)[10] وقيل في قاضي القضاة القصيري أنه قدم من الروم على هيئة الفقراء وخدم بالمدرسة الضرغتمشية حتى اشتهر بالتصوف فصار قاضياً للقضاة[11] ..
4 ـ وتنافس القادمون مع الآخرين للحصول على المناصب واستخدموا أسلحتهم (الصوفية) من منامات ادعوا كذبا رؤيتها تؤيد وجهة نظرهم ، وانقلب السحر على الساحر ، مثل (كائنة سرور المغربي) القادم من تونس إلى الإسكندرية ثم إلى القاهرة وتبع الرؤساء ثم ادعى كذبا أن الرسول عليه السلام ـ في رؤيا منامية ـ فقأ عين كاتب السر وقال له : أفسدت شريعتى وآتت هذه الدعوة أكلها في عصر يعتقد في المنامات فكان أن عزل كاتب السر, فافتخر سرور بمسعاه ونقل أعداؤه ذلك للسلطان فنفاه وأعيد إلى تونس[12].
5ـ ونالوا مناصب سياسية أخرى . فالهروى تقلب في وظائف غير قضاء القضاة وكان يغير زيه مع كل منصب جديد[13] وساعدهم في ذلك المنصب الأول ـ القضاء ـ وتوثيق صلتهم بالحكام .. فوصلوا إلى مناصب خطيرة مثل كتابة السر والأستادارية[14] والحسبة ). أو ربما يقنع أحدهم بالقرب من ذوي السلطة متمتعا بنفوذه بلا منصب رسمي . فمن الذين تولوا منصب الأستادارية كان ابن أصغر وقد بدأ فقيراً صوفياً ثم خدم بعض الأمراء إلى أن وصل الأستادارية للظاهر برقوق[15] .. وأكثر ابن المغيربي من معاشرة المماليك (فراج أمرهم عندهم لاسيما مع انتسابه للفقراء) إلا أنه كان مدعياً فوصف بأنه( كثرت فيه الشكوى إذ كان يأكل الدنيا بالدين)[16] ..
6ـ وبرز القادمون من الصوفية في هذا المجال أيضا فالصوفي نصر الله العجمي ( قدم مصر على هيئة المتجردين ومعه جماعة من المريدين، واختلط بالأمراء فاعتقدوه اعتقادا عظيماً، واستحوذ على كثير من الأموال منهم وعرضت عليه كتابة السر فأبى مكتفياً بإنعام السلطان والأمراء عليه)[17]. وكان نصر الله العجمي بعيد النظر إذ ابتعد بنفسه عن مسرح الفتن متمتعا مع ذلك بالشهرة والنعيم والنفوذ أما نظام الدين العجمي الصوفي فقد اتصل بالمؤيد شيخ فولاه ناظرا للأوقاف (وساءت سيرته واشتهر بأخذ الأموال)[18].
وقدم يار على العجمي مصر في سلطنة برسباي ماشيا لا يملك القوت اليومي ولأن مصر كانت جنة الصوفية الأعاجم خاصة فقد لاقى يار علي كثيرا من الترحيب فأنزله الأمير سودون عنده وبنى له جامعا. ووثق صلته بالأتابك جقمق ـ قبل أن يتسلطن ـ فلما تسلطن جقمق جعله من اخصائه فولاه الحسبة وعظم شأنه وأثرى مع محافظته على زى الفقراء[19].
7ـ وتدخل بعضهم مستغلا نفوذه في تعيين اخصائه في المناصب الهامة أو توصيلهم للسلطان كما فعل يار على العجمي سالف الذكر مع الشريف أسد الكيماوي. وكان أسد هذا يدعي علم الكيمياء ـ وتعني تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب ـ فمهد له يار على عند السلطان جقمق فوثق به السلطان وصار أسد الكيماوي يتحكم في السلطان وحاشيته حتى أن السلطان أمر أعيان المباشرين بالتردد على الكيماوي وكلما دخلوا عليه لم يلتفت إليهم ( بل كلمهم على لسان ترجمانه بتعاظم زائد..)[20]. ونصر المنبجي الصوفي الشهير في سلطنة بيبرس الجاشنكير توسط في تعيين أحد اخصائه سفيراً للدولة وهو التاج ابن سعيد الدولة[21] ..
8ـ وغنى عن الذكر وجوب أن يكون منصب شيخ الخانقاه أو المدرسة وظيفة مهنية يقوم بها المتخصصون إلا أنها تحولت على يد أولئك الوصوليين إلى مجرد منصب كبير يتساوى مع الوظائف الأخرى في إمكانية تعيين الآخرين فيه وانتقالهم إليه أو جمعهم بينه وبين الوظائف الأخرى، مثل ابن الأشقر ت 863 الذي كان شيخا للشيوخ بخانقاه سرياقوس ثم تولى نظارة الجيوش ثم كتابة السر[22]. وشرف الدين الأشقر ت 791 الذي قرره الظاهر برقوق إماماً عنده فتقدم في دولته فولاه قضاء العسكر ومشيخة الخانقاه البيبرسية ,ومع أنه لم ترو في ترجمته أي علاقة بالتصوف[23]..
9ـ وادعى بعهضم معرفة الغيب أو (الكشف) وهو ما ساد الاعتقاد في جدواه في العصر المملوكي، فاستغل بعضهم الظروف السياسية السائدة في العصر المملوكي حيث الطموح لدى كل أمير مملوكي والخوف من مؤامرات الأعداء لدى كل سلطان ، وفي هذا الجو المضطرب بالفتن كان بعض الطموحين من الأمراء ينتظر تبشير أحد المدعين للكشف ـ أو معرفة الغيب ـ له بالسلطة لكي يشحذ همته للوصول للسلطة ، وعندما ينجح ذلك الأمير في الوصول للحكم يعتقد في ولاية شيخه الذي تنبأ له ويقربه منه ويسمع له ويطيع .. أما إذا فشل فسيكون القتل أو الابتعاد عن المسرح نصيبه فيختفي وتختفي معه نبؤة الصوفي بالسلطة ، وهكذا ، أفلحت تلك اللعبة وبها وصل كثيرون من أدعياء الكشف في العصر المملوكي وأشهرهم في هذا المجال الشيخ خضر العدوي الذي بشر الأمير بيبرس بتولية السلطة فاعتقده وقربه وزاد نفوذه في عهده[24]..
وعن هذا الطريق توصل قطب الدين الهرماس للسلطان حسن وعلا شأنه معه حتى صار يدخل عليه بلا إذن[25] , واشتهر القاضي شهاب الدين الأرموي المالكي بسوء سيرته وجهله إلا أن السلطان برسباي لم يسمع فيه أحداً لأنه كان يعتقد ولايته حيث بشره بالسلطنة وكان وقتها في السجن[26], مع أن ما قام به شهاب الدين قام به آخر من المماليك كان رفيقا لبرسباي في نفس السجن وهو تغرى بردى المحمودى الذي رأى مناماً يدل على سلطنة برسباى فبشره به وعاهده برسباي أن يقدمه إذا تسلطن [27]. (وبشر أحدهم قايتباي بالسلطنة قبل أن يليها بزمن)[28] .
10ـ واحتفى الأمراء الطموحون (للسلطنة) بأولئك الصوفية من أدعياء علم الغيب " الكشف "، على أمل أن يتحقق لهم حلم السلطنة فكان للشيخ كمال الدين النويري ( قبول زائد عند الأمراء سيما جانم الأشرفي قريب برسباي فإنه كان عنده في أوج العظمة والكمال ويرجع إليه ويصغي لقوله... وكان بشره بأن يصير إليه الأمر أي يتسلطن ..)[29]، أي أن ذلك الأمير طمع في السلطنة بعد برسباي لتقدمه في دولته وقرابته منه وعُرف ذلك عنه، فبشره النويري بالسلطنة. ومع ذلك فلم يكن له في الملك نصيب ، لأن برسباي عهد لابنه وتسلطن بعده جقمق ولم يعد للجانم الأشرفي من ذكر .
11ـ ومن الطبيعي أن يكون ذلك الكشف المزعوم من عوامل إثارة الفتن خاصة في أوقات الاضطراب السياسي ـ وسنتعرض له فيما بعد ـ والمهم أن الضرر أصاب بعض أصحابه من أتباع المغلوب مما حدا ببعضهم بإيثار التريث في تبشيره إلى أن تتبين له الكفة الراجحة، فالظاهر تمربغا بمجرد جلوسه على العرش زعم له أحدهم أنه سمع بسلطنته قبل ذلك بغزة ودمشق[30]... وفي هذا السلامة ..
12ـ وامتد ادعاء الكشف إلى نواحٍ أخرى تهم السلطان القائم ليحيط الصوفي برعايته ، كالتبشير بالنصرة على العدو مثلما حدث لبرقوق حين تجهز لحرب تيمورلنك فادعى أحدهم مناما رأى فيه النبي عليه السلام يبشر برقوقا بالنصرة وجعل على تلك الرؤيا إمارة، ويعلق ابن حجر على تلك الواقعة بقوله: والذي يظهر لي كذب هذا الرائي .. وإلا فلو كان صادقاً لكان قد انتصر والواقع أنه لم يقع له قتال لأحد[31]) ويذكر أن السلطان صدق ذلك الرائي وأعطاه مالا رده ذلك الدعي إظهاراً للتقشف إذ كان يطمع في الوصول لا مجرد المال وكان أن خسر ذلك الهدف برجوع السلطان بلا حرب أو انتصار أو هزيمة ..
13- ومع ذلك فإن برقوق كان من أكثر المماليك فطنة في تعامله مع الصوفية ويكفى أنه أبرز من استخدمهم في بناء دولة الجراكسة . ولذا كان برقوق يعاقب من يتحايل عليه بالتصوف وقد حدث أن جاءه أعجمي يخبره بأن النيل لن يزيد شيئاً واتفق أن النيل زاد زيادة عظيمة فقبض برقوق على الأعجمي وضربه وأشهره على جمل ونودي عليه (هذا جزاء من يكذب على الملوك ).[32] ، واختلف الحال مع قايتباي فقد أخبره أحدهم بأن شاه سوار الخارج عليه قد هزم وأشاع آخر الخبر في المدينة ولم يصح الخبر ومع ذلك فإن قايتباي قد تفاءل به واعتبر ابن الصيرفى المؤرخ ذلك الكشف الكاذب كرامة[33]..
14- ولا ريب أن أولئك الأدعياء قد استفادوا من اعتقاد العصر في نسبة الكرامات وعلم الغيب إليهم من دون البشر جميعاً مهما أخطأوا، فحرص بعض الأدعياء على الوصول بتلك المزاعم إلى دائرة النفوذ عند السلطان وذلك مثل القاضي ابن خلكان الذي كان كلما طولب ببرهان على ما يدعيه من وحى وكشف لم يأت به ، وعقدت له المجالس لامتحانه في ذلك وأثبتت كذبه وهو مع ذلك لا يكف عن محاولته الاجتماع بالسلطان ومصر على دعواه بأنه حكيم الزمان وأنه اطّلع على العلوم الكثيرة ومعرفة الطلاسم وهزيمة العدو بها إلى غير ذلك دون إثبات أو برهان [34] .
15- وتخصص بعض أولئك في علم الحرف أو معرفة الغيب عن طريق حساب الأعداد والحروف ، وقد حظوا بقدر كبير من التقدير، مثل ابن زقاعة الذي كان معظماً في دولة الظاهر برقوق وابنه الناصر فرج [39] ، وطبعاً من المنتظر أن يحدث هذا لأن شيخ كان نجمه في صعود وهو مرشح للسلطنة ..
انغماس الصوفية في الفتن السياسية
كتاب : أثر التصوف السياسى فى الدولة المملوكية
الفصل الثاني : استفادة الصوفية سياسياً
انغماس الصوفية في الفتن السياسية .
1 ــ وقد دفع بعضهم ضريبة الوصول بالتصوف فغرقوا في بحر الفتن وأسهموا في المؤامرات السياسية وأصابهم ضررها . والشيخ خضر العدوى ـ الذي وصل بادعاء الكشف فاعتقده الظاهر بيبرس فعلا نفوذه عنده ـ مثل لأولئك الوصوليين، فقد هدد بنفوذه بقية الأمراء المماليك في دولة الظاهر بيبرس ، حتى أنه تنقص نائب السلطنة في حضرة بيبرس وقال له ( كأنك تشفق على السلطان وعلى أولاده كما فعل قطز بأولاد الملك المعز) وفى قوله إشارة للسلطان بأن نائب السلطنة سيستحوذ على السلطة من ابن الظاهر بيبرس بعد موته كما فعل قطز سابقاً . وكانت للشيخ خضر انحرافاته مع النساء والصبيان اشتهر بها دون علم الظاهر بيبرس فاتفق خصومه على إعلام الظاهر بيبرس بها وأحضروا الشهود فأقروا واعتقل خضر واستراح الأمراء [40]..
واشترك ابن الميلق الشاذلي في كتابة محضر ضد برقوق أثناء فتنة برقوق مع منطاش ، وكان برقوق قد اعتقد صلاحه وولايته وولاه القضاء، إلا أن ابن ميلق تنكّر لبرقوق في محنته ، حين تغلب منطاش عليه ، وكتب ابن الميلق الشاذلى في المحضر ما يؤدى للحكم على برقوق بالقتل. فلما عاد برقوق للسلطة أهان ابن ميلق، ( وانقلب اعتقاده فيه بغضاَ )[41]والواقع أن أولئك الوصوليين من القضاة كانوا ـ في الغالب ـ أدوات في الفتنة لدى المتغلبين من المماليك استخدموهم في كتابة المحاضر بالعزل أو الولاية أو القتل وذلك لاعتبارهم ممثلين للشرع السنى ويكون الحكم على يدهم شرعياً , وتلك جنايتهم على الشرع السنى الذي يدعون الانتساب إليه , وكابن ميلق كان ابن جماعة الذي تعاون مع المظفر بيبرس الجاشنكير حين عزل الناصر محمد فلما عاد الناصر عزل ابن جماعة ووبخ الآخرين[42]..
ومثله الباعوني الذي مدح منطاش وغض من برقوق ولما انتصر برقوق اعتذر إليه حتى عفا عنه [43] . وتنكر الباعوني أيضاً للجميل مع فرج بن برقوق فكان ممن قام في خلعه ليتولى قضاء الديار المصرية[44]. وفي عصر الناصر فرج كانت نكبة الصوفي الزعيفراني بعد أن راج أمره في أوائل سلطنة فرج ( وعظّمه كثير من الأتراك ( المماليك ) لعلمه بالحرف ثم سُعى به عند السلطان بأنه يمدح الأمير نوروز ويختلط بحاشيته (وهم ثائرون على السلطان) وأنه كان يذم السلطان ويهجوه وأنه نظم قصيدة يتنبأ فيها لجمال الدين الاستادار بأنه يمتلك مصر هو وولده، فقطع الناصر فرج لسانه وعقدين من أصابعه ، ولم يستطع الظهور في أيام المؤيد شيخ بعد مقتل الناصر فرج فانقطع كمداً حتى مات سنة 830 [45] .
2ـ وكان السلاطين يخشون ـ غالبا ـ المتصوفة الأعاجم فالظاهر ططر عزل ابن العجمي من الحسبة وولى البساطي مكانه لأنه نقل عن ابن العجمي (كلام فيه فضول)[46] ذلك أنه مهروا في المؤامرات وقد دبر أحدهم مؤامرة في عهود برسباي ضد ابن الكويز كاتب السر واتهم بأنه يريد إقامة ابن المؤيد شيخ في السلطنة في ورقة ألقيت إلى السلطان برسباي الذي تحرى الأمر واكتشف تدبير الصوفي ونفاه إلى الصعيد[47]..
وتكررت هذه المؤامرة ضد (الأمير) جقمق الداودار قبل أن يتسلطن حيث اتهم بتهمة خطيرة وهى اتصاله بالأمير قرا يوسف عدو الدولة فيما عرف بفتنة (على الدربندي) وكان كاتب الخطاب أعجمياً صوفياً بمدرسة العنتابي ، واكتشف الحقيقة وبرئت ساحة جقمق عند السلطان، وغُرّق ابن الدربندي في النيل وألزم الأعاجم في الخوانق خاصة بالعودة إلى بلادهم فضجوا ومازالوا يستعطفون السلطان إلى أن أهمل أمرهم[48] ..
ولقد تزايد نفوذ الشيخ حسن العجمى في دولة الأشرف برسباي حتى كان يدخل على السلطان في خلواته بغير إذن ويقف فوق الأمراء ، وبذل له الأكابر الأموال خشية منه ، فثقل على أهل الدولة لأخذه الأموال منهم ولسوء أثره فيهم عند السلطان ، إلى أن زالت دولة الأشرف برسباي وتولى جقمق السلطنة فضربه وسجنه وصادره ونفاه[49].
ومع ذلك فإن جقمق نفسه لم يتحرر كثيراً ـ كسلفه برسباي ـ من تصديق أعوان السوء فقد نفى شمس الدين ابن العطار أحد الصوفية بخانقاه شيخون وكان من خيار الناس ومن أعيان الحنفية وذلك بوشاية شمس الدين الكاتب وكان واسطة سوء عند السلطان[50] .
3ـ واستخدم أولئك الأدعياء مناماتهم الكاذبة واستغلوها في التبشير للسلطنة كما سبق. ويكفي أن برقوق استغل منامات الشيخ الروبي في قتل السلطان القلاووني الصغير , ومع ذلك فإن أولئك الصوفية كان إخلاصهم للسلطان القائم . وسبق أن ابن ميلق تنكر لبرقوق وتعاون مع عدوه منطاش . وسار على نهج ابن ميلق آخرون في فتنة يلبغا التي أسفرت عن نفي برقوق واعتقاله في الكرك فتناساه أصدقاؤه من الأولياء الصوفية وتعاونوا مع يلبغا المتغلب على الأمر حتى أن يلبغا حين توجه لمحاربة برقوق تنبأ بزوال مملكته ونصرة أصحاب يلبغا وأن النبي عليه السلام قال في المنام أنه أرسل خالد بن الوليد ليكسر أصحاب برقوق ، ورأى آخر النبي عليه السلام يقول ليلبغا أنت سيف الله (... وصار جماعة من الناس يقولون رأينا كذا وكذا .. ويحكون أنهم رأوا في منامهم ما يدل على زوال ملك برقوق ونصرة يلبغا )[51]. ولم تجد هذه الحرب الدعائية النفسية شيئاً إذ كانت محلية وبعيدة عن أرض المعركة التي انتهت بانتصار برقوق، إلا أنها مع ذلك بقيت دليلاً على تعاونهم مع السلطان القائم وتنكرهم للسابق صاحب الفضل إذا سقط ..
4ـ وتطور استعمال المنامات فاتخذت في الفتن دورا ايجابيا لا مساعدا ، وذلك بتغذية الطموح لدى الأمير فيثور وقد تنتهي بذلك حياته ، كما حدث سنة 809 حين أثّرت المنامات على الأمير جكم نائب السلطنة في حلب فاعتقد صحتها وأعلن نفسه سلطانا باسم الملك العادل وأطاعه نواب الشام وانتهى الأمر بمقتله[52] . وبالمنامات قتل جاني بك الصوفي الذي أحدث فتنة لأنهم أشاعوا أنه لابد أن (يتسلطن ولو بعد حين) فلم يهدأ برسباي إلا بعد قتله[53] . ومع أن قتله كان تكذيبا عمليا لتلك المنامات ، إلا أن بعضهم أوّل منامه للأشرف برسباي بما يفيد صحته ولو على حساب أبرياء ، فقد رأى أحدهم أن البدوى كان يطفئ نارا دون جدوى ، وأوّلت بفتنة تطفئ، فشاع بعد ذلك لأن السلطان ظفر باثنين أو ثلاثة يريدون الفتك به ونجاه الله تعالى منهم[54]..
وبعد موت برسباي فُهِمَ عن الأمير قرقماس طموحه للسلطنة( فتقرب اليه عدة من الّذين يوهمون جهلة الناس أنهم أولياء الله ولهم إطلاع على الغيب ،وصاروا يعدونه بأنه لابد له من السلطنة، وتخبره جماعة أخرى بمنامات تدل على ذلك) وبعد تولى جقمق السلطنة بتأييد قرقماس نفسه ثار عليه بتأثير المنامات الصوفية وانتهى الأمر بمقتله[55] .
ومثله ( كان جانم نائب الشام يطمع في السلطنة مما أوحى اليه الكذابون من أقوال الفقراء ورؤية المنامات فتحقق المسكين أنه لابد له من السلطنة فكان في ذلك نهايته)[56] والظاهر تمربغا بشره بعض الصالحون بأنه سيلي السلطنة في سنة 872 وكان الأمر كذلك[57] في زعمهم.
5ـ وكان من الطبيعي أن يخشى أولوا الأمر من أصحاب المنامات والمنجمين .. فقد اشتهر أحدهم بالصلاح وبلغ السلطان جقمق أنه يبشر بعض الأمراء بالسلطنة فقبض عليه وسجنه بالمقشرة[58] .
وكان تأثرهم واضحاً ففي تاريخ البقاعي "أن المنجمين توقعوا فساد الأمر فتشجع الجند بذلك". وكان ذلك بعد وفاة خشقدم[59] , إذ كانت المنامات تأتي عادة في فترة الإضطرابات السياسية إثر موت السلطان.
6ـ وكانت أصابع أولياء الصوفية وراء غالب الفتن فقد( أُمسك شرف الدين بن الدمامسي وحبس بالقلعة بسبب أنه افتعل عليه أنه كان سبب مخامرة يلبغا المجنون[60], ) . ( المخامرة بمعنى المؤامرة ).
وكان ابن النقاش خطيب جامع ابن طولون قد ( خالط الأمراء وحصل له كائنة فأخرجت عنه الخطابة وقاسى مالا خير فيه ولقد تمشيخ ابن النقاش بعد أبيه وقد دفن بحوش الصوفية البيبرسية)[61] . وفي قتنة على باي ـ الذي حاول قتل برقوق ـ( سِمَّر أعجمى) أى قُتل صوفى أعجمى بالصلب على جمل بالمسامير ، والسبب أن ذلك الأعجمى كان شيخا للأمير على باى ، و( كان على باي يقول له يا أبي فما استفاد منه إلا التوسيط)[62]. وأثناء صراع السلطان حسن مع ضرغتمش قبض على جماعة من الأعاجم الصوفية بمدرسة ضرغتمش لأنهم ساعدوه ونهبت المدرسة الضرغتمشية[63]، وضرب الناصر فرج صوفياً أعجمياً لأنه آوى عنده بعض المماليك الهاربين[64]،وحين زينت القاهرة لنبأ انتصار الناصر فرج بن برقوق على المماليك الخارجين عليه في الشام أنكر صوفي صحة هذا النبأ فعُزر وشهر بالقاهرة[65]. والتعزير عقوبة بالتعذيب والضرب.
7ـ وفي نهاية العصر المملوكي أيقن بعض الصوفية أن بامكانهم الاحتفاظ بمكانتهم لدى العامة والمماليك مع عدم الزج بأنفسهم في الفتن السياسية، خاصة وقد بلغ الاعتقاد في الأولياء مداه. فكان الخواص يقول :( إذا جاءكم أمير يطلب الصحبة فقولوا له نحن في غنية عن الحاجة إليك وليس لنا قدرة على القيام بحق صحبتك ولا على مشاركتك في الشدائد والمصائب التي ربما تطرأ لك في الدنيا والآخرة)[66].
8 ـ وكان لبعض المماليك اهتمامات صوفية استخدمها في طموحها السياسي كما قيل عن الأمير سودون الفقية وعن أستاذه لاجين الجركسي الذي كان (أعجوبة في دعوى العلم والمعرفة مع عدمها ولقب كبير الجراكسة واعتقد الكثيرون أنه لابد أن يلي السلطنة[67] .
9 ـ واتخذت بعض ثورات المماليك الوجه الصوفي السائد في العصر المملوكي لدى طائفة الاتحادية وقد ادعى كثير منهم النبوة والشطحات فقلدهم بعض الأمراء المماليك الثائرين مثل أقس القفاجائي الذي أدعى النبوة فاعتقله الظاهر بيبرس وأمر بتسميره[68]
هذا .. وإذا كان أولئك الأولياء قد تغلغلوا في الفتن المملوكية حتى أثروا على مصائر ومجرى حياة بعض المماليك أنفسهم فإن بعض الصوفية استطاع بنفوذه الصوفي وبمعزل عن السلطنة المملوكية أن يكون مصدر تهديد لتلك السلطة، كالشيخ زين الدين ابن أخي الشيخ الصوفي الشهير عدي بن مسافر.. وقد انقطع زين الدين في زاويته (على هيئة الملوك وأنعم عليه بإمرة دمشق، ثم نقل إلى إمرة صفدن وترك الإمرة ، وتردد إليه الأكراد وحملوا له الأموال، وأرادوا أن يخرج بهم على السلطان ، فاشتروا الخيل والسلاح ، ووعد رجاله بنيابات البلاد واختلفت الأخبار ، بشأنهم فقيل أنهم يريدون سلطنة مصر وقيل يريدون ملك اليمن فقلق السلطان الناصر محمد بن قلاوون لأمرهم ), وانتهى الأمر باعتقالهم وتفريق الأكراد (ولو لم يتدارك لأوشك أن يكون لهم نوبة)[69]على حد قول المقريزي.
دور المؤسسات الصوفية في الفتن : ـ
أنشئت تلك المؤسسات لأغراض دينية وثقافية ولم يكن لها أن تشارك سياسيا في الخير أو الشر لولا انغماس أصحابها في الحياة السياسية ..
1 ـ والواقع أن تلك المؤسسات استغلها البعض مسرحا للفتن حتى أن بعضها تعرض للنهب حين يهزم من بداخلها كالمدرسة الضرغتمشية حين هزم الأمير في صراعه مع السلطان حسن[70].
وشارك العوام في عمليات النهب بعد التحقق طبعاً من وقوع الهزيمة للمنهوب كما حدث في صراع الأميرين قوصون وأيدغش فنهبوا خانقاه قوصون وجامعه[71] ، ومع شهرة خانقاه سرياقوس وغناها فقد نجت من غارات العربان الذين اكتفوا بقطع الطريق على زائريها وذلك لأن خانقاه سرياقوس كانت محطة حربية حتى لقد لجأ إليها المقر الزيني أبو بكر هربا من عرب بني حرام[72]. واستخدم بعض المماليك الأعراب في الفتن فأسهموا في النهب ( فصاروا ينهبون الترب ومزارات الصالحين) ( ودخل أقبروي الداودار على مشهد السيدة نفيسة ) فلما بلغ ذلك خصمه قانصوه أحضر العربان (فأقاموا بالجامع)[73].
2 ـ واتخذت تلك المؤسسات مكانا للإختفاء، فاقبروي الداودار سالف الذكر حينما اختفى ( كسبوا بسببه عدة أماكن ودور بالخانقاه حتى هجموا هناك على الجوامع والزوايا) وعندما فشل قانصوه اتجه بأصحابه نحو خانقاه سرياقوس[74].
3 ـ وكانت الترب أماكن صالحة للفتن بمسالكها وزواياها ، فعندما قتل المنصور لاجين بيد طغجي وكرجي وفشلت مؤامرتهما في السلطنة هرب كرجي إلى القبور فقتل هناك واختفى بعض أعوانهما في زاوية تقي الدين العجمي [75] ، وبفشل السلطان العادل طومان باي اختفى حتى قبض عليه عند زاوية الشيخ خلف[76]قاا ااااالل.
وفي سنة 767 حاول الأمير يلبغا أن يزيح خصمه الأمير طنبغا الطويل فأقام في تربة منكوتمر المارديني ومنها بعث لمنافسه يوجهه لدمشق نائبا للسلطنة فرفض، فغضب وأكد عليه بأن أرسل اليه عدة من الأمراء على أن يقبضوا عليه إن لم يمض للشامن فأصر على الرفضن واستمال اليه بعض الرسل. وفر آخرون إلى يلبغا في التربة فركب من فوره إلى القلعة واستعد وعمل كميناً هزم به طيبغا الطويل الذي اختفى في خانقاه بيبرس حتى قبض عليه[77].
ولقد لعبت تربة يلبغا نفسه دورا آخر في فتنة الأتابك الجاي اليوسفي مع السلطان سنة 775 ، فقد استمال السلطان اليه الأمير عز الدين أيبك أحد أخصاء الجاي اليوسفي ووعده بإمرة طبلخانة فتوجه إلى تربة أستاذه يلبغا وبات بها وبعث إلى المماليك اليلبغوية، فانسحبوا من عند الجاي اليوسفي ، وأتوه في تربة يلبغا، فصعد بهم للسلطان فتلاشى أمر الجاي اليوسفي، وحاولوا القبض عليه بين الترب، فهرب إلى أن مات غريقاً[78].
وفي الحرب بين بركة برقوق ركزت كل طائفة من أصحاب برقوق على تربة من الترب فيما ببن القلعة وقبة النصر ليرموا من أعلاها أصحاب بركة[79]. وعندما دهم يلبغا الناصري برقوق بعث يلبغا بعض أعوانه إلى تربة شيخ الشيوخ ولكنهم انهزموا فرجعوا إلى قبة النصر[80]،. وفشلت ثورة الأمير يشبك فاختفى في تربة الست سمرا وأخبر بمكانه بعض الصوفية فأحاط به الجند في التربة حتى اعتقلوه[81]. وقد غيب الناصر فرج بتخطيط من وزيره ابن غراب فكثر القيل و القال بسبب ذلك وقيل أنه خرج من باب القرافة[82].
وبتولي خشقدم السلطنة حدثت بعض الإضطرابات واعتقل بعض الأمراء فصار أعوانهم وتوجهوا للأمير الكبير جرباش المحمدي وهو مقيم بتربة الظاهر برقوق حيث كان مأتم ابنه وذلك ليحاربوا به السلطان فاختفى منهم، ولكنهم ظفروا به ولقبوه بالملك الناصر، فأركبوه غصباً من تربة الظاهر برقوق، وانتهت الفتنة بتسلل جرياش واعتذاره للسلطان[83], ويرى أبو المحاسن أن ذلك من عدم تدبيرهم (فإن الصواب كان جلوسه بالتربة المذكورة إلى أن يستفحل أمرهم)[84]مما يدل على أهمية استغلال المؤسسات الصوفية كمسرح هام في الإضطرابات السياسية. وحين واجه قايتباي تهديدات العثمانيين سنة 896 (توجه إلى قبة يشبك الداودار فجلس هناك وأرسل خلف القضاة الأربعة) وشكي لهم متاعبه المالية وتهديد العثمانيين له وجشع المماليك الجلبان( وأقسم بالله أن الخزائن قد نفدت وقصد أن يفرض على الأملاك والأوقاف أجر سنة كاملة يستعين بها على خروج تجريدة لحرب العثمانيين)[85].
لقد استفاد الصوفية بكونهم جزءاً من النظام العسكري الحاكم ودفعوا مقابل ذلك حين انغمسوا في الفتن الخاسرة بأشخاصهم ومؤسساتهم .
فى الشفاعة عند الحكام والنفوذ الشعبي عند المحكوم
1 ـ كان الصوفي إذا اشتهر أمره وعرف بين الأمراء والسلاطين قصده الناس للشفاعة به عند الحكام. و شفاعة الصوفية تكفير بسيط عما اقترفوه من مساعدة الظلمة وتأييد الظلم ، على أن هذه الشفاعة لم يستفد بها السواد الأعظم من الناس إذ اقتصر أثرها على الأتباع والمريدين ولم تؤثر بحال في جبل الظلم الذي ساعد الصوفية في إرساء قواعده، هذا في الوقت الذي استغل فيه الأولياء الشفاعة لصالحهم في زيادة نفوذهم الشعبي وأخذ الأموال عليها وجعلوا منها مجالاً للتزايد الكرامات ..
2- وعنى بعض الصوفية بوضع القواعد للشفاعة لحصرها في أضيق مجال ممكن وتفخيم القيام بها في نفس الوقت عند جموع الناس . فالصوفي يخرج للشفاعة ماشيا على طهارة ظاهرة وباطنة ، وإذا علم بالقرائن عدم قبول شفاعته فلا يتصدر لها[86] ، بل إن المتبولي وضع شرطاً مستحيل التنفيذ للشافع حين قال :" من لم يقدر على قتل الظلمة بالحال أو عزلهم لا يصح له دوام قبول الشفاعة عندهم."[87]، وبرر الدشطوطي والشعراني تعاونهم مع الظلمة ونفاقهم له بأنه بغرض الشفاعة [88] .
3- ومن ناحية أخرى جنى بعضهم الأموال نظير شفاعته واشتهر أبو العباس الشاطر بمساومته مع صاحب الحاجة مقابل أن يشفع له [89]، وكان ابن جامع البحيري(يأخذ على الشفاعات حتى حصل شيئاً كثيراً)[90]
ورأى الشعراني شيخاً يساوم امرأة عجوز على الشفاعة في ابنها[91]، بل إن بعضهم استغل الشفاعة في أكل أموال الناس بالباطل حيث كان يأخذ الأموال ولا يقضى الحاجة [92]" وأكثر من ذلك كانت الشفاعة متنفساً لحقد بعض الأشرار من الصوفية كالسفطى الذي (عظم اختصاصه بالظاهر جقمق فهرع الناس لباب وانثالت عليه الدنيا بسبب ذلك ودخل في قضايا فأنهاها حتى أنه كان ليصمم على منع الشيء ثم يسهله بسفارته ويلزم فعل الشيء فينقضه بشفاعته .. وظهرت سيئاته فتحاشى الناس المجيء إليه )[93].
4- وبينما استفاد الصوفية من الشفاعة في الغير مادياً وشعبياً وتسلطوا بها على الناس حرصوا في نفس الوقت على أن يكون لأتباعهم فيها القسط الأكبر فجعل الخواص من الأدب الذي يلتزم به الأمير مع شيخه: ( أن يوفى جميع ما كان وعد به الشيخ مثل ولايته من الوصية بأصحاب الشيخ لا يطلب منهم أن يزنوا شيئاً من المغارم إكراماً للشيخ ." وحذر الخواص الأمير من عاقبة ذلك.[94] .
5- وبالغت كتب المناقب الصوفية في وصف شفاعات الأولياء وإن كان لذلك أصل تاريخي اعترفت به مصادر التاريخ،فيقول السخاوى عن شمس الدين الحنفي ( انتفع الناس بشفاعاته ورسائله وعظمه الملوك )[95].
وفي مناقب الحنفي تفاصيل أسطورية عن شفاعات الحنفي منها أن السلطان ططر قال له : يا سيدي بالله سألتك بالله لا تقطع عنى رسالتك في شفاعة أبداً فإني والله أفرح بذلك وأنى إذا جاءتنى شفاعة سيدي اطمأن قلبي وخاطري . وفيها أن المؤرخ ابن حجر عزل فأرسل الحنفي خادمته للسلطان فتشفعت فيه حتى أرجعه السلطان إلى مناصبه ، وغير ذلك [96].
وقد جعل الشعراني من المنن كثرة شفاعاته وقبولها على صغر سنه، وأنه شفع عند الغوري وطومان باى .[97] وأسند الشفاعة لكثير من شيوخه الأولياء [98] ، ونقل ذلك عنه المؤرخون بعده[99]، واعترف ببعضها المؤرخون في عصره [100]، على أن كتب التاريخ الصادقة اعترفت بشفاعات بعض الأولياء [101] ، ورددت شفاعة بعضهم في ابن عمير الثائر العربي في الصعيد وقد قبل الأشرف برسباى الشفاعة فيه[102]، وكانت زاوية الشيخ نصر المنبجى ملاذاً للمستجيرين من المماليك والوزراء[103].
6- ومن الطبيعي أن تصول كرامات الصوفية في ميدان الشفاعة اعتماداً على ذلك الأصل التاريخي [104]، ورددت المراجع اقتتال الناس عليهم للتبرك بهم وتقبيل أيديهم والخضوع لهم [105] تجسيداً لنفورهم الشعبي وذلك قصدهم الأصلي في الشفاعة .
ف 2 : استغلال الصوفية نفوذهم السياسي في إضطهاد الفقهاء السنيين
كتاب : أثر التصوف السياسى فى الدولة المملوكية
الفصل الثاني : استفادة الصوفية سياسياً
استغلال الصوفية نفوذهم السياسي في إضطهاد الفقهاء السنيين
1 ـ ألمحنا في التمهيد إلى ما قاساه أوائل الصوفية من اضطهاد في القرن الثالث الهجري وما تلاه إلا أن تقرير التصوف – بجهد الغزالي – قد حول وجهة الإنكار على التصوف إلى مجرد إنكار على المتطرفين من الصوفية. وبانتشار التصوف واحتلال الصوفية لأماكن النفوذ السياسي أتيح لهم الثأر من أعدائهم التقليديين (الفقهاء السنيين) وهو مكسب لا بأس به للحركة الصوفية. ومن قبل أدرك الشافعي وابن حنبل بوادر ظهور التصوف الفردي وإنكراه وإن لم يعطياه أهمية ، إذ كان وقتها لا يستحق الاهتمام يدلنا على ذلك أقوال الشافعي مصوراً نظريته في التصوف ورجاله : ( أُسّس التصوف على الكسل )( لو أن رجلاً تصوف أول النهار لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق) ( ما لزم أحد الصوفية أربعين يوماً فعاد إليه عقله أبداً)[106]
وبتسلط التصوف وتسيده الحياة العملية حولها إلى مجرد حفظ خالٍ من العقل ، فأخذ مستوى الفقهاء في الضعف المتزايد بتزايد التصوف وتأثيره ، حتى إن العصر المملوكي ـ على طوله ـ لم يشهد إلا شخصية فقهية واحدة – هو ابن تيمية- في عصر أنجب كثير من مشاهير الصوفية دونه علماً وفضلاً . وازداد الأمر سوءاً بعده فلم تضم مدرسته بعده شخصية على نفس مستواه ، وقد انصب إنكار الفقهاء المملوكيين على متطرفي الصوفية وأتباع ابن عربي خاصة. ومع كثرة المتطرفين ونفوذهم إلا أن جهد الفقهاء كان أقرب إلى دعوة لإصلاح الطريق الصوفي تأسياً بأبي حامد الغزالي ..
2 ــ والواقع أن شخصية الغزالي قد فرضت نفسها على مجريات الصراع الصوفي/ الفقهي بحكم تقدير الطرفين له ولفكره في العصر المملوكي . ودليلنا أن ( إحياء علوم الدين) قد ضم بين دفتيه أقاويل و شطحات للغزالي لا تختلف من حيث الكفر والخروج عن جادة الإسلام[107]ـ عن أقاويل ابن عربي وعفيف التلمساني والمدرسة الاتحادية التي جهد ابن تيمية في حربهم في العصر المملوكي . . إلا أن الغزالي قد اكتسب قداسة في العصر سرت على آرائه وتصوفه فتوجه جهد الفقهاء في العصر المملوكي إلى العودة بالصوفية إلى طريق الغزالي . ومن أجل ذلك قاسى الفقهاء من نفوذ الصوفية واضطهادهم مما سنعرض له .
3 ــ ولا نجد للصوفية عذراً في اضطهادهم (مصلحيهم) من الفقهاء . وإن كان العذر قائماً بالنسبة للفقهاء الذين أضاعوا جهدهم في عبث الإنكار على أشخاص الصوفية مع الحفاظ على المبدأ نفسه ، وعذر الفقهاء أنهم أبناء العصر المملوكي ، والعصر المملوكي يدين للتصوف عقيدة ومذهباً ويرى في الخروج عليه خروجاً على الدين يعتبر بدعة تستحق العقاب .. إنه العصر الذي أصبح الاعتقاد في الصوفي حياً و ميتاً شهادة لا تجدي بدونها شهادة التوحيد .. إنه العصر الذي أصبح فيه الإيمان بالأولياء ثالث الشهادتين كما جاء في نص شهادة الإسلام التي أرسلها ابن هلاوون إلى قلاوون وفيها أنه يقر بأنه لا إله إلا الله (والشهادة بمحمد عليه أفضل الصلاة والسلام..وحسن الاعتقاد في أوليائه الصالحين )[108] أي صارت شهادة ثلاثية وليست شهادة واحدة بالتوحيد لاإله إلا الله وحده ، ولكن احمد بن هلاوون يعبّر عن عقيدة التصوف فى تثليث الآلهة . وهذا لا يكون إلّا شركاً .
الفقهاء السنيون في العصر المملوكي: ـ
1 ــ يقول ابن تيمية ــ عدو الصوفية ــ عن الصوفية ( إن الصوفية مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم ففيهم السابق بحسب اجتهاده وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين .. وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم كالحلاج مثلاً فإن أكثر مشايخ الطريق أنكروه وأخرجوه عن الطريق مثل الجنيد سيد الطائفة وغيره)[109] ، فابن تيمية ـ لا ينكر التصوف من حيث المبدأ .
2 ـ وقد أنجبت مدرسة ابن تيمية في القرن التاسع علماً مجهولاً هو البقاعي الذي أنكر على الاتحادية وأتباع ابن الفارض ومع ذلك يقول عن المتصوفة السنيين الأوائل (إن المحققين منهم بنوا طريقهم على الإقتداء بالكتاب والسنة )[110] ،واحتج بأقوالهم في صراعه مع الاتحاديين فيقول( وقد قال أهل الله كالجنيد وسرى السقطي وأبو سعيد الحراز وغيرهم ..كذا [111] . وسنعرض لصراع هؤلاء مع صوفية عصرهم وكيف تمكن النفوذ الصوفي من وأد تلك الحركات الإصلاحية .
3 ـ وانتشار التصوف أثر على القضاء ـ وهم رؤوس الفقهاء بل إن بعضهم انحاز للصوفية أو كان منهم أو وصل بالتصوف إلى منصب القضاء وانعكس ذلك كله على مسيرة الصراع بين الفقهاء والصوفية .
4 ــ والأزهر كان في العصر المملوكي مؤسسة صوفية أسوة بسائر المعاهد العلمية والدينية في العصر ..فقد أطلق على طلبة الأزهر لقب الفقراء قياساً على الصوفية، وأقام بالأزهر طائفة من الصوفية المعتقدين مثل الصوفي عفيف الدين الطفاري الذي( سكن بالجامع الأزهر إلى أن مات وقد أقام مع الفقراء )[112]
وأشهر الصوفية المعتقدين الذين أقاموا بالأزهر قنبر العجمي السيرامي[113]، و الجزرى [114] ، وولى الدين الرومي[115]واللحفي [116]، و الغمري [117] وجمال الدين الأصفهاني[118]وابن المجدي [119]، وقد زار برسباي الشيخين المغربيين خليفة وسعيد في الجامع الأزهر وقد كانا معتقدين [120]..
ولإقامة بعضهم في الأزهر لقب بالأزهري مثل سليمان العسقلاني الأزهري[121]وابن جامع البحيري ثم الأزهري[122]وسليم الجناني الأزهري[123] ، وكان ابن يوسف إمام الجامع الأزهر: ( مُعتقداً فيه ويتبرك الناس بدعائه [124].. وعليه اتخذ الصوفية من الأزهر حصناً ضد المنكرين عليهم من الفقهاء . وفي واقعة البقاعي مع الصوفية انضم للصوفية أهل الجامع الأزهر وامتنع أحد أصحاب البقاعي من مصاحبته لأن ( أهل الجامع الأزهر هددونا بأنهم يحرقون بيوتنا )[125]. أى كان من فى الأزهر وقتها من متعصبى الصوفية .
5 ــ ولتأريخ الصراع بين الفقهاء والصوفية ــ سياسيا ــ نتوقف عند ابن تيمية ومدرسته وصراعه مع الصوفية وانعكاس ذلك على الرؤية السياسيةن ثم واقعة البقاعي مع أتباع ابن الفارض ثم نقدم لمحات للنزاعات المتفرقة بين أفراد الصوفية والفقهاء السنيين بترتيب القرون وسيظهر من خلال ذلك كله كيف كانت الغلبة إلى جانب الصوفية وكيف أضر النفوذ السياسي للصوفية بالفقهاءالسنيين ..
صراع ابن تيمية مع الصوفية
بدأ ابن تيمية فقيهاً يحارب البدع فاصطدم بالمتصوفة . وانتصر في الجولة الأولى على الفقراء الأحمدية بالشام وألاعيبهم من أكل الحيّات والدخول في النار . ( وكادت تقوم فتنة، واستقر الأمر على العمل بحكم الشرع ونزعهم هذه الهيئات) [126]..
والطريقة الأحمدية طريقة صوفية مصرية . ولم يكن صوفية مصر ليسمحوا لابن تيمية بانتصار آخر في الجولة التالية ، خاصة وأنه تشجع بجولته الأولى فكتب رسالة في الرد على ابن عربي بعنوان (النصوص على الفصوص) ووجهها إلى زعيمي الاتحادية في عصره الشيخين نصر المنبجى وكريم الدين شيخ الشيوخ بسعيد السعداء، وفيها لعن ابن تيمية الاتحاديين في شخص ابن عربي . وانتهى الأمر بطلب ابن تيمية إلى مصر متهماً بالقول بالتجسيم[127]، دون أن يحاكموه لإنكاره عقيدة الاتحاد الصوفية. وحاكمه أعداؤه القاضي ابن عدلان والقاضي ابن مخلوف، ومنعوه من الدفاع عن نفسهز واعتقل بالقاهرة مع أخيه وأرغم الحنابلة ـ أتباعه ـ على الرجوع عن عقيدته وأهين بعضهم واعتقل آخرون في بلبيس والقاهرة والشام [128].
وتشجع الصوفية بدورهم ـ والدولة في أيديهم وهو معتقل ـ فكشفوا عن بعض أغراضهم في الحصول على موافقته ورجوعه عن آرائه عن طريق الضغط ، وكان ابن تيمية ينهى في مصر عن تعظيم المشاهد .
وأفتى تلميذه ابن الجوزية بأن قبور الأنبياء لا تُشدُّ لها الرحال، أى لا تُزار ولا يُحجٌّ اليها . فعُقد له مجلس للتحقيق معه ،فأصرّ على أنه لا يُزار قبر النبي إلا مسجده، وثارت فتنة بالشام، وأفتى القاضيان الشافعي والمالكي بتكفير ابن القيم الجوزية واعتقلوه [129]. ويبدو أن ابن تيمية كان هدفهم الأول فيما فعلوه مع ابن الجوزية ، لأن الخطوة التالية اتجهت نحوه في حبسه يتزعمهم ابن عطاء وابن يعقوب البكري[130]ويرعاهم نصر المنبجى . وهكذا تغيرت الأدوار فكان خصوم ابن تيمية في المجلس الأول قضاة يعملون لصالح التصوف فأصبحوا في الجولة التالية صوفية لحماً ودماً ، ووزعوا فيما بينهم الأدوار حيث بدأ نصر المنبجى يدعوه للصلح ويحصل على موافقته ثم يرفض الصلح معه إلا بعد أن يتنازل عن آرائه منتهزاً فرصة اعتقاله. وجاءت رُسُل المنبجى لابن تيمية فى السجن . وفي مخطوطة تكسير الأحجار، يقول مؤلفها وهو تلميذ لابن تيمية وكان معه فى السجن : ( قالوا: يا سيدي قد حملونا كلام نقوله لك وحلفوا إلينا أنه ما يطلع عليه غيرنا: أن تتنزل لهم عن مسألة العرش ومسألة القرآن ونأخذ خطك بذلك نوقف عليه السلطان ونقول له هذا الذي يحبس ابن تيمية عليه قد رجع عنه ونقطع نحن الورقة ، فقال لهم : بيدعوني أن أكتب خطى إن ما فوق العرش رب يعبد ولا في المصاحف قرآن ولا لله في الأرض كلام ، ودق بعمامته الأرض وقام واقف ورفع رأسه إلى السماء اللهم إني أشهدك على أنهم بيدعوني أنى أكذبك ...[131]). وتوسط الأمير حسام الدين بن مهنا لدى السلطان في ابن تيمية وتوجه بنفسه فأطلقه[132] ، كنوع من التكريم له ، ولم يسكت الصوفية وتزعمهم ابن عطاء فأثاروا على ابن تيمية الغوغاء وامتدت أيديهم له بالضرب فتجمع أهالي الحسينية ليثأروا للشيخ فألح عليهم ابن تيمية بالرجوع لأنه لا ينتصر لنفسه . وفى نفس هذا الشهر رجب 711 اعتدى آخر عليه بالقول المقذع . وأخيراً لجأوا للسلطان وتجمهروا حول القلعة فاضطرب السلطان وعقد له مجلساً أعاده للحبس باختياره. وفي الحبس كان الشيخ يُزار ويُستفتى فضاق الصوفية به ، فنقلوه للإسكندرية لعل أحد الاتحادية يقتله هناك[133].
لم يكن التصوف في مثل سطوته في نهاية العصر المملوكي ومع ذلك أرهق ابن تيمية الذي دفع كثيراً من سني حياته معتقلاً في سبيل جهاده لبعض انحرافات المتصوفة في عصر دان بالتصوف. ومع أنه ابن لهذا العصر إلا أنه تمرد عليه في نواحي كثيرة، فقد اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها ، كما اعترف بذلك خصمه القاضى كمال الدين الزملكاني، وقال ابن الوردي عنه (أعان أعداءه على نفسه بدخوله في مسائل كبار لا يتحملها عقول أبناء زماننا)[134].
مدرسة ابن تيمية وصراعها مع الصوفية : ـ
أثمرت حركة ابن تيمية مدرسة كان روادها من تلاميذه الأوائل وسارت تلك المدرسة على نهج زعيمها من تحمل المصاعب في سبيل المبدأ والاستمرار في الإنكار على المتصوفة وكونوا مجموعات متفرقة في مصر والشام .
ففي أثناء اعتقال ابن تيمية ضُرب ابن القيم وحُبس لأنه أنكر الشفاعة والتوسل بالأنبياء وزيارة القبر النبوي وزيارة قبر الخليل. وحُبس مع شيخه ابن تيمية في المرة الأخيرة بالقلعة منفرداً عنه . ولم يفرج عنه إلا بعد موت الشيخ[135].
وكان ابن مري البعلبكي منحرفاً عن ابن تيمية ثم اجتمع به فأحبه وتتلمذ له ، ( وكتب مصنفاته وبالغ في التعصب له وقدم القاهرة فتكلم على الناس بجامع الأمير حسين وبجامع عمرو وهاجم الصوفية وأنكر التوسل بالنبي والزيارة على طريقة ابن تيمية فأراد الصوفية قتله فهرب ، فطلبه القاضي المالك الإخنائي ، ومنعه من الوعظ ، وعقد له مجلس، وتعصب عليه الصوفية بالباطل، وكادت تقوم فتنة، وآل الأمر إلى تمكين المالكي منه ، فضربه بحضرته ضرباً مبرحاً حتى أدماه ، وأشهره على حمار مقلوباً، ونودي عليه: " هذا جزاء من يتكلم في حق رسول الله" ، فكادت العامة تقتله ثم أعيد للسجن ثم شفع فيه فسافر من القاهرة للخليل .
وحضر ابن شاس درساً ( فصوّب ما نُقل عن ابن مري في مسألة التوسل فوثب به الصوفية وحملوه إلى المالكي ليفعل معه ما فعل مع ابن مري فلم يفعل، فنسبوه للتعنت) [136] .
وفى سنة 726 أبان حركة ابن تيمية حكم عبد الله بتكفير من قال من مؤذني الجامع :" يا رسول الله أنت وسيلتي" ، فعُقد له مجلس بتكفيره أمام قاض حنبلى ، فتاب ورجع ( فردّ الحنبلي إسلامه وحقن دمه وقبل توبته . ) وهنا نرى قاضيا صوفيا ينتمى للمذهب الحنبلى ـ نفس مذهب ابن تيمية ومدرسته ـ ولكن التصوف هو الذى ساد وسيطر حتى على أغلب الحنابلة ، إذ أصبح التصوف حرفة لا تلتزم بالانتماء المذهبى . وأُدُّعى على الصلاح الكتبي أنه قال : "لا فرق بين حجارة جيرون وبين حجارة صخرة بيت المقدس" ، وأيده آخر ، وعُزّر الاثنان معاً ، وعزر معهم آخر قال : كل من قال عن ابن تيمية شيء فهو كذب[137].
وبعد موت ابن تيمية ازداد أنصاره يواصلون مسيرته خلال القرن الثامن وحدثت بينهم وقائع مع الصوفية ومحن تعرضوا لها من القضاة . وقيل في المؤرخ ابن كثير( كانت له خصوصية بالشيخ ابن تيمية ومناضلة عنه وأتباع له في كثير من آرائه .. وامتحن بسب ذلك وأوذي)[138].
ونظر ابن البرهان المصري في كلام ابن تيمية ( فغلب عليه بحيث صار لا يعتقد أن أحداً أعلم منه)[139]، وتخرج ابن سعد بابن تيمية( ورأى رأيه في المسائل التي تفرد بها فتألم منه قاضى القضاة تقي الدين السبكي ونازعه عدة مرات ولم يرجع )[140].
وكان يوسف بن حسين الكردي ( يميل إلى ابن تيمية ويقول بآرائه في الأصول والفروع و ينكر على الأكراد في عقائدهم وبدعتهم وكان من يحب ابن تيمية يجتمع إليه)[141]
وكان يوسف بن ماجد شديد التعصب لابن تيمية ، وسجن بسبب ذلك ولا يرجع . وبلغه أن ابن المصري يحط على ابن تيمية في درسه فجاء إليه وضربه وأهانه [142].
وكان أبو بكر الهاشمي نزيل القاهرة يميل إلى مذهب ابن تيمية وامتحن بسبب ذلك مرة وكان يحفظ كثيراً من كلام ابن تيمية [143].
وقيل شبه هذا الكلام على إبراهيم الأمدي [144] وابن المنصفي [145] وابن عبد الله الناسخ [146]وابن المحب الحافظ [147] وابن الأعمى المصري[148] والصدر اليوسفي [149] وكان الغزل( يحب أهل الحديث وأصحاب ابن تيمية )[150].
وأنكر ابن العز الحنفي على قصيدة لابن أيبك الصفدي يعارض فيها (بانت سعاد) وشاع الأمر بفعل بعض المتعصبين إلى أن انتهت القضية إلى السلطان فكتب مرسوماً طويلاً منه : بلغنا أن على بن أيبك مدح النبي صلى الله عليه وسلم بقصيدة وإن على بن العز اعترض عليه وأنكر أموراً منها التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم والقدح في عصمته وغير ذلك ) وطالب المرسوم بتعزيره وقال المرسوم ( وبلغنا أن جماعة من الشافعية والحنابلة والمالكية يظهرون البدع ومذهب ابن تيمية )[151] .أى صار مذهب ابن تيمية من ( البدع ) تبعا لثقافة العصر المملوكى وتدينه بالتصوف . وترتب على هذا أن ( صارت فتنة عظيمة بين الحنابلة والأشاعرة ، وبالغ الصوفي علاء الدين البخاري في الحط على ابن تيمية ، وصرّح بتكفيره ، فتعصب جماعة لابن تيمية. وصنف الحافظ شمس الدين جزءاً في فضل ابن تيميةن وسرد أسماء من أثنى عليه ، وأرسله للقاهرة ، فكتب عليه بالتصويب غالب المصريين. وخرج مرسوم السلطان بأن ( أحداً لا يعترض على مذهب بلده ومن اظهر شيئاً مجمعاً عليه سمع منه )[152].
وفي سنة 863 أُستفتى القاضي سراج الدين الحمصى في حكم من كفر ابن تيمية وقد اتفق على تخطئته، فأعلن الحمصي أن من كفر ابن تيمية هو الذي يكفر ، فقام عليه ابن زهرة ، وقال:" كفر القاضي" ، وتعصب لابن زهرة أهل طرابلس ، ففر الحمصي إلى بعلبك، وكاتب المصريين، فجاء المرسوم بالكف عنه واستمراره على قضائه [153].
وكان ابن السكري من المغالين في محبة ابن تيمية ( متعصباً على من يخالفه ، وقد جدد المدرسة السكرية وهى في يد ابن رجب) ( لكون تلك المدرسة كانت لابن تيمية محبة له. وقد فهم ابن السكري من ابن رجب بعض المخالفة لابن تيمية ، فأخذ في معاداته وأراد إخراجه من المدرسة لكونه عمرها من ماله )[154]..
واجتذبت مدرسة ابن تيمية لصفها بعض أمراء المماليك، كالأمير بران أمير أخور، الذي كان كثير الحب في ابن تيمية وأصحابه ، ووصفوا الأمير جنكلى ابن البابا بعدم ( الميل إلى المُرد ، والمحافظة على العبادات ، والميل لابن تيمية ، والتعصب له، والرد على من يهاجمه )[155] . وقبل ذلك ( لازم الأمير سيف الدين قديدار ابن تيمية في مقامه بمصر ، فتأثر به ، وظهر ذلك في ولايته على مصر، فكان شهماً فأراق الخمور وأحرق الحشيشة واستقامت به أحوال مصر والقاهرة )[156]
وضمت مدرسة ابن تيمية بعض المثقفات المتدينات مثل الناسكة فاطمة بنت عباس التي كانت تحضر مجلس ابن تيمية، وكانت تنكر على الفقراء الأحمدية ( مؤاخاتهم النساء والمردان ، وتنكر أحوالهم ، وتفعل من ذلك ما لا يقدر عليه الرجال )[157]، أي أن أتباعه وقفوا ضد انحرافات الصوفية الخلقية مع تمسكهم بالشرع .
وقد كان ابن تيمية حنبلياً وكان الحنابلة أهم أنصاره فأصبحت ( الحنبلية) علماً على الاعتقاد المضاد للتصوف بالنسبة للعقيدة أو المتشدد في السلوك، ولا تزال تعيش بيننا بالمعنى الأخير. ويقول ابن حجر في ترجمة ابن أبى حجلة ( كان حنفي المذهب حنبلي المعتقد ، وكان كثير الحط على الاتحادية ، وصنف كتاباً عارض فيه قصائد ابن الفارض ، حتى بأنه أمر عند موته بأن يوضع الكتاب الذي عارض به ابن الفارض ـ وحط عليه فيه ـ في نعشه ويدفن معه في قبره ففعل به ذلك)[158]. وسُمّي الأمير الكبير سيف الدين أقتمر الصاحبي بالحنبلي ( لكثرة مبالغته في الطهارة والوضوء)[159] ، وهذا التشدد رد فعل لانحلال المتصوفة الخلقي والديني .
ولكن مع ذلك عوملت مدرسة ابن تيمية فى إطار دين التصوف السائد في العصر المملوكي، فقيل عن أربابها مثلما يُقال عن المتصوفة المقدسين المعتقدين، فكان على الغزي منتسباً لابن تيمية ومع ذلك ( كان مباركاً ، فيه ذوق وتأمل في كلام أرباب الطريق) على حد قول ابن حجر الذي يصف الزرعي أحد أصحاب ابن تيمية بأنه (طار صيته وقصد للتبرك)[160]، مع أن أستاذهم ابن تيمية نهى عن ذلك ...
السياسة المملوكية بين ابن تيمية والصوفية.
وسنعرض لحركة ابن تيمية من واقع الرؤيا السياسية مع احتسابها ـ جملة ـ لصالح الموقف الصوفي وجهد الصوفية الذي أحسن استغلال عناصر اللعبة لصالحه .وحتى تتضح الصورة كاملة نقول أن حركة ابن تيمية يمكن تقسيمها إلى مرحلتين سياسيتين، الأولى: في سلطنة المظفر بيبرس الجاشنكير الذي اغتصب الحكم من صاحبه الشرعي الناصر محمد بن قلاوون .الثانية : حين عاد الناصر محمد وهزم خصمه بيبرس الجاشنكير.
على أن جهد الصوفية في مقاومة ابن تيمية قد سبق هذين المرحلتين وقد تحرك في اتجاهين: الأول : في إثارة الأمراء المماليك على ابن تيمية في الشام وقد كانوا يميلون إليه ـ في وقت قد كانت لهم في الشام السلطة بسبب ضعف السلطان الناصر محمد في القاهرة ـ وقد حيكت مؤامرة صوفية اتهم فيها ابن تيمية بمعاونته لأحد الأمراء ليكون نائب السلطنة وحقق في الأمر وظهر التزوير وعوقب الصوفية أصحاب المؤامرة[161].
والاتجاه الثاني: هو محاولة التأثير على العامة ـ وهم أميل للصوفية وعُدتهم في الشدائد ـ وقد اعترف كمال الدين الزملكاني أحد أعداء ابن تيمية بأنه (حُبّب للناس القيام عليه)[162] يعنى على ابن تيمية .
ثم نعود إلى المرحلتين السابقتين : ـ
المرحلة الأولى : في سلطنة المظفر بيبرس الجاشنكير .
وعلى عادتهم وقف الصوفية مع الجاشنكير المغتصب للحكم، وكان رأسهم نصر المنبجى، وهو من أتباع ابن عربيز نصر المنبجى هذا كان شيخاً للجاشنكير . والجاشنكير كان العدو الأكبر لابن تيمية في نفس الوقت. لذا فإن السلطان لم يكن بحاجة إلى جهد صوفي لإثارته على ابن تيمية ، لأن ابن تيمية وقف يناوئ الجاشنكير ــ الحاكم المغتصب ــ رغم أن ابن تيمية كان فى الاعتقال وقتها ، فقد استحضره من الحبس ليوافق علماء مصر على مبايعته بالسلطنة فأبى ، ولم يعترف بتنازل الناصر محمد عن السلطنة، وكذّب الشهود الذين جاء بهم الجاشنكير، وأعلن أن البيعة ـللجاشنكير باطلة ( فاغتاظ الملك المظفرن وقال : " ردُّوه إلى الموضع الذي كان فيه". فردُّوه إلى حبس الإسكندرية. ولم ينقطع ابن تيمية عن مهاجمة الجاشنكير في سلطنته فكان يهاجمه :( ويقول: زالت أيامه وانتهت رياسته وقرب انقضاء أجله، ويتكلم فيه) [163] ) .
وانتهز الصوفية الفرصة فعقدوا له مجلساً بمحاكمته بإشارة نصر المنبجى ، وادعى عليه فيه ابن عطاء السكندري بأشياء لم يثبت عليه منها شيء . وانتهى الاجتماع بأن خيرته الدولة بين السير إلى دمشق أو الإسكندرية بشروط أو الحبس، فاختار الحبس. ومع أن السلطة كانت للصوفية إلا أنهم لم يستطيعوا النيل من ابن تيمية أكثر من ذلك. وقد اشتوروا في أمره ، واتفقوا على إرساله للإسكندرية، وهى معقل الصوفية وحيث لا نصير له هناك، فيقتله أحد أتباع ابن عربي ـ ( فيتخلصون منه دون مشاكل فانقلبت عليهم مقاصدهم الخبيثة وصار له أتباع فيها )[164].
وانتهت هذه المرحلة بسقوط السلطان بيبرس الجاشنكير وعودة الناصر محمد إلى السلطنة . وكان ابن تيمية في المعتقل. وكان الصوفية ــ وهم أعوان السلطان الغالب ـ أي سلطان غالب ــــ يعدون العدة لاستقبال السلطان الناصر الذى تخلوا عنه من قبل ، كما تخلوا عن الجاشنكير فى محنته .
المرحلة الثانية: فى السلطنة الثالثة للناصر محمد بن قلاوون
1 ــ وكسب الصوفية هذه الجولة أيضاً على حساب ابن تيمية الذي نال من الإيذاء في عصر صديقه الناصر أضعاف ما قاساه في عهد عدوه بيبرس الجاشنكير. وإذا كان الجاشنكير قد بنى للصوفية خانقاه لهم فإن خانقاه سرياقوس التي بناها لهم الناصر محمد أكثر شهرة ومكانة إذا قيس نفوذ الصوفية في العهدين بالمقياس المعماري. وهذا الوضع المقلوب يستدعى وقفة للتأمل..
حقيقة لقد بدأ الناصر محمد عهده بالنيل ممن تألب عليه من القضاة الصوفية ـ إلا أنه ما لبس أن عفي عنهم بتأثير صديقه ابن تيمية [165] الذي خرج من الحبس معززاً مكرماً إلى فترة من الزمان . ثم ما لبث أن خسر ابن تيمية لأنه كفقيه حنبلى يؤمن بتغيير المنكر باليد والتدخل فى السّلطة لا بد أن يصطدم بالسلطان . ثم ، لقد حملت شخصية ابن تيمية في داخلها عوامل إخفاقها السياسي بما تمتع به من قوة التأثير في الأتباع وإفراطه فى التكفير لمن يخالفه حتى فى التفصيلات الفقهية الفرعية ، ومواجهة المخالفين له حتى بالسيف، أى يُنازع العقيدة المملوكية فى إحتكارها السلاح واستعماله . لذا كان من المتوقع أن يخشى السلطان منه على نفوذه ، وكان الناصر محمد عائداً إلى سلطنته الثالثة وقد ذاق الأمرّين من تجارب الحكم ، وهو حريص أشد الحرص ألا يعلو رأس في مملكته وأن يقضى في حكمه مستبداً بالأمر، والصوفية من ناحيتهم خير مطية للحاكم المستبد ولا يخشى منهم مناوئاً، فتهيأ الجو لإنجاح مساعيهم ضد خصمهم ابن تيمية.
ونعود إلى التاريخ لترتيب الحوادث.
2- عندما وصل الناصر إلى الحكم لم يكن له دأب إلا طلب الشيخ ابن تيمية من المعتقل فأحضره وأحسن استقباله وأراد قتل من آذاه ولكن الشيخ مازال بالسلطان حتى صفح عنهم .. وزاد نفوذ الشيخ في الدولة حتى عين الأفرم في نيابة طرابلس بإشارته ، وعزل نائب دمشق لأنه شتم بعض فقهاء المدينة [166]، واستفحل خطر الشيعة بالشام فقاتلهم ابن تيمية ، وكتب إلى أطراف الشام يحث على قتالهم، واستمر في حصارهم حتى أجلاهم . وكتب بذلك للسلطان فخشي نفوذه ( لأن الناس اجتمعوا عليه ولو طلب الملك ما بَعُد عنه) وأشاع أعدائه أنه يسعى في الإمامة الكبرى وأنه كان يلهج بذكر ابن تومرت ويطريه)[167].
وكان من الطبيعي أن يستجيب السلطان لدسائس الصوفية ويميل إليهم، فبنى لهم الخانقاه الشهيرة بسرياقوس وأقيم لافتتاحها حفل عظيم حضره السلطان والقضاة والصوفية وذلك في سنة 725 )[168] ، وفي سنة 726 أمر السلطان باعتقال صديقه السابق بقلعة دمشق بسبب فتوى سابقة عن زيارة القبور[169]، وتلك أمور يُعنى بها الصوفية ، وذُكرت صريحة في دعوى الاتهام ، مما ينهض دليلاً على ازدياد النفوذ الصوفي.وقد حمل ذلك الاعتقال الأخير كل حقد الصوفية على ابن تيمية ، حيث منعوه من الكتابة ونشر آرائه مما أثر في نفسيته وقد كان يفرح بالحبس حيث يتوفر على العبادة والتأليف) [170] . وجاء ذلك الاعتقال في أخريات حياة ابن تيمية الذي أمضى عمره مكافحاً ضد التتار والصوفية والشيعة ، ولم ترحمه أحقاد "> قيل في ترجمته أنه ( نظر في كلام ابن تيمية فغلب عليه حتى صار لا يعتقد أحداً أعلم منه، وكانت له نفس أبية ومروءة وعصبية ، وطمحت نفسه إلى المشاركة في الملكن وليس له قدم فيه لا من عشيرة ولا من وظيفة ولا من مال .. فلما غلب الظاهر برقوق على المملكة وحبس الخليفة غضب ابن البرهان وخرج في سنة 785 إلى الشام وإلى العراق يدعو إلى طاعة رجل من قريش ، فاستنفر جميع الممالك ، فلم يبلغ قصداً ، ثم رجع إلى الشام فاتبعه كثير من أهلها، وكان أكثر من يوافقه ممن يتدين، لما يرى من فساد الأحوال والمعاصي والرشوة، وأبرز القائمين معه ابن الجبال الطرابلسي وابن قاسم العاجلي ، وبلغ أمرهم إلى بيدمر نائب الشام ، فسمع كلامه إلا أنه لم يشوش عليه ، وقد وجد نائب القلعة ابن الحمصي منافس بيدمر وعدوه الفرصة في الكيد فاستحضر ابن البرهان وأظهر أتباعه وفهم مقالته، وكاتب السلطان بأمره، فبعث برقوق يأمر بيدمر بتسمير ابن البرهان وأتباعه، فتورع بيدمر، وأجاب بالشفاعة فيهم والعفو عنهم وأن أمرهم تلاشى ولا عصبية لهم . فكان أن بعث ابن الحمصي للسلطان أن بيدمر موافق لهم على العصيان ، فأرسل برقوق إليه باعتقال ابن البرهان وصحبه وأن آل الأمر في ذلك إلى قتل بيدمر . ولما حضر ابن البرهان وصحبه موثقين بالحديد متهمين بالسعي في المملكة ، سأله برقوق عن سبب قيامه، فأعلمه أن غرضه أن يقوم رجل من قريش يحكم بالعدل وأن هذا هو الدين ولا يجوز غيره ، وسأله برقوق عمن معه على مثل رأيه من الأمراء فبرأهم وأردف بالمواعظ ، وعدد للسلطان مظالمه ، فأمر السلطان بمعاقبته هو وأصحابه حتى يعترفوا عمن وافقهم من الأمراء ، وسجنوا مع أهل الجرائم ز ثم أفرج عنهم سنة 791 . واستمر ابن البرهان مقيماً بالقاهرة إلى أن مات سنة 808 وحيداً) [174]، .
وقد قام أبو يزيد الرمادي بجهد منفرد فدخل العراق ومصر ثم تحول إلى البادية فأقام بها يدعو إلى الكتاب والسنة فاستجاب له حيار بن مهنا فلم يزل عنده حتى مات واستمر ولده نعير على إكرامه ، ولما حدثت حركة ابن البرهان خشي على نفسه فاختفى بالصعيد، ثم قدم القاهرة وبها مات. وقد كان شهماً قوى النفس ، ومن شعره الذى يهاجم فيه الصوفية :
ما العلم إلا كتاب الله والأثر وما سوى ذلك لعين ولا أثر
فعد عن هذيان القوم مكتفياً بما تضمنت الأخبار والسور[175]
حركة البقاعي ت 885
و البقاعي تلميذ متأخر لابن تيمية حيث قام ينازع صوفية عصره في الربع الأخير من القرن التاسع ، وجهد البقاعي في محاربة الصوفية ينحصر في مبدأين : الكتابة والدعوة الإيجابية بنفسه. ووصلنا من تصنيفات البقاعي في ذلك ( تنبيه الغبي في تكفير ابن عربي )( وتحذير العباد من أهل العناد) وفي المصنفين حمل البقاعي على الاتحاديين وزعيمهم ابن عربي وابن الفارض وقام بالرد على أقوالهم معتمداً على فطنة القارئ، ذلك أنه قليلاً ما يعلق على أقوال الاتحاد الصوفية ، بل يكتفي بالإشارة ، ويورد أقوال من كفّرهم دون أن يكثر من الاستشهاد بأقوال أعداء الصوفية كابن تيمية ، بل اعتمد على آراء المحايدين وبعض الصوفية الذين أعلنوا براءتهم من الاتحادية [176]، وبهذه الطريقة استطاع أن يصل إلى غرضه في الصوفية ، لأن القارئ يدرك فظاعة أقوال ابن عربي في الفصوص ويقتنع بتكفير المحايدين له ولفرقته .ودعوة البقاعي الإيجابية في مقاومة المتصوفة أهمها في تكفيره ابن الفارض شيخ الاتحاديين المصريين وهى ما تعرف فى المصادر التاريخية المعاصرة للبقاعى بكائنة البقاعيوابن الفارض.
ويظهر تحامل المؤرخين [177] على البقاعي ــ الذي جرؤ على تكفير ولى مقدس في القرن التاسع كابن الفارض ـــ تحاملاً وصل إلى حد التجريح والسَّباب ، إلا أن البقاعي في تاريخه عرض لتلك الحادثة ( الكائنة ) بصورة يظهر فيها الصدق والترتيب المنطقي للحوادث، واتفق في بعضها مع ما أورده المؤرخين الآخرون الذين تجاهلوا سياق تلك الحوادث وذكروا نهايتها مبتورة ومشفوعة بالتشنيع على البقاعي ..
ونتابع البقاعي صاحب الواقعة في سرده لواقعته[178].
أ – بعث البقاعي بخطاب مطول يثبت فيه كفر ابن الفارض بالأدلة والحجج وأرسله لابن الديري يطلب رأيه حتى يلزمه بالوقوف معه إلى جانب الحق .
ب- لجأ الصوفية إلى المكر ، وحاولوا الحصول على كتاب البقاعي لابن الديري ـ بحجة أن أبن مزهر الأنصارى ــ كاتب السر ــ يطلبه ـ وفشلوا . ولكن البقاعي من ناحيته طلب منهم ـ وقد اطلعوا على ما في كتابه ـ أن يردوا عليه.
جـ - عجزوا عن الرد بالحجة فلجأوا إلى أساليبهم التي تفوقوا فيها ـ والتي يتحرج منها البقاعي وأصحابه من الفقهاء ـ فنشروا الإشاعات وأثاروا الجماهير وأصحاب الجاه حتى صاروا يؤذون البقاعى واصحابه في الطرقات .
د- اقترح زعيم الصوفية الفارضية عبد الرحيم أن عقد مجلس ذكر تسبقه مظاهرة صوفية لإثارة الجماهير ويمرون على بيت البقاعي لتنهبه الغوغاء ، وسقط الاقتراح خشية أن تتطور الأمور لغير صالحهم. ولجأوا إلى طريقة أخرى؛ استكتبوا أعوانهم ، وأذاعوا أن البقاعي قد كفّر المساعد لهم والساكت عنهم ، ليثيروا المحايدين عليه ، ونجحوا في إثارة زين الدين الأقصرائي على البقاعي، الذى فهم أن البقاعى أفتى بتكفيره ، وحدثت بينهما مشادة كلامية.
هـ - ضاقت الحال بالبقاعي فحاول الاتصال بالدودار الكبير ليشرح له حقيقة الحال،وبعض (أهل الخير ) بتعبير البقاعى ــ اجتمع بالدودار وأفهمه حقيقة الاتحادية، فخفّف ذلك عن البقاعي بعض الشيء ، إلا أن نفوذ الصوفية مع ذلك كان غالباً . وتزايد الموقف لصالحهم ، وكاتب السر يخيفه ويرهبه ، إلا أنه ظل على سكينة . فقد أرسل ابن مزهر الأنصارى ـ كاتب السّر ــ للبقاعي بعض أصدقائه يشير عليه بالرجوع عن رأيه لأن السلطان ومن دونه كلهم ضده ، ورفض البقاعي التراجع وعرض من جانبه أن يقبلوا منه أحد حلول ثلاثة : المجادلة أو المباهلة أو المقاتلة بالسيف في حضرة السلطان والعلماء ، وقرأ على الرسولين بعض كتابات ابن عربي فاستمالهما إلى جانبه .
و- بدأ موقف كاتب السر يتغير، إذ سأله الصوفية أن يكتب لهم ضد البقاعي فرفض إلا بعد أن يسمع أدلة البقاعي، وارسل للبقاعى فاشترط البقاعي أن يكون ذلك بخلوة، فسعوا في عدم اجتماعهما خوفاً من أن يستميله البقاعي للحق .
ز- عمل البقاعي ميعاده في الجامع الظاهري ،واستمال الحاضرين فضجوا بالدعاء على أعدائه ، وابتدأ الميزان يتحول لصالحه ، فقد حاول الصوفية استكتاب قاضى الحنابلة معهم ولكنه أفتى بتكفير ابن الفارض وتابعه في ذلك آخرون . ولما رأت العوام أن أمر الصوفية ابتدأ في التراجع وأن البقاعي لا يزال يقرر رأيه وأنهم عجزوا عن مقابلة حجته خف الهرج . وقد اعترف ابن الصيرفي أن جماعة من الفارضيين حضروا ميعاد البقاعي وأساءوا إليه فشكاهم للحاجب فطلبهم ، وجنّد البقاعي من أتباعه فرقة للدفاع.[179]
ح- واستهلت سنة 875 وحاول السلطان عقد مجلس بسبب ابن الفارض وسأله كاتب السر في ترك ذلك وبذل همته لدى العلماء وسعى لتأخير عقد المجلس، مع أن السلطان صمم على عقده، وانتهى المجلس على لا شيء. واقتنع البعض بأن البقاعي على حق.
1- ويقول ابن الصيرفي عن ذلك المجلس أن الخصوم منعوا البقاعي من حضور المجلس وأنه ادعى على بعضهم أنه حاول قتله (.. وحصل له بهدلة ما توصف وانفصلوا على غير طائل ولم يحصل للبقاعي مقصوده فإنه مخذول سيما أنه يتعرض لجناب سيدي العارف بالله عمر..[180]). ويقول ابن إياس ( كثر القيل و القال بين العلماء بالقاهرة في أمر عمر بن الفارض وقد تعصب عليه جماعة من العلماء بسبب أبيات قالها في قصيدته التائية .. وصرحوا بفسقه بل وتكفيره ونسبوه إلى من يقول بالحلول والاتحاد، وكان رأس المتعصبين عليه برهان الدين البقاعي وقاضى القضاة ابن الشحنة وولده عبد البر ونور الدين المحلى وقاضى القضاة عز الدين المحلى وتبعهم جماعة كثيرة من العلماء يقولون بفسقه ) . أي أن البقاعي استطاع أن يضم له هذا الرعيل من الفقهاء ..
2- إلا أنه أخفق في أن يضم له شيخ الإسلام ـ في عهده - زكريا الأنصاري الذي مثل ذروة النفوذ الصوفي على عقلية الفقهاء في أواخر القرن التاسع الهجري. وقد قام زكريا الأنصاري بدور هام في وأد حركة البقاعي وتفريق من اتبعه ،يقول ابن إياس ( ثم أن بعض الأمراء تعصب لابن الفارض.. فكتب سؤالاً وجهه للشيخ زكريا الأنصاري فيمن زعم فساد عقيدة ابن الفارض فامتنع الشيخ عن الكتابة غاية الامتناع فألح عليه أياماً حتى كتب بأنه يحمل كلام هذا العارف على اصطلاح أهل طريقته وأن ما قاله صدر عنه حين استغراقه وغيبته ) فسكن الاضطراب الذي كان بين الناس بسبب ابن الفارض ، وعزل ابن الشحنة عن قضاء الحنفية وتعرض البقاعي لمحاولة قتل أخرى[181] .
ثم لجأ زكريا للمنامات الصوفية ليحسّن صورة ابن الفارض بعد الذي أثاره البقاعي عنه . يقول ابن الصيرفي المؤرخ المعبر عن خصوم البقاعي ( وقع لي من وجه صحيح أخبرني به الشيخ العلامة الرباني شيخ الإسلام زكريا الشافعي أبقاه الله تعالى إلى الجناب العلائي على بن خاص بك، أنه ركب إلى جهة القرافة ،ورأى أمامه شخصاً عليه سمت وهيئة جميلة ، فصار يحبس لجام الفرس .. إذ وافى الرجل رجل عظيم الهيئة جداً، فتحادثا ،وانصرف الرجل المذكور .. فسأله سيدي على : " من هو هذا الرجل؟ " فقال له: " أنت ما تعرفه؟" ثلاث مرات، وهو يقول : لا . فقال : هذا عمر بن الفارض في كل يوم يصعد من هذا المكان وهو يسعى في أن الله يكفيه في من تكلم فيه)[182] ..
ولم يكن ( شيخ الاسلام ) زكريا الأنصارى رأساً للصوفيةً في تك الكائنة ، وإنما كان لهم تابعاً وقد سبق رفضه في الكتابة في القضية رغم إلحاح الأمير. يقول الشعراني في ذلك ( وامتنع الشيخ زكريا ، ثم اجتمع بالشيخ محمد الاصطمبولى فقال: اكتب وانصر القوم ( أى الصوفية ) وبيّن في الجواب أنه لا يجوز لمن لا يعرف مصطلح القوم أن يتكلم في حقهم بشرِّ ، لأن دائرة الولاية تبتدئ من وراء طور العقل لبنائها على الكشف) يعنى علم الغيب ـ وعموماً فهذا الموقف من زكريا الأنصاري ينسجم مع تصوفه وموقفه من الفقه والفقهاء رغم كونه شيخاً لهم فهو القائل ( إن الفقيه إذ لم يكن له معرفة بمصطلح القوم فهو كالخبز الجاف من غير أدام ) ومنذ كان شاباً استهوته مجالس الصوفية (حتى كان أقرانه يقولون زكريا لا يجئ منه شئ في طريق الفقهاء)[183].
3- وقد أحدثت حركة البقاعي في هذه الحقبة الراكدة هزة ظهر أثرها بين القضاة فرجع بعضهم إلى الحق وأيد البقاعي فكوّن منهم (جماعة من أهل السنة ) على حد تعبيره يقول في تاريخه( تخاصم شخص من جماعة أهل السنة يقال له محمد الشغري مع جماعة من الفارضيين من سويقة صفية ، فرفعوه إلى قاضى المالكية البرهان اللقان، وادعوا عليه أنه كفر ابن الفارض، فأجاب بأنه قال بأن العلماء قالوا بكفره . فضربه القاضي بالسياط، وأمر يتجريسه بالمناداة عليه في البلد: هذا جزاء من يقع في الأولياء . ثم توسط القاضي الشافعي لدى المالكي حتى أطلقه من الحبس. وقال ( القاضى ) الشافعي : " أيفعل مع هذا هكذا ولم يقل إلا ما قال العلماء ويرفع إليهم حربي استهزأ بدين الإسلام في جامع من جوامع المسلمين ولا يفعلون به مثل ما فعلوا بهذا مع أنه حصل اللوم في أمره من السلطان ومن دونه ولم يؤثر شئ من ذلك".. هذا كله والحال أن البرهان المذكور قال لغير واحد أن له أكثر من ثلاثين سنة يعتقد كفر ابن الفارض) [184] .
4- وعدا موقفه من ابن الفارضن كانت للبقاعي وقائع أخرى مع الصوفية ، فكان له دور في إبطال المولد الأحمدي بطنطا اعترف به السخاوي وعبد الصمد الأحمدي[185]، وألمح البقاعي بالحطّ على الغزالي في أن قوله : "ليس في الإمكان أبدع مما كان" كلام أهل الوحدة من الفلاسفة والصوفية ، وكذلك حط على ابن عطاء السكندري[186] ـــ وأنكر على زيادة الصوفية في الآذان وأبطله في كل مئذنة له سيطرة علي مؤذنها . وحاربه الصوفية ونازعوه في حوادث كثيرة ذكرها في تاريخه[187]
وبعد .. فلقد وضح من النصوص مدى ما عاناه رءوس الفقهاء ( ابن تيمية والبقاعى و أتباعهما) من تسلط الصوفية ونفوذهم ذلك التسلط الذي يعبر عن روح العصر ورأيه العام ـ. وإن لم يمنع ذلك من ثباتهم على المبدأ.
وفى الوقت الذي تمتع فيه الاتحاديون بحرية الاعتقاد واضطهاد المعترضين من الفقهاء فإن القضاة ــ وهم رءوس الفقهاء ــــ خدموا المتصوفة في ذلك الصراع ، بل وكان بعضهم صوفية اتحاديين ، مثل السراج الغزنوي القاضي الحنفي الذي ( كان متعصباً للصوفية الاتحادية وله في ذلك تصانيف وعزر ابن أبى حجلة بسبب كلامه في ابن الفارض 9[188]) وكان قاضى القضاة ابن ميلق الصوفي الشاذلي يؤذى الفقهاء [189] ..
كان ذلك في القرن الثامن الذي شهد صراع ابن تيمية مع الصوفية وانتهى بانتصارهم فجاء القرن التاسع ليشهد تحول كثير من الفقهاء عن مواقعهم ودخولهم في دائرة التصوف كما يقول السخاوي عن الفقيه ابن صديق ( وقد كان من المشتغلين بالفقه .. وبلغني أنه في هذه السنين تحول عن طريقته فسلك التسليك والشياخة الصوفية وكأنه لمناسبة الوقت )[190]..وعبارة السخاوى ( وكأنه لمناسبة الوقت ) تعبير ظريف عن تسيّد التوصف فى القرن التاسع . وزكريا الانصارى شيخ الفقهاء السنيين الرسمي كان مريداً صوفياً يقول عن نفسه ( فأشار على بعض الأولياء بالتستر بالفقه .. فلم أكد أتظاهر بشيء من أحوال القوم إلى وقتي هذا)[191] . أي أنه كان محسوباً على الفقهاء ليعمل ضدهم وذلك ما حدث فعلاً في واقعة البقاعي ..
ومع الضجة التي أثارتها واقعة البقاعي فإن الأمور عادت إلى ركودها وأشد فاضطُّهد من يقول مقالته كما حدث لفقيه أعلن ـ بعد موت البقاعي ـ أنه يجب إحراق كتاب الفصوص لابن عربي فامسكوه وأرادوا تكفيره .. وآل أمره إلى أن عزروه )[192]..
أمراء المماليك بين الصوفية والفقهاء :ـ
1- وأخذ بعض أمراء المماليك بنصيب فردى في ذلك الصراع، وانضم بعضهم إلى جانب الصوفية وأيد آخرون الفقهاء ، إلا أنهم جميعاً تمتعوا بالجهل المفرط . ولعل انضمامهم إلى هذا الفريق أو ذاك جاء بجهد الصوفية والفقهاء ،بالإضافة إلى الاستعداد الشخصي لكل منهم .
2- وقيل في ترجمة أزدمر الطويل أنه (كان يقرأ قراء الجوقة وكان يخوض فيما لا يعنيه مع عقيدة واستخفاف بأمور الدين وتنكيل بكثير من الفقهاء وازدرائهم )[193] ، وانضم قاسم ابن قطلبغا للاتحادية في فتنة ابن الفارض [194]، وقبله كان لاجين الجركسى يناضل عن أتباع ابن عربي وله أتباع في ذلك، وكان يطمح للسلطة ووعد بأنه إذا تولى يحرق كتب الفقهاء ،وأول من يعاقب شيخ الإسلام البلقيني [195]، وقال فيه أبو المحاسن ( كان يعد الناس أنه إذا ملك مصر يبطل الأوقاف التي على المساجد والجوامع ويحرق كتب الفقه ويعاقب الفقهاء ويولى مصر قاضياً واحداً من الحنفية .. وكان يتمعقل ويدعى العرفان مع جهل مفرط وخفة عقل) [196] ..
3- وفي الناحية المقابلة يطالعنا تغرى برمش الذي كان يتعصب للحنفية مع محبته لأهل الحديث وإكثاره الحط على ابن عربي بحيث صار يحرق ما يقدر عليه من كتب الاتحادية ، مع أنه لم يكن بالماهر في العلم ، وقام في هدم البدع الاعتقادية، وكان أعداؤه يقعون فيه كثيراً ، ونالته الألسن كثيراً بسبب ذلك. وكان السلطان المؤيد شيخ يعظمه ورتبه مدرساً فتخرج به جماعة من الجراكسة [197] ، ونفوذ التصوف واضح هنا أيضاً فمع أن تغرى برمش كان أميراً مملوكياً يتمتع بتعظيم السلطان فإن أعداؤه من الصوفية كانوا (يقعون فيه كثيراً ) وينالونه بألسنتهم لذمّه في ابن عربي ، ولم نلحظ في سيرة لاجين الجركسى الصوفي عدو الفقهاء ـ صوتاً يعاديه .. مع ما كان للأمراء الصوفية من استخفاف بالدين وتنكيل بالفقهاء .
ف 2 : استغلال الصوفية نفوذهم السياسي ضد النصارى
كتاب : أثر التصوف السياسى فى الدولة المملوكية
الفصل الثاني : استفادة الصوفية سياسياً
استغلال الصوفية نفوذهم السياسي ضد النصارى
فى التصوف تسامح فى الحرية الدينية، وتسامح فى الحرية الشخصية ، وعندهم عقيدة ( عدم الاعتراض ) المُناقضة لعقيدة ( تغيير المنكر ) لدى السنيين والحنابلة منهم خصوصا ، وهى العقيدة التى كانت تُحرّك ابن تيمية ضد الشيعة و الصوفية . ولكن تسيّد التصوف وعلو نفوذ أربابه وتسلطه ودخول الكثرة الكاثرة فيه جعلتهم يضطهدون أهل الكتاب ، وخصوصا النصارى . ويمكن أن نجد للصوفية بعض التبرير فى إضطهادهم لابن تيمية والبقاعى وأتباعهما لأن هؤلاء الفقهاء السنيين هم الذين بدءوا بالهجوم والتكفير فلجأ الصوفية للمواجهة دفاعيا وإستعمال نفوذهم كما سبق ذكره .ولكن لا نجد عُذرا لأولئك الصوفية الذين قاموا بحركات إضطهاد فردية وجماعية ضد النصارى ، سوى أن بعض النصارى كان عندما يصل الى الجاه فى الدولة المملوكية يقوم بإضطهاد من يستطيع الايقاع به من ( المسلمين ) .
وبيئة التعصب تنتج نفسها بنفسها ، والمجتمع الذى يسوده التعصب الدينى والمذهبى يقوم بتعذيب نفسه بنفسه .و لا حل هناك إلا بتقرير الحرية الدينية المطلقة كما أرساها الاسلام ، تحت شعار ( لا إكراه فى الدين ) و ( لكم دينكم ولى دين ) .
على أن هذا التعصب كان يحدث ـ غالباً ـ في أوقات أمن فيها المتصوفة من انتقام النصارى والسلاطين ، وفترة تحكم النشو ـ أصدق شاهد على هذا .. فالنشو كان نصرانياً تظاهر بالإسلام وتولى نظارة الخاص في سلطنة الناصر محمد بن قلاوون الثالثة . وتقرب إليه بالوشايات والأموال التي يصادرها من الأعيان والمغضوب عليهم ، وازداد نفوذه وكثر الناقمون على طغيانه وظلمه ونال من الصوفية ، لأن السلطان في أيامه كان يسمع له ويطيع ، حتى عندما بلغه أن الناس تجتمع مع الوعاظ في المساجد لتدعوا الله عليه، فلم يزل بالسلطان حتى منع الوعاظ بأجمعهم من الوعظ . وبلغ تحديه للصوفية مداه حين أخرج صوفياً كردياً معتقداً للشام منفياً ، وقبض على شيخ خانقاه بهاء الدين أرسلان بالإسكندرية واتهمه بتهمة باطلة [198] ..
ومع ذلك كله ومع تحكم النشو وآله في رقاب المسلمين انعدم صوت التعصب ضد النصارى ليرتفع في أوقات لهم فيها السطوة والنفوذ .. وسيعرض البحث للحركات الفردية الصوفية ضد النصارى ثم يتوقف عند حركة الشيخ عبد الغفار بن نوح كحركة جماعية عامة لها ذيولها الداخلية والخارجية ..
حركات فردية
1- وبدأ الشيخ خضر العدوى ت 672 ) حركات التعصب الصوفية اعتماداً على نفوذه في دولة الظاهر بيبرس وعلى ما أثارته حروب الظاهر بيبرس من حماس ديني ، فهدم كنيسة الروم بالإسكندرية وكانت تعقد فيها ( البتركية ويزعمون أن رأس يحيا بن زكريا عليه السلام فيها ) وصيرها مسجداً وسماها ( المدرسة الخضراء) وأنفق في تعميرها الأموال الكثيرة من بيت المال [199].
2- سنة 687 وقع بعض وجهاء النصارى في حق النبي عليه السلام وقام في دفع القتل عنه والى البلد فقام ابن ناشئ في ذلك ومشى والعوام خلفه إلى دار الوالي ولم يزل كذلك حتى قتل النصراني[200] .
3- سنة 723 جاء الشيخ ضياء الدين الدريندي إلى مصر لأنه أولع بشاب في الشام فغاضبه فجاء ليجاهد النصارى في مصر فقتل نصرانياً بالقلعة فدخلوا به للسلطان فظنه جاسوساً فقتله.[201]
4- حركة البكرى سنة 714 ــ بلغه أن النصارى قد استعاروا من قناديل جامع عمرو شيئاً فهجم على الكنيسة ونكل بالنصارى فيها وعاد إلى جامع عمرو فأهان موظفيه. وعُقد له مجلس أمام السلطان الناصر محمد بن قلاوون ، فأغلظ البكرى للسلطان فأمرالسلطانبقطع لسانه ، فانهار وانقلب يستغيث بالأمراء حتى رقُّوا له ، وتشفعوا فيه ، فأمر السلطان بنفيه ، وقد كان البكرى يشدد على ابن تيمية عند محنته بالقاهرة ويؤذيه وينال منه [202].
5- سنة 785: أهان نصارى قرية برما مؤذن المسجد ، فجاء للقاهرة يشكوهم مع بعض مسلمي القرية فسجنهم الأمير جركس الخليلي صاحب الإقطاع التابع له تلك القرية . فتوجه المؤذن الى الشيخ الصوفي ابن الميلق، فتوجه ابن الميلق للأمير وأغلظ عليه وأعلم السلطان ،فأنكر على الخليلي ، وانتهى الأمر بمقتل المعتدين من النصارى [203]..
6- وكان البوصيري الشاعر يناصب أهل الذمة العداء ، وطالما هجا الفريقين في قصائد مستقلة أو في أبيات متفرقات [204] رغم أنهم كانوا يداهنونه خوفاً من لسانه ..
7- سنة 838 ( كائنة الشيخ سليم ) وموجزها أن النصارى جددوا كنيسة لهم في الجيزة، فقام الشيخ سليم وهدمها بأعوانه، فاشتكاه النصارى عند السلطان وسعوا به حتى أهين. فاشتد ألم المناصرين له ، خاصة وقد أذن بعض القضاة للنصارى في إعادة بناء ما تهدم [205].
8- حركة ناصر الدين الطنتاوي : ـ قام في هدم دير العطش الذي تعظمه النصارى وتحج إليه كل عام ويجتمع هناك المسلمون والنصارى للفرجة والتجارة ، مما أثار غيرة الطنتاوي ، لأن ذلك الدير منافس لما يحدث في مولد البدوي في طنتدا، فكتب محضراً يرجو هدم ذلك الدير ، فلم يتفق له ذلك ، إلا أنه لم ييأس ، وعاود سعيه حتى رسم بهدم الدير، فهدم [206] ..
9- وكان الشيخ ( النعمان ت 852 نقمة على أهل الذمة فيما يجددون في كنائسهم ، فقام في هدم كنيسة النصارى الملكيين بقصر الشمع حتى صارت جامعاً ، ولم يبق في قصر الشمع ولا في دموة ولا في المدينة كنيسة إلا وقد شملها منه هدم أو بعض هدم )[207]
حركات جماعية
كان شيوخ الصوفية ينتهزون فرصة الأوبئة والمجاعات لإثارة السلطة على النصارى واليهودبإعتبارهم سبب النكبات ، ويصدقهم السلطان ، فيضيق على اليهود والنصارى في الزى ويشتد في إيذائهم .
وفيما عدا ذلك تذكر دور الصوفية في الإحراق العام للكنائس المصرية سنة 721 .
مؤامرة الشيخ عبد الغفار بن نوح القوصي لحرق الكنائس المصرية:ـ
وقد خطط لذلك ونفذه أتباعه في وقت واحد عام 721 ، وفى المدن المصرية التي بها كنائس.
ففي كل مدينة بعد صلاة الجمعة والناس مجتمعون ــــ أي في ساعة الصفر ــــ يقوم مجذوب صائحاً مضطرباً داعياً لحرق الكنائس ، وحين يتوجه الناس إلى الكنيسة يجدونها قد سويت بالأرض، فيتعجبون ويعتبرونها كرامة لذلك المجذوب. وقد ذكر العيني أسماء الكنائس التي هدمت ، وهى ستون كنيسة مصرية ، ولم يسلم غير الكنيسة المعلقة بارسكندرية . وقد سئل عبد الغفار في ذلك فقال ( كثر فسادهم وزاد طغيانهم فنودى بالانتقام منهم) [208] . وسرت حمى هدم الكنائس بين العوام ، حتى خشي السلطان أن يفسد عليه أمر مملكته ، فأقنعه الأمراء والقاضي بأن ذلك: " أمر الله وإلا فكيف يقع كل هذا في وقت واحد ، وإذا أراد الله أمراً فلا راد لقضائه".
ولم يقتنع النصارى بهذا التفسير ، وفطنوا إلى أن ذلك مخطط نُفّذ بإتقان ، فقاموا بإشعال الحريق في نواحي مختلفة من القاهرة فى المساجد والمؤسسات الصوفية ، ولا يكاد يفرغ الناس من حريق حتى يفاجئهم حريق أخر، واعتقد المسلمون أنها إرادة الله، إلا أنهم فوجئوا بقنبلة كبيرة ملوثة بالنفط قد ألقيت ، كل ذلك مع توالى الحرائق في الجوامع والمدارس، يأتي الحريق من أي منفذ في المبنى بما يلقى من خرق ملفوفة بزيت وقطران ، فاتفقوا على اتهام النصارى. وضبط بعض الرهبان متلبسين فأقروا ، فأحرق أربعة منهم، وشرع الناس في إيذاء النصارى وبالغوا في ذلك ، فأمر السلطان بتوسيط جماعة كيفما اتفق . وكان منهم بعض المتعممين والتجار ، فشفع في بعضهم وعوقب الآخرون . وقامت الحرائق من جديد وقبض على ثلاثة من النصارى واعترفوا ، فثارت العامة على السلطان، وواجهوه بصيحة رجل واحد بالدعوة لنصر دين الله، فخشع لهم السلطان وسمح بقتل كل من وجد من النصارى ، ثم قيّد ذلك الحكم بمن يلبس العمامة البيضاء ومن يركب دابة من النصارى ، وفرض عليهم ألا يركب أحدهم الحمار إلا مقلوباً ولا يدخلون الحمامات إلا وفي رقابهم جرس ، وألا يتزيا أحدهم بزى أهل الإسلام ، ونودي بعدم استخدامهم إلا إن أسلموا، وصُرف جميع المباشرين من النصارى في الأقاليم..[209]
وقد كان لإحراق الكنائس المصرية ذيولها السياسية التي انعكست على العلاقات الخارجية بالحبشة وعلاقة الحبشة بالإمارات الإسلامية هناك ، ذلك أن ملك الحبشة كان يعتبر نفسه مسئولاً عن حماية الأقباط المصريين لأنه يتبع الكنيسة المصرية مذهباً ، وكانت مصر ترسل له بطريكاً مصرياً للإشراف على الكنيسة الحبشية [210]، وعندما علم ملك الحبشة ( عمد صيهون ) بما حدث من إحراق الكنائس المصرية بعث للناصر محمد باحتجاج شديد اللهجة يهدد فيه باتخاذ إجراءات مماثلة ضد مسلمي الحبشة وتحويل مجرى النيل ليجيع مصر، غير أن الناصر لم يعبأ بهذا الاحتجاج وطرد السفارة الحبشية ، فبدأ عمد صيهون الحرب ضد الإمارات الإسلامية بالحبشة، وتابع خليفته وابنه (سيف أرعد ) أعماله العدوانية ضد التجار المصريين والمسلمين بالحبشة ، واعترض طريق القوافل بين القاهرة وشرق أفريقيا المارة به [211]
ف 2 : المماليك يقيمون للصوفية العمائر الدينية
كتاب : أثر التصوف السياسى فى الدولة المملوكية
الفصل الثاني : استفادة الصوفية سياسياً
المماليك يقيمون للصوفية العمائر الدينية
مدخل:ـ
قبض الصوفية ثمن تحالفهم مع السلطة المملوكية على شكل نفوذ سياسي عرضنا له , بالإضافة للمؤسسات الصوفية التي أقامها المماليك لهم تجسيدا حيا للتحالف بين الفريقين على حساب الشعب المحكوم. ومن الطبيعي أن تعبر تلك العمائر عن دين التصوف ففيها مورست طقوس التصوف وحفلات الرقص والسماع وأقام فيها أرباب المتصوفة وجماعاتهم .ومؤسسات التصوف تعبر بصدق عن مدلول (المعابد) . فالمعبد يقام في كل ناحية يحمل اسم الإله أو الولي المقدس في ناحيته ويضم في ردهاته الكهنة والرهبان ، وأؤلئك ينعمون برعاية الحاكم المسيطر ويأكلون من الأوقاف ويعملون من ناحيتهم على إخضاع الشعب لسلطة الحاكم ، والشعب يقبل عن طيب خاطر توجيهاتهم ويقدم لهم النذور والقرابين ويعتقد في نفوذهم السماوي فهم عنده جواز المرور للجنة .وهذا كله مخالف للاسلام . ولا يقتصر الأمر على كون تلك المؤسسات الصوفية معابد لتقديس الآلهة الصوفية ، بل لأنها كانت ثمنا لتعاون الصوفية مع المماليك ( الظالمين ) فإن إنشاء تلك ( المعابد ) كان بالظلم وبالمال الحرام السُّحت .وهذا يحتاج بعض التقصيل .
ملاحظات حول إقامة المؤسسات الصوفية
1ـ هناك ارتباط بين شدة الظلم المملوكي وكثرة إنشاء المعابد الصوفية ، وقد لفت ذلك نظر المؤرخين في العصر المملوكي يقول أبو المحاسن ــ وهو شاهد على عصره ــ عن سلاطين المماليك : ( "_ftnref214" title="">[214].
ولم يكن الناصر فرج أقل ظلماً من جمال الاستادار فقد ( نودي في القاهرة ألا يعمر أحد من خلق الله إلى أن تتم عمائر السلطان فرج) ومنع بيع المؤونة (فحصل بذلك ضرر كثير للناس)[215] .
وأصبحت عادة مملوكية أن يقترن إنشاء المؤسسة الصوفية بسرقة ما أقامه السابقون وغصب الرخام من البيوت ..فلما بنى المؤيد شيخ جامعه ( حصل للناس بسببه غاية الضرر لأجل الرخام ، وصار المؤيد يكبس الحارات التي بها بيوت المباشرين وأعيان الناس بسبب الرخام ، وكان والي القاهرة يهجم على الناس في بيوتها ومعه المرخمون (صناع الرخام) فيقلع رخام الناس طوعاً أو كرهاً . وأخرب دوراً كثيرة ثم قلع باب مدرسة السلطان حسن التي في القبو وجعله على جامعه وأخذ التنور الكبير النحاس منها أيضا ... وأخذ العمود السماقي من جامع قوصون... ونقلت أشياء كثيرة من أعتاب ورخام من مساجد بمصر العتيقة)[216].
وعلق ابن إياس على ذلك بقوله "فكان كما قيل في المعنى : ـ
بنى جامعاً لله من غير حله فجاء بحمد الله غير موفق
كمطعمة الأيتام من كد فرجها فليتلكِ لا تزني ولا تتصدقي[217]..
وهو نفس التعليق الذي أورده أبو المحاسن على زين الدين الاستادار الذي (استولى على معاش الفقراء وأرباب التكسب وصار هو يأخذها ثم يبيعها بأضعاف أضعافها، حتى جمع من هذا المبلغ الخبيث أموالا كثيرة وعمر منها الجوامع والمساجد والسبل) ويقول فيه أبو المحاسن : فهو كما قال الشاعر :
بنى جامعا لله من غير ماله
فكان بحمد الله غير موفق
كمطعمة الأيتام من كد فرجها
لكِ الويل لا تزني ولا تتصدق[218].
وذلك يدل على وجود الإنكار في العصر المملوكي وإن لم يستطع أحد تفسير السبب في الجمع بين الظلم وبناء المؤسسات الدينية .
ويذكر أن زين الدين الاستادار هذا اشتهر بالاثنين معاً : الظلم وكثرة العمائر يقول فيه أبو المحاسن أنه (حسَن للسلطان أخذ جميع الرزق ( أى الأوقاف الخيرية ) التي على وجوه البر والصدقة . وبضواحي القاهرة ، وبتأثيره على السلطان عم البلاء غالب المسلمين حتى الجوامع والمساجد والفقهاء والفقراء وغير ذلك . ولما أثرى وكثر ماله من هذه الأنواع أخذ في عمارة الأربطة والجوامع والمساجد ، فعمّر جامعه بالقرب من داره بين الصورين عند باب سعادة ، ثم جامعه الذي بخط بولاق على النيل ، ثم جامعه الذي يخط الحبانية على بركة الفيل ، وفي غير القاهرة عدة أملاك وسبل ومساجد تفوت على الحصر , كل ذلك وهو مستمر على ما هو عليه وزيادة إلى أن كانت نكبته )[219]..
وقد بنى الأمير أقبغا المدرسة الأقبغاوية وجعل فيها صوفية . يقول فيها المقريزي ( وهى مدرسة مظلمة ليس عليها من بهجة المساجد ولا أنس بيوت العبادة شيء البتة) وذلك لأن أقبغا ـ حسبما يصفه المقريزي ـ ( كان من الظلم والطمع والتعاظم على جانب كبير) . وقد سخر في عمارة مدرسته كل صانع بالقاهرة ومصر : (وأقام بها أعواناً لم يُر أظلم منهم ، كانوا يضربون العمال ، وحمل لها الأصناف من الناس، فكانت بين غصب وسرقة . ومع ذلك فإنه ما نزلها قط إلا وضرب فيها من الصناع عدة ضرباً مؤلماً , ويعبر ذلك الضرب زيادة على شدة عسف مملوكه الذي أقامه شاهداً بها ... فلما تمت جمع بها القضاة والفقراء ـ يعني الصوفية)[220].
وقاسى العمال الفقراء من السخرة والضرب في بناء تلك المنشئات الدينية كما نلمح من النص السابق، حتى أن شدة الأمير قان بردى الأشرف في تسخيرهم دفعت المؤرخ المملوكي الارستقراطى أبا المحاسن إلى الاحتجاج الذي نحسه من النص التالي ( ابتدأ الأمير سيف الدين قان بردى الأشرف في عمارة تربة عظيمة عند الريدانية (العباسية ) وشرع في ذلك أيام يسيرة ، ومع هذا ظلم في تلك الأيام الظلم الزائد وعسف الصناع وأبادهم بالضرب وباستعمالهم بغير أجرة ، فما عفّ ولا كفّ ، إلى أن أخذه الله أخذ عزيز مقتدر [221].
3- واقترنت سيئات أخرى بالظلم مثل الرشوى فوصف يونس الداودارى بأنه ( كان يحب المال، ويأخذ الرشوة ، وعمّر مدرسة وخانقاه ورباطاً وزاوية وتربة وأحواض سبيل بالديار المصرية والشامية )[222].
وبعضها إقترن بالشذوذ الجنسى الذى كان منتشراً بفعل الصوفية، وأدمنه بعض أرباب الدولة ، ومنهم السلطان الناصر محمد بن قلاوون ، حتى يقال في حوادث سنة 735 ( وفيها كثر شغف السلطان (الناصر محمد) بمملوكه الطنبغا الماردينى شغفاً زائداً فأحب أن ينشئ له جامعاً) .. وهكذا ارتبط الشذوذ الجنسى بإنشاء جامع الماردينى المشهور، وارتبط بالطبع بالظلم فقد وصف المقريزي أصناف الظلم التي واكبت إنشاء ذلك الجامع[223].
4- وأسهم الظلم بطريق غير مباشر في ازدهار العمائر الدينية والوقف عليها .. ذلك أن المصادرات كانت أبرز سمات الانتقام من المهزوم أو الحصول على الأموال من الأغنياء والمباشرين فتحايل المماليك ـ سلاطين وأمراء ـ على تحصين أموالهم من المصادرة بعد وفاتهم بالبناء والوقف عليها وجعل ورثتهم متمتعين بعائد الوقف مشاركين فيه ، فكان أن استشرى الوقف على الأراضي الزراعية المصرية وأقيمت مؤسسات دينية تتعيش من ذلك الوقف . ومع ذلك فقد احتال الغالب على سلب أوقاف عدوه المغلوب بتشجيع القضاة المتصوفة، إذ كان يتم استبدال الوقف ـ على الورق ، أو يغّير كتاب الوقف على المؤسسة الدينية كما ذكرنا في حادثة الناصر فرج وخانقاه جمال الاستادار ..
5ـ وفي نهاية العصر المملوكي حيث ساد التصوف ارتفعت القباب على الأضرحة فاضطر الشعراني لأن يقول في رسالته (للمغترين) من صوفية القرن العاشر عن السلف الصالح (ولم يكن أحدهم يبنى على قبره قبة ولا يعمل له مقصورة ولا يزخرف له حائطاً ولا يجعل له في طبقات قبته قمرية خلاف ما حدث من بعض متصوفة زماننا وربما كان ذلك من مال بعض الظلمة .. فقد قالوا : كم من ضريح يزار وصاحبه في النار)[224] . أي أن الظلمة أسهموا في بناء أضرحة لأشياخ هم على قيد الحياة ..
6- ومن الطبيعي أن يهتم الواقف على المؤسسة الصوفية بإلزام الصوفية فيها بالدعاء له للتكفير عن ظلمه وفي اعتقاده أن ذلك كفيل بالغفران له مهما ظلم . وقد ورد في وثيقة وقف الغوري (ويتولى شيخهم الدعاء فيحمد الله سبحانه وتعالى ثم يصلي كثيراً على نبيه ويهدي ثواب القراءة إلى حضرته الشريفة ثم في صحيفة مولانا السلطان .. ثم في صحيفة نجله وصحيفة كريمته المرحومة خوند الصغرى)[225].
7- على أن بعض المماليك ـ من معتقدي الصوفية ـ أقاموا لهم المؤسسات من واقع تقديسهم للمتصوفة ورغبة في الحصول على شفاعتهم في الآخرة حسب الاعتقاد السائد في العصر المملوكي . فالظاهر بيبرس بنى لشيخه خضر زاوية بالقاهرة وزاوية بالحبشة وزاوية على الخليج[226] .
وأحب عز الدين الأقرم الفقراء فبنى لهم ( الربط والخوانق والزوايا والمدارس والمساجد والجوامع)[227]
وعمّرت خوند مُغل للشيخ مدين ( مدرسة وزاوية ومدفنا ، وغرمت عليها أموالاً كثيرة في الرخام والأحجار والذهب واللازوارد والأخشاب وأوقفت عليها أوقافا. )[228].
وكان يونس النوروزي ( كثير الإكرام للفقهاء والفقراء، وعمّر مدرسة وخانقاه ورباطاً وزاوية وتربة وسبيلا )[229] . ( وكان الأمير يحي بن عبد الرزاق براً بالفقراء ( أى الصوفية ) فعمّر عدة مدارس وجوامع وربط )[230] وأقام شيخون الخانقاه الشيخونية لشيخه أكمل الدين البابرتي[231]..
وموعدنا مع تفصيل أكثر لأثر التصوف المعمارى فى مصر المملوكية .
[1]ـ المنهل الصافي : مخطوط 5/ 17 ، تاريخ ابن الفرات 9/2/ 423 ، النجوم الزاهرة 12 / 146 .نزهة النفوس 1/419 .
[2]ـ الضوء اللامع 1/ 369 : 370 .
الفصل الثالث : أثر التصوف في انهيار الدولة المملوكية
كتاب : أثر التصوف السياسى فى الدولة المملوكية
الفصل الثالث : أثر التصوف في انهيار الدولة المملوكية .
مدخل للفصل :ـ
عرضنا لدور التصوف في قيام الدولة المملوكية ( بحرية وبرجية ) وكيف تحالف الصوفية مع المماليك ونعموا بالغنائم السياسية على حساب ( الشعب ) الرعية طيلة الحكم المملوكي . ويأبى التصوف إلا أن يكون له دور في انهيار الحكم المملوكي فى هزيمته أمام العثمانيين في مرج دابق سنة 922هـ . والغريب أن الدولتين ( العثمانية ، المملوكية ) تنتميان معا للمذهب السني ضد عدو مشترك هو الشاه إسماعيل الصفوي حاكم إيران المتشيع الذي كان يسعى لنشر التشيع في البلاد المجاورة طمعا في مد نفوذه السياسي . وقد أدى موقفه إلى تحالف بين العثمانيين والمماليك ضد أطماع إسماعيل الصفوي الشيعى ، وقابل الشاه إسماعيل هذا التحالف السني ضده بالوقيعة بين عدويه السنيين ـ المملوكي والعثماني؛ـ فاجتذب المملوكي إلى صفه وجعله يحارب العثمانيين على غير استعداد تام منه لحربهم وعلى غير نية حقيقية من العثمانيين لتدمير الدولة المملوكية .وانتهى الأمر بانهيار الدولة المملوكية بسرعة لا يتخيلها المرء حين يتذكر أن قدوم الغوري الى حلب كان لمجرد حجة الإصلاح بين السلطانين المتنازعين ( الصفوي والعثماني ) . وهذا الانهيار المفاجيء يشي بضعف الدولة المملوكية من الداخل علاوة على تقاعس حلفائها عن نصرتها وقت الشدة .. وهنا دور الصوفية في الداخل .
وقد يسأل سائل : وما صلة التصوف بإسماعيل الصفوى والذي أدت جهوده لإسقاط الدولة وكان سببا مباشرا في انهيارها؟ .والجواب أن إسماعيل الصفوي يدين بالتصوف المتشيع وقد ولد في بيت صوفي ولقبه في المراجع المعاصرة له هو ( إسماعيل الصوفي ) ..فالتصوف سبب مباشر في انهيار الدولة المملوكية من الخارج .. والتصوف سبب مساعد في ضعف الدولة داخليا . كما أن الصوفية ـ وهم حلفاء الدولة ـ تخلوا عن المماليك في محنتهم بل وقدموا يد المساعدة للغازي العثماني ..ونحن بصدد تفصيل ذلك كله ..
دور التصوف في انهيار الدولة المملوكية من الخارج: إسماعيل الصوفي ( الصفوي ) وانهيار الدولة : 1ـ هناك صلات عقائدية وتاريخية تربط التصوف بالتشيع لفتت نظر بعض الأعلام في العصر المملوكي كابن تيمية الذي كان عدوا للصوفية والشيعة في عهده . وهو القائل ( أن الصوفية كالرافضة ـ يعنى الشيعة ـ من عادتهم تخريب المساجد وتعظيم المشاهد ) [1] .
وقارن ابن خلدون بين آراء الصوفية وآراء الشيعة الإسماعيلية [2] فوضع مؤشرا هاما للباحثين المعاصرين وأبرزهم كامل الشيبي الذي أفرد مجلدا ضخما تحت عنوان ( الصلة بين التصوف والتشيع ) انتهى فيه إلى أن هناك تطابقا بين النظم والمعتقدات الشيعية والصوفية في القول بالعلم اللدني والعصمة والكرامات والشفاعة والتقية والتفسير ـ كمقدمات للولاية عند الصوفية والإمامة عند الشيعة مع التشابه الكبير بين الفريقين في النظم والرسوم مثل الخرقة والصحبة والسلاسل والطرق .. الخ [3].
وحين علا نفوذ التصوف فيما بعد القرن السابع الهجري اتخذت الحركات الشيعية الوجه الصوفي ، وشهد المشرق ـــــ وهو موطن التشيع والتصوف ــــــ نجاحا في هذا المضمار، و نجح إسماعيل الصوفي ( وهذا لقبه في المراجع التاريخية المعاصرة ) في تأسيس دولة صوفية شيعية تسعى لمد نفوذها الديني والسياسي في العالم السني [4] المحيط بها ، فاصطدم بالعثمانيين والمماليك في وقت واحد، ثم انتهت جهوده بالقضاء على أحدهما بيد الأخرى .
والعلاقات بين الأطراف الثلاثة ( إسماعيل الصوفي ، الغوري ، سليم العثماني ) متشابكة ويسودها الغموض ولتيسيرها يمكن تقسيمها وتتبعها في مرحلتين : الأولى :ـ ظهور إسماعيل الصوفي كخطر يهدد العثمانيين والمماليك على السواء ، والثانية :ـ تحالف الغوري مع الصوفي وأثره في انهيار الدولة المملوكية .
المرحلة الأولى :ـ ظهور إسماعيل (الصوفي) الصفوى كخطر يهدد العثمانيين والمماليك .
1ـ في سنة 905 ظهر ببلاد العجم شاه إسماعيل بن الشيخ حيدر بن جنيد بن إبراهيم بن سلطان خوجة شيخ على بن حيدر بن صدر الدين موسى بن صفى الدين إسحاق الأردبيلي .
2ـ وكان صفى الدين صاحب زاوية في أردبيل ،وله سلسلة في المشيخة الصوفية أخذها عن الشيخ زاهد الكيلاني وبعده جلس ولده صدر الدين موسى الذي اعتقده السلاطين وقبلوا شفاعته ، ولا سيما تيمورلنك ، ولما تشيع حفيده حيدر كثر أتباعه ومريدوه بأردبيل ، فخافه السلطان جهان شاه صاحب أذربيجان، فأخرجهم من أردبيل ، فتوجه الشيخ حيدر إلى ديار بكر، وصاهره أوزون حسن بك ( حسن الطويل ). ولما استولى صهره ( حسن الطويل ) على أذربيجان عاد الشيخ إلى أردبيل ، وتزايد أتباعه. فلما توفى أوزون حسن بك تزوج الشيخ حيدر من ابنة السلطان يعقوب، فولدت له شاه إسماعيل سنة 892 . وشارك الشيخ حيدر في النزاعات السياسية المسلحة مستعينا بأتباعه الذين عرفوا ( بالقزلباش ) . وقُتل الشيخ حيدر وأُسر ولده إسماعيل وهو طفل ، فعرف الكفاح والهزائم منذ صغره، وتابع أباه في طريقه معتمدا على دعوته الشيعية الصوفية حتى تزايد أمره ( واستولى على ساير ملوك العجم وخراسان وأذربيجان وتبريز وبغداد وعراق العجم وقهر ملوكهم وقتل عساكرهم ، بحيث قتل ما يزيد على ألف ألف ، وكان عسكره يسجدون له )[5] .
خطر إسماعيل الصوفي على الدولة العثمانية
اتجهت الفتوحات العثمانية قبل سليم الأول إلى البلقان وأوربا، ثم تحولت في عهد سليم الأول نحو الشرق لأول مرة ، حيث انشغل سليم بمواجهة الخطر الشيعى الصفوى الزاحف من الشرق إلى صميم الأملاك العثمانية [6] . كان بإمكان إسماعيل الصوفي أن يترك العثمانيين والمماليك فى حالهم ، ويتفرّغ لمواجهة الغُزاة القادمين من اواسط آسيا ، خاصة وأن العثمانيين لم تكن لهم مطامع آسيوية بعيدة ، واكتفى المماليك في مصر والشام بموقف الدفاع ضد الهجوم الإيراني . ولكن مطامع الشاه كانت واسعة المدى ، شجعها ما اتصف به بايزيد الثاني( والد سليم ) من اتجاهات سلمية، فنشر إسماعيل الصفوى دعايته الشيعية في الأناضول وحول قونية بالذات ، وتمخضت عن ثورة مسلحة، قادها داعي دعاة الشاه الشيعي ( الشاه قول ) ضد العثمانيين ، والذي استطاع هزيمة الصدر الأعظم العثمانى وقتله . بل أن الصلة توثقت بين الثائر الشيعي ( الشاه قول ) وبين الأمير قرقد بن السلطان بايزيد الثاني الطامع في عرش أبيه..[7]
ووقع تحت تأثير التشيع الأميران شاهنشاه ومراد ابنا الأمير احمد أخي السلطان سليم ، وهذا معناه تهديد الدولة العثمانية دينيا من الداخل فضلا عن تهديدها من الخارج سياسيا ..[8] .
وكان الخطر الشيعي هو الدافع لثورة سليم على أبيه السلطان وأخوته ، وساعدته الإنكشارية فقد وجدت فيه رجلها المنشود الذي يصمد أمام الشاه فأجبروا بايزيد الثاني على التنازل لابنه سليم [9] .
ولم يكن سليم بعيدا عن الخطر الشيعي حيث أبعده أبوه إلى طربيزون واليا عليها، فراقب تحركات الشاه العسكرية ودسائسه وتصرفات أخيه قرقد ، وقد ثار على تساهل والده تجاه ثورة الشاه ( قول ) الشيعية. وبتولي سليم العرش العثمانى وطّد مركزه الداخلي، ثم تفرغ لمواجهة الشاه، فذبح الشيعة في الأناضول، ونقل باقيهم إلى أوربا العثمانية ليضمن مؤخرته في أي صراع قادم مع الشاه.
ويرى توينبي أنه من المستحيل على الإيرانيين تثبيت أقدامهم في الأناضول كما أنه من المستحيل على العثمانيين إيجاد فتوحات لهم في إيران لأن القوتين متوازنتان ، لذا كان لا بد من البحث عن قوة ثالثة ترجح إحدى الكفتين. وتهيأ المسرح لدخول الدولة المملوكية حلبة الصراع [10] .
ومعنى ذلك أن دور المماليك سيكون معاونة احد الخصمين ..
خطر إسماعيل الصوفي على الدولة المملوكية
1ـ وكان من المتوقع أن ينضم الغوري إلى العثمانيين السنيين ضد الشاه الشيعي الذي بدأ بالعدوان على الممتلكات المملوكية في الشرق ، لولا أن الشاه استطاع استقطاب الغوري إليه بما أوتى الشيعة من مقدرة على الدسائس وبما لهم من أعوان داخل الدولة المملوكية. وبذلك تمكن الشاه الشيعي أن يتحاشا اتحاد القوتين السنيتين على حربه ، واحتل مقعد المتفرج يشهد دولة سنية فتية ( العثمانية ) ــ لا مطامع لها ــ تُجهز على رفيقة لها هرمة ( الدولة المملوكية ) أتى بها ( الشاه ) من مأمنها لتلقى مصرعها عند حدوده، فلا يمد لها يد العون .!!..
ونعود إلى ترتيب الحوادث التاريخية لنصل إلى هذه النتيجة ..
2ـ يقول ابن إياس المؤرخ المعاصر لهذه الفترة :ـ
(أ) سنة 908 ( جاءت الأخبار من حلب أن خارجيا تحرك على البلاد، يُقال له: شاه إسماعيل الصوفي ، فلما جاءت الأخبار إلى القاهرة اضطربت الأحوال، وجمع السلطان الأمراء ، وضربوا مشورة في أمر الصوفي . وعين السلطان تجريده )[11] .
(ب)وفى سنة 913 ( وفيه جاءت الأخبار من عند نائب حلب بأن إسماعيل شاه الصوفي قد تحرك على بلاد السلطان ، ووصل أوائل عسكره إلى مالطية، وحكوا عنه أمورا شنيعة في أفعاله . فلما بلغ السلطان ذلك تنكّد إلى الغاية، وجمع الأمراء، وضربوا مشورة في أمر الصوفي، فأشار الأمراء بأن يرسل إليه تجريده فنادى للعسكر بالعرض، فطلع العسكر قاطبة إلى القلعة، فعرضهم . وكان قاصد ابن عثمان حاضرا .. ثم جاءت الأخبار بأن عساكر الصوفي عدّت من الفرات ، ووصلت إلى أطراف بلاد السلطان، وأن على دولات جمع التركمان وتحارب معهم واستعد العسكر بعد إهمال .. وانفق السلطان على العسكر، بعد إن كان قد أخر النفقة ، ثم عزم السلطان على قاصد بن عثمان في قاعة البحرة ، فأظهر في ذلك اليوم غاية العظمة برسم جماعة القاصد وعند انصرافه اخلع عليه ، ثم حضر من لدن العثمانيين أحد من خواص السلطان العثماني فأكرمه السلطان) [12]
( ثم حضر قاصد من عند على دولات ، واخبر بأنه كسر عسكر إسماعيل الصوفي، وأرسل عدة من رءوس القتلى ، وأسيرا من الأمراء على رأسه طرطور أحمر، فعلق الغوري الرؤوس على باب زويلة، وأبطل أمر التجريدة التي عينها إلى الصوفي .. واخلع على قاصد بن عثمان خلعة سنية ) [13] .
ثم بعث إسماعيل الصوفي برسل يعلمون الغوري أن ما وقع من عسكره حدث بدون علمه ، فأكرم الغوري القاصد وجماعته ( وكانوا في غاية الغلاسة ) على حد قول ابن إياس ..[14] .
ابن إياس لم يكن مؤرخا رسميا ينقل وجهة النظر الرسمية للأحداث وإنما هو أقرب للتعبير عن وجهة نظر الرأي العام لتلك الفترة .
ونلمح ذلك من خلال تعبيره عن الاستفزازات التي قام بها إسماعيل الصوفي على الحدود المملوكية والتي ترد أخبارها من الوالي المملوكي في حلب .
وحين سجل ابن إياس أخبار الصوفي نعته ( خارجيا تحرك على البلاد يقال له شاه إسماعيل الصوفي ) وكان ذلك سنة 908 ، فكانت المعرفة بالصوفي ضئيلة لم تسمح لابن إياس إلا بالاقتضاب في القول ، ولم يمنعه الاقتضاب من ذكر اضطراب الأحوال في القاهرة بسبب هجوم على الحدود البعيدة ، مما يدل على أهمية الأمر رغم قلة المعلومات لدى الرأي العام الذي يمثله ابن إياس. وأدى ذلك الاضطراب إلى عقد مجلس سلطاني أسفر عن إرسال حملة تأديب .
وحديث ابن إياس عن الصوفي سنة 913 فيه تفصيل كثير لتحركات الصوفي وموقف الغوري ومواجهة أمراء الحدود المملوكية للهجوم الإيراني ، ولكن الجديد الذي أورده ابن إياس هو حضور مبعوث عثماني لدى الغوري وإكرامه لذلك (القاصد ) ، ثم حضور سفير عثماني آخر تمتع بإكرام الغوري ووصفه ابن إياس بقوله ( ثم حضر من لدى العثمانيين أحد من خواص السلطان العثماني فأكرمه السلطان ) أي أن هناك مراسلات بين العثمانيين والمماليك واستهدف مواجهة الخطر الشيعي المشترك . ولابد أن تصل هذه الاتصالات إلى تحالف مشترك بازدياد الخطر الإيراني . وهذا ما كان متوقعا، لولا أن غير إسماعيل الصوفي من خططه تجنبا لتحالف غريميه السنيين عليه كما سيظهر فيما بعد. إلا أن ذلك لم يحدث إلا بعد أن جرّب إسماعيل مع الغوري صنفا آخر من التهديد هو التهديد الداخلي بالإضافة إلى تهديده الخارجي وهذا ما سنتعرف عليه من خلال كتابات ابن إياس ..
3 ـ وتلك المناوشات التي قام بها إسماعيل الصوفي من قبيل جس النبض قبل الدخول فى معركة حاسمة . ويلاحظ أن الشيعة قد قاموا بثورتهم في الصعيد سنة 911 بإيعاز من إسماعيل الصوفي. ولكن بفشل ثورتهم بحث الشاه الصوفي عن حلفاء آخرين أو كما يقول ابن إياس ( قبض على جماعة من عند إسماعيل الصوفي ومعهم مكاتبات منه إلى بعض ملوك الفرنج بأن يكونوا معه عون على سلطان مصر، وأنهم يأتون مصر من البحر ويأتي هو من البر ..) ومما يذكر أن الفرنجة قد استولوا في هذا الشهر على طرابلس الغرب ( وقد قبض شريف مكة على ثلاثة منهم متنكرين) ...[15]
وفى تلك الأثناء كان عسكر الشاه اسماعيل الصوفي يهاجم أطراف البيرة المملوكية من ناحية الشرق ، وخرجت تجريدة يقودها أزيك خان فانتصر عليها الشاه الصوفي وقتله ( فتنكد السلطان ( الغورى ) لهذا الخبر، وأقام الأمراء عنده إلى قريب الظهر يتشاورون بسبب ذلك . وكان أزبك خان ضد الصوفي وكان مشغولا بمحاربته عن ابن عثمان وسلطان مصر ، فلما أشيع قتل أزبك خان خشي السلطان من أمر الصوفي أن يزحف على البلاد ) [16] .
واتبع الشاه اسماعيل الصوفى سياسة التهديد مع الغوري ، فبعث له بقاصد يحمل رأس أزبك خان مع أبيات من الشعر يفخر فيها بقوته وتشيعه ، ورد الغوري عليه بأبيات صنعها له صفى الدين الحلبي. ومع ان الغورى أقام الاحتفالات لقاصد الشاه الصوفي إلا أنه منع الناس من زيارته وجعله كالمعتقل .
ووجد الشاه الصفوى الصوفي في الأعراب أعوانا له ، فثاروا علي الغوري، أو كما يقول ابن إياس ( تحالفت سبع طوائف من العربان بأن يكونوا يدا واحدة على العصيان ) ، هذا في الوقت الذي وصلت فيه عساكر الشاه الصوفي إلى البيرة، وانضمام جماعة من عساكرها إلى الصوفي . وخاف الغوري تحركات الأشراف فاخرج عنهم ( شيئا من الجهات الموقوفة عليهم )( وعقد مجلسا بالقضاة الأربعة للبحث فيمن اتهم بادعاء النسب الشريف ) منهم مخافة أن يكون بينهم من ادعى النسب وهو جاسوس للشاه الصوفي ..
ثم وصل قاض من الشاه الصوفي بعبارات (يابسة ) على حدّ قول ابن إياس ، و رد الغوري بمثلها وقد ( أفحش الصوفي في حق تمرباي قاصد الغوري ). ومع ذلك وربما بدافع الخوف والملق فإن الغوري قد أوكب المواكب لمقابلة ( قاصد ) الشاه الصوفي ، وكان هذا السفير غليظا شديد البأس . ووصل قاصد ابن عثمان وأشيع أنه تنازل عن الحكم لولده سليم ، وجاء الخبر بوفاته ، وبكى عليه السلطان [17] .
4ـ وقد أدت جهود الصوفي إلى تقارب بين العثمانيين والغورى، ظهرت في إكرام الغورى القاصد العثماني كما أتضح من كلام ابن إياس ، بل أن الغوري توسط للصلح بين الأمير قرقد الذي جاء لمصر مغاضبا لأبيه السلطان بايزيد وبالغ في إكرامه واستجاب لشفاعته في بعض الأمراء ثم عاد الأمير العثماني لبلاده شاكرا [18].
وبعث الغوري الأموال ليشترى الأخشاب والبارود والحديد من الدولة العثمانية فرد السلطان العثماني المال وبعث بمراكب محملة بها. ووصل من لدنه قاصد يمتدح فيها الغوري ويستفسر عن وصول المراكب [19] . وبعد ذلك بعام أرسل الغوري قاصدا لشراء مهمات أخرى فأكرمه ابن عثمان ـ وكان السلطان سليم قد تولى فأرسلها في مراكب موسوقة. [20] .
وكان فرار الأمراء العثمانيين ـــــ إبان التنازع على العرش ـــــ فرصة يتلقفها السلاطين المجاورون للضغط السياسي على الدولة العثمانية . وقد آوى السلطان برسباي أميرا عثمانيا [21] ، واحتفظ به ورقة رابحة ضد عمه السلطان مراد العثماني . واختلف الحال في عهد الغوري أثناء صفائه مع سليم ، ولقد فرّ الأمير سليمان إلى الغوري ، وفرّ والده احمد بك من أخيه السلطان سليم إلى الشاه إسماعيل الصوفي .ولم ينشرح الغوري لفرار الأمير سليمان إليه ، وخشي من إغضاب السلطان سليم ، فبعث قاصدا لسليم يهنئه بالملك ( ولنسج المودة بينهم ) . ورغم اضطراب الأحوال في القاهرة وانتشار الطاعون في مصر وتوعك الغوري إلا أنه بعث باقباي الطويل ( قاصدا للسلطان سليم على هيئة حسنة لم تتفق لقاصد قبله حتى عد ذلك من النوادر مع أن هذه كانت سنة الطاعون. ). واختلف موقف الغورى فيما بعد ، فالغوري حين عزم على محاربة سليم استقدم الأمير العثماني قاسم بن احمد سرا ( نكاية في عمه )[22].
وبدت بوادر التحالف بين الغوري وبايزيد الثاني العثمانى لمواجهة الشاه إسماعيل ، يقول بايزيد في رسالة للغوري ( ... وأما قصة غلبة الفرقة الضالة القزلباشية في البلاد الشرقية فإنها بلية عامة ظهرت في تلك النواحي ، فدفعهم لازم ، بل واجب على الأداني والأقاصي ، فالمقصود من دفعهم واستيصالهم بعناية الملك العلام الموافقة والاهتمام ، لأنهم أهل البدع والضلالة وأصحاب الشر والشقاوة. كلهم روافض ..) [23].
وقد أرسل الغوري إلى بايزيد الثاني رسالة يحث فيها على محاربة القزلباش وعرض عليه المساعدة وقال بوجوب محو ( فئة الصوفية والملاحدة القزلباش ) ومريديهم، وأنه أصدر أوامره إلى أمراء الحدود للاستعداد بجنودهم ، كما أرسل إلى ولايات الحدود لجمع الجنود، وأن الأمير جلال الدين قانصوه سيشترك في الحرب بجنوده مع العثمانيين ضد القزلباش ( لأن حضرة سلطان الحرمين (الغوري ) حفظ الله ملكه مهتم غاية بهذه الأمور وملتزم بها اشد الالتزام )[24].
المرحلة الثانية : ـ تحالف الغوري مع الشاه اسماعيل الصوفي وأثر ذلك في انهيار الدولة المملوكية
1ـ واخفق الشاه إسماعيل في سياسته ضد الغوري ولم يجن منها إلا مزيد التقارب بين الغوري والعثمانيين . ويبدو أنه شعر بخطورة السلطان سليم بعد والده المسالم . وشعر باقتراب اللحظة الحاسمة للصراع بينه وبين السلطان الجديد المتحمس للقضاء على الخطر الشيعي، فبذل وسعه في إزالة الخلاف بينه وبين الغوري وعقد أواصر التآلف بينهما في جو من السرية التي أتقنها دعاة الشيعة. وتوصل احدهم إلى أن يكون نديم الغوري ، فقد قام الشريف العجمي الشنقجي بدور هام في التحالف السري بين الغوري وإسماعيل الصوفي يقول ابن إياس: ( حضر إلى الأبواب الشريفة( اى لدى السلطان الغورى ) العجمي الشنقجي نديم السلطان، الذي كان توجه بأفيال إلى نائب الشام ونائب حلب ( للاستعانة بها في حرب العثمانيين ). وقد أبطأ مدة طويلة حتى أشاعوا موته غير ما مرة ، فظهر أن السلطان كان أرسله إلى شاه إسماعيل الصوفي في الخفية، في خبر سر للسلطان بينه وبين الصوفي كما أشيع بين الناس ذلك .. فلما كان يوم السبت خامس عشر ربيع الآخر خرج السلطان ... قاصد نحو البلاد الشامية والحلبية )[25] تنفيذا لذلك الاتفاق السري بين الغوري وإسماعيل الصوفي ( والذي لم تذكر المصادر شيئا عن بنوده )[26].
ويقول المؤرخ الغزي المعاصر للأحداث :( قبل معركة مرج دابق قرب الغوري إليه أعجميا كان ينسج المودة في الباطن بينه وبين شاه إسماعيل حتى أخرجه من مصر لقتال سليم بحجة الإصلاح بينه وبين الصوفي ) [27] .
وهكذا استطاع ذلك الرسول السري الصوفي الشيعي التأثير على الغوري وأن يخرجه من مأمنه إلى مقتله . بوسائل لا نعرف عنها شيئا .!!.
2ـ ولكن ما أثر ذلك التحول الجديد على العلاقات العثمانية المملوكية ؟
أـ قبل سلطنة الغوري استمرت العلاقات العثمانية المملوكية طيبة طالما لم يقع تدخل من جانب أحدهما في شئون الإمارات الواقعة بينهما والتي كان بعضها مشمولا بحماية المماليك والآخر تحت حماية العثمانيين [28] شأن الأمارات الصغيرة على حدود الدول الكبرى ، ومع ما كان يحدث بين الجانبين من شقاق مبعثه التنافس إلا أنه سرعان ما يعود الصفاء بينهما ، كما حدث من تنازع بين محمد الفاتح والظاهر خشقدم حول إمارتي زى الغادر وفرغان ، وتنازع قايتباي وبايزيد الثاني بسبب على دولات .[29] . ولكن الحال اختلف بظهور الشاه الصوفي الشيعي مناوئا للفريقين فتسبب في قضاء أحدهما على الآخر .
ب ـ فقد انعكست بوادر التحالف الجديد بين الغوري وإسماعيل الصوفي على الصراع بين الشاه الصوفي وسليم العثماني ، والذي حسمته موقعة جالديران سنة 920 ، فبدأت الشكوك تساور الغوري عندما تحرك سليم لقتال الصوفي ـ شأن من بدأ بالخيانة فحرك بعض قواته إلى حلب بحجة ( حتى نرى ما يكون من أمر الصوفي وابن عثمان )[30] وعرف سليم أثناء تحركه إلى جالديران بأن الشاه الصوفي طلب مساعدة الغوري ضد العثمانيين ، وأكد ذلك له تحرك بعض فرق الجيش المملوكي إلى حلب .[31]
جـ ـ ولم يحدث تصادم مباشر بين القوات المملوكية والعثمانية أثناء حربها مع الشاه الصوفي، وان قام أمير مرعش بإعاقة الإمدات العثمانية أثناء القتال، مما أثار سليم ، فقتل أمير مرعش ، وبعث برأسه إلى الغوري حليفه ، فأظهر الغورى حنقه وقال :( إيش أرسلي هذه الرءوس .. هي رءوس ملوك الفرنج انتصر عليهم ؟) واضطرب الأمر في القاهرة خاصة وقد ضم سليم إليه إمارة مرعش [32].
دـ ويذكر أن الغوري حين علم بانتصار سليم على حليفه الشاه اسماعيل الصوفي فى جالديران :( لم يرسم السلطان بدق الكوسات لهذا الخبر، وكذلك الأمراء اخذوا حذرهم من ابن عثمان ) وأرغم الغوري نائبه في الشام على أن يصهر إليه[33] ، ليضمن ولاءه في الحرب المقبلة بينه وبين سليم العثمانى .
والمراجع العثمانية المخضرمة عزت الفتح العثماني لمصر والشام إلى انقطاع الميرة بتأثير الجراكسة لتحالفهم مع إسماعيل الصوفي .[34]
ونصل إلى الصراع بين الغوري وسليم العثمانى، فالغورى ثار حين تحرك سليم للإجهاز على حليفه الشاه الصوفي ، وعمل الشاه الصوفي على أن يشغل العثمانيين بمواجهة الغوري ريثما يعيد تنظيم قواته ليجهز على المنتصر منهما ، فجعل الغوري يأتي ليصطدم بالعثمانيين المتجهين نحو فارس فكانت نهاية الغوري .
3ـ استعد الغوري وجهز عسكره ( وحلّف أمراءه على أن يكونوا يدا واحدة، وأشاعوا عزم سليم على حرب مصر ) [35]. ، أي أنهم تجهزوا لحرب العثمانيين وأشاعوا العكس أن سليم هو الذي ينوى الحرب .
وتحرك الغوري بجيوشه نحو حلب ، فأحسّ سليم العثمانى بالخطر الصفوي المملوكي ، فأرسل رسولين للغوري محاولا تحييده . ويقول سليم العثمانى في رسالته ، يعلل للغوري حربه للشاه اسماعيل الصوفي ( ... إن الطائفة الباغية التي اجتمعت في البلاد الشرقية حصلت منها أذية للعباد وتخريب للبلاد وسفك للدماء ... فلا جرم تضاعفت الأجور في غزوهم وجهادهم )، وفى نهاية الرسالة يلتمس منه ومن الصالحين ( الدعوات الصالحات لإعلاء كلمة الله وتنفيذ أحكام الشريعة ).
وقد اخبر جاسوس صوفي العثمانيين بأن القزلباش سيعاونون الغوري في الاستيلاء على قلعة روما مما أكد شكوك العثمانيين في تحالف الغوري مع الشاه اسماعيل الصوفي .
وأرسل الغوري لسليم العثمانى يعلل مجيئه بالجنود للشام بالصلح بينه وبين الصوفي لدفع الضرر عن أهل المنطقة ، وأن الشاه اسماعيل الصوفي قرر ألا يحارب العثمانيين بعد هربه الأخير . وأثناء مقام سليم في قونية أخبرته الجواسيس بقدوم الغوري ، فسار سليم في نفس الطريق الذي اجتازه قبلا في حربه للصوفي بينما وصل الغوري إلى حلب [36].
4ـ ولم ينخدع سليم في حجة الغوري في المجيء ، وأدرك دقة موقفه العسكري ، فجيش المماليك جد قريب منه ، وهو الجيش الذي هزم قوات أبيه في الماضي ، ويمكن أن ينضم هذا الجيش إلى جيش اسماعيل الصوفي. وقد أعلن سليم في 30 جمادى الآخر 922 أن المماليك إنما خرجوا متجهين نحوه، فقرر مجلس حربه في 5 رجب 922( أن الحرب مع الغوري لا يمكن تفاديها، وأن على السلطان( سليم ) أن يصرف نظره مؤقتا عن متابعة حربه مع فارس )[37] . وهذا الموقف كانت له دوافعه، وقد تأكد العثمانيون من هدف الغوري من المجيء بنفسه وجنوده لحربهم ، وقد وقع في يد سليم كتاب بعثه الغوري إلى إسماعيل الصوفي يتضمن ( أنني معك عليه ، وممسك قطري حذرا من أن يفر إليه .. ) وأفاد الجواسيس أن الغوري طلب المساعدة من الشاه اسماعيل الصوفي ..
استنفد السلطان سليم كل الوسائل السلمية من شرح أهدافه للغوري حتى أنه خاطبه في رسالة بقوله ( أنت والدي أسألك الدعاء ) ويطلب فيها إعادة الود والصداقة وأنه مستعد لإعادة إمارة مرعش ـ إلا أن الغوري أصر على حجته، وان هدفه الصلح بين الصوفي وسليم، وطلب من سليم في نفس الوقت جميع الأراضي التي كانت سابقا لأمير مرعش ليحكمها ابنه الذي فر إليه ، واشترط على سليم أن يمتنع عن محاربة الصوفي ـ ولأن بعثة قراجة التي أرسلها سليم الى الغورى ، وخوّلها عقد الصلح مع الغورى ـ تعرف أن سليم لن يوافق على الشرط الأخير، فقد ترددت في موقفها أمام الغوري، فما كان من الغوري إلا أن اعتقلهم، أي أنه أظهر لسليم العداء، ثم أرسل من طرفه بعثة عسكرية إلى سليم بحجة عقد الصلح. وفهم سليم أن غرضه هو التهديد ، فأمر بقتلهم، لولا توسط وزيره يونس باشا .
تلك هي الظروف التي اكتنفت قرار الحرب في المجلس العثماني وظهرت الأمور واضحة بين الفريقين بإعلان سليم للحرب على الغوري وقوله له :ـ ( ولما كانت همتنا العالية وعزيمتنا القوية منصرفة إلى الديار الشرقية لإحياء الشريعة الغراء اتضحت لنا بعض تصرفاتك التي لا تليق، والتي قصدت بها تقوية ذلك الملحد المفسد ذي العادات السيئة الذي لا يدين بدين، فقصدت إليك ذاتنا الهيمايونية لأنك أسوأ منه) ..[38]
أى إنه حتى حين أعلن سليم الحرب على الغوري فإن إسماعيل الصوفي استحوذ على ذهنه .. ورسالته ..
5 ـ ولكن .. هل كان سليم يطمع في الاستيلاء على الشام ومصر ؟..
إن استقراء الحوادث التاريخية ينفى ذلك .
فليست لسليم أطماع حتى في ممتلكات غريمه إسماعيل الصوفي الذي لا يكف عن الاعتداء عليه في عقر داره ، والذي كان ظهوره قلبا في استراتيجية الدولة العثمانية المتجهة في فتوحها نحو أوربا المسيحية . وقد صرح سليم في رسالته للغوري في محرم 922 بأن غرضه من تأديب القزلباش ( كان لمجرد إظهار النواميس الإلهية والشرائع النبوية .. ولم يخطر ببالنا الشريف حقيقة طمع في المملكة أو استيلاء على الديار واكتفينا بتفريق شملهم وكسر أنوفهم ... ويعلم الله ـــ وكفى به شهيدا ــ أنه لم يخطر على البال قط طمع في أحد من سلاطين المسلمين أو في مملكته أو رغبة في إلحاق الضرر به. لم يحدث ذلك، لأن الشرع الشريف ينهى عنه ) [39] . وإذا كان هذا هو الحال مع الصوفي فكيف يطمع سليم في حين سابق ـ في الدولة المملوكية ؟
وبهزيمة الغورى ومقتله فى مرح دابق تساقطت أمام سليم العثمانى بلاد الشام التابعة للدولة المملوكية . وزين له عملاؤه ـــ ومنهم بعض المماليك الذين إنضموا اليه ــ أن يواصل زحفه الى مصر ويستولى عليها ـ ولكن بعث سليم يستميل طومان باى الذى تولى السلطنة فى القاهرة بعد مقتل الغورى . وطلب سليم دخول طومان باى فى طاعته مع احتفاظه بمُلكه ، وكرر هذه الدعوة بعد هزيمة طومان وفراره للصعيد. وقد رضي طومان بأن يحكم باسم العثمانيين ولكن قتل بعض المماليك رسل العثمانيين ففشلت الوساطة .
والواقع أن سليم كان متخوفا من توغله في الشام ومصر ، وحين أصيب ببعض الخسائر صاح في خايربك ( أنت أغررتني وطمعتني في أخذ هذا الإقليم فأنظر كيف وحين تصنع وتدبر نفسك كيف تتصرف. وإلا فهي براسك ) وحين أسر طومان باى قال له سليم : والله ما كان قصدي أذيتك ونويت الرجوع من حلب ولو أطعتني من الأول وجعلت السّكة والخطبة بأسمى ما جيت لك و لا دست أرضك ) [40] .
الصوفي وسليم بعد وفاة الغوري
ولا بد أن إسماعيل الصوفي قد فوجيء بالانهيار السريع للدولة المملوكية غنيمة سهلة أمام خصمه العثمانى اللدود. وهذا الأتساع الجديد للدولة العثمانية ـ علاوة على ما فيه من مكاسب لسليم ـ فقد سد الطريق أمام إسماعيل الصوفي للتوسع غربا. ولم يعد أمامه إلا مواصلة ما برع فيه من دسائس اعتمادا على أعوانه من الشيعة في سوريا ومصر. ولم ينقطع عن نشاطه حتى موته بعد عمر قصير لم يتجاوز ثمانية وثلاثين عاما سنة 930 .
ولقد أرسل الصوفي رسالة إلى سليم بعد عودته من القاهرة إلى دمشق مؤداها ( ملكت كثيرا من البلاد .! استوليت على مصر خاصة وأصبحت خادم الحرميين الشريفين ، والآن أرضك أرض الإسكندر . لقد زال ما كان بيننا ولن يعود مرة أخرى . عد إلى مملكتك وأعود أنا إلى مملكتي فلنصُن دماء المسلمين سويا . أنني سأحقق رغبتك ومنيتك أيا كانت ) ولم يطمئن سليم إلى هذه الرسالة المعسولة ورفض عقد الصلح مع الشاه إسماعيل وأرسل الصدر الأعظم بيري محمد باشا على رأس ألفى جندي إلى ديار بكر لمرقابة تحركات الشاه [41] .
وواصل الشاه اسماعيل الصفوى الصوفى مساعيه في الشام اعتمادا على ما فيها من شيعة ، دار بعضهم في أسواق دمشق يندبون الحسين ، وأعتقل جاسوس بدمشق أقر بأن إسماعيل عزم على التوجه إلى آمد .
وراهن إسماعيل الصوفي على أطماع الأمراء المحليين ، وبدأ بابن حنش الأمير العربي الشيعي المقيم في صيدا ، وعُرف بشدته، فاستعان به الأمير جان بردى الغزالي وسلمه دمشق ليصد عنها العثمانيين بينما تابع مع الأمراء مسيره إلى مصر . وقبل ابن حنش تحمل المسؤولية ولا سيما وقد وعده طومان باى بتوليته على الشام إذا نجح في ذلك وعينه واليا على حمص إلا أن الأهالي اتفقوا على التسليم فرضخ ابن حنش للأمر الواقع ، خاصة وأن الإمدادات المملوكية لم تصله . ولكنه لم يكن مخلصا لسليم العثمانى ، والذي أحس بخطره كشيعي فأمر بعزله والقبض عليه .
وفى تاريخ ابن طولون[42] المؤرخ المعاصر للأحداث رائحة علاقات خفية بين ابن حنش والشاه إسماعيل الصوفي والمماليك المهزومين الذين اختبئوا عنده. وأخيرا ، ثار ابن حنش ، وانضم لثورته أمير شيعي آخر هو ابن حرفوش في سهل البقاع وابن فخر الدين المعنى الدرزي ، واستفحل أمر الثورة بعد مغادرة سليم دمشق إلى حلب. وانتهت الثورة بمقتل ابن حنش وابن حرفوش وهزيمتهما على يد جان بردي الغزالي . وكان سليم لا يزال في حلب [43] ..
وجرب الشاه إسماعيل حظه مع جان بردي الغزالي نائب الشام من قبل السلطان العثماني ، فثار على أسياده الجديد وفشل أيضا . وذكر الجواسيس أن إسماعيل الصوفي أخبر الغزالي بأنه جمع حوالي اثنى عشر ألف جندي لمساعدته ، وعلم العثمانيون بتحركات الغزالي المشبوهة في المنطقة [44] ..
وامتد نشاط الصوفي إلى مصر عن طريق داعيته ظهر الدين الأردبيلي، الذي اصطحبه سليم بعد أن دخل تبريز أثناء قتاله مع إسماعيل ، فأخذه سليم معه إلى بلاده ، وعيّن له كل يوم ثمانين درهما. ومع ذلك عمل الأردبيلي لصالح سيده السابق اسماعيل الصفوى الصوفى ، فاستمال أحمد باشا مملوك سليم ووالى مصر إلى التشيه ، وجعله يثور على سيده سليم ، وتسبب في قتله بعد فشل ثورته [45]..
دور المتصوفة في الداخل وقت انهيار الدولة المملوكية
كتاب : أثر التصوف السياسى فى الدولة المملوكية
الفصل الثالث : أثر التصوف في انهيار الدولة المملوكي
دور المتصوفة في الداخل وقت انهيار الدولة المملوكية
انهار بناء الدولة المملوكية لتحالفها مع الشاه إسماعيل الصوفي ، وكان متوقعا أن يسارع الصوفية في داخل الدولة إلى نجدتها بحكم تحالفهم معها إلا أنهم على كثرتهم في نهاية العصر لم يقدموا نفعا للدولة في محنتها ، رغم كثرة ما قدمه الغوري وطومان باى في محنتهما من خدمات للصوفية لاستمالتهم وقت الشدة .
وان كان الصوفية في مصر قد تقاعسوا عن نجدة الدولة فان صوفية الشام ـ وحلب خاصة ـ تعاونوا مع العثمانيين ضد مصلحة الدولة الشرعية .. وسيتعرض البحث لتفصيل ذلك كالآتي :ـ
أ) ـ جهود الغوري في استمالة الصوفية :ـ
1ـ وصف ابن إياس آخر مولد نبوي أقامه الغوري للصوفية في مصر بأنه ( كان مشهودا وأبهج مما تقدم من الموالد الماضية، وأوسع في زينة الشرابخانة أكثر من كل سنة )[46] ، وقبل ذهابه الأخير أقام الغوري في خانقاه سرياقوس يوما وليلة بين الصوفية [47] ، وكان قد زار قبل ذلك أضرحة الشافعي والليث وتصدق في الصوفية هناك [48] ، بل أن جهد الغوري في استمالة الصوفية وصل إلى حد تقبيل يد الصوفي ابن عنان على مرأى من الشعراني [49] . القائل (.. وطلعت مرة مع سيدي أبى الحسن الغمري للسلطان الغوري في شفاعة فقام للشيخ وعضده من تحت إبطه وقال يا سيدي عززتني في هذا النهار فأنني ومملكتي كلها لا تفي حق طريقك .[50]
2ـ وفى حلب تابع الغوري سياسته في استمالة الصوفية بها ( فقرأ ختمة في الميدان الكبير بحلب حضرها الخليفة والقضاة ومشايخ الزوايا، وانعم على مشايخ الزوايا، لكل واحد منهم بخمسين دينارا، وانعم على الفقراء الذين سافروا صحبته ، لكل واحد منهم بعشرة دنانير، وأنعم على الفقراء الذين حضروا هذا الختم من فقراء حلب وغيرها ، لكل واحد منهم بخمسة دنانير )[51] .
ب) الصوفية المصريون مع الغوري في مرج دابق : ـ
1ـ اصطحب الغوري معه أعيان الصوفية المصريين رغم أنوفهم فحين عرض على خليفة البدوي الصحبة ( تعلل وأظهر أنه ضعيف ولا يقدر يسافر، فحنق منه السلطان، وألزمه بالسفر ولم يقبل له عذرا ) على حد قول ابن إياس [52]..وهكذا اصطحب الغوري معه ( السادة الأشراف القادرية والخلفاء الصوفية وابن شيخ مشهد السيدة نفيسة ).[53] . ووصل الغوري بحشوده العسكرية والصوفية إلى الشام. وشاهد المؤرخ الشامي ابن طولون مشايخ المتصوفة مع الغوري وذكر أسماءهم .[54]
2ـ واكتسب جيش الغوري المظهر الصوفي في معركة مرج دابق ، وذلك بترتيب الغوري نفسه، فجعل حوله أربعين مصحفا ( في أكياس حرير اصفر على رءوس جماعة أشراف . وكان حول السلطان جماعة من الفقراء ، وهم خليفة البدوي ومعه أعلام حمر ، والأشراف القادرية ومعهم أعلام خضر، وخليفة الرفاعي ومعه أعلام صفر. والشيخ عفيف الدين خادم السيدة نفيسة بأعلام سود ) فكان المنظر أقرب ما يكون إلى موكب المولد النبوي ، وحين هزم الغوري وهرب من حوله ( التفت للفقراء والمشايخ الذين حوله وقال له ادعوا الله تعالى بالنصر فهذا وقت دعاكم .. وفقد المصحف العثماني وأعلام الفقراء وصناجق الأمراء ) [55]..
وبعد تمام الهزيمة زجر السلطان سليم القضاة لأنهم لم يوجهوا سلطانهم التوجيه الصحيح، وأمر بقتل حملة الأعلام والمصاحف ومشايخ الطرق الصوفية [56]..
صوفية الشام بين الغوري والعثمانيين
1ـ قام بعضهم بمساندة العثمانيين في الشام بالرغم مما بذله الغوري لهم في حلب ، فقد أرسل صوفيتها إلى سليم يعرضون عليه الولاء والطاعة قبل حدوث المعركة ويقولون :( أن تخليصنا من يد الجراكسة بمثابة خلاص لنا من يد الكفار ) ،ويطمئنونه على ولائهم إذا دخل حلب، ويتعهدون بالوقوف إلى جانبه إذا هاجمه الغوري [57].. وقابل وفد منهم السلطان سليم، وسلموه مفتاح المدينة، فسلّمت جميع توابع المدينة [58]..
2ـ هذا في الوقت الذي نشط فيه الصوفية الأعاجم للتجسس لصالح العثمانيين ، فورد في رسالة سرية من حاكم الرها إلى سلطانه سليم (.. جاء إلى عبدكم أيضا رجل كردى يدعى الشيخ أحمد .. وحلف اليمين سرا ثم قال .. أن القزلباش سيعاونون السلطان المملوكي في الاستيلاء على القلعة، ويعتقد أهالي هذه القلعة أن السلطان المملوكي سيأتي إلى حلب، ثم يبعث برجل إلى القلعة، وفى هذه الحالة يسلمونها له ..ويجيب الشيخ أحمد على ذلك قائلا أنى أرى في هذه الحالة أنه من الواجب القبض على الرجل بسرعة واحتجازه في القلعة .. أرسلت إلى عتبتكم السعيدة الشيخ أحمد المذكور ) [59] .أي أن ذلك الصوفي لم يتجسس فقد وإنما شارك بالرأي .. وبهذا بكّر صوفية حلب بالتعاون مع العثمانيين وجاراهم الصوفية في بقية الشام :ـ
3ـ حيث تم تعاونهم مع العثمانيين على النحو التالي :ـ
أ ـ في بداية المعركة وقف الصوفية الظاهرون مع المنتصر دون تعيين بالاسم وذلك في وقت لم تعرف فيه نتيجة المواجهة يقول ابن طولون ( اجتمع في دمشق القضاة الأربعة والشيخ عبد النبي ومن يلوذ به من المرائين في جامع بنى أمية ، وقرأوا سورة الأنعام ودعوا للسلطان وعسكره و ألسنتهم ناطقة بالدعاء لمن قصده بالخير منهما ) [60] أي دعوا للمنتصر ..
ب ـ وبعد انتصار سليم في مرج دابق بدأ التعاون بينه وبين الصوفية في الشام يأخذ مجراه الطبيعي فذكرت لقاءات غامضة بينهم . يقول الغزي في ترجمة الشيخ البدخشي ( لما فتح السلطان سليم دمشق ذهب إلى بيت الشيخ المذكور مرتين وفى المرة الأولى لم يجر بينهما كلام ) [61]. وأنكر على الشيخ عبد النبي ذهابه مع الصوفية لمقابلة سليم .. ومع ذلك فقد كان سليم حريصا، فلم يجتمع بهم لما يعرفه عنهم من تعاون سابق مع المماليك ، لذا فإن عساكره حينما هاجمت دمشق ( لم يوقروا صغيرا ولا كبيرا ولا أهل القرآن ولا أهل العلم ولا الصوفية ) [62] كما يقول ابن طولون .
جـ ـ وآتت هذه الشدة أكلها، فقدم الصوفية المزيد من المساعدات المعنوية للعثمانيين تقربا لهم فأجاد ( ابن الفرفور في خطبته ،وذكر فيها السبعة الذين يظلهم الله بظله ومنهم الأمام العادل، وطبّق ذلك على ملك الروم مسجعا ، وذكر في الخطبة الثانية نسبه الدعاء له ولقبه بالملك المظفر. وصرح بأنه سلطان الحرمين وقبل الخطبة قرأ مؤذن الجامع عشرا من القرآن وقرأ الحافظ التبريزي عشرا من سورة مريم بصوت لطيف على طريقة العجم )[63]
أى الصوفية الأعاجم . وهكذا نظمت صلاة الجمعة كحفلة نفاق للسلطان العثماني، وبادر ابن الفرفور فلقب سليم بالملك المظفر وأعطاه السلطة على الحرمين . وهذه المبادرة من جانب الصوفية بالدعاء للسلطان سليم في الخطبة والدعاية له كانت مسوغا لمعاملة الصوفية معاملة خاصة، ففرّق العثمانيون بينهم المال الكثير .
دـ ــ وبذلك بدأ التعاون بين الفريقين يأخذ الصورة الجدية العلنية ، فكان الصوفية في الشام خير معين لسليم أثناء حربه مع طومان باي في مصر. يقول ابن طولون ( وردت مطالعة من نقيب الجيش إلى الشيخ عبد النبي بالإنكار عليه لمساعدة العثمانيين وتأييد ملكهم مع كونه خارجيا )[64]..
وفى هذا الوقت بدأت منامتهم الصوفية تأخذ مكانها كسلاح دعائي مع العثمانيين ، فأخبر ثلاثة منهم بأنهم رأوا النبي عليه السلام في المنام يأمرهم أن يذهبوا إلى ابن الكيال الواعظ ليجمع الناس ويدعوا للسلطان المظفر سليم بن عثمان ، ثم يتوجهوا بعد ذلك الواعظ ابن عراق و يفعلوا نفس الشيء: ( وغلب على رأى العقلاء أن هذه الرؤية مصطنعة من ابن الكيال وأنه بذل للرائين دراهم في مقابلة ذلك ) على حد قول ابن طولون .. [65] . والمهم أن الرؤيا المزعومة تحبذ جمع الناس أي تعقد اجتماعا عاما في مكانين مختلفين لتأييد العثمانيين بحجة أن النبي يأمر بذلك ..
وفى منام آخر يصف الصوفي سليما بأنه ( هذا الملك قد نُصر بالرعب مسيرة شهر، فأخذ الرائى العجب ، وقال أن هذا مخصوص بسيد العرب والعجم فلولا أنه على قدم الرسول ما أعطى هذا الأمر المهول ولا مانع من ذلك ، إذ الكرامة في حق الأولياء معجزة للأنبياء كما حققه الرائي في منامه ) [66] أي جعلوا من سليم وليا على قدم الرسول عليه السلام ينصر بالرعب مسيرة شهر حسب الحديث المشهور فى البخارى.
هـ ـ وأشيع في الشام هزيمة العثمانيين في مصر ، فتشجع أتباع المماليك في الشام ، فتصدى لهم الصوفية بالدعوات في المساجد والمنامات ( وتضرعوا أوقات الخلاوات...ثم في غضون ذلك قام رجل صالح بصالحية دمشق خطيبا وأعلن القول بما رآه في سنة الكرى ( أى المنام )ممتثلا أمر المصطفى صلى الله عليه وسلم ومجيب وهو ( أنه قال يا رسول الله الناس في أمر مريج واختلاق باطل وضجيج، فأجابه عليه الصلاة والسلام بأن السلطان ابن عثمان ملك مصر والقاهرة، وأمره أن يشهر هذا في الخطبة على رءوس الأشهاد ويذكره . فلما قرر الخطيب ما أمره به كثر اللغط من الشياطين عليه .. ) ( .. وكانت الرؤيا الصالحة ردعا للمفسدين . ثم في الليلة الثالثة رأى رجلا آخر موسوما بالصلاح ... النبي المختار فقال له مثل ما قال للرائي الأول وسأله أحقا ما يقول الخطيب عنك يا نبي الله قال نعم وعليه المعول ...
وما نطق به بعض المجاذيب والأولياء أبلغ نهاية من أن تستقصى ) [67] ..
هذا ما أورده اللخمي في سيرة سليم مؤيدا له ولأتباعه. ونستشف مما قاله أن الصوفية في الشام في هذه المرحلة أظهروا تأييدهم علنا للسلطان سليم في وقت لم يتأكدوا من نتيجة معاركه في مصر. وتلك ظاهرة غير عادية في التحرك الصوفي . كما يظهر من كتابات اللخمي وجود أنصار للمماليك في الشام يصفهم بقوله الشياطين ـ إلا أن جهدهم لم يثمر في مواجهة تلك الدعاية المنظمة من الصوفية والتي تبدوا واضحة بتأييد المنامات بعضها للبعض ..
( ب ) طومان باي واستمالة الصوفية : ـ
1ـ ( في مصر ) راحت جهود طومان باى عبثا في استمالة الصوفية مذ كان أميرا للغيبة والغوري في مرج دابق( فتصدق الأمير الداودار طومان باى في مصر على الفقراء بمبلغ له صورة ، ورسم بقراءة ختمات في جميع الأسواق للدعاء للسلطان بالنصر )[68] وبعد توليه السلطنة جعل للصوفية في مصر النفوذ الأكبر في أيامه القليلة ـ ومع ذلك رتبوا أمورهم للتعامل مع العثمانيين ..
2 ـ بعد مقتل الغوري ( ظلت البلاد بدون سلطان نحو خمسين يوما، فلما دخل الأمراء للقاهرة اجتمعوا على تولية طومان باى ،فامتنع ،فاستعانوا بالشيخ أبى السعود الجارحى ، فحلفهم على المصحف بألا يخونوه ويرضون بقوله وفعله ، ثم حلفهم على ألا يظلموا الرعية .. فحلفوا على ذلك ) [69] يقول باحث : ( ولهذا الحادث دلالاته من حيث إيثار الجارحى على شيخ الإسلام ومفتى الديار وفقهاء المذاهب وسائر العلماء) ..[70]
3ـ ولقد مارس الصوفي أبو السعود الجارحى نفوذه كما يتمنى ؛ فقد وقع خلاف بين الزيني بركات المحتسب وبين أحد الدلالين ، واستجار الأخير بالشيخ الجارحى، فشفع فيه، فلم يقبل شفاعته، فأرسل الشيخ للمحتسب فحضر ووبخه وقال له :( يا كلب.!.. كم تظلم المسلمين، فحنق منه المحتسب، فقام . فأمر الشيخ بكشف رأسه وضربه بالنعال حتى كاد يهلك ، ثم أرسل للأمير علان الداودار الكبير ، وأمره بأن يضعه في الحديد ويشاور السلطان عليه .. فأشار السلطان بأن يعمل فيه الشيخ ما يرى .. فأمر الشيخ بإشهاره في القاهرة ثم بشنقه على باب زويلة فأخرجوه من زاوية الشيخ وهو ماش مكشوف الرأس وهو في الحديد وهم ينادون عليه . ثم عاود الشيخ في أمره بأن عليه مالا للسلطان ومتى شنق ضاع على السلطان ماله ، فعفا الشيخ عنه من القتل )
وقد تعجب ابن إياس من فعل الشيخ مع ابن موسى المحتسب. وأنكروا على الشيخ الجارحى فأطلق المحتسب من الاعتقال ( وأظهر أنه قد رضي عليه ) وصار الشيخ ( يتصرف في أمور المملكة عزل وولاية )[71]
4 ـ ولم يترك طومان باى وسيلة لإرضاء المتصوفة إلا وبذلها ، وقد رأى الشعراني بعينه السلطان طومان باى يقبل بفمه رجل الشيخ محمد عنان والشيخ ( ماد رجله لم يضمها )[72] وعندما غرق الشيخ ابن الكركى تردد طومان باى إلى بيته وذهب ماشيا إلى جنازته [73] ، واخلع طومان باى على ابن خليفة احمد البدوي الذي قتله سليم ( فقرره عوضا عن أبيه في الخلافة، فنزل من القلعة في موكب حافل وعلى رأسه الأعلام وقدامه سائر الفقراء في الزوايا والمزارات بالقرافة وغيرها ،وفرّق عليهم القمح، لكل زاوية خمسة أرادب ، وقرأ عدة ختمات في المزارات ) [74] .
واستجداء معونة المتصوفة لم يقتصر على السلطان بل تعده إلى أعيان الناس ( وقد نقل أعيان الناس قماشهم إلى التراب وإلى المدارس والزوايا والمزارات وإلى بيوت العوام ) [75].
5 ـ وكانت المؤسسات الصوفية مسرح العمليات العسكرية بين المماليك والعثمانيين حيث لجأ إليها جند المماليك كمستجيرين. وقد هجم العثمانيون على زاوية الشيخ عماد الدين وقبضوا على المماليك المختبئين فيها ، واحرق العثمانيون البيوت التي حول الزاوية، ونهبوا قناديلها ، والحصر التي فيها. وبعد هزيمة طومان باى فى الريدانية( مكانها الآن مدينة نصر ): ( شرعت العثمانية تقبض على المماليك الجراكسة من الترب ) أما طومان باى فقد( نزل في جامع شيخو وصار يكرُّ من الصليبية إلى قناطر السباع .. في ذلك الوقت طلعت طائفة من العثمانيين من على القرافة الكبيرة وملكوا من باب القرافة إلى مشهد السيدة نفيسة، فدخلوا إلى ضريحها، وداسوا على قبرها، واخذوا قناديلها الفضية والشمع الذي كان عندها وبسط الزاوية، وقتلوا في مقامها جماعة من المماليك ) . ثم هاجم العثمانيون الصليبة واحرقوا جامع شيخو الذي احتمى به طومان باى .. ثم صاروا يهاجمون الجوامع ليأخذوا منها المماليك ( فهجموا على جامع الأزهر وجامع الحاكم وجامع ابن طولون وغير ذلك من الجوامع والمدارس والمزارات ويقتلون من فيها من المماليك [76] )
واستعذب العثمانيون نهب الأضرحة: ( وبعد الأمان هجم العثمانيون على مقام الإمام الشافعي ونهبوا ما فيه من البسط ومن القناديل في حجة (قتل) المماليك الجراكسة، وكذلك مقام الإمام الليث [77] )
ومن الطبيعي أن تكون هزيمة المماليك هزيمة للمتصوفة المصريين فالمولد النبوي ( لم يشعر به أحدا من الناس وبطل ما كان يعمل في ذلك اليوم ،وما كان يحصل من الشقق ( القماش ) والأنعام في تلك الليلة فبطل ذلك جميعه ، وأشيع أن ابن عثمان لما طلع إلى القلعة وعرض الحواصل التي بها فرأى خيمة المولد فأباعها للمغاربة بأربعمائة دينار ) [78].. ومن الطبيعي أن يتدارك الصوفية في مصر وضعهم فيعملوا على خطب ود السلطة الجديدة حتى لا تعتبرهم أعداء لها . وذلك يستحق وقفة فيما بعد .
6ـ وهناك أثر صوفي غير مباشر في انهيار قوة المماليك أمام العثمانيين ، ونعنى به ضعف مدفعية المماليك بالمقارنة بالمدفعية العثمانية التي حسمت المعركة لصالح العثمانيين ، فقد زرع سليم مقدمة جيشه بالمدفعية وحماها بمتاريس من العربات . ولعبت هذه المدفعية دورها حين اجبر المماليك العثمانيين على الفرار مخلفين ورائهم الغنائم فانشغل المماليك بجمع الأسلاب، فحصدتهم المدفعية العثمانية وأحدثت ارتباكا في صفوفهم مكن العثمانيين من إعادة تنظيم صفوفهم . ولقد عزا معظم المؤرخين النصر العثماني إلى المدفعية التي كانوا يمتلكونها [79] ، فقد بلغت ما بين ( 300: 500) مدفع بينما كان المماليك لا يقتنون منها شيئا [80]، ولم يحاول المماليك الاستفادة من استعمال العثمانيين للمدافع بمهارة في حربهم مع حسن الطويل ومع الصفويين مع ما أسفرت عنه من نتائج حاسمة ، وكان لدى المماليك الوقت الكافي للاستفادة منها بتطوير جيوشهم وتنظيمها .[81]
ولم يكن الجيش المملوكي ضعيفا وإلا ما كان سعيه إلى حلب مهددا للعثمانيين. وقد سبق لهذا الجيش أن هزم العثمانيين ـ إلا أن الظروف الحربية تغيرت بظهور المدفعية كاتجاهات متطورة ادخلها العثمانيون بينما تمسك المماليك ـــــ بدافع التقليد الذي أشاعه التصوف ــــــــ بالأسلحة التقليدية واعرضوا عن التطوير الحربي .. وعندما اسر سليم طومان باى قال له الأخير محتجا ( لما أن عجزوا عن ملاقاة عساكر الإسلام جيت بهذه الحيلة التي تحيلت بها الإفرنج التي لو رمت بها المرأة قتلت .. وكذلك نحن قوم لا نترك سنة نبينا وهو الجهاد في سبيل الله تعالى بالسيف ، وقد جانا بهذه البندقية واحد مغربي للسلطان الغوري وأخبره بأن هذه البندقية ظهرت من بلاد البندقية فجربها وقال للمغربي نحن لا نترك سنة نبينا ونتبع سنة النصارى ) [82] ..فالغورى وطومان باى يعبران عن الحياة العقلية في العصر المملوكي والتي أرهقها التصوف بالتقليد والجمود بدعوة التمسح بالدين .
جـ ـ سياسة المتصوفة مع العثمانيين بعد انهيار الحكم المملوكي
وضح من تتبع علاقة العثمانيين بصوفية حلب أن العثمانيين احتاجوا وقتا ليتأكدوا من إخلاص الصوفية في حلب لهم مع ما قدمه أولئك لهم من خدمات ، وحتى جاء الوقت الذي اقتنع فيه العثمانيون بصدق إخلاص أولئك الصوفية قاسى الكثيرون من غلظة العثمانيين الفاتحين الذين لم يوقروا صغيرا ولا كبيرا ولا أهل العلم ولا الصوفية ) كما قال ابن طولون سابقا .
والأمر هنا في مصر سيكون أصعب بالنسبة لصوفيتها ، فهم أكثر التصاقا بالحكم المملوكي البائد، وما مرأى الغوري والصوفية حوله عن السلطان العثماني ببعيد ودماؤهم في مرج دابق لم تجف بعد . والمنتظر أن يعامل الفاتحون الجدد الصوفية بإرهاب يعبر عنه الشعراني :ـ بقوله ( اخذ علينا العهود إذا عملنا مشايخ على فقراء في زاوية أو على خرقة من الخرق المشهورة أن نفرّ من طريق الناموس جهدنا، ولا نمكن أحدا من الفقراء يقف بين أيدينا غاضا طرفه كما يقف في الصلاة ، ولو أن ذلك كان من عادة ذلك الفقير مع شيخ قبلنا فنأمره بأن يخالف عادته إذا حضر ، لأن هذه الأمور لا تناسب فقيرا ، وربما جره ذلك إلى النفي من بلده كما وقع للشيخ أويس بالشام والشيخ على الكارزوني بحلب ... والقانون العثماني أن كل من تظاهر بصفات الملوك وعارض أركان الدولة فيما يفعلونه يحبسونه أو ينفونه لخوفهم أن تكثر أشياعه فينازع السلطان في مملكته. نسأل الله اللطف..!! ) [83]
ولم يكن منتظرا في جو الإرهاب هذا أن يخالف شيخ صوفي القانون العثماني فيكثر أتباعه ويعظم نفوذه كما حدث في الدولة المملوكية ، وإنما انحصر جهد الصوفية المخضرمين ـــــ ممن حضروا الدولتين ــــ في التقرب للعثمانيين بادعاء كراهيتهم للغوري ودولته وأن إزالة ملكه كان بتأثير دعواتهم وكرامتهم التي صوروا فيها الغوري ظالما تاركا للجهاد ، فالشعراني نسب كرامة لابن عنان أنقذ بها الشريف بركات من انتقام [84] الغوري وأن الغوري حين سافر لحرب سليم جاء الشيخ الزواوي القاهرة ليرد ابن عثمان عن مصر ( فعارضه الأولياء وأخذه البطن ومات في الطريق ) [85] ، ونقلت المراجع العثمانية[86] هذه الأسطورة دليلا على تصديقها وما توحي به من ميل صوفية مصر للعثمانيين وما فيها من توافق بين موت الزواوي وتاريخ الفتح لمصر .
ونسبوا للشيخ الديروطي أنه (حطّ على الغوري في ترك الجهاد وعنفه ، وما رؤى أعزمن الشيخ في هذا المجلس ولا أذلّ من السلطان فيه ) [87]
ونسب للصوفي ابن أبى شريف أنه ( عارض الغوري في واقعة فما أفلح الغوري بعده، وسُلب ملكة، وكان الناس يقولون جميع ما وقع للغوري ببركته )[88] .
وادعى آخرون منامات رأوا فيها الملائكة يكنسون بأيديهم الجراكسة من ارض مصر [89] ، وتناقلت المراجع العثمانية المخضرمة حكاية الصوفي الذي ظلمه جندي من جنود الغوري فدعا على الجندي وعلى سلطانه وأن تلك الدعوة كانت سبب انهيار ملك الغوري بعد قليل [90] .
ولم يتورع بعضهم عن إسناد علم الغيب لنفسه أو لأشياخه خاصة أولئك الذين ماتوا إبان الفتح العثماني أثناء المعارك وأكثرهم من المجاذيب[91] نسبوا إليهم الأخبار مسبقا بأخذ سليم لمصر [92] مع أن الغيب لا يعلمه إلا الله جل وعلا ..
وتزلف آخرون للعثمانيين بشتى الطرق فيقول الشعراني مثلا ( وما رأيت أحدا من علماء الشرع يفتش على ما أندرس من معالم أخلاق الشريعة المحمدية نصرة لرسول الله عليه السلام كما فعل جماعة مولانا السلطان نصرة الله ) .
واستجاب العثمانيين له بع"_ftn1" title="">
[1]مخطوطة تكسير الأحجار : دار الكتب 404 مجاميع تيمورية رقم 6 .
[2]مقدمة ابن خلدون 473 .المطبعة التجارية ..وانظر 475 .
[3]راجع التفاصيل في كتاب الصلة بين التصوف والتشيع .ط. دار المعارف 1969 .وانظر كتابه الفكر الشيعي والنزعات الصوفية مكتبة النهضة ببغداد ..
[4]( السني ) و( الشيعي أو الرافضي ) كان يقصد بها في العصر المملوكي المذهب السياسي ، وفقد مدلولها العقائدي حيث سيطر التصوف على الطائفتين من أهل السنة والشيعة فكانت الدولة المملوكية الصوفية السنية تحارب الشيعة حتى ولو تصوفوا ..
[5]أخبار القرن العاشر مخطوط 41 ، تاريخ القدس مخطوط 67 .
[6]أحمد فؤاد متولي .الفتح العثمان256
[7]ليلى الصباغ . الفتح العثماني في سورية 27 : 28 .
[8]احمد فؤاد متولي . الفتح العثماني 256
[9]ليلى الصباغ . 29 .
[10]ليلى الصباغ 30 : 31 .
[11]تاريخ ابن إياس 4/ 39 ، 118 .
[12]تاريخ ابن إياس 4/ 39 ، 118
[13]تاريخ ابن إياس 118 : 123
[14]تاريخ ابن إياس 118 : 123
[15]تاريخ ابن إياس 4/ 191 ، 205
[16] تاريخ ابن إياس 4/ 191 ، 205
[17]تاريخ ابن إياس 4/ 219 : 221 ، 257 ، 260 ، 265 ، 271
[18]تاريخ ابن إياس 4/ 152 :167 ، 186 : 187 .
[19]تاريخ ابن إياس 4/ 196 ، 285
[20]تاريخ ابن إياس 4/ 196 ، 285 .
[21]أنباء الغمر 3/ 499: 500
[22]تاريخ ابن إياس 4 / 289 ، 324
[23]احمد فؤاد متولي : الفتح العثماني لمصر : 63
[24] احمد فؤاد متولي : الفتح العثماني لمصر ... الملاحق 323 ، ص 45 : 46
[25]تاريخ ابن إياس 5 / 35 ، 38
[26]زيادة : المجلة التاريخية 4/1/215
[27]الكواكب الثائرة 1/ 297
[28]احمد فؤاد متولي الفتح العثماني 47
[29]ليلى الصباغ الفتح العثماني لسوريا 50
[30]تاريخ ابن إياس 5/22
[31]تاريخ ابن طولون 2 /23
[32]تاريخ ابن إياس 4/ 462 : 463
[33] تاريخ ابن إياس 4/ 398 . 399 ، 402 : 404
[34]الفقيتاريخ سليم والغوريمخطوط 13 ، 14 رقم 376 ، تاريخ تيمور ، تاريخ المقدسي مخطوط 67 ، 68 رقم 2026 تاريخ مرعى الحنبلي مخطوط 133 :134 ، البكرى ولاة مصر مخطوط 22 رقم 2407 تاريخ تيمور عيون الأخبار مخطوط 2/ 533
[35]تاريخ ابن إياس 4 / 471 : 475 ، 483
[36]فؤاد متولي 128 ، 145
[37]ليلى الصباغ الفتح العثماني لسوريا 66
[38]احمد فؤاد متولي : الملاحق في كتابه 155 ، 152
[39]احمد فؤاد متولي : الملاحق في كتابه 127 : 128
[40]ابن زنبل الرمال الغوري وسليم 70 ، 133 : 136 ط 62 .
[41]فؤاد متولي المرجع السابق 232 .
[42]تاريخ ابن طولون 2/ 78 : 79 ، 74 : 75
[43]ليلى الصباغ 75 : 78 ، 118
[44]احمد فؤاد متولي 244 :245
[45]الكواكب الثائرة 216 ، 159
[46]تاريخ ابن إياس: 5 /24 : 25
[47]تاريخ ابن إياس: 47 : 38
[48]تاريخ ابن إياس: 4 / 382
[49]قواعد الصوفية 1/ 19 تحقيق طه سرور ط1
[50]قواعد الصوفية 1/ 19 تحقيق طه سرور ط1
[51]تاريخ ابن إياس 5 / 63 تاريخ ابن زنبل الرمال 14 ، وتاريخ الفقي30 .
[52]تاريخ ابن إياس 5 / 66
[53]تاريخ ابن إياس 5 / 34
[54]تاريخ ابن طولون 2/ 15
[55]تاريخ ابن أياس5/ 68 : 71
[56]تاريخ ابن زنبل الرمال 105
[57]احمد فؤاد متولي الفتح العثماني 126 ، 127 ، 137 ، 164
[58]احمد فؤاد متولي الفتح العثماني 126 ، 127 ، 137 ، 164
[59]احمد فؤاد متولي الفتح العثماني 126 ، 127 ، 137 ، 164
[60]تاريخ ابن طولون 2/ 23
[61]الكواكب الثائرة 1/ 89 وتاريخ ابن طولون 2/ 36
[62]تاريخ ابن طولون 2/ 32 ، 34 ، 35 ، 36
[63]تاريخ ابن طولون 2/ 32 ، 34 ، 35 ، 36
[64]تاريخ ابن طولون 2/ 42 ، 63
[65] تاريخ ابن طولون 2/ 42 ، 63
[66]اللخمي.. سيرة سليم .. 9 تحقيق ارنست القاهرة 1962
[67]اللخمي.. سيرة سليم 16 ، 17
[68]تاريخ ابن إياس 5/ 66
[69]تاريخ ابن إياس 5 / 85 ، 103 ، 104
[70]توفيق الطويل . التصوف في مصر 48
[71]تاريخ ابن إياس 5 / 112 : 115
[72]البحر المورود 243 ، قواعد الصوفية 1/19
[73]شذرات الذهب 8 / 104
[74]تاريخ ابن إياس 5 / 117 ، 128 ، 139 ، 154 ، 156 ، 160
[75]تاريخ ابن إياس 5 / 117 ، 128 ، 139 ، 154 ، 156 ، 160
[76] تاريخ ابن إياس 5 / 117 ، 128 ، 139 ، 154 ، 156 ، 160
[77] تاريخ ابن إياس 5 / 117 ، 128 ، 139 ، 154 ، 156 ، 160
[78]تاريخ ابن إياس 5/ 172
[79]ليلى الصباغ المرجع السابق 70 ، 71، 73، احمد فؤاد . الفتح العثماني : 158 ، 254 .
[80]ليلى الصباغ المرجع السابق 70 ، 71، 73، احمد فؤاد . الفتح العثماني : 158 ، 254 .
[81]ليلى الصباغ المرجع السابق 70 ، 71، 73، احمد فؤاد . الفتح العثماني : 158 ، 254 .
[82]الفقيتاريخ سليم والغوري مخطوط 46 .
[83]البحر المورود 328
[84]الطبقات الكبرى 2/ 105 ، 126
[85]الطبقات الكبرى 2/ 105 ، 126
[86]شذرات الذهب 8/ 107 ، والكواكب السائرة 1/ 153
[87]الطبقات الكبرى 2/ 157
[88]الشعراني الطبقات الصغرى 46 ط 1
[89] عيون الأخبار مخطوط 2 / 535 تاريخ مرعى الحنبلي مخطوط 118 ، 119
[90]شذرات الذهب 8 / 114 تاريخ المقدسيمخطوط 60 ب ، أخبار القرن العاشر 190 : 191 عيون الأخبار مخطوط 2 / 535
[91]المناويالطبقات الكبرى مخطوط 388 .
[92]الكواكب السائرة 1/ 93 ، 167 ، 259 ، 287 الطبقات الكبرى للشعراني 2 / 129
[93]تنبيه المغترين 3، 4
[94]الكواكب السائرة 288
خاتمة كتاب: أثر التصوف السياسى فى الدولة المملوكية
خاتمة كتاب: أثر التصوف السياسى فى الدولة المملوكية
الدرس المستفاد من تحالف المتصوفة ( رجال الدين ) مع حُكام العسكر المماليك
1 ــ من بؤس أى شعب أن يقوم الجيش المدافع عن الشعب بالتحكم فى الشعب . نقول التحكم وليس الحكم ـ لأن حكم العسكر بما هو معروف عنهم من غلظة وقتل وقتال وتعامل مع السلاح والدم يؤسّس نظرتهم لغير العسكريين ، أى الشعب ، فيصبح الشعب أسيرا لدى العسكر ، والعسكر بهذا لا يحكمون الأسرى لكن يتحكمون فى الأسرى . هذه هى نظرة العسكر لو تحكموا فى شعب ما ، وحكموه بمنطقهم العسكرى ، وهم يختكرون السلاح ، ويمنعون الشعب من إستعماله حتى فى مقاومة جيش عدو مهاجم .
2 ــ فى العصور الوسطى كان البؤس مُعتادا ، سواء من حُكم خليفة أو نظام عسكرى ، إذ كان الاستبداد هو ثقافة العصر يعيش عليها ويتعايش معها كل شعب فى الغرب والشرق . أما الان فى عصر الديمقراطية وحقوق الانسان وثورة الاتصالات والمواصلات وحرية التعبير على الانترنت فقد أصبح البؤس مؤلما وغير محتمل ، وأصبح ضحايا المستبدين بين نارين : الخضوع للمستبد القائم وصراعه مع حركة معارضة أكثر إستبدادا ، أو الثورة على هذا الحاكم وتحمل النتائج بتقديم آلاف الضحايا ، مع ما يستلزمه هذا من حرص حتى لا يختطف الثورة كلاب الصيد من بقايا المستبد أو من خصومه . هذه هى تجربة ما حدث وما يحدث فى الربيع العربى الملتهب فى مصر وسوريا واليمن والعراق وتونس..وما سيحدث فى الجزيرة العربية والخليج والجزائر والسودان . وغيرها.
3 ــ المستفاد من أثر التصوف السياسى فى الدولة المملوكية العسكرية أن المستبد ـ وخصوصا المستبد العسكرى ـ يحتاج الى طُغمة من رجال الدين الأرضى ، يركبها ، وهى تركب الشعب . هى فى الوسط ، هى راكبة ومركوبة ، تتمتع بتقديس الشعب الجاهل وبأنها واسطته لدى المستبد . وكونها فى الوسط ( راكبة ومركوبة ) فبضاعتها النفاق وفنّ الاسترزاق ممن يركبها وممن تركبه . وهذا الوضع يجعلها أسرع فى التخلى عن الحاكم لو فقد سلطانه ، فهى تهتف له فى سطوته وتُنكره فى محنته . وبنفس الحال مع النظام بأكمله ، سرعان ما تتخلى عنه وتقدم خدماتها للنظام الجديد حتى لو كان غازيا مُحتلّا . وهذا ما فعله الصوفية مع كل سلطان مملوكى فى محنته ، وما فعلوه مع المماليك فى صراعهم مع العثمانيين .
4 ــ وما فعله الصوفية فى الدولة المملوكية لا يختلف عما فعله ويفعله شيوخ الأزهر فى العصر الحديث . كانوا مركوبين من الملك فاروق ، وقد إصطنعوا له نسبا شريفا يصله بالنبى محمد عليه السلام ، ثم ركبهم عبد الناصر واستخدمهم فى سياسته فأطاعوه ، وفى صراعه مع اسرائيل هنتفوا بين يديه بالآية الكريمة ( وأعدوا لهم ما إستطعتم من قوة ) . وجاء السادات بسياسة مختلفة فهللوا له وللصلح مع اسرائيل يقولون ( وإن جنحوا للسلم فإجنح لها ) . وركبهم مبارك فكانوا نعم الركوبة . وشيخ الأزهر الحالى كان عضوا فى لجنة السياسات مركوبا لجمال مبارك ، وظل على ولائه لمبارك حتى إذا تيقن إذا سقط إنتقل الى خدمة المجلس العسكرى ، وبعده إنحاز الى الاخوان ورئيسهم مرسى مع إحتقار الاخوان العلنى له ، وهو الان مركوب من الرئيس السيسى ، ولو عاش بعد السيسى سيكون مركوبا ممن سيأتى بعده .
5 ــ فى كل الأحوال فهذه الطُّغمة من رجال الدين لا دين لها سوى البقاء فى المنصب والتمتع بحُطامه الدنيوى على حساب الدين الالهى أو حتى الدين الوضعى الأرضى ، وعلى حساب الأخلاق وعلى حساب الشعب ، وحتى على حساب المستبد نفسه ، ليس فقط لأنهم يتخلُّون عنه فى محنته ، بل أيضا لأنهم لو لمسوا ضعفا من هذا المستبد فسرعان ما يتآمرون عليه ، بل قد يطمحون للجلوس مكانه .
6 ــ الأزهر منذ إنشائه على يد الفاطميين ـ وحتى الآن ـ وهو مركوب للسلطة ، سواء كانت شيعية فاطمية أو مملوكية عسكرية أو عثمانية ، أو من أسرة محمد على أو من العسكر المصرى الذى يدمّر مصر منذ 1952 . شيوخ الأزهر من خدم السلطة لم ينتفضوا ضد الظلم والفساد ولم يأبهوا بحال الشعب المقهور الذى يدمّر مصر منذ 1952 . شيوخ الأزهر من خدم السلطة ليس لهم على الاطلاق سجل فى الاجتهاد العلمى أو الاصلاح الدينى ، سجلهم الوحيد الذى يتفوقون فيه منذ أكثر من ألف عام هو كونهم حميرا للسلطان القائم ، يتنافسون فى إرضائه طالما كان قويا ، فإذا سقط إنفضوا عنه ليرقصوا فى موكب السلطان القادم . لا يهمهم إسلام ولا سنة ولا تشيع ولا تصوف ولا أخلاق ولا مظاليم . يهمهم ان يظلوا فقط فى ( تكية ) السلطان القائم يسبحون بحمده ، ثم إذا لمسوا منه ضعفا حازوا سلطة أكبر ، ثم إذا سقط لم يستحق منهم دمعة واحدة ولا حتى برقية عزاء .!! هم متفوقون فى الجهل وفى النذالة أيضا .
7 ــ وإذا كان صعبا التخلص من حكم المستبد ، فإن الأصعب التخلص من هذه الطُّغمة الحقيرة من رجال الدين . وتجربة الغرب ( الشيوعى ) تعتبر دينهم أفيون الشعوب وتنادى بشنق آخر مستبد بأمعاء آخر قسيس. وتجربة الغرب البرجوازى الرأسمالى بعد معاناة قرون من الكنيسة البابوية هو إعتقال الدين فى الكنيسة وحظر تجوله خارجها . والعرب والمحمديون يعيشون الآن نفس العصر الذى عانته أوربا من القرن 16 الى القرن العشرين بعد هزيمة هتلر وموسولينى آخر واشرس الطُّغاة . حربان عالميتان والعديد من الحروب والثورات والحروب الأهلية دخلتها أوربا والعالم معها حتى وصلت الى الديمقراطية الغربية الراهنة . فقدت أوربا فى تلك الحروب ما يقرب من اربعين مليونا من البشر وتدمير العشرات من المدن وسقوط دول وأمبراطوريات وتأسيس دول ، وتغيير خرائط وتحالفات وعقد مختلف المعاهدات . ويبدو أن طريق المحمديين مفروش بالدم ومحفوف بالأشلاء والجماجم كى يتخلصوا من نفس الاكليروس ( تحالف أو تصارع المستبد والكهنوت الدينى )، وأن مدائن المحمديين ينتظرها نفس التدمير الذى يجتاح الآن مدن سوريا والعراق . وليس مستغربا أن يتحالف الخصوم ( المستبد والوهابيون ) ضد أى حركة تنوير تدعو الى الاصلاح السلمى بالديمقراطية والعدل وحقوق الانسان والحرية المطلقة فى الدين . وهذه هى تجربتنا ــ أهل القرآن ــ مع العسكر والوهابيين ، وهم الكهنوت الدينى الذى يخدم المستبد فى بلد ويعارضه فى بلد آخر.
8 ــ ولكن يمكن إختصار الطريق وتقليل المعاناة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه بالتنوير الدينى من داخل الاسلام ، وهذا هو ما نفعله الآن . التنوير يقضى على نفوذ وصُدقية أحقر البشر ، وهم طُغمة رجال الدين ، يكفى أنه ليس فى الاسلام ( رجال الدين ) ولا كهنوت . هو قتل معنوى لهم يُظهرهم على حقيقتهم مستحقين للإحتقار بدلا من التقديس والاحترام . بالتخلص من هذه الطغمة التى تركب الشعب ويركبها الحاكم يصبح المستبد بلا غطاء عاريا أمام الشعب فيسهل القضاء عليه .
9 ــ ماذا لو تعاون أو تنافس الأحرار المثقفون فى إنتاج حلقات على اليوتوب تسخر من كل رجال الدين الشيعى والسنى والصوفى والمسيحى ، لتدمر هيبتهم المزعومة ، وتظهرهم على حقيقتهم ، مجموعات من الحمير يركبها المستبد ، ويتحكم من خلالهم فى االشعب ؟.. هذا الجهاد السلمى التنويرى أفضل كثيرا من الشعار الشيوعى القائل :" إشنقوا آخر مستبد بأمعاء آخر قسيس ."
هذا مجرد إقتراح لتقصير أمد المعاناة .. إذ لا أمل فى أن يتنازل مستبد عن سلطانه بإختياره ، ولا أمل فى أن يتوب أحقر البشر عن إستغلالهم لدين الله جل وعلا وخداعهم للناس . بالنسبة للمستبد وأعوانه من أحقر الخلق ـ هو صراع وجود . ومعهم القوة والثروة .. فلا سبيل إلا المقاومة للحصول على الحرية ، والتنوير هو السلاح الفعّال ــ لو كنتم تعلمون .!!
أحمد صبحى منصور
21 مايو 2015