مكتبة منصور أرشيف دائم
EN / AR
الكتب 2015

كتاب ( التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية

مقدمة كتاب ( التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

               مقدمة كتاب ( التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

                  ( 648 ـ 921 هـ /  1250 ـ 1517 م   )          

    ( فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) غافر )

لمحة عن الكتاب :

1 ــ الجزءالأول من هذا الكتاب ( التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية ) ، سبق أن نشرته الهيئة العامة للكتاب ، ضمن منشورات ( تاريخ المصريين ) تحت رقم 186 عام 2000، وكان ذلك برعاية استاذ التاريخ الراحل د . عبد العظيم رمضان ، المشرف وقتها على إصدار سلسلة ( تاريخ المصريين ) والذى تحدى خصومى فى الأزهر والإعلام المصرى ونشر الجزء الأول تحت عنوان ( العقائد الدينية فى مصر المملوكية بين الاسلام والتصوف ) . بل إنه كتب مقدمة تعتبر جريئة وقتها حيث أثنى على المؤلف المغضوب عليه من الأزهر والأوقاف والنظام الحاكم . كتب رحمه الله جل وعلا فى تقديم الكتاب : ( يسرنى أن أقدم للقارىء الكريم هذا العمل العلمى المهم عن العقائد الدينية فى مصر المملوكية بين الاسلام والتصوف ، الذى كتبه الدكتور أحمد صبحى منصور ، وهو عالم ومفكر إسلامى مثير للجدل ، وله بحوث عديدة فى التاريخ الاسلامى إتسمت بقوة الحجة والبحث والاطلاع والتدقيق . وقد تعرض بسبب بحوثه الجريئة لكثير من الاضطهاد والمضايقات من التيار المتحجر الذى يخلط بين الدين الذى نزل من السماء لاصلاح أهل الأرض وبين " تدين " اهل الأرض الذى يتأثر بظروف كل منطقة . وقد قادته بحوثه الى أن مصر بتاريخها وحضارتها كان لها نوع من التدين الخاص بها ساعد على وجود تشابه هائل بين ملامح التدين العقيدى والسلوكى فى مراحل التاريخ المصرى الفرعونى والقبطى والاسلامى .) وبعد أن اعطى د عبد العظيم رمضان لمحة عن محتوى كتاب ( العقائد الدينية فى مصر المملوكية بين الاسلام والتصوف ) قال فى نهاية التقديم : (.. والكتاب يرتاد لأول مرة طريقا جديدا فى البحث التاريخى ، هو بحث الحياة الدينية للمسلمين فى العصر المملوكى ، لتوضيح الفجوة بين الدين الحنيف والمعتقدات الدينية البعيدة عن الدين. وهو يستعين بالدين الحقيقى فى محاربة الأوهام الدينية والسلوكيات الضالة التى أخّرت المسلمين . وهو بذلك من كتب التنوير المهمة التى تحارب الأباطيل ، وهو جدير بالقراءة ) . انتهى .

جدير بالذكر أن كتاب ( العقائد الدينية فى مصر المملوكية بين الاسلام والتصوف ) أحدث هزة فى الماء الراكد ، حين إستشهد به عضو فى مجلس الشعب مطالبا بمصادرة مؤلفات ابن عربى وابن الفارض، ورددت ذلك الصحف المصرية وقتها . 

لم تنشر الهيئة العامة للكتاب الجزئين الآخرين من كتاب ( التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )،  وهما عن أثر التصوف فى ( العبادات ) وفى  ( الانحلال الخلقى )، ولم تنشر أيضا المقدمة الى كتبتها للأجزاء الثلاثة أو الكتاب الذى يجمعها.

2 ــ وفى عام 2002  قامت شركة المحروسة للنشر بنشر الكتاب كاملا فى ثلاثة أجزاء مع مقدمته الأصلية   . وتعريفا بالكتاب قال الناشر:(" هذا الكتاب " : أخطر رسالة دكتوراه نوقشت فى جامعة الأزهر " قسم التاريخ والحضارة " كانت للمؤلف تحت عنوان " أثر التصوف فى مصر العصر المملوكى " وتتناول أثر التصوف السياسى والثقافى والحضارى والاجتماعى فى مصر المملوكية ، ولم تناقشها جامعة الازهر إلا بعد حذف أهم فصول الرسالة ، وهى التى تتحدث عن أثر التصوف فى الحياة الدينية والحياة الخلقية .ـ وخلال خمسة عشر عاما أعاد المؤلف صياغة الأجزاء المحذوفة من الرسالة لتكون كتابا فريدا فى بابه هو هذا الكتاب " التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية " وهو يناقش أثر التصوف الدينى والأخلاقى فى المجتمع المصرى المملوكى فى العقائد والعبادات الدينية والسلوكيات الخلقية ، وذلك لأول مرة وبصورة علمية منهجية موثقة . والعادة أن يهتم الباحثون بالتأريخ للسلاطين والحكام والمشاهير ، ولا يهتمون بأحوال المجتمع ، والعادة أن يهتم باحثوا التصوف بالجانب النظرى الفلسفى فيه دون أن يناقشوا تأثيره فى المجتمع وأحواله السياسية والحضارية ، والعادة أيضا أن يتجاهل الباحثون مناقشة الأحوال الدينية للمجتمعات الدينية كما لو أن تلك المجتمعات تمسكت بالإسلام الحنيف كما هو دون أى زيف أو تحريف ، ولكن الباحث فى هذا الكتاب خرج عن كل تلك العوائد ، وقام بالتأريخ للشعب المصرى فى العصر المملوكى من خلال ظاهرة التصوف التى سيطرت عليه، وقدم لنا صورة تاريخية للعقائد الدينية الصوفية السائدة وكيفية تأدية الفرائض الإسلامية والصوفية ، والسلوكيات الخلقية وما فيها من إنحلال وإنحراف ، وربط الظواهر التاريخية بجذورها الفكرية العقيدية ، ولم ينس ـ كباحث مسلم ـ من أن يوضح الفجوة بين تلك الوقائع التاريخية وبين الإسلام الحنيف وعزز كل أقواله بالأسانيد والأدلة . ومع أنه أول بحث فى هذا الطريق الشائك الوعر..إلا أن المؤلف لم يترك لغيره مجالا للإضافة أو الابتكار .. فهو بحث فريد وأصيل وسابق .. ولم يترك شىء للاحقين إلا أن يسيروا على خطاه منبهرين أو غاضبين .  ) انتهى .

 ونحن ننشر هنا الكتاب كاملا مع مقدمته ضمن موسوعة ( التصوف المملوكى ) . سبق أن نشرنا  من موسوعة التصوف المملوكى كتاب ( السيد البدوى بين الحقيقة والخرافة ) وكتاب ( المجتمع المصرى فى عصر السلطان قايتباى ) ، والآن مع هذا الكتاب بأجزائه الثلاثة ، وبعده أبحاث تالية نرجو إكمالها ونشرها لتكتمل موسوعة التصوف المملوكى .

وفى نشرنا لموسوعة التصوف ـ بعد تأليفها الأول من حوالى ربع قرن كان لا بد من بعض التنقيحات ، فلا زلنا كما قال الامام محمد عبده ( ننظف عقولنا من وساخات الأزهر ) وكانت تلك الوساخات كثيرة من ربع قرن . والحمد لله جل وعلا أن هدانا الى الاحتكام الى كتابه الكريم لنتطهر به من رجس التراث .  

والله جل وعلا هو المستعان .

أحمد صبحى منصور

فرجينيا / الولايات المتحة الأمريكية نوفمبر 2014

مقدمة كتاب : ( التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

أولا :

هذا الكتاب جزء من حياة المؤلف ، ومن التاريخ الفكرى لجامعة الأزهر أيضا . لأنه كان "جزءا"من أخطر رسالة علمية للدكتوراة نوقشت فى جامعة الأزهر عن التصوف ،الذى فقد مكانته بعدها . ونحكى القصة من البداية إلى النهاية : ـ

1 ـ تخرجت فى قسم التاريخ والحضارة بكلية اللغة العربية بالقاهرة جامعة الأزهر بمرتبة الشرف ، وعينت معيدا فى القسم فى 15 ديسمبر سنة 1973، وكانت مرحلة الماجستير وقتها عبارةعن سنتين دراسيتين مع أبحاث مكثفة ، ويكتفى بذلك عن تحضير رسالة علمية كاملة ،ويستعاض عن الرسالة ببحث منفصل فى السنة الثانية ، ولذلك فقد ضاع أملى فى إعداد بحث كنت اتشوق لإعداده عن وحدة العقيدة الدينية فى مصر فى عصورها الثلاثة ، الفروعونى والقبطى والإسلامى، ذلك أنه تكون لدى من النشأة الأولى ومن الثقافة والإطلاع أنه توجد فجوة هائلة بين (الدين ) الذى ينزل من السماء لإصلاح أهل الأرض ، وبين(تدين ) أهل الأرض الذى يتأثر  بظروف كل منطقة . ولهذا فإن مصر بتاريخها وحضارتها كان لها نوع من التدين الخاص بها ، ساعد على وجود تشابه هائل بين ملامح التدين العقيدى والسلوكى فى مراحل التاريخ المصرى الفرعونى والقبطى والإسلامى، كانت هذه الفكرة هى ما توصلت إليه بعد بحث علمى وعقلى كانت له دوافعه الاجتماعية والدينية . ولم يقدر لهذا البحث أن يظهر فى رسالة الماجستير المصغرة لأن الشيوخ فى قسم التاريخ رفضوا الفكرة ، فاضطررت لتقديم بحث فى المناطق التاريخية غير المأهولة وغير المطروقة فى التاريخ الأموى المألوف للشيوخ ، وكان عن أثر العصبية القبلية فى الدولة الأموية ..

2ـ  وبعد الماجستير وتعيينى مدرسا مساعدا بالقسم صممت على أن يكون ميدان بحثى للدكتوراة بنفس المنهج ، أى بحث الفجوة بين الإسلام الحق ونوعية التدين السائدةلدى الناس ، لذلك كان اختيارى لموضوع "أثر التصوف في مصر العصر المملوكى"، ورفض الشيوخ الموضوع من حيث المبدأ ، لأنه فى اعتقادهم يخرج عن مجال البحث الذى تعودوه ، وعن المناطق المأهولة التى لا يعرفون غيرها ، وهى السيرة النبوية والعصر الأموى وبعد خلفاء العصر العباسى، وبعض سلاطين المماليك ، فكيف يجرؤ باحث على التعرضلظاهرة دينية ويبحث أثرها التاريخى والسياسى والاجتماعى والحضارى فى خلال عصر بأكمله ؟ خصوصأ وأن بحث الحياة الدينية للمسلمين فكرة مرفوضة أساسا بالإضافة إلىالمشاكل فيه. وأخيرا أسعدنى الحظ بموافقة الدكتور كمال شلال الذى كان معارا للسعودية ، ووافق على عجل ، وتمت الموافقة عى تسجيل الموضوع اعتبارا من مارس1976 ، وشعرت بأننى حققت بذلك أكبر هدف لى فى حياتى وقتها . وألقيت بنفسى فى غمار البحث حوالى ثمان عشرة ساعة يوميا بين مكتبات جامعة القاهرة ومعهد المخطوطات ودار الكتب ومخطوطاتها ، باحثا منقبا طوال النهار، ثم أسهر الليل فى التصنيف والتدقيق والمراجعة والترتيب واستخلاص المادة العلمية وإعدادها للصياغة ، ثم تفرغت للصياغة ، وانتهيت منها وقدمت البحث جاهزا للمناقشة العلمية فى أكتوبر 1977 . وتلك مدة قياسية فى قصرها والإنجاز الذى تحقق فيها ، حيث أشرف البحث على نحو ألف صفحة ( بدون الملاحق ) في موضوع جديد لم يتعرض له أحد من قبل ، وقام  بتفسير العصرالمملوكى بكل تفصيلاته السياسية والعقلية والحضارية من خلال التصوف الذى سيطر عليه ، وأظهر للوجود وثائق ومخطوطات وأحداثا وحركات فكرية كانت غائبة ومجهولة ،ومعظم ما تناوله البحث لم تنقطع صلته بالحاضر لأن الأولياء الصوفية والطرق الصوفية التى سيطرت على العصر الملوكي كانت لا تزال مسيطرة وحاكمة ، وعقائدها ترتدى ثوب الإسلام . وكانت تلك مشكلة الباحث والبحث لأن التصوف كانت لا تزال له مكانته فى جامعة الأزهر وقتها خصوصا فى عهد شيخ الأزهر عبد الحليم محمود ونفوذه السياسى فى مصر وخارجها . والسلفية الوهابية المعادية للتصوف كانت فى بدايتها فى جامعة الأزهر ، لا تجرؤ على نقد التصوف وليس من بينهم من كان مثلى فى التخصص العلمى فى التصوف ودقائقه.

3ـ  فى هذه الأثناء توفى الدكتور كمال شلال ، وأصبح الإشراف على الرسالة مننصيب استاذ آخر تولى رئاسة القسم ، وتولى عمادة كلية الدراسات الإسلامية فى نفس الوقت ، وقدمت له الرسالة المكتوبة ليأذن لى بطبعها وتحديد وقت لمناقشتها ، وقدرت أنه سأتحمل عاما من الأخذ والرد والإعتراض إلى أن تتم المناقشة ،لكن يبدو أننى كنتأحسن الظن بعقلية الشيوخ .

ذلك أن المشرف المذكور ارتاع حين قرأ الصفحات الأولى من الرسالة وفقد صوابهتماما . كنت قد اتفقت معه فى البداية على أنه لا مساس بالقرآن وبكل ما يوافق القرآن من فكر، وأظهر لى عقلية متفتحة لم تصمد أمام أول اختبار، إذ أنه لم يكتف برفض ما هومكتوب ، بل أعلن رفضه التام الإشراف على الرسالة ،  وأذاع ما هو مكتوب فيها، وساعد على حشد الشيوخ ضد الباحث . وبهذا بدأت مرحلة الصراع الأولى بينى والأشياخ فى الأزهر ( 1976 ـ 1980 ) أثناء عملى فى جامعة الأزهر (1973 - 1987).

وتزعم الشيوخ ضدى الدكتور عبد الرحمن الكردى وكان رئيس قسم البلاغة فى الكلية ، وهو شيخ طريقة صوفية ، ومع أن عميد الكلية فى ذلك الوقت كان الدكتور حسنجاد، وهو شاعر مشهور بين الأزهريين ، ومعروف  بالهجاء وسلاطة اللسان وقليل منالتفتح ، إلا أنه فى نهاية عمره وبعد موت ابنه آثر السكون وترك مقاليد الأمور في يد الدكتور عبد الرحمن الكردى ليتصرف فى موضوع الرسالة ــ وفى مستقبلى ــ كيف يشاء.  وكان الكردىيهدف إلي إلغاء الموضوع أساسا وأن يتم توجيهى إلى موضوع بحثى آخر،  وإلا فإلزامالمشرف على أن يلزمنى بكتابة الرسالة من جديد بحيث لا يكون فيها أدنى مساسبالتصوف.

وكان الكردى فى كل خطواته يحظى بالتأييد الكامل من شيخ الأزهر وقتهاالدكتور عبد الحليم محمود أحد أقطاب الصوفية فى مصر كما هر معروف ، ورأيته بنفسى يخرج من بيت الدكتور عبد الحليم محمود أثر يوم حافل من الصدام بينى وبينهفى الكلية .وكان كل من يريد التقرب من شيخ الأزهر يلتحق بحلقات الطعن فى شخصى الضعيف ، والتى كان يعقدها شيخ الأزهر فى بيته فى شارع العزيز بالله فى حى الزيتون بالقاهرة ، وكان مجاورا لمسجد العزيز بالله الذى كان إمامه والخطيب فيه صديقى وقتها الدكتور محمد جميل غازى ، أشهر إمام للسلفية فى السبعينيات والثمانينيات ، وكنت حينئذ سُنيا معتدلا ، وأقضى بعض الوقت مع جميل غازى وأعوانه ، وتصل لى أخبار إجتماعات عبد الحليم محمود فى بيته فى سُبُل الكيد لى ، والتى كان يتولى تنفيذها د عبد الرحمن الكردى .

وقد بذل الكردى وأعوانه كل ما يستطيعون من تخويف وارهاب لحملى علي تغييرالمكتوب فى الرسالة بحيث لا أتعرض لأولياء التصوف وللتصوف بأى نقد ، ورفضت وصممت على الرفض ، وهددوا بتحويلى إلى عمل إدارىبحجة أننى لا أصلح للبحث العلمى، ومعنى هذا أن أدخل الجيش في اليوم التالى مباشرة ،لأن تأجيل  التجنيد مرتبط بالتفرغ للدكتوراه ، وكنت قد تزوجت وصارت لى أسرة ، فكيفيكون الحال بمرتب أو مكافأة جندى فى الجيش؟

كانت محنة نفسية واختبارا شديدا  القسوة ، وهم يضغطون ويهددون ، منهممن يستعمل الأسلوب الفظ ومنهم من يصطنع الشفقة والنعومة والخوف على مستقبلى ،ولامانع من أن أكتب مايريدون ، وبعدها ، "أكتب ما تشاء، فقدحصلت علىرخصة الدكتوراه ، وخرجت من تحت سيطرتهم ".

ويعلم الله تعالى ـ وكفى به شهيدا ـ أنه لم يخطر ببالى على الإطلاق فكرة التراجعوأن أكتب لهم ما يريدون وأن أغير لهم ما يحبون ، ولكن الذى حدث أننى قمت بمواجهة معنفسى. سألت نفسى. هل أنا ظالم أم مظلوم ؟ هل أنا مقتنع تماما  أننى على الحق ولست متجنيا على أحد من الصوفية ، وأننى مظلوم أتعرض للإضطهاد، أم أننى ظالم ومتجن على الصوفية والاسلام ؟ وكان السؤال التالي، هل يملك أولئك الظلمة رزقى أو موتى أو حياتى؟ وقلت : إن ذلك بيد  الله تبارك وتعالى وحده ، فلن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، وأن الله تعالى ينصر المظلوم إذا وقع عليه ظلم فى شأنشخصى لاعلاقة له بالحق وبالإسلام ، فكيف إذا كان مظلوما بسبب دعوته لتخليص عقائد المسلمين من افتراءات ما أنزل الله تعالى بها من سلطان ؟

وحتى الآن فإننى اتذكر وقت أن جالت هذه الخواطر بعقلى، وأتذكر المكان الذى كنتأسير فيه وقتها ، وأتذكر كيف غمرنى فيض من الاحساس بالرضى والطمأنينة والأمن ، ولم تعد مسألة تحويلى إلي عمل إدارى تخيفنى، وتصاغر أولئك الأشياخ أمام ناظرى وفقدواكل احترام واهتمام.

4ـ ونعود إلى ذلك المشرف إياه ـ  الذى نسيت إسمه ـ وكان مصمما على رفضالإشراف ، مؤكدا أنه عاجز عن السيطرة على الباحث ، وأنه لا شأن لهبالرسالة ، وعليهم أن يبحثوا عن مشرف آخر. وشهدت الكلية عقد عدة  (مجالس كلية ) لبحثالموضوع. وفى إحداها حدثت مواجهة بينى وبين  الدكتور عبد الرحمن الكردى، إذ أن عميد الكلية أوصانى فى جلسة خاصة بأن أحلالموضوع معه ، فقابلت الكردى  فى ممر بالكلية ، وقلت له : باختصار ماذا تريد ؟ فقال بكل غطرسة : لا بد أن تختار لك  موضوعا آخر. وتركنى ومضى دون ان يلتفت لى. وأحسست بإهانة شديدة ، وأذكر أننى رجعت البيت وقضيت الليل اتقلب حانقا غاضبا من ذلك الرجل الذى يظن أن مستقبلى بيده يتحكم فيهكيف يشاء، وأسترجعت كل ما نالنى منه ، وأنا اتنهد من الغيظ ، وأستيقظت زوجتى تسألنى عن السبب ، فزجرتها وأنا فى في غيظى، فبكت  فازداد حنقى على ذلك الكردى الذى وصل كيده إلى تنغيص حياتى حتى فى فراش الزوجية ، وعزمت على الانتقام منه في  اليوم التالى، بأن ادخل عليه مكتبه في الكلية وأضربه علقة ساخنة بحذائى وليكن ما يكون ، واسترحت إلى أن ذلك هو الحل المثالى للموضوع ؛ حين أضربه بحذائى فى مكتبه علنا وعلى رءوس الشهاد ستتتفجر المشكلة فى الصحف ، وسيكون هناك حل ، ومهما كان مؤلما فلن يكون أصعب من الاهانة التى تلقيتها منه او من تحكمه فى مستقبلى وجهدى العلمى.واسترحت نفسيا حين وصلت إلى هذا القرار وظللت أراجع مع نفسى ( سيناريو ) العلقة التى سألقنها له، وبعد أن إطمأننت الى قرارى وتفصيلات التنفيذ نمت هادئا قرير العين .

في اليوم التالى ذهبت للكلية وكلى عزم وتصميم على اعطاء الدكتور الكردى علقة ساخنة بحذائى . وتوجهت مباشرة إلى حجرة قسم البلاغة وفيها مكتبه وسألت عنه . ووجدته لم يحضر، وانتظرته فى حجرة قسم التاريخالذى انتمى إليه ، وهى بجوار قسم البلاغة ، وكل حين اذهب واسأل عنه متى سيأتى . ولفت هذا نظر الد كتور ( عبد الحميد أحمد محمد على) ، وهو أستاذ بقسم البلاغة ، وابن عمى الشقيق وبمثابة أخ أكبر لى ، وقد تربينا معا  ، وهو يعرف طبعى جيدا ، ويعرف كراهيتى للكردى. وابن عمى د. عبد الحميد وهو الذى تنبأ سابقا بالمتاعب التى تنتظرنى حين نظر فى مخطوطة الرسالة قبل أن أقدمها ، وقال لى أنه مستحيل أن يوافق الأزهر عليها . وأذكر أننى قلت له وقتها( اكتوبر 1977 )  بكل جدية : ( إذن هذا الأزهر إما أن أُغيره وإما أن أُدمره ) . لاحظ ابن عمى الدكتور عبد الحميد ( مات 1990 ) ملامح وجهى وإلحاحى على رؤية الكردى مع الخصومة بيننا ، فشكّ فى الأمر، وحاول أن يعرف سبب حرصي على لقاء الكردى وترددى على مكتبه أسأل عنه ، ولم أفصح له عن السبب . والعادة أن الكردى لا يتأخر ولا يغيب عن الكلية ، ولم أكن الوحيد الذى ينتظره. وكنت موقنا أنه سيأخذ علقته المحترمة بمجرد وصوله أمام الحاضرين .. ولكنه لم يصلالكلية فى ذلك اليوم ، وظللت طوال اليوم أنتظره فلم يأت ونجا من العلقة . ورجعت بيتى  وقد أحسست بالإنتصار. إنتصرتعلى كل نوازع الرهبة فى نفسى، وتأكدت من قدرتى على اتخاذ أى اجراء، حتى لو كاناجراءا لم يسبق لى أن قمت به ، مثل أعمال العنف ، وادخرت علقة الكردى إلى وقت لاحق ، وزال عنى كل شعور بالحنق أو الغيظ .. طالما أنه فى إمكانى أن اضرب الكردى فى أى وقت ، وطالما أن القرار نفذ، وكان على وشك التنفيذ لولا غياب  المستحق للعقاب.

وحرصت علي إذاعة الخبر بعدها .. وحرصت على أن يصل الخبر للكردى ، ووصل اليه الخبر بأننى طنت على وشك أن أضربه علقة بالحذاء . وماهى عنه ببعيد لو تدخل بنفس غطرسته فى موضوع لا شأن له به . وفى لقاءاتنا ونحن نسير فى نفس الطُّرقة فى الكلية حيث يتجاور قسم التاريخ مع قسم البلاغة كنت ألمح الخوف فى عينيه حين يرانى ، ويتحاشى اللقاء معى ، وأصبح يكيد لى سرا وعن طريق أخيه الذى يعمل إستاذا بكلية أصول الدين ، وعن طريق إمامهم شيخ الأزهر وقتها الدكتور عبد الحليم محمود .

على أن تصميمى على موقفى والتحدى لهم جميعا وتهديدى بضرب الكردى بالحذاء جعلهم يقتنعون أننى (مدفوع من جهات أجنبية )، ( وإلا فلماذا يصر على أرائه ويتحدى الجميع ؟) وكانت النتيجة أنهم أخافوا أنفسهم بأنفسهم ،ولم يعودوا يهددون بإحالتى للأعمال الإدارية كما كانوا يفعلون . وكان قرار إحالتى الى عمل إدارى لا يكلف سوى ورقة يكتبها المشرف يقرر فيه أننى لا أصلح باحثا . إرتعبوا من كتابة هذه الورقة لأننى ( مدفوع من جهات أجنبية ) . وصدق الله العظيم : (إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)  آل عمران )

5 – أصبحت طريقتهم فى الكيد ليس التحدى العلنى برفض الرسالة ولكن تعطيل مناقشتها لأيأس وأرضى بتغيير ما كتبت وأتجنب نقد التصوف. وأصبح الذى يتولى التعطيل هو مجلس الكلية بنفسه وليس الدكتور عبد الرحمن الكردى . ولا أستطيع وأنا مجرد مدرس مساعد أن أتحدى مجلس الكلية . وبعد تصميم المشرف إياه على ترك الاشراف على الرسالة تولى الدكتور عبد الفتاح شحاته (رئيس قسم التاريخ الأسبق وكان استاذا متفرغا للدراسات العليا فى قسم التاريخ ) الإشراف على الرسالة ، وقرأها حرفا حرفا، ووصل إلى علم الدكتور الكردى أنه يمدح فيها وفى الباحث ، فلم يسترح الكردى إلا بعد أن قرر مجلس الكلية نقل الإشراف عنه إلى الدكتور عبد المقصود نصار رئيس القسم وقتها الذى قبل الإشراف على مضض . وتسلمت أصول الرسالة من الدكتور شحاته الذى أوجز لى نصيحته قائلا : ( إن أحدا لن يصدق  أنك كتبت هذا العمل ، ولابد أن يستكثروا على مدرس مساعد مثل هذا البحث، ونصيحتى لك أن تحذف ما يشاءون طالما لا تريد تغييرما كتبت ، وبعد  أن تحصل على درجتك العلمية قدم باقى الرسالة كأبحاث للترقية لأستاذ مساعد ثم لدرجة أستاذ. وهذا هو الحل الوحيد )..".

6 ــ وبسبب ضعف الدكتور عبد المقصود وخوفه مسبقا مما فى الرسالة فقد صمّم على الاستعانة بأستاذ فى قسم العقيدة والتصوف فى كلية أصول الدين يكون مشرفا مساعدا معه ، وكان الكردى يأمل أن يعين د عبد المقصود أخ الكردى الأستاذ فى كلية أصول الدين مشرفا مساعدا ، ولكن د نصار ترك لى حرية اختيار المشرف من بين أساتذة التصوف فى قسم العقيدة فى هذه الكلية، على أنهم متخصصون فى التصوف ، وهم بكل ماأوتوا من جهل لا يفقهون شيئا فى التصوف كالعادة فى أغلب ( المتخصصين ) من أساتذة كليات ( اصول الدين ).!

وذهبت لكلية أصول الدين أبحث عن استاذ مناسب ( على مزاجى ) ، وقابلت عميدها وقتئذ، وهو الدكتور موسى شاهين لاشين ، الذى رحّب بى ( وكان سلفيا مشهورا وقتها ) وتمنى أن يشرف على هذه الرسالة لولا أنه أستاذ تفسير ، وقابلت الدكتور محمد البهى رحمه الله ، فى بيته ، وقد اعتذر بأن صحته لا تساعده على هذه المهمة ،ونصحني باختيار أحد اثنين من تلامذته يثق في عقليتهما، وقد حصل كلاهما على الدكتوراه من ألمانيا ، وهما الدكتور  محمود زقزوق  عميد كلية الدعوة وقتها، والدكتور محمد عبد الغنى شامه ، وأوصاهما بى خيرا حسبما عرفت ، وقابلت د. زقزوق ، واعتذر برفق ،وأحسست رغبته فى الابتعاد عن المشاكل حرصا على طموحاته ، ورحب الدكتور عبد الغنى شامة بالإشراف على الرسالة خصوصا  بعد أن عرف أننى حذفت مقدما  القسم الأكبر من الرسالة وهو الخاصبأثر التصوف فى الحياة الدينية والخلقية تنفيذا لنصيحة الدكتور شحاتة . وكان اسم الدكتور شامة مثيرا لفزع الدكتورالكردى فلم يوافق مجلس الكلية على تعيينه مشرفا مساعدا على الرسالة مع الدكتور  عبد المقصود نصار، واختاروا استاذا آخر هو الدكتور الشاعر..

7 ـ وجدير بالذكر أنه خلال هذه السنوات الثلاث العضال 1977 ـ1980 حدث الآتى : عقدت قرانى بتاريخ 9 يولية 1977 ، وكنت أتمنى أن أناقش الرسالة قبل الزفاف ، فلم يحدث ، وتم الزفاف فى 21 مايو 1978 . وتمنيت أن أحصل على الدكتوراة قبل أن اُرزق بولد ، فرزقنى رب العزة بمحمد فى 11 يناير 1979 ، ثم شريف فى نفس العام 4 ديسمبر 1979 ، كل ذلك قبل مناقشة الرسالة . وفى هذه السنوات العضال رجعت للقرآن الكريم أحتكم اليه فى حالى وحال الشيوخ ، وأدرسه دراسة موضوعية باحثا عن الهداية ، وخرجت من هذه الدراسة القرآنية بعلم قرآنى لا زلت أنهل منه حتى الآن . وفى هذه السنوات العضال أتاح لى قسمالتاريخ أن أمارس مهامي كمدرس ، إذ أنتدبت للتدريس فى فرع الجامعة بالزقازيقوغيرها ، وقمت بتأليف المذكرات للطلبة ،وذلك اعتراف من القسم بأن التأخير فى حصولى على الدكتوراه سببه جهل الشيوخ وضيق أفقهم، والفضل في ذلك يرجع إلى رئيس القسموقتها الدكتور محمود صالح منسى، وهو بالمناسبة خريج جامعة القاهرة ، ولذلك كان يقف إلى جانب المظلوم وإلى جانب الحق مهما استطاع ..أى أن سنوات التعطيل وفرت لى وقتا تفرغت فيه للبحث والتدريس رغم أنف الشيوخ

8- وفى ليلة 22أكتوبر سنة 1980 نوقشت رسالتى (أثر التصوف فى مصر العصر المملوكى) فى قاعة العقاد بكلية اللغة العربية ، وكان عضوا اللجنة الدكتور محمد الطيب النجار،وكيل الأزهر وقتها ، والدكتور يوسف على يوسف أول رئيس لقسم التاريخ  والحضارة بكلية اللغة العربية ، بالإضافة للمشرف الاستاذ الشاعر ، وتغيب د عبد المقصود نصار بسبب رُعبه مما فى الرسالة ، وبعد مناقشة مستفيضة أجيزت الرسالة بمرتبة الشرفالأولى.

 وفى المناقشة قال د يوسف على يوسف إنه ينطبق علىّ الحديث القائل بأنه على رأس كل مائة سنة هجرية يأتى من يجدد لهذه الأمة دينها . ولأننى إرتجلت تقديم البحث أمام اللجنة ملتزما بالعربية الفصحى وبدون أدنى خطأ نحوى فقد أعلن د الطيب النجار أنه سيُلزم كل متقدم لمناقشة الرسالة أن يرتجل مقدمة بحثه كما فعلت ، وقال إننى بهذا أتعبت كل من سيأتى بعدى . حضر المناقشة فى قاعة ( العقاد ) بكلية اللغة العربية أساتذة وزملاء وكثيرون من الأهل من قريتى أبوحريز ومدينة الابراهيمية شرقية ،وعلى رأسهم صهرى الحاج محمد الباز رحمه الله جل وعلا . وكان مع زوجتى ابنى محمد ( أقل من سنتين ) وابنى الشريف ( أقل من عام ) وقتها . وأتذكر أن محمد وشريف دخلا مكتب عميد الكلية ( وكان العميد وقتها د عبد الرحمن الكردى ) وكان مكتبه خاليا ، وظلا يلعبان فيه . وقام أحدهما ( لن أقل من هو ) بقضاء حاجته فى المكتب. واعتبرت ذلك ردا مناسبا على الدكتور الكردى ، و تحية له يستحقها بكل جدارة . !!ـ

9 ـ  ، وبعدها كان تعيينى مدرسا فى 2/7/1981 بعد أن بذل الكردى كل ما يستطيعلتعطيل حقى فى الحصول على الدرجات العلمية والوظيفية ، وكان الكردى قد تولى عمادة الكلية ، فإمتنع عن عقد مجلس الكلية من نوفمبر 1980 الى يولية 1981 حتى لا تحدث الموافقة الروتينية الرسمية على حصولى درجة الدكتوراة وترقيتى من مدرس مساعد الى مدرس. ثم أُضطر لعقد مجلس الكلية بعد أن تضخمت الملفات التى تنتظر العرض والموافقة. الذى لم يعرفه الكردى أنه بتعمده تأخير الموافقة الرسمية على حصولى على درجة الدكتوراة قد أسدى لى خدمة كبيرة . لو تمت الموافقة قبل أول مارس 1981 لتحتم على دخول الجيش مجندا وفق القانون . أى كان لا بد من أن يكون عمرى قد تجاوز 31 سنة وأنا متمتع بالتأجيل ليتم إعفائى نهائيا من التجنيد . وتكفلت نذالة الكردى بهذه الخدمة . ومات بعدها ، وحسابه عند ربه جل وعلا.

ثانيا :

1 ــ والرسالة التى نوقشتكانت تتناول أثر التصوف في مصر المملوكية سياسا وأجتماعيا وثقافيا وفى العمارة ، خلال ثلاثة أبواب مع مقدمة وتمهيد وخاتمة وملاحق .

فى الباب السياسىتناولت دور الصوفية فى قيام الدولة المملوكية البحرية ثم البرجية ، ودور الصوفية فى السفارات السياسية والشفاعات السياسية ، واستخدام النفوذ الصوفي فى محاولة إقامة الحكم العلوى الشيعى من خلال حركة أحمد البدوى الشيعية المتسترة بالتصوف ، ثم دور الصوفية فى انهيار الدولة المملوكية من الخارج خلال الشاه اسماعيل الصفوى الصوفى، وتقاعس الصوفية فى الداخل عن نجدة المماليكوتعاونهم مع العثمانيين ، واستغلال الصوفية نفوذهم السياسى فى اضطهاد الفقهاء واضطهاد النصارى، وتأييد الصوفية لظلم المماليك، وانغماس الصوفية فى الفتن والمؤامرات السياسية .

وتحدث الباب الثاني عن أثر التصوف فى الثقافة والعمارة . فى العلم ،وفى العلوم وفى التعليم ، فى العلم من حيث تأخر العلم (الظاهر) بسبب رفع الصوفية لخرافة العلماللدنى، وفى العلوم من حيث نشر العلوم الصوفية الوهمية ، ومن حيث تأثيرهم  فى التفسير وفى الحديث (وضع الحديث ) وفى التاريخ . وفى التعليم فى المؤسسات الصوفية منمدارس وخوانق وجوامع ، وحركة التعليم ونوعية العلوم وعوامل انحدار التعليم ، والمكتباتوتربية الأطفال ، والميعاد، والصوفية المعلمون . ثم أثر التصوف فى الأدب والفنون من النثر والقصة والشعر وفى الغناء والموسيقى والرقص والفنون العمارية ، ثم ازدهار العمارةالدينية والتعمير، فى مصو المملوكية .

أما الباب الاجتماعى، فقد تحدث عن علاقة الصوفية بالمجتمع ومدى تفاعلهم بطبقات الشعب من أصحاب حرف وفلاحين وقطاع طرق ومشايخ العرب ، وما قدمتهالمؤسسات الصوفية ، من دور اجتماعى وخدمات ، ثم أثر التصوف فى نشر القيم الاجتماعية ، مثل عدم الاعتراض ، والتواكل ،والخضوع والتسليم ، ونشر العاداتالاجتماعية مثل الموالد والولائم وزيارة القبور، وفى الزى، وأثر التصوف فى التركيب الاجتماعى  مثل إظهار طوائف جديدة كالأولياء والطرق الصوفية ، وطوائف المجاذيب والأشراف والأعاجم والزوالق ومشايخ الزيارة والجعيدية والتعريف بكل طائفة . بالإضافةإلى أثر التصوف اقتصاديا فى ترك الحرفة ونشر الأوقاف وأثرها الاقتصادى.

 2ـ  والجزء المحذوف من الرسالة هو ما ظهر معظمه اخيرا فى هذا الكتاب عن التصوفوالحياة الدينية فى مصر المملوكية ،وكان فى الرسالة الأصلية عبارة عن بابين ، أثر التصوف فى الحياة الدينية ،وأثر التصوف فى الحياة الخلقية.  وأثناء فترة الاضطهاد الأولى فى جامعة الأزهر (1977ـ 1980) قمت بتجهيز البابين ليكونا كتابا واحدا على أمل نشره فيما بعد ، وتحت تأثير الشعور بالظلم والاضطهاد كان الأسلوب حادا وناقما . وأعدت النظر في الكتاب سنة 1981، فرأيت أنه يحتاج إلى إعادة صياغة ( هادئة ) كما أنه كبير الحجم ،ولذلك أجلت إصداره، وأصدرت بدلا منه كتابى الأول (السيد البدوى بين الحقيقة والخرافة ) سنة 1982  ،وكان على نفقتى الخاصة ، وهو الذى يثبت حقيقة البدوى  كمتآمر سياسى تستر بالتصوفلإسقاط نظام الحكم الأيوبى ثم المملوكى، وكان جزءا من رسالة الدكتوراه التى نوقشت .ثم انشغلت بإصدار مؤلفات أخرى، إلى أن دخلت فى فترة الاضطهاد الثانية (1985 ـ 1987) والتى بدأت بوقفى عن العمل فى الجامعة عقابا على إصدارى خمسة  كتب, وانتهت بتقديم استقالتى للجامعة ، ثم قرار الجامعة بالعزل سنة 1987. ونجاح  الشيوخ فى الضغط على الدولة حتى ادخلتنى السجن بتهمة ملفقة وهى إنكار السنة ( نوفمبرديسمبر سنة 1987 ) وبعدها تفرغت للبحث وبدأت طريقا جديدا في تطهير عقائد المسلمينمن كل الزيف سواء ما اتصل منه بالتصوف أو بالسلفية والأحاديث المفتراه .

3 ــ وفى بداية التسعينيات وبعد صدور حوالى عشرين كتابا ومئات المقالات والأبحاث خشيت على أصول كتاب) التصوف والحياة الدينية ) أن تضيع وسط الأوراق ، فأعدت قراءتها ، وأعددتها للنشر، على النحو التالى : -

أ )  دعمت البحث بالرجوع إلى بدايات التصوف التاريخية والعقيدية والفكرية من خلال رسالة القشيرى واحياء علوم  الدين للغزالى، لأصل التصوف المملوكى ببداية التصوف وانتشاره.

ب )  حذفت من الكتاب القديم فصولا عن أثرالتصوف فى استرجاع العقائد الفرعونيةوالتأثر بالمسيحية ، ورأيت من الأفضل أن تصدر فى أبحاث مستقلة.

ج ) أضفت للبحث بعض ما يحتاج إليه من أبحاث تضمنتها الرسالة التى نوقشتخصوصا فى علاقة الصوفية بالفقهاء، وبعض النواحى العقلية والاجتماعية .

د ) خففت الكثير من العبارات الحادة ، وأثرت ترك بعض النصوص بدون تعليق ليحكمعليها القارىء.

4- ويبقى لى بعض ملاحظات :

أ ) أننى حاولت بقدر الإمكان ألا أقع فى تكفير أحد، وأكتفيت بعرض الاراء المخالفةللقرآن ونسبتها لأصحابها كما هو موجود فى كتبهم ، دون أن أقصد تكفيرا ،وإنما توضيحا للفجوة بين الإسلام والمسلمين , وهدفى  من ذلك هو النصح للمسلمين الذين يقرءون الكتاب ،  حتى يعرفوا الحق ,  وما يخالفه من معتقدات متوارثة ، التصقت بالإسلام ,  وهو يناقضها تماما .

ب ) أنه بسبب إعادة الصياغة أكثر من مرة فى أزمنة مختلفة ، فإن بعض الفصولكتبت هوامشها أسفل الصفحات ، وبعض الفصول كتبت هوامشها فى نهايةالفصول أو الأبحاث . كما حرصت على إثبات المراجع كلها للرسالة القديمة ،ومنها مالم يعتمد عليه في الكتابة ، ورأيت أن إثبات المراجع كلها أكثر إفادة للباحثين فى العصر المملوكى وتراثه .

ج ) إننى أقدر تماما الشعور بالصدمة الذى قد يفاجىء بعض القراء، ممن يحسنون الظن بالتصوف وأوليائه . وأتمنى أن تسفر هذه الصدمة على أن يرجعوا بأنفسهم لمصادر الرسالة ويتحققوا مما ذكرت , وأن يكون ذلك دافعا لهم لإعادة قراءة التراث الصوفى ـ وغير الصوفى ـ  قراءة موضوعية نقدية ، باعتباره تراثابشريا يجوز فى حقه الخطأ والصواب ، وكفانا تبريرا وتأويلا وتجاهلا، فإن حق الله تعالى أقدس ، ودين الإسلام أولى بأن نبرئه من كتابات الأسلاف .

أخيرا

 وبعد هذا فأنا لا أرجو جزاء ولا شكورا من أى إنسان مهما كان . فقد اجتهدت ــــ لله تعالى وحده ـــ فى التعرف على الإسلام من خلال القرآن ، وأجتهدت فى التعرف علىالتصوف وعقائده ورسومه من خلال كتب شيوخه وأئمته ، واجتهدت فى قراءة وبحث التاريخ المملوكى والتراث المكتوب فيه من شتى المجالات  ، واجتهدت فى تحديد الفجوة بين الاسلام والتصوف ، وفى تأثير التصوف على الحياة الدينية والخلقية والاجتماعية والعقلية والعلمية وغيرها فى العصر المملوكى . وأحمد الله تعالى على أن وفقنى لذلك . فكان إصدار هذا الكتاب بعد أكثر من ستة عشر عاما من مناقشة الرسالة ,  تعلمت فيها الكثير والكثير خصوصا بعد تركى الجامعة ، وعرفت كم هذا التغيير والتعليم حين قرأت الأصل القديم لهذا الكتاب.

والله تعالى المستعان

القاهرة فى يونيه1996

موضوعات الجزء الأول من كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

موضوعات الجزء الأول من كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الأول  : ( التصوف والعقائد الدينية فى مصر المملوكية )

مدخل : موضوعات الجزء الأول : ( التصوف والعقائد الدينية فى مصر المملوكية )

يحتوى هذا الجزء الأول على بابين : الباب الأول (مراحل العقيدة الصوفية وتطورها في مصر المملوكية من خلال الصراع السنى الصوفى  ) وفيه خمسة فصول ، والباب الثانى (  : تقديس الولي الصوفي في مصر المملوكية  ) ويضم ثلاثة فصول .

وبيان أبحاث هذا الجزء كالآتى :       

الباب الأول : مراحل العقيدة الصوفية وتطورها في مصر المملوكية من خلال الصراع السنى الصوفى 

مدخل: تعقيب على آراء الباحثين في عقائد التصوف

الفصل الأول : المرحلة الأولى للعقيدة الصوفية : من بداية التصوف في القرن الثالث إلى الهجري إلى وفاة الغزالي ت505 هـ .مدرسة الجنيد .

الغزالي وعقيدة التصوف :عقيدة التصوف في الإحياء ، تعقيب على الغزالي وحدة الوجود

الفصل الثاني ؛ المرحلة الثانية من بعد الغزالي إلى ابن عربي،ت 638

مدخل :

 ازدهار التصوف بعد عصر الغزالي

ابن عربي ووحدة الوجود في كتاب الفصوص

ابن الفارض قرين ابن عربي في مصر

الفصل الثالث : وحدة الوجود وصراع الفقهاء السنيين مع أتباع ابن عربي  في القرنين السابع والثامن الهجريين .

أولاً : في القرن السابع

ثانياً : وحدة الوجود وصراع الصوفية مع أتباع  ابن عربي مع  الفقهاء السنيين في القرن الثامن :

ابن تيمية :

آثار حركة ابن تيمية على الفقهاء في القرن الثامن

آثار حركة ابن تيمية على خصومه الصوفية

الفصل الرابع : وحدة الوجود وصراع الصوفية مع الفقهاء في القرنين التاسع والعاشر

أولاً: في النصف الأول من القرن التاسع حركة البقاعي سنة 875

بعد موت البقاعي سنة 885

في القرن العاشر : الشعراني ممثل الفقه والتصوف

طبيعة الشعراني بين التصوف والفقه  ، هجومه على معاصريه من الصوفية ، الشعرانى ينهى عن مطالعة كتب الاتحاد الصوفية ، الشعرانى و تأويل عبارات الاتحاد للصوفية السابقين ، الشعراني يشيد بأساتذته الاتحاديين

الشعراني يقول بالاتحاد الصوفي.

الفصل الخامس : المرحلة الثالثة ل"margin-right:-34.7pt;"> مدخل ، تزكية الولي الصوفي

تأليه الولي الصوفي

ملامح تأليه الولي الصوفي : الدعوة إلى الإيمان بالولي الصوفي ، أسماء وصفات ألاهية للولي الصوفي 

 الولي الصوفي بين السماء والأرض، الولي الصوفي لا يأكل ولا ينام ولا يختلط بالبشر ، تقديس كلام الولي الصوفي، إسناد علم الغيب للولي الصوفي ، ادعاء التصريف للولي في ملك الله تعالى

ملامح تأليه الولي الصوفي في علاقة المريد بشيخه : حب المريد لشيخه حب تأليه ، عدم إشراك المريد بشيخه

عبودية المريد لشيخه

تفضيل الولي الصوفي على الأنبياء:  في العصمة ، في الشفاعة

الصوفية يفضلون الولي الصوفي على الله تعالى

المقصود بالعبادة والتقديس هو الله جلا وعلا وهو الولي ولا ولي سواه

الصوفية أولياء الشيطان.

الفصل الثالث : أنواع الأولياء الصوفية ومهامهم وكراماتهم

أولاُ : أنواع الأولياء الصوفية ودرجاتهم : بين القطب وأعوانه :

القطب ، الخضر ، المجاذيب ، أرباب الأحوال ، أصحاب النوبة ، أصحاب الوقت

ثانيا : مهام الأولياء : الحملات ، النظرة

ثالثاُ : الاعتقاد في كرامات الأولياء الصوفية

الكرامات في فكر الخاصة واعتقاد العامة في العصر المملوكي

دراسة في أساطير الكرامات في العصر المملوكي

مروجو الكرامات ، تهرب المتصوفة من الإتيان بكرامة ، أصناف من أساطير الكرامات : علم الغيب ، التصريف ، انتحال صفات الله ، كرامات ما بعد الموت ، الطي ، التطور، في قراءة القرآن ، رؤية الله سبحانه والملائكة والعرش ، الأسد ، الذهب ، الطعام ، كرامات تافهة.

مدخل الباب الأول فى كتاب ( التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

ج1 ب1    : مدخل الباب الأول فى كتاب ( التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية  )

الجزء الأول  : ( التصوف والعقائد الدينية فى مصر المملوكية )

الباب الأول : مراحل العقيدة الدينية  وتطورها في مصر المملوكية من خلال الصراع السنى الصوفى  :  مراحل العقيدة الصوفية وتطورها في مصر المملوكية  من خلال الصراع السنى الصوفى        

مدخل الباب الاول : ( تعقيب على أراء الباحثين فى عقائد التصوف)

أولا : فكرة سريعة عن أهم عقائد التصوف

1 ـ أهم عقائد التصوف هي " الاتحاد . والحلول ، ووحدة الوجود " . 

2 ــ وقد عنى الباحثون في ( عقائد التصوف ) بتبيين أوجه الفرق بين تلك العقائد وأبرزهم في ذلك المجال العلامة ابن خلدون ، ويوحي حديثه عن العقائد الصوفية بأن الخلاف العقائدي بينهم يصل إلى درجة التباعد [1]. وقد تأثر به أحمد أمين في عرضه لنفس الموضوع [2].

3 ــ والواقع أن الفارق " شكلي" بين العقائد الثلاثة ، فأصحاب الاتحاد يعتقدون أن الصوفي إذا حسُن حاله يصل " للفناء " في المعبود ويستغرق في حال ( المشاهدة ) و ( يتحقق بالحق ) أو يتحد بالله واجب الوجود .

وأصحاب " الحلول " يعتقدون أن الذات العلية تتجلى على الصوفي الفاني فى ربه فتنمحي في العبد صفة العبودية ويفنى في ربه متحداً فيه ، " وأصحاب الوحدة " يعتقدون أن الوجود " بما فيه من خالق ومخلوق " واحد لا تعدد فيه ، وأن المخلوقات هي صور يبدو فيها ( الله ) الحق واجب الوجود ، والصوفي هو الذي يصل إلى هذه الحقيقة التي لا يدركها المحجوبون من بقية البشر ، فإذا زال الحجاب عن قلب امرئ و رأى أن " الشاهد عين المشهود ".

4 ــ وقد يقال أن "عقيدة الاتحاد " لا تختلف في مقولتها عن "عقيدة الحلول" فالاتحاد صعود بالعبد إلى الله ليتحد به و "الحلول " نزول بالإلوهية إلى العبد ليحلّ فيه ، فالخلاف لفظي ، والمعنى هو تأليه البشر وإنعدام الفوارق بين ( الحق جل وعلا ) وبين الخلق .

5 ــ ويمكن القول أيضاً بأن الخلاف "كمي " بين عقيدتي "الاتحاد ووحدة الوجود" فأصحاب الاتحاد يرون للعالم وجودين : خالق ومخلوق ،ثم يتحد الصوفي العارف بالخالق ويحقق الفناء في واجب الوجود . ويقصرون الاتحاد بالخالق على العارفين أو الأولياء الصوفية الذين ( يتحققون بالق ) بزعمهم . هذا ، بينما يتوسع أصحاب الوحدة في هذه المقولة ويجعلونها حقا لكل البشر بل والحيوانات والأحياء منها والأموات بل والجمادات ، فهي كلها عندهم صور يتراءى فيها الخالق في خلقه .. فعقيدة الاتحاد جزء من عقيدة "وحدة الوجود " أو أن وحدة الوجود هي الهدف الأسمى للقائلين بالاتحاد، أو هي على حد قول بعضهم "الاتحاد المطلق" أي الذي يشمل الإنسان و الحيوان و الجماد.

 ومعنى ذلك أن هناك درجات للعقيدة الصوفية تبدأ ( بالاتحاد والحلول ) وتنتهي( بوحدة الوجود ) أو (الاتحاد المطلق ) ، وذلك ما توضحه مسيرة التاريخ الصوفي في الدولة الإسلامية .

ثانيا : موجز المراحل التاريخية للعقيدة الصوفية :

1 ــ والأرضية التاريخية هي المسئولة عن ذلك التضارب المزعوم في عقائد التصوف ، فدارسوا التصوف بحثوا عقائده بمعزل عن الواقع التاريخي وما يستلزمه من تغيرات ومؤثرات ..

2 ــ وحتى نضع الأمور في نصابها فإن ( دين التصوف ) ، ظهر في مجتمع رافض له فواجه الكثير من العنت شأن المرتدين ، فقتل الحلاج لأنه أعلن عقيدته صراحة ، فاضطر الآخرون إلى نوع من المواءمة بين عقيدتين متعارضتين ( الإسلام والتصوف ) ، فوضعت للتوحيد درجات تبدأ ( بتوحيد العوام ) ، ويقصدون به الإسلام ، وتنتهي " بتوحيد الخاصة " أو " التوحيد المحض " ويعنون به وحدة الوجود .. وكان الجنيد " رأس الصوفية " مع " الغزالي " " حجة الصوفية " هما أبطال هذه المرحلة من مراحل التاريخ الديني للعقيدة الصوفية .

3 ــ ثم تقرر التصوف السنى دينا على يد الغزالي وتحول الإنكار من إنكار عام على التصوف كمبدأ ودين إلى إنكار على الصوفية المنحرفين فقط . وتهيأ الجو بذلك للمرحلة الثانية ، وفيها اكتملت العقيدة الأساسية للصوفية ( وحدة الوجود ) في مؤلفات ( ابن عربي) ( شيخ الصوفية الأكبر ) ، ووُوجه أتباع بن عربي بكثير من الإنكار وأحرقوا كتابه ( الفصوص ) أكثر من مرة ، ودمروا قبره مرات وأعيد بناؤه مرات ، ومع ذلك تزايد أتباعه وكثرت الشروح على الفصوص بمثل ما حظي به سابقه ( إحياء علوم الدين ) للغزالي ..

4 ــ وعرف العصر المملوكي تطلعاً صوفياً لبلوغ المرحلة الثالثة وهي التحلل اسماً وفعلاً من الإسلام على يد الصوفية الذين ادعوا النبوة أو الألوهية وطافوا البلاد دعاة لنحلتهم ، إلا أنهم ووجهوا بالاضطهاد والقتل ، فقد استقر في الأذهان أنه لا تعارض بين الإسلام والتصوف ، ولم يلق أولئك المتطرفون الصوفية تأييداً من أكثر الصوفية ، إذ أن التصوف قد حصل على أكثر مما يحلم به وهو يرتدي زي الإسلام ، وإذا خلع عنه هذا الزي فقد الكثير دون داع ، فقد اكتملت للتصوف في هذه الفترة تحويل الإسلام عقيدة ورسوماً إلى مظاهر صوفية بحتة ليس للإسلام فيها إلا مجرد الاسم والشكل ، وإذا ضاع الشكل الإسلامي الذي ينخدع به الكثيرون ضاع على التصوف مكاسب حققها في قرون وناضل في سبيلها أعيان الصوفية ، وكلهم لم يتحلل من الشكل الإسلامي للتصوف . بل وضع في إطاره ما يريده.

ثالثا :

1 ــ ونُنبّه هنا على أن مصطلح الفقه والفقهاء فى هذا العصر كان يدل على دين السنّة المتاُثر بالتصوف أو ما نسميه بالتصوف السّنى ، وكان أربابه هم ( الفقهاء ) السنيون المؤمنون بالتصوف والمسلّمون به ولكن ينكرون على متطرفى التصوف . وأن الصراع بين الفقهاء والصوفية هو صراع بين دينين أرضيين ، مع وجود ( التصوف السنى ) الذى يجمع بينهما لأن الشقاق أهم ما يُميّز الأديان الأرضية ، وإذا لم يجد الدين الأرضى ما يتصارع معه من الأديان الأرضية الأخرى فإنه يتجزّأ وينقسم ليستمر التصارع . فالصراع سمة اساس فى الأديان الأرضية لأنها أديان كهنوتية يسعى أربابها الى التكسب بها ويتصارعون فيما بينهم حول الثروة والسلطة وحُطام الدنيا . أما الاسلام الحق فهو مؤسس على التقوى وخشية الرحمن جل وعلا أملا فى الفوز يوم القيامة ، وليس فى الاسلام إحتراف دينى أو تكسب بالدين ، بل على العكس فيه التقرب الى الله جل وعلا بتقديم الزكاة المالية وإقراض الله جل وعلا قرضا حسنا ، والجهاد فى سبيل الله جل وعلا بالأموال والأنفس . 

2 ـ ومن خلال الصراع السنى الصوفى نتتبع تطور فى عقائد التصوف،  وخصوصا عقيدتهم فى وحدة الوجود الأشد كفرا والتى تناقض تماما عقيدة الاسلام ( لا إله إلا الله ) فتقول : لا موجود إلا الله . وهنا نعتمد على المصادر التاريخية المملوكية والمصادر الصوفية فى نفس العصر فى توضيح هذا الصراع بين دينى السنة والتصوف ، حيث يمثل الفقهاء دين السنة ويمثل الصوفية دين السنة .

وقد دار هذا الصراع ــ حسبما يظهر ــ تحت لافتة ( التصوف السنى ) . فالفقهاء السنيون ــ حتى الحنابلة منهم كابن تيمية والبقاعى ـــ كانوا يؤمنون بالتصوف ويؤمنون بكرامات الأولياء الصوفية ، بل ويؤمنون برواد التصوف وولايتهم ،  كالجنيد والسرى السقطى ، منخدعين بما قاله أولئك الرواد من الالتزام بالكتاب والسّنة . وتركز إنكار أولئك الفقهاء والحنابلة منهم على صُرحاء الصوفية القائلين بوحدة الوجود مثل ابن عربى وابن الفارض .

ولم يفطن أولئك الحنابلة ( ابن تيمية ومدرسته فى القرن الثامن والبقاعى بعده فى القرن التاسع ) الى أن وحدة الوجود قال بها الرواد الأوائل للتصوف ، وأن الغزالى نثرها فى كتابه ( إحياء علوم الدين ) وخصص لها كتابه ( مشكاة الأنوار ) . ظل الغزالى بالنسبة لهؤلاء الفقهاء إماما للتصوف السنى ، و( حُجّة للإسلام ) ، وإقتصر إنكارهم على ابن عربى والصوفية التابعين له فى وقتهم . وإعتبروهم خارجين عن ( الاسلام ) الذى كان يعنى لهم ( الكتاب والسنة ) أو ( التصوف السنى ).

ولأن الفقهاء كانوا البادئين بالانكار فقام الصوفية برد الفعل ، فالعنوان الأفضل هو ( الصراع السنى الصوفى  ) وليس ( الصراع الصوفى السنى ) ، ومن نافلة القول أن نذكر أن الفقهاء الحنابلة خسروا المعركة وتعرضوا للإضطهاد ، مع تسليمهم بالتصوف دينا ومبدءا ، لأن العصر كان عصر التصوف ، حتى إن حركات الحنابلة السنيين ( ابن تيمية / البقاعى ) أدت فى النهاية ليس الى تقويض التصوف بل تأكيد سلطانه ، وإنتشار عقيدته المتطرفة فى ( وحدة الوجود ) 

ونأتي للتفصيل  :



[1]
المقدمة : 469 ، 470 ، 471 ، 472 المكتبة التجارية .

[2] ظهر الإسلام 161 : 163 .

التمهيد : التصوف عقيدة وتاريخاً

(التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )(648 ـ 921 هـ /  1250 ـ 1517 م )      

 التمهيد : التصوف عقيدة وتاريخاً

أولاً:  لمحة عن التصوف عقيدة : ماهية التصوف . تعريفات التصوف . -اشتقاقات التصوف. مصادر التصوف .- هل يمكن أن يكون .الإسلام مصدراً للتصوف عند المسلمين ؟

ثانياً :لمحة عن التصوف تاريخا : بداية التصوف وانتشاره في الدولة الإسلامية ــ بين الزهد والتصوف . - بداية التصوف . انتشار التصوف في العالم (الإسلامي).  سيطرة التصوف علي العصر المملوكي .

                التصوف عقيدة  

أولاً: ماهية التصوف :.

* تعريفات التصوف :

 1-  يقول القشيري ( تكلم الناس في التصوف ، ما معناه، وفى الصوفي من هو، فكلعبر عما وقع له ، واستقصاء جميعه يخرجنا عن المقصود من الإيجاز  وسنذكر بعض مقالاتهم فيه على التلويح .. سئل أبو محمد الحريري عن التصوف فقال : الدخول في كل خلق سني و الخروج من كل خلق دني، وقال أحدهم سمعت الجنيدي وقد سئل عنه فقال : هو أن يميتك الحق عنك ويحييك به ، وقال الحسين بن منصور عن الصوفي : وحداني الذاتلا يقبله أحد، ولا يقبل أحداً) إلخ (1) .

فالقشيري يرى أن كل صوفي عرف التصوف تعريفاً ذاتياً ، أو بتعبيره ( فكل عبر بماوقع له)  ، ومعنى ذلك أن تتعدد تعريفات التصوف ، وتتكاثر بتكاثر الداخلين في ميدانالتصوف ، حتى أن القشيري أراح نفسه من ذكر تعريفات التصوف التي ذكرها الصوفية حتى العصر الذي عاشه فقال (واستقصاء جميعه يخرجنا عن المقصود من الإيجاز )، وقد مات  القشيري سنة 465 هجرية .

ومن الطبيعي أن تتعاظم تعريفات التصوف كثرة بعد زمن القشيري، وقد دخلالتصوف في دور  الانتشار، فيقول الحلبي  في القرن الحادي عشر ( في كلام بعض المشايخ في بيان ماهية التصوف أقوال تزيد عن ألف قول)(2). أي بلغت تعريفاته عند  بعضالمشايخ أكثر من ألف .. فكيف تبلغ عند كل المشايخ ، وردد  د./ عبد الحليم  محمود قولالحلبي في تعريفات التصوف ، وأنها (أربت عن الألف ، كما يقول مؤرخو التصوفالقدماء )(3).وأورد نيكلسون قائمة بتعريفات التصوف مرتبة ترتيباً زمنياً ، وذكر بعضها بالعربيةوالفارسية (4) . ولا يزال الباب مفتوحاً على مصراعيه لتعريف التصوف عند الصوفية فيقول صوفي معاصر هو أبو الوفا التفتازاني (التصوف فلسفة حياة تهدف إلى الترقي بالنفسأخلاقياً ، وتتحقق بواسطة رياضيات عملية تؤدى إلى الشعور في بعض الأحيان بالفناء فيالحقيقة الأسمى. والعرفان بها ذوقاً لا عقلاً، وثمرتها السعادة الروحية ، ويصعب التعبيرعن حقيقتها بألفاظ اللغة العادية لأنها وجدانية الطابع والذاتية)(5).

2ـ  وحاول دارسو التصوف أن يجدوا تعليلاً وتفسيراً لهذه الكثرة الكاثرة منالتعريفات الصوفية للتصوف ، والقشيري أسبق في الإشارة إلى أن كل صوفي يعبر عنذاته في تعريفه للتصوف .

وقد أوضح أبو العلا عفيفي ما أجمله القشيري ، فيقول عن تعريفات التصوف : ( قد يكون للصوفي الواحد أكثر من تعريف للتصوف من غير أن يربط بينها رابط وذلك لأن الصوفي " ابن وقته "  فهو ينطق في كل وقت بما يغلب عليه الحال في ذلك الوقت . نعم قديقال إن الغالب على تصوف ذي النون المصري الكلام في المعرفة ، وفى تصوف أبى يزيد البسطامي الكلام في الفناء، وفى تصوف رابعة العدوية الكلام في المحبة ، وفى تصوفشقيق البلخي الكلام في التوكل ، وفى تصوف الجنيد الكلام في التوحيد، ولكن ليس معنى هذا إن تصوف كل من هؤلاء كان منحصراً في المعرفة أو الفناء أو المحبة أو التواكل إلخ . زد على ذلك إن بين التعريفات تداخلاً جزئياً أو كلياً وبعضها يكرر معاني البعض الآخربعبارات مختلفة ، وهو ما يجعل خضوعها للتصنيف العلمي أمراً عسيراً)(6) .

وما ذكره أبو العلا عفيفي يلخصه الباحث الإيراني "قاسم غني"  القائل (التصوفأمر قلبي، وهو من مقولة الأحاسيس الشخصية ، وكل واحد يعتبر التصوف هو ذلك الشيءالذي أدركه وأحس به ، ولا يمكن وصف حقيقة التصوف بتعريف عام جامع مانع يتفق عليه الجميع ) (7).

ويخرج أبو الوفا التفتازاني بتعليل جديد لاختلاف الصوفية في تعريف مذهبهم الصوفي يقول ( .. على أن كلمة تصوف ـ وإن كانت من الكلمات الشائعة ـ إلا أنها في نفس الوقت من الكلمات الغامضة ، والتي تتعدد مفهوماتها وتتباين أحياناً ، والسبب فيذلك أن التصوف خط مشترك بين ديانات وفلسفات وحضارات متباينة في عصور مختلفة ، ومن الطبيعي أن يعبر كل صوفي عن تجربته في إطار ما يسود مجتمعه من عقائد  وأفكار، ويخضع أيضاً لما يسود حضارة عصره من اضمحلال وازدهار، وتبدو التجربة الصوفية واحدة من جوهرها، ولكن الاختلاف بين صوفي وآخر راجع أساساً إلى تفسير التجربة ذاتها المتأثرة بالحضارة التي ينتمي إليها كل واحد منهما ) (8).

 واستعراض شتى تعريفات التصوف وتحليلها يخرج بنا عن الالتزام بالاختصار، إذأنها جميعا لا تخرج عن الإطار الذي عرضنا له ، ثم أن القائلين في تعريفات التصوفوشرحها إما صوفية (يعتقدون شيئاً لا يتفقون على مجرد التعريف به )، وإما فلاسفةعلمانيون كأبي العلا عفيفي ، وقاسم غنى ـ لا يفهمون الإسلام كما ينبغي، ويخلطون بينالإسلام والمسلمين على نحو ما سنوضحه في مفهوم التصوف وحقيقة  علاقته بالإسلام .

المفهوم الحقيقي

1ـ وضح من العرض السابق أن تعريفات التصوف لا تنتهي كثرة وتناقضاً واختلافاً . وأن كل صوفي يأتي لا يلتزم بتعريف من سبقه للتصوف فيأتي بتعريف جديدحتى أن (أبو الوفا التفتازاني ) ( وهو حىٌّ يرزق ) [1]،  خرج بمفهوم يرى أنه ( أكثر انطباقاًإلى مختلف أنواع التصوف )(9)، مما جعله يعدل  في تعريفه المبدئي للتصوف(10). ويأتيبالمفهوم الجديد الذي ذكرناه.

 ويقيناً فان أشياخ التصوف الآخرين المعاصرين لن يوافقوا على تعريفه للتصوفحتى وإن كانوا أقل ثقافة ( أو تصوفاً) منه ، ذلك أن لكل صوفي  ( تجربته الخاصة )التي يعبر عنها كما يقول التفتازاني نفسه . أو بتعبير الصوفية لكل صوفي (ذوقه ) أو بتعبيرنا ( لكلمنهم هواه ) .

 فالهوى هو الأساس في اختلاف الصوفية في تعريف أهم الأشياء لديهم . وهو التصوف الذي به يدينون ويوصفون . وقد يسمون الهوى (ذوقاً) عند الأقدمين أو ( تجربة ) كما عند المحدثين ، إلا أن الهوىهو المعيار الذي نفسر به حقيقة التصوف ، ولنا في ذلك دليلنا العقلي و النقلي :

 أولاً : فالتصوف ( عاطفة ووجدان ، وليس من قبيل المعرفة البرهانية ، وهو حالة سريعةالزوال ) ، وتلك سمات التصوف عند التفتازانى"11"، وقد أدخلها في مفهومه للتصوف حيثقال (.. والعرفان بها ذوقاً لا عقلاً .. لأنها وجدانية وذاتية ) . فالعقل خارج دائرة التصوف .وعداء الصوفية للعقل أمر مقرر .. وإذا غلبت العاطفة ( والوجدان والذوق والإحساس )،وحورب العقل تسلط الهوى وتناقض الإنسان مع نفسه حتى ( يكون للصوفي الواحد أكثرمن تعريف للتصوف ، من غير أن يربط بينهما رابط ، وذلك لأن الصوفي ابن وقته ، فهوينطق في كل وقت بما يغلب عليه الحال في ذلك الوقت ) ، على حد قول أبى العلا عفيفيالذي أوردناه . ولأنه "هوى" فكل صوفي يتعصب لهواه الذي يحس به في قلبه ، أو بتعبيرقاسم غنى فالتصوف (أمر قلبي وهو من مقولة الأحاسيس الشخصية، وكل واحد يعتبرالتصوف هو ذلك الشيء الذي أدركه وأحس به ، ولا يمكن وصف حقيقة التصوف بتعريفعام جامع مانع يتفق عليه الجميع ).

ثانياً : وقد جعل القرآن الكريم ( الهوى) نقيضاً للعقل ، ودعا لاستعمال العقل للوصولبه للإيمان الخالص بالله وحده ، وتكرر في القرآن الكريم (أفلا تعقلون ) (لعلكم تعقلون )،ووصف المشركين بأنهم (لا يعقلون ) وبأنهم يتبعون الهوى بلا عقل ({أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً  ؟. أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً }الفرقان 43 ،44 .ولأن كل منهم يعبد هواه وينكر عقله فقد تفرقوا شيعاً وأحزاباً وطرقاً ، ومن الملاحظأن الاختلاف سمة أساسية للتصوف يشمل كل شيء من تعريفه إلى اشتقاقاته ورسومهوشكلياته ، حتى يحتسب عمر الشقاق بين الصوفية  بعمر التصوف نفسه ، بل ومرتبطاًبعقيدة التصوف نفسها، حتى أن رويم الصوفي يقول ما تزال الصوفية بخير ما تنافروا فإذا اصطلحوا فلا خير فيهم )"12".

2 ـ وما معنى سيطرة الهوى( أو الذوق أو الحال ) على فكرة الصوفي وعقيدته ؟إن التصوف كما يقول التفتازاني : ( نوعان أحدهما ديني والأخر فلسفي ، فالتصوفالديني ظاهرة مشتركة بين الأديان جميعا)"13".. ومعناه أن التصوف الديني  إذا سيطرعليه الهوى خالف الإسلام تبعاً لمفهوم القرآن الذي لا تقديس فيه إلا لله وحده ، ولا مكانفيه للاعتقاد  في الخرافات و الآلهة الأخرى وأنصاف الآلة . فالقرآن يجعل الدين إما إخلاصاً في الإيمانبالله وحده على أساس من العقل والعلم ، وإما شركاً قائماً على الهوى والتقليد والجهلوالعمى ، ولا وسطية هنا ، والعاقل بعد أن يصل بعقله وهداية ربه إلى الإيمان الخالص باللهوحده ولياً وشفيعاً ومشرعاً . فلن يكون هناك مجال للاختلاف بينه وبين إخوانه المؤمنين ،طالما يتحاكمون إلى كتاب الله ، ويرتضون حكم الله { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ) الشورى10 )، أما أصحاب الهوى  فهم في اختلاف  وشقاق يتكاثر بتكاثر الآلهة والأولياء والمشرعين الذين يشرعون ذلك الدين  بالهوى والعاطفة فتتشابك  الأهواء ويكون الاختلافوالتنازع هو الخير عند أصحاب ذلك الدين ،  كما يقول رويم ( ما تزال الصوفية بخير ماتنافروا فإذا اصطلحوا فلا خير فيهم ).

 ويقرر التفتازاني  أن التصوف الديني  ظاهرة مشتركة بين الأديان جميعاً سواء فيذلك الأديان السماوية أوالأديان الشرقية القديمة .. أي أن التصوف وجد إلى جانباليهودية والنصرانية وأديان الفرس والهنود والصينيين، وتلك حقيقة تاريخية نجد صدىلها في القرآن الكريم في حديثه عن بعض أهل الكتاب ممن حادوا عن الطريق  وارتدوا منبعد ما جاءتهم البينان ، فاشتد  بينهم الاختلاف( وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ  :البينة:4) ويقول عن اليهود من بعد موسى (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ  هود 110 . فصلت 45 ) ، ولمحو هذا الخلاف  جاء عيسى (قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ: الزخرف63 ) ثم اختلفوا من بعد عيسى (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ: مريم 37 )، ثم جاءت الرسالة الخاتمة  بالقرآن لتدعو إلى الإيمان الخالص بالله وحده وإلى نبذ الخلافات والأهواء حتى بينأصحاب الكتب السابقة ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ :النمل 76 ). ووقع المسلمون فيما وقع فيه أهل الكتاب .

 والتصوف اليهودي والتصوف المسيحي كلاهما مسئول عن الزيغ الذي وقع فيه أهلالكتب ، فجاء القرآن ليوضح الطريق ، إلا إن أحفاد أهل الكتاب في العصر الإسلامي أبو إلا الرجوع إلى سنن الآباء، فعاد التصوف يطل برأسه يعززه الهوى وحب التراثوالمأثورات الوطنية والشعبية.  وقد تنهزم العقائد الشعبية وتنحسر مؤقتاً، إلا أن الضمير الشعبي يحافظ عليها مستورة حتى تعود إلى الظهور تحت رداء جديد لتحمل عنوان الدينالسائد وتجد من يدافع عنها ويربطها بالإسلام ، وهكذا كان مولد التصوف في الشاموالعراق ومصر في القرن الثالث الهجري.

ولعل من المفيد أن نسترجع كلمات التفتازاني ( إن التصوف خط مشترك بين دياناتوفلسفات وحضارات متباينة في عصور مختلفة ، ومن الطبيعي أن يعبر عن تجربته فيإطار ما يسود مجتمعه من أفكار).

اشتقاقات التصوف

*  الاختلاف قائم هنا أيضاً في اشتقاقات لفظ التصوف .

يقول القشيري ( وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ، والاشتقاق والأظهرفيه أنه كاللقب ، فأما قول من قال إنه من الصوف وتصوف إذا لبس الصوف كما يقالتقمص إذا لبس القميص فذلك وجه ، ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف ،ومن قال أنهممنسبون إلى صفة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فالنسبة إلى الصفة لا تجيءعلى نحو الصوفي، ومن قال أنه من الصفاء فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة ، وقول من قال أنه مشتق من الصف فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم منحيث المحاضرة من الله تعالى فالمعنى صحيح ولكن اللغة لا تقتضى هذه النسبة إلى الصف . ثم أن هذه الطائفة أشهر من أن تحتاج في تعيينهم  إلي قياس لفظواستحقاق اشتقاق )(15) . القشيري أراح نفسه من الترجيح بين الآراء مع إثباته فضل الصوفية المراد بين هذه الاشتقاقات . وفى نفس الوقت نفى صحة هذه الاشتقاقات من حيث اللغة.

وناقش ابن الجوزي الآراء المختلفة في اشتقاقات التصوف ، ورجح أن تكون النسبةإلى رجل جاهلي أسمه صوفة اعتكف في البيت الحرام(16). وممن ارجع التصوف إلىالصوف ( لباس الزاهدين ) : ابن تيمية (7ا) في العصر المملوكي، ثم زكي مبارك (8ا).ونيكلسون (9ا)، و التفتازاني (20) في العصر الحديث .

ويقول باحث ( لا نجد علما يشغل البحث في اشتقاق اسمه ومعناه بمثل ما يشغلهالتصوف . هل يرد اللفظ إلى الصفاء، أو إلى الصف ، أو أهل الصفة ، أو إلى شخصجاهلي اسمه صوفة ، أو إلى نبتة صحراوية تسمى صوفانا ، أو إلى الصوف ، أو إلى اللفظاليوناني صوفيا الذي يعني الحكمة )(21).

وأقول أن اشتقاق كلمة التصوف أتى من الكلمة اليونانية ((sophy، ومن يقرأ كتاب( آباء مدرسة الإسكندرية الأوائل ) يجد الدليل على أن تصوف المسلمين  كان متأثر أشد التأثر بالتصوف اليوناني المسيحي قبل الإسلام ، وفى هذا الكتاب الذي أصدرته الكليةاللاهوتية بالإسكندرية توضيح  ـــــ بدون قصد ـــــ  للجذور التي استقى منها الغزالي وابن عربي والرواد الصوفية عناصر فلسفتهم ، وفي أن كلمة غنوص تعني العارف وغنوصية تعنى المعرفة ، وقد ترجمت الكلمتان وأطلقتا على الولي العارف ، وعلى ( علم التصوف) . أو المعرفة الصوفية ، بينما بقيت الكلمة اليونانية (sophy) صوفي كما هي بنفس اللفظ والمعنى القريب من غنوصي.

ويعنينا من هذا كله أن التصوف منذ ظهوره في تاريخ المسلمين في  القرن الثالثالهجري وحتى الآن ، لم يجد اتفاقاً حول اشتقاقه اللغوي في لغة عربية تمتاز بأنها قياسيةفي قواعدها النحوية والصرفية ، وهذا منطقي في دين  جديد يحاول أن يصل نفسه بالدين الرسمى المعلن ،  ويعانى من خلاف مستحكم بين أتباعه  في الداخل، دين يقوم على الهوى وذوقالأشياخ .

مصادر التصوف

انتقلت عدوى الاختلاف إلى دارسي التصوف من المستشرقين في تحديد مصادر التصوف .

 1ـ فمنهم من ردّ التصوف إلي مصدر فارسي مجوسي مثل ثولك ، ودليله أن كثيراً من المجوس بقى على دينه بعد الفتح الإسلامي، وظهر من أبنائهم كبار الصوفية الأوائلمثل معروف الكرخي و البسطامي، وقد رد التفتازاني على هذا الرأى بأن ( ازدهارالتصوف لم يكن ثمرة لجهود أولئك فحسب ، وإنما أعان على ازدهار التصوف كذلك عددليس بالقليل من الصوفية العرب ، نذكر منهم الداراني وذا النون المصري ومحيي الدين بنعربي وعمر بن الفارض وابن عطاء السكندري)(22). و التفتازاني يغالط في رده ، فالحديث هنا عن مصدر التصوف وبدايته لا عن ازدهارهوتطوره، ثم إن ذا النون المصري لم يكن عربياً وليس له نسب أو ولاء في العرب وإنما هونوبي قبطي، أما ابن عربي وابن الفارض وابن عطاء فقد جاءوا في القرنين السابع والثامن للهجرة ، حيث اختلطت الأنساب وشاع انتساب الأولياء الصوفية لآل البيت ليكونوا أشرافاذوى نسب يصلهم بعلي ومحمد عليه السلام ، ثم أنهم ليسوا مصدرا وروادا للتصوف فقد بدأالتصوف قبلهم بأربعة قرون .

2 - ومنهم من أرجع التصوف إلى مصدر مسيحي، بحجة وجود الصلة بينالنصارى والعرب قبل وبعد ظهور الإسلام ووجود الشبه بين الصوفية والرهبان ، ومنأصحاب هذا الرأي : ( فون كريمر، و جولد زيهر، ونيكلسون وبلاتيوس ، وأوليرى)، ويقولالتفتازاني معلقا ( ونحن وإن كنا لا ننكر تأثر بعض الصوفية المتفلسفين بالمسيحية ، علىنحو ما نجد عند الحلاج الذي استخدم في تصوفه اصطلاحات مسيحية كالكلمة واللاهوتو الناسوت وما إليها ، ولكن هذا لم يظهر إلا في وقت متأخر، أواخر القرن الثالث الهجري) (23).

ومع أن التفتازاني يسلم بالتأثر بالمسيحية إلا أنه يستمر في مغالطته ، حين يستشهدباصطلاحات الحلاج المسيحية ويقول أنها لم تظهر إلا في وقت متأخر أواخر القرن الثالثالهجري، مع أن بداية التصوف هي في القرن الثالث الهجري نفسه فكيف يعتبره وقتاً متأخراً ؟ !!.. بل إنه يقول ( شهد القرن الثالث بداية تكون علم التصوف بمعناه الدقيق )(24)!!وتكمن الطرافة في أن التفتازاني جعل أبن عربي وابن الفارض وابن عطاء مصادر للتصوف وهم عاشوا في القرنين السابع والثامن ثم يجعل الحلاج المقتول 301 هجرية يظهر في وقت متأخر وليس من متقدمي الصوفية !!

3- ومنهم من قال بالمصدر الهندي مثل هورتن وهارتمان وكانت لهم أسانيدهم ،يقول التفتازاني (ومما هو جدير بالذكر إنني لم أعثر على نصوص صريحة تدل علىمعرفة صوفية المسلمين بعقائد الهنود ورياضتهم إلا عند الصوفي المتفلسف عبد الحق ابنسبعين )(25).

 4 - وقال بالمصدر اليوناني كثرة من المستشرقين ، يقول التفتازاني (ونحن لا نذكر الأثر اليوناني على التصوف الإسلامي، فقد وصلت الفلسفة اليونانية عامة والأفلاطونية المحدثة خاصة إلى صوفية الإسلام عن طريق الترجمة والنقل أو الاختلاط مع رهبان النصارى .. وليس من شك في أن فلسفة أفلوطين السكندري التي تعتبر أن المعرفة مدركةبالمشاهدة في حالة الغيبة عن النفس وعن العالم المحسوس كان لها أثرها في التصوف الإسلامي، فيما نجده من كلام متفلسفي الصوفية عن المعرفة.  وكذلك كان لنظرية أفلوطينالسكندري في الفيض وترتيب الموجودات، عن الواحد أو الأول أثرها على الصوفيةالمتفلسفين من أصحاب وحدة الوجود كالسهروردي المقتول ، ومحيى الدين بن عربي وابنالفارض وعبد الحق بن سبعين وعبد الكريم الجيلي ومن نحا نحوهم ، ونلاحظ بعد ذلك أنأولئك المتفلسفة من الصوفية نتيجة اطلاعهم علي الفلسفة اليونانية قد اصطنعوا كثيرا منمصطلحات هذه الفلسفة مثل : الكلمة ، الواحد، العقل الأول ، العقل الكلى، العلة والمعلول الكلى..(26). وحسنا إذ اعترف التفتازاني بالمصدر اليوناني بالتصوف عند المسلمين  إذ أنه بذلكيثبت المصدر المسيحي الذي حاول إنكاره من قبل ، إذ أن مدرسة أفلوطين السكندري تمثلالمسيحية كما تمثل اليونانية .

ونقول : إنّ من الخطأ إرجاع التصوف إلي مصدر بعينه ، فكل صوفي تأثر بنشأتهوثقافته ، وعليه يمكن القول بأن مصادر التصوف لدى المسلمين تتعدد بتعدد ثقافاتهم وبيئاتهم ، وعندي أنه يمكن اعتبار الفرعونية مصدرا للتصوف للمسلمين المصريين خاصة ، فقد كان لذي النون المصري اهتمامات و تطواف بالبراري والمعابد الفرعونية أشار إليها المقريزي (27)  والمسعودي (28)..

 هل يمكن أن يكون الإسلام مصدرا للتصوف عند المسلمين ؟

 1ـ  شاع بين الناس أن التصوف فرع من الإسلام ، أو هو الإسلام ، أو هو ذروةالإسلام ، ويقول تعالى (..الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً.. المائدة 3)  ومعناه أن دين الله قد اكتمل بنزول القرآن وتمامه ، فلا مجال لأيبشر في أن يضيف لدين أكمله الله وحياً من السماء وإكتمل بإنتهاء القرآن الكريم نزولا وموت النبى عليه السلام ، فالتصوف إن كان يضيف للإسلامشيئا فذلك غير مقبول ، لأن تلك الإضافة إن كانت ضمن ما قرره القرآن فلا تعد إضافةلأنها موجودة من قبل ، وإن كانت تلك الإضافة مختلفة عما قرره القرآن فهي مرفوضةوليست من الإسلام في شيء. إن التصوف إذا اتفق مع الإسلام في شيء فلا حاجة بناللتصوف لأن لدينا الأصل وهو الإسلام دين الله ، والله سيحاسبنا على ذلك الأصل الذيأنزله ( وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ  الأنعام 135).

وإن كان التصوف يختلف مع الإسلام فلا حاجة بنا لذلك التصوف الذي يبعدنا عنديننا الذي ارتضاه لنا ربنا . إنها قضية واضحة لا تحتمل التوسط ، فإما إسلام فقط وإماتصوف ، إما حق وإما باطل ، ولا وسطية . (فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ ؟.. يونس 32 )  إما قرآن فقط وإما أتباع للضلال  (اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء ..الأعراف3).

2ـ وبداية الاختلاف  بين الإسلام والتصوف تكمن في أساس التشريع  ففي الإسلامأساس التشريع لله وحده والقرآن الكريم يحكم على النبي والمسلمين ، أما التصوففالشيخ الصوفي هو المشرع لأتباعه حسبما يوجهه هواه أو ذوقه أو حاله . وهم حين يضفونعلى ذلك التشريع البشرى سمة الشرعية يدعون أن الصوفي أوتى الكشف أو العلماللدني من الله أو الوحي الإلهي، مع أنه لا وحى في الدين بعد اكتمال نزول القرآن.

وإضفاء الوحي والكشف والكرامة إلى الصوفي معناه الدعوة إلى تقديسه والتماس بركتهفي الدنيا وشفاعته في الآخرة ، وتلك سمة الاختلاف الرئيسية بين التصوفوالإسلام ، حيث يكون لله وحده علم الغيب والشفاعة والتصريف في الدنيا والآخرة ، إلا أننا لا نجد صوفياً إلا وادعى لنفسه أو لشيخه لوازم التصوف من الولاية والكرامات والعلماللدني ودعا الآخرين للاعتقاد فيه ، مع أن الاعتقاد لا يكون إلا في الله وحده إلها ووليامقدسا. نطلب منه المدد والعون ، نطلب ذلك منه وحده ،لا شريك له جل وعلا.

وذروة الاختلاف بين الإسلام والتصوف تكمن في العقيدة الأساسية في كل منهما ،فعقيدة الإسلام لا إله إلا الله (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.. محمد  19 ) والله الإله الواحد، لا يشبه أحدا من خلقه ، ولا يشبهه احد من خلقه (..لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..الشورى 11 )  وصفات الله لايوصف بها غيره ، فالله واحد في ذاته ، واحد في صفاته ، إذا هو أحد متفرد عن باقي خلقه ( قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد). أما عقيدة التصوفالحقيقية فهي (لا موجود إلا الله )  أو ما يعرف بوحدة الوجود والتي تعنى أن العالم جزء

من الله، وانه لا فارق بين الخالق والمخلوق ، وأن الخلق امتداد وفيض من الخالق ، وأن علاقة الخالق والمخلوق  كمثل البحر وأمواجه ، والصوفي الحق هو الذي يدرك ذلك ويهتكالحجاب ويعلن اتحاده بالله أو حلول الله فيه . وبالقطع فهذه العقيدة تناقض عقيدة القرآن .

3ـ  ولفظ التصوف لم يرد في القرآن الكريم ، اللهم إلا إشارة للرهبنة ليست فيصالح المتصوفة الذين يحاولون ربط التصوف بالرهبنة والزهد، يقول تعالى : (.. وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ .. الحديد 27 )، ولم يجرؤ وضاع الأحاديث المزيفة على كتابة حديثفيه لفظ التصوف ، لعلمهم أن ذلك لم يكن معروفا في الجزيرة العربية وقت ظهور الإسلام ،واكتفوا بوضع أحاديث فيها لفظ الفقر والفقراء، حيث كان الفقر يدل عُرفا على التصوففي عصرهم ، مع دلالة الفقر على الاحتياج للمال في كل عصر.وورد لفظ التصوف لأول مرة في تراث المسلمين في كتاب الجاحظ ( البيانوالتبيين)(27). وقد كان ابن خلدون أقرب للصواب حين قال عن التصوف أنه ( من العلومالحادثة في الملة )(30)، وخطأ ابن خلدون في أنه اعتبر التصوف علما ، وليس التصوفبعلم ، حيث لا عقل فيه ولا منهج ، وإنما هو ذوق وهوى، ودين جديد  يخالف الإسلام ، وقدظهر بعده بقرنين .

4- والتصوف نوعان : (احدهما ديني والآخر فلسفي ) كما يقول التفتازاني، وإذاكان التصوف الديني يناقض دين الإسلام الذي لا مجال فيه لتقديس غير الله ، فإنالتصوف الفلسفي مرفوض أيضاً، لأن الفلسفة الدينية للتصوف  تعزز بالجدل أفكارالتصوف الديني ، والتصوف الديني أدخل مصطلحات دينية مستحدثة في الحياة الدينيةللمسلمين لم يعرفها المسلمون الأوائل حين كان الإسلام نقيا في الجزيرة العربية .

 ومن المصطلحات الدينية الجديدة التي استحدثها دين التصوف : الكرامة ، المريد، المقام ،الوقت  الحال ، القبض ، الصحو والسكر ، الذوق  الشرب ، المحو والإثبات ، الستر والتجلي،المحاضرة والمكاشفة ، الحقيقة والطريقة ، الوارد، الشاهد، السر، المجاهدة ، الخلوة ، الزهد،الولاية ، .. الخ ، ولكل منها مدلول  في دين التصوف ، وسطرت في ذلك الكتب ،وبالطبع هم مختلفون في معناها وعددها.

وبعض هذه الألفاظ كان مستعملاً في الإسلام بغير ما يقصده الصوفية ، إلا أنهمأولوها واستحدثوا لها مدلولات جديدة تخرج عن الإسلام مثل (الولي والولاية ). وموضوعات التصوف الديني والفلسفي  تتمثل في الشطحات ، وأحوال الفناء والحلولوالاتحاد والتحقق بالحق ، والإشراق ، وهى تخرج عن نطاق الإسلام عقيدة وعلما وفكرا.

5 - وقد وضح من عرض مصادر التصوف أنه تأثر بمصادر مجوسية وهنديةومسيحية ويونانية ، فكيف يكون ذلك الوليد ذو الآباء الكثيرين ابنا للإسلام الذي لا مصدر له إلا القرآن الكريم ؟   وهل كان الإسلام في حاجة  إلى أن يكمله المجوس وعباد البقر والوثنيون ؟

6- ويرى أبو العلا عفيفي أن القرآن الكريم - عن طريق تأويل آياته - والأحاديث،مع علم الكلام ، من مصادر التصوف الإسلامي(31) أي اصطناع مصدر للتصوف يكونإسلاميا، بتأويل القرآن وتأليف الأحاديث ونظريات الفلسفة أو علم الكلام، وكل ذلك جهدبشرى يحاول ربط التصوف بالإسلام . وتأويل القرآن وزر يقع علي من ارتكبه  وهناك منالأحاديث الموضوعة لخدمة التصوف ما يملأ حمل بعير، ولا يصح أن تكون حجة لمن يستشهد بها ، وأماجهد علماء الكلام البشرى فليست حجة على الإسلام في شيء ، وعلم الكلام في حقيقته يدينللفلسفة اليونانية أكثر مما يدين للإسلام .  والغريب أن أبا العلا عفيفي يعود و يعترف أنالإسلام لا يمكن أن يكون دينا صوفيا ( وما كان ليصير دينا صوفيا لو أنه ظل محصورافي الجزيرة العربية ، لأنه دين يخاطب العقل أكثر مما يخاطب الوجدان ، ويدعو للنظر فيخلق السماوات والأرض ليستدل الناظر بما يشاهده على قدرة الله ووحدانيته ، لا ليؤديهتأمله في العلم وفى نفسه إلى إنكار ذاته وفنائه في الله والاتحاد به عن طريق الفناء، كمايقول الصوفية )، ويرى أن الإسلام ( بعقيدته البسيطة في الوحدانية التي يقتنع بها العقلبفطريته لم يكن ليظهر عنه تصوف وما في التصوف من نظريات معقدة .. فلم يلق الإسلامداخل الجزيرة العربية تأويلاً فلسفياً ولا صوفياً. ولكن بدخول أهل الحضارات والدياناتتناولوه  بالتفسير والتأويل )(32). ومبعث التناقض لدى أبى العلا عفيفي هو في الخلط بينالإسلام كدين إلهي وبين المسلمين كأشخاص ، وواضح أن الإسلام شيء والشعوب التياعتنقته شيء آخر، وأرى أنه من الأنسب أن يقال ( تصوف المسلمين ) لا (التصوفالإسلامي ) لأن التصوف والإسلام نقيضان لا يمكن الجمع يبنهما .

  لمحة عن التصوف تاريخاً

( بين الزهد والتصوف ـ بداية التصوف ـ انتشاره ـ سيطرته على العصر المملوكي)

بين الزهد والتصوف:

1 ــ اعتبر الكثيرون  أن الزهد مرحلة انتقالية أدت إلى ظهور التصوف في القرن الثالثالهجري ومنهم ابن الجوزي الذي فرق بين الزهد  والتصوف (.. إلا أن الصوفية انفردواعن الزهاد  بصفات وأحوال - .. والتصوف طريقة كان ابتداؤها الزهد الكلى )(33)و التفتازاني ـ الصوفي والباحث المعاصر - جعل للزهد مراحل ووصل بها إلى مرحلةاعتبرها بين الزهد والتصوف ، عد من روادها إبراهيم بن ادهم والفضيل بن عياضورابعة العدوية ، ولم يعتبرهم  صوفية بالمعنى الدقيق للتصوف  الذي ظهر في القرنالثالث(34).

2 ــ ومع تمسكنا بوجود فروق أساسية بين الزهد والتصوف ، إلا أننا نعتقد في أن لكلمن الزهد والتصوف عوامله الخاصة التي ساعدت على نشأته وتطوره منفردا عن الآخر.

3 ــ ودليلنا في استقلالية نشأة الزهد عن التصوف هو استمرار الزهاد. بمعزل عن الصوفية ،وقد عاب الغزالي علي زهاد عصره مغالاتهم في الصلاة والصوم والأمر بالمعروف والنهيعن المنكر احتسابا وتشديدهم في أعمال الجوارح (36)،وفى نفس الوقت الذي هاجم فيهالصوفية المعاصرين له بصفات تناقض ما اشتهر به الزهاد فرمى الصوفية المنكرينللفرائض بدعوى وصولهم. للحق واتحادهم به (37)، مما يدل على أن الفارق جوهري بين الطائفتين في المعتقدات والسلوك . فالزهاد يتشددون في الصلاة ، والصوفية  ينكرونها لأنهمجزء من الله .

وقد تميز عصر الغزالي بتقرير التصوف ، ولو كان الزهد حركة انتقالية أدت للتصوفلذاب الزهاد في الحركة الصوفية الجديدة المعترف بها ولأنتقلت حركة الزهد إلى متحفالتاريخ عندما توطدت حركة التصوف ، وتاريخيا فقد استمر الزهد منفصلا عن تيار التصوف  الآخذ في الانتشار . ومع تناقض الزهاد بمرور الزمن فقد ظل وجودهم قائما حتى بعد أنتمت للتصوف السيادة المطلقة في العصر العثماني، فالجبرتي مثلا يذكر زاهدا في القرنالثاني عشر الهجري هو الشيخ مصطفى العزيزي ت1154 ، وقال فيه ( كان ازهد أهل زمانه في الورع والتقشف في المأكل والملبس والتواضع وحسن الأخلاق ولا يرى لنفسهمقاما .. ولا يرضي للناس بتقبيل يده، ويكره ذلك ، فإذا تكامل حضور الجماعة وتحلقواحضر من بيته ودخل إلى محل جلوسه بوسط الحلقة فلا يقوم لدخوله أحد..  وإذا تمالدرس قام في الحال ، وذهب إلي داره )(38) . وكان أغلب الزهاد في العصر المملوكي منالعلماء الفقهاء الذين كانت لهم سمات تخالف الصفات الكلاسيكية للشيخ الصوفي.

ثم إن الزهد لم يلق في مولده ما لاقاه التصوف من إنكار مما يدل على اختلاف طبيعتهما إلى درجة لا يقبل معها أن يكون أحدهما حركة انتقالية للآخر، فقد بدأ التصوف بالشطح أو إعلان الكفر الصوفي مما أدى لاضطهاد رواد التصوف ، بينما حظي رواد الزهد بإعجابالعامة وعطف الخاصة حيث تركوا متاع الدنيا الذي تقاتل حوله الجميع .

4 ــ والصوفية الأوائل هم سبب الخلط بين التصوف والزهد، إذ أنهم في اندفاعهم لتقرير مذهبهم وحمايتهم من المجتمع الذي يضطهدهم جعلوا من أوائل الزهاد المسلمين رواداللتصوف ، مع أنه لم تحفظ عن أولئك الزهاد شطحات ، مثل الحسن البصري وسفيانالثوري وسعيد بن جبير، وأولئك كانوا يتمتعون بتقدير؛ طمع الصوفية في أن ينالهم منهشيء.

5 ـــ  ومع انتشار الزهد فقد ظل سلوكا مجردا حتى جاء الصوفية فاهتموا بتقعيدهوتعريفه ليصلوه بالتصوف ، فكان أن حلت لعنة الخلاف والاختلاف على مفاهيم الزهد طبقا لعادة الصوفية في ( الاتفاق على الاختلاف ) حول كل شيء، يقول القشيري أن الصوفيةتكلموا في معنى الزهد ( فكل نطق عن وقته وأشار إلي حده )(39)، وجاء الغزالي فأوردبعض أقاويلهم ثم حاول أن يوفق بينها، ثم قال كالمتعب (.. وفى الزهد أقاويل وراء مانقلناه فلم نر في نقلها فائدة ، فإن من طلب كشف حقائق الأمور من أقاويل الناس رآهامختلفة فلا يستفيد إلا الحيرة )(39) ، وليصل الغزالي بين الزهد والتصوف قام بتقسيم الزهدإلى درجات ، الأولى : زهد الخائفين من العذاب ، والثانية : زهد الراغبين في الجنة ، ثم جعلالدرجة العليا : الزهد فيما عدا الله ، فلا يلتفت إلى جنة أو نار بل يستغرق في الله تعالى ويزهد ما عداه (40). وذلك التقسيم الصوفي ينافي الأساس الذي قام به الزهد الذي يعنىالخوف من النار والأمل في الجنة ، مما يؤكد الفارق الأصيل بين المذهبين .

6 ــ على أن هناك عوامل تربط بين الزهاد والصوفية ، أهمها في أن الرواد في الحركتينمن الموالى الذين تأثروا بالثقافة القومية لأوطانهم ، ومع ذلك يبقى الخلاف قائما بين مولدالحركتين وطبيعتهما.

7 ــ والواقع أن أسباب قيام حركة الزهد في العصر الأموى ترجع للظروف السياسية والاقتصادية والثقافية ، فقد عانت البلاد المفتوحة من مظالم الخلفاء الأمويين  وظلمهم للموالى، فاعتبر الموالى الخلفاء الأمويين لا يفترقون عن ملوك ما قبل الفتح العربى ، وقابلوا الوضع الجديد بما تعوده أسلافهم في الماضي، فقام الزهد الفلسفي المنظم كنوع من المقاومةالسلبية والاحتجاج الصامت ، وزاده ما تميز به الموالى من تفوق في العلم والثقافة بينماانشغل العرب فى العصر الأموى بالحكم والسياسة والحرب ، وليس من قبيل المصادفة بعد هذا أن يزدهر الزهد في الكوفة والبصرة بينما تنعم دمشق بالحكم والثروة ، ثم تمتلئ دمشق زهدا فى العصر العباسى بعدتحول الحكم والثروة عنها إلى بغداد. وظل الزهد قائما بعدها باستمرار الأسباب التي بعثته وهى استمرار الظلم والملك العضوض في الدولة العباسية ، وحتى مع تمتع بعض الموالى بوضع أفضل فى العصر العباسى فإن من شأن الملك العضوض القهر والبطش وسوء توزيعالثروة وحرمان الأكثرية ومعاناتهم .

8 ــ وقد حاولوا إضفاء المشروعية على الزهد، فانتشرت الأحاديث الموضوعة تبشربالمذهب الجديد، وأورد الغزالي بعضها في دعوته للزهد مثل ( من أراد أن يؤتيه الله علمابغير تعلم وهدى بغير هداية فليزهد في الدنيا)(ا4) ثم تطوع الغزالي بتأويل بعض الآياتلتتمشى مع مفهوم الزهد(42) وجعل عيسى ويحيى عليهما السلام من رواد الزهد، ولم يعد محمدا عليه السلام منهم لأنه كان يصوم ويفطر ويصلى وينام ويتزوج النساء، وفى القرآن آيات تفيد ذلك .

9 ــ ودين الإسلام ليس مسئولا عن الظروف التي سببت قيام الزهد. ولا علاقة بينالإسلام والزهد، فلم يرد لفظ الزهد في القرآن الكريم إلا مرة واحدة (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ (20) يوسف  ). ولا تعبر هذه الآية عن اصطلاح الزهد الديني، ولو كان الزهد رافدا من مناهج الإسلام لفصّله القرآن الكريم ، إلا أن الزهديخالف صريح القرآن الذي ينفى أساس الزهد في قوله تعالى () قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) الأعراف ). فهنا إنكار على من حرم الطيبات على نفسه تمسكا بالزهد، وذلك هو ما نهى الله تعالى النبى عنه حين قال له : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) التحريم1) وقوله تعالى للمؤمنين (ا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ  :لمائدة 87) بيد أن المؤمن مطالب بالاعتدال وعدم الإسراف { يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ }  الأعراف31).

10 ــ ثم إن التطورات السياسية الأموية لم تخترع حركة الرهبنة ولم تزرعها في العراق والشام ومصر، فتلك مناطق تعودت على الزهد قبل الفتح العربى ، بل إنهم بابتداعهمالزهد خرجوا عن رسالة المسيح عليه السلام ، يقول تعالى ( ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ }الحديد27) فالزهد أو الرهبنة ابتداع في السلوك لا في العقيدة .

11 ــ ونعود للتصوف ، فقد بدأت جماعات الزهاد منتشرة بين الموالى تتمتع بعطف المجتمعوإعجابه ، فاتصل رواد التصوف بالزهاد واستفادوا منهم مع استقلالية كل حركة ، وليس هناك صدام بين الزهد والتصوف ، وإنما الصدام هو بين الإسلام والتصوفلأنهما دينان متناقضان .

بداية التصوف فى تاريخ المسلمين

 لنضع الأمور في نصابها الصحيح علينا أن نبدأ بالأساس الذي يتناقض فيه التصوف مع الإسلام . كل منهما دين له عقيدة وشعائر دينية . والأديان على تنوعها واختلافاتها  تنقسم إلي قسمين :

ا - دين الله الذي شرعه لخلقه وهو الإسلام الذي جاء به وحي السماء بكل اللغات (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ.).( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ...19، 85 آل عمران)، وهو يعنى الاستسلام الكامل لأوامر الله وحده وبكل اللغات .

2- الدين الأرضي الذي يخترعه البشر ويختلفون فيه حسب الهوى ، فيحرفون فيدين الله ويفترون عليه الكذب ويقدسون مع الله البشر من الرسل والأئمة ، وهذا هو الوثنية بالشرك أو الكفر العقيدى القلبى ، ولا فارق بينهما . ودين الله أسبق في الوجود في التاريخ الإنساني فقد فطر الله البشر على أن يسلموا له وحده (الأعراف 172 ،والروم 30 ) وكانآدم أبو البشر رسولا  لأولاده ( آل عمران 33) وتلاه الأنبياء يقولون نفس العقيدة لا إله إلا الله (الأنبياء 25)، ولكن باللغة التي ينطقونها ( ابراهيم 4 )، ثم قيلت باللغة العربية في الرسالةالخاتمة.( الشعراء 195 )

3 ــ وهناك قصة للصراع بين عقيدتي الإسلام الخالص والوثنية المشركة تكررت في تاريخ الأنبياء؛ فنوح عليه السلام تحمل الأذى حتى انتصر في النهاية ومعه قلة مؤمنة نجاها الله منالطوفان ، وتدور الأيام ، ويعود الشرك الوثنى إلى قلوب الأحفاد من الذرية مرتبطا بالبغى على الرسالة السماوية وبوقوع الاختلاف بين الناس فيرسل الله رسولا آخريلقى نفس الأذى فيصمد، وهو يذكر قومه بما حدث من الأسلاف السابقين (وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ...الأعراف69)، ويهلك الله قوم عاد وينجى النبي هودا ومن آمنمعه ، وتدور الأيام فيكفر الأحفاد، و يأتي منهم نبي جديد هو صالح الذي يقول لقومه (وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ ...الأعراف74)، وهكذا تستمر قصة الصراع بينالعقيدتين ، ينتصر الرسول ، ثم يعود الشرك  الوثنى بالبغى على الرسالة السماوية والشقاق بين الناس ، وتقديس البشر والحجر تحت دعاوى شتى منها حبالرسول نفسه وأصحابه ، حيث يتحول الحب إلى تقديس والتقديس إلى عبادة ، إلى أن يأتيرسول جديد تتكرر معه نفس القصة .

ثم جاء محمد خاتم الأنبياء ــ عليهم جميعا اللسلام ــ  بمعجزة القرآن الذي فصّل كل ملامح الشرك الوثنى ورد عليها، وقد حفظ الله هذا القرآن ليكون حجة على البشر إلىيوم القيامة ، خصوصا الذين كرروا مسيرة الانحراف والقرآن في أيديهم يؤولون آياته ويخترعون مناهج أخرى للدين ما أنزل الله بها من سلطان ، ويربطونها ظلما وزورا بالله جل وعلا ورسوله الكريم .

4 ــ أى إن قصة الصراع العقيدي بين الإسلام والوثنية الشركية لم تنته بانتصار خاتم النبيين عليهم السلام ، وإنما استمرت محاولات العقاند الشركية القديمة للظهور تحت إسم الإسلام ، وتخترع لها أديانا أرضية جديدة كالسّنة والتشيع والتصوف ، تتصارع فيما بينها وتتقسّم فى داخلها ــ شأن أهل الكتاب وأديانهم الأرضية قبل نزول القرآن الكريم وبعده حتى الآن .ـــ وكل منها يحتكر لنفسه الحقيقة المطلقة ويتهم الآخر بالكفر  .

5 ــ صحيح أنه ظهرت فى العصر العباسى الأول فرق فلسفية و كلامية ( أى من علم الكلام ) تبحث وتختلف فى العقائد ، وصيغت فيها مؤلفات فى ( الملل والنحل ) كتبها أبو الحسن الأشعرى و الشهرستانى و ابن حزم وقبلهم المالطى ، ولكن لا نعتبرها أديانا أرضية كالسّنة والتشيع والتصوف ، لأن هذه الفرق ـ وأشهرها المعتزلة والمرجئة ـ لم تزعم الوحى الالهى ، أى لم تنسب أقوالها زورا وكذبا لله جل وعلا أو للرسول فيما يُعرف بالحديث القدسى والحديث النبوى . كانوا يقولون آراءهم وينسبونها لأنفسهم ، ويجادلهم الآخرون على قدم المساواة ، بلا تقديس لإمام وشيخ ، وإعتباره إلااها أو نصف إله ، فظلوا فى إطار الفكر البشرى.

أما الدين الأرضى فيبدأ بزعم الوحى ونسبة تعاليمه وتشريعاته لله جل وعلا وتقديس أئمته وأربابه . وهذا  ينطبق على السّنة والتشيع والتصوف ، فهى أديان أرضية تؤله أئمتها وأولياءها وتنسب أقوالهم لله جل وعلا ورسوله ، وتعتبرها وحيا إلاهيا ، وتتهم من يرفضه بالكفر . غاية ما هنالك أن السنيين والشيعة ينسبون هذا الوحى المزعوم لله جل وعلا ورسوله  عبر إسناد وعنعنة ، أما أئمة الصوفية فيتطرفون فى الكذب، يزعمون أنهم يتلقون الوحى مباشرة من الله جل وعلا بلا واسطة .

6 ــ وبهذا تحقق فى ( المسلمين ) بعد موت النبى محمد عليه السلام بقرنين وأكثر ما أخبر به رب العزة عن أهل الكتاب وبنى إسرائيل الذين إختلفوا من بعد ما جاءهم العلم ( الالهى ) أو الرسالة الالهية ، فبغوا عليه بالتقول أو الوحى الكاذب على الله جل وعلا ورسوله ، وخرجوا بذلك عن ( الاسلام ) الذى هو دين الله جل وعلا :( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)  آل عمران )

7 ــ وقد بدأت أولى المحاولات الشركية للظهور مباشرة بعد موت النبى محمد عليه السلام ، فيما عرف بحركة الردةالتي ارتبطت بإدعاء النبوة والوحي وعلم الغيب ، ومختلطة بعناصر جاهلية عربية كالعصبيةالقبلية  ــ والأنفة من سيطرة قريش وعدم دفع الزكاة ، وبإخماد أبى بكر لحركة الردة كانتفكيره في دفع العرب للفتوحات شغلا لهم عن تكرار قصة الردة ، فأحدثت الفتوحات ردّة أكبر فى تاريخ المسلمين لا تزال قائمة حتى الآن ، فهى التى نشرت ــ ليس الاسلام ــ بل الكفر بالاسلام ، أو الكفر تحت شعار الاسلام ، إذ بسببها تأسست ديانات المسلمين الأرضية وتفريعاتها والتى لا تزال سائدة حتى الآن .

8 ــ كانت الفتوحات العربية عصيانا هائلا لرب العزة جل وعلا الذى ينهى عن الاعتداء الحربى : ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) البقرة) كما كان الاحتلال العربى للبلاد المفتوحة وقهر أهلها وإغتصاب نسائهم وسلب أموالهم وإرغامهم على دفع الجزية ظلما لا يرضاه رب العالمين (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ(108)آل عمران )( وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ (31) غافر)،والله جل وعلا لا يحب الظالمين :( وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57)( 140) آل عمران ) فكيف إذا حمل هذا الظلم إسم الاسلام باعتباره ( فتوحات إسلامية )؟ . هنا أفظع الظلم لرب العزة قبل البشر .

9 ــ وتأسّس الدين السّنى لتبرير وتشريع هذا الاعتداء الذى تحول الى إحتلال مستمر ومستقر ، واصبح الدين السّنى ممثلا للسلطة الحاكمة بسلطتها وعنفها وقسوتها وهيمنتها ، فقابله أبناء الأمم المفتوحة بتأسيس ديانات أخرى ــ تحت رداء الاسلام ــ تنبع من ثقافتها الدينية المحلية ، تواجه الدين السّنى للحاكم العربى القرشى المستبد ، فتم تطوير ( التشيع ) السياسى فى العصر الأموى ليصبح فى العصر العباسى عقيدة دينية ودينا أرضيا يعيد العقائد الفارسية فى عبادة إلهى الخير والشر فى شكل ( التبرى ) و ( التولى ) ، اى تقديس وموالاة (على وآل البيت ) وتحقير وتكفير أبى بكر وعمر وعثمان ..الخ والتبرى منهم على أنهم آلهة الظلام والشر.

10 ــ ثم على هامش التشيع نشأ التصوف معبرا عن الثقافة الشعبية المتوارثة فى كل بيئة، يعيد إنتاج العقائد المحلية فى لغة عربية وبأسماء ومصطلحات جديدة وبشخصيات مقدسة عربية وغير عربية ، ويصل نسبها لآل البيت . ولهذا نجد الاختلافات فى تعريف التصوف وإشتقاقاته ومصادره . ولكن بالقطع ليس الاسلام من بين مصادره لأنه نقيض للاسلام .  

11 ــ لقد إحتل العرب باسم الاسلام ايران وما بعدها شرقا والعراق والشام ومصر وما بعدها غربا ، وهى مناطق عريقة في الفلسفات الوثنية والنزعات القومية . وبدأ عرق الردة ينبض عند الفرس أكثر الأجناس المحكومة قومية وتاريخا وكراهية للعربوبني أمية . ووجد الفرس ضالتهم في قيام الدولة العباسية بمساعدتهم فصار لهم فيهاالنفوذ فتطلعوا إلى أتمام استقلالهم بالردة عن الإسلام وإعادة المُلك الغارسى ، فكثر في العصر العباسي الأولوجود الزنادقة لولا أن العباسيين في قوتهم استأصلوا حركة الردة وقضوا عليها سياسيا.

فالتفت الفرس إلى التشيع فقربوا بينه وبين عقاندهم القديمة وخلطوه بأغراض سياسية قومية فواجهوا الشدة من بني العباس ، فردّ عليهم شيعة الفرس بإختراع التصوف . فإعتبر دين السّنة ( المعبر عن الخلافة العباسية ) التصوف خصما ، واصبح رواد التصوف ضحية للإضطهاد السنى .

12 ــ على إن التشيع على أية حال قد أرسى للتصوف الأسس التي يقوم عليها، وورث التصوف عقائد التشيع ورسومه وتخفف من أوزاره السياسية ، فبدأ حركة دينية تزعم الحُبّ الالهى ( العشق الالهى ) لتخفى عقيدتها فى ( الحلول والاتحاد ووحدة الوجود ) ، ويتحول بها تقديس بعض البشر الى تقديس الكون كله وإعتبار هذا الكون جزءا من الله جل وعلا وفق عقيدة وحدة الوجود الصوفية .

وهذا التطرف فى الكُفر العقيدى بدأ به رواد من الأعاجم ، تتلمذوا على يد أساطين الشيعة ، ف(معروف الكرخي) الرائد الصوفي كان نصرانيا فأسلم على يد الإمام على الرضى وهو من مواليه ، وبعد ( غسلامه ) أصبح أول رائد صوفى . (ومعروف ) هو أستاذ ( السري السقطى)، الذي هو أستاذ (الجنيد) الملقببسيد الطائفة الصوفية ، وقد قال معروف لتلميذه السري : ( إذا كانت لك حاجة إلى اللهفاقسم عليه بي ) (45)، فأرسى بذلك قاعدة التوسل بالأشخاص وجاههم عند الله . وبدأالتصوف بذلك مشواره العقيدي.

13 ــ ثم دخلت الخلافة العباسية ( السنية ) في دور الضعف حين تحكمفيهم الأتراك ومتطرفو السنيين ( الحنابلة ) ، فاستفاد المتصوفة من ضعف العباسيين فتشكلت خلايا التصوف من شيخومريدين ، وتمت الاتصالات بينهم فيما بين مصر والعراق والحجاز والشام عبر السفر وقد جعلوه شعيرة دينية باسم  ( السياحة الصوفية ) واجتذبوا لهم العوام فدخلوا فى التصوف أفواجا .  

ومع ضعفالخلفاء العباسيين فلم تمر الحركة الصوفية الجديدة فى بدايتها بدون رد فعل ، فلاحقت الدولة العباسية ( السنية ) روادالتصوف بالمحاكمات والنفي والاضطهاد حتى اضطر الجنيد لأن يتبع التقية الشيعية ، ويعلن أن ( طريقنا منوطبالكتاب والسنة ) (46)، وفى نفس الوقت يدرّس التصوف في عقر داره بين المخلصين منتلاميذه وبعد أن يقفل باب داره (ويضع المفتاح تحت وركه) خوفا من أن يتهموه بالزندقة ، ومع ذلك فلم ينج من الاتهام بسبب  كلمة قالها مما جعله يتستر بالفقه ( السّنى ) ويختفي ، وحوكمسمنون و ذو  النون المصري وسهل بن عهد الله، وبلغ اضطهاد الصوفية ذروته بقتل الحلاج  عام 301(47).

14 ــ ولا يزال الجنيد زعيما للمعتدلين  من الصوفية بسبب ما اشتهر  عنه إعلان تمسكهبالكتاب والسنة حتى أن من أنكر على الصوفية فيما بعد خدعته أقاويل الجنيد التي قالها بالتقية ، فابن الجوزي ت 597 يستدل  بقول الجنيد السابق ويتخذه حجة على الصوفية  الصرحاء الذين أعلنوا عقيدتهم فيما بعد في عصر ابن الجوزي نفسه.

15 ــ ومع ذلك فإنالأقوال القليلة التي حُفظت عن الجنيد تشي بعقيدته الحقيقية التي منع الخوف منظهورها ، فهو يرى أن العارف الصوفي هو ( من نطق عن سرك وأنت ساكت ) (49) أي سنّللصوفية ادعاء الكشف أو علم الغيب ، وسئل عن مصدره الذي يستقى منه أقواله الجديدةفقال لهم:( من جلوسى بين يدي الله ثلاثين سنة أسفل تلك الدرجة ، وأومأ إلى درجة - سلم -في داره ) (50) فأرسى مقولة العلم اللدني والوحي. أي أن مسيلمة الحنفي ليس وحده الكذاب.!!

فالتصوف المعتدل لا يفترق عن ادعاءات المرتدين كمسيلمة الكذاب غاية ما هنالك أنمسيلمة جاء في عصر قوة العرب القرشيين  ، أما "الجنيد" فقد جاء في عصر الوهن حيث ضعفالعباسيين وقوة الشعوبية وتدهور العرب ، حتى أن مصرع الحلاج زعيم الصوفية المتطرفينلم يتم إلا بدوافع سياسية أكثر منها دينية ، وبعد محاكمة زادت على العشر سنوات .وبمرور الزمن تغيرت الظروف أكثر لصالح التصوف فتضاءل الإنكار عليه ، وزاد انتشارهوبدأ يأخذ دوره في اضطهاد خصومه من الفقهاء السنيين فى العصر المملوكى كما حدث لابن تيمية ، فتبدلت الآية ، وبدأت دورة أخرى من دورات الصراع الديني بين السنيين والصوفية .

 انتشار التصوف في العالم ( الإسلامي ):

 1 ــ عن اضطهاد الرواد الصوفية الأوائل على يد السنيين المتشددين  يقول ابن الجوزي المؤرخ الفقيه الحنبلى فى كتابه ( تلبيس إبليس ) ألذى أفرد معظمه فى الانكار على الصوفية : ( أول من تكلم في بلدته فيترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية ذو النون المصري، فأنكر عليه ذلك عبد الله بن الحكموكان رئيس مصر وكان يذهب مذهب مالك ، وهجره لذلك علماء مصر لما شاع خبره أنهأحدث علما لم يتكلم فيه السلف حتى رموه بالزندقة ، وقال السلمي : وأخرج أبو سليمانالداراني من دمشق وقالوا أنه يزعم أنه يرى الملائكة وأنهم يكلمونه ، وشهد قوم على أحمدبن الحواري : أنه يفضل الأولياء على الأنبياء فهرب من دمشق إلى مكة ، وأنكر أهل بسطام على أبي يزيد البسطامي ما كان يقوله حيث أنه ذكر للحسين بن عيسى أنه يقول: لي معراج كما كان للنبي (ص) معراج ، فأخرجوه من بسطام ،  وأقام بمكة سنتين ثم رجعإلى جرجان .. وحكي رجل عن سهل بن عبد الله التستري أنه يقول أن الملائكة والجنوالشياطين يحضرونه وأنه يتكلم عليهم ، فأنكر ذلك عليه العوام حتى نسبوه إلى القبائح ،فخرج إلى البصرة فمات بها .. وتكلم الحارث المحاسبي في شيء من الكلام والصفات ،فهجره أحمد بن حنبل ، فاختفى إلى أن مات )(51).

لم يستمر هذا الاضطهاد طويلا ، إذ ما لبث أن إنتشر التصوف وساد واصبح أربابه بعد خمسة قرون يضطهدون ابن تيميه الفقيه السنى الحنبلى وأصحابه . هذا التطور الذى إستلزم قرونا نشير فى لمحة سريعة ، وإن كان يحتاج الى بحث خاص لا محل له هنا.

2 ــ لقد ساد دين السّنة عمليا العصر الأموى ومعظم العصر العباسى ، ثم مع وهن الخلافة العباسية وسيطرة عصبيات عسكرية على بغداد وقيام دول مستقلة تتبع الخلافة العباسية إسما خارج العراق ، بل قيام دولة شيعية بخلافة فاطمية قوية نافست الخلافة العباسية فى بغداد ، فأصبح ( التصوف السنى ) هو البديل حيث يحتاج الحاكم الأعجمى الى شيخ صوفى يتراقص أمامه بديلا عن الفقيه السّنى الحنبلى الذى يريد السيطرة باسم ( الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ) .

وبانتشار التصوف فى الدولة الفاطمية وفى الدول التابعة إسما للخلافة العباسية كان منتظرا أن يتم إستخدامه سياسيا ، فظهر ( تصوف شيعى ) يعمل لصالح الفاطميين والشيعة و ( تصوف سنى ) يلعب لصالح القوة الحاكمة السنية  . وبإنهاء الخلافة الفاطمية على يد صلاح الدين الأيوبى ظل التصوف الشيعى يعمل فى الخفاء ضد التصوف السّنى . فعمل صلاح الدين الأيوبى على أن يحارب التشيع والتصوف الشيعى بالتصوف السنى.  وما لبث التصوف السنى أن إحتكر الساحة فى العصر المملوكى التالى بعد العصر الأيوبى ، بل وإضطهد السنيين المتشددين الحنابلة الذين لم يكونوا ينكرون على التصوف نفسه بل على بعض المتطرفين من الصوفية . وهذا ما سيظهر فى حركة ابن تيمية ومدرسته .

3 ـ  لقد شهد العصر العباسى الثانى تغيرات سياسية متداخلة ومعقدة :

3 / 1 : من الشرق بدأ الخليفة المعتصم والمتوكل فى إستقدام الأتراك قوة عسكرية ، وجعل الخليفة المتوكل من السّنة دينا رسميا وبدأ فى عهده نفوذ الحنابلة ، وسيطر القادة الأتراك على الخلفاء ، ثم ضعفوا فوقعت الخلافة العباسية تحت سيطرة بنى بويه الشعية ، وضعف بنو بويه وتنازعوا فيما بينهم السلطة وتقاسموها   فحلّ محلهم الأتراك السلاجقة ، وضعف السلاجقة وتنازعوا السلطة وتقاسموها ، وظهر فى داخلهم البيت الزنكى ( عماد الدين ، ثم نور الدين زنكى ) وضعفوا فورثهم صلاح الدين الأيوبى وتأسست الدولة الأيوبية ، وضعف الأيوبيون وتنازعوا السلطة وتقاسموها فغلبهم مماليكهم وتأسست الدولة المملوكية وجاء عصرنا المملوكى الذى شهد تدمير بغداد على يد المغول وإنتقال الخلافة العباسية للقاهرة .

3 / 2 : من الغرب تأسست الدولة الفاطمية فى المهدية ( تونس ) ثم زحفت وإستقرت فى مصر ، ومن مصر توسعت فضمت معظم الشام ، بل وصلت سيادتها فترة قليلة الى بغداد ، ثم ضعف الفاطميون وسيطر الوزراء على الخلفاء الفاطميين ، وانتهى الأمر بأن أنهى صلاح الدين الأيوبى الخلافة العباسية وأقام الدولة الفاطمية التابعة إسميا للخلافة العباسية .

3 / 3 : من الشمال الأوربى حيث كان الصراع العباسى البيزنطى سجالا فى العصر العباسى الأول ، تحول فى العصر العباسى الثانى الى إنتصارات متوالية للبيزنطيين فكانوا يتوغلون الى داخل العراق والشام و( حلب ) ، ثم بضعف البيزنطيين ظهرت الحملات الصليبية ( حملة الشعوب : بطرس الناسك و والتر المفلس ، ثم حملة الأمراء التى ضمت واحتلت القدس وأقامت إمارات صليبية فى الشام وآسيا الصغرى) ، وتواصلت الحملات الصليبية الى مصر ، وبسبب الحملة الصليبية التى قادها لويس التاسع وهزمها مماليك الصالح الأيوبى تأسست الدولة المملوكية التى هزمت المغول ، والتى فى النهاية دمرت الوجود الصليبى وطردت الصليبيين من عكا آخر منطقة كانت فى ايديهم .

4 ــ بإختصار : هذا هو المسرح السياسى الذى ظهر فيه ( التصوف السنى ) وساد . نقول ( التصوف السنى ) وليس التصوف العادى الذى برز فى مرحلة الريادة الصوفية ( الجنيد ) ورفاقه . بعد تلك الأرضية التاريخية التى نبت فيها وساد ( التصوف السنى ) واستمر خلال عصرنا المملوكى،  نتوقف مع أهم عوامل ساعدت على تأسيسه وتسيده .وهى : الحنابلة / العوام ، الغزالى ، وصلاح الدين الأيوبى .

5 ــ سيطر الفقهاء الحنابلة على الساحة رسميا فى خلافة المتوكل العباسى ، وحتى يسيطروا على الشارع صنعوا حديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره ) وأصبح تغيير المنكر دستورا لهم فى التسلط على الناس ، واصبح من حق من ينتسب اليهم أن يمارس نفوذه ويتعيش من هذا النفوذ ، فاتسعت الساحة للعوام وأرباب الجرائم ، وبمجرد ان يلتحق أحدهم بحلقة ( حديث ) ويكتب ( حديثا ) يكون من حقه الأمر بالمعروف وتغيير المنكر، ودخل العوام فى دين الحنبلية أفواجا بحيث كانت ( مجالس السماع ) للحديث تضم آلاف الناس فى المدن والحواضر العباسية . وتنافست تلك المجالس فى تأليف الأحاديث وكتابتها ونشرها فبلغ عددها ملايين . وبتغيير المنكر تمكن أوباش الحنابلة الجهلاء من قطع دابر المعتزلة ( أصحاب التيار العقلى ) و الحركة الفلسفية العلمية التى أنجبت ابن سينا والرازى الطبيب وجابر بن حيان ..الخ ، بل وقطعوا دابر الأشاعرة السنيين المتكلمين فى الملل والنحل وكانوا خصوما للمعتزلة ، بل إضطهدوا الطبرى إمام السنيين فى شيخوخته  وحاصروه فى داره الى أن مات . وبهذا إنفردوا بالساحة وليس معهم سوى جهلهم وتعصبهم.

6 ــ هذا التسلط والجهل أدى الى نتائج أهمها : خوف الحكام المحليين من نفوذ الحنابلة ، وضعف المستوى العام للفقهاء السنيين بحيث توقف الاجتهاد ، وأصبح إتباع الأئمة هو سبيل النجاة فتأسست المذاهب  السنية الفقهية : مالكية وأحناف وشافعية وحنابلة . وبتكاثر الأحاديث المصنوعة يوميا وصيرورتها جزءا من الدين السّنى فقد أصبحت متاريس تعوق الانطلاق فى الاجتهاد الفقهى مخافة التعرض لنقمة الحنابلة بتعصبهم وتسلطهم وجهلهم ، لذا كان السبيل المتاح والأسلم هو فى إتّباع الأئمة السابقين . هذا الوضع السياسى ( الخوف من نفوذ الحنابلة ) والوضع العلمى ( ضعف مستوى الفقهاء السنيين ) واكبه الصراع  السياسى مع التشيع ودولته الفاطمية وتصوفها الشيعى الذى ينتشر داخل العالم ( السّنى ) . وهذا المناخ ساعد على نجاح أبى حامد الغزالى ت 505 .فى إرساء التصوف السنى وقفل باب الاجتهاد ليحمى التصوف من الانتقاد العقلى ، وليستمتع التصوف بالتسليم .

7 ــ من ملامح الجهل لدى الفقهاء السنيين تركيزهم على التفصيلات فى الفقه النظرى ، إتّباعا للدين الحنبلى فى تدينه السطحى المظهرى ، لذا فإن شروحهم الفقهية أهملت الجانب ( الروحي ) والعوامل القلبية  بينما بالغت فياستقراء الحركات الظاهرية في العبادات فتركوا المجال للصوفية يعبثون بالعقائد، هذا فيالوقت الذي إندثر فيه الاتجاه العلمي الفلسفي وانتهى دوره في التنوير العقلي ومناقشةادعاءات التصوف الخرافية بالجدل والمنطق ، فظهر الغزالي  خصما للفلسفة العقلية والحنابلة والتشيع معا ، وخلق إتجاها جديدا يجمع التصوف بالسنة المعتدلة ، وهو ( التصوف السنى ) وإتخذ منه حُجّة لقفل باب الاجتهاد بمقولته المشهورة ( ليس فى الامكان أبدع مما كان ) . وبانتصار الغزالى أصبح ممثلا للصوفية والفقهاء المعتدلين ، وساعده هذا على منع العقل من مناقشة مزاعم التصوف فى عقائده ، وتغليب الاتجاه الوجدانى ( الافلاطونى ) محل الاتجاه الفلسفيالعقلي، فلم يعد في الساحة إلا الغزالي والتصوف والاتجاه الوجداني طريقا للمعرفة .

8 ــ في كتابه "إحياء علوم الدين " نرى الغزالى وقد بعثر فيه بمهارة فذة عقائد التصوف ، وسط أكوام من الأحاديث الموضوعة بعضها كما يقول العراقي  شارح الإحياء : (لا أصل له ) أي اخترعه الغزالي بنفسه ، ثم تأويل الآيات القرآنية لاخضاعها لدين التصوف ، بالإضافة إلى أسلوبه الوجداني في المواعظ والرقائق ، وكتابته أبواب الفقه في الإحياء بمنهج جديد لم يعرفه فقهاء عصره، إذ يتحدث عن العوامل الباطنية منالخطرات والوساوس والرياء والإخلاص والتوكل والمراقبة ، فيبهر القارئ بهذا الفقهالجديد، ويجعله يبتلع عقائد التصوف التي تتناثر بين السطور تحت عناوين بريئة مثلالتوكل والزهد والحب الخ .

9 ــ جاء صلاح الدين الأيوبى فجعل ( التصوف السنى ) الذى قرره الغزالى هو الدين الرسمى الذى يواجه به التشيع بعد أن أسقط الخلافة الفاطمية ودولتها واسس دولته الأيوبية . وسارت الدولة المملوكية على نفس المنهاج فى إعتناق التصوف السنى .

10 ــ وساعد على هذا إعتناق العوام ـ وهم الأكثرية ـ دين التصوف السنى .

جذب الحنابلة اليهم ــ من قبل ــ غوغاء العامة الى حلقات ( السماع ) للأحاديث فأصبح العوام مسيطرين على الشارع بحجة تغيير ما يعتبرونه منكرا . وأتبع الصوفية طريقا آخر مختلفا فى إجتذاب العوام للتصوف ، فأطلقوا على مجالس الغناء واللهو الصوفى مصطلح ( السماع ) وجعلوه دينا ، وانفتحوا على العوام يرغبونهم في الانخراط فيالتصوف بإقامة حفلات السماع والطرب ، يقول ابن الجوزي (التصوف طريقة كانابتداؤها الزهد الكلى، ثم ترخص المنتسبون إليها بالسماع والرقص ، فمال إليهم طلابالآخرة من العوام لما يظهرونه من الزهد، ومال إليهم طلاب الدنيا لما يرون عندهم من الراحة واللعب )(52 ).

11 ــ  كما أتاح التصوف حرية مطلقة للإنحلال الخلقى وجعله دينا وطريقا للوصول ( للحق ) ، فمن يحب الزنا يمكنه طبقا للدين الصوفى أن يمارس الزنا على أنه عبادة صوفية ، ومن يدم الشذوذ يشجعه التصوف الذى يجعل الشذوذ شعيرة دينية وكذلك الحشيش .. وسيأتى تفصيل ذلك فى حينه . وبهذا تشجع العوام على الدخول فى التصوف السنى أفواجا ، فهو تصوف فى العقيدة وإلتزام مظهرى بالشريعة السنية .

 12 ــ ولم يجعل الصوفية من العلم شرطا في الدخول فى دين التصوف ، بل وقفواموقفا معاديا للعلم فاعتبروه علم الظاهر، بينما ادعوا أنهم اختصوا بالعلم الحقيقي (العلماللدني) الذي يأتي من الله بلا واسطة وبلا تعب أو مذاكرة . وسهل هذا الادعاء دخولالكثرة الكاثرة من العامة في سلك التصوف فزاد بهم قوة وصار معبرا عن العامة أكثريةالمجتمع ، والأكثرية يصفها القرآن بأنها لا تعقل ولا تفهم ولا تؤمن بالله إلا وهى مشركة .

13 ـ كانت الشطحات الصوفية نقطة ضعف فى التصوف ، ولكن تغلب عليها أئمة التصوف . كيف ؟

الشطحات الصوفية والطرق الصوفية

  1 ــ واتصف أساطين التصوف بالمرونة الكافية التي مكنتهم من تحويل غضب الرأى العام ضدشطحات التصوف إلى غضب ضد أشخاص متفرقين من الصوفية المعاصرين لهم مع عدم المساس بمبدأالتصوف ذاته.

2 ـ فالقشيري مثلا انتقد صوفية عصره واتهمهم بكل نقيصة ليدافع عن مبدأالتصوف ذاته ، يقول في بداية رسالته (إن المحققين من هذه الطائفة - الصوفية ـ انقرضأكثرهم ولم يبق في زماننا من هذا من الطائفة إلا أثرهم .. مضى الشيوخ الذين كانوا بهماهتداء، وقل الشباب الذين كان لهم بسيرتهم وسنتهم اقتداء، وزال الورع واشتد الطمع ..وأرتحل عن القلوب حرمة الشريعة ، فعدوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة ، ورفضوا التمييزبين الحرام والحلال ، واستخفوا بأداء العبادات ، واستهانوا بالصوم والصلاة ، وركضوا فيميدان الغفلات ، وركنوا إلي إتباع الشهوات ، وقلة المبالاة بتعاطي المحظورات ، والارتفاقبما يأخذونه من السوقة والنسوان وأصحاب السلطان ، ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوءهذه الفعال ، حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال، وادعوا أنهم تحرروا  عن رقالأغلال ، وتحققوا بحقائق الوصال ، وأنهم قائمون بالحق ، تجرى عليهم أحكامه وهم محو،وليس لله عليهم فيما يؤثرونه أو يزرونه عتب ولا لوم  وأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية ،واختطفوا عنهم بالكلية ، وزالت عنهم أحكام البشرية ، وبقوا بعد فنائهم عنهم بأنوارالصمدية ، والقائل عنهم غيرهم إذا نطقوا .. الخ الخ ) .

3 ــ فالقشيري يرمى معاصريه في القرنالخامس بكل نقيصة بشرية ، مع إهمالهم الفرائض الإسلامية وادعائهم للإلوهية طبقالعقيدة الاتحاد الصوفية ، ثم يقول ( ولما طال الابتلاء فيما نحن فيه من الزمان ، بما لوحتببعضه من هذه القصة ، وما كنت  لأبسط إلى هذه الغاية لسان الإنكار غيرة على هذهالطريقة أن يذكر أهلها بسوء، أو يجد مخالف لسلبهم مساغاً، إذ البلوى في هذه الدياربالمخالفين لهذه الطريقة والمنكرين عليها شديدة .. ولما أبى الوقت إلا استصعابا، وأكثر أهل العصر بهذه الديار إلا تماديا فيما اعتادوا ، واغترارا بما ارتادوه ، أشفقت على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر على هذه الجملة بني قواعده ، وعلى هذا النحو سار سلفه ،فعلقت هذه الرسالة إليكم .. وذكرت فيها بعض سير الشيوخ لهذه الطريقة في آدابها وأخلاقهم ومعاملاتهم وعقائدهم(53).

4 ــ  أي أن القشيري يعترف أنه لولا الإنكار علىالتصوف لما أطلق لسانه في صوفية زمانه الذين يعتبرهم خارجين علي مبدأ  التصوف ،ومع ذلك فإن الرسالة القشيرية تحوي من أقوال الشيوخ المعتدلين ما يهدم التصوف ويجعلهنقيضا للإسلام .

5 ــ وصارت عادة عند محققي الصوفية أن ينكروا على الصوفية المعاصرين لهم ويشيدوا بمنسبقهم، حفاظا على مبدأ التصوف وليواجهوا الإنكار عليهم من الفقهاء الأعداء التقليديينللصوفية.

وعلى نفس الطريق سار الغزالي ت : 505  فأنكر علي صوفية عصره ( 54)ولأنه أصبحرأسا للصوفية والعلماء والفقهاء فقد واجه اتهامه للباقين أسوة بالصوفية فهاجم الزهادوالعلماء والعباد عامة ، والفقهاء خاصة ، وأصحاب الحديث وعلماء الكلام والنحاة على وجهالخصوص (55).

ومع ذلك فالغزالي يقرر عقيدة الصوفية في الاتحاد والعشق الإلهي، ودليله الحديثالمكذوب وتأويل الآيات القرآنية وكلام من سبقه من الصوفية (56)وصار (إحياء علوم الدين ) قرآن الصوفية وحجتهم في تقرير مذهبهم في ( العالمالإسلامي) ، خاصة أن الغزالي عرض فيه لجانب من جوانب الفقه الممزوج بالعوامل الباطنية والروحية ، وهى الناحية التي تقاصر عنها فقهاء عصره  فدان له الفقهاء بالتبعية ، وانحصر إنكارهم على أشخاص الصوفية المتطرفين  الذين هاجمهم الغزالي في الأحياء.

6 ــ وبدخول العوام فى دين التصوف السنى حدث ما هو متوقع من الاختلاف والتشرذم ، ولكن التصوف مختلف عن الحنبلية التى لا تتسامح مع المختلفين معها وتعتبرهم كفرة تقتلهم بحد الردة وتغيير المنكر . للتصوف عقيدة مخالفة للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهى عقيدة عدم الاعتراض ، كما إن التصوف يقوم على الاختلاف والتفرق ، لذا لا إتفاق بين أربابه على تعريف التصوف وإشتقاقاته ومصادره . وعندما تحول التصوف من الناحية النظرية الفلسفية وأصبح منتشرا بين العوام مؤثرا فى المجتمع فقد تحول الى ( طرق صوفية ) يُتاح فيها لأى شخص أن يكوّن له طريقة صوفية وأن يصبح وليا صوفيا طالما وجد من يؤمن به من الحمقى ، وهم بالملايين فى كل عصر .

7 ــ  وقد  بدأ إنشاء الطرق الصوفية في تاريخمبكر في القرنين الثالث والرابع الهجريين . إلا أن العصر الذهبي للطرق الصوفية بدأ بعد تقرير التصوف السنى كدين فى ( العالم الإسلامي). أي بعد الغزالي في القرن السادسالهجري، مما شجع أرباب ( التصوف الشيعى ) العاملين على إرجاع الدولة الشيعية الى إنشاء طرق صوفية يتخفّون خلفها فى تآمرهم السياسى ، وكان منها الطرق الرفاعية التابعة لأحمد الرفاعي ت: 570  في القرن السابع  و الشاذلية التابعة لأبى الحسنالشاذلي ت 656 ، والأحمدية لأحمد البدوى ، وقد عرضنا لهذه الحركة  بالتفصيل فى كتابنا ( السيد البدوى بين الحقيقة والخلاافة ).

ولجأ متطرفو الصوفية الى تكوين الطرق الصوفية للدعاية إلى مذهبهم كالطريقة الأكبرية نسبة لابن عربي الملقب  بالشيخ  الأكبر ، والطريقة السبعينية نسبة لابن سبعين المرسى .

8 ــ وفى العصر المملوكي تضاءل التصوف النظرى الفلسفى وتحول إلي مجرد ترديد لعقائد السابقين ووضعالشروح عليها وتطبيق تعاليمهم ، وانصرف أغلبية المتصوفة من العوام إلى إنشاء الطرقالصوفية وتفرعها بحسب شهرة الشيخ وكثرة أتباعه ، فتفرعت الطريقة الشاذلية والأحمديةوالسطوحية وغيرها إلى عدة طرق تفرعت بدورها وهكذا ، مع انعدام الفارق الحقيقي بين الطرق، اللهم إلا في طريقة الأذكار ولون المرقعات ونصوص الأوراد وأسماء الشيوخ، وبمضي الزمن كان يزداد انتشار التصوف ويتعاظم تقديس أشياخه. وتقل في نفس الوقتثقافتهم وعلمهم، ويزداد تسلطهم علي المنكرين عليهم من الفقهاء السنيين .

9 ـ ومقارنة صغيرة تظهر الفرق بين القرن الثالث و أواخر العصر المملوكي ..

9 / 1 : فالجنيد اضطرللتستر بالفقه والاختفاء في عقر داره لكي يقول لأتباعه المقربين:  (العارف هو من نطق عنسرك وأنت ساكت ) وأن علم التصوف جاءه من الله أسفل درج داره. أما في العصر المملوكي فقد كان إبراهيم الدسوقي يعلن على الملأ قوله بلا خوف :  ( أنا بيدي أبواب النار أغلقتها ، وبيدي جنةالفردوس فتحتها، ومن زارني أسكنته جنة الفردوس .. يا ولدى إن صح عهدك معي فأنا منك قريب غير بعيد، وأنا في ذهنك ، وأنا في سمعك ، وأنا في طرفك ، وأنا في جميعحواسك الظاهرة و الباطنة ) (57)، وكانوا يسجلون ذلك عنه افتخارا به ..

9 / 2 : وإذا كان الحلاج قد دفع حياته ثمنا لإحدى شطحاته وأوذي الآخرون ونفوا بسببالشطح ، فإن العصر المملوكي ودينه التصوف السنى  ـ قد جعل الشطح ـ أو إساءة الأدب معالله تعالى ـ من مستلزمات  الولاية الصوفية ، يقول الشعراني عن معاصره الشيخ أبيالسعود الجارحي ( وكان رضي الله عنه له شطحات عظيمة )(58).

  سيطرة التصوف على العصر المملوكي

  1 ــ تكفى قراءة سريعة لبعض صفحات الحوليات التاريخية المملوكية لنتعرف على سيطرةالتصوف على العصر المملوكي، ولأن التصوف العملي يعني الاعتقاد في الشيخ حيا أوميتا فإن عبارة (المعتقد) بفتح القاف تتردد كثيرا في وصف الآلاف المؤلفة من الأشياخالذين حفل بهم العصر، وبنفس الطريقة يوصف الآخرون بأن  أحدهم (حسن الاعتقاد) أي( مؤمن مخلص ) بالأولياء الصوفية ، وهذا ما تعارف عليه العصر ورددته المصادر التاريخية دليلا على عمق التأثر بالتصوف وسيطرته .

2 ــ ومع جبروت السلطة المملوكية  فقد كان السلطان المملوكى يؤمن بالتصوف ويخضع للشيخ الصوفي يلتمس منه البركات ، وتفصيل ذلك يخرج عن المطلوب ،ولكن نكتفي ببعض الأمثلة :

فالظاهر بيبرس بدهائه وسطوته واستبداده سمح بوجود نفوذ للشيخ خضر بل،وتغاضي عن انحلاله الخلقي لأنه يعتقد في ولايته وفى معرفته للغيب (59)، ومع حنكة برقوقالسياسية فقد كان يخضع للمجاذيب حتى أن أحدهم وهو الزهوري (كان يبصق فيوجهه )( 60 )، وعندما افتتح مدرسته الجامعة أعطاه مجذوب (طوبة ) وأمره أن يضعها فيالمدرسة ، فوضعها برقوق في قنديل وعلقه في المحراب ، وظلت فيه باقية ، يقول عنها ابن إياس في القرن العاشر (فهي باقية في القنديل حتى الآن )(61).

3 ــ ومن دراسة بعض المصادر الصوفية يتضح إلى أي مدى كان الولى الصوفي يتسلط علىمريده الأمير، وكان ذلك عاديا لا يستوجب عجبا ولا إنكارا ، وإلا ما قرأنا هذا الكلامللشعراني في تقعيد علاقة الشيخ بمريده إذا كان أميرا مملوكيا، يقول الشعرانى مفتخرا : ( وما منّ لله على إني لاأحجب أحدا من الأمراء إلا إن غلب على ظنه دخوله تحت طاعتي بطيبة نفسه ، بحيث يرىخروجه عن طاعتي من جملة المعاصي التي تجب التوبة عليه منها فورا ..) ( وكل أمير لاينشرح صدره ويفرح بقلبه بالخروج عن جميع وظائفه وماله ونسائه ورقيقه ودوره وبساتينهإذا أمره شيخه بذلك فلا يصلح للفقير ـ أي الصوفي - أن يصحبه.) (... ومن أدب الأمير معالفقير أن يراه في غيبته أعظم حرمة من  بعض ملوك الدنيا) . وفى مقابل خضوع الأميرالذليل لشيخه الصوفى كان الشيخ لا يلتزم بشيء تجاه الأمير، يقول زكريا الأنصاري للأشياخ( إياكم أن تتحملوا عن أميركم جميع الشدة التي نزلت به فتلحقوه بالنساء في العجز و الكسل والنقص  بل أمروه بالتوجه إلى الله تعالى في دفع تلك الشدة ) وعدّ الشيخالخواص (من جهل الأمير رمى حملته على شيخه ). ( الحملة تعنى المحنة ) ، ( ومن أدب الأمير ألا يطلب من شيخهأن يكون معه علي خصمه ، وألا يطلب مساعدة  شيخه ، وألا يرى الأمير فضلا له على شيخهبما يرسله إلي زاويته من أصناف الأطعمة  . وإذا طرده الفقير عن صحبته ألا يبرح بابه ولايجتمع بغيره من الفقراء ،  وعلى الأمير الخضوع والذلّة لشيخه ، وأن يوالى من يواليهويعادى من يعاديه ،( فمن عادى الشيخ فقد عادى الله )، وألا يطلب من الشيخ حاجة إلاوهو في غاية الذل والانكسار والفاقة ، وأن يأمن شيخه على عياله وحريمه ولو اختلى بهم ، ولا يخطر بباله أنه ينظر إلي إحداهن بشهوة ، وألا فقد أساء الأدب على الشيخ ، وأنيمرض لمرض شيخه ، وأن يحزن لحزنه ، وأن يرى النعم التي يعيش فيها من بركة شيخه ،وأن يرضى بحكم شيخه فيه كما يرضى العبد بحكم سيده.  والأمير مع الفقير كعبد السوءمع سيده الكريم الواسع الخلق .  وعليه أن يعرض على شيخه كل قليل أفخر ما عنده منالنقود والملابس والمطاعم والمشارب إظهارا لشدة محبته له وبيانا لكونه لا يدخر عنه شيئا ،وأن يخلص النية كلما أراد الخروج لزيارة شيخه فلا تكون لعلة دنيوية أو أخروية )(62) .!!

لقدجعل أولئك الصوفية من أنفسهم آلهة على مريديهم من الأمراء والمماليك  وجعلوا لأنفسهمالغنم كله بلا مسئولية دينية أو إنسانية تجاه الأمير المريد، ولولا أن قلب العصر المملوكيكان ينبض بالتصوف لما جرؤ الصوفية على تقعيد مثل هذه العلاقة الغريبة بين الأميروشيخه الصوفي.

4 ــ والعمارة المملوكية التي لا تزال تزين القاهرة حتى الآن هي أصدق دليل علي ما بلغهالتصوف وأشياخه من منزلة وتأثير على المماليك مهما بلغت قسوتهم، وتلك العمارةالمملوكية آية من آيات الفن المعماري وقد خصصت كلها للتصوف وأنشطته الدينيةوالعملية.

5 ــ والحياة الفكرية والعقلية للعصر المملوكي إفراز لتأثير التصوف ، حيث دارت الحركةالعلمية بين شرح وتلخيص ونظم للمتون وإعادة شرح التلخيص والمتن دون ابتكار أوتجديد، وحيث فرض التصوف نفسه علما بين المناهج ، وحيث دارت الحياة العلمية فيالمؤسسات الصوفية ، وحيث تصوف العلماء وتقهقر مستواهم الفكري وطورد المجتهدونمنهم حين جرؤ على الاعتراض على الصوفية ،وليس التصوف ذاته  كما حدث لابن تيمية ومدرسته ، وبنفسالقدر الذي ازداد فيه تقديس الأولياء الصوفية الأميين ، وكان تقديس المجاذيب أكبر ما يعبر عن احتقار العصر المملوكي للعقل .

6 ــ والشارع المملوكي كان أصدق ما يعبر عن سيطرة التصوف على الناس ، فالتوسلبالأولياء كان  أبرز نشاط ديني واجتماعي للناس ، وليس مهما شخصية الولي الحي الذييتوسلون به ويقصدونه من كل الجهات ، فقد اشتهر (عبد اسود) بالولاية فتوافدوا عليه منكل مكان (63)، بل أن (طفلة صغيرة  ) بقليوب اشتهرت بالولاية فتوجه إليها الناس أفواجا(فبلغ كرى - أي إيجار - كل حمار من القاهرة إلى قليوب دينار اشرفيوتوجه إليها جماعة من الخاصكية والأمراء  والأعيان (64).

7 ــ ولا نجد أبلغ من وصف المؤرخ أبى المحاسن في اعتقاد الناس في المجذوب الشيخيحيي الصنافيري  يقول فيه ( اجمع الناس علي اعتقاده وهو لا يفيق من سكرته ، وكانالناس يترددون إليه فوجاً فوجاً من بين عالم وقاض وأمير ورئيس ولا يلتفت إليهم ، ولما زادتردد الناس إليه ، صار يرجمهم بالحجارة ، فلم يردهم ذلك عنه ، رغبة في التماس بركته ،ففر منهم وساح في الجبال (65).

وقيل فى بعض الأولياء الصوفية : (وكان شمس الدين الحنفي إذا حلق رأسه تقاتل الناس علي شعره يتبركونبه ويجعلونه ذخيرة عندهم (66)، واقتتل الناس على الشيخ الدشطوطي يتبركونبه (67)، وكان الشيخ محمد الديروطي لا يكاد يمشى وحده بل يتبعه الناس ( ومن لم يصلإليه رمي بردائه على الشيخ حتى يمس ثياب الشيخ ثم يرده  إليه ويمسح به وجهه )68)ورأى الشعراني ذلك المنظر ، وعلّق عليه  بقوله :( كما يفعل الناس بكسوة الكعبة (69) وذكرالشعراني عن نفسه أنه دخل الجامع الأزهر في صلاة جنازة فاكب الناس علية يقبلون يدهويخضعون له ،  وشيعوه حتى الباب حتى صاروا أكثر من الحاضرين في الجنازة (70).  وإذ مات الشيخ الصوفي تنافس الناس في الحصول على ماء غسله للتبرك به (71) .وشراء أثوابه التي مات فيها لأخذها حرزا ( 73 ) وحين مات الشيخ الشناوي  ( أقتتل الناسعلي النعش وذهلت عقولهم  من عظم المصيبة بهم ، وقد دفن في غفلة عنهم )71).

 8 ــ.ومن نافلة القول أن نذكر أنه لا فاصل بينالتصوف كمبدأ والصوفية كأشخاص، لأن التصوف مذهب بشرى، والبشر هم المشرعونفيه ، وكل صوفي يمثل التصوف الذي يدين به ، والتصوف في النهاية هو مجموع آراءأتباعه وتشريعاتهم ، وما يعيب الصوفية يعيب التصوف ، أما الإسلام ـــ شرع الله جل وعلا ـــ فهومختلف، فشرع الله يحكم على البشر،  فالإسلام لا شأن له بأخطاء المسلمين ، لأن خطأالمسلمين راجع إليهم وهم محاسبون عليه في الآخرة ، وعليهم أن يسيروا بحياتهم وفقكتاب الله ، فإن أصابوا كان خيرا لهم ، وان أخطأوا كان عليهم . ونقول هذا حتى تتضح الفوارقبين الإسلام والمسلمين والتصوف والصوفية.

9 ــ ونقرر كما إتضح من هذا التمهيد ــ أن الاسلام غائب فى حمأة هذا الصراع بين أديان المسلمين الأرضية : السنة والتشيع والتصوف .

10 ــ ولقد تعاظمت سيطرة التصوف حتى تسيد العصر المملوكي وأثر تأثيراً بالغ السوء في الحياةالسياسية و الحضارية والدينية والأخلاقية .

وموعدنا الآن مع الحياة الدينية في مصر المملوكية وكيف تشكلت وتأثرت بالتصوف.

المصادر

1ـ الرسالة القشيرية ط صبيح : 217

2 ـ الحلبي : النصيحة العلوية مخطوط :88

3ـ عبد الحليم محمود : أبو العباس المرسى 7 رقمه بدار الكتب 1129 تاريخ تيمورية أعلام العرب عدد84 سنة 1969 .

4ـ نكلسون في التصوف الإسلامي وتاريخه ترجمة أبو العلا عفيفي 28: 41، 66 : 69 ط 1947

5ـ التفتازانى: مدخل إلى التصوف 10 دار الثقافة 1974.

6ـ أبو العلا عفيفي: التصوف الثورة الروحية في الإسلام 38 :39 دار المعارف 1963 .

7ـ قاسم غنى تاريخ التصوف في الإسلام ترجمة صادق نشأت جـ1/ 273. مكتبة النهضة المصرية 1970 .

8 ـ التفتازانى:3

9ـ التفتازانى : 7

10ـ التفتازانى :3

11ـ التفتازانى :5

12ـ الرسالة القشيرية 218

13ـ التفتازانى : 4

14ـ الرسالة القشيرية :  218

15ـ الرسالة القشيرية :  217

16ـ تلبيس إبليس: 156. لابن الجوزي ـ المطبعة المنيرية .

17ـ الصوفية والفقراء 3 ، الفرقان 29 .

18ـ رسالته للدكتوراة عن التصوف 24: 33 .

19ـ نيكلسون 66: 69 .

20ـ التفتازانى : 26

21ـ أحمد محمود صبحي عالم الفكر 6/2/ 338 .

22ـ التفتازانى : 31 ،34 ، 112 ، 37 ، 39 : 40

23ـ التفتازانى : 31 ،34  ، 112 ، 37 ، 39 : 40

24ـ التفتازانى : 31 ،34  ، 112 ، 37 ، 39 : 40

25ـ التفتازانى : 31 ،34  ، 112 ، 37 ، 39 : 40

26ـ التفتازانى : 31 ،34  ، 112 ، 37 ، 39 : 40

27ـ الخطط جـ1 / 63، 386، 387 ط 1324 .

28 ـ مروج الذهب جـ2 / 401 . نشر بارتيه ورمنيار .

29ـ 1/ 233 .

30ـ المقدمة 467 . ط المكتبة التجارية .

31 ـ أبو العلا عفيفي 59: 64 ، 57 : 59 .

32ـ أبو العلا عفيفي 59: 64 ، 57 : 59 .

33ـ تلبيس إبليس : 155 .

34ـ التفتازانى : 113 ، 107 ، 106 ، 112 .

35 ـ أبو العلا عفيفي 59 : 64 .

36ـ الإحياء : 3/ 341 : 343 ، 199، 344 : 347 المطبعة العثمانية .

37ـ الإحياء : 3/ 341 : 343 ،199 ، 344 : 347 المطبعة العثمانية

38ـ عجائب الآثار 2/ 36   ط 1959 .

39ـ الرسالة القشيرية 94 الإحياء 4/ 97 .

40ـ الإحياء  4/ 195 :196 ،187 :188 ،189: 191 ،193 ، 197 ، : 198

41ـ الإحياء  4/ 195 :196 ،187 :188 ،189: 191 ،193 ، 197 ، : 198

42ـ الإحياء  4/ 195 :196 ،187 :188 ،189: 191 ،193 ، 197 ، : 198

43ـ الإحياء  4/ 195 :196 ،187 :188 ،189: 191 ،193 ، 197 ، : 198

44ـ تنتهي السلاسل الصوفية برواد الزهد ثم تصلهم بالنبي .

45ـ الرسالة القشيرية 15، 16 ،32 .

46ـ الرسالة القشيرية 15، 16 ،32 .

47ـ الطبقات الكبرى للشعراني 10 ، 13 ، 14 ط صبيح .

48ـ تلبيس إبليس 162، 158 .

49ـ الرسالة القشيرية 31 : 32 .

50ـ الرسالة القشيرية 31 : 32 .

51ـ تلبيس ابليس161 :162 ، 155 : 156 .

52ـ تلبيس ابليس161 :162 ، 155 : 156 .

53ـ الرسالة القشيرية 4، 5 .

54ـ الإحياء جـ3 / 343 وما بعدها ، 199.

55ـالاحياء جـ 3/ 301 : 302 ، 333 :341 ،257 : 258.

56 ـ الأحياء 3/23: 25 ، 242 :246 ، جـ4/14 ،17 ، 18 ،22 ، 23 ،26 ،28 ،68 ،74 ،75: 77، 83: 85 ،94 ،100 ،102 ،104 ،211: 214 ،221 ،225 ،227 :228 ، 254 :263 ،266: 267 ،269 ،271 ،277، 278 :279 ،281 ،288 ،291 ،292 ،298 :299 .

57 ـ الشعراني : الطبقات الكبرى 1/ 157 . ،153 

58ـ الشعراني : جـ2 /118.

59 ـ النويري : نهاية الأرب مخطوط 28 /41 ،119 ،120 ، تاريخ ابن كثير 13 / 265 ، 178 ،

60 ـ إنباء الغمر : جـ2/ 57 ، النجوم الزاهرة ج13 /10 .

61ـ تاريخ ابن إياس تحقيق محمد مصطفى 1/ 2/ 373

62 ـ الشعراني : إرشاد المغفلين . مخطوط 138 : 139 ، 233 : 237 ، 247 : 272 . رقمه بدار الكتب 921 تصوف طلعت .

63 ـ تاريخ ابن إياس تحقيق محمد مصطفى جـ2 /277 ، 4/ 165 .

64 ـ  تاريخ ابن إياس تحقيق محمد مصطفى جـ2 /277 ، 4/ 165.

65 ـ المنهل الصافي مخطوط جـ5 /481 ، النجوم الزاهرة جـ 11 /118 ، 119 .

66ـ الشعراني : الطبقات الكبرى جـ2 /183.

67ـ شذرات الذهب جـ8  /130 لابن العماد الحنبلي .ط 1351 هجرية .

68 ـ الغزي : الكواكب السائرة جـ1/84 : 85 بيروت 1945.

69 ـ الشعراني تنبيه المغتربين 93 : 94 ط 1278 .

70 ـ الشعراني :لطائف المنن 263 ط 1988 .

71ـ السخاوي : تحفة الأحباب 370 ط 1302

72ـ الدوادار : زبدة الفكرة مخطوط 9/ 475 مكتبة جامعة القاهرة برقم 24028 .السبكي طبقات الشافعية 6/ 127 الطبعة الأولى .

73 ـ الشعراني : الطبقات الكبرى جـ2 /117 .



[1]
كان حيا وقت تأليف هذا الكتاب ، ثم مات 1994.

ج 1 ب1 ف1 : المرحلة الأولى للعقيدة الصوفية : من بداية التصوف في القرن الثالث الهجري إلى وفاة الغزالي

 كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

 الجزء الأول : العقائد الدينية فى مصر المملوكية بين الاسلام والتصوف

 الباب الأول :  مراحل العقيدة الصوفية وتطورها في مصر المملوكية  من خلال الصراع السنى الصوفى        

 الفصل الأول : المرحلة الأولى للعقيدة الصوفية : من بداية التصوف في القرن الثالث الهجري إلى وفاة الغزالي سنة 505                     

 مدرسة الجنيد الصوفية:

1- وفيها كان اضطهاد الصوفية على أشده خصوصا في عصر الجنيد والحلاج ، وواجه الصوفية هذا الاضطهاد بمبدأ التقية الشيعية ، أي إظهار الإسلام وإبطان التصوف ، وهو نفس ما فعله المنافقون وقد قال تعالى فيهم : ( وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ،اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ :البقرة 14، 15)

وعن هذا الطريق استقر في الأذهان أن هناك تصوفاً معتدلاً يتزعمه الجنيد وأعيان مدرسته يخالفون بذلك متطرفي الصوفية كالحلاج ومدرسته ، والواقع أنه لا خلاف هناك في العقيدة ، وإنما في صراحة الحلاج ونفاق الجنيد ، ويكفي أن الجنيد خدع الكثيرين من المنكرين على الصوفية كابن تيمية وابن الجوزي و البقاعي .

2- وقيل في ترجمة ( الجنيد) أنهم شهدوا عليه ( حين كان يقرر في علم التوحيد ( يقصد عقيدة التصوف ) ثم أنه تستر بالفقه واختفى ) [1]، أي أن محاكمة عقدت " للجنيد " فاضطر للتستر بالفقه وأخفى اجتماعاته مع الصوفية .. وفي هذه الأثناء بلغ اضطهاد الصوفية ذروته بصلب الحلاج فكان الجنيد ( يقول كثيرا للشبلي .. لا تُفش سر الله تعالى بين المحجوبين ) [2]. يعني أنه كان يأمر الشبلي – وهو أشبه بالحلاج – بألا يصرح بعقيدته بين المسلمين .  وأصدر أوامره لأتباعه بأنه ( لا ينبغي للفقير ( يقصد الصوفي ) قراءة كتب التوحيد الخاص ( يقصد التصوف ) إلا بين المصدقين لأهل الطريق أو المسلمين لهم ) [3] ، يقصد المعتقدين فيهم ..

وطبق الجنيد هذا المبدأ على نفسه فكان ( لا يتكلم قط في علم التوحيد إلا في قعر بيته بعد أن يغلق أبواب داره ويأخذ مفاتيحها تحت وركه ويقول : أتحبون أن يكذب الناس أولياء الله تعالى وخاصته ويرمونهم بالزندقة والكفر ) [4]، ومعنى ذلك أنه كانت للصوفية في هذا الوقت اجتماعات سرية متفرقة ، تؤمها خلايا من مريدين وشيخ ، وفيها كانوا يقرءون (كتب التوحيد الخاص).أي أن عقائد التصوف قد دونت منذ عهدها المبكر ، إلا أننا لم نعثر على مؤلف كامل للجنيد إذ أنه في غمرة تمسكه بالتقية أوصى حين الموت بأن (يدفن معه جميع ما هو منسوب إليه من عمله)[5] ، فلم يحفظ عن الجنيد إلا القليل من الآراء الصوفية مع أنه " سيد الطائفة "، حتى أن كل الطرق الصوفية المتأخرة تنتهي إليه بالخرقة.

3- وإذا كان للجنيد كلام خاص مع أتباعه في اجتماعاتهم السرية فإنه حرص على إعلان تمسكه بالاسلام الذى كان يعنى وقتها ( الكتاب والسنة )، وشاع عنه إعلانه التقيد بالكتاب والسنة فقال ( مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة ) ، ( ومن لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يُقتدى به في هذا الأمر) [6] ، أي التصوف ، وانخدع خصوم التصوف بكلام الجنيد  وأبرزهم ابن الجوزي الذي ردد كلمات الجنيد وهو يقول ( وقد كان أوائل الصوفية يقرون بأن التعويل على الكتاب والسنة ) [7].

4- ومن خلال الأقوال القليلة التي حفظت عن الجنيد في عقيدة التصوف يمكن أن نتعرف على طبيعة هذه المرحلة من مراحل العقيدة الصوفية ، يقول الجنيد عن التوحيد ( إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته ، بأنه الواحد الذي لم يلد ولم يولد ، وينفي الأضداد والأنداد والأشباه ،و ماعُبد من دونه بلا تشبيه ولا تكييف ولا تصوير ولا تمثيل ، إلها واحدا صمدا فردا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" ، وقال مرة أخرى " معنى تضمحل فيه الرسوم وتندرج فيه العلوم ، ويكون الله تعالى كما لم يزل " ، قال أبو نصر الطوسي : فالجوابان اللذان لذي النون والجنيد رحمهما الله في التوحيد ظاهران ، أجابا عن توحيد العامة ، وهذا الجواب الذي ذكرناه أشار إلى توحيد الخاصة ،وقد سئل الجنيد رحمه الله عن توحيد الخاصة ، فقال أن يكون العبد شبحا بين يدي الله عز وجل وتجري عليه تصاريف تدبيره في مجارى أحكام قدرته في لُجِّج بجار توحيده بالفناء عن نفسه وعن دعوة الخلق له وعن استجابته بحقائق وجود وحدانيته في حقيقة قربه بذهاب حسه وحركته ، لقيام الحق له فيما أراد منه ، وهو أن يرجع آخر العبد إلى أوله ، فيكون كما كان من قبل أن يكون ، وقال أيضا . التوحيد هو الخروج من ضيق رسوم الزمانية إلى سعة فناء السرمدية .) [8] 

5 ــ وهذا النص أوردته كاملا من كتاب ( اللمع ) للطوسي ، وقد عني بتحقيقه الدكتور /عبد الحليم محمود لأنهما – أي الكتاب والمؤلف – يعبران عن التصوف المعتدل .. وبالتمعن في النص تبدو لنا درجات للعقيدة الصوفية ، فقد اضطر الجنيد – خوف الاضطهاد – إلى أن يعترف بالعقيدة الإسلامية فقال عن التوحيد ( إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته .. الخ ). 

 وعلق الطوسي بأن ذلك هو توحيد العامة ، ويقصد به عقيدة الاسلام ، أما عن توحيد الخاصة الذي يتردد في الاجتماعات السرية فيقول فيه الطوسي ( وقد سئل الجنيد عن توحيد الخاصة ) أي سأله أتباعه في مجلس سري ، وقد قال فيه أكثر من تعريف وبعضها يعبر عن الاتحاد مثل قوله ( أن يكون العبد – أي الصوفي – شبحا بين يدي الله عز وجل .. الخ ) والتعمق في هذا التعريف يظهر أن غاية الاتحاد في أن يذوب الصوفي بنفسه في خالقه بحيث يصبح جسده شبحاً تتحكم فيه " روح الله وقدرته " ، وقال ( التوحيد هو الخروج من ضيق رسوم الزمانية ) يقصد أحكام البشرية وحدودها ( إلى سعة فناء السرمدية ) أي إلى الألوهية الباقية بلا نهاية .

 6 ــ  وعبًر الجنيد عن وحدة الوجود بقوله ( معنى تضمحل فيه الرسوم )، ويقصد بالرسوم مظاهر الكون المادية من إنسان وحيوان وجماد فكلها تضمحل في ذات الله ( وتندرج فيه العلوم ) أي أن كل العلوم والمعارف البشرية والكونية مظاهر إلهية ( ويكون الله تعالى كما لم يزل ) أي أن الله مع ذلك – مع وجود هذا التعدد في المظاهر المادية والعقلية – هو كما كان وسيظل – وجوداً واحداً يشمل الرسوم المادية والأفكار المعنوية ..

7 ــ واضطهد ذو النون المصري وحمل إلى بغداد معتقلاً مهدداً بالموت متهماً بالزندقة [9]  ، فأضطر إلى أن يجعل التوحيد الإسلامي درجة في العقيدة الصوفية فقال الطوسي عن التعريف الذي نقله عن ذي النون ( فالجوابان اللذان لذي النون والجنيد في التوحيد ظاهران ، أجابا عن توحيد العامة )[10]. أي جعلوا دين الله (توحيد العامة) ،أو الدرجة الدنيا من العقيدة ..

مدرسة الجنيد بعد موت الجنيد

1 ـ ومهما يكن من أمر فإن مدرسة الجنيد وذي النون قد سنت طريقاً للعقيدة الصوفية سار فيه الصوفية اللاحقون حفاظاً على حياتهم وعقائدهم، بيد أن بعضهم كان مجدداً بعض الشيء في طريقة نفاقه مع احتفاظه بالعقيدة الثابتة ..

2 ــ  ومن أولئك كان رويم الصوفي البغدادي ، فكان ينكر على صعاليك الصوفية – شأن أستاذه الجنيد – مع الحفاظ في نفس الوقت على سلامة الطريق وعقيدة التصوف .                                          

يقول رويم (ما هذا الأمر – يقصد التصوف – إلا ببذل الروح فإن أمكنك الدخول فيه مع هذا  وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية )[11] ويرفع من شأن التصوف الحقيقي وأصحابه فيقول  ( إن كل الخلق قعدوا عن الرسوم، وقعدت هذه الطائفة عن الحقائق )،ومع تمسكه بعبارات الورع والصدق [12] ، فإن حقيقة عقيدته تتضح في قوله عن التوحيد بأنه ( محو آثار البشرية وتجرد الألوهية )[13]،أي أن التوحيد الصوفي ينفي وجود البشر ويجعل الوجود المجرد قاصراً على الألوهية التي انمحت فيها وفنت آثار البشر طبقا للاتحاد والفناء . ويقول رويم في موضع آخر ( للعارف مرآة إذا نظر فيها تجلى له مولاه ) [14] فالإلوهية تكمن داخل الولي الصوفي ، و بها يتحد بالله إذا شاء وحينئذ تنمحي فيه آثار البشر وتتجرد الألوهية فيه كاملة .أي أنه إذا كان رويم ينكر على عامة الصوفية ( ترهاتهم ) نفاقاً وتقية فإن هذا الإنكار يهدف لسلامة الدين الصوفي ، ومجابهة الإنكار من الآخرين مع تقرير العقيدة الصوفية .

3 ــ ورُويم عاش في بغداد ومجتمع الجنيد والصوفية الأوائل وكان يترسم طريقهم في إنكاره على الصوفية المحدثين في عهده ، إلا أن التباعد المكاني بين رواد التصوف لم يكن عائقا فقد سهلت السياحة الصوفية والمراسلات من سبل الاتصال والتفاهم بينهم . ويكفي أن نمثل ذلك بيوسف بن الحسين شيخ الري في الشرق الفارسى ، ومع ذلك فقد صحب ذا النون المصري  [15] . وكان يراسل الجنيد في بغداد [16]. . وتأثره بالاثنين واضح .. فقد اتهم يوسف بن الحسين بالزندقة من جانب مواطنيه في الري [17] ، مع أنه لم يبخل على الصوفية المعاصرين له بالإنكار فقال فيهم ( رأيت آفات الصوفية في صحبة الأحداث ومعاشرة الأضداد – يقصد اللواط – ورفق النسوان – يقصد الزنا )[18].

4 ــ وكان يوسف بن الحسين مخلصاً لعقيدته الدينية الصوفية متبعا لأسلوب ( الجنيد ) في وضع درجات للعقيدة تبدأ بالإسلام وتنتهي بالعقيدة الأسمى في نظره : يقول الطوسي ( ووجدت ليوسف بن الحسين في التوحيد ثلاثة أجوبة منها في توحيد العامة ) ، وانتهى إلى الجواب الثالث : توحيد الخاصة ، وهو أن يكون العبد بسره ووجده وقلبه كأنه قائم بين يدي الله عز وجل وتجري عليه تصاريف تدبيره ، وتجري عليه أحكام قدرته في بحار توحيده بالفناء عن نفسه ،وذهاب حسه بقيام الحق له في مراده منه ، فيكون كما كان قبل ، يعني في جريانه أحكام الله عليه وإنفاذ مشيئته فيه وبيان ذلك كما قال الجنيد )[19] .. وواضح تأثر يوسف بن الحسين بالجنيد ..

5 ــ وبعضهم كان يبالغ في التقية حتى تختلط عليه الأمور ويقع في التناقض في أمر واحد وسبب ذلك أنه ظل ينافق حتى نافق نفسه وخدعها . ومن هذا الصنف كان " أبو سعيد الخراز" الذي أسرف في التقية خوفا من الاتهام بالكفر حتى وصل به الأمر إلى اتهام التصوف نفسه دون أن يدري ..

يقول أبو سعيد الخراز ( كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل )[20] . أي أنه يحكم على التصوف – وكان مبدأه الكتمان والتقية – بالبطلان .. وأمتد هذا الحكم ليشمل أبا سعيد نفسه حيث يقول (لهم أي - للصوفية – لسانان ظاهر وباطن ، فلسان الظاهر يكلم أجسامهم ولسان الباطن يناجي أرواحهم )[21].

وكان الخراز (أول من تكلم في علم الفناء )[22].أو الاتحاد ، ومن أقواله ( إذا أراد الله أن يوالي عبداً من عبيده فتح له باب ذكره ، فإذا استلذ بالذكر فتح عليه باب القرب ، ثم رفعه إلى مجلس الأنس ، ثم أجلسه على كرسي التوحيد ، ثم رفع عنه الحجب فادخله دار الفردانية وكشف له عن الجلال والعظمة ، فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقى لا هو ، فحينئذ صار العبد فانياً فوقع في حفظ الله وبرئ من دعاوى نفسه )[23] . يقصد إتّتحد بالله وزالت عنه البشرية – وفي ذلك النص إشارة إلى مراحل الاتحاد عند الصوفية . وقال ( أول علامة التوحيد خروج العبد عن كل شيء – يعنى لوازم البشرية ) – ( ورد الأشياء جميعا إلى متوليها حتى يكون المتولي بالمتوليَّ ناظراً بالأشياء ، قائماً بها متمكناً فيها ثم يخفيهم عن أنفسهم في أنفسهم ويظهرهم لنفسه سبحانه وتعالى )[24] . ثم إن أبا سعيد الخراز هو صاحب ( كتاب السر ) في عقيدة الصوفية .. إلا أنه استطاع أن ينجو بنفاقه من حدة الإنكار عليه رغم كثرة ما قاله في عقيدة التصوف. ويكفي أنه بنفاقه علا فوق اختلافات الصوفية – والاختلاف سمة أساسية في التصوف – وتمكن بنفاقه للصوفية من إخوانه أن يتجنب الخلاف معهم، يقول ( صحبت الصوفية ما صحبت فما وقع بيني وبينهم خلاف )[25]. ولا شك أن المغالاة في النفاق تعتبر رد فعل للضغط الذي واجه المتصوفة الأوائل.

6 – ومن مظاهر الضغط الذي تعرض له الصوفية الأوائل قلة أقوالهم في عقيدة( وحدة الوجود )، فقد اكتفوا غالبا بالإشارة للاتحاد وتجنبوا مؤقتا الإسهاب في الاتحاد المطلق أو وحدة الوجود، وقد يكون مفيداً أن نعرض بسرعة لبعض أقاويلهم في الاتحاد المطلق أو وحدة الوجود.

قالوا : ( الوحدانية بقاء الحق بفناء كل ما دون ) ، يعني أن كل ما دون الله مظاهر فانية في ذات الله الباقية ، وقالوا ( ليس في التوحيد خلق وما وحد الله غير الله ) [26]ومعناه أن الوجود الحقيقي واحد ولا خلق هناك وإنما الخالق فقط ، وكل ما يسبح الله هو الله نفسه ..

ولا شك أن عبارات ( الوحدة ) السابقة قد صيغت في أسلوب اتحادي خوف القهر والضغط وتحتمل – مع ذلك التأويل – عند المساءلة والعقاب ..

7-وغلٌف الصوفية عقائدهم بالرموز والمصطلحات والعبارات التي تستلزم التأويل والاختلاف ، إلا أن التصوف دخل في دور الانتشار واجتذب إليه طوائف من العامة مع انحطاط مستمر في مستوى الأشياخ العلمي وترديدهم لعبارات الصوفية الأوائل واختراعهم عبارات تنقصها المهارة الصوفية المعتادة في عبارات الاتحاد ، وكان أن هبٌ القشيري في القرن الخامس ينكر على عوام الصوفية أقاويلهم في الاتحاد ويؤلف رسالته المشهورة ، يقول في مقدمتها ( مضى الشيوخ الذين كان بهم اهتداء ) ويصف صوفية عصره بشنيع الصفات من الإهمال في الفرائض والمبالغة في الانحراف ( ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الفعال حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق  ) ، يعني أنهم ادعوا الاتحاد تشبهاً بمن سبقهم من الرواد وهذا ما ينكره القشيري على أجلاف عصره ، يقول فيهم ( وادعوا أنهم تحرروا عن رق الأغلال وتحققوا بحقائق الوصال وأنهم قائمون بالحق تجري عليهم أحكامه وهو محو )..( وأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية واختطفوا عنهم بالكلية . وزالت عنهم أحكام البشرية ، وبقوا بعد فنائهم عنهم بأنوار الصمدية ) ، يعني أنهم ادعوا الاتحاد الكامل بالله .. واضطر لتأليف رسالته ليرشدهم وحتى يسلم الطريق الصوفي – بزعمه- منهم .. يقول ( ولما طال الابتلاء فيما نحن فيه من الزمان ، بما لوحت ببعضه من هذه القصة ، وما كنت لأبسط إلى هذه الغاية لسان الإنكار غيرة على هذه الطريقة – أي التصوف – أن يذكر أهلها بسوء أو يجد مخالفهم لثلبهم مساغاً ،إذ البلوى في هذه الديار بالمخالفين لهذه الطريقة والمنكرين عليها شديدة .. ولما أبى الوقت إلا استصعاباً وأكثر أهل العصر بهذه الديار إلا تمادياً فيما اعتادوه .. وأشفقت على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر على هذه الجملة بني قواعده .. فعلقت هذه الرسالة إليكم ) [27] .

8 ــ وصار تقليداُ صوفياً أن ينكر الشيخ على معاصريه من الصوفية ويشيد بالسابقين .. فالطوسي أنكر على معاصريه وأشاد بسابقيه ، وجاء القشيري بعده فأشاد بمن أنكر عليهم الطوسي ، ثم جاء الغزالي فأشاد بمن أنكر عليهم القشيري .. وكذلك فعل الشعراني في نهاية العصر المملوكي .. وذلك كله حماية للطريق الصوفي ومحاولة الفصل بين التصوف كمبدأ – يحاولون حمايته من الإنكار- وأشخاص الصوفية وهم محل إنكار المعاصرين لهم .

9- ثم دخلت العقيدة الصوفية في ثوب جديد بفضل الغزالي ..

:  الغزالي ( 450 – 505) هـ وعقيدة التصوف

أولا : الإنكار على الغزالي وكتابه ( إحياء علوم الدين )   :

1- أثر الغزالي في دين التصوف لا يُطاول ، فإذا كان الجنيد – وهو سيد الصوفية – قد استطاع بالنفاق والتقية أن يحفظ التصوف بمنأى عن الأعاصير المهلكة ، فإن الغزالي هو الذي دخل بالتصوف عصراً               جديداً حين أسبغ عليه الشرعية الإسلامية بمفهوم عصره ، اى بالكتاب والسّنة ، وقرّب بينه وبين مذهب أهل السنة ، فخلق ( التصوف السنى ) الذى إنتشر وسيطر فيما بعد . وهي خطوة جبارة لم يكن لها أن تتم إلا بشخصية الغزالي الذي تمتع في عصره بزعامة الفقهاء والمتكلمين مع تقدير الحكام والعوام .

2- وقد بدأ الغزالي فقيهاً تتلمذ على يد إمام الحرمين في المذاهب والخلاف والجدل والمنطق والحكمة والفلسفة ، وصنف في كل فن منها ، وبعد موت إمام الحرمين قصد الغزالي نظام الملك وناظر العلماء بحضرته وتفوق عليهم فولاه نظام الملك تدريس المدرسة النظامية ببغداد فازدادت شهرته ، ثم أصيب بالتصوف فاعتكف بالجامع الأموي بدمشق ، وصنف كتابه الأشهر ( الإحياء ) وقضى آخر عمره في موطنه بطوس يوزع أوقاته بين مدرسة الفقهاء وخانقاه الصوفية .

3- ويبدو أن تعاطف الغزالي مع التصوف قد بدأ في أخريات تلمذته لإمام الحرمين ، فيقال أن إمام الحرمين كان في آخره يمتعض من الغزالي في الباطن وإن كان يُظهر غير ذلك .. وربما منعت هيبة إمام الحرمين الغزالي من إعلان تصوفه ، خاصة وأن الجويني - إمام الحرمين – كان يحتقر الصوفية ، وقد قال فيهم ( ما شغل هؤلاء إلا الأكل والشرب والرقص ) [28].

وبعد موت الجويني وخلو الجو للغزالي واشتهاره في بغداد وتصدره للعلماء فيها – أعلن الغزالي تصوفه وألف كتابه " الإحياء" .

4- بيد أن ذلك كله لم يكن عاصماً له من ثورة الفقهاء عليه ، ومع أنهم كانوا دونه علماً وشهرةً ونفوذاً إلا أنهم أفتوا بتكفيره وأحرقوا كتابه " الإحياء" في مواضع شتى في البلاد الإسلامية [29]  ، حتى اضطر الغزالي إلى تصنيف مؤلفات يرد بها على منكري كتابه " الإحياء" ومنها " إشكالات الإحياء " ، وفيه يقول مستهينا بخصومه ( أدلة الطريق هم العلماء ورثة الأنبياء وقد شغر منهم الزمان ولم يبق إلا المترسمون ، وقد استحوذ على أكثرهم الشيطان )[30] .

5- وواجه الصوفية الإنكار على شيخهم الغزالي وكتابه ( الإحياء ) بأسلوبهم التقليدي وهو المنامات التي يدعون بها أن الرسول عليه السلام يؤيدهم ويهاجم خصومهم ،  ومع أن المنامات لا تُعد دليلاً علمياً أو دينياً إلا أن خطورتها الدعائية  في مجابهة الإنكار على الصوفية أمر مقرر ، خاصة وأنها تخاطب العامة وتقنعهم وتستقر في أعماقهم قروناً ، ولقد إستعمل الحنابلة أيضا أسلوب المنامات لأنها تحظى بتصديق العوام ، ومن يتمتع بعقلية العوام ..

  وفي معرض الدفاع عن الغزالي حرصت المنامات الصوفية على أن تجعل النبي صلي الله عليه وسلم يبارك الغزالي و(الإحياء) ويهين المعترضين [31] ، وقالوا في أحد المنامات أن الإمام " ابن حرزهم " الفقيه المغربي كان قد بالغ في الإنكار على كتاب الإحياء وهمٌ بإحراقه فرأى الغزالي عند الرسول عليه السلام يقول له عن ابن حرزهم : يا رسول الله هذا خصمي فخذ لي حقي منه ، وأن النبي عليه السلام تصفح كتاب الإحياء وأثنى عليه ، وأمر بجلد " ابن حرزهم " ، واستيقظ الفقيه وأثر الجلد على جسده ، وانتهت الأسطورة بتصوفه [32] .

  وابن حرزهم هذا لم يكن رأس المنكرين على الإحياء كما تصوره تلك الأسطورة فقد كان ابن رشد [33] خصم الغزالي وزعيم المنكرين عليه في المغرب ، أما ابن حرزهم هذا فمجهول جعله الصوفية بطلاً في منام يحقق غرضهم .. ويقول " العيدروس" معلقاً على إحراق كتب الإحياء في المغرب ( روى السمعاني أن بعضهم رأى فيما يرى النائم كأن الشمس طلعت من مغربها ، مع تعبير ثقات المعبرين ببدعة تحدث ، فحدثت في جميع المغرب بدعة الأمر بإحراق كتبه ) [34].

  وبعض الصوفية عوضٌ الغزالي عن العنت الذي لاقاه من المنكرين فجعله مجدد الإسلام على رأس المائة الخامسة [35].

6 – ووصف الغزالي ما فعله خصومه بكتابه ( الإحياء ) فقال ( طعنوا عليه ونهوا عن قراءته ومطالعته ، وأفتوا بإطراجه ومنابذته ، ونسبوا ممليه إلى ضلال وإضلال ، ورموا منتحليه وقراءه بزيغ عن الشريعة ) [36] . وفي المقابل بالغ الصوفية في تقديس الإحياء ، إلى درجة المقارنة بالقرآن الكريم ، فاهتموا بحفظه بلفظه وتوارثوا التوصية  به عند الموت ، وقيل فيه ( لو قلب أوراق الإحياء كافر لأسلم ، ففيه سر خفي يجذب القلوب شبه المغناطيس ) .. وقال الإمام النووي ( كاد الإحياء أن يكون قرآنا ) [37].

ثانيا : تأثير كتاب ( الإحياء ) على مسيرة التوصف

1- ويظل ( إحياء علوم الدين ) أخطر كتب الصوفية على الإطلاق .. وتكمن خطورته في أنه لم يكن كتاباً مقتصراً على التصوف وحده كما فعل الطوسي في اللمع والقشيري في الرسالة قبل الغزالي ، وكما فعل ابن عربي في الفتوحات المكية والفصوص فيما بعد . ولكن الغزالي عرض لشتى العلوم الإسلامية في عهده وأوردها في خدمة هدفه الأصلي وهو التصوف والعلم اللدني الذي يتمتع به الصوفية دون العالمين ، ثم يعرض لعقائد التصوف في نواح متفرقة في ثنايا بحثه لموضوعات شتى قد تبدو بعيدة الصلة بالتصوف .

2 ــ وأدرك الغزالي مطاعن الفقهاء في عصره [38]، وتفوق عليهم بالمنطق والفلسفة فعرض في كتابه للموضوعات الفقهية بنظرة ( روحية ) قلبية  ، أعلى فيها من شأن العوامل الباطنية في أداء العبادات كالنية والرياء والإخلاص ، وفي عرضه للفقه بهذا المنهج الجديد لم ينس التعريض بخصومه الفقهاء الذين غالوا في استقراء الحركات الظاهرية ، يقول الغزالي ( يتكلم الفقيه في الإسلام فيما يصح وما يفسد وشروطه ، ولا يلتفت إلا إلى اللسان ، أما القلب فخارج عن ولاية الفقيه .. وأما الصلاة فالفقيه يفتي بالصحة إذا أتى  بصورة الأعمال مع ظاهر الشروط وإن كان غافلا في جميع صلاته من أولها إلى آخرها )[39].

3 ــ وأتخذ الغزالي من هذا المطعن سبيلاً إلى أن العقيدة وبحوثها تخرج عن إمكانات الفقيه وليس من رجالها ، وبالتالي فليس في وسعه أن يفهم علوم المكاشفة – أو عقائد التصوف – التي انفرد بها الصوفية ( .. وإذا تكلم الفقيه في غير الدنيا – أي تكلم في صفات القلب وأحكام الآخرة – فقد تطفل )[40].

 ثم ارتدى الغزالي ثوب الفقه فهاجم المتكلمين وأعتبر هذا العلم من البدع [41] ، وعلم الكلام ألصق بالفلسفة ، ومعلوم أن الغزالى قد ألف في الفلسفة ( تهافت الفلاسفة ) ينقم فيه على " ابن رشد " اتجاهه العقلي الأرسطي مع أن العقيدة الصوفية عند الغزالي مستقاة من الفلسفات الغنوصية اليونانية التي سبقت في شرح مقالة الاتحاد بالله .. ثم أن الغزالي كان يستعير أسلوب الفلاسفة في شرحه لعقائد الصوفية ..

4 ــ واحتاج الغزالي إلى إختراع سند إسلامي وسُنّى يعزز به عقيدة الصوفية فوجد ضالته في الأحاديث الموضوعة وتأويل الآيات القرآنية .  ويمتلئ ( الإحياء) بالأحاديث الضعيفة والموضوعة ، وهو ما يتضح في تخريج الحافظ العراقي للأحاديث الواردة في الإحياء . هذا مع تعاطف العراقي مع الغزالي واستدلال الصوفية بأقواله في هذا الشأن . والواقع أن كثرة الأحاديث الباطلة في الإحياء كانت أهم المطاعن التي ووجه بها الغزالي ولم يجده نفعاً ما دافع عنه أتباعه [42].

5 ــ إلا أن الغزالي في نهاية الأمر وقع في التناقض مع نفسه كفقيه وكصوفي .. والتناقض سمة أساسية من سمات الفكر الصوفي ، وتتجلى أكثر عند أولئك الصوفية الذين يحاولون التوفيق بين الإسلام والتصوف كالغزالي والشعراني .

6 ــ وتبقى الفائدة الكبرى للإحياء للعقيدة الصوفية ، فالفقيه العادي يفاجأ بكلام جديد في الفقه يخاطب وجدانه ويناقش خطرات قلبه ووساوس الشيطان في نفسه فلا يسعه بعد ذلك إلا التصديق بمزاعم الغزالي عن العلم اللدني الذي أوتيه الأولياء الصوفية ، ثم يؤمن بأن العلم درجات والفقه درجات ، ثم ينتهي إلى الإيمان بأن العقيدة درجات، وأنّ أدناها التوحيد الإسلامي ( لا إله إلا الله ) وأعلاها وحدة الوجود ( لا موجود إلا الله ، كل الموجودات هى الله .!!) ، وهو نفس التقسيم الطبقي الذي قاله الغزالي في الإحياء متابعا " للجنيد " .

عقيدة التصوف في(  إحياء علوم الدين ) للغزالى :

البحث فيما فصله الغزالي في عقيدة التصوف ومناقشته يستلزم مجلداً كاملاً،  إلا أننا سنقتصر على بعض النقاط التي تظهر وحدة العقيدة بينه وبين الجنيد – قبل الغزالي ، ثم ابن عربي بعد الغزالي . وفيها يظهر أسلوب الغزالي المشبع بالفلسفة القائمة على التوفيق والتلفيق .

أولاً : درجات  التوحيد عند الغزالي ..

1 ــ تابع الغزالي أستاذه " الجنيد " في تقسيم التوحيد إلى درجات ..

يقول ( التوحيد : القول فيه يطول وهو من علوم المكاشفة ) أي أن الغزالي يسد الطريق مقدماً على الفقهاء وهم محرومون من العلم بالغيب الذي يكاشف الله به أولياءه ، ثم يقول ( للتوحيد أربع مراتب وهو ينقسم إلى لب وإلى لب اللب وإلى قشر وإلى قشر القشر :

 فالمرتبة الأولى من التوحيد : هي أن يقول الإنسان بلسانه لا إله إلا الله وقلبه غافل عنه أو منكر له كتوحيد المنافقين ، والثانية : أن يصدق بمعنى اللفظ قلبه ، كما صدق به عموم المسلمين وهو اعتقاد العوام ، والثالثة : أن يشاهد ذلك بطريق الكشف بواسطة نور الحق ، وهو نظام المقربين ، وذلك بأن يرى أشياء كثيرة ولكن يراها على كثرتها صادرة عن الواحد القهار . والرابعة أن لا يرى في الوجود إلا واحداً ، وهي مشاهدة الصديقين ، وتسميه الصوفية الفناء في التوحيد ، لأنه من حيث لا يرى إلا واحداً فلا يرى نفسه أيضاً ، وإذا لم ير نفسه لكونه مستغرقاً بالتوحيد كان فانياُ عن نفسه في توحيده بمعنى أنه فني عن رؤية نفسه والخلق ..).

2- ثم يشرح الغزالي في ضوء ما سبق أنواع الموحدين ، يقول ( فالأول : موحد بمجرد اللسان ، و يعصم ذلك صاحبه في الدنيا عن السيف .. والثاني : موحَّد بمعنى أنه معتقد بقلبه مفهوم لفظه وقلبه خال عن التكذيب بما انعقد عليه قلبه ، وهو عقدة على القلب ليس فيه انشراح وانفساح ، ولكنه يحفظ صاحبه من العذاب في الآخرة إن توفى عليه ، ولم تضعف بالمعاصي عقيدته ... والثالث : موحَّد بمعنى أنه لم يشاهد إلا فاعلاً واحداً ، إذا انكشف له الحق كما هو عليه ، ولا يرى فاعلاً بالحقيقة إلا واحداً ، وقد انكشفت له الحقيقة كما هي عليه ، لا إنه كلف قلبه أن يعقد على مفهوم لفظ الحقيقة فإن تلك رتبة العوام والمتكلمين .. والرابع : موحد بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد فلا يرى الكل من حيث أنه كثير بل من حيث أنه واحد ، وهذه هي الغاية القصوى في التوحيد ) [43].

ثانيا : ولنا على الغزالي ملاحظات :

1- أنه جعل للنفاق درجة في التوحيد وذلك ما لم يرد في مدرسة الجنيد ، ثم جعل التوحيد الإسلامي توحيد العوام ، ويلمح إلى نوع من المقارنة بين الفريقين ، فالأول يعصمه الإقرار بالتوحيد من الموت بالسيف أما الثاني فيعصمه اعتقاده القلبي من العذاب في الآخرة . أما الصوفية فلا يأبهون بالجنة أو بالنار ( ولذلك قال العارفون ليس خوفنا من نار جهنم ولا رجاؤنا للحور العين ، وإنما مطالبنا اللقاء ومهربنا الحجاب فقط ، وقالوا ومن يعبد الله بعوض فهو لئيم كأن يعبده لطلب جنته أو لخوف ناره ، بل العارف يعبده لذاته فلا يطلب إلا ذاته فقط ) [44].

ولسنا في مجال التعليق على ذلك النص الذي يجعل الصوفية أنداداً لله ويفضلهم على الرسل الذين كانوا يعبدون الله رغبة ورهبة ، ويكفى أن نقرر أن ترفع الصوفية عن الجنة وسخريتهم بالنار تردد في مواضع شتى في الإحياء [45] كإحدى مظاهر عقيدة الاتحاد التي تسبغ الألوهية على الصوفية ..

2 ــ ارتقى الغزالي  بعقيدته الصوفية إلى المرتبتين الثالثة والرابعة .. بينما جعل المنافقين والعصاة في المرتبة السفلى ثم جعل صالحي المسلمين وهم (العوام ) في المرتبة التالية، وحرم عليهم الصعود لمرتبة العقيدة الصوفية حتى ولو كانوا من المتكلمين والفقهاء زعماء "العامة " ، ذلك لأن أساس العقيدة الصوفية في المرتبة الثالثة قائم على الكشف أي علم الغيب ، وهو للصوفية خاصة من دون الناس : يقول الغزالي عن المرتبة الثالثة ( أن يشاهد ذلك بطريق الكشف بواسطة نور الحق وهو مقام المقربين ) وشرح ذلك الكشف بقوله ( وقد انكشفت له الحقيقة كما هي ، لا أنه كلف قلبه أن يعقد على مفهوم لفظ الحقيقة ، فإن تلك رتبة العوام المتكلمين )..

3 ــ لم يجد الغزالي سنداً للعقيدة الصوفية إلا الكشف أو الوحي الذي يتلقاه الصوفي من لدن ربه ، ومعنى ذلك أن هناك عقيدة جديدة نزلت من السماء تعلو فوق دين الله (الإسلام) .. ومعنى ذلك أن القرآن لم يشتمل على أسرار تلك العقيدة التي اختص بها الصوفية من دون الناس،ذلك أن القرآن والإسلام هما للعامة وزعمائهم من الفقهاء والمتكلمين ، وهما في الدرجة الدنيا في تقسيم الصوفية ..

4 ــ قرر الغزالي في المرتبة الثالثة – أو المرتبة الأولى في عقيدة الصوفية – وحدة الفاعل ، ومعنى ذلك أن كل فعل يصدر عن البشر إنما يصدر في الحقيقة عن الله تعالى ، أي يسند أفعال البشر السيئة أو الدنيئة لله ( تعالى عن ذلك علواً كبيراً ) مع أن الله تعالى يقول (  مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ .. النساء 79 ) والقول بالجبرية من أسس العقيدة الصوفية التي تجعل الله الروح المسيطر والكامن في المظاهر الحسية، وذلك يتناقض مع الإسلام والثواب العقاب والجنة والنار، وكلها في نهاية الأمر لا تهم الصوفية الذين يهتمون أساسا بالاتحاد أو التأليه.

5 ــ ثم قرر الغزالي في المرتبة الأسمى وحدة الوجود ، أي الذوات على كثرتها ليست إلا وجوداً  واحداً و ذاتاً واحدة حتى أن الصوفي يفنى فلا يرى نفسه ، وبالطبع لن يرى غيره ،لأنه  يرى الله في كل شيء .

6 ــ ورغم ما واجهه الغزالي من إنكار فإنه لم يتخل عن إيمانه بعقيدة ( وحدة الوجود ) ، بل جعلها من مقامات التصوف عنده في كتابه ( إشكالات الأحياء ) الذي رد به على المنكرين ، يقول في مقام المشاهدة : إنها ( ثلاثة : مشاهدة بالحق ، وهى رؤية الأشياء بدلائل التوحيد ، ومشاهدة للحق ، وهى رؤية الحق في الأشياء ، ومشاهدة الحق ، وهى حقيقة اليقين بلا ارتياب)[46] . فالمشاهدة الأولى : إسلامية ، والثانية : تعبر عن الاتحاد ، والأخيرة : عن وحدة الوجود المطلقة .

وهذا يحتاج بعض التفصيل

وسائل الغزالى فى تشريع وحدة الوجود  ( أقبح أنواع الكفر )                        

 استخدم الغزالي مهارته في الفلسفة والمنطق في شرح عقيدة وحدة الوجود ، ولم يتورع عن المغالطة : .

1 ــ فهو أحيانا يجعل المخلوقات أفعالا لله ويخلط بين الأفعال والصفات الإلهية ثم يخلط بينها وبين الله ،وذلك كله كي يحقق وحدة الوجود بين الخالق والمخلوقات : يقول : ( فسبحان من احتجب عن الظهور بشدة ظهوره واستتر عن الأبصار بإشراق نوره .. المتحقق بالمعرفة لا يعرف غير الله تعالى ، أو ليس في الوجود تحقيقاً إلا الله تعالى وأفعاله ، فمن عرف الأفعال من حيث أنها أفعال لم يجاوز معرفة الفاعل إلى غيره .. فكل موجود سوى الله تعالى فهو تصنيف الله تعالى وفعله وبديع أفعاله ، فمن عرفها من حيث صنع الله تعالى فرأى من الصنع صفات الصانع كانت معرفته ومحبته مقصورة على الله تعالى غير مجاوزة سواه )[47]  . أي أنه قصر الوجود على الله تعالى وأفعاله واعتبر العالم فعلا لله تتجلى فيه ذات الله باعتبار أن الفعل صفة لله. وتناسى أن صفات الله قائمة بذاته لا تنفصل عنه . لذا قال الله تعالى ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ .الإخلاص1) أي في ذاته وصفاته ولم يقل ( قل هو الله واحد ) لأن ( أحد ) تمنع النظير في الذات والصفات معاً .

2 ـــ  وهو أحياناً يخلط بين المخلوقات المخلوقة بقدرة الله تعالى والقدرة كصفة إلهية ، ثم يخلط بين هذه الصفة وذات الله تعالى يقول ،( وجميع موجودات الدنيا أثر من أثارة قدرة الله تعالى ونور من أنوار ذاته ، بل لا ظلمة أشد من العدم ولا نور أظهر من الوجود ، ووجود الأشياء كلها نور من أنوار ذات الله تعالى [48] ) أي أن الموجودات هي قدرة الله ، وقدرة الله هي ذات الله فوجود الأشياء كلها من أنوار ذات الله تعالى ..

3 ــ ثم يخلط بين أفعال البشر وأفعال الله التي يجعلها صفات إلهية . ويرى ، أنها – أي الصفات – هي الأصل الذي تصدر عنه أفعال البشر المصلحين يقول ( والحداد يصلح آلات الحراثة والنجار يصلح آلات الحداد ، وكذا جميع أرباب الصناعات المصلحين لآلات الأطعمة ، والسلطان يصلح الصناع . والأنبياء يصلحون العلماء الذين هم ورثتهم ، والعلماء يصلحون السلاطين ، والملائكة يصلحون الأنبياء إلى أن ينتهي إلى حضرة الربوبية التي هي ينبوع كل نظام ومطلع كل حسن وجمال ومنشأ كل ترتيب وتأليف )[49] . فهنا تدرج يبدأ بالحداد والنجار وينتهي بالله – وليس ثمة فارق في النوع عنده وإنما الفارق في الترتيب ، إذ كل الموجودات صدرت عن الله وأفعالها ترجع في النهاية إليه حسب عقيدة وحدة الوجود التي تجعل الجمال الإلهي يشمل كل الكائنات ويبدو فيها وتعبر عنه ، يقول ( وجمال الحضرة الإلهية في نهاية الإشراق والاستنارة ، وفي غاية الاستغراق والشمول حتى لم يشذ عن ظهوره ذرة من ملكوت السموات والأرض ، فصار ظهوره سبب خفائه ، فسبحان من احتجب بإشراق نوره واختفى عن البصائر والإبصار بظهوره )[50] .

4 ــ   أي لأن الناس من غير الصوفية لا يقولون بهذا الرأي ولا يرون في مخلوقاته الظاهرة فقد خفي عنهم بشدة ظهوره في الموجودات ، وهم لا يرونه لأنهم محجوبون ، واستشهد الغزالي على ذلك بقول الشاعر الصوفي ) [51] .

   لقد ظهرت فما تخفي على أحد           إلا على أكمه  لا يعرف  القمرا

   لكن بطنت بما أظهرت محتجباً           فكيف يعرف من بالعرف قد سترا

أما الصوفية فلا يرون في الوجود المادي والمعنوي، إلا الله ولا يرون الله إلا في هذا الوجود أو بتعبيره ( فلم يروا في الكونين شيئا سواه، إن سنحت لأبصارهم صورة عبرت إلى المصور بصائرهم ).[52]

5 ــ ولأن عقيدة وحدة الوجود لا ترى فارقا نوعيا بين الله والمخلوقات فقد مثّل الغزالي لنظريته وبرهن عليها بما في مظاهر الكون من كثرة وتعدد في الشيء الواحد ليطبق ذلك على الله باعتباره مع الكون المخلوق وجوداً واحداً ..يقول عن الإنسان ( الشيء قد يكون كثيراً بنوع مشاهدة واعتبار ، ويكون واحداً بنوع آخر من المشاهدة والاعتبار ، وهذا كما أن الإنسان كثيراً إن التفت إلى روحه وجسده وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه ، وهو باعتبار آخر ومشاهدة أخرى واحد إذ نقول أنه إنسان واحد ، فهو بالإضافة إلى الإنسانية واحد، وكم من شخص يشاهد إنساناً لا يخطر بباله كثرة أمعائه وعروقه وأطرافه وتفصيل روّحه وجسده وأعضائه ، والفرق بينهما أنه في حالة الاستغراق والاستهتار به مستغرق بواحد ليس فيه تفريق ، وكأنه في عين الجميع والملتفت إلى الكثرة في تفرقة ،فكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة ، فهو باعتبار واحد ، وباعتبارات أخرى سواه كثير ).[53] ، فهنا مقارنة بين الله والإنسان ، فكما أن الإنسان واحد لمن ينظر نظرة سطحية إلا أنه أيضا متعدد بأعضائه وجوارحه وخلاياه .. وكذلك يكون الله واحدا باعتبار وكثيراً باعتبار آخر .. هكذا يبرهن الغزالي على وحدة الوجود متناسياً أن الله تعالى قال له ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) الشورى 11).

6 ــ ويقارن الغزالي بين أفعال الله وصفاته والشمس والماء ويقول( كما أن قوام نور الأجسام بنور الشمس المضيئة بنفسها ، ومهما انكشفت بعض الشمس فقد جرت العادة بأن يوضع طشت ماء حتى ترى الشمس فيه ، ويمكن النظر إليها ليكون الماء واسطة يغض قليلا من نور الشمس حتى يطاق النظر إليها ، فكذلك الأفعال واسطة تشاهد فيها صفات الفاعل ، ولا ننبهر بأنوار الذات بعد أن تباعدنا عنه بواسطة الأفعال )[54]

7 – ثم يتهرب الغزالي من الاستدلال على عقيدته بما جاء في كتاب الله ويعلن أن أسرار هذه العقيدة الدينية محظور أن تسجل في كتاب ، وأن من فعل ذلك فقد كفر ، ثم أنها لا تتعلق بالفقه وأحكامه الدنيوية : ( فإن قلت كيف يتصور أن لا يشاهد إلا واحداً وهو يشاهد السماء والأرض وسائر الأجسام المحسوسة وهي كثيرة، فكيف يكون الكثير واحداً ؟ فأعلم أن هذه غاية علوم المكاشفة ، وأسرار هذا العلم لا يجوز أن تسطر في كتاب ، فقد قال العارفون : إفشاء سر الربوبية كفر ، ثم هو غير متعلق بعلم المعاملة [55] ) أي الفقه  .

8 - ومن خلال ( وحدة الوجود ) نظر الغزالي إلى عقيدة الإتحاد والصوفي المتحد بالله ، فقصر تعريف الصوفي على من يؤمن بوحدة الوجود ومر بنا قوله عن الصوفية ( فلم يروا في الكونين شيئا سواه )[56] .وفي معرض حديثه عن شكر الله تعالى قال عن الصوفية (إن نظر بعين التوحيد المحض ( يعني وحدة الوجود ) ، وهذا النظر يعرفك قطعا أنه الشاكر وأنه المشكور وأنه المحب وأنه المحبوب ،وهذا نظر من عرف أنه ليس في الوجود غيره ) ( ..فإذا نظرت من هذا المقام عرفت أن الكل منه مصدره ، وإليه مرجعه ، فهو الشاكر وهو المشكور وهو المحب وهو المحبوب ومن هنا نظر " حبيب بن أبي حبيب " حيث قرأ " أنا وجدناه صابراً نعم العبد أنه أواب " فقال : واعجباه أعطى و أثنى , إشارة إلى أنه أثنى على إعطائه فعلى نفسه أثنى فهو المثني والمثنى عليه ، ومن هنا نظر الشيخ أبو سعيد المهيني حيث قرئ بين يديه ( يحبهم يحبونه ) فقال : لعمري يحبهم ودعه يحبهم فبحق حبهم لأنه إنما يحب نفسه إشارة إلى أنه المحب وهو المحبوب ، وهذه رتبة عالية لا تفهمها إلا بمثال على حد عقلك ، فلا يخفى عليك أن المصنّف إذا أحب تصنيفه فقد أحب نفسه ، والصانع إذا  أحب صنعته فقد أحب نفسه ، والوالد إذا أحب ولده من حيث أنه ولده فقد أحب نفسه ، وكل ما في الوجود سوى الله تعالى فهو تصنيف الله تعالى وصنعته فإن أحبه فما أحب إلا نفسه )[57].

  ومعنى ذلك أن الكافرين – وهم أيضاً صنعة الله – يتمتعون بحب الله باعتبارهم جزءا منه .. وهو خطأ ،لأن الله تعالى يقول لهم – مثلاً -  (.. لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ .. غافر10) ، ولكن الغزالي – كما أسلفنا – لإيمانه بوحدة الوجود فلا يرى بأساً في تمثيل الله تعالى بالبشر ، ثم يقول الغزالي ليربط بين الاتحاد الصوفي ووحدة الوجود والإيمان بها (.. وهذا كله نظر بعين التوحيد ، وتعبر الصوفية عن هذه الحالة بفناء النفس ، أي فني عن نفسه ، وعن غير الله  فلم ير إلا الله تعالى ، فمن لم يفهم هذا ينكر عليهم ) [58] .

9 ــ ووحدة الوجود هي الأصل في عقيدة الحلول ،والحلول هو اتحاد ( الله ) بالصوفي ، والاتحاد هو استغراق الصوفي في الله ، أي أن الحلول هو الصورة السالبة للاتحاد .. يقول الغزالي عن وحدة الوجود ( وهذه المشاهدة التي لا يظهر فيها إلا الواحد الحق تارة تدوم ، وتارة تطرأ ، كالبرق الخاطف ، وهو الأكثر ، والدوام نادر عزيز [59]. ) ، وذلك المعنى قريب من شعور الصوفي بحلول الله فيه .. والحلول على قدر درجة الصوفي وتحمله ، وقد اصطنع الغزالي أسلوب القصص في شرح الحلول .. يقول مثلا : ( كان إبراهيم بن أدهم في سياحته فسمع قائلا يقول :

                                    كل شيء منك مغفور سوى الإعراض عنّا.

                                      قد وهبنا لك ما فات  فهب  ما  فات  منّا .

فاضطرب و غشي عليه فلم يفق يوماً وليلة وطرأت عليه أحوال ، ثم قال :ثم سمعت النداء من الجبل : يا إبراهيم كن عبداً . فكنت عبداً واسترحت ) .[60] . فإبراهيم بن أدهم سمع بزعمه شعراً اتحادياً فغاب عن طبيعته البشرية ( وطرأت عليه أحوال ) ثم ناداه ربه وأرجعه إلى بشريته فاستراح .. فهنا حلول استمر يوماً وليلة ...

 ويقول ( حكي أبو تراب النخشبي أنه كان معجبا ببعض المريدين فكان يدنيه ويقوم بمصالحه .. فقال له أبو تراب مرة : لو رأيت أبا يزيد ؟ ( البسطامي ) فقل : إني عنه مشغول ، فلما أكثر عليه أبو تراب من قوله : لو رأيت أبا يزيد هاج وجد المريد ، فقال : ويحك ، ما أصنع بأبي يزيد ؟ قد رأيت الله تعالى فأغناني عن أبي يزيد ، قال : أبو تراب : فهاج طبعي ولم أملك نفسي ، فقلت :  ويلك تغتر بالله عز وجل ، لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة ، قال فبهت الفتى من قوله وأنكره فقال : وكيف ذلك ؟ قال له : ويلك أما ترى الله  تعالى عندك فيظهر لك على مقدارك ، وترى أبا يزيد عند الله قد ظهر له على مقداره ، فعرف ما قلت فقال : أحملني إليه ) وتمضي الأسطورة فيموت المريد صعقاً عندما يرى أبا يزيد البسطامي ، ويفسر أبو يزيد موت المريد بقوله ( كان صاحبكم صادقاً واستكن في قلبه سر لم ينكشف له بوصفه ، لما رآنا انكشف له سر قلبه فضاق عن حمله لأنه في مقام الضعفاء المريدين ، فقتله ذلك )[61] .

أي أن حلول الله في المريد يختلف عنه في الشيخ ، فالحلول درجات ، والصوفي إذا تحمل حلولاً فوق طاقته فقد يهلك أو يفقد عقله كما حدث في رواية أخرى سبكها الغزالي ( روي أن بعض الصديقين سأله بعض الأبدال أن يسال الله تعالى أن يرزقه ذرة من معرفته (أي عقيدة الصوفية في الاتحاد والحلول) ، ففعل ذلك ، فهام في الجبال وحار عقله ووله قلبه وبقى شاخصاً سبعة أيام لا ينتفع بشيء ولا ينتفع به شيء ، فسأل له الصديق ربه تعالى فقال : يا رب أنقصه من الذرة بعضها ، فأوحى الله إليه : إنما أعطيناه جزءاً من مائة ألف جزء من ذرة المعرفة ، وذلك أن مائة ألف عبد سألوني شيئاً من المحبة في الوقت الذي سألني فيه هذا ، فأخرت إجابتهم إلى أن شفعت أنت لهذا ، فلما أجبتك فيما سألت أعطيتهم كما أعطيته ، فقسمت ذرة من المعرفة بين مائة ألف عبد فهذا ما أصابه عن ذلك ، فقال : سبحانك يا أحكم الحاكمين ، أنقصه مما أعطيته ، فأذهب الله عنه جملة الجزء وبقى معه عشر معشاره .. فاعتدل خوفه وحبه وسكن وصار كسائر العارفين )[62] .

وبهذه الطريقة الملتوية يحاول الغزالي أن يجد سنداً لعقيدة الحلول فيما حاكاه عن ربه من وحي الله الذي اختص به الصوفية ،فيما يزعمون ،والله تعالى يقول .. ({وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ... الأنعام 93 ) .

 تعقيب على الغزالي ووحدة الوجود

أ ) بالغت بعض الفلسفات في وثنيتها إلى درجة إنكار وجود الله تعالى ، وتطرفت ( وحدة الوجود ) في الاتجاه المقابل فادعت أن الله موجود في كل شيء أو أنه مصدر الوجود وأن الأعيان صور للموجود الأكبر يتراءى فيها . وهذا إنكار للألوهية بطريقة مختلفة .

ب ) وكانت مصر والشام والعراق مراكز للفلسفات اليونانية والشرقية بمذاهبها المتعددة من وثنية وإلهية ، وقد سبق للفلسفة أن عمقت الخلاف بين المسيحيين حول طبيعة المسيح ، وأصبحت الفلسفة جزءاً من المسيحية ،وعند الفتح خفت صوت الفلسفة ثم استيقظ في صورة جدال احتدم بين المسلمين والمسيحيين في عصر المأمون ، وأضطر المسلمون لتعلم الفلسفة كي يردوا بها على المسيحيين الذين حذقوا أساليب الفلاسفة في الجدل والسوفسطائية . وكان يمكن لهم الاستغناء بالقرآن الكريم ،وقد حوى كثيراً من الحوار مع أهل الكتاب ، إلا أنهم وقد تعلموا الفلسفة فقد وقعوا في هواها . وعملت الفلسفة على بعث المذاهب الدينية القديمة وأهمها وحدة الوجود ..

  وقد تعلم  الغزالي الجدل والمنطق والحكمة والفلسفة وبرع فيها وصنف .. وأُشرب حب الفلسفة ووجد صداها في التصوف ، فآمن به وعلا به إلى ذروة الإسلام محاولاً التوفيق بين الحق والباطل متعللاً بشتى الحجج مستفيداً بالفلسفة وما أشاعته من أفكار خاطئة حظيت مع الأسف بالتسليم ، ومنها  أن الإسلام دين وسط بين الكفر وهو إنكار وجود الله ، والشرك وهو الإيمان بتعدد الآلهة ..

يقول الغزالي ( التوحيد مسلك حق بين مسلكين باطلين ، أحدهما الشرك والثاني الإلباس ، وكلا الطرفين وسط ، والوسط إيمان محض وهو أحد من السيف وأضيق من خط الظل ، ولذا قال أكثر المتكلمين بتماثل إيمان جميع المؤمنين .. الخ ) [63]. وعجيب أن يشيد الغزالي برأي المتكلمين وهم أكثر الطوائف تعرضاً لنقمته وكراهيته في الإحياء.. ولكنه التأثر بالفلسفة وقد جمع بينهما ..

ج) ونرد على الغزالي ووحدة الوجود بتقرير الحقائق التالية :

1 ــ عقيدة الإسلام – لا يمكن أن تكون فيها توسط فهي شهادة بأسلوب قصر – أي قصر الألوهية على الله تعالى وحده . وما عدا الله الحق من آلهة فهو باطل ({فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ ...  يونس32) . فقضية ( لا إله إلا الله ) لا تحتمل الرأى الوسط بأي حال .. فإما إيمان كامل بالله المسيطر على كل شيء الذي لا شريك له من ولي أو رسول .. وإما شرك أو كفر ، وقليل الشرك يحول الإيمان كله إلى شرك ، فإما إيمان كامل بالله وحده إلاهاً وإما لا . فالمشركون كانوا يؤمنون بالله ولكنهم أشركوا فعبدوا معه الأولياء والوسائط فخرجوا عن عقيدة الاسلام ، ويؤنبهم الله تعالى في الآخرة بقوله ( ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا...  غافر12) . فهم لم يؤمنوا بالله إلا مع الآلهة والأولياء كوسائط فأصبحوا كفاراً .الشرك لا يختلف عن الكفر في المفهوم ودليلنا بالإضافة للآية السابقة قوله تعالى (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ... التوبة 17) . فاقترن اللفظان في أكثر من موضع بعبادة الله وعبادة الأولياء والأصنام و( الكفر) ومعناه التغطية والستر أي أنهم ستروا بشركهم عقيدة التوحيد التي فطر الله الناس عليها ..هذا هو الكفر القلبى العقيدى والشرك القلبى العقيدى .

2 ــ الإنسان في حقيقة أمره لا يمكن أن ينكر وجود الله ، قد يتمسك بالشرك ولكنه إذا صدق مع نفسه لحظة لأيقن عبث وجوده بمعزل عن قدرة الخالق ، فالله الخالق هو الأساس في عقيدة البشر ، وكل ما هنالك أنهم نسوا عهد الله الأزلي فأشركوا وعبدوا معه الوسائط ، قال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا ...  الأعراف 172 ). فالبشر فُطروا على الإسلام ( لا إله إلا الله ) مذ كانوا أنفساَ قبل الوجود الحسي ، أو بمعنى آخر فطرهم على الحنيفية ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ... الروم 30) . وكل إنسان يولد على الفطرة مسلماَ ثم يأتي أبواه والمجتمع فيتعرف على الشرك .

3 ــ وعند الشدة كالمرض والغرق يتذكر الانسان فطرته فتستيقظ فيه فيدعو ربه مستجيرا به ثم إذا أنجاه ربه عاد الى كفره ، يقول جل وعلا : ( وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8)  ) (فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (49)  الزمر ).ورب العزة يتخذ من هذا حُجّة على البشر إذا فوجئوا بعاصفة أشرفوا معها على الغرق ، وعندها فمهما بلغ كفرهم سيستغيثون بالله جل وعلا وحده : (وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً (67) أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (68) أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِنْ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً (69)  ) الاسراء )، وحتى فرعون بكل كفره وطغيانه حين أدركه الغرق صرخ مستجيرا بالايمان : (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ (90) ) يونس ).

4 ـ  وكل إنسان تستيقظ فيه الفطرة عند الاحتضار فيصرخ ـ دون فائدة ــ مثل فرعون يرجو فرصة أخرى يعود بها للحياة ليعمل صالحا يسرى هذا على العصاة ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)   ) المؤمنون ). ويسرى هذا على المؤمنين ، لهذا يوصى رب العزة المؤمنين بالانفاق فى سبيل الله قبل أن يأتى الأجل الحتمى ويندم الانسان يرجو بلا فائدة فرصة أخرى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11) المنافقون  )

5 ــ . أى لا محل لإنكار وجود الله الذي أشاعته الفلسفة اليونانية جدلاً بغير حق . فلم يحاول القرآن مطلقاً أن يدلل على وجود الله، وإنما برهن على وحدانيته وعبث الإشراك به..يقول جل وعلا يؤكد أنه لا إله معه بأدلة عقلية : ( أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (64) النمل )، يقول جل وعلا فى دليل عقلى آخر ينفى وجود إله معه : (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) المؤمنون  )

6 ــ ومن نافلة القول أن ننكر عقيدة وحدة الفاعل التى تجعل الله جل وعلا هو الفاعل للمعاصى وليس الانسان العاصى ، فهذا يعنى أن رب العزة ظالم ، فكيف يكون هو الفاعل ثم يعاقب الانسان إذا فعل معصية . ونقرر هنا أن العرب فى الجاهلية رددوا ما يقترب من هذه الأكذوبة حين زعموا أن الله جل وعلا أمرهم بالفاحشة ، وأنهم تعودوا عليها ، وردّ الله جل وعلا عليهم : ( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29)) الأعراف ).

7 ـ ولكن عقيدة الصوفية فى ( وحدة الوجود ) تطرف فى الكفر القلبى لا نظير له .

إن معظم العقائد المشركة قالت بثنائية الوجود أو الوجود الإلهي والوجود المخلوق ، غير أنها أضافت بشرا ومخلوقات أخرى جعلتها آلهة مع الله بمزاعم كالتناسخ والاتحاد والحلول، أو أن لله جل وعلا إبنا وولدا . إلا أن الصوفية تطرفوا فألغوا الألوهية ، وجعلوا المخلوقات أو الوجود كله واحدا ، وأزالوا الفوارق بين الخالق والمخلوق ، وجعلوارب العزة موجودا فقط فى كل ما تقع عليه العيون حتى القاذورات وجيف الحيوانات الميتة ، وأن الفارق سطحى بين الخالق والمخلوق مثل الفارق بين البحر وأمواجه ، طبقا لمقولة ( الفيض ) التى تعبر عن وحدة الوجود ، أى إن الخلق هم ( فيض ) ويتجلى فيه الخالق . سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا . لقد خلطوا بين الوجودين وجعلوهما وجوداً واحداً أي وحدة الوجود ، وهذا غاية في الشرك والكفر إذا جعلوا الآلهة تتعدد بتعدد الموجودات من بشر وحجر وحيوان وجماد . ومشركوا قريش أهون حالاً ، فقد كانوا يعبدون الأولياء لتقربهم الى زلفى ، وعبدوا الملائكة على أنها جزءا من الله جل وعلا ، أى قالوا بالاتحاد فقط ، وقصروه على الملائكة حين اعتبروها بنات الله ، ونعى عليهم القرآن ذلك (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ ) الزخرف 15، 16 ) .

أما الصوفية فقد قصروا الاتحاد على أنفسهم ثم تكرموا مع الكون فأشركوه في الألوهية ، وجاء الغزالي ليقنعنا بأن ذلك هو التوحيد المحض الذي لم يرد في كتاب ومحظور أن تفشى أسراره ، وأن الاسلام ما هو إلا الدرجة السُفلى الذي لا يليق إلا بالعوام .

8 ــ وانتصر الغزالى فأصبح ( حُجّة الاسلام ) ، كما لو أن الاسلام ظل بلا حُجّة حتى ظهر هذا المخلوق المسمى بأبى حامد الغزالى .

9 ــ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم .!!



[1]
الطبقات الكبرى للشعراني بالترتيب جـ 1 ، 13 ، 14 ، 10 طبعة صبيح .

[2] الطبقات الكبرى للشعراني بالترتيب جـ 1 ، 13 ، 14 ، 10 طبعة صبيح.

[3] الطبقات الكبرى للشعراني بالترتيب جـ 1/ 140 ، 10 طبعة صبيح .

[4] الطبقات الكبرى للشعراني بالترتيب جـ 1/ 140 ، 10 طبعة صبيح .

[5] الطبقات الكبرى للشعراني  1/ 73   طبعة صبيح .

[6] الرسالة القشيرية 32 ط صبيح .

[7] تلبيس إبليس 162 ط . المنيرية.

[8] اللمع لأبي نصر الطوسي 49 .

[9]  الشعراني : المرجع السابق 13

[10] المرجع السابق اللمع 49

[11] الرسالة القشيرية 35

[12] الرسالة القشيرية 35 .

[13] اللمع: 51

[14] الطبقات الكبرى للشعراني جـ 1 / 75 .

[15] الطبقات الكبرى للشعراني جـ 1 / 77

[16] الرسالة القشيرية 37 .

[17] الطبقات الكبرى نفس المرجع جـ 1 /78 .

[18] الرسالة القشيرية 37 .

[19] اللمع 50  : 51

[20]  الرسالة 38 .

[21] الطبقات الكبرى جـ 1 / 78 .

[22] الطبقات الكبرى جـ 1 / 79.

[23] الطبقات الكبرى جـ 1 /  79

[24] نفس المرجع جـ 1 /79 .

[25] الرسالة القشيرية 38.

[26] اللمع 52.

[27] الرسالة القشيرية 4, 5 .

[28] اليافعي روض الرياحين 14 .

[29] الشعراني : الطبقات الكبرى جـ 1 / 10 .

[30] إشكالات الإحياء 68 على هامش الإحياء.

[31] العيدروس : التعريف بالإحياء 12 ، 13 على هامش الإحياء .

[32] العيدروس نفس المرجع 9 : 12 .

[33] الشعراني: المرجع السابق جـ 1/ 10.

[34] التعريف بالإحياء 29 .

[35] نفس المرجع 34 .

[36] نفس المرجع 49 ، 15 إلى 22 .

[37] نفس المرجع 49 ، 15 إلى 22.

[38] قال ابن الجوزي ( كان الفقهاء في قديم الزمان هم أهل القرآن والحديث فما زال الأمر يتناقص حتى قال المتأخرون يكفينا أن نعرف آيات الأحكام من القرآن وأن نعتمد على الكتب المشهورة في الحديث .. ثم استهانوا بهذا الأمر أيضا ًوصار أحدهم يحتج بآية لا يعرف معناها  وبحديث لا يدري أصحيح هو أم لا ، وربما أعتمد على قياس يعارضه حديث صحيح ولا يعلم .. تلبيس إبليس 115 ) .

[39] الإحياء جـ 1/ 19 .

[40] الإحياء جـ 1 / 19 .

[41] الإحياء جـ 1/ 20 .

[42] التعريف بالإحياء 27 : 29 .

[43] الإحياء ، جـ 1/ 211: 212 .

[44] إحياء جـ4/ 22.

[45] إحياء جـ 4/ 227 : 228 ، 254، 266، 299، 305 ، 308 ، 309 ، 326 مجرد أمثلة .

[46] إشكالات الأحياء64

[47]  إحياء جـ 2 / 247 : 248 .

[48] إحياء جـ 4 / 370 .

[49] إحياء جـ4 / 104 .

[50] إحياء جـ 4 / 276 .

[51]  إحياء جـ 4 / 277 .

[52] إحياء جـ 2 / 236 .

[53] إحياء جـ 2/ 212 : 213.

[54] إحياء جـ 4 / 370 .

[55]  إحياء جـ 4 212 : 213 .

[56]  إحياء جـ 2 / 236 .

[57]  إحياء جـ 4 / 74 .

[58] إحياء جـ 4 / 74 .

[59] إحياء جـ 4 / 213 .

[60] إحياء . جـ 4 / 74 .

[61]  إحياء جـ 4 / 305

[62] إحياء جـ4 / 288

[63] إشكالات الإحياء : 77 .

ج 1 ب 1 ف 2 ( المرحلة الثانية للعقيدة الصوفية من بعد الغزالي ( 505 ) إلى ابن عربي ت 638 هـ):

الباب الأول :  مراحل العقيدة الصوفية وتطورها في مصر المملوكية من خلال الصراع السنى الصوفى                   

 الفصل الثانى : ( المرحلة الثانية للعقيدة الصوفية  من بعد الغزالي ( 505 ) إلى ابن عربي ت 638 هـ): 

   ازدهار التصوف في عصر الغزالي

مدخل :

1 ـ استطاع " الجنيد" وتلاميذه الحفاظ على رمق للتصوف عاش به وسط النفوذ الحنبلي الذي سيطر على الخلافة العباسية منذ عهد المتوكل العباسي ، ذلك الخليفة التي أوسع للحنابلة في سلطانه فاضطهدوا الشيعة والصوفية وأهل الكتاب ، ثم ضعفت قبضة الخلافة العباسية ، وظهرت ولايات مستقلة في إطار الدولة العباسية ، وتكاثر الأمراء والمتغلبون داخل بغداد وخارجها ،وانتشرت الاضطرابات السياسية ، وتكاثر الظلم ، وبنفس القدر ازداد أتباع التصوف وكثرت مدارسهم وتشابكت وسائل الاتصال بينهم عبر الأقطار والولايات ، فازدهرت السياحة الصوفية تنشر المبادئ والأفكار والأخبار والمنامات والكرامات ، وتجتذب طوائف العوام ، وأصبح المتغلب على الحكم في الولايات والدويلات يضيق بالفقيه الحنبلي الذي يقول هذا حرام وهذا مكروه ، وأضحى يميل إلى الشيخ الصوفي الذي يحرق له البخور ويرى كل الأفعال ( صالحة أو طالحة ) مصدرها من الله ولا سبيل للاعتراض عليها ، ومن هنا بدأ التحالف بين الصوفية والحكام ، ونمى تيار التصوف برعاية الحكام ودخول أفراد العوام ليصيروا شيوخاً بدون تعب في طلب العلم الظاهر ، وإنما بمجرد إدعاء الولاية وترديد أقوال الشطح وعقائد التصوف . ويكفيهم أن الغزالي شيخ الفقهاء والمتكلمين والصوفية هزم الفقهاء والمتكلمين ، ويكفيهم أن المرحلة الأولى بدأت بنفاق " الجنيد " ، ثم تحول النفاق – بالغزالي – إلى وفاق بين السّنة والتصوف ، وقبلها فى العصر العباسى الأول تم أسلمة ( السنة ) بالجمع بين مقولتى ( الكتاب والسنة ) ، أى نفس الثنائية المعهودة لدى المسلمين فى اديانهم الأرضية التى لا تكتفى بالقرآن الكريم وحده مصدرا لدين الاسلام ، مع أن كل رسول نزلت عليه رسالة الاهية واحدة وبكتاب واحد وليس بكتاب وسنة أو كتاب و ( عترة ) أو كتاب وتصوف .!! لكننا هنا لا نتحدث عن الاسلام ولكن عن المسلمين وتصوفهم وصراعه مع دين السنة .

إنكار الغزالى على صوفية عصره

1 ــ مر بنا أن القشيري أنكر على عوام الصوفية مقالتهم في الاتحاد بالله وإتيانهم المحرمات مع تركهم المفروضات .. وإن ذلك دفعه لكتابة ( الرسالة القشيرية ) لهم حتى يدافع عن مبدأ التصوف الذي يواجه إنكار الأعداء من الفقهاء ..

2 ــ وعلى نفس الطريق سار الغزالي ينكر على أوباش الصوفية في عهده أن يتشبهوا بالأولياء السابقين في دعاويهم ويهمنا أن هذا التيار الصوفي كان في ازدياد في عصر الغزالي إلى درجة أجبرته على أن يتصدى له بالإنكار في كتابه ( الإحياء) ، مع أن الغزالي وهو الفيلسوف الحصيف  يدرك أنه بذلك يناقض نفسه ، إذ كيف يقرر عقائد الصوفية في صفحة ثم ينكر على بعض الصوفية التلفظ بتلك العقائد في صفحة أخرى ..

3 ــ ومعنى ذلك أن الغزالي قد أختار أهون الشرين ففضل الوقوع في التناقض مع نفسه- وهو ينكر على الصوفية تطبيق عقيدته -  على أن يدع غيره من الأخصام يتولى الإنكار عليهم وعلى التصوف فيتجاوز بالإنكار إلى حد يخشى من الوصول إليه ، وهكذا بادر الغزالي فسحب البساط من تحت أرجل الفقهاء ، وأنكر على طائفة من الصوفية في عدة أسطر ، بينما ملأ صفحات من كتابه في الإنكار على الزهاد والعباد والفقهاء والمتكلمين وأصحاب الحديث في أمور سلوكية لا تمس العقيدة ولا ينجو منها أي إنسان مهما كان .

4 ــ يقول الغزالي عن بعض الصوفية ( طائفة أدعت علم المعرفة ( الاتحاد) ومشاهدة الحق ومجاوزة المقامات والأحوال والملازمة في عين الشهود والوصول إلى القرب ( تلك اصطلاحات الصوفية عن الاتحاد بالله ) ، ولا يعرف هذه الأمور إلا بالأسامي والألفاظ ، لأنه تلقف من ألفاظ الطامات ( يقصد الشطح ) كلمات ، فهو يرددها ، ويظن أن ذلك أعلى من علم الأولين والآخرين ، فهو ينظر إلى الفقهاء والمفسرين والمحدثين وأصناف العلماء  بعين الازدراء فضلاً عن العوام ، حتى أن الفلاح ليترك فلاحته والحائك يترك حياكته فيلازمهم أياماً معدودة ، ويتلقف منهم تلك الكلمات المزيفة فيرددها كأنه يتكلم عن الوحي ويخبر عن سر الأسرار ، ويستحقر بذلك جميع العُبَّاد والعلماء ، فيقول في العُبَّاد ( جمع عابد) إنهم أجراء مُتْعَبون ( يعني يعملون بأجر هو الجنة فاتعبوا أنفسهم بالعبادات ولو أدعو الاتحاد لسقط عنهم التكليف واستراحوا )  ( ويقول في العلماء أنهم بالحديث عن الله محجوبون ( يعني أن العلم الظاهر حجاب يعوق العلم اللدني الذي يصل للصوفي من الله بلا واسطة ) ، ويدعي لنفسه أنه الواصل إلى الحق وأنه من المقربين ، وهو عند الله من الفُجَّار المنافقين )[1] ..

دخول العوام فى التصوف والشطح الصوفى

1 ــ أي أن عصر الغزالي شهد كثرة من الأولياء الصوفية جاهروا بعقيدتهم وتكاثر حولهم الأتباع من جميع الطوائف (حتى أن الفلاح ليترك فلاحته والحائك يترك حياكته ) ويردد كلامهم ، وإن الأمر استشرى حتى آثار الاستياء والإنكار فاضطر الغزالي للتصدي لهم منكراً عليهم أن يصلوا إلى هذا المستوى الذي هو قصر على الأعيان دون الأوباش ..

2 ــ والشطح الذي قُتل به الحلاج في القرن الثالث واضطهد بسببه أعيان الصوفية الأوائل انتشر وأصبح ظاهرة في عصر الغزالي إلى درجة أجبرته على التعرض له ، مع ما في ذلك من تحرج مبعثه اشتهار بعض أئمة التصوف السابقين بقول الشطحات ، ونكاد نحس بالغزالي ماشياً على الشوك وهو يقول ( الشطح : نعني به صفتين من الكلام أحدثه بعض الصوفية ، أحدهما : الدعاوى الطويلة العريضة في العشق مع الله تعالى والوصال المغني عن الأعمال الظاهرة ( يعني دعوى الاتحاد التي تسقط التكاليف التعبدية )، حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتحاد بالله وارتفاع الحجاب والمشاهدة بالرؤية والمشافهة بالخطاب ، فيقولون : قيل لنا كذا أو قلنا كذا ( يعني ادعاء الوحي والعلم اللدني والكشف ) ويتشبهون فيه بالحسين بن منصور الحلاج الذي صُلب لأجل أطلاقه كلمات من هذا الجنس ، ويستشهدون بقوله : أنا الحق . وما حُكي عن أبي يزيد البسطامي أنه قال : سبحاني سبحاني ، وهذا فن من الكلام عظيم ضرره في العوام ، حتى ترك جماعة من أهل الفلاحة فلاحتهم وأظهروا مثل هذه الدعاوى ، فإن هذا الكلام يستلذه الطبع إذ فيه البطالة عن الأعمال مع تزكية النفس بدرك المقامات والأحوال ، فلا تعجز الأغبياء عن دعوى ذلك  لأنفسهم ، ولا عن تلقف كلمات مخبطة مزخرفة ، ومهما أنكر عليهم ذلك لم يعجزوا عن أن يقولوا هذا إنكار مصدره العلم والجدل ، والعلم حجاب والجدل عمل النفس ، وهذا الحديث (يعني الاتحاد ) لا يلوح إلا من الباطن بمكاشفة نور الحق ، فهذا ومثله مما قد استطار في البلاد شرره ، وعظم في العوام ضرره ، حتى من نطق بشيء منه فقتله أفضل في دين الله من إحياء عشرة ، وأما أبو يزيد البسطامي رحمه الله فلا يصح عنه ما يحكى ، وإن سمع ذلك منه فلعله كان يحكيه عن الله عز وجل في كلام يردده في نفسه . كما لو سمع وهو يقول : إنني أن الله لا إله إلا أنا فاعبدني ، فإنه ما كان ينبغي أن يفهم منه إلا على سبيل الحكاية ، الصنف الثاني من الشطح : كلمات غير مفهومة لها ظواهر رائقة وفيها عبارات هائلة وليس وراءها طائل ، وذلك إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها بل يصدرها عن خبط في عقله وتشويش في خياله لقلة إحاطته بمعنى كلام قرع سمعه وهذا هو الأكثر ، وإما أن تكون مفهومة له ولكنه لا يقدر على تفهيمها وإيرادها بعبارة تدل على ضميره لقلة ممارسته للعلم وعدم تعلمه طريقة التعبير عن المعاني بالألفاظ الرشيقة ) [2] . أي أن القسم الأول من الشطح أحدثه الصوفية ، والقسم الثاني تابعهم فيه غيرهم ( بكلمات غير مفهومة ) لقائلها أو يفهمها ولكن (لا يقدر علي تفهيمها وإيرادها ) بنفس ما يفعل الغزالي في تقريره لعقائد الاتحاد في كتاب الإحياء ..

3 ــ والمهم أن عصر الغزالي أصيب بوباء الشطح حتى( ترك جماعة من أهل الفلاحة فلاحتهم ) وتصوفوا بمجرد نطق كلمات منه .. وواجهوا الإنكار عليهم بنفس مقولة الغزالى وأئمة التصوف في الرد على المنكرين من أن ( العلم حجاب و الجدل عمل النفس ) وأن الاتحاد ( لا يلوح إلا من الباطن بمكاشفته نور الحق )..

موقف الغزالى من العوام الداخلين فى التصوف

1 ـ ولأن وباء الشطح ( استطار في البلاد شرره وعظم في العوام ضرره ) فقد اضطر الغزالي إلى الإفتاء بأن قتل الواحد منهم أفضل ( من إحياء عشرة ) ولم يفته مع ذلك الاعتذار عن البسطامي بعذر هو أقبح من الذنب ..

2 ــ وقد صنف الغزالي  كتابه ( الإحياء ) وهو شاهد على عصره الذي استشرت فيه عقائد التصوف ، وانطلقت فيه الألسنة بالشطح تعبر عن الاتحاد بالله وعشقه إلى درجة أفزعت الغزالي نفسه ، فهب يدعو  لقتلهم في سبيل المصلحة العليا ، وهي ( أسلمة التصوف ) والصلح والاتفاق بين السنة  والتصوف تحت شعار ( التصوف السنى ) والذى من أجله حشا الغزالى كتابه ( الإحياء ) بأحدايث سنية موضوعة وتأويلات لآيات القرآن الكريم . ولكل صلح ضحايا . والغزالي كعالم وفيلسوف وأحد الخاصة المقربين من الحكام ، لا يرى بأساً في التضحية ببعض أجلاف الصوفية على مذبح معاهدة الصلح التي ينشدها فى تقرير ( التصوف السنى ).

3 ــ ومعنى ذلك أن رصيد التصوف من طائفة العامة قد كثر وفاض إلى حد أزعج الغزالي نفسه ، فاستنكف أن يوضع في خندق واحد مع طُغام الفلاحين والحائكين وأرباب الحرف الذين صاروا أشياخا فى التصوف ، وظلوا يحملون لقب حرفتهم الأصلية . وفي نفس الوقت – ويا للمفارقة – فقد جعل هذا الرصيد من الغزالي متحدثاً باسم هذا القطيع من البشر يفلسف لهم عقائدهم ويؤسلمها أو يضفي عليهم أواصر الصلة بالإسلام .. ولا أدل على ذلك من أن الغزالي انتصر بهم على خصومه من الفقهاء الذين ثاروا عليه بعد كتابه ( الإحياء) ، فأصبح الغزالي بالعامة أكثر جرأة . ولا أدل على ذلك من أنه صنف فى التصوف كتابا خاصا هو ( مشكاة الأنوار )، الذي أعلن فيه بصراحة عقائد التصوف من خلال وحدة الوجود. وتتابعت كتاباته ، ولولا العامة ما كانت شهرته وشهرة مصنفاته حتى اليوم ..

4 ــ ثم انقلبت الآية وتوجه الغزالي نحو العامة ، وعمل على أن تضيق الفجوة الثقافية بينه وبينهم ، فعمل على إلغاء الاجتهاد وأنه ( ليس في الإمكان أبدع مما كان) ، وبإنكار الاجتهاد فقد زالت الفوارق بين العوام والعلماء ، وأصبح وأد الاجتهاد من مصلحة العوام . وطبق الغزالى ذلك عملياً في ( طوس) حين أبتنى مدرسة للفقهاء بالمفهوم الجديد إلى جانب خانقاة للصوفية ، وعاش بقية عمره يشرف على المدرسة والخانقاة ليصبح الفقه والفقهاء في خدمة التصوف المعبر عن دين العامة الجديد . وإذا دخل العوام  في التصوف وانقرض كبار الفقهاء بتقرير التقليد وبنفي الاجتهاد وتضاؤل الفارق بين العالم و العامي – فمعنى ذلك كله دخول التصوف بالغزالي إلى عصر الازدهار المضطرد ، خاصة إذا كان ذلك التصوف لا يناقض الإسلام كما أشاع الغزالي فصدقوه ، وكيف لا .. والاجتهاد محرم والتقليد سيد الأخلاق .

ازدهار التصوف بعد الغزالي فى القرن السادس قبيل عصر ابن عربى

1 ــ ـ شهدت هذه المرحلة الإنتقال من ( أسلمة التصوف ) والتخفف من ( نفاق الجنيد) ومن مغالطات الغزالى ومحاولاته تمرير عقائد التصوف فى الاتحاد والحلول ووحدة الوجود الى مرحلة التصوف الشعبى حيث دخل العوام فى دين التصوف أفواجا فى القرن السادس ، وكان المؤرخ الفقيه الحنبلى ابن الجوزى شاهدا على هذه المرحلة ، وجاءت بعدها مرحلة جديدة جريئة فى القرن السابع قبيل بداية العصر المملوكى تعلن عقيدة الصوفية صراحة في وحدة الوجود . وهذا ما فعله ابن عربي وابن الفارض .

2 ــ وكان منتظراً أن يواجه الفقهاء هذا التطور بالإنكار والاحتجاج ولكنه إنكار انتهى إلى أثر عكسي ، في النهاية ، إذ أصبح الصوفية هم الذين يحاكمون ويضطهدون الفقهاء المنكرين ، مع أن أولئك الفقهاء المنكرين صاروا على نهج الغزالي في تقرير مبدأ التصوف وقصر الاحتجاج على صرحاء الصوفية وشطحاتهم ، ولكن المسرح السياسي والاجتماعي أختلف ، فالحكام الجدد مع الصوفية ويدينون بالتصوف السنى ، والطرق الصوفية بدأت تتغلغل في الشارع والمجتمع ، والأولياء الصوفية أحياءً وأمواتاً صاروا مقصداً للتقديس والتوسل والتبرك ، ثم إن الفقهاء في أغلبهم كانوا من العوام أيضا ، كانوا كثيرين ولكن كغثاء السيل ، أصبحوا صرعى للجهل والتقليد وأصبحوا فقهاء مذاهب ، يتبعون الأئمة السابقين دون أن يظهر بينهم مجتهد كالأئمة السابقين ، أي أصبحوا أسرى لدعوة الغزالي في قفل باب الاجتهاد وفي التدين بالتصوف . وبالتالي كانوا أسرى لشيوخ التصوف ، فإذا احتجوا عليهم وثاروا كان سهلاً أن يقفوا أمامهم في قفص الاتهام ليقوم فقهاء آخرون من القضاة بمحاكمتهم بتهمة العيب في الذات الصوفية ، باختصار أصبح التصوف هو التدين السائد منذ العصر المملوكي ، ذلك العصر الذي بدأ  بعد موت ابن عربي بعشر سنوات .

3 ــ  وشهدت هذه الفترة أيضا الحروب الصليبية التي أنهكت العالم السُّنى ، حيث كان الأتراك السلاجقة ــ وهم سنيون متعصبون ـ يسيطرون على الشام والعراق وآسيا الصغرى وفارس شرقا . وقد إضطهد السلاجقة الحجاج الأوربيين القادمين الى القدس ، فإتخذتها البابوية حجة للحروب الصليبية وتحرير القدس من المسلمين ، فى وقت كان فيه الخليفة العباسى لا يتعدى نفوذه ضواحى بغداد . وأتاحت هذه الظروف الفرصة لظهور تيار التصوف متحرراً من الضغط القوي الذي اعتاده قبلاً ،  وقد استفاد بجهد الغزالي كما استفاد الغزالي به ، وقد رأينا كيف أن عقيدة الصوفية قد استشرت حتى وصلت إلى الفلاحين والعوام فاعتنقوها، ووصل تأثيرها إلى درجة يمكن معها اعتبار الغزالي معبراً عنها وعن معتنقيها من الخاصة والعامة . وبديهي أن يستثمر الصوفية جهد الغزالي والاضطراب الذي خلقته الحروب الصليبية في المنطقة مع ضعف الحكام واشتداد ظلمهم واستبدادهم وحاجتهم إلى شيخ مؤيد منافق لا إلى شيخ فقيه حنبلى متعصب يتدخل فى السلطة بحجة تغيير المنكر . وتهيأ الصوفية لوراثة المكان الذي أحتله الفقهاء قبلاً في عصور الخلفاء من بني العباس . وابتدأت الصلات تتوثق بين الحكام الجدد والصوفية . وتجسد ذلك في انتشار الأربطة والخوانق للصوفية يقيمها لهم الأمراء والحكام .. ومرجعنا في التأريخ لهذه الفترة هو ابن الجوزي ت 597 ، الذي عاصر الصوفية فيما بعد الغزالي وصب عليهم أكثر نقمته في كتابه ( تلبيس إبليس )..

4 ــ ابن الجوزى يقول بحسن نية مقارناً الصوفية السابقين وصوفية عصره فى القرن السادس  ( كان أوائل الصوفية ينفرون من السلاطين فصاروا أصدقاء ) [3]وابن الجوزي يحسن الظن بأوائل الصوفية ويرى في تباعدهم عن الحكام ورعا ، ولا يدرى أنه الخوف من الاضطهاد .. ثم يصف معيشة الصوفية الهانئة في عصره فى البيوت التي أقامها لهم الحكام الظالمون ، فيقول ( رأينا جمهور المتأخرين منهم مستريحين في الأربطة من كد المعاش متشاغلين بالأكل والشرب والغناء والرقص ، يطلبون الدنيا من كل ظالم ولا يتورعون عن عطاء ماكس ، وأكثر أربطتهم قد بناها الظلمة وأوقفوا عليها الأموال الخبيثة ، وأكثر زمانهم ينقضي في التفكه بالحديث أو زيارة أبناء الدنيا ، فإذا أفلح أحدهم أدخل رأسه في زرمانقته ( يعني ياقته من الداخل ) فغلبت عليه السوداء فيقول : حدثني قلبي عن ربي )[4]، أى يزعم أنه يتلقى الوحى مباشرة من رب العزة ، بلا حاجة الى صناعة أحاديث بالاسناد والعنعنة كما يفعل السنيون حين يزعم أحدهم : حدثنى فلان عن فلان عن فلان عن فلان عن فلان عن النبى .

5 ــ ولجذب العوام للدخول فى دين التصوف جعل أرباب التصوف إعتناق التصوف سهلا للغاية بالمقارنة بالحنبلية السنية . قبلها ،ولكى يصير العامى سنيا حنبليا كان عليه أن يشترى قلما ومحبرة وألواحا يكتب فيها ، وبالطبع لا بد أن يكون كاتبا قارئا . ثم يلتحق بحلقة شيخ من رواة الحديث ، الذى يملى الأحاديث على المستملين ، فيكون هذا العامى طالبا للحديث يكتب كل ما يقوله شيخه من أحاديث يخترعها الشيخ ويخترع لها إسنادا وعنعنة ( حدثنى / أخبرنا فلان عن فلان ..الخ عن النبى أنه قال ) . فإذا حفظ هذا العامى بضع آلاف من تلك الأحاديث صار شيخا حنبليا يستطيل على الناس بما يحفظ ، واصبح من حقه أن يخترع أحاديث أخرى تزداد بها حصيلته ، فإذا حفظ عشرات الألوف من تلك الأحاديث صار ( حافظا ) ، وصارت له حلقة من الطلبة تكتب عنه .

بدأ الصوفية بالهجوم على هذه الطريقة بكسر الأقلام وإلقاء المحابر وغسل الألواح بالماء ، وإعتبروا ( العلم ) اى ( علم الحديث ) حاجبا يعوق العلم اللدنى الالهى ، وقال قائلهم للحنابلة ( أخذتم علمكم من ميت عن ميت ، ونحن نأخذ علمنا من الحى الذى لا يموت وبلا واسطة ) . اى يكفى أن يزعم أحدهم أنه ( ولى الله )، وانه ( يجلس مع الله فى الحضرة ) وأن الحواجز البشرية زالت فى نفسه وإتّحد بالله ( تعالى الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا )، وانه يتلقى العلم اللدنى مشافهة ومباشرة من الله ، ويجد من البشر من يصدقه فلا حاجة له للطريق الشاق فى إستملاء ما كان يعرف بعلم الحديث . غاية ما هنالك أن الإسناد الذى هو اساس (الكذب ) فى علم الحديث ــ أى نسبة الحديث للنبى عبر الرواة والعنعنة ـ إستعملها الصوفية فى إعتناق دينهم فى سلاسل ( الخرقة والعهد والتلقين . )، فالمريد الصوفى يأخذ ( العهد ) و ( التلقين ) عن شيخه . وهذا الشيخ يتميز عن غيره من الشيوخ والأولياء بمرقعة أى ( خرقة ) من قماش لها لون خاص ، وهو يجعل تلك الخرقة أو تلك المرقعة بطاقة شخصية له تحدد ديانته أو إنتماءه لهذا الشيخ دون غيره ، والشيخ نفسه يزعم إنه أخذ تلك الخرقة عن الشيخ فلان عن فلان بنفس العنعنة والاسناد الى أن يصل الى ( الجنيد ) وهو ( سيد الطائفة ) الذى تنتهى اليه كل الطرق الصوفية بالخرقة ، ثم يرتفعون بالخرقة الى آل البيت والنبى وجبريل ورب العزة . اى صار الكذب ( بالخرقة) أسهل كثيرا من الكذب (بالاسناد ) فى الحديث لدى السنيين . وصار الشيخ الصوفى يحرص على تسلسل الخرقة بنفس حرص المريد على أخذ ( العهد والتلقين ولبس الخرقة ) من شيخه . و( لبس الخرقة والتلقين ) أضحى من طقوس التصوف لدى أصحاب الطرق الصوفية ، ولا يزال .  أى إستفاد الصوفية من منهج الاسناد والعنعنة لدى الدين السنى فحولوه الى عنعنة واسناد للخرقة أو المرقعة .

6 ــ  واستفاد الصوفية أيضا من أساطير الشفاعة التى نشرها السنيون . وتوسع الصوفية فى الشفاعة جاعلين أنفسهم أبطال الشفاعة يوم الدين باعتبارهم الأولياء الشفعاء أصحاب الحظوة فى الحضرة الالهية . ولم يجرؤ معظم أئمة الدين السًنى ُعلى التصريح بهذا، فوجد أرباب التصوف الطريق مُتاحا لهم دون منافسة من الفقهاء السنيين . وكالعادة تم تحويل الشفاعة الى تجارة فى عصر إشتد فيه ظُلم الحكام ، وإحتاج فيه الحاكم الظالم الفاسد لأن يستمر فى ظلمه متمتعا بالحصانة من النار وأن يدخل الجنة بشفاعة وبدعاء الصوفية الأولياء أصحاب الكرامات . ولهذا أقام أولئك الحكام الظالمون مؤسسات للصوفية ليدخلوا الجنة ببركة الأولياء . و لم يحدث من قبل أن أقام الحكام بيوتا لاعالة وإعاشة الفقهاء تبركا بهم . حدث هذا مع الصوفية ، الذين تمتعوا شيوخا ومريدين بزوايا وأربطة ( جمع رباط ) وخوانق ( جمع خانقاة ) يقيم فيها الصوفية فى راحة وكسل ينفق عليهم الحكام وأعوانهم من المال السُّحت المسلوب من الناس .  وخارج الأربطة والزوايا والخوانق عاش الصوفية عالة على أموال الحكام الظلمة فى عصر إستشرى فيه ظلم الأمراء من الأتراك السلاجقة ، يقول ابن الجوزي: ( ولقد بلغنا أن بعض الصوفية دخل على بعض الأمراء الظلمة ،  فوعظه، فأعطاه ( الأمير ) شيئاً ، فقبله . فقال الأمير : " كلنا صيادون وإنما الشباك تختلف" ) فالأمير يصطاد المال السُّحت بالسلب والنهب ، وهذا الشيخ الصوفى يصطاد المال السُّحت من الأمير بالوعظ ، وهو يعرف أن الأمير لن يتعظ ، وأنه سيستمر فى أكل المال السُّحت .  ويقول ابن الجوزى : (  وقد دخلت بعض الأربطة فسألت عن شيخه فقيل لي:" قد مضى إلى الأمير فلان يهنئه بخلعة قد خلعت عليه "، وكان ذلك الأمير من كبار الظلمة فقلت : ويحكم ما كفاكم أن فتحتم الدكان حتى تطوفون على رءوسكم بالسلع ..) [5].ـ وقد شهد عصر الغزالي تأسيس بيوت للصوفية عالة على المجتمع ، وتردد ذلك في الإحياء ، ومنها قوله الذي أوردناه عن الفلاحين أصحاب الشطحات ( .. فإن هذا الكلام يستلذه الطبع إذ فيه البطالة عن الأعمال)  [6]  . وقد كانت للغزالى نفسه خانقاه خاصة به . إلا أن بيوت الصوفية انتشرت بعد الغزالي ورعاها الحكام والمياسير. ولا ريب أن معيشة الصوفية الهانئة في الخوانق – دون عمل أو تعرض للظلم – كان أكبر دافع للعامة في انخراطهم في سلك التصوف ، إلا أن الخوانق لم تكن الإغراء الوحيد الذي قدمه الصوفية للعامة ..  

7 ــ فالسماعات الصوفية ( أى حفلات الغناء الدينى ) وما فيها من رقص ولهو اجتذبت طائفة من العوام تعشق هذا اللون : يقول ابن الجوزي ( التصوف طريقة كان ابتداؤها الزهد الكلي ، ثم ترخص المنتسبون إليها  بالسماع والرقص فمال إليهم طلاب الآخرة من العوام لما يظهرونه من التزهد ، ومال إليهم طلاب الدنيا لما يرون عندهم من الراحة واللعب ) [7].

8 ــ ثم تمثل الإغراء الأكبر فى إسقاط العبادات الاسلامية من الصلاة والصوم والحج وسائر التكاليف التى تعوق الصوفى عن ( الوصول الى الله ) بزعمهم . وفى نفس الوقت التشجيع على الانحلال الخلقى وجعله شعيرة دينية إذ يزعم الصوفى بأنه ( يتحقق بالحق ) حين يرتكب الزنا والشذوذ . لذا تخصص شيوخ من الصوفية بإغراء النساء والصبيان على الالتحاق بطوائف التصوف والطرق الصوفية وحضور السماعات أو الاحتفالات الصوفية والموالد الصوفية ــ فيما بعد . يقول ابن الجوزى عما كانوا يفعلون فى القرن السادس الهجرى : ( واستمالوا النسوة والمردان بتصنع الصور واللباس ، فما دخلوا بيتاً فيه نسوة فخرجوا إلا عن فساد قلوب النسوة على أزواجهن ) ( ثم يقبلون الطعام والنفقات من الظلمة والفجار وغاصبي الأموال .. ويستصحبون المردان في السماعات .. ويجمّلونهم ( عمل مكياج لهم ) في الجموع مع ضوء الشموع ، ويخالطون النسوة الأجانب ينصبون لذلك حجة إلباسهن الخرقة ) " إلباس الخرقة يعنى الدخول فى الطريقة الصوفية ". بالاضافة الى أنه صنعوا مصطلحات دينية جديدة يبررون ويشرعون فيها طقوسهم فى الانحلال الخلقى ، أو بتعبير ابن الجوزى : ( وأولوا المحرمات بغير أسمائها فنطق الكفر يسمى شطحاً )، ( وأن قبَّل امرداً قيل رحمة ، وإن خلا بأجنبية قيل بنته وقد لبست الخرقة ) ، وفي النهاية فالشيخ ( لا يُعترض عليه ) [8]. وفي هذا الجو الإباحي أسرع العامة على اختلاف طوائفهم إلى اعتناق التصوف .يقول ابن الجوزي ( وقد اندس في الصوفية أهل الإباحة فتشبهوا بهم حفظاً لدمائهم وهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام : كفار لم يجدوا شيئاً يحقنون به دماءهم ويستترون به وينالون فيه أغراض النفوس كمذهب التصوف ، فدخلوا فيه ظاهراً ، وهم في الباطن كفرة ..)[9].

9 ـ ونلمح في قوله السابق تأثراً بالوضع الجديد الذي خلقه الغزالي حين جعل التصوف ( مذهباً إسلامياً ). حتى أن ابن الجوزي رغم كثرة إنكاره على صوفية عصره يخاطبهم كمسلمين ، فحين يحتج عليهم تسولهم من الظلمة يقول لهم ( والله إنكم أضر على الإسلام من كل مضُر ) [10]. أي أنهم طائفة إسلامية منحرفة يضر بالإسلام انحرافها .

10 ــ  وقد كان هناك إنكار على أولئك الصوفية في عصر ما بعد الغزالي ، مجرد إنكار على شيوخ الصوفية المعاصرين ، مع الإشادة بمناقب الصوفية السابقين ، وينصح اللاحقين بالتأسي بهم ، حتى أن ابن الجوزي كان يستشعر الحرج في تعرضه لأشياخ التصوف السابقين والرد عليها يقول ( نحن نذكر ما بلغنا من أغلاط القوم ، والله يعلم أننا لم نقصد ببيان غلط الغالط إلا تنزيه الشريعة والغيرة عليها من الدخل ، وما علينا من القائل والفاعل وإنما نؤدي بذلك أمانة العلم .. ولا اعتبار بقول جاهل يقول: كيف يرد على فلان الزاهد المتبرك به ، لأن الانقياد إنما يكون إلى ما جاءت به الشريعة لا إلى الأشخاص ، قد يكون الرجل من الأولياء ، وأهل الجنة ، وله غلطات تمنع منزلته بيان زللـه أي أخطاؤه ) [11].ومعنى ذلك أن ابن الجوزي متأثر بما شاع في عصره من تقدير للصوفية الأوائل بلغ درجة التقديس واعتبارهم أولياء لله يُتبرك بهم ويُعتقد فيهم العصمة ..

11 ــ وهذا الانقلاب الغزالي في النظرة للتصوف والصوفية و ( التصوف السُّنّى ) أحدث هزة نفسية للفقهاء الحنابلة المخضرمين الذين شهدوا عصر التسلط الحنبلى وعصر خفوت الحنبلية وإنتشار التصوف بديلا عن الحنبلية السنية .  وقد حكي ابن الجوزي أن بعض الفقهاء الحنابلة جلس في بعض الأربطة الصوفية للعزاء في فقيه مات فأقبل الشيخ " أبو الخطاب الكلوذاني " الفقيه وقد أسنّ وهو يتوكأ على ذراع الراوي للحكاية فقال ( يعزُّ على لو رآني بعض أصحابنا ومشايخنا القدماء وأنا أدخل هذا الرباط ) ، وعلق ابن الجوزي بقوله ( قلت وعلى هذا كان أشياخنا ، فإنا في زماننا هذا اصطلح الذئب والغنم ) [12]. أى إصطلح الذئب الحنبلى الذى كان يفترس الصوفية من قبل ، إصطلح مع الصوفية .

12ــ وأتيح للصوفية في وضعهم الجديد أن يزاولوا عقائدهم بحرية فمنعوا قراءة القرآن في الأربطة ، ومنعوا فيها قراءة الحديث النبوي [13]. بل أنهم حاولوا الثأر لمقتل " الحلاج " يقول ابن الجوزي ( وقد تعصب للحلاج جماعة من الصوفية جهلاً منهم وقلة مبالاة بإجماع الفقهاء .. وعلى هذا أكثر قصٌاص زماننا وصوفية وقتنا جهلاً من الكل بالشرع وبُعداً عن معرفة النقل ، وقد جمعت في أخبار الحلاج كتاباً بينت فيه حيله ومخاريقه ، وما قال العلماء فيه ، والله المعين على قمع الجهال ) [14]  .

13ــ أي أن التصوف اجتذب إلى جانبه طائفة القصاص وهم أخطر فئة تحترف الدعاية وتتحكم في مشاعر العامة في عصر بدأ طريقه نحو التدهور العلمي ، فازدادت فيه مكانة القصاص على حساب العالم والمفكر ، ومهما يكن في كتاب ابن الجوزي من علم واستدلال على كفر الحلاج فإن تأثيره لن يصل إلى جهد قصاص يحكي ويروي ويأخذ بألباب العامة وتنتشر رواياته محشوة بالأساطير والكرامات ، وأكثر روايات القُصاص تحولت فيما بعد إلى أحاديث لها أسانيد ..

14ــ وهكذا أشرفنا على عصر ابن عربي فى القرن السابع الهجرى ، وقد أصبحت للتصوف دولته التى تتكون من شيخ صوفى معتقد ( بفتح القاف ) وجماهير تلتفّ حوله ، وحكام يقيمون له الأربطة ( جمع رباط ) وزوايا وخوانق ومؤسسات صوفية . وزادها أن الخطر المغولي قد بدأ يطرق أبواب الدول السنية  من الشرق ليضيف مع الاستعمار الصليبي في المنطقة اضطراباً جديداً ، وليساعد بدوره ( إبن عربى ) زعيم الصوفية الجديد على إعلان العقيدة الأساسية للتصوف بكل صراحة ووضوح ، وليدعوهم في ذات الوقت للاتحاد معاً للتبشير بدينهم الجديد ، ولعله الوحيد القائل للصوفية ( العصي والقضبان إذ تفرقت انكسرت وإذا اجتمعت لم تقووا على كسرها ، فاجتمعوا ولا تتفرقوا ) [15].

 ابن عربى يشرح عقائد الغزالى والجنيد الصوفية

مدخل :

  سنقصر الحديث على دور ابن عربي في توضيح ما أبهمه وأجمله المتصوفة المنافقون والموفقون بين الإسلام والتصوف . وبذلك نحقق أكثر من هدف . أولاً : نثبت وحدة العقيدة الصوفية بين أقطاب التصوف جميعا عبرالسنين ما بين معتدل ومتطرف . ثانيا : نبرز أهمية الأرضية التاريخية في فهم التاريخ الديني للتصوف ، ونؤكد على أهمية العمق التاريخي  في بحث الأديان الأرضية التي استشرت في تاريخ المسلمين  وأن من الخطأ بحثها بمعزل عن ( الأرضية التاريخية ) لها لأنها ( أديان أرضية ) نبتت فى ( ارضية تاريخية ) متأثرة بعوامل تاريخية وإجتماعية وسياسية .  ثالثاً : نؤكد وجهة النظر التي نأخذ بها ، وهي أن الصراع الديني بين عقيدتي الإسلام والشرك لم ينته بانتصار الإسلام مؤقتا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما هو مستمر ، ولكن تحت رايات مختلفة .  غاب الاسلام دينا من الساحة ، وأصبح إسمه مثار نزاع بين أديان أرضية مختلفة كل منها يريد أن يحكر لنفسه (الاسلام الصحيح ) . وبهذا أتيح  للشرك أن ينتصر قرونا تحت رداء السّنة ، ثم أتيح للتصوف أن ينتصر على الحنبلية السنية المتشددة تحت شعار ( التصوف السنى ) ، بل وأن يفرض التصوف عقيدته الأساسية فى وحدة الوجود. ـ ومعلوم أن وحدة الوجود أكثر أنواع الكفر والشرك تطرفاً لأنها تنفى الألوهية عن رب العزة وتحصرها فى المخلوقات. ومع ذلك فابن عربي هو عند الصوفية ( الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر ) ولم يطلق عليه لقب ( الشيخ الأكبر ) عبثاً ، فهو الشيخ  الأكبر لأنه الأجرأ ولأنه الأصرح ، ولأنه الذي قال بالعقيدة الأسمى للصوفية . ودليلنا الأساسي في عقيدة ابن عربي هو كتابه ( الفصوص ) أجرأ ما كتب في وحدة الوجود وعقائد التصوف .

أولا : يقول ابن عربي في ( فص حكمة إلهية في كلمة آدمية ) :

1 ــ ( لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء ، أن يرى أعيانها ، وإن شئت قلت أن يرى عينه ، في كون جامع يحصر الأمر كله ، لكونه متصفاً بالوجود ويظهر به سرُّه إليه ، فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة ، فإنه  يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المجل ولا تعطيه له ، وقت كان أوجد العالم كله وجود شبح سوي لا روح فيه ، وكان كمرآة غير مجلوة ومن شأن الحكم الإلهي إنه ما سوّى ( أي خلق ) مجلو إلا ولابد أن يقبل روحاً إلهياً ،عبر عنه بالنفخ فيه، وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض المتجلي الدائم الذي لا يزال ولم يزل ، وما بقى إلا قابل ، والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس ، فالأمر منه كله ، ابتداؤه وانتهاؤه ،  وإليه يرجع الأمر كله ، كما ابتدأ منه ، فاقتضى وجود الأمر جلاء مرآة العالم ، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة  وروح تلك الصورة ) [16].ـ فابن عربي يرى أن الإنسان هو تجسيد لأسماء الله الحسنى ( التي لا يبلغها الإحصاء ) أو هو عين الله ( وإن شئت قلت أن يرى عينه في كون جامع يحصر الأمر كله ).

 ويردد ابن عربي هذه المقالة في موضع آخر في الفصوص ( .. ولذلك قال في خلق آدم – الذي هو البرنامج الجامع لنعوت الحضرة الإلهية التي هي الذات والصفات والأفعال – إن الله خلق آدم على صورته ، وليست صورته سوى الحضرة الإلهية ، فأوجدت في هذا المختصر الشريف الذي هو الإنسان الكامل جميع الأسماء الإلهية ..) [17]. وابن عربي يوضح بجلاء نظرة الصوفية لخلق آدم .. وهو أنه – آدم – امتداد الله وصورة له ونسخة منه ..

2 ــ وقد سبق " الجنيد " أن عرض لهذه النقطة في تفسيره لقوله تعالى ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ..الأعراف172) فقال ( فمن أين كان ؟ وكيف كان قبل أن يكون ؟ وهل أجاب إلا الأرواح الظاهرة بإقامة القدرة وإنفاذ المشيئة ؟ فهو الآن في الحقيقة كان قبل أن يكون . وهذا غاية حقيقة التوحيد . أن يكون العبد كما لم يكن ، ويبقى الله تعالى كما لم يزل   )[18]. فالجنيد يحاور ويدافع ليثبت أن الأرواح التي خاطبها الله وأخذ عليها العهد بالتوحيد إنما كانت جزءاً من الله ، وخلص من ذلك إلى أن غاية التوحيد ( أو عقيدة الصوفية ) هي أن  يفنى العبد عن بشريته الظاهرة ويعود إلى أصله الإلهي ( أن يكون العبد كما لم يكن ويبقى الله تعالى كما لم يزل ..).  ومعنى ذلك أن الجنيد – والصوفية – يعتقدون بأن الروح الإنسانية جزء من الله انفصلت عنه لتحل في الأجساد ، فإذا ترقى الإنسان بالرياضيات والمجاهدات علا على جسده الأرضي واتحد بخالقه وفني فيه ..

 3 ـ وقد تعرض الغزالي لهذه النقطة – حقيقة الروح الإنسانية – فأخذ يناور ويدور ليوحي بإسقاطات متعمدة بأن الروح البشرية جزء من الله ، مستخدماً في ذلك تأويل الآيات والاستشهاد بالأحاديث الباطلة ، يقول في شرح (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي : الإسراء 85 ) ( .. إذ بيَّن أنه أمر رباني خارج عن حد عقول الخلق ، وأوضح من ذلك قوله تعالى (  إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ : ص 26 )  إذ لم يستحق آدم خلافة الله تعالى إلا بتلك المناسبة ، وإليه يرمز قوله تعالى ( إن الله خلق آدم على صورته ) حتى ظن القاصرون أن لا صورة إلا الصورة الظاهرة المدركة بالحواس فشبهوا وجسموا وصوروا الله تعالى عما يقول الجاهلون علواً كبيراً ، وإليه الإشارة بقوله تعالى لموسى عليه السلام : ( مرضت لم تعدني !! فقال: يا رب ، وكيف ذلك ؟ قال مرض عبدي فلان فلم تعده ، ولو عدته وجدتني عنده !!) ، هذه المناسبة لا تظهر إلا بالمواظبة على النوافل بعد أحكام الفرائض ، كما قال تعالى ( لا يزال يتقرب العبد إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ) . وهنا موضع يجب قبض عنان العلم فيه ، فقد تحزب الناس فيه إلى قاصرين مالوا إلى التشبيه الظاهرة ، وإلى غالين مسرفين جاوزوا حد المناسبة إلى الاتحاد ، وقالوا بالحلول ، حتى قال بعضهم : أنا الحق ، وضل النصارى في عيسى عليه السلام فقالوا هو الله ، وقال آخرون منهم تدرع الناسوت باللاهوت ، وقال آخرون اتحد به ، وأما الذين انكشفت لهم استحالة التشبيه والتمثيل واستحالة الحلول والاتحاد واتضح لهم مع ذلك حقيقة السر ، فهم الأقلون ، ولعل أبا الحسن النوري عن هذا المقام كان ينظر ، إذ غلبا الوجد في قول القائل :-لا زلت أنزل من ودادك منزلاً           تتـحير الألبـاب عـند نزوله . فلم يزل يعدو في وجده على أجمه قد قطع قصبها وبقى أصوله ، حتى تشققت قدماه وتورمتا ومات من ذلك ، وهذا هو أعظم أسباب الحب وأقواها ، وهو أعزها وأبعدها وأقلها وجوداً ) [19].

4 ــ  ولم يصل الغزالي إلى حل حاسم ، وهذا شأن من  يحاول التوفيق بين عقيدتين متضادتين ، وكل ما فعله هو أن أوٌل آيات قرآنية وأستشهد بأحاديث باطلة ، ثم جعل أصحاب الاتحاد من المسرفين فناقض نفسه بين التصوف والفقه ..أما ابن عربي فقد أعلن بحسم ألوهية آدم وأنه عبد الله حلت فيه روح الله ( .. ومن شأن الحكم الإلهي أنه ما سوٌى محلاً إلا ولابد أن يقبل روحاً إليهاً عبر عنه بالنفخ فيه .. فاقتضى وجود الأمر جلاء مرآة العالم فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة )..

5 ــ الرد علي ابن عربى والغزالى والجنيد :

5 / 1 : ولو كان الغزالي حسن النية لأدرك القول الفصل في حقيقة الروح فقد أبانها القرآن الكريم بما يتيح لأي عقل أن يفهم إذا خلصت عقيدته لله ..الروح المقصودة بقوله تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي : الإسراء 85 ) هي جبريل عليه السلام .. وله وظيفتان الأولى : نفخ النفس والثانية : النزول بالوحي على الرسل .. وقد تميز جبريل عليه السلام بهذا اللقب من دون الملائكة بقوله تعالى ({تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ..المعارج4) ، وعن يوم الحساب (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً ..النبأ38 ) . ولذا يقول تعالى عنه أنه من أمره أن يصدر عن أمره ويعمل بأمره إذا قال كن فيكون .. وعندما خلق الله آدم أمر جبريل أن ينفخ فيه ، فيقول تعالى( ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ : السجدة 9 ) . ( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي  ..ص72 ) . فجبريل كانت وظيفته بث النفس في آدم . وقد قال الله تعالى عن خلق المسيح بلا أب (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ،خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ، ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ...آل عمران59) ولأن مريم عذراء لم يمسسها بشر فقد أرسل الله لها جبريل في هيئة بشر سوٌى  (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً ،قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً ،قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً ...مريم17 : 19 )  وقال تعالى عن مريم أيضاً (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا ..الأنبياء 91 ) إذن  فالروح هو هنا جبريل  ، في خلق آدم وخلق عيسى .والوظيفة الأخرى لجبريل هي النزول بالوحي على الرسل (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ ..غافر15 ) وقال تعالى لمحمد عليه الصلاة والسلام ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ..الشعراء 193ـــ)

5/ 2  والملائكة لم تسجد لآدم نفسه وإنما سجدت لخالق آدم ، أي سجدت لقدرة الله تعالى إذا خلق من الطين المائع والحمأ المسنون هذا البشر . وقد أطاعت الملائكة وعصى إبليس ورد الأمر على الله واستكبر أن يسجد لمخلوق من طين محتقر بينما هو من نار السموم ( قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ) (.الحجر33 ) . وخطأ إبليس في أنه غفل عن المقصد من السجود ، فظنه مقصوداً بآدم لذاته فاستكبر ، بينما أطاعت الملائكة لأن الإسلام في حقيقته هو إطاعة أمر الله دون مناقشة . وجاء بعضهم يروج لنفس فكرته ويعتبرون سجود الملائكة لآدم تأليها لآدم حيث حلت فيه روح الله ، ويخلطون بين ذات الله تعالى المنزهة عن أن يكون لها نفس كالبشر – وهو الذي ليس كمثله شيء – وسائر المخلوقات ..

5/ 3 : بقى أن نرد على نظرية الصوفية في خلق آدم والكون .. فمعلوم أن تلك النظرية لا تتفق حتى مع استعمال كلمة ( خلق ) ، ففعل ( خلق ) يعني وجود ( خالق ) و ( مخلوق) وكلاهما مختلف عن الآخر .. إذ كيف تكون الصنعة عين الصانع .. والإنسان مثلاً لا يمكن أن يخلق إنساناً مثله ، ولم يخلق الإنسان إلا من له تمام السيطرة عليه والتحكم فيه ألا وهو الله تعالى .. فكيف يأتي الصوفية ويدعون أن الله خلق  نفسه أو عينه أو وحٌد بين نفسه وبين موجوداته ؟ وكيف يتأتي هذا من الله  الأحد الذي لا شريك له وهو لم يخلق الجن والإنس إلا ليعبدوه ؟ وكيف يعبده الإنسان وهو يعلم أنه جزء من خالقه ؟!.بيد أن القرآن الكريم لم يقتصر على لفظ ( خلق) وإنما قال أيضاً ( فطر) ، ويعني أن الله خلق الأشياء على غير مثال سابق ، وخلقها من لا شيء أو من العدم ، يقول تعالى عن خلق البشر ( سَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ؟ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ .. فاطر 51 )  وعن خلق الكون (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .. فاطر 1 )  فلا عبرة حينئذ بتساؤل الجنيد الساذج ( فمن أين كان ؟ وكيف كان قبل أن يكون ؟) ، نقول له : لم يكن شيئاً مذكوراً ( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً ..الإنسان1)   ثم فطره الله أو خلقه من لا شيء ثم جعله شيئاً ، وقبل أن يوجد على مستوى الحس وقبل أن تنفخ الأنفس في الأجساد ، جمع الله تعالى الأنفس المخلوقة من لا شيء ، وأخذ عليها العهد بتوحيده .. هكذا نفهم قوله تعالى ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا ..الأعراف172 ).

ثانيا:

1 ــ وقد وصف ابن عربي الإنسان بأنه تجسيد لأسماء الله الحسنى ... وحول هذه النقطة أخذ الغزالي – قبل ابن عربي – يداور ويحاور .. فبدأ يصف الإنسان بصفات الربوبية ضمن صفات أخرى ( فيقول تنحصر مثارات الذنوب في أربع صفات : صفات ربوبية ، وصفات شيطانية ، وصفات بهيمية ، وصفات سبعية . وذلك لأن طينة الإنسان عجنت من أخلاط مختلفة ) ، وجعل من الصفات الربوبية في الإنسان ( الكبر والفخر والجبرية وحب الثناء والعز والغنى وحب دوام البقاء ، وطلب الاستعلاء على الكافة حتى كأنه يريد أن يقول أنا ربكم الأعلى .. ) [20].وفي ضوء فهمه لقوله تعالى (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) قال عن " الصفات الربوبية " ( أشد العلائق على النفس علاقة الخلق وحب الجاه ، فإن لذة الرياسة والغلبة والاستعلاء والاستتباع أغلب اللذات في الدنيا على نفوس العقلاء ، وكيف لا تكون أغلب اللذات ومطلوبها صفة من صفات الله تعالى وهي الربوبية ، والربوبية محبوبة ومطلوبة بالطبع للقلب لما فيه من المناسبة لأمور الربوبية ، وعنه العبارة بقوله تعالى : (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [21]. ثم جعل صفة الربوبية في النفس البشرية مانعة للعبودية المفروضة على الإنسان ، يقول تعالى في حديث طويل عن (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) ( فإذن معنى الربوبية التفرد بالوجود والكمال ، وكل إنسان فإنه بطبعه محب لأن يكون هو المفرد بالكامل ، ولذلك قال بعض الصوفية : ما من إنسان إلا وفي باطنه ما صرح به فرعون من قوله أنا ربكم الأعلى ولكن ليس يجد له مجالاً ، وهو كما قال فإن العبودية قهر على النفس،والربوبية محبوبة بالطبع ، وذلك بالنسبة للربانية التي أومأ إليها تعالى في قوله (  قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [22]. ثم انتهى الغزالي إلى أن يجعل غاية الإنسان في أن يتحلى بصفات الله الحسنى يقول ( منتهى العبد أن يتخلق بأخلاق الله تعالى ، وقد سمعت بعض المشايخ يقول : إن سالك الطريق إلى الله تعالى قبل أن يقطع الطريق تصير الأسماء التسعة والتسعون أوصافاً له ، أي يكون له من كل واحد نصيب ) [23]. ـ وأراح ابن عربي نفسه وأراحنا من هذا العناء فقال بوضوح أن آدم ( هو البرنامج الجامع لنعوت الحضرة الإلهية التي هي الذات والصفات والأفعال ) .

2 ــ وقد سار ابن عربي على طريقة الغزالي في ضرب الأمثلة على وحدة الوجود وتمثيل الله بالبشر والعكس .. يقول ابن عربي ( فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة ) . وسبق أن أوردنا المثل الذي ضربه الغزالي بالشمس والماء الموضوع في طشت وترى الشمس من خلاله [24]. واستشهد الغزالي على أن ( الوحدة الوجودية لا تتنافى الكثرة العددية ) بأن الإنسان واحد وهو متعدد بأطرافه وجزئياته [25]. وردد ابن عربي ذلك في قوله ( ولا شك أنا كثيرون بالشخص والنوع ، وأنا وإن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعاً أن ثم فارقاً به تميزات الأشخاص بعضها عن بعض ، ولولا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد ) [26]. إلا أن ابن عربي بلغ إلى منتهى الطريق فخلط بين العبد والرب في صراحة مطلقة لا يجدي معها تأويله أو تبريره يقول عن الإنسان ( وهو للحق " يقصد الله تعالى " بمنزلة إنسان العين من العين الذي به يكون النظر وهو المعبر عنه بالبصر فلهذا سمى إنساناً فإنه به نظر الحق إلى خلقه فرحمهم ، فهو الإنسان للحادث الأولى والبشر الدائم الأبدي ) [27]  . فوصف الإنسان بصفات الله الأزلية والدائمية الأبدية . ويقول عن الاستدلال بوجود الله ( أحالنا تعالى في العلم به عن النظر في الحادث ، وذكر أنه أرانا آياته فيه ، فاستدللنا بنا علينا ، فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف ، إلا الوجوب الذاتي الخاص ) [28]. ويقصد بالوجوب الذاتي الخاص أن الله تعالى هو الأصل الذي تخرج منه الصور ثم ترجع إليه بعد العدم.. ثم اجترأ على الله تعالى فوصفه بصفات البشر ليتم نظريته في التشابه بين الله والخلق .

يقول [29]:     فأنت عبد وأنت رب            لمن له فيـه أنـت عبد

              وأنت رب وأنت عبد           لمن له في الخطاب عهد

ويقول [30]:   فيحـمدني وأحمـده            ويـعـبدني وأعـبـده

              ففي حـال أقـربه             وفي الأعيـان أجحده

              فيعرفنـي وأنـكره            وأعـرفـه فأشـهـده

3 ـ : ثم وصل ابن عربي إلى وحدة الوجود بين الله والكون المادي ، ولم يكتف بالإنسان فقط .. يقول عن الله تعالى ( فهو الشاهد من الشاهد ، والمشهود من المشهود ، فالعالم صورته ، وهو روح العالم المدبر له ، فهو الإنسان الكبير ، فلما أوجد الصور في النفس وظهر سلطان النسب المعبر عنها بالأسماء صح النسب الإلهي للعالم ) [31]. أي أن الكون تابع للإنسان فإذا كان الإنسان إلهياً فالعالم كذلك..

فابن عربي يلخص وحدة الوجود بأن الله تعالى هو الذي ينظر من خلال كل عينين ( وهو الشاهد من الشاهد ) ، وهو المنظور إليه في كل  ما يرى من جماد وحيوان وإنسان ( والمشهود من المشهود ) ، وعلى ذلك ( فالعالم ) جميعه من جماد وحيوان هو ( صورته ) أي تجسيد مادي له ، فـ ( هو روح العالم المدبر له ) ، وعلى ذلك فلا فارق نوعياً بين الله والإنسان اللهم إلا في الوجوب الذاتي الخاص المتجدد ، والذي تصدر عنه أجساد البشر وهي في حقيقة أمرها مخلوقة من عناصر الكون وهو جزء من الله ، لذا فالفارق بين الله والبشر يتلخص في أن الله هو ( الإنسان الكبير ) ..

 ثم يصل ابن عربي إلى نهاية الطريق في وحدة الوجود فيخلط بين الله والكون ، ولا يرى مانعاً من إطلاق احدهما على الآخر في تحديد صفته ، فيقول ( إن شئت قلت هو ( أي الله ) الخلق ، وإن شئت قلت هو الحق ، وإن شئت قلت هو الحق والخلق ، وإن شئت قلت لاحق من كل وجه ولا خلق من كل وجه ، وإن شئت قلت بالحيرة في ذلك ) [32]   .

أي انعدمت الفوارق بين الخالق ( الحق) والبشر والعالم من ( الخلق) . ولك مطلق الحرية في أن تسمي أحدهما باسم الآخر أو يطلق عليها الاسمان معا ، أو تترك التسمية وتؤثر الحيرة .

وابن عربي يشرح عبارات الغزالي الفلسفية التي استتر خلفها ، وهو يومئ لعقيدة وحدة الوجود ، كقول الغزالى : ( إذ ليس في الوجود تحقيقاً إلا الله تعالى وأفعاله .. فكل موجود سوى الله تعالى فهو تصنيف الله تعالى وفعله ..) [33]. ولم يلجأ ابن عربي إلي مغالطات الغزالي في الخلط بين الله وصفاته وأفعاله وبين البشر الحادث ، بل أعلن بجرأة أن الله هو الشاهد والمشهود في نفس الوقت ، والعالم المادي هو صورة الله ..

وقول ابن عربي ( فالعالم صورته ) هو القول الموجز لما حاول الغزالي أن يدور حوله متذرعاَ بالفلسفة والمغالطة حين يقول مثلاً ( وجمال الحضرة الإلهية في نهاية الإشراق والاستنارة، وفي غاية الاستغراق والشمول ، حتى لم يشذ عن ظهوره ذرة من ملكوت السماوات والأرض )[34].

 ثالثاً : وقد قلنا أن الغزالي نظر في عقيدة ( وحدة الوجود ) إلى الإنسان في إطار ( عقيدة الاتحاد ) فاعتبر الصوفي هو الذي ينظر طبقاً لعقيدة وحدة الوجود إلى العالم ، فإذا ( شكر) يعرف قطعاً أنه ( الشاكر) وأنه المشكور ، وإذا ( أحب ) يعلم أنه المحب ، وأنه المحبوب ، لأن الصوفي المعتقد في وحدة الوجود يرى أن كل ما في الوجود سوى الله فهو تصنيف الله وصنعته وجزء منه .. [35]

وجاء ابن عربي فوسع الدائرة ونصب من نفسه متحدثاً باسم الإنسان الإلهي حيث اعتبره واسطة العقد بين الله والكون .. فروحه إلهية وجسده من ذرات الكون – ( تصنيف الله ) بتعبير الغزالي ( وتجسيده ) في صراحة ابن عربي – يقول ( وهو – الإنسان – للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي  به يكون النظر ، وهو المعبر عنه بالبصر ، فلهذا سمي إنساناً فإنه به نظر الحق إلى خلقه فرحمهم ، فهو الإنسان الحادث الأزلي والبشر الدائم الأبدي ، والكلمة الفاصلة الجامعة ، فتم العالم بوجوده ، فهو من العالم كفص الخاتم من الخاتم ، وهو محل النقش والعلامة التي يختم بها الملك على خزائنه ، وسماه خليفة لأجل هذا ، لأنه الحافظ خلقه كما يحفظ بالختم الخزائن ، فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلا بإذنه ، فلا يزال ما في العالم محفوظاً ما دام فيه هذا الإنسان الكامل ) [36]. فقد تطرق ابن عربي على عادته وأعلى من شأن الإنسان ورفعه فوق خالقه فجعل الله ينظر به أو ( هو للحق منزلة إنسان العين من العين ) ثم أرتفع بالإنسان فوق الكون ( فهو من العالم كفص الخاتم من الخاتم ) ، وفسر خلافة الإنسان في الأرض على أنه الإله الحافظ لها المتحكم فيها باسم الله .

وعلى نفس المنوال نظر ابن عربي إلى قضية سجود الملائكة لآدم .. وقد بينا كيف أن الغزالي عرض لها في شرحه لآية (  قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) ، أما ابن عربي فقد سار إلى نهاية الشوط يحاول إثبات إلوهية آدم حتى بالنسبة للملائكة وتفضيله عليهم ، يقول ( .. فلا يزال ما في العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل ، ألا تراه إذا زال وفك من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحق فيها ، وخرج ما كان فيها ، والتحق بعضه ببعض ، وانتقل الأمر إلى الآخرة .. فظهر جميع ما في الصورة الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود ، و به قامت الحجة لله تعالى على الملائكة .. فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية .. وليس للملائكة جمعية آدم ، ولا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تحضها وسبحت الحق بها وقدسته ، وما علمت أن لله أسماء ما وصل علمها إليها ، فما سبحت الحق بها ولا قدسته فغلب عليها ما ذكرنا .. الخ ) [37].

فالغزالي يومئ بالقضايا ويدور حولها ، وابن عربي يشرح ما أهمله الغزالي ، وإن كان في شرحه غموض وجدل ومغالطة ، ولو أخلص الغزالي وابن عربي لاكتفيا بالقرآن ، فليس بعده من وضوح في شرحه لعقيدة الإسلام .. إلا أنهم  فرضوا عقائدهم على القرآن بتأويل  الآيات والأحاديث الضالة كحديث الولي ( كنت سمعه الذي يسمع به ورجله ..) وكحديث خلق آدم ( وأنه خلقه على صورته ) وغيره ..وكل ذلك ليجدوا سنداً إسلامياً لعقيدتهم، وكأنما ظل الإسلام ناقصاً فى عقيدته حتى يأتي أولئك الصوفية ليكملوه..

الباب الأول :  مراحل العقيدة الصوفية وتطورها في مصر المملوكية  من خلال الصراع السنى الصوفى                  

 الفصل الثانى : ( المرحلة الثانية للعقيدة الصوفية  من بعد الغزالي ( 505 ) إلى ابن عربي ت 638 هـ )

ابن الفارض ت 632 : قرين ابن عربي في مصر

ابن عربي هو آخر فلاسفة التصوف الكبار ، وبموته انتهى التصوف النظري الفلسفي وبدأ عصر التصوف الطرقي العملي .. وقد مات ابن عربي في دمشق سنة 638 أي قبل أن يبدأ العصر المملوكي بعشر سنوات .. إلا أن نحلته استمر تأثيرها خلال هذا العصر الذي استمر نحو ثلاثة قرون ، بل ولا تزال ذيول هذا العصر المملوكي تشكل بعض حياتنا الدينية حتى الآن .. وقد شهد أصفياء ابن عربي وكبار تلاميذه بداية العصر المملوكي .. وأبرزهم " عبد الحق بن سبعين " المتوقي بمكة سنة 667 عن خمس وخمسين عاماً ، في رواية الشعراني [38]. أو عام 669 عن خمسين عاماً في رواية المقريزي [39].

وعُرف " القونوى" بأنه صاحب ابن عربي ، وقد ألف على طريقته مجلداً في تفسير الفاتحة ( وكان مبتلي بالإنكار عليه ) ، وتوفي بقونوية سنة 672 وأوصى بأن يدفن إلى جانب شيخه فلم يتفق له ذلك [40].

وقد وفد إلى مصر من تلاميذ ابن عربي : " عفيف الدين التلمساني " ت 690 ( وهو من عظماء الطائفة القائلين بالوحدة المطلقة ، وقد اثني عليه " ابن سبعين " وفضله على شيخه القونوي) ، وقد نزل " التلمساني " بخانقاة " سعيد السعداء الشهيرة " وولد له فيها ابنه الشاعر " محمد شمس الدين " المعروف بالشاب الظريف [41].

ابن الفارض في مصر :

ولم تكن مصر بحاجة إلى معرفة عقيدة وحدة الوجود ، فقد عاش فيها ( سلطان العاشقين ) عند الصوفية ، ونعني به عمر بن الفارض ، أشهر شعراء الاتحاد ووحدة الوجود ، وقد توفي سنة 632 .. ويقول في شعره الاتحادي وفيه يدعي الألوهية :

       فبي دارت الأفلاك فأعجب لقطبها ال         محيط بها والقطب مركز نقطتي

       ومنـي لـو قامـت بمـيت لطـيفة          لردت إليـه نفـسه وأعـيدت

       ولا تحـسبن الأمر عـني خارجـاً            فما سار إلا داخل في عبوديتي

       فلا  حيّ إلا عـن حيـاتي حـياته            وطوع مرادي كل نفس مريدة

       ولولاي لم يوجـد وجود ولم يكـن            شهود ولـم تعـهد عهود بذمة

       ولا قـائل إلا بلفظـي محــدث             ولا نـاظر إلا بنـاظر مقلتي

ثم يزعم أن الله يتحد به حتى تصير الذاتان ذاتاً واحدة فيقول : 

              ولا منصت إلا بسمعي أي سامـع        ولا بـاطش إلا بأزلي وشـدتي

             ولا نـاطق غيري ولا نـاظر ولا         سميع سوائي من جميع الخليقة

            وهأنـا أبـدي في اتحـادي مبدئي         وأنهي انتهائي في تواضع رفعتي

            جلت في تجليها الوجـود لناظري           ففـي كل مـرئي أراهـا برؤية

            وأشهدت غيبي أو بـدت فوجدتني          هنـالك إيـاها بجـلوة خـلوتي

            فوصفي- إذ لم تدع باثنين– وصفها         وهيئتها – إذ واحد نحن- هيئتي

           فإن دعيت كنـت المجيب وإن أكن          منادىٌ أجابت من دعائي ولبـت

           وإن نطقت كنت المناجي كـذاك إن          قصصتُ حديثا إنما هي قصـت

           فقـد رفعت تـاء المخاطب بينـنا          وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي

وزعم أن الذات الإلهية تصلي له ..

          ولا غرو أن صلى الأنام إلىٌ  أن         ثوت بفؤادي وهي قبله قبلتي

          لـها صلـواتي بالمقـام أقيمـها        وأشهد فيها أنـها لي صـلت

           كلانا مصل واحـد ساجد إلـى         حقيقة بالجمع في كـل سجـدة

          وما كان لي صلى سواي ولم تكن        صلاتي لغيري في أدا كل ركعة [42]

وقد حكم علماء العصر المملوكي السنيون بتكفير ابن الفارض ، ففي القرن السابع – وعصر ابن الفارض- حكم بتكفيره عز الدين بن عبد السلام ، وابن الصلاح الشافعي ، وقطب الدين العسقلاني، وقام ابن حمدان الحنبلي يشرح التائية وبيٌن كفره وزندقته فيها بيتاً بيتاً ، ومثله أبو على السكوني ، وابن الحاجب ، ثم ابن دقيق العيد ، وابن بنت الأعز ، وابن جماعة ، وعيسى الزواوي ، والسعد الحارثي ، وأبو حيان ، وابن النقاش ، وشمس الدين الموصلي ، وتقي الدين السبكي ، والزين الكتاني ، وابن تيمية .. وممن يليهم الأدفوي، والسفاقسي ، وابن أبي حجلة ، والذهبي ، وابن كثير .. وممن يليهم في القرن الثامن ، العيزري، والبلقيني ، وعلاء الدين البخاري .وفي القرن التاسع ابن حجر ، والعيني ، والبساطي ، وابن الأهدل ، وشهد بهذا النقل عنهم نحو عشرين كتاباً من مصنفاتهم ومصنفات غيرهم من العلماء ، وهي شرح التائية لابن حمدان وديباجة ابن الفارض ولحن العوام لابن خليل ، وتفسير ابن حيان ، والفرقان لابن تيمية ، وكتاب ابن أبي حجلة ، والميزان ولسانه لابن حجر ، والتاريخ لابن كثير ، وناصحة الموحدين للعلاء البخاري ، والفتاوى المالكية للعراقي ، وتاريخ العيني ، وشرح التائية للبسطامي ، وكشف الغطاء لابن الأهدل ، ثم تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي وتحذير العباد للبقاعي [43].

 هؤلاء الفقهاء أنكروا على ابن الفارض وتائيته ، إلا أن جل إنكارهم أنصب على ابن عربي زعيم القائلين بوحدة الوجود .. وعلى أنهم لم يفرقوا بين عقيدتي الاتحاد أو وحدة الوجود .. إذ أن العصر المملوكي لم يشهد صوفياً على مثال ابن عربي في تنظيره وتقعيده لفلسفة وحدة الوجود ، بل أهتم اللاحقون بدراسة كتبه أو الترويج لها أو الإنكار عليها وتبين أوجه خروجها عن الإسلام ..

وسنعرض لأتباع ابن عربي في العصر المملوكي بترتيب القرون ، مع استعراض الصراع الذي دار بينهم وبين الفقهاء من خلال مصادر التاريخ المملوكي ..



[1]
إحياء جـ 3 /345

[2] إحياء جـ1/ 32.

[3] تلبيس إبليس 161 .

[4] تلبيس إبليس 169: 170 .

[5] تلبيس إبليس 179 : 180 .

[6] إحياء جـ1/ 32 .

[7] تلبيس إبليس 155: 156 .

[8] تلبيس إبليس 360 : 361 .

[9] تلبيس إبليس 352 .

[10] تلبيس إبليس 180 .

[11] تلبيس إبليس 163 .

[12] تلبيس إبليس 359 .

[13] تلبيس إبليس 170 .

[14] تلبيس إبليس 166 : 167 .

[15] رسائل ابن عربي ( كتاب التراحم 31) حيدر أباد 1948 .

[16] فصوص الحكم ص 8 : 11 شرح القاشاني المطبعة المنجنية .مصر.

[17] الفصوص : 252 .

[18] اللمع : 50 .

[19] إحياء حـ4/ 263 .

[20] إحياء جـ4/ 14 .

[21] إحياء جـ4/ 67 : 68 .

[22] إحياء جـ3/ 243 .

[23] إحياء جـ4/ 176 .

[24] إحياء جـ4/ 370 .

[25] إحياء جـ4/ 213 .

[26] الفصوص 19 .

[27] الفصوص 8 .

[28] الفصوص 19 .

[29] الفصوص 97 .

[30] الفصوص 78 .

[31] الفصوص 132 : 133 .

[32] الفصوص 134 .

[33] إحياء جـ2/ 247 : 248 .

[34] إحياء جـ4/ 276 .

[35] إحياء جـ4/ 74 .

[36] الفصوص 13 ، 14 .

[37] الفصوص 14 .

[38] الطبقات الكبرى جـ1 / 177 .

[39] السلوك جـ 1/2/ 597 .

[40] الشعراني ، الطبقات الكبرى جـ1/ 177 .

[41] الوافي بالوفيات جـ3/ 130 ، فوات الوفيات جـ1/ 364 ، شذرات الذهب جـ5/ 412 .

[42] ديوان ابن الفارض : التائية الكبرى ص 29 ، وما بعدها : مكتبة القاهرة 1979 .

[43] تحذير العباد من أهل العناد للبقاعي 214 : 216 تحقيق عبد الرحمن الوكيل ..

ج1 ب1 ف 3 (وحدة الوجود وصراع الفقهاء مع الصوفية من أتباع ابن عربي في القرنين السابع والثامن الهجريين

 الفصل الثالث: (وحدة الوجود وصراع الفقهاء مع الصوفية من أتباع ابن عربي في القرنين السابع والثامن الهجريين ):

صراع الفقهاء مع  تلامذة ابن عربي في القرن السابع  

 ابن عربى أصبح قضية خلافية فى العصر المملوكى  

1 ـ يلفت النظر أن الشعراني أوجز في ترجمته لابن عربي ، فلم تصل في الطبقات الكبرى إلا  ثلثي صفحة ، مع أن الشعراني شغف بابن عربي إلى درجة تلخيص آرائه في كتابي ( اليواقيت والجواهر ) و ( الكبريت الأحمر ) .. ويبدو أن تحرج الشعراني من الإسهاب في سيرة ابن عربي مرجعه إلى ما عاناه ابن عربى ( الشيخ الأكبر ) من إنكار في حياته وبعد مماته .. حتى أن الترجمة القصيرة التي أوردها الشعراني لم تخل من ذكر لبعض هذا الأذى وإن كان الشعراني – على عادة الصوفية – يغلفه بالكرامات . يقول مثلا ( وقد بُني عليه قبة عظيمة وتكية شريفة .. واحتاج إلى الحضور عنده من كان ينكر عليه من القاصرين بعد أن كانوا يبولون على قبره ، وأخبرني أخي الشيخ الصالح الحاج أحمد الحلبي أنه كان له بيت يشرف على ضريح الشيخ محيي الدين ، فجاء شخص من المنكرين بعد صلاة العشاء بنار يريد أن يحرق تابوت الشيخ فخسف به دون القبر ..) [1].. ولولا هذه الأساطير لما رويت قصص الإنكار على ابن عربي.. ذلك الإنكار الذي استمر على ابن عربي حتى عصر الشعراني في القرن العاشر..

2 ـ ومعنى ذلك أن ابن عربي أصبح قضية دينية في العصر المملوكي، احتدم حولها الصراع بين مؤيدين ومعارضين ، وقد انضم إلى المعارضين بعض الصوفية .. وذلك إما عن جهل وحقد على شخصية ابن عربي الفيلسوف الذائع الصيت بين صوفية يفتقرون إلى مثل علمه وشهرته.. وإما عن مكر وخداع حفاظاً على مذهب التصوف ، وحتى لا يصل إنكار الفقهاء إلى حد يؤثر على دين التصوف وأساسه .

3 ـ وطبيعي أن يكون المنكرون الحاقدون على ابن عربي من أهل عصره ، وأبرزهم الصوفي إبراهيم بن معضاد الجعبري ( ت 687 ) الذي اجتمع بابن عربي فقال عنه ( رأيت شيخاً نجساً يكذب بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي أرسله الله ) وذكر عنه أنه ( يقول بقدم العالم – أي إلوهية العالم – ولا يحرم فرجاً ) [2]  . أى يستحل الزنا حتى بالمحارم تأسيسا على عقيدة وحدة الوجود .ومع ذلك فالجعبري سالف الذكر صوفي لم يسلم من الإنكار عليه ، فذكر الشعراني أن القضاة عقدوا له مجلساً لمنعه من الوعظ ( وقالوا إنه يلحن في القرآن وفي الحديث ) ، ويبدو من شعره وكلماته( [3] ) أنه يتمتع بجهل زائد ، وهذا يفسر لنا موقفه السابق من ابن عربي صاحب العشرات من المؤلفات ..

وحظي ابن عربي بنقمة عز الدين بن عبدالسلام ، فروى تلميذه ابن دقيق العيد أنه سأل ابن عبدالسلام عن ابن عربي فقال ( هو شيخ سوء كذاب ، يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجاً ) [4] .ويقول الشعراني ( وكان الشيخ عز الدين بن عبدالسلام شيخ الإسلام يحط كثيراً عليه ، فلما صحب الشيخ أبا الحسن الشاذلي وعرف أحوال القوم صار يترجمه بالولاية والعرفان ..) [5]، . وهذا حقيقي فقد تناقض ابن عبد السلام مع تاريخه الطويل حين وفد إلى مصر , فاعتنق التصوف على يد الشاذلي وصار له مريداً ، وسبحان الله رب العالمين . وقد عاصر العسقلاني ( ت 686 ) الصوفى ابن سبعين ، وكان ينكر عليه بمكة كثيراً من أحواله ، وقد صنف في الاتحادية كتاباً في الإنكار عليهم ، وبدأ فيه الحلاج وختم بالعفيف التلمساني ( وقد فوضت له مشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة ) [6] .

4 ــ وعرف القرن السابع تلاميذ متأخرين لابن عربي ، وتطرف بعضهم في محبته مثل الشيخ التيمي ت 719.  [7]، وقدم بعضهم إلى مصر ليدرس مذهب وحدة الوجود من كتب ابن عربي وحظي باعتقاد المصريين في ولايته مثل الشيخ أبي ذر، ت ( 780 ) [8]. وحظي الشيخ أبو عبد الله الكركي ت ( 800) بميل السلطان إليه ، فاستعمل ذلك في الدعوة ( إلى مقال ابن العربي الصوفي يناضل عنها ويناظر عليها ، ووقع له مع السراج البلقيني مقامات ) [9].

تأثر ارباب الطرق الصوفية فى القرن السابع بابن عربى وابن الفارض

  وقد شهد القرن السابع تكون أشهر الطرق الصوفية في مصر وأشياخها : أحمد البدوي ت ( 675 ) وإبراهيم الدسوقي (676) وأبو الحسن الشاذلي ( 656 ) .. وتأثير ابن عربي فيهم واضح ..

1 : فالبدوي يقول معبراً عن الاتحاد [10]

وباسطني عمداً فطاب خطابه           فيا طيبها من حضرة صمدانية

  فغيبني عني فصرت بلا أنا             دهشت بمرآة ووحدت وحدتي

وينحو فيها طريقة ابن الفارض في التائية ..وفي رحلته إلى العراق زار البدوي ضريح الحلاج [11]أشهر القائلين بالحلول والاتحاد .

2 – وقد قيل في الدسوقي " أنه يذهب إلى أكثر ما ذهب إليه الحلاج ، فهو يقول أنه عين الله في حين أن الحلاج قد سمى نفسه الحق [12]" وليس في ذلك من تحامل على الدسوقي ، فهو القائل في تائيته [13]:

         تجلى لي المحبوب في كل وجهـة               فشاهدته في كل معنى وصورة

         وخاطبني منـي بكشف سرائـري              فقال أتدري من أنا قلـت منيتي

         فأنت منائي بـل أنـا أنت دائمـا              إذا كنت أنت اليوم عـين حقيقتي

         فقــال كـذلك الأمـر لكـنه إذا              تعينت الأشياء كــنت كنسختي

        فأوصـلت ذاتـي باتحـادي بذاتـه            بغير حلول بــل بتحقيق نسبتي

        فصرت فنـاء فـي بقـاء مؤيـد              لذات بديمـــومة سرمــدية

        وغيبني عنـي فأصـبحت سـائلاً              لذاتي عن ذاتي لشغـلي بغيبتي

        وأنظر في مـرآة ذاتـي مشاهـداً              لذاتي بذاتي وهـي غاية بـغيتي

        أنـا ذلك القطب المـبارك وأمـره             فإن مدار الكل من حول ذروتي

       أنا شمس إشراق العقول ولـم أفـل              ولا غبت إلا عـن قلـوب عمية

       يروني في الـمرآة وهي صـديـة             وليس يرونـي بالمـرآة الصقيلة

       وبـي قامت الأنباء في كـل أمـة              بمختلـف الآراء والكـل أمـتي

       ولا جامـع إلا ولـي فيـه منـبر              وفي حضرة المختار فُزت ببغيتي

       وما شهدت عيني سوى عين ذاتها               وإن سـواها لا يـلم بفكـرتي

       بذاتي تقوم الـذات في كل ذروة                 أجــدد فيها حلة بـعد حـلة

فالدسوقي يقرر وحدة الوجود في البيت الأول وينسب لله أنه تجلى له فرآه في كل الكائنات المعنوية والمادية .وعبر عن الحلول في البيت الثاني إذ جعل الله يحل فيه ويخاطبه من داخل ذاته .ثم أثبت الاتحاد التام بينه وبين الله في البيتين الثالث والرابع ، وساوى بينه وبين الله ( تعالى عن ذلك علواً كبيراً ) فيقول مثلا : ( بل أنا أنت دائماً – أنت اليوم عين حقيقتي – إذا تعينت الأشياء كنت كنسختي ) . ثم تطرف الدسوقي فأنكر حلول الله فيه ، فجعل نفسه هو الذي يحل بالله ويتحد به ، وإن ذلك نسبه الحقيقي كما في البيت الخامس وما بعده إلى البيت الثامن . ثم خاطب العالم بصفته الجديدة فأثبت وحدة الوجود لا لله وإنما لنفسه ، فهو مدار الكل وشمس إشراق العلوم ولا يراه المحجوبون ( ولا غبت إلا عن قلوب عمية ) ، وإن الأنبياء جاءت إلى الأمم من لدنه ( وبي قامت الأنباء في كل أمة ..) والمصلون في الحقيقة يتجهون إليه ( ولا جامع إلا ولي فيه منبر) .. ثم أنه طبقاً لوحدة الوجود يظهر في كل صورة .. وتعبر عنه كل ذات ( بذاتي تقوم الذات في كل ذروة  أجدد فيها حلة بعد حلة ) ..

 ولم يتوقف الدسوقي عن إعلان عقيدته نثراً فهو القائل ( أنا كل ولي في الأرض خلعته بيدي أليس منهم من شئت ، وأنا في السماء شاهدت ربي ، وعلى الكرسي خاطبته ، أنا بيدي أبواب النار غلقتها ، وبيدي جنة الفردوس فتحتها ، من زارني أسكنته جنة الفردوس ..) [14]

 تطرف الطريقة الشاذلية فى إتباع ابن عربى

1-إكتسب أبو الحسن الشاذلى والطرية الشاذلية أكتسب الشهرة بالاعتدال وأنه أقرب الطرق الصوفية إلى مذهب أهل السنة وأبعد عن مدرسة ابن عربي.. وفي ذلك يقول أبو الوفا التفتازاني وهو باحث فى التصوف ومن شيوخ الطريقة الشاذلية فى عصرنا الراهن ( كان تصوف الشاذلي والمرسي وابن عطاء – وهم أركان المدرسة الشاذلية – مبتعداً تماماً عن مدرسة ابن عربي في وحدة الوجود ، فلم يكن واحد منهم قائلاً بهذا المذهب ، ولكن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك صلات بين مدرسة ابن عربي والمدرسة الشاذلية ، فالمدرستان تفرعتا عن أستاذ مغربي واحد وهو " أبومدين الغوث التلمساني " المتوفي 594 وهو الذي يمثل مذهب الفناء في التوحيد خير تمثيل ، وتتلمذ عليه ابن عربي وكثير من شيوخ الشاذلي ، ثم هناك إلى جانب هذا اتصال بين الشاذلي وبين بعض أصحاب ابن عربي ، وقع في مصر ، وتبادل فيه الطرفان الكلام في حقائق التصوف )[15]. فالكاتب يؤكد الصلات بين ابن عربي والشاذلي ، وإن تلك الصلات بدأت بالأخذ عن أستاذ واحد ، واستمرت بين تلاميذ ابن عربي والشاذلي ، ومع ذلك أختلف التصوف لدى الفريقين ، وذلك فرض يعوزه الدليل النقلي عن الشاذلي للتأكيد على أن طريقه كان مبتعدا تماماً عن ابن عربي ، وإن تلك اللقاءات بين الفريقين لا بد أن يظهر فيها التباين في الآراء الصوفية بينهما ، وربما تسفر عن قطيعة شأن المختلفين في العقائد .. إلا أن الكاتب بدل أن يثبت ذلك أثبت العكس حين قال ( ولم يطعن الشاذلي والمرسي وابن عطاء في القائلين بالوحدة والحلول ، ولا في حكيم الإشراق السهروردي المقتول الذي كان المرسي يتمثل أحياناً ببعض شعره في الحب ولا في أبي يزيد البسطامي .. ) [16] .

2 ــ وقد يكون من الأفضل أن نتعرف على عقيدة الشاذلي والمرسي من خلال ما كتبه تلميذهما ابن عطاء في ( لطائف المنن ) لنرى إلى أي حد تأثرت الشاذلية بآراء ابن عربي وعبرت عن عقيدة الاتحاد ووحدة الوجود .. يقول الشاذلي ( في بعض كتب الله تعالى المنزلة على بعض أنبيائه : من أطاعني في كل شيء أطعته في كل شيء ) [17]. وذلك حديث مفترى يسوي بين الخالق – وطاعته واجبة – والمخلوق وهو مطالب بالطاعة ويثاب عليها بالنجاة من النار ودخول الجنة بفضل الله وتكرمه ، والمهم أن الشاذلي ( وهو يفتري هذا الحديث الذي نسبه إلى بعض الكتب المنزلة ولم يعينها – على بعض الرسل – لم يعرفنا بهم ) بعد ذلك خلص إلى غرضه الأساسي ، وهو شرح هذا القول في ضوء فهمه لعقيدة الصوفية في الاتحاد ووحدة الوجود .. ( فقال الشيخ أبو الحسن : من أطاعني في كل شيء بهجرانه لكل شيء ، أطعته في كل شيء بأن أتجلى له دون كل شيء ، حتى يراني أقرب إليه من كل شيء ، هذه طريقة أولى وهي طريقة السالكين ، وطريقة كبرى : من أطاعني في كل شئ بإقباله على كل شئ يحسن إرادة مولاه في كل شيء ، أطعته في كل شئ، بان أتجلى له في كل شيء .. حتى يراني في كل شيء ، وإذ قد عرفت هذا فأعلم أنهما ولايتان : ولي يغني عن كل شيء قلا يشهد مع الله شيء ، وولي يبقى في كل شيء فيشهد مع الله تعالى في كل شيء ، وهذا أتم ) [18] .فعبر الشاذلي عن الاتحاد أو طريقة السالكين ( بأن أتجلى له دون كل شيء حتى يراني أقرب إليه من كل شيء ) وهو صوفي (لا يشهد مع الله شيء )  أو بتعبير الغزالي ( لا يري إلا فاعلاً واحداً  ،وعن وحدة الوجود قال ( وطريقة كبرى .. أطعته في كل شئ بأن أتجلى له في كل شئ حتى يراني في كل شئ ) والصوفي حينئذ ( يشهد الله تعالى في كل شئ .. وهذا أتم ) .

3 ــ وشرح الشاذلي مقام ( القُرب ) في ضوء عقيدة الاتحاد فقال ( حقيقة القرب أن تغيب في القرب عن القرب العظيم , القرب لمن يشم رائحة المسك ، فلا يزال يدنو منها ،كلما دنا تزايد ريحها ، فإذا دخل البيت الذي هو فيه انقطعت رائحته عنه )[19]. ويقول الشاذلي (الصوفي من يرى الخلق لا موجودين ولا معدومين ..) وقال ( إنا لا نرى أحداً من الخلق ،هل في الوجود أحد سوى الملك الحق ؟ وأن كان لابد فكالهباء في الهواء إن فتشته لم تجد شيئا )[20]. وهو متأثر بقول ابن عربي (إن شئت قلت هو الخلق وإن شئت قلت هو الحق وإن شئت قلت هو الخلق الحق .. وإن شئت قلت بالحيرة في ذلك )[21] فقال الشاذلي ( إن الخلق لا موجودين ولا معدومين ) .. واعتبر وجود الخلق ( كالهباء في الهواء ).

4 ــ وقد سبق القول في أن ابن عربي ارتفع بمكانة الإنسان حتى جعله بالنسبة لله تعالى (بمنزلة إنسان العين من العين الذي به يكون النظر ) .. وقد تأثر به الدسوقي فجعل من نفسه الأصل الذي تصدر عنه مظاهر الأشياء ، كما عرضنا في شرح قصيدته السابقة ، ثم ألمح الشاذلي إلى هذه النقطة حين جعل نفسه يتحد مع تلميذه المرسي فقال له ( يا أبا العباس ما صحبتك إلا لتكون أنت أنا وأنا أنت )[22] وتأسيسا على ذلك فقد رويت أسطورة منامية بعد موت الشاذلي جعلته يحل في شخص المرسي ، يقول ابن عطاء (وأخبرني بعض أصحابنا قال: رأى إنسان من أهل العلم والخير كأنه بالقرافة الصغرى والناس مجتمعون يتطلعون إلى السماء ، وقائل يقول : الشيخ أبوالحسن الشاذلي ينزل من السماء والشيخ أبو العباس مترقب لنزوله متأهب له ، فرأيت الشيخ أبا الحسن قد نزل من السماء وعليه ثياب بيض ، فلما رآه الشيخ أبو العباس ثبت رجليه في الأرض وتهيأ لنزوله عليه فنزل الشيخ أبوالحسن عليه ودخل من رأسه حتى غاب فيه  )[23]. أي أن الشاذلي ادعى أنه الذي يتحد بخليفته ، ثم جاء أتباعه فجعلوا من الشاذلي – بعد موته – ينزل من السماء ليحل في شخص تلميذه المرسي .. والشاذلي يرى أن شأن الولي الحقيقي - ويقصد نفسه – وهو أن يكون عين الاسم الأعظم لله تعالى [24].

5 ــ وقد كان ابن مشيش هو الشيخ المباشر للشاذلي ، ولا زالت صلاة ابن مشيش هي الورد المفضل للشاذلية حتى اليوم .. وفيها يقول ابن مشيش (وزُجّني في بحار الأحدية ،وانشلني من أوحال التوحيد ، وأغرقني في بحر عين الوحدة ، حتى لا أرى ولا أسمع ولا أجد ولا أحس إلا بك )[25]. فابن مشيش لا يكتف بادعاء الوحدة وأن يكون في عين ذات الله وإنما يعتبر ( لا اله إلا الله ) أوحالاً يترفع عن التدين بها ، ويبغي الفرار منها إلى الاتحاد بذات الله والغرق (في بحر عين الوحدة )..

 ويبدو تأثر الشاذلي بصلاة ابن مشيش، فهو يقول في دعائه ( اجعلني عندك دائما وبك قائما ..واسقط البين بيني وبينك حتى لا يكون شئ أقرب إلى منك ولا تحجبني بك عنك )[26]. ، ويقول ( اللهم هب لي من النور الذي رأى به رسولك ما كان وما يكون ،ليكون العبد بوصفي سيده لا بوصف نفسه )[27]. ويقول الشاذلي في حزبه ( اللهم صلني باسمك العظيم الذي لا يضر معه شئ في الأرض ولا في السماء وهب لي منه سراً لا تضر معه الذنوب شيئاً .. وأدرج أسمائي تحت أسمائك وصفاتي تحت صفاتك وأفعالي تحت أفعالك .. واغنني حتى تغنى بي وأحيني حتى تحيا بي )[28].

6 ــ ولم يتخلف أبو العباس المرسي عن ركب شيخه ، ويقول عن خاصة الأولياء وأحسبه يقصد نفسه ( إن لله تعالى عبادا محق أفعالهم بأفعاله وأوصافهم بأوصافه وذاتهم بذاته ، وحملهم من أسراره ما يعجز عامة الأولياء عن سماعه ، وهم الذين غرقوا في بحر الذات وتيار الصفات، فهي إذن فئات ثلاثة ؛ أن يفنيك عن أفعالك بأفعاله وعن أوصافك بأوصافه وعن ذاتك بذاته .. فإذا أفناك عنك أبقاك به ..)[29].

ويقول المرسي يصف إلوهية الولي الصوفي المتحد بالله ( لو كُشف عن حقيقة الولي لعُبد لأن أوصافه من أوصافه ونعوته من نعوته )[30]أي لو عرف المحجوبون من البشر حقيقة ألوهية الولي الصوفي لعبدوه ، لأن صفاته من صفات الله ( تعالى عن ذلك علواً كبيراً ..)

ويقول تعليقا على نظرة الصوفية لسجود الملائكة لآدم ( أطلعني الله تعالى على الملائكة ساجدة لآدم فأخذت بقسطي من ذلك فإذا أنا أقول :

            ذاب رسمي وصح صدق فنائي          وتجـلت للسر شمس سمـائـي

            وتنزلـت في العـوالم أبـدي           ما انطوى في الصفات بعد صفائي

            فصفاتي كالشمس تبدي صفاها           ووجـودي كاليل يـخفي سوائي

            أنا معنى الوجود أصلاً وفصلاً          مـن رآنـي فسـاجدُ لبـهائـي

            أي نــور لأهـله مسـتبين           أشهدونـي فقـد كشفت غطائي [31]

وفي البيتين الأخيرين عبر عن تطرف ابن عربي في تفضيل الإنسان – أو الولي الصوفي – على الله تعالى .

7 ــ ويقول التفتازاني ( ولقد لاحظنا بعد استقراء طويل لأقوال ومذاهب صوفية مصر منذ القرن الثالث إلى القرن السابع ، سواء منهم من كان مصرياً أو وافداً إلى مصر ومقيما بها ما يلي : لم يقل واحد منهم بوحدة الوجود أو الحلول أو الاتحاد .. يخلو تصوفهم من العناصر الأجنبية غير الإسلامية ، وتصوفهم في نظرنا بمثل التصوف الإسلامي الخالص ) [32] .

وهو قول مجاف للحق تماماً ، فأبن عمر بن الفارض والعفيف التلمساني وغيرهم ؟؟ وشهرتهم بالاتحاد والحلول لا ينكرها أحد من معاصريهم ، التفتازاني نفسه يقول ( على أنه منذ القرن السادس الهجري أيضاً نجد مجموعة أخرى من شيوخ التصوف الذين مزجوا تصوفهم بالفلسفة ) ، وذكر منهم ( سلطان العاشقين الشاعر الصوفي المصري عمر بن الفارض .. وواضح أنهم قد استفادوا من عديد من المصادر والآراء الأجنبية كالفلسفة اليونانية خصوصاً مذهب الأفلاطونية  الحديثة .. وقد آثار متفلسفة الصوفية فقهاء المسلمين واشتدت الحملة عليهم لما ذهبوا إليه من القول بالوحدة الوجودية ، وكان أبرز من حمل عليهم ابن تيمية ) [33]  . والمهم أن دعوة التفتازاني لتأكيد الاعتدال في الطريقة الشاذلية التي ينتمي إليها جعلته يبالغ فيسحب ذلك الاعتدال على صوفية مصر جميعاً .. وذلك ما يأباه المنطق والتاريخ معاً ..

إنكار الفقهاء على شيوخ الطرق الصوفية المشهورة فى العصر المملوكى

1 ـ ويتمتع أشياخ الطرق – خاصة البدوي والدسوقي والشاذلي – بتقديس اضطرد مع تتابع السنين ، بما كرسه الأتباع من تأليه وعبادة لهم طبقاً لعقيدة الصوفية . إلا  أن ذلك التقديس المضطرد لا يحجب حقيقة هامة تتمثل في وجود الإنكارعليهم في حياتهم مع ما كان للتصوف من دولة زاهرة في العصر المملوكي ..

2 ـ فابن دقيق العيد أنكر على أحمد البدوي وجاء في الجواهر السنية ( إن مولانا قاضي القضاة شيخ الإسلام تقي الدين ابن دقيق العيد كان ينكر على الشيخ أحمد البدوي ) [34] . وتنتهي قصة الإنكار بكرامة تجعل ابن دقيق العيد يعتقد ولاية البدوي ، ويذكر الشعراني أن الخطباء في طنطا انتصروا لأحد المنكرين على البدوي وبنوا له مئذنة عظيمة ( فرفسها سيدي عبد العال برجله فغارت إلى وقتنا هذا ) [35] .

3 ــ ولا شك أن ادعاءات الدسوقي المتطرفة قد أثارت الإنكار عليه ، فكان يقول ( عليكم بتصديق القوم في كل ما يدعون ، فقد أفلح المصدقون وخاب المستهزئون ، فإن الله تعالى قذف في سر خواص عباده ما لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل ..ما أنا قلت هذا من عندي إنما هو كلام أهل العلم بالله تعالى فما للعاقل إلا التسليم وإلا حرم فوائدهم وخسر الدارين ) [36] . أي أن الدسوقي يرد الإنكار بما يستوجب الإنكار ، إذ فضل الولي الصوفي على النبي والملائكة ولا دليل له من كتاب أو منطق ، وإنما من كلام الصوفية وأحاديثهم أو على حد قوله ( إنما هو كلام أهل العلم بالله تعالى )..

والطريف أن الدسوقي قد أوسع مكاناً في النار للمنكرين عليه وأحبط أعمالهم .. وذلك في معرض استعراض إلوهيته يوم القيامة يقول ( ومن كراماتنا .. أني سددت أبواب جهنم السبع بفوطتي وفتحتها لأعدائي وأدخلتهم فيها ، ومنها أني فتحت أبواب الجنة الثمانية بيدي وأدخلت أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيها ، ومنها أن صنج الميزان بيدي أُصيّر حسنات مريدي أثقل من سيئاته ، ومسّيت عليها بيدي فصارت سيئات المنكرين علىٌ أثقل من حسناتهم ولو كانوا مطيعين ) [37].

4 ــ وقد لعب الإنكار على الشاذلي دوراً هاماً في حياته ، مع أنه اشتهر ظاهرياً بالاعتدال ومعلوم أن الإنكار دائماً من نصيب الصوفي المتطرف في العصر المملوكي ويزداد الإنكار بازدياد تطرف الصوفي في ادعاءاته : ويقول الشعراني عن سبب مجيء الشاذلي إلى مصر ( وأخرجوا أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه من بلاد المغرب بجماعته ، ثم كاتبوا نائب الإسكندرية بأنه سيقدم عليكم مغربي زنديق وقد أخرجناه من بلادنا فالحذر من الاجتماع عليه ، فجاء الشيخ إلى الإسكندرية فوجد أهلها يسبونه ، ثم وشوا به إلى السلطان ، ولم يزل في الأذى حتى حج بالناس ) [38].

وقد فطن الشاذلي إلى نقطة الضعف في الإنكار عليه ، وهي اقتصاره على الصوفية المعاصرين مع تقدير وتقديس أوائل الصوفية ، فاتخذ الشاذلي من ذلك تكأة للهجوم عليهم يقول ( صدقوا بكرامات الأولياء الذين ليسوا في زمانهم كمعروف والسري والجنيد وأشباههم ، وكذبوا بكرامات أولياء زمانهم فهي كمال قال الشيخ أبو الحسن : والله ما هي إلا إسرائيلية  ، صدقوا بموسى وعيسى عليهما السلام وكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم أدركوا زمنه ) [39] . وواضح أنه يطلب الإيمان والتصديق بالأولياء الصوفية وعدم التكذيب بهم كالأنبياء ، ولكن طبقا لعقيدة التصوف في تأليه الولي الصوفي والإيمان به إلاهاً .

 وكان ابن عطاء السكندري في بدايته ينكر على المرسي ويقول ( هؤلاء القوم يدعون أموراً عظيمة وظاهر الشرع يأباها ) [40] .

5 ــ والمرسي عبر عن طبيعة الإنكار على الصوفية في عصره على نسق ما قاله شيخه الشاذلي فيقول ( يكون الرجل بين أظهرهم فلا يلقون إليه بالاً ، حتى إذا مات قالوا كان فلان ، وربما دخل في طريق الرجل بعد وفاته أكثر مما دخل فيها في حياته ) [41] .وكان جد ابن عطاء من المنكرين على الشاذلي والمرسي ومن العلماء ، وقد استنسخ ابن عطاء كتاباً للمرسي ، فأعجب المرسى بصيغته وإن لم ينس حقده على جد ابن عطاء ، فقال  في معرض مدحه له ( هذا الكتاب استنسخه لي ابن عطاء الله ، والله ما أرضى له بجلسة جده ، ولكن بزيادة التصوف ) [42] ..

وتنكب ابن عطاء طريق جده ، فأصبح علماً للمدرسة الشاذلية ومؤرخاً لها ، فأصبح مثالاً يجسد انتشار التصوف والطرق الصوفية ، حتى أن الطريقة الأحمدية المنتمية للبدوي تخطت حدود مصر إلى الشام فاصطدمت هناك بزعيم الفقهاء ابن تيمية ..

حركة ابن تيمية الحنبلى ضد أتباع ابن عربى فى القرن الثامن

مدخل : ابن تيمية ونصر المنبجي :

فتح هذا القرن عينيه ليشهد ثورة الفقهاء الحنابلة بزعامة ابن تيمية على نفوذ أتباع ابن عربي في أواخر القرن السابع وأوائل القرن الثامن ، ممثلا في نصر المنبجي الذي سيطر على السلطان المملوكي بيبرس الجاشنكير الذى إغتصب العرش من الناصر محمد بن قلاوون .و نصر المنبجى كان شيخ بيبرس الجاشنكير قبل توليه السلطنة وبعدها . ونصر المنبجى هو الذى كان يُدبر الدسائس ضد ابن تيمية الذى كان وقتها أبرز الفقهاء السنيين فى الشام موطنه وفى مصر مركز السلطنة المملوكية . وبلغ الصراع بين ابن تيمية ونصر المنبجى أوجه ، وانهزم فيه ابن تيمية لأن العصر كان عصر التصوف . وابن تيمية فى الواقع كان أول ضحية لدين التصوف السنى ، آمن به وانهزم به . وإثمرت حركته فى النهاية مزيدا من الانتصار لمتطرفى الصوفية ، ودفعا متزايدا لعقيدتهم فى وحدة الوجود ( أقبح أنواع الكفر ) والتى ثار عليها ابن تيمية مُنكرا لها مُتصورا أن رُوّاد التصوف الأوائل ـ الذين يقدسهم ابن تيمية ـ لم يقولوا بها . وبهذا انتهت ثورة ابن تيمية الى صفر كبير ، بل الى ما تحت الصفر ، بحيث إستلزم الأمر ثورة ثانية فى القرن التالى ( التاسع ) فى ( كائنة البقاعى ) الذى حاكى ابن تيمية ، وكان مثله فى الاعتقاد والتسليم بالتصوف السنى وحصر الانكار على الصُرحاء  كابن عربى وابن الفارض ، مع تقديس الرواد الأوائل . وانتهى البقاعى أيضا الى نفس الصفر ، بل وتحت الصفر.

وننقل وقائع ما حدث لابن تيمية من خلال مؤرخ شاهد على العصر هو الأمير بيرس الداودار فى تاريخه المخطوط ( سيرة الناصر ) أى الناصر محمد بن قلاوون .

محاكمة ابن تيمية الأولي في الشام ..

كان الشام تابعا للسلطة المملوكية . وفيها كانت بداية الثورة الحنبلية التيمية على أتباع ابن عربى .

ونتابع المؤرخ الأمير بيبرس الداوداري وهو معاصر لهذه  الفترة ، ويقول أن مجلسا ًعقد لمحاكمة ابن تيمية فى الشام في رجب 705 برعاية القضاة المناصرين للصوفية ومن أعداء ابن تيمية : ( وسألوه في مواضع خارجاً عن العقيدة ( أى خارج عقائد التصوف من الحلول والاتحاد ووحدة الوجود خشية إثارة الجدل حولها ) ، ثم رجعوا واتفقوا أن يحاققه ( القاضى )ابن الزملكاني ( عدو لابن تيمية ) من غير مسامحة ( اى بالشدة )، وانفصل الأمر بينهم ( إنتهى الأمر ) على أنه ( ابن تيمية ) أشهد  على نفسه الحاضرين أنه شافعي المذهب ( أى تنكّر ابن تيميه لمذهبه الحنبلى المتعصب ليتقرب الى قاضى القضاة الشافعى بالشام . وكانت العادة فى العصر المملوكى أن يكون قاضى القضاة الشافعى  هو الأعلى مكانة بين أقرانه . ووقتها كان قاضى القضاة الشافعى فى الشام هو نجم الدين بن صصرى ، فنجح ابن تيمية فى إجتذابه الى صفه ضد خصومه من القضاة التابعين للصوفية وشيخهم ابن نصر المنبجى المتحالف مع الأمير المملوكى المسيطر فى القاهرة وقتها وهو بيبرس الجاشنكير )  ، وابتهج أصحاب الشيخ ( ابن تيمية ) وقالوا : ظهر الحق مع شيخنا ، فعزّروا أحدهم ( أى عاقبوه بالضرب )، ثم حُبس أحد أصحاب ابن تيمية لأنه قرأ فصلاً في الرد على الجهمية من تصنيف البخاري،فظنوا ( اى خصوم ابن تيمية من شيوخ  الصوفية ) أنهم المقصودون بالتكفير ، فأخرجه ابن تيمية من الحبس ( أى قام ابن تيمية بأعوانه وأخرج هذا الفقيه التابع له من السجن تحديا للسلطة ) ، وتنازعوا ( تنازع ابن تيمية مع خصومه )، وكان نائب السلطان ( أى الوالى المملوكى حاكم الشام نائبا عن السلطان المملوكى فى القاهرة ) غائباً في الصيد ، فلما جاء أعتقل من أكثر من الكلام من الطائفتين (الفقهاء والصوفية )، وهدد من تكلم في العقائد ليخمد الفتنة "..

محاكمته الثانية في مصر :

ونتابع المؤرخ الأمير بيبرس الداوداري المعاصر لهذه  الفترة ، وهو يقول عما حدث فى الشام وقتها : (  وقد اجتمع القضاة للبحث في العقيدة وانتهى الاجتماع بين ابن الوكيل وابن الزملكاني بأن جعل القاضي نجم الدين بن صيصري قاضي القضاة يعزل نفسه رغم إلحاح الأمراء عليه ، ثم ورد من مصر بعودته للحكم ، ومضمون أحد الكتابين يقول : قد فرحنا بإجماع رأي العلماء على عقيدة الشيخ تقي الدين ( ابن تيمية ) ، فباشر القاضي نجم الدين مستهل شهر رمضان وسكنت الفتنة . )، أى عاد قاضى القضاة الشافعى لمنصبه فى الشام و إنتصر الفقهاء فى مصر لرأى ابن تيمية وإنكاره على ( إبن عربى ) لأن قاضى القضاة الشافعى الأعلى منصبا هدّد بالاستقالة واستقال برغم إلحاح الأمراء عليه . ورفضوا إستقالته ، ووافق القضاة على رأى ابن تيمية بعد هذا الضغط الذى قام به قاضى القضاء الشافعى ابن صيصرى .

ولم يرض كبار الصوفية وزعيمهم  نصر المنبجى بالهزيمة ، وبنفوذهم أرسل بيبرس الجاشنكير صاحب السلطة من القاهرة أمرا باعتقال ابن تيمية ، يقول مؤرخنا بيبرس الدادوار : ( ثم ورد مرسوم آخر في (5) رمضان بطلب نجم الدين بن صيصري وابن تيمية وابن الزملكاني ، وفيه إنكار على ابن تيمية ، ثم وصل مملوك ملك الأمراء ( يقصد بيبرس الجاشنكير المتغلب على السلطان الناصر محمد بن قلاوون ، ولم يكن الجاشنكير قد تولى السلطنة رسمياً بعد ُ ) على البريد ، وأخبر إن الطلب على ابن تيمية حثيث ( يعنى الأمر بإعتقاله ) ، وإن القاضي المالكي ابن مخلوف قد قام في الأمر قياماً عظيماً، وإن بيبرس الجاشنكير معه في الأمر ، وأخبر بأشياء كثيرة وقعت في مصر في حق الحنابلة ( أتباع ابن تيمية ) وإن بعضهم أهين ، وإن القاضي المالكي ( المنحاز للصوفية ) والحنبلي ( المؤيد للفقهاء) جرى بينهما كلام كثير ( أى نزاع ) ، فأمر ملك الأمراء ( بيبرس الجاشنكير ) بتجهيزهم ( اى بتجهيز وفد لإعتقال ابن تيمية وإحضاره الى القاهرة ) فوصلوا في رمضان ، وعقد مجلس لابن تيمية في دار النيابة ( بمصر)  بحضور الأمير سلار ( المشارك لبيبرس الجاشنكير فى السلطة ) ، والعلماء والأئمة والقضاة الأربعة وبيبرس ، فادعى ابن عدلان القاضي الشافعي على ابن تيمية دعوى شرعية في عقيدته ، فأراد ابن تيمية أن يذكر عقيدته في فصل طويل ، فقالوا له : يا شيخ الذي بتقوله معلوم ولا حاجة للإطالة ، وأنت قد ادعى عليك هذا القاضي بدعوى شرعية أجب عليها ، فأعاد القول في التحميد فلم يمكنوه في تتمة تحاميده ، فقال عند من هي هذه الدعوى ؟ فقالوا : عند القاضي زين الدين المالكي ، فقال : عدوي وعدو مذهبي..وطال الأمر فحكم القاضي المالكي باعتقاله ، فاعتقل ، وسجن أخوته في برج من أبراج القلعة .. وبلغ القاضي أن جماعة من الأمراء يترددون إليه وينفذون إليه المآكل ، فطلع القاضي للأمير ركن الدين بيبرس في قضيته ، وقال : هذا يجب عليه التضييق إذا لم يقتل وإلا فقد ثبت كفره ، فنقلوه هو وإخوته ليلة عيد الفطر إلى الجب بالقلعة .. ثم كتب إلى دمشق كتاباً يتضمن حل دم ومال من اعتقد عقيدة ابن تيمية، وقرئ الكتاب بجامع دمشق وألزم به الحنابلة خصوصاً ) [43] .

     سبب محاكمة ابن تيمية فى الشام ومصر

1 ـ ويقول المؤرخ بيبرس الداودار تحت عنوان ( ذكر السبب الموجب لهذه الفتن المذكورة ) يعلل السبب الحقيقي في اعتقاله : ( أحضر بعض أصحاب ابن تيمية له ( كتاب )  فصوص الحكم لابن عربي ، فرأى فيه الشيخ مسائل تخالف اعتقاده ، فشرع في لعن ابن العربي وسب أصحابه ممن يعتقد اعتقاده ، ثم اعتكف الشيخ (ابن تيمية ) في شهر رمضان وصنف نقيضه وسماه (النصوص على الفصوص ) ، وبين فيه الخطأ الذي ذكره بن عربي .. وبلغه أن شيخ الشيوخ كريم الدين شيخ خانقاة سعيد السعداء بالقاهرة له اشتغال بمصنفات ابن عربي وأنه يعظمه تعظيماً كبيراً ، وكذلك الشيخ نصر المنبجي(ت719 )، ثم إن الشيخ صنف كتابين فيهما إنكار كثير على تأليف ابن العربي ولعنه فيهما مصرحاً ولعن من يقول بقوله ، وسير الكتاب الواحد للشيخ نصر المنبجي والشيخ كريم الدين ، فلما وقف عليه الشيخ نصر تألم ،وكانت له منزلته عند ركن الدين بيبرس (الجاشنكير المتحكم في السلطنة ) الذي لا يقوم ولا يقعد إلا به ، وكان سائر الحكام من القضاة والأمراء وأرباب المناصب يترددون عند الشيخ نصر لأجل منزلته عند بيبرس الجاشنكير ، فحضر عنده القاضي ابن مخلوف المالكي عقيب وقوف نصر على كتاب ابن تيمية ، فأوقفه على الكتاب المذكور، فقال له القاضي: أوقف الأمير ركن الدين بيبرس عليه وقرر ما أحببت وأنا معك كيف شئت ، وألزم الأمير ركن الدين بطلبه إلى الديار المصرية ونسأله عن عقيدته فقد بلغني أنه أفسد عقول جماعة كبيرة ،وهو يقول بالتجسيم ، وعندنا من اعتقد هذا الاعتقاد كفر ووجب قتله .. فلما حضر الأمير ركن الدين ( بيبرس الجاشنكير ) عند الشيخ نصر ( المنبجى ) على عادته أجرى له ذكر ابن تيمية وأمر عقيدته ، وأنه أفسد عقول جماعة كبيرة ، ومن جملتهم نائب الشام وأكبر الأمراء الشاميين ، والمصلحة تقتضي طلبه إلى الأبواب العالية ، ويطلب منه عقيدته وتقرأ على العلماء بالديار المصرية من المذاهب الأربعة ، فإن وافقوه وإلا يستتيبوه ويرجعوه ليرجع على مذهبه واعتقاده ساير من لعب بعقله من الناس ،ثم ذكر له ذنوباً آخر ، حتى حرّض بيبرس على طلبه )[44] .

2 ــ أي صار لعقيدة وحدة الوجود النفوذ والسيادة في مطلع القرن الثامن ممثلة في تسلط نصر المنبجي على كبير السلطة المملوكية (بيبرس الجاشنكير) والأمراء المماليك والقضاة السنيين غير الحنابلة الذين لا يشاركون الحنابلة رأيهم فى ( التجسيم للإله ) ،( وكان سائر الحكام من القضاة والأمراء أرباب المناصب يترددون عند الشيخ نصر لأجل منزلته عند بيبرس الجاشنكير ) وزين القاضي ابن مخلوف لنصر المنبجي استحضار ابن تيمية لمصر حيث يتمكن من قتله متهما بالكفر .. واعتبرا معاً أن دعوة ابن تيمية ضد العقيدة الصوفية بمثابة (إفساد لعقول جماعة كبيرة ) .. وأثار نصر المنبجي خوف بيبرس الجاشنكير من ابن تيمية ، منها أنه ضم إليه (نائب الشام )(وأكبر الأمراء )، بمعنى أن إبن تيمية يستطيع السيطرة على والى الشام ( نائب السلطان فى الشام فيستقل بحكم الشام . وذكر له ذنوبا آخر حتى حرص بيبرس على طلبه ..

3 ــ وكان ابن تيمية قد تعرض لمحاكمة في الشام من أعوان الصوفية اتخذ صورة الخلاف الفقهي ( وانفصل الأمر بينهم على أنه أشهد على نفسه الحاضرين أنه شافعي المذهب ) ومع أن العقائد كانت فحوى الخلاف وأساسه ، إلا أنهم تجاهلوا ذلك تحرجاً من إعلان عقيدة الصوفية ، حتى لا تتعرض لتفنيد ابن تيمية ومناقشته ، لذا ( سألوه في مواضع خارجاً عن العقيدة ) ..وكان موقف المماليك في الشام معتدلاً ، فاعتقل النائب المملوكي (من أكثر من الكلام من الطائفتين وهدد من تكلم في العقائد ليخمد الفتنة ).. ثم وردت من مصر موافقة على مذهب ابن تيمية ، ثم حدث الانقلاب وحملوا ابن تيمية إلى مصر ، وذلك بعد أن وصل لنصر المنبجي كتاب ابن تيمية في لعن ابن عربي وأتباعه .. وأخبر البريد ( أن الطلب على ابن تيمية حثيث ، وأن القاضي ابن مخلوف قد قام في الأمر قياماً عظيماً ،وأن بيبرس الجاشنكير معه في الأمر ) .

4 ــ واستمر تجاهل الصوفية في مصر لموضوع العقيدة أثناء محاكمة ابن تيمية فاشتطوا في منع ابن تيمية  من شرح عقيدته (.. فأراد ابن تيمية أن يذكر عقيدته في فصل طويل ، فقالوا له : يا شيخ الذي بتقوله معلوم ولا حاجة للإطالة )، بل منعوه في ذلك المجلس الذي عقد لمحاكمته – من مجرد تحميد الله والبدء في الكلام .. وكان التحامل واضحاً على ابن تيمية تنفيذاً للمخطط الذي وضعه ابن مخلوف وباركه نصر المنبجي ووافق عليه بيبرس الجاشنكير .. وانتهى الأمر بحكم القاضى ابن مخلوف باعتقال ابن تيمية ، ثم لم يكتف بذلك فسعى لدى بيبرس الجاشنكير  حتى منع الأمراء من الاتصال به ، وما زال به حتى حبسه في الجُب ، وهدد أتباعه من الحنابلة بالقتل إذا أنكروا على عقائد الصوفية الاتحادية ..

5 ــ وأشاع الصوفية بين الناس أن خلافهم مع ابن تيمية فقهي لا يتطرق إلى العقائد حتى أن المؤرخين اللاحقين لهذه الفترة صدقوا هذه الفرية فقال المقريزي ( حبس ابن تيمية بسبب مسألة الطلاق )[45] ، وأنه أفرج عنه ( وشرط عليه إلا يفتي بمسألة الطلاق )[46]. ونقل ذلك عن المقريزي المؤرخ ابن العماد الحنبلي في القرن الحادي عشر وردد ذلك بمعناه [47].

6 ــ واضطهد أتباع ابن تيمية وهو في المعتقل (جرت فتن للحنابلة بمدينة بلبيس ثم انتقل الحال للقاهرة وحصل لبعض الحنابلة – (أتباع ابن تيمية ) أهانة ، وأعتقل منهم جماعة ، وجرت فتن عظيمة بين الأشاعرة والحنابلة بالشام ( الأشاعرة وقتها هم السنيون المعارضون للحنابلة فى بعض المعتقدات كالتجسيم والاستواء على العرش )، وكان النائب غائباً للصيد فلما حضر أمر بإصلاح ذات البين ، وأقر كل طائفة على حالها، وجرى في القاهرة أيضاً على الحنابلة أمور شنيعة وألزموهم بالرجوع عن العقيدة ، وجرى عليهم كل مكروه ) [48] .

7 ـ  ولا ريب أن جهل القضاة – مع تسليمهم للتصوف وخضوعهم للصوفية والحكام – أدى إلى تباعد بين ابن تيمية وبقية الفقهاء في مصر ، مع أنهم جميعا من أشياخ الفقه أو يجب أن يكونوا كذلك . وقد اعترف خصمه القاضى كمال الدين الزملكاني بأن ابن تيمية ( اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها )[49]. وقال ابن الوردي عنه ( أعان أعداءه على نفسه بدخوله في مسائل كبار لا يحتملها عقول أبناء زماننا ولا علومهم )[52].

8 ـ ومن أمثال هؤلاء الفقهاء ننتظر منهم الحقد على ابن تيمية لأنه يذكرهم  بقصورهم العلمي والعقلي حتى أن الأمير سلار ( شريك بيبرس في الحكم ) جمع القضاة الأربعة وكبار الفقهاء ( وتكلم معهم في إخراج ابن تيمية فوافقوا على أن يشترط عليه أمور ويلزم بالرجوع عن العقيدة ، فأرسلوا إليه من يحضره ليتكلموا معه في ذلك ، فلم يجب إلى الحضور ، وتكرر إليه الرسول ست دفعات وهو مصمم على عدم الحضور ، وطال عليهم المجلس فانصرفوا على غير شيء ) [53]. أي أن ابن تيمية من ناحيته كان يعاملهم باحتقار ، حتى وهو في السجن .

التآمر على ابن تيمية في المعتقل وخارج المعتقل :

وقد مارس الصوفية الضغط على ابن تيمية وهو في المعتقل حتى يسلم لهم بعقائدهم ويكف عن الإنكار عليهم في نظير إخراجه ، فكان نصر المنبجي يدعوه للصلح ، وبعد أن يحصل على موافقته يرفض الصلح معه إلا بعد أن يتنازل عن آرائه ، يقول صاحب مخطوطة ( تكسير الأحجار ) التي فصلت حياة ابن تيمية في المعتقل :( لما كان الشيخ في قاعة الترسيم ( أى الاعتقال ) جاءه شمس الدين الدباهي للصلح بينه وبين نصر المنبجي ، فقال ابن تيمية : أنا أجيب إلى ذلك ، فذهب إلى نصر ( المنبجى ) وعنده المشايخ التدامرة ، وعرض عليه الأمر ، فقال ( المنبجى ) : يا سيدي وكم كتبنا إلى الشيخ مثل هذا وما يسمع منا .! .. فقال له : أكتب إنك أجبت إلى ذلك ، فقال : إن كتب الشيخ كتبت . فاتفقا على ذلك ، فسير ورقة الصلح إلى ابن تيمية فكتب : أجبت إلى ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . وكتبه أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية ، فقال الدباهي لنصر : أكتب مع الشيخ مثل ما قلت وعاهدت الله عليه ، فقال ما بقيت أكتب ، فقال له شمس الدين ( الدباهى ) : عاديتك في الله ، وكشف رأسه ( كشف الرأس كان يعنى الاحتجاج الهائل أو الحزن الشديد ، وكان من العقوبات فى العصر المملوكى كشف الرأس ). وقال ثم نبتهل ثم نبتهل ( الابتهال كان آخر طريق فى المجادلات والخصومات ، وجاء ذكر المباهلة فى قوله جل وعلا : (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61) آل عمران ) ، وقام ( شمس الدين الدباهى من عنده ) من عنده ( أى من عند نصر المنبجى )  فسير الشيخ نصر لوالي المدينة ( الوالى فى العصر المملوكى كان رئيس الشرطة المسئول عن الأمن والاعتقالات )  أن يكبس ( يهاجم ) بيت ابن تيمية ومسك ( اعتقال ) أصحابه واعتقالهم ، فسير الوالي نائبه فكبس البيت وقصدوا اعتقال شرف الدين أخي الشيخ ، ولكنه هرب وأمسك أصحاب الشيخ واعتقلهم في بيته . ومنع الناس من الدخول على الشيخ ( يعنى كانت الناس تزور ابن تيمية وهو فى السجن ، وكانت له الحرية فى الكلام والكتابة وقتها ) .. وفي تلك الأيام جاءت المشايخ التدامرة إبراهيم وأبو بكر إلى الشيخ وقالوا له : قد اجتمعنا بهؤلاء القائمين عليك ( أى الصوفية بزعامة نصر المنبجى ) وقالوا : " قد بلشنا به والناس بتلعنا (أى تلعننا ) بسببه ، وقد قلنا أنا قد أخذناه بحكم الشرع في الظاهر فيصير شيء لا يكون علينا ولا عليه فيه رد ، فيكتبه لنا ونتفق نحن عليه وهو عليه "، فلما قالوا له ذلك قال لهم ( ابن تيمية ): أنا منشرح الصدر وما عندي قلق ، وهم برا الحبس فلم يقلقون ؟.. ثم أنهم بعد أيام جاءوا إلى عنده ، وقال له : قد وقفوا على الورقة ، وقالوا : " هذا الرجل محجاج خصم وماله قلب يفزع به من الملوك ، وقد اجتمع بغزان ( غازان التترى الذي غزا دمشق ) ملك التتر وكبار دولته وما خافهم ، ومتى اجتمع بالسلطان والدولة وقرأ عليهم كتاب الفصوص الذي كانت الفتنة بسببه قتلونا أو قطعونا من المناصب ، ويقال عنا أنه ما خرج من الحبس حتى دخلتم تحت ما اشترط عليكم ، ابعثوا أنتم اشرطوا عليه ما أردتم ، فإنه ما يدخل تحته فتكونوا قد عذرتم فيه. " ، فلما أخبروه بذلك المشايخ التدامرة ، قالوا يا سيدي قد حملونا كلام نقوله لك وحلفوا إلينا أنه ما يطلع عليه غيرنا : أن تتنزل لهم عن مسألة العرش ( أى قول الحنابلة فى تجسيم رب العزة فى موضوع الاستواء على العرش ، ونزول الرحمن الى السماء الدنيا ، وهى مسألة خلافية أخذها عليهم كثيرون أشهرهم الأشاعرة السنيون ) ومسألة القرآن ( أى موضوع خلق القرآن الموضوع الخلافى المتوارث من عصر ابن حنبل ) ونأخذ خطك بذلك ( أى إقرارا ) نوقف عليه السلطان ، ونقول له هذا الذي نحبس ابن تيمية عليه قد رجع عنه ، ونقطع نحن الورقة " .، فقال لهم : " بيدعوني أن أكتب خطي أن ما فوق العرش رب يعبد ولا في المصاحف قرآن ولا لله في الأرض كلام "، ودق بعمامته الأرض ، وقام واقف ورفع رأسه إلى السماء وقال : اللهم إني أشهدك على أنهم بيدعوني أني أكذبك وبكتابك وبرسلك وأن هذا الشيء ما بأعمله ....... وقالوا له : كل هذا بيعملوه حتى توافقهم وهم عمالين على قتلك أو نفيك أو حبسك " ، فقال لهم : " أنا إن قتلت كانت لي شهادة وإن نفوني كانت لي هجرة وإن حبسوني كان لي معبد ، أنا مثل الغنمة كيف ما تقلبت على صوف. " ، فيأسوا منه ، وانصرفوا ، فلما كان بعد صلاة المغرب جاء نايب والي المدينة بدر الدين المحسني ، عماد الدين ابن العفيف ، ومعه جماعته فقال يا سيدي  بسم الله ، قال له الشيخ إلى أين ؟ قال إلى الإسكندرية ، وقد رسم السلطان بذلك الساعة) [54] .

أى نقلوه منفيا الى سجن الاسكندرية .

وقال ابن كثير أنهم لم يستطيعوا النيل من ابن تيمية وهو في السجن فاشتوروا في أمره ، واتفقوا على نفيه للإسكندرية ، ولا نصير له هنالك حتى يقتله أحد أتباع ابن عربي فيها ( فيتخلصون منه دون مشاكل ، فانقلبت عليهم مقاصدهم الخبيثة ، وصار له أتباع فيها ) [55]  .

ثم توسط الأمير حسام الدين مهنا وكلم السلطان من أجله ، فأمر بإطلاق سراحه ، وتوجه الأمير حسام الدين بنفسه للسجن وأخرجه [56] .

 ولم يسكت الصوفية عنه ، خاصة وأنه لم يسترح بعد خروجه من المعتقل فأخذ في مباحثة الفقهاء بحضرة الأمير سلار شريك بيبرس الجاشنكير فى السلطنة ، وعقدت مجالس أخرى بالمدرسة الصالحية[57] فكان أن أثار الصوفية عليه الغوغاء فامتدت أيديهم للشيخ بالضرب والأذى ، فتجمع أهالي الحسينية ليثأروا للشيخ ، فألح عليهم ابن تيمية بالرجوع لأنه لا ينتصر لنفسه . وفي نفس هذا الشهر رجب 711 اعتدى عليه  آخر بالقول المفزع ، وأخيراً لجأ الصوفية للسلطان وتجمهروا حول القلعة . وتزعمهم في هذا ابن يعقوب البكري ( ت 724 ) الذي ( قام على ابن تيمية وأنكر ما يقوله وآذاه حين دخل مصر )  

    آثار حركة ابن تيمية على الفقهاء في القرن الثامن

مدرسة ابن تيمية الفقهية الحنبلية المناوئة للصوفية :

1-  أسفرت جهود ابن تيمية عن تكوين مدرسة فقهية ابتعدت عن خط القضاة وكبار الفقهاء الذين دانوا بالتصوف ودافعوا عنه .وتحمل أولئك التلاميذ الكثير من عنت الفقهاء والصوفية أثناء محنة أستاذهم ، وأبرزهم ابن قيم الجوزيه [61] وابن مري البعلبكي وابن شاس [62]، وعلى عبد الله الإسكندري [63].

2-  واستمرت مدرسة ابن تيمية بعد موته تنادي بمبادئه وتدافع عنه وعنها وتتحمل في سبيل ذلك الكثير من الأذى ، ومنهم المؤرخ ابن كثير [64]وابن البرهان المصري [65] وابن ماجد [66] وأبو بكر الهاشمي [67] . وإبراهيم الآمدي [68]  ، وابن المنصفي [69]  ، وابن عبد الله الناسخ [70] ، وابن المحب الحافظ [71] ، وابن الأعمى المصري [72]  ، وصدر الدين اليوسفي [73]  ،

3- 

والغزل [74] ، والحمصي [75] ، وابن السكري [76]..

 تكفيرهم لابن عربي .

1- وأثرت حركة ابن تيمية في النشاط الفكري لبعض فقهاء القرن الثامن فناقشوا آراء ابن عربي وحكموا بتكفيره .. ومنهم الفقيه زين الدين العراقي الذي علق على قول ابن عربى في الدفاع عن كفر قوم نوح ( إنه كلام ضلال وشرك واتحاد وإلحاد ، فجعل تركهم لعبادة الأوثان التي نهاهم نوح عن عبادتها جهلاً ) [77]. وقال عن تمجيد ابن عربي لعبادة بني إسرائيل للعجل ( هذا الكلام كفر من قائله ، من وجوه : أحدهما أنه نسب موسى عليه السلام إلى رضاه بعبادة العجل ، والثاني : استدلاله بقوله تعالى (   وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ  . . الإسراء 23 ) على أنه قدر أن لا نعبد إلا هو وأن عابد الصنم عابد له ، الثالث : أن موسى عتب على أخيه هارون إنكاره لما وقع وهذا كذب على موسى عليه السلام وتكذيب لله فيما أخبر به عن موسى ، الرابع قوله أن العارف يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء فجعل العجل عين الإله المعبود ، فليعجب السامع لمثل هذه الجرأة التي لا تصدر ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان ) [78].

ويقول شمس الدين بن الجزري ( وحكمه بصحة عبادة قوم نوح للأصنام كفر ، وقوله أن الحق المنزه هو الخلق المشبه كلام باطل متناقض وهو كفر ، وقوله في قوم هود : وحصلوا في عين القرب افتراء على الله ورد لقوله فيهم ، وقوله : زال البعد وصيرورة جهنم في حقهم نعيماً كذب وتكذيب للشرائع ، وأما من يصدقه فيما قال فحكمه كحكمه في التضليل والتكفير إن كان عالماً ، وإن كان ممن لا علم له فإن قال ذلك جهلاً عرف بحقيقة ذلك ويجب تعليمه وردعه عنه مهما أمكن ) [79].

وقال زين الدين الكتاني ( وقوله في قوم هود كفر ، لأن الله تعالى أخبر في القرآن العظيم عن عاد : إنهم كفروا بربهم والكفار ليسوا على صراط مستقيم ، فالقول بأنهم كانوا عليه مكذب لصريح القرآن ويأثم من سمعه ولم ينكره إذا كان مكلفاً ، وإن رضي به كفر ) [80] . ومنهج أولئك الفقهاء هو الرد على أقاويل ابن عربي في الفصوص من الدفاع عن المشركين السابقين الذين ذكرهم القصص القرآني . وقد كفّروا ابن عربي لتأييده لهم ، وقد بذل ابن عربي كل جهده في الدفاع عن أولئك المشركين .

2-وبعضهم حكم أجمالاً بتكفير ابن عربي وخروج مذهبه عن الإسلام ، ومن أولئك أبو حيان الأندلسي وهو من خلصاء ابن تيمية ، وقد قال عن الاتحادية ( هم شرُ من الفلاسفة الذين يكذبون الله ورسوله ويقولون بقدم العالم وينكرون البعث ، وقد أولع جهلة ممن ينتمي إلى التصوف بتعظيم هؤلاء وادعائهم أنهم صفوة الله ) [81]، وقال شرف الدين الزواوي عن الفصوص ( وأما ما تضمنه هذا التصنيف من الهذيان والكفر والبهتان فهو كله تلبيس وضلال وتحريف وتبديل ، فمن صدق بذلك أو اعتقد صحته كان كافراً ملحداً صاداً عن سبيل الله ..) [82].

وقال ابن عقيل البالسي في وحدة الوجود ( من صدق هذه المقالة الباطلة أو رضيها كان كافراً بالله تعالى يراق دمه ولا تنفعه التوبة عند مالك وبعض أصحاب الشافعي ، ومن سمع هذه المقالة القبيحة تعين عليه إنكارها بلسانه، بل يجب عليه منع قائلها بالضرب إن لم ينزجر باللسان ، فإن عجز عن الإنكار بلسانه أو بيده وجب عليه إنكار ذلك بقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ) [83]. وهي فتوى عملية لحديث " من رأى منكم منكراً .. " الذي أشاعه الحنابلة في محنتهم السابقة عن خلق القرآن ، واستطاعوا بهذا الحديث التأثير على الخليفة المتوكل العباسي ، في القرن الثالث الهجري ، ثم دبت الحياة العملية لهذا الحديث في محنة ابن تيمية في القرن الثامن ، والعادة أن ينتشر هذا الحديث مع سيطرة الفقهاء الحنابلة .

وكتب ابن هشام النحوي على نسخة من كتاب الفصوص ( هذا كتاب فصوص الظلم ونقيض الحكم وضلال الأمم ، كتاب يعجز الذم عن وصفه قد اكتنفه الباطل من بين يديه ومن خلفه ، لقد ضل مؤلفه ضلالاً بعيداً وخسر خسراناً مبيناً لأنه مخالف لما أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه وفطر عليه خليقته ) [84]. وقال شمس الدين العيزري عن الفصوص أيضاً ( قال العلماء : جميع ما فيه كفر لأنه دائر مع عقيدة الاتحاد ) [85]. وقد سئل سراج الدين البلقيني عن أبي عربي فبادر بالجواب أنه كافر [86].

وقد قيل في ترجمة ابن الصاحب من أتباع ابن عربي أنه ( صرح بالاتحاد فوقعت له محنة مع الشيخ سراج الدين البلقيني ) [87].

تكفيرهم ابن الفارض ..

1-  وفي الناحية المقابلة عزّر شهاب الدين بن أبي حجلة بحكم القاضي الصوفي السراج الهندي ، وكان ابن أبي حجلة ( كثير الحط على الاتحادية ، وصنف كتاباً عارض به قصائد ابن الفارض ، وكان يحط عليه وعلى نحلته ويرميه ، ومن يقول بمقالته بالعظائم .. وقد أمر ابن أبي حجلة عند موته بأن يوضع الكتاب الذي عارض به ابن الفارض وحط عليه فيه في نعشه ويدفن معه في قبره ، ففعل به ذلك ) [88].

2-  وفعل آخرون  كابن أبي حجلة فصنفوا كتباً في الرد على الفصوص مثل ابن بلبان السعودي ، وبدر الدين حسين ابن الأهدل في تصنيفه المسمى ( كشف الغطاء عن حقائق التوحيد ) ، وقال عماد الدين الوسطي ( أنه علق ( أى كتب ) في ذم هذه الطائفة ثلاثة كراريس الأول سماه البيان المفيد في الفرق بين الإلحاد والتوحيد ، والثاني : لوامع الاسترشاد في الفرق بين التوحيد والإلحاد ، والثالث  : أشعة النصوص في هتك أشعار الفصوص ) [89].

3-  وتأثر بعض خصوم ابن تيمية به فلما لبثت أن عاد فقيها منكراً على ابن عربي ومن هؤلاء قاضي القضاة تقي الدين السبكي ، وقد قال أخيراً عن ابن عربي ( ومن كان من هؤلاء الصوفية المتأخرين كابن عربي وغيره فهم ضلال جهال خارجون عن طريقة الإسلام فضلاً عن العلماء ) [90]. ويذكر أن تقي الدين السبكي عاد يثني على ابن تيمية و يعترف بفضله [91].

 آثار حركة ابن تيمية على بعض خصومه من الصوفية

هجوم بعض الصوفية على ابن عربي

( علاء الدين البخارى )

بعض دهاة الصوفية بادر بالهجوم على ابن عربي وابن تيمية في نفس الوقت مخافة أن يتطرق الإنكار إلى هدم مبدأ التصوف .ومن أولئك علاء الدين البخاري ، وقد كان يبالغ في الحط على ابن تيمية وتكفيره حتى ثارت فتنة بسبب ذلك في الشام [92]..

وقد صنف علاء الدين البخاري رسالة في نقص مذهب الاتحاد سماها ( فاضحة الملحدين وناصحة الموحدين ) ، قال في آخرها ( أنهم يسمون كفرة وملاحدة وزنادقة ) ووصف ابن عربي بأنه ( كان كذاباً حشاشاً كأوغاد الأوباش ) ، وقال عن الفصوص ( أفتطمعون من مغربي يابس المزاج يأكل الحشيش شيئاً غير ذلك ) [93].. وحاول البخاري أن يخرج ابن عربي وأصحابه من دائرة التصوف والأولياء ، يقول ( إن الملاحدة عبروا عن ضلالهم بعبارات العارفين بالله يتسترون بها في زندقتهم ، فينبغي الحذر من ذلك ، فأراد بالفناء نفي حقائق الأشياء .. وذلك غير ما أراد العارفون فإنهم أرادوا بها معاني يصدقها الشرع ) [94] .وواضح خوفه من وصول الإنكار إلى ابن عربي إلى درجة اتهام التصوف نفسه ..

القاضى البساطى

والطريف أن قاضياً للقضاة متعاوناً مع الصوفية ويدين بالتصوف – وهو البساطي- قد فوجئ بموقف علاء الدين البخاري ، فقد قال في مجلس عقد في القرن التاسع – أن كلام ابن عربي يمكن تأويله – وقصد بذلك نفاق علاء الدين البخاري وكان حاضراً المجلس ومعه ابن حجر وعبد الرحمن التفهني والعيني والسيرامي وابن نصر البغدادي وأبو بكر القمني وابن الأمانة وابن تقي الدين المالكي ، فقال له البخاري على رءوس الأشهاد : كفرت .. وسلم له من في المجلس بتكفيره ، وما خلص البساطي إلا بالبراءة من اعتقاده أمامهم [95]..

ثم تشجع البساطي فاعتبر الاتحاديين وابن عربي ضمن القائلين بقدم العالم مع ابن سينا والفارابي ، وقال ( وأعلم أن هذه الضلالة المستحيلة في العقول سرت في  جماعة من المسلمين ، نشأوا في الابتداء على الزهد والخلوة والعبادة ، فلما حصلوا من ذلك على شيء صفت أرواحهم وتجردت نفوسهم وتقدست أسرارهم ، وانكشف لهم ما كانت الشواغل الشهوانية مانعة من انكشافه ) [96].

أي أنه يسلم لابن عربي بصفاء الروح وقدسية السر وقيام الكشف أو العلم اللدني ، ويجعل ذلك كله مؤدياً للقول بالاتحاد والوحدة مع أنه وصفها بالضلالة المستحيلة .. فهو يقترب بذلك من رأي العلاء البخاري وإن كان أقل منه مهارة في التلفيق ..

وقد قام البساطي سالف الذكر بشرح تائية ابن الفارض بنفس المنهج الرامي إلى التوفيق بين عقيدة ابن الفارض فيها والإسلام ، وذلك لصالح الاتحادية ، وقد تكلم على الأبيات على وجه يظهر منها حملها على موافقة الشرع فإن عجز صرح باعتذارات الصوفية [97].

والبساطي معذور ، فللبخاري نفوذ في الدولة ، وكان قد تعصب ضد البساطي في المجلس وأقسم بالله إن لم يعزل السلطان القاضي البساطي ليخرجن من مصر ، وأمر السلطان بإحضار القضاة عنده فتبرأ البساطي من مقالة ابن عربي وكفّر من يعتقدها ( وذلك حتى لا يُعزل ، واسترضى السلطان علاء الدين وسأله ألا يسافر ) [98] . وفي ذلك يقول أبو المحاسن عن البخاري ( أنه عزل قاضي القضاة المالكي محمد البساطي وتشاجر معه لأنه حاول أن يؤول كلام ابن عربي ويدافع عنه ) [99]  . وكان البخاري ينهى الناس عن مطالعة كتب ابن عربي ، ومثله في ذلك كان الصوفي الإتكاوي 834 في القرن التاسع ، مع اعتقاده بعرفان ابن عربي وكماله [100] .

ومعنى ذلك أن تأثير ابن تيمية استمر إلى نحو منتصف القرن التاسع في الصوفية الرامين لخدمة الطريق الصوفي وإنقاذه من خطر ابن تيمية ..

ومع ذلك فإن أولئك الصوفية المنكرين على ابن عربي كانوا تلاميذ لقطب الدين بن ميمون في القرن السابع ،وقد اشتهر بإنكاره على الاتحادية وكتب فيهم مبتدئاً بالحلاج ، وختم بالعفيف التلمساني ،إلا أنه يقول في شعره :

       لما رأيتك مشرقاً في ذاتي          بدلت من حالي ذميم صفاتي

وهي قصيدة طويلة علق عليها ابن الفرات المؤرخ بقوله (ما قال عفيف التلمساني في شعره إلا هذا أو ما يقاربه ، وهذا هو طريق القوم الذين أنكر عليهم [101] .أي ينكر على الصوفية الاتحادية ، ويقول مثلهم .

ولولا ابن تيمية ما وجد في القرن التاسع من ينهج منهج ابن ميمون المعاصر لابن عريي ،إذ أن المنطقي في حكم التاريخ أن يزدهر طريق التصوف باضطراد ، ويقل الإنكار عليه وتجتمع آراء الصوفية على عقيدة واحدة بلا نفاق .. إلا أن حركة ابن تيمية أجبرتهم على الهجوم على ابن عربي ، ولكن بهجوم صوفي يثبت العقائد الصوفية ولا ينفيها .

  أثر ابن تيمية العكسي في ازدهار عقيدة الاتحاد الصوفية :

إلا أن لابن تيمية أثراً غير مباشر في ازدهار عقيدة الاتحاد الصوفية ،على غير قصد منه طبعاً .. وترجع هذه المفارقة إلى أن ابن تيمية – مع تفوقه على أقرانه من الفقهاء- فقد كان ابنا لعصره الذي دان بالتصوف ، وهذا التسليم من ابن تيمية للتصوف قضى على حركته المناوئة للصوفية المتطرفين بالفشل وحكم عليه بأن يعيش بين سجن ونفي ومعاناة .

وحتى لا تتشابك عناصر هذه القضية فإننا نبسطها في النقاط التالية :-

ا ) يرى ابن تيمية في التصوف رأيا حسناً ، ويقول عن الصوفية ( إن الصوفية مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ، ففيهم السابق بحسب اجتهاده ،وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين .. وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة ، ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم كالحلاج مثلاً ، فإن أكثر مشايخ الطريق أنكروه وأخرجوه عن الطريق مثل الجنيد سيد الطائفة وغيره ) [102] .

وواضح أن ابن تيمية مخدوع بالجنيد ومنافقي الصوفية الأوائل ، ويرى أن أصحاب الوحدة والاتحاد ليسوا من الصوفية ، وعلى ذلك تتضاءل المسافة بينه وبين خصمه الصوفي علاء الدين البخاري فكلاهما ينشد إصلاح الطريق الصوفي من شرور ( أصحاب البدع والزندقة ) .. بل إن ابن تيمية يقول في الجنيد مقالة الصوفية فيه يقول ( .. فإن الجنيد قدس الله روحه وكان من أئمة الهدى ، فسئل عن التوحيد فقال : التوحيد إفراد الحدوث عن القدم ) [103] .

ب ) ويعتقد ابن تيمية بكرامات الصوفية حتى ممن يعتبرهم أولياء للشيطان ، يقول عنهم ( وهؤلاء يأتيهم  أرواح تخاطبهم وتتمثل لهم وهي جن وشياطين فيظنونها ملائكة .. وهذه الأرواح الشيطانية هي الروح الذي يزعم صاحب الفتوحات ( يعني ابن عربي ) أنه ألقى إليه ذلك الكتاب .. وأعرف من هؤلاء عدداً ، ومنهم من كان يحمل في الهواء إلى مكان بعيد ويعود ، ومنهم من كان يؤتي بمال مسروق تسرقه الشياطين وتأتيه به ، ومنهم من كانت تدله على السرقات بجعل يحصل له من الناس ) [104] .( ومن هؤلاء من يأتيه الشيطان بأطعمة وفواكه وحلوى وغير ذلك مما لا يكون في ذلك الموضع ، ومنهم من يطير به الجني إلى مكة أو بيت المقدس أو غيرهما ، ومنهم من يحمله عشية عرفه ثم يعيده في ليلته .. ومن هؤلاء من إذا أحضر سماع المكاء والتصدية يتنزل عليه شيطانه حتى يحمله في الهواء ..) [105] .وذلك التصديق بإدعاءات الصوفية وإمكانية حدوثها فعلاً : هو اعتقاد العصر المملوكي الذي لم يستطع ابن تيمية الخروج عنه ، وإن رده إلى فعل شيطاني يناسب رأيه فيهم باعتبارهم كفرة ..

ج) وابن تيمية حين ثار على صوفية عصره فإنما ثار على بيئته ، قد ترسبت معتقداتها في داخل نفسيته . ويتضح  ذلك في قراءتنا لهذا النص من مخطوطة ( تكسير الأحجار ) عن ابن تيمية وصحبه حين قام معهم لهدم وثن أى ضريح صوفي يقصده الناس بالعبادة والتقديس ( .. بلغه ما يفعله الناس عند العامود المخلق فشدّ عليه وقام واستخار الله في الخروج إلى كسره ) وبعد أن وصف الكاتب اجتماع الناس معهم ثم تراجعهم رويداً رويداً مخافة التعرض للغضب المزعوم للولي المدفون قال : ( وصحنا على الحجارين ( أي من يهدمون الحجارة ) دونكم وهذا الصنم ، فما جسر أحد منهم يتقدم إليه ) ثم قال ( فأخذت أنا والشيخ المعاول منهم وضربنا فيه ، وقلنا جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ، وقلنا إن أصاب أحداً منه شيء نكون نحن فداه ، وتتابعنا الناس فيه بالضرب حتى كسرناه فوجدنا خلفه صنمين حجارة مجسدة مصورة كل صنم منها نحو شبر ونصف ) [106] .

فمع أن فقه ابن تيمية حمله على القيام لكسر ذلك العمود المقدس إلا أن رواسب التصوف التي أرضعتها له البيئة الصوفية لعصره قد جعلته ( يستخير الله في الخروج ) ،وعندما تقهقر الناس خوفاً استمر هو ، إلا أن شجاعته في الإقدام لم تخل من خوف زرعته في قلبه عقائد التصوف المتحكمة في البيئة والعصر ، وأظهر له تراجع الناس من حوله ، فقال ( إن أصاب أحداً منه شيء نكون نحن فداه ) ، أي أنه يسلم بمقدرة تلك الأصنام على الأضرار ، وتشجع ليفدي الناس من ضررها بنفسه ..

د) وإخلاص ابن تيمية لعصره وما ساده من تقديس للصوفية – جعله يفقد الطريق الصحيح في حربه لصوفية عصره المغالين ، فطاشت سهامه في حروب متفرقة ضد متطرفي الصوفية من أتباع ابن عربي أو من فقراء ( أى الصوفية ) الأحمدية ( أتباع أحمد البدوى ) الذين كانوا يلعبون بالثعابين ويمارسون الشعوذة .. فصرفه ذلك كله عن الهدف الأصلي المنتظر منه باعتباره مستكملاً لأدوات الاجتهاد السّنى  كما قيل فيه .. فصاحب الاجتهاد يخرج باجتهاده عن إطار عصره ويسمو على تقليد المعاصرين .. فكان ينبغي على ابن تيمية أن يدرس باجتهاده عقائد الصوفية الأوائل بدءاً  بالجنيد وانتهاءاً بالغزالي ويحكم عليهم بالقرآن ، ويحارب مبدأ التصوف من أساسه ويبتعد قدر الإمكان عن التعرض لأشياخ الصوفية في عصره حتى لا يصطدم بنفوذهم ، ويجعل من ذلك الأساس الذي تقوم عليه مدرسته في حرب التصوف باعتباره عقيدة تناقض الاسلام ،  ثم يعرض عقائد الفقهاء وأحاديثهم المنسوبة للنبى ايضا أيضاً على القرآن ليرى ما فيها خلل . واعتقد أن ذلك لو تم لوفر ابن تيمية كثيراً من الوقت ولأراحه من كثير من الاضطهاد ولأصاب التصوف في الصميم  ، ولأنقذ عصره من كثير من المعتقدات المخالفة للإسلام .

إلا أن ابن تيمية أصر على أن يشارك بثورته في كل ميدان ، وصمم على أن تصل سهامه إلى السياسة أيضاً .. فحكم على نفسه بمزيد من العنت والاضطهاد لأن مقاييس ( السياسي ) في عصره لم تتوافر فيه ..

والأهم من هذا إن فشله السياسى أضاع ثمرة حركته الجهادية السنية ضد خصومه الصوفية ، فكسبوا الحرب ضده ، وأنتعشت عقائدهم فى وحدة الوجود بتأثير فشل ابن تيمية سياسيا و دينيا . فكيف فشل ابن تيمية سياسيا ؟

أثر الأرضية السياسية فى إجهاض حركة ابن تيمية

وتحليل واقع ابن تيمية لابد أن يستند على أرضية سياسية ..

1 ــ فقد شهد ابن تيمية – أو شهدت محنته عصر سلطانين من المماليك:السلطان المظفر بيبرس الجاشنكير . والناصر محمد بن قلاوون .وقد كان بيبرس الجاشنكير مغتصباً لسلطة محمد بن قلاوون السلطان الصغير الشرعي ، ويؤيده في ذلك الصوفية بزعامة نصر المنبجي داعية ابن عربي ، وأراد الجاشنكير أن يتسلطن رسمياً ويعزل محمد ابن قلاوون فوافقه علماء مصر من الصوفية والقضاة ، ولم يكن للجاشنكير أن يتجاهل وجود ابن تيمية في مصر وهو المعتقل ، وظن أنه تحت ضغطه ، فاستحضره من الحبس ليوافق على مبايعته بالسلطنة ، فأبي ابن تيمية ولم يعترف بتنازل محمد ابن قلاوون عن السلطنة ، وكذب الشهود الذين جاء بهم الجاشنكير وأعلن أن البيعة له باطلة ( فاغتاظ الملك المظفر وقال ردوه إلى الموضع الذي كان فيه ، فردوه إلى حبس الإسكندرية ) ، ولم ينقطع ابن تيمية عن مهاجمة الجاشنكير في سلطتنه ، فكان ينال منه ( ويقول : زالت أيامه ، وانتهت رياسته ، وقرب انقضاء أجله ، ويتكلم فيه ) [107] . اى يهاجمه .

2 ــ أي أن ابن تيمية أدخل نفسه في صراع الجاشنكير مع محمد بن قلاوون بحيث بات الجاشنكير يعتقد أنه من أنصار محمد ابن قلاوون ، ومن الطبيعي أن يستغل الصوفية الموقف فعقدوا لهم مجلساً بإشارة نصر المنبجي ، قام بالإدعاء فيه عليه ابن عطاء السكندري .. وفي هذا المجلس كان القضاة صوفية لحماً ودماً وليسوا مجرد قضاة يعملون لصالح التصوف ..

3 ـ ولم تستمر أيام الجاشنكير كثيراً إذ سقط وتفرق عنه أتباعه – والصوفية في المقدمة – وتم الأمر للناصر محمد بن قلاوون  فعاد الى السلطة . وكان ابن تيمية معتقلاً بينما الصوفية يعدون العدة لاستقبال السلطان الجديد الذي تخلوا عنه سابقاً . وبدأ الناصر محمد بن قلاوون عهده بالإنتقام ممّن تألب عليه من القضاة وإخراج ابن تيمية من الحبس معززاً مكرماً إلى فترة من الزمن،  زاد فيها نفوذه السياسي حتى تم تعيين الأمير الأفرم في نيابة طرابلس بإشارته ، وعزل نائب دمشق لأنه شتم بعض فقهاء المدينة [108] ، واستفحل خطر الشيعة في الشام فقام ابن تيمية بقتالهم ، وكتب إلى أطراف الشام يحث على قتالهم واستمر في حصارهم حتى أجلاهم ، وكتب بذلك للسلطان الناصر محمد فخشي السلطان الناصر محمد بن قلاوون من نفوذ إبن تيمية الحنبلى الذى يشارك طبقا لعقيدة الحنلية فى ( تغيير المنكر) مُزاحما للسلطان فى السلطة ، عكس الصوفية الذين يتنافسون فى الرقص بين يدى السلطان . وصدّق السلطان الناصر محمد همسات الوشاة القائلين له عن إبن تيمية : ( لأن الناس اجتمعوا عليه ولو طلب المُلك ما بُعد عنه ) ، أى إن أبن تيمية حظى بتأييد الناس حتى لو طمع فى السلطنة لنالها . وانتهز الصوفية الفرصة فكادوا له عند السلطان ( وأشاعوا أنه يسعى في الإمامة الكبرى وأنه كان يلهج بذكر ابن تومرت ويطريه ) [109]. أي يريد أن يقيم دولة كما فعل الفقيه ابن تومرت في شمال أفريقيا .

4 ــ وكان الناصر محمد عائداً إلى  سلطنته الثالثة وقد ذاق الأمرّين من تجارب الحكم وتحكم كبار الأمراء فيه مذ كان صبيا ، فحرص أشد الحرص على ألا يعلو رأس في مملكته وأن يقضي في الحكم مستبداً ، والصوفية من ناحيتهم خير معين للحاكم المستبد ولا يخشى منهم مناوئاً ، ثم جاءت تصرفات ابن تيمية في الشام تأكيداً لمخاوف السلطان ومساعي الصوفية .. فتم التحالف بين السلطان والصوفية ،  وأقام السلطان لهم خانقاه سرياقوس ، أعظم خانقاه فى العصر المملوكى ، وافتتحها في حفل جامع سنة 725 [110] . وفي السنة التالية 726 أمر باعتقال صديقه السابق بسبب فتوى سابقة عن زيارة القبور [111] . وهي أمور تمسّ الصوفية وتعبر عنهم ، وذكرت صريحة في دعوي الاتهام ، مما ينهض دليلاً على ازدياد النفوذ الصوفي في أقل من عام .

وحمل الاعتقال الأخير كل حقد الصوفية على ابن تيمية ، وقد كان يفرح بالاعتقال حيث يتوفر على العبادة والتأليف [112] ، إلا أنهم منعوه في حبسه الأخير من الكتابة ونشر آرائه مما أثر على نفسيته وهو في مرحلة الشيخوخة ، وقد أمضى حياته في حرب خصومه من الشيعة والصوفية والمغول ، فمات بعد عامين في الحبس .

5 ــ لقد أخطأ ابن تيمية في فهم قواعد اللعبة السياسة لعصره ولم يدرك أنها لم تعد تناسب فقيها حنبليا بنفس مواصفاته .. فقد انتهى زمن الحنابلة بل وانتهى أمر ( وُعّاظ السلاطين ) ، وعرف القرن السادس وما تلاه أصنافاً من الحكام المتغلبين من رؤساء الجند يصلون بالظلم ، وبه يحكمون ، وقد وجدوا التشجيع من تيار التصوف الآخذ في الانتشار ، وبدأت الخوانق و " بيوت التصوف " في الانتشار ، وأحتل الصوفية الصف الأول بين يدي الحاكم يبررون له الظلم ويضمنون له ولاء العامة المعتقدين فيهم .ومن شأن الحاكم حينئذ أن يضيق بالنقد وبالفقيه إذا ذكّره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فقد اعتاد الخضوع إلى درجة السجود بين يديه ، يفعل ذلك الأمراء ، والقضاة والصوفية وقد كان السجود بين يدي السلطان المملوكي من الآداب المرعية حينئذ . وهذا وضع لا يناسب ابن تيمية وليس مجاله ولا من رجاله.. فكان أجدر به الابتعاد عن السياسة خصوصاً وأن مواصفاته كفقيه تستوجب خوف الحاكم منه ، فقد تمتع بقوة التأثير في الأتباع ، مع الاستقامة المفرطة ، والتنزه عن الغرض الدنيوي ، وايجابيته في المواجهة من الحجة الفقهية إلى السيف ، وشجاعته الأدبية في أحلك المواقف بما في ذلك موقفه المجيد أمام غازان المغولي الذي دمر دمشق .. هكذا .. خسر ابن تيمية في السياسة وأضاف إلى رصيد أعدائه نصراً جديداً عليه حين كان يقابل من الإيذاء في عصر صديقه السلطان الناصر محمد أضعاف ما لاقاه في عصر عدوه الجاشنكير .. وتمت للصوفية دولة بجهده وأقيمت لهم أعظم الخوانق التي أنشئت في العصر المملوكي وهي ( خانقاه سرياقوس ) على أشلاء ابن تيمية وجهاده ..

6 ـ ولا ريب أن تنعكس انتصارات الصوفية على ابن تيمية إلى ازدهار مضطرد في إعلان العقيدة الصوفية .

 أثر حركة ابن تيمية فى إنتشار عقيدة وحدة الوجود

1 ــ وتشجع كثير من الصوفية فأعلنوا بصراحة .. وأبرزهم في القرن الثامن الوفائية من الطريقة  الشاذلية ، يقول عميدها محمد وفا ( ت سنة 765 ) ( اللهم أجعلني عيناً لذات الذوات ومشرقاً لأنوارها المشرقات ومستودعاً لأسرارها المكتتمة ، ويقول : قال لي الحق أيها المخصوص : لك عند كل شيء مقدار ولا مقدار لك عندي فإنه لا يسعني غيرك وليس مثلك شيء، أنت عين حقيقتي وكل شيء مجازك وأنا موجود في الحقيقة معدوم في المجاز ، يا عين مطلعي أنت الحد الجامع المانع لمصنوعاتي ، إليك يرجع الأمر كله وإلىّ مرجعك ، لأنك منتهى كل شيء ولا تنتهي إلى شيء ، طويت لك الأراضين السبع .. الخ ) [113] .وقال ابن حجر عن محمد وفا ( أنشأ قصائد على طريق ابن الفارض وغيره من الاتحادية واجتمع عليه خلق كثير يعتقدونه وينسبون إليه ، ونشأ ابنه على طريقته ولأتباعهم فيهم غلو مفرط ) [114]. وقيل عن على بن محمد وفا ( شعره ينعق بالاتحاد المفضي إلى الإلحاد ، وكذا نظم والده ) [115] . وقال على بن محمد وفا عن والده ( سيدي ووالدي صاحب الختم الأعظم، فالشاذلي وجميع الأولياء من جنود مملكته ، فهو يحكم ولا يُحكم عليه في سائر الدوائر ،فلا يقال لنا لم لا تقررون حزب الشاذلي لأنكم من أتباعه) [116]. أي أنه سار في طريق الاتحاد إلى درجة استصغر معها الشاذلي نفسه وجميع الأولياء . بل أنه استهان بابن عربي وابن سبعين فقال عنهما ( أنهما سلكا الطريق معاً إلى فلك يقال له الفلك المحدب ورجعا منه ولم ينفذا عنه ) [117] . أي أنه وأباه فاقا ابن عربي وابن سبعين في دعوى الاتحاد ..

2 ــ ومن أتباع الشاذلية الدعاة لابن عربي كان أبو المواهب الشاذلي 882 ووصف بأنه ( شديد المناضلة عنه والانتصار له ) [118].. وقال الشاعر البشتكي أنه نسخ كثيراً من مصنفات ابن عربي للشيخ بهاء الدين الكارزوني ت 774 وهو من أتباع الشاذلية [119].

3 ــ وخارج المدرسة الشاذلية كان سراج الدين الغزنوي الهندي 773 قاضي الحنفية متعصباً للصوفية الاتحادية وعزر ابن أبي حجلة لكلامه في ابن الفارض [120]. وسلك شمس الدين شيخ الوضوء الشافعي ت 790 طريق التصوف ( ومع كونه فقيهاً شافعياً فقد كان يعتقد ابن عربي ) [121]. أي أن مذهب ابن عربي اجتذب إليه كثيراً من الفقهاء والقضاة حتى أن ابن خلدون اتهم الفقيه أكمل الدين البابرتي 786 باعتقاد مذهب وحدة الوجود [122]. وفي هذا الجو دُرست مبادئ ابن عربي لكثير من الصوفية مثل ابن نجم الصوفي ت 801 [123]. وبالغ بعضهم في إظهار عقيدته شطحاً مثل ابن الصاحب ت 788 ( وكان يتعصب لابن عربي ، وكان يكثر من الشطح ويتكلم بما لا يليق بأهل العلم من الفحش ، ويصرح بالاتحاد ) [124]. مما حدا باليافعي إلى المجيء لمصر بعد سنة 734 لأنه كان ( من جملة المعظمين لابن عربي ، وله في ذلك مبالغة ) [125].

4 ــ وانضم بعض الأمراء المماليك إلى حظيرة الاتحاديين بعد أن اعتنقوا التصوف ، ومنهم قجماس الصوفي ( ت 800 ) وكان من نقباء الدسوقية ( وداعية إلى مقال ابن العربي ) [126] . ومقبل من عبد الله الرومي ( ت 802) وهو عتيق الناصر محمد ( طلب العلم واشتغل بالفقه وتعمق في مقالة الصوفية الاتحادية )[127].

أخيرا

1 ــ وقبل أن نودع ابن تيمية وقرنه الثامن نعقد مقارنة صغيرة بين ما لاقاه الصوفية الأوائل من اضطهاد الفقهاء السنيين في القرن الثالث وما واجهه الفقيه ابن تيمية من اضطهاد الصوفية المتحكمين في القرن الثامن . كان أول من تكلم في بلدته في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية ، ذا النون المصري ، فأنكر عليه ذلك عبدالله بن عبدالحكم ، وكان رئيس مصر وكان يذهب مذهب مالك ، وهجره لذلك علماء مصر لما شاع خبره حتى رموه بالزندقة لأنه أحدث علماً لم يتكلم فيه السلف ، وأخرج أبو سليمان الداراني من دمشق لأنه زعم تكليم الملائكة ،وشهد قوم على أحمد بن أبي الحواري أنه يفضل الأولياء على الأنبياء فهرب من دمشق إلى مكة ، وأنكر أهل بسطام على أبي يزيد البسطامي ما كان يقول فأخرجوه من بسطام ، وأخرج سهل بن عبد الله التستري إلى البصرة [128] .

ومرت السنون .. وتقرر التصوف ديناً رسمياً على يد الغزالي وزاد انتشاره ، فتحولت دائرة الاضطهاد تطحن المنكرين على التصوف الدين الجديد ، وأصبح المنكرون على الصوفية في القرن الثامن يخرجون من حبس إلى حبس ، وتعقد لهم المحاكمات ، مع أنهم يسلمون بالتصوف مبدءاً وطريقاً ، وكل ما هنالك أنهم يدعون صوفية عصرهم إلى الاعتدال وسلوك طريق المشهورين بالاعتدال من المتصوفة الأوائل .. إلا أن تاريخ الأديان الأرضية تسيطر عليه الصراعات ، ولهذا فإن  صراع ابن تيمية الحنبلى مع الصوفية والشيعة لم ينته بموت ابن تيمية ، إذ أشعلته الحركة الوهابية الحنبلية في العصر الحديث ، واستطاعت الدولة السعودية ( الثالثة ) أن تنشره في أيامنا عبر قطار النفط السريع ، فأصبحت الوهابية التيمية الحنبلية هي الممثل الشرعي للإسلام ، وهي التي تنشر تزمت العصور الوسطى وتعصبها الديني المذهبي باسم الإسلام ، والإسلام بريء من ذلك لأنه يدعو لحرية الرأى والعقيدة ويمنع الإكراه في الدين ، ويؤجل الحكم في الاختلاف بين الناس إلى الله تعالى يوم القيامة.

2 ــ وقد كان ابن تيمية من ضحايا الصوفية ولكن اضطهادهم له أورثه حدة في التكفير وفى الحكم بقتل من يخالفه ولو فى رأى بسيط فى هيئات الصلاة ، أو التبكير لصلاة الفجر، وتمتلىء رسائله بهذه الفتاوى الدامية التى لم يستطع تنفيذها فى عصره ، فجاءت الوهابية فى عصرنا تطبق فتاوى ابن تيمية على أنها هى الشريعة الاسلامية ، أى إن ابن تيمية لا يزال حيا بتشريعاته فى عصرنا بينما إختفى خصومه من سلاطين عصره ( بيبرس الجاشنكير و محمد بن قلاوون ) الى سطور التاريخ لا يسمع بهم أحد . لم يكن ابن تيمية فى محبسه يتصور أن فتاوية السامة المتطرفة فى دمويتها والتى كا يكتبها تنفيسا عن غضبه ستتحول الى شرع إسلامى بعد موته بقرون .

3 ــ ومن الغريب أن تتقدم الإنسانية إلى عصر حقوق الإنسان التي قررها القرآن ، ثم يطالب بعضنا بالرجوع الى شطحات ابن تيمية الفقهية وتطبيقها على أنها شريعة الاسلام ، أو يطبقها بالحديد والنار باسم الاسلام . وهى اللتي تخالف تشريعات الإسلام ، والأغرب أن يفعلوا ذلك تحت اسم الإسلام !!



[1]
الطبقات الكبرى جـ1/ 163 ط صبيح .

[2] ابن تيمية : مجموعة الرسائل والمسائل جـ4/ 76 ، تنبيه الغبي للبقاعي 178 .

[3] الطبقات الكبرى للشعراني جـ1/ 177 ط صبيح .

[4] البقاعي ، تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي 151: 152 .

[5] الطبقات الكبرى جـ1/ 163 ط صبيح .

[6] شذرات الذهب جـ5/ 397 .

[7] تحفة الأحباب 32 .

[8] أنباء الغمر جـ1/ 181 .

[9] أنباء الغمر جـ2/ 29 : 30 .

[10] عبد الصمد : الجواهر السنية :93 .

[11] عبد الصمد : الجواهر السنية : 9 الطبقات الكبرى للشعراني جـ1/ 156 .

[12] دائرة المعارف الإسلامية جـ9/ 218 .

[13] الطبقات الكبرى للشعراني جـ1/ 158 ط صبيح ونقلها عن جوهرة الدسوقي وقد طبعت " جوهرة الدسوقي " ونشرتها مكتبة الجمهورية ص 112 .

[14] الطبقات الكبرى : جـ1/ 157 وجوهرة الدسوقي 99 .

[15] التفتازاني : ابن عطاء الله وتصوفه 46 .

[16] نفس المرجع 48 .

[17] لطائف المنن 39 : 40 مكتبة القاهرة 1979 .

[18] لطائف المنن 39 : 40 مكتبة القاهرة 1979.

[19] نفس المرجع 42 .

[20] نفس المرجع 199 .

[21] الفصوص 134 .

[22] لطائف المنن المرجع السابق 96 .

[23] لطائف المنن المرجع السابق 112 .

[24] لطائف المنن المرجع السابق 88.

[25] شرح صلاة ابن مشيش 225 :226 مخطوط ..

[26] لطائف المنن 247 .

[27] لطائف المنن 247 .

[28] لطائف المنن المرجع السابق 265 : 266 .

[29] لطائف المنن 32 :33 .

[30] لطائف المنن 45 .

[31] لطائف المنن 132 .

[32] التفتازاني : ابن عطاء وتصوفه 53 ، وحوليات آداب القاهرة ص 63 مجلد 25 سنة 63 .

[33] مدخل إلى التصوف الإسلامي : 23 : 24 .

[34] الجواهر السنية 41 .

[35] الطبقات الكبرى جـ1/ 160 ،162 ،

[36] الطبقات الكبرى جـ1/ 150 .

[37] طبقات الشرنوبي 3، 4 مخطوط بجماعة القاهرة تحت رقم 21846 .

[38] الطبقات الكبرى جـ1/ 10 .

[39] ابن عطاء .. لطائف المنن 66 .

[40] ابن عطاء .. لطائف المنن 119 .

[41] ابن عطاء .. لطائف المنن 94

[42] ابن عطاء .. لطائف المنن 116 .

[43] ابن أيبك الداوداري : سيرة الناصر 133: 138 .

[44] ابن أيبك الداوداري  : سيرة الناصر143 .

[45] السلوك 2 / 1 / 185   ،  215 .

[46] السلوك 2 / 1 / 185   ،  215  .

[47]. شذرات الذهب جـ 6 / 73 .

[48] سيرة الناصر 145

[49] تاريخ ابن الوردي جـ 2 / 288   ، 289 .

[50] تاريخ ابن الوردي جـ 2 / 288   ، 289

[51] سيرة الناصر 138 .

[52] سيرة الناصر 145 .

[53] سيرة الناصر 146.

[54] تكسير الأحجار التي افتتن بها لأهل الجهل والاغترار لابن برهان الدين . مخطوط بدار الكتب رقم 404 مجاميع تيمورية .

[55] تاريخ ابن كثير جـ14/ 46 ، 50 .

[56] سيرة الناصر 150 .

[57] سيرة الناصر 151 .

[58] شذرات الذهب جـ6/ 64 تاريخ ابن كثير جـ4/ 46 : 50 .

[59] شذرات الذهب جـ6/ 19 .

[60] سيرة الناصر 151 .

[61] السلوك جـ1/ 273 .

[62] السلوك جـ2/ 1/ 263 ، الدرر الكامنة جـ2/ 323 .

[63] تاريخ الجزري . مخطوط جـ1/ 17:  18.

[64] ذيل ابن العراقي . مخطوط 146 .

[65] عقد الجمان . مخطوط وفيات 808 ، إنباء الغمر جـ3/ 332 : 333 .

[66] شذرات الذهب جـ6/ 282 .

[67] إنباء الغمر جـ2/ 526 .

[68] الدرر الكامنة جـ1/ 27 .

[69] إنباء الغمر جـ2/ 186 .

[70] إنباء الغمر جـ3/ 42 .

[71] شذرات الذهب جـ6/ 304 : 305 .

[72] إنباء الغمر جـ1/ 464 .

[73] الدرر الكامنة جـ2/ 262 .

[74] إنباء الغمر جـ1/ 187 .

[75] إنباء الغمر جـ3/ 491 .

[76] تاريخ قاضي شهبة : مخطوط جـ1/ 22 .

[77] تنبيه الغبي للبقاعي 52، 121 : 122 .

[78] تنبيه الغبي للبقاعي 52، 121 : 122 .

[79] تنبيه الغبي 155 .

[80] تنبيه الغبي 156 .

[81] تنبيه الغبي 157 .

[82] تنبيه الغبي 157 : 158 .

[83] تنبيه الغبي 161  .

[84] تنبيه الغبي 165 .

[85] تنبيه الغبي 168 .

[86] تنبيه الغبي 176 .

[87] شذرات الذهب جـ6/ 301 .

[88] شذرات الذهب جـ6/ 240 : 241 . والدرر الكامنة جـ2/ 351 .

[89] تنبيه الغبي 151 : 153 .

[90] تنبيه الغبي 157 .

[91] ترجمته في الدرر الكامنة ..

[92] إنباء الغمر جـ3/ 477 .

[93] تنبيه الغبي 182 : 183 .

[94] تنبيه الغبي 186 : 187 .

[95] إنباء الغمر جـ3/ 403 حوادث 831 .

[96] تنبيه الغبي 170 .

[97] تنبيه الغبي 174 .

[98] إنباء الغمر جـ3/ 404 .

[99] المنهل الصافي .مخطوط جـ5 / 249 .

[100] الطبقات الكبرى للمناوي مخطوط 340 .

[101] تاريخ ابن الفرات جـ 8 /60 :61 .

[102] ابن تيمية : الصوفية والفقراء 16 .

[103] الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان : 100 ط صبيح .

[104] الفرقان بين أولياء 99 .

[105] الفرقان بين أولياء 141 :142 .

[106] تكسير الأحجار مخطوط 140 : 141 .

[107] عقد الجمان : مخطوط حوادث 708 تاريخ ابن كثير جـ14/ 46 .

[108] تاريخ ابن كثير جـ14/ 53 : 62 .

[109] الدرر الكامنة جـ1/ 166 .

[110] النجوم الزاهرة جـ9/83 .

[111] تاريخ ابن كثير جـ14/ 123 .

[112] تاريخ ابن كثير  جـ14/ 123 : 124 .

[113] الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/ 20 .

[114] الدرر الكامنة جـ4/ 279 .

[115] شذرات الذهب جـ7/ 71 .

[116] الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/ 28 .

[117] مناقب الوفائية مخطوط 99 .

[118] شذرات الذهب جـ7/ 336 .

[119] إنباء الغمر جـ1/ 50 .

[120] شذرات الذهب جـ6/ 228 : 229 .

[121] شذرات الذهب جـ6/ 314 .

[122] الدرر الكامنة جـ4/ 250 .

[123] إنباء الغمر جـ2/ 83 .

[124] شذرات الذهب جـ6/ 301

[125] الشوكاني : البدر الطالع جـ1/ 378 .

[126] إنباء الغمر جـ2/ 28 .

[127] إنباء الغمر جـ2/ 129 . شذرات الذهب جـ7/ 20 .

[128] تلبيس إبليس 161: 162 .

ج 1 ب 1 ف 4 وحدة الوجود وصراع الفقهاءمع الصوفية في القرنين التاسع والعاشر الهجريين

الباب الأول :  مراحل العقيدة الصوفية وتطورها في مصر المملوكية من خلال الصراع السنى الصوفى           

 الفصل الرابع : وحدة الوجود وصراع الفقهاءمع الصوفية في القرنين التاسع والعاشر الهجريين .

  صراع الفقهاء والصوفية فى القرن التاسع قبل حركة البقاعى   

صوفية ايرانيون متطرفون قادمون لمصر           

1 ــ في بداية القرن التاسع توافد إلى مصر جماعات من أوباش الاتحادية من الشرق احترفت التسول في الطرقات. وكان صدى حركة ابن تيمية لا يزال في الأسماع فهب علاء الدين البخاري الصوفي يهاجم ابن عربي وابن الفارض والاتحاديين ويؤيده في ذلك السلطان ومنافقو القضاة الصوفية .وهكذا فإن الثلث الأول من القرن التاسع شهد خفوتاً في صوت الاتحادية مع كثرتهم العددية الوافدة إلى مصر ، ووصل الأمر إلى حد اضطهاد البارزين من أوباش الاتحادية فقيل في ترجمة إسماعيل الرومي ( ت 834 ) وقد أقام بالخانقاه البيبرسية أنه ( أُمتحن بمقالة ابن العربي ونُهي مرارا عن إقرائها .. وكان يُقرئ العربية والتصوف والحكمة ) [1]. في الخانقاه المذكورة ، وقيل نفس الكلام عن ابن الفنري ( ت 834 ) أنه ( قدم مصر وله عشرون سنة وكان يُعاب بنحلة ابن العربي وبأنه يُقريء الفصوص ويقرره ، وكان بعض من اعتنى به أوصاه ألا يتكلم في شيء من ذلك ) [2] . أى كان من عادة الأعاجم القادمين إلى مصر أن يقرروا عقائدهم في الخوانق كما كان يفعل نصر العجمي [3] ( ت 833) .

2 ــ إلا أن أساطين الصوفية تحرجوا من شدة الإنكار عليهم من تلاميذ ابن تيمية من ناحية وعلاء الدين البخاري من ناحية أخرى ، فطالبوا بعض الصوفية الاتحادية بالتخفيف ، خصوصاً دارسي عقائد الاتحاد من القادمين والعاملين في الخوانق الصوفية حتى أن بعضهم رجع عن عقيدة الاتحاد مثل الشاعر البشتكي [4] .

بل أن بعض الأمراء المماليك من معتنقي هذه العقيدة تأثر بهذا الجو المحيط فقيل قي ترجمة يلبغا السالمي الخاصكي ( ت 811 ) أنه " كان يبالغ في حب ابن العربي وغيره من أهل طريقته ولا يؤذي من ينكر عليه " [5]   . أي لا يؤذي خصوم ابن عربي مع أنه يبالغ في حب ابن عربي .

3 ــ وانفعل بعض الصوفية المصريين بهذا الجو فاستعاد نفاق الجنيد واقتصر في كلامه عن الاتحاد على خواص تلاميذه ، ومن أولئك أحمد الزاهد ( ت822) " وكان يقال له جنيد القوم ، وكان يتستر بالفقه ، لا تكاد تسمع منه كلمة واحدة من دقائق القوم " [6] . والتزم تلميذه الشيخ مدين الأشموني ( ت 781) بهذا الطريق – رغم تغير الأحوال في عهده – يقول فيه الشعراني ( تفرعت عنه السلسلة المتعلقة بطريقة أبي القاسم الجنيد ، وكان رضاعه على سيدي أحمد الزاهد ) [7]. ، وقال السخاوي في ترجمته( وأما في تحقيق مذهب القوم ( أى التصوف ) فهو حامل رايته والمخصوص بصريحه وإشاراته ، مع أنه لم يكن يتكلم فيه إلا بين خواصه ) [8]  . ومع ذلك فلم يسلما من الإنكار عليهما ، فقد أنكر ابن حجر والسراج البلقيني على أحمد الزاهد ، وأنكر على مدين ( أحد أعيان السادة المالكية ) [9]  .

إنكار المقريزى وابن حجر على الصوفية المتطرفين

1 ــ واتفق في هذا القرن ظهور كثير من أعلام العصر المملوكي ممن جمعوا بين الفقه والقضاء والتاريخ ، مع الإنكار على الصوفية الاتحاديين ، وقد تتلمذوا على مدرسة ابن تيمية ومصنفاته ..وأبرزهم المقريزي (ت845 ) ، وقد صنف رسالة في دحض مذهب الاتحاد خلص فيها إلى أن أتباع ابن عربي ليسوا بمسلمين [10] ، وهاجم صوفية عصره كلهم ، فقال فيهم (ذهب والله ما هنالك ، وصارت الصوفية كما قال الشيخ فتح الدين محمد بن محمد بن سيد الناس العمري :-

       ما شروط الصوفي في عصرنا اليوم           سـوى سـتة   بغـير زيــادة

        وهـى( نيك)  العلـوق و السكـر            والرقص والغنا و القيادة

        وإذا مـا هـذى وأبـدى اتحـاداً              وحلـولاً مـن جهـله وأعـاده

        واتى المنكـرات عقـلاً وشرعـاً              فهو شيخ الشيوخ ذو السجـادة

ويعقب المقريزي بقوله (ثم تلاشى الآن حال الصوفية ومشايخها ، حتى صاروا من سقط المتاع لا ينسبون إلى علم ولا ديانة ، وإلى الله المشتكي )[11].

2 ــ وكان ابن حجر العسقلانى  (ت852 ) يعبر عن كراهيته لأتباع ابن عربي في تراجمه يقول عن الصوفى الشاذلى : علي وفا (شعره ينعق بالاتحاد المفضي للإلحاد )[12]. وذكر نضال أبي عبد الله الكركي عن الاتحاديين فقال عنه ( اجتمعت به وسمعت كلامه ، وكنت أبغضه في الله تعالى )[13] . وامتدت كراهيته للصوفية جميعاً : يقول في ترجمته ابن مفلح ( اشتغل قليلاً وسمع من جماعته ، ثم انحرف وسلك طريق الصوفية )[14] .وقد شهد ابن حجر المتوفي سنة ( 852 ) ازدياد نفوذ بعض الاتحاديين ، وكان أحدهم مقرباً عند الظاهر برقوق  في عصر اشتدت فيه المغارم ، وتجادلا في ابن عربي فهدده الصوفي بالوقيعة فيه عند برقوق ، فخافه ابن حجر وأقنعه بالمباهلة ، فتباهلا ، ومات الصوفي بعدها  [15]..

3 ــ وعرضنا لدور فقهاء القرن الثامن في الرد على مصنفات ابن عربي والحكم بتكفيره ، وقد تابعهم بعض الفقهاء في القرن التاسع ،وأهمهم الشريف الجرجاني وأحمد بن الزين العراقي وابن الأهدل وابن الجزري وإبراهيم الرقي وتقي الدين الفاسي [16]..

علو نفوذ الصوفية المتطرفين والتمهيد لحركة البقاعى

1 ــ وتغيرت الأحوال في النصف الثاني من القرن التاسع بموت أعلام الفقهاء وعلاء الدين البخاري ..فتحمس أصحاب الاتحاد ، وقد ازدادوا كثرة وأصبحت لهم صلات بالسلاطين والأمراء  ، فقيل أن الأمير تمربغا ( ت 879 ) " يحب شياطين الصوفية حتى وصل إلى اعتقاد أهل الاتحاد فكان يقول : وماذا على الإنسان إذا قال أنا الله " [17]. أي أنهم أثروا عليه حتى جارهم في قول الشطح ..وبعضهم أخذ في الدعوة لمذهبه يجمع الناس على الذكر مثل خلف المشالي ( 874 ) " وكان ممّن يميل إلى ابن عربي وينظر في فتوحاته المكية ، والغالب عليه الإكثار ممن نقل كلامه " [18] . بل كان من الاتحاديين زكريا الأنصاري شيخ الإسلام في عهده – ويا لها من سخرية – وقد قال عنه السخاوي ( وهو أحد من عظّم ابن عربي واعتقده وسماه وليٌا ، وعذلته في ذلك مرة بعد أخرى فما كفّ ، بل تزايد إفصاحه بذلك بآخره ،وأودعه في شرحه للروض ) [19] .

2 ــ لذا لم يكن مستغرباً أن يتعود أتباع ابن الفارض إنشاد كلامه يوم الجمعة عند قبره [20] . وصارت لهم صولة وجولة استدعت أن يقوم البقاعي بحركته التي هزت التاريخ المملوكي في الربع الأخير من القرن التاسع الهجري.

 حركة البقاعى ضد الصوفية المتطرفين عام 875 هجرية فى سلطنة الأشرف قايتباى

مقدمة :

البقاعي ( 809 – 885 ) تلميذ متأخر لابن تيمية هب ينازع الصوفية الاتحادية بعد أن علا صوتهم في النصف الثاني من القرن التاسع .. ولم يكتف – كغيره – بالتصنيف [21] ، وإنما قرن القول بالعمل الحركى فيما رددته المصادر المملوكية لهذه الفترة تحت عنوان ( كائنة البقاعي وابن الفارض ) ..وقد ظهر تحامل المؤرخين على البقاعي ، لأنه جرؤ على تكفير ولي مقدس كابن الفارض في وقت سيطر فيه الصوفية على العصر دعاية وسياسة ، إلا أن البقاعي في تاريخه ( المخطوط ) عرض لتلك الحادثة بصورة يظهر فيها الصدق والترتيب المنطقي للحوادث ، واتفق في بعضها مع ما أورده المؤرخون الآخرون من خصومه الذين تجاهلوا سباق الحوادث وذكروا نهايتها مبتورة ومشفوعة بالتشنيع على البقاعي . وقد حدثت كائنة البقاعي سنة 875 في بداية حكم قايتباي ، وكان الأمير يشبك بن مهدي هو الداودار الكبير ، وكان كاتب السر هو ابن مزهر الأنصاري المتحالف مع الصوفية .ونلخص الوقائع فيما يلي حسبما أورد البقاعي نفسه في تاريخه :

أولا : أورد البقاعي في تاريخه الخطوات التي قام بها وما واجهه من خصومه على النحو التالي :-

1 ــ بعث البقاعي بخطاب مطول يثبت فيه كفر ابن الفارض بالأدلة .. وأرسله للقاضي ابن الديري يطلب رأيه حتى يُلزمه بالوقوف معه في الحق .لجأ الصوفية إلى المكر ، حاولوا الحصول على كتاب البقاعي من ابن الديري بحجة أن كاتب السر يطلبه ، ففشلوا .. ولكن البقاعي من ناحيته طلب منهم – وقد طالعوا الكتاب – أن يردوا عليه ..عجزوا عن الرد بالحجة فلجأوا إلى أساليبهم التي تفوقوا فيها – والتي يتحرج منها البقاعي وأصحابه الفقهاء – فنشروا الإشاعات وأثاروا الجماهير وأصحاب الجاه ، حتى صاروا يؤذونهم في الطرقات .اقترح زعيم الصوفية الفارضية – أتباع ابن الفارض – أن يعقد مجلس ذكر تسبقه مظاهر صوفية لإثارة الجماهير ، وتمر المظاهرة على بيت البقاعي لتنهبه الغوغاء ، وسقط الاقتراح خشية أن يتطور الأمر إلى غير صالحهم .لجأوا إلى طريقة أخرى ، استكتبوا أعوانهم ، وأذاعوا أن البقاعي قد كفّر المساعد لهم والساكت عنهم ليثيروا الفقهاء المحايدين على البقاعي ، ونجحوا في إثارة زين الدين الإقصرائي وحدثت بينهما مشادة كلامية نتجت عن سوء الفهم والوقيعة 2 ــ ضاقت الحال بالبقاعي ، فحاول الاتصال بالدوادار الكبير ليشرح له حقيقة الحال ، ثم أن البعض اجتمع بالدوادار وافهمه حقيقة الاتحادية ، فخفف ذلك عن البقاعي بعض الشيء إلا أن نفوذهم كان لا يزال غالباً ، وكاتب السر الصوفي يخيفه ويهدده ، إلا أن البقاعي ظل على سكينة ..

3 ــ ثم أرسل كاتب السر للبقاعي بعض أصدقائه يشير عليه بالرجوع عن رأيه لأن السلطان فمن دونه كلهم ضده ، ورفض البقاعي التراجع ، وعرض من جانبه أن يقبلوا منه أحد حلول ثلاثة : - المجادلة أو المباهلة أو المقاتلة بالسيف في حضرة السلطان والعلماء .. وقرأ البقاعي على الرسولين اللذين جاءا من طرف كاتب السر بعض كلام ابن عربي فاستمالهما إليه ووافقوا على تكفيره ..

4 ــ سأل الصوفية صاحبهم كاتب السر أن يكتب إليهم ضد البقاعي إلا أنه رفض متعللاً بوجوب أن يستمع إلى رأي البقاعي أولاً . فاشترط البقاعي أن يكون ذلك بخلوة ، فسعوا في عدم اجتماعهما خوفاً من أن يستميله البقاعي إلى صفه ..

5 ــ عمل البقاعي ميعاداً ( ندوة ) في الجامع الظاهري واستمال الحاضرين فضجوا في الدعاء على أعدائه ، وابتدأ الميزان يتحول لصالحه فقد حاول الصوفية استكتاب قاضي الحنابلة معهم ولكنه أفتى بتكفير ابن الفارض وتابعه في ذلك آخرون ..

6 ــ لما رأت العامة أن أمر الصوفية ابتدأ في التراجع وأن البقاعي لا يزال يقرر رأيه وأنهم عجزوا عن مقابلة حججه خف الهرج منهم ، وبدأ بعضهم في التعاطف معه . 

7 ــ حاول السلطان قايتباى عقد مجلس في مستهل سنة 875 بسبب ابن الفارض فسأله كاتب السر الصوفي أن يترك ذلك، وبذل همته لدى ال" name="_ftnref23" title="">[23]. وواضح أن البقاعي وإن ضم إليه بعض الفقهاء إلا أن الرأى العام يميل إلى تقديس ابن الفارض ويعتبر البقاعي معتدياً على حرمته وقداسته ، ويمثل هذا الرأى جمهرة من الصوفية والفقهاء المعبرين عنهم ، ولا ريب أن يتأثر بهم السلطان خاصة وأن كاتب السر ابن مزهر الأنصارى أقربهم إليه .

2 ــ يقول ابن إياس وهو قريب من هذه الفترة ( كثر القيل والقال بين العلماء بالقاهرة في أمر عمر بن الفارض ، وقد تعصب عليه جماعة من العلماء بسبب أبيات قالها في قصيدته التائية ، واعترضوا عليه في ذلك ، وصرحوا بفسقه ، بل وتكفيره ، ونسبوه إلى من يقول بالحلول والاتحاد ، وكان رأس المتعصبين عليه برهان الدين البقاعي وقاضي القضاة ابن الشحنة وولده عبد البر ونور الدين المحلي وقاضي القضاة عز الدين المحلي وتبعهم جماعة من العلماء يقولون بفسقه ..)[24] أي أن البقاعي استطاع أن يضم إليه هذا الرعيل من الفقهاء .

ويقول ابن إياس ( وأما من تعصب له – أي لابن الفارض – فهم الشيخ محي الدين الكافيجي الحنفي ، والشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي ، وبدر الدين بن الغرس ، وابن حجي ، والجلال بن الكمال السيوطي ، وزكريا الأنصاري ، وتاج الدين بن شرف ، فلما زاد الرهج في هذه المسألة كتبت الفتاوى في أمر ابن الفارض التي ظاهرها الخروج عن قواعد الشريعة – أي أوولت عبارات ابن الفارض لتتمشى مع الإسلام – فكتب الشيخ الكافيجي على هذا السؤال ، وألف الجلال السيوطي كتاباً سماه ( قمع المعارض في الرد عن ابن الفارض ) ، وألف البدر بن الغرس في ذلك كتاباً شافياً ، وصنف بعضهم كتاباً سماه ( درياق الأفاعي في الرد على البقاعي ) .. ووقع في هذه المسألة مشاحنات بين العلماء يطول شرحها ، ثم هجوا البقاعي وابن الشحنة وغيرهما ممن تعصب على ابن الفارض ، وصاروا يكتبونها ويلصقونها في مزاره – أي ضريحه – فيقول الشهاب المنصوري في البقاعي :-

                 إن البقاعي بمـا       قد قاله مطالب

                 لا تحسبوه سالماً       فقـلبه يعـاقب  

ثم إن بعض الأمراء تعصب لابن الفارض وتعصب له السلطان أيضاً ، فكتب سؤالا وجهه للشيخ زكريا الأنصاري فيمن زعم فساد عقيدة ابن الفارض فامتنع الشيخ زكريا عن الكتابة غاية الامتناع ، فألح عليه أياماً ، حتى كتب بأنه يحمل كلام هذا العارف على اصطلاح أهل طريقته ، وإن ما قاله صدر عنه حين استغراقه وغيبته ، ولكن ينبغي كتم تلك العبارات عمن لم يدركها ، فما كل قلب يصلح للسر ، ولكل قوم مقال .. فلما كتب زكريا ذلك سكن الاضطراب الذي كان بين الناس بسبب ابن الفارض ، وعقيب ذلك عزل ابن الشحنة عن فضاء الحنفية ، وحصل له عقيب ذلك فالج وذهل وسلب منه العلم وحصلت  نكبات لوالده عبد البر. وأما البقاعى فكادت العوام ان تقتله ، وحصل له من الأمراء ما لا خير فيه ، واختفى حتى توجه الى مكة فمات هناك. وأما إمام ( الحانقاه ) الكاملية فخرج وهو مريض الى الحجاز فمات أثناء الطريق ..وقد جرى على من تعصّب على ابن الفارض ما لا خير فيه ، وظهرت بركته فى المتعصبين عليه شيئا فشيئا الى الآن . )( 25 )

ثالثا : دور زكريا الأنصاري ( شيخ الإسلام ) :

1 ـ ولعب زكريا الأنصاري دوراً كبيراً في إفشال حركة البقاعي. وقد سبقت الاشارة بأن رده على سؤال السلطان بشأن ابن الفارض قد سوغ إيقاع الاضطهاد بأتباع  البقاعي، مع أن زكريا الأنصاري امتنع غاية الامتناع حسب قول ابن إياس ، ثم بادر بالرد .. ويهمنا أن نذكر أن زكريا – شيخ الإسلام – لم يكن رأساً للصوفية في تلك الكائنة ، وإنما كان لهم تابعاً يسمع لهم ويطيع في وقت لم يتمتع فيه السلطان عنده بهذه الحظوة . ويكفي أنه استجاب لشيخ صوفي مجهول ، ولكنه كان صاحب تأثير في زكريا الأنصاري يفوق تأثير السلطان عليه ، أى كان ( شيخ الاسلام ) زكريا الأنصارى يعتقد فى ولاية هذا الشيخ الصوفى المجهول ـ وإسمه محمد الاصطمبولى ـ ويسمع له ويطيع . يقول الشعراني ( لما وقعت فتنة البقاعي في إنكاره على ابن الفارض أرسل السلطان إلى العلماء فكتبوا له بحسب ما ظهر لهم ، وامتنع الشيخ زكريا. ثم اجتمع بالشيخ محمد الاصطمبولي فقال له : أكتب وأنصر القوم ( أى الصوفية ) وبين في الجواب أنه لا يجوز لمن لا يعرف مصطلح القوم أن يتكلم في حقهم بشر ، لأن دائرة الولاية تبتدئ من وراء طور العقل لبنائها على الكشف ) [25] .

2 ــ وقد شارك زكريا في دعاية الصوفية الرامية للدفاع عن ابن الفارض والهجوم على البقاعى ، يقول المؤرخ ابن الصيرفي المعبر عن خصوم البقاعي ( وقع لي من وجه صحيح أخبرني به الشيخ العلامة الرباني شيخ الإسلام زكريا الشافعي أبقاه الله تعالى أن الجناب العلائي على بن خاص بك أنه ركب إلى جهة القرافة ورأى أمامه شخصاً عليه سمت وهيئة جميلة فصار يحبس لجام الفرس .. إذ وافى الرجل رجل عظيم الهيئة جداً فتحادثا وانصرف الرجل المذكور .. فسأله سيدي علي من هو هذا الرجل فقال له أنت ما تعرفه؟ ثلاث مرات ، وهو يقول لا . فقال : هذا عمر بن الفارض في كل يوم يصعد من هذا المكان وهو يسعى أن الله يكفيه فيمن تكلم فيه ) [26]. هنا منام يزعم ( شيخ الاسلام ) زكريا الأنصارى أنه رآه ، وحكاه للمؤرخ ابن الصيرفى ، وفيه أن عمر بن الفارض يدعو على يعترض عليه .

3 ــ والواقع أن زكريا الأنصاري يدين بشهرته إلى دعاية الصوفية الذي جعلت منه شيخاً للإسلام ، بينما وهو في حقيقة أمره مجرد مريد للصوفية في مجتمع الفقهاء. وقد اعتنق التصوف مذ كانا شاباً أو على حد تعبير الشعراني ( ومن حين كان شاباً كان يحب طريق الصوفية ويحضر مجالس ذكرهم حتى كان أقرانه يقولون : زكريا لا يجيء منه شيء في طريق الفقهاء ) [27] .إلا أنه استمر في سلك الفقهاء ليعمل لصالح الصوفية ، أو حسبما يقول عن نفسه ( فأشار على بعض الأولياء بالتستر بالفقه.. فلما أكد أتظاهر بشيء من أحوال القوم إلى وقتي هذا ) [28]. ويدين زكريا الأنصاري بعقيدة ابن عربي ويدافع عنها ويدخلها في شروحه ولم يلتفت لإنكار السخاوي عليه كما سبق ..

رابعا : موقف المؤرخ السخاوى

1 ــ إشتهر السخاوى فى هذا الوقت مؤرخا وفقيها ومحدثا . وموقف السخاوي كمؤرخ يتسم بالغرابة بالنسبة للبقاعي وحركته . فالسخاوي فقيه ينكر على الاتحادية . وسبق أن أوردنا إنكاره على زكريا الأنصاري لغصبه لابن عربي ، بل أن السخاوي ألمح إلى الإنكار على التصوف أكثر من مرة .. يقول عن معاصرة الإقصرائي ( انتمى إليه جماعة ووصفوه بالعارف ) [29]  ، وقال في حاجي فقيه شيخ التربة الظاهرية ( كان عريّا عن العلم إلا أن له اتصالاً بالتُّرب كدأب غيره ) [30] . وقال عن الفقيه ابن الصديق ( وقد كان من المشتغلين بالفقه .. وبلغني في هذه السنين أنه تحول عن طريقته فسلك التسليك والشياخة الصوفية ، وكأنه لمناسبة الوقت ) [31] . ونلاحظ نبرة السخرية ( السخاوية ) على عادة السخاوى فى إحتقار خصومه . ولم يبخل بها على الصوفية . ثم أن للسخاوي خصماً شهيراً هو الجلال السيوطي الذي اتخذ جانب الدفاع عن ابن عربي وابن الفارض مع زكريا الأنصاري وغيره . والخصومة بينهما وصلت الى حد المساجلة وتأليف الكتب فى هجاء مبادل بينهما .

2 ـ ..ومع ذلك فالسخاوي تحامل على البقاعي حين ترجم له في كتاب ( الضوء اللامع فى أعلام القرن التاسع )، وإن لم يمنعه ذلك من ذكر جهود البقاعى ضد الصوفية ، فيقول أن البقاعي لمح بالحط على الغزالي وقال ( إن قوله " ليس في الإمكان أبدع مما كان " كلام أهل الوحدة من الفلاسفة والصوفية ) ، وكذلك حط  البقاعى على ابن عطاء السكندري [32]. واعترف السخاوى بدور البقاعي في إبطال المولد الأحمدي بطنطا وإن لم يسند له الفضل كاملاً يقول عنه ( قام بإنكار المولد بطنتدا أو ساعد مع القائمين في إبطاله ) [33]. واعتبر إبطال المولد الأحمدي فتنة ، يقول ( كان للبقاعي دور في الفتنة التي انتهت بإبطال المولد الأحمدي ) [34].

3 ــ ويمكن تفسير موقف السخاوي في ضوء المنافسة التي تكون بين الفقهاء ، فلا نملك سوى هذا القول .. فالبقاعي خرج على تقاليد عصره وأنكر صراحة ما كان السخاوي يلمح به في ثنايا كلامه، بل وقرن القول بالعمل ، وهو ماعجز عنه السخاوى . وبسبب هذا التفوق من البقاعى على زميله السخاوى فلم يبق للسخاوي إلا التحامل على منافسه ومحاولته للتشكيك والتقبيح حتى فيما يضطر إليه من ذكر أعماله الحسنة . ثم أنه تجاهل صراعه الأساسي مع أتباع ابن الفارض .

  معاناة البقاعى من الصوفية مع إيمانه بالتصوف السنى

1 ــ  والواقع أن البقاعي كان يناضل عصره بكل ما أوتي من عنف ، ويكفي أنه حين ساءت به الأمور قال لمن عرض عليه المهادنة ( إني والله قد وضعت بين عيني القتل بالسيف والضرب إلى أن أموت منه فرأيته أهون عندي من أن يجُهر بالكفر في بلد أنا فيه ، ويقال إنّ الصلاة حجاب والصوم حجاب والقرآن باطل أو شرك ، ويُراد خلع الشريعة المحمدية ، ويظهر دين الكفر على دين محمد صلى الله عليه وسلم. فإما يُعيننى الذين يريدون سكوتى بمال أو غيره أقدر به على الانتقال به من هذا البلد ، فإنه والله لو كان معى مال أتجهز به هاجرت منها . وإما أن يختاروا منى واحدة من ثلاث بحضرة السلطان والقضاة الأربعة وساير العلماء ، وهى : المجادلة ثم المباهلة ثم المقاتلة ، فيعطينى السلطان سيفا وترسا، ويعطى أشبّهم ( أى أكثرهم شبابا ) سيفا وترسا ، ويخلى بيننا قدامه فى حوش القلعة ، وينظر ما يكون منى على شيخوختى ، فإن قُتلت كنتُ شهيدا ، وإن قتلت خصمى عجلت به الى النار )[35]

2 ـ  وبعد إفشال حركة البقاعي لم ينقطع الصوفية عن إيذائه حتى مع وجود جماعة حول البقاعي تحميه . يقول ابن الصيرفي في أحداث  رمضان 875 : ( عمل البرهان البقاعي ميعاداً بالجامع الظاهري على عادته بعد العصر فحضر إليه جماعة قصداً من معتقدي ابن الفارض ، وأساءوا عليه ، فشكاهم لقصروه الحاجب ( الأمير المملوكى حاجب السلطان )، فطلبهم ورسم عليهم. ( أى أمر باعتقالهم )  ثم أن البقاعي طلب جماعة من جهته وأوقفهم في عدة مواضع ومفارق ومخارص من الطرقات وبأيديهم العصي والخشب ، وقرر معهم إذا مروا عليه فيضربونهم وينكلون بهم ،( أى أمر البقاعى أتباعه بإنتظار أولئك المقبوض عليهم من خصومه وضربهم ) فبلغ ذلك ابن مزهر الأنصاري كاتب السر ( خصم البقاعى ) فأرسل إليهم بداوداره بركات فأطلقوهم . ( اى أطلق خصوم البقاعى المعتقلين ) . ثم أصبح البقاعي وشكي خصومه لبيت الأمير تمر حاجب الحجاب ، فاجتمع الجمع الغفير وحضر من العلماء والفضلاء جماعات برزوا للبقاعي وطلبوه فحضر بين يدي الأمير وأراد الطلوع من المقعد فما مكنه خصومه . ووقف من تحت المقعد وجلس المشايخ المذكورون وادعى على جماعة ، منهم شخص شريف حضروا إليه في مسجده ليقتلوه ، فقال له الشيخ بدر الدين بن القطان ( لا تقل مسجدي فإن  المساجد لله ) ، وترضٌوا عن الشيخ عمر ابن الفارض ولعنوا وكفّروا من يكفره ، وحصل له بهدلة ما توصف ، وانفصلوا على غير طائل ، ولم يحصل للبقاعي مقصود ، فإنه مخذول ، سيما أنه يتعرض لجناب سيدي الأستاذ العارف بالله عمر ) [36].

3 ــ وتعرض أتباع البقاعي لاضطهاد مماثل من الصوفية وصنائغهم من القضاة . يقول البقاعي في تاريخه: ( تخاصم شخص من جماعة اهل السُّنّة يقال له : محمد الشغرى مع جماعة من الفارضين ( أى الصوفية من أتباع ابن الفارض ) من سويقة صفية ، فرفعوه الى ( إشتكوه الى ) قاضى المالكية البرهان اللقان، وإدّعوا عليه أنه كفّر إبن الفارض ، فأجاب ( محمد الشغرى ) بأنه قال بأن العلماء قالوا بكفره ، ، فضربه القاضى بالسياط ن وامر بتجريسه وبالمناداة عليه فى البلد : هذا جزاء من يقع فى الأولياء . ثم توسط القاضى الشافعى لدى المالكى حتى أطلقه . وقال ( القاضى ) الشافعى : أيُفعل بهذا هكذا ولم يقل إلا ما قال العلماء ، ويُرفع لهم حربى ( شخص أجنبى من دار الكفر بتعبير العصر وقتها ) إستعزأ بدين الاسلام فى جامع من جوامع المسلمين ولا يفعلون به مثل ما فعلوه بهذا ؟ مع إنه حصل اللوم فى أمره من السلطان ومن دونه ولم يؤثر شىء من ذلك ..) أى إستهزأ  رجل  أوربى بالاسلام فلم يعاقبوه بينما عوقب هذا الشخص السُّنى الذى كفّر ابن الفارض . وأن السلطان قايتباى لام القاضى المالكى فى حكمه على الشخص السنى ، ولم يؤثر هذا فى شىء. ويقول البقاعى : ( هذا كله ، والحال أن البرهان المذكور ( يعنى قاضى القضاة المالكى برهان الدين اللقان) قال لغير واحد ( أى لأكثر من شخص ) إن له أكثر من ثلاثين سنة يعتقد كفر ابن الفارض .! ) [37] . أى يؤمن بكفر عمر بن الفارض ، ومع هذا يعاقب من قام بتكفير ابن الفارض رعاية للنفوذ الصوفى.!

4 ــ ولاحقتهم الدعاية الصوفية بالويل والثبور ، يقول المناوي ( ورأى بعض المنكرين ( أى المنكرون على عمر بن الفارض )  في نومه جماعة وقفوا بين يدي عمر بن الفارض وقيل له : "هؤلاء المنكرون " ، فقطع ألسنتهم فانتبه مذعوراً ورجع عن إنكاره .. وروى بعضهم أن القيامة قامت وجيء بجماعة ألقوا في أوان غاية في الكبر حتى أنهى العظم واللحم ، فقال ما هؤلاء ؟ قال الذين ينكرون على ابن عربي وابن الفارض . وقالوا إن شيخ الإسلام ابن البالشي قاضي القضاة لما وصل مصر صار ينال من الشيخ وترصد زواره .. فابتلي بمرض فما شفي منه حتى رجع عن ذلك ، والحكايات في معنى ذلك كثيرة ) [38].

  إيمان البقاعى بالتصوف السُّنى

1 ــ  ومع حدة البقاعي في الإنكار على الصوفية الاتحادية إلى درجة تظهر في اختيار عنوان كتابيه ( تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد ) و ( تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي ) إلا أن البقاعي كان يعتقد فى التصوف السُّنى ويدين باحترام شديد إلى أوائل الصوفية ويعتبرهم ( اهل الله ) تعالى الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا . ويعتقد فيهم الولاية والنفع ، ويرجو النفع بكراماتهم ، ويتردد ذلك في ثنايا تاريخه في معرض إنكاره على الاتحادية يقول  مثلا ( .. وقد قال أهل الله كالجنيد وسري السقطي وأبي سعيد الخراز وغيرهم ممن هو على طرقهم نفعنا الله بهم ..) [39] . ويقول عنهم ( إن المحققين منهم بنوا طريقهم على الاقتداء بالكتاب والسنة ) ، واستدل ببعض أقوالهم المنافقة( [40] ) ، مخدوعاً بهم كشأن ابن تيمية وابن الجوزي .. وفي خطابه لكاتب السر استشهد ببعض تلك الأقوال وعلق عليها بقوله ( وإن قلتم مخالفين لهؤلاء الأئمة الذين هم القدوة إلى الله تعالى ..) [41].

2 ــ فالبقاعي أراد بإخلاص إصلاح  الطريق الصوفي وأن يربطه بالكتاب والسُّنة ، أوالإسلام  فى ذهنية السنيين ـ وهو الذي ادعى منافقو الصوفية الأوائل أنهم ملتزمون به . وكان نصيبه هذا العنت مما اضطره في نهاية الأمر إلى الرحيل عن مصر متمتعاً بكراهية أهلها لمجرد دعوته للحق ، بل اعتبر بعض من حاول الإنصاف – أن تلك هي سيئته الوحيدة . فيقول ابن إياس ( في رجب 885 جاءت الأخبار بموت برهان الدين البقاعي في دمشق ، وكان عالماً فاضلاً محدثاً ماهراً في الحديث ليس من مساويه سوى حطه على الشيخ عمر ابن الفارض ) [42] .

موت تأثير حركة البقاعى بعد موت البقاعي سنة 885 هـ

1 ــ كانت حركة البقاعي هزة في المجتمع المصري الراكد ، وبموته عاد الهدوء وكثر تحول باقي الفقهاء إلى عقيدة الصوفية، وشهدنا السخاوي ( ت 902 ) يقول عن ابن صديق أنه انتحل الشياخة الصوفية ( وكأنه لمناسبة الوقت ) .. واعترف زكريا الأنصاري للشعراني باعتناقه للتصوف منذ بدايته واستمرت مكانته حتى القرن العاشر تتزايد ليصبح شيخ الإسلام .. وعرضنا لموقف السيوطي من كائنة البقاعي وكيف أنه صنف في الرد عليه كتاباً يدافع فيه عن ابن الفارض ، وكرر السيوطي مقالته في كتابه ( تأييد الحقيقة العلية ) معتمداً على المبررات الصوفية المعتادة من السكر والوجد الصوفي والتأويل... الخ [43]. وعلى نفس المنوال قال الشعراني عن الفقيه نور الدين المحلي الشافعي ( كان لديه الاعتقاد الحسن في الصوفية عكس البقاعي ، وكان يعتقد حتى في ابن عربي وابن الفارض ، وكان يقول بأن الملاحدة قد دسوا كثيراً في كلام الأئمة بغير علمهم [44]...

2 ــ وقام الصوفية وأعوانهم بالقضاء على أي أثر لحركة البقاعي بعد رحليه باضطهاد تلاميذه وملاحقتهم بالمحاكمات المتعسفة . يقول ابن إياس في حوادث 888 [45] ( حضر شمس الدين الحلبي تركة يحي بن حجي فرأى بين كتبه كتاب الفصوص لابن عربي ، فقال : هذا الكتاب ينبغي أن يحرق ، وأن ابن عربي كان كافراً أشد من كفر اليهود والنصارى وعبدة الأوثان . فمسكوا عليه ذلك وأرادوا تكفيره .. وآل أمره إلى أن عزروه وكشفوا رأسه ثم حُكم بإسلامه وحقن دمه ، وقد قامت عليه الدائرة بسبب ذلك ، وفيه يقول أبو النجا القمني ( الصوفي ) ساخراً :                أقعدت يا حبيبي               بالصـفع في قفـاكـا

                لما ادعيت جهلاً              حرق الفصوص يا كا      فر

                وما خلصت حتى             أقمـت شاهـداكــا

وسأل الشيخ يونس بن الحسين الألوحي عن منشد ، أنشد على منارة مسجد أبياتاً منها :

         خمرة تركها على حرام             ليس فيها إثم ولا شبهات

         شربها آدام ونوح وشيث            وتحياتها غرات ذاكيات

        شربها عيسى فصار نبياً             وحبيبـا وزائد البركات 

وهي طويلة ، فأنكر عليه طالب ، فغضب واستفتى على الطالب فكتب له بعض الناس :إذا كان القصد بذلك خمرة التوحيد التي يهيم بها العارفون فليس في ذلك خطأ ولا يجب على المنشد شيء ويؤدب المعترض عليه ، وقد قال الشيخ ابن الفارض :- شربنا على ذكر الحبيب مدامة    سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم 46 .  فالصوفي غضب حين أنكر عليه طالب إنشاده أبيات العقيدة الصوفية فى الاتحاد على المئذنة ، وأفتى له البعض بأنه لم يخطئ طالما أن المقصود هو خمرة الأولياء العارفين واستشهد بابن الفارض .. وحكم على الطالب بالتعزير ، أي أنقلب الحال ، فصار المنكر منكراً عليه وأصبح الطالب مطلوباً . وقد ألمح إلى ذلك السخاوي ـــ على عادته في الإنكار الضمنى بلا تصريح – في معرض روايته لما حدث من القاضى سعد الدين الديري حين أمر بتعزير من وجدت عنده بعض تصانيف ابن عربي واعترف بكونها عنده وأنكر استفادة ما فيها ، يقول السخاوي يصف عصره معلقاً على الحادثة ( كيف لو أدركا هذا الزمن الذي حل به كثير من المحن والرزايا ) [46] .ويقول الشعراني إن الفقهاء في الجامع الأزهر عقدوا مجلساً لمحاكمة إبراهيم المواهبي ، فجاء إليهم محمد المغربي وهم في أثناء الكلام فقال : نحن أحق بتنزيه الحق  منكم معاشر الفقهاء ، وأخذ بيد المواهبي وقام معه فلم يتبعه أحد ، وقد لحقوا بالمغربي يترضونه فقال لهم ( الطريق ما هي كلام كطريقتكم إنما هي طريق ذوق ، فمن أراد منكم الذوق فليأت أخليه ( أي أجعله في خلوة ) ، وأجوعه حتى أقطع قلبه وأرقية حتى يذوق ، وإلا فليكف عن هذه الطائفة ( الصوفية ) فإن لحومهم سم قاتل ) [47] .

أخيرا : البقاعى المظلوم حيا وميتا

أرى إن البقاعى أكثر علما وفقها من إبن تيمية ، وأسوأ حظا منه . لم يترك البقاعى مؤلفات كثيرة ، ولكن مؤلفاته أظهرت عقلية سُنيّة مجتهدة  معتدلة لا نراها بنفس القدر فى ابن تيمية ومدرسته . هجوم البقاعى على ( ابن عربى وابن الفارض  ) فى كتابيه ( تحذير العباد ) و ( تنبيه الغبى ) أقوى مما كتبه ابن تيمية ومدرسته . كتاب البقاعى فى ( علم المناسبة القرآنية ) كان فتحا غير مسبوق فى علوم القرآن . وتعرض كتابه هذا الى السرقة ، سرق السيوطى أفكار هذا الكتاب وقام بتلخيصه ، وكتاب السيوطى منشور مشهور بعكس كتاب البقاعى وهو الأصل . حتى مخطوطة تاريخ البقاعى والتى عثرت عليها فى دار الكتب المصرية بخط اليقاعى نفسه تعرضت للعبث وشطب بعض سطورها و كشط بعض أسماء الصوفية الذين ذكرهم البقاعى فى ظلمهم له وتعديهم عليه ، واستلزم الأمر منى جهدا فى المراجعة للتعرف والتحقق مما ذكره البقاعى فى هذه المخطوطة. وكان من وسائل التحقق الرجوع الى تاريخ ابن الصيرفى ( إنباء الهصر بأبناء العصر ) فى نفس الأحداث ونفس السنوات ، وقد  كان ابن الصيرفى معاصرا للبقاعى وخصما له ، وذكر ( كائنة البقاعى ) فى تاريخه ( الهصر ) من وجهة نظر متحاملة على البقاعى . ولكن المفاجأة أن جزءا مما تم العبث به وحذفه فى مخطوطة تاريخ البقاعى عن معاناة البقاعى تم نزع صفحاته من كتاب الهصر أيضا . أى كانت مؤامرة للإنتقام من هذا الرجل وحصره فى دائرة النسيان . ولذلك انتهى البقاعى وحركتة الى النسيان بين سطور التاريخ ، عكس ابن تيمية الذى تم نشر رسائله وكتبه وشطحاته الفقهية . ونشعر بالفخر لأننا كشفنا الغطاء عن هذا الفقيه الثائر الذى لم تدفعه حدته فى الهجوم على شطحات الصوفية الى الوقوع فى الشطحات الفقهية الدموية مثلما حدث من ابن تيمية .

  في القرن العاشر :  الشعراني ممثل الفقه والتصوف :

 الشعراني الصوفى الفقيه يهاجم الصوفية فى عصره حماية لدين التصوف

مقدمة : ماهية الشعرانى بين التصوف والفقه : صوفى تسلح بالفقه ليخدم التصوف ..

1 ـ عبد الوهاب الشعراني  ( 898 : 973 ) صوفى فقيه مخضرم عاش فى أواخر العصر المملوكى وبداية العصر العثمانى ، وصار أكبر فقيه وأشهر صوفى فى القرن العاشر الهجرى وطيلة العصر العثمانى بسبب كثرة مؤلفاته فى التصوف والفقه والمناقب الصوفية . كان فقيها شافعيا  وشاذليا صوفيا وله كتب فى الحديث ، وعاصر أكابر الأولياء الصوفية فى نشأته ، وتتلمذ على يديه معظم من عاش بعده من الفقهاء والصوفية المشهورين فى القرن العاشر ، ولا يزال حتى الآن يتمتع لدى الصوفية بلقب ( القطب الربانى ) .

2 ــ والشعراني صوفي تسلح بالفقه ليخدم التصوف كشأن الغزالي في القرن الخامس . وتحت لواء التصوف السنى عرف العصر المملوكي أنواعا من الفقهاء والصوفية : هناك الفقيه الصٍّرف ( الحنبلى ) المؤمن بالتصوف السّنى المُنكر على صوفية عصره كابن تيمية والبقاعى . ويقابله الصوفى الصٍّرف الذى يُعلن عقيدة التصوف فى الاتحاد والحلول ووحدة الوجود مثل ابن عربى وابن الفارض وشيوخ الطرق الصوفية كأحمد البدوى والشاذلى والدسوقى والمرسى وابن سبعين . وهناك الصوفية الفقهاء الذين تخصصوا فى الفقه السّنّى لإخضاع السنيين لدين التصوف وكتبوا فى الفقه لخدمة التصوف كما فعل الغزالى قبل العصر المملوكى ، والشعرانى فى القرن العاشر بعد خمس قرون من عصر الغزالى . ثم بسيطرة التصوف وإزدياد عدد الداخلين فقيه تحول كثير من الفقهاء الى التصوف وظهر منهم نوع جديد هو الفقيه الصوفى . يبدأ فقيها سنيا ثم يتصوف ، أى فالفقيه الصوفى هو عكس الصوفى الفقيه من أمثال الغزالى والشعرانى .وانتشرت هذه الفئة فى عصر الشعرانى حيث تسيد التصوف وانتشر.

  3 ــ وقد رأى الشعراني فيهم خطراً على التصوف خوفا أن يظهر منهم أمثال ابن تيمية والبقاعى ، فولاؤهم للسنة ويمكن لهم بمعرفة التصوف أن يدركوا خطر عقائده وتناقضها مع دين السنة ومع القرآن الكريم ، وهكذا فالشعراني ( كصوفي فقيه) تخوف من ( الفقيه الصوفى ) خشية أن يكون منهم من يعمل لصالح الفقه كما يعمل الشعراني لصالح التصوف . لذا نرى الشعراني يفضل الفقيه الصرف الصريح – كابن تيمية رغم إنكاره على الصوفية – على الفقيه الصوفي لاحتمال أن يكون الأخير منافقاً في تصوفه وخطراً على الطريق الصوفي ، فيقول ( إن الفقيه الصٍّرف الذي لم يدخل طريق القوم مقدم على الفقيه المتفعٍّل فيها من غير إتقان علومها والمشي على طريقها ، لأن الفقيه الصٍّرف سالم من النفاق الذي وقع فيه المتفعٍّل مع زيادة  علمه بالعلوم الشرعية ) ، والشعرانى هنا من حيث لا يقصد يفضح نفسه لأنه صوفى يتلاعب بالسنة لصالح التصوف ، وينافق كى يحفظ دينه الصوفى من الانكار ، وهو لا يريد أن يحاربه السنيون بنفس الطريق . بل تطرف الشعراني فاعتبر العامي المعتقد في الصوفية خيراً من ذلك الفقيه الصوفي ( بل تقول العامي الذي يعبد الله تعالى ويسأل العلماء – يقصد الصوفية – عن كل شيء أشكل عليه في دينه ، أحسن حالاً من هؤلاء المتفعلين في طريق القوم ) [48]. ( مصطلح القوم مقصود به أرباب التصوف ). إلى هذا الحد بلغ حرص الشعراني على الطريق الصوفي الذي يدافع عنه بشتى الوسائل .

4 ــ وطبيعي أن تمثل صيانة العقيدة الصوفية أهم مشكلة تواجه الشعراني كصوفي فقيه يحاول ربط التصوف بعقيدة الإسلام ( لا إله إلا الله ). ومع التسليم بمهارة الشعراني فإنه لم يوفق – كالغزالي – في عملية  التوفيق بين الإسلام والتصوف ، إذ يستحيل ذلك التوافق بين عقيدتين متناقضتين ، وكلاهما يستعمل أسلوب القصر فى نفى العقيدة المخالفة ، عقيدة الاسلام ( لا إله إلا الله ) وعقيدة التصوف الكبرى ( لا موجود إلا الله ).ويعنينا أن الشعراني انتهى إلى النتيجة التي وصل إليها الغزالي قبلاً ، وهي نجاحه فى حصر الإنكار على المتطرفين الاتحاديين في أشخاص الصوفية المعاصرين ، مع تقرير المذهب الصوفي الاتحادي في نفس الوقت ، فلم ينج من التناقض مثله .. ونحلل موقف الشعراني من هذه القضية على النحو التالي :-

أولا : هجومه على معاصريه من الصوفية :

1 ــ فالشعراني يهاجم أوباش الاتحادية في عصره .. يقول فيهم ( استحكم في غالبيتهم الضلال والفساد .. ويعضهم رأى أن كل شيء في الوجود هو الإله ، وأن عين هذا الوجود الحادث هي عين الله من الجماد والنبات والعقارب والحيّات والجان والإنسان والملك والشيطان ، ويجعلون الخلق هو عين المخلوق من خسيس ونفيس ومرجوم وملعون ورائس ومرءوس حتى الأباليس ، وهذا كلام لا يرضاه أهل الجنون ولا من كان في حبه مجنون .. وقد نقلت هذا الكلام في زماننا عن جماعة بالصعيد ، فيعتقدون هذه الأمور فيما بينهم وبين أصحابهم من الملاحدة ، وينكرون ذلك في الظاهر خوف القتل ، كل الذي أقوله:  أن إبليس نفسه لو ظهر ونسب إليه هذا المعتقد لتبرأ منه واستحيا من الله تعالى ، وإن كان هو الذي يلقي إلى نفوسهم بذلك . وقد حكيت لسيدي على الخواص بعض صفات هؤلاء فقال : هؤلاء زنادقة وهم أنجس الطوائف لأنهم لا يرون حساباً ولا عقاباً ولا جنة ولا ناراً ولا حلالاً ولا حراماً ولا آخرة ، ولا لهم دين يرجعون إليه ، ولا معتقد يجتمعون عليه ، وهم أخس من أن يذكروا لأنهم خالفوا المعقولات والمنقولات والمعاني وسائر الأديان التي جاءت بها الرسل عن الله تعالى ، ولا نعلم أحداً من طوائف الكفار اعتقد اعتقاد هؤلاء ، فإن طائفة من النصارى قالت : المسيح ابن الله وكفرهم القوم الآخرون ، وطائفة من اليهود قالت العزير ابن الله وكفرهم القوم الآخرون ، فلم يجعلوا الوجود عين الله تعالى .. [49] .)

2 ــ وقال عنهم ( وكان أخي الشيخ أفضل الدين يقول : لو كنت حاكماً لضربت عنق كل من قال : لا موجود إلا الله ونحو ذلك من الألفاظ لأنه لم تأت بذلك شريعة ) [50] .. ويقول الشعراني أنه سمع بعض الاتحاديين يقول ( ما ثم موجود إلا الله ، فقلت له ايش أنت ؟ فقال كلاماً لو كان معي شاهد آخر يشهد لذهبت به إلى حكام الشريعة يضربون عنقه ) [51].

3 ــ وينصح الشعراني بعدم الاجتماع ( بهؤلاء الجماعة الذين تظاهروا بطريق القوم في النصف الثاني من القرن العاشر من غير إحكام قواعد الشريعة : فإنهم ضلوا وأضلوا بمطالعتهم كتب توحيد القوم من غير معرفة مرادهم ، وقد دخل علىّ منهم شخص وأنا مريض ولم يكن عندي أحد من الناس فقلت له : من تكون ؟ قال أنا الله .! فقلت له كذبت. فقال أنا محمد رسول الله فقلت له كذبت . فقال : أنا الشيطان وأنا اليهودي فقلت له صدقت ، فو الله لو كان عندي أحد يشهد عليه لرفعته إلى العلماء فضربوا عنقه بالشرع الشريف ..) [52]. فالشعراني يستعدي السلطة عليهم ، ولا شك أنهم يتمتعون بكراهية الشعراني وحقده لذا لم يترجم لأحد منهم في طبقاته الصغرى أو الكبرى ..

ثانيا : النهي عن مطالعة كتب الاتحاد الصوفية :

1 ــ وحين يقول الشعراني عن أصحاب الاتحاد في عصره ( أنهم ضلوا وأضلوا بمطالعتهم كتب توحيد القوم من غير معرفة مرادهم ) فهو بذلك يحقق غرضه بالهجوم على أوباش الاتحادية ، وفي نفس الوقت يبرئ فيه ابن عربي وغيره من مقالة الاتحاد ، وقد قال في ترجمة ابن عربي ( وما أنكر عليه من أنكر إلا لدقة كلامه،لا غير) ، وقرر أن مذهب الصوفية أنهم ينكرون ( على من يطالع كلامه من غير سلوك طريق الرياضة ، خوفاً من حصول شبهة في معتقده يموت عليها ولا يهتدي لتأويلها على مراد الشيخ ) [53] .

2 ــ ويقول الشعراني ( أخذ علينا العهود ألا نمكن أحداً من إخواننا يطالع في كتب الشيخ ابن عربي في التوحيد المطلق ، ولا في كتب غيره من غلاة الصوفية ، وذلك لعدم الفائدة وشدة الإنكار على من تفوه بما ذكروه فيها مما يخالف عقول الناس ، وما كل ما يُعلم يُقال ، وربما فهموا منها أموراً تخالف صريح السنة فيموتون على اعتقادها فيخسرون مع الخاسرين ) [54]. فهو مع اعترافه بأن ابن عربي من غلاة الصوفية وأن كلامه يقابل بشدة الإنكار إلا أنه يوحي بأنها لا تخالف صريح السنة ويلجأ إلى التهديد بالخسران لمن يجرؤ على مطالعة كتبه ..

3 ــ ثم يلجأ الشعراني إلى تعميم تحذيره لتشتمل مواضع التصوف في المصنفات القديمة الشهيرة لمعتدلي الصوفية ( وليحذر من العمل بمواضع من كتاب الإحياء ، ومن كتاب النفخ والتسوية له وغير ذلك من كتب الفقه فإنها إما مدسوسة عليه أو وضعها أوائل أمره ثم رجع عنها ، وكذلك يحذر من مواضع في كتاب قوت القلوب لأبي طالب المكي نحو قوله ( الله تعالى قوت العالم ) ومن مواضع في تفسير المكي ، ومن مواضع كثيرة من كلام ابن ميسرة الحنبلي ، وقد صنف الناس في الرد عليه ، وليحذر من مطالعة كلام منذر بن سعيد ، وكذلك يحذر من مطالعة كتاب خلع النعلين لابن قسي .. وكذلك تائية سيدي محمد وفا .. وليحذر أيضاً من مطالعة كتب الشيخ محيي الدين بن العربي رضي الله عنه لعلو مراقيها ولما فيها من الكلام المدسوس على الشيخ لا سيما الفصوص والفتوحات المكية ) [55]. ( وأخذ علينا العهود ألا نمكن أحداً من إخواننا يشتغل قط بأسماء السهروردي ولا سماه البوني ولا علم الحرف الأعلى ..)  [56].   

 ثالثا : الشعرانى و تأويل عبارات الاتحاد للصوفية السابقين :

1 ــ وقرن الشعراني كلامه بالدفاع عن ابن عربي بدعوى أن ما كتب في مصنفاته مدسوس عليه أو أن ابن عربي قام بالرد على أهل الحلول والاتحاد [57] . ثم شمل شيوخ الاتحاد الباقين برعايته وأضفى عليهم حمايته يقول ( ومما منّ الله تبارك وتعالى به علىّ :  عدم إصغائي بأذني إلى وقتي هذا إلى من يقول بكفر الحلاج أو غيره من القوم المذكورين في كتب الرقائق ، ولم أزل أؤول للقوم ما صح عنهم ، وأنفي ما لم يصح ) [58]. أي أنه يؤول ما صح نقله من كفرهم ويخفي ما لم يصح ..

2 ــ وقد وقع الشعراني في المحظور وهو يؤول إحدى شطحات أبي يزيد البسطامي يقول – مسنداً الكلام لشيخه الخواص- في تبرير قول البسطامي ( سبحاني ما أعظم شاني ) ( إن أبا يزيد لما نزّه الحق وقدسه قيل له في سٍرٍّه : هل فينا عيب تنزهنا عنه قال : لا يا رب ، قال له الحق  : إذن نزه نفسك عن النقائص ، فلما جاهد نفسه ونزهها عن الرذائل قال : سبحاني قولاً ذاتياً ضرورياً حقاً لا دعوى فيه .. قال الخواص – أو الشعراني- وعجبت ممن يؤول أخبار الصفات كيف لم يؤول كلام العارفين مع كونهم أولى بالتأويل من الرسل لنقصهم في الفصاحة عنهم ) [59]. فالشعراني أسند لنفسه  في البداية علم الغيب حين علم بحديث البسطامي لنفسه ، ثم أسند الوحي للبسطامي وجعله يحاور ربه ، ثم بعد ذلك لم يتخل عن دعوى الاتحاد فاعتبر تنزيه نفس البسطامي عن النقائص والرذائل مبرراً لقوله ( سبحاني ) .وجاءت القاصمة حين طالب بتأويل كلام الصوفية قياساً على تأويل صفات الله تعالى فى القرآن والتي قد تفيد مشابهة البشر كالاستواء على العرش:( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) طه ) والوجه في (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ (27) الرحمن ) أو اليد (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ  ) الفتح 10 ) فاعترف ضمنياً بألوهيتهم واعتبرهم أولى من الرسل بالرعاية ..

3 ــ وفي موضع آخر يفتخر الشعراني بتأويله لكلام الصوفية ( وحمل كلامهم على أحسن الوجوه ، وكذلك كلام أتباعهم ، فأحمله على محامل حسنة ) [60] . ( وأما الجواب عن السادة الصوفية رضي الله تعالى عنهم فغالب مؤلفاتي جواب عنهم )، وبعد أن أسهب في الدفاع عن الصوفية ضد إنكار الفقهاء قال ( فإن أردت يا أخي عدم الإنكار فأجلُ مرآة قلبك فإنك تشهد الصوفية من خيار الناس .. إذا علمت ذلك فما نقل عن الشيخ أبي يزيد البسطامي قوله ( طاعتك لي يا رب أعظم من طاعتي لك ) ، أي إجابتك لي يا رب دعائي .. أعظم من إجابتي أنا لامتثال أمرك واجتناب نهيك .. ومما نقل عن أبي يزيد أيضاً أنه قال ( بطشي أشد من بطش الله بي ، لما سمع قارئاً يقرأ " إن بطش ربك لشديد " فصاح حتى طار الدم من أنفه وقال ( بطشي أشد من بطشه بي ) ومراده رضي الله تعالى عنه : إن بطش الله عز وجل بي لا يكون إلا مخلوطاً بالرحمة لأن رحمته غلبت غضبه عليه .. ولا هكذا بطش أبي يزيد فإنه محض انتقام لا يشوبه رحمة .. ومما نقل عنه أيضاً أنه قال لبعض مريديه ( لأن تراني مرة خير لك من أن ترى ربك ألف مرة )، ومراده أن المريد ليس له قدم في معرفة الله جل وعلا فإذا رآه فإنه يراه ولا يعلم أنه هو ، فلا يعرف يأخذ عنه علماً ولا أدباً ، بخلاف أبي يزيد فإنه ينتفع به ويعلمه الأدب ..ومما نقل عنه أيضاً ( سافرت من الله إلى الله ) ولعل مراده : سافرت في طريق الله إلى أن عرفته ، أو سافرت في حب الله من باب قوله تعالى (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  .. العنكبوت 69 ) وقوله (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ .. الحج 78 ) وليس مراده رضي الله تعالى عنه بذلك مسافة .. ويصح أن يكون مراده : ابتداء سفري إلى انتهائه بحول الله وقوته لا بحولي ولا قوتي .. ومما نقل عن الجنيد رضي الله تعالى عنه قوله ( العارفون لا يموتون وإنما ينقلون من دار إلى دار ) أنكر ذلك بعضهم وقال قد قال الله تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) الأنبياء 35 ) أي تذوق الموت عند انتهاء أجلها في الدنيا فكيف الحال ؟. والجواب كما قال بعضهم : إن مراد الجنيد أن العارفين لما جاهدوا نفوسهم في حال سلوكهم حتى ماتت عنهم جميع تصرفاتهم وشهدت التصرف لله وحده فكأنها ماتت في حال حياتها ، ولأن حكمها  إذ ذاك حكم الأموات في عدم إضافتها الفعل إلى نفسها ..ومما نقل عن الشبلي رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول ( إن ذلي عطل ذل اليهود ) ولعل مراده رضي الله تعالى عنه أن ذلي لله تبارك وتعالى أعظم من ذل اليهود له تعالى .. والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده ، ومما نقل عنه ( الشبلي) أيضاً أنه قال ( ما في الجبة إلا الله ) .. ولعل مراده رضي الله تعالى عنه ما ثم في جسدي فاعل إلا الله تبارك وتعالى نظير قول بعضهم ( ما في الكونين إلا الله تعالى ) ، فليس مراده نفي  الكونين ولا أن الله سبحانه وتعالى يحل في خلقه لأنه أثبت وجودهما كما نرى ، ولكن جعل الله تعالى خالقاً لهم ولأفعالهم ، وكم في الكتاب والسنة من كلام يحتاج إلى تقدير كما في قوله تعالى (وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ .. البقرة 93 ) أي اشربوا حب العجل .. ومما نقل عن الإمام الغزالي رضي الله تعالى عنه أنه قال ( ليس في الإمكان أبدع مما كان ) ، ولعل مراده رضي الله عنه أن جميع الكائنات أبرزها الله تعالى على صورة ما كانت في علمه تعالى القديم ، وعلمه القديم لا يقبل الزيادة وفي القرآن العظيم (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ..طه 50 ) .. وهذا هو معنى قول الشيخ محيي الدين بن العربي رضي الله تعالى عنه في تأويل ذلك ( أن كلام حجة الإسلام في غاية التحقيق لأنه ما ثم لنا إلا رتبتان قدم وحدوث ، فالحق تعالى له رتبة القدم ، والحادث له رتبة الحدوث ، فلو خلق تعالى ما خلق إلى ما لا يتناهى عقلا فلا يرقى عن رتبة الحدوث إلى رتبة القدم أبداً ) ..ومما نقل عن الشيخ محيي الدين بن العربي رضي الله تعالى عنه أنه قال ( حدثني قلبي عن ربي أو حدثني ربي عن قلبي أو حدثني ربي عن نفسه تعالى بارتفاع الوسائط ) ليس مراده أن الله تعالى كلمه كما كلم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وإنما مراده أن الله تعالى   يلهمه على لسان ملك الإلهام بتعريف ببعض أحوال ، فهو من باب قوله صلى الله عليه وسلم ( إن يكن في أمتي محدثون – بقتح الدال المشددة – فعمر ) .. ومما نقل عن القوم رضي الله تعالى عنهم قولهم ( اللوح المحفوظ هو قلب العارف ) ليس مرادهم نفي اللوح المحفوظ وإنما مرادهم أن قلب العارف إذا انجلى ارتسم فيه كل ما كتب في اللوح المحفوظ نظير المرآة إذا قابلها لوح مكتوب. فافهم . ومما نقل عن القوم (أى شيوخ الصوفية ) رضي الله تعالى عنهم قولهم ( دخلنا حضرة الله ، وخرجنا من حضرة الله ) ليس مرادهم بحضرة الله عز وجل مكاناً خاصاً معيناً فإن ذلك ربما يفهم منه التحيز للحق ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً وإنما مرادهم بالحضرة حيث اطلقوها شهود أحدهم أنه بين يدي الله عز وجل ، فما دام يشهد أنه بين يدي ربه جل وعلا فهو في حضرته ، فإذا احتجب عن هذا خرج من حضرة الله تعالى ..ومما لا يصح نقله عن الإمام الغزالي رضي الله تعالى عنه وإشاعة بعضهم عنه قوله أنه قال ( إن لله عباداً لو سألوه أن يقيم الساعة الآن لأقامها ) ، فإن مثل ذلك كذب وزور على الإمام حجة الإسلام رضي الله تعالى عنه وأرضاه ، يجب على كل عاقل تنزيه الإمام عنه لأنه يرد النصوص القاطعة الواردة في مقدمات الساعة ، فيؤدي ذلك إلى تكذيب الشارع فيما أخبر ، وإن وجد ذلك في بعض مؤلفات الإمام ، فذلك مدسوس عليه من بعض الملاحدة .. وكذلك مما لم يصح عن الشيخ أبي يزيد رضي الله تعالى عنه ما نقله بعضهم من أنه قال ( أن آدم عليه السلام باع حضرة ربه بلقمة ) ، فإن الشيخ أبا يزيد من جملة مشايخ رسالة القشيري الجامعين بين الشريعة والحقيقة فكيف يصدر عنه مثل هذا الكلام الجافي في حق سيدنا آدم  عليه السلام فأفهم ..وكذلك مما لا يصح نقله عنه رضي الله تعالى عنه ما نقله بعضهم من أنه قال ( لو شفعني الله تعالى في الأولين والآخرين لم يكن ذلك عندي بكبير ، غاية الأمر أنه شفعني في قطعة طين ) فإن ذلك كلام من لم يشم رائحة الأدب ، فإنه يبطل خصوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ) [61].

 رابعا : الرد على الشعرانى فى تأويله كفر وشطح أئمة التصوف     

والشعراني كصوفي فقيه يتخذ علمه بالفقه سلاحاً ينافح به عن دين التصوف، إلا أنه ناقض نفسه بتأويله لأشياخه الصوفية بما يتنافى مع شريعة الفقه ، وكان تأويه هذا على حساب دين الاسلام ورب العزة جل وعلا . ثم أنه تناقض مع نفسه ككاتب ومفكر حين هاجم صوفية عصره في الوقت الذي نهى فيه عن مطالعة كتب الصوفية السابقين وأوّل لهم كلامهم بعذر هو أقبح من الذنب . ويحلو لنا أن نناقش الشعراني في تأويله لكفر الصوفية وفي مبدأ التأويل بصفة عامة :ونبدأ بتقرير الحقائق القرآنية الآتية :-

1 ــ إن الإنسان مؤاخذ يوم القيامة بما يلفظه لسانه يقول تعالى (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ..ق18) ، وقد أعظم الإسلام من مسئولية اللسان، فالإنسان يدخل الإسلام بكلمة (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ..البقرة131) (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ..آل عمران52). والمسلم المؤمن مطالب بالإعراض عن مجرد اللغو الذي لا يستوجب عقاباً دنيوياً (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ..المؤمنون3 ). والمسلم يتزوج بمجرد كلمة ، إلا أنها كلمة مسئولة أو بتعبير القرآن الكريم عنها (وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً ..النساء21) .. ويطلق زوجته بمجرد لفظ الطلاق أمام شاهدي عدل ، بل قد يوقعه لسانه في عقوبة القذف، وما أسهل جريانه على اللسان (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ..النور15) ، وذلك أن حد القذف ثمانون جلدة يُعاقب بها من يسبق لسانه بلفظ السب لإحدى المؤمنات ، وحينئذ إما أن يعاقب وإما أن يثبت حقيقة كلامه بأربعة شهداء ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ..النور4) . فمن قذف إحدى المحصنات يواجه إلى جانب العقوبة الجسدية عقوبة إضافية وهي : فقدان أهليته للشهادة وإعلان فسقه لأنه خرج عن دائرة الالتزام.. إلى هذا الحد بلغ اهتمام الإسلام بمسئولية اللسان وأهمية الكلمة واللفظ والنطق . بل إن المسلم كما يدخل الإسلام بكلمة قد يخرج منه إلى دائرة الكفر بكلمة عند الله جل وعلا. هى مجرد كلمة ، ولكنه حق الله ، وحق الله أولى بالرعاية، ودينه الحق هو الأحق بالنصرة والولاء. وقد عرف تاريخ الإسلام طائفة دخلت في الإسلام نفاقاً ، قالوا لا إله إلا الله فاعتبروا مسلمين بمجرد نطقهم إياها (   قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ .. الحجرات 14 ) ، ومن شأن المنافق أن يفضحه لسانه وينم على مكنون قلبه .. فكما دخل في الإسلام بكلمة فمصيره أن يخرج منه أيضاً بكلمة، وهذا ما حدث وسجله القرآن الكريم واعتبرهم رب العزة كفرة لمجرد نطقهم بكلمة الكفر ولم يأبه بحلفهم وقسمهم ( يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ ) التوبة 74 ) فلا عبرة هنا بأي اعتذار مهما كان، وقد إعتذر بعض المنافقين فلم يأبه رب العزة لاعتذارهم :( وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)التوبة 65، 66) .ولكن العقوبة على الكفر مؤجلة إلى يوم القيامة، والله تعالى هو الذي يحكم بالكفر على من يموت بكفره، وتلك قضية أخرى إلا أننا نفهم من القرآن خطورة ما ينطقه اللسان، لذا يبادر المؤمن بالاستغفار باستمرار.

2 ـ وقد عرف تاريخ المسلمين حركات متلاحقة للردة ولم تعرف وقتها محاولات التبرير والتأويل والاعتذار مع أن أولئك لم يدعوا اتحاداً بالله وتأليهاً للبشر وكل الموجودات ، كما يقول أصحاب وحدة الوجود ، فلما تسيد الصوفية وتحكموا ، عرفنا لأول مرة أن القول الكافر الفظيع فى كُفره وإساءته لرب العزة هو مجرد ( الشطح ) . وإن ذلك الشطح يمكن تأويله ليوافق الشريعة السنية لينجو من تلك الشريعة التى تعاقب المرتد بالقتل ( خلافا للإسلام )، ثم سنّ القشيرى والغزالى والشعرانى للتأويل قوانين أبرزها أن يتمتع به السابقون من الصوفية دون اللاحقين المعاصرين للشيخ المؤوٍّل فيلسوف التأويل ، لأنه لا يرى في أهل عصره من يستحق أن يعمل له مؤولاً ومدافعاً ومحامياً ، وكيف ذلك وهم ينافسونه على المريدين والصيت والنذور والهدايا ؟؟..  

3 ــ وما أسهل الرد على تأويلات الشعراني وغيره .. إذ أن العبارات الواضحة تستعصي على التبرير والتأويل ، وبل قد يؤكدها التأويل ويفضحها التبرير. كما قال الشعراني في تأويل مقالة الجنيد ( العارفون لا يموتون ..) فإنه أجاب بتأويل اتحادي جعل العارفين يتحدون بالله بإماتة التصرفات البشرية وصيرورتهم جسداً تصرفه روح الله أو حسب تعبيره ( إن العارفين لما جاهدوا نفوسهم في حال سلوكهم حتى ماتت عنهم جميع تصرفاتهم وشهدت التصريف لله وحده.. إلخ ) وقوله في تأويل عبارة الشبلي ( ما في الجبة إلا الله ) أثبت عقيدة الاتحاد حين حاول نفيها فقال ( ولعل مراده .. ما ثم في جسدي فاعل إلا الله نظير قول بعضهم ما في الكونيين إلا الله تعالى )..

4 ــ وبعض تأويلات الشعراني تستدعي الرثاء لضحالتها وتفاهتها ، وذلك في تبريره لمقالات البسطامي التي يفضل فيها نفسه على الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً وهي ( طاعتك لي يا رب أعظم من طاعتي لك – بطشي أشد من بطشك – لأن تراني مرة خير لك من أن ترى ربك ألف مرة )..فقد أوّل طاعة الله لأبي يزيد بأنها إجابته لدعائه أي أن الله يطيع أمر أبي يزيد فيستجيب لدعائه وإن هذه الطاعة الإلهية لأبي يزيد أعظم من قيام أبي يزيد بطاعة الله.!. فالشعراني رغم هذا التخريج المبتذل لقول البسطامي أثبت تفضيل البسطامي على الله أيضاً ..ثم فسر الشعراني ( بطش أبي يزيد بالله تعالى) بأنه انتقام لا رحمة فيه، بينما جعل بطش الله بأبي يزيد مخلوطاً بالرحمة.. فكيف يتصور أي عقل أن يبطش البسطامي بالله بطشاً لا رحمة فيه بينما يبطش الله بأبي يزيد بطشاً هيناً ؟؟

5 ــ واستدل الشعراني بآيات قرآنية في معرض التأويل والتبرير فى جُرأة لا تقل عن ( شطح ) أشياخه ، يقول ( وكم في الكتاب والسنة من كلام يحتاج إلى تقدير ) أي أنه طالما وجدت بالقرآن آيات تحتاج إلى تأويل وتفسير ـــ  طبقا لمقولات الدين السُّنّى ــ فكذلك يحتاج كلام الأولياء إلى تأويل وتفسير. والشعراني بذلك يعتبر كلامهم في منزلة القرآن ، هذا مع أن القرآن الكريم لم يرد فيه قول كفر يحتاج إلى تأويل ، فليس  من القياس المنطقي أن يؤول كلام الصوفية حملاً على ما ورد في القرآن الكريم من استعارات وصور بيانية تعبر عن ذات الله تعالى وصفاته التى لا يمكن لأى لسان بشرى أن ينطق بها ، ولا يمكن لقلب بشرى أن يتخيل الخالق جل وعلا ، فجاء التعبير القرآنى عن صفاته جل وعلا بالمجاز حسب مداركنا . وجاء الشعرانى يعامل أشياخه أصحاب الشطحات بإعتبارهم آلهة مع الله جل وعلا و يتمتعون بنفس مكانة الله تعالى .

6 ــ ومن ناحية أخرى فتأليه شيوخ الصوفية يعني تفضيلهم على الرسل .. وتفضيل الوليّ الصوفى على النبي أمر مقرر في العقيدة الصوفية يتجلي في نواح شتى في التفكير الصوفي حتى في معرض التأويل ..فالنبي في عقيدة الإسلام بشر يوحى إليه، وهو مكلف محاسب على ما كسبت يداه ولسانه كباقي البشر ، بل مسئوليته أكبر بحكم الرسالة .وفي القرآن الكريم مواقف تعرض فيها النبي عليه السلام لللوم والتأنيب لمجرد كلمة قالها ربما لو قيلت من إنسان عادي لكان اللوم أقل.. ومن ذلك قوله عليه السلام لزيد بن حارثة (أمسك عليك زوجك ) حين أراد تطليق زينب بنت جحش ، فتعرّض عليه السلام بسبب هذه الكلمة لتأنيب شديد من ربه جل وعلا : ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ..الأحزاب37 ) .ويعنينا من هذه القصة أن الرسول عليه السلام عوتب على كلمة نطق بها. وشطح الصوفية قول فظيع فيه افتراء على الله ما بعده افتراء. ويستحيل على الرسول الوقوع في التقول على الله جل وعلا. ومع ذلك فإن القرآن الكريم لم يغفل عن هذه الناحية الافتراضية فأثبتها وبين عقوبتها بالتفصيل ، يقول تعالى عن محمد صلى الله عليه وسلم (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ،لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ،ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ،فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ..الحاقة 44: 47 )..

7 ــ ولا ننسى وجود الفرق الهائل بين شطح الصوفية المغرق في البذاءة والسّب لرب العزة جل وعلا وبين الافتراء العادي الذي وقع فيه بعض المتنبئين مثل مسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسي ، فلم يقل أحد قبل أولئك الصوفية مثل هذه البذاءة سبّا فى رب العزة ، ثم يقوم القشيرى و الغزالى والشعرانى وغيرهم بتأويل بذاءتهم والدفاع عنهم ، فى خصومة واضحة لرب العزة الذى يتعرض للشتم والسّب .!!..هنا خصومة فيها ظالم ومظلوم . والذى وقع عليه الظلم والسّب هو رب العزة . ولا بد من تحديد المواقف ، هل نقف مع المعتدى الظالم أم مع الذى وقع عليه الاعتداء ؟ وإختار الشعرانى و الغزالى والقشيرى مناصرة أئمتهم المعتدين الظالمين .

8) ومما سبق نستدل من أسلوب الشعراني في التأويل أن عقيدة الاتحاد أحكمت سيطرتها على عصره ، حتى كان يؤول بعض العبارات بأسلوب اتحادي كما مر ، ومعنى ذلك أن أسلوب الاتحاد انتشر في عصر الشعراني وأصبح عادياً مألوفاً بحيث يستدل به في التأويل .. ومن ذلك تأويله بكلمات ابن عربي ( حدثني قلبي عن ربي أو حدثني ربي عن قلبي أو حدثني ربي عن نفسه ..) بأن مراده أن الله تعالى يلهمه على لسان ملك الإلهام ثم أفاض في توضيح الفرق بين وحي النبي ووحي الأولياء الذي شاع في هذا العصر الإيمان به وتناسى ما في أسلوب ابن عربي من مساواة مرفوضة بينه وبين الله . ومن ذلك أيضاً تأويله لقولهم ( اللوح المحفوظ هو قلب العارف ) والقائلون لذلك من صوفية العصر المملوكي ، تطرفوا في إدعاء الاتحاد وعلم الغيب حتى اعتبروا أن قلب العارف الصوفي هو محل اللوح المحفوظ ، وبرر الشعراني ذلك بما قاله الغزالي عن المرآة واللوح.ومن ذلك تأويل الشعراني لقول الصوفية ( دخلنا حضرة الله ) بالشهود ، والشهود من أوصاف عقيدة الاتحاد في العقيدة الصوفية ..

9 ــ  ثم أورد الشعراني طائفة من الأقوال ادعى أنها لم تصح ،وأنها ألصقت بقائليها الصوفية كذباً ، واعتذر بحجج واهية لجأ فيها إلى ما شاع في عصره من وجوب تقديس وتنزيه أولئك الأشياخ ، كقوله مثلا عن الغزالي ( فإن مثل ذلك كذب وزور على الإمام حجة الإسلام يجب على كل عاقل تنزيه الإمام عنه... وإن وجد ذلك في بعض مؤلفات الإمام فذلك مدسوس عليه.) ، واعتذر عن مقالة للبسطامي أساء فيها الأدب على آدم عليه السلام بأن ذلك مما لم يصح عن أبي يزيد ( فإن الشيخ أبا يزيد من جملة مشايخ رسالة القشيري .. فكيف يصدر عنه مثل هذا الكلام الجافي في حق السيد آدم ).ورسالة القشيري ليست قرآنا يُحتكم إليه، ولكنها أصبحت كذلك في العصر المملوكي عصر السيطرة الصوفية. وإذا كان البسطامي قد شطح في حق آدم واستنكر الشعراني حدوث ذلك وحاول تنزيه البسطامي عنه فكيف به وهو يفضل نفسه على الله ويقول ( طاعتك لي يا رب أعظم من طاعتي لك .. بطشي أشد من بطش الله بي .. إلخ ) أيعتبر حق الله أقل شأناً من ( حق السيد آدم ) ؟؟.

10 ــ على أن تلك العبارات ــ التي يشكك الشعراني في صدق نسبتها لأصحابها – هى متواترة في كتب الصوفية ومثبتة على لسان أصحابها .ويعنينا من ذلك أن الشعراني الذي أنكر أن يكون أبو يزيد البسطامي هو القائل ( لو شفعني الله تعالى في الأولين والآخرين لم يكن ذلك عندي بكبير ..إلخ) .. هو نفسه الشعراني الذي أثبت تلك المقالة نفسها للبسطامي في ترجمته له في الطبقات الكبرى يقول ( دخل الهروي يوماً على أبي يزيد فقال له أبو يزيد : وقع في خاطري أني أشفع لك إلى ربي عز وجل ، فقال : يا أبا يزيد لو شفعك الله في جميع المخلوقين لم يكن ذلك كثيراً إنما هم قطعة طين .. ) [62] . وقال في الأنوار القدسية ( ومن هذا المقام قال أبو يزيد رضي الله عنه لو شفعني الله يوم القيامة في جميع الخلائق لم يكن عندي بعظيم لأنه ما شفعني إلا في قطعة طين ) [63] .

 خامسا : الشعراني يقول بعقائد التصوف

1 ــ الشعراني يشيد بأساتذته الاتحاديين :

وفي الوقت الذي هاجم فيه الشعراني معاصريه من الاتحاديين فإنه أشاد بأساتذته منهم وأوسع لهم في طبقاته مشيداً ومفاخراً بعلمهم بعقائد الاتحاد ، كما يقول عن محمد الصوفي ( أنه كان يحل مشكلات ابن عربي بأفصح  عبارة ، ومن كلامه رضي الله عنه : أعلم أن السير في الطريق سيران ، سير إلى الله وسير في الله ، فما دام السالك في المسالك الفانية التي هي طريق العدم فهو في السير إلى الله ، فإذا قطع كرة الوجود صار إلى المعبود ، ولم تكن هذه الرتبة إلا من طريق الأسماء ، كما أشار إلى ذلك سيدي عمر ابن الفارض بقوله :-

      على سمة الأسماء تجري أمورهم         وإن لم تكن أفعالهم بالسديدة

ففي البداية أنت أنت والاسم الاسم ، وفي وسط الطريق تارة أنت وتارة الاسم ، وفي النهاية أنت ولا اسم فإن التخلق به يظهر فعله على ناسوتك لقوته فلا يرى منك إلا فعل الاسم ، فالمرئي أنت لا الاسم ، لقصور نظر الرائين ، وأما الناقد البصر فهو يعرف قوة الإكسير .. وأطال في ذلك بكلام يدق على العقل رضي الله عنه ) [64]. ويقول الشعراني عن (سيده) الشيخ دمرداش المحمدي أنه رتب على فقراء زاويته كل يوم ختماً يتناوبونه ( ويهدونه في صحائف سيدي الشيخ محيي الدين بن العربي ..) [65].

2 ــ  الشعرانى ينقل عبارات الاتحاد فى كتبه

وتتردد عبارات الاتحاد في تراجم أعيان الصوفية قبل وأثناء العصر المملوكي حتى أن كتاب (الطبقات الكبرى ) للشعراني أصدق مصدر يعبر عن العقيدة الصوفية. ومعنى ذلك أن الشعراني – كمعبٍّر عن عصره وشاهد على عصره – لم يجد في ذلك تحرجاً لأنه منطق العصر وعقليته التى تشرّبت عقيدة الاتحاد ، وكل ما هنالك أن القاعدة الصوفية في الإنكار مرعية تماماً ، وهي تقديس الأشياخ القدامى وقبول كلامهم وتأويل شطحهم بعبارات اتحادية أهدأ ، هذا مع قصر الإنكار على المعاصرين ، وهم بطبيعة الحال أقل شأناً من الشعرانى نفسه ، فلا يستحق الشيوخ المعاصرون للشعرانى الذين هم دون الشعرانى فى المكانة إلا إحتقار الشعرانى ، خصوصا وهم يزاحمونه على النذور وينافسونه على المريدين ، وينافسونه في ادعاء الولاية وهم – حسب اعتقاده – لا يستحقونها؟  ثم كيف يتشبهون بالأكابر السابقين من أئمة الشعرانى فى قول الشطحات ؟ .

وقد واجه الشعراني " قضية ابن عربي " باختصار مؤلفاته ، وتأويل كلامه ، وما استعصى على التأويل ادعى أنه مدسوس عليه ، ثم دعا إلى عدم مطالعة كلامه جملة وتفصيلا .. ولا ريب أن شخصية الشعراني – كصوفي فقيه يهدف للتقريب والتلفيق – قد أملت عليه هذا الطريق ، وجعلته في نفس الوقت يسلك طريق الاعتدال أو النفاق والتقية في تقريره لعقيدة الاتحاد الصوفية التي يؤمن بها ويدعو لها .

3 ــ تقية الشعراني فى موضوع الاتحاد الصوفي :

أ )  بالغ الشعراني في التقية والنفاق متابعة لأشياخه أحمد الزاهد ومدين الأشموني والغمري مع قيامه بالتوفيق بين الإسلام والتصوف . وقد حاول الشعراني – على عادته- أن يسبغ المشروعية على كتمانه لعقيدة الاتحاد بشتى السبل ، كالتعلق بأهداب السلف الصالح والخلط بين الفقه والتصوف والعلم والاتحاد ، كقوله ( ومما منّ الله تبارك وتعالى به على اقتدائي بالسلف الصالح في كتمان الأسرار التي مُنْحتُها بفضل الله تعالى ، فأعرف في كل آية أو حديث أو أثر من الأسرار ما لا يسطر في كتاب ) ، ويقول مستشهداً بروايات سابقة كاذبة ( وقد كان الإمام على رضي الله تعالى عنه يقول : آه ، بعد أن يضرب على صدره – إن هنا لعلوماً جمة ، لو وجدنا من يحملها ؟ وكان رضي الله عنه يقول : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم علماً لو أفشيته لخضبت هذه من هذه ، وأشار إلى لحيته وعنقه ، وكان أبو هريرة يقول : أخذت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين من علم فأما واحد فبثثته لكم ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم ) [66] .ومعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام يستحيل عليه إخفاء شيء من رسالته وعلمه ، ومعلوم أن الإسلام قد تم وأكتمل بانتهاء الوحي ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً .. المائدة 3 ) .وتلك الروايات الكاذبة تتهم النبي بإخفاء جزء من الرسالة ، وعدم تبليغ الرسالة كلها ، وذلك ما يرفضه المؤمن بالله ورسله . إلا أن الصوفية حين عجزوا عن إثبات أصل لعقيدتهم في القرآن الكريم لجأوا إلى الإيهام بأن التصوف هو العلم الخفي الذي اختص به الرسول على الصوفية ، واستشهدوا بأحاديث كاذبة .

ب – ثم يلجأ الشعراني إلى القصص التي وجدت لها السوق الرائجة في عصره ليثبت بها مشروعية التقية .. يقول ( ونقل الشيخ عبد الغفار القوصي عن الشريف الكليمي أنه أخبره أنه كان ذاهباً في طريق العمرة ومعه فقير أعجمي ، فتكلم بشيء من الأسرار ، فقلعت رأسه من بين كتفيه فخفت أنهم يطالبونني به فهرولت وتركته ) [67]. ( وقد حكى الشيخ عبد العزيز المنوفي وكان من أصحاب الشيخ إلى عبد الله القرشي أنهم قالوا للقرشي مرة يا سيدي : لم لا تحدثنا بشيء من الحقائق . فقال لهم : كم أصحاب اليوم ؟ فقالوا : ستمائة رجل فقال : استخلصوا منهم  مائة فاستخلصوا ثم قال : فاستخلصوا منهم عشرين ، ثم قال : استخلصوا منهم أربعة فاستخلصوا له الشيخ قطب الدين العسقلاني والشيخ عماد الدين وابن الصابوني والقرطبي وكانوا أهل مكاشفات وخوارق فقال الشيخ : والله لو تكلمت بشيء من الأسرار والحقائق لكان أول من يفتي بقتلي هؤلاء الأربعة .. ) [68].ولا شك أن قصة الاضطهاد التي لازمت التصوف في بدايته ترسبت في عقل الصوفية اللاحقين، وظهرت في أقاصيصهم وكرامتهم حتى في عصر تمتعوا فيه بالحرية بل وسيطروا عليه ..

ج ــ  ثم وصل الشعراني إلى غرضه وهو فلسفة الإخفاء وتقعيد التقية ، وإسباغها بالمشروعية الفقهية يقول ( ووجه ذلك أن علم الحقائق والأسرار من علم سر القدرة والجبروت ، وإفشاء ذلك كفر بالله عز وجل ، ويجب على العلماء أن يفتوا بكفره ، لأن ذلك بما تعبدهم الله تعالى به ظاهراً صيانة للشريعة المطهرة .. وأيضا فإن الأسرار الإلهية المودعة في قلوب العارفين هي من أمانة الله عندهم ، وهي العهد والعقد وهم مطلوبون بالوفاء بالعهود والعقود وأداء الأمانات إلى أهلها دون غيرهم ، فلو قطع صاحب الأسرار إرباً إرباً لما أظهرها ، لكن إن أعطى الله تعالى عبداً قوة على التلويح دون التصريح كسيدي محمد البكري حفظه الله تعالى من عيون الحاسدين .. فعلم أن كُمّل العارفين لا يقع منهم إفشاء لسر الربوبية ، ثم لو تصور وقوع ذلك منهم في حضور أو غيبة أو غلبة حال حصل القتل ، إذ الغيرة الإلهية تقتضي ذلك كما مر في أسرار الملوك وفي رمزه تعالى فواتح بعض سور القرآن العظيم مع قدرته على إظهار تلك .. ) [69] .أي أن الشعراني وصل في فقهه إلى اعتبار أسرار التصوف كإحدى معجزات القرآن الكريم في فواتح السور...

د ــ والشعراني يعتبر نفسه من ( كُمّل العارفين ) الذين  ( لا يقع منهم إفشاء لسر الربوبية ) مخافة ( القتل ) .. فقد عد من منن الله تعالى عليه ( عدم إفشائي الأسرار المتعلقة بالتوحيد ودقائق الشريعة الشريفة لأحد من الخلق إلا بعد طول امتحانه وكثرة التنكرات – أي الاختبارات – والتغريات عليه ، وإغضابه المرة بعد المرة ، وسبّه بين من يُستحي منهم عادة ، المرة بعد المرة .. وقد جاءني مرة شخص من دهاة فحول الرجال من معلمي دار الضرب بالقلعة يطلب مني أن أطلعه على شيء من أسرار الطريق وألح في ذلك فتنكرت عليه وتغربت مدة وصرت أكلمه بالكلام المؤذن بنقص مرتبته .. فزهقت نفسه مني ونفرت .. وتقدم في هذه المنن أن شخصاً دخل على أبي عبد الله القرشي فرآه يتكلم في الأسرار فلما شعر به قطع الكلام فقال له الشخص: أنا من المعتقدين في أهل الطريق لا تخافوا منّى .. ) [70] . ففي عصر الشعراني اكتملت سيطرة التصوف على الحياة الدينية عقيدة وسلوكاً وشريعة .. ومع ذلك أضحت ( دقائق الشريعة ) من الأمور الملحقة بالعقيدة الصوفية في وجوب إخفائها عمن هم خارج الإطار الصوفي ، ليس خشية من الفقهاء ، ولكن لإظهار تميز الأشياخ الصوفية عن غيرهم من الأوباش ، أو من الفقهاء الملتحقين بالتصوف ، الذين يتمتعون بكراهية الشعراني وعدم ثقته فيهم ..                                                                                                                                 

4 ــ  من أقوال الشعراني في الاتحاد :

ومع شدة تمسك الشعراني بالتقية كما مر فإن لسانه سبقه فأورد عن نفسه بعض عبارات الاتحاد ، ومعلوم أن عبارات الاتحاد التي أوردها الشعراني لأشياخ التصوف السابقين تحظى برضى الشعراني بل وتقديسه ، وإلا فما الذي دعاه للإتيان بها في معرض الفخر بأولئك الأشياخ وتعداد مناقبهم .. إلا أننا نقصر القول عما قال به الشعراني عن عقيدته وآرائه الشخصية لتكتمل الصورة ..وقد أوردنا بعض عبارات الاتحاد التي قالها محمد الصوفي المعاصر للشعراني والجديد هنا أن ذلك الصوفي الذي ( كان يحل مشكلات ابن عربي بأفصح عبارة ) كان في نفس الوقت أستاذاً ومعلماً للشعراني أخذ عنه دقائق عقيدة ابن عربي يقول الشعراني في ترجمته لمحمد الصوفي ( .. صحبته نحو خمس وثلاثين سنة وانتفعت بكلامه وإشاراته ..) [71].

يقول الشعراني مفتخرا جاعلا سجوده فى الصلاة إتحادا بالله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا :( ومما منّ الله تبارك وتعالى به على : شهودي لقرب الحق تبارك وتعالى مني في حال سجودي كحال قيامي على حد سواء ، بالنسبة إليه سبحانه وتعالى ،لأن الله تعالى يقول (واسجد واقترب ) لم يقل قم واقترب )[72] . أي أن الشعراني يشهد الله في قيامه كما في سجوده – ويمتاز بذلك عن بقية البشر ومعروف أن عبارة الشهود إحدى صفات الصوفي المتحد بالله .. فالشعراني يعلن بطريق غير مباشر – أن اتحاده بالله ليس قصراً على السجود وإنما يشمل القيام أيضاً ، ولا يكتفي بتفضيل نفسه على النبي الذي قال له ربه (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) العلق ) ولكنه أيضاً يجعل الاقتراب شهوداً للحق بالمفهوم الاتحادي للعقيدة الصوفية .

وجعل الشعراني من الذكر الصوفي طريقاً آخر للاتحاد يقول أن غرض الذكر ( هو نفي كل موجود من القلب سوى الله تعالى)[73] . وقد فصل مراحل الاتحاد حال الذكر الصوفي بقوله (الذاكر ينسى أفراد العالم شيئاً بعد شئ إلى أن يحجب عن شهوده ويصير لا يرى إلا الله ، ثم أنه يحجب عن شهود نفسه كذلك بأن يرق ويدق حتى يصير كالذرة ثم يغيب ، فإذا تحقق بالمقام قيل له ارجع إلى شهود أفراد العالم وانظر إلى ما انطوت عليه من الحقائق فإنها كلها دلائل على ذلك ،فإنك حجبت عن معرفتي بقدر ما حجبت عن شهود العالم ، ثم يرجع بعد معرفة الله إلى أفراد العالم له،  شيئاً بعد شئ إلى أن لا يغيب عنه من العالم ذرة إلا ما كان فوق دائرته ) [74] .

فقوله ( الذاكر ينسى أفراد العالم شيئاً بعد شئ ) تدرج في الاتحاد ، وقوله ( إلى أن يحجب عن شهوده ) اتحاد بالله وفناء عن الطبيعة البشرية ، وقوله ( ويصير لا يرى إلا الله ) يعني وحدة الوجود فقد أصبح الشاهد والمشهود هو الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً .. ثم أكد ذلك بقوله ( ثم إنه يحجب عن شهود نفسه كذلك بأن يرق ويدق حتى يصير كالذرة ثم يغيب ) ومعنى ذلك أن الوجود قد أصبح واحداً كاملاً بتحقيق فناء غير الله في الله .. ( فإذا تحقق بالمقام ) أي إذا عرف حقيقة الأمر وهو وحدة الوجود الإلهي المتمثلة في كل الأعيان الموجودة ( قيل له ارجع إلى شهود أفراد العالم وانظر ما انطوت عليه من الحقائق فإنها كلها دلائل على ذلك ) ، أي إذا عرف أن الحقيقة الكبرى هي وحدة الوجود عاد يتمثل إلهه في كل أفراد العالم من شجر وحجر وحيوان فكلها انطوت على الحقائق الدالة على ذلك ، بل وأصبحت دليلاً على معرفته بإلهه ( فإنك حجبت عن معرفتي بقدر ما حجبت عن شهود العالم ) ثم يرى ألهه في كل أفراد العالم ( .. ثم يرجع بعد معرفة الله إلى أفراد العالم له شيئاً بعد شئ ، إلا أن لا يغيب عنه من العالم ذرة إلا ما كان فوق دائرته ) ..

فابتدأ الشعراني بأن الذاكر ينسى أفراد العالم شيئاً فشيئاً إلى أن يتحد بالله ، وحينئذ يعرف الحقيقة الكبرى عندهم وهي أن الله عين العالم ، فيرجع إلى تذكر أفراد العالم حتى لا يغيب عنه منه شيئاً ففي الحالة الأولى نسى كل شئ عن نفسه وعن العالم حتى صار ( كالذرة ) ثم غاب في الحقيقة الإلهية ، وفي الحالة الأخيرة عاد يتذكر كل شئ بعد أن عرف أن العالم هو الله فلم تغب عنه أي ( ذرة ) من العالم وقد قال أيضاً ( لا يزال العبد إذا وصل إلى شهود الوجود في عينه كالذرة ، فتكبر عنده أفراد الوجود شيئاً فشيئاً ، حتى يرجع إلى الحالة الأولى التي كانت له قبل الترقي ، ويصير يعظم الوجود بتعظيم الله تبارك وتعالى )[75].لأن الوجود عنده هو الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا.!!.

ومن خلال  وحدة الوجود ــ  الحقيقة الكبرى عند الشعراني والصوفية والتي تنتظم في إطارها عقيدة الاتحاد – نظر الشعراني إلى الولي الصوفي فجعله متمتعاً بصفات الله تعالى أو على حد قوله ( أعلى مراتب التقليد من قلد ربه ) [76] . وفي العصر المملوكي وعصر الشعراني على الأخص كان التطبيق العملي لعقيدة الاتحاد حيث تقديس الولي الصوفي وكانت مصنفات الشعراني وكتب المناقب خير دليل على ذلك .وهكذا وقع الشعراني بلسانه فأبان عن عقيدة الاتحاد ووحدة الوجود وأثبت إخلاصه لأشياخه محمد الصوفي وابن عربي والغزالي وغيرهم .. وقد يكون المستحسن أن تسترجع وصف الشعراني للاتحاديين ( .. وبعضهم رأى أن كل شئ في الوجود هو الإله ، وأن عين هذا الوجود الحادث هي عين الله من الجماد والنبات والعقارب والحيّات والجان والأنس والملك والشيطان ، ويجعلون الخلق هو عين المخلوق من خسيس ونفيس ومرجوم وملعون ورائس ومرءوس حتى الأباليس ، وهذا كلام لا يرضاه أهل الجنون ولا من كان في حبه مجنون ، وقد نقلت هذا الكلام في زماننا عن جماعة بالصعيد ، فيعقدون هذه الأمور في ما بينهم وبين أصحابهم من الملاحدة وينكرون ذلك في الظاهر خوف القتل ، بل الذي أقوله أن أبليس نفسه لو ظهر ونسب إليه هذا المعتقد لتبرأ منه واستحيا من الله تعالى، وإن كان هو الذي يلقي إلى نفوسهم بذلك .. وقد حكيت لسيدي على الخواص عن بعض صفات هؤلاء فقال : هؤلاء زنادقة وهم أنجس الطوائف لأنهم لا يرون حساباً ولا عقاباً ولا جنة ولا ناراً ولا حلالاً ولا حراماً ولا آخرة ، ولا لهم دين يرجعون إليه ولا معتقد يجتمعون عليه وهم أخس من أن يذكروا لأنهم خالفوا المعقولات والمنقولات والمعاني وسائر الأديان التي جاءت بها الرسل عن الله تعالى ، ولا نعلم أحداً من طوائف الكفار اعتقد اعتقاد هؤلاء ) [77] .

أخيرا :

1 ــ لا أدل على تسيد التصوف وعقيدته في هذا القرن من انعدام ثورة من الفقهاء على مثال حركتي البقاعي وابن تيمية .. بل حدث العكس وهو تصوف الفقهاء أو نفاقهم للتصوف ، وذلك ما أخاف الشعراني – خير من يفطن لخطورة النفاق - وهو سيد هذا الميدان ..ويعنينا أن التاريخ يعيد نفسه وأن الكراسي قد تبدلت .. فالجنيد كان يتستر بالفقه في زمن كان فيه الفقه هو المسيطر والصوفية مضطهدون في القرن الثالث ثم أصبح بعض الفقهاء في القرن العاشر ينافقون التصوف وينتحلون عقائد الصوفية ويواجهون الإنكار من الشعراني لأنهم غير مخلصين في تصوفهم أو بتعبيره ( متفعلون) .

2 ــ وعرف هذا القرن طوائف شتى من الاتحادية .. المبتدئون الذين تمتعوا بكراهية الشعراني وطالب برءوسهم ، والمعلمون الذين تلقى عنهم الشعراني عقائد الاتحاد ، والمنافقون الموفٍّقون الملفٍّقون الذين جمعوا بين الفقه والتصوف لخدمة التصوف ويتزعمهم الشعراني . وأولئك أسهبوا في تأويل عبارات الاتحاد للسابقين وأحياناً كانوا يشرحونها بأسلوب اتحادي أخف وقعاً من سابقه . ثم هم جميعاً أخلصوا لعقائدهم ودافعوا عنها رغم سطحية الإنكار الفقهي وتفاهته .



[1]
إنباء الغمر جـ3/ 465 .

[2] إنباء الغمر جـ3/ 465 .

[3] النجوم جـ15 / 165 : 166 .

[4] إنباء الغمر جـ3/ 392 : 392 .

[5] شذرات الذهب جـ7 / 95 : 96 .

[6].لطبقات الكبرى للشعراني جـ2/ 75 ط صبيح .

[7]الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/ 92  ط صبيح .

[8] ترجمته في الضوء اللامع.

[9] الطبقات الكبرى المرجع السابق جـ2/ 75، 93 .

[10] ذكرها جورج قنواني في أبحاث الندوة الألفية للقاهرة  جـ1 /359 : 360 .

[11] الخطط المقريزي جـ 3 / 401 ط دار التحرير .

[12] إنباء الغمر جـ2 / 309 ، 30  ،  496 بالترتيب

[13] إنباء الغمر جـ2 / 309 ، 30   ، 496 بالترتيب

[14]. إنباء الغمر جـ2 / 309 ، 30   ، 496 بالترتيب

[15] تنبيه الغبي 150 للبقاعي

[16] تنبيه الغبي 79 ،80 ،135، 151 ، 196، 152 ،180 ،157 ، 180 ،190 .

[17] تاريخ البقاعي : مخطوط ورقة 153 ب .

[18] الضوء اللامع جـ3/ 186 .

[19] الضوء اللامع جـ3/ 234 .

[20] الطبقات الكبرى للمناوي 99 ب .

[21] ألف البقاعي : تنبيه الغبي في تكفير ابن عربي وتحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد ، وقد حققها الشيخ عبد الرحمن الوكيل في كتاب واحد حمل عنوان ( مصرع التصوف ) .

[22] تاريخ البقاعي مخطوط ورقة 8، 9 .

[23] أبناء الهصر 176 .

[24] تاريخ ابن إياس جـ2/ 119 ط بولاق .

[27] الطبقات الصغرى 39 .

[28] الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/ 107 .

[29] الضوء اللامع جـ1/ 171 ، جـ3/ 87 ، 144 : 145 .

[30] الضوء اللامع جـ1/ 171 ، جـ3/ 87 ، 144 : 145 .

[31] الضوء اللامع جـ1/ 171 ، جـ3/ 87 ، 144 : 145.

[32] الضوء اللامع جـ1/ 107 .

[33] الضوء اللامع جـ1/ 108 .

[34] التبر المسبوك 177 . وورد ذلك في الجواهر السنية في مناقب البدوي : 65 .

[35] تاريخ البقاعي : 54 .

[36] أبناء الهصر 256 : 257 .

[37] تاريخ البقاعي 134 : 135مخطوط .

[38] الطبقات الكبرى للمناوي . مخطوط 299 ب .

[39] تاريخ البقاعي : 8 مخطوط .

[40] تحذير العباد 209 وما بعدها .

[41] تاريخ البقاعي : مخطوط 8 أ .

[42] تاريخ ابن إياس جـ2/ 197 ط بولاق .

[43] تأييد الحقيقة العلية 71، 72 ، 73 .

[44] الطبقات الكبرى 64 .

[45] تاريخ ابن إياس جـ2/ 219 : ط بولاق .

[46] الذيل على رفع الأصر 133 .

[47] الطبقات الكبرى جـ2/ 105 .

[48] لطائف المنن 606 – مكتبة عالم الفكر .

[49] لطائف المنن 486 : 487 . ط. قديمة .

[50] لطائف المنن 486 : 487 . ط. قديمة .

[51] لواقح الأنوار 71 .

[52] لطائف المنن 395 .

[53] الطبقات الكبرى جـ1/ 163 ط . صبيح .

[54] البحر المورود 274 .

[55] لطائف المنن 294 .

[56] البحر المورود 278 .

[57] لطائف المنن 487 .

[58] لطائف المنن 479 .

[59] درر الغواص : 91 .

[60] لطائف المنن 185 : 195 .

[61] لطائف المنن 197 : 201 .

[62] الطبقات الكبرى جـ1/ 66 .

[63] الأنوار القدسية في بيان آداب العبودية جـ2/ 168 : 169 على هامش الطبقات الكبرى  ط. صبيح .

[64] الطبقات الكبرى جـ2/ 168 .

[65] الطبقات الكبرى جـ2/ 133 .

[66] لطاف المنن 488 .

[67] لطائف المنن 488 : 489 .

[68] لطائف المنن 488 : 489 .

[69] لطائف المنن  448 : 489 .

[70] لطائف المنن 545 : 546 .

[71] الطبقات الكبرى جـ2/ 168 .

[72] لطائف المنن 543 .

[73] لبس الخرقة : مخطوط ورقة 12 .

[74] لواقح الأنوار 113 .

[75]  لطائف المنن 276 :  277 ) .

[76] الجواهر والدرر 170 .

[77] لطائف المنن 486 : 487 .

ج1 ب1 ف 5 الفصل الخامس :المرحلة الثالثة للعقيدة الصوفية : رفض الإسلام صراحة .

 الفصل الخامس :المرحلة الثالثة للعقيدة الصوفية : رفض الإسلام صراحة.  

مدخل  عن المرحلة الثالثة للعقيدة الصوفية : رفض الإسلام صراحة

1 -أسهبنا القول في خصائص المرحلتين (الأولى والثانية) في تاريخ العقيدة الصوفية .. وقلنا أن العقيدة الصوفية بدأت (بنفاق الجنيد ) الذي حافظ على عقيدة التصوف من ضغط الفقهاء الذي كان في أبان قوته ، وانتهت تلك المرحلة – وقد ضعف الفقهاء – بعقد صلح أضحى به التصوف (سُنيا  ) على يد ( الغزالي ) وتحول الإنكار على التصوف إلى إنكار على أشخاص الصوفية المعاصرين ، وأسهم في هذا الإنكار الغزالي نفسه لحماية الطريق الصوفي ..

2 – ثم جاءت المرحلة الثانية قبيل العصر المملوكي على يد (ابن عربي ) الذي أعلن صراحة ما كان الغزالي يرمز به ، فأعلن عقيدة ( وحدة الوجود ) أو الوحدة الكاملة بين الله والعالم ، أو أنه ( لا موجود إلا الله ) أى نفى الألوهية تماما وحصرها فى المخلوقات .

3 – ثم عرضنا للعقيدة الدينية للعصر المملوكي وكيف أنها تبعت ابن عربي وسيطر عليها أتباعه ، ومع ذلك فالصراع بينهم وبين الفقهاء لم يهدأ ، بل ثار الفقهاء ثورتين في القرن الثامن بزعامة ابن تيمية ، وفي القرن التاسع بزعامة البقاعي .. وكل ما هدف إليه الفقهاء هو مجرد التمسك بما كان يعلنه الجنيد قبلاً وهو الالتزام بالكتاب والسنة ..( مع أن الجنيد كان يقول ذلك تقية وخوفاً من القتل ) ، ووضحنا كيف أجهض التصوف المسيطر على العصر حركتي الفقيهين .. ثم استسلم العصر المملوكي في نهايته للشعراني الذي سار على طريق الغزالي في توثيق أواصر القربى بين التصوف والسنة ، وبذلك خف الإنكار عليه بل عرف عصره منافقين من الفقهاء داهنوا التصوف لأنه الغالب ، بمثل ما فعل الجنيد سابقاً حين أبطن التصوف وأظهر الإسلام ..

4 – والمرحلة الثالثة بدأ بها بعض الصوفية بقصد التحلل الكامل من الإسلام شكلاً وموضوعاً واسما. وقد ظهرت هذه الحركة – أو المرحلة – في العصر المملوكي – العصر الذهبي للتصوف، إلا أنها – وقد حصرت همها في رفض الإسلام علناً  واستهزءوا به وبالأنبياء والقرآن ، وادعى بعضهم النبوة صراحة ، وادعى آخرون الألوهية ، ومارس بعضهم شرع التصوف علنا فى الزنا بالمحارم و الانحلال الخلقي ..

5- إلا أن هذه المرحلة لم يكتب لها الاستمرار ، كانت (هبّة ) تظهر وتختفى تزدهر ثم تندثر، وليست فترة زمنية محددة. صحيح أنها تطبيق لما أعلنه ابن عربى صراحة ، ولكن لا نجعلها مرحلة مستقلة بزمنها ووقتها ، وذلك لأكثر من سبب :

أ) ففي التاريخ العقائدي للتصوف لا تبدأ مرحلة بالإجهاز التام على سابقتها .. وإنما تبقى بعض ملامح الفترة السابقة وتكون الملامح الجديدة أوضح وأصرح، وذلك لأن العقيدة الصوفية قاسم مشترك في المراحل الثلاث . فالجنيد قال بوحدة الوجود وتابعه الغزالي ثم أعلنها ابن عربي فالذي اختلف بينهم هو الأسلوب ، والفارق هو في نفاق الجنيد والغزالي وصراحة ابن عربي .. وقد يأتي في المرحلة التالية ( مرحلة ابن عربي ) من يتمسك بأسلوب الجنيد والغزالي، ثم جاء الشعراني متأخرا فكرر مسيرة الغزالى والقشيرى وقال ( بوحدة الوجود ) مع تنزيهه  لابن عربي ودفاعه عن الطريق الصوفي. إلا أنه مع ذلك يبقى الصوت العالي لابن عربي وتلاميذه في مرحلته وبنفوذهم أخمدت حركات الفقهاء ..

ب) عايشت هذه المرحلة المؤقتة ( رفض الإسلام صراحة ) العصر المملوكي وهو عصر التصوف الاتحادي وأتباع ابن عربي .ومع أن أتباع المرحلة المؤقتة الجديدة كانوا صوفية تابعين لابن عربى واستفادوا بسيطرة التصوف وعقيدته إلا أنهم وجدوا الإنكار ليس من الفقهاء فقط ولكن من الصوفية العاديين أيضاً وبعض الحكام .ويرجع السبب في ذلك إلى الإنكار على أسلوبهم الذي يهدف إلى التحلل المطلق من الإسلام شكلاً وموضوعاً .. وذلك الأسلوب لا يقول به ابن عربي ورغم التعارض التام بين وحدة الوجود والإسلام .. فابن عربي حرص على الشكل الإسلامي وحاول أن يجد لعقيدته مسوّغا إسلاميا بتأويل آيات القرآن الكريم ، كما قال جل وعلا ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ  ) (7) آل عمران )( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) فصلت ) بل إن ابن عربى  قام بتأويل أو ( تفسير ) القرآن ليوافق عقيدته ، وأكثر من الاستشهاد بالأحاديث الموضوعة لأنه رأى أن الأسلوب الأمثل لا يكون بإعلان رفض الإسلام صراحة ، وإنما باستخدام اسم الإسلام وهيكله لحماية العقيدة الصوفية وإلباسها الثوب الإسلامي ، وتذويب الفوارق بينهما بتأويل القرآن ووضع الأحاديث الباطلة، وليس غريباً بعد هذا أن يكون العصر المملوكي عصر الأحاديث الزائفة الذائعة الصيت والمتداولة حتى الآن .وهكذا رأى الصوفية في العصر المملوكي الخطر كله في أصحاب الحركة الصوفية الجديدة ، فاضطهدوهم مع الفقهاء كما فعل الشعراني حين طالب برءوس الاتحادية المعاصرين له حماية للطريق الصوفي ...

ج) إن المجتمع المملوكي ورث التصوف السنى الذى أرساه الغزالى ثم الناصر صلاح الدين الأيوبى ، وورث المماليك مُلك أسيادهم الأيوبيين وساروا على ( سُنّتهم ) فى تقرير ( التصوف السنى ) واستراح لفكرة المواءمة الشكلية السطحية بين التصوف والإسلام والتي قال بها الغزالي واستمرت بعده ليحافظ عليها ابن عربي مع صراحته في إعلان عقيدته . ومع دخول العصر المملوكي في مرحلة التقديس للأشياخ الصوفية وسيطرة التصوف على الحياة العلمية ضعف المستوى العلمي والعقلي وآمن الناس بإشارات الصوفية في ( التفسير ) وتخريجاتهم للأحاديث الموضوعة ، وصار معلوماً لديهم من الدين بالضرورة أن مبدأ التصوف قرين للإسلام أو هو ذروة الاسلام ، وأن السّنة هى الشريعة وأن التصوف هو الحقيقة ، وبثنائية ( العقيدة والشريعة ) سار العصر المملوكى ثم العثمانى ، كما سادت من قبل فى العصر العباسى الثانى ثنائية ( الكتاب والسُّنّة ) أما دين الاسلام الذى كان يعنى فى عصر النبوة ( القرآن ) فقط فقد إنتهى . وفى النهاية تسيدت عقيدة وحدة الوجود التى تنفى الالوهية عن رب العزة وتجعله ــ جل وعلا ــ هو المخلوقات فحسب ، ويستبيح بعضهم الخروج العلنى عن الاسلام ، وتلك خطوة لم يسمح بها العصر الذى أصبح يعتبر الخروج على ( إسم ) الإسلام خروجا على التصوف ، فلاقى أصحابنا اضطهاد الفريقين ( الصوفية والفقهاء ) حين حاولوا نبذ الإسلام صراحة ..

د) ثم إن ثورات الفقهاء وإنكارهم على أتباع ابن عربي ونحلته لم تنقطع ، رغم أنه لم يرفض الإسلام شكلاً واسماً ، حتى ظهر الشعراني في أواخر العصر يعيد سيرة الغزالي في اصطناع الاعتدال والهجوم على أوباش الصوفية . وطبيعي أن يتحرج الصوفية من ظهور الدعاة الجدد الرامين لنبذ الإسلام مطلقاً خوفاً من أن يتعرض التصوف من أساسه لإنكار الفقهاء المتحمسين ، ذلك أن الدعاة الجدد صوفية اتحاديون استفادوا بالحرية الدينية التي كفلها لهم المجتمع المملوكي الصوفي ، وقالوا بالشطحات مثلهم في ذلك مثل الصوفية الآخرين،  فبادر الصوفية للإنكار عليهم وإعلان البراءة منهم ليسحبوا البساط من تحت أقدام الفقهاء ..

6- وهكذا، بدأت هذه المرحلة الأخيرة للعقيدة الصوفية ( رفض الاسلام صراحة ) وانتهت في العصر المملوكي ، لا كمرحلة زمنية وإنما كمرحلة موضوعية منطقية في تاريخ العقيدة الصوفية لم يكتب لها الاستمرار، لأن الظروف التاريخية لم تكن صالحة لاستمرارها .وعلى ذلك يمكننا أن نعتبر العصر المملوكي – وهو العصر الذهبي للتصوف – قد حفل بجميع التيارات الصوفية المعبرة عن العقيدة الصوفية في مراحلها الثلاث : - (فالجنيد ) الذي نافق لينجو من الاضطهاد تابعه في العصر المملوكي أحمد الزاهد ولقبه ( جنيد القوم ..) و( الغزالي ) الذي وفق بين الإسلام والتصوف نهج طريقة ( الشعراني ) ..و (ابن عربي ) الذي صرح وأعلن عقيدته سار على طريقة كثيرون ( كالتلمساني والمنبجي واليافعي وزكريا الأنصاري ومحمد الصوفي ) ثم أشياخ الطرق الصوفية ( البدوي الشاذلي الدسوقي.. ) والمتحللون من الإسلام في العصر المملوكي أبرزهم الباجريقي والبققي وابن اللبان وآخرون. وكلهم قال بالشطح الصوفي رمزا كالجنيد والغزالى والشعرانى أو علنا كالحلاج والشبلى والبسطامى وابن عربى والتلمسانى والباجربقى والبققى . وفى العصر المملوكى استغلوا الحرية التي يقرها المجتمع للصوفي كي يتطاول من شاء على الله تعالى ودينه ورسله وأنبيائه ..لذا أصبح ( الشطح ) من طقوس التصوف لدى شيوخ التصوف العاديين ، وكان الوسيلة المُتاحة لمن يريد إعلان كفره أن يسبّ رب العزة كما يشاء ، وأن يهذى بما يريد ، وربما يجد من يدافع عنه ويؤول كلامه .

ونعطى بعض التفصيل :                

إعلان الشطح الصوفي في العصر المملوكي  طريقا لنبذ الإسلام

1 ـ أتاح الشطح الفرصة الكاملة لكل الصوفية – على اختلاف طرائقهم – في أن يقولوا ما شاءوا بكل حرية . وتاريخ الشطح هو تاريخ التصوف . إذ بدأ التصوف بإعلان عقيدته فيما اعتبر شطحاً. وقد أودى الشطح بحياة بعض الصوفية الأوائل وأشهرهم الحلاج ، وبه اضطهد الآخرون بسبب (كلمات) لهم قيلت فتعرضوا للنفي والطرد والمحاكمات ..

2 – وبتقرير دين التصوف في العصر المملوكي لم يعد الشكل الإسلامي حائلاً للصوفية عن قول الشطحات المنافية للإسلام والمُسيئة لرب العزة جل وعلا ، بل على العكس أصبح الشطح من سمات العقيدة الصوفية حتى لدى شيوخ التوفيق بين الإسلام والتصوف كالشعراني ، الذى يقول عن ( العارفين ) أى ( الأولياء الصوفية ) :( منهم من تهب على قلبه نفحات إلهية لو نطقوا بها كفّرهم المؤمن )[1]. فالشطح أصبح عند الشعراني ( نفحة إلهية ) . وازدهرت طوائف المجاذيب في العصر المملوكي ولهم مطلق الحرية في القول والفعل ،  فالمجذوب على حد قول الشعرانى : ( لا يطالب بأدب من الآداب .. مع وجود الكشف - ( علم الغيب  ) – وبقائه عليه )[2]. أي أن المجذوب لا يسأل عما يفعل ومهما قال وفعل فهو متمتع بعلم الغيب مع أنه لا يعلم الغيب إلا الله تعالى .

3- وأصبح الشطح من لوازم الولي الصوفي يحفظ عنه ويكتب في ترجمته ، وإذا حدث وشذّ صوفي عن هذه القاعدة قيل عنه ( لم يحفظ عنه شطح ) كما في ترجمة المرشدي ت737 [3]..ويزداد التقدير والتقديس للصوفي المجذوب إذا بالغ في شطحه كما قال أبو المحاسن في ترجمة السطوحي 865 المجذوب ( إذا بدأ في الشطح يتغير كلامه كله بالسفه والإساءة المفرطة بغير سبب ، رحمه الله ونفعنا ببركة أوليائه )[4].أى مع مبالغته فى الإساءة المفرطة فى حق الله جل وعلا يقول المؤرخ أبو المحاسن عن ذلك المجذوب (رحمه الله ونفعنا ببركة أوليائه ).!!

4- وتوصف الشطحات بالكثرة ، كما ورد في ترجمة الشعراني لعبد القادر السبكي إذ قال عنه ( كان رضي الله عنه .. كثير الشطح )[5].أى كثير التلفظ بالكفر وسوء الأدب فى حق الله جل وعلا ، ومع ذلك يقول الشعرانى عنه ( رضى الله عنه). وأحمد الكعكي يقول عنه الشعراني ( وكان كثير الشطح تبعاً لشيخه سيدي الشيخ محمد الكعكي .. حتى كان لا يقدر على  صحبته كل أحد )[6]. أى كان الناس لا يتحملون شطحاته .! . وقد قال الشعرانى عن الشيخ أبي السعود الجارحي ( وكان رضي الله عنه له شطحات عظيمة.. )[7]. فوصف شطحه بالعظمة . وقد كان أولئك معاصرين للشعراني .وهنا يصف الشعرانى سوء الأدب المفرط من أبى السعود الجارحى بالعظمة ، وأنه ( رضى الله عنه ).ويقول المناوي في ترجمة الشيخ عبيد ( كانت له خوارق مدهشة ، وشطحات موحشة ،وكان مثقوب اللسان لكثرة ما ينطق به من الشطح الذي لا يمكن تأويله )[8]. فلم يمنع وصفه للشطحات بهذا الشكل من وصف صاحبها بالخوارق والكرامات ، أى أصبح سبُّ رب العزة من سمات الولاية والألوهية لشيوخ الصوفية.!!..

5- وفي إطار الشطحات انعدم الفارق بين الصوفي الاتحادي وأخيه الذي يعلن رفض الإسلام ، طالما أن الاتحادي يدعي أنه في حالة (وَجْد ) أي ( قوى عليه حاله ) وحينئذ يباح له أن يقول ما يقول. وقد أورد الشعراني طائفة من الشطحات في معرض فخره بأشياخه الصوفية لا تختلف عن أقاويل الرافضين للإسلام ..

أ) منها ما أستهدف الاستهزاء ببيوت الله بالقول والفعل ، كما قال في ترجمة الشيخ إبراهيم العريان ( كان رضي الله عنه يطلع المنبر ويخطب عرياناً فيقول : " السلطان ودمياط وباب اللوق وبين القصرين وجامع طيلون الحمد لله رب العالمين " فيحصل للناس بسط عظيم ) ( وكان رضي الله إذا صحا يتكلم بكلام حلو )[9].. فصاحبنا المجذوب يتمتع بتأييد الناس حتى أنه ( يحصل للناس بسط عظيم ).

ب) وبعضهم كان يجد مجال الاستهزاء في القرآن الكريم كشعبان المجذوب ، يقول فيه الشعراني ( كان يقرأ سوراً غير السور التي في القرآن على كراسي المساجد يوم الجمعة وغيرها فلا ينكر عليه أحد ، وكان العامي يظنها من القرآن الكريم لشبهها بالآيات في الفواصل وقد سمعته مرة على باب دار ( على طريقة الفقهاء الذين يقرأون في البيوت ) فصغيت إلى ما يقول فسمعته يقول : " وما أنتم في تصديق هود بصادقين ".. ولقد أرسل الله لنا قوماً  بالمؤتفكات يضربوننا ويأخذون أموالنا وما لنا من ناصرين " ثم قال اللهم أجعل ثواب ما قرأناه من الكلام العزيز في صحائف فلان وفلان إلى آخر ما قال ..وكانت الخلائق تعتقده اعتقاداً زائداً ، لم أسمع قط أحداً ينكر عليه شيئاً من حاله ، بل يعدون رؤيته عيداً عندهم )[10]. أي تنزه بجذبته عن الإنكار عليه وحظى بتقديس الناس فجعلوا رؤيته عيدا ، حتى أن الشعراني يقول عن تخريفاته أنه (كان يقرأ سوراً غير السور التي في القرآن ) فجعل تخريفاته ( سوراً قرآنية )..

ج- وبعضهم كان يسب الأنبياء كالشيخ محمد الخضري ، وقد ترجم له الشعراني فقال ( كان يتكلم بالغرائب والعجائب من دقائق العلوم والمعارف ما دام صاحياً ، فإذا قوي عليه الحال تكلم بألفاظ لا يطيق أحد سماعها في حق الأنبياء وغيرهم .. ) ( وأخبرني الشيخ أبو الفضل السرسي أنه جاءهم يوم الجمعة فسألوه الخطبة فقال بسم الله . فطلع المنبر فحمد الله واثني عليه ومجده ثم قال ( وأشهد أن لا إله لكم إلا إبليس عليه الصلاة والسلام ) فقال الناس : كفر .. فسلّ السيف ونزل فهرب الناس كلهم من الجامع فجلس عند المنبر إلى آذان العصر وما تجرأ أحد أن يدخل )[11]. ويحس القارئ نبرة الفخر في حديث الشعراني عن ذلك الخضري عندما هدد المنكرين عليه بالسيف فهربوا .. ويعنينا أن نذكر أن الخضري المتوفي 897 كان من أصحاب الاتحاد العارفين بدقائق العلوم والمعارف ولم يجد لعقيدته مجالا إلا في ادعاء الجذب الوقتي أو بتعبير الشعراني (  فإذا قوي عليه الحال تكلم بألفاظ لا يطيق أحد سماعها في حق الأنبياء وغيرهم .. )

6- ويذكر أن بداية العصر المملوكي ووسطه شهد عقد المحاكمات لأصحاب الدعوات المتطرفة الذين وقعوا في سب الأنبياء تبعاً لغرضهم في التحلل من الإسلام والشرائع الإلهية .ففي عام 813 ( رفع القاضي الشافعي أن شخصاً يقال له أبو بكر المغزو يدعي المشيخة ويتكلم على الناس ويقول : الأنبياء عرايا عن العلم لقوله تعالى (  سبحانك لا علم لنا ) ونحو ذلك من الأشياء الشنيعة ، فمنعه القاضي عن الكلام بعد أن عزره بالقول )[12].أى شتمه القاضى عقوبة تعزير له . مع ملاحظة أن الملائكة هى التى قالت ذلك وليس الأنبياء:( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33) البقرة ). وفي عام 844 ( عُقد مجلس حكم بإراقة دم علي بن أخي قطلوخجا لأنه يثبت عليه أنه سب الأنبياء وأفحش وذلك بالتركية والعربية )[13].  أى كان يسبّ الأنبياء باللغتين العربية والتركية .وتأثر بعض الفقهاء بهذا الجو ففي نفس العام 844 ( طُلب قاضي دمشق الحنفي بالقاهرة ) أى تم إستدعاؤه من دمشق للقاهرة ( بسبب ما نقل عنه أنه سئل عن الحكمة في طواف النبي (ص) على النساء في ليلة واحدة ، فأجاب فعل ذلك ليعفهن عن الزنا ، فأغرمه السلطان مائتي دينار )[14].هنا السلطان المملوكى هو الذى يعاقب القاضى ـ قاضى الشرع الشريف ـ وعقوبته غرامة 200 دينار أخذها السلطان طبعا .!

وفي القرن التاسع ازداد التصوف وتكاثرت طبقة المجاذيب الصوفية ، والمجذوب( لا يطالب بأدب من الآداب ) فلم يطالبوا بالآداب طالما هم في حالة جذب، بينما تعقد المحاكمات لغيرهم. وهكذا أصبح ادعاء الجذب غطاءأ ومبررا لأصحاب الدعوات المتطرفة يتخلصون به من المحاكمات . ويلفت النظر أنه في القرن العاشر – عصر المجاذيب الذين ذكرهم الشعراني وترجم لهم فى الطبقات الكبرى على أنهم من أعيان العصر– عقدت محاكمة سنة 913 لعمر بن علاء الدين الحنفي وكان خطيباً بأحد الجوامع لأنه ( وقع في حق سيدنا إبراهيم ، فاستتابه أحد القضاة وحكم بحقن دمه ، فتعصب السلطان الغوري للخليل إبراهيم ، وصمم على ضرب عنق الخطيب ، وجمع القضاة والعلماء وتباحثوا وبعد تشاجر انفصّل المجلس على سجنه حتى يتوب ، والسلطان مصمم على قتله ، فسٌجن. )، والغوري الذي صمم على قتل ذلك الفقيه المتأثر بالتصوف – هو نفسه الغوري الذي يعتقد في الصوفية إلى درجة تقبيل أيديهم كما فعل بالصوفي المجذوب ابن عنان على مرأى من الشعراني [15]. ، فالفارق بين المجذوب الصوفي والمتطرف أن الأول يدعي الجذب في قوله للشطح ويتمتع بالتقديس لأنه عندهم غائب العقل ، أو مجذوب العقل ، أى عقله فى ( الحضرة الالهية ) ولا يدرى ما يقول ، فهو فى حصانة مهما قال ومهما فعل ، أما الآخر فيقوله بصراحة وبلا ادعاء ، ويتعرض للمحاكمة أحياناً .

7 – وهناك عامل آخر يذيب من الفوارق بين الصوفية العاديين وأصحاب الدعوات المتطرفة الرامين للتحلل من الإسلام ، وذلك فيما قاله أساطين الاتحاد من عبارات شطحية مقصودة تعبر عن عقيدة ( وحدة الوجود ) بكل وضوح وصراحة مستغلين جو الحرية الذي يتيح للصوفي أن يقول ما يشاء طبقاً لمبدأ الشطح ..فقد قيل في ترجمة عفيف الدين التلمساني (690 ) تلميذ ابن عربي أنه ( نُسبت إليه عظائم في الأقوال والأفعال والاعتقاد في الحلول والاتحاد والزندقة والكفر المحض ، هذا مع أنه عمل أربعين خلوة كل خلوة أربعين يوماً متتالية) [16]. وأنه ( لا يحرم فرجاً ) أى يبيح الزنا بأى أنثى حتى من المحرمات والمحارم (  وإن عنده ما ثم ( أي ليس هناك ) غير ولا سوى ( أي لا يوجد غير الله ولا سواه فالله هو كل شئ ) بوجه من الوجوه ، وإن العبد إنما يشهد السوي ( أي غير الله من العالم ) إذا كان محجوباً ، فإذا انكشف حجابه ورأى أن ما ثم غيره ( أي غير الله ) تبين له الأمر ، ولهذا كان يقول " نكاح الأم والبنت والأجنبية واحد " وإنما هؤلاء المحجوبون قالوا : حرام علينا فقلنا حرام عليكم ") [17].   وقال عنه ابن تيمية ( هو من حُذّاق القائلين بالاتحاد علماً ومعرفة ، وكان يظهر المذهب بالفعل فيشرب الخمر ويأتي المحرمات ، وحدثني الثقة أنه قرئ عليه فصوص الحكم لابن عربي وكان يظنه من كلام أولياء الله العارفين فلما رآه يخالف القرآن قال : فقلت له : هذا الكلام يخالف القرآن فقال : القرآن كله شرك وإنما التوحيد في كلامنا ، وكان يقول : ثبت عندنا في الكشف ما يخالف صريح المعقول ، وحدثني عن من كان معه ومع آخر نظير له فمر على كلب أجرب ميت بالطريق عند دار الطعم فقال له رفيقه : هذا أيضاً هو ذات الله ؟ فقال : وهل ثم ( هناك ) شئ خارج عنها ؟ نعم الجميع في ذاته ) [18].. فالتلمساني حلقة وصل ضرورية بين ابن عربي والصوفية الرافضين للإسلام . ولم يعدم العصر المملوكي من وجود تلامذة للتلمساني ( قال أحدهم لرفيقه – وكان يمشي في الإسكندرية – إن الله تعالى هو عين كل شئ ، فمر بهما حمار فقال : وهذا الحمار ؟ فقال : وهذا الحمار !! فروّث الحمار من دبره فقال له : وهذا الروث ؟ فقال : وهذا الروث !! ) . وهذه قصة حقيقية وقعت في القرن التاسع [19]..

أخيرا

 جدير بالذكر أن بعض عتاة الجاهلين استهزأ بيوم القيامة وأعلن أنه سيُعطي في الآخرة أجرا كما أعطى في الدنيا المال والولد ، واعتبر القرآن مقالته إثما بالغاً يستحق مزيد العذاب ، مع أن ما قاله لا يقاس بأي حال بشطح أي صوفي مهما بلغ اعتداله . واقرأ قوله تعالى ( أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً{77} أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً{78} كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً{79} وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً{80} مريم   ).والمشركون السابقون لم يقولوا كالصوفية ( وأشهد أن لا إله لكم إلا إبليس عليه الصلاة والسلام – أو أن النجاسة والكلاب الميتة والحمير والروث هي عين الله ) .. وكل ما هنالك أنهم قالوا بأن الله اتخذ ولداً . واعتبر رب العزة هذا القول كفراً هائلا ، تكاد السماوات يتفطرن منه:( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً{88} لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً{89} تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً{90} أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً {91} مريم ) وقال جل وعلا : (  وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً (5) الكهف ). فأين هذا من ذلك القائل ( طاعتك لي يا رب أعظم من طاعتي لك – بطشي أشد من بطشك- لأن تراني مرة خير لك من أن ترى الله ألف مرة ... )؟؟..!!

شيوخ الصوفية رافضو الإسلام في القرن الثامن :

 شهد القرن الثامن حركة ابن تيمية الداعية لتمسك الصوفية بطريق الجنيد المعتدل، الذي ظن ابن تيمية أنه ملتزم بالكتاب والسنة،وقد أحدثت حركة ابن تيمية رد فعل مضاد على الجانب الصوفي المتطرف التوّاق للتحرر من الشكل الرسمي الإسلامي،فظهرت حركات متفرقة تزعم الشيخ الباجربقي الصوفي أهمها في القرن الثامن . الباجربقى

استحوذ الباجريقي ( محمد بن جمال الدين ) (ت 724 ) على اهتمام المصادر التاريخية . وقد كان في الأصل فقيهاً بالمدارس ثم تصوف وصحب الفقراء وصار له أتباع ، غير أنه كان يتفوه بالعظائم مثل أن ( الأنبياء والرسل طولت على الأمم الطريق إلى الله ، وأنه بإمكانه أن يوصلهم إلى الله بأسرع من الرسل). ( وقد حكم القاضي المالكي بضرب عنقه مرة بعد أخرى لثبوت أمور فظيعة وكلمات شنيعة، فتغيب عن دمشق ، وأقام بمصر بالجامع الأزهر ، وتردد إليه جماعة ، وكان الشيخ صدر الدين يتردد إليه ويبهت في وجهه ويجلس بين يديه .. وكان له قوة تأثير ، وشُهد عليه أيضاً بما أبيح دمه، منهم الشيخ مجد الدين التونسي ، فسافر إلى العراق ثم سعى أخوه بحماة حتى حكم الحنبلي بعصمة دمه، فغضب المالكي وحدد الحكم بقتله )[20].

أتباع الباجربقي والباجربقية

وقد نشر الباجربقي دعوته في مصر والشام والعراق ، واجتمع عليه الأشياع ، وكان نصيبهم مثله المحاكمات والاضطهاد ، يقول ابن الوردي وأبو الفدا في حوادث سنة 741 . ( وفيها ضربت عنق عثمان الزنديق بدمشق على الإلحاد والباجربقية ، سمع منه من الزندقة ما لم يسمع من غيره )[21]ومعنى ذلك أن  (الباجربقية ) أصبحت طريقة صوفية تعني التحلل الصريح من الإسلام وإعلان الزندقة بأقذع الألفاظ .ومن أتباعه كان ابن المرحل ( ت716 ) يقول فيه المقريزي أنه درس في الزاوية بجامع عمرو وكان ممن أتهم في دينه كالباجربقي والطوفي، وقد تعارضت آراؤه مع ابن تيمية [22]. وقيل في ترجمة ناصر الدين بن أبي الفضل المقتول سنة 726 أنه ( أجتمع بمحلولي العقيدة مثل ابن المعمار والباجربقي والنجم بن خلكان وغيرهم ، فانحلت عقيدته ، وتزندق من غير علم ، فشُهد عليه فهرب إلى بلاد الروم ، ثم قدم حلب وأجتمع بابن الزملكاني فأكرمه واستتابه ، ثم ظهر منه زندقة عظيمة فسيره إلى دمشق فضربت عنقه )[23].  والنجم بن خلكان سالف الذكر كان قاضيا وهو ( ابن أخي قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان ، وقد ولي القضاء ببعض البلاد الشامية ، ونسب إلى انحلال في العقيدة فانقطع رزقه ومُقت ، فسافر للديار المصرية ، وقعد مع الشهود حتى مات 762 ) . ومعنى ذلك أن مصر كانت ملجأ لمتطرفي الصوفية، فقد وفد إليها الباجربقي، ثم ابن خلكان بعد طردهما من الشام . ويذكر أن ابن خلكان خدع السلطان أوهمه بمقدرته على عمل الطلسمات والسحر فلما طولب بالبرهان عجز ، ومع ذلك ظل مصراً على دعواه [24].

وفي سنة 715 قتل أحمد الرويس الأقباعي ( لاستحلاله المحارم وتعرضه للنبوة ، وكان له كشف وأخبار عن المغيبات، فضلّ به الجهلة ، وكان يقول : أتاني النبي صلى الله عليه وسلم وحدثني ، وكان يأكل الحشيشة ويترك الصلاة )[25]. ( إستحلال المحرمات كان يعنى استحلال الزنا بالمحارم طبقا للشريعة الصوفية ) وصاحبنا كان يستحل المحرمات ويهاجم الأنبياء، ويترك الصلاو ويدمن الحشيش ، ومع ذلك يعتقدون ولايته وعلمه بالغيب أو ( الكشف ) . 

ابن البققي ( أحمد بن محمد البققي المصري )

قيل في ترجمته في الدرر الكامنة : ( ادعى عليه عند ابن مخلوف المالكي بما يقتضي الانحلال واستحلال المحرمات والاستهزاء بالدين ، وقامت عليه البينة فحُبس ، وأعيدت عليه الدعوة، فاعترف، وصار يتلفظ بالشهادتين فلم يلتفت إليه ، وحٌكم بقتله ، وقد استجار بابن دقيق العيد فلم يلتفت إليه) واخترع الصوفية كرامة تقول إن بعض الشيوخ الصوفية أنكر عليه وتنبأ بقتله :( ويقال أن الشيخ المحندار سمع كلامه فقال له : " كأني بك وقد ضربت عنقك  بين القصرين وبقى رأسك معلقاً بجلده " فكان كذلك . وكان يشطح ويتفوه بعظائم عن النبوة والتنزيل وتحليل المحرمات ، ولابن دانيال فيه أشعار :   يقول   :

            يظـن فتى البققي  أنـه                سيخلص من قبضة المالكي

            نعم سوف يسلمه المالكي               قريبـاً  ولـكن  إلى  مالك

  وقال :

            لا تلم البقي  فـي  فعله              إن زاغ تضليلاً عن الحق

           لو هذب الناموس أخلاقه               ما كان منسوباً إلى الـبق

ومما ينسب لابن البققي قوله عن نفسه ( لو كان لصاحب المقامات حظ  لكانت مقالاته تتلى في المحاريب ) وأنه كان يفطر في نهار رمضان بغير عذر ، وأنه كان يضع  الربعة ( المصحف ) تحت رجليه ويصعد فوقها يتناول حاجة له من الرف ، ويقال أنه كان يستخف بقاضى القضاة المالكي ويسبُّه ويطعن فيه فكان ذلك يبلغ قاضى القضاة ، فيهتاج ويكتم غيظه ( إلى أن ظفر بالمحضر المكتتب عليه، فطلبه طلباً عنيفاً وادعى عليه عنده فأنكر ، فقامت البينة فأمر به فسجن ليبدي الدافع ــ  أي المحامي ــ في الشهود ، وحكم المالكي بزندقته وأراقة دمه ، ونقل المحضر للقاضي الشافعى ابن دقيق العيد،  فرفض ابن دقيق العيد قتل من ينطق بالشهادتين ، فبلغ ذلك والي القاهرة ناصر الدين بن الشجي وكان يميل إلى ابن البققي فانتصر له، وسعى في نقله من المالكي إلى الشافعي ، فأشير عليه بأن يكتب محضراً بأنه مجنون ، فكتب فيه جماعة ، وأحضره لابن دقيق العيد فقال : معاذ الله ما أعرفه إلا عاقلاً .. فدس بعض من يبغض البققي إلى الشهاب العزازي الشاعر أن ينظم فيه شيئاً فكتب شعراً للمالكي :

                قل للأمام المالكي المرتضى          وكاشف  المشكل  والمبهم

               لا تهمل الكافر وأعمل  بما            قد جاء في الكافر في مسلم

فلما وقف عليهما قال : " شاعر ومكاشف قد عزمت على ذلك " ثم نهض من وقته إلى السلطان فاستأذنه في قتله فأشار عليه أن يتمسك في الأمر ، فقال المالكي : قد ثبت عندي كفره وزندقته فحكمت بإراقة دمه ووجب علي ذلك .. فلما رأي السلطان انزعاجه قال : إن كان ولابد فليكن بمحضر الحكام . فأرسل إلى الوالي والحاجب وحضر القضاة الأربعة فتكلم المالكي بما حكم فوافقه الحنفي وقال: اقتلوه ودمه في عنقي ، فقتل ) [26].أي أن قتل البققي يرجع إلى خصومه مع القاضي المالكي . ولولا ذلك ما قتل . كما حدث لابن اللبان..

ابن اللبان ( شمس الدين بن أحمد عبد بن المؤمن ) ( ت749) ..

كان صوفياً من أصحاب ياقوت العرش الشاذلي ت 737 قال فيه المقريزي ( نسبت إليه عظائم ، منها أنه قال في ميعاده بجامع مصر: أن السجود للصنم غير محرم ، وأنه يفضل الشيخ ياقوت العرشي شيخه على بعض الصحابة ، واستؤذن السلطان فمكّن منه ، فترامى على الأمير جنكلي بن البابا والأمير الحاج آل ملك والأمير ايدمر الخطير حتى حكم بتوبته ، ومُنع من الوعظ وهو والشيخ زكي الدين بن معضاد الجعبري وجماعة من الوعاظ )[27]. وكان القاضي الذي يحاكمه هو جلال الدين القزويني ..[28]ويذكر ابن كثير أن كبار الصوفية حضروا مع ابن اللبان للدفاع عنه ، وهم شيخ الشيوخ مجد الدين الإقصرائي ، وشهاب الدين الأصفهاني ، وأنه قد ادعى عليه ( بأشياء منكرة من الحلول والاتحاد والغلو في القرمطة وغير ذلك ، فأقر بعضها فحكم عليه بحقن دمه )[29].وكان المدعي عليه ابن المغربي .. ومنع أهم أصحابه من الوعظ كابن الجعبري والزركشي وجماعة آخرين [30]. ونعرف مما سبق أن إبن اللبان كان له أتباع بين الوعّاظ

  * إدعاء النبوة :

1 ــ وعرف في القرن الثامن أيضاً صوفية ادعوا النبوة . وقد إعتبر العصر المملوكى هذا الادعاء بالنبوة تهمة تماثل القول بالاتحاد.  

2 ــ ويرى ابن خلدون أن الخروج عن الصراط أدى بأصحاب نظريات( الحلول )(والاتحاد )( والامتزاج ) (والاتصال) ( ووحدة الوجود ) ( والقطبية )( والإنسان الكامل ) – أدى بهم إلى القول بأن النبوة ذاتها يمكن للإنسان اكتسابها والوصول إليها عن طريق الرياضة وصفاء القلب [31]..

3 ــ وتأسيساً على ذلك حدث في عام 781 أن ادعى صوفي أنه محمد بن عبد الله النبي الأمي ، وأن حروف القرآن تنطق له ، وأن الذي يأتيه بالوحي جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ورضوان ومالك ودردائيل .. وأنه أرسل بقتل الكفرة ، وقد قبض عليه وسجن بالمارستان متهماً بالجنون . وأفرج عنه بعد أن رجع عن مقالته [32].

وقيل في ترجمة وضاح الخياط أنه كان يصاحب الصوفية ويحترف الخياطة فأزله الشيطان فادعى النبوة ،  فسجن أياماً ثم استتيب ، وعزر في ذلك ، وأطلق سنة 753 ..[33]

واستمر ادعاء النبوة إلى القرن التاسع فقد ادعى سنة 824 ( شخص من عرب الصعيد يقال له عرام النبوة ، وزعم أنه رأى فاطمة الزهراء في اليقظة فأخبرته عن أبيها ، وأنه سيبعث بعده ، فأطاعه ناس وخرج في ناحيته ، فقام عليه نجم الدين البكري وسعى إلى أن قبض عليه ، فضربه تعزيراً وحبسه وأهانه فرجع عن دعواه وتاب ..) [34]

4 ــ ووصل طوفان الإلحاد إلى المماليك ، فقالوا عن طوغان الشمسي 741 بأنه ( ينسب له استهتار زائد وكلمات مؤذنة بالزندقة والانحلال .. [35]

الصعود للسماء :

وعرف القرن الثامن بوادر لادعاء بعض الصوفية الصعود للسماء وتكليم الباري تعالى ، يقول ابن إياس ( ظهر بالقاهرة سنة 717 شخص يدعى أنه يصعد للسماء ويكلم الباري جل شأنه في كل يوم مرة ،فاعتقده جماعة كثيرة من عوام مصر ، فلما شاع أمره بين الناس رسم السلطان بأن يعقدوا له مجلساً بالصالحية . فاجتمع هناك القضاة الأربعة ، فأراد القاضي المالكي أن يثبت عليه الكفر فشهد جماعة من أهل الطب بأن في عقله خللاً فسجنوه ، ولم يثبت عليه الكفر ...) [36].

خلافا لعصرنا البائس الذى تقهره الوهابية الحنبلية بالاكراه فى الدين فإنّ العصر المملوكي كان يسمح بحرية دينية نحسده عليها ، وكان العصر المملوكى بما نشره التصوف من إنحلال عقيدى وجهل دينى وتخلف عقلى يحتفظ لأصحاب الكرامات الصوفية ولأولئك المدعين الصعود للسماء والالوهية ببعض التصديق بدليل وجود أتباع لهم يؤمنون بهم واستجوابهم وقيام البعض بنصرتهم وادعاء الجنون للتخلص من القتل . أما العامة فهم أسرع للاستجابة والنصرة .  

طوائف الصوفية رافضو الإسلام في القرن التاسع

  طوائف الأعاجم :   

توافد على مصر طوائف من زنادقة ملأوا طرقات القاهرة، وقد وصفهم المقريزي بأنهم ( ينتحلون مذاهب الإلحاد، ويصرحون بتعطيل الصانع تعالى، وينكرون شرائع الأنبياء،ويجهرون بإباحة المحرمات )[37]، أى إستحلال الزنا بالمحارم . وقد قتل السلطان أحدهم بدافع سياسي لا ديني قال فيه المقريزي أنه ( من سُقاط العجم قد ثبتت عليه ـ بشهادة جماعة ـ قوادح وعظائم أوجبت إراقة دمه شرعاً ، وكان من جملة أشياع الأمير قرقماس المقتول ، وتكلم في السلطان وفي الأنبياء وغيرهم بما تعجّل العقوبة )[38]

طائفة الحروفية أو النسيمية  

وكان أولئك الصوفية الأعاجم الأرضية التي نبتت فيها حركات الزندقة الصوفية المعلنة في القرن التاسع ، وأهمها طائفة (الحروفية)  أو ( النسيمية ) . وترجع هذه الطائفة إلى الشيخ فضل الله التبريزي يقول فيه ابن حجر:( إنه كان أحد المتقشفين من المبتدعة ، وكان من الاتحادية ثم ابتدع النحلة التي عرفت بالحروفية ، فزعم أن الحروف هي عين الآدميين إلى خرافات كثيرة لا أصل لها ، ودعا اللنك ( تيمور لنك ) إلى بدعته فأراد قتله ، فبلغ ذلك ولده أمير زاده لأنه فر مستجيراً به فضرب عنقه بيده ، فبلغ اللنك فاستدعى برأسه وبجثته فأحرقهما في هذه السنة. ونشأ من أتباعه واحد يلقب " نسيم الدين " فقتل بعد ذلك وسلخ جلده في الدولة المؤيدية سنة821 )[39]. وكان قتل التبريزي سنة 804 يقول ابن إياس سنة 804 جاءت الأخبار بأن  تيمور قتل التبريزي الذي كان قاضيه ، وكان على مذهب النسيمي )[40]وقد أخطأ ابن إياس حين اعتبر الأستاذ على مذهب تابعه .. والسبب في ذلك الخلط  هو الشهرة التي حققها النسيمي بعد أستاذه التبريزي حتى سميت طريقته باسمه فأصبحت (النسيمية ) بعد أن كانت ( الحروفية ) .ويقول ابن إياس في النسيمي ( نزيل حلب صاحب الأشعار التركية ، أفسد عقائد الأتراك بعث المؤيد شيخ بضرب عنقه وسلخه وصلبه على أحد أبواب حلب )[41].. وقد عرض ابن حجر لترجمته بالتفصيل فهو معاصر له ، يقول في حوادث 820 ( قتل الشيخ نسيم الدين التبريزي نزيل حلب وهو شيخ الحروفية .. بعد شيخه فضل (ت804 ) . وقد قرر نسيم الدين أن الشرائع أباطيل لا حقائق ، وأنه لا إله ، وقد وصل في ضلاله فى استحلال المحارم إلى أن وطأ أبنته واتخذها كالزوجات إلى أن أولدها ولدا . وقد سكن حلب وكثر أتباعه وشاعت بدعته ، فأمر السلطان بقتله فقتل وسلخ جلده وصلب )[42].

ولعل السبب في مقتله سياسي ، يرجع إلى التخوف من كثرة أتباعه واحتمال أن يؤسس له دولة في حلب ــــ وهى بعيدة عن مركز السلطة – تتخذ قاعدة لنشر دينه الجديد .فقد كان له أتباع كثيرون إستمرت بهم دعوته بعد مقتله. يقول ابن حجر معقبا على مقتل النسيمي ( وقد وقع لبعض أتباعه كائنة في سلطنة الأشرف (برسباي ) وأحرقت كتبا كان معه فيه هذا الاعتقاد ،وأردت تأديبه ، فحلف أنه لا يعرف ما فيه ، وأنه وجده مع شخص ، فظن أن فيه شيئاً من الرقائق ، فأطلق بعد ان تبرأ من الكتاب المذكور ، وتشهد ( نطق الشهادتين ) ، والتزم أحكام الإسلام ، وكان سبب الوقوع في ذلك أن شريفا قدم من الشام ، وذكر أنه لم يزل يسعى في الإنكار على هؤلاء إلى أن عثر على هذا ، وكتب له مرسوم بالقيام عليهم في بلاد الشام ، ثم قدم علينا شخص من أهل أنطاكية فذكر لنا عنهم أمور كثيرة ، وكتب لهم مراسيم بالقيام عليهم في سنة 841 )[43]  . وابن حجر كان قاضيا للقضاة وقتها ، وقد شهد الواقعة بنفسه وقام بمحاكمة الرجل الذي ضبطت معه كتب الدعوة النسيمية. وسياق كلامه يدل على ما كانت عليه الحركة النسيمية من نشاط في الشام بدليل ما أثارته من فزع لدى الفقهاء فالتجأوا إلى مصر مركز الحكم المملوكي ، ثم إن كتب النسيمي كانت ترد إلى القاهرة لأتباعه وضبط بعضها وحوكم من وجدت لديه .

وقد فصل ابن حجر القول في حوادث سنة 838 عن هذه الواقعة فقال (حضر للسلطان شريف من الشام بأوراق فيما يتعلق بالنسيمي وشيخه فضل الله ، وأن بالشام ومصر جماعة على عقيدته ، وأنه تصدى لتتبعهم ، وأنه وجد بالقاهرة شخصا منهم فأحضره للسلطان وكتبه ، وهذه هي الحروفية ، وعقد السلطان مجلسا أحضرت فيه الكتب ، وهى بالفارسي فإذا هي مقالة مركبة من قول المشبهة والاتحادية وفيه ( إن شعر الإنسان في رأسه ووجهه سبعة شعور ، وشعر أجفانه الأربعة وحاجبه ورأسه سبعة ، وإن عقد أصابع اليدين أربعة عشر فلذلك عدد حروف المعجم ) ونحو هذا . وفيه أن الإلهية انتقلت من الله لآدم ومن آدم لآخر إلى أن انتقلت لفضل الله ) " التبريزي " وكلام من هذا حاصله " أن الله هو الحروف "   وأنكر الرجل اعتقاده وكفّر من يعتقد بهذا ، وأمتثل لأمر الشافعي " القاضي الشافعي" وأحرق الكتب بيده ، ونودي : من عرف من أهل هذه المذاهب النسيمي ووجد عنده شئ من كتبه واحضره للسلطان كان له مائة دينار ، ثم أمر فنودي بأن يخرج جميع العجم من القاهرة والقلعة بأسرهم ولا يتخلف منهم أحد إلى ثلاثة أيام ، ثم لم يتم ذلك )[44].

والواقع أن طوائف العجم الصوفية كانت بيئة انحلال عقيدية ، وتوافدوا الى مصر بانحلالهم الدينى والأخلاقى ، فكان ينادى عليهم دائماً بالخروج من القاهرة ثم لا يتم من ذلك شئ .. وفي نهاية القرن التاسع – في عصر قايتباي – وجدت طائفة النموسية – وكانوا يربون أولاد النموس – جمع نمس – يقول فيهم المناوي الصوفي ( كانوا أصحاب حسين أبي علي .. وضرب قايتباي رقاب بعضهم لما شطحوا ونطقوا بما يخالف الشريعة )[45]

وتابع بعضهم – من أعاجم الصوفية   – ادعاء العروج للسماء .

 دعوات متطرفة فى القرن التاسع

ادعاء الصعود للسماء :

1 ــ يقول ابن إياس في حوادث 819 ( ظهر في القاهرة شخص أعجمي يدعي أنه يصعد إلى السماء ويكلم الباري عز وجل  في كل يوم مرة ، وأنه صرفه في الكون ، فاعتقده جماعة كثيرة من أهل مصر ، فلما شاع أمره بين الناس رسم السلطان " شيخ " أن يعقد له مجلس بالمدرسة الصالحية ، فاجتمع بها القضاة الأربعة ، فأراد المالكي أن يضرب عنقه.. فشهد جماعة من الأطباء بأن في عقله خللا فسجنوه ، ولم يثبت عليه الكفر،وصار مع المجانين ...) [46]. وتمتع ذلك المدعي  - كسابقه – بتصديق العامة حتى أهتم السلطان بأمره وتطلب الأمر عقد جلسة للتحقيق في صدق دعواه وانتهت قصته النهاية المعروفة وهي تخليصه من القتل بحجة الجنون .. فكان الادعاء سهلا في بدايته وعاقبته .

وقد حضر ابن حجر محاكمة ذلك الصوفي الأعجمي ، يقول أنه في مجلس سماع الحديث بالقلعة مع السلطان سئل عن الحكم في شخص بزعم أنه يصعد إلى السماء ويشاهد الله تعالى ويتكلم معه، فاستعظموا ذلك ، فأمر السلطان بإحضاره – ووصف ابن حجر الرجل – وقال أن السلطان (سأله عن أمره فأعاد ذلك ، وزاد بأنه كان في اليقظة ، وأن الذي رآه على هيئة السلطان في الجلوس ،وأن رؤيته تتكرر مراراً كثيرة ، فاستفسره عن أمور تتعلق بالأحكام الشرعية فظهر أنه جاهل بأمور الديانة  ، ثم سئل عنه فقيل أنه يسكن خارج باب القرافة في تربة خربة ، وأن لبعض الناس فيه اعتقاد كدأبهم في أمثاله ) فاستفتى السلطان العلماء ( فاتفق رأيهم على أنه إن كان عاقلاً يستتاب فإن تاب وإلا قتل فاستتيب فامتنع ، فعلق المالكي الحكم بقتله على شاهدين يشهدان أن عقله حاضر ، فشهد جماعة من أهل الطب بأنه مختل العقل ، فأمر السلطان به بأن يقيد في المارستان فاستمر به ، ثم أطلق بعد موت السلطان )[47]. وحدث أن كان السلطان في عام 821 يتفقد أحوال المجانين في المارستان المنصوري ، فقام إليه ذلك المدعي فكلم السلطان أن يفرج عنه فلم يجبه [48]. ونستعيد قول المؤرخ ابن حجر العسقلانى : (وأن لبعض الناس فيه اعتقاد كدأبهم في أمثاله ) أى من السهل وجود أتباع يؤمنون بهذه المزاعم وأصحابها . 

2 ــ وسهولة الادعاء بهذه المزاعم والتهاون في العقاب شجعت البعض على إعلان التحلل من التكاليف الشرعية بدعوى المنامات ، كما حدث من الشيخ شمس الدين الميموني حين قال "  قد أباح لي سيدي اللواط والخمر والحشيش والفطر في رمضان". وشهد عليه جماعة وثبت ذلك عليه ، فاعتقل وأحضر إلى مجلس السلطان وفيه ابن حجر فأفتى بأن في عقله خللاً ، وأعلن الميموني توبته من رؤيا المنامات [49].

3 ــ وامتد الأمر للماليك فقيل في أزدمر الطويل أنه ( كان يخوض فيما لا يعنيه من سوء عقيدة ، واستخفاف بأمور الدين ، ويميل للمتصوفة )[50].

 في الريف

 وإذا كان هذا الحال في القاهرة – حيث السلطان والقضاة والعلماء وإهتمام المؤرخين ـــ فالحال في الريف أشد ، ومع الأسف فإن جل اهتمام المؤرخين انصب على تتبع أخبار القاهرة دون غيرها من المدن الهامة ، ولا نقول الأرياف حيث الجهل أشد إظلاماً وسيطرة التصوف أعتى استحكاماً .

على أن بعض حوادث الزندقة –  حين زادت وفاضت – وصل أمرها إلى علم المسئولين بالقاهرة ، يقول أبو المحاسن في حوادث سنة 866 ( ورد الخبر من كاشف الغربية وغيره ، بأن في قرية ططية بالوجه الغربي من أعمال القاهرة جماعة زنادقة ، وفيهم من ادعى الألوهية ، ومنهم من ادعى النبوة ، وانضم عليهم جماعة كثيرة من أوباش الناس ، ومالوا إلى معتقدهم ، ووقعت منهم أمور شنيعة ، وإن الكاشف أمسك منهم نحو أربعة عشر نفراً ، فأرسل السلطان إليهم القاضي ابن الوارث أحد نواب الحكم المالكية والناصر محمد الخازندار لينظروا في حقيقة أمرهم ويفعل فيهم مقتضى الشرع .. وأحضر الزنادقة فأنكروا أمام السلطان فحكم القاضي بتعزيرهم .. )[51]. فأولئك كثرة ادعى بعضهم الألوهية وآخرون النبوة .. وبعث بأمرهم (كاشف الغربية وغيره ) . وذلك لأن أتباعهم كثروا هنا وهناك ، ولنهم صاروا كثرة ولهم قوة  فقد :( وقعت منهم أمور شنيعة ) ووصل أمرهم للكاشف ، أى الأمير المملوكى ( كاشف التراب ) اى ( المحافظ ) بتعبير عصرنا . ولعل مصادمات حدثت بينهم وبين الكاشف إذ أنه( أمسك منهم نحو أربعة عشر نفراً ) فقط .. أي لولا تجاوز حركة أولئك الزنادقة دور الدعوة القولية إلى الدور الحركي ومناوأة السلطة الحاكمة ـــ  لولا ذلك لما عرفت القاهرة بأمرهم ولما سجلت ذلك حوليات التاريخ . ومعنى ذلك أن مدعي الألوهية والنبوة في الريف في مأمن من السلطان ومن الرصد التاريخي طالما اقتصروا على الدعوة  لأنفسهم ( بالحكمة والموعظة الحسنة .. ) .ثم إن الزندقة تحولت بعد القرن التاسع إلى شطحات يقولها المجذوب  كيفما شاء في أي وقت بدعوى غيابه عن الوعي فتكاثر المجاذيب في ذلك الوقت .. وأرخ لهم الشعراني [52].

إلى ذلك الحد بلغ اضطراب العقيدة الدينية في العصر المملوكي بأثر التصوف ، ولنضرب لها مثلا :-

يا رب سلم الحيطة بتتكلم سنة 781:

ففي هذا الجو المقفر من عقيدة صحيحة حيث الناس على استعداد للاعتقاد في أي شئ ولو كان- حجراً صلداً – أُتيح لبعض الصوفية أن يعبث بعقول الناس ومعتقداتهم ويتجلى ذلك في واقعة (الحائط الذي يتكلم )، وبطلها شيخ صوفي كان يتمتع بتقديس برقوق هو الشيخ عمر ركن الدين ( وقد كان الناس يتبركون به ويزورونه لمدة ثلاثين عاماً ) ..وموجز الحكاية أن امرأة اشتكت لذلك الصوفي سوء معاملة زوجها لها ، فكان الصوفي يعظه ويوصيه بزوجته من خلف الحائط بحيث لا يدري من المتكلم، واشتهرت الإشاعة بأن حائطاً يتكلم ، وسار الصوفي في الطريق إلى نهايته ، فافتتن الناس بالحائط الذي يتكلم وتوافدوا عليه يسمعونه، يقول ابن حجر ( افتتن الناس به شهرين واعتقدوا أن المتكلم من الجن أو الملائكة ،وقال قائلهم ( يا رب سلم الحيطة بتتكلم ) وقال الشاعر ابن العطار :     يا ناطقا من جدار وهو ليس يُرى           اظهر وإلا فهذا الفعل فتان .

ويقول ابن إياس ( اشتدت فتنة الناس بالحائط حتى كادوا أن يعبدوه من عظم ما افتتنوا به ويتخذوه معبداً لهم ..) وكانوا يقدمون للحائط النذور والقرابين .. ثم اظهر المحتسب الحيلة وعوقب الفاعلون [53]..

إعلان الكفر وشيوع التكفير

أولا : بين الفقهاء

وتأثر بعضهم بهذا الجو المنحل عقيديا فاعتاد التلفظ بالكفر مع وصفه بالعلم والفضل ، ولكن وقف لهم الصوفية بالمرصاد وكأن عز عليهم أن ينافسهم أعدائهم في ميدان الزندقة والشطحات .. فقد ذكر العيني في حوادث 720 مقتل إسماعيل الزنديق .. وقد اشتهر بين الفقهاء بالعلم والفضيلة والأدب مع كثرة الهزل والتلفظ بالكفر حتى لقب بالزنديق ، فوقع في بعض الأيام في حق النبي لوط عليه السلام ، فشهد عليه جماعة وعقد له مجلس عند ابن الأخنائي المالكي فادعى اختلال عقله ... وهى الحيلة المأثورة في هذا المجال ـ فتوقف المالكي في أمره .. ولكن لم يسمح له الصوفية بالجنون والإفلات من القتل . فادعى صوفي أنه رأى النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المنام يأمره أن يقول ( قل للإخنائي يضرب عنقه فإنه سب أخي لوطاً ) فحكم القاضي بضرب عنقه ، وفي صبيحة مقتله رأى صوفي آخر النبي ومعه لوط عليهما السلام في منام يؤكد الدعوة لمقتل إسماعيل الزنديق فتم تنفيذ الحكم في ذلك الفقيه بين القصرين [54]. أي أن ذلك الفقيه تأثر بالصوفية وحاول مجاراتهم في الشطح والزندقة إلا أنهم جعلوا منها امتيازاً خاصاً لهم فعاقبوه بالقتل .. بينما نعم جهلة الصوفية بقول الشطح تأكيداً للولاية والعلم اللدني وتقليداً للأشياخ الكبار ..يقول فيهم الشاعر المملوكى الظريف  البهاء زهير [55].

              وجاهل يدعي في العلم فلسفة           قد راح يكفر بالرحمن تقليداً .

              من أين أنت وهذا الشئ تذكره          أراك تقرع باباً عنك مسدوداً

             فقال إن كلامي لست تفهمه             فقلت لست سليمان بن داودا

ثانيا : حوادث الردة  بين العامة والمماليك :

كان بعض المسيحيين يدخل الإسلام طمعا في منصب أو تخلصا من ورطة وقع فيها ، ثم اعتاد بعضهم الرجوع والارتداد إلى دينه ، بل وكان يقرن ردته بالسب في الإسلام والنيل من مقدساته [56]. بل ارتد بعض العامة عن الإسلام ولم يوافقوا على العودة إليه [57]. وفي تجريدة حربية إلى جزيرة رودس ارتدت طائفة من المماليك ورجعت إلى النصرانية [58]  .

 إلا أن أهم أثر للاضطراب العقيدي الذي أحدثه التصوف في العصر المملوكي يتجلى في شيوع التكفير أو سهولة الاتهام بالكفر ، على خطورة ذلك الاتهام الذي يستوجب الحكم بالقتل عندهم .

ثالثا : شيوع التكفير :

1 ـ شاع القول بالكفر بين الصوفية وغيرهم .. وتولى القضاة عقد المحاكمات لقائلي الكفريات .كان هذا فى مناخ يعُمُّه الجهل والتعصب وحدة العاطفة وكثرة الدسائس والحروب بين الصوفية والفقهاء وتدخلات السلطة المملوكية والنزاع المستمر بين القضاة، مع انعدام التقوى لدى  القضاة وتأثرهم بالتصوف وانحلاله   وحرص الصوفية على النيل من أعدائهم الفقهاء .. في هذه الظروف ، انتشر الاتهام بالكفر ، وكثر عقد مجالس الحكم وكانت تصدر أحكام القتل أو التعزير حسب الظروف السياسية أو مقتضيات الأحوال العادية من الميل أو النفور بين القاضي والمتهم وتدخلات الأطراف الخارجية من الصوفية والأمراء المملوكية ، كما ظهر في حوادث سابقة عرضنا لها ، ونعرض الآن  لشيوع التكفير في العصر المملوكي بين العامة وفي مجتمع الفقهاء . 

2- وقد كان أحدهم يقرأ في رياض الصالحين ، فشك في البعث وكيفياته فشُهد عليه وعُقد له مجلس فجدد إسلامه وحقن دمه [59]. وقال البرهان بن جماعة في مجلس :قال الله في كتابه العزيز : ضعيفان يغلبان قوياً .. فعقد له مجلس ، ولم يصبه بضرر [60]. وقال آخران أن التوراة والإنجيل بحالهما لم يبدلا ، فعزر [61]. واعتبر الشريف المكراني الزاهد من قال أن الرؤيا خيال باطل فهو كافر [62].وكفر بعضهم الصوفي يار علي المحتسب لأنه كتب في عقد الآية الشريفة " وانظر إلى حمارك ) وصور الحمار [63]. وكُفر ابن القاياتي لأنه وجد في مجمع لهو [64]  . وكُفر صوفي آخر لمعاضدته النصارى مع تهاونه في الدين [65].

3 ـ وكان التنابذ بالكفر والتكفير شيئا عاديا بين علية القوم من الفقهاء والصوفية والقضاة في الأحاديث العادية والاجتماعات والمناقشات والميعاد أى ( مجالس تلاوة البخارى ) . وقد قال ابن الكركي بأن لبس الطيلسان سنة اليهود، فقال السيوطي : بل هو يكفر لكونه ردّ سنة عن النبي [66].وعن مناقشات الصوفية والقراء أثناء قراءة ميعاد البخاري قيل ( وربما كفر بعضهم بعضاً ) [67]. وكان الأمير بيبغا مغرماً بتعظيم جنسه من التتر فمزح احدهم معه وقال ( إيش هو جنكيز خان ) فبادره بيبغا وقال له كفرت [68]. ومزح المعصراني وقال عن الخضيري لما قال أن اللحم على عجين لا يحتاج إلا سيرج : هذا كفر وتدارك وقال : هذا كفر في مذهب الأكالين فقيل له هذا الكلام أيضاً يقتضي الكفر فقال أنا ما قلت كفراً بالله [69].

4 ــ ولكثرة الكفير وشيوعه كتب بعضهم رسالة ( الألفاظ المكفرة )  يقول : ( وكنت أسمع من الخواص المتسمين بالعلم والمنخرطين في السلك .. والمكرمين بالمناصب والموصوفين بالدرس والإفتاء ما لا يليق بالأراذل الجهلة وبالعوام السفلة أن يتلفظ به من الألفاظ ، وأظن أنها توجب كفراً )، ( وقد جمعت الألفاظ المكفرات ليعلم كل مسلم ومسلمة ويعلم غيره ويحفظ لسانه ولا يحبط أعماله ، وهذه لا تخرج عن الأشياء الثلاثة ، إما الاستهزاء أو بالاستخفاف أو بالاستحلال ). وذلك المؤلف في رسالته يمثل الفقيه الحنبلى المتزمت المتعصب إزاء عصر منحل بالتصوف عقائدياً وسلوكياً ، فهو يكفّر من قال (بسم الله الرحمن الرحيم ) عند أكل الحرام أو عند الوقوع فى الزنا، أو من أخذ أجرة  على مصحف  أو من ضاق بالصلاة ، أو مجلس العلم ، أو ضاق بأوامر العلماء ( ومن قال أن مؤمن إن شاء الله أو أنا مسلم إن شاء الله من غير تأويل كفر ) إلخ .. وهكذا كانت طريقة المؤلف في الحصر بحيث أن من يقرأ يخيل إليه أن الناس يتنافسون وقتها كفرا  [70]  .

5 ــ ومع أن البقاعي يرى أن التكفير أمر عظيم لا ينبغي الإقدام عليه إلا بنص صريح [71]. فإنه أسرف في تكفير الاتحادية من الصوفية [72]. بل أنه يرى أنه لا شئ على من يكفر ابن الفارض [73]

ومع ذلك فإن خصوم البقاعي رموه بالكفر ، يقول السخاوي عن البقاعي : (ولما عُلٍم مقت الناس لهم وإسماعهم إياه كل مكروه من تكفير فما دونه )[74].

6  ــ ـواحتاط زعماء الصوفية لأنفسهم من التكفير وهم أقوى بواعثه ، فمن مقامات الشريعة : حفظ اللسان من عموم الألفاظ المكفرة [75]. يقول الشعراني : من حق الأخ على الأخ ألا يكفره بذنب ولو لاث الناس به ، إذ لا يخفى قلة ورع الناس في الكلام وعسر معرفة جميع الألفاظ التي يكفر بها الإنسان [76]  .وفي الأمثال الشعبية ما يعبر عن سهولة وكثرة الوقوع في الكفر ( أهل الميت سكتوا والمعازين كفروا ) ( أول القصيدة كفر ) [77]  .

7- والقضاة – كممثلي التصوف بين الفقهاء وكحكام في قضايا التكفير – كانوا من أكثر الطوائف وقوعاً في التكفير .. فبعض القضاة كان يكفّر زملاءه في الأحاديث والمجادلات العلمية (في عصر التقليد العلمي ) فقد عُزل قاضي القضاة تاج الدين السبكي وادُعي عليه بالكفر بسبب قوله في غضون كلامه ( فبطل دين الإسلام )[78]. والبساطي كان صوفياً يميل إلى ابن عربي حتى أنه قال بتأويل كلامه فقال له علاء الدين البخاري : كفرت ووافقه من بالمجلس [79]. وفي مجادلة علمية قال السبكي للإخنائي : لو كان الأمام مالك حياً لناظرته في هذه المسألة فعد ذلك الأخنائي خروجاً على الدين وقال :ايش أنت حتى تناظر الإمام مالك في هذه المسألة ، والله لو كان غيرك لفعلت به كذا يعني ضربت عنقه [80]. وتجادل السراج البلقيني مع ابن الصاحب إلى أن كفر البلقيني ابن الصاحب . وعقد بينهما مجلس حضره القضاة الأربعة ، حكم بعدم كفر ابن الصاحب ، وبقائه على دين الإسلام [81]. ويذكر أن السلطان برقوق قال بالتركية لمن حوله : إن القضاة ليسوا بمسلمين [82].

وبعض القضاة استخدم سلاح التفكير لقتل خصم له . فقد كانت هناك خصومة بين قاضي القضاة الحنبلى وأحد الفقهاء ، فعقد له القاضى مجلساً وحكم بقتله ، فأعلن الفقيه أن بينه وبين القاضي خصومة وطعن في الشهود ، وطلب عقد مجلس عند السلطان ، فلما رأى القاضي ذلك خشي أن أصبح دافع عن نفسه فطلبه في الحال وقتله بيده ، ثم جعله في تابوت ونادي عليه بالكفر [83].

وقد استفتى على شخص بدعوى أنه أنكر البعث ، واتضح الأمر بأنه كان يسعى للقضاء بمال فلفقت له هذه القضية [84]ونظير ذلك ما وقع  للشيخ مصطفى الفرماني من كائنة عظيمة وتعصب عليه بعض الفقهاء ونسب إليه كفر حتى حكم بإسلامه ثانياً [85]." وعزل الوزير ابن السلعوس قاضي القضاة ابن بنت الأعز وعمل محاضرة بكفره ، وأخذ خط الجماعة إلا خط ابن دقيق العيد " الذي رفض التوقيع عليها لأن إمضاءه ستكون السبب الأقوى في قتله [86]. وأراد علاء الدين الرومي السعي في مشيخة الخانقاه الشيخونية عوضاً عن الشيخ باكير فأمتنع السلطان رغم الإلحاح عليه ، فشرع علاء الين في الحط على الشيخ باكير ،وفي مجلس علم بحضرة السلطان جادله باكير وكفره ، وطلب باكير من السلطان الإذن للشافعي أن يأخذ حقه من علاء الدين فأذن له ، وعقد المجلس وادعى على الرومي أنه كفره بحضرة السلطان فأنكر الرومي ، واستمرت المنازعات إلى أن أصلح بينهما السلطان [87].وكان التفهني صاحب حدة ، وقد حكم بتكفير الميموني وإراقة دمه في الملأ فقال ابن حجر : " قاضي القضاة متغاظ حتى يسكن خلقه ، وانفض المجلس وتلاشى حكم التفهني بعد أن أوسعه الميموني إساءة في المجلس ،والتفهني يكرر حكمه بإراقة دمه [88].



[1]
الجواهر والدرر : 275 .

[2] اليواقيت والجواهر 154 .

[3] أعيان العصر مخطوط 6، 8، 47 .

[4] حوادث الدهور 565 .

[5] الطبقات الكبرى للشعراني جـ2 / 166 ، 167 ،117على الترتيب .

[6] الطبقات الكبرى للشعراني جـ2 / 166 ، 167 ،117.على الترتيب .

[7] الطبقات الكبرى للشعراني جـ2 / 166 ، 167 ،117 على الترتيب.

[8] الطبقات الكبرى للمناوي مخطوط ورقة 355 (ب) .

[9]  الطبقات الكبرى جـ 2 / 129 .

[10] الطبقات الكبرى للشعراني جـ2 / 167: 168 .

[11] الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/ 97 : 98 ، ونقل ذلك في أخبار القرن العاشر مخطوط : 57 .

[12] إنباء الغمر لابن حجر جـ3 / 226 .

[13] إنباء الغمر مخطوط 1128 : 1131 ، 1139 بالترتيب .

[14] إنباء الغمر مخطوط 1128 : 1131 ، 1139 بالترتيب

[15] قواعد الصوفية جـ 1 / 19 تحقيق طه سرور ط 1 .

[16] تاريخ ابن كثير جـ 12 / 326 .

[17] شذرات الذهب جـ 5 / 412 .

[18] مجموعة الرسائل والمسائل جـ 1 / 145 .

[19] تاريخ البقاعي مخطوط : 123 .

[20] النويري نهاية الأرب مخطوط جـ 30 / 26 . فتوح النصر مخطوط جـ 2 /209 . أعيان العصر مخطوط جـ 106 .  24 : 37 دول الإسلام للذهبي جـ 2 /177 ، السلوك جـ 2 /1/4 . الدرر الكامنة جـ 4 / 12 : 14 ، 130 : 132 ، شذرات الذهب جـ 6 / 64 : 65 .

[21] تاريخ أبو الفدا جـ 4 / 137 ، تاريخ ابن الوردي جـ 2 / 330 .

[22] السلوك جـ 2 / 1 / 167  ، حاشية 167 : 168 .

[23] شذرات الذهب جـ 6 / 74 : 75 .

[24] الوافي بالوفيات جـ 3 / 249 : 250 ، الفلاكة والمفلوكون للدلجي 71 .

[25] شذرات الذهب جـ 6 / 35 ، اليافعي : مرآة الجنان جـ 4 / 254 .

[26]  الدرر الكامنة جـ 9 / 329 . تاريخ مصر المملوكية نشر زيثرستين : 104 : 105 .

[27] السلوك جـ2 /2 / 408

[28] شذرات الذهب جـ 6 / 164 .

[29] تاريخ ابن كثير جـ 14 / 177 .

[30] فتوح النصر مخطوط جـ 2 / 271 .

[31] شفاء السائل 84 : 86 .

[32] السلوك جـ 3 / 1 / 368 : 369 . تاريخ ابن إياس جـ 1 / 2 / 249 .

[33] الدرر الكامنة جـ 4 / 407 .

[34] إنباء الغمر جـ3 / 243 .

[35] الدرر الكامنة جـ 2 /329 .

[36] تاريخ ابن إياس جـ 2 / 4

[37] السلوك جـ 4 /  3 ، 126.

[38] السلوك جـ 4 / 3 ، 126 .

[39] إنباء الغمر جـ2 /219 وفيات 804

[40] تاريخ ابن إياس جـ1 /2  ، 658 .

[41] تاريخ ابن إياس جـ 2 / 36 تحقيق محمد مصطفى .

[42] إنباء الغمر جـ 3 /136 .

[43] إنباء الغمر جـ 3 / 136 : 137 .

[44] إنباء الغمر جـ 3 / 548 : 549 .

[45]  الطبقات الكبرى للمناوي : مخطوط 349 أ ، ب .

[46] تاريخ ابن إياس جـ 2 / 28 : 29   . 2 – جـ 2 / 4 .

[47] إنباء الغمر جـ 3 / 99 .

[48] إنباء الغمر جـ 3 / 163 .

[49] إنباء الغمر جـ 3 /249 .

[50] الضوء اللامع جـ2 / 273 : 274 .

[51] حوادث الدهور جـ3/ 419 : 420 .

[52]  ترجم الشعراني للأكثرية منهم في الطبقات الكبرى في نهاية الجزء الثاني ، وهى (ظاهرة ) أن يكون أكثر الصوفية المعتقدين المقدسين في القرن العاشر من المجاذيب .

[53] إنباء الغمر جـ 1 / 198 : 199 ، السلوك جـ 3 / 1 / 361 : 364 . النجوم الزاهرة جـ 11 / 172 : 173 ، ابن إياس جـ / 1 / 2 / 246 : 247 .

[54] عقد الحمان مخطوط حوادث 720 لوحات 239 : 241 . نهاية الأرب مخطوط جـ 30 / 135 .

[55] ديوان البهاء زهير 30 .

[56] تاريخ ابن إياس جـ 1 /2 / 331 .

[57] تاريخ ابن إياس جـ 1 /2 / 324 .

[58] تاريخ ابن إياس جـ 2/ 238 تحقيق محمد مصطفى .

[59] حوادث الدهور 31 .

[60] تاريخ البقاعي 37 مخطوط .

[61] تاريخ الجزري جـ1 /17

[62] التبر المسبوك 370 .

[63] حوادث الدهور جـ 2 / 383 .

[64] حوادث الدهور جـ 3 / 424 .

[65] تاريخ البقاعي 152 .

[66] الطبقات الصغرى 33 .

[67] السلوك جـ 4 /2 / 1031 : 1032 .

[68] النجوم 14  ، 320 .

[69] تاريخ ابن طولون جـ 1 / 127 .

[70]  الألفاظ المكفرة 102 : 121 .

[71] الضوء اللامع جـ 1 / 108 .

[72] تاريخ البقاعي مخطوط 8 أ، 9 0

[73] تحذير العباد للبقاعي 251

[74].الضوء اللامع جـ 1 / 106 .

[75] النفحات الأحمدية 172.

[76] صحبة الأخبار  61           

[77] الأمثال الشعبية تيمور 123 ، 124 .

[78] ذيل ابن العراقي  769

[79] البقاعي تكفير ابن عربي 139 .

[80] تاريخ ابن إياس جـ 1 /1 / 107 .

[81] تاريخ ابن إياس جـ 1 /2 / 324 ، نزهة النفوس جـ 1 / 52 .

[82] تاريخ ابن إياس جـ 1 /2 ،291 .

[83] حوادث الدهور جـ2/ 203 ، والنجوم الزاهرة جـ16 / 172 .

[84] تاريخ البقاعي 12 ب .

[85] تاريخ ابن إياس جـ 1 /2 / 473 .

[86] أعيان العصر مخطوط جـ 6 /1، 91 . .

[87] إنباء الغمر مخطوط حوادث 840 ورقة 980 ، 981 .

[88] النجوم الزاهرة 15 ، 175 : 176.

ج1 ب2 ف 1 : صفات ولي الله في الإسلام من خلال آيات القرآن الكريم

ج1 ب2  ف 1 : صفات ولي الله في الإسلام من خلال آيات القرآن الكريم

 كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

 الجزء الأول : العقائد الدينية فى مصر المملوكية بين الاسلام والتصوف .

 الباب الثانى : تقديس الولي الصوفي في مصر المملوكية

الفصل الأول :. ولي الله في الإسلام من خلال آيات القرآن الكريم : ( معنى ولي الله وصفاته الإجمالية .تحليل صفات الولي في القرآن الكريم.  العمومية ـ صفات عرضية تقبل الزيادة والنقص .صفات غيبية لا يعرف حقيقتها إلا الله تعالى .المؤمن لا يدعي الولاية .هل يوجد ولي حي بمفهوم الإسلام ؟ .)

 مدخل :

تعرض الباب الأول لعقائد التصوف التي سادت العصر المملوكي على مستوى الفكر والتنظير والتأليف ، ويتعرض هذا الباب للعقيدة الصوفية التي اشترك العوام والخواص في التدين بها ،وهي  عن تقديس الولي الصوفي وتأليهه باعتبار أنه ولي الله إذا كان حياً أو إذا كان ميتاً . ويستلزم البحث في هذا الباب أن نبدأ بالتعرف على " ولي الله " من خلال القرآن الكريم ، وهذا موضوع الفصل الأول ، ثم نتعرض فى الفصل الثانى  لموضوع التزكية بين الاسلام والتصوف باعتبارها مدخلا  لتقديس الولي الصوفي فى العصر المملوكى .وتأتى ملامح هذا التقديس في عقيدة العصر المملوكي واختلاف ذلك مع الإسلام ، فى الفصل الثالث ، أما الفصل الأخير من هذا الباب فقد عرض لملامح وخصوصيات ومهام الولي الصوفي في معتقدات مصر المملوكية .  

ونبدأ الفصل الأول من هذا الباب الثاني بتتبع " ولي الله " في الإسلام وتحليل صفاته .

صفات ولي الله في الإسلام من خلال آيات القرآن الكريم :  

1 ــ ( الوَلِيّ ) بفتح الواو وكسر اللام ضد العَدِوّ يقال ، ( تولاه ) يعني وكل أمره إليه فدافع عنه فهو ( وَلِيُّه ) أي نصيره . ومنها (الموالاة ) أي المناصرة والمدافعة ومنها (الولاية ) بفتح الواو  وبكسرها بمعني النصرة . ونسبة الولي لله تعالى على هذا المعنى تعني أن الله تعالى ناصره وحاميه ، وأن شأن من يدافع الله عنه هو الأمن من الخوف والحزن ، لذا يقول الله تعالى في حق ولي الله (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) يونس 62  ) .

   والموالاة  من المفاعلة كالمدافعة والمقاتلة أي تفيد الاشتراك في الفعل تقول (قاتل محمد علياً ) فالقتال وقع من الفاعل والمفعول معاً . والموالاة بمعنى المفاعلة تفيد أن الله ينصر وليه والولي ينصر ربه وعلى ذلك النسق جرى حديث القرآن الكريم ، فالمؤمن يوالي ربه أي يتولى الله أي ينصر الله (وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ..المائدة56) . والمؤمن يطلب موالاة ربه أي نصرته . فيقول محمد عليه السلام (إنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ... الأعراف196) ، ويقول يوسف عليه السلام (أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ ...  يوسف101 ) ويقول موسى عليه السلام ( أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا .. الأعراف155 ) ويقول المؤمنون عامة (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ..البقرة286) فهم من واقع موالاتهم لله يطلبون منه النصرة ، والله سبحانه وتعالى يعلن حمايته لأوليائه المؤمنين ونصرتهم  لهم ، بل إنه لا نصير لهم سواه ولا ولي – أي مدافع عنهم غيره (وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ  البقرة 107 ، التوبة116 ، العنكبوت22 ،  الشورى31 )   ويقول لهم على لسان ملائكته (  نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ... َ فصلت31 )  . ويقول (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ..محمد11 )  أي لا مدافع ولا نصير للكافرين .. ويأمر أتباعه بالاعتصام به فلا نصير سواه تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ..الحج78 )  ، (  بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ..آل عمران150  )  ...

2ـ وشرط من يوالي الله ويواليه الله أن يتصف بالإيمان الكامل والتقوى والصلاح .. وقد وردت تلك الصفات صريحة ومرتبطة بالولاية لله تعالى ..

ا ) يقول تعالى عن المؤمنين (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ ... البقرة 257 )  ويقول (...  وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ..آل عمران68 ) .

ب ) ويقول عن ارتباط ولايته تعالى بالمتقين ( والله وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ..الجاثية19 )  ، ويذكر ذلك بأسلوب القصر ( إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ ..الأنفال34  ) ، يعني لا يوالي الله تعالى إلا من كان تقياً. والتقوى منزلة تعلو على مجرد الإيمان ، لذا قد يضاف شرط التقوى لصفة الإيمان فيقول تعالى (  أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{62} الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ{63} ..  يونس) .

ج ) والصلاح صفة مرادفة للإيمان والتقوى ، فجاءت مرادفة لصفات الولي في حديثه تعالى عن رسوله الكريم ( إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ..الأعراف196 ) فالرسول عليه السلام خير من يتصف بالإيمان الكامل والتقوى، والصلاح من لوازمها .. وهكذا فإن صفات الولي هي النصرة لله، ومن كان شأنه كذلك ينصره الله ( إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ..محمد7 ) . ( وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ .. الحج40  ) .. أي أن صفات الولي في الإسلام  تتجمع في التقوى والإيمان مع العمل الصالح .

 تحليل لصفات الولي في القرآن الكريم

بمفهوم الإسلام : هل يوجد في الحياة الواقعية ولي حىٌّ يُرزق ؟؟

( الولي ) أو( الولاية ) صفة كالمتقي والتقوى والمؤمن والإيمان والصالح والصلاح ، وإن كانت التقوى – ومثلها الإيمان -  تتضمن داخلها صفات قلبية وسلوكية فإن المولى أو الولاية تستلزم تنوع تلك الصفات في إطارها ، وسنحاول الآن تلمس ملامح الولي  وتحليل صفاته لنجيب على السؤال الكبير وهو : هل يوجد في الحياة الواقعية ولي حىُّ بمفهوم الإسلام ؟؟

 إن فهمنا لصفات الولي – من إيمان وتقوى – ينبع أساساً من الرؤية الإسلامية كما فصلها القرآن الكريم ، فليس ذلك اجتهاداً شخصياً وإنما هو أخذ مباشر من كتاب الله .. وهناك فرق بين التعلم من كتاب الله والاسترشاد به وبين محاولة إخضاع النص القرآني لفكرة مسبقة ولوي عنق الآية وتأويلها .. لذا أكثرت من الاستشهاد بالآيات القرآنية ، إذ أن القرآن يفسر بعضه بعضاً ويؤكد بعضه بعضاً ..

 والآن إلى سمات الولي في الإسلام :

                1 – العمومية : صفات عمومية

ونعني بها أن الولي أو الولاية ليست خاصة بشخص بعينه أو طائفة أو جنس من البشر، أو بزمان أو مكان على التحديد، وإنما هي صفات عامة مطروحة أمام البشر معاً في دنيا التعامل ومطلوب منهم جميعاً أن يتحلوا بها. فالخطاب موجه للبشر جميعاً بأن يبادروا بالإيمان والتقوى وعمل الصالحات في كل عصر وكل زمان ، رجالاً ونساءاً عرباً أو عجماً أغنياءً وفقراء علماء وعامة ، بل مسلمين وأهل كتاب ..

ومعروف أن الله تعالى قال عن أولياءه (..لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ..يونس62 ) ، وهذا وصف لا يتردد في القرآن الكريم إلا لمن سلك طريق الله ووالاه ، واتبع طريقه مؤمناً تقياً وصالحاً من كل الملل والنحل .

·        عمومية الإيمان :

أ‌)       وكل البشر مطالب بالإيمان ، منذ هبط آدم إلى الأرض وحتى الآن ، ويقول تعالى مخاطباً عامة البشر من بني آدم منذ تلك اللحظة حتى الآن (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{38} )الأنعام )، فكل من اتبع هدى الله فقد والى الله وصار من أوليائه الذين هم (لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) .

*عمومية الإيمان والعمل الصالح :

ب‌)   وعن الإيمان والعمل الصالح يقول تعالى للبشر جميعاً (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ..الأنعام48).فمن آمن وأصلح فهو من الأولياء  ، ويقول تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ).البقرة277 ) . أي من كان مؤمناً صالحاً مؤدياً للزكاة والفرائض فجزاؤه كجزاء الولي (لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ).وذلك في كل عصر وأوان حتى بين أهل الملل الأخرى من أهل الكتاب والصابئة (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة62 ). فبغض النظر عن الأسماء فمن آمن بالله إيماناً كاملاً وأصلح أصبح ولياً من الأولياء الذين هم (لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) . وتكرر نفس المعنى في سورة المائدة (  ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)  ).

والإنفاق في سبيل الله من ضمن الصفات الإسلامية الأساسية للولي المؤمن المتقي ، فقال تعالى بصيغة العموم عن كل من ينفق في سبيل الله (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ..البقرة262 ) ، ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) البقرة274 ) . أي أن كل البشر مطالبون بأن يكونوا من (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ) حتى يكونوا من الأولياء الذين هم (لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ .. ) ..

* عمومية التقوى :

ج) والتقوى مطالب بها البشر جميعاً، ويأتي ذلك باقتران التقوى والصلاح ، كما في قوله تعالى (

يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ .. الأعراف35 ) . فبنو آدم مطالبون جميعاً بأتباع الرسل حتى يصيروا أولياء لله متقين صالحين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .

وأهل الكتاب مطالبون – كسائر البشر – بالإيمان الكامل والتقوى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ..المائدة65 ) .

والتقوى كسلوك عملي يؤيد الإيمان ، طولب به الناس جميعاً ،مؤمنين وغير مؤمنين ، فيقول تعالى للبشر جميعاً (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ  ... النساء1 ) ، ويقول (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ..الحج1 ) ، وفي سورة الشعراء كان كل رسول يدعو قومه في كل عصر بكلمة واحدة ({فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ..الشعراء 108، 110 ، 126 ، 131 ، 144 ، 150 ، 163 ، 179 ) وكذلك في سورة آل عمران آية 50 ، وفي سورة نوح (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ .. نوح 3  ) .

والمؤمنون من باب أولى مطالبون بالتقوى ليتحقق لهم سمو الإيمان ويُكفر الله جل وعلا عنهم سيئاتهم فيقول تعالى (...وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ..المائدة57 ) ، (وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ..المائدة88 ) (..  اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ..آل عمران102) ، وليس الخطاب خاصاً بالمؤمنين من أهل القرآن فقط بل يشمل من سبقهم من أهل الكتاب ، يقول تعالى (..وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ... النساء131 ) ، وقال تعالى عن الأمم السابقة ممن اهلكوا بالعصيان ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ... الأعراف96 ) بل أن النبي عليه السلام كمؤمن مطالب بالتقوى كقدوة لأتباعه فيقول تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ) الأحزاب1 )،( أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ) الأحزاب37 ) ...

وهكذا فكل إنسان بإمكانه أن يوالي ربه فيتسلح بالإيمان والتقوى وعمل الصالحات ، فولاية الله ليست حكراً على طائفة أو جماعة ، وكل من دخل الجنة فهو ولي الله بعمله الصالح التقي في الدنيا (لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ..الأنعام127 )  .

 2 – صفات عرضية تقبل الزيادة والنقص

هذا يعني أن الولاية – بالإيمان والتقوى -  ليست صفات لازمة للمرء طول حياته، بل تتغير زيادة ونقصاً حسب مجاهدة الهوى والنفس الأمارة بالسوء والشيطان ، وقد خلق الله تعالى النفس البشرية وسواها على أساس أن تحتوي على الفجور والتقوى معاً بل وقدم الفجور فيها على التقوى ، إذ أنها أمارة بالسوء (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا{7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا{8}. الشمس ) ، وصراع الشيطان مع عوامل الخير في الإنسان مستمر باستمرار الحياة ، والحياة جولات  بين الخير والشر ينتصر فيها الشيطان حيناً وينهزم أحياناً ، وبعض الناس أسلم قيادته للشيطان فأصبح له عليه السلطان والتحكم ، وبعض الناس لم يسلم للشيطان زمامه فهو مستمر في حالة صراع مستمر معه لا يهدأ .. ونفهم ذلك من حكي الله تعالى قصة آدم ورفض الشيطان السجود وطرده : (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ{39} إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ{40} قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ{41} إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ{42} وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ {43} الحجر) . والمؤمن يستعين في صراعه المستمر مع الشيطان بالاستعاذة بالله ليقوى بالله على الشيطان ( فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ{98} إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ{99} إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ{100} النحل ) .

وعليه فإن حدة الصراع تتجلى أكثر في نفس المؤمن دون الكافر ، فالكافر أسلم نفسه للشيطان ، فخفُت لديه حدة الصراع ، بل ربما يقال عنه أن الصراع نفسه مات . أما المؤمن فالصراع حي قائم مستمر داخله يزكيه الهوى والنفس والشهوات والجسد ومتطلباته ، والشيطان من وراء ذلك كله بالوسوسة والتعمية والتلبيس والتبرير والتهوين والتمني ، وكل ذلك مع محاولات التمسك بالتقوى فيصبح المؤمن قابضاً على الجمر ، ومن الطبيعي أن تنعكس حدة الصراع على صفات الإيمان والتقوى ، فتتأثر زيادةً ونقصاً حسب درجة الاقتراب من الخير أو الشر ، والتمسك بشرع الله أو الانحراف عنه ،والوقوع في المعصية أو التوبة منها . ويزيد من حدة الصراع أن المؤمن مطالب أن يكون في معمعة الحياة ، أي في خضم الصراع ، فلا انعزال ولا رهبنة ولا انقطاع عن التعامل مع المجتمع في مفهوم الإسلام ، فالمسلم متفاعل مع الحياة مطالب ليس فقط بمراعاة التقوى بل وأن يؤثر في مجتمعه بالخير . ومن الطبيعي – وهو بشر غير معصوم – أن تؤثر فيه المحن والفتن وأن يستسلم حيناً للهوى وحظ النفس وحيل الشيطان – وهو في كل ذلك في صراع لا يهدأ بين الخير والشر في نفسه وفي مجتمعه ، صراع لا ينتهي إلا بنهاية حياته ، وحتى الموت فإن إيمانه وتقواه وجهاده في تغير مستمر بالزيادة والنقص .

أ ) الإيمان صفة عرضية متغيرة :

1- ومرجع ذلك التغير في الإيمان لدى المؤمن هو في السلوك والعمل ، وذلك كله متأثر طبعاً بنوازع النفس وحظ الهوى ومكر الشيطان ، فالمؤمن مثلاً إذا ركن إلى المعاصي واعتاد عليها تغير إيمانه وشابت عقيدته الشوائب بتكرار المعاصي ، وفي ذلك يقول جل وعلا عن بعضهم ( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ..المطففين14)  و( الران ) هو ما يشبه الصدأ الذي يتراكم على الحديد فيحوله إلى طبيعة أخرى .. وهكذا المعصية التي يكسبها الإنسان بعمله ، إذا أدمنها ، تظل تتراكم فيصدأ القلب ( أى النفس ) وتتحول العقيدة إلى رياء لمصانعة الناس وإيهامهم بعكس المعاصي التي ترتكب ، والشرك يبدأ بالرياء ثم ينتهي باتخاذ الوسائط والشفعاء للتخلص من الذنوب والآثام ..

  أي أن المعصية والإثم تنقص من الإيمان إذا أُهملت التوبة والاستغفار أو بمعنى أصح إذا أهمل الإنسان المؤمن ( التقوى ) ، فالتقوى صمام الأمن للمؤمن وعلى أساسها يدخل الجنة ، فلا عبرة بإيمان قلبي ينشغل صاحبه بالآثام وينسى عمل الصالحات ..

والقرآن الكريم هو جلاء القلوب التي ران عليها الإثم ، فبالقرآن يعود الإنسان المؤمن لربه ويتوب ، لذا يقول الله سبحانه وتعالى في صفات المؤمنين الذي يزداد إيمانهم بسماع القرآن ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً ..الأنفال2 ) فإيمانهم يزيد بتلاوة القرآن ، وروى القرآن الكريم موقفاً للمؤمنين والمنافقين عند سماع القرآن ، فهو يزيد المؤمنين إيماناً ويزيد المشركين غيظاً وكفراً يقول في ذلك تعالى (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ{124} وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ{125}التوبة ) ، أي أن الشرك والكفر يزدادان أيضا ويتناقصان – كالإيمان -  باعتبار أن الإيمان عنصر لا يخلو منه قلب أي مشرك .

ويزداد إيمان المؤمن الحقيقي ويتألق حين تشتد الأزمات في الجهاد ، ففي هزيمة أُحد قال تعالى عن طائفة من المؤمنين طاردوا العدو رغم جراحهم ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ..آل عمران173 ) ، وفي حصار الأحزاب قال تعالى عن المؤمنين ورسوله (..وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً ..الأحزاب22 ) .

وإذا كان بعض المؤمنين يزداد إيمانه وقت الشدة كما حدث من بعض صحابة الرسول عليه السلام في أُحد والأحزاب فإن البعض الآخر يتناقص إيمانه ويفتن عن دينه ،يقول تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ .. العنكبوت 10 )، فصاحبنا حين واجه الأذى في سبيل عقيدته كبر على نفسه أن يصيبها الأذى واعتبر إيذاء الناس له عظيماً يساوي عذاب الله للعصاة في الآخرة .. فهو لم يصمد في الأذى مع أن الإيمان الحقيقي يسطع في الأزمات ، بل أن الإيمان الحقيقي لا يتجلى إلا في الشدائد ، ونعود إلى صاحبنا الذي خذله إيمانه وقت الشدة والفتنة ، فنجده وقت النصرة يظهر بمظهر آخر ينسب النصرة إليه وإلى جهده (...وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ..العنكبوت10  ) فشأنه أن يعبد الله على حرف أو كما قال الله تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ : الحج11  ) .

هذا... والتلازم بين الإيمان والصبر على الشدائد والفتن بدأ به تعالى سورة العنكبوت (الم{1} أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ{2} العنكبوت ) .

   نخلص من ذلك إلى أن الإيمان صفة عرضية متغيرة ، فهو مع قلته في عقيدة المشرك إلا أنه يتعرض للتغير فيصير المشرك أكثر كفراً وطغياناً .. ومع كثرته في عقيدة المؤمن إلا أن الفيصل النهائي هو في السلوك والعمل أي ( التقوى ) في الأحوال العادية.. وفي الصبر على الشدائد والفتن وفي أوقات الأزمات التي تلازم صاحب العقيدة الصحيحة.. والمؤمن إذا ظهر زيف إيمانه في تلك المواقف أشبه الكافر وواجه نفس نهايته... فليس هناك مؤمن ثابت على طول الخط ، وإنما الإيمان يتأرجح حسب المواقف والتجارب ،خصوصاً في الجهاد ، وقد قال تعالى عن المنافقين والقاعدين عن الجهاد (  ..هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ .. آل عمران167 ) أي أن الإيمان والكفر محطات يتأرجح بينها الإنسان في مواقفه حسب درجة التزامه طالما ظل حياً، وهذا ما لا يعلمه إلا علام الغيوب .

ب ) التقوى صفة عرضية متغيرة :

والتقوى أكثر صفات الولي تغيراً، فهي بطبيعتها صفة عرضية، لأنها نتيجة المجاهدة وصراع المؤمن مع نوازع الشر في نفسه، ومن طبيعة هذا الصراع المستمر المحتدم أن تتفاوت النتيجة فتنتصر التقوى حيناً، وتفوز المعصية حيناً آخر..

والمتقي الذي يخشى الله ليس هو المعصوم الذي لا يقترف المعصية وإنما هو الذي يتوب إذا وقع في المعصية ، فهو بين حالين : عاص مقترف للمعصية .. وحينئذ ليس متقياً وليس ولياً ، ثم هو تائب عازم على عدم العودة للمعصية .. مصمم على أن يكون بعد ذلك أكثر حزماً في مواجهة الشيطان نفسه ، وحينئذ يحقق تقواه حين يفلح في السيطرة على جوارحه فيبتعد عن فعل الإثم حين يهم بالوقوع فيه ، وليس معنى ذلك أن التقوى ستلزمه بالمعصية ، فالصراع مستمر محتدم ولابد للشيطان أن يفوز في بعض الجولات ، ولكن النتيجة النهائية هي في المحاولة المستمرة للحد من المعاصي وفعل الصالحات وكثرة التوبة والاستغفار وحصر الذنوب في مجرد الصغائر دون الكبائر. وتظل حياة المؤمن نهباً لتلك الصراعات حتى ينتصر فيها ويفوز في نهايتها بمجموع الدرجات أي بمجموع حسناته وسيئاته .. وإلى أن تنتهي حياة المؤمن تظل تقواه حالة عرضية وقتية . يقول تعالى في صفات المتقين ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ..الأعراف 201 ) , و" المس " يزيد عن " اللمس " فالمس هو ما على الجلد والجسد . أي أن الشيطان يمس ( نفس أو قلب ) المتقي أي يصل إلى ما هو أكثر من اللمس السطحى . وذلك تعبير قرآني بليغ يصور مبلغ تمكن الذنب والشيطان في نفس الإنسان المتقي.. ومع أن المتقي يمسه طائف الشيطان بالذنب إلا أنه يبادر بالتوبة والاستغفار لذا كان تعبير القرآن هو العطف بالفاء .. والفاء كحرف عطف يفيد التتابع السريع تقول ( جاء محمد فعلي ) أي أن محمد جاء فتبعه علي في المجئ مباشرة ، فالمتقي قد يقع في الذنب فيسارع بالتذكر أي فيستغفر ويتوب ويبصر ما حاول الشيطان أن يعميه ويوقعه في الذنب ، لذلك يقول تعالى في معرض صفات المتقين (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ. وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ {135} أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ){136} آل عمران)

وفي الآيتين تفصيل وتصريح . فالمتقي ليس هو المعصوم الذي لا يقع في المعصية وإنما هو الذي إذا فعل فاحشة أو ظلم نفسه بادر بذكر الله تعالى وأسرع بالاستغفار لذنبه ولم يقع عنده إصرار على المُضي في فعل الإثم وهو عالم بجرمه وحرمة ما يفعله.وجزاؤه وهو الغفران والجنة..

ونلاحظ في الآيتين السابقتين أن المتقي كثير الذكر لله، وذكر الله يجعله على حذر من فعل المعصية ، وحتى إذا فعلها فإنه حين يبادر بذكر الله يتوب . فذكر الله يجعل المتقي قريباً دائماً من ربه ، وبعيداً بنفس القدر عن الشيطان، فيحقق معنى الموالاة لله، حينئذٌ وبقدر الإمكان .

وصرحت الآية الأخيرة بالغفران للمتقي فيما وقع فيه من ذنوب طالما يتوب . والغفران يعني تكفير الذنوب المُسَتغْفر عنها ، ويقع الغفران يوم القيامة. فيقول تعالى عن المتقين من الأنبياء ومن البشر:( وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ{33} لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ{34} لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ {35} الزمر) . فالله تعالى الغفور الرحيم يكفر عن المتقين يوم الدين أسوأ الذي عملوا ويدخلهم جنته .  ويقول تعالى في موضع آخر ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً )الطلاق5) .

وفى النهاية يكون أولئك المتقون صحبة واحدة تضم النبيين وسائر المتقين (وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً(69) النساء )

وهكذا .فالتقوى لا تعني العصمة من الذنب، وإنما هي محاولة التقليل من الوقوع في الذنب . والاستغفار بسبب الوقوع في ذلك الذنب .. كل ذلك في إطار جهاد النفس الأمارة بالسوء والشيطان الذي يزين ويغوي . والصراع قائم مستمر باستمرار الحياة في نفس المؤمن وجسده ودمه ، وعند الموت يعرف الإنسان نتيجته النهائية إذا كان ممن اتقى أو ممن عصى .. وحتى هذا الوقت فطالما ظل المؤمن حياً يرزق فتقواه صفة عرضية فيه ، ولا يمكن أن يوصف بها وهو يقترف الإثم ويفعله ، أو حين يحتمل أنه سيقع في الإثم ، أو حين يكون مصمماً على الإثم ، ولا يخلو إنسان مهما بلغ صلاحه وإيمانه من ذلك.

ج) الصلاح كصفة متغيرة عرضية :

1- والأعمال الصالحة تقابلها الأعمال السيئة ، والأعمال الإنسانية مزيج من الصالحات والسيئات . والمؤمن المتقي هو من تزيد أعماله الصالحة وتغلب على أعماله السيئة أو يغلب عليها فعل الصالحات . ومن لطف الله جل وعلا بعباده الصالحين أنه يوم الدين يكفر عنهم ذنوبهم السيئة بتوبتهم الصادقة فلا يبقى لهم إلا أعمالهم الصالحة وهي كثيرة فيدخلهم الجنة . ومن ذلك أنه تعالى جعل الحسنة بعشرة أمثالها وجعل السيئة بمثلها لكي ينعم المؤمنون المتقون برحمة ربهم الغفور الرحيم . ومنه أنه جعل الحسنات مكفرات للذنوب إذا زادت وربت فأصبحت شيمة المؤمن يقول تعالى ( إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ) هود114 ) بل أن فضله تعالى على عباده المؤمنون الصالحين بلغ إلى درجة أنهم إذا تركوا فعل الكبائر من الذنوب كفر الله تعالى عنهم ما ارتكبوه من الذنوب الصغائر وأدخلهم الجنة ( إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً : النساء31 ) .

إن النفس البشرية قد خلقت على أساس الفجور والتقوى ، والإنسان لا يخلو من الوقوع في الإثم ، ولابد للمتقي من التوبة والاستغفار . فأعمال الإنسان المتقي المؤمن مزيج من الخير والشر إلا أن الخير فيه أغلب ، لذا جعل الله سبحانه وتعالى تلك المزايا التي أوردناها فرصة للمتقين لكي يفوزوا برحمة الله وغفرانه وجنته . ومعنى ذلك أن الصلاح ـــ إذا غلب على امرئ – لا يعني نقاءه كلية من الإثم . بل يعني أنه حالة متغيرة لازمة .. بل يقال أنها تغلب عليه بكثرة حسناته وفعله للصالحات .

2 – وقد ورد في القرآن الكريم أن الله تعالى يغفر للمؤمنين الكبائر من الذنوب إذا تابوا وعملوا الصالحات ، فيقول تعالى من صفات عباد الرحمن (.. وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً{68} يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً{69} إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً{70} وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً  :الفرقان  68 : 71 ) فالزاني جزاؤه كالكافر يضاعف له العذاب ويخلد في النار . أما إذا تاب الزاني من جريمة الزنا وصحح إيمانه وغلب عليه  فعل الصالحات فإن الله يبدل سيئاته ويجعلها حسنات ، ويغفر له لأن من تاب وأقلع وغلب عليه عمل الصالح فإن توبته مقبولة من الله (وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً : الفرقان 71 ) ويصبح تائباً وليس زانياً. ويقول تعالى عن جريمة قذف المحصنات البريئات العفيفات (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ{4} إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{5} النور ) . فرمي المحصنات عقابه الجلد ثمانون جلدة ، والقاذف للمحصنات فاسق لا تقبل شهادته ، ومع ذلك فإن تاب بعدها وأصلح فإن الله يغفر له ويرحمه .

ونفس الحال مع اليهود والنصارى وكل البشر ، فمجال التوبة والرجوع إلى الله مفتوح أمامهم إذا آمنوا وأصلحوا مهما بلغ عظم ما اقترفوه من ذنوب . يقول تعالى عن الذين جاءوا بعد الرسل (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً{59} إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئاً. {60}مريم ) . فأولئك تنكبوا الطريق وتركوا الصلاة وركنوا للشهوات ومع ذلك فمن تاب منهم وآمن وعمل وأصلح فإن ذنبه مغفور . بل إن المسلم إذا ارتد ثم تاب وآمن وعمل صالحاً فالله يغفر ذنبه ..يقول تعالى (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ{85} كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ{86} أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ{87} خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ{88} إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ{89}آل عمران ).

فمن كفر بعد إيمان وشهادة ويقين بالله ورسوله فجزاؤه اللعنة والخلود في النار ، إلا من تاب بعد تلك الردة واقترنت توبته بعمل الصالحات فإن الله غفور رحيم . أي أن المؤمن الصالح قد يقع في الكفر ويستحق اللعن والخلود في النار ثم يتوب ويرجع لحظيرة الإيمان فيتوب الله عليه ويغفر له ويكفر عن سيئاته .أي أن الصلاح حالة نسبية متغيرة لكل البشر مهما أتوا من عظيم الذنوب مسلمين كانوا أو يهوداً مرتدين أو نصارى في كل وقت وفي كل حين .. المهم أن يتوبوا ويعودوا إلى طريق الله وموالاته تعالى .

3 – وهكذا يتبين أن الإيمان والتقوى والصلاح صفات عرضية متغيرة تزيد وتنقص لدى كل شخص بل وفي الشخص الواحد في حياته العادية بل اليومية.. وإذا سرنا مع أحد الأشخاص في حياته اليومية لوجدنا في يومه ألف احتمال واحتمال بين أن يكون تقياً نقياً أو وسطاً أو عاصياً.. ونبدأ معه يومه ، فهو يفتح عينيه وهو نائم على آذان الفجر ( وهنا احتمال لأن ينهض ليصلي الفجر في الجامع ، واحتمال لأن ينهض ليصليه في بيته ، واحتمال أن يتكاسل ويكتفي بصلاة الفجر قبل تطلع الشمس ، واحتمال أن تفوته الصلاة الحاضرة ويستغرق في النوم ) ، وفي كل احتمال تتغير منزلته في الإيمان والتقوى والصلاح . وبعد صلاة الفجر أو الصبح يتناول إفطاره ( ناهيك عن مكسبه وعيشه ومدى نسبية الحلال والحرام فيه ) ، ويذهب لعمله فيركب الأتوبيس وقد يجبره الزحام على أن يلتصق بفتاة أو تلتصق به فتاة ( وهنا احتمال أن ينأي بنفسه بقدر الإمكان عن الالتصاق بها ، واحتمال أن يصبر ويصابر ويشغل فكره بأشياء تبعده عن تلك الفتاة ، واحتمال أن يسعد بذلك الالتصاق الذي لا يد له فيه ، واحتمال أن يتمادى فيه ، ثم هناك درجات متنوعة في ذلك كله ، كونه متزوجاُ محصناً أو كونه عزباً ، أو مراهقاً ، ولذلك أثره في تلك الاحتمالات ). ثم قيامه بعمله فيه أكثر من احتمال بعد استبعاد منزلة العمل نفسه من الحلال والحرام :  (فهناك احتمال أن يخلص في العمل بهدف إرضاء الله تعالى الذي لا يضيع أجر من أحسن عملاً ، واحتمال أن يجِّد في عمله ليرضي رؤساءه فيترقى ، واحتمال أن يجِّد في عمله لكسب المزيد من المال ، واحتمال أن يجِّد في عمله لشخص دون آخر نظير مال أو رشوة ، واحتمال أن يتوسط في تأدية العمل أو يتكاسل أو يتهاون ، مع احتمال تغير النية في التكاسل والتوسط في الأداء ) . و نفس الحال في علاقاته الأسرية مع زوجته وأولاده وأبيه وأمه وإخوانه، ومحيط العمل والحي والمجتمع.. فيه أكثر من احتمال واحتمال في القلة والكثرة وحقيقة النية في ذلك كله.. وعلاقته بذكر الله تعالى هل يواظب على تذكر الله تعالى في سره وجهره ، في عمله وراحته ، في يقظته ومنامه ، وقراءته للقرآن هل يقرؤه بتدبر أو بإعراض وانشغال ثم مقصده من أعماله الصالحة كلها ، هل يقصد به وجه الله خالصاً أم يرائي الناس ويستجدي رضاهم عنه ، ثم أثر ذلك كله في تعرضه للإثم ووقوعه فيه . كلها احتمالات ، وكلها متشابكة ، وكلها تدور مع الإنسان في كل وقته وفي كل صغيرة وكبيرة ومن كل حركة من حركاته . والإنسان بينها متأرجح دائما بين قوة الإيمان وضعفه، وكثرة التقوى وقلتها والعمل الصالح والعمل والسيئ.. وكل هذه الاحتمالات لا يعرف حقيقتها وظروفها وتقديرها إلا الله تعالى .

3- صفات غيبية لا يعرف حقيقتها إلا الله سبحانه وتعالى 

1 ـ اختص الله تعالى نفسه بعلم الغيب إجمالاً وتفصيلاً . والإيمان والتقوى والصلاح صفات قلبية وسبحان من يعلم (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ : غافر19  ) . والرسول عليه الصلاة والسلام نفسه أعلن أنه لا يعلم الغيب (..وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ... الأعراف 188 ). وكان يكفي أن نقرر تلك الحقائق القرآنية العقلية لنتبين أن إيمان شخص ما و تقواه جزء من سريرته ولا يطلع على السرائر إلا علام الغيوب . ولا عبرة بمظهر الأعمال الصالحة أو السيئة أيضاً. فقد تصدر عن رياء وتظاهر أو عن خوف ومداراة ، أقول كان يكفي تقرير ذلك لولا أن القرآن الكريم  فصّل في تلك الناحية بما يغري بالاستزادة في عرض الموضوع .

ومما لا شك فيه أن الإيمان القلبي هو الأساس الذي تصدر عنه التقوى والبعد عن المعصية وإتيان الصالح من الأعمال .. فإذا ضعف الإيمان قلت التقوى والعمل الصالح وزاد الرياء والتظاهر ، وإذا زاد الإيمان في قلب امرئ زادت تقواه وأعماله الصالحة ، وربما أخفى عمله الصالح خوف الرياء وطلباً للإخلاص مع الله ، وربما أظهر عمله الصالح ليكون قدوة يقتدي بها الآخرون ، وهو واثق من نفسه أنه لا يأبه برأي الناس فيه ومدحهم له ، لذا فإن الله تعالى – مثلاً – في حديثه عن الصدقات صرح ببطلان صدقة من يتصدق بالمنّ والأذى والرياء ، وجعل الرياء في الصدقة مساوياً للأذى والكفر يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ..البقرة264 ) ويقول (وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً ..النساء38 ) . وفي نفس الوقت أجاز الله سبحانه وتعالى للمؤمنين – إذا وثق أحدهم في إيمانه – أن يظهر الصدقة أو أن يخفيها طالما قصد بها وجه الله تعالى وحده ، يقول تعالى (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ..البقرة271 ) ، فالله سبحانه وتعالى خبير بعمل عباده ، خبير بقلوبهم وإيمانهم ، عالم بدوافعهم حين يظهرون الخير وحين يخفونه . والمنافقون كانوا يصلون رياء ومداهنة فقال تعالى فيهم (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً )النساء142) . وقرر سبحانه وتعالى الويل للمرائي في صلاته (  فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ{4} الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ{5} الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ{6} وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ{7}  الماعون) .

2- وبعض المنافقين فضحتهم تصرفاتهم في النهاية ، وبعضهم أظهروا الصلاح والإيمان حتى خدعوا بمظهرهم رسول الله  عليه الصلاة والسلام نفسه ، أو بتعبير القرآن الكريم ( مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ ) ، يقول تعالى في نوعي المنافقين (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ... التوبة101  ). أي أن بعضهم تغلب عليه حقده فتصرف وتكلم بحقيقة مشاعره ، أما الذين مردوا على النفاق فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يتعرف على حقيقة إيمانهم ولم يدرك غيب سرائرهم وظل أمرهم مكتوماً عليه لم يخبره ربه بهم ، لأن أولئك المنافقين مردوا أو تعودوا على النفاق ، فلم يقوموا بعداء أو ما من شأنه الإضرار بالمسلمين ، فقنعوا بتأييد المؤمنين والمبالغة في ذلك حتى لا يكشفوا سريرتهم .وهناك فريق آخر من المنافقين تسرع فأظهر ما يبطن من الكفر ، وحزن الرسول لأنه كان يظن فيهم الإسلام والخير ، ويقول تعالى فيهم (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ... المائدة41 ) ونفر منهم  ظل محتفظاً بنفاقه متكاسلاً عما يفرضه عليه إيمانه الظاهري من جهاد ،ومع ذلك فإن الرسول كان يعاملهم حسب ظواهرهم فعاتبه الله تعالى (لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ{42} عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ{43}التوبة  ) .فأولئك تكاسلوا عن نصرة الدين الذي لا يؤمنون به وركنوا إلى الأيمان الكاذبة يعتذرون بها ففضحهم الله ..

والمؤمنون كانوا يصدقون أولئك المنافقين الذين يحلفون لهم مع أن الحقد ظاهر في تصرفاتهم فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ{118} هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ){119}آل عمران ). وهذا تصوير بديع لحقيقة مشاعر المنافقين أوضحه سبحانه وتعالى علام الغيوب المطلع على السرائر . واليهود شاركوا في لعبة النفاق فقال فيهم القرآن الكريم ( وَإِذَا جَآؤُوكُمْ قَالُوَاْ آمَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ ..المائدة61) ..فهم أعلنوا إيمانهم كذبّاً بينما هم كفرة ولا يعلم كفرهم الذي يكتمونه إلا الله تعالى عالم الغيب والشهادة ..

3-وآيات كثيرة تصرح بأن معرفة أسرار القلوب قد اختص الله تعالى نفسه أو بالتعبير القرآني هو( أعلم ) بها من سواه ، يقول تعالى ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ : النحل125  ) ، (  إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ : القلم7 ) .و ( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً : الإسراء84) ، و ( هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ .. النجم32 ) .وإذا كان ذلك حديثاً عن البشر عامة فإن آيات أخرى تحدثت عن علمه تعالى بقلوب المؤمنين ومدى إيمانهم يقول تعالى ( وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ..النساء25) ، ويقول تعالى عن المؤمنات المهاجرات (فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ..الممتحنة10 ). ويقول جل وعلا عن المهتدين  (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ )( القصص56 )  (وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ..النجم30 ) ويقول عن المتقين (  هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى .. النجم32). ويقول عن الصالحين (رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً ..الإسراء25 ).

4 – وهكذا .. فالإيمان والتقوى والصلاح صفات قلبية اختص الله تعالى بمعرفتها ولم يطلع عليها أحداً من البشر ، حتى الرسل المكرمين. وما سبق من أمثلة قرآنية تظهر كيف أن الرسول عليه السلام والمؤمنون معه خدعوا بإيمان بعض المنافقين ، وكان من الممكن أن تظل سريرة المنافقين غيباً عنهم لولا أن الله فضحهم وكشف عن كفرهم ، وخداعهم ، ونحن لا نستطيع أن نحكم على إيمان شخص من الأشخاص ولا نستطيع تبين درجة صلاحه وحقيقة تقواه .. فكل ذلك غيب عنا ، وأعمال أي إنسان ترجع إلى ضميره وإيمانه وقلبه ، وسبحان علام الغيوب .

·         المؤمن لا يدعي الولاية 

1- هذا ، والمؤمن دائماً يتهم نفسه ولسان حاله يقول (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ..يوسف53) . والمؤمن في اعترافه بالذنب والخطأ إنما يتأسى بالأنبياء ، فقد مدح الله تعالى كلاً من داود وسليمان وأيوب عليهم السلام بقوله ( إنَّهُ أَوَّابٌ ) ص17 ، 30،  44) .والأواب هو كثير التوبة والإقرار بالذنب ، وفي نفس السورة قال تعالى عن داود عليه السلام ( وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ {24 }، فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ {25 }ص) ، وقال عن سليمان عليه السلام (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ{34} قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي {35} ص)   وقال تعالى عن إقرار ذي النون بالذنب والخطأ ( وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ87 فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ{88} }الأنبياء)، ولولا ذلك الاستغفار لظل ذا النون في بطن الحوت ، يقول تعالى  ( َلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ{143} لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{144} الصافات) .فأولئك أنبياء مكرمون لم تمنعهم منزلتهم العليا من الاعتراف بالذنب والإقرار بالخطأ ، وفي القرآن آيات كثيرة مشابهة تؤكد توبة الأنبياء ، وأنه ما من نبي منهم زكى نفسه أو أعلى من قدرها ، أو وصف نفسه حتى بما تستحقه من إيمان وتقوى ...

2-والله تعالى اختص نفسه بتزكية من يشاء من المؤمنين ، وامتن بذلك عليهم إذ يقول (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) النور21 ) بل أنه تعالى أمر المؤمنون بألا يزكي أحدهم نفسه ،يقول تعالى ( فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم32 )  فتزكية الإنسان لنفسه مرفوضة قطعاً في نظر الإسلام ، ليس فقط لأنها تنم عن غرور واستجلاب لمحمدة الناس ورياء ولكن أيضا لأنها  اعتداء على علم الله  ، هو أعلم بالإنسان من الإنسان نفسه ، يقول تعالى (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى )( النجم32 ) ..

3- واليهود زكوا أنفسهم وفضلوا أنفسهم واعتبروا جنسهم مفضلاً على بني البشر فنعى الله عليهم هذه الصفاقة والافتراء على الله.. فالله تعالى لم يعط علمه لهم حتى يفضلوا أنفسهم وهم يسندون ذلك لله كذباً وافتراء ، يقول تعالى (  أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً{49} انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ ؟ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً{50}..النساء. )..

وتزكية النفس فيها تدخل في اختيار الله تعالى الذي يزكي من يشاء من خلقه ممن يقرون بالذنب ويتهمون النفس ، ومن وقع في جريمة تزكية نفسه فقد استحق غضب الله في وقت يستجلب فيه حمد الناس وتقديرهم بلا استحقاق ، فيقول تعالى (لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ..آل عمران188 )..

وعليه فمن ادعى الإيمان أو التقوى والصلاح فقد أشبه اليهود واستحق مقت الله وعقابه وعذابه. وصار أبعد عما يدعيه .. ناهيك بمن يدعي الإيمان والولاية ليضل الناس عن دينهم ويصد عن سبيل الله ... وذلك موضوع آخر .

  هل يوجد ولي حي بمفهوم الإسلام ؟

 أو بمعنى آخر إذا آمن أحدنا واتقى وعمل الصالحات واتهم نفسه وحارب الشيطان فيها . هل يعد ولياً؟   1 ــ إن منطق الأشياء يقول باستحالة ذلك ، ليس فقط لأن الإيمان والتقوى صفات عرضية تزيد وتنقص ولكن لأن النتيجة الختامية لا تكون إلا بنهاية الحياة ، فوجود ولي بمقياس الإسلام على قيد الحياة أمر مستحيل لأن العصمة مستحيلة على بني البشر ، ولا يعلم أحدنا ما يخفيه له المستقبل ، ولا ما يضمره الغيب للآخرين ، وإذا وضع في تفكيره وجود ولي حي فرشح نفسه للولاية معتقداً في نفسه الإيمان والتقوى ، فقد عصا أمر ربه القائل (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ).

2 ــ إلا أن الإنسان يعرف مصيره عند الاحتضار حيث يرى ما لا يراه الآخرين ، ويسمع ما لا يسمعون (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ{83} وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ{84} وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ {85} الواقعة ) . وفي تلك اللحظة الحاسمة التي لا يراها الإنسان منا إلا مرة واحدة عند الاحتضار ورؤية ملائكة الموت، عندها يعرف موقعه من الفوز أو الخسران . في تلك اللحظة الرهيبة المخيفة وهو على وشك دخول برزخ الموت يطمئن المؤمن التقي الصالح ؛ يطمئن أنه الولي ويعرف أنه في أمن من عذاب الله ولا خوف عليه ولا حزن ، حيث تبشره الملائكة برحمة ربه ومغفرته . فتبشير الملائكة للولي إنما يكون في تلك اللحظة الرهيبة التي يصبح فيها الإنسان أسير عمله وما قدمه ، ولا ينجيه مهما عمل من الصالحات إلا فضل ربه ورحمته . في لحظة لم يعد بمقدوره أن يزيد من عمله أو ينقص منه حيث هو مشرف على عالم الموت ، في آخر لحظة له في الدنيا وأول لحظة له في الآخرة وقد ختم سجل أعماله وحياته حينئذ يقول تعالى (  إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ{30} نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ{31} نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ{ 32 }..فصلت ).فالآيات الكريمة تتحدث عن نزول الملائكة على الذين آمنوا واستقاموا – وذلك حين وفاتهم بدليل قول الملائكة لهم (  وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) أي كنتم توعدون بها فيما سبق من حياتكم الدنيا التي أنتم بصدد مفارقتها . وتخبرهم أنهم كانوا موالين لهم في تلك الحياة الدنيا  ثم في الآخرة يتأهبون لدخولها حيث ينعمون فيها بما تشتهي أنفسهم وما يطلبون . وقول الملائكة لهم – حين الوفاة – (أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا .. )  هو ما رددته الآية الأخرى من سورة يونس عن الأولياء (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{62} الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ{63} لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ...{64} يونس ) .فالبشرى التي تزفها لهم الملائكة في مفترق الطرق بين الحياة الدنيا والآخرة . والجنة هي أعظم ما تبشر به الملائكة .. يقول تعالى عن أوليائه وجزائهم ( لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ  يعْمَلُونَ ) (الأنعام 127 ) ... فالحديث عن الجنة مما يعني أن حياة الولي قد انتهت ، ثم يتأكد ذلك بقوله تعالى (..بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ..) أي بما كانوا يعملون في دنياهم ..++++

2 -  أي أن الله تعالى أورد بشراه لأوليائه المتقين عند الموت وهم يتأهبون لمفارقة الدنيا بعد أن أدوا فيها ما فرض عليهم من عمل وظلوا في خشية ورهبة حتى بشرتهم ملائكة الله بأنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وهذا معنى قوله تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{62} الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ{63} لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ...{64} يونس ) . فهم الذين آمنوا في الدنيا وكانوا فيها يتقون وعند الموت يعرفون نتيجة عملهم ، كما يعرفها أيضاً العصاة والضالون ، فالإنسان عند الموت إما تبشره الملائكة بالجنة فيكون من أولياء الله ، وإما أن تبشره بالنار فيكون من أولياء الشيطان وقبل ذلك لا مجال لمعرفة من هو ولي الله أثناء حياته ..

وفى المقابل فإن الذى قضى حياته غاصيا غافلا ستأتيه ملائكة الموت تبشره بأنه من أولياء الشيطان الذين ينتظرهم الخلود فى النار ، يقول جل وعلا (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوْا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) النحل  )وقال جل وعلا بعدها عن المتقين عند الاحتضار : (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (32) ) النحل ). وعن أصناف البشر عند الاحتضار يقول جل وعلا : (فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96) الواقعة )

·        ومما سبق نوجز الآتي

إن الولي في الإسلام ليس شخصاً معروفاً ، وإنما هي مجموعة صفات تتكون من الإيمان والتقوى والصلاح .، وتتميز بأنها ( صفات عامة للبشر جميعاً )، عليهم جميعاً أن يتحلوا بها ليكونوا مؤمنين متقين صالحين ، وهي ( صفات عرضية متغيرة ) تزيد وتنقص حسب الصراع مع وساوس الشيطان وغرائز الجسد والنفس الأمارة بالسوء ، والمؤمن ليس معصوماً ، وحين يخطئ يكون عاصياً ،وحين يتوب ويتطهر يكون تقياً ، وهو في حياته يتقلب بين هذا وذاك . وهي ( صفات قلبية لا يعلم حقيقتها إلا الله جل وعلا )، فهو وحده الذي يعلم السرائر وحقائق الأعمال والنوايا والماضي والحاضر والمستقبل في تاريخ كل إنسان ، ولم يعطي الله تعالى علمه لأحد ، حتى من الرسل ، ثم إن ( المؤمن الحقيقي يتهم نفسه ويعترف بذنبه ولا يمكن أن يزكي نفسه بالإيمان والتقوى والصلاح أو بأنه ولي الله) ، كما لا يمكن أن يرائي الناس بعبادته ، وإذا زكى نفسه ومدحها فقد عصى أوامر الله .والإنسان وهو على الأرض يسعى يظل كتاب أعماله مفتوحاً يقبل الحسنة والسيئة ، وعند الموت فقط تبشره الملائكة بالجنة إذا أفلح ، ويكون ساعتها من أولياء الله ، أو تبشره بالنار إذا كان خاسراً ويكون من أولياء الشيطان  .. وليس هناك حالة وسط ، فإما أن تكون عند الموت فائزاً من أولياء الله ، وإما أن تكون خاسراً من أولياء الشيطان. وقبل الموت وأنت حىّ فى الأرض تسعى فالكلمة الأخيرة فيك لم تصدر بعد ، ثم ستعرف مصيرك عند الموت وترى الملائكة تبشرك بالجنة أو بالنار ، عندها لا يعرف أحد من البشر غيرك ماذا آل إليه مصيرك . وبالتالي فلا يمكن وجود ولي لله من البشر يعيش بيننا . وهذا ما نفهمه من القرآن الكريم كلام رب العالمين .

أما الولي ( الصوفي ) أو ( الولى ) فى عقيدة المشركين العرب قبل ووقت نزول القرآن الكريم وفى عقيدة التصوف ــ فهو شئ آخر ..

ج 1 ب2 ف 2 الفصل الثانى : التزكية بين الاسلام والتصوف خرافات التزكية فى الأديان المحمدية

 الفصل الثانى :  التزكية بين الاسلام والتصوف

خرافات التزكية فى الأديان المحمدية 

  ملاحظة  :

1 ــ تم توسيع مبحث التزكية ليكون فصلا مستقلا ، وذلك لمواجهة التوسع الإجرامى فى إستخدام الاسلام العظيم فى الطموحات السياسية والاقتصادية ، بدخول الوهابية السنية والشيعة وتنافسهم مع الصوفية فى هذا الحضيض .!!

2 ـ ولا مجال فى هذا الفصل لعقد مقارنات بين التزكية فى الدين الصوفى وفى الدين الشيعى أو السنى ، ولكن التركيز هنا على التزكية فى الاسلام ، ومن ثمّ تناقضها مع التزكية لدى الصوفية . وما يقال هنا ردا على التصوف فى توضيح التزكية الاسلامية يعتبر أيضا ردا على السنيين والشيعة فى تزكية أنفسهم وأئمتهم .

أولا :

1 ــ التزكية فى الأديان الأرضية هى مدح النفس أو الغير ، وحين تسود ينتج عنها الرياء الدينى والتدين السطحى والاحتراف الدينى . وهذا الاحتراف الدينى يتم إستغلاله سياسيا من قٍبل الحاكم المستبد ، فى إستخدام ( رجال الدين ) فى قهر الشعب ، يركب رجال الدين الذين يركبون الشعب . وحين يضعف الحالم المستبد يطمح بعض المشتغلين بهذا الدين الأرضى بزعم التميز عن الغير والاستعلاء عليهم  وأنهم وحدهم المُختارون من لدن الله جل وعلا  متحدثين باسم دينه ، وانهم وحدهم المُخوّلون  باسم الله جل وعلا بالحُكم على الناس والتحكم فى الناس  . وهذا هو السائد فى بلاد المسلمين ( المحمديين ) . تخلصت منها اوربا فحصرت دينها الأرضى فى الكنيسة ، ولكن لا يزال المحمديون  أسرى لأديانهم الأرضية من السّنة والتشيع والتصوف، ولا تزال تزكية النفس والغير أهم ملامح دينهم الأرضى .  

2 ــ أما التزكية فى الدين الالهى فلا مجال فيها للرياء والاحتراف وإبتغاء رضى الناس ، بل تقوم على خشية الله جل وعلا بالغيب ، أى فى الخلوة بعيدا عن الناس ، أو بالتعبير القرآنى:( إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) الملك )( الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنْ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49)) الأنبياء ). هذا المتقى الذى يقوم بتزكية نفسه بنفسه ومحاسبتها قبل يوم الحساب يؤمن أن الله جل وعلا الشهيد على كل شىء ، وأنه جل وعلا يرى كل شىء ، ليس ممّن  قال فيهم جل وعلا ( أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) العلق )( يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (108)النساء ) . تتأسّس تزكية النفس خلال حياتها فى هذه الدنيا فى بإستمرار التمسك بالايمان الخالص بالله جل وعلا لا إله غيره وعمل الصالحات وإجتناب السيئات .هى التقوى التى يتمسك بها المؤمن الى لحظة الوفاة ، فتأتيه الملائكة الموت تبشره بنجاحه فى تزكية نفسه وأنه أصبح من أولياء الله جل وعلا الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنزن ، وأن مثواه الخلود فى الجنة .

 3 ــ  وقد انتهينا إلى أنه لا يوجد في الحياة العملية  ولي لله تعالى كشخص معروف ، وإنما الولي أو الولاية مجموعة صفات عامة تزيد وتنقص ، وطالما كان الإنسان حياً فلا يُقطع بحكم دائم على إنسان ما بالولاية ، لأن الحكم لله وحده الذي يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور ، وهو أعلم بنا من أنفسنا جلا وعلا. 

وإذا كانت مزاعم الصوفية بالولاية منكورة مرفوضة من القرآن ، فلقد  ذكر القرآن الكريم نوعاً آخر من الأولياء ، مختلفاً عن النوع الأول تمام الاختلاف – وذلك هو ولي الشرك المعبود من دون الله أو المعبود مع الله . ولى الشرك هذا يتفق مع مزاعم الصوفية والسنيين والشيعة فى تزكية أوليائهم وأئمتهم ، ويحقق إعجازا للقرآن الكريم الذى أوضح معالم الشرك فى كل زمان ومكان قبل وبعد نزول القرآن ، ثم جاء السنيون والشيعة والصوفية بعد نزول القرآن بثلاثة قرون يكررون نفس الملامح  فى تقديس الولى التى أنبأ بها رب العزة من قبل ,.  

ثانيا : ردّ السنيين على تزكية الصوفية لأوليائهم

1 ـ والغريب أن يُنكر السنيون على الصوفية تزكية أوليائهم ، مع إن السنيين يفعلون نفس الشىء فى تزكية أئمتهم .   وقد صاغ السنيون هذا الانكار في صيغة أحاديث صنعوها، تحتجُّ بطريق غير مباشر على الصوفية فى تزكية أنفسهم . منها :  أنه عليه الصلاة والسلام قال لمن مدح رجلاً أمامه ( ويحك قطعت عنق صاحبك لو سمعها ما أفلح ، ثم قال : إن كان أحدكم لابد مادحاً فليقل أحسب فلاناً ولا أزكي على الله أحداً ، حسيبه الله إن كان يرى أنه كذلك ..) وفي حديث آخر يقال ( أنه عليه السلام سمع قائلة تقول لطفل مات ( هنيئاً لك عصفور من عصافير الجنة)  فغضب وقال : وما يدريك أنه كذلك . والله إني رسول الله وما أدري ما يصنع بي ، إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلاً لها لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم ) وعندما مات عثمان بن مظعون قالت أم سلمة : هنيئاً لك الجنة ، يقال ( فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم وقال ( وما يدريك أنه كذلك ) فكانت أم سلمة تقول بعد ذلك والله لا أزكي أحداً بعد عثمان . وفي حديث آخر عن رجل من أهل الصفة استشهد فقالت أمه ( هنيئاً لك عصفور من عصافير الجنة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلت في سبيل الله ) وينسبون للنبي عليه السلام أنه قال لها ( وما يدريك . لعله كان يتكلم بما لا ينفعه ويمنع ما لا يضره ..). وأن النبى عليه السلام دخل على بعض أصحابه وهو عليل فسمع امرأة تقول ( هنيئاً لك الجنة ) وينسبون للنبي قوله ( من هذه المتألية على الله تعالى ) ؟؟ فقال المريض : هي أمي يا رسول الله وزعموا أن النبي قال ( وما يدريك لعل فلاناً كان يتكلم بما لا يعنيه ويبخل مما لا يغنيه ..).

2 ــ ولم يكتف السنيون بذلك بل صنعوا أقوالا نسبوها لكبار الصحابة ، منها هذا القوال المنسوب لأبى بكر و على ابن ابى طالب ، قالوا إن أبا بكر وعلا كانا إذا مدحهما شخص قالا ( اللهم أغفر لي ما لا يعلمون ، ولا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني خيراً مما يظنون ) ، وقالوا إن عمر قال لمن اثني عليه ( أتهلكني وتهلك نفسك ) ، وأنه كان يقول ( لو نادى مناد ليدخل الجنة كل الناس إلا رجلاً  واحداً ، لخفت أن أكون ذلك الرجل ) ، ونفس المعنى نسبوه لأبى بكر، قال : ( لو كانت إحدى قدمي في الجنة لم آمن مكر الله تعالى ) وأن  ابن مسعود كان إذا خرج من منزله يتبعه الناس فيلتفت إليهم قائلا ( علام تتبعوني ؟ فو الله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي ما تبعني منكم رجلان ) .  ويدخل فى ذلك قول منسوب لمحمد بن على بن أبى طالب ( ابن الحنفية ) يقول : ( والله لا أزكي أحداً غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبي الذي ولدني. )

3 ــ وهذه الأقوال المنسوبة للنبي وغيره عن طريق السنيين حملت إحتجاجا على الصوفية فى تزكية أنفسهم ، وفيها النهي عن تزكية الناس للمتوفى مهما بلغت مكانته.

 ثالثا : ونلاحظ الآتى على الرد السُّنّى :

1 : التشابه بينها لأن صانعيها أرادوا تأكيد إحتجاجاتهم على خصومهم الصوفية عبر تكرار الروايات .

  2 ــ  والقارىء لهذه الروايات فى عصر تسيد التصوف لا بد أن يقارن بين تقديس الأولياء الصوفية فى عصره وتلك الأقاويل السابقة المصنوعة والمنسوبة للنبى وكبار الصحابة . وهذه براعة لصانعى هذه الأحاديث لا شك فيها .

  3 ـ ولكنّ الاكتفاء السنى بصناعة تلك الأحاديث ردا على الصوفية تحمل ملمحا سلبيا للسنيين الذين إتخذوا القرآن مهجورا . إذ كان يكفيهم الرد على الصوفية من خلال القرآن الكريم ، لو كان القرآن حاضرا فى قلوبهم .

  4 : التجاهل السنى للقرآن فى الرد على الصوفية أوقع السنيين فى خطأ أعظم. ففى القرآن الكريم رد على كل من يزكى نفسه بالتقوى ، وفيه الرد على المشركين الذين يتخذون البشر أولياء من دون الله جل وعلا ، وهو جل وعلا وحده الولى الحميد ، وليس للناس غيره من ولى ولا شفيع . لم يلتفت السنيون الى كثرة الآيات القرآنية التى خكمت بكفر من يؤمن بالأولياء مخالفا للأمر الالهى بإخلاص الدين لله جل وعلا وحده لا شريك له .

  5 ـــ مع تجاهل السنيين للقرآن فقد قصروا فى ردهم المصنوع بالأحاديث على ناحية واحدة ، وهى تزكية النفس بالتقوى ودخول الجنة . وتجاهل السنيون أن الصوفية لم يزكوا أنفسهم بالتقوى البشرية ودخول الجنة مثل الكذابين من البشر، ولكن زكوا أنفسهم بالصفات الالهية التى ترفعهم فوق مستوى البشر. زكّوا أنفسهم بمزاعم الاتحاد بالله جل وعلا وحلول الاله فيهم وجلوسهم فى حضرته وإستمدادهم العلم اللدنى منه جل وعلا مباشرة ، و الوحى المباشرة من الله بالهاتف ورؤية الله جل وعلا مناما وفى اليقظة ، بل وتحكمهم فى يوم الدين ، وترفعهم عن الجنة والنار أو ترفعهم عن تأدية العبادات الاسلامية من صلاة وصيام وحج ، لأنهم بزعمهم يريدون الاستغراق فى الاتحاد بالله والفناء فيه ، وأن الاسلام هو دين العوام وليس دين ( الخواص ) ،أى رفعوا أنفسهم فوق الأنبياء والى مستوى الألوهية .  الرد علي كل هذا ميسور من القرآن الكريم ، ولكن لم يقم به السنيون لأنهم ــ أى السنيين ــ لم يكتفوا بهجر القرآن والتكذيب به ، وإنما آمنوا بحديث آخر معه ، وهذا خلافا لقوله جل وعلا ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50) المرسلات ) (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) الأعراف ) (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) الجاثية ). كانوا يصنعون تلك الأحاديث فى إطار صناعة دينهم السّنى الأرضى ، وجاء الصوفية على آثارهم يهرعون ، يصيغون أحاديث يؤسسون بها دينهم الأرضى الصوفى، وكتب الأحاديث المشهورة إمتلأت بتلك الأحاديث ( الصوفية ). ولقد صنع البخارى ت 256 الحديث ( القدسى ) الفاجر ( من عادى لو وليا آذنته بالحرب ) والذى يجعل فيه الولى الصوفى جزءا من الله جل وعلا . ( كنت يده .. كنت رجله ..الخ ) .  

6 ــ على أن بعض الصوفية قام بصناعة أحاديث تعزز التصوف وعقائده مثل ( عبدى أطعنى تكن عبدا ربانيا تقول للشىء كُن فيكون ) ( أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر) ( كنت نبيا وآدم بين الماء والطين وكنت نبيا وآدم لا ماء ولا طين ) ( رب أشعث أغبر لو أقسم على لأبرّه ) وغيرها كثير ، ولم يحتج عليها فقهاء الحنابلة الذين كتبوا مؤلفات فى الأحاديث الموضوعة ، مثل ابن الجوزى فى ( الموضوعات ) وابن تيمية فى ( أحاديث القُصّاص ) وابن القيم الجوزية فى ( المنار المنيف فى الصحيح والضعيف ) . ومن دراسة لنا فى هذه المؤلفات إتّضح أن أولئك الفقهاء الحنابلة لم يتعرضوا بالنقد للأحاديث ( الصوفية ) التى صنعها الصوفية من قبل فى القرن الثالث الهجرى مع بداية التصوف ، وتم تدوينها فيما عرف بكتب الصحاح .بل لم يتعرضوا للأحاديث التى ملأ الغزالى بها كتبه ، وأشهرها ( الإحياء )  . اهتموا فقط بالأحاديث الموضوعة فى عصرهم .

7 ــ : تجاهل السنيين للقرآن الكريم فى الرد على الصوفية ومزاعمهم بتقديس الولى الصوفى يرجع أيضا لأنهم آمنوا بالتصوف السّنى ، وقبلها آمنوا بتقديس الولى الصوفى وكراماته ، وتردد هذا فى كتابات ابن تيمية وابن القيم والبقاعى ثم ابن عبد الوهاب .  

8 ـ الأهم مما سبق أن السنيين والشيعة سبقوا الصوفية فى تزكية أئمتهم . وهذا يحتاج لبعض التوضيح .

  تأليف خرافات التزكية فى كتب المناقب الشيعية والسنيةوالصوفية

أولا : مقدمة عن المناقب لدى طوائف المحمديين

1 ــ إزدحمت كتب المناقب بتزكية الأولياء والأئمة وصنعوا الروايات فى  كراماتهم وأساطيرهم وتقديس الناس لهم وما يعتقدونه في جدوى التوسل بهم وبقبورهم.  الواقع أن السنيين والشيعة شاركوا الصوفية فى تقديس البشر والحجر. وتقديس البشر يبدأ بتزكيتهم ليس فقط بالتقوى البشرية ولكن بالصفات الالهية بالخوارق وغلم الغيب والعصمة . وهناك نوع من الكتابات تخصصت فى ( المناقب ) هى أصدق ما يعبّر عن وقوع ( المحمديين ) فى تقديس البشر ، وتزكية من يؤلفون فى مناقبه بصفات تعلو به فوق مستوى البشر .

2 ــ جميعهم يشتركون فى تأليف كتب فى ( مناقب ) النبى محمد ، ويصيغون مدائح فى مناقبه وتأليهه ، وكلهم يؤلفون مناقب فى مناقب كبار الصحابة ، فالسنيون يؤلفون فى مناقب الخلفاء الأربعة ( الراشدين ) . والشيعة يؤلفون فى مناقب ( على ) و من أسموه ( سيد الشهداء ) وآل البيت ، والصوفية يؤلفون فى جميع أولئك . ثم يتخصص الشيعة فى تأليف مناقب لأئمتهم ، ويؤلف السنيون فى مناقب أئمة المذاهب الأربعة ، ويؤلف الصوفية فى مناقب أوليائهم . وقد سبق السنيون فى هذا الإفك ، فبدءوا بكتابة ما أسموه بفضائل الصحابة كما فعل مسلم القشيرى فى ( صحيح مسلم ) ، وإتفق من أسموهم بعلماء الحديث على تزكية كل الصحابة بالعدالة ، أى العصمة من الخطأ ، أى تأليههم لأن الذى لا يخطىء قط وأبدا هو الله جل وعلا . وتزكية كل الصحابة بالعدالة فى موضوع رواية الحديث ليس فقط تأليها لهم ورفعا لهم فوق مستوى الأنبياء الذين هم بشر يخطئون ويتعرضون لتأنيب رب العزة ، بل هو أيضا كفر بالقرآن الكريم الذى حفلت عشرات الآيات فيه عن المنافقين وهم صحابة عايشوا البنى عليه السلام ، وحكم رب العزة بكفرهم وأنهم فى الدرك الأسفل من النار إن ماتوا على نفاقهم : ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146) النساء )

3 ــ  وكتابة المناقب ليست كتابات تاريخية بالمفهوم العلمى ، إذ تمتلىء بالخرافات التى تم إفتراؤها بعد موت الشخصية التاريخية ( صاحب المناقب ) بقرن وأكثر ، والتى تزداد خرافاتها بمرور القرون ، والتى لم يذكرها المؤرخون المعاصرون لهذه الشخصيات التاريخية ، أى إنهم يصنعون بهذه المناقب شخصية خرافية لا علم لصاحب الشخصية نفسه بها ولا شأن له بها. والدليل حين تقارن ما كتبه المؤرخ ابن سعد ( 168 : 230 ) فى ( الطبقات الكبرى ) عن ابن حنبل (  164 : 241 )، وهو مجرد سطور ، وقد كان ابن سعد رفيقا لابن حنبل فى محنة خلق القرآن ، وكتاب الطبقات الكبرى لابن سعد من أقدم الكتب التاريخية . ولكن المؤرخ ابن الجوزى( ت 597 ) يكتب مجلدا ضخما فى مناقب ابن حنبل ملىء بالخرافات التى تؤله ابن حنبل بعد وفاته بثلاثة قرون . هذه الأساطير وروايات التمجيد والتقديس والتأليه تخالف الواقع التاريخى ( والبشرى ) ولكنها فى نهاية الأمر تعكس بصدق عقائد مؤلفيها فى تقديس هذه الشخصيات التاريخية ، وكيف إنزلق بهم تقديس البشر وتزكيتهم الى الوقوع فى حضيض الكفر ، مع زعمهم الايمان بالاسلام .

4 ـ فى مناقب الأئمة الشيعة : كتب أبوجعفر بن رستم الآملى ( نوادر المعجزات فى مناقب الأئمة الهداة )، وكتب على بن عيسى الأبلى ت 692 : ( كشف الغمة فى معرفة الأئمة : المعصومين الأربعة عشر ) ، وكتب الموفق بن احمد الخوارزمى الشيعى ( 448 : 568 ) ( المناقب ) وكتب جمال الدين الشامى ت 667 ( الدر النظيم فى مناقب الأئمة اللهاميم ) ، وكتب عماد الدين الطبرى ت 701 ( تحفة الأبرار فى مناقب الأئمة الأطهار ) ..مجرد أمثلة . ويلاحظ على كتب المناقب الشيعية أن أغلبها لا يؤلف فى إمام وحده كما يفعل السنيون والصوفية ، كما أن نبرة التأليه للأئمة عالية وواضحة وزاعقة كما يفعل الصوفية فى مناقب أوليائهم ، وليست مستترة كما فى المناقب السُّنية .

5 ــ والمناقب السنية هى الأكثر عددا من الصوفية والشيعية .  ونعطى لها أمثلة  فى تقديس أئمة المذاهب :

فى مناقب أبى حنيفة : كتب الامام شمس الدين الذهبى ( مناقب أبى حنيفة ) وكتب ابن حجر الهيثمى ( الخيرات الحسان فى مناقب الامام الاعظم ابى حنيفة النعمان ) وكتب السيوطى ( تبييض الصحيفة فى مناقب ابى حنيفة ) وكتب الصالحى ( عقد الجمان فى مناقب الامام الأعظم ابى حنيفة النعمان ) وكتب ابو المؤيد الهندى المكى ( مناقب الامام الأعظم ابى حنيفة ) وكتب الغنيمى الخزرجى الانصارى ( الشذرة اللطيفة فى شرح جملة من مناقب الامام ابى حنيفة ) وكتب شرف الدين القرشى الحنفى ( الروضة العلية المنيفة فى فضائل ابى حنيفة ) وكتب عبد الله بن سعد بن عبد الكافى المصرى ( الحر النفيس فى مناقب ابى حنيفة ) وكتب محمد بن محمد الكردى ( مناقب الامام ابى حنيفة ) وكتب المُلّا على القارى ( مناقب الامام الأعظم ) . مجرد أمثلة .!

وفى مناقب مالك :  كتب السيوطى ( تزيين الممالك بمناقب الامام مالك ). وكتب عيسى الزواوى ( مناقب الامام مالك ) وكتب عبد البارى بن عوض الثُبيتى ( مناقب الامام مالك ) وكتب عشيرة آل عجى ( مناقب الامام مالك ) وكتب شرف الدين الحميرى : ( مناقب الامام مالك ). مجرد أمثلة .!

وكتب أئمة كبار فى مناقب الشافعى كابن كثير وابن حجر العسقلانى والبيهقى وابن ابى حاتم الرازى والجعبرى و الجوهرى و والابرى والسجستانى والنسولى وابن الصلاح وابن الجوزى ..مجرد أمثلة .

أما فى مناقب ابن حنبل فيكفى ( كٌفرا ) ما كتبه ابن الجوزى فى ( مناقب ابن حنبل ) والذى يزعم فيه ان الله جل وعلا كان ينزل الى مقبرة احمد بن حنبل يزوره ..!

 ثانيا : بداية الكتابة فى المناقب قبل العصر المملوكى  

1 ـ كتب المناقب فرع مجهول من مصادر التاريخ للمسلمين ، ولابد أن يتأثر ذلك الفرع مما تأثر به علم التاريخ . وقد نشأ علم التاريخ بالسيرة النبوية أو ما يعرف بالمغازى ثم انفصلت السيرة وبدأ علم التاريخ للخلفاء الراشدين وغير الراشدين والدول الإسلامية والأمم السابقة .ومع ذلك الانفصال فقد ظل علم التاريخ محافظا على منهج الحديث والسيرة مثل طريقة العنعنة وسرد الروايات بالسند وفحصها أحيانا ، وساعد على زيادة الارتباط بين علمي الحديث والتاريخ أن الحضارة العربية وقتها لم تعرف التخصص ، وكان أكثرية المؤرخين من علماء الحديث والتفسير مثل الطبري وإبن الأثير وإبن كثير . أى كان علم الحديث مؤثرا في علم التاريخ ، وابرز مظاهر التأثير تتجلى في طريقة المحدثين في الإسناد وفحص الرواة ، أو الحكم على الرواة طبقا لمصطلح الحديث ، أو علم الجرح والتعديل فذلك الراوي متهم أو هو صدوق ثقة ...وهكذا . وترتب على ذلك أن كتب علماء الحديث في تاريخ الرواة كتابة تاريخية كما فعل البخاري (ت256) في كتابه (التاريخ الكبير ) وهو مصنف جمع فيه تراجم لنحو أربعين ألف رجل وامرأه من رواة الحديث مرتبة على حروف المعجم وتبدأ بمن اسمه محمد ، وله ( التاريخ الأوسط) وهو مرتب على أساس السنوات ، وله أيضا ( التاريخ الصغير) و( والتاريخ في معرفة رواة الحديث).

2 ـ ولكن ما صلة ذلك بكتابة المناقب ؟  إن بحث حال الراوي من الصدق أو الكذب معناه وصف حاله بالصلاح أو بالفسق ، أي أنه بحث عن مناقبه الحسنة أو السيئة فأن كان صالحا فهو صدوق ثقة ، وان لم يكن فهو مجروح مطعون فيه ومن هنا كانت الصلة بين علم الجرح والتعديل وكتابات المناقب ، وإن كانت كتابات المناقب قد اتجهت نحو كفة واحدة في الميزان ،وهى ترديد المناقب الفاضلة لأشياخ الصوفية واثبات عصمتهم وتفردهم بالولاية ، بينما سار علم الجرح والتعديل كما يدل عليه اسمه على ذكر المحاسن والمساوئ وتجريح الرواة أو تعديلهم وتوثيقهم .  

3 ـ  وقبيل بروز كتب المناقب الصوفية برز نوع من كتابات المناقب ( المقارنة ) ينحو نحو علم الجرح والتعديل في ذكر المساويء والمزايا . وتلك النوعية من كتب المناقب التي تذكر المساوىء والمزايا تبدو واضحة في رسائل الجاحظ (ت255) الصغيرة . وقد كان الجاحظ معاصرا للبخاري ، وللجاحظ رسائل تحمل سمات التفاضل والموازنات بين مناقب الأسرات والطوائف والأمم مثل رسائله في بنى أمية ، والعباسيين ، وتفضيل بنى هاشم ومناقب الترك وجنود الخلافة وفضل السود ومفاخر الجواري وفى مدح الحجاب وذمه وفى مدح التجارة وذم عمل السلطان وفى العرب والعجم والعرب والموالى.الخ . وإستعرض الجاحظ فيها علمه الموسوعي ودرايته بالجدل والمناظرات وتفنن في عقد المقارنات وفى ذم الشيء ثم مدحه، الأمر الذى باعد بينه وبين كتابات المناقب الصوفية ذات الاتجاه الواحد فى التزكية الى درجة التأليه .

4 ـ وربما وضحت كتابة علم المناقب أكثر لدى سعد بن عبد الله الأشعري ت299 وهو شيعي له مشاركة في علم التاريخ وعلم الرواية والمصطلح ، وقد مزج بينهما في كتابيه (كتاب مناقب رواة الحديث )(كتاب مثالب رواة الحديث).

5 ــ ثم أنتهي الارتباط بين المناقب والموازنات والمفاضلات في القرن الرابع الهجري حيث صار لوصف الإنسان بالصلاح والتقوى هيبته ومكانته . في هذا العصر استغرق الحكام في المجون والترف والتصارع والتنافس والفساد وتحكم الغلمان في بنى العباس ، مما أدى إلى اكتساب مفهوم (الصلاح ) عند الناس معنى جديدا هو الزهد في الدنيا التي تكالب عليها الظلمة . لذا ارتبط مفهوم (الصلاح )عند الناس بالزهاد الذين صاروا ملوك الآخرة في مقابل الحكام ملوك الدنيا .  وأوسعت المصادر التاريخية مكانا لأولئك الزهاد وترجمت لهم كالحكام والقادة ، وكتاب المنتظم لابن الجوزي أبرز مثل لذلك في الحوليات التاريخية . وبالتالي فإن مُحبّي الزهد ما لبثوا أن وضعوا كتبا خاصة في مناقب الزهاد والنساك كما فعل أبن سهل البلخى ت332 في كتابه (العتاك والنساك) وابن الأعرابي العنزي ت341 في كتاب ( طبقات النساك) والمرزبانى ت378 في (الزهد والزهاد ).

6 ــ على أن هناك اختلافا بين الزهد والتصوف عرضنا له من قبل . وذلك الاختلاف بين التصوف والزهد انعكس على طبيعة المؤلفات في مناقب الزهاد ومناقب الصوفية؛ فالكاتب لمناقب الزهاد يركز على المناقب الخاصة بالعبادات و التقلل من الدنيا والبكاء والحزن والصبر على الجوع ، مع قليل من الكرامات الساذجة والمنامات التي تبشر بالجنة ، كما فعل ابن الجوزى فى تاريخه ( المنتظم ) حين ترجم للبكائين . أما كاتب المناقب الصوفية فهو يرتفع بصاحب المناقب إلى درجة الألوهية من تقديس له وتصريف في الدنيا والآخرة وقدرة على النفع للمعتقدين . مع تخصص المناقب الصوفية بالذات فى الدفاع عن الولي الصوفي وتهديد المعترضين وتبرير شطحاته وكلماته .

6 ــ وقد شهد القرن الرابع الهجري البداية الحقيقية لكتابة المناقب لأولياء التصوف ، وأقدم من كتب في المناقب الصوفية كان النسوى المتوفى 396 في كتابه " طبقات الصوفية " ثم تتابعت الكتابة في مناقب الصوفية تحمل طابع الطبقات حينا وسمة الحكايات أحيانا ، وأهمهم في القرن الخامس : أبو عبد الرحمن السلمي ت 412 في (طبقات الصوفية ) وابن جهضم ت414 في (بهجة الأسرار ولواقح الأنوار في حكايات الصالحين والأخبار والصوفية الحكماء الأبرار ) وهو مخطوط . وبعضهم خلط في كتابة المناقب بين النساك والصوفية مثل أبى منصور العارف ت418 في كتابة ( طبقات النساك) وكان يهدف لان ينال الصوفية حظا من التكريم مثل الذي كان للزهاد. وبعضهم خلط في تراجمه بين الصحابة والزهاد والصوفية كما فعل أبو نعيم الأصفهاني ت 430 في كتابه المشهور (حلية الأولياء ).

7 ـ ثم شهد القرن الخامس الهجري ظهور الرسالة القشيرية لعبد الكريم بن هوزان القشيرى ت465 وكانت ولا تزال من أهم المصادر الصوفية في الجانب التاريخي والجانب العقيدى . وقد كتبها القشيرى يهاجم فيها صوفية عصره ويتهمهم بكل نقيصة ، ثم يؤرخ لأشياخ التصوف السابقين ويجعل منهم قدوة . والمتمعن في كتابه يرى بين السطور اتفاقا بين الصوفية اللاحقين والسابقين  فى الانحلال الأخلاقى وعقائد الاتحاد والحلول ووحدة الوجود ، مع أن القشيرى ينكر على هؤلاء ويمدح أولئك . ومع الجانب التاريخي فقد عرض القشيرى لعقائد التصوف ورسومه وتفصيلاته ، ومع اعتماد القشيرى على السلمي في كتابه " طبقات الصوفية " فقد أصبح القشيرى عمدة لدارسي التصوف وأربابه في القرون التالية .

8 ــ وانتهى القرن الخامس باشتهار أبى حامد  الغزالي( ت 505) الذي نجح في تقرير التصوف كمبدأ فانحصر الإنكار على أشخاص الصوفية دون مساس بالمبدأ ، وأصبحت سمة لازمة فيما بعد أن يهاجم محققو الصوفية الشيوخ الصوفية المعاصرين لهم ــ أو المنافسين لهم ــ وان يقدسوا السابقين منهم .. وأصبح من المتبع أن يهاجم الفقهاء متطرفي الصوفية وصرحاءهم وان يمتدحوا محققي الصوفية باعتبارهم معتدلين . وأثر ذلك على نوعية المناقب في القرن السادس الهجري . فابن الجوزي ت 597 يهاجم الصوفية في كتابه " تلبيس إبليس " ، ولكنه يلخص كتاب أبى نعيم الاصفهانى " حلية الأولياء " في "صفوة الصفوة" ، ثم يكتب ابن الجوزي في مناقب الزهاد ومناقب عمر ابن عبد العزيز ومناقب الحسن البصري ومناقب احمد بن حنبل ، أي انه تأثر بالصوفية في الربط بين الزهد والتصوف ، ثم انه سار على النسق المألوف في كتب المناقب الصوفية من ذكر الكرامات والمنامات والمبالغة في التزكية والمدح وفضائل التوسل بقبور الأولياء والأئمة والزهّاد الذين يكتب فى مناقبهم . وعلى نفس المنوال سار آخرون مثل الكعبى في القرن السادس ت552 في كتابيه "طبقات الأولياء " و " مناقب الأبرار" وهما مخطوطان وكتب مجد الدين ابن الأثير شقيق عز الدين المؤرخ المشهور  كتاب ( المختار في مناقب  الأخيار ) وهو محفوظ وتوفى مجد الدين في سنة 606.

   تطور خرافات كتب المناقب وإزدهارها في العصر المملوكي

أولا : التطور

1 ـ  العصر المملوكي هو عصر التصوف ، وهو أيضا عصر الازدهار لكتب المناقب الصوفية ، وهو عصر التوسع الأفقي والكمي في الناحية العلمية والتعليمية ، من الناحية العلمية هو العصر الذي أعاد تدوين الحضارة والمؤلفات بعد تدميرها في الزلزال التترى المغولي 656سنه هـ . وهو العصر الذي اقتصر على التدوين وعلى الشرح والتلخيص دون إضافة أو تعمق ، إذا هو ازدهار فى الكم دون النوع ، وكان من الممكن أن يقترن الازدهار الأفقي بالتعمق والابتكار لولا أن التصوف سيطر على هذا العصر وحارب الاجتهاد فيه تمسكا بمقولة أبى حامد الغزالي  " ليس في الإمكان أبدع مما كان". وقد فرض التصوف أن تزدهر  كتب المناقب الصوفية بديلا عن ازدهار الابتكار العلمي . وفى ذلك الدليل الكافي على أن العقل فى العصر المملوكي قد امتلأ بالخرافات بديلا عن التبحر في العلوم الحقيقية ، ليس علوم التفسير والحديث والفقه ، بل علوم الفلسفة والكيمياء والطب والرياضيات والجغرافيا ، وسائر العلوم التى إزدهرت فى العصر العباسى الأول ثم قضى عليها الحنابلة ، الذين حصروا العلم والعلماء فى الفقه والحديث وما يتصل بهما . ثم بالتصوف إختفى فى العصر المملوكى ذكر العلماء الحقيقيين مثل الفارابى وابن سينا والرازى وابن حيان والخوارزمى والبيرونى والزهراوى .وحل محلهم تمجيد علماء ( الهجص ) فى الفقه والتفسير والحديث ، كالبخارى وأمثاله  ومالك والشافعى وابن حنبل ..الخ ، وقد أصبحوا آلهة بالتزكية وكتب المناقب التى تم تأليفها فيهم . بينما لحق النسيان والتجاهل بالعلماء الحقيقيين  الذين قامت على أكتافهم النهضة الأوربية فيما بعد .  الحنابلة السنيون هبطوا بالعقلية الى الحضيض فى أواخر العصر العباسى ، ثم هبط الصوفية بنفس العقلية الى أسفل سافلين فى نهاية العصر المملوكى وإنمحت فى العصر العثمانى، الى أن صحا المحمديون على أوربا تغزو ديارهم .

2 ــ وكتب المناقب الصوفية هي المصدر الأساسي لمن يريد التعرف على واقع الدين العلمي الواقعى عند المسلمين في العصرين المملوكي والعثماني ، وهى مع أهميتها الشديدة في دراسة الأحوال الدينية والاجتماعية إلا أنها لم تحظ بالاهتمام الكافي لأن القارئ لها الآن يستشعر الفزع الشديد مما يملؤها من الخرافات والتأليه الواضح للأولياء الصوفية على نحو لا يستسيغه ذوق عصرنا ، وإن كانت معبرة عن العصور التي كتبت فيها بدليل أنها كانت السمة السائدة في تأليفات العصرين المملوكي والعثماني في التراجم والتأريخ للأشخاص المشهورين من الصوفية والفقهاء .

3 ـ وقد قلنا أنه حين بدأ التصوف في القرن الثالث الهجري كان الفقهاء يعقدون المحاكمات لرواد التصوف . وقاسى من هذه المحاكمات الحلاج وذو النون المصري و الجنيد وغيرهم ، ثم دارت الأيام وأصبحت للتصوف سطوة ، وقام فقهاء التصوف وأربابه باضطهاد الفقهاء الحنابلة ، وأوذي ابن تيمية في القرن الثامن كما أوذي ــ من قبل ــ  أعيان الصوفية في القرن الثالث . ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك الانقلاب على طبيعة المؤلفات في المناقب ، إذ ظهر نوع جديد من الصوفية احترف الفقه وتكلم بأسلوب الفقهاء ليدافع عن التصوف كالشعرانى  كما ظهر نوع آخر من الفقهاء خنع للتصوف واستكان لأشياخه كالسيوطى . وكلاهما شارك في كتابة المناقب ، ومن الطبيعي حينئذ أن تزدهر الكتابة في المناقب الصوفية في العصر المملوكي تبعا لكثرة الداخلين في تيار التصوف وتبعا لنوعياتهم وتسيد التصوف الذي أعلن عقائده بوضوح فيما عُرٍف بالشطح الصوفى ، فأتيح لكتاب المناقب أن يقولوا ما يشاءون فى تقديس أوليائهم .

ثانيا : التطور الكمي لكتب المناقب :

انتشر التصوف وأزداد أولياؤه فى العصر المملوكي ، ومن الطبيعي أن تتكاثر الكتب التي تتحدث عن مناقبهم ، ويمكن ان نصنفها كالآتي : ـ

1 ـ  مؤلفات كتبت فى مناقب مجموعة من الأولياء الصوفية مثل الطبقات الكبرى للشعراني ت (973) هـ  وهو مطبوع فى جزئين ، تحدث فى الجزء الأول عن مشاهير الصوفية قبل القرن السابع تقريبا ، وخصَّ الجزء الثاني عن صوفية العصر المملوكي. وختمه بترجمة الصوفية المعاصرين له فى القرن العاشر.وللشعراني أيضا (الطبقات الوسطى ) وهو مخطوط ، (والطبقات الصغرى ) وهو مطبوع . ومنها ما كتبه أيضا عبد الله بن أسعد اليافعي ت ( 768 ) فى كتابين فضل ( فضل مشايخ الصوفية ) ، ( روض الرياحين فى حكايات الصالحين ) وهما مطبوعان ، وكتب الشطنوفي ت 713 ( بهجة الأسرار فى مناقب السادة الأخيار ) وهو مخطوط فى جزئين ، وكتب أبن عطاء الله السكندري ( لطائف المنن ) فى مناقب الشاذلي وأبي عبد الله المرسى ، وهو منشور ومشهور. وعلى منواله كتب إبن محسن فى العصر العثماني ( تعطير الأنفاس بمناقب أبى الحسن وأبى العباس ) وهو مخطوط ، وكتب بن فارس ( المنح الإلهية فى مناقب السادة الوفائية ) الشاذلية ،وهو مخطوط . وفى العصر العثماني كتب أيضا عبد الرؤف المناوي على نسق الشعراني وطبقاته ( الطبقات الكبرى ) للمناوى ،الجزء الأول منه مطبوع والباقي لا يزال مخطوطا، وللمناوي أيضا (الطبقات الصغرى ) ولا يزال مخطوطا .وكتب البلقينى ( طبقات الشرنوبى ) فى مناقب الدسوقي والرفاعى والبدوي والجيلانى، وكتب البكري ( تراجم صوفية ) وكلاهما مخطوط ، ولأبن عياد الشاذلي مخطوط فى مناقب الشاذلي عنوانه ( المفاخر العلية ) وقد تمت طباعته .مع ملاحظة أن قولنا ( مخطوط ) هو فى وقت كتابة هذا البحث عن التصوف ، وربما تم طبع ونشر بعض تلك المخطوطات فيما بعد .

2 ـ مؤلفات فى مناقب ولى معين ، فابن إسحاق المالكي ت 767 كتب (مناقب المنوفي ) في القرن الثامن وكان المنوفي من أعيان الصوفية فى عصره وتمتاز ( مناقب المنوفي ) بالاعتدال وعدم المغالاة فى تقديس المنوفي. ولا يزال مخطوطا . وهناك (مناقب الفرغل ) وهو وليّ أمّي فى الصعيد ، ولا يزال الكتاب مخطوطا . وللشعراني كتاب ( الوصية المتبولية ) عن الشيخ المتبولي ، وكتب العيدروسى ( النجم الساعي فى مناقب القطب الرفاعى ) وهو مطبوع ومعتدل ويدور حول أحمد الرفاعى الولي الصوفي بالعراق . وأشتهر فى القرن التاسع الشيخ الصوفي شمس الدين الحنفي  ، وهناك ( مناقب الحنفي ) التي كتبها البتنوني فى أواخر القرن التاسع بعنوان ( السر الصفي فى مناقب الشيخ الحنفي )،ولا يزال الكتاب مخطوطا. ونقل الشعرانى ترجمة الحنفى فى ( الطبقات الكبرى ) من هذا الكتاب ( السر الصفى فى مناقب الحنفى ).  ومسجد الحنفى مشهور حتى الآن فى القاهرة .

3 ــ ويلاحظ أن العصر العثماني تابع ما كتب من مناقب في العصر المملوكي وزاد عليها بما يتناسب وشهرة أولئك الأولياء التي عمت العصر العثماني.  فالأولياء الصوفية المشهورون في العصر المملوكي ازداد تقديسهم بمرور الأيام حتى إذا جاء العصر العثماني أضيفت إلى مناقبهم مؤلفات أخرى . ثم أن الشعراني و السيوطي كان لهما اكبر الأثر في تشكيل العقلية في العصر العثماني، فكتب اللاحقون علي منوالهما ، وترتب على ذلك أن حيكت مناقب متعددة في ولى بمفردة إذا كان مشهورا ، مثل احمد البدوي الذي ترجم له الشعراني في (الطبقات الكبرى ) وترجم له السيوطي في (حسن المحاصرة ) ثم كتب فيه العصر العثماني مؤلفات عديدة منها (الجواهر السنية ) لعبد الصمد الأحمدي، وهو مطبوع ، ( النفحات الأحمدية) للخفاجى و(النصيحة العلوية ) للعلوي وهما مخطوطان . وفى إبراهيم الدسوقي كتب البلقينى ترجمته في (طبقات الشرنوبى) وكتب له الكركى ( لسان التعريف) وكتب له حسن شمه (مسرة العينين) وهما مخطوطان..وما سبق مجرد أمثلة ..

 4 ـ وذلك الازدهار في كتب المناقب ألقى بظلاله على الأنواع الأخرى من الكتابات التاريخية فتحولت إلى ما يشبه كتب المناقب من المبالغة في المدح والنفاق ، فكتب بعضهم مؤلفات تاريخية في سيرة السلاطين كانت إلى كتب المناقب أشبه ، فالمؤرخ بدر الدين العيني ت855  قاضى القضاة كتب في سيرة أو مناقب السلطان المملوكي الظاهر ططر ( الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر – ططر) وقد ملأه نفاقا للسلطان بنفس طريقة كتب المناقب.  وكتب العيني أيضا في سيرة السلطان المؤيد شيخ ( السيف المهند في سيرة الملك المؤيد) وخلطه بعناصر صوفية تجعل من السلطان المملوكي كأنه شيخ صوفي . والعينى من شيوخ الحديث المشهورين فى العصر المملوكى ، وهو صاحب كتاب ( عمدة القارى فى شرح صحيح البخارى )، وكتب السيوطي ت 911 للسلطان قايتباى ( تاريخ  قايتباى ) وهو مخطوط ، وقبلهم كتب ابن عبد الظاهر (الألطاف الخفية في السيرة الشريفة السلطانية ) في تاريخ ومدح السلطان الأشراف خليل بن قلاوون،  وكان ابن عبد الظاهر يعمل لديه كاتبا للسر، أي سكرتيرا خاصا.

5 ــ وازدهرت في أواخر العصر المملوكي الكتابة في مناقب آل البيت والخلفاء الراشدين والعباسيين وأئمة المذاهب السنية ، فكتب السيوطي في مناقبهم جميعا ، و للسيوطي (الأساس في مناقب بني العباس )، (فضائل آل البيت) ،( تحفة العجلان في فضل عثمان) ، الدرر في فضل عمر)، ( الروض الأنيق في فضل الصديق)،( القول الجلي في فضل على ) وكلها مخطوطة..وله في مناقب الشاذلية كتاب مطبوع هو ( تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية )..ثم يحلو للسيوطي أن يكتب في مناقب البراغيث لأنها تعين على السهر وقيام الليل ، فله (الطرثوث في فوائد البرغوث ) وفى الوسادة كتب ( ما رواه  السادة الاتكاء على الوسادة) وفى المسبحة ( المنحة في السبحة) .. وكلها مخطوطات .وذلك قليل من كثير تفيض به المصادر المخطوطة والمطبوعة عن كتابات المناقب وتطورها الكمي وتأثيرها فيما عداها .

ثالثا : التطور الموضوعي في كتب المناقب في العصر المملوكي:

1 ــ  قبل العصر المملوكي كانت كتب المناقب تحاول الدفاع عن الأولياء الصوفية وتحاول تأويل كلماتهم في الحلول والاتحاد والشطحات التي تنطق بالكفر. وفى محاولاتها للدفاع كانت تستند إلى تأويلات للقرآن والى استدرار عطف القارئ والتقرب إليه حتى يؤازر الصوفية ويقتنع بهم . وبتسيد  التصوف في العصر المملوكي بدأت كتب المناقب تنحو نحوا جديدا ، لم تعد محتاجة للتبرير والتأويل ، بل إتجهت الى الفخر بما يقوله الأولياء من شطحات، حيث كان معروفا انه كلما ازداد الولي الصوفي في شطحاته كُفرا ازداد اعتقاد الناس فيه . ولم يكن ذلك معروفا لدى الصوفية فقط بل عند المؤرخين أيضا وهم المعبرون عن عقلية العصر . وسبق التعرض لهذا . وفى ذلك العصر الذي يسلم للأولياء الصوفية في كل ما يقولون حتى لو كان استهزاءا بالقرآن راجت كتب المناقب و أتيح لبعضهم أن يكتب في مناقب ذاته حتى انه يصف نفسه بصفات إلاهية دون تحرج ، ويجد الناس تصدق كلامه . وكتاب الجوهرة للدسوقي أوضح مثل على ذلك ، وقد نقل  الشعراني  في ترجمته لإبراهيم الدسوقي في الطبقات الكبرى  مقتطفات  من كلامه  من كتابه الجوهرة  . وهذا الكتاب مطبوع  بعض أوراقه ومتداول .

2 ــ والشعراني نفسه افتخر بمناقبه الشخصية  في كتابين له " لطائف المنن الكبرى " وهو مطبوع، وله غير ذلك " لطائف المنن الصغرى"  وهو مخطوط  . وفيهما أقام لنفسه حفل تكريم  في كل صفحة. وعلى سبيل المثال  يقول الشعراني  يفتخر بنفسه في ( لطائف المنن الكبرى ) " ومما انعم الله  تبارك وتعالى  به على مساعدتي لأصحاب  النوبة فى سائر أقطار الأرض فى حفظ إدراكهم  من برار وقفار ومدائن  وبحار  وقرى وجبال  فأطوف بقلبي  على جميع أقطار الأرض في نحو ثلاث درج .. وصورة طوافي كل ليله على مصر وجميع أقاليم  الأرض  أنني أشير بإصبعي إلى  أزقة جميع المدائن والقرى  والبراري  والبحار  وأنا أقول  الله الله الله ، فأبدأ  بمصر العتيقة ثم بالقاهرة ثم بقراها حتى أصل إلى مدينة غزة  ثم إلى القدس  ثم إلى الشام  ثم إلى حلب ثم إلى بلاد العجم ثم إلى البلاد التركية  ثم إلى بلاد الروم ثم أعدّى من البحر المحيط  إلى بلاد المغرب  فأطوف عليها بلدا بلدا حتى أجئ إلى الإسكندرية ثم أعطف  منها إلى دمياط ثم منها إلى أقصى الصعيد ثم إلى أقصى بلاد العبيد ثم إلى بلاد الروجر  وهى أقطاع جدي الخامس  ثم اعطف  إلى بلاد التكرور وبلاد السكوت  ومنها إلى بلاد النجاشي ثم إلى أقصى بلاد الحبشة  وهى سفر عشر سنين  ثم منها إلى بلاد الهند ثم إلى بلاد السند ثم إلى بلاد الصين ثم ارجع إلى بلاد اليمن  ثم إلى مكة .. ثم إلى مدينة النبي (ص) .. وما ارجع إلى دارى في مصر إلا وأنا الهث من شدة التعب كأني كنت حاملا  جبلا عظيما ولا أعلم احد سبقني إلى مثل هذا الطواف  ، وكان ابتداء حصول هذا المقام لي سنه ثلاث وثلاثين وتسعمائة فرأيت نفسي في محفة طائرة فطافت بي سائر أقطار الأرض في لحظة  وكانت تطوف بي على قبور المشايخ فوق أضرحتهم إلا ضريح سيدي أحمد البدوي وضريح سيدي إبراهيم الدسوقي ... فان المحفة نزلت بي من تحته عتبة كل من أحدهما ومرت من تحت قبره ..." )!! . فى الوقت الذى كان فيه الشعرانى يكتب هذا الهجص فى كتابه الضخم ( لطائف المنن الكبرى ) يستعرض فيه مناقبه الشخصية وكراماته الوهمية،  كانت أوربا قد أسّست تقدمها العلمى  على ترجمة مؤلفات ابن سينا والرازى والفارابى وابن رشد والزهراوى وابن حيان وابن الهيثم والادريسى وغيرهم ، وانطلقت تكتشف العالم الجديد .

وحتى لا ننسى : فإنّ كتب المناقب الصوفية هى أحطّ المكتوب فى التزكية لدى طوائف المحمديين .

 تزكية النفس بين الاسلام والكُفر   

 أولا : نهى  الاسلام عن الزعم بتزكية النفس أو الغير

1 ـ نقطة البداية الفاصلة تتمثل في أن المسلم الحق لا يزكي نفسه ولا يزكي على الله أحداً . وخاتم النبيين عليهم السلام كان مأمورا بألا يزكى نفسه بأن يفضل نفسه على الأنبياء ؛ أمره ربه جل وعلا فقال له:( قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ ) الأحقاف 9 ) . ذلك أن الذي يملك الحكم على أفضلية الأنبياء وتفاضلهم فيما بينهم هو ربهم خالقهم (  تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) البقرة 253 ) ، (  وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ ) الإسراء 55 ) فذلك هو الشأن في الرسل خلاصة البشر والذين يوحى إليهم . وبالتالى فالمؤمنون حقا لا يفضل أحدهم نفسه على أحد ،  ولا يزكى نفسه أو غيره بالتقوى ،. ولو فعل هذا كان عاصيا لربه جل وعلا القائل :( فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى (32) النجم ) . إنّ الأعلم بتقوى القلوب ومدى إيمانها هو الله جل وعلا وحده ، يقول جل وعلا : (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ  ) النساء 25 ).

2 ــ تزكية النفس فى الاسلام هو إستمرار تطهيرها من فجورها بالايمان الخالص والعمل الصالح لتدخل الجنة ، إن النفس البشرية مجبولة على الفجور والتقوى ، والمتقى هو الذى يفلح فى ـزكية نفسه بالايمان الصحيح والعمل الصالح (  وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) الشمس ) . هذه التزكية ليست إدعاءا أو زعما أو رياءا ، بل هى عمل دءوب فى تطهير النفس وتزكيتها  يصدر عن إخلاص الدين لله جل وعلا ، ويستمر هذا طالما بقى الانسان حيا ، فيموت وقد بشرته الملائكة بأنه من أولياء الله جل وعلا ، وأنه ممّن نجح فى تزكية نفسه ، ثم تتجلى ثمرة التزكية فى الآخرة، بدخول الجنة جزاءا لمن تزكى فى حياته الدنيا : ( وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الدَّرَجَاتُ الْعُلا (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76) طه )

  ثانيا : تزكية النفس إسلاميا تعنى الهداية 

1 ــ وبهذا فالتزكية للنفس اى مسئولية شخصية ، فمن تزكى فلنفسه :( وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18) فاطر ) أى هى بمعنى الهداية ، فمن إهتدى فلنفسه ومن ضلّ فعلى نفسه . وقد تكرر هذا فى القرآن الكريم : ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108) يونس )،( مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا )(15) الاسراء ) ( وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنْ الْمُنذِرِينَ (92) النمل ) (إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنْ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41) الزمر ).

2 ــ ولأنها مسئولية شخصية فإن البداية تبدأ بالانسان ، أى إنّ من يشاء من البشر الهداية يهده الله جل وعلا ، لذا يتكرر فى القرآن إن الله يُضلّ من يشاء ، أى يُضل من يشاء الضلال ، ويهدى من يشاء الهداية :( أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8) فاطر) ومن يشاء منهم تزكية نفسه يزكّه الله جل وعلا (بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) النساء ).

 3 : ولأنها مسئولية شخصية قائمة على حرية الاختيار فبعض الناس يختار الهداية وتزكية نفسه وتطهيرها ، وبعضهم يختار الغواية وإضلال نفسه وإفسادها. ويوم القيامة لن يدخل الجنة إلا من تزكى . وفى مقارنة بين أصحاب الجنة وأصحاب السعير ، يقول جل وعلا:( سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا (13) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) الأعلى ) ( فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى (14) لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) الليل )

ثالثا :  تزكية للنفس لدى المشركين هى تدين سطحى بالرياء والاحتراف الدينى

1 ــ بعض الناس يكتفى بتكريم نفسه بزعم التقوى فيُرائى بصلاته فيكون ممّن قال جل وعلا  فيهم : (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)) الماعون ).

2 ــ وبعضهم يحترف التظاهر بالتقوى ويتخذ من تظاهره بالعبادة وسيلة للإرتزاق أو الجاه الدنيوى ، فإذا وُعٍظ بالتقوى أخذته العزة بالإثم وظهر على حقيقته يسعى فى الأرض بالفساد شأن من يستغل الدين فى الحصول على طموح دنيوى ، ويخلط السياسة بالدين ، يركب الدين ليصل الى طموحه السياسى أو لكى يحتفظ  بموقعه السياسى ، يقول جل وعلا :( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)  البقرة )

3 ــ  : وبعضهم أصدر قرارا بأنه شعب الله المختار ، أى زكوا أنفسهم بهذا بدون إستحقاق من إيمان وعمل صالح ، والله جل وعلا ردّ عليهم يصفهم بالافتراء والتدخل فى حُكم الله جل وعلا الذى يُزكّى من البشر من يشاء منهم أن يزكى نفسه بالايمان والعمل الصالح وليس مجرد الزعم بلا إستحقاق:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (50) النساء ). وتحداهم رب العزة بأنهم لو كانوا فعلا أولياء الله فليتمنوا الموت إن كانوا صادقين :( قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) الجمعة ) وأكّد رب العزة أنهم أحرص الناس على الحياة : ( قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) البقرة ). وهذا ينطبق على مئات الملايين من المحمديين الذين يحترفون التدين طمعا فى حُطام دنيوى .

4 ـ ويهبط بعضهم الى أسفل سافلين حين يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه . وقد وقع فى هذا بعض أهل الكتاب من أصحاب الديانات الأرضية ، وقد ذكر رب العزة مقالتهم ، ورد عليها : (وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) المائدة ) . ونفس الزعم وقع فيه الصوفية القائلون بالحقيقة المحمدية ، الذين يزعمون أن ما يسمونه بالنور هو قبس من نور ، وخلق الله جل وعلا من أجله العالم ، وأنه تنقل فى الأنبياء الى أن ظهر فى محمد ، ثم من بعده فى الأولياء الصوفية . وبالتالى فهو نفس الزعم السابق لليهود والنصارى بأنهم أبناء الله وأحباؤه ــ تعالى عن ذلك علوا كبيرا .

رابعا : تزكية النفس إسلاميا تعنى رجاء لقاء الله جل وعلا

1 ـ : الذى يزكّى نفسه مُتقيا ربه جل وعلا ويخشى الله جل وعلا بالغيب لا يوصف بأنه (أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ) ، بل هو من أولئك الذين يرجون لقاء الله لينال الجزاء الحسن من رب العزة الذى لا يُضيع أجر من أحسن عملا .

2 ــ فالبشر هنا نوعان : نوع يقوم بتزكية نفسه ويرجو لقاء الله ،وهو يعمل عملا صالحا ولا يُشرك بعبادة ربه أحدا : ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)(الكهف  110 ). أما الذى لا يرجو لقاء ربه فقد إستغرقته الدنيا فأنسته لقاء ربه ، وفى الآخرة مأواه جهنم : ( إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7 ) أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8) ( يونس ) .  

خامسا : تزكية النفس لا تعنى تعطيل السعى للرزق

1 ـ الرزق من الحتميات المقررة سلفا لكل الكائنات الحية ، بدءا من الدواب الى البشر ، فما من دابة فى الأرض إلا على الله جل وعلا رزقها (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) هود ) حتى لو كانت فى جوف المحيط أو فى أعماق الأرض لا تستطيع أن تحمل رزقها ، يرزقها الله جل وعلا كما يرزقنا : (وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60) العنكبوت ) . الأب سبب فى رزق إبنه والابن سبب فى رزق أبيه ، هما سواء فى إستحقاق الرزق من لدن الرزاق العليم صاحب الفضل وحده  : ( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ) (151) الانعام ) (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ )ِ (31) الاسراء ) ، وبالتالى فالناس أسباب لبعضهم البعض فى استحقاق الرزق ، وكل إنسان فى هذه الدنيا له رزقه المحدد سلفا بغض النظر عن إيمانه أو كفره ، ومهما سعى فلن يحصل على أكثر من الرزق المحدد له ، والله جل وعلا هو الذى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدره على من يشاء إختبارا لهذا وذاك ، وهو وحده جل وعلا الأعلم بالبشر، وطبقا لهذا العلم جرى توزيع الرزق ، يقول جل وعلا يربط بين توزيع الرزق وعلمه بالناس : ( إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (30) الاسراء ) (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62) العنكبوت ) (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12) ، ( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)  الشورى ) . هذه حقائق يجهلها من لا يؤمن بالآخرة ولا يرجو لقاء ربه ، ومن لا يقوم بتزكية نفسه بالتقوى ، والذى يفرح بالدنيا ولا يرجو غيرها ، يقول جل وعلا :( اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ (26) الرعد ) . ولو كان الرزق بيد الناس ما صار فى الدنيا فقير ، وما إغتنى فقير وما أفلس ثرى .   

2 ـ البشر الناس فى سعيهم للرزق نوعان : نوع يريد الدنيا فقط ، ونوع يريد الآخرة . الذى يرجو لقاء ربه جل وعلا لا يهُمل الدنيا ولا يهمل السعى للرزق ، بل يسعى للرزق فى الدنيا بالحلال وطاعة ربه مؤمنا باليوم الآخر وآملا فى الفوز فيه بالجنة لذلك يسعى فى الدنيا ولكن يجعل الفوز بالجنة محور حياته ، لذا يزكى نفسه بالايمان والعمل الصالح ، وهو فى هذه الدنيا ينال حظه المقسوم  سلفا من الرزق ، ثم ينتظره رزق الجنة الخالد . الصنف الآخر يجعل الدنيا العاجلة كل همٍّه ومحور حياته ، ولا يأبه باليوم الآخر ولا يرجوه ، بل يعيش حياته فى صراع محموم من أجل الرزق ، وفى النهاية لا ينال سوى الرزق المحدد المقرر له سلفا مثل غيره من البشر ، ثم ينتظره  فى الآخرة خلود فى الجحيم . يقول جل وعلا فى مقارنة بين من يريد الدنيا ويخسر نفسه ومن يريد الآخرة ويتزكى لها : ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً (18) وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19) كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (20) انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21) الاسراء )

3 ـ وكل إنسان له حرية الاختيار ، وهو مؤاخذ يوم القيامة بهذه الحرية .

 جريمة التزكية بالصلاح لدى المحمديين وغيرهم

مقدمة

1 ــ  بتأثير التصوف تجذّر فى الضمير الشعبى إحتكار الصوفية للصلاح باعتبارهم ( أولياء الله ) ، وإمتد هذا خارج الصوفية فأصبح يحلو للعوام وصف فلان بالصلاح ، نفاقا وتحببا وتزلفا ، ويشيع على الألسنة القول على من مات بأنه ( المرحوم فلان ) ، أى أصدروا قرارا بأن الله جل وعلا قد رحمه وصار مرحوما . وهذا تدخل ممقوت ومرفوض فى إختصاصات رب العزة ، وإعتداء على علمه بالغيب ، وجُرأةُّ على التقول فى أمر الاهى مؤجل الى يوم الحساب حيث يتحدد فى هذا اليوم العظيم من هو الصالح المرحوم ومن هو الخاسر الملعون . بل فى مناسبات العزاء فى الريف المصرى يستسهل بعضهم أن يُقول عن المتوفى ( دخل الجنة حدف ).!! كما لو كان القائل مالكا للجنة ومتحكما فى يوم الدين ومالكا ليوم الدين دون رب العالمين ، جل وعلا .

2 ــ هذا العداء الفاضح لرب العزة جل وعلا ، لا يقع فيه فقط عوام الناس ، بل أيضا  الفقهاء العوام ، ومنهم مفتى سابق لمصر مدح فى مجلس عام أحد المتبرعين من دول الخليج فقال ــ حسبما ظهر فى الصحف ــ ( من أراد أن ينظر الى رجل من أهل الجنة فلينظر الى فلان ) . هكذا بكل بساطة وتزلفا الى صاحب المال لا يرى هذا المفتى السابق غضاضة فى التعدى على العزيز الجبار جل وعلا . ويتصل بهذه الجُرأة على رب العزة ما إعتاده الاخوان المسلمون من إستخدام إسم رب العزة فى صراعاتهم السياسية ومزايداتهم الحزبية  بلا أدنى خجل ، وليس هذا مُستغربا فقد إحتكروا لأنفسهم وصف ( المسلمين ) و دين الاسلام ، وبالتالى فهم وحدهم ( الصالحون ) . ويتصل بهذا ما تفعله داعش بإصدارها شهادات الاسلام لمن يدخل فى طاعتها ، وما يفعله الزعيم الشيعى العراقى مقتدى الصدر بإصدار شهادات بدخول الجنة مدفوعة الأجر . هذا الحضيض الدينى الذى يقع فيه المحمديون على إختلاف طوائفهم يدفعنا الى الاحتكام الى رب العزة فى موضوع  (الصلاح ) :ــ

أولا : إطلاق وصف الصلاح على بعض البشر حق لله جل وعلا وحده لا يجوز للبشر التدخل فيه

1ـ  . وصف رب العزة بعض الأنبياء فى القرآن الكريم بأنهم من الصالحين فى الآخرة. يقول جل وعلا عن ابراهيم عليه السلام : (وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ (122) النحل ) و: (27) العنكبوت ). ويقول جل وعلا عن بعض ذرية ابراهيم من الأنبياء :( كُلٌّ مِنْ الصَّالِحِينَ (85) الانعام ). وعن لوط عليه السلام : ( وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ (75) الانبياء )، وعن إسماعيل وإدريس وذى الكفل عليهم السلام: ( وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنْ الصَّالِحِينَ (86) الانبياء  ). وعن يونس عليه السلام :( فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنْ الصَّالِحِينَ (50) القلم )

2 ـ الملائكة تحمل الوحى وكلمة الله جل وعلا تبشر بصفة الصلاح ، هكذا قالت الملائكة لابراهيم عن ابنه إسحاق عليهما السلام : ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِينَ (112) الصافات )، وقالت لزكريا عن إبنه يحيى عليهما السلام : ( فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِينَ (39) آل عمران  )، وقالت لمريم عن ابنها المسيح عليهما السلام : ( إِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنْ الصَّالِحِينَ (46) آل عمران )

3 ــ  وخارج الأنبياء فقد وصف رب العزة بعض البشر بالصلاح  ، ليس بالأسماء والأشخاص ولكن كصفات . قال جل وعلا عن المهتدين من أهل الكتاب : ( لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114)) آل عمران ). هنا صفات الصلاح والولاية مطروحة أمام الجميع للتحلّى بها. وقد عاش بها ومات طائفة من أهل الكتاب ، ويعيش ويموت بها طائفة منهم .

4 ـ على أن الملاحظ أن  رب العزة  لم يصف خاتم النبيين محمدا بالصلاح ، لأنه كان حيّا يُرزق عند نزول القرآن لم يمت بعد . والعادة أن الوصف بالصلاح يأتى من رب العزة لمن مات بعد حياة حافلة بالصلاح وتزكية النفس بالتقوى . و بهذا جاء فى القرآن الكريم وصف الأنبياء السابقين بالصلاح بعد موتهم  بقرون، أى بعد أن تحددت درجاتهم .

ثالثا : المؤمن فى حياته يدعو ربه أن يُلحقه بالصالحين

1 ـ وكان الأنبياء فى حياتهم يدعون ربهم أن يُلحقهم بالصالحين فى الآخرة يوم الحساب . ونعطى أمثلة : ابراهيم عليه السلام دعا ربه جل وعلا فقال :( رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) الشعراء). ونتدبر فى قوله عليه السلام ( وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ )، أى أن يلحق يوم القيامة بمن سبقه من الصالحين . وابراهيم عليه السلام دعا ربه جل وعلا أن يهبه إبنا من الصالحين ، فقال ( رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ (100) الصافات ). ويوسف عليه السلام فى أوج نفوذه دعا ربه جل وعلا أن يُميته مسلما ثم يُلحقه بالصالحين مثل جده ابراهيم ، فقال ( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) يوسف  ). ومثله سليمان عليه السلام الذى أوتى الآيات ( حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) النمل ). أى دعا ربه أن يهديه الى شكر النعمة وأن يهديه الى عمل الصالحات ، وان يدخله يوم القيامة فى العباد الصالحين .

2 ــ ونفس الدعاء قال به بعض الصالحين من أهل الكتاب ، قالوا :  ( وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) المائدة ). وعليه فالمؤمن الذى يحرص على تزكية نفسه وتطهيرها بالتقوى يدعو ربه ان يموت على الاسلام وأن يُلحقه ربه يوم القيامة بالصالحين . وهكذا كان يدعو الأنبياء عليهم السلام . وعن أصحاب الجنة يقول رب العزة جل وعلا : ( وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً (69) النساء )

3 ــ وعند الاحتضار يتذكر الانسان فضيلة الصلاح عند الموت ، يتمنى فرصة أخرى ليتزكى وليكون من الصالحين. ولهذا يعظ رب العزة جل وعلا المؤمنين فيقول : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11) المنافقون )

رابعا : إستثناءات للبشر فى الوصف بالصلاح الظاهرى فى موضوعات الزواج :

1 ــ فى موضوعات الزواج يطلب الرجل زوجة صالحة ، ويريد أن يكون صهره رجلا صالحا . هكذا قال الرجل والد الفتاتين فى قصة موسى ، والذى عرض على موسى عليه السلام أن يزوجه إحدى بنتيه ، ووعده أن يكون ــ إن شاء الله ــ من الصالحين : ( قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ (27) القصص ). والله جل وعلا يدعو الى الزواج من الصالحين والصالحات ( حسب الظاهر ) أى أن يكون ( الصلاح الظاهرى )  فى الزواج فى الرجل والمرأة أهم من الصفات الأخرى كالجمال والثروة والمكانة الاجتماعية ، أو أن تكون العروس عذراء ولم يسبق لها الزواج . يقول جل وعلا  ــ ( وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) النور ).

2 ــ يدخل فى التعامل الظاهرى قول مبعوث الملك المصرى ليوسف عليه السلام : ( يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) يوسف ). ليس هذا تشريعا ، فالتشريع لا يأتى من القصص القرآنى ، ولكنه يأتى بصيغة الأمر والنهى . ولكن المستفاد مما سبق أنهم رأوا بأعينهم صدق يوسف عليه السلام فى تأويل وتفسير الأحلام فخاطبوه طبقا لهذا قائلين : ( يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا ).

 خامسا : تطرف الكهنوت الدينى لأصحاب الديانات الأرضية فى تزكية أئمتهم

1 ـ فى القصص القرآنى يأتى وصف الوالى الحاكم فى مصر بالعزيز ، جاء هذا وصفا للوالى الذى ربّى يوسف ، وعن إمرأته الموصوفة بأنها إمرأة العزيز : ( وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (30) (قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ (51) يوسف ) . وتولى يوسف نفس المنصب فخوطب بنفس اللقب ( العزيز ) حتى من إخوته الذين لم يتعرفوا عليه ، فخاطبوه بمكانته باعتباره عزيز مصر :( قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ (78)(  فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88)( يوسف ).

كانوا يتعاملون معه على أنه حاكم وليس على أنه نبى.  وفى الدولة المدنية توجد ألقاب للحكام ومن حولهم ( عزتلو ، جلالة الملك ، سمو الأمير ، معالى الوزير ، فخامة الرئيس ، سعادة فلان ، جناب فلان ، حضرتك ..الخ ) . هذا  يدخل فى التعالى الممقوت على الآخرين ، وليس من صفات المتقين الذين لا يريدون (علوا فى الأرض ولا فسادا ) ( القصص 83 )، ولكنه محصور فى الأغلب فى إطار البشرية لهؤلاء الناس المُتعالين سياسيا ، ويدخل فى مكانتهم السياسية طالما بقوا فى موقع السلطة ، فإذا فقدوها بالعزل أو بالموت لاحقتهم اللعنات . وهذا مخالف للكهنوت الدينى الذى يجعل ألقاب التأليه تصاحب أئمة الكهنوت فى حياتهم وبعد موتهم ، وبل تزداد قداستهم بموتهم ، وتمتد سُلطتهم الخرافية لتشمل الدنيا والاخرة ، ولا سبيل للتحرر من هذه السُّلطة الا بإعتناق الاسلام ؛ الدين الالهى الذى لا تقديس فيه ولا خضوع إلّا لله جل وعلا الواحد القهّار .

2 ــ فى الدين الالهى نعرف من القصص القرآنى أن الأنبياء كانوا يُخاطبون بأسمائهم المجردة ( يا فلان )، يقولها لهم أتباع الأنبياء  . بنو اسرائيل  شهدوا الآيات على يدي موسى ومنها التى أنقذتهم من فرعون، ومع ذلك  كانوا يقولون له ( ياموسى ) بلا أى لقب وبلا أى تكريم ،: ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ (55))، ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ ) (61) البقرة )( قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ ) (23) ( قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) المائدة  ). ( قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  )138) الاعراف ). ونفس الحال مع عيسى عليه السلام ، كان الحواريون يخاطبونه بإسمه المجرد مع أنهم مثل قوم موسى شهدوا الآيات على يديه :( إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ )(112) المائدة ).أتباع الأنبياء لم يكونوا يخاطبون أنبياءهم بألقاب كهنوتية أو رسمية ، لم يكونوا يقولون لهم : ( فضيلتك ، قداستك ، جنابك ، عظمتك ، حضرتك ، سماحتك ، سعادتك ). بل كانوا يقولون لهم ( يا فلان ) .

وخاتم النبيين عليهم جميعا السلام ، لم يكن بدعا من الرسل متميزا عنهم ( الأحقاف 9 ) بل كان رسولا خلت من قبله الرسل : ( 144) آل عمران ). ولقد وصفه رب العزة بأنه ( رجل منهم ) ( يونس 2 ) فى مكة تعجبوا من أن يكون خاتم النبيين رجلا عاديا ليس عظيما بمقياس العظمة عندهم (31) الزخرف). وكانوا يتندرون به ويستهزئون به ( الأنبياء 36 )( الفرقان41 ، 7 : 9 ). أما أهل المدينة من منافقين ومؤمنين فقد إتفقوا على إيذاء النبى بما إستوجب نزول القرآن ينهى المؤمنين ويتوعدهم ويرد أذى المنافقين القولى، كما جاء فى سورة الأحزاب (  53 ، 57 ،  69  ) والتوبة ( 61  )، والمنافقون ( 8 ). فى هذا المناخ لا نستبعد أنهم كانوا يخاطبون خاتم النبيىن بإسمه المجرد، يقولون له  ( يا محمد ). ولا نستبعد أيضا مخاطبتهم له بوصفه رسول الله و ( النبى ) . وليست هذه أوصافا كهنوتية ، لأنه فعلا رسول الله ونبى الله وخاتم النبيين ، وهو مأمور أن يعلن أنه بشر مثلنا يُوحى اليه ( الكهف 110 ) وهذا الوحى لا يرتفع به فوق مستوى العبودية لله جل وعلا ، بل إنه فى موضع التكريم يوصف فى القرآن الكريم  بأنه عبد الله ، يقول عنه ربه ( عبده ) كما جاء فى سور : ( الاسراء 1 ، الكهف 1 الفرقان 1 ، الزمر 36 ، النجم 10  ، الحديد 9  ) ، أو يقول عنه : (عبدنا ) كما جاء فى سورتى : ( البقرة 23 ، الأنفال 41 ) . المستفاد أن النيى يخاطبه المؤمنون باسمه أو بأنه النبى او رسول الله الذى لا يملك لنفسه أو غيره نفعا ولا ضرا .

3 ــ هذا محظور فى الكهنوت . لا يمكن أن تخاطب البابا فتقول له ( يا فلان ) بل تقول له ( قداستك ) ولا يمكن أن تخاطب إماما شيعيا فتقول له ( يا فلان ) بل ( سماحتك ) أو نحوها  لا يمكن أن تخاطب شيخا سنيا أو صوفيا فتقول له ( يا فلان ) بل تقول له ( فضيلتك ) . هذا مع أن البابا والامام والشيخ ليسوا جزءا من الدين الالهى ، وليسوا رُسلا وليسوا ملائكة وليسوا آلهة ، ولم يرد ذكرهم فى أى رسالة سماوية . هم مذكورون فقط فى كهنوت الأديان الأرضية ، كلهم يتميزون على بقية الناس بصفات التزكية ، وحتى يتميزون عليهم فى الزى المعين الخاص بهم ، وفى أنهم يعيشون عالة على المجتمع يتفرغون لإفساده وتحجيم حريته وإعاقة تقدمه وإضلاله فى الدنيا ، ثم خسارته فى الآخرة .

4 ـ يعزُّ على أصحاب الكهنوت المحمديين أن يقتصر لفظ ( اكبر ) على رب العزة ، لذا يجعلون من صفات بعض أئمتهم ( الأكبر ) . فالصوفية يصفون محيى الدين بن عربى بأنه ( الشيخ الأكبر ) بل إن الدستور المصرى يصف رسميا ( شيخ الأزهر ) بأنه ( الإمام الأكبر ) ، مع إنه موظف مدنى فى دولة مدنية يعينه رئيس الجمهورية ، وليس معينا من رب العزة ، ويأخذ راتبا من الحكومة وله درجة وظيفية فى مجلس الوزراء . وإذا كان ( فلان بن فلانة ) الإمام الأكبر للمسلمين فهل يكون خاتم النبيين عليه وعليهم السلام هو ( الأمام الأصغر ) ؟ .

ونفس الحال مع وصفهم أبى حنيفة بأنه ( الإمام الأعظم ) وهو لقب لم يعرفه أبو حنيفة فى حياته . فهل أبو حنيفة أعظم من خاتم النبيين عليه وعليهم السلام . ويجعلون ذكر إسم أبى حنيفة ومذهبه فى عقد الزواج، يقولون: ( على سنة الله ورسوله وعلى مذهب الامام الأعظم أبى حنيفة النعمان ) فهل كل الزيجات السابقة لأبى حنيفة قبل وجود أبى حنيفة باطلة شرعا لأنها ليست على مذهب أبى حنيفة ؟ 

وقولهم فى قائد الكهنوت الشيعى أنه ( آية الله ) و (روح الله ) فهل رب العزة جل وعلا بدون فلان هذا بلا آية ؟ وبلا روح ؟ أليس كل هذا سبّا وذمّا فى رب العزة جل وعلا ؟ أليس كل هذا تفضيلا لأئمة الكهنوت على خاتم المرسلين .

فهل نزل منشور من رب العزة يقول إن فلانا هو ( البابا ) أو( رضى الله عنه ) أو ( كرّم الله وجهه ) أو ( الصدّيق ) او ( الفاروق ) أو ( تستحى منه الملائكة ) أو ( حوارى رسول الله ) أو ( العترة ) أو ( سيد الشهداء ) أو( الامام الأعظم ) او ( حجة الاسلام ) أو ( الشيخ الأكبر ) ( منارة الاسلام ) أو ( آية الله ) أو ( روح الله ) أو ( الامام الأكبر )؟ وهل نزل تفويض من رب العزة جل وعلا للأفاقين الذين يقيمون دولا دينية أو يسعون لإقامتها ليسطر كهنوتهم الدينى على الشعب ؟ . سبحانك ربى .. هذا بهتان عظيم .!

5 ـ بل إنهم يفضلون أئمتهم الكهنوتيين على رب العزة جل وعلا . المؤمن يخاطب ربه جل وعلا فيقول له ( أنت ) فى الدعاء والتضرع . وأقرأ فى القرآن الكريم : ( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) ( الاعراف )( إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) آل عمران )) رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) آل عمران ) ( وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) البقرة ). وهذه مجرد أمثلة .

هل تجرؤ أن تخاطب شيخ الأزهر أو شيخ الشيعة أو حتى شيخ الجامع أو أى قسيس فتقول له ( أنت ) ؟ وماذا سيحدث لك لو خاطبته باسمه قائلا : ( إنت يا فلان ) ؟

إنتبهوا أيها الناس ..!!

 بعض أقاويل الصوفية فى تزكية أنفسهم وأوليائهم بالصفات الالهية

أولا :

1 ــ صار عادة سيئة عند محققي الصوفية ـ حتى من يزعم الاعتدال منهم ــ  أن يفتتح الحديث بتزكية الأولياء الصوفية . يقول القشيري في مقدمة رسالته الشهيرة ( أما بعد رضي الله عنكم ، فقد جعل الله هذه الطائفة صفوة أولياءه ، وفضلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبياءه صلوات الله وسلامه عليهم ، وجعل قلوبهم معادن أسراره ، واختصهم من بين الأمة بطوالع أنواره فهم الغياث للخلق والدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق ، صفّاهم من كدورات البشرية ، ورقاهم إلى مجال المشاهدات بما تجلى لهم من حقائق الأحدية ، ووفقهم بالقيام بآداب العبودية ، وأشهدهم مجاري أحكام الربوبية فقاموا بأداء ما عليهم من واجبات التكليف وتحققوا بما منّه سبحانه لهم من التقليب والتصريف ..) ، فالقشيري المعتدل تطرف في مدح الصوفية إلى أن أسبغ عليهم الألوهية فقال عنهم ( فهم الغياث للخلق ) أي من يغيثون الخلق عند النوازل ، ونفى عنهم صفات البشر في قوله (  صفاهم من كدورات البشرية ، ورقاهم إلى مجال المشاهدات بما تجلى لهم من حقائق الأحدية ) ، ووصفهم بالتصريف في ملك الله باعتبارهم آلهة مع الله ، يقول: ( وأشهدهم مجاري أحكام الربوبية فقاموا بأداء ما عليهم من واجبات التكليف وتحققوا بما منّه سبحانه لهم من التقليب والتصريف ..).

2 ــ  ويقول الطوسي في مقدمة كتابه ( اللمع) ( الحمد لله الذي خلق الخلق بقدرته ودلهم على معرفته .. واختار منهم صفوة من عباده وخيرة خلقه خصَّ منهم من شاء بما شاء كيف شاء ..) ، وهو وصف عام جعله خاصاً بالصوفية حين قال ( إن هذه العصابة – أعني الصوفية – هم أمناء الله جل وعز في أرضه ، وخزنة أسراره وعلمه ، وصفوته من خلقه ، فهم عباده المخلصون ، وأولياءه المتقون ، وأحباؤه الصادقون المخلصون )، وقال (الصوفية هم محل جميع الأحوال المحمودة، والأخلاق الشريفة، سالفاً ومستأنفاً..)[1].

3 ــ  وفي (إحياء علوم الدين) بدأ الغزالي كتاب المحبة والشوق بقوله (الحمد لله الذي نزه قلوب أوليائه من الالتفات إلى زخارف الدنيا ، وصفّى أسرارهم من ملاحظة غير حضرته، ثم استخلصها للعكوف على بساط عزته، ثم تجلى لهم بأسمائه وصفاته حتى أشرقت بأنوار معرفته ، ثم كشف لهم عن سبحات وجهه..)[2]. فالغزالي يحمد الله لأنه اتخذ من الصوفية أولياء ليتحدوا به ويتجلى عليهم بأسمائه وصفاته. وبدأ كتاب الآداب والألفة بقوله ( الحمد لله الذي غمر صفوة عباده بلطائف التخصيص طولاً وامتنانا)[3]. وقد يقال أن هذا القول عام ، وينطبق على الصوفية وغيرهم ، ولكن الغزالي يقول في المنقذ من الضلال ونقله عنه العيدروس (إني علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق..) بل أن الغزالي يقول عن الصوفية الراقصين في حفلات السماع والمستمعين للغناء (أولئك الذين اصطفاهم الله لولايته، وأستخلصهم من بين أصفيائه وخاصته)[4].

4 ــ   ويقول السهروردي في (عوارف المعارف) في المقدمة (..فسبحان من عزت معرفته لولا تعريفه.. ثم ألبس قلوب الصفوة من عباده ملابس العرفان، وخصهم من بين عباده بخصائص الإحسان، فصارت ضمائرهم من مواهب الأنس مملوءة، ومرائي قلوبهم بنور القدس مجلوة، فتهيأت لقبول الإمداد القدسية، واستعدت لورود الأنوار العلوية.. واستفرشت بعلو همتها بساط الملكوت وامتدت إلى المعالي أعناقها، وطمحت إلى اللامع العلوي أحداقها، واتخذت من الملأ الأعلى مسافراً ومحاوراً، ومن النور الأغر الأقصى  مزاوراً ومجاوراً ،أجساداً رصينة بقلوب سماوية، وأشياخ فرشية بأرواح عرشية .. لأرواحهم حول العرش تطواف، ولقلوبهم من خزائن البر إسعاف..).. وهو تلميح بالإتحاد الصوفي بالله، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

5 ــ  ويقول اليافعي في العصر المملوكي في مقدمة كتابه (روض الرياحين ) ( الحمد لله الذي خص بفضله العظيم من اصطفاه للحضرة القدسية، وصفاه من كدورات الصفات النفسية..ونور قلوب أوليائه بنور معرفته وسقاهم بكأس محبته، تجلى لهم فشاهدوا جمال المحبوب ..وأجلسهم على بساط الأنس مقربين في حضرة القدس وصرفهم في ملكه، فهم الملوك في الحقيقة في جميع البلاد..أما بعد فإني لما كنت محباً للأولياء الصالحين وعاشقاً للصوفية العارفين ..)  إلخ  .

6 ــ  ويقول ابن عطاء السكندري في مقدمة كتابه ( لطائف المنن ): ( الحمد لله الذي فتح لأوليائه باب محبته، وأنشط نفوسهم من عقال القطيعة .. وأمد عقولهم بنوره.. متّع أسرارهم بقربه بخطفات جذبه فتتحققوا بشهود أحديته، أخذهم منهم وأفناهم عنهم،غرقوا في بحار هويته ..)..

ويقول أيضاً في مقدمة كتابه (التنوير فى إسقاط التدبير ): ( الحمد لله الذي خلع على أولياءه خلع أنعامه .. واختصهم بمحبته وأقامهم في خدمته .. وفتح لهم أبواب حضرته ورفع عنهم قلوبهم حجاب بُعده .. ولاطفهم بوده ، وآمنهم من إعراضه وصدّه , ونور بصائرهم بفضله وطهر سرائرهم وأطلعهم على السر المصون ..) .

7 ـ  ونقل الشعراني مقالة ابن عطاء السابقة في صدر كتابه ( الطبقات الكبرى ).

ثانيا :

1 ــ  ويلاحظ أن عبارات الإتحاد أوضح وأصرح في وصف الصوفية في العصر المملوكي ،  حتى أن عبد الصمد الأحمدي – فيما بعد – استغرق همه وتطرّف فى مدح البدوي ، فقال في مقدمته عن مناقب البدوي : ( الحمد لله الذي أطلع الأنوار الأحمدية في سماء الشهود ، وجلا جمالها في مرآة الوجود، فأشرقت أنوارها حتى اقتبس منها كل موجود، واكتسب من كمال جمالها من هو من أهل الكلام والكمال والقبول والإقبال معدود،أحمده أن أوانا إلى ركن شديد قوي ، وأنهلنا من المنهل العذب الأحمدي الروي..، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة عبد آمنَ بكرامات الأولياء، وتغالى في التقاط فرائد الأصفياء..). فصاحبنا يحمد الله لأنه أطلع أنوار البدوي الإلهية ليقتبس منها كل موجود النور والكمال، ثم يعيد الحمد لله أن جعله يركن للبدوي من دون الله، ثم يصرح بشهادة أن لا إله إلا الله مع المفهوم من كلامه أنه تأليه للبدوي مع الله، أي أنه جمع بين المتناقضات!

 2  ــ وقلنا إن الصوفية قاموا بتأليف كتب خاصة تحوي تمجيد أشياخهم وسرد مناقبهم وقص كراماتهم والتنويه بألوهيتهم ، فعرف العصر المملوكي كتب المناقب الصوفية مثل (لطائف المنن في مناقب أبي العباس وشيخه أبي الحسن) لابن عطاء،  ومناقب الرفاعي ومناقب البدوي ألفوا فيها ثلاث كتب أو أكثر ، وهكذا. بل إن بعض الصوفية كالشعراني أراد أن ييسر الأمر على من يأتي بعده ، فألف في مناقبه وهو حي كتاب (لطائف المنن) وليعلم أهل عصره بدرجته في العلم والعمل كما صرح في مقدمة (لطائف المنن) وله (المنن الصغرى) وهو مخطوط على نسق (المنن الكبرى).

ثالثا : 

1 ــ  واعتبار الصوفية أنفسهم أولياء الله وأصفياءه يدخل في نطاق التمني علي الله.. ودعاوى التمني على الله عرفها بعض أهل الكتاب قبل الإسلام (وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ .. البقرة111) وحذر الله المؤمنين وأهل الكتاب من هذا التمني (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ..النساء123) فقد وقع المنافقون في التمني على الله ففوجئوا بالنار وحرموا من الجنة (يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ؟ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ...الحديد14) .

2 ــ  وواضح من النصوص القرآنية السابقة أن الأماني السابقة تمثلت في الفوز بالجنة والنجاة من النار، أي أماني بشرية، أما أمنيات الصوفية فهي أكبر من الجنة والنار. إن أمنتياتهم هي الاتحاد بالله والترفع عن جنته والاستهانة بناره. يقول أبو سليمان الداراني (إن لله عباداً ليس يشغلهم عن الله  خوف النار ولا رجاء الجنة..)[5]. وقالت رابعة العدوية (ما عبدته خوفاً من ناره ،ولا حباً لجنته، فأكون كالأجيرة السوء)[6]. وقال أبو يزيد البسطامي (لو أن أهل الجنة في الجنة يتنعمون وأهل النار في النار يعذبون ثم وقع بك تمييز بينهما خرجت من جملة التوكل )(أي التصوف) . ويعلق الغزالي على مقالته بقوله ( وأبو يزيد قلما يتكلم إلا عن أعلى المقامات وأقصى الدرجات)[7]. وقال الجنيد (حرم الله تعالى المحبة – أي الاتحاد الصوفي – على صاحب العلاقة، كل محبة تكون بعوض فإذا زال العوض زالت المحبة) [8]. والعوض مقصود به الجزاء.. أي الجنة.  وقال ذو النون المصرى :( أرواح العارفين جلالية قدسية فلذلك  اشتاقوا إلى الله تعالى ، وأرواح المؤمنين روحانية فلذلك حنوا إلى الجنة)[9].

3 ــ فالصوفية يفضلون أنفسهم على المؤمنين الذين يدعون ربهم خوفا من النار وطمعا فى الجنة : ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً )السجدة 16). ويفضل الصوفية أنفسهم على الملائكة التي تخشى عذاب ربها، يقول رب العزة عنهم:( يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) النحل50) (وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) الأنبياء28). ويفضل الصوفية أنفسهم على الأنبياء عليهم السلام ، فقد قال تعالى عن رسله المذكورين في سورة الأنبياء ( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً ) الأنبياء90)  أي رغباً في الجنة ورهباً من النار. وخاتم النبيين عليهم السلام أمره ربه جل وعلا أن يعلن خوفه من عذاب يوم عظيم:( أنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ )الأنعام 15 ، يونس 15 ) ، ومعنى ذلك أن الصوفية يجعلون من أنفسهم أنداداً لله ، ويرفعون أنفسهم فوق مستوى الأنبياء والملائكة المقربين .

رابعا : ماذا يعنى زعم الصوفية أنهم وحدهم أولياء الله جل وعلا ؟       

 واتخاذ أولياء لله من دون الله - أي بلا اختيار منه ولا تعيين – فيه افتراء على الله تعالى العلي القدير، وظلم عظيم له جل وعلا : .

1 ـ  فهو اجتراء على علم الله تعالى .. فالصوفية يدعون أنهم قد اطلعوا على علم الله وعلى ما يختاره من بين عباده ,وزعموا أنه أختارهم دون غيرهم , مع أن الله لم يطلعهم على علمه .. وليس معهم برهان على هذا الزعم.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      

2 ـ وهو تدخل في اختيار الله تعالى، وادعاء بالتسلط على إرادته، وفرض لأهوائهم على مشيئته حيث يختارون بأنفسهم الأولياء ويجعلون أنفسهم الأصفياء لله ثم يدعون أن ذلك هو اختيار الله تعالى وأنها  إرادته، فيسلبون اختيار الله  تعالى في شيء يتعلق بذاته وجلاله، ولله تعالى مطلق الإرادة: ( إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ). المائدة 1 )( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ) هود 107 ),( إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ..الحج 14). والله تعالى بإرادته المطلقة يمُنُّ على من يشاء من عباده , ويستحيل عليه عقلاً أو نقلاً أن تملي عليه طائفة من خلقه إرادتها ، ولكن فضل الله وهداية الله جل وعلا هى لمن يشاء من الناس ، يقرر أن يهتدى ويسعى للهداية متقيا عاملا على تزكية نفسه وتطهيرها ، فيستحق يوم القيامة فضل الله ورحمة الله جل وعلا وجنته :( قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ{73} يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ{74} آل عمران )، ( وَلَـكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ ِعبَادِهِ )إبراهيم11 ) ( نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء.) يوسف 76 ) فالمشيئة راجعة إليه وحده في الاختيار والتخصيص فهو الخالق والمسيطر على خلقه( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) القصص68) . وقد شاء جل وعلا أن يكون البشر أحرارا فى مشيئة الهدى أو الضلال ، الطاعة أو المعصية الايمان أو الكفر . ومن شاء منهم الهداية زاده الله جل وعلا هدى ، ومن كان فى قلبه مرض زاده مرضا، ومن يختار الهداية ويطيع الله جل وعلا يزكى نفسه بالتقوى حتى الموت يتمتع بفضل الله جل وعلا فى الآخرة ويكون فى معية الأنبياء ، يقول جل وعلا : ( وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً (70) النساء )

3 ــ  ثم إن الصوفية لم يكتفوا بتزكية نفوسهم بالتقوى والولاية وإنما اشتطوا فادعوا الألوهية ودعوا الناس لتقديسهم والاعتقاد فيهم، والتوسل بهم في الدنيا والآخرة، والتماس بركاتهم، مع أن مجرد تقديس الوالي الصوفي أو غيره فيه ظلم عظيم لله تعالى وافتراء عليه ووصف له بالعجز والظلم.. تعالى عما يصفون.

 فكأنهم وصفوا الله تعالى – بالعجز – حيث أوكل للصوفية مهمة اختيار أولياء له يتحكمون في ملكه من دونه، فلم يجعلوا له شأناً في الاختيار ولا في التصريف، تعالى عن ذلك علواً كبيراً . وكأنهم وصفوا الله تعالى بالجهل ، حيث لم يستطع أن يميز بين مخلوقاته من يستحق الولاية منهم ومن لا يستحق، فلجأ إليهم وإلى علمهم ليختاروا له . ثم رضي باختيارهم  لأنفسهم – تعالى عن ذلك . وكأنهم وصفوه – تعالى – بالظلم ، حيث فضل نفراً من خلقه بدون استحقاق وجعل لهم اختصاصات ومميزات  وحرم منها الآخرين ، بل وجعلهم مسخرين لأولئك الأولياء، وإن فاقوهم في الإيمان والتقوى. 

ويعبر عن ذلك اليافعي الصوفي في العصر المملوكي بقوله : ( قيل مثل الصالحين وما زينهم الله به دون غيرهم مثل جند قال لهم الملك تزينوا للعرض علىَّ غداً فمن كانت زينته أحسن كانت منزلته عندي أرفع، ثم يرسل الملك في السر بزينة من عنده ليس عند الجند مثلها إلى خواص مملكته وأهل محبته فإذا تزينوا بزينة الملك فخروا على سائر الجند  عند العرض على الملك..)[10]. فالأتقياء من غير الصوفية هم الجند في نظر اليافعي , والصوفية هم خواص الملك وأهل محبته , والملك يخدع الجند المخلصين ويؤثر الصوفية عليهم .. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .

أخيرا

1 ــ شاء الصوفية بإرادتهم الحُرّة أن يزعموا لأنفسهم الألوهية وأن يزاحموا رب العزة فى مُلكه ، وأن يزعموا مشاركته فى حكمه ، وأن يعلوا بأنفسهم على صفوة خلقه من الملائكة والأنبياء ، وأن يظلموا رب العزة فى كل ما إفتروه من الأكاذيب . وهم بهذا تطرفوا فى الكفر وفى الغلو فى الضلال .

2 ــ  إن رب العزة جل وعلا وصف بالغلو فى الكفر من زعم أن المسيح ابن لله جل وعلا، فقال يعظهم  فى خطاب مباشر لهم : ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (171)) النساء ) ، وقال أيضا (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) المائدة ) الى أن يقول جل وعلا:( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)  ) المائدة ).

هم موصوفون بالغلو بسبب زعمهم أن المسيح ابن لله جل وعلا . فكيف بالصوفية ؟

3 ــ ومع هذا يعتقد بعض السفهاء من المحمديين بوجوب نشر الاسلام بين المسيحيين . أليس من الأولى نشر الاسلام بين المحمديين ؟ .!!



[1]
- اللمع 19 ، 40 .

[2] - إحياء جـ4/ 252 ، جـ 2 / 138 .

[3] - تعريف الإحياء 47 على هامش الإحياء.

[4] - إحياء  جـ2 / 226 :227 .

[5] - إحياء جـ4 / 266 .

[6] - إحياء جـ4/ 266 .

[7] - إحياء جـ4 / 227 ، 228 .

[8] - إحياء جـ 4 / 308 .

[9] - إحياء جـ4 /301 .

[10] - رياض الرياحين 36 .

ج 1 ب2 ف 3 ملامح تأليه الولى الصوفى فى العصر المملوكى

 الفصل الثالث :ملامح تأليه الولى الصوفى فى العصر المملوكى

  معنى الدعوة إلى الإعتقاد فى الولي الصوفي:

1-   المسلم يؤمن بالله ورسله . وشهادة الاسلام تعنى الإيمان بالله تعالى والكفر بما عداه من آلهة. والإيمان برسل الله عليهم السلام هو إيمان بالرسالات السماوية التى تنزل كلاما من رب العزة لهداية البشر، ينطق بها أنبياء الله جل وعلا ورسله المُختارون من بين هؤلاء البشر . ليس الايمان بشخص الرسول البشرى ، بل بالرسالة السماوية التى نزلت عليه ، يقول جل وعلا عن محمد خاتم المرسلين:( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) محمد). ولأن الكتب السماوية مصدرها واحد وتؤكد كلها على أنه ( لا إله إلا الله ) مهما إختلفت ألسنة البشر: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) الأنبياء )  فإن التعبير عن هذه الكتب يأتى أحيانا بلفظ ( كتاب ) : (وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ ) (15) الشورى) ، وواجب الايمان بها جميعا بلا تفرقة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136) النساء ) والايمان بالكتب السماوية يعنى عدم التفريق بين الرسل ، لأنه لا أشخاص هنا ولكن رسالة سماوية تدعو الى أنه لا إله إلا الله جل وعلا :( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)البقرة ).

2-   ليس فى شهادة الاسلام إيمان بمخلوقات  وإنما بالله جل وعلا وكتبه أى رسالاته ، أى إسلام القلب والوجه لله جل وعلا ، لذا فلا تفريق بين الرسل ولا تفريق بين الله جل وعلا ورسالاته : ( قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)  البقرة )، والذى يرفض هذا ويؤمن ببشر يكون قد إبتغى غير الاسلام دينا:( قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (85)آل عمران ).

3-   والصوفية  بشر كباقى البشر ، وهم يطلبون من بقية البشر الايمان بهم كآلهة مع الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا . ويتردد عنهم فى العصر المملوكى تعبير "الاعتقاد " فيهم . ومعنى الاعتقاد في صوفي ما أن نعتقد في تصريفه في ملك الله وفي نفوذه الإلهى ، أي نعتقد إلوهيته وذلك يتناقض مع شهادة لا إله إلا الله التي تقصر الألوهية على الله وحده، وتنفي وجود الشريك والمساعد للولي المقدس، وتثبت أن لله جل وعلا ــ وحده ـــ تمام التحكم والسيطرة على ملكه.

4-   وقبل نزول القرآن كان الإيمان بالأولياء شائعا واجبا فى قريش والعرب ، ولا يتناقض مع الإيمان بالله جل وعلا ، بل كان المشركون لا يؤمنون إيماناً خالصاً بالله وحده ، أى فإما إيمان بالله والاولياء معه  وإما الكفر . وسيقول الله تعالى مخاطباً أولئك يوم القيامة ( ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ) غافر 12) وكانوا يعبدون الأولياء لتقربهم لله تعالى زلفى، فقال جل وعلا لهم يدعوهم إلى إخلاص الدين له جل وعلا وحده : ( أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) الزمر3 ) .

5-    ثم جاء دين التصوف فيما بعد داعياً بالإيمان بالولي والاعتقاد في نفعه وضره، بنفس ما كان عليه العرب في الجاهلية.

 ثانيا : نماذج من الدعوة الى الايمان بالولى الصوفى

   أ) يقول الغزالي في ترتيب درجات الاعتقاد أن الاعتقاد يزداد (بما يسري إليه من مشاهدة الصالحين ومجالستهم وسيماهم وسماعهم وهيئاتهم في الخضوع والخوف والاستكانة)[1].ويقصد بالصالحين الأولياء الصوفية ، فهو القائل (من لا يقدر أن يكون من أولياء الله فليكن محباً لأولياء الله مؤمناً بهم ، فعسى أن يحشر مع من أحبهم )[2]. أي أنه قسم الفائزين إلى أولياء ومؤمنين بهم يحشرون معهم.

   ب) وفي العصر المملوكي حيث أصبح التصوف الدين الفعلي للدولة ، صار الاعتقاد في الأولياء هو الشهادة الرسمية للدخول في الإسلام ، حيث أضحى الإسلام مجرد رسم وشكل مظهري تمارس من خلاله شعائر التصوف ومعتقداته المضادة للإسلام . فعندما أسلم أحمد بن هولاكو بعث برسالة رسمية إلى المنصور قلاوون يُقرُّ فيها بالاعتراف( بوحدانية الله ، والشهادة بمحمد عليه أفضل الصلوات والسلام، بصدق نبوته ، وحسن الاعتقاد في أوليائه الصالحين)[3]. ولم يعرف المسكين – الذي دخل الإسلام زوراً – أن الاعتقاد في الأولياء الصالحين بزعمه ينفي إخلاص الدين لله تعالى. ولكنها ثقافة  العصر الذي سوغت هذا التناقض ، وصار على ذلك الناس ، وأسلم ابن هولاكو على أيديهم.

   ج) وترتب على الإيمان بالأولياء الصوفية الإيمان ببركاتهم وتصريفهم ، حتى لم تخل تحية الإسلام (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) من عبث التصوف فأدخل فيها الأولياء مع الله، وسجل ذلك كتاب رسمي بعثه النجاشي للسلطان جقمق سنة 847 فقال فيه ( ورحمته وبركاته عليكم أجمعين ، وبركات الأولياء الصالحين)[4].

ثالثا : الدعوة الى الايمان بمؤهلات الولى الصوفى الالهية

1 - وحرص الصوفية على دعوة الناس للإيمان بمؤهلاتهم الوهمية من علم لدني غيبي وخلافه . والغزالي أشهر الدعاة بهذا الإفك ، وهو يدعو المسلمين الذين بقوا على إسلامهم إلى الإيمان بالعلم اللدني الذي يعطاه الأولياء من لدن الله  ليكون لهم مشاركة فى ذلك العلم اللدنى المزعوم ، يقول ( أدنى نصيب من العلم اللدني التصديق به والتسليم لأهله)[5]. ويقول إن من لم تنكشف له حقائق العلم اللدني ( فلا ينبغي أن ينكر ظواهرها بل أقل درجات الإيمان التصديق بها )[6]. وهو يقول ( اعلم أن من انكشف له شئ ولو الشئ اليسير بطريق الإلهام والوقوع في القلب من حيث لا يدري فقد صار عارفاً بصحة الطريق، ومن لم يدرك ذلك في نفسه قط فينبغي أن يؤمن به)[7] ، وقال عن معرفة العارف بالقدر أو الغيب (.. فمن عرف السبب في هذا الأمر معرفة صادرة عن نور الهداية فهو من خصوص العارفين المطلعين على سر القدر ، ومن سمع هذا فآمن  به وصدق بمجرد السماع فهو من عموم المؤمنين)[8].  أي المؤمنين بالصوفية وإمكاناتهم الإلهية. والمنكر طبعاً من الكافرين عند الغزالي .

2 ـ وفي نهاية العصر المملوكي حيث عمّ الجهل والتخلف كان الخواص – الصوفي الأمي – يقول عن كلام (أهل الحال) (تمجُه العقول من حيث أفكارهم ولا تقبله إلا بالإيمان فقط )[9]. أى التسليم والايمان بكل ما يقوله الأولياء الصوفية مهما بلغت سماجته وجهله وضحالته .

رابعا : الإيمان بالصوفى أم الكفر به ( الانكار عليه )

1 ـ  ودعوة الصوفية الناس للإيمان بهم قوبلت بتسليم البعض فأصبحوا معتقدين، وبإنكار من الآخرين أو كفرهم بهم وانتقادهم. وقد اهتم المتصوفة بمجابهة أولئك المنكرين على ولايتهم والرافضين التسليم بألوهيتهم ، كما لو أن الله تعالى خلق لهم البشر ليكونوا لهم عبيداً ، وكما كان حقا لهم أن   يكون الناس لهم عبادا من دون الله الخالق جل وعلا . ولا يكاد يخلو كتاب صوفي من الرد على المنكرين. وقد يقترن تقديس الولي في بداية الكتاب الصوفي بالحط على المنكرين كما يقول ابن عطاء في مقدمة التنوير والشعراني في مقدمة الطبقات الكبرى:( الحمد لله الذي خلع على أوليائه خلع أنعامه .. واختصهم بمحبته – إلى أن يقول : وسترهم عن أعين الفجار لأنهم عرائس ولا يرى العرائس المجرمون، فإذا مر عليهم من أولياء الله تعالى ينسبونه إلى الزندقة والجنون – فمنهم المنكر لكراماتهم – ومنهم المنتقص لمقاماتهم ، وفيهم الثالب لأعراضهم ، ومنهم المعترضون، يعترضون على أحوالهم ويخوضون بجهلهم في مقالهم وبهم يستهزئون.. فسبحان من قرب أقواماً واصطفاهم لخدمته فهم على بابه لا يبرحون..  وسبحان من أباحهم حضرة قربه، والمنكرون عليهم عنها مبعدون ، فالأولياء في جنة القرب متنعمون، والمنكرون في نار الطرد والبعد معذبون).. ويرى الشعراني أن ( من أشد الحجاب عن معرفة أولياء الله شهود المماثلة والمشاكلة )[10]. أي أن المنكر لألوهية الولى الصوفي يرى أن الصوفي بشر مثله وعلى شاكلته فيكون هذا مانعا من الايمان بألوهية ذلك الولى الصوفي ، ويكون ذلك حجابا يمنع الايمان بذلك الولى الصوفى ، وعلى ذلك ( فإذا مر عليهم ولي من أولياء الله ينسبونه إلى الزندقة والجنون).. ومع إيمان العصر المملوكي بالتصوف إلا أن بعض أفراد الصوفية لقوا إنكاراً من بعض معاصريهم فلم يؤمنوا بهم ولم يصدقوا بولايتهم، يقول الشاذلي (ولقد ابتلى الله هذه الطائفة الشريفة بالخلق ، خصوصاً أهل الجدال ، فقلّ أن تجد منهم أحداً شرح الله صدره للتصديق بولي معين ، بل يقول لك : نعم نعلم أن لله تعالى أولياء وأصفياء موجودين ولكن أين هم ، فلا تذكر لهم أحداً إلا أخذ يدفعه ويرد خصوصية الله تعالى له ويطلق اللسان بالاحتجاج على كونه غير ولي الله تعالى)[11].. أي أنهم آمنوا بالتصوف كمبدأ ولم يؤمنوا بأشخاص الصوفية المعاصرين لهم .

2 ــ  وقارن الشاذلي بين الكفر بالله والكفر بالولي الصوفي ، فجعل المنكر على الأولياء كالكافر بربه وجعل الإيمان بالولي كالإيمان بالله ، ويتطرف فيزعم إن الله جل وعلا جعل بعض البشر يسيئون لرب العزة ليكون هذا تعزية للولى الصوفى إذا أنكر عليه بعض البشر . يقول ( لما علم الله عز وجل ما سيقال في هذه الطائفة ( أى الصوفية ) بدأ سبحانه وتعالى بنفسه فقضى على قوم أعرض عنهم بالشقاء، فنسبوا إليه زوجة وولداً وفقراً .. فإذا ضاق ذرع الولي أو الصديق لأجل كلام قيل فيه من كفر وزندقة وسحر وجنون وغير ذلك نادته هواتف الحق في سره : الذي قيل فيك هو وصفك الأصلي لولا فضلي عليك ، أما ترى إخوتك من بني آدم كيف وقعوا في جنابي ونسبوا إليّ ما لا ينبغي لي..)[12] .                         

 إضافة أسماء وصفات إلهية للولي الصوفي:

1- يقول الغزالي (إن سالك الطريق إلى الله تعالى قبل أن يقطع الطريق) يعني أن الصوفي في بدايته (تصير الأسماء التسعة والتسعون أوصافاً له)[13]. أي يوصف بأسماء الله الحسنى . وأسماء الله تعالى الحسنى اختص بها نفسه فهي أسماء وصفات إلهية لا تطلق ـــــ في دين الإسلام ــــ إلا على الله تعالى . أما في عقيدة الاتحاد الصوفية فالصوفي فى بدايته يتمتع بأسماء وصفات إلهية يشارك فيها الله تعالى( قبل أن يقطع الطريق)، وبعدها يكون الاتحاد الكامل في اعتقادهم.

2- وصار عادة الصوفية أن تبدأ ترجمة الصوفي بذكر (أسمائه الحسنى) فيقال عن الشيخ أبى السعود أنه( القطب الغوث الفرد الجامع )[14]. ويقول ابن عطاء في مقدمة لطائف المنن ( أما بعد : فإني قصدت في هذا الكتاب أن أذكر فيه جملة فضائل سيدنا ومولانا الإمام قطب العارفين، علم المهتدين، حجة الصوفية، مرشد السالكين، منقذ الهالكين، الجامع من علم الأسماء والحروف والدوائر، المتكلم بنور بصيرته،الكامل في السرائر، كهف الموقنين ونخبة الواصلين، مظهر شموس المعارف بعد غروبها، ومبدي أسرار اللطائف بعد غروبها، الواصل إلى الله ، والموصل إليه، أبى العباس المرسي)..

3- أ ) والشعراني ترجم في طبقاته لأعلام الصحابة وجعلهم ضمن  الصوفية، إلا أنه اقتصر في وصفهم على الصفات الإنسانية الجميلة ، فيقول مثلاً عن أبي بكر ( اسمه عبد الله بن أبي قحافة .. ومناقبه أكثر من أن تحصى وكان يقول كذا .. ) [15]. ويقول في ترجمة عمر ( واتفقوا على أنه أول من سمى أمير المؤمنين وأجمعوا على كثرة علمه ووفور عقله وفهمه وزهده .. ) [16] .

   ب) بينما خلع على أشياخه الصوفية كل ما يحلو له من الصفات الإلهية ، خاصة إذا كانوا له معاصرين فيقول في ترجمة أبي الفضل الأحمدي ( .. ومنهم أخي وصاحبي سيدي الشيخ أبو الفضل الأحمدي رضي الله عنه صاحب الكشوفات الربانية والاتفاقات السماوية والمواهب اللدنية ، سمعت الهواتف ( أى الوحى ) تقول في الأسحار ما صحبت مثل الشيخ أبي الفضل ولا تصحب مثله . كان رحمة الله عليه من أكابر الأولياء ، وما رأيت أعرف منه بطريق الله عز وجل ولا بأحوال الدنيا والآخرة ، له نفوذ البصر في كل شئ  ، لو أخذ يتكلم في أفراد الوجود لضاقت الدفاتر ، صحبته رضي الله عنه نحو خمسة عشرة سنة . ووقع بيني وبينه اتحاد ) [17]. والاتحاد صفة إلاهية عندهم ، ويقول في ترجمة محمد الجاولي ( ومنه الشيخ الإمام الكامل الراسخ الأمين على الأسرار ، العارف بالله تعالى ، الوارث الرباني ، النوراني الفرقاني العياني ...إلخ ) [18].

   ج) وترجم الشعرانى لأشياخ الطرق السابقين. وهم وإن ماتوا إلا أن أتباعهم والاعتقاد فيهم يملأ عصر الشعراني ، فقال في ترجمة عبد الرحيم القنائي ( هو من أجلاء مشايخ مصر المشهورين وعظماء العارفين، صاحب الكرامات الخارقة والأنفاس الصادقة ، له المحل الأرفع من مراتب القرب والمنهل العزب من مناهل الوصل ، وهو أحد ممن جمع الله له بين علمي الشريعة والحقيقة ، وأتاه مفتاحاً من علم السر المصون وكنزاً من معرفة الكتاب والحكمة .. ) [19]. ويقول في ترجمة الدسوقي (.. كان صاحب كرامات ظاهرة ،ومقامات فاخرة ، ومآثر ظاهرة ، وبصائر باهرة ، وأحوال خارقة ، وأنفاس صادقة ، وهمم عالية ، ورتب سنية ، ومناظر بهية ، وإشارات نورانية ، ونفحات روحانية ، وأسرار ملكوتية ، ومحاضرات قدسية, له المعراج الأعلى في المعارف , والمنهاج الأسمى في الحقائق , والطور الأرفع في المعالي, والقدم الراسخ في أحوال النهايات , واليد البيضاء في علوم الموارد , والباع الطويل في التصريف الناقد , والكشف الخارق, والفتح المضاعف في معنى المشاهدات , وهو أحد من أظهره الله عز و جل إلى الوجود ، وأبرزه رحمة إلى الخلق وصرفه في العالم , ومكنه في أحكام الولاية , وقلب له الأعيان , وخرق له العادات , وانطقه بالمغيبات , واظهر على يديه العجائب )[20].

4 –أ) والملاحظ أن صفات الولي تتزايد بعد موته إذ تزايد أتباعه وشاع الاعتقاد في ولايته وألوهيته وكتبت المناقب في مآثره ومحامده.. فقد ألف البتنوني في شيخه شمس الحنفي كتاب (السر الصفي في مناقب الحنفي ), وكان المؤلف من أصحاب الحنفي وقد وصفه بأنه ( كنز الراغبين , عمدة الطالبين ، قرة عين العابدين ..كهف الفقراء والمساكين، ذو العطاء والجود ، عين الوجود، قطب دائرة الكون)[21].

وقد توفى الحنفي 874هـ " وجاء الشعراني فترجم له في القرن العاشر معتمداً على كتاب مناقبه،  إلا أنه أفاض في وصفه تبعاً لزيادة الاعتقاد في الحنفي في القرن العاشر، يقول في ترجمته ( كان رضي الله عنه من أجلاء مشايخ مصر وسادات العارفين، صاحب الكرامات الظاهرة والأفعال الفاخرة ،  والأحوال الخارقة ، والمقامات السنية ، والهمم العلية، صاحب الفتح المؤنق، والكشف المحترق ، والتصدر في مواطن القدس، والرقي في معارج المعارف، والتعالي في مراقي الحقائق ، كان له الباع الطويل في التصريف النافذ، واليد البيضاء في أحكام الولاية،  والقدم الراسخ في درجات النهاية، والطود السامي في الثبات والتمكين، وهو أحد من ملك أسراره، وقهر أحواله وغلب على أمره ...، وهو أحد من أظهره الله تعالى إلى الوجود، وصرفه في الكون ، ومكنه في الأحوال ، وأنطقه بالمغيبات ، وخرق له العوائد، وقلب له الأعيان ، وأظهر على يديه العجائب، وأجرى على لسانه الفوائد، ونصبه قدوة للطالبين ..)[22]. ونرى الشعرانى يكرر بعض ما قاله سابقا فى مناقب ابراهيم الدسوقى .

 ب) وقد وصف ابن عطاء شيخه الشاذلي بأنه ( علم المهتدين ، زين العارفين ، أستاذ الأكابر ، المنفرد في زمنه بالمعارف السنية والمفاخر، والعالم بالله والدال على الله ، زمزم الأسرار ، ومعدن الأنوار ،القطب ، الغوث، الجامع) [23]. وانتشرت الطريقة الشاذلية وفروعها ونشرت الاعتقاد في الشاذلي فتضخمت صفاته فقيل عنه في كتاب (المفاخر المآثر العلية والمآثر الشاذلية) في العصر العثماني ( السيد، الأجل الكبير ، القطب الرباني ، العارف، الوارث، المحقق بالعلم، الحمداني، صاحب الإشارات العليا، والحقائق القدسية ، والأنوار المحمدية، والأسرار الربانية ، والمنازلات العرشية، الحامل في زمانه لواء العارفين ، والمقيم فيه دولة علوم المحققين، كهف الواصلين، وجلاء قلوب الغافلين، منشئ معالم الطريقة ، ومظهر أسرارها ، ومبدئ علوم الحقيقة بعد خفاء أنوارها، ومظهر عوارف المعارف بعد خفائها، الدال على الله ، أوحد أهل زمانه علماً وحالاً ومعرفة ومقالاً، الشريف ، الحسيب النسيب ، ذو النسبتين الطاهرتين الروحية والجسمية،  والسلالتين الطيبتين الغيبية والشاهدية، والوارثتين الكريميتين الملكية والملكوتية، المحمدي العلوي الحسني، الكريم العنصرين، فحل الفحول ، أدام السالكين، ومعراج الوارثين الذي تغنيك سمعته عن مدح أو قول منتحل، الأستاذ، المربي ، الكامل أبو الحسن الشاذلي)[24].

 5- أ) وقبل العصر المملوكي وضع الصوفية مفاهيم للولي العارف نابعة من عقيدة الاتحاد .. فقيل عنه أنه (داخل معهم ، بائن منهم ) أو ( عبد كان فبان)[25]. أي كان معهم بشراً ثم انقطع عن بشريته بالاتحاد بالله . أو ( هو الذي لا يكدره شئ، ويصفو به كل شئ)[26] أو ( الذي لا تقله الأرض ولا تظله السماء)[27]وهو بالنسبة لله تعالى( لون الماء لون إنائه إن صببته في إناء أبيض خلته أبيض، وإن صببته في إناء أسود خلته أسود .. وولي الأحوال وليه)[28]. وقال الجنيد عن العارفين ( ذهبوا عن وصف الواصفين )[29]. فهي صفات إلهية..

ب) وورد في الإحياء  أن ( من شرب كأس الرياسة فقد خرج عن إخلاص العبودية )[30] . وإن بعضهم – لم يحدد الغزالي اسمه – قال ( إني أقول يا رب يا الله فأجد ذلك على قلبي أثقل من الجبال، لأن النداء يكون من وراء حجاب وهل رأيت جليساً ينادي جليسه )[31] . وذلك تصريح بالألوهية .

وتلك الصفات الإلهية التي خلعوها على الولي الصوفي جعلت بعضهم يترفع عن بعض مصطلحات الصوفية ويتطرف فى إدعاء الألوهية الكامل يفضل نفسه عن بقية الصوفية ، فورد في الإحياء أنه ( قيل لبعض العارفين : إنك محب فقال : لست محباً ، إنما أنا محبوب والمحب متعوب، وقيل له أيضاً : الناس يقولون أنك واحد من السبعة فقال : أنا كل السبعة ، وقال بعضهم يعني نفسه : ليس العجب ممن يرى الخضر ولكن العجب ممن يريد الخضر أن يراه فيحتجب عنه)[32]. والغزالي لم يعرفنا بأصحاب هذه الأقوال ، والمهم أنه يعبر بها عن رأيه في ألوهية الولي الصوفي ، بل أكد ذلك شعراً يقول [33]. ( قيل في وصف العارف ) : -

                   قريب الوجـد  ذو مرمى بـعيد           عن الأحرار منهم والعبـيد

                  غريب الوجـد ذو عـلم غريب              كأن فؤاده زبر الحديــد

                  لقد عـزت معـانيه وجلــت                عن الأبصار إلا للشهيــد

                  يرى الأعياد في الأوقات تجري             له في كل يوم ألف عيــد 

 وهى أوصاف فوق البشرية . وأعتقد أن الغزالي كان يتخفى وراء كلمات ( قيل لبعض العارفين) أو ( قيل في وصف العارف ) .

6- وتلك الصفات الإلهية للولي الصوفي – وقد جاءت في كتب صوفية معتدلة كاللمع والإحياء – من شأنها أن تؤثر عملياً في وصف أشياخ التصوف في العصر المملوكي ، وتظهر في مفاهيمهم عن الولي .. يقول الشاذلي ( لكل ولي ستر أو أستار نظير السبعين حجاباً التي وردت في حق الحق تعالى حيث أنه لم يعرف إلا من ورائها، فكذلك الولى )[34] .  وقال على وفا ( زيارة العارف ( الولى الصوفى )  تُذكّر بالحي الذي لا يموت )[35]. فقد زاوجوا بين صفات الله والولي الصوفي وأثبتوا المساواة بينهما ، حتى لقد قال المرسي ( لو كُشِف عن حقيقة الولي لعُبِد (أي عبده الناس) لأن أوصافه (أي الولي ) من أوصافه (أي الله) ونعوته من نعوته)[36]. والمرسي متأثر بشيخه الشاذلي الذي جعل من الولي اسم الله الأعظم[37].. ثم كان التصريح بألوهيته للولي في قول كاتب مناقب الوفائية ( الفاحشة لا تصدر إلا  ممن هو في الصور البشرية . وأما سادتنا رضي الله عنا بهم فهم مقدسون عن صفات الأبشار (جمع بشر) ولم يرهم في صورة البشر إلا من هو بشر )[38]. وقال ( الوجود وما حوى ملك لسيدي)[39]. ونتمعن معنى التأليه فى قوله ( رضى الله عنا بهم ) ، وهى عبارة تتكرر فى كتب المناقب .

 وكان شيخه على وفا يقول عن مريديه ( لم أجد إلى الآن مريداً صادقاً يتقرب إلى حقيقة حقه عندي بالنوافل حتى أحبه، ولو وجدته لوافيته بحقه فأحببته فكنت هو )[40]. ويقول (لسان حال كل أستاذنا ناطق بالحق المبين ، يقول لكل مريد صادق تقرب إلىّ حتى أحبك ، فإذا أحببتك رأيتك أهلاً لي، فظهرت فيك بما أنت مستعد له . فافهم. ) فلم يكتف بإدعاء الألوهية الكاملة بل ودعا المريدين إلى حبه وعبادته حتى يمن عليهم بالاتحاد بهم شأن تصويرهم لله في عقيدة الصوفية..

7 –ومعلوم أن الأسماء الحسنى حق لله وحده لا يشاركه فيها أحد من خلقه.. وأسماء الله الحسنى ، وصفاته الإلهية يتعبد المسلم بترديدها في تسبيحه لربه: ( وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)الأعراف 180 ) ،  (قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى )الإسراء 110) . ذلك شأن المسلم الذي يرفض أن تطلق صفة مقدسة أو اسم من أسماء الله الحسنى على غير الله تعالى .

 وبعد .. فقد توسع الصوفية في إسناد الفعل بعد الاسم والوصف، أي أنهم بعد أن أطلقوا على أنفسهم الأسماء والصفات الإلهية قاموا بإسناد أساطير لأوليائهم ليشاركوا الله تعالى في ملكه وتصريفه في ملكوته.

تعالى الله جل وعلا عما يقولون علواً كبيراً .

 الولي الصوفي ــ فى زعمهم ــ  بين السماء والأرض :

يقول تعالى عن تمام سيطرته على الأرض والسماء ( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ) الزخرف84) . وجاء بصوفية ينافسون الله في ملكه في الأرض والسماء. يقول الغزالي ( جميع أقطار ملكوت السماوات والأرض ميدان العارف يتبوأ منه حيث يشاء، من غير حاجة إلى أن يتحرك إليها بجسمه وشخصه، فهو من مطالعة جمال الملكوت في جنة عرضها السماوات والأرض ، وكل عارف له مثلها من غير أن يضيق بعضهم على بعض أصلاً ، إلا أنهم يتفاوتون في سعة منتزهاتهم بقدر تفاوتهم في اتساع نظرهم وسعة معارفهم .. ولا يدخل في الحصر تفاوت درجاتهم )[41]. الغزالى هنا ينتحل للولى العارف الصوفى بعض ما قاله رب العزة عن ذاته جل وعلا :( قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88) المؤمنون )( فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83) يس) (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) البقرة  )( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) المُلك ). المشكلة أن أولياء الصوفية ( العارفين ) كثيرون بالآلاف ، فكيف يتسع لهم الكون ليتصرفوا فيه ؟ ويأتى الغزالى بالحل السحرى ، وهو (وكل عارف له مثلها من غير أن يضيق بعضهم على بعض أصلاً ، إلا أنهم يتفاوتون في سعة منتزهاتهم بقدر تفاوتهم في اتساع نظرهم وسعة معارفهم .. ولا يدخل في الحصر تفاوت درجاتهم . )

 2- وذلك التفاوت  الذي أشار إليه الغزالي كان مبعث التنافس والتزايد بين صوفية العصر المملوكي ، كل منهم يسابق الآخر في إعلاء درجته في الأرض والسماء وما بينهما ..

 أ) الفرغل هو فلاح صوفي أمّى جاهل لا يحفظ القرآن الكريم من قرية أبى تيج فى الصعيد ، ومع ذلك إشتهر بالولاية ، وكتب بعضهم كتابا فى مناقبه ، نقل فيه عنه مزاعمه الخرافية ، ومنها أنه ( يعرف أزقة السماء كما تعرف أم حسن الدلالة أزقة أبي تيج)[42]. ( وأن السماء لم تحوه والأرض لم تطوه) [43]. ولا يزال هذا الفرغل يتمتع بالتقديس حتى الآن ، وينتشر بين المصريين إسم ( فرغلى ) نسبة اليه وتبركا به .!! ومعرفة ( أزقة السماء) ادعاها ابن عنان [44]. والنخال[45].

  ب) ويقول الدسوقي أن الدنيا صارت في قبضة يده وهو ابن ست سنين (واكتشفت على شجرة المنتهى وأنا ابن إحدى عشر سنة ، وجلست على الكرسي وأنا  ابن اثني عشر سنة[46] . لذا قال عنه المناوي ( إن قدمه لم تسعه الأرض .. وإن الدنيا جعلت في يده كالخاتم وأنه جاوز سدرة المنتهى ، وجالت نفسه في الملكوت)[47].

ج) وقيل عن الرفاعي : ( عروس الحضرة ، نائم والدنيا في رجله كفردة خلخال)[48]. ومعروف أن الخلخال حلية تلبسها النساء وليس الرجال.!!. وقال عنه الشعراني (كان قطب الأقطاب في الأرض، ثم انتقل إلى قطبية السماوات، ثم صارت السماوات السبع في رجله كالخلخال)[49].

 د) وتوحي بعض الروايات أن الشاذلي ( وإسمه الأصلى : على بن عبد الجبار )  كان في السماء ثم أهبطه الله ( تعالى عن ذلك علوا كبيرا ) إلى الأرض: ( قال الشاذلي : قيل لي : يا على اهبط إلى الناس ينتفعون بك فقلت : يا رب أقلني من الناس فلا طاقة لي بمخالطتهم فقيل لي : أنزل فقد أصحبناك السلامة ورفعنا عنك الملامة..)[50]. وحين ذهب المرسي للقاء الشاذلي (بعد أن هبط إلى الأرض طبقاً لتلك الأسطورة) ، أخبره الشاذلي ثم قال له : ( رُفعت إلىّ منذ عشرة أعوام)[51].

3-وكان بإمكان الولي الصوفي – بزعمهم – أن يطير بين السماء والأرض ربما لأتفه الأسباب ، فالمرسي طار في الهواء ليستوثق من أن خادمه يقول له كذباً أنه سقى له حصانه[52] .

وعرف في الكرامات الصوفية( الفقراء الطيارون) أو رواد الفضاء بالمصطلح الحديث، فقيل مثلاً أن الشيخ البسطامي أولم وليمة فاخرة للفقراء الطيارين، وجاءوا بالليل وتساقطوا من الهواء عليها والتهموها[53]. وكان الأولياء الفقراء الطيارون يطيرون إلى بغداد للقاء عبد القادر الجيلي[54]. وبعضهم كان ينقذ الأولياء الآخرين عند الحاجة كما حدث للشيخ حسن الطراوي الذي فقد ماء الوضوء فنزل عليه أحدهم من السماء( وفي عنقه قربة ماء مملوءة من بحر النيل)[55]. وهى كرامات مضحكة تنم عن جهل خارق .

4-وطمح الصوفية لمزاحمة الرحمن تعالى في عرشه، يقول الشعراني ( الأولياء تطمح أبصارهم حتى تحيط بالعرش) [56]. وأبو العباس المرسى الذي كان يطير في الهواء- وصل في تطوافه إلى العرش، يقول( جلت في ملكوت الله فرأيت أبا مدين متعلقاً بساق العرش، وهو رجل أشقر أزرق العينين)[57]. وأعلن المرسى أنه يعرف العرش أتم معرفة فيقول يحلف بالله جل وعلا كذبا ( والله أني لأعرف العرش كما أعرف كفي هذه)[58]. وحين أقسم بعض المنافقين كذبا بالله جل وعلا وصفهم رب العزة بأنهم يهلكون أنفسهم ــ لمجرد أنهم أقسموا كذبا فى موضوع التخلف عن الجهاد: (لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمْ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوْ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42)  ) التوبة ) ، فكيف بمن يقسم كذبا فى حق من حقوق الرحمن وفى معرفته بعرش الرحمن ؟

وأطلق المرسى على تلميذه ياقوت الحبشي لقب(العرشي) نسبة للعرش فاشتهر بهذا اللقب فقيل فيه (سماه المرسى بالعرشي لأن قلبه دائماً كان ينظر إلى العرش، وليس في الأرض إلا بدنه)[59].  وعرف الصوفية التزايد في الادعاءات حول العرش، فقد أعلن عبد القادر النقاد للشاذلي أنه رأى مقامه عند العرش، فقال الشاذلي – كأنه استقل ذلك – (هذه الطينة أرضية، والنفس سماوية، والقلب عرشي، والروح كرسي، والسر مع الله بلا أين، والأمر يتنزل فيما بين ذلك، ويتلوه الشاهد منه )[60]. فلم يدع الله مجالاً معه في عرش أو كرسي .

وكان الخضري- وهو صوفي مجهول(ت907 ) يقول ( لا يكمل الرجل عندنا حتى يكون مقامه تحت قوائم العرش دائماً، وتكون الأرض كلها بين يديه كالإناء الذي يأكل منه, وأجساد الخلق كالبلور يرى ما في بواطنها )[61].وما دام ذلك الخضري قد زعم احتلال قوائم العرش فبإمكانه حينئذ أن يدعى التحكم في الأرض وسكانها.

 وأراح الدسوقي نفسه من عناء المنافسة فأعلن ( أنا العرش أنا الكرسي أنا اللوح أنا القلم ) [62].ويقول الدسوقي إن الله تعالى قال عنه (يا أولياء الله أشهدكم بالله إن من زاره فقد زارني فإنه من نوري..) [63]..

   5-هذا .. والعرش الذي جعله الصوفية مجالاً لأهوائهم , هو عرش الرحمن الموصوف  بالعظمة والكرم شأن صاحبه تعالى  (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْش الْعَظِيمِ ) .النمل26 )

( وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) التوبة129 ) ، ( فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ...المؤمنون 116) ووصف تعالى نفسه بأنه صاحب العرش (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ)غافر15)، و رب العرش جل وعلا يتنزه عما يصفه به المشركون : ( فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ )  الأنبياء22).

   الولي الصوفي لا يأكل ولا ينام ولا يختلط بالبشر ، وكلامه مقدس كأنه قرآن :

 1- الأكل والشرب والنوم ضروريات بشرية.. وليس من صفات الخالق تعالى أن يأكل ( قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ.. الأنعام 14). وليس له أن ينام (..لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ.. البقرة 255), وزاد الصوفية على ذلك العزلة عن البشر واجتنابهم طالما يطمحون للسمو فوق البشرية إلى الأُلوهية..

وقد جعل الغزالي من صفات الولي : السهر والجوع والصمت والخلوة ليشابه الله أو على حد قوله ( ليسمع نداء الحق ويشاهد جلال الحضرة الربوبية )[64].ويقول عن قلة النوم (إذا كان النوم بقدر الضرورة يكون سبب المكاشفة بالأسرار ) يقصد العلم الإلهي اللدني. وعن الجوع يقول (مقصود المريد إصلاح قلبه ليشاهد ربه ويصلح لقربه .. أما الجوع فإنه ينقص دم القلب ويبيضه وفي بياضه نوره، ويذيب شحم الفؤاد وفى ذوبانه رقته، ورقته مفتاح المكاشفة)، ويقول عن الخلوة ( فائدتها دفع الشواغل وضبط السمع والبصر .. ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق ويشاهد جلال الحضرة الربوبية)  وفي العصر المملوكي طبقت تعاليم الغزالي فيما يخص الاعتقاد فيمن يدعي العزلة وعدم الأكل والشرب  مدة طويلة أو يشتهر عنه ذلك ، فقيل مثلاً في ترجمة أبي على حسين الصوفي 891 أنه ( مكث بخلوة في غيط خارج باب البحر أربعين سنة لا يأكل ولا يشرب  وباب الخلوة مسدود ليس له إلا طاقة يدخل منها الهواء، ثم خرج بعدها وأظهر الكرامات والخوارق )[68]. أي أنه بعد أن تخلص من (الحجاب) البشري (الكثيف) خرج للبشر إلاها بمؤهلات إلاهية وخوراق وتصريف في ملك الله تعالى ..

 2- وصار تقليداً صوفياً أن يدعى الشيخ أو يشتهر عنه أنه امتنع عن الأكل والشرب أو النوم أو هما معاً مدة طويلة من الزمن قد تصل إلى أشهر وسنوات تبعاً لكمية الكذب التي تفيض بها الأسطورة .. فمعلوم أن طاقة البشر في الامتناع عن ضرورات الأكل والشرب والنوم محدودة بزمن معين،ومعلوم – أيضاً – أن الصوفية بشر يسري عليهم ما يسري على البشر من خضوع لقوانين الله تعالى في خلقه. وبهذا فإننا نحكم على تلك الروايات – قبل سردها - بأنها كاذبة لمناقضتها لقوانين البشر وتحملهم . وقد قيل عن ابن خفيف أنه ( ظل أربعين يوماً بلا طعام ولا شراب)[69] . و(ابن خفيف)  هذا أمره (خفيف) فقد كان في بداية التصوف ولا يتحمل عصره أكذوبة أكثر من هذه .وبمرور الزمن وانتشار التصوف وازدياد نفوذه ازدادت الأكاذيب وإزدادت بها مدة الجوع فقيل عن ابن عمر التباعي ( ت702 ) أنه ( كان يمكث الأشهر لا يأكل ولا يشرب . وفي السنة التي توفى فيها أقام سبعة أشهر ما ذاق فيها طعاماً)[70]. وواضح أن هذه الأسطورة سبكها سدنة ضريحه بعد موته حتى يتضخم تأليهه ويتكاثر زوار ضريحه . وجاء القرن التاسع فعد من كرامات ابن عرب الصوفي ( ت 830) أنه ( أقام أكثر من عشرين سنة لا يشرب الماء أصلاً)[71]. .

   4- وعن النوم قيل في الإحياء أن الحريري ( مكث سنة بلا نوم ولا كلام)[72]. وأن ابن عياش مكث أربعين عاماً (لا يضع جنبه على فراش)[73]. أما في العصر المملوكي فقد تفاوتت الأرقام تفاوتاً عجيباً .. فيقال عن على ِالكازروني 960 أنه (ربما مكث الخمسة شهور أو أكثر لا يضع جنبه الأرض لا ليلاً ولا نهاراً)[74]. وقد سأل الشعراني شيخه الخواص عن قوله تعالى (لا تأخذه سنة ولا نوم ) هل خلع الله  هذه الصفة على أحد من عباده المقربين فأجاب ( نعم عيسى بن نجم الذي مكث سبعة عشر عاماً لم يغمض له جفن في ليل أو نهار )[75]. وقيل عن سلمان الحانوتي ( مكث نحو سبعة وثلاثين سنة لا يضع جنبه الأرض كما أخبر بذلك ..)[76]. وطبعاً أخبر بذلك فصدقوه .وابن المؤذن ( مكث أربعين سنة لا يضع جنبه على الأرض بالليل)[77]. وطبعا لا يضع جنبه الأرض بالنهار أيضاً .. أما علي العياشي فقد ( مكث نحو نيف وسبعين سنة لا يضع جنبه الأرض إلا من مرض شديد)[78]. وذلك المرض الشديد استثناء لطيف حتى نصدق أن إنساناً يظل أكثر من سبعين عاماً بلا نوم .ويمكن أن تقول أن الشيخ خلف من أصحاب البدو حطم كل تلك الأرقام القياسية فقد كان (لا يضع جنبه الأرض ليلاً ولا نهاراً طيلة حياته)[79] .

5 ــ وبعضهم جمع بين الجوع والسهر والعطش أو اثنين منها فقد قيل لأبي يزيد البسطامي ( حدثنا عن مشاهدتك من الله تعالى ، فصاح ، ثم قال : ويلكم .! لا يصح لكم أن تعلموا ذلك،) لا بد أن يصيح فيرتعبوا منه ويستعدون لتصديق أكاذيبه .! ( .. قيل فحدثنا بأشد مجاهدتك لنفسك فقال : وهذا أيضاً لا يجوز أن أطلعكم عليه ، قيل فحدثنا عن رياضة نفسك في بدايتك ، فقال : نعم، دعوت نفسي إلى الله فجمحت عليّ فعزمت عليها ألا أشرب الماء سنة ولا أذوق النوم سنة فوفت لي بذلك [80]. ) فالبسطامي في بدايته ترك الماء والنوم سنة ، فكيف به بعد أن وصل..؟؟

وقال اليافعي عن أحد أصحابه ( وله إلى تاريخ تأليف هذا الكتاب خمسة عشرة سنة لم يضع جنبه الأرض، ويمكث أياماً عديدة لا يأكل فيها شيئاً)[81].. وذكر في مناقب البدوي أنه كان يطوي أربعين يوماً لا يتناول طعاماً ولا شراباً وفي أكثر أوقاته يكون شاخصاً ببصره إلى السماء[82]. وعيسى بن نجم البرلسي قال المرصفي عنه أنه مكث سبعة عشر سنة ( لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ، وهو على وضوء واحد)[83]. أي لا يتغوط ولا يتبول .. فماذا بقى للبشرية فيه ؟؟

  تقديس كلام الولي الصوفيكأنه قرآن  

عومل كلامه معاملة القرآن .. يقول الشعراني عن شيخه الخواص ، وكان أُمّيّا لا يقرأ ولا يكتب ولا يحفظ القرآن الكريم : ( لا يمكنني استحضار جميع ما سمعته منه من العلوم والمعارف لكثرة نسياني وضعف جناني، فمن سمع من إخواننا شيئاً من أجوبة الشيخ فليكتبه بلفظ الشيخ خاصة ،ولا يتصرف في عبارته فإنه لا مرقى إلى فهم كلامه إلا من السلم الذي صعد منه الشيخ ، وأنّى لأمثالنا ذلك ، وأسأل الله أن يحفظ لساني وقلبي عن الزيغ عن مراده)[84]. ويقول ( فإذا علمت أن الجواب لا يدرك إلا ذوقاً  ذكرت جوابه بلفظه ، من غير شرح لمعناه،  نظير الحروف أول سور القرآن )[85]. ويقول حسن شمة عن رموز الدسوقي في رسائله (ويمكن أن تكون سريانية وكل حرف منها يدل على أسماء على نمط فواتح السور )[86].  

  إسناد علم الغيب الالهى للولي الصوفي:

 أولا :

1 ــ علم الغيب ملك لله وحده ، استأثر به دون خلقه ، إلا أن بعض الأنبياء قد يعطى علم بعض الغيبيات تأييداً له من الله تعالى وإظهارا لبعض المعجزات. يقول سبحانه وتعالى للمؤمنين : ( وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ ) آل عمران 179 ).. والآية ــ أو المعجزة ـــ لا يملكها الرسول ، ولا تأتي منه بدافع ذاتي ، وإنما هي أمر إلهي يظهره الله عليه لإثبات صدق تبليغه عن ربه، لذا فإن الرسول من جانبه لا يدعي علم الغيب إذا لم يعطه رب العزة العلم ببعض الغيب ، يقول نوح عليه السلام( وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ )هود 31 ) ، ويقول محمد عليه السلام ( وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ )الأنعام 50)، ( وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ) الأعراف 188 ). ولو كان محمد عليه السلام يعلم الغيب – مثلاً – لما أصيب في أُحد، ولما استشار أصحابه ، ولما وقع فيما استوجب عتابه في القرآن الكريم.  

2 ـ والله جل وعلا هو الذى يُخبر بالغيبيات ، وقد جاء فى القرآن الكريم بعضها فيما يخص الماضى والمستقبل ، ولكن أمرالله جل وعلا خاتم النبيين عليهم السلام أن يعلن أنه لا يعلم بعض الغيب الذي علمه بعض الرسل قبله ( قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً{25} عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً{26} إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ)  الجن). وإبراهيم عليه السلام بسبب جهله بالغيب  لم يتعرف على الرسل الملائكة الذين أتوا متجسدين فى صورة بشر ، وظنهم بشراً فقدم لهم الطعام (وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ {69}  فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ{70} هود 69 ، 70 ). ونفس الحال مع لوط عليه السلام، ظنهم بشرا رجالا فخشى أن يتعرض لهم قومه المشهورون بالشذوذ الجنسى (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) هود ).

3 ـ وحديث القرآن الكريم عن الغيب الالهى المسند لله جل وعلا يأتي بأسلوب القصر- وهو الأسلوب المتبع في الصفات الالاهية التي تخص الله وحده ، كالألوهية مثل (لا إله إلا الله ) ومستلزماتها من علم الغيب وتصرف في الملكوت. يقول تعالى ( قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ.) النمل 65 ). (وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ )هود 123 ، النحل 77).( إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ  (20) يونس ).( لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) الكهف 26 ). ولتعلق الغيب بالله تعالى وحده كان المؤمن مطالباً بالإيمان به تبعاً لإيمانه بالله تعالى، يقول تعالى (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) البقرة 3 ).

   4- وقد ندد القرآن الكريم بإسناد علم الغيب للأولياء والآلهة المعبودة عند المشركين،  حتى أن بعض آيات إسناد الغيب لله تعالى وحده جاءت في معرض هذا التنديد الموجه للمشركين ، يقول تعالى ( قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) النمل 65 ). فالجاهلون أسندوا علم الغيب للأولياء فأخبر الله تعالى بأنه لا يعلم أحد غيره الغيب ، وأن هذه الأولياء الموتى لا تعرف حتى ميعاد بعثها من القبور. ويقول سبحانه وتعالى ( لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ) الكهف 26 ), وهو تعريض بالمشركين الذين اعتقدوا في أوليائهم التصريف ومشاركة الله جل وعلا فى حكمه وعلمه جل وعلا  الغيب. ومثل ذلك قوله تعالى ( وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ ) هود122 ) وقوله تعالى (وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ{19} وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ{20} أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ{21 .. النحل)..

ثانيا :

1 ـ ثم جاء الصوفية  ــــ شأن المشركين السابقين ــ يسندون لأنفسهم علم الغيب مع بداية التصوف ، يقول الجنيد عن الولي الصوفي أنه ( من نطق عن سرك وأنت ساكت)[87]. أي يعلم سريرتك وما تخفيه الصدور. وعلم الغيب متصل بعقيدة الاتحاد الصوفية ، فالحجاب إذا زال عن قلب الصوفي واتحد بالله – في زعمهم – علم غيب الله وأدرك السر الإلهي.يقول الغزالي ( القلب قد يتصور أن يحصل فيه حقيقة العالم وصورته، تارة من الحواس وتارة من اللوح المحفوظ ، فمهما ارتفع الحجاب بينه وبين اللوح المحفوظ رأى الأشياء فيه وتفجر إليه العلم منه فاستغنى عن الاقتباس من داخل الحواس ، فإذا للقلب بابان.. باب مفتوح إلى عالم الملكوت وهو اللوح المحفوظ وعالم الملائكة، وباب مفتوح إلى الحواس الخمسة المتمسكة بعالم الملك والشهادة ، وعالم الشهادة والملك أيضاً يحاكي عالم الملكوت نوعاً من المحاكاة، فأما انفتاح باب القلب إلى الاقتباس من الحواس فلا يخفى عليك ، وإما انفتاح بابه الداخل  إلى عالم الملكوت ومطالعة اللوح المحفوظ فتعلمه علماً يقيناً بالتأمل من عجائب الرؤيا واطلاع القلب في النوم على ما سيكون المستقبل أو كان في الماضي من غير اقتباس من جهة الحواس، وإنما ينفتح ذلك الباب  لمن انفرد بذكر الله تعالى )[88]. ويقصد بهم الصوفية ، فهو القائل (إن البحث عن الأسرار الإلهية لم يستقل بها إلا الأنبياء والأولياء)[89]. وعن الحسنات والسيئات والعفو والتقوى يقول الغزالي ( وهذا كله قد انكشف لأرباب القلوب انكشافاً أوضح من المشاهدة بالبصر)[90] . وأسند الغزالي علم الغيب لأولياء الصوفية كالخراز والشبلي وغيرهما[91] . وكما أمر الله جل وعلا المؤمنين بالإيمان بالغيب طالب الغزالي الناس بالإيمان بغيب الأولياء وعلمهم اللدني كما سبق في مبحث الإيمان بالأولياء . ونقل اليافعي عن الغزالي وغيرهم علم أشياخ الصوفية الأوائل بالغيب بل وأسنده إلى صوفية مجهولين [92].

2 ـ وفي العصر المملوكي – حيث ازدهار التصوف – أصبح  علم الغيب أو الكشف – سمة لازمة للصوفي ، ويوصف بها الولي بحكم العادة. يقول الشعراني ببساطة (من كُشف حجابه من العارفين علم أحوال أهل الجنة علما لا شك فيه، لخروجه عن حجاب بشريته )[93] . أي أنه يعترف بأن الصوفي خرج عن بشريته – أي أصبح إلهاً – وعرف الغيب الذي لا يعرفه البشر العاديون .وقد كان بعض الصوفية يتحرج من إدعاء الغيب الذي أورده الله تعالى في سورة لقمان :( إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) لقمان 34) على أساس أنها من خصائص الحق تعالى ، وقد حاول الشعراني خرق هذه القاعدة الصوفية المعتدلة بحجة أن النبي عليه السلام ربما أعطي علمها .وهذا كذب فالنبى لا يعلم الغيب . يقول الشعراني ( وقيل أن النبي أعطي علمها وأًمر بكتمها فإن صح ذلك جاز أن يكون لورثته من بعده ) [94]. ولم يقل لنا الشعرانى من قال هذا ، أى إنه هو القائل، والورثة هم الصوفية طبعاً ، ويستمر الشعرانى فى إفتراءاته :( وزعم بعض العارفين أن في الآية اضماراً للاستثناء فيطلع من اختصه)[95]. وعلى ذلك عرف الشاذلي أنه سيموت في حميثرا واستعد لذلك[96].

3 ــ  ومن دواعي ادعاء الكشف عند الصوفية ذلك الإنكار عليهم الذي لازمهم ، فالصوفي  يحس أو ينتظر بادرة الإنكار عليه التي قد تظهر على وجه المنكر أو تشي بها حركاته فيسارع الصوفي بإخبار المنكر بما دار في عقله ، فيقتنع صاحبنا بأن الصوفية على حق في معرفتهم الغيب وينسى حقائق القرآن الكريم. وتردد ذلك كثيراً في الأقاصيص الصوفية ، واتخذ منه الصوفية تكأة للادعاء بالاطلاع على مكنون الصدور والتحذير من الإنكار القلبي عليهم منذ بداية التصوف ، فيقول أحمد ابن الحواري ت230 ( احذر أيها المريد أن تجالس أحداً من الفقراء جواسيس القلوب، وربما دخلوا قلبك وخرجوا، فعرفوا ما فيه وأنت لا تعلم )[97]. وقد اتخذ العصر المملوكي من هذه الشهرة الصوفية بمعرفة السرائر حجة أخرى تضاف إلى رصيدهم في التعالي على الفقهاء السنيين ، وفي نفس الوقت يتحاشون بها الإنكار عليهم ، يقول الخواص الصوفي الأمي (عليكم بحفظ لسانكم مع علماء الشريعة، وعليكم بحفظ قلوبكم مع الأولياء)[98]. ويقول أفضل الدين الشعراني الأخ الأكبر لعبد الوهاب الشعرانى : (عليكم بحفظ لسانكم مع أهل الشرع فإنهم بوابون لحضرة الأسماء والصفات، وعليكم بحفظ قلوبكم من الإنكار على أحد من الأولياء فإنهم بوابون لحضرة الذات، وإياكم الانتقاد على عقائد الأولياء)[99]. أي أن العلماء مجالهم الظاهر أما الأولياء فهم أرباب القلوب ولا مجال للإنكار على عقائدهم..

4 ــ  وتسابق الأولياء الصوفية في دعوى مختلف الغيوب ، فأفضل الدين الشعراني السالف الذكر كان يقول( بواطن هذه الخلائق كالبللور الصافي أرى ما في بواطنهم كما أرى ما في ظواهرهم )[100].  أي أنه ينظر من مرتبته الإلهية إلى (بواطن هذه الخلائق) وهى (كالبللور الصافي) لا تخفى عليه، ومثله محمد الخضري وإن زاد عليه في نظرته للأرض جميعاً والخلائق معها يقول (الأرض بين يديّ كالإناء الذي آكل منه وأجساد الخلق كالقوارير أرى ما في بواطنهم )[101].   وإذا كان بعضهم قد تحرج من إدعاء الغيب الذي ورد في سورة لقمان فإن ( على وفا ) خرق هذه القاعدة وادعى أن الله كان يطلعه على ما في الأرحام أو على حسب تعبيره ( ما من نطفة توضع في رحم بيد ملك مخلقة أو غير مخلقة إلا وقد أطلعني الله عليها)[102]. ويلاحظ أنه استخدم أسلوب القصر المستخدم في قصر الغيب على الله تعالى في الآيات القرآنية، ثم أفاد العموم بتنكير (نطفة) و(رحم) فكل نطفة توضع في كل رحم (سواء كان بشراً أو حيواناً) لابد أن يطلع الشيخ على وفا عليها .. !!  . ويقول المتبولي( لا تنزل قطرة من السماء ولا يطلع نبت من الأرض إلا علمت به، وعزة ربى هذا أمر أعطيته وأنا طفل)[103].فهنا تجديد قال به المتبولي في دعواه، وهو معرفته الشاملة بكل قطرة مطر وكل نبتة شجر.. وإن ذلك العلم الإلهي قد حظي به مذ كان طفلاً يتبول على نفسه.. !!.  وقد تفوق على المتبولي صوفي آخر من الفقراء الطيارين (رواد الفضاء) يقول (أعطاني الله أنه لا يسقط حيوان من بطن أمه من جن أو إنس ووحش وطير وغيرها، ولا تخرج ورقة من نبات الأرض إلا ويعلمني بذلك قبل ظهوره .. وعزة ربى قد أعطاني الله هذا وأنا دون البلوغ )[104].وإذا كان ذلك دون البلوغ فكيف به وقد خط شاربه؟؟ وكيف وصل تحكمه وعلمه في ملك الله بعد أن بلغ من الكبر عتيا؟؟

 وسبق المرسي الجميع حين ارتفع فوق الأولياء يقول (والله الذي لا إله إلا هو ما من ولى لله كان أو هو كائن إلا وقد أطلعني الله عليه ..)[105].

  5- وكانت المبالغة الطابع السائد في وصف ولاية الصوفي بعد موته، وحينئذ ينال من العلم بالغيوب أعلى الدرجات. فقيل عن أبي السعود بن أبي العشائر( حدّث بإيضاح أحوال الملكوت، وأسماء الملك، وأحوال الآخرة، وتفاوت المنازل والدرجات، وأوزان الرجال، ومراتبهم من آدم عليه السلام إلى يوم القيامة، يذكر له الرجل في المغرب أو في مطلع الشمس فيذكر صورته ووزنه، وما من شيء طرق الأسماع خبره ولا من الغيوب إلا والشيخ أبو السعود يوضح كيف اطلع، وإنه في كل صباح يطلع على أرواح الخلائق، وأنه له نوبة كاسات تضرب له في الأرض وفى كل سماء وعلى العرش )[106].   فماذا بقى لله تعالى في الأرض والسماء والعرش والخلق وعلم الغيب !! ؟؟. .وواضح أن الصوفية السابقين يزاحمون الله تعالى في وصفه لذاته بقوله جل وعلا : ( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) الأنعام 59) .( اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِي (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) الرعد )( يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2) سبأ ).

  6- بيد أن المبالغة في تضخيم مقدرة الولي على معرفة الغيب أوقعت الصوفية أحياناً فيما يستوجب السخرية ، ونقصد سخرية القارئ اليوم لا في العصر المملوكي حيث كان يُنظر بالتقديس إلى الولي الصوفي ومبالغاته مهما تضخمت ، فقيل مثلاً أن الفرغل كان يخبر بالمغيبات ويقول (والله لولا لسان الشريعة لأخبرتكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم )[107]. فالفرغل يحتج بحجة الشريعة حتى لا يثبت عليه الجهل بالغيب حين يخبر الناس بما يأكلون وما يدخرون فيحكموا على كذبه وادعائه .ثم أين الشريعة واحترامه لها حين يدعي لنفسه علم الغيب؟ ثم أين هو من الشريعة وقد كان جاهلاً لا يقرأ القرآن [108].

 وذكر في مناقب البدوي أن هلال مئذنته ينبئ بالأخبار فنقل عن الشعراني أنه قال (ومما رأيته أني كنت جالساً على سطح المقام (مقام البدوي) وقت الزوال فرأيت هلال قبة سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه يدور يزعق كالحجر العظيم من حجارة المعصرة الذي ليس تحته حب , فدار نحو ثلاث دورات, ثم جاء الخبر بنصرة السلطان سليمان بن سليم من آل عثمان على أهل رودس في ذلك الوقت , وكذلك ما سمعنا تابوته يفرقع ويزعق إلا ويحدث في المملكة أمر  ) [109].أي أن الصوفية توسعوا في إسناد علم الغيب فجعلوا قطع الحديد والحجر تنبئ بالغيب طالما أقيمت على رفات ولي صوفي. ويقول الشعراني في ترجمة أحمد الزاهد أنه رأى اسمه في أهل النار , وبعد ثلاثين سنة حول اسمه في السعداء [110]..فكيف يكون ولياً يعلم الغيب وهو من أهل النار ؟

 وحفلت ترجمة الشعراني للمجاذيب بطرائف من علمهم الغيبي , ومن ذلك أن أحدهم أعطى التمييز بين الأشقياء والسعداء في هذه الدار [111].أو(أن الله أطلع شعبان المجذوب على ما يقع في كل سنة من رؤية هلالها, فكان إذا رأى الهلال عرف جميع ما فيه مكتوبا ًعلى العباد. وكان إذا طلع على موت البهائم يلبس صبيحة تلك الليلة جلد البهائم ،أو تسخير الجمال لجهة السلطنة يلبس الشال الليف فيقع الأمر كما نوه به)[112].ومعنى ذلك أن عصر الشعراني كان يتحسس علم المستقبل من ملاحظة المجاذيب المعتقدين بأعمالهم البالية وخرقهم الممزقة ..!!

7 ـــ ووصل ادعاؤهم إلى الإطلاع على ما فى  ( اللوح المحفوظ).. يقول الشعراني: ( نهاية كشف الولي أن يطلع على ما كتب في اللوح المحفوظ)[113]. وزعم ذلك كثير من الأولياء، فعبد الرحيم القنائي( نظر في اللوح المحفوظ)[114]. وكان شمس الدين الحنفي يقول لمن يسأله ( لو سألتني شيئاً لم يكن عندي أجبتك من اللوح المحفوظ)[115].وكان إسماعيل الإمبابى(يخبر أنه يرى اللوح المحفوظ، ويقول يقع كذا وكذا لفلان)[116]. ويقول الشعراني عن شيخه الخواص(كان محل كشفه اللوح المحفوظ عن المحو والإثبات، فكان إذا قال قولاً لابد أن يقع على الصفة التي قال . وكنت أرسل له الناس يشاورونه عن أحوالهم فما كان قط يحوجهم إلى كلام ، بل كان يخبر الشخص بواقعته التي أتى لأجلها قبل أن يتكلم )[117]. وفي طبقات الشرنوبي أن عبد القادر الجيلاني اطلع على اللوح المحفوظ ومثله في ذلك الرفاعي ، وفيها الزعم بأن الدسوقي قال عن نفسه ( وتكلمت بما في اللوح المحفوظ وأنا ابن شهر..) (وقرأت جميع ما في اللوح المحفوظ وأنا ابن خمس سنين)[118]. فكيف يكون (اللوح المحفوظ) محفوظاً إذا اطلع عليه أطفال الصوفية ..؟؟ وما وجه تسميته بالمحفوظ ووصفه بالحفظ إذا كان مباحاً لكل صوفي أو لطفل يتبول على نفسه؟!!

  الرد على زعم الصوفية ( الكرامات ) أو التصرف في ملك الله تعالى    

1-  الرسول – كل رسول – مطالب بمعجزة دالة على صدقه، ويُعطى الرسول معجزة  من لدن الله تعالى تشهد بصدق الرسول في إخباره عن ربه .ومع ذلك فالرسول – كل رسول – يؤكد  أنه بشر لا يملك لنفسه – فضلاً عن غيره – نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله . وهذه مقالة كل إنسان. بل أن توقيت ظهور المعجزة على يد الرسول خارج عن إرادة الرسول . فكل ذلك مرجعه لله تعالى (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله ) الرعد 38 )(غافر 78 ).. ( قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ ) إبراهيم 11 ).  ذلك أن لله تمام التحكم  في مخلوقاته (مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ) هود 56 ) فكل دابة من الجراثيم حتى الإنسان لا تخرج بأي حال من الأحوال عن سلطان الله ولا يد لها في الحتميات الخاصة بالميلاد والموت والرزق والمصائب. فالله تعالى لم يخلق الكون ثم يتركه، ، يقول تعالى (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ) الأعراف 54) وهنا أسلوب قصر بتقديم الجار والمجرور على المبتدأ ، ويعني أن عمليتي الخلق والتحكم في المخلوقات قصر على الله تعالى وحده لا يشركه في ذلك أحد غيره : ( مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ) الكهف 26). أي لا شريك له تعالى في حكمه وفي ملكه .غاية ما هناك أن الله جل وعلا ترك للإنسان حرية الايمان والكفر والطاعة والمعصية. وحتى فى مجال هذه الحرية فإن الله جل وعلا يجعل الانسان مسئولا يوم القيامة على هذه الحرية ، لذا يسجل على كل إنسان ما يقول وما يفعل وما فى قلبه من إيمان أوكفر ومن خطرات ووساوس ليحاسبه يوم القيامة: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20) غافر ) . إنه جل وعلا الرقيب على كل شىء (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (52) الاحزاب ) ، وهو جل وعلا الشهيد على كل شىء:( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (55) الاحزاب ) وهو جل وعلا القيوم القائم على كل نفس بما كسبت، برغم خرافات المشركين الذين جعلوا لله جل وعلا شركاء فى مُلكه ، يقول رب العزة ردا عليهم: ( أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنْ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنْ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) الرعد) .

2-  وقد زعم الصوفية الكرامات أو التصريف في ملك الله ، وثار الجدل حول الكرامات فيما بعد القرن الثالث بين منكر ومؤيد ، حتى إذا أهلٍّ عصر الغزالي تقررت الكرامات ضمن التسليم بدين التصوف والايمان بأوليائه . وإنحصر الخلاف حول من يستحق الوصف بالكرامة لا في مبدأ الكرامة ذاتها . ومهما يكن من أمر فإنه قلّ أن تقرأ لمنكري الكرامة رأياً في أن دعاوى الكرامات أمر جديد في تاريخ المسلمين لم يعرف يقيناً في عصر الخلفاء الراشدين والأمويين والعصر العباسى الأول ، ولم تذكرها المؤلفات الأولى السابقة فى العصر العباسى الأول فى كتب السيرة وكتب التاريخ المعتمدة كطبقات ابن سعد وتاريخ الطبرى والمسعودى . بدأ الحديث عنها خجولا فى العصر العباسى الثانى عندما بدأ دين التصوف فى الانتشار . ومن المضحك أن رواد التصوف الذين أصبحوا مقدسين فى العصر المملوكى تعرضوا الى الاضطهاد فى العصر العباسى الثانى الذى وصل الى قتل الحجاج والسهرورى الاشراقى ، ولم تغن عنهم كراماتهم المزعومة شيئاً .

3 - والأهم من ذلك كله أن الآية الحسية أو المعجزة [119] الحسية قد انطوت صفحتها ببعثة النبي عليه السلام خاتماً للأنبياء ورسولاً عالمياً للبشر في كل زمان ومكان منذ عهده إلى أن تقوم الساعة، ومنطقي أن تكون معجزته على قدر مسئوليته. الأنبياء السابقون    كانوا محليين في زمن معين ومكان معين وقوم بعينهم، فكانت معجزاتهم حسية مُشاهدة ملموسة مادية مرئية ينتهي أثرها بانتهاء الرسول المرسل إليهم. وجاء خاتم النبيين رسولاً عالمياً ، فكان القرآن الآية أو المعجزة الوحيدة التى معه ، وهى معجزة عقلية علمية يتحدى بها الله البشر في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة.

4 ـ وحاولت قريش جهدها أن تطلب آية حسية من الرسول فرفض الله تعالى . ويأتى الرد من رب العزة بأن يقول لهم إنه مجرد منذر: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7)الرعد ) وأن من يشاء الهداية والإنابة يهده الله جل وعلا بلا معجزة حسية ، ومن يشأ الضلال يضله الله جل وعلا ، أى هى مشيئة البشر بلا حاجة لمعجزة :( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الرعد ).  وكانت أسباب الرفض :

4 / 1 : الاكتفاء بالقرآن : ( وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ{50} أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ{51 } إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ العنكبوت). كانوا يكرهون القرآن ، بل ويطلبون قرآنا آخر يسير على هواهم ، وطلبوا ذلك فعلا ونزلت الرد فى قوله جل وعلا : (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (16)  يونس ). أى إن كراهيتهم للقرآن دفعتهم الى طلب آية حسية على سبيل العناد .

ويأتى الرد عليهم فى رفض طلبهم الآية الحسية بالإشارة الى آية القرآن ومعجزته الخالد . يقول جل وعلا عن طلبهم الآية الحسية : (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (37) ثم تأنى الآية التالية تشير الى حقيقة علمية فى القرآن الكريم : ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) ) الانعام ) أو تشير الى أن القرآن الكريم جاء بالبينة عما كان فى الرسالات السماوية السابقة : ( وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى (133) طه ) وأن أهل العلم من الذين أوتوا الكتاب آمنوا بالقرآن حين سمعوه : ( وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) ) المائدة ) (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) الشعراء ) وأن أولئك العلماء كانوا يسجدون عند سماع القرآن : ( قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (108) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (109)  الاسراء )

 4 / 2 : لقد اتهموه عليه السلام بأنه شاعر وإنه إفترى القرآن من عنده ، وأن القرآن أضغاث أحلام وطلبوا آية حسية كما كان يحدث فى عهد الأمم السابقة فقال جل وعلا يرد عليهم بأن الآيات السابقة لم تفلح فى هداية الأمم السابقة ، ولن تهدى الكافرين المعاندين فى عصر خاتم النبيين: ( بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلْ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ (5) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) الأنبياء ). وأقسموا بالله جل وعلا جهد أيمانهم انهم لو جاءءتهم آية فسيؤمنون، فأكد جل وعلا إنه لو أنزل آية فلن تجعلهم يؤمنون ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمْ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) الانعام ) ، وأنه جل وعلا لو أصعدهم الى السماء فلن يؤمنوا وسيقولون إنه سحر أبصارهم : (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنْ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15) الحجر ). ولو أنزل الله جل وعلا من السماء كتابا ماديا حسيا لمسوه بأيديهم فلن يؤمنوا ، سيقولون إنه سحر : ( وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (7) الانعام ) .

4 / 3 : وقد كانت الآية الحسية أو المعجزة الحسية فيما مضى نذير إبادة القوم المنكرين فإما أن يؤمنوا بعدها وإما أن يهلكوا بالصاعقة أو الصيحة وغيرها . وجاء محمد عليه السلام  رسولاً عالمياً فأصبح الإهلاك التام للمنكرين أمراً غير وارد ، فأضيف سبب آخر لرفض المعجزة الحسية، يقول تعالى معللاً منع إرسال الآيات الحسية (وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً )الإسراء 59)..ومن هذا إنهم طلبوا أن يروا الملائكة . والبشر لا يرون الملائكة إلا عند الموت وعند قيام الساعة . وفى الحالتين فإن الكفار لن يروا الملائكة إلا عند إنقضاء الأمر والحكم عليهم بالخسران ، يقول جل وعلا : ( وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ (8) الانعام  )( وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدْ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (22)) الفرقان ).

5 ـ وتنوعت الآيات الحسية التى يطلبونها ونزل الرفض الالهى : (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الأَرْضِ يَنْبُوعاً (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً (93) الاسراء )(وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (8) انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (9) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (10) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (11) الفرقان ).

6 ـ : وكان عليه السلام يحزن بسبب إلحاح المشركين عليه طالبين آية حسية ، وعدم إستجابة ربه تعالى لإنزال آية حسية، بل قال له جل وعلا : ( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ{33} وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ{34} الانعام ) ثم قال له جل وعلا تأنبيا له إنه إذا إستعظم عليه إعراضهم وإلحاههم فى طلب آية حسية فليتصرف هو من نفسه يصعد الى السماء أو يتخذ نفقا فى الأرض، وحذره رب العزة أن يكون من الجاهلين : ( وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ ؟ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ{35} الأنعام )..

7 ـ إن خاتم النبيين ـــ عليه وعليهم السلام ــ كان صاحب دعوة وهب حياته لها ، وكافح وناضل وأوذى وهاجر وجاهد وحارب فى سبيلها . وفى كل ذلك كان يتصرف بجهده البشرى ومعه أصحابه ، وكان يتعرض للهزيمة وللمكائد والمؤامرات ، ولم تكن لديه كرامات ومعجزات حسية يستعين بها فى كل معاناته . كان معه القرآن فقط ، ينزل عليه يخبره أحيانا ببعض مكائد أصحابه من المنافقين ، ويحكم رب العزة أحيانا بكفر بعضهم وما فى سرائرهم دون فرض عقوبة دنيوية عليهم إكتفاءا بما ينتظرهم من عذاب الآخرة إذا ماتوا بلا توبة صادقة. كان عليه السلام كان أحوج الى معجزة حين حوصر فى غزة الأحزاب ، وحين هُزم فى ( أُحُد ) ولكنه كان يتصرف بجهده البشرى ، وقد أمر الله جل وعلا أن يُعد المؤمنون كل ما يستطيعون من قوة مادية وبشرية للدفاع ضد المعتدين (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60) ) الأنفال ) ولو كانت لديه إمكانات المعجزة الحسية ما إحتاج الى كل هذا العناء . هذا شأن الرسول صاحب الرسالة، وصاحب الآية الدالة على صدق نبوته . فما هو هدف من يزعم آيات ( الكرامات )؟ أهو صاحب رسالة بعد خاتم الرسل ؟ والجواب أنه ليس صاحب رسالة، وإنما هو مدعٍ للإلوهية ، فلابد أن يدعي مستلزمات الألوهية ومنها التحكم في ملك الله – تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - ثم يسمى ذلك كرامة..

من مزاعم الكرامات الصوفية بالتصريف فى مُلك الله جل وعلا

  1- أشارت ألقاب كثيرة للصوفية إلى تصريفهم في ملك الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا . وفي (طبقات الشاذلية) تتكرر عبارة ( أقامه الله في الكون، فتصرف في الوجود) في ترجمة الأولياء الشاذلية، ومن ذلك ما قيل في ترجمة النخال (تصرف في مخلوقات الله فقضى وعزل وولى ونصب وحكم[120]. ) وأن أبا العباس الخضري : ( كان في زمنه غوثاً متصرفاً في جميع الموجودات )[121]. وقال صاحب المفاخر العلية عن الجيلاني ( ولّى وعزل ، وهدى وخذل، وأحيا وقتل، وأمرض وأشفى، ومنع وأعطى، ووصل وقطع، حمى ودفع وسلب وحجب وأعطى المحب ما طلب)[122].

2 ــ وهذه مبالغة تكرم ابن عياد الشاذلي مؤلف المفاخر العلية في منحها للجيلاني وكان عصر ابن عياد يجيز هذه المبالغات في وصف تصريف الأولياء.. تبعا لازدياد نفوذ التصوف المضطرد ، ويجدر بالذكر أن الشطنوفي في القرن الثامن قال إن عبد القادر الجيلي قال لأصحابه( إني قد عهدت إليكم: أني قد سُلَّمت إلى العراق، والآن وقد سلمت إليَّ الأرض شرقها وغربها وقفرها وعمرانها وبرها وبحرها وسهلها وجبلها)[123]. وهو أقل مبالغة من وصف ابن عياد الشاذلي .

3 ــ وقال إبن عياد هذا عن شيخه الشاذلي أنه( ظهر بالخلافة الكبرى، والولاية الكثرى، والقطبية العظمى،  والغوثية الفردى، وخصه الله بعلوم الأسماء، ومنَّ عليه بأعلى مقامات الأولياء، وأخص خصوصيات الأصفياء، وانفرد في زمنه بالمقام الأكبر، والمدد الأكثر، والعطاء الأنفع، والنوال الأوسع، وتصرف في أحكام الأولياء ومددها بالإذن والتمكين، وانفرد بسؤددها حق اليقين، وأمد الأولياء أجمعين، وأمَّ بالصديقين، ونال مقام الفردانية الذي لا تجوز فيه المشاركة بين اثنين، وأجمع على ذلك من عاصره من العلماء العارفين والأولياء المقربين[124]. ) أي أن الشاذلي كان متصرفاً على الأولياء أو إلهاً يتحكم في آلهة أقل شأناً منه.. !!   وقال(أبو العزائم ماضي) أن الشاذلي قال :(حقيقة الشيخ مع أصحابه أن تكون يده عليهم تحفظهم حيثما كانوا غائبين أو حاضرين) ويقول(ماضي) أنه اعترض على الشاذلي في نفسه فحدثت له حادثة أذهبت اعتراضه وعرف صدق مقالة الشيخ[125].. هذه لمحات عن الطريقة الشاذلية الموصوفة بالاعتدال !!..

 4 ـــــ وقد ورد في روض الرياحين قصة اثنين من الأولياء( كان لهما مقام التولية والعزلة) في الحكام والملوك، يقول اليافعي (وقد بلغني أنهما سمعا خطاباً من قِبل الحق عز وجل وهو يقول لهما: إذا أردتما أن تفعلا شيئاً فافعلا ولا تسألاني، فإني أكره أن أرى ذل السؤال في وجوهكما )[126].أي أنهما يتصرفان بتفويض كامل من الله حرصاً على ألا يجرح إحساسهما , وأن الله – تعالى عن ذلك علواً كبيراً – أراح نفسه من مشاكل العالم وتركه لهما يتصرفان فيه بدون الرجوع إليه , ونحن بين موقفين إما أن نصدق اليافعي والصوفية في تصرف الأولياء في ملك الله ، وإما أن نصدق الله تعالى الذي ( َلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ) ولا توسط بين الموقفين.. ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ سبأ24..).

   5- ووصل ادعاؤهم إلى التصريف في الملائكة لأنهم وقد ادعوا الألوهية ، فقد شاركوا الله تعالى في التحكم في ملائكته بزعمهم .. ويزعمون أن الشاذلي كان تحت إمرته ألوف الملائكة، فيحكي أبو العزائم ماضي أنه خرج في طريق موحش فتكفل بحراسته ثمانون ألفاً من الملائكة يحفظونه من أمر الله حتى وصل إلى الإسكندرية وكل ذلك ببركة الشاذلي[127].. وبعض الملائكة كانت تهبط على الشاذلي في هيئة طيور أربعة (نزلوا من السماء وساروا على رأسه صفاً ثم جاء إليه كل واحد منهم وحدثه ، ورأيت معهم طيور على قدر الخطاطيف، وهم يحفون به من الأرض إلى عنان السماء ، ويطوفون حوله ، ثم غابوا عنه ثم رجع إلىّ وقال : هل رأيت شيئاً ،قلت : نعم قال : أما الطيور الأربعة فهم من ملائكة السماء الرابعة أتوا ليسألوني عن علم فجاوبتهم عليه وأما الطيور الصغار فهم أرواح الأولياء أتوا إلينا ليتبركوا بنا )[128].

 وادعى بعضهم أن الملائكة تتشفع به فحكى أنه نزل يوماً في حلقة الشيخ عبد الرحيم القنائي (شبح من الجو لا يدري الحاضرون ما هو فأطرق الشيخ ساعة ثم أرتفع الشيخ إلى  السماء، فسألوه عنه فقال : هذا ملك وقع في هفوة فسقط علينا يستشفع بنا ، فقبل الله شفاعتنا فيه فارتفع )[129].وبعضهم كان عنيفاً مع الملائكة – بزعمه – فقد (هاجت الريح ) والزواوي المجذوب (ت835) في مركب ( فأشرفت على الغرق فقام وأمسك بالملك الموكل بالريح فسكن الريح وتحول )[130]..وطرد الشربيني ملك الموت حين أراد قبض (روح ابنه )[131]. وكان الشربيني (من أرباب الأحوال العظيمة ). وقد مرض شيخه مدين مرة ( أشرف فيها على الموت فوهبه من عمره عشرة سنين ثم مات في غيبة الشومي رضي الله عنه , فجاء وهو على المغتسل , فقال : كيف مت وعزة ربي لو كنت حاضرك ما خليتك تموت ) أي تحكم الشومي في ملك الموت وفى ميعاد الموت ، مع أن ذلك محدد بأجل لا يتقدم ولا يتأخر (فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ .. الأعراف آية 34:النحل 61 )،( إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) يونس49 ).( وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11) المنافقون )

6- وقد جعل سبحانه وتعالى صيغة التصريف عنده لفظ ( كن) أي أنه تعالى يقول للشيء (كن) فسرعان (ما يكون ).  وهذه الكلمة لا يقولها قادراً على تجسيدها واقعاً حياً – إلا الله تعالى ،  لذا كان أسلوب القرآن الكريم في التعبير عنها أسلوب قصر بإنما (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) النحل 40 ).(سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) مريم 35).(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) يس 82)   ، ( إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ )غافر 68) فمنه الأمر وقول كن لا يشركه فيها أحدٍ ، لأنه ـــ جل وعلا ــ لا يشرك في حكمه أحداً .

 وعزّ على الصوفية أن يتركوا لله تعالى لفظة ( كن فيكون) فنافسوه فيها أيضاً ، فكان الولي يدعي أنه أعطى حرف (كن) كالجيلي [132]. بل تكرم الخواص فشمل البشر كلهم بعنايته فقال (إن لكل إنسان في باطنه قوة " كن")[133]. ومعنى ذلك أن لا فرق حقيقي بين الخلق والله الحق، وهو تعبير أصيل عن عقيدتي الاتحاد ووحدة الوجود. وقد وضعوا لذلك حديثهم الكاذب "عبدي أطعني تكن عبداً ربانياً تقول للشئ كن فيكون" . وارتبط لفظ (كن) بادعاء الصوفية خرق العادة (يكون للولي خرق العادة حين يعطى حرف كن)[134]. وهو  ما يعبر عنه حيناً (بقلب الأعيان)، ومن ذلك أن البدوي – على زعمهم – قلب الشعير قمحاً [135]. . و( قلب الأعيان ) تعبير صوفى عن كرامات التصريف فى الكائنات والمخلوقات .

زعم الصوفية أنهم يخلقون البشر ويُميتونهم ويحيونهم ويرزقونهم    

 بل قد يصل قلب الأعيان إلى خلق البشر فكان (محمد الشربيني يقول للعصا التي كانت معه كوني إنساناً فتكون إنساناً ويرسلها تقضي الحوائج ثم تعود كما كانت)[136].

   7- وترتيباً على ذلك كان بمقدرة الولي - بزعمهم  - أن يحي ويميت : وإحياء الميت أصعب من إماتة الحي . لذا كان اهتمام الصوفية بإحياء الموتى من البشر والحيوانات . يقول الشطنوفي أن منصور البطائحي أحيا رجلاً افترسه الأسد[137]. ومثله مفرج الدماميني الشاذلي الذي أحيا (قتيلاً لأسد ، وأنِّب الأسد ، وسلخه)[138]، وأحيا على وفا غريقاً كانت أمه تنتحب عند شاطئ الإسكندرية[139]. وقال الشعراني أن المتبولي نادى والد أحد المريدين فخرج الرجل من القبر ينفض التراب عن رأسه حين ناداه الشيخ[140].. وحدث أن مات جمل يركبه مريد ل (علي وفا) ، فأحيا (على وفا ) الجمل إلى أن حج عليه المريد ورجع عليه إلى مصر . يقول المريد وهو راوٍ لتلك الحكاية ( فمن وصوله – أي الجمل – إلى باب النصر وقع ميتاً فعلمت أن محيي الموتى أبقاه للخدمة )[141]. فجعل المريد من شيخه على وفا ( محيي الموتى) ..

 وفي رحلة البدوي للعراق تعرض له الأكراد في الطريق فقال لهم أخوه الحسن ( يا قوم ألزموا الأدب، فنحن من أهل الحسب وأعلى النسب، من قبل أن يقع عليكم الغضب  ويحل بكم العطب وتسكنوا التراب . ثم أومأ إليهم بيده وقال لهم : موتوا بإذن الله تعالى . فوقعوا على أديم الأرض كالقتلى ، قال ثم ألتفت إلىّ وقال يا أحمد هذا فعل الرجال بالرجال . قال فقلت يا أخي الفتوة الفتوة . فقال لي يا أحمد أنت أبو الفتيان ، ثم قال لهم قوموا بإذن من يحيي الموتى ويميت الأحياء قال : فقام الجميع، وقبلوا أقدامنا )[142].

   وفي أسطورة البدوي مع فاطمة بنت برّي عمل لها البدوي راعياً للجِمال، ولما رأته الإبل جاءت اليه ، يقول البدوى فى هذه الأسطورة : (جاءت إلىّ وكرفت رائحتي وقبلت أقدامي وحنت حنيناً وسكبت دموعاً غزاراً فأشرت إليها سيري إلى المرعى فسارت)( فكانت الجمال تنتشر ترعى في الليل وتأتي  بالنهار، وكان عدتها سبعة آلاف جمل.. وفي اليوم السابع قلت في خاطري : اقضي أربي من فاطمة بنت برّي، فالتفت إليّ الجمال وقلت لها موتي بإذن من يحيي الموتى ويميت الأحياء، فمات الجميع )[143]. ولا شك أنها قسوة من البدوي أن يميت سبعة آلاف جمل من معتقديه وأحبابه لكي يقضي أربه من فاطمة بنت برّي .. !!.

والله جل وعلا يرد مقدما على مزاعم الصوفية فى ( الخلق ) يقول جل وعلا : ( قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) الرعد ). هنا إستخدام للحُجّة العقلية : فالله جل وعلا وحده هو خالق السماوات والأرض . ولا يستطيع بشر أن يزعم أنه خالق السماوات والأرض . والله جل وعلا وحده هو خالق البشر ، ولا يستطيع أحد من البشر أن يزعم أنه الذى خلق البشر . وهذه الأولياء الصوفية وغيرهم من الأولياء المعبودة فى الأديان الأرضية هى مخلوقات لا تملك لنفسها ــ فضلا عن غيرها ــ نفعا ولا ضرا . والسؤال العقلى هنا : هل خلقت هذه الأولياء بشرا مثل البشر الذين خلقهم الله جل وعلا بحيث تشابه نوعا الخلق علينا ؟ أم أن الله جل وعلا وحده هو خالق كل شىء وهو الواحد القهار . أسئلة لا يملك العاقل إلا أن يجيب عليها بأن يقول : ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ  ).!!

8- والرزق بيد الله تعالى وحده ، وقد تكفل به لجميع الأحياء(وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا) هود6). حتى لو كانت الدابة لا تستطيع السعي لرزقها فإن الله يرسله لها في مكانها أو ييسر لها الأسباب :( وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ) العنكبوت 60 ).

وكان الجاهليون يؤمنون بأن الرزق من عند الله وحده ، واتخذ القرآن الكريم من تسليمهم  بهذا حجة عليهم في رفض الآلهة التي يعبدونها ( قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ؟ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ؟ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ ؟وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ؟ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ : أَفَلاَ تَتَّقُونَ.) يونس 31 ). إلا أن الصوفية ـــ فى تطرفهم فى الكفر ـــ جعلوا من أنفسهم شركاء لله في تدبير الرزق وتوزيعه على البشر ، فكان الشاذلي يقول (أن الولي إذا أراد أغنى) أى جعل فلانا غنيا بنفسه وبماله. بل ويقسم الشاذلى بالله جل وعلا  كذبا فيقول : ( والله ما بيني وبين الرجل إلا أن أنظر إليه نظرة وقد أغنيته)[144]. ولفظ (الغنى) هنا عام يشمل الجانبين المادي والمعنوي. وهما جميعاً في يد الولي حسب اعتقادهم..

  وفي بداية العصر المملوكي كانوا يعتقدون أن للولي الصوفي دخلاً في تقسيم الرزق فأشيع أن بعض الصيادين في البرلس أساء الأدب على الصوفي إبراهيم البرلسي 719 فقال له الشيخ (لا تظلم تنكسر في معاملتك فقال : عندي من السمك ما يوفي عني  والبحيرة مليئة بالسمك، فأصبح ليصطاد فلم يجد في البركة شيئاً فخضع للشيخ وذُل فعاد السمك)[145]. وهذه الرواية ذكرها الفقيه السنى ابن حجر العسقلانى ، ولم يكن صوفيا ، وإن خضع لمقتضيات عصره المتأثر بالتصوف . وأسندوا لبعضهم تقسيم الرزق بين الحيوانات والطيور في زمن القحط مثل أبي يعزى المغربي[146].. 

 وفي نهاية العصر المملوكي واشتداد تيار التصوف كان شرط المريد ( أن يرى جميع ما هو فيه من الخير ببركة شيخه، لأن كل مريد محبوس في دائرة شيخه لا يمكن أن يتجاوزها ، فلا يُمدّ بمدد إلا وشيخه واسطة له فيه)[147]. ( وإذا علم الشيخ من مريده أنه صار يرى جميع ما بيده إنما وصل إليه ببركة أستاذه وأنه هو وعياله إنما يأكلون من مال ذلك الأستاذ فلا حرج حينئذٍ في الأكل من طعام ذلك المريد)[148]. وكلمة ( المدد ) التى تشكل معلما هاما فى الثقافة الصوفية حتى الآن جاءت من إيمانهم بقدرة الولى الصوفى على أن ( يُمٍدّ ) المريد بالرزق والعطايا .

   وفي عصر الشعراني هذا – كان الناس جميعاً بين شيخ صوفي أو مريدين له، فالحديث عن المريدين يشمل كل المصريين المعتقدين في أشياخهم، بل يشمل الأمراء المملوكيين، وقد جعل الشعراني من أدب الأمير المملوكي مع شيخه ( أن يرى أن جميع النعم التي ترد عليه من بركة شيخه ولا يرى نفسه قد استغنى عن نعمه)[149]. والشعراني مع تظاهره بالتواضع وإخفاء ولايته إلا أنه لم يحرم نفسه من دعوى تصريفه في الرزق ، يقول عن بعض خصومه ( ربيت أنا جماعة فكانوا في أرغد عيشة، فتحركت نفوسهم لمحبة الدنيا فنقص رزقهم عما كان وكفروا بواسطتي لهم في الرزق ، فقلت لهم :إن الله تعالى كما جعل مفاتيح رزقكم بيدي كذلك ربما يجعل المنع بيدي عقوبة لكم..)[150].

 وإذا كان هذا شأن الشعراني الفقيه المتعلم والصوفي المعتدل فكيف بالآخرين ؟ لا نقول لهم إلا مقالة إبراهيم عليه السلام لقومه ( إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) العنكبوت17)

 زعم الصوفية أنهم يملكون الغفران ويتحكمون فى الجنة والنار .!!    

 9ـ و ( غفران الذنوب) أسمج ما ادعاه الصوفية ..

 يقول تاج الدين النخال ( من جاء لي عامداً متعمداً لا ينوي في نهاره إلا زيارتي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)[151].  وفي أحد المجالس قال عبد الظاهر الأخميمي لمن حوله ( إن الله قد غفر لكم أجمعين)[152]. وقد وضع الصوفية قواعد الغفران ، أهمها أن يعترف المخطئ بخطئه للشيخ لكي يغفر له أو يتوسط له عند الله ليغفر له بما يحظى به الشيخ – بزعمهم – عند الله من مكانة ، وكان الاعتراف بالذنب أمام الشيخ من أهم طقوس أخذ العهد الصوفي وقد اعترض على ذلك ابن الحاج وقال (إن في هذا تشبهاً بالقسيسين)[153].

   وفي عصر الشعراني ازداد الاعتقاد في قدرة الصوفية على غفران الذنوب تبعاً لاعتقاد العصر في ألوهيتهم . وتردد في القصص الصوفية مبادرة المريد لقوله : التوبة عند أي خطأ في القول أو القلب .. وفي كتب الشعراني اعترافات كثيرة حتى أنه عدّ من المنن كثرة رفقه ورحمته لمن شكا إليه كثرة محبته للمعاصي وغلبة وقوعه فيها [154]

   وقد جعل الشعراني من أهم آداب الذكر ( أن يظهر المريد جميع ما بقلبه من حسن أو قبح لشيخه حتى يصل إلى درجات الصديقية – وإن لم يظهر ذلك كان خائناً  وحرم الفتح)[155]. وكان ذلك عاماً لكل المريدين شمل كل الأمراء أيضاً إذا شاء سوء طالعهم أن يعتقدوا شيخاً صوفياً ، يقول الشعراني (من أدب الأمير  مع شيخه ألا يكتمه شيئاً من زلاته التي وقع فيها ولو لم يسأله الفقير( الفقير يعنى الشيخ الصوفى ) ، وذلك إذا ذكرها للشيخ فإما أن يرشده للتوبة أو يشفع له عند الله بأن يغفرها له ويؤخر عنه العقوبة والمؤاخذة.. وقال المرصفي لا ينبغي لأمير أن يستحي من ذكر نقائصه لشيخه ليداويه فيها بالتوبة والمغفرة)[156].

 وكان بعض الصوفية يستفيد من الاعتقاد فيه وفي شفاعته فكان يبيع الجنة للناس، فروى اليافعي قصة باع فيها أحدهم بستانه نظير قصر في الجنة، وكتب بذلك صكاً وضع في كفن البائع حين مات[157]. وقال الشعراني أن امرأة جاءت الشيخ مدين بثلاثين دينار ليضمن لها الجنة فقال لها : ما يكفي:  فقالت: لا أملك غيرها ، فضمن لها على الله دخول الجنة[158]

  وأسمج من ادعاء (غفران الذنوب) ادعاء التحكم في الآخرة والجنة والنار. والدسوقي  يقول في كتابه ( الجوهرة ) : ( أنا بيدي أبواب النار غلقتها بيديّ ، أنا بيدي جنة الفردوس فتحتها، من زارني أسكنته جنة الفردوس)[159]. وفي طبقات الشرنوبي تفاصيل أكبر.. تنسب الى الدسوقي قوله في معرض مقدرته على تفسير القرآن الكريم (.. وفكيت طلاسم سورة الزمر فسقت بها للجنة المتقين وإلى النار الكافرين.. وفكيت طلاسم سورة الرحمن وهى صفات الجنة فرأيت صفاتها فأدخلت أتباعي فيها .. وفكيت طلاسم سورة المنافقين فعرفتهم وأدخلتهم النيران.. وفكيت طلاسم سورة نوح فأدخلت قومه النار، وقلت هذا جزاء القوم الكافرين فقالوا من أنت قلت لهم أنا إبراهيم)، ويقول( من كراماتنا أني لما وردت على النار هربت خوفاً مني فرفصتها برجلي فصارت رماداً وصرخت عليها فغلقت أبوابها السبع.. ومنها أني سددت أبواب جهنم السبع بفوطتي وفتحتها لأعدائي وأدخلتهم فيها.. ومنها أني فتحت أبواب الجنة الثمانية بيدي وأدخلت أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيها، ومنها أن صُنج الميزان بيدي أصير حسنات مريدي أثقل من سيئاته، ومسّيت عليها فصارت سيئات المنكرين علىّ أثقل من حسناتهم، ولو كانوا مطيعين . ومنها أني أدخل أتباعي يوم القيامة في الحشر أعلا مرتبة من أتباع غيري..)[160].

  وقال الشعراني في ترجمته ( وكان رضي الله عنه يقول أنا بيدي أبواب النار غلقتها وبيدي جنة الفردوس فتحتها ومن زارني أسكنته جنة الفردوس.. وأطال في معاني هذا الكلام ثم قال رضي الله عنه وما يعلم ما قلته إلا من انخلع من كثافة حجبه وصار مروحناً كالملائكة.. قلت: وهذا الكلام من مقام الاستطالة تعطي الرتبة صاحبها أن ينطق بما ينطق، وقد سبقه إلى نحو ذلك الشيخ عبد القادر الجيلي رضي الله عنه وغيره فلا ينبغي مخالفته إلا بنص صريح ، والسلام )[161]. فالشعراني يرى أنه لا ينبغي مخالفة الدسوقي إلا بنص صريح، ما دام الدسوقي يسير على منهاج الجيلي وغيره في الادعاء بالتحكم في الآخرة. وتهرب الشعراني من إيراد النصوص القرآنية الصريحة التي تهدم افتراءات الدسوقي والجيلي وغيرهما حتى لا يهدهم ركناً أساسياً في التصوف ، وهو تصريف الأولياء الصوفية في الدنيا والآخرة..

 ونود أن نذكر بنصوص قرآنية صريحة تجاهلها الشعرانى ، وهى تقطع بأن يوم الدين ملك لله وحده لا يشاركه فيه واحد من خلقه ملكاً أم رسولاً فكيف بأولياء الشيطان.

يقول سبحانه وتعالى عن يوم الدين ( وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ..البقرة48 )، (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ..البقرة123 ). (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ .. الانفطار19). (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ...لقمان33) .. وكل إنسان  – والأنبياء منهم – إما والد وإما مولود .. فلن يجزي أحد عن أحدٍ شيئاً.. بل يقول تعالى للرسول الخاتم عليه السلام ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ ..آل عمران 128).. بل في ساعة العرض على الله تعالى.. يقف البشر جميعاً مؤمنون وأنبياء ومشركون وكفرة  أمام الله تعالى لا يستطيع أن يبدأ أحدهم كلاماً إلا بعد أن يأذن له الواحد القهار فيقول تعالى عن اليوم الآخر (... ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ{103} وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ{104} يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ{105} هود ). فلا يستطيع السعيد أو الشقي  أن يتحدث إلا بإذن في يوم الدين . الكل أمام جبروت الله تعالى سواسية.. كل منهم خائف مرتعب من هيبة الله تعالى. كل منهم محاسب أمام الله تعالى رسولاً كان أم مرسلاً إليه (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ..الأعراف66) . كل منهم يدافع عن نفسه عند الحساب بكل ما يستطيع ( يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ..النحل111)، يوم رهيب على الجميع، فكل إنسان لا هم له إلا إنقاذ نفسه والنجاة بها من عذاب الله والذنوب التي وقع فيها .. كل إنسان يفر من أقرب الناس إليه ( ْيومَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ{8} وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ{9} وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً{10} يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ{11} وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ{12} وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ{13} وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ{14} كَلَّا إِنَّهَا لَظَى{15} المعارج).. (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ{34} وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ{35} وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ{36} لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ{37}عبس).. وكل البشر – وكل إنسان بما في ذلك الأنبياء – امرؤ له أخ وأم وأب وزوجة وأبناء، سيفر منهم من رهبة الموقف العظيم..

   هذه نصوص قرآنية قاطعة .. ولا اجتهاد مع وجود نص واحد صريح.. فكيف بنصوص عديدة ؟؟ لو كانوا يعقلون..

  ملامح تأليه الولى الصوفى فى العصر المملوكى فى علاقة المريد بشيخه :

 المريد يحبُّ شيخه حُب تأليه

مقدمة:

   1- (المريد) هو اصطلاح الصوفية عن (العابد) لإلاهه الشيخ، (المطيع) له – طاعة المؤمن لربه، (المحب له) حب العبد الصالح لربه القادر، وتتجلى ملامح تأليه الولي كاملة في تقعيد الصوفية لعلاقة المريد بشيخه.. فلن نجد لوصف تلك العلاقة إلا عبودية المريد وتأليه الشيخ. فعلاقة المريد بشيخه أكبر من علاقته بأبيه وحاكمه بل وجعلها الصوفية فوق علاقة المسلم بالنبى المرسل .

   فالقاعدة الشرعية التي تحكم علاقة الإنسان بالإنسان في إطار الإسلام هي أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق  والإحسان للوالدين واجب ، إلا أن طاعتهما لا تكون إلا في إطار طاعة الله تعالى، فإذا أرادا صد الولد عن طريق الله فطاعتهما لاغية وإن كان ذلك لا يمنع من برهما، يقول تعالى ( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ... لقمان 15) ، فالطاعة لله والإتباع لرسله ومن يسلك طريقهم، وللوالدين في هذه الحالة مجرد الصحبة بالمعروف.

   وطاعة الرسول هي طاعة لله .. فالرسول مبلغ عن ربه الأوامر والنواهي، فمن يأتمر بأمر الله فقد أطاع الله وأطاع الرسول في نفس الوقت. إلا أن طاعة الرسول لا تعني عبادته : أولاً : لأن تلك الطاعة ليست له بالشخص ولكن بالوصف.. فالله تعالى لم يقل لنا أطيعوا محمداً ، وإنما قال (  مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ ...النساء80) فطاعة الرسول مقصورة على شئون الرسالة المبلغة إليه من القرآن، وكل رسول يطلب الطاعة من أتباعه فيما يخص أوامر الله ونواهيه وشرعه ودينه، وحتى إذا جد أمر لم ينزل فيه وحي وأستشير الرسول بشأنه توقف حتى ينزل فيه وحي.. ثانياً: النبي بعد ذلك هو أول المؤمنين وأول المسلمين( قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ .. الأنعام 162 ، 163) فهو مأمور وملتزم بما يوحى به إليه شأن كل مسلم، وهو القدوة في تنفيذ أوامر الله ، يبدأ بنفسه في الطاعة لله ويحذو المسلمون حذوه. 

 وهكذا فالله وحده هو الحاكم وهو المطاع لأنه لا إله إلا هو، لذا جاء إسناد الحكم لله تعالى بأسلوب القصر المتبع في الأمور الإلهية المقصورة على الله تعالى .. يقول ( .. إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ.. الأنعام57) (.. إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ.. يوسف40 ، 67 ) .. (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ..الأنعام 62 ) ( َلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ القصص..70، 88) .. (فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ.. غافر12) . أما التصوف فله شأن آخر.. فقد وضع الأشياخ ما أسموه بآداب المريد مع شيخه.. وهى آداب لازمة الطاعة.. وقد كفلوا فيها للشيخ حقوق الله على البشر فأصبح المريد مطالباً بعبادة الشيخ وتقديسه.. على النحو التالي

أولاً: حب المريد لشيخه حب تأليه:

   أ) طالبوا المريد بحب شيخه حباً يخرج عن إطار المحبة المتعارف عليها بين إنسان وإنسان، تلك المحبة القائمة على المساواة ووصلوا بها إلى المحبة التي ينبغي أن يتوجه بها المسلم لله تعالى .وحجة الصوفية في هذا أن الشيخ واسطة بين الله والمريد فحب الشيخ من حب الله . ومعلوم أن الواسطة بين العبد والرب لا تكون إلا في عقائد الشرك.. إذ بها يخلعون على الواسطة المزعومة كل تقديس واجب لله وحده وينتزعون حقوق الله ويضيفونها لذلك الإله الواسطة، ومن ذلك الحب ، فيحبون الواسطة حبهم لله تعالى ويجعلون من تلك الآلهة أنداداً لله تعالى ، يقول تعالى(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ البقرة 165) . فقوله تعالى (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ ) مقصود به أن حب الله تعالى متفرد عن حب البشر للبشر ، فحب الله فيه تقديس وإجلال وتعظيم وإخبات وإنابة ورهبة وخشية وتقوى ورجاء وأمل ، وحب الله تعالى مستمر حين النعمة ووقت الشدة والكرب ، ويتجلى حب العبد لله أكثر في التقوى ، وطاعته لأوامر ربه واجتنابه لنواهيه ، يقول تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ..) والإيمان عقيدة صحيحة وعمل صالح وطاعة لله وللرسول، وهذا هو الحب الحقيقى لله سبحانه وتعالى ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي  ..آل عمران 31) ..

 والمشركون يحبون آلهتهم هذا الحب الذي يجب أن ينفرد به الله وحده دون واسطة أو شريك.. يقول الشعراني ( من لم يحكم مقام السهر بين يدي شيخه لا يصح له مقام السهر بين يدي الله عز وجل ، وقبيح على المريد أن ينام وشيخه جالس.. بل ذلك علامة على كذبه في محبة الله عز وجل فضلاً عن محبته للشيخ، فإنه لو كان يحب الشيخ لاستغنم أوقات الخلوة به، كما أنه لو كان يحب الله عز وجل المحبة المعروفة بين القوم لما أخذه نوم)[162]. وافتخر الشعراني بمراعاة ذلك مع شيخه محمد الشناوي ونور الدين الشوني يقول ( فلا أتذكر أني نمت في وقت يكون أحدهما مستيقظاً فيه، وذلك من أكبر نعم الله تعالى عليّ لكونه وسيلة إلى دوام السهر بين يدي الله عز وجل )[163].

إن من علامات حب المؤمن لله تعالى أن المؤمن المحب لربه تعالى ينأى عن مضجعه حيناً من الوقت في هدأة الليل ليدعو ربه خوفا من عذابه وطمعا فى جنته ورحمته ، يقول جل وعلا عن المتقين :( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ).{16} السجدة) فجعل الصوفية من الشيخ شريكاً لله تعالى في وجوب السهر بين يديه..

 ب) وفي (قواعد الصوفية ) عقد الشعراني باباً عن آداب المريد مع شيخه، وبدأها بحب المريد لشيخه، ووصل بهذا الحب إلى درجة الحب الإلهي، ونقتطف من كلامه هذه العبارات ( من تلطخ بالذنوب وادّعى محبة شيخه فهو كاذب، وكما أنه لا يحب شيخه فكذلك شيخه لا يحبه، وأجمعوا أن من شرط المحبة لشيخه أن يصم أذنيه عن سماع كلام في الطريق غير شيخه ( يعني لا يشرك بمحبة شيخه محبة شيخ آخر) فلا يقبل عذل عاذل حتى ولو قام أهل مصر كلهم في صعيد واحد لم يقدروا أن ينفروه من شيخه، ولو غاب عنه الطعام والشراب أياماً لاستغنى عنها بالنظر إلى شيخه لتخيله في باله، وبلغنا عن بعضهم أنه لما دخل هذا المقام سمن وعبل من نظره إلى أستاذه ) أى إن حب المريد لشيخه يُغنيه عن الطعام والشراب ، وأن مريدا وصل الى هذا المقام فى حب شيخه فأصبح   ( عبلا )أى سمينا. وهذا التوصيف لمحبة المريد لشيخه يفوق  حب المؤمن التقى لربه جل وعلا .  ونتابع الشعرانى وهو ينقل عن أخيه الأكبر  أفضل الدين الشعراني : (من ألطف سكرات الحب الشغل بالحب عن متعلقه) واستشهد بمجنون ليلى الذي أعرض عن محبوبته لاشتغاله عنها بحبه لها، ويلاحظ أن هذا المثل بالذات يستعمله الصوفية في وصفهم للحب الإلهي فجعله الشعراني مثلاً لحب الشيخ.  

وقال أفضل الدين الشعراني أيضاً يقرن حب المريد لشيخه بحب المؤمن لربه جل وعلا ( حقيقة حب الشيخ أن يحب الأشياء من أجله ويكرهها من أجله كما هو الشأن في محبة ربنا عز وجل) واستشهد الشعراني بأقوال ابن عربي في المحبة في الفتوحات المكية ( باب 178) وحكي عنه أن محباً دخل على شيخ يتكلم في المحبة فما زال المحب ينحل ويذوب من سماعه لكلام المحبة حتى تحلل جسمه كله على الحصير بين يدي الشيخ وصار بركة ماء .. وذكر أبيات ابن عربي التي يقول فيها :    

            ما حرمة الشيخ إلا حرمة الله        فقـم بـها أدب  بـالله لله  

 وذكر قول شيخه المرصفي ( أن المريد يترقى في محبة شيخه إلى حد يصير يتلذذ بكلام شيخه له كما يتلذذ بالجماع ، فمن لم يعمل إلى هذه الحالة ، فما أعطى الشيخ حقه من المحبة)[164]. أى (يتلذذ بكلام شيخه له كما يتلذذ بالجماع ،) ..الجنسى .!! ولكن لا ندرى هل المريد هنا هو الذكر وشيخه الانثى ، أم إنه الأنثى وشيخه الذكر ؟

   ج) وعقيدة الاتحاد الصوفية هي الأصل في حب الشيخ الصوفي حباً  إلهياً . وقد سبق إيراد قول الغزالي عن بعضهم وقد قيل له ( إنك محب فقال : لست محباً إنما أنا محبوب )[165]. أي أنه كالله يُحبُ حباً إلهياً من مريديه .ونظير ذلك ما رواه الغزالي عن جماعة دخلوا على الشبلي ، وقد كان محبوساً في مارستان ، فقال لهم من أنتم (فقالوا : مُحبُّوك ، فأقبل عليهم يرميهم بالحجارة ، فتهاربوا فقال : ما بالكم ادعيتم محبتي، إن صدقتم فاصبروا على بلائي )[166]. أي جعل نفسه إلاهاً مع الله تعالى .أى فكما يصبر المؤمن على بلاء ربه محبة لربه جل وعلا فكذلك يجب على مُحبّى الشبلى أن يصبروا على رميه إياهم بالحجارة .!!

تحريم ( إشراك المريد بشيخه ): الولى الصوفى لا شريك له فى عقيدة المريد

أ‌)       والشقاق والاختلاف والمشاحنة من سمات الشرك إذ تتحكم الأهواء والأذواق وتتصارع العواطف ويكون التنافس والتحاسد . يقول تعالى عن المشركين ( وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ) البقرة 137) ويقول لهم بصيغة ( وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ، إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ.) الذاريات7 : 8) .وأُمر المسلمون بألا يختلفوا كالمشركين (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ ) آل عمران 105) ذلك أن الإسلام مبني على الاتفاق على صراط مستقيم (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) (الأنعام 153 ، 159).

ب‌)   ، ومبنى التصوف على الذوق، أى الهوى،  والصوفي ابن وقته ،  ولا زال الصوفية بخير – كما قال رويم – ما اختلفوا ( فإذا اصطلحوا فلا خير فيهم)[167].. وبازدهار التصوف وتسيده للعصر المملوكي تشعبت الطرق الصوفية وتشعبت معها مناحي الاختلاف بين الأشياخ الصوفية ، وكثرة تنافسهم على المريدين والهدايا والفتوحات ، حتى أن الشعراني ألف كتباً خاصة في الهجوم على أقرانه من الأشياخ وتردد في مواضع كثيرة من مؤلفاته حنقه عليهم وشكواه منهم .

ت‌)  وقد انعكس هذا الوضع على المريد ،  فطولب بالإخلاص لشيخه وألا يكون له إلا شيخ واحد . ومر بنا قول الشعراني في محبة الشيخ ( وأجمعوا أن من شرط المحبة لشيخه أن يصم أذنيه عن سماع كلام في الطريق غير شيخه)، وعجيب أن يكون هنا إجماع على ضرورة التفرق والتحزب وأن يكون لكل شيخ شرعه وطريقته ورسومه وذوقه ، مع أن الاختلافات بين الأشياخ الصوفية المملوكيين اختلافات شكلية مظهرية فى لون العمامة وشكلها ولون وشكل المرقعات الصوفية ، والأوراد وطرق الذكر والرقص فى حفلات السماع . والمهم أن التأكيد على المريد بالإخلاص لشيخ واحد أتخذ صورة دينية إذ أن التصوف هو الدين السائد وهو العقيدة التي يلتزم بها المريد ، فجعلوا من الخروج عن الإخلاص للشيخ (شركاً بالشيخ) قياساً على الشرك بالله تعالى .

ث‌)  ولعل من الأفضل أن نستشهد بكلامهم فهو أوضح وأبين في الاستدلال. يقول(علي وفا) (كما لم يكن للعالم إلاهان ولا للرجل قلبان ولا للمرأة زوجان كذلك لا يكون للمريد شيخان) ،وقال(كما أن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به فكذلك الأشياخ لا يسامحون المريد في شركته معهم غيره، ومتى سامحوه كان غشاً منهم )، وقال : ( تأمل قوله تعالى:" تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً". فما جعل السماوات والأرض تنشق وتنفطر الجبال وتنهدم إلا الشرك بالله، وكذلك الشيخ لا يزيل قلبه عن حفظ المريد وتربيته ترك إحسان ولا خدمة، وإنما يزيله أن يشرك به المريد غيره)[168].

ج‌)    وأهتم الشعراني بأقوال (علي وفا) فرددها في الطبقات الكبرى[169]. والبحر المورود، وعلق على ذلك بقوله( إذ الشيخ كالسلم يترقى المريد بالأدب معه إلى الأدب مع الله تعالى، فمن لم يحكم باب الأدب مع شيخه لا يشم من الأدب مع الله رائحة أبداً)[170].

  د ) وأصبح كلام (علي وفا) دستوراً للصوفية اللاحقين، خاصة وأن أشياخ التصوف في ازدياد مضطرد، والحاجة في ازدياد للمريدين والطلب عليهم لا ينقطع، والخوف قائم من تقلبهم بين يدي أكثر من شيخ، يقول الشيخ أبو مدين في رسالته كما يحكي الشعراني ( ليس للقلب إلا وجهة واحدة متى توجه إليها حجب عن غيرها، فأشهد كمال شيخك ثم اطلب منه حاجتك، فإن الأشياخ على الأخلاق الإلهية، فكما أن الحق جل وعلا لا يغفر يشرك به يعني في الميل إلى سواء بغير إذنه، فكذلك الأشياخ)[171].وقال المرصفي (من طلب من فقير حاجة مع شركته أحداً معه في الانقياد فقد كلف الشيخ شططاً، فقد قالوا تقيد على شيخك ثم اطلب منه حاجتك)[172] .وقال أفضل الدين الشعراني( قد بني لله عز وجل الأمور على التوحيد، فكما لم يكن للعالم إلهان ولا للرجل قلبان ولا للمرأة زوجان، كذلك لا يكون للمريد شيخان)[173].ويقول الشعراني(وقد جرب الأشياخ والمريدون فوجدوا الشرك في محبة الشيخ توقفهم عن السير ، عكس حالهم حال توحيدهم للشيخ) [174]. ويقول (ومن شأن المريد ألا يشرك مع شيخه أحداً في المحبة من سائر من لم يأمره الله تعالى بمحبته )[175]. أي أن كمال توحيد الشيخ ألا يجتمع في قلب المريد حب آخر مع حبه للشيخ.. ويقول ( ومن شأنه ألا يكون له إلا شيخ واحد فلا يجعل له قط شيخين لأن مبنى طريق القوم (الصوفية) على التوحيد الخالص)[176].

 ه) وقد كان المريدون عند حُسن ظن الأشياخ بهم خاصة أتباع (على وفا) وقد قال كاتب مناقبه ( قال لي يا سيدي يوماً :"خدمة بيت سيدي وحدانية ما تحتمل الشركة") فهو يعبر عنه بلفظ(سيدي) حتى فيما ينقله عنه من خطابه، ويتردد في حديثه عنهم لفظ (الحضرة الشريفة).. وروى كاتب المناقب أن (على وفا) قال لأحدهم ( أخشى عليك أن تبني لك زاوية وتجعل شيخاً ، فتشرك حزيناً بوظيفة العجمي فتحصل الغيرة ) وحدث ما توقعه (على وفا) وانتهت الحادثة بموت ذلك الذي تمشيخ ، وعلق الكاتب قائلاً( الحمد لله الذي عافنا من بلاء المشركين وجعلنا موحدين .. والله ما نعرف سوى سيدي )[177]. وقال أحد مريدي الشيخ مدين (لا أشرك في محبة شيخي أمراً آخر)، وذلك لأنه أقام بزاويته مدة طويلة لا يذوق فيها طعاماً ولا شراباً [178]. واعتبر من كمال توحيده ألا يأكل ولا يشرب في زاوية شيخه اكتفاءاً بحبه وقربه..

 و ) هذا .ويلاحظ اكتمال السيطرة الصوفية على الحياة الدينية في مطلب الأشياخ بتوحيد المريدين لهم . فقد بدأ التصوف ورجاله في اضطهاد ثم حصل على الاعتراف به .وبعد ذلك كان السيطرة الكاملة وطلب التوحيد وعدم الشرك بهم .وتلك ذروة السيادة للدين الصوفي في العصر المملوكي إذ استحوذ كل شيخ على طائفة من المريدين وألزمهم بتوحيده وعدم الإشراك بتقديسه شيخاً آخر. وإذا تخيلنا كثرة الأشياخ في العصر المملوكي وكثرة المريدين عرفنا إلى أي حد كان العصر المملوكي أسير العقيدة الصوفية وأصحابها ، وأن تلك الكثرة في الأولياء مدعي الألوهية لم تمنع من مطلب التوحيد الديني لكل شيخ من مريديه.

 ز) ولكن ماذا يحدث للمريد بعد أن يتقيد بشيخ واحد لا يشرك به شيخاً آخر ..؟  - أنه ببساطة - يكون له عبداً فاقدا لكل إرادة وشعور، مجرد امتداد مهمل لشيخه المسيطر عليه المتحكم فيه.

   عبودية المريد لشيخه:

بالغوا في طلب الطاعة من المريد إلى حد أنهم أفقدوه ذاته وحياته. وأمروه بأكثر مما يأمر الله تعالى من العباد.

  1 ـ ـ يقول الدسوقي (المريد مع شيخه على صورة الميت لا حركة ولا كلام، ولا يقدر أن يتحدث بين يديه إلا بإذنه، ولا يعمل شيئاً إلا بإذنه من زواج أو سفر أو خروج أو دخول أو عزلة أو مخالطة أو اشتغال بعلم أو قرآن أو ذكر أو خدمة في الزاوية أو غير ذلك)[179]. ولا يكتفي بذلك بل يقول ( يجب على المريد ألا يتكلم قط إلا بدستور شيخه إن كان جسمه حاضراً، وإن كان غائباً يستأذنه بالقلب حتى يترقى إلى الوصول إلى هذا المقام )[180]. وقد جعل الشعراني من مقالة الدسوقي إحدى قواعد الصوفية فيقول ( المريد الصادق مع شيخه كالميت مع من يغسله لا كلام ولا حركة ولا يقدر ينطق بين يديه من هيبته ولا يدخل ولا يخرج ولا يخالط أحداً ولا يشتغل بعلم ولا قرآن ولا ذكر إلا بإذنه، لأنه أمين على المريد فيما يرقيه)[181].  وقد طبق الشعراني هذه القاعدة على نفسه حتى كان لا يمد رجليه إلا بعد أن يستأذن بقلبه الأولياء ، يقول ( ومما منّ الله تبارك به عليّ كراهتي لمد رجلي في ساعة من ليل أو نهار إلا بعد قولي دستور يا الله أمد رجلي.. وكذلك الحكم في مدها نحو المدينة المشرفة أو نحو ولي من الأولياء ، لا أمدها ناحية أحد منهم حتى أقول: دستور يا سيد المرسلين أو دستور يا سيدي عبد القادر يا جيلاني أو يا سيدي أحمد يا ابن الرفاعي أو يا سيدي أحمد يا بدوي أو يا سيدي إبراهيم يا دسوقي ونحوهم من الأولياء الأحياء .. والأموات .. فإن لم يكن ذلك كشفاً كان إيماناً[182].  فالشعراني يتمسح بقوله( دستور يا الله أمد رجلي) كي يعطي نفس الحق للأولياء الصوفية باعتبارهم واسطة – عندهم بين الله والمريد – وفي ذلك يقول (الأدب مع الشيخ سلم للأدب مع الله .. وإقبال شيخ الإنسان عليه عنوان لرضا الحق عنه ، وأقل مراتب الشيخ أن يكون كالبواب للملك ، فمن كان البواب يكرهه فبعيد أن تقضى له حاجة عند الملك لأنه لا يستطيع الوصول للسلطان من غير الباب، ومن قال من المريدين أنه يقدر على قضاء حاجته عند الله من غير واسطة فقد افترى على الله تعالى.. وأجمع أشياخ الطريق على أن من لم يقدر على ملاحظة شيخه ومراقبته حال العمل لا يصح له مراقبة الحق في طاعته أبداً[183]. والمهم أن الشعراني جعل عقيدة الإسلام في منع الواسطة افتراءاً على الله فقال "ومن قال من المريدين أنه يقدر على قضاء حاجته عند الله من غير واسطة فقد افترى على الله تعالى "!! .

2ــ   ويجدر بالذكر أن مقالة الدسوقي عن المريد أمام شيخه أنه (كالميت أمام مغسَّله) مستقاة من وصف الغزالي لإحدى درجات التصوف وهى أن يكون الصوفي بين يدي الله تعالى كالميت تجري عليه أحكام القضاء .. يقول عما أسماه بالدرجة الثالثة من التوكل (وهى أعلاها: أن يكون بين يدي الله تعالى في حركاته وسكناته مثل الميت بين يدي الغاسل لا يفارقه إلا في أنه يرى نفسه ميتاً تحركه القدرة الأزلية كما تحرك يد الغسل الميت)[184].. وطبقاً لعقيدة الاتحاد الصوفية التي لا ترى فارقاً نوعياً بين الله والخلق فقد أعطى الشيخ الصوفي وصف الله بالنسبة للمريد العابد له ، إلى أن يترقى المريد برعاية شيخه له ويصبح شيخاً في نهاية الأمر يمارس نفس اللعبة مع مريد آخر ، يقول (على وفا) (لم أجد إلى الآن – سنة 804 هـ - مريداً صادقاً معي يعترف لي بأني أعرف منه بخواطره وصفاته الباطنة، ولو وجدته لأفرغت فيه جميع ما عندي من العلوم والأسرار)[185]. ويقول على وفا لكل مريد ( إن وجدت أستاذك المحقق وجدت حقيقتك وإذا وجدت حقيقتك وجدت الله تعالى فوجدت كل شيء )[186]. فوجود الشيخ فضلاً عن كونه يحقق عملياً عقيدة الاتحاد الصوفية فإنه – يجعل من الشيخ عنواناً لله أمام المريد الصوفي يستغني به عن الله ويتوجه له بكل ما يجب عليه أن يتقدم لله تعالى به، وهكذا صرحوا بأن وجود الشيخ ضرورة وإلا فالمريد ضائع بلا شيخ فيقول علي وفا (من ليس له أستاذ فليس له مولى ومن ليس له مولى فالشيطان أولى به )[187]. وصار مثلا شعبيا بين الصوفية حتى الآن : ( من ليس له شيخ فشيخه السلطان ). ولم يخترع علي وفا هذا القول اختراعاً وإنما أخذه عن الغزالي القائل (لكي يصل المريد للمكاشفة (أي يصبح ولياً مكاشفاً عالماً بالغيب) لابد له من شيخ فإن سبيل الدين غامض وطرق الشيطان كثيرة ظاهرة، فمن لم يكن له شيخ يهديه قاده الشيطان إلى طريقه لا محالة، فمُعتَصم المريد شيخه ، فليتمسك به بحيث يفوض أمره إليه بالكلية ولا يخالفه في ورده ولا صده ولا يبقي في متابعته شيئاً وليعلم أن نفعه في خطأ شيخه – لو أخطأ – أكثر من نفعه في صواب نفسه لو أصاب)[188]. فأرسى الغزالي عبودية المريد لشيخه قبل العصر المملوكي. فعقيدة الاتحاد الصوفية هي التي جعلت من الشيخ جسداً خامداً تسيطر عليه إرادة الله أو مشيئة الله أو تحل فيه ذات الله، جعلت في نفس الوقت من المريد كالميت أمام مغسٍّله ، وحتمت وجود شيخ لكل مريد وكفلت لذلك الشيخ على مريده كل الحقوق الإلهية في الطاعة والتقديس بحجة أنه واسطة لله أو مُتّحٍد به.. ومنها ألا يكتم على شيخه شيئاً (وما كتم مريد عن شيخه شيئا ًإلا خان الله ورسوله وخان نفسه وشيخه ، وربما مات برأيه مع تلبسه بصورة النفاق)[189]. على حد قول الخواص.

3   والنهي عن كتمان السر عن الشيخ مطلب قديم يتفق مع النظرة الصوفية في سلب إرادة المريد وجعله جسداً يتحرك بشيخه. يقول القشيري في القرن الخامس: ( لو كتم نفس من أنفاسه عن شيخه فقد خانه في حق صحبته)[190]. ويقول الخواص : ( وإذا غضب الشيخ على إنسان يجتنبه المريدون ، وإلا يغضب عليهم الله ، ولا ينبغي لهم البحث عن سبب غضب الشيخ عليه بل يسلموا للشيخ لأنه لا يغضب إلا بحق  ) .[191] .  وإذا غضب الشيخ على مريده فهي الطامة الكبرى، يقول المرصفي (من شقاء المريد في الدنيا وعنوان شقاوته في الآخرة تهاونه بغضب شيخه عليه وعدم رؤيته نفسه وجوب المبادرة إلى صلحه والدخول في طاعته )[192]. فإذا كان الله يرحم فالشيخ لا يرحم .

4 ــ ولم ترد حقوق للمريد في كتابات الصوفية فقد  سيطرت عليهم  كفالة حقوق الشيخ ونسوا أن للمريد حقوقاً نظير تلك الواجبات المطالب بها ، ونسوا أيضاً أن الله تعالى – الذي يتمسحون به كذباً وافتراءاً – قد أوجب على نفسه جزاء للعبد الصالح المتقي - فجعل حقاً للعبد مقابل قيامه بواجبه.. أما الصوفية فيعبر عنهم قول المرسي للمريدين: ( لا تطالبوا الشيخ بأن تكونوا في خاطره بل طالبوا أنفسكم أن يكون الشيخ في خاطركم) [193]. فحرم عليهم مجرد التمني أن يكونوا في خاطر الشيخ واهتمامه وجعل عليهم الواجبات دون أي حق .

  5) ومع ذلك فالمريدون مخلصون لأشياخهم .. يقول ابن باشا في مدح المرسي كأنما يمدح الله تعالى

شيخي أبو العباس واحد وقتـه       خضر الزمان ورب عين الأعين

وما كنت إلا حائداً فرددتنـي       وإلى الطريق المستقيم هديتنـي

وسقيت لي ماء الحياة وكنت لي     كالخضر لما أن رويت سقيتني[194]  

 ويقول الشعراني ( كان المريدون عند الشيخ الغزي يرون أنفسهم ملكاً للشيخ يفعل فيهم ما شاء وهم أوصياء على أجسامهم[195]. ) أي أن ولايتهم على الجسد فقط وأما التصريف فمرجعه إلى الشيخ، ويقول المرصفي عن نفسه حين كان مريداً( لما أخذ عليّ شيخي العهد بأني لا أخالفه ولا أكتم عنه شيئاً من أمري كنت لا آكل ولا أشرب ولا أنام ولا أقرب من زوجتي حتى أقول بقلبي .. دستور يا سيدي)[196]. أي كما كان الشعراني يفعل.

 في تفضيل الولي الصوفي على الأنبياء:

 1 ــ  الأنبياء هم صفوة الله بين البشر،اصطفاهم الله وأوحى إليهم وعلمهم وجعلهم أئمة للبشر، وهم مع ذلك بشر كسائر البشر عباد الله يخافونه ولا يملك أحدهم لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا بمشيئة الله تعالى كباقي الناس .  والقرآن يصف خاتم الأنبياء بأنه رجل من العرب وأن الأنبياء قبله كانوا أيضاً رجالاً كباقي الناس في عصرهم ولكن يوحي الله إليهم (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ) يونس2) (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ{7} وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ{8} الأنبياء ) ، (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ{34}كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ).35الأنبياء) (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ{30} ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ{31} الزمر..) (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ{44} الزخرف).( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ{6} الأعراف)(قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )(188 الأعراف) (وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ){20} الفرقان) . وفي الآيات السابقة ملامح لبشرية الأنبياء من الأكل والموت والاحتياج والمسئولية والحساب أمام الله تعالى . وكلها تأكيد لعبودية الرسول لله تعالى..

  أما الولي الصوفي الذي يؤمن بأنه جزء من الله فلابد أن يجعل نفسه فوق الأنبياء طالما أن القرآن المحفوظ من لدن الله تعالى قد أكد على بشرية الأنبياء في عشرات الآيات. لذا رأينا ابن عربي يعلنها صريحة في تفضيله للولي على الرسول فيقول: -

            مقام النبــــوة في برزخ        فــوق الرسـول ودون الولي

والموضوع طويل. ولكن نكتفي منه بملامح قليلة لبعض مظاهر تفضيل الولي الصوفي على النبي ..

       أ) العصمـــة :

إن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يدّعٍ العصمة، فعصمته فيما يخص رسالته وعداها فهو بشر عادي وفي القرآن آيات كثيرة تلوم الأنبياء بل وتصرح بمعصيتهم ، "وفكرة العصمة لم تعرف في صدر الإسلام ولم ترد في القرآن ولا في الكتب المنزلة ولا في السنة الصحيحة " في رأي بعض الباحثين[197].

   أما الصوفية فلهم شأن آخر، قال الشاذلي "رأيت كأني بين العرش فقلت يا رب يا رب فقال لبيك لبيك ، فقلت يا رب فاهتز العرش، فقلت يا رب فاهتز اللوح المحفوظ والقلم، فقلت أسألك العصمة فقيل لي لك ذلك " [198] ، وفي حزب البحر عند الشاذلية .. " نسألك العصمة في الحركات والسكنات والكلمات والإيرادات"، وفي حزب البر يقول " واكسنا من نورك جلاليب العصمة"[199]. وروى الشعراني عن عبد القادر الجيلي قوله "من لم يعتقد في شيخه الكمال لا يفلح على يديه أبداً"[200]. ويرى الخواص أن الخواطر القبيحة لا تقع للكُمَّل[201] من العارفين ، وحتى لا يلام الصوفية أسندوا العصمة للأنبياء وسموا عصمتهم الحفظ وجعلوهما متساويين[202].

 وقد أخذ العلماء المتأخرون عنهم عصمة الأنبياء وحاولوا تأويل ما ورد في القرآن منافياً لذلك، فحققوا غرضاً حيوياً للصوفية حين أبيح لهم تأويل افتراءاتهم على الله ورسله أو ما يسمى بالشطحات الصوفية .

وقد وقع البقاعي في هذا الشرك وهو من أكبر أعداء الصوفية فاحتج على تأويل شطحات ابن الفارض محتجاً بأنه لا يؤول إلا كلام المعصوم[203]. وتجلى خطؤه هذا حين عدّ أقران الحلاج من صالحي الصوفية[204].

ب) الشفاعة:

ليس للنبي أن يشفع في أحد فينجيه من النار أو يدخله الجنة يقول سبحانه وتعالى للنبى عليه السلام :( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ )آل عمران128 )..(أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ ){19} الزمر) ولا يجرؤ النبي على ادعاء ذلك فمرجعه لله وحده ..( لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ .. {51} الأنعام) ..( يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ{19} الانفطار).

أما الصوفية فينطبق عليه قوله تعالى:(وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ...{18} يونس) ..(أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء ؟ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلَا يَعْقِلُونَ{43} قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً ...َ{44} الزمر  ). ولقد تبارى الصوفية في ادعائهم الشفاعة عند الله ، لأنهم اعتبروا أنفسهم – على أقل تقدير- واسطة بين الله وخلقه، وجعل الشعراني من أخلاق العارفين يوم القيامة بدءهم بالشفاعة فيمن كان يؤذيهم في الدنيا قبل الشفاعة في المحسن إليهم[205]. وفي طبقات الشرنوبي أن الله أدخل أتباع الدسوقي الجنة كرامة لأجله، وجعلهم أعلى مرتبة يوم الحشر من أتباع غيره [206]. وروى حسن شمة أن الله قال للدسوقي" .. فو عزتي وجلالي لأشفعنك في سبعين ألفاً، كل منهم يشفع في سبعين ألفاً ،كل منهم وجبت عليه النار"[207]. أما البدوي فإن الرسول (يهنئه يوم القيامة بالعلَم الذي وضع فوق رأسه وتحته خلق كثيرون، منهم من يعرفه ومنهم من لم يعرفه، ومكتوب على العلَم " نصر من  الله وفتح قريب لأحمد البدوي ومن معه من المريدين والفقراء الصادقين"، وقد مشى وخلفه ما لا يحصى من الخلائق حتى دخل بهم الجنة)[208].

  أما الشاذلي ، فقد جعله مكين الدين الأسمر يدخل الناس على الله بينما يدعو غيره الناس إلى باب الله[209]. وشفع ياقوت العرشي حتى في الحيوانات[210]، وضمن شمس الدين الحنفي الجنة لأصحابه، وأصحاب أصحابه، وأصحاب أصحاب أصحابه، أربعين مرة، وبشرهم بذلك [211]. أما علي وفا فيشفع في أولياء جميع الأزمنة[212]، وليس المريدين فقط، ونصح أبو المواهب الشاذلي بصحبة الفقراء(.. فإنه لو لم يكن إلاّ أخذهم بيدك يوم القيامة.. لكان في ذلك كفاية )[213].  وشفع محمد بن عنان في ميت كان يعذب في قبره [214]، واشترط أحمد الزاهد – وقد زعم أنه شفعه الله في جميع أهل عصره على طالب شفاعته أن يصلي ركعتين له في مسجده[215]. وكان الواحد من أصحاب الشيخ أبي السعادات " يشفع يوم القيامة في سابع جار من جيران داره"[216]، أما الغمري فكان لا ينام حتى يعتق لأجله آلاف من الخلائق من النار[217]، وشفع بعض الأولياء فيمن يُشيع من الأموات[218] . وتخصص الشيخ علي وحيش(ت 917) في الشفاعة فيمن يتردد على بيوت العاهرات" وكل من خرج يقول له قف حتى أشفع فيك" ، وحسب تعبير الشعراني " كان يقيم في خان بنات الخطأ " ولأجل شفاعته "كان يحبس بعضهم اليوم واليومين ولا يمكنه من الخروج حتى يجاب في شفاعته[219] .إلى هذا الحد بلغت ادّعاءاتهم في الشفاعة عند الله ، وقد قال البهاء زهير هاجياً : أرحـني منك حتى لا  أرى منـظرك الوعرا

        فما تنفع في الدنــيا ولا تـشفع في الأخرى[220]

أي أن الشفاعة صارت حقاً مباحاً للجميع .

الصوفية يفضلون الولي الصوفي على الله تعالى

 هو موضوع خطير بلا شك، بيد أن خطورته لا ينبغي أن تكون عائقاً عن البحث فيه، بل على العكس، فحق الله تعالى على الباحث المسلم يفرض عليه – إذا استطاع – أن يفضح العقائد المخالفة بالغاً ما بلغت، سيما إذا انتسبت للإسلام زوراً وبهتاناً فإحقاق الحق واجب، وخاصة إذا تعلق هذا الحق بالله تعالى وبدينه، وعلى أمل أن تتضح الحقائق أمام مسلمي اليوم ليتعظوا.

التفضيل الضمنى

  1- ومظاهر تفضيل الصوفية للولي الصوفي على الله تعالى كثيرة متعددة، بعضها مظاهر خفية غير مباشرة تكمن في هامش الشعور الصوفي وتتجلى في مواقف شتى.. منها ما يتصل بإحقاق الحق الخاص بالله تعالى والذي أشرنا إليه والذي اعتدى عليه الصوفية بافتراءاتهم .ونقصد بذلك قضية التأويل للشطحات الصوفية .وقد عرضنا للشطح الصوفي، وأقل ما يقال فيه أنه اعتداء أثيم على الله تعالى بالقول المفزع. فهنا قضية فيها(ظالم) وهو الصوفي صاحب الشطحات و(مظلوم) وهو الله تعالى الذي أُهين بأقوال الصوفية وشطحاتهم .. وهو ظلم عظيم ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ{13} لقمان) ،وعلى ذلك فقيام الصوفية بتأويل الشطحات وتبريرها تعني نصرة الظالم على المظلوم أو نصرة أوليائهم على الله تعالى . وإلى جانب ذلك تعبر عن إحساس خفي في شعورهم هو تفضيلهم لذلك الولي الصوفي على الله تعالى، ورعاية أكثر لحقه عليهم جعلتهم يفضلون هذا الحق المزعوم على حق الله تعالى وهو – جل وعلا- الذي وقع عليه الاعتداء القولي .

 وقد يحس القارئ العادي الذي يحسن الظن بالصوفية ببعض التحرج من الكشف عن حقيقة الصوفية وكلامهم ، ويتهيب عن الخوض فيها مراعاة لما درج عليه الناس من تقديس للتصوف ورجاله .وهذا الموقف العام يعتبر امتداداً لذلك الشعور الخفي الذي يجعل الشعراني وغيره يؤولون كلام الصوفية ويدافعون عنهم إنحيازاً إليهم على حساب الله تعالى وتفضيلاً لهم على الله تعالى. أما المؤمن الحق فلا يعنيه إلا حق الله تعالى ينصره ويدافع عنه، وهو بهذا يوالي الله تعالى وينصره ويحظى في المقابل بتأييد الله تعالى ونصرته طالما كان تقياً. وهذا هو الفارق الأساسي بين ولاية الله تعالى وولاية الشيطان..

2- ومن المظاهر الخفية لتفضيل الولي الصوفي على الله تعالى – ما ينم عليه معنى اختيارهم أنفسهم كأولياء لله تعالى من دون الله ومن دون الناس. وقد سبق أن عالجنا هذه النقطة وقلنا كأنهم بذلك وصفوا الله تعالى بالعجز عن الاختيار فقاموا هم بمهمة الاختيار، ووصفوه تعالى بالجهل بأصلح عباده للقيام بمهمة الولي  فقاموا باختيار الأصلح من بين البشر كأنهم أعرف من الله تعالى بخلقه. ويعني ذلك أنهم وصفوا أنفسهم بنقيض ما أسندوا لله تعالى – بطريق غير مباشر – من صفات الجهل والعجز. أي أنهم فضلوا أنفسهم على الله بحيث قاموا هم بالاختيار وفرضوا ذلك الاختيار على الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً . وهو ظلم عظيم آخر وقع على الله تعالى ، وخطورة التفضيل هنا تكمن في أن أحداً من الصوفية – بل ومن البشر – لا يرضى لنفسه بذلك الموقف الذي جعلوا الله تعالى فيه حين فرضوا عليه أنفسهم أولياء . ولنضرب لذلك مثلاً :  ( زيد ) – مثلاً – قام بشراء طفل رباه وأعاله وكفله. وبعد أن استوى الطفل رجلاً فتياً ادعى أن صاحب الفضل عليه هو(عمرو) وجعل من (عمرو) متحدثاً باسم (زيد) ممثلاً له . مشاركاً له في استحقاق التعظيم، وادعى افتراء أن تلك هي رغبة (زيد) وأن في ذلك رضاءه . فهل يرضى أحدنا أن يسلب منه الفضل وحق الاختيار فيختار له الآخرون الأصدقاء والأصفياء ويقصدونهم بحق يجب أن يكون له من دون أولئك الأصدقاء المزعومين الذين لا يد له في اختيارهم؟  وتزيد المأساة إذا كان ذلك المظلوم هو العلي الجبار الذي خلق فسوى ورزق وهدى.! وتكتمل المأساة حين يرسل الرسل تنهى عن اتخاذ البشر للوسائط والأولياء من دون اختيار الله تعالى ثم يسجل ذلك في خاتم الرسالات بقرآن مبين مؤيد بحفظ إلهي حتى قيام الساعة .ولعل الله تعالى كان يشير في كتابه العزيز إلى ذلك حين قال( ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ{28} بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ؟..{29} (الروم) ..

 3- وقد عرضنا لأقاويل الصوفية في علاقة المريد بشيخه وفيها ما يفضح تفضيلهم للشيخ على الله تعالى ومنها أن المريد لو غاب عنه الطعام والشراب أياماً لاستغنى عنهما بالنظر إلى شيخه لتخيله لذلك الشيخ في باله وأن المريد يتلذذ بكلام شيخه كما يتلذذ بالجماع، وأن بعض المريدين اعتبر أكله في زاوية الشيخ شركاً بالشيخ فرفض الأكل والشرب في الزاوية اكتفاء بتقديس شيخه. وذلك الحب المأمور به المريد فوق الحب الذي يطالب الله تعالى به عبيده، وأعظم المحبين لله تعالى هم رسله الكرام وما سمعنا عنهم أمثال هذا التطرف في المحبة .. وغاية ما هنالك أن المسلم المحب لله تعالى يعبر عن حبه لخالقه الرازق بالشكر حين يأكل الطيبات (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ{172} البقرة). فهنا أكل للطيبات وشكر لله تعالى صاحب النعمة. لا أن يعرض عن الطعام استغناء بحبه لله تعالى. وإذا كان المريد الصوفي مأمورا بالتلذذ بكلام شيخه كأنه في حالة جماع فإن المؤمن لا يؤمر بأكثر من الإنصات والاستماع الحسن لكلام الله العزيز( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ{204} الأعراف)..

4- وبالغ الأشياخ الصوفية في طلب الطاعة من المريد إلى أن نزعوا عنه الاختيار والإرادة، حتى لا يتكلم ولا يتحرك إلا بإذنهم ، ورأينا كيف أن الشعراني لا يحرك قدمه إلا بعد استئذان الأولياء .وهذا الشطط في طلب الطاعة والشطط في امتثال المريد للشيخ يعنى تفضيلاً للشيخ على الله تعالى فالمريد يقدم طاعته للشيخ على طاعته لله تعالى – على فرض أن الإسلام يجيز طاعة الشيخ الصوفي أو أن ذلك الولي يمتثل لأحكام الله – ثم إن هذا الشطط في التكليف لا يوجد بتاتاً في شرع الله ، فالله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها وفي حدود إمكاناتها ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا ){7} الطلاق) . ومع أن الله تعالى قائم على كل نفس بما كسبت فقد ترك مجالاً للاختيار البشري به يحاسب المرء وعلى ذلك فشخصية الإنسان مرعية الجانب في التكليف الإسلامي فيقول سبحانه وتعالى للمشركين: (.. اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ{40} فصلت40)..

  5- ومن ألوان التفضيل للولي أنه بعد مبالغته في طلب حب المريد وطاعته فليس للمريد من حقوق لديه، والمريد مع ذلك متدله في حب الشيخ مستميت في طاعته بلا مقابل – أما الله تعالى فقد سنّ الجزاء على العمل في الدنيا والآخرة. ومع ذلك فحظه من المريد الصوفي الإعراض والإهمال والدرجة الدنيا، والطريف أن الدافع للمريد في هذا الحب وتلك الطاعة للشيخ هو ما للشيخ عند الله من مكانة يتمكن بها من رفع شأن المريد في الدنيا والآخرة في زعمهم، أي أن الله  في الاعتقاد الصوفي ما عليه إلا أن يعطي للأشياخ الصوفية ما يريدون لمريديهم كي يفرضوا على المريدين ما يشاءون من أوامر ونواهي لا شأن لله بها ، ويمتثل المريدون للأشياخ ، ويظل الشيخ في بؤرة الشعور لدى المريد ، وليس لله  من مجال عند الاثنين .. أبعد ذلك افتراء وتضليل وتفضيل؟؟..

   وقد تنبه بعض الباحثين لحقيقة التفضيل في الفكر الصوفي فيما يخص علاقة المريد بشيخه فقال(أضحى الولي في عرفهم أعظم من الله تعالى، وقد حملهم ذلك على أن يكفلوا للولي من الحقوق على أتباعه ما لله على عباده ، فطالبوا المريد والتابع بالامتثال دون اعتراض أو إنكار مهما بلغ شطط أوامر الشيخ)[221].

التفضيل الصريح المباشر

1 – وقبل الاستشهاد بعبارات صوفية صريحة في تفضيل الولي الصوفي على الله تعالى نؤكد أن هذا الاتجاه ليس وليد العصر المملوكي – عصر الازدهار الصوفي – وإنما تمتد جذوره إلى بداية التصوف في القرن الثالث الهجري .البسطامي كان رائداً في هذا المجال، ومقالته الشطحية مشهورة وهى قوله لله تعالى ( بطشي أشد من بطشك ، طاعتك لي أعظم من طاعتي لك ..إلخ) .وقد أغرم القاشاني شارح الفصوص بإحدى عبارات البسطامي فشرحها يقول في مقالته( ملكي أعظم من ملكك أي لكونك لي وأنا لك فأنا ملكك وأنت ملكي وأنت العظيم الأعظم وملكي أنت فأنت أعظم من ملكك)[222].

وروى الشعراني حكاية مشهورة عن البسطامي وهى أن النخشبي وشقيقه البلخي زاراه ، فلما قدم الخادم الطعام قالا له : كل معنا يا فتى فقال: لا، إني صائم ، فقال له أبو تراب النخشبي : كل ولك أجر صوم شهر فقال لا، فقال له شقيق البلخي كل ولك أجر صوم سنة فقال لا، فقال أبو يزيد دعوا من سقط من عين رعاية الله عز وجل، فسرق ذلك الشاب بعد سنه فقطعت يده عقوبة له على سوء أدبه مع الأشياخ[223]..أي أن طاعة أولئك الأشياخ مقدمة على طاعة الله تعالى ، ومن يعصهم فمصيره قطع يده . وليس مهماً أن أولئك الأشياخ يدعون لأنفسهم حق تقدير الثواب للصائم بأجر شهر أو أجر سنة في نظير إطاعته لأوامرهم بقطع الصوم لله ..

  ومن ذلك ما رواه الغزالي عن أبي تراب النخشبي سالف الذكر من أنه كان معجباً ببعض المريدين فكان دائماً يقول له( لو رأيت أبا يزيد) فقال له المريد لما أكثر عليه (ويحك ما أصنع بأبي يزيد .. قد رأيت الله تعالى فأغناني عن أبي يزيد (قال أبو تراب فهاج طبعي ولم أملك نفسي فقلت : ويلك تغتر بالله عز وجل، لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة)[224]. فصاحبنا حين هاج طبعه ولم يملك نفسه، صرح بمكنون عقيدته وهو أن رؤية أبي يزيد البسطامي أنفع من رؤية الله سبعين مرة، لأن البسطامي ملكه أعظم من ملك الله وبطشه أشد من بطش الله وطاعة الله له أكبر من طاعته لله في اعتقادهم . 

  2- ومن مظاهر تفضيل الصوفية أنفسهم على الله تعالى أن جعلوا أولياءهم المتصرفين ليس في الكون فقط بل وفي الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً . كما يقول اليافعي عن بعضهم أنه سأل أصحابه ( هل منكم من إذا أراد الحق سبحانه وتعالى أن يحدث في المملكة حدث أعلمه قبل أن يبديه ؟ فقال أصحابه: لا قال: ابكوا على قلوب لا تجد شيئاً من الله تعالى )[225]. أي أن الولي إذا تمكن وصل بتصريفه إلي السيطرة على الله تعالى فلا يبرم الله في العالم أمراً إلا بعد إعلام ذلك الولي به..

    ونحو ذلك ما قاله الشطنوفي في مناقب الجيلاني(كان الشيخ حياة بن قيس يقول إن الله يدر الضرع في وقتنا هذا وينزل الغيث ويدفع البلاء ببركة الشيخ عبد القادر)[226]. ومعنى ذلك أنه لولا بركة عبد القادر الجيلاني ما استطاع الله أن يدر ضرعاً أو ينزل غيثاً أو يدفع بلاءاً ..تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ..

   والشعراني أشار إلى تفضيل أعيان المملكة الصوفية من القطب والأبدال على الله تعالى حين قال( إن الله تعالى إذا أراد إنزال بلاء شديد مثلاً فأول من يتلقى ذلك القطب، فيتلقاه بالقبول والخوف، ثم ينتظر ما يظهره الله تعالى في لوح المحو والإثبات والخصيصين بالإطلاق والسراح، فإن ظهر له المحو والتبديل نفذه وأمضاه في العالم بواسطة أهل التسليك الذين هم سدنة ذلك ، فينفذون ذلك وهم لا يعلمون أن الأمر مفاض عليهم، وإن ظهر له الثبوت دفعه إلى أقرب عدد ونسبة منه ، وهما الإمامان فيتحملان به، ثم يدفعانه إن لم يرتفع إلى أقرب نسبة منه كذلك، حتى يتنازل إلى أصحاب دائرته جميعاً، حتى يرفعه الله عز وجل، ولو لم يحمل هؤلاء ذلك من العالم لتلاشى في طرفة عين)[227]. فالقطب وأعوانه يتحكمون في ملك الله تعالى ولولاهم لتلاشى العالم. والله تعالى – مع ذلك الاحتياج  للقطب وأعوانه – ينزل بالبلاء على العباد ، ويتكرم القطب وأعوانه بتحمل ذلك البلاء عن العالم : - أي أن الله تعالى جبار على العالم منزوع السلطات في نفس الوقت..وهذا تناقض لا نظير له إلا في الدين الصوفي..

  وبعض الأولياء الصوفية المتصرفين في الكون – بزعمهم – تجرأ على مخالفة أمر الله تعالى ورد قضائه بالموت وطرد عزرائيل، كما فعل محمد الشربيني والشويحي، وتعرضنا لذلك في تأليه الولي وسيطرته على الملائكة..

  3- وفي مجال التوسل فضلوا الولي على الله تعالى. يقول الشعراني مثلاً أن الحنفي (شمس الدين الحنفي) (كان .. يعٍّدي من مصر إلى الروضة ماشياً على الماء وهو وجماعته، فكان يقول لهم : قولوا يا حنفي وامشوا خلفي وإياكم أن تقولوا يا ألله، فخالف شخص منهم وقال يا الله فزلقت رجله فنزل إلى لحيته في الماء..)[228]. ففي هذه الأسطورة كان التوسل بالحنفي مجدياً في المشي على الماء، أما من يتوسل بالله فالمصير هو الغرق، فهنا تفضيل مهما كان التعليل..

   واشتهر البدوي في الأساطير الصوفية بإحياء الموتى يقول عبد الصمد الأحمدي (ومن كراماته. أن امرأة مات لها ولد صغير، فجاءت إلى سيدي أحمد البدوي، وهى باكية، وقالت: يا سيدي ما أعرف ولدي إلا منك ، وقام الفقراء ليمنعوها فلم يقدروا، وهى تقول: توسلت إليك بالله ورسوله، فمد سيدي أحمد البدوي يده إليه، ودعا له، فأحياه الله ببركة دعائه.. نفعنا الله تعالى ببركاته)[229].  فالمرأة توسلت للبدوي بالله ورسوله.. أي جعلت الله والرسول وسيلة وواسطة للبدوي، وعلى ذلك فالبدوي عندهم أعلى شأناً من الله .. فالبدوي هو المُتوسل إليه والله هو المتوسِل به، ثم كان الإحياء المزعوم ببركة دعاء البدوي – لا بقدرة الله تعالى .

ويتكرر في الكتب الصوفية وكتب المناقب على الأخص .. تعبير( نفعنا الله ببركاته) كما في النص السابق. ومعناه أن بركة الصوفي هي الأصل وعن طريقها يتمكن الله تعالى من النفع بها ، ولولاها لما كان هناك نفع ، ومعلوم أن البركة عندهم هي سر الولي وقدرته على التصريف، فجعلوا بركة الولي وسيلة لله يجري بها النفع للعباد، كما سبق في القول السابق عن الجيلاني من أن الله يدر الضرع وينزل الغيث ويدفع البلاء ببركته..

   4- وللمدرسة الشاذلية نزعة غريبة في تفضيل الولي على الله تعالى – لا أجد لها تعبيراً مناسباً – ولعل من الأفضل أن نتفهم النصوص المعبرة عن ذلك.. يقول الشاذلي (لما علم الله عز وجل ما سيقال في هذه الطائفة على حسب ما سبق به العلم القديم، بدأ سبحانه وتعالى بنفسه، فقضى على قوم أعرض عنهم بالشقاء، فنسبوا إليه زوجة وولداً وفقراً وجعلوه مغلول اليدين، فإذا ضاق ذرع الولي أو الصديق لأجل كلام قيل فيه من كفر وزندقة وسحر وجنون وغير ذلك ، نادته هواتف الحق في سره .. أما ترى إخوتك من بني آدم كيف وقعوا في جنابي ونسبوا لي ما لا ينبغي لي ، فإن لم ينشرح لما قيل نادته هواتف الحق أيضاَ أما لك بي أسوة فقد قيل فيّ ما لا يليق بجلالي)[230]. أي أن الله – تعالى – ارتضى لنفسه أن يكفر به الناس وما لا يليق من وصف وكل ذلك ليكون أمثولة وعبرة للولي الصوفي، فإذا سبّ الناس الولي الصوفي قال له الله ألا تتأسى بي فإنهم يقولون فيِّ أيضاً كذا وكذا.. فهي طريقة شاذلية فريدة في تفضيل شأن الولي على الله ، إذ استخدموا الله تعالى في حربهم للمنكرين وقاسوا الإنكار عليهم بالكفر على الله تعالى ، وجعلوا الله تعالى يجعل الناس يكفرون بألوهيته تعالى ويتقولون عليه رعاية لجناب ذلك الولي الصوفي وحتى لا يضيق بأي نقد.

 ويقول المرسي لمريديه (ما سمعتموه مني ففهمتموه  فاستودعوه الله يرده عليكم وقت الحاجة، وما لم تفهموه فكلوه إلى الله بتولي بيانه، واسعوا في جلاء مرآة قلوبكم يتضح لكم كل شئ)[231]. فالمرسي لا يُفهم أحد شيئاً . بل يدع الله يتولى بيان كلامه للمريدين ويطلب منهم أن يطهروا قلوبهم ليستحقوا فهم كل شئ من مراده .أما إذا حدث وفهم المريد فمطلوب منه أن يستودع الله ما فهمه من المرسي . أي أن الله تعالى واسطة بين المرسي ومريديه. يستخدم في حفظ المعلومات المفهومة وتوضيح المعلومات المبهمة .

 وفي ذلك بعض الشبه أو التأثير بالحياة التعليمية في العصر المملوكي التي قامت على أستاذ وعريف وطالب .. ووظيفة العريف( أو المعيد) أن يعيد للطلبة كلام الشيخ ويفهمهم ما عجزوا عنه .فأنظر إلى أي درجة نظر المرسي لله تعالى ، وفي أية مكانة وضعه فيها في حلقة درسه..          

ج1 ب2 ف 3 : الصوفية أولياء الشيطان

   كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

 الجزء الأول : العقائد الدينية فى مصر المملوكية بين الاسلام والتصوف .

  الباب الثانى :  تقديس الولي الصوفي في مصر المملوكية

الفصل الثالث :ملامح تأليه الولى الصوفى فى العصر المملوكى

                         الصوفية أولياء الشيطان :

 أولا : المقصود بالعبادة والتقديس  هو الله جلا وعلا وهو الولي ولا ولي سواه                        

1-   رأينا كيف انزلق الصوفية بعد تزكية أنفسهم إلى تأليه ذواتهم واعتبارها شركاء لله  في ملكه وحكمه ، مع أنه تعالى لا يشرك في حكمه أحداً ولا واسطة بينه وبين عباده .والواقع أن الولي المقصود بالعبادة والتقديس لا يكون سوى الله تعالى .فقد وصف تعالى نفسه بصفة الولي المقدس المعبود في معرض الاحتجاج على المشركين الذين اتخذوا لأنفسهم أولياء غير الله .. يقول تعالى ( أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الشورى 9 ) .. وفي الآية الكريمة إشارة إلى أن الله هو الولي الحقيقي ، فهو الذي يحيي الأموات ومنهم أولئك المقبورون الذين يعتقد المشركون في ألوهيتهم ، مع أنهم لا يقدرون على شئ ، والله هو القدير على كل شئ سبحانه وتعالى عما يشركون . ويقول تعالى ( قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ؟ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ :الأنعام14 ). فالرسول عليه السلام أمره ربه أن يقول للمشركين أيمكن أن يتخذ ولياً سوى الله تعالى ، وهو الذي خلق السماوات والأرض وهو الذي يطعم الخلق ولا يطعمه الخلق . . وفي ذلك تعريض بأولياء الشرك التي لا تقدر على أن تخلق بل هي مخلوقة ، بل وتعيش عالة على رزق يأتيها ممن يعبدونها .

2-ومن سمات الإسلام أن يكتفي المسلم بالله ولياً (وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيراً :النساء 45)، ذلك أن الولاية الحقيقية لله تعالى وحده  (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ :الكهف44) ..فقد وصف تعالى نفسه بالولي ( وهو الولي الحميد .. الشورى 28 ) فلا ولي للعالمين غيره (مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ: السجدة 4)..  (مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا  يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً: الكهف 26 )..

4-ولأن الصوفية لم يؤمنوا بالله تعالى ولياً فإنهم بالغوا في تقديس أوليائهم وتأليههم على حساب الله تعالى ، ولم يكتفوا بذلك بل ألمحوا إلى تفضيل هذه الأولياء على الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً ، ولا ريب أن الشيطان هو  الذي أوقعهم في هذا الشطط ، فهو الولي للمشركين ، سواء كانوا معتدلين أم متطرفين .

ثانيا : الشيطان ولى الصوفية

   1-   بدأنا مبحث الولي بتفصيل عن الولي في القرآن الكريم وانتهينا منه إلى أنه مجموعة صفات من الإيمان والصلاح والتقوى ، صفات عامة ولا يعلم حقيقتها إلا الله ، وطالما كان الإنسان  حيا فهو في صراع مستمر مع الشيطان ، فتتغير تلك الصفات الحسنة فيه بالزيادة والنقص ، وفي نهاية حياته تكون المحصلة النهائية ، وبها يعرف مكانته أهو ولي لله تعالى مصيره للجنة أم ولي للشيطان مصيره للجحيم . ثم عشنا مع ولي التصوف الذي يزكي نفسه وتزكيه طائفته وتصل به إلى مرتبة الألوهية وتزيد . وإذا كان أولئك الصوفية خرجوا على حدود الالتزام الإسلامي حين قاموا بتزكية أنفسهم فإنهم قد تطرفوا حين ألهوا أولياءهم من دون الله ، وبذلك تنطبق عليهم سمات ولي  الشيطان التي أوردها الله تعالى في القرآن الكريم ..

   2- وقضية تقسيم الولاية بين الله والشيطان قضية عقيدة لا تحتمل التوسط عند الله ، فأما أن يكون المرء عند موته مؤمناً أو مشركاً ، أى إما أن يكون من حزب الله أو من حزب الشيطان، ولا مجال للتوسط . ({اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ :البقرة 257}). فالمؤمنون لا يتخذون لهم ولياً إلا الله ، فالله يخرجهم من ظلمات الشرك والاضطهاد إلى نور الإسلام ، أما أولئك الذين يتخذون لأنفسهم أولياء من دون الله فالشيطان وليهم يخرجهم من نور الفطرة السليمة إلى ظلمات الشرك والجحيم .. وليس بين الفرقتين طائفة ثالثة ..

3-وأصابع الشيطان وراء كل مظهر شركي وقع فيه أولئك الصوفية .يشمل ذلك  بداية خروجهم على الالتزام الإسلامي حين زكوا أنفسهم وتمنوا على الله تعالى الأماني . فالشيطان هو الذي وسوس لهم بذلك حسبما يذكر الله تعالى عن دور الشيطان . فقد أعلن إبليس منذ البداية خطته للإيقاع ببني آدم (وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ) النساء 119)..التمني على الله من وساوس الشيطان ( يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً ..النساء120 ) .. وقد فعل ذلك بالمنافقين (..وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ).الحديد14 )  والغرور( بفتح الغين ) هو الشيطان ،  سمى بذلك لأنه يغرر بالإنسان ويزين له تزكية النفس على الله تعالى .

ثالثا : مزاعم الصوفية فى أن ابليس يزكيهم  

1 ــ ونلمح تزكية الشيطان للصوفية في ادعاءات الصوفية أنفسهم .. فإبليس قد يزكي أفراداً من الصوفية .

يزعم  قيس بن الحجاج ( قال لي شيطاني : دخلت فيك وأنا مثل الجزور وأنا الآن مثل العصفور ) [232].

 فهنا تزكية مباشرة ومدح واضح واعتراف صريح من الشيطان لابن الحجاج بأنه عجز عن إفساده ، ومطلوب منا أن نصفق لابن الحجاج الذي أرهق شيطانه بتقواه وبدّله من بعد السمنة نحولاً .

وقد تكون التزكية الشيطانية للصوفي ملتوية وغير مباشرة – وهي أبعد أثراً كما يروي الغزالي من أنه ( كانت لمحمد بن واسع استعاذة من الشيطان ، فقابله إبليس يوماً فقال له :هل تعرفني يا ابن واسع ؟ قال : ومن أنت ؟ قال : أنا إبليس فقال : وما تريد ؟ فقال له : أريد ألا تعلم أحداً هذه الاستعاذة ولا أتعرض لك ..)[233] . فلابن واسع تعويذة رهيبة – لا نعرفها مع شدة الأسف – وهذه التعويذة المجهولة فعلت فعل السحر بإبليس فعقد صلحا مع ابن واسع ينص على أن يتعهد ابن واسع بعدم تعليمها لأحد حتى لا تضيع  جهود إبليس هباء ،وذلك في نظير ألا يتعرض إبليس لابن واسع بسوء ، فيضمن ابن واسع لنفسه العصمة من إبليس ،  ويتفرغ إبليس لمهمته في إفساد  البشر جميعا سوى ابن واسع . ولا ريب أن تلك الاستعاذة المجهولة أبعد أثرا مما أورده القرآن الكريم في المعوذتين ومن قوله تعالى لرسوله {وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ،وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ المؤمنون 98:97}.. فالتزكية لابن واسع هنا وإن كانت ضمنية إلا أنها متطرفة ، فقد رفعته فوق مستوى البشر بل والرسل .

 2 ــ وقد تكون التزكية لطائفة الصوفية بأسرها على لسان إبليس يرويها أعيان الصوفية كالجنيد القائل ( رأيت إبليس في المنام عرياناً فقلت ألا تستحي من الناس ؟ فقال إبليس : وهؤلاء ناس ؟ الناس أقوام في مسجد الشونيزيه قد أحرقوا كبدي .. قال الجنيد فلما انتهيت غدوت إلى المسجد فرأيت جماعة قد وضعوا رءوسهم على ركبهم يتفكرون ، فلما رأوني قالوا : لا يغرنك حديث الخبيث .. )[234] . أى إن صوفية مسجد ذلك المسجد أحرقوا كبد ابليس وجعلوه يسير عريانا ، فيشفق عليه الجنيد من الفضيحة ومن شدة البرد، ويعترف ابليس له بالسبب ، وأن صوفية هذا المسجد هم السبب ، فيذهب اليهم الجنيد فيقولون له ألّا يصدق ابليس الخبيث.!

     ويكرر المسوحي هذه الاسطورة فيقول :( رأيت إبليس يمشي عرياناً فقلت ألا تستحي ؟ فقال يا الله هؤلاء ناس .. لو كانوا من الناس ما كنت العب بهم طرفي النهار كما يتلاعب الصبيان بالكرة بل الناس قوم غير هؤلاء قد أسقموا جسمي . وأشار بيده إلى أصحابنا الصوفية )[235].

رابعا : الصوفية أولياء الشيطان :

    1- ويفهم من النصين السابقين الود القائم بين الجنيد والمسوحي من ناحية وإبليس من ناحية أخرى .. حتى أنهما يعتبان عليه المشي عرياناً في السوق خشية الإنكار عليه من الناس الآخرين ، وذلك الود يشي بالولاء بين إبليس  والصوفية ، وهذا يناقض الاسلام ، ذلك أن المسلم مطالب باتخاذ إبليس عدواً أبدياً  ( وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ، إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ :فاطر 5، 6).. وذلك الرد الذي تظهره كلمات الصوفية المعتدلين كالجنيد والغزالي يعبر عنه بوضوح القرآن الكريم بالموالاة بين إبليس وحزبه ، وقد أبرز القرآن الكريم نواحي شتى للموالاة بين الجانبين .

    2- فالصوفية يقيمون الأضرحة على قبورهم ، ويتقرب الناس لهذه الأضرحة بالتقديس والتبرك والنذور ، والأضرحة هي الأنصاب المذكورة في القرآن الكريم والتي كان يتقرب إليها الجاهليون بالذبائح والنذور ويحاولون من خلالها معرفة الغيب الإلهي. وذلك كله من عمل الشيطان ،يقول تعالى :(.. إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ :المائدة 9) . والعقل البشري العادي يرفض فكرة عبادة الأحجار سواء كانت أصناماً أم قبوراً وأنصاباً . ولا فارق بين حجارة عادية وحجارة مقامة على قبر مقدس ، إلا أن الشيطان يزين لأتباعه تقديس هذه الأحجار والتبرك بها رعاية للصوفي المدفون تحتها ، حتى أن ذلك الصوفي المقبور ـــ والذي أضحى جيفة يتقزز الإنسان من لمسها ويفزع من مجرد رؤيتها ـــ ذلك الصوفي المقبور لا شأن لجسده المتحلل بأي من هذا التقديس . فقد بلى وتحلل وأصبح رماداً . فالمعبود في الحقيقة هو الشيطان ، الذي زين للناس  مخالفة عقولهم ودينهم ، يقول تعالى عن المشركين السابقين وعقائدهم وأفعالهم : ( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.. :الأنعام 43).. (تَاللّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: النحل63)..( وَعَاداً وَثَمُودَ ،وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ: العنكبوت:38) .. 

3 ــ وقد قال تعالى للبشر(يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ.. الأعراف 27).  وأدنى عبادة للشيطان هي امتثال أمره والإعراض عن أوامر الله .وتكتمل عبادة الشيطان بالشرك واتخاذ الأولياء من الإنس والجن . لذا يقول تعالى بأسلوب القصر ( إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً، لَّعَنَهُ اللّهُ.. النساء 117، 118). فالمعبودون من دون الله إما ملائكة عبدت رغم أنفها ، وإما شياطين غرروا بالناس وجعلوهم يعبدون الأحجار والأولياء وجثث الموتى المتحللة ، وهي لا تعدو أن تكون وسائط يعبدون الشيطان من خلالها . وهكذا كان النهي الإلهي صريحاً للبشر بألا يعبدوا الشيطان من خلالها . وهكذا كان النهي الإلهي صريحا للبشر بألا يعبدوا الشيطان ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ، وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ، وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ) يس 60: 62).أى فإما أن تعبد الله وحده وإما أن تكون عابداً للشيطان دون أن تدري ، وكان إبراهيم صريحاً مع أبيه حين قال له  ( يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً .. مريم44) ..

4 ــ  هذا .. ولقد قال الغزالي ( .. فإما معرفة ذاته وصفاته وحقيقته فذلك ميدان العارفين المتغلغلين في علوم المكاشفات )[236] ومن يقرأ هذه العبارة يعتقد أن المقصود بمعرفة ذاته وصفاته هو الله تعالى ، فذلك كثيراً ما يتردد في كتب الصوفية عن الله تعالى وأن الأولياء هم وحدهم العارفون به وبأسراره وبعلمه اللدني .ولكن الغزالي يقصد بتلك العبارة إبليس .ويرى أن العارفين المُكاشفين العالمين بالغيب هم الذين يعرفون ذاته وحقيقته وصفاته . فهنا نوع من المشاكلة يشي بتقديس إبليس . ومع أن الكذب واضح في تلك الجملة – فإبليس بذاته وصفاته سمعيات لا يعلمها إلا الله تعالى – فإن تعمد الكذب والإقدام عليه يفضح نفسية الصوفية في الاهتمام بإبليس ورعاية شأنه .

5-ويفتري الصوفية على الله كذباً فيدعون الوحي عن طريق ملك الإلهام أو بلا واسطة بالعلم اللدني والصوفية هم أصحاب الهاتف والمنام ومخاطبة الحق جل وعلا . وهذا الإفك المفترى على الله من سمات الشرك الأساسية ، ومرجعها للشيطان . فإذا كان الله تعالى هو الذي يوحى  إلى أنبيائه وهم صفوة خلقه فإن الشيطان يوحي إلى أعوانه بزخرف القول . يقول تعالى عن أعداء الأنبياء (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ، وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ .. الأنعام112، 113)..     فقد بلغت الموالاة بين رءوس الشرك من الإنس والجن مبلغ المساواة ، وعبر عنها القرآن بقوله (شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ) فقد أصبح رءوس الشرك شياطين يوحون للشياطين ويوحي إليهم الشياطين . وقد قال تعالى عن القرآن الكريم  ( وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ، وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ) الشعراء210، 211}.. وقال عن أفك المشركين وادعاءاتهم ( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ، يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ..الشعراء 221: 223} ..

6-   هذا .. ولقد عرض الغزالي صراحة لمكاشفة إبليس أو وحيه للصوفية .وقد ارتفع بإبليس إلى منزلة الملائكة يقول ( إن الملك والشيطان لهما صورتان هي حقيقة صورتهما ولا تدرك حقيقة صورتها إلا بالمشاهدة بأنوار النبوة ..) [237]. ويقول عن إبليس ( والأكثر أنه يكاشف أهل المكاشفة  من أرباب القلوب (يعني الصوفية ) بمثال صورته فيتمثل الشيطان له في اليقظة فيراه بعينه ويسمع كلامه بإذنه فيقوم ذلك مقام حقيقة صورته ، كما ينكشف في المنام لأكثر الصالحين ، وإنما المكاشف في اليقظة هو الذي انتهى إلى رتبة لا يمنعه اشتغال بالحواس بالدنيا عن المكاشفة التي تكون في المنام فيرى في اليقظة ما يراه غيره في المنام )[238]. أي أن تجلي إبليس في  اليقظة لا يكون إلا لمن انتهى إلى أكبر رتبة بينهم وغيره لا يحظى برؤيته إلا مناماً . وهكذا يتضح أن الصوفية يقولون في إبليس ورؤيته نفس ما يقولونه عن الله تعالى وعلمه اللدني . فالغزالي يعقب على مقالته السابقة بقوله ( فإن القلب لابد وأن تظهر فيه حقيقة من الوجه الذي يقابل عالم الملكوت وعند ذلك يشرق أثره على وجهه الذي يقابل به عالم الملك والشهادة ، لأن أحدهما متصل بالآخر ، وقد بينا أن القلب له وجهان : وجه إلى عالم الغيب وهو مدخل الإلهام والوحي ووجه إلى عالم الشهادة ..) وهكذا إلى أن يقول ( وهذه أسرار عجيبة من أسرار عجائب القلب ، والمقصود أن تصدق بأن الشيطان ينكشف لأرباب القلوب وكذلك الملك تارة بطريق التمثيل والمحاكاة كما يكون ذلك في النوم وتارة بطريق الحقيقة والأكثر هو التمثيل بصورة محاكية للمعنى ..)[239]. ولذا كان الصوفية يعرفون ذاته وصفاته وحقيقته معرفتهم بالله وذاته .. وتناسى الغزالي أن رؤية إبليس يقظة ومشافهة بالشخص مستحيلة فقد قال تعالى ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ.. الأعراف27).. إلا أن عدم رؤيته يقظة لا تمنع موالاته فالشيطان خلف نفس ابن آدم ويحركه بالوسوسة والتلبيس والتغرير وبشتى الحيل حتى يملك عليه أقطاره ويستحوذ عليه  (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ .. المجادلة19)..

7-   وحينئذ يكونون أولياء الشيطان معبرين عنه ، يتلقون وحيه الشيطانى وينسبونه لله تعالى إفتراءاً عليه ، وإذا تطرفت العلاقة بين الشيطان وأوليائه قام أولياء الشيطان بنشر وحى الشيطان علانية ينسبونه علانية إلى الشيطان دون تحرج ، كما ورد في الكتابات الصوفية . وقد رأينا طرفاً من ذلك ، فالوحى الشيطانى للصوفية يأتى مباشرا مٌعلنا عنه كما يأتى ضمنيا . وهذا الوحي الشيطاني الضمنى هو المصدر الأساسي لدين التصوف وكل ادعاءاته ، وهو أيضا المصدر الأساس والوحيد لكل الأديان الأرضية .

    8- وبعض كبار الصوفية المشرعين في الدين الصوفي أعلن صراحة نسبة كلامه وآرائه إلى وحي إبليس ، ولم ينس أن يصبغ ذلك حيناً ببطولة وهمية له كقول أبي سعيد الخراز ( رأيت في المنام كأن إبليس وثب على فأخذت العصا لأضربه فلم يفزع منها فهتف بي هاتف : إن هذا لا يخاف من هذه وإنما يخاف من نور يكون في القلب )[240] . والقلب عند الصوفية كل الأسرار والأنوار الإلهية . وقد ارتدى إبليس في وحي آخر عمامة التصوف يقرر لهم ما يجوز كما حكى الجنيد من أنه رأي إبليس في النوم ( فقلت له هل تظفر من أصحابنا بشيء قال : نعم ، في وقتين : وقت السماع ووقت النظر فإني أدخل عليهم به) [241] . وعجيب أن يفشي إبليس أسرار مهنته للجنيد ويفضح طريقته في إغواء الصوفية ، ولكن يزول العجب إذا علمنا أن مقصد الجنيد أو إبليس هو التشريع  للصوفية في السماع وفي النظر . وتلك أمور صوفية خالصة لا شأن للإسلام بها إذ هي خارجة عن منهاجه وتستلزم نوعاً من التوجيه ولن يأتي التوجه والوحي إلا من إبليس .      وبعض الوحي الشيطاني الصوفي يحمل في داخله دعوة ضمنية للانحراف والانخراط فيه بدافع اليأس من مجاهدة الشيطان وذلك كقول خيثمة بن عبد الرحمن ( إن الشيطان يقول : ما غلبني ابن آدم فلن يغلبني على ثلاث : أن آمره فيأخذ المال من غير حقه وإنفاقه في غير حقه ومنعه من حقه )[242]. ويقول الغزالي ( وقيل إن الشيطان يقول : كيف يغلبني ابن آدم وإذا رضي جئت حتى أكون في قلبه وإذا غضب طرت حتى أكون في رأسه )[243].

    9- ولقد أبرز الله تعالى الصورة الحقيقية لإبليس كعدو أبدي لابن آدم ووصفه بما يستحق من صفات ذميمة كالكفر والحسد والكبر والإضلال وغيرها .. وكأنما عز على  الصوفية أن تشوه صورة إبليس إلى هذا الحد ، فحاولوا القيام بعملية تجميل لوجه إبليس ، وأظهروه بمظهر النبي المصلح ، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، يقول الغزالي ( روى صفوان بن سليم أن الشيطان تمثل بعبد الله بن حنظله فقال له : يا ابن حنظله أحفظ عني شيئاً أعلمك به : يا ابن حنظله لا تسال أحداً غير الله سؤال رغبة ، وانظر كيف تكون إذا غضبت فإني أملكك إذا غضبت )[244]. وبعض هذه النصائح المزعومة كانت تفضح وسائل إبليس في الإغواء رغبة في إتمام عملية التجميل والتحسين وأنه يحذر بني آدم من خطورته وإن لم يفعلوا بوصاياه الجميلة فهو مضطر لإغوائهم كأن يقول لبعض الأولياء – وقد سأله كيف تغلب ابن آدم – ( آخذه عند الغضب  وعند الهوى )[245]. أو كقوله في النص السابق ( .. وأنظر كيف تكون إذا غضب فإني أملكك إذا أغضبت )..

  10- ونحن إما أن نصدق هذه الصورة الجميلة التي رسمها الصوفية لإبليس لعنه الله وإما أن نؤمن بما أورده القرآن الكريم عن إبليس اللعين الرجيم الذي بلغ حقده على آدم وحواء وهما في محنتهما حين  أخرجهما من  الجنة أن كان يتشفى فيهما فينزع عنهما لباس الجنة ليريهما عوراتهما . يقول جل وعلا يحذرنا :( يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ .. الأعراف27).إن الله سبحانه وتعالى يقول لنا ( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِير ..ِ فاطر6).. والتأمل في هذه الآية الكريمة فيه الرد على الأقاويل الصوفية السابقة. وفيه الإشارة للعلاقة ببين الشيطان وأتباعه . ومراجعة المنامات الصوفية وما يزعمونه عن الهاتف والعلم اللدني والأحاديث المزيفة كلها تدخل في باب الوحي الشيطاني في التشريع وفي الغيوب .



[1]
- إحياء جـ1 / 83 .

[2] - إحياء جـ4/ 305.

[3] - سيرة المنصور . مخطوط مجلد 1 لوحة 10 .

[4] - التبر المسبوك 68 .

[5] - إحياء جـ1/ 18 .

[6] - إحياء جـ 4 / 421 .

[7] - إحياء جـ3 / 30 .

[8] - إحياء جـ4/ 147 .

[9] - الجواهر والدرر 264

[10] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ1/ 6

[11] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ 1/ 6.   

[12] لطبقات الكبرى للشعراني جـ1/ 9 .

[13] إحياء جـ4/176.

[14] تحفة الأحباب 465.

[15] - الطبقات الكبرى على الترتيب جـ1/ 15. 16 . جـ2 / 156 . 164 .

[16] - الطبقات الكبرى على الترتيب جـ1/ 15 . 16 جـ2 / 156 . 164 .

[17] -  الطبقات الكبرى على الترتيب جـ1 / 15 . 16 جـ2 / 156. 164.

[18] - الطبقات الكبرى  على الترتيب جـ1/ 15 . 16 جـ2 / 156 . 164.

[19] - نفس المرجع جـ 1 /135.

[20] -الطبقات الكبرىجـ1/143

[21] - مناقب الحنفي مخطوط3.

[22] - الطبقات الكبرى جـ 2/ 81.

[23] - لطائف المنن لأبن عطاء71.

[24] - المفاخر العلية 3 :4 .

[25] - اللمع 58.

[26] -اللمع  على الترتيب 56 ، 48 ، 57.

[27] - اللمع  على الترتيب 56 ، 48 ، 57.

[28] - اللمع على الترتيب56، 48 ، 57 .

[29] - اللمع  على الترتيب 56 ، 48 ، 57 .

[30] - إحياء جـ 4 / 306 ، 267 .

[31] - إحياء جـ 4 / 306 ، 267 .

[32] - إحياء جـ 4 / 304 .

[36] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ 2/ 12 ، تعطير الأنفاس 308 .

[37] - تعطير الأنفاس 28 . ولطائف المنن لابن عطاء 88.

[38] - مناقب الوفائية 55 .

[39] - مناقب الوفائية 70 .

[40] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ 2 / 55 .

[41] - إحياء جـ 4 / 265 :266 .

[42] -  مناقب الفرغل مخطوط 34 ، 21 .

[43] - مناقب الفرغل مخطوط 34، 21 .

[44] - أخبار القرن العاشر مخطوط 175 .

[45] - طبقات الشاذلية 118 .

[46] - طبقات الشرنوبي مخطوط 2 .

[47] - الطبقات الكبرى للمناوي 254  ب مخطوط .

[48] - عبد الصمد . الجواهر السنية 49 .

[49] - لطائف المنن 411 ط .

[50] - تعطير الأنفاس 37 ، المفاخر العلية 19 .

[51] - تعطير الأنفاس 70.

[52] - تعطير الأنفاس 241 .

[53] مناقب الحنفي 389 مخطوط .

[54] بهجة الأسرار جـ1/21 مخطوط.

[55] الطبقات الكبرى للمناوى 386 مخطوط.

[56] الجواهر والدرر 166 .

[57] المفاخر العلية 15 .

[58] تعطير الأنفاس 273 .

[59] عيون الأخبار مخطوط جـ2/442 . الطبقات الكبرى للمناوى333 .

[60] لطائف المنن لابن عطاء75 .

[61] أخبار القرن العاشر 63 مخطوط ,الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/98.

[62] شمة- مسرة العين10مخطوط

[63]   جوهرة الدسوقي103

[64] - إحياء جـ3/65 :66

[65] إحياء جـ3/ 65: 66 .

[66] إحياء جـ2/ 201: 202 .

[67] - إحياء جـ 3 / 78 .

[68] - شذرات الذهب جـ 7 / 350 .

[69] - روض الرياحين 58 .

[70] -  النبهاني كرامات الأولياء جـ 1 / 137 .

[71] - الضوء اللامع جـ 1/ 201

[72] - إحياء جـ4 / 350 .

[73] -  إحياء جـ4 / 35.

[74] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ 2/ 163 .

[75] - الجواهر والدرر 140 , 141 ، 142 .

[76] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2 / 169 .

[77] - الشعراني صحبة الأخيار 136 .

[78] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2 / 169 .

[79] عبد الصمد. الجواهر السنية  28 .

[80] - إحياء جـ4 /304 .

[81] - روض الرياحين 179.

[82] - الجواهر السنية 6، 7 ,  10 .

[83] - الشعراني : تنبيه المغترين 130 .

[84] - الشعراني . درر الغواص 3 .

[85] - الشعراني درر الغواص 2 .

[86] - مسرة العينين مخطوط ورقة 74 ب .

[87] - الرسالة القشيرية 31.

[88] - إحياء جـ3/ 18 .

[89] - إحياء جـ1 / 27 .

[90] - إحياء جـ 4/ 27 .

[91] - إحياء جـ2/ 259 . جـ3 / 21. 58 .

[92] - روض الرياحين: 57، 58 ، 59 ، 60 ، 64 .

[93] - درر الغواص 11 ,

[94] - لطائف المنن 429 . 430 .

[95] - لطائف المنن 429 ، 430 .

[96] - الإلمام للنويري مخطوط جـ 2 / 79 .

[97] - الشعراني  قواعد الصوفية جـ 1/ 158 .

[98] - درر الغواص 81 .

[99] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ 2 / 158 .

[100] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ 2 / 158 .

[101] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ 2/ 158 .

[102] - مناقب الوفائية . مخطوط 43.

[103] - الطبقات الكبرى للمناوى مخطوط 237ب، 339 .

[104] - الطبقات الكبرى للمناوى مخطوط 237 ب،239 .

[105] لطائف المنن 95 .

[106] - ابن الزيات.. الكواكب السارة فى ترتيب الزيارة 316: 317 .

[107]- مناقب الفرغل مخطوط 3.

[108] -الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/96

[109] - عبد الصمد الأحمدي..الجواهر السنية 76.

[110] الطبقات الكبرى جـ2/75.

[111] الطبقات الكبرى جـ1/135.

[112] الطبقات الكبرى جـ2/167 .

[113] الجواهر والدرر195 .

[114] مناقب عبد الرحيم القنائى 15 مخطوط .

[115] الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/89 .

[116] الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/ 160 .

[117] الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/ 135 .

[118] - طبقات الشرنوبي مخطوط 3 ، 4 , 7 ، 8.

[119] - المقصود بالمعجزة هي الخارقة التي يتحدى بها الرسول قومه ويدلل بها على صدق دعواه، فالتحدي هو الفارق بين (المعجزة) الموجهة للمشركين (والاختصاص) وهو الخارق الذي يمن الله به على رسله كالإسراء وغيره حيث لا تحدٍ فيه.

[120] - طبقات الشاذلية للكوهن 115 ، 119 .

[121] - طبقات الشاذلية للكوهن 115 ، 119 .

[122] - المفاخر العلية 5 .

[123] بهجة الأسرار ج1/27 مخطوط .

[124] - المفاخر العلية: 5 .

[125] - تعطير الأنفاس 51 مخطوط .

[126] - روض الرياحين 204 .

[127] - تعطير الأنفاس 54 .

[128] - المفاخر العلية 18 .

[129] - مناقب عبد الرحيم القنائي 10 .11  مخطوط الطبقات الكبرى للشعراني جـ 1 / 135 .

[130] -الطبقات الكبرى للمناوي 351مخطوط .

[131] -الطبقات الكبرى للشعراني جـ2 /123, 94.

[132] - لطائف المنن 188 .

[133] - الجواهر والدرر 122 .

[134] - الجواهر والدرر 161.

[135] - عبد الصمد .. الجواهر السنية 37 : 38 .

[136] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/ 123 .

[137] - بهجة الأسرار جـ2/ 19 : 20  مخطوط.

[138] - الإلمام للنويري مجلد 2 لوحة 74 مخطوط مصور.

[139] - مناقب الوفائية مخطوط 15 : 16 .

[140] - الطبقات الكبرى جـ2/ 78 .

[141] - مناقب الوفائية 77 : 78 .

[142] - الجواهر السنية لعبد الصمد الأحمدي: 47 .

[143] - الجواهر السنية لعبد الصمد الأحمدي 51 .

[144] - لطائف المنن لابن عطاء 96 .

[145] - الدرر الكامنة جـ1/ 21 .

[146] - بهجة الأسرار جـ2/ 28 مخطوط.

[147] - لطائف المنن 187 : 188 ط 1288  الطبعة القديمة.

[148] - لطائف المنن 251 : 252 .

[149] - إرشاد المغفلين 265 مخطوط.

[150] - لواقح الأنوار 126 .

[151] - طبقات الشاذلية 118 .

[152] - الطبقات الكبرى للمناوي 296 مخطوط .

[153] - المدخل جـ 2/ 209 .

[154] - لطائف المنن 438 .

[155] - لبس الخرقة 11 مخطوط  .

[156] - إرشاد المغفلين 254 .

[157] - روض الرياحين 215 .

[158] -  الطبقات الكبرى جـ2/ 93 .

[159] - جوهرة الدسوقي 99 . مكتبة الجمهورية .

[160] - طبقات الشرنوبي مخطوط 3، 4 ، 5 ، 6 ، 7 ، : 12 متفرقات..

[161] - الطبقات الكبرى جـ2 / 157 .

[162] - لطائف المنن 142 ، 143 .

[163] - لطائف المنن 142 ، 143 .

[164] - قواعد الصوفية جـ1 / 167 : 173.

[165] - إحياء جـ4 / 288 .

[166] - إحياء جـ4 / 299.

[167] - الرسالة القشيرية 218 .

[168] -لطائف المنن للشعراني 280 .

[169] جـ2/24 .

[170] -البحر المورود 26 هامش .

[171] الشعراني: إرشاد المغفلين 239 ،240

[172] - الشعراني: إرشاد المغفلين 239 ،240

[173] - الشعراني : إرشاد المغفلين 239 ،240

[174] - إرشاد المغفلي240.

[175] - قواعد الصوفية جـ1/ 187 .

[176] - قواعد الصوفية جـ1/ 64

[177] - مناقب الوفائية : مخطوط 73، 74 : 75 .

[178] - الطبقات الكبرى للمناوي 350 ب مخطوط .

[179] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ1 / 153 الطبعة القديمة .

[180] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ1/ 143 .

[181] - قواعد الصوفية جـ 1/ 189 .

[182] - لطائف المنن 166 مكتبة عالم الفكر.

[183] - لطائف المنن 278 : 279 الطبعة القديمة.

[184] - إحياء جـ 4/ 225 .

[185] - قواعد الصوفية جـ1/ 188 .

[186] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/ 37 الطبعة القديمة.

[187] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ 2/ 30 الطبعة القديمة.

[188] - إحياء جـ3/ 65 .

[189] - درر الغواص 68 .

[190] - الرسالة 316.

[191] - درر الغواص 83

[192] - لطائف المنن 278 :279 الطبعة القديمة .

[193] - لطائف المنن لابن عطاء 115 تعطير الأنفاس مخطوط 243 .

[194] - لطائف المنن لابن عطاء 238.

[195] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/ 78 الطبعة القديمة .

[196] - قواعد الصوفية جـ1/ 185: 186 .

[197] - الشيبي الصلة بين التصوف والتشيع جـ 1/ 149, جـ 2/ 62 .

[198] - مناقب الحنفي 147 – 148 مخطوط .

[199] - أورد الدكتور عبد الحليم محمود نص الحزبين في كتابه عن الشاذلي ص 176 , 188 .

[200] - قواعد الصوفية جـ1/ 174 .

[201] - درر الغواص الشعراني ص 4.

[202] - لواقح الأنوار 48 .

[203] - تاريخ البقاعي مخطوط 8 .

[204] - تاريخ البقاعي مخطوط 9 .

[205] -لطائف المنن 545.

[206] - طبقات الشرنوبي مخطوط 1، 4 .

[207] - حسن شمة 55 .

[208] - عبد الصمد . الجواهر 43 ، النفخات الأحمدية 238 .

[209] - لطائف المنن لابن عطاء 44 .

[210] - ياقوت العرشي الطبقات الكبرى 2 / 18 .

[211] - مناقب الحنفي 100 مخطوط.

[212] - مناقب الوفائية 13 مخطوط.

[213] - الشعراني .. صحبة الأخيار 39 .

[214] - الشعراني ، الطبقات الكبرى جـ2/ 103 .، الجواهر والدرر ص 107 .

[215] - الشعراني، الطبقات الكبرى جـ2/ 73 .

[216] - ابن أيبك الداوداري 153 .

[217] - الكواكب السيارة 270 وهناك قصة أخرى عن الشفاعة في نصراني ص 252 ، 253 .

[218] - لطائف المنن للشعراني 299 .

[219] - الشعراني .. الطبقات الكبرى جـ2 / 129 .

[220] - ديوان البهاء زهير47 .

[221] - توفيق الطويل : التصوف في مصرفي العصر العثماني 197 .

[222] - شرح القاشاني لفصوص الحكم 53 .

[223] قواعد الصوفية ج1/175 .

[224] - إحياء ج4/ 305 .

[225] روض الرياحين 69 .

[226] - بهجة الأسرار ج2/73 مخطوط

[227] - الطبقات الكبرى جـ2/ 146 ، درر الغواص 14.

[228] - لواقح الأنوار 245.

[229] - الجواهر السنية 43 .

[230] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ1/ 29 البحر المورود 15: 16 .

[231] - لطائف المنن 134 .

[232] - إحياء جـ 3/26.

[233] - إحياء جـ3/23

[234] -  إحياء جـ4/433

[235] - إحياء جـ/4 / 432

[236]- إحياء جـ3/25.6

[237] - إحياء جـ3/34: 35 .

[238] - إحياء جـ3/34: 35.

[239] - إحياء جـ3/34: 35.

[240] - إحياء جـ4/432.

[241] -إحياء جـ2/266

[242] -إحياء جـ3/ 29.

[243] -إحياء جـ3/29.

[244] -إحياء جـ3/28

[245] - إحياء جـ3/28

ج1 ب2 ف 4 أنواع الأولياء الصوفية ومهامهم وكراماتهم

 الفصل الرابع :أنواع الأولياء الصوفية ومهامهم وكراماتهم

أنواع الأولياء الصوفية : القطب والخضر

مدخل

·      فى مواجهة التحكم السياسى الاستبدادى جعل الصوفية لأنفسهم مملكة وهمية وزعوا فيها الوظائف بين الأولياء ، من الأقطاب إلى الأبدال والنقباء والنجباء..الخ  ، واختلفوا في التوزيع وفي الألقاب في تلك المملكة الوهمية .كما جعلوا للأولياء وظائف ومهاماً ، كأن يقوم أحدهم بتحمل المصائب عن الآخرين ، أو " الحملات " أو كأن يشمل الآخرين ببركته بالنظرة وبالبركة .. وينبع ذلك كله من اعتقاد العصر في كرامات الأولياء وقدرتهم – المزعومة – على  التصريف في الكون وفي الناس .

·    وهو موضوع طويل ، ذلك الذي يتحدث عن أنواع الأولياء الصوفية ومهامهم وكراماتهم ، ونحاول في هذا الفصل اختصاره ، لتأكيد ما ساد في العصر المملوكي من تقديس للولي الصوفي والاعتقاد في مؤهلاته الإلهية التي يتفوق بها على النبي ، والتي لم يعرفها المسلمون في عصر النبي .

  أنواع الأولياء الصوفية ودرجاتهم : القطب والخضر

 بين القطب وأعوانه :    

      القطب عند صوفية العصر المملوكي هو الذي عليه مدار الكون ولأجله وُجد الكون وعليه مدار كونية الدارين ، ولكل عصر قطب ، وقطب الأقطاب هو الذي لم يكن قبله ولا بعده مثله ، والأوتاد أربعة على أربع جهات العالم ، والأبدال سبعة على حكم أيام الأسبوع ، وللقطب رجلان عن يمين وشمال [1]، ثم هناك ( أبدال ) .وأنكر ابن الحاج مغالاة الناس في قولهم هذا قطب وهذا "بدل" لأنه يرى أن القطب واحد وقلّ من يعرفه [2]، وكان هناك دعاء مخصوص للأبدال [3] ، وجعلوا الإمام الشافعي أحد الأوتاد الأربعة [4] ، ونسب إلى على بن أبي طالب قوله " البدلاء بالشام ، والنجباء بمصر ، والعصائب بالعراق ، والنقباء بخراسان ، والأوتاد بسائر الأرض ، والخضر سيد القوم ، ورووا أن الخضر قال ثلاثمائة هم الأولياء ، وسبعون من النجباء ، وأربعون هم أوتاد الأرض ، وعشرة هم النقباء ، وسبعة هم العرفاء ، وثلاثة هم المختارون ، واحد منهم القطب الغوث " [5]

   القطب:       

        1- اختلفت الصوفية في صفاته فجعل له الشاذلية خمس عشرة علامة إلاهية [6] ، وجعل الخواص من علامته كثرة تحمله للبلايا والإنكار عليه ، فإن جميع بلاء أهل الأرض ينزل عليه أولاً ثم يتفرع منه [7]، أما الشعراني فيرى أن غالب الأولياء لم يجتمع قط  بالقطب لعدم طاقتهم النظر إليه [8]. ومن شأن المريد أن يلزم الأدب مع القطب ولا يقول نحن خارجون عن دائرة القطب [9]، ومقام القطبية ثقيل لتحمل صاحبها أعباء الممالك الأرضية ملوكاً ورعايا [10].

        2- وعند الدسوقية لا يصير القطب قطباً إلا إذا شرب من نهر الحياة عند جبل قاف سبع مرات . ولا يكون غوثاً إلا إذا شرب منه ألف مرة . ومن هذا النهر شرب الدسوقي والرفاعي والبدوي والجيلي [11]. وقد رأى الشعراني القطب بمعرفة أستاذه الخواص يبيع الفول الحار في أحد حواري القاهرة [12] ، وجعل من صفات القطب الغوث فحولته الجنسية أو ( الإكثار من النكاح ) ، ويقول إنه رأى شخصاً يدّعي  القطبية يدخل الحمام في النهار ثلاث مرات فازداد فيه اعتقاداً وتعظيماً [13].

      3- ورأى آخر القطب الغوث بمكة على عجلة من ذهب تجرها الملائكة في الهواء بسلاسل من ذهب،  فسأله إلى أين ؟ فقال إلى أخ من إخواني إشتقت إليه [14] ، وقالوا ( كان أبو العباس (ت 861) قطب وقته ، وقد رؤى في مكة على كرسي بين السماء والأرض)[15].

        4- وأسرف كثير من الأولياء في ادعاء القطبية ، وأبرزهم المدرسة الشاذلية الذين اعتقدوا أن القطب منهم في كل العصور [16] ، واعترف بهذا الشعراني [17]، وزعموا أن الله تعالى قد جعل القطب الغوث من بيت الشاذلي إلى يوم القيامة [18]، وزعموا أن الرسول قد بشر الشاذلي بالقطبية بعد موت أبي الحجاج الأقصري [19] ، واشتهر في الإسكندرية بأنه القطب الغوث [20] ، ومدحه البوصيري فقال :

أفدي عليا في الوجود وكلنا         بوجوده من كل سوء نفتدي

                      قطب الزمان وغوثه وإمامه         عين الوجود ولسان الموجد[21]

        أما خليفة الشاذلي أبو العباس المرسي فكان يرى أن القطب لا يلزم  أن يكون شريفاً حسينياً ، بل قد يكون من غير هذا القبيل ، وقد قال " وما القطبانية بعيدة من بعض الأولياء وأشار إلى نفسه "[22] ، ذلك أنه كان يزعم الانتساب إلى الأنصار ، وذكر ابن عطاء بعض الكرامات التي تؤكد قطبية المرسي [23] .       

      5- وبالغت المدرسة الدسوقية في إدعاء القطبية ، فادعت أن  الله جعل الدسوقي قطباً قبل بناء البيت والحرم ، وأنه اجتمع بالقطب الفرد وهو ابن سنة ، وخدمه القطب وهو ابن عامين ، وتقطب قطب المحبة وهو ابن عشر سنين ، وقطب الفردانية العظمي وهو في الرابعة عشرة ، وسقى رجلاً من شرابه قدر درهم فتقطب ، وأعطى تفاحة من غير واسطة ، وناداه الله بألا يأكلها كلها حتى لا يحتكر القطبية لنفسه [24] ، وجعلوا الجيلي والرفاعي على مثال الدسوقي [25].  

6 ــ وممن وصف بالقطبية من الأولياء الصوفية  " المنوفي [26] وأبو القاسم المراغي [27] ، وأبو النجا الفوي شيخ الشعراني ، وقد شاع في ليلة موته أنه القطب [28] ، ووقالوا أنه فُتح على شمس الدين الحنفي  بالقطبية بعد أن أخذ العهد على ابن الميلق ، وقد قال الحنفي " إن القطبية مرت بنا ونحن شباب  [29] "، وباختصار كان شيوخ الصوفية يتنافسون في ادعاء القطبية ويتغنون في توصيفها .

      الخضر:

1 ــ السائد أن الخضر هو صاحب موسى المذكور في سورة الكهف( 61 : 82 ) . وليس هذا صحيحا ، فهو نبى مرسل ، قابل موسى بأمر الاهى ليتعلم موسى منه عدم التعجل ، وأن يتريث . ذلك أن نشأة موسى فى قصر فرعون جعله يعيش فى خوف دائم ، ويتوقع الشّر متحفّزا لرد الفعل . ويتردد فى القصص القرآنى عنه مصطلح الخوف ، ولذا كان سريع الانفعال يندفع فى رد الفعل ، وكان فى حاجة الى تعلم التريث . فكان هذا اللقاء مع ذلك النبى الذى لم يذكر رب العزة إسمه . والله جل وعلا لم يذكر كل الأنبياء (  وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً (164) النساء ) وقد يذكر بعضهم دون ذكر أسمائهم مثل ثلاثة منهم أرسلهم الله جل وعلا لقرية لم يُذكر إسمها : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14)  يس ).

ومن هؤلاء الأنبياء المرسلين كان صاحب موسى الذى أعلمه الله جل وعلا ببعض الغيب . فالله تعالى لا يعطي العلم ببعض الغيب إلا لبعض الأنبياء ( آل عمران 179، الجن 26، 27). وقد كان صاحب موسى رسولا نبيا مأمورا بالوحى الالهى أن يقابل موسى ، وقد أفضى فى النهاية لموسى بالغيب الذى علمه تفسيرا لتصرفاته ، وأنه مأمور بمقابلته :( قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (78) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (79) وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (82) الكهف ).

2 ـ بدأت أكذوبة الخضر فى ( صحيح البخارى )( باب: ما ذكر في ذهاب موسى صلى الله عليه وسلم في البحر إلى الخضر.باب: ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم؟ فيكل العلم إلى الله.-3- 216 - باب: { فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا } /61/.) وفى صحيح مسلم مسلم في الفضائل، ( باب: من فضائل الخضر عليه السلام ). ثم صار معلما أساسا فى دين التصوف ، جعله الغزالى فى ( الاحياء ) مصدرا للتشريع الصوفى ينسب اليه ما يشاء من أقوال وأذكار . وافتتن الصوفية بجعل الخضر وليا صوفيا حتى يحقق أمنيتهم في أن يكون الولي خيراً من النبي ويقوم بتعليم النبي من العلم اللدنى الذى هو حكر للأولياء دون الأنبياء .

3 ــ وتضخمت شخصية الخضر فى العصر المملوكى بتسيد دين التصوف حتى إن فقيها سُنيا مشهورا ومن

علماء الحديث السّنى هو ابن حجر اللعسقلانى (773-852هـ) وضع كتاب ( الزَّهْرُ النَّضِرُ فِيْ أَخْبَارِ الْخَضِرِ) ، وهو كما يدل عليه عنوانه يؤمن بوجود الخضر ، والشعرانى اشهر من كتب فى حياة الخضر الأزلية : ( الميزان الخضرية ) ، وزعم فيه أنه قابله وسأله وسمع منه .

4 ـ ذلك ، إنه سرعان ما أصبحت شخصية الخضر المزعومة ضمن مملكة التصوف الوهمية فى العصر المملوكى . عدّه بعض الصوفية رتبة عليا في مملكتهم يتفوق بها على القطب : " فإذا مات القطب الغوث ولي الخضر من يكون (قطباً ) بمكة (غوثاً) ، وجعل (بدل ) مكة ( قطباً ) ، وهكذا أبدا ، فإن مات الخضر صلى الغوث في حجر إسماعيل  فتسقط عليه ورقة باسمه فيصير خضراً ويصير قطب مكة غوثاً [30] " . وقد وضع ابن إمام الكاملية (ت874)   رسالة في حياة الخضر [31] ، ونجد اليافعي يحاول إثبات حياته الأزلية [32]، ونجد على وفا يؤكد أن لكل ولي (خضراً) يمثل روح ولاية ذلك الولي [33] ، ويقول  الشعراني في رسالته عن الخضر " أجمع أهل الكشف أي العلم اللدني قاطبة على حياة الخضر وقت اجتماعنا به ، وقد اجتمع بعمر بن عبد العزيز ، وأبي عبد الله اليسري ، والشيخ عبد الرازق ، وإبراهيم الخواص ، وأبي يزيد البسطامي ، وابن عربي ، وأبي عبد الله القرشي ، والشاذلي ، والمرسي ، وياقوت العرشي"[34] ، ويبدو أن الشعراني قد استقى آراءه تلك من ابن عطاء [35]. إذ كان الكثيرون يدعون رؤية الخضر في المنام .

5 ــ وحسب علمنا ، لم نجد عالماً في العصر المملوكي أنكر حياة الخضر بل اعتقدوا صدق بعض من ادعى رؤيته في المنام ، يقول ابن  الحاج الفقيه الذى كان ينتقد عصره من رؤية سنية صوفية " ومنهم من يدعي رؤية الخضر ويؤكد ذلك باليمين .. وذلك كله تقول وافتعال .. مع أن هذا لا ينكر إذا وقع من أهله في محله " [36] ، أى إن ابن الحاج العبدرى فى القرن الثامن كان يؤمن بحياة الخضر الأزلية ، وأن بعضهم يراه ويقابله . وعلل ابن تيمية كثرة من يدعي رؤية الخضر حتى من اليهود  والنصارى – " وهم كثيرون صادقون " ولكنهم يرون الجان ولا يرون الخضر [37] .

6 ــ والاعتقاد في وجود الخضر مستمر حتى عصرنا الحالي كأثر من العصر المملوكي ، يقول أحمد أمين

( يعتقد بعضهم أنهم رأوا الخضر  يقظة  وخاطبوه وخاطبهم ، ويزعمون أنه شرب من عين الحياة فلم يمت من عهد موسى إلى اليوم ، وأن الأولياء الصالحين يرونه جهاراً ويخبرهم بالمغيبات ، وإذا ذكروه قالوا عليكم السلام إيهاما بأنه مر عليهم وسلم عليهم [38] ، أي نجح  التصوف في التأكيد على وجود الخضر حياً لا يموت ، مع أن الله تعالى يقول للنبي محمد عليه السلام: ( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ، أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ؟ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) الأنبياء34،35).

     7- وقد وضع الشعراني شروطاً لمن يريد الاجتماع بالخضر [39]، وقد تنافس الصوفية في دعوى الاجتماع بالخضر واشتهر منهم  على النبتيتي (ت917) في عصر الشعراني [40] فنقل الكثير عنه ادعاءاته [41] ، وسبق النبتيتي في هذه الشهرة ابن  الكبش بنحو قرن ، فكان يجتمع بالخضر في غالب الأوقات [42] ، وقبله أيضاً سليمان البسطامي (ت786) " وله في ذلك أخبار كثيرة يستنكر بعضها "[43]، وذكرت لقاءات للشاذلي مع الخضر [44] ، وكان الخضر يحضر مجلس شمس الدين الحنفي ، ويشيعه للخلوة [45] ، وممن اجتمع بهم أيضاً عبد المحسن الواردي وأبو السعود بن أبي العشائر [46].

7 ــ وللخضر دور في الحكايات الصوفية عن الأولياء المجهولين [47]. وكان الإيمان بالخضر عاماً في العصر من القضاة والعوام ، فادعى شيخ الإسلام سراج  الدين العبادي (ت 877) أنه كان يجتمع بالخضر [48] ، وكان قاضي القضاة البساطي يدعي ذلك[49] ، وكانت جنازة ابن حجر هائلة حتى قيل إن الخضر حضرها [50]  ، وهكذا أرغموا الخضر على المشاركة حتى في الجنازات الهامة .

   المجاذيب  :

1 ــ  اعتبرهم ابن خلدون نوعا من الأولياء  مع سقوط التكاليف [51] عنهم . إلا أنه عاد فاعتبرهم دون مرتبة الإنسان فلا يلحقون بالأولياء [52] . وفضل ابن عطاء المجذوب على السالك لأن الأول طويت له الطريق ولم تطو عنه [53] ، أي أن المجذوب أختاره الله واختصر عليه الطريق ، أما السالك فقد تركه الله يقطع الطريق ويسلكها بنفسه . وعلل الشعراني سبب ذهاب عقلهم بالتجلي الإلهي الذي أتاهم على غفلة فذهب بعقولهم ، وجعلهم الشعراني على ثلاثة أقسام تبعا للوارد الإلهي والعقل [54] . وتكون حالة المجذوب بحسب الحالة التي جٌذب في أثنائها فإن جذب في حال قبض ( أي اكتئاب ) فعمره كله قبض ، وإن جذب في حال بسط فعمره كله بسط وضحك [55] ، وساد الاعتقاد بأنهم يعيشون في عالم آخر يقول ابن عنان " إن من شأن المجاذيب أنك ترى أحدهم ماشياً وهو راكب ، وتراه يأكل في رمضان وهو صائم لم يفطر ، وتراه عارياً وهو مرتد لثيابه [56]  " وهذا تصريح للمجذوب بأن يفعل ما يريد . وافتخر الشعراني بأدبه مع  المجاذيب وأرباب الأحوال مذ كان صغيراً ، وقال المتبولي سلّموا على أرباب الأحوال بالقلب دون اللفظ فإنهم في حضرة لا يقدرون على خطاب أحد باللفظ [57] . وأوصى الشعراني بعدم مخالطة المجاذيب لأنهم يعلمون السرائر والخواطر المذمومة [58] ، أي يعلمون الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى ولما قتل العثمانيون بعض المجاذيب قال الخواص : " طاب الرحيل من هذه الديار [59]  ".

2 ــ     يقول الدشطوطي يصف الجذبة " .. فحصل لي جاذب إلاهي وصرت أغيب اليومين والثلاثة ثم أفيق أجد الناس حولي وهم متعجبون من أمري ، ثم صرت أغيب العشرة أيام والشهر ولا آكل ولا أشرب .. فخرجت سائحاً إلى وقتي هذا " [60] . ولسهولة هذا الادعاء كثر مدعو الجذب والولاية ، وكان المجذوب يوصف عادة  بأنه معتقد أي يعتقد الناس في  ولايته وأحياناً بأنه مقصد للزيارة أي يقصده الناس بالتبرك [61] ، وكانوا يفسرون هذيانهم على سبيل الكشف وعلم الغيب [62] ، وكان المؤرخون يعللون اعتقاد الناس في صوفي ما بأنه مجذوب ويقولون  " لعوام الناس فيه اعتقاد لاندراجه عندهم في المجاذيب [63] " و" .. حصل له نوع من الجذب فصار للناس فيه اعتقاد [64] " و " .. يذكر بين العوام بالجذب ويعتقد لذلك " [65].

    3- وتمتع المجاذيب بتقديس المماليك لهم [66] ، وكان السلطان برقوق يعتقد في الزهوري المجذوب حتى لقد كان الأخير يبصق في وجهه [67] ، ولما افتتح برقوق مدرسته دخل عليه مجذوب وأعطاه ( طوبة ) وأمره أن يضعها في  المدرسة ، فوضعها السلطان في قنديل وعلقه في المحراب ، يقول ابن إياس " فهي باقية في القنديل إلى الآن " [68] .. ولا نجد أبلغ من وصف أبي المحاسن لاعتقاد الناس في يحيي الصنافيري يقول عنه " هو ممن سلم من الإنكار عليه وأجمع الناس على اعتقاده ، وهو لا يفيق من سكرته ، وكان الناس يترددون إليه فوجاً فوجاً من بين عالم وقاض وأمير ورئيس ، ولا يلتفت إليهم ، ولما زاد تردد الناس عليه صار يرجمهم بالحجارة ، فلم يردهم ذلك عنه رغبة في التماس بركته ، ففر منهم وساح في الجبال مدة طويلة " [69] ..

        * أرباب الأحوال:

     1- شاع هذا المصطلح في العصر المملوكي خصوصاً في أواخره ، ويقول الشعراني إنهم ( أعطوا في الدنيا التقديم والتأخير والولاية والعزل والقهر بما لهم من دلال على الله ) ويقول الدشطوطي " أرباب الأحوال مع الله كحالهم قبل خلق الخلق وإنزال الشرائع " [70]  . واحتج ابن الحاج على مدّعي ذلك من الصوفية المنحرفين : " ثم أنهم يولون ويعزلون في تلك الأحوال ويخبرون بمنازل أصحابهم .. ولا شك أنها أحوال نفسانية أو شيطانية لأن الفتح من الله لا يكون مع ارتكاب المكروهات أو المحرمات " [71] ، أما المرسي فيعلل تميزهم هذا بضعفهم عن كتم أحوالهم وضيقهم عن وسعها [72]، وبالغ بعضهم في ادعاءاته ، يقول المتبولي : " ..وعزة ربي لتتوزع أحوالي بعدي على سبعين رجلا ًولا يحملون " [73] أي لن يستطيعوا تحمل الحملات مثله.

       2- وقد يكون الحال بمعنى الانفعال الصوفي الحاد ، فالشيخ أبو الحمايل " كان يغلب عليه الحال فيتكلم بالألسن العبرانية والسريانية والعجمية ، وتارة يزغرت في الأفراح والأعراس مثلما تزغرت النساء ، وإذا اشتد عليه الحال في مجلس الذكر ينهض قائماً ويأخذ الرجلين ويضرب بهما الحائط [74] " ، وتمثل هذه الحالة إحدى درجات الجذب ، وقد جمع بعض الأولياء بين المرتبتين مثل عبيد البلقيني الذي " كان من أرباب الأحوال والكشف ، حصل له جذب في أول عمره .. "[75] .

       3- وكان من السهل تعليل ما يصيب الأولياء من أمراض بأنها " حال " وقد عدّ الشعراني من المنن معرفته بطب أرباب الأحوال[76].

      واستغل أرباب الأحوال شهرتهم في التسول واعتبروه حقاً لهم لأنهم يدفعون البلاء [77] .

     أصحاب النوبة :

     1- في أواخر العصر المملوكي برزت تقسيمات عدة للأولياء ، بالإضافة  لما سبق مثل الكٌمل  والعارفين وأصحاب الحضرة وأصحاب الوقت ، إلا أن أصحاب النوبة هم الأشهر وهم الذين يحفظون إدراكهم ( أي الأماكن التي يحرسونها ) في سائر الأرض وعليهم قضاء الحوائج [78] . وحديث الشعراني عنهم متناقض فهو يجعل نفسه أحياناً مساعداً لهم فيطوف بقلبه على جميع أقطار الأرض ، وفي نفس الوقت يحرص على استئذانهم كلما خرج من بيته ليكون في رعايتهم [79] ، فلا نعرف هل يعد نفسه منهم أم لا ، ويذكر الشعرانى أن شيخه الخواص كان أحدهم ، ويتمتع بالتصريف في ثلاثة أرباع مصر وقراها ، وكثيراً ما يرسل الحوائج إلى الشيخ محيسن المجذوب الذي جعله أصحاب التصريف في  الربع الباقي ، مع أنه " صاحب  درك بحر الهند " [80] ، ثم يذكر أن أصحاب النوبة كانوا في صراع مع الخواص ، يعارضهم ويعارضونه ، وانتهى الصراع بمقتل الخواص [81] . أما الشيخ محيسن فقد أعطبوا رجله [82] ، ومن السهل تفسير هذا التنافس بالصراع المحتدم بين الأولياء في نهاية العصر حول المريدين والنذور والنفوذ .

      2- وقد احتج الشعراني على منكري أصحاب النوبة ووصفهم بأنهم لم يدخلوا دائرة الولاية قط  فلو دخلوها لعرفوا أهلها [83] ، ووصف الخواص وأبو الفضل الأحمدي بمعرفة أصحاب النوبة في سائر أقطار الأرض ومعرفة من  تولى منهم ومن عزل [84] . ولما دخل السلطان سليم العثماني مصر أرسل الخواص فقيراً ينظركم معه من أصحاب النوبة [85] ( أي من يساعده منهم).

       3- وقد وصف أصحاب النوبة بالشدة والعنف كانعكاس للصراع بين الأولياء وقتها ، يقول الشيخ حسن  العراقي " لا يأذن أصحاب النوبة لفقير أن يسكن في مصر إلا إن كان مراعياً للأدب معهم ، وإلا أخرجوه إلى القرى أو إلى خارج السور ، وعد الشعراني من المنن حفظه من تصريفهم فيه بمرض أو سلب حال [86] ، وأوصى الخواص بالاستعانة عليهم بالله ورسوله [87] ، ولا شك أن المقصود بهذه الصفة هم الأولياء المنافسون ، فالخواص هو نفسه القائل " قل من فقراء هذا الزمان من يعرف أنه تحت  حكم أصحاب النوبة .. ولو عرف لسألهم ... وانتظر ما يقع منهم من تولية أو عدمها [88] . وهو يقصد نفسه .

      أصحاب الوقت:

        لا اختلاف بينهم في المفهوم عن أصحاب النوبة ، اللهم إلا اندراج العلماء بينهم ولهم تقريباً نفس حقوق أصحاب النوبة [89] ، وقد أكثر الشعراني من الحديث المعاد عن أصحاب الحضرة الإلهية والكُمَّل  والعارفين [90] عدا تصنيفات أخرى لم يجد الخواص لها أسماء [91] .

مما يجعل القارئ يتخيل عدد الأولياء مساوياً لأعداد الناس في نهاية العصر ، وإن كانت الصفات منحوتة من بيئة العصر وتصوراته وهواجسه وتخيلاته وجهالاته ، بينما كان العقل غائباً في أجازة مفتوحة .

  مهام خرافية للأولياء الصوفية : الحملات والنظرة واللحظ

       * الحملات:

        1- يقال أن الولي يتحمل الحملة أي ينوب عن المصاب في تحمل مصيبته، وقد شاعت هذه الفكرة في العصر المملوكي، وقد نصح الشعراني بصحبة الفقراء لأنهم يحملون عن أصحابهم المصائب في الدنيا [92] . وقد وضع لها القواعد فلا يحمل الشيخ إلا عن أبناء حارته وإلا فقد تعدى دائرته [93] ، وشرط الولي الذي يحمل الحملات الاتصاف بالذلة ، والفقر ، وكثرة الملازمة في المواكب الإلاهية ، وألا يأخذ عنها مقابلاً ، وكف الجوارح عن المحرم والمكروه والشهوات المباحة ، والصيام أيام التحمل والتخلق بالرحمة ، ونصح الشعراني بألا تكثر الحملات في النصف الثاني من القرن العاشر  [94].

     ويستلزم التحمل جهداً من الولي فهو يحس بالأوجاع في جسمه وقد يبقى دون طعام أو شراب أو نوم أو نظافة أو لباس جديد [95] ، وقد أخبر بعض أهل الكشف أن احمرار الماء الذي تحت بيت الشعراني في الخليج إنما هو من كثرة الهموم  النازلة عليه !!، ويقول إن هذا الأمر قلّ من  يفعله  في عصره من المتمشيخين ، وغاية أمر أحدهم أن يتوجع باللسان فقط [96] !! وقد تحمل الشعراني عن رجل وامرأته حين مات ابنتهما فكاد لحمه وعظمه أن يذوبا !! ويطلب الشعراني من إخوانه ألا يغضبوا حين يرونه عابساً ضيق الصدر فربما كان مشاركاً في حملة  لحاكم أو لامرأة  مات ولدها أو كانت في الطلق [97] ، وكان إذا نزل بالمسلمين هم أوغم  لا يقر قرار حتى يرتفع [98] ، وهو يتحمل هم عدوه أكثر من اهتمامه بحمل حملة صديقه [99] ، وأكثر حملاته عن المرضى [100] ، وكان من وقعت له مصيبة يأتي للشعراني فيحملها عنه ولا يتخلف . والحملة تخف بحسب الاعتقاد وتثقل بعدمه [101]، أي إذا كنت تعتقد في الشيخ فعلاً فإنه يحمل عنك مصيبتك فيخف وقعها عنك ، وإن لم تكن تعتقد فالويل لك !!

2-              والقارئ للشعراني يتصوره بطل الحملات الوحيد ، إلا أن الأولياء السابقين قد ادّعوا ذلك وإن كانوا أقل مقدرة من الشعراني في سبك ادّعاءاتهم ، وعامة فإن  الحديث عن الحملات لم يكثر إلا في أواخر العصر المملوكي ، وقد وردت إشارات متفرقة عن الحملات في أقوال متصوفة المماليك البحرية فالمرسي يلوم العامة لأنهم ينفضون عن  الولي الذي بين أظهرهم " مع أنه هو الذي يحمل أثقالهم ويدافع الأغيار عنهم [102] ، ويقول ابن على وفا " إذا حصل لي وارد من واردات الجلال إنما هو تحمل عن  الخلق "[103]، وفي حكاية للسبكي " تحمل شيخ ألم مريده حتى خرج عن الصلاة فبرئ المريد [104] " ، وفي مناقب الحنفي – في القرن التاسع – أن بعضهم تحمل الرمد عن غيره فشفاه [105] ، حتى إذا أهل القرن العاشر فأضحت الحملات ميدان المزاعم الصوفية ، فيدعي المتبول أنه يتحمل ما يعجز عنه سبعون رجلاً من الأولياء[106] ، وكان أبو الفضل الأحمدي يحمل هموم الناس " حتى صار ليس عليه أوقية لحم [107] " ، ويدعى أفضل الدين الشعراني بأنه منذ عشر سنين يحس بأن جسمه في طبق من نحاس على نار من غير ماء ولحمه ودهنه يطشطش وهو صابر ، وذلك " من كثرة توجه الناس إليه في شدائدهم ، فيحملها عنهم ويعاني بدلاً منهم " [108] .

3-        وكانت الحملات مجالاً للصراع بين الأولياء ، فأثناء خلاف الشعراني مع ثلاثة من أصحاب النوبة حصل له الفرج على يد الشيخ محمد البهوتي ، الذي تحمل عنه بعد أن أبى الحملة ثلاثون من الأولياء ، فبرئ الشعراني بعد أن كان قد مكث تسعة أيام بلا أكل أو شرب أو نوم [109].

4-  وقد يتعاون الأولياء في  الحملات فيرسل المرصفي وغيره الحملات للشيخ بركات الخياط ، فيضعون له الحجر على حانوته ، فيعلم بالحاجة ويقضيها ، ويقول " الاسم لطوبة والفعل لأمشير " [110]،  مع  أنه لو كان ولياً حقيقياً ( عندهم ) لعرف الغيب وما احتاج إلى حجر يوضع على باب دكانه ، ولكن  الأساطير تخلو من المنطق .

     وكان سويدان المجذوب يحمل الحملات ، وكل من حمّله حملة وضع حبة من الحمص في فمه ليتذكر قصته ، فربما امتلأ فمه من الحمص ، ويظل كذلك شهراً حتى تقضى  الحوائج [111] ، وكان الخوّاص يرسل الحملات الثقال للشريف المجذوب فيقوم بها [112] ، وبدون حمص !!

          والواضح أن شيوع الاعتقاد في الحملات كان لتبرير النذور والأموال التي كان يحصل عليها الشيوخ من الناس.

       النظرة.

    1- وإذا كانت الحملة في الغالب يتحملها الولي عن الجميع فإن النظرة أو النفحة للمريدين والأتباع القريبين.

    2- وقد كان الشاذلي يربي أولاده بالنظر من غير كلام [113] ، ويقول المرسي " والله ما بيني وبين الرجل إلا أن أنظر إليه نظرة وقد أغنيته " [114]، والمريدون من جانبهم يعترفون بأثر نظرة الشيخ فيهم ، يقول أحدهم " فلما جلست نظر إلىّ الشيخ وأمدني بما أمدني ، ثم قال لي انصرف إلى بلدك فقد استغنيت " [115] ويقول الشعراني عن أحد المجاذيب " كان يحبني وكنت في بركته وتحت نظره " [116] .

3 ــ  وينتظر المريدون خروج الشيخ من خلوته لتكون نظرته إليهم أوقع في الأثر ، وقد اختلى شمس الدين  الحنفي أربعين يوماً فاستعد مريدوه للظهور بين يديه حين يخرج وقالوا " غداً يظهر سيدي من الخلوة فكل من وقع نظره عليه حصلت له السعادة .. فلما كان وقت السحر ظهر سيدي ووقع نظره على ، فقال لي محمد قلت نعم يا سيدي ، قال : والله لقد حصلت لك السعادة الكلية " يقول الراوي فكل ما أنا فيه من ثمرات تلك النظرة "، حتى أنه تقطب قبل موته ( أي أصبح قطباً ) ، وقد وقع نظر الحنفي على كلب فأصبح الكلب ولياً بفضل تلك النظرة  يقول الراوي : " فهذه نظرة رجل من الأولياء وقعت على كلب غير مكلف ، فكيف لو وقعت على آدمي ؟ أو على أحد من جهة ذلك الولي مثل خادم أو ولده أو على واحد من تلاميذه ؟؟! " [117] ، وهو سؤال يستحق الإجابة فعلاً ؟

اللحظ

1-   وقد يعبر عن النظرة باللحظ ، خاصة في المراجع غير الصوفية ، فالسبكي يقول عن ابن الحسين الأنصاري " كان إذا ألحظ شخصاً انتفع بألحاظه "[118] ، ووصل الشيخ محمد الحنفي إلى ما وصل إليه " بلحظ الشيخ أبو العباس السوسي " [119] .

2-   ووصل الاعتقاد باللحظ الى السخاوى المؤرخ الفقيه المحدّث ، فكان يُكثر من استعمال هذا اللفظ فيقول عن الزين عبد القادر إنه " انتفع بلحظ أبجد المجنون " ، وقال عن الكتاني أنه " انتفع بلحظ الشيخ عمر بن عيسى " [120] ، ويقول عن نفسه " إنه انتفع بالشيخ الغمري " ، " وصليت بجانبه ولحظني "[121] .

       وفي المراجع الصوفية استغاثت فتاة بالشيخ فقالت : " لاحظني يا شيخ أبي "[122] ، ويقول الشعراني عن شيخه على النبتيتي " فحصل لي منه لحظ ، وجدت بركته في نفسي  إلى وقتي هذا " [123] ، وبهذا المفهوم تختلط النفحة باللحظ والنظرة .

      يقول السخاوي عن أحدهم " وقد عادت على نفحاته وبركاته ونفعني دعاؤه "[124] ، وقد صحب الشعراني الشيخ الزفتاوي نحو خمس سنين وحصل له منه " نفحات " ، وقال نحو ذلك عن شيخه صدر الدين البكري [125].

 ... وكراماتهم

  الاعتقاد في الكرامات الصوفية.الكرامات في فكر الخاصة واعتقاد العامة   

   1- استلزم الاعتقاد في الأولياء الاعتقاد في مقدرتهم على الإتيان بالخوارق ، أو ما عُرف في العصر المملوكي بالكرامات ، التي شاع الإيمان بها في العصر المملوكي تبعاً لازدهار التصوف ، حتى لقد فرضت نفسها على تفكير الخاصة واعتقاد العامة كما لو كانت معلوماً من الدين بالضرورة .ويمكن أن نجمل تفكير الخاصة أو العلماء في العصر المملوكي فيما يخص الكرامات في اتجاهين : اتجاه عملي هو ألصق بالمتحررين منهم ، واتجاه نظري يعتقد في حدوث الكرامة مطلقاً أو مع بعض تحفظات .

     2- وكبار الصوفية يعتقدون في إمكانية حدوث الكرامات مطلقاً ، فكتاب المناقب الصوفية يثبتون الكرامة في مقدماتها ليؤمن القارئ بما حشدوه فيها من أساطير [126] . وقد أجهد اليافعي نفسه في الاستدلال على جواز الكرامة عقلاً ونقلاً [127] ، وكعادة  الصوفية لا يفرقون بينها وبين المعجزة إلا في عدم التحدي  كشرط لوقوع الكرامة [128] ،  لتتاح الفرصة للتهرب من إثبات الكرامة عملياً . والقارئ لمناقب الحنفي تهوله كثرة الكرامات فيها مع أن المؤرخ أبا المحاسن كان معاصراً للحنفي وترجم له ترجمة عادية خالية من ذكر أي كرامة له [129] .

      وقد دان علماء العصر المملوكي عامة بدين التصوف باطراد يتناسب مع الازدهار المستمر للتصوف من بدايته إلى نهايته ، ففي أوائل العصر كان ابن خلدون يرى وقوع الكرامة أمراً صحيحاً غير منكر [130] . ويقول السبكي إن من حق الصوفية إظهار الكرامات للبشارة أو الإنذار أو التربية [131] ، بينما انصرف جهد السيوطي – في نهاية العصر – إلى إثبات نواح من الكرامات لم تخطر على بال المتصوفة الأولين ، فيصنع رسالة في إثبات تطور الولي وتواجده في مكانين مختلفين في وقت واحد [132] ، أو ما تعبر عنه كتب المناقب أحياناً بوجود أكثر من جثة للولي في أماكن مختلفة .

      3- وكانت لبعض العلماء في أوائل العصر تحفظات على وقوع الكرامة ، لا تنال من إمكانية وقوعها من حيث المبدأ ، فابن تيمية يرد كرامات المتصوفة إلى فعل شيطاني ويسميهم أولياء الشيطان ويفرق بينهم وبين أولياء الرحمن [133] . ويرى الأدفوي أنه ( لا مانع عقلي أو شرعي من وقوعها " ... ولكن أطردت العادة المستمرة بعدم وقوع ذلك والعوائد يقضي بها في حكم الشرع باتفاق أئمة الاجتهاد .. والأمور البعيدة يتعجب من وقوعها ويتوقف في قبولها إلا إذا عُلم  صدق المخبر كما في قصص القرآن عن زكريا ومريم وامرأة إبراهيم ، ولا تثبت الكرامة  لمجرد اشتهارها واستفاضتها عند الفقراء فإن الكذب فيها كثير ، وكثير من  الصوفية جاهل بصحة النقل أو مغفل يروي بحسن الظن ، ثم إن أكثرها مرسلة وبعضها مبني على التوهم .." ويري أنها لو سلمت من ذلك ورويت على نسق الحديث المتواتر قبلت بشرط ألا تكون بعيدة في العادة ، وقد وقع مثلها) [134] . أي أن الأدفوي سلم بالمبدأ دون التطبيق ، ومع جرأته الواضحة إلا أنه خلط – كمحدث – بين المعجزة والكرامة .

     4- ولأن التصوف أصبح حرفة في العصر المملوكي ، والكرامات مؤهلها الأساسي ، فقد كان للأولياء طرقهم الخاصة في انتحال ما يخدعون به العامة . وقد فطن لذلك بعض العلماء ممن نعدهم ضمن أصحاب الاتجاه العملي المتحرر.

     وأبرزهم الجويري الذي فضح أساليبهم ضمن ما سجله في كتابه " المختار في كشف  الأسرار" فكان يذكر الكرامة ثم يتبعها بكشف سرها ، ونذكر بعض الأمثلة : يقول عن من جعلهم في الدرجة الثالثة من المشايخ " ... ومنهم من يتعاطى النزول في التنور ، وقد أوقد فيه قنطاراً من الحطب فينزل فيه ثم يغيب ساعة ويطلع " ثم يشرح الجويري تصميم التنور وكيف أن حرارته من أعلاه ، وأسفله بارد فلا تضر الشيخ ، وذكر طريقة أخرى وهي أن الشيخ يطلي جسده بمادة عازلة " ... التي يعملونها لمنع النار فمن ذلك يؤخذ الضفدع  ويسلق حتى ينضج ويتفتت .. ثم يرفع عن النار حتى يبرد فإذا برد جمد الدهن على وجه الماء فيؤخذ الدهن ويضاف إليه شئ من البارود الثلجي ، ثم يلطخ به جسده ويدخل النار فلا تضره " [135] . وقد يلطخ الشيخ أصابعه بهذا الدواء ، ويتقدم في السماع ويشعل أصابعه من الشمع " ولا يزال يرقص وأصابعه تشتعل حتى يضج الخلق ، ثم يدنون الشمعة ، فيشعلها ويطفي أصابعه " وفي هذه الحالة يضيف النفط إلى  الدواء السابق [136].

      وبعض المشايخ يوهم المريدين بنبع الماء من أصابعه . " وكشف ذلك أنه يأخذ مصران غنم فيدبغه بعد غسله ثم ينقعه بماء الورد سبعة أيام ، وبعد ذلك يأخذه  فيربط طرفه الواحد ربطاً جيداً ، ثم يجعل في طرفه الآخر عقدة قصب ، ثم ينفخه في الهواء حتى يجف فإذا جف .. أخذه ثم ملأه ماء .. ثم جعله في قميصه ، وقد عمل له حمالات من تحت القميص .. فإذا أراد أن يسقي   الناس جعل رأس المصران في فم الوعاء وهو دائر من حيث لا يعلم به أحد ، ثم يفك رأس المصران بظفره ، فينزل الماء في الوعاء "[137] . ومنهم من يبقى " أربعين يوماً لا يأكل ولا يشرب  ويدعون أن طعامهم التسبيح وشرابهم التقديس " ، وذكر عدة طرق لذلك يستعمل فيها بذرة الحبة القمحاء أو كبد الغزال العطشان حين يمتنع عن شرب الماء ، أما من يمتنع عن الطعام فيستعين بمسحوق من أكباد الخرفان وذكر طريقة عمله .. وتابع الجويري هتك أسرارهم " كمن يظهر في ظلام الصحراء عامود نور إلى عنان السماء " ،" ومن يقف يصلي تحت الشجرة فتسجد له " . "ومن يظهر الفواكه في غير أوانها " ،" ومن يأكل الحيات والنار ، ومن ينبع له الماء في الصحراء " [138] . ثم يقرر أن هؤلاء المشايخ مجمعون على بطلان معجزات الأنبياء ويعتقدون أنها " مثل هذا النوع الذي سلكوه وهم كاذبون " [139].

    5- وقد وردت  إشارات تؤيد الجويري في مصادر أخرى . فابن الحاج اعترض على من يدخل النار ولا يحترق [140] ، واكتشف ابن تيمية حيل الأحمدية في دخولهم النار وواجههم بذلك [141] ، وقيل عن بعض الصوفية أنه كان صائم الدهر بخانقاه سعيد السعداء " يصوم الدهر ويفطر دائماً على حمص مصلوق بغير آدام " [142] .

     وقد اشتهر محمد بن عبد الله المرشدي في مصادر العصر المملوكي بأنه كان يطعم الضيوف ما يشتهونه في خاطرهم ، وقد أورد الصفدي السر في ذلك " وحقيقة الأمر أن هذه  الكرامات  إنما كانت بصناعة مقررة بينه وبين قاضي  " فُوّه " فإنهما كانا روحين في جسد ، وكان قد تحصن بالشيخ فلم يقدر قاضي القضاة ولا أحد على عزله ... ولم يبق له دأب إلا تلقى من يصل من ذوي الأقدار قاصداً زيارة الشيخ لأن فوه طريق منية مرشد ، فإذا وصل الزاير أنزله وأضافه وشرع في محادثته ومحادثة من معه حتى يقف على ما في خواطرهم وما يقترحونه ، ثم أنه يبعث بذلك إلى الشيخ على دواب مركزه في الطريق بينهما ، ويمده من الأصناف ما لعله لا يكون عنده ، ويعطيه حلية كل رجل من المذكورين واسمه [143] .

  6 ــ   ومع ذلك فلم يتأثر اعتقاد العامة في الأولياء ،ويقول الفقيه  البقاعي عن أحد المعتقدين " وكان للناس فيه اعتقاد كبير جداً وينسبون إليه مكاشفات ولم يظهر إلىّ أنا شئ من ذلك ، فإنه بشر غير واحد من أصحابنا بأشياء لم تقع " [144]  . ومن النص يتضح عمق اعتقاد العامة في الصوفية حتى ولو أخطأ أحدهم في دعاويه .

  7 ــ   والواقع أن الناس في العصر المملوكي كانوا على استعداد لتصديق الكرامات وتناقلها ، فكان مجرد إشاعة كرامة ما كفيل بتوجه الناس جميعهم إلى صاحبها زائرين ومعتقدين ومتوسلين [145]، واستجابة لتلك العاطفة الشعبية حاول علماء العصر المملوكي أن يجدوا أصلاً شرعياً للكرامات ، فوضعت فيما بعد كرامات الصوفية القرنين الثالث والرابع الهجريين كما فعل الذهبي والسيوطي ، ولم يعثر على أصولها التي نقلت عنها مما دفع بعض الباحثين للتأكيد بأنها وضعت لإرضاء عاطفة شعبية تريد إثبات صوفية أولئك الزاهدين ، فالشعب لا يقبل الصوفي إلا بما يروى عن كراماته [146].

أخيرا

1 ــ وما كان لكتاب المناقب أن يحشدوها بكل ما هو مخالف للعقل والنقل لولا أن العصر المملوكي كان على أتم استعداد لتصديقها بحيث يصح اعتبارها مقياساً لعقل العوام ـ غذا كان للعوام عقل ـ وبسيطرة التصوف بخرافاته إنتشرت عقلية العوام بين الجميع ، وإنخرطوا فى الاعتقاد الأولياء وتأليههم وكراماتهم . والعامة في كل زمان ومكان قليلة العقل تميل لسماع الأقاصيص والأساطير، وتميل أكثر لتصديقها، ولهذا فإن التجارة بالدين كانت ولا تزال سوقا رائجة، خصوصاً إذا كان العقل غائباً.

2 ــ لقد ارتفع الإسلام على أسلوب المعجزات الحسية فأتي والعقل الإنساني قد شب عن الطوق ، ولأن القرآن خاتم الرسالات السماوية إلى يوم القيامة كان معجزة عقلية باقية يتحدى الله بها البشر في كل زمان ، وشأن المعجزة الحسية أن تنتهي بوقتها وقومها ، وقد ندد القرآن الكريم بطالبي المعجزة المادية من كفار مكة " سورة الإسراء من الآية 90 إلى 93" ودعاهم إلى استعمال العقل ، ولم يعرف الرسول " ص" المعجزة الحسية ، وكان أحوج إليها حين أوذي وحين جرح وقاتل ، فقام بكل ذلك ومعه الصحابة بالمجهود البشري مؤيداً بدعوة عقلية .وإذا أُهمل العقل البشري تعلق الناس بالمحسوسات ، لذا تسود أساطير الكرامات في عصور الجهل . والكرامة فكرة حادثة في تاريخ المسلمين فلم يرد لفظها في القرآن، وإن كان ما كتب عنها يجعلها في أهمية المعلوم من الدين بالضرورة، وقد تمسك بها أصحابها معرضين عن القرآن ودعوته العقلية، بل حاولوا التلاعب بآيات القرآن ليجدوا أصلاً إسلامياً لأساطيرهم. وقد استدلوا بما حكى القرآن عن خوارق لبست الأنبياء كما حدث لمريم وزوجة إبراهيم وصاحب موسى وصاحب سليمان ، كأنما يعيشون تلك العصور غير مدركين أن القرآن أفتتح عصراً جديداً وأن ما حدث قبله  وكان مناسباً لذلك العصر لا يصح أن يستمر في عهد القرآن بل ويُتخذ دليلاً ضده.

3 ــ إن كرامات الصوفية ترفعهم فوق البشر والرسل وتقرنهم بالله سبحانه وتعالى وتعطيهم ما لله من قدرة تفوق قدرة البشر ، وذلك هو السبب الحقيقي في إسناد الكرامة للولي .. أن يكون  إلها مع الله مع أنه لا إله إلا الله ، ولا إله مع الله !!

دراسة في أساطير الكرامات في العصر المملوكي :

 نظرة عامة ، مروجو الكراماتوتهرب المتصوفة من الإتيان بكرامة

      نظرة على كرامات العصر المملوكي :-

     1- نلاحظ نوعاً من التخصص في الكرامات بين الأولياء ، فالبدوي مثلاً جعلوه متخصصاً في إحضار الأسرى من بلاد الفرنجة ، وقد رفض المتبولي أن يعتدي على هذا التخصص وأرشد المرأة التي طالبته بإحضار ولدها الأسير أن تتوسل بالبدوي [147] . لأنه وحده الذي يأتي بالأسرى من عند الفرنجة .

    وكان من السهل على مؤرخي العصر تناقل الكرامات بحذافيرها وترديدها كأمور مسلم بها ، بل قد تتكرر كرامة بعينها لأكثر من صوفي مع اختلاف الزمان والمكان [148] . وتنافس الصوفية في المزايدة بالكرامات فرويت كرامة للشيخ خليل وهو يطير من بلده إلى جبال الزيتون ، فقال له المرسي " ليس الشأن أن تذهب لجبال الزيتون وتعود من ليلتك ، ولكن أنا الساعة لو أردت أن آخذك بيدي وأضعك على جبل قاف وأنا هنا لفعلت "[149] وهو القائل " والله ما سار الأولياء والأبدال من قاف إلى قاف حتى يلقوا واحداً مثلنا ، فإذا لقوه كان بغيتهم " [150] . ويقول " ما جلست حتى جعلت جميع الكرامات تحت سجادتي " [151].

     ولقد أوتي الشعراني مقدرة عجيبة على سبك الكرامات ، وهو يوردها أحياناً كغطاء يخفي به الانحلال الخلقي للأولياء في عصره كما يبدو في ترجمته للمتبولي والحنفي وغيرهم ، والغريب أنه حين يذكر أحد الصالحين بصفات حسنة فلا نجد أثراً للكرامات [152].

     وكان الناس على استعداد لتصديق الكرامات وتناقلها . فكان مجرد إشاعة كرامة ما كفيلاً بتوجه الناس جميعهم إلى أصحابها زائرين ومعتقدين ومتوسلين [153]، وبعض الكرامات صيغت لسد  النقص أو جبر العجز لدى الأولياء ، فالولي المقعد الشيخ أحمد السطيحة قيل فيه " إنه يلبس كل جمعة مركوباً جديداً يقطعه مع أنه سطيحة لا يتحرك " " وتسللت زوجته ليلة فرأته قائماً سليماً من الكساح فلما شعر بها زجرها فخرست  وتكسحت وعميت إلى أن ماتت ، وحتى لا يوصف الشيخ أحمد السطيحة بالعجز الجنسي أيضا فقد ذكروا أنه كان في عصمته أربع نساء ، وأنه خطب بنتاً بكراً فأبت وقالت : أنا ضاقت  علىّ الدنيا حتى أتزوج بسطيحة ، فلحقها الفالج إلى أن ماتت . وطلبته بنت بنفسها فقيل لها يا امرأة المكتسح وعايروها  فدخل بها الشيخ وأزال بكارتها فملأ الدم ثيابها ورآه الناس .. إلخ [154] .

     ونلمح بعض الارتباط بين الكرامات والأحوال السياسية التي استغلها الصوفية لترويج كراماتهم ، فعندما يتولى سلطان يقال أن مجذوباً بشره شفاهاً بالتملك [155] . وحين يمرض السلطان يفسر مرضه بإنكاره على شيخ بعينه فجوزي بالمرض [156]، وكان من العادة شبه الدائمة أن تنتهي حياة الأمراء وأرباب المناصب بالمصادرة والعزل والقتل والحبس ، ومع ذلك كانت تفسر في ضوء غضب الأولياء ومعرفتهم الغيب [157]، وحين مُنع الناس من الحج بسبب حركة التتر أشيع أن الشاذلي قد حج بخطوة واحدة وعرض بعد مجيئه أن يخطو بالناس جميعاً إلى عرفات [158] ، ولم يتساءل أحد أما كان من الأجدى أن يوجه الشاذلي قدرته لدفع التتر الذين منعوا الناس من الحج .

    فالملاحظ عامة أن ادعاء الكرامات قد استهلكه المتصوفة في نواح تافهة  غير نبيلة تعكس حياتهم وتفكيرهم ، فلم يحظ الجهاد مثلاً بأقل القليل من ادعاءاتهم الكثيرة بقلب الأشياء ذهباً ، مما يفضح نفسية المتصوفة الغارقة في أحلام الوصول للنعيم الدنيوي بدون كد أو تعب . ولابد أن تنتهي تلك  الكرامة  بزهد الولي فيما قلبه ذهباً حتى لا يطالبه أحد بالدليل على ادعائه برجوع الذهب إلى حالته الأولى  ، وحتى يتأكد زهدهم وأنهم إنما تركوا الدنيا وزينتها مع قدرتهم على الثراء السريع ، على أن تلك الكرامات بما صاحبها من دعايات حققت أهداف الصوفية ووطدت نفوذهم وأكدت الاعتقاد فيهم وفي تصريفهم .

   مروجو الكرامات:

        أبرزهم المتصلون بالشيوخ المنتفعون بهم كالخدم ومشايخ الزيارة والزوجة وغيرهم .

ــ   الخدم: وقد أصبح بعضهم شيخاً بعد موت سيده يدّعى أنه اختص بأسراره ونشر كراماته ، فرويت كرامات عديدة عن الشاذلي عن طريق خادمه الشيخ ماضي أبو العزايم [159] . ويقول خادم الحنفي " وكان سيدي يخبر بما وقع له من الكرامات على عادة السلف من الأولياء المتمكنين [160] " ، وقد يحرص الشيخ على تسجيل كراماته ، ثم يوصي خادمه بكتمانها في حياته وإذاعتها بعد موته [161] ، كما يدعون ، والواضح أن الخادم هو الذي يشيع ذلك ليتكسب به .

       ولخادم الضريح دور كبير في إشاعة كرامات صاحب الضريح طمعاً منه في النذور ، ولا بأس بأن يحتال لذلك الأساليب المبتكرة ، فعرف أحد القبور – وهو مجهول الصاحب – بقبر صاحب الشمعة ، لأن بعض خدام القبور المجاورة أشاع أنه يرى على قبره شمعة مشتعلة في الليالي المظلمة ، فاشتهر صاحب القبر بالكرامة [162].

ــ  مشايخ الزيارة: وهم الذين يعرفون معالم القرافة وطرق الزيارة ، وفي كتب المزارات تنقل عنهم الكرامات مشفوعة بكلمات " وهذه الحكاية مستفاضة بين مشايخ الزيارة " أو نحو ذلك .

      كان للزوجة دورها في هذا المجال حتى ولو كانت بلاء على زوجها ، فكان الشيخ أبو الحمائل " مبتلى بزوجته " وقد حكت هذه للشعراني إن زوجها كان كثيراً ما يكون جالساً عندها فتمر عليه الفقراء الطائرون في الهواء ينادونه فيجيبهم ويطير معهم فلا تنتظره إلى الصباح  [163].

      وكان الرأي العام يتوقع من الولي بعض الكرامات حين يغسل ـ بعد موته ـ وحين يلحد في القبر ، وتكفل الغسالون واللحادون والحفارون بإرضاء نهم الناس ، فالشيخ عبد الغني الغاسل غسل الشيخ أبا القاسم  الأقطع وأورد من كراماته أنه غطى سوأته حين وقعت القطنه ، وأنه كان يتقلب ذات اليمين وذات الشمال كلما قرأ الغاسل " ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال " [164] . وتبسم آخر وهو يغسل  لأن الحور العين قد غازلته ، وأمر آخر مغسله بأن يغض بصره  لأن الجان ستغسله [165] ، ويبدو أن الغسالين بالغوا في ادعاءاتهم إلى درجة أثارت تندر الناس ، فأوصى الفقيه ابن الشيخ أن يغسله الشيخ شهاب الدين بن النقيب ،  فقال بهاء الدين بن السبكي ما قصد بذلك إلا بسط الناس بعد موته [166].

       وفي أمثالنا الشعبية نلمح أثر ذلك " كرامات الميت تظهر بعد غسله "، " مغسل وضامن جنة " [167].  ونافس اللحادون والحفارون الغسالين في هذا المجال ، فيشيع أحدهم أنه وجد القبر قد اتسع بحيث لا يدري هل هو في بيت أم في قبر ، ووجد معه من يساعده في اللحد وذلك لأن  الميت كان يدعو " اللهم وسع علىّ في قبري واجعلني ممن تتولاه الملائكة [168] "، ولحد آخر بنتاً للشاذلي فضحكت ، وعرفته بأنه يلحقها بعد ثلاثة أيام [169]. وحين حمل أبو مدين في النعش وكان المؤذن يصيح بالآذان ثقُل على حامليه حتى وضعوا النعش لأنه كان متعوداً على القيام حين يؤذن المؤذن [170] ، ويبدو أن ذلك أصل لما يشيعونه في الريف الآن من طيران الشيخ بنعشه أحياناً أو توقفه حيناً .

تهرب المتصوفة من الإتيان بكرامة :

      كان المتصوفة ينسبون  الكرامات للأولياء بعد الموت ، أما في الحياة فقد حاولوا تبرير تقاعسهم عن إثبات الكرامة عملياً ـ بشتى الوسائل . ووضع عبء ذلك على الشعراني ـ بطل سبك الكرامات ـ بطبيعة الحال ، فهو يميز  الكرامة عن معجزة النبي بأنه لا يجب على  الولي إظهارها لأنه لا يحتاج إلى دليل على صحة طريقه ، بل يجب إخفاؤها ، ويجوز للولي أن يتحدى الكرامة إذا رأى في ذلك مصلحة ، ومع ذلك يجوز أن  تقع الكرامة مع كلام الولي ومع سكوته [171].

      ويبالغ الشعراني فيرى أن من الأولياء من لا يستره حجاب ومع ذلك لا يعرف ما في جيبه[172]. وأن الولي قد يعاقب بأن يحبب إليه إظهار الكرامات كنوع من الاستدراج [173]، وأن أكثر الأولياء كرامة من كثر تكذيب قومه له ، وأقلهم كرامة من كثر تصديق قومه له [174]. وعد من المنن كراهيته لوقوع الخوارق على يده في الدنيا لأنها عرض فان ، ومع ذلك يقول أن وقوع الخارق لا بد منه للفقير ولو مرة واحدة ، ثم يفتخر بكثرة اعتقاد أهل عصره فيه من غير مطالبة بدليل [175] ، ومع ذلك كان الناس ينتظرون من الأولياء أن يخبروهم بما أوتوا من علم الغيب ووجد الش"_ftnref177" title="">[177]. فلم يرد في قوله ما ذكره الشعراني عن اللوح المحفوظ والمحو الإثبات .

 ويرى الشعراني أن الأولياء يعطون التصرف بحرف ( كن) ، أي يقولون للشئ كن فيكون ، مع أن ترك  التصرف بها مرتبة الأكابر منهم [178] ، وقد أعطى أحدهم هذا المقام فتركه وقال " نحن قوم تركنا الحق تعالى يتصرف لنا " [179]، وما أشد تواضع ذلك الولي !!

    والأولياء " أسرار الوجود " كما يقول الحنفي [180] ، وقد تكلم فقير ببعض الأسرار فقتل ، وقيل أن من أفشى أسرار الله فجزاؤه القتل بالسيف على عوائد الملوك في قتل من يفشي أسرارهم [181] ، وذلك تعليل ظريف لعدم إتيان الولي بكرامة على عيون الأشهاد ، وقد عبر الشعراني عن ضيقه من الفقهاء سلفا وخلفا لأنهم يطلبون الكرامة كدليل على الولاية [182]، وعلل الخوّاص ذلك الخلق من الفقهاء مع عدم وجوده لدى الفقراء بكثرة اعتقاد الآخرين الاعتقاد الصحيح في شيوخهم عكس الفقهاء [183] . على أن هناك أقوالاً  للمتصوفة  السابقين في التهرب من الإتيان بكرامة تنقصها براعة الشعراني ، فعبد القادر الجيلي كان لا يشأ أن يرى أحدا منه كرامة إلا بإرادته هو ، " وكانت الخارقة تظهر أحياناً منه وأحياناً فيه " حسب تعبير مؤلف مناقبه [184].

    أما الشاذلي فيقول " أي كرامة أظهر وأعظم من كرامة الإيمان ومتابعة السنة "[185] ، مع أن أقواله في عقيدة الاتحاد الصوفية أبعد ما تكون عن ذلك .

     وفي مناقب المنوفي أن ظهور الكرامة لا يدل على أفضلية صاحبها ، وأنها تصدر عن الولي بلا قصد ويجب عليه سترها ، ويرى المرسي في طيٌ الأرض وهو انتقال الولي إلى أي مكان بخطوة واحدة لصغار الطائفة ، أما الطي الأكبر فهو طيّ أوصاف النفوس [186] ، وطلبت كرامة من عبد العزيز الدريني ، قالوا له " مرادنا شئ يقوي يقيننا واعتقادنا فيك حتى نأخذ عنك الطريق ، فقال يا أولادي وهل تم كرامة من الله لعبد العزيز أعظم من أن يمسك به الأرض ولم يخسفها به ، وقد استحق الخسف من سنين " [187]، واضطر على وفا للإخبار بالكشف عن مصير غلام محبوس فقال " لابد له من الخلاص إما في أول الأمر أو آخره وإن فاته ذلك جميعه فيتخلص ولو على المغتسل ، يقول الراوي – بسذاجة – رأيت  ما يؤيد  ذلك ويصحح هذه المقولة [188]  ، وفي أسطورة عن زكريا الأنصاري أن ضريراً من الشام قصده ليرد عليه بصره فأمره بالرجوع إلى غزة ، وهناك يرد عليه البصر بشرط ألا يرجع مصر فيكف بصره ثانياً بحجة الخوف من ذيوع الخبر ، وتقول الأسطورة إن الضرير قد أبصر هناك [189]. والغرض من ذلك هو إشاعة الكرامة دون المطالبة بدليل على صحتها بالإضافة للتخلص من إثباتها أمام الناس .

     وكان نصر المجذوب المصري " يتظاهر بالخطأ في الكشف حتى لا يعتقده أحد "[190] بنحو ذلك برروا خطأهم فيما يدعون من إطلاع على الغيب .

أنواع الكرامات:  

  علم الغيب :

     1- ويسميه الصوفية كشفاً ، وهو أبرز ما ادّعاه الصوفية من كرامات ، ويرجع سبب شهرتهم بالكشف إلى أن الصوفي ينتظر أو يحس بالإنكار القلبي عليه فيسبق المنكر محتجاً على إنكاره قبل إعلان المنكر له ، فيشتهر الصوفي بقراءة الخاطر ، وبالغ الصوفية في هذا فادّعوا علم الغيب .

   2- ويتواضع بعضهم فيتحاشى الدعوة في شئ من الخمس التي في آخر سورة لقمان " لأنها من خصائص الحق تعالى " ولكنهم في الوقت نفسه يؤولون دعوى بعض الأولياء في عملها [191] ، مع أن الغيب كل لا يتجزأ وهو مما اختص الله تعالى به ذاته ، ولم يعط الله تعالى العلم ببعض الغيب إلا بعض الرسل مثل يوسف (يوسف 37) ، وعيسى ( آل عمران 49) وأكد القرآن أن خاتم النبيين لا يعلم الغيب .

3-   وإدعاءات الصوفية في هذا المجال يضيق عنها الحصر ، فأبو السعود بن أبي العشائر حدّث بإيضاح أحوال الملكوت والآخرة والمنازل والدرجات ومراتب الرجال من آدم إلى يوم القيامة .. إلخ [192] ، ويقول على وفا ( ما من نطفة توضع في رحم .. إلا وقد أطلعني الله عليها) [193] . وادّعى المتبولي بأنه " لا تنزل قطرة من السماء ولا يطلع نبت من الأرض إلا علمت به ... وهذا أمر أعطيته وأنا طفل [194] " ، والعارف يعلم أحوال أهل الجنة علما لا شك فيه بخروجه عن حجاب بشريته [195] " ، والصوفية يعلمون  السرائر لذا نصحوا المريدين بحفظ قلوبهم معهم [196] . من يؤمن بهذه الخرافات يكفر بالله جل وعلا ورسله وكتبه ، وسبحان من " يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور – غافر 19" !! ،  فهو القائل سبحانه  {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا الأنعام59}،.

4-    وفي قصة البدوي تتردد معرفته بالغيب حتى أن هلال مأذنته بعد موته يُنبأ بالغيب [197] وإذا وُلد ولي يبشر آخر أباه بما سيكون من أمره وفتوحه [198] . وعرف الشاذلي  بموته في حميثرة واستعد لذلك [199] ، وكان ابن ماخلاً شرطياً يتنبأ للوالي بسريرة المتهم [200] ، وفي لطائف المنن ومناقب المنوفي وغيرها من كتب الصوفية أخبار لا تنقطع عن الكشف ، " ولولا لسان الشريعة " كما يقول الفرغل " لأخبرتكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم " [201] ، وكان شعبان المجذوب " يطلع على ما يقع في كل سنة من رؤيته لهلالها " وأعطى مجذوب آخر " التمييز بين الأشقياء والسعداء في الدنيا "[202]، واطلع الخواص على فتوح قلوب الفقراء وكان يخبر بذلك [203] ، بل إنهم ادعوا علم ما في  اللوح المحفوظ وتردد هذا في كتبهم عن الدسوقي والرفاعي والجيلاني [204] وعبد الرحيم القنائي [205] . ويقول الحنفي لو سألتني شيئا لم يكن عندي أجبتك من اللوح المحفوظ [206].      وكان محل كشف الخواص اللوح المحفوظ [207] . خاصة وأن نهاية كشف الولي أن يطلع على ما كتب في اللوح المحفوظ كما يدعي الشعراني [208].

 5 ــ    والشيخ يعلم الخاطر ويمد مريده به ، بل يتفاهمان على أساس الخاطر [209] ، وكان الحنفي يقيم ميعاداً سكوتيا فيلقى بخواطره  في قلوب  أصحابه كل حسب " مشروبه "[210]، " ويتحلى الشيخ  الصادق بعلم يكشف به الحقائق والدقائق ، وإلقاء الملك ، ونفث الشيطان ، والنفث في الروع ، والإلهام ، وخطرات المريد ، ونزعاته وأمراض القلوب وأسرار النفوس " ، ويلاحظ مريده من حين كان في عالم النور قبل وروده وهبوطه  إلى أصلاب الآباء وبطون الأمهات  ، كما يقول الشعراني [211] .

6 ــ وكانت كتب التاريخ كثيراً ما تصف الصوفية بالكشف والعلم بما سيكون [212]. ويروي أبو المحاسن  أن أحدهم في نزاع مع السلطان " جقمق " أعلن في الملأ أن غريمه السلطان سيموت في حادي عشر جمادي الأولى ، وانتظرت العامة النتيجة ، ولكن الشيخ مات قبل ذلك اليوم بعشرة أيام ولم يظهر لكلامه صحة ، وحاول أبو المحاسن مع ذلك تأويل كلام الشيخ ، وأنه كان يقصد نفسه بالموت وأن الجماهير أخطأت في النقل عنه [213] ، مما يتعارض والقصة التي رواها بنفسه الأمر الذي يظهر مدى الاعتقاد في علم الأولياء للغيب .

7        ــ وفي الأمثال الشعبية ما يعزز هذا كقولهم " أنت شيخ ولا حد قالك " [214].

  التصريف:

    1- يقولون إن الولي خرق العادة حين يعطي حرف كن [215] ، أي يقول للشئ كن فيكون ، ويقول الجيلي عن نفسه " وأعطيت حرف كن " [216] ، بل إن الخواص جعل في باطن كل إنسان قوة كن [217] . وفي قصة البدوي مع ركين أنه جعل الشعير قمحاً  بكلمة كن [218] ، وكان الشربيني يقول للعصا التي كانت معه كوني إنساناً فتكون إنساناً ويرسلها تقضي الحوائج ثم تعود كما كانت [219] .

      2- بل ادّعوا أن الولي يتصرف في الموت والحياة ، فالحسن أخو البدوي يميت من تعرض لهما من الأكراد ثم يعيدهم  للحياة ، والبدوي يميت جِمال فاطمة بنت بري السبعة آلاف [220] ، وأحيا على وفا غريقاً عند شاطئ الإسكندرية [221] ، وحين مات الجمل أحياه على وفا إلى ما بعد الحج والرجوع إلى مصر " فمن وصوله إلى باب النصر وقع ميتاً فعلمت أن محيي الموتى أبقاه للخدمة " [222] ، وأحيا المتبولي والد مريده فأخرجه " من القبر " ينفض التراب عن رأسه حين ناداه الشيخ " [223] ، وانتهت كراماتهم مع الأسد ـ أحياناً ـ بإحياء من افترسه الأسد [224].

  انتحال صفات الله: من عدم الأكل والشرب والنوم والجماع وغيرها .

     فالبدوي حين نظر عبد المجيد إلى وجهه صُعق [225] ، وكان يظل أربعين يوماً بلا طعام ولا شراب شاخصاً ببصره إلى السماء [226]، ورفض الزواج ولم تفلح معه إغراءات فاطمة بنت بري ، وقال له الرفاعي في المنام " فإن جميع الرجال والأبطال قد نظروا في تاريخ  الرجال فما وجدوا من لا تهيج له روحانية ولا ينظر إلى النساء بشهوة إلا أنت يا فحل الرجال" [227] ، وكان الشيخ خلف – أحد أصحاب البدوي – لا يضع جنبه الأرض ليلاً ولا نهاراً [228] ، وقد سأل الشعراني الخواص عن قوله تعالى " لا تأخذه سنة ولا نوم " هل خلع الله هذه الصفة على أحد من الأولياء فأجاب  نعم ومثّل بعيسى بن نجم الذي ظل بلا نوم سبعة عشرا عاماً [229]، ومكث بعضهم نحو الخمسة شهور[230] ، وآخر سبعة وثلاثين سنة [231] ، وآخر مكث أربعين سنة [232] ، على أن علياً العياشي مكث فترة قياسية حطمت الأرقام السابقة فظل  بلا نوم نحو نيف وسبعين سنة [233] ، وقال اليافعي عن أحد أصحابه " وله إلى تاريخ تأليف هذا الكتاب خمس عشرة سنة لم يضع جنبه الأرض ويمكث أياما عديدة لا يأكل فيها شيئاً [234].

    ونلمح مثل ذلك في مدة امتناع الولي عن الطعام والشراب فتراوحت بين أشهر لا تكمل سنة كما في حالة ابن عمر التباعي (ت 702)[235] ، أو يمكث سنين قد تمتد إلى عشرين سنة[236] ، وقد تصل أكثر من عشرين [237] ، بل إلى أربعين سنة [238] ، وقد يجتمع عدم الأكل والشرب مع عدم النوم كما في حالة عيسى بن نجم [239] ، السالف الذكر ، وربما يطلق على أحدهم صائم الدهر [240].

     ويخرج الولي بعد تلك الخلوة وذلك الحرمان يظهر الكرامات والخوارق [241] . ومع  ذلك فهم أبطال المآدب ، ولهم في الشراهة كرامات .

     هذا وقد عدّ السخاوي ( الصوفى ) صاحب كتاب ( تحفة الأحباب ) من جملة كرامات الأولياء " انقلاب الأعيان ، وكذا المشي على الماء ، والكشف عن حال الموتى ، وسماع كلامهم ، وإحياؤهم بإذن الله تعالى ، وطي الأرض لهم ، والكلام على المستقبل والماضي وإخبارهم بالمغيبات ، وإنفاقهم من الغيب ، وإيثارهم على أنفسهم ، وانطلاق البحر لهم ، وغير ذلك من الكرامات التي شوهدت من كثير منهم " ، ونحو ذلك ما قاله ابن عطاء في لطائف المنن [242].

   كرامات ما بعد الموت  :

1-   يمكن أن يدخل تحت هذا الإطار الكرامات السابقة واللاحقة لسهولة ادّعاء المتصوفة لكرامة أشياخهم المتوفين دون تقديم إثبات ، هذا بالإضافة إلى الدافع المالي فيبالغ المنتفعون في أكاذيبهم عن كرامات صاحب الضريح طمعاً في النذور ، وحتى لا تفتر حماسة الناس للولي بعد موته [243] ، وخشية أن يسرق الأضواء  منه ولي آخر على قيد الحياة .

2-   وفي كتاب عبد الصمد عن البدوي نلمح اتجاها واضحاً لإسناد أكثر الكرامات للأولياء المتوفين . فعبد العال  في ضريحه سمَّر شخصاً ، والشيخ وهيب يهدد اللصوص إذا حاولوا نهب الودائع التي يضعها أهالي قريته عند ضريحه ، والشيخ عمر الشناوي الأشعث يخرج من قبره راكباً فرسا ً ليغيث زائريه من قطاع الطرق ، ومثله الشيخ يوسف البرلسي ، وخلف الحبيشي والشيخ عماد الدين وغيرهم [244] ، والهدف من هذا طمأنة القادمين لزيارة الأضرحة وإخافة قُطاع الطرق . بل إن بعض الأولياء كان يذهب إلى ضريح البدوي يجاذبه أطراف الحديث حتى إن البدوي كان يخرج رأسه من الضريح يسأل عن الشعراني إذا تخلف عن حضور مولده [245]، وقال ابن الصائغ " من لم تظهر كرامته بعد وفاته .. فليس بصادق [246].

3-   وكان أبو السعود بن أبي العشائر " كرامته ظاهرة في حياته ثم بعد وفاته "[247] .ومثله عبد الرحيم القنائي وقد ذكرها رواة مناقبه [248] ، ذلك أن الصوفية يعتقدون اعتقاداً جازماً بحياة الولي في قبره متمتعاً بكراماته متحرراً من قيود الدار الأولى . وقد عدّ الشعراني من المنن معرفته بأوقات تواجد الولي المتوفي في قبره [249].

  الطّيّ 

     1- ويقصد به انتقال الولي من مكان لآخر في لمح البصر أو نحوه ، يقول ابن عطاء عنه " أن تطوى لهم الأرض من مشرقها إلى مغربها في نفس واحد " [250] ، وعليه فقد كان المرسي يحضر يومياً من الإسكندرية إلى المقسم حتى يسمع الميعاد ويعود في نفس الوقت للإسكندرية مع شيخه الشاذلي [251] ، " ونقل  البدوي ابن أخيه من جبل أبي قبيس فى مكة إلى طنطا في غمضة عين ، ثم رده  إلى مكانه في غمضة عين أيضاً [252] ، وفي مناقب المنوفي باب عن طي الأرض له مع عدم تحركه [253] "  وكان السيوطي  يصلي العصر في مكة ثم يرجع ، وقد يصطحب معه خادمه بشرط أن يُغمض عينيه ، وكان صوفي من أهل الخطوة يقول في كل يوم زرت سيدي عبد القادر الجيلاني البارحة ، وزرت النبي عليه السلام البارحة ، وزرت أبا الحجاج الأقصري " فقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري  يحتمل أن يكون صادقاً ، فإن الأمر ممكن فإن الدنيا خطوة مؤمن "[254].

    2- على أن هناك طيًا آخر للزمان ، فقد اشتاق بعضهم لأهله في حصن كيفا . فشاور المتبولي وكان ذلك بعد العصر فأدخله الخلوة ، فرأى نفسه داخل بلده والتقى بأهله ، ومكث عندهم يخطب في الجامع ويقرئ الأطفال مدة تسعة أشهر ، ثم  اشتاق للشيخ فأذن له أبواه فخرج إلى موضع خارج البلد ، فإذا هو في خلوة الشيخ وفي نفس الزمان [255] ، وأقام جمال الدين الكردي يخطب في بلاد الأكراد مدة ستة أشهر ثم رجع إلى مصر ، وكل ذلك بعد صلاة العصر [256] .

  التطور:

      وهو على أنواع ، فقد يتطور الولي لتصير له سبع عيون أو يتربع في الهواء [257]، أو يتشكل في صورة أسد أو فيل أو فقير أو أمير أو فلاح أو جندي ويوصف حينئذ بأن " التطور دأبه ليلاً ونهاراً "[258]، وقد يكون للولي أكثر من جسد فيُرى في أكثر من بلد في وقت واحد [259] ، وربما يحلف شخص بالطلاق أنه رآه في عرفات مراراً وهو لم يذهب للحج [260]، وقد ذهب المرسي إلى خمسة ولائم في وقت واحد [261]، وصلى محمد الخضري الجمعة في ثلاثين بلداً في وقت واحد ، يبيت في الليلة الواحدة في عدة بلاد [262].

  في قراءة القرآن:

      اتخذت الكرامات هنا وسيلة للهروب من تلاوة القرآن خاصة وأنها ظهرت في أواخر العصر ، فكان أبو السعود الجارحي يصلي بالقرآن في ركعة أو ركعتين [263] .

     وذكر الشعراني أن أبا العباس الحريثي ذكر أنه قرأ بين المغرب والعشاء خمس ختمات فقال نور الدين المرصفي " الفقير . يعني نفسه " وقع له أنه قرأ في يوم وليلة ثلاثمائة  وستين ألف ختمة كل درجة ألف ختمة [264] " فقال له الشعراني بالحروف يا سيدي ؟ فقال نعم لأن الروح إذا تجردت عن الجسم الكثيف فعلت ذلك ، ويقول " ويقع ذلك للأولياء لشرف قدرهم عند الله فإن أعمار هذه الأمة قصيرة ، فأقدر الله خواص هذه الأمة على ذلك ، ليرجح أحدهم في الأعمال على عُبّاد الأمم السابقة الذين عاشوا نحو الخمسمائة سنة [265].

      ويحكي الشعراني عن نفسه أنه أحرم بصلاة الصبح خلف الإمام الذي افتتح سورة المزمل فسبق لسان الشعراني للقرآن، فقرأه من أول سورة البقرة ولحقه في قراءة الركعة الأولى قبل أن يركع [266] .

  رؤية الله سبحانه  والملائكة والعرش:

   فى خرافاتهم ادّعى الصوفية رؤية الله . يقول المرسي إن له أربعين عاماً ما حجب فيها عن الله طرفة عين [267] ، وكان تاج الدين النخال يتجلى عليه الحق في الخلوة [268] ، وجعل الشعراني من المنن تشريفه برؤية الله تعالى في النوم خمس مرات ، ويقول إن شخصاً ادّعى أنه اجتمع به في سوق الوراقين فأنكر عليه بعض العلماء ويرى الشعراني أن ذلك الإنكار غير صحيح [269]، وقد أطلع الله الشعراني على عدد أصحابه وعرفه بأنسابهم [270] ، وأطلعه على السعداء من البشر والأشقياء منهم .

     2- وفى خرافاتهم توثقت علاقة الأولياء بجبريل ، فكان عبد الرحيم القنائي يستشيره فيما يعن من مشكلات مريديه [271] ، خاصة وأن مخاطبة جبريل لا يمنع منه لدى الصوفية عقل ولا نقل على حد قول الدسوقي [272] ، والكلام مع جبريل وغيره من الملائكة من كرامات الأولياء عندهم ، وليست بمستحيلة  ولا منكرة ، وكتب الرقائق مشحونة بحديث الأولياء معهم وقد ذكر بهاء الدين الأخميمي أن ملك الموت أخبره بعمره ، واجتمع آخرون بعزرائيل وأوصى بعضهم – على ميت – منكراً ونكيراً [273]، وكان بعضهم يكلم " الملكين الكرام الكاتبين "[274].

4-   واتخذ الصوفية من العرش مجالاً لكراماتهم حتى أن الدسوقي يقول  " أنا العرش أنا الكرسي أنا اللوح أنا القلم " [275] ، وتواضع باقي الأولياء ، فادّعوا أن أبصارهم تطمح حتى تحيط بالعرش " [276]، وكان الخضري يقول " لا يكمل الرجل عندنا حتى يكون مقامه تحت قوائم العرش " [277] ، واطلع أحدهم على مقام الشاذلي فوجده عند العرش [278] . وسُمى ياقوت بالعرش لأنه كان دائما ينظر للعرش وليس في الأرض سوى جسده [279] ، ويقول المرسي " والله إني لأعرف العرش كما أعرف كفّى هذه [280] " ، وادعى كثير من الأولياء بأنه يعلم أزقة السموات أكثر من علمه بأزقة الأرض [281].

  الأسد :

     استغله الصوفية في كراماتهم خاصة وأن السباع كانت تهدد  الحجاج [282] . وقد أغرق سيل بالشام أحد عشر أسدًا [283].والأسد يتصاغر في الكرامات الصوفية حين يفترس من ينقذه الولي ، وربما يحمل عليه الولي الحطب أو يركبه ، أو يلجأ الأسد لبيت الصوفي مستجيراً من جرح [284] .

 الذهــب:

    أدى فقر الصوفية إلى اتخاذهم قلب الأعيان ذهباً ـ جانباً هاماً من كراماتهم تفننوا في حبكها ، مع الحرص على انتهاء الكرامة بأن يعود الذهب إلى حالته الأصلية . وربما يعلن الولي مقدرته على قلب الشئ ذهباً ـ بدون قصد ـ فيتحول ما يشير إليه إشارة  عابرة إلى ذهب ، ومن الأشياء التي حولت ذهباً  الطوب والحطب والهواء والحجر والماء وحتى الباذنجان [285] .

      وتفرد الشاذلي بأن الله أوحى إليه ـ فيما يزعم ـ أن يجعل في بوله ما يشاء يكن ذهباً ، ويبدو أنه كان يتحرج من ذلك فيأمر خادمه أن يبول على الحجر  فيحوله ذهباً [286] ، وكان آخر كلما استنجى بحجر تحول ذهباً [287]

  الطعــام :

      كان كسابقة مجالاً للكرامات ، واحتوت كتب المناقب على الكثير منها ، وهي على أنواع منها إحضار ما لذ وطاب من الطعام من حيث لا يدري أحد [288] ، أو أن الولي يميز الطعام الحلال والحرام حين يكون مدعواً ، واشتهروا بهذا التخصص لأن حياتهم قامت على الأكل من طعام الناس حراماً أو حلالاً ، حتى أن مباراة عقدت بين وليين حضرها الظاهر بيبرس فيما يرويه الصوفية [289] في هذا الشأن .

    وحكيت كرامات على مثال ما روي في خرافات السيرة النبوية من أن الطعام القليل يكفي  جمعاً عظيماً  من الناس ، وبُولغ في ذلك على عادة الصوفية [290] . مع أن ما ورد في السيرة النبوية لا أساس له من الصحة .

     ولم يتحرج الصوفية عن وصف تهالكهم في حب الطعام ، فكان من كرامات ابن عبد ربه الصوفي  أنه أكل طعام مولد بأكمله ، وأكل مرة لحم بقرة كاملة [291] ، وكان الشيخ دمرداش إذا غلب عليه الحال يأكل الأردب من الفول ، وعمل له الأمير أقبردي الداودار سماطاً فلم يدعُ أحداً من أصحابه ، وأكله بنفسه ، وكان يكفي خمسمائة نفس ، ولم يبق شيئاً ، فقال " لم أشبع" ، فأتوه بكسر يابسة ، وقيل له كيف أكلت ذلك كله ؟ فقال : رأيت شبهات فأحضرت طائفة من الجن فأكلوه  وحميت الفقراء منه [292].

  كرامات تافهة:

      1- أصبح ادعاء الكرامات ميداناً مباحاً أمام كل من هب ودب من مدّعى الصوفية ، هذا بالإضافة إلى أن الكرامات في حد ذاتها تعتبر انعكاساً لحياة المتصوفة أنفسهم ، فعد من كرامات الحنفي أنه " إذا وضع يده على الفرس الحرون لم يعد إلى حرونته " [293] ،  على أن هذا التفكير أنعكس بدوره على نظرة العصر لكرامات المتصوفة أنفسهم ، فنجد  أبا المحاسن يعد من كرامات يحيى الصنافيري المجذوب أنه كان يغطس في الماء البارد في الشتاء وفي شدة الحر يجلس في الشمس عريان مكشوف الرأس ، ومن كراماته أيضاً أن امرأة أتته وقالت يا سيدي إن لي بقرتين سُرِقتا فقال لها  " حطي الفول في المدود وهما يأكلان الفول ، فمضت عنه ، وجعلت الفول في المدود حتى كان الليل أقبلت البقرتان إلى المدود وأكلتا الفول " [294] . وكان  الولي إذا مات في خانقاه مثلاً تشترى ثيابه بأغلى الأثمان ويعلن أن ثمنها قدر ما أخذه من معلوم أي مرتب الخانقاه [295].

    3- لذا كان من المقبول أن يتقبل الرأي العام ادعاءات الصوفية  بالغاً ما بلغت تفاهتها . فكان حسن إبريق العابد إذا وقع الدلو منه في البئر  يأمر الماء أن يرتفع بالدلو ، وقد أُعطى أنساب جميع الحيوانات . وكان حسن الطراوي إذا فقد ماء الوضوء ينزل عليه ولي من السماء في عنقه قربة مملوءة من ماء النيل [296] ويدعى الشعراني أنه كشف عنه الحجاب في عام 923 حتى سمع تسبيح الجمادات والحيوانات من البهائم وغيرها ، ويسمع من تكلم في أطراف مصر وقراها إلى سائر أقاليم الأرض ثم إلى البحر المحيط حتى صار يسمع تسبيح السمك [297] . ووحلت سفينة فقال أحد الأولياء " أربطوها في بيضي بحبل وأنا أنزل وأسحبها ، ففعلوا فسحبها ببيضه حتى تخلصت من الوحل إلى البحر " [298] ، وكان أحدهم يقسم الأرزاق بين الحيوانات والطيور زمن القحط [299] ، وكان آخر يضرب الأرض برجله فينبع الماء ثم يضربها ثانية فيخرج منها قدحاً يضع فيه الماء [300] ، وكان الشيخ محمد الكناس من أصحاب البدوي يكنس مقام البدوي والجيلي والرفاعي وعدة مقامات في بلاد المغرب وغيرها ويرجع إلى طنطا في ساعة [301] ، وخرج الشيخ البلتاجي من قبره ليعيد حمارة ضائعة ليوسف العجمي [302] ، وكان أبو العباس الحرار حين يستنجي تستحلفه الأحجار بالله ألا يستنجي بها وأخيراً يجد حجراً يقول له إن الله أمرني أن أتطهر بك [303] !!

       4- واخترعت الكرامات الصوفية نوعاً من الأولياء يطيرون في الهواء ، وقد أولم

الشيخ البسطامي وليمة فاخرة لهم فتساقطوا من الهواء وأتوا عليها [304] ، وقد طار المرسي في الهواء ليستوثق من أن خادمه يكذب عليه حين قال له أنه سقى الفرس [305].

      وعكست  الكرامات الصراع بين الأولياء ، فقيل عن حبيب المجذوب أنه كان كثير العطب ليست له كرامة إلا  في أذى الناس [306] . ومد أبو عبد الله المكي يده من المغرب فهدم الخلوة على زروق الفاسي في بولاق ، فنجاه الله ببركة أبي العباس الحضرمي [307].

ومع أن القارىء اليوم لهذه الخرافات لا يستطيع منع نفسه من الضحك أو من التعجب إلا إن العصر اللملوكى كان يؤمن بهذه الخرافات ويصدقها ، ولم نجد أحدا من المؤرخين المعاصرين لأولئك الأولياء تندر عليهم ، بل ساد وصف الصوفية فى المصادر التاريخية بلفظ ( المعتقد ) أى الذى يعتقد الناس ولايته وبالتالى كراماته مهما بلغت المبالغة والتفاهة فى سبك تلك الكرامات .

وكانوا مع هذا يزعمون أنهم مسلمون ، يقولون بألسنتهم ( سبحان ربى العظيم ) ..



[1]
- النويري الإلمام 1 لوحة 178 ، الشعراني : اليواقيت والجواهر 2/84 ، الكبريت الأحمر 4/11

[2] - المدخل 2/210- 211.

[3] - ذكر مناقب المنوفي 31.

[4] - لواقح الأنوار للشعراني 244.

[5] - باب الرياحين لليافعي ص8.

[6] - الشعراني " اليواقيت والجواهر " ، جـ2/79, 82.

[7] - لطائف المنن للشعراني 532.

[8] - لطائف المنن 492.

[9] - الشعراني أدب العبودية 33.

[10] - الشعراني " اليواقيت والجواهر " جـ2/83

[11] - طبقات الشرنوبي مخطوط 504.

[12] - لطائف المنن 383.

[13] - لطائف المنن 268.

[14] - اليافعي روض الرياحين 187.

[15] - الطبقات الكبرى للمناوي مخطوط 341.

[16] - دائرة المعارف 13/59.

[17] -  آداب العبودية 32.

[18] - تعطير الأنفاس 16.

[19] - تعطير الأنفاس 46.

[20] - النويري الإلمام بالإعلام جـ1/178.

[21] -  ديوان البوصيري ص 73.

[24] - طبقات الشرنوبي مخطوط 1، 4.

[25] - طبقات الشرنوبي 7، 8.

[26] - مناقب المنوفي 11..

[27] -  ابن الزيات الكواكب السيارة 181.

[28] - الطبقات الصغرى للشعراني 65.

[29] - مناقب  الحنفي مخطوط 128، 129، 279: 380.

[30] -  الدرر الكامنة جـ 2/483، 484.

[31] - البدر الطالع جـ2/244

[32] - روض الرياحين 273.

[33] - الشعراني . الطبقات الكبرى جـ2/28، الطبعة القديمة .

[34] - الميزان الخضرية للشعراني ص1.

[35] - لطائف المنن لابن عطاء 47- 49.

[36] - المدخل جـ 2/ 201، 202.

[37] - ابن تيمية : مجموعة الرسائل والمسائل جـ1/72.

[38] - قاموس العادات والتقاليد المصرية 193- أحمد أمين .

[39] - الميزان الخضرية 16، 17.

[40] -  الطبقات الكبرى جـ 2/108 – 109 ، لواقح الأنوار :211.

[41] - الطبقات الكبرى جـ2/108- 109 ، لواقح الأنوار : 211.

 - [42] الكواكب السيارة 261: 262 ابن الزيات

[43] -  ابن العماد الحنبلي شذرات الذهب 6/290.

[44] - تعطير الأنفاس 30، 31، 233، 234، الطبقات الكبرى للمناوي 294.

[45] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/89.

[46] -  الكواكب السيارة 246. 217

[47] - روض الرياحين في حكايات الصالحين 174، 175.

[48] - إنباء الهصر 485.

[49] - ذيل بن العراقي مخطوط 250

[50] - التبر المسبوك للسخاوي 233.

[51] - مقدمة ابن خلدون 110، 111.

[52] - شفاء السائل في تهذيب المسائل 88 وفي هذا الكتاب ناقض ابن خلدون ما قاله عن التصوف في المقدمة .

[53] - لطائف المنن 111.

[54] - الشعراني اليواقيت والجواهر 155-156 وقد ذكر أمثلة لذلك في الطبقات الكبرى جـ2/ 120.

[55] - الشعراني اليواقيت والجواهر 155-156 وقد ذكر أمثلة لذلك في الطبقات الكبرى جـ2/ 120.

[56] - أخبار القرن العاشر .

[57] -  لطائف المنن 189- 190.

[58] - البحر المورود 185.

[59] - أخبار القرن العاشر 210.

[60] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/120، 121

[61] -  من الصعب حصرهم في سائر المراجع وعلى سبيل المثال : المنهل جـ3/187، النجوم جـ11/138 ، 16/177 ، 195، 13/18، ابن إياس جـ2/211 ط بولاق ، 4/386، الضوء اللامع جـ1/184 ، 3/50 السلوك 3 قسم  2/511، إنباء الغمر 3/261، 3/153، 1/59.

[62] - ابن حجر ذيل الدرر الكامنة مخطوط 22.

[63] - التبر المسبوك للسخاوي 237 ترجمة الشيخ بكير – وورد في الضوء اللامع جـ3/18

[64] -  تاريخ ابن إياس تحقيق محمد مصطفى جـ2/265 ترجمة الشيخ الطوخي .

[65] - الضوء اللامع جـ2/260 ترجمة ابن المؤمني.

[66] - لطائف المنن للشعراني 129.

[67] - إنباء الغمر جـ2/57 ، النجوم الزاهرة 13/10.

[68] - تاريخ ابن إياس تحقيق محمد مصطفى 1/2- 373.

[69] - المنهل الصافي مخطوط 5/481 ، النجوم الزاهرة 11/118- 119.

[70] - الشعراني .. لواقح الأنوار ص 101، 102.

[71] -  المدخل جـ2/151.

[72] - الشعراني  الطبقات الكبرى جـ2/17.

[73] -  الطبقات الكبرى  للشعراني جـ2/76.

[74] -  الطبقات الكبرى – للشعراني جـ2/110، جـ2/111.

[75] - الطبقات الكبرى – الشعراني جـ2 /127.

[76] - لطائف المنن 355 .. الشعراني .

[77] - لطائف المنن .. الشعراني : 40.

[78] - لطائف المنن ، الشعراني 144، 151.

[79] - لطائف المنن 144ن البحر المورود 89، 90.

[80] - لطائف المنن 146.

[81] - الطبقات الكبرى جـ2/130.

[82] -  الطبقات الكبرى جـ2/ 124

[86] - لطائف المنن ص 147.

[87] - الطبقات الكبرى جـ2/144.

[88] - الشعراني . إرشاد المغفلين ص 273.

[89] -  لطائف المنن 256، 277.

[90] -  لطائف المنن 365، 392 ، 291.

[91] -  لواقح الأنوار 99

[92] - صحبة الأخيار 39.

[93] - تنبيه المغترين 136

[94] - لطائف المنن للشعراني 149: 151. 172.

[95] - لطائف المنن فصل الشعراني فيه ما يقاسيه بسبب التحمل 322: 323. 551.

[96] - لطائف المنن 551.

[97] - لطائف المنن 151.

[98] - الطبقات الكبرى ج2/148.

[99] - لطائف المنن 572 ، 352، 353.

[100] - لطائف المنن 572، 352، 353.

[101] - لطائف المنن 123، 124.

[102] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/18.

[103] - مناقب الوفائية مخطوط 48.

[104] - طبقات الشافعية جـ5/23.

[105] - مناقب الحنفي 340مخطوط .

[106] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/105.

[107] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/150.

[108] -  لطائف المنن 143- 144.

[109] - لطائف المنن 147.

[110] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/125 ، الغزي : الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة جـ1/167.

[111] -  الطبقات الكبرى  جـ2/125 ، الغزّى الكواكب جـ1/213

[112] - الطبقات الكبرى جـ3/130

[113] - قواعد الصوفية جـ1/192 وقد أخذ عنهم الشعراني التربية بالنظر – لطائف المنن 392.

[114] - ابن عطاء لطائف المنن 56.

[115] - الكواكب السيارة 151، تحفة الأحباب 290.

[116] - الطبقات الكبرى جـ2/122 الشعراني .

[117] - مناقب  الحنفي مخطوط 274 :283.

[118] - طبقات الشافعية جـ5/22

[119] - شذرات الذهب جـ7/297.

[120] - الضوء اللامع جـ1/ 7 ، جـ1/251

[121] - التبر المسبوك 137 .

[122] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/90.

[123] - الطبقات الكبرى جـ2/109.

[124] - الضوء اللامع جـ1/189.

[125] - الطبقات الكبرى جـ2/128 الشعراني .

[126] - في مناقب المتوفي فصل في المقدمة عن إثبات الكرامة .

[127] - اليافعي . فضل مشايخ الصوفية ص17 وما بعدها .

[128] -  اليافعي . روض الرياحين 205. الشعراني ، فتح المنة في التلبس بالسنة 22.

[129] - حوادث الدهور جـ1/ 140.

[130] - المقدمة 110، 474.

[131] - السبكي . معيد النعم 159

[132] - رسالة السيوطي : القول  الجلي في تطور الولي .

[133] - مجموعة الرسائل والمسائل في الجزء الأول .

[134] - الطالع السعيد 370، 373.

[135] - الجويري : المختار في كشف الأسرار 21، 22.

[136] -  نفس المرجع 23

[137] - نفس المرجع 22، 23 وذكر طريقة أخرى ص 26.

[138] - نفس المرجع 24: 142.

[139] - نفس المرجع 280.

[140] - المدخل جـ2/201.

[141] - تاريخ  ابن كثير جـ14/36.

[142] - تاريخ قاصي شهبه – مخطوط جـ1/6 ترجمة ابن صديق التبريزي.

[143] - الصفدي . أعيان العصر مخطوط جـ6 قسم 1 ورقة 48، 49.

[144] - تاريخ البقاعي . مخطوط 88، 89.

[145] - السخاوي . التبر المسبوك 338

[146] - محمد كامل حسين – حوليات آداب القاهرة مجلد 16 سنة 1954 ص 49.

[147] - عبد الصمد . الجواهر 79

[148] - رويت كرامات لأبي العباس الملثم في ابن الفرات والطالع السعيد بدون تغيير في الألفاظ ونفس الوضع في ترجمة شرف الدين الصعيدي الذي امتحن الغوري امتناعه عن الطعام والشراب أربعين يوماً . الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/138 ، شذرات الذهب جـ8/91 وقد نسبت أيضاً لمعاصر للحجاج بن يوسف ، اليواقيت والجواهر جـ2/104 وغير ذلك كثير .

[149] - ابن عطاء لطائف المتن 57.

[150] - ابن عطاء لطائف المنن 56

[151] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/18.

[152] -  كما في ترجمته للمرحومي الطبقات الكبرى جـ 2/95 والغمري جـ2/127.

[153] - السخاوي : التبر المسبوك 338.

[154] - الطبقات الكبرى للشعراني . ط صبيح جـ2/123.

[155] - الضوء اللامع جـ3/133.

[156] - مناقب الحنفي ( مع الناصر فرج) .

[157] - مناقب الحنفي 384 ، النجوم جـ11/187، المنهل الصافي جـ5/ 441.

[158] - الإلمام بالإعلام للنويري مخطوط مصور مجلد 2 لوحة 78.

[159] - تعطير الأنفاس مخطوط 51 ، 55 ما بعدها ، 77 وما بعدها .

[160] -  مناقب الحنفي مخطوط 473 ، 474.

[161] - الطبقات الصغرى للشعراني ترجمة السيوطي 30، ترجمة زكريا الأنصاري 40، ترجمة شمس الدين الدمياطي ص53.

[165] - الكواكب السيارة  247، 248

[166] - ذيل ابن العراقي مخطوط 65.

[167] - أحمد تيمور الأمثال الشعبية  315 ، 378 الطبعة الأولي

[168] - الكواكب السيارة 250، 251.

[169] - تعطير الأنفاس مخطوط 80.

[170] - المناوي ، الطبقات الكبرى مخطوط ورقة 283.

[171] - اليواقيت والجواهر جـ1 /163.

[172] - الجواهر والدرر 175.

[173] - الجواهر والدرر 171.

[174] - كشف الران ص80.

[175] - لطائف المنن ص 316، ص7، 90، 235.

[176] - البحر المورود 273، 274.

[177] - لطائف المنن 93.

[178] - الجواهر والدرر 123.

[179] - اليواقيت والجواهر جـ2/106.

[180] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/88.

[181] - لطائف  السنن – الشعراني 48- 49 ، وذكر قصة ص409 عن عجز المريدين عن تحمل الأسرار من الشيخ

[182] - لطائف المنن 90

[183] - درر الخواص 67

[184] - الشطنوفي – بهجة الأسرار . مخطوط – 29 إلى 30.

[185] - تعطير الأنفاس – مخطوط ص 204

[186] - مناقب المنوفي ، مخطوط من 5 إلى 7

[187] - لواقح الأنوار . ص 241، ص371، لطائف المنن 592.

[188] - مناقب الوفائية – مخطوط 72.

[189] - الطبقات الكبرى – الشعراني جـ2/108.

[190] - أخبار القرن العاشر 185.

[191] - لطائف المنن للشعراني 409، 430.

[192] - الكواكب السيارة 316، 317.

[193] - مناقب الوفائية 43

[194] - الطبقات الكبرى للمناوي مخطوط 337

[195] - درر الخواص 11.

[196] - درر الخواص 81 . قواعد الصوفية جـ1/158 ، الطبقات الكبرى جـ2/ 94، 150

[197] - عبد الصمد الجواهر 76

[198] - شذرات الذهب جـ8/30،31.

[199] - الإلمام مخطوط مجلد 2- 79.

[200] - طبقات الشاذلية 111، 112

[201] - مناقب الفرغل 1 مخطوط .

[202] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/159، 130.

[203] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/130.

[204] - طبقات الشرنوبي 7، 8 .

[205] - مناقب عبد الرحيم 15

[206] - الطبقات الكبرى . 2 / 89 

[207] - الطبقات الكبرى . .2 / 135   

[208] - الجواهر والدرر 195.

[209] - السبكي معيد النعم 158، 159.

[210] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/82.

[211] - لطائف المنن للشعراني 388.

[212] - ذيل الدرر الكامنة  لابن حجر مخطوط ورقة عشرة ، 165.

[213] - حوادث الدهور 107: 108 سنة 855.

[214] - الأمثال الشعبية لتيمور 99 ، الشعب المصري في أمثاله .شعلان ص179

[215] -  الجواهر والدرر 161.

[216] - لطائف المنن 188.

[217] - الجواهر والدرر 122.

[218] - عبد الصمد الجواهر 37، 38.

[219] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/118.

[220] -  عبد الصمد . الجواهر 47. 51 . وكان يصف البدوي في نهاية كتابه بالمحيي المميت . 

[221] - مناقب الوفائية 15، 16 .

[222] - مناقب الوفائية 77، 48

[223] - الطبقات الكبرى جـ2/76.

[224] - الإلمام مجلد 2 لوحة 74 ، بهجة الأسرار مخطوط جـ2/19 : 20.

[225] - عبد الصمد 11، 24.

[226] - عبد الصمد 6، 7 ، 10، 36، النصيحة العلوية للحلبي 23.

[227] - عبد الصمد 17، 49.

[228] - عبد الصمد : 28.

[229] - الجواهر والدرر 140: 143.

[230] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/155

[231] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/161.

[232] - صحبة الأخيار للشعراني 136.

[233] - الطبقات الكبرى جـ2/ 162.

[234] -  روض الرياحين 179.

[235] - النبهاني جامع كرامات الأولياء جـ1/137

- السبكي طبقات الشافعية جـ5/ 3: 7    [236].

[237] - الضوء اللامع جـ1/ 201 ترجمة ابن عرب

[238] - شذرات الذهب جـ7/ 350.

[239] -  تنبيه المغترين 130 وقد ظل على وضوء واحد

[240] - ابن إياس تحقيق محمد مصطفى 1/2- 351، 375 ترجمة شمس الدين التبريزي .

[241] - شذرات الذهب جـ7/350.

[242] - تحفة الأحباب 349 . لطائف المنن 35.

[243] - عاشور البدوي 163.

[244] - عبد الصمد الجواهر 25: 35 ، 70، 71.

[245] - عبد الصمد 33، 67، 68.

[246] - الكواكب السيارة 287.

[247] - تحفة الأحباب 474.

[248] - مناقب عبد الرحيم مخطوط 22 وما بعدها .

[249] - لطائف المنن 194.

[250] - لطائف المنن 35.

[251] - تعطير الأنفاس 246.

[252] - عبد الصمد الجواهر 58، 61.

[253] - مناقب  المنوفي مخطوط 41: 46

[254] - شذرات الذهب جـ8/54، الطبقات الصغرى للشعراني 30، 31، 44.

[255] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/75.

[256] - الجواهر والدرر 164.

[257] - الغزي الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة جـ1/198 ترجمة الشيخ الغمري .

[258] - الغزي نفس المرجع جـ1/213 ترجمة سويدان المجذوب . شذرات الذهب جـ7/350 ترجمة حسين الصوفي .

[259] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/94 ترجمة محمد الخضر .

[260] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/149 ترجمة نور الدين الشوفي .

[261] - الطبقات الكبرى للمناوي مخطوط 262.

[262] - أخبار القرن العاشر مخطوط ورقة 57.

[263] - شذرات الذهب جـ8/166 ،167.

[264] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/112.

[265] - البحر المورود 267، 268.

[266] - لطائف المنن 294.

[267] - تعطير الأنفاس 220،221.

[268] - طبقات الشاذلية 118.

[269] - لطائف المنن 382.

[270] - لطائف المنن 393، 352.

[271] - مناقب عبد الرحيم ، مخطوط ، ورقة 10، 11.

[272] - حسن شمه ، مسرة العينين ، مخطوط ، ورقة 8.

[273] - لطائف المنن 403: 404.

[274] - لواقح الأنوار 335، والطبقات الكبرى للمناوي – مخطوط ورقة 106.

[275] - حسن شمه مسرة العينين مخطوط ورقة 10

[276] - الجواهر والدرر 166.

[277] - أخبار القرن العاشر 63.

[278] - لطائف المنن ابن عطاء 44

[279] - عيون الأخيار جـ2/442 ، الطبقات الكبرى للمناوي مخطوط 333.

[280] - تعطير الأنفاس مخطوط 273.

[281] - طبقات الشاذلية 118 ترجمة تاج الدين النخال . أخبار القرن العاشر 175 ترجمة ابن عنان .

[282] - السلوك 3/2/888.

[283] - تاريخ ابن الفرات 8/154 حوادث سنة 692.

[284] - الكواكب السيارة 206: 208 ، بهجة الأسرار 2/19 ، حياة الحيوان للدميري 2/15: 16.

[285] -  روض الرياحين 197 ، الكواكب السيارة 318 – مناقب الحنفي 217: 221، المدخل لابن الحاج جـ2 /174، 175.

[286] - تعطير الأنفاس 31، 49.

[287] - المدخل لابن الحاج جـ2/175.

[288] - تعطير الأنفاس 55، 56، 223، 224 ، 263 ـ 264.

[289] - الكواكب السيارة 106، 107، 131، تحفة الأحباب 247، تعطير الأنفاس 230

[290] - لطائف المنن 190، 490.

[291] - شذرات الذهب جـ7/323.

[292] - الغزي الكواكب السائرة جـ1/193.

[293] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/88

[294] - المنهل الصافي جـ5 /481.

[295] - أنباء الغمر جـ3/384-385.

[296] - الطبقات الكبرى للمناوي 386.

[297] - لطائف المنن 230

[298] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/78.

[299] - بهجة الأسرار للشطنوفي جـ2/28

[300] - الإلمام مجلد 2 / 76.

[301] - الطبقات الصغرى للمناوي مخطوط ورقة 265.

[302] - الطبقات الكبرى للمناوي 284.

[303] - الطبقات الكبرى للمناوي 264.

[304] - مناقب الحنفي  389.

[305] - تعطير الأنفاس 241.

[306] -  الطبقات الكبرى للمناوي 385.

[307] - طبقات الشاذلية 120.

ج 2 : لمحة عن الجزء الثانى :( العبادات فى مصر المملوكية بين الإسلام والتصوف )

 ج 2 : لمحة عن الجزء الثانى :( العبادات فى مصر المملوكية بين الإسلام والتصوف )

      كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

 الجزء الثانى :  العبادات فى مصر المملوكية  بين الإسلام والتصوف 

     التمهيد             

 1- جرت العادة أن يقسم التصوف إلى تصوف نظرى فلسفى وتصوف عملى سلوكى .. والتصوف النظرى هو ما كتب فى عقائد التصوف ومذاهبه ( مواجيده) أو أذواقه .. وعادة ما ينتهى التأريخ لهذا التصوف النظرى بموت ابن عربى وابن سبعين أى فى حوالى منتصف القرن السابع الهجرى ، وبعدها تحول التصوف إلى تكوين الطرق الصوفية التى تغلغلت فى طوائف المجتمع وطبقاته وزاد أتباعها وانقساماتها وفروعها وبها تسيد التصوف العصر المملوكى وزادت سطوته بمرور الزمن .   وقد حاول ابن عربى أن يكوِن طريقة صوفية فأسس ( الطريقة الأكبرية ) نسبة إليه باعتباره الشيخ الأكبر للصوفية ( إلا أن هذه الطرق لم يكتب لها الاستمرار لما أُثير حول عقيدة مؤسسيها من شبهات ) على حد قول أبو الوفا التفتازانى [1].

ومن أبرز سمات التصوف العملى أن الصوفية تمكنوا من ممارسة طقوسهم بحرية بل وفرضوها على المجتمع المصرى كشعائر دينية وعلى أساسها تقاس التقوى والتدين .هذا فى الوقت الذى تناولوا فيه الشعائر الإسلامية الأصيلة بالإهمال والتحوير وسبغوها بالصبغة الصوفية ..

2- أى أن التصوف بدأ نظرياً يركز على العقائد الفلسفية ( الحلول والاتحاد ، ثم وحدة الوجود أو الاتحاد الأكبر )،وعلى أساسها نشر الصوفية عقيدة تقديس الولى ، وبعد أن سيطروا وتمكنوا تحولوا أيضاً إلى العبادات والرسوم الدينية والأخلاق والسلوكيات ، وكانت للإسلام عباداته ورسومه،فقاموا بتحوير العبادات الإسلامية وصبغها بالصبغة الصوفية ،وأرسوا رسومهم التعبدية. وبذلك تحولت العبادات الإسلامية إلى طقوس صوفية أصبح (المسلمون) يؤدونها على اساس أنه لا تعارض بين ما يفعلون وبين الإسلام الذى جاء به خاتم النبيين، وفى الجانب السلوكى والخلقى ظهر أثر المنهج الخلقى لعقائد الصوفية من الاتحاد ووحدة الوجود فإنقلبت الأخلاق التى يريدها الإسلام حميدة راقية إلى أخلاق فاحشة سيئة.

  والعادة أن الدين له جانب عقيدى إيمانى وجانب تعبدى أخلاقى. وقد تعرض الجزء الأول لأثر التصوف فى عقائد (المسلمين) وكيف حولها من الإيمان بالله وحده لا شريك له إلى شيوع الأُلوهية فى البشرو الحجر طبقاً لعقيدة وحدة الوجود، ثم تركزت تلك العقيدة الصوفية فى تقديس الولى الصوفى. هذا فى الجانب الإيمانى العقيدى.  أما فى الجزء الثانى فالبحثُ يتعرض لأثر التصوف فى العبادات والطقوس والرسوم الدينية ،ثم يأتى أثره فى الأخلاق والسلوكيات فى الجزء الثالث.

ويتناول هذا الجزء الثانى الموضوعات التالية 

* مــــدخــل      : الصوفية وإسقاط التكاليف ( العبادات ) الإسلامية .

* الفصل الأول  : أثر التصوف فى شعيرة الصلاة فى مصر المملوكية .

* الفصل الثانى  : الحج .

* الفصل الثالث  : فى الزكاة والصيام .

* الفصل الرابع  : فى الذِِكر .

* الفصل الخامس: فى الجهاد الدينى .

ونبدأ الآن بالمدخل للجزء الثانى من الكتاب . وهو :

 الصوفية وإسقاط التكاليف (العبادات) الإسلامية                  

 1- فرض الله تعالى على المؤمنين تكاليف تعبدية كالصلاة والصيام والزكاة  والحج والجهاد وذكره وتسبيحه ،إلى غير ذلك من فرائض يحقق بها المسلم تقواه ويجسد عقيدته الدينية القلبية فى صورة سلوك يأتمر بأوامر الله وينتهى عن نواهيه. والمسلمون سواسية أمام فرائض الله تعالى ،كل منهم يؤديها طالما إكتملت فيه شرائطها.. وأول المؤمنين إمتثالاً لأوامر الله تعالى هم الأنبياء.. بل ربما يكلف النبي فى العبادة لله مالا يطيقه المؤمن العادى ،وعلى ذلك فأكمل المؤمنين إيماناً هم أكثرهم لله طاعة، وبحساب الطاعة يكون الحساب الختامى لولاية العبد لله تعالى ..

    2- أما فى التصوف فالشأن مختلف .. فالعقل المجرد إذا أيقن أن الصوفية إدّعوا الأُولوهية انتظر منهم الخطوة التالية وهى إسقاط التكاليف الإسلامية ، فالمنطق يحتم ذلك ،. فهذه التكاليف عنوان لعبودية المؤمن لله فلا تتفق بأى حال مع دعوى الأُولوهية الصوفية . والصوفية كانوا صادقين مع أنفسهم وعقيدتهم فلم يتحرج المعتدلون منهم عن الدعوة لإسقاط التكاليف الإسلامية لأنها تتنافى مع عقيدة الإتحاد الصوفية.. وإن غلفوا عباراتهم بشيء من الغموض وذلك شيء طبيعى ومنطقى فى مجتمع لا يتصور الإعلان عن إسقاط فرائض الله وشعائر دينه ..

    من ذلك ما أورده الطوسى فى اللمع من أن الشبلى قال لرجل (تدرى لم لا يصح لك التوحيد) أى الاتحاد الصوفى (قال لا .قال : لأنك تطلبه بإياك)[2]. ويعني أنه يطلب الوصول لله تعالى ب(إياك نعبد وإياك نستعين) أي بالعبادة ،ومتى طلبه بالعبادة فلن يمكن أن يدعى الاتحاد بالله ، إذ كيف تصلى الآلهة لبعضها، وهل يتصور أن يخصع إله لإله؟؟.

   3- والصوفية الفقهاء كالغزالى والشعرانى واجهوا مشكلة التوفيق بين دعوى إسقاط التكليف (التى يؤمنون بها ) والإسلام (الذى يتسترون به) بطرق مختلفة ..

أ‌)       فالغزالى كان ينكر على أوباش الصوفية فى عصره دعوتهم لإسقاط الفرائض. يقول (ظن طائفة أن المقصود من العبادات المجاهدة حتى يصل العبد بها إلى معرفة الله تعالى فإذا حصلت المعرفة فقد وصل ، وبعد الوصول يستغنى عن الوسيلة والحيلة ،فتركوا السعى والعبادة وزعموا أنه ارتفع محلهم فى معرفة الله  تعالى عن أن يمتهنوا بالتكليف، وإنما التكليف على عوام الخلق)[3]. وبعضهم (عجز عن قمع صفاته البشرية بالكلية) أى عجز عن إخماد البشرية فى نفسه وعجز عن أن يكون إلهاً متحداً بالله (فظن أن ما كلفه الشرع محال وأن الشرع تلبيس لا أصل له فوقع فى الإلحاد)[4]. أى أن الأولون (وصلوا) بتعبير الغزالى. أى وصلوا لدرجة الأُلوهية فأعلنوا أن التكليف سقط عنهم إذ هو على عوام الخلق ،أى البشر المخلوقين، والآخرون لم يصلوا للأُلوهية فادعوا أن السبب يكمن فى الشرع وتكليفه فأعلن أنه لا أصل للشرع  وأنه تلبيس واعتبر الغزالى ذلك الصنف ملحداً.

ومعنى ذلك أن الدعوة لإسقاط التكاليف قال بها الصوفية جميعاً فى عصر الغزالى، سواءٌ منهم من اعتبره الغزالى صوفياً واصلا  أم من إعتبرهم فى بداية الطريق ، ويعنى ذلك أيضاً أن دعوتهم هذ قوبلت بسخط رأى الغزالى معه أن يبادر بالإنكار عليهم حفظاً للطريق الصوفى من أعدائه الفقهاء ..

ب‌)  إلا أن الغزالى فى نفس الكتاب ( الاحياء) يقرر عقيدته الصوفية الرامية لإسقاط التكاليف الإسلامية عن الصوفى الواصل ، وذلك بأسلوب ملتو غير مباشر كالشأن به دائماً فى مواضيع التصوف فى كتاب الاحياء ،يقول مثلاً ( ليس يخفى أن غاية المقصود من العبادات الفكر الموصل للمعرفة والاستبصار بحقائق الحق)[5]. وخطورة هذه العبادة تتجلى فى أن الفقيه العادى يقرأها بطريقة حسنة النية فلا يرى فيها عوجاً ولا أمتاً ، أما قراءة الصوفى – والخطاب موجه إليه أساساً_  فيرى فيها تقريراً كاملاً لإسقاط التكاليف الإسلامية ،فالصوفى يفهم أن غاية العبادات هى المعرفة ( والمعرفة هى الاتحاد الصوفى) والاستبصار بحقائق الحق ( أى معرفة الأسرار الإلهية اللدنية_وهى فرع عن الاتحاد) .. ومعنى ذلك أن الغاية ( وهى المعرفة الصوفية) إذا حصلت للصوفى بجذبة إلهية مثلاً فقد استغنى عن الوسيلة( وهى العبادات) .. وفى مواضع أخرى من كتاب ( الاحياء) تعرض الغزالى للمطلب الصوفى بإسقاط  التكاليف الإسلامية  فضرب الأمثلة للتوضيح ، يقول ( قيل لعبد الواحد بن زيد : ههنا رجل قد  تعبد خمسين سنة فقصده فقال له يا حبيبي أخبرنى عنك هل قنعت به ؟ قال. لا . قال: هل أنست به ؟ قال : لا. قال : فهل رضيت عنه ؟ قال : لا . قال: فإنما مزيدك منه الصوم الصلاة؟     قال : نعم ، قال :  لولا أن استحي منك لأخبرتك بأن معاملتك خمسين سنة مدخولة( أى مغشوشة)، ومعناه:                  

 أنه لم يفتح لك باب القلب فتترقى إلى درجات القرب بأعمال القلب وإنما أنت تعد فى طبقات   أصحاب اليمين لأن مزيدك منه فى أعمال الجوارح التى هى مزيد أهل العموم)[6]. فهذه  قصة وهمية جعلت عبادة خمسين عاماً لاغية عند عبد الواحد بن زيد لأن صاحبها لم يستشعر  المقامات الصوفية الإتحادية من الأُنس والرضا والقرب، أو بتعبير الغزالى فقد حرمت    صاحبها من الترقى فى درجات القرب حتى يصل للإتحاد ، و جعلت منتهى أمره أن يكون من أصحاب اليمين ( التى هى مزيد أهل العموم) أى عموم الخلق الذى لا عمل لهم إلا القيام بالتكليف الإسلامى ،أما الصوفية فهم ـ  بلا تكليف ـ  يتمتعون بالقرب والأُنس والمناجاة  والعشق ـ  تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا ..

ويلفت النظر هنا أن الغزالى احتج على أولياء عصره مقالتهم بأن التكليف على عوام الخلق وجاء هنا فى قصة عبدالواحد بن زيد فعلق على العبادات والقائمين بها بأنها ( أعمال الجوارح التى هى مزيد أهل العموم ) فالمعنى واحد .. والغزالى يقع دائماً فى التناقض مع نفسه وبإختياره .. كى يحقق الصلح المستحيل بين الإسلام والتصوف فيضطر للإنكار على معاصريه ثم يعود ويقرر ما أنكره أو يؤكد ما ينفيه ..

   وفى موضع آخر يتحدث الغزالى عن التصوف وأعمال الباطن المزعومة ثم يعرض للتكاليف الإسلامية فيقول ( فأما ما ذكرناه ، فهو تفكر فى عمارة الباطن ليصلح للقرب والوصال ، فإذا ضيع جميع عمره فى إصلاح نفسه فمتى يتنعم بالقرب؟  ولذلك كان الخوَاص يدور فى البوادى فلقيه الحسين بن منصور ( الحلاج) وقال فيما أنت؟ قال: أدور فى البوادى أصلح حالى فى التوكل ، فقال الحسين : أفنيت عمرك فى عمران باطنك ،فأين الفناء فى التوحيد؟؟  فالفناء فى الواحد الحق هو غاية مقصد الطالبين ومنتهى نعيم الصديقين ، وأما التنزه عن الصفات المهلكات فيجرى مجرى الخروج عن العدة فى النكاح ، وأما الاتصاف بالصفات المنجيات وسائر الطاعات فيجرى مجرى تهيئة المرأة جهازها وتنظيفها وجهها ومشطها شعرها لتصلح بذلك للقاء زوجها ، فإن استغرقت جميع عمرها فى تبرئة الرحم وتزيين الوجه كان ذلك حجاباً لها عن لقاء المحبوب ، فهكذا ينبغى أن تفهم طريق الدين إن كنت من أهل المجالسة ، وإن كنت كالعبد السوء لا يتحرك إلا خوفاً من الضرب وطمعاً فى الأجر فدونك وإتعاب البدن  بالأعمال الظاهرة ، فإن بينك وبين القلب حجاباً كثيفاً،فإذا قضيت حق الأعمال كنت من أهل الجنة ، ولكن للمجالسة أقوام آخرون)[7].

    فالغزالى يظهر هنا على حقيقته كصوفى قح .. فهو ينظر إلى العبادات والأوامر والنواهى الإلهية من خلا ل عقيدة الاتحاد الصوفية ومسمياتها من القرب والوصاال والفناء والمجالسة والحجاب .. ويبدأ النص بالغزالى وهويطرح سؤالاً يقول : إذا ضيع الإنسان عمره فى إصلاح نفسه بالطاعة فمتى يتنعم بقرب الله تعالى؟  أ و بالتعبير الحقيقى إذا أضاع عمره فى الطاعة فمتى يتنعم بالألوهية؟ واستشهد ـ  ليس بالقرآن وإنما بقصة صوفية عن الحلاج كان فيها يشرع للخواص أسهل الطرق للوصول وأنها ليست بإصلاح الحال أى بالأعمال الصالحة، وإنما بالفناء فى التوحيد أى اعلان عقيدة الاتحاد والفناء فى الذات الإلهية فذلك ( هوغاية مقصد الطالبين ومنتهى نعيم الصديقين) حسب قول الغزالى. ثم يصف الغزالى أعمال الطاعات بأنها تجرى ( مجرى تهيئة المرأة جهازها وتنظيفها وجهها ومشطها شعرها لتصلح بذلك للقاء زوجها) ويصف الإنتهاء عما نهى الله عنه بأنه كخروج المرأة ( عن العدة فى النكاح) .. ويقول ( فإن استغرقت جميع عمرها فى تبرئة الرحم وتزيين الوجه كان ذلك حجاباً لها عن لقاء المحبوب) ..

    ومع بشاعة التشبيه الذى قاله الغزالى فى وصفه للتكاليف الإسلامية فإنه يعكس نفسية الصوفية ونظرتهم لله تعالى ونظرتهم لأنفسهم كألهة يستحقون المساواة بالله ولا يرون لأنفسهم مقاماً إلا مجالسته وقربه والفناء فيه وعشقه ( تعالى عن ذلك علواًكبيراً) ، والغزالى لا يكتفى بذلك وإنما يعتبر التكاليف الإسلامية التى تعنى تجسيد العبودية لله تعالى ـ  حجاباً عن الوصول لدرجة المجالسة ، فإذا أضاع الصوفى عمره فيها فقد حجب عن لقاء المحبوب يقول ( فإن استغرقت المرأة جميع عمرها فى تبرئة الرحم وتزيين الوجه كان ذلك حجاباً لها عن لقاء المحبوب ، فهكذا ينبغى أن تفهم طريق الدين إن كنت من أهل المجالسة ) أى الذين يجلسون مع الله ثم يصف الأنبياء والرسل وأتباعهم المؤمنين بأنهم عبيد سوء لأنهم اتعبوا أنفسهم  بالعبادة خوفاً من النار وطمعاً فى الجنة .. وأولئك إن افلحوا فمصيرهم الجنة ـ  والصوفية لا يأبهون بالجنة ـ  ولكنهم بذلك حجبوا عن مجالسة الله .. ( فهكذا  ينبغى أن تفهم طريق الدين إن كنت من أهل المجالسة ، وإن كنت كالعبد السوء لا يتحرك إلا خوفاً من الضرب وطمعاً فى الأجر فدونك وإتعاب البدن بالأعمال الظاهرة فإن بينك وبين القلب  حجاباً كثيفاً، فإذا قضيت حق الأعمال كنت من أهل الجنة ولكن للمجالسة قوم آخرون ).. والغزالى اختار لفظ (العبد) عمداً،فالطائعون (عبيد) لله أما هم  فينزعون للإتحاد بالله ويعتبرونه نداً يجالسونه ويفنون فيه اتحاداً به .. طريق اتحادهم يكمن فى القلب ،إذ بالقلب أوبالروح يتلقى الصوفى العلم الإلهى ويعلم الغيب وتكون الجذبه الإلهية ،يصف الغزالى المؤمنين (عبيد السوء)بأن بينهم ( وبين القلب حجاباً كثيفاً)..وذلك الحجاب الكثيف هو الطاعة لله بأداء فرائضه والإنتهاء عن نواهيه.أى ان الفرائض الإسلامية حجاب عنده !!

جـ) وأتاح العصر المملوكى الفرصة للهرب من أداء التكاليف الشرعية ، فالصوفى يحظى بإعتقاد الناس فى كراماته وإن الأرض تطوى له بخطوة ، أو أنه يتطور أو يتشكل فى صور متعددة ، ومن كان هذا شأنه سهل تصديقه ـ  وهو مصدق صدوق عندهم ـ  بأنه كان يصلى فى مكة أو القدس أو نحو ذلك ، مما سهل الطريق نوعاً ما على الشعرانى فهب يدافع عن المقالة الصوفية الشهيرة بأن السالك يصل إلى مقام يرتفع عنه التكليف ( قول بعض العارفين أن السالك يصل إلى مقام يرتفع عنه التكليف مرده بهذا التكليف ذهاب كلفة العبادة فلا يصير يمل منها .. ومن عباد الله من لا يصلى الصلوات الخمس إلا بمكة ، ومن لا يصليها إلا ببيت المقدس ، ومنهم من لا يصليها إلا بالمدينة المشرفة ، ومنهم من لا يصليها إلا بجبل قاف ، ومنهم من لا يصليها إلا فى قبة أرين أو فوق سد اسكندر أوعلى الجبل المقطم [8].  وهكذا فسيطرة التصوف أتاحت للشعرانى أن يؤول (سقوط التكليف) بأنها سقوط كلفة العبادة ومشقتها حيث يتمتع الصوفى بكراماته المزعومة بسفر سعيد إلى أماكن خاصة يؤدى فيها الفريضة ثم يعود، وكأن شيئاً لم يكن وبراءة الأطفال فى عينيه .

    هذا. ونتأهب فى هذا الجزء لبحث أثر التصوف فى الشعائر الدينية فى العصر المملوكى ، وكيف تعامل مع الفرائض الإسلامية بالإهمال والتحوير والإضافة والتغيير ..



[1]
مدخل إلى التصوف 24 .

[2]اللمع 53.

[3]احياء جـ 3 /199.

[4]احياء جـ3/199

[5]احياء جـ 3 /73.

[6]احياء جـ4 /299.

[7]احياء جـ4 /367: 368.

[8]اليواقيت والجواهر153

ج2 ف 1 أثر التصوف فى شعيرة الصلاة فى مصر المملوكية

ج2 ف 1  أثر التصوف فى شعيرة الصلاة  فى مصر المملوكية

 الجزء الثانى :  العبادات فى مصر المملوكية  بين الإسلام والتصوف               

 الفصل الأول :أثر التصوف فى شعيرة الصلاة  فى مصر المملوكية

أولا : أهمال الصلاة الإسلامية:

*  : إهمال الوضوء :

فريضة الوضوء تسبق الصلاة ،وإهمال الوضوء – والإستنجاء- تحت أى دعوى يحمل فى طياته إهمالاً للصلاة ،  إذ كيف تصح صلاة بلا طهارة..

 وقد كان من فضائل الصوفى وكراماته أنه يبقى بلا حاجة إلى وضوء مدة تطول حسب درجته فى الولاية أو على قدر كمية الكذب فى الرواية .. يقول ابن العماد فى ترجمته شمس الدين الكردى ت 811 نزيل القاهرة ( كان يذكر أنه يقيم أربعة أيام لا يحتاج إلى تجديد وضوء )[1]. وذكر اليافعى أن أحدهم ( صلَى بوضوء واحد اثنى عشر يوماً) ،وعد ذلك من كراماته [2]، وذكر الشعرانى أن أبا السعود الجارحى كان ينزل فى سرداب تحت الأرض ( من أول ليلة فى  رمضان فلا يخرج إلا بعد العيد بستة أيام وذلك بوضوء واحد )[3]. ونحن مطالبون بتصديق الشعرانى والجارحى مهما طال مكثه فى ذلك السرداب ، مع أن السرداب يوحى بقضاء الحاجة ويشجع عليها..

وأشهر الصوفية فى هذا المجال العفن هو تاج الدين الذاكر وقد تناقلت المصادر حكايته نقلاً عن الشعرانى ..وفيه يقول الغزى ( كان تاج الدين الذاكر يمكث إثنى عشر يوماً لا يتوضأ عن حدث ،(أى بول وبراز) ولم يعرف ذلك لأحد فى عصره إلا للشيخ أبى  السعود الجارحى)  [4]. أى أنها مباراة عقدها العصر العثمانى وفاز فيها الإثنان معاً،كل منهما يظل بدون بول وبراز طيلة هذه المدة ،وبالتالى لا يتوضأ. ومطلوب منا أن نصدق ذلك .

ويقول فيه ابن العماد الحنبلى ( كان لا يتوضأ عن حدث إلا كل سبعة أيام ،وسائر طهارته تجديد ،وانتهى أمره أنه إلى أنه كان يمكث اثنى عشر يوماً لا يتوضأ عن حدث ،ولم يعرف ذلك لأحد فى عصره إلا للشيخ أبى السعود الجارحى ، وقال عند موته إن له أربعين سنة يصلى الصبح بوضوء العشاء)[5].

   وقد نقل الغزى هذه المعلومات عن الشعرانى الذى عرض لذلك فى ( تنبيه المغترين)[6]،وقال عنه فى ( لواقح الأنوار)[7]،( كلما يصلي .. مايجدد الوضوء ، وكان لا يدخل الخلاء إلا من الجمعة إلى الجمعة ، وبقية الأُسبوع كله على طهارة ليلاً ونهاراً مع أكله وشربه على حكم عادة الناس ، وكل شيء نزل جوفه إحترق من شدة الحال ). والجملة الأخيرة هى مربط الفرس فمن كرامات صاحبنا أن شدة الحال عنده تحرق فضلاته وهو على أى حال تجديد فى الفكر الصوفى فيما يخص موضوع الإستنجاء والخلاء كمجالات إقتحمتها الكرامات الصوفية ..

   إذ يقول الشعرانى فى معرض حديثه عن كراماته ( .. وعزم عليه جماعة فى جامع ابن طولون فدعوه إلى ناحية الجيزة فى الربيع ، وصاروا يعملون له الخراف والدجاج واللبن بالأرز وغير ذلك وهو يأكل معهم من ذلك كله ، ثم لايرونه يتوضأ لا ليلاً ولا نهاراً مدة تسعة أيام [8].. اى أن شهرة تاج الدين الذاكر فى هذا المجال تطلبت إجراء تجربة فاز فيها بلا شك بألوان من الأطعمة المسهلة وخرج منها ناجحاً إذ لم يتوضأ وكان يصلى بالوضوء الوحيد الذى حافظ عليه طوال المدة .. واعتقدوا فى صدقه ، إذ كيف يكذب الولى؟. وما سأل  أحدهم عن جدوى ذلك كله والماء قريب ووفير؟؟. ولكنها الرغبة الصوفية فى الإستهزاء بالصلاة والطهارة فرائض الله تعالى ،فالصوفى يدعى كرامة له فى أنه لا يتبول ولا يتبرز ،ثم يصلى بلا وضوء ، ويصدقه الناس ، بل يقيمون له الولائم ليشاهدوا كراماته.

 وإذا كان ترك الوضوء فضيلة صوفية تستحق أن يقول تاج الدين الذاكر ليلة وفاته أنه حافظ عليها أربعين سنة ، فإن صوفياً آخر هو يوسف الحريثى اعترف بذلك للشعرانى ليلة أن توفى فقال له (خرجت من الدنيا وما عرفت أن أتوضأ )[9]. وهو بلا شك أفضل من تاج الدين الذاكر فلم يصبغ ذلك بكرامة أوافتراء، وإنما صدق مع نفسه فقال الحقيقة مجردة ،أنه أمضى حياته دون أن يتوضأ ،وبالتالى دون أن يصلى .

* صوفية لا يعرفون الوضوء ولا الصلاة :

  وقد سأل الشعرانى أحد الأشياخ المعتقدين فى عصره عن شروط الوضوء والصلاة فلم يعرفها، وكانت النتيجة أن غضب منه الشيخ الصوفى وقاطعه [10]، وأجبر بعضهم الشيخ بركات الخياط على أن يؤدى صلاة الجمعة فقال (مالى عادة بذلك ولكن لأجلكم أصلى اليوم) وتعلم على أيديهم كيفية الوضوء[11].

   وقيل فى ترجمة أبى بكر البجائى المجذوب المعتقد (كان يفطرفى نهار رمضان ولا يتوضأ ولا يصلى)[12]. أما الشيخ ابن عصيفير فى عهد الشعرانى فقد (ترك الصلاة حتى صلاة الجمعة والجماعة وصار لايستنجى قط)[13]

* صوفية لا يصلون  :

هناك أسطورة صوفية مشهورة عن رجل انقطع فى جزيرة ، وحدث أن وصل إليها بعض الناس ،وحزنوا حين وجدوا ذلك الرجل الطيب لا يعلم الصلاة فعلموها له وتركه فى الجزيرة ، وأبحر بهم مركبهم ، ففوجئوا بالرجل يلحقهم يمشى على الماء يطلب منهم أن يعيدوا تعليمه لأنه نسى الصلاة،فعجبوا منه وتركوه، لأنه ـ وقد عرفوا درجته وكرامته ـ  ليس فى حاجة إلى صلاة[14]..وهذه الأسطورة التى تقرب لأذهان العوام مبدأ إسقاط التكليف كانت عاملاً  ساعد على تحلل الكثيرين من الصوفية من فريضة الصلاة ما داموا قد وصلوا وتحلوا بالكرامات وشهد لهم عصرهم بذلك .. حتى أن اليافعى روى مفتخراً أنه قيل لأحدهم : لم لا تصلى ؟(فتكلم بكلام عجيب وأنشد شعراً)[15]  أى أن كلامه العجيب وشعره يكفيانه حجة له على تركه الصلاة ..

  2- ولم يعدم الصوفية وسيلة يبررون بها تركهم للصلاة ويرفعون بها من شأنهم فى الطريق الصوفي فى نفس الوقت ،فالفرغل ذلك الأمى الذى لا يحفظ القرآن كان لا يصلى محتجاً بأن له فى كل إقليم بدناً أى جسداً(فواحد من الأبدان يصلى والباقى ليس عليهم ذلك)[16]

  3- والمجذوب مقامه كبير عند الصوفية وهو بالطبع لا يكلف فقلبه جذبه الرحمن (تعالى عن ذلك علواً كبيراً) يقول الدسوقى (من غاب بقلبه فى حضرة ربه لا يكلف فى غيبته)[17]والمجذوب مستمر فى غيبته لذا ارتفع عنه التكليف .لذا كان أداء المجذوب للصلاة ظاهرة تسترعى النظر من المؤرخين المعاصرين له ،يقول ابن الصيرفى فى ترجمة الشيخ صالح المجذوب 876(كان يصلى ويتعبد مع جذبته)[18]

  4- وترتب على إهمالهم للصلاة أن أهملوا القرآن الكريم فلم يحفظوا منه ما يستعين  به المسلم على صلاته وقد قلنا أن الفرغل كان لا يحفظ القرآن[19]، وتفوق عليه آخرون فكانوا لا يحفظون الفاتحة نفسها ،فقد ورد فى التبر المسبوك أن بعض كبار الصوفية عقد لهم السلطان مجلساً للتحقيق فى بعض إنحرافاتهم وسأل المشايخ عن قراءة الفاتحة فلم يحسنوا قراءاتها[20].

  5- وبعضهم لم يكتف بترك الصلاة وإنما كان يعاقب من له عليه سلطان إذا صلى ، مثل الشيخ شهاب الدين النشيلى وقد ترجم له الشعرانى فقال فيه (وكان الشيخ شهاب الدين الطويل النشيلى   ينادى خادمه وهو فى الصلاة فإن لم يجئه مشى إليه وصكه ومشى به ، وقال كم أقول لك لا تعد تصلى هذه الصلاة المشئومة ،فلا يستطيع أحد أن يخلصه منه)[21]. ونفهم من النص أن ذلك كان يحدث مراراً وتكراراً ، والشعرانى يكتب هذه الحادثة عن شيخه النشيلى فى معرض الفخر به ومدحه .

 * ترك صلاة الجمعة و الجماعة :

  وهى صلاة طابعها الظهور ،وإهمالها يعنى إهمال الصلاة الأخرى التى تؤدى بإنفراد ،وقد يتدرج الصوفى من ترك الصلاة المنفرة الى ترك صلاة الجمعة والجماعة كما قيل عن ابن عصيفير سالف الذكر (ترك الصلاة حتى صلاة الجمعة والجماعة )[22]. ، وقد توحى بعض الروايات الصوفية أن بعضهم كان يهمل فى صلاة الجماعة والجمعة فحسب فقد سئل أبو العباس المرسى عن صوفى شهير لا يحضر صلاة الجمعة [23]، ويقول الشعرانى محتجاً على صوفية عصره (كثير من سكان المساجد يفرطون فى الوضوء أول الوقت حتى تفوتهم صلاة الجماعة بحجة أن الوقت متسع ، وكثير من لا يواظب على صلاة الجماعة)[24]، وإذا كان أولئك وهم سكان المساجد يتباطئون عن صلا ة الجماعة فيها – وأنظار المصلين الوافدين للمساجد تتجه إليهم ، فكيف بالآخرين فى حرصهم على الصلاة ؟ .أو كيف بهم فى تأدية الصلاة على إنفراد ؟ وهم وإن أعرضوا عن الإنكارعليهم بترك الصلاة فى جماعة فهم فى ترك الصلاة المنفردة أولى بالإنكار عليهم .

  ويقول الصفدى عن الصوفى الشهير فى عصره ابن عبد الله المرشدى 737 (أقام مسجداً ومنبراً للخطيب يوم الجمعة ، وكان يأمر الناس بالصلاة ولم يصل مع أحد ، وصلاة الجماعة لا يعدلها شيء ، وأمره غريب والسلام)[25]، فالصفدى يتعجب من شأن المرشدى المشهور بالكرامات والضيافات ، كيف أنه يأمر بالصلاة ولا يُرى مصلياً ، ويبدو أن الصفدى لم يعرف بالقاعدة الصوفية التى تقول بإسقاط التكليف على الصوفى الواصل .

     * تعليل لتركهم الصلاة:

1-   وبعض القصص الصوفية كانت تشى بترك الصوفية للصلاة بشتى الحجج والمعاذير .. كأن يحكى الغزالى عن أحد النساك يقول (أتيت ابراهيم بن أدهم فوجدته قد صلى العشاء ، فقعدت أرقبه فلف ّ نفسه بعباءة ، ثم رمى بنفسه ،فلم ينقلب من جنب إلى جنب الليل كله ،حتى طلع الفجر ، وأذن المؤذن فوثب إلى الصلاة ، ولم يحدث وضوءاً ، فحاك ذلك فى صدرى ، قلت له : رحمك الله قد نمت الليل كله مضجعاً لِِم لم َتجدد الوضوء ، فقال : كنت الليل كله جائلاً فى رياض الجنة أحياناً وفى أودية النار أحيانا ،فهل فى ذلك نوم )[26].، وتلك القصة تتطلب صوفياً معتقداً يؤمن بكلام ابراهيم بن أدهم مهما قال ، أما نحن فنقول أنها تعليل غير مقنع لإهمال الوضوء وإبطال الصلاة عن عمد ، وأنها كانت سابقة للصوفية اللاحقين ممن خصصوا كراماتهم فى إهمال الوضوء والإستنجاء ،وعن طريق ذلك استهانوا بحرمة الصلاة والطهارة وكانت تأديتهم للصلاة مظهرية وبدون وضوء أو إستنجاء وطهارة ، ولمجرد أن يؤمن الأتباع – وهم يصدقون إدعاءاتهم ـ  بكراماتهم تلك ..

   ويحكى الغزالى أيضاً أن أحدهم قيل له بصوت عال (إلا أن للخلق غداً مقاماً ، فبقى مبهوتاً فاتحاً فاهُ شاخصاً ببصره يصيح بصوت ضعيف .. وظل مبهوتاً على حالته متحيراً لا يؤدى فرضاً ،فلما كان بعد ثلاث عقل)[27]، فذلك المبهوت استمر فاتحاً فمه وعينيه ثلاثة أيام بالتمام والكمال ، ومن الطبيعى ألا يصلى طالما ظل مفتوح الفم والعين طيلة هذه المدة ، وكل ذلك لأن قائلا ً – لا بورك فيه – صاح فيه فجأة بأن للخلق غداً مقاماً.. وكأن صاحبنا الصوفى قد عرف هذه الحقيقة لأول مرة فارتاع ، واستمر مرتاعاً ثلاثة أيام ،ونحن مطالبون بالرثاء لذلك الصوفى ومسامحته فى تركه للصلاة ثلاثة أيام ، فالخطب جليل ومحنته شاقة ويكفيه من أمره عسراً أن ظل مصراً على فتح فمه طوال هذه المدة بلا توقف وهذا عناءاً يهون معه أمر الصلاة!!.

  ويهمنا أن الغزالى يومىء بهذه الأسطورة إلى أن المبهوت أو المجذوب يسقط عنه التكليف طالما ضاع منه عقله ..ذلك ما صرح به الدسوقى فيما بعد فى القرن السابع من أن (من غاب بقلبه فى حضرة ربه لا يكلف فى غيبته)[28]، وكانت رخصة صوفية للمجاذيب فى العصر الممولكى يتركون بها الصلاة ..

  2- وفى العصر المملوكى اختلفت المواقف بشأن تعليل ترك الصوفية للصلاة .. مع تنوع فى أساليب التعليل، فبعض الفقهاء الصوفية كابن الحاج استنكر تركهم الصلاة يقول(منهم من يقوم مع الناس لصلاة الجماعة فإذا ركعوا أو سجدوا بقى واقفاً ينظر اليهم ،لا يحرم،ولا يركع ولا يسجد ثم يتمادى على ذلك حتى يفرغ الناس من صلاتهم، ومنهم من يدعى أنه يصلى فى مواضع أخرى ويرى أنه ممن يُتبرك به ‘وأنه من الواصلين )[29]،فمن الصوفية من كان يتباهى وسط المصلين بعدم صلاته .. فخوراً بأنه قد سقط عنه التكليف ،ومنهم من يدعى أنه يصلى فى أماكن أخرى بحجة أنه من أهل الخطوة الذين تطوى لهم الأرض فينتقلون من مكان لأخر بلا عناء أو سفر ..

ويقول السخاوى عن الشيخ ابن سلطان(ت853)(أنه بالغ فى العزلة ،حتى لم يكن يحضر صلاة الجمعة مع قرب سكنه جداً من الأزهر )[30]،وعدم صلاته الجمعة دليل على  تركه للصلاة الأخرى..والعزلة مؤهل الصوفى لإدعاء الولاية ، وادعاء الولاية يتفرع عنه الإعتقاد فى سقوط التكاليف عنه ..

ورزق العصر المملوكى بالشعرانى الذى استغل اعتقاد العصر فى الصوفية وأنهم من أهل الخطوة فانبرى يتخذ منها حجه يدافع بها عن أشياخه تاركى الصلاة..وقبل أن نعرض للشعرانى موقفه نقرر أن صلاة الصوفى فى مكة- مثلاً- وهو بمصر كانت قضية مسلماً بها من العصر وتذكر ضمن مناقب الصوفى وكراماته فيقال مثلاً عن الشيخ أبى ناصر صدقه (كان يصلى الخمس بمكة المشرفة)[31]، إلا أن الشعرانى أضفى على هذا الإدعاء الأسطورى  كثيراً من التفاصيل والمبالغات المتفننه فى الكذب كى يستحوذ على أكبر كمية من التقديس لأشياخه من ناحية ويقابل الإنكار عليهم من جهة أخرى باعتباره صوفياً فقيهاً يرمى لربط التصوف بالإسلام ..

فقد سأل الشعرانى الخواص عن أرباب الأحوال الذين يظهرون الخوارق مع عدم صلاتهم وصومهم فقال (ليس أحدا من أولياء الله  له عقل التكليف إلا وهو يصلى ويصوم ويقف على الحدود،ولكن هؤلاء لهم أماكن مخصوصة يصلون فيها كجامع رملة وبيت المقدس وجبل قاف وسد اسكندر)[32]. أى أن الشعرانى يتخذ من اعتقاد العصر فى كرامات الصوفية سلماً لتقرير تركهم الصلاة ،وأولئك لم يكونوا من المجاذيب الذين يتمتعون بتسليم العصر لهم فيما يفعلون ومالا يفعلون..

ثم يذكر الأماكن التى تحظى بصلاتهم ومنها الموجود كجامع رملة وبيت المقدس ومنها ما لا يوجد إلا فى خيال المتصوفة والمعتقدين فيهم كجبل قاف وسد اسكندر، ويعلل الشعرانى –أوالخواص –اختار هذه الأماكن دون غيرها فيقول (والسبب فى صلاتهم فى هذه الأماكن قلة عبادة ربها فيها فأرادوا جبر خاطرها وإكرامها بالصلاة فيها)[33]، ثم عرض الصوفية أصحاب الصلاة فى تلك الأماكن فقال(ومنهم الآن الشيخ عبد القادر الدشطوطى والشيخ أبو خودة وجماعة ،ومنهم جماعة  يصلون بعض الصلاة فى هذه الأماكن وبعضها فى جماعة بالمساجد ، وكان ابراهيم المتبولى يصلى الظهر دائماً فى الجامع الأبيض برملة أللد، فكان علماء حارته ينكرون عليه ويقولون :لأى شىْ لا تصلى الظهر أبداً مع كونه فرضاً عليك ؟ فيسكت )[34]،أى أن المتبولى ترك صلاة الظهر عمداً ليوصف بأنه يصليه فى الجامع الأبيض برملة أللد فى فلسطين كل يوم ثم يعود ، على ما يزعمون .

وذكر الشعرانى فى طبقاته أن المتبولى كان لا يراه أحد يصلى الظهر فى مصر أبدا ًوأن بعض الفقهاء أنكر عليه وتزعم الرواية أن ذلك الفقيه سافر الشام فوجد المتبولى يصلى فى الجامع الأبيض وقالله القائم  على الجامع أنه يصلى الظهر عندهم فرجع الفقيه عن إنكاره [35].،ومن زبائن الجامع الأبيض كان الدشطوطى ، يقول الشعرانى فى ترجمته أنه عندما يؤذن  للظهر يتغطى  بالملاءه ويغيب ساعة ثم يتحرك ويقول (الناس معذورون يقولون عبد القادر ما يصلى .والله أنى ما أظن أنى تركت الصلاة منذ جذبت ،ولكن لنا أماكن نصلى فيها ،فقال محمد بن عنان: أن الدشطوطى يصلى فى الجامع الأبيض برملة لد )[36].

والخواص أستاذ الشعرانى كان من رواد ذلك الجامع الأبيض وقت الظهيره أيضاً.. يقول فيه الشعرانى (كان لا يصلى الظهر أبداً فى جماعة ولا غيرها ،بل كان يرد باب حانوته وقت الآذان فيغيب ساعة  ثم يخرج، فصادفوه فى الجامع الأبيض برملة لد فى صلاة الظهر ،وأخبرالخادم أنه دائماً يصلى الظهر عندهم )[37].

ثم يستخدم الشعرانى أسلوب الفقهاء فى تقنين هذا الإفك وللدفاع عن أولئك الصوفية فيقول (لذا ربما يقال أن الفقير تارك الصلاة وهو خطأ،ولأهل هذا المقام أمارات يتميزون بها على من ترك الصلاة تهاوناً أوكسلاً ، وقال لى سيدى عبد القادر الدشطوطى : ولِم تقول أهل مصر : عبد القادر ما يصلى شيئاً،ونحن والله لا نقطع الصلاة ، ولكن لنا أماكن نصلى فيها ،فقلت ذلك لسيدى محمد بن عنان فقال : صدق الشيخ عبد القادر، له أماكن يصلى فيها ، وأخبرنى الشيخ محمد أيضاً أن سيدى أبراهيم المتبولى ما رؤى قط يصلى الظهر فى مصر حتى قيل : كأن الله لم يفرض الظهر على ابراهيم ،والحال أنه كان يصلى فى الجامع الأبيض برملة لد.وكذلك كان سيدى على الخواص يصلى فى الجامع المذكور الظهر دائماً، وسمعت الشيخ بدر الدين المنشاوى يقول له :الظهر فرض عليك ،فيسكت الشيخ ، وأخبرنى الشيخ يوسف الكردى أنه صلى مع سيدى ابراهيم (المتبولى) الظهر فى الجامع الأبيض مراراً قال : ورأيت الذين يؤم فيهم وهو شاب أمرد نحيف البدن أصفر اللون كأن لونه لون الزعفران .أ.هـ)،ويقول الشعرانى (وقد حضرت أنا صلاة الظهر عند الدشطوطى فلما سمع الأذان اضطجع وقال : غطونى بالملاءة فغطيناه بها فلم نجد تحت الملاءة أحداً ثم جاء بعد خمس عشرة درجة ، وكان الخواص يغلق باب حانوته بعد أذان الظهر ساعة ثم يفتحه ففتحوه عليه مرة فلم يجدوه بالجملة .فأرباب الأحوال ينبغى التسليم لهم) [38].

وهذه هى النتيجة التى يداوم الشعرانى الوصول إليها بعد سلسلة من الأكاذيب التى تشرع للصوفية ترك الصلاة .

 السيد أحمد البدوى لا يصلى:

وقد حاز السيد البدوى على شهرة وتقديس أكثر من السابقين ولم يكن يصلى ،وقد عصمته شهرته من محاولات التبريروالإدعاءات التى اضطر إليها الشعرانى والصوفية المتأخرون فى القرن العاشر.. ذلك أن البدوى اعتبروه إلاهاً، فالمنتظر منه ألا يصلى ،  وإن أنكروا عليه ذلك فى وقته فقد كان ـحينئذـ صوفياً عادياً إلا أن شهرته ازدادت بعد موته بكثرة أتباعه وتوزيعهم فى أرجاء الدولة فازداد تقديسه وشهرته بمرور الزمن ، حتى أصبح عادياً أن يذكر فى ترجمته أنه لم يكن من المصلين ..فقد ورد فى مناقب البدوى أن ابن دقيق العيد أنكر عليه عدم صلاته وقال( يا أحمد هذا الحال الذى انت فيه ما هو مشكور ، فإنه مخالف للشرع الشريف ، فإنك لاتصلى ولاتحضر الجماعة ،وما هذه طريقة الصالحين ,! فالتفت إليه الشيخ وقال :اسكت وإلا أطيّر دقيقك )[39]. وفى رواية أنه قال له (انت ما فيه ما هو مليح ، وأنت تارك الصلاة والجمعة والجماعة )[40].

وقال عبد الصمد  الأحمدى فى الجواهر السنية ( ومما وقع لسيدى أحمد البدوى من الكرامات أن الشيخ تقى الدين بن دقيق العيد ، وكان قاضى القضاة بالديار المصرية ، سمع بالشيخ وأحواله ،  فنزل إليه واجتمع به بناحية طنطا ، وقال له : يا أحمد هذا الحال الذى أنت فيه ما هو مشكور ، فإنه مخالف للشرع الشريف ، فإنك لا تصلى ولا تحضر الجماعة وما هذا طريق الصالحين .! فالتفت إليه الشيخ وقال : اسكت وإلا أطيّر دقيقك) [41]. ولشهرة البدوى فى هذا المجال فقد ذكرته المصادر التاريخية اللاحقة ، يقول ابن العماد الحنبلى أن ا بن دقيق العيد اجتمع بالبدوى فقال له ( إنك لا تصلى ،وما هذا سنن الصالحين ، فقال اسكت وإلا أغبّر دقيقك)[42].

وذكر ابو المحاسن رواية مثبتة تصف حال البدوي وموقفه من الصلاة والمصلين والمسجد والجماعة يقول (قال أحدهم بسنده : ألزمنى الأمير ناصر الدين محمد بن جنكلى ابن البابا بالمسير معه لزيارة الشيخ أحمد البدوى بناحية طنتدا ، فوافيناه يوم الجمعة : فإذا به رجل طوال عليه ثوب جوخ غال ، وعمامته صوف رفيع، والناس تأتيه أفواجاً، منهم من يقول : يا سيدى خاطرك مع بقرى ، ومنهم من يقول: زرعى، إلى أن حان وقت صلاة الجمعة فنزلنا معه إلى الجامع بطنتدا ،وجلسنا فى إنتظار الصلاة ، فلما فرغ الخطيب من خطبة الجمعة واقيمت الصلاة ، وضع الشيخ أحمد رأسه فى طوقه بعد ما قام قائماً ، وكشف عن عورته بحضرة الناس ، وبال ( أى تبوّل ) علي ثيابه وعلى حصير المسجد ، واستمر ورأسه فى طوق ثوبه وهو جالس حتى انفضت الصلاة ، ولم يصل .!)[43].

ومع كل تلك النصوص التاريخيه والصوفيه عن تركه للصلاة إلا أن أحدهم لم يحاول الدفاع عنه وتبرير تركه للصلاة ،لأنه عندهم أكبر من أن يحتاج إلى تبرير لأنه  ـ عندهم ـ إله ، فوق مستوى البشر .

التثاقل عن الصلاة

بعضهم فى بداية طريقه الصوفى كان يخفف منصلاته - إذا صلى - إذ اعتبروا أن صلاة الإبدال خفيفة. والأبدال ( جمع بدل ) درجة فى المملكة الصوفية الهمية سبق التعرض لها . ومعنى ذلك أن البدل إذا ترقى فى المملكة الصوفية ووصل إلى القطبانية فقد سقط عنه التكليف . فأبو العباس المرسى كانت صلاته: ( موجزة فى تمام)[44]. ولا نعرف معنى أن تكون موجزة وتامة . وكان المرسى يقول (صلاة الإبدال خفيفة..)[45]. وعلى ذلك سار كمال الدين السيواسى (ت816) فقيل فى ترجمته أنه كان ( يخفف صلاته كما هو شأن الإبدال ، فقد نقلوا أن صلاة الإبدال خفيفة )[46]. وقيل فى الصوفى الشهير ــ وقتها ــ عبد الغفار بن نوح أنه( كان يخفف صلاته جداً مراعاة لحضوره فيها )[47]. أى يراعى الخشوع ، فكيف عرف الراوى بخشوعه . ورآه الأدفوى يصلى صلاة خفيفة جداً ويدعى أنه يراعى الحضور[48]. أى الخشوع، ولو صدق لأعطى الصلاة حقها ..

وفى القرن العاشر ـ عصر الشعرانى ـ  اصبحت الحاجه ماسة لتقعيد هذا التخفيف فى الصلاة .. وقام بذلك مشاهيرالصوفيه ممن ترك الصلاة أو تكاسل عنها فالدشطوطى يقول ( كل بلاء أهون على العارف من صلاة ركعتين مع هيبة)[49].أى مع خشوع ..

وانبرى الشعرانى يشرح ويفصل فى هذه الناحية فنقل عن المرصفى قوله (من خصائص تجليات الحق جل وعلا أنها - أى الصلاة - كلما طالت ثقلت على العبد عكس الوقوف بين يدى ملوك الدنيا ، وذلك لأن تجليات الحق متعددة مع  الأنفاس فما من تجلى إلا والذى بعده أعظم منه .  وأشد ما يكون على العبد التجلى الأخير .  ومن رحمة الله تعالى  بعبده المؤمن خطور الأكوان فى قلبه حال ركوعه وسجوده ، لأن تلك الحضرة كحضرة  قاب قوسين أوأدنى .. وما كل أحد يصلح للمكث فيها لثقل  التجلى الذى يهدم أركان العبد. فإذا أراد الله تعالى رحمة العبد فى تلك الحضرة أخطر فى قلبه شيئاً من الأكوان لما فى  الأكوان من رائحة الحجاب عن تلك العظمة ، ولولا ذلك لذاب عظمه ولحمه وتفصلت مفاصله ، كما وقع لبعضهم أنه سجد فصار يرتعد حتى صار قطرة ماء على الأرض فأخذوها بعظمة ودفنوها .  وقال آخر: طول القيام فى الصلاة على العارفين أشد من ضرب السيف ، وسمعت أخى العارف بالله تعالى أفضل الدين يقول : طول الإعتدال عذاب على العارفين) [50]. أى أن الصوفية جعلوا عذابهم فى القيام للصلاة والاعتدال فيها  ، وجعلوا من رحمة الله بالعبد أن يغفل أثناء صلاته ويتذكر الأكوان فى قلبه ، حتى لا يذوب ويتحول إلى قطرة ماء ،لأنهم نظروا للصلاة على أنها اتحاد بالله يجعل العبد ينصهر فى الألوهية. فالصوفية الذين اضطروا – مؤقتاً- للقيام بالصلاة أدوها خفيفة وخالية من الحضور والخشوع ، وربطوا ذلك بدينهم وجعلوها رحمة من الله أن ينشغلوا أثناء الصلاة بأى شىْ سوى الله تعالى مع ادعائهم الاتحاد بالله.

*المتثاقلون ينكرون على التاركين :

بعض من أدى الصلاة بالكيفية السابقة اعتقد أنه بلغ بها درجة تمكنه من الإنكار على غيره من تاركى الصلاة من الصوفية ، فالمرسى سئل عن صوفى كبير لا يحضر صلاة الجمعة فغضب وقال ( لوأعلم أنك تذكره لى ما طلعت عندك، تذكرون بين يدى الإبدال والأولياء أهل البدع ؟)[51]. وقد سبق أن المرسى اعتبر نفسه من الإبدال لمجرد أنه يصلى صلاة خفيفة .

وذكر الشعرانى أن الصوفى (محمد العدل ظل سنة كاملة لا يحضر جمعة ولا جماعة وذلك بأمر شيخه على الدويب ، فأرسل محمد بن عنان يقول له : إن لم تخرج للجمعة والجماعة وإلا فأنت مهجور حتى تموت ، فخرج من الخلوة ، وهجر شيخه الدويب لأنه كان من أرباب الأحوال الذين لايقتدى بهم )، فعصر المرسى اعتبر تاركى الصلاة من أهل البدع ،وبزيادة التصوف فى القرن العاشر أعتبروهم من أرباب الأحوال الذين لايقتدى بهم . ومحمد بن عنان الذى احتج على محمد العدل – هو نفسه الذى برر للصوفية الآخرين ــ كالمتبولى والدشطوطى ــ تركهم للصلاة ، بدعوى أنهم يصلون فى رملة لد فى الأردن.

والشعرانى الذى أرخ لأولئك جميعاَ ووضع لهم القواعد.  يقول لتاركى الصلاة من صوفية الزوايا والمساجد ( ينبغى للشيخ أن يأمر الفقراء القاطنين بالزاوية بالوضوء قبل أوقات الصلاة ليدركوا صلاة الجماعه ولاسيما صلاة الجمعة ، بل ينبغى لهم المبادرة إليها أشد من غيرها ، وأن يجتمعوا قبل الناس تقوية لقلوبهم ، فإن الإنسان إذا جاء ورأى أهل الزاوية نائمين أو يلعبون ويمزحون فترت همته عن الحضور..ولا ينبغى للشيخ المسامحة قط بتأخير المجاورين الوضوء حتى يؤذن فتفوتهم صلاة الجماعة ، وليس للمقيم الصحيح فى الزاوية عذر فى التأخير إلاالكسل ، وينبغى له معاتبة كل من غاب من الفقراء عن صلاة الجماعة أو عن مجلس الذكر ولو بالنوم )[52].

ويعنى ذلك أن الكيل قد طفح فهب الشعرانى ينبه الأشياخ المعاصرين للحزم فى معاملة تاركى الصلاة من ساكنى الزوايا والذين لا عمل لهم إلا العبادة والتصوف ، فإذا بهم يتكاسلون عنها بالنوم واللغو والمزاح .. حتى أن المصلين الآخرين يتأثرون بهم وهم دائماً يتخذون من الصوفية القدوه والمثل ..

وكل المطلوب من أولئك هو بعض الركعات الخفيفة التى لا حضور فيها. لكى تحفظ صورتهم نقية أمام الوافدين على الزوايا من المعتقدين فى الصوفية ..هذا هو هدف الشعرانى ..

 أثر التهاون الصوفى فى ترك الصلاة : على العوام

 آثار ترك الصوفية للصلاة المكتوبة إعجاب المعتقدين فيهم من العوام والعلماء المعبرين عن فكرالعامة.. وقد استنكر ابن الحاج ذلك المسلك من( بعض من ينسب إلى العلم، يقعد بين يدى بعض من يدعى الفقر (أى التصوف) والولاية ، وهو مكشوف العورة، وقد تذهب عليه أوقات الصلاة وهو لم يصل ، ويعتذرون عنه ).[53]. يعنى بعض من يؤمنون بالمجاذيب الصوفية الذين لا يصلون يعكفون حول أولئك المجاذيب العُراة ، تاركين أداء الصلوات .

بل شارك فى ذلك الإعجاب بعض من عرف بالصلاح – أى الصلاح بالمفهوم الصوفى وهو حُسن الإعتقاد فى الصوفية ، وقد رأى ابن الحاج بعضهم يرحل إلى زيارة شخص (من هذا الجنس ، ( اى المجاذيب ) وبقى نحو ثلاثة أيام أو أربعة حتى اجتمع به وهو عريان ، ليس عليه شىْ يستره ، وبين يديه بعض قضاة البلد ورؤسائها. ) يقول الفقيه ابن الحاج محتجا : ( وهذا أمر شنيع فى الدين ، وقلة حياء من عمل الذنوب ، وارتكاب مخالفة السنة ،  وترك الفرائض. )[54].

والعوام مغرمون بالتقليد ،لاسيما إذا تعلق التقليد بأمور تريح من آداء التكاليف وتجلب الكسل والدعة ، فالعامة تجسيد للأكثرية فى كل مجتمع ، وقد وصف القرآن الكريم الأكثرية بأنها لا تعلم ولا تعقل ولاتفقه ولاتؤمن.. وهكذا فإن مصلحةالصوفية تتلاقى مع هوى العامة .. وقد بدأ ذلك منذ عصر الغزالى فى القرن الخامس فيما يخص ترك الصلاة بالذات، يقول الغزالى يصف العامة فى عصره ( أكثر الناس جاهلون بالشرع فى شروط الصلاة فى البلاد، فكيف فى القرى والبوادى ومنهم الأعراب والأكراد والتركمانية وسائر أصناف الخلق)[55]. أى أن أهل المدن أقرب إلى التحضر والإلتزام، ويتلاشى ذلك الإلتزام كلما بعدنا عن العمران والحضارة وتوغلنا فى الريف . ومن ناحية أخرى فإن الإلتزام  بالإسلام وفرائضه بدأ فى التلاشى بمرور الزمن وانتشار دين التصوف، حتى إذا أهلَ العصر المملوكى وتسيد التصوف أصبح الجهل بالصلاة شيمة العامة وأوليائها.

ومن أسف فإن إهمال تاريخ العوام وشئونهم يكاد يكون قاسماً مشتركاً فى الكتابات التاريخية لمؤرخى العصر المملوكى وما سبقه، إذ استحوذ على المؤرخين تتبع حركات الحكام وسكناتهم ومن خلالها نظروا للعامة فى شذرات متفرقة لا تسمن ولا تغنى من جوع. ومن هذه الشذرات القليلة نستخلص موقف العامة من الصلاة..

يقول ابن الفرات فى حوادث  790(رتب القاضى نجم الدين الطبندى محتسب القاهرة جماعة من الفقهاء، فى كل سوق من أسواق القاهرة وظواهرها فقيه ، يعلم التجار واصحاب الصنايع والمتعيشين سورة الفاتحة وغيرها من السور ، ليقرأوا بذلك، وجعل لكل فقيه على كل من يعلمه فليس جرد، وهذا ترتيب حسن لا بأس به) [56].أى أن العامة نسيت الفاتحة واستلزم الأمر إيفاد بعض الفقهاء لتعليم التجار والصناع سورة الفاتحة. وهذا فى المدينة العاصمة. فكيف بالحال فى القرى والنجوع ؟! وكان ذلك فى القرن الثامن، فكيف الحال فى القرون التالية وقد اشتدت سيطرة التصوف ؟؟..

 لقد وصل الأمر فى القرن التاسع إلى درجة أن الجهل بالفاتحه والصلاة وصل إلى الأمراء والسلاطين ،فكان الأمير أحمد بن نوروز 852( يُرمى بترك الصلاة ) [57]، أى كان متهما بترك الصلاة ، ووصل بعضهم الى السلطنة وهو لا يعرف قراءة الفاتحة ، مثل  السلطان الأشرف اينال ، الذى كان ( لا يحسن قراءة الفاحة ولا غيرها من القرآن، وكانت صلاته للمكتوبات صلاة عجيبه، نقرات ينقر بها ، لا يعبأ بها الله، وكان لا يحب إطالة الدعاء بعد الصلاة، بل ربما نهى الداعى عن تطويل الدعاء) [58]. .

فالأشرف اينال طولب بالصلاة كحاكم مسلم فكان يصلى صلاته المضحكة وهو جاهل بالفاتحة، وكان يؤدى تلك النقرات بضيق حتى إذا ما انتهت أضرب عن الدعاء بعدها ..

وفى القرن العاشر تكاثر الأولياء وانتشروا فى ربوع مصر ومدنها وقراها. . وأغلبهم من العامة الأميين فكان ادعاء الصلاة إلى رملة لد وأماكن وهمية مثل جبل قاف وسد اسكندر.. وهم ما تعودوا الصلاة قبل المشيخة فلابد أن يفكروا فى حل صوفى يبرر عدم صلاتهم..

وقد ترسب فى الضمير الشعبى ما يعبر عن اهمال الصلاة أو السخرية منها حسب الرؤية الذاتية للشعب المصرى الذى يغلف نظرته للأموربالسخرية والتندروالفكاهة : فعن الجهل بالفاتحة يقول المثل السائد فى العصر المملوكى والذى استمر بعده : ( سورتك إيه ؟ سورتك إياك ) . والمراد ب (إياك) سورةالفاتحة . لا يعرفون من الفاتحة سوى ( إياك )، ربما لتكررها فى السورة . ويضرب المثل لبقاءالشخص على نمط واحد كأنه يقرأ الفاتحة كل يوم لا يتعداها [59].  والفاتحة أصبحت فى عرفهم مجرد (إياك)، ويوصف المصلى بأنه يبقى على نمط واحد يردد كل يوم دون وعى أو فقه بما يقول.. ويشبهون بالمصلى كل من توقف على أسلوب واحد لا يسأم من ترديده.  وعن الجهل بالفاتحة أيضاً يقول المثل الشعبى( إذا نسيت الحمد تصلى بأيه) [60]. . وقد يقصد الشخص المسجد أو الجامع متكاسلاً متأففاً فيجد أبوابه موصدة وحينئذ يشعر بسرور يعبر عنه المثل الشعبى (بركة ياجامع اللى جت منك ما جت منى)[61].

   وكانت المآذن تردد بعد آذان الفجر أن الصلاة خير من النوم . وهذه مقولة لا توافق عليها العامة التى تؤثر الكسل ، فلم تترك هذا القول دون تندر فيقول المثل الشعبي(الصلاة خير من النوم .!! قال جربنا ده وجربنا ده) أى أنهم من واقع السخرية عرفوا أن النوم خير من الاستيقظ لصلاه الفجر . فهذا المثل : ( يضرب فى تفضيل شىء على شىء  دلت التجربه على خلافه)[62]

 أثر التهاون الصوفى فى ترك الصلاة  فى وسوسة الفقهاء فى الطهارة والصلاة

   1- تراضي الفقهاء على قبول التصوف مبدءاً بعد الغزالى الذى تفوق عليهم علماً وفلسفة وفقهاً .. وبعد أن كان الفقهاء فى القرن الخامس يستنكفون من الدخول للمؤسسات الصوفية أجبرتهم الظروف على غشيانها ، ويحكى إبن الجوزى عن فقيه مخضرم عاصر الإنقلاب الذى أحدثه الغزالى ومات بعده وهو الشيخ أبو الخطاب الكلوذانى وقد دخل رباطاً صوفيا وهو يتوكأ على ذراع بعض تلاميذه للعزاء فى فقيه مات فكان يقول (يعز على لو رآنى بعض أصحابنا ومشايخنا القدماء وأنا أدخل هذا الرباط) يقول ابن الجوزى (قلت وعلى هذا كان أشياخنا ، فإنا فى زماننا هذا اصطلح الذئب والغنم)[63].

2- وبعد تقرير دين التصوف كان إعلان الصوفية عن عقائدهم المخالفة وتهاونهم بالصلاة وشعائر الاسلام . وفى الجانب المقابل عانى الفقهاء السنيون من التخلف العلمى والعقم العقلى وأسهم التصوف فى ذلك الجمود .. فاكتفى الفقهاء بمقابلة انحلال الصوفية العقائدى بتطرف فى الجانب المقابل . وقد رأينا أن الشطحات الصوفية قوبلت من الفقهاء بإعلان التكفير لأى شى ْوكانت المغالاة فى التكفير طابع العصر وتتم فى أى حديث عادى. أما من حيث الصلاة والتهاون الصوفى بشأنها أو تركها كان الفقهاء فى المقابل يتطرفون فى تحرى الطهارة والنية والألفاظ إلى درجة الوسوسة والتشكيك فيما يفعلون ويقولون ، وتصل المبالغة فى الوسوسة لدى الفقهاء الى نفس النتيجة وهى ترك الصلاة .

3- بيد أن الوسوسة عند الفقهاء لها أصل فى التاريخ الفقهى . فقد عرفت مسيرة علم الفقه فى القرن الرابع مبالغة فى استقراء الحركات والصور الفقهيه دون إهتمام بالعوامل الباطنية كالنية والإخلاص والرياء وغيرها من أمور القلب والضمير . ففى الصلاة مثلاً انصب جهد الفقهاء على تحرى شرائط الصحة فى التلفظ بالنية وفى قراءة القرآن ومقدار الركوع والسجود إلخ ، مع التأكيد على إسباغ الماء عند الوضوء،   ونسوا اشتراط الخشوع وأهمية التضرع وخطر الغفلة أثناء الصلاة . وكان ذلك أهم مأخذ للغزالى عليهم ، وإستغل هذا فى أن أبعدهم عن التكلم فيما اسماه بالأمور القلبية ثم أخذ يقرر عقائد التصوف المخالفة للاسلام على أساس أنها امور خارجة عن ولاية الفقيه واختصاصه.، ولا يجوز له أن يناقشها أو يتعرض لها .

4- وشعور الفقهاء بالعجز عن مجاراة الغزالى فى علمه وإحساسهم بتفوقه عليهم فى الفقه الذى به يُعرفون ـ مع تدهورهم العلمى ـ كل ذلك أورث الفقهاء شعوراً بالذنب إذ خسروا المعركة بتقصيرهم ، فعولوا على المبالغة فيما أهمله أعداؤهم الصوفية ، فأضحى اهتماهم بالحركات فى الصلاة وسوسة فى أدائها ،  وتطرفا ًفى القيام بها .

وفى العصر المملوكى ازداد الأمر فقد وقع الفقهاء ــ ممثلو دين السّنة ــ فى تقديس الأولياء الصوفية ،  مما عمق شعورهم بالشك والإضطراب والوقوع فى الإثم ، فكانت الوسوسة فى الطهارة والصلاة مظهراً لذلك كله.

5- والوسوسة مرض نفسى يعرف (بالحصر القهرى)(وهو أحد أمراض العصاب الذى يصور لنا بوضوح تأثير الشعور بالإثم وعلاقة ذلك بالطقوس .. وتتلخص الأعراض بأن المريض تراوده افكار تسلطية غريبة وسيئة وشاذة رغماً عنه كأن يغسل يديه كلما لمس كتاباً أو صافح يداً غريبة ، وقد يغسلها ثلاثة أو خمسة أو عشرة أو عشرين مرة من قبل أن يطمئن ويشعر بالراحة . والمهم فى هذا أن التفسير النفسى الديناميكى لمثل هذه الأعراض أنها ردود أفعال احترازية دفاعية يقوم بها المريض ليشعر بالأمن والراحة ضد شعور دفين مكبوت بالخطر أو الإثم ، وقد يتولد هذا الشعور بالذنب منذ الطفولة لا شعورياً الى العقل الباطن)[64].

6- وقد بدأت أعراض الوسوسة تظهر على الفقهاء فى القرن السادس التالى للغزالى مباشرة ، وقد أنكر ابن الجوزى على فقهاء عصره مبالغتهم فى الطهارة (فترى  أحدهم يغسل الثوب الطاهر مراراً، وربما لمسه مسلم فيغسله، ومنهم من يغسل ثيابه فى دجلة ولا يرى غسلها فى البيت يجزىء ( أى يكفى ) .. ومن الموسوسين من يقطر عليه قطرة ماء فيغسل الثوب كله . وربما تأخر لذلك عن صلاة الجماعة )[65]

وقال عن الوسوسة فى النية ( ومن ذلك تلبيسه عليهم فى نية الصلاة ، فمنهم من يقول : أصلى صلاة كذا ، ثم يعيد هذا ، ظناً منه أنه قد نقض النية )[66]. وفى التكبير ( ومنهم من يكبر ثم ينقض ثم يكبر ثم ينقض ، فإذا ركع الإمام كبر الموسوس وركع معهم )[67]. ( ومن الموسوسين من تصحٌّ له التكبيرة خلف الإمام، وقد بقي من الركعة يسير فيستفتح ( أى يقرأ الفاتحة ) ويستعيذ ، فيركع الإمام )[68].( ومن الموسوسين من إذا صحت له النية وكبر ذهل عن باقى صلاته، كأن المقصود من الصلاة التكبير فقط )[69]. ويقول ابن الجوزى: (  وقد لبَس إبليس على بعض المصلين فى مخارج الحروف فتراه يقول: الحمد الحمد.. وتارة يلبَس عليه فى تحقيق التشديد وتارة فى إخراج ضاد " المغضوب عليهم" . )[70].

7- وفى بداية العصر المملوكى إشتهر بالوسوسة الشيخ شهاب الدين الصعيدي بالإسكندرية (ت659) الذى "كان شديد الوسواس" ، وابن الطحان( ت735) الذى كان يتوسوس فى الوضوء والغسل ، بل أن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد (ت702) كانت له وقائع عجيبة فى الوسوسة فى الطهارة [71].

8 ــ وبتسيد التصوف للعصر المملوكى أصبح مرض الوسوسة وباءا بين الفقهاء السنيين ، به يعرفون ويتميزون ، بل واتخذوا الوسوسة  ديناً ، فكانت لهم حججهم فى الدفاع عنها ، الى درجة أن تصدى للرد عليهم  ابن القيم فى القرن الثامن حيث سجل أحوالهم والرد عليها بتفصيل واسع [72]. .

يقول يصف حركاتهم (وهؤلاء يغسل أحدهم عضوه غسلاً يشاهده ببصره ،ويكبر ويقرأ بلسانه بحيث تسمعه أذناه ويعلمه قلبه بل يعلمه غيره منه ويتيقنه ، ثم يشك : هل فعل ذلك أم لا)[73]. ( وحكى لى من أثق به عن موسوس عظيم رأيته أنه يكرر عقد النية مراراً عديدة فيشق على المأمومين مشقة كبيرة ، فعرض له أن حلف بالطلاق أنه لا يزيد على تلك المرة فلم يدعه إبليس حتى زاد ، ففرق بينه وبين امرأته ، فأصابه لذلك غم شديد ، وأقاما متفرقين دهراً طويلاً)[74]. ( وبلغنى عن آخر أنه كان شديد التنطع فى التلفظ بالنية والتقعر فى ذلك فاشتد به التنطع والتقعر يوماً إلى أن قال : أصلى أصلى مراراً صلاة كذا وكذا وأراد أن يقول أداء فأعجم الدال وقال اذاء ، فقطع الرجل إلى جانبه الصلاة فقال : ولرسوله وملائكته وجماعة المصلين ، ومنهم من يتوسوس فى إخراج الحرف حتى يكرره مراراً ، فرأيت منهم من يقول الله أكككبر ، وقال لى إنسان منهم : قد عجزت عن قول " السلام عليكم " فقلت له : قل مثل ماقد قلت الآن وقد استرحت) [75].( ومن أصناف الوسواس ما يفسد الصلاة مثل تكرير بعض الكلمة كقوله فى التحيات  ات ات التحي التحي ، وفى السلام أس أس ، وقوله قى التكبير أكككبر ونحو ذلك ، فهذا الظاهر بطلان الصلاة به ، وربما كان إماماً فأفسده صلاة المأمومين )[76].

وكان ابن عطاء السكندرى فى بدايته فقيهاً مريضاً بالوسواس فلما تصوف على يد أبى العباس المرسى تركه الوسواس أو ترك الوسواس فقد قاله شيخه (إن كنت لا تترك الوسوسة فلا تعد تأتينا)،(قال ابن عطاء : فشق ذلك على، وقطع الوسواس عني)[77].

9-وفى القرن العاشر عمت البلوى بالوسوسة فى الصلاة إلى درجة منعت القيام بها ،يقول الشعرانى (وشهدت أنا بعينى موسوساً دخل ميضأة ليتوضأ قبل الفجر من ليلة الجمعة فلا زال يتوضأ للصبح حتى طلعت الشمس ،ثم جاء إلى باب المسجد فوقف ساعة يتفكر،ثم رجع إلى الميضأة فلا زال يتوضأ ويكرر غسل العضو إلى الغاية ،ثم يرجع وينسى الغسل الأولى ،حتى خطب الخطيب الخطبه الأولى ،ثم جاء إلى باب المسجد فوقف ساعة يتفكر ورجع ،فلا زال يتوضأ حتى سلم الإمام من صلاة الجمعة ،وأنا أنظر من شباك المسجد ، ففاته صلاة الصبح والجمعة )[78]. فإذا كان الصوفية قد وصلوا بالتفريط فى الصلاة إلى درجة الترك الكلى فإن خصومهم الفقهاء فى نفس القرن العاشر وصل بهم الإفراط فى الوسوسة إلى تضييع الصلاة .. ولكل فعل رد فعل مساوٍ له فى القوة مضاد له فى الاتجاه..

وقد عمت بلوىالوسوسة فأصابت عامة الفقهاء فى عصر الشعرانى فافتخر بعدم وسوسته (فى الوضوء والنية والقراءة وغير ذلك )، يقول (وهذه النعمة من أكبر نعم الله تعالى عليَ ، فإن الوسوسة قد عمت غالب الناس الآن ، حتى أن بعضهم ترك الوضوء والصلاة ،وقال لا يعجبنى وضوء أصلى به ولا قراءة أقرؤها)[79].

10 ــ ويستشف من الحوادث التى ذكرها الشعرانى أن التطرف فى الوسوسة وصل إلى ما يشبه الجنون والهذيان ،وبه أضحى الفقهاء السنيون المتوسوسون أشبه بالمجاذيب الصوفية . يكفى أن نقرأ ما يقوله الشعرانى هنا : ( وقد رأيت من استحمى بخمسة وخمسين أبريقاً ثم شك بعد ذلك فى أن الماء عمَ بدنه وكان ذلك لصلاة الظهر، فقال : روحوا بى إلى بحر النيل ، فجعل يغطس ويصعد برأسه إلى أن غربت الشمس وفاته الظهر والعصر ، وقد رأيت من ذهب أيام النيل إلى بركة الخازندار خارج القاهرة ليطهر ثيابه فما زال يغسلها ويجففها إلى آخر النهار ثم ضم ثيابه ولبس بعضها ، ثم شك فى بعضها ،ثم شك فى أنه هل غسلها أم لا ، وكان قد مر على صيادي السمك فى طريقه إلى البركة فلما رجع قال لهم : هل رأيتموني مررت عليكم بكرة النهار ومعي ثيابي فقالوا له : ما رأيناك ، فقال إذن أنا ما برحت البركة ، ثم ذهب من بكرة النهار إلى البركة ثانياً .. وقد رأيت من يقفز في الهواء إذا نوى الصلاة ثم يقبض بيده على صورة كأنه يخطف شيئاً كان هارباً منه ثم يقول : استغفر الله ، ثم يقول : الطلاق يلزمني ثلاث لا أزيد على نية واحدة ، ثم يزيد ، وكان ذلك فى صلاة الجمعة فما زال كذلك حتى فاتت الجمعة . ثم من جملة مفاسد الوسوسة أن الموسوس يصير يعذب نفسه باستعمال الماء البارد فى الشتاء ، وربما غاص فى الماء البارد، فنزل الماء البارد فى عينيه فعمي كما وقع للشيخ  محمد الجويني بالجامع الأزهر ، وربما فتح عينيه فى داخل الماء ليغسلها فيضر بصره ، وربما كشف عورته للإستنجاء فى الحمام وعلى إفريز الفساقي والناس ينظرون إليه وربما صار إلى حال يسخر منه الصبيان ويستهزىء به من يراه ، وقد رأيت موسوساً من قضاة شبين الكوم وهو ذاهب إلى البحر وذكره مربوط بخيط فى عود جعله بين وركيه حتى لا يصدم ذكره وركيه ،وهو عريان ورأسه مكشوف ، وثيابه وعمامته فى يده مرفوعة خوفاً من أن تمس جسده فلا زال كذلك حتى نزل البحر فطهر ثيابه ، وإغتسل بعد تكدير الماء ، ثم وضع ثيابه على جرن قمح ليجففها ، فطلع له كلب من داخل القش فرجع بثيابه إلى البحر فغسلها ثم طلع بها،فمر كلب ووصل ظله إلى ثيابه،فرجع إلى البحر ثالثاً)[80].

وهذه الأفعال لا يقدم عليها إلا المجانين ، أى تضاءل الفارق فى عصر الشعراني بين المجاذيب الصوفية وموسوسي الفقهاء .. فكلاهما يأتي من الأفعال المضحكة مالا يتصوره عقل .. ويكفي أنهما إجتمعا على العري وترك الصلاة مع تناقض الأسباب ..

11 ــ على أن الوسوسة فى عصر الشعراني وصلت إلى نواحٍ أخرى غير الطهارة والصلاة.  يقول الشعراني : ( وقد رأيت بعضهم يأنف من مواكلة الصبيان أو من مواكلة العوام ، ويغسل يده إذا أكل معهم ، ويرى أنها تنجست بالأكل معهم ، وبعضهم يغسلها سبعاً أحداهن بتراب كلما يأكل أو يشرب من محل أكل الناس أو شربهم .. ورأيت بعضهم لا يصلي قط فى صف المسلمين حتى إضطره ذلك إلى أن لا يصلي إلا إماماً حتى لا يلاصقه أحد بثيابه ..ورأيت بعضهم كلما يجامع زوجته يفتق الطراحة واللحاف ويطهرهما ثم ينجدهما ، وإذا جامع فتق فى الملاءة فتقاً يخرج ذكره منه ،  حتى لا يلامس جسم المرأة..)[81].

إن لم يكن هذا جنونا فبماذا نسميه ؟

ثانياً : تَشريع الصلاة الصوفية: بين الصلاة الاسلامية والصلاة الشركية

 بين الصلاة والدعاء والتوسل فى المعنى:

1-   الصلاة تعني الصلة . وصلتك بالله جل وعلا أن تدعوه ليرحمك ، فالصلاة هى ( الدعاء ) .. والدعاء هو التوسل بالمعبود رغبة ورهبة. وهناك ارتباط فى القرآن الكريم بين الصلاة والدعاء لله جل وعلا أن يرحمنا . ويدخل فى ذلك صلاة الله جل وعلا ( علينا ) والصلاة على النبى . فصلاة الله (علينا ) تعني رحمته بنا، أى إنزال القرآن الكريمة ليكون رحمة للعالمين ( الأنبياء 107 ) من الله الرحمن الرحيم ، ولكن يستحق هذه الرحمة القرآنية من يؤمن بالقرآن ويعمل به ( الاعراف 156 : 157 ). والصلاة (على ) النبى هى الصلاة ( على ) نزل عليه القرآن . هى صلتنا به ، أى بهذه الرحمة الالهية ، أى تمسكنا بالقرآن الذى كان يستمسك به ، وعندما نتلفظ بالقرآن تلاوة فإننا ننطق ما كان عليه السلام ينطق به ، اى برغم إختلاف الزمان والمكان يظل القرآن  ( الرحمة الالهية ) صلة تجمعنا بالنبى عليه السلام بعد موته . وهذا القرآن ( نور ) للهداية فى الدنيا ( قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) المائدة ) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (174) النساء ) والذى يتمسك به فى الدنيا يكون له القرآن هداية ونورا فى تعامله مع الناس عكس الكافر الضال : ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122) الأنعام ). ويوم القيامة يكون النبى والذين آمنوا معه فى نور القرآن الذى يتحول الى الرحمة الالهية التى تقيهم العذاب: ( يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمْ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) الحديد ). فالرحمة من الله والدعاء من الخلق ـ  وتلك هى الصلاة على النبى وعلى المؤمنين ، وكما أن جل وعلا وملائكته يصلون على النبى بإنزال القرآن عليه فإنه جل وعلا يأمرنا بالصلاة على النبى أى أن نتمسك بهذه الرحمة القرآنية ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56). الأحزاب  )  والله تعالى يصلي وملائكته على المؤمنين كما يصلي على النبى رحمة بهم، ليخرجهم بالقرآن من الظلمات الى النور ( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (43) الأحزاب 43)، فالمؤمنون أولى الخلق برحمة الله ـ  أى بصلاته عليهم، يقول تعالى (أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ (157)  البقرة157).

2-    2- ويجمع بين الصلاة والدعاء ـ أو التوسل ـ  أنهما يعبران عن العبادة والتقديس. وارتباط الصلاة بالعبادة والتقديس أمر مفهوم لا حاجة بنا إلى شرحه. أما ارتباط الدعاء بالعبادة فقد ورد فى مواضع كثيرة فى القرآن الكريم، خاصة فى معرض الإحتجاج على المشركين الذين يتجهون إلى آلهة أخرى بالدعاء أو التوسل أو الصلاة، يقول تعالى : ( وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنْ الظَّالِمِينَ (106)يونس 106)، أى أن ذلك الذى تتوجه إليه بالدعاء – من دون الله – لن يقدم لك نفعاً ولن يمنع عنك  ضراً .

3-   - ويجمع – أيضاً – بين الصلاة والدعاء أو التوسل اشتراط الخشوع فيهما.. فالمؤمن – إذا أفلح – خشع فى صلاته (  قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2).المؤمنون1 :2) والمؤمن إذا دعا تضرع . والتضرع هو الخشوع المخلص للمعبود.  فمن دعا بلا تضرع فقد اعتبر معتديا على جلال الله تعالى. يقول جل وعلا :( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) الأعراف55 ،).

4-    4- ويجمع  بينهما أن المصلي لله يرجو رحمة الله ويخشى عذابه، يقول تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (277)البقرة 277). فلهم الأجر ولاعليهم من خوف أو حزن . وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة كانت من بنود الميثاق الذى أخذه رب العزة على بني إسرائيل ، يقول سبحانه وتعالى : (  وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لأكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) المائدة12) .ونفس الحال فى الدعاء أيضا . فمن يدعو الله تعالى مخلصاً يرجو رحمة الله جل وعلا ، أى النجاة من العذاب ودخول الجنات ، يقول تعالى ( وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ (56) الاعراف  )، ومن تكون رحمة الله جل وعلا قريبة منه يوم القيامة فلن يلحقه العذاب . وهكذا كان إيمان وسلوك الأنبياء : ( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ )(الأنبياء90 ).  ويقول جل وعلا عن المتقين الذين يدعون ربهم خوفا من عذابه وطمعا فى جنته ورحمته: (.. تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16) السجدة ) وسيكون مصيرهم فى نعيم لا يمكن تخيله : (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) السجدة) فلا يمكن أن يتساوى المؤمن بالفاسق :( أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (18) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20) ) السجدة )

  بين الصلاة والدعاء في الكييفية:

1- والصلاة في كيفيتها تجسد الدعاء في ركوع وقيام وسجود – من حيث الشكل – أما من حيث النطق فهى تحميد لله جل وعلا وتسبيح وتكبير ودعاء وقراءة للفاتحة وبها أفضل صيغ الدعاء. ومن آداب الدعاء العام أن يسبق بالتحميد والتسبيح والتكبير والإقرار بالذنب ثم يكون الدعاء ، وأفضل الدعاء ما ورد في القرآن الكريم .. فالتشابه قائم بين الصلاة  والدعاء من حيث الشكل والمضمون.. غاية ما هناك أن السنة الإلهية علمت المسلمين فى كل رسالة سماوية كيفية معينة للصلاة ، وفرضتها على المؤمنين كتاباً موقوتاً.. وكأن الدعاء قد شرع فى الحقيقة فى كل صلاة من الصلوات الخمس. ويزاد على ذلك للمسلم إن أراد أن يتقرب إلى الله تعالى أن يتضرع بالدعاء حتى أثناء الليل( السجدة 16 ).فالدعاء عام فى أى وقت وبأى كيفية خاشعة ، أما الصلاة فهى خاصة بتجسيد الدعاء وتشكيله فى هيئة معينة وأوقات محددة . ولأن الدعاء تعبير دينى عام كان به التعبير عن أن الإسلام هو الدعاء ( الحق ) وأن ما عداه أى الدعاء لغير الله جل وعلا هو ( الباطل ): ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30) لقمان 30)،( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62)  الحج 62).

الصلاة فى الأمم السابقة :

1-   وقد فرض الله تعالى الصلاة على الأمم السابقين والرسل السابقين ، فقوم شعيب كانوا يتندرون عليه قائلين (  قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) هود )، وابراهيم كان من دعائه( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) ابراهيم )، وقال تعالى عن الأنبياء من ذرية ابراهيم عليهم السلام ( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73) الأنبياء )، واسماعيل ابن ابراهيم  ( وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً (55) مريم 55) ،وكان من نصح لقمان لابنه (يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ )(17) لقمان)، وكان زكريا يصلي في المحراب حين نادته الملائكة تبشره ( آل عمران 39)، وقال عيسى وهو في المهد( وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً (31) مريم ). وبنو إسرائيل طولبوا بالصلاة منذ كانوا مضطهدين في مصر حين أرسل إليهم موسى وبتوجيهه كانوا يؤدونها خفية رغم الإضطهاد الفرعوني (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (87) يونس ) وكانت الصلاة أهم بنود الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) البقرة 83). فالصلاة ليست فرضاً على المسلمين بالقرآن وحدهم، وإنما هى فرض عام تعبد الله به عباده منذ ارسال الرسل ، وبنفس الكيفية والتوقيت ما بين ركوع وسجود وتسبيح وتقديس وتنزيه وتضرع وتقرب ، مع إختلاف الألسنة والزمان والمكان .

2-   ومنذ تأسيس الكعبة وفريضة الحج توارث العرب ملة ابراهيم ، ومنها الصلاة ، ولكنهم أضاعوها بالتوسل بالأولياء الموتى ، وبرفع الدعاء لهم فى المساجد كما نفعل الآن .  وحين قام رسول الله عليه السلام ينكر ذلك كادوا يكونون عليه لبدا ، فقال جل وعلا يدعوهم ـ ويدعونا ــ لأن تكون المساجد خالصة لله جل وعلا وحده : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (19) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (20) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (22) إِلاَّ بَلاغاً مِنْ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً (23) ) الجن ) . أضاع الجاهليون صلاتهم لأنها كانت خالية من التقوى . كانوا ( يؤدون ) الصلاة ، ولا ( يقيمون ) الصلاة . لذا لم يأت الأمر فى القرآن بتأدية الصلاة ، ولكن بإقامة الصلاة .، قريش كانت تؤدى صلاة شكلية حركية ، من حيث الشكل نفس الصلاة المتوارثة من ملة ابراهيم ، ولكن بلا خشوع ولا تقوى. كانوا يعمرون المساجد بالزخرفة ، مع أن تعمير المساجد لا يكون إلا بالخشوع القلبى والعمل الصالح ، يقول جل وعلا عن قريش المشركة وعن من يسير على دينهم فى التدين السطحى المزخرف الخالى من الايمان الصحيج والسلوك المستقيم :( مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ (18)  )التوبة ). لذا إعتبر رب العزة الصلاة التى تؤديها قريش مجرد حركات مضحكة ( مكاء ) يستخدمونها فى ( التصدية ) أى ( الصد ) عن المسجد الحرام بالتحكم فيه ، يقول جل وعلا : ( وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (34) وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (35 ) الانفال ).

  3- ذلك أن من عادة البشر السيئة سرعة الوقوع فى الشرك وتقديس البشر والحجر ، يأتى الرسول بالحق وتؤمن به أقلية ، وتصل الدعوة ولكن سرعان ما يأتى ( الخلف ) من الجيل التالى فيقع فى المعاصى والشهوات والشرك ، وتحريف الصلاة أوتضييع ثمرتها بأن يجعلها مجرد حركات بلا خشوع وبلا تقوى ، أى لا يقيم الصلاة ولا يحافظ عليها ، طبقا لما جاء فى القرآن الكريم ( المؤمنون 1 : 9 ) ( المعارج  22 : 32 ). المشرك المتدين حين يصلى يكتفى بتأديتها حركات شكلية مع إصراره على تقديس البشر والحجر وإدمان الشهوات والعدوان . وهكذا يكون تضييع الصلاة بدلا من إقامة الصلاة ، يقول جل وعلا : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) مريم ) ولكن أمامه فرصة للتوبة : ( إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (60) مريم).. وما حدث مع الأنبياء السابقين وسجله القرآن الكريم حدث بعد موت النبي محمد عليهم السلام ، فقد رأينا كيف تحايل الصوفية على الصلاة الإسلامية بالإهمال والترك ثم وجدوا من العامة مؤيداً لهم في التخفف من فرض الصلاة . وفى الدين السّنى تكرار لما كانت تفعله قريش ، التى كانت تحافظ على المظهر الشكلى للصلاة بنفس الحركات والمواقيت ، وتجعل من هذه الصلاة الشكلية هدفا تبرر به العدوان على الغير ، أى إذا كانت الصلاة فى الاسلام وسيلة للتقوى بإقامتها فى القلب خشوعا وفى السلوك إستقامة : (  وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) العنكبوت ) فإن الصلاة عند قريش وفى الدين السنى تبرر لهم الاستطالة على الناس . والصوفية لم يسعوا إلى هدم الصلاة عبثاً ، وإنما قصدوا إحلال شعائرهم الخاصة بهم والتي تقوم مقام الصلاة وتحقق هدفهم في عبادة الولي الصوفي ، ومرَ بنا في مبحث علاقة المريد بشيخه كيف حاصروا المريد الصوفي بسياج من الأوامر والنواهي يفوق ما شرعه الله لعباده المؤمنين . وإذا كانت الصلاة تعبيراً عن الدعاء والتوسل بكيفية معينة وأوقات محددة، فإن الصوفية توجهوا بصلاتهم أو بدعائهم  وتوسلهم إلى الأشياخ متضرعين متذللين . ولم تخل تلك الصلاة الصوفية من ركوع وسجود وأوراد قدمت فيها الإبتهالات أو التسبيحات للإله الصوفي خوفاً وطمعاً.. الجاهليون قصدوا الأنصاب والقبور المقدسة بالصلاة والتبرك ، فاستحقوا أن يسخر بهم رب العزة جل وعلا . ونقرأ قوله جل وعلا عن عبثية الدعاء والعبادة والتوسل والصلاة للأولياء الآلهة الموتى المقبورين : ( أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (192) وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ (193) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلْ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنظِرُونِ (195) إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (197) الأعراف )،  فهذه الأولياء الموتى لا تخلق شيئا ، بل لا تستطيع أن تخلق ذبابة ولو إجتمعت لها ( الحج 73 ) ، ولا تستطيع نصر أنفسها يوم القيامة ولا تستطيع نصر غيرها ، وهم بشر مثلنا وعباد مثلنا ولكن ماتوا وتحولوا الى تراب ، ليست لهم أيدى للبطش ولا أرجل للمشى ولا أعين للرؤية ولا آذان للسمع ، فكيف يُخيفون الناس بكراماتهم وتصريفهم المزعوم ؟ لذا أمر الله جل وعلا رسوله أن يتحدهم وآلهتهم المقبورة ، وأن يعلن أن الله جل وعلا هو وحده الولى وهو الذى يتولى برحمته الصالحين الذين يموتون بإيمانهم الخالص وعملهم الصالح .ما كان يفعله الجاهليون هو نفس ما يفعله العابدون للأضرحة والقبور المقدسة . ونفس الحال مع الصوفي الذي يقصد الضريح ويقف أمامه خاشعاً متبتلاً ينسى أن المقبور قد تحول إلى تراب ميت فكيف يستجير الحى القادر على المشي والبطش والنظر والسمع – بتراب لا يختلف عن التراب الذى تطؤه الأقدام؟ . كل ما هنالك أن ذلك التراب قد أحيط بأساطير شيطانية جعلته إلهاً متصرفاً في كون الله تعالى.. ثم يهددون بهذه القوة المزعومة كل منكر عليهم .ونعطى تفصيلا عن التوسل كصلاة فى دين التصوف فى العصر المملوكى .

التوسل بالأولياء كصلاة للصوفية تخالف الاسلام

1- الدين بما فيه من توسل وعبادة ومعاملة مع البشر يجب أن يكون خالصا لله جل وعلا : ( فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ) (3)( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (11) (قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (14) الزمر ). والاخلاص يعنى أن لا تكون هناك وسائط بين العابد وربه جل وعلا ، فاتخاذ الوسائط والأولياء والتوسل بهم للتقرب إلى الله زلفى أمر ينافي إخلاص الدين لله تعالى .وإذا أخلص انسان دينه لله – عقيدة و عبادة دعوة وصلاة وشعائر وتعاملا مع الناس – فلا مجال لأى انسان مقدس في عقيدته، وحق الله عنده أكبر الحقوق وأجلها وأعظمها . لذا كان من البديهي أن تبدأ الصلاة والآذان بقول المسلم (الله أكبر).، فهو جل وعلا ( الأكبر ) وليس معه معبود غيره ، لأنه جل وعلا لا خالق للمخلوقات غيره.

أما المشرك فهو يكره من المسلم إخلاص دينه لله جل وعلا : ( فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14)غافر ) لأن هذا المشرك قد تبدد إخلاصه بالشوائب فتتعدد الآلهة أمام عينيه ، ويقصدها بالتوسل كي تتوسط له عند الله متناسياً أن الله تعالى قريب من عباده ، يقول تعالى  (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) (186) البقرة ). بل إن الله أقرب إلى الإنسان الحي من حبل الوريد حتى لا تخفى عليه خافية من هواجس النفس البشرية (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)  ق )، هذا فى الحياة ، وهو أيضا عند الاحتضار:( فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ (85) الواقعة ). ذلك المشرك الذي يترك الله تعالى القريب منه ويتوجه إلى غيرالله بالتقديس والعبادة والدعاء والتوسل إنما يتدنى بنفسه إلى عبادة الشيطان ، فهو الذي يوحي إليه بذلك ويزين له أنه على حق في اتخاذه للأولياء وأنه بذلك يحسن صنعاً .. (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً (102) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً (106) الكهف )، فالشيطان هو الذي جعلهم يعتقدون أنهم يحسنون صنعاً باتخاذ البشر أولياء وتقديسهم ، لذلك يصف رب العزة جل وعلا تلك القبور المقدسة بأنها رجس من عمل الشيطان.  أي من تدبيره (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90): المائدة ). ويؤكد جل وعلا على إجتنابها : (  فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) الحج )، ومع هذا التأكيد على ( رجسية ) القبور المقدسة إلا إن المحمديين يحجون اليها ويعكفون عليها ، واشهرها القبر المنسوب زورا للنبى محمد والقبور المنسوبة زورا للحسين وأخته زينب بنت على ، والصحابة والأولياء وائمة الشيعة . يتفوق المحمديون ( سنة وشيعة وصوفية ) على أتباع كل الأديان الأرضية فى عبادة القبور والموتى ، ثم يتطرفون فى تحريم  التصوير والنحت والتماثيل العادية ، يعتبرونها كفرا وشركا. وهذا خبل عقلى مضحك .!

2- وقد حرص الصوفية على أن يتمثل فى التوسل كل خشوع وتذلل يتقدم به المريد أمام الأضرحة الصوفية ، حتى أن فقيهاً صوفياً طالما أنكر على الصوفية وانحرافاتهم في عصره سلم بهذه العقيدة الصوفية – عقيدة التوسل، وطالب بها زائري الأضرحة وعبُادها ، وهو بذلك يعبر – لا عن نفسه فحسب –  بل عن العصر،يقول ابن الحاج العبدرى عن الأولياء المقبورين : ( يتعين على الزائر قصدهم من الأماكن البعيدة ، فإذا جاء إليهم فليتصف بالذل والإنكسار والمسكنة والفقر والفاقة والحاجة والإضطرار والخضوع ، ويحضر قلبه وخاطره إليهم وإلى مشاهدتهم بعين قلبه لا بعين بصره ، لأنهم لا يبلون و لا يتغيرون .. ثم يتوسل إلى الله تعالى بهم في قضاء مآربه ومغفرة ذنوبه)[82].

ويهمنا أن ابن الحاج ذلك الصوفي المعتدل لم يملك الا بالتسليم بالعقيدة الأساسية لدين التصوف الذي يؤمن به، وأن اشتراط الذل والإنكسار والمسكنة والفقر والفاقة والحاجة والإضطرار والخضوع وحضور القلب والخاطر وعين القلب – كل ذلك أكبر مما هو مطالب به المسلم في صلاته لله ، فلم يرد في القرآن الكريم بشأن الصلاة بعد المحافظة عليها إلا طلب الخشوع فيها كما جاء فى إفتتاحية سورة ( المؤمنون ). فابن الحاج وقع فيما تردى فيه الصوفية من تفضيل للولي على الله .. تعالى عما يقولون علواً كبيراً..

ويتجسد ذلك التفضيل في مقارنة التوسل بالصوفي بالصلاة لله تعالى ،فالمسلم مهما كان تقياً فإن صلاته لا تخلو من شرود وسهو ونسيان ، أما الصوفي عابد الأضرحة فيقف أمامها وكله انتباه وخشوع وتخشع وانكسار وتوسل واضطرار وتزلف..

وسبق أن ذكرنا أن بعض الصوفية اعتبر الخشوع في الصلاة الإسلامية بلاءاً عظيماً في الوقت الذي يعبر فيه صوفي معتدل كابن الحاج عن هيئة العابد الصوفي أمام الضريح بشتى صفات الفقر والاحتياج والذل والإنكسار، بل إن الشعراني صرح بأن الهدف من التوسل هو منع المريد من الإلتجاء لله تعالى ، فهى إذن حرب لله تعالى في سبيل سلب أكبر كمية من التقديس الواجب لله تعالى ،يقول الشعراني (المريد إذا مرض ولم يعده شيخه يحصل له الأسف في نفسه ويحول باطنه إلى الإعتماد على الله تعالى ، بخلاف ما إذا عاده أصحابه ، فإنهم ربما يحجبونه عن الإلتجاء إلى الله تعالى في مثل ذلك). وقد عد الشعراني من المنن مداواته بعض المريدين للأشياخ الآخرين إذا مرضوا فلم يزرهم شيوخهم[83].  ، وذلك حتى لا يلجأ المريد لله تعالى .

3- والتوسل بالولي الصوفي ركن أساس وهام في العقيدة الصوفية ، بل هو عمودها وبدايتها ، وقد سبق أن ذكرنا أن التوسل بدأ مع بداية التصوف الأولى  فمعروف الكرخي كان نصرانياً فتصوف وادعى الإسلام وأصبح رائداً في الطريق الصوفي ،وقد قال لتلميذه السري السقطي :(إذا كانت لك حاجة إلى الله تعالى فأقسم عليه بي)[84].  ,أنه وقع على عاتق الغزالى فى القرن الخامس الهجرى إختراع الصيغة المناسبة للتوسل بالولى الصوفى ، أى الصلاة اليه ـ فوجد ضالته فى صناعة حديث مزور ينسبه للنبى عليه السلام ، فزعم أن صوفيا ظل يتمرغ فى التراب يلوم نفسه قائلا : أجيفة بالليل بطّالة بالنهار ، وتمضى الاسطورة بأن يلقى النبى فيقول له النبى : أما لقد فُتحت لك أبواب السماء ولقد باهى الله بك الملائكة ، ثم قال لأصحابه : تزودوا من أخيكم ، فجعل الرجل يقول له : يا فلان ادع لي ، فقال النبي (ص) عمَهم فقال الرجل :اللهم  اجعل التقوى زادهم واجمع على الهدى أمرهم فجعل النبي (ص) يقول : اللهم سدده فقال الرجل : اللهم اجعل الجنة مآبهم) [85].  ويقول العراقي في تصحيح سند هذا الحديث : (هو منقطع أو مرسل ولا أدري من طلحة هذا)[86]. أى إنه حديث لا أصل له ، أى إخترعه الغزالى نفسه ، ولم ينقله عن آخرين . ومن حيث المتن نقول إن هذا الحديث ذكر مصطلحات صوفية لم تكن معروفة في عصر الرسول عليه السلام مثل (بطال) ( أى عاطل عن العمل ) . مع وجود الجو الصوفي في تعذيب النفس بلا مبرر، والتوسل بذلك الذي تمرغ في الرمضاء بدافع صوفي هو مجاهدة النفس.  ومع أن النبى محمدا نفسه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فكيف يملك هذا الحق شخص من عامة المسلمين لم يجرؤ الراوي الكاذب على أن يطلق عليه إسماً.. ثم كيف يتوسلون به فى عصر النبى والنبي موجود معهم والإسلام يمنع التوسل بالنبي؟ ألا يعبر ذلك عن عقيدة الإتحاد الصوفية التي تفضل الولي الصوفي على الرسل والأنبياء؟؟

وقد يلجأ الغزالي إلى أقاصيص الصوفية التي تنبىء بالتوسل وعلم الصوفي بالغيب كقول ابن علوان ( كنت قائماً ذات يوم أصلي فخامر قلبي هوى طاولته بفكري حتى تولد منه شهوة الرجال فوقعت إلى الأرض وأسود جسدي كله ، فاستترت في البيت فلم أخرج ثلاثة أيام وكنت أعالج غسله في الحمام بالصابون فلا يزداد إلا سواداً ، حتى انكشف بعد ثلاث ، فلقيت الجنيد وكان قد وجه فأشخصني من الرقة فلما أتيته قال لي : ما استحييت من الله تعالى ، كنت قائماً بين يديه فساررت نفسك بشهوة حتى استولت عليك برهة  فأخرجتك من بين يدي الله تعالى فلولا أني دعوت الله لك وتبت إليه عنك للقيت الله بذلك الذنب ، قال فعجبت كيف علم بذلك وهو ببغداد وأنا في الرقة).وعلى هذا فالجنيد علم الغيب وكشف المستور وأن إبن علوان هذا إحتلم وهو يصلى فإسودّ جلده ، فما كان من الجنيد إلّا أن توسط لدى الله تعالى ــ بزعمهم ــ حتى انقشع اللون الأسود عن مريده . كل ذلك والجنيد في بغداد والمريد في الرقة لم يخطر بباله أن الجنيد يعلم بحاله.

 ثم يومىء الغزالي للتوسل ويسنده حتى لخدام الصوفية في الربط يقول (خدام الصوفية في الربط يخالطون الناس بخدمتهم وأهل السوق للسؤال منهم – أى التسول منهم – كسراً لرعونة النفس واستمداداً من بركة دعاء الصوفية المتصرفين بهممهم إلى الله تعالى )[87]

بعض تفاصيل عن صلاة التوسل الصوفية

 فى العصر المملوكي لم يجد الشعراني حرجا من الإعلان بوجوب زيارة الشيخ لمريده حتى لا يلجأ المريد لله تعالى من دون الشيخ وتضيع قاعدة التوسل ، وهذا هو التجسبد الحي لعبادة الصوفي والصلاة إليه . وصار من مظاهر تمكن الصوفي أن يدعو الآخرين للصلاة إليه للتوسل به  فالدسوقي يقول لمريده (يا مريدي إن صدقت معي وصح عهدك فأنا منك قريب غير بعيد ،وأن في ذهنك وأنا في طرفك ، وأنا في جميع حواسك الظاهرة والباطنة )[88].وقال (إن صدق المريد مع شيخه ونادى شيخه من مسيرة ألف عام أجابه ، حياً كان الشيخ أو ميتاً ، فليتوجه المريد الصادق بقلبه إلى شيخه في كل أمر دهمه في دار الدنيا فإنه يسمع صوت شيخه ويغيثه مما هو فيه ، ومهما ورد عليه من مشكلات سره يطبق عينيه ويفتح عين قلبه فإنه يرى شيخه جهاراً فإذا رآه فليسأله عما شاء وأراد)[89].

فالدسوقي ينتحل لنفسه وللشيخ الصوفي صفات الله تعالى ، فيجعل من الولي الصوفي قريبا ًمن مريده ومهما ناءت بينهما المسافات فهو أقرب إليه من حبل الوريد ،ثم هو – أى الصوفي – يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ولو من مسيرة ألف عام وكل ما على المريد أن يدعو شيخه بصدق وإخلاص فيرى الإجابة محققة . والصلاة – أو الدعاء – تكون رغبه أو رهبة ، وأكبر الخوف من النار وأعظم الرغبة في الجنة ، ومع أن الله تعالى هو خالق الجنة والنار ،إلا أن الدسوقي استكثر أن تخرج الجنة والنار عن منطقة نفوذه فيضيع منه جانب من الصلاة له والتوسل به ، فكان يقول (أنا نار الله الموقدة ، أنا جنة الخلد ، أنا بي يستغيث الناس فيغاثون). وسبق أن عرضنا  لتخريف الدسوقي بشأن تصريف في الجنة والنار في مبحث تصريف الولي.

وصارت دعوة الصوفية للتوسل بهم حقاً لكل صوفي مشهور أو غير مشهور، فتاج الدين النخال (ت824 هـ) كان يقول (إن حصلت لك شدة وكنت في أى جهة فتوجه إلى مصر وقل يا شيخ تاج الدين يا نخال فإن كنت في المشرق أو في المغرب أتيتك بأسرع ما يمكن)[90].

وبعد موت الصوفي لا تنقطع دعوته لمريديه بالتوسل إليه والصلاة عند قبره ليستجيب لهم ، حتى أن أحدهم دعا الله بدعاء مأثور فى جلب الرزق فرأى شيخه المنوفي بزعمه – وكان ميتاً – يقول في منام (أما يستحي أحدكم أن يكلف جبريل في شيء من الرزق)[91].،ذلك أن أتباعه كانوا يتوجهون إلى قبره يتوسلون به فيقضى حاجتهم[92]   بزعمهم ، ونحو ذلك ما قاله سالم العفيفى عمن يزور قبره ولا يتوسل به( أنا أعجب ممن يزورني ولا يدعو ولا يسأل حاجة )[93].

5- وواضح ان تلك المنامات المزعومة المسندة للشيوخ إنما حكيت على ألسنة الأتباع من سدنة الأضرحة المتعيشين على النذور التي تقدم والهبات التي تمنح ، وقد يكون منهم ابن للشيخ المتوفي لم يرث إلا سمعة والده وهو حريص على تنميتها بعد ان تحول إلى ضريح ، من ذلك ما حكي عن محمود ولد شمس الدين الحنفي الصوفي الشهير في العصر المملوكي من أنه أصابته فاقة بعد وفاة والده فجلس أمام ضريحه وشكى إليه حاله وذكر قول أبيه للمريدين (من كانت له حاجة فليأت إلينا ويطلب حاجته فإن ما بيني وبينكم غير ذراع وكل رجل يحجبه عن أصحابه ذراع من تراب فليس برجل ) ثم قال فلم يشعر إلا برجل يقدم له خروفاً مشوياً وخبزاً كثيراً . ورويت قصة أخرى عن نفس الإبن توسل بأبيه من أجل الثياب[94].

وبعد موت الشاذلي وازدياد شهرته بتكاثر الطريقة الشاذلية وفروعها عظم التوسل بالشاذلي وحمل أتباعه الأوائل لواء الدعوة للتوسل به .. يقول مكين الدين الأسمر ( الناس يدعون إلى باب الله تعالى وأبو الحسن يدخلهم على الله )[95]. ويقول أبو العزايم ماضي أنه استغاث بالشاذلي عندما كانت العرب تنهب الحجاج واغاثه الشاذلي ، رغم أنه مقيم بالإسكندرية ،وعندما رجع إليه قال له (يا ماضي لما اشتد الحال عليك وناديت بنا أتينا إليك وخلصناك مما كنت فيه)[96]..

6- ومن الطبيعي أن تتخم كتب المناقب بالدعوة للتوسل بالأولياء الذين كتبت فيهم تلك المناقب .. ففي مناقب الحنفي أن تاجراً صرعه اللصوص وهموا بذبحه فاستجار بالحنفي . يقول ( فألهمتني القدرة أن قلت يا سيدي محمد يا حنفي هذا وقتك) وسمعه الحنفي وهو في خلوته التي لا منفذ فيها فرمى بفردة قبقابه فأصابت اللص وصرعته (فلم أشعر يا سيدي إلا وهذه الفردة في الهوا وسمعت سيدي يقول : الله أكبر الله أكبر) ( ونجاني الله منه ببركة سيدي)[97].

وفي مناقب عبد الرحيم أن امرأة دعت على الزردكاش والي قوص وتوسلت بعبدالرحيم القنائي فمات الوالي [98]. وفي مناقب الفرغل أن ركاب سفينة غارقة توسلوا بالفرغل فسد الموضع بطاقيته فأنجاهم والسفينة وأمرهم بالحرص على الطاقية فأتوا بها  إلى بلدته في الصعيد [99].

وفي مناقب المنوفي أن بعض الأمراء خاف من غضب السلطان الناصر محمد بن قلاوون فاستغاث بالمنوفي – وكان وقتها مع مريديه – فرآه أمامه وطمأنه[100].

  وفي العصر العثماني يقول حسن شمة كاتب مناقب الدسوقي (ضل لي حمار فنظمت بيتين استغثت فيهما بسيدي ابراهيم الدسوقي في رده فجاء الحمار [101]. أى أن سلطان الصوفية وصل للحمير..

7- ومن الطبيعي أن يتضخم التوسل بالأولياء في العصر المملوكي – ليس فقط للإعتقاد في جدوى التوسل – ولكن ظروف العصر المملوكي السياسية – بين فتن ومؤامرات واشتداد للظلم – كلها كانت تدفع للتوسل . ومع وجود الجهل وسيطرة التصوف لم يجد الناس أمامهم إلا أولياء الصوفية وادعاءاتهم فصدقوا بها وآمنوا. ورددت ذلك المؤلفات التاريخية غير الصوفية ، فيقول المؤرخ أبو المحاسن عن إسماعيل الإمبابي أنه (أحد من تستغيث به العامة إذا مسها الضر ، ويزعمون أن سره يجلب عنهم السوء والمكروه  )[102]. بل أن السبكي الفقيه الصوفي يصف الصوفية بأنهم (أهل الله سبحانه وتعالى وخاصته ، الذين يرتجى الرحمة بذكرهم ويستنزل الغيث بدعائهم )[103]. والأكثر من ذلك أن السلطات الرسمية المملوكية اعترفت بالتوسل بالصوفية ، فقد ورد في وثيقة تقليد شمس الدين الأيكي لمشيخة خانقاه سعيد السعداء بشأن الصوفية ,( بهم تكشف الكربات وبهم يتوسل المتوسلون .. فمنهم الأبدال والنجباء والأوتاد والنقباء والمختارون بعد العرفاء والغوث الذي هو واحد تحت السماء)[104].

تشريعات  صلاة التوسل بالأولياء الموتى

1- وقد وضع الصوفية أولويات للتوسل . فمن ذلك أن أقرب الناس للولي الصوفي لا يتوسلون إلا به ، يقول الشعراني أن زوجة شمس الدين الحنفي مرضت ( فكانت تقول يا سيدي أحمد يا بدوي خاطرك معي ، فرأته في المنام يقول لها : كم تناديني وتستغيثي وأنت لا تعلمي انك في حماية رجل من الكبار المتمكنين ، ونحن لا نجيب من دعانا وهو في موضع ( أى فى حماية ) أحد الرجال ، قولي يا سيدي محمد يا حنفي يعافيك الله ، فقالت ذلك فأصبحت كأن لم يكن بها مرض )[105]. وعلى نفس المنوال استغاثت زوجة خادم زاوية الحنفي في مرضها بالبدوي فكان أن عنفها البدوى في المنام ( أما تعلمي أن الأدب بين الفقراء ( أى الصوفية ) مطلوب ، فلا تعودي تقعي في هذا القول ، بل قولي يا سيدي محمد يا حنفي خاطرك معي)[106].

والصوفي في حياته قد يدعو للتوسل بالصوفية السابقين ، وبعد موته تسند إليه الأقوال الداعية للتوسل به . فالشاذلي مثلاً كان يقول إذا عرضت إليكم حاجة إلى الله فتوسلوا إليه بالإمام أبي حامد[107].وفي المصادر الشاذلية اللاحقة  كان المرسي تلميذه يقول أن الشاذلي قال له (إذا عرضت لك حاجة إلى الله فأقسم عليه بي) ،ويقول مؤكداً ما سبق (فكنت والله لا أذكره في شدة إلا انفرجت ، ولا أمر صعب إلا هان ، وأنت يا أخي إذا كنت في شدة فأقسم على الله به، وقد نصحتك)[108].

2 ــ ومن ناحية أخرى أوجد الصوفية بعض التدرج في التوسل حين كثر الأولياء وتفرعت الطرق الصوفية ، يقول الخفاجي (من كان له مقصد فعليه بالتوسل أولاً بسيدي عبدالعال في أن يترجى له من سيدي أحمد البدوي فهو المقبول عنده في حال الحياة ، فيكون في أمر البرزخ أسرع للإصابة )[109]. وكان المتبولي يقول (إذاكان لكم إلى الله حاجة فتوسلوا بسيدي عبدالله المنوفي، فإن لم تُقض فتوسلوا بسيدي شرف الدين الكردي ، فإن لم تُقض فعليكم بالإمام الشافعي ،فإن لم تقضى فعليكم بالسيدة نفيسة )[110]. فلم يتذكروا الله وسط هذا التدرج ولو فعلوا لما كانت هناك حاجة لهذه السلسلة الطويلة ، فهو تعالى قريب ولا واسطة بينه وبين عباده إذا أخلصوا له العبادة والدعاء ..

9- ويقول صوفي :

اني اتيتك يا ذا المشرع العالي

                                            فأنظر بلحظك في شأني وفي حالي

ولا تكلني إلا من ليس ينصرني

                                             ولا إلى ذي جفا للعهد لي قالــي

ففاقتي لك يا ذا الطول قد عُلِِمتْ

                                             منْ كسرقلبى ومن حالي ومن قالي

وقد تحاميت في الجاه المديد فلا

                                             تردني خائباً من فيض أفضـالي

اغث بجاهك من يأتيك ملتهفاً

                                             فالجود بالجاه فوق الجود بالمـــال

ومن أولى بغوثي منك يا أملي

                                            ومنتهى رحلتي ومنائي بل وآمالي

وصُن بعزك ياذا الطول وجهي عن

                                               سؤال غيرك ممن حاله حــالي

وقد نزلت بــباب  فــاز     قاصـده

                                              بــكل قصـد وتعظيــم وإجــلال ..

والقارىء العادي يعتقد لإول وهلة أن المقصود بهذا الخطاب هو الله تعالى، إذ لا يليق أن ندعو غيره بهذا الدعاء والتوسل ، ولكن ذلك الشعر قاله أحد المحبين في توسله للبدوي [111].

فقد نظم الصوفية كثيراً في شعر التوسل قياساً على ما قاله بعض الزهاد السابقين في الدعاء لله. ومن ذلك الشعر الصوفي ما قاله ابن الميلق الشاذلي فى التوسل بأبى الحسن الشاذلى : [112]:

فكن شاذلي الوقت تحظى بسره

                                         وفي سائر الأوقات مستغنياً بعن

فإنــــي له عـــبد وعبد لعبــــده

                                          فيا حبذا عبد لعبد أبى الحــسن

وإذا لم أكن عبداً لشيخي وقدوتي

                                          إمامي وذخري الشاذلي أكن لمن؟

ونقول لقاضي القضاة ابن الميلق الشاذلي : كن لله عبداً.أو لم تتذكر الله رباً لعبوديتك؟.

وصار من عادة النثر الصوفي أن يقال في ترجمة الصوفي أو حين يذكر (ونفعنا الله ببركته) أو (ونفعنا بهم)إلخ[113].

10- ولله ( سُبحانه تعالى ) ( يُسبّح ) كل شيء : ( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً (44)  ) الاسراء ) يشمل ذلك الطير في أكنانها، يقول تعالى ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41) النور). ، وزاحم الصوفية الله تعالى في ملكه فجعلوا الطير والحيوان يتوسل بهم من دون الله ، وكأنهم لم يكتفوا بالمريدين من البشر فطمحوا لمد نفوذهم على بقية الخلائق.!.

يقول الصوفية (إن يمامة تسكن في جامع عمروتوسلت بياقوت العرش في الإسكندرية فصحبها إلى الجامع وامر المؤذن ألا يأكل أولادها، فتقدمت اليمامة من الشيخ ووضعت منقارها على يده كأنها تقبله فبكى الجميع (وكانت ساعة عظيمة)، وهذه الأسطورة المؤثرة صيغت في أواخر القرن التاسع أى بعد موت ياقوت العرشي بأكثر من قرن.  وردّد ذكرها البتنوني في مناقب الحنفي [114]. والشعراني بعده [115]، ذلك أن القرن التاسع وما تلاه شهد تسيد التصوف للحياة المملوكية فلم يكتف أساطين التصوف بتوسل البشر، فأضافوا توسل الطيور والحيوان ، وحفلت بذلك كتب المزارات التي تدعو إلى تقديس القبور والأضرحة وتنسج هالة حول كل قبر ،ورأت ان تشرك الحيوانات والطيور في هذا الإفك رغم إرادتها ..

فقيل عن قبر مزور منسوب للسيدة عائشة المعروفة ببرء الطير( أن الطيور تأتي إلى قبرها وهى متألمة فتبرأ)[116]. وعن قبر أبي الحسن على المعروف بطب الوحش( كانت الوحوش   إذا  أصابها وجع أو ألم  تأتي إلى قبره تتمعك به فتبرأ )[117]. وقيل عن قبر أبي الحسن اللخمي ( كانت الوحوش تأتي إلى قبره تتبرك بترابه)[118]. وقيل عن قبر أبى زكريا ( وان السبع كان يأتي إلى باب أبى زكريا البستى ويتوسل به)  [119]. ونفس السبع ( المسكين ) كان يأتى إلى قبر أبي الطاهر المحلي (ويتوسل به)[120].

والأرجح ان الوحوش كانت تلجا إلى الترب  والمقابر تتبول عليها ، إذا كانت التربة على أطراف القاهرة وبداية الصحراء ، ورأى المريدون أن الوحوش تعبر بتبولها عن طريقتها فى التبرك بأوليائهم ، فسجلوا ذلك . ولسنا ملتزمين بتصديقهم..

11- ومن الطبيعي أن تستجيب البيئة المصرية لذلك التشريع الصوفي فتصلي للصوفية توسلاً بهم في الوقت الذي تهمل فيه الصلاة لله تعالى..

فالمقريزي عاب على ما شاع في عهده من قولهم ( أنا متوكل على الله وعليك ، وأنا في حسب الله وفي حسبك ، ومالي إلا الله وأنت ، وهذا من الله ومنك ، وهذا من بركات الله و بركاتك ، والله في السماء وأنت لي في الأرض) وجعل هذه الألفاظ شركا ًبالله[121]. والمقريزى كانت فيه نزعة إصلاحية جعلته يُنكر على الصوفية ، وهو هنا يرى إنه لا يصحّ اسلاميا القول بالتوكل على الله جل وعلا وعلى بشر آخر معه .

والواقع ان سهولة جريان هذه الألفاظ  على اللسان إنما ترجع إلى شيوع التوسل بكل شيء وبأى شيء طالما تمتع بإعتقاد الناس حتي لو كان حجراً ، فالمثل الشعبي يقول ( لواعتقد أحدكم في حجر لنفعه )[122]. ويجدر بالذكر ان ذلك المثل الشعبي صدر عنه حديث موضوع بعناية التصوف يقول ( لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه)، وقد نقده ابن القيم وقال فيه ( وهو من وضع المشركين عبُاد الأصنام ) [123]، وهل الأضرحة والأنصاب إلا أحجار تعبدها وتقصدها العامة بحسن الإعتقاد وكبير التوسل والتذلل ؟؟..

ولقد أضحى التوسل فى مصر المملوكية عادة مصرية أصيلة يتميز بها المصرى على ما عداه ،فقد ورد أن السلطان قايتباى أمر بضرب مملوك اشتراه حديثاً ، (فصار المملوك يأكل الضرب ويقول " يا ستى نفيسة " فغضب السلطان أعظم الغضب وصار يقول لمقدم طبقته "هذا ما هو جلب إنما هو زقاقى " يعنى لأى شئ يضرب ولا يقول " توبة حجم " على عادة الأتراك ،ثم أمر أن يسلموه لتاجره)[124]فقد استجار المملوكى(حين ضربوه ) بالسيدة نفيسة فافتضح أمره ،واكتشف السلطان إنما هو مشترى من أزقة مصر، لا من الرقيق الوارد من الخارج ،( أى جلبى ) فأمر برده .

وشاع التوسل بالأولياء والأنبياء حين الأزمات كالضرب مثلاً كما سبق مع ذلك المملوك، ونحو ذلك ما روى عن بعضهم من أنه كان يتوسل بابراهيم الخليل وهو يتعرض لعقوبة الضرب [125]، وقال ابن حجر ان الأمير كشبعا كتبغا كان يضرب مملوكه كلمش فصار يتشفع عنده بالله والرسول[126]، وهو قريب مما يقال فى البيئة الشعبية حين الضرب (أنا فى عرض النبى )..

وقد نشأ الناصر محمد بن قلاوون في مصر وتأثر بالتوسل السائد فيها ، وحدث في أثناء معاركه مع التتار أن صاح مستغيثاً بخالد بن الوليد فقال له ابن تيمية وهو معه ( قل يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين)[127]. . وابن حجر لم يكن صوفياً، بل كان منكراً على صوفية عصره ،ومع ذلك فحينما مات وصار له قبر وشُهرة وصيت قصدته العامة بالتوسل وقالوا فيه (من توسل به إلى الله في حوائجه قضيت)[128].

وأبرز عبارات التوسل الشائعة حتى عصرنا هى قولهم ( مدد يا شيخ فلان ) عند زيارة ضريح انتظاراً لمدد – لن يأتي – من صاحبه .. والمدد هو العون . والمدد أو العون لا يأتى إلا من الله جل وعلا. ولقد قالها نوح عليه السلام لقومه من قبل : (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً (12) نوح) وبعده قالها خاتم المرسلين لأصحابه فى موقعة بدر: (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) آل عمران  )

وكان ينادي على الولد التائه بقولهم (يا عدوي) والعدوي شيخ صوفي ينسب إليه انه يحضر التائه [129]. أو هو عندهم  ( إله) صوفي زعموا انه تخصص في إحضار الأطفال التائهين فكانوا يتوسلون به وقت الحاجة .

  تشريعات صلاة التوسل بالأولياء الأحياء                                 

1- إنصاع المريدون لأوامر الشيوخ بتقديسهم فاعتبروا مجرد رؤية الشيخ عبادة .. يقول ياقوت العرشي تلميذ أبي العباس المرسي ( النظر في وجه الولي على جهة التعظيم ساعة واحدة خير للمريد من عبادته وحده خمسين عاماً)[130]. وعليه فيمكن للمريد ان يكتفي بنظرة لإلهة عن أداء الصلاة لله تعالى- وكان الشيخ بدر الدين المهدي يقول عن أشياخ رفاقه ( كانت رؤيتهم عبادة)[131]. وقيل في ترجمة (على بن وفا) ت 807 (دان أصحابه بحبه( أى جعلوا حبه دينا ) ، واعتقدوا رؤيته عبادة ،وتبعوه فى أقواله وأفعله ،وبالغوا فى ذلك مبالغة زائدة ، وسموا ميعاده المشهد ، وبذلوا له رغائب أموالهم ،هذا مع تحجبه التحجب الكثير)[132].

2- فعلىُ بن وفا جعل من نفسه إلاهاً ، واعتبره أتباعه كذلك، فاعتقدوا ان رؤيته عبادة. ولم يزدد بذلك على وفا إلا غلواً، فطالب مريديه بالصلاة له حتى يتحقق بهم ويمن عليهم يشيء من ألوهيته..يقول( لم أجد الآن مريداً صادقاً يتقرب إليَ حقيقة حقه عندى بالنوافل حتى أحبه ، ولو وجدته لوافيته بحقه، فأحببته فكنت هو . )[133]. اى يقلد حديث البخارى ( من عادى لى وليا .) وفيه ( ولا يزال عبدى يتقرب الى بالنوافل ..) الى آخر هذا الإفك الكافر الآثم الذى صنعه البخارى . وعلى بن وفا يريد من مُريده أن يتقرب اليه بصلاة النوافل له ، ويعده حينئذ أن يتحد به ويحل فيه طبقا لعقيدتهم فى الحلول والاتحاد . أى يجعل نفسه (الإله ) فى الدين الصوفى الذى يحل بالولى الصوفى ويتحد به الولى الصوفى بزعمهم.  وكان الإعتقاد في شفاعة الولي الصوفي سائداً في العصر المملوكي ، وبحجة الشفاعة المزعومة طالب بعضهم الأتباع بالصلاة إليهم حتى يشفعوا فيهم ،فكان أحمد الزاهد يقول (ما دخل أحد إلى مسجدي هذا ثم صلى ركعتين إلا أخذت بيده في عرصات القيامة ، فإن الله شفعني في جميع أهل عصري)[134]. وعلى ذلك فهو يطلب من جميع معاصريه أن يصلوا له في مسجده كي يشفع لهم وإلا فلا ..

3- وكان قيام المريد بين يدي شيخه متمثلاَ فيه كل معاني التقديس والتبتيل والعبادة ، لا تقل بأي حال عن وقفة المصلي أمام ربه الخالق جل وعلا ، بل ربما ينشغل المصلي عن صلاته – وهوما لابد أن يحدث – أما المريد فكله انشغال بشيخه حين الوقوف أمامه ،بل إن تعلقه بشيخه وانشغاله به مستمر سواء وقف أمامه أم ركع .

ويبدو أن ذلك القيام الخاشع أمام الأشياخ كان عادة مملوكية لم يعرفها العثمانيون حين دخلوا مصر فنظروا إليها بشيء من الإستنكار، ولما كان الحكم العثماني في بدايته شديداً على ذوي المكانة من المصريين فقد نال بعض الصوفية المقدسين بالضرر فانكمش الآخرون ومنهم الشعراني القائل (أخذ علينا العهود إذا عملنا مشايخ على فقراء ( أى صوفية ) في زاوية أو على خرقة من الخرق المشهورة أن نفر من طريق الناموس جهدنا ولا نمكن أحداً من الفقراء ( الصوفية ) يقف بين أيدينا غاض طرفه كما يقف في الصلاة .. فنأمره أن يخالف عادته إذا حضر )[135].

أى ان الوقفة الخاشعة أمام الشيخ والتى لا تختلف عن الصلاة لله تعالى قد اتخذت عادة في العصر المملوكي ثم آن لها أن تنحصر قليلاً – لا خوفاً من الله تعالى وإنما خوفاً من إغضاب العثمانيين، يقول الشعراني بعد ذلك (وربما جره – أى الشيخ المعبود – ذلك إلى النفي من بلده كما وقع ذلك للشيخ أويس بالشام والشيخ على الكارزوني بحلب.. والقانون العثماني الآن إن كل من تظاهر بصفات الملوك وعارض أركان الدولة فيما يفعلونه يحبسونه أو ينفونه.. نسأل الله اللطف) [136].

4- وركوع المريد أمام شيخه أمر مقرر، فهويقف أمامه( غاضاً طرفه ) كما يقول الشعراني ، ثم يزيد ذلك بأن يقبل يده فيركع أمامه ليتمكن من التقبيل .. وقد حكى الشعراني عن نفسه ( دخلت مرة جامع الأزهر في صلاة جنازة فلما انصرفت من الصلاة أكب الناس على تقبيل اليد والخضوع ، وتبعوني يشيعوني إلى الباب ، حتى صاروا أكثر من الحاضرين في الجنازة )[137]. أى ركعوا امام الشعرانى يقبلون يده خاضعين له.  ولا تجد صوفياً إلا ومريدوه يقبلون يده ويحققون له الركوع . مع أن الركوع خشوعا هو الواجب لله جل وعلا وحده.

5- وقد يمتد التقبيل ليصل إلى تقبيل رجل الصوفي .. فيصبح الركوع سجوداً..

وقد افتخر الشعراني وعد من المنن كثرة تواضعه لكل فقير زاره يقول أن من المنن: ( كثرة تواضعي وتعظيمي لكل عالم أو فقير زرته وتقبيل يده أو رجله بطيبة نفس ، ثم لا أرى أني قمت بواجب حقه عليَ ) فالسجود من الشعراني – وهو من كبار الصوفية – لبعض الصوفية من أقرانه أقل من الواجب المفروض لهم. ثم أن هذاالسجود وتقبيل القدم لهدف صوفى بحت وهو تقوية الاعتقاد فى ذلك الصوفى  إذ يرون شيخهم يسجد له أقرانه ويقبلون رجله ، يقول الشعراني ( ثم لا أرى أني قمت بواجب حقه علي ، لا سيما بحضرة أصحابه وتلامذته ، فإن في ذلك تقوية لإعتقادهم فيه ، فيعكفون عليه ويقبلون نصحه ، وتربيته، لا سيما أن لي إسماً في المشيخة عندهم فيقولون إذا كان الشيخ فلان يقبل رجل شيخنا فذلك دليل على أن شيخنا أعلى منه مقاماً ،فيزداد اعتقادهم فيه وانتفاعهم به)[138]. إلى هذا الحد بلغ فعل الشعراني بنفسه ، يقبل أقدام زملائه ساجدا لهم – وهو أكبر الصوفية في عهده – كي يقرر مبادىء التصوف ويدعمها .

بل كان الشعراني يسجد أمام عتبة بيت الصوفي ، يقول (وكثيراً ما أُقبّل عتبة باب ذلك الشيخ أو باب زاويته بحضرة تلامذته إذا دخلت وإذا خرجت وهم ينظرون ، وإن كان ذلك الشيخ دوني في المقام (مقام الولاية بزعمهم ) وإنما أفعل ذلك مع ذلك الشخص لعلمي بعكوف أصحابه عليه دوني )[139].

والشعراني يعرف مكانته جيداً ويعلم انه أكثر الصوفية في عصره علماً ، وهو إذ يفعل بنفسه ذلك إنما يهدف إلى خدمة دينه الصوفي ويقدم ذلك على حظ  نفسه،  يقول ( وصاحب هذا المقام دائر مع المصالح ، لا مع حظ النفس )[140].

6 ــ على ان السجود للشيخ اتخذ عادة صوفية في السماع أو الرقص الصوفي منذ بداية العصر المملوكي . وقد أثارت هذه العادة إنكار ابن الحاج الفقيه الصوفي يقول ( يسجد الفقير للشيخ حين قيامه للرقص وبعده.. واتخذ هذا السجود عادة في السماع وعند الدخول على مشايخهم .. فإذا أخذه الحال يسجد للأقدام سواء كانت للقبلة أوغيرها)[141]. أى أن السجود للشيخ يتم في حفلة السماع اوالرقص حين يدخل على الشيخ في مجلسه أو حين يقوم للرقص أو ينتهي منه.. ولا يرتبط ذلك بالقبلة على حد قول ابن الحاج الذي يخلط بين الفقه والتصوف ، فالصوفي يقصد الشيخ بالسجود ولا محل للقبلة في تفكيره. ونحو ذلك ما كان يفعله أتباع علي وفا إذ كانوا ( يومئون إلى جهته بالسجود ) ، أى يسجدون ناحيته أينما سار ، وقد أنكر عليه وعليهم ابن حجر المؤرخ ، فما كان من علي وفا إلا أن قال ( فأينما تولوا فثم وجه الله )[142]. وكان مريدو الشيخ سنطباي (يسجدون له ، ويقرهم على ذلك)[143].

والمهم أن الصلاة للشيخ الصوفي كان فيها كل حركات الصلاة الاسلامية لله جل وعلا من ركوع وقيام وسجود، ولكن الصلاة الصوفية تمتلىء أكثر بالخشوع للشيخ وتقديسه.   

 تشريعات  الصلاة الصوفية بالأوراد والأحزاب والسبحة

1-الصلاة تعني الدعاء معنى وقد جسد الصوفية في التوسل بالأولياء معنى الصلاة. والصلاة تعني الركوع والقيام والسجود شكلاً، وقد تعبد الصوفية لأشياخهم بركوع وسجود وقيام ذليل.وفى الصلاة تسبيح وتحميد. ولم ينس الصوفية أن يخترعوا صيغاً مطولة لتمجيد الأشياخ أطلقوا عليها الأوراد والأحزاب والصلوات.وقد قرن الله سبحانه وتعالى بين التسبيح والصلاة ، وجعل تسبيح الطير صلاة له جل وعلا فقال : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41) النور ) . والصوفية قرنوا الورد او الحزب بالصلاة، فحزب الشاذلية المنسوب لإبن بشيش معروف بأنه (صلاة ابن بشيش ) وفيه يقول ( وزجُني في بحار الأحدية ، وانشلني من أوحال التوحيد ، واغرقني في بحر عين الوحدة )[144].

2- ومن الطبيعي ان تعكس اوراد أو صلوات الصوفية عقائدهم في الإتحاد بالله  من خلال آيات قرآنية وابتهالات لله تعالى.

فالشاذلي – الصوفي المعتدل – يقول في نهاية حزبه بعد آيات قرآنية كثيرة للتمويه ( اللهم صلني بإسمك العظيم الذى لا يضر معه شيئ في الأرض ولا  في السماء، وهب لي منه سراً لا تضر معه الذنوب شيئاً ، واجعل منه وجهاً تقضى به الحوائج للقلب والعقل والروح والسر والنفس .. وادرج أسمائي تحت أسمائك وصفاتي تحت صفاتك وأفعالي تحت أفعالك .. واغنني حتى تغنى بي ، واحيني حتى تحيى بي ما شئت ومن شئت من عبادك ،واجعلني خزانة الأربعين..)[145].

ويقول تلميذه ابو العباس المرسي في حزبه ( اللهم يا جامع ليوم لا ريب فيه اجمع بيننا وبين الصدق والنية والإخلاص والخشوع والهدية والحياء.. وخصنا منك بالمحبة والإصطفائية والتخصيص والتولية وكن لنا سمعاً وبصراً ولساناً وقلباً وعقلاً ويداً..) إلى أن يقول :(.. ضيق عليّ بقربك واحجبني بحجب عزتك وعز حجبك وكن أنت حجابى حتى لا يقع شيئ منى إلا عليك.. وهب لي حفنة من حفناتك ، ونوراً من أنوارك، وذكراً من أذكارك، وطاعة من طاعات أنبيائك وصحبة لملائكتك.. واجعلني حسنة من حسناتك ورحمة من عبادك.. وارفع الحجاب فبما بيني وبينك ، واجعل مقامي عندك دائما بين يديك ، وناظرا بك إليك ، واسقط البين عني حتى لا يكون بيني وبينك .. يا الله يافتاح يا غفار يا منعم يا هادي يا ناصر يا عزيز هب لي من نور أسمائك ما تحقق به حقائق ذاتك)[148]. ويقول كاتب الوفائية ( واعلم يا أخي ان أحزابه وتوجهاته وأذكاره وأوراده وآدابه جامعة مانعة )[149].

ومن ناحية أخرى كان الشيخ أبو الحمائل يكره للمريد قراءة حزب الشاذلية وأحزاب غيرهم[150]..

4- واحتلت الأوراد مكانتها كعمود لتدين التصوف يماثل الصلاة في الإسلام .. فيقال عن اعتناق التصوف أن الصوفي يتلقن العهد والأوراد ،فزروق الفاسي ( لقنه  الحضرمي العهود والأوراد وأدخله الخلوة )[151]. تماما كما يتعلم الداخل في الإسلام الصلاة بعد الإقرار بالشهادة.

وإذا كانت الصلاة قد فرضت على المسلمين كتابا موقوتا خمس صلوات في اليوم والليلة ‘ قإن الأوراد وزعت توزيعا زمنيا يختلف بإختلاف الأشياخ والطرق .. فوضعت أوراد لكل يوم من أيام الأسبوع كما فعل الخفاجى حين تكلم عن مفاتيح الأوراد لكل يوم من أيام الأسبوع[152]، وألف السيوطى فى الأوراد كتاب( عمل اليوم والليلة)[153]. وزع فيه الأوراد على الأيام والليالى لكل الأسبوع .. واشتهر هذا الكتاب للسيوطى وشاع أن (من قرأ الأوراد الواردة فى عمل اليوم والليلة للسيوطى فليس للجن ولا للإنس عليه سبيل)[154].. وألف غير السيوطى فى الأوراد ، مثل ابن داود الذى (عمل فى الأوراد مجلداً ضخماًً)[155]..

وهذا التشريع وذلك الإختلاف فى الأوراد وتوزيعها وصيغها يذكرنا بالقول السابق عن الأوراد والصوفية من أنهم(اختلفوا فى الأذكار كإختلاف إهل المذاهب ) أى كإختلاف الفقهاء في أمور خاصة بالصلاة ، أي أن لهم دينا أرضيا يعكس إختلافاتهم ومذاهبهم ، كما حدث فى الدين السّنى ومذاهبه وإختلافاته ، وكما فى دين التشيع من طوائف وإختلافات ، ودائما فإن المشركين فى شقاق ، يقول جل وعلا: ( وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) الحج ). ولكن بينما يقوم دين التصوف على الاختلاف ويعترف به ويتسامح فيه ، ويتفرّق الى طرق صوفية متنوعة لكل منها أورادها وأحزابها وشيوخها، فإن دين السّنة يتأسس على التعصب فى داخله بين المذاهب ، وفى خارجه ضد الأديان الأرضية الأخرى سواء كانت محمدية أو مسيحية .

6- وفي مجتمع يتدين بالتصوف فالمنتظر أن يردد الأوراد آناء الليل وأطراف النهار في الوقت الذي  يهمل فيه الصلاة الإسلامية. فكان من علامات التدين أن يوصف الشخص بالأوراد ، فالشيخ الفقيه ضياء الدين الشافعي ( ت780) ( له تهجد وأوراد ، لم يقطع ورده ولا ليلة موته)[156]. وابن سلطان (ت853) ( كان مديما للتلاوة والتسبيح والذكر والأوراد)[157]. وقيل في آخر  ( كان يداوم على  التهجد والأوراد)[158]. ووصف المقريزي  بكثرة الأوراد والتهجد [159]. ومثله ابن ظهير 817 ( كان كثير العبادة والأوراد)[160]..

وقال المقريزي عن ابن العديم الحنفي   (كان ذا دين وتعبد وأوراد )[161]. . وابن داود الذى ألف في الأوراد مجلداً ضخماً مات بعد فراغه من قراءة أوراد الجمعة [162]. وممن وصف بالعبادة والأوراد ابن جماعة [163]. وسراج الدين القرمي [164]. وظافر الفيومي [165]. وآخرون كالبلالي [166]. والنعماني[167]. وقيل في القاضي بدر الدين البغدادي( كان له أوراد هائلة)[168].

ولم تتخلف النساء عن التعبد بالأوراد مثل أخت نجم الدين بن صهري وكان لها أوراد وتسبيح [169].

وأغرم بالأوراد طائفة من المماليك مثل الأمير جانم الذي أحب الفقراء وكان كثير العبادة والأوراد [170]. وكانت للسلطان قايتباي ( أذكار وأوراد جليلة تتلى في الجوامع[171]. ووصف الغوري بالرأي والتدبير مع الذكر والورد[172].

السبحة

1- كانت المظهر العملى للتدين السطحى وآلة للأذكار الصوفية والعبادة عامة فى العصر المملوكى .

2- والسبحة دخيلة على الأديان فلم يرد لها ذكر فى التوراة ولا فى الإنجيل ولا فى القرآن ،ولكن نشرها المتصوفة بين المسلمين كإعانة للتعبد فصارت من الأصول المرعية عندهم يستعملونها فى حلقات الذكر ويحفظها شيخ السبحة وخادم السبحة فى صندوق خاص[173].فذكر أن المنصور لاجين رتب شيخاً للسبحة فى الجامع الطولونى [174].

3- ويدل على قيمة السبحة عند المتصوفة أن أحدهم إنتقص بأنه "لا أخذ فى يده مسبحة ولا طلس مرقعة "[175]. وجعل من آدابهم "إكرام اليد اليمنى إكراماً للقرآن العظيم وكتب الأوراد والمسبحة التى يسبحون عليها "[176].

4- ولعبت السبحة دوراً فى أساطير الصوفية وأقاصيصهم فرويت قصة عن إنسان صوفى بيده سبحة طويلة ولا شيخ له فقال عنه على وفا هذه سبحة الشيطان [177]، ووهب الحنفى مسبحته لوالدة مريده ابن كتيله حين كانت صبيه ذات ست سنوات [178]،. ولعبت السبحة دوراً هاماً فى الفوائد الصوفية حيث يوجبون تكرار اللفظ آلاف المرات ويحذرون فى الوقت نفسه من الزيادة والنقص " فإنه يبطل السر، والحيلة فى معرفة ضبط ذلك أن تأخذ سبحة عدتها 129 فتقرأ الإسم عليها 129 فيحصل المقصود [179].

5- وتستعمل السبحة عند الصوفية بمعنى الورد ففى مناقب الحنفى ".. فلما فرغ  من السبحة .. " " كنت يوما بين يدي سيدي مع الفقراء والسبحة تدار بين يديه والجماعة محدقون به " [180].

6- وأصبحت السبحة منتشرة بين الناس في العصر المملوكي كشعيرة دينية مظهرية يقول ابن الحاج  "بعضهم يعلق السبحة في عنقه ، وبعضهم يتخذ السبحة في يده كإتخاذ المرأة السوار في يدها ، ويلازمها وهو مع ذلك يتحدث مع الناس في مسائل العلم وغيرها ، ويرفع يده ويحركها في ذراعه ، وبعضهم يمسكها في يده ظاهرة للناس ينقلها واحدة واحدة كأنه يعد ما يذكر عليها ،وهو يتكلم مع الناس في القيل والقال وما جرى لفلان وما جرى على فلان" [181]، وفي طاعون سنة 833 إستسلم الناس للموت وتابوا وأنابوا " وصار غالب الشباب في يد كل واحد منهم سبحة وليس له دأب إلا التوجه للمصلاة " [182].

  ثالثاً.  التحوير الصوفى فى الصلاة والأذان :

* في الصلاة :

1- لم يكتف الصوفية بإهمالهم للصلاة الإسلامية وإنما حاولوا إخضاعها لسيطرتهم وتدخلوا في التشريع الخاص بها مع أن التشريع الإسلامي حق لله وحده لا دخل لأى بشر فيه بالزيادة أو النقص ،والرسول عليه السلام نفسه مبلغ عن ربه منتظر لوحيه فيما يخص دينه ودنياه . وبسيطرة التصوف على الحياة الدينية أعطى الصوفية لأنفسهم الحق في التدخل في شرع الله إما بالوضع في الحديث او بالأمر المباشر للمريدين ..

2- ومن ذلك ما أضفاه المتصوفة من أفضال كثيرة على ليلة النصف من شعبان[183]. وقد جعلوا لها صلاة خاصة يقرأ فيها (قل هو الله أحد) ألف مرة لأنها مائة ركعة في كل ركعة عشر مرات ، يقول أبو شامة (وهى صلاة طويلة مستثقلة لم يأت فيها خبر ولا أثر إلا ضعيف موضوع)[184]. وذكر الأحاديث الموضوعة في ليلة النصف من شعبان وقال عن الوضاعين من الصوفية (وكلفوا عباد الله بالأحاديث الموضوعة فوق طاقتهم)[185]..

وفي الوقت الذى تقاعس فيه العوام عن الصلاة المفروضة هرعوا إلى صلاة النصف من شعبان استجابة للأشياخ الصوفية ودعايتهم وعبادة منهم للتشريع الصوفي الذى يكلفهم فوق ما يطيقون ، وأهم من هذا إنها كانت مناسبة للإنحلال الخلقى ، حيث يتجمع الرجال والنساء والصبيان فى تلك الليلة ويحدث الفسق الجماهى ، يقول أبو شامة عن تلك الصلاة ( وللعوام بها افتنان عظيم والتزم بسببها كثرة الوقيد (الإضاءة) في جميع مساجد البلاد التى تصلي فيها ، ويستمر ذلك كله ويجري فيه الفسوق والعصيان واختلاط الرجال بالنساء)[186]. وإذا عرف السبب بطل العجب فالعامة تسمع وتطيع لمن ييسر لها سبل الإنحراف ..

3- والصوفية الذين اعرضوا عن الصلاة الإسلامية المفروضة فرضوا على مريديهم صلاة أخرى ، وجعلوها عامة عليهم . المدبولي ( الذى كان لا يصلى بزعم أنه من أهل الخطوة ويصلى فى الأردن فى جامع اللد والرملة حسب خرافاتهم  )  أوصى الخواص (قرينة في تلك النقيصة) بصلاة ست ركعات بعد المغرب ( وعمم هذا في سائر النوافل التى بعد الفرائض )[187].  فهى صلاة المريد لشيخه ، ولو انصف لاهتم بالصلاة المفروضة أولاً.

4- وذلك الذى استجاب لشيخه الصوفي فصلى نوافل إنما يقصد اولاً طاعة الشيخ في غير ما أمر الله به ، وثانياً يصلي وقلبه معلق بشيخه ..فلا  عبرة بصلاته وبما يقوله فيها غافلاً عنها ..

ويقول الشعراني (إن لم يتيسر للمريد صلاة الجمعة عند استاذه فليتخيله في أى مسجد صلى فيه ، فإن الحكم دائر مع القلب لا مع الجسم )[188]. فصلاة المريد لشيخه ، سواء صلاها بحضرة الشيخ أم بعيداً عنه ، فشيخه في قلبه وخاطره .. وهذا حكم عام يقصد به الشعراني كل مريد لكل شيخ. وفي العصر المملوكي كان المصريون بين مريد وشيخ .. فأين الصلاة لله تعالى؟!

5 ــ وطبقاً لأوامر رب العزة جل وعلا : يجب أن تكون المساجد خالصة لله جل وعلا وحده ، فلا عبادة فيها إلا لله جل وعلا ، ولا تسبيح ولا تحميد ولا تقديس إلا لله جل وعلا ، ولا تكبير ولا ذكر إلا لله جل وعلا وحده ، ولا ذكر لإسم بشر الى جانب إسمه جل وعلا فى الأذان أو فى الصلاة أو العبادة ، وهذا معنى قوله جل وعلا :   ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18)  الجن )..ولكن الذى حدث يتناقض مع ذلك :

أ ) بدأ الصوفية بإقامة الأضرحة داخل المساجد ليستحوذ الولي المقبور على جانب من التقديس والعبادة التى توجه لله في المسجد، حتى يكون شريكاً لله تعالى . فالبداية جعل القبور ملحقة بالمساجد

ب ) ثم بازدياد التصوف أصبحت المساجد ملحقة بالقبور ، أى أن القبور تضم مساجد تابعة لها . ولهذا تكاثرت المساجد فى ( القرافة ) فى القاهرة ومصر . والقرافة هى أماكن الدفن ، وفيها إشتهرت مدافن الأولياء الصوفية ، وصارت زيارة القرافة للتبرك بقبور الأولياء المقدسة فريضة دينية صوفية وعادة إجتماعية زرعها التصوف فى العصرين المملوكى والعثمانى . وإنحسرت بعض الشىء فيما بعد .

وهكذا ، ففي القرافة – حيث قبور الأولياء – أنشئت المساجد . وعمّت تلك الثنائية ( المسجد والضريح ) بحيث أصبح وجود المسجد بدون ضريح فيه أمرا منكرا ، مما جعل الفقهء السنيين يصنعون أحاديث تنكر تقديس القبور وتلعن اليهود والنصارى الذين إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . والفقيه السّنى ابن القيم أفتى بأن الصلاة باطلة إلى جوار القبور العادية، وذكر حديثاً يقول:( جعلت لي الأرض مسجداً إلا المقبرة والحمام). وروى عن ابن عمر انه (نهى عن الصلاة في سبع مواطن وذكر منها المقبرة ). يقول  ابن القيم " والسبب في ذلك حتى لا يعود التقديس الجاهلي للأنصاب وهو القبور المقدسة في العصر الجاهلي، يقول الأثرم  في كتاب (ناسخ الحديث ومنسوخه) ( إنما كرهت الصلاة في المقبرة للتشبه بأهل الكتاب لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد)[189].

ج ) إلا أن صرخات ابن القيم وابن تيمية ذهبت هباءاً ، إذ جعل الصوفية المسجد تابعاً للضريح، وذلك في القرن التاسع حيث اشتدت سيطرة التصوف. فالسلطان قايتباي انشأ لنفسه تربة ( مقبرة ) بضريح وجعل بها جامعاً تابعاً[190]. وسبقه في ذلك السلطان خشقدم[191]. والمماليك أتباع مخلصون للتصوف.. وبرعايتهم أقيمت الأضرحة لكبار الصوفية المشهورين وتتبعها المساجد كالشاذلي [192]. والقنائي[193]. وابن الفارض[194].

د) ثم كانوا يقيمون المساجد على أضرحة وهمية لا وجود لها فى الواقع.. وإنما مجرد اسم شهير يُقام من أجله نصب مقدس و يلحق به مسجد ،فأقاموا أضرحة للمشاهير،يقول السخاوى الصوفى مؤلف كتاب ( تحفة الأحباب ) :( اخترعت أسماء منهم عمرو بن العاص وجماعة من الصحابة والحال أنه لم يذكر أحد من أهل التاريخ ولامن أهل الزيارات ذلك ، ولم يشتهر، ولو كان لهذا صحة لعرف واشتهر)[195].

هـ) بل كان المسجد يقام على ذكرى ولي صوفي قيل أنه كان يجلس في ذلك المكان ، فيقام فيه مسجد بمقصورة، وهى عبادة فصيحة للأحجار فهم يعترفون أنه ما تحت  القبة  من شيخ ، ومع ذلك يقدس الضريح ، ويُنشأ مسجد يتبعه . يقول صاحب تحفة الأحباب (بنى أبوبكر محمد مسجداً أنفق عليه ماله في مغارة ابن الفارض ، قيل أن عمر بن الفارض كان يجلس هناك فاتخذه أبوبكر مسجداً )[196].

6- وعادة ما تقترن الصلاة في المسجد ذي الضريح بتقديس الضريح قبل الصلاة أو بعدها ، بل يصبح الضريح في المسجد مزية له على المساجد الخالية من الأضرحة ، فالعامة حتى الآن تقصد مسجد الحسين مثلاً وتعتبر صلاتها فيه أفضل من الصلاة في غيره من مساجد الله تعالى التى لا يقدس فيها غيره .وجدير بالذكر أن مسجد الحسين أقامه الفاطميون أواخر0 55 هجرية حين ضعفت دولتهم وانفض الناس عنهم فاحتاجوا إلى سند يؤيدهم فكان ذلك النصب المقدس الذي لم يغن عنهم من الإنهيار السياسي شيئاً. إذ سقطت دولتهم بعد إنشائه بنحو أربع عشرة سنة .. إلا أن دعايتهم لمسجد الحسين بوجود رأس الحسين فيه استشرت وتمتعت بالتصديق في العصور التالية حيث سيطر التصوف.

والطريف أن الفاطميين لم يفكروا في الحسين ولا في رأسه حين انتقلت دولتهم إلى مصر قوية فتية، حتى أنهم أقاموا القاهرة عاصمة لهم وأنشأوا فيها الأزهر نسبة إلى فاطمة الزهراء ولم يقيموا في الأزهر ضريحاً لا لفاطمة ولا للحسين (رضى الله عنهما)..

7- ويتحول المسجد الإسلامي إلى ( معبد وثنى ) صوفى لم يجد الصوفية مانعاً من الإقامة فيه كإقامتهم في الربط والخوانق الخاصة بهم .. بل كانت إقامة الصوفي في المسجد مؤهلاً لاعتقاد العامة فيه، حتى أن فقيها سنيا شافعياً في القرن الثامن انقطع بمسجد فهرع إليه الناس معتقدينفيه وليا صوفيا  [197].. وبمرور الزمن أصبحت إقامة الصوفية في الجوامع عادة صوفية. وأشهرهم زين الدين السطحي[198]  وبيرم التركي[199]. وقد أقاما على سطح جامع الحاكم بالقاهرة في أزمنة مختلفة، وفي عصر الشعراني سكن عمر البجائي بجامع آل ملك بالحسينية ،واعتزل صوفي آخر أربعين عاماً بأحد الجوامع [200]..

وسكن الصوفية الأحياء في المساجد معناها أن لهم نصيباً من الصلاة الى تقام في ذلك المسجد.. حيث تمتع أؤلئك باعتقاد الناس فيهم ، وقصدوهم في المسجد بالتبرك والدعاء..

8- ومع سيطرة التصوف على المساجد وتحويلها الى ( معابد وثنية ) فقد قام بعض الصوفية ببناء مساجد خاصة بهم بقصد التميّز ، وأنّ لهم أسرارا وشعائر خاصة يريدون ممارستحا فى حرية بعيدا عن غيرهم .  ومن أؤلئك كان أحمد الزاهد الذي اتخذ طريقة الجنيد في التقية، وقام ببناء عدة مساجد في مصر ، خصصها لأتباعه، وكان يتحرز في لقاء المريدين الجدد كما فعل مع الغمري حين قصد لأخذ العهد لأتباعه . وفي مسجده منع الزاهد مريديه من تعلم الفقه وكان يطرد من يرى فيه اتجاهاً سنيا فقهيا  عن جامعه، بل كان إذا أراد تأديب مريد من أتباعه أمره بإلاقامة في ميضأة الجامع.. أى حول المسجد إلى ملكية خاصة به يتمتع فيها بتقديس أتباعه فهو القائل ( ما دخل أحد إلى مسجدي هذا ثم صلى ركعتين إلا أخذت بيده في عرصات القيامة )[201]. فهو مسجده ، والصلاة له ، والشفاعة أيضاً بزعمه وافترائه .. والدشطوطي كان لا يصلي . ومع ذلك فقد أقام لنفسه عدة جوامع بمصر وقراها وكان متوليه على عمارتها الشيخ جلال الدين البكري مريده [202]..

التحوير في الآذان بالصلاة على النبي (ص)

1- الآذان هو الإعلام بدخول وقت الصلاة لدعوة المسلمين لتأدية الصلاة المكتوبة. ويبدأ بتكبير الله تعالى (الله أكبر). وشهادة الإسلام والدعوة للصلاة والفلاح ويختتم بالتكبير وأن لا إله إلا الله .. تلك هى صيغته الشرعية التى تتناسب مع مقولة ( الله أكبر) التى تعنى أن الله تعالى (أكبر) وما عداه فهو بالنسبة إليه (أصغر) ولا ينبغي أن يذكر إلى جانب الله تعالى إسم بشر حتى إسم النبى محمد ، لأن هذا ينافى ( الله أكبر ) ، ف ( الله أكبر ) من أن يُذكر إسم بشر الى جانب إسمه جل وعلا العظيم الأكبر .

2- ولم يترك الصوفية الآذان يفلت من قبضتهم .. في عصر استولوا عليه وتسيده الجهل حتى لم يدركوا أن التعظيم لأى إنسان في الآذان مرفوض طبقاً للجهر بأن (الله أكبر).. حتى لو كان ذلك الإنسان هو خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم..فأصحابه المؤمنون هم أكثر البشر حباً له، ولو كان ذلك مشروعاً لكانوا الأولى بتطبيقه ولأقرهم الرسول عليه،ثم أن التحوير في الآذان تدخل فى تشريع الله تعالى لدينه، وهو تدخل مرفوض ممقوت ولابد أن يتخذ طابع الكذب والإفتراء.وقد بدأت الزيادة في الآذان في تدرج ، بدأ السنيون فى إضافة ( الشهادتين ) فى الأذان طبقا لعقيدتهم فى تقديس النبى محمد ورفعه فوق مستوى الرسل السابقين بالمخالفة لأوامر الله جل وعلا التى تنهى عن التفريق بين الرسل ، ثم جاء دين التصوف فتطور الأمر .

3- ففي سنة765 هجرية أمر الصوفي صلاح الدين البرلسي محتسب القاهرة المؤذنين أن يضيفوا بعد الآذان لعشاء ليالي الجمعة وقبل الفجر قولهم (السلام عليك يا رسول الله، الصلاة والسلام عليك يا رسول الله)(فاستمر ذلك ولم يكن قبله إلا الآذان فقط)[203].

وفي سنة 782(أحدث السلام علي النبي عقب آذان العشاء ليلة الآذان الإثنين)[204].

وفي عام 791 استمع بعض الصوفية إلى الصلاة على النبي بعد العشاء فقال لمريديه(أتحبون أن يعمل هذا في كل آذان ؟ قالوا: نعم، فبات وأصبح وقد زعم أنه رأى الرسول عليه السلام في منامه يأمره أن يقول لنجم الدين الطبندي المحتسب يأمر المؤذنين بالصلاة عليه عقب كل آذان . وكان الطبندي في غاية الجهل فسره قول الرائي فأمر بالصلاة على النبي بعد كل آذان واستمر ذلك)[205].

4- ثم أحدث التوسل بجاه النبي عليه السلام بعد صلاة الصبح ، وأمر القاضي الشافعي بذلك . وكان سببه اعتراض بعض تلامذة ابن تيمية على قصيدة صوفية تتوسل بالرسول [206]. وكان ذلك سنة 874.

ومعنى التوسل بغير الله في الآذان أن يجهر بعقيدة تخالف الإسلام، ثم يقولون  (الله أكبر) وهو تناقض لا يستسيغه إلا التصوف ..

ثم أضحى الآذان في أواخر القرن التاسع مجالاً خصباً للزيادة لكل من هب ودب.. يقول البقاعي في حوادث 880 (أحدث بعض أتباع الشيطان العاشقون في البدع أن يقال عقب آذان الصبح بصوت كصوت الآذان مع الاتصال به : يا دايم المعروف يا كثير الخير يا من لا ينقطع معروفه أبداً) وقد أبطل البقاعي ذلك في كل مئذنة له فيها تعلق كما يقول[207]. ثم كان وصف النبي بعبارات إلهية [208] ، تمهيداً لأن يوصف الصوفية بتلك الصفات على المآذن، فكانوا يقولون (السلام عليك يا سيدي أحمد يا بدوي بعد التسليم على النبي) وانتشرت المنامات وإشاعات الكرامات تحذر من ينكر على ذلك بانتقام أحمد البدوي [209]. وبذلك تم للصوفية في القرن العاشر أن يخضعوا الآذان لتقديسهم وسيطرتهم..

5 ـ ومن المضحك أن تتخصص التواشيح فى التغزّل بالنبى بنفس ما كان شائعا فى العصرين المملوكى والعثمانى من التغزل بالمُردان ، و( الأمرد ) هو الشاب الأملس المعشوق الذى يؤتى جنسيا كالمرأة . وقد شاعى الشذوذ الجنسى فى العصر المملوكى وجعله التصوف شعيرة دينية تحت مصطلح ( الشاهد ) أى ( الشاهد على جمال الله ) ، تعالى الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا ، وكانوا يعتبرون إتيان الأمرد جنسيا إتحادا بالله ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا . وسيأتى تفصيل ذلك فى الجزء الخاص بأثر التصوف فى نشر الانحلال الخلقى. ولكن يهمنا هنا أنهم فى الأذان كانوا يتغزلون بالنبى محمد بنفس هذه الثقافة الصوفية المُنحلّة خلقيا ، فيصفونه بإحمرار الخدود وجمال العيون ..الخ ..

لعنهم الله جل وعلا .



[1]
شذرات الذهب جـ7/093

[2] روض الرياحين 179

[3]الطبقات الكبرى جـ2 /01

[4]الغزى الكواكب السائرة ج1ـ/258

[5]شذرات الذهب ج8ـ / 110 : 111.

[6]89 .   

[7]17 .

[8]الطبقات الكبرى جـ2 / 117 .

[9]الطبقات الكبرى جـ2/132

[10]تنبيه المغترين 13، لطائف المنن516 الطبقة   

القديمة .                                              

[11]أخبار القرن العاشر مخطوط 199

[12]عقد الجمان مخطوط لوحة 419سنة 797

[13]الطبقات الكبرى للشعرانى ج2ـ/127.

[14]الكواكب السيارة 270 .

[15]روض الرياحين36 .

[16]مناقب الفرغل 19مخطوط.

[17]الطبقات الكبرى جـ1/143.

[18]إنباء الهصر 458 .

[19]مناقب الفرغل 17 .

[20]السخاوى :التبر المسبوك 105 .

[21]الطبقات الكبرى جـ2/127.

[22]الطبقات الكبرى جـ2/127.

[23]لطائف المنن لابن عطاء 103 .

[24]لواقح الأنوار30 :31 .

[25]أعيان العصر مخطوط جـ6، 1 /47.

[26]إحياء جـ4/351  .

[27]إحياء جـ4/162.

[28]الطبقات الكبرى للشعرانى جـ1 /143 .

[29]المدخل جـ2/210.

[30]التبر المسبوك 288 .

[31]تحفة الأحباب 19.

[32]درر الغواص 63.

[33]درر الغواص 63.

[34]درر الغواص 63.

[35]الطبقات الكبرى جـ2 79.

[36]الطبقات الكبرى جـ2/125.

[37]الطبقات الكبرى جـ2/137.

[38]اليواقيت والجواهر 153: 154.

[39]النفحات الأحمدية 234.

[40]النصيحة العلوية 280.

[41]الجواهر السنية 39.

[42]شذرات الذهب جـ5/364.

[43]المنهل الصافى . مخطوط جـ5/191.

[44]الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/14.

[45]لطائف المنن لابن عطاء 146.

[46]شذرات الذهب جـ 7/ 299.

[47]الدرر الكامنة جـ2/495.

[48]الطالع السعيد171.

[49]الجواهر والدرر176 .

[50]الشعرانى .الميزان الخضرية 165 :166: 167 :169.

[51]تعطير الأنفاس 228، لطائف المنن لابن عطاء 103.

[52]البحر المورود 331: 332.

[53]المدخل جـ2 /11.

[54]المدخل جـ2/11.

[55]إحياء جـ2/299.

[56]تاريخ ابن الفراتجـ9/1/25.

[57]النجوم الزاهرة جـ15/530.

[58]النجوم الزاهرة جـ6/159.- تا ريخ ابن إياس جـ2/368 تحقيق أحمد مصطفى

[59]تيمور .الأمثال الشعبية 294.

[60]شعلان الشعب المصرى في أمثاله 170.

[61]تيمور الأمثال الشعبية 140.

[62]تيمور. الأمثال الشعبية 315.

[63]تلبيس إبليس 359.

[64]مجلة العربى العدد 262 شوال 1400سبتمبر 1980ص33.

[65]تلبيس إبليس 133: 136.

[66]تلبيس إبليس 132: 136.

[67]تلبيس إبايس133: 136.

[68]تلبيس إبليس 133: 136.

[69]تلبيس إبليس 133: 136.

[70]تلبيس إبليس 133: 136.

[71]الصفدى :الوافى بالوفيات :الطبعة الألمانية جـ7/12.جـ2/239،جـ4/194 على الترتيب.

[72]إغاثة اللهفان جـ1/126: 132.***

[73]إغاثة اللهفان جـ1/133: 134.

[74]إغاثة اللهفان جـ1/135.

[75]إغاثة اللهفان جـ1/135.

[76]إغاثة اللهفان جـ1/139.

[77]لطائف المنن لابن عطاء 118.

[78]لطائف المنن للشعرانى558.

[79]لطائف المنن للشعرانى 558.

[80]لطائف المنن 559: 560.

[81]لطائف المنن559.

[82]المدخل جـ1/ 125 : 126.

[83]لطائف المنن 319 الطبعة القديمة.

[84]الرسالة القشيرية 15.

[85]إحياء جـ4/ 347.

[86]إحياء جـ4/48.

[87]إحياء جـ2/212.

[88]قواعد الصوفية جـ1/189، الطبقات الكبرى للشعرانىجـ1/153: 154.

[89]شمه. حزب مسرة العين 9ب.مخطوط.

[90]طبقات الشاذلية 118.

[91]مناقب المنوفى 52.

[92]الكواكب السيلرة 120.

[93]مناقب الحنفى 508 :509 ،510: 514.

[94]مناقب الحنفى 508 :509، 510: 514.

[95]الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/10 .

[96]تعطير الأنفاس .مخطوط 57.

[97]مناقب الحنفى 392: 396مخطوط والطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/87.

[98]مناقب عب الرحيم 21.مخطوط.

[99]مناقب الفرغل 16: 17مجلد .

[100]مناقب المنوفى 41مجلد.

[101]شرح مسرة العينين10 ب مجلد.

[102]المنهل الصافى مخطوط جـ1/556.

[103]معيد النعم ومبيد النقم 157.

[104]تاريخ ابن الفرات مجلد جـ8/29.

[105]الطبقات الكبرى جـ2/88 ،الجواهر السنية 79.

[106]مناقب الحنفى مخطوط 490: 493.

[107]لطائف المنن لابن عطاء .

[108]المفاخر العلية 17.

[109]النفحات الأحمدية 155.

[110]عيون الأخبار جـ2/453: 454.

[111]عبد الصمد .الجواهر السنية 117.

[112]المفاخر العلية 7.

[113]على سبيل المثال .روض الرياحين 15، 20 ،23 إلخ.

[114]مناقب الحنفى 139: 142.

[115]لواقح الأنوار 321: 322.

[116]الكواكب السيارة 79، تحفة الأحباب جـ4/208.

[117]الكواكب السيارة 79.

[118]الكواكب السيارة 121.

[119]تحفة الأحباب جـ4/352.

[120] الكواكب السيارة 229

[121]تجريد التوحيد المفيد 12 تحقيق طه الزينى .

[122]شعلان الشعب : المصرى167.

[123]المنار المنيف في الصحيح والضعيف 139.

[124]أنباء الهصر 275.

[125]التبر المسبوك 303.

[126]أنباء الغمر جـ2/29.

[127]تاريخ المقدس مخطوط 42ب.

[128]السخاوى التبر المسبوك 231.

[129]قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية 478، 469.

[130]لطائف المنن للشعرانى 225.

[131]الطبقات الصغرى للشعرانى 63.

[132]شذرات الذهب جـ7/71.

[133]الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/54.

[134]الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/75.

[135]البحر المورود 328.

[136]البحر المورود 328.

[137]لطائف المنن 315 ويقول في ص587(ومما من الله تبارك وتعالى على عدم إمتناعى من الإجابة إلى وليمة كون أحد من اقرانى هناك ، بل أذهب إلى الوليمة وأقبل رجله وركبته بحضرة ذلك الجمع العظيم).

[138]لطائف المنن 321 :322.

[139]لطائف المنن321: 322.

[140]لطائف المنن 321: 322.

[141]المدخل جـ2/152.

[142]إنباء الغمر جـ2/308،شذرات الذهب جـ7/71.

[143]الغزى .الكواكب السائرة جـ1/211.

[144]شرح صلاة ابن بشيش مخطوط 225: 226.

[145]حزب الشاذلى .في لطائف المنن لابن عطاء262: 266.

[146]متفرقات من حزب المرسى في لطائف المنن لابن عطاء 253، 254 ، 255 ،   256، 257، 258.

[147]طبقات الشاذلية :6.

[148]مناقب الوفائية من 17: 19 مخطوط.

[149]مناقب الوفائية 114: 115 .

[150]الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/1.

[151]طبقات الشاذلية 124: 125.

[152]النفحات الأحمدية 171.

[153]مخطوط بالدار ضمن مجموعة رقم 72 تيمورية رقم 6.

[154]لواقح الأنوار للشعرانى 116.

[155]التبر المسبوك 401 .

[156]ذيل ابن العراقى. مخطوط 211.

[157]التبر المسبوك 288.

[158]التبر المسبوك 24 .

[159]حوادث الدهور جـ1 /138.

[160]عقد الجمان مخطوط مصور لوحة 398.

[161]المقفى .مخطوط جـ2/45.

[162]اليبر المسبوك 402.

[163]الوافى بالوفيات جـ2/18.

[164]شذرات الذهب جـ7/85.

[165]الضوء اللامع جـ4/14.

[166]شذرات الذهب جـ7/147.

[167]التبر المسبوك 228.

[168]حوادث الدهور جـ2/354.

[169]تاريخ الجزرى مخطوط جـ2/266.

[170]حوادث الدهور جـ3/403.

[171]تاريخ ابن إياس جـ2/298 ط.بولاق.

[172]وثيقة الغورى ص3 نشر عبد اللطيف.

[173]محمد فهمى عبد اللطيف يوميات الأخبار العدد 7643 السنة 25 بتاريخ 15 /12/1976.

[174]تاريخ ابن الفرات جـ8/229، الدرر الكامنة جـ1/198.

[175]إنباء الغمر جـ2/215.

[176]صحبة الأخيار 109.

[177]مناقب الوفائية 90، 91.

[178]مناقب الحنفى 427.

[179]الدميرى حياة الحيوان جـ1/36.

[180]مناقب الحنفى 478، 522.

[181]المدخل جـ2/ 207.

[182]النجوم الزاهرة جـ14/341، 342.

[183]ابن اجا.تاريخ يشبك 235.

[184]الباعث فى الإنكار على الحوادث 24.

[185]الباعث قى الإنكار على الحوادث 9:29.

[186]الباعث فى الإنكار غلى الحوادث24.

[187]درر الغواص 16.

[188]قواعد الصوفية جـ1/188.

[189]إغاثة اللهفان لابن القيم جـ1/89.

[190]تاريخ ابن إياس جـ2/153، 117ط بولاق.

تاريخ البقاعى محطوط14، تاريخ ابن إياس جـ2/393 تحقيق محمد مصطفى .3

[192]الإلمام للنويرى مخطوط جـ2/80.

[193]الطالع السعيد 157.

[194]تحفة الأحباب 432، 435 تاريخ ابن إياس جـ2/142.بولاق.

[195]تحفة الأحباب 174.

[196]تحفة الأحباب 427.

[197]تاريخ ابن الفرات جـ9/2/425.

[198]إنباء الغمر جـ3/265.

[201]الطبقات الكبرى جـ2/75: 76.الخطط المقريزية جـ4/135. تحفة الأحباب 31.

[202]شذرات الذهب جـ8/129،الكواكب السائرة 248.

[203]السلوك جـ2/1/94،النجوم الزاهرة جـ11/85.

[204]إنباء الغمر جـ1/218، تاريخ ابن اياس جـ1/2/265.

[205]السلوك جـ3/2/669، النجوم الزاهرة جـ11/331، المنهل الصافى مخطوط جـ4/606،تاريخ ابن اياس جـ1/2/390.

[206]انباء الغمر جـ1/290.

[207]تاريخ البقاعى مخطوط ..حوادث سنة 880 هـ.

[208]لطائف المنن للشعرانى 272 :273 الطبعة القديمة .

[209]الحلبى النصيحة العلوية 37.مخطوط.

ج2 / ف2 / أثر التصوف فى شعيرة الحج في مصر المملوكية

ج2 / ف2 /أثر التصوف فى شعيرة الحج في مصر المملوكية

كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثانى :  العبادات فى مصر المملوكية  بين الإسلام والتصوف                      

 الفصل الثاني : أثر التصوف فى شعيرة الحج في مصر المملوكية

( مدخل الفصل الثانى ، المحتويات :

المبحث الأول : إهمال الحج الإسلامي والتهوين من شأن الكعبة :

- نظرة الصوفية للكعبة: في الصلاة، في الحج

- الدعوة لإهمال فريضة الحج الإسلامية.

المبحث الثانى : تشريع الحج الصوفي للأولياء والأنصاب (الأضرحة)

* مدخل :* الحج الصوفي :

- الدعوة للحج الصوفي قبل العصر المملوكي ، الدعوة للحج في العصر الملوكي .

* مناسك الحج الصوفي : - المناسك القلبية، المناسك القولية، الإحرام، الطواف،الوقوف، المناسك المالية.

* أغراض الحج الصوفي :

- التداوي،قضاء الدين ،توسلاً للحج إلى مكة ، الكعبات المشهورة بالحج إليها في العصر المملوكي.

المبحث الثالث  : التحوير في فريضة الحج الإسلامية لتوافق السرك الصوفي:

- أصنام الصوفية في الكعبة .

- التحوير في فريضة الحج الإسلامي

- إعتبار الكعبة نفسها حجراً مقدساً.

- التغيير في مناسك الحج،بالحج إلى قبر الرسول.)

 مدخل الفصل الثانى

الحج كالصلاة وباقي شعائر الإسلام ، ليست فرضاً استحدثته رسالة الإسلام الخاتمة بل أن القرآن آخرالكتب السماوية يؤكد أن التشريع الإلهي واحد في أساسياته(الشورى13) كما أن الوحي للأنبياء جميعاً متفق في الإجمال(النساء163،فصلت43،الزمر65). وبينما اندثرت الكتب السماوية القديمة وأهلك الله تعالى الأمم السابقة،فإن ابراهيم عليه السلام يمثل مرحلة متميزة في تاريخ الأنبياء، فقد تناسلت من ذرينته أمة العرب المستعربة وأمة بني إسرائيل، وقد جاء منهم الأنبياء وأنزل الله فيهم الرسالات ، ثم ختمت الرسالات السماوية بالقرآن وكان محمد خاتم النبيين عليهم السلام . والرسالات السماوية التى نزلت في أبناء ابراهيم من الأنبياء كانت تدعوهم للتمسك بملة ابراهيم حنيفاً ، أى إسلام القلب والوجه والعقيدة لله تعالى وحده وتأدية العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج لله تعالى مخلصاً له الدين . وهذا ما يؤكده القرآن  كلمة الله تعالى الأخيرة – للبشر،حين يأمر النبي والمؤمنين وأهل الكتاب وجميع البشر باتباع ملة ابراهيم حنيفاً(البقرة:135 ،آل عمران95 ، النساء 125،الأنعام 161).

 وكان الحج للبيت الحرام أهم معالم ملة ابراهيم .

فابراهيم هو الذى أرشده الله تعالى لمكان البيت وأمره أن يطهره مما حوله من الأوثان وأن يدعو الناس جميعاً للحج إليه (الحج26)(البقرة125). وأكد القرآن على أن الحج للبيت فريضة عامة على كل البشر،إذ أنه أول بيت وضعه الله تعالى للناس وعلى الناس جميعاً الحج إليه (آل عمران96-) وقد جعله الله تعالى مثابة للناس وأمناً(البقرة125) والحج إليه واجب على جميع البشر،سواء من كان مقيماً في مكة.. او كان يقطع البوادي سفراًإليها(الحج25).

وكان سكان الجزيرة العربية من أميين(لم ينزل عليهم كتاب سماوي) ومن أهل كتاب (كاليهود والنصارى ) يحجون إلى البيت الحرام.إلا أن العرب من أبناء اسماعيل وغيرهم ما لبثوا أن قدسوا الأولياء وأقاموا لهم الأنصاب (الأضرحة) والأصنام ، وزحفت تلك الأصنام إلى البيت الحرام ، حيث كانت لكل قبيلة صنم يمثلها عند الكعبة،وأصبح الحج لبيت الله البيت الحرام حجاً لتلك الأصنام المقدسة،هذا بالإضافة إلى كعبات

أخرى أو موالد أخرى أقيمت في مناطق متفرقة. وأصبح لهذا الإنحراف الدينى مصالح تجارية وإجتماعية وعلاقات متشابكة.وهذا ما نزل القرآن لإصلاحه داعياً للعودة إلى ملة ابراهيم الحنيفية،بأن تكون العقيدة والإيمان والعبادات والأخلاق خالصة لله تعالى وبلا تقديس لبشر أو حجر.

ونجح خاتم النبيين أخيراً في العودة بالعرب إلى ملة ابراهيم في الصلاة والصيام والحج والزكاة. وانتشر الإسلام إلى خارج الجزيرة العربية، ولكن هذا التوسع (الكمَي)ما لبث أن أسفر عن تناقص( كيفي) في التمسك بعقيدة الإسلام. وتجلى هذا في العبادات والأخلاق  ورأينا ما حدث في الصلاة في العصر

 المملوكي .. وحدث نفس الشىء في الحج.

فالحج لم ينج أيضاً من عبث الصوفية .

ومثلما حدث في الصلاة فإن الموقف الصوفي من فريضة الحج تفرع إلى ثلاثة أتجاهات،يكمل بعضها بعضاً ، أولاً : إهمال الحج الإسلامي والتهوين من شأن الكعبة ، ثانياً: تشريع الحج الصوفي للأولياء الأحياء والأضرحة ، بنفس شعائر الحج الإسلامي تقريباً، وثالثاً: التحوير في فريضة الحج الإسلامية بما يتلائم مع دين التصوف .

ويلاحظ أن موقف الصوفية من الحج يتناغم وموقفهم من الصلاة.. فهم أهملوها وحوروها وشرعوا لهم صلاة.. وصلاتهم للأولياء أو توسلهم بالأولياء يعني الاتجاه للولي بالزيارة والحج،فنظراَ  لتعدد وكثرة الأولياء وتواجدهم فى أماكن مختلفة ، فإن الصلاة لا تحلو  للصوفي إلا بين يدي الولي حياً أو مقبوراً في ضريح . وهنا تتلازم عندهم فريضتا الحج والصلاة.. أو الزيارة والتوسل.. وتقوم (الموالد) الصوفية بالجمع بين الفريضتين (الصلاة والحج)أو(الزيارة والتوسل) ..والزيارة هى الحج، فالحج يعني في اللغة القصد (حج البيت أى قصد البيت ويقال حجيت الموضع أحجه حجاً إذا قصدته،ثم سمي السفر إلى البيت حجاً دون سواه) (  أبو بكر السجستانى * القرآن 73 نشر صبيح     )أو(الحج في الأصل:القصد وفي العرف قصد مكة للنسك) .. (الرازى .مختار الصحاح  (حج).  )

وإذا كانت زيارة البيت الحرام في وقت معين يسمى حجاً فإن زيارة الأنصاب والأضرحة في وقت معين والتمسح بها وإقامة الشعائر حولها بما يتشابه وشعائر الحج لا تفترق عن حج المسلم للكعبة..من حيث القصد والتقديس والعبادة .وهذا ما كان معمولاً به في العصر الجاهلي .. حيث حرفوا في نسك الحج مع قيامهم به منذ دعوة ابراهيم عليه السلام في نفس الوقت الذي قاموا فيه بالحج إلى الأنصاب والبيوت المعظمة في أوقات معلومة.. وموعدنا الآن مع تفصيل ذلك كله..

وأعاد التصوف هذه الجاهلية، إذ دارت الحياة الدينية فيه حول القبور المقدسة ؛بالصلاة والحج اليها.

وموعدنا الآن مع تفصيل ذلك كله..  

المبحث الأول  : إهمال الحج الإسلامي والتهوين من شأن الكعبة :

أولا : إستنكاف الصوفية من التوجه للكعبة في الصلاة:

1ـ يقول ابن عربي (اتفق المسلمون على أن التوجه للقبلة شرط من شروط صحة الصلاة ، ولولا أن الإجماع سبقني في هذه المسألة لم أقل أنه شرط.! )[1]أى أنه لولا إجماع المسلمين على التوجه للكعبة في الصلاة لما سلم ابن عربي بهذا الشرط في الصلاة ، ففي كلام ابن عربي رائحة تشكيك حين يقول ( اتفق المسلمون) و (الإجماع) فهو يوحي بأن التوجه للقبلة في الصلاة جاء شرعا من اتفاق المسلمين واجماعهم وليس مصدره الشرع القرآني.

والتوجه للكعبة جاء أمراً صريحاً للنبى عليه السلام والمؤمنين في القرآن الكريم ( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ )( 144) (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ )(150) البقرة ) .  وطبق الرسول عليه السلام ذلك الأمر وتبعه المسلمون .ثم جاء ابن عربي فى القرن السابع الهجرى ليتجاهل هذه الآيات الصريحة، ولينزل بدرجة التشريع في التوجه للكعبة إلى مجرد الإجماع ، ولولاه ما اعتبر الكعبة محلاً للتوجه في الصلاة..

2- والشعراني – في العصر المملوكي – يتابع استاذه ابن عربي في محاولة التشكيك في الكعبة كقبلة للصلاة، يقول وهو ينسب الرأى لشيخه الخواص ( وكان الخواص أميا لا يقرأ ولا يكتب ) : ( وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول مراراً : الإنصراف عن الصلاة إلى أى جهة شاء خاص بالأكابر الدائرين مع الأمر لا مع العلل ، فإذا رجّح الشارع بقعة قلدناه في ذلك ونسخنا ما في عقلنا ، وتأمل لو قال إنسان أن بقعة الكعبة كآحاد البقاع لا شرف لها مع غيرها ، كيف يخطّئه المسلمون كلهم)[2].

فالشعراني يرى أن من حق الأكابر – وهم عنده الأولياء الصوفية – أن  يصلّوا إلى أى جهة شاءوا دون التقيد بالقبلة . أما صغار الصوفية فمضطرون للتقليد والتوجه للكعبة ومخالفة العقل – عقلهم، الذى يرى ان الكعبة لا تشرف على غيرها من بقاع الأرض،وحرصاً منهم على ألا يخطئهم اجماع المسلمين..

3 ـ والطريف أن الصوفية يتمسحون بالعقل حين يرفضون تميّز الكعبة بالشرف على غيرها.. ومعلوم أن الصوفية دائماً ينبذون العقل ، فكيف يحتج به الشعراني حين يقول (فإذا رجح الشارع بقعة قلدناه في ذلك ونسخنا ما في عقلنا، وتأمل لو قال إنسان.. إلخ)..

والعقل الذي ظهرت أهميته فجأة للشعراني لا يوافق الصوفية على هواهم إذا كان عقلاً إسلامياً، فالعقل الإسلامي يستجيب لأمر الله تعالى دون لجاج أو جدال ، ويؤمن ويصدق بإخلاص شرف الكعبة كبيت لله تعالى وكحرم اختاره وفضله على سائر بقاع الأرض.. فهى كذلك طالما قال سبحانه وتعالى: ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97)المائدة97) (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (91) النمل91 ). والعقل الإسلامي يرفض أن يكون صاحبه ممّن يصد الناس  عن بيت الله الحرام في الصلاة والحج،ويتعرض لعقوبة رب العزّة جل وعلا، وهو القائل : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) الحج)   

 4- والواقع أن التشكيك الصوفي ضد اتخاذ الكعبة قبلة في الصلاة يحركها حقد صوفي دفين ، ينقم على الكعبة أن تكون – دون الولي الصوفي – محل إتّجاه الناس. فالشيخ الصوفى يتمنى ان يتوجه اليه الناس بصلاتهم وليس نحو الكعبة، والمريد الصوفي يتمنى لو يتوجه بصلاته إلى شيخه وليس للكعبة ، ويرى في إرغامه في الاتجاه للكعبة عائقاً عن بلوغ الغاية في تقديس الشيخ ،ويتضح ذلك من قول أبى العبّاس المرسي : ( لو كان الحق سبحانه وتعالى يرضيه خلاف السّنة لكان التوجه في الصلاة إلى القطب الغوث أولى من التوجه إلى الكعبة)[3]. ( المرسى أبو العباس ) هنا جعل التوجه للقطب الصوفي أولى في الحقيقة من التوجه للكعبة، وعلل الإتجاه للكعبة بأنه مجرد متابعة للسنة . إنّ الأمر بالإتجاه للكعبة ورد في القرآن الكريم ، بيد أنّ  ابا العباس المرسى يتابع ابن عربي في التهوين من أدلة التشريع قي إتخاذ الكعبة قبلة . والمرسي يعنى نفسه في مقالته الآثمة تلك في الاتجاه بالصلاة إلى القطب الغوث ، فقد كان يزعم إنه هو القطب الغوث .!! أى يريد أن يتوجّه الناس اليه فى الصلاة بدلا من الكعبة ، لولا ( السّنة ) حسب زعمه . وقد ذكر ابن عطاء تلميذ أبى العباس المرسى في ترجمته ما يؤيد ذلك.. يقول ابن عطاء فى كتابه ( لطائف المنن ) الذى كتبه فى مناقي المرسى والشاذلى  : ( واخبرني الشيخ نجم الدين أيضاً قال: قال لي شيخي : إذا لقيت القطب فلا تصلين وهو وراءك،فجئت يوماً إلى أبي العباس وهوبالإسكندرية عند صلاة العصر فلما دخلت عليه قال: أصليت العصر قلت: لا ،قال: قم فصل. وفي المكان الذي هو فيه إيوانان قبلي وبحري، وكان الشيخ جالساً في البحري ، فلما قمت لأصلي ذكرت ما قاله شيخي إذا لقيت القطب فلا تصلين وهو ورائك وعلمت أني إذا صليت كان الشيخ وراء ظهري، فأقام الله بقلبى حاله، وقلت حيثما كان الشيخ هناك القبلة، فتوجهت ناحية الشيخ واردت أن أكبِر،فقال الشيخ : لا،هو لا يرضيه خلاف السنة)[4].، أى تواضع المرسى أبو العباس ورفض أن يتوجه اليه مريده بالصلاة لأنّ ذلك يخالف ( السّنة).!!

 ثانيا  حقدهم على الكعبة والطواف بها في الحج:

 1- في الوقت الذي يعتبر فيه الصوفية شيخهم مستحقاً للتقديس  وقبورهم موضع العبادة، وفى الوقت الذى يدعون فيه الناس لتقديس شيوخهم وقبورهم المقدسة فإنهم من واقع هذه العقيدة يحقدون على الكعبة ويعتبرونها وثناً منافسا لهم ، يستأثر من دونهم باتجاه الناس إليه وطوافهم حوله . والمرسي أبو العباس صاحب القول السابق في أحقية القطب بالاتجاه إليه في الصلاة ، يقول للحجّاج المتوجهين للكعبة : ( إذا وصلتم إلى مكة فليكن همكم رب البيت لا البيت، ولا تكونوا ممن يعبد الأصنام والأوثان[5]...

بيد أن هذا المعنى أصيل في العقيدة الصوفية أورده الجنيد – المشهور بالاعتدال – ضمن قصة ــ وأسلوب القصص من طرق التشريع الصوفي ــ  فالجنيد يحكي أن امرأة مجهولة قالت له حين الطواف (أنت تطوف بالبيت أم برب البيت ؟ قلت : أطوف بالبيت، فرفعت رأسها للسماء وقالت : سبحانك سبحانك ما أعظم مشيئتك في خلقك ، خلق كالأحجار يطوفون بالأحجار ، ثم انشأت تقول:

يطوفون بالأحجار يبغون قربة

                                       إليك وهم أقسى قلوباً من الصخر

وتاهوا فلم يدروا إليه سيرهم

                                            وحلوا محل القرب في باطن الفكر

فلو أخلصوا في الود غابت صفاتهم

                                             وقامت صفات الود للحق بالذكر..

قال الجنيد: فغشى على من قولها،فلما أفقت لم أرها)  [6].

وبهذه الأقصوصة الخيالية يشرع الجنيد – سيد الطائفة الصوفية عندهم – أن الحج للكعبة هو تقديس للأحجار وأن الأفضل منه أن يعمر الباطن بالتصوف، وتفنى فيه الصفات البشرية لتقوم مكانها صفات الحق  ويتحقق الرجل بالله، ويصبح الاها حسب المعتقد الصوفى فى الاتحاد بالله ( تعالى عن ذلك علوا كبيرا ) وبالتالى فلا داعى للحج أو أى عبادة ، وطالما إنّحد بالله فيستغني عن الكعبة وغيرها، وكيف يحج للكعبة حينئذ وقد أحيا الألوهية في داخله حين زال الحجاب عن بشريته وتحقق بالحق؟؟ على زعمهم.!!

2- ولمجرّد التذكير ، نكرر ونؤكّد على الآتى:

2 / 1 : إنّ الله سبحانه وتعالى -  هو وحده -   المشرع في دينه، و المؤمن مطالب بالطاعة السريعة لكل أوامر الله تعالى حتى لو عجز عن فهم المقصود منها ، فيكفيه أن الله تعالى أمر بذلك فيسارع بالطاعة. بذلك يلتزم كل مؤمن وكل المؤمنين ، وأولهم الملائكة. فالله سبحانه وتعالى ينهى عن السجود لغيره ، ومع ذلك اختبر الملائكة فأمرهم بالسجود لآدم فسجدوا أجمعين.وسجودهم ليس لذات آدم أو شخصه وإنما إطاعة لأوامر الله تعالى . والله جلّ وعلا  ينهى عن قتل الأبناء ، ومع ذلك أمر ابراهيم عليه السلام بقتل ابنه. وجاء الأمر فى صورة منامية غير مباشرة .إلا أن ابراهيم سارع مع ابنه اسماعيل – عليهما السلام – بتنفيذ الأمر، وكان الفداء ، ونجح الوالد والولد فى إختبار الطاعة.

والله تعالى اختبر عباده بالفرائض كالصلاة والصيام واختبرهم بالنواهى ..وغيرها ، وغاية المؤمن أن يسارع بالطاعة انصياعا لأمر الله تعالى وحباً فيه .. ومن ذلك أن الله تعالى أمر ألا يقدس غيره ومع ذلك أمر أن يطاف حول موضع معين فى الأرض ،والمؤمن مطالب بالطاعة حتى لو خفى عليه –إلى حين – الحكمة فى الأمر.. هذا شأن المؤمن . وقد عصى إبليس ربه ورفض الأمر بالسجود لآدم : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (61) الإسراء )،وجادل ابليس وأبى واستكبر ، فحقت عليه اللعنة . وعلى طريقه سار أولياؤه من بعده يشككون فى أوامر الله تعالى ويشرعون لأنفسهم ، ومن ذلك موقفهم من الكعبة حيث اعتبروها وثناً، أما أنصابهم والطواف عليها وتقديسها فذلك دينهم.

2/ 2 : الصوفية المسلمون أكثر البشر عبادة للأحجار والأوثان والأنصاب . ومع ذلك هم يتهمون الكعبة بأنها وثن . وأن الطواف حولها عبادة للأوثان ، وتناسوا أنهم يطوفون بأضرحتهم وأوثانهم وأنصابهم ، ثم لا يعتبرون هذا عبادة للأوثان . مع أن الأمر مختلف تماما فى موضوع الكعبة والطواف حولها . لقد استغل الصوفية الفرصة فى أن الكعبة مقامة من أحجار لا تختلف   ــ حقيقة ــ عن الأحجار التى يطوف حولها عبدة الأنصاب والأصنام ، فقاموا يشككون ويصرحون بأنها وثنً معبود ، وتناسوا أن المراد ليس تعظيم الكعبة وأحجارها وإنما المراد هو تعظيم الآمر تعالى بإطاعة أمره، حتى لو تعارض ذلك الأمر مع مبلغ علم الناس وغاية اجتهادهم.

2/ 3 : إن لله سبحانه وتعالى فى كل أوامره ونواهيه حكمة بالغة قد  تعلو على مدارك الناس فى عصر معين . إلا أن الله سبحانه وتعالى يدّخر كشفها وإبانة وجه التشريع فيها إلى عصر لاحق لتكون فيه إحدى الآيات المتجددة. ومن ذلك أن الله تعالى حرم الأكل من الميتة، وقد جادل المشركون في ذلك بحجة أن الميتة قتلها الله فكيف نفضل عليها ما نذبحه نحن.. وقد رد القرآن آمراً المسلمين بعدم الجدال معهم : ( وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121 )الأنعام ).. أى إن أطعتموهم في الجدال في أوامر الله تعالى لأصبحتم مثلهم من أولياء إبليس الذي عصى ربه وجادل في أمره،وقد اكتشف عصرنا خطورة الأكل من الميتة وأن الذبح بالطريقة الإسلامية أطهر وأفضل وأكثر صوناً للذبيحة من الفساد والتلوث، أو هى(زكاة) وتطهير للذبيحة.

 وقد اكتشف عصرنا الحكمة في اتخاذ الكعبة قبلة ومقصداً للحج، فقد اكتشف بالصدفة أن مركز الأرض يقع في مكة بالضبط.. وقد أقيمت مكة حول الكعبة تحوطها من جميع الجهات، ومعنى ذلك فالكعبة هى منتصف مكة وهى النقطة الوسطى لهذا الكوكب الأرضي .. وإذا تخيلنا الأرض كرة فإن نقطة الكعبة هي التي تلتقي عندها جميع المسافات بالتساوي . وقد ظهر ذلك حديثاً في معرض اجراء للمسافات البحرية طولا وعرضا استخدمت فيه أحدث وسائل القياس العصري الإلكتروني.

وكما قلنا فالكعبة ليست حيطاناً تقام، فقد أقيمت تلك الحيطان وتهدمت أكثر من مرة ، وإنما هي مكان يقام حوله بناء يحدده مكان يمثل مركز الأرض، لذا يقول تعالى عن بناء ابراهيم للكعبة (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ )(26)( الحج), أي بيّنا له المكان فقام برفع قواعده  (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) البقرة 127).، أى كانت قواعد واساسات البيت العتيق موجودة ، ورفعها ابراهيم واسماعيل عليهما السلام ، وأقاما حوائط البيت أو الكعبة . فالطواف حول المكان وليس البناء ، ولذلك فإن الطواف يحرم فيه لمس البناء أو الكعبة،حتى لا يتحول لمس البناء إلى تقديس للحجر.  

ولقد جعل الله من هذه النقطة في الأرض حرماً مكانياً  له.. حرَمه ، وأمر بالحج إليه ، وجعل الرسالة الإسلامية الخاتمة تنبع من هذا المكان كمركزالعالم ، والرسالة الخاتمة رسالة عالمية فناسب أن تنبع من مكة مركز العالم. وإليها يتوجه المسلمون من كل أنحاء العالم خمس مرات حين الصلاة ، ويتوافد إليها الحجاج من كل فج عميق في الأشهر الحرام يحجون للبيت العتيق ، أقدم بيت أقيم على هذه الأرض المعمورة : (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29  0(الحج )  (  إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ (97 )(آل عمران ).

ومن إعجاز القرآن الكريم أن أشار إلى أن مكة هى مركز الأرض ، ولذا كان اختيارها مهداً للنبي الخاتم والرسالة القرآنية العالمية ، يقول تعالى عن القرآن ومكة مركز العالم :(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7) الشورى). فمكة هي أم القرى ، أى مركز الكرة الأرضية ومركز هذا العالم بكل قراه وتجمعاته السكانية..والرسول مبعوث بالقرآن الرسالة العالمية لينذر أم القرى ومن حولها من قرى أى كل العالم ، وإذا مات فعلى أتباعه أن يواصلوا مسيرته ويصلوا بدعوته إلى كل قرية في العالم معززين بالقرآن المعجز لكل عصر ومكان. يقول جل وعلا :  (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا )(92) (الأنعام 92).

2/ 4 ـ وهكذا يتبين لنا حكمة الله تعالى بتشريعه الحج للكعبة والتوجه نحوها في الصلاة ، فالبيت الحرام هو الحرم المكاني في منتصف الكرة الأرضية ، وقد جعله الله تعالى للناس جميعاً مثابة للناس وأمناً، في كل الأيام، ولله تعالى حرم زماني وهو الأشهر الحرم (تبدأ بذي الحجة وتنتهي بربيع أول) وفي الحرم الزماني أو الأشهر الحرم منع الله تعالى القتل والقتال (التوبة 1 :5، 27) وجعل الحج أثناء هذه الأشهر الحرم ( البقرة 197 ) وأراد الله تعالى فيمن يحج إلى الحرم المكاني (الكعبة) في وقت الحج أى الحرم الزماني أى الأشهر الحرم أن يكون محرماً يؤدي مناسك الحج ، ممتنعاً عن بعض المباحات ، مخلصاً قلبه حتى من نوازع الشر (الحج25) وهذا هو معنى الحج، أي تتعانق الحرمات الثلاث(الحرم المكاني والحرم الزماني والحرم الإنساني) أي القلب فيمتنع القلب المؤمن عن تقديس غير الله وعن إرادة الشر (الحج25) ويؤدي مناسك الحج في أفضل حالات التقوى . وشيوخ الصوفية بعلمهم اللدنى المزعوم أجهل الناس بالاسلام والقرآن ، وقد استخدموا جهلهم اللدنى فى ( تحقير ) الكعبة وبيت الله الحرام.

 ثالثا : تفضيل الولى الصوفى على الكعبة

1 ـ وقلنا إنّ التشكيك الصوفي في الكعبة كقبلة للصلاة أو كمقصد للطواف ينبع من رغبة دفينة في أن يتجه الناس إليهم بدلاً منها . وسنبحث فيما بعد مظاهر الحج الصوفي للأنصاب والأولياء. وإنما نعرض الآن لمحاولات الصوفية في تفضيل الولي الصوفي على الكعبة لنتعرف على هدفهم في عداء الكعبة..

2 ـ يقول الغزالي في الإحياء حديثاً موضوعاً لا أصل له وهو(أن الله تعالى شرف الكعبة وعظمها، ولو أن عبداً هدمها حجراً حجراً ثم أحرقها ما بلغ جرم من استخف بولي من أولياء الله تعالى)[7].

وقد أورد الشيخ النويري الصوفى الاسكندرى فيما بعد هذا الحديث في كتابه (الإلمام ) ، ذكره بنصّه ، وأضاف حديثاَ آخر مفترى يقول( من آذى لي ولياً من أولياء الله تعالى فكأنما هدم الكعبة سبعين مرة[8]. وهما متأثران بحديث الولي فى البخارى ( من آذى لى وليا فقد آذنته بالحرب..!!..).

فالصوفية يجعلون من الاستخفاف بأحدهم جرماً يعظم على تدمير الكعبة وإحراقها.. فهو تفضيل لا يخلو من حقد، وإلا فما الداعي لقولهم (ولو أن عبداًهدمها حجراً حجراً ثم أحرقها .. ) أو (فكأنما هدم الكعبة سبعين مرة) .. والمؤمن الحق يستعظم أن ينطق بذلك عن بيت الله العتيق أو أن يتخيله مجرد تخيل، أما الصوفي فيعبر عن مشاعره نحو الكعبة بهذا الإفك المفترى ، ليجعل للولي الصوفي مكانة حتى لو هدم في كلامه الكعبة سبعين مرة أو أحرقها حجراً حجراً.

رابعا : زعمهم بأن الكعبة تطوف بالشيخ الصوفى.!!

1 ـ وحقد الصوفية على الكعبة – بسبب طواف الناس حولها – جعلهم يبتكرون في كراماتهم المزعومة أن الكعبة تطوف بالولي .. يقول اليافعي (روي أن جماعة شوهدت الكعبة تطوف بهم طوافاً محققاً) وقد فصل اليافعي هذه الأخبار [9]، ويقول كاتب مناقب المنوفي (وقد حكى جماعة أن الكعبة رؤيت تطوف ببعض الأولياء)[10]. وحكى الشعراني أن الكعبة كانت تطوف (بالشيخ محيى الدين بن عربي)[11]..

وقد قال أبو العباس البصير(لله رجال يطوف بهم بيته، فنظر أبو الحجاج الأقصري فإذا الكعبة تطوف بأبي العباس،قال الأنبابي : ولا ينكر ذلك، فقد تضافرت أخبار الصالحين على نظائر ذلك)[12]..

2 ـ وإذا كانت الكعبة تطوف بهم فلا حاجة للمريد الصوفى للذهاب للكعبة ، فالكعبة عندهم وبزعمهم هى طوع أمر سيده وتطوف به فشيخه أحق منها بالطواف حوله ، وهذا ما كان يحدث، فالمريد الصوفى يطوف بشيخه ويزعم أنه رأى الكعبة تطوف بشيخه ، فشيخه أحق بالطواف حوله منها ، وقد ورد فى مناقب عبد الرحيم القنائى أن  ( فقيرا صوفيا ) أى ( مريدأ ) أراد الحج فأمره عبد الرحيم ، وقال له : ( أن قم طوف بى أسبوع فقام الفقير وطاف بالشيخ ،  فأنكر الراوى في نفسه فرأى فى المنام الكعبة تطوف بالشيخ فاستيقظ) فقال له عبد الرحيم القنائى مكاشفاً : (من الرجال من يروح إلى البيت حتى يطوف به ،وأنا من الرجال من يجئ البيت يطوف به)[13]. وقيل فى مناقب الوفائية أن ابن هارون ( قصد زيارة أبى الحسن الشاذلى فى خيمته،فاغتسل كغسل الإحرام، وطاف بخباءالأستاذ أسبوعاً، فأنكر عليه أصحابه فقال:والله ما اغتسلت وطفت الأسبوع إلا وقد رأيت الكعبة طايفة به)[14]. وجاء فى مناقب الحنفى أن مريدا استأذنه فى الحج فأغفى بين يديه، فرأى فى منامه الكعبة تطوف بشيخه ولما استيقظ كاشفه الحنفى فقال (الشأن) لمن يطوف بالكعبة؟ أولمن تطوف به الكعبة؟)[15].

وأثمرهذا التحقير للكعبة تهاوناً بها لدى عامة الناس، فجاء المثل الشعبى يشبه بعض الناس بالكعبة فروى الإبشيهى مقالتهم : " فلان كالكعبة يُزار ولا يزور"[16].



[1]
الفتوحات الملكية جـ1/518.

[2]الميزان الخضرية 177.

[3]الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/12، الطبقات الكبرى للمناوى مخطوط261 ب.

[4]لطائف المنن لابن عطاء 101.

[5]الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/18.

[6]روض الرياحين 40.

[7]احياء جـ4/130

[8]الإلمام .. مخطوط جـ1/3.

[9]روض الرياحين 16.

[10]مناقب المنوفى 44.مخطوط.

[11]     لطائف المنن 425 الطبعة القديمة.

[12]الطبقات الكبرى للمناوى .مخطوط 260.

[13]مناقب عبد الرحيم. مخطوط 12.

[14]مناقب الوفائية .مخطوط 39.

[15]مناقب الحنفى .مخطوط 369: 270.

[16]المستظرف جـ1/29، 30.

خامسا : الدعوة الصوفية لإهمال فريضة الحج الإسلامية:

 1- مرّ بنا ما قاله الجنيد فى أسطورته المزعومة التى اعتبر فيها الكعبة وطائفيها أحجاراً( خلقة كالأحجار يطوفون بالأحجار)[1]. والجنيد كان إستاذ الصوفية فى إستخدام تأليف القصص والمنامات فى ترسيخ التشريع الصوفى بطريق غير مباشر. وهو هنا يقرر عبثية الحج للكعبة ويرى أن الناس لو أصلحوا باطنهم لزال الحجاب عنهم وتحققوا بالحق وأصبحوا آلهة ، فلا داع حينئذ للحج ومشاقه..

 وما ألغز إليه الجنيدى صرّح به الحلاج وكان فيه هلاكه . إذ أن ما حُفظ عن الحلاج من شطحات كانت شفوية ، وكان ينكرها فى جلسات التحقيق معه ، وما كتبه منها كانت ألغازا ورموزا يمكن تأويلها . لذا لم يفلح الوزير العباسى الذى كان يحقق معه فى إثبات الكفر عليه ، الى أن عثر هذا الوزير ( حامد ) على سطور مكتوبة للحلاج  عن الحج ، فاستخدمها الوزير دليلا على كفره والحكم بقتله . وكان طبيعياً أن يسارع الجنيد المشهور بالتقية إلى التلميح برأيه السابق  حتى لا يلقى مصير الحلاج . يقول ابن الأثير فى سبب صلب الحلاج : ( وكان حامد يُخرج الحلاج إلى مجلسه ويستنطقه فلا يظهر منه مالا تكرهه الشريعة المطهرة، وطال الأمر على ذلك ، وحامد الوزير مُجدّ فى أمره ، وجرى له معه قصص يطول شرحها، وفى آخرها أن الوزير رأى له ( أى للحلاج ) كتاباً حكى فيه أن الإنسان إذا أراد الحج ولم يمكنه، أفرد من داره بيتاً لا يلحقه شىء من النجاسات ولا يدخله أحد، فإذا حضرت أيام الحج طاف حوله وفعل ما يفعله الحاج بمكة..فإذا فعل ذلك كان كمن حج، فما قرىء هذا على الوزير قال القاضى أبو عمرو للحلاج :كذبت يا حلال الدم..)[2].  على هذا ، فقد جاءت نهاية الحلاج قتلا وصلبا بسبب إعلانه رأيه فى الدعوة لاهمال فريضة الحج ، وعدم الذهاب للبيت الحرام . ونسى الحلاج فى أنه الحج ليس فرضا إلا على المستطيع فقط ، وغير المستطيع لا شىء عليه أصلا.

وفى هذا العصر الأول لروّاد التصوف بدأ تأويل الرواد الصوفية لمناسك الحج صدّا منهم عن البيت الحرام ، فقيل إنه ( كان ذون النون المصرى يتأول مناسك الحج ويحولها لرموز وإشارات[3]. )

وهكذا وجد رواد التصوف فى الحج ميداناً خصباً يمارسون فيه الرمزيه – كما فعل الحلاج – (لذا فقد قال بعضهم بترجيح الباطن على الظاهر أو الحقيقة على الشريعة أوالإستغناء بالمحتوى الكامن للرمز عن المحتوى الظاهر له تحت اسم إسقاط التكاليف)[4].

واختلف الأمر فى عصر إزدهار التصوف والايمان بكرامات الأولياء الصوفية وتقديسهم وتأليههم.

2- ففى العصر المملوكى حيث ازدهار التصوف والاعتقاد في الكرامات اكتفى مشاهير الصوفية بادعاء الحج بخطوة أو طى المكان، أو ادعاء أنه يحج فى مكة وهو لا يزال بمصر، إلى غير ذلك من أساطير حظيت بالتصديق فى العصر ،وتأسيساً على ذلك كان المرسى يقول ( لو فاتنى الوقوف بعرفة سنة ما عددت نفسى من المسلمين)[5]. أى كان المرسى بزعمه يطير للكعبة ويقف فى عرفات كل عام فى لحظة ويعود.!

وزعم كاتب مناقب المنوفى أن بعضهم رأى المنوفى واقفاً بعرفات وكان فى نفس الوقت فى القاهرة[6]. ،

 أى رأوه فى نفس الوقت فى عرفات وفى القاهرة . وهذه الفرية الصوفية تجمع بين اسطورتين من كرامات الأولياء التى كان يؤمن بها العصر المملوكى : أسطورة الطىّ ( طىّ المكان ) واسطورة ( التطور ) أن الولى الصوفى له أجساد كثيرة تقوم نفسه بتدبيرها والسيطرة عليها ، وبالتالى يمكن رؤيته فى عدة أماكن فى وقت واحد . ومن مؤلفات السيوطى ( القول الجلى فى تطور الولى ) وفيها يحاول إثبات هذه الاسطورة على أنها من كرامات الأولياء ، وكان انتشار الاعتقاد بكرامتى ( الطى والتطور ) من أساليب الصوفية فى العصر المملوكى فى تبرير عدم صلاتهم وعدم قيامهم بالحج.

وعرض أبو الحسن الشاذلى فى أسطورة صوفية على الشيخ الفقيه عز الدين بن عبد السلام أن يخطو به  وبالناس جميعاً إلى عرفات . وهو كرم فى سرد الكرامات ، وكان أولى به أن يتوجه بتلك الكرامات المزعومة إلى التتار- وكانوا حسب الأسطورة – يمنعون الناس من الحج فلم يحج منهم إلا الشاذلى بخطوته المباركة[7]. حسب زعمهم.!!

وقيل فى ترجمة أبى الحسن الفران (كان من أرباب الطى – أى الذين تطوى لهم الأرض فيتنقلون حيث شاءوا – وكان إذا بقى للوقوف –أى الوقوف بعرفة – يوم ، يمضى ويحج ويأتى ، وقد شاع أنه أوصل رغيفين من امرأة عجوز إلى ولدها بالحجاز وكانا ساخنين)[8]. أى إن هذا الشيخ الفرّان كان يحج ويقف بعرفات ويعود الى مصر فى نفس اليوم . بل إنه أوصل رغيفين ساخنين من أم عجوز تعيش فى القاهرة لابنها فى الحجاز . وواضح أن هذا الشيخ ( الفرّان ) كان يعمل فرّانا من قبل ، ثم إستقال من حرفته ، واحترف المشيخة الصوفية ، ووجد من يؤمن به ويصدّقه ، وجاءت كراماته المزعومة تحمل آثار حرفته القديمة . وحمل كثير من شيوخ التصوف لقب حرفتهم القديمة ، من الحلاج والمزين فى بداية التصوف الى ( الخواص ) فى العصر المملوكى.

وفى عصر تشيع فيه  مثل هذه الأساطير وتحظى بالتصديق كان لابد لصوفيته أن ينعموا بالكسل فى بيوتهم لتشيع عنهم مثل هذه الكرامات التى تذكرنا بالصوفية المنقطعين عن الصلاة بحجة أنهم يصلون فى بيت المقدس أو الكعبة أو جبل قاف كل يوم..

3- وفى نفس الوقت لم يغفل الصوفية عن الدعوه لكى يحج إليه مريدوهم .. أو يكتفى بهم المريدون عن الذهاب للحج بزعم أن الكعبة نفسها تأتى وتسعى لتطوف بالأشياخ ، فهم أولى منها بالطواف حول الشيخ وتقديسه، وسبق توضيح ذلك ، وكيف أن بعض المريدين صرح بأنه : ( والله ما اغتسلت وطُفت الأسبوع إلا وقد رأيت الكعبة طايفة به ) . وتلك دعوة معلنة للطواف بالشيخ وإهمال الحج الإسلامى كما فعل عبد الرحيم القنائى وشمس الدين الحنفى وقد أمر كل منهما مريده بأن يطوف به – حسب الأسطورة – ويكتفى بذلك عن الحج[9].

4- على أن أحد الصوفية ارتقى من التشريع بطريق ضمنى بسبك حكايات الكرامات إلى درجة الأمر المباشر بدون حاجة إلى أساطير وكرامات .. فيروى الشعرانى فى ترجمة الصوفى المشهور فى القرن العاشر (على وفا الشاذلى ) أنه : ( سئل رضى الله عنه عن مريد ادعى أنه شهد كمال أستاذه ( أى آمن بقلبه بألوهية شيخه الصوفى ) ثم آراد السفر عن حضرته لزيارة مكة.. فقال رضى الله عنه : المريد الصادق أول ما يشهد فى شيخه الكمال يجده حضرة الحق التى بها أرواح أئمة الهدى أجمعين بالنسبة له. فكيف مع هذا يفارق تلك الحضرة لمواضع آثار الأنبياء التى هى دون الحضرة التى شهد أستاذه فيها ؟ وكيف يشتغل عن بيت وضعه الحق لنفسه ببيت وضعه للناس [10]. .). أى أن هذا الشيخ الصوفى ( على وفا ) الذى يحظى بقول الشعرانى عنه ( رضى الله عنه )  يرى  أن الولى الصوفى هو البيت الذى وضعه رب العزّة لنفسه ، تعالى عن ذلك علواً كبيراً،  أى حلّ رب العزة فى ذلك الشيخ  فيه، فهو أحق بالحج إليه والعكوف عليه من البيت العتيق الذى وضعه للناس.. !!

5 ـ وهكذا فالصوفية شككوا فى الكعبة كقبلة لأنهم يتمنون لو توجه الناس بالصلاة إلى ناحية القطب الغوث .. وشككوا بالكعبة كمقصد للحج ، وادعوا أنها تطوف بهم هم أحق منها بطواف الناس حولهم ، وأعلنوا ذلك بصراحة..

6 ـ وفى الوقت الذى اعتبروا الكعبة فيه وثناً ، فإنهم لم يتحرجوا من الدعوة للحج إلى أنصابهم وأضرحتهم وأوليائهم الأحياء



[1]
روض الرياحين 40.

[2]تاريخ ابن الأثير جـ8 /47. المطبعة الأزهرية سنة 1301.

[3]دائرة المعارف الإسلامية جـ9/426 فضلا عن حلية الأولياءجـ9/170.

[4]أحمد محمود صبحى. التصوف إيجابياته وسلبياته. عالم الفكر مجلد 6عدد2 ص347: 348.

[5]تعطير الأنفاس مخطوط 224 .لطائف المنن لإبن عطاء 98.

[6]مناقب المنوفي .مخطوط 41.

[7]الإلمام للنويري مخطوط جـ2/ 78.

[8]الكواكب السيارة 149.

[9]مناقب الوفائية مخطوط 39 .مناقب الحنفى مخطوط 369: 370 .مناقب عبد الرحيم مخطوط 12.

[10]الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2 /25.

المبحث الثانى  :  تشريع الحج الصوفي للأولياء والأنصاب (الأضرحة)

أولا : الحج الجاهلى للأنصاب والأضرحة والكعبات المقدسة

1ـ  طبقا لعقيدة الشرك كان الجاهليون يعبدون الله جل وعلا ويعبدون معه الأولياء الموتى من خلال قبورهم المقدسة أو الأنصاب ، وتماثيلهم المقدسة أى الأصنام ، وكل ما يمتّ اليهم أى الأوثان . كانوا يعبدون    الأولياء على أنهم هم الذين يقربونهم الى الله زلفى .  وكانوا فى الجاهلية يقومون بالحج الى بيت الله الحرام ( الكعبة ) ويقومون بالحج ومناسكه لمعابدهم وأوثانهم . كانت هناك معابد كثيرة تقصد للحج ، تحيط بها مساحات واسعة تكون لها(حمى) أو(حرم)، ولا يجوز لأحد انتهاك حرمتها أو الاعتداء عليها، وإذا دخل حيوان فى داخلها عُدَ فى ملك الحرم لا يجوز استعادته. وبالإضافة لذلك فقد زرعوا فى البيت الحرام وحول الكعبة 136 صنما ، ولكل قبيلة صنم . وقد أطلقوا على بعض معابدهم الشركية لقب ( كعبات ) وجعلوها تحوز على تقديس وطواف ونذور وحج مثل الكعبة الحقيقية .  ومن هذه الكعبات :  كعبة ( ذو الشرى) فى بطرا حيث يقوم صنم(ذوالشرى) على قاعدة مكسوة بالذهب والصور فى موضع مرتفع على صخرة عالية ، ويحج إليه الجاهليون للتقرب إلى ذلك الإله الذى عرف بأنه رب البيت . ومنها ( كعبة سندان) وهو قصر، كانت العرب تحج إليه فتطوف حوله، ومنها ( ذات الكعبات) وهى مركز حج قبائل بكربن وائل . وكان بنجران بيت عبادة عرف بكعبة نجران، وهوبناء على هيئة الكعبة، كان إذا قصده الخائف أمن بزعمهم . وكان للصنمين (اللات والعزى) بيوت أقيمت عليها ، وسدنة يقومون بخدمتها، فبيت (اللات) بالطائف، وبيت(العزى) بوادى حراض، وتحج إليهما قريش والعرب، ويتقربون إليها بالذبائح، وكانت قريش قد حمت لإلهتها شعباً من وادى(حراض) يقال (سقام ) يضاهون به حرم الكعبة .. وهناك صخورأخرى بعكاظ تمتعت بتقديس الجاهليين وطوافهم حولها.

2 ـ وكما أن الحج لبيت الله الحرام يكون خلال الأشهر الحرم ، كانت العرب تحج إلى هذه الأوثان والكعبات فى أشهر معينة من السنة، وقد جعلوها أشهراً مقدسة أو حرماً زمنياً بالإضافة للحرم المكانى المحيط بتلك الأوثان .. فلكعبة(ذى الشرى) حج يقع فى اليوم الخامس والعشرين من شهر كانون الأول من كل عام ، فيتوافد إليها الناس فى ذلك الوقت يطوفون وينحرون ويتقربون ..  وهناك أوقات أخرى للأوثان الأخرى .. إلا أن شهر الحج لكل وثن يكون لقاء عاماً يجمع الناس لآداء الفروض وتبادل التجارة..

3 ـ وحين ظهر الإسلام على الجزيرة العربية انفض الناس عن تلك الأوثان وزال تقديسها، واقتصر الحج على بيت الله الحرام والتزم العرب بالسلام فى الأشهر الحرام، ثم تغير الحال سريعا ، فنسى المسلمون الأشهر الحرم ، ولم يعودوا يهتمون بحرمتها فى القتل والقتال، ثم كانت الدعوة للحج للقبور الصوفية المقدسة والأشياخ الصوفية الأحياء فى أوقات معينة وتقديم النذور إليهم .وكل ذلك بزعم التوسل والتبرك وهى نفس حجة الجاهلين إذ كانوا يفعلون ذلك تحت شعار(مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى )(الزمر 3).

ثانيا : الحج الصوفى:

1 ـ أرجع دين التصوف عبادة الأولياء وتأليههم بحيث ينطبق على الصوفية كل ما قاله رب العزة فى القرآن الكريم عن عبادة وتقديس الأولياء فى العصر الجاهلى . أرجع التصوف هذا الدين الجاهلى لمجتمعات المسلمين بدءا العصر العباسى الثانى وحتى الآن.

2 ـ إلا إن الصوفية كانوا أشد كفرا من الجاهليين . لأن الصوفية فعلوا ويفعلون ذلك ومعهم القرآن الكريم ، الذى يزعمون الايمان به ، وهم يعرفون جهاد النبى عليه السلام ضد عبادة البشر والحجر ، وهم يزعمون الايمان به . الجاهليون مع عبادتهم لأوليائهم لم يقعوا فى ( الشطح ) أو سبّ الله جل وعلا كما كان يفعل أولياء التصوف ، كما إن الجاهليين مع تقديسهم لأوثانهم ولأنصابهم  وحجهم لكعباتهم فقد كانوا يقدسون البيت الحرام ويحترمون الكعبة ، أما الصوفية فقد أعلنوا إحتقارهم للكعبة وحقدهم عليها ، واعتقدوا بأحقيتهم دونها فى استقدام الناس إليهم.

3 ـ هذا مع أنهم قد حرصوا على وصف أنفسهم وأضرحتهم بصفات الكعبة وخصائصها، فالدسوقى يوصف أنه"كعبة الحقيقة"[1]. وكانت بعض الأضرحة تُبنى على شكل الكعبة مثل جوسق الماردانيين وقد وصفه السخاوى الصوفى بأنه مبنى على هيئة الكعبة وأن الدعاء تحته مستجاب[2]. بزعمهم . والسخاوى الصوفى هذا هو صاحب كتاب ( تحفة الأحباب ) الذى تخصّص فى تعريف الزوّار أو الحجّاج بالقبور المقدسة فى مقابر القاهرة.وهو غير السخاوى الأكثر شهرة المحدّث المؤرخ  المشهور بكتابه ( الضوء اللامع) .

والطريف أن هذا ( الجوسق ) كان عمارة تجارية قديمة تنتمى لعائلة الماردانيين المشهورة فى القرن الثالث الهجرى، ثم مالبث أن تحول الى آثار ، ثم تحول بثقافة التصوف الى معبد يشاع أن الدعاء عنده مستجاب.

4 ـ وقد اشتهرت الكعبة فيما بعد بوجود الحجر الأسود فيها ، وهو فى الأصل لتعيين بداية الطواف ، إلا أن الشرك تسلل إلى عقائد المسلمين فقدسوا ذلك الحجر وألفوا فيه الأحاديث التى تحض على لمسه والتبرك به، واستقر فى عقيدة المسلمين تقديس ذلك الحجر والحرص على الوصول إليه بأى طريقة. وكالعادة حسد الصوفية ذلك الحجر وحرصوا على تزيين أضرحتهم بأحجار مثله . ففى ضريح البدوى – وهو مقصد للحجيج من كل أنحاء مصر- يوجد حجر أسود يقول عنه عبد الصمد الأحمدى فى العصر العثمانى "ومن كراماته –أى البدوى – أن حجراً أسود مثبتاً فى ركن القبة ، وكل من زار الأستاذ يتبرك به"[3].  وذلك الحجر ( الأسود ) منحوت فيه أثر قدم ، منسوب للنبى . ولا يزال يتبرك به الصوفية حتى الآن.

وعلى أساس بعض هذه الأحجار المقدسة شُيدت مساجد مثل مسجد الكف بدمشق : ( فيها موضع كف منسوب للرسول )،  وقد طلع إليها الشيخ ابن تيمية وقال : (هذا الكف مصنوع مكذوب معكوس الخنصر فيه موضع الإبهام والإبهام موضع الخنصر فكسرها)  [4].

5 ـ ومعنى ذلك أن هناك من كان يصنع الأحجار على هيئة الكف أو القدم، ويبيعها لتتزيّن بها الأضرحة وتتحول الى ما بشبه الكعبة والحجر الأسود . وهى عبادة صريحة للأحجار ، لا تزال موجودة . وقديماً كان ابراهيم عليه السلام يقول لقومه مستهزئاً من تخلفهم العقلى : (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) (الصافات).

وفى العصرالمملوكى احترف بعض الصوفية نحت بعض الأحجار الرخام وكانوا يبيعونها للعامة. يقول السخاوى الصوفى فى اواخر القرن التاسع : (  وكان مع بعض الحجّارين رخامة جعلوا فيها أثر قدم ، وداروا فيها فى البلاد والبيوت والأسواق، يقولون للناس هذا موضع قدم نبيكم ، فيقبله الناس ويتبركون به ويعطونهم الأموال..)[5].

6 ـ وضريح البدوى كان يجتذب الحجيج إليه من كل فج عميق ، ويقدسون فيه الحجر الأسود إلى جانب مقبرة البدوى . وأشاع الصوفية بين العامة أن الحج إلي ضريح البدوى سبع مرات تعدل الحج للكعبة، وبذلك تحقق أمل الصوفية فى الصدّ عن بيت الله الحرام . ومثل ضريح البدوى ـ الذى لا يزال يحتل مكانة مقدسة حتى الآن – كان هناك فى العصر المملوكى قبر ( فاطمة الموصلية ) ، يقول عنه السخاوى الصوفى  : ( يقال أن من أراد الحج وطاف حول قبرها سبع مرات ينوى بذلك الحج فإنه يحج من عامه ذلك . )، ويعلق السخاوى على ذلك بقوله : ( وهذا ليس بصحيح) .

7 ـ وإذا كان السخاوى قد احتج على اعتقاد العامة وهم أبرز من يتأثر بالصوفية فإن شاعراً صوفياً مشهوراً هو البصيرى كان يقول فى أبى الحسن الشاذلى..

أولم تدر أن مدح علىّ

                             مثل حج وعمرة وزيارة[6].

فالبصيرى يجعل من مجرد مدح الشاذلى – وإسمه الحقيقى : على بن عبد الجبار- يعدل الحج والعمرة والزيارة . ولا ريب بعدها أن الحج للشيخ الصوفى حياً أو ميتاً هو الأيسر والأسهل للمسلمين من الحج الى مكة . وذلك هو المدخل للدعوة للحج الصوفى وتشريعه.

ثالثا : دعوة للحج الصوفى قبل العصر المملوكى:

1 ـ على أن الدعوة للحج للأولياء والأضرحة قد بدأت قبل العصر المملوكى، وزعم الصوفية أن أويس القرنى –وهو شخصية خيالية وضعوا على لسانها بعض مظاهر التشريع الصوفى- قال داعياً لأحد مريديه "اللهم إن هذا يزعم أنه يحبنى فيك وزارنى من أجلك فعرفنى وجهه فى الجنة".

2 ـ وتوسع الغزالى الذى أورد هذه المقالة فى تشريع الحج للأضرحة والأولياء .فيقول عن التبرك " يدخل ضمن السفر للعبادة كالحج والجهاد ، ومنها زيارة قبور الأنبياء عليهم السلام، وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والأولياء، وكل من يُتبرك بمشاهدته يُتبرك بزيارته بعد وفاته"[7]. أى إن الولى الصوفى المقدس فى حياته يتمتع قبره المقدس بالحج اليه بعد مماته . وبالتالى فالحج عند الغزالى هو لقبور الجميع طالما تحظى بالتقديس ، سواء كانوا أنبياء وصحابة أم فقهاء وصوفية.

3 ـ ثم يفتى الغزالى بإباحة الحج الصوفى فيفتى بجواز شد الرحال أو الحج لكل القبورالمقدسة ، ويثرثر محاولا تأويل حديث : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد ...) ليتسع مجال الحج لكل القبور المقدسة ، إلى أن يقول: ( وبالجملة زيارة الأحياء أولى من زيارة الأموات، والفائدة من زيارة الأحياء طلب بركة الدعاء وبركة النظر إليهم، فإن النظر إلى وجوه العلماء والصلحاء عبادة..!).

4 ـ والغزالى هنا متسق مع عقيدته الصوفية فى تقديس الأولياء الأحياء بالذات والحج اليهم واعتبار النظر الى وجوههم عبادة، أى يقوم بتشريع نوع جديد من العبادة فى الدين الصوفى هو: ( رؤية وجوه العلماء والصلحاء). 

5 ـ والغزالى من ذكائه يدعو  لتفضيل زيارة الأحياء من علماء الصوفية لينعم هو بكثرة المريدين فى حياته، وليصرفهم عن الحج إلى غيره من الأضرحة الخاصة بالموتى . ومن أجل ذلك نرى الغزالى يمنع سفر المريد إلا فى أحوال محدده هى طلب العلم ، ( أو مشاهدة شيخ يقتدى به فى سيرته وتستفاد الرغبة فى الخير من مشاهدته"[8]. .  

 رابعا : الدعوة للحج الصوفى فى العصر المملوكى:

1 ـ ثم ازدهر التصوف فى العصر المملوكى وكثر المشرعون للحج الصوفى حتى من بين الفقهاء الصوفية الذين احترفوا الهجوم على متطرفى الصوفية، ونمثل لهذا الصنف بالفقيه ابن الحاج العبدرى الذى أكثر فى كتابه ( المدخل ) من الهجوم على صوفية عصره، وأكثر  فى نفس الوقت من الدعوة للحج إلى أشياخ التصوف الأحياء والأموات ،  وحرص على استخدام الأسلوب الفقهى فى الوجوب والإلزام، يقول "ينبغى زيارة قبور الصلحاء والأولياء فى كل موضع مر به المسافر أو الزائر" ويقول "إن زيارة قبور الصالحين محبوبة لأجل التبرك مع الاعتبار،فإن بركة الصالحين جارية بعد مماتهم كما كانت فى حياتهم،والدعاء عند قبور الصالحين والتشفع بهم معمول به عند علمائنا المحققين من أئمة الدين. "، ويقول "ويتعين على الزائر قصدهم من الأماكن البعيدة، فإذا جاء إليهم فليتصف بالذل والإنكسار" ويقول "وينبغى للشخص ألا يخلى نفسه من زيارة الأولياء والصالحين الذين برؤيتهم يحيى الله القلوب الميتة كما يحيى بوابل المطر،فتنشرح بهم الصدور الصلبة،وتهون برؤيتهم الأمور الصعبة .. فتتعين المبادرة إلى رؤيتهم واغتنام بركتهم.. "[9]ويلاحظ أن ابن الحاج مع استخدامه الأسلوب الفقهى فى الإلزام مثل "ينبغى " " يتعين " إلا أنه تحاشى الإتيان بلفظ الحج واستعمل بدلاً منه كلمة الزيارة كقوله (" ويتعين" على الزائر قصدهم من الأماكن البعيدة")، وهو بذلك لا يخدع إلا نفسه فما الحج إلا الزيارة الدينية من الآفاق.

2 ـ وكان الصوفية الخًلَص أصرح فى العبارة من الفقهاء الصوفية أمثال الغزالى وابن الحاج .. فالدسوقى يقول بصراحة داعياً للحج إلى نفسه فيقول:

حُجّوا إلى ذاتى ، فذاتى كعبة نُصبت

                                والسر فيها كَسّرّ البيت والحرم[10].

3 ـ وصار تقليداً بين الصوفية والفقهاء فى العصر المملوكى الدعوة إلى الحج للأضرحة والأولياء مع اختلاف الأسلوب بين الصراحة والتلاعب بالألفاظ..

يقول السخاوى الصوفى : " وقبور الصالحين لا تخلوا من بركة ،وإن زائرها والمسلَم على أهلها والقارئ عندها والداعى لمن فيها لا ينقلب إلا بخير، وقد يجد لذلك أمارة تبدو له أو بشارة تنكشف له". ولا يكتفى السخاوى بدعوة الأحياء للحج إلى الأضرحة والتسليم على أصحابها بل يدعو الأحياء إلى أن يحجوا بموتاهم أيضاً إلى أقرب مكان للأضرحة المقدسة، يقول "ويستحب أن يقصد الإنسان بميته قبور الصالحين ويدفنه بالقرب منهم تبركاً بهم"[11].

4 ـ وتأتى الأساطير لتأخذ دورها فى الدعوة للحج الصوفى ، فيروى ابن الزيات عن صاحب ضريح أنه رؤى فى المنام بعد موته" فقيل له ما فعل الله بك؟قال : أعطانى نعيماً لا ينفذ، وحياة بلا موت ،والدعاء عند قبرى مجاب"[12]. إذن فقبره كما تحكى الأحاديث الكاذبة   روضة من رياض الجنة، ولم تأكل الأرض جسده والدعاء عنده مستجاب طالما هو فيه حىَ طبقاً لعقائدهم . وابن الزيّات هذا كان من مشايخ الزيارة ، أى من الشيوخ المتخصصين فى إرشاد الزوار أو الحجّاج الى القبور المقدسة فى مقابر القاهرة ، وقد كتب فى ذلك كتابه ( الكواكب السيارة فى ترتيب الزيارة)

5 ـ وبعض الأساطير لا تأتى بالأسلوب القصصى، وإنما بالتقرير الواثق كأن يقول الشعرانى فى جرأة نادرة " عند قبر الولى ملك يخلقه الله من همّة ذلك الولى ومن صورته،ينفذ الله به ما شاء من الأمور"[13]. وطالما خلق الله ملكاً ينفذ طلبات الحجيج عند الضريح فأولى بالناس أن يهرعوا للحج اليه من كل فج عميق . وهذا الفجور فى الكذب قاله الشعرانى بدون استدلال ، لأنّ العصر كان يصدّق كل تخاريف الشيوخ الصوفية ، ويؤمن بأنهم يعرفون الغيب ، ولديهم العلم الالهى اللدنى ، ينهلون منه ما شاءوا.!!

6 ـ وإعتقاد العصر فيهم جعل الصوفية يجرأون على الدعوة فى حياتهم لأن يحج الناس إلى قبورهم بعد موتهم، فالحنفى كان يقول فى مرض موته" من كانت له حاجة فليأت إلى قبرى ،ويطلب حاجته أقضها له، فإن ما بينى وبينكم غير ذراع من التراب، وكل رجل يحجبه عن أصحابه ذراع من تراب فليس برجل"[14]. وقبر الحنفى لا يزال يحظى بالتقديس فى القاهرة.

أما الفرغل فقد كان صوفياً قرويا صعيديا جاهلاً لا يعرف القرآن، ومع ذلك كان يقول فى حياته "أنا من المتصرفين فى قبورهم ،فمن كانت له حاجة فليأت إلى قبالة وجهى ويذكرها ، أقضيها له.. "[15].

ولا يزال قبر هذا الفرغل مقدسا فى الصعيد ،ويطلق المصريون على أبنائهم اسم ( فرغلى ) نسبة له وتبركا به ، فالمجانين ـ دائما ـ فى نعيم.!! .  



[1]
حسن شمة :4.

[2]تحفة الأحباب 290، 291.

[3]الجواهر 77.

[4]تكسير الأحجار 141، 142، 145.

[5]تحفة الأحباب 263.

[6]ديوان البوصيرى 85.

[7]الإحياء جـ3/194.

[8]الإحياء جـ2/219، 221.

[9]المدخل جـ3/26، جـ1/ 124، جـ1/ 125، جـ2/10، 11.

[10]الجوهرة 100.

[11]تحفة الأحباب 27.

[12]الكواكب السيارة 226.

[13]درر الغواص 92.

[14]الطبقات الكبى للشعرانى جـ2/86.

[15]الطبقات جـ2/93.

 مناسك الحج الصوفى:

 مقدمة:

الحج قدوم ثم تأدية للمناسك . بعد القدوم إلى الولى –الذى أوجبه دين التصوف على الناس – كان تشريع المناسك للحج الصوفى .. وتكاثرت هذه المناسك بين أقوال وأفعال مختلفة حسب الطرق الصوفية والأضرحة المتشعبة . ولكننا نبرز السمات العامة لهذه المناسك على النحو التالى:

 أولا : المناسك القلبية:

1 ـ فاشترطوا فى الحاج أن يكون خاشعاً مؤمناً بالولى الذى يحج إليه، معتقداً فى حياته البرزخية وتصريفه الإلهى فى الخلق حتى يستحق نيل البركات..

2 ـ يقول فى ذلك أبو المواهب الشاذلى "من أدب المريد إذا زار شيخاً فى قبره أن لا يعتقد أنه ميت لا يسمعه، بل الأدب أن يعتقد حياته البرزخية لينال بركته"[1]. وردد الشعرانى هذه الأقوال ونسبها لأبى المواهب هذا ، ومنها "إذا زار إنسان قبر الولى فإن ذلك الولى يعرفه، وإذا سلم عليه ردَ عليه السلام، وإذا ذكر الله على قبره ذكره معه .. ومعلوم أن الأولياء إنما ينقلون من دار إلى دار ، حرمتهم أمواتاً كحرمتهم أحياء، والأدب معهم بعد موتهم كالأدب معهم حال حياتهم).   

3 ـ وكما أن الله جل وعلا هو الحىّ الذى لا يموت فإن الصوفية يعتقدون أنّ لأوليائهم نفس الحياة بلا موت ، يقول أبو المواهب الشاذلى يضفى الالوهية على الولى الصوفى الميت : " حاشا الصوفى أن يموت"، أى ليس يموت كالأنبياء والرسل وبقية البشر. وأبو المواهب يفترى هذا ليبرر الحج الى قبر الولى الميت ، يوهم بأنه ( حى لا يموت )..!  ويرى أبو المواهب الشاذلى أنّ الولى ( الحىّ فى قبره ) يكون مفيدا لمن يحج الى قبره ، بل ربما يكون أكثر نفعا فى قبره عنه عندما كان حيا يسعى فى هذا الدنيا .  يقول" من الأولياء من ينفع مريده الصادق بعد موته أكثر ما ينفعه حال حياته.. "[2].

4 ـ وكما يؤكّد ربَ العزة على إخلاص العبادة لله، ، فأولئك الصوفية يحرصون على إخلاص المريد عقيدته فى تأليهه لصاحب الضريح حين يحج إلى الضريح متوسلا بصاحبه ، يقول السخاوى الصوفى عن بعض الأضرحة "ومن خصائص زيارتهم أن من زارهم سبعة سُبوت على نية الحج أو قضاء الدين أو حاجة قضى الله تعالى حاجته .فينبغى لمن عزم على زيارتهم وغيرهم أن يخلص نيته"[3]. .

ويشرع ابن الزيات فى كتابه (الكواكب السيارة) طريقة للمناسك ، ثم يقول محذراً "وإياك أن تجعله على وجه التجربة فإنك لا تنتفع به"[4]. أى لا بد أن تبدأ الحج والتوسل بصدق نية وعقيدة صافية مخلصة فى صاحب الضريح ، وليس بالشّك والتجربة . ويقول أيضا عن ضريح آخر "والمستحب لمن زار هذا المكان أن يحضر قلبه ويخلص نيته فإنه فى مكان مبارك"[5].  

ثانيا :المناسك القولية:

1 ـ شرع ابن الحاج فى كتابه ( المدخل ) طريقة المناسك القولية، يبدأ بالقول  : ( إن كان الميت المُزار ممن تُرجى بركته فيّتوسل إلى الله تعالى به. ) أى إذا كان صاحب القبر يعتقد الناس فى بركته وجدوى التوسل به فيجوز التوسل به . وهنا تناقض فى قول الفقيه الصوفى ابن الحاج ، فهو يقرر فى البداية بأن صاحب القبر ميّت وليس حيّا فى قبره كما يقول الشعرانى وأبو المواهب الشاذلى ، فكيف يستجيب الميت المقبور لمن يتوسل به ، وكيف يتوسّط له عند الله جل وعلا بزعمهم ؟.

ثم يشرح التوسل القولى : ( ويبدأ التوسل بالنبى(ص) إذ هو العمدة فى التوسل ، ثم يتوسل بأهل تلك المقابر أى الصالحين منهم فى قضاء حوائجه ،ثم يدعو لنفسه ولوالديه وأشياخه ولأقاربه ولأهل تلك المقابر ولأموات المسلمين ولأحيائهم وذريتهم إلى يوم الدين ، ولمن غاب عنه من إخوانه"[6].  وهنا تناقض آخر ، فهو يتوسل بهم ثم يدعو لهم .. أى يجعلهم آلهة يتضرع لهم ثم يجعلهم عبيداً مستضعفين يتضرع لله من أجلهم .. وهذا هو التناقض الذى يقع فيه الفقيه الصوفى الذى يحاول ( أسلمة التصوف )، يظل حيران يحاول التوفيق بين النقيضين :الإسلام والتصوف.

2 ـ وتظلّ هناك إختلافات فى المناسك القولية حسب هوى الأشياخ المشرعين ، يقول ابن الزيات " من قرأ عند مسجد الرفاعى " قل هو الله أحد " أحدى عشر مرة وسأل الله حاجة قضاها"[7].  ، بينما يقول تلميذه السخاوى الصوفى عن ضريح السيدة نفيسة "كانوا يقولون عند زيارتها والسلام عليها بعبارات خاصة فيها ذكر آبائها والتشفع والإستجارة بها"[8].

ثالثا : المناسك العملية وانواعها:

1 ـ معروفة المناسك العملية فى الحج الإسلامى من الطواف بالبيت والسعى بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة والإفاضة وتقديم الهدى .وتأثّر بها الحج الصوفى وقلّدها ، ففيه طواف بالضريح وسعى بين القبور ووقوف خاشع أمام بعضها ، بالإضافة إلى تقديم الهدى نذراً للأولياء.

ويبقى الخلاف بين الحجّ الاسلامى والحج الصوفى : ففى الإسلام لا حرم لله جل وعلا إلا البيت الحرام فى مكة، ولا حج إلا لبيت الله الحرام ، ولا طواف إلا بالكعبة ، وفى الطواف بها لا يجوز لمسها. أما فى العصر الجاهلى وفى دين التصوف فالأنصاب منتشرة تتمتّع بتقديس كما للكعبة وربما أكثر، ولكل منها ( الحرم ) الذى لا يجرؤ إنسان على اقتحامه. وبينما إعتاد حجاج البيت الحرام الوقوع فى الرفث والفسوق والعصيان فإن العابد الصوفى يطوف بالضريح بخشوع وخضوع ، والطواف بالقبر المقدس يعنى لمسه والتبرّك بأعتابه وزجاجه وقماشه وخشبه ، وحتى أقفاله ، حتى لو كان قفل المقصور مصنوعا فى الصين.!!

ثم لكل ضريح منها أيام مخصوصة ( موالد ) أو حرم زمانى يقصده فيها الناس بمثل ما يقصد المسلمون بيت الله فى أوقات معلومة موحدة فى العام . والمقارنة بين مناسك الحج الإسلامى ومناسك الحج الصوفى تستحق وقفة متأنية وبحثاً منفصلاً ولكن منهجنا هنا هو فى كيفية تأدية المناسك فى الحج الصوفى فى مصر المملوكية.

2 ـ وفى البداية فإن مراسم الحج التى للكعبة قد طبقها المصريون فى زيارتهم أو حجهم لضريح البدوى أشهر الأولياء. مقابل أشهر الحج ىللبيت الحرام فهناك موسم محدد للحج للبدوى، هو المولد الكبير فى نهاية  شهرأبيب وأول شهر مسرى بالإضافة إلى المولد الصغير والمولد الرجبى .وكما أن العمرة الإسلامية طوال العام فإن زيارة ضريح السيد البدوى مفتوحة أيضا طوال العام .  وفى موالد البدوى يقوم المصريون بكل مراسم الحج من قدوم وطواف وسعى وتقديم (عجل السيد) نذراً والتمسح بالحجر الأسود عند الضريح. وهناك شعرمنسوب للبدوى يلخص هذه المناسك يقول..

ألا أيها الزوار حجوا لبيتنا

                        وطوفوا بأستار له تبلغوا المنى

وعند الصفى فاسعوا وحلوا

                       رحالكم تحط ذنوب فى مواطن أمننا

وفى يوم عيد الوصل أوفوا بنذوركم

                         كذا تفث فاقضوا وطوفوا ببيتنا

فكل زمان فيه وصلى فعيدكم

                          وكل زمان فيه قربى لكم منى[9]

ومن الناحية العملية فإن تلك الطقوس تقام عند الحج لأى ضريح صوفى ،إلا أن المراجع فى العصر المملوكى ذكرت تلك الطقوس متفرقة فى ثنايا الحديث عن الأضرحة وأصحابها الصوفية.

3 ـ فالإحرام (السّنى ) بالتجرد من لبس المخيط  جعلوه من أهم مراسم الحج لمولد وضريح عبد الرحيم القنائى ،وهو أشهر الأولياء فى الصعيد . وفى مناقب عبد الرحيم القنائى أنه "اتفق أهل بلاده على تجربة إجابة الدعاء عند قبره : يوم الأربعاء يمشى الإنسان حافياً مكشوف الرأس وقت الظهيرة ويصلى ركعتين، ويقرأ شيئا ًثم يقول: اللهم أنى توسلت إليك بجاه نبيك وبأبينا آدم وحواء وما بينهما من الأنبياء والمرسلين وبعبدك عبد الرحيم إقضى حاجتى"[10].

وكان الناس يمارسون هذه الطريقة فعلاً حتى أن الأدفوى مؤرخ الصعيد  فى كتابه ( الطالع السعيد ) ذكرها داعياً لها ،  يقول " هناك فائدة اسمها فائدة الأربعاء وهى أن يتجه الفرد يوم الأربعاء من كل أسبوع إلى مزار السيد القنائى بعد الظهر حافى القدمين، ثم يتوضأ ويصلى ركعتين، ويقرأ شيئاًمن القرآن الكريم ثم يدعو هذا الدعاء : اللهم أنى أتوسل إليك بجاه نبيك وبأبينا آدم وحواء .. إلخ[11]. . ولا تزال هذه الطريقة متبعة حتى الآن..

وتطرف الصوفية فى مناسك الإحرام فأوجبوا خلع الحذاء، وليس  ذلك فى مناسك الإسلام من صلاة وحج . والمسلم الآن لا يجرؤ على الوقوف أمام ضريح وهو يرتدى حذاءه، بينما يسمح له الإسلام بالصلاة فى النعال ، ويروى الشعرانى عن شيخه الخواص أنه كان إذا زار السيدة زينب بادر بخلع نعله من العتبة ومشى حافياً حتى يجاور مسجدها[12]..

4 ـ والطواف حول كل ضريح من المناسك العادية والمشهورة، إلا أن ابن دقماق يذكر طريقة للطواف كان يمارسها المصريون على سفح الجامع العتيق ( جامع عمرو أو مسجد الفسطاط ) تماثل طريقة الطواف عند الكعبة . يقول " والطواف به سبع مرات ، يبدأ بالأولى من باب الخزانة الأولى التى يستبقلها الداخل من باب السطح ، وهو يتلو ، إلى أن يصل إلى زاوية السطح اليسرى عند المأذنة المعروفة بعرفة، يقف عندها ، ثم يدعو بما أراد،يمر وهو يتلو إلى أن يصل إلى الركن الشرقى عند المأذنة المشهورة بالكبيرة ، ثم يدعو بما أراد ،ثم يمر إلى الركن البحرى فيقف فيه محاذياً لغرفة المؤذنين ، ثم يدعو بما أراد، ثم يمر وهو يتلو إلى المكان الذى ابتدأ منه، ثم يفعل ذلك سبع مرات.."[13]

فهنا طواف سبع مرات ، وبداية ونهاية للطواف ، وأركان، و( ديكورات مصنوعة ) تمثل الصفا والمروة، ووقوف بمأذنة سموها عرفة، ودعاء فى الطواف، ولم يبقى إلا العثور على بئر زمزم لتتكامل الصورة، ولن نتعب كثيراً فقبل هذا الكلام حديث عن البئر التى فى الجامع – مع أن النيل قريب جداً من الجامع- ولكنه لزوم الديكور، يقول ابن دقماق عن تلك البئر ومائها " ومنها عند خزرة البئر الذى بالجامع .. أخبرنى من جرب ذلك غير مرة، وذكر أن ماء البئرالمذكورة من شربه أو استحم به للحمى زالت عنه[14]. أى أن ماء البئر(لما أُخذ له).  ومعناه أن الصوفية حولوا أول مسجد إسلامى أنشىء فى مصر إلى كعبة ( مصرية ) يضاهئون بها بيت الله وشرعوا لهم مناسك ما أنزل الله بها من سلطان.

بل أطلقوا على مسجد الفسطاط أو مسجد عمرو بن العاص :( المسجد العتيق ) تشبيها له باسم البيت الحرام ( البيت العتيق ) (ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)( الحج )، فكما إن جامع عمرو هو أول مسجد فى مصر فإن البيت الحرام هو أول بيت وُضع للناس :(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96)  ) ( آل عمران)

5 ـ والوقوف فى مكان معين يشير ويماثل الوقوف بعرفة ، وتكررت عبارة الوقوف فى سطور ابن دقماق فى حديثه عن مناسك الحج لمسجد الفسطاط ، بالاضافة الى المأذنة التى سمّوها ( عرفة ) : (والطواف به سبع مرات ، يبدأ بالأولى من باب الخزانة الأولى التى يستبقلها الداخل من باب السطح ، وهو يتلو ، إلى أن يصل إلى زاوية السطح اليسرى عند المأذنة المعروفة بعرفة، يقف عندها ، ثم يدعو بما أراد،يمر وهو يتلو إلى أن يصل إلى الركن الشرقى عند المأذنة المشهورة بالكبيرة ، ثم يدعو بما أراد ،ثم يمر إلى الركن البحرى فيقف فيه محاذياً لغرفة المؤذنين ، ثم يدعو بما أراد، ثم يمر وهو يتلو إلى المكان الذى ابتدأ منه، ثم يفعل ذلك سبع مرات  )

على أن الوقوف بعرفة فى المسجد العتيق لم يكن الوقوف الوحيد فى مناسك الحج  الصوفى .فالسخاوى الصوفى يذكر( أن العلماء –لاحظ وصفه لهم بالعلماء –والزوار كانوا يقفون عند قبر القمنى ويجعلون صلة- أى قبر صلة ابن ألآيهم - أمامهم وسالماً العفيف عن يمينهم وأبا الحسن الصائغ عن شمالهم ويدعون فيستجاب لهم)[15]. فهنا وقوف محدد فى بقعة معينة شرعها علماء الصوفية وطبقوها، وزعموا أن الدعاء بذلك مستجاب . ولا يجرؤ أحد على ان يسألهم عن دليلهم فى أن هذا يضمن إستجابة الدعاء .!! ويقول السخاوى عن وقوف آخر "إن من وقف بين قبر المحاملى والأنبارى ودعا بما شاء استجيب له"[16]. ويقول "وكل من وقف بين مشهد عبد الله بن عبد الرحمن الزهرى وبين قبر الشريف المؤيد ودعا استجيب له وجُرّب ذلك..[17]. فالدليل هنا هو زعمهم بأنّ هذا صحيح بالتجربة . وفى نفس الوقت ينهون من يتوسل أن يفعل ذلك عن طريق التجربة بل لا بد أن يكون مخلصا فى إعتقاده .. تناقض كالعادة.!

6 ـ وضمت المناسك الصلاة والقراءة. ففى الحج لقبر فخر الدين الفاسى ذكر ابن الزيات والسخاوى أن أحدهم رأى النبى (ص ) فى رؤيا منامية يقول فيها : ( إن من توضأ ثم صلى فى المسجد ركعتين يقرأ فى الأولى فاتحة الكتاب وسورة تبارك وفى الثانية فاتحة الكتاب وهل أتى على الإنسان ، ويخرج من المسجد ووجهه إلى القبلة إلى أن يأتى قبر أبى الخير التيتانى لم يسأل حاجة إلا أعطاه إياها"[18]. ) .وهنا تشريع يفترى على الرسول كذباً ليكتسب مصداقية لدى الناس وليشيع شهرة لأولئك الأولياء الموتى ليحجّ اليهم الناس.

7 ـ واختصت المناسك الصوفية باختراع جديد لا يزال بعض علماء الأزهر يمارسونه حتى الآن ، وهو إسناد الظهر للضريح والتوسل به على هذا الشكل. وكان يفعل ذلك رئيس لجامعة الأزهر فى السبعينيات، كان يسند ظهره إلى ضريح الحسين ويتوسل به، وكان يفخر بذلك أمامنا ونحن طلبة فى الدراسات العليا. !

وقد أشار ابن الزيات إلى هذه الطريقة فى حديثه عن مسجد الرحمة " مسجد بنى قرافة " قال فيه "وقد كان من يلحقه من المصريين أمر ضايقه أو أصابته شدة يقصد هذا المسجد ويصلى فيه ،ويسند ظهره للعمود الذى فى وسطه،الذى عليه صفة منامه ورؤيا النبى فيه ،وأنه يأمر بالدعاء فيه، فتزول همومهم وتفرج غمومهم وتقضى حوائجهم [19].  

وروى ابن الزيات عن بعضهم أنه مرض مرضاً شديداً فرأى فى المنام من يقول له " أمضى إلى قبر عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وقف بينه وبين الشريف المدفون معه فى التربة ، وألصق ظهرك إلى الحائط وابتهل إلى الله، فلما أصبح فعل ذلك فعافاه الله، قال : وما وقعت بعد ذلك فى شدة أو تعسرت علىَ حاجة إلا أتيت المشهد ،ودعوت، فيستجاب لى". 

 رابعا : - المناسك المالية:

1 ـ ويقصد بها النذور التى كان الحجاج يقدمونها للأولياء وسدنة الأضرحة .. وقد حرص الصوفية على هذه المناسك بالذات حتى لقد ارتبط الحج الصوفى بتقديم النذور للأضرحة والأولياء.

ومعلوم أن النذر فى الإسلام لا يكون إلا لله وحده، يقول جل وعلا : (وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (270)( البقرة ). وفى تقديم النذور فى الحج يقول جل وعلا محذرا من رجس الأوثان ومن إفتراء الأكاذيب وقول الزور :( ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمْ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) الحج ). وقد ذكر رب العزة جل وعلا أن الجاهليين كانوا يقدمون النذور لله وللأولياء، ولأن الأولياء فى اعتقادهم هم الواسطة بينهم وبين الله فكانوا يقدمون كل النذور إليها بالأصالة وبالوساطة أى هى الواسطة عندهم لله ، فما يقدمون لله جل وعلا فهو أيضا لتلك الأولياء التى تقربهم لله زلفى بزعمهم ،يقول جل وعلا :( وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) الأنعام 136 ). وكان ـ ولا يزال الجاهليون والجاهلون ـ يحجون الى معابدهم المقدسة سراعا فى لهفة، والله جل وعلا يصور حالهم يوم البعث بحالهم وهم يسارعون الى الموالد والحج للقبور المقدسة ، يقول جلّ وعلا عن يوم البعث : (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43)(المعارج ). والى معابدهم المقدسة كانوا يقدّمون أيضا الهدى، أى ينحرون الذبائح قربانا للولى المدفون المعبود . والله جل وعلا حرّم الكل ممّا( ذُبح على النّصًب ): (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ) (3)( المائدة).

2 ـ والغريب أن العصر المملوكى كان يطلق على القرابين التى تقدم للأولياء نذوراً، بينما يطلق على النذر المقدم لله قرباناً . ففى طاعون 822 قيل عن المؤيد شيخ " ذبح بيده قرباناً قربه إلى الله تعالى نحو مائة وخمسين كبشاً سميناً"[20]. ).

3 ـ والعادة أنّه عندما يموت الولى يقام على قبره ضريح ،وتشاع حوله الكرامات، فيتوافد عليه الحجاج، وتقدم له النذور والقرابين ويلاحظ أن موالد البدوى الثلاثة لا يتفق واحد منها مع تاريخ ميلاده أو حتى تاريخ وفاته، وإنما روعى فيها فقط أوقات النيل والزراعة والرى  ولتمكين أكبر عدد من الفلاحين من حضور المولد وجيوبهم عامرة بالأموال بعد بيع المحاصيل [21].

4 ـ وفى كتاب عبد الصمد الأحمدى عن البدوى وأتباعه ارتبطت الموالد بالقرابين التى تقدم للأضرحة، يقول : (فالموالد العظام أقيمت للشيخ يوسف الأنبابى) . والموالد إذا كانت عظيمة فالنذور فيها أعظم. ويقول عن أولاد الشيخ أحمد المعلوف بالقليوبية إن لهم  نذورا ، ويزعم أنّ ( كل من قطعها خربت دياره، ) وهذا تهديد لمن يحنث بالنذر ، ويعترف عبد الصمد أن أولاد هذا الولى الصوفى عصاة ، ومع ذلك فكرامات أبيهم سارية :( رغم كونهم على غير نعت الإستقامة )، وعن الشيخ على البريدى:( ينذر الناس له النذور.) والشيخ عمر الشناوى:( يُعمل له مولد عظيم .. ويحصل فيه مدد عظيم ) ،أى نذور عظيمة[22].

5 ـ وكان تقديم النذورإلى الضريح دلالة على الحج إليه فى المصادر التاريخية والصوفية، يقول المناوى عن البدوى  "وجعلواعلى قبره مقاماً واشتهرت كراماته وكثرت النذور إليه وعظُم أمره"[23]. ويقول المقريزى عن ضريح الدسوقى " قبره إحدى المزارات التى تحمل إليها النذور ويتبرك بها"[24]. ويقول عنه آخر "يزورونه ويقصدونه بالنذور وغيرها"[25]. . وقيل عن جد أبى المواهب الشاذلى "كان من الصلحاء ، وله ضريح بسنهور مقصود بالزيارة والنذور"[26].

6 ـ وحين ينصرف الناس عن أحد الأضرحة ولا يحجون إليهم ينعدم نصيبه من النذور، يقول ابن الزيات عن مسجد بنى قرافة " وكان هذا المسجد الشريف كثيراً ما تأتيه النذور بالشموع والخلوق والبخور، فغفل الناس عنه، وهو اليوم مهجور"[27].

7 ـ ولهذا حرص الصوفية من سدنة الأضرحة على استمرار نشر الكرامات لضمان توافد الحجاج باستمرار وضمان سيل النذور،وبلغ حرصهم حد التهديد بمعاقبة من لا  يوفى بالنذر . ولا يزال الفلاحون وأبناء البيئات الشعبية  فى المدن يتخوفون من عدم الوفاء بنذر الأولياء تأثراً بتلك الأساطيرالتى أشاعها الصوفية منذ العصر المملوكى . ويفترى الشعرانى أن شخصاً  نذر حصاناً لضريح الشيخ يوسف البرلسى ثم أراد الناذر أن يبيع الحصان فهرب منه الحصان ودخل قبر الشيخ البرلسى ولم يخرج منه، وقد ردد عبد الصمد هذه الأسطورة[28]. وأساطير أخرى من هذا النوع رددتها مراجع الصوفية[29].

8 ـ وأصبح النذر للاولياء عادة إجتماعية تحدث تلقائيا حتى بدون دعاية صوفية . فقد حدث فى العصر المملوكى سنة 781 أن شخصاً كان يتكلم من خلال حائط ، فافتتن به الناس ، وقالوا ( يارب سلّم ..الحيطة بتتكلّم.! ) . واصبحت من وقتها مثلا . صاروا يحجّون إلي الحائط  ، وبالتالى أخذوا يقدمون النذور لذلك الحائط ، يقول ابن إياس :" وصاروا يجلبون له أشياء كثيرة من الطيب والماورد ومن الزعفران كل يوم على وجه النذر" "ولما شاع أمره جاء إليه جماعة من الأمراء المقدمين والأعيان وحملوا إليه أشياء كثيرة من المآكل والمشارب وغير ذلك.. "[30].

9 ـ والناس لم يقدموا النذور للأضرحة بدون مقابل فهم يعتقدون فيها النفع والضرر.. وهكذا فللحج الصوفى أغراضه الدينية من تحقيق الرغبات وإجابة الدعوات..



[1]
قواعد الصوفية جـ1/ 161.

[2]الطبقات الكبرى جـ2/65 طبعة قديمةز

[3]تحفة الأحباب 487.

[4]الكواكب السيارة 288 ، 85.

[5]الكواكب السيارة 288، 85.

[6]المدخل جـ1/124.

[7]الكواكب السيارة 128.

[8]تحفة الأحباب 117.

[9]عبد الصمد .الجواهر 122.

[10]مناقب عبد الرحيم. مخطوط ورقة 20.

[11]الطالع السعيد 157.

[12]لطائف المنن 337.

[13]الإنتصار 75.

[14]الإنتصار 75.

[15]تحفة الأحباب 261، 262، 284، 364، 365.

[16]تحفة الأحبابب 261، 262، 284، 364، 365.

[17]تحفة الأحباب 261، 262، 284، 364، 365.

[18]الكواكب السيارة 109،تحفة الأحباب4.

[19]الكواكب السيارة 179، 241.

[20]النجوم الزاهرة جـ14/79، تاريخ ابن اياس جـ2/46.

[21]عاشور.البدوى275.

[22]الجواهر 216، 7 2

[23]الطبقات الكبرى 274.

[24]السلوك جـ1/3/739.

[25]مناقب الوفائية 16.

[26]مناقب الوفائية 39.

[27]الكواكب السيارة 179.

[28]الطبقات الكبرى جـ2/95، الجواهر 27.

[29]مناقب الفرغل 14، 15. الكواكب السيارة 217، 218.

[30]تاريخ ابن إياس جـ1/2/246.

  أغراض الحج الصوفى..

 مقدمة:

1 ـ فى الحث ّ على الحج الى الأنصاب الصوفية ترددت أقاصيص صوفية عن متوسلين بالأضرحة قدموا إليها من أماكن بعيدة، ثم ناموا عند أعتابها يشكون همومهم فيأتيهم صاحب الضريح فى المنام يحل مشاكلهم، فيستيقظ أحدهم فإذا الحلم حقيقة .. على أساس هذا الهيكل دارت معظم أساطير التوسل بالأضرحة [1].

 2 ـ وبسبب سيطرة دين التصوف فقد اعتاد العصر المملوكى الحج إلى الأضرحة، وإمتلآت القرافة ( أو مكان الدفن فى القاهرة ومصر ) بقبور أصبحت أوثانا مقدسة تشاع حولها أساطير الكرامات ، غدت القرافة بتلك القبور المقدسة أهم المزارات يحج اليها آلاف الناس من القاهرة وخارجها حتى من القادمين لمصر أو ( السيّاح ). وقد حرص ابن بطوطة فى كتاب رحلته على تسجيل معالم القرافة وقبورها المقدسة ، ومثله فعل آخرون كالعلوى وابن ظهيرة دليلا على إزدهار ما يعرف الآن بالسياحة الدينية فى العصر المملوكى . بل أصبحت القرافة مقصدا للنزهة ، تأتى اليها العائلات للمبيت فى أيام محددة ، وتكون مناسبات للفسوق والعصيان مرتبطة بالتزاحم أمام الضريح والطواف حوله.

3 ـ هذا التوافد على القبور المقدسة فى قرافة القاهرة أسفر عن تخصص نفر من شيوخ الصوفية فى مهمة ارشاد الزوار،وأصبحت لهم مهنة مربحة ، فتكاثر العاملون بها من الشيوخ، وأصبحوا طبقة سميت بمشايخ الزيارة. ومن أعيان هذه الطبقة من ألَف فى طقوس الحج أو ترتيب الزيارة ، مثل ( ابن الزيات ) صاحب كتاب "الكواكب السيارة فى ترتيب الزيارة"، وتلميذه (السخاوى ) صاحب كتاب"تحفة الأحباب" . وحفلت هذه النوعية من الكتب بأساطير الكرامات للأولياء الموتى تعزّز من الاعتقاد فيهم ، ومن جدوى الحج الى أنصابهم . بل وتجعل للحج اليهم مكافأة ، أصبحت هذه المكافأة أغراضا للحج لتلك الأنصاب.

ونكتفى هنا بما كتب ابن الزيات وتلميذه السخاوى الصوفى  فى التعرف على أهم أغراض الحج الصوفى فى العصر المملوكى . وما ذكراه هو صادق فى تصوير عقلية العصر ومعتقداته ، وإن كانت هذه المعتقدات فى حد ذاتها خرافات دين أرضى كاذب فاجر.

 الحج للضريح لأجل التداوى:

1 ـ عن طريق الأساطير والكرامات الصوفية والتى يذيعها سدنة الأضرحة اشتهر بعضها بترابها الشافى أو بمائها الذى يقال فى الأساطير أنه يبرئ المرضى ، وكان هذا نوعا من التخصص والتميز لتلك الأضرحة ، فكانت تلك الأضرحة مقصودة بالحج طلبا للتداوى إيمانا وتصديقا من الناس بتلك الخرافات . وقد ذكر السخاوى فى تحفة الأحباب كثيراً من الأمثلة منها ( مسجد الرعينى )  قال عنه "من المساجد الشريفة المقصودة بالدعاء وبه بئر يستشفى بمائها، وكان مستفيضاً عند المصريين أن من أصابته الحمى فيأخذ من هذا البئر ويغسل به فيذهب عنه الحمى"[2].  ، أى نحن أمام ( عيادة طبية متخصّصة ) مشهورة إستفاض عند المصريين شهرتها فى شفاء الحمى ،وبها بئر فيه ( شفاء للناس).!

2 ـ ويهون الشرب من الماء إذ لم يكن ملوثاً، أما الذى لا تحمد عقباه فهو تناول تراب المقبرة والاكتحال به للتداوى فى علاج العيون.!. يقول السخاوى عن قبر على بن صالح الكحال : (لاحظ ارتباط اللقب بمهمة الضريح ) : "قيل من كراماته أن من أصابه رمد وجاء إلى قبره، وقرأ شيئاً من القرآن الكريم ثم قال بسم الله الرحمن الرحيم ويحسِن ظنه( لاحظ أثر الإيحاء هنا ) ويمسح على عينيه من تراب القبر فإنه ينفعه ذلك .. وقد جربه جماعة ووجدوا عليه الشفاء"[3]. .. وربما كانت هذه مؤامرة صوفية لإصابة المصريين بعمى البصر بعد عمى البصيرة!!

3 ـ وقال السخاوى عن قبر ذى النون المصرى "ما أخذ أحد من تراب مقبرة ذى النون قدر درهم أو أكثر وسأل الله حاجته وهو معه أو كان مريضاً وعلقه وسأل الله تعالى الشفاء إلا قضيت حاجته وشفى بإذن الله ، وقد جرب ذلك جماعة"[4]. أى إن تراب مقبرة ذى النون المصرى فيه إجابة لأى دعاء ، وشفاء لأى مرض.

وواضح التركيز هنا على التجربة، والتجربة مبنية هنا على الإشاعات والأساطير شأن كل إفتراءات الصوفية.

4 ـ وكما عاقب الصوفية المصريين بتكحيل عيونهم بتراب الأضرحة فإنهم اخترعوا نوعاً آخر من التعذيب والاذلال وامتهان الكرامة، حين أرغموهم على التشبه بالحيوانات التى تتمرغ فى التراب، تراب الأضرحة طبعاً .. يقول السخاوى عن مشهدين فى القرافة " ومن الناس من يأتى إلى هذين القبرين ويتمرغ بخده ويقصد بذلك الشفاء"[5]

وفى المصادر التاريخية ما يؤيد صاحب تحفة الأحباب فيذكر المؤرخ المملوكى أبو المحاسن بن تغرى بردى فى ( المنهل الصافى ) أن قبر الأمير المملوكى تمان تمرى  ت764 كان "يُزار" أى يحج اليه الناس ، ويتبرّكون بتراب القبر ، يقول :" ويؤخذ من ترابه للتبرك"[6].

وحتى يتم التبرّك بالتراب فلا بد من وضعه بكل إحترام على الوجه ومواضع المرض.

 الحج لقضاء الدين:

1 ـ واشتهر بذلك ضريح عبد العزيز الدرينى شيخ الطريقة الرفاعية فى مصر العصر المملوكى . يقول  ابن الزيات فى ضريح الدرينى إنّه " مشهور بإجابة الدعاء فى قضاء الدين " ويقول فيه السخاوى " عُرفت هذه البقعة بإجابة الدعاء وأن من عليه دين إذا قال :"اللهم بما بين بينك وبين صاحب هذا القبر عبدك الردينى إلا ما وفيت دينى " إلا استجيب له"[7]. .. أى هم يعتقدون بالصلة الوثيقة بين الله جل وعلا والدرينى ، ويراهنون على متانة هذه الصلة فيقسمون بها على الله جل وعلا.!!

ورويت أساطير كثيرة فى هذا الشأن [8].

 الحج للضريح توسلاً للحج إلى مكة:

1 ـ لم يترك الصوفية الحجّ لبيت الله خالياً من تدخلهم ، طبقاً لما أرسوه فى عقائد العصر المملوكى من اعتبارهم واسطة بين الناس ورب الناس . فلم يتركوا حجاج البيت الحرام دون الإلحاح بأن يستعينوا على الإستعداد للحج بالذهاب للأضرحة والتوسل بها كى تعينهم على الحج لمكة المكرمة.

ينقل ابن الزيات رأى شيخ صوفى وصفه بأنّه : (الإمام العالم العلامة ابن غزال الحضرمى )، يقول هذا الحضرمى فى تشريع جديد إفتراه : ( من أراد الحج إلى بيت الله الحرام فليغتسل فى آخر أربعاء فى الشهر ، أى شهر كان، بعد صلاة الفجر ، ويلبس ثوباً ، ويتطيب بطيب إن كان عنده، ويأتى إلى قبر الشيخ أبى الحسن الدينورى ، ويصلى عنده   أربع ركعات ، يقرأ فى الأولى بفاتحة الكتاب وأية الكرسى، والثانية بفاتحة الكتاب، وإنا أنزلناه فى ليلة القدر، وفى الثالثة بفاتحة الكتاب وألهاكم التكاثر، وفى الرابعة بفاتحة الكتاب وسورة الإخلاص، ثم يسلم ويقول : يا فرد لا يزدوج ، يا مالك الأشباح والمهج ، يا ودود يا ودود ، ويا ذا العرش المجيد ، يا مبدى يا معيد ، يا فعال لما يريد .. يا مغيث أغثنى  يا مغيث أغثنى، ويشير بأصبعه إلى القبر. ويكون ذلك قبل طلوع الشمس، ثم يقول الله أجعل ثواب هذه الصلاة للشيخ أبى الحسن الدينورى صاحب هذا القبر.. ثم تنزع ثيابك وتجعل فى وسطك سروالاً، وتتمرغ على القبر، وتجعل رجليك خارجاًعن القبر، فإنك تحج فى سنتك .. وإياك أن تجعله على وجه التجربة فإنك لا تنتفع به"[9]. )

2 ـ وبدراسة النص السابق يظهر منه أن الصوفية حرصوا على إيقاع من يريد الحج لبيت الله فى جريمة الشرك قبل أن يحج للكعبة . فأرغموه على أن يصلى إلى قبر ويتوسل به ويشير إليه بإصبعه متوسلا حين يدعو،ثم يبدأ الإحرام عند ذلك القبر بنزع ثيابه ولبسه سروالا ، بل يتمرغ كالحيوان فى تراب القبر ، ويتجه برجليه بعيدا عن الفبر تقديسا للقبر . وفى النهاية يحذره من أن يفعل ذلك على سبيل التجربة . بل لابد أن يقوم بكل هذا الذلّ والهوان وهو فى تمام الخشوع والإيمان.

3 ـ وهذه النصائح الثمينة وجدت لها المنفذين فى العصر المملوكى بدرجات متفاوتة، يقول ابن الزيات عن قبر فاطمة العابدة " من أراد الحج يطوف حول قبرها سبعاً وينوى بذلك تسهيل الحج فإنه يحج فى  سنته[10].  ويقول السخاوى عن قبورأخرى " ومن خصائص زيارتهم أن من زارهم سبعة سبوت على نية الحج أو قضاء الدين أو حاجة، قضى الله حاجته، وقد جرب الناس ذلك فوجدوه كذلك . فينبغى لمن عزم على زيارتهم وغيرهم أن يخلص نيته"[11].

وهذا إصرار على أن يخلص الحاج لبيت الله الحرام فى توسله  بالأضرحة قبل أن يسافر إلى مكة ، كأنما يخافون أن تسرقه الكعبة منهم..

 خاتمة

فى الوقت الذى سيطر فيه دين التصوف الأرضى على المصريين وجعلهم يتمرغون بتراب الأضرحة طلبا للتداوى كانت أوربا تتحرّر من دينها الأرضى وتبدأ منهج البحث التجريبى ، كأنما تستجيب لقوله جلّ وعلا (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) ( العنكبوت ) وبدأت أوربا تسير فى الأرض وتفتح عصر الكشوف الجغرافية كأنما تستجيب لقوله جل وعلا (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) الحج ) (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)( الملك) .

تحررالغرب من سيطرة أديانه الأرضية فدخل بالعالم وقتها الى عصر المخترعات والكشوف الجغرافية ، ويدخل الغرب بنا الآن يبحث فى فضاء النواة داخل الذرة وفى فضاء النجوم والمجرّة . بينما لا يزال المسلمون يقتتلون فيما بينهم فى صراع لا يهدأ، بين أديان أرضية شيطانية ثلاثة : السنة والتصوف والتشيع.

ثم يتهمون الاسلام بأنه هو السبب فى تخلف المسلمين السنين والصوفيين والشيعة .!! وحين نجتهد فى تبرئة الاسلام ونشير لأدينهم الأرضية بأصابع الاتهام يتهموننا بإزدراء الأديان.

نحن فعلا نزدرى تلك الأديان الأرضية . ونتقرب الى الله جل وعلا بإزدرائها..

وموعدنا امام الواحد القهّار ليحكم بيننا فيما نحن فيه مختلفون.


[1]الكواكب السيارة 43، 132، 133، 180.مجرد أمثلة.

[2]تحفة الأحباب 318.

[3]تحفة الأحباب 260.

[4]تحفة الأجباب 359، 360.

[5]تحفة الأحباب 332.

[6]المنهل الصافى جـ2/478.

[7]الكواكب السيارة 302، تحفة الأحباب440، 441.

[8]الكواكب السيارة 148،180،تحفة الأحباب 356.

[9]الكواكب السيارة 287، 288.

[10]الكواكب السيارة 122.      

[11]تحفة الأحباب 487.

  الكعبات الصوفية المشهورة بالحج إليها فى مصر المملوكية

 أولا : الحج لأنصاب مقدسة ولشخصيات حيّة مقدسة  

1 ـ كما كانت للعرب فى الجاهلية كعبات يحجون إليها بالإضافة إلى كعبة بيت الله الحرام فإن مصر المملوكية تناثرت فيها القبور المقدسة التى تضاهىء الكعبات الجاهلية ، وقصدها الناس بالتقديس والحج. ولكن إزداد ضلال التصوف عن الجاهليين بتقديس الأحياء وليس فقط الأولياء الموتى . وقد شارك بعض الصوفية الأحياء فى استقطاب الناس فتوافدوا عليهم ، ووصف الشعرانى أحدهم فيقول: ( كان الناس يزدحمون على الشيخ شمس الدين الدمياطى لتقبيل يده، ومن لم يستطع يلقى عليه بردائه ثم يقبل ذلك الرداء، كما يفعل الناس بكسوة الكعبة.)[1].  

ولم يكن بعض الصوفية يحظى بهذا التقديس ورأى انصراف الناس عنه إلى الأولياء الموتى فقال مغتاظاً مقالة أبى العباس المرسى : ( يكون الرجل بين أظهرهم فلا يلقون إليه بالاً حتى إذا مات قالوا كان فلان، وربما دخل فى طريق الرجل بعد وفاته أكثر مما دخل فيها فى حياته"[2].) أى كان يشتهر بعضهم أكثر بعد موته وتحوله الى قبر ، والسبب هنا فى نجاح سدنة الضريح فى الدعاية لتنهال عليهم النذور بكل أنواعها ، فيأكلونها ويشربونها ( فى صحة الولى المقبور).

2 ـ والواقع أن الإحتفال بالأضرحة والحج إليها كان ظاهرة تتجلى بين سطور الحوليات التاريخية للعصر المملوكى فضلاً عن كتب الصوفية،  فدائماً تتكرر عبارات (وقبره ظاهر يزار)، ( يقصد للزيارة والتبرك)، ( معروف بإجابة الدعاء ). وفى فتنة البقاعى وصراعه مع خصومه الصوفية بسبب تكفيره لابن عربى وابن الفارض، كان البقاعى وفقا لما جاء فى تاريخه المخطوط ، يصف خصومه الصوفية بأنه : ( كان معهم كثير من الجند ممن يُحسّن له أتباعه زيارة الأموات، ويوقع فى قلبه أن بيدهم الإسعاد والإشقاء)[3].  . كان تأثير شيوخ التصوف هائلا على العسكر المملوكى ، فانحازوا لهم فى صراعهم ضد البقاعى ، مع وضوح الحق الى جانب البقاعى . أى أقنع شيوخ التصوف العسكر المملوكى بأن الأولياء الموتى لديهم كرامات وتصريف فى الناس بالإسعاد والإشقاء.

ثانيا : تفضيل ضريح البدوى على ( الحرمين)

ومع التشابه فى الحج بين الجاهلية العربية والجاهلية الصوفية فإننا نلمح بين السطور أحيانا إشارات لتفضيل الحج للبدوى على الحج للبيت الحرام والقبر المنسوب للنبى فى المدينة ، ربما لأن الحج الى مكة والمدينة كان وقتها مثقلا بالمتاعب وإحتمالات الإغارة من الأعراب فى الطريق ، بينما كان الحج لضريح السيد البدوى فى طنطا نزهة بحرية برية رائعة عبر البحر المتوسط والنيل وفروعه وحقول الدلتا ، وحيث تتوسط طنطا الدلتا وتقع فى منتصف الطريق بين القاهرة والاسكندرية . من هنا تعاظم التوافد على طنطا حجّا للسيد البدوى ، وكان يحلو للعامة المقارنة بين الحج للبدوى والحج لبيت الله وتكون النتيجة طبعاً فى صالح البدوى ، يقول السخاوى المؤرخ المحدّث الفقيه فى تاريخه ( التبر المسبوك ) : ( قال الغوغاء فى مولد البدوى : جاء الزوار لسيدى أحمد من الشام وحلب ومكة والحجاز فى المحاير والماورديات أكثر من حجاج  الحرمين)[4]. والسخاوى الفقيه المحدّث هنا غير السخاوى الصوفى صاحب ( تحفة الأحباب فى المزارات ) . لذا نرى السخاوى المؤرخ الذى كان مشهورا بسلاطة اللسان يصف صوفية عصره بالغوغاء :( قال الغوغاء ) ، ولم يقل ( سيدى أحمد البدوى ) بل قال ( فى مولد البدوى ) ثم أورد كلامهم فى تقديس سيدهم البدوى (جاء الزوار لسيدى أحمد ) ونعرف أن من الحجّاج من أتى لطنطا حتى من الشام ومكة والحجاز ، وأن منهم من ركب السفن النيلية أو (المحاير والماورديات).

ثالثا : عالمية الأنصاب المقدسة فى مصر  

1 ـ والواقع أن الحج للانصاب المصرية الصوفية كان عالميا حسب ظروف الوقت ، يأتى الحجاج للبدوى وغيره من خارج مصر . حتى أصبحت موردا سياحيا بتعبير عصرنا ، وصناعة قامت عليها أرزاق شيوخ الصوفية وأعوانهم ، من سدنة الأضرحة وشيوخ الزيارة ، علاوة على الأسواق التى كانت تزدهر فى الموالد . وأدى غرام الصوفية المصريين بتقديس الأضرحة وحرصهم على تحويلها الى مصدر رزق جعلهم يؤسسون أضرحة ترضى الجميع للصوفية ولغير الصوفية ، ليجتذبوا لهم الزبائن من ( كل فج عميق ) ومن كل الملل والنحل .  فبعض الأضرحة التى تشد إليها الرحال أقيمت على أسماء كثيرة لأنبياء وصحابة وزهّاد وعلماء من عصور سابقة كالعباسى والأموى ، بعضهم لم يأت أحدهم لمصر ولم يمت بها ، وبعضها لأشخاص وهميين لا وجود لهم فى الحقيقة ، هذا بالإضافة للصوفية والأشخاص العاديين. كما تنوعت فيها الجنسيات من مصريين وعرب ومغاربة وفرس ورجال ونساء وصبيان. ولاجتذاب الشيعة تم تشييد أضرحة مزورة منسوب لذرية على بن أبى طالب . وتكاثرت الأضرحة المزورة الى درجة أن شيوخ الزيارة أنفسهم كانوا يعترفون بذلك ، ولكن يوصون بزيارتها تمسكا بحُسن النية وسلامة الاعتقاد بزعمهم.

2 ـ وفى كتاب زبدة الممالك وهو كتاب ( محايد )  فى الجغرافيا أو علم ( المسالك والممالك )فى مصطلح العصر المملوكى ، عدّ المؤلف طائفة من الأماكن المقصودة بالحج منها :( مشهد زنبور، ومشهد التبرك، ومشهد القصر، يقال أن بهؤلاء رأس الحسن والحسين، ومشهد به صخرة موسى،ومشهد السيدة نفيسة، ومشهد فاطمة بنت إسماعيل بن جعفر الصادق، ومشهد أمينة بنت محمد الباقر، ومشهد رقية بنت على بن أبى طالب، ومشهد الشافعى، ومشهدعلى بن حسين بن على زين العابدين، ومشهد الكيزانى،ومشهد آل البيت، ومشهد على بن عبد الله بن القاسم، ومشهد ابنه موسى الكاظم، ومشهد يحيى ابن الحسين بن زيد بن الحسن بن على . ) ، ويستمر فى سرد المشاهد المنسوبةلآل البيت ، إلى أن يذكر بعدهم  مشاهد لأنبياء وأولاد الأنبياء، ومنها ( قبر روبيل بن يعقوب، ويهوذا أخيه ، وذو اليسع، وقبر خال النبى أخى حليمة السعدية . ). ثم يورد قبور صحابة وتابعين: ( ومشهد عمرو بن العاص، وقبر عبد الله بن الحارث، وقبر كعب الأحبار، ومقام موسى، ومعبده، ومقام ابراهيم، ومكان يعرف بصالح العزيز، والمطرية مكان مبارك يستخرج من بئر فيه دهن البلسم، وهناك عين شمس، وبالصعيد جبل الطير .. والجبل الساحرة وهو جبل مبارك يُنذر له، وفى غرب الحسينية قرية تعرف ببهدال به مشهد ينزل عليه النور، وهناك مساجد كثيرة تعرف بيوسف الصديق، والمسيح بن مريم، ويقال أن بالصعيد قبر ارسطاطاليس[5].

أى أن المصريين فى العصر المملوكى أقاموا أضرحة تذكارية لأكثرالشخصيات المشهورة فى التراث السابق، ولأديان السّنة والتشيع والتصوف والأقباط ، بل للحيوانات أيضاً مثل بقرة موسى، كما أعادوا تقديس الأماكن الفرعونية والقبطية فى المطرية وعين شمس والصعيد.. وهنا تسامح دينى يتميز به دين التصوف خلافا لتزمت الدين السّنى !!. ومبعث هذا التسامح إقتصادى ، فعيونهم كانت ولا تزال على النذور.

رابعا : الاختلاف فى تحديد الكعبات الأكثر قداسة فى مصر المملوكية

1 ـ لم  يهتم كاتب ( زبدة الممالك ) بتحديد القبور الأكثر تقديسا والمشهورة بأن الدعاء عندها مستجاب . ولكن  إهتمت كتب المزارات الصوفية بأشهر الأضرحة بالبركة والدعاء المستجاب فى إعتقاد الناس.

2 ـ ويتفق ابن الزيات وتلميذه السخاوى الصوفى فى تعيين تلك الأضرحة ، يقول ابن الزيات : ( وهى بالترتيب : أبو الحسن الدينورى، ثم عبد الصمد البغدادى، ثم اسماعيل المزنى، ثم المفضل بن فضالة، ثم أبوبكر القمنى، ثم ذو النون المصرى، ثم يختم ببكار. )[6].

أما السخاوى فيقول عنهم: (  إن من زارهم زار القرافة بأكملها، ويبدأ بالدينورى، فالبغدادى، فالمزنى، فبكار،فالمفضل بن فضالة،ثم القمنى، ثم ذو النون[7]. ) أى اختلف السخاوى مع استاذه فى ترتيب الزيارة وإن اتفق معه فى تحديد الأضرحة السبعة.

والرحالة المغربى ابن ظهيرة زار مصر المملوكية ، وكتب فيها (  المحاسن الباهرة فى فضائل مصر والقاهرة ) ، وقد زار القرافة وتجول فى طرقها وشاهد أضرحتها ، واستمع الى شيوخ الزيارة فيها ، وأورد ما شاهد وما سمع فى كتابه . وهو يختلف مع ابن الزيات والسخاوى  فى تحديد تلك الأضرحة السبعة المشهورة يقول: ( اشتهر عند المصريين أن بالقرافة سبعة قبور الدعاء عندها مستجاب مجرب لقضاء الحوائج ،وأن من زارها يوم السبت وسأل الله حاجته قضيت، وهى : قبر ذو النون المصرى، وقبر أبى الخير الأقطع، وقبر الربيع المالق، وقبر القاضى بكار، وقبر القاضى كنانة،وقبر أبى بكر المازنى، وقبر أبى الحسن الدينورى"[8]. ). وطبعا لا نعرف من أين عرفوا بأن الدعاء مستجاب عند هذه الأماكن ، وما هو المقياس فى تحديد هذه الأضرحة بالذات ، وما هو المعيار فى الترتيب . وبدلا من أن نرهق انفسنا فى التفكير علينا أن نتذكّر أنه دين أرضى يملك ويصنعه أصحابه، ولهم فيه سلطة التشريع في العقيدة وفى الطقوس . وحيث أننا هنا فى مجال المزارات المقدسة فأصحاب التشريع هنا ههم شيوخ الزيارة.

3 ـ ولأنه دين أرضى قائم على الاختلاف والشقاق والهوى فمن الطبيعى أن يكون ثمة اختلاف فى تحديد الأضرحة الهامة ، تبعاً لأهواء السادة الأشياخ الذين يشرعون للناس الأماكن التى يستجاب فيها الدعاء، وكيفية القدوم وترتيب الزيارة.

4 ـ  بل أن بعضهم قد يختلف مع نفسه فالسخاوى الذى رأيناه يحدد القبور السبعة بالإسم والترتيب فى المناسك نجده يذكر قبورا أخرى مستجاب عندها الدعاء ، يتحدث عن مسجد الأقدام، فيقول" وذكر جماعة من المصريين أن الدعاء به مستجاب، وهذا أحد المساجد السبعة الذين بالقرافة  المجاب عندهم الدعاء"[9]. المضحك أن مسجد الأقدام هذا لم يذكره السخاوى ضمن المساجد السبعة . وهذا المسجد كان بزعمهم يضم ( أرجل وأقدام ) بعض الأولياء أو الآلهة الصوفية، على نسق ( أضرحة الرءوس ) ، فرأس الحسين لها عدة أضرحة، تحظى كلها بالتقديس والحج اليها ، مع أنه كانت للحسين رأس واحدة لا غير ..اليس كذلك ؟

5 ـ نعود للسخاوى. وهو يعد  الأضرحة التى يستجاب عندها الدعاء، إلا أن حديثه عن بعضها يضعه فى تناقض مع تحديده للأضرحة السبعة سالفة الذكر، فهو يقول عن جامع الأولياء : ( وهذا الجامع مبارك لم يزل الناس يضرعون إليه فى أيام الشدائد للتضرع إلى الله تعالى ، وهو موضع شريف ، مجاب الدعاء فيه ، وما زال أهل الخير والصلاة يتبركون بهذا المكان إلى الآن، ولهذا اشتهر بجامع الأولياء"[10]. ) .. وإذا كان الأمر كذلك فلم لم يعده بين الأضرحة السبعة ؟

ويذكر السخاوى وابن الزيات أن المشايخ كانوا يقفون بين ضريحى ابن شقران وذى العقلين ويبتهلون فيستجاب لهم[11]. فهنا مكان آخر عندهما يتفقان على أنه مستجاب عنده الدعاء.!!.

ويقول السخاوى: (  وقيل أن بأرض مصر أربعة أماكن الدعاء فيها مستجاب : سجن يوسف عليه السلام، ومسجد موسى عليه السلام الذى بطرا، ومشهد السيدة نفيسة، والمخدع المذكور فى الجامع المؤيد"[12]. ) وهو هنا ينقل عن غيره ، يقول ( وقيل ..) أى هناك آراء أخرى لمشرّعين آخرين فى تحديد الكعبات المستجاب عندها الدعاء . ويلمح السخاوى إلى وجود اختلافات فى الأضرحة الهامة التى يزعمون استجابة الدعاء عندهم، فيقول عن قبر عقبة بن عامر الجهنى ت58 : ( الدعاء عنده مجاب وليس فى ذلك اختلاف[13].  )أى أن هناك خلافاً فى غيره.

خامسا : أضرحة مقدسة خاصة بالنساء

1 ـ وهناك أضرحة للنساء مشهورة بالزيارة والحج ومعروفة لدى الناس بالدعاء المستجاب ، ولم يرد ذكرها ضمن السبعة ، مثل مشهد السيدة نفيسة ت208 ، يقول عنه السخاوى "قبرها معروف بإجابة الدعاء،[14].

2 ـ ويقول السخاوى عن مشهد لسيدة أخرى من العلويين : (  مشهد السيدة زينب معروف بإجابة الدعاء، إذا دخل الزائر إلى المشهد المذكور وجد أنساً عظيماً ، وكان أهل مصر يأتون إلى زيارتها. ).ويقول عن صاحبة المشهد : (  وهى السيدة زينب بنت يحيى المتوج بن الحسن الأنور بن زيد الأبلج بن حسن بن على ت240 . ) ، ويذكر بعض الكرامات  الشائعة عنها : (  وقيل أن النيل توقف فى بعض السنين فجاء أهل مصر إلى هذا المشهد يستسقون فجرى النيل، وفى مشهدها ضريح السيدة فاطمة العيناء من نسل الحسين والدعاء فى محرابها مجاب، وكان المصريون يعظمون هذا المشهد لما رأوا من عظيم بركته[15]. ).

أى هى غير السيدة ( زينب بنت على ) صاحبة ( جامع السيدة زينب ) المشهور حاليا ، والمنسوب لها ( حى السيدة زينب ). إنّ مشهد السيدة زينب الحالى  لم يكن موجودا فى عصر السخاوى فى القرن التاسع الهجرى ، وإنما تم إختراعه فى القرن العاشر سنة 955 هجريه. بعد موت هذا السخاوى ب55 عاما . المسجد القديم الذى كان لتلك السيدة زينب فى عصر السخاوى لم يلبث أن اندثر ، وتناساه المصريون بعد إنشاء مسجد السيدة زينب القائم الآن ، إثر رؤيا منامية زعم صاحبها أنه رأى روح السيدة زينب تحطّ فى هذا المكان فسارع الكتخدا العثمانى الى تأسيس مسجد فى هذا المكان ، وأصبح من وقتها من أشهر الكعبات فى تاريخ مصر العثمانية و الحالية .. والجنون .. فنون..!!.

3 ـ وعدَ ابن الزيات أضرحة للسيدات أثناء حديثه عن الأماكن التى تستجاب فيها الدعوات، منها أضرحة لنساء من آل البيت الهاشمى، مثل مشهد السيدة كلثم، وقبر الشريفتين فاطمة الكبرى وفاطمة الصغرى، وأضرحة لنساء عربيات مثل عاتكة بنت عيسى، وفاطمة بنت الأشعث، أو من بنات الأمراء والملوك مثل قطر الندى ، أو واحدة من بنات الشعب مثل عروسة الصحراء[16].

4 ـ ويبدو أن هناك معايير محددة فى الأساطير التى تضاف للقبور، فالقبر المنسوب لامرأة هاشمية لا يحتاج إلى تزكية كبيرة ليشتهر، فيكفى نسبها الشريف شفيعا لها فى شهرتها وتقديسها .  أما إذا كانت عربية غير هاشمية فلا بد من تزكيتها بالصلاة والزهد وقضاء الحاجات كما يقول السخاوى عن ضريح : ( المرأة الصالحة العابدة الناسكة فاطمة بنت الحسين من ولد الأشعث بن قيس كانت من الناسكات المعروفات بقضاء الحاجات وإجابة الدعوات وإغاثة الملهوف، والشهرة فى قومها بالصلاح والبركة وترك الدنيا.. إلخ)[17].وعلى نفس المنوال يقول عن إحدى نساء بنى أمية: (  مشهد السيدة أسماء بنت عبد العزيز بن مروان المعروفة بصاحبة المصحف، كان أهل مصر إذا نزل بهم فتحوا مصحفها بالنهار. ) ، ( ومن نساء التابعين فى وظيفتها رقية بنت عقبة بن نافع المستجاب الدعاء عند قبرها[18].)

أما إذا كانت المرأة مصرية لا نسب لها ولاحسب إحتيج إلى الكرامات لكى تسد النقص ليعلو شأن القبر ويتعاظم التوافد إليه وتتكاثر الأموال لدى سدنة الضريح، يقول السخاوى عن قبر عروس الصحراء أنها( ماتت بكراً من خجلها ليلة عرسها حين استحيت حياء عظيماً فعمت بالعرق، ثم قالت اللهم لا تهتكنى على يد أحد،فاستجاب الله دعائها وماتت، فأظهر هذا السر على قبرها، حتى إن الإنسان إذا وضع يده على قبرها فى زمن الشتاء، يجدها عرقانة . !.. والتربة معروفة بإجابة الدعاء[19]. ) ، أى أنها استحيت ليلة زفافها فاستحقت أن يرتفع لها ضريح بكرامات مستمرة إلى جانب أضرحة نساء الأشراف اللائى لم يستحيين ليلة الزفاف!!

سادسا : مشهد الحسين ( الرجس الأكبر فى مصر).!!  

1 ـ والتزوير لم يكن فى سبك الكرامات حول الضريح وصاحبه فحسب ،  بل كان أيضاً فى نسبة الضريح إلى صاحبه، فأغلبية تلك الأضرحة كانت مزورة، وعلى رأسها بالطبع كان ضريح الحسين الذى أنشأته الدولة الفاطمية فى مصر فى أواخر عهدها حين احتاجت إلى تأييد المصريين بعد أن انفضوا عنها، يقول ابن تيمية عن ضريح الحسين : ( لم يُحمل رأس الحسين إلى القاهرة، فقد دفنت جثته حيث قتل ، وروى البخارى فى تاريخه أن رأس الحسين حمل إلى المدينة ودفن فى البقيع عند قبر أمه فاطمة .. فبين مقتل الحسين وبناء القاهرة نحو مائتين وخمسين سنة، وقد بنى الفاطميون مشهد الحسين فى أواخر سنة 550 هجريه وانقرضت دولتهم بعد هذا البناء بنحو أربع عشرة سنة، وهذا مشهد الكذب"[20]. )

ولو كان لرأس الحسين تصريف فى ملك الله لدافعت عن نفسها ولم تسمح لسيف الأمويين بقطعها، والله جل وعلا  قال لجد الحسين ( محمد رسول الله) : (لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ)(128)( آل عمران ) فهل يكون للحسين أو غيره تصريف فى ملك الرحمن جل وعلا ؟ .ولكن المصريين أقاموا ضريحاً مزوراً على ذكرى رأس غير موجودة، وحتى لو كانت موجودة فهى لم تغن عن صاحبها شيئاً.

2 ـ وبعد انشاء ضريح الحسين بنحو ربع قرن زار مصر الرحالة ابن جبير فى عصر الناصر صلاح الدين الأيوبى، وكعادة الرحالة المسلمين حج إلى المشاهد، وكان ضريح الحسين أول مشهد زاره يقول " فأول ما نبدأ بذكره منها الآثار والمشاهد المباركة التى ببركتها يمسكها الله عز وجل، فمن ذلك المشهد العظيم الشأن الذى بمدينة القاهرة حيث رأس الحسين بن على بن أبى طالب، وهو فى تابوت فضة مدفون تحت الأرض، وقد بنى عليه بنيان طفيل يقصر الوصف عنه" وأسهب فى وصف الضريح والمسجد إلى أن يقول " ومن أعجب ما شاهدناه فى دخولنا إلى هذا المسجدا المبارك حجر موضوع فى الجدار الذى يستقبل الداخل شديد السواد والبصيص" أى وضعوا الحجر الأسود لتتم معالم البيت المقدس.

3 ـ ويصف ابن جبير مناسك الحج فى عهده لضريح الحسين " وشاهدنا من استلام الناس للقبر المبارك، وإحداقهم به، وإنكبابهم عليه، وتمسحهم بالكسوة التى عليه وطوافهم حوله مزدحمين داعين باكين متوسلين ببركة التربة المقدسة ومتضرعين، ما يذيب الأكباد ويصدع الجماد، والأمر فيه أعظم ، ومرأى الحال أهول، نفعنا الله ببركة ذلك المشهد الكريم،وإنما وقع الإلماع بنبذه من صفته مستدلاًعلى ما وراء ذلك، إذ لا ينبغى لعاقل أن يتصدى لوصفه، لأنه يقف موقف التقصير والعجز وبالجملة فما أظن فى الوجود كله مصنعاً أحفل منه، ولا مرأى من البناء أعجب ولا أبدع، قدس الله العضو الكريم الذى فيه"[21]. ) وما يقوله ابن جبير يعبّر عن تقديس يعكس كفرا هائلا بالله جل وعلا . وتزايد تقديس مشهد الحسين فى العصر المملوكى ، يقول ابن تيمية فى العصر المملوكى (وأعظم المشاهد بالقاهرة مشهد الحسين فإن أمره عظيم. حتى إذا غلظ أحد اليمين على الحالف يحلفه عند مشهد الحسين[22].

سابعا : فنّ التزوير فى أضرحة المشاهير

1 ـ ونعود إلى الرحالة ابن جبيرالذى ألمح إلى شكّه فى الأضرحة فى القرافة وحقيقة انتمائها لأصحابها يقول : ( وأسماء أصحاب هذه المشاهد المباركة إنما تلقيناها من التواريخ الثابتة عليها مع تواتر الأخبار بصحة ذلك،والله أعلم بها" وحين تكلم عن مشاهد الصحابة والتابعين يقول فى البداية " والمقيد يبرأ من القطع بصحة ذلك، وإنما رسم من أسمائهم ما وجده مرسوماً فى تواريخها، وبالجملة فالصحة غالية لا يشك فيها أن شاء الله عز وجل"[23].

2 ـ وبعد ابن جبير وفى عصرنا المملوكى تكاثرت الأضرحة المزورة التى تنتسب إلى أنبياء وصحابة حتى اضطر كتاب المزارات أنفسهم إلى التنبيه على زيفها، وإن حرصوا فى نفس الوقت على الدعوة لزيارتها بإخلاص النية. فهناك فى القرافة مشهد لبلال مؤذن الرسول، ويعترف السخاوى بأنه لا أصل له،إلا أنه يقرر وجوب زيارته للتبرك[24]. ويؤكد السخاوى على كذب المشهد المنسوب إلى روبيل بن يعقوب إلا أنه يقول بناء على رؤيا منامية " فالمكان مبارك يزار بحسن النية"[25]. أما ابن الزيات فهو يعد مشهد اليسع ومشهد روبيل من الأضرحة المزورة، وفى نفس الوقت يجعلها من الأماكن التى تستجاب فيها الدعاء[26].

وفى بداية العصر العثمانى – فى القرن العاشر الهجرى- اخترع ضريح جديد نسبوه لزينب بنت على وتمت له الشهرة حتى لقد سميت المنطقة باسمه(السيدة زينب) وأضيفت لها الكرامات والمعجزات التى أضافها المصريين فى العصر القبطى للسيدة مريم وأضافوها من قبل لإيزيس .. أقاموا ضريح (السيدة زينب) سنة 955هجرية 1173م وسرعان ما أصبح مع ضريح الحسين أشهر المزارات فى القاهرة ومصر وأكبر شاهد على التزوير فى التاريخ ،  فلم تأت السيدة زينب بنت على لمصر إطلاقا فى حياتها ، ولم تمت فيها ، ولم تكن القاهرة قد بنيت فى عصرها ، ولم يكن لها قبر حقيقى أو مزور فى مصر حتى نهاية العصر المملوكى. وهو أيضا تزوير ورجس فى العقائد،وصدق الله العظيم : (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) ( الحج)." .

ثامنا : الرحالة والحج للأنصاب فى  القاهرة ومصر

واجتذبت الأضرحة أهواء الرحالة القادمين لمصر كما اجتذبت المقيمين فيها، ورأينا كيف بدأ ابن جبير رحلته لمصر فى العصر الأيوبى بزيارة ضريح الحسين وغيره .وفى العصر المملوكى توافد الرحالة من المشرق والمغرب، وكان الحج للأماكن المقدسة أبرز نشاط يحرصون عليه ، كذلك فعل ابن ظهيرة فى كتابه " المحاسن الباهرة" وفعل ابن بطوطة فى رحلته المشهورة، وفعل العلوى فى مخطوطة رحلته.وفيها يقول العلوى عن الإسكندرية" وفى الاسكندرية تربة لبعض الأنبياء وتربة لبعض التابعين" ويقول" استوفيت زيارتهم أجمعين وترددت إلى مبارك نفعهم".ويقول عن قرافة مصر " وهى إحدى العجائب بما تحتوى عليه من  مشاهد الأنبياء وأهل البيت والصحابة والتابعين والعلماء والزهاد والأولياء ذوى الكرامات الشهيرة والأنباء الغريبة، وقد رأيت فيها أثر النبى صالح وقبر روبيل بن يعقوب أخى يوسف وقبر آسية وقبور جماعة من أهل البيت .. على كل واحد منها بناء جميل بديع الإتقان عجيب البنيان.[27].  ).

أخيرا:

وفى كل عصر يتجلى ابليس يخدع كل جيل ، يجعلهم يعبدون الأضرحة ، وهو الصانع الحقيقى لهذا الإفك ، فقد وصفها رب العزة أنها رجس من عمل الشيطان ، وحذّر المؤمنين منها : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (91) ( المائدة)

ودائما .. صدق الله العظيم.!!



[1]
تنبيه المغترين 93، 94.

[2]لطائف المنن لابن عطاء 55.

[3]تاريخ البقاعى .مخطوط 59.

[4]السخاوى ..التبر المسبوك 176.

[5]زبدة كشف المماليك.

[6]الكواكب السيارة 321.

[7]تحفة الأحباب 485.

[8]المحاسن الباهرة 193، 194.

[9]تحفة الأحباب 167.

[10]تحفة الأحباب 309.

[11]تحفة الأحباب 364، الكواكب السيارة 240.

[12]تحفة الأحباب 79.

[13]تحفة الأحباب 366.

[14]تحفة الأحباب 107.

[15]تحفة الأحباب جـ4/225، 226.

[16]الكواكب السيارة 96، 156، 43 ،155، 143.

[17]تحفة الحباب جـ4/ 200.

[18]تحفة الأحباب جـ4 /236

[19]تحفة الحباب 279: 280.

[20]تكسير الأحجار 146.

[21]رحلة ابن جبير 48. دار الكتاب اللبنانى – المصرى.

[22]تكسير الحجار 146.

[23]رحلة ابن جبير 49، 50.

[24]تحفة الأحباب 139.

[25]تحفة الأحباب 415.

[26]الكواكب السيارة 283.

[27]رحلة العلوى .مخطوط. ورقة 42أ، 59، 60.

المبحث الثالث : التحوير في فريضة الحج الإسلامية لتوافق السرك الصوفي

   تحويل الصوفية للكعبة مقرا لآلهتهم المزعومة

 أولا : أصنام الصوفية في الكعبة:

1 ـ أعاد التصوف تواتر الجاهلية التى ملأت الحرم بالأصنام فجعل الصوفية الكعبة مكاناً مختاراً لآلهتهم من القطب والخضر والأولياء لتزاحم وتشارك التقديس الذى للبيت الحرام.  

 2 ـ نظرا لحساسية المسلمين من الأصنام ـ وهى تماثيل تجسّم البشر ـ فقد بالغوا فى تحريمها الى درجة تحريم التصوير ، والتماثيل العادية ، فى نفس الوقت الذى عاد فيه بقوّة تقديس القبور خصوصا فى دينى التصوف والتشيع . إنمحى تقديس الأصنام والتماثيل المقدسة والصور المقدسة والأيقونات لدى المسلمين ، وحل بدله التركيز على عبادة الأولياء ( الأحياء ) والقبور المقدسة التى تنسب لأولئك الأولياء وغيرهم سواء كانوا مدفونين فيها حقيقة ، أو بزعم إن رأسه أو بعض أعضائه مدفون تحت ذلك الضريح ، أو مجرد الاسم والذكرى

3 ـ ولأن من المستحيل بناء قبر مقدس داخل الحرم المكى وبجانب الكعبة فقد تسلل الصوفية بعقائدهم الشركية لتحوّل بناء الكعبة نفسها الى حجر مقدس ، يشبه الضريح المقدس ، ثم جعلوها مقرا تجتمع فيه وفوق سطحها أولياء الصوفية ، وصار هذا من معالم تصنيع الكرامات لديهم فيما يخصّ الكعبة . أى إنمحى وجود الأصنام العادية والأنصاب العادية حول الكعبة ، وأصبح كافيا وجودها معنى واعتقاداً.

ثانيا : آلهة الصوفية الوهميون يجتمعون فى الكعبة

1 ـ هناك فى عقائد الصوفية ( مملكة صوفية غيبية ) تتكون من آلهة تقوم بتدبير أمور العالم ، والأغلب لديهم جعل ( الخضر) على رأس هذا الترتيب ، ثم هناك القطب الغوث،أو قطب الأقطاب ،والأقطاب الأربعة، والأبدال والأوتاد وأصحاب النوبة.وجعلوا الكعبة مكانهم المفضل لاجتماعهم وأجتماع أتباعهم بهم حسب زعمهم.

2 ـ ونستشهد بما جاء فى ( طبقات الشرنوبى ) . والمؤلف متاّثر بكتاب ابراهيم الدسوقى ( الجوهرة ) ينقل منه ما زعمه ابراهيم الدسوقى عن مكانته الالهية وتحكّمه فى ملكوت السماوات والأرض وفى الدنيا والآخرة وكونه من الأقطاب الأربعة طبقا لعقيدة الحقيقة المحمدية فى التصوف الشيعى . يقول فى مقمة الكتاب : (هذه طبقات العلامة الشيخ أحمد الشرنوبي ،نفعنا الله ببركاته يذكر فيها مناقب الأولياء الأربعة وكرامات أصحاب الأشاير الأربع رضي الله تعالي عنهم أجمعين . آمين . بســـم اللــــه الرحمــن الرحــيم . الحمد لله الذي احل أولياءه دار المقامة ،وحلّي أحبابه حلل الكرامة ، فقام قائمهم الليالي الطوال فلم يخيب مقامه ، وصام صائمهم الهجير فصان له صيامه ، فهم الذين يتجلى لهم علي القلوب ، ويطلعهم علي الغيوب ، ويعجل لهم الكرامة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من خلص من شرايب الشرك  إسلامه . وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا صلي الله عليه وسلم عبده ورسوله الذي نشرت من الملأ الاعلي أعلامه ، وزاد إلي الأبد مقامه ، صلي الله عليه وعلي آله وأصحابه إلي يوم القيامة " أما بعد" فيقول العبد الفقير إلي الله تعالي محمد البلقيني ،أنه أراد الله تعالي ومنًّ وتفضّل عليّ بأخذ العهد علي القطب الغوث سيدي أحمد بن عثمان الشرنوبي ، وسألته عن فروع الشريعة فأفادنيها ، ثم قال لي : يا مريدي وأفيدك علم الطريقة والحقيقة ، فأفادنيها . فقلت له يا سيدي : أخبرني عن كرامات السادات الأربع أصحاب الأشاير، وما سبب قسمتهم الأرض بينهم دون غيرهم ؟  فقال : يا مريدي أما كرماتهم لا تحصي . ولكن يا مريدي سأذكر لك بعضا منها . ثم قال : والله ثم والله ، اطّلعت علي اللوح المحفوظ فرأيت فيه أن أحمد الشرنوبي تابع لإبراهيم الدسوقي . وأخبرك يا مريدي إنه لما خلقت روح سيدي إبراهيم اطلع علي اللوح المحفوظ وفك طلاسمه جميعا . فقلت له يا سيدي ومن أخبرك بذلك ؟ فقال : لما منَّ الله سبحانه وتعالي علي الفقير بالقطبانية وأذن لي بالكلام اجتمعت بسيدي إبراهيم وقال لي : يا وزيري سنخبرك بكراماتنا وكرامات سيدي أحمد وسيدي عبد القادر وسيدي أحمد الرفاعي ، فأخبرني بذلك . وكنا علي سطح الكعبة المشرفة . قال  فقال لي يا أحمد اسمع فقلت حبا وكرامة فقال من كراماتنا : قال لي ربي أنت من نوريتي يا إبراهيم ، ولك البشري . ومن كراماتنا أني أُعطيت الحكم علي الحور العين . ومن كراماتنا أني لما وردت علي النيران هربت خوفا مني ، فرفصتها برجلي فصارت رمادا ، وصرخت عليها فغلقت أبوابها السبع . ومنها قال لي ربي : لك البشري أنت وأتباعك . ومنها تكرّم ربي عليّ أنا وأتباعي بدخولهم الجنة كرامة لأجلي . ومنها فتح أبواب الخير لأهل الطرق الأربع . ومنها أني أعطيت سجادة من نور ليست تعطي لأحد غيري إلي يوم القيامة . ومنها أني سددت أبواب جهنم السبع بفوطتى ، وفتحتها لأعدائي ، وأدخلتهم فيها . ومنها أني فتحت أبواب الجنة الثمانية بيدي ، وأدخلت أمة محمد صلي الله عليه وسلم فيها . ومنها أن صنج الميزان بيدي أصيّر حسنات مريدي أثقل من سيئاته ، ومسّيت عليها بيدي فصارت سيئات المنكرين عليً  أثقل من حسناتهم ولو كانوا مطيعين .ومنها أنه إذا دعاني مريدي أجبته ولو خلف قاف . ومنها أني أدخل أتباعي يوم الحشر أعلا  مرتبة من أتباع غيري. ومنها أن أول من نطق بكلمة التوحيد رسول الله صلي الله عليه وسلم والصحابة  ثم أنا . ومنها أن الله تعالي سكّن في  قلبي التوحيد قبل آدم وحوي وقبل العرش والكرسي واللوح والقلم والسماوات والأرض وقبل الماء والطين . ومنها أن جعلني ربي قطبا قبل بناء البيت الحرام وأعطاني علوما ليس يحصيها إلا هو . ومنها أن الله تعالي أجري لساني علي طلاسم القرآن العظيم . ومنها أن وهب لي علم الدنيا والآخرة وعلم الغيب وعلم النور وعلم سدرة المنتهي وعلم الساعة وحفظني طلاسم الغيوب وطلاسم اللوح المحفوظ . ومنها معرفة اسم من ينكر عليً إلي يوم القيامة . ومنها معرفة ما تحت الثري . ومنها أني حفظت علم القدرة الأبدية . ومنها أني حفظت علم الموت الذي يقبض به عزرائيل الأرواح . ومنها أني عرفت جميع الأسماء المكتوبة علي شجرة المنتهي . ومنها أني حفظت العلم الذى يسير به السحاب والعلم الذي ينزل به الغيث والعلم الذي يصعدون به الملائكة إلي السماء وهو الاسم الأعظم . ومنها أني حفظت الاسم الذي ينزلون به إلي الأرض والاسم الذي يأتي به الليل والاسم الذي يأتي به النهار. ومنها أنه لا يفرغ أجل  مؤمن حتي نعرف فروغ أجله ولا يموت أحد في ليل أو نهار حتي تأتيني روحه إن شئت رددتها إليه وإن كان فرغ أجله أجمعها من حينئذ فيموت .ومنها  أنه أذن لي ربي أن أتكلم وأقول أنا الله فقال لي قل أنا الله ولا تبالي) .

3 ـ إضطررنا الى الاتيان بكل هذا الهُراء للإستدلال ليس فقط على مدى كُفر أولئك الصوفية ، ولكن أيضا استخدامهم الكعبة فى خيالاتهم مركزا لاجتماع الأولياء الأحياء بالأقطاب الأربعة الذين ماتوا من قبل . ونعيد التأكيد بأن هذه الخرافات مع أكاذيبها وفُجرها فهى صادقة فى تصوير عقائد الدين الصوفى وسيطرته على الحياة الدينية فى العصرين المملوكى والعثمانى . فلا يجرؤ إنسان فى عصرنا مهما بلغ كفره على ان يقول هذا ، لأنه لم يعد عصر تسلط الدين الصوفى.

ثالثا : الخضر والكعبة والحجاج الى الكعبة

1 ـ فى العصر المملوكى جعل الصوفية من الكعبة – خصوصاً وقت الحج – مكاناً لإجتماع لخضر والقطب وكبار الأولياء ، والخضر عند الصوفية ولي أزلي لا يموت ، وأنه هو الذى قابل موسى عليه السلام.

2 ـ والعبد الصالح المذكور في سورة الكهف كان نبياً، فقد وصفه الله تعالى بما يصف به الأنبياء عادة. وصفه بالعلم الالهى : ( فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (65 )الكهف ).  والأنبياء وحدهم هم محل العلم الإلهي تمكيناً لهم من آداء الرسالة المنوطة بهم، يقول تعالى عن رسوله الخاتم : (  وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ) (113)   النساء ). وبعض هذا العلم ما يكون مختصاً ببعض نواحي الغيب لبعض الأنبياء. يقول تعالى مخاطباً المؤمنين ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ  (179).آل عمران ). وقد ظهر في قصة العبد الصالح مع موسى عليهما السلام ان موسى كان يجهل بعض الغيب الذي أعلمه الله جل وعلا للعبد الصالح ، فالعبد الصالح نبي يأتيه الوحى يأمره بملاقاة موسى ليتعلّم منه موسى كيف يضبط إنفعالاته ويهدّىء من سرعة ردود أفعاله . يقول العبد الصالح نبى الله لرفيقه موسى عليهما السلام : ( وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (82) الكهف ).  لا نعرف اسم ذلك النبى العبد الصالح ، ولا يقدح ذلك في نبوته، فنحن لا نعلم أسماء كل الأنبياء ، والقرآن الكريم لم يقص علينا كل قصص الأنبياء :( وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ )(164) النساء )، وحتى فى القصص القرآنى فقد عرض رب العزّة لبعضهم  بالوصف دون الإسم ، كأن يقول سبحانه وتعالى مثلاً عن واحد من أنبياء بنى اسرائيل :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ )البقرة 246 )، ويذكر قصة أنبياء ثلاثة دون ذكر أسمائهم : (  وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14)) ( يس) . 

فالعبد الصالح نبى من أنبياء الله جل وعلا صاحب علم لدني واعلمه الله ببعض الغيب . إلا أن الصوفية اعتبروا ذلك العبد الصالح فى قصة موسى وليا صوفيا ، وأسموه الخضر ، ليجعلوا الولى الصوفى أعلى قدرا من النبى ، فالخضر يعلم علما لدنّيا يفوق علم النبى موسى ويقوم بتعليم النبى موسى ، وبحثوا لنحلتهم عن سند يؤيدها فكان السند بتأويل الآيات القرآنية ، وبوضع أحاديث باطلة في حياة الخضر الخالدة ولقائه بالرسول عليه السلام.

3 ـ ونرجع إلى موضوعنا فنجد أن الخضر عند الصوفية مع تجوله الأزلي في العالم إلا أنه يكون حاضراً وقت اللزوم عند الكعبة ، أو في طريق الحجاج . فإذا إحتاج الصوفي شيئأً أو وقع في ورطة ، فالخضر يحضر ويجيبه ويغيثه ، يقول بعضهم ( بقيت في برية الحجاز أياماً لم آكل، فاشتهيت باقلاء حارا وخبزاً من باب الطاق .. فلم أتم خاطري حتى نادى إعرابي من بعيد: باقلاء حاراً وخبزاً، فتقدمت إليه ، فبسط مئزراً كان عليه ، وأخرج خبزاً وباقلاء حاراً وقال لي : كل فأكلت.. وقلت : بحق الذي بعثك في هذه البرية ألا ما قلت لي من أنت ؟ فقال : أنا الخضر.! ،وغاب عني فلم أره ، سلام عليه ورضوان)[1]. فالصوفي حين يسعى للحج فى الصحراء متوكلاً – أى بلا زاد – فإنه يعتقد أنه سيلقى الخضر في الطريق يحمل له الباقلاء الحار والخبز من باب الطاق..

وعن اجتماع الخضر وإلياس – وهو نبي افترى عليه الصوفية وجعلوه يحيا خالداً – يقول الغزالي قبل العصر المملوكي (يقال أن الخضر وإلياس إذا التقيا من كل موسم – أى في الحج ـ لم يفترقا إلا عن هذه الكلمات : بسم الله ما شاء الله كل نعمة من الله..)[2].

4 ـ ويجعلون  من الخضر رأساً للملكة الصوفية الوهمية المكونة من الأقطاب والأبدال وهم الذين يحكمون العالم ويسيرون دفته ، ومركز حكمهم مكة .. وقد نقل ابن حجر في العصر المملوكي عن الصوفي ابن أبي فارس قوله (إن الأقطاب سبعة والأبدال والأعين، وهم النجباء كذلك ،والغوث – أى القطب الغوث – يجمعهم  وهو مقيم بمكة .. والخضر يجول ولا حكم له إلا على أربعة أشياء: إغاثة ملهوف أو إرشاد ضال ، أو بسط سجادة شيخ ، أو تولية الغوث إذا مات. والغوث يحكم على الأقطاب ، والأقطاب على الأبدال ، والأبدال على الأوتاد ، فإذا مات الغوث ولَّى الخضر من يكون قطباً بمكة غوثاً، وجعل بدل مكة قطباً،وعين مكة بدلاً،و بدل مكة رشيداً.. وهكذا).. أى أجرى الخضر بينهم حركة ترقيات (فإن مات الخضر صلى الغوث في حجر اسماعيل تحت الميزان فتسقط عليه ورقة باسمه فيصير خضراً، ويصير قطب مكة غوثاً.. وهكذا قال الخضر في هذا الزمان وهو حسن بن يوسف الزبيدي اليمني)[3]..

رابعا : الكعبة والأقطاب

1 ـ جعلوا الكعبة مكة مركز الآلهة الصوفية التي تتحكم في العالم على مستوياتها المختلفة من خضر وقطب وغوث وقطب عادي وابدال وأوتاد .. ألخ . ومعلوم أن الصوفي الذي يحج إلى مكة يعي هذا جيدا ويتمنى أن يلقى فيها الخضر أو القطب ،وهى آلهة مزعومة لا تختلف عن هبل والعزى ومناة وغيرها التي كان الجاهليون يحجون إليها مع الكعبة . بل أن تقديس الصوفية للأقطاب أكبر من تقديس الجاهليين لآلهتهم ، يقول بعضهم عن القطب : ( القطب هو الذي تدور عليه الرحا والبكرة ، وقطب الكون هو الرجل الذي لأجله وجد الكون ،وعليه مدار الكونية للدارين ، ولكل عصر قطب وهو صاحب الوقت ، وقطب الأقطاب هو الذى لم يكن قبله ولا بعده مثله..)[4].                                                                              

2 ـ  يقول اليافعى أن أحدهم رأى بمكة القطب الغوث (على عجلة من ذهب، والملائكة يجرون العجلة فى الهواء بسلاسل من ذهب ، فسأله إلى أين ؟ قال إلى أخ من إخوانى إشتقت إليه، فقال :لو سألت الله تعالى أن يسوقه إليك فقال : وأين ثواب الزيارة)[5]وقيل نحو ذلك على ابى العباس المرسى (كان هو القطب، وقد رؤى فى مكة على كرسى بين السماء والأرض)[6].

3 ـ ولقد سئل الخواص (عن القطب الغوث هل هو دائماً مقيم بمكة كما قيل؟ فقال رضى الله عنه : قلب القطب دائماً طواف بالحق الذى و سعه ، كما يطوف الناس بالبيت فهو يرى وجه الحق في كل وجهة ، كما يستقبل الناس البيت ويرونه من كل وجهة ، إذ مرتبته رضى الله عنه التلقي عن الحق تعالى جميع ما يفضيه على الخلق، وهو بجسده حيث شاء الله من الأرض..)[7].   

أخيرا : الحج عندهم ليس للبيت الحرام فقط ولكن لآلهة الصوفية

1ـ وفي أواخر العصر المملوكي اشتهر أن الأقطاب الأربعة هم البدوي والرفاعي والدسوقي والجيلاني، وقد ألف فيهم البلقيني طبقات الشرنوبي ، يقول أنه اجتمع بهم بعد موتهم بثلاثة قرون على سطح الكعبة. وكل منهم حكي له مناقبه وكراماته.ونعيد بعض ما قاله في مقدمة كتابه:( اجتمعت بسيدي ابراهيم (الدسوقي ) وقال له وزيري سنخبرك بكراماتنا وكرامات سيدي أحمد وسيدي عبد القادر وسيدي أحمد الرفاعي ، فأخبرني بذلك وكنا على سطح الكعبة المشرفة ، فقال من كراماتنا: قال لي ربي أنت من نوريتي يا ابراهيم، ولك البشرى ، ومن كراماتنا أني أُعطيت الحكم على الحور العين ،ومن كراماتنا أني لما وردت على النيران هربت خوفاً مني ، فرفصتها برجلي فصارت رماداً،وصرخت عليها فغلقت أبوابها السبع)[8]. . أى إن الكعبة صارت مصطبة يتسامر عليها آلهة الصوفية المزعومة، ويحكون افتراءاتهم فوق سطحها..

2 ـ  لذا لم يكن غريباً أن يسعى الصوفية للكعبة والحج أملاً في مقابلة الأقطاب والأولياء ، فيقول اليافعى، أن بعضهم ترك بضاعته وسافر للحج ( فقيل له في ذلك فقال : والله لو حصلت لي الدنيا كلها ما اخترتها على الحج ورؤية من يشهده من أولياء الله تعالى بعد أن رأيت ما رأيت وحكى كرامة صوفية حدثت في الحج عند الكعبة ثم قال (فهل يسمح بفوت مشهد يشهده مثل هؤلاء القوم ؟). ويقول اليافعي إن بعضهم أطال الإقامة في مكة فقيل له في ذلك فقال : ( ما من ولي لله تعالى صحّت ولايته إلا وهو يحضر هذا البلد في كل ليلة جمعة لا يتأخر عنه ،فمقامي هنا  لأجل من أراه منهم .. وقد أخبرني بعضهم أنه يرى حول الكعبة الملائكة والأنبياء والأولياء عليهم السلام ، وأكثر ما يراهم ليلة الجمعة وكذلك ليلة الإثنين وليلة الخميس ، وعد لي جماعة كثيرة من الأنبياء والأولياء، وذكر انه يرى كل واحد منهم في موضع معين يجلس فيه حول الكعبة[9].

أى جعلوا من آلهتهم أصناماً لكل منها مكانا معينا حول الكعبة، وإليهم يتجهون بزعم الحج .. والهدف واضح : أن ينعم الأولياء بقدر من التقديس الذي يتوجه به الحجاج للكعبة والحرم، وفي نفس الوقت فإنهم يحتكرون لأضرحتهم وأشخاصهم في شتى أنحاء مصر  حق شد الرحال إليهم واستقدام الحجيج لهم من كل فج عميق ، وفق تشريع الحج الصوفي.



[1]
روض الرياحين 59.

[2]الأحياء جـ1/285..

[3]الدرر الكامنة جـ2/483: 484.

[4]الإلمام للنويرى جـ1/178.

[5]روض الرياحين 187.

[6]المناوى. الطبقات الكبرى مخطوط 341(ب).

[7]الشعرانى الطبقات الكبرى جـ2/145.

[8]مقدمة طبقات الشرنوبى .مخطوط.

 إفساد فريضة الحج الإسلامية بالحج لقبر النبى

مقدمة

1 ـ بدأ الدين السنى بهذا الإفك متابعة للتواتر القرشى الجاهلى الباطل ، ومالبث أن وضعوا له إطارا عقيديا بتقديس المدينة واعتبارها حرما تاليا للبيت الحرام فى مكة ، ثم بتقديس موضع قالوا إنه قبر النبى محمد ، وجعلوه أكبر نُصب مقدس ، ومع إنه رجس من عمل الشيطان وفقا لما جاء فى القرآن فإنهم ما لبث ان شرعوا الحج الى هذا النّصب الرجسى ، الذى زعموا أنه روضة من رياض الجنة ، وزعموا فى أحاديثهم أنه ( حىّ ) فى قبره يرى ويسمع من يزوره ، ويشفع فيمن يتوسل به ويجيب من يدعوه ويجير من يحتمى بأعتابه ، وأنه يرد السلام على من يسلّم عليه ، وأنه وهو فى القبر تعرض عليها أعمال الناس ، ليقول رأيه فيها فيستغفر لمن يشاء ، ويهمل من يشاء ..الى آخر هذا الهراء..!!.  

وقد تحرّجوا من القول بالحج اليه فجعلوها ( زيارة ) ، وأوجبوها على كل من يحج الى البيت الحرام ، وإلا فقد ( جفا ) النبى ، ولم يتم حجه . وبتوالى القرون أصبح الهدف الأول للعوام المسلمين ليس الحج للبيت الحرام بل ( زيارة الحبيب ) و ( التمسح بشباك قبره ) ، أما الحج للبيت الحرام فهو مجرد خطوة فى سبيل زيارة الحبيب إلتماسا لشفاعته والتبرك بقبره.

2 ـ نسى هؤلاء مئات الآيات القرآنية التى تنهى عن تقديس البشر والحجر ، بل تناسوا أنهم ـ  بكل غباء ـ وضعوا النبى محمدا فى موضع التحقير ، فهم بزعمهم حياة النبى فى هذا القبر قد حكموا عليه أن يظل سجينا فى حفرة  تحت الأرض الى قيام الساعة ، ثم هم يقفون بأقدامهم فوق رأسه. وبقولهم أن جسده لا يزال دون تحلّل فقد جعلوه فى مكانة فرعون موسى الذى عوقب بأن يظل جسده باقيا ليكون لمن خلفه آية ..!!، فمن إكرام الله جل وعلا لابن آدم أن تتحلّل سوأته ـ أى جيفته بعد موته ـ ليعود الى الأرض وعناصرها . ولقد حرم الله جل وعلا فرعون موسى من هذا التكريم . ويأتى  حمقى الأديان الأرضية من المسلمين ليجعلوا النبى وأوليائهم المقبورين فى مكانة فرعون ، بزعم أنهم أحياء فى قبورهم.

3 ـ بدأ الدين السّنى بهذا الإفك ،وتابعه الشيعة ثم الصوفية.

أولا : إفساد فريضة الحج الإسلامية بالحج لقبر النبى فى الدين السّنى

 1 ـ بدأ الأمر باعتبار المدينة حرماً يضاهى حرم الله فى مكة.

2 ـ وقد ترادف وضع الأحاديث التى ترفع من شأن المدينة فى كتب الدين السّنى المقدسة لدى المسلمين مثل صحيح البخارى ، ومنها حديث أنس "اللهم اجعل بالمدينة ضعفى ما جعلت بمكة من البركة". وحديث أبى هريرة " على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال".. وأحاديث تحريم المدينة جاءت فى روايات لأنس" اللهم إن إبراهيم حرم مكة وأنى أحرم المدينة ما بين لابتيها" وقد روى ذلك الحديث بطرق متعددة ويحظى بالإحترام لدى أتباع الدين السّنى . 3 ـ لم يناقش أحد مناقضة تلك الأحاديث للقرآن الكريم . فإبراهيم عليه السلام لم يكن هو الذى يملك ( تحريم مكة ) ، وإنما الذى حرم مكة هو الله جل وعلا ، ففيها بيته الحرام، والله سبحانه وتعالى أمر ابراهيم عليه السلام فقال له:( وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) (26) الحج ) ، ولم يقل له وطهر بيتك يا ابراهيم، ومحمد عليه السلام لا يملك حق التحريم وإلا فكيف يقول له ربه : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) التحريم ) وأعلنها عليه السلام فقال ما جاء فى القرآن الكريم أنه يعبد رب العزة الذى حرّم مكّة البلد الحرام : (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (91) النمل ) . فلله جلّ وعلا وحده حق التشريع. وكما أنه لا إله إلا الله فليس لله من حرم مكانى إلا حرم واحد هو الذى بمكة،وإليه يكون الحج والقصد،وكذلك فعل الرسول حين حج بأصحابه من المدينة إلى مكة، وبعد موت الرسول وإنتهاء التشريع فلا مجال للزيادة فى شرع الله باختراع حرم جدبد يقصده المسلمين وينسبونه للرسول

3 ـ وتسلل الشرك إلى عقائد الناس منذ القرن الثانى فتحول تقدير النبى إلى تقديس له ، وغدا مسجد المدينة مساوياً عند المسلمين للحرم، وأصبح قبر الرسول كالكعبة ،وصيغ ذلك  بأحاديث  شكّلت فيما بعد عقائد الأجيال اللاحقة وزادتها تلوثاً ،ففي البخاري " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة " ، وفيما بعد روى الحديث على أنه " ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة" ولا فارق بينهما في المعنى إذ أنه مدفون في بيته ، وكيف يتحدث عن قبره وهو لا يعلم اين سيموت : (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) لقمان 34).

4 ـ وإنعكس الوضع الجديد على فريضة الحج الإسلامي..

فبعد أن كان القدوم لمكة فحسب أضحى للمدينة بل وللقدس ، وأصبح لكل مسجد درجته كما يظهر من هذه الأحاديث التي رواها البخاري " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول والمسجد الأقصى" أى أصبح التوحيد ثالوثاً . وهناك حديث فاضح يقول : ( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سوى المسجد الحرام). هو حديث فاضح لأنه تشويه لشخص النبى ولدين الله جل وعلا . إنّ الرسول كان متبعا للوحي ، وقد قرّر  ربه جل وعلا أن المساجد يجب أن تكون خالصة لله جل وعلا وحده:( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) الجن ) (( الجن 18) ، وقد قام عليه السلام وهو فى مكة يعلن هذا فى مساجد قريش التى أقاموا فيها القبور المقدسة، وجعلوا أولياءهم أصحاب تلك القبور تشارك رب العزة فى الأذان للصلاة وفى الصلاة ، فأمره ربه جل وعلا أن يعلن أن المساجد يجب أن تكون لله جل وعلا وحده : (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) الجن )، فلا تعظيم فيها لغير الله . وأعلن عليه السلام ذلك فى مساجد قريش فكادوا أن يفتكوا به : (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (19) الجن). فأمره ربه جل وعلا أن يقول لهم أنه يقوم بتبليغ الرسالة وجوهر الاسلام لينجو من عذاب الرحمن ، وأنه لا يملك لهم ضرا ولا رشدا : (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (19) (قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (20) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (22) الجن ). فإذا قال جل وعلا (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) الجن )، فكيف يعصي ربه ويقول "مسجدي .." . المؤسف أن هذا كان بداية لتأسيس مساجد بأسماء البشر ، فى أديان السنة والتشيع والتصوف.!!

ثانيا : دور التصوف السّنى فى تطوير هذا الافك

1 ـ قام القشيرى ثم الغزالى بتضييق الفجوة بين دينى السّنة والتصوف لصالح التصوف ،فيما   يعرف بالتصوف السّنى ، وكان التركيز فيه على المشترك وهو تقديس النبى والحج الى قبره . لذا إشتهر حديث  "من حج ولم يزرني فقد جفاني ".ولا ندري متى قال الرسول ذلك؟ أقاله قبل موته أم بعده؟ والإجابة تقطع بتزوير ذلك الحديث.

2 ـ والأفظع من ذلك انهم شرّعوا مناسك الحج إلى المدينة ، وقد فصَل فيها الغزالي في الاحياء ، فيما يخص النية وما يخص الأفعال والأقوال[1]، وكان فيها رائدا لصوفية عصرنا المملوكي وللمسلمين في عصرنا الراهن.

3 ـ وفي العصر المملوكي حيث ساد التصوف السّنى و حيث يقدس الناس أى شيء أصبح الحج لقبر الرسول من المعلوم من الدين بالضرورة عندهم . وذلك مما لا يستحق عناء إثباته، ولكن نكتفي بما ألفه فقيه صوفى مشهور هو" العلامة شيخ الإسلام والمسلمين ، تقي الدين السبكي "وهو كتاب " شفاء السقام في زيارة خير الأنام[2].

وقد قسمه إلى أبواب الأول في الأحاديث الواردة في الزيارة نصاً .الثاني : فيما ورد من الأخبار والأحاديث دالاً على فضل الزيارة وإن لم يكن فيه لفظ الزيارة الثالث : فيما ورد في السفر إلى زيارته(ص) صريحا الرابع : في نصوص العلماء على استحباب زيارة قبر سيدنا رسول الله وبيان أن ذلك مجمع عليه بين المسلمين، الخامس : تقرير كون الزيارة قربة، السادس : في كون السفر إليها قربة السابع :في دفع شبه الخصم ، الثامن : في التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبيى (ص) التاسع : في حياة الأنبياء".

وواضح أنه اعتمد على الأحاديث وآراء العلماء المتأثرين بها. وهو صادق فيما ينقل عن دين التصوف السّنى . ولكن الإسلام هو دين الله الذي فصله في القرآن ولا معقب لكلمات الله ولكل انسان الحرية في التمسك بكتاب الله أو الإعراض عنه ، وفي النهاية سيلقى جزاءه في الآخرة : ( وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً (29) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30) الكهف).

ثالثا  : الأساس العقيدي فى دين التصوف لتقديس قبر النبي:

1 ـ وأدت عقيدة الحقيقة المحمدية إلى تأكيد تقديس قبر النبي وتأكيد الحث على زيارته بحيث صارت أهم معالم النسك في الحج. والحقيقة المحمدية تعني تأليه النبي محمد واعتباره نورا إلهياً أزليا انبثق عن نور الله(تعالى الله عن لك علواً كبيراً)،وأن الله تعالى خلق الكون لأجل هذا النور المحمدي. وقد صيغت في ذلك أحاديث رددها الفقهاء السّنة  والصوفية مثل حديث " اول ما خلق الله  نور نبيك يا جابر " " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين،و كنت نبيا و آدم لا ماء ولا طين".

2 ـ وفي هذه العقيدة المخالفة للإسلام اتفق الصوفية والفقهاء برغم الصراع الذي دار بينهما ، إذ كانت عقائد الصوفية من الإتحاد والحلول ووحدة الوجود هى أساس ذلك الصراع ،حيث كان ينقم الفقهاء السنيون على الصوفية تلك العقائد، ولكنهم كانوا يوافقونهم الإعتقاد في تقديس وتأليه النبي محمد انطلاقا من " الحقيقة المحمدية".

3 ـ بيد أن الصوفية طبقا لنزعتهم في تأليه أنفسهم وأشياخهم أحدثوا تطورا في الحقيقة المحمدية ، فبينما حصرها الفقهاء في النبي محمد و قصروها عليه وحده ، فإن أرباب التصوف الشيعى جعلوا ذلك النور الإلهي يتنقل بعد محمد عليه السلام إلى علىٍ وذريته، ثم يتنقّل فى  الأقطاب الصوفية، حسب زعمهم  أنهم من ( الأشراف ). الجدير بالذكر أن الفقهاء السنيين لم ينكروا على الصوفية هذا الإدعاء خوفا من المساس بعقيدة الحقيقة المحمدية ذاتها..

4- وقد ساد الاعتقاد في الحقيقة المحمدية خصوصا في القرن العاشر الهجري ، حتى لقد صارت بعض الكتب والمراسلات تفتتح بها بدلا عن الصيغ المعروفة بالصلاة على النبي. والغريب أن السلطان سليم العثماني بعث برسالة إلى طومان باي – بعد مقتل السلطان الغوري في مرج دابق يدعوه فيها إلى الطاعة ،ويقول فيها إن الله " مهًد أول قواعد النبوة بكنت نبياً وآدم بين الماء والطين"[3]. أى يشير إلى حديث الحقيقة المحمدية" كنت نبيا وآدم بين الماء والطين". وذلك اعتراف رسمي بالحقبقة المحمدية عقيدة للمسلمين حينئذٍ.

ويقول عبد الصمد الأحمدي في مقدمة كتابه (الجواهر السنية) عن مناقب أحمد البدوي عندما أخذ في التسليم والصلاة على النبي " واشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم وعبده ورسوله وخليله الأول في الإيجاد والوجود والمستغرقة حقيقته الآحاد والأنواع والأجناس والعقود [4]. والحقيقة المحمدية عندهم تعني أن محمداً أول الموجودات ومنه جاءت الأكوان..

وفي كتاب" النورالسافر" الذى يؤرخ للقرن العاشر يقول المؤلف العيدروس في مقدمة الكتاب " أعلم ان الله سبحانه لما أراد إيجاد خلقه أبرز الحقيقة المحمدية من أنواره الصمدية  في حضرته الأحمدية، ثم سلخ منها العوالم كلها علوها وسفلها على ما اقتضاه كمال حكمته وسبق في علمه وإرادته ، ثم أعلمه تعالى بكماله ونبوته ، وبشره بعموم دعوته ورسالته وبأنه نبي الأنبياء وواسطة جميع الأصفياء وأبوه آدم بين الروح والجسد ، ثم انبجست منه عيون الأرواح، فظهر ممدَا لها في عالمها المتقدم على عالم الأشياخ، وكان هو الجنس العالي على جميع الأجناس، والأب الأكبر لجميع الموجودات والناس ، فهو وإن تأخر وجود جسمه متميز على العوالم كلها برفعته وتقدمه ، إذ هو خزانة السر الصمداني ومحتد تفرد الإمداد الرحماني."[5]. والمؤرخ العيدروس كان فقيها ، ولم يكن شيخا صوفيا.

ومثله كان كاتب مجالس الغوري " نفائس المجالس السلطانية" وهويقول في بداية كتابه " والصلاة والسلام على شفيع المدنيين وسلطان الأنبياء والمرسلين الذي كان نبيا وآدم بين الماء والطين.."[6].

ويقول فقيه القرن العاشر ابن جعفر الهيثمي في مقدمة كتابه (مولد النبي) نفس ما قاله المؤرخ العيدروس مع تغيير طفيف في بعض الألفاظ : " شرف الله نبيه بسبق نبوته في سابق أزليته وذلك أنه تعالى لما تعلقت إرادته بإيجاد الخلق أبرز الحقيقة المحمدية من محض نوره المشار إليه بقوله تعالى ونفخت فيه من روحي، ثم سلخ منها العوالم كلها علوها وسفلها على ما سبق في سابق إرادته، ثم أعلمه تعالى بنبوته وبشره برسالته ،هذا وآدم لم يكن إلا كما قال فيما يأتي بين الروح والجسد، ثم انبجست فيه صلى الله عليه وسلم عيون الأرواح كلها، فظهر في الملاْء الأعلى أصلاً للعوالم كلها ، حتى انتهى الزمان بالإسم الباطن فى حقه صلى الله عليه وسلم إلى وجود جسمه وارتباط الروح به،انتقل حكم الزمان إلى الإسم الظاهر فظهر صلى الله عليه وسلم بكليته جسماً وروحاً، فهو –وإن تأخر وجوده – هو خزانة السر،فلا ينعقد أمرً إلا منه ولا ينقل خبرً إلا عنه..[7].

5- وشيوخ الصوفية من ناحيتهم حرصوا على الإستفادة من عقيدة الحقيقة المحمدية، بأن جعلوها تنتقل من محمد إليهم عبر سلاسل مثل سلاسل الخرقة والنسب، وشيوخ الصوفية المشهورين فى العصر المملوكى كل منهم حرص على ترصيع أوراده أو أشعاره بعبارات الحقيقة المحمدية، وبما يؤكد تمتعه بها وتقلبه فيها قبل وجوده فى الحياة.

فأحمد البدوى يقول فى صلواته " اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا محمد شجرة الأصل النورانية، ومعدن الأسرار الربانية وخزائن العلوم الإصطفائية.."[8].

وفى أشعاره يحرص البدوى على التأكيد بأنه –من خلال الحيقة المحمدية – كان قطباً وإماماً يقول:

أنا من قبل وجودى فى الورى

                              كنت قطباً وإماماً وأصلاً

 ويقول مؤكداً وجوده من خلال الحقيقة فى شخصية الأنبياء السابقين:

 فقرأت من توراة موسى تسعة

                              تليت على موسى لها لم يثبت

وقرأت من انجيل عيسى عشرة

                              تُليت على عيسى فزادت رفعتى[9]

 أى أن موسى لم يثبت عندما تليت عليه التوراة، أما السيد(افندى) البدوى فقد قرأها فى ثبات وثقة!!

ولكن ابراهيم الدسوقى قام بالمزايدة على رفيقه أحمد البدوى فى هذا المجال، نثراً وشعراً. يقول الدسوقى فى الجوهرة عن نفسه" أنا موسى فى مناجاته، أنا" على" فى حملاته، أنا كل ولى فى الأرض.. كنت وأولياء الله أشياخاً فى الأزل، فإن الله عز وجل خلقنى من نور رسول الله، فنظر إلى الرسول فقال يا ابراهيم تقدم فتقدمت.. " ويقول أنه عرف التوحيد قبل آدم وحواء وقبل العرش والكرسى واللوح والقلم والسموات والأرض والماء والطين، وقد ردد أقوال الدسوقى عنه الشعرانى فى الطبقات الكبرى فى ترجمته لابراهيم الدسوقى، والشرنوبى فى طبقاته[10].

وترددت الحقيقة المحمدية فى أدبيات الشاذلية:

يقولون فى صلاة ابن بشيش" اللهم صلَ على من منه انشقت الأسرار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق، وله تضاءلت الفهوم، فلم يدركه منا سابق ولا لاحق .. ولا شئ إلا وهو به منوط".  ويقول البوصيرى شاعر الشاذلية:أنت مصباح كل فضـل

                     فما تصدر إلا عن ضوئك الأضواء

لم تزل فى ضمائر الكون

                      تُختار لك الأمهات والآباء

ويقول البوصيرى:

 محمد سيد الكونين والثقلين

                       والفريقين من عرب ومن عجم[11].

 والشيخ أبو المواهب الشاذلى لم يسترح إلى قول البوصيرى يمدح النبى:

فمبلغ العلم فيه أنه بشر

                      وأنه خير خلق الله كلهم

 لأن البوصيرى صرح فى شعره ببشرية النبى وأن ذلك هو مبلغ ما يعرفه عنه، ورغم العبارة تحتوى تأليهاً ضمنياً للنبى يخفى –بزعمه- عن علم البشر، إلا أن أبا المواهب الشاذلى زعم أنه رأى النبى فى المنام وعرف المعنى الحقيقى، وهو أن من لاعلم له بحقيقة النبى يظنه بشراً، ولكن الحقيقة أنه غير ذلك " وإلا فهو وراء ذلك كله بروح القدس[12].

ويقول على وفا الشاذلى يمدح النبى:

لو أبصر الشيطان طلعة نوره

                             فى وجه آدم كان أول من سجد

أو لو رأى النمرود نور جماله

                             عبد الجليل مع الخليل وما عَنَد

لكن جمال الله جلَ فلا يُرى

                             إلا بتخصيص من الله الصمد

 وقال على وفا فى حديث اسرائه يستعير الحقيقة المحمدية لنفسه "..فدخلت فإذا أنا بآدم، أى فإذا أنا فى صورة حقيقة آدم وناطق بناطقته"[13].

والشعرانى  ردد عقيدة الحقيقة المحمدية في بعض مؤلفاته الصوفية ،يقول في " اليواقيت والجواهر"  إن  " جميع الأنبياء والأولياء مستمدون من محمد عليه السلام" ويرى أن روح محمد عليه السلام هو القطب الواحد الممد لجميع الأنبياء والرسل والأقطاب من حيث النشأة الإنسانية إلى قيام الساعة[14]..

6-  وذلك الإعتقاد الراسخ في أُلوهية النبي والذي شمل الصوفية وغيرهم كان الأساس العقيدي للجميع في تقديس ما يعرف بقبر النبي، والحج إليه، وتشريع المناسك له، وتجلت تفصيلاته في كتاب الفقيه تقي الدين السبكي" شفاء السقام في زيارة خيرالأنام".

رابعا : شخصيتان متناقضتان للنبى محمد عليه السلام

1- المحصّلة النهائية أنهم خلقوا من أهوائهم شخصية الاهية للنبى محمد جعلوه فيها متحكما فى الدنيا والآخرة ، وبالغوا فى تأليهه فرفعوه احيانا فوق رب العزة ، بل ورفعوه فى التأليه فوق تأليه المسحيين للمسيح . وهذه الشخصية المزعومة للنبى محمد تناقض شخصيته الحقيقية التى أكّدها رب العزة فى القرآن  الكريم

2 ـ  فرب العزة يؤكد على بشرية النبي ، وأنه بشر مثلنا ولكن يوحى اليه ، يقول تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)الكهف  ). هو بشر يوحى اليه ، ولكن هذا الوحي لا يصعد بالنبي فوق مستوى البشر. فكل ما عليه هو تبليغ الوحي : ( مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99)    المائدة ). ثم هو اول من يتبع الوحي : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (2) الأحزاب )،  وعليه كالآخرين من قومه مسئولية التمسك بهذا الوحي: ( فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) الزخرف )، وسيكون مثلهم مساءلا يوم القيامة (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) الزخرف).

أى هى مساواة بين النبي وقومه في المسئولية وفي الحساب.  بل أنها مساواة بينه وبين خصومه فى استحقاق الموت وفى التخاصم يوم الحساب أمام الله تعالى، يقول سبحانه وتعالى له :(إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31)الزمر)، وهناك مساواة بينه وبين المؤمنين معه يوم الحساب، لن يحملوا عنه حسابه ولن يحمل عنهم حسابهم :( وَلا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ (52) الأنعام )، و فى الآخرة  لن يستطيع إنقاذ أحد من النار:( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ )(19)الزمر ) فليس له من الأمر شىء، طبقا لقوله جل وعلا له:( لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ)(128)آل عمران ) ، فهو لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضراً:(  قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) الأعراف)، ( قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ ) (49) يونس).

3 ـ هذا هو كلام رب العزة فى القرآن الكريم ، فأيهما نصدق؟ كتاب الله العزيز؟ أم هراء الصوفية والفقهاء ؟!

أخيرا<"> [6]نفائس المجالس السلطانية،تحقيق عبد الوهاب عزام ص1.

[7]ابن حجر الهيثمى :مولد النبي ص7.مخطوط.

[8]الخفاجى:النفحات الأحمدية 130: 149.

[9]عبد الصمد : الجواهر السنية 133 ، 89، 91: 92.

[10]جوهرة الدسوقى 98: 102 ،الشعرانى، الطبقات الكبرى جـ1/ 153 ، 154،طبقات الشرنوبى مخطوط7، 2، 1.

[11]ديوان البوصيرى 2، 192.

[12]ترجمة أبو المواهب الشاذلى في الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/66.

[13]ترجمة على وفا في الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/20.

[14]اليواقيت والجواهرجـ2/73، 83. الكبريت الأحمر 10.

ج 2 ف 3 أثر التصوف في الزكاة و والصيام

ج 2 ف 3 أثر التصوف في الزكاة و والصيام

 الجزء الثانى :  العبادات فى مصر المملوكية  بين الإسلام والتصوف               

 الفصل الثالث: أثر التصوف في الزكاة و والصيام

   مدخل الفصل الثالث : الزكاة في الإسلام نظير التسول عند الصوفية :

1- ارتبط الأمر بالصلاة مع الأمر بإيتاء الزكاة في  الإسلام حتى قبل  البعثة المحمدية ، وإيتاء الزكاء يعنى تعليم النفس التزكية والطهارة من الذنوب والمعاصى ، فهى بمعنى إقامة الصلاة ، أى إقامتها خشوعا أثناء تأديتها وتقوى وترفعا عن المعاصى بين أوقات الصلوات . وهذا هو موجز الاسلام الذى نزلت به الرسالات السماوية ، كما جاء فى كلامه جل وعلا عن الأنبياء السابقين(  الأنبياء 73). وكانت إقامة الصلاة مع إيتاء الزكاة أهم بنود الميثاق الذي أخذه الله على بني اسرائيل ( البقرة 83).( المائدة 12). وكان اسماعيل يأمر أهله بالصلاة والزكاة( مريم 55) وبهما أُوصى عيسى عليهم السلام (مريم31)

والزكاة بمعنى الطهارة تشمل تزكية المال وتطهيره بتقديم الزكاة المالية أى الصدقة والانفاق فى سبيل الله جل وعلا .

 2- وجعل الله من صفات الأولياء الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون _ أنهم ينفقون أموالهم في سبيل الله بلا منة ولا أذى( البقرة 262). بينما جعل من سمات الأولياء المعبودة و المقدسة من دون الله – أنها عالة على معتقديها الذين يقومون بإطعامها (  الأنعام14).. فالمشركون يقدمون لأوليائهم الطعام إما في صورة ذبائح ينحرونها على القبور المقدسة ( الأنصاب )، وقد حرم تعالى الأكل مما ذبح على النصب :(  المائدة3)، وأما أن يقدم حياً باسم الإله أو الولي  حيث يوهب له أو يهلل باسمه ، وهو محرم أكله أيضا ( المائدة3). فقد اعتاد المشركون في العصر الجاهلى أن يجعلوا لأوليائهم نصيبا من الأنعام ويجعلوا لله تعالى نصيبا آخر، ثم يفضلون الأولياء على الله في الاستحقاق فيهبون نصيب الله إليهم على اعتبار أنهم واسطة لهم عند الله ، وقد سجل القرآن الكريم ذلك ( الأنعام 136).. وقد اعتبر الله جل وعلا هذا الفعل منهم افتراءاً على الله ، إذ يتوجهون لآلهتهم المزعزمة بنصيب مفروض من رزق الله الذي يهبه لهم ( النحل 56) . ومعلوم أن سدنة الأنصاب والأضرحة هم المستفيدون من تلك النذور والقرابين..

والعادة أن النُّصّب ( القبر المقدس ) يكون مبنيا على أكاذيب ، تنسب المعجزات والمناقب لصاحب القبر ، وربما لا يكون هناك مقبور اصلا تحت التراب ، وظاهرة الأضرحة المزورة منتشرة لدى المحمديين. وفى كل الأحوال تجد العجب : فأولئك الذى لا يعلمون بالقطع ماهية وكينونة الموجود أسفل التراب تحت القبر يأتون اليه سعيا و ( حجّا ) ليقدموا له ( النذور ) من المال الذى جاءهم رزقا من الرحمن جل وعلا . وهذه حالة من البلاهة والافتراء لا يقع فيها سوى المشركين الذين لا يعقلون . وما أروع قوله جل وعلا فى هذا المعنى : (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56) النحل ) . ويتفوق الصوفية فى إفتراء أكبر . فقد حولوا ( زكاة المال ) الفريضة الاسلامية ( الصدقة ) الى إحتراف للتسول . هم لم يؤدوا الزكاة فقط وإنما عاشوا حياتهم عالة على مريديهم ، وبعد موتهم تقام لهم الأضرحة وتنتشر أساطير الكرامات فتنهمر على الأضرحة القرابين والنذور يتعيش منها سدنة الضريح وورثة الولي . ولتبرير التسول كان لا بد من جعل التبطل والتواكل دينا وتشريعا ، ثم يتسولون من الناس .

ونتتبع القصة من جذورها من التواكل والتبطل إلى التسول.

أولاً : التواكل والتبطل عند  الصوفية

التواكل والتبطل فى عقيدة الدين الصوفى

1- يقوم اقتصاد الصوفية على أساس التسول..

وأساس التسول عندهم هو عقيدتهم في التواكل وترك الحرفة .. فمنذ بداية التصوف كان الجنيد يقول (أحب للمريد المبتدىء ألا يشغل قلبه بثلاث وإلا يغير حاله : التكسب، وطلب الحديث، والتزويج)[1].

وكان أصحاب الجنيد وتلاميذه أسرع الناس في الطاعة ، فتركوا التكسب واعرضوا عن الحرف التي كانوا يمارسونها وإن ظلت ألقابهم تحمل حرفتهم القديمة ، فهناك أبو حفص عمر بن مسلمة الحداد، وأبو بكر محمد الوراق، وأبو سعيد الخراز وأبو محمد بن الحسين الحريري ، وابراهيم الخواص، وعبد الله الخراز، وبنان الحمال ،وأبو حمزة البزاز، وأبو الحسن الصائغ ، وخير النساج، وأبو بكر الكتاني  وأبو الحسن المزين ، وأبو على بن الكاتب ، وأبو عمر الزجاجي، بالإضافة للحلاج.. وكلهم من أعيان الصوفية في القرنين الثالث والرابع، وكانوا من قبل أصحاب حرف ومهن تركوها وأصبحوا عاطلين ،أى تبطلوا ( من البطالة )..

وفي العصر المملوكي انتشرت الخوانق والربط الصوفية تكفل لهم سبل العيش الميسرة  وكانت تتمتع بكفالة الدولة وكبار الأغنياء، وكثيراً ما تنص على شرط أن يكون الصوفي في داخلها من المتبطلين العاطلين أو حسب تعبير الوثائق ( ويرتب بها مع عشرين من الفقراء المتصفين بالخير والديانة المتخلين عن الاكتساب)[4]. ووضاح الخياط [5]. وبركات الخياط [6]. والغمري [7]. وعمر الوفائي الحائك [8]. والدميري [9]. وقارىء الهداية [10]. وعلى القطاناني[11]..وهذه مجرد أمثلة لحرفة واحدة ( الخياطة ) أصبح أصحابها من مشاهير الصوفية في المراجع الصوفية والتاريخية..

السعي في سبيل الرزق شرك بالله عند الصوفية :

1- وعلى عادة الصوفية قرنوا دعوتهم للتبطل وترك الحرفة بالدين الصوفى. ودين الإسلام من ذلك برىء فالإسلام دين السعي للرزق مع التوكل على الله تعالى خالق الأسباب يقول سبحانه وتعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ )(15) الملك  )..

إلا أن الصوفية في بداية نشر دينهم الجديد اعتبروا السعي في سبيل الرزق شركاً بالله تعالى، وفي إعلان هذه الحقيقة لجأ الجنيد إلى أسلوب التقية و التعمية مع الغرباء حين وفدوا عليه يسألونه الرأي فقد ورد في الاحياء (دخل جماعة على الجنيد وقالوا : نطلب الرزق،فقال: إن علمتم في أى موضع هو فاطلبوه ، قالوا: نسأل الله. قال إن علمتم أنه ينساكم فذكروه، فقالوا :ندخل البيت ونتوكل وننظر ما يكون فقال : التوكل على التجربة شك قالوا: فما الحيلة؟ قال : ترك الحيلة)[12].

2- ثم جاء الغزالي ياسلوبه الصوفى يجعل السعى للرزق إشراكا بالله جل وعلا ، يقول : ( ملاحظة الأسباب والاعتماد عليها شرك في التوحيد) [13]. وهو قول يخدع ظاهره الفقيه السّنى غير المتمكن من إشارات ومصطلحات الصوفية . فالفقيه لا يوافق على أن يعتمد المتوكل على غير الله ويعتبر اعتماده على أسباب الرزق وحدها نقيصة يضطر معها  لاعتباره ناقص الإيمان، وذلك حد أدنى من الإتفاق بينه وبين الغزالي الذي بالغ فاعتبر الساعى فى الرزق مشركاً ، وفي نفس الوقت فإن الغزالي قرر عقيدة الصوفية في اعتبار السعى للرزق اشراكا في دينهم، وإن حاول أن يخفف من هذا القول بإلقاء مزيد من التحير والضبابية متابعة منه للجنيد في النص السابق فيقول: (ملاحظة الأسباب والاعتماد عليها شرك في التوحيد. والتثاقل عنها بالكلية طعن فى السنة وقدح فى الشرع . والإعتماد على الأسباب من غير أن ترى أسباباً تغيير في وجه العقل وانغماس في غمرة الجهل . وتحقيق معنى التوكل على وجه يتوافق فيه مقتضى التوحيد والنقل والشرع في غاية الغموض والعسر . ولا يقوى على كشف هذا الغطاء من شدة الخفاء إلا سماسرة العلماء الذين اكتحلوا من فضل الله تعالى بأنوار الحقائق فأبصروا وتحققوا .).

  . وهى غاية فى البساطة : السعى للرزق فى الاسلام موضوع غاية فى البساطة . هو اتخاذ أسباب الرزق العملية من تجارة وزراعة وصيد وحرف ومهن وصناعة ، مع التوكل على الله جل وعلا . ولكن الغزالى جعل أنها منتهية في نظر الإسلام بالسعي في طلب الرزق ( بأتّخاذ الأسباب ) متوكلا على الله ــ إلا أن الغزالي جعلها مشكلة عويصة، لا يعرفها إلا العارفون المكشوف عنهم الحجاب ، أصحاب العلم اللدنى بزعمه . وهو قد اعتبر الأسباب أولاً شركاً في التوحيد، ويقصد بالتوحيد عقيدة الإتحاد الصوفية التي تجعل الله تعالى الروح المسيطر على الصوفي، وبذلك تنمحي إرادة  العبد في السعي حتى إذا سعى فقد اشرك بالتوحيد أو الاتحاد الصوفي، ثم هاجم التثاقل عن الأسباب بالكلية – وهجومه لا يشمل الصوفية المتبطلين إذ أنهم يعتبرون التصوف والقعود للعبادة في الربط سبباً للرزق ، ثم اعتبر الاعتماد على الأسباب (من غير أن ترى أسباباً) تغييراً في وجه العقل. وكنا ننتظر رأيه في هذه المشكلة التى جعلها أخطر المشاكل وربطها بالتوحيد إلا أنه ضنً علينا بالحل في نفس الوقت الذى أرجع العلم به إلى العلماء الصوفية الذين اختصوا من دون الناس بعلم الله اللدني . وكان الأولى به كأحد مدعي العلم اللدني أن  يعرفنا بالرأى الصحيح في هذه المشكلة التي تمس عقيدة التصوف من أساسها إلا أنه طبقاً لقاعدة (إفشاء سر الربوبية كفر) فقد توقف وتركنا حيارى .!!. وهذا الموقف يتمشى مع أسلوب الغزالي الذي اعتاده في التوفيق بين التصوف والإسلام مع تقرير عقائد التصوف في صورة لا تستوجب إنكاراً عنيفا من حيث الظاهر اللفظي .. ونشهد له بالبراعة في هذا..

على أن للغزالي أساليبه الأخرى في الإفصاح عن غرضه كالاستشهاد بأحاديث موضوعة يؤلفها بنفسه مثل قوله :( أن العبد ليهُمّ من الليل بأمر من أمور التجارة مما لو فعله لكان فيه هلاكه، فينظر الله تعالى من فوق عرشه فيصرفه فيصبح كئيباً حزيناً.. وما هي إلا رحمة رحمه الله بها)[14].  أو يأتي بالأقاصيص الصوفية التي تحقق نفس الغرض، ومن ذلك أن ( بشر ) الصوفي كان يعمل المغازل فتركها لأن كاتبه قال (بلغني أنك استغنيت على رزقك بالمغازل ،أرأيت أن أخذ الله سمعك وبصرك، فالرزق على من ؟ فوقع ذلك في قلبه، فأخرج آلة المغازل وتركها )[15]. ، أو أن فقيها سُنيا قال لأحدالصوفية القاعدين في المسجد بلا عمل (من أين تأكل؟ فقال يا شيخ: اصبر حتى أعيد الصلاة التى صليتها خلفك ثم أجيبك)[16]. ، أى أن الصوفى القاعد العاطل إعتبر الفقيه السّنى كافرا ، وأن الصلاة خلفه باطلة لمجرد هذا السؤال ، لأن السؤال خارج عن التوحيد(الصوفي) لأنه سأله عن حرفته ، وذلك يناقض التوكل الصوفي..

3- وجاء العصر المملوكي فتبلورت عقيدة التصوف في التواكل والتبطل على يد ابن عطاء الله السكندري في كتابه ( التنوير في اسقاط التدبير) الذي قصره على هذا الموضوع.. ونحلل أقواله بإختصار :

أ ) فابن عطاء يقرر قاعدة الجبرية من واقع عقيدة الا تحاد الصوفية ، فالصوفي الذى يسعى للاتحاد بالله لابد أن يتخلى عن دوافعه البشرية وإرادته واختياره ليفنى في الإرادة الإلهية فتتصرف له ، ويسعى ويتحرك طبقاً للروح الإلهية التي حلت فيه – طبقاً لعقيدتهم .!. يقول ابن عطاء في وصف الصوفية  ( تجري عليهم أحكامه وهم لجلاله خامدون ولحكمه مستسلمون)[17].  ، وذلك وصف خادع يحتمل الوجهين. ولا يرى المسلم الساذج فيه بأساً، إلا أن الهدف الصوفي من ذلك الكلام البراق يتضح من الشرح . فابن عطاء يشرح عقيدة الجبرية الإتحادية مفسراً بها تلك العبارة السابقة بقوله: ( أعلم أن الحق سبحانه إذا أراد أن يقوى عبداًعلى ما يريد أن يورده عليه من وجود حكمه، ألبسه من أنوار وصفه، وكساه من وجود نعته، فتنزلت الأقدار، وقد سبقت إليه الأنوار، فكان بربه لا بنفسه)[18]. أى أن الإرادة الإلهية اصطفت واختارت الشخص الصوفى فألبسته الأنوار الإلهية وكسته النعوت الربانية فأصبح الصوفى متحداً بربه غير ناظر إلى نفسه، ومن الطبيعى ألا يختار لنفسه، فالقوة الالهية الجديدة التى اتحدت به واتحد بها هى التى تختار له وتتصرف . وعلى ذلك فالصوفى ينصح أتباعه بعدم التدبير فى شئون المعاش . يقول الشاذلى( إن كان ولابد التدبير فدبروا ألا تدبروا)[19]. ، ويقول( لا تختر من أمرك شيئاً واختر فى ألا تختار، وفرّ من ذلك المختار، ومن فرارك ، ومن كل شئ إلى الله تعالى .)، ويقول: ( لن يصل الولى إلى الله ومعه تدبير من تدبيراته واختيار من اختياراته )[20]..

هنا ( جبرية ) إختيارية ، يزعم بها الصوفى أنه إختار أن يكون مجبورا تحت القوة الالهية ، ثم إن هذا الصوفى لايتبرع بالتخلى عن إرادته البشرية عبثاً، إنه يطمح في اكتساب الإرادة الإلهية الأسمى، وبهذا يزعم أن فى داخله قوة إلاهية وإرادة الاهية يبرر بها تكاسله وقعوده عن طلب الرزق ، ويبرر بها أيضا إنحرافاته و ضلاله وعصيانه طبقا لعقيدة ( وحدة الفاعل ) التى أسهب الغزالى فى شرحها وجعلها ضمن درجات العقيدة الصوفية . وهذا هو الفارق بين الجبرية العادية والجبرية الصوفية. فالجبرية العادية ترى أن الإنسان في حقيقته مسيَر مجْبر كالريشة في الهواء ولا اختيار له في الحقيقة، أم الجبرية الصوفية فهى تخلي عن الإرادة البشرية طوعا لتكتسب الإرادة الإلهية الباقية بزعمهم ، ثم تبرير ما يرتكبون بزعم أنها إرادة الله جل وعلا وفعله ، وليس لهم إرادة فيما تفعله أجسادهم . وقد سئل أبو يزيد البسطامي : ما تريد فقال ( أريد أن لا أريد) .! . وعقّب ابن عطاء على مقالته بقوله: ( وأعلم أنه قد قال بعضهم :إن أبا يزيد رحمه الله لما أراد  أن لا يريد فقد أراد )[21]. ، ففي داخل الجبرية الصوفية إرادة كامنة قاهرة تطمح للألوهية واكتساب الإرادة الإلهية التي لا معقب عليها ، ثم يفعل ما يريد على أنه إله قاهر.

ب) وتأسيساً على الجبرية الصوفية فإن السعي للرزق والتدبير من أجل المعاش ـ شرك ـ في عقيدة الصوفية . وقد أتاحت السيطرة الصوفية في العصر المملوكي لابن عطاء أن يعلن ذلك بوضوح وتفصيل في كتاب خاص ، وهو ما ألمح إليه الغزالي من قبل ، ودار حوله بالرمز والأقاصيص. يقول ابن عطاء عن التدبير من أجل الرزق ( إن من ادعى الاختيار مع الله تعالى فهو مشرك مدع للربوبية بلسان حاله )[22].. وهذه العبارة تمشي على طريقة الغزالي في إيراد الكلمات التي تحتمل الوجهين، ولا تخلو من مغالطة وتناقض. فمن يدبر للمعاش لا يدعي بأى حال أنه بذلك يتدخل في اختيار الله بل يمتثل لأمره في السعي للرزق بالتفكير والعمل. فالمغالطة تتمثل في اعتباره مشركا مدعيا للربوبية، والتناقض في أن ذلك الوصف ينطبق على الصوفية ومن ادعى الاتحاد بالله صراحة أو ضمنا ، لا على المطيعين لأمر الله تعالى في شأن السعي للمعاش وتعمير الأرض .

ويقول ابن عطاء : ( أن التدبير والاختيار من كبائر القلوب والأسرار، والتوبة هى الرجوع إلى الله تعالى من كل ما لا يرضاه لك، لأنه شرك بالربوبية وكفر لنعمة العقل، ولا يرضى لعباده الكفر)[23].

وقد صدق ابن عطاء حين اعتبر التدبير(من كبائر القلوب والأسرار) أى أنها كبائر عند أصحاب القلوب والأسرار. أى الصوفية.. فذلك شرع الصوفية لا شرع الله تعالى، والمؤمن ليس مطالباً إلا بشرع الله تعالى.

إلا أن ابن عطاء افترى على الله كذباً إذ اعتبر التدبير للرزق- المأمور به شرعاً فى الإسلام- شيئاً لا يرضى به الله تعالى وأن التوبة هى الرجوع إلى الله تعالى من كل ما لا يرضاه.  ويحتمل أنه ألمح إلى الإتحاد بقوله( والتوبة هى الرجوع إلى الله تعالى من كل ما لا يرضاه لك).. ذلك أن الصوفية يفسرون الرجوع إلى الله بالعودة إلى الأصل الإلهى وفق عقيدة الإتحاد ونفخ الروح الإلهية عندهم فى الإنسان (ونفخت فيه من روحى..) وعلى ذلك فالقراءة الصوفية لعبارة ابن عطاء تعنى أن التوبة عن لوازم البشرية معناها أن نرجع إلى الأصل الإلهى الذى لا يرضى لأوليائه المتحدين به أن يختاروا معه غيره من المخلوقين فى شأن الرزق أو غيره. فالصوفى لا يرى الأسباب إذ لا يرى غيره. وإذا فعل كان مشركاً..

وقد كرر ابن عطاء هذا المعنى فى أكثر من موضع. يقول إن التدبير والإختيار من أشد الذنوب والأوزار)[24] . ويقول شعراً[25]:

اتحكم تدبيراً وغيرك حاكماً    أأنت لأحكام الإله تنازع

ويقول( اعلم إن التدبيرمع الله عز وجل عند أولى البصائر إنما هو مخاصمة للربوبية )[26]. ويفصح عن هدف ذلك بقوله: ( واعلم أن التدبير من أشد حجب القلوب عن مطالعة الغيوب)[27]. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وأولئك طمحوا للغيب وادعوه افتراءاً على الله تعالى، وفى سبيل ذلك نادوا بالتخلى عن الإرادة البشرية ليكتسبوا الإرادة الإلهية، وينعموا بمعرفة الغيب وسائر ما اختص الله تعالى به نفسه من تصرف فى الكون .

ج) وابن عطاء ينهج نهج الغزالى فى ربط التصوف بالإسلام. ودفعه ذلك للوقوع فى المغالطة والتناقض والتجاهل. ففى شرحه للآيات التى تدل فى ظاهرها على الجبرية يتناسى الآيات القرآنية التى تصرح بمسئولية البشر على ما يفعلون وينوون. ثم بالغ وغالط فاعتبر تدبير الرزق خروجاًعن إرادة الله تعالى ومنازعة له فى ملكه، مع أن الساعى فى أسباب الرزق مهما بلغ كفره – لا يتصور أن سعيه للرزق فيه خروج على إرادة الله ومنازعة للمالك تعالى. بل إن ذلك الساعي للرزق قد يكون مشركا  يتقرب إلى الله تعالى بعبادة الوسائط ظناً منه أنه  بذلك يحسن صنعاً وأنه بذلك يستجلب رضى الله ونعمائه وخيره.

  وذلك التغالي في التفسير والتأويل لا نجد فيها توسطاً أبداً . فإما تواكل وقعود وتبطل وإما إساءة الظن بالسعي والتسبب واعتباره شركاً أو على الأقل عملاً دنيوياً بلا دين.. وقد تناسوا أمر الإسلام لأتباعه بالتوكل على الله تعالى مع السعي في أرضه بالتعمير الحلال والرضى بما يقدره الله تعالى وما يتنزل من رزقه ونعمائه ..

  يقول ابن عطاء داعياً للتواكل متناسياً لأمر الله تعالى بالسعي في تحصيل الرزق ( شيء ضمنه الله لك فلا تتبعه، وشيء طلب منك فلا تهمله، فمن اشتغل بما ضمن له عما طلب منه فقدم عظيم جهله واتسعت غفلته، وقل ما يتنبه لمن يوقظه، بل حقيق على العبد أن يشتغل بما طلب منه عما ضمن له)[28].  هنا يغالط ابن عطاء ، حين اعتبر أمر الرزق وضمان الله يعني القعود والانتظار حتي يدخل الرزق إلى فم الصوفي دون عناء.وغالط ابن عطاء حين فرق بين أمر الله تعالى بالعبادة وأمره  بطلب الرزق. فالمسلم مأمور بالإثنين معاً ، وكما هو في انتظار ضمان الرزق في الدنيا نظير السعي لأجله فهو أيضاً ينتظر المثوبة في الآخرة على العبادة . فالله تعالى تفضل برزقه على الساعين في الدنيا كما تفضل بجنته على العباد المطيعين . وطاعة الله تعالى لا تتجزأ في رزق أو صلاة . وإذا كان ثمة تسامح مع المتبطلين والكسالى فقد لا يكون مجال للتسامح مع من يعتقد ان دينه في التبطل ويدعي ان الله تعالى لا يرضيه إلا ذلك ، لأن ذلك سبب تخلفنا وعجزنا ، هى ثقافة الفقر والخمول والتبلد التى نشرها التصوف.

د) وقد أتت دعوة ابن عطاء أكلها في المجتمع المصري ،وما أسرع الاستجابة  للتواكل والقعود إذا كان يعني  الإرتزاق الرغيد بلا تعب أو نصب. وساعد على نشر دعوته ما اتسمت به عباراته من بلاغة التعبير وموسيقى في اللفظ، فتناقل الناس عباراته وحفظوها خاصة الشاذلية، وهم يرددون حتى الآن أقواله في الحكم العطائية، ومنها : ( إرادتك التجريد مع إقامة الله تعالى إياك في الأسباب من الشهوة الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية ، أرح نفسك من التدبير فما قام به غيرك لا تقم به لنفسك . اجتهادك فيما ضمن لك وتقصيرك مما طلب منك دليل على انطماس البصيرة منك)..

  والشعراني بعد ابن عطاء بأكثر من قرنين ونصف القرن،يقول متأثراً به ( ومن آدابهم – يعني أشياخ التصوف – لا يعتمدون على كسبهم فإن الاعتماد على الكسب شرك بالله )[29]..

ويلفت النظر أن الجنبد والغزالي وابن عطاء والشعراني يمثلون مدرسة الاعتدال والتوسط في الطريق الصوفي.. فما بال الآخرين ممن تطرف؟؟

وبعد جعل التواكل والتبطل دينا فلا بد له من تشريع .!

 تشريع التواكل فى دين التصوف

ولأن التبطل أضحى في عرفهم ديناً فقد أحاطوه بالتشريعات والأحكام كما يفعل الفقهاء في أمور الدين السنى .

1- والغزالي استخدم علمه بالفقه السنى ليشرع للصوفية في أحوال التبطل بعد أن وصفه بالتوكل وجعل له مقامات ، ومنها مقام ( الخواص) ذلك الرائد الصوفى الذي كان يدور في البوادي بغير زاد اعتماداً على أن الله تعالى سيبعث له في الصحراء بالزاد والماء ( والمقام الثاني من التوكل أن يترك الكسب في الأمصار منتظراً أن يسخر الله سكان البلد ليطعموه )[30]..

وفي موضع آخر يقول الغزالي (ولقد أحسن الشاعر حيث يقول..

جرى قلم القضاء بما يكون      فسيان التحرك والسكون

جنون منك ان تسعى لرزق    ويرزق في غشاوته الجنين..

  ثم يقول عن البالغ القادر على الكسب ( إن كان هذا القادر بطالاً فقد صدقوا، فعليه الكسب ولا معنى للتوكل في حقه، فإن التوكل مقام من مقامات الدين يستعان به على التفرغ لله تعالى . فما للبطال والتوكل..)[31]. ، فقد جعل التبطل ديناً يستعان به على التفرغ لله– ويعني بذلك الاتحاد لا العبادة الإسلامية ، وقد عهدنا الصوفية يهملون الصلاة والفرائض ، والغزالي نفسه اعتبرها معوقاً عن الهدف الأسمى للصوفية وهو الاتحاد أو المجالسة مع الله تعالى..

ونتابع الغزالي في تقعيده لأحكام التواكل والتبطل ، فيقول (وإن كان مشتغلاً بالله ملازماً لمسجد أو بيت وهو مواظب على العلم والعبادة فالناس لا يلومونه في ترك الكسب ولا يكلفونه ذلك ، بل اشتغاله بالله تعالى يقرر حبه في قلوب الناس حتى يحملون إليه فوق كفايته، وإنما عليه أن لا يغلق الباب ولا يهرب إلى جبل من بين الناس . وما رؤى إلى الآن عالم أو عابد استغرق الأوقات بالله تعالى وهو في الأمصار فمات جوعاً، ولا يرى قط . بل لو أراد ان يطعم جماعة من الناس بقوله لقدر عليه). أى أن الغزالي أخرج عن دائرة التواكل غير الصوفية بحجة أنهم قادرون على الكسب، ولم يطبق ذلك الشرط على الصوفية بحجة اشتغالهم بالله والعلم، وقد عرفنا جهدهم في العبادة، وبقي أن نقرر أن العلم المقصود عند الصوفية هو العلم اللدني الذي يهبه الله – بزعمهم – للصوفي بلا واسطة وذلك حين ينكشف عن قلبه الحجاب فيعلم الغيب ويقرأ اللوح المحفوظ.. ومعلوم أن ذلك ادعاء باطل..

  ويقول الغزالي عن الصوفية المتبطلين في الخوانق والربط ( واعلم أن الجلوس في  رباطات الصوفية مع معلوم (راتب) بعيد من التوكل ، فإن لم يكن معلوم ووقف وأمروا الخادم بالخروج للطلب ( أى للتسول) لم يصح معه التوكل إلا على ضعف،  ولكن يقوى بالحال والعلم كتوكل المتكسب، وان لم يسألوا ( أى يتسولوا )  بل قنعوا بما يحمل إليهم فهذا أقوى في توكلهم، ولكنه بعد اشتهار القوم بذلك (أى بعد اشتهار الصوفية بالقعود فى الخوانق والتسول) فقد صار لهم سوقاً (أى أصبحت لهم حرفة) فهو كدخول السوق )[32]. أى إعتبر الغزالى التبطل فى الخوانق ــ والعيش فيها عالة على الناس ــ حرفة مثل من يدخل السوق يبتغى الرزق.

  والتفت الغزالي إلى الناس غير الصوفية والمسخرين ــ فى نظره ــ للإنفاق على الصوفية فأوسع لهم جانباً في تشريع التواكل باعتبارهم الجزء الهام في القضية . فجعل من محبي الله ( الذي يتصدق بأمواله لله ويجمع الضيفان ويهيء لهم الأطعمة اللذيذة الغريبة تقربا إلى الله .. فهو في جملة المحبين لله، وكذا لو أحب من يتولى ايصال الصدقة إلى المستحقين فقد أحبه في الله)[33]. وعند الغزالى فالصوفية هم المقصودون بالولائم ، وقد كانوا نجوم الموائد والموالد ــ ولا يزالون . وعند الغزالى ايضا فهذا تصدق لوجه الله . والغزالى لم يأت بجديد ، فقد سبقه الجاهليون الذين كانوا يقدمون النذور للأولياء أساسا ، ثم عند تقديم الصدقات لوجه الله يتوجهون بها أيضا للأولياء بصفتهم الواسطة ، وكل ما يقدمونه هو أصلا رزق من عند الله جل وعلا يقول جل وعلا عن هذا الافتراء : (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) الانعام  )

2- وفي العصر المملوكي جعل ابن عطاء من اسباب اسقاط التدبير، أى السعى فى المعاش : (اشتغال العبد بوظائف العبودية التي هى مغياة بالعمل لقوله( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) فإذا توجهت همته إلى رعاية عبوديته شغله ذلك عن التدبير لنفسه والاهتمام لها . قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: اعلم أن لله تعالى عليك في كل وقت سهماً في العبودية ، يقتضيه الحق سبحانه وتعالى منك بحكم الربوبية. والعبد مطالب بذلك كله ومسئول عنه وعن أنفاسه التى هى أمانة الحق عنده ، فأين الفراغ لأولي البصائر عن حقوق الله تعالى حتى يمكنهم التدبير لأنفسهم والنظر في مصالحها باعتبار حظوظها ومآربها ، ولا يصل أحد إلى منة الله إلا بغيبته عن نفسه وزهده فيها .. فبحسب غيبتك عن نفسك فناءاً عنها ، يبقيك الله به)[34]. . أى أن الصوفي مطالب – من دون الناس – برعاية حق الله تعالى. وذلك من شأنه التفرغ.  فأين الفراغ إلا في التبطل ؟ ثم أن هذا الحق المزعوم  المطالب به الصوفي هو ( الغيبة عن النفس) أى الإنجذاب لله تعالى والاتحاد به، وعلى أساس ذلك يكون بقاء الصوفي بالله بزعمهم ، أى إتحاده بالله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا.  والناس مطالبون بالإنفاق على  الصوفي وكفالته حتى ينعم بالاتحاد بالله أطول فترة ممكنة. يقول ابن عطاء( فحسب غيبتك عن نفسك فناءا عنها يبقيك الله به، لذلك قال الشيخ أبو الحسن أيها السابق إلى سبيل نجاته السائق إلى حضرة جنابه، أقلل النظر إلى ظاهرك إن أردت فتح باطنك لأسرار ملكوت ربك)[35].

فهدف التواكل عند الصوفية هو تحقق اتحادهم المزعوم بالله تعالى ، وذلك ما ألمح إليه الغزالي وصرح به الشاذلي وابن عطاء..

حسنة وأنا سيدك :

 لم نجد عنواناً مناسبا لوصف إستعلاء الصوفية المتسولين للناس الذين ينفقون عليهم ــ إلا هذا المثل الشعبي المصري ( حسنة وأنا سيدك ) وهو مثل متأثر قطعا بأحوال الصوفية الذين عاشوا عالة على الناس مع إستعلائهم على الناس .      

1- فالصوفي يتمتع باعتقاد الناس فيه وبحظوته عند الله تعالى بزعمهم ، ولذلك تنهال عليه ( الفتوحات) والهبات من مالية وعينية ليتمتع الأتباع بنظرة اهتمام من شيخهم صاحب التصريف والمدد  ..

والصوفي – كما سبق – يتفرغ لمهمة الاتحاد بالله والجلوس في حضرته – تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ـ ويرى أن تجرده لهذه المهمة يتطلب أن يستريح من هم المعاش وتدبير الارتزاق ..

والعقيدة الصوفية تؤمن بالجبرية، أى أنهم ارتضوا التخلي عن إرادتهم في نظير التمتع بالإرادة الإلهية، أما بالنسبة للآخرين فهم يجبرون على إعاشتهم والإنفاق عليهم لينالوا شيئاً من بركات الصوفي ومدده ..  والأساس هنا هو إعتبارهم آلهة ومن ذلك المكان العالى ينظرون إلى الأتباع الذين يتقدمون إليهم بالأموال والطعام.

2- وقد عبر الغزالى عن هذه النظرة حين افترى حديثاً زعم أنه جرى بين الله تعالى وموسى عليه السلام. يقول الغزالى الكذاب :( قال موسى يا رب لما جعلت رزقى على أيدى بنى اسرائيل يغدينى هذا يوماً ويعشينى هذا يوماً ؟ فأوحى الله إليه : هكذا أصنع بأوليائى أجرى أرزاقهم على أيدى البطالين من عبادى ليؤجروا فيهم )[36]. ومطلوب من القارىء أن يصدق هذا الافتراء ، ويصدق أن الغزالى سمع هذا الحوار الذى دار بين رب العزة جل وعلا وموسى عليه السلام ، أى إن أبا حامد الغزالى كان فى عصر موسى يسترق السمع ..نحن فقط نتساءل ، وهكذا يفعل أولو الألباب ، أما الذين لا يعقلون فهم يبتلعون كل إفتراءات الغزالى وغيره مؤمنين بها . ويعقب الغزالى على ذلك إفترائه السابق بنتيجة ، يقول : ( فلا ينبغى أن يرى المعطى إلا من حيث هو مسخر ومأجور من الله تعالى)[37]. . فالمعطى المتصدق هو كالحيوان مُسخّر ومأجور ــ أجير ـ للصوفى الأعلى مقاما . و الغزالى فى تشريعه الصوفى لم يقترف فقط الإفتراء على الله تعالى – وهو إثم عظيم- بل ضمّن ذلك إساءة موجهة لله تعالى حين جعل الله تعالى يصف المحسنين بالبطالين وينعت القاعدين بأنهم الأولياء. وكلمة ( البطالين ) مصطلح صوفى لم يكن معروفا قبل العصر العباسى .    

3- وتفضيل الصوفى الآخذ على المحسن إليه ورد كثيراً فى كتاب التنوير.لابن عطاء السكندرى:  

أ) فابن عطاء جعل من فوائد التكسب والأسباب أنها تعين الصوفية المتواكلين على معيشتهم يقول( الفائدة الرابعة : إن فى الأسباب والقيام بها رحمة بالمتجردين، ومنةَ من الله على المتوجهين لطاعته والمتفرغين لها..فكيف كان يصح لصاحب الخلوة خلوته ولصاحب المجاهدته مجاهدته، فجعل الحق تعالى الأسباب كالخدمة للمتوجهين إليه المقبلين عليه)[38].. ( التجرد ) فى مصطلحات التصوف يعنى التفرغ للعبادة الصوفية ، وما يعنيه هذا من التبطل والقعود عن السعى للرزق . والعبادة عندهم هى ( المجاهدة ) فى التخلص من البشرية للإتحاد بالله بزعمهم ، وهذا يستدعى ( الخلوة ) .  وقد يقول عاقل إن الفضل يرجع للمتسببين الساعين فى طلب الرزق الذين كفلوا الصوفية وأعانوهم على طاعتهم ومجاهداتهم المزعومة .. إلا أن ابن عطاء ينكر ذلك ويجعل المتجرد للعبادة الصوفية المتواكل أفضل من المتسبب المعطي حتى لو كان على درجة واحدة من المعرفة بالتصوف . يقول ( لعلك تفهم من هذا الكلام إن المتجرد والمتسبب في رتبة واحدة ، وليس الأمر كذلك، ولن يجعل الله من تفرغ لعبادته وشغل أوقاته به كالداخل في الأسباب، ولو كان فيها متقناً، فالمتسبب والمتجرد إذا استوى مقامهما من حيث المعرفة بالله فالمتجرد أفضل، وما هو فيه أعلى وأكمل، ولذلك قال بعض العارفين: مثل المتسبب والمتجرد كعبدين للملك قال لأحدهما :اعمل وكُل من كسب يدك، وقال للآخر: إلزم انت حضرتي وخدمتي وانا أقوم لك بما تريد، فهذا قدره عند السيد أجلُ ، وصنعه به ذلك على العناية به أدل)[39]. . ولا ريب أن ذلك افتراء على الله تعالى ووصف له بالظلم.

ب) والأساس في هذه النظرة الصوفية أنهم ينظرون للآخرين أو (الأغيار )،المنفقين عليهم على أنهم قد سخروا لخدمتهم ، ولأن عقيدة وحدة الوجود الصوفية تجعل الصوفي لا يرى إلا الله فالصوفي البطال لا يرى فيمن يطعمه وينفق عليه إلا مجرد سبب وآداة سخرت لإطعامه وهو ساكن مستريح ، فالمال مال الله واؤلئك هم عبيده وما يفعلونه (لأولياء الله) فرض عليهم خلقهم الله من أجله ، فلا فضل لهم ولا يستحقون حتى كلمة شكر.

وترسب فى الضمير الشعبى حتى الآن أن يُقال عن الصوفية أنهم ( اهل الله )، وهو تعبير كافر باغ ظالم ، لأن الأهل هم الزوجة والولد ، وتعالى الله جل وعلا أن يكون له ولد أوصاحبة . ولكن يتردد هذا المصطلح الكافر الظالم كثيرا فى التراث الصوفى ، ومنه فيما يخص موضوعنا قول ابن عطاء : (.. وكذلك أهل الله لا يأكلون إلا على مائدة الله ، أطعمهم من أطعمهم ، لعلمهم أن غير الله تعالى لا يملك معه شيئأً ، فيسقط بذلك شهود الخلق عن قلوبهم، فلم يصرفوا لغير الله حبهم، ولا وجهوا لمن سواه ودهم ، إذ رأوا أنه هو الذى أطعمهم ومنحهم من فضله وأكرمهم. قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله يوماً:"إن نحن لا نحب إلا الله تعالى" أى لا يتوجه الحب منا إلى الخلق ، فقال له رجل: قد أبى ذلك جدك يا سيدي بقوله: عليه الصلاة والسلام " جبلت القلوب على حب من أحسن إليها "  فقال: نعم نحن قوم لا  نرى المحسن إلا الله تعالى ، فلذلك جبلت قلوبنا على محبته أ.هـ  ومن رأى أن المطعم هو الله سبحانه وتعالى تجدد عنده مزيد الحب على حسب ما يتجدد من تناول النعم.. ومن رأى أن الله هو المطعم له صانته هذه المطالعة عن الذل للخلق ، أو انه يميل قلبه بالحب بغير الملك الحق..)[40].

ج) ولعقيدة الجبرية الصوفية جانب في ذلك الإستعلاء الصوفي على من يحسن إليهم.. يقول ابن عطاء (فعليك أيها المريد برفع همتك عن الخلق،ولا تُذلّ لهم في شأن الرزق ، فقد سبقت قسمته وجودك، وتقدم ثبوته ظهورك . واسمع ما قاله بعض المشايخ : أيها الرجل: ما قدر لماضغيك أن يمضغاه فلابد أن يمضغاه، فكله ويحك بعز ولا تأكله بذل)[41].

د) ومن دواعي الاستعلاء الصوفي على المحسن إليهم ان الأخير يتقرب إليهم بذلك الاحسان أملاً في أن يشملوه بنظرة أو مدد حسب الاعتقاد السائد في تصريف الصوفي وحظوته عند الله – تعالى عن ذلك علواً كبيراً – لذا فإن ابن عطاء يشير إلى ذلك على إستحياء حين يقول ( ووجود أهل الفاقة من نعمة الله على ذوي الغنى، إذ وجدوا من يحمل عنهم أزوادهم إلى الدار الآخرة، وإذ وجدوا من إذا أخذ منهم أخذ الله منهم [42]) وجاء ذلك المعنى صريحاً في كتب المناقب – وهى دائماً صريحة – إذا قالوا في شرح عبارة : ( اليد العليا خير من اليد السفلى) إن اليد العليا هى يد الفقير الصوفي (لأنها تعطي الباقي)[43]. اى في الآخرة..

4- ومن مصطلحات التصوف ( الفقر ) ومن أوصاف الصوفية ( الفقراء ) ويقال للصوفى ( فقير ) . والفقير الصوفي مختلف تماماً عن الفقير العادي الذي يستحق الصدقة . كما أن الهدايا أو (الفتوحات) التي ينالها الصوفي من أتباعه تختلف عن الصدقة التي يستحقها أربابها المذكورون في قوله تعالى : ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) التوبة).

فالأساس الذى تقدم على أساسه الهدايا للصوفي هو الاعتقاد في ألوهيته والأمل في تصريفه وشفاعته ، وذلك خارج النطاق الإسلامي تماماً..

  وإذا بحثنا له عن مثيل في آيات الذكر الحكيم فسنجدها في المواضع التى تصف دين الشرك وممارساته حين كان المشركون يتقدمون للولي بالنذور في حياته أو بعد موته ، وندد رب العزة جل وعلا بموقفهم ذلك حين أعرضوا عن الله تعالى الولي واختاروا لأنفسهم ولياً يقومون هم بإطعامه، مع أن الله هو الذي يطعم الجميع، يقول جل وعلا : ( قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (14) الأنعام ). من هذا المنطلق يمكن أن نفهم لماذا يتعالى الصوفي على من يعطيه ويعتقد أنه اليد العليا.. وأن ذلك المعطي لا وجود له في حسابه او ذهنه، وإنما هو مسخر في خدمته شأن العبيد الذين خلقهم الله جل وعلا لطاعته، مع أن الله سبحانه وتعالى هو المستحق وحده لذلك ،فهو وحده الخالق الرازق ، يقول رب العزة جل وعلا : (  وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)  الذاريات ) . وقد ذكرنا قبلاً في مبحث تصريف الولي أنهم اعتقدوا أن الولي واسطة في الرزق.. فماذا أبقوا لله سبحانه وتعالى؟؟..

5- والصوفي إذا كان متبطلاً تاركاً للحرفة والتسبب فمن أين يعيش؟ ولقد كثر انخراط أهل الحرف  في التصوف في عصر الشعراني بشكل يهدد إنقراض السعى على الرزق ، وبالتالى عدم وجود متصدقين  ينفقون علي الشعرانى وعلى بقية شيوخ التصوف . وفطن الشعرانى لهذا الخطر الذى غفل عنه بقية الشيوخ الصوفية فى عصره .  لذا افتخر الشعرانى بأنه يحثُّ الناس على التمسك بالحرف التى يعملون بها وعدم تركها ليصبحوا مريدين عاطلين يزاحمون الشيوخ فى الارتزاق .  يقول الشعرانى : ( وهذا الخلق قليل من يتنبه له من متصوفة الزمان ، بل يزينون لمن يجتمع بهم ترك الاشتغال بالحرفة.. ثم هم بعد ذلك على قسمين: أما أن الشيخ يصير يطعمهم من الصدقات وأما أن  يصيروا يسألون الناس)[44]..

فالتواكل وترك التسبب صيَر الصوفية متسولين ونشر التسول في العصر المملوكي .

وندخل بهذا على التسول بعد التبطُّل .

  ثانياً : بين التصوف والتسول

تشريع التسول فى الدين الصوفي

  1- بإسقاط التدبير للمعاش استراح الصوفية من عناء يقاسي منه كل انسان يقول السوسي (المتوكلون (يقصد الصوفية) تجري أرزاقهم على أيدي العباد بلا تعب منهم، وغيرهم مشغولون مكدودون )[45]. وأغرم الصوفية بطعام الولائم لأنه جاهز للبلع والمضغ ، وفضلوه على ما يأتي من طعام يحتاج لإعداد وتجهيز، يقول في ذلك بعضهم ( أنا لا أجيب الدعوة إلا لأنني أتذكر بها طعام الجنة،أى هو طعام طيب يحمل عنا كده ومئونته وحسابه )[46]. فصاحب الوليمة يعاني في الدنيا فى احضار الطعام ويعاني في الآخرة على ما كسبت يداه ، والصوفي مستريح من عناء الدنيا وحساب الآخرة. هكذا يفكر الصوفية . بل إن الغزالي تطوع لهم بإفتراء حديث قدسي يشرح هذا المعني الغريب العجيب ،يقول ( يروون أن الله تعالى قال : يا ابن آدم لو كانت الدنيا كلها لك لم يكن لك منها إلا القوت، وإذا أنا أعطيتك منها القوت، وجعلت حسابها على غيرك فأنا إليك محسن )[47]. وكعادته السيئة لم يذكر الغزالى من الذى روى ، وكيف سمع هذا الراوى كلام رب العزة جل وعلا .!!. وكعادته السيئة أيضا فإن الغزالى يفترى ما يشاء وهو يعلم أنه هناك من يصدقه من المعتوهين ، ولا يسأله عما يقول برهانا .!!

2- وفي العصر المملوكي كان المرسي يقول في حزبه (وسخر لي أمر هذا الرزق،واعصمني من الحرص والتعب في طلبه ، ومن شغل القلب وتعلق الهم به ، ومن الذل للخلق بسببه، ومن التفكير والتدبير في تحصيله..)[48]،وقد شرح ابن عطاء هذه العبارة في (التنوير) يقول (وأما التعب  في طلبه فإما أن يكون تعب الظواهر ويكون الاستعاذة منه إلى الله تعالى لأنه إذا استولى على الطالب للرزق التعب في الظاهر شغله ذلك عن القيام بالأوامر،والرزق مع الراحة فيه إعانة على التفرغ إلى طاعة الله تعالى والقيام بخدمته، وإن كان التعب هو تعب القلوب لا تعب الظواهر فهو أولى بأن يستعاذ منه)[49]. . وقد قلنا من قبل أن عبادة الصوفية هى الزعم بالاتحاد والحلول فى خلوات يمارسون فيها الانحلال الخلقى .

فقه التسول كأصل في التصوف :

   1- ارتبطت بداية التصوف بتشريع التسول، يقول بشر بن الحرث (ت227هـ) احد الرواد الأوائل للتصوف (الفقراء ثلاثة : فقير لا يسأل وإن أعطى لا يأخذ فهذا مع الروحانيين في عليين، وفقير لا يسأل وإن أعطي أخذ فهذا مع المقربين في جنات الفردوس، وفقير يسأل عند الحاجة فهذا مع الصادقين من أصحاب اليمين)[50]. وفي ذلك الوقت كان الصوفية افرادا متفرقين.وكانوا يتعيشون أساساً على التسول، ولأنهم أصحاب دين كان لا بد من ربط نشاطهم فى التسول بعناصر دينية تشمل التشريع والأحكام كما فعلوا مع التواكل والتبطل..

2- وتشريع التسول في دين التصوف لابد أن يأخذ طابع الافتراء واختلاق الأدلة لمشروعيته . ولأن التسول له ركنان :المحسن والمحسن إليه ، فقد توجه التشريع الصوفي للجانبين في نفس الوقت حاثاً على التسول مشجعاً عليه..

أ) فالتشريع الموجه للصوفية المتسولين قد يأتي بصورة الأمر المباشر كقول الغزالي: ( انتهى المريدون لولاية الله تعالى في طلب شروطها لإذلال النفس إلى منتهى الضعة والخسة،حتى روى أن الكريبي استاذ الجنيد دعاه رجل إلى طعام ثلاث مرات، ثم كان يرده ، ثم يستدعيه فيرجع إليه بعد ذلك ، حتى أدخله في المرة الرابعة. فسأله عن ذلك ، فقال: رُضتُ نفسي على الذل عشرين سنة حتى صارت بمنزلة الكلب يطرد فينطرد، ثم يُدعى  فيُرمى إليه عظم فيعود ، ولو رددتني خمسين مرة، ثم دعوتني بعد ذلك لأجبتك ) [51]  ) . ولا شك أن هذا الإذلال وتلك الخسّة والضعة ليست من الإسلام في شيء.إذ تقوم ولاية الله على أساس من العزة( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (8) المنافقون ) فهو إذن دين جديد وتشريع مبتكر يجعل بدايته إذلال النفس البشرية والإنحدار بها إلى مستوى الكلب الذي يُطرد فينطرد ثم يعود إذا رُمى إليه عظم..

  وقد يأتي دليل المشروعية للصوفية على شكل هاتف منامي، يقول ممشاد الدنيوري: ( كان علىّ ديْن واشتغل قلبي بسببه فرأيت في المنام قائلاً يقول: يا بخيل أخذت علينا هذا المقدار من الديْن، خذ، عليك الأخذ وعلينا العطاء.. يقول: فما حاسبت بعد ذلك بقالاً ولا قصَاباً ولا غيْرهما )[52]. فهو تشريع للإحتيال على الناس باسم الدين ( دين الهاتف والمنام)، وكانت تلك البداية لما اشتهر به الصوفية فيما بعد..من (الإنفاق من الغيب)..

ب) ويفهم من قول ممشاد السابق أنه يتوجه به ضمناً إلى الناس من بقالين وقصَابين ممن وقع عليهم عبء كفالة الصوفية وإعاشتهم. والواقع أن التشريع الصوفي توجه أساساً إلى غير الصوفية فهم المطالبون بالإحسان والإنفاق . ومع أن آيات الحث على الإنفاق والإحسان وردت في القرآن الكريم مرات عديدة إلا أن نهم الصوفية للتسول – واعتبارهم إياه عنصراً أساسياً في معاشهم ودينهم  – جعلهم لا يكتفون بالتشريع الإسلامي في الزكاة والصدقة فامتدت أيديهم إلى الإختلاق والوضع ونشر الأحاديث الموضوعة التي تحض على الكرم وتنذر البخيل بالويل والثبور. وقد أورد الغزالي الكثير من هذه الأحاديث في (الاحياء) وقد صرح العراقي بأنها ضعيفة أو باطلة لا أصل لها،إى لم يقلها أحد قبل الغزالى ، أى إن الغزالى هو الذى صنعها وافتراها . وكان الغزالي يوردها في الدعوة للإحسان. والمستحق للإحسان في رأيه هم الصوفية ، ( وقد تركوا خلفهم الدنيا وطلبوا عظيماً .). ومن تلك الأحاديث المكذوبة (أن لله عباداً يختصهم بالنعم لمنافع العباد، فمن بخل بتلك المنافع على العباد نقلها الله تعالى عنه وحولها إلى غيره) و (إن الله يبعض البخيل في حياته السخى عند موته)و( الرزق إلى مُطعم الطعام أسرع من السكين إلى ذروة البعير) وغيرها[53].

ج) وحين راج أمر التصوف في عصر الغزالي وتمتعت المنامات الصوفية باهتمام وشيء من التصديق عند العامة، توجه الصوفية بالمنامات إلى الناس يحثونهم على الإحسان، في نفس الوقت الذي تقوم به تلك المنامات بالتشريع للصوفية في مقامات التسول. وتأتي تلك المنامات بصورة أقصوصة – والعامة تقع في هوى القصص خاصة إذا ما اكتسى بملامح الأقصوصة الصوفية من عاطفة ( أو : وجد ) بالمصطلح الصوفى ، مع إفتراء أحاديث منسوبة لرب العزة جل وعلا . من ذلك ما رواه الغزالي عن زاهد فارق بلده ( وأقام في سفح جبل سبعاً وقال : "لا أسأل أحداً شيئاً حتى يأتيني ربي برزقي" . فقعد سبعاً فكاد يموت ولم يأته رزق فقال: " يا رب إن أحييتني فأتني برزقي، الذي قسمت لي، وإلا فاقبضني إليك. "، فأوحى الله إليه:" وعزتي لا أرزقنك حتى تدخل الأمصار وتقعد بين الناس" .! فدخل المصر ، وقعد ، فجاءه الطعام ، فأكل وشرب، وأوجس في نفسه من ذلك فأوحى الله إليه : " أردت أن تذهب حكمتي بزهدك في الدنيا، أم علمت أني أرزق  عبدى بأيدي عبادي أحب إلىّ من أن أرزقه بيد قدرتي)[54].  هنا وحى زعم الغزالي حدوثه بين الزاهد والله تعالى . ومعروف أن دين التصوف يعتمد على مثل ذلك الافتراء في تشريع الأمور الخاصة به، وبالنسبة لهذا الوحي فقد شرع الغزالي به للصوفية أنه لا حاجة للتطرف في التواكل الذي دعا إليه بعضهم ،كأن يترك الأمصار ويمشي في الصحراء بلا ماء ولا زاد ، فالغزالي يدعو الصوفية بهذا الوحي المفترى إلى الجلوس في الأمصار والتسول من الناس، وحسب قوله (وما رؤى إلى الآن عالم أو عابد استغرق الأوقات بالله تعالى وهو في الأمصار فمات جوعاً، ولا يُرى قط) [55].. ولا ريب لتلك الأقاصيص أثرها في حث الناس على إكرام الصوفية...

د) ورددت المصادر الصوفية في العصر المملوكي بعض ذلك التشريع التسولي . فاليافعي أورد قصصاً كثيرة تحض على الإحسان للصوفية ، والأساس فيهاهو الوحي المفترى بين الله تعالى والصوفي[56]. على نسق ما أورده الغزالي آنفاً.

وورد في مناقب الحنفي أن بعض الأغنياء قدم إليه يطلب العهد والطريق ، أى الانخراط فى الطريقة الصوفية ( الحنفية ) وقتها ، فأمره شمس الدين الحنفى أولاً بالتخلي عن ماله، ثم بعد ذلك أمره بالشحاذة قائلا : ( إن كنت بايعتني على السمع والطاعة فالبس مرقعة  واخرج على قصد الشحاتة والسؤال من الناس وارجع إلىّ آخر النهار واعرض علىَ ما دخل لك من الشحاتة حتى أنظر إليه. قال: ففعلت ما أمرني به ).. ( وجعلت أدور في الأسواق والشوارع وأقف على الأبواب وأسأل الناس كما تسأل الفقراء والجعيدية )، وحين عرض الدرهم التى أعطيت له لم يرض الحنفي بها وأمره أن يعلق في رقبته مخلاة حتى يعطوه كسيرات وبصلات (قال : فهذه شحاتة الفقراء )[57].  فما فعله الحنفي بمريده الغني يقصد به أن يذل نفس ذلك المريد الغني تأسياً بابن الكيربي الذى حاول أن يصل بنفسه إلى مقام الكلاب في الضعة والذل، وذلك تشريع صوفي بالتسول بالأمر المباشر الصريح ..

3- وبعد اختلاق الأدلة لمشروعية التسول في دين التصوف كان تفصيل الأحكام لفقه التسول. وقد مرّ بنا أن بشر بن الحرث جعل مقامات للتسول ودرجات للصوفية المتسولين (الفقراء ثلاثة: فقير لا يسأل وإن أُعطى لا يأخذ ، فهذا مع الروحانيين في عليين، وفقير لا يسأل وإن أُعطى أخذ ، فهذا مع المقربين في جنات الفردوس، وفقير يسأل عند الحاجة ، فهذا مع الصادقين من أصحاب اليمين)[58].

  ومع انتشار التصوف وظهور المؤسسات الخاصة بالصوفية كالربط والخوانق استلزم الأمر بعض التشريع قام به الغزالي بما له من دراية بالفقه السنى وأصوله فى التشريع .من ذلك ما يقوله بلهجة الفقهاء عن الصوفي المتجرد للعبادة بزعمهم ( فإن كان كذلك ألزمه الشيخ زاوية ينفرد بها ، ويوكل بها من يقوم بقدر يسير من القوت الحلال، فإن أصل طريق الدين القوت الحلال )[59].

بيد أن ذلك القوت الحلال الذى ينشده الغزالي لأهل طريقته كان متعذراً، فإنشاء المؤسسات الصوفية كان بيد الظلمة من الحكام تزلفاً ورياء – وذلك لا يتأتى منه قوت حلال – على فرض صحة الطريق الصوفي في التعبد بالتسول والقعود . إلا أن الغزالي يستخدم مصطلحات الفقهاء في التشريع للصوفية فيقول ( فإن أصل طريق الدين القوت الحلال) يخدع بذلك الفقهاء، مع أن التطبيق مستحيل كما أسلفنا. بل إن الغزالي نفسه اضطر للإعتراف بذلك حين قال عن القائمين بأمر الصوفية المتبطلين ( وقد تصدى لخدمة الفقراء جماعة اتخذوها وسيلة للتوسع في المال والتنعم في المطعم والمشرب ، وذلك هو الهلاك، ومن كان غرضه الرفق وطلب الثواب به، فله أن يستقرض على حسن الظن بالله لا على اعتماد السلاطين الظلمة )[60]. .

   ومع وضوح الإنكار في النص السابق فإن براعة الغزالي تظهر في تقريره – أثناء الإنكار – لقاعدة التسول الصوفي حين قال (ومن كان غرضه الرفق وطلب الثواب به فله أن يستقرض على حسن الظن بالله)، وأين يأتي (حسن الظن بالله) في الاقتراض عند الصوفية إلا على قاعدة ممشاد الدينوري التى أسلفنا إليها والتى يفتري فيها مناماً أدلى أن الهاتف الإلهي قال له فيه (يا بخيل أخذت علينا هذا المقدار من الدين، خذ، عليك الأخذ وعلينا العطاء .. فما حاسبت بعد ذلك بقالاً ولا قصاباًولا غيرهما )[61]. أى أنه استقراض بأكل أموال الناس بالباطل. والغزالي في موقف آخر يجعل من وظيفة خدم الصوفية أن يتسولوا بغرض إذلال النفس – وهو الهدف الأسمى – لابن الكريبي سالف الذكر،يقول الغزالي (خدام الصوفية في الربط يخالطون الناس بخدمتهم وأهل السوق للسؤال منهم كسراً لرعونة النفس)[62]..

   إلا أن التطبيق لهذه القاعدة يظهر فسادها، لأن الفساد في أصل القاعدة ودين التصوف نفسه، وهكذا فإن الغزالي حين يفصّل في الصور التطبيقية للسؤال أو التسول،فإنه يظهر الوجه القبيح للتسول الصوفي في عصره، وقد انحط إلى درجة التحايل ، يقول :( ويتنزل أخذ السائل مع اظهار الحاجة كاذبا ًكأخذ العلوي بقوله  أنا علوي وهوكاذب  فإنه لا يملك ما يأخذه ، وكأخذ الصوفي الصالح الذى يُعْطى لصلاحه وهو في الباطن مقارف المعصية لو عرفها المعطي لما أعطى، وإن ما أخذوه على هذا الوجه لا يملكونه وهو حرام عليهم ويجب عليهم رده إلى مالكه) [63].

وتأبى براعة الغزالي إلا أن تظهر في هذا النص أيضا، فهو لم يعرض للصوفية المتسولين إلا بطريق غير مباشر، وحين عرض لهم بطريق التمثيل والاستدلال – على السائل الكاذب – فإنه اختص بنقمته وإنكاره الصوفي المقارف للمعصية ، وبذلك فإنه يقرر قاعدة التسول للصوفي غير المقارف للمعصية على فرض وجود ذلك الصنف بين الناس .والمهم أن التحايل في التسول الصوفي بدأ مع بداية التصوف واستشرى بزيادته كما سيظهر في كتابات الشعراني فيما بعد..

 الارتباط التاريخى بين التصوف والتسول :

بداية التسول الصوفي مع بداية التصوف:

1-   إفترى الغزالي حديثاً موضوعاً منسوبا للنبى يصف حال الصوفية الأوائل ويعدد خصائصهم ، يقول :(إن من خيار أمتي فيما أنبأني الملأ الأعلى، قوماً يضحكون جهراً من سعة رحمة الله تعالى، ويبكون سراً من خوف عذابه، مؤونتهم على الناس خفيفة، وعلى أنفسهم ثقيلة، يلبسون الخلقان ويتبعون الرهبان ، أجسامهم على الأرض وأفئدتهم عند العرش )[64]. فجعل  من سمات الصوفية الأوائل أنهم عالة على الناس (مؤونتهم على الناس خفيفة)..وقد لعب التسول دوراً في حياة الرواد الأوائل للتصوف، قد كان سري السقطي (يقول للصوفية: إذا خرج الشتاء فقد خرج آذار،وأورقت الأشجار ، وطاب الانتشار فانتشروا ..) أى إنتشروا فى الطرقات تسولا وسؤالا للناس . وتأسياً على ذلك فقد ( كان الخواص لا يقيم ببلد أكثر من أربعين يوماً)[65].

2- وبداية التصوف اعتماداً على التسول أمر طبيعي يتفق وطبائع الأشياء،ليس فقط لأن التواكل والقعود عقيدة صوفية أو لأن بعضهم أحب الدعة وآثر السكون على الحركة من أجل الرزق، ولكن أيضاً لأنهم كأتباع دين جديد نشطوا إلى نشره بين الأمصار، فعرف تاريخ الصوفية المبكر السياحة الصوفية والتزاور بين الأشياخ وتبادل الأفكار من مصر غرباً إلى أقصى إيران شرقاً. ولابد حينئذ أن تكون عدتهم التسول. وعليه فقد كان الخواص فى سياحته الصوفية ( لا يقيم ببلد أكثر من أربعين يوماً).. وعليه – أيضاً – يمكن ان نفهم بعض ما تحت السطور في الحديث المفترى الذى أورده الغزالي يصف حال الرواد الصوفية (مؤونتهم على الناس خفيفة، وعلى أنفسهم ثقيلة ، يلبسون الخلقان ويتبعون الرهبان) فقد اغرم الرواد الصوفية بالحديث مع الرهبان، واحتوت أقاصيص السياحة الصوفية كثيراً من الحوار بين الجانبين وتنتهي الأقصوصة ــ عادة ــ بإسلام الراهب على يد الصوفي ، وربما تحكى الاسطورة تفوق الصوفى بكراماته على الراهب ومعجزاته ، مما يجعل الراهب يعلن للصوفى إسلامه ، وبهذا تنتهى الاسطورة بالنهاية السعيدة شأن الأفلام المصرية .  ومعلوم ان الراهب أحيانا يعيش عالة على مجتمعه فالصوفية حين كانوا (يتبعون الرهبان)  فإنهم تبعوهم في أشياء كثيرة منها الرهبانية والتسول، وان كان بعض الرهبان  قد حول الأديرة إلى مواقع إنتاج وجنات من البساتين .

3- وابراهيم بن أدهم الرائد الصوفي الذى ترك – بزعمهم الملك – وتصوف وطاف في البلاد – لم يستنكف أن يمد يده للتسول من نصراني في قصة طويلة ذكرها  الغزالي [66]ثم اليافعي[67]في العصر المملوكي.

وبنان الحمال احتاج إلى جارية تخدمه فأرسلت له إمرأة من سمرقند بجارية هدية[68].. وعلى فرض صدق هذه الرواية فهى تدل على عمق الترابط بين الصوفية مهما تباعدت بينهما المسافات ..

4- وأصبح التسول من لوازم الصوفي في الأسفار والأمصار ، حتى كان الصوفي يحيى بن معين يقول (إني لا اسأل أحداً شيئاً، ولو أعطاني الشيطان شيئا لأكلته) فهجره أحمد بن حنبل وكانت بينهما صحبة طويلة ،فاعتذر يحيى وقال كنت أمزح.فقال: أتمزح بالدين؟![69]. وبعضهم كان يعيش عالة على عجوز تأتي له برغيفين كل يوم . ويقال عنها (تلك الدنيا امرها الله أن تخدم أبا عاصم ) [70]، أى تنكرت الدنيا  فى هيئة إمرأة عجوز كى تطعم ذلك الولى رغيفين ( حاف ) كل يوم ..فأين الغموس أيتها العجوز ؟ !!

5- وفي القرن السادس – بعد الغزالي – كثر تسول الصوفية في الخوانق . فقال عنهم ابن الجوزي ( منهم من يقدر على الكسب ولا يعمل، ويجلس في الرباط أو المسجد ويعتمد على صدقات الناس وقلبه معلق بطرق الباب ) أى يجلس منتظرا قدوم المحسنين ، ويقول ابن الجوزى عن أولئك الصوفية القاعدين متبطلين فى الخوانق : ( ولا يبالون من بعث إليهم فربما بعث إليهم الظالم والماكس فلم يردوه .. )[71].

أى يعيشون على صدقات تأتى من الظالمين ، ومن أموالهم الحرام . ويحكي إبن الجوزى عن نفسه ( ولقد دخلت بعض الأربطة فسألت عن شيخه فقيل لي : قد مضى إلى الأمير فلان يهنئه بخلعة، وقد خلعت عليه . وكان ذلك الأمير من كبار الظلمة فقلت : ويحكم ما كفاكم أن فتحتم الدكان حتى تطوفون  على رءوسكم بالسلع ، يقعد أحدكم عن الكسب مع قدرته عليه معولاً على الصدقات والصلات، ثم لا يكفيه حتى يأخذ ممن كان، ثم لا يكفيه حتى يدور على الظلمة فيستعطى منهم..) . ويقول : ( ولقد بلغنا ان بعض الصوفية دخل على الأمراء الظلمة فوعظه، فأعطاه شيئاً ، فقبله، فقال الأمير: كلنا صيادون وإنما الشباك تختلف..)[72]. . فالحاكم الظالم له ( شبكة ) حربية عسكرية يصطاد بها الأموال سلبا ونهبا ، والشيخ الصوفى له أيضا ( شبكة ) ناعمة يتسول بها بعض المال السُّحت من هذا الحاكم الظالم . وكل منهما يحتاج الآخر. الحاكم محتاج للولى الصوفى الذى يحظى بتقديس الناس ، والشيخ الصوفى محتاج الى حماية الحاكم الظالم وأمواله . الحاكم الظالم يركب الشيوخ ، والشيوخ يركبون الشعب . الحاكم يأخذ الأموال بالعسف والشيخ الصوفى يأخذ المال بالتسول . وفى عصر ابن الجوزى فى القرن السادس الهجرى نرى تسول الصوفية قد انتشر بانتشار التصوف فتعدى العامة وأهل الكتاب إلى الحكام، ويد الصوفية ممدودة للجميع ..ومنطقي أن يتعاظم التسول بتكاثر الداخلين في التصوف .. وقد رددت المصادر التاريخية والصوفية تسول الأشياخ الصوفية إذ لم يعد ذلك عيباً ..

تسول الأشياخ في المصادر التاريخية :

1- ففي المصادر التاريخية ذكر أن علياً اللحفي ( صاحب الكرامات ) ت783( كان يسأل الناس ويأخذ منهم)[73]. وقال المقريرزي عن الصوفي المشهور ابن عربى 830، انه كان فقيراً مملقا ًيتصدق عليه بما عساه يقيم رمقه، ويسد من خلته، وكان معتقداً بالشيخونية)[74]. أى خانقاة السلطان المملوكى المؤيد شيخ . وفي عصر المقريرزي  كان يكفي اشتهار أحدهم بالصلاح لكي تنهال عليه الصدقات ،فيقول عن شيخ صوفى مشهور وقتها بأنه : (زاهد الوقت أبو بكر الطريني): ( أنه لو قبل من الناس ما يحبونه لكنز قناطير مقنطرة من الذهب والفضة )[75].

    ويقول أبو المحاسن عن أحد معاصريه الصوفية وهو شمس الدين البلالي شيخ خانقاه سعيد السعداء (كان معتقداً وله شهرة كبيرة، وكان الوالد (والد أبي المحاسن) يحبه ويبره بالأموال والغلال وغير ذلك)[76]. أى أن البلالي  لم يكتف بأموال الوقف الموقوفة على أشهر  خوانق العصر – خانقاه سعيد السعداء – وهو شيخها المتحكم فيها إلا أن يده امتدت بالتسول إلى الأعيان والأغنياء، ومنهم الأمير المملوكى والد المؤرخ أبو المحاسن (ابن تغرى بردى ) . وكثيراً ما كان أبو المحاسن يصف الصوفية الآخرين – ممن لا يتمتعون باحترامه ـ بالتكدي[77]ـ أى بالتسول ..

    وللتسول – كأصل في التصوف – مقامات ودرجات كما سبق إيراده، ونلمح ذلك في قول السخاوي المؤرخ يمدح تسول درويش الأقصراني 857 بأنه ( كان لا يطلب من أحد شيئاً، بل أن جيىء له بشىء من أكل لا يتناول منه سوى ما يسد به رمقه ويترك الباقي ، وكان معتقداً ويزار قبره)[78]. وربما كان السخاوي متأثراً بالعادة المصرية الصوفية وهي تمجيد الصوفية بعد موتهم وتلمس محاسنهم ، وخاصة إذا( كان معتقداً ويزار قبره). ومهما يكن من أمر فإن درويش الأقصراني مدح بطريقته في التسول كما مدح المقريزي (زاهد الوقت أبو بكر الطريني) آنفاً.

   وقال ابن الصيرفي في معاصره ابن صالح الأزهري 876( كان يطلب من الأكابر الذهب والفضة فيبادرون بها له ، وله أولاد وحفدة وخدمة يحصل لهم بواسطته من الناس والحكام، وكان له مكاشفات وكلمات خوارق )[79]. وعليه فالتفاوت موجود، وهناك درجات للتسول حسب قناعة الصوفي أو جشعه.. ففي الوقت الذي يتسول فيه ابن صالح الأزهري الذهب والفضة له ولأتباعه فإن الآخرين يقنعون بتسول القليل بما يكفي الحاجة، ومثلهم على البليلي (بعد920) و ( كان يسأل الناس ويأكل، وكان يشد على بطنه سبعة)[80].

تسول الأشياخ في المصادر الصوفية:

   1- اقتصرت المصادر الصوفية على رصد حياة المشاهير من الصوفية أصحاب  الطرق والأتباع الكثيرين ممن استحقوا الإشادة بهم في الطبقات العامة أو كتب المناقب الخاصة .ففي مناقب الحنفي مثلاً قصة عن بداية الحنفي الصوفي حين ذهب مع أحمد الزاهد وابن الدخيل للشيخ حسن التستري لتلقين الذكر قال لهم ( لم لا جاء كل واحد منكم بفلسين ؟.. أما تعلموا أن الذى يجيىء بشىء تميل إليه النفس أكثر مما لا يجىء بشىء ؟ فقلنا : يا سيدي قد جهلنا ذلك. فقال لنا : إذا جيتم مرة أخرى أصحبوا معكم شيئاً من الزيت للمصابيح.. ففعلوا فألآن لهم الكلام )[81].

 2ـ   وكان الحنفي بعد اشتهاره  - متسولا كبيراً – وعلى أساس التسول كانت تعد مناقبه. ومن ذلك أنه قصد إلى جزيرة الروضة واستأجر مكارياً فقابله بعض الأمراء فعزمه وأعطاه ذهباَ، يقول كاتب المناقب (فقال سيدي الحنفي: يا سيدي ادفعه إلى المكاري فإنه ركبنا معه على الفتح وهذا رزقه ساقه الله إليه )[82]  ومعنى ذلك أن المكارى – أو الحمًار بتشديد الميم – لم يأخذ أجره من الحنفي، وعلقه الأخير على ما يأتي له من الفتوح. و( الفتوح)  مصطلح أو تعبير عن المال الذى يتسوله الصوفية . وقد بدا استعماله في عصر ابن الجوزي [83]. – فعد كاتب المناقب أن الحنفي تنازل للمكاري عن فتوحه تنفيذاً لذلك الشرط.. وهى لا شك منقبة تستحق الإشادة – إن كانت قد حدثت فعلاً..  

 وقد ذكر الشعراني في مناقب يوسف العجمي أنه كان (يقول لبواب زاويته بالقرافة إذا وفد شخص الباب فانظر من الشق إن رأيت معه شيئاً للفقراء فافتح له، وإلا فهى زيارات فشارات )[84]. وكان يوسف العجمي وحسن التستري متلازمين.. واتفقا على التسول من المريدين..

     3- وقد تطلق المصادر الصوفية على( الفتوحات) أو المال الآتي للصوفية تعبير(الهدايا) . ومن ذلك ما يقوله الشعراني في ترجمة الحنفي سالف الذكر( كان لا يشتري قط ملبوساً، إنما هو من هدايا المحبين )[85]. أو يقول عن الشيخ أحمد السطيحة ( كان الناس تقصد الشيخ أحمد السطيحة بالهدايا من سائر البلاد)[86].

   4- وكان التسول أحد الأنشطة الصوفية إنطلاقاً من قاعدة أن  التسول أصل في التصوف ، وسبق أن ذكرنا أن الحنفى أمر مريده الثرى بالتسول حتى يتعود حياة التصوف [87]، ومن ذلك ما قاله الشعراني عن الشيخ الشربيني ( كان من طريقته أنه يأمر مريده بالشحاتة على الأبواب دائماً في بلده، ويتعممون بشراميط البر السود والحمر والحبال[88]. ) ، ونقل ذلك عن الشعراني الغزي في الكواكب السائرة [89].

ومعنى مقالة الشعراني عن الشربيني (كان من طريقته أنه يأمر مريديه بالشحاتة) أن التسول أضحى ــ عملياً – من الأنشطة الأصيلة في الطريق الصوفي حتى أن البعض تخصص فيه وتميز بمظهر الشحاذين العاديين من ارتداء الخرق و(الشراميط) و (الشحاذةعلى الأبواب)..

  تسول الصوفية للصوفية :

     1- على أن أبرز ما يعبر عن قاعدة (التسول أصل فى التصوف) ما قام به بعض الصوفية من التطوع للتسول في سبيل الآخرين من الصوفية، فهنا تدرج في مقام التسول يذكرنا ببعض من تزهد في تسوله فكان يكتفي بالقليل، فجاء آخرون يتطوعون بالتسول للقاعدين، ويحسبون أنهم بذلك يحسنون صنعاً، ولكنه التشريع الصوفى طبقه الصوفية في العصر المملوكي عملياً، وجعلوا له مقامات ودرجات ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون  زهداً أو تطوعاً..

    2- ولا شك أن ظروف العصر المملوكي وتصوفه المنتشر أدَّيا إلى تقعيد هذا التشريع وجعله من (النُّبل) المطلوب في شريعة التسول. إذ كثر القاعدون بانتشار الزوايا والخوانق الصوفية، وبعضها لم يعتمد على مورد مالي ثابت من الوقف فاحتاجوا إلى من يتخصص في جمع المال لهم .. ولن يكون ذلك إلا بالتسول . يفسر ذلك ما قاله الشعراني ( اجتمع في زاوية الشيخ عبد الحليم بن مصلح المنزلاوي نحو المائة نفس، وهو يقوم بكسوتهم وأكلهم من غير وقف ( أوقاف ) ، وإنًما بما يفتح الله عليهم.)،ولما وقف الناس عليه الأوقاف قال الشعراني( إن الحال ضاق على الفقراء بسبب ركونهم إلى المعلوم من طرق معينة، وكانوا قبل ذلك متوجهين بقلوبهم إلى الله فكان يرزقهم من حيث لا يحتسبون . )[90]. ويستفاد من ذلك أن الصوفية يرون في التسول المتجدد طريقاً أسمى للتوجه إلى الله بقلوبهم انتظاراً للفتوحات عند كل وجبة طعام، وأن الفتوحات المتجددة في عصر الشعراني كانت مورد رزق يفوق المورد المالي الثابت الآتي من الأوقاف ..

     3- وبعض الصوفية خصص طريقة الصوفي بأكمله في التسول للآخرين،  فعرف بذلك واشتهر، كأبي بكر الحديدي ( ت 925) وقد قال عنه الشعراني ( كانت طريقته ( أى كان دينه الصوفى ) سؤال الناس للفقراء سفراً وحضراً في طريق الحاج وغيره)[91]. ويحكي عنه الشعراني: (.. فخرجت معه إلى سوق أمير الجيوش فصار يأخذ من هذا نصفاً ومن هذا عثمانياً ومن هذا درهماً، فما خرج من السوق إلا ومعه نحو أربعين نصفاً، فلقى شخص معه طبق خبز فأعطاه ثمنه، وصار يفرق على الفقراء والمساكين، وهو ذاهب إلى نحو بين  القصرين وقال نفعنا الفقراء من هؤلاء التجار على رغم أنفهم، ثم صار يعطي هذا نصفاً وهذا درهماً إلى أن فرغت)[92]ونقل الغزي ذلك في ترجمته له [93]. . وعرفنا أن مصطلح الفقراء يعنى الصوفية . وكأبي بكر الحديدي اشتهر صوفى آخر في القرن التاسع ، غلب عليه لقب ( شحاذ الفقراء )، قال عنه ابن الزيات ( كان إذا رأى فقيرًا يمضي إلى الأغنياء ويطلب منهم ويأتي بما يحصل للفقير، وقيل أنه أخذ على اسم الفقراء شيئاً كثيراً وفرقه بينهم على قدر حاجتهم، فبقى معه فضله فلم يجد بمصر فقيراً يدفعها إليه )[94].

   ولا شك أن هناك بعض المبالغة في تصوير ذلك( النبل التسولي) من جانب الشعراني وابن الزيات ، وإن لم يمنع ذلك من وجود من تسول من الصوفية تطوعاً للغير ، وقد اعترفت به بعض المصادر التاريخية ، فقيل عن يوسف الصفي824 : ( كان كثير البر للفقراء قائماً بأحوالهم يأخذ لهم من الأغنياء)[95]. وقيل عن آخر ( كان يقصد الأغنياء لنفع الفقراء وربما استدان للفقراء على ذمته، وكانت له عادة وتؤثر عنه كرامات )[96].

 ومهما يكن من أمر فإن اشتهار المتصوفة بالتسول وتخصصهم فيه واعتبارهم له ديناً – كل ذلك ادخل في دائرة التصوف والتسول بعض النبلاء مما اتصف بالكرم – وانسحب ذلك على طريقته في التسول فكان يتسول لغيره مع تسوله لنفسه، وهو وضع عجيب سمح بوجوده التصوف وتسوله في العصر المملوكي..

طرق التسول :

  ولإزدهار التسول الصوفي كان يحلو لبعضهم أن يتفنن في طرق التسول .فالمقريزي  يذكر أن بني الجوهري كانوا ( يعظون بجامع القرافة على كرسي في الثلاثة أشهر، فتمر لهم مجالس مبجلة تروق وتشوق، ويقوم خادمهم " زهر البان " ، وهو شيخ كبير ومعه زنجله، إذا توسط أحدهم في الوعظ، يقول : تصدقي لا تأمني أن تسألي       فإذا سألت عرفت ذل السائل..

ويدور على الرجال والنساء ، فتلقى له في الزنجلة ما يسَره الله تعالى، فإذا فرغ من التطواف وضع الزنجلة أمام الشيخ ، فإذا فرغ الشيخ من وعظه ، فرق على الفقراء ما قسم لهم وأخذ الشيخ  ما قسم له ، وهو الباقي، ونزل عن الكرسي..)[97].

    ويقول الشعراني عن يوسف العجمي  (كانت طريقته التجريد( أى فى العبادة الصوفية ) ، أن يخرج كل يوم فقيراً من الزاوية يسأل الناس إلى آخر النهار، فمهما أتى به يكون هو قوت الفقراء ذلك النهار كائناً ما كان، وكان صورة سؤاله أن يقف على الحانوت أو الباب ويقول: الله، ويمدها حتى يغيب ويكاد يسقط إلى الأرض)[98]..!!. ولو عاش هذا فى عصرنا فربما يحصل على جائزة الأوسكار فى التمثيل .!!

ولا ريب أن الموالد التى يقيمها الأشياخ – والولائم التى يدعون إليها- كانت أبرز طرق التسول والتوسع فيها الصق بالتأريخ للحياة الإجتماعية..

التسول طريق الصوفية للثراء السريع                                   

التسول فى عصر الشعرانى وموقفه منه:

1       ــ ألف الشعرانى فى صوفية عصره رسالة وجهها إلى(مدعى الولاية) قال فيها (صار همُ كل شيخ أن يصطاد لأتباعه خبزاً وجبناً وعسلاً، فصارت المشيخة باباً من الشحاتة)[99]. وعلى طريقة الشعرانى فى الإنكار فإنه مع إنكاره على معاصريه فقد تحايل فى تبرير تسوله هو، وتحايل لتقرير قاعدة (التسول كأصل للتصوف)..وفى إنكار الشعرانى على صوفية عصره ملامح كثيرة للتسول الصوفى فى عصره.. يقول: ( صار بعض المشايخ يجلسون على موائد الظلمة؛ المكَاسين ( جامعى الضرائب والمكوس ) والكُشّاف ( حكام الأقاليم ) ومشايخ العرب ( شيوخ العصابات التى كانت تحترف السلب والنهب مع أو ضد الحكم المملوكى ) وأعوانهم، وبعضهم سُداه ولُحمته من طعامهم ولباسهم وكذلك أولاده وعياله . وبعضهم صار يسأل هؤلاء الظلمة ، فإذا لم يعطوه ما طلب منهم غضب عليهم ومزق أعراضهم فى المجالس، وبعضهم عمل له عرساً فى زاوية وصار يرسل قاصده ( القاصد يعنى الرسول الذى يحمل رسالة أو السفير ) للولاة فيساعدونه بالعسل والأرز والبسلة، ومن لم يعطه شيئاًيغضب عليه مع أنه لابس عمامة صوف )[100]. ويستفاد من ذلك أن أولئك الصوفية أحرزوا مكانة فى المجتمع حتى كانوا لا يأبهون بالظلمة فيهاجمونهم إذا قصروا فى إعطائهم أى إبتزوهم بالتسول، وتمتعوا بحقد الشعرانى ، فقد زاحموه على رزقه فى التسول ، فهاجمهم بالأكل من المال الحرام ، مع أنه كان مثلهم يأكل من نفس المال الحرام ، إذ كان كل الحكام ظلمة محترفى سلب ونهب. ويقول الشعراني عن بعض حيلهم في التسول: ( ومنهم من يرد الأموال بحضرة الناس ويقبلها منهم سراً) وعد الشعراني في المنن أنه منزه عن ذلك [101].

2        ومن دوافع الشعراني في الإنكار على معاصريه أنهم بكثرة التسول قد أضجروا الناس وخشى الشعراني أن ينقلب الضجر إلى إنكار على التصوف فبادر بالإنكار عليهم ، يقول في معرض حديثه عن تسول معاصريه(.. وقد قال الوزير: قد سئمت نفوسنا من كثرة سؤال هؤلاء المشايخ الذين يعملون لهم موالد، فلم يتركوا عندنا عسلاً ولا أرزاً ولا بسلة، وأين قام على هؤلاء أن يشحذوا ويعملوا لهم مولداً؟)[102].

   3- ومع ذذلك فإن الشعراني في نفس الكتاب – لطائف المنن – يعتبر التسول نشاطاً صوفياً بحتاً حين يتعلق الأمر بالأشياخ السابقين – لا المعاصرين – يقول عن سلف الصوفية ( أقام جماعة من الأولياء في جبل المقطم دائماً، ويرسلون خادمهم إلى أقطار الأرض ليأتيهم بالقوت الذي قسمه الله لهم وأودعه عند بعض عباده، فيستخرجه الخادم ممن هو عنده بالإلحاح)[103]..فالشعراني يعتبرهم أولياء، ويوحي بكراماتهم في قوله (ويرسلون خادمهم إلى أقطارالأرض)، فالخادم مبعوث من لدنهم ليس من القاهرة وحدها وإنما من أقطار الأرض جميعاً، ثم هو مبعوث إلى أناس محددين عند بعض العباد. وقد عرف من الأولياء بالكشف أن أولئك بالتحديد قد أودع الله رزق أسياده عندهم، ولذا فهو يستخرجه منهم بالإلحاح، ولا حرج حينئذ في الإلحاح . وبذلك كان يبرر الشعراني تهالك السابقين على التسول في نفس الوقت الذي ينكره على معاصريه، وسبق أن أوردنا بعض مظاهر التسول لأشياخ الشعراني، وقد ذكر هو ذلك في معرض تأريخه لهم في الطبقات الكبرى وغيرها..

4- والشعراني في نهاية الأمر – يعيش عالة على التسول – والرزق كان يأتي إلى زاويته رغدا من كل مكان، وكيف يكون ذلك إلا بالتسول؟؟. واحتاج الأمر من الشعراني بعض التحايل في تبرير أخذه المال والطعام من الغير واسعفته خبرته بالفقه في اصطناع الحيل واختراع المحترزات. كأن يقول مثلاً( أُخذت علينا العهود ألا نأخذ من أحداً مالا ًإلا إن علمنا بالكشف  أو بالقرائن طيب نفسه بلا علة رياء و نحوه، وألا نسأل أحداً أو نقسم عليه بوجه الله عز وجل إلا أن يكون ذلك لضرورة شرعية )[104].  فالشعراني يبيح لنفسه – ولغيره – أن يأخذ المال، ويأتي بقاعدة تبدأ بمنع الأخذ ثم يسارع بالاستثناء من تلك القاعدة – أو بالاحتراز – على سنة الفقهاء – فيعلق الاستثناء – أو يحترز من تلك القاعدة فيخرج عنها بعلم الصوفي بالكشف أو بالقرينة طيب نفس  المعطي بأخذ المال منه ، ومن نافلة القول أن المجال مفتوح لكل صوفي ، وكلهم يدعي الكشف أو علم الغيب الإلهي . وإن لم يسعفه ادعاء الكشف فأمامه القرينة فيأخذ مال الغير بالكشف أو بالقرينة أو بهما معاً. وفى كل الأحوال فالصوفى هو الذى يقرر لنفسه أو هو الذى يُشرّع لنفسه الأخذ من هذا أو ذاك . ثم جعل من العهود ألا يسأل أحداً ويقسم عليه بوجه الله تعالى أن يعطيه أو بمعنى آخر ألا يلح في التسول من الغير إلا إذا كان ذلك لضرورة شرعية . وتقدير تلك الضرورة الشرعية متروك للصوفي المتسول، وهو وحده الذى يقرر متى يأخذ اعتماداً على تلك الضرورة الشرعية المزعومة . بذلك كان الشعراني يخدع الفقهاء في تبريره لتسوله وتسول الأولياء الصوفية..

      5- وواجهت الشعراني مشكلة تسوله من النساء، وكان من عادة الصوفية التسول من النساء.

 وقد تردد الشعراني في حسم المسألة فهو حيناً يجعل( من شأن الصوفى ألا يقبل رفقاً من إمرأة) كإحدى قواعد الصوفية[105]..وحين يأتي لتطبيق القاعدة نراه يجتهد في تلمس المعاذير ويصطنع المحترزات كأن يقول مثلاً (أخذت علينا العهود ألا نأخذ هدية ولا صدقة من امرأة إلا بعد أن تسأل عن ذلك ، فربما كان من مال زوجها بغير إذنه فتقع في الإثم )[106].. وذلك قيد " ظريف " وليس عبئاً على متسول. وقد يشترط الشعراني لأكل الصوفي من كسب المرأة أن يبلغ الصوفي مقام الكمال – وما أسهل ذلك الادعاء – يقول (..فإن بلغ ذلك المقام كان له قبول هدايا النساء والأكل من اطعمتهن، بل له تقديم ذلك على طعام بعض الرجال)[107]..  فالشعراني بدأ بتقعيد المنع – التسول من المرأة – ثم انتهى في التطبيق إلى الأجازة بحجة  بعض الإشتراطات المزيفة..

  واعتقد أن تناقض الشعراني بين المنع النظري والإباحة العملية ترجع إلى تتلمذه على الرسالة القشيرية. وكان القشيري في مقدمة رسالته يتهم معاصريه بالتسول من النساء، فوصفهم بقلة المبالاة بتعاطي المحظورات( والارتفاق بما يأخذونه من السوقة والنسوان)[108]. فجاء عصر الشعراني وقد عم فيه التسول من طوائف المجتمع كلها،والمرأة نصف المجتمع، فنالها من تسولهم نصيب، وكان الشعراني من جملة المتصوفة المتسولة فوقع في التناقض بين الرسالة القشيرية – وهى الكتاب المقدس للصوفية – وما اعتاده عصره ..

الإنفاق من الغيب :

    وكثرت أموال المتسولين لدى أعيان الصوفية فكانوا ينفقون منها على أنفسهم وذويهم . وقد عالج الصوفية ذلك البذخ في الإنفاق مع عدم وجود مهنة اقتصادية أو مورد رزق ثابت بأن الصوفي ( ينفق من الغيب). ومعناه أن الله تكفل برزقه من حيث لا يحتسب أحد، وعلى أساس ذلك الرزق الغيبي فهو يسرف في النفقة. يقول كاتب مناقب المنوفي عنه (كان مع فقره ينفق النفقة الكبيرة، وكان يقبل من بعض الناس بعض شيء ، ولكن لا يقارن ذلك عُشر ما كان ينفقه، وكان ينفق من كده في المدرسة ما يعجز عنه الملوك ، مما لا يشك أحد في أنه ينفق من الغيب )[109].   فكاتب المناقب يجعل من إسراف شيخه دليلاً على كرامته تأسياً على أنه ينفق من الغيب، وأن إنفاقه يفوق  موارده الظاهرة من التسول، وحتى يقنعنا بوجهة نظره فإنه حط  من متحصل التسول وجعله قليلاً فقال( يقبل من بعض الناس بعض شيىء).

  وتفنن الصوفية في الإسراف كي ينعموا بتلك الكرامة – الإنفاق من الغيب – ومن ذلك ما قاله الشعراني عن محمد المغربي الشاذلي( كان ينفق نفقة الملوك من كيس صغير في عمامته)[110]. وكان الناس على استعداد للتصديق بأى كرامة، خاصة إذا رأوا صوفياً مبذراً ولا حرفة له، والهدايا تصل إليه ولا يراها الأكثرون فيعتقدون صدق ذلك الادعاء بالإنفاق من الغيب .. والجدير بالذكر أن المؤرخ ابن العماد الحنبلى فى العصر العثمانى كرر ما قاله الشعراني عن محمد المغربي مع بعض الإيضاحات التى تفضل بإيرادها – بعد أكثر من قرن – يقول عنه: ( كان ينفق نفقة الملوك ويلبس ملابسهم، وذلك من غيب الله تعالى،لا يدري أحد له جهة معينة تأتيه منها الدنيا) [111]. ولا أدري ممن أتى ابن الحنبلي بهذا الكلام، إذ أن الشعراني هو المرجع الوحيد الذي ترجم لمحمد المغربي، ولم يذكر عنه ما تفضل ابن العماد بإيضاحه، وتفسير ذلك يكمن في العصر العثماني وهو وليد العصر المملوكي ومتأثر به ويدين لأشياخ التصوف المملوكي بتقديس كان يزداد بتوالي السنين..

  ويقول الشعراني عن عبد الحليم بن مصلح المنزلاوي (كان ينفق من الغيب) [112]. وقد عرضنا لجهد المنزلاوي في التسول للصوفية في زاويته، فأين الغيب هنا والتسول ظاهرة لا غيب فيه.؟.  بل أن الشعراني يقول مباشرة بعد تقرير الغيب في إنفاقه (كان لا يخصص نفسه بشىء من الهدايا الواصلة إليه) فقد اعترف بأن (هدايا) ترد إلى ابن مصلح إلا أنه كي يقرر مبدأ الإنفاق من الغيب جعل ابن مصلح يتنازل عنها اكتفاء بالغيب المزعوم..

  ويلجأ الشعرانى مكرها للصدق حين يتعرض للأشياخ المعاصرين له ومزاحميه فى ميدان الإرتزاق ، فيقول فى معرض الإنكار على تسولهم(.. ومنهم من يسافر إلى مشايخ العرب والكشاف فيسألهم العسل والقمح وغيره فلامه شخص فقال: من عباد الله من يقدره الله على الإنفاق من الغيب وقلب الأعيان وهو يفعل مثلى ستراًعلى نفسه. ! ). ويعلق الشعرانى عليه غاضبا : ( وذلك فى غاية الغرور والزور والنفاق والإستدراج )[113]. ونوافق الشعرانى على ما يصف به معاصريه إلا أننا نتوسع فى إطلاقه على الصوفية بما فيهم الشعرانى نفسه..                                     

 إكتناز المال من التسول الصوفى :

1- عاش الصوفية مجاناً، أكلوا على موائد الغير، ولبسوا من (هدايا المحبين) وحصلوا على ما يريدون بلا مقابل، حتى أن الشعرانى فى معرض ذمه لأشياخ عصره افتخر عليهم بعدم سؤاله عن ثمن أى شىْ حتى لا يظن الحاضرين أنه يحتاج له وليس معه ثمنه( كما يحدث ممن يتخذ المشيخه حرفة ، فيسارع أصحابه إلى شرائه له بغير ثمن من الشيخ، ولو بجباية ثمنه من الرءوس)[114]

ومع هذه المعيشة المجانية فقد كانت الأموال النقدية تنهال عليهم من كل حدب وصوب.. وهم – وقد كفل المجتمع لهم الأكل والملبس مجاناً – فقد تعاملوا مع ذلك المال إما بالإسراف والتبذير لكى يوصف أحدهم بأنه ينفق من الغيب، فهو ينفق جهراً ويتسول سراً، وأما أن يكتنز المال إذ ليس هناك ما يدعو إلى إنفاقه، بعد أن ضمن المجانية فى حياته ..

2- ولقد سجلت المراجع التاريخية والصوفية شذرات عن ثراء أولئك الصوفية وما خلفوه وراءهم من مال. فقيل عن يوسف ابن اسماعيل الإمبابى فى القرن الثامن( انقطع بزاوية أبيه ، وأحبه الناس ، واعتقدوه ، وعندما مات خلف مالاً كثيراً )[115]. وقال الجزرى عن شيخ خانقاه بكتمر( وُجد له ذهب كثير وفضه)[116].

وفى القرن التاسع قال ابن حجر عن معاصره خليفة المغربى المعتقد ت 829 ( وُجد له شىْ كثير)[117]. وقال عن زميله سعيد بن عبدالله المغربى ت 831( كان عنده مال جم من ذهب وفضة وفلوس، يشاهده الناس فلا يجسر أحد على أخذ شىء منه، وكان يُخرج الذهب ويصفّفه، وقد شاع بين الناس أن من اختلس منه شيئاً أصيب فى بدنه ، فلا يقربه أحد ، وكانت حوله قفاف ذوات عدد ملأى من الفلوس )[118] ، وعجيب أن يفتخر صاحبنا بما يكنزه من ذهب وفضة و لا ينفقها فى سبيل الله . هو يسير على سُنّة الظالمين من الأحبار والرهبان وممّن قال فيهم رب العزة جل وعلا :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (35).التوبة  ). وأعجب منه ان يقابل صنيعه بالاعتقاد في تصريفه وكراماته حتى يخشى المحتاجون من الإقتراب من ذهبه الذى يتفنن في تصفيفه وعرضه على أعين الناس لعلهم يشهدون.. هذا وقد ذكر السخاوي عن هذا الصوفى سعيد بن عبدالله المغربى ما يؤكد رواية ابن حجر ، فكلاهما معاصر له، يقول السخاوي (كان له قفف مملوءة ذهبا  )[119].

   3- والشعراني لا يرى بأساً في اكتناز الصوفي للذهب فهو يقول في ترجمة شيخه على الدويب ( لما مات وجدوا في داره نحو المائة ألف دينار فأخذهما السلطان )[120]،إلا ان موقفه سرعان ما يتحول إلى النقيض إذا تعلق الأمر بمنافسيه من الأشياخ فيبادر للإنكار عليهم مع أنهم لم يفعلوا إلا ما اعتاده السابقين من أشياخ الشعراني .. يقول (صارت زوايا الفقراء الآن مصيدة للدنيا، بل رأيت في بعض الزوايا من معه الألف دينار وهو يأكل الصدقة)[121]. وأين الألف دينار من المائة ألف التى تركها شيخ الشعراني – على الدويب – إلا أن الحق عند الشعراني دائماً يكال بمكيالين ويوزن بميزانين..

    ويقول الشعراني في موضع آخر (بعض من يدعي الصلاح والفقر لا يركب الحمار بل الخيول المسومة، وقد احتاج مرة للركوب وغابت الفرس وعنده حمارة فلم يركبها وقال: استحى أن أمرّ في مصر على حمارة ، مع أنه متعمم بصوف وله عذبه.. وهذا ينافي طريقة الفقراء من كل وجه.  وآخر يتشدق بالدعوة للفقر وهو يكنز في صندوقه نحو اربعين ألف دينار ، ودخله اليومي ثلثمائة نصف ينفق منها نحو خمسة عشرة نصفاً ويخزن الباقي )[122]. وتلك معلومات تفصيلية تدلنا – من ناحية – على ثراء الصوفية المتسولين – ومن ناحية أخرى – على أن الشعراني لا يقل عنهم اهتماماً بالمال وإحساساً به، وإلا فكيف أتحفنا بهذه الاحصائيات الدقيقة عن الدخل والمنصرف .. لخصومه؟؟

ثالثاً: الصوفية ينشرون التسول في العصر المملوكي

كثر عدد المتسولة في العصر بازدياد المتصوفة واعتبار التسول شرعا دينياً في دين التصوف المؤثر فى مصر المملوكية. وقد تضاءل الفارق بين متسولة الصوفية والشحاذين العاديين،ويدلنا على ذلك أن طوائف المتسولة في العصر المملوكي اكتسبت الملامح الصوفية العادية وكان منهم من اشتهر كشيخ صوفي..

    بل إن من المتسولة من تكونت به طبقة جديدة تنتمي للتصوف وتحمل اسمه وتحترف التسول وتتخذه طريقاً للحياة. ونعني بأولئك طوائف الجعيدية والفقراء الطوافين ثم الحرافيش..

طوائف المتسولين:

    * طائفة الجعيدية:

    طائفة وجدت بين العامة تدين بالتصوف وتحترف التسول . وأصبح لقب الجعيدي مرادفاً للقب الفقير فالمتبولي يسمي نفسه( الجعيدي )[123]. وفي نهاية العصر المملوكي ضمت طائفة الجعيدية كثيراً من المتبطلين القادرين على الكسب إلا أنهم استمرأوا التسول، وكانوا بما أوتوا من قوة ينتزعون الأموال من يد متولي الصدقة ويقذفون به من على فرسه فآثاروا  برسباي فطلب (سلطان الحرافيش وشيخ الطوائف) والزمهما بمنع الجعيدية من التسول في الطرقات (وألزمهم بالتكسب والعمل بالحفير) فامتنعوا مؤقتاً، وقد اعتبر أبو المحاسن ذلك من أكبر المصالح ، يقول (لأن معظم الجعيدية كان يترك الحرفة ليتسول) شأن الداخلين في التصوف (ويقسم على الناس بالأنبياء والصالحين شاكياً من قسوة القلوب..فما كان أحسن هذا – يقصد منع الجعيدية من التسول – لو  استمر)[124]. واستمرت الجعيدية كطائفة بعد العصر المملوكي وحتى وقت قريب[125].

* الفقراء الطوافون:

ظهروا في نهاية العصر المملوكي كمظهر لامتداد تياري التصوف والتسول، فكانوا يطوفون على البيوت يتسولون بزى التصوف فعرفوا بالفقراء الطوافين تميزاً لهم عن باقي الصوفية في الزوايا وغيرها..

واشتهروا بالإلحاح في السؤال مع التبطل والقدرة على الكسب، وقد اجتهد الشعراني في الدفاع عنهم فطالب بألا ينكر عليهم أحد لأنهم يريدون ان يحملوا عن الناس ذنوبهم – بهذا الإلحاح في السؤال ، وزعم أن العهود قد أخذت عليه ألا يمكن أحداً من القول بأنهم قادرون على الكسب لأن ذلك حجة في البخل واعترف الشعراني أن أحد الأولياء الصوفية كان منهم ( فكان يسأل ويتصنع السقوط حتى يظن من لا يعرفه انه حشاش . !.)[126]. وعلى ذلك يمكن أن نفهم لماذا يدافع الشعراني عنهم في الوقت الذى ينكر فيه على الآخرين ممن لا يعتقد ولايتهم..

* الحرافيش :

  انضموا للمتصوفة وطوائفهم في ميدان التسول. والحرافيش في الأصل طائفة من سُقَاط العامة ممن يحتلون أسفل السلم الإجتماعي. إلا أن حرفة التسول جمعتهم بأعيان التصوف وطوائفه المتخصصة في ذلك المجال.. وانعكس سلوك الحرافيش على طريقتهم في التسول فكانوا( يشحذون المصلين ولا يصلون، ومنهم من يقسم في سؤاله، وبعضهم يستغيث بأعلى صوته:  " لوجه الله فلس" وبعضهم يقول" بشيبة أبي بكر" فلس" ومنهم من يكشف عن عورته ويمشى بها بين   الناس ، يوهمم أنه لا يجد ما يستر به عورته إلى غير ذلك من مكرهم..)[127]. ويلاحظ من ذلك النص آثار الصوفية واضحة في تسول الحرافيش من التوسل وترك الصلاة والتشبه بالمجاذيب في كشف العورة. بل أن بعضهم اتخذ من التسول رداءا يخفي ميوله الإجرامية، حدث أن أحدهم سأل تاجراً فقال له ( " يفتح الله عليك " فقتله ، وادعى الجنون وتشبه بالمجاذيب فأخذ للمارستان وضاع دم التاجر هدراً[128]. ) . وبسبب شغبهم واجرامهم فقد كان يُنادى ( بألا يُتصدّق أحد على حرفوش)[129].

تقاتل المتسولين عند توزيع الصدقات :

   ازدحم الحرافيش مع الفقراء الطوافين والجعيدية وأوباش الصوفية عند أبواب السلطان والأمراء حين تفرق الصدقات، ويحدث عادة أن يموت بعضهم من جراء الإزدحام والتقاتل على الفوز بالصدقة ، وقد يصرعون متولي الصدقة، وقد حدث ذلك في سلطنة برقوق سنة 798 [130]. وفي مرض موته سنة 801  [131]. وفي سلطنة برسباي سنة 841  [132]. وفي يوم عاشوراء سنة 912 [133]. أيام الغوري، ومات بعضهم في تزاحمه أيضاً على صدقة الأمراء والكبراء مثل سيف الدين طغاي[134]. وابن السديد[135]المصري . والقاضي كريم الدين[136]. وافتخر الشعراني بقناعة الصوفية في زاويته عكس الآخرين(الذين يزدحمون على القاصد الذى جاء بالمال ويرمونه إلى الأرض ويغتصبون منه الدراهم)[137]. أى ان ذلك صار تقليداً ، حتى أنه ظهر مال كثير مدفون مكتوب عليه أنه صدقة فازدحموا عليه (فمات منهم نحو ثمانين نفساً)[138].

ثراء المتسولة  :

     1- يقول ابن اياس ( وجد في دكان أحد مدعي الفقر أربعة آلاف دينار ما بين ذهب وفضة ، وهى موزعة في براني في سقف الدكان.  وكانت امرأة تستعطى عند جامع ابن طولون فلما ماتت وجد عندها سبعمائة دينار ما بين ذهب وفضة ، ووجد عندها أطمار فيها فلوس جدد، ووجد عندها ربع غزال نحواً من ثمانمائة ربعة، فتعجب الناس من ذلك )[139]. ويقول في وفيات سنة 913( توفيت خديجة الكليباتية، وكانت تدعي الصلاح ، وتدخل بيوت الأكابر. فوجد لها ذهب عين ثلاثة آلاف دينار، وأثاث البيوت بنحو خمسمائة دينار . فعُدّ ذلك من النوادر، ومع ذلك كانت تأخذ من الناس الصدقة)[140].

   ويقول في حوادث 917( أحضروا بين يدي الغوري شخصاً من الجعيدية وجدوا معه مائة وسبعين ديناراً من ضرب الأشرف برسباي، وادعى أنه ورثهم من أمه. فأخذ السلطان منه الذهب، ورسم بشراء جوخة وقميص وعمامة للشحات من ذهبه، وأن يصرف له في كل يوم نصفين من الفضة حتى تفرغ فلوسه، فلم يرض الشحات بذلك، وصار يقول :" أعيدوا لي ذهبي ، وما لي حاجة بكسوتكم."! . واستمر الذهب تحت يد المهتار)[141]. ويستفاد من النص الأخير أن لقب جعيدي مرادف لشحات.

وكان من التسميات المعتادة لدى المصريين فى البيئات الشعبية إسم ( جعيدى ) ، وإنتشر ولا يزال منتشرا فى مصر إسم ( الشحات ) و ( شحتة ) تأثرا بدين التصوف فى نشر التسول والشحاذة .

 ،هذا.. وإذا كان كبار الصوفية قد بلغت ثرواتهم عشرات الألوف من الدنانير وقفاف من الذهب فإن المنتظر أن تصل ثروة المتسولين العاديين إلى ألوف ومئات الدنانير.. ولا يعني ذلك قلة في حصيلتهم من التسول إذا كان للدينار في ذلك العهد احترامه، ويكفي ان نعرف أن نصفي الفضة – وهما يعادلان ملاليم في عصرنا – كانت تكفي مطالب الشخص العادي ، حتى ان السلطان الغوري رأى فيها قدراٍ محترماً يكفي حاجة الجعيدي كل يوم، ثم يقول ابن اياس في تعقيبه (فتعجب الناس من ذلك)، (فعُد ذلك من النوادر) لأن المبلغ المضبوط – وان لم يقارن بثروات الصوفية الكبار – يستحق التعجب وأن يكون من نوادر الزمان ..

   3- وفي خضم هذا التكالب على الإكتناز من قادرين على الكسب ،وفي معترك هذا التقاتل على الصدقات إلى درجة يقع فيها عشرات القتلى من فتوات المتسولة – ضاع مستحقو الصدقة الحقيقيون من العلماء الزاهدين من غير الصوفية .. والشعراني الذي وصف ثراء أعيان عصره من الصوفية يقول عن أحد العلماء الزاهدين( مكث يفتي الناس أكثر من خمسين سنة ، كما أخبرني بذلك في مرض موته، وكان ورعا زاهدا قليل الكلام ، وريما يمكث اليوم كاملا لا يتكلم بكلمة لغو .. وسألوه أن يكون قاضيا فأبى . وكان بيته خاليا من أمتعة الدنيا لا تكاد تجد فيه غير الأبريق وتختَا خلقا ( أى قديما ) مفروشا تحته . وكان ملبسه إذا دخل بيته هديمات وعمامته شراميط، ودخلت عليه في مرض موته فقال : يا ولدي خير الناس من خرج من الدنيا ولم يأخذ من اجر عمله شيئا، لي خمسين سنة افتي في هذه البلدة، ومع ذلك لم يتفقدني أحد في هذه الضعفة (أى المرض) برغيف واحد ولا بجديد ولا يقطعة سكر، فالحمد لله رب العالمين.!! )[142].  فهنا فقيه عالم قضى حياته يخدم الناس في صمت مبتعدا عن المناصب وعن المواكب، ليس له إلا الإنشغال بالعلم والفتوى، بينما سرادقات الإفك ومواكب الإفتراء تحول بينه وبين أخذ حقوقه التى تعينه على الحياة الكريمة، حتى إذا مرض واحتضر لم يجد أحدا يزوره برغيف او بثوب جديد.. فمات كريما.. جائعا، وعلى مقربة منه شيوخ التسول والتصوف وحولهم الذهب والفضة والخوانق والزوايا مكتظة بأصناف الطعام..

أخيرا : ولنتذكر الآتي :

  1- حول الصوفية الزكاة الإسلامية – التى تعني الإنفاق وإعطاء الصدقات في سبيل الله – إلى تسول من الناس باسم الدين – دين التصوف. الفقير العادى المحتاج للصدقة سلب منه الصوفيه لقبه الفقير وجعلوه لانفسهم ، وسلبوا الفقير حقه فى الصدقة . قد يكون الفقير العادى عاجزا عن الكسب أو يعمل ولا يكفيه دخله ، ولكن الصوفى الذى أخذ لقب ( فقير ) إحترف البطالة ، والتسول ، وهو قادر على الكسب .

2- وجذور التسول عندهم تكمن في تبطلهم وإعراضهم عن الحرف التى  كانوا يتعيشون منها.

3- وبإسم الدين اعتبروا السعي للرزق شركا بالله، وقد ألمح إلى ذلك الغزالي وأوضحه ابن عطاء في العصر  المملوكي.

4- وإذا كان السعي شركا فإن التبطل والتواكل هو الدين فأساسه ان يتفرغ الصوفي للإتحاد بالله تعالى جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا . وكان ذلك من بنود فقه التواكل عندهم.. وتأسيساً على اتحادهم المزعوم بالله تعالى فقد احتقروا المحسن إليهم واعتبروه مسخراً  لهم ، ودونهم في الدرجة.

5- وجاء تشريع التسول للصوفية بالأمر المباشر أو بالمنامات ، وتوجهوا للمحسنين يحثونهم على العطاء بالمنامات والقصص، وكلها مفتراه، وبعد التشريع كان تفصيل الأحكام الفقهية للتسول.

6- وقد بدأ التسول ببداية التصوف، وبه تمكن رواد التصوف في  سياحتهم بين الأمصار من نشر عقيدتهم في أرجاء الدولة الإسلامية،وبعد استقرار المتصوفة في الخوانق استمروا في التسول.

7- ثم ازدهر التسول في العصر المملوكي  بازدهار التصوف فيه، فاشتهر كبار الصوفية بالتسول وجعلوا له مقامات عملية كالتسول التطوعي للغير أو التسول على قدر الحاجة زهدا،  وتنوعت طرق التسول ووصلت في عهد الشعراني إلى درجة التحايل والإبتزاز وأثارت الإنكار ،فهب  الشعراني منكرا على معاصريه وإن قرر في نفس الوقت شرعية التسول له وللسابقين من الصوفية.

8- وتكاثرت الأموال لدى الأشياخ الصوفية وبعضهم كان ينفقها باسراف فتعد له كرامة (الإنفاق من الغيب) أو  يكتنزها مباهياً فلا تعدم من وجود  كرامة أخرى تحذر الآخرين من الإقتراب منها ..

9- وبشيوع التسول مع التصوف دخل  الميدان طوائف العامة من الجعيدية والفقراء الطوافين والحرافيش وأولئك  كانوا يتسولون عنوة وبعنف وتقاتل ،  وكونوا من ذلك ثروات أسوة  بأشياخهم الصوفية في نفس الوقت الذي حرم فيه مستحقو الصدقة الحقيقيون من القوت الضروري عند الحاجة.

10- وكانت الأضرحة موردا آخرمن موارد التسول . فإليها كانت تقدم القرابين والنذور ..

11- وهكذا فالصوفية تسولوا من الغير . وذلك موقفهم من تأدية الزكاة المالية. لم يؤدوها بل أخذوها    كقرابين ونذور من الغير ، أو من يسمونهم :(الأغيار) أو ( أبناء الدنيا ) الذين يعتبرونهم مسخرين لهم..

  رابعاً : الصيام والتصوف فى مصر المملوكية:

: المبحث الأول : الصيام بين الاسلام والتصوف فى مصر المملوكية

1-يقول جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) البقرة )، فالصيام فرضه الله تعالى علينا وعلى ما سبقنا من أمم أرسل إليها أنبياء. وكيفية الصيام علينا وعليهم واحدة وهو الإمتناع عما يفطر( من طعام وشراب وجماع الزوجة ) فى شهر رمضان كل عام . وتوارثه العرب ضمن ملة ابراهيم . ونزل القرآن ببعض التعديل والتيسير في الصوم بجعل الصيام فى النهار فقط من الفجر الى المغرب ، وكان قبلها ينحصر الافطار فيما بين المغرب والعشاء فقط ، ويستمر الصيام بقية اليوم : (البقرة184).  بيد أن تزييف الشرائع السماوية السابقة أضاع فريضة الصيام كما أضاع الصلاة والزكاة. وبعضهم حافظ على اسم الصيامولكن غيَر فيه بما يحلو له، كأن يصوم عن طعام معين فترة طويلة من الوقت، وذلك تزييف لشرع الله تعالى القائل ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) فكلمة ( كما ) تفيد التماثل، أى فصومنا هو نفسه الصوم الذي طولبوا به. بل أن مريم العذراء رضى الله عنها أُمرت أن تقول لقومها ( إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً (26) مريم ) , ومعنى ذلك أن الصوم التطوعي والصوم بالنذر كانا موجودين في الشرائع السابقة.. وحافظ عليها الأتقياء..

2-ولقد نظر الصوفية إلى الصوم نظرتهم إلى باقي العبادات فاقترن تركهم للصلاة بتركهم للصوم، وبدأ ذلك في التاريخ المبكر للصوفية، حتى أن القشيري كان ينكر على معاصريه في القرن الخامس تركهم للصوم والصلاة، يقول ( واستخفوا بأداء العبادات واستهانوا بالصوم والصلاة )[143]. على أن الإلتزام بالصوم يختلف في مظهره عن الإلتزام بالصلاة، فالصوم يتجلى فيه جانبا الإخلاص أو الرياء. فبإمكان الصوفي المفطر أن يخدع الناس جميعاً بصومه حيث يمكنه أن يأكل خفية. أما الصلاة فسرعان ما يعرف عنه تركها إذا رؤى تاركاً لصلاة الجماعة أو مضيعاً لأحد الفروض الخمسة . وعلى ذلك فإن المراجع لم تذكر إلا من أفطر  من الصوفية في رمضان جهراً وعلناً ، أما المفطرون سراً فلا يعلمهم إلا الله تعالى. ومن الطبيعي أن الفطر جهراً لا يقوم به إلا الأقلية ممن تطرف في طريقة الصوفي ، فاستوجب الإنكار عليه كما حدث من القشيري بالنسبة لمعاصريه من الصوفية..

 أثر التصوف فى تضييع صيام رمضان

1       ـ  وفي العصر المملوكي تمتع المجاذيب برخصة الإفطار العلني في رمضان،لأن المجذوب لا يكلف في غيبته.. فقيل في عبدالله الموله 729 كان  ( يأكل في  رمضان)[144]. ويقول العيني عن أبي بكر البجاوي المجذوب المعتقد ( كان يفطر في نهار رمضان ولا يتوضأ ولا يصلي )[145]. ويقول الشعراني عن معاصره الشريف المجذوب( كان يأكل في نهار رمضان ويقول لنا : أنا معتوق، اعتقني ربي)[146]. والشعرانى يصدقه في ذلك الإفتراء وإلا لما ذكره في مناقبه وقال عنه : ( سيدي الشريف المجذوب) .!.  ويستدل من مقالته ( أنا معتوق اعتقني ربي ) إن تركه الصوم في رمضان كان منقبة يفتخر بها الصوفي على أقرانه، تستحق أن تذكر في مناقبه كما فعل الشعراني ولا يستوجب ذلك من العصر إنكاراً، أى أن العصر يسلم للصوفي  المجذوب بإفطاره في رمضان لأن المجذوب عند الصوفية أفضل من ( السالك ) أى الصوفى العادى . يدلنا على ذلك أن الإنكار على إفطار رمضان تناول الصوفية الآخرين ، فقد سأل الشعراني نفسه أستاذه الخواص عن ( أرباب الأحوال الذين يُظهرون الخوارق مع عدم صلاتهم وصيامهم ) فقال( ليس أحد من أولياء الله له عقل التكليف إلا و هو يصلي ويصوم ويقف على الحدود، ولكن هؤلاء لهم أماكن مخصوصة يصلون فيها)[147]. فهو يصف أرباب الأحوال بأن لهم عقل التكليف ، ومعنى ذلك أن المجذوب الذي غاب عقله في حضرة ربه ــ بزعمهم ــ يسقط عنه التكليف فيترك الصلاة والصيام. ويلاحظ أن الشعراني – أو الخواص – أغفل  الرد عن ترك الصيام ، فقد ذكر في الإجابة صلاتهم المزعومة في جبل قاف وسد اسكندر وبيت المقدس، ولم يحدثنا أين كانوا يصومون ، وترك المسألة معلقة بدون تبرير أو تعليل إفطارهم رمضان، ومعنى ذلك أن ترك الصلاة ارتبط عند الصوفية بترك الصيام، وإن حظيت الصلاة بالإهتمام لتكررها خمس مرات في اليوم واهتمام الصوفية بالدفاع والتبرير لمن ترك الصلاة والجماعة والجمعة منهم..

2        ومن الطبيعي أن يتأثر العامة بأربابهم الصوفية إذا جدَ في الأمور ما يستدعي ذلك، يقول أبو المحاسن في حوادث رمضام 861( أثناء فتح المقياس أفطر جماعة من أوباش العامة المتفرجين لشدة ما نالهم من العطش من كثرة حركتهم بسبب الفرجة)[148].وهو لا شك عذر مقبول لديهم، ويقول ابن إياس عن  نفس الحادثة ( في وفاء النيل في رمضان أفطر في ذلك اليوم جماعة من العُيّاق والأوباش)[149]، وربما لو لم تكن مناسبة عامة ــ مثل إحتفال وفاء النيل فى رمضان ــ  أثارت اهتمام المؤرخين ما كان ذلك الإهتمام بفطر العامة في رمضان أثناءها، فالشأن في مؤرخي العصر المملوكي الإهتمام بالسلاطين وجعلهم محور التاريخ ، ولا يهتمون بالعوام إلا إذا جاء حادث عام يسترعى الاهتمام . و لقلة المعلومات التاريخية التي تشفي الغليل – عن صيام العوام المصريين فى رمضان – فإننا  نلجأ للأمثال الشعبية المتداولة في العصر المملوكي، فنقرأ منها في المستظرف :( يا طالب الشر بلا أصل، تعالى للصايم بعد العصر)[150]، ومعنى ذلك أنهم تحملوا الصيام كارهين مضطرين مقهورين، فكان رمضان – خاصة في نهاية اليوم فيه – مسرحاً  للمشاجرات والإنفلات العصبي بحجة الصوم والحرمان – ولا يزال ذلك مرعياً حتى اليوم..

3       وهنا نواجه قضية: هل الصوم – كامتناع عن المفطر – هو الهدف في حد ذاته أم هو وسيلة لهدف أسمى وأكبر؟؟ نرجع الى قوله  جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) البقرة )، فالهدف من الصوم ليس مجرد الحرمان وإنما هو التقوى ، فإذا لم تتحقق التقوى لصائم فلا جدوى لصيامه. إلا أن الصيام تحول في العصر المملوكى – وعصرنا – إلى عكس ما يهدف إليه الصوم الإسلامي. فرمضان لم يعد – في الأغلب – شهر التقوى ، بل هو شهر الأطعمة المشتهاة في الإفطار والسحور وهو شهر تدخر له الأسرة المصرية أطعمة بعينها أصبحت علماً عليه وعلما عليها، وهو شهر تستعد له الحكومة وتتحسّب بالسلع التموينية والمسلسلات التليفزيونية الترفيهية ، حيث يسهر فيه الناس الليل مع ما حرم الله من لهو وصخب وينامون فيه النهار – أو يتكاسلون – لكى يمضي اليوم – النهار – سريعاً ليستقبلوا الليل بملذاته وامتلائه. وهو شهر المشاجرات والمنازعات لأتفه الأسباب – أو بدون أسباب ،ويجد الناس في صومهم حجة للغضب بمبرر وبدون مبرر. ويعني ذلك أن دين التصوف قد حول فريضة الصيام إلى حرمان لا معنى له بعد أن اضاع الهدف الأسمى للصوم وهو التقوى ، فالصائم الحقيقي يرى في صومه – الذي لا يطلع عليه إلا ربه – شفافية تعلو على مطالب الجسد، وهو حين يطيع ربه في أمر الطعام والشراب والشهوة يتعود على أن يطيع الله تعالى في كبت مطالب الجسد وغرائزه فيكون بذلك قد حقق التقوى عملياً، وهل التقوى إلا الخشية من الله تعالى بالإمتناع عن المعاصي ومتطلبات الغريزة ؟!.  فالصائم لا تصوم معدته أو فرجه فقط عن تناول المباحات في نهار رمضان . وإنما يصوم لسانه عن اللغو – ولا يقول – الفحش – وتصوم عينه عن النظر المحرم وتصوم يده وقدمه عن الإتجاه لما يغضب الله . بل يصوم قلبه – إذا حاول بصدق- عن التفكير فيما يغضب الله تعالى. هذا هو الصوم الحقيقي في الإسلام .وقدطبّقه محمد والرسل عليهم السلام والأتقياء قبل وبعد نزول القرآن الكريم. ومريم رضى الله عنها حين قالت: ( إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً (26) مريم ) فلأنها صائمة فقد امتنعت عن الحديث مع البشر خشية الوقوع في اللغو.وإذا كان ذلك هو الصوم الإسلامي الحقيقي فبم نسمي صومنا ؟ .

4       وبالتصوف أصبح الصوم مجرد عادة اجتماعية مصرية يألفها حتى الأقباط المصريون ، إذ تتكرر شهراً كل عام بمناخ مُميز وثقافة شعبية خاصة ، ترتبط بذكريات الأكل والسهر وموعد الأفطار والمسحراتي واستقبال الفجر عند الأضرحة، واعتمدوا في ذلك على ما يجتره الإنسان – من ذكريات طفولته في رمضان مع أبيه واخوته وتقاليدهم عند الإفطار وعند السحور وتزاور الأهل والأصحاب.!! وأين التقوى في ذلك كله؟ أصبحت تدينا سطحيا يتمثل فى مجرد سبحة تتراقص بين الأصابع في رمضان والقلب غافل، واللسان يجري بعبارات لا تمت للتقوى بأى صلة. والنساء أكثر اهتماما برمضان – فلأنه أضحى شهر الإمتلاء – فعليهن عبء تجهيز الطعام بأصنافه وشتى مسمياته، والنساء أقدر على تذكر المظاهر الرمضانية الطفولية – ورمضان لا يعني أكثر من تلك الذكريات الاجتماعية..

تقول إحدى الصحفيات المصرية عن ذكرياتها في رمضان – ونحن بذلك نؤكد أن رمضان أصبح لدينا فعلا مجرد مناسبة اجتماعية : ( تناهى إلى أذني صوت دقات الطبلة تتردد أصداؤها في الحي من بعيد ، تعالت الدقات مقترنة بصوت المسحراتي المؤثر " يا عباد الله.. وحدوا الله " اضطرب قلبي بمشاعر متناقضة وأنا أذكر أن الليلة هى أولى ليالي شهر رمضان، امتلأت الحجرة المظلمة حولى بالأطياف القادمة من زمن مضى ولن يعود، زمن الطفولة والفوانيس الملونة المضاءة بالشموع، وأغنية وحوي يا وحي ترتفع بها أصواتنا الرفيعة أنا وإخوتي في صحن البيت، وياميش رمضان يملأ جيوبنا ، وصواني الكنافة والقطائف والفطائر في المطبخ ندور حولها ونمد إليها أصابعنا الصغيرة في تلصص لنلعق السكر المعقود من خلف ظهر الوالدة الطيبة،ودوي مدفع الإفطار وصوت الآذان يتردد من فوق مآذن العباسية، والسفرة معدة وصوت الوالد القوي يرتفع بالدعاء، " اللهم إني لك صمت وعلى رزقك أفطرت " وصوت الراديو وهو يتعالى بأغنية يا ألف مرحب يا رمضان ، وروائح البخور تصل إلى أنوفنا من البيوت المجاورة لسبيل أم عباس ، وضحكاتنا المكتومة ونحن – الإخوة الأربعة – نعاكس بعضنا في الخفاء، واجتماعنا بعد الإفطار حول الوالد الجالس فوق سجادة الصلاة وبين يديه المصحف يقرأ القرآن.. دقات طبلة المسحراتي كانت وما تزال تملأ أذني وأنا جالسة على مقعدي محدقة في الكلام ، ومع إيقاع الطبلة الرتيب رأيت أطياف الماضي وهى تتلاشى كالدخان واحدا بعد الآخر .. فمع مضى الأيام والسنوات انسحب الوالد من الحياة ولحق به الخال .. وانكسر جمع الأحبة) .[151]

المبحث الثانى : من مظاهر إنعدام التقوى فى شهر رمضان ( المملوكى )

 بمراجعة الحوليات التاريخية التى تسجل أحداث العصر المملوكى سنويا وبترتيب الأشهر، لا نجد فارقا يُميّز شهر رمضان عن غيره من الأشهر . فى العصر المملوكى كان الظلم هو البطل بينما غابت التقوى ، حيث يحكم العسكر المماليك يحتكرون السلطة والثروة ، يعاونهم شيوخ فى الوظائف الدينية والديوانية ، وبالتالى فإن شهر رمضان لم يكن بدعا بين الأشهر ، إستمر الظلم والسلب والنهب بوجود الصيام وبغيابه أيضا. ونعطى لمحات سريعة :

الملمح الأول : صوم حواء فى العصر المملوكي

1 ــ قبل أن نتعرض لصيام حواء فى العصر المملوكي نتوقف قليلا مع قوام حواء المملوكية . هل ينتمي إلى فصيلة غصن البان ، أم فصيلة الجميز ؟. إن الصور المرسومة للعصر المملوكي على قلتها ـ تظهر فيها بعض الفتيات النحيفات ، ولكن ذلك ليس مقياسا ، المقياس فى نوعية الأكل ، ونتعرف عليه مما أورده الفقيه ابن الحاج فى كتابه " المدخل " الذي ينتقد فيه مظاهر الحياة الاجتماعية فى العصر المملوكي من وجهة نظره كفقيه ناقم . ونأخذ من كتابه إشارة هامة ، إنه ينتقد الجزارين ويقول إن ( بعضهم كان يغش اللحم ، فإذا كانت الذبيحة قليلة الشحم فإنه يجعل معها شحم غيرها لكي يرغب الناس فى شراء اللحم لكثرة الدهن فيه ) ، أى أن المفهوم عند الناس فى العصر المملوكي كان رفض اللحم الأحمر  ( البروتين ) ويفضل عليه اللحم الأبيض السمين .وكان ذلك عاما فى الرجال والنساء. وقد شهدت هذا فى طفولتى ، كانوا يرفضون اللحم الأحمر وحده ، ويقول المشترى للجزار : إنت فاكرنى عيّان ؟!. تفضيل اللحم السمين كان عاما ، وبالتالي فإن القوام الأنثوي كان يميل للسمنة.. وذلك مجرد استنتاج .أما الدليل الحاسم فهو ما أورده ابن الحاج من معلومات غريبة عن حواء المملوكية تحت عنوان عجيب يقول " فصل فيما يتعاطاه بعض النسوة من أسباب السمن ". يقول : ( إن بعضهن اتخذن عادة مذمومة، وهى أنها قبل النوم وبعد طعام العشاء تأخذن لباب الخبز وتجعله ثريدا تضيف إليه أشياء أخرى ولأنها لا تستطيع ابتلاعه بعد شبعها  فترغم نفسها على ابتلاعه بالماء .. وربما تعود إلى تجرع نفس الوصفة بعد النوم وقبل الفجر ..) . ويحكى ابن الحاج أن بعضهن كن يتعاطين وصفة بلدية تجعلهن أكثر سمنة ، وهى أكل الطين والطفلة الطينية مع بعض أدوية من العطار .. حتى يقل شبعها ويكثر التهامها الطعام ويزيد وزنها وتصبح أجمل الجميلات وفق مقياس العصر المملوكي . وقد أدى هذا الشحم الزائد إلى ظهور نماذج فريدة من المرأة المملوكية السمينة ، كانت بعضهن لا تستطيع أن تتوضأ أو تغتسل لأن ذراعيها أقصر من أن تصل إلى مواضع الطهارة ، وكانت إحداهن لا تستطيع الصلاة وهى قائمة فتضطر للصلاة جالسة ..

2 ــ وبالتالي كان صوم رمضان فريضة ثقيلة عليهن لذلك استنكر ابن الحاج أن بعضهن ـ وبعضهم ـ  كان يفطر فى نهار رمضان جهارا لأن البدانة فى العصر المملوكي كانت عادة سيئة للرجل والمرأة . وأصبح من العادات المذمومة ـ فيما يحكيه ابن الحاج ـ أن النساء البدينات يفطرن فى شهر رمضان حتى لا يفقدن بعض سمنهن ، وامتد ذلك إلى الفتيات الأبكار ، إذ كان أهلهن يرغموهن على الإفطار فى نهار رمضان " خيفة على تغير أجسامهن عن الحسن والسمنة " بتعبير ابن الحاج الذي يربط الحسن بالبدانة والسمن .

وبعض النساء كن يحافظن على صيام رمضان ، ومع ذلك فلم يسلمن من انتقاد ابن الحاج .. فبعضهن كانت إذا أتتها العادة الشهرية فى رمضان فإنها تصوم ولا تفطر ، ثم لا تقضى تلك الأيام التى كانت فيها حائض ، ويعللن ذلك بأنهن يصعب عليهن الصوم أو قضاء الصوم فى غير رمضان فى أيام الإفطار فيأكل الناس وهن يصمن .وبعضهن فى أيام الدورة يفطرن ثلاثة أيام فقط ، ويصمن المدة الباقية حتى مع استمرار الدورة ، بل إن ابن الحاج ينتقد النساء اللائي يصمن مدة الحيض ويقضين المدة صياما أيضا . ويراهن آثمات ومنهن من يفطرن فى تلك الأيام ولكن يكتفين فى الإفطار بتمرة أو أقل القليل من الطعام ، أى كأنها صائمة ، وذلك تجويع وتعذيب لا مبرر له .

3 ــ ومن المفيد أن نذكر أن التشريع فى الدين السُّنّى جرى على اعتبار الحيض من الأسباب التى توجب الإفطار فى رمضان ، وهذا خطأ يتناقض مع الاسلام . لأن القرآن يحصر الأعذار التى تبيح الفطر فى رمضان فى شيئين فقط ، وهما  السفر والمرض: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184)) البقرة )   وللمريض والمسافر أن يصوم إذا استطاع لأنها مجرد رخصة ، والله تعالى يقول " (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ). زعمهم أن الحيض يقطع الصوم مردود عليه بقوله جل وعلا فى تشريع دية المؤمن المقتول خطأ :( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (92) النساء ). فالقاتل هنا عليه تحرير رقبة مؤمنة فإن لم يجد فعليه صيام شهرين متتابعين . فإن كان القاتل إمرأة فعليها صيام شهرين متتابعين ، وهذا تشريه إلاهى أنزله الخالق جل وعلا ، وهو الأعلم بمخلوقاته ( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) الملك ). وقد خلق المرأة وجعلها تحيض ، فلو كان فى شرعه جل وعلا أن الحيض يقطع الصوم ويُبطله ما قال بوجوب أن يصوم القاتل أو القاتلة بالخطأ شهرين متتابعين ، لأن الدورة الشهرية لا بد أن تأتى حتما خلال هذين الشهرين المتتابعين . إن الحيض يحرّم فقط الالتقاء الجنسى بين الزوجين : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (223)  البقرة ).

إن الطهارة شرط فى الصلاة، : (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً (43) النساء ) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) المائدة ). وعندما ينزل المحيض فهو يدخل ضمن ما تتطهر منه المرأة عند خروجه كالبول والبراز الموجود أصلا داخل الجسد ، ولو فاجأها المحيض وهى تصلى فإن الحيض يقطع الصلاة ، ولا بد من الوضوء والتطهر، والعودة للصلاة بعدها . أما الصيام وباقي فرائض الإسلام من حج وزكاة فليست الطهارة شرطا فيها ولا يقطعها الحيض ، وعليه فإن الحائض ـ وفقا لتشريع القرآن ـ عليها أن تصوم .

4 ــ ونعود إلى ابن الحاج وانتقاده لصيام حواء فى العصر المملوكي . وهو يستنكر قيام بعضهن بالصوم فى رمضان ولكنهن يتركن الصلوات الخمس بدون عذر شرعي ، ويقول : إن بعضهن اعتدن ترك الصلاة ويعتقدن أن الصلاة لا تجب إلا على النساء المتقدمات فى السن ، فإذا نصحتهن أحد بالصلاة تقول : أعجوز رأيتني !! يقول ابن الحاج " فكأن الصلاة ليست بواجبة على الشابة .." ولأنّ صوم رمضان فى العصر المملوكي كان ـ ولا يزال ـ عادة اجتماعية مرتبطة بالسهر والمواسم الدينية وإحياء الليالي فى الأضرحة ولدى الأولياء مع الأطعمة المشهرة والسحور ومدفع الإفطار ورؤية الهلال ، لذلك فإن من اعتاد إهمال الصلاة نراه متمسكا بعادة الصوم فى رمضان .. وذلك ما استنكره الفقيه ابن الحاج على من يصوم ولا يصلى .

الملمح الثانى : الإحتكار في رمضان !!

1 ــ لم يكن شيطان الإحتكار ومصادرة أموال الناس يهدأ فى رمضان فى العصر المملوكي . والإحتكار والمصادرة سياسة مستقرة ثابتة فى عصر العسكر المملوكي ، وكان المنتظر أن يكون لرمضان أثره فى تخفيف الظلم فى شهر الصيام ، ولكن العقلية المملوكية وجدت حلا يتيح لها أن تستمر فى تيار الظلم هو أقتران الظلم بعمل الخيرات على مذهب القائل هذه نقرة وهذه نقرة ، إذا يصادرون الأموال ويبيحون شراء المناصب والرشوة ويحتكرون التجارة ، ثم تراهم من ذلك السحت يقيمون المؤسسات الدينية وينفقون على الطلبة والفقهاء والصوفية والأيتام . وكأنهم لم يعرفوا أن الله تعالى لا يقبل من الصدقات إلا ما كان من مال حلال ، يقول تعالى "( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) البقرة ) . فالله تعالى يأمرنا بالتصدق من الرزق الطيب الحلال ويحذرنا من الأنفاق من المال الخبيث الآتي عن طريق الظلم ..

الظلم المملوكي فى مصر والشام :

وأتخذ الظلم المملوكي من سكوت الناس وخضوعهم عاملا آخر ساعده على الانتشار ، وكان يحدث أحيانا أن يثور الناس على الظلم كما حدث فى رمضان 807 حين كثرت المصادرات والمظالم فى الشام ودمشق وقت اندلاع الخلاف بين الأمراء المماليك ، وفى ذلك الوقت فرض الأمير حسن نائب القدس على أهلها مالا فرفضوا دفعه فتركهم حتى اجتمعوا بالمسجد الأقصى وأغلق عليهم الأبواب وألزمهم بدفع الأموال ، فأبوا ، وحدثت معركة بينهم وبينه وقتل منهم بضعة عشر رجلا ،  ولكنهم تكاثروا عليه،  ففر منهم . فلما بلغ الخبر الأمير شيخ نائب الشام عزله وولى غيره. وأمير الشام وقتها – أو نائب الشام – الأمير شيخ هو الذي أصبح سلطانا فيما بعد تحت اسم المؤيد شيخ ، وكان كثير البر والصدقات ولكنه كان أيضا على شاكلة المماليك لا يخلوا من الظلم ولا يرى تعارضا بين هذا وذاك .

وفي رمضان 813 أفتتحه المماليك بمصادرة أموال الناس في دمشق فأخذوا من الخانات والحمامات والطواحين والحوانيت والبساتين أجرتها مقدما عن ثلاثة أشهر سوى ما أخذ قبل ذلك ، واتهموا بعض الناس بأن لديهم ودائع أودعها لديهم المماليك الشيخية من أتباع الأمير شيخ نائب الشام ، فأخذوا أولئك الناس وعاقبوهم بالضرب ليعترفوا بما لديهم من أموال مزعومة ، وفتشوا بيوتهم ..وفى نفس الوقت كانت القاهرة تئن من مظالم الأمير بكتمر جلق الذي ألزم المحتسب ابن الدميري بأن يجمع له ألفي دينار من الناس فى نظير أن يلزم الناس بشراء قمح بالسعر الذي يحدده ، وأغتصب أموالا من بعض تجار الشام بالقاهرة ، وأخذ من الأمير منقلي الأستادار ألف دينار ..والمفروض بعدها أن هذا الأمير بكتمر جلق كان صائما فى رمضان ويفطر على مظالم الناس ومصادرة أموالهم .!!

السلطان يحتكر الفلفل فى رمضان !!

والسلطان الأشرف برسباي الذي أقام الخانقاه الأشرفية على أنها من أعمال البر والذي فتح قبرص على أنها جهاد فى سبيل الله ، هو نفسه الذي عانى الناس في عهده من الإحتكار ومن شراهته للأموال . قال عنه المقريزي الذي عاش عصره ( كان له فى الشح والبخل والطمع من الجبن والجور وسوء الظن ومقت الرعية وكثرة التلون وسرعة التقلب فى الأمور وقلة الثبات أخبار لم نسمع بمثلها. وشمل بلاد مصر والشام فى أيامه الخراب وقلة الأموال ..).                                                              

هذا السلطان لم يمنعه شهر رمضان من مصادرة الفلفل على أمل بيعه لتجار أوروبا ، وكان الفلفل الأسود والبهارات من أثمن الأشياء ، وكانت تستوردها  أوروبا عبر الدولة المملوكية التى تحتكر استيرادها من الهند وأسيا . وقد قامت الكشوف الجغرافية وضمن أهدافها التخلص من إحتكار المسلمين لتلك التجارة بالوصول إلى الهند من طريق بعيد ، وبذلك أكتشفوا أمريكا ورأس الرجاء الصالح ..

ونعود إلى رمضان 835 وفيه صادر السلطان الأشرف برسباى فلفل التجار وأرغمهم على أن يبيعوه له بخمسين دينارا للحمل . وكان السلطان قد أرغمهم من قبل على أن يشتروا منه الفلفل فى أول السنة بسبعين دينارا للحمل . وأمر بأن تحتكر متاجر السلطان استيراد الفلفل الوارد من ميناء جده وغيره ، وأن لا يبيعه لتجار الفرنجة القادمين للإسكندرية غيره ، وبذلك أستخدم نفوذه فى أكل أموال التجار ، يقول المقريزى ( فنزل بالتجار من ذلك بلاء كبير) وجدير بالذكر أن رمضان فى العام بعد التالي 837 شهد ردود فعل غاضبة على جشع السلطان ، فقد أرسل ملك الفرنجة الكتيلان خطابا شديد اللهجة للسلطان برسباي لأنه ألزم التجار الفرنجة بأن يشتروا منه الفلفل من خلال المتجر السلطانى لا من التجار العاديين مما سبب لهم خسارة وقد غضب برسباى من تلك الرسالة ومزقها ..

ومن العادات السيئة للحكم العسكرى المملوكى وغير المملوكى أن المستبد العسكرى يستخدم نفوذه فى جمع المال بالتدخل فى الاقتصاد . لذا فإن ثقافة العسكر المملوكى لا تزال سائدة فى مصر منذ أن حكمها العسكر المصريون من عام 1952 ميلادية . أليس كذلك ؟ هو كذلك .!!

الملمح الثالث : تجارة العملة فى رمضان المملوكي

 1 ــ لم تختلف النقود المملوكية عن غيرها من حيث التقسيم الثلاثى المعهود : الدنانير الذهب ، والدراهم الفضة والفلوس النحاس . إلا أن النقود المملوكية تختلف عن غيرها فى أنها شهدت متغيرات شتى فى العيار والوزن والحجم خصوصا في الدينار الذهبي الذي هو قاعدة النقد ، بالإضافة إلى تعويم الدينار وخضوعه للعرض والطلب ، والأخطر من ذلك هو فوضى النقد التي أحدثها جشع المماليك ورغبتهم في الربح على حساب ثبات سعر العملة ثم دخول المزيفين أو ( الزغلية ) إلى ميدان سك النقود ، ومع أن السلطات المملوكية كانت تقف بالمرصاد لأولئك الزغلية وتقطع أيديهم أحيانا – إلا أن بعض المماليك كان يشارك في عملية التزييف ابتغاء الربح .

ولم يلحق التغيير فى الوزن والعيار والحجم الدينار الذهبي المملوكي وحده وإنما تعدى ذلك إلى الدرهم الفضى الذي لم يعد يدل على النقود الفضية الخالصة وإنما وصل به التغيير إلى أنه أصبح مدلولا هلاميا بين الفضة والنحاس ، ولحقته شتى الأسماء حسب اسم السلطان أو الأمير الذي يصدره أو مكان السك أو طبيعة الدرهم وحالته وقيمته . وأصبح ذلك التغير سمة أساسية فى الدراهم التى ظهرت فى الدولة المملوكية البرجية التى بدأت بالسلطان برقوق ، حيث التضخم والغلاء وجشع المماليك والاضطرابات الاقتصادية والمجاعات والأوبئة .

وقد ضرب السلطان برقوق " الذى أسس دولة المماليك البرجية" (الدراهم الظاهرية) سنة 789 كما ضرب الأمير نوروز دراهم ( نوروزيه ) في دمشق سنة 815 وضرب السلطان المؤيد شيخ الدراهم (المؤيدية) سنة 818 وضرب منها أجزاء أهمها النصف المؤيدي ، ثم ما لبث أن أصبح الدرهم المؤيدي نصف مؤيدي سنة 825 ، وكانت قيمة الدرهم المؤيدى 18 درهما من الفلوس ، وأصبح النصف المؤيدى يساوى تسعة من الدراهم الفلوس ، إذ أصبح هناك خلط بين الدرهم الفضة والدرهم الفلوس ، وتتغير قيمة أحدهما بالنسبة للآخر تبعا لاضطراب العملة واضطراب الحياة الاقتصادية فى ذلك الوقت . لذا أصبح من الضروري على كل من يبيع شيئا أن يحمل ميزانا لوزن النقود عند بيع العملات ، وأصبح من الألفاظ والمصطلحات المعهودة فى الحوليات التاريخية المملوكية أن يقال أن ( فلانا وزن كذا ) أى دفع كذا .. أي لجأوا للميزان حيث انعدمت الثقة فى العملة ..

والمؤسف أن تجارة العملة فى الدراهم الفضية شهدت نوعا من التناقص بسبب غلبة الدراهم النحاسية عليها حتى أصبحت الدراهم الفضة في معرض المزايدات بينما امتلأت الأسواق بالدنانير والفلوس النحاسية أو الدراهم النحاسية .

وفي الوقت الذي عانى فيه الدينار المملوكي من التغير فى الوزن والعيار والحجم مع عدم الدقة فى الصنع فان الدينار الأفرنتي كان أفضل منه فى جميع الحالات وكان سيد العملات الأجنبية فى الأسواق المملوكية ، والدينار الأفرنتي هو تلك العملة الذهبية التى قرر مجلس شيوخ البندقية إصدارها فى 31 أكتوبر سنة 1284 أي فى عهد السلطان قلاوون ، وانتشرت فى أوروبا باسم الدوكات (Ducat) بينما عرفت فى الدولة المملوكية بأسماء شتى منها : ( البندقي )، الدنانير( المشخصة) لما عليها من صور ، والأفرنتى وهو أشهر أسمائها ، ويشير المقريزي فى تاريخه السلوك إلى انه منذ سنه 800 هـ كثر تداول الدينار الأفرنتى وأصبح هو الدينار المطلوب فى التعامل ، مما ترتب عليه أن تسربت كميات من الذهب من الدولة المملوكية إلى البندقية لتسك منها تلك العملة الأفرنتية . وكان من الطبيعى أن تفوز الدنانير البندقية فى الأسواق المملوكية بما فيها من دقة الصنع والوزن الثابت (3.45 جراما ) والعيار المرتفع ، وذلك فى مقابل دينار مملوكى هزيل ليس له عيار ثابت  أو قطر محدد ، ثم هو دائم التغير فى الوزن ، لذا كان من السهل على التجار فى سوق العملة استلام الدينار الأفرنتى بالعدد دون حاجة إلى وزن ، أما الدنانير المملوكية فكان لابد من وزنها ، ثم قد يضطر أحدهم إلى إضافة قطع ذهبية أخرى لعلاج النقص فيها .

وكان من المعتاد أن تسك النقود النحاسية ( الفلوس ) لتقوم مقام ( الفكة) الصغيرة فى نفقات البيوت وشراء الخضروات وغير ذلك . وكان الدرهم يساوى 24 فلسا فى بداية الدولة المملوكية . ثم ضرب السلطان كتبغا فلوسا خفيفة الوزن ، وزنة الفلس الواحد يساوى وزن الدرهم الفضى ، والرطل من هذه الفلوس يساوى قيمة الدرهمين من الفضة ، وبدأت بذلك حكاية الوزن فى العملات . ولم يتقبل الباعة فكرة الوزن مما جعل الدولة تعاقب بعضهم لترغمهم على قبول تلك الفكرة ، ثم ضرب السلطان الناصر محمد فلوسا جديدة وقد حلت محل الفلوس الخفيفة التي أصدرها كتبغا التي تم جمعها من السوق .

وبعد موت آخر سلطان من المماليك البحرية من ذرية الناصر محمد بن قلاوون وقيام الدولة البرجية أنتشر الفساد فى سك الفلوس النحاسية أسوة بمنظومة الفساد الذى استشرى فى كل شىء برعاية السلطان برقوق أول سلطان برجى. وقد عهد برقوق إلى محمود الأستادار ضرب الفلوس فخلط النحاس بالحديد والرصاص ليحصل على المزيد من الربح ، وتكاثرت تلك الفلوس وسيطرت على الأسواق وطردت العملات الجيدة ، وكانت الدولة تستورد النحاس من أوروبا لتسكة عملات فلوسا ، بل وكانت ترغم الناس على بيع ما بأيديهم من العملات النحاسية السابقة والتى تحتوى على النسبة الأكبر من النحاس ، وتشتريها منهم بسعر رخيص ، ثم تدخلها دار السك فتخرج عملة جديدة أقل قيمة ولكن أعلى سعرا ويستفيد السلطان والأستادار من ذلك الفرق بينما يخسر الناس .

2 ــ كان ذلك هو حال العملة المملوكية . فهل كان لرمضان تأثيرة الإيجابى على مسئولى الدولة بحيث يجعلهم يرجعون للحق والعدل خلال شهر واحد فقط !؟ والجواب بالنفى . فالمماليك كانت لهم فلسفتهم الخاصة فى إعتياد الظلم مع بناء المؤسسات الدينية التي لا تزال شامخة حتى الآن وهم يرون أن ذلك يكفر عنهم مظالمهم . ومن هنا فقد أستمرت سياستهم النقدية فى رمضان أسوة بغيرة من الأشهر ، ونأخذ على ذلك بعض الأمثلة ..

يذكر المقريزي أنه في يوم الأربعاء 6 رمضان 811 صدر النداء بالقاهرة ألا يتعامل أحد بالذهب وهددوا من يبيع بالذهب، وأستدعى الأمير جمال الدين جميع التجار وكتب عليهم تعهدات بذلك فنزل بالناس ضرر عظيم – على حد قول المقريزي – لأن النقد الرابح هو الذهب وبه كان يتعامل جميع الناس ، وصدر النداء أيضا بمنع المصنوعات الذهبية والمصوغات فأستمر الحال على ذلك أياما. ثم نودى فى 21 رمضان بأن يتعامل الناس على أن يكون كل مثقال بمائة وعشرين درهما وأن يكون الدينار المشخص ( البندقى ) بمأئة درهم ، وترتب على ذلك أن أحتفظ الناس بالذهب فأرتفعت الأسعار إرتفاعا كبيرا

فالدولة المملوكية كانت تعانى من نقص فى الذهب بسبب إحتكار السلاطين لتجارة التوابل لأنفسهم ــ وسبق التعرض لذلك – مما أدى إلى ظهور نظام المقايضة فى التجارة بين المماليك والبندقية ، ولتعويض هذا النقص فى الذهب – فى الداخل ــ كانت تلك المحاولة التى حكاها المقريزي .

وقد تكرر ذلك يوم الخميس 15 رمضان 829 فى عصر السلطان برسباي أثناء زيادة الصراع الحربى مع القراصنة الفرنجة ، إذ نودي بمنع الناس من التعامل بالدنانير الافرنتية ولا بد من إحضارها إلى دار الضرب حتى يعاد سبكها وتهدد من يخالف ذلك ، يقول المقريزي إن الناس لم يأبهوا لهذا النداء لقلة ثبات الولاة على قرارتهم ، وكثرة القرارات المتضاربة .

ونتعرف على أسعار العملات في رمضان المملوكي في سنوات مختلفة : ففي رمضان سنة 803 ( فى بداية الدولة البرجية ) يحكى المقريزي أن أحوال الناس توقفت بسبب الذهب حيث بلغ سعر الدينار البندقى الأفرنتى 39 درهما من الفلوس فى السعر الرسمى عند الصيارفة بينما هو عند الناس 38 درهما فتناقص حتى وصل 35 درهما ، أى أن الدولة كانت تجمع دنانير البندقية بأعلى سعر . وإذا وصلنا إلى رمضان 806 وجدنا سعر الدينار الأفرنتى قد وصل إلى 70 درهما ، ثم إذا قفزنا إلى 9 رمضان سنة 819 فى سلطنة المؤيد شيخ وجدنا الدينار الأفرنتى قد وصل إلى 230 درهما وصدر النداء بعدم الزيادة فى سعره بعد أن أكتسح الدينار البندقى إمامه الدرهم المؤيدي الذي أصدره السلطان ، وهدد السلطان من يعصى هذا النداء ، ويقول المقريزى انه كثر الغبن من انحطاط النقود وتغيرها مع ثبات السعر ، أى التضخم ، فالعملة الأجنبية يزداد سعرها كل يوم والأسعار تتضاعف والعملات المحلية تتناقص قيمتها ( كما يحدث الآن تحت حكم العسكر المصرى ).!!..

وكان الحال فى الفلوس النحاسية أسوأ وهى العملة السائدة فى ذلك العصر ، ففى رمضان 807 تنازع المماليك فى دمشق فكثرت بها مصادرة الأموال وغلت الأسعار بسبب كثرة التغيير فى النقود النحاسية التى كثرت وصغر حجمها ، وتأخذ الدولة الفلوس القديمة بأرخص الأسعار ويعاد ضربها مزيفة بأغلى الأسعار ، وفى ذلك الوقت بلغ سعر الدينار البندقى 70 درهما .

وفى رمضان 811 كان الأمير شيخ واليا على الشام فأصدر فلوسا كل 6 منها بثمن درهم وترتب عليها كما يقول المقريزى أن شمل الضرر أهل مصر والشام ...

وفى 28 رمضان 826 جمع السلطان برسباى التجار والصيارفة بسبب الفلوس النحاس. فقد صدر سعر جديد للفلوس النحاسية كان منخفضا عن قيمة النحاس الموجود بها فجمعها التجار من أيدي الناس وصهروها وصنعوا منها الأوانى النحاسية وفصلوا منها بقية المعادن كل منها على حدة وأستعملوها فيما تصلح له ، وبعضهم صدرها إلى الحجاز واليمن والمغرب .. وبلغ سعر القنطار من تلك الفلوس 800 درهما .وربحوا منها كثيرا ، لذلك عزف الناس عن التعامل بها وفضلوا بيعها للتجار الذين يجمعونها بأعلى من سعرها الرسمى الذى حددته الدولة . وترتب على ذلك أن توقفت أحوال الناس ، فلما أجتمع السلطان بالتجار والصيارفة أستقر الرأي على أن تكون الفلوس المنقاة بتسعة دراهم الرطل بدلا من سبعة . وصدر النداء بعدم التعامل بغير ذلك ، ومن صدر شيئا منها للخارج عوقب ...!!!

ألا يذكرنا هذا بتدهور الجنيه المصرى أمام الدولار الأمريكى ؟ قبل حكم العسكر كان الجنيه المصرى يساوى عشرة من الدولار الأمريكى ..فكيف أصبح اليوم ؟ 

الملمح الأخير : السخرة والإصلاحات المعمارية فى رمضان المملوكي

1 ــ كانت الإصلاحات المعمارية وإقامة الجسور والكباري لا تنقطع فى شهر رمضان فى العصر المملوكي .. ونأخذ على ذلك بعض الأمثلة ..

فى  27 رمضان 722 يذكر المؤرخ ابن كثير أنه اكتملت عمارة الحمام الذي بناه بهاء الدين بن عليم بزقاق الماحية من جبل قاسيون بدمشق بالقرب من مسكنه ، وقد أنتفع به أهل الناحية ومن جاورهم .وفى يوم الاثنين 11 رمضان 811 شرع الأمير شيخ فى تعمير عدة مواضع داخل مدينة دمشق وكانت قد خربتها حروب تيمورلنك ، وألزم الأمير شيخ بعض السكان بتعمير بيوتهم المهدمة وشجعهم على بدء حركة تعمير في دمشق. وقام بعضهم فى رمضان 835 ببعض إصلاحات فى مكة المكرمة ـــ حيث كان الحجاز تابعا للسلطة المملوكية ــ إذا أجرى العين حتى دخلت مكة بعد ما ملأت البرك داخل باب المعلاة ومرت على سوق الليل إلى الصفا وأنتهت إلى باب إبراهيم وساحت من هناك فعم النفع بها وكثر الخير لشدة احتياج الناس بمكة وقتها إلى الماء وقلته أحيانا وغلاء سعره ، والسبب هو عدم صيانة البئر والعناية بها ، وأنتهى ذلك بتلك الإصلاحات التي أقامها بمكة تاجر محب للخير والإنفاق فى سبيل الله تعالى وهو سراج الدين عمر بن شمس الدين محمد بن المزلق الدمشقي .. وبذلك خلد اسمه فى التاريخ .

2 ــ ولا نتصور أن مثل هذا التاجر المحسن قد أرغم الناس على العمل لديه سخرة فى ذلك العمل الخيري ، ولكن تسخير الناس فى الأعمال الخيرية وعمليات الإصلاح كان سياسة مملوكية ، إذ كان المماليك لا يستريحون لفكرة دفع أجور للعمال " والحرافيش " والأسهل لديهم أن يأكلوا أموال الرعية وحقوق العمال ، حتى لو كان ذلك فى شهر الخير والثواب؛ شهر رمضان .

ففي رمضان 738: أنشأ الناصر محمد بن قلاوون جسرا على النيل فيما بين بولاق والزمالك حاليا ، وربما يكون موضعه الآن هو موضع كوبري أبو العلا. وكان ذلك المكان الذي أقيم فيه جسر الناصر محمد يسمى حكر ابن الأثير . وقد سماه المؤرخ أبو المحاسن فيما بعد جسر ابن الأثير . والسبب فى بناء هذا الجسر أن فيضان النيل وأمواجه كانت تفيض على شاطىء بولاق وتحدث أضرارا فى بيوت بولاق المطلة على النيل ، إلى درجة أنها هدمت جامع الخطيري فاحتيج إلى تجديده ، بل وأمر السلطان الناصر سكان بولاق الذين يطلون على النيل بعمل ( الزرابي). والزرابي هي حوائط ومصدات للماء يقيمها أصحاب البيوت القريبة من النيل، ومنها سلالم تصل ساكني تلك البيوت بالنيل . وأقام السكان تلك الزرابي تجاه بيوتهم . ولكن ذلك لم يفد شيئا.  وفي النهاية أمر السلطان بإحضار المهندسين من الصعيد والوجه البحري . وركب السلطان معهم مركبا فى النيل فى تلك المنطقة وتشاوروا فى الحل ثم أتفقوا على حفر خليج فى الجزيرة المقابلة لبولاق – حيث توجد الزمالك الآن – ويمتلىء ذلك الخليج بماء النيل ثم يقام جسر فى وسط النيل يكون سدا يتصل بالجزيرة ، فإذا زاد النيل جرى ماؤه فى الخليج وصده السد وجعله يتراجع إلى الشط الآخر ناحية إمبابة المقابلة لبولاق .

وأقتنع السلطان بالفكرة ولم يبق إلا التنفيذ . فأرسل السلطان من الغد إلى ( المشد) فى كل منطقة يجمع الرجال المسخرين بلا أجرة للعمل. و( المشد) هو الذى يتولى بالعنف والضرب تنفيذ الأوامر الرسمية . وجمعهم المشدون فقطعوا الحجارة من الجبل ، وقام آخرون بالسخرة  ــ أيضا ــ بحمل تلك الحجارة ويملأون بها المراكب ، وتأتي المراكب المحملة بالحجارة فيغرقونها بحمولتها فى المنطقة المراد ردمها حيث الجسر ، وعمل الجميع فى ذلك الجسر سخرة تحت يد الأميرين أقبغا عبد الواحد وبرسبغا الحاجب . وأمر السلطان والى القاهرة ( الوالى فى ذلك الوقت هو رئيس الشرطة ) بتسخير عوام القاهرة أيضا فى العمل . فكان المماليك يقبضون على الناس من الشوارع والأسواق والمساجد والجوامع ويأخذونهم للعمل تحت لهيب الأسواط وفى نهار رمضان. وهرب من أستطاع وأختفى من أستطاع .. يقول المقريزي يصف تلك السخرة : (  ووقع الإجتهاد فى العمل ، وأشتد الاستحثاث فيه حتى أن الرجل كان يخر إلى الأرض وهو يعمل لعجزه عن الحركة فتردم عليه رفقته الرمال فيموت من ساعته ، وأتفق حدوث هذا لخلائق كثيرة جدا ، وأقبغا راكب فى الحراقة- وهى سفينة حربية – يستعجل المراكب المشحونة بالحجارة ، والسلطان ينزل إليهم ويباشرهم ويغلظ على أقبغا ويحمله على السرعة واستنهاض العمل حتى أكمل فى مدة شهرين . ).  وأورد المقريزي عدد المراكب التي أغرقت بحمولتها فى النيل لبناء ذلك الجسر ، وأورد حمولتها من الحجارة ، ولكن لم يكن لديه حصر بأعداد الرجال الذين ماتوا فى تلك السخرة ، ولم يكن لديه عدد لأولئك الذين خرجوا أحياء بعد هذه السخرة ..!!

3       ــ وبالمناسبة كانت للماليك حيل عجيبة فى القبض على الناس واستخدامهم فى التسخير والعمل بلا أجرة .. ففي شهر ربيع الأول سنة 877 وفي سلطنة قايتباي كان المماليك يقومون ببناء جسر على النيل عند الجيزة وكانوا كالعادة يريدون الانتهاء منه بسرعة ، وأعوزتهم اليد العاملة ولجأوا إلى حيلة خبيثة لتوفير اليد العاملة بأسهل طريق ، وكانت القاهرة المملوكية وقتها تعج بآلاف العاطلين وآلاف الفلاحين الهاربين من القرى بسبب ظلم شيخ الخفر والعمدة و( المشد ) والخولى والكاشف ( مدير الاقليم ).ولكي يحشدوهم جميعا ليسخروهم في الحفر تفننوا فى حيلة شيطانية : جاءوا بشخص بريء وصلبوه على خشبه ودقوا المسامير فى أطرافه الأربعة وطافوا به فى شوارع القاهرة ينادون عليه : هذا جزاء من يقتل النفس التي حرمها الله ، فأجتمع الناس للتفرج عليه وساروا خلفه بالآلاف إلى موضع الحفر. وعندئذ كان العدد المطلوب قد تكامل فى نهاية الرحلة ، فقبض المماليك على الجمهور وسخروهم في العمل ..

4       ألا لعنة الله على الظالمين ..!!



[1]
إحياء جـ4/206.

[2]وثيقة مغلطاى الجمالى..

[3]إنباء الغمر 203.

[4]طبقات الشاذلية 88 .

[5]الدرر الكامنة جـ4/ 107.

[6]الطبقات الكبرى جـ2/12.

[7]التبر المسبوك 136.

[8]البدر الطالع جـ2/233.

[9]ذيل الدرر الكامنة مخطوط.

[12]إحياء جـ4/236 ويقصد (بالأسباب) أى نواحى السعى للإرتزاق التى جعلها الله سعيا في الرزق كالتجارة والفلاحة.

[13]إحياء جـ4/310 .

[14]إحياء جـ4/232.

[15]إحياء جـ4/232.

[16]إحياء جـ4/232.

[17]التنوير في إسقاط التدبير: تحقيق موسى على،عبد العال العرابي.دار التراث ص23.

[18]التنوير في إسقاط التدبير ص28 .

[19]التنوير في إسقاط التدبير ص25 .

[20]التنوير في إسقاط التدبير ص88.

[21]التنوير في إسقاط التدبير ص85، 87.

[22]التنوير 43.

[23]التنوير 48.

[24]التنوير 85.

[25]التنوير 90.

[26]التنوير 164.

[27]التنوير 165.

[28]التنوير 216.

[29]آداب العبودية 34. صحبة الأخيار 97.

[30]إحياء جـ4/ 230.

[31]إحياء جـ4/ 235.

[32]إحياء جـ4/231.

[33]إحياء جـ2/ 144 .

[34]التنوير 62: 63 .

[35]التنوير 63 .

[36]احياء جـ4 /181.

[37]احياء جـ4/181 .

[38]التنوير 242.

[41]التنوير 294.

[42]التنوير 160.

[43]مناقب المنوفى 21مخطوط.

[44]لطائف المنن 406 .

[45]احياء جـ4/ 230.

[46]احياء جـ2/ 17.

[47]احياء جـ3/207.

[48]التنوير 284: 286.

[49]التنوير 284: 286.

[50]هامش منسى

[51]هامش منسى

[52]احياء جـ4/233.

[53]احياء جـ3/211،212،220.

[54]احياء جـ4/229.

[55]احياء جـ4/235.

[56]روض الرياحين 67، 88، 150، 153، 229.

[57]مناقب الحنفى مخطوط 77: 79.

[58]احياء جـ4/186.

[59]احياء جـ3/66.

[60]احياء جـ4/ 181.

[61]احياء جـ4/233.

[62]احياء جـ2/212.

[63]احياء جـ4/182.

[64]احياء جـ4/201.

[65]احياء جـ2/220.

[66]احياء جـ4/232: 233.

[67]روض الرياحين 70، 71.

[68]احياء جـ4/233.

[69]احياء جـ2/82.

[70] روض الرياحين 69 ..

[71]تلبيس إبليس 178، 179، 180.

[72]تلبيس ابليس 179.               

[73] زيل ابن العراقى .مخطوط 236.

[74] السلوك جـ4/2/757.

[75] السلوك جـ4/2/676.

[76] هامش غير واضح (ممسوح)

[77] النجوم جـ15/170، 263.

[78] الضوء اللامع جـ3/217

[79] إنباء الهصر 458

[80] الكواكب السائرة جـ1/282.

[81] مناقب الحنفى مخطوط329: 330.

[82] مناقب الحنفى مخطوط 347: 348 الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/86.

[83] تلبيس إبليس 179.

[84] البحر المورود 126: 127،الطبقات الكبرى جـ2/61.

[85] البحر المورود 126: 127، الطبقات الكبرى جـ2/61.

[86] الطبقات الكبرى جـ2/90،جـ2/123.

[87] مناقب الحنفى 77ك79.

[88] الطبقات الكبرى جـ2/123.

[89] الطبقات الكبرى جـ1/93.

[90]الطبقات الكبرى جـ2/122.

[91] الطبقات الكبرى جـ2/119.

[92] الطبقات الكبرى جـ2/119.

[93] الكواكب السائرة جـ1/119.

[94] الكواكب السيارة 232.

[95] إنباء الغمر جـ3/264.

[96] إنباء الغمر جـ3/264.

[97]الخطط المقريزية جـ4/121.

[98] الطبقات الكبرى جـ2/61.

[99] رسالة فى مدعى الولاية 6.

[100] قواعد الصوقية جـ1 /79.

[101] لطائف المنن 224. الطبعة القديمة.

[102] لطائف المنن 224.الطبعة القديمة.

[103] لطائف المنن 193 الطبعة القديمة.

[104] لواقح الأنوار 307.

[105] قواعد الصوفية جـ1/83.

[106] لواقح الأنوار 309.

[107] المنن الصغرى .مخطوط 97.

[108] الرسالة القشيرية 4.

[109] مناقب المنوفى مخطوط 26، 27.

[110]الطبقات الكبرى جـ2/ 107 .

[111] شذرات الذهب جـ8/ 62 .

[112] الطبقات الكبرى جـ2/ 121 .

[113] لطائف المنن 493 الطبعة القديمة.           

[114] نفس المرجع والصفحة والطبعة

[115] شذرات الذهب ج7/:163

[116] تاريخ الجزري مخطوط ج1 / 490.

[117] إنباء الغمر ج3 / 377..

[118] ) المرجع السابق ج3/411

[119] الضوء اللامع ج4 / 255

[120] الطبقات الكبرى ج2/11

[121] البحر المورود339

[122] لواقح الأنوار 195 : 196 .

[123] لطائف المنن للشعراني 34. الطبعة القديمة.

[124] النجوم الزاهرة ج15/ 97 : 98، تاريخ ابن اياس ج 2 / 184 تحقيق محمد مصطفى

[125] أحمد أمين. قاموس العادات والتقاليد 137

[126] البحر المورود 127

[127] السبكي معيد النعم182 :183

[128]  إنباء الغمرج3/500

[129]  ذيل ابن العراقي.مخطوط154

[130]  نزهة النفوس ج2/425.

[131]. السلوك ج3/2/919

[132]  السلوك ج/4 /2/ 1037

[133] (7) تاريخ ابن اياس ج4/94

[134]  زيترستين. تاريخ سلاطين المماليك165

[135] البدر الطالع 373

[136] تاريخ ابن كثير ج14/105

[137] لطائف المنن503 الطبعة القديمة

[138] تاريخ قاضي شهبة مخطوط ج2 / 113

[139] تاريخ ابن اياس ج 4 / 108 ، 130 ، 250 :251

[140] تاريخ ابن اياس ج 4 / 108 ، 130 ، 250 :251

[141] تاريخ ابن اياس ج 4 / 108 ، 130 ، 250 :251 

[142] الطبقات الصغرى 56 ترجمة الشيخ على الشافعى

[143] الرسالة القشيرية 4

[144] تاريخ ابن الوردي ج2 /291 .

[145] عقد الجمان . مخطوط لوحة 469

[146] الطبقات الكبرى  ج2 / 135

[147] درر الغواص 62 .                                 

[148] حوادث الدهور ج2 / 302

[149] تاريخ ابن اياس ج2 / 341 تحقيق مصطفى

[150] الأبشيهي .المستظرف 37.                               

[151] حسن شاه . جريدة مايو عدد 19 السنة الأولى 6 / 7 / 1981.                                                        

ج 2 ف 4 أثر التصوف في الذِكر فى مصر المملوكية

ج 2 ف 4 أثر التصوف في الذِكر فى مصر المملوكية

 الفصل الرابع : أثر التصوف في الذِكر فى مصر المملوكية

فريضة ذكر الله جل وعلا فى الاسلام :

أولا : معنى ذكر الله جل وعلا ، وتعلقات فريضة ذكر الله جل وعلا :

1 ـ ذكر الله جل وعلا يعنى ذكره وحده جل وعلا  وحده جل وعلا بتعظيمه وتقديسه ، ولاشىء معه . وهذا يرفضه المشركون الذين يقدسون البشر ويذكرونهم مع الله جل وعلا كما يفعل المحمديون مع النبى محمد وغيره ، إذ كانوا لا يذكرون الله جل وعلا وحده بل لا بد أن يذكروا معه على سبيل التقديس أولياءهم وآلهتهم ، فإذا ذُكر الله جل وعلا وحده إشمأزّت قلوبهم ، بينما يستبشرون بذكر أوليائهم وآلهتهم . يقول جل وعلا :(  وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45) الزمر ).

وأعظم ذكر لله جل وعلا هو ما يأتى من القرآن الكريم ، كلام رب العالمين ، وليس من تقوّلات البشر وأهوائهم ، وكانت للجاهليين نصوص فى الذكر والدعاء يتمسكون بها فى ذكرهم لرب العزة ، ومن أجلها كانوا يرفضون ذكر الرحمن من خلال القرآن وحده ، لذا قال جل وعلا عن إعراضهم عن ذكر الرحمن من خلال القرآن الكريم وحده : ( وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً (46) الاسراء ). ونفس الحال فى المساجد التى جعلوها شركة بين الله جل وعلا وآلهتهم وأوليائهم ، وليست لعبادة الله جل وعلا وحده ، وتقديسه وحده ، وحين قام عليه السلام ينكر هذا كادوا يفتكون به : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (19) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَ-بِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (20) الجن ) .

هو ما يحدث فى أديان المحمديين الأرضية منذ العصر العباسى وحتى الآن ، لا يتخيلون ولا يتصورون أن يذكروا الله جل وعلا وحده ، ولا أن يعبدوه جل وعلا وحده . لا بد لهم من أولياء وآلهة تشارك الله جل وعلا فى حقوقه علينا من عبادة وتقديس وذكر وطاعة . ويوم القيامة ــ وهم فى النار ــ سيطلبون من رب العزة فرصة أخرى يخرجون بها من العذاب الأبدى فيقال لهم : ( ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12) غافر ).

ولأن الذكر فى الاسلام هو لله جل وعلا وحده فإن معانى الذكر ومتعلقاته تأتى لتؤكّد أنه ( لا إله إلا الله )، إى إخلاص ( الذكر ) بكل معانيه وتعلقاته لله جل وعلا وحده بلا شريك من مخلوقاته ، سواء كان هذا المخلوق نبيا أو ملكا أو بشرا صالحا أو كافرا . لا ذكر لأى مخلوق بجانب الخالق جل وعلا فى أى من أنواع العبادة ، والذكر يتداخل فى كل العبادات كما يلى :

2 ـ جاء الذكر بمعنى :

2 / 1 :االدعوة للإسلام في قوله تعالى :( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21)  الغاشية ) ( فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى (9) الأعلى )  ، ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) الذاريات 55)

2 / 2 ــ وجاء الذكر بمعنى القرآن :في قوله سبحانه و تعالى : ( فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) الزخرف") ،( فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45)  ق45) ، ( ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) ص ) ، ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) الحجر) (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) النحل )  (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (50)  الأنبياء ) (أَؤُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8)  ص ) ( إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) ص )  ،( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) يس ) (  وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ )( القمر 17 ، 22 ، 32 ، 40 )،(اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ )(23) الزمر )

 2 / 3  ـ وجاء ( ذكر) الله جل وعلا فيما يخص العبادة والشعائر فى المساجد من صلاة وأذان وتسبيح والتى يجب أن تكون خالصة لله جل وعلا وحده : ( وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً (17) وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) الجن ) . (  فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ (37) النور37). (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) البقرة 114 )  ولهذا فإن الجهاد الاسلامى له هدف أسمى هو حصانة بيوت العبادة للجميع من مساجد وغيرها ، يقول جل وعلا : (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الحج   )  ،

2 / 4 : وجاء ( ذكر ) الله جل وعلا فى الصلاة عموما :(  إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (14) طه )، ،وفى صلاة الجمعة خصوصا : ، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) (9)  الجمعة)  وقد تحولت صلاة الجمعة من العهد الأموى من الاقتصار على ذكر الله جل وحده الى خدمة السلطان القائم والدعاء له والدعاء على خصومه.

2 / 5 ــ  وفي الحج : ( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ )(28) الحج ) ،(لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ (198)  (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنْ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) البقرة ).  

2 / 6 ــ  وفي الذبائح: ( فَكُلُوامِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) المائدة 4 )، ( وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) (121) الأنعام ) ( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ)(36) الحج )

2 / 7 ــ وفي القتال الدفاعى فى سبيل الله جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) الأنفال 45) ..

2 / 8 ــ وفى الذكر العادى باللسان والقلب، وهو الذى يُعرضُ عنه المشركون الذى لا يذكرون الله جل وعلا وحده ، وبالتالى فهم بذكر الرحمن كافرون : ( وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (36) الانبياء ) وعنه ذكره جل وعلا معرضون :( بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42) الأنبياء )، وينسون ذكر الله جل وعلا ويكون مصيرهم النار حيث يتبرأ منهم من إتخذوهم أولياء : (قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً (18) الفرقان )

2 / 9 : ــ وهناك الذكر المنفرد بعد صلاة الجمعة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) الجمعة ) وبعد صلاة الخوف  (فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً (103) النساء )( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) ) البقرة )

 2/ 10 ـ  ويرتبط الذكر بالتسبيح والدعاء في قوله جل وعلا  : ( كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (34)  طه  ). ولفريضة التسبيح أوقات فى الصباح وبالليل : ( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ (55) غافر ) (  وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ (41) آ ل عمران ) ،

2 / 11 ـ كما يرتبط بنعم الله تعالى : (أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْئاً (67)  مريم ) ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3) فاطر) (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ (198) البقرة ) .

 2 / 12 ــ  كما يرتبط الذكر بالتفكر في عظمة الخالق جل وعلا ، وهذا هو ما يفعله المؤمنون ( أولو الألباب  (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (269) البقرة ) (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (7) آل عمران ) (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (19) الرعد  )( وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (52)ابراهيم ). ( إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (9) الزمر ). 

 ووقت التفكر فى عظمة رب العزة مفتوح فى أى وقت وفى أى وضع :( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) آل عمران )

ثانيا : تشريع الذكر فى الاسلام:

1 ـ جاء الأمر بذكر الله جل وعلا كثيرا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) الاحزاب ) ووُصف المؤمنون والمؤمنات بالاكثار من ذكر الله جل وعلا كثيرا ( الاحزاب 35 )(الشعراء 227 ) وليس هنا أروع من قوله جل وعلا : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ) (24) الكهف ).و شرحها يطول .

2 ــ وفيما عدا الفرائض فليس هناك وقت محدد للذكر ،ولكن هناك أوقات مفضلة للذكر أن يبدأ المؤمن يومه بذكر ربه جل وعلا ، ويُنهى يومه بذكر ربه جل وعلا : ( واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشى والإبكار) ( آل عمران 41) ( وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (25) وَمِنْ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (26) الإنسان )( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً (11) مريم ).( وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (42)الأحزاب )( وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (9)الفتح ).

المؤمن الذى يبغى الدرجة العليا مقتديا بخاتم النبيين عليهم جميعا السلام ــ يقرن الصبر على الأذى فى جهاده ودعوته للحق مع استمرار التسبيح والحمد لرب العزة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وفى آناء الليل وأطراف النهار ، فهذه هى أوامر  رب العزة جل وعلا : ( فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130) طه ) (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40)  ق )( وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49) الطور ).

تشريع كيفية الذكر : بالتضرع والخوف والخفية وعدم الجهر بالقول

1 ــ ولأن الذكر عبادة كان لابد من تشريع لها ليجعله كالصلاة في خشوعها: ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) المؤمنون ). يقول جل وعلا عن التبتل والخشوع فى ذكر الله جل وعلا : (وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (8) المزمل  ) . والمؤمن الذاكر الله يتحرك قلبه خشوعا لله وخوفا إذا تذكر ذنوبه وعذاب الله : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الانفال )(وَبَشِّرْ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِ الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35)  الحج ) .ثم إذا تذكر عفو الله اطمأن قلبه: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)  الرعد) " ويقول تعالى عن حالتي الخوف والإطمئنان: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23) )الزمر )

2 ـ والدعاء ضمن الذكر ، وهنا مفروض أن يقترن الدعاء بالصوت الخفى :( ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً (3)  مريم ) ، وبالخشوع والتضرع، وإذن لا مجال في ذكر الله لرفع الصوت أو اللهو. وقد تحددت طريقة الذكر في قوله تعالى:( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ (205) الاعراف ) . وخشوع الذاكر قد يجعله يخر لله  ساجداً حين يسمع القرآن ذكر الله : (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً (58)  مريم )،( إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16) السجدة) . والدعاء بلا تضرع يكون إعتداءا على مقام رب العزة وسخرية منه جل وعلا ، يقول تعالى :( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) الاعراف )  فالذي يرفع صوته أو يتغنى في دعائه قد اعتدى وطغى.وهو نفس الحال فى الاستماع الى ذكر الله ، والى القرآن : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الانفال ) ،(وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) آلأعراف ) .

ثالثا : التقوى هى الهدف من ذكر الله جل وعلا

التقوى هى الهدف لكل العبادات الاسلامية : (  يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) البقرة ) ومنها الصلاة ، وهذا هو معنى إقامة الصلاة والهدف من ذكر الله جل وعلا بإعتباره أكبر ما يُعين على تجنب الفحشاء والمنكر :( وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) العنكبوت )  

والذكر بهذا الشكل الإسلامي فرض يحض على الطاعات ومداومتها ويزكي النفس: ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) الاعلى   )  فهذا الذى يتزكى ويتطهر بذكر الله جل وعلا يمنعه ذكر الله جل وعلا من الوقوع فى المعصية ، إذ يجتنب المعاصي إذا تذكر ربه : ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201)الاعراف )فإذا وقع فيها ذكر ربه فتاب واستغفر وأناب وعزم على ألا يعود للمعصية ، وهذه أيضا من صفات المتقين الذاكرين للرحمن جل وعلا :  (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) آل عمران )

رابعا : (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ )

إذا ذكرت الله جل وعلا ذكرك الله جل وعلا .أى ( أذكركم ) بالعون فى الدنيا والجنة فى الآخرة

بالعون فى الدنيا : وهذا وعد الاهى من الذى لا يخلف الوعد ولا يخلف الميعاد . يقول جل وعلا : ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (152) البقرة ). بعدها يأتى الأمر بأن نستعين على كل شىء بالصبر والصلاة ليكون الله جل وعلا معنا لأنه جل وعلا مع الصابرين :  ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) البقرة ) . وإذا كان قيوم السماوات والأرض معك أيها الصابر الذّاكر المتقى فلن تهاب أحدا من الخلق .

وحدث أن كان فرعون يحتكر كل أسباب القوة ويستخدمها ضد موسى وهارون وقومها المستضعفين . وبسبب التطرف الفرعونى فى الاضطهاد فقد إنفض معظم قوم موسى عنه رُعبا من الارهاب الفرعونى . فجاء الأمر الالهى لموسى وهارون بالصلاة فى بيوت سرية والتمسك بالصبر والصلاة والدعاء على فرعون . واستعان موسى وهارون ومن ثبت معهما من قومهما بالصبر والصلاة ، فتحقق وعد الله جل وعلا وأهلك فرعون ودولته ( يونس 83 : 93 ) . وتكرر هذا الأمر لبنى إسرائيل وأهل الكتاب فى القرآن الكريم فى خطاب مباشر لهم : (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) البقرة ) كما قال جل وعلا لأهل القرآن فى نفس السورة :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) البقرة ) .

هذا فى الدنيا .  والله جل وعلا يذكر الذاكرين بالجنة فى الآخرة . وهو الفوز الأعظم .

هذا هو ذكر الله جل وعلا فى شريعة الاسلام وعقيدته . ولكن تحوّل ذكر الله جل وعلا عند المحمديين الى النقيض تماما . تحول الى لهو ولعب ومناسبات دينية للفحشاء والمنكر ، وتميز الصوفية فى مصر المملوكية بهذا الأفك .  

 المحمديون إتخذوا دينهم لهوا ولعبا

 مقدمة :

1 ــ عندما يذكر الخطيب إسم الله جل وعلا يصمت السامعون ( المحمديون ) مع إنه يجب تسبيح الله جل وعلا عند سماع إسمه العظيم . أما إذا ذكر الخطيب إسم النبى محمد فإن الجميع يجأرون بالصلاة والسلام عليه ، تقديسا وعبادة له . ومن لا ينطق بذلك ينظرون اليه شرزا كما لو إتضح لهم كفره . وأذكر فى التسعينيات أن أحد الأخوة من أهل القرآن خطب بمسجد بالاسكندرية ، ولم يذكر سوى آيات القرآن الكريم فإتهمه السنيون بإنكار السُّنة لأنه لم يذكر أحاديث نبوية على حد قولهم ، وبالتالى فخطبته عندهم باطلة. لا مانع لديهم من ذكر اسم الله جل وعلا ويسمعون إسمه ويسكتون ، ولا مانع لديهم من الاستشهاد بآيات من القرآن الكريم طالما لا تنفى معالم دينهم. ولكن الأساس هو ذكر آلهتهم مع رب العزة على سبيل التعظيم. وقد صنعوا لهم إلاها أكبر أسموه ( محمدا ) جعلوه يعلو عندهم على رب العزة الخالق جل وعلا. لهذا فإن ذكر المشركين لرب العزة بجانب إسم الاههم المصنوع هذا ليس هو الذكر الاسلامى على الاطلاق .

2 ــ ويضاف لهذا سبب آخر ، هو إن ذكر إسم الله عبادة اسلامية ترتبط بالخشوع والتقوى والتطهر ، ولكن ذكر إسم الله عندهم يرتبط بالسخرية واللهو واللعب والغرور بالدنيا ، والكفر بالآخرة . وفى سيطرة الاحتراف الدينى والتدين السطحى تجد إسم الله جل وعلا مستعملا فى اللهو واللعب بل وفى الجرائم . فى الأفراح الشعبية توجد كل مظاهر الانحلال الخلقى من مخدرات وخمرة ورقص جنسى وعاهرات ، والمغنى يشحذ همم المستمعين ويستجدى إعجابهم وهتافهم بذكر إسم رب العزة ، وهم يردون بترديد إسم رب العزة . وفى الأسواق حيث الغش والتدليس والخداع والبخس والتطفيف فى الميزان يتبادل البائع والمشترى الحلف باسم رب العزة يهلكون أنفسهم وهم لا يشعرون ، ونفس الحال فى التنافس السياسى أصبح إمتهان إسم رب العزة عادة سيئة بل تخصص فى ذلك الاخوان والسلفيون . بل إن القتل الارهابى يرتفع فيه ( الله أكبر ) ليكون رب العزة متهما بهذا .. سبحانك ربى هذا بهتان عظيم .. يذكرون إسمك العظيم إعلانا للحرب عليك يا من أرسلت رسولك الكريم بالقرآن الكريم رحمة للعالمين .. عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ..!!

3 ــ تقوم الأديان الأرضية للمحمديين على اللهو واللعب . وتختلف طرق اللهو واللعب .  فى الدين الصوفى  المُسالم يكون اللهو واللعب مرحا وفرحا وتسلية وانحلالا إخلاقيا . وحين سيطر الدين السنى الوهابى الدموى تحول اللهو واللعب الى ارهاب أسود ورايات سوداء تحترف الجدية جهادا فى القتل ولعبا بآيات الله جل وعلا القرآنية . يقتلون ويحرقون ويغتصبون ويفسدون فى الأرض وهم يهتفون ( الله أكبر ) وهم يحسبون أنهم يحسنون صُنعا !!.  

4 ــ هذه المأساة تستلزم تأصيلا قرآنيا نضيفه لهذا البحث بسبب ما يعانيه العالم من داعش وأخواتها من منتجات الشجرة الوهابية الخبيثة . نبدأ الموضوع خطوة خطوة :

أولا : إختبار الحياة الدنيا

يولد الانسان من بطن أمّه وهو يحمل وعاءين : وعاء الزمن المحدد له فى هذه الدنيا ، ووعاء العمل الذى يعمله فيها . وبمجرد ولادته يبدأ العدُّ التنازلى من عمره . يقول جل وعلا : ( وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11) فاطر ). إذا كان مقدرا له أن يعيش سبعين عاما فبمجرد ولادته وقد مضى من عمره دقيقة يكون قد تناقصت نفس الدقيقة من عمره أى يبقى له سبعون عاما إلا دقيقة ثم إلا دقيقتان ثم إلا ساعة ثم إلا يوم ثم الى شهر ثم إلا عام وهكذا. يركب الانسان قطار الحياة المتحرك الى الامام فيتناقص عمره بسرعة 60 دقيقة فى الساعة ، ونفسه وهى فى جسدها الدنيوى تحمل وعاء العمر ووعاء العمل ، والدقيقة التى تمر من العمر تنزلق الى وعاء العمل ، أى يصب وعاء العمر فى وعاء العمل ، ويظل هذا باستمرار الى أن ينتهى العمر وينتهى وعاء العمر ويمتلىء وعاء العمل ، ويموت الانسان وقد تم حفظ وتسجيل عمره الزمنى فى وعاء عمله، ويأتى يوم القيامة الى لقاء ربه جل وعلا ، وهو يحمل عمله إن خيرا وإن شرا ، يدخل به الجنة أو النار .

يقول جل وعلا يخاطب الانسان : ( يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (6)الانشقاق ) يعمل الانسان كدحا فى حياته الدنيا ، يملآ وعاء العمل كدحا يحمله على ظهره ، ويلقى بكدحه هذا رب العزة يوم القيامة مسجلا فى كتاب عمله : ( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (8) وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً (11) وَيَصْلَى سَعِيراً (12)الانشقاق ).يعنى إنك الذى تُحمّل نفسك بعملك وبإختيارك ، وما تقدمه فهو مصيرك يوم القيامة . الانسان هو الذى يقرر مصيره يوم القيامة فى الجنة أو النار . إذا قرر دخول الجنة وعمل لها عملها وهو مؤمن فإن الله جل وعلا الذى لا يُضيع أجر من أحسن عملا والذى لا يُخلف الوعد والميعاد سيجعل الجنة جزاءا لهذا المؤمن . والعكس صحيح .

هو إختبار الموت والحياة ليبلونا الله جل وعلا أيُّنا أحسنُ عملا :( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الملك ). من عناصر هذا الاحتبار فى الحياة الدنيا زينة هذه الأرض وما فيها من موارد تغُرُّ الانسان وتجذبه وتُغويه : ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7) الكهف ) وينهاية العالم يتم تدمير كل هذا :( وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً (8) الكهف)

ثانيا : النصائح

ومن هنا يأتى الوعظ القرآنى بالنصائح ليساعد من أراد الهدى كى يهتدى وينجح فى الاختبار ولا يقع فريسة لما فى الدنيا من لهو ولعب ، فالايمان والتقوى خير مما فى الدنيا من لهو ولعب : ( إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) محمد) والآخرة هى خير من الدنيا للمتقين:( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (32) الانعام ). إن الدنيا لهو ولعب وزينة وتفاخر وتكاثر وتنافس فى الحصول على حُطامها الزائل بينما ينبغى أن يكون التنافس فى الوصول الى الجنة :( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) الحديد )

 متاع الدنيا زائل والمال والبنون مجرد زينة وقتية عارضة ذاهبة ولكن الباقيات الصالحات هى الأنفع والأبقى :( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (45) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (46) الكهف ). وفى النهاية فالموت ينتظر الجميع ، وكل نفس لا بد أن تموت ، والأجر الحقيقى يوم القيامة ، والفائز هو من يدخل الجنة وما هذه الدنيا الا متاع خادع غرور : ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) آل عمران )

ثالثا : معنى الدين لغويا وإصطلاحيا

1 ــ قد ينخدع الانسان بهذه الدنيا فلا يرى سواها ، وقد يتعقل ويراها إختبارا يعمل على النجاح فيه ليفوز بالجنة ونعيمها الدائم وينجو من الجحيم وعذابها الخالد . وفى كل الأحوال فالانسان هو الذى يختار ( طريق ) حياته .

2 ــ خلال حياته الدنيا يقطع الانسان ( مشوار ) هذه الحياة أو يشق ( طريقه ) فى حياته متعاملا مع الناس ومع رب الناس .  هذا ( المشوار ) أو هذا ( الطريق ) الذى يقطعه الانسان فى حياته الدنيا إسمه (الدين ). معنى ( الدين ) هو (الطريق ) و (الصراط ). بل يأتى الدين بمعنى الطريق المادى الحسّى فى قوله جل وعلا : ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) التوبة ).

والأغلب أن يأتى ( الدين ) بمعنى الطريق المعنوى فى التعامل مع الناس ورب الناس , وبهذا يكون لكل إنسان طريقه أو ( دينه ) حسب إختياره . لذا فالمؤمن مأمور أن يقول للكافرين بالقرآن : ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ (4) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6))أى لكم طريقكم ولى طريقى . والمؤمنون إختاروا ( دينهم ) المسالم بينما إختارالكافرون المعتدون (دينهم ) المعتدى يقاتلون المسالمين حتى يردوهم عن ( دينهم ) . يقول جل وعلا : ( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) البقرة ). وهكذا فكل إنسان يختار ( دينه ) الذى يتعامل به مع الناس ورب الناس .

3 ــ ومن الطبيعى أن يخسر معظم الناس فى هذا الاختبار ، فيختارون دين أو طريق ( اللهو واللعب ) إنخداعا بالدنيا وكفرا بالآخرة  وإستهزاءا بالله جل وعلا ورسله وآياته . وهذا هو ( دين ) أو ( طريق ) المحمديين ، وهم الذين يهمنا أمرهم .

رابعا : ملامح اللهو واللعب فى أديان المحمديين

1 ــ لا خلاف على أن كرة القدم ( لُعبة ) . ولكن لعبة كرة القدم يتم ممارستها بكل جدية أى مثل أى دين . لها مشجعوها المتعصبون لها المجاهدون فى سبيلها ، ولكل فرقة أتباع شأن الأديان الأرضية ، وهم فى تنافس وتنازع ، وهم على الجمهور والأموال يتنافسون بل ويتقاتلون . إى إتخذوا دينهم لعبا . وفى نفس الوقت فإن الدين الأرضى فى المسجد والكنيسة والمعبد تتم تأدية شعائره باللهو والغناء والرقص والمجون . أى إتخذوا دينهم لهوا ..ولعبا .

وعلى هامش اللهو واللعب تأتى ملامح أخرى نوجزها الآن آيات قرآنية كالآتى :

1 ــ دين اللهو واللعب + الغرور بالدنيا

 يقول جل وعلا : ( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)(70) الانعام )، وأيضا يقول جل وعلا: ( الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) الأعراف ) . والخطاب هنا عن المحمديين أساسا لأن الآية التالية يقول فيها رب العزة عن القرآن الكريم: ( وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) الاعراف ) .

2 ــ دين اللهو واللعب + الكفر باليوم الآخر + الاستهزاء بالحق

يقول جل وعلا عن عُبّاد القبور المقدسة والأولياء من البشر: ( أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً (102) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً (106) الكهف ).

وعن مصيرهم يوم القيامة يقول جل وعلا ( وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (33) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (34) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمْ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35) الجاثية)

3 ـ  دين اللهو واللعب + اللغو والهجر والتسامر بالقرآن

يقول جل وعلا ( حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ (65) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ (67) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ (68) المؤمنون )

وعن صخبهم وضوضائهم ولغوهم بالقرآن يقول جل وعلا (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26)  فصلت )

4 ــ دين اللهو واللعب + الخوض فى آيات الله

ومن معانى الخوض فى آيات الله جل وعلا التكذيب بها . يقول جل وعلا ( فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12) الطور ). وتوعدهم رب العزة مرتين بعذاب يوم القيامة آمرا بالابتعاد عنهم :( فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) الزخرف )( المعارج 42 ) .

وتكرر هذا فى القرآن الكريم بعدم حضور مجالسهم التى يخوضون فيها بآيات الله ، وقد كانوا يعقدون هذه المجالس فى مكة. يقول جل وعلا ( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) الانعام )

ثم أيضا فى المدينة ، يقول جل وعلا ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (140) النساء )

وعن منافقى المدينة  يقول جل وعلا ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) التوبة )

و يقول جل وعلا عنهم المجرمين يوم القيامة وهم فى النار يقال لهم : ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) المدثر )

أخيرا :

الشرح العملى لكل الآيات الكريمة السابقة يأتى فى هذا الفصل عن أثر دين التصوف فى جعل ذكر الله جل وعلا غناء ورقصا ولغوا ولهوا ولعبا .

الذكر ( السماع ) فى عقيدة التصوف

مقدمة

( ذكر ) الله جل وعلا فى الاسلام عبادة يتجلى فيها الخشوع وخفوت الصوت، بينما يتحول الذكر فى الدين الأرضى الى لهو ولعب وغناء وموسيقى . وهذا يظهر واضحا فى إطلاق الصوفية مصطلح ( السماع ) على ( الذكر ) وجعل ( السماع ) مجالا لتجلى العقيدة الصوفية وللدخول فى دين التصوف . ( السماع ) من ( سماع ) الأغنية أو النشيد الدينى ، وهذا يتضمن : صاحب الصوت المغنى ، والكلام الذى يقوله شعرا أو عبارات صوفية ، ويشمل السامع والسامعين سواء كان شخصا يتلقى العهد بالسماع او ( سمًيعة ) يحضرون حفلة السماع ، ويجمع المغنى المطرب والحاضرين ( الوجد ) بفتح الواو ، وهو الانفعال الذى لا بد أن يظهر على المغنى والسًميعة ، الوجد يعنى أن تعترى المتواجد حالة من الجذب العاطفى يصرخ ويرقص ويقول ما يشاء لكى يؤكد إخلاصه لدينه الصوفى . وبهذا يصبح ( الرقص ) وسيلة منظمة للوجد ، سواء كان رقصا فرديا أو جماعيا . وهذا ينطبق على الشيخ والمريدين . فالسماع هو استماع الغناء والتواجد أو ( الوجد ) أى الصراخ إعجابا وإندماجا عند السماع، أى حفلة غنائية راقصة صاخبة تجمع بين الغناء والرقص. هذه فكرة سريعة عن فريضة السماع الصوفية . وندخل فى التفصيلات :

    قيمة الذكر :

  يقول الجنيد " تتنزل الرحمة على هذه الطائفة في ثلاثة مواضع : عند الأكل لأنهم يأكلون إلا فاقة ( أى فقر وجوع ) وعند المذاكرة – أى التذكر – فإنهم لا يتحاورون إلا في مقام الصديقين،وعند السماع – أى الذكر – لأنهم يسمعون بوجد ، ويشهدون حقاً"[1]. فالجنيد أصدر قراراً باعتباره المشرع في دين التصوف بأن الرحمة الالاهية تتنزل على الصوفية عند الأكل وعند تذكر مناقب الأولياء والألهة الصوفية  , ثم عندما تعقد حفلات السماع ويتواجدون بالرقص والإنفعال والصراخ.

السماع والذكر :

   والغزالي في كتابه الإحياء أفرد كتاباً كاملاً للسماع والوجد بدأه بقوله " الحمد لله الذى أحرق قلوب أوليائه بنار محبته، واسترق هممهم وأرواحهم بالشوق إلى لقائه ومشاهدته،ووقف أبصارهم وبصائرهم على ملاحظة جمال حضرته،حتى أصبحوا من تنسم روح الوصال سكرى.." ومن ألفاظ المشاهدة والنار التي تحرق القلب وجمال الحضرة الربوبية والوصال والسكر نتعرف على أن الذكر أو السماع الصوفي إنما يجسد العقائد الصوفية في العشق والوحدة والحلول والاتحاد.

ولذلك احتل الذكر أو السماع الصوفي منزلته الهامة في دين التصوف ،حتى يقول الشعراني " جرّب جميع أشياخ الطريق سائر العبادات فما وجدوا عملاً أسرع في تنظيف القلب مما سوى الله من التوحيد ، فعليكم أيها الإخوان بكثرة ذكركم ربكم"[2]. أى أن هدف الذكر كما يقول الشعراني " تنظيف القلب مما سوى الله " ومعناه الصوفي ألا يرى الصوفي ساعة وجده وانفعاله سوى الله في كل الموجودات ،أى وحدة الوجود. والولي الصوفى بذلك يكثر من الذكر بقول الشعراني " وعلامة الولي التى لا شك فيها أن يكون مكثرا من ذكر الله ، ويؤيده قوله أبي على الدقاق : الذكر منشور الولاية " [3].

السماع والدخول في تدين التصوف:

   وكما كان العربي في عصر الرسول يسمع القرآن فيدخل في الإسلام بخشوع وإخبات ، فإن دخول دين التصوف كان عن طريق الذكر الصوفي أو السماع . وهذا ما رددته الأساطير الصوفية عن أناس تركوا حياتهم العادية واعتنقوا التصوف ، يروى الغزالي عن أحدهم قوله " كنت أنا وابن القوطي مارين على دجلة بين البصرة والأيلة ، فإذا بقصر حسن له منظرة وعليه رجل بين يديه جارية تغني وتقول : كل يوم تتلون ، غيرهذا بك هذا أحسن.فإذا شاب حسن تحت المنظرة وبيده ركوة وعليه مرقعة يستمع ،فقال:يا جارية بالله وبحياة مولاك إلا أعدت علىّ  هذا البيت ، فأعادت فكان الشاب يقول : هذا والله تلوني مع الحق في حالي ، فشهق شهقة ومات".  وتمضي القصة فتذكر أن صاحب القصر تأثر بموت الشاب الصوفي فاعتق جاريته وخرج عن أمواله وجواريه وثيابه وتصوف " وهام على وجهه لم يسمع له خبر"[4]

  ويروي محمد بن مسروق أنه سمع قائلاً يقول " وفي جهنم ماء ما تجرعه خلق فأبقى في الجوف أمعاء " يقول " فكان ذلك سبب توبتي واشتغالي بالعلم والعبادة ، ويعلق الغزالي على هذه الرواية " فانظر كيف أثر الغناء في تصفية قلبه حتى تمثل له حقيقة الحق في صفة جهنم في لفظ مفهوم موزون وقرع ذلك سمعه الظاهر " فدخول دين التصوف هنا كان بالغناء والشعر أى عن طريق السماع .

  وعن طريق السماع انتشر التصوف بعد الغزالي بعد أن أضفى عليه الغزالي المشروعية الدينية ، ولم يعد أحد يتحرج في حضور سماعات التصوف ، بل إنضم إليهم الكثير من العوام من محبي الغناء والرقص واللهو ، يقول ابن الجوزي" التصوف طريقة كان ابتداؤها الزهد الكلي ، ثم ترخص المنتسبون بالسماع والرقص ، فمال إليهم طلاب الآخرة من العوام لما يظهرونه من الزهد، ومال إليهم طلاب الدنيا لما يرون عندهم من الراحة واللعب [5].

تلقين الذكر الصوفي :

عندما يدخل أحدهم دين التصوف ويتوسم فيه شيخه الصلاحية يقول الغزالي " فإذا كان كذلك ألزمه الشيخ زاوية ينفرد بها ،ويوكّل بها من يقوم له بقدر يسير من القوت الحلال "، ثم يفصل الغزالي القول في تلقينه الذكر " وعندئذ يلقنه ذكراً من الأذكار حتى يشغل به لسانه وقلبه ، فيجلس ويقول مثلاً : الله الله أو سبحان الله سبحان الله،أو ما يراه الشيخ من الكلمات ، فلا يزال يواظب عليه حتى تسقط حركة اللسان وتكون الكلمة جارية على اللسان من غير تحريك ، ثم لا يزال يواظب عليه حتى يسقط الأثر عن اللسان وتبقى صورة اللفظ فى القلب ، ثم لا يزال ذلك حتى يمحى عن القلب حروف اللفظ وصورته وتبقى حقيقة معناه لازمة للقلب، حاضرة معه غالبة عليه قد فرغ عن كل ما سواه . لأن القلب إذا شغل بشيء خلا عن غيره أى شيء كان ، فإذا اشتغل بذكر الله تعالى وهو المقصود خلا لا محالة عن غيره" [6]. وبهذه الطريقة يتحول الذكر عند الغزالي إلى محاولة الاتحاد بالله وحلول الالوهية فى الصوفى بزعمهم .

   وفي العصر المملوكي كان تلقين الذكر يعنى ابتداء السلوك على يد الشيخ الصوفي . وأصبحت عبارة تلقين الذكر عن الشيخ فلان تعني سلوكه على يد ذلك الشيخ ، ويذكر ابن حجر في ترجمة أحمد بن تركان شاه (ت730) شيخ خانقاه بكتمر " أنه تلقن الذكر عن الشيخ عبد الله بن بدر المراغي " وصورته أن يغمض عينيه ويجمع همته ويقول لا إله إلا الله بإنزعاج " وذكر أن شيخه اخذ ذلك من الإسفرائيني سنة 630 عن " ابي النجيب السهروردي عن محمود الزنجاني عن أبي الفتوح الغزالي عن أبي العباس النهاوندي عن أبي حبيب عن رويم عن الجنيد عن السري السقطي عن معروف الكرخي "[7]. أى أن تلقين الذكر أصبح ضمن سلاسل التصوف، وأن كل شيخ يخترع الطريقة التى يراها في تلقين الذكر،ويدعي لها سلسلة تصله بالرواد الأوائل للتصوف.فكما يقوم دين السُّنة على الاسناد فى الأحاديث أى إسناد أقاويل للنبى بعد موته بقرون عبر العنعنة فكذلك قام دين التصوف على إسناد التلقين الصوفى فى كيفية السماع ، يزعم أحدهم انه تلقاها من فلان الى فلان الى الرواد الأوائل للتصوف فى القرن الثالث الهجرى .

تلقين الذكر ولبس الخرقة

   وكان يرتبط بتلقين الذكر لبس الخرقة الصوفية.  والخرقة الصوفية كما يقول  الحلبي " شيء يدفعه الشيخ لمريده من نحو ثوب أوطاقية أو عمامة أو رداء أو سجادة "[8]. وعن ارتباط لبس الخرقة مع تلقين الذكر يقول المؤرخ أبو المحاسن عن شيخه الفوى ت866 " ومنه تلقنت الذكر وأخذت عنه خرقة التصوف"[9].  ويذكر المؤرخ ابن حجر في ترجمة أحمد بن يحى الرواقي أنه " تلقن الذكر ولبس خرقة التصوف عن الشيخ يوسف الكوراني العجمي ، واسندها له عن الشيخ نجم الدين الأصفهاني عن نور الدين عبد الصمد عن شهاب الدين السهروردي ، وتعاني طريق التصوف [10].

 والشعراني يذكر أنه تلقن الذكر عن شيخه المرصفي (ت930)"ثلاث مرات بين الأولى والثانية سبع عشرة سنة، وذلك أني جئت وأنا أمرد وكنت أظن ان الطريق نقل كلام كغيرها، ثم قعدت بين يديه وقلت يا سيدي لقّني بحال ، فقال اجلس متربعاً وغمّض عينيك واسمع مني لا إله إلا الله ثلاثاً ثم اذكر انت ثلاثاً، ففعلت فما سمعت إلا المرة الأولى وغبت من العصر إلى المغرب [11]. والشعراني لا يملُّ من الكذب ولا ينسى ترصيع روايته بالكرامات.

كل شيخ له طريقة

وبانتشار التصوف في العصر المملوكي كان لكل شيخ طريقته في تلقين الذكر ، يقول المؤرخ ابن حجر أن ابن ظافر الأزدي ت 739 كان يحضر معه جماعة من الفقراء ( الصوفية ) يذكرون ذكراً رتَبه شيخهم صفي الدين يقال له الصفوية "[12]. وكان يحدث أحياناً تنازع بسبب اختلاف طرق الذكر.مما دعا الشعراني لأن يقول " اعلم يا أخي أن من اللين إذا دخلت على جماعة يذكرون الله تعالى على طريقة المغاربة أو العجم أو الصوفية أو المطاوعة او الشناوية أو الرفاعية أن تذكر كأحدهم في اللغة والصوت "[13].

  ويقول " من جملة لين الفقراء أن أحدهم إذا دخل عليه جماعة يذكرون الله تعالى كذكر الأعجام أو المغاربة أو الشناوية أوالمطاوعة أو الرفاعية مثلاً أن يذكر معهم كهيئتهم في الصورة بطريقة الشرعي، وكذلك يوافقهم في ذكرهم الذي لقنوه حين دخلوا في الطريق من نفي أو إثبات، ولا يقول أن هذه الكيفية ليست طريقة شيخنا كما يقع في ذلك كثير من الناس [14]. اى كان هناك تنازع فى هيئات الذكر وتنوع فى طرق الرقص وكل فريق يتعصب لمذهبه ، وأن الأمر إستشرى حتى إستدعى الشعرانى أن يضع تشريعا بموافقة القادم لمن يرقصون فلا يرقص منفردا عنهم بطريقته فيحدث ما لا تُحمدُ عُقباه .!

   وكان يقع أن يأخذ أحدهم الخرقة وتلقين الذكر عن أشياخ كثيرين ، فالشيخ يوسف العجمي الكوراني ت768 تلقى الذكر عن نجم الدين الأصفهاني وبدر الدين الشمشيري ولبس عنهما الخرقة [15]، والشهاب الحجازي تلقن الذكر من الشيخ الحافي وقبلها لبس الخرقة من الشهاب الناصح [16]، وابن شعبان ت916 تلقن الذكر من الشيخ الشبريس وابن نظام الشيرازي وغيرهما ولبس الخرقة القادرية والسهروردية والأحمدية[17].  ويقول الشعراني عن زكريا الأنصاري " وقد ألبسني خرقة الصوفية وأرخى لي العذبة ( أى طرف العمامة ) ولقنني الذكر، فبيني وبين سيدي أحمد الزاهد رجلان لأن الشيخ (زكريا) أخذ عن سيدي محمد الغمري عن سيدي أحمد الزاهد، ولا أعلم الآن في مصر أعلا من هذا السند ، فإن غالب الناس بينه وبين سيدي أحمد الزاهدأربع رجال أو ثلاثة "[18].هنا يقارن الشعرانى بين الاسناد فى الدين السنى والاسناد فى اخذ العهد فى الدين الصوفى .

  ولم يترك الصوفية النساء والأطفال من غير تلقين الذكر لإدخالهم دين التصوف ، فالشيخ محمد الشناوي  كان يلقن الرجال والنساء والأطفال في الغربية ويرتب لهم المجالس في البلاد، ولقن ابنة الخليفة العباسي وجواريها كذلك، يقول الشعراني عن طريقة ذكرهن " ووقعت عصائبهن من كثرة الإضطراب في الذكر [19].اى تساقط غطاء رءوسهن من شدة الرقص .

 وبعض الأشياخ المشهورين كان يضنّ بتلقين العهد ، فقد جاء جماعة إلى أبي العباس الغمري " يطلبون منه تلقين الذكر، فقال: حرروا نيتكم في طلب الطريق وإلا حصل لكم المقت فما تجرأ فقير أن يتقدم إليه ، وقال فيما يحكيه الشعراني " من لعب بالطريق لعبت به الطريق"[20]. أما أبو السعود الجارحي فكان لا يلقّن أحدا الذكر " إلا بعد أن يتردد إليه السنة وأكثر ويسوق عليه السياقات "[21]أى يرسل له الوساطات .

السماع أو تلقين الذكر وسيلة للشهرة الصوفية :

  يقول ابن حجر في ترجمة الشيخ أمين الخلوتي ت780 أنه قدم لمصر فشرع في عمل السماعات فانثال عليه التاس وكثر زائروه ومعتقدوه ، وقال عن الشيخ على القطباني ت747 أنه " كان مواظباً على عمل السماعات ومد الأسمطة فقصده الأكابر "[22].

  وكان الشيخ أحمد بن أبي وفا (ت814) " مغرماً بالرقص والسماع واجتماع الناس عنده خصوصا في ليالي الجمع ، وعندهم الوعاظ والمنشدون ولا يزالون يرقصون طوال الليل [23].  

 وبعضهم لم يكتف بالشهرة الصوفية وإنما ترجمها إلى مناصب، فالقاضي ابن فضل الله ت717 اشتهر في بدايته شيخاً صوفياً " يأكل الأطعمة الشهية  ويعمل السماعات " ثم تولى القضاء [24].

 ودار تنافس الأشياخ حول السماع ،وصيغ هذا فى أساطير كراماتهم ، فيحكي الشعراني أنه ظهر شخص وفي وسطه مئزر يذكر الله في زاوية في حارة قناطر السباع ، فهرع الناس إليه من أمراء والتجار وغيرهم ، فأرسل الشيخ شمس الدين الحنفي وراءه فاصفر لونه وتغير، وقال للقاصد خذ هذه القصة واعتقني من مقابلته ، وتمضي القصة فتحكي أن الحنفي زجر ذلك الصوفي الدخيل" وقال له اخرج ، فخرج فلا يدري أين يذهب ، وانطفأ اسمه ذلك اليوم ، وقال الشيخ ماهي مائدة يقعد عليها طفيلي"[25].

 تشريع فقه السماع :( فقه اللهو واللعب ) عند الصوفية.

قيمة السماع في دين التصوف :

   يقول الغزالي معبراً عن قيمة السماع في عقيدة التصوف :( سماع من أحب الله وعشقه واشتاق إلى لقائه فلا ينظر إلى شيء إلا رآه فيه سبحانه ، ولا يقرع سمعه قارع إلا سمعه منه أو فيه، فالسماع في حقه مهيج لشوقه ومؤكد لعشقه..) الغزالى يربط السماع بعقيدة التصوف فى وحدة الوجود. ( ومستخرج منه أحوالاً من المكاشفات والملاطفات لايحيط بها الوصف . ) ويجعله سببا فى الحصول على العلم اللدنى أو علم الغيب . ( يعرفها من مذاقها وينكرها من كلَ ( أى ضعف ) حسُّه عن ذوقها . ) أى يهاجم من لا يؤمن بالعلم اللدنى . (  وتسمى تلك الأحوال بلسان الصوفية الوجد) فالوجد عند الغزالى يعنى ( أحوال من المكاشفات والملاطفات ) اى من يصيح ويزعق ويصرخ خارجا عن حدود العقل وإحترام الذات ويصبح مجذوبا أو مجنونا يكون هو الذى قد وصل الى الاتحاد بالاله الصوفى واخذ منه العلم اللدنى : ( ثم يتبع الصفاء الحاصل به مشاهدات ومكاشفات، وهى غاية مطالب المحبين لله تعالى ، ونهاية ثمرة القربات كلها، فالمفضي إليها من جملة القربات لها من جملة المعاصي والمباحات. ) وكالعادة يهرب الغزالى من البرهنة على مزاعمه بالطريقة المعروفة وهى ان هذه من علوم المكاشفات الممنوع ذكرها وكشفها والتصريح بها ، يقول : ( وحصر هذه الأحوال للقلب بالسماع سببه سر الله تعالى في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح وتسخير الأرواح لها ، وتأثرها بها شوقاً وفرحا وحزنا وانبساطا ، ومعرفة السبب في تأثر الأرواح بالأصوات من دقائق علوم المكاشفات. ) ثم يعود للهجوم على المنكرين فيقول : ( والبليد الجامد القاسي القلب المحروم من لذة السماع يتعجب من التذاذ المستمع ووجده واضطراب حاله تعجب البهيمة من لذة اللوزينج وتعجب العنين من لذة المباشرة ( الجنسية )، وتعجب الصبي من لذة الرياسة وتعجب الجاهل من لذة معرفة الله تعالى..) . ثم يختم الغزالى بهذا القول الفاحش : ( وما انزلت الكتب إلا ليطربوا بذكر الله تعالى. ) أى إن إنزال الكتب السماوية له هدف وحيد هو الطرب ، أى الغناء ، أى اللهو واللعب . ومهما بلغ كفر الغزالى فى قوله هذا فهو يُثبت إعجاز القرآن الكريم حين وصف المشركين بأنهم إتخذوا دينهم لهوا ولعبا . ولا يجد الغزالى دليلا من القرآن يبرهن به على مزاعمه فيفترى قائلا : ( قال بعضهم رأيت مكتوبا في الإنجيل غنينا لكم  فلم تطربوا وزمرنا لكم فلم ترقصوا " [26].). طبعا لا نعرف إسم هذا البعض القائل ، ولا نعرف أين توجد هذه العبارة الكافرة فى الانجيل الذى يتكلم عنه الغزالى . ولكنه كفر شنيع أن ينسب الغزالى لله جل وعلا قول : (  غنينا لكم  فلم تطربوا وزمرنا لكم فلم ترقصوا ).. وعلى أى حال فالغزالى هنا صادق فى التعبير عن دينه الصوفى المؤسس على اللهو واللعب والسخرية من الخالق جل وعلا.

تشريع فقه السّماع :

1 ــ   ولأن الطرب والرقص بهذه الأهمية في دين التصوف إذ يصل بالصوفي للإتحاد بالله وعلم الغيب فإن الغزالي شرَع فقها خاصا أسماه آداب السماع وضع له آداباً " الأدب الأول : مراعاة الزمان والمكان : قال الجنيد: السماع يحتاج إلى ثلاثة أشياء وإلا فلا تسمع : الزمان والمكان والإخوان. ومعناه أن الإشتغال به في وقت حضور طعام أو خصام أو صلاة أو صارف من الصوارف مع اضطراب القلب لا فائدة فيها ، فهذا معنى مراعاة الزمان.  فيراعى فراغ القلب له . وأما المكان فقد يكون شارعا مطروقا أو موضعا كريه الصورة أو فيه سبب يشغل القلب فيتجنب ذلك. وأما الإخوان فسببه أنه إذا حضر غير الجنس من منكر السماع متزهد الظاهر مفلس من لطائف القلوب كان مستثقلاً في المجلس واشتغل القلب به، وكذلك إذا حضر متكبر من أهل الدنيا يحتاج إلى مراقبته وإلى مراعاته أو متكلف متواجد من أهل التصوف يرائي بالوجد والرقص وتمزيق الثياب ، فكل ذلك مشوشات فترك السماع عند هذه الشروط أولى ".

   ويقول عن الأدب الثاني  : " هو نظر الحاضرين فلا يحضر المريدون الذين يضرهم السماع " وقسّم المريدين بالنسبة للسماع ، ثم يقول عن الأدب الثالث : " أن يكون مصغياً إلى ما يقوله القائل – أى المنشد – حاضر القلب قليل الإلتفات إلى الجوانب ، متحرزاً عن النظر إلى وجوه المستمعين وما يظهر عليهم من أحوال الوجد مشتغلاً بنفسه ومراعاة قلبه ومراقبة ما يفتح الله تعالى من رحمته في سره متحفظاً عن حركة تشوش على أصحابه قلوبهم ، بل يكون ساكن الظاهر هادىء الأطراف ، متحفظاً عن التنحنح والتثاؤب، ويجلس مطرقاً رأسه كجلوسه في فكر مستغرق لقلبه ،متماسكاً عن التصفيق والرقص وسائر الحركات على وجه التصنع والتكلف والمراءاة ساكناً عن النطق في أثناء القول بكل ما عنه بدا، فإن غلبه الوجد وحركَّه بغير اختيار فهو فيه معذور غير ملوم "[27]. والغزالي هنا يجعل الصوفي في حال الإستماع كأنه في صلاة، ثم إذا غلبه الوجد وقام ورقص فلا لوم عليه .

2 ــ   وكان للآخرين اجتهاداتهم في تشريع السماع وفرائضه ، وللشعراني كتاب في ذلك عنوانه " لبس الخرقة والتلقين " تعرض فيه لآداب الذكر قبل الذكر وأثناءه وبعده . فقبل الذكر التوبة والغسل والوضوء والسكوت والسكون " وأن يستمد بقلبه عند شروعه في الذكر بهمة شيخه. وأن ير استمداده من شيخه هو استمداده من النبي لأنه نائبه"، وفي حال الذكر يراعى" الجلوس على مكان طاهر كجلوسه في الصلاة "، وأن يضع إحدى راحتيه على فخذيه ، وتطيب مجالس الذكر بالرائحة الطيبة ، وكذا ثيابه وبدنه ، ولبس اللباس الطيب الحلال ،واختيار الموضع المظلم إن أمكن، وتغميض العينين لأنه بتغميض عينيه ينسد عليه طرق الحواس الظاهرة ، وسدها يكون سبباً لفتح حواس القلب " وأن يتخيل خيال شيخه بين عينيه هذا عندهم أكد الآداب " . ويلاحظ تركيز الشعراني على الشيخ في عصر اشتدت فيه عبادة الأولياء ، حتى أصبحت حفلات السماع في حقيقتها حلقات عبادة للأشياخ بينما كانت في عصر الغزالي مجالس للغوص في القلب لإحساس الصوفي بعقيدته الصوفية في الاتحاد بالله ووحدة الوجود .

ويقول الشعراني يؤكد على عبادة الشيخ في السماع " وبالصدق والإخلاص يصل الذاكر إلى درجة الصديقية ، بشرط أن يظهر جميع ما يخطر بقلبه من حسن أو قبيح لشيخه، وإن لم يظهر ذلك كان خائناً وحرم الفتح ،والله لا يحب الخائنين. ). والطريف أن الشعراني هنا يتناقض مع فكره الصوفي الذي يجعل الشيخ مطلعاً على سرائر المريدين ، فكيف يحتاج الشيخ للمريد لكي يفشي له خطرات قلبه ويلزمه بذلك وإلا اعتبره خائناً ؟.

   ونتابع الشعراني في تشريعه لآداب الذكر فيوجب على الذاكر أن يختار من صيغ الذكر لا إله إلا الله  أو يصِعد(لا إله إلا الله) من فوق السُرة من النفس التي بين الجنبين ، ويوصل(إلا الله) بالقلب اللحمي الكائن بين عظم الصدر والمعدة أو يميل رأسه إلى جانب الأيسر مع حضور القلب ، وإحضار معنى الذكر بقلبه على اختلاف درجاته في الترقي. ويعرض كلما ترقى فيه من الأدوات على شيخه ليعلم الآداب فيه " أى يجعل الشيخ حارساً على تلقي المريد بالذكر إلى الاتحاد الصوفي .

ثم يتحدث عن هيئة الرقص في الذكر الصوفي فيقول " ينبغي للرجل إذا قال لا إله إلا الله يهتز من فوق رأسه إلى أصبع قدميه،وهذه حالة يستدل بها على أنه سالك فيرجى له التفدم إلى أعلى منها". وهذا الاهتزاز من الرأس الى أصابع القدمين يشمل الأرداف والوسط والبطن والذراعين من الذاكرين والذاكرات . أى هو رقص مجاله مفتوح للإجتهاد .

   وبعد الفراغ من الذكر أو الرقص يقول الشعراني عن آداب ما بعد الذكر " أن يسكن إذا سكت، ويخشع ويحضر مع قلبه مترقياً لوارد الذكر ". أى الاحساس بالاستغراق في الذات الإلهية. ويقول الشعراني عنها فقد قالوا لعله يرد فيعمر وجوده في لحظة أعظم ما تعمره الرياضة والمجاهدة في ثلاثين سنة، وأن يزم نفسه نفسه مراراً، قالوا لأنه أسرع للتنوير في البصيرة وكشف الحجب وقطع خواطر النفس والشيطان ، ومنع شرب الماء عقبه لأن الذكر يورث حرقة واشتياقاً وتهيجاً إلى المذكور وهو المطلوب الأعظم من الذكر، وشرب الماء عقب الذكر يطفىء ذلك ، قال الشيوخ"  فليحرص الذاكر على هذه الآداب – التى بعد الذكر – فإن نتيجة الذكر إنما تظهر بها " [28].

3 ــ وفي مواضع أخرى من كتبه تحدث الشعراني عن الذكر ففي " الوصية المتبولية " أفرد نحو ربعها للذكر ، وقال إن أفضل صيغ الذكر قول لا إله إلا الله  ما دام له هوى ، فإذا فنيت أهويته – أى اتحد بالله في زعمهم – كان ذكر الجلالة له أنفع " وعن طريقة الذكر قال " وليكن الذكر جهراً، لأنه انفع لمن غلب عليه الجمعية " أى الاتحاد  " وقد اجمعوا على أنه يجب على المريد الجهر بالذكر،وأن ذكر السر لا يفيده رقياً ، وينبغي أن يجهر برفق حتى لا يتربى له فتاق في بطنه" [29].  ، ومعناه أن بعضهم كان يبالغ فى الصراخ ( أى الوجد ) فيحدث له فتاق فى بطنه .

وفي كتابه لطائف المنن يقسم الشعراني السماع إلى ثلاثة أقسام : محرم كالاستماع من أرباب الأهوية المحرمة من عشاق النسوان والفتيان بالآلات المحرمة فيدعوهم لارتكاب المحرمات، وواجب وهو استماع المحبين لله تعالى ، والمباح على أصله إذ لم ترد فيه آية في التحريم ولا حديث صحيح [30]، والشعراني باعتباره فقيهاً صوفياً وقف موقفاً متشدداً ضد أولئك الذين حولوا طقوس السماع إلى مناسبات انحلال خلقي ، وسنعرض لهم في حينه.

تشريع الوجد دينا للتصوف

  بين السماع والوجد :

1 ــ  نعرف معنى الوجد من وصف ابن الجوزى للصوفية حين ( وجدهم ).  يقول : ( هذه الطائفة إذا سمعت الغناء تواجدت وصفقت وصاحت ومزقت الثياب . ) (.. وقد مات خلق كثير في سماع الموعظة وغشى عليهم، وهذا التواجد الذي يتضمن حركات المتواجدين وقوة صياحهم وتخبطهم فظاهره أنه متفعل،والشيطان معين عليه... فإذا تمكن الطرب من الصوفية في حال رقصهم جذب أحدهم بعض الجلوس ليقوم معه ، ولا يجوز على مذهبهم أن يقعد ، فإذا قام قام الباقون تبعاً له، فإذا كشف أحدهم رأسه كشف الباقون رؤوسهم موافقة له ... فإذا اشتد طربهم رموا بثيابهم على المغني فمنهم من يرمي بها صحاحاً،ومنهم من يخرقها ثم يرمي بها )[31].  والفقرات السابقة عناوين لفصول في كتاب " تلبيس إبليس " وكان ابن الجوزي يورد حجج الصوفية في مشروعية هذه الأفعال ويرد عليها، ومعناه أنهم حاولوا أن يجدوا للوجد الصوفى أصلاً تشريعياً يربطه بالإسلام . وواضح أن الوجد هو الانفعال الصوفي بالصوت والحركة تأثراً بالغناء الديني، وهو أعم من الرقص الصوفي المتناسق .

2 ـ وعن الصلة بين السماع والوجد يقول الغزالي عن الوجد:( عبارة عن حالة يثمرها السماع ، وهو وارد حق جديد عقيب السماع يجده المستمع من نفسه)" [32]، . ويقول عن ارتباط السماع بالوجد: ( وعدم ظهور أثره يكون تارة لضعف الوارد من الوجد ،فهو نقصان ، وتارة يكون مع قوة الوجد في الباطن ولكن لا يظهر لكمال القوة على ضبط الجوارح فهو كمال ، وتارة يكون لكل حال الوجد ملازماً ومصاحباً في الأحوال كلها فلا يتبين للسماع مزيد تأثير وهو غاية الكمال ،فإن صاحب الوجد في غالب الأحوال لا يدوم وجده ، فمن هو في وجد دائم؟ فهو المربط للحق والملازم لعين الشهود...فلا تظن أن الذي يضطرب بنفسه على الأرض أتم وجداً من الساكن باضطرابه، بل رب ساكن أتم وجداً من المضطرب، فقد كان الجنيد يتحرك في السماع في بدايته ثم صار لا يتحرك، قيل له في ذلك فقال " وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب" إشارة إلى أن القلب مضطرب جائل في الملكوت والجوارح متأدبة في الظاهر ساكنة" [33].

أنواع الوجد عند الغزالي :

   وبعد أن ربط بين السماع وحركات الوجد الظاهرة والباطنة يقسم الغزالي الوجد إلى قسمين : ( وتلك الحالة التى لا تخلو عن قسمين ، فإما أنها ترجع إلى مكاشفات ومشاهدات هى من قبيل العلوم والتنبيهات. وأما أن ترجع إلى تغييرات وأحوال ليست من العلوم، بل هى كالشوق والحزن والقلق والسرور والأسف والندم والبسط والقبض، وهذه الأحوال يهيجها السماع ويقومها "[34]،. وفصَل القول في الناحيتين . ثم عاد يقسم الوجد إلى: ( هاجم ومتكلف،ويسمى التواجد، وهذا التواجد المتكلف فمنه مذموم وهو الذي يقصد به الرياء وإظهار الأحوال الشريفة مع الإفلاس منها ، ومنه ما هو محمود وهو التوصل إلى استدعاء الأحوال الشريفة واكتسابها واجتلابها بالحيلة . ) .وبعد أن جعل الرقص والصراخ من الأحوال الشريفة في دين التصوف حاول ربطها بالخشوع في قراءة القرآن وحب الله والشوق للقائه [35]، .

وفي موضع آخر من ( إحياء علوم الدين ) أسند الغزالي الوجد إلى داود وسليمان، والسند الذي يحتج به قوله" بلغني " أو " بلغنا " ثم يذكر قصصاً خرافية عن موت الحيوانات والهوام التى انتحرت تواجداً بسبب داود، ثم افترى أن جارية قصت مناماً على عمر بن عبد العزيز" فصاح عمر صيحة وخر مغشياً عليه، فقامت إليه فجعلت تنادي في أذنه وهو يصيح ويفحص برجليه" وقال مثل ذلك عن سلمان الفارسي[36].

حكايات عن الوجد:

   وكما ألف الغزالي تلك الروايات عن السابقين من أنبياء وخلفاء، فإنه حكى قصصاً أخرى لأشياخ التصوف السابقين تتخللها الشهقات والصراخ والدموع والإغماءات، وقد ملأ بها الجزء الرابع من الإحياء .. ومنها أن عتبة الغلام كان : ( يقطع الليل بثلاث صيحات . ) وفصَل القول في هذه العبادة الصوفية المزعجة، وقال أن أصحاب الحديث اجتمعوا على باب الفضيل بن عياض : (  فاطلع عليهم من كوة وهو يبكي ولحيته ترجف،فقال : عليكم بالقرآن عليكم بالصلاة ويحكم ليس هذا زمان حديث إنما هذا الزمان بكاء وتضرع .! ).  ولم ير الغزالي فيما فعله الفضيل رياء ولا تصنعاً .  ويروي الغزالى : (  قال صالح المرسي قدم علينا ابن السماك مرة ، فقال أرني شيئاً من بعض عجائب عُبّادكم ، فذهبت به إلى رجل في خصٍ له فاستأذنا عليه، فإذا رجل يعمل خوصاً فقرأت عليه " إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون" فشهق الرجل شهقة وخر مغشياً عليه، فخرجنا من عنده وتركناه على حاله وذهبنا إلى آخر، فدخلنا عليه، فقرأت عليه هذه الآية فشهق شهقة وخر مغشياً عليه ، فخرجنا من عنده وتركناه على حاله ، وذهبنا إلى آخر فقرأت عليه هذه الآية فشهق شهقة وخر مغشياً عليه، وتركناه على حاله وذهبنا إلى آخر فقرأت عليه هذه الآية شهق شهقة وخرجنا من عنده.. إلخ .." إلى أن يقول ثم أتيت به إلى السابع فاستأذنا فإذا إمرأة من داخل الخوص تقول ادخلوا، فدخلنا فإذا شيخ فانٍ جالس في مصلاة ، فسلمنا عليه فلم يشعر بسلامنا ، فقلت بصوت عال : ألا إن للخلق غداً مقاماً، فقال الشيخ : بين يدي من ويحك؟، ثم بقى مبهوتاً فاتحاً فاه شاخصاً بصره يصيح بصوت له ضعيف : أواه. أواه.. حتى انقطع ذلك الصوت، فقالت إمرأته اخرجوا فإنكم لا تنفعون به الساعة.. إلخ ..) . وذلك السيرك الذي حكاه الغزالي انتهى بموت بعض المتواجدين  في الأسطورة، ذلك أن الصياغة سترت المبالغات والتصنع بهذا الثوب العاطفي . ولكى تزيد جرعة العاطفة كانت بعض الروايات  تنتهى بموت البطل لتستدر المزيد من التآثروالدموع ، فالنورى سمع منشداً يقول :

          لا زلت أنزل من ودادك منزلاً          تتحير الألبـاب عند  نزوله

    يقول الغزالي: ( فلم يزل يعدو ( يجرى ) على أجمة قصب بقى أصلها حتى تشققت قدماه وتورمتا ومات من ذلك. )" وحكى أن صوفياً كان يتعشق جارية مغنية فغنت في مجلس طرب فقال لها:( أحسنت والله يا سيدتي أفتأذنين لي أن أموت؟  فقالت : مت رشداً . فوضع رأسه على الوسادة وأطبق فمه وغمض عينيه فحركناه فإذا هو ميت.!!. وقال صالح المري:  قرىء" على رجل متعبد: يوم تقلب وجوهم في النار..الآية " فصعق ثم أفاق،فقال زدني فقرأت " كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها " فخر ميتاً. وآخر قرأ في صلاته " فإذا نقر في الناقور" فخر مغشياً عليه ومات. )

الوجد دين التصوف:

   ولا يكتفي الغزالي بهذه الأمثلة بل يفتري حديثاً يتلخص فى أن حبشياً تاب على يد الرسول من الفواحش ثم سأل الرسول : أكان ربي يراني وأنا أعمل الفواحش فقال له نعم " فصاح الحبشي صيحة خرجت فيها روحه " ويقول العراقي الذي يُخرّج أحاديث الأحياء عن ذلك الحديث لم أجد له أصلاً[37]. أى أن الغزالي هو الذي اخترعه.  وواضح أن عناية الغزالي بالوجد إلى هذا الحد تجعل  منه ذروة السلوك الصوفي وشديد الإلتصاق بدين التصوف ، ويؤيد ذلك ما يرويه الطوسي " إن أصل المعرفة – أى الاتحاد الصوفي – موهبة، والمعرفة نار،والإيمان نور والمعرفة وجد ، والإيمان عطاء[38].

   والغزالي يعلق على أسطورة موت النوري حين تواجد جرياً على جذور القصب فيقول: ( فقد رؤى من غلب عليه الوجد فعدا على النار وعلى أصول القصب الجارحة للقدم وهو لا يحس به لفرط غلبة ما قلبه" [39].

   وتواجد الصوفية يظهر أثناء حديثهم العادي الذي يرتفع صياحاً بلا مبرر عقلي ، إلا إنهم أضفوا عليه  طابع الوجد ليكتسب قدسية عند المريدين ، من ذلك ما يرويه أحدهم " قلت لأبي يزيد البسطامي حدثناً عن مشاهدتك من الله تعالى ، فصاح ، ثم قال : ويلكم لا يصلح لكم أن تعلموا ذلك")أى لا بد أن يصيح ويزعق و ( يتواجد ) ليزداد الايمان بما يقول .  وحكى أبو يزيد عن تلك المشاهدات يقول الراوي : ( فهالتني ذلك وامتلأت به وعجبت منه فقلت يا سيدي لم لا سألته المعرفة به .. فصاح بي صيحة وقال : اسكت ويلك غرت عليه مني، حتى لا أحب أن يعرفه سواى " [40]. فالبسطامي يصيح ويتواجد ويصطنع الجذب والجنون كلما سئُل ليؤكد اسطورته.

 ويروي الغزالي أن أبا تراب النخشبي ( كان يخدم مريداً يقوم بمصالحه فقال له أبو تراب مرة : لو رأيت أبا يزيد فقال إني عنه مشغول " فلما أكثر عليه أبو تراب من قوله : لورأيت أبا يزيد،  هاج وجد المريد،فقال ويحك ما أصنع بأبي يزيد قد رأيت الله فأغناني عن أبي يزيد ،قال أبو تراب فهاج طبعي ولم أملك نفسي، فقلت ويلك تغتر بالله عزرجل لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة [41]والشاهد في النص هو هيجان المريد وهيجان شيخه وشطح كل منهما حين هاج.. والهياج هو الوجد، وهو دين التصوف.

ولأن الوجد دين عندهم فكانوا يزعمون أنهم لا يقبلون فيه رياء ولا تصنعاً مع أنه قائم عندهم على الرياء والتصنع. يروي الغزالي أن رجلاً صاح في مجلس الشبلي – وهو أحد رواد الوجد – ورمى الرجل بنفسه في دجلة فقال الشبلي عنه " إن كان صادقاً فالله تعالى ينجيه كما نجى موسى، وإن كان كاذباً فالله يغرقه كما أغرق فرعون"[42].

تواجد العوام

   والغزالي استنكف من انتشار الوجد بين العوام، وقيام بعض المنشدين بإثارة عواطفهم،فذكر أن بعضهم كان يتكسب: ( بالأشعار الغريبة " والكلام المنثور المسجع مع حسن الصوت ، والشعر الموزون أشد تأثيراً في النفس لا سيما إذا كان فيه تعصب يتعلق بالمذاهب كأشعار مناقب الصحابة، وفضائل أهل البيت،أو كالذي يحرك داعية العشق من أهل المجانة لصنعة البطالين في الأسواق ). وواضح أنه لم يشأ تصنيفهم ضمن الصوفية مع أنهم يمارسون ما يدعو إليه الغزالي .بل أنه يناقض نفسه حين يهاجم العوام المتواجدين فيقول ناسياً أقاويله السابقة عن الوجد : ( اغتر عوام الخلق وأرباب الأموال والفقراء بحضور مجالس الذكر، واعتقدوا أن ذلك يغنيهم ويكفيهم، واتخذوا ذلك عادة ،ويظنون أن لهم على مجرد سماع الوعظ دون العمل ودون الإتعاظ أجراً وربما يغتر بما يسمعه من الواعظ من فضل حضور المجلس وفضل البكاء،وربما تدخله رقة كرقة النساء فيبكى ولا غرم ، وربما يسمع كلاماً مخوفاً فلا يزيد على أن يصفق بيديه ، ويقول يا سلام سلم ، أو نعوذ بالله سبحان الله ، ويظن أنه قد أتى بالخير كله " [43].

  تشريع الرقص دينا للتصوف

   رفض الغناء العلمانى العادى وتأويله وتحويله الى سماع صوفى :

1 ــ   وحفلات الرقص الديني لا بد أن تحتاج إلى شعر وموسيقى حتى تتناسق حركات الرقص معهما .

   ويرى الغزالي أن العوام تستغرقهم الشهوات الحسية فلا يصلون إلى التجريد الصوفي ومحاولة الوصول للإتحاد بالله ، يقول : ( والمجلس لا يحوي إلا أجلاف العوام وبواطنهم مشحونة بالشهوات وقلوبهم غير منفكة عن الإلتفات إلى الصور المليحة ،فلا تحرك الأشعار من قلوبهم إلا ما مستكن فيها، فتشتعل فيها نيران الشهوات فيزعقون ويتواجدون. ). والغزالي لا يرضي عن ذلك التواجد العامي ( العلمانى ) لأنه يخلو من عقائد التصوف حين تتحول عبارات العشق البشري إلى اتحاد وحلول، يقول: (  ولو حوى المجلس الخواص الذين وقع الإطلاع على استغراق قلوبهم بحب الله تعالى ولم يكن معهم غيرهم فإن أولئك لا يضر معهم الشعر الذي يشير ظاهره إلى الخلق فإن المستمع ينزل كل ما يسمعه على ما يستوي على قلبه"[44]. أى أن الصوفية يؤولون كلمات العشق والحب لتنطبق عندهم على الله جل وعلا. العوام يفهمون عبارات الحب والعشق على أصلها وهى أنها عن المحبوب من البشر ، وهذا لا يُعجب الغزالى ، ولا يعتبره سماعا صوفيا إلا بحضور شيخ صوفة يقوم بتأويل المعانى والتفكر فيها لتنطبق على الخالق جل وعلا.!!.  وعلى ذلك تتحول عبارات العشق البشري للذات الإلهية على نحو ما صرح به ابن عربي وابن الفارض فيما بعد.

2 ــ وأسهب الغزالي في توضيح الصلة بين الذوق الصوفي والموسيقى في حفلات الرقص إلى أن يقول : (  وفي النفس أحوال غريبة هذا وصفها ، بل المعاني المشهورة من الخوف والحزن والسرور إنما تحصل في السماع عن غناء مفهوم ، وأما الأوتار وسائر النغمات التى ليست مفهومة فإنها تؤثر في النفس تأثيراً عجيباً ، ولا يمكن التعبير عن عجائب تلك الآثار ، وقد يعبر عنها بالشوق ولكن شوقه لا يعرف صاحبه المشتاق إليه فهو عجيب ، والذي اضطرب قلبه بسماع الأوتار . ليس يدرى إلى ماذا يشتاق ويجد في نفسه حالة كأنها تتقاضى أمراً ليس يدري ما هو حتى يقع ذلك للعوام.." [45].

تشريع الرقص الدينى فى السماع الصوفى

1 ــ  ويحاول الغزالي شرح فلسفة الرقص الصوفي المتأثر بالألحان فيقول: (  سئل بعضهم عن سبب حركة الأطراف بالطبع على وزن الألحان والإيقاعات ، فقال ذلك عشق عقلي ، والعاشق العقلي لا يحتاج إلى أن يناغي معشوقه بالمنطق الجرمي ( أى بالعضاء الجسدية ) ، بل يناغيه ويناجيه بالتبسم واللحظ والحركة اللطيفة بالحاجب والجفن والإشارة ، وهذه نواطق أجمع إلا أنها روحانية إلا أن العاشق البهيمي فإنه يستعمل المنطق الجرمي ليعبر به عن ثمرة ظاهر شوقه الضعيف وعشقه الزائف" [46].  ومعناه أن الرقص الصوفي عند الغزالي لا يقتصر على حركة الأطراف من أيدي وأقدام وإنما يمتد إلى الحواجب والأجفان والفم والإبتسام ، ومعلوم أن هذه الحركات مرفوضة في البيئات الشرقية لأنها تعبر عن الخلاعة والإثارة الجنسية ، وقد أحس الغزالي بهذا فحاول ان يبرىء الرقص الصوفي من هذه الخلاعة وان يلصقها فقط بالعوام ، إلا أنه لم يضع في كتابه فاصلا يميز بين شخص عامي وآخر صوفي ، اللهم إلا أننا نعرف أن الغزالي يتهم معاصريه بالعامية ويصف أشياخه بالقدسية والخصوصية .

2 ـ وقد جعل الغزالي الأدبين الرابع والخامس من آداب الوجد مختصين بالرقص . فالأدب الرابع: (  ألا يقوم ولا يرفع صوته بالبكاء وهو يقدر على ضبط نفسه ، ولكن إن رقص وتباكى فهو مباح إذا لم يقصد به المراءاة ، لأن التباكي استجلاب الحزن، والرقص سبب في تحريك السرور والنشاط، فكل سرور مباح فيجوز تحريكه، والرقص يكون لفرح أو شوق فحكمه حكم مهيجه، إن كان مذموماً فهو مذموم. ) . والغزالي هنا يستعمل أسلوب الفقهاء في التشريع من المباح والمذموم والجائز،ويخشى أن يختلط الرياء بعبادة الرقص فيحبط ثمرة هذه العبادة. ثم يحاول أن يفرق بين رقص العوام العلمانى ورقص الصوفية الدينى فيقول عن الرقص العلمانى من العوام : (  نعم لا يليق اعتياد الرقص بمناصب الأكابر وأهل القدوة ،لأنه في الأكثر يكون عن لهو ولعب ،وما له صورة اللهو واللعب في أعين الناس فينبغي أن يجتنبه المقتدى به لئلا يصغر في أعين الناس، فيترك الإقتداء به . ) .

3 ــ    وعن عادة الصوفية في الوجد بتمزيق الثياب عند الرقص يقول الغزالى : (  وأما تمزيق الثياب فلا رخصة فيه إلا عند خروج الأمر عن الإختيار ، ولا يبعد أن يغلب الوجد بحيث يمزق ثوبه وهو لا يدري لغلبة سُكر الوجد عليه ، أو يدري ولكن يكون كالمضطر الذي لا يقدر على ضبط نفسه،وتكون صورته صورة المكره ،إذ يكون له في الحركة والتمزيق متنفس فيضطر إليه اضطرار المريض إلى الأنين ، ولو كُلّف الصبر عنه لم يقدر. فإن قلت فما تقول في تمزيق الصوفية الثياب الجديدة بعد سكون الوجد والفراغ من السماع فإنهم يمزقونها قطعاً صغاراً ويفرقونها على القوم ويسمونها الخرقة؟ فاعلم أن ذلك مباح إذا قطع قطعاً مربعة تصلح لترقيع الثياب والسجادات. ) . والغزالي هنا يحاول الدفاع بأسلوب الفقهاء عن تمزيق الثياب وتخريقها حين يتصنع الصوفية الوجد. ثم يقول عن الأدب الخامس: (  موافقة القوم قي القيام إذا قام واحد منهم في وجد صادق من غير رياء وتكلف، أو قام باختيار من غير إظهار وجد، وقامت له الجماعة فلابد من الموافقة . فذلك من آداب الصحبة. وكذلك إن جرت عادة طائفة بتنحية العمامة على موافقة صاحب الوجد،إذا سقطت عمامته أو خلع الثياب إذا اسقط عنه ثوبه بالتمزيق ، فالموافقة في هذه الأمور من حسن الصحبة والعشرة، إذ المخالفة موحشة . ولكل قوم رسم ولابد من محالفة الناس بأخلاقهم. ) ،  أى إذا رمى الشيخ عمامته فلابد أن يرموا عمامتهم،وإذا خلع ثيابه فليخلعوا ثيابهم.

4 ــ    ويقول عن الرقص الفاتر الذي لا حماس فيه والذى يخلو من ( الوجد ) : (  ومن الأدب ألا يقوم للرقص مع القوم إن كان يستثقل رقصه، ولا يشوش عليهم أحوالهم،إذ الرقص من غير إظهار التواجد مباح، والمتواجد ( أى المتظاهر بالوجد ) هو الذى يلوح للجميع منه أثر التكلف.  سئل بعصهم عن الوجد الصحيح، فقال صحته قبول قلوب الحاضرين له إذا كانوا أشكالاً غير أضداد " ، واستدل الغزالي على إباحة الرقص بما ورد في أن عائشة كانت تنظر للحبشة في لعبهم، وأن علياً حجل ومثله جعفر ويزيد بن حارثة، وقال أن الحجل هو الرقص [47]. ونسى أن الرقص الذي يدعو إليه رقص ديني يعتقد أصحابه أنه يقربهم لله زلفى. أى أنه عندهم ذكر الله واتحاد به في زعم عقائدهم .

السماع والرقص ودين التصوف وعلمه اللدنى :

1 ــ الرقص هو حركات الجسد  المتناسقة مع الأنغام والأشعار في حفلات السماع. وقد سبق الإشارة إلى أن هدف السماع الصوفي هو الإحساس بالإتحاد بالله ، والغزالي يجعل الحالة الرابعة من السماع : (  سماع من جاوز الأحوال والمقامات، فغرب عن فهم ما سوى الله تعالى حتى غرب عن نفسه وأحوالها ومعاملاتها ، وكان كالمدهوش الغائب في بحر عين الشهود،الذي يضاهي حاله حال النسوة اللآتي قطعن أيديهن في مشاهدة جمال يوسف، وعن مثل هذه الحالة تعبر الصوفية بأنه قد فنى عن نفسه،ومهما فنى عن نفسه فهو عن غيره أفنى، فكأنه غنى عن كل شيء إلا عن الواحد المشهود . ) .  ثم يقول مشيراً للحلاج الذي أعلن الإتحاد فكان سبب مقتله: (  وهذا مقام عن مقامات علوم المكاشفة، منه نشأ خيال من ادعى الحلول والاتحاد وقال أنا الحق . وحوله يدور كلام النصارى في دعوى اتحاد اللاهوت بالناسوت أو تدرعها بها، أو حلولها فيها على ما اختلف فهم عباراتهم [48].) وهنا يربط الغزالي بين السماع والهدف منه ، وهو الحلول والإتحاد، والسماع عندهم مرتبط بالعشق الإلهي ، وقد حاول الغزالي أن يقرب هذه الفكرة فقال : (  ولعلك تقول كيف يتصور العشق في حق الله تعالى حتى يكون السماع محركاً له؟ فاعلم أن من عرف الله أحبه لا محالة،ومتى تأكدت معرفته تأكدت محبته. والمحبة إذا تأكدت سميت عشقاً..) .

2 ــ  ثم يقول يصل العشق الصوفي بالجمال : ( واعلم أن كل جمال محبوب عند مدرك ذلك الجمال ، والله تعالى جميل يحب الجمال ، ولكن الجمال إذا كان بتناسب الخلق وصفات اللون أُدرك بحاسة البصر ، وإذا كان الجمال بالجلال والعظمة وعلو الرتبة وحسن الصفات والأخلاق وإرادة الخيرات لكافة الخلق وإفاضتها عليهم على الدوام إلى غير ذلك من الصفات الباطنة أُدرك بحاسة القلب. ) . ثم يصل بعد هذه المقدمة إلى اعتبار كل جمال في الكون هو جمال الله ليؤكد فكرة وحدة الوجود[49]..ويزعم أن الصوفي يحس بهذه المعاني في غمرة  وجده وانفعاله الراقص في حفلة السماع ، لذا يقول الغزالي في مقدمة هذا الكلام: ( ولعلك تقول كيف يتصور العشق في حق الله تعالى حتى يكون السماع محركاً له؟".).

3 ــ  ومن أجل ذلك كان الرقص وسيلة صوفية لاستمداد الكشف والعلم اللدني ، يقول الغزالي (  والسماع سبب لصفاء القلب ، وهو شبكة للحق بواسطة الصفاء ، وعلى هذا يدل ما روى عن أن ذا النون المصري دخل بغداد فاجتمع إليه القوم من الصوفية ، ومعهم قوَال ( مُغنّى ) فاستأذنوه في أن يقول شيئاً لهم، فأذن لهم ، فأنشأ يقول:

      صغير هواك عذبني    فكيف به إذا احتنكا

      وأنت جمعت في قلبي  هوى قد كان مشتركا

      أما ترثى لمكتئب؟  إذا ضحك الخلي بكى؟

فقام ذا النون وسقط على وجهه ثم قام رجل آخر،فقال له ذا النون : الذى يراك حين تقوم،فجلس ذلك الرجل،وكان ذلك إطلاعاً من ذى النون على قلبه أنه متكلف متواجد. فإذن قد رجع حاصل الوجد إلى مكاشفات وإلى حالات" [50]. . أى أن الوجد والرقص الصوفي يثمر العلم بالغيب لدى الصوفي الراقص .

 وفى العصر المملوكى

كان الاعتقاد سائداً بأن المغنى الصوفى فى السماع يأتيه الوحى، يقول ابن الحاج" وبعضهم يزعم أنه خوطب بأشياء فى سره"[51]،.  ويذكر الشعرانى أن للسماع أثراً كبيراً فى ورود الحقائق[52]، أى العلم اللدنى الغيبى .

كما ارتبط الرقص الصوفى بالكرامات فى العصر المملوكى، حيث شاع الاعتقاد فيها، ففى روض الرياحين أن بعض الأولياء أظهر كراماته أمام بعض السلاطين – الذي لا نعرف اسمه – وذلك بأن أقام السماع وأمر الفقراء بالدخول في النار ،وأقام سماعاً آخر وشرب فيه كأساً مسمومة[53]، وكان السمك في البحر يتراقص مع جماعة ابراهيم الدسوقي مما جعل بعض المنكرين يغمى عليه عندما شاهد ذلك [54]. وكان الرقص أحد الأسلحة السرية في أساطير الكرامات ففي مناقب الحنفي أنه عاقب أحد المنكرين عليه بأن مروا أمامه وهم يرقصون "فأخذ ذلك الفقير يتقايأ ، والناس ينظرون إلى ما يخرج من فمه قطعاً قطعاً وما زال على تلك الحالة حتى مات " [55].

 وصف الرقص كعبادة دينية فى مصر المملوكية  

حكايات عن الرقص قبل العصر المملوكي :

1 ــ وفي الإحياء أقاصيص عن الرقص يظهر فيها أن الصوفية كانوا يرقصون لأى شيء وفي أى مكان وبلا سبب منطقي سوى أنهم إتخذوا دينهم لهوا ولعبا طبقا لدينهم الصوفى . يروي الغزالي أن بعض الشيوخ مر في السوق فسمع واحداً يقول : " الخيار عشرة بحبة ، فغلبه الوجد  فسئل عن ذلك ، فقال : إذا كان الخيار عشرة بحبة فما قيمة الأشرار ".!!.. وكأنها نكتة..

واجتاز بعضهم السوق فسمع قائلاً يقول يا سعتريري،  فغلبه الوجد فقيل له على ماذا كان وجدك؟ فقال سمعته كان يقول : إسمع تربري. وسمع أعجمي بعضهم ينشد: وما زارني في الليل إلا خياله.. فتواجد، فسئل فقال أنه يقول : مازاريم وهوكا . فإن لفظ زار يدل على المشرف على الهلاك فتوهم أنه يقول  كلنا مشرفون على الهلاك[56].

   وفي اجتماعات الصوفية كان أى بيت من الشعر كفيلاً بأن يجعلهم يتراقصون، فقد أنشد بعضهم:

       واقف في الماء عطشان  ...     ولكن ليس يُسقى ..

    فقام القوم وتواجدوا [57]. وكان النوري في مجلس في دعوى فجرى بينهم مسألة في العلم والنوري

ساكت ،ثم رفع رأسه وأنشدهم :

       رب ورقاء هفوف في الضحى     ذات شجون صدحت في فنى

       ذكرت إلفُاً ودهراً صالحاً    وبكت حزناً فهاجت حزني

       فبكائى ربما أرقها         وبكاها    ربما   أرقني

     ولقد أشكوا فما أفهمها    ولقد  أشكو فما   تفهمني

    غير أني بالجوى أعرفها    وهى أيضاً بالجوى تعرفني

   يقول الغزالي " فما بقى أحد من القوم  إلا قام وتواجد، ولم يحصل هذا الوجد من العلم الذي خاضوا فيه"[58].

ولكى يستدر الغزالي عطف القارىءعلى هذا الرقص المستمر بسبب ودون سبب حكى هذه الأسطورة أن شاباً كان يصحب الجنيد فكان إذا سمع شيئاً من الذكر يزعق، فقال له الجنيد يوماً إن فعلت ذلك مرة أخرى لم تصحبني ، فكان بعد ذلك يضبط نفسه، حتى يقطر من كل شعرة منه قطرة ولا يزعق، فحكى أنه إختنق يوماً لشدة ضبطه ، فشهق شهقة وتلفت نفسه" [59]. ,, وإذن فمن المسموح لهم أن يرقصوا ويتواجدوا خوفاً عليهم من الهلاك .

2 ــ   وقبيل العصر المملوكي كان الصوفي المصري ابن الفارض" إذا سمع موعظة تواجد وغاب عن الوجود، وربما نزع ثيابه وألقاها وسمع قصاراً يقول : قطع قلبي هذا المقطع .. فما زال يصرخ ويبكي حتى ظن الحاضرون أنه مات "[60].

وحكى أنه كان ماشياً بالقاهرة " فمر على جماعة من الجرسية ( أى يحملون الجرس يدقون عليه ) يضربون بالناقوس ويغنون بهذين البيتين:

مولاى سهرنا نبتغي منك وصال    مولاى فلم تسمح فبتنا بخيال

مولاى فلم بطرف فلا شك بأن    ما نحن إذا عندك مولاى ببال

وهما من الشعر العامي الردىء ، ولكن يقول ابن الزيات راوى الحكاية" فلما سمع الشيخ صرخ صرخة عظيمة، ورقص في وسط السوق ورقص معه أناس كثيرون، وتواجد الناس إلى أن سقط أكثرهم على الأرض ، وخلع الشيخ كل ما كان عليه ورمى به إليهم ، وخلع الناس ثيابهم ،  وحُمل إلى الجامع الأزهر وهو عريان مكشوف الرأس "[61]!! أليس الولى بهؤلاء مستشفى المجانين ؟ ..!!

السماع والرقص في العصر المملوكي

1 ــ  أصبح الرقص لازمة من لوازم التصوف وشعيرة دينية للصوفية،يقول عنهم الجويني إمام الحرمين وأستاذ الغزالي : (  ما شُغل هؤلاء إلا الأكل والشرب والرقص )" [62]، ويقول الغزالي معترضاً على خصومه الصوفية الذين إعتبرهم منافقين وممن ادعى التصوف أنهم تشبهوا بأولياء التصوف فى السماع والرقص : ( في زيهم وهيئتهم وفي ألفاظهم وآدابهم ومراسمهم وإصطلاحاتهم ، وفي أحوالهم الظاهرة في السماع والرقص ..)" [63].  وعشنا مع الغزالي وهو يُشَرِع السماع ويُقعِد الوجد والتصوف ، وحين بدأ العصر المملوكي بدأ معه التصوف العملي الذى طبق النظريات السابقة التى أرساها فلاسفة التصوف بدءاً من الجنيد إلى الغزالي إلى ابن عربي.

2 ــ   وبعض الإجتهادات الصوفية في مجال السماع استلهمت أفكار الغزالي ولم تضف إليها جديداً يُذكر، حتى ابن خلدون نفسه يقول فى المقدمة متأثراً بالغزالي: ( يعين الشيخ للمريد ذكراً يشغل به لسانه وقلبه فيجلس ويقول : الله الله الله أو لا إله إلا الله .. ولا يزال يواظب عليه حتى تسقط حركة اللسان ويبقى تخيلها، حتى يسقط أثر تخيلها على اللسان،وتبقى صورة اللفظ في القلب ، حتى تنمحي صورة اللفظ من القلب ، ويبقى معناه ملازماً حاضراً قد فرغ عن كل ما سواه..)" [64].

3 ــ  ولكن اجتهد صوفية العصر المملوكي في مجال التطبيق فتوسعوا في استعمال الشبابة وهى ما يعرف الآن بالمزمار البلدي ولأهميتها مع "الطار" أو الدف فقد وصفها ابن خلدون بقوله " الشبابة قصبة جوفاء بأنجاش في جوانبها معدودة، ينفخ فيها فتصوت فيخرج الصوت من جوفها على سدادة من تلك الأنجاش ، وتقطع الصوت بوضع الأصابع على تلك الأنجاش ، وضعاً متعارف حتى تحدث النسب بين تلك الأصوات" [65].

وصف السماع والرقص :

1 ــ  وأصبحت حفلات السماع  الصوفية من معالم الحياة الاجتماعية في العصر المملوكي دليلاً على تأثر المجتمع بدين التصوف، يقول ابن الحاج يصف بعضها : ( إجتماعهم حلقات ، كل حلقة لها كبير يقتدون به في الذكر والقراءة ، والذاكر منهم في الغالب لا يقول لا إله إلا الله  بل يقول لا يلاه يلل، فيجعلون عوض الهمزة ياء وهى ألف قطع جعلوها وصلاً ، وإذا قالوا سبحان الله يحططونها ويرجعونها حتى لا تكاد تفهم" أى يحولون شهادة الإسلام إلى غناء . ويقول " وفي الجامع الأعظم يجتمع النساء والرجال في تلك الليلة الشريفة – 27 رجب – مختلطين بالليل مع خروجهن من بيوتهن على ما يعلم من الزينة والكسوة والتحلي" [66].

 2 ــ   ويصف ابن الحاج هيئة المنشد الصوفي: (  والمغني إذا غني تجد له من الهيبة والوقار وحُسن الهيئة والسمت، ويقتدي به أهل الإشارات والعبارات والعلوم والخبرات كلهم يسكت له وينصت . ).  ثم يتحدث عن هيئته حين ينهمك ويغني ويدخل فى ( الوجد ): (  فإذا دب معه الطرب قليلا حرّك رأسه كما يفعل أهل الخمرة سواء بسواء .. ثم إذا تمكن منه الطرب ذهب حياؤه ووقاره كما سبق في الخمرة ، فيقوم ، ويرقص ، ويعيط ، وينادي ، ويبكي ، ويتباكي ، ويتخشع ، ويدخل ، ويخرج ، ويبسط يده ، ويرفع رأسه نحو السماء كأنه جاءه المدد منها، ويخرج الرغوة أى الزبد من فيه، وربما مزق بعض ثيابه ، وعبث بلحيته ، فخرج بذلك عن حد العقلاء ، ويزعم أنه سلب عقله ، ولو صدق في دعواه لبقي علي تلك الحالة مدة طويلة ، لكنه يسكت سكوت المغني ، ويرجع إلي هيئته ويلبس ثيابه) "[67].

3 ــ ويقول ابن الحاج أن الغالب علي الصوفية في عصره حضور السماع والرقص فيه: ( حتي كأن ذلك شرط السلوك ، وبعضهم يدعي أنه يفتح عليهم في حال رقصهم ، وتأخذهم الأحوال. ) . ولأنه رقص ديني كانوا يمارسونه في دور العبادة يقول ابن الحاج: ( وبعضهم يتعاطي السماع في المسجد ، ويرقصون فيه ، وكذلك يفعلونه في الرُّبط )(جمع رباط) والمدارس"[68].

4 ــ   ويصف ابن الحاج كيفية الرقص الدينى في عصره: ( والرقص بضرب الأرض بالأقدام ، أو بالأكمام عند سماع الأصوات الحسان من المُرد والنسوان. ).  ومعناه أن بعض المنشدين كانوا من النساء والصبيان والشباب والمردان المفوم إتخاذهم للشذوذ الجنسى ( ولا يزال هذا سائدا فى أفغانستان ).

ويقول ابن الحاج عن الآلات الموسيقية في ذلك الرقص الديني: (  وضرب الكار والشبابة ، ويسجد الفقير ( الصوفى ) للشيخ حين قيامه للرقص وبعده كعادة في السماع [69]. . وذلك يصلنا بما سبقت الإشارة إليها من تحول السماع في العصر المملوكي إلى عبادة للشيخ. وهذا الرقص لا يزال مُتّبعا حتى الآن فى بعض بلدان المحمديين الصوفية .

5 ـ وطبقا لما أورده الشعرانى ، فقد كان لأشياخ التصوف في العصر المملوكي حريتهم في إبتداع ما يشاءون في الذكر والرقص ، ومن قواعد الصوفية أن المسلوب أو المجذوب عند السماع : (  مع ما يرد عليه من الأسرار، فقد يجري على لسانه الله الله الله ، أو هو هو هو ، لا لا لا ، أو آه آه آه ، أو عا عا عا عا عا ، آ آ آ آ ، هـ هـ هـ هـ أو ها ها ها  أو صوت يغير حرف أو تخبيط )  [70]. يعني يغني ويصرخ بأى كيفية حتى لو قلد الحيوانات أو النساء .

    ويذكر العيني في ترجمة  أحمد بن أبو الوفا ت  814 أنه " كان يذكر مع طائفته عقيب كل صلاة بذكر ابتدعه هو ووالده من قبله"  [71]. أى تميز بطريقته  الصوفية بلحن خاص ورقص معين . ومثله شمس الدين الحنفى الذى كان "إذا ركب يذكر الله بين يده جماعة كطريقة مشايخ العجم ، وكان يجعل من حلقة جماعة كذلك ، يذكرون الله تعالى بالتوبة ،ويقول: هو شعارنا فى الدين ويوم القيامة ، وكان الناس إذا سمعوا حسهم من المساجد أو الدور يخرجون ينظرون إليهم"[72].  أى لم يكتفوا بالمؤسسات الدينية وإنما كانوا يطوفون بالشوارع راقصين ولا يزال ذلك سائداً حتى الآن فى مناسبات الموالد. ويقول الشعرانى عن الحنفى "وكان سيدى محمد يأمر أصحابه برفع الصوت بالذكر فى الأسواق والشوارع والمواضع الخربة المهجورة " [73].

   واستمرت حلقات الذكر بالسماع الصوفى وملحقاته من وجد ورقص ، يقول كلوت بك فى العصر العثمانى: ( ومن أغرب حفلاتهم حفلة الذكر ،الذى يتلخص فى تكرارهم لفظ الجلالة مع تحريك الرأس والجسم تحريكاً متصلاًغير منقطع،وهذه الحركات المترادفة تؤثر فيهم فلا يلبثون أن يقعوا على الأرض ،وفى هذه الأثناء التى يبلغ الهياج في نفوسهم أثناءها مبلغه الأقصى ويرون فيه الدليل المحسوس على ولايتهم يعتدون على بعضهم البعض بصنوف الأذى والتمثيل،وربما نجم عن أفعالهم موت البعض منهم فيذهب فريسة الجهل والضلال"[74]. أى كان يبلغ الوجد به درجة الإقتتال.

حفلات الرقص والسماع فى مصر المملوكية   

 كانت حفلات السماع أكبر تطبيق عملى لعبادة السماع فى العصر المملوكى

 حفلات سماع أقامها المماليك:

1 ـ وكانت حفلات السماع شيئا عاديا لا يستحوذ على إهتمام المؤرخين إلا إذا إرتبط بحدث هام ، كأن يقيمه السلطان بنفسه، فقد ذكرت الحوليات التاريخية بعض حفلات السماع المملوكية الرسمية، ففي حوادث سنة 790": ( وفيه عمل السلطان ـ برقوق ـ المولد النبوى بالقصر على العادة، وأقيم السماع بابراهيم بن الجمال وأخيه يشبب.) أو أن تحدث فاجعة ، ففى نفس العام 790 كان مقتل أشهر مطربى السماعات وقتها ( ابراهيم بن الجمال وأخوه شبيب ) : ( وفي ليلة الأربعاء ثانى عشرة حضر ابنا الجمال المذكورين عند بعض أهل مصر مولداً، فلما أقيم السماع سقط البيت بمن فيه فمات ابنا الجمال مع ستة أنفس وسلم من عداهم . )"[75].

2 ـ    وفي حوادث سنة 818"ركب السلطان ـ المؤيد شيخ ـ في ليلة الجمعة إلى الخانكاه ـ سرياقوس ـ وعمل مجتمعاً حضره عشر جوق من قراء القرآن وعدة من المنشدين،ومدت لهم أسمطة جليلة،ثم أقيم السماع بعد فراغ القراء والمنشدين طول الليل، فكانت ليلة غراء مدت فيها أنواع الأطعمة وأنواع الحلاوات، وطيف على الحاضرين بالمشروب من السكر المذاب ، وأنعم السلطان على القراء والمنشدين وصوفية الخانكاه بمائة ألف درهم"[76].

3 ــ وبعض الأمراء أقام سماعات تكريماً لأشياخ التصوف ففي حوادث سنة 740"وفيها قدمت طائفة من العجم لهم زى غريب على رءوسهم أقباع طوال جداً من فوقها عمائم مضلعة كهيئة الطرطور، ولهم شيخ يعرف بالشيخ زاده، فاحتفل به الأمير قوصون وأنزلهم بخانقاته( خانقاة قوصون ولا تزال باقية )، وعمل لهم فيها عدة أوقات، ثم تحدث قوصون مع السلطان ـ الناصر محمد ـ في أمرهم ، فولى زاده مشيخة الخانقاه الركنية بيبرس فباشرها، وعمل بها في كل ليلة جمعة سماعاً قام به الأمير قوصون. )"[77]. أى إن شهرة هذه الصوفى الايرانى فى عمل الحفلات سبقته فحاز على استقبال رائع ، وأصبح شيخ الخانقاة الركنية بيبرس ، وأصبح يقيم حفلا اسبوعيا تحت رعاية الأمير قوصون . 

حفلات سماع أقامها الصوفية:

1 ــ  كان الشيخ العينتابى يقيم سماعا ًفي زاويته كل ليلة جمعة[78].   واعتاد الكثيرون المبيت في زاوية شمس الدين الحنفى لحضور السماع فيها [79]. وكانت"الأوقات" أى السماعات تقام في زاوية الشيخ الحلاوى. وبعد موته استمر أولاده في عملها واشتهروا بها[80]. وجمع الشيخ أسلم الأصفهانى في خانقاه سرياقوس ( أراذل الناس وأصحاب المغانى والملاهى ) وكان يعمل السماع بهم[81]. . وكان المازرونى يعمل السماع في ضريح عمر بن الفارض بالآلات الموسيقية[82].   وواظب الناس على الحضور عند أحمد وفا خصوصاً في ليالى الجمع حيث كان يعقد السماع: ( وكانوا يجتمعون ، وعندهم الوعاظ والمنشدون ، ولا يزالون يرقصون طوال الليل. ) [83].

2 ــ وكان عمل السماع إحدى الطرق الصوفية في الشهرة بين الناس، يقول المؤرخ ابن حجر أن الشيخ أمين الخلوتى قدم مصر سنة 780 ( فشرع في عمل السماعات وإنفاق ما يدخل عليه من الفتوح على إقامة السماعات فانثال عليه الزائرون والمعتقدون واشتهر حاله ) [84]  . وعن طريق السماع وصل بعضهم للقضاء فالقاضى ابن فضل الله كان في مبدأ أمره يلبس القماش الفاخر "ويعمل السماعات"[85].

أقاصيص عن السماعات المملوكية:

1 ــ   وترددت قصص في المصادر التاريخية عن حفلات شهيرة للسماع، فالشيخ عمر السنجارى مات رقصاً، وسبب موته أن الفقراء اجتمعوا في زاوية الشيخ الحضارى ( فأنشد القوّال ..فتواجد الشيخ السنجارى ، وقام، وقعد ، ووقع إلى الأرض ، فانقطع حسُّه ، فحركوه فإذا هو ميت.! ) [86].

   وأقيم سماع لوفاة أحد الأشياخ ، واستدعوا الشيخ فخر الدين الفارسى ليحضر بزاوية الغرابلى وأحضروا مغنياً مشهوراً يقال له الفصيح ،فاجتمع غالب  الناس لسماعه ، ثم حضر فخر الدين الفارسى: ( وكانت له حُرمة عظيمة ومعه أصحابه بين يديه، فأشار الشيخ بإبطال الفصيح ، وأنكر وجوده ، فهرب الفصيح هربا ًمن الشيخ ، فاستاء الناس لذلك، وعلم الشيخ منهم الإستياء لذهاب الفصيح ،فقال لفقير من أتباعه : " قُم فطيب القوم" ، فقام وأنشد، فقام الشيخ فخر الدين ووضع عمامته على الأرض، وحجل بهيبته وحرمته بوجد واستغراق ، فلم يبق في المجل س إلا من طاب ،وكشف الخلائق رءوسهم ، وصاروا صارخين متعجبين من صنع الله تعالى ،وكيف عوضهم الله أفضل مما فاتهم. )"[87].

وواضح الأثر الدينى في السماع الذى عقد في مناسبة وفاة أحد الأشياخ، ورقص الشيخ فخر الدين فرقصوا وراءه جماعة. ولقد كان كشف الرأس وقتها عند الحزن الشديد أو فى التجريس و التعذيب ، وبالتالى فإن كشف الرأس دليلا على الوجد من شيخ صوفى ( له حُرمة ــ أى محترم ) عندهم له دلالة على التأثر بالمطرب .

محبو السماع والرقص من الصوفية فى العصر المملوكى :

1 ــ روى أن الشاذلى سمع رجل يقول لصاحبه: يا فلان رأيت فلاناً يسىء معك العشرة وأنت له محسن ، فقال هو من بلدى وأقول ما قاله مجنون ليلى :

    رأى المجنون في البيداء كلباً          فجر له من الإحسان ذيلاً

     فلاموه على ما   كان   منه          وقالوا كم أنلت الكلب نيلاً

    فقال دعوا الملامة أن عينى           رأته مرة في حىّ ليلى

   وكان الشيخ في محارة أى مركب فلما سمع الشعر أخرج رأسه منها وقال : أعد يا بنى ما قلت ،فأعاد فتحرك الشيخ في المحارة وقال :دعوا الملامة أن عينى .. وجعل يكررها ورمى له بغفارته[88]" واعتبر ابن عياد هذه الواقعة من مفاخر الشاذلى.

2 ــ وقد وصف الكثيرين بحب السماع وحضوره ،ومنهم الشيخ المدلجى الذى "كان زاهداً متصوفاً يحب السماع ويحضره"[89]. والشيخ بهاء الدين الكارزونى الذى" أوصى أن يخرجوا به إلى قبره بالدف والشبابة "[90]أى يرقصون في جنازته. ورددت المصادر التاريخية شهرة الشيخ قنبر العجمى (ت801)"بحب السماع والرقص مع إعراضه عن الدنيا وزهده"[91]. وكان يحيى الصنافيرى "يجتمع على السماع ويأمر أصحابه بالحضور فيه"[92]. وتسلل أحدهم من خلف شيخه لسماع مغنيه، فلما عرف شيخه سبب غيابه قال"أمرها عندى خفيف"[93]قياساً على السماع الصوفى، وكان الشيخ ابراهيم المجذوب "كلما حصل فلوساً يعطيها للمطبلين ويقول : ( طبلوا لى زمروا لى )[94].

3 ــ واشتهر الكثيرون من الأولياء في مجال الرقص. "والمطاوعة ( طائفة صوفية مشهورة وقتها ) يرون الرقص في المساجد والتصفيق قربة عظيمة( أى عبادة عظيمة )  ويعتقدون حل ذلك" "ويجتمعون على ضرب الدف في المساجد ويطربون عليه" على حد قول المؤرخ السخاوى[95]. ويرى أبو العباس المرسى العجب من ذلك الذى يمسك حاله في السماع يقول: ( قيل لبعضهم : مالك لا تتحرك في السماع أمس؟ فقال أنه كان في الجمع الكبير فاحتشمت منه ولو أنى خلوت وحدى لأرسلت وجدى وتواجدت ،فانظر كيف كان زمام حاله بيده يمسكه إذا شاء ويطلقه إذا شاء"[96].

4 ــ  والرقص كان في العصر المملوكى هو الحركة المنتظمة للوجد مع الموسيقى والمتأثرة بإنشاء المغنى ، وحتى من ارتدى زى الفقهاء من الصوفية كالشعرانى قال يشرع الرقص في الذكر: ( ينبغى للرجل إذا قال لا إله إلا الله يهتز من فوق رأسه إلى إصبع قدميه، وهذه حال يستدل بها على أنه سالك فيرجى له التقدم إلى أعلى منها. ) .وقد سبق إيراد ذلك في عرضنا كتابه "لبس الخرقة والتلقين".

5 ــ وبعض المصادر وصفت كيفية سماع بعضهم ،فالشيخ اسحق الرقى ت703" ربما حضر السماع مع الفقراء بأدب وحسن قصد"[97]والشيخ خلف أحد أصحاب البدوى "كان إذا استمع ملخ الشجرة الكبيرة بيده"[98]. وابن عبد الظاهر الأخميمى"كان يحضر السماع ويقع له فيه أحوال عجيبة"[99]. والشيخ شهاب الدين الجوهرى "كان يحب التواجد في السماع"[100].

كما وصفت بعض المصادر كيفية رقص بعضهم ،فالشيخ أبو المواهب الشاذلى "كان يغلب عليه سُكر الحال فينزل يتمشى ويتمايل ــ كالسكران ــ في الجامع الأزهر ،وكان كلامه ينشد في الموالد والإجتماعات والمساجد على رءوس العلماء والصالحين فيتمايلون طرباً من حلاوته"[101].

ووُصف بعضهم بحُسن رقصه ،فقيل عن بعضهم: ( لرقصه في السماع خفر ، ولأخيه ابراهيم الرياسة فيه ، ولم يعد بعدهما ما يدانيهما في الموسيقى والرقص وعمل الأوقات وجمع الفقراء . )" ، ( كان على رقصه في السماع خضر وهيبة، وأما أخوه ابراهيم فانتهت إليه الرئاسة في الرقص. )"[102]

بينما ذموا رقص البعض الأخر ،فالشيخ ضياء قال للشيخ القصار وهو يرقص في السماع: ( يا شيخ محمد أبخست الخرقة") [103].و( الخرقة ) تعنى الطائفة الصوفية التى ينتمى اليها.

محبوا السماع والرقص من غير الصوفية في العصر المملوكى:

1 ــ وانتشر السماع ورقصه الدينى في العصر المملوكى وأدمنه الكثيرون من غير الصوفية ،"وسلطان العلماء" فى العصر المملوكى عز الدين بن عبد السلام "كان يحضر السماع والرقص"[104]. وإذا كان سلطان العلماء يرقص في السماع فلا حرج على غيره من سلاطين الدنيا؟.

2 ــ والسلطان المؤيد شيخ كان مغرماً بحضور السماعات يحضرها بنفسه: ( وتقوم الصوفية تتراقص وتتواجد بين يديه،  والقوَال يقول وهو يسمعه،ويكرر منه ما يعجبه من الأشعار الدقيقة )"[105].

وكان يحدث تنافس بين المغنيين ويتدخل فيه السلطان إذا كان متعصباً لأحدهم ضد الآخر ،فابن رحاب المغنى "عمل سماعاً في باب الوزير ،فقامت في تلك الليلة هرجة حصل فيها قتيل،فرسم السلطان بنفى ابن رحاب، فشفع فيه القاضى ابن جلود فعاد، وكان السلطان يميز ابن الجندى المغنى عن ابن رحاب في الغناء"[106].

3 ــ والأمراء المماليك اشتهر بعضهم بحضور السماعات مثل يونس النوروزى الذى ( كان محبا للفقراء ويحضر السماع ويشغف به)  "[107]. ومنكلى بغا ت836 أحد الحجاب ( كان يحضر مجالس الفقراء ويرقص في السماع ويميل إلى التصوف) [108]. والقواس "كان يصحب الفقراء ويسافر البلاد ويدخل الزوايا ويتواجد في سماعات الفقراء "[109]. واشتهر بعض الأمراء في مجال الرقص الصوفى مثل الأمير الحجازى الذى "كان خفيف الحركة في الرقص"[110].

بل إن المصادر التاريخية أشارت إلى كيفية رقصهم ، فالأمير متكلى بغا كان ( يحضر السماعات ويرقص فيها داخلاً على قاعدة القوم) [111]. أى ملتزماً بطقوس التصوف في الرقص .أما الأمير طاجار الناصرى فيقول عنه المؤرخ المملوكى أبو المحاسن ـ وهو لصيق بالمماليك ـ أنه "كان يحضر السماع ولا يملُّ من الرقص ، حتى أنه كان ينزل من الخدمة فيعمل سماعاً ويرقص إلى أن يجىء وقت الخدمة فيطلع إلى القلعة ، وقيل أنه كان يركب البريد في الأمر المهم، فإذا نزل ليستريح قام يرقص إلى أن يركب"[112].

  والتصوف هو الذى جعل جندياً مثل طاجار الناصرى يدمن الرقص إلى هذا الحد حتى يظل في حالة رقص مستمر لا يهدأ.

أخيرا

ومسئولية التصوف في أنه ربط الغناء والرقص بالدين وسماه سماعاً.. لذا ازدهر ما يعرف بالغناء الدينى في مصر والبلاد الإسلامية، ولم ير المتدينون فيه حرجا ، بينما إستنكروا الغناء العلمانى العادى ، وهو مباح . بل إن الرقص العارى الفاحش والغناء العادى الفاحش يظل فى دائرة اللمم ، أى صغار السيئات التى لا يخلو من الوقوع فيها بشر ، والتى يغفرها رب العزة لمن يجتنب الكبائر  .يقول جل وعلا : (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (31) النساء ) (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى (32) النجم )

أما الغناء الدينى الصوفى منه وغير الصوفى فهو عداء صريح للرحمن وإعتداء على جلاله ، ومن يموت به فهو ممّن سيقال لهم وهو فى النار يوم القيامة : (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) الاعراف ) .

جاءهم رب العزة بالقرآن الكريم مفصلا على علم ليكون هدى ورحمة لقوم يؤمنون فاتخذوا القرآن مادة للغناء . وندخل بهذا على ( جريمة التغنى بالقرآن الكريم فى مصر المملوكية ).

 جريمة التغنى بالقرآن الكريم فى مصر المملوكية.

 مقدمة: 

1 ـ أضافت الفتوحات العربية ملايين الخصوم الى الاسلام من أبناء الأمم المفتوحة . وما لبث بها أن تأسست أديان أرضية للمسلمين أصبحوا بها محمديين يفترون أحاديث شيطانية ينسبونها للنبى على أنها أحاديث نبوية . ووجهوا سهامهم للقرآن الكريم فيما يعرف بعلوم القرآن ومزاعم النسخ والتأويل والتفسير. وتطور الإستهزاء بآيات الله من بساطة العرب المشركين حين كانوا"يتخذون آيات الله هزواً" إلى اختراع ما يسمى بعلم التجويد والتنغيم وتحويل القرآن إلى نص شعرى يمكن التغنى به والتراقص عليه سخرية وهزوا . وهذا هو مجال التصوف الأساسى..

2 ـ   ومنذ بدأ التصوف في القرن الثالث الهجرى راجت آحاديث تشرع التغنى بالقرآن لصرف ذهن السامع عن التدبر في الآيات وليركز على صوت القارىء وتلاحين صوته وطريقة آدائه. ووجدت طريقها مبكرا منذ القرن الثالث الهجرى الى كتب الدين السنى نفسه . وفي "صحيح البخاري" أكثر كتب الآحاديث تقديساً عند السنيين وردت طائفة من هذه الآحاديث .ومنها "ما أذن الله لشىء ما أذن لنبى حسن الصوت بالقرآن يجهر به" ، "سمعت النبى يقرأ في العشاء والتين والزيتون فما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه" ،" رأيت رسول الله يوم الفتح على ناقة له يقرأ سورة الفتح فرجًع فيها وقال الراوى: لولا أن يجتمع الناس عليكم لرجعت كما رجًع قيل له كيف كان ترجيعه قال آ آ آ ثلاث مرات " ثم حديث : " ليس منا من لم يتغنى بالقرآن.."[113].

3 ــ وإذا كان أولئك قد افتروا أن الرسول نفى عن الإسلام من لم يحوله إلى أغنية فإن القرآن الكريم ــ وهو الكتاب الوحيد الواجب اتباعه- نفى عن الإسلام من لم يتلو القرآن حق تلاوته، يقول سبحانه تعالى(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (121) البقرة ) .  وتلاوة القرآن حق تلاوته هى الخشوع عند تلاوته : (  أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) الحديد ) . ولكن أبناء أهل الكتاب الذين أسلموا هم الذين واصلوا مسيرة الآباء مع الكتب السماوية ، فحولوا الخشوع إلى لهو وغناء وسخرية بآيات الله. والخشوع عند الاستماع الى القرآن يكون بالانصات الخاشع ليتدبر السامع كلام رب جل وعلا ويفوز برحمته جل وعلا : ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)  الأعراف )

   لقد نزل القرآن بلاغاً للناس وإنذارا للناس : (هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (52)ابراهيم 52) (  إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106)  الأنبياء) . والبلاغ الذى فيه إنذار ينبغى أن يقرأ بخشوع وتدبر لا بلهو ومجون وغناء . وتخيل أن حاكماً أرسل لك بلاغاً وبياناً هل ستجعله أغنية؟ لو فعلت لاعتبرك مستهزئاً به . فكيف بالله جبار السماوات والأرض؟

إن طريقة التعامل مع قراءة القرآن الكريم والاستماع اليه تُحدّد إيمان الشخص أو كفره . المؤمن يزداد به إيمانا والكافرا يزداد به طغيانا وكفرا ( الانفال 2 ، التوبة 124 : 125 ، المائدة 64 ، 68 ). المؤمن يزداد به خشوعا والكافر يتخذه لهوا ولعبا وسخرية وإستهزاءا، ينطبق على الصوفية قول الله جل وعلا : ( وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُواً (56) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (57) الكهف ) (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً (102) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً (106) الكهف ) .

4 ــ وندخل على تشريع الصوفية إتخاذ القرآن الكريم لهوا وغناءا ووجدا وهزوا :

الغزالى وتشريع الوجد بالقرآن:

1 ــ يربط الغزالى بين قراءة القرآن والوجد الصوفى على أساس أن الوجد الحق هو ما ينشأ من فرط حب الله تعالى والشوق إليه وذلك يهيج بسماع القرآن، ويرى الغزالى أن الوجل والخشوع وجد" من قبيل الأحوال، واستشهد بآحاديث مثل "زينوا القرآن بأصواتكم" كما لو كان القرآن المعجز في فصاحته للبشر محتاجاً للبشر لكى يزينوه.ومثل "شيبتنى "هود"واخواتها" وأنه (ص) كان يصلى ولصدره أزيز كالمرجل،وتلك الأقاويل اتخذ منها دليلاً على الوجد الصوفى الذى أورد عليه أخباراً صوفية ، منها أن الشبلى صرخ وهو يصلى حين قرأ الإمام "ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك " وإن رجلاً غشى عليه عند السرى السقطى فاقترح الجنيد أن تقرأ عليه نفس الآية التى أغمى عليه عند سماعها، وتليت عليه فأفاق، وإن بعضهم ردد آية "كل نفس ذائقة الموت " فسمع هاتفاً يقول له أنه قتل أربعة من الجن حين سمعوه ، وأن بعضهم غشى عليه عند سماع"وأنذرهم يوم الآزفة " وإن ابراهيم بن أدهم  اضطربت أوصاله وارتعدت حين سمع " إذا السماء انشقت ". وأن آخر مات حين مر عليه رجل يقرأ" وامتازوا اليوم أيها المجرمون.."

2 ــ   وتفضيل الصوفية واضح بين تلك الأساطير على النبى عليه السلام والمؤمنين الصادقين معه ، فقد كانوا أكثرحباً للقرآن وتدبراً له وخشوعاً عند قراءته،ومع ذلك فلم يحدث أن صعق أحدهم إذا قرأ عليه القرآن .مما يشير إلى أن أولئك الصوفية – لو حدث منهم ذلك الصراخ والإغماء- كانوا مرائين أو مستهزئين.

3 ــ ويكتفى الغزالى بتشريع الوجد ويجعل السماع بالألحان مكروهاً يقول "وقراءة القرآن مع التمديد والألحان على وجه يغير نظم القرآن ويجاوز حدّ التنزيل منكر مكروه شديد الكراهية "[114]. ويجعل من آداب التلاوة "تحسين القراءة وترتيلها بترديد الصوت من غير تمطيط مفرط يغير النظم " ومعناه أنه يجيز ترديد الصوت وتمطيطه بغير إفراط .خصوصاً وأنه يعيد الإستشهاد بأحاديث"زينوا القرآن بأصواتكم" "ما أذن الله لشىء أذنه لحسن الصوت..إلخ"..وغيرها..

وواضح أنه يقف موقفاً متوسطاً في موضوع التغنى بالقرآن. ويبدو هنا تساؤل لماذاحرص إذن على ربط قراءة القرآن بالوجد الصوفى المشهور بالغناء والموسيقى؟.

الوجد بالقرآن وعقيدة الاتحاد الصوفية :

1 ــ   إن هدف الغزالى هو ربط الوجد الصوفى بعقيدة الصوفية في الإتحاد، وقد عبر عن ذلك صراحة، يقول: ( أن يُرى في الكلام المتكلم( أى الله جل وعلا بزعمه )، وفي الكلمات الصفات( أى أسماء الله جل وعلا بزعم الغزالى ) ، فلا ينظر إلى نفسه، ولا إلى قراءته ولا إلى تعلق الأنغام به من حيث أنه منغم عليه، بل يكون مقصوراً لهم على المتكلم، موقوف الفكر عليه، كأنه مستغرق بمشاهدة المتكلم عن غيره، وهذه درجة المقربين، وما قبله درجة أصحاب اليمين وما خرج عن هذا فهو درجات الغافلين".

 و ذلك التقسيم يذكرنا بالتقسيم السابق للغزالى في درجات العقيدة الصوفية حيث وضع على قمتها الصوفية الذين يرون الله في كل الوجود،وهو هنا يضع رؤية الله في أحرف القرآن وألفاظه قراءة المقربين. ويستشهد بمقالة أحدهم "والله لقد تجلى الله عز وجل لخلقه في كلامه ولكنهم لا يبصرون" وقول بعضهم أنه أصبح يقرأ القرآن حتى يسمعه من الله المتكلم به، ويقول ثابت البنانى "كابدت القرآن عشرين سنة وتنغمت به عشرين سنة". ثم يصل الغزالي إلى هدفه في تقريرعقيدة وحدة الوجود. فيقول لعنه الله : ( ومشاهدة المتكلم دون ما سواه يكون العبد متمثلاً لقوله عز وجل: ففروا إلى الله ، ولقوله تعالى :"ولا تجعلوا مع الله إلهاً آخر ، فمن لم يره في كل شىء فقد رأى غيره . وكل ما التفت إليه العبد سوى الله تعالى تضمن التفاته شيئاً من الشرك الخفى، بل التوحيد الخالص أن لايرى في كل شئ إلا الله عز وجل .. فإذا جاوز حد الإلتفات إلى نفسه ولم يشاهد إلا الله تعالى في قراءته كشف له سر  الملكوت ) "[115]،

هذا هو هدف الغزالي إلا أن العصر المملوكي إهتم أساساً بتحويل القرآن والأذان لأغنية ولهو..                              اللهو والغناء في الآذان والصلاة والقرآن في العصر المملوكى

1 ـ  يقول ابن الحاج العبدرى فى كتابه ( المدخل ) : ( وكان الغالب فى صفة الإمام في قيام رمضان أن يكون حسن الصوت) "[116]. وعن طريق الصوت الحسن تتحول الصلاة في رمضان إلى لهو.

2 ــ وعكست وثائق الوقف ذلك فكانت تشترط في قراء القرآن في المؤسسات الصوفية أن يكونوا حسنى الصوت . ففي وثيقة وقف برسباي: ( ويُصرف لأربعة نفر حسنى الأصوات يجلسون مع الصوفية ويقرءون ما شرط على كل من الصوفية . ) ، ووصفتهم بالجوقة :( ويُصرف لخمس جوق كل جوقة ثلاث نفرمن حفاظ القرآن العظيم تقرأ كل جوقة بعد كل صلاة جزبين من القرآن العظيم على العادة ألف درهم "[117]. فوصف القُرّاء بأنهم ( جوقة ) تعنى الفرقة الموسيقية من مطربين وتابعيهم. وفي وثيقة وقف قراقجا الحسني: ( يُصرف لخمسة عشر نفراً من حملة  كتاب  الله العزيز عن ظهر قلب بالسوية بينهم ..على أن يكونوا خمسة جُوق لكل جوقة منهم  مائتا درهم ،على أن تقرأ جوقه منهم بعد صلاة الصبح بالجامع المذكور حزباً واحداً من تجزئة ستين حزباً من القرآن العظيم .. ويجتمعون قراءتهم بالصلاة على النبى (ص) ويدعوا أحسنهم صوتاً) "[118].

  وفي وثيقة وقف الغورى "تصرف لرجل من أهل العلم الشريف حافظاً لكتاب الله.. مشهور بالخير والدين حسن الصوت"واشترطت ذلك للخطيب والمؤذن " وعند القراءة والدعاء للواقف يتولى ذلك "من يكون أحسنهم صوتاً وأطربهم نغمة"[119].  ولاحظ ابن بطوطة في رحلته أن المصريين في القرافة "يرتبون القرآن ،يقرءون القرآن ليلاً ونهاراً بالأصوات الحسان"[120].

 3 ــ   ونفس الشرط اشترطته حجج الوقوف للمؤذن والإمام في الصلاة . ففي وثيقة قراقجا الحسنى ( يُصرف لتسعة نفر من المؤذنين حسان الأصوات على أن يكونوا ثلاث جوق) "[121]. وفي حجة قايتباى ( ويُصرف لتسعة نفر رجالاً مؤذنين.. يكون كل منهم حسن الصوت وفي ليلة الجمعة ينشد أحسنهم صوتاً ما تيسر له من مدح النبى عند آذان الفجر ) "[122]. وفي حجة برسباى: ( ..فيصرف لستة مؤذنين حسنى الأصوات مبلغ ألف درهم.) ."[123].. وفي حجة مغلطاى الجمالى: ( ويرتب معه قارئ ميعاد حسن الصوت من حملة الفقرا العشرة المذكورين .. ويرتب بها أيضاً مؤذنين حسنى الصوت عارفين بالمواقيت. )"[124]. 4 ــ وكان المؤذنون ينشدون القصائد والمواعظ والسحريات والفجريات . وتكاد تجمع وثائق الوقف على اشتراط كون المؤذن حسن الصوت [125].

5 ــ وبعضهم كان( أمرد ) أى شابا مطلوبا في عصر انتشر فيه الشذوذ الجنسى. وقد احتج على هذا الوضع الفقيه ابن الحاج يقول: ( ما أحدثوه من صعود الشبان على المنابر للآذان  ولهم أصوات حسنة  ونغمات تشبه الغناء) ("فيرفعون عقيرتهم بذلك ، فكل من له غرض خسيس يصدر منه في وقت سماعه مالا ينبغى ،. وقد يكون ذلك سبباً إلى تعلق قلب من لا خير فيه بالشاب الذى يسمعونه ، ويترتب على ذلك من الفتن أشياء لا تنحصر) "[126]. أى صار النداء الإسلامى للصلاة " الله أكبر" نداء للفتنة والشذوذ الجنسى.

مؤذنون مطربون:

  واشتهر بعض المؤذنين في مجال الغناء والطرب .منهم نجم الدين الصوفي ت731 رئيس المؤذنين بجامع الحاكم "وكان بارعاً في فنه له أوضاع عجيبة وآلات غريبة"[127]. وكان المازونى ت 862  "أحد الأفراد في إنشاد القصيد وعمل السماع،وكان من عجائب الدنيا في فنونه، كان صوته كاملاً.. مع شجاوة ونداوة وحلاوة،وكان رأساً في إنشاء القصيد على الضروب والممدود.. وكان له تسبيح هائل على المآذن.. وكان يشارك فى الموسيقى ويعظ في عقود الأنكحة"[128].    وكان البدر الفيشى ت879 "أمام المؤيدية " "أتقن القراءات،وازدحم العامة علي سماعه ،خصوصاً في ليالى رمضان"[129]. وكان المحلاوى مؤذن السلطان الغورى"وكان حسن الصوت مطبوعاً في فنه"[130].

 الصوفية وتلحين القرآن

1 ــ يقول ابن خلدون في ذلك : ( وكثير من القُرّاء بهذه المثابة يقرأون القرآن فيجيدون في تلاحين أصواتهم كأنها المزامير فيطربون بحسن مساقهم وتناسب نغماتهم.. وهذا هو التلحين الذي يتكفل به علم الموسيقى..والظاهر تنزيه القرآن عن هذا كله..لأن القرآن يحل الخشوع بذكر الموت وما بعده وليس مقام التذاذ بإدراك الحسن من الأصوات " [131].

2 ــ أما ابن الحاج فيجعل من البدع المخالفة للشرع في الجنازات ما يفعله القراء للقرآن في قراءتهم: ( من شبه الهنوك والترجيعات كترجيع الغناء،حتى أنك إذا لم تكن حاضراً معهم في موضع وتسمعهم لا تفرق بينهم وبين الأغانى ، وهذا مُشاهد منهم مرئىُّ من فعلهم . )، أى كانوا يتغنون بالقرآن حتى في مناسبة الجنازات.  ويقول عن قراءتهم للقرآن في حفلات السماع: ( والقارئ يقرأ القرآن فيزيدون فيه بحسب تلك النغمات والترجيعات التى تشبه الغناء والهنوك التى اصطلحوا عليها ، وقد يبتدئ القارئ بقراءة القرآن فينشد الآخر شعراً أو يتهيأ لإنشاده فيسكتون القارئ،أو يهمون بذلك،أو يتركون المنشد في شعره، والقارئ في قراءته لأجل تشوق بعضهم لسماع الشعر وتلك النغمات الموضوعة أكثر. ). وفي الموالد : ( يبدأ المولد بقراءة القرآن وينظرون إلى من هو أكثر معرفة بالهنوك والطرق المهيجة لطرب النفوس فيقرأ عشراً بما في قراءته من ترجيع كترجيع الغناء"،والهنوك هو التطريب.)

  وفى ختم القرآن في شهر رمضان : ( تُقرأ القصائد والكلام المسجع بما يشبه الغناء لما فيه من التطريب) "[132]. وواضح من تلك النصوص أنهم عاملوا القرآن كقصيدة شعر بل فضلوا الشعر عليه أحياناً في الغناء.

3 ــ  وللصوفية راى آخر يعبر عنه الشعرانى بقوله: ( أُخذ علينا العهد العام من رسول الله(ص) أن نتعاهد القرآن بالتلاوة ولنحسن به أصواتنا جهدنا طلباً لميل الناس إلى سماعه) "[133]. وكان من عادة الحنفى في ليلة ميعاده أن يحضر عنده جماعة من المقرئين يقرأون القرآن: (  وكانوا جوقتين لكل جوقة رجل معين.. وكان كل من سمعها غاب عن حسه .. من حسن أصواتهما ) "[134]. وروى الشعرانى كرامات لصوت الشيخ شهاب الدين القسطلانى والشيخ امين الدين الصوفى الامام بجامع الغمرى [135]. وذكروا أن جد الشعرانى شهاب الدين الشعرانى كان مقرئا له صوت شجى فى قراءة القرآن " [136].

 4 ــ  وذكرت المصادر التاريخية إشتهار بعضهم بتلحين القرآن في القراءة ، فالأمير قطلوا بغا الكركى ( حفظ القرآن وكان يحسن القراءة بالألحان )"[137]. وكان الإمام فخر الدين التركى: ( تالياً للقرآن حسن النغمة به) "[138]. ولإرتباط القرآن عنده بالموسيقى فإن جمال الدين الأذرعى: ( قرأ القرآن وبرع في الموسيقى" )  [139].

التغنى بالقرآن بالفرقة الموسيقية ( الجوقة ) :  قُرّاء القرآن أصحاب الأجواق:

1 ــ  الجوقة هم الفرقة الموسيقية . وقد سبق أن الحجج في الوقف كانت تعين جوقات للتغنى بالقرآن.

وقد تكاثر عدد قراء الجوق في العصر المملوكى ، واشتهر الكثيرين منهم فذكرتهم المصادر التاريخية، ومنهم سويدان ت832 الذى": (  حفظ القرآن وقرأ مع الأجواق فأعجب الظاهر برقوق صوته فجعله أحد أئمته ، وولاه الناصر فرج حسبة القاهرة ، ثم عزله فعاد كما كان يقرأ الأجواق عند الناس ، ويأخذ الأجرة على ذلك، وصار رئيس جوقة". )  ويقول عنه المؤرخ أبو المحاسن : ( واستقرأته أنا كثيراً") [140].

وكان أحمد اليمنى ت825 أحد القراء بالجوق تلميذ الشيخ شمس الدين بن الطباخ، ( وقرأ معه وحاكاه فى الغناء ، وكان للناس في سماعه رغبة زائدة ولم يخلف بعده من يقرأعلى طريقته)  "[141].

وكان ابن المحب "أحد قراء الجوق وكان تلميذ الشيخ شمس الدين الرزازى رفيق ابن الطباخ"[142]. وكان أحمد الخواص "أحد رؤساء الأجواق ويعمل الموالد ويتكسب بذلك"[143].

2 ــ  واشتهر قراء الأجواق بزيادة التغنى بالقرآن أكثر من القراء العاديين ليطربوا الناس ، فقصدهم الجمهور ويقال في ترجمة الشهاب الحجازى ( أنه تدرب بوالده في قراءة الجوق ومعرفة الأنغام، بحيث كان يُقصد لسماع قراءته في حال صغره من الأماكن النائية ) "[144]. وأصبح الفارق شاسعاً بين تغنى المقرئين العاديين والتغنى المفرط لقراء الجوقة الذين أصبحت طريقتهم معروفة، فالشيخ النحاس وصف بأنه: ( يحفظ القرآن على طريقة قراء الأجواق ) "[145]. وفي موضع آخر يقال عنه : ( أنه كان يحفظ القرآن على طريقة قراء الأجواق لا على طريقة القراء) "[146].

3 ـ وحاز قُرّاء الجوق شهرة زادت على شهرة القُرّاء العاديين ، وهددتهم فى رزقهم ، فكان من المنتظر أن ينقم القراء على أولئك الجوقية،وكان أشهر القراء في عصر برقوق هو خليل المشبب الذى تمتع بالخطوة عند السلطان برقوق ، ويقال عنه": ( كان يرتل الفاتحة ويرسل في السورة ومن تلامذته المشهورين بحسن القراءة الرزازى وابن الطباخ وغيرهما ،وكانت طريقته في القراءة معروفة ، وكان ينكر على قراء الأجواق بحيث أنه كان إذا مر بهم وهم يقرءون يسد أذنيه) "[147].  وبتأثيره أصدر برقوق أومره سنة790 بمنع قراء الأجواق من التهتك ،ويقول المؤرخ  الصيرفى : ( والعجب ثم العجب أنهم أبطلوا قراءة القرآن بالأجواق لأجل التهتيك، وعملوا في المولد في ليلة الأربعاء السماع بإبراهيم بن جمال وأخيه شبيب وأعوانه بالدف) "[148].

   وكان الشعرانى باعتباره فقيهاً صوفياً ينكر على قراء الأجواق، يقول أنه أخذت عليه العهود ألا يمكن أحد من إخوانه المنقادين له "من القراءة بالأنغام الخارجة عن قواعد السلف ومثل القراءة في ذلك الآذان والتبليغ خلف الإمام والصوت الحلو إنما هو أمر خلقى، وأما التلحينات التى يفعلها قراء الأجواق ويمططون الحرف ويمدونه في غير المد فذلك حرام كما أفتى به بعضهم"[149].

   ومع ذلك فقد كان الناس مشدودين لقراء الجوق وامتلأت بهم المؤسسات الصوفية إذ كان عصر التصوف عصرهم،وكانت عبادتهم في ذكر الله هى في الغناء والرقص والوجد والتغنى بالقرآن الكريم.. وهذا تأثير التصوف في عبادة الذًكر .

أخيرا :  لعنة التجويد

يقولون إن تجويد القرآن الكريم هو تحسين صوت القراءة به. وهذا يشمل التنوين والادغام و الاظهار و تحديد مخارج الأصوات وما يستتبعه من أشياء أقرب الى علم الموسيقى. وهذا ما كنا ندرسه فى الاعدادى الأزهرى فى مادة التجويد ، والتى كان شعارها الحديث الكاذب القائل ( حسنوا القرآن بأصواتكم ).التجويد يتعامل مع القرآن كأغنية أو قطعة أدبية تحتاج الى فن فى التمثيل و الغناء أو الانشاد ، ولذلك كان مدرس التجويد يصاحب شرحه لنا بعصا معه يدق بها على النغمة التى يقرأ بها القرآن الكريم ، و مثل علم العروض الذى يقيس بحور الشعر ويحسب نغماته و قوافيه كان علم التجويد يتعامل مع القرآن الكريم.
القرآن الكريم ليس أغنية مطلوب تلحينها و التغنى بها لاطراب الجمهور. القرآن الكريم كتاب انذار وبيان من الله تعالى للناس يحذرهم من اقتراب الساعة ، ومن السخرية بهذا الانذار الالهى أن نتعامل معه بهذا الاستخفاف ونحن نحسب أننا نحسن صنعا
يقول تعالى ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) ( الأنفال 2 ) ان المؤمن الحق اذا تذكر اسم الله تعالى ارتعش قلبه وجلا ـ لا أن تترقص أردافه طربا ـ واذا تليت عليه آيات القرآن ازداد ايمانا.، ولم يزدد بها ظلما وعدوانا. المشركون اللاهون فقط هم الذين يكذبون بآيات الرحمن و ما فيها من انذار وتبشير ويتخذونها هزوا (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا ) الكهف 56) 
هؤلاء المشركون اليوم يغضب أحدهم أشد الغضب اذا تغنيت بالبخارى وباحاديثة الكاذبة المنسوبة كذبا للرسول محمد عليه السلام. ادخل عليهم واقرأ عليهم حديثا للبخارى ـ بطريقة غنائية وانت تتطوح وتتمايل كما يفعل المغنون بالقرآن ، لن يطربوا ولن يفرحوا بل سيثورون لأنك سخرت بدينهم الحقيقى . هذا طبعا إذا عرفوا انك تقرأ لهم من البخارى لأنهم يعبدون ما يجهلون كالأنعام وأضل سبيلا
ان قراءة القرآن عبادة والاستماع اليه عبادة ، وتدبره ودراسته عبادة. وليس فى العبادة هزل أو طرب . إن الله تعالى المهيمن الجبار يقسم بالسماء والأرض أن القرآن الكريم لا مجال فيه للهزل ، بل هو القول الفصل : ( وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ )( الطارق 11 )
ولكن المشركين كما يقول الرحمن جل وعلا يتخذون دائما دينهم لهوا ولعبا. مطلوب من المؤمن الاعراض عنهم فى الدنيا (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) ( الأنعام 70 ) وهم فى الأخرة كافرون فى عذاب الجحيم (الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ) (الأعراف 51
المؤمن يتلو القرآن ويرتل القرآن
والتلاوة والترتيل معناهما واحد فى اللغة العربية. وهو القراءة المتتالية أو الأحداث التى يتلو بعضها بعضا. كلمة ( تلا ) تفيد القراءة المتتابعة لكلام متتابع ، كما تفيد مجىء شىء تلو او بعد شىء سابق. وهكذا كلمة( رتل ) تقول : جاء رتل السيارات ، اى سيارات متتابعة يتلو بعضها بعضا
التلاوة فى القرآن لا تعنى مجرد التتابع اللفظى فقط فى آيات القرآن الكريم التى يتلو بالفعل بعضها بعضا ، ولكن التلاوة والترتيل فى القرآن الكريم يعنى أن تكون طريقة القراءة موضحة للمعنى القرآنى. وهذا معنى قول الله سبحانه وتعالى ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)( البقرة 121 ) فهناك من يتلو الكتاب ( حق تلاوته ) وهذا هو المؤمن بالكتاب ، ومنهم من تتحول عنده القراءة و التلاوة والترتيل الى أغنية و لهو ولعب وطرب ، وهذا هو الكافر به والخاسر بتلاوته. وتعجب هنا من اثنين كلاهما يقرأ القرآن ولكن أحدهما كافر بقراءته والآخر مؤمن بقراءته. أى إن قراءة القرآن من المفاصل الهامة التى يتحدد بها الايمان أو الكفر فى الحساب الالهى
ولأنها قضية خطيرة فهى تستحق مزيدا من الايضاح
ان فى القرآن الكريم أنواعا مختلفة من الخطاب ؛ فيه الخطاب التشريعى باسلوب علمى تقريرى قانونى و فيه القصص بالحوار والأقوال و الأفعال والعظة والعبرة ، وفيه الحوار من رب العزة للبشر، وفيه الانذاروالتخويف،وفيهالتبشير.  وفي هذا كله تنوع من الاسلوب التقريرى العلمى الى الاسلوب العاطفى والاسلوب العقلى المنطقى الجدلى ، وفيه التكفير من الله تعالى و اللعن لمن يستحق ذلك ، وفيه الدعوة للتفكير وفيه وصف نعيم الجنة و فيه عذاب النار ، وفيه السخرية

.هل نتعامل مع كل هذه الأنواع المختلفة بطريقة قراءة واحدة ـ حتى على فرض اننا نقرأ القرآن دون غناء ودون اتخاذه لهوا ولعبا كما يفعل الغافلون ؟ 
بالطبع لا بد أن تختلف القراءة حسب المعنى الذى تتضمنه الآية وكل آية. فاذا كان فى الآية سؤال فلا بد أن تقرأها بصيغة السؤال ، واذا كان فيها تعجب فلا بد ان يظهر التعجب فى طريقة قراءتك للآية ، وهكذا فى السخرية وفى الترهيب وفى الوعيد. بهذه الطريقة تتلو القرآن حق تلاوته. لآن تلاوتك هذه تسمح لبيان القرآن و معناه الواضح ان يظهر ويتضح أكثر طالما تلوت القرآن حق تلاوته
اما تحويل القرآن الكريم الى أغنية و لها نوتة موسيقية تسمى التجويد فهى تغييب كامل لبيان القرآن الكريم لأن الذى يستاثر بالانتباه هو صوت المغنى أو ( المقرىء ) أما المحتوى القرآنى للصوت فقد ضاع بين آهات المقرىء و تهليل المستمعين ، و يتحول كلام العزيز الجبار فى الوعيد والانذار و التشريع الى جلسات أنس وفرفشة و انبساط ومزاج عال العال.. 
فيما مضى من زمان ـ أرجو من الله تعالى غفرانه ـ كنت أضطر لحضور مناسبات عزاء وأضطر لسماع ذلك اللهو والمجون بالقرآن الكريم ، وأعجب من تخلف المستمعين العقلى و الحجاب الموضوع على قلوبهم وهم يهيجون بالصراخ والاعجاب من صوت القارىء وهو يتغنى بآية فيها الوعد والوعيد ، معظمها ينطبق عليهم وهم لا يشعرون ولا يعقلون ولكن فقط يرقصون و يتماجنون . وكنت أحيانا أبتسم من الغيظ حين يقرأ المقرىء بطريقته الغنائية حوارا دار بين الله تعالى ورسوله موسى عليه السلام فى سورة طه ،، وأسأل نفسى هل كان الله تعالى يخاطب موسى عليه السلام بهذه الطريقة الغنائية فيرد عليه موسى بنفس اللحن ؟ وهل هو كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه و قول فصل وما هو بالهزل أم هو أوبريت غنائى وعرض مسرحى ؟؟ 
لا عجب أن اتخذنا القرآن الكريم مهجورا
لم نهجره بالفعل بحيث تم نسيانه نهائيا ، ولكن اتخذناه مهجورا ، بمعنى أنه أصبح موجودا وغائبا فى نفس الوقت. غيبنا القرآن فى مجتمع المتعلمين بأن وضعنا فوقه أطنانا مما يسمى بالتفسير والحديث و التاويل والنسخ ، وغيبنا القرآن الكريم فى حياتنا العامة حين حولناه الى أغنية دينية فى مواسم العزاء وفى ساحات المقابر. وبهذا الهجر والتغييب للقرآن أصبحنا أعداء النبى محمد. ويوم القيامة سيتبرأ النبى محمد منا باعتبارنا أعداءه المجرمين
إقرأ الآيات الآتية وتدبرها بعقلك وقلبك، دون ان تحولها لأغنية : ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ) ( الفرقان 30 ـ )

ودائما : صدق الله العظيم .!! 



[1]
الإحياء جـ2/ 238 ،236 .

[2] لطائف المنن للشعرانى 102 ، 103 .

[3] البحر المورود 227 .

[4] الأحياء جـ2/ 254 ،258 .

[5] تلبس ابليس 155 .

[6] الاحياء جـ 3 / 66 : 67 .

[7] الدرر الكامنة جـ 1/ 124 : 125 .

[8]  النصيحة العلوية : مخطوط ورقة 19 .

[9] حوادث الدهور جـ 3 / 565 .

[10] انباء الغمر جـ 3 / 368 .

[11] شذرات الذهب جـ 8 / 175 ، الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2 / 116 .

[12] الدرر الكامنة جـ 1/ 300 .

[13] الحر المورود 17 ، 18 .

[14]  تنبيه الغترين 88 .

[15] الطبقات الكبرى للشعرانى جـ 2 / 60 .

[16] الضوء اللامع جـ 2 / 147 .

[17] شذرات الذهب جـ 8 / 73 .

[18] الطبقات الصغرى 45 .

[19] الطبقات الكبرى للشعرانى جـ 2 / 120 .

[20] لطائف المنن 227 ، 278 .

[21] انباء الغمر جـ / 167 .

[22] الدرر الكامامنة جـ 3 /122 .

[23] عقد الجمان لوخة 345 وفيات 814 .

[24] الصفدى فوات الوفيات جـ 2 / 47 .

[25] الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2 / 89 : 90 .

[26] الاحياء جـ 2 / 246 ، 247 ، 248 .

[27] الاحياء حـ 1 / 265 : 266 .

[28] لبس الخرقة والتلقين 9 ، 10 ن 11، 12 ، 13 ، 14 .

[29] الوصية المتبولية 36 : 48 ، 39 : 40 ، 46

[30] لطائف المنن 431 .

[31] تلبيس ابليس 242 ، 248 ، 249 ، 351 ، 252 .

[32] الاحياء جـ 2 / 258 .

[33] الاحياء جـ1 / 266 : 267 .

[34] الاحياء جـ 2 / 258 ، 260 .

[35] الاحياء جـ 4 / 158 : 159 ، 162 ، 161 .

[36] الاحياء جـ 4 / 352 ، 161 ، 162 ، 290 ، 299 ، 263 ، 300 ، 161 ، 160 .

[37] الاحياء جـ 4 / 12 .

[38] اللمع 63 .

[39] الاحياء جـ 4 / 22

[40] الاحياء جـ4 / 304 ، 305 ، 330 .

[41] الاحياء جـ4 / 304 ، 305 ، 330 .

[42] الاحياء جـ 4 /304 ، 305 ، 330 .

[43] الاحياء جـ 3 / 197 : 198 ، 349 .

[44] الاحياء جـ 1 / 32 .

[45] الاحياء جـ2/259 : 260 ، 258 .

[46] الاحياء جـ 2/ 259 : 260 ،258 .

[47] الاحياء جـ 2 / 267 ،268 ، 269 .

[48] الاحياء جـ 256 : 257 .

[49] الإحياء جـ2/ 247 .

[50] إحياء جـ2/ 259 .

[51] المدخل جـ1/ 155 .

[52] لطائف المنن 430 .

[53] روض الرياحين 228 .

[54] لسان التعريف 63، 64

[55] مناقب الحنفى 424 :426 .

[56] الإحياء جـ2/ 249 ،255 ،263 ،266 .

[57] الإحياء جـ2/ 249 ،255 ،263 ،266 .

[58] الإحياء جـ2/ 249 ،255 ،263 ،266 .

[59] الإحياء جـ2/ 249 ،255 ،263 ،266 .

[60] تحفة الأحباب 435 .

[61] الكواكب السيارة 300 .

[62] روض الرياحين 14 .

[63] إحياء جـ3/ 344 .

[64] شفاء السائل 40 .

[65] المقدمة 423 .

[66] المدخل جـ1/145 ،155 ،151 ،152 ,154 .

[67] المدخل جـ1/145 ،155 ،151 ،152 ,154.

[68] المدخل جـ1/145 ،155 ،151 ،152 ,154.

[69] المدخل جـ1/145 ،155 ،151 ،152 ,154.

[70] الشعرانى قواعد الصوفية جـ1/ 39 .

[71] عقد الجمان . وفيات 814 لوحة 345 .

[72] الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/ 90 .

[73] الوصية المتبولية 181 .

[74] لمحة عامة إلى مصر جـ2/ 87 .

[75] السلوك جـ3/2/ 575 ،جـ4 /1 /337 ،جـ2 /2 /494 .

[76] السلوك جـ3/2/ 575 ،جـ4 /1 /337 ،جـ2 /2 /494 .

[77] السلوك جـ3/2/ 575 ،جـ4 /1 /337 ،جـ2 /2 /494 .

[78] إنباء الغمر جـ2/ 33 .

[79] مناقب الحنفى مخطوط 165 .

[80] تحفة الأحباب 75 :76 .

[81] نزهة النفوس جـ2/69 .

[82] الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/91 .

[83] عقد الجمان للعينى وفيات 814 لوحة 345 .

[84] إنباء الغمر جـ1/ 176 .

[85] فوات الوفيات جـ2/47 .

[86] بيبرس الداودارى : زبدة الفكرة : جـ9/103 (أ) مخطوط .

[87] الكواكب السيارة 109 ،تحفة الأحباب 249 : 250 .

[88] المفاخر العلية : 23 .

[89] شذرات الذهب جـ6/ 44.

[90] الدرر الكامنة جـ4/ 108 .

[91] النجوم جـ13 /4 .إنباء الغمر جـ2/80 :81 .

[92] تحفة الأحباب 472 .

[93] الأدفوى : الطالع السعيد جـ1/66 .

[94] الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/128 .

[95] التبر المسبوك 102 ،105 .

[96] الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/17 .

[97] المنهل الصافى جـ1/20 .

[98] الجواهر السنية لعبد الصمد 28 .

[99] الطبقات الكبرى للمناوى 296 .

[100] إنباء الغمر جـ2/361 .

[101] الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/62 .

[102] الضوء اللمع جـ3/169 ،105 .

[103] الدررالكامنة جـ2/213 .

[104] الذهبى .العبر فى خبر من غبر جـ5 /260 .

[105] النجوم الزاهرة جـ14 /22 .

[106] تاريخ ابن إياس جـ2/ 441 .

[107] خطط المقريزى جـ4 /291 .

[108] النجوم الزاهرة جـ15 /179 ،جـ9/258 :259 .

[109] النجوم الزاهرة جـ15 /179 ،جـ9/258 :259 .

[110] المنهل الصافى جـ5 /391 ،403 ،جـ3 /434 .

[111] المنهل الصافى جـ5 /391 ،403 ،جـ3 /434 .

[112] المنهل الصافى جـ5 /391 ،403 ،جـ3 /434 .

[113] البخارى جـ9 /173 ، 192 ،193 ،194 .

[114] الإحياء جـ2/261 :262 ، 295 .

[115] الحياء جـ1/ 251 ،258 :259 .

[116] المدخل جـ / 86 .

[117] حجة وقف برسباى نشر أحمد دراج ص3

[118] وثيقة قراقجا الحسنى . ص 210 . نشر عبداللطيف ابراهيم ، سطر 126 ، 131 . دوريات جامعة القاهرة

[119] وثيقة وقف الغورى : 43 ، 44 نشر عبداللطيف ابراهيم .

[120]  رحلة ابن بطوطه جـ 1 / 21 .

[121] وثيقة قراقجا الحسنى . ص 208 سطر 114 .نشر عبداللطيف ابراهيم .  دوريات جامعة القاهرة .

[122]  حجة قايتباى ص65 .

[123]  حجة برسباى 2 .

[124] حجة مغلطاى الجمالى .

[125] محمد أمين : الأوقاف 234 ، عبداللطيف ابراهيم دوريات القاهرة 241 .

[126]  المدخل جـ 2 / 67 .

[127] تاريخ ابن الوردى جـ 2 / 295 .

[128] النجوم الزاهرة جـ 16 / 192 : 193 .

[132] المدخل جـ 3 / 13 ، جـ 1 / 145 ، 154 .

[133] لواقح الأنوار 110 .

[134]  مناقب الحنفى 164 : 165 .

[135] الطبقات الصغرى للشعرانى 75 ، 59 ، 60 .

[136] شذرات الذهب جـ 8 / 34 .

[137] انباء الغمر جـ 2 / 372 .

[138] المنهل الصافى جـ 5 / 279 .

[139] التبر المسبوك 53 .

[140] النجوم الزاهرة جـ 15 / 154 .

[141] انباء الغمر جـ 3 / 285 ، 295 .

[142] انباء الغمر جـ 3 / 285 ، 295

[143] الضوء اللامع جـ 2 / 262

[144]  الضوء اللامع جـ 2 / 148 .

[145]  النجوم الزاهرة جـ 16 / 211 .

[146]  حوادث الدهور جـ 2 / 192 .

[147] الضوء اللامع جـ 3 / 200 .

[148]  نزهة النفوس جـ 1 / 168 .

[149]  البحر المورود 156 .

ج 2 ف 5 أثر التصوف في الجهاد فى العصر المملوكى

الفصل الخامس : أثر التصوف في الجهاد فى العصر المملوكى

  مدخل:

1 ـ الملمح الأساس فى دين السُّنة هو الاعتداء والغزو المسلح وممارسة العنف فى الداخل والخارج تحت شعارات ( الجهاد ) و ( حد الردة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ). جاء دين التصوف بتشريع عكسى هو ( جهاد النفس ) وجعلوه الجهاد الأكبر . كما شرع ( عدم الاعتراض ) بديلا عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . وقبل هذا وذاك نزل تشريع الاسلام فى الحرية الدينية المطلقة والحرية السياسية الديمقراطية وجعل السلام أساس التعامل بين الناس فى الداخل، وأساس التعامل مع العدو المعتدى الخارجى ، فالاستعداد الحربى لارهابه وردعه حتى لا يعتدى ، وحين يقوم بالاعتداء يجب القتال الدفاعى حتى ينتهى إعتداؤه ، وحين ينهزم تُفرض عليه غرامة حربية جزاءا أو جزية لما سببه بأعتدائه . وفى كل الأحوال فممنوع أن يبدأ المسلمون حربا وعدوانا وإن فعلوا فهم معتدون والله جل وعلا لا يحب المعتدين .

2 ـ المؤمنون فى عهد النبوة كانوا يشهدون الصراع العالمى وقتها بين امبراطورتى الفرس والروم ، وبعد موت النبى محمد عليه السلام إستخدمت قريش سيطرتها على المسلمين فى دفعهم الى حرب الامبراطوريتين العتيديتين اللتين أصابهما الهرم ، وسقطت امبراطورية فارس واحتلها العرب بل تجتاوزوها شرقا وفى نفس الوقت هزموا امبراطورية الروم البيزنطيين ، ولكن لم بستطيعوا القضاء عليها فظل الصراع بينهم وبين البيزنطيين قائما . وتوغل العرب فى حرب الأوربيين فوصلوا الى جنوب إيطاليا وجنوب فرنسا ، واحتلوا جزر البحر المتوسط بالاضافة الى البحر الأحمر والمعروف من المحيط الهندى وسيطروا على التجارة الشرقية بين الهند والصين شرقا وأوربا غربا . ونتج عن هذا تقسيم العالم تقسيما جديدا ، لم يعد مقسوما بين قوة شرقية فارسية وقوة غربية أوربية بل إنقسم الى معسكرين كل منهما يحمل شعارا دينيا؛ لدى ( المحمديين ) هو ( دار الحرب ودار السلام ) وفى الغرب المسيحى ( معسكر الصليب ضد معسكر الكفر ) .

وبعد أن وصل ( المسلمون ) الى أقصى إمتداد لهم بدأ التراجع لحساب الأوربيين، ووصلت جيوش القسطنطينية الى حلب ، واسترجع الأوربيون جزر البحر المتوسط ، ثم جاء الغزو الصليبى ، وتمكن المماليك من إنهاء الوجود الصليبى ولكن إستمرت الحروب بين المماليك وأوربا الصليبية عبر البحر المتوسط.

3 ـ  لذا كان العصر المملوكي عصر جهاد الصليبين والمغول ،ولكن تمسك الصوفية بنوعية من الجهاد اخترعوها وهي جهاد جهاد النفس في المؤسسات الصوفية حيث يتمتعون بحياتهم ما شاءوا  ويضمنون الرزق الوفير. ولولا قوة الدولة المملوكية العسكرية وصلابتها في مواجهة المغول والتتار واستئصالها للوجود الصليبى في الشام، ولولا احتكار المماليك العسكرية والجندية ونظامهم الحربى الصارم لأدت دعوة جهاد النفس الصوفية إلى احتلال المغول أو الصليبين لمصر.ولكن ذلك الإنفصال بين النظام العسكري والشعب حال دون تأثر العسكر المماليك بعقيدة جهاد النفس وحصر تأثيرها فى الشعب فازداد خنوعاً وصبراً على مظالم المماليك. 

أما الصوفية  فتحت شعار " جهاد النفس والتجرد للعزلة فى الرباطات " عاشوا فى دعة ومتعة ونعيم.

ووفرة مالية وأقتصادية ، بينما ينوء الشعب حولهم بتحمل المظالم والمكاره .

على أن أصداء القتال على التخوم والسواحل كانت تصل أصداؤها لبعض العوام ، ولبعض الصوفية فى مؤسساتهم ، وكانوا أحيانا ـ أى الصوفية ـ يجدون أنفسهم فى خضم الاشتباك ، كما حدث مع المغول ، فماذا فعل الصوفية فى هذا الموقف ؟ وقد أصبح الجهاد مفروضا عليهم ؟هذا ما نناقشه هنا فى موقف الصوفية من الجهاد الدينى، والذى تحول على يديهم إلى جهاد النفس أو الجهاد الأكبر بزعمهم !!

  1ـ العصر المملوكى عصر الجهاد :

ورث المماليك جهاد الصليبيين عن أساتذتهم الأيوبيين وإن زادوا عليهم جهاد المغول ، على أن حركة الجهاد ضد الصليبيين لم تنته باستيلاء الأشرف خليل على عكا أخر معقل صليبى ، بل على العكس أدى ذلك بالصليبيين إلى معاودة نشاطهم العدائى بوسائل أخرى نمر عليها سريعا ..

1ـ فقد تزعمت البابوية الدعوة لتحريم الإتجار مع الدولة المملوكية مهددة بتوقيع قرارات على من يخالف أوامرها من الفرنجة ، بل إنها نفذت ذلك بقوة السلاح حين أعدت بعض السفن لتتصدى لمن يخالف أوامرها من تجار أوربا ، لأن إمتناع الفرنج عن المتاجرة مع الدولة المملوكية سيؤدى حتما إلى حرمانها من المورد الرئيسى لقوتها حيث احتكر المماليك التجارة الشرقية فيمكن القضاء عليها بعد ذلك عسكريا أو استعادة بيت المقدس ، ولم تنحج هذه الدعوة لتعارضها مع مصالح الجمهوريات الإيطالية صاحبة السيادة فى البحر المتوسطـ ، فضلا عن جهود المماليك لتحطيم هذا الحصار بمنح الإمتيازات التجارية .

2ـ لذا عاد الصليبيون إلى إحياء فكرة مهاجمة مصر عسكريا ، واتجهت خطتهم إلى الاستيلاء على الاسكندرية والزحف منها إلى القاهرة بعد فشل خطتهم السابقة فى الهجوم على دمياط , فكانت حملة بطرس الأول ملك قبرص على الإسكندرية ، بيد أنه اضطر للإنسحاب بمجرد إقتراب القوات المملوكية الزاحفة من القاهرة ، وترتب على هذا الفشل القضاء على أية جهود جدية لتجهيز حملة صليبية أخرى .

3ـ وتحولت الخطط الصليبية إلى ممارسة عمليات تخريب واسعة بالموانى المصرية والشامية لشل الحركة التجارية بها ، أى قرصنة تسلب وتنهب ، قام بها الكيتلان مع القبارصة والإستبارية على السواحل المصرية والشامية المملوكية مع التربص للسفن المملوكية .

واشتدت هذه الحملة ، فأزكت روح الجهاد من جديد بمصر والشام ، فغزا المماليك جزيرتى قبرص ورودس التى اتخذها القراصنة أوكارا ، واستولى برسباى على قبرص وأخفق جقمق فى غزو رودس ، وأدى ذلك من ناحية أخرى بالصليبيين إلى معاودة التفكير فى مشروعات الحرب الصليبية العامة ضد الدولة المملوكية ، غير أن هذه المحاولات اتجهت لضم الحبشة للكنيسة الكاثولكية والتحالف معها على القيام بحملة صليبية مزدوجة للإطباق على مصر برا وبحرا ومن الجنوب والشمال فى وقت واحد .

4ـ ثم حدثت عوامل أخرى أذكت مشاعر الجهاد الدينى والصليبى لدى الفريقيين  فقد أصبحت الدولة العثمانية خطرا على أوروبا ، بعد أن ضمت البلقان , ثم اشتدت المشاعر الصليبية بالأسبان بعد القضاء على غرناطة آخر معقل إسلامى ، ومن ناحية أخرى استغاث سلاطين غرناطة بالمماليك داعين للجهاد ، وأدت الروح الصليبية بالبرتغال لكشف طريق الهند والحبشة ، لانتزاع تجارة الشرق من المماليك والتعاون مع الحبشة فى تنفيذ المشروعات الصليبية والعبث بمنابع النيل ، ولم يمنع الفشل المتلاحق فى بحث هذه المشروعات الصليبية من استمرار القرصنة على الموانى والسفن المملوكية حتى نهاية العصر المملوكى ، ولم يكن هناك مناص من أن تؤدى هذه الإعتداءات إلى إزكاء روح الجهاد بين المسلمين فى جميع الجبهات [1].أى أن استئصال الوجود الصليبى فى عكا وطردهم نهائيا من الشام لم يكن نهاية المطاف فى حركة الجهاد على الجبهتين بين الدولة المملوكية ودول أوروبا جنوب البحر المتوسط وشماله ، وشرقه وغربه .

وترتب على ذلك قيام حركة المتطوعة بين الأهالى المصريين .

حركة المتطوعة : 

كانت الإسكندرية هدفا  للصليبين فكان من فيها من طالبى الجهاد فى سبيل الله [2]. وقد وُضع فى هجوم القبرصى عليها كتاب ابرز بطولات أهلها فى مقاومة الفرنجة [3]. وفيما عدا هذه الموقعة كان أهلها ـ مع من المتطوعة من الجهات القريبة والبعيدة ـ على استعداد لمواجهة القراصنة [4]. وسنذكر أهم حركات المتطوعة حسبما جاء بين سطور الحوليات التاريخية المملوكية :

1ـ سنة 819 : حاصر الفرنجة الإسكندرية فسار إليها الشيخ الفقيه ابن النقاش فى اناس من المتطوعة على نية الجهاد ، وابن النقاش كان من خصوم الصوفية [5].

2ـ وفى سنة 826 : شحن برسباى السفن بالمماليك والمتطوعة لملاقاة القراصنة [6].

3ـ وفى سنة 828 : كثرت الأخبار بحركة الفرنج فنودى بالجهاد فانضم جماعة كبيرة من المتطوعة ، وجلس السلطان فى سنة 829 يستعرض المجاهدين واعتذر لكثير من راغبى الجهاد لقلة المراكب , وهم يتسارعون فى ذلك مرة بعد أخرى ، وعظم ازدحام الناس على كتاب المماليك ليكتبوهم فى جملة المجاهدين ، وكان يعرف المجاهد  بما على وجه من سرور [7]، لأنه نجح فى الاختبار .

4ـ وفى سنة 843 تصرف المتطوعة على مسئوليتهم فركبوا البحر من دمياط إلى بيروت فى ثلاثة مراكب ، وقد اجتمع عليهم عدد كبير من المجاهدين فاقتتلوا مع مركب للفرنجة حتى استشهدوا بأجمعهم ووصل خبرهم إلى دمياط ، فأظهروا العزاء والنحيب [8]  وقد حاول المتطوعة الإنتقام فى السنة التالية [9]

5ـ وفى سنة 847 فى غزوة رودس اشترك كثير من المتطوعة بالأسلحة والعدد الكاملة [10]

6ـ وفى سنة 864 فى عهد السلطان اينال قوى الاهتمام بسفر المجاهدين وشارك المتطوعة ورغم المظالم التى قاسوها فى عمارة المركب [11].

7ـ وفى سنة 866 نودى بالقاهرة بالجهاد لإمداد المسلمين بقبرص عند حصار ( الماغوص ) فى قبرص ، وما لبثت النجدة أن سافرت بما فيها من المتطوعة سنة 867 [12]  .

والملاحظ أنه لم يرد ذكر لأى جهد صوفى إيجابى فى حركات المتطوعة للقتال مع حرص المراجع التاريخية فى العصر المملوكى على تسجيل أى نشاط للشيوخ الصوفية ، ويذكر أيضا أن حركة المتطوعة قد خفت نسبيا بانصرام القرن التاسع ، وفى هذه الفترة اكتملت سيطرة التصوف على الحياة المصرية ،ويوضح هذا نظرة المتصوفة للجهاد الدينى ..

وأخيرا فقد قام الفقهاء ـ وخاصة أعداء الصوفية ـ بدور واضح فى الجهاد مثل ابن النقاش السابق والبقاعى الذى ركب البحر فى عدة غزوات ورابط  أكثر من مرة [13]، وهناك دور ابن تيمية فى جهاد التتر يحتاج لمؤلف منفصل ، أما الصوفية فى ذلك كانوا يمارسون جهاد النفس حسب شريعتهم بالخلوة والعزلة .

  تشريع الجهاد الصوفي السلبى فى العصر المملوكى

اولا : ميدان الجهاد الصوفى هو العزلة عن الناس

العزلة من أُسُس التصوف :

قعد الصوفية فى مؤسساتهم الصوفية يمارسون فيها جهادهم السلبى منعزلين عن الناس .

وكانت العزلة إحدى الأصول الخمسة في الطريقة الشاذلية ، ويعبر عنها بالإعراض عن الخلق في الأقوال والأفعال[14]، ويذكر الخفاجى أن من الأصول الستة المتفق عليها بوجه عام عند الصوفية : العزلة عن الخلق[15]، يقول ابن عطاء (ما نفع القلب شىء مثل عزلة. على قدر بعدك عن الخلق يكون قربك من الحق ، إغلق بابك عن الناس وباب بيتك عن أهلك)[16]. ويقول الدسوقى (والله لو وجدنا إلى الخلوة سبيلاً أو وجدنا إلى الإنقطاع عن أعين الناس من سبيل لفعلنا)[17].ويرى أبو المواهب الشاذلى أن(المريد الصادق لا يزور ولا يُزار )[18].وقد أجمعوا أنه لابد للمريد عن العزلة ثم الخلوة ، وقد فرقوا بين العزلة والخلوة بتعبيرات شكلية [19]، وأوصى المتبولى الخواص بألا يكثر من مخالطة الناس[20]،ورغب الشعرانى فى  العزلة[21].

 العزلة طريق الشهرة والصلاح للصوفية :

 1 ـ   كان يقترن ذكر الولى بالإعتقاد فيه وإنقطاعه مع الناس ،فوصف الكثيرين بالإنجماع أى العزلة ، ثم بالحصول على الولاية ، أو أنه انعزل فانشهر بالصلاح والولاية[22]، وقد وصف أحدهم بالمنقطع لأنه لايخرج من منزله لغير الجمعة والعيدين[23]، وانقطع آخر ثلاثين سنة لا يخرج إلا يوم الجمعة [24]، واعتكف أبو السعود الجارحى في سرداب تحت الأرض في شهر رمضان[25]، وقال الحنفى بعد أن خرج من عزلته ولياً " كان ظهورى من الخلوة يوم الثلاثاء فألهمتنى القدرة أن جلست للناس وعملت ميعاداً واجتمع على خلق كثير[26]. وصارت العزلة من خصائص الولى حتى أن على وفا صار يصلى الجمعة بمن معه بعيداً عن الناس مع أنه مالكي المذهب ،ومذهبه يرى أن الجمعة لا تصح في البلد وإن كبر إلا في المسجد العتيق من البلد[27]، وبولغ في الغزلة فى مزاعم الكرامات فبلغت أربعين سنة في أحد الجوامع [28]،وربما إنقطع الولى في الخرائب [29]  معتزلاً عن الناس.

2 ــ ورددت المراجع سيرة ابن عرب "المعتصم"في خانقاه شيخون، فكان لايكلم أحداً إذا خرج للجمعة ولا يجترئ أحد على الكلام معه لهيبته ،ووقاره وعظم حرمته،وتمر به الأعوام الكثيرة لا يتلفظ كلمة مع أحد ، وداوم على ذلك نحو ثلاثين عاما ً[30].بزعمهم .

3 ــ وبإنحدار التصوف صارت العزلة أهم مؤهلات المشيخة ،فجعلوها قياماً لناموسهم ولولا ذلك-كما يقول الشعرانى – ما تميزوا ولا اعتقدهم أحد[31]، فصار دأبهم العبوس وإطراق الرأس "والإحتجاب عن الخلق " لايكلمون أحداً ، وكل من جاء لحاجة يقول له النقيب سيدى الشيخ ما يخرج هذا الوقت أو ما يقدر أحد أن يكلمه، وتراهم لا يزورون أحداً من إخوانهم خوفاً أن تقول تلامذتهم لولا شيخنا دون هذه المرتبة في المشيخة ما زاره"[32].

 العزلة داخل المؤسسات الصوفية :

1 ــ   وصف ابن بطوطة معيشة المتصوفة داخل زواياهم فقال "وترتيب أمورهم عجيب،ومن عوائدهم في الطعام أنه يأتى خدم الزاوية إلى الفقراء صباحاً،فيعين له كل واحد ما يشتهيه من الطعام ،فإذا اجتمعوا للأكل جعلوا لكل إنسان خبزه ومرقه على حدة لايشاركه أحد .. ويجلس كل واحد منهم على سجادة مختصة به ..ويوم الجمعة يخرجون بشيخهم للصلاة في المسجد، وقد سبقهم الخادم بسجاجيدهم فيصلى كل منهم على سجادته .. وهم عزاب وللمتزوجون زوايا على حدة"[33].

وكان الصوفي إذا زاره أبوه من بلد بعيد لا يستطيع أن يكلمه حتى يشاور النقيب[34].

2 ــ وقد روعى في تخطيط مساكن الصوفية في الخوانق أن تكون بمنأى عن الطريق العام بقدر المستطاع [35]. وكانت مساكن الصوفية بالخوانق فردية، بمعنى أن كل مسكن يتسع لصوفى يقيم فيه بمفرده على غير المألوف. وكان لشيخ الخانقاه مسكن خاص[36]، .

وكانت الوثائق تصف الصوفية بالمنقطعين[37]، اى المنعزلين عن الناس . بل إن بعضها وصفت المقيمين فى تلك المؤسسات الصوفية وهم من غير الصوفية بالمنقطعين: ( يقدم من يرغب في الإنقطاع بهذا الرباط من عتقاء الواقع المذكور وذرياتهم...ولا يكلفون إثبات إستحقاق ولا زى الفقراء[38]. أى أن الإنقطاع أو العزلة أصبحت من لوازم بيوت الصوفية ،ومن يقيم بها من غير الصوفية ،من الذين احيلوا على المعاش من شيوخ الجند المماليك.

3 ــ ويوجد في بعض المؤسسات الصوفية خلاوٍ يخصص كل منها لأحد الصوفية كما في خانقاة سرياقوس، بل وجدت خلوة الخطابة فى بعض المساجد،وبتحقيق الإستقلال للخانقاه كان بوسع الصوفية أن يعيشوا بمعزل تام عن المجتمع[39].

4 ــ فإذا كان الصوفية في مصر المملوكية قد جعلوا العزلة أساساً دينياً،وإذا كان العصر المملوكى قد وفر لهم المؤسسات الصوفية ليعيشوا فيها على أساس العزلة ،فهل ننتظر منهم أن يتركوا ذلك إلى المشاركة مع المتطوعة في الغزوات البحرية؟

ثانيا : جهاد النفس فى الدين الصوفى

1ـ رغم كثرة آيات القرآن الكريم فى موضوعات الجهاد بالنفس والمال والقتال فلم ترد فيها إشارة لما استحدثه المتصوفة باسم جهاد النفس الذى استخدموه ذريعة للتهرب من الجهاد الإسلامى،وتناسوا أن جهاد العدو المعتدى هو الذى يسمو بالنفس ويزكيها ، وأن الفراغ الصوفى الطويل فى عُزلتهم قد انحدر بالصوفية إلى الانحطاط ، فلم يجدوا في حياتهم الشئ العظيم الذى يشغلهم، خاصة وقد أهملوا العقل والعلم فعاشوا أسرى الغرائز والتفاهات.

2 ــ والغريب أن الصوفية قد جعلوا من جهادهم الجهاد الأكبر واعتبروا الجهاد الإسلامى جهاداً أصغر، ويرى ابن الحاج الفقيه السُّنى نفس الرأى ، فيقول  أن "الجهاد الأكبر عام في كل الناس "إلا أن الفقير أحوج الناس إليه، إذ أنه خلف الدنيا وراء ظهره ،وأقبل على آخرته لشغله بربه وإقباله على إصلاح نفسه.."[40].

ولو أنصفوا لعرفوا أن جهاد النفس الحقيقى هو في التقوى الاسلامية التى تعنى تفاعلها الايجابى في الحياة مع التمسك -كلما أمكن- بالتقوى.

3ـ واستعار الصوفية مدلولات الجهاد الإسلامي وجعلوا لها مفاهيم صوفية . فالرُّبط جمع رباط تطورت فلم تعد حصوناً ،بل أضحت ملاجىء وتكايا للمجاهدين الجدد يعيشون فيها عالة على المجتمع يجاهدون أنفسهم بأنفسهم بزعمهم ، (والسلَب) أصبح يعنى به إخافة المنكرين بسلب العلم أو الإيمان وليس الغنائم الحربية والأسلاب ،(وجرد) أى استعد للعبادة والخلوة وليس بمعنى تجريد الجيش للحرب (والشهيد) الصوفي هو قتيل المحبة الإلهية [41]، (والشهادة) إحدى مراتب الولاية مع الصديقية [42]وليس القتل في سبيل الله كما هو متعارف عليه ( والمجاهدة) للنفس وليس للعدو المعتدى (والفتح) بمعنى الوصول أو انكشاف الحجب أو العلم اللدني طريقا للاتحاد بالله بزعمهم ، وليس النصر على العدو ، (والحملات) أى ما يدعونه من تحمل مصائب الآخرين وليس الحملة الحربية .

وإتخذ بعض المجاذيب لباس الجندية  وحملوا السيف وصاروا بذلك في الشوارع ، يجاهدون أنفسهم . أى أن جهادهم (الأكبر) تضمن كل مصطلحات الجهاد الحربي ولكن بمفاهيم صوفية، ثم استداروا  لحركة الجهاد الفعلية فسلطوا عليها أساطير الكرامات ، لتعويض قعودهم عن الجهاد .

ثالثا : تأليف الكرامات الصوفية في الجهاد الديني ..

1ـ وقام الصوفية – بما أوتو من مقدرة في سبك الكرامات واشاعتها- بسد هذا النقص. فرددت المراجع التاريخية كرامة واحدة في هيكلها وهى تتلخص في هزيمة جيش بأكمله بتأثير دعوة رجل صالح ، فتارة تحدث تلك الكرامة في الهند[43]، وتارة تحدث في بلاد الروم[44]، وأخرى عند أحد الخلفاء بمصر لم يعين اسمه[45]،

 أى أن بمقدور الصوفي صاحب الكرامات والمُستجاب الدعوة أن يهزم جيشا بأكمله بمجرد الدعاء ، وهذا الدعاء لم يحدث في التاريخ الواقعي مع كثرة الصوفية . والغريب أن يقتنع الناس بذلك , فعندما هزم الثائر( سوار ) القوات المملوكية في الشام أراد قايتباى حلّ الأوقاف الصوفية فرفض أمير الدين الأقصرائي لأنه"..بدعوة فقير صادق يكفيكم الله مؤونة هذا الأمر كله..فأنجبه السلطان منه" أى خجل منه السلطان على حد قول ابن إياس[46]. ..

وكان السلطان سليم كثيرا ما يطلب الدعوات الصالحات من الأولياء المصريين له في حربه ضد اسماعيل الصفوي [47].

2ـ وردد الصوفية كرامات عن بطولات مزعومة لأشياخهم وإن لم يحتل ذلك الجانب الهام من اهتماماتهم في سبك الكرامات.

فالبدوي وصف" بالعطاب"  " والغضبان" " ومجيب الأساري" " وأبي الفرج" "ومهارش الحروب" وهو " فارس الأولياء بالديار المصرية والجزائر القبرسية"  وقالت له فاطمة بنت برى " كنت أظن أن ما على الأرض أفرس مني وقد وجدتك أنت الفارس الهمام " ، وجعل من أهم كراماته إحضار الأسرى من بلاد الفرنجة،وحرصت الأشعار التي مدحت البدوي على إثبات ذلك[48]. وللبدوي وأتباعه العذر في انتحال ذلك كله فقد عاصر ازدهار الحروب الصليبية وكان عليه أن يغطي موقفه  وهو مشغول بأموره على سطح دار ابن شحيط يرتب لإسقاط الدولة المملوكية التي تصارع المغول والصليبيين. وقد شرحنا ذلك بالتفصيل في كتابنا ( السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة) .ولم يرد إسم البدوى مطلقا فى العصر الذى عاشه لأنه كان متآمرا يعيش متنكرا .

 والدسوقي يتفنن في ذلك لا حبا في الجهاد في حد ذاته ، ولكن تأكيدا لعقيدة الحقيقة المحمدية التي حمل لواءها ، فقد زعم أنه قاتل المشركين مع النبي عليه السلام ، وأسهم في هذه المعارك معه  باقي الأقطاب الأربعة،فلما وجدهم المصطفى يقاتلون معه قسم بينهم الأرض[49].

وتأسيسا على نظرة الصوفية  للجهاد يقول الشاذلي عن حزب البحر" لو ذكر حزبي في بغداد لما أخذت"[50].

أي أن ذكر حزب الشاذلي كان كفيلا بانقاذ بغداد من تدمير المغول لها سنة  658هجرية.

والتطبيق العملي لقول الشاذلي حدث في واقعة الإسكندرية حين هاجمها القبرصي – وكانت على غير ما يهوى الشاذلي – فعندما انتشر الفرنجة يقتلون وينهبون في المدينة اختفى صوفي فى قصر وقرأ حزب الشاذلي لينجيه، فأتى الفرنجة إلى الباب وتشاوروا ثم تركوا القصر لأنهم رأوا صبيا يجري فلحقوا بالصبي وقتلوه، ومع أنهم تركوا الصبي وفيه رمق إلا أن صاحبنا الصوفي ظل معتصما بمخبئه – وقد غاب عنه الفرنجة – ولم يجرؤ على نجدة الصبي حتى أسلم(الروح)[51].

ويقال أن الإسكندرية كانت في خفارة أي حماية أبي العباس المرسي،وقد تعجب من استعدادهم  للدفاع عن أنفسهم لأنه ما دام فيهم فلن يدخلها العدو[52]. فأين دور المرسي العملي في الدفاع عن الإسكندرية  حين اقتحمها القبرسي وانتهك حرمتها؟  لا نجد لذلك أثرا في المراجع..

وكان عبد الله الدرويش صاحب كرامات ويتطور (يتشكل) في سائر الصفات وصلب الخنزير بباب القرافة وكان ذلك مجاهدة في الفرنج[53]. على حد قولهم بينما ترك الصليبين يمرحون في البحر المتوسط. وكان حسن بن مسلم المسلمي صاحب الكرامات يجاهد الفرنج في المغرب [54].أما الشيخ محمد العردوك الهارب من التتار، فبعد أن وصل إلى دار الأمان جعل يقاتل في الهواء، وبقى إلى نهار اليوم التالي،ثم استلقى كالميت من التعب وثيابه ملطخة بالدماء من صرعاه من التتار، ولما أفاق أخبرهم أنه قاتل التتار وقتل كبيرهم[55] ، أي في أحلام اليقظة وكرامات الخيال.

3ـ ومع اختلاق هذه الكرامات أسوة بغيرها، فإننا كنا نتمنى لو أكثروا من هذه الكرامات القليلة لتدل على اهتمامهم بالجهاد الديني ولو في أحلام اليقظة.

    جهاد الصوفية في المصادر التاريخية وخيانتهم وتعاونهم مع العدو

1ـ عندما عزم الأشرف خليل على التوجه إلى عكا لفتحها في ربيع الأول سنة 690 جمع الصوفية فى ( تربة)  أبيه المنصور قلاوون ، يقرأون القرآن وفرق عليهم الصدقات وعلى أهل المدارس والربط والزوايا والخوانق[56] أي ليؤيدوه بدعواتهم المستجابة. وهذا دورهم في فتح عكا آخر معقل صليبي، أي مجرد الدعاء وقراءة القرآن مقابل أجر .

2ـ على أن بعض المتصوفة قد شارك بالقتال الفعلى في حملة مملوكية موجهة لقتال العربان بالصعيد .

وقد تمكنت هذه الحملة من إهلاك العربان هناك عن آخرهم، وأسرت منهم الكثير خصوصا النساء والأطفال ونهبت الأكثر الذي تفرقته الأيدي : ( وصار لكثرة ما حصل للأجناد والغلمان والفقراء ( الصوفية )  الذين اتبعوا العسكر أن باعوا الكبش السمين من ثلاثة دراهم إلى درهمين..") ( "وقد خلت بلاد الصعيد من أهلها، حيث صار الرجل يمشي فلا يجد في طريقه أحد، وينزل القرية فلا يرى الا النساء والصبيان .! )"[57]. أي خربوا الصعيد ودمروه.. وهذه هي الحملة المشهورة التي شارك فيها الصوفية.

 3ـ هذا، ولقد أثرت الأوقاف – والمتأثرة بالتصوف – على حركة الجهاد الديني ، ذلك أن النظام الحربي في الدولة المملوكية قام أساسا على نظام الإقطاع، وقد نافست الأوقاف على الصوفية  ــ وجهادهم السلبى ــ الإقطاع المملوكى ــ الذى ينفق على المجهود الحربى ــ في الإستئثار بالثروة الزراعية ، مما حدا بالظاهر برقوق لمحاولة الإستيلاء على الأوقاف بحجة "أن كثيرا من الأراضي الزراعية تم وقفها مما أدى لإضعاف جيش المسلمين "[58].  وهذه الأوقاف هي التي أعاشت الصوفية وأعانتهم على تواكلهم ،وهي التي حرمت الجيش المملوكي من قوة إضافية.

4ـ اشتراكهم في غزوة رودس الثالثة (ت848) هجرية طمعا فى الغنائم :

لم يسبق للصوفية الاشتراك في الغزوتين السابقتين لرودس،وقد تشجعوا بما حدث في الغزوتين السابقتين ، وبما حصل عليه المجاهدون فيهما من غنائم، فاشتركوا في الغزوة الثالثة طمعا في الربح السهل، وكان اشتراكهم شؤما لأن الغنائم هدفهم الأسمى ،فقد : ( تفرقوا في قرى البلد وبساتينها وضياعها ، ينهبون ويسبون ويحرقون ويفعلون القبائح" وأقامت طائفة أخرى في كنيسة، فطوقهم الفرنجة على حين غفلة وظهروا عليهم.. وبعثوا يطلبون المدد فجهزه لهم جقمق إلا أن الخبر وصل برجوعهم" بسبب تخاذلهم" هذا بالإضافة إلى فرار كثير من المماليك إلى الفرنجة مرتدين عن الإسلام ، فاتفق أكثرهم على الرجوع ، فلم يسع الباقين إلا موافقتهم فوصلوا أرسالا [59]. أى جماعات متفرقة ، فكانت هزيمة مروعة ببركة الصوفية .!!

5ـ ويحاول الصوفية المحدثون[60].إثبات جهاد الشاذلي في موقعة المنصورة اعتمادا على ما روي في كتب المناقب من روايتين قيل بحدوثهم في المنصورة، مع أن المصادر التاريخية لمعركة المنصورة المشهورة لم يرد فيها ذكر للشاذلي، وهو أشهر من أن يجهله المؤرخون وقتها ، وما كان بإمكان الشاذلي أن يجاهد- ولو أراد – وهو شيخ ضرير . وتحكي الرواية الأولى أن الشاذلي حضر بالمنصورة لقاءا علميا مع العز بن عبد السلام وابن دقيق العيد وابن سراقة ومجد الدين الأخميمي يتناقشون في رسالة القشيري، والشاذلي بينهم صامت فاقترحوا أن يتكلم الشاذلي فقال:" أنتم سادات الوقت وكبراؤه وقد تكلمتم"، فأصروا  ، فسكت ساعة ثم "تكلم بالأسرار العجيبة " حتى أن ابن عبد السلام لم يحتمل ذلك فقال: اسمعوا هذا الكلام الغريب القريب العهد من الله ". ولم يذكر الوقت الذي حدثت فيه هذه الرواية [61]..

 وواضح أن كاتب الرواية يحرص – كما هو واضح – على إثبات تفوق الشاذلي علميا على معاصريه من العلماء ، والواضح أن ناحية الجهاد الديني لم تخطر بباله، وإلا فما كان أسهل عليه أن يخترع يزايد. فى كرامات الشاذلى فى الانتصار على العدو الفرنسى .  ثم كيف تكون هناك موقعة حربية مع عدو توغل في عمق البلاد، ويجتمع أولئك المشايخ يقرأون رسالة القشيري ويبحثونها في هدوء ؟ وهل رسالة القشيرى وثيقة  الصلة بالجهاد حتى تبحث فى مثل ذلك الوقت ؟.

 وتحكى الرواية الثانية مناماً للشاذلي يقول : "كنت بالمنصورة..مشغولا بأمر المسلمين وبأمر الثغر خصوصا، وقد كنت أدعو الله، وأتضرع إليه في أمر السلطان والمسلمين.."  وتمضي الأسطورة فتصف لقاء الشاذلي بالرسول عليه السلام في المنام وكيف أنه كرّم الشاذلي: " فمد يده حتى قبض على يدي وقال :  لاتهتم كل هذا الهم من أجل الثغر وعليك بالنصيحة لرأس الأمر" .وتهدف الاسطورة الى إعلاء شأن الشاذلي وليس للمنصورة فيها من نصيب المقولة، إلا قوله  في أولها "كنت في المنصورة" ، وانصب اهتمامه فيها على الثغر أو الإسكندرية حتى لقد طمأنه الرسول عليه السلام – في المنام – على الثغر ومن فيه..فأين موقعة المنصورة بكل ما حدث فيها ؟

6ـ وعلى عكس الشاذلي والصوفية المصريين نلمح في المصادر التاريخية مشاركة للصوفية الشاميين في الحروب الصليبية مع الظاهر بيبرس ضمن جمع الناس وأصنافهم حتى النساء.فقد اشعل الظاهر بيبرس جبهة الشام بالجهاد الديني فورد ذكر للفقهاء والفقراء المجاهدين عام 661 في حصار عكا [62].وحصار أرسول سنة [63]663.وصفد سنة 664 والشقيف سنة 666.هجرية[64].

7 ــ وانتهى ذلك بموت الظاهر بيبرس.

فعاد الصوفية إلى "جهادهم الأكبر" أو جهاد النفس، بل سمعنا عن صلات بين الصوفية الشاميين وبين الصليبيين فكانت كلمة أحدهم عند الفرنج مسموعة [65].بل ادعى آخر أنه مأمور بحفظ خنازير الفرنج الصلبيين وكان يعذره بعض أكابر الشيوخ في بعلبك لأنه(صاحب كرامات يأتي له راكبا أسدا)[66]. بزعمهم .

تعاون الصوفية مع هولاكو والتتار (علنا)

1ـ بدأ الأمر بالتزام المتصوفة جانب حكوماتهم المحلية طالما كانت قوية، فقتل بعضهم بأيدي التتار[67].

ولكن لاحظ المتصوفة والتتار أن احدهما في حاجة للآخر فالتتار في حاجة إلى حليف يهدىء الناس ويشغلهم ويقنعهم بالتسلم، أما المتصوفة فقد كانوا دائما في حاجة إلى حماية الحكومات المختلفة، وقد بدأ الإتصال الواعي سنة  643  بلجوء الشيخ خليل الكردي أحد أصحاب الرفاعي إلى المغول ثم ما لبثت أن خرج معه جمع كثير من المغول [68]. واستهوت التتار ألاعيب الرفاعية من دخول النار وشرب السم[69]. وأتت هذه العلاقة الجديدة أكلها فعند فتح حلب لم يسلم من المذبحة إلا من لجأ إلى بضع بيوت منها خانقاه زين الدين الصوفي [70].  وأثناء إقتحام هولاكو لبغداد رؤى شيخ صوفي محلوق الرأس أخذا بفرس هولاكو, ويزعم أنه أمر بذلك[71].

2ـ والصوفية من جانبهم حاولوا التخفيف من وقع كارثة بغداد وامتصاص كراهية المسلمين للتتار، فانتشرت المنامات الصوفية تحذر من الإعتراض وتهون من الأمر، يقول أحدهم " كنت بمصر فبلغني ما وقع ببغداد من القتل الذريع فأنكرته بقلبي، وقلت يارب كيف هذا وفيهم الأطفال ومن لاذنب له؟, فرأيت في المنام رجلا في يده كتاب فأخذته فإذا فيه:

دع الإعتراض فما الأمر لك        ولا الحكم في حركات الفلك

لا تسـأل الله عـن فعـله          فمن خاض لجة بحر هلك[72]

أى إن تدمير بغداد هو فعل الاهى ومن يعترض عليه فقد هلك .!!

3ـ وانخرط أعلام الصوفية في خدمة هولاكو، مثل قاضى القضاة محيي الدين القرشي "وقد سار إلى خدمة هولاكو فأكرمه وولاه قضاء الشام وخلع عليه"[73]، وتوجه ابن حمويه إلى خراسان واجتمع بملوك التتار فأعطوه مالا كثيرا، وبنى بآمل خانقاه وتربة، وكان له قبول عظيم هناك [74]،وسار ابن الزملكاني لخدمة هولاكو فأكرمه[75].

4ـ وتوثقت هذه الصلة بعد موت هولاكو، فأقيمت الرباطات الصوفية بمشهد الإمام على وسلمان الفارسي كدليل على إلتفات النظام الجديد إلى جدوى التعاون مع المتصوفة[76].

5ـ وأصبح التصوف وسيلة للوصول عند التتار فتزهد أحد مماليك الخليفة المستعصم. وتسمى عبد الرحمن واتصل بأحمد بن هلاون – الذى أسلم على يد المتصوفة – فعظم عنده للغاية بحيث كان إذا شاهده ترجل وقبّل يده وامتثل جميع ما يشير به[77]، وكان رسوله إلى المنصور قلاوون فوصفه الملك المغولي "بشيخ الإسلام قدوة العارفين كمال الدين عبدالرحمن الذي هو نعم العون لنا في أمور الدين" ، طبقا لما ورد في كتاب أحمد بن هلاون إلى قلاوون[78].

المتصوفة فى خدمة غازان:

1ـ رتبط جهاد ابن تيمية للتتار[79]بجهاده لحلفائهم المتصوفة، فقد أدرك العلاقات التي تربط الفريقين فناظرهم أمام نائب السلطنة في مصر سنة 705هجرية  ونجح في إثارة الرأى العام عليهم، حتى إن شيخهم صالح الأحمدي لم يتمالك نفسه فقال ( نحن ما ينفق حالنا إلاعند التتر، وأما عند الشرع فلا" ) ،فكثر الإنكار عليهم، واتفق على قتل من يخرج منهم على الكتاب والسنة[80].

وهذا الشيخ أكرمه التتار لما قدموا دمشق سنة 699 حتى لقد نزل عنده قطلوشاه نائب التتار[81].

2ـ وقرر ابن تيمية أن ظهور الأحمدية حمل الناس على الخمول والتسليم فاستفاد بذلك التتار[82]. وأن الصوفية قد حققوا للتتار مركزا مرموقا حملهم على تطوير عقيدتهم من الحلول الجزئى إلى الإتحاد المطلق الذي يعني وحدة الوجود[83]، بل إن اليونسية – إحدى الفرق الصوفية ـ قد أعلنوا ردتهم عن الإسلام عندما جاء غازان إلى دمشق [84].

3ـ ومما يذكر أن بعض صوفية مصر قاموا بدور الطابور الخامس لغازان فادعى أبو العباس الملثم في السنة التي دخل فيها غازان الشام أن النبي عليه السلام أخبره في المنام بأنه أذن للتتار في دخول الشام وأنه راسلهم بذلك [85]؟

4ـ واقتحم غازان دمشق، فشرب التتار في الجامع الأموي الخمور، وفجروا فيه بالنساء ،ونجسوه بالبول، وعظم القتل والنهب في الناس حتى بلغ مائة ألف إنسان، وحمل إلى غازان6و3 "مليون" درهم سوى السلاح والثياب والدواب ..إلخ ومع ذلك لم يسيطر التتار على قلعة دمشق فقد تحصن فيها أرجواش القائد المملوكى مهددا التتار ورافضاً التسليم.

في هذه الأثناء عظم شأن أحد الصوفية المتعاونين مع غازان وهو شيخ الشيوخ نظام الدين الشيباني فنزل بالمدرسة العادلية، وعتب على أهل البلد لأنهم لم يترددوا إليه كي يصلح من أمرهم "وعظم نفسه تعظيماً كثيراً".."وحصل لشيخ الشيوخ من البراطيل فوق الثلاثين ألف دينار وكان لا يزال الدبوس على كتفه ولم يكن فيه شيء من أخلاق المشايخ" واستخف بأبطال قلعة دمشق وقال كأنه أحد التتار "لو أردنا أخذها أخذناها من أول يوم" ورفض أرجواش الأمان الذي كتبه له غازان  فهلك أهل دمشق خوفاً من غضب غازان, وانتهز شيخ الشيوخ الفرصة فكان يتظاهر بالرحيل فكان بعض الناس يلجأ إليه للإحتماء به "وهو مصمم لا يفرج كربة عن مسلم.. وكل الناس في ضيق".

5ـ  وقد اجتمع ابن تيمية ببعض التتار وسألهم عن سبب قتالهم المسلمين فقالوا "أفتانا شيخنا بتخريب الشام وأخذ أموالهم لأنهم ما يصلون إلاً بالأجرة ولا يؤذنون إلاًبالأجرة ولا ينفقون إلاًبالأجرة,وقال لنا إذا فعلتم ذلك بهم يرجعون إلى الله ويتوكلون عليه" أى أن الشيخ الصوفي حرض التتار على تدمير الشام, وأفتى لهم بذلك، وحملت الفتوى رؤية الصوفية في الذي يعبد الله بالأجرة . إلا أن أجرة الشيخ الصوفي نظام الدين الشيباني كانت هائلة، أخذها من أهله وقومه وأبناء وطنه إذ حصل الشيخ لنفسه "ما قيمة ستمائة ألف درهم" وهذا خارج عما "برطلوه من المصادرين المظلومين" [86].

الصوفية وتيمور- لنك(ت808):

   تطوع الصوفية فحاولوا تقريب صورة تيمور من قلوب العامة إحياءً للود القديم، فالرسول عليه السلام في أساطيرهم دفع عن تيمور لنك ملائكة العذاب "اذهبوا عنه فإنه كان يحب ذريتي ويحسن إليهم" ولنفس هذا السبب سمح له الرسول فى زعم مناماتهم بالجلوس معه في منام صوفي آخر[87].ولم تحدث حرب تيمور لنك وبرقوق. لذلك لم يحدث تعمق في علاقات الصوفية بتيمور لنك ، واقتصرت على الدعاية المجانية له.

تجسس المتصوفة لحساب التتار:

 أ) جواسيس التتار في زي الصوفية:

1ـ بازدهار التصوف توافد على مصر كثيرون بزي الصوفية حيث منحوا كل تكريم, ومن الطبيعي أن يستغل التتار هذه الناحية بما عرفوا من خبرة في التجسس، فقدمت جواسيسهم إلى مصر أفراداً أو جماعات بزي التصوف.

2ـ ولقد كان منهم الشيخ على الأويراتي الذي أسلم وتصوف وتبعه بعض أولاد المغول إلى الشام، ثم إلى مصر حيث رتبهم السلطان في جملة مماليكه. وعندما عزم الناصر على حرب غازان سنة 699 جند الأويراتية بعض المماليك السلطانية للتجسس لصالح غازان، ولكن إنكشف أمرهم  حين بدأوا التنفيذ فاعتقل المشتبه فيهم من المماليك وشنق الأويراتي [88].

3ـ وفطن المماليك بعد حركة الأويراتية إلى هذه اللعبة, ويتضح ذلك من حادثة الشيخ براق الذي حظى عند التتار واشتهر بكراماته وزيه العجيب هو وأصحابه بالمائة، وقد دخل الشام فأحسن الأمير الأفرم مقابلته،وأراد الدخول إلى مصر فمنعه الناصر محمد بن قلاوون [89]. ولأن المصريين قد فطنوا إلى حقيقته أرسله غازان التترى إلى جبال كيلان ليحارب المماليك ( فأسروه وقالوا له:أنت شيخ فقراء كيف تجيء صحبة أعداء الدين لقتال المسلمين؟ وسلقوه في دست)[90].

 وتابع تيمور لنك نفس الخطة فاعترف أحد الجواسيس أمام والي القاهرة بأن تيمور أرسل إلى مصر عدة جواسيس في هيئة تجار وأعاجم(صوفية) فقبض على سبعة منهم[91].

وفي حريق بولاق سنة 862 الذي استمر عدة أيام  بالقاهرة على فترات متقطعة اتهم بذلك جواسيس القرمانية فنودي بخروج الغرباء من مصر [92]، والقرمانية كانوا يأتون إلى مصر ضمن التوافد الصوفي عليها من الأعاجم.أى أن جموع المتصوفة الأعاجم في القاهرة صاروا موضع شك لإحتمال أن يكون بينهم جاسوس، وقد وجدوا مع أحدهم كتاباً من جان بك الصوفي وكان هارباً من مصر إبان نزاعه مع سلطان برسباي [93].

4ـ وقد اتهم أعجمي آخر هو نور الدين علي التبريزي  بالتواطؤ مع الحبشة والصليبيين، وأنه كان يحمل الرسائل بينهم، وخطط لربط الحبشة بكنيسة روما، ومصاهرة الفونسو للبيت المالك في الحبشة، ومحاولة تحويل مجرى النيل عن مصر، وقد أفشى سر العجمي أحد خدمه فضربت عنقه[94].

صوفية يتطوعون للتجسس لحساب التتار:

قيل في ترجمة الشريف القمني أنه (داخل التتار لما أتى غازان إلى دمشق وتوجه إليهم وعاد إلى دمشق ومعه أربعة من التتار وكسر أقفال بيت توما) ..(وشرع يدل التتار على عورات المسلمين إلى أن أمسك وقتل مع أعوانه)[95].

وأقام الصوفي ابن عمران بين التتار فأكرموه ثم قدم دمشق(واتفقت له كائنة فسجن في قلعة دمشق)[96].

وكان سعيد المغربي مقيماً بجامع ابن طولون وللناس فيه اعتقاد زائد وكان برقوق يزوره ويعظمه ويقبل شفاعته،ثم سافر العراق ووشى به للسلطان فتخيل منه وظن أنه جاسوس فقبض عليه [97]. أى أن الشك في الصوفية لم يقتصر على الأعاجم منهم.

وأخيراً

فهذه هى المحصلة النهائية لفريضة الجهاد الديني عند الصوفية،فقد تحولت في دين التصوف إلى قعود في بيوت الصوفية لممارسة عقائدهم في الحلول والإتحاد، ولممارسة الإنحلال الخلقي، وسنرى ذلك في موضع الأخلاق، وبينما يلهون ويلعبون ويتمتعون كان المماليك يقاتلون الصليبيين في الشام ثم في البحر المتوسط،

 ويقاتلون التتاروالمغول من حملة هولاكو إلى غازان. 

 ثم أسفر الصوفية عن ولائهم الحقيقي حين انضموا في القتال لأعداء المسلمين، في العلن حين يحتلون أرض المسلمين، وفي السر حين يتجسسون لحسابهم داخل أرض المسلمين.. وهم في ذلك كله لم يكن لهم أدنى عذر، فقد تمتعوا بالسطوة والنفوذ والتقديس لدى الحاكم والمحكوم، وليس أدل على ذلك من تقرير عقائدهم المخالفة للإسلام، واضطهادهم لخصومهم الفقهاء بالمحاكمات والملاحقات،ثم إن كل ما تبقى من آثار العصر المملوكي المعمارية شاهد على عناية العصر المملوكى بالصوفية، فلا تزال لدينا الخوانق والزوايا والمساجد والقباب التي أقيمت أساساً للتصوف وأوليائه. وفي النهاية كان ولاؤهم  للعدو المعتدي..



[1]
أحمد دراج : المماليك والفرنج 7 : 17 .

[2]النويرى ، الإلمام  جـ 1 / 170 .

[3]النويرى . الإلمام بالأعلام فيما جرى بالإسكندرية ـ : مجلد 1 لوحات 93 : 96 ، 107 : 108 ،169 : 170 وقد حدث الهجوم سنة 767 .      

[4]عن سنة 832 : السلوك 4/ 2 / 802 ،، النجوم جـ 14 / 309 ، الغمر جـ 3 / 420 ، عن سنة 915 تاريخ ابن اياس جـ 4 / 163 ، 164 ، 192 .

[5]عقد الجمان حوادث 819 ، الغمر جـ 3 / 94 ، الضؤ الامع جـ 4 / 370 .

[6]النجوم الزاهرة جـ 14 / 268  .

[7]ذكر أبو المحاسن التفاصيل فى النجوم الزاهرة جـ 14 / 271 : 287 ، وذكرها المقريزى فى حوادث سنة 829 فى السلوك جـ 4 / 2 / 718 : 744 وجـ 4 / 2 / 683 : 688 و  694  :695 .

[8]نزهة النفوس مخطوط حوادث سنة 843 ص 189 .

[9]نزهة النفوس مخطوط حوادث سنة 842 ص 193 . والنجوم الزاهرة جـ 15 / 341 : 342 . السلوك جـ 4 / 3/ 1170 : 1171 .

[10]إنباء الغمر . مخطوط ورقة 1206 : 1207 . التبر المسبوك 63 ، النجوم الزاهرة جـ 15 / 360 : 363. السلوك جـ 4/3/ 1205 وما بعدها .

[11]النجوم الزاهرة جـ 16 / 149 : 154 .

[12]حوادث الدهور جـ 3/ 422 . النجوم الزاهرة جـ 16 / 275  .

[13]الضوء الامع جـ 1 / 102 .

[14] دائرة المعارف جـ 13 / 58 .

[15] عن عاشور . البدوى 221 .

[16] الحكم العطائية ص 1 مفتاح الفلاح الطبعة الأولى 35 ،36 .

[17] الطبقات الكبرى للشعرانى جـ1/ 145 .

[18] قواعد الصوفية جـ1/164 .

[19] الوصية المتبولية للشعرانى 23:25 .

[20] لطائف المنن 418 .

[21] لواقح الأنوار 204 ، تنبيه المغترين 251 ، قواعد الصوفية جـ1/ 84 ، لطائف المنن 419 وغيرها .

[22] إنباء الغمر جـ3/ 105 ، جـ2/129 ، الدرر الكامنة جـ3/ 33 ، المنهل الصافى جـ3/143 ،5/5 , حوادث الدهور جـ1/ 140 ،ذيل الدرر الكامنة مخطوط ورقة 8 ، الضوء اللامع جـ2/ 112 ، شذرات الذهب جـ6/ 56 وغيرها .

[23] التبر المسبوك 288 ،294 .

[24] الغمر جـ3/265 .

[25] الغزى الكواكب السائرة جـ1/48 .

[26] مناقب الحنفى 53 :54 .

[27] شذرات الذهب جـ7 / 71 ، 72 .

[28] الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/160 .

[29] الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/158 .

[30] السلوك جـ4/ 2 /757 :758 ، إنباء الغمر جـ2/384 :385 ، المنهل الصافى مخطوط جـ1/ 204 . الضوء اللامع جـ1/200 ،201 .

[31] الشعرانى رسالة فى ردع الفقراء ص 11 .

[32] ردع الفقراء ص 9 .

[33] رحلة ابن بطوطة جـ1 / 20 :21 .

[34] الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/78 .

[35] دولت عبد الكريم ، الخوانق رسالة دكتوراه غير منشورة 170 .

[36] دولت الخانقاه 174 ، 175 .

[37] وثيقة الزينى يحيى الأستادار وثيقة مغلطاى الجمالى.

[38] وثيقة وقف بيبرس الجاشنكير رقم 42 محفظة 4 محكمة .

[39] محمد أمين الأوقاف فى العصر المملوكى 231 ، 277 رسالة دكتوراه غير منشورة .

[40] المدخل جـ2/ 118 .

[41] روض الرياحين 49 .

[42] لطائف المنن للشعرانى 377 : 378 .

[43] السبكى. معيد النعم 155 .

[44] السلوك جـ4 /2/ 625 ولم يستوثق المقريزى من الخبر ويبدو تأثره فيها بما يدور بين المسلمين والنصارى من حروب .

[45] تحفة الأحباب 296 : 297 .

[46] حوادث الدهور 636 : 637 ، تاريخ ابن إياس ط بولاق جـ2/97 .

[47] أحمد فؤاد متولى . الفتح العثمانى لمصر وسوريا ص 115 ، ص 134 ذكر فيها المراسلات التى وردت فيها هذه العبارات .

[48] عبد الصمد . الجواهر : 6،9 ،17 ، 53 ، 75 ، 76 ، 116 ،طبقات الشرنوبى مخطوط 706 .

[49] طبقات الشرنوبى مخطوط ورقة 14 واستعرض عضلاته أيضا فى الأسرى ورقة 4 .

[50] دائرة المعارف جـ13 / 58 .

[51] النويرى الإلمام بالأعلام مخطوط جـ1 / 109 .

[52] مناقب الحنفى مخطوط 143 : 144 ، الطبقات للمناوى مخطوط 262 .

[53] الكواكب السيارة 186 .

[54] السلوك جـ 3 / 1 / 86 ، الدرر الكامنة جـ2 / 132 .

[55] النبهانى جامع كرامات الأولياء ..جـ1/ 136 .

[56] ابن الفرات . التاريخ جـ8 / 111 ، السلوك للمقريزى جـ1 / 2 / 764 .

[57] السلوك للمقريزى جـ1 / 3 / 922 . حوادث سنة 701 والنجوم الزاهرة جـ8 / 153 .

[58] محمد أمين رسالة على الأوقاف ص 394 نقلا عن السلوك للمقريزى جـ3/1/345 .

[59] السخاوى . التبر المسبوك 88 .

[60] د. عبدالحليم محمود : الشاذلى 61 : 71 .

[61] عمار . أبو الحسن الشاذلى وتصوفه جـ 1 / 69 : 70 .

[62] تاريخ النويرى . نهاية الارب . مخطوط جـ 28 / 79 . السلوك للمقريزى جـ 1 / 2 /488 .

[63] النويرى جـ 28 / 83 والسلوك جـ 1 /2/ 528 : 529 .

[64] السلوك جـ1 / 2 / 546 ، 565 .

[65] الغمر جـ3 / 508 : 509 ترجمة ابن قديدار الدمشقى .

[66] ابن تيمية مجموعة الرسائل والمسائل جـ 1/ 171 : 172 .

[67] نفحات الأنس للجامى 423 : 424 ،599 .

[68] الشيبى : الفكر الشيعى ص 86

[69] النويرىالإلمام جـ2 / 83 .

[70] تاريخ أبى الفدا جـ 3 / 210 ، عقد الجمان للعينى مجلد 54 لوحة 424 وتاريخ حلب لابن الشحنة ص 96 .

[71] محموعة الرسائل والمسائل جـ 1 / 169 : 170 ابن تيمية ؟

[72]  عقد الجمان 54 / لوحة 45 : 546 وروى السبكى رواية أخرى فى طبقات الشافعية جـ 5 / 116 .

[73] شذرات الذهب  جـ 5 / 327 : 328 .

[74] عقد الجمان مجلد 53 لوحة 354 .

[75] اليافعى مرآة الجنان جـ4 / 170

[76] الفكر الشيعى 87 .

[77] تاريخ الذهبى مخطوط مجلد 31 لوحة 26 ، 27 .

[78] سيرة المنصور قلاوون جـ 1 / 13 .

[79] قاتل ابن تيمية التتار بنفسه وحرض المماليك و الناس على  جهادهم  واشترك فى المباحثات . راجع تاريخ ابن كثير جـ 14 / 7 :26 ، 89 ، العقود الدرية لابن عبدالهادى 177 : 178

[80] تاريخ ابن كثير جـ 14 / 36 .

[81] تاريخ ابن كثير جـ 14 / 47 ، عقد الجمان وفيات سنة 707 ، الدرر الكامنة جـ 2 / 201 .

[82] مجموعة الرسائل والمسائل جـ1 / 179 ، جـ 1 / 171 : 172 .

[83] مجموعة الرسائل والمسائل جـ1 / 179 ، جـ 1 / 171 : 172

[84] مجموعة الرسائل والمسائل جـ 1 / 168 ، 169 .

[85] الدرر الكامنة جـ 1 / 199

[86]  زيتر ستين " تاريخ سالطين المماليك " 64 : 77 ، الداودارى الدر الفاخر 27 : 30 ، النويرى نهاية الأرب 29 / 115 مخطوط ، المقريزى المقفى 4 / لوحة 87 ، السلوك 1 / 3 / 890 : 902 ، العينى عقد الجمان حوادث سنة 699 .

[87]  المقريزى فضائل آل البيت 80 ، 81 ، التبر المسبوك 254

[88] بيبرس الدودار زبدة الفكرة جـ 9 / لوحة 217 ، 205 ، 355 ، 356 .

[89]  النجوم الزاهرة جـ 8 / 169 : 170 ، عقد الجمان حوادث سنة 705 .

[90]  الدرر الكامنة جـ 2 / 6 .

[91]  نزهة النفوس لابن الصيرفى جـ 1 / 378 حوادث سنة 796 .

[92]  النجوم الزاهرة جـ 16 / 123 : 125 حوادث الدهور جـ 2 / 313 وما بعدها ، تاريخ ابن اياس جـ 2 / 347 ، 348 .

[93] تاريخ ابن اياس جـ 2 / 172 : 173 .

[94] المجلة التاريخية مجلد جـ 8 / 61 : 63 دكتور طرخان ، النجوم الزاهرة جـ 1 / 14 / 324 : 326 ، حوادث الددهور 73 ، ( نزهة النفوس مخطوط حوادث سنة 832 ) ، تاريخ ابن اياس تحقيق محمد مصطفى جـ 2 / 123 والمطبوع جـ 3/ 149 ـ  152 .

[95] أعيان العصر للصفدى . مخطوط جـ 6 / 2 / 280 : 281 .

[96] المناوى الطبقات الكبرى . مخطوط .

[97] انباء الغمر / 438 .

ج 3 : اثر التصوف فى الانحلال الخلقى فى مصر المملوكية

ا 

الجزء الثالث : التصوف واالانحلال الخلقى  فى المجتمع المملوكى:                          

·          الفصل الأول  : جذور الإنحلال الخلقى الجسدى وتشريعه فى عقيدة           

                      التصوف وتاريخ الصوفية

·                      الفصل الثانى  : مفردات الانحلال الخلقى الجسدى عند الصوفية                

·                      الفصل الثالث  : انحلال المجتمع المصرى المملوكى بتأثير التصوف          

·                      الفصل الرابع  : انعكاسات الانحلال الخلقى الجسدى فى المجتمع المملوكى   

·                      الفصل الخامس:  أكل أموال الناس بالباطل                                       

·                      الفصل السادس:  فى المساوىء الاجتماعية 

·                     

·                      عرض تفصيلى للموضوعات                                       

·                     

·          اثر التصوف فى نشرالإنحلال الخلقى فى مصر المملوكية :

·          تمهيد :

·          الفصل الأول: جذور الإنحلال الخلقى الجسدى وتشريعه فى عقيدة التصوف وتاريخ الصوفية.

·          أولا : جذور الإنحلال الخلقى فى عقيدة الصوفية :

·                ــ  وحدة الوجود وأثرها فى نشر الإنحلال الخلقى.

·                ــ  نكاح المحرمات .

·                -  وحدة الفاعل

·                ــ  سقوط التكاليف الإسلامية .

·                ــ  الولى الصوفى لاتؤثر معصيته فى ولايته .

·                ــ  التخويف من الاعتراض على الولى العاصى .

·          ثانيا  : الصوفية ونشر الإنحلال الخلقى وتشريعه :

·                ــ الصوفية والعوام .

·                ــ  حفلات السماع الصوفية.

·                ــ تعبيرات جديدة للانحلال الخلقى .

·                ــ  اعتراف بمسئولية التصوف عن الانحلال الخلقى .

·                ــ  الدعوة للعصيان .

·          أولا : جذور الانحلال الخلقى فى

·          عقيدة التصوف  

·          نكاح المحرمات :

·                 " وحدة الفاعل"  

·          الزعم بعلم الصوفى بالغيب 

·            سقوط التكاليف

·            الولى الصوفى لاتؤثر معصيته فى ولايته :

·          تستر الولى الصوفى بإظهار المعصية

·           التحذير من الانكار على الأولياء العصاة 

·          ثانيا: الصوفية ونشر الانحلال الخلقى وتشريعه

·          الصوفية والعوام :     

·         

·           حفلات السماع الصوفية:

·                  

·          تعبيرات جديدة للانحلال الخلقى :                       

·                  

·          اعتراف بمسئولية التصوف عن الانحلال :

·                  

·          الدعوة للعصيان :

·                 الشفاعة

·         

·                 

·          الفصل الثانى : مفرادات الانحلال الخلقى الجسدى عند الصوفية .

·          ـ التصوف والزنا :

·          ـ  عبادة الجنس وتأليه المرأة، طقوس الزنا ، وعظ النساء وآداب الجماع، شيخات من العاهرات ، الوعظ الصوفى فى الأرياف وللأميرات ، اعتراف النساء للشيخ فى الخلوة ، المؤاخاة ، مقدمات الزنا فى

·                 طقوس التصوف ،  الإيقاع بالنساء ، بعض الأشياخ الزناة، صوفية قوادون .

·          ــ  الشذوذ الجنسى والتصوف :

·            ــ الشذوذ أصل عقيدة التصوف : عقيدة الشاهد ، تطبيق الشذوذ وفق عقيدة الشاهد ، فقه الشذوذ الجنسى عند الصوفية ، من الصوفية المشهورين بالشذوذ.

·          ـ التصوف والحشيش :

·          ـ الصوفية واكتشاف الحشيش ، ضرورة الحشيش للصوفية ، تشريع الحشيش ، أشهر الصوفية  

·                الحشاشين فى الممصادر التاريخية ، الصوفية موزعوا الحشيش  فى المصادر الصوفية .

·          مفردات الانحلال الخلقى الجسدى

·          عند الصوفية

·          ـ التصوف والزنا :

·          عبادة الجنس وتأليه المرأة :

·          طقوس الزنا:

·          وعظ النساء وآداب الجماع : 

·          شيخات من العاهرات :

·          الوعظ الصوفى فى الأرياف وللأميرات :

·          اعتراف النساء للشيخ فى الخلوة :

·          المؤاخاة:

·                     

·          مقدمات الزنا فى طقوص التصوف :

·         

·          الإيقاع بالنساء :

·          بعض الأشياخ الزناه  :

·          صوفية قوادون:

·          الشذوذ الجنسى والتصوف

·          الشذوذ أصل فى عقيدة التصوف ( عقيدة الشاهد) :

·          تطبيق الشذوذ وفق عقيدة الشاهد:

·          فقه الشذوذ الجنسى عند الصوفية :

·          من الصوفية المشهورين بالشذوذ :

·          التصوف والحشيش

·          الصوفية واكتشاف الحشيش :

·          ضرورة الحشيش للصوفية :

·          تشريع الحشيش:

·          أشهر الصوفية الحشاشين فى المصادر التاريخية :

·                  الصوفية موزعو الحشيش فى المصادر الصوفية  

·         

·          الفصل الثالث : انحلال المجتمع المصرى المملوكى بتأثير التصوف .

·          ــ انحلال القضاء والعلماء الفقهاء

·          ــ القضاء وظيفيا ، القضاء خلقيا .

·          ـ انحلال المماليك :

·          ــ السلاطين ، الأمراء ، جمال المملوك طريقة للوصول للمناصب ، المدح بقلة الوقوع فى الفواحش ،  

·          الشذوذ عامل فى الفتن السياسية .

·          ــ  صورة المجتمع المملوكى المنحل خلقيا :

·          ــ صورة القاهرة المملوكية ، أهل الكتاب فى الميدان ، ضمان المغانى ، المخنثون ، انحلال النساء من غير المحترفات ، القوادات ، رسوم الولاية وحقوق القينات ،إدمان الحشيش ، من أنواع الشذوذ ، بؤر الانحلال : أرض الطبالة ، بركة الرطلى ، دور العبادة فى بؤر الانحلال الخلقى ، أماكن دينية للانحلال الخلقى: الزوايا ،الأضرحة ، الخوانق الصوفية، الجوامع المشهورة تبادل الأدوار بين بيوت العبادة وأوكار الانحلال.

·          ــ مواسم دينية للانحلال الخلقى :

·          ــ الموالد : مولد البدوى ، مولد الأنبابى ، موالد أخرى ، دوران المحمل ، الأعياد الإسلامية ، الأعياد القبطية، الانحلال بدون مناسبات ، الانحلال الخلقى والأزمات .

·                                                                                      

·         

·          انحلال المجتمع المصرى المملوكى

·          بتأثير التصوف

·          " انحلال القضاة والعلماء الفقهاء "

·         

·          فساد القضاة وظيفيا:

·          إنحلال القضاة خلقيا:  

·          انحلال المماليك :

·          الأمراء المماليك :

·                      

·          جمال المملوك طريقة للوصول للمناصب :

·         

·          المدح بقلة الوقوع فى الفواحش :

·          الشذوذ عاملا فى الفتن السياسية :

·         

·          صورة المجتمع المملوكى

·          المنحل خلقيا

·          صورة القاهرة المملوكية :

·          أهل الكتاب فى الميدان :

·          ضمان المغانى :

·          المخنثون المصابون بالشذوذ الجنسى:

·          انحلال النساء من غير المحترفات :

·          القوادات :

·          إدمان الحشيش:

·          الخمـــر:

·          من أنواع الشذوذ :

·          بؤر الانحلال :

·         

·          بولاق:

·                   .

·         

·          أرض الطبالة :

·           .

·         

·          بركة الرطلى:

·         

·          دور العبادة فى بؤر الانحراف الخلقى :

·         

·          أماكن دينية للانحلال الخلقى :

·         

·          الزوايا :

·          الأضرحة:    

·                     

·                   

·                      

·          الخوانق :

·         

·          المساجد:            

·          تبادل الأدوار بين بيوت العبادة وأوكار الانحلال :

·          مواسم دينية للانحلال الخلقى :

·         

·          الموالد:              

·          دوران المحمل:

·                  

·         

·          الأعياد الإسلامية :

·          الأعياد القبطية :

·          الانحلال بدون مناسبات :

·         

·         

·          الانحلال الخلقى والأزمات :

·         

·          الفصل الرابع: انعكاسات الانحلال الخلقى الجسدى فى المجتمع المملوكى

·          ــ الفحش فى الكلام :

·            ــ الأولياء ، المماليك ، فى الشعر ، العامة، وبعد العصر المملوكى .

·          ــ فى الجرائم والقتل :

·            ــ  فى أماكن المجون ومناسباته ، بنات الخطا ،بسبب الخيانة الزوجية ، بسبب تعرض المماليك للنساء غير     المحترفات ، مقتل الشيخ عبدالكريم شيخ مقام البدوى، هواية السلطان ابن قايتباى ،قتل الأطفال بعد اغتصابهم ، مشاجرة وقتل بسبب طفل.

·          ــ فى الرقص الشرقى :

·             ــ ارتباط الرقص الشرقى بالانحلال الخلقى .

·             ــ  ارتباط الرقص الشرقىبالتصوف.

·             ــ وصف الرقص الشرقى فى العصر المملوكى.

·             ــ رقص المردان .

·             ــ بعد العصر المملوكى.

·         

·          ــ فى الزى :

·            ــ  الزى والتصوف ، الحجاب والنقاب والانحلال ،الحجاب والموضة ، زى البغايا ، زى المرأة والشذوذ.

·                                                                                           

·          انعكاسات للانحلال الخلقى

·                    لم يكن لهذا الكم الهائل من الانحلال من الزنا وأنواع الشذوذ والخمر والحشيش ــ أن تكون مجردة من التأثيرفى نواح مختلفة فى السلوكيات المنحلة فى اللفظ والنطق وفى الجرائم وفى اتجاه الفن وأنواع الزى .

·               

·          الفحش فى الكلام :

·                    إدمان الفاحشة جعلها تعايش اللسان فى العصر المملوكى نطقا وكلاما، فتعود الناس على الفحش فى الكلام ، ولم يعد عيبا يتحرج أحد منه .

·         

·         

·          الأولياء والعلماء :

·                     

·         

·          المماليك :

·         

·                      ولم يتخلف القضاه  

·          فى الشعر :

·                   

·          العامة وبعد العصر المملوكى:

·            

·          فى الجرائم والقتل :

·          فى أماكن المجون ومناسباته:

·                   

·         

·          *بنات الخطا:

·         

·          *بسبب الخيانة الزوجية:

·         

·          *بسبب تعرض المماليك للنساء غير المحترفات:

·         

·           *مقتل الشيخ عبدالكريم شيخ مقام البدوى :

·                   

·          *هواية السلطان ابن قيتباى:

·                    

·         

·          * قتل الأطفال بعد اغتصابهم:

·         

·         

·          *مشاجرة وقتل بسبب طفل:

·         

·          فى الرقص الشرقى:

·          ارتباط الرقص الشرقى بالانحلال الخلقى:

·                    

·          ارتباط الرقص الشرقى بالتصوف:

·                     

·          وصف الرقص الشرقى فى العصر المملوكى :

·                    

·          * رقص المردان :

·                    

·          فى الزى :

·          *الزى والتصوف :

·          * النقاب والانحلال:

·          *النقاب والموضـــة:

·          زى البغايا:

·         

·          *زى المرأة والشذوذ:

·                   

·         

·          الفصل الخامس : أكل أموال الناس بالباطل .

·             ــ بين الانحلال الخلقى والانحراف المالى.

·             ــ التنافس الصوفى.

·             ــ التنافس على الدنيا والنصب على الناس .

·             ــ التحايل .

·             ــ الشعوذة الصوفية والتحايل المالى ، التحايل والعلم اللدنى ، علوم وهمية للتحايل، علم الحرف.

·             ــ المطالب .

·             ــ الكيمياء

·             ــ الزغل( تزييف الذهب)

·             ــ الكيمياء والسحر .

·             ــ تشريع الرشوة .     

·         

·         

·                  الصوفية وأكل أموال الناس بالباطل

·          بين الانحلال الخلقى والانحراف المالى :

·         

·          التنافس بين الصوفية :

·         

·          التنافس على الدنيا والنصب على الناس :

·                     

·          النصب على الناس:

·         

·          التحايل:

·                     

·          " الشعوذة الصوفية والتحايل المالى"

·         

·          قبل العصر المملوكى:

·                   

·          التحايل والعلم اللدنى:

·         

·          علوم وهمية للتحايل:

·         

·            علم الحرف

·         

·          السيمياء :

·                    

·          المطالب :

·         

·         

·          الكيمياء( ادعاء قلب الأشياء ذهبا):

·           التصوف يحول الكيمياء إلى خرافة:الصوفية وادعاء الكيمياء: إضاعة الأموال على الكيمياء:الاعتقاد فى الكيمياء   

·          التحايل بالكيمياء:

·         

·         

·          الاتهام بالكيمياء:       

·         

·                

·          الزُغل( تزييف الذهب):

·         

·          الصوفية والزغل:

·         

·                

·          الكيمياء والسحر:

·               تشريع الرشوة

·          القضاة مرتشون :

·          الرشوة وسيلة للوصول:  ..

·         

·          الفصل السادس : المساوىءالاجتماعية.

·         

·          الكذب :

·                ـ          بين التصوف والكذب، أكاذيب المنامات والكرامات ، حكايات الصالحين.

·         

·          القذارة :

·           ــ        القذارة فى طقوس التصوف ، تشريع القذارة فى المصادر التاريخية، وفى ولاية العهد، الذباب،  الوضوء الصوفى ، قذارة الزى والمظهر، القمل والتصوف ، معايشة القاذروات، قذارة البيوت والشوارع ، وفى الأزهـــر.

·         

·          البذاءة :

·              ــ بين التصوف والبذاءة ، الشطح، عدم الاحتشام، البذاءة فى رسوم التصوف ومؤسساته، القضاة والبذاءة.

·         

·          الغيبة والنميمة:

·              ــ بين التصوف والغيبة والنميمة ، دور المؤسسات الصوفية ،شيوخ الصوفية فى مجال الغيبة والنميمة

·         

·         

·         

·          "الكذب "

·          بين التصوف والكذب :

·          أكاذيب المنامات والكرامات :

·         

·         

·         

·          حكايات الصالحين :

·         

·            

·             "القــذارة"

·          طهارة الاسلام

·         

·          القذارة في طقوس التصوف:

·          تشريع القذارة :

·         

·         

·          في ولاية العهد الصوفي:

·                  

·         

·          الذباب :

·         

·          الوضوء الصوفي :

·         

·          قذارة الزى والمظهر:

·                     

·          القمل والتصوف:

·         

·                

·                 

·         

·          معايشة القاذورات :

·         

·          قذارة البيوت والشوارع:

·         

·          الأزهر:

·            

·          "البـــذاءة"

·         

·         

·          بين التصوف والبذاءة :

·          البذاءة فى رسوم التصوف ومؤسساته الدينية:

·                    

·          القضاة والبذاءة :

·                     

·         

·          المماليك :   .

·         

·          العوام :

·         

·         

·          " الغيبة والنميمة"

·         

·          بين التصوف والغيبة والنميمة:

·         

·          المؤسسات الصوفية :

·                   

·          والأشياخ الصوفية كانوا أشياخ الغيبة والنميمة :

·         

ج 3 ف 1 جذور الإنحلال الخلقى فى عقيدة التصوف

 ج 3 ف 1

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

الفصل الأول: جذور الإنحلال الخلقى الجسدى وتشريعه فى دين التصوف.

جذور الإنحلال الخلقى فى عقيدة التصوف 1 ـ وحدة الوجود والزنا بالمحارم  .

 عقيدة التصوف فى وحدة الوجود هى الأساس فى الإنحلال الخلقى للصوفية وأساس انتشاره فى المجتمعات التى سيطروا عليها . وتؤثر هذه العقيدة فى نشر الإنحلال الخلقى من زوايا مختلفة ..

  1 ـ فعقيدة وحدة الوجود ترى أن الكون جزء من الله وأن البشر بالذات هم أبرز مظهر يتجلى فيه الإله فى هذا العالم ، وفى ذلك يقول ابن عربى الشيخ الصوفى الأكبر (لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى أن يرى أعيانها، وإن شئت قلت أن يرى عينه فى كون جامع يحصر الأمر كله .. يكون له كالمرآه .. فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة .. فظهر جميع مافى الصورة الإلهية من الأسماء فى هذه النشأة الإنسانية .. فأوجد فى هذا المختصر الشريف الذى هو الإنسان الكامل جميع الأسماء الإلهية)[1] . إذن يرى ابن عربى أن آدم هو امتداد لله وأنه جمع كل الصفات الإلهية فيه .

ثم تحدث عن خلق حواء بعد آدم فيرى أنها أيضا جزء من الله ( .. ثم اشتق له شخصا على صورته سماه امرأته ، فظهرت بصورته ، فحنَ إليها حنين الشىء إلى نفسه ، وحنَت إليه حنين الشىء إلى وطنه)[2] .

 ثم يرى ابن عربى فى النكاح الجنسى بين الذكر والأنثى اتحادا بالله على اعتبار أن الرجل والمرأة جزء إلهى ثم بالإتصال بينهما يعودان إلى نفس النشأة الإلهية ، وأن الصوفى الحق هو الذى يعايش هذا الإحساس بالإتحاد بالله حين يمارس الجنس ، أما غير الصوفى فينهمك فى الصورة وينسى الأصل، يقول ( ولما أحب الرجل المرأة طلب الوُصلة .. فلم يكن فى صورة النشأة العنصرية أعظم وُصلة من النكاح ، ولهذا تعمُ الشهوة الأجزاء كلها، ولذلك أمر بالإغتسال منه ، فعمت الطهارة كما عم الفناء فيها عند حصول الشهوة، فإن الحق ــ يقصد الله تعالى ــ غيورعلى عبده أن يعتقد أنه يلتذ بغيره، فطهَره بالغسل، فيرجع بالنظر إليه فيمن فنى منه )[3]. أى ابن عربى يؤول الغسل بعد الجنابة بأن الله أوجبه لأنه يغار من الرجل إذا اعتقد أنه يلتذ بغيره ليعرف الرجل فيمن التذ به ، هل بالمرأة ، أم بالإله !!.. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا !

 ثم يتحدث ابن عربى عن أنواع الحلول الالهى أو بتعبيره : ( الشهود الإلهى) وقت الجماع الجنسى او كيفية الاتحاد الإلهى فى الرجل والمرأة لحظة الشهوة الجنسية ، يقول:  ( فإذا شاهد الرجل الحق ( يقصد الاله ) فى المرأة كان شهوده فى منفعل ، وإذا شاهده فى نفسه من حيث ظهور المرأة عنه شاهده فى فاعل) ثم يصل بعد استطراد، إلى أن الإله  يتجلى أكثر فى المرأة عند الجماع لأنها محل الشهوة، يقول ( فشهوده للحق ( أى الاله ) فى المرأة أتم وأكمل ، لأنه يشاهد الحق ( أى الاله ) من حيث هو فاعل ومنفعل ، ومن نفسه هو منفعل خاصة ، فلهذا أحب النبى النساء لكمال شهود الحق ( اى الاله ) فيهن، إذ لم يشاهد الحق ( أى الاله ) مجردا عن المواد أبدا ، فإذا كان الأمر من هذا الوجه ممتنعا ، ولم تكن الشهادة إلا فى مادة فشهود الحق ( أى الاله ) فى النساء أعظم الشهود)[4]. فابن عربى يرى أنه لايمكن مشاهدة الله إلا فى المادة الحسية، ويفسر الجماع الجنسى على هذا الأساس ، فيقول ( وأعظم الوصلة النكاح ، وهو نظير التوجه الإرادى على من خلقه على صورته ليخلفه ، فيرى صورته بل نفسه ، فسوَاه وعدَله ونفخ فيه من روحه الذى هو نفسه ، فظاهره خلق ، وباطنه حق)[5] . وواضح أن ابن عربى يعتمد على الأحاديث الكاذبة التى تمثل عقائد التصوف ، مثل( أن الله خلق آدم على صورته) ، وهو موجود فى البخارى ، وأصله زيف أدخله اليهود فى سفر التكوين المضاف للتوراة ، ثم نسبوا ذلك الحديث فيما بعد للرسول محمد كذبا وإفتراءا.

 ويعتمد ابن عربى أيضا على تأويله للروح بالنفس البشرية ، مع أن كلمة الروح لم تأت فى القرآن إلا وصفا لجبريل ومايتعلق به .  ثم ينتهى ابن عربى إلى اعتبار الإنسان الهيا ، ظاهره خلق أى مخلوق وباطنه حق يعنى الله تعالى ، وعليه فالجماع بين الرجل والمرأة هو رجوع بهما إلى النشأة الإلهية ، ومن يفهم الجماع على هذا الأساس فقد عرف الحق وعرف أنه لايلتذ بالمرأة وإنما يلتذ بالإله الذى فى داخل المرأة يقول ابن عربى فى ذلك :ـ ( فمن أحب النساء على هذا الحد فهو حب إلهى ، ومن أحبهن على جهة الشهوة الطبيعية خاصة، نقصه علم هذه الشهوة ، فكان صورة بلا روح عنده ، وإن كانت تلك الصورة فى نفس الأمر ذات روح ولكنها غير مشهودة لمن جاء لامرأته أو لأنثى حيث كان، لمجرد الإلتذاذ لكن لايدرى لمن ، فجهل من نفسه مايجهل الغير منه ، مالم يسمه هو بلسانه حتى يعلمه، كما قال بعضهم:   صح عند الناس إنى عاشق            غير أن لم يعرف عشقى لمن

كذلك هذا،إذا أحب الإلتذاذ، فأحب المحل الذى يكون فيه، وهو المرأة ، ولكن غاب عنه روح   المسألة، فلو علمها لعلم بمن إلتذ ، وكان كاملا [6] ). وهذا هو مقياس الإنسان الكامل عندهم .

2 ــ ومن السهل بعد هذا الانحراف الهائل فى العقيدة ان ينحرف السلوك ويباح الزنى، لأن    الجماع الجنسى بأى طريق هو الوسيلة للتحقق بالحق وشهود الإله فى المرأة، وواضح من النص السابق أن ابن عربى لايفرق بين جماع الرجل لزوجته أو لأى أنثى، فهو يقول: ( ولكنها غير مشهودة لمن جاء لامرأته أو لأنثى، حيث كان لمجرد الإلتذاذ ...).

    3 ـ  وقدهلك ابن عربى قبيل العصر المملوكى، ولكن عقيدته التى استقاها من الغزالى والرواد الصوفية الأوائل ظلت مسيطرة على العصر المملوكى ، رددها عبدالكريم الجيلى فى القرن التاسع فى كتابه (الإنسان الكامل) ورضعها الشعرانى أكبر الصوفية المخضرمين للعصرين المملوكى والعثمانى. ـ

4 ـ  فالشعرانى استشهد بأقاويل ابن عربى فى عبادة المرأة عند الجماع،واعتبارها أبرزمجال للشهود الإلهى لحظة الجماع ، واستشهد بقوله أن أعظم الملائكة قوة مخلوق من أنفاس النساءــ وهو ترديد ساذج لعبادة الجاهليين للملائكة على أنها بنات الله ــ وردد قوله أن من جملة قوة النساء أنها استدعت أعظم ملوك الدنيا إلى هيئة السجود حال الوقاع ــ أى الإتصال الجنسى ، وهو بذلك يضفى على حركات الجماع سمات العبادة من السجود والركوع والقيام ، وأن من جملة قوتها أنها قدرت على إخفاء محبتها للوقاع من كون شهوتها تزيدعلى شهوة الرجل بسبعين ضعفا،ولانعرف من أين استمد هذا التقدير، ومن قوتها أيضا استخدامها الرجل فى حوائجها وتحصيل شهواتها وتقبيلها،وهذه الأمورلاتكون إلا لمن حقت له السيادة على ذلك الخادم أى الذكر، ثم يجتهد الشعرانى فى الربط بين الحق تعالى وبين جماع المرأة ويأتى بمعان جديدة لم ترد فى كتاب الفصوص لابن عربى، كقوله ( شرع الشارع الاستخارة للعبد فى السفر والتزوج والمشاركة وغير ذلك ، مما لذته دون لذة الجماع ، وحجابه دون حجاب الجماع ) وطبيعى أن دليله فى مشروعية الاستخارة مستقى من الأحاديث الكاذبة ، وليس القرآن إذ فى القرآن توكل على الله بعد التفكير والإعداد ، ولكن الشعرانى بعد هذه المقولة يرتب عليها عقيدته الصوفية فى اعتبار الجماع شهودا لله ( تعالى عن ذلك علوا كبيرا ) فى المرأة فيقول( ولاينبغى لعبد أن يقدم على فعل شىء يخاف أن يحجبه عن شهوده لربه عز وجل كالجماع ) ثم يجعل من الله تعالى مشاركا إيجابيا للعبد فى لذة الجماع، فيقول( ومن علامة كون الحق جل وعلا يحب من عبده الجماع أن يدوم انتشار فرجه ، أو ينتشر إن كان له فيه ارتخاء، إحسانا للظن بالله) [7]. ويفتخر الشعرانى بتجربته قائلا( ومما  أنعم الله تبارك وتعالى به على .. حضورى مع الحق تبارك وتعالى فى حال اجتماعى بزوجتى كما أحضر معه تبارك وتعالى فى صلاتى على حد سواء فى أصل الحضور .. بجامع أن كل منهما عبادة مأمور بها).

 5 ـ فالشعرانى يزاوج بين الجماع والصلاة وبين المرأة والإله، ثم يقول ( وماشرع الحق جميع المأمورات الشرعية إلا ليحضر العبد مع ربه حال فعلها ،إنما لم يصرح الشارع لنا بالأمر بالحضور بالجماع اكتفاء بما أمرنا به من التسمية عنده، فإن ذكر اسمه تعالى وسيلة للحضور معه تعالى) فهو يتحدث عن شهود الإله فى المرأة حال الجماع، ويدلل بالأمربذكر اسم الله، عند الجماع وذلك افتراء لاسند له.  ــ     ويستند الشعرانى لأقوال اشياخه ، يقول ( وكان سيدى المرصفى يقول: لايتحقق لعارف قط وجه العبودية ذوقا فى شىء من العبادات كما تحقق فى حال الجماع أبدا، فإنه يشهد نفسه مقهورا تحت حكم شهوة طبيعية، حتى لايقدر على دفع حكمها عليه ولايكاد يتذكر شيئا آخر غير ماهو فيه ، ولذلك كان من شأن القطب الغوث الإكثار من النكاح ، لما يجده فيه من التحقق بالعبودية . فإياك والإعتراض على من يكثر من الجماع فربما يكون سبب كثرة جماعه الحكمة التى ذكرناها، وقد رأيت شخصا يدعى القطبية يدخل الحمام فى النهار ثلاث مرات،فازدادت فيه اعتقادا وتعظيما) وبغض النظر عما فى كلام الشعرانى من مآخذ تستدعى الضحك والسخرية إلا أن رائحة الجد تظهر فى كلامه، إذ يجعل من الجماع الجنسى أهم مظهر للعبادة الصوفية ، وأهم مناسبة لشهود الإله، وأهم معلم من معالم التفوق الصوفى، وكلما ازداد أحدهم فى ممارسته الجنسية بغض النظر عن كونها حلالا أو حراما كلما ازدادت درجته الصوفية .

 7 ــ  ولأن الجنس عندهم عبادة كان لابد من اختراع طقوس تأديتها، والشعرانى تحدث عن طقوسه فى ممارسة الجنس مع زوجته فيقول ( ومما أنعم الله تبارك وتعالى به على كثرة شفقتى على ذريتى من قبل أن تحمل بهم أمهم ، وذلك أنى لا أجامع أمهم قط وأنا غافل عن الله تبارك وتعالى، ولا أجامعها وأنا غضبان ،ولا أنا مقبل على الدنيا، ولا أنا مخاصم أمهم لحظ نفس ،ولا وأنا حسود أو متكبر)[8] . أى يمارس الجنس كأنه فى عبادة صوفية.

 8 ــــ ودارت اصطلاحات الصوفية حول هذا المعنى مثل (المحق)( والمحبة الأصلية) النكاح السارى فى جميع الذرارى) ( مجمع الأهواء) وهو( حضرة الجمال المطلق ، فإنه لايتعلق هوى إلا برشحة من الجمال ، ولذلك قيل :  نقل فؤادك حيث شئت من الهوى          ماالحب إلا للحبيب الأول

        وقال الشيبانى :

                   كل الجمال غدا لوجهك مجملا          لكنه فى العالمين مفصلا[9].

     الزنا بالمحارم :

    1 ـ  من نتائج عقيدة وحدة الوجود إعتقادهم ان الذكر والانثى يجسدان الاله عندهم ، وبالتقائهما جنسيا يتم التحقق بالحق بزعمهم . وبناءا على عقيدتهم فى وحدة الوجود فإن هذا الحلول والاتحاد بالاههم يكون بالاتصال الجنسى بين أى ذكر وأى أنثى ، وأن كل وجه جميل إنما هو مظهر لجمال الله ، لذا فالعقيدة الصوفية لاتحرم الزنى ، وشيخهم ابن عربى(كان لايحرم فرجا)[10] ، وبعض الصوفية أعلنها صراحة ولم يبال باعتراض الناس ، بل تعدى إلى الدعوة الى التطبيق العملى باستحلال الزنا بالمحارم مثل الأم والبنت والأخت ، وأبرز مثل ذلك هو الشيخ عفيف الدين التلمسانى تلميذ ابن عربى، الذى كان( لايحرم فرجا وأن عنده ما ثمَ ولاغير ــ أى لايوجد سوى الله فالله هو الكون ، وأن العبد إنما يشهد السوى ــ أى غير الله ــ إذا كان محجوبا ، فإذا انكشف حجابه ورأى أن ماثمَ غيره ــ أى ماهنالك غير الله ــ تبين له الأمر ، ولهذا كان يقول : نكاح الأم والبنت والأجنبية واحد وإنما هؤلاء المحجوبون ــ أى غير الصوفية ــ قالوا حرام علينا ، فقلنا حرام عليكم)[11]                                                                      

 ـ  2 ــ  وتوافد صوفية المشرق لمصر المملوكية واتسموا بصراحتهم فى إعلان عقائدهم بوضوح ، ولأنهم فقراء مهاجرون ملأوا طرقات القاهرة فقد استنكر الناس أفعالهم ، وقال عنهم المقريزى( ينتحلون مذاهب الإلحاد ، ويصرحون بتعطيل الصانع تعالى ، وينكرون شرائع الأنبياء ، ويجهرون بإباحة المحرمات)[12]. أى إباحة الزنى بالمحرمات فى الزواج كالأم والبنت .

     3 ــ   ويبدو أنه كان من بين أولئك الوافدين من صوفية المشرق أتباع لطائفة الحروفية أو النسيمية، وقد أعلنوا إباحة المحرمات من النساء ، وقد قتل زعيمهم التبريزى(ت سنة820 هـ)وقيل فيه ( قتل الشيخ نسيم الدين التبريزى نزيل حلب وهو شيخ الحروفية، وقد قرر نسيم الدين أن الشرائع أباطيل لاحقائق ، وأنه لا إله ،( وقد وصل فى ضلاله إلى أن وطأ ابنته واتخذها كالزوجات إلى أن أولدها ولدا ). وقد سكن حلب وكثر أتباعه وشاعت بدعته فأمر السلطان بقتله)[13]، إذا فقد  انتشرت طوائف النسيمية الذين أعلنوا وطبقوا ماقاله فلاسفة التصوف كابن عربى وعفيف الدين التلمسانى، بل أن أتباع النسيمى تكاثروا بعد موته ووصلوا إلى مصر ضمن التوافد الصوفى إلى القاهرة عاصمة الدولة المملوكية المسيطرة على أهم مراكز العالم الإسلامى، فبعد مقتل النسيمى بثمانية عشر عاما، يقول ابن حجر فى حوادث سنة   838 (حضر للسلطان شريف من الشام بأوراق فيما يتعلق بالنسيمى وشيخه فضل الله وأن بالشام ومصر جماعة على عقيدته وأنه تصدى لتتبعهم) [14].  وهكذا فقد أتاح التصوف نشر الإنحلال الخلقى مع المحارم كالأم والبنت .

 4 ــ  ومن الطبيعى أن ينتشر أكثر الإنحلال الخلقى الطبيعى مع النساء الأخريات ( الأجنبيات بالتعبير الفقهى ) ، بل أن يُمارس على أنه نوع من شريعة دينية ، طالما أن له جذورا دينية .

 ولعل ابن تيمية هو الذى فطن إلى ذلك بسبب صراعه مع الصوفية وأعوانهم المعتقدين فيهم والذين تأثروا بهم، يقول ابن تيمية فى قوله تعالى عن ابليس (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) النحل ) : (وفى هذا الوصف نصيب كبير لكثير من المنتسبين إلى القبلة من الصوفية والعُبّاد والأمراء والأجناد والمتفلسفة والمتكلمين والعامة وغيرهم، يستحلون من الفواحش ماحرم الله ورسوله ظانين أن الله أباحه، أو تقليدا لأسلافهم ، وأصله العشق الذى يبغضه الله ، فكثير منهم يجعله دينا ويرى أنه يتقرب به إلى الله إما لزعمه أنه يزكى نفسه ، ويهذبها، وإما لزعمه أنه يجمع بذلك قلبه على أدمى ثم ينقله إلى عبادة الله وحده ، وإما لزعمه أن الصور الجميلة مظاهرالحق ومشاهده، ويسميها مظاهر الجمال الأحدى ، وإما لاعتقاده حلول الرب فيها واتحاده بها ، ولذا تجد بين نساك هؤلاء وفقرائهم وامرائهم وأصحابهم توافقا وتآلفا على إتخاذ أنداد من دون الله يحبونهم كحب الله ، إما تدينا وإما شهوة، وإما جمعا بين الأمرين ، ولهذا يتآلفون ويجتمعون على السماع الشيطانى الذى يهيج الحب المشترك فيهيج من كل قلب مافيه من الحب)[15]

       وواضح فى ذلك النص أن كثيرين تأثروا بمقالة الصوفية من الأمراء والأجناد والفلاسفة والمتكلمين والعامة ، وماأسهل انتشار دعوات الإنحلال خصوصا إذا صبغت بالدين ، وكان الصوفية هم الأولياء والمعلمون فى العصر والأئمة فى التطبيق، ويقرر ابن تيمية أنهم جعلوا الإنحلال الخلقى دينا يتقربون به لله ، وأورد حججهم مثل تزكية النفس أو إتخاذ المعشوق واسطة تقربهم لله ، أو أن الصور الجميلة مظاهر يتجلى فيها الله ، وهو نفس مايقرره ابن عربى وغيره فى كتبهم التى كانت منتشرة فى العصر تحظى بالإهتمام والرعاية. ثم ذكر ابن تيمية أنهم كانوا يمارسون الإنحلال فى صورة جماعية فى السماع الصوفى، أو حفلات الذكر التى يحضرها النساء والصبيان ، وقد جمَلوهم بالألوان والأصباغ، حتى تهيج الشهوات ، ويستدلون بالصنعة أى المخلوق  على الصانع أى الخالق فى زعمهم.

 5 ــ  وقد كان ذلك عادة لهم حتى قبل العصر المملوكى ، فيقول عنهم ابن الجوزى فى القرن السادس (ويصحبون المردان فى السماعات يجملونهم فى الجموع فى ضوء الشموع، ويخالطون النسوة الأجانب، ينصبون لذلك حجة إلباسهن الخرقة)[16]. أى أدخالهن فى الطريق الصوفى. ومخالطة النساء أو الاختلاط بالنساء هو اصطلاح الفقهاء الذى يعبر عن الزنا.

 2 : وحدة الفاعل

1 ــ ثم من مظاهر عقيدة الوجود أن الله ( بزعمهم ) هو الفاعل لكل حركة، باعتبار أنه موجود فى داخل كل إنسان ، أو مايعبر عنهم الصوفية بقولهم وحدة الفاعل . يقول الغزالى ( وحاصلة أن يتكشف لك أن لا فاعل إلا الله تعالى ، وأن كل موجود من خلق  ورزق وعطاء ومنع وحياة وموت وغنى وفقر إلى غير ذلك مما ينطق عليه اسم، فالمتفرد بإبداعه واختراعه هو الله لاشريك له فيه ، وإذا انكشف لك هذا لم تنظر إلى غيره ، فإنه الفاعل على إنفراد دون غيره، وماسواه مسخرون له لا استقلال لهم بتحريك ذرة فى ملكوت السماوات والأرض)[17]

2 ــ  والغزالى يخلط عامدا بين قدرة الله واختبار العبد ليؤكد صلة عقيدته الصوفية فى وحدة الفاعل بالإسلام ، والواقع القرآنى يؤكد على أن الله هو خالق كل شىء( ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) الانعام )، والله هو الذى سمح للبشر بالحرية للإنسان فى مشيئة الايمان أو الكفر: (وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ  (29)  ) الكهف ) (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)) الزمر ) ( قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15)  ) الزمر ) والحرية فى العمل والفعل  فقال جل وعلا :( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) فصلت  )   والآيات السابقة ختمت بتقرير مسئولية البشر أمام الله حيث سيحاسبهم يوم القيامة على هذه الحرية التى سمح لهم بها ، بل على أساس هذه الحرية تمتع الصوفية مثلا بحريته فى الكفر والعصيان وكتب الغزالى وأمثاله مايخالف آيات الله التى حاول التلاعب بها لتتفق مع عقيدته .

3 ـ  وقد فصّل الغزالى القول فى تقرير وحدة الفاعل وربط أفعال البشر بقضاء الله وقدره ليثبت أن لامسئولية على العصاة فيقول مثلا ( ولاينبغى أن تقول هذا فعلى .. بل هو الذى صرف داعيتك لتخصيص الفعل المكروه بالشخص المكروه والفعل المحبوب بالشخص المحبوب)[18]. فالغزالى هنا ينسب الفعل المكروه لله خلافا للقرآن الذى ينسب العمل الصالح لهداية الله والعمل السىء لابتعاد النفس عن هدى الله ، يقول الله تعالى للرسول : (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (79) النساء)، والهداية تبدأ من النفس البشرية باختيارهم ثم يزيدها الله هدى (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ (17) : محمد  )، (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) العنكبوت )، وفى المقابل فإن الذى فى قلبه مرض الضلال يزيده رب العزة ضلالا : (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ(10) البقرة ).

4 ــ  إلا أن الغزالى جعل البشر مجرمهم وصالحهم أوراقا يحركها الله بلا إرادة منهم ، يقول( والعلماء يعلمون أنهم مُحرّكون، إلا أنهم لايعرفون كيفية التحريك ، وهم الأكثرون إلا العارفون والعلماء الراسخون ، فإنهم أدركوا بحدة أبصارهم خيوطا دقيقة عنكبوتية ، بل أدق منها بكثير معلقة بين السماء ، متشبثة الأطراف بأهل الأرض .. ثم شاهدوا رءوس تلك الخيوط فى مناطات لها هى معلقة بها،وشاهدوا لتلك المناطات مقابض هى فى أيدى الملائكة المحركين للسموات وشاهدوا أيضا ملائكة السماوات مصروفة إلى حملة العرش ينتظرون منهم ماينزل عليهم من الأمر من حضرة الربوبية، كى لايعصوا الله ماأمرهم ويفعلون مايؤمرون)[19]. الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون لم يُخلقوا بعدُ لأنهم ملائكة النار ، والنار لم تخلق بعدً لأن وقودها الناس والحجارة ، واصحاب النار لم يدخلوها بعد لأنه هذا سيحدث يوم الدين : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6 ) التحريم ). ولكن الغزالى يفترى أن البشر عرائس خشبية مرتبطة بخيوط تحركها الملائكة بأوامر الاهية . وعليه فهو يصف رب العزة بالظلم إذ كيف يحاسب الناس ويدخلهم النار وهم عرائس تتحرك بلا إرادة ؟

5 ــ وصارت وحدة الفاعل من مصطلحات الصوفية تعرف بالعبودية ومحو عين العبد، أى( إسقاط إضافة الوجود إلى الأعيان ، فإن الأعيان شئون ذاتية ظهرت فى الحضرة الواحدة، أى الله، إلا أن وجود الحق ظهرفيها مع كونها ممكنات معدومة لها آثار فى الوجود الظاهر بها) ( والوجود ليس إلا عين الحق تعالى، والإضافة ليست لها وجود فى الخارج ، والأفعال والتاثيرات ليست إلا تابعة للوجود، إذ المعدوم لايؤثر، فلا فاعل ولا موجود إلا الله تعالى ، فهو العابد باعتبار تعينه وتقيده بصورة العبد.. وهو المعبود باعتبار إطلاقه)[20] أى وصفوا الله بأنه العابد وأنه المعبود، ووصفوا الإنسان بأنه العابد والمعبود تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

6 ــ   والخطورة الأخلاقية فى (وحدة الفاعل) أن الصوفية يبرئون المجرم من جريمته وينسبون الجريمة لله باعتبار أنه الفاعل وحده ،أما المجرم من البشر فلا إرادة له فيما يرتكب ، ولأن كل الأفعال عندهم من الله، وقد جعل الغزالى من هذه المقالة أساس (التوحيد الصوفى) فيقول: ( ولست أعنى بالتوحيد أن يقول بلسانه لا إله إلا الله .. فلا ينفع القول بلسانه ، وإنما ينفع الصدق فى التوحيد ، وكمال التوحيد أن لايرى الأمور كلها إلا من الله ، وعلامته أن لايغضب على أحد من الخلق بما يجرى عليه ، إذ لايرى الوسائط ، وإنما يرى مسبب الأسباب)[21]. فمن كمال التوحيد عندهم ألا يغضب المظلوم من ظالمه ، بل ينسب الإثم لله لا للبشر ،  وصار من اصطلاحاتهم(الموت الأسود) وهو (احتمال الأذى من الخلق .. لكون يراه من محبوبه)[22]. أى من الله ، تعالى عن ذلك علو كبيرا ..

       7 ــ  ويساوى الصوفية على هذا بين الحسنة والسيئة، وبين الصالحين والعصاة ، والمؤمنين والكفرة، فكل هذه الأعمال من الله لا من البشر، فيقول أبو سليمان الدارانى( ليس أعمال الخلق بالذى يسخطه ولا بالذى يرضيه ، وإنما رضى عن قوم فاستعملهم بعمل أهل الرضا، وسخط على قوم فاستعملهم بعمل أهل السخط)[23]. وأعطى الصوفية ذلك المعنى اصطلاحا هو ( جمع الجمع) ( وهو تصريف الحق جميع الخلق ، فجمع الكل فى التقليب والتصريف من حيث أنه منشىء ذواتهم ومجرى صفاتهم ، ثم فرقهم فى التنويع ، فريقا أسعدهم وفريقا أبعدهم وأشقاهم وفريقا  أضلهم وعماهم )[24]. ولذلك دافع ابن عربى عن المشركين من الأمم السابقة من قوم نوح وقوم عاد ، وفرعونن بل واعتبر فرعون سيد موسى  .

8 ــ  والله جل وعلا يرد مقدما على هذه الافتراءات ، ففى الاسلام القائم على القسط والعدل لايمكن أن تستوى الحسنة مع السيئة( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ )(34) فصلت ) كما لايمكن أن يتساوى الفاجر بالصالح: ( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) القلم ).( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) ) ص )( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)) الجاثية ). لذلك فان الحرية المُعطاة للانسان فى هذه الدنيا يترتب عليها يوم الحساب خلود فى الجنة أو خلود فى النار .ولا يمكن أن تتساوى الجنة والنار.

9 ــ  ومادام التصوف يساوى العصيان بالصلاح وينسب الفعل السىء لله لا للبشر ومادامت النفوس تميل للرذائل فالعصيان أقرب للهوى.  والصوفى عندما يعصى فإنه يختار ماقضى به الله فى زعمهم، وقد اقترب بعضهم من هذا المعنى حين قال ( مادام العبد يتعرف فيقال لا تختر شيئا ولاتختر ولاتكن مع اختيارك ، فإذا عرف وصار عارفا ــ أى تصوف ــ فيقال له إن شئت اختر وإن شئت لاتختر ، وأنك إن اخترت فباختيارنا اخترت ..)[25]. فالصوفى أو العارف له أن يختار مايشاء واختياره هو اختيار الله ، ولأنه عارف صوفى فهو يعلم الغيب ويتمتع بالعلم اللدنى كما ادعى الجنيد نفسه [26].

10 ــ  والصوفى الذى يدعى علم الغيب بزعمهم يستطيع أن يعلم المستقبل وماقدره الله له من معاصى ، وبذلك إذا وقع فى معصية مثلا فلأنه عرف من علمه اللدنى أن وقوعه فى المعصية قدر لافكاك منه . والجنيد سيد الطائفة وزعيم الصوفية المعتدلين القائل( العارف من نطق عن سرك وهو ساكت) هو نفسه الجنيد الذى سئل: ( أيزنى العارف ؟) فأطرق مليَا ثم قال( وكان أمر الله قدرا مقدورا)[27]. فالجنيد الذى كان يستتر بالفقه ويقرر التصوف سرا ويدعى التزامه بالإسلام وقع فى حيرة حين سئل سؤالا مباشرا عن إمكانية وقوع الصوفى فى الزنا، فأطرق مليَا ثم استشهد بقوله تعالى(مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً (38)  الاحزاب ) وواضح أن الآية الكريمة تتكلم عن شرع الله جل وعلا وأوامره وسنته الواجبة الاتباع . ولكن الجنيد يلمح بذلك إلى معرفة الصوفى بالغيب ، وأنه إذا عرف المقدر عليه فلا يستطيع منه فكاكا.

11 ــ أما الغزالى ــ الذى يتقصّى أثر الجنيد فى التمسح بالإسلام زورا وبهتانا ــ فقد حاول أن يقرر نفس العقيدة من خلال أسطورة سبكها يقول فيها ( كان آصف بن برخيا من المسرفين وكانت معصيته فى الجوارح فقد روى أن الله تعالى أوحى إلى سليمان عليه السلام : يارأس العابدين .. إلى كم يعصينى ابن خالتك آصف وأنا أحلم عليه مرة بعد مرة ، فوعزتى وجلالى لإن أخذته عصفة من عصفاتى عليه لتركته مثلة لمن بعده ..فلما دخل آصف على سليمان أخبره بما أوحى الله تعالى به ، فخرج حتى علا كثيبا من رمل ثم رفع رأسه ، وقال إلهى وسيدى أنت أنت وأنا أنا ، فكيف أتوب إن لم تتب على ؟ وكيف استعصم ؟ إن لم تعصمنى لأعودن، فأوحى الله تعالى إليه صدقت ياآصف أنت أنت وأنا أنا، أنا اتقبل التوبة وقد تبت عليك وأنا التواب الرحيم)[28].. وفى النص الذى اخترعه الغزالى افتراء على الله بأنه يوحى إلى عاصى بزعمه ،وفيه تفضيل لذلك العاصى على الله ، لأن الله غضب على العاصى لعصيانه وهدده بأن يجعله عبرة لمن بعده ، ولكن بعد ماتكلم العاصى مع الله يفترى الغزالى أن الله قال له( صدقت ياآصف) أى كما لو أن الله ــ تعالى عن ذلك ــ أخطأ فى الحكم الأول ، ثم يفترى ان الله جل وعلا اعتذر للعاصى حين أدرك عقيدة الصوفية فى أنه الفاعل الوحيد للعصيان والتوبة معا .  وهذه سقطة هائلة للغزالى ( الذى جعلوه حُجّة الاسلام بزعمهم ) حين جعل الله كأنه يعتذر لبشر ، كل هذا لأن غرض الغزالى حين ألف هذه الأسطورة هو تقرير عقيدة وحدة الفاعل الصوفية ونسبها لله افتراء كى تكتسب مشروعية، فلا مسئولية على البشر إن عصوا .

12 ــ والغزالى الذى يشجع على الإنحلال الخلقى إلى درجة الإفتراء السابق على الله هو نفسه الغزالى الذى إضطر للإنكار على صوفية عصره حين طبقوا تعاليم الغزالى فأثاروا عليهم الناس ، وخصوصا الفقهاء السنيين الخصوم التقليديين للصوفية ، وخشى الغزالى من أن يمتد الإنكار الفقهى على الصوفية العُصاة إلى إنكار على دين التصوف نفسه ، فهب الغزالى يقطع الطريق على الفقهاء الأعداء التقليديين للصوفية ،فأخذ يهاجم بنفسه عُصاة الصوفية وادعاءاتهم ، مع أن أقوالهم لاتختلف عما يقرره هو فى نفس كتابه الأحياء ، فيقول عن صوفية عصره: ( طائفة وقعت فى الإباحة ــ أى إباحة المحرمات وليس مجرد ارتكابها ــ وطووا بساط الشرع ، ورفضوا الأحكام ، وسووا بين الحلال والحرام)، وهو نفس مايحاول الغزالى إثباته بالأساطير المفتراه ،ثم يورد أقوالهم ( فبعضهم يزعم أن الله مستغن عن عملى فلم أتعب نفسى ، وبعضهم يقول قد كلف الله تطهير القلوب عن الشهوات وعن حب الدنيا وذلك محال ، فقد كُلّفوا مالم يكن ، وإنما يغتر به من لم يكن يجرب ، وأما نحن فقد جربنا وأدركنا أن ذلك محال ، وبعضهم يقول الأعمال بالجوارح لاوزن لها ، وإنما النظر إلى القلوب ، وقلوبنا والهة بحب الله وواصلة إلى معرفة الله ،وإنما نخوض فى الدنيا بأبداننا وقلوبنا عاكفة فى الحضرة الربوبية ، فنحن مع الشهوات بالظواهر لا بالقلوب ، ويزعمون أنهم قد">[30]: (رفضواالتمييز بين الحلال والحرام) وهو ما يماثل قول الغزالى أنهم وقعوا فى إباحة المحرمات ( واستخفوا بأداء العبادات ، واستهانوا بالصوم والصلاة) أى أسقطوا التكاليف الإسلامية ( وركضوا فى ميدان الغفلات ، وركنوا إلى إتباع الشهوات وقلة المبالاة بتعاطى المحظورات ، والارتفاق بما يأخذونه من السوق والنسوان) أى وقعوا فى الإنحلال الخلقى ( ثم لم يرضوا بما تعاطوا من سوء هذه الأفعال ، حتى أشاروا إلى أعلا الحقائق والأحوال ، وأدعوا أنهم تحرروا عن رق الأغلال وتحققوا بحقائق الوصال) أى إدعوا الإتحاد بالله وتحرروا عن رق الجسد وتحققوا بالله وأصبحوا جزءا من الله ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا ( وتحققوا بحقائق الوصال ، وأنهم قائمون بالحق تجرى عليهم أحكامه وهم محو ، وليس لله عليهم فيما يؤثرونه أو يزرونه عتب ولا لوم) أى وحدة الفاعل فالله ــ بزعمهم ــ هو الذى يتصرف فيهم ، وقد انمحت ذواتهم فلا عتب ولا لوم عليهم فيما يقعون فيه من آثام ( وأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية ، واختطفوا عنهم بالكلية ، وزالت عنهم أحكام البشرية) أى كاشفهم الله بأسراره وبالعلم اللدنى الإلهى ، وتحققت أرواحهم بالله فلم يعودوا كالبشر لتجرى عليهم أحكام البشر ( وبقوا بعد فنائهم عنهم بأنوار الصمدية) أى بقت أجسادهم على الأرض بعد أن فنت أرواحهم وتحققت بالله ، وذلك يشابه قول الغزالى السابق عن معاصريه أنهم يخوضون فى الدنيا بأجسادهم وقلوبهم عاكفة فى الحضرة الربوبية ، فهم مع الشهوات بالظواهر لا بالقلوب ، لذا فلا موجب للوم عليهم( وبقوا بعد فنائهم بأنوار الصمدية ، والقائل غيرهم إذا نطقوا والنائب عنهم سواهم فيما تصرفوا) أى أن الفاعل هو الله لا هم .. ثم يقول القشيرى ( ولما طال الإبتلاء فيما نحن فيه من الزمان بما لوحت بعضه من هذه القصة ، وماكنت لأبسط هذه الغاية لسان الإنكار غيره على هذه الطريقةأن يذكر أهلها ..إذ البلوى فى هذه الديار بالمخالفين لهذه الطريقة والمنكرين عليها شديدة) فهو هنا يعلل السبب فى إنكاره على الصوفية وهو خوفه على الطريقة الصوفية من الفقهاء أعدائه ، ثم قال (ولما أبى الوقت إلا استصعابا ،وأكثر أهل العصر بهذه الديار إلا تماديا فيما اعتادوه واغترارا بما ارتادوه ، أشفقت على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر على هذه الجملة بنى قواعده، وعلى هذا  النحوسارسلفه ، فعلقت هذه الرسالة إليكم) أى تمادى الصوفية فى انحلالهم الذى اعتادوه فخشى القشيرى أن يحسب الناس أن التصوف هو ذلك الانحراف الخلقى والعقيدى الذى يمارسه صوفية عصره فكتب رسالته القشيرية . ومع ذلك فإنه لم يستطع فى هذه الرسالة إلا أن يقرر نفس العقائد الصوفية وستأتى نصوص فى ذلك كما سبق إيراد بعضها .

14 ــ وبعد القشيرى جاء الغزالى يكرر نفس الإتهام لصوفية عصره ، يقول مثلا ( رأى بعضهم أن الله مستغن عن عبادة العباد لاينقصه عصيان عاص ولاتزيده عبادة متعبد ، فعادوا للشهوات وسلكوا مسلك الإباحة وطووا بساط الشرع والأحكام ، وزعموا أن ذلك من صفاء توحيدهم حيث اعتقدوا أن الله مستغن عن عبادة العباد)[31].

15 ــ  وأصبحت عادة الصوفية أن يتهم كبار الصوفية وفقهاؤهم أوباش الصوفية الآخرين المعاصرين لهم مثل مافعل القشيرى والغزالى .. فالشعرانى فى آواخر العصر المملوكى يتهم معاصريه من أوباش الصوفية الذين أعلنوا عقائدهم بصراحة ولم يتمتعوا باحترام  الشعرانى ، بل نافسوه فى النذور والنفوذ ، لذا رماهم على لسان شيخه الخواص بأنهم( زنادقة ، وهم أنجس الطوائف ، لأنهم لايرون حسابا ولا عقابا ولا جنة ولا نارا ولا حلالا ولا حراما ولا آخرة، ولا لهم دين يرجعون إليه ، ولامعتقد يجتمعون عليه ، وهم أنجس الطوائف)[32]. هذا مع أن الشعرانى يدافع باستماتة عن ابن عربى ، ويلخص كلامه ويتابع آراءه ويكتب فى سلوك أشياخه ما يخجل أعتى الفسقة ، وسيأتى تفصيل ذلك.

  : 3 ـ سقوط التكاليف

1 ـ  ويتصل بمقالة ( وحدة الفاعل) إدعاء الصوفية ( سقوط التكاليف الإسلامية) من صلاة وصيام وغيرها ويلحق بها سقوط التقوى وما تعنيه من الالتزام الأخلاقى والابتعاد عن الآثام ، فالصوفية الذين أسقطوا العبادات الأسلامية هم أنفسهم الذين مارسوا الإنحلال الخلقى ، ومر بنا قول القشيرى فى معاصريه ( استخفوا بأداء العبادات واستهانوا بالصوم والصلاة وركضوا فى ميدان الغفلات وركنوا إلى إتباع الشهوات .. إلخ ).  والقشيرى الذى أنكر على صوفية عصره ذلك هو نفسه الذى يُلمح بين السطور فى رسالته إلى تقرير أشياخه السابقين لسقوط التكاليف الإسلامية على الصوفى الواصل، غاية ماهناك أنه لايرى فى أوباش الصوفية فى عصره من يستحق أن يكون صوفيا عارفا واصلا. والقشيرى أتى باقوال الصوفية المعتدلين فى نظره ــ  أو المنافقين فى رأينا ــ وهم الذين تجنبوا صراحة الحلاج وتحاشوا مصيره ، فعبروا عن عقائد التصوف بعبارات غامضة أوملتوية أو رمزية .ٍ  فالجنيد يرمز إلى إسقاط التكاليف بقوله( العبودية ترك الأشغال) أى ترك الاشتغال بالفرائض الإسلامية . ( والاشتغال بالشغل الذى هو أصل الفارغة) أى دعوى الإتحاد بالله وحلوله ــ وهو الأصل ــ فى الأجساد الفارغة . أو يقول ( لاتصل إلى صريح الحرية وعليك من حقيقة عبوديته بقية ) أى لاتصل إلى الحرية أى إسقاط التكليف وعناء العبودية طالما بقيت فى مشاعرك بقية تؤمن بالفرائض وتحرص عليها. وقال بشر الحافى : ( من أراد أن يذوق طعم الحرية ويستريح من العبودية فليطهر السريرة بينه وبين الله) أى يدعى الإتحاد بالله ويزيل الحجاب فى قلبه ويتحقق بالحق ، وحينئذ تتطهر سريرته ويستريح من العبودية ويتمتع بالحرية الإلهية وتسقط عنه الفرائض، ثم يقول القشيرى: ( وقال الحسين بن منصور : إذا استوفى العبد مقامات العبودية كلها يصير حرا من تعب العبودية ..) فالقشيرى ينقل رأيا عن الحلاج ويتحاشى ذكر لقبه المشهور ويكتفى بإسمه ( الحسين بن منصور) ويرى الحلاج أن العبد إذا استوفى مقامات العبودية، أى أكمل ادعاءه بالإتحاد يتمكن من طرح العبودية عنه، ويصير حرا فلا يتعب نفسه من تكاليف العبودية . والحلاج كان يستعجل رفاقه فى استيفاء مقامات العبودية أى التخلص منها والوصول إلى اليقين فى التأويل الصوفى ، وهو اسقاط التكاليف طبقا لتأويلهم لقوله تعالى( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)*. بمعنى الفناء فى التوحيد فمن " تحقق" فقد سقطت عنه العبادة . ولذلك قال الحلاج للخواص ( أفنيت عمرك فى عمران باطنك فاين الفناء فى التوحيد) أى أضعت عمرك فى تعمير باطنك بالطاعات والبعد عن المعاصى ، فاين الوقت اللازم لإعلان الإتحاد بالله وإدعاء الألوهية وإسقاط تكاليف العبودية ..

2 ــ  بل اعتبر الصوفية الخوف من الله حجابا يعوق إعلان الإتحاد بالله ، فيروى القشيرى عن الواسطى قوله( الخوف حجاب بين الله تعالى وبين العبد) ( وإذا ظهر الحق على السرائر ــ أى حل فى البشر ــ لايبقى فيها فضله ( أى بقية ) لرجاء ولا لخوف)[33] .

 وينسى القشيرى أن الأنبياء كانوا أخوف الناس من عذاب الله: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) ) الأنبياء ) ( قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)  الأنعام15) (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) الزمر) (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) يونس ). وينسى القشيرى أن الإنسان إذا خاف من ربه ارتدع عن المعاصى، أما  إذا أعلن أن الخوف حجاب يجب إزالته ليتمتع بالقرب من الله فقد تشجع على المعصية.

3 ــ ثم جاء الغزالى بعد القشيرى فتوسع فى إسقاط التكاليف الإسلامية( الأحياء جـ 4 /299، 367 ،368 )..

وإسقاط الإلتزام من طاعات وأخلاق أدى إلى نتيجتين أصبحتا معا من قواعد دين التصوف الأخلاقية ، وهما : أن الولى لاتؤثر فيه معاصيه، وأنه ينبغى على المريد ألا يعترض على شيخه إذا وقع فى معصية، ووضح فى موقف الغزالى والقشيرى أنهما طبقا هاتين القاعدتين فى تعاملهما مع عقائد الأشياخ السابقين فأورداهما، وفى نفس الوقت هاجما معاصريهم من أوباش الصوفية .

4 ــ  الولى الصوفى لاتؤثر معصيته فى ولايته :

1 ــ فالقشيرى يقول تحت عنوان( فهل يكون الولى معصوما) أن الولى ( يكون محفوظا حتى لا    يُصرُّ على الذنوب ، وإن حصلت هنات ( أى سيئات هينة ) أو آفات أو زلات فلا يمتنع ذلك فى وصفهم ، أى تمنع عصمتهم . ولقد قيل للجنيد : العارف يزنى ياأبا القاسم؟ فاطرق مليَا ثم رفع راسه وقال : وكان أمر الله قدرا مقدورا. ) والتمعن فى النّص يبرز أن القشيرى يستعمل أسلوب الفقهاء والمتكلمين ويتلاعب بالألفاظ ، فلم يصف الأولياء بالعصمة التى شاع اسنادها للأنبياء، ولو ساوى بين الولى والنبى فى العصمة لما كان صوفيا معتدلا، لذا ترك لفظ العصمة من الوقوع فى الذنب، وأسند معنى آخر مساويا له وهو الحفظ من الوقوع فى الذنب . ولأنه يعلم أن كبار الصوفية منحلّون خلقيا، فقد عدل من الصياغة لتكون الحفظ من الإصرار على الذنوب، ومعناه أن يقع الأشياخ الصوفية فى الذنب ولا يصممون عليها، ثم جعل كبار الذنوب كالزنا مجرد هنات أو زلات أى صغائر، واستشهد بمقالة الجنيد عن زنا العارف : ( وكان أمر الله قدرا مقدورا).

2 ــ بل إن القشيرى فى موضع آخر يدافع عن إنحلال الأشياخ فى شذوذهم الجنسى مع الصبيان ويعتبره من الصغائر والهنات، يقول: ( ومن أصعب الآفات فى هذه الطريقة صحبة الأحداث) فجعل الشذوذ مجرد آفة وإن كانت صعبة، ثم خفف من وصف هذه الفاحشة بقوله عنها (صحبة الأحداث) ثم يقول فيما بعد( وماقالوه من وسائس القائلين بالشاهد) أى اعتبار الصبى الجميل شاهدا على جماله الله ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ( وإيراد حكايات عن بعض الشيوخ لما كان الأولى بهم إسبال الستر عن هناتهم) فوصف ذلك الشذوذ بأنه (هنات) ودعا للسكوت عنها. ولم يزعجه عقيدة التصوف فى إعتبار الصبى المفعول به ( شاهدا ) على جمال الله .!! تعالى الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا . أى إن المهم عند القشيرى ــ الصوفى المعتدل المُصلح ــ أن يظل الأشياخ الصوفية أولياء وعارفين وإن وقعوا فى كبائر الذنوب كالزنا والشذوذ الجنسى.

3 ــ وأتى الغزالى فحاول أن يؤكد نفس الفكرة بطريقته المُفضّلة  وهى اختراع الأحاديث، فقام بنفسه باختراع حديث نسبه للرسول يقول فيه: ( إذا أحب الله تعالى عبدا لم يضره ذنب) ، ثم ذكر قولا آخر أشد نسبه لزيد بن أسلم يقول فيه: ( إن الله ليحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول إعمل ماشئت فقد غفرت لك ).  والغزالى لو أنصف لاستشهد بالقرآن بدل من أن يتحدث عن الله جل وعلا فى شأن من شئون الله جل وعلا ويأتى بكلام البشر، ولكنه يعرف أن القرآن كلام الله الحق ينفى هذه المقالة، بل يؤكد العكس وهو أن المؤمن الحق يقدم الطاعة وهو يخشى ألا يقبلها الله جل وعلا ، ويظل بين الرجاء والخوف. يقول جل وعلا عن المؤمنين المتقين : ( إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) المؤمنون )  .          4 ــ والفارق بين إفتراء الغزالى والحق القرآنى أن الغزالى فى عقيدته يؤمن بأن الصوفى إله والآلهة لصوفية فى زعمهم لاتؤثر فيهم أعمالهم لأنهم لايسألون عما يفعلون ، ولقد صاغ الغزالى لذلك المعنى أسطورة تقول: ( كان إبراهيم بن أدهم فى سياحته على الجبل فسمع قائلا يقول:

      كل شىء منك مغفور سوى الإعراض عنا      وقد وهبنا لك مافات فهب مافات منا       فاضطرب وغشى عليه ، فلم يفُق يوما وليلة، وطرأت عليه أحوال . ثم قال : سمعت النداء من الجبل: " ياإبراهيم كن عبدا" ، فكنت عبدا وإسترحت )[34]. فإبراهيم بن أدهم فى هذه الأسطورة سمع هاتفا أو وحيا إلهيا يقرر أن الله يغفر له كل شىء من الذنوب سوى الإعراض عن الله ــ وهو مايعنى فى رموز التصوف الإلتفات للخلق وعدم شهود الحق فيهم . ثم يستمر الهاتف المزعوم ليقرر أن الله غفر لإبراهيم بن أدهم وبقى على إبراهيم بن أدهم أن يغفر لله (قد وهبنا لك مافات فهب لنا مافات منا ) . وهنا مساواة بين الله والصوفى ومعاملة على قدم المساواة ، يؤكدها التعليق الذى جاء بعدها، فقد غشى على إبراهيم بن أدهم ــ أو بالتعبير الصوفى فنى عن نفسه ــ وطرأت عليه أحوال ــ أى حلت الألوهية فيه ، ثم أفاق ورجع إلى بشريته حين قال له الله ــ كن عبدا ــ فكان عبدا أى رجع إلى بشريته بعد أن كان إلها طبقا لعقيدته الصوفية فى الإتحاد والحلول ..

4 ــ  وفى العصر المملوكى كان( الاحياء) و(الرسالة القشيرية) دستورا للصوفية يرتلونهما ويستشهدون بهما ويعقدون المجالس فى التدبر فيهما.

والشعرانى  ــ أبرز صوفية القرن العاشر تأثرا بالقشيرى فى هذا الشأن ــ  يقول: ( من كان لله وليا فى علم الله لاتتغير ولايته، وإن وقع فى المعصية بادر للتوبة فورا، فلا يكون ذلك قادحا فى ولايته ولامزيلا لها .. لأن الحقائق الوضعية لا تقدح فيها النقائص الكسبية) . وردد الشعرانى هذا المصطلح ( أن الحقائق الوضعية) يعنى الولاية الإلهية (لا تقدح فيها النقائص الكسبية) أى الذنوب، وحاول أن يشرح هذاالتعبير بالحكايات الأسطورية فيحكى أن واحدا من الأولياء أصحاب التصريف زار أخا له ، وفى غيبة صاحب البيت قبّل الولى جارية صاحب البيت ، ومع ذلك أظهر ذلك الولى بعض الكرامات ، فتحيرت الجارية فى أمره ، فقال لها  سيدها: "أن الخصائص الوهبية لايشينها النقائص الكسبية، وتقبيله لك من الصغائر، والتوبة تجُبّ ما قبلها من الصغائر والكبائر، والعصمة شرط فى النبوة لا فى الولاية ). فالشعرانى منح الأولياء الكرامات ليغطى انحلالهم ، وجعلهم فى نفس الوقت مستريحين من الالتزام الخلقى، فلا بأس عليهم إذا وقعوا فى أى ذنب طالما أن الحقائق الوضعية لاتؤثر فيها النقائص الكسبية .

5 ــ ثم يروى الشعرانى أسطورة أخرى عن ولى آخر صاحب كرامات ــــ ولابد أن يكون صاحب كرامات  فى الأسطورة ليثبت أن تصريفه فى ملك الله مستمر حتى لو وقع فى أشد الذنوب ــ وتقول الأسطورة أن ذلك الولى نام عند أبى العباس المرسى فزنى بجارية المرسى تلك الليلة ثم اغتسل وخرج يمشى على الماء فى بحر الأسكندرية حتى غاب عنهم ، فقال أبو العباس المرسى لسائل مندهش من ذلك : ( هذا عطاؤه وذلك قضاؤه )[35]. ، فالكرامات عطاؤه ووقوعه فى الزنا قضاؤه الذى لا مفر منه من الوقوع فيه ، وهو باعتباره وليا صاحب كرامات لابد أنه عرف بأنه مقدر عليه أن يزنى بجارية أبى العباس المرسى ، وذلك مايذكرنا بالرسالة القشيرية ومقالة الجنيد عن العارف الزانى ( وكان أمر الله قدرا مقدورا).

6 ــ   ويجتهد الشعرانى فى هذا المجال ويقرر ( أن أحدا من الخواص ( أى الأولياء ) لاينزل عن مقامه العلى بارتكابه زلة من الزلات )[36]

ولكى يؤكد هذه المقالة يفترى أسطورة كرامة من السهل أن تنتشر وأن يصدقها الناس فى عصره ويترسب مضمونها فى عقولهم ، فيحكى عن الشيخ يوسف الحريثى ( لما حججت سهرت ليلة فى الحرم خلف المقام ، وكانت ليلة مقمرة،  فلما راق الليل دخل جماعة يخفق النور عليهم فطافوا وصلوا خلف المقام ، وجلسوا يسيرا فجاءهم شخص وقال : يعيش رأسكم فى الشيخ على ، فقالوا رحمه الله ، من يكون فى موضعه؟ فقالوا: حسن الخلبوص بناحية زفتى بالغربية فقال :أناديه ، فقالوا ياحسن، فإذا هو واقف على رءوسهم عليه ثوب معصفر ووجهه مدهون بالدقيق وعلى كتفه سوط، فقالوا  له كن موضع الشيخ على ، فقال على العين والرأس ،فذهب ، ولما رجعت إلى بلادى قصدته بالزيارة فى خان بنات الخطا، فوجدت واحدة راكبة على عنقه ويدها ورجلها مخضوبتان بالحناء وهى تصفعه فى عنقه وهو يقول لها .. برفق فإن عيناى موجوعتان ، فأول ماأقبلت عليه قال لى مبادرا.. يافلان زغلت عينك وغرّك القمر ماهو أنا ، فعرفته أنه هو ، وأمرنى عدم إشاعة ذلك )[37] .

 فتلك الأسطورة المضحكة تتحدث عن الأولياء اصحاب النوبة أى الذين يتناوبون حكم الأرض ولكل منهم( دركه) أى الموضع الذى يحرسه ، وقد مات الشيخ على وخلا ( دركه )  فقررت لجنة توزيع (الدرك) تعيين الشيخ حسن الخلبوص ، ولقبه( الخلبوص ) يعنى بالعامية المصرية (مدمن الزنا)  ، وفى لمح البرق كان(الخلبوص) قد انتقل من زفتى غربية إلى مكة وقبل التعيين، وذهب الراوى لزيارة الشيخ حسن الخلبوص فى محل إقامته ، ففوجىء بالشيخ الخلبوص يمارس مهمته التى يتستر وراءها وهى حمل إحدى المومسات على ظهره وهى تصفعه على قفاه والشيخ الخلبوص الذى يقيم فى خان بنات الخطا (أى بيت العاهرات ) يرجو العاهرة أن تترفق به حين تضربه على قفاه حتى لاتضر عينيه، وتنتهى الأسطورة بالشيخ حسن الخلبوص وهو يتعرف على الراوى ويأمره بعدم إشاعة حقيقة كونه إلها أو وليا صوفيا من أصحاب النوبة او أصحاب الدرك.

والهدف من الأسطورة واضح ين السطور ، إن الولى لاتؤثر فيه معصية ولو كان على مستوى الشيخ حسن الخلبوص يقيم فى دار المومسات ، وتتسلى المومسات بصفعه على قفاه، وهو يحملهن على ظهره ، فالشيخ حسن يتستر بهذه الصفة ويخفى عن الناس كونه وليا خطيرا من المتصرفين فى الكرة الأرضية وقد قسمت عليهم أركانها .

والمؤسف فإن الذين اخترعوا هذه الأساطير عن أصحاب النوبة لم يكونوا يعرفون أمريكا والعالم الجديد فظلت تلك النواحى التى اكتشفها الأوربيون محرومة من عناية الصوفية وخرافاتها .

تشريع الانحلال الخلقى فى عقيدة التصوف:

1 ـالتخويف من الاعتراض على الولى الفاسق 

  الولى الصوفى يعلن فسقه ليخفى ولايته

1 ـ يرى الشاذلى ( إن الولى يكون مستورا إما بالأسباب وإما بالعزة والسطوة والقهر ، على حسب مايتجلى الحق تعالى لقلبه)( وإما بنواحى أخرى كالخمول أو المزاحمة على حب الدنيا أو غيرها)[38] . فأضيفت أسباب كثيرة يمكن للولى الصوفى أن يمارس بها المعصية بدعوى أنه يستر كونه وليا بالانحلال الخلقى  .  

2 ــ تستر الولى الصوفى ولايته بإلفسق العلنى وإظهار المعصية مقالة اشتهرت بها طائفة القلندرية الصوفية ، وهم من أشهر المُنحلّين خلقيا فى العصر المملوكى، وقد بدأ انحلالهم الخلقى تحت عناوين عدم الإهتمام باعتراض الناس ، يقول المقريزى عن بدايتهم فى مصر : ( القلندرية طائفة تنتسب إلى الصوفية وتارة تسمى نفسها ملامتية ، وحقيقة القلندرية أنهم قوم طرحوا التقيد بآداب المجالسات والمخاطبات، وقلت أعمالهم من الصوم والصلاة والفرائض ولم يبالوا بتناول شىء من اللذات المباحة .. والفرق بين الملامتى  والقلندرىأن الملامتى يعمل فى كتم العبادات والقلندرى يعمل فى تخريب العادات)[39]. ولم يجد المقريزى مطعنا فى ظاهر القلندرية أو الملامتية فى عهده، ولو وجد فيهم مطعنا لهاجمهم كما هاجم بقية الصوفية فى عصره .

3 ــ وسرعان ماتحول شعار الملامتية أو القلندرية إلى ستار للتظاهر بالعصيان على أساس عدم التقيد بالآداب فى المخاطبات والأفعال ، ويبدو ذلك من دراسة النص الذى يترجم فيه الشعرانى لأحد شيوخه من الملامتية وهو الشيخ على أبوخودة ، ونحن ننقل النص بحذافيره مع تقديم الاعتذار الكافى عما يحويه، لكى ينطق النص بوضوح عن سلوك الأولياء فى عصر الشعرانى وتقدير العصر وتقديسه لهم بالغا مابلغ عصيانهم يقول الشعرانى فى ترجمة الشيخ( على أبوخودة): ( كان رضى الله عنه من أرباب الأحوال ومن الملامتية، وكان رضى الله عنه يتعاطى أسباب الإنكار عليه قصدا، فإذا أنكر عليه أحد عطبه.. وكان رضى الله عنه يهوى العبيد السود والحبش لم يزل عنده نحو العشرة .. وكان رضى الله عنه إذا راى امرأة أو أمرد راوده عن نفسه وحسّس على مقعدته سواء أكان ابن وزير ولو كان بحضرة والده أو غيره ، ولايلتفت إلى الناس ولا عليه من أحد، واجتمعت به مرات عديدة وقال لى مرة : إحذرك أن(تنيكك) أمك . !! فقلت لعبد من عبيده : مامعنى كلام الشيخ؟ قال يحذرك أن يدخل حب الدنيا فى قلبك لأن الدنيا هى أمك ) [40].  هذا النص يوضح سلوك الأولياء الصوفية والحرية المطلقة التى يتمتعون بها ، دون إعتراض عليهم من أحد ، ونعرف أن الشيخ أباخودة كان يتستر  وراء شعار الملامتية فيمارس الفاحشة علنا، أو بتعبير الشعرانى( كان رضى الله عنه يتعاطى أسباب الإنكار عليه قصدا) أو قوله( ولايلتفت إلى الناس ، ولا عليه من أحد) أى لا يهتم بما يُقال عنه . وبعد ذلك يجد الشيخ أبوخودة من يشيع عنه الكرامات التى تخوف الآخرين من الاعتراض عليه بحيث يشيعون أن من أنكر عليه عاقبه الشيخ أو بتعبير الشعرانى( فإذا أنكر عليه أحد عطبه) أى أهلكه.  والشعرانى يكرر قوله عن هذا الشيخ المُنحلّ : ( رضى الله عنه ). ويذكر مراودته للنساء والصبيان وتحرشه الجنسى بهم علنا باللمس والكلام ، ويذكر كلامه الفاحش للشعرانى نفسه . الشعرانى يذكر مفتخرا على أن هذا من مناقب شيخه الذى كان يهوى الشذوذ بالعبيد السود ، ويحتفظ لنفسه نحو عشرة منهم .      

والشعرانى نفسه ردد فى كتبه التخويف من الأولياء ومن الاعتراض عليهم يقول( لاتقربوا من الأولياء إلا بالإذن ولوباسطوكم ، فإن قلوبهم مملوكة ، وأنفسهم مفقودة، وعقولهم غير معقولة، فيمقتون على أقل من القليل، وينفذ الله مرادهم فيكم، وأما المجاذيب فسلموا عليهم بترك السلام عليهم، ولاتسألوهم الدعاء فربما دعوا عليكم، وكشفوا عوراتكم)[41].

التخويف من الاعتراض على الولى الفاسق

1 ــ وندخل بذلك على تخويف الناس من الاعتراض على الولى.

وأول من أرسى هذه القاعدة فى تاريخ التصوف هو حمدون القصار رائد الملامتية(ت271 ) والذى نشرها فى نيسابور، وترجم له القشيرى فى رسالته ضمن أعيان الصوفية مع الجنيد ، وذكر مقالته التى صارت فيما بعد عنوانا لطريقته وشعارا للملامتة والصوفية فى عدم الاعتراض وهى :  )إذا رأيت سكرانا فتمايل لئلا تبغى عليه فتبتلى بمثل ذلك)[42].

والقشيرى عقد فصلا كاملا فى رسالته بعنوان( باب حفظ قلوب المشايخ وترك الخلاف عليهم) ملآه بالحكايات التى تحذر من الاعتراض على الأشياخ، واستدل باقوال الأشياخ فى هذا الشأن، ومنها: ( من صحب شيخا من الشيوخ ثم اعترض عليه بقلبه نقض عهد الصحبة، ووجبت عليه التوبة)[43]. وهى مساواة للشيخ بالله فى اعتقاد الصوفية. 

2 ــ ومن الرسالة القشيرية صاغ صوفية العصر المملوكى تشريع عدم الاعتراض على الشيوخ ولو فى الباطن، فإحدى مقامات الطريق عدم الاعتراض على المشايخ مع التسليم لهم، والمريد الصادق يترك الإعتراض على شيخه ولو فى الباطن فى غيبة أو حضور ، فكثرة الاعتراض ( بُعد عن حضرة الله )[44].

3 ـ  ثم التفتوا للآخرين يحذرونهم من الإنكار على معاصى الأولياء( خوف الهلاك أو المقت )[45]. ومن الطبيعى أن يستجيب المريدون لهذه الأوامر ، فالعصر كله تقريبا مريدون للأولياء الصوفية ومعتقدون فى كراماتهم وتصريفهم فى ملك الله .

4 ـ وبهذا أصبح عدم الاعتراض تشريعا مُطبقا فى العصور التى سيطر فيها التصوف ، بحيث كان فى مقدور الشيخ أن يجهر بانحلاله على قارعة الطريق وهو آمن من مجرد الاعتراض عليه من الناس، لأنهم يؤمنون بكراماته وتصريفه المزعوم فى الخلق.

5 ــ ونستشهد بنص آخر يؤكد هذه الحقيقة التاريخية، وكالعادة نقدم الاعتذار الكافى عن إثبات النص بلفظه، يقول الشعرانى فى ترجمته لشيخه على وحيش: ( ومنهم سيدى على وحيش من مجاذيب النحارية، كان رضى الله عنه من أعيان المجاذيب أرباب الأحوال وكان يأتى مصر والمحلة وغيرها من البلاد، وله كرامات وخوارق، واجتمعت به يوما بين القصرين.. وأخبرنى الشيخ محمد الطنيحى رحمه الله تعالى فقال:" .. كان الشيخ وحيش رضى الله عنه يقيم عندنا فى المحلة فى خان بنات الخطا، وكان كل من خرج يقول له.. قف حتى أشفع فيك عند الله قبل أن تخرج، فيشفع فيه ، وكان يحبس بعضهم اليوم واليومين ولا يمكنه أن يخرج حتى يُجاب فى شفاعته، وقال يوما لبنات الخطا:"اخرجوا فإن الخان رايح يطبق عليكم." ، فما سمع إلا واحدة ، فخرجت ووقع على الباقى فمتن كلهن . وكان إذا رأى شيخ بلد أو غيره ينزله من على الحمارة، ويقول له : " أمسك لى رأسها حتى أفعل فيها".!!، فإن أبى شيخ البلد تسمّر فى الأرض لايستطيع أن يمشى خطوة، وإن سمع حصل له خجل عظيم والناس يمرون عليه، وكان له أحوال غريبة . وقد أخبرت عنه سيدى محمد بن عنان رضى الله فقال .. هؤلاء يخيلون للناس هذه الأفعال وليس لها حقيقة .! )[46]

فالشعرانى يؤرّخ لشيخه وسيده المجذوب وحيش ويكرر قوله عنه :( رضى الله عنه ) ، وكيف أنه يقيم فى بيت مومسات ليشفع فى الزُّناة برغم أنوفهم ، ولو عصاه واحد منهم إستعمل الشيخ كراماته فيه فيجعل قدميه تتسمران بالأرض ، ثم إن هذا الشيخ مُدمن لفعل الفاحشة فى الحمير الاناث علنا على قارعة الطريق ، والويل لمن يراه راكبا حمارة ويمر بالشيخ ، عندها يأمره الشيخ بالنزول من على الحمارة ليفعل الشيخ بها الفحشاء . ولو رفض راكب الحمارة الاعتداء الجنسى على حمارته فالويل له من كرامات الشيخ ، ولو رضى وسكت فإنه يقف مكسوفا وهو يرى الشيخ ينتهك حُرمة حمارته علنا أمام الناس.!!. 

وبعد هذا فإن الصوفى يجد التأويل لانحلاله من أقرانه الفقراء الفقهاء الصوفية، ويجد الخوف من العامة من تصريفه الإلهى المزعوم فيهم إذا تجرأ أحد وأنكر عليهم ، ومؤرخو الصوفية كالشعرانى لايتحرجون من إثبات ذلك كله لأنهم يكتبون فى عصر يؤمن بكرامات التصوف وحصانة رجاله من أى اعتراض، بل يبدو تمجيدهم لأولئك الأشياخ بين ثنايا السطور، فكلما ازداد انحراف الشيخ خلقيا زادت نسبة الكرامات إليه وزاد الإعتقاد فى حظوته عند ربه، دلاله عليه ــ فى اعتقاد الناس، وبالتالى زاد خوفهم منه ، وهكذا فكتابات الشعرانى تعبر عن حقيقة اعتقاد الناس فيهم إلى درجة جعلته يجد المصدقين لكل ادعاءاته عن كراماته وكراماتهم.

6 ــ  واستغل الشعرانى ذلك فى التخويف من الاعتراض علي شيوخ الصوفية المُنحلين خُلُقيا ، فيقول عن نفسه إنه أنكر ( على مايفعله القلندرية فى زاويتهم) ( فإذا بشخص متربع فى الهواء يقول لى: تنكر على القلندرية وأنا منهم، فتركت  الإنكار)[47]

7 ــ ولأن عدم الاعتراض أصبح تشريعا  أساسا للدين الصوفي فإنهم نشروه فى العصر المملوكى حين سيطروا عليه فأصبح من سمات المصريين حسبما يذكر المؤرخ المصرى المقريزى: ( الانهماك فى الشهوات والإمعان من الملذات وكثرة الاستهتار( أى الفجور العلنى ) .. والفقير المجرد ـ( أى الصوفى المتفرّغ ) فيها مستريح من جهة رُخص الخبز وكثرته، ووجود السماعات والفُرج ( أى المتنزهات ) فى ظواهرها ودواخلها، وقلة الاعتراض عليه فيما تذهب  إليه نفسه، يحكم فيها كيف يشاء من رقص فى السوق أو تجريد ــ أى عرى ــ أو سُكر من حشيشة أو غيرها أو صحبة مردان ــ أى شذوذ ــ وماأشبه ، بخلاف غيرها من بلاد المغرب ، ولا يُنكر فيها إظهار أوانى الخمر ولا آلات الطرب ذات الأوتار ولاتبرج النساء العواهر ولا غير ذلك مما ينكر ببلاد المغرب )[48] .  فالمقريزى هنا شاهد على عصره يصف المصريين وقتها فى القرن التاسع بالانحلال الخلقى العلنى بكل مظاهره ، ويركز على الصوفية ، وخصوصا المريدين العوام منهم أى ( الفقراء ) وكل منهم يفعل ما يحلو له دون أى إعتراض على ما يفعله ، ونفس الحال مع ظهور المومسات فى الطرقات دون إعتراض أو إنكار .

8 ــ وبلاد المغرب جاء منها رحّالة زائرا لمصر وهو ابن ظهيرة فاندهش من حال المصريين فى عصرنا المملوكى من( عدم اعتراضهم على الناس فلا ينكرون عليهم ولايحسدونهم ، بل يسلمون لكل أحد حاله، العالم مشغول بعلمه ، والعابد عبادته ، والعاصى بمعصيته)[49].     وإذا كان عدم الاعتراض تشريعا لدين التصوف نشر الإنحلال الخلقى فى الشارع المصرى كما سيأتى تفصيله فيما بعد ــ فإن الشرع الإسلامى الحقيقى يتميز بفضيلة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فالله تعالى يصف الدولة الإسلامية بأنها التى تقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ (41) الحج ). والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى القرآن الكريم يعنى التناصح والتواصى بالأخلاق الحسنة . وهذا خلافا للدين السٌّنى الذى يفرض تشريعه الأرضى بالإكراه فى الدين والتسلُّط على الناس . تشريع عدم الاعتراض فى دين التصوف نقيض لتشريع الاكراه فى الدين فى دين السّنة . وهما معا يتناقضان مع الاسلام العظيم الذى يزاوج بين الحرية الدينية والدعوة للفضيلة الأخلاقية بالتواصى بالحق والصبر كما جاء فى سورة ( العصر): (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)). كل الناس يتواصون بالتواصى بالحق بالحكمة والموعظة الحسنة ، دون أن تختص طائفة بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وتتخذ من ذلك وسيلة للعلو على الناس والاستطالة عليهم ، كما فى الوهابية السّنية الحنبلية .

 .

  ـالتصوف ينشر الانحلال بين العوام المصريين

 الصوفية والعوام :  

    1 ــ   أكثرية البشر على هذا الكوكب الأرضى ضالون مضلون وقد حذر الله جل وعلا تعالى النبى عليه السلام منهم فقال له( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) الأنعام ) . والأقلية من البشر هى التى تؤمن الإيمان الحقيقى وتتحكم فى غرائز الجسد وتتقى الله تعالى ، ومن معانى التقوى عدم الإصرار على المعصية : (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) آل عمران  ) ، فالتقوى لاتعنى عدم الوقوع مطلقا فى الذنب وإنما تعنى أيضا التوبة منه وعدم الرجوع إليه والانهماك فى الطاعة حتى لايبقى وقت للمعصية . والتقوى الإسلامية على هذا تتطلب إرادة حديدية وحربا مستمرة مع مكائد الشيطان ، وفى النهاية فلن ينجح فى هذا الإختبار إلا الأقلية من البشر التى تقرن الإيمان بالعمل الصالح (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ (24) ص ). هذه الأقلية هى أهل الجنة من السابقين المقربين وأهل اليمين : (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ (14) ، (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً (36) عُرُباً أَتْرَاباً (37) لأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنْ الآخِرِينَ (40) ) الواقعة )

   2 ــ   وإذا كانت الأكثرية من البشر ضالة مضلة فلأنها تسىء استخدام الحرية التى منحها الله لهم وترسب فى اختبار الحياة الدنيا وتستسهل الوقوع فى الذنوب خصوصا إذا وجدت دعاة للعصيان ،خصوصا إذا إرتدت زى الدين . فما أسهل سريان دعوات الانحلال إذا صبغت بالدين وصار رواد الانحلال الخلقى أشياخا ذوى صبغة دينية يدعون للانحلال علنا ويجعلونه أساسا من أسس الدين على نحو ماسبق من صلة الانحلال الخلقى بعقيدة التصوف .

ودين الله يهدف لتزكية هذه الأكثرية الضالة من البشر والسمو بأخلاقها، أما أديان البشر الأرضية فهى تحمل هوى أربابها ، إذا كانت تسلطا وطغيانا كالدين السّنى صار الدين عنفا وإرهابا وإكراها فى الدين ذا لون أحمر كلون الدم . وإذا كان الهوى فى الكسل والتواكل والمجون واللهو واللعب مثل دين التصوف تحول الى نشر التحرر من كل القيم العليا الأخلاقية ، وكان العوام الأسرع إنقيادا له لأنهم يجدون المُسوّغ الدينى والتشريع الأرضى الذين به يفسقون ويضمنون دخول الجنة بشفاعة الأولياء طبقا لأساطير هذا  الدين الأرضى .

3 ــ ـوالتصوف ــ بالذات ــ هو الأقرب للعوام ، فلا تروج مزاعمه بالكرامات والخوارق إلا بين العوام التى لا عقل لها ولا علم لديها . ونحن هنا  نتحدث عن العوام تيارا عقليا ، وليس كطبقة إجتماعية . فعقلية العوام لها شيوخها وقادتها حتى الآن ، وتراهم من الأثرياء وعلية القوم ويحملون أرفع الشهادات العلمية ، وهم أجهل البشر وأغباهم؛ أجسام البغال وأحلام العصافير. ينطبق عليهم قول رب العزة جل وعلا : () وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ) (4) المنافقون )

 التصوف يتطلع للانتشار بين هذه الأكثرية الضالة ومغازلة غرائزها وإرضاء نزواتها ، فتعطيهم المشروعية الدينية لما هم منهمكون فيه من انحلال خلقى ، وخطورة ذلك فى أن العاص العادى إذا وقع فى الذنب فإمكانية توبته قائمة طالما يعرف أنه اقترف معصية ، أما إذا وجد من يبرر له معصيته بل يصبغها بالدين ويجعلها وسائل للتقرب لله ــ على نحو ماسيأتى ــ فإنه لن يستمر فى انحلاله فقط ، بل سينشر ذلك الانحلال باعتباره دينا .

    4 ــ     ويفسر ذلك سرعة انتشار التصوف بين العامة وتحوله إلى طرق صوفية تتغلغل بين طوائف الشعب وطبقاته الشعبية والدنيا ، فكان منهم شيوخ عوام أعلنوا مقالات الأشياخ بما سبب الحرج الكبير لأئمة التصوف ، فهب القشيرى والغزالى فى القرن الخامس يهاجمان أولئك العامةمن المتصوفة (العمليين) ويحاولون دون جدوى تبرئة التصوف النظرى من صراحة أولئك الرعاع .

 5 ــ يقول الغزالى عنهم (طائفة ادعت علم المعرفة ومشاهدة الحق ومجاوزة المقامات والأحوال الملازمة فى عين الشهود والوصول إلى القرب ، ولايعرف هذه الأمور إلا بالأسامى والألفاظ ، لأنهم تلقفوا من ألفاظ الطامات كلمات فهو يرددها، ويظن أن ذلك من علم الأولين والآخرين .. حتى أن الفلاح ليترك فلاحته والحائك يترك حياكته فيلازمهم أياما معدودة ، ويتلقف منهم تلك الكلمات المزيفة فيرددها كأنه يتكلم عن الوحى ويخبر عن الأسرار ، ويستحقر بذلك جميع العُبَاد والعلماء ، فيقول فى العُبَاد أنهم أُجراء متعبون ،ويقول فى العلماء أنهم بالحديث عن الله محجو بون )[50]. فأولئك الفلاحون  والحائكون ( الخياطون )  تركوا الحرفة والتحقوا بجماعات التصوف يرددون عباراتهم عن الإتحاد بالله والحلول ، ولايعرفون منها إلا مجرد التعبيرات ثم يحتقرون القائمين بالعبادة والمنهمكين بالعلم ، فاعتبروا العباد قد أتعبوا أنفسهم بالعبادة وأن العلماء قد حجبهم العلم عن معرفة الله .

 6 ــ وأولئك الفلاحون والحائكون وغيرهم من جموع العامة وإن أعوزهم فهم ألفاظ التصوف الفلسفى ومصطلحاته ورموزه ، فهم أقدر على تطبيقها عملا حين وقعوا  ــ حسب كلام الغزالى ــ فى إباحة المحرمات : فقال عنهم : ( طائفة وقعت فى الإباحة ، وطووا بساط الشرع ، ورفضوا الأحكام ، وسووا بين الحلال والحرام)[51] .

  7 ــ  وقبل الغزالى فى نفس القرن الخامس كان القشيرى يتهم معاصريه بالكفر والفسق وسبق بيان ذلك ، ولكن يهمنا أن القشيرى أشار لانتشار هذا الفسق بين جموع العوام قبيل عصر الغزالى مما اضطر القشيرى لكتابة رسالته إليهم ليحمى التصوف من إنكار الفقهاء يقول( ولما طال الابتلاء فيما نحن فيه من الزمان بما لوحت بعضه من هذه القصة ..) أى أن القشيرى لم يقصص علينا تفصيلات انحلالهم الخلقى إلا مضطرا ، ثم يقول : ( ولما أبى الوقت إلا استصعابا وأكثر أهل العصر بهذه الديار إلا تماديا فيما اعتادوه واغترارا بما فعلوه أشفقت على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر على هذه الجملة بنى قواعده وعلى هذا النحو سار سلفه فعلقت هذه الرسالة إليكم ) أى أن كل جهده فى النصح ضاع، فاضطر لكتابة رسالته ليدافع عن دينه الصوفى .

وسائل أنتشار الانحلال الخلقى بين العوام :

 1 ــ حفلات السماع الصوفية:

    1 ـ    وفى القرن السادس فى عصر ابن الجوزى ( ت 597 ) ألف كتابه ( تلبيس إبليس) فى الإنكار على انحراف الطوائف فى عصره ، وخص الصوفية بالقسم الأكبر منه ، يقول فيه عنهم ( إتخذوا مناخ البطالة ، وهى الأربطة ، فانقطعوا إليها عن الجماعات فى المساجد ، فلا هى مساجد ولاهى خانات ، وصمدوا فيها للبطالة عن أعمال المعاش ، وبدّنوا أنفسهم بدن البهائم للأكل والشرب والرقص والغناء).    2 ــ    وكان القشيرى  ( 376 : 465 ) قد إتهم معاصريه الصوفية بالتسول فى الأسواق ومن أصحاب السلطان ومن النساء : ( وقلة المبالاة بتعاطى المحظورات والإرتفاق بما يأخذونه من السوقة والنسوان وأصحاب السلطان) مما يعنى وجود التفاعل بين الصوفية وطوائف المجتمع من تجار ونساء وحكام فى الأسواق والقصور، ثم جاء ابن الجوزى فى القرن السادس يتحدث عن بناء الأربطة للصوفية حيث يقيمون فيها بدون عمل إلا  الأكل والشرب والغناء والرقص والكسل عن صلاة الجماعة ، إلا أن معيشتهم فى الأربطة واحتجابهم عن الصلاة لم يكن مانعا من اختلاطهم بطوائف المجتمع ونشرهم الانحلال الخلقى بين طبقاته بالطريقة الصوفية المبتكرة ، وهى إقامة السماع الصوفى أو حفلات الذكر ثم اختراع الأزياء المزركشة وصباغة الوجوه أو(المكياج) ، وقصدوا بذلك كله التأثير على النساء لاجتذابهن للطريق الصوفى 3 ــ  يقول ابن الجوزى ( وعولوا على الترقيع المعتمد به التحسين تلميعا ، والمشاوذ بألوان مخصوصة ، أوقع فى نفوس العوام والنسوة من تلميع السلاقطون بألوان الحرير ، واستمالوا النسوة والمردان ( الشباب) بتصنيع الصور والملابس، فما دخلوا بيتا فيه نسوة فخرجوا إلا على فساد قلوب النسوة على أزواجهن ، ثم يقبلون الطعام والنفقات من الظلمة والفجار وغاصبى الأموال .. ويستصحبون المردان فى السماعات يجمّلونهم فى الجموع مع ضوء الشموع ، ويخالطون النسوة الأجانب ينصبون لذلك حجة الباسهن الخرقة) أى إدخالهن دين التصوف . ( والناس يقولون : إذا أحب الله خراب بيت تاجر عاشر الصوفية ، لأن الصوفية أجازوا لبس النساء الخرقة من الرجال الأجانب ، فإذا حضروا السماع والطرب فربما جرى فى خلال ذلك مغازلات واستخلاء بعض الأشخاص ببعض ، فصارت الدعوة عرسا للشخصين فلا يخرج إلا وقد تعلق قلب شخص بشخص ، وتتغير المرأة على زوجها، فإن طابت نفس الزوج سمى بالديوث ، وإن حبسها طلبت الفرقة إلى من تلبس منه المرقعة والاختلاط بمن لايضيق الخناق ولايحجر على الطباع، ويقال : "تابت فلانة وألبسها الشيخ الخرقة " ، وصارت من بناته)[52].

        إذن تسلط الصوفية فى عصر ابن الجوزى على الحرائر فى بيوتهن ، فأغروا الزوجة على هجر زوجها إن لم يرض بوجودها منحرفة فى داخل بيته، والإغراء فى الخارج أشد، ففى رحاب الصوفية تتنقل بين الرجال كيف تشاء دون تحجير بل ويقال أنها تابت وتصوفت وأصبحت بنتا للشيخ الصوفى.، وتلك المظاهر التى أشار إليها ابن الجوزى فى القرن السادس لم تلبث أن انتشرت بانتشار التصوف وانحلاله منذ القرن السابع الهجرى وما تلاه فى العصر المملوكى، وسيأتى تفصيل ذلك فى أوانه .

 2 ــ تعبيرات جديدة لتسهيل لانحلال الخلقى

1 ــ ولكننا نذكَر بأن الصوفية على عادة كل اتباع دين جديد يخترعون الأسماء الجديدة لطقوس دينهم فيسمون عقيدتهم فى وحدة الوجود( بالتوحيد) وإدعاء الألوهية بأنه ( التحقق بالحق) وإضفاء الألوهية على الكائنات بأنه( مشاهدة الحق فى الخلق) إلى غير ذلك. أى استحدثوا مسميات ومصطلحات لكل مايشتهونه من رذائل.

 2 ــ ومنذ بدء التصوف كان هناك من لايهوى انحلال الصوفية مع الصبيان مثل الواسطى ت320 القائل عن شذوذهم الجنسى (إذا أراد الله بعبد هو أن ألقاه إلى هؤلاء الأنتان والجيف) يقول القشيرى معلقا ( يريد به صحبة الأحداث ) . ولم يرض الواسطى عن قيام رفاقه المنحرفين خلقيا باختراع مسميات جديدة لرذائلهم التى اعتادوها قبل التصوف ثم أجازوها فى إطار التصوف تحت شعارات جديدة ، فيقول الواسطى عنهم: ( جعلوا سوء أدبهم "إخلاصا" وشره نفوسهم " انبساطا" ودناوة الهمم"جلادة")[53]. هذا بينما نجده فى عقيدته صوفيا اتحاديا يؤمن بأن( الخوف والرجاء من سوء الأدب مع الله)[54] شأن المقالات الصوفية الأخرى التى عرضنا لها .

 3 ــ   ونظيره ماقاله ابوالعباس الدينورى فى عقيدته الصوفية الاتحادية: ( أدنى الذكر أن تنسى مادونه ، ونهاية الذكر أن يغيب الذاكر فى الذكر عن الذكر)[55]. ومع هذه العقيدة الصوفية الصريحة فإن أبا العباس الدينورى لم يرض عن انحلال رفاقه الخلقى وإدخال إنحلالهم ضمن اصطلاحات جديدة للتصوف ، فقال فيهم ( نقضوا أركان التصوف وهدموا سبيلها، وغيروا معانيها بأسامى أحدثوها ، سمٌوا الطمع(زيادة) وسوء الأدب (إخلاصا) والخروج عن الحق (شطحا) والتلذذ بالذموم (طيبة) وإتباع الهوى (إبتلاء) والرجوع إلى الدنيا(وصلا) وسوء الخلق(صوله) والبخل(جلادة) والسؤال ــ أى التسول (عملا) وبذاءة اللسان (ملامة) ــ أى ملامتية ــ وماكان هذا طريق القوم)[56]. أى ماكان هذا إبتداء التصوف .

     4 ــ   لقد بدأ التصوف عقيدة مخالفة للإسلام فاخترع اصطلاحات جديدة تستر وراءها، وكان من رواده ممن إهتم بالعقيدة ولم يجرفه تيار الرذيلة ، فاستنكر أن يقوم المنحرفون خلقيا الذين إنضموا للتصوف باستحداث مصطلحات جديدة توافق غرائزهم ، وأولئك تناسوا فى غمرة إنكارهم على صوفية العامة ومشرعيهم أن دين البشر يستمد تشريعاته واصطلاحاته من هوى البشر ، وأن كل الصوفية سواء فى اختراع مظاهر التصوف ورسومه ومصطلحاته، لذا كان دين البشر دائما مسرحا للاختلاف ، ولكل شيخ صوفى مثلا اجتهاداته ونزواته والهاماته ومريدوه ومصطلحاته .

     5 ــ   ثم بدخول  التصوف دور الانتشار بين أوساط العامة وغرائزهم كان لابد أن يتوالى اختراع الاصطلاحات الجديدة لتفى بحاجة الغرائز للصوفية الجدد، فكان تعبير(صحبة الأحداث) عن الشذوذ الجنسى ، وتعبير (الشاهد) عن الصبى الجميل المفعول فيه ، ويقال عن المرأة التى تهجر زوجها إلى صحبة الصوفية: ( تابت فلانة ، وألبسها الشيخ الخرقة،  وصارت من بناته) على حد قول ابن الجوزى فيما سبق .  وأخفت هذه المصطلحات الجديدة عورة الرذائل الصوفية وصبغتها بدين التصوف وطقوسه مهما أنكر بعض المتزمتين .

 6 ــ وقد تناقص وجود المتزمتين فيما بعد حتى إذا جاء القرن السادس وجدنا ابن الجوزى يقول عن صوفية عصره( ويسلمون أنفسهم إلى شيوخهم فإن قبّل أمرد قيل: "رحمة "، وإن خلا بأجنبية قيل : " بنته وقد لبست الخرقة" .! ) ثم يعلق على اصطلاحاتهم  التشريعية فيقول : ( وإنما هم زنادقة جمعوا بين مرادع العمال ( أى الولاة الظالمين ) مرقعات صوف ، وبين أعمال الخلعاء الملاحدة من أكل وشرب ورقص وسماع وإهمال لأحكام الشرع ، ولم تتجاسر الزنادقة أن ترفض الشريعة حتى جاءت المتصوفة، فجاءوا بوضع أهل الخلاعة ، فأول ماوضعوا أسماء وقالوا حقيقة وشريعة .. وأهلكوا بهذه الخرافات قلوب الأغمار ، وأنفقت عليهم لأجلها الأموال )[57].

 وفى النص السابق مظاهرلبعض أسباب انتشار الإنحلال الصوفى من استهواء العامة والحكام الظلمة بالغرائز وتسويغها باصطلاحات جديدة ، ويلاحظ أن الفقيه غير الصوفى ابن الجوزى هو الذى احتل مكان القشيرى والغزالى فى الإنكار على الصوفية ووصل إلى الهجوم على التصوف نفسه أحيانا ، أى أن الساحة الصوفية خلت من وجود فقيه صوفى فى القرن السادس، وأن الصوفية وقتها أسلموا أنفسهم لأشياخهم  المنحلين خلقيا، أو بتعبير ابن الجوزى ( ويسلمون أنفسهم إلى شيوخهم) وقاموا هم بتاويل عصيان الأشياخ ، فإن وقع فى الشذوذ قالوا رحمة، وإن (زنا) قالوا(بنته) ، ثم اشتد الأمر بكثرة انخراط العامة وتأييد الحكام الظلمة الذين أقاموا للصوفية الرباطات وأعطوهم الأموال. 

    7 ــ     لقد ارتبطت بداية التصوف بتشريع الفساد الخلقى ، وحتى من أنكر من الصوفية على إخوانه ذلك الفساد استعمل اصطلاحات صوفية مخففة،  كقول يوسف بن الحسين ( رأيت آفات الصوفية فى صحبة الأحداث( أى الشذوذ الجنسى ) ومعاشرة الأضداد ( أى الزنا بالنساء )، ورفق النسوان( أى التسول من النساء ).[58]

 8 ــ وبعد انتشار التصوف وقلة المؤولين والمدافعين كالقشيرى والغزالى اتسع المجال لبعض الصرحاء كاليعمرى فى القرن التاسع، قد نقل المقريزى رأيه فى صوفية عصره ونسجل هذا الرأى كما هو مع الاعتذار عن ألفاظه . يقول المقريزى : ( صارت الصوفية كما قال الشيخ فتح الدين اليعمرى :

       ماشروط الصوفى فى عصـرنا سوى سـتة بــغير زيادة

       وهى نيك  العلوق والسكر والسـطلة والغنا والقــيادة

       وإذا ماهـذى وابــدى اتــحادا وحلـولا من جـهله وأعـاده

       واتى المنكرات عقلا وشرعا فهو شيخ الشيوخ والسجادة.

       ويعلق المقريزى قائلا : ( ثم تلاشى الآن حال الصوفية ومشايخها حتى صاروا يعدون من سقط المتاع ، لاينسبون إلى علم ولا ديانة . وإلى الله المشتكى..)[59].  وأولئك الصوفية فى عصر المقريزى هم أغلبية المشاهير فى القرن التاسع الهجرى من العصر المملوكى . والشعر الذى استشهد به المقريزى مع ركاكته وبذاءته يلخص معالم الفساد الخلقى فى العصر المملوكى . وقد أصبحت تلك لوازم الشخصية الصوفية بعد انتشار التصوف فى المجتمع الذى اصطبغ بتلك الصبغة الصوفية كما سيظهر فيما بعد.

 : إعتراف بالمسئولية عن الانحلال مع الدعوة اليه

 اعتراف بمسئولية التصوف عن الانحلال :

   1 ــ إن مسئولية التصوف عن نشر انحلاله الخلقى فى المجتمعات التى سيطر عليها أمر مقرر يتفق مع طبائع الأشياء ، فالشأن فى العقائد الدينية المنحرفة أن يتكاثر أتباعها من العامة والحكام الظلمة والجهلة الفسقة من أدعياء العلم . وهم فى نهاية الأمر يمثلون أغلبية البشر. ومع وضوح الأمر فإن مصادر الصوفية نفسها تعترف بمسئولية التصوف فى نشر الانحلال ،فالغزالى فى القرن الخامس يقول عن طوائف الصوفية  فى عصره ( إنهم لايجتنبون المعاصى الظاهرة ،  فضلا عن الباطنة) أى يعلنون المعصية، ويقول عنهم : ( وهم بذلك يظنون بأنفسهم الخير) وذلك طبيعى طالما صبغوا انحلالهم بالدين ، فلم يعد العصيان عيبا.  ثم يقول ( وشر هؤلاء مما يتعدى إلى الخلق ، فيهلك من يقتدى بهم) أى يعترف هنا بأن الصوفية قدوة فى الانحلال للباقين  ، ثم يقول ( ومن لايقتدى به تفسد عقيدته فى أهل التصوف كافة)[60]. ولأجل ذلك هاجم الغزالى صوفية عصره أملا فى أن يؤمن الناس به باعتباره وليا صوفيا وحتى لاتفسد عقيدتهم فى أهل التصوف كافة .

       وبعد الغزالى بخمسة قرون يرى الخواص فى القرن العاشر نفس الرأى يقول حسبما يذكر عنه الشعرانى : ( ينبغى الإبتداء بتحذير الفقهاء والفقراء ، لأن هاتين الطائفتين هم القدوة للناس فى كل زمان ومكان، فإن انعوجوا انعوج أتباعهم وراهم)[61]. ولقد كان الفقراء والفقهاء عامة أهل التصوف فى ذلك الوقت . وقد ( انعوجوا) حسبما يأتى ذكره( فانعوج) الناس خلفهم.

الدعوة للعصيان :

     1 ـ  ومع ذلك فقد شارك أئمة التصوف فى الدعوة الى للعصيان، طبقا لعقائد التصوف التى لاتفرق بين الحسنة والسيئة وطبقا لمقولة وحدة الفاعل والتى أوضحناها.

           2  ــ فالجنيد رائد الاعتدال يقول فى التوبة ( هى نسيان ذنبك)[62]. . وإذا نسى الإنسان ذنبه فلابد أن يقع فيه مرارا وكل مرة يتوب ثم ينسى وهكذا حتى إذا  جاء يوم الحساب أخبرهم الله بالسيئات التى نسوها طبقا للتعليمات التى وضعها الجنيد، يقول جل وعلا عن ذنوب العُصاة : (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (5) يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) المجادلة ).   وقد حاول الطوسى صاحب كتاب ( اللمع )الذى أورد مقالة الجنيد السابقة أن يؤول معناها فقال معلقا( بأنه أجاب عن توبة المتحققين فهم لايذكرون ذنوبهم لما غلب على قلوبهم من عظمة الله تعالى ودوام ذكره)[63] .  وبقدر ماحاول الطوسى أن يبتعد بالجنيد عن الدعوة للمعصية بنسيان الذنب، فإنه اقترب من تقرير عقيدة الصوفية فى الاتحاد بالله وحلول الحق فى قلب العارف بحيث ينسى ماعداه ولو كان ذنبا.

    3 ــ   والقشيرى تخلص من المأزق الذى وقع فيه الطوسى ، فحاول أن يقرر نفس الفكرة فى الدعوة للمعصية عن طريق المنامات ، فيروى أن القاضى يحيى بن أكثم وكان قاضي القضاة  فى عهد المأمون ، ومشهورا بالشذوذ الجنسى : ( رؤى فى المنام فقيل له مافعل الله بك؟ قال غفر لى إلا أنه وبخنى ، ثم قال لى يحيى خلطت علىَ فى دار الدنيا ، فقلت أى رب اتكلت على حديث: إنك قلت أنى لأستحى أن أعذب ذا  شيبة بالنار فقال قد عفوت عنك)[64].  فالقشيرى اختار قاضيا مشهورا بالشذوذ ليتناسب حاله مع الأشياخ الصوفية ، وأصدر قرارا بالعفو الإلهى عنه فى هذا المنام الذى صيغ بعد موت يحيى بن أكثم بأكثر من قرنين،  والهدف واضح هو تشجيع الأشياخ الصوفية على الشذوذ الجنسى طالما قد شابت رءوسهم ، فالعفو جاهز أمامهم .

    4 ــ  وكما تطوع القشيرى بطمأنة رجال الشذوذ الكبار فإنه تفضل أيضا بطمأنة المخنثين حتى تستمر مسيرة الشذوذ، فيروى أسطورة أخرى يقول صاحبها: ( رأيت جنازة يحملها ثلاثة من الرجال وامرأة ، فأخذت مكان المرأة وذهبنا إلى المقبرة فصلينا عليها ودفناها، وقلت للمرأة: من كان هذا منك؟ فقالت ابنى ، فقلت أولم يكن لكم جيران ؟ قالت نعم ولكنهم صغروا أمره، فقلت وأين كان هذا؟ قالت: كان مخنثا، فنمت فى تلك الليلة ، وكأنه أتانى آت كأنه القمر ليلة البدر وعليه ثياب فجعل يتشكر لى فقلت من أنت ..؟ فقال أنا المخنث الذى دفنتموه اليوم رحمنى الله عز وجل باحتقار الناس إياى)[65]. فذلك المنام المزعوم لايكتفى بتوفير الجنة للمخنثين فى الآخرة، ولكنه يحذر من الاعتراض عليهم أو احتقارهم حتى تستمر مسيرة الشذوذ.

    5 ــ ثم يضفى القشيرى بركاته على الزناة فيفترى أسطورة ينسبها لنبى الله عيسى، يقول( قيل خرج عيسى ومعه رجل صالح من صالحى بنى اسرائيل، فتبعهما رجل خاطىء مشهور بالفسق ، فقعد منتبذا عنهما منكسرا، فدعا الله وقال: اللهم اغفر لى ودعا الرجل الصالح وقال اللهم لاتجمع غدا بينى وبين ذلك العاصى ، فأوحى الله إلى عيسى: أنى قد استجبت دعاءهما جميعا رددت ذلك الصالح ، وغفرت لذلك المجرم )[66] . وهكذا أضاع القشيرى فى اسطورته تلك مستقبل رجل صالح بسبب كلمة، وأعطى الجنة لفاسق بسبب كلمة، ووصف الله تعالى بالظلم وافترى على الله وعلى رسوله عيسى.. وكل ذلك ليطمئن العصاة من الصوفية ، ويغيظ الطائعين من العُبَاد، الذين ينكرون على الصوفية انحلالهم .

   6 ــ والشاذلى فى العصر المملوكى كان يقول( ماطلبت من الله حاجة إلا قدمت إساءتى أمامى)       2 ـ  والقشيرى يشارك فى ذلك عن طريق المنامات ،فيدعى ان صوفيا شفع فى شاب خليع أراد الناس طرده من البلد لفسقه ثم يموت الشاب فى الأسطورة ، وقد أوصى أمه أن تتشفع فيه ، فوقفت على قبره تتشفع فيه فسمعت الشاب من القبر يقول( انصرفى ياأماه فقد أقبلت على ربى الكريم )[69].

     3 ــ   وفى العصر المملوكى كان مولد البدوى أكبر تجمع بشرى فى مصر ــ ولايزال ــ ويعتمد ذلك التجمع البشرى على أسطورة تأليه البدوى فى عقيدة المصريين . ويمثل هذا المولد مناسبة هامة للانحلال الخلقى منذ العصر المملوكى وحتى الآن . ويرتكز هذا الانحلال الخلقى على أساس عقيدى ، هو شفاعة البدوى فيمن يعصى فى مولده وينسبون للبدوى قوله( وعزة الربوبية ماعصى أحد فى مولدى إلا وتاب وحسنت توبته، وإذا كنت ارعى الوحوش والسمك فى البحار أفيعجزنى الله عن حماية من يحضر مولدى ؟ ) [70] وفى ذلك يقول أحدهم عن رواد المولد الأحمدى فى طنطا:

          وأعجب شىء أن من كان عاصيا        بمولده يُعنى به ويُرفق [71].

         وطالما كان العاصى فى مولد البدوى محوطا بعناية البدوى وشفاعته فلا عليه مهما فعل .

    4 ــ وإذا تركنا الطريقة الأحمدية وذهبنا الى الطريقة الشاذلية، رأينا ابن عياد الشاذلى يفترى مناما يزعم أنه : ( رؤيت امرأة من بنات الخطا) فى الأسكندرية فى حالة حسنة بعد موتها فسئلت عن ذلك فقالت ( مات أبوالحسن الشاذلى ودفن فى حميثرة  فغفر الله لكل من دفن من المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها من أجله ، فكنت أنا ممن غفر الله له بحرمةالشيخ  إكراما له)[72] .

 وعليه فلابد أن البرقيات توالت فى المنامات من جميع الأموات من الهند والصين والمغرب تشكر أبا الحسن الشاذلى للمغفرة التى تمتعوا بها لمجرد أنهم (دُفعة) الشاذلى فى الموت . وبقى على الدفعات التالية من الموتى أن تنتظر موت ولى آخر من الشاذلية ، ولهم أن يستمروا فى الانحلال الخلقى فيما بقى لهم من عمر ويظفروا فى النهاية بشفاعة ذلك الولى الشاذلى طبقا لمقولة على وفا الشاذلى: ( وعزة الرب المعبود قيل لى : ياعلى وحقك على ــ وهو القسم العظيم ــ ما أحبك أحد إلا أحببته ، ولو عمل ماعمل ، ولا أبغضك أحد إلا أبغضته ، ولو عمل ماعمل)[73].  وفى ذلك النص تجديد الإفتراء الصوفى على الله ، فهم يجعلون الله تعالى يقسم لعلى وفا بحقه عند الله ،  وهو ( القسم) الذى لو تعلمون( عظيم) بأن الذى يحب ( الأخ )( على وفا ) يحظى بحب الله له ولو كان أعتى الفجار، وأن الذى يبغض ( الأخ ) ( على وفا ) يبغضه الله ولو كان أتقى الأبرار ، إذن لاعبرة بالمعصية أو الطاعة وإنما العبرة هى حب ( الأخ ) ( على وفا) ، ولاشىء فى الإسلام سوى ذلك ( الأخ ) ( العلى وفا ) ولا تثريب على العصاة طالما رضى عنهم ( الأخ ) ( على وفا ).

       وهكذا تعلم العصاة الاستمرار فى المعصية تحوطهم بركات الأشياخ وشفاعتهم ولسان حالهم يقول كما يورد الشعرانى نفسه: ( فيقولون مادام شيخنا يعيش لا نحمل هما. وفى الآخرة يأخذ بيدنا، وقد يكون شيخهم قد سبق فى علم الله أنه فحمة من فحم جهنم، فوقع استنادهم على عدم)[74].

أخيرا

   1 ـ   وبعد لقد شرع الصوفية الفساد الخلقى وصبغوه بالصبغة الدينية بحيث لم يعد مستوجبا للإنكار،  وصدّقهم المجتمع المملوكى ، مما جعل ابن القيم الجوزية يقول متعجبا : ( ومن أبلغ كيد الشيطان وسخريته بالمفتونين بالصور أنه يُمنّى أحدهم إنه إنما يححب ذلك الأمرد أو تلك المرأة الأجنبية لله تعالى لا للفاحشة ، ويأمره بمؤاخاته ) . ويتحدث عن تشريع التعاون على الفاحشة ( وقد يبلغ الجهل بكثير من هؤلاء إلى أن يعتقد أن التعاون على الفاحشة تعاون على الخير والبر، وأن الجالب محسن إلى العاشق جدير بالثواب ، وأنه ساع فى دوائه وشفائه وتفريج كرب العشق عنه، وإنه من نفس عن مؤمن كُربة من كُرُب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة[75]

وتلك جناية التصوف على العامة التى هدف الإسلام للرقى بهم ، فجاء التصوف يشرع لهم الانحلال ويجعله دينا..

    2 ــ يقول رب العزة جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (19)  النور ). هنا تأكيد من رب العزة بأن الذين ( يحبون ) أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا لهم عذاب أليم فى الدنيا وفى الآخرة ، وهو جل وعلا يعلم غيب القلوب ، ونحن لا نعلمه .

المستفاد من الآية الكريمة أن هناك عذاب مزدوجا فى الدنيا ثم فى الآخرة لمن ( يُحبُّ  مجرد شعور بالحب ) أن تشيع الفاحشة فى مجتمع مؤمن مسالم . فكيف بالذى لا يحبُ فقط بل يعمل فى نشر الفاحشة بين المؤمنين ؟ ثم كيف بالذى لا يعمل فقط فى نشر الفاحشة بالطرق الدنيوية العلمانية بل يستغل الدين نفسه فى الترويج ونشر الفاحشة ؟ ثم كيف بالذى يعتبر الفواحش عقيدة دينية تجعله متحدا بالله جل وعلا ؟

هل هناك كفر عقيدى قلبى أفظع من هذا .؟ .!!

لا أظن ..!!



  [1]ابن عربى، فصوص الحكم بشرح القاشانى ط البابى الحلبى : 14، 8  ،252 ، 271 ، 272  

[2]  نفس المرجع

[3] نفس المرجع

[4] نفس المرجع

[5] نفس المرجع

[6] نفس المرجع

[7] الشعرانى : المنن الصغرى مخطوط 98 ، 111 ، لطائف المنن 32 ط دار الفكر

[8]  الشعرانى : المنن الصغرى مخطوط 98 ، 111 ، لطائف المنن 32 ط دار الفكر

[9] القاشانى اصطلاحات الصوفية تحقيق كمال جعفر مركز تحقيق التراث : 81 ، 78 ، 97 ، 87  ,

[10] ابن تيمية مجموعة الرسائل والمسائل 4/76 البقاعى : تنيه الغبى 178 ، 182 .

[11]  شذرات الذهب جـ 5/ 412

[12] السلوك 4/3 /1206

[13] ـ انباء الغمر ج3/136،548

[14] ـ نفس المرجع ونفس الصفحة

[15] ـ ابن القيم : إغاثة اللهفان ج2/156.

[16] ـ ابن الجوزى: تلبيس إبليس 36.

[17] ـ الإحياء جـ 4/213.

[18] ـ ـالإحياء جـ 4 / 102، 332، 340.

[19] ـ الإحياء جـ 4/ 84 ، 85 .

[20] ـ اصطلاحات الصوفية 80.

[21] الإحياء جـ 4/26.

[22] ـ  اصطلاحات الصوفية 93.

[23] ـ الطوسى: اللمع: تحقيق عبدالحليم محمود 59.

[24] ـ  اصطلاحات الصوفية 61.

[25] ـ   ا للمع 61.

[26] ـ الرسالة القشيرية 31، 32، 277.

[27] ـ الرسالة القشيرية 31، 32، 277.

[28] ــ الإحياء جـ 4/293 ، جـ 3/345.

[29] ـ نفس المرجع

[30] ـ الرسالة القشيرية 4.

[31] ـ ـ الإحياء جـ 3/199.  

[32] ـ   لطائف المنن 423 ط قديمة .

(*)اليقين فى الآية معناه الموت

[33] ـ الرسالة القشيرية 156، 171، 130، 101، 103 .

[34] ـ الرسالة القشيرية 276،277 ،320.

[35] ـ الإحياء جـ 4/280، 287، 288.

[36] ـ لطائف المنن 523، 416.

[37] ـ الجواهر الدرر 238.

[38] ـ ـ لواقح الأنوار 98.

[39] ـ الطبقات الكبرى للشعرانى1/7.

[40] ـ خطط المقريزى جـ 3/ 431.

[41] الطبقات الكبرى للشعرانى جـ 2 / 122 صبيح .

[42] ـ درر الغواص 82، الطقات الكبرى جـ 2/151.

[43] ـ الرسالة القشيرية 31، 258.

[44] ـ الشعرانى البحر المورود 319، لطائف المنن 212،388، قواعد الصوفية جـ1 /174.

[45] ـ لواقح الأنوا رللشعرانى 102.

[46] ـ الطبقات الكبرى جـ 2/135 ط صبيح.

[47] ـ لطائف المنن 192، 315 ط قديمة

[48] ـ خط المقريزى جـ2 / 55.

[49] ابن ظهيرة محاسن مصر والقاهرة 204.

[50] ـ الإحياء جـ3/ 345.

[51] ـ الأحياء جـ 3 / 345 .

[52] ـ. تلبيس إبليس 360، 363.

[53] ـالرسالة القشيرية 41 ، 50 .

[54] ـالرسالة القشيرية 41 ، 50 .

[55] ـالرسالة القشيرية 41 ، 50 .

[56]. ـالرسالة القشيرية 41 ، 50 .

[57] تلبيس ابليس 360 ، 361 ، 37

[58] تلبيس ابليس 360 ، 361 ، 37

[59] خطط المقريزى جـ 3 / 401 ط التحرير .

[60] . الاحياء جـ 3 / 334

[61] .الشعرانى إرشاد المغفلين 133 .

[62] الطوسى : اللمع 68 .

[63]الطوسى : اللمع 68.

[64]. الرسالة القشيرية 110 ، 109 ، 104

[65]  . الرسالة القشيرية 110 ، 109 ، 104

[66] الرسالة القشيرية 110 ، 109 ، 104 .

[67] ابن عطاء لطائف المنن 113 .

[68] الطبقات الكبرى للشعرانى 2 /5

[69] الرسالة القشيرية 109 .

[70] عبدالصمد الأحمدى : الجواهر السنية 69 ، 120 ، 71  .

[71] عبدالصمد الأحمدى : الجواهر السنية 69 ، 120 ، 71  

[72] المفاخر العلية 38 .

[73] المناقب الوفائية 5 . مخطوط

[74] البحر المورود 175

[75]إغاثة اللهفان تحقيق حامد الفقى جــ 2 / 141 ، 142 . 

ج 3 ف 2 : مفرادات الانحلال الخلقى الجسدى عند الصوفية

الفصل الثانى : مفرادات الانحلال الخلقى الجسدى عند الصوفية .

  التصوف والزنا :عبادة الجنس وتأليه المرأة

استخدام الصوفية للشعر فى الدعوة للزعم بأن رب العزة يتجلى فى زنا العاشقين والعاشقات

ـ         1 ـ لم يكن منتظرا من جموع العامة أن تتفهم الاصطلاحات الصوفية الفلسفية الداعية للزنى، فكيف لأحدهم أن يفهم قول ابن عربى عن مراحل الشهود فى لحظة الجماع( إذا شاهد الرجل الحق فى المرأة كان شهودا فى منفعل ، وإذا شاهده فى نفسه من حيث ظهور المرأة عنه شاهده فى فاعل ،وإذا شاهده فى نفسه من غير استحضار صورة ماكان شهودا  فى منفعل عن الحق بلا واسطة .. فشهود الحق فى النساء أعظم الشهود وأكمله)، ولم يكن منتظرا من فلاسفة الصوفية أن يطالبوا العامة بالصعود إلى برج التصوف الفلسفى ، ولكن ابن عربى لحاجته إلى التغلغل بين العامة نزل إلى مستواهم فألف طريقته الصوفية ( الطريقة الأكبرية) وكتب فلسفته عن تأليه المرأة وعبادة الجنس شعرا سهلا يمكن تداوله والتغنى به ، خصوصا وقد ركز فيه على أساطير الحب المشهورة مثل قيس وليلى وجميل وبثينة وكثير وعزة ، ومع شهرة هذا القصص بالعفة والعذرية إلا أن شهرته بين طبقات المجتمع واتصاله بالعواطف الإنسانية حفز الصوفية لاستغلاله ليكون موصلا لفلسفتهم الاتحادية فى موضوع العشق والجنس .

والشعر يتيح الشهرة للآراء التى يحملها ، خصوصا فى البيئات العربية ، لذا أغرم الصوفية به فاستخدموه فى تقريب عقائدهم للأغيار أى غير الصوفية ، ثم أضفوا  اللمسة الصوفية الاتحادية على الجماع والمرأة .    

2 ــ وفى دراسة سريعة لتائية ابن عربى: يقول عن حلول الله ( تعالى عن ذلك علوا كبيرا ) حتى فى الحيوانات :

      وفى الحيوان ، الكل أبرز ظاهرا           من الفيل حتى انتهى للبعوضة

         ويكرر أقواله عن الحلول فى خلق آدم وحواء فيقول متحدثا عن الله تعالى :

           فأظهـر إنسـانا تسـمى بآدم           وأسكن فى الجنات أرفع جنـة

           وأبـرز حــــواء بحكــم إرادتــــى          ليحصل تأنيسا وذهب وحشـتى

           فأعطـيُتها بعـض الصـــفات فشــرفت بأن رجعت مستودعا نشر طينتى

           وأظـــهر  منى العالم  الأنسى كلـــــه   إلى النقل من بعد الظهور بقوتى

      ثم يفترى أن الله هو الذى يحل فى الرجل والمرأة حين تبدأ الملامسة بينهما .

       ومالمست فى الكون كفا للامس           سواها فلا تحجبك عنها بخمسة

     ثم يقول :

       وما مدرك فى الكــون إلا جمــالهـا      ولا مـــدرك إلا جمــــال بثـــينة

       وليـس جـمـيل من بثــينة غـيرهـا      فــــلا تنسـب يومــــا إلى الثنـوية

أى يرفض ( الثنوية ) أى الفصل بين الخالق جل وعلا والمخلوقات ، ويدعو لوحدة الوجود ، أى ان الخالق هو المخلوق . وهو يرى أن الله هو الجمال الحقيقى فى الأشياء وفى الكون وفى النساء العاشقات وعشاقهن ، مثل جميل وبثينة، ويتهم بالثنوية من يفصل بين الخالق والمخلوق ولا يؤمن بوحدة الوجود، والثنوية هى عبادة إلهين، وإلى هذا الحد تبلغ مغالطة ابن عربى ، ثم يقول داعيا العشاق للانحلال:

      فيامعشر العشاق موتوا صبابة              ففى مثل هذا منيتى بمنيَتى

       ثم يكرر دعوته لشهود الله أو تخيل الله ( تعالى عن ذلك علوا كبيرا ) فى المرأة عند الجماع الجنسى فيقول :

ومن نظر العشاق بالنقد إنما    رأى حالهم لكن بعين سقيمة [1]

    3 ــ   وعلى نفس النسق كان إبراهيم الدسوقى يقول :

تجلى لى المحبوب فى كل وجهة             فشاهدته فى كل معنى وصورة

  وبعد أن يتحدث عن وحدة الوجود والحلول والاتحاد ، يقول عن عبادة المرأة والجنس وتجلى الاله فى النساء المعشوقات :

       بذاتى تقوم الذوات فى كـــل ذروة             أجدد فيـها حلـة بعـد حلـة

       فـليلى وهنـد والربــاب وزيـنب              وعلوى وسلمى بعدها وبثينة

      عبـارات أسمـاء بغـير حقيقـــــة           ومالوحوا بالقصد إلا لصورتى[2]

 4 ــ   وكان ابن الفارض أشهرهم خصوصا فى تائيته المعروفة بنظم السلوك ، والتى إهتم الصوفية بترتيلها وشرحها، يقول:

         وصرح بإطـلاق الجمـال ولاتقل               بتـقييده ميـلا لزخرف وزينــة

         فـكل مليـح حسنه من جمالهـا             معار له ، بل حسن كل مليــحة

         بها قيس لبنى هام، بل كل عاشق        كمجنون ليـلى أو كثـير عــزة

         ومـاذاك إلا أن بدت بمظاهــر                فظنوا سواها ، وهـى فيها تجـلت

         ففى النشأة الأولى تـراءت لآدم                بمظهر حوَا قبل حكم الأمومـــة

         فهـام بها كيما يكـون بها أبـا               ويظهــر بالزوجين حكــم البنوة

         وكان ابتداء حب المظاهربعضها         لبعض ولاضد يصــد ببغضـــه

         ومابرحت تبـدو وتخفـى لعلـة           على حسـب الأوقـات فى كل حقبة

         وتظـهر للعشاق فـى كل مظهر       من اللبس فى أشكال حسـن بديعـة

         ففى مرة لبنى وأخرى بثينــة                 وآونة أدعى بعـزة عــــــزة

         ولسنا سواها ولكن غيرهــا            وما إن لها فى حسنـها من شريكة

         كذلك بحكم الاتحاد  بحســنها           كما لى بدت فى  غيـرها وتـزيت

        بدوت لها فى كل صب متيـــم                 بــأى بديــع حســنه وبأيـة

        وماالقـوم غيرى فى هواها وإنما            ظـهرت لهم للبـس فى كل هيـئة

        ففى مرة قيسا وأخرى كثيــــرا             وآونـة أبـدو جميـــل بثينــة

        تجليـت فيهم ظـاهرا أو احـتجبت        باطنا بهم فأعجب لكشـف بصـيرة

         فكل فتـى حـب أنا هو، وهى حب         كل فتى، والكل أسمـاء لبســـة

        أســــام بها كنت المسمى حقيقة            وكنت لى البادى بنفس تخفــــت

          ومازلــــت إياها وإياى لم تزل              ولا فرق بل ذاتـى لذاتـى أحبـت[3]

  أى أنه يجعل الله ( تعالى)  يحل فى ذات العاشق والمعشوق معا فهو ( أى الله تعالى يحل فى كل عاشقين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .   

5 ــ وهلك ابن الفارض فى مصر قبل العصر المملوكى ، ولكن العصر احتفظ له بتقديس هائل تمثل فى إقامة أضرحة على ذكراه ، وطريقة صوفية حملت إسمه، واضطهاد للمنكرين عليه كما حدث مع البقاعى فى أواخر القرن التاسع ، ولايزال لابن الفارض  قدسيته فى قلوب معظم المصريين ولقبه حتى الآن هو (سلطان العاشقين) الذى استحقه بسبب تائيته تلك ، وأشعاره الأخرى التى دارت حول مايعرف بالعشق الإلهى .

عقيدة العشق الالهى عند الصوفية

1 ــ تركيز الصوفية على ( العشق الالهى ) يؤكد رؤيتهم الجنسية لرب العزة تعالى عن ذلك علوا كبيرا . فالحب قد يكون عفيفا طاهرا ، ولكن مصطلح ( العشق ) هو للعلاقة الجنسية المحرمة .

وفلسفة العشق الإلهى تحدث عنها الغزالى فى الاحياء ، ثم عبدالكريم الجيلى فى كتابه(الإنسان الكامل)[4] . والجيلى أحد فلاسفة  التصوف القلائل فى القرن الثامن. ولسنا فى معرض التفصيل لفلسفة العشق الإلهى عند الصوفية ولكننا نلمح إليه من خلال عبادة الجنس وتأليه المرأةعند الصوفية باعتباره مدخلا للزنا عندهم.

 2 ـ  ويلفت النظر أن الشعر كان أهم مظهر حمل فلسفة العشق الإلهى ، ليس للغرام بالشعر وإمكانية حفظه       وانشاده أو التراقص به فحسب ، ولكن أيضا لما يتيحه الشعر من ضرورات للشاعر ، ويستطيع الصوفى أن يتخفى وراء هذه الضرورات ويقول مايقول باعتباره شاعرا طفح به الوجد الإلهى ، ولن يجد إنكارا بل  سيجد متعاطفين ومؤيدين ، كما أن الشعر يستطيع أن يتغلغل فى الوجدان الشعبى أيسر وأسهل . والتصوف قائم على الوجدان ومناقض للعقل ، ومن أجل ذلك انتشرت أشعار ابن الفارض وعاش حياته مصونا من الإنكار عليه ، واستمر شعره ومكانته بعد موته ، بينما حورب ابن عربى فى حياته وبعد موته وهدم قبره أكثر من مرة لأن أغلب انتاجه مصنفات لايقرؤها إلا الخاصة ، وأغلبهم فقهاء خصوم للصوفية  .

 3 ـ  وفكرة " العشق الإلهى  " تحقق غرضا هاما للصوفية هو إزالة الفوارق بين الخالق والمخلوق وتحقيق المساواة بينهما لتحقيق الوحدة فى الوجود، ولذلك اختاروا عن عمد لفظ العشق ، والعشق لايكون إلا لما(ينكح) أى لما يوصف باللقاء الجنسى ، وذلك ماذكره ابن الجوزى فى الرد عليهم : ( فإن العشق عند أهل اللغة لايكون إلا لما ينكح) ويضيف ( إن صفات الله عز وجل منقولة فهو يحب ولا يقال يعشق)[5]. أى أن صفات الله ينبغى أن ننقلها من القرآن ، وفى القرآن إن الله يحب وليس فيه إضافة وصف العشق لله تعالى ، لأن العشق الجنسى من صفات البشر ، وتعالى الله أن يوصف بصفة بشرية ، وهو الذى لم يلد ولم يولد والذى ما إتخذ صاحبة ولا ولدا . جل وعلا وتعالى عما يقولون علوا كبيرا..

4 ــ والذى لم يفهمه ابن الجوزى أن التصوف دين جديد له مصطلحاته الخاصة المختلفة عن مصطلحات ومفاهيم القرآن الكريم ودين الاسلام ، كما إن للتصوف عقائده الخاصة ووحيه المزعوم وطقوسه ، وإذا كان القرآن يؤكد على تنزيه الله بتكرار( سبحانه وتعالى ) فى مناسبات التعليق على أقاويل المشركين فإن الصوفية يؤكدون على محو الفوارق بين الخالق والمخلوق ، ومن وسائلهم ( العشق الإلهى) .

5 ــ وفى ذلك يقول السرى السقطى ثانى رائد للتصوف بعد معروف الكرخى ( مكتوب فى بعض الكتب التى أنزل الله تعالى : إذا كان الغالب على عبدى ذكرى عشقنى وعشقته)[6]. هنا افتراء منسوب زورا لرب العزة بزعم أنه نزل فى بعض الكتب المنزلة ، فالمصدر الذى استقى منه السرى السقطى ذلك الإفتراء هو ( بعض الكتب التى أنزل الله ) أى وحى شيطانى مفترى كالعادة فى دين البشر الذى يتسمح بالوحى الإلهى كذبا . وفيه مساواة بين العبد والرب وعشق جنسى متبادل بينهما. تعالى الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا .!! والعشق يعنى الإلتقاء الجنسى ، لذا ترددت فى أشعار العشق الإلهى الصوفى عبارات حسية جسدية ، بل أن مقامات العشق الإلهى عن الغزالى فى الإحياء كلها مراحل العلاقة البشرية بين الرجل والمرأة ، وقد جعلها عناوين فى كتابه .

6 ــ وبداية العشق فى تاريخ التصوف مرتبط بتاريخ عقائده ، فحين بدأ التصوف على إستحياء خوف الإنكار كانت رابعة العدوية التى تحمل لقب ( شهيدة العشق الإلهى) تقول كأنها تخاطب حبيبها من البشر:

أحبك حبين حب الهوى               وحبا لأنك أهل لذاك .  

 ثم بدأ القول بالحلول والاتحاد أى الوحدة الجزئية فكانوا يقولون ( أن الله اصطفى أجساما حل فيها ، بمعنى الربوبية وأزال عنها معانى البشرية ، ومنهم من قال بالنظر إلى الشواهد المستحسنات) ( ومنهم من قال حال فى المستحسنات، وقال أنا أعشق الله عزوجل وهو يعشقنى ، وقال القاضى أبويعلى: ذهبت الحلولية إلى أن الله يعشق )[7].  

 7 ــ   وهذه الأقوال الصوفية التى ذكرها ابن الجوزى عن رواد التصوف لم تلبث أن تطورت مع تطور العقيدة الصوفية فى كتاب الإحياء للغزالى ، وقد ألمح كثيرا إلى وحدة الوجود حسبما ذكرنا، وكان لابد أن يلمح إلى الصلة بين الجنس وبين الإتحاد الصوفى بالله ، وهى الناحية التى ركز عليها ابن عربى فيما بعد ونظمها ابن الفارض شعرا .

الغزالى يقول ( فإن وجدت الصفة التى بها المعشوق ووجد العلم بصورة المشتاق إليه كان الأمر ظاهرا، وإن لم يوجد العلم بالمشتاق وجدت الصفة المشوقة حركت قلبك الصفة واشتعلت نارها أورث ذلك دهشة وحيرة لامحالة ، ولو نشأ آدمى وحده بحيث لم ير صورة النساء ، ولا عرف صورة الوقاع ثم راهق الحلم لكان يحس من نفسه بنار الشهوة ولكن لا يدرى أنه يشتاق إلى الوقاع لأنه ليس يدرى صورة الوقاع ولايعرف صورة النساء. فذلك فى نفس الآدمى مناسبة فى العالم الأعلى واللذات التى وعد بها فى سدرة المنتهى والفراديس العلى ، إلا أنه لم يتخيل من هذه الأمور إلا الصفات والأسماء كالذى سمع لفظ الوقاع واسم النساء ولم يشاهد صورة امرأة فقط ...)[8].  فالغزالى يقترب ويناور من النقطة التى صرح بها ابن عربى فيما بعد فى جعل النكاح المظهر الأسمى للآتحاد الصوفى بالإله.

ويحاول الغزالى الإقتراب بطريق آخر هو إضفاء الصبغة الدينية على عملية الجماع عند الصوفية فيقول( كان بعض الصالحين يكثر النكاح حتى لايكاد يخلو من اثنتين أو ثلاث ، وأنكر بعض الناس على الصوفية أنهم ينكحون كثيرا .. وكان الجنيد يقول أحتاج الجماع كما أحتاج القوت).  ثم لايكتفى الغزالى بهذا وإنما يمارس هوايته فى تأليف الأحاديث  فيروى حديث ينسبه للنبى يقول( شكوت إلى جبريل ضعفى فى الوقاع فدلنى على الهريسة )[9].  

8 ـ ثم جاء ابن عربى  فنسج على منوال الغزالى وتوسع فأحل النساء جميعا ، وسار أتباعه على منواله كما سبق بيانه .

9 ــ وإن كان الجنس يمثل هذه النقطة الفاصلة فى العقيدة الصوفية وإذا كان للمرأة ذلك المركز الهائل فلابد أن تكون هناك طقوس دينية للزنا فى عصرنا المملوكى .. وذلك ماكان ..

               طقوس الزنا فى حفلات الجنس الجماعى الصوفى

ـ  ( حفلات صوفية سرية للجنس الجماعى ، وعظ النساء وآداب الجماع، شيخات من العاهرات ، الوعظ الصوفى فى الأرياف وللأميرات)

 حفلات صوفية سرية للجنس الجماعى

      1ــ جاءفى تلبيس إبليس مايلى : ( وبإسناد عن أبى القاسم بن على بن المحسن التنوخى ، عن أبيه قال : أخبرنى جماعة من أهل العلم: أن بشيراز رجل يعرف بابن خفيف البغدادى شيخ الصوفية هناك ، يجتمعون إليه ويتكلم عن الخطرات والوساوس ، ويحضر حلقته ألوف من الناس ، وأنه فاره فهم حاذق ، فاستغوى الضعفاء من الناس إلى هذا المذهب ، قال فمات رجل منهم من أصحابه وخلف زوجة صوفية ، فاجتمع النساء الصوفيات وهن خلق كثير ، ولم يختلط بمأتمهن غيرهن ، فلما فرغوا من دفنه دخل ابن خفيف وخواص أصحابه، وهم عدد كثير إلى الدار، وأخذ يعزى المرأة  بكلام الصوفية ، إلى أن قالت : قد تعزيت . فقال لها : هاهنا غير ؟ فقالت : لاغير ، قال : فما معنى إلزام النفوس آفات الغموم وتعذيبها بعذاب الهموم ؟ ولأى معنى نترك الإمتزاج لتلتقى الأنوار وتصفوا الأرواح ويقع الإخلافات وتنزل البركات ؟ قال، فقلن النساء : إذا شئت.  فاختلط جماعة الرجال بجماعة النساء طول ليلتهم ، فلما كان سحر خرجوا ، قال الحسن( الراوى): هاهنا غير : أى هنا غير موافق المذهب ، فقالت لاغير : أى ليس مخالف ، وقوله نترك الإمتزاج  كناية عن الممازجة فى الوطء ، وقوله لتلتقى الأنوار، عندهم أن فى كل جسم نورا إلاهيا ، وقوله الإخلافات أى يكون لكن خلف ممن مات أو غاب من أزواجكن . قال المحسن وهذا عندى عظيم ولولا أن جماعة يخبرونى يبعدون عن الكذب ماحكيته ، لعظمه عندى واستبعاد مثله أن يجرى فى دار الإسلام ، قال وبلغنى أن هذا ومثله شاع حتى بلغ عضد الدولة فقبض على جماعة منهم وضربهم بالسياط وشرد جموعهم، فكفوا.)." [10].

2 ــ فذلك الصوفى الفيلسوف الذى يتكلم عن الخطرات والوساوس فى ندوات تضم الآلاف مالبث أن خلط التصوف النظرى الفلسفى بالتصوف العملى، خصوصا وقد انضم إليه الكثيرون من العامة من الرجال والنساء ، وأصبحت لهم لغة خاصة يتفاهمون بها، رأينا نموذجا منها حين مارسوا ـــ جماعة ـــ طقوس الزنا وفق دينهم الذى يدعون إليه ، وقد شاع خبرهم وانضم إليهم الكثيرون، ولولا أن حاكما حازما هو عضد الدولة البويهى اعتقلهم وشرد جموعهم لانتشرت هذه الطقوس إلى بقية البلاد .  

المؤاخاة فى حفلات الجنس الجماعى 

1 ــ وفيما بعد لم يكن هناك حاكم على مستوى عضد الدولة ، بل كانوا من مؤيدى التصوف ، خصوصا وأن الصوفية يجيدون قيادة العامة ويباركون ظلم الحكام ونفاقهم ، فانتشرت مؤاخاة الصوفية للنساء فى مجتمع يميل فيه أغلبية العامة والمحكومين إلى ممارسة الرذيلة ، ويتطلع إلى إضفاء الشرعية عليها ، يقول ابن الجوزى عن المؤاخاة الصوفية للنساء : ( وبلغنا أن جماعة منهم أنهم يؤاخون النساء ، ويخلون بهن ، ثم يدَعون السلامة )( ويقول ومن الصوفية قوم أباحوا الفروج بادعاء الأخوة، فيقول أحدهم للمرأة تؤاخينى على ترك الاعتراض فيما بيننا ) [11].أى تكون عشيقته مع إحترام كل منهما لحرية الآخر فى العشق وعدم الاعتراض.

        2ــ إذن بدأت طقوس الزنا فى دين التصوف تأخذ طريقها للإنتشار، فارتبطت الخلوة بالنساء بمؤاخاتهم ودعاوى البعض السلامة من الوقوع فى الفحش ، ثم صراحة البعض الآخر فى اختراع عقد للمؤاخاة فى صورة عهد ومبايعة بينه وبين المرأة أساسه أن يتمتع بها دون أى التزام نحوها أو منغصات نسائية مثل الغيرة ، فلا يعترض عليها إذا رآها مع غيره ولا تعترض عليه إذا رأته مع غيرها ..

         3ــ  حتى إذا تسيد التصوف عصرنا المملوكى بدأ الصوفية يمارسون طقوس الزنا من خلوة ومؤاخاة دون اهتمام باعتراض بعض المنكرين من فقهاء التصوف كابن الحاج والشعرانى ، وأولئك يشغلهم الحفاظ على سمعة التصوف من أى إنكار عليه خصوصا بعد حملة ابن تيمية ومدرسته . ولكن كان الزنا ضرورة لبعضهم كى يحقق  عقيدة الاتحاد التى رأينا طرفا منها فى كلام ابن خفيف البغدادى مع النساء فى ممارسة الجنس الجماعى والتى حكاها ابن الجوزى. 

وعظ النساء وآداب الجماع فى حفلات الجنس الجماعى  :

         1ــ  وقد عم الإعتقاد فى التصوف رجال العصر المملوكى ونساءه ، وصار الأشياخ مقصد الألوف المؤلفة ، يحج إليهم المريدون رجالا ونساء من شتى الطبقات الإجتماعية ، مما أتاح لطقوس الزنا أن ترفع لافتة التعليم والوعظ للنساء ضمن لافتات أخرى .

وفى بداية القرن التاسع اشتهر الشيخ أحمد الزاهد بتخصصه فى وعظ النساء ، وقد بدأ فى صبغ وعظه لهن بالصبغة الملائمة فكان يعلمهن ( حقوق الزوج وآداب الجماع ) على حد قول الشعرانى ، وامتلأت حلقاته بجموع النساء . وحدثت مشاكل بينه وبين الفقهاء فى عصره بسبب ذلك ، ولأسباب أخرى تتمثل فى اهتمامه بإقامة زوايا أخرى ليوسع نشاطه. وبسبب هذه الشهرة فقد أوسعت له الحوليات التاريخية مكانا ضمن المشاهير[12].

2 ــــ إذن بدأ الشيخ أحمد الزاهد حملة لتعليم النساء فى زاويته آداب الجماع ، وقد أسلفنا مايعنيه مدلول الجماع فى عقيدة الصوفية ، ولقد كان أحمد الزاهد صوفيا متمسكا بالأصول العقيدية التراثية للتصوف ـ كما يبدو فى ترجمته فى طبقات الشعرانى ــ فكان كارها للفقه والفقهاء ملتزما بالتقية والمداراة حتى فى مجتمع العصر المملوكى الذى يدين للصوفية ويخضع لهم ، وبسبب شهرته فى التقية سُمى بجنيد القوم، ولم يكن فى عصره مايستوجب التقية والمداراة إلا مايخص طقوس الزنا وآداب الجماع فى المفهوم الصوفى ..

3 ــ  والشعرانى نفسه كان ضمن الذين تأثروا بأحمد الزاهد وطريقته فى تعليم النساء ، فهو يفتخر بأنه ( كُسر قفص طبعه) أى لم يعد يخجل( حتى صار لايستحى من تعليم النساء الأجانب آداب الجماع ) [13]. ثم ازداد اتصال الأشياخ الصوفية بالنساء فى الموالد فى حفلات للجنس الجماعى تحت شعار تعليمهن البخارى والقرآن ، يقول الشعرانى : ( كانوا يقرئونهن البخارى والقرآن فى الموالد )[14] ، وهذا ضمن الحفلات التى يختلط فيها الرجال والنساء، بتعبير الفقهاء وقتها .

أخذ العهد الصوفى فى حفلات الجنس الجماعى  

1 ـ وبتسيد التصوف ودخول الناس فيه أفواجا عمّ زنا شيوخ الطرق الصوفية  بالنساء المريدات بحجة أخذ العهد الصوفى عليهن وإدخالهن الطريقة الصوفية . وتعاظم هذا فى عصر الشعرانى الى درجة أنه رفع صوته محذرا ، يقول الشعرانى:  ( إياك أن تمكن جاريتك أن يأخذ أحد من فقراء الأحمدية أو البرهامية عليها العهد .. فإن كثيرا من الفقراء يعتقدون أنه صار والدها يجوز له النظر إليها) ثم يقول ( وقد حصل ذلك لبعض إخواننا ورأى صاحبه يفعل الفاحشة فى زوجته)[15]. والذى يهمنا الآن  من هذا النص أن شيوخ الطرق الصوفية المشهورة التى تغلغلت فى المجتمع المصرى المملوكى اشتهروا بنشر المؤاخاة وإعطاء العهود للنساء بالمفهوم الصوفى الذى يعنى ممارسة الزنا .

  2 ــ  والشعرانى الذى ينكر على معاصريه ومنافسيه من شيوخ الطريقة الصوفية الأحمدية ( أتباع البدوى ) والبرهامية ( أتباع الدسوقى ) هو نفسه الذى يتحدث بفخر عن جهود شيخه محمد الشناوى فى إعطاء العهود للنساء . ومحمد الشناوى نفسه هو أحد الأشياخ المشهورين فى الطرق الأحمدية البدوية . ولا يرى الشعرانى بأسا فيما يفعله شيخه محمد الشناوى ، ضمن منهج الشعرانى فى الكيل بمكيالين ، الانكار على معاصريه ومنافسيه مع مدح شيوخه ، وهم جميعا يرتكبون نفس الجريمة ويقولون نفس الإفك .

يقول الشعرانى فى فى ترجمة شيخه محمد الشناوى أنه : ( لقّن النساء الذكر .. ورتّب لهن المجالس فى البلاد ، وكان يقول يافلانة اذكرى أهل حارتك ويافلانة اذكرى بأخواتك )[16]. ولم تقتصر مجهوداته على الريف والأحياء الشعبية بل وصلت للطبقة العليا ، فكان يلقن ابنة الخليفة العباسى بالقاهرة وجواريها الذكر[17]. فالشعرانى يعترض ويحذر من الشيوخ المعاصرين له ويتهمهم بالزنا ، بينما يتحدث مُشيدا ومفتخرا عن شيوخه ، مع أن الجميع يمارسون نفس طقوس الزنا تحت نفس الشعارات .

شيخات من العاهرات فى حفلات الجنس الجماعى  :

         1ـ ولاشك أن تلميذات محمد الشناوى فى الأقاليم كان منهن من أصبحت (شيخة) فيما بعد. فقد انتشر التمشيخ بين النساء بالمفهوم الصوفى ، إذ تصبح العاهرة شيخة صوفية ، تنشر الزنا بين مريديها من الرجال والنساء ، وتمارسه معهم ومعهن فى جلسات الذكر وتلقين العهد .

2 ــ وقد أثارت هذه الظاهرة إنكار الفقيه الصوفى ابن الحاج ، وقد أتى من المغرب للقاهرة ليجد فيها فنونا من الإنحلال الخلقى بتأثير الصوفية أدهشته لأنه لم يعهدها فى المغرب ، فأوسع لها فى كتابه ( المدخل )، وذكر بعضها بصراحة دون تمسح بالمسميات والشعارات التى برع فيها الصوفية المصريون حتى من فقهاء التصوف كالشعرانى.

ابن الحاج ينكر: ( ما أحدثوه من اعتقاد بعض النسوة وزيارتهن. )،  أى اعتقاد الرجال فى ولاية بعض النسوة وتوافدهم عليهن بحجة التبرك ، ثم يقول: ( وبعض الشيخات تلبس الصوف لمن تابت على يدها ودخلت طريقها. ). وهو يستخدم مصطلح التوبة الصوفى ويذكرنا بمقالة ابن الجوزى عن استخدام نفس المصطلح فيمن تهجر بيتها وتلحق بالصوفية ( فيقال تابت فلانة وألبسها الشيخ الخرقة ).

 3 ــ     ثم يضع ابن الحاج يده على ظاهرة خطيرة  فى أولئك الشيخات الصوفيات فى القرن الثامن ، حين قال متعجبا :( إن العجيب أنهن لايمضين إلى موضع لعمل الذكر فيه إلا بعد دفع الرسم المقرر لضامنة المغانى)[18]. و (ضامنة المغانى ) هى التى تفتح بيتا للبغاء والزنا بأجر وتوظّف المومسات ، وتدفع ضرائب عن هذه المهنة  للدولة المملوكية ، حيث كان البغاء معترفا به ضمن الشريعة ( الدينية ) للعصر المملوكى ، تلك الشريعة التى يتغنى السلفيون بضرورة تطبيقها اليوم وهم لا يدرون عنها شيئا .

كانت الدولة المملوكية تعتبر أولئك الشيخات من ضامنات المغانى، وتعتبر من يأتى الى حلقاتها من المريدات مومسات ، وتحاسب ضامنة المغانى عليهن ، وتُلزمهن بدفع ضرائب مهنة البغاء . إذن فأولئك الشيخات الصوفيات مسجلات ضمن المومسات فى العصر المملوكى يدفعن الرسوم( لضامنات المغانى) ، والدولة المملوكية تعلم حقيقة الذكر المزعوم . وأنه مجرد حفلات للجنس الجماعى . ولاريب أن بائعات الهوى المحترفات الأخريات وجدن فى التصوف مشروعيته الدينية والإمكانية الكبرى للإنتشار والإزدهار فدخلن فيه أفواجا ليكتسبن الاحترام . والدولة المملوكية كانت تسمح بالبغاء وتخول " ضامنة المغانى" جمع الضرائب من العاهرات ، وتعجب ابن الحاج من وجود العاهرات الشيخات .        

 2ـ ونعود إلى الشيخ محمد الشناوى وقد زرع محافظة الغربية وغيرها بالشيخات يرتب لهن المجالس حسبما يذكر الشعرانى ــ ولابد أن تأخذ إحداهن التصريح بإقامة الحفلات من ضامنة المغانى ، ثم يكثر التوافد عليهن أو زيارتهن أو بتعبير ابن الحاج ( ما أحدثوه من اعتقاد بعض النسوة وزيارتهن ) .

ثم يكثر انخراط المحترفات من النساء فى العمل مومسات  لدى الشيخة أو بتعبير ابن الحاج ( وبعض الشيخات تلبس الصوف لمن تابت على يدها ودخلت طريقها ) أى كانت العاهرة ــ الشيخة ــ  تستقطب النساء للعمل تحت مصطلحات التصوف ، من" لبس الصوف" " والتوبة" " ودخول الطريق" ثم تقيم حفلات الذكر الجماعى ( أو الجنس الجماعى) ، وتكون بمأمن طالما دفعت حق الدولة من الضرائب إلى " ضامنة المغانى" وبذلك لايحدث لهم ماحدث لابن خفيف البغدادى وجماعته ، حين طاردهم السلطان عضد الدولة ، فيما حكاه ابن الجوزى آنفا .

3 ــ وهذه الحفلات الماجنة كانت تدور فى حلقات مغلقة ولكن منتشرة ، وتحت حماية الدولة ومصطلحات التصوف ، وتحت ستار أشد ، وهو النقاب الذى كان الزى الرسمى للمرأة المملوكية ، وهو الذى يحجب شخصية المرأة ويعينها على التخفى والاستمرار فى الانحلال ، أى تستمتع بالجنس وتكتسب المال ، وتحظى بشفاعة الأولياء ، وهى تمارس طقوسا دينية صوفية . ـــ ثم وهذا هو الأهم ــ كانت الشريعة السنية المُطبقة بسُلطة الدولة المملوكية لا ترى فيه عوجا ولا أمتا .!!

الوعظ الصوفى فى الأرياف وللأميرات فى حفلات الجنس الجماعى:

   1 ــ وإذا كان الشيخ محمد الشناوى يأتى من الأقاليم ــ الغربية وطنطا بالذات ــ للقاهرة ليعلم جوارى الخليفة العباسى وابنته طريقة الذكر الصوفى، فإن بعض الأشياخ الصوفية فى القاهرة كان يرسل مندوبين من لدنه إلى الأقاليم والغربية أيضا بالذات ليرد نفس الجميل مع النساء ، فقد ورد فى مناقب الحنفى أن أحد مريديه وهو الشيخ ( أبوطاقية ) كان مختلفا عن الآخرين ؛ كان لا ينظر إلى امرأة أجنبية ولايأخذ العهد إلا على الرجال والشبان ، وقد دخل ذات مرة على شيخه شمس الدين الحنفى فى بيته فأمر الشيخ الحنفى ( إمراة أجنبية أن تلف رجليه فى الملاءة وتجعل إحداهما على ركبتها وتكبسها ) ثم أذن لأبى طاقية فى الدخول، فأنكر  أبوطاقية الوضع الذى رأى عليه شيخه شمس الدين الحنفى فى بيته مع هذه المرأة ، فقال له الشيخ ( يا يوسف ما فى هذا الباب من هذا الباب  إلا أنا وأنت ، وقد أذنت لك أن تدعو النساء الأجانب إلى الله تعالى ، أتدعو الرجال ولاتدعو النساء ؟ وهن أجهل من الرجال وأسوأ حالا منهم ؟ فكأنك مافعلت شيئا ؟ أخرج يا يوسف وادع الرجال والنساء إلى الله تعالى فيكثر ثوابك ) فخرج يوسف فلما وصل إلى بلدة " قطور" بالغربية :( وصار يدعو الرجال والنساء إلى الله تعالى،  فكان أكثر مايدعو النساء الأجانب ويحثهم على طاعة الله .. ( حتى انتفع به نساء كثيرة ، وصاروا يأتمرون بأمره وينتهون بنهيه ) وكان إذا سافر إلى القاهرة ليزور سيده الحنفى( يشترى لهن المساويك والسبح ، فإذا رجع إلى البلاد فرَق ذلك عليهن)[19].

فالشيخ أبوطاقية ذهب مبعوثا من شيخه الحنفى ليبشر بطريقته ــ أو بتعبيرهم ليدعو النساء إلى الله تعالى، وقد تعلم على يد شيخه أسس تلك الدعوة حين رأى امرأة أجنبية تدلّك ساق شيخه وتضعها فوق ركبتها . ونجح أبوطاقية فى بعثته فتوثقت صلته بنساء الأقاليم ، وكان يأتى فى مهمات رسمية لهن يشترى لهن المسابح والمساويك .

   2 ــ   وحتى لانظلم الحنفى وأبا طاقية فإن مناقب الحنفى وهى المصدر الأساسى للتأريخ له يظهر نوعية العلاقة التى تربط الحنفى بالنساء ، والتى تحدد طريقة دعوته لله مع النساء ، ففى مناقب الحنفى أن نساء الأمراء كن يجتمعن بالحنفى ( على هيئات حسنة وجمال عظيم ) " وقد دخلت امرأة عليه فى أحد هذه الإجتماعات فأنكرت ما رأت  من علامات الانحلال الخلقى . وتقول الأسطورة أن الحنفى أمر المرأة أن تعيد النظر إلى أولئك النسوة فرأت وجوههن عظاما بلا  جلد ولا لحم ورؤيتهن شنيعة فأغمى عليها واستغفرت الله تعالى . فقال لها الحنفى : ( والله ياستيت ما أنظر النساء الأجانب إلا كما نظرت إليهن فى هذه الساعة فلا تظنى بى إلا خيرا .. ياستيت إن لك فى بدنك علامات ، علامة تحت أبطك الأيمن ، وعلامة تحت فخذك الأيسر ، وعلامة فى صدرك ، وهن كذا وكذا ، وجعل يصف لها العلامات التى فى بدنها تحت ثيابها ، فقالت ياسيدى صدقت، والله إن زوجى لم يعلم بهن إلى الآن وأنا أستغفر الله وأتوب إليه مما وقع منى ).

 3 ــ  وعهدنا فى هذه الكرامات أنها تصاغ لكى تستر عيبا شائنا فى مسلك صوفية العصر المملوكى ، وبالنسبة للحنفى بالذات فقد صيغت هذه الكرامة بحذافيرها أكثر من مرة [20]. ،  لكى تستر ما اشتهر به الحنفى من علاقات نسائية متعددة . وبعض الكرامات تشى بالعلاقات الخاصة جدا بين الحنفى والنساء المريدات ومنها أن زوجة أحد مريديه تضررت من غيابه الطويل واشتكت للحنفى ، فقال لها ( تعالى وقومى خلف ظهرى) فنادى زوجها بإسمه فسمعت المرأة صوت زوجها يجيب الشيخ فاطمأنت.  وأنه كانت امرأة من نساء الأمراء تأتى إلى بيت الحنفى فى يوم الميعاد ــ على ملأ الناس ــ ( وكان يظهر لها المودة والمحبة )[21]         4 ــ وشمس الدين الحنفى مجرد شيخ صوفى تميز عن آلاف الأشياخ المعاصرين له بأن مريده كتب مناقبه فى كتاب ( السر الصفى) وحاول أن يدافع عن شيخه بتأليف الكرامات .وهناك آلاف الأشياخ الذين كانوا يفوقون الحنفى فى الشهرة والمريدين والصلة بالنساء ، ولكن لم يتيسر لأحدهم أن يكتب عنه المريدون بمثل ماكتب مريد الحنفى عن الحنفى . إذن ماخفى كان أعظم ، والأغلب أن الإنحراف يجرى فى الخلفاء .        وعليه ، كانت صلة الصوفية بالنساء وثيقة على مستوى طبقة العامة وطبقة الأميرات، وفى الخلوة كان بإمكان الشيخ أن يتمتع بخلوته بهن وأن يتمتعن بخلوتهن معه ، إلى الحد الذى احتاج فيه الصوفية إلى صياغة كرامات تبرر هذا الوضع مستغلة تصديق الناس للكرامات والإيمان بها .

   حفلات الجنس الجماعى فى الخلوة وفى المؤاخاة العلنية

حفلات الجنس الجماعى فى اعتراف النساء سرّا  للشيخ فى الخلوة 

      1ــ  ومما ساعد على " تعميق " الصلة بين الأشياخ والمريدات ما اعتاده العصر من الاعتراف للشيخ الصوفى بالذنوب ــ وفق النظام المسيحى ، وكانت النساء" يعترفن سرا" للأشياخ بما تستحى إحداهن من قوله للزوج المسكين.  وقد أسلفنا أن حدود الوعظ الصوفى للنساء قد تلاشت بحيث اخترع الصوفية علما جديدا يدرسونه للنساء وهو آداب الجماع ، وماسبق قوله عن عقائد التصوف وحفلات الجنس الجماعى يوحى بأن آداب الجماع لم يكن علما نظريا شفويا ، ولكن كان يمتد إلى التفعيل الواقعى ، بكل ما توحى به طقوس التصوف من أسرار وخلوة وعلاقات تحتية مما يجعل من تعليم " آداب الجماع" مصطلحا صوفيا آخر ، يعنى الممارسة الجماعية للجنس.

2 ــ والشعرانى اعترف بقيامه بتدريس هذا الفن الجديد ، وقد سبق لنا إيراد بعض آراء الشعرانى فى إضفاء اللمحة الصوفية العقيدية على عملية الجماع ، فلابد أن ذلك كان من بنود وعظه لهن ، إذا التفت فى خلوته لمجرد التدريس فحسب ، ولكن طبيعة المرأة عموما والمرأة الشرقية خصوصا تؤكد على أنها تخجل من الخوض فى الموضوعات الجنسية مع الغرباء ، إذ لابد من علاقة خاصة جدا ترتفع فيها ( الكلفة) بين الرجل والمرأة لينطلق الحديث بينهما فى خلوتهما بدون خجل أو وجل أو قيود أو انقطاع ..

  وهكذا .. فإذا كان الأمر قد تطلب من الشعرانى أن : (  يكسر قفص طبعه حتى صار لايستحى من تعليم النساء الأجانب آداب الجماع ).!،  فلابد أن يتطلب الأمر من النساء الأجانب أيضا أن " ينكسر قفص طبعهن" حتى يتجاوبن مع الشعرانى وحديثه الشيق عن آداب الجماع وطرق الجماع . والشعرانى مهما تستر بالفقه فهو كما سبق بيانه تلميذ مخلص لابن عربى الذى( لايُحرّم فرجا ) والذى يُحلُّ الزنا بالمحارم فكيف بغيرهن ؟ ، والذي يرى فى الزنا طريقا لتحققه بالإله عندهم .

  3 ــ   ونعود إلى اعتراف النساء للأشياخ باعتباره مظهرا من مظاهر العلاقة الخاصة التى تفوق علاقة المرأة وزوجها ، ونقرأ مايقول الشعرانى : ( أخبرتنى امرأة متديٍنة مصلية ، وقالت إنى أكره الخروج للسوق لأنى أنظر إلى الأشكال الحسنة فتميل إليها نفسى ، فأرجع لا أقدر أنظر إلى وجه زوجى ، وقد دخلت مرة سوق الوراقين فرأيت شابا فأخذ بجوامع قلبى ، فرجعت فوالله مارأيت زوجى فى عينى إلا كالعقرب أو كالغول أو كالعفريت أو كالبقرة . وكما أن الرجل إذا رأى المرأة الحسناء مالت إليها نفسه فكذلك المرأة إذا رأت الشاب الأمرد الجميل تروح نفسها إليه ضرورة . ورأيت مرة إنسانا من الطاق وزوجى عندى ، وصرت أنظر إلي حُسن شكل ذلك الإنسان وحُسن لحيته ووجهه وعيونه ، وأنظر إلى زوجى وإلى تشعيث شعر لحيته ، وكبر أسنانه ، وأنفه ، وعمش عينيه ، وخشونة جلده وملبسه ، وفظاظته ، وتغيير رائحة فمه وإبطه ، وقبح كلامه ، فما كنت إلا فتنت بذلك الإنسان... ) [22] 

         فهذه المرأة المتدينة المصلية ( التائبة ) كسر  قفص طبعها مع الشعرانى ، فاعترفت له فى خلوة بأدق أحاسيس المرأة نحو زوجها والرجال الآخرين ، وهى قد تابت بحيث  تصف له مشاعرها بهذه الصراحة المذهلة ، ولكنها لاتعد عيبا خروجها من البيت إلى زيارة رجل غريب هو الشعرانى وحديثها معه بهذه الصراحة عن غرامياتها المتعددة،  وذلك يعطى معنى اصطلاح التوبة لديهم ، وهو أن تسلم المرأة نفسها ولسانها وأشياء أخرى لشيخها الصوفى ، كالمريد مع شيخه ، فلا تخفى عنه شيئا .

        4ـ لقد كانت خلوة الصوفى بأى امرأة مرادفة لتمام الحرية فى القول والفعل بحيث تصبح الخلوة مجرد اصطلاح للزنا.  وإذا صح القول بأن اجتماع رجل عادى بامرأة  قد يعنى أن الشيطان ثالثهما ، فإن دراسة نصوص الصوفية تظهر بأن الصوفى إذا خلا بامرأة فلا حاجة لوجود الشيطان بينهما ، إذ يكتفى الشيطان بوجود الصوفى ، وينصرف مسرورا .  

ونكتفى بالاستشهاد بنص للشعرانى نقدمه مع الاعتذار الكافى ــ كالعادة ــ لنلمس إلى أى حد كان يتصرف الشيخ الصوفى على سجيته إذا خلا بامرأة ، يقول الشعرانى مفتخرا بشيخه عبدالقادر السبكى : ( وكان يتكلم بالكلام الذى يُستحى منه عُرفا ، وخطب مرة عروسا فرآها ، فأعجبته ، فتعرى لها بحضرة أبيها ، وقال : انظرى أنت الأخرى حتى لاتقولى بعد ذلك بدنه خشن أو فيه برص أو غير ذلك ..ثم مسك ذكره وقال : انظرى هل يكفيكى هذا ؟ وإلا فربما تقولى هذا ذكره كبير لا أحتمله ، أو يكون صغيرا لايكفيك ، فتقلقى منى ، وتطلبى زوجا أكبر آلة منى) [23].

الشيخ الصوفى عبد القادر السُّبكى يتكلم بكل بذاءة بكلام تعارف العصر على إنكاره ـ مع هبوط هذا العصر الى الحضيض أخلاقيا . ثم هو يتصرف بنفس البذاءة إذا خلا بإمرأة . ولقد خلا بمن أراد الزواج منها ولم يكن معهما سوى أبيها، ولم يخجل من وجود أبيها ، بل تصرف بتلقائية ، فتعرى أمامها وكشف لها عن عورته وتكلم معها ( بصراحة ) . لقد تصرف الشيخ عبدالقادر السبكى بتلقائيه وعفوية حين جمعه أول لقاء مع عروسه ، ونحسبه قد تعامل معها وفق ماتعود مع الأخريات فى الخلوة . وإذا استغرب قارىء اليوم هذا الكلام فلأنه لايعيش العصر المملوكى ولايعايش الصوفية فيه ، وإلا فلماذا جرؤ الشعرانى على مدح شيخه بمثل هذا الكلام ؟ ولماذا شاع هذا الخبر عن الشيخ عبدالقادر السبكى وتناقله الناس عنه إلا إذا كان منقبه تستوجب الفخر والاعتزاز لا الغضب والإشمئزاز؟؟.! . لقد كان الشيخ عبدالقادر السبكى مشهورا بالولاية إلى درجة افتخار الشعرانى به ، وترجمته له فى ( الطبقات الكبرى)، وكان له مريدون ، وربما كان بعضهن من النساء ويخلو بهن بحكم العادة ، وعرفنا طريقته الفصيحة فى التعامل مع النساء، وكيف أن تلك الطريقة الواضحة ذكرها الشعرانى فى ترجمته على أنها من مناقبه . ومهما اختلفنا فى تقييم موقف الشيخ عبدالقادر السبكى فلا ينبغى إهمال ذلك الفتح الجديد فى حقوق العروس قبل الزواج وفق التشريع الصوفى !!. 

حفلات الجنس الجماعى العلنية تحت شعار المؤاخاة:

          1ــ لقد انفتح الصوفية على نساء العصر المملوكى وفق مدلول المؤاخاة وإعطاء العهد للمرأة ، ويكون الاجتماع المغلق بين الشيخ وبناته فى الطريق ، وبنفس التوازى بدأت المؤاخاة تأخذ طابعا علنيا مميزا لبعض الطوائف الصوفية دون بعضها . وكان ذلك فى القرن الثامن ، فرأينا الفقيه الصوفى ابن الحاج يقول فى ذلك مستنكرا: ( آخى بعضهم بين الرجال والنساء من غير نكير ولا  استخفاء ، ثم لم يقتصروا على ذلك ، بل كانت بعض النساء تعيش مع بعض الرجال ، ويزعمون أنها أخته مع الشيخ ، وقد آخته فلا تحتجب عليه ، إذ أنها صارت من ذوى المحارم على زعمهم ) [24]. إذن بدأت المؤاخاة فى بعض الطرق الصوفية تأخذ دور العلانية ( من غير نكير ولا استخفاء) وبالمؤاخاة كانت بعض النساء يعشن مع إخوانهن الرجال فى الطريق الصوفى فى القرن الثامن ، وذلك تحت مصطلح الأخوة فى الطريق ، وأصبح ذلك علنا .

2 ــ وسرعان ما انتشرت المؤاخاة العلنية فى القرن التاسع الهجرى ، فقال عنها الفقيه أبوالفتح المقدسى الرجائى فى القرن التاسع ( وقد فشا فى هذا الزمان مؤاخاة الفقراء للنسوان ويدخل إليها وتدخل عليه ويختلى بها ويزنى بها ) ثم يستطرد فى تلك العلاقة الجنسية بين (الأخ الصوفى وأخته فى الطريق) ، فيقول ( وكثير منهم يزعمون أن المرأة تصير عندهم بمنزلة أخته يدخل عليها متى شاء بإذن زوجها وبغير إذنه ، ويختلى بها ، ويتعانقان بالظهور والصدور ومما لاينبغى ذكره ، ويقولون: "هذه محبة الفقراء"، فيزنى الرجل بالمراة وهى أيضا تزنى به، ويقولون نحن أبعد الناس عن الزنا والفواحش) [25] .  وطالما يمارسون الزنا تحت شعار دينى هو (محبة الفقراء)  فهم يمارسون شعيرة دينية كالصلاة ، قد يؤدونها فرادى وقد تكون ( جماعة )، وبشعيرة الزنا هذه يتم فى دينهم تطبيق عقيدتهم المزعومة فى ما يسمونه التحقق بالحق ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. .  

3 ــ إتّسع المجال وانتشر فى القرن العاشر ، عصر الشعرانى ، الذى تغلغلت فيه  الطرق الصوفية الأحمدية( احمد البدوى )  والبرهامية (إبراهيم الدسوقى) والقادرية (عبدالقادر الجيلانى) ، ونشرت عبادة الزنا تحت شعار المؤاخاة. وكان أخذ المرأة العهد على شيخ فى إحدى هذه الطرق معناه أن يتقاطر على المراة أتباع الطريقة أو ( أخوتها فى الطريق) يزنزن بها فرادى وجماعات ، خصوصا فى غيبة زوجها، وفى ذلك يقول الشعرانى: ( الفقراء الأحمدية والبرهامية والقادرية يأخذون العهد على المراة ، ثم يصيرون يدخلون عليها فى غيبة زوجها)[26]. ومن الطبيعى أن يمارسوا معها " محبة الفقراء" أى حفلات الجنس الجماعى فى غيبة الزوج المحترم ، وذلك برعاية الشيخ التابع للطرق الأحمدية أو البرهامية أو القادرية . هذا مانفهمه من قول الشعرانى عن رفاقه من الشيوخ فى القرن العاشر ، بعد أن عرفنا ما قاله الشيخ أبو الفتح المقدسى الرجائى عن شيوخ القرن التاسع ، وبعد أن عرفنا ماقاله ابن الحاج عن شيوخ القرن الثامن . وقد كان ابن الحاج وأبو الفتح المقدسى الرجائى أكثر صراحة من الشعرانى. والشعرانى كالعهد به يستعمل الألفاظ المخففة  رعاية لدينه الصوفى ومخافة الانكار عليه .

4 ــ وفى موضع آخر يتحدث الشعرانى عن حفلات الجنس الجماعى فى حفلات السمر التى كان أولئك الصوفية يقيمونهابالنساء ، فيقول ( كان مشايخ السمرات من الأحمدية وغيرهم يجتمعون مع النساءعلى البساط من غير احتجاب ، فيقولون  للمرأة الكبيرة ياأمى أو يا أختى ولمن دونها يابنتى . ).

ولأن الشعرانى يعرف ماتخفيه هذه المصطلحات فقد قال أنه ينبغى تنبيههم على تحريم ذلك ، ويناقض نفسه فيفتخر بكراهيته للخلوة بالمرأة الأجنبية خوفا من الميل إليها[27].  وينسى أنهن كن يعترفن له سرا وأنه كان يعلمهن آداب الجماع .

5 ــ  وقلنا إنّ موقف الشعرانى من معاصريه من أشياخ تلك الطوائف هو موقف الخصومة والمنافسة ، لذا هو يرميهم بالخلوة بالنساء ويحاول أن يبرىء نفسه من ذلك ثم يذكر الأشياخ السابقين لهذه الطوائف فى معرض التقديس والتمجيد ، ورأينا ماقاله عن الشيخ محمد الشناوى وجهوده مع النساء. ويتناسى الشعرانى أن أولئك الأشياخ فى القرن العاشر فى عصره كانوا يسيرون على الطريقة التى أرساها الشيخ محمد الشناوى من قبل .  لقد كان ذلك الانحلال الخلقى سببا فى شهرة الطرق الأحمدية والبرهامية والقادرية وكثرة مريديها  فى القاهرة وسائر العمران المصرى .

وقد فزع الشعرانى من كثرة الداخلين فى هذه الطرق طمعا فى شيوع الرذيلة ومايعنيه ذلك بالنسبة لشيخ مشهور كالشعرانى فى تقلص شهرته وتناقص مريديه من الرجال والنساء على السواء وقلة ما يحصل عليه من النذور، فهب يحذر من الإنضمام لتلك الطرق متمسحا بالشرف والفضيلة ،فيقول : (  إياك أن تمكن جارتك أن يأخذ أحد من الفقراء الأحمدية أو البرهامية عليها العهد إلا مع المحافظة على آداب الشريعة ، فإن كثيرا من الفقراء يعتقد أنه صار والدها يجوز له النظر إليها ، وترى هى كذلك أنها صارت ابنته ولها أن تظهر وجهها له ، وكل ذلك خروج عن الشريعة ، وربما جعل إبليس ذلك مقدمات الزنا .. وقد حدث مثل ذلك لبعض إخواننا ورأى صاحبه يفعل الفاحشة فى زوجته ) [28].  والشعرانى يستخدم أسلوب الفقهاء فى المحترزات والاستثناءات ، فهو يجيز  العهد بشرط المحافظة على آداب الشريعة ، كما لو كانت الشريعة الإسلامية تجيز أساسا إعطاء العهد الصوفى ، ثم يهاجم أفعال الصوفية الأحمدية والبرهامية والقادرية وهو واثق أنهم لن يدافعوا عن أنفسهم ولن ينكروا التهمة، بل ربما يفخرون بها لأنها أصبحت عندهم تقليدا صوفيا يحمل مصطلحات جديدة .

 3ــ على أن نساء الأشياخ الصوفية مارسن نفس الحرية ، ولم يكن ذلك كالعادة مما يستوجب إنكارا طالما وقع فى بيوت الأشياخ ، ولذلك فالشعرانى يذكر فى معرض التمجيد بأن زوجة الشيخ عثمان البريمى كانت تخرج سافرة الوجه بدون نقاب على الشيخ عثمان الحطابى، وكذلك زوجة الآخر مع الآخر ، ويأتى كل واحد منهما إلى دار الاخر( فيختلى بزوجة الآخر، وتخرج له مايأكل ومايشرب فى غيبة الآخر)[29] . أى أن الخلوة ومافيها من انفتاح وصل إلى بيت الشيخ.

4 ــ وترسب فى الضمير الشعبى المصرى أن يقال فى التعبير عن عدم التحرج فى القول وفى الفعل : ( البساط أحمدى ) ، نسبة للطريقة الصوفية الأحمدية التابعة للسيد أحمد البدوى أشهر الأولياء الصوفية حتى الآن .

   مقدمات الزنا فى طقوص التصوف

  أبو عيون جريئة

 مقدمات الزنا من النظر واللمس كان لها دورها فى طقوس الزنا، وكثير من الصوفية أصحاب المؤاخاة يعتقد أنه طالما أعطى العهد للمرأة يجوز له النظر إليها ، ويجوز لها أن تنظر له وتخلع عنده النقاب ( وأشياء أخرى ) وينظر الى وجهها بدون نقاب وغير وجهها ايضا ، كما سبق ذكره من كلام الشعرانى ، الذى افتخر بكثرة حمايته لنفسه من النظر للنساء الأجانب والمردان أى الصبيان المفعول فيهم ، ويرتدى عباءة الفقه فيقول أن بعض الفقراء زعم أن رؤية الأجانب من نساء مريديه لاتضره ، ويرى الشعرانى أن ذلك ( من رقة الدين)[30] .أى هو معصوم من النظر بشهوة للنساء والصبيان ، أما من يزعم نفس الزعم من منافسيه فهو (قليل الدين ) أو ( رقيق الدين ).

بالهمس باللمس :

1 ــ ـ والشيخ الصوفى يهمس فى أذن المريدة بما يحلو له أن يقول بحجة إعطائها العهد وتلقينها أصول الطريق. وفى ضوء ما سبق لنا من جعل الزنا دينا وشريعة يمكن أن نتخيل ما كانوا يقولونه للمرأة وقتئذ .

2 ـ واللمس أهم ركن فى مبايعة النساء وإعطائهن العهد، وقبل العصر المملوكى ، كان ابن عربى يقول فى التائية :

ومالمست فى الكون كفا للامس                  سواها فلا تحجبك عنها بخمسة

  أى يرى أن اللامس والملموس هو الإله عندهم ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . وهو يطلب من اللامس أن يفهم ذلك ولاتحجبه عن الفهم أصابعه الخمس . أى أن لمس المرأة له أهمية بالغة فى العقيدة الصوفية .

3 ــ واتخذ الصوفية من لمس المرأة عادة فى الرقية ، فالنساء أكثر البشرية ميلا للخرافات وتصديقا لها، ومن الطبيعى إذا أصابها مرض أن تطلب الشفاء على (يد) شيخ صوفى يرقيها بالتعاويذ ، وعن هذا الطريق توافدت الكثيرات من النساء خارج نطاق ( المؤاخاة)..وكان اللمس بداية العهد وما يعنيه من مؤاخاة وتوبة بالمفهوم الصوفى .

  4 ــ وكان الشعرانى من المقصودين بالاعتقاد فى عصره ، وكان يكتب التعاويذ حتى لليهود والنصارى ، رجالا ونساءا ، وافتخر بذلك. وكالعادة نافسه أشياخ كثيرون فى هذا المجال ، فارتدى كعادته عباءة الفقه وانطلق يفتى لهم محذرا ومرشدا ، يقول:( وليحذر الشيخ إذا ظهرت بركته وشاع ذكره وصار الرجال والنساء يتبركون به ، أن يضع يده على بدن أجنبية حال رُقيته لها من مرض أو عين ونحو ذلك ، لاسيما من صار من أهل القرن العاشر الذين يقعون فى شهوات الدنيا كما يقع الذباب فى العسل )[31] .

أى كان صوفية القرن العاشر يقعون فى لمس النساء وما هو أبعد من ذلك ، كما يقع الذباب فى العسل بتعبير الشعرانى, .!  وطالما العسل متاح ومكشوف فلا نلومنّ الذباب .  

وحقق الشعرانى غرضه ، فقد جعل من نفسه الناصح لغيره ، فبرأ نفسه فى الوقت الذى اتهم فيه صوفية عصره كلهم بالفجور واتخاذ رقية المرأة طريقة لانتهاك حرمتها .

5 ــ  وكرر الشعرانى حكاية الشيخ أبى بكر الحديدى الذى رأى الشيخ محمد العدل( يحسّسُ على بطن امرأة أجنبية لمرض كان بها، فصاح عليه : وديناه .! ومحمداه.!  الله أكبر عليك ياعدل ، فقال : والله ماقصدتها بشهوة ، فقال له ما أنت معصوم ، نحن ما نعرف إلا ظاهر السُنة)[32] . وكرّر الشعرانى هذه الحكاية فى كتبه ( الطبقات الكبرى ولطائف المنن ولواقح الأنوار) . وهذا يعنى الفخر بوجود شيخ صوفى عفيف هو أبوبكر الحديدى ، وهو أيضا يشى ويشير بأصابع الاتهام لبقية الشيوخ المعاصرين للشعرانى والمنافسين له ، وهم ( الذين يقعون فى الشهوات كما يقع الذباب فى العسل ).

 6 ــ   والشعرانى كالعهد به يكيل بمكيالين؛ ينقم على منافسيه من شيوخ عصره ، ثم هو متسامح إذا كان بعض شيوخه السابقين متورطا ، ويدافع عنهم بطريق خفى إذا أمكنه . فالشيخ الشويمى يدخل بيت شيخه مدين يحسس بيده على النساء ، فكن يشكين للشيخ مدين فيقول : حصل لكم الخير فلا تتشوشوا )[33]. أى جرى خير .! . أى أن بيت الشيخ مدين كان مكتظّا  بالنساء من مريدات الشيخ ، وأراد الشيخ الشويمى أن يحظى منهن بنصيب ، فتحرّش بهنّ ، وإنهمك فى ملامستهن بطريقة أجبرتهن على الشكوى منه للشيخ مدين ، فلم ينهر الشيخ مدين الشيخ الشويمى ، وإنما اكتفى بلمسه حانية للنساء الشاكيات يقول لهن : حصل لكم الخير فلا تتشوشوا . وبالتالى فبقية الحكاية معروفة .. حصل الخير لهنّ وللشيخ الشويمى أيضا ..!

7 ــ  ومن هذا النوع المدمن للملامسة كان الشيخ على أبوخودة ، الذى أسهب الشعرانى فى مناقبه وكراماته ، وإفتخر بتحرشه العلنى بالنساء والصبيان حتى فى حضور الوالد أو الزوج ، ولا يتورع عن لمس مؤخراتهن ومؤخراتهم ، ومراودتهن ومراوتهم طلبا للزنا أو الشذوذ ، وبتعبير الشعرانى عن الشيخ أبو خودة : ( .. وكان رضى الله عنه إذا رأى امرأة أو أمرد راوده على نفسه ، وحسّس على مقعدته بيده سواء أكان ابن أمير أو ابن وزير ولو كان بحضرة والده أو غيره)[34]. . أى ولسان حاله يقول ( حصل الله لكم الخير فلا تتشوشوا)!!.ولنا أن نتخيل ما يمكن أن يحدث بعدها فى ظل سكوت ورضى الأب أو الزوج .!

طرق أخرى للإيقاع بالنساء :

1 ــ  وقد يكون الشيخ الصوفى عجوزا متصابيا أو دميما لا يحظى بإهتمام النساء فيتحايل على الإيقاع بهن عن طريق إعطاء التصريح للشاب الوسيم بإعطاء العهد للنساء ، ويتم ( اختلاط ) أولئك الشباب بالنسوة ، ويتم إيقاعهن ، وفى النهاية يصلن للشيخ الصوفى الكبير. وقد بدأ ذلك فى القرن الثامن ، وأنكره الفقيه الصوفى ابن الحاج فقال ( بعض مدعى المشيخة يعطى الإجازة للشبان المردان ، ولهم صور حسان ، فيتسلطون بسبب ذلك الكشف على حريم المسلمين فى بعض الأحيان والأماكن ، بسبب الاختلاط بهم من أجل الإجازات التى بأيديهم )[35].

2 ــ  وفى عصر الشعرانى توسع الصوفية فى اسناد شتى الكرامات لأنفسهم ، وبالتالى اتسع مجال التحايل على الفسق بالنساء ولو برضى الأزواج ، ويتمثل ذلك فى إيهام الزوج بأنه فى بيته كنزا مخفيا أو ( مطلب ) أى ( كنز فرعونى من الآثار الفرعونية ) التى شاع ان عليها طلاسم سحرية ، وإكتشافها يكون بالكرامات الصوفية . وطبعا لا يقدر على ذلك ولايعلم سر ذلك الكنز إلا الشيخ ، ويقتنع الزوج المسكين ويقبل راضيا طلبات الشيخ ، وقد يكون منه الفسق بالزوجة ، يقول الشعرانى عن شيوخ المطالب أو الكنوز : ( وبعضهم يقول للرجل عندك فى بيتك مطلب مايفتح إلا أن تخلى أجنبيا بامرأتك سبعة أيام وأكثر ، وينام ويصبح معها، ويخدمهما بنفسه ، ويطعمهما أطيب الطعام ، حتى يأتى لهما بالخمر ، وبعضهم يقول لايفتح إلا أن مكنتنى من زوجتك على باب المطلب ، ونحو ذلك).

ويفتخر الشعرانى كالعادة بنفسه ، وأنه أخذت عليه العهود ألا يفعل مايفعله الأشياخ الآخرون من تعلم السحر أو الكهانة أو التنجيم بالرمل والحصى ونحو ذلك[36].

أى كانت تلك الطرق كلها من وسائل التحايل للإيقاع بالنساء .

  شيوخ زُناة 

بعض الأشياخ الزناة  :

 1 ــ وقد اعترفت بعض المصادر الصوفية بوقوع بعض الأولياء فى الزنا ، وإن حاولت أن تخفف الإتهام، مثل ماذكره عبدالصمد الأحمدى مؤلف مناقب ( السيد البدوى ) من أن أبناء الشيخ أحمد المعلوف كانوا( على غير نعت الإستقامة) ، ولم يمنع ذلك من اتصافهم بالكرامات[37]  ، فالكرامات تستر عورة الأشياخ المنحرفين ، كما رأينا فى مناقب الحنفى وعلاقاته بنساء الأمراء .

   2 ــ  أما المصادر التاريخية خصوصا فى أوائل العصر المملوكى فقد تناولت الموضوع بصور محايدة ويتجلى ذلك فى التأريخ للشيخ خضر العدوى الذى كان شيخا للظاهر بيبرس ، ولكن سيرة خضر العدوى الشخصية تظهره فاسقا لامثيل له فى عصره ، يذكرنا بالراهب راسبوتين فى روسيا القيصرية .    

يقول النويرى صاحب موسوعة ( نهاية الأرب ) وهو معاصر للشيخ خضر ، إن الشيخ خضر  بدأ حياته يخدم بعض الأكابر فى الجزيرة فى العراق فأمر بخصيه لأنه أفسد بعض جوارى الدور ، فهرب خضر إلى حلب ، وخدم عند الأمير ابن قراطابا فأحبل جارية ، فطلبه الأمير فهرب إلى دمشق ، وأقام بمغارة فى زاويته بجبل المزة ، ثم اشتهر بعدها شيخا صوفيا واعتقده الظاهر بيبرس ، وبنى له زوايا ، فكان الشيخ خضر يجعل فى كل زاوية منها( فقراء يحملون له أرباب الجرائم من اللصوص وغيرهم ويتعاطون الفسق) على حد قول النويرى . أى حوَل زاويته لوكر  للجرائم والزنا .

 3 ــ  وكان الشيخ خضر يتباهى بفجوره علنا، يقول النويرى ــ ونحن نعتذر مقدما عن النقل ــ ( وكان يكتب إلى صاحب حماة وغيرها من الأمراء : ( خضر(نيّاك ) الحمارة) . وكتب بذلك إلى قاضى القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز ورقة ، فأغضى عنها ،ثم أخرى كذلك ، فلما وصلت له الورقة الثالثة أحضر رسوله ، وقال : " قل له والله لئن وصل إلى ورقة بعد هذه فيها  مثل هذا أحضرته لمجلس الحكم وقابلته بما يستحقه بمقتضى ماكتب بخطه "، فامتنع بعد ذلك من مكاتبته .[38]

 4 ــ       وانتقل الشيخ خضر إلى القاهرة فأنشأ له علاقات بنساء المماليك ، وكان ذلك السبب المعلن لمحاكمته وانتهاء علاقته بالظاهر بيبرس ، يقول ابن كثير عنه ( الشيخ خضر العدوى إفتتن ببعض بنات الأمراء ، وكن لايحتجبن منه ، فوقع فى الفتنة، فلما وقع ماوقع فيه حوقق عند السلطان بيسرى وقلاوون والفارس أقطاى إلاتابك ، فاعترف لهم ، فهم الظاهر بيبرس بقتله )[39].

 5 ــ  والطريف أن الشعرانى حين نقل ترجمة الشيخ خضر العدوى فى مفتتح الجزء الثانى من طبقاته أغفل الجزء الخاص بحياته الخلقية ، وحين اضطر للكلام عن سبب محاكمته أمام الظاهر بيبرس قال ( وكان السلطان ينزل لزيارته ويحادثه بأسراره ويستصحبه فى أسفاره ، فرمى أولاد الحلال بينه وبينه  فنقم عليه وحبسه) [40]. إذن أولاد الحلال هم السبب فى نكبة الشيخ البرىء خضر العدوى !!

 6 ــ  وبعض المؤرخين فى نهاية العصر المملوكى كان متأثرا بالتصوف إلى درجة جعلته لا يصرح كالنويرى وابن كثير وإنما يرمز بالإشارة . فابن اياس يتحدث عن مقتل الشيخ عبدالكريم (ق862) وكان خليفة البدوى فى طنطا يقول عنه,: ( ولا يُعلم من قتله ، وكان غير مشكور فى سيرته)، ( وُلّى خلافة البدوى مدة طويلة ، فلما مات وُلّى ( صبى) من أقاربه اسمه عبدالمجيد)[41].أى يلمح ابن اياس إلى أن ذلك الصبى هو ابن غير شرعى للشيخ عبدالكريم . والشيخ عبدالكريم المقتول غير المشكور السيرة لايمكن أن يحل محله إلا من كان إبنا له حسب الطقوس الصوفية. أما عبدالصمد الأحمدى كاتب سيرة البدوى فقد تجاهل تماما ذكر خلافةعبدالمجيد[42].

7 ــ  وفى أمثال العصر المملوكى المتأثرة بذلك الانحلال للشيوخ " هش يادبانة ، أنا حبلة من مولانا"[43] وقريب منه المثل الشعبى الحديث ( ضلالى وعامل امام ، والله حرام.!!.)[44]

صوفية قوادون:

 1 ــ  وقد سبق الاستشهاد بقول ابن الحاج ( بعض مدعى المشيخة يعطى الاجازة للشبان المردان ، ولهم صور حسان ، فيتسلطون بسبب ذلك الكشف على حريم المسلمين ) ومعناه أن بعض الصوفية عمل فى مجال الدعارة ، ليوقع بالنساء لحساب الأشياخ مستغلا جماله وشبابه .

2 ــ  وقد أضفى الصوفية على هذا النشاط اللا خلقى صبغة شرعية صوفية كالعهد بهم ، فجعلوه تعاونا على البر والتقوى فى دينهم ، مما جعل ابن القيم يقول فى القرن الثامن ( وقد يبلغ الجهل بكثير من هؤلاء إلى أن يعتقد أن التعاون على الفاحشة تعاون على الخير والبر، وأن الجالب محسن إلى العاشق ، جدير بالثواب ، وأنه ساع فى دوائه وشفائه ، وتفريج كرب العشق عنه ، ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة )[45] .

وعلى نفس طريقة ابن القيم كتب المؤرخ المفسر ابن كثير فى ترجمة الشيخ ابراهيم الموله ت 172 ( كان يجمع النساء والرجال حوله فى الأماكن النجسة ) [46]. أى تخصص فى تجميع النساء والرجال حوله .

 3 ــ   وقبيل العصر المملوكى قيل فى ترجمة الشيخ المهتار أن امرأة مغنية مشهورة بالفجور جاءته فقام بتزويجها لأحد مريديه ، وأقام وليمة العرس على نفقته ، وجمع الفقراء الصوفية فى الحفل( وكان للمرأة صاحب من أمراء الدولة فأرسل بزجاجتين من الخمر )[47].  إذن فنشاط الصوفية فى مجال القوادة أصيل قبل العصر المملوكى.

4 ــ وبعده ازداد هذا النشاط بازدياد التصوف فى أواخر العصر المملوكى ، ووقع على عاتق الشعرانى تبرير هذا الفعل الشائن الذى يقع فيه أشياخه ، وقد وجد ضالته فى استغلال مهارته فى سبك الكرامات لتستر عورة أولئك الأولياء القوّادين.

 وقد سبق إيراد بعض الأمثلة فالشيخ على وحيش الذى يقيم فى بيت للدعارة ــ أوخان لبنات الخطا ــ كان كل عمله هو التشفع فى الرواد ، وأسند له الكرامات التى تخوف من الاعتراض عليه[48] . وفعل  مثل ذلك مع الشيخ حسن الخلبوص المقيم فى بيت آخر للدعارة وجعله يتحكم فى الكرة الأرضية [49].

وقال عن صوفى آخر يعلل اتجاهه لهذا النشاط ــ وهو الشيخ زون بهار ( أنه كان يصعق فى حب الله تعالى فتضع الحوامل مافى بطنها من صعقته ، فحول الله تعالى ذلك إلى حب امرأة من البغايا)،  أى أن ذلك التحول الخطير الذى حدث للشيخ زون بهار لم يكن له يد فيه وأن الله ( تعالى عن ذلك علوا كبيرا ) هو المسئول عنه،  وفقا لعقيدة التصوف فى وحدة الفاعل. ومن الطبيعى أن الحوامل فى مصر وخارجها قد شعرن بالطمأنينة بعد أن كف الشيخ زون بهار عن صعقته ، وقد تحول بنشاطه إلى المومس التى أحبها. ويستمرالشعرانى فيقول عن الشيخ بعد أن أحب تلك المرأة : ( فجاء إلى الصوفية ورمى لهم الخرقة ، وقال لا أحب أن أكذب فى الطريق ، إن واردى تحول إلى حب فلانة ، ثم صار يحمل لها العود ويركبها ويمشى فى خدمتها ، إلى أن تحول الوارد إلى محبة الحق تعالى بعد عشرة شهور ، فجاء للصوفية ، وقال: " ألبسونى الخرقة إن واردى رجع عن محبة فلانة. ).  وهكذا يضع الشعرانى تلك المرأة الخاطئة فى مقابل الله تعالى ، ويجعل الشيخ زون بهار حائرا بين محبة الله ومحبتها ، ويسند التحول من هنا إلى هناك إلى تصريف الله تعالى فى قلب الشيخ زون بهار . ومن الطبيعى وقد رجع الشيخ إلى الصوفية أن تتوب المرأة ومطلوب منا أن نصدق توبتها. الشعرانى يقول: ( فبلغها ذلك، فتابت ، ولزمت خدمته إلى أن ماتت)[50]. وطبعا لابد أن يفرح الصوفية بانخراطها فى سلك التصوف أو بتوبتها ، وقد عرفنا معنى التوبة للمرأة فى طقوس التصوف .

  5 ــ  وكان بعض الأولياء يعمل مكاريا أى حمّارا تخصص فى حمل النساء العاهرات إلى المكان المقصود ، وكان الناس يسبّونه، أوعلى حد قول الشعرانى: ( يصفونه بالتعريص)، ولكن يدافع عنه الشعرانى فيقول : ( أنه كان لايركب امرأة قط من بنات الخطا وتعود إلى الزنا أبدا).  وقد صرح هذا الشيخ القوّاد للشعرانى أنه وصل إلى هذه المنزلة باحتمال الأذى[51] .. وإذا كان هذا الشيخ له هذه الكرامات التخصصية مع العاهرات فلماذا لم تظهر نتائجه؟ .

وبعيدا عن هذه الكرامات المضحكة التى تحاول دون جدوى تبرير علاقات الأولياء الصوفية بالعاهرات نذكَر الشعرانى وغيره بالمثل الشعبى المصرى القائل: ( قال ياربى دخلنا بيت الظالمين وطلعنا سالمين ، قال وايش دخّلك وايش طّلعك) [52]  .!!.  

التصوف والشذوذ الجنسى 

الشذوذ أصل فى عقيدة التصوف ( عقيدة الشاهد) :

مقدمة

إنصافا للتصوف والصوفية نقول إن الشذوذ الجنسى كان معروفا لدى المسلمين فى العصر العباسى قبل ظهور التصوف فى القرن الثالث الهجرى ، فقد إشتهر به خلفاء عباسيون وشعراء من الخليفة الأمين وأبى نواس ، وانتشر بعدهما بحيث لم يعد عيبا إجتماعيا . والشعر وكتب التاريخ والأدب أكبر ما يعبر عن ذلك . وحشا المؤرخ ابن ايبك الصفدى موسوعته ( الوافى بالوفيات : 30 جزءا ) بأخبار الشذوذ الجنسى . وهو فى كتابه ( الوافى ) يؤرخ للشخصيات التاريخية من بداية تاريخ المسلمين فى القرن الأول الهجرى الى عصره حيث كان قد انتهى تقريبا من تأليف هذه الموسوعة عام 742 . ولم يرد فيه ذكر للشذوذ فى العصر الأموى سوى فى خبر واحد . ثم إستشرى فى العصر العباسى من المشرق الآسيوى الى الاندلس .

ثم جاء التصوف ، وهو الذى حوّل الشذوذ الجنسى الى أصل فى عقيدته وطقس من طقوس عبادته . والعادة أن الدين الأرضى يملكه أربابه ، ويعبرون من خلاله عن أهوائهم وغرائزهم . فالدين السّنى يتنفس الهيمنة والسيطرة والطغيان والاستبداد والتسلط فجعل هذا أساس عقيدته وشريعته وجهاده . الدين الصوفى كان على العكس جنح للسلام والاستكانة والخضوع والخنوع والسلبية والانغماس فى الخرافات والانحلال الخلقى . وأرسى ذلك فى عقيدته وشريعته . والعادة  ــ أيضا ــ أن كل دين أرضى يؤسس أهواءه على إفتراءات بالوحى المنسوب لله جل وهلا ورسوله ، ويقوم بتأويل آيات القرآن الكريم ليجد له مُسوّغا تشريعيا . وشهدنا طرفا من ذلك فيما سبق عن دين التصوف الأرضى . وهو نفس الحال هنا حيث تحول الشذوذ الجنسى فى التصوف الى ملمح من ملامح العقيدة الصوفية تحت مصطلح الشاهد ، ثم قام أرباب التصوف بصياغة فقه تشريعى له . ونتعرض لهذا ببعض التفصيل :

الشاهد فى مصطلحات دين التصوف

          1ــ يؤمن الصوفية بأن البشر جزء وامتداد للخالق جل وعلا ، والنفس البشرية تميل للحسن فى كل شىء ، ونفوس الصوفية خلطت بين عقيدتهم وإعجابهم بالجمال فاعتبروه شاهدا على الجمال الإلهى ، وبذلك برزت فى عقائد التصوف مصطلحات (الشهود) و(الشاهد) و(صبيح الوجه) . فيقولون عن " صبيح الوجه" هو( المتحقق بحقيقة الإسم الجواد ومظهريته .. وإنما سمى صبيح الوجه لقوله عليه السلام أطلبوا الحوائج عند صباح الوجوه ) فالمتحقق بحقيقة الإسم والذى يظهر فيه الإسم الإلهى معناه حلول الإله فيه ، فيظهر فيه الجمال الإلهى بزعمهم ، ولذلك افتروا حديثا نبويا ليجعل له أصلا فى الإسلام .

2 ــ   ويقولون عن الشاهد ( مايحضر القلب من أثر المشاهدة ، وهو الذى يشهد له بصحبة كونه مختصا من مشاهدة مشهوده أما علم لدنى لم يكن له فكان ، أو وجد أو حال ، أو تجل ، أو شهود ) ، فالصوفى حين يرى شابا جميلا فيرى عن طريق علمه اللدنى حقيقة الأمر فى ذلك الشاب الذى أصبح شاهدا على تجلى الحق فيه بزعمهم . وعندهم فإنّ ( الشهود) رؤية الحق بالحق[53] . ومعناه أن الله ــ تعالى عن ذلك الإفتراء ــ هو الذى يجعلهم يشهدونه فى المظاهر البشرية .

عند القشيرى فى الرسالة القشيرية

          1ــ والقشيرى فى رسالته يقول تحت مصطلح الشاهد : ( كثيرا مايجرى فى كلامهم لفظ الشاهد ) ،(  ويريدون بلفظ الشاهد مايكون حاضرا قلب الإنسان ، وهو ماكان الغالب عليه ذكره ، حتى كأنه يراه ويبصره وإن كان غائبا عنه ، فكل مايستولى على قلب صاحبه فهو يشاهده) . فالصوفى الذى يؤمن بوحدة الوجود وأن الخلق هم مظاهر الإلهية فى حقيقتها دائما يحضر هذا المعنى فى قلبه ، ويغلب على ذكره ، فيراه ويبصره فى الأشياء  المادية من بشر وحجر. ثم يقترب القشيرى من هدفه حين يقول ( ومن حصل له مع مخلوق تعلق بالقلب يقال أنه شاهده ، يعنى أنه حاضر قلبه ، فإن المحبة توجب دوام ذكر المحبوب واستيلائه عليه) يعنى أن الصوفى إذا أحب شخصا جميلا يقول أنه شاهده يعنى استحضر فى قلبه الأصل الإلهى لذلك الجمال ..

2 ــ ثم نرى القشيرى وقد أرهقته المحاورة والمداورة فانطلق يشرح المعنى الحقيقى للفظ الشاهد وينسبه للآخرين ، ثم يحاول إغراق المعنى بالمعميات الصوفية والإصطلاحات الفلسفية ، يقول القشيرى فى النهاية : ( وبعضهم تكلف فى مراعاة هذا الإشتقاق ، فقال إنما سمى الشاهد من الشهادة ، فكأنه إذا طالع شخصا يوصف بالجمال فإن كانت بشريته ساقطة عنه ولم يشغله شهود ذلك الشخص عما هو به من الحال ولا أثرت فيه صحبته بوجه فهو شاهد له على نفسه ، ومن أثَر فيه ذلك فهو شاهد عليه فى بقاء نفسه وقيامه بأحكام بشريته ، إما شاهدا له أو شاهدا عليه ، وعلى هذا أجمل قوله (ص) رأيت ربى ليلة المعراج فى أحسن صورة أى أحسن صورة رأيتها تلك الليلة) .[54] . فالصوفى إذا كان فى لحظة وجد إلهى ــ أى يزعم أنه متحد بالله ــ ورأى شابا جميلا فلم يتأثر بالمظهر البشرى لذلك الشاب الجميل فقد أصبح ذلك الجميل شاهدا للصوفى على فناء نفسه أو اتحاده المزعوم بالله ، أما إذا تأثر بالصورة البشرية للأمرد الجميل فلا يزال الصوفى قائما بصورته البشرية ولم يتحقق بالحق وأصبح الأمرد شاهدا عليه فى بقاء نفسه وبشريته ، فهو شاهد عليه فى بقاء نفسه وقيامه بأحكام بشريته ، إذن فالأمرد يحتل مكانة هامة فى العقيدة الصوفية فهو للصوفى إما شاهد له أو شاهد عليه ..

 3 ــ  ثم يستشهد القشيرى على تشريع هذا الإفك بحديث صوفى مفترى هو ( رأيت ربى ليلة المعراج فى أحسن صورة ) وهناك الرواية الأشهر والأبشع :( رأيت ربى على صورة شاب أمرد) وهى تحقق هدف الصوفية فى عقيدة الشاهد وعبادة الشذوذ الجنسى .

عند الغزالى

1 ــ ويقول الغزالى عن بعض الطوائف ( أنهم يعتقدون أن لهم ربا ، وأنه أجمل الأشياء ، فإذا رأوا إنسانا فى غاية الجمال أو شجرا أو فرسا أو غير ذلك سجدوا وقالوا إنه ربنا )[55] .  وتحاشى الغزالى أن يصفهم بالتصوف مع أن الصوفية فى عصر الغزالى كانوا يرددون نفس الأقوال منها ( إن الله اصطفى أجساما حل فيها بمعنى الربوبية ، وأزال عنها معانى البشرية ) ولذلك قالوا ( بالنظر إلى الشواهد المستحسنات) وأن الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا ( يحل فى المستحسنات )[56] .  إذن فالصوفية قبل الغزالى وفى عصره كانوا يقولون ب (الشاهد )على جمال الله ــ تعالى جل وعلا عما يقولون علوا كبيراــ .

2 ــ ولكن الغزالى عرض الموضوع بطريقته المفضلة وهى إختراع الحكايات وضرب الأمثلة التى تجعل الأمرد الصبى الجميل المفعول به يحتل نفس مكانة الإله فى عقيدته ، ففى نفس حديث الغزالى عن الرضا والحب الالهى فى التصوف يروى هذه القصة ( قال سعيد بن يحيى : رأيت بالبصرة فى خان عطاء بن مسلم شابا وفى يده مدية ، وهو ينادى بأعلى صوته والناس حوله وهو يقول :

            يوم الفــراق من القيامـة أطول                والموت من ألم التفرق أجمل

           قالوا الرحيل فقلت لست براحــل                 لكـن مهجتى التى تتـرحـل

       ثم بقر بالمدية بطنه وخرّ ميتا ، فسألت عنه وعن أمره فقيل لى: أنه كان يهوى فتى لبعض الملوك حجب عنه يوما واحدا[57].  وطبعا لن نعرف اسم ذلك الملك ولا ذلك الأمرد ابنه ، لأن القصة خيالية قصد بها الغزالى أن يقرب للناس عقيدة الشاهد . فذلك الذى انتحر علانية فى البصرة لم يرزق بمؤرخ يكتب قصة حياته فى عصر كان يموج بالمؤرخين ، ولكن الغزالى رسم هذه الصورة المفجعة ليؤثر بها فى عاطفة الناس حول رجل انتحر وهو يقول شعرا يفيض حبا وعشقا ، وسبب الإنتحار أن معشوقه الفتى غاب عنه يوما واحدا ، والغزالى يختار لفظ ( حجب عنه يوما واحدا) والحجاب هو مصطلح الصوفية فى الحديث عن الاتحاد والتحقق بالحق والفناء فى الله تعالى علوا  كبيرا ، ثم إن القصة بأكملها يضربها الغزالى مثلا عن حب الله ..

   وفى نفس الصفحة وفى نفس الموضوع عن الحب الالهى يروى الغزالى أسطورة أخرى عن رجل ضُرب بالسوط ألف سوط ، ولم يتكلم لأنه عاشق ولأن معشوقه كان ينظر إليه ، يقول الراوى فقلت له ( فلو نظرت إلى المعشوق الأكبر ، قال:  فزعق زعقة ثم خرّ ميتا ) فالله تعالى عند الغزالى هو "المعشوق الأكبر" وسبق أن أوضحنا أن المعشوق فى اللغة اسم ( لما ينكح) ولن نتهم الغزالى بالجهل باللغة ومعانى الألفاظ ، ولكننا نتهمه بالتصوف وكفى. وفى تلك الأسطورة التى رواها اتضح أن الرجل الذى تحمل ألف سوط كان صوفيا ، وكان يتعشق الأمرد ويتحمل الألف سوط لأنه مستغرق بنظرة معشوقه إليه ، حتى إذا ذكَره الراوى " بالمعشوق الأكبر " زعق زعقة ومات أو فنى عن نفسه فى مصطلح الصوفية ، وهذه هى الصورة المثالية للعشق الالهى عند الغزالى .

           ويضرب الغزالى مثلا آخر يجعل فيه من الحب الشاذ للصبيان دليلا على الحب الإلهى ( وقيل لبعض المحبين وكان قد بذل نفسه وماله حتى لم يبق له شىء : ماكان سبب حالك هذه فى المحبة ؟ قال سمعت يوما مُحبّا وقد خلا بمحبوبه وهو يقول له : أنا والله أحبك بقلبى كله وأنت معرض عنى بوجهك كله ، فقال له المحبوب : إن كنت تحبنى فايش تنفق على : قال : ياسيدى أملكك ماأملك ثم أنفق عليك روحى حتى تهلك ) . ويروى الغزالى قصة عن الجنيد رائد النفاق الصوفى : ( قال الجنيد : رأيت رجلا متعلقا بكم صبى وهو يتضرع إليه ويظهر له المحبة ، فالتفت إليه الصبى وقال : إلى متى هذا النفاق الذى تظهره لى ؟ فقال :قد علم الله إنى صادق فيما أورده حتى لو قلت لى مُت لمت ، فقال إن كنت صادقا فمُت ، قال فتنحى الرجل وغمض عينيه ، فوجد ميتا )[58]

         فذلك الرجل ( المحترم ) يتعلق بكُمّ الصبى ، ولايستحى من أن يتضرع له فى صورة العبادة ، والصبى المعشوق ينهره ويتهمه بالنفاق ، فيجعل الرجل من الله شهيدا على هذه العلاقة الشاذة بينهما ، ثم تنتهى الأسطورة كالعادة بموت العاشق الولهان.

ويلاحظ أن الغزالى أضفى السمة الدينية على هذه العلاقة الشاذة فرسم صورة الرجل فى القصة كأنه يركع بين يدى الصبى ، وجعله يتضرع أى حركات الصلاة وخشوعها ، ثم لاينسى أن يضع على لسان الصبى الإتهام للعاشق بالنفاق بمدلوله المعروف ، ولو كان الانحراف عاديا لاستعمل الراوى وصف الخيانة التى قد تحدث بين العشاق العاديين ، ثم يتجرأ الغزالى ويجعل الله شهيدا على ذلك الفسق الدينى ، أى لايكتفى بتقريره وتشريعه وإنما يصبغ عليه جانب الدين ، ثم تنتهى القصة بموت البطل العاشق لتأكيد معنى الفناء فى المعبود وفق المصطلح الصوفى ، وطبعا فموت العاشق بإرادة الله الذى يرضى عن ذلك بزعمهم ، وبذلك يصل الغزالى بهذه الأساطير التى تناثرت فى الاحياء إلى تقرير عقيدة الشاهد فى عقل القارىء دون أن يضطر لشرح المصطلحات كما فعل القشيرى .

3 ــ على أن الغزالى حاكى القشيرى فى ضرب تلك الأمثال ، فالقشيرى ضرب على نفس الوتر حين تحدث عن حب الله ، وضرب المثل بالحب الشاذ بين رجل وصبى فيقول ( ادعى رجل الاستهلاك فى محبة شخص ، فقال له الشاب كيف هذا وهذا أخى أحسن منى وجها وأتم جمالا ؟، فرفع الرجل رأسه يلتفت ، وكانا على سطح ، فألقاه من السطح ، وقال هذا أجر من يدعى هوانا وينظر إلى سوانا )[59].

وذلك هو المثل ضربه القشيرى فى المحبة ، وقد استعمل الألفاظ الصوفية فى المحبة الإلهية كالاستهلاك أو مايعنى الفناء فى المحبوب ، ويجعل عقوبة الموت لمن يشهد غير المحبوب أو ينظر لغيره وفق مصطلحاته ، والمهم أنه اعتبر المعشوق الجميل من البشر ممثلا لرب العزة جل وعلا ــ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

وعن الصبر يضرب القشيرى مثلا آخر ( قيل رؤى حدث ــ أى صبى ــ يضرب وجه شيخ بنعله ، فقيل له ألا تستحى ؟ تضرب حُرّ وجه شيخ مثل هذا ؟ فقال : جرمه عظيم ، فقيل : وماذاك ؟ فقال : هذا الشيخ يدعى أنه يهوانى ومنذ ثلاث مارآنى  )[60]. فذلك الشيخ العاشق يستحق أن يضربه الصبى على وجهه بالنعال لأنه صبر على عدم رؤيته لمعشوقه ثلاثة أيام ، ونحن نرى أن من ألّف هذا المثل الشائن يستحق نفس العقوبة قبل الأكل وبعده..

الدعوة الى الشذوذ بإختراع الأحاديث

         1 ــ وحتى يستسيغ الناس فكرة الشاهد إفترى الصوفية أحاديث ( نبوية ) وأشاعوها ، منها حديث ( أطلبوا الخير عن صباح الوجوه ) الذى تردد فى كتب الصوفية وخصوصا الإحياء ، وقد قال عنه الحافظ العراقى الذى قام بتخريج أحاديث كتاب ( الاحياء ) :( روى عن عدة طرق كلها ضعيفة)[61].أى رواه الصوفية بعدة طرق وروايات حتى يجعلوا له اسنادا بأى طريقة.

2 ــ وقد صاغ الصوفية أحاديث أخرى تُروّج للشذوذ وتُعلى من شأن الجمال ، منها ( ثلاثة تزيد فى البصر : النظرة إلى الخضرة والماء الجارى والوجه الحسن ). وترتب على هذا الحديث انتشار الانحلال الخلقى على ضفاف النيل برعاية المتصوفة خصوصا وقد شاع ذلك الحديث فى ذلك العصر . وهناك حديث (النظر إلى الوجه الحسن يجلو البصر) ، و( عليكم بالوجوه الملاح والحدق السود ، فإن الله يستحى أن يعذب مليحا بالنار) وفى ذلك الحديث دعوة فاجرة للشذوذ والافتراء على الله ، ( والنظر إلى الوجه الجميل عبادة) وذلك الحديث يذكرنا بعبادة المردان التى أرساها الغزالى والقشيرى من خلال الأساطير السابقة ، وحديث : ( من أتاه الله وجها حسنا فهو من صفوة الله فى خلقه) أى صار صوفيا لأنهم جعلوا أنفسهم صفوة الخلق ــ ويقول ابن القيم بعد أن عدّ هذه الأحاديث الشائعة فى عصره :  ( وكل حديث فيه ذكر حسان الوجوه أو الثناء عليهم أو الأمر بالنظر إليهم أو التماس الحوائج منهم أو أن النار لاتمسهم فكذب مختلق وإفك مفترى)[62].

3 ــ   وأحاديث الشذوذ الجنسى ازداد انتشارها فى العصر المملوكى وبعده، حتى كان يفتتح بها فى المؤلفات فى العصر العثمانى ، فيذكر الجبرتى أن الشيخ مصطفى اللقيمى كتب فى مقدمة مقامة أنشأها : ( القائل وقوله الحق يهدى إلى طريق الرشاد : أطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه)[63].

أخيرا

أسوأ حديث فى الشذوذ وعقيدة الشاهد الصوفية  هو حديث: ( رأيت ربى فى صورة شاب أمرد)

 وقد حظى هذا الحديث بأكثر اهتمام من الصوفية لأنه صيغ ليؤكد لهم عقيدة الشاهد، فيقول عنه الشعرانى فى القرن العاشر( أن حديث " رأيت ربى فى صورة شاب أمرد " لو قال ولىٌ هذا لكفَره العقل ، بخلاف ماجاء به الرسول) [64] .(12 ـ الشعرانى . كشف الران 35.)

 تطبيق الشذوذ الجنسى وفق عقيدة الشاهد

عند القشيرى فى الرسالة القشيرية

          1ــ والقشيرى يعترف بأن الأشياخ قبله طبقوا عقيدة الشاهد سلوكا شاذا مع الصبيان، ويخفف من وقع المعنى حين يستعمل المصطلح الصوفى وهو ( صحبة الأحداث) ويعترف بأنها  ( من أصعب الآفات فى هذه الطريقة صحبة الأحداث)[65].

ويقترح القشيرى علاجا لمن أدمن هذا الفسق أو غيره بالرحيل عن مكانه لينسى ، يقول ( وإذا ابتلى مريد بجاه أو معلوم أو صحبة حدث أو ميل لامرأة وليس هناك شيخ يدله على حاله .. فعند ذلك حلُ له السفر والتحول عن ذلك الموضع ليشوش على نفسه تلك الحالة)[66] . ثم يقول فى آفة صحبة الأحداث ( من ابتلاه الله بشىء من ذلك فبإجماع الشيوخ ذلك عبد أهانه الله عز وجل وخذله ، وأصعب من ذلك تهوين ذلك على القلب حتى يعد ذلك يسيرا. )، ويروى القشيرى عن أحد الأشياخ  قوله: ( صحبت ثلاثين شيخا كانوا يعدون من الأبدال ، كلهم  أوصونى عند فراقى إياهم وقالوا لى: اتق معاشرة الأحداث ومخالطتهم).  وهذا القول يذكرنا بالمثل الشعبى : إسأل مجرب.

  2 ــ ثم يلمح القشيرى إلى الأصل العقيدى فى معاشرة الأحداث وهو اتخاذ الأشياخ له شاهدا بالمفهوم الصوفى فيقول متحرجا: ( ومن ارتقى فى هذا الباب عن حالة الفسق ، وأشار أن ذلك من بلاء الأرواح وأنه لايضر)، أى اكتفى بالنظرواللمس ليحقق شهوده الصوفى الروحى ( وماقالوه عن وساوس القائلين بالشاهد، وإيراد حكايات عن بعض الشيوخ ، لما كان الأولى منهم إسبال الستر عن هناتهم الصادرة منهم ، فذلك نظير الشرك وقرين الكفر. ) . أى يعترف أن القول بالشاهد شرك وكفر ، ويتمنى لو أسدل الستار عن أقاويل الأشياخ وحكاياتهم فى هذا الشأن ، ويناقض نفسه فيعتبر ذلك هنات أوسيئات صغيرة طالما تتعلق  بالأشياخ.

3 ــ   ثم يتوجه للمريدين للمرة الثانية ( فليحذر المريد من مجالسة الأحداث ومخالطتهم ، فإن اليسير منه فتح باب الخذلان)[67].

والذى يهمنا أن كثرة التحذير من معاشرة الصبيان تدل على كثرة وقوع الفسق بهم واشتهار الصوفية بهذا، بل قد يكون أكثر الناصحين هو نفسه أكثر المدمنين ، فالشيخ يوسف بن الحسين  يقول ( رأيت آفات الصوفية فى صحبة الأحداث ومعاشرة الأضداد ورفق النسوان )[68]. وفى نفس الوقت يعترف بأنه لم يستطع الإقلاع عن إدمان الشذوذ فيقول مقالته الشهيرة ( عاهدت ربى ألا أصحب حدثا مائة مرة ففسخنا على قوام القدود وغنج العيون)[69]. فهذا الشيخ أدمن الشذوذ مع الصبيان ، وكلما تاب عاد ، وينطبق عليه قول عبد الحليم حافظ :

وأنا كل ما أقول التوبة يا عين     ترمينى المقادير يا بوى

تطبيق عقيدة الشاهد بالشذوذ فى العصر المملوكى

        1 ــ وإذا كان هذا حال الأشياخ فى بداية التصوف وفى رسالة القشيرى الداعية للاعتدال والإصلاح ، فإن انتشار التصوف فى عصرنا المملوكى أظهر طوائف الصوفية المتخصصة فى هذا المجال مثل طريقة المطاوعة.  يقول عنهم السخاوى المؤرخ ( المطاوعة وهم جمع كثير يبيحون النظر إلى الأمرد الجميل بحيث أنهم يشترونه من أهله بمبلغ  كبير .. ويأذنون فى اختلاء الأجنبى به، فمنهم من يدسه تحت كسائه، ومنهم من يدسه معه فى ثوبه، ويشرحه الأجنبى فيجعل صدرالأمرد على صدره ويهزه فيركض قلبه كما يركض الطائر الحمام ). ولاتعليق لنا على ذلك سوى أنهم كانوا يمارسون طقوسا دينية فى اعتقادهم ، وذلك مما قاله السخاوى نفسه عنهم ، يقول:( ويعتقدون إن ذلك قربة يتقرب بها لله)[70] ،  أى تطبيق عقيدة الشاهد .

 2 ــ  وعن طريقة المطاوعة الصوفية أيضا يقول أبوالفتح المقدسى فى كتابه ( حكم الأمرد) (طريقة المطاوعة صحبتهم الأحداث)، أى أن طريقهم الصوفى، أو دينهم يتركز فى ( صحبة الأحداث) ثم يتحدث عن طقوس عبادتهم فيقول: ( ويجلسونهم خلف ظهورهم ويسمونهم البدوات ، ويفتخرون بذلك ، ولايصحبون إلا الأمرد الجميل ، ولايربى الحدث إلا الفقير الصادق العارف بربه ).أى أكثرهم ورعا وتدينا فى دينه الصوفى هو الأكثر ممارسة للفاحشة مع الصبيان .! أى تطبيق عقيدة الشاهد.

3 ــ    ويتحدث أبو الفتح عن الشعارات التى يرفعها المطاوعة فى بدايتهم حين يربون الصبيان عندهم ( ولهذا يصيره عنده بمنزلة ولده ، بل أعز لذة اجتنابهم المكروهات  والمحرمات ، فيجعلونهم  خلف ظهورهم حتى لاينظرون وجوههم ولايمسونهم ولاينامون معهم .. فإذا رأوا فى الأمرد خيرا ورشادا خبأوه وكتموا عنه المحبة ولايعلم بها حتى يكمل عقله ) ( فكل ماكانت لديه هذه الأوصاف المذكورة جاز له أن يربى الأمرد وإلا فهو من المخالفين ).ولكن هذه الشعارات المرفوعة فى بداية المطاوعة لم تكن إلا ستارا لممارسة الشذوذ ، وأبو الفتح نفسه اعترف بذلك فيقول عن المطاوعة المعاصرين له وقد لمس طقوسهم ( خصوصا مطاوعة أهل هذا الزمان ، فإنهم ينامون مع المردان ، ويجلسون معهم ويأمرونهم بتكبيسهم ، وتحسيسهم، ويعانقونهم بالصدوروالظهور ، وغيرذلك عكس المتقدمين ، وأقبح من ذلك معانقة البدايات ـ أى المردان فى اصطلاحهم ــ بالظهوروالصدور ،لأن أحدهم يجد بذلك لذة وراحة عظيمة ، ويسمونها راحة الفقراء ، ويزعم أن ذلك حسنة لله تعالى ) وذلك يذكرنا بكلامه عن المؤاخاة مع النساء، وهو نفس إتخاذ الفاحشة شعيرة دينية ، أى تطبيق عقيدة الشاهد.

4 ــ  ثم يقول عن الوظائف الأخرى للبداوات ( ومن وظيفة البدوات بالنهار خدمة الفقراء وتفلية ثيابهم ، وغسلها ، وحمل الأباريق وغير ذلك ، مع غض أبصارهم ، وإطراق رءوسهم ، وخفض أصواتهم بترخيم ، وطلب الدعاء من الفقراء).[71] أى حولوهم إلى إناث .

5 ــ   وقد انتشر هذا الوباء الصوفى بين أغلبية الفقراء الصوفية خارج نطاق المطاوعة ، حتى يقول أبو الفتح: ( من آفات هذا الزمان صحبة المردان ، خصوصا فى فقراء هذا العصر زاعمين أن صحبتهم طريق إلى الرحمن ) [72].وهذا تأكيد آخر على إتخذاهم فاحشة الشذوذ شعيرة دينية ، أى تطبيق عقيدة الشاهد .

6 ــ  وقيل فى الشيخ الجمال العجمى أنه ( كان بصحبته عشرة مردان من جماعته فى غاية الحسن قل أن يرى مثلهم ، وليس من طريقته الذكر ولا كثرة الصلاة والعبادة ، بل الفكر، وقد سئل عن هؤلاء المردان ،فقال يحصل بالنظر إليهم شوق وذوق).[73] أى كانت عبادته فى الشذوذ فقط ، أى تطبيق عقيدة الشاهد .

7 ــ وكان ذلك فى القرن التاسع ــ عصر المطاوعة ــ ولكن الداء كان منتشرا من قبل ، فيقول ابن الحاج فى القرن الثامن أن الصوفية كانوا(  يستحضرون المردان فى مجالسهم للنظر فى وجوههم ، وربما زينوهم بالحلى والمصبغات من الثياب ، ويزعمون أن القصد من ذلك الاستدلال بالصنعة على الصانع)[74]. أى تطبيق عقيدة الشاهد ..

8 ــ وفى القرن الثامن الهجرى يقول المؤرخ صلاح الدين بن أيبك الصفدى عن الشيخ نجم الدين الأسوانى المتوفى فى صفر 739 ،إنه كان معلما بجامع عمرو بن العاص ، ثم  إنه تجرد مع الفقراء ( الصوفية ) زمانا طويلا ، وسافر معهم البلاد ، وكان يحضر معهم السماع ويصرخ فيه متواجدا ، ( وجرى على طريقتهم فى القول بالشاهد )( الوافى بالوفيات 13 / 23 : 24 ) . وكان المؤرخ الصفدى معاصرا لهذا الشيخ الصفى فى القرن الثامن إذ مات الصفدى عام 764 .

          وقبل العصر المملوكى وفى القرن السادس كان الصوفية يفعلون نفس الشىء، يقول عنهم ابن الجوزى ( ويستصحبون المردان فى السماعات ، يجملونهم فى الجموع مع ضوء الشموع)[75].

   9 ــ وعليه فلا نتهم ابن تيمية بالتجنى عليهم حين كتبت رسالته ( التنفير من الأمرد) ليحارب هذا الوباء الصوفى ويرد على دعاويهم بأسلوب الفقهاء. يقول : ( وقول القايل أن النظر إلى وجه الأمرد عبادة حرام ، ومعلوم أن جعل هذا النظر المحرم عبادة هو بمنزلة من جعل الفواحش عبادة ، بل من جعل مثل هذا النظر عبادة فإنه كافر مرتد ، يجب أن يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ، وهو بمنزلة من جعل إعانة طالب الفاحشة عبادة ، أو جعل تناول يسير الخمر عبادة أو جعل السكر من الحشيش عبادة ، أو غيرها عبادة ، فمن جعل المعاونة على الفاحشة عبادة أوغيرها عبادة فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل ..).[76]

  ثم يأخذ فى تفصيل آراء الصوفية والرد عليها: ( وأما من نظر إلى الأمرد ظانا أنه ينظر إلى مظاهر الجمال الإلهى، وجعل ذلك طريقا إلى الله كما يفعله طوائف المدعين للمعرفة ، فقول هذا أعظم كفرا من قول عبُاد الأصنام  ومن كفر قوم لوط . هؤلاء شر من الزنادقة المرتدين الذين يجب قتالهم بإجماع كل أمة ، فإن عبُاد الأصنام قالوا إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ، وهم يجعلون الله سبحانه وتعالى موجودا فى نفس الأجسام وحالا فيهم ، أما أولئك فيقولون بوحدة الوجود ثم يجعلون المردان مظاهر الجمال ، فيقررون هذا الشرك الأعظم طريقا للوصول إلى استحلال الفواحش ، بل إلى استحلال كل محرم. )

 وابن تيمية بهذا وضع يده على الأساس العقيدى للانحلال الصوفى . ثم يستطرد بضرب الأمثلة ( كما قيل للتلمسانى إذا كان قولكم بأن الوجود واحد هو الحق ، فما الفرق بين أمى وأختى وبنتى حتى يكون هذا حلالا وهذا حراما؟ فقال : " الجميع عندنا سواء ، ولكن هؤلاء المحجوبين قالوا حرام فقلنا حرام عليكم ".  ويقول أحدهم: " إنما أنظر إلى صفات خالقى وأشهدها فى هذه الصورة" ، والكفر فى هذا القول أبين من أن يخفى على من يؤمن بالله ورسوله ، ولو قال مثل هذا الكلام فى نبى كريم لكان كافرا ، فكيف إذا قاله فى صبى أمرد.!.  فقبّح الله طائفة يكون معبودها من جنس موطوئها)[77].

وصدق ابن تيمية ( قبح الله طائفة يكون معبودها من جنس موطوئها).

تشريع فقه للشذوذ الجنسى عند الصوفية :

          1 ــ لأن الشذوذ الجنسى عندهم عقيدة كان لا بد له من تشريع فقهى . وكما كان الفقهاء كابن تيمية يصدرون الفتاوى النارية ضد انحلال التصوف وأصحابه ، فإن فقهاء التصوف قاموا بدورهم فى تشريع الشذوذ وبيان أحكامه وتلمس الأدلة لمشروعيته وإقناع باقى الناس بمشروعية مايقولون .

ويذكر ابن الجوزى قبل العصر المملوكى أن الصوفى ابن طاهر أباح العصيان ، وصنف كتابا فى جواز النظر إلى المردان [78].

2 ــ وعلى طريقة ابن الجوزى ألف ابن القيم فى العصر المملوكى كتابه ( إغاثة اللهفان) هاجم فيه بعض أنواع الفساد الصوفى ومنه تشريعهم للشذوذ ..

3 ــ    ابن القيم يقول " ثم هم بعد هذا الضلال وألغى أربعةأقسام : ـ قوم يعتقدون أن هذا لله وهذا كثير فى طوائف العامة والمنتسبين إلى الفقر والتصوف وكثير من الأتراك" ( اى المماليك ) . أى أن الصوفية نجحوا فى نشر عقيدة الشاهد فى طوائف الأتراك أو المماليك الحكام ( وقوم يعلمون فى الباطن أن هذا ليس لله وإنما يظهرون أنه لله خداعا ومكرا وتسترا) أى تستروا بالتصوف فى ممارسة الانحلال ( القسم الثالث مقصدهم الفاحشة الكبرى) .

ثم يتحدث عن ظاهرة خطيرة هى الزواج بالأمرد ، يقول ( ثم قد يشتد بينهما الاتصال حتى يسمونه زواجا، ويقول تزوج فلان بفلان كما يفعله المستهزئون بآيات الله تعالى ودينه من مُجان الفساق ، ويقرهم الحاضرون على ذلك ، ويضحكون منه ويعجبهم مثل ذلك النكاح والمزاح) ( وقد آل الأمر بكثير من هؤلاء إلى ترجيح وطء المردان على نكاح النسوان ، وقالوا هو أسلم من الحبل والولادة ومئونة النكاح والشكوى إلى القاضى وفرض النفقة والحبس على الحقوق ، وربما قال بعضهم أن جماع النساء يأخذ من القوة أكثر مما يأخذ جماع الصبيان لأن .. إلخ) . ونكتفى بهذا من أقواله ..

4 ــ  ويتحدث عن تأليف الصوفية الأحاديث يتقربون بها لاستمالة كثير من المردان وتشجيعهم على بذل مؤخراتهم للراغبين فيها . يقول: ( وربما يقول بعض زنادقة هؤلاء" الأمرد حبيب الله والملتحى عدو الله " وربما اعتقد كثير من المردان أن هذا صحيح ، وأنه المراد بقوله إذا أحب الله الصبى نادى جبريل إنى أحب فلانا فأحبه .. الحديث ، وأنه توضع له المحبة فى الأرض فيعجبه أن يُحب ويفتخر بذلك بين الناس ، ويعجبه أن يقال هو معشوق ، أو حظوة البلد، وأن الناس يتغايرون على محبته ، ونحو ذلك)

  4 ــ  وكما وضعوا الأحاديث لاستمالة المردان قام أولئك( الفقهاءالصوفية ) بتصنيف المردان إلى ثلاثة أقسام ، يقول ابن القيم ( وقسمت هذه الطائفة المفعول إلى ثلاثة أقسام ، مؤاجر ومملوك ومعشوق خاص ، فالأول بإزاء البغايا المؤجرات أنفسهن ، الثانى بإزاء الأمة والسرية ، والثالث بإزاء الزوجة أو الأجنبية المعشوقة).

5 ــ وبعضهم حاول إيجاد مصدر تشريعى بتأويل القرآن ، يقول ابن القيم ( ونظير هذا الظن الكاذب .. ظن كثير من الجهلة أن الفاحشة بالمملوك كالمباحة أو مباحة ، أو أنها أيسر من ارتكابها مع الحر، وتأولت هذه الفرقة القرآن فى ذلك ، وأدخلت المملوك فى قوله تعالى ( إلا على أزواجهم أو ماملكت أيمانهم).. ومن تأول هذه الآية على وطء الذكران من المماليك فهو كافر بإتفاق الأمة ، قال شيخنا ابن تيمية ومن هؤلاء من يتأول قوله تعالى (ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ) على ذلك ، وقد سألت بعض الناس عن هذه الآية ، وكان ممن يقرأ القرآن ، فظن أن معناها فى إباحة ذكران العبيد المؤمنين ، ومنهم من يجعله مسألة نزاع يبيحه بعض العلماء ويحرمه بعضهم ، ويقول اختلافهم شبهة ، وهذا كذب وجهل ، فإنه ليس فى فرق الأمة من يبيح ذلك .. وإنما يبيحه زنادقة العالم )

6 ــ ـ وواضح من كلام ابن القيم أن فتاوى التصوف فى إباحة الشذوذ قد انتشرت ، وبدا الأمر كما لو كان نزاعا بين فقهاء ، فأصبح ذلك فى حد ذاته مسوغا لاستحلاله ، على أساس أن اختلاف الفقهاء فى أمر هو رحمة أو على أقل تقدير هو شبهة .

7 ــ   وتسلل فقهاء التصوف إلى إباحة الشذوذ بطريق آخر ، هو الضرورة ، ونشروا هذه الفتاوى بين طلاب المتعة الشاذة واقتنع بعضهم ، والبعض الآخر حاول أن يتأكد من ابن القيم ،يقول( ومنهم من يقول هو مباح للضرورة . مثل أن يبقى الرجل أربعين يوما لايجامع ، إلى أمثال هذه الأمور التى خاطبنى فيها وسألنى عنها طوائف من الجند والعامة والفقراء).

8 ــ  وبعضهم حرم الاغتصاب فقط ، يقول ابن القيم( ومنهم من يرى أن التحريم إنما إكراه الصبى على فعل الفاحشة ، فإذا كان مختارا راضيا لم يكن بذلك بأس ، فكأن المحرم  من ذلك إنما هو الظلم والعدوان بإكراه المفعول به ، قال شيخنا : وحكى من أثق به أن بعض هؤلاء أخذ على الفاحشة ، فُحكم عليه بالحد، فقال هو والله ارتضى ذلك وماأكرهته وماغصبته ، فكيف أعاقب ؟).

 9 ــ   ثم يقول ( ومن هؤلاء من يعتقد أن العشق إذا بلغ بالعاشق إلى حد يخاف معه التلف أبيح له وطء معشوقه للضرورة .. ومن أخف هؤلاء جرما من يرتكب ذلك معتقدا تحريمه، وأنه إذا قضى حاجته ، فإذا استغفر الله فكأن ماكان لم يكن)[79]. ونمسك عن التعليق، وقد نقلنا من كلام ابن القيم مايستسيغه ذوق عصرنا ،ونشفعه باعتذار عن اضطرارنا لإثبات ماسبق ..

 ـ والشيخ رفاعة الطهطاوي

1 ــ رفاعة الطهطاوي (  1801 ـ 1873  ) ذهب الى فرنسا عام 1826 إماما لبعثة من 34 من الطلبة المصريين ، وسجل إنطباعاته عن الفرنسيين فى كتابه المشهور ( تخليص الابريز فى تلخيص باريز ) والذى قدمه للإمتحان ضمن كتب أخرى للإمتحان عام فى 19 اكتبوبر عام 1930 .

وقد أعادت نشره الهيئة العامة للكتاب المصرية فى ثلاثة أجزاء فى طبعة شعبية فى سلسلة التنوير ( المواجهة ) عام 1993.

2 ــ  ذهب الطهطاوى الى فرنسا يحمل ثقافته الصوفية المصرية ، ومنها الشذوذ الجنسى ، وكانت مفاجاته قاسية حين رأى الفرنسيين في عصره لا يعرفون هذا الشيء !! يقول : ( من الأمور المستحسنة في طباعهم عدم ميلهم إلى الأحداث والتشبب  "أي التغزل " فيهم أصلاً ، فهذا أمر منسي الذكر عندهم تأباه طبيعتهم وأخلاقهم ، فمن محاسن لسانهم وأشعارهم أنها تأبى تغزل الجنس في جنسه ، فلا يحسن في اللغة الفرنساوية قول الرجل : عشقت غلاماً فإن هذا يكون من الكلام المنبوذ المشكل ، فلذلك إذا ترجم أحدهم كتاباً من كتبنا يقلب الكلام إلى وجه آخر ، فيقول في ترجمة تلك الجملة ـ عشقت غلامة ـ " أي أنثى" ليتخلص من ذلك ، فإنهم يرون هذا من فساد الخلاق . والحق معهم .. وهذا الأمر عندهم من اشد الفواحش ، حتى إنه قلما ذكروه صريحاً في كتبهم ، بل يكنون عنه بما أمكن ، ولا يسمح التحدث به أصلاً) .(  تخليص الابريز 2 / 152 )

3 ــ هكذا يعترف الطهطاوي بأن الحق معهم ، إلا أن ثقافته تأبى ذلك ، بدليل أنه حين سمع ضرب الناقوس فى فرنسا قال شعراً يتغزل فيه بالصبي أو الرجل الذي يدق الناقوس ، قال :

 منذ جاء يضرب بالناقوس قلت له   من علم الظبي ضربا بالنواقيس( تخليص الابريز 1 / 112 : 113 ).

أخيرا :

1 ــ كل ما كرره رب العزة عن قوم لوط لم يهتم به المحمديون الذين إتخذوا القرآن الكريم مهجورا . أدمنوا الشذوذ الجنسى بل جعله دين التصوف شعيرة دينية ، فى الوقت الذى تنزّه عن هذا الرجس الغرب الأوربى والأمريكى ، الى أن وصلت اليه ــ أخيرا ــ بركات المحمديين فعرفوا الشذوذ . ولا يزال الشذوذ منتشرا بين المحمديين ، ويقع فيه السلفيون الوهابيون قبل الصوفية والشيعة .

2 ــ ـ ويقول جل وعلا عن الرجز الذى أهلك قوم لوط : ( إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34)العنكبوت ). ويقول جل وعلا فى الآية التالية أنه جل وعلا ترك بعض آثارهم عبرة  لقوم يعقلون ( وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35) العنكبوت ). وتكرر هذا تحذيرا لكل قوم  يرتكبون نفس جريمة الشذوذ . فهذه العقوبة ليست من الظالمين ببعيد ، يقول جل وعلا عن الرجز المُميت الذى أصاب قوم لوط : ( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ )ثم يقول جل وعلا : ( وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) هود ) . ويجعل رب العزة إهلاكهم بالرجز آية وعبرة للمؤمنين المتوسمين العقلاء : ( فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74)الحجر) ولذا ترك آثارها على الطريق التجارى الى الشام:( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77) الحجر). وكانوا يمرُّون على آثارهم ليلا ونهارا :( ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (138) الصافات ). كل ذلك لم يأبه به المحمديون .!!

3 ــ قوم لوط فى قريتى سمود وعمورة تطرفوا فى فاحشة الشذوذ الى درجة تقديس القذارة وكراهية وتحريم التطهر ، فاتهموا لوطا والمؤمنين بأنهم ( أناس يتطهرون )، وأرادوا إخراجهم بهذه ( التهمة ) يقول جل وعلا فى قصصهم : ( وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) الاعراف )( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) النمل ).

4  ــ قوم لوط ــ مع هذا التطرف فى الفاحشة وكونهم أول من إقترفه ــ فلم يقولوا مقالة الصوفية بإعتبار المفعول به ( شاهدا ) على ( الجمال الالهى ) ولم يجعلوا لشذوذهم الجنسى أصلا فى عقيدتهم الدينية ، ولم يجعلوا له تشريعا فقهيا شأن العبادات . أى جعلوا شذوذهم مجرد معصية تدخل ضمن معاص أخرى، قال لهم عنها نبى الله لوط عليه السلام :( وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ (29) العنكبوت  ). كانوا يؤمنون بالله مع إدمانهم للمعصية . ولكن تفوّق عليهم الصوفية المحمديون بجعل هذه المعصية عقيدة دينية وشعيرة تعبدية بمثل ما سبق تفصيله .

5 ــ  وعقوبة الرجز المترتبة على الشذوذ ليست بعيدة .. وليس الايدز عنهم ببعيد . وانظر حولك وتأمل كيف تحلُّ لعنة الله جل وعلا بالمحمديين ، وهم يشترون السلاح بالبلايين ليقتلوا به أنفسهم . ما يفعلونه بـأنفسهم أفظع من الايدز ..

أعيان الصوفية المشهورون بالشذوذ

  أصناف الصوفية الشواذ

         1 ــ تحدثنا عن الشذوذ عقيديا وتشريعيا فى دين التصوف ، وبقى أن نتعرف عليه سلوكيا فى تاريخ الأشياخ ، لقد كانت شهرة الصوفية فى هذا المجال مما لايحتاج إلى عناء فى إثباته ، وصار عادة عند بعض الفقهاء أن يقسم الصوفية أنواعا فى سلوكهم مع الأحداث ، وسبق ايراد ماذكره ابن القيم فى كتابه ( إغاثة اللهفان ) وقبله كان ابن الجوزى فى كتابه ( تلبيس ابليس ) . يقول إن ( المتصوفة فى صحبة الأحداث على سبعة أقسام : القسم الأول أصحاب الحلول زعموا أن الحق تعالى اصطفى أجساما حل فيها بمعنى الربوبية ، ومنهم من قال أنه حالُّ فى المستحسنات ، ومنهم من قال أنهم يرون الله فى الدنيا فى صفة الآدمى.. القسم الثانى قوم يتشبهون بالصوفية فى ملبسهم ويقصدون الفسق .. وقسم ثالث قوم يستبيحون النظر إلى المستحسن .. وحكى أمرد أن صوفيا قال له : يابنى لله فيك إقبال والتفات حيث جعل حاجتى إليك ، وحكى أن جماعة من الصوفية دخلوا على أحمد الغزالى وعنده أمرد، وهو خال به وبينهما ورد ، وهو ينظر إلى الورد تارة وإلى الأمرد تارة ، فلما جلسوا قال بعضهم: لعلنا كدرنا فقال : أى والله ..فتصايح الجميع على سبيل التواجد، وكتب إلى أبى الحسين بن يوسف فى رقعة : إنك تحب غلامك التركى ، فقرأ الرقعة ، ، ثم استدعى غلامه فقبله بين عينيه،  وقال : هذا جواب الرقعة .. وبعضهم يزين وجه الأمرد بالمصبغات والحلى )[80].

شهرة الصوفية بالشذوذ

1 ــ  إذن اشتهر الصوفية بهذا الشذوذ قبل العصرالمملوكى ، ووصلت شهرتهم إلى الآفاق بعد أن انتشر التصوف وانتشر معه هذا الوباء كطقس دينى .

2 ــ ومما يدل عليه هذه الحكاية الطريفة ، فقد رفض شيخ الخانقاه السيمصانية تنزيل رجل من البادية بالخانقاه ، رغم توسط الوزير ( توبة بن على) بالشام فى عهد السلطان لاجين ، وكانت حجة شيخ الخانقاه أن الأعرابى ليس بصوفي، فغضب الوزير وسأل البدوى أمام شيخ الخانقاه : ماتعرف تأكل أرز مفلفل؟ قال الاعرابى : بلى والله ، قال ماتعرف ترقص فى السماع ؟ قال: بلى والله ، قال ماتعرف تلوط بالمردان ؟ قال: بلى والله ، قال له الوزير : صوفى أنت طول عمرك .!! [81]..

أشهر شيوخ الصوفية فى مجال الشذوذ فى الحوليات التاريخية

 1 ــ  ونعرض لإشارة سريعة لبعض الصوفيةالمشهورين فى هذا المجال وقد ذكرتهم الحوليات التاريخية.  فالشيخ عفيف الدين التلمسانى تلميذ ابن عربى ، والذى كان لايحرم فرجا،أنجب ابنه محمدا الملقب بالشاب الظريف ، وهو شاعر مشهور فى القرن السابع (ت 688 )، وكان الأب على علاقة شاذة بإبنه ، قيل في الابن :  ( كان مع أبيه على حال نسأل الله السلامة منها ومن كل شر ، وكانت فيه لعب وعشرة وانخلاع ومجون ) وقد ولد حين كان والده بخانقاه سعيد السعداء.[82] .  

2 ــ وفى القرن التاسع أيضا قيل فى الشيخ تقى الدين السروجى(ت 693) أنه كان يحب الغلمان ويكره النساء ، ولايأكل من طعام لمسته امرأة ،وقد دفن فى قبر غلام كان يهواه ، وذلك بإذن والد الغلام)[83]

3 ــ  وتكررت نفس القصة فى مطلع القرن التاسع فحكى المقريزى فى السلوك أنه كان لبعض الأمراء صاحب من فقراء العجم ، وكان له أيضا ولد صغير كيّس ذكى ، فكان الفقير يحب ذلك الصغير ، ويكثر أن يقول: لو مات هذاالصغير لمت من الأسف عليه ، فقدر أنه مات ذلك الصغير ،فمات الفقير ، فساروا بالجنازتين ، ودفنا متجاورين.[84] .

4 ــ وفى القرن الثامن اشتهر الشيخ بهاء الدين الكارزونى ت774 بكونه أعجوبة زمانه فى جذب المردان إليه وانقطاعهم عن أهلهم وإقامتهم عنده ، وأنه كان لايحضر عنده أحد منهم ثم يستطيع أحد من أهله أن يستعيده ، ومن هؤلاء البشتكى الشاعر المشهور ، وكان من أجمل أهل عصره ، وقد ذكر الشاعر البشتكى لابن حجر أنه اجتمع بالشيخ الكارزونى فلم يتمكن بعد ذلك من مفارقته ، ولما مات الشيخ ( خرج اللاحد من قبره ، وكان أمرد جميل الصورة للغاية ، فاشتغل الناس بالنظر إليه ، وعجبوا من استمرار ملازمة هذا الشاب للشيخ حتى دفنه )[85].

5 ــ وقيل فى الشيخ ضياء العجمى أنه( كان مغرما بمشاهدة المردان، لاينفك عن هوى واحد يتهتك فيه ويخرج عن طور العقل ، وكان يمشى وفى يده حزمة من الرياحين فمن لقيه من المرد أدناها من فمه فيشممها إياه ، فإن التمس منه ذو لحية ذلك قلبها وضربه على أنفه)[86].  

6 ــ وحين تصوف نظام الدين التفتازانى (ت822) غلب عليه الهزل والمجون ، وكان عريض الدعوى ولم يتزوج قط ، وكان متهما بالولدان، وكان يأخذ الصغير فيربيه أحسن تربية فإذا كبر وبلغ حد التزويج زوجه)[87]  .

7 ــ  وكان الشيخ العلامة البخارى العجمى ( ت841)  (يهيم بمليح وقد داعبه بعض اللطفاء فى ذلك) وكان مقيما بالخانقاه الشيخونية.[88]. ـ

8 ــ وفى الموسوعة التاريخية ( الوافى بالوفيات )( 30 مجلدا )  للمؤرخ ابن أيبك الصفدى تراجم كثيرة لصوفية شواذ ممن عاصرهم الصفدى ، مثلا : يقول عن ابن الشيخ الحنبلى ( 660 : 710 ) انه ( كان ينبسط على المُرد )( الوافى 6 / 223 ) وهى اشارة لطيفة لغرامه بالشذوذ . ويقول عن الشيخ شمس الدين الحنبلى ت 675 إنه كان يقرأ تائية ابن الفارض ويشرحها ويبكى ، وإنه كان يهوى شابا ، وطلب منه هذا الشاب أن يجتمع به ومع شاب آخر يهوى نفس الشاب فرفض الشيخ وكتب شعرا له

صددت عنى صدود قال    وجُرت فى الغيب والشهادة

جرمى وذنبى اليك أنى        قُدت فما تمت القيادة ( الوافى 4 / 76 )

أما الشيخ شمس الدين الدهان ت 721 فقد كان شاعرا يكتب الشعر ويقوم بتلحينه فيغنيه المطربون ، وكان قد اشترى مملوكا ورباه وأحبّه ، ومات هذا الغرم فرثاه بشعر كثير ، تغنى به المغنون . وبسب إفراطه فى الحزن على هذا الغلام قال له الشيخ جمال الدين الخطيب الصوفى :

لئن مات يا دهان مملوكك الذى  بلغت به فى الفسق ما كنت ترتجى

فمثّله بالأصباغ وجها وقامة        وخصرا وردفا ثم عاينه وأصلج ( الوافى 4 / 209 : 210 )

وهجا ابن الفوية ت 749  شيخا صوفيا رماه بالشذوذ والقيادة فقال :

وقالوا الشيخ مجد الدين شيخ الجهالة والبلادة

فقلت وواحد          فى اللياطة وفى القيادة

وزيدوا إن أردتم       : وشيخ النحس زاده ( الوافى 2 / 154 ) .

وقد أوردنا النصوص التاريخية دون تعليق عليها فقد بلغ السأم مداه ..

شيوخ الشذوذ الصوفية فى كتب المناقب الصوفية

1 ــ أما المصادر الصوفية فالعهد بها أن ترصع تاريخ الشيخ الشاذ بالكرامات لتغطى على شهرته بالشذزذ ولتجعله كرامة ومفخرة له ، مع تكرار ( رضى الله عنه ) وذلك مابرع فيه الشعرانى  ، وقد رأينا أمثلة لذلك فى تاريخه للشيخ على أبوخودة .

2 ــ ونعطى مثالا آخر هو ترجمته لشيخه المشهور إبراهيم المتبولى أشهر شيوخ الشذوذ فى عصره ، والذى لايزال ضريحه بالقاهرة مقصودا حتى الآن .. والشعرانى ملأ تاريخ المتبولى  بالكرامات لتستر شذوذه الجنسى، يقول عنه : ( كان من أصحاب الدوائر الكبرى فى الولاية ، ولم يكن له شيخ إلا رسول الله ) ( وكان رضى الله عنه مبتلى بإنكار عليه ، كونه لايتزوج ، وكان رضى الله عنه يقول : مافى ظهرى الأولاد حتى أتزوج ، ومكث الثمانين سنة حتى مات لم يغتسل قط من جنابة لأنه لم يحتلم قط ، وكان إذا جاءه الشاب وشهوته ثائرة عليه يقول له : تطلب مدة وإلا دائما، فإن قال أريد مدة حتى أقدر على التزويج ، يقول له خذ هذا الخيط فشد به وسطك ، فما دام معك لايتحرك لك شهوة ، وإن قال أريد عدم تحرك الشهوة طول عمرى ، يمسح على ظهره ، فلا تتحرك له شهوة ولاينتشر إلى أن يموت )، ( ونام عنده جماعة من فقهاء الأزهر فى بركة الحاج فوجدوا عنده مملوكين أمردين من أولاد الأمراء ينامان معه فى الخلوة ، فأنكروا عليه ، ثم رفعوا أمره إلى الشرع بالصالحية ، فأرسل القاضى ورأءه فحضر ، فدخل الصالحية ، فقال مالكم ؟ فقال القاضى: هؤلاء يدعون عليك أنك تختلى بالشباب وهذا حرام فى الشرع !!، فقال ماهو إلا هكذا ، وقبض على لحيته بأسنانه ، وصاح فيهم ، فخرجوا صائحين فلم يُعرف لهم خبر بعد ذلك الوقت ، ثم جاء الخبر أنهم أُسروا وتنصروا فى بلاد الإفرنج، فشفعوا فيهم عند الشيخ فلم يقبل شفاعتهم ، ثم انقطع خبرهم ، ورماه أهل بيت من متبول باللواط مع ولدهم ، فقال هتك الله زراريهم ، فمن ذلك اليوم صار أولادهم مخانيت وبناتهم زناة إلى يومنا هذا ) ، ( ورماه واحد أيضا بفاحشة، فقال له سوَد الله نصف وجهك ، فصار له خد أسود ، وكذلك ذريته إلى وقتنا هذا ) ( وعشق رجل أمرد، فهرب الأمرد منه إلى سيدى إبراهيم ، فوضعه فى خلوته، فبلغ ذلك الرجل فغير هيأته فى صفة فقير، وجاء إلى سيدى إبراهيم ليطلب الطريق فأدخله مع ذلك الأمرد ، فأنكر بعض الناس على سيدى إبراهيم، فلما كان الغد خرج الفقير وقال ياسيدى أنا تائب إلى الله تعالى ،فقال لماذا ، فقال ياسيدى وضعت يدى على الشاب فأخذتنى الحمى حتى لم أستطع أن أجلس إلى الصباح ، وقد تبت إلى الله تعالى ..)[89] . وهكذا فلقد توزعت تلك الكرامات " التخصصية" للمتبولى وسط كم هائل من الكرامات الأخرى بلغ نحو ثلاث صفحات ، تراوحت بين إحياء الموتى وقتل الإحياء، وكل ذلك للتخويف من الاعتراض عليه كى ينعم برذائله فى زاويته التى غدت مقصدا لأرباب هذا الشذوذ كما ورد فى آخر كراماته .

السيد البدوى كان شاذا جنسيا

1 ــ  وبعض تلك الكرامات الاسطورية التى أضفاها الشعرانى على المتبولى كانت تقليدا للكرامات المشهورة للبدوى الولى الصوفى المشهور ، فكلاهما أحيا الأموات وأمات الأحياء وأرهب المنكرين عليه خصوصا الفقهاء والحكام ، وكلاهما كان يتبسط مع الشباب المردان من أتباعه ، وكلاهما ظل عزبا لايتزوج حتى موته فى حوالى الثمانين.  والمتبولى اعترف بتبعيته للبدوى حتى فى أساطير الكرامات ، فهناك امرأة طلبت من المتبولى أن يسترجع لها ابنها الأسير من عند الإفرنج ــ مع أنه لم تكن هناك حروب صليبية فى زمن المتبولى ــ فقال المتبولى " بسم الله ، فدعا ثم قال هاهو ولدك فوقع بصرها عليه ... فقال : اشهدوا بأن لله رجالا فى هذا العصر يجيب سؤالهم فى الحال ).[90] وهى نفس أساطير الكرامات التى تخصص فيها البدوى والتى استمد لقبه منها( مجيب الأسرى) ، وعليه كان المتبولى يصف نفسه بقوله( أنا أحمدى) نسبة للبدوى ، ( ويقول لا تكبروا خبزى على خبز أخى أحمد البدوى ، وكان سما ناقعا على الولاه ، فإذا تشوش من أمير أو وزير مات لوقته )[91]. وهذا التشابه المتعمد فى أساطير الكرامات لدى الاثنين يصل بنا إلى تشابه الإتهام بالشذوذ الذى كان متسلطا عليهما ، والذى حاولت الكرامات المفتراه أن تستره.     

 2 ــ ونعود إلى الكرامات التى شاع انتسابها للبدوى فى عصر المتبولى ، والتى كتبها عبدالصمد الأحمدى فيما بعد فى العصر العثمانى ، فمن ألقاب البدوى ( فحل الرجال أبو الفقراء والأطفال )، وكان البدوى حين مر على عبدالعال وهو صبى أمرد اتّبعه عبدالعال فكان : ( لايستطيع أن يمنع نفسه عن أتباعه) وقيل للبدوى : ( فإن جميع الأولياء نظروا فى تواريخ الرجال ، فما رأوا كفؤا لهذا الأمر إلا أنت يافحل الرجال ) وحين حاولت فاطمة بنت برى إغراءه بجمالها ( قال أحمد البدوى : فقلت فى خاطرى يافاطمة هذا شىء لايشغلنى ولايخطر ببالى ) أى ليس له اهتمام بالنساء لأن الذى يشغل ( فحل الرجال ) هو تحقيق الهدف الذى أمره به الهاتف فى المنام ، وقال له : ( استيقظ من منامك يانائم .. وسر إلى طندتا فإنك تقيم بها وتعطى وتربى بها أطفالا ) . وتربية الأطفال والسيطرة عليهم تكون بالطريقة الصوفية المعتادة . وقد أعلن البدوى سلطانه على كل الشباب :

أنا أحمد البدوى غوث لاخفا           أنا كل شبان البلاد رعيتى

3 ــ  أما كيف كان فحل الرجال الذى لايشتهى النساء يربى الأطفال والشباب فى خلوته بهم فوق السطوح  ؟ وكيف كان يقضى وقته معهم؟  

ذلك مانفهمه من خلال هذه القصة التى كانت متداولة شفهيا فى العصر المملوكى ، حتى كتبها عبدالصمد فى الجواهر السنية ( ومما وقع لسيدى أحمد البدوى رضى الله تعالى عنه، أنه قال لأصحابه يوما من الأيام من يقدر منكم يحملنى على ظهره ، ويثور بى حتى يستوى قائما؟ فقال سيدى عبدالمتعال : أنا ياسيدى ، فقام إليه سيدى عبدالمتعال ، فركب ظهره فهم أن يقوم به فلم يقدر على ذلك ، حتى كأن على ظهره جبلا عظيما ، وكان سيدى أحمد البدوى رضى الله تعالى عنه رفيع البشرة ممشوق اللحم نحيف البدن ، وكل واحد من الجماعة أعتى وأشد وأجسم منه ، فقام سيدى عبدالمجيد فقال أنا أحملك ياسيدى وأثور بك، ثم برك له ، وركب على ظهره ، فهم أن يثور به ، فلم يستطع أن ينهض به ولايتحرك ، فنزل الشيخ عن ظهره وقبل يده وجلس متأدبا إلى أخيه.  وقام بعده سيدى محمد قمر الدولة ، وركب على ظهره أيضا فلم يستطع النهوض ، وكان ذلك الوقت  وقت مباسطة)[92]..أى كان السيد البدوى يقضى وقته يركب ظهور أتباعه من الشباب ..وحتى لا يتهمنا أحد بإساءة الظن بالسيد البدوى فإن أم عبد العال نفسها سبقتنا أساءت الظن بالسيد البدوى ، فقد فهمت أم عبدالمتعال ماينتظر ابنها من شيخه فحل الرجال ، تقول الرواية ( وخرجت مع ولدها إلى سيدى أحمد ، ورأت ولدها يتبعه ،لايستطيع أن يمنع نفسه عن اتَباعه، فقال يابدوى الشوم علينا .!! )[93] .

 وربما نقرأ هذه النصوص مع حسن النية ، ولكن كيف يجتمع حسن النية مع تاريخ التصوف الطويل فى صحبة الأحداث وعقيدة الشاهد، ثم مع شخصيةالبدوى فحل الرجال الذى لم يتزوج طيلة حياته مكتفيا بتربية الأطفال ومباسطته معهم حين يحملونه على ظهورهم ؟

شيخ صوفى يحاول أن يتزوج حبيبه الأمرد رسميا

   1 ـ ـ وقد تحدث ابن القيم عن ظاهرة التزاوج الشاذ بين الصوفى وأحدهم .( ثم قد يشتد بينهما الاتصال حتى يسمونه زواجا ، ويقول تزوج فلان بفلان كما يفعله المستهزئون بآيات الله تعالى ودينه من مُجان الفساق ، ويقرهم الحاضرون على ذلك ، ويضحكون منه ، ويعجبهم مثل ذلك النكاح والمزاح) .

2 ــ  وحدث فى سنة 911 أن حاول أحد الصوفية أن يسجل زواجه بأمرد تسجيلا رسميا ، فاكتشف أمره ، يقول الغزى عن الشيخ محمد بن سلامة أنه شيخ عارف صوفى ضُرب بالمقارع إلى أن مات سنة 911، لأنه تزوج بامرأة خنثى واضح ودخل بها[94]. هذا ما يذكره المؤرخ الغزى الذى كان معاصرا للحدث

3 ــ أما المؤرخ ابن طولون الذى كان أيضا معاصرا للحادث فقد أتى بحقيقة الموضوع الذى من أجله قتل ذلك الصوفى ضربا ، يقول: ( وقع بمصر أمر عجيب ، هو أن شابا متصوفا متمصلحا اسمه محمد بن سلامة النابلسى أشهر نفسه بالتمصلح ، صحب بعض المردان ، فلما قرب شهر رمضان أتى به فى زى بنت إلى بعض مراكز الشهود فى مصر ، وطلب أن يعقد نكاحه عليها، فأجيب إلى ذلك ، ثم نمّ بعد أيام عليه بعض الجيران ، فخاف الشهود ، فأعلموا الأمير طرباى رأس نوبة النوب فطلبه ، وتفقد أمره فوجده صبيا فى زى بنت ، فادعى أنه خنثى ،فكشف عليه النساء فلم يروه إلا ذكرا ــ فضرب وأشهر على ثور وبعث للمقشرة إلى أن مات )[95].

وفى النهاية

 وفى النهاية كان من طوائف الصوفية من تخصص  فى طريقة معينة فى الشذوذ فى حفلات السماع ، وقد خصص لهم الجوبرى فى كتابه ( المختار فى كشف الأسرار ) فصلا بعنوان ( فى كشف أسرار الذين يدبون على المردان) قال فى مقدمته " إعلم إن أكثر هذه الطائفة مايتسمون بالفقراء ويحضرون السماعات .. الخ)[96]. وحكى غرائب عن تحايلهم فى الايقاع بالصبيان .

ونكتفى بهذا لأن ذوق عصرنا لايتحمل ماأدمنه العصر المملوكى من انحلال وشذوذ وسجله المؤرخون والصوفية كأنه أمر عادى، لأنه كان عندهم فعلا  أمرا عاديا باثر التصوف.

                  ج3 / ف 2 : التصوف والحشيش :

  كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

الفصل الثانى : مفرادات الانحلال الخلقى الجسدى عند الصوفية .

(  الصوفية واكتشاف الحشيش ، ضرورة الحشيش للصوفية ، تشريع الحشيش ، أشهر الصوفية  

      الحشاشين فى المصادر التاريخية ، الصوفية موزعو الحشيش فى المصادر الصوفية. )

الصوفية واكتشاف الحشيش :

 1     ــ  ارتبط اكتشاف الحشيش بالصوفية الحيدرية أتباع الشيخ حيدر الذى نسبت إليه الحشيشة ، وتحت عنوان " ذكر حشيشة الفقراء " يذكر المقريزى أن مكتشف الحشيش هو الشيخ حيدر ، وأنها شاعت فى خراسان ثم باقى البلاد عن طريق أتباعه والصوفية الآخرين ، وقيل أن أهل خراسان نسبوا اكتشافها للشيخ حيدر لاشتهار أصحابه بها.[97] . ويذكر صاحب "أحكام الحشيش" أن الحشيشة كانت تسمى بالحيدرية وبالقلندرية، وكان ظهورها على يد الشيخ حيدر فى سنة 505 تقريبا ولهذا سميت حيدرية ، وقيل ظهرت على يد الشيخ أحمد الشارجى القلندرى ولهذا سميت قلندرية " ولم يتكلم فيها الأئمة الأربعة وغيرهم لأنها لم تكن فى زمنهم ( وإنما انتشرت منذ المائة السادسة والسابعة)[98] . أى مع انتشار التصوف .  وفى القرن السادس كان ابن الجوزى يتحدث عن إدمان الصوفية فى عصره للحشيش باعتباره شيئا جديدا غير معروف ، يقول( وقد أبدلوا إزالة العقل بالخمر بشىء سموه الحشيش المعجون).[99]

ضرورة الحشيش للصوفية :

1 ــ وكلمة ابن الجوزى تشير إلى ضرورة الحشيش للصوفية ، فالتصوف دين يعادى العقل ويعمل على إخضاعه ليصدق أساطير الأشياخ ولا يتمرد عليهم بالاعتراض أو النقد ، ومن سمات الحشيش أنه مخدر ينقل صاحبه إلى جنة وهمية ، تتداخل فيها الحقائق مع الخيالات والواقع مع الوهم ، وتختلط فيه حالة الإنسان بين اليقظة والمنام ، إلى جانب الاسترخاء والتواكل والانسجام وحياة اللحظة ومتعة الوقت ، مما جعل مخدر الحشيش وسيلة صوفية للتعامل مع الحياة والعقل الإنسانى.

  2 ــ  وقد سألت بنفسى أحد المثقفين المدمنين للحشيش عن شعوره وقت تناوله فأجاب عن تجربته الشخصية بأنها( تثاقل الأنفاس ، دوخة خفيفة ، اهتزاز النظرات ، شعور تام بالإنسجام والراحة نسيان للواقع الشعور بسمو الذات ، الصفاء الذهنى وقتها والحضور والجرأة ، جفاف الحلق الإحساس بطول الوقت والمسافة ، التثاقل دون أى مجهود ، الكسل التام لمدة 48 ساعة)، وقد حرصت على نقل أفكاره كما هى على مايبدو فيها من بعض التناقض ، وعدم الترتيب واختلاط الأعراض الجسدية بالنفسية والعصبية . ومايريده التصوف من دنيا الحشيش هو الشعور التام بالإنسجام والراحة ونسيان الواقع وسمو الذات والتثاقل والكسل .

 3 ــ وقد نقل أحمد أمين تجربة " حشاش آخر" فقال : شعرت كأن جدران الكون انبسطت حولى ، وصدرت منه أصوات مطربة أزالت مافى نفسى من هم وخوف ، وفتح أمامى فردوس النعيم وخضت فى بحر من البهجة والسرور وطفح الحب على نفسى[100].   وهذه هى الصورة المثلى التى يتمناها الصوفى.

  4 ــ  وابن دانيال فى بابته( طيف الخيال) يقول على لسان أحد أبطال شخوصه عن الحشيش فى بداية العصر المملوكى ( الذين عرفوا سر الحشيش لأنهم ذاقوا بها لذة الكسل وهربوا من تعب العمل ، وزعموا أنها تفعل فى معدة الممعود فعل القرص فى الجلود .. فأكلوها فى الأسواق والمشاهد وهاموا فى طلب الرقص والمشاهد[101]. .. وواضح أنهم صوفية ، فالسمات كلها صوفية من الكسل والبطالة والمزاعم والرقص والمشاهد.

تشريع الحشيش:

 1 ــ   الحشيش اكتشاف صوفى فى عصر أغلق فيه باب الإجتهاد وسيطر فيه الصوفية فلابد أن يقوموا بتشريعه ، خصوصا وقد توقف كثير من الفقهاء ــ فى البداية ــ عن الإجتهاد بشأنه مما أتاح له فرصة الإنتشار ، يقول الفقيه السُّنى الزركشى فى القرن التاسع وقد ألف رسالة فى تحريم الحشيش: ( وبعد فهذه فصول فى الكلام على الحشيشة ، اقتضى الحال إلى شرحها لعموم البلوى كثيرا من السفلة بها، وتوقف كثير من الناس فى حكمها )[102].  ومعنى ذلك أن المجال ظل مفتوحا للصوفية حتى القرن التاسع لكى يصدروا الفتاوى بتشريع الحشيش دون أن يردعليهم أحد الفقهاء ، قبل أن يؤلف الزركشى رسالته ( أحكام الحشيش ) فى الرد عليهم .

  2 ــ  ومنذ البداية اشتهر بعض الأشياخ الصوفية بأنه كان يفتى بأكل الحشيش[103].

ثم ألف الشيخ علم الدين بن الصاحب قصيدته المشهورة التى يقول فيها :

               فـى خمـار الحشيش مـعنى مرامـى             ياأهيــل العقــول والأفهــام

              حـرمـوها مـن غــير عـقل ونـقل            وحـرام تـحريم غيـر الحـرام[104]

          فهو يهاجم مقدما من يحرمها لأنه يفتقر الدليل العقلى والنقلى ، ويفتى بأن من الحرام أن تحرم الحلال .

وعلى نفس النسق يقول ابن الأعمى الدمشقى :

              ولانص فى تحريمها عند مالك              ولا حدّ عند الشافعى وأحمد

              ولا أثبت النعمان تنجيس عينها              فخذها بحد المشرق المهند

وفى بداية قصيدته يقول ينسب الحشيش إلى لقبه المشهور ومكتشفه :

دع الخمر واشرب من مدامة حيدر           معنبرة خضراء مثل الزبرجد[105]

أشهر الصوفية الحشاشين فى المصادر التاريخية :

  1 ــ  وقبيل العصر المملوكى كان ابن عربى متهما بأكل الحشيش [106].

إلا أن أشهر مدمن كان فى القرن السابع كان الشيخ علم الدين ابن الصاحب وهو القائل فيها :

              يانفس مــــيلى إلى التـصـابى                فـاللــهو منه الفـــتى يعــــيش

              ولاتمــلـى مـن  سـكـر يـوم                إن أعــوز الخـمــر فالحشـــيش

       وقد كان ابن الصاحب فقيرا صوفيا مجردا قيل فيه ( أتلفه أكل الحشيش ) [107].

2 ــ وقيل فى الشيخ محمد بن محمود الصوفى ت 822 أنه كان متهما بحشيشة الفقراء[108].

3 ــ وفى نفس القرن التاسع كان الشيخ بكير الحنفى ت 847 قد ركب هواه واشتغل بما يزيل العقل ، يقول عنه السخاوى ( حتى بلغنى أنه كان يجتمع مع اليهود على مالا يرضى الله ، وآل أمره إلى أن باع كتبه وغيرها بحيث أصبح فقيرا ، وألجأه الفقر والتهتك إلى أن سافر إلى بلاد الروم )[109]

4 ــ ومن موسوعة ( الوافى بالوفيات ) الابن أيبك الصفدى نكتفى بهذه الأمثلة لشخصيات عاصرها المؤرخ  :

الشيخ ابن العماد المقدسى ( 608 – 688 ) كان له أتباع ومريدون ، وللناس فيه عقيدة ، إلا إنه كان يأكل عُشبة الفقراء فيما قيل ، ويقول : هى لُقيمة الذكر والفكر )( الوافى 6 / 218 : 219 )

الشيخ احمد بن ابراهيم ( 660 – 710 ) ( حصل له خبل من الحشيشة ) ( الوافى 6 / 223 )

وقال الوحيد الكاتب ت 711 فى تفضيل الحشيش على الخمر

وخضراء لا الحمراء تفعل فعلها   لها وثبات فى الحشا وثبات

تؤجج نارا فى الحشا وهى جنة  وتبدى مرير الطعم وهى نبات ( الوافى 3 / 151 )

ويقول الشيخ على ابن المظفر ت 716

إن الحشيش خضرة  أنيقة ومسكر

فى الكف روض اخضر والعين خمر احمر ( الوافى 22 / 213 ).

ودخل الشيخ ناصر الدين القرندى ( القلندرى ) مباراة فى شرب الحشيش مع منافس له ، وانتهت بموت منافسه ( الوافى 2 / 256 : 257 ) .

 5 ــ   وأصبح الحشيش من مفردات الانحلال الخلقى ومستلزمات الدين الصوفى ، فيقول بعض الصوفية

( ونعتذر عن إثبات النص كما هو )

                 لو قـال لى خـــالقى تمنى              قلت له ســـــائلا بصـــــدق

                 أريـد فى صــبح كل يــوم              فُـــتـوح خــيــر يأتى بـرزق

                  كفُّ حــشـيش ورطل لحم              ومنّ خــبــز ونيك علــق                                            

        الصوفية موزعو الحشيش فى المصادر الصوفية :    

 1 ــ كانت الكرامات كالعادة هى طريقة الصوفية فى ستر انحلالهم الخلقى ،ومنه تناول الحشيش وبيعه ، ويبدو ذلك فى ترجمة الشريف المجذوب فى طبقات الشعرانى ، يقول فيه ( وكان له كشف ومثاقلات للناس الذين ينكرون عليه ، وكان رضى الله عنه يأكل فى نهار رمضان ويقول أنا معتوق أعتقنى ربى ، وكان كل من أنكر عليه يعطيه فى الحال .. وكان رضى الله عنه يتظاهر ببيع الحشيش، فوجدوها يوما حلاوة )[110].  وهكذا تحول بيع الشريف المجذوب للحشيش إلى مجرد تظاهر، وتحول الحشيش على يده إلى حلاوة، أى (أنه كان يغش فى الصنف ).

 2 ــ  ويكرر الشعرانى نفس الأسطورة ونفس التعليل فى ترجمته للشيخ أبوبكر الدقدوسى ( وكان له صاحب) من الأولياء يصنع الحشيش بباب اللوق ، ( فكان الشيخ رضى الله عنه يرسل له أصحاب الحوائج فيقضيها لهم) أى كان ذلك الحشاش من أصحاب التصريف والحملات ( قال سيدى عثمان رضى الله عنه فسألته يوما عن ذلك ، وقلت المعصية تخالف طريق الولاية ،فقال ياولد ليس هذا من أهل المعاصى ، إنما هو جالس يتوب الناس فى صورة بيع الحشيش ، فكل من اشترى منه لايعود يبلعها أبدا) [111]. أى الذى يبلع الحشيش من الشيخ الدقدوسى يتوب بسرعة . ومع ذلك فالزبائن يتهافتون عليه يشترون منه فكيف كانت نوعية توبتهم ؟

 3 ـ  وحتى يرهب الشعرانى الفقهاء فى عصره من الاعترا ض على الأولياء الصوفية مدمنى الحشيش فقد هددهم بسلب العلم ـ وهى كرامة صوفية كان شائعا الاعتقاد فيها فى العصر المملوكى . والشعرانى اخترع هذه الحكاية يقول: ( روى عن شيخ الإسلام صالح البلقينى أن والده الشيخ سراج الدين مر باب اللوق فوجد هناك زحمة ، فسأل عنها ، فقالوا : شخص من أولياء الله يبيع الحشيش ، فقال لو خرج الدَجال حينئذ فى مصر لاعتقدوه من شدة جهلهم ، كيف يكون شخص حشاش من أولياء الله ، إنما هو من الحرافيش . ثم ولى، فسلب الشيخ جميع مامعه حتى الفاتحة ، فتنكرت عليه أحواله ، وصارت الفتاوى تأتى إليه فلا يعرف شيئا ، ونسى ما قال فى حق الحشاش ، فمكث كذلك فى مدرسته بحارة بهاء الدين ثلاثة أيام ، فدخل عليه فقير فشكى إليه حاله ، فقال : هذا من الحشاش الذى أنكرت عليه ، فإن الفقراء أجلسوه هناك يتوب الناس عن أكل الحشيش ، فلا يأخذها أحد من يده ويعود إلى أكلها أبدا حتى يموت ، فأرسل إليه يرد عليك حالك ، فأرسل إليه فبمجرد ماأقبل الرسول أنشده الشيخ شعرا ، وقال لو كنا عصاة نبيع الحشيش ماأقدرنا الله على سلب شيخ الإسلام ، ثم قال له سلم على شيخ الإسلام، وقل له أعمل أربعة خراف معاليف شواء وأربعمائة رغيف وتعالى اجلس عندى ، وكل من بعته قطعة حشيش زن له  رطلا واعطه رغيفا ، فشق ذلك على شيخ الإسلام ، فما زال به أصحابه ، حتى فعل ذلك، وصار يزن لكل واحد الرطل ويعطه الرغيف والشيخ يبتسم ، ويقول نحن نحليهم فى الباطن وأنت تحليهم فى الظاهر ، إلى أن فرغ الخرفان ، ثم قال له اذهب إلى الديك الذى فوق سطح مدرستك فاذبحه وكل قلبه يرد عليك علمك ، فبالله عليك كيف تتكبر على المسلمين بعلم حمله الديك فى قلبه ، فمن ذلك اليوم ماأنكر الشيخ البلقينى على أحد من أرباب الأحوال ) [112].

وفى هذه الأسطورة المضحكة لم يتفضل علينا الشعرانى بإسم ذلك الشيخ الصوفى الحشاش الذى سلب علم شيخ الإسلام البلقينى ووضعه فى قلب ديك ، ولم يكن سراج الدين البلقينى من الخفاء بيحث يحدث له هذا الحادث الخطير المضحك دون أن يكتب ذلك فى مؤلفاته الكثيرة ، أو يكتب ذلك عنه أحد رفاقه وهم كثيرون فى عصره . ولكن الشعرانى بموهبته الفائقة فى الاختراع  رصّع هذه الحكاية كثيرا من التشويق والترهيب بحيث يجعل القارىء فى عصره يصدق أن وليا صوفيا مجهولا يتاجر فى الحشيش يرغم شيخ الإسلام البلقينى فى القرن التاسع على أن يجلس على " دكة" إلى جانبه وهو يبيع الحشيش.

أخيرا

 جاء فى جريدة ( اليوم السابع ) :الخميس، 27 أكتوبر 2011 خبر عن معركة المفتى وقتها والسلفية ـ  سببه أن المفتى وقتها قال إن الإمام ابن حجر العسقلانى كان يبيع الحشيش أمام الأزهر، فهبّ مرشح لحزب النور يصف كلامه بالإفتراء. ).

المفتى بكل ما يتمتع به من جهل صدّق أساطير الصوفية ، وردّ عليه السلفيون بجهل أكبر. . واعددت مقالا وقتها بعنوان ( تأصيل الأثر فى تبرئة ابن حجر من بيع الحشيش للبشر .. يا أيها  البقر ..!! ).

ثم لم أنشره لأنه لا فائدة من تعليم البقر. !! 



[1]
ـ تائية ابن عربى . مخطوط مكتبة الأزهر 166. أباظة 35، 38 ، 39

[2] ـ الطبقات الكبرى للشعرانى ج2 / 158 ط صبح .

[3] ـ ديوان ابن الفارض 50، 51 مكتبة القاهرة 1979.

[4] ـ الجيلى (الإنسان الكامل) ج1 /17، 18، 23، 24، 28، 31، 41، 45، 49، 51، 54، 55، 56، 57،/ج2/ 18، 31، 42، 59، 61،

      68، 74، 77، 80.

[5] ـ تلبيس إبليس 165.

[6][6] ـ الرسالة القشيرية 176.

[7] ـ تلبيس إبليس 165.

[8] ـ الإحياء ج2 /260 ، 26.

[9] ـ الإحياء ج2/260، 26

[10] ـ تلبيس إبليس 358 .

[11] ـ نفس المرجع 356.

[12] ـ العينى . عقد الجمان وفيات 819، ابن حجر . إنباء الغمر ج3/105. السخاوى الضوء اللامع ج2/12 ، الشعرانى الطبقات الكبرى

      ج2/75ط صبيح ، لواقح الأنوار 27 .

[13] ـ لطائف المنن للشعرانى 436 ط قديمة .

[14] ـ لواقح الأنوار 309.

[15] ـ لواقح الأنوار 309

[16] ـ الطقات الكبرى للشعرانى ج2/115  ط . قديمة,

[17] ـ  الطبقات الكبرى للشعرانى ج2/115 ط. قديمة .

[18] ـ المدخل جـ2 /11، 12.

[19] ـ مناقب الحنفى . مخطوط 321، 380 ، 422 ، 424، 479: 482، 309.

[20] ـ مناقب الحنفى. مخطوط 321، 380، 422، 424، 479: 482، 309.

[21] ـ مناقب الحنفى . مخطوط 321، 380، 422، 424، 479: 482، 309.

[22] ـ لواقح الأنوار 288، 289.

[23] ـ الطبقات الكبرى ج2/166 صيح .

[24]ـ المدخل ج2/204 .

[25]  ـ المقدسى الرجائى. العقد الفريد فى حكم الأمرد .مخطوط ورقة 51، 52.

[26] ـ لواقح الأنوار 323.

[27] ـ لطائف المنن للشعرانى 321 ط قديمة.

[28]ـ لواقح الأنوار 180، 360..

[29] ـ لواقح الأنوار 180، 360.

[30]ـلطائف المنن 273: 274.ط دار الفكر، البحر المورود 342.

[31] ـ لطائف المنن 273: 274ط دار الفكر، البحر المورود 342.

[32] ـ الطبقات الكبرى جـ2/119 صبيح، لطائف المنن 321ط قديمة ، لواقح الأنوار 360..

[33] ـ الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/92 ط قديمة

[34] ـ نفس المرجع جـ2/122ط صبيح.

[35] ـ المدخل جـ2/205..

[36] ـ لواقح الأنوار375، 376..

[37] ـ الجواهر السنية 26..

[38] ـ النويرى نهاية الأرب مخطوط 28/119: 121.

[39] ـ تاريخ ابن كثيرج13/278.

[40] ـ الطبقات الكبرى2/2.

[41] ـ تاريخ ابن اياس ج2/61 ط بولاق

[42] ـ. الجواهر السنية 25.

[43] ـ الأبشيهى المستظرف ج1/39،تيمور الأمثال الشعبية 221.

[44] ـ الأبشيهى المستظرف ج1/39، تيمور المثال الشعبية221.

[45]ـ  إغاثة اللهفان ج2/142

[46]  ـ تاريخ ابن كثير ج14/119.

[47]  ـ.المناوى الطبقات الكبرى. مخطوط رقم300

[48] ـ الطبقاتالكبرى للشعرانى ج2 /  130ط صيح

[49] ـ  لواقح الأنوار 98.

[50] ـ الطبقات الكبرى للشعرانى ج2/139.

[51] ـ لواقح الأنوار 101.

[52] ـ تيمور . الأمثال الشعبية 389.

[53] ـ اصطلاحات ا لصوفية للقاشانى 138، 139، 153.

[54]ـ الرسالة القشيرية 74، 75.

[55] ـ مشكاة الأنوار 88، تحقيق أبو العلا عفيفى ، الهيئة العامة للكتاب 1964.

[56] ـ تلبيس إبليس 165.

[57]ـ الإحياء ج4 / 289، 286، 300.

[58] ـ الإحياء ج4/289، 282، 300.

[59]ـ الرسالة القشيرية 253، 146.

[60]ـ الرسالة القشيرية 253، 146

[61]ـ .الأحياء ج4/ 92.

[62] ـ المنار المنيف123، 124.

[63] ـ عجائب الآثارج2 /144.

[65] ـ رسالة القشيرى 320، 321، 37.

[66] ـ رسالة القشيرى 320، 321، 37

[67] ـ رسالة القشيرى 320، 321، 37.

[68] ـ رسالة القشيرى 320، 321، 37

[69] ـ تلبيس إبليس 260.

[70] ـ السخاوى . التبر المسبوك 103، 104.

[71] ـ أبو الفتح المقدسى الرجائى : حكم الأمرد 49، 50، 51، 40.

[72] ـ أبو الفتح المقدسى الرجائى : حكم الأمرد 49، 50، 51، 40.

[73]ـ تاريخ البقاعى . مخطوط : ورقة 136 ب .

[74] ـ المدخل ج2 /161 .

[75] ـ تلبيس إبليس 360.

[76] ـ ابن تيمية . التنفير من الأمرد 247، 255، 256.

[77] ابن تيمية . التنفير من الأمرد 247، 255، 256.

[78] ـ تلبيس إبليس 160.

[79]ـ. إغاثة اللهفان ج2/143: 147

[80] ـ تلبيس إبليس 256

[81]ـ. الصفدى : فوات الوفيات ج 1 /185، 196

[82]ـ. تاريخ ابن الفرات ج 8 /85.

[83] ـ فوات الوفيات ج1/466: 467.

[84] ـ.ا لسلوك 4/1/43.

[85]ـا بن حجر : أنباء الغمر ج 1/50، الدرر الكامنة ج4/108.

[86] ـ الشوكانى ـ البدر الطالع ج1/300، 301.

[87] ـ ـإنباء الغمر ج3 /209.

[88] ـ تاريخ ابن اياس ج 2 /181: 182.

[89]ـ الطبقات الكبرى ج2/77: 80.

[90] ـ الطبقات الكبرى ج 2/77: 80.

[91] ـ الطبقات الكبرى ج2/77: 80.

[92] ـ الجواهر السنية 4، 50، 53، 54، 55، 24، 99، 42.

[93] ـ الجواهر السنية 4، 50، 53، 54، 55، 24، 99، 42.

[94] ـ الغزى الكواكب السائرة ج1 /51.

[95] ـ تاريخ ابن طولون ج1 /297 :298.

[96] ـ الجويرى : المختار  فى كشف الإسرار 137.

[97] ـ الخطط ج 2/ 516، 518.

[98] ـ الزركشى أحكام الحشيش مخطوط 154.

[99] ـ تلبيس إبليس 362.

[100] ـ قاموس العادات والتقاليد170.

[101]ـ ابن دانيال طيف الخيال 149 تحقيق ابراهيم حمادة.

[102] ـ أحكام الحشيش 154.

[103] ـ شذرات الذهب ج 7/40 .

[104] ـ النجوم الزاهرة ج 7 /380.

[105] ـ الخطط ج 2 /517: 518

[106] ـ  البقاعى تنبيه الغبى 182

[107]ـ الصفدى عيون التواريخ . مخطوط ج 3/ 8. النجوم الزاهرة ج 7 / 380.

[108] ـ السلوك 4 /1 /514 .

[109] ـ السخاوى التبر المسبوك 78.

[110] ـ الطبقات الكبرى ج 2 / 135.

[111] ـالطبقات الكبرى ج 2 /96.

[112] ـ لواقح الأنوار 100، 101.

ج 3 ف 3 انحلال المجتمع المصرى المملوكى بتأثير التصوف .

  الفصل الثالث : انحلال المجتمع المصرى المملوكى بتأثير التصوف .

انحلال القضاء فى العصر المملوكى بأثر التصوف : 

 القضاة وظيفيا:

          1 ــ القضاة فى أى عصر هم ضمير المجتمع وحراس الفضيلة والعدل فيه ، أو هذا ماينبغى أن يكون ، وإذا لحق التلوث بمجتمع القضاة والعلماء فمعناه أن الوباء قد أفنى الباقين .

          والقضاة فى عصرنا المملوكى كانوا يؤمنون بالتصوف ، بل كانوا الحراس له ضد الفقهاء الحنابلة السنيين المتمردين على شطحات الصوفية ، وقد عانى ابن تيمية وصحبه الكثير من قضاة عصرهم ، فهم كانوا حراس العقيدة الغالبة والدين المسيطر ، والعقيدة كانت عقيدة التصوف ، والدين كان دين الصوفية ، ومن الطبيعى بعدها أن يكون القضاة الصف التالى مباشرة للأولياء الصوفية ، وإذا طبق الصوفية انحلالهم الخلقى دينا وسلوكا فالقضاة هم أول الناس اقتداء بهم .

           ومن ناحية أخرى لم يعد المجال متاحا أمام الفقيه النابغ الذى لا تأخذه فى الحق لومة لائم ، فقد أخفق هذا النموذج بانهزام ابن تيمية الفقيه السنى أبرز فقهاء العصر المملوكى ، وقضى حياته بين حبس ونفى واضطهاد ومؤامرات . وفى نفس الوقت فإن التصوف ــ وهو الدين المسيطرــ يعطى النموذج للقاضى المناسب للحاكم والمحكوم ، إذ هو فقيه متواضع العلم خانع للسلطة يأتمر بأمرها ، ويستريح الجميع من قلاقل ابن تيمية وأشباهه ، والحاكم المملوكى يجد فى التصوف وقضاته مايريد ، فهو حاكم يتمسح بالإسلام ويريد فى نفس الوقت أن يمارس غرائزه الجسدية وأن يظلم الرعية ويدخل الجنة ، والتصوف يقدم له هذه العملة الصعبة ، فهو يرفع شعار الإسلام ويمارس كل مانهى عنه الإسلام ، ويطبق الشريعة بهذه النوعية ، وكان من القضاة الصوفية أولئك الذين يحرمون ماحرمه الحاكم ولو أحله الله ويحلون مايريده السلطان ولو أغضب الله .. والإفاضة فى هذا الموضوع يخرج عن موضوعنا .

           2 ــ ومقاييس اختيار القاضى المملوكى لم يكن منها عدالة القاضى وأمانته وعلمه ونزاهته ، بل على العكس كان اختيار القضاة يتم بالرشوة وتوارث المنصب ، وإذا تولى القاضى بالرشوة فلابد أن يطمع فى استرداد مادفع من أموال ، ولن يكون ذلك إلا على حساب العدالة . يقول المقريزى فى حوداث 830( خُلع على ابن حجى واستقر فى قضاء القضاة بدمشق عوضا عن أبيه ، وهو شاب صغير لم يستتر عذاريه بالشعر ( أى لم تنبت لحيته) لكن قام بمال كبير( أى قدم رشوة كبيرة )  ، فلم يلتفت مع ذلك لحداثة سنه ولا لكونه ماقرأ ولا درى ، وقديما قيل :

تعـد ذنوبـه والذنـب  جمُ             ولكن للغنـى رب غفـور [1] .

            فهذا الطفل أصبح قاضيا للقضاة فى مصر وورث منصب أبيه بالرشوة  مع كونه صبيا لا يعلم شيئا وما تعلم شيئا .

ولم تكن تلك هى الحالة الوحيدة التى ذكرها المقريزى ، فقد سبقتها حالة مماثلة سنة 825، والمقريزى المؤرخ كان قاضيا وتولى الحسبة ، وهى شهادة منه على عصره ، ومثله العينى قاضى القضاة ، وهو يقول عن زميله قاضى القضاة جمال الدين يوسف الحنفى ( أنه حصل جملة من الوظائف) أى بالرشوة ( وأعطى السلطان وظائفه جميعها لابنه الصغير)[2]. وكان ذلك سنة 829 أى كان أمرا عاديا يتكرر دون إنكار من داخل النظام الحاكم . ولكن جاء الإنكار من خارج السلطنة ، ففى حوادث سنة 838 هجرية أن السلطان شاه رخ ( أنكر على السلطان برسباى أخذ الرشوة من القضاة )[3]..

            لقد أصبح القضاء من جملة المناصب التى  يتقلب فيها شيوخ الخوانق الصوفية الرسميون ، وربما يحصل أحدهم على عدة مناصب من بينها القضاء والتدريس والتصوف والمؤسسات الصوفية ، وفى حوادث 823 تعيين الشيخ البساطى شيخ الخانقاه الناصرية فرج قاضيا للقضاة المالكية [4]. وكان القاضى ابن الديرى ت 867 شيخا للخانقاه المؤيدية للتصوف والتدريس[5]. أى كانت الدولة المملوكية تبيع المناصب للراغبين، ومنها منصب القضاء ، وتحدث حركة تنقلات من المؤسسات الصوفية ووظائفها التعليمية الى منصب القضاء ، أويرث المنصب ابن القاضى المتوفى إذا دفع ابنه الرشوة بغض النظر عن مقدار علمه أو عمره أو كفاءته .

            3 ــ ومن الطبيعى أن يفرز ذلك النظام طائفة من القضاة الجهلة والأميين، فيحكى أبو المحاسن عن القاضى ابن السفاح ت 835  أمورا تظهره مخبولا جاهلا [6].ويقول المقريزى عن قاضى القضاة الهروى أنه ( ظهر نقصه وعجزه مع طمع شديد وجهل بما أسند إليه بحيث كان لايحسن قراءة الشكاوى ولا الكتابات الواردة إليه، فتولى عن ذلك نائبه)[7]. وقيل فى القاضى ابن الكويز ت 816 أنه( كان عاريا من العلم يكثر الصمت بين الفقهاء خوفا  من اللحن فى كلامه ، وكان لايحفظ من القرآن إلا القليل) [8].

             4 ــ وماأسهل أن يتخاصم أولئك القضاة ويدعى بعضهم على بعض ، فيذكر ابن حجر أن بعضهم ادعى على شمس الدين الرازى الحنفى بأنه وقع فى حق النبى (ص) ، ثم ادعى عليه قاض آخر أنه قال له : أنت يهودى ، وحوكم وقامت عليه البينة فعُزر وحقن دمه[9]، وتكرر نفس الموضوع فى عصر الغورى سنة 619 ( وقع أحد نواب الحنفية فى حق النبى (ص) بكلمات ، فبلغ السلطان ، وعندما طلع السلطان للتهنئة بالشهر أمرهم بإحضار ابن الرومى الحنفى وقد اختفى)[10]. أى كان من السهل أن يقع أولئك القضاة فى سب الرسول (ص). وجاء فى حوادث 786 ( وقع بين القضاة فى حلب فتنة عظيمة ، وقذفوا أعراض بعضهم بعضا بالفسوق ، فعزلهم السلطان برقوق )[11]  

         5 ــ  ومن الجهل وسوء الأدب الذى يصل إلى درجة سب النبى ( ص) نصل لظاهرة غريبة فى قضاة العصر المملوكى، فتاريخ القضاة كان يتميز قبل العصر المملوكى بذلك التعصب للمذهب ، حتى كان لابد من تعيين قضاة أربعة للمذاهب، وقد ورث العصر المملوكى هذا التقليد ، إلا أن القضاة الصوفية فيه لم يكن بهم ذلك التعصب المقيت لأحد المذاهب بسبب جهلهم بالفروق بين المذاهب الأربعة والخلافات المذهبية بينها .وبسبب رغبتهم فى التكسب بأى طريق وعلى أى مذهب ، لذا كان من السهل أن يتحول القاضى عن مذهبه إلى مذهب آخر تبعا لمصلحته الشخصية .

ففى حوادث 768 أن الأمير يلبغا تعصب فى أواخر دولته للمذهب الحنفى فتركه كثير من القضاة والفقهاء الشافعية مذهبهم إلى المذهب الحنفى [12].

والقاضى شهاب الدين الأذرعى المالكى كان شافعى المذهب ثم انتقل إلى مذهب مالك لأجل الوظيفة ، ولكنه لم يهنأ بمنصبه فقد قتله نائب طرابلس التى ولى قضاءها سنة 802.

ومثله أيضا القاضى شمس الدين البحاصى الحنفى الذى كان شافعيا ثم انتقل إلى مذهب أبى حنيفة لأجل القضاء وكان خاليا من العلم ، وقتله أيضا نائب طرابلس سنة 802 [13].

وتحول القاضى ابن الشحنة ت830 من الحنفى إلى المالكى بعد الفتنة العظمى حسبما يقول ابن حجر [14].

 وفى سنة 802 قال أبوالمحاسن عن القاضى شمس الدين الصلتى (ت803) أنه عمل مالكيا ثم شافعيا ولم تحمد سيرته فى مباشرته القضاء ، ويعلق أبوالمحاسن عليه( وكيف تحمد سيرته وهو ينتقل فى كل قليل إلى مذهب من أجل المناصب ، فلو كان يرجع إلى دين مافعل ذلك ، ومن لم يحذر على دينه يفعل مايشاء)، ثم يستمر أبوالمحاسن ( قلت ــ والشىء بالشىء يذكرــ وهو إننى اجتمعت ذات مرة بالقاضى كمال الدين ابن البارزى كاتب السر الشريف فدفع إلى كتابا من بعض أهل غزة ممن هو فى هذه المقالة ، فوجدت الكتاب يتضمن السعى فى بعض وظائف غزة ، وهويقول فيه : يامولانا . المملوك ــ يقصد نفسه ــ منذ عزل من الوظيفة الفلانية خاطره مكسور والمسئول من صدقات المخدوم أن يوليه قضاء الشافعية بغزة، فإن لم يكن فقضاء الحنفية ، فإن لم يكن فقضاء المالكية ، وإلا فقضاء الحنابلة ، فكتبت على حاشيته الكتاب بخطى " فإن لم يكن فمشاعلى ملك الأمراء"[15].

أى يحمل مشعل ملك الأمراء جنديا خادما له .!

ومن الغريب أن أحدهم كان يلحق باسمه مذهبه الفقهى حتى لو لم يتقلد منصب القضاء ، فيقال فلان الشافعى أو الحنفى ،ويصير مذهب الحنفى أو الشافعى أو المالكى عنوانا على إسمه وشخصه ، ومع ذلك فقد كانوا سرعان مايتنازلون عن هذه الصفة فى سبيل المبدأ الأساسى وهو المنفعة الدنيوية .

 6 ــ وقد يكون أحدهم متمتعا بحب الناس واعتقادهم فى صلاحه وولايته حتى إذا تولى القضاء ظهر على حقيقته وعانى الناس من شره وجهله ، فالقاضى الصوفى ابن بنت ميلق الشاذلى ت 797 قاضى القضاء بمصر( كان فى بداية أمره يعظ الناس ولهم فيه محبة واعتقاد ، ثم سئل بالقضاء فوليه ، فلم تشكر ولايته ولا سيرته وعزل ، ووزن ــ أى دفع ــ مالا كثيرا أخذه ظلما )[16].

  وكان السلطان برسباى يعتقد فى صلاح القاضى الأرموى المالكى( ت 836) فلم يعزله عن القضاء ( ولم يسمع فيه كلاما لأحد ، مع شهرته بسوء السيرة ومزيد الجهل والتجاهر بالرشوة ، حتى حصل من ذلك مالا جزيلا)[17] .

وكان قاضى القضاه السنباطى ت 868 مشهورا بالفضيلة مع لين الجانب وتدين قبل أن يتولى القضاء وعندما تولى المنصب ( لم تشكرسيرته فى القضاة )[18]

لقد كانت عقيدة العصر زائفة تحمل شعار الإسلام وتمارس نقيضه وهو التصوف، والفقهاء الصوفية هم أبرز من يعبر عن هذا النفاق وإظهار عكس مافى القلب ، وكان منصب القضاة هو المحك العملى لتنفيذ الدين الواقعى العملى السائد ، وهكذا فعندما يتولى القضاء أحد أولئك الذين يتمتعون بالشهرة والصلاح حتى يظهر للناس معدنهم الحقيقى . وقد اشتهر زكريا الأنصارى بتزعم الفقهاء فى الربع الأخير من القرن التاسع وحمل لقب شيخ الإسلام ، ولكنه كان فى عقيدته مريدا صوفيا ، وعرضنا لدوره فى كائنة البقاعى مع ابن الفارض ، ويهمنا منه هنا أنه تولى القضاء للسلطان قايتباى سنة 886 وقد كان على صلة وثيقة بالسخاوى المؤرخ ، يقول عنه فى الضوء اللامع ( وبيننا أنسة زائدة ، ومحبة من الجانبين تامة) ومع ذلك فإن السخاوى يقول عن ولايته للقضاء ( كانت ولايته على المستحقين نقمة ، وجهالته فى تصرفاته على المستحقين المسلمين غمة ، بحيث عادت محبة الناس فيه عداوة ، وزادت الرغبة إلى الله بزواله عقب الصلاة والتلاوة) ( ولو التفت لجهة المستحقين لانكف عنه بيقين ولكن حب الدنيا رأس كل خطيئة )[19].

وزكريا الأنصارى اعترف فيما بعد للشعرانى فقال ( توليتى للقضاء صيرتنى وراء الناس ، مع أنى كنت مستورا أيام السلطان قايتباى) وحاول الشعرانى أن ينافقه ويسرى عنه ( فقلت له ياسيدى أنى سمعت بعض الأولياء يقول : كانت ولاية الشيخ للقضاء سترا لحاله كما شاع عند الناس من زهده وورعه ومكاشفاته فقال : الحمد لله خففت عنى ياولدى) [20].

 تلك كانت لمحة سريعة عن طبيعة قضاة العصر المملوكى فى الجانب العلمى الوظيفى ، فأين كانوا فى الجانب الخلقى ؟   

انحلال القضاء خلقيا فى العصر المملوكى بأثر التصوف

 تمتع قضاة العصر بمفردات الانحلال الخلقى كلها وفق تشريع التصوف الذى به يدينون .

1 ــ فقد كان لهم مشاركة فى الشذوذ الجنسى سجلتها عليهم المصادر التاريخية ، يقول ابن طولون فى حوادث سنة 886 ( وفى هذه الأيام أشيع بدمشق عن قاضيين من الأربعة إشاعة فاحشة ، ولعلها تكون كذبا فلا حول ولا قوة إلا بالله )[21].

وحضر إلى المحتسب ابن سليمان أحد نواب القاضى ابن خير ، وقد قبض عليه جمع كبير من الناس متلبسا مع صبى صغير يفعل به الفاحشة نهارا، فضربه المحتسب وحبسه [22].

وفى سنة 825 حدثت فضيحة فى ( الوسط القضائى) أثبتها ابن حجر ـ فقد ادعى على شيخ شمس الدين بن عبدالمعطى الكوم ريشى الحنفى أنه قذف الشيخ شمس الدين محمد بن حسن الحنفى بالبغاء ، وأنه هو الفاعل به وإن ذلك كان بواسطة الشيخ شهاب الدين الكوم ريشى أحد قراء الكتب ، وكانت الدعوة عليه عند قاضى القضاة الحنفى زين الدين الأقفهسى ، وكان الذى قام عليه بالدعوة شهاب الدين بن عبدالله أحد نواب القاضى الحنفى ،وقد قال له الأمير برسباى: أنت الذى كان أخى فلان يتعشقك وغرم عليك مالا كثيرا، وأمر بالتوكيل به وعزله من نيابة القضاء فاعتقل ثم شفع فيه، فأطلقوه ، وأعيد للقضاء[23]. أى عاد قاضيا مع هذا السجل الحافل بالشذوذ السلبى .

وذلك القاضى شمس الدين بن عبدالمعطى الكوم ريشى كان أبوه أيضا يعمل قاضيا حنفيا ، وهو الشيخ زين الدين عبدالمعطى الحنفى ( ت 810) وقد أتوا إليه بشاب متهما باغتصاب صبى صغير ، وكان ذلك القاضى وقتها يعمل فى الإشراف على بناءعمارة للأمير أقباى الحاجب ، فما كان من ذلك القاضى إلا أن أمر فى الحال العمال الذين فى العمارة بأن يفسقوا بالشاب المتهم قصاصا بزعمه [24]، وذلك تجديد فى التفكير الصوفى ، ثم جاء ابنه القاضى شمس الدين يدعى على زميله أنه اغتصبه ، وحقيقة هى ذرية بعضها من بعض. والمضحك أن أولئك الذين كانوا منوطين بتطبيق الشريعة كانوا يحملون أسماء دينية مثل شمس الدين وشهاب الدين ، وكانت أعمالهم عكس مايأمر به الدين الذى يحملون اسمه ، وينفذون شرعه بزعمهم ، إلا إنّ التصوف دينهم العملى الواقعى يعتبر الشذوذ من طقوسه الدينية ، وذلك لم يكن عيبا أو لم يعد عيبا .

 2 ــ وبعضهم وقع فى جملة انحرافات خلقية ومالية ، ففى سنة 803 ولى السلطان برقوق الشيخ يوسف المالطى قضاء الحنفية ، يقول عنه ابن حجر ( فباشرها مباشرة عجيبة ، فإنه قرب الفساق ، واستكثر من استبدال الألقاب ، وقتل مسلما بنصرانى ، ولما مات الكلستانى استقر بعده فى تدريس الصرغتمشية ، ووقع فى ولايته أمور منكرة منها ما قدم من الأنجاس فى الاستبدال ، واشتهر أنه كان يفتى بأكل الحشيش ، ووجوه من الحيل فى أكل الربا وأنه كان يقول : من نظر فى كتاب البخارى تزندق )[25].

 وننقل من المقريزى رأيه فى بعض قضاة عصره : ( القاضى ابن حجى: قاضى قضاة دمشق وكاتب السر فى مصر ت 830 : كان يسير غير سيرة القضاة  ، وُيرمى بعظائم ، ولم يوصف بدين قط ) ( الشيخ بدر الدين البردينى ت 831 قاض شافعى بالقاهرة : لم يوصف بعلم ، ولا دين ، ومستراح منه) ( قاضى القضاه المالكى بمصر شهاب الدين أحمد ت 836 : لم يشتهر بعلم ولا دين )[26] .

وقيل نحو ذلك على بعض المشهورين من قضاة القضاء فابن خلكان ( كان يهوى بعض أولاد الملوك ، واتهم بحب الصبيان، وأكل الحشيش )[27].

وقيل فى الهروى ( جرت منه أمورفاحشة، السكوت عنها أجمل) [28] .  

وقيل فى سراج الدين البلقينى ( كان له ذكاء مفرط ، لكنه سىء المزاج ، مستغرقا فى اللهو واللذات التى تميل إليها النفوس ، ممتعا بالجاه والمال ، مثابرا على بلوغ الآمال [29].

وقيل فى ترجمة الشيخ ابن النقيب قاضى القضاة الشافعى ( كان غير مشكور السيرة، رث الهيئة ، يزدريه كل من يراه ، وقال فيه شاعر :

             ياأيهــا الناس قـفـوا واسـمـعـوا            صــفــات قـاضــينا التى تطرب

             يلـوط ، يزنـى، ينتشـى، يرتشـــى            ينمُ ، يقضـى بالهــوى ، يكــذب [30]

ولولا أن شأن القضاة قد هان على الناس ماجرؤ شاعر على مثل هذا القول .

 3 ــ وفى هذا الجو الفاسد كان بعض القضاة لايخجل من المجاهرة بالمعصية.

يقال عن قاضى القضاة ابن الأدمى ( كان لايحترز عن الحرام ، ويتهم باستعمال المنكر من الأشربة وغيرها)[31] .

 وتولى الشيخ السفطى القضاء ( فظهرت منه أمور مستقبحة مما لايعبر عنها ، وضج منه الفقهاء) ( وقد عزله السلطان وقد ثبت لديه قبح فعاله ، وإظهار معايبه ، وكان يتباهى فى قبح الأفعال فى تلك الأيام جدا)[32] .

وقال السخاوى عن الشيخ بكير أنه افتقر وباع كتبه بسبب تعاطى المغيبات ، ومع ذلك ساعده الأمير ططر ( حتى استقر فى قضاء الحنفية فى حلب ، وكان عريا عن الفقه ، يفتى بغير علم ، وربما أفحش فى الخطأ) ، وقال السخاوى عن شهاب الدين الكتانى قاضى القضاة الحنبلى ت 850 ( كان مدمنا المجاهرة بالفسق) [33].

4 ــ وأحيانا كان فساد القضاء أشد من فساد باقى طوائف المجتمع ، فيحدث أن  يضج الرأى العام من انحلال القضاة الخلقى ، وتلك ظاهرة غريبة وفريدة فى تاريخ القضاء على مستوى العالم ، حسبما نعلم .

 يقول المقريزى فى حوادث 825( أخذ الناس فى تتبع عورات القضاة والفقهاء لميل ولاة الشوكة إلى معرفة ذلك ، فإن الأحدوثة عنهم قبحت والمقالة فيهم شنعت .

وكنــا نستـطب إذا مرضنـــا            فجاء الداء من قبل الطبيب [34]  

 وقال المقريزى عنهم فى العام التالى 826 ( ساءت قالة العامة فيهم ، وأكثروا من التشنيع بما يغرمه المتداعيان فى أبوابهم ، حتى اتضعت نواب القضاة فى أعين الكافة ، وانحطت أقدارهم عند أهل الدولة ، وجهروا بالسوء من القول فيهم )[35].

ويقول أبو المحاسن فى حوادث 828 أن السلطان برسباى عين تاج الدين الخطيرى الأسلمانى بالقضاء ، وكان قريب عهد بالإسلام ، وله قدم فى دين النصرانية ، فصار لقبه القاضى ،وقد احتج أبو المحاسن على ذلك ثم قال معلقا ( وقد عيب هذا على مصر قديما وحديثا ، فقال بعضهم : قاضيها مسلمانى ، وشيخها نصرانى ، وحجها غوانى ، قلت فإن كانت ألفاظ هذه الحكاية خالية من البلاغة فهى قريبة مما نحن فيه )[36] .

وفى سنة 871 قال السلطان قايتباى للمحتسب يصف الفقهاء القضاة( فإن الفقهاء لادين لهم ، وهم أنجس الناس ، إن تولوا شيئا اخربوه ، وإن حكموا فى أمر جازفوا فيه وإن أفتوا فى شىء لهم فيه غرض أفتوا بالباطل ، ولا أعلم طائفة شرا منهم)[37]. وقد صدق قايتباى فى وصفه لأشياخ عصره .. وعصرنا المملوكى.

 ويقول العينى عن قاضى القضاة ابن الصالحى (ت806) كان عاريا من العلوم ومن الفقه أيضا ، بلغ المنصب بجاه الخليفة وبالبذل ـ أى الرشوة ـ ولقد كانت القضاة من قبله مايرضون به بالنيابة فضلا عن القضاء المستقل ، ولكن هذا الزمان لايقدم إلا غير أهله) .

وينقل الصيرفى هذا القول عن شيخه العينى ثم يقول معلقا( فلعمرى إذا كان هذا من مدة ستين عاما وشيخنا يذكرك ذلك ، فما حالنا هذا الزمان المنطوى على أمور لانحتاج إلى تفصيلها فى هذا المحل ، ولقد أجاد من قال:

 زمـــــاننـا كـــــــأهله                وأهــلـه كــمـــــا تــرى

وســــيــــرنا كـســـيرهم               وســـــــيرهم إلــــى ورا

وأصدق من ذلك كلام الصادق المصدوق (ص) كل عام ترذلون [38]. ). أى أن العصر المملوكى وضع حديثا منسوبا للنبى يعبر عن إستمرار الفساد وتطوره ، وهو ( كل عام تُرذلون ) . والصيرفى يتحدث عن سوء الأحوال فى قضاة عصره، ولكن السلطان قايتباى كان أبلغ تعبيرا حين قال: ( إن الفقهاء لادين لهم ، وهم أنجس الناس..)

وازداد فساد القضاة بمرور الزمن ، وفى عصر الغورى اهتز ( الوسط القضائى) بفضيحة نسائية تماثل تلك التى حدثت قبلها بقرن من الزمان تقريبا ، فقد كان القاضى الحنفى غرس الدين خليل متزوجا بامرأة حسناء ولكن عشقها الشيخ المشالى القاضى الشافعى ، فنَم عليهما ابن أخت القاضى نور الدين الدمياطى ، وكان يهوى المرأة هو الآخر ، فأعلم زوجها ، فضبط الزوجة وعشيقها ، يقول ابن اياس ( وهما تحت اللحاف متعانقين) وعوقبا بالضرب والتشهير ، وفى أعقاب الحادثة أرسل السلطان الغورى للقضاه الأربعة ووبخهم ( بالكلام القبيح) وقال لهم ( والله افتخرتم ياقضاة الشرع ، نوابكم شىء يشرب الخمر ، وشىء يزنى ، وشىء يبيع الأوقاف ) وضغط الغورى على مجلس القضاة فحكم برجم الشيخ المشالى والمرأة ، إلا أن المشالى رجع عن إقراره بالزنا فاختلف القضاه فى الحكم وطردهم السلطان ، واشتد غضبه على القاضى ابن الشحنة الحنفى ، لأنه وافق السلطان أولا على الرجم ثم رجع فوافق القضاه على اسقاط الرجم ، وعزل السلطان القضاة الأربعة ، فأقامت السلطنة شاغرة من القضاء خمسة أيام لم يعقد فيها نكاح وأغلق الشهود دكاكينهم وتعطلت الأحوال ، وأمر السلطان واليه على القاهرة بالقبض على أى فقيه يجده سكرانا ، وجعل له مكافاة على ذلك ، ومنع من دخول أحد من المباشرين عليه وهو لابس عمامة من بغضه فى الفقهاء ، ثم شفع الأمراء فى القضاة الأربعة فازداد حنق السلطان ، وأمر السلطان بشنق الشيخ المشالى والمراة [39].

5 ــ وفى هذا المستوى المتدنى لقضاة العصر كان نادرا مانجد قاضيا على مستوى لائق، وكان إذا وجد فيهم من يستحق المدح فكان يمدح بعدم وقوعه فى خطايا  القضاة الآخرين ، فالمؤرخ أبوالمحاسن يمدح القاضى ابن التنسى المالكى ت 853 بأنه ( كان بريا عما يرمى به قضاة السوء ) ويمدح بدر الدين البغدادى ت 857( بالعفة عما يرمى به قضاة السوء)[40] . والمقريزى يمدح البلقينى ت 824(بالنزاهة عما يرمى به قضاة السوء ) [41]. أى كانت القاعدة هى السوء والأصل أن القضاة هم قضاة سوء.

 6 ــ وفى حين تكالب القضاة على الوظائف فقد تفرد الشيخ برهان الدين بن جماعة بإعلان عزل نفسه من القضاء الشافعى ــ مجددا وحده سيرة القضاة العظام السابقين ، ففى حوادث سنة 779 ( وعزل برهان الدين ابن جماعة نفسه عن القضاء الشافعى لما رأى تغيرأحوال أرباب الدولة بالأمور الفاحشة، وسافر لبيت المقدس) وقد سبق لهذا القاضى أن سعى فى إبطال ضمان المغانى[42] .أو إباحة البغاء رسميا، وموقف ابن جماعة أكبر اتهام لعصره ورفاقه فى القرن الثامن ، وازدادت الأمور سوءا بعد ذلك ..

 وحدثت نادرة غريبة فى القرن التاسع ، وهى أن الشيخ عبادة (ت846) رفض تولى منصب القضاء ، وعلق المؤرخ أبو المحاسن على هذا الحدث بقوله ( وهذا شىء لم يقع لغيره فى عصرنا هذا ، فإننا لانعلم من سئل بالقضاة ، وامتنع غيره ، وأما سواه فهم على أقسام: قسم يتنزه عن الولاية ويظهر ذلك حيلة حتى يشاع عنه ذلك ، فإذا طلب بعد ذلك يأخذ فى التمنع ، وفى ضمن تمنعه يشترط على السلطان شروطا يعلم هو وكل أحد أنها لاتتم له ، وإنما لايقصد ذكرها إلا نوعا من الإجابة ، لكونه امتنع أولا فلا يمكنه القبول إلا بهذه الدورة ، فلم يكن بمجرد ذكره للشروط إلا وقد صار فى الحال قاضيا ، ووقع ذلك  لجماعة كبيرة فى عصرنا ، وقسم آخر هم الذين يسعون فى الولاية سعيا زائدا ويبذلون الأموال ويتضرعون لأرباب الدولة ويخضعون لهم ، وهيهات ، هل يسمح لهم بذلك أم لا )[43].

 7 ــ والصيرفى المؤرخ القاضى ألف كتابه ( إنباء الهصر فى أنباء العصر ) يسجل فيه تاريخ الحياة المصرية مابين(873 ــ 886 ) ، وهى فترة شهدت غياب المؤرخين الكبار بالموت كالمقريزى وابن حجر والعينى ، وقد كانوا نمطا من المؤرخين الفقهاء أصحاب الرأى ، وقد حاول الصيرفى فى (الهصر) أن يحذو حذوهم ، فأورد صورة لعصره فى هذه الفترة من واقع معاصرته للأحداث ومشاركته فيها بحكم كونه قاضيا يشارك فى تهنئة السلطان بحلول أول كل شهر عربى ، ومتصلا بمجتمع القضاة وخفاياه ، ومتصلا أيضا بالشارع بحكم عمله قاضيا يحكم بين الناس . إذن فهو شاهد على عصره والوسط القضائى الذى عايشه والمجتمع الذى تعايش معه .  والصورة التى نقلها الصيرفى  عن زملاء المهنة تلخص الأوضاع السابقة وتعكس سخط المؤرخ على أحوال علماءالعصر وقضاته ، وقد سبق أن نقلنا تعليقا له فى ذلك الشأن . وبدراسة سريعة لأحوال القضاة من خلال ( تاريخ الهصر) يتضح لنا الآتى :

   بعض القضاة كان يحكم بغير ما أنزل الله ، فالقاضى ابن جنة (خلف ثلاثة أخوة امرأة ورجلين ، وحرم أخويه المذكورين ) وخصص للأخت دارا ،أى لم ينفذ حكم الله فى المواريث ، يقول الصيرفى معلقا( والله يجمع بينهم ويحكم فيهم بعدله) .

 ونزاع القضاة فيما بينهم مستمر على أهون الأسباب ، وقد يصل إلى قذف الزوجات ، كما حدث بين ابن العيسى وشمس الدين الجوهرى.

والفساد المالى منتشر بينهم ، فقاضى الإسكندرية حاول التحايل لأخذ تركة أحد التجار الأثرياء فاشتكى ابنه الوارث ، وتنازع القضاة حول الأوقاف إذا مات القائم عليها ، فقد توفيت بنت الخازن وكانت عمرت أوقافا كثيرة ( ويؤول النظر بعدها إلى القاضى الحنفى ، وأراد القاضى الشافعى الوثوب والتكلم فى الأوقاف فبلغ السلطان ذلك فقال : أنا أحق من الإثنين ولكنى أعمل فيهم بالشروط وأحميهم من الغاصبين ) فالسلطان اعتبر قضاته غاصبين، وتدخل لحماية الأوقاف منهم.

وبعضهم استخدم نفوذه القضائى ليكون به بلطجيا مجرما ، فالشيخ محيى الدين الحنفى سعى عند قاضى الحنفية محب الدين الشحنة حتى قرره قاضيا، يقول عنه الصيرفى ( فصار يصول ويطول ويعزر ، وعمل له سوقا فصار نافقا ، ولقبه أهل مصر بكبش العجم ، وسكن القاضى المذكور فى حارة ، واجتمع عليه أرباب المصالح والمفاسد فصار ينفذ أغراضهم (  وسكن بالحارة يضرب ويرشى ويكشف الرءوس ويسجن)، وحاول ابن الشحنة قاضى القضاة حمايته ، ولكن تدخل السلطان فأصدر ابن الشحنة مرسوما بألا يحكم قضاته فى بيوتهم ، ولايعزرون أحدا إذا وجب عليه تعزير إلا بالباب العالى أى فى المحكمة الرسمية ، ويعلق الصيرفى على ذلك بقوله( وكم يقع مثل هذا فى الوجود وإلا اعتبار له فيه ) أى أن القضاة لم ينفذوا الأوامر.

وبعضهم جمع بين الفساد المالى والفساد الخلقى ، مثل القاضى هانى الذى ( مد يده وبلص أى سرق ــ من الخولية والمشايخ نحو خمسمائة دينار). وكان فى بدايته فلاحا أتى للأزهر وجاور فيه ثم لزم باب خونه فاطمة بنت الظاهر ططر وكانت مشهورة بفسادها فجعلته كاتبا لها وبنفوذها ( استمر حاله ينمو ويزيد) إلى أن تولى القضاء فظهر فساده .

وبعضهم جمع أنواع الفساد كلها من عقيدة وسلوك ، فالقاضى ابن الهيصم ( كان عريا عن الإسلام ، كثيرا الميل إلى دين النصرانية ، مدمنا على السكر ، لايكاد يوجد صاحيا لحظة) وضربه الوزير ثلاث علقات ،لأنه لم يشهد صلاة الجمعة ،إذن يستحق ميدالية الشرف فى الوسط القضائى وقتها.

وبعضهم تميز بالنذالة ، فقاضى القضاة الشافعى أبو السعادات البلقينى شكته زوجته أنها استدانت له مائتى دينار وأنها كلما طالبته بالسداد ( يأسى عليها ولا يدفع لها شيئا).فصارت قضية تدخلت فيها السلطة المملوكية ، ويعلق الصيرفى على ذلك( فانظر إلى إهانة القضاة والعلماء والأصلاء ، وانظر إلى النساء وكيدهن ،وانظر إلى حقارته ودناءة نفسه) يقصد القاضى زوجها.

وواضح أن النذالة ظهرت فيما يخص المال ، إذ سيطر على هذه النوعية من القضاة عبادة المال إلى درجة تثير الاشمئزاز ، وبرزت النذالة فى صراعهم حول المناصب ، وما تعنيه من مخصصات مالية ، وقد وصل الصراع بينهم إلى درجة لاتوصف ، من ذلك أن القاضى نور الدين البرقى ــ وكان أبوه قاضيا أيضا ــ كان من أتباع قاضى القضاة السفطى فأودع السفطى عنده أمانه عشرة آلاف دينار ، وحدث أن الظاهر جقمق غضب على السفطى واستولى على أمواله كلها ماعدا تلك الأمانة التى حفظها عند البرقى (للزمن)، ولكن البرقى بادر بتسليم تلك الأمانة للسلطان كى يحظى عنده ، ومات السفطى فى نكبته مقهورا مما فعله تلميذه معه.  

ومن ذلك مافعله قاضى القضاة الحنفى ابن الشحنة وولده عبدالبر ، إذ قاما بزيارة الشيخ الأردبيلى وهو يحتضر على فراش الموت ، وكانت له وظائف كثيرة فاستكتبوه وهو يموت تنازلا عن وظائفه ، ووصل الخبر للسلطان فغضب واعتقلهم وشتمهم قائلا( تشهدوا على شخص غايب عن الوجود، ومصداق ذلك أنه مات من ليلته وأخرتوه إلى يوم السبت ) وتوسط كاتب السر بشأنهم للسلطان ، ويعلق الصيرفى على مافعله ابن الشحنة يقول ( قضاة الشرع لو عظموا أوامر الله وحقوقه لعظمهم ، ولكنهم خافوا على وظائفهم ، فأهانوا أنفسهم ، والأمر لله ) وبالمناسبة فالصيرفى كان من قضاة التابعين لابن الشحنة . والقاضى برهان الديرى كان قاضيا للقضاة مثل أبيه وكان أخوه كذلك ، وقد دفع رشوة خمسة آلاف ليتولى كتابة السر ، ثم تسبب فى عزل أخيه عن القضاء ، إذ صعد للداودار والسلطان وأخبرها أن أخاه عجز عن القضاء وأنه ذهل ، ووعد برشوة ثمانية آلاف دينار إن عزلوا أخاه وتولى منصبه بدلا منه( فحصل لأخيه منه حصر زائد). 

وبسبب هذا الإنحدار الخلقى والإنسانى فى أولئك القضاه فقد هان أمرهم على الحكام المماليك وعلى العوام ، وقد حكى ابن الصيرفى قضية طويلة وأحدثت بعض المشاكل واحتد فيها السلطان على القضاة ووبخهم مما دعا بعض العلماء إلى التشفع فيهم للسلطان ، فقال له قايتباى ( أنا مابهدلت الشرع والقضاء وإنما أريد أن يكونوا على الأوضاع ) وقال له ذلك العالم ( يامولانا السلطان .. إن الناس من باب المدرج إلى آخر باب النصر اجتمعوا لينظروا مايفعل  بالقضاة ، ومن ينزل منهم مجبور ، ومن ينزل منهم مكسور ) أى توسل للسلطان بغضب العامة ، ولكن العامة كانوا يكرهون القضاة أيضا ، ذلك أن السلطان وقد انعدمت ثقته فى أولئك القضاة قام بنفسه بالحكم بين الناس واستدعى القضاة إليه فجاءوا ومروا بالقاهرة ، يقول الصيرفى ( والخلق والعوام والأوباش ينظرون إليهم ، ويقولون ماشاءوا، وصار بعضهم ينسبهم إلى خراب الأوقاف ، وبعضهم ينسبهم إلى بيعها) وأمل الناس خيرا فى عدل السلطان بعد أن يئسوا من العدل على يد العلماء والقضاء ، لذا انهالت الشكاوى على السلطان حين تصدر للقضاء ، يقول الصيرفى ( وكثرت الشكاوى حتى أن بياع الفجل : اشتكى للسلطان ) . وبعدها قام السلطان باستعراض القضاة ونوابهم وناقش رؤساء القضاة . وقد أورد الصيرفى جانبا من مناقشات السلطان مع القضاة وكان الصيرفى حاضرا ، وقد كان السلطان حين يعرض عليه القضاة النواب يقول مستنكرا( من عمل هذا قاضى) وفى إحدى المناقشات اشتد غضبه وقال ( قضاة القضاة يدلسوا علىَ ويغطوا؟).

 وهوان القضاة على الحكام ظهر فى نوعية التعامل معهم حين يخطئون ، فقاضى القضاة الشافعى صلاح الدين المكينى استبدل بعض الأوقاف ( فأغلظ له الداودار الثانى) وهى عقوبة خفيفة لاتقارن بما فعله السلطان مع ابن الصابونى قاضى قضاة دمشق حين أمر بضربه بين يديه، وحدث أن قاضى البرلس باع ولدا صغيرا حرا لبعض العربان فعرفه أبواه وشكياه للسلطان فأمر السلطان بضرب القاضى بالمقارع .

وهان أمرهم على الأمراء المماليك فعاقبوهم لأتفه الأسباب ، فالأمير جانبك ضرب القاضى عز الدين البلقينى ( علقة على مقاعده ( أى مؤخرته) لأنه كلمه بكلام مزعج ) ، ويعلق الصيرفى ( ولم ينتطح فيها عنزان ، والقتل مايهدى ، وآخر الأمر الرضى وكل مفعول مضى ، وهذه الحادثة من أقبح مايكون فى حق الفقهاء ، فلا قوة إلا بالله)[44].

 إن هذه النوعية من القضاء هم صوفية الفقهاء أو الفقهاء الذين خضعوا للتصوف خصوصا فى أواخر العصر المملوكى . وفى عصر البقاعى المعاصر للصيرفى كان أولئك القضاة الفقهاء أشد الناس خصومة للبقاعى حين هاجم ابن الفارض فى عصر الصيرفى  وكان الصيرفى من القضاة المؤرخين المتحاملين على البقاعى فى تاريخه . والفساد يبدأ بالعقيدة .

 8 ــ والصيرفى متأثر بشيخه المقريزى الذى ملأ( السلوك) بنقمته على أحوال عصره ، يقول المقريزى فى حوادث 820( وأهل هذا الشهر ــ ربيع الآخر ــ وفى جميع أرض مصر .. من أنواع الظلم مالا يمكن وصفه بقلم ولا حكايته بقول ، من كثرته وشناعته . فجملته أن الحكام بالقاهرة وأعمالها مابين محتسب ووالى وحجاب وقضاة ونائب الغيبة والأمير فخر الدين الاستادار ، فالمحتسب بالقاهرة والمحتسب بمصر يأكل مايكسبه الباعة .. يجبى منهم بضرائب مقررة لمحتسبى القاهرة ومصر وأعوانهما ، فيصرفون مايصير إليهم من هذا السحت فى ملاذهم المنهى عنها، ويؤديان منه مااستداناه من المال الذى دفع رشوة عند ولاياتهما . ويؤخران منه بقية لمهاداة أتباع السلطان ليكونوا عونا لهما فى بقائهما، وأما القضاة فإن نوابهم يبلغ عددهم نحو المائتين مامنهم إلا من لايحتشم من أخذ الرشوة على الحكم ، مع مايأتون ــ هم وكُتَابهم وأعوانهم ــ من المنكرات بما لم يسمع بمثله فيما سلف ، وينفقون مايجمعونه من ذلك فيما تهوى أنفسهم ، ولايغرم أحد منهم شيئا للسلطنة ، بل يتوفر عليهم فلا يتخولون فى مال الله بغير حق ويحسبون أنهم على شىء ، بل يصرحون بأنهم أهل الله وخاصته افتراء على الله سبحانه) [45]. فالقضاه يظلمون ويفسقون ويأكلون الأموال بالسحت ويعتبرون أنفسهم مع ذلك ( أهل الله وخاصته ، افتراء على الله سبحانه) ، وهنا يشير المقريزى إلى المؤثر الصوفى الذى جعل القضاة ينهمكون فى الانحلال دون أمل فى التوبة .

 وإذا كان هذا حال القضاة والعلماء وهم القدوة فى الدين والأئمة فى الصلاة والسلوك فالطبقة العسكرية الحاكمة لا أمل فيها .

ج3 / ف 3 :إنحلال المماليك بأثر التصوف :

  كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

الفصل الثالث : انحلال المجتمع المصرى المملوكى بتأثير التصوف .

:إنحلال المماليك بأثر التصوف (  السلاطين ، الأمراء ، جمال المملوك طريقة للوصول للمناصب ، المدح بقلة الوقوع فى الفواحش ،  الشذوذ عامل فى الفتن السياسية .)                                                               

 مقدمة

كان المماليك اكثر طائفة تأثرت بالدين السائد، خصوصا وقد جاءوا من بلادهم أطفالا سرعان ماتعودوا وتطبعوا بطابع المجتمع الذى عملوا فى خدمته صغارا ثم حكموه كبارا . إن المماليك حين اعتنقوا الإسلام أفرادا وأطفالا إنما اعتنقوا التصوف دينا عمليا بعقائده وأخلاقه . والمماليك سواء كانوا سلاطين أم أمراء وقعوا فريسة للإنحلال خصوصا الشذوذ الجنسى الذى جعله التصوف دينا ، وساعده عليه تحول المعسكرات التى تجمع صغار المماليك إلى أوكار لممارسة الشذوذ ، وهو نفس الدور الذى كان مؤسسات التصوف تلعبه .

إنحلال السلاطين :

1 ــ لم تبخل الحوليات التاريخية التى كتبت فى عهد السلطة المملوكية بالإشارة إلى انحلال السلاطين وشذوذهم الجنسى ، فيصف المقريزى السلطان فرج بن برقوق ( ت 815) ( بالتجاهر بالفسوق من شرب الخمر واتيان الفواحش والتجرؤ العظيم على الله جلت قدرته ، والتلفظ من الاستخفاف بالله تعالى ورسله ماتكاد الألسنة تنطق بحكايته لقبح شناعته)[46]. أى جمع بين شطحات التصوف وانحلاله الخلقى .

2 ــ وقد يقلع السلطان عن الفسوق إذا مرض وعجز ، وذلك ماحدث للسلطان المؤيد شيخ (ت 822)[47].  وبعضهم كان يتمادى فى التدين الصوفى فيتمادى فى الانحلال الخلقى ، فالظاهر ططر(ت824) كان مريدا للشيخ شمس الدين الحنفى وكان مشهورا فى نفس الوقت ( بمحبة الشباب)[48].

3 ــ والسلطان برقوق أبرز مثل لهذا الجمع بين التدين الصوفى والشذوذ الجنسى والفساد السياسى ، فقد أوصى برقوق عند موته أن تُعمّر له تربة ( مقبرة ضخمة كمؤسسة صوفية ) تحت الجبل ويوقف عليها الأوقاف ، وأن يدفن فى لحد تحت أقدام مجموعة من الأولياء الصوفية ليتشفعوا فيه ، وهم علاء الدين السيرامى وأمين الدين الخلوتى وعبدالله الجبرتى وعبدالكريم الجبرتى . [49]. ومع ذلك فإن شهرة برقوق فى الشذوذ الجنسى أثرت على عصره  . والناس على دين ملوكهم سواء كانوا صوفية أو سلاطين . يقول أبو المحاسن عنه وعنهم ( اشتهر فى أيامه اتيان الذكور ، من اشتهاره بتقريب المماليك الحسان لعمل الفاحشة فيهم) [50].

4 ــ ووصلت شهرة السلاطين المماليك فى الشذوذ إلى خارج الدولة ، فالسلطان غازان التترى سأل مستنكرا الأمير حسام الدين المجيرى ( كيف تركت امراؤكم النساء واستخدموا المردان؟)[51]

الأمراء المماليك :

1 ــ وكان المؤرخون أكثر صراحة فى وصف كبار الأمراء المماليك بالفسق ، وفى هذا المجال برز المقريزى بحدة ألفاظه ، فيقول عن الأمير قنباك( كان من سيئات الزمان جهلا وظلما وفسقا) ويقول عن الأمير ابن الطبلاوى وموته( أراح به الناس من ظلمه وفسقه وعتوه)[52]

2 ــ وفى نظرة سريعة لبعض صفحات تاريخ (السلوك ) نقرأ للمقريزى الآتى :

( الأمير يشبك اليوسفى (ت824) (من شرار خلق الله لما عليه من الفجور والجرأة على الفسق) .

الأمير آق قجا (ت 824) كاشف الوجه القبلى فى عهد ططر وبرسباى ( افتض مائة بكر غصبا) .

الأمير ابن الرملى (ت 826) ناظر الدولة( من ظلمة الكتاب الأقباط وفساقهم) .

الأمير تيبك ميلق (ت 826) ( كان ظالما سخيفا ماجنا متجاهرا) اى بالمعاصى .

الأمير سودون الأقىت827  ( كان عيبا كله) ،( لشدة بخله وكثرة فسقه وظلمه) .

الأمير تغرى بردى ت( 827)( والد المؤرخ ابى المحاسن ) قال عنه المقريزى:(ماهو إلا الظلم والفسق). الأمير إينال الطوروزى ت828 (كان ظالما فاسقا).

الأمير تاج الدين القازانى ت 839 والى القاهرة ( لم يعف عن حرام ولم يكف عن الإثم) ( ولقد كان عارا على جميع بنى آدم) .

الأمير سودون ت841( كان مصرا على مالا تبيحه الشريعة من شهواته الخسيسة).

الأمير طوخ نازى ت843( من شرار خلق الله فسقا وظلما وطمعا)[53].

   ومن خلال تنويع المقريزى فى وصفهم بالفسق والظلم نتعرف على تجاهرهم بذلك إلى درجة أصبحت لازمة من لوازم السلطة. وحتى الأقباط من خدم السلطة اتصف بنفس الملامح ، كالأمير ابن الرملى.

3 ـ  وقبل المقريزى يذكر ابن ايبك الصفدى فى القرن الثامن ان الأمير بغا الداودار الناصرى ت 737 كان يميل الى الشباب وكان يختلق الأعذار ليختلى بهم ، وأن الوزير توبة بن على ت 698 اشتهر ( بشراء المماليك الملاح )، وانه اشتهر بحب مملوك مليح اسمه اقطوان . ( الوافى 10 / 175 ، 10 / 438 : 439 )

4 ــ وبعد المقريزى يذكر ابن اياس أن عمر ابن الأمير دولات باى الداودار كان من أعيان ( أولاد الناس ) أى ( ابناء الأمراء المماليك ) و ( كان شابا حسن الشكل جميل الوجه بهى المنظر ) وأورد ابن اياس شعر عشق فاحش قالها بعضهم فى هذا الشاب المملوكى الذى مات فى طاعون ذى الحجة عام 881. ( تاريخ ابن اياس 3 / 125 )

5 ــ  وبعض الأمراء كبعض السلاطين خلط انحلاله الخلقى بانحلاله العقيدى ، ورأينا الناصر فرج يخلط الشطح بالفسق ، ومثله كان خادمه الأمير سيف الدين بلاط (ت 815) وصفه أبوالمحاسن فقال ( كان فاسقا زنديقا يرمى بعظائم فى دينه وكان يقول للناصر فرج .. أنت استاذى وأبى وربى ونبيى ، أنا لا أعرف أحدا غيرك ، وكان يسخر ممن يصلى ويضحك عليه )[54].

ومثله الأمير شاهين الأفرم ( كان مشهورا بقلة الدين ، بل كان بعض الناس يتهمونه فى إسلامه ) مع إدمانه الخمر واللواط[55].

والأمير يشبك الموساوى ت 814 ( كان يتجاهر باللواط )[56]

6 ــ وفى دراسة سريعة لتاريخ الهصر للصيرفى نرى هذه النوعية من الأمراء كالآتى :

الأمير قانم نعجة (ت873) ( كان من الأشرار الظلمة ، كثير الفسق والزنا ، وإن سكر عربد) .

وخوند فاطمة بنت  الظاهر ططر لها علاقات متعددة وخلطت ذلك بالتحايل على أموال الناس.

الأمير طومان باى الظاهرى ت 874 ( كان ظلوما غشوما منهمكا فى اللذات ) .

الأمير تانى بك المحمدى ت872 ( كان يظلم نفسه كثيرا لانهماكه فى الملذات ).

 ثم الوزير قاسم ( ضبطه الوالى بالجزيرة ومعه امرأة ) [57].

وكالعادة أيضا خلط بعضهم بين طريقه الصوفى وطريقه فى الانحلال  مثل الأمير بتمس الياجاسى الجركسى ( كان يحب الفقراء ويجالسهم ،ولكنه كان له ميل زائد فى الذكور)[58].

7 ــ  وواضح أن معرفة المماليك بالشذوذ كانت تبدأ مع بداية تعليمهم فنون الحرب .

يقول ابن كثير: ( رسم السطان الناصر محمد بالمنع  من رمى البندق ، وألا تباع قسيها ولا تعمل ، وذلك لإفساد رماة البندق أولاد الناس، ( يقصد أولاد الأمراء المماليك وصغارهم ) وأن الغالب على من تعاناه ــ أى احترفه ــ اللواط والفسق وقلة الدين ، ونودى بذلك فى البلاد المصرية والشامية ) [59]. وكان ذلك سنة 733 والنماذج السابقة كانت بعد ذلك بأكثر من قرن .

جمال المملوك طريقة للوصول للمناصب :

1 ــ وفى مجتمع تسيطر عليه آفة الشذوذ الجنسى ويتسارع أربابه على التجاهر بذلك يكون من المألوف اعتبار الجمال فى الذكور أهم طريقة للوصول إلى المناصب.

وقد عرضنا للسلطان برقوق واتهامه بحب الذكور، ولذلك يقول ابن حجر عن الأمير شيخ الخاصكى ت 801( كان جميل الصورة جدا ، فكان من أخص مماليك الظاهر برقوق به ) [60]. وعنه أيضا يقول السخاوى ( كان أجمل مماليك الظاهر برقوق وأقربهم إلى خدمته وأخصهم به ، وكان بارع الجمال فائق الحسن منهمكا فى الملذات )[61].

2 ــ ويقول المقريزى عن الأمير طنبرق أن السلطان المظفر حاجى( شغف به وأنعم عليه بإمرة مائة) .

وابن الأشرف خليل كان ( يهوى طغجى الأشرفى أحد مماليكه ، فقدمه وخوّله وأنعم عليه بمال كثير ) .

وقال عن الناصر محمد ابن قلاوون أنه ربى طقتمر الدمشقى صغيرا ( وشغف بحبه شغفا زائدا ، فأمَره سنة 710 ( أى جعله أميرا ) وأنشأ  له دارا جليلة )[62] .

وأن الأمير سكربيه ت 824 ( أصبح من خواص السلطان المؤيد لجمال صورته )[63]

3 ـ ويقول أبوالمحاسن عن الأمير تغرى برمش ت 840 أنه كان يجلس عند بعض الخياطين تحت القلعة ثم أعجب به الأمير قرا سنقر لجمال صورته فتدرج فى المناصب [64].

وقال عن الأمير على باى ( كان خصيصا عند استاذه الملك الأشرف إلى الغاية لجمال صورته )[65].

 4 ــ ويقول السخاوى عن يلخجا بن رامش ت 850 ( كان مفرط الجمال ، فأخذه السلطان الناصر فرج فجعله " خاصكى" ثم ساقيا واختص به جدا)[66] .

ويقول عن الأمير شاهين غزالى ( كان من خدام نائب قلعة دمشق ، فرآه جرباش المحمدى فأعجبه جمال صورته ، وأعلم الظاهر جقمق بذلك ، فراسل بطلبه فأرسله له سيده مع تقدمه ( هدية) وحينئذ أعتقه الظاهر وجعله خازنا ثم ساقيا، إلى أن عمله الظاهر خشقدم راس نوبة الجمدارية)[67] .  

وعن نفس الأمير شاهين غزالى يقول الصيرفى ( كان من خدام نائب قلعة دمشق ، فرآه الأمير كرد الناصرى فابتهج به ، وأعجبه جماله وحسن صوته وشكالته وقامته وهيفه وصار ذلك فى نفسه ، فلما عاد إلى القاهرة أعلم الملك الظاهر جقمق به ، فطلبه من سيده ، فأرسله مع تقدمه معه ، وكان صاحب هذه الدرجة ( أى شاهين غزالى ) من أجمل أبناء جنسه وجها وقدا ويدا وأعذبهم لفظا ، وبالجملة فإنه عديم النظير سيما على مايقال إذا انشرح وانبسط ، وكان منهمكا فى اللذات النفسية ، ويحب السماع الحسن ، وقد هام فيه الشعراء ومدحوه وقالوا : شاهين غزالى ، فصار لايعرف إلا بذلك وترنموا فيه.  وكان فى الواقع كل من رآه يكاد لايفارقه لحسن مداعبته . وكان يعاشر ابن رمضان ويحب البسط ولايفارقه )[68]. أما ابن اياس فقد أورد قول الشاعر فيه :

أيها العشاق اصغوا واسمعوا حسن مقالى       كل عاشق له غزال وأنا شاهين غزالى[69]   

 5 ــ  وهذا الوباء شمل غير المماليك ، إذ أصبح الجمال فى الذكور وسيلة للوصول لدى غير المماليك ، فيقول العينى فى ترجمة الشيخ جمال الدين التنسى ت 808 ( كان شابا جميلا خدم بعض الأمراء فتعصب له وولاه القضاء ، فقام جماعة من بينهم الجلال البلقينى على أهل الدولة وتحدثوا فيه لكونه لايليق فعُزل )[70]. أى كان الجمال من مسوغات تعيين القضاة وغيرهم  أيضا .

ويقول ابن حجر فى ترجمة الشيخ فتح الدين الحنفى ( كان بارع الجمال  فانتزعه برقوق .. وصار من أخص المماليك عنده وأسكنه عنده فاشتهر حينئذ وشاع ذكره )[71] أى تداخلت الفوارق بين المماليك والفقهاء طالما اشتركوا فى الجمال الذى أصبح  طريقا للوصول .

6 ــ ونتوقف مع قول المقريزى فى حوادث سنة 735 : ( وفيها كثر شغف السلطان ــ الناصر محمد ــ بمملوكه الطنبغا الماردينى شغفا زائدا فأحب أن ينشىء له جامع)[72]. وتم انشاء ذلك الجامع تذكارا لهذه العلاقة الآثمة ، ولايزال جامع الطنبغا الماردينى قائما فى القاهرة حتى الآن شاهدا على هذه النوعية من الدين الصوفى .

7 ــ وبعضهم أنقذه جمال وجهه من القتل صلبا وتسميرا . فقد أرهق الثائر ( سوار)  الدولة المملوكية حين قاتل جيوشها على الحدود شمال العراق. وفى النهاية هزمته الدولة وجىء به وبكبار أتباعه أسرى للقاهرة ، وتم تجهيزهم للتشهير مسمرين ليُطاف بهم على الجمال قبل أن يتم صلبهم . وكان من بينهم شاب جميل الصورة . يقول ابن اياس فى أحداث ربيع الأول عام 877 ، وكان حاضرا شاهدا ان هذا الشاب واسمه سليمان ( كان أمرد مليح الشكل ، فرقّ له الناس ، فشفع فيه الأمير بشبك فخلّصه من الشنكلة ) ( تاريخ ابن اياس 3 / 77 : 78 ) . ومعروف ان هذا الشاب سيدفع الثمن للأمير يشبك .

8 ــ ـ وفى الوقت الذى استمرأ فيه الأغلبية هذا الإنحراف نجد الصورة الأخرى فى قلة من الأمراء الذين استهواهم فكر ابن تيمية مثل الأمير بران ت 757، والأمير جنكلى ت 746 الذى كان يميل إلى ابن تيمية ويتعصب له ، ولم يكن له ميل إلى المردان [73]. أى تميز بين أقرانه بعدم الميل للشذوذ الجنسى.

المدح بقلة الوقوع فى الفواحش :

1 ــ كان وجود الصوفى العفيف الطاهر نادرة من النوادر تستحق التسجيل ، نفهم ذلك مما قيل فى ترجمة الشيخ حيدر الرفاعى ( كان خيرا عما ترمى به أوباش الأعاجم ــ أى الصوفية المشارقة ــ وكان قد اجتمع فيه خصال حميدة قلَ أن تكون فى أبناء جنسه ، من اقتدائه بالسنة ومحبته للصحابة وعدم ميله إلى لقيمة الفقراء ــ أى الحشيش ــ والمرد من الشباب [74].

2 ــ ونفس الحال مع المماليك كان أحدهم يمدح بأنه ( قليل الفسق) كما قيل فى ترجمة أقبغا شيطان [75] أو أنه ( غير مشهور بارتكاب الفواحش ) [76].

أو أنه لايمارس كل الفواحش بل بعضها ، فقد مُدح السلطان اينال ت 865 باشتهاره بحب الملاح من الصبيان إلا أنه كان يعف عن تعاطى المنكرات والمسكرات [77].

أو يقال فى السلطان قايتباى على سبيل الفخر( أنه كان لايلوط)[78]. وكما لوكان من الواجب المعتاد والمألوف أحدهم أن يقع فى الشذوذ .

بل يصل الأمر ببعضهم إلى أن يقسم بأغلظ الأيمان بأنه ( قط ما زنا فى عمره ، ولا لاط ، ولا ليط فيه )[79] . وطبعا ذلك استثناء يحتاج إلى تأكيد وأقسام مغلظة وربما إلى شهود أيضا !!

3 ــ ثم كانت هناك قلة لم يشتهر عنها الوقوع فى الفواحش فوصفت ( بالتنزه عن القاذورات المحرمة كالخمر واللواط والزنا) مثل ابن الكويز وتنبق البجاسى ويلبغا الناصرى[80]. والزردكاش[81].

أما الآخرون فقد أحدث انحلالهم الخلقى ضجة وصخبا فاستحقوا الخلود بين سطور التاريخ .

الشذوذ عاملا فى الفتن السياسية :

وكما كان الشذوذ عاملا من عوامل الوصول للسلطة والنفوذ فإنه بالتالى كان من عوامل الفتن السياسية فى الدوائر الحاكمة من المماليك والقضاه والولاة .

1 ــ  ففى سنة 737 اعتقل السلطان الناصر محمد الخليفة العباسى فى القاهرة وحبسه لمدة سنة ونصف السنة ، وذلك لأن الخليفة توصل إلى الإيقاع بحمدان، وهو أمرد حسن الوجه من حظايا السلطان ، فهجر حمدان السلطان وأقام عند الخليفة ، وتردد الأمراء من عشاق حمدان إلى الخليفة فى مجلسه ، وأهملوا خدمة السلطان ( فاشتد غضب السلطان فضرب حمدان وضرب الواسطة بينهما ، واعتقل الخليفة وأولاده بالقلعة، ثم نفاهم إلى قوص)[82].

2 ــ وبعض الأمراء كان مرشحا للسلطنة إلا أن فتنته بالشذوذ أطاحت بآماله فى وقت حرج كاد ان يكون فيه سلطانا ، كما حدث للأمير عز الدين الأفرم الذى كان مرشحا للسلطنة بعد مقتل طغجى وكرجى اللذين قتلا السلطان لاجين، وقد عين الأمراء الأمير سيلار بعد أن تخلوا عن فكرة تعيين  عز الدين الأفرم ، والسبب أن الأمير الأفرم لم يضبط أعصابه إذ( كان يهوى مملوكا من مماليك طغجى يقال له تستاى ، فلما قتل طغجى تغيب تستاى مدة وهو يتطلبه حتى أحضر إليه ، وهو جالس بشباك النيابة مع الأمراء ، فعندما عاينه لم يتمالك نفسه، فقام وأخذ بشعره وجذبه إلى خلوة ( ليفعل فيه )، والأمراء تنظر إليه ، فإشتد الإنكار عليه ، وأعرضوا عنه إلى سيلار ، ورتبوه بمجلس فى رتبة النيابة )[83].

وقد كان ذلك فى عصر دولة المماليك البحرية، وحيث كان هناك بعض الإنكار عليه . وقبل أن يسود وباء الشذوذ فى دولة المماليك البرجية

3 ــ وكان للوزير القبطى ( النشو ) نفوذ هائل فى سلطنة الناصر محمد ، واستخدم هذا النفوذ  وسيلة فى الكيد لخصومه فى إتهامهم بالشذوذ الجنسى ، وتمكن بذلك من عزل ضياء الدين من حسبة القاهرة. واستعمل خصوم (النشو) معه نفس الوسيلة فألقوا ورقة تتهم صهر النشو بأنه تعشق شابا تركيا اسمه عمير الذى كان معشوقا من قبل للأمير الماس ، وأن أقارب النشو أولعوا بهذا الشاب وأنفقوا أموالهم عليه ، وحقق السلطان مع النشو فأنكر ، فاعتقل الشاب وعوقب ، فأقر على كثيرين من الأعيان منهم أخو النشو فخشى الحاجب الذى يتولى تعذيبه على الناس من الفضيحة ، فقال للسلطان هذا الكذاب ماترك أحدا فى المدينة حتى اعترف عليه ، فنفى السلطان الشاب وأباه إلى غزة .  وقد هجم ولى الدولة أخو النشو مع بعض أخوته على مملوك للأمير الطنبغا القاسمى واغتصبوه فضبطهم الطنبغا ، فما كان من النشو إلا أن اتهم الطنبغا بالشذوذ عند السلطان وتسبب فى نفيه للشام.

4 ــ وفى هذه الأيام 738 عزل قاضى القضاه جلال الدين القزوينى لإتهام ابنه بكثرة اللهو والشراب وأخذ الرشوة ليعين القضاة ونحوهم بنفوذ أبيه ، واشتهر ذلك الإبن بسماع الغناء ومعاشرة الأحداث من أولاد الأكابر ومماليك الأمراء وتجاهر بالمنكرات ، فأخرجه السلطان للشام، ثم أعاده حين توسط أبوه له ، إلا أن الإبن عاد لأقبح مما كان فيه فنفى ثانية ، وأعاده أبوه أيضا ليعود لنفس سلوكه ، واتهموه بأنه لا يولى القضاة إلا بعد أن يجتمع بأولادهم وبعد أن يرتشى منهم . ( وصنع الشاعر الغزى فى ذلك قصيدة شنيعة )[84].

5 ــ وقامت بعض الثورات والفتن بسبب ( تعرض المماليك لأولاد الناس فى بلادهم)، فالأمير شيخ الصفوى ت 801  ثار عليه اهل  القدس بسبب ( تعرضه لأبنائهم ، وإكثاره من الفساد )[85]. والأمير جانبك ( فسدت عليه أهل قبرص بسبب فسقه بأولادهم) ، وانتهى الأمر بقتله وفشل حملته على قبرص [86].

  المجتمع المملوكى المنحل خلقيا بالتصوف: صورة عامة للإنحلال فى القاهرة

 صورة عامة للإنحلال فى القاهرة المملوكية

مقدمة

الحوليات التاريخية تركز على التأريخ للسلطان أو الخليفة فى عاصمته ، تسجل ما يحدث سنويا أى بالحول فسميت ( الحوليات التاريخية ) . والعادة أن تكون الأجزاء الأخيرة من الحوليات التاريخية هى الأهم لأن المؤرخ يكون فيها شاهدا على العصر . النقص الأكبر فى الحوليات التاريخية أن المؤرخ فى تركيزه على العاصمة وأصحاب النفوذ فيها يتجاهل غيرها من المدن والأقطار . حدث هذا فى العصر العباسى مع الطبرى و ابن الأثير وابن الجوزى فى التركيز على بغداد والعراق ، وحدث هذا أيضا فى العصر المملوكى فى التركيز على القاهرة ، نرى هذا مع المقريزى فى ( السلوك ) وابن حجر فى ( إنباء الغمر ) وابى المحاسن ( النجوم الزاهرة ) و الصيرفى فى (  إنباء الهصر ) وابن اياس فى ( بدائع الزهور ) . بل إن بعض المؤرخين الشوام المقيمين فى الشام التابع للدولة المملوكية كان أيضا يركيز على القاهرة ، كما حدث فى الأجزاء الأخيرة فى تاريخ ابن كثير ، وفى موسوعة النويرى ، وتاريخ ابن الفرات وتاريخ الغزى وتاريخ ابن طولون .

هذه مقدمة نؤكد بها أن ما كان يحدث من انحلال خلقى بأثر التصوف فى القاهرة المملوكية هو مجرد ( عيّنة ) لما يحدث بعيدا عنها . بل ربما فى مجال الانحلال تتفوق المدن الأخرى فى الأطراف وفى الريف عن القاهرة ، إذ تمارس الانحلال بلا رقيب وبلا تسجيل تاريخى . أسعفتنا كتابات المؤرخين المنجذبين للقاهرة وأضواء السلطة المملوكية فوجدنا مادة تاريخية عن القاهرة المملوكية تعطى فكرة عن الانحلال الذى نشره التصوف فى العصر المملوكى والدولة المملوكية الممتدة من غرب العراق الى برقة ، ومن جنوب تركيا الى جنوب الحجاز وشمال السودان . فالقاهرة كانت ــ ولاتزال ــ الوجه المعبر للمنطقة ، فيها مركز الحكم والفكر واهتمامات المؤرخين، وعلى وجهها تنعكس الأحوال الصحية والمرضية للعصر التاريخى الذى تحياه المنطقة .

         1 ــ وفى عصرنا المملوكى يقول الشاعر القاهرى الخفيف الظل البهاء زهير[87]

         تســــابقنــا إلى اللهــــو          ووافـــــينا بتــبكيـــر

         وفــــينا رب مـــحـــراب          وفــــــينا رب مــاخـور

         ومن قـــوم مــســـاتيــر          ومن قـــوم مــسـاخـــير

          والشاعر هنا يعطى صورة للمجتمع المملوكى القاهرى إذ يستيقظ الناس فيه مبكرين يتسابقون إلى اللهو لافرق بين عربى ولا عجمى إلا فى الدرجة فى التبكير، كلهم يتسابقون إلى اللهو منهم رجال الدين( رب محراب ) ومنهم رجال الفساد (رب ماخور ) وفيهم أهل الطبقات الراقية ( ومن قوم مساتير) والعوام ( ومن قوم مساخير).

2 ــ وليس الشاعر مبالغا فى شىء وإنما ينقل ماكان يحدث فى الشارع المصرى ورددته المصادر التاريخية ،والمقريزى يقول عن القاهرة ( والفقير المجرد فيها مستريح من جهة رخص الخبز وكثرته ، ووجود السماعات والفُرج فى ظواهرها ودواخلها ، وقلةالاعتراض عليه فيما تذهب إليه نفسه يحكم فيها كيف شاء ، من رقص فى السوق، أو تجريد ، أو سكر من حشيشة أو غيرها ، أو صحبة مردان ، وما أشبه ذلك ، بخلاف غيرها من بلاد المغرب)  . فشوارع القاهرة مليئة بأماكن اللهو والحفلات ، والصوفى يتمتع بحريته ، يرقص كيف يشاء ويدخن الحشيش ويشرب الخمر كما يحلو له ، أو يمارس الشذوذ مع المردان إذا أراد ، ولا اعتراض عليه فيما يفعل ، والمقريزى ينقل وجهة نظر شيخه ابن خلدون حين أتى للقاهرة من المغرب وصدمه واقع القاهرة المنحل وقارنه بما يحدث فى المغرب .

          ثم يقول ( ولا ينُكر فيها إظهار أوانى الخمر ولا آلات الطرب ذوات الأوتار ، ولاتبرج النساء العواهر ، ولا غير ذلك مما يُنكر فى بلاد المغرب) أى كانت القاهرة عاصمة للفن ، و"العواهر" وكل شىء فيها ظاهر للعيان. ثم يقول ( وقد دخلت فى الخليج الذى بين القاهرة ومصر .. فرأيت فيه من العجائب .. وربما وقع قتل فيه بسبب السكر ، وهو ضيق ، عليه فى الجهتين مناظر ، كثيرة العمارة بعالم الطرب والتهكم والمخالفة) . أى زار بعض أماكن الفساد وتعجب مما فيها من مشاجرات ومنازل للهو والمرح .

    ثم يقول عن المصريين فى عهده ( ومن أخلاقهم الإنهماك فى الشهوات والإمعان فى الملاذ وكثرة الاستهتار وعدم المبالاه ، قال لى شيخنا عبدالرحمن بن خلدون : أهل مصر كأنما فرغوا من الحساب ) ، وابن خلدون بحاسته النافذة يشير إلى الأساس الدينى الذى جعل المصريين ينهمكون فى المعاصى أكثر من غيرهم من بلاد المغرب . وهو اطمئنانهم على مستقبلهم فى الآخرة وأمنهم من الحساب والسبب واضح هو أن التصوف أرسى فى عقيدتهم أن الأولياء يشفعون فى العصاة ــ والنبى أيضا ، إذن لا عليهم مهما بلغ انحلالهم الخلقى.  ويقول المقريزى: (  ولقد كنا نسمع أن من الناس من يقوم خلف الشاب أو المرأة عند التمشى بعد العشاء بين القصرين ويجامع حتى يقضى وطره ، وهما ماشيان من غير أن يدركهما أحد، لشدة الزحام واشتغال كل أحد بلهوه ) "[88]. .. والمقريزى فى تلك اللوحة التاريخية الرائعة النادرة يرسم صورة للشارع المصرى فى عصره مليئة ، بالحركة والازدحام والانحلال والصخب حتى تتم ممارسة الزنا والشذوذ فى الشارع وسط الزحام دون خوف أو خجل . والمقريزى يشير الى عدم الاعتراض وإشتغال كل واحد بلهوه ومجونه .

         3 ــ وبازدياد سيطرة التصوف زاد الانحلال وعمَ . وبعد قرنين من الزمان يقول الشعرانى يصف عصره ( ونحن فى زمان وعد الشارع فيه بظهور المعاصى والفتن وكثرة الزنا واللواط والقتل وشرب الخمر وغير ذلك )[89]. ويأبى الشعرانى أن يتخلى عن عقيدته الصوفية وهى أساس البلاء ــ حين يتحدث متحسرا عن شيوع مفردات العصيان من الزنا واللواط والقتل والخمر ( ونحن فى زمان وعد الشارع فيه بظهور المعاصى) أى يعبر عن عقيدة وحدة الفاعل الصوفية التى تجعل المعاصى قضاء إلاهيا لامفرمنه ، ولا مسئولية على البشر من ارتكابه . وفى موضع آخر ينصح الشعرانى الحكام المعزولين بالتوبة ثم يقول ( وكثيرا ماتزول النعمة عن بعضهم بالذنوب التى كان يستهان بها لكثرة وقوعها كشرب الخمر والزنا واللواط والتعاون عند الحكام وإخراج الصلوات عن أوقاتها)[90].ومعناه أن الناس تعودوا العصيان حين أكثروا الوقوع فيه واعتادوه .

4 ــ  إذن اتفقت الصورة عن الشارع المصرى المملوكى حين نقلها شاعر ومؤرخ وشيخ صوفى ، كل منهم عاش فى وقت مختلف فى العصرالمملوكى.

أهل الكتاب فى الميدان :

1 ـ وبشيوع الانحلال فإنّ   أهل الكتاب لم يتخلفوا عن الركب وعن التسابق إلى اللهو ، خصوصا فى الأعياد القبطية كعيد الشهيد والنيروز وشم النسيم ، إذ عرف العصر المملوكى إذابة الفوارق بين جميع الطوائف الدينية والاجتماعية فى ممارسة الانحلال.

 2 ــ  على أن بعضهم لم يكتف بممارسةالانحلال داخل طائفته ، وإنما انفتح على المسلمين يمارس الزنا واللواط بنساء المسلمين وأولادهم ، وبعضهم ضبط فى حالة تلبس فكان مصيره القتل ، وحين قتل استحق الخلود فى سطور الحوليات التاريخية ، ففى حوادث سنة 734( وجد بالقاهرة يهودى مع امرأة من بنات الترك ــ أى المماليك ــ فرجم اليهودى إلى أن مات وصودر ماله ، وحبست المرأة)[91]. وفى حوادث سنة 820 يقول المقريزى( أُمسك بالقاهرة نصرانى قد زنا بمسلمة، فرجم خارج باب الشعرية ، وأحرق العامة النصرانى ودفنت المرأة)[92]. ويقول ابن حجر فى نفس الحادثة ( زنا نصرانى بمسلمة فرجم وأحرق النصرانى ، ودفنت المرأة)[93]. وفى حوادث سنة836 يقول ابن حجر ( ضربت رقبة نصرانى كان قد أسلم خوفا من الوالى لأنه ظفر به مع امرأة مسلمة ، ثم ارتد فقتل ، وأحرقت جثته)[94]. ويقول الصيرفى فى نفس الحادث ( نصرانى وجده رجل مع زوجته فاحتمى عن القتل بإظهار الإسلام بلسانه، وبعد مدة ارتد ، فحكم بقتله)[95].. وواضح أن العقاب للكتابى كان أسرع وأشد ، أما المرأة فكان يخلى سبيلها أحيانا.

3 ــ ويختلف الحال حين يكون الكتابى صاحب نفوذ وليس من العامة ، كما فعله أقارب النشو الوزير النصرانى القوى فى عصر الناصر محمد .

وفى عهد الأشرف برسباى شكا أهل دمياط من ابن الملاح لأنه ( يتجاهر باللواط ، ويستخدم من كان جميل الصورة من أهل البلد) ويبالغ فى إظهار الفاحشة ( حتى أنه ربما قام بحضرة الناس فخلا به الشاب منهم بحيث لايواريه إلا جدار المخدع أو شبهه ، ثم يخرجان على الهيئة الدالة على المراد ، وكثر ذلك منه ، وأنف جماعة من الناس ومنعوا أولادهم من الخدمة عنده ، وهو يفسدهم بكثرة العطية ومعاقرة الخمر والغناء ، مع ماهو فيه من الجاه العريض ، حتى كان والى البلد يقف فى خدمته .. فقعد له مجلس بحضرة السلطان فأنكر ، فقامت عليه البينة ، فبادر وأسلم ونجا من العقوبة ).[96]

        وكان بمقدور الكتابى أن يمارس الرذيلة دون عقاب مع المحترفات ، وأغلبهن مسلمات ، وكانت الدولة المملوكية تأخذ عليهن الضرائب وذلك مايعرف ب( ضمان المغانى).

  طبقة البغايا والمخنثون 

ضمان المغانى :

        1 ــ يقول عنه ابن أياس فى حوادث 778 ( أبطله الأشرف شعبان ، وكان قد بطل فى الزمان القديم وأعاده وزراء السوء لكثرة مايتحصل منه من المال الجزيل ، وهو عبارة عن مال كبير مقرر على المغانى من رجال ونساء ، فكان لاتقدر المرأة من المغانى تضرب بدف فى عرس أو ختان أو نحو ذلك إلا بإطلاق ــ أى تصريح  رسمى ــ وعلى كل إطلاق ( تصريح رسمى ) مال مقرر للديوان المفرد ، وكان على كل مغنية مال مقرر تحمله إلى الضامنة ، وكان فى كل ليلة يدور على بيوت المغانى من جهة الضامنة لمعرفة من باتت منهن خارج بيتها، وكان مقررا على النساء البغايا ضرائب مقررة .  وكان ببلاد الصعيد والوجه البحرى حارات للمغانى والبغايات ، وكان هناك يظهر التجاهر بالزنا وشرب الخمر مايشنع ذكره ، حتى لو مر على تلك الحارات رجل من الغرباء من غير أن يقصد الزنا ، فتنقض عليه بغية من تلك البغايا التى فى الحارة وتلزمه غصبا بالزنا ، أو يفتدى نفسه بمبلغ حتى يخلص من يدها من الفعل القبيح إن فعل وإن لم يفعل ، وتقوم بما تأخذ منه من المبلغ مما عليها من الضريبة المقررة عليها فى كل يوم ) [97]                                                                         

وواضح أن الدولة كانت تشجع الانحلال بفرض هذه الضريبة التى تدفع البغايا لاغتصاب الرجال ، ولم تفرق الدولة بين محترفات الغناء(المغانى) ومحترفات الدعارة (البغايا) فألزمت الجميع بدفع الضريبة رجالا ونساء بغايا ومغنيات ، ومعناه أن الفن كان من مظاهر الانحلال الخلقى وقتها حتى أن المغنية إذا باتت خارج بيتها دفعت الضريبة سواء غنت أو فجرت فلا فرق.

2 ــ وصار وجود العاهرات فى الشارع المصرى أمرا مألوفا، وقد تحررن من إرتداء النقاب ، ولبسن أزياء تلفت النظر . يقول المقريزى عن القاهرة ( ولاينكر فيها إظهار أوانى الخمر ولا آلات الطرب .. ولا تبرج النساء العواهر)[98]. وعن الصعيد يذكر كاتب مناقب الفرغل أن بعضهم مر على البغايا( وهن مزينات مكشوفات الوجوه) أى تميزت العاهرات بكشف الوجه ، بينما تنقبت الأخريات[99] .

 وقد سبق أن بيوت الدعارة قد تمتع بعضها ببركات المشايخ الصوفية مثل الشيخ وحيش الذى كان يتشفع فى الزناة ، والشيخ حسن الخلبوص الذى كان يحمل العاهرات فوق ظهره.

 وفى حوادث سنة 876  يقول الصيرفى أن السلطان قايتباى بلغه ( أن الخواطىء ــ أى العاهرات ــ يفعلن المنكر بالجنينة التى هى من أرض الطبالة ــ العباسية الآن ــ ففحص عن من يأخذ جعلهم ــ أى يفرض الضريبة عليهم ــ ورسم بالكبس عليهم)[100]. فالسلطان الورع قايتباى صاحب الأوراد تحمس للبحث عمّن يسترزق بالقوادة ليفرض عليه الضريبة ، ولم يتحمس لمنع البغاء ذاته .

ويقول البقاعى فى نفس الموضوع ( طلع ناس من العامة وشكوا من دويدار والى القاهرة ، وكان قد أقام ثلاثين امرأة للفسوق فى ناحية الجنينة وأرض الطبالة ، وقرر على كل امرأة منهن نصفا من الفضة كل يوم ، فظهر للسلطان صدقهم)[101].  وواضح أن الإنكار هنا سببه أن الوالى هو الذى كان يأخذ الضريبة لنفسه دون السلطان ، وأن الوالى ــ وهو مدير الأمن بمفهوم عصرنا ـ كان يرتزق من عرق المومسات ولا يدفع عنهن ضريبة للدولة المملوكية التى تطبّق الشريعة .!!

 3 ــ وقد أبطل ضمان المغانى عدة مرات فى العصر المملوكى . أبطله الظاهر بيبرس سنة 656هـ حين أراق الخمور( ومنع النساء الخواطىء من التعرض للبغاء من جميع القاهرة ومصر وسائر الأعمال المصرية ...) ( وحبست النساء حتى يتزوجن).  ثم أبطله الناصر محمد سنة 715  ، ثم أبطله برقوق من بعض المناطق[102]. وكان ضمان المغانى لا يلبث أن يعود دائما بسبب جشع القائمين على الدولة ، أو حسبما يقول ابن أياس ( وكان قد أبطل فى الزمان القديم وأعاده وزراء السوء لكثرة مايتحصل منه من المال الغزير ).

 ويقول المقريزى فى حوادث سنة 827( وفيه تُتُبعت البغايا ، وألزمن بالزواج ، وألا يزاد فى مهورهن عن أربعمائة درهم من الفلوس ، ونودى بذلك فلم يتم منه شىء)[103].

ومن الطبيعى ألا يتم شىء مع وجود تلك النداءات والتسهيلات ، فلم يتزوجن ولم يقلعن عن الفحشاء لأن وجودهن ضرورة فى مجتمع يدين بالتصوف الذى شاهدنا جذور الانحلال الخلقى تشكل أساسا فى عقيدته وفى شريعته وفى نظام حمكه الفعلى.

 4 ــ وظلت مصر تحمل عار فرض ضريبة البغاء حتى أواخر العصر العثمانى وما بعده حتى تم إلغاؤه مؤخرا من حوالى ستين عاما . يقول كلوت بك عن العاهرات فى العصر العثمانى : ( كان وجودهن فى الديار العثمانية نادرا جدا ، ولكن مصر ــ التى خالفت ممالك الشرق فى أكثر من حال من أحوالها العامة ولاسيما فى ارتخاء حبل الأخلاق ــ تجاوزت الحد، فلم تقتصر على قبول العهارة وإجازتها، بل كانت تجبى من العاهرات مبلغا جسيما يدفع سنويا لخزانة حكومتها ، وكانت طائفة العاهرات فيها إلى حد قريب منا طائفة معروفة ذات رؤساء يهيمون عليها ، وأنظمة خاصة تسير على منهاجها)[104].

ضريبة المغانى تشمل الشواذ

1 ـ  وقد شملت ضريبة المغانى المخنثين من الذكور مع النساء العاهرات ، وابن أياس يقول عن ضمان المغانى ( وهو عبارة عن مال كبير مقرر على المغانى من الرجال والنساء)، فذكر الرجال والنساء معا ووصفهما معا بالمغانى .  

2 ــ ومن أنواعه مايعرف " بشد الزعماء" وهو ضريبة يقول عنها المقريزى ( مقرر على كل جارية أو عبد حين نزولهم بالخانات لعمل الفاحشة ، فتؤخذ من كل ذكر وأنثى مقدار معين)[105]. ومعناه أن الخانات حفلت بالمخنثين والبغايا لطلاب المتعة الحرام بنوعيها السوى والشاذ، وكان أولئك من الجوارى والعبيد لمن لايستطيع أن يشترى جارية أو مملوكا خاصا به، وأما السادة فلهم بالطبع قطعانهم الخاصة من الغلمان . وفيما عدا بين السادة المكتفين بمماليكهم والعوام المترددين على الخانات فقد كثر الترافق بين أصحاب الشذوذ ، يقول المقدسى الرجائى ( وأما زماننا فقد كثر فيه الفساد ، واكتفت الرجال بالمردان )[106].

تشريعات للمخنثين والشواذ

1 ــ  وبانتشار هذا الإثم لم يعد عيبا أوعارا ، بل صارت له آدابه برعاية التصوف .

 يقول ابن القيم( ولما سهل الأمر فى نفوس كثير من الناس صار كثير من المماليك يمتدح بأنه لايعرف غير سيده ، وأنه لم يطأه سواه كما تمتدح المرأة بأنها لاتعرف غير سيدها وزوجها ، وكذلك كثير من المردان يمتدح بأنه لا يعرف غير خليله وصديقه أو مؤاخيه ، أو معلمه ، وكذلك كثير من الفاعلين يمتدح بأنه عفيف عما سوى خدنه الذى هو قرينه وعشيره كالزوجة أو عما سوى مملوكه الذى هو كسريته أى مثل سريته ، أى مملوكته) [107].

أى أصبح هناك مفهوم جديد للشرف ، فالمفعول به يفتخر باخلاصه للفاعل به وأنه لا يعرف غيره ، والفاعل يفتخر بأنه مخلص للمفعول به لا يمتد ( طرفه ) لغيره.

2 ــ وبرز نوع عجيب من الشذوذ ( الشريف ) أو ( الشذوذ العفيف ) أى ان يستغرق أحدهم فى ( حب ) الأمرد دون أن يمارس معه الفحشاء . وكان بعض الصوفية يزعم هذا ، ولسنا مرغمين بتصديقهم وهم ينامون مع أولئك الصبيان ، ويزعمونها ( محبة الفقراء ) .

ولكن يمكن أن نصدق بعض المصادر التاريخية ، خصوصا ابن أيبك الصفدى الذى يبدو من تأريخه التشوق لايراد الأخبار الماجنة مع الأشعار الفاحشة والكلمات الفاحشة تعبيرا عن عصره ومن يؤرخ لهم . ومع هذا فقد كتب عن بعض معاصريه بما ينطبق عليهم مفهوم الشذوذ العفيف او الشريف . فهو يقول عن الشيخ تقى الدين السروجى إنه كان يغلب عليه حُبّ الجمال مع العفة والصيانة ، وأنه كان يكره النساء ويرفض أن يلمس طعاما من عملهن. وأنه كان يُحبُ فتى( حبا شريفا ) وأن والد الفتى كان يعرف ذلك ويباركه . ثم مات الفتى فحزن عليه الشيخ السروجى الى أن مات . فقال والد الفتى : ( والله ما أدفنه إلا فىقبر ولدى ، وهو كان يهواه ، وما أفرّق بينهم فى الدنيا ولا فى الآخرة ) ( الوافى 17 / 341 : 342 )

ويقول الصفدى أيضا عن الأمير المملوكى ايدكين علاء الدين الصالحى ت 690 أمير صفد أنه كان يلعب مع أولاد صفد الكرة ، وكان يعاشر الفقراء الصوفية ، ويحاضر العلماء ( ويميل الى الصور الملاح من غير فعل فاحش ) ( الوافى 9 / 490 : 491 ).

عشير الناس ( جلسات السمر للشذوذ الجنسى )

1 ــ ونجوم الشذوذ أقيمت لهم حفلات السمر ، وتمتعوا فى نهاية العصر المملوكى بلقب ( عشير الناس )   وهو شخص شاذ شذوذا إيجابيا أو سلبيا أو النوعين معا ( البدل ) ، وهذا الشخص الشاذ يكون فى العادة حسن الوجه حُلو المعشر جذّابا ظريفا ماهرا فى الحديث ليميل الناس الى صحبته والتسامر معه و ( معاشرته ) أى ممارسة الفحشاء الشاذة معه بحيث يستحق لقب ( عشير الناس ) ، ويشتهر، فيلتفت اليه المؤرخون فيجد طريقه للخلود بين صفحات التاريخ إذا إشتهر فى عصره ، أو أن تصل شهرته الى الأعيان فيطلبونه لمجالسهم الخاصة ( جدا ) ، ويصل أمره الى المؤرخين فيكتبون عنه .

2 ـ وبدأ الأمر فى عصر المؤرخ ابن أيبك الصفدى . وسجله بين سطور موسوعته التاريخية ( الوافى بالوفيات ) دون أن يستعمل مصطلح ( عشير الناس ) الذى لم يكن قد ظهر وقتها فى القرن الثامن الهجرى .

وكان منهم : بهاء الدين بن غانم ت 735 ، وهو من معارف ابن ايبك الصفدى ، وقد قال عنه ( وكانت بينى وبينه محاورات ومناقضات ومعارضات ومناقشات ) ( الوافى 10 / 258 ) . وقد وصفه الصفدى بأنه ( كان حسن الشكل لطيف العشرة، عليه أُنس فى السماع ، وله حركة فى الرقص ، وكان يهوى ( طقصبا ) وهو صبى يغنى ، وكان يعمل به السماعات ( اى الحفلات الغنائية الصوفية ) ، ويرقص علي غنائه ، ويحصل له وجد عظيم ) ( الوافى 10 / 253 ) . هذا الوجد العظيم كان يحدث علنا فى حفل السماع ، فكيف بالخلوة ؟

ومنهم الشيخ محمد الغزى ، يقول عنه المؤرخ الصفدى وكان معاصرا له وقت تأليف موسوعة ( الوافى بالوفيات ) : ( سألته عن مولده فقال : فى سنة خمس وثمانين وستمائة ) . وقد نقل له الصفدى شعرا فاحشا فى الشذوذ الجنسى لا نستطيع إيراده . وقال عنه : ( وخالط الناس وعاشر ، وفيه خفة روح وكيس ( أى ذكاء وظُرف . ) ( الوافى 4 : 323 ). وهنا نرى الصفدى يستعمل مصطلحا قريبا من مصطلح ( عشير الناس ) الذى انتشر فيما بعدُ.

ويقترب الصفدى أكثر من مصطلح ( عشير الناس ) فى تأريخه للصاحب علاء الدين ابن الحرانى الذى مات فى رمضان 752 ، أى  قبل موت الصفدى ب 12 عاما . يقول عنه الصفدى ( وكان فيه كيس ولُطف عشرة ن وبيته مجمع الأصحاب والعشراء )( الوافى 22 / 180 ).   

3 ـ وفى أواخر العصر المملوكى تكاثر المخنثون من أصحاب الشذوذ السلبى ، وانتشر الشذوذ أكثر ، وصارت له مجالسه ، وصار له نجومه ، فاشتهر بهم مصطلح عشير الناس، وكان هذا من أوصافهم التى جاءت فى تاريخ ابن إياس . ونأخذ أمثلة تعبّر عن عصر ابن إياس ، مع تقديم الاعتذار الكافى عن إضطرارنا لايراد بعض الشعر الفاحش للتعرف على ذوق العصر الذى خلا من الذوق .!!.

3 / 1 : قال عن الشيخ أمين الدين الغيطى ت 844 هـ : ( كان عشيرا للرؤساء والأعيان ، لايبرحون من منادمته ساعة واحدة ، وكان مُقعدا ، يُحملُ على الأكتاف الى بيوت الأعيان ، وكان يُنسب الى أٌبنة به ( أى مدمنا على الشذوذ السلبى مريضا به مُضطرا اليه ) ، وقد اشتهر بذلك. يقول القائل فيه :

عجبا من صاحب كان لنا    فيه للعاقل منا معتبر

جمع المال صغيرا بإسته  ثم أعطاه عليها فى الكبر

فإذا عاتبته فى فعله          قال : هذا قضاء وقدر

وقال آخر :

قيل أن الأمين أضحــى رفيعا          قلت كُفـُّوا فليس هـذا حقيـقة

كـيف يبــدى تكبــرا لأناس                 وأقل العــبـيـد يعلو فـوقـه

وقال آخر :

يقول لى والإير فى إسته             كانه مبرد حدّاد

إن شيوخ الأرض فى عصرنا تفضّلُ الميم على الصاد.

( الميم رمز للإست أو المؤخرة ، والصاد رمز لمهبل المرأة )( تاريخ ابن اياس 2 / 225 : 226 )

3 / 2 : الشيخ اسبل الخضرى المالكى ت محرم 873 ، قال عنه ابن اياس ( كان عشير الناس ، كثير المداعبات والنوادر ، لطيف الذات ، محببا لأرباب الدولة ) ( تاريخ ابن اياس 3 / 19 )

3 / 3 : القاضى الشافعى  الشيخ كتكوت ( بدر الدين الدميرى ) ت ذو الحجة 887 : ( وكان فكه المحاضرة كثير العشرة للناس ، طلق اللسان. ) ( تاريخ ابن اياس 3 / 198 )

3 / 4 : كلب العجم ( الشيخ محب الدين عبد الرحمن بن حسن ) ت  ذو القعدة 887 ، ( كان عشير الناس ، فكه المحاضرة ، ومن أخصّاء الأمير يشبك من مهدى الداودار الكبير ، كان يسرف على نفسه ، يميل الى محبة الأحداث ، وله فيهم أشعار كثيرة ، قال له الشهاب المنصورى يداعبه .....) ( تاريخ ابن اياس 3 / 197 )

3 / 5 : الأديب الشهاب الحجازى . ت شعبان 875 . ( كان عالما فاضلا بارعا فى الأدب ، وله عدة مصنفات فى الآداب ، وكان ظريفا لطيف الذات عشير الناس ، حسن المحاضرة . ومن شعره  .... )

( تاريخ ابن اياس 3 / 57 )

3 / 6 : وفى حوادث شهر بيع الأول عام 873 : تعيين مثقال الحبشى الساقى فى مشيخة الحرم النبوى . والسبب كما يقول ابن اياس : ( وكان مثقال هذا عشير الناس ، كثير الانهماك على شرب الراح ، فمقته السلطان ( قايتباى ) وألبسه مشيخة الحرم النبوى الشريف لعله يتوب ) ( تاريخ ابن اياس : 3 / 23 ) . جدير بالذكر أن السلطان قايتباى كان عفيفا ومشهورا بالتعبد والأوراد .!!

شيوخ مخنثون

1 ــ  وبعضهم أصبح شيخا صوفيا فقال فيه ابن النقيب الشاعر، ونعتذر عن اضطرارنا للنقل :

رُب علــق صـــار شيخـا          يـــدعى دينـا وعفة

قال لـى من ليس يدربـــه        ولا يعـــرف وصفــه     

ذا لــــه حـــال وكشـف           ذا لــه حــج ووقفه

قلـت له كـم بينى وبـين الشيخ  قبل الكـشف كـشفه

وقال فى آخر :

علـق ترهـب خـــده وتصـوفا       ورأى وأبعـد فـيه قلبى واشتـفا[108]

ويقول الشاب الظريف فى أحد القضاة المخنثين :

                    صـدودك هل له أمـد قــريب          ووصلك هل يكـون ولا رقـــيب

                    قضــاة الحسن ماصنعى بطرف         تمنى مــثله  الرشــــأ الرتيب

                    رمى فـأصــاب قلبى باجتهـاد        صـدقتم كـل مجــهد مصـــيب  [109]

التحذير من الاعتراض على المخنثين الشواذ

1 ــ  وحذر الصوفية من الاعتراض على المخنثين ، يقول الشعرانى أن من المنن عليه عدم اعتراضه على المخنثين ( لأنهم أصحاب أمراض ، فربما ازدراهم أحد ، فابتلاه الله بمثل ما ابتلاهم به)[110].

أى أنه طبقا لعقيدة التصوف فى ( وحدة الفاعل ) فقد جعل الله جل وعلا مسئولا عن وجود هذه الطائفة، تعالى رب العزة عن ذلك علوا كبيرا  .

شيوع الشذوذ الجنسى السلبى فى مصر منذ القرن الثامن

وبسبب وجود هذه الطائفة وشهرتها فقد كتب المؤرخ ابن ايبك الصفدى  ساخرا فى كتابه ( شرح لامية العجم ) يقول مثلا : ( والمصريون يتنافسون فيه ــ أى الشذوذ السلبى ــ ويتفاخرون به ، ويعتبرونه منقبة سامية ومرتبة علية ، وإذا إدعاه مدع ، ممن لا يعتزى إلى مجد شريف ولا ينتمى إلى منصب منيف ــ دفعوه عنه وأنفوا له منه ، وقالوا بأى أبويه استحق هذه المنزلة ، أم بأى رياسة وصل إلى هذه المرتبة ، وإذا وصفوا إنسانا برقة الحال قالوا : فلان يبوس ملتفتا )[111].

وقد ملأ الصفدى كتابه ( شرح لامية العجم ) بأبشع من هذا . ولقد اخترنا أخف النصوص .وكالعادة نعتذر عن النقل لإضطرارنا اليه ليعرف القارىء أخلاقيات العصر المملوكى وذوقه .

  انحلال النساء العاديات بالنقاب

 1 ــ كان إرتداء النقاب فريضة سُنية ، وكان الانحلال الخلقى شريعة صوفية . والعصر المملوكى كان يتبع التصوف السّنى ، أى بتعبيرهم :( الحقيقة والشريعة ) ؛ الحقيقة تعنى التسليم التصوف وتقديس أوليائه ، مع تطبيق ما تيسّر من الشريعة السّنية عبر قُضاة صوفية ، وتحت شعار "الشرع الشريف ".

وفى موصوعنا عن الانحلال الخلقى قام ( النقاب ) بعقد الصلح بين دينى السُّنّة والتصوف وفق التدين السطحى المظهرى المتفق عليه بين الدينين الأرضيين ، فالنقاب تمسك ظاهرى بالشريعة السًّنية التى تُحرم سفور المرأة ، وهو فى نفس الوقت يعطى المرأة ــ ولا يزال يعطيها ـ فُرصة التخفى لتمارس الانحلال كما يحلو لها ، ولا يستطيع أن يتعرف عليها أحد . المومسات المحترفات لم يكنّ يلجأن للنقاب ، بل يقفن سافرات الوجه فى الطرقات والشوارع ، وأحيانا فى زىّ متميز ، لجذب الزبائن . أما غيرهن من الهاويات فكان النقاب سترا لهن وهن يمارسن الانحلال دون أن يدفعن للدولة المملوكية الضرائب . وفطنت الدولة المملوكية لهذا ، فلاحقتهن بضريبة المغانى أو ضريبة إحتراف الزنا .

2 ــ ولأنه قد فشا الزنا فى عصرنا المملوكى فقد تضاءل الفارق بين المرأة العادية ( العاهرة ) والمرأة المحترفة ( المومس ) ، فطالما فسد الرجال فلابد أن تفسد النساء لأن الانحلال الخلقى عملة واحدة لها وجهان متلازمان .( ملاحظة : مصطلح المومس تعبير تراثى يعبر عن المعنى المراد ، وهو مستعمل فى العصر العباسى ، وورد فى البخارى )

3 ــ  وقد ساعد على كثرة انحلال المرأة هو خروجها من البيت ترتدى النقاب مطموسة الشخصية تبحث عن الانحلال ، وكان خروجها من البيت عادة دائمة للبحث عن المتعة إلى درجة أن السلطة المملوكية تدخلت تحاول ــ دون جدوى ــ منع النساء من الخروج ، وفى حوادث  سنة 793هـ  (أشهر النداء بالقاهرة بمنع النساء من الخروج ، وعدم اجتماعهن مع الرجال فى مركب للفرجة ، وعدم ذهابهن للقرافة يوم العيد ، وأى مكارى أركب امرأة وُسط بلا معاودة )[112]. أى هددوا المكارية ، أى الحمَارين بالتوسيط ، أى القطع نصفين إذا أركب أحدهم امرأة على حماره . وكل ذلك لحصر الانحلال داخل البيوت فقط. !

وفى حوادث سنة 835 منع والى القاهرة دولات خجا خروج النساء والمُرد من بعد العشاء ( المٌرد ـ جمع أمرد ـ والأمرد أيضا مصطلح من العصر العباسى يدل على الشاب المفعول به أو الذى يُراد به ذلك ).  ، ( وشق ذلك عليهن ) أى لم تتحمل العاهرات الحبس فى البيوت والمنع من الانحلال ، ( حتى قالت بعضهن :  راحت دولة عمر وجت دولة خجا) ، والمقصود أن دولة عمر بن الخطاب ذهبت ، ولكن جاءت دولة الأمير خجا الذى جاء يعيد تشدد عمر بن الخطاب، أى سخرت النساء من ذلك الأمير المملوكى . يقول الصيرفى باسلوبه العامّى الشعبى :( وحرموا علقا أو قحبة تخرج من العشاء)[113] ..

وفى العام التالى تولى الأمير منكلى الحسبة فى القاهرة فى سلطنة المؤيد شيخ، فشدد على النسوة فى عدم الخروج من بيوتهنّ ، فألفت فيه النساء أغنية راقصة ظريفة كُنّ يرقصن بها ، تقول :

         لاتمـــسـك طـــرفـــى            مـــنـكــلـى خـــلفــــى

        علـقــتــو مـــايتـــين            قلَ مـــــايعـــــــــفى[114]

         أى سخرت النساء منه بتأليف الأغانى الراقصة التى تعبر عما كان يحدث فى الشوارع والأزقة.

وفى سنة 841 إثر الطاعون ، اتبع السلطان برسباى نصيحة بعض العلماء، ومنع خروج النساء من بيوتهن ، وتهدد من خرجت من دارها بالقتل[115]. وتكرر ذلك سنة 844 [116] .

وفى سنة 848 حين حاول المحتسب (يار على) إلزام النساء بيوتهن تأسيا بمن كان قبله ، ولكن دون جدوى ، فيقول السخاوى فى ذلك ( وياليتها كانت القاضية إذ خروج النساء من قبله كان أعم ، والله يعلم المفسد من المصلح) [117]. فالعادة أن يصدر النداء بعدم خروجهن ، ثم يتم نسيان الأمر ، وتعود النساء للخروج . وفى مصر فإن كل شىء فيها يُنسى بعد حين ..كما قال أمير الشعراء أحمد شوقى .! فلقد تعودت المرأة المصرية الخروج إلى حيث أماكن التجمهر والخلاعة ، كما لاحظ الجوبرى فى كتابه فى كشف الأسرار[118].

4 ــ ـ وإعتادت نساء القاهرة الخروج الى التُّرب ( اى المقابر ) حيث كانت تُستخدم شعبيا فى التلاقى والاجتماعات والتنزُّه والتبرك بما فيها من مقابر الأولياء ، وبالتالى ممارسة الانحلال فى ثناياها وظلالها وأزقتها . يقول ابن الحاج عن هذا فى القرن الثامن ( فهن يخرجن فى الغالب فى الأيام والليالى الشريفة كليالى الجمعة سيما المقمرة منها ، ويقمن فيها يوم الجمعة ويرجعن يوم السبت ، هذا بالإضافة إلى يوم عاشوراء والعيدين وليلة النصف من شعبان ، ثم أضفن يوم الأثنين لزيارة الحسين ، ويوم الأربعاء لزيارة الست نفيسة ، ويوم الأحد لحضور سوق مصر ، فلم يتركن الإقامة فى البيت فى الغالب إلا يوما واحدا وهو يوم الثلاثاء . وفى القرافة ( التربة ) تختلط الرجال بالنساء فى سماع الواعظ أو الواعظة فى الغناء والسماع ، فإذا وصلن البلد تنقبن واستترن ،وصار ذلك عادة تستتر المرأة فى البلد ولا تستتر فى القبور أو الطريق إليها)[119].

إذن هو خروج يومى ــ تقريبا ـ من البيت تحت حماية النقاب ، وهو خروج يقترن أحيانا بالمبيت خارج المنزل عند الأضرحة الصوفية وفى المناسبات الدينية وذلك يتضمن الاختلاط بالرجال بعد خلع النقاب وغير النقاب ، أى سهولة الوقوع فى الفاحشة ، ولذلك كانت تحرص الدولة على تحريم خروجهن . وطالما اصطبغ خروجهن بالصبغة الدينية فى مواسم وأماكن دينية فلا يمكن منع هذه العادة ، ويقول ابن الحاج أنهن فى القرافة كن يختلطن بالرجال أى أصبحت القرافة كما يذكر السخاوى الصوفى ( مجمعا للنسوان ومحلا للعب)[120] . وذلك للنساء المتنقبات غير المحترفات .

وترسب من هذا قول المثل الشعبى المصرى عن المرأة العاهرة أنها ( تمشى على حلّ شعرها ) أى تخرج منقبة ثم تخلع النقاب وتحل أو تفك ضفائرها للرجال .

5 ــ  وكانت النساء يذهبن للحمامات أيضا ، وقد عدَ المقريزى بعض الحمامات الخاصة بالنساء ، وبعضها يفتح للرجال أول النهار وللنساء فى آخر النهار[121]

وعن طريق الحمامات كانت تلتقى النساء بالقوادات ، وتقوم القوادات بمهمتهن خير قيام ، وفى ( بابة) أو مسرحية ( طيف الخيال) لابن دانيال شخصية القوادة أم رشيد الخاطبة ، التى ( كانت تخرج بالليل خاطبة ، لأنها تعرف كل حرة وعاهرة ، وكل مليحة بمصر والقاهرة ، وكُنّ يخرجن من الحمامات متنكرات فى ملاحف الخدامات ، وتعيرهن الثياب والحلى بلا أجرة ، أقود من مقود )[122]. فابن دانيال يذكر أنهن كن يذهبن الى الحمامات ويقابلن القوادات ، ويخرجن من الحمام متنكرات فى زى الخادمات ، وتصحبهن القوادة إلى الموعد المتفق عليه ، وهذا هو دور الحمام والتلاقى فيه . بين المرأة والقوادة ، وحيث تجهز القوادة بثياب التنكر للمرأة وتحدد لها مكان وزمان اللقاء المحرم.

6 ــ وكانت النساء يخرجن أيضا لمناسبات الأعراس والختان والموالد ،وكانت الدولة تعلم أن اجتماع النساء مع الرجال فى هذه المناسبات معناه الانحلال ، ولذلك فرضت عليها ضريبة المغانى ، وقد سبق إيراد قول ابن أياس عنه( وهو عبارة عن مال كبير مقرر على المغانى من رجال ونساء، فكان لاتقدر امرأة من المغانى تضرب بدف فى عرس أو ختان أو نحو ذلك إلا بإطلاق) ، أى تصريح رسمى بفرض ضريبة البغاء، حتى يُقام ويستمر ويحظى برعاية الدولة التى تطبق الشريعة السُّنيّة  . ونفس الضريبة كانت تدفعها المرأة صاحبة العرس يقول المقريزى: ( كان على النساء إذا تنفسن أو أعرسن أو خضبت امرأة يدها بالحناء أو أراد أحد أن يعمل فرحا لابد من مال بتقرير تأخذه الضامنة ) [123]. أى أن الدولة تعرف أن أى تجمع فيه نساء يعنى الانحلال ، فتفرض عليه ضريبة المغانى حتى لو كانت الحاضرات من النساء العاديات غير المومسات .

7 ــ ـ والصوفية كانوا نجوم العصر وزينة المجالس فى مناسبات الأفراح.

وفى  العصر الذى كتب فيه ابن أياس أن المغنية لاتضرب بدف فى عرس أو ختان إلا بعد أن تدفع ضريبة المغانى ــ كتب الشعرانى فى نفس الوقت يعيب على شيوخ عصره المشهورين حضور هذه المناسبات التى كانت مرتعا للفسق ، يقول: ( ويقبح على من شابت لحيته من العلماء والصالحين وصار قدوة للناس أن يحضر مع الأطفال والفساق فى مواضع لهوهم )[124].

ولكن أولئك الذين( شابت لحيتهم) من شيوخ الفسق من المتعذر عليهم أن يتوبوا عنه ، خصوصا إذا اعتبروه دينا، ولذلك فإن صيحة الشعرانى ذهبت سدى لأن حضور الأولياء الصوفية هذه المناسبات كان مدعاة للتفاخر والإسراف فى إعداد الطعام وتوافد الرجال والنساء والصبيان ، مما يعنى بالتالى كثرة الانحلال ، بل كان بعضهم يستدين ليقيم الأفراح ثم يعجز عن السداد فيدخل السجن . يقول الشعرانى: ( دخل كثير من إخواننا الحبوس بسب التزويج وعمل الأعراس والعزومات وهم عليهن دين )[125]. أى بسبب الإسراف كانوا يستدينون ويعجزن عن سداد الديون فيدخلون السجون . والسبب يكمن طبعا فى حضور الأولياء المشهورين ، يقول الشعرانى معلقا( حتى صار الناس يتخاصمون فى أن زفة فلان أكبر من زفة فلان)[126]. والشيوخ ومريدوهم هم الذين يجعلون للزفة " قيمة".

 8 ــ  ولاننسى أن الشيخات اللائى كن يقمن حفلات الذكر الصوفى كن يدفعن ضريبة المغانى شأن العاهرات ، أى أن الدولة كانت تعرف أن تلك السماعات الصوفية كانت ستارا للفسق يذهب إليها النساء( متزينات) حسبما يحكى ابن الحاج.  وفى تلك الحفلات كانت المرأة تخرج عن كل التزام بدعوى الجذب والوجد حين الذكر أو الرقص الصوفى ، فترقص كما يحلو لها وتجد المبرر بالوجد الصوفى ، أى ( أخذها الحال وإنجذبت ) .!!. يقول ابن الحاج ( ويأخذهن الحال بزعمهن ، وتقوم المرأة وتقعد وتصيح بصوت ندى، وتظهر منها عورات ولو كانت فى بيتها لمُنعت ، فكيف بها فى الجامع بحضرة الرجال ؟ فنشأ عن ذلك مفاسد جملة ) أى أن بعض السماعات الصوفية أقيمت فى الجوامع وحضرها النساء مع الرجال ، وأتيح فيها للنساء الرقص والغناء والصراخ تحت شعار الجذب، ومع وجود النقاب على الوجه، فقد كان من المتاح أن تنكشف جزءا من جسدها، ولا تهتم طالما تكفل النقاب بإخفاء شخصيتها.

ثم يضاف لذلك دور المنشد الصوفى فى إغواء النساء ، يقول ابن الحاج ( وبعض المغنيين كان يبالغ فى أسباب الفتنة ، فيتقلد العنبر ( عطر العنبر ) بين ثيابه لتشم رائحته ، ويجعل على رأسه فوطة من حرير لها حواش عريضة ملونة يصففها على جبهته . ولهم فى استجلاب الفتن بمثل هذا أمور يطول ذكرها ) . ثم يقول يصف أثر المنشدين فى غواية النساء (فإن ذلك يحرك عليهن ساكنا لما ورد أن الغناء رقية الزنا، وهن ناقصات عقل ودين ، سيما إذا انضاف كون المغنى شابا حسن الصورة والصوت ، ويسلك سلك المغنيات فى تكسيرهم وسوء تقلباتهم ، مع ماهو عليه من الزينة بلباس من الحرير والرفيع ).. أى كان المنشد يتبذل فى إغواء النساء بالمظهر والحركة والصوت .

ثم كانت النساء يرقصن مع الرجال ومع المردان ، يقول ابن الحاج ( يرقص بعضهم مع بعض رجالا ونساءا وشبانا) خصوصا فى ليلة 27 رجب[127]. أى أن العصر المملوكى عرف  أيضا الرقص المشترك المختلط بين الرجال والنساء والمخنثين.

القوادات :

 1 ــ  وفى هذا الجو الإباحى كان للقوّادة دورها ، وفى حوادث سنة716 أنه كان لأحد الأمراء المماليك دار تسمى دار الزعيم ، وله ناس يدورون على جوارى الناس وعبيدهم يفسدونهم ويهربون ، فإذا هربت الجارية أو العبد يأتون إلى دار الزعيم عند باب زويلة[128]. ولايستطيع أحد استعادة الجارية أو المخنث الهارب.

وفى حوادث سنة 874 أنه كانت إحدى العاهرات تسمى نفسها بإسم إحدى الأميرات ( وتدور للفساد على العام والخاص) فلما سمعت بها الأميرة ( شكتها للسلطان ، وأنها أتلفت إسمها ، فطلبها السلطان ، فأحضرها هى وأخاها والعجوز التى كانت تقود عليها، والمكارية الذين كانوا يركبونها)[129]. وسبق أن كان للقوادات دور مع بقية النساء وأنهن كن يتحايلن على الفسق بالتخفى بزى الخادمات .

ودور القوادات يتضح أكثر فى قصص ألف ليلة وليلة المستوحاة من المجتمع المملوكى.

2 ــ  والمرأة فى الدولة المملوكية كانت تتمتع بحرية مطلقة فى الإنحراف إذا شاءت طالما أدت حق الدولة فى ضمان المغانى ، فإذا سجلت إسمها عند ضامنة المغانى فلا يستطيع أحد التعرض لها لأنها أصبحت فى حمى وحماية الدولة . ( فلو خرجت أجلٌ امرأة فى مصر تريد البغاء حتى نزلت إسمها عند الضامنة وقامت بما يلزمها ، لما قدر أقدر أهل مصر على منعها من عمل الفاحشة [130] .على حد قول المقريزى، أى أن الدولة المملوكية التى تطبق الشريعة كانت تحرض المرأة على الفسق وتحميها إذا انحرفت.

(رسوم الولاية) و( حقوق القينات) وحفلات الجنس الجماعى المستترة داخل البيوت:

1 ــ وحرصت الدولةالمملوكية على تتبع حفلات الجنس الجماعى المستتر داخل بيوت الأعيان فإعتبرتها من بيوت الانحراف التى لاتدفع ضريبة ، فاخترعت لذلك ضريبة جديدة هى : ( رسوم الولاية) يقول عنها المقريزى: ( وكانت جهة تعلق بالولاة والمقدمين ، فيجيبها ــ من الجباية ــ المذكورون من عرفاء الأسواق وبيوت الفواحش ، ولهذه الجهة ضامن ، وتحت يده عدة صبيان ، وعليها جند مستقطعون وأمراء وغيرهم ، وكانت تشتمل على ظلم شنيع وفساد قبيح ،  وهتك قوم مستورين،  وهجم بيوت أكثر الناس )[131] .

أى هجمت السلطة المملوكية على بيوت( أكثر الناس ) من علية القوم  والقوم المستورين التى تمارس فيها الرذيلة بعيدا عن إذن السلطة وضرائبها . وكان أولئك( العرفاء) ( يعرفون ) بيوت الأعيان المستورين التى يتم فيها ممارسة الانحلال الجماعى ، فيهجمون عليها ويكشفون خفاياها . وبالتالى فإن الدولة تعرف أن فى بعض بيوت الأكابر أوكارا لممارسة الجنس الجماعى بنوعيه العادى والشاذ ، وقامت بفرض ضريبة عليهم ، ممّا سبب فضيحة لأولئك الأكابر وهم أكثرية ، أو على حدّ قول المقريزى : (وهتك قوم مستورين،  وهجم بيوت أكثر الناس ).

2 ــ  وكانت للفقراء ( الغلابة ) حفلاتهم الجنسية الجماعية بعيدا عن عيون الدولة وضرائبها . ولكن الدولة التى جرأت على هتك بيوت الكبار بفرض ضريبة ( رسوم الولاية ) لاحقت بيوت العوام بضريبة أسموها :( حقوق القينات ) ( وهو عبارة عما يجمع من الفواحش والمنكرات ، فيجبيه ( من الجباية )  مهتار الطشتخانه السلطانية من أوباش الناس )[132]. أى تساوى المصريون من عوام ومستورين وأقباط ومسلمين أمام عادة الرذيلة الجماعية.

3 ــ ولازلنا مع المقريزى الذى يؤكد هذه الحقيقة عن المصريين من قومه ، حين يقول ( وأما أخلاقهم فالغالب عليها اتباع الشهوات والانهماك فى الملذات .. ورجالهم يتخذون نساء كثيرات ، وكذلك نساؤهم يتخذون عدة رجال ، وهم منهمكون فى الجماع ، ورجالهم كثيرو النسل ، ونساؤهم سريعات الحمل) .

ثم يقول ( ومن أخلاق أهل مصر  قلة الغيرة .. أخبرنى الأمير الفاضل ناصر الدين الكركى أنه منذ سكن مصر يجد فى نفسه رياضة فى أخلاقه ، وترخصا لأهله ، ولينا ورقة طبع من قلة الغيرة )[133] . أى أنه تطبع بأخلاق  المصريين فى العصر المملوكى الصوفى وذهبت حميته..

4 ــ وفيما بعد وصف العلاّمة الأستاذ أحمد أمين المرأة المصرية بأنها ( أكثر شبقا من جميع النساء)[134]..!!

أحمد أمين ـ فى نظرى ـ أعظم عقلية بحثية عربية فى القرن العشرين . وقد يكون العلّامة الراحل مُبالغا .. ولكنه التأثُّر ببحث التاريخ الماضى المسكوت عنه .

 إدمان الحشيش:

1 ــ عمل الصوفية على نشر الحشيش بين طوائف المجتمع ، فألفوا لذلك أحاديث نسبوها للرسول منها( أن فى بلاد الهند أوراقا مثل آذان الخيل فكلوا منها فإن فيها منفعة)[135]. وانتشر الحشيش بين الناس يحمل صفته الصوفية ( لقيمة الفقراء) ( حشيشة الفقراء) ( لقيمة الفكر والذكر ).

2 ــ ويعزو المقريزى انتشار الحشيش فى مصر إلى مجىء أحمد بن أويس سلطان بغداد إلى مصر فارا من تيمور لنك ، وقد كان مدمنا للحشيش فانتشر إدمانه فى القاهرة ، كما أن بعض صوفية الأعاجم ( صنع الحشيشة بعسل خلط فيها عدة أجزاء مختلفة كعرق اللقاح ونحوه ،وسماها العقدة ، وباعها بخفية فشاع أكلها ، وفشا فى كثير من الناس عدة أعوام . ) ويقول المقريزى عن تأثيرها السيىء فى المجتمع : ( ، فلما كان سنة 815 شنع التجاهر بالشجرة الملعونة ، فظهر أمرها واشتهر أكلها ، وارتفع الاحتشام من الكلام بها ، حتى لقد كادت أن تكون من تحف المترفين ، وبهذا غلبت السفالة على الأخلاق وارتفع ستر الحياء والحشمة من بين الناس ، وجهروا بالسوء من القول تفاخروا بالمعايب )[136].

 وقبل ذلك بنحو قرنين من الزمان (أبطل السلطان بيبرس ضمان الحشيشة وأمر بتأديب أهلها )[137]

أى كان لها ( ضمان ) أى معترف بها قانونا وتؤخذ عليها ضرائب .  وروى المقريزى أن نائب السلطنة بمصر وقتها وهو عز الدين الحلى تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة بطلها مدمن حشيش[138].  

ومعناه أن المصريين عرفوا إدمان الحشيش منذ القرن السابع أى ببداية العصر المملوكى ، وأن ذلك عم بمرور الزمن طيلة العصرين المملوكى والعثمانى، حتى يقول كلوت بك فيما بعد عن الحشيش : ( يأكله المصريون ويشربونه ويدخنونه فى القهاوى العامة وفى حوانيت خاصة به تسمى المحاشش)، ( والمصريون أميل للحشاشين من غيرهم)[139]. ويقول المثل الشعبى الحديث ( مايقطعش بالحشاشين ، يفرغ العنب بيجى التين) أى لايخلو الحشاشون من عناية تحف بهم فإذا انقضى أوان العنب ظهر التين [140].

3 ـ ويقول المقريزى عن طريقة استعماله ( ورأيت الفقراء ــ أى الصوفية ــ يستعملونها على أنحاء شتى ، فمنهم من يطبخ الورق طبخا بليغا ويدعكه باليد دعكا جيدا حتى يتعجن ويعمل منه أقراصا ، ومنهم من يجففه قليلا ثم يجمعه ويفركه باليد ويخلط به قليلا من سمسم مقشور وسكر ويستفه ويطيل مضغه ، فإنهم يطربون عليه ويفرحون كثيرا ، وربما أسكرهم)[141]. وهى نفس طريقة الاستعمال التى حافظ عليها المصريون حتى القرن الحالى حسبما يذكر أحمد أمين فى ( قاموس العادات المصرية)[142].

 4 ــ ويقول المقريزى عن أماكن إدمان الحشيش ( وكان قد تتبع الأمير سودون الشيخونى الموضع المعروف بالجنينة من أرض الطبالة ــ أى العباسية الآن ــ وباب اللوق وحكر واصل ببولاق ، وأتلف هنالك من هذه الشجرة الملعونة، وقبض على من كان يبتلعها من أطراف الناس ورذائلهم ، وعاقب على فعلها بقلع الأضراس ، فقلع أضراس كثير من العامة فى نحو سنة ثمانين وسبعمائة)[143].

وورد فى كتابات الشعرانى أن الأولياء الصوفية المتهمين ببيعها كانوا موجودين فى باب اللوق. إذن اشتهرت باب اللوق بإدمان الحشيش حتى يقول المثل الشعبى فى العصر المملوكى ( ذكروا مصر بالقاهرة ، قامت باب اللوق بحشاشيها)[144].

5 ــ وفى القرن التاسع ــ عصر تسيد التصوف وإدمان الحشيش ــ وقع كثير من المماليك فى شراك الحشيش ، فالسلطان المؤيد شيخ ت824 وصف بالميل (إلى شرب الراح واستعمال الأشياء المخدرة وأكل الحشيش المستقطر)[145]. وقيل عن الأمير ابن سيفا الشويكى ت839( كانت عيناه من الحشيش كأنهما جمرتان)[146].وقال أبو المحاسن عن الأمير جانبك التاجى ت868 ( كان يستعمل لقيمة الفقراء الخضراء )[147]. أى الحشيش حسبما سماه الصوفية ونشروه.

6 ــ ويتحدث المقريزى عن أثر إدمان الحشيش فى معاصريه فيقول ( فما بُلى الناس بأفسد من هذه الشجرة الملعونة لأخلاقهم ، وقال بعضهم اعتبرتها فوجدتها تورث السفالة والرذالة ، وكذلك جربنا فى طول عمرنا من عناها ، فإنه ينحط فى سائر أخلاقه إلى مالا يكاد أن يبقى له من الإنسانية شىء البتة) وسبق قوله عن أثرها فى المجتمع حين انتشرت (وفى سنة 815 شنع التجاهر بالشجرة الملعونة، فظهر أمرها واشتهر أكلها وارتفع الاحتشام من الكلام بها، حتى لقد كادت أن تكون من تحف المترفين ، وبهذا غلبت السفالة على الأخلاق وارتفع ستر الحياء والحشمة من بين الناس وجهروا بالسوء من القول وتفاخروا بالمعايب )[148].

وأحد الصوفية الحشاشين يعبر بصدق عن أثر الحشيشة الذى أشار إليه المقريزى فيقول . ونعتذر مقدما عن النقل :

            لو قــــال لى خــــالقـى تمــنى          قلت لــه ســـــائلا بصـــدق

            أريــد فـى صـــــبح كل يـــوم          فتــوح خــــيــر ياتــى برزق

            كف حـــشـــيش ورطــل لحم          ومنّ خـبـــــز ونيك علق  [149]

        فخلط الكفر بالانحلال الخلقى .

7 ــ وكانت أماكن الحشيش هى بؤر الانحلال الخلقى فى العصر المملوكى ، وكانت صلة الحشيش بالشذوذ الجنسى وثيقة جدا كما يبدو فى الشعر ، وأهونه مايقوله أحدهم :

            ومـهـفهف بادى النفار عهدته          لا التــقـية  قط  غـيـر مـعـبس

           فـرأيتــه بعض الليالى ضاحكا           سهل  العـريكة ريضـا  فى المجلـس

           فـقضــيت منه مآربى وشكرته          إذا صـــارمن بعــد التنـافر مؤنسى

           فــأجابــنى لاتشـكرن خلائقى        واشـكر شفيعك فهـو خمر المفلــس

           فحشيشة الأفراح تشفع  عنـدنا            للعاشـــقين ببــــسطها للأنفـس

           وإذا هممت بصيد ظبى نافـــر           فأجهد بأن  يرعى  حشيش القنبـــس

          واشكر عصابة حيدر إذا ظهــروا           لـذوى الخلاعة مذهب المتخمـــس

        وحيدر هو الشيخ الصوفى الذى اكتشف الحشيش ، ويقول شاعر آخر :

          دع الخمر وأشرب من مـدامة  حيدر          مـعـنبرة خضراء مثل الزبرجــد

          يــعاطيكها ظــبى من الترك أغيد          يميس على غصن  من ألبان  أملد[150]

الخمـــر:

  ومع انتشار الحشيش فلم يؤثر ذلك على سوق الخمر إذ أن مسرح الانحلال اتسع لكل الأصناف ، وكانت مناسبات الانحلال  ـــ وسنعرض لها ــ فرصة للجمع بين الحشيش والخمر والزنا والشذوذ .

وبعض الصوفية اشتهر بالخمر ففى مناقب الشاذلى أنه كان له ولد سكير يحظى بحماية والده الشيخ[151]. وابن المرحل الذى كان يناظر ابن تيمية ضبط مع جماعة يشربون الخمر[152]. والشيخ أبوبكرالزقاق ( الرائد الصوفى) سمى بالزقاق لأنه كان يبيع زقاق الخمر[153]. وكان أحد الصوفية فى الخانقاه البيبرسية مسرفا على نفسه مجاهرا بالمعاصى وانتهى أمره بالغرق وهو ثمل سنة852 [154].

وكان من شعائر المملكة فى عصر السلطان برقوق ــ المتحمس للتصوف ــ شرب القمز ( وهو سكر ، وهو من شعائر المملكة ، يجتمع الأمراء فى شربه فى الميدان تحت القلعة فى كل يوم أحد ويوم أربعاء ، وكل أحد منهم فى منزلته)[155]. أى رتبته العسكرية .

 وكانت قصائد الخمريات الصوفية تنشد فى مجالس الأنس والخمر ، خصوصا قصائد ابن الفارض مما دعا بعض الصوفية من محبى ابن الفارض إلى اختراع اسطورة لتهديد أولئك المنشدين ، حرصا على قدسية ابن الفارض من جهة وحتى ولا تعطى فرصة لإثارة الانكار على شعر ابن الفارض كما حدث من البقاعى من جهة أخرى . وتقول تلك الأسطورة أن مداحا أنشد خمرية ابن الفارض فى مجلس خمر ( فحول الله تعالى بوله وغائطه إلى أنفه وفمه حتى مات )[156]. وهو تجديد مقزز فى التفكير الصوفى فى اختراع الكرامات .

من أنواع الشذوذ :

وفى العصر المملوكى ــ عصر التحرر من كل شىء والغلو فى الانحلال ــ لم يكتف فيه الناس بممارسة نوع واحد من الشذوذ ــ وهو وطء الذكران ــ وإنما تعدوه إلى مالا يخطر على بال المجانين .

1 ــ وقد أفاض الصفدى فى شرح أنواع الشذوذ الجنسى فى عصره من السحق والبدال والجلد وأتى بمالا يستطاع ذكره [157].

وفى ( بابة طيف الخيال) لابن دانيال قصيدة من خمسة وسبعين بيتا تحوى كل الأنواع البهيمية العجيبة من الشذوذ الذى مارسه مع الكلاب والجمال والأطفال والنساء وكل دواب الأرض ماعدا العقرب والزنبور.[158]

 2 ــ وقد اشتهر الكاتب القبطى ابن مماتى فى الدولة الأيوبية بكتابه ( الفاشوش) الذى سخر فيه من شخصية الأمير قراقوش باختراع حكايات يشنع فيها عليه فيه ،حتى صار مثلا شعبيا مصريا يقال حتى الآن : ( هو إحنا فى حكم قراقوش ). وقد كان بهاء الدين قراقوش قائدا عسكريا مخلصا لسيده صلاح الدين الأيوبى ، وهو الذى أقام له القلعة والسور الذى يحيط بالقاهرة ليحميها من أى غزو صليبى، وكالعادة كان يُسخّر العوام فى هذا ، فتمتع بسخطهم ، ووقع فى خصومة مع الكاتب القبطى إبن ممّاتى فكتب فيه ابن مماتى ( الفاشوش فى حكم قراقوش ) ، وشوّه فيه سُمعة هذا القائد الأيوبى الذى يُذكر له وفاءه بعد موت صلاح الدين الأيوبى لابنه ضد العادل الأيوبى أخ صلاح الدين والذى عصف بمُلك ابن أخيه .   

وفى القرن العاشر كتب السيوطى ملخصا لكتاب الفاشوش أضاف إليه حكايتين ليستا فى الأصل ، استوحاهما مما شاع فى العصر المملوكى من انحراف شاذ ، منها أن أحدهم ضبطوه مع حمارة فأمر قراقوش بأن تعاقب الحمارة أيضا ، والحكاية الأخرى أن امرأة اشتكت إليه أن زوجها( يأتيها من خلف فقال: جزاه الله خيرا ، ثم ألبسه خلعة وطاف به فى شوارع المدينة ، ينادى عليه هذا جزاء رجل قنع بثقب زوجته عن أولاد الناس ) ( فمات الرجل من الخجل).[159]

3 ــ والشذوذ مع الحيوانات ــ والذى أشار إليه السيوطى ــ مارسه بعض الأولياء على قارعة الطريق مثل الشيخ على وحيش الذى ( كان إذا رأى شيخ بلد أو غيره ينزله من على الحمارة ويقول له أمسك لى رأسها حتى أفعل فيها ، فإن  أبى شيخ البلد تسمر فى الأرض لايستطيع أن يمشى خطوة ، وإن سمع حصل له خجل عظيم ، والناس يمرون عليه )[160]

 والشعرانى يروى هذه الحكاية لكى يحول شذوذ الشيخ وحيش إلى كرامة ، بمثل ما رواه عن الشبلى وهو أحد رواد التصوف فى القرن الثالث ، وقد دخل خرابة فوجد فيها حمارة ( فراوده الشيطان عليها، فلما أحس الشبلى بذلك صاح وقال يامسلمون يامسلمون الحقونى واخرجوا عنى هذه الحمارة فإنى أعرف ضعف نفسى عن سلوك طريق الصيانة )[161].  فالشبلى كان ضعيفا أمام الحمارة لم يستطع منع نفسه عنها فإستغاث بالمسلمين ، أما الشيخ وحيش بعد الشبلى بسبعة قرون فقد أعطى نفسه ماتريد على قارعة الطريق.

4 ــ وانتشر بالتصوف ( صحبة الأحداث) و( الشذوذ مع النساء) ، والغزالى فى القرن الخامس يجعل من آداب الجماع ( ألا يأتى زوجته فى غير المأتى فهو أشد تحريما من اتيان الحائض)[162].

إلا أن فقهاء التصوف بعد الغزالى حاولوا إضفاء الشرعية على هذا الشذوذ ،مما حدا بابن الحاج فى القرن الخامس لأن يقول  ( وليحذر أن يفعل مع زوجته أو جاريته هذا الفعل القبيح الشنيع الذى أحدثه بعض السفهاء وهو أتيان المرأة فى دبرها .. وليتهم اقتصروا على ذلك لكنهم نسبوا ذلك للجواز ) واستدل ابن الحاج بكثير من الروايات التى تحرم ذلك[163]. وكان ابن القيم أشد الناس هجوما على أولئك الذين أجازوا ذلك الشذوذ ونسبوه إلى مذهب مالك ، وقد رد عليهم ابن القيم[164].فى كتابه( إغاثة اللهفان).

5 ــ وفى داخل مجتمع النساء وبينهن انتشر نوع آخر من الشذوذ وهو السحاق الذى يقابل اللواط ، وقد أورد الصفدى عدة روايات عنه نستحى من ذكرها.وأهون منه ماذكره ابن دانيال على لسان الخاطبة أم رشيد فى بابة ( مسرحية ) طيف الخيال تقول : ( ياولدى عندى صبية كأنها الشمس المضيئة ، إلا أنها نفرت من زوجها الأول من ألم الإفتضاض وداوتها القوابل بدواء ماض . وكانت بسلامتها قد ألفت السحاق وتعودت به من دار معلمتها أم اسحق ، والعهد هى معذورة إذ نفرت من البعل ، وألقت النعل على النعل )[165].

على أن ( السحاق ) لم يخترعه الصوفية أو العصر المملوكى ، وإنما كان معروفا فى مجتمع العراق فى العصر العباسى من قبل ، خصوصا بين قطعان الجوارى فى القصور ، وتفصيل ذلك يخرج عن موضوعنا .

   بؤر الانحلال الشعبية

مقدمة

اختاروا أروع الأماكن لممارسة الانحلال الخلقى ، يقول السخاوى عن النيل ( وأعلم أن النيل من النعم العظام والآيات الجسام اللائق مقابلتها بالشكر والخضوع والذكر ،لا بما يُفعل من الركوب فى الشخاتير ( أى المراكب) والتجاهر بالمناكير ، بحيث زيد فى ذلك على العهد وفاق على العدّ .  ولله در المظفر بيبرس (الجاشنكير) حيث منع من الركوب فى الخليج للنزهة ـ بل لمن تكون له حاجة ، لما ينشأ عن ذلك من الفساد وليته دام ، كما رام ما أبطله أيضا من موسم عيد الشهيد حيث كان يحدث فيه من الفسق والفجور والمجاهرة بالمعاصى أمر عظيم )[166].

أى كان يحدث أن يحاول بعضهم القضاء على الانحلال الخلقى فى هذه الأماكن ولكن سرعان ماتعود الأمور إلى ماكانت عليه ، ففى حوادث سنة 782 قيل للأمير بركة ( قد كثر الفسق والمعاصى فى الخلجان وبركة الرطلى وقد خرجوا فى ذلك على الحد) فأمر بركة بوضع سلاسل الحديد على أفواه القناطر لتمنع المراكب[167].  وفى سنة832 تتبع الأمير قرقماس صاحب الحجاب( مواضع الفساد فأراق الخمر وحرق الحشيشة المغيرة للعقل ، وهدم مواضع ، ومنع من الإجتماع فى مواضع الفساد)[168].

ونتوقف مع أهم تلك المواضع:

بولاق:

1 ــ  انحسر النيل بعد سنة 570 فأظهر جزيرة نيلية أسموها جزيرة الفيل ، وتقلص المياه عن سور القاهرة الذى ينتهى إلى المقس ، وصارت هناك رمال وجزائر كان يمر فيها النيل وقت الفيضان فقط ، ثم بدأت العمارة فى هذه المنطقة بتشجيع الناصر محمد سنة 713 فصار ساحل النيل حتى منية السيرج منتظما بالعمائر، وتنافس الناس فى الإقبال على اللذات والإنهماك فى المسرات ( مما لايمكن وصفه ولايتأتى شرحه) ثم حدث لها الخراب بعد سنة 806 فأصبحت على حد قول المقريزى ( كيمانا موحشة وخرائب مقفرة ، كأن لم تكن مغنى صبابات وموطن أفراح وملعب أتراب ومرتع غزلان، تفتن النساك هناك ، وتعيد الحليم سفيها .! )[169]

 2 ــ ويقول ابن اياس ( كان الفسق قد كثر ببولاق جدا حتى خرج الناس على الحد ، وقد أصابها حريق فتلاشى أمرها)[170]. واستعادت بولاق مكانتها فى عالم المجون بعد سنوات من موت المقريزى ، ففى حوادث سنة 865( خرج الناس عن الحد فى الفتك والقصف بسبب الفرجة فى بولاق ، ونصبوا هناك الخيام حتى سددوا رؤية البحر ، يقيمون فى الرمل ليلا من نساء ورجال ، وهم فى غاية التزخرف ، فهجم عليهم المنسر ( أى اللصوص ) على حين غفلة ونهبوهم فى منتصف الليل)[171]

3 ــ  وفى نفس العام حين توقف النيل وخشيت السلطة المملوكية من المجاعة و( غضب الله) فاعتقلوا كثيرا من الفساق فى بولاق وجرسوهم ( ومن جملتهم ابن قاض القضاة القاياتى ، فشُهر مع غيره)[172]

4 ــ  إذن لم تفلح الحرائق ولا غارات اللصوص أو هجمات السلطة المملوكية أو حتى توقف النيل من استمرار مسيرة الانحلال الخلقى فى بولاق النيل. ومن آثار بولاق كان الى عصر قريب ( روض الفرج ) وذكرياته الماجنة.

أرض الطبالة :

1 ــ وإلى جانب بولاق من ناحية الشرق تقع أرض الطبالة ( العباسية الآن ) .وسميت كذلك لأن الخليفة الفاطمى المستنصر كان قد أقطعها لإحدى المغنيات التى أشادت بالفاطميين وهى تدق له الطبلة ، فسميت ( أرض الطبالة ).

2 ــ  والمقريزى يقول عنها ( كانت من أحسن منتزهات القاهرة ) وكان يمر النيل إلى جانبها الغربى ، وكانت رؤيتها من العجائب بما فيها من مناظر وبساتين ، ثم خربت فى غلاء سنة 696 فى سلطنة كتبغا ، ثم بدأ الناس فى عمارتها ثانيا سنة 711، وازداد عمرانها بعد حفر الخليج الناصرى سنة 725 ومروره إلى جانبها ، ثم أصابها الغلاء بالخراب سنة 777 وبقى منها فى عهد المقريزى مايعرف بالجنينة( تصغير جنة) يقول عنها المقريزى ( من أخبث بقاع الأرض ، يعمل فيها بمعاصى الله عزوجل ، وتعرف ببيع الحشيشة التى يبتلعها أراذل الناس ، وقد فشت هذه الشجرة الخبيثة فى وقتنا هذا فشوا زائدا، وولع بها أهل الخلاعة والسخف ولوعا كثيرا ، وتظاهروا بها من غير احتشام،  بعد ما أدركنا تُعد من أرذل الخبائث وأقبح القاذروات ، وماشىء فى الحقيقة أفسد بطبائع البشر منها، ولاشتهارها فى وقتنا هذا عند الخاص والعام بمصر والشام والعراق تعين ذكرها.  والله أعلم. )[173]

3 ــ  إذن اشتهرت أرض الطبالة بتخصصها فى عصر المقريزى فى إدمان حشيشة الفقراء، ثم نافستها ( بركة الرطلى) فى كل شىء.

بركة الرطلى:

1 ــ  يقول عنها المقريزى ( هذه البركة من جملة أرض الطبالة. ) ، فقد ترتب على حفر الخليج الناصرى أن اتصل النيل ببركة الطوابين فامتلأت وسميت ببركة الرطلى ، نسبة إلى رجل يصنع الأرطال الحديد كان يعيش فى زاوية إلى جانبها.  وأقيم جسر بين البركة والخليج الناصرى ، وأقيمت البيوت على الجسر ، وصارت المراكب تعبر للبركة آتية من الخليج ، وهى تحمل أرباب الخلاعة والمجون ، يقول المقريزى ( وصارت المراكب تعبر إليها من الخليج الناصرى .. فتمر هنالك ، وللناس أحوال من اللهو يقصر عنه الوصف ، وتظاهر الناس فى المراكب بأنواع المنكرات ، من شرب المسكرات وتبرج النساء الفاجرات واختلاطهن بالرجال من غير إنكار ، فإذا نضب ماء النيل زرعت هذه البركة بالقرط وغيره ، فيجتمع فيها من الناس يومى الأحد والجمعة عالم لايحصى لهم عدد).

2 ــ  وقد تعرضت البركة للمحن فى المجاعات ولكن بقيت تؤدى دورها الماجن فى عصر المقريزى.  يقول: ( وأدركت بهذه البركة من بعد سبعين وسبعمائة إلى سنة ثمانمائة أوقاتا انكفت فيها عمن كان بها أيدى الغير.. ثم لما تكدر جو المسرات وتقلص ظل الرفاهية من سنة ست وثمانمائة تلاشى أمرها، وفيها إلى الآن بقية صبابة ومعالم أنس)[174]

  3 ــ ثم عادت لبركة الرطلى شهرتها بعد موت المقريزى فأعيد السماح للناس بالسكن فيها وفتح الجسر وعادت ليالى المجون الى بركة الرطلى كما كانت ، حتى أن الوزير العبادى لكى يوفر الأموال للسلطان خشقدم اصنطع طريقة جديدة للمصادرة سنة 868 هى أن يصادرالسكارى من الرؤساء فى بركة الرطلى ، فهجاه الناس هجاءا فاحشا[175].

4 ــ ثم تمت شهرة بركة الرطلى فى نهاية العصر المملوكى حين زرع الحشيش فيها سنة 915، يقول ابن اياس ( ومن النوادر اللطيفة أن بركة الرطلى زرعت فى هذه السنة حشيشا ،وهذا لم يتفق قط .  وكان الذى زرع الحشيشة كمال الدين بن قوسان ، وقد استأجر أرض بركة الرطلى ، فكان كل من دخل إليها يبتهج بذلك ، ولاسيما أصحاب الكتبة من الحشاشين.  فجاءت إليها الناس أفواجا يتفرجون على ذلك الحشيش ، وقد وضع من أهله محله ، حتى عُدّ ذلك من النوادر الغريبة ، وفيه يقول بعض الشعراء:

            تناهت بركـــة الرطلى حـسنا          وصارت جنة فـيها عروش

            وقد زرعوا الشوانق فى ثراهــا         يبدو نسيمها طلع الحشيش[176]

 والنص لايحتاج إلى تعليق ..                                              

5 ــ وبالتطور الجديد فى بركة الرطلى سكنها كثيرون من رجال الدولة والقضاة ، وأنفقوا أموالهم على الفسق والإدمان ،  مما حدا بالسلطان الغورى للتدخل حرصا على الأموال.  ففى حوادث سنة 917 أى بعد زرع الحشيش بعامين فقط ـ منع الغورى جماعة من المباشرين ــ أى كبار النوظفين المنفذين لأوامر الدولة ــ من أن يسكنوا بركة الرطلى ( وضيق عليهم فى ذلك) وقال لهم( أنتم تضيعوا مالى فى بركة الرطلى فلا يسكن أحد منكم بها ، فلم يسكن أحد من المباشرين فى هذه السنة حتى ولا القضاة ، فكانت بركة الرطلى فى هذه السنة فى غاية الإهمال وقلة البهجة)[177]. أى طالما هجرها كبار المفسدين من الأعيان والقضاة...

  6 ــ  ولم يستمر ذلك شهورا ، فقد عين السلطان الغورى الزينى بركات محتسبا ، وكان ساكنا ببركة الرطلى ، وحدث أن السلطان غضب عليه واعتقله ثم أفرج عنه ، فأقامت له بركة الرطلى مهرجانا ، ويقول ابن إياس عن الزينى بركات بعد الأفراج عنه : ( وكان ساكنا ببركة الرطلى فزينت له بيوتها وزغردت له النساء ولاقته الطبول والزمور ومغانى النساء)، ومفهوم أن هؤلاء النساء من المحترفات .

وأصبح لبركة الرطلى نفوذ بوجود المحتسب الزينى بركات ونفوذه الزائد ، وقد مرض السلطان الغورى وعندما عوفى السلطان أمر الزينى بركات سكان بركة الرطلى بالإحتفال بشفاء السلطان ، وقامت المغانى بالدور خير قيام فانطلقت " الزغاريدوالطبول والزمور فى المراكب " ثلاث جمع متوالية ، وصار يقع بالبركة من القصف والفرجة مالايحصى وصفه ولاسيما وصار أمر سلطانى .. وصار يقع فى البركة كل ليلة أمور غريبة من سماع .. وأشياء حافلة .."[178]

 7 ـ  وظلت بركة الرطلى تؤدى دورها الماجن حتى قيام الثورة المصرية سنة 1952م

  بيوت العبادة/ بيوت الانحلال    

 بيوت العبادة  داخل مناطق الانحلال الخلقى :

 1 ــ  وقد يبدو غير واضح  أثر التصوف فى الانحلال الخلقى على النيل . هذا إذا تجاهلنا الصبغة الدينية فى الانحلال الخلقى فى عقيدة التصوف . إلا أن حركة الحياة على النيل فى العصر المملوكى عبرت عن جعل الانحلال طقسا دينيا ، ففى بؤر الانحلال على شاطىء النيل أقيمت دور العبادة كما أن مؤسسات التصوف من زوايا وأضرحة ومساجد مورس فيها الانحلال .

2 ــ وقد اشتهرت باب اللوق ببيع الحشيش وتعاطيه. وفى باب اللوق أقيمت زاوية اليونسية من الفقراء الأعاجم الذين نشروا الحشيش ، كما اشتهر فيها جامع الطباخ [179].

 3 ــ وحين انحسر النيل وأظهر ساحل بولاق وأصبح مسرحا للانحلال لايمكن وصفه ولا يتأتى شرحه كما يقول المقريزى فإن العمران اتسع للمساجد ودور العبادة ، كما اتسع للعصيان وعبادة الشيطان ، ففى بولاق جامع الخطيرى ، وكان مكانه قبل ذلك دارا للفسق عرفت ( بدار الفاسقين لكثرة مايجرى فيها من أنواع المحرمات ) ، ثم هدمت وأقيم مكانها جامع الخطيرى فلم ( يزل هذا الجامع مجمعا يقصده سائر الناس للتنزه فيه على الناس ويرغب كل أحد فى السكنى بجواره ) وسماه منشئه باسم( جامع التوبة) ثم هدم بعد ذلك المسجد . وأطلق اسم ( جامع التوبة) على مسجد آخر بجوار باب البرقية فى خط بين السورين ( كان موضعه مساكن أهل الفساد).

4 ــ  وفى بولاق المشهورة بالفسق تكاثرت فيها أيضا الجوامع وبيوت العبادة . منها جامع الأسيوطى ( بطرف جزيرة الفيل فى بولاق) وأنشىء حين عمرت بولاق ، وأنشأ ابن صارم شيخ بولاق جامع " ابن صارم"  ، وأنشأت الست مسكة جامعا لها على الخليج الكبير ، بالإضافة إلى جامع الباسطى ، ورباط داود بن إبراهيم ، وزاوية إبراهيم ابن الصائغ التى تطل على بركة الفيل وكان شيخها( عز الدين العجمى ت 723 يعرف بصناعة الموسيقى وله نغمة لذيذة وصوت مطرب وغناء جيد)

5 ــ  وعلى مقياس النيل أقيمت زوايا كزاوية ابن منظور وزاوية القصرى والأساسى والركراكى وجامع أحمد الزاهد الذى كان مشهورا بتخصصه فى وعظ النساء.

6 ــ وعلى الخليج الذى يصل مابين النيل ببولاق وأرض الطبالة أقيمت مؤسسات صوفية للعبادة ،  كان أشهرها زاوية أبى السعود بن أبى العشائر على حافة الخليج خارج القنطرة،  وإلى جانبها زاوية الحمصى ثم زاوية الجاكى وزاوية الظاهرى ثم خانقاه ابن غراب ..

7 ــ  ثم إذا اقتربنا من أرض الطبالة وجدنا جامع الكيمختى المعروف بجامع الجنينة (على شاطىء الخليج من جملة أرض الطبالة ) ثم إذا توقفنا عند بركة الرطلى عاصمة الانحلال الخلقى رأينا المقريزى يقول عنها : ( وفيها عدة أسواق وحمام وجوامع تقام بها الجمعة . وأقبل الناس على التنزه بها أيام النيل والربيع ، وكثرت الرغبات فيها. ) ، ويتحدث ضمن الجوامع عن جامع بركة الرطلى ويربط بين بداية تعميرها وإنشاء جامعها الصوفى بضريح الشيخ ابن عبد ربه المقصود بالزيارة يقول ( لما عمرت بركة الرطلى أنشىء هذا الجامع ،  وفيه قبة تحتها قبر يزار ، وهو قبر الشيخ خليل بن عبد ربه.) . وكان الذى تولى عمارة هذا الجامع أحد الوزراء الظلمة الذى (أخذ الأموال بأنواع الظلم ) على حد قول المقريزى.            أى اقترن الانحلال الخلقى بالظلم وتقديس الأولياء ، ثم يقول المقريزى عن جامع بركة الرطلى ( وهذا الجامع عامر بعمارة ماحوله) وهى إشارة لطيفة تربط عمران الجامع باستمرار تواجد الناس فى بركة الرطلى وما حولها من انحلال خلقى .  وذكر المقريزى جامعا آخر فى بركة الرطلى هو جامع صاروخا[180].

8 ــ وبعد عصر المقريزى يذكر ابن إياس أن الولى الصوفى المشهور الدشطوطى أنشأ له جامعا فى أرض الطبالة ، وأن السلطة المملوكية عملت بإشارته وفتحت الخليج ليصل بالبركة وتسير فيها المراكب[181].

9 ــ لقد كان انشاء المؤسسات الدينية الصوفية أكبر دليل على الأنغماس فى الانحلال الخلقى ليس فقط للتكفير عن الذنوب والتماس شفاعات الأولياء ولكن لأسباب صوفية أخرى يعبر عنها المقريزى حين يذكر ضمن حوادث سنة 735 : ( وفيها كثر شغف السلطان ( الناصر محمد) بمملوكه الطنبغا الماردينى شغفا زائدا فأحب أن ينشىء له جامعا)[182]. فبالتصوف لم يعد الشذوذ الجنسى معصية بل أصبحت المكافأة عليه إقامة مسجد باسم المفعول فيه .!!

وهى حادثة تاريخية تدفع الباحث الوقور المكتئب الى الضحك الى درجة الصراخ ..!!.

أماكن دينية للانحلال الخلقى :

  وكما انتقل التصوف بمؤسساته إلى أماكن اللهو على النيل تركز  الانحلال داخل مؤسساته التى انتشرت فى ربوع العمران المصرى .ونعطى عنها فكرة سريعة :

الزوايا :

1 ــ وقد تجمع الصوفية فى الزوايا التى أقامتها لهم الدولة أوتلك التى أنشأوها بأنفسهم ليتمتعوا بحريتهم فى ممارسة عقائدهم ، ومنهم من جعل تلك الزوايا مستعمرات للانحلال الخلقى كعبادة دينية صوفية ، كما كان المطاوعة يفعلون فى زواياهم . وقد عرضنا لهم . وحاول الصوفية الآخرون الدفاع عنهم والتخويف من الاعتراض عليهم كما يحكى الشعرانى حين أنكر بقلبه ( على مايفعله القلندرية فى زاويتهم) ، فيزعم " فإذا بشخص متربع فى الهواء يقول لى تنكر على القلندرية وأنا منهم"[183].

 2 ــ  وحتى فى الزوايا التى أقامها لهم رجال الدولة فإن رجال الدولة أنفسهم كانوا يعرفون مايجرى فى تلك الزوايا، وسبق أن ذكرنا أن الوزير توبة بن على غضب على أحد مشايخ الخوانق حين رفض إلحاق أعرابى بالخانقاه برغم توسط الوزير فسأل الوزير الأعرابى بضع أسئلة أمام الشيخ كان من بينها ( ماتعرف تلوط بالمردان؟) فقال العرابى : بلى فقال له الوزير: صوفى أنت طول عمرك)[184]. أى أن شهرة الزوايا الصوفية فى اللواط كانت ذائعة مسموعة .

 3 ــ وقد حاولت الكرامات الصوفية أن تستر ماكان يحدث فى الزوايا الصوفية من شذوذ جنسى ،من ذلك ماترويه أسطورة كرامة طويلة عن أحدهم أنه دخل دارا صوفية فيها أربعمائة شاب كلهم من سن خمس عشرة سنة ثم صاروا يجتمعون فى السماعات ، ثم بعد تفصيلات طويلة ومعجزات تنتهى القصة بقوله

( فإذا البلد قد أرجف بأخذ الفقراء وكان السبب فى ذلك أن الشيخ قد نهى أصحابه أن يجتمعوا على تلك الصورة ، وكان ذلك بسبب مخالفتهم الشيخ )[185].

4 ــ   وفى القرن التاسع اشتهرت زاوية الشيخ المتبولى بأنها وكر للشذوذ ، خصوصا وأن المتبولى كان مبتلى بالإنكار عليه فى هذه الناحية كما يذكر الشعرانى فى ترجمته ، وقد ترجم المؤرخ السخاوى للمتبولى وقال عنه:( أكثر ماأنكر عليه اختلاط المردان من أتباعهم بغيرهم ، سيما وكان البرهان العجلونى يتوجه للإقامة هناك برسم إقراء الطلبة ( أى بحجة تعليم الطلبة) .. والله أعلم بهذا كله )[186]. وكان البرهان العجلونى متهما بالشذوذ. وحاول الشعرانى ــ بتأليف الكرامات ــ الدفاع عن شيخه المتبولى حين يذكر أن جماعة من فقهاء الأزهر أقاموا عنده فى الزاوية فوجدوا عند الشيخ مملوكين من المردان ينامان مع الشيخ فى الخلوة ، وأن رجلا عشق أمرد فهرب الأمرد إلى إبراهيم المتبولى فوضعه فى خلوته فبلغ ذلك الرجل فغير هيئته وادعى التصوف والتحق بالزاوية عند المتبولى فأدخله  مع ذلك الأمرد[187].

 5 ــ   وكان من عادة المخنثين من الصوفية المقيمين فى الزوايا أن يتزينوا كالنساء مما دعا بعض الأشياخ من غير المدمنين لهذا اللون من الانحلال أن ينكر ذلك ، فكان أبو الحسن بن الصايغ يقول( لاينبغى للمريد إذا كان جميل الوجه لا لحية له أن يجلس قط مع الرجال إلا فى حلقة الشيخ ، ولايكتحل بالكحل الأسود ولا يتطيب ولا يلبس اللباس الفاخرة ، وإنما الأدب أن يلبس الثياب الخشنة والمرقعات لاسيما إن أقام فى الزاوية ) وفى نفس الوقت كان يحذر الآخرين فيقول ( إياكم والتساهل بالنظر لشىء من الصور الجميلة فإن كل نظرة تورث فى القلب حسرة وظلمة )[188].

6 ــ  وضاعت نصائح ابن الصايغ ، فبعده بثلاثة قرون كان محمد الشناوى يقول : ( لاينبغى للمريد أن يجالس الأمرد الجميل ولايسكن هو وإياه فى خلوة واحدة ما أمكن ، فليحذر العاقل من مجالسة الأحداث إلا فى حلقة الذكر أو الدرس بحضرة الشيخ أو الأخوان الصالحين مثلا ، لكن مع غض البصر )[189].

ومعناه أنهم كانوا يعايشون المردان صباح مساء فى الخلاوى ، وأنهم كانوا يعاملونهم كالنساء بحيث يعتبرون النظر إليهم شهوة جنسية ينبغى التحرز منها ، حتى أن ابن عنان حين أراد أن يمدح شيخه مازن قال كلاما عجبا:  ( خدمت الشيخ نحو عشر سنين فطلعت لحيتى وكملت،  ولم يشعر بذلك ، حتى أخبره الناس بذلك فنظر إلى وجهى من ذلك الوقت )[190]. ولايمكن أن نصدق أن الشيخ مازن وضع وجهه فى الأرض عشر سنين حتى لايرى وجه خادمه ابن عنان ، ولكن المبالغة فى مدح عفة الشيخ بهذا الأسلوب فيه اتهام واضح للأشياخ الآخرين الذين تنظر أعينهم إلى المريدين المردان ، ولايعقل أن يكتفوا بمجرد النظر إليهم بشهوة وهم يساكنونهم فى الزوايا وطوع أمرهم ويعتبرهم الأشياخ " شواهد" على الإله عندهم .

7 ــ  ورأى شمس الدين الحنفى ــ كما يروى الشعرانى ــ ( شابين أمردين ينامان فى خلوة فلم يفش عليهما أمرا ، وصار يحكى الحكايات المناسبة للتنفير عن مثل ذلك)[191]. وكان شمس الدين الحنفى مشهورا بعلاقاته النسائية ، ولم تكن له ولزاويته شهرة فى عالم الشذوذ السلبى . مع أن ذلك وصل لزاويته .

 8 ــ واشتهر أبو العباس الغمرى ـ 905 بأنه ( لايمكن أحدا صغيرا يمزح مع كبير، ورأى مرة صبيا يغمز رجلا كبيرا  فأخرجهما من الجامع ورمى حوائجهما، وكان لايمكّن أمرد يؤذن فى جامعه أبدا حتى يلتحى ) [192]. وكان صعود الشاب الأمرد للمأذنة ليؤذن مثار شهوة للسامعين المرضى بالشذوذ . وواضح أن الغمرى كان ينكر هذا ، وينكر مااعتاده الناس فى مؤسسات التصوف من تحرش جنسى بين الفاعل والمفعول به ، بدليل أنه تشدد فى منع مااعتاده الناس حتى الصبيان الذين تجرأوا على الشيوخ بمثل ماحكاه الشعرانى .

 9 ــ  والشعرانى يفتخر بما فعله أبو العباس الغمرى ويفلسف الموضوع من وجهة نظره فيقول( كان محمد الغمرى من أشد الفقراء فى عصره غيرة على جناب الفقراء ، وكان قد جعل للأطفال الذين هم دون البلوغ مقصورة يقرءون فيها، لايدخل عليهم فيها غير الفقيه والعريف ، وجعل للرجال رباطا لايدخله غيرهم ، وجعل الشبان البالغين مكانا لايدخله غيرهم ، وكان لايمكن أحدا منهم ينام مع أخيه فى خلوة ، ويقول احفظوا قلوب العامة عن اللوث فى عرض الفقراء قياسا على حالهم)[193] . إذن قام الغمرى بعملية " فصل عنصرى "بين المريدين فى زاويته ، فجعل الصبيان فى مستعمرة والشباب فى أخرى والرجال فى ثالثة ، ولم يمكن أحدا من اقتحام خلوة الآخرين وذلك حتى يواجه الفضائح الصوفية التى انتشرت عن أفاعيل الصوفية فى الزوايا ، ولسان حاله كما يفلسف الشعرانى يقول: ( احفظوا قلوب العامة عن اللوث فى عرض الفقراء قياسا على حالهم ) وكلمة ( قياسا على حالهم ) فيها الاعتراف الكامل بأن حال الفقراء الصوفية فى عصر الشعرانى كان الشذوذ فى الزوايا.

10 ــ  والشعرانى يفتخر على صوفية عصره بأنه لم يقع فى اللواط ، ويفتخر بأنه صحب جماعة من الأشياخ ممن لايشك أحد فيهم من جهة المال أو العيال ، ومع ذلك كان لا يسمح لهم بالخلوة بأولاده خوفا على سُمعة أولاده وسُمعة هؤلاء الشيوخ . الى هذا الحد ساءت سُمعة الشيوخ الصوفية ـ شيوخ الشذوذ الجنسى . يقول: ( فلو ترك أحدهم عند عياله فى محل خلوة لايخطر بباله قط أنه يراودهم عن أنفسهم ، ومع ذلك فلا يمكنهم قط من الجلوس مع عياله إلا بحضرته ، صيانة لهم عن التهمة وصيانة لعياله عن لوث أهل الفساد بهم ، قياسا على أنفسهم)[194] .الشعرانى مع اعتقاده فى عفة أشياخه إلا أنه لايوافق على ترك عياله عند واحد منهم ، ويحتج بأن ذلك صيانة للأشياخ وللأولاد معا، ونحن لانوافق الشعرانى فى هذا التعليل ، ونتفهم رفضه لترك أطفاله مع أشياخه خصوصا من كان منهم على طريقة شيخه إبراهيم المتبولى .

11 ــ وبعض الصوفية الذين تحرزوا على أطفالهم كالشعرانى لم يكتفوا بالتحرز من الأشياخ الآخرين وإنما فتشوا الحمامات التى كانت تطفح بالشذوذ الجنسى ، فيقول الشعرانى عن الشيخ أبى الفضل بن أبى الوفا أنه كان إذا طلب عياله الحمام ينزلهم بالليل فى زورق من الروضة إلى مصر العتيقة ، ويجدف بهم وحده ، ثم يطلع بهم إلى الحمام ، فيدخله قبلهم ويفتش جميع أركانه من المستوقد إلى السطوح ثم يخرج من يكون هناك ، ويغلق باب الحمام ويجلس على بابه[195].  

وهذه الحمامات كانت معدة للرجال فحسب ، أى كانت مرتعا للشذوذ ، مما جعل الأشياخ الصوفية الذين ينكرون هذا اللون يتخوفون على أولادهم إلى هذا الحد.

الأضرحة:

1 ــ  وكان غالبا مايدفن الشيخ فى زاويته ، وسرعان ما يصبح ضريح الشيخ وكرا للانحلال ، وتنبه بعض الصوفية إلى أن تعود الناس على الفسق فى أركان الأضرحة مما يُذهب بقدسيتها ، ولذا اخترعوا أساطير تحذر من يرتكب ذلك الفعل من غضب الولى المدفون ، فالشعرانى يحكى أن شخصا أراد أن يفعل الفاحشة فى أمرد فى مقبرة الشيخ أبى الحسن بن أبى الصائغ فصاح الشيخ من داخل القبر : أما تستحى من الله يافقير [196]. أى أنهم اعترفوا من خلال هذه الأسطورة أن الواقع فى الفاحشة فقير صوفى .

 2 ــ  ويقول الشعرانى عن عبدالعال تلميذ البدوى " وماشهدته من كراماته رضى الله تعالى عنه فى سنة سبع وأربعين وتسعمائة أن شخصا راود امرأة عن نفسها فى قبة سيدى عبدالمتعال فسمّره ويّبس أعضاءه فصاح حتى كاد يموت ، فأخبرونى به ، فمضيت إلى ضريحه وأمرت بعض الفقراء أن يسأل سيدى عبدالمتعال فى الصفح عنه ، فقرأ الفاتحة ودعا الله تعالى فانتشرت أعضاؤه وتاب إلى الله تعالى من ذلك ، وصارمن الفقراء الملاح )[197]. أى أصبح من ( الفقراء الملاح) بعد أن تاب عنه عبدالمتعال فانتشرت أعضاؤه ، أما حين راود المرأة فلم يكن وقتها من ( الفقراء الملاح).

  3 ــ  ويروى السبكى عن بعضهم أنه زار وهو صبى أمرد قبر أحد الأشياخ فوجد هناك فقيرا قلندريا فتوارى خوفا منه .[198] أى كان وجود صبى أمرد فى تربة مما يشجع على الانحراف ومما يدفع الصبى للفرار إذا رأى صوفيا هناك ، فالصوفى كانت هوايته معروفة وهويته معروفة .

4 ــ  وهناك وثائق تدل على إتخاذ الأضرحة وكرا للانحلال ، حيث ينصّ الواقف على حفظ الضريح من من ممارسة الانحلال فيها . ففى وثيقة وقف السلطان حسن جاء مايلى:  ( يرتب عشرة من الخدم الأدب الثقات الأمنا، يقيمون بالقبة المذكورة لحفظها وصيانتها ممن يتطرق إليها من أهل التهم والفساد ، على جارى عادة أمثالهم فى مثل ذلك)[199].  أى أن أهل التهم والفساد اعتادوا إتخاذ القباب والأضرحة أوكارا للانحلال الخلقى مما  اضطر أصحاب الأوقاف إلى تعيين حراس لمنع ذلك.

5 ــ  والشعرانى هو الذى حكى الأساطير التى تجعل الولى المدفون فى الضريح يستيقظ فجأة صارخا فيمن يفسق فى الضريح ، هذا الشعرانى هو الذى حكى عن نفسه فقال ( ولما دخلت بزوجتى فاطمة أم عبدالرحمن وهى بكر مكثت خمسة شهور لم اقرب منها، فجاءنى ــ أى البدوى فى المنام ــ وأخذنى وهى معى وفرش لى فرشا فوق ركن القبة على يسار الداخل وطبخ لى حلوى ودعا الأحياء والأموات إليه وقال: أزل بكارتها هنا ، فكان الأمر تلك الليلة)[200].

وواضح أن الشعرانى كأى رجل يواجه عجزه الجنسى خمسة شهور قد جرب كل الوسائل ليثبت رجولته أمام زوجته البكر ، فكان أنجح وسيلة أن يتم ( الفتح عليه)  فى قبة البدوى أشهر الأولياء الصوفية ، وبما لمولده وضريحه من ايحاء جنسى وتاريخ طويل فى تلاقى العشاق ، ونجحت هذه الطريقة فصاغها الشعرانى كرامة للبدوى ، ودليلا لنا على أن الموالد والأضرحة فى التفكير الصوفى لها مدلولها الجنسى الذى يجعل الشعرانى ( الكهف الصمدانى) يلجأ إليه فى حل مشكلته الجنسية مع زوجته البكر.

6 ــ  وأسلفنا أن النساء كن يذهبن لزيارة المقابر والمشاهد أغلب أيام الأسبوع فى عصر ابن الحاج[201]. وأن الرجل كان يصطحب زوجته وأولاده فى زيارةالقرافة حيث يبيتون . وشهد الرحالة ابن بطوطة هذه العادة وسجلها فى رحلته ، يقول ابن بطوطة ( يخرج الناس للمبيت فى القرافة بأولادهم ونسائهم ويطوفون على المزارات الشهيرة ، ويخرجون أيضا للمبيت بها ليلة النصف من شعبان )[202]

وارتبط هذا المبيت بقصص شنيعة من الانحلال الخلقى فى طرقات القرافة وانحناءاتها ، وظل ذلك الانحلال مرتبطا بالقرافة وزيارتها حتى عصرنا الحديث حتى ألغتها الحكومة ، يقول أحمد أمين عن القرافة ( وكان الناس عادة يبيتون فيها ، وكانت تحدث فظائع من هذا المبيت ، ولذلك منعته الحكومة )[203].

الخوانق :

وبعض الخوانق الصوفية تغير فيها شرط الواقف لما لبث أن لحقها الانحلال ، يقول المقريزى عن خانقاه بيبرس الجاشنكير ــ أروع الخوانق فى عصره ــ ( وقد أدركتها ولا يمكّن بوابها غير أهلها من العبور إليها والصلاة فيها ، لما لها فى النفوس من المهابة ، ويمنع الناس من دخولها حتى الفقهاء والأجناد ، وكان لاينزل بها أمرد ، وفيها جماعة من أهل العلم والخير . وقد ذهب ماهنالك ، فنزل بها اليوم عدة من الصغار ومن الأساكفة وغيرهم من العامة ، إلا أن أوقافها عامرة وأرزاقها دارة بحسب نقود مصر)[204]. أى كان شرط الوقف ألا يدخلها الغرباء والمردان ، فتغير ذلك ، والسبب مفهوم.    

المساجد:  

1 ــ  إذن حوَل التصوف بيوته الدينية إلى أوكار للانحراف ، ولم يكتف بذلك بل وصل الانحلال للمساجد المشهورة المنشأة قبل العصر المملوكى ، فالتصوف قد أرهق الناس فى العصر بإنحرافه ، والناس هم رواد المساجد وبيوت العبادة سواء أنشئت فى العصر المملوكى أم قبله ، والنسوة بما تمتعن به من حرية الخروج كن يغشين الجوامع كلها حتى فى صلاة الجمعة ، وكان وجودهن داعيا للعصيان ، وفى حوادث سنة 863 فى يوم الجمعة ثانى عشر رمضان نهبت العبيد والمماليك الأجلاب النسوة اللآئى حضرن صلاة الجمعة بجامع عمرو ( الجامع العتيق ): ( وأفحشوا فى ذلك إلى الغاية ، وكل مفعول جائز) حسبما يقول أبوالمحاسن[205].

 2 ــ أما جامع الحاكم قد حوله النساء والصبيان إلى مباءة للانحلال ، فإهتم السلطان جقمق بعمارته يقول المقريزى ( وكانت أحوال الجامع ـــ بمرور النساء والصبيان وغيرهم ــ ملعبة ، فمنع من دخول النساء الجامع ، وألزم بوابيه ألا يمكنوا امرأة ولا صغيرا من الجلوس فيه ولا المرور منه ، وكان هذا الجامع قد فسدت أحواله ). أى منعوا النساء والصبيان من دخوله تحاشيا من إتخاذه مسرحا للزنا والشذوذ .!

وقبل ذلك بإثنين وعشرين عاما يقول المقريزى فى حوادث سنة 822 أن محتسب القاهرة صدر الدين العجمى منع النساء من عبور الجامع الحاكمى والمرور فيه وتطهير المسجد من قبائح كانت به بين النساء والرجال ومن لعب الصبيان فيه[206]. ويقول ابن حجر فى نفس الموضوع أن المحتسب ( طهر جامع الحاكم من قبائح كانت تقع من النساء والرجال والشباب والصبيان[207]. أى كان هناك إصرار على إتخاذ جامع الحاكم مباءة للانحلال مهما تدخلت السُّلطة المملوكية .

الجامع الأزهر

 1 ــ  وبالتصوف تحولت مؤسسات العبادة إلى أماكن للمبيت والنوم بمثل ماتعوده الصوفية فى الخوانق والربط والزوايا ، فاعتاد الناس النوم فى الجوامع المشهورة مثل جامع الحاكم والجامع الأزهر . وكان ذلك مدعاة للانحراف كما سبق.

2 ــ ويقول المقريزى عن الأزهر ( وكانت العادة أيضا قد جرت بمبيت كثير من الناس فى هذا الجامع ما بين تاجر وفقيه وجندى وغيرهم ، ومنهم من يقصد بمبيته البركة ، ومن الناس من لايجد مكانا يأويه ، ومنهم من يستروح بالمبيت فيه خصوصا فى زمن الصيف وأيام المواسم فإنه يمتلىء صحنه وأكثر رواقاته)[208].  

ويقول المقريزى فى حوادث سنة 818 ( طرق الأمير سودون القاضى الجامع الأزهر بعد الفراغ من صلاة عشاء الآخرة ومعه كثير من مماليكه وأعوانه ، فنهبوا شيئا كثيرا من ثياب الناس وفرشهم ، ومنع الناس من المبيت به ، وكان قد وشى إليه بأن كثيرا ممن ينام به تصدر منه منكرات قبيحة) ولم يعجب المقريزى ماحدث فقال( فكان أمرا من الشناعة لم يسمع بأقبح منه ، سيما والناس يتظاهرون بأنواع المحرمات القبيحة تظاهر من يتبجح بما يعمل ويفتخر بما يبدى )[209]. ولكن المنكر فى الشارع لايبرر حدوث منكر آخر فى المساجد ، ويبدو أن العلاقة لم تكن على مايرام بين المقريزى والأمير سودون.

  أما ابن حجر فيقول عن نفس الموضوع بأن سودون القاضى بلغه أنه حدث بالجامع الأزهر فساد بمبيت الناس فيه فأمر بعدم مبيت الناس  فيه ، فلم يرتدعوا فطرقهم ونهب أعوانه الموجودين فامتنعوا بعد ذلك من المبيت فيه[210].

 أما أبوالمحاسن فكان أصرح فى التعبير فيقول عن طلبة الرواق فى الأزهر( وتغيرت خواطر الخاص والعام عليهم وانطلقت الألسن بسبهم وذكر مساوئهم ومايفعلونه من القبائح[211].

تبادل الأدوار بين بيوت العبادة وبيوت الفسق :

1 ــ وقد سبق أن الجامع الخطيرى فى بولاق كان قبلا دارا للفسق ومثله جامع التوبة فى خط بين السورين ، ومعناه أن المساجد كانت تتبادل الأدوار مع بيوت الفسق.

2 ــ وتردد فى المصادر التاريخية حالات أخرى ، فالمارستان المؤيدى فى القلعة : ( حوّلوه إلى جامع ، وقد تحول المارستان قبل أن يتحول إلى جامع ــ ثم إلى حانة خمارة برسم شرب المسكرات وضرب الطنابير وعمل الفواحش ومع ذلك تربط به الخيول .. فطهره الله من تلك الأرجاس وجعله محل عبادة)[212].

 3 ــ  وبعدها بنحو نصف قرن تحولت زاوية التاج إلى موضع (سماه العوام المخلوعة فصار مأوى للحشاشين والفسقه)[213].

4 ــ ويقول الشعرانى فى ترجمة عثمان الحطاب أنه حاول توسيع زاويته، ( وهناك ربع  فيه بنات الخطأ فطلع للسلطان وقال يامولانا هذا الربع كان مسجدا وهدموه وجعلوه ربعا ، فصدق قوله ورسم بهدم الربع وتمكين الشيخ من جعله فى الزاوية ، فأرشوا بعض القضاة فطلع للسلطان فقال السلطان له ثبت عندى قول الشيخ ، فهدمه فظهر المحراب والعمودان ونزل السلطان فرآه بعينيه)[214].

أى كان مسجدا فتحول إلى " ربع لبنات الخطا" ثم رجع إلى زاوية صوفية مرة أخرى .

وقديما قال أبو الطيب المتنبى :

وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا ..

ج3 / ف 3 :المجتمع المملوكى المنحل خلقيا : مواسم دينية للانحلال الخلقى :

   كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

الفصل الثالث : انحلال المجتمع المصرى المملوكى بتأثير التصوف

المجتمع المملوكى المنحل خلقيا : مواسم دينية للانحلال الخلقى :

ــ مواسم دينية للانحلال الخلقى :

  ( الموالد : مولد البدوى ، مولد الأنبابى ، موالد أخرى ، دوران المحمل ، الأعياد الإسلامية ، الأعياد القبطية.)

 بالتصوف أصبح للانحلال الخلقى مواسم دينية كما كان له أماكن دينية .

الموالد:    

1 ــ  أصبحت الموالد الصوفية أهم المواسم الدينية للانحلال الخلقى ، وكانت موالد البدوى الثلاثة أهم مناسبات للانحلال الخلقى إلى درجة أن الكرامات الصوفية تكفلت بالدفاع عما يحدث فى المولد الأحمدى من انحلال . وفى مناقب البدوى أسطورة تقول أن شخصا أنكر على مايحدث فى مولد البدوى فعاقبه البدوى بأن سلب إيمانه فأصبح كافرا ، فاستغاث الشخص بالبدوى فرد عليه إيمانه أى جعله مؤمنا ثانية ، ثم سأله عما ينكره فى المولد فقال ( اختلاط الرجال بالنساء) فقال البدوى( ذلك واقع فى الطواف ولم يمنع منه أحد) ثم قال ( وعزة الربوبية ماعصى أحد فى مولدى إلا وتاب وحسنت توبته ، وإذا كنت أرعى الوحوش والسمك فى البحار أفيعجزنى الله عن حماية من يحضر مولدى؟)[215] .  ودافع كاتب مناقب البدوى عن البدوى فى الإتهام القائل كيف لايتصرف بكراماته ( فى دفع أصحاب المعاصى عن حضور مولده) فكان من جملة الردود أنه ( قد يكون من عناية ربه أنه من حضر مولده بمعصية يتوب الله عليه ولو بعد حين)[216]. وهى دعوة لتكرار الانحلال وتكرار التوبة طالما استمر مولد البدوى . وذلك مايحدث حتى الآن .

 2 ــ  ويقول السخاوى فى القرن التاسع عن المولد الأحمدى ( كانت تُتّخذ فيه أماكن تُعدُّ للفساد فى تلك الأيام ، لكثرة الجموع )[217]. وعندما تولى السلطنة الظاهر جقمق كان ( شديدا على من يفعل المنكرات فكسدت فى حاله أرباب الملاهى والمسكرات )[218]. فأمر سنة 851 ( بإبطال مولد البدوى لما يقع فيه من المفاسد) على حد قول ابن إياس الذى يذكر أن الفقراء الأحمدية شق عليهم ذلك ووقفوا للسلطان أكثر من مرة فسمح لهم بإعادته فى العام التالى .  ويصف ابن إياس السلطان جقمق بأنه كان عفيفا عن الزنا واللواط يكره من يشرب الخمر ومن يزنى[219].

3 ــ ولقد كان المولد الأحمدى ضرورة شعبية لممارسة الانحلال الخلقى لايستطيع الناس فى عصرنا المملوكى الإستغناء عنه، لذلك فإنه فى سنة 851 يقول السخاوى ( عندما أبطل جقمق مولد البدوى عمل شخص يسمى رمضان بناحية محل البرج بالقرب من المحلة الكبرى المولد، ووقع فساد كبير على العادة )[220]. إذن كانت الموالد "حاجة" طبيعية يضطر الناس لإفرازها فى مناسبتها ، وبمجرد أن أعلن ذلك الشخص رمضان أنه سيقيم المولد فى المحلة الكبرى حتى توافد عليه الناس " ووقع فساد كبير على العادة".

4 ــ  وكان إسماعيل الإمبابى من أهم أتباع البدوى فى إمبابة ، ويقال عنه " صار يعمل المولد البدوى فى كل سنة ، فيأتيه الناس من الأقطار ، وترحل إليه من الأطراف ، وتخرج بياض أهل مصر والقاهرة إليه وتضرب بزاويته الخيم ، ويعقد سوق ، ويجتمع من النسوان والشباب خلق كبير)[221]. إذن فالمنتظر أن يحدث فساد كبير من هذا الجمع الكبير .

 5 ــ وتناقلت المصادر التاريخية ماحدث فى مولد الإنبابى سنة 790 يقول ابن الفرات عنه فى ذلك العام ( حصل فيه من الفساد مالا يحصى من كثرة النساء والفساق ، حتى أشيع أنهم وجدوا فى ثانى يوم فى المزارع مائة وخمسين فارغة من جرار الخمر ) ( وفتحت بنات بكور)[222]. أى بنات أبكار فقدن عذريتهن.

       ويقول المقريزى عن هذا المولد فى ذلك العام ( فى هذه الليلة عمل الشيخ المعتقد إسماعيل بن يوسف الأنبابى المولد على عادته فى زاويته بناحية انبوبة ( إمبابة) من الجيزة تجاه بولاق ، فكان فيه من الفساد مالا يوصف ، إلا أنه وجد فى الخمر فى المزارع مائة وخمسون جرة فارغة من جرار الخمر التى شربت تلك الليلة فى الخيم ، سوى ماحكى عن الزنا واللياطة ، فجاءت ريح كادت تقتلع الأرض بمن عليها ، وامتنع الناس من ركوب النيل وتأخروا هناك )[223].

         ويقول أبو المحاسن يحكى ذكريات تلك الليلة ( فذكروا أنه عمل المولد على عادته فى شهر ربيع الأول سنة 790 فهرع الناس لحضور المجتمع حتى غص الفضاء بكثرة العالم، وتنوعوا تلك الليلة فى الفسوق لكثرة اختلاط النسوان والمردان بأهل الخلاعة ، فتواتر الخبر أنه وجد فى صبيحة تلك الليلة من جراء الخمر التى شربت بالليل فوق الخمسين فارغة ملقاة حول الزاوية فى المزارع ، وافتضت فى تلك الليلة عدة أبكار ، وأوقدت شموع بمال كثير ، فبعث الله يوم الأحد بكرة صباح المولد قاصفا من الريح كدرت على من كان هناك وسفت فى وجوههم التراب واقتلعت الخيم ، ولم يقدر أحد على ركوب البحر ، ولم يعد يعمل مولد بعدها خصوصا وأن الشيخ مات فى آخر شعبان من سنة  790 [224] .

         ويقول ابن حجر بعد أن ذكر نفس التفصيلات ( وقد انقطع إسماعيل بزاويته ، ثم صار يعمل عنده المولد كما يعمل بطنتدا ، ويحصل فيه من المفاسد والقبايح مالا يعبر عنه)[225]. ويردد الصيرفى ماذكره المقريزى وأبوالمحاسن.

6 ــ   واستمرمولد الإنبابى يؤدى دوره فى الانحلال حتى أواخر العصر المملوكى ، إذ كان ابن اياس يذكر مايحدث فيه تباعا ، فيقول عنه فى حوادث سنة 913 ( كان ببولاق ليلة حافلة بسبب وقت سيدى إسماعيل الإمبابى رحمة الله عليه ، فضربت فى تلك الجزيرة التى تجاه بولاق نحو خمسمائة خيمة وصنعوا سوقا بدكاكين ، وخرج الناس فى الفتك والفرجة عن الحد، وأقاموا هناك ليالى متوالية، وموجب ذلك أن كان الرخاء والأمن موجودين ).  وفى حوادث السنة التالية 914 يقول عن نفس المولد( كانت ليلة سيدى إسماعيل الإمبابى ونصبت الخيام فى الجزيرة التى تجاه بولاق ، وخرج الناس فى تلك الليلة عن الحد فى القصف والفرجة ، وكانت ليلة حافلة)، وفى العام التالى يقول ( فى ليلة سيدى إسماعيل الإمبابى كانت ليلة حافلة ، وضربت فى الجزيرة نحو خمسمائة خيمة ، وخرج الناس فى القصف والفرجة عن الحد).           وفى العام التالى 917 يقول ( كانت ليلة من الليالى المشهورة فى القصف والفرجة، وخرج الناس فيها عن الحد)[226]. وهكذا فى السنوات التالية يكتفى أن ابن إياس بوصف الفسق فى مولد الإنبابى بأن الناس خرجوا فيها عن الحد ، ولو كان ابن إياس على نفس مستوى المؤرخين السابقين لأتى بتفصيلات الانحلال فى تلك الليلة .. إلا أنه اهتم أساسا بحالة الأمن فيقول مثلا عن ليلة 913 ( واقاموا هناك ليالى متوالية وموجب ذلك أن كان الرخاء والأمن موجودين) ثم يقارن بمولد آخر لم يحظ العصاة فيه بنفس الأمن فيقول ( وفى عقيب ذلك عمل مولد الشيخ سويدان المجذوب فى مدرسة ابن الزمن التى ببولاق عند الرصيف ، فكان له مولد حافل وضربت هناك الخيام الكثيرة عند المدرسة ، لكن حدث هناك حريقة أتت على مركبة ومعصرة ).

  ويقول عن ليلة الإمبابى سنة 917 ( وضربت نحوا من خمسمائة خيمة فى الجزيرة وصنعوا هناك سوقا بدكاكين مبنية ، وكانت ليلة هادية من الفتن والشرور )[227] . ومعنى ذلك أن العصر المملوكى فى نهايته تعود على الانحلال الخلقى ، فلم يهتم مؤرخه ابن إياس إلا بإستقرار حالة الأمن فى الموالد حتى يمارس العصاة انحلالهم فى المولد فى هدوء واطمئنان .

7 ــ  والشعرانى ــ وكان معاصرا لابن إياس ــ افتخر على بقية الصوفية بحفظ زوجاته من حضور الأعراس والموالد ( التى لاينضبط أصحابها على القوانين الشرعية ، بل يخلطونها بعدة محرمات كضرب الآلات والمحيطين الذين يحكون الحكايات السخريات ،مع اختلاط الرجال بالنساء ومع عدم التورَع من كل الفريقين عن الوقوع فيما لاينبغى ، وهذ الأمر قد كثر وقوعه فى الأعراس والموالد)[228]. والشعرانى يحاول تجميل الصورة قدر مايستطيع.

 8 ــ  واستمرت نفس الصورة المنحلة للموالد إلى عصر الجبرتى بعد الشعرانى بقرنين.  فيقول ( أقيم ضريح للشيخ عبدالوهاب بن عبد السلام ، وصيروه مزارا عظيما يقصد للزيارة وتختلط به الرجال والنساء ، ثم أنهم ابتدعوا له مولدا وعيدا ، وكل سنة يدعون إليه الناس من البلاد القبلية والبحرية ، فينصبون خياما كثيرة وحدادين وصواوين ومطابخ وقهاوى ، ويجتمع العالم الأكبر من اختلاط الناس وخواصهم وعوامهم وفلاحى الأرياف وأرباب الملاهى والملاعيب والغوازى والبغايا والقرادين والحواة ، فيملأون الصحراء والبساتين، فيطأون القبور ويوقدون عليها النيران ويضعون عليها القاذروات ويبولون ويتغوطون ويزنون ويلوطون ، ويلعبون ويرقصون  ويضربون بالطبول والزمور ليلا ونهارا ، ويستمر ذلك نحو عشرة أيام أو أكثر ، ويجتمع لذلك الفقهاء والعلماء وينصبون لهم خياما، ويقتدى بهم الأكابر من الأمراء والتجار والعامة من غير إنكار ، بل ويعتقدون أن ذلك قربة وعبادة ، ولو لم يكن كذلك لأنكره العلماء ، فضلا عن كونهم يفعلونه ، فالله يتولى هدايتنا جميعا )[229]. فى هذه اللوحة التاريخية نرى ممارسة للإنحلال فى مولد أقيم خصيصا لممارسة الانحلال بكل صوره ، ولأنه شعيرة دينية فقد كان يقوده ( العلماءوالفقهاء ) على أنه شعيرة دينية يتقربون بها لله تعالى عن ذلك علوا كبيرا ..

ولا تزال الموالد الصوفية تمارس دورها فى الانحلال الخلقى بنجاح ساحق ، وأيضا يحضرها ( العلماء والفقهاء وأرباب الدولة ). 

دوران المحمل:

  1 ــ  ورث المماليك عن الفاطميين عادة الإحتفال السنوى بدوران المحمل ، فيطوف الجمل يحمل كسوة الكعبة وقافلة تحمل الصدقات ومخصصات ( الحرمين) ، وينتظر الناس فى القاهرة دوران المحمل قبله بثلاثة أيام ، وتمتلىء الطرقات والشرفات بالناس ، وحتى عصر قريب يقول أحمد أمين : ( ويتبرك المصريون بالمحمل) ( والناس عادة يتبركون بالمحمل ويتمسحون بالكسوة ويقبّلون شراشيبها، ومن استطاع ذلك كان له الفخر حتى كأنه قبّل يد النبى (ص)[230]).  والتصوف الذى حول المحمل إلى نصب مقدس يتبرك الناس بتقبيله هو الذى جعل من الإحتفال بدوران المحمل مناسبة سنوية للانحلال الخلقى حين يتزاحم الرجال والنساء والصبيان أياما بسبب المحمل .

2 ــ  والحوليات التاريخية للعصر المملوكى كانت تذكر دوران المحمل مشفوعا بما يحدث فيه من انحلال خلقى . ففى حوادث سنة825 يقول المقريزى عن دوران المحمل ( زينت القاهرة لإدارة المحمل على العادة  فمنع المحتسب النساء من الجلوس على حوانيت الباعة، وتشدد فى ذلك فإمتثلن، وكانت العادة أن تجلس النساء صدرا من النهار ويبتن بالحوانيت حتى ينظرن المحمل من الغد ، فيختلطن بالرجال فى مدة يومين وليلة وتقع أمور غير مرضية ، فعُدّ منعهن من جميل ماصُنع ، لكنه لم يتم ، وعُدن فيما بعد كما كُن ، لإهمال أمرهن )[231] .

3 ــ  ويذكر المقريزى عن دوران المحمل سنة 841 أنه خطف مماليك السلطان النساء والصبيان للفساد ، ورسم بعد ذلك بمنع المماليك من النزول للقاهرة لأنهم صاروا ينزلون فى طوائف فى أماكن اجتماع العامة ويتفننون فى العبث والفساد، من أخذ عمائم الرجال واغتصاب النساء والصبيان وتناول معايش الباعة ( فلم يتم منعهم)[232]. . أى أن عادة المحمل جرأت المماليك السلطانية على الإسهام فى الانحلال الخلقى ، وصارت عادة للجند المماليك ــ خصوصا الأجلاب ــ أن يهجموا على النساء فى أى وقت يقول ابن إياس أن مماليك يلبغا( صاروا يهجمون على النساء فى الحمامات ، ويخطفون الصبيان المردان فى الأسواق [233].               

  4 ــ  ويقول ابن حجر فى حوادث سنة 831 أن الشيخ علاء الدين البخارى التمس من السلطان أن يبطل إدارة المحمل حسما لمادة الفساد التى جرت به العادة عند إدارته فى الليل والنهر من ارتكاب المنكرات والتجاهر بالمعاصى[234].

   5 ــ   ويذكر الصيرفى وقائع دوران المحمل سنة832  نقلا عن المقريزى أما أبو المحاسن فقد عاصر دوران المحمل سنة 841 فأورد ماحدث فيه من خطف للنساء والصبيان [235].

 6 ــ  واستمرت عادة المحمل تحمل سنويا عناصر الفساد فيقول ابن إياس عنه فى سنة 861( أدير المحمل على العادة ،ولكن حصل فيه المماليك الجلبان غاية الضرر فى حق الناس من خطف النساء والصبيان وعمائم الناس ) وتكرر ذلك فى السنوات اللاحقة[236]

الأعياد الإسلامية :

1 ــ  لقد كان دوران المحمل عادة دينية أحدثها الفاطميون فما لبث التصوف أن ترك عليها بصماته الانحلالية .وبالمثل حوَل التصوف من الأعياد الإسلامية مناسبات للانحلال . ففى رمضان شهر التقوى اعتاد العصر المملوكى أن يحول لياليه إلى سهر صاخب ولم ينس البعض نهار رمضان ، ففى سنة 909 فى رمضان قبض الوالى على أربعة أنفار من العوام وجدهم (فى بستان ومعهم امرأة، وهم يأكلون ملوحة بالنهار، وقيل أنهم كانوا سكارى )[237].

  2 ــ  وفى عيد الفطر سنة 801 يقول المقريزى ( أقبل الناس فى يوم العيد ومابعده على أنواع من اللهو فى القرافة والترب خارج القاهرة وبخرطوم الجزيرة الذى انحسر عنها ماء النيل ببولاق ، فمرّ لهم فيه مسرات وتفننوا فى أنواع اللذات ، وكأنما كانوا يودعون الأمن والراحات[238].  إن ماء النيل عندما انحسر أمام بولاق وأظهر الجزيرة ــ أو مايعرف الآن بالجزيرة والزمالك ــ فقد تحولت تلك الجزيرة الرائعة إلى مناطق للهو حتى فى المناسبات الإسلامية .

الأعياد القبطية :

 1 ــ  والتصوف فى العصر المملوكى لم يعرف التعصب الدينى فى ممارسة اللذات فى المناسبات الدينية المختلفة ،  فاحتفل الناس بالمناسبات الصوفية مع الإسلامية ومع القبطية . أى جعل المسلمين والأقباط أُخوة متحابين متعاونين فى خدمة شيطان الانحلال الخلقى فى وحدة وطنية رائعة .!!.

2 ــ  وأشهر الأعياد القبطية التى كان المصريون جميعهم من مسلمين وأقباط ــ يحتفلون بها هو عيد الشهيد ، يقول عنه المقريزى ( ومما كان يعمل بمصر عيد الشهيد ، وكان من أنزه فُرج مصر ــ ويخرج عامة أهل القاهرة ومصر على إختلاف طبقاتهم وينصبون الخيم على شطوط النيل وفى الجزائر ، ولا يبقى مغن ولا مغنية ولا صاحب لهو ولا رب ملعوب ولا  بغى ولا مخنث ولا ماجن ولا خليع ولا فاتك ولا فاسق إلا ويخرج لهذا العيد، فيجتمع عالم عظيم لايحصيهم إلا خالقهم ، وتصرف أموال لاتنحصر ، ويتجاهر هناك بما لا يحتمل من المعاصى والفسوق ، وتثور فتن وتقتل أناس ، ويباع من الخمر خاصة فى ذلك اليوم بما ينيف على مائة ألف درهم فضة عنها خمسة آلاف دينار ذهب ، وباع نصرانى فى يوم بمائتى عشر ألف درهم فضة من الخمر، وكان اجتماع الناس لعيد الشهيد دائما بناحية شبرا من ضواحى القاهرة ).

 وقد أبطل الأمير بيبرس الجاشنكير ذلك العيد فى سلطنة الناصر محمد بن قلاوون ، وأعاده الناصر محمد فيما بعد، ونترك المقريزى يحكى ظروف إعادة الإحتفال بذلك العيد القبطى يقول ( فبطل العيد من تلك السنة (702) ولم يزل منقطعا إلى سنة 738 وعمر الناصر محمد بن قلاوون الجسر فى بحر النيل .. فطلب الأمير يلبغا اليحياوى والأمير الطنبغا الماردينى من السلطان أن يخرجا إلى الصيد ويغيبا مدة فلم تطب نفسه بذلك لشدة غرامه بهما وتهتكه فى محبتهما ، وأراد صرفهما عن السفر فقال لهما : نحن نعيد عمل عيد الشهيد فيكون تفرجكما عليه أنزه من خروجكما إلى الصيد ــ وكان قد قرب أوان وقت عيد الشهيد ــ فرضيا منه بذلك ، وأشيع فى الإقليم إعادة عمل عيد الشهيد ، فلما كان اليوم الذى كانت فيه العادة بعمله ركب الأمراء النيل فى الشخاتير ، واجتمع الناس من كل جهة ، وبرز أرباب الغناء وأصحاب اللهو والخلاعة ، فركبوا النيل وتجاهروا بما كانت عادتهم المجاهرة به من أنواع المنكرات ، وتوسع الأمراء فى تنوع الأطعمة والحلاوات وغيرها توسعا خرجوا فيه عن الحد فى الكثرة البالغة ، وعم الناس منهم مالا يمكن وصفه لكثرته واستمروا على ذلك ثلاثة أيام.! ) ، أى أن السبب فى إعادة الإحتفال بعيد الشهيد هو أن السلطان كان مغرما جنسيا باثنين من الأمراء ، وأراد استبقاءهما إلى جانبه ، فأعاد الإحتفال بعيد الشهيد ومايحدث فيه من الفواحش[239]. والناس على دين ملوكهم .. وشيوخهم ..

  3 ــ  وفى عيد النوروز كانوا ــ على حد قول ابن إياس ( يتجاهرون فى ذلك اليوم بشرب الخمور وكثرة الفسوق فى أماكن المفترجات حتى يخرجون فى ذلك عن الحد ، وربما كان يقتل فى ذلك اليوم جماعة ممن يعربدون على بعضهم فى السكر ، ولاينكر ذلك بين الناس) وقد أبطل برقوق ماكان يعمل فى يوم النوروز وقبض الوالى ( على من يفعل ذلك فى  أماكن المفترجات ، وضربوا بالمقارع ، وقطعت أيدى بعضهم ونصبت المشانق تهديدا ، فأسكت الناس عما كانوا يفعلون فى ذلك اليوم ، وصاروا يفعلون بعض شىء من ذلك فى أماكن المفترجات فى الخلجان والبرك أو نحو ذلك )[240]

4 ــ         وفى عيد وفاء النيل ــ وهو من التراث الفرعونى ــ كان الناس يجتمعون ، وعلى حد قول الصيرفى : ( وأظهروا مفاسد وقبائح لايسعنا ذكرها)، وكان ذلك سنة 875، وقد ذكر الصيرفى بعض رءوس الموضوعات فيما حدث فى ذلك اليوم يقول ( فهرع الناس إلى الأماكن المقدم ذكرها ، وهى الروضة والجسر والجزيرة وغير ذلك ، وأظهروا المفاسد والقبائح والزنا واللواط والخمر والحشيش وركوب البحر بالملاهى)[241].

ويقول ابن إياس عن نفس المناسبة سنة 918 أن والى القاهرة كان طيلة الليل يدور فى مركب وينادى فى الناس بالأمان والإطمئنان ( وأن لا أحد يشوش على أحد ، ولامملوك يعبث على امرأة ) فكل ماكان يهتم به الناس فى عصر ابن إياس هو الأمان أثناء العصيان ، ولكن قلما يكون أمان ، يقول ابن إياس: ( ولكن عبث المماليك فى الطرقات على الناس .. وقتل مملوك امرأة )[242]

ج3 / ف 3 :المجتمع المملوكى المنحل خلقيا:الانحلال بدون مناسبات، وفى الأزمات :

   كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

الفصل الثالث : انحلال المجتمع المصرى المملوكى بتأثير التصوف

المجتمع المملوكى المنحل خلقيا : الانحلال بدون مناسبات وفى الأزمات.

الانحلال بدون مناسبات :

 1 ــ والواضح أن أى تجمع بشرى فى أى مناسبة دينية كان يعنى الانحلال الخلقى أو بالتعبير الماثور كان ( يختلط الرجال بالنساء) وكانت شهوة الناس مفتوحة لممارسة الانحلال فى أى مناسبة بسبب وبدون سبب، فالمهم أن يحدث تجمع فيختلط الرجال بالنساء ويتم الانحلال بمجرد الإجتماع.

2 ــ  ففى سنة 800 انتصر برقوق على الأمير ايتمش فى لعب الكرة فأقام سماطا ولم يمنع أحدا من الدخول فى الميدان فتكاثر الناس فى الميدان ، وبعد أن طلع السلطان إلى القلعة نهب العامة المآكل والمشارب ، يقول ابن إياس ( وكان يوما فى غاية الشناعة أبيحت فيه المسكرات وتجاهر الناس من الفحش والمعاصى بما لم يعهد مثله)[243].

3 ــ  ويقول السخاوى فى حوادث سنة 848 أنه ظهر للسلطان ( عدم تمكنه من إزالة الفساد بالكلية فرأى حسم مادته ، وذلك بإبطال زينة الحوانيت فإنها السبب فى جلوس الناس فيها لكثرة مايوجد فيها من الشموع ويجتمع فيها من أهل الفساد . ) ..( وأمر السلطان ..إدارة المحمل من غير تقدم أعلام الناس بذلك حصل الجمع بين المصلحتين )[244]. وطبعا لم يحدث ذلك ، والمهم أنه كان الناس على استعداد فورى للإنحلال إذا أضيئت الشموع ، إذ سرعان مايجتمعون وسرعان مايحدث الإنحلال .

 4 ــ   وفى سنة 854 إشتهر بالولاية ( عبد أسود)  ( هرع له الخلق  لاشتهاره عندهم بالولاية ، ولم يعهد مفترج يجتمع فيه الناس مثل هذا الجمع ، ونشأ عنه من المفاسد ما الله به عليم ، وأعلم السلطان بالمناكير التى تحصل بسبب الإجتماع هناك فأمر بالقبض عليه)[245].. أى مجرد إشتهاره بالولاية هرع الناس اليه يتبركون به ، وباجتماعهم حوله حدث الانحلال ، وعلم بها السلطان فاعتقل العبد المشهور بالولاية ، ولم تنفعه كراماته المزعومة فى حمايته من الاعتقال .

 5 ــ وفى حوادث سنة 859 أقيم احتفال بمناسبة شفاء ( خوند) أى أميرة مملوكية وكان فيه من الطبل فتجمع الناس فازدحموا فى الطرقات ( وصارت كأيام دوران المحمل بل أعظم) ( وأما االنسوة فكن أضعاف الرجال ، ودام ذلك من أول النهار إلى بعد عشاء الآخرة ، ووقعت فى تلك الليلة من القبائح والمفاسد والأمور الشنيعة مالا يزيد عليه ، وعيب عليهم ذلك فلم يلتفت أحد لما قيل ، وأنشد لسان الحال .

               من راقـب النــاس مــات غما         وفاز باللــذة الجســـور[246]

  6 ــ وفى سنة 875 أقيم الموكب السلطانى وضرب البندق أى الرصاص ، فاجتمع ( النساء والرجال والشيوخ والصغار وغالب سكان مصر ، وانقلبت مصر والقاهرة لأجله ، وتهتكوا) أى وقعوا فى الانحلال[247].

7 ــ  وفى العام التالى 876 يقول البقاعى باختصار ( فى محرم زينت القاهرة وحصل لذلك فسق كثير )[248]. ويأتى الصيرفى بتفصيلات الأنباء فقد زينت مصر لاستقبال الداودار وسهر الناس لذلك ( لكن ترتب على هذا من المفاسد مالايحصى ولايحصر من شرب الخمور وتهتك النساء مع الرجال والصبيان ، وانهماك العوام والأكابر والأواسط ، على استمرارهم فى ذلك ، بحيث أنه لم يقع له  أمر مثل هذا ، سيما عدم تعرض المماليك السلطانيةلأحد من الخلق )[249]. وهى لوحة تاريخية مختصرة تصور الجميع فى حالة انحلال لمجرد خروجهم من البيوت .

8 ــ  لقد عرف العصر المملوكى عبادة الانحلال فى أى مناسبة وبدون مناسبة ، وشارك الجميع فيه من عوام وخواص وعلماء ومماليك ورجال ونساء وأطفال ، وكان المؤرخون يسجلون الأحداث الشهيرة فقط ، والتى تحدث فى القاهرة فقط ، والتى يهتم بها السلطان والحكام فقط . أما ما يحدث فى بقية المدن وفى الريف والصعيد فلم يحظ بالتسجيل التاريخى .

وفى غمرة هذا الانحلال فى أى مناسبة وبدون مناسبة لم يكن يتوب الناس من هذه الحياة إلا عند الأزمات القاتلة ، كالطاعون والمجاعات التى كانت تحدث بسبب انخفاض مستوى النيل أو زيادته إلى حد الإغراق .وبعدها يعودون سيرتهم الأولى يعبدون شيطان الانحلال كالمعتاد .

الانحلال الخلقى والأزمات :

 1 ـ        عاش العصر المملوكى هزات قلقة بسبب المجاعات والأوبئة التى كانت تتكرر كل عدة سنوات وفيها كان المماليك والعلماء يفيقون من حياة الانحلال ويطاردون مظاهر الفسق ويرغمون الناس على التوبة أملا فى انكشاف الأزمة ، وبعد عودة الاطمئنان يعودون إلى سابق العهد كأن شيئا لم يكن .

 2 ـ  وكان الرأى السائد أن المجاعات والأوبئة هى عقاب الاهى على إنغماس الناس فى الانحلال الخلقى       والفقيه السنى الحنبلى البقاعى يقول إن الطواعين والمجاعات كانت تأتى ( بسبب المبالغين فى الفسق فيهلك بقية الناس لأجلهم)[250].   وفى طاعون سنة 841 سأل السلطان برسباى العلماء عنده عن الذنوب التى إذا ارتكبها الناس عاقبهم الله بالطاعون ، فقالوا إن الزنا إذا فشا فى الناس ظهر فيهم الطاعون ، وأن النساء يتزين ويمشين فى الطرقات ليلا ونهارا وفى الأسواق ، فأشار بعضهم بمنع النساء من المشى فى الأسواق ونازعه آخر فقال: لا يمنع إلا المتبرجات أى العاهرات المومسات . ونودى فى القاهرة بمنع النساء جميعا من الخروج وأن من تخرج من بيتها مصيرها القتل[251]. ثم عاد الأمر إلى ماكان عليه بعد انتهاء الأزمة .

 3 ــ وكانت العادة أن يشتد المماليك فى مطاردة المنحرفين والمنحرفات فى الطاعون والمجاعات ، ففى طاعون سنة 791 أمر يلبغا الناصرى بإراقة الخمور ( فكسر منها خمسة آلاف جرة تحت القلعة ، وكبست الحارات التى يباع فيها الخمر ، وفى كسر جرار الخمر يقول بدر الدين بن القاضى سراج الدين البلقينى :     كــســر الجـــرة عمـــدا          وســقى الأرض شــــــرابا

               صــحت والإســلام دينـــى           ليــــتنى كــــنت ترابــا[252].

4 ـ وكان توقف النيل عن الزيادة مبعث قلق للسلطات الحاكمة ، يؤذن بمجاعة ، لذا تسارع السلطة المملوكية بمحاربة الانحلال . يقول المقريزى فى حوادث سنة 802  أن النيل توقفت زيادته ، فركب عدة من الأمراء وكبسوا أماكن اجتماع الناس للفرجة ونهوا عن عمل الفواحش[253].

5 ــ ونفس الحال مع الأوبئة . وفى طاعون سنة 819 ركب الأمير سودون حاجب الحجاب إلى شاطىء النيل وأحرق ماكان هناك من الأخصاص ، أى الأكواخ ، ( وطرد الناس ومنعهم من الاجتماع فإنهم كانوا قد أظهروا المنكرات من الخمور ونحوها من المسكرات واختلاط النساء بالرجال من غير استتار)[254]. أى أن الاستتار مباح أما التجاهر بالزنا والشذوذ فهو حرام .!. ويقول ابن حجر فى نفس الموضوع أن سودون أحرق الأخصاص التى على النيل وطهرها مما فيها ( من المناكر كالزنا وشرب الخمر واللواط وكانوا يتجاهرون بذلك)[255]. فالتجاهر فقط هو الممنوع.

 وفى طاعون سنة 822 تتبع المحتسب أماكن الفساد بنفسه فأراق آلافا من جرار الخمر ( وكسرها، ومنع النساء من النياحة فى الأسواق على الأموات ، ومنع التظاهر بالحشيش ، وكف البغايا عن الوقوف لطلب الفاحشة فى الأسواق ومواضع الريب )[256]

 وفى طاعون سنة 831 ( أمر السلطان وشدد بإراقة الخمر وحرق الحشيشة ، وأكثر ذلك كان بدمياط ، وكان فى القاهرة وغيرها من الأعمال على ذلك ضمان وعليه اقطاعات ( أى ضريبة يتم الانفاق منها على المماليك ) ، فبطل ذلك ولله الحمد ،ثم أعيد قليلا بدسائس أهل الظلم والمكر حتى عاد كما كان بعد مدة قريبة[257].

6 ـ وأصبح هذا عادة مرعية . فى سنة 832 ( قام صاحب الحجاب قياما تاما فى إراقة الخمور وحرق  الحشيش ، وهدم مواضع الحانات وبيوت الفسق وكسر من أوانى الخمور نحوا من عشرة آلاف جرة حتى صار بركة خمر تجرى فى الرملة ، وقد قال القائل فى المعنى.

               الخــــمــــر قـــــد بددوه           فى الأرض طولا وعرضــــا

               مـــا كنت أرضى بهــــــــذا           ياليـــــــتنى كنت أرضـا

( ومنع السلطان من الأعراس والزفف) خوفا عليهم من فساد مماليكه الذين كانوا يخطفون النساء والمردان من الطرقات )[258].

  وفى العام التالى 833 أمر السلطان بالإقلاع عن المعاصى ومنع النساء من الخروج إلى الترب[259] .

وفى سنة 839 حينما تناقصت الغلال صار الوالى يكسر جرار الخمر ( وحجر على الحشيش ومنع الخواطىء من عمل الفواحش).

وفى سنة 841 فى الطاعون (كُبست حارات زويلة والجوانية والعطوف وقنطرة سنقر والحكر والكوم ، وهجم على بيوت اليهود والنصارى ، وكسر مالديهم من الخمور، وحجر على بنات الخطا ومنعهن من عمل الفاحشة ، وكتب عليهم قسامة بالزواج)[260].

  وفى سنة 866 لم يزد النيل أياما فتزايد سعر الغلال ورسم السلطان خشقدم بكف الناس عن المعاصى ، فركب الوالى إلى بولاق واعتقل المتفرجين ونزل الجزيرة فقبض على جماعة من الرجال والنساء ، وشهرهم ، وكان من جملتهم أحد أولاد قاضى القضاه ابن القاياتى[261].

  وفى سنة 870 تناقض النيل فأغار الوالى ( تمر) على المتفرجين فى الروضة وأحرق الخيام هناك[262]. وفى سنة 875 نقص النيل فأمر السلطان قايتباى بالمناداة فى الروضة ( بأن أحدا لايفعل منكرا ، ومن وجد عنده شىء من المنكر ينكَلُ به)[263].

وعندما هبط النيل سنة 879 أمر حاجب الحجاب( فكبس الفسقة ، وأوقع بهم وفرق جمعهم وكانوا حول النيل)[264].

وفى طاعون سنة 910 ( رسم السلطان بكبس بيوت النصارى وتكسير جرار الخمر عندهم وإحراق أماكن الحشيشة.. وأظهر العدل وأبطل المشاهرة على الحسبة)[265].

وفى سنة 915 نادى السلطان ( بألا  يتجاهر الناس بالمعاصى ، وأن يواظبوا على الصلوات الخمس فى الجوامع) ( فسمعوا من أذن وخرج من أخرى)[266].

وفى سنة917 تأخر وفاء النيل فأشيع ين الناس أن السبب فى ذلك هو الفسق الذى كثر فى الروضة : ( فرسم السلطان بكبسها فتوجهوا وكبسوا على الناس الذين بالخيام)[267].

وبسبب طاعون 919 أمر السلطان ( بمنع بيع النبيذ والحشيش والبوزة ، ومنع النساء الخواطىء من عمل الفاحشة، واستمرت المناداة بذلك ثلاثة ايام متوالية ، وأبطلت المظالم) وانكشف الطاعون فأعاد السلطان المظالم[268].

 7 ــ وبعض السلاطين كانت لهم أسبابهم الخاصة والمختلفة فى مطاردة أسباب الفسوق .

فالأشرف شعبان مرض سنة 775 فالتمسوا منه ابطال المظالم حتى يشفى ،وهى ضمان المغانى وضمان القراريط ، فلما عوفى ذكروه بوعده فأبطلهما ( وكان يتحصل منهما مال جزيل)[269].

 وتوجه السلطان برقوق لحرب تيمور لنك سنة 803 وكان يتخوف منه، فشرع فى إراقة الخمور وكسر جرارها، حتى قيل أن جملة ماكسر منها يقارب خمسين ألف جرة[270].

  وبعضهم لم يكن له ميل للا نحلال الخلقى مثل الأميرين بيبرس الجاشنكير وسلار عندما تحكما فى سلطنة الناصر محمد ، فمنعا المراكب من عبور الخليج الحاكمى خارج القاهرة ( لكثرة ماكان يحصل من الفساد والتظاهر بالمنكرات وتبرج النساء فى المراكب وجلوسهن مع الرجال مكشوفات الوجوه بكوافى الذهب على رؤوسهن، وتعاطيهن الخمر، وكانت تثور الفتن بسبب ذلك وتقتل القتلى العديدة ، فلم يدخل الخليج إلا مركب فيها متجر ، وأما مراكب النزهة فامتنعت ، وعدُوا ذلك من أحسن الأفعال)[271].

  وبعدها بعامين أى سنة 709 كان بيبرس الجاشنكير سلطانا بعد أن هرب الناصر محمد إلى الكرك، فاشتد بيبرس الجاشنكير فى مقاومة مظاهر الانحلال،  يقول عنه المقريزى( فى أيامه كبست أماكن الريب والفواحش بالقاهرة ومصر، وأريقت الخمور ، وضرب أناس كثيرون فى ذلك بالمقارع ، وتتبع أماكن الفساد وبالغ فى إزالته ، ولم يراع فى ذلك أحدا من الكتاب ولا من الأمراء ، فخف المنكر وخفى الفساد)[272].

 وفى أعقاب ذلك حدث توقف فى الفيضان وانتشر وباء وارتفعت الأسعار واضطربت أمور بيبرس الجاشنكير ، خصوصا وانه فى حملته التطهيرية الأخلاقية أنزل بالناس بلاء شديدا ( وافتضح كثير من المستورين) وهو يكبس بيوتهم بحثا عن الفواحش ( وتعدى الأمر دور الأمراء)[273] أى أن الانحلال شمل الميسورين والمستورين والأمراء والكبار ، أى لم تكن حركة حرب الفساد الخلقى بسبب  الخوف من الطاعون وتوقف النيل.

 وقبله كان الظاهر بيبرس المشهور بالجهاد والجدية قد أمر بإراقة الخمور وإبطال المفسدات واستتابة الخواطىء والمخنثين وتشدد فى الأمر ، يقول المقريزى عنه 670 ( أهلت والسلطان متشدد فى إراقة الخمور وإزالة المنكرات )[274].

8 ــ   وفيما عدا ذلك كان السلاطين كسائر الناس فى عصرهم فى ممارسة الانحلال ، ولم يكن منتظرا أن يكونا قدوة فى الخير ، والسبكى يحتج على الأمراء المماليك عندما ينكرون على الشيوخ العصاة ، فيقول: ( ومن قبائح كثير من الأمراء أنهم لايوقرون أهل العلم ولا يعرفون لهم حقوقهم ، وينكرون عليهم ماهم مرتكبون أضعافه ، وما أقبح الأمير إذا كان مرتكبا معصية ووجد فقيها يقال عنه مثلها أن ينتقصه ويعيبه ، وماله لاينظر إلى نفسه) ويستشهد السبكىى بأن فقيرا اقتيد إلى بعض الأمراء لأنه سكران فأخذ الأمير يجلده والأمير هذا سكران[275]!!

  9 ــ  وفى غير الأزمات اعتاد العصر على تنفس الانحلال الخلقى خصوصا إذا أضيئت الشموع فى الأسواق ليلا، يقول المقريزى عن سوق السلاح: (إذا أقبل الليل اشعلت السرج من الجانبين ،وأخذ الناس فى التمشى بينهما على سبيل الاسترواح والتنزه، فيمر هنالك من الخلاعات والمجون مالا يعبر عنه بوصف)[276]

توبة سريعا ..والعودة سريعا للإنحلال

1 ــ  وأدمن الناس مع الانحلال الإعلان  عن التوبة الوقتية ثم نسنيانها سريعا ، وفى مناقب الحنفى أنه قال فى ميعاده بأعلى صوته( أعلم أن الذى اشبك الكلب مع الكلبة قادر على أن يشبك الزانى مع الزانية فى حال زنا).  وصدق الجمهور كلامه وخاف كل منهم على نفسه فأعلن الجميع التوبة فى حالة عاطفية وجدانية ، يقول كاتب المناقب( فارتفع صياحهم وضجيجهم ووجدهم ، فتكلم معهم فى التوبة حتى عادوا إلى أحوالهم ، وخرجوا من المجلس يقول بعضهم لبعض : ما أظن أن أحدا خرج من مجلس سيدى إلا وقد تاب من الزنا)[277].. أى أن كلهم زناة، وخافوا على أنفسهم ان يحدث لهم مايحدث بين الكلب والكلبة.

2 ــ ثم كان من الطبيعى ان ينسوا ذلك كله ، لأن شفاعة الحنفى وغيره حسب اعتقادهم تشجعهم على الرجوع للانحلال الخلقى ، فالسلوكيات المنحلة تصدر دائما عن عقائد مختلة.

 لو كانت عقائدهم خالصة لله تعالى بدون وسائط وأولياء وشفاعات لتطهرت أخلاقهم من العصيان والفواحش .

3 ــومن مصطلحات القرآن العظيمة  التقوى ومشتقاتها ، والتقوى ليس مجرد الخوف من الله ولكنه الخوف الممتزج بالحب والتقديس والرجاء ، والمتقى هو الذى يتعامل مع الله تعالى مباشرة فى صلاته وعبادته وفى قلبه وعقيدته ، وفى سلوكياته وتعاملاته مع البشر .ولذلك لايتخذ مع الله وليا، لأن الله تعالى هو وحده الولى المستحق للتقديس، ولايتوجه بعبادته ودعائه لغير الله تعالى. وفى تعامله مع البشر وفى اخلاقه وسلوكياته يخشى الله تعالى وحده، وحتى إذا وقع فى المعصية سارع بتذكر الله تعالى واستغفر وتاب وأناب .

وهكذا تقترن التقوى باخلاص العقيدة وسمو الأخلاق، كما أن  فساد العقيدة إذا ساد أفسد أخلاق العباد .



[1]
ـ السلوك 4/2/751، 619.

[2]ـ عقد الجمان وفيات 829، لوحة 198.

[3]ـ النجوم 15 /59.

[4]ـ النجوم 14 /95.

[5]ـ الضوء اللامع 4 /249.

[6]ـ النجوم 15/ 174 : 175.

[7]ـ السلوك 4 /2

[8]ـ تاريخ ابن اياس 2 / 8.

[9]ـ إنباء الغمر 3/401.

[10]ـ تاريخ ابن اياس 4/180 :181.

[11]ـ تاريخ ابن اياس 1/2/349

[12]ـ تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 52  .

[13]ـ نزهة النفوس لابن الصيرفى 2/68.

[14]ـ إنباء الغمر 3/389.

[15]ـ النجوم 13 / 39: 40.

[16]ـ نزهة النفوس 1/419 .

[17]ـ الضوء اللامع 1/ 369: 370.

[18]ـ  النجوم 16: 187.

[19]ـ الضوء اللامع3/237، 238

[20]ـالطبقات الصغرى :41.

[21]ـ تاريخ ابن طولون 1/39.

[22]ـ إنباء الغمر 3 /242.

[23]ـ إنباء الغمر 3/268: 269.

[24]ـ نفس المرجع 2/387 ، ذيل الدرر الكامنة 222 مخطوط .

[25]ـ نفس المرجع 2 / 196 ، 197.

[26]ـ السلوك 4 / 2 / 76، 788، 899.

[27]ـ  فوات الوفيات 1 /101.

[28]ـ تاريخ ابن اياس 2 /24 تحقيق محمد مصطفى .

[29]ـ نزهة النفوس 1 / 279.

[30]ـ تاريخ ابن اياس 4/92

[31]ـا العينى عقد الجمان ورقة 387.

[32]ـ تاريخ ابن اياس 2/ 258.

[33]ـ التبر المسبوك 78، 170.

[34]ـ السلوك 4/ 2/ 616 ،638.

[35]ـ السلوك 4/2/616، 638.

[36]ـ  النجوم 14 /274: 275.

[37]ـ  تاريخ البقاعى 12ب .

[38]ـ نزهة النفوس والأبدان 2/190.

[39]ـ تاريخ ابن اياس 4 / 340 ، 345، 18 ، 349.

[40]ـ النجوم الزاهرة 15/538، 16/ 164.

[41]ـ السلوك  4 /2/ 600.

[42]ـ  تاريخ ابن اياس 1/2/ 216.

[43]ـ النجوم 15 /492 : 493.

[44]ـ إنباء الهصر تحقيق حسن حبشى 1970

       351، 331، 266، 225، 153، 323، 129، 132، 151، 365، 366، 232، 248، 446، 374: 391، 235، 22 ، 344،

       238 على الترتيب .

[45]ـ السلوك 4 /1/ 388: 389.

[46]ـ  السلوك 4/1/227

[47]ـ إنباء الغمر 3/ 196: 197.

[48]ـ النجوم الزاهرة 14/209.

[49]ـ  السلوك 3/2/936: 937، 773. النجوم الزاهرة 11/317.

[50]ـ النجوم الزاهرة 11/ 291: 292.

[51]ـ تاريخ زيتر استين 102.

[52]ـ ا لسلوك 4/1/201.

[53]ـ السلوك 3/2/ 570، 592،650، 651، 674، 701، 729، 983.، 4/3/1067، 1196.

[54]ـ النجوم الزاهرة 14/ 111.

[55]ـالضوء اللامع 4/292 ، نزهة النفوس 2/346.

[56]ـ إنباء الغمر 2/490.

[57]ـ إنباء الهصر 113، 131، 133، ع135، 148، 215.

[58]ـ الضوء اللامع2 /324.

[59]ـ تاريخ ابن كثير  14/161.

[60]ـ ابن حجر  ذيل الدرر الكامنة  مخطوط :9.

[61]ـ الضوء اللامع 3/305.

[62]ـ المقريزى : المقفى : مخطوط 2/7، 12.

[63]ـ السلوك 4/2/ 597.

[64]ـ النجوم الزاهرة 15 /471، 548.

[65]ـ النجوم الزاهرة 15/471، 548.

[66]ـ التبر المسبوك 168.

[67]ـ الضوء اللامع 4/294.

[68]ـ إنباء الهصر 85: 87.

[69]ـ تاريخ ابن اياس 3/24.

[70]ـ عقد الجمان . مخطوط ورقة 229، وفيات 808.

[71]ـ إنباء الغمر3/29.

[72]ـ السلوك 2/815.

[73]ـ.ا لدرر الكامنة2/6، 76.

[74]ـ. أبوالمحاسن : المنهل الصافى. مخطوط 3/105.

[75]ـ.إنباء الغمر 2/179، نزهة النفوس 2/434.

[76]ـ  السلوك 4/2/842.

[77]ـ النجوم الزاهرة 16/159.

[78]ـ إنباء  الهصر 188.

[79]ـالعينى .عقد الجمان وفيات 809.

[80]ـ السلوك 4/2/652، 673،4/1/295.

[81]ـ الهصر 454.

[82]ـ فتوح النصر . مخطوط 2/270. السلوك 2 / 2 /416.

[83]ـالسلوك 1/3/869.

[84]ـ السلوك 2/2/440: 441، 444، 386: 387.

[85]ـ الضوء اللامع 3/308، تاريخ ابن اياس 1/2/508.

[86]ـالنجوم الزاهرة 16/275 ــ 276 ، 333 ، 286.

[87]ـ ديوان البهاء زهير : 47.

[88]ـ خطط المقريزى ج2/55، ج1/90، ج2/338.

[89]ـ الشعرانى. لطائف المنن 271، 287 ط قديمة.

[90]ـالشعرانى لطائف المنن271، 287ط قديمة

[91]ـ تاريخ الجزرى. مخطوط ج2/292.

[92]ـ السلوك ج4/1/415.

[93]ـ إنباء الغمر ج3/141

[94]ـ نفس المرجع ج3/836.

[95]ـ نزهة النفوس . مخطوط 146ب

[96]ـإنباء الغمرج3/399، 400.

[97]ـتاريخ ابن اياس ج1/2/166 :167.

[98]ـ خطط المقريزى ج2/55.

[99]ـ مناقب الفرغل  26.

[100]ـ إنباء الهصر 337

[101]ـ تاريخ البقاعى مخطوط 98، 90.

[102]ـ خطط المقريزى ج1/197، 198 السلوك ج3 / 2/ 945. الجوهر الثمين لابن دقماق 149، نزهة النفوس ج1/211.

[103]ـ.ـ السلوك ج4/ 2/ 666

[104]ـ لمحة عامة إلى مصر ج1 /627.

[105]ـ الخطط ج1/ 164.

[106]ـ المقدسى الرجائى. حكم الأمرد 44.

[107]ـ إغاثةاللهفان ج2/ 146.

[108]ـ عيون التواريخ . مخطوط ج2/384 :386.

[109]ـ ديوان الشاب الظريف 32، 33.

[110]ـلطائف المنن 468.

[111]ـ الصفدى . شرح لامية العجم ج2/281 :282.

[112]ـ نزهة النفوس ج1/334، ج2/236 :237

[113]ـ نزهة النفوس 1/334، ج2/236 237.

[114]ـ ابوالمحاسن : المنهل الصافى ج5/403.

[115]ـ السلوك ج4/2/1032

[116]ـ نفس المرجع ج4/2/1032.

[117]ـ التبر المسبوك 87.

[118]ـ المختا ر 35.

[119]ـ المدخل ج1/151، 160، 161.

[120]ـ تحفة الأحباب 35.

[121]ـ خطط المقريزى ج2/431 :432.

[122]ـ طيف الخيال لابن دانيال 161 تحقيق إبراهيم حمادة.

[123]ـ خطط المقريزى ج1/198

[124]ـ البحر المورود 104 :105 .

[125]ـ لواقح الأنوار 134 :135.

[126]ـ البحر المورود 104 : 105.

[127]ـ المدخل ج1/152، 155، 158، 157، 135، ج2/11، 12، 104.

[128]ـ تاريخ ابن الداودار ج2/290.

[129]ـ تاريخ البقاعى مخطوط ورقة 59 ب.

[130]ـ خطط المقريزى ج1/198، 163، 164، 88، 98، 90.

[131]ـ خطط المقريزى ج1/198، 163، 164، 88، 98، 90.               

[132]ـ خطط المقريزى ج1/ 198، 163، 164، 88، 98، 90.

[133]ـ خطط المقريزى ج1/ 198ن 163، 164،88، 98، 90.

[134]ـ أحمد أمين قاموس العادات والتقاليد المصرية 88.

[135]ـ رسالة الصنعانى فى الأحاديث الموضوعة : مخطوط 122 مجاميع تيمور 427ب.

[136]ـ خطط المقريزى ج2/521.

[137]ـ النويرى . نهاية الارب ج28/39.

[138]ـ السلوك ج1/2/55.

[139]ـ لمحة عامة إلى مصر ج2/18، 19.

[140]ـ الأمثال الشعبية لتيمور 367.

[141]ـ خطط المقريزى جـ 2/520.

[142]ـ قاموس العادات 170.

[143]ـ خطط المقريزى جـ2/ 521.

[144]ـ الأبشيهى : المستظرف 35.

[145]ـ تاريخ ابن اياس جـ2/61 :62.

[146]ـ نزهة النفوس . مخطوط 162.

[147]ـ النجوم الزاهرة جـ16/332.

[148]ـ خطط المقريزى جـ2/520، 521.

[149]ـ شرح لامية العجم للصفدى جـ2/138.

[150]ـ خطط المقريزى جـ2/517، 518.

[151]ـ تعطير الأنفاس 77.

[152]ـ البدر الطالع جـ2/235.

[153]ـ تحفة الأحباب جـ4/206

[157]ـ. شرح لامية العجم: 358 : 359.

[158]ـ طيف الخيال : 173 تحقيق إبراهيم حمادة

[159]ـ. السيوطى : الفاشوش 471.

[160]ـ. الطبقات الكبرى للشعرانى جـ 2/135، 91 ط صبيح

[161]ـ الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/ 135،  91 ط صبيح

[162]ـ. الاحياء جـ 2/46.

[163]ـ المدخل جـ 2/ 37.

[164]ـ إغاثة اللهفان جـ 2/144

[165]ـ ـطيف الخياال 163

[166]. التبر المسبوك 12.

[167]ـ تاريخ ابن اياس جـ1/2/242.

[168]ـ السلوك جـ 4/2/790.

[169]ـ. خطط المقريزى جـ 2/ 524: 527

[170]ـ.تاريخ ابن اياس جـ2/347،373،374،394.

[171]ـ تاريخ ابن اياس جـ2/394، 374، 373، 347.

[172]ـ تاريخ ابن اياس جـ2/394، 374ـ 373ـ 347.

[173]ـ خطط المقريزى جـ2/514 : 516، 581.

[174]ـ خطط المقريزى جـ 2/ 514: 516، 581.

[175]ـ تاريخ ابن اياس جـ 2/ 264، 265، 416

[176]ـ.تاريخ ابن اياس جـ 4/156، 234، 274، 333، 334.

[177]ـ تاريخ ان اياس ـجـ ـ4/ 156، 234، 274، 333، 334. 

[178]ـ تاريخ ابن اياس  جـ4 /156، 234، 274، 333، 334.

[179]ـ خطط المقريزى جـ3/230، 430، 224 :251، 423: 434، 516.

[180]ـ خطط المقريزى جـ3/230ـ 430، 224: 251، 423: 434، 516.

[181]ـ تاريخ ابن اياس جـ4/97.

[182]ـ السلوك جـ2/835

[183]ـ. لطائف المنن 192، 315 ط قديمة

[184]ـ الصفدى . فوات الوفيات جـ 1/285، 296.

[185]ـ الكواكب السيارة 152.

[186]ـ الضوء اللامع جـ1/85 : 86 .

[187]ـ الطبقات الكبرى جـ2/77 : 80.

[188]ـ الطبقات الكبرى للشعرانى جـ1/137، قواعد الصوفية جـ1/146، 147.

[189]ـ قواعد الصوفية جـ1/75.

[190]ـ قواعد الصوفيةجـ1/75.

[191]ـ الطبقات الكبرى جـ2/91

[192]ـ الطبقات الكبرى جـ2/110

[193]ـ.لطائف المنن 427، 415، 416 ط قديمة.

[194]ـ لطائف المنن 427، 415، 416 ط قديمة.

[195]ـ لواقح الأنوار 259.

[196]ـ. الطبقات الكبرى جـ2/140

[197]ـ. الجواهر السنية . عبدالصمد الأحمدى 224.

[198]ـ السبكى . طبقات الشافعية جـ5/63.

[199]ـ وثيقة وقف السلطان حسن : الأوقاف 881 نقلا عن محمد أمين الأوقاف

[200]ـ الطبقات الكبرى جـ1/161

[201]ـ المدخل جـ1/151، 160، 161.

[202]ـ. رحلة ابن بطوطة جـ1/21.

[203]ـ قاموس العادات والتقاليد 322.

[204]. الخطط جـ3/406

[205]ـ النجوم الزاهرة جـ16/132

[206]ـ. السلوك جـ4/1223  / ، جـ 4/1/511

[207]ـ.إنباء الغمر جـ3/202

[208]ـ السلوك جـ 4/1/320، 324.

[209]ـ السلوك جـ 4/1/320، 324

[210]ـ إنباء الغمر جـ1/74.

[211]ـ حوادث الدهور جـ2/193.

[212]ـ السلوك جـ 4 /2/ 610

[213]ـ حوادث الدهور جـ 2/217.

[214]ـ الطبقات الكبرى جـ2/97

[217]ـ. التبر المسبوك 176.

[218]ـ أبوالمحاسن : المنهل الصافى . مخطوط جـ2/736  ،737

[219]ـ. تاريخ ابن اياس ج2/258

[220]ـ. التبر المسبوك177

[221]ـ. المنهل الصافى مخطوط ج1/556

[222]ـ. تاريخ ابن الفرات ج9/1/27، 42 : 43

[223]ـ. السلوك ج3/2/576

[224]ـ. المنهل الصافى ج1/556: 557

[225]ـ. إنباء الغمر جـ1/351 :357.

[226]ـ. نزهة النفوس جـ1/169

[227]ـ تاريخ ابن اياس جـ 4/114، 132، 152، 214، 375

[228]ـ لطائف المنن 334 ط قديمة

[229]ـ. تاريخ الجبرتى جـ 2/142.

[230]ـ قاموس العادات والتقاليد 48، 360.

[231]ـ. السلوك ج4/2/614 ، 800، 1026، 1027

[232]ـ السلوك ج4/2/614 ، 800، 1026، 1027

[233]ـ. ـ تاريخ ابن اياس ج1/2/67

[234]ـ. نزهة النفوس 832 مخطوط

[235]ـ النجوم الزاهرة ج15/90

[236]ـ..تاريخ ابن اياس ج2/339، 340، 428، 447.

[237]ـ تاريخ ابن اياس ج4/62

[238]ـ السلوك ج3/2/935.

[239]ـ الخطط ج1/125:126

[240]ـ.تاريخ ابن اياس ج1/2/363: 364،  365.

[241]ـ إنباء الهصر 203. .

[242]ـ تاريخ ابن اياس ج4/277 .

[243]ـ نفس المرجع ج1/2/501: 502 .

[244]ـ التبر المسبوك 95، 96، 302 .

[245]ـ التبر المسبوك 95، 96، 302.

[246]ـ حوادث الدهور ج2/288 .

[247]ـ إنباء الهصر 271.

[248]ـ تاريخ البقاعى85. محطوط.

[249]ـ إنباء الهصر319

[250]ـ تاريخ البقاعى7

[251]ـ السلوك ج4/2/1032، النجوم الزاهرة ج15/93

[252]ـ تاريخ ابن اياس ج1/2/410، 411

[253]ـ السلوك ج3/3/1021، ج4/1/357: 358

[254]ـ السلوك ج3/3/1021، ج4/1/357: 358

[255]ـ إنباء الغمر ج3/93.

[256]ـ السلوك ج4/1/486، إنباء الغمر ج3/192

[257]ـ إنباء الغمر ج3/399

[258]ـتاريخ ابن اياس ج2/119، 122، 125.

[259]ــ إنباء الغمر ج3/437، 439.

[263]ـ إنباء الهصر 205.

[264]ـ تاريخ البقاعى 141ب. محطوط.

[265]ـ تاريخ ابن اياس ج4/76: 77، 161، 231، 303: 304.

[266]ـ تاريخ ابن اياس جـ4/76: 77، 161، 231، 303: 304

[267]ـ تاريخ ابن اياس جـ4/76: 77، 161، 231، 303: 304

[270]ـ نزهة النفوس جـ2/95 السلوك ح3/3/1030.

[271]ـ السلوك جـ2/1/29.

[272]ـ خطط المقريزى جـ3/406.

[273]ـ السلوك 2/1/53:55.

[274]ـ السلوك ج1/2/597 .

[275]ـ السبكى . معيد النعم 60، 61 .

[276]ـ خطط المقريزى ج2/463.

[277]ـ مناقب الحنفى 159، 160، 161.

ج 3 ف 4 انعكاسات الانحلال الخلقى فى المجتمع المملوكى:الفُحش فى الكلام

ج3 / ف 4 : انعكاسات الانحلال الخلقى فى المجتمع المملوكى:الفُحش فى الكلام 

   كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

الفصل الرابع: انعكاسات الانحلال الخلقى الجسدى فى المجتمع المملوكى

ــ الفحش فى الكلام :  ــ ( الأولياء ، المماليك ، فى الشعر ، العامة، وبعد العصر المملوكى .)

انعكاسات للانحلال الخلقى

 لم يكن لهذا الكم الهائل من الانحلال من الزنا وأنواع الشذوذ والخمر والحشيش ــ أن تكون مجردة من التأثير فى نواح مختلفة فى السلوكيات المنحلة فى اللفظ والنطق وفى الجرائم وفى اتجاه الفن وأنواع الزى .

  الفحش فى الكلام :

 نقصد هنا الألفاظ الجنسية الفاحشة التى يستحى الانسان العادى من النطق بها ومن سماعها .

فإدمان الفاحشة جعلها تعايش اللسان فى العصر المملوكى نطقا وكلاما، فتعود الناس على الفحش فى الكلام ، ولم يعد عيبا يتحرج أحد منه .

الفحش لدى الأولياء الصوفية والفقهاء :

1 ــ الأولياء الصوفية ــ قدوة العصر ــ كانوا أول من جرأ الناس على الفحش فى الكلام تبعا لانهماكهم فى الفاحشة ، فالشيخ علاء الدين بن موسى شيخ التصوف الأشرفية برسباى( كانت به جرأة بلسانه على مالا يليق ، وفحش فى مخاطبته عند البحث معه)[1]. وكان الشيخ أبو نافع كان من أعيان الصوفية فى القرن التاسع . قال عنه المؤرخ السخاوى ( شيخ مسن من صوفية البيبرسية ، كان كثير المماجنة والدعابة ،غير متحرز فى ألفاظه وحكاياته . سمعت من ذلك جملة بباب البيبرسية [2].

ويقول السخاوى عن البدر المناوى( لم ينفك عن ملازمة المزاح والكلمات اليابسة)[3]. ووصف البقاعى زعيم الطريقة الفارضية فى عهده بأن ( له وقاحة زائدة، واجتراء على الجلوس فوق من هو أفضل منه ، وأنه لايستحى من شىء.[4]

2 ــ  وعلى نفس الوتيرة كان الفقهاء والقضاة وقد رأينا طرفا من ذلك . ويقول ابن حجر فى شمس الدين القبارى الحنبلى وكان من قدماء الحنابلة ومشايخهم أنه ( كان يبتذل ويتكلم بكلام العامة) وقد أنكر عليه ابن حجر أكثرة من مرة [5].

 3 ــ وفى عصر الشعرانى كان المجاذيب طائفة كبيرة متميزة يتمتعون باعتقاد الناس فيهم مهما فعلوا ومهما قالوا، ويقول الشعرانى فى ترجمة الشيخ عبدالقادر السبكى ( كان لايصبر على معاشرته إلا أكابر الفقراء) أى أن كبار الصوفية أنفسهم لا يستطيعون"_ftnref7" title="">[7].

2 ــ  ووصف السلطان المؤيد شيخ (ت824) بأنه(كان فاحشا سبابا) [8].

وفى سنة 849 سقطت منارة المدرسة الفخرية وأصابت الكثيرين فاغتاظ السلطان جقمق وطلب الناظر على المدرسة وشتمه بأقبح الألفاظ[9]. ويقول أبو المحاسن فى نفس الموضوع أن السلطان استدعى ناظر الوقف ونائب الشافعى ورسم بتوسيطه، بعد أن سبه ولعنه ، ثم التفت السلطان إلى القاضى الشافعى ( فخاطبه بمخاطبات مُنكية يُستحى من ذكرها وعزله )[10]. أى كان يُستحى من ذكرها فى عصر الفُحش نفسه .!

  3 ــ  ويبدو أن إفحاش السلاطين فى القول كان عادة تعود الناس عليها منهم ، لذا مدح االمؤرخ أبوالمحاسن السلطان الأشرف إينال ت 865 بأنه ( كان غير سباب ولا فحاش فى لفظه)[11]. هذا بينما وصف أبوالمحاسن طائفة من الأمراء المماليك بالأفحاش فى اللفظ مثل سيف الدين فخرى بردى[14].

 5 ــ ولم يتخلف كبار الدولة المملوكية عن الركب ، فكان عز الدين البكرى فحاشا ( لم يسلم الناس من لسانه)[15]. والوزير البباوى 866( كان به قلة أدب وفحش فى ألفاظه فى مخاطبة الرؤساء والأعيان  )[16] .

6 ــ وأتت البذاءة المفحشة ــ أحيانا ــ بمصائب سياسية ،فالأمير بردبك العجمى كان نائبا على حماة فافحش القول لأهلها فنفرت قلوبهم عنه فقاتلهم ، فغضب السلطان عليه ، فخرج عليه ، ثم انتهى به الأمر بالاستسلام للسلطان فاعتقله بالاسكندرية[17].

الفحش فى الشعر والأدب والفن والمؤلفات :

1 ــ  وأبرز مظاهر الإفحاش اللفظى كان فى الشعر المملوكى خصوصا ماكان منه ساخرا هاجيا ، فالبوصيرى الشاعر الصوفى المشهور يقول عنه المقريزى ( كان ممقوتا لإطلاقه لسانه فى الناس بكل قبيح)[18]. وفى مجال السخرية والهزل اشتهر الكثير من الشعراء مثل الأسعردى(ت656) وقد روى الصفدى له أبياتا خارجة مكشوفة نستحى من ذ كرها. ويقول عنه ( له ديوان شعر مشهور ، وقد أفرد هزلياته وسمى ذلك سلافة الزرجون فى الخلاعة والمجون)[19]

 2 ــ    وبعض القضاة وجد مجاله فى الشعر يتنفس به فُحشا، فالسراج البلقينى 805( كان يتعانى نظم الشعر فيأتى بما يستحى منه، وقال البدر البشتكى أن الشيطان وجد طرقه عند البلقينى مسدودة فحسن له نظم الشعر )[20].

 3 ــ  وتكاثرت هذه النوعية من الشعر والشعراء فى القرن التاسع ، فيقول أبوالمحاسن أن الشيخ الحلاوى كان يضرب بلحيته المثل فى الطول ، وفيها قال الدجوى قصيدة أنشدها لأبى المحاسن وقال عنها المؤرخ ( اضربت عن ذكرها لفحش ألفاظها )[21] ومع ذلك فإن أبا المحاسن أنشد شعرا فظيعا لشاعر البلاليق أبوالفياح السعدى[22].لانستطيع ذكره ، وكان فى الشذوذ الجنسى ، ويظهر إلى أى حد كان ذلك الوباء منتشرا وعاديا لايستوجب الإمتعاض.

         وواضح أن الانحلال الخلقى الذى ادمنه العصر المملوكى جعل الناس يعتادون التعبير عنه بالألفاظ الصريحة الفاحشة ، وتكاثر ذلك فى المصادر التاريخية والصوفية وقد أرغمنا ذلك على الاستشهاد ببعضها من الذى ورد فى مصنفات أعلام المؤرخين والصوفية مثل المقريزى والشعرانى وغيرهما ، وكنا نقدم الإعتذار عنها، ولازلنا.

 وأشد منه أفحاشا ما كان شعرا ماجنا فى الجنس والشذوذ ، وقد أورد الصفدى ( 696 ـ 764 ) بعضه فى شرح لامية العجم[23].  ولانستطيع الإتيان بشىء منه . وهذا الكتاب ( شرح لامية العجم ) يعبّر عن الذوق الهابط الفاحش للعصر المملوكى ، وبعض هذا الشعر للصفدى والآخر لغيره . ويحوى الكتاب على نثر غاية فى الفُحش أيضا . وابن ايبك الصفدى كمؤرخ لم يتورع أن ينثر فى موسوعته التاريخية ( الوافى بالوفيات )( 30 جزءا ) أشعارا ونثرا فى الشذوذ الجنسى وغيره ، بعضه له وبعضه لمعاصريه ، ولا نستطيع الاستشهاد بها هنا لفرط فُحشها . وواضح أنه كان مفتونا بهذا الفٌحش ، وقد كتب موسوعته التاريخية ( الوافى بالوفيات ) عام 742 وفقا لما قاله بنفسه فى هذا الكتاب ( 2 / 336 ) . ولقد ذكر فيه بعض من تخصّص فى الأدب الفاحش مثل النور الأسعردى المتوفى عام 656 ، وقال إنه صاحب كتاب ( سلافة الزرجون ) ولقد إصطفاه السلطان الناصر ، وأن له شعرا غاية فى الفُحش. ( الوافى 1 / 188 : 189 ).

والأفظع ماأورده ابن دانيال فى مسرحياته الثلاثة (طيف الخيال ، وعجيب وغريب ، والمتيم والضائع المتيم) ، ففى الأولى تناثرت بعض الكلمات العامية مع كلمات أخرى فاحشة بذيئة وغيرها عريانة متهتكة أوصافا لخواطر جنسية شاذة وغير شاذة ، وفيها يأخذ الأمير وصال فى تذكر لياليه الجنسية الصاخبة ويصفها بدقة فى كلمات فاحشة ، وفى الثانية يأتى غريب بأبيات فاحشة تتعرض للشذوذ والدعارة الشاذة فى الفاظ صريحة سوقية جارحة للذوق والحس الخلقى ولايمكن إثبات بعضها أو التلميح إليها أوإبدال بعض حروفها ، وفى الثالثة تتطور العلاقة بين المتيم والمتيم الضائع إلىمواقف غزلية منحطة قذرة شكلا ومضمومنا مما يثير الإشمئزاز والغثيان[24]

وقد كانت المسرحيات أو ( البابات) تلقى على مسامع الناس ويقبلون على مشاهدتها وقراءاتها وبذلك اكتسبت شهرة حتى عصرنا واكتسب صاحبها ابن دانيال نفس الشهرة.

 وتسربت مؤلفات تخصصت فى الفحش يكتبها علماء مشهورون لا يجدون فى الفُحش عيبا بسبب هبوط ذوق العصر ( الخالى من الذوق ) .السيوطى مثلا لم يتورع أن يجعل هذا العنوان لكتابه ( نواضر الأيك فى معرفة النيك ) لأن هذا الكتاب متخصص فى موضوعه . والسيوطى كعادته يسرق كتب الآخرين ويلخصها . وكتابه الفاحش هذا بعنوانه الفاحش هو تلخيص لكتاب ( الوشاح فى فوائد النكاح ) . وقد ملأه السيوطى بألفاظ فاحشة للعملية الجنسية والأعضاء الجنسية ،والجديد الذى قام به السيوطى هو تغيير العنوان من ( الوشاح فى فوائد النكاح ) الى ( نواضر الأيك فى معرفة النيك ).  وله كتاب جنسى آخر بدون عنوان فاحش هو ( رشف الحلال الزلال ) عن تفاصيل العملية الجنسية ليلة الزفاف،  وكتابه ( رقائق الأترج فى دقائق الغنج ) عن ( غنج الحور العين ) كما لو كان عارفا به .

ومع هذا ، فإن بعض المخطوطات المكتوبة فى العصر المملوكى أفظع مما كتبه السيوطى ، وهى لا تجد من يحققها وينشرها بسبب ما فيها من كلام فاحش شديد الفُحش ، تخجل منه أفلام البورنو .

 فُحش العامة  :

1 ــ من أخلاق العوام عموما الفُحش فى القول بدون حاجة الى دين أرضى يعلمهم هذا . ولأنهم عوام فلم يهتم بهم المؤرخون فى العصر المملوكى الذين يدورون حول السلطان ورجال الدولة، ولا يهتمون بالعوام إلا إذا إقتربوا من بؤرة الأحداث حول السلطان . ومن المنتظر أن يتعاظم تأثر العوام بالتصوف فى العصر المملوكى ، فمارسوا الفحش فى الكلام بأعلى صوت . يقول عنهم السخاوى وقد تظاهروا وقت الغلاء ( اجتمع منهم خلق من داخل باب زويلة إلى تحت القلعة ، واكثروا الاستغاثة والصياح والشنعة مع السب واللعن والتهديد والتصريح بالعيب الذى ليس له مزيد من غير إفصاح بمراد ولا  إيضاح بشىء مستقر فى الفؤاد، لكثرة غوغائهم ولغطهم ودعائهم إلى أن اجتاز بهم المحتسب .. فأخذوه بتلك الألسنة وأوسعوه من الإساءة المعلنة ولم يتحاشوا عن القذف بالتصريح والإيماء .. إلى أن طلع القلعة بعد أن ملأ من السوء سمعه)[25].

والتطور الذى أدخله التصوف فى العصر المملوكى هو أنه أضفى على فحش العامة سمة الشرعية فكان الأولياء الصوفية يمارسونه دون تحرج ثم كان المماليك ،وعليه فلا حرج على العامة إذا صاحوا به فى وجه الحكام .

2 ــ  وورث المصريون بعد العصر المملوكى ذلك الفحش فى الكلام ضمن ما ورثوه من انحلال خلقى ، وحافظوا على ذلك التقليد بعد العصر المملوكى ، يقول كلوت بك عن المصريين العوام ( وفى أحاديثهم الماجنة قلما يحرصون على الآداب أو يتصونون عن القبائح ، إذ يعبرون بفاحش القول عن الآراء التى يجفل من الإنصات إليها السمع الكريم ، ونادرا ما تجد بين النساء حتى الفضليات منهن من يتحاشين تلويث كلامهن بالألفاظ القذرة ذات المعانى المعيبة )[26].

وفى عصرنا الحديث قال أحمد أمين عن المصريين وسبابهم( وبعض أنواع السباب فاحش يخجل منها المثقف)[27]

ولو عاش الأستاذ العميد ( أحمد أمين ) عصرنا البائس ودخل قسم البوليس فى دولة عربية لرأى أهوالا وسمع أهوالا .

  ج3 / ف 4 :انعكاسات الانحلال الخلقى فى المجتمع المملوكى : فى الجرائم والقتل 

   كتاب ( التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

الفصل الرابع: انعكاسات الانحلال الخلقى الجسدى فى المجتمع المملوكى

فى الجرائم والقتل :

   ( فى أماكن المجون ومناسباته ، بنات الخطا ،بسبب الخيانة الزوجية ، بسبب تعرض المماليك للنساء غير المحترفات ، مقتل الشيخ عبدالكريم شيخ مقام البدوى، هواية السلطان ابن قايتباى ، قتل الأطفال بعد اغتصابهم ، مشاجرة وقتل بسبب طفل.)

 فى أماكن المجون ومناسباته:

        1 ــ كانت أماكن المجون ومناسباته كثيرا ماتكون ظروفا مهيأة لارتكاب جرائم القتل . ويذكر المقريزى قوله عن هذه الأماكن ( وقد دخلت الخليج الذى بين القاهرة ومصر ..فرأيت فيه من العجائب وربما وقع قتل فيه بسبب السكر ، وهو ضيق، عليه فى الجهتين مناظر كثيرة العمارة فيه بعالم الطرب والتهكم والمخالفة)[28]. ورأينا ماكان يحدث لأهل الكتاب إذا ضبط أحدهم يزنى بمسلمة ، وكان يحدث اقتتال بين الجند والعبيد فى مناسبة دوران المحمل حين يحاول الجنود اغتصاب النساء والصبيان . ويقول المقريزى عن عيد الشهيد( ويخرج عامة أهل القاهرة ومصر .. ولايبقى مغن ولامغنية ولاصاحب لهو ولا رب ملعون ولا بغى ولا مخنث ولا ماجن ولا خليع ولا فاتك ولا فاسق إلا ويخرج لهذا العيد ، فيجتمع عالم عظيم لايحصيهم إلا خالقهم ، وتصرف أموال لاتنحصر ، ويتجاهر هناك بما لايحتمل من المعاصى والفسوق ، وتثور فتن ويقتل ناس)[29]. وفى عيد النوروز يقول ابن إياس " يتجاهرون فى ذلك اليوم بشرب الخمور وكثرة الفسوق فى أماكن المفترجات حتى يخرجون فى ذلك عن الحد، وربما كان يقتل فى ذلك جماعة ممن يعربدون على بعضهم فى السكر ، ولاينكر ذلك بين الناس"[30].

2 ــ وقد ذكرت المصادر التاريخية بعض النماذج الفردية لهذه الجرائم المرتبطة بالانحلال الخلقى من زنا وشذوذ.

*بنات الخطا:

1 ـ  فوجود بنات الخطا(البغايا) ومايجمعنه من أموال جعلهن فرصة سهلة للقتل وهن ينتقلن من يد إلى يد ويرتدين افخر الثياب والمصوغات . ففى سنة 857 يقول أبو المحاسن أن السلطان وسط ثلاثة بعد أن أمر بتسميرهم على الجمال منهم يلبان الزينى عبدالباسط الذى ( كان يطلب المرأة الجميلة من الخواطىء فيفعل فيها، ثم يقتلها ويأخذ ماعليها، ويستعين باللذين وُسّطا معه)[31]. والتوسيط هو القتل بقطع الجسد نصفين .

وفى نفس الموضوع يقول ابن اياس ( وُسّط مملوك يقال له يلبان واثنان من اصحابه ، لأنهم كانوا يحضرون عندهم بنات الخطا فإذا بتن عندهم يقتلونهن ويأخذون ماعليهن من القماش)[32].

وفى سنة 876 استمال رجل امرأة من بنات الخطا ومعها أمها وأمرأة عجوز قوادة وأخذهن إلى قاعة مظلمة بالقرب من بيت الشيخ الفقيه ابن حجر ، وبعد ذلك قتلهن وأخذ حليهن وهرب، وعثر على النسوة عرايا مخنوقات وإلى جانبهن آلات الخمر [33] .

 2 ــ  وقبيل العصر المملوكى سنة 622 حدث العكس يقول المقريزى ( وكثر فى هذه السنة قتل الناس فى الخليج وفقد جماعة ، والتبس الأمر فى ذلك ، ثم ظهر بعد شهر ان امرأة جميلة يقال لها غازية كانت تخرج بزينتها ومعها عجوز، فإذا تعرض لها أحد قالت له العجوز لايمكنها المسير إلى أحد ولكن من أرادها فليأت منزلنا) ( فإذا وافى الرجل إليها خرج إليه رجال فقتلوه وأخذوا مامعه). واكتشف أن رفاقها فى الجريمة كانوا إذا قتلوا أحدا ألقوا بجثته فى قمين لإحراق الطوب حتى تحترق عظامه، وأظهروا من الدار خفائر وقد ملئت بالقتلى، يقول المقريزى( ثم عملت الدار التى كانوا بها مسجدا وهو المعروف بمسجد الخناقة)[34]. وهذا قريب من حكاية رية وسكينة فى عصرنا الحديث .

  3 ــ       وكانت تحدث فتن بسب المحترفات ، فيذكر ابن اياس أن فتنة حدثت بين أنصباى حاجب الحجاب والأمير نوروز سنة 914 والسبب أن هناك محلا لبنات الخطأ بالقرب من بيت نوروز( يعملون الفاحشة) قصد إليه أعوان انصباى ليكبسه، فثارت عليه غلمان نوروز ، وضربوا منهم جماعة ، ومنعوهم فسار إليهم انصباى بنفسه وضرب النسوة وأشهرن فى القاهرة فاشتكى نوروز للسلطان ( فحط عليه السلطان)[35].

ويذكر ابن اياس أن الوالى قبض على امرأة قبيحة السيرة تجمع عندها بنات الخطا( وكانت تسكن الأزبكية ، فهربت إلى قليوب ، فأرسل السلطان من قبض عليها ثم أمر بتغريقها فيقال أنها أفدت نفسها بخمسمائة دينار ورسم بنفيها)[36].

*بسبب الخيانة الزوجية:

1 ــ وكما سبق فلم يكن الانحلال الخلقى مقصورا على (بنات الخطا) وإنما امتد إلى النساء الأخريات خصوصا المتزوجات ، فكان يحدث قتل بسبب الخيانة الزوجية ، وذكرت المصادر التاريخية طرفا من ذلك. فقد حدث أن زوجة هى بنت أمير عشقت عبدا أسود واحتالت فى ادخاله البيت متنكرا فى زى احدى الخواندات ( الأميرات ) ، فعاش فى البيت . ثم اتفقت مع عشيقها على قتل الزوج فضرب العشيق الزوج بسكين إلا أن الضربة لم تقتله ، فاستغاث الزوج، وقبضوا على العبد فاعترف تحت التعذيب وقتل ، أما الزوجة فحلفت لزوجها أنها وصديقتها باتتا معا تلك الليلة وماعلمتا بقصة ذلك العبد أصلا ، فصدقها زوجها ، واستمر معها[37].

وكان من أسباب نكبة الأمير ابن الطبلاوى أن خوند بنت صرف كانت زوجة للسلطان فرج بن برقوق وقد طلقها، فاتصلت بابن الطبلاوى وكانت بينهما علاقة ، وتحقق من ذلك السلطان ، فقتلهما[38]

 ويذكر ابن حجر أن زوجة بزاز ( تاجر حرير وأقمشة ) عشقت عبدا أسود واتفقت معه على قتل زوجها فأخفق ونجا الزوج[39]. وهى نفس القصة السابقة عن الزوجة بنت الأمير وعبدها الأسود .

2 ــ وقد أصبحت الجرائم ( الأخلاقية) ظاهرة فى الربع الأخير من القرن التاسع ، فيذكر الصيرفى حوادث متتابعة ، منها : أن رجلا أخذ زوجته إلى الجبل فقتلها ، ووجدت امرأة وبنت مقتولتين فى الأزبكية ولم يعلم لهما قاتل ولا وارث ، وقتل أحدهم زوجته لأنه كان يتهمها بغلام،( وذبح شخص كان بلاَنَا بأرض الطبالة بالجنينة وبيفحصوا عن قاتله)[40]

وفى تاريخ البقاعى يذكر حادثتين سنة 874 يقول ( قتل أحد نواب ــــ أى قضاة ــــ الحنفية ، ورميت جثته فى بئر . وكان القاتل جنديا يحب امراة ، فاتهم الفقيه فى تغييرها عليه)[41]. ويحكى أن امراة من الحسينية كانت زوجة ( لبعض المشهورين قد خرجت على طاعته فعجز عن ضبطها وانهمكت فى لهوها ، فقتلها بمعونة ثلاثة، ومثّل بها ) . ويذكر فى حوادث سنة 880 أن شخصا من القاهرة قتل أمه واخته وابنى اخته( لأنهم استحسنوا عليه زوجته فجلبوا لها أجنبيا ليتعشقها ).!. وقد وسّطه السلطان[42]

*بسبب تعرض المماليك للنساء غير المحترفات:

       وكانت تحدث فتن قتل بسبب تعرض الحكام والمماليك للنساء من غير المحترفات ففى سنة 795 شكى الفلاحون للسلطان من الأمير ابن أقبعا آص( لأنه يأخذ نساءهم وأولادهم ويفجر بهم، وحاققوه فى وجهه على ذلك ، فضرب بالمقارع)[43].

وفى دمياط اختلف الحال فقد قتل أهلها الوالى السراخورى لأنه( كان كثير الظلم والفسق والتسلط على نساء الناس وأولادهم) وذلك ماأورده كبارالمؤرخين العينى[44]. وابن حجر[45]. والمقريزى[46]   .

 ويذكر ابن اياس أن ثلاثة من المماليك اغتصوا  بعض النسوة فى طريق المقس فهربت منهن واحدة واشتكت للوالى ،فقبض عليهم ، فأمر السلطان الغورى بضرب المماليك حتى أشرفوا على الهلاك وسجنهم ، وعوض النسوة بالمال فى نظير ماحدث لهن( فعُدّ ذلك من النوادر الغريبة)[47].

 *مقتل الشيخ عبدالكريم شيخ مقام البدوى

 1 ــ ومن الحوادث الغامضة مقتل الشيخ عبدالكريم شيخ مقام البدوى  وذلك بالقاهرة سنة 862 يقول ابن اياس( مات عبدالكريم خليفة البدوى قتيلا ولايعلم قاتله، وكان غير مشكور فى سيرته ، ولى خلافة البدوى مدة طويلة ، فلما مات ولى بعده صبى من أقاربه اسمه عبدالمجيد)[48].

2 ــ   ويقول أبوالمحاسن فى مقتل عبدالكريم ( توفى الشيخ عبدالكريم شيخ مقام البدوى بظاهر القاهرة ، قيل أنه تردى من سطح وهو ثمل، ومنهم من قيل دس عليه شيخ العرب حسن بن بغداد من قتله، وأنا أقول قتله سر الشيخ أحمد البدوى لانهماكه على المعاصى وسوء سيرته فأراح الله الشيخ أحمد البدوى منه ولله الحمد، وتولى عوضه شيخ المقام صبى من أقاربه دون البلوغ)[49]

  وفى موضع آخر يقول أبوالمحاسن ( وكان عبدالكريم غير لائق للمشيخة وروى القاضى شمس الدين الطنتدانى أنه رأى فى منامه الشيخ البدوى يقول من داخل القبر: لاتدعوا هذا الصبى يجى إلى عندى اقتلوه . وكان عبدالكريم هذا قد حضر إلى القاهرة : فلم تمض بعد ذلك إلا أيام يسيرة وقتل ،  ولما قتل أمسك السلطان جماعة ممن كان عبدالكريم هذا نزل عندهم وضربهم بالمقارع فلم يعترف أحد بقتله)[50].

والمنامات الصوفية تشير بأصبع الإتهام إلى أنها مؤامرة نفذها صوفية الأحمدية ، وواضح أنهم استفادوا فى مؤامراتهم بما أشيع عن عبدالكريم من انحلال خلقى .

*هواية السلطان ابن قيتباى:

 وقد اشتهر السلطان الناصر محمد بن قايتباى هواية غريبة لم يسمع بها وتقشعر لها الأبدان فقيل فيه( شرع فى مخالطة الأوباش وارتكاب الفواحش ، وتحكى عنه أمور قبيحة منها أنه سمع بامرأة حسناء هجم عليها وقطع رأس فرجها ونظمه فى سلك أعده لذلك ، وقد زفت إليه جارية فربطها وسلخها، ولم يستطع أحد انقاذها منه)[51].

* قتل الأطفال بعد اغتصابهم:

1  ــ وفى مجال الشذوذ الجنسى حدثت جرائم فظيعة كان ضحاياها من الأطفال الصغار الأبرياء .

ففى سنة 917 يعد ابن إياس من الوقاع المضحكة أن فلاحا فى طاحونة فعل الفاحشة بابن صاحب الطاحونة ، وكان طفلا فى السادسة ، فمات الصبى، وعوقب الجانى بالموت على الخازوق.

والمؤسف أن ابن أياس وهو يعبر عن ذوق عصره ـــ المُنحطّ  ــ يعُدُّ هذه الجريمة الفظيعة واقعة مضحكة . وحتى نتعرف على ذوق العصر الذى انحط إلى الحضيض فإننا مضطرون ــ مع الأسف ــ للإتيان بألفاظ ابن إياس  وتعبيراته يقول عن الصبى الضحية :( فما طاق الصبى من ذلك، وانغرز من ثلاثة مواضع فى دبره ، فمات بعد مضى ثلاثة أيام) . ثم يأتى ابن إياس بشعر ماجن خليع ساخر معلقا على هذه الحادثة ( وفى مثل هذه الواقعة يقول المعمار:

            صــغير نام على وجـهـه       وقال حكمك قلت لا فــائدة

        هل أدخل العامـود ياســيدى       فقــال لاتنخرم القاعدة[52].

        ومعنى قوله ( وفى مثل هذه الواقعة يقول المعمار..) أن الاعتداء على الأطفال الصغار كان أمرا مألوفا فى ذلك الوقت وأن ذلك لم يكن عيبا بل كان يتندر به فى الشعر ، وأن المصادر التاريخية لم تكن تذكر وقائع من هذا النوع إلا حينما يموت الطفل وينتشر الخبر. والعادة أن الشذوذ يبدأ بالتعامل مع الأطفال ويكونون من ضحاياه.

 2 ـ ـوابن إياس ذكر جريمة أخرى من نفس النوع بعد الجريمة السابقة بثلاث سنوات تؤكد اعتياد العصر على جريمة الاعتداء على الأطفال الصغار، فيذكر أن خياطا فعل الفاحشة بصبى فى العاشرة فاستغاث الصبى ، فذبحه الخياط ورماه فى بئر، فلما اكتشف أمره قبض عليه واعترف ، فأمر السلطان الغورى بشنقه فى المكان الذى قتل فيه الصبى ( وأن تقطع محاشمه وتعلق فى عنقه وهو مشنوق ففعلوا به ذلك)[53].

 3 ــ  أى أن الاجراءات القاسية فى القتل مثل الخازوق لم تفلح فى منع استمرار هذه الجريمة فبعد صبى الطاحونة تكررت الفعلة مع صبى آخر.

   4 ــــ وقبل ذلك فى سنة 794  قبض السلطان برقوق على ستة من المماليك عند خانقاه سرياقوس وحملهم فى الحديد إلى القاهرة لأنهم ( أمسكوا صبيا فعلوا فيه الفاحشة حتى مات)[54]. وفى تعبير المقريزى ( من أجل أنهم ارتكبوا الفاحشة بصبى حتى مات)[55].

 5 ــ  وفى أحيان كثيرة كان الجانى لايعرف وبالتالى يفلت من العقاب . ففى سنة 875 قتل شخص رومى أمرد فى الصحراء بجوار ضريح الشيخ المقانعى ( ولايعلم له قاتل)[56] . وتلك مجرد نماذج حدثت فى القاهرة ، فذكرتها المصادر التاريخية ، ,وماخفى أعظم .. وأفظع.. ــ

*مشاجرة وقتل بسبب طفل:

   وأحيانا كان ينجو المفعول به وتقع الجرائم بسببه كما حدث سنة 834 حين جرت مشاجرة بين شخص وبين مملوك له فاغتاله بسكين ( وذلك بسبب صبى تغايرا عليه )[57]. وذلك ما يذكره ابن حجر ، وقد ذكر فى حوادث سنة 825 أن صوفيا  ( جبّ ) أى قطع ( مذاكيره بسبب أمرد كان يعشقه ولايقدر عليه ، فاتفق أنه أمكنه من نفسه فلم ينتشر ذكره فقطعه ، فحمل إلى المارستان فمات )[58].

         وفى سنة 915 هرب صبى أمرد من طائفة من المماليك والتجأ إلى بيت الأمير إينال باى فأحرق المماليك بيت إينال باى[59].

         *مشاجرة وقتل بسبب طفل:

        وقد تظهر حوادث القتل فى الحوليات التاريخية متتابعة ، منها ما يكون بسب الانحلال الخلقى ومنها ما يكون بسبب تافه ، ففى ذى القعدة سنة 913 نجد الحوادث التالية فى عدة صفحات من تاريخ ابن إياس : أنه تحاسد جماعة من عبيد السلطان فقتلوا واحدا منهم مقربا للسلطان فوسط منهم أربعة وهرب جماعة ، ووجدت امرأة مقطوعة نصفين كل نصف منها مرمى فى حارة ولا يُعلم من فعل بها ذلك ، وغمز على فران أنه قتل صبيا كان عنده ورماه فى الفرن ، وقتل بعض الغلمان بائع لبن لأجل شقفة لبن لم يبعها له اللبان يقول ابن إياس ( فوسّط السلطان الغلام الذى قتل اللبان فراح هذان الرجلان لأجل شقفة لبن فلا  حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم)[60].

       وفى سنة 915 قتل بركات ــ وهو فراش الأمير طومان باى ـ ( صبيا من صبيانه جميل الصورة صغيرا ) فدفعه السلطان إلى القاضى المالكى ليحكم عليه فحبسه القاضى ــ عندما عرف أنه فراش الأمير طومان باى ــ حتى تقام عليه البينة ، وبعدها بقليل قتل ساعى الدودار أيضا قتيلا مسنا شيخا فدفعوه للقاضى أيضا فأطلقوا سراحه ولم يأت أحد يشهد عليه بأنه قتل وكان قتله بالنهار بعد العصر ، ويقول ابن إياس معلقا( وراح أمر القتيلين على أقاربهما وأولادهما والأمر لله تعالى)[61].

         وهكذا كان القتل يحدث بأى سبب ،وذلك ما يذكرنا بأحداث ذكرها ابن حجر متتابعة فى صفحة واحدة لسنة 836 فى شهر رمضان ، فقد تخاصم رجلان على نصف فضة فخنق أحدهما الآخر ، وتخاصم اثنان من المسحرين ( المسحراتية) فضرب أحدهما الآخر فسقط ميتا ،وطلق أعجمى ــ صوفى زوجته ثم ندم فتتبعها فى زقاق فضربها بسكين فماتت[62] .

  ج3 / ف 4 :ــ انعكاسات الانحلال الخلقى فى المجتمع المملوكى :فى الرقص الشرقى

     كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

الفصل الرابع: انعكاسات الانحلال الخلقى الجسدى فى المجتمع المملوكى

ــ فى الرقص الشرقى :

( ـ ارتباط الرقص الشرقى بالانحلال الخلقى .ـ  ارتباط الرقص الشرقى بالتصوف.ــ وصف الرقص الشرقى فى العصر المملوكى.ــ رقص المردان .ــ بعد العصر المملوكى.)

فى الرقص الشرقى:

ارتباط الرقص الشرقى بالانحلال الخلقى:

         1 ـ كان ارتباط الفن ـ من غناء ورقص ـ بالانحلال الخلقى شديدا فى العصر المملوكى ، ونسترجع ماقاله المقريزى عن الانحلال الخلقى عند الخليج ( وقد دخلت الخليج الذى بين القاهرة ومصر.. فرأيت من العجائب وربما وقع قتل فيه بسبب السكر ، وهو ضيق، عليه فى الجهتين مناظر كثيرة العمارة بعالم الطرب والتهتك والمخالفة )[63]. أى اشتملت أماكن المجون على( الطرب والتهتك) ويقول عن عيد الشهيد ( ويخرج عامة أهل القاهرة ومصر .. ولايبقى مغن ولامغنية ولاصاحب لهو ولا  ملعوب ولا بغى ولا مخنث ولا ماجن ولا خليع ولا فاتك ولا فاسق إلا ويخرج لهذا العيد، فيجتمع عالم عظيم لايحصيهم إلا خالقهم وتصرف أموال لاتنحصر)[64]. فذلك الجمهور الهائل ينفق أمواله فى شرب الخمر والاستماع إلى الطرب والاستمتاع بالراقصات ويمارس الزنا والشذوذ.

وفى بركة الرطلى المشهورة بالانحلال الخلقى  اشتهرت المغانى . وحين افرج السلطان عن الزينى بركات وكان من سكان بركة الرطلى أقامت له البركة حفلا بهيجا فزغردت له النساء( ولاقته الطبول والزمور ومغانى النساء)[65] . وكان ذلك يتكرر كثيرا كما فى تاريخ ابن إياس [66]. كما أسلفنا أن المغانى كن يدفعن ضمان المغانى أسوة بالعاهرات ، وأن هذه الضريبة كانت الشيخات يدفعنها أيضا حين يقمن حفلات الذكر.

ارتباط الرقص الشرقى بالتصوف:

 2 ــ ومن ناحية أخرى كان ارتباط التصوف بالغناء والرقص عضويا، فالسماع الصوفى يعنى إقامة حفلات الذكر الصوفى من غناء ووجد ورقص، وابن الحاج يصف المغنى فى السماع الصوفى فكأننا نرى مغنيا معاصرا يقول ( والمغنى يبتدىء فى الغناء بالهيبة والوقار وحسن السمت فينصت له الناس ، فإذا دب معه الطرب حرك رأسه قليلا، ثم إذا تمكن منه الطرب ذهب حياؤه ووقاره فيقوم ويرقص وينادى ويبكى ويتباكى ويتخشع ويدخل ويخرج ويبسط يده ويرفع رأسه نحو السماء ، وكأنه جاءه المدد ويخرج الزبد من فمه، وربما خرق بعض ثيابه وعبث بلحيته ، ويزعم أنه سلب عقله )[67] .أى بنفس مايفعله مجانين الغناء الغربى الآن.   إذن فالمغنى الصوفى فى السماع يخلط الغناء بالرقص بالوجد.

وكما وصف ابن الحاج طريقة الغناء الصوفى يقول عن طريقة الرقص الصوفى( والرقص بضرب الأرض بالأقدام أو بالأكمام عند سماع الأصوات الحسان من المرد والنسوان ، وضرب الطار والشبابة، ويسجد الفقير للشيخ حين قيامه للرقص وبعده كعادة فى السماع)[68]. أى أنهم اتخذوا السماع دينا ففى حضرة الشيخ يسجدون له قبل الرقص وبعده.. ثم يقوم النساء والشباب الجميل بالرقص فيدخل الصوفية فى حمأة الرقص المجنون.

وفى موضع آخر يقول ابن الحاج أن الغالب على الصوفية حضور السماع والرقص فيه حتى كان ذلك من شروط السلوك عندهم( وبعضهم يدعى أنه ُيفتح عليهم فى حال رقصهم وتأخذهم الأحوال) أى تزيد درجته فى دينه الصوفى كلما ازداد فى الرقص ( وبعضهم يتعاطى السماع فى المسجد ويرقصون فيه وكذلك يفعلونه فى الربط والمدارس)[69].أى لأنه دين فلابأس من أن يمارس فى البيوت الدينية.

وكانت النساء يحضرن حفلات السماع الصوفى مما آثار عليهم ابن الحاج فقال عن حفلات السماع( قلَ أن تسلم من حضور النساء فى المواضع المشرفة على الحفل من سطح أو غيره ، مع سماعهن للأشعار المهيجة للفتنة والشهوات والملذوذات ، فإن ذلك يحرك عليهن ساكنا لما ورد أن الغناء رقية الزنا، وهن ناقصات عقل ودين سيما إذا انضاف إليه كون المغنى شابا حسن الصورة والصوت ويسلك مسلك المغنيات فى تكسيرهن وسوء تقلباتهن مع ماهو عليه من الزينة بلباس الحرير والرفيع )[70] .

  وكانت السماعات وسيلة للإيقاع بالنساء خصوصا وأن بعضهم كما يقول ابن الحاج ( حتموا بأن يكون المغنى شابا نظيف الصورة حسن الكسوة والهيئة أو أحدا من الجماعة الذين يتصنعون فى رقصهم بل يخطبونهم للحضور ، فمن لم يحضر منهم ربما عادوه ووجدوا فى أنفسهم عليه)[71] . وتواجد النساء فى تلك الحفلات التى يحضرها الرجال حتى لو كان السماع لقراءة كتب الوعظ لا للغناء والرقص فيقول ابن الحاج ( يجتمع الناس فى المسجد لسماع الكتب فيه ، ثم تأتى النساء أيضا لسماعها فيقعد الرجال بمكان والنساء بمقابلتهم،  وبعض النساء يأخذهن الحال علىما يزعمن فتقوم المرأة وتقعد وتصيح بصوت ندى وتظهر منها عورات ، ولو كانت فى بيتها لمنعت ، فكيف بها فى الجامع بحضرة الرجال ،فنشأ عن هذا مفاسد جملة )[72] . وإذا كان الولى امرأة فالنساء الحاضرات عندها يرقصن جماعة ( ويرفعن عقيرتهن بالقراءة والذكر، ويقمن يرقصن ويبكين ، وتأخذهن الأحوال على زعمهن)[73].

  والمرأة إذا ذهبت للرقص فى الموالد خرجت ( فى أحسن الثياب والطيب والزينة والحلى ويكون ذلك بحضور شيخة)[74]. وأحيانا كن يذهبن للسماعات المشتركة مع الرجال ، وهنا تكون الزينة على أشدها خصوصا وأنهن كن يرقصن مع الرجال ، يقول ابن الحاج : ( يرقص بعضهم مع بعض نساء ورجالا وشبانا)[75].

 3 ــ وملخص ماسبق أن السماع الصوفى كان مظهرا جمع فى داخله الرقص مع الغناء مع الانحلال الخلقى ، وقد انعكس ذلك على نوعية الرقص الذى تؤديه النساء فكان أكثر تعبيرا عن الغرائز الجنسية ، ولايزال الرقص الشرقى الذى توارثناه من العصر المملوكى يحمل هذه السمة الجنسية الفاضحة حتى الآن ـ فى مجتمع يعلن انتماءه للإسلام ـ بينما تستنكف منه مجتمعات أوربا ( الكافرة المنحلة) كما يقال .

وصف الرقص الشرقى فى العصر المملوكى :

1 ــ ولم يرد ـ حسب علمنا ـ فى المصادر التاريخية نص يصف الرقص الشرقى فى العصر المملوكى .

ولكن أسعفنا الشعر بذلك[76] .

يقول الفارقى يصف إحدى الراقصات.

          لله راقصـــة تمـيس كـأنهــا          ظل القضيب إذا تمايل مــزهرا

           تزهو وترجع  كالخيال فلا تــرى           حـركـاتهـا إلا كطارقة الكـرى

           لانت معـاطفهــا فكيف تلفتـت          وتلفتت لايســـتطاع بأن تـرى

فالشاعر يصور الحركات السريعة للراقصة حين تتثنى وتتراجع  وتتلفت وتنفلت شأن راقصات هز البطن الآن.

2 ــ ويقول صفى الدين الحلى يصف راقصات من نفس الفصيلة:

 والراقصات وقدشدت مآزرهــا           على الخصور كأوساط  الزنـابير

              يخفى الردى ســقمهـا عنـا            عـقـد البنـود وشـدات الزنابير

              فــيفــضــحــهــــا  موار   وغصن               من الكثبان  معطور

              إذا انثين باعطاف يجـاذبهــا             فى لج بحر بماء الحسن مسجور

              رأيت أمواج أرداف قد التطـمت            مقســومة بين تأنيث وتذكيـر

              من كل مائسة الأعطاف من مرح           صبح تغلغل فيه قلب ديجـــور

 فهنا يصور الشاعر الراقصات بنفس احوالهن اليوم من شد الوسط والانثناء  بالأعطاف وهز الأعجاز والأرداف، وارتداء الراقصة لزى الغلمان ، واستخدامهن الصنوج الخشبية السمراء ( الصاجات ) لذا عبر عنها وهى فى كفها البيضاء ، وكأن قطعة من الليل تغلغلت فى قلب الصبح..واستعمال الصنوج ( الصاجات ) لايزال إلى الآن من أهم مظاهر الرقص الشرقى والرقص الصوفى أيضا فى الموالد، حين يقوم به الشباب الصغير.. 

         3 ــ ويقول الحلى أيضا:

              ترعى الضروب بأيديها وأرجلها            وتحفظ الأصل من نقص وتغيير

              وتعرب الرقص من لحن فتلحقه              مايلحق النحو من حذف وتقدير

          فالراقصات ــ كن فى العصرالمملوكى يضبطن حركة الأيدى والأرجل على اللحن والموسيقى ، وذلك الالتزام بالايقاع لازال مرعيا حتى الآن لدى ربات المهنة فى الرقص الشرقى.

* رقص المردان :

         وكان المردان يقومون بالرقص ، وقد شهدنا ابن الحاج يقول( يرقص بعضهم مع بعض نساء ورجالا وشبانا) .

       وقد أفتى ابن تيمية بمنع ( الأمرد من الرقص بين الرجال مما فيه فتنة للناس والنظر إليه لذلك)[77].

     وضاعت صيحة ابن تيمية فى الفضاء لأن الانحلال الخلقى هو أساس الرقص والسماع الصوفى.

          ويقول صفى الدين الحلى فى أمرد يرقص :

         جـــاء وفى قــده اعتــدال           مــهــفـهـف مــاله عديل

         قد خفقت لطفه الشمــــــال         وثقلت جفنـــه الشـــمــول

         ثم انثنى رقصـــــا بعـــد          خف به اللطــــف والنحــول

        وفى نهاية العصر المملوكى كانت النساء يُعلقن على الأحداث الجارية بتأليف أغنية يرقصن عليها

     وفى الأجزاء الأخيرة من تايخ ابن اياس حيث كان شاهدا على العصر يتكرر قوله إن النساء أو العوام

    ( صنّفوا رقصة يقولون فيها كذا )، أو ( صنعوا غنوة يقولون فيها كذا ).

    وهذا كان يحدث حتى فى المجاعات .!! ففى مجاعة محرم 892 إضطر المصريون الى أكل دقيق الذرة المخصّص للبهائم وقتها ، ( ولم يكن يباع من قبل .. حتى صنّف العوام رقصة :

زويجى ذى المسخرة    يطعمنى خبز الذرة ) ( تاريخ ابن اياس 3 / 238 ).

   وواضح أن المقصود بالعوام هم النساء . ومفهوم أنهن لم يكنّ يرقصن ( باليه ) بل الرقص الشرقى بهز البطن والأرداف .  

*بعد العصر المملوكى : واستمر الرقص الشرقى بنوعيه رقص النساء ورقص المردان .

1 ــ يقول كلوت بك يقارن بين الرقص الأوربى والرقص الشرقى ( الصوفى): ( الرقص فى أوربا رياضة عملية تتلخص فى أداء أشواط من الحركات موقعة إيقاعا متناسقا، وتحريك الساقين تحريكا تراعى فيه الإقتران والتوفيق على وجه الدقة والضبط ، أما فى مصر فما هو إلا تتابع أوضاع وتعاقب حركات يلتوى فيها الجسم تارة وينعطف تارة أخرى ، يرمى بذلك إلى غرض واحد هو استثارة كوامن الشوق إلى اللذة الجنسية ، والغرائز فى مصر من حيث ارتباطها بالآداب النفسية أكثر انفعالا بعوامل الفساد منها فى سائر الأقطار العثمانية ، والرقص مسموح به للغوازى اللائى لايقصرن فى عرض حركاتهن الشهوية على المنازل الخاصة، بل يتجاوزنها إلى الطرقات والميادين العامة على ملأ من الجمهور، ومنذ سنوات قليلة صدرت أوامر الشرطة فى مصر بمنع تلك الراقصات من التجوال فى طرقات القاهرة والإسكندرية) ( وتتعود الفتيات فى المنازل على آداء حركات العوالم ورقصهن، ومع أن هذه الحركات فى غاية القبح وسوء الأدب فإن الأهالى لايستقبحونها).

 والسبب طبعا فى أن التصوف المنحل قد عود العين المصرية على ذلك الرقص الفاحش فلم تعد تراه عيبا.

وعن الرقص الشرقى المصرى يقول احمد أمين ( الرقص المصرى أو البلدى أكثر تحريكا للشهوة .. وهو على العموم رقص فظيع لما تثيره حركات المرأة من الشهوة ، والمصريون إذا نظروا إلى هذا الرقص لايخجلون منه ولايستحيون ، ويعدونه من وسائل الفرح والابتهاج ، وهو منتشر فى البيوت فتتعلم بعض الفتيات الرقص ثم يرقصن وحدهم مع صواحبهن من غير أن يكون معهن زوج أو أب أو أخ).

 2 ــ ثم يتحدث أحمد أمين عن صلة ذلك الرقص بالجنس الصريح فيقول( وفى المحلات العامة بعد أن يرقصن يجلسن مع الرجال أو على حجورهن ويناغشنهن، ويبلغ بعضهم بالرقص إلى أنواع الفجور ، وهن يلبسن ألبسة خاصة كثيرا ماتحلى بالترتر ليلمع فى ضوء الليل ، وتتميز ملابسهن بأنها تظهر جسم المرأة على حقيقته.. وهن فى العادة يحتفظن بثبات السيقان وتحريك الوسط أو الأرداف ، وأحيانا يحركن أذرعهن على شكل دائرة ، وهناك نوع من الرقص يسمى ( رقص النحلة) فتزعم الراقصة أن هناك نحلة دخلت ملابسها، وتتحرك حركات كأنها باحثة عن النحلة، وهى ليست إلا فى مخيلتها، فإذا لم تجدها خلعت ملابسها شيئا فشيئا بدعوى أنها تبحث عن النحلة حتى تتعرى تماما ولا يسترها إلا ستار بسيط، والنساء حولها يصفقن ويقلن : النحل ياهو ).

 وبعد هذا التوضيح للانحلال الخلقى فى الرقص الشرقى يقول أحمد أمين ( ومن الرقص رقصة تسمى رقصة الصلاة ، فتبدأ كبيرة الراقصات بأن تقول الصلوات ، وتزعم الراقصة أنها تصلى وتتشبه بالمصلين والمصليات ، وهى إذ ترقص تقول بأصلّى بصلّى ..صبح بأصلّى ..ظهر بأصلّى .. عصر بأصلّى  ..والنبى بأصلّى.. ياخويا بأصلّى . إلى أن تنتهى الرقصة).

 أى لم يسكت الشيطان حتى حوّل الانحلال الخلقى إلى السخرية من الصلاة التى أسقطها الصوفية واعتبروها حجابا يمنع الوصول إلى نهاية الطريق الصوفى ـ

ثم يقول أحمد أمين ( وفى عهد محمد على كانت الغوازى يرقصن فى الشوارع فيثرن شهوات المارة ، فصدر أمر بمنعهن من الرقص فى الشوارع ، فحُبّا فى الرقص كان يرقص بدلهن الخولات ، وهم طائفة من الرجال فقدوا رجولتهم وتأنثوا فى كلامهم وحركاتهم ، فكان البلوى أفظع والمنظر أسمج)[78].

وعن أولئك المردان يقول كلوت بك ونعتذر عن صراحته ( فى مصر طائفة من الرجال تحترف الرقص وتعرف باسم الخولات، وهم يتزينون عادة بزى النساء، والخول المصرى إذا رقص لايترك فى نفس من يشاهده إلا التقزز والاستنكار، وحينئذ فما يعتبره الناقدون غير ملائم للأدب فى رقص العوالم يصير ممقوتا ومخجلا فى رقص الخولات . ومنذ أن صدرت الأوامر بمنع رقص الغوازى على قوارع الطريق ازداد عدد أولئك الراقصين المخنثين زيادة يندى منها جبين الإنسانية ، وإنى لأرجو من الحكومة المصرية أن تعجل باقتلاع جذور هذا الخزى الذى يدنس أرض مصر)[79] .

         ولم يعرف كلوت بك أن جذور ذلك دينية ترجع للتصوف.

          أخيرا     

          ذهب رافع الطهطاوى الى فرنسا يحمل ثقافته المصرية ففوجىء بالرقص الفرنسى مهذبا ومخالفا لما تعوده من رقص النساء المصريات الجنسى ، فقال عن رقص الفرنسيين : ( الرقص عندهم فنُّ من الفنون ..فهو نظير المصارعة فى موازنة الأعضاء ودفع قوى بعضها الى بعض .. وظهر أن الرقص والمصارعة مرجعهما شىء واحد يعرف بالتأمل . ويتعلق بالرقص فى فرنسا كل الناس ، وكأنه نوع من العياقة والشبلنة ، لا من الفسق ، فلذلك كان دائما غير خارج عن قوانين الحياء ، بخلاف الرقص فى أرض مصر ، فإنه من خصوصيات النساء لأنه لتهييج الشهوات ، وأما فى باريس فإنه نطُّ مخصوص لا يُشمُّ منه رائحة العُهر أبدا . ) ( تخليص الابريز 2 / 213 )        

ج3 / ف 4:انعكاسات الانحلال الخلقى فى المجتمع المملوكى:فى الزى(النقاب والموضة )

كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

الفصل الرابع: انعكاسات الانحلال الخلقى فى المجتمع المملوكى

فى الزى ( النقاب والموضة ):

ــ ( الزى والتصوف ، الحجاب والنقاب والانحلال ،الحجاب والموضة ، زى البغايا ، زى المرأة والشذوذ.)                                                                    

*الزى والتصوف :

 1 ــ الأديان الأرضية تُعوّل كثيرا على الزّى ، ورجال كهنوتها لهم زى خاص يتميزون به عن باقى الناس . تجد زيا خاصا لارباب الديانات الأرضية المسيحية والمحمدية أيضا ، خصوصا الشيعة والصوفية .وللتصوف اهتمام زائد بالزى عموما حتى أن من شعائر الدخول فى دين التصوف ( لبس الخرقة) فأصبحت الخرقة علامة التصوف .وأصبح لكل طريقة خرقتها المميزة التى يعرف بها أتباع الطريقة عن غيرهم.

2 ــ  وحين جنح التصوف فى بدايته للانحلال الخلقى والايقاع بالنساء كان الزى الصوفى الملون من وسائله ، ويقول ابن الجوزى فى القرن السادس( وعولوا على الترقع المعتمد به التحسين تلميعا والمشاوذ بألوان مخصوصة أوقع فى نفوس العوام والنسوة من تلميع السلاقطون بألوان الحرير ، واستمالوا النسوة والمردان بتصنع الصور واللباس، فما دخلوا بيتا فيه نسوة فخرجوا إلا فساد قلوب النسوة على أزواجهن).. (ويستصحبون المردان فى السماعات يجملونهم فى الجموع مع ضوء الشموع، ويخالطون النسوة الأجانب يتصنعون لذلك حجة الباسهن الخرقة)[80].

 3 ـ وعندما تسيد التصوف العصر المملوكى أصبح الزى زينة أساسية من مظاهر الانحلال الخلقى خصوصا ماكان منه متصلا بالتصوف اتصالا مباشرا. فالمغنى فى السماع الصوفى يجب أن يكون حسن الوجه حسن الزى حسن الحركات ليوقع بالنساء الحاضرات( وهن ناقصات عقل ودين، سيما إذا انضاف إليه كون المغنى شابا حسن الصورة والصوت ويسلك مسلك المغنيات فى تكسيرهن وسوء تقلباتهن، مع ماهو عليه من الزينة بلباس الحرير والرفيع). لذا حتموا أن يكون المغنى ( شابا نظيف الصورة حسن الكسوة والهيئة) والمرأة إذا ذهبت للسماع خرجت(فى أحسن الثياب والطيب والزينة والحلى )[81]

 4 ــ وفى مواسم الانحلال العادية كان ( التزخرف ) فى الزى مظهرا أساسيا ففى حوادث 865( خرج الناس عن الحد فى الفتك والقصف بسبب الفرجة فى بولاق ، ونصبوا هناك الخيام حتى سدوا رؤية البحر، يقيمون فى الرمل ليلا ونهارا من نساء ورجال وهم فى غاية التزخرف )[82]. وفى الخليج كانت النساء يركبن المراكب مع الرجال ( مكشوفات الوجه بكوافى الذهب على رؤوسهن)[83]

* النقاب وسيلة الانحلال:

   1 ــ وحين انتشر التصوف وتسيد كان الناس قد تعودوا من قبل إلزام المرأة بالنقاب وألا تكشف وجهها. حتى أصبح كشف المرأة وجهها حدثا خطيرا لايحدث إلا فى :

1 / 1 : الفواجع والطوارىء كالزلازل ، ففى زلزال 886( ترك النساء منازلهن وهن سافرات الوجوه) [84].

1 / 2 : أو حين تزول الحواجز بين المرأة والرجل كما لو كانا زوجين يكون التعبير عن ذلك (باختلاط النساء بالرجال) أو( كشفت له عن وجهها) فكانت زوجة الشيخ عثمان البريمى تخرج سافرة الوجه على الشيخ عثمان الحطاب وكذلك زوجة الآخر مع الآخر ويأتى كل واحد منهما إلى دارالآخر( فيختلى بزوجة الآخر وتخرج له ما يأكل وما يشرب فى غيبة الآخر)[85].

1 / 3 : ماكانت النسوة يفعلنه حين يتأهبن للذهاب للقرافة بما تعنيه القرافة من حرية فى الاختلاط بالرجال ، يقول ابن الحاج عن هيئة النساء حين يخرجن للقرافة( وفى القرافة تختلط النساء بالرجال فى سماع الواعظ او الواعظة فى الغناء والسماع، فإذا وصلن البلد تنقبن واستترن، وصار ذلك عادة تستتر المرأة فى البلد ولا تستتر فى القبور أو الطريق إليها) [86]. ويقال عن النساء فى هذا الحال أنهن ( تبرجن).

 1 / 4 : ولم يكن ذلك منكورا حين تكون المرأة المتبرجة من العاهرات الواقفات على قارعة الطرق تُعلن عن نفسها وحرفتها : ( ولايُنكر فيها إظهار أوانى الخمر ، ولا آلات الطرب ذوات الأوتار ، ولاتبرج النساء العواهر) [87]   . فالعاهرة تكون ( مكشوفة الوجه) فى العادة ، وغيرها تتنقّب .

2 ــ  وفى مناسبات الانحلال الخلقى من الذهاب للقرافة أو للنزهة فى النيل كان الفارق ينمحى بين العاهرات المحترفات والنسوة الأخريات فى كشف الوجه والتصرف مع الرجال بحرية . وفى النيل كانت المراكب تخرج ( ويحصل) فيها من ( الفساد والتظاهر بالمنكرات وتبرج النساء فى المراكب وجلوسهن مع الرجال مكشوفات الوجوه بكوافى الذهب على رؤسهن وتعاطيهن الخمر)[88] .

وقد أبطل بيبرس الجاشنكير هذه العادة.

 3 ــ  وإلزام المرأة بالنقاب ليس من الإسلام فى شىء فوجه المرأة ليس عورة ، إذ كانت المرأة المسلمة فى عصر الرسول مكشوفة الوجه وقد قال تعالى للنبى : ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ  (52) الأحزاب ) .والحُسن فى الوجه الذى كان سافرا. والحجاب الذى ورد فى قوله تعالى عن أمهات المؤمنين (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) (53)  الأحزاب  ) ذلك الحجاب مقصود به الساتر الذى يحول بين الداخلين لبيت النبى وبين أمهات المؤمنين . ولم يرد فى آيتى زى النساء(النور 31، الأحزاب 59)، مايفيد تغطية الوجه وإنما تغطية ماعدا الصدر . وعليه فإن النقاب مزايدة على شرع الله وتشريع ماأنزل الله به من سلطان . إلا أن تراث المسلمين الفكرى قد أوجب النقاب على وجه المرأة الحُرّة فقط ، بينما كان جسد المرأة الجارية مستباحا للنظر والفحص فى أسواق الجوارى ، وفى بيوت أسيادهن أيضا . نقاب المرأة الحُرّة ارتبط بدخولها عصر الانحراف الخلقى ، تنافست فيه الحرائر والجوارى منذ العصر العباسى الثانى . على أن عفة المرأة لاترتبط بقطعة قماش تغطى بها وجهها وإنما ترتبط بعقيدة صحيحة وتقوى لله وسلوك إسلامى صحيح ، وقد ازدادت كثافة النقاب مع ازدياد ابتعاد عقيدة المسلمين عن القرآن النص الوحيد المعبر عن الإسلام الحقيقى.

 4 ــ على أن وجود النقاب فى عصر التصوف والانحلال الخلقى يعبّر بصدق عن التدين السطحى المُنافق أو التمسك المظهرى بالتدين والاكتفاء بالمظهر دون المضمون . وتحت شعار النقاب انتشر الانحلال ، بل كان النقاب أكبر مشجع على الانحلال إذ أخفى شخصية المرأة  وأتاح لها حرية التنقل هنا وهناك دون أن يتعرف عليها أحد.  وهكذا أصبح ـ النقاب ـ مجرد مظهر سطحى للتقوى تختفى تحته أجساد أدمنت الانحلال ، بل أن الحجاب أو تغطية الوجه ـ أتاح فى الماضى ـ ويتيح فى الحاضر ـ للمرأة أن تمارس  انحرافها كما تشاء فطالما سارت منقبة  فى الشارع ودخلت أى مكان فلن تعرف شخصيتها، وذلك ماهو شائع فى بيئات لاتزال تحافظ على النقاب دون تربية إسلامية صحيحة .

5 ــ  وفى العصر المملوكى كانت النساء يخرجن من الحمامات متنكرات فى ملاحف الخدامات وقد جهزت القوادات لهن الثياب والحلى [89]. وبعد انتهاء المهمة يعدن للبيت وهن يرتدين النقاب الذى خرجن به وكأن شيئا لم يكن.

6 ــ  وهكذا ترسب فى شعور الشرقيات أن أهم الالتزامات الخلقية هو إخفاء الوجه دون تقيد كبير بعفة الجسد أو حتى بتغطيته، وظل ذلك سائدا حتى العصر العثمانى ، فقد زار كارستن نيبور مصر فى القرن الثانى عشر الهجرى وسجل ملاحظاته يقول ( ويبدو أن النساء المسلمات لايعلقن على قطعة أخرى من ملابسهن أهمية أكثر من تلك التى يعلقنها على القطعة التى يغطين بها وجوههن إذا اقترب منهن رجل.  وقد فاجأ أحد الإنجليز ذات مرة امرأة كانت تستحم فى الفرات قرب البصرة فوضعت يدها على وجهها ولم تهتم بغيره مما أتيح للغريب رؤيته.. وقد حكت لى إحدى الآنسات الأجنبيات فى القسطنطنية أنها كانت بباب حجرة الاستقبال فى الحمام وأتت صاحبة الحمام لاستقبالها وإذا برجل يظهر فجأة فما كان من المرأة التركية إلا أن أخفت وجهها بالإحرام ، والفلاحون فى مصر نادرا مايلبّسون بناتهم قبل السابعة أو الثامنة من عمرهن قميصا ولكنهم يعطونهن دائما منديلا طويلا ضيقا يلففنه حول رؤوسهن ويسحبنه على وجوههن إذا اقترب منهن رجل غريب، ولقد رأيت بنفسى فى مصر بنات فلاحات أقبلن نحونا ليروننا وكن عاريات تماما ، ولكنهن غطين وجوههن قبل أن يأتين)[90]. إذن فالمهم هو تغطية الوجه وإخفاء الشخصية وتعرية الجسد!!

*النقاب والموضـــة:

         1 ــ وذلك النقاب الذى حرصت عليه المرأة المملوكية لم يمنعها من الإسراف فى تغيير شكل الزى الخارجى( حسب الموضة) أى كانت امرأة متحررة بكل ماتعنيه الكلمة ، وخروجها المستمر للشارع وأماكن اللهو والعبادة الصوفية كان يعنى الحرص على زينتها واتباعها ( الموضة).

2 ــ  وكان تطرف المرأة المملوكية فى اختراع هذه( الموضات) غالبا مايواجه بإنكار من السلطة المملوكية خصوصا فى أوقات الأزمات كالشأن فى الإنكار على كل مظاهر الانحلال الخلقى.

ففى سنة 751  انتشرت موضة الأزياء الواسعة بين النساء يقول المقريزى( كانت النساء قد أسرفن فى عمل القمصان والبغالطيق حتى يفضل من القميص كثير على الأرض ، وسعة الكم ثلاثة أذرع وتسميته البهطلة، وكان يغرم على القميص ألف درهم وأكثر ، وبلغ إزار المرأة إلى ألف درهم، وبلغ الخف والسرموزة خمسمائة درهم وما دونهما إلى مائة درهم ، فأمر الوزير منجك بقطع أكمام النساء وأخرق بهن ، وأمر الوالى بتتبع ذلك ونودى بمنع النساء من عمل ذلك ، وقبض على جماعة منهن ، وركّب على سور القاهرة صور نساء عليهن تلك القمصان بهيئة نساء قد قتلن عقوبة على ذلك ، فانكففن عن لبسها ومنع الأساكفة من عمل الأخفاف الثمينة)[91].

  3ــ  وفى سنة 793 انتشرت موضة أخرى هى الأكمام الواسعة( حتى أن الواحدة منهن تفصل القميص من اثنين وتسعين ذراعا من البندقى الذى عرضه ثلاثة أذرع ونصف ، وتشمر أكمامها فيصير جميع بدنها من الداخل مرئيا) على حد قول الصيرفى[92] .

ويقول المقريزى( نودى بالقاهرة أن لاتلبس امرأة قميصا واسعا لاتزيد على تفصيل من أربعة عشر ذراعا ، وكان النساء قد بالغن فى سعة القمصان حتى كان يفصل القميص الواحد من اثنين وتسعين ذراعا من البندقى الذى عرضه ثلاثة أذرع ونصف فيكون مساحة القميص زيادة على ثلاثمائة وعشرين ذراعا. وفحش هذا حتى تشبه عوام النساء فى اللبس بنساء الملوك والأعيان)[93].

أى انتشرت الموضة لتشمل كل المستويات . ونزل الأمير كمشبغا نائب الغيبة بجماعته إلى الأسواق والشوارع ( وقطعوا أكمام النساء الواسعة فامتنع النساء من يومئذ أن يمشين بقمصان واسعة مدة نيابة الأمير كمشبغا ، ثم عدن إلى ذلك بعد عودة السلطان)[94] .

4 ــ ويقول العينى عن القمصان التى حيكت طبقا لأوامر كمشبغا : ( ومن ذلك اليوم أخرج النساء قمصان ضيقة للأكمام وسموها قميص كمشبغا إلى الآن)[95] أى عاشت  هذه الموضة من سنة 793 إلى منتصف القرن التاسع ، بينما عادت الأكمام الطويلة سريعا حتى أنه فى العام التالى سنة 794 نادى نائب الغيبة ( بألا تخرج امرأة من بيتها ولايذهب أحد إلى أماكن المتنزهات وألا تلبس امرأة قميصا بأكمام كبار  وكان قد أفحشن فى ذلك حتى خرجن عن الحد)[96].

 5 ــ أى إنّ من سمات الموضة  أنها تتغير حسب الهوى ، ففى القرن الثامن عرفت النسوة الزى الضيق الملتصق بالجسد مما أثار الفقيه الصوفى ابن الحاج على ذلك: ( الإزار الرفيع الذى لو عمل على عود لأفتن بعض الرجال فى الغالب لحسن منظره وصقالته ورقة قماشه) [97] . وخصوصا تلك الملابس القصيرة جدا والضيقة المحبوكة على الجسد وكانت تلبس أساسا للخروج للقرافة وتخلع بداخل البيت [98].

6 ــ  وفى عصر ابن الحاج انتشرت موضة الشاش ( وهو شىء اقترحته النساء على رؤسهن مثل سنم الجمل ، طوله نحو ذراع وارتفاعه نحو ربع ذراع ، ويرخونه على ظهورهن ويزخرفنه بالذهب واللؤلؤ، وبالغن فىذلك غاية المبالغة، وكانت هذه بدعة سيئة من النساء)[99].

7 ــ وقد أحدثت النساء هذه البدعة على حد قول المقريزى سنة780 .

ولأنها تشبه البخت كما جاء فى حديث يعتبر ذلك من علامات القيامة فإن الإشاعة انتشرت فى القاهرة سنة 787 بأن الرسول جاء فى المنام لإحدى النساء ينهاها عن لبس الشاش فلم تنته فجاءها مرة ثانية يقول( قد نهيتك عن لبس الشاش فلم تسمعى ولبستيه، ماتموتى إلا نصرانية) وماتت على النصرانية حسب الأسطورة ، يقول المقريزى معلقا ( نعوذ بالله من سوء عاقبة القضاء)[100].

 أى أن السلطة المملوكية حين تهاونت فى مقاومة موضة " الشاش" هب الفقهاء لتخويف النساء بهذه المنامات . وتلك عادة حنبلية نشأت فى القرن الثانى الهجرى حين ألّف الفقهاء صُنّاع الأحاديث أحاديث تنهى عن تسريحة النساء شعورهن لتشبه أسنمة البُخت ، ولعن من يقمن بعمل ( المكياج ) ولبس الشعر المستعار أو الباروكة ، واتهامهن بتغيير خلق الله .!!.

8 ــ  وكما يحدث فى عصرنا من تأثر الموضة بالأحداث الهامة كان مثله فى العصر المملوكى ، فقد وجد عمودان من الصوان فى آثار قصر الزمرد الفاطمى فأمر السلطان بسحبهما إلى عمارته ( وكان لهما يوم مشهود ، قال فيه الشعراء عدة مقاطيع ، واقترحوا بالاسكندرية قماشا للنساء من الحرير ، سموه جرّ العمود )[101].

زى البغايا:

1 ــ  وكان لبعض البغايا زى خاص يعرفن به حين يقفن فى الطرقات والأسواق ، يقول المقريزى ( وأدركت سوق الشماعين من الجانبين معمور بالحوانيت .. وكان يجلس به فى الليل بغايا يقال لهن زعيرات الشماعين لهن سيماء يعرفن بها ، وزى يتميزن به ، وهو لبس الملاءات والطرح وفى أرجلهن سراويل من أديم أحمر )[102].

2 ــ ومن الطبيعى ألا تتقيد بقية العاهرات بزى بغايا الشماعين ، وفى مناقب الفرغل مر بعضهم ( على النساء الفاجرات وهن مزينات مكشوفات الوجوه..) [103]. وطبعا هناك فرق بين بغايا سوق الشماعين بالقاهرة وبغايا أبوتيج فى الصعيد.

*زى المرأة والشذوذ:

        1 ــ وأدى انتشار الشذوذ الجنسى إلى تشبه النساء بزى الصبيان لإغراء الرجال. وكان الظاهر بيبرس جادا فى محاربة كل انحلال لذا نودى بالقاهرة ومصر ، (إن امرأة لاتعمم بعمامة ولا تتزيا بزى الرجال . ومن فعلت بعد ذلك بثلاثة أيام سلبت ماعليها من كسوة .)[104] . وكان ذلك سنة 662 

2 ــ وكالعادة استمرت النساء فى عادتهن بعد فترة توقف ، وكان اختراع موضة الشاش ـــ  وهو أشبه شىء بعمامة الرجال ـــ  عودة لذلك التشبه بالرجال ـ

وبعد انقراض موضة الشاش عادت موضة العصائب المقنزعة التى تشبه عمامة الرجال ، ففى سنة 876 أمر السلطان قايتباى ( بألا يلبس النساء عصائب مقنزعة ولاسراقوس )[105].

  3 ــ  وبإنتشار الشذوذ الجنسى ظهر اختراع زى جديد للرجال يقترب من مظهر النسوة اللائى يحاولن من جانبهن التشبه بالرجال ، وذلك الصلح الجديد بين الرجال والنساء تمثل فى الطواقى التى اخترعت فى الدولة الشركسية وأقيمت لها حوانيت يقول عنها المقريزى ( معدة لبيع الكوافى والطواقى التى تلبسها الصبيان والبنات). أى أن الذكور والإناث لبسوا معا هذه الطواقى . ثم مالبث أن لبسها رجال الدولة يقول المقريزى: ( وقد كثر لبس رجال الدولة من الأمراء والمماليك والأجناد ومن يتشبه بهم للطواقى فى الدولة الشركسية ، وصاروا يلبسون الطاقية على رؤوسهم بغير عمامة ، ويمرون كذلك فى الشوارع والأسواق والجوامع والمواكب ، لايرون بذلك بأسا بعد ماكان نزع العمامة عن الرأس عارا وفضيحة ) .

ثم يتحدث عن زخرفة تلك الطاقية لتكتسب المظهر الأنثوى( ونوعوا هذه الطواقى مابين أخضر وأحمر وأزرق وغيره من الألوان ، وكانت ترتفع نحو سدس ذراع ، ويعمل أعلاها مدورا مسطحا . فحدث فى أيام الناصر فرج منها شىء عرف بالطواقى الجركسية ، يكون ارتفاع عصابة الطاقية منها نحو ثلثى ذراع وأعلاها مدور مغيب، وبالغوا فى تبطين الطاقية بالورق والكثيرة فيما بين البطانة المباشرة للرأس والوجه الظاهر للناس ، وجعلوا من أسفل العصابة المذكورة زيقا من فرو القرص الأسود يقال له القدنس فى عرض نحو ثمن ذراع ، يصير دائرا بجبهة الرجل وأعلى عنقه، وهم على استعمال هذا الزى إلى اليوم، وهو اسمج ماعانوه .!! ).

4 ــ  ونصل الى هدفنا ، فالمقريزى يقول عن سبب انتشار ذلك الزى : ( ويشبه الرجال فى لبس ذلك النساء، لمعنيين أحدهما أنه فشا فى أهل الدولة محبة الذكران فقصد نساؤهم التشبه بالذكران ليستملن قلوب رجالهن ، فاقتدى  بفعلهن فى ذلك عامة نساء البلد، وثانيهما ماحدث بالناس من الفقر ونزل بهم من الفاقه فاضطر حال نساء أهل مصر إلى ترك ما أدركنا عليه النساء من لبس الذهب والحرير وغيره وتواصين على لبسها. )[106]. فالمقريزى يشير إلى أن النساء والرجال لبسوا معا تلك الطواقى، ويعلل ارتداء النسوة لها بانتشار الشذوذ الجنسى فى أهل الدولة ، وينسى أن التصوف هو الأصل فى ذلك فهو الدين الحقيقى لأهل الدولة وشعبها.



[1]
ـ السلوك ج4/3/1062

[2]ـ الضوء اللامع ج1/306، ج3/17

[3]ـ تاريخ البقاعى 152 أ.

[4]ـ تاريخ البقاعى 152 أ.

[5]ـ إنباء الغمر ج3/322.

[6]ـ الطبقات الكبرى ج2/166.

[7]ـ المنهل الصافى ج5/592.

[8]ـ النجوم الزاهرة ج4/110

[9]ـ التبر المسبوك 115.

[10]ـ حوادث الدهور جـ1/16، جـ3/561.

[11]ـ حوادث الدهور جـ1/16، ج3/561

[12]النجوم الزاهرة جـ 15 / 497 .

[13]التبر المسبوك 49، 55 .

[14]التبر المسبوك 49، 55 .

[15]التبر المسبوك 49، 55 .

[16]حوادث الدهور جـ3 /580 .

[17]التبر المسبوك 94 .

[18]المقفى مخطوط لوجة رقم 250  رقم المخطوط 5372 بدار الكتب .

[19]ـ الصفدى. العميان 255، 256.

[20]ـ البدر الطالع ج1/507.

[21]ـ النجوم الزاهرة ج15/208.

[22]ـ المنهل الصافى ج4/122.

[23]شرح لامية العجم جـ2/ 3:5 ،212 /227 .

[24]ـ طيف الخيال لابن دانيال . تحقيق ابراهيم حمادة 149 ، 156 ، 189 ، 244 .

[25]التبر المسبوك 260 .

[26]لمحة عامة إلى مصر جـ 1/ 557 ،597 .

[27]قاموس العادات والتقاليد 227 .

[28]خطط المقريزى جـ 2/ 55 .

[29]خطط المقريزى جـ1 / 125 : 126.

[30]تاريخ ابن إياس جـ /2 /363 :364 .

[31]حوادث الدهور جـ 2 / 182 ، 183 .

[32]تاريخ ابن إياس جـ 2 / 311  تحقيق محمد مصطفى

[33]إنباء الهصر 369 .

[34]السلوك جـ1 /2 / 531 .

[35]تاريخ ابن إياس جـ 4 / 148 ، 161

[36]تاريخ ابن إياس جـ 4 / 148 ، 161

[37]دررالفرايد جـ / 298 ، 299 .

[38]نزهة النفوس جـ 2 /301

[39]إنباء الغمر جـ 3 / 500

[40]انباء الهصر 215 / ، 379 ، 475 ، 238 .

[41]تاريخ البقاعى 16 ، 6 ب ، 148 .

[42]تاريخ البقاعى ، 6 ب ، 148

[43]السلوك ج ـ 3 / 2 / 874 : 875

[44]عقد الجمان لوحة 452 ، 820 .

[45]ابناء الغمر جـ3 / 144

[46]السلوك جـ 4 / 1 / 429 .

[47]تاريخ ابن إياس جـ 4 / 187 ، 188 .

[48]تاريخ ابن إياس جـ / 344 .

[49]النجوم الزاهرة جـ 16 / 191 ، حوادث الدهور جـ 2 / 379 .

[50]النجوم الزاهرة جـ 16 / 191 ، حوادث الدهور جـ 2 / 379

[51]اخبار القرن العاشر 36 .

[52]ـ تاريخ ابن أياس جـ 4 /237 ، 378                          

[53]-  تاريخ ابن أياس جـ 4 /237 ،378

[54]الصيرفى . نزهة النفوس جـ 1/35

[55]- السلوك جـ 3/2 /773

[56]   إنباء  الهصر 290.

[57] إنباء الغمر جـ 8/230، جـ7/458. ط الهند

[58] إنباء الغمر جـ 8/230، جـ7/458. ط الهند

[59] تاريخ ابن اياس جـ 4/156.

[60]  تاريخ ابن اياس جـ 4/130 : 139، 168 .

[61]ـ تاريخ ابن إياس جـ 4/130: 139 ، 168

[62]ـ إنباء الغمر ج 3/500.

[63]ـ خطط المقريزى جـ 2/55.

[64]ـ  خطط المقريزى جـ1 /125

[65]ـ تاريخ ابن إياس جـ4 / 274 ، 333 : 334.

[66]ـ تاريخ ابن إياس جـ4 / 274 ، 333 : 334.

[67]ـ المدخل جـ1/ 155.

[68]ـالمدخل جـ2/ 151 : 152 .

[69]ـالمدخل جـ2 / 151 ، 154 .

[70]ـ نفس المرجع جـ2/ 165.

[71]ـ نفس المرجع جـ 1/ 155.

[72]ـ نفس المرجع جـ2/ 50 ، 11:12 .

[73]ـ نفس المرجع جـ2/ 50 ، 11:12 .

[74]ـ نفس المرجع جـ1/ 158 .

[75]ـنفس المرجع جـ2/ 204 .

[76]ـ الشعر من كتاب الأدب فى العصر المملوكى محمد زغلول سلام : جـ1/ 289 : 290 .

[77]ـ التنفير من الأمرد 251

[78]ـ أحمد أمين . قاموس العادات 210 : 212  .                  

[79]ـ كلوت بك . لمحة عامة إلى مصر جـ 2 / 127 ، 135 .

[80]ـ تلبس ابليس 360 .

[81]ـ ابن الحاج . المدخل جـ 2 / 165 ، جـ 1 / 155 ، 158 .

[82]ـ تاريخ ابن اياس جـ 2 / 373 : 374  .

[83]ـ السلوك جـ 2/1 / 29 .

[84]ـ تاريخ ابن اياس جـ 3 / 173 .

[85]ـ لواقح الأنوار للشعرانى 180 ، 360 .

[86]ـ المدخل جـ1 / 151 ، 160 : 161

[87]ـ خطط المقريزى جـ2 / 55 .

[88]ـ السلوك جـ 2 / 1 / 29 .

[89]ـطيف الخيال 161 .

[90]ـ رحلة كارسن نيبور إلى مصر . ترجمة مصطفىماهر ط 1977 ، 297 : 298

[91]ـ خطط المقريزى جـ3 / 243 .

[92]ـ نزهة النفوس جـ1 / 335 .

[93]ـ. السلوك ج3/2/750 : 751.

[94]ـ السلوك ج3/2/750 : 751.

[95]ـ عقد الجمان لوحة 436 سنة 793.

[96]ـ تاريخ ابن اياس ج1/2/448 :449

[97]ـ. المدخل جـ 2 / 25 ، جـ 1 / 200 ، 201 .

[98]ـ المدخل جـ 2 / 25 ، جـ 1 / 200 ، 201 .

[99]ـ تاريخ ابن اياس ج1/2/362.

[100]. السلوك ج3/2/534 : 535

[101]تاريخ ابن اياس ج1/2/154.

[102]ـ. خطط المقريزى ج2/462.

[103]ـ مناقب الفرغل مخطوط :26

[104]ـ السلوك جـ 1 / 2 / 503 .

[105]ـ أنباء الهصر 388

[106]ـ خطط المقريزى جـ 2 / 476 : 477 

ج 3 ف 5 الصوفية وأكل أموال الناس بالباطل

 ج3 / ف 5: الصوفية وأكل أموال الناس بالباطل : الانحراف المالى

   كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث :أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

الفصل الخامس :الصوفية و أكل أموال الناس بالباطل .

  ( بين الانحلال الخلقى والانحراف المالى.   ــ التنافس الصوفى على الأموال .) ــ

 الانحراف المالى

بين الانحلال الخلقى والانحراف المالى :

1 ــ   يقول الجويرى عمّن أسماهم الدرجة الثالثة من المشايخ : (  وأعلم أن هذه الدرجة لم يتعلق بها إلا كل من يأكل الدنيا بالدين ويدخل الشبهة على قلوب المسلمين .. وأعلم أن كل واحد من أهل هذه الطائفة ظاهره صديق وباطنه زنديق ، يستحلون المحارم ويجهلون المعالم ، فمنهم المُباحية الذين يبيحون مؤاخاة النساء واللعب مع المردان ، ويبيحون السماعات ويخلون بالنسوان ، ويعقدون طرفا مقنعة للمرأة إن كان أمرها يؤول إلى الصلاح وينحل عنها كل أمر صعب تنحل لها هذه المقنعة ، ثم يقول : انقضى هذه المقنعة فتنقضها فلا تجد فيها عقدة، فيقولون الآن قد رضى الله عنك وخلص عنك كل أمر عسير.  

ومنهم من يظهر فى جسد المرأة شيئا من الكتابة من تحت قماشها فيقول قد ظهر لى فيك علامة على العضو الفلانى وهذا إشارة من عند الله يتضمن كذا وكذا فاكشفى عن هذا العضو تجديه مكتوبا كما ذكرت فإذا كشفت بانت لها الكتابة فيقول : ما شاء أن يقول . ثم يقول وجب لنا الشكران، ويفعلون من هذا النوع أشياء يطول شرحها ) "[1].

2 ــ  وهذه الدرجة الثالثة فى تقسيم الجويرى تضم كل الصوفية فى عصره الذين يمارسون المؤاخاة ويعقدون حفلات السماع ويتخذون من علاقتهم بالمرأة وسيلة للانحلال الخلقى والتحايل المالى عليها ، خصوصا والمرأة ـ فى طبيعتها ـ تميل إلى تصديق الخرافات ، وهكذا استحلوا جسدها ومالها .

ولايزال أولئك الأشياخ وأعمالهم السحرية يتحايلون على النساء ـ بل والرجال ـ فى الريف والمدن والأحياء الشعبية والأحياء الراقية ، طالما أن الاعتقاد فى التصوف لايزال موجودا برغم تفاوت المستويات الأقتصادية والثقافية.

3 ــ  وهكذا استتبع الانحلال الخلقى الذى قاده الصوفية انحرافا ماليا كانوا هم أيضا الأئمة فيه ، هذا مع أن المنطق العقلى لايتصور ذلك السلوك منهم ، فالصوفية عاشوا عالة على الناس وانهالت عليهم النذور دون أى عمل أو التزام من ضرائب ونحوها فلم يكونوا محتاجين للتحايل على الناس لسلب أموالهم لأن الناس يقدمون لهم ذلك المال طواعية وهم يركعون لهم ويقبلون أيديهم ويتمنون رضاهم. ولكن انتشار التصوف وكثرة أوليائه وتنافسهم فيما بينهم وتكالبهم على الدنيا أوقعهم فى صراع حول المريدين لانتزاع أكبر قدر من المال..

التنافس الصوفي على الأموال :

 1 ــ  التصوف دين بشرى ، أصحابه هم المشرعون فيه والشيخ هو المشرع لطائفته ، والبشر من طبيعتهم الاختلاف خصوصا فى دين أساسه الوجد والهوى والعاطفة، وحركته نحو الانتفاع الذاتى للشيخ، لذلك احتدم الصراع بين الصوفية فى عصر انتشار التصوف وخفوت الإنكار على أوليائه.

2 ــ  وفى القرن الثامن أنكر ابن الحاج على صوفية عصره أن أحدهم ( يأخذ العهد على المريدين أن ينتمى لفلان من المشايخ دون غيره ).. ( حتى كأن الطريق إلى الله تعالى على عدد المشايخ فينتسبون إليهم كما ينتسب أهل المذاهب إلى مذاهبهم، وحصل بسبب ماتقدم بينهم تعصبات وشنآن كثير حتى صاروا أحزابا ، ووقع بعضهم فى حق غير شيخه الذى ينتمى إليه . )  وأدى ذلك إلى انتقاص المريد للأشياخ الآخرين، يقول ابن الحاج : (  منهم من إذا اعتقد فى شيخ بعينه نقص غيره، ويهجر بعضهم بعضا لعدم تسليم كل واحد منهما لصاحبه. ) "[2].

 3 ــ  وبعدها بقرنين تفاقم الصراع بين الأشياخ الصوفية إلى درجة مطالبة المريد بألا يشرك بشيخه كما سبق توضيحه فى مبحث علاقة المريد بشيخه ، والشعرانى هو المصدر الأساس للتنافس الصوفى فى القرن العاشر ، فقد تكاثر الأشياخ وتعاظمت دعاواهم فى الولاية حتى ادعى أكثرهم القطبانية وهى أعظم درجة فى دين التصوف . وقد احتج الشعرانى على اختلاف الشيوخ فى عصره ، فقال : ( صار لكل من سولت له نفسه شيئا يعتقد صحته ، لقلة ظهور الشيوخ فى العصر ، فكل جماعة يدعون أن شيخهم هو القطب ، وربما سمعهم وسكت عن ذلك. ) . ويقول الشعرانى : ( ومعلوم ان القطب لا يكون إلا واحدا فى كل زمان ، ولا يصح أن يكون فى الزمن قطبان ، ومن شأن القطب الخفاء دون الظهور ). وهنا يرد عليهم الشعرانى برأيه فى التصوف ، وهو ينسى أن دين التصوف يملكه أصحابه وأنه يتيح لكل شيخ أن يُشرّع لنفسه ولمريديه ما يهوى .

4 ــ وقد أقلق الشعرانى بالذات إدّعاء بعض منافسيه القطبانية ، لأنه يرى نفسه الأحق بها باعتباره أعلمهم وأشهرهم . وبالفعل فقد أطلقوا عليه بعد موته ( القطب الربانى والكهف الصمدانى ) . وتحقق له أمله بعد موته .

فى حياته كان الشعرانى منشغلا بالتأليف بينما إنشغل منافسوه فى جمع المريدين وزعم القطبانية . وبعد موته كوفىء بمؤلفاته بينما دخل منافسوه فى عالم النسيان . فى حياته سجّل حقده على هؤلاء الشيوخ الأجلاف الذين كانوا حسبما يقول :( يصدون الناس عن الاعتقاد فى احد سواهم بغير حق ، وصاروا يصطادون أبناء الدنيا بالنصب والحيل ، وتحقير من سواهم من المشايخ ، ويقول بعضهم : اللهم اجعل ثواب ما قرأناه فى صحائف شيخنا القطب الغوث الفرد الجامع . ويُقرُّ أصحابه على ذلك . ) .  وفى هذا النّص يضاف سبب آخر لحنق الشعرانى ، هو إستئثار أولئك الأشياخ دونه بالمريدين من ( أبناء الدنيا ) أى أصحاب الأموال ، ويعتبر عملهم هذا إصطيادا بالنصب والاحتيال . وذلك ما سنتوقف معه بالتفصيل فيما بعد.

5 ــ وترددت أخبار التنافس الصوفى فى كتاب لطائف المنن للشعرانى ، مثل التنازع حول أمكنة مجالس الذكر فى المساجد ، يقول ( ويرفعون أمرهم للحكام ، ويأخذ كل واحد منهم مرسوما بأنه يكون شيخا ، وأنه أشيخ من غيره ) .!! . أى صار للسلطة الحق فى تحديد كمية الولاية او الالوهية فى أولئك الشيوخ . ويروى الشعرانى : ( قال أحد المشايخ :" والله إنى أود أن لو ظهر فى بلدنا هذا شخص يرشد الناس فكنت أدُلُّ أصحابى عليه وأستريح " ، فما مضى جمعة إلّا ونزل فى حارته شيخ فأخذ منه أصحابه ، فوقع بينهما ما لا خير فيه ، وصار يقول فيه العُجر والبُجر ..) .

وما سبق لقطات سريعة من كتاب ( لطائف المنن الكبرى 23 ، 278 ، 521 ) للشعرانى عن صراعات الشيوخ فى عصره ، وإن حفلت كتبه الأخرى ببعض ذلك كأن يقول " صار غالب الفقراء يطلب كل واحد أن يكون جيمع فقراء بلده تلامذته"[3]. بل ألف رسالة خاصة فى " ردع الفقراء عن ادعاء الولاية الكبرى" يقول فيها " كل واحد يحب أن ينفرد بالصيت والاعتقاد من الخلق ، وأن لا ينظر الناس إلى شيخ سواه ، وإذا مات شيخ من هؤلاء تصير جماعته يتنازعون فى المشيخة بعده، ويكرهون بعضهم بالطبع كأنهم على دين خلاف دينهم.. فلذا ترى الشيخ من هؤلاء إذا بلغه عن شخص من أقرانه أنه حصل له قبول تام واجتمعت القلوب على محبته وعظموه ينقبض ويصير على وجهه كآبة لاتخفى "[4].

  6 ــ  والشعرانى أورد مظاهر الصراع بين أشياخ عصره الذى وصل إلى درجة أن " الكثير منهم يموت فلا يحضر أحد من أقرانهم جنازته " وجعل من هذه التفصيلات المخزية لمنافسيه الصوفية حجة له عليهم فيفتخر بكونه يترفع عن ذلك ، مع أن أسلوبه يظهر أنه لايفترق عنهم فى شىء سوى أنه أكبر علما وفقها ومكرا.

فالشعرانى يفتخر بمحبته لكل منتسب للصوفية فلا يكره أحدا منهم ويقول : (  وهذا الخلق قليل فى غالب عصرى ، فنرى أحدهم يكره من يراه من جماعة أحد الأشياخ غير شيخه ، كأنه فى دين غير دينه، ويود ألا يظهر لغير شيخه اسم فى البلد . ). ويفتخر الشعرانى بعدم تعرضه لأحد من " الأخوان "( أن يتقيد على صحبته ولا يصلى الجمعة إلا عنده. )، أى يسمح لهم بصحبة الأشياخ الآخرين والصلاة عندهم ، ويفتخر بأنه يفرح بكل شيخ برز فى حارته والتقط منه أصحابه الذين كانوا حوله ، بل أنه إذا جاءه أحد يطلب الطريق أرسله إلى غيره ، ولاسيما إذا كان ذلك المريد من الأكابر والأغنياء والأمراء ويقول: (  وما رأيت أحدا من أقرانى فعل معى مثل ذلك أبدا ، مع قلة معرفته بالطريق . )، ويقول: ( وهذا أمر لم أجد له فى مصر فاعلا غيرى إلا القليل. ) ،  وافتخر بأنه يمدح الآخرين من أقرانه عند الأمير أو الكبير حتى يحسّن اعتقاده فيهم ، وربما يتركه ذلك الأمير ويصحبهم فيفرح بذلك ، ويقول : ( وهذا الخلق عزيز فى فقراء عصرى ) ، بل أن بعضهم وقع فى حق الشعرانى عندهم[5]. بل يجعل من العهود التى أخذت عليه أن يفرح بكل شيخ برز فى بلده وانقلب إليه جميع أصحابه حتى إن لم يبق حوله مريد واحد، ويقول ": ( ومتى تكدرنا من ذلك الذى برز وضاق صدرنا منه فهو دليل حبنا للرياسة . ).

7 ــ  ومنطق التصوف يجعل القارىء يتشكك فى ادعاءات الشعرانى تلك وأنها موجهة للآخرين كى يصدقوه ويؤمنوا به وينصبوه قطبا أعظم لهم باعتباره الأكثر علما وفقها ومثالية ، ولكن الشعرانى يفصح بين السطور عن حقيقته الصوفية ، وأنه لايختلف عن الآخرين فى التكالب على المريدين وأموالهم ، فهو يقول إن العهود قد أخذت عليه بمنع مريديه : (  من زيارة أحد من أقراننا إذا علمنا أن فتحهم لايكون إلا على أيدينا )"[6]. ، أى أنه يتحايل بالأسلوب الصوفى وادعاء العلم الغيبى ، فطالما علم بأن ذلك المريد لن يكون فتحه إلا على يديه فحسب إذن وجب عليه أن يمنعه من زيارة الأشياخ الآخرين ، وطبيعى أنه يمكن له أن يتنازل عن المريدين الفقراء لأن " فتحهم (  لن يكون على يديه) ، ويتمسك بالأثرياء تبعا لذات الحجة.

8 ــ  ويروى الشعرانى عن أخيه أفضل الدين " لاتفرح لتعليم أصحابك العلوم والفضائل حتى تنظر ثمرتها ، فربما تعلموا منك ثم جادلوك بما تعلموه منك وصاروا أكبر أعدائك فكان عدم اكتسابهم تلك الفضائل أولى) "[7]   . والفضائل المقصودة هى تعليمات الصوفية لأن الفضائل الخلقية الحقيقة لاتثمر جدالا ولا عداء.

 ويروى الشعرانى أنه سأل شيخه الخواص هل يصحب أحدا من الشيخ ليأخذ عنه الأدب: ( فقال لاتفعل ذلك فى حياتى أبدا ، وأما بعد موتى فإن وجدت أحدا مخصوصا بالبلاء من الكُمَل فاصحبه) "[8].

ولايعقل أن يكون الخواص الأمى هو المعلم الوحيد الذى تعلم الشعرانى على يديه الأدب ، والمعقول أن تكون هذه الرواية من الشعرانى موجهة لمريديه حتى لايصحبوا غيره فى حياته ، أما بعد موته فليبحثوا عن مثله إذا كان . ولقد صحب الشعرانى شيوخا آخرين تعلم منهم حين كان مريدا للخواص.

 9 ــ  ويتناسى الشعرانى أن أشياخه قبله عاشوا فى تنافس ، وهو إذ يرويه بنفسه لايستشعر إنكارا  كشأنه حين ينكر على معاصريه ، بل يحاول أن يخفيه بين دخان الكرامات المزعومة وعبارات الإعجاب والتقديس . فيذكر أن الشيخ أحمد السطيحة حضر مجلس سماع فى دسوق فطعنه فقير أعجمى  (  فقال : يارب خذ لى بحقى، فأصبح العجمى مشنوقا على حائط لايدرى من شنقه) "[9].

ويحكى الشعرانى عن علاقته بالشريف المجذوب وكيف حاول هذا الشريف المجذوب إغتيال الشعراى ، وغلّف القصة بأساطير الكرامات على عادته ، فيقول : (  وأرسل لى مرة رغيفا مع إنسان وقال له قل له يأكل هذا الرغيف، وطوى فيه مرض سبعة وخمسين يوما، فلما أكله القاصد فمرض سبعة وخمسين يوما ، فقال للقاصد لاتخف إن شاء الله تعالى اصطاده مرة أخرى، فلم يقدر له ذلك. )  [10].

10 ــ  وأحيانا يضطر الشعرانى لذكر صراع أشياخه ويتجاهل الإنكار عليهم ، فيقول أن الشيخ مدين بعد أن مات طلب محمد ابن أخته الشياخة بعده فى الزاوية فخرج له الشيخ الشويمى بالعصا وقال له : (  إن لم ترجع يامحمد وإلا استلفتك من ربك. ) "[11].

ويقول فى ترجمة أبى المواهب الشاذلى الذى احتكر الأضواء فى محيط الشاذلية الوفائية: (  وكان أولاد أبى الوفاء لايقيمون له وزنا لأنه حاكى دوواينهم وصار كلامه ينشد فى الموالد والاجتماعات والمساجد على رءوس العلماء والصالحين فيتمايلون طربا من حلاوته، وما خلا جسد من حسد، وكان هو معهم فى غاية الأدب والرقة والخدمة، وأمسكوه مرة وهو داخل يزور السادات ، فضربوه حتى ادموا رأسه ، وهو يبتسم ويقول أنتم أسيادى وأنا عبدكم )"[12].

فالشعرانى يحاول هنا تلطيف جو الصراع بين أبى المواهب والوفائية الشاذلية .

11 ــ  وأحياناً يورد صراعه مع صوفية عصره ويستعمل تعبيراً مُخفّفا مُلطّفا ًمثل ( المعارضة )، فيحكى أن فقيرأً جاء إلى زاويته قاصداً "معارضته" ومكث فى الزاوية بدون علم الشعرانى ثلاثة أيام، فأخبر الشيخ حسن الريحانى الشعرانى ثم أخرجه من الزاوية وضربه بعصاه ، فصادف ذلك الفقير الشيخ حسن الريحانى بعد مدة " ( فطعنه بسكين فى فخذه ،وقال:أنا طعنتك لكونك عارضتنى فى عبد الوهاب )[13]. أى أن المعارضة تعنى الضرب بالعصا والسكين.

والشعرانى لم يبتدع الصراع بين الأشياخ ولم يبتدع محاولة تخفيفه بالكرامات والمصطلحات، فقد كان ذلك موجوداً قبله ، ففى تحفة الأحباب يروى السخاوى عن أحدهم قوله : ( ولم أزل فى خدمة الشيخ حتى قيل لى:إن لم تتركه أعميناك )"[14].

ج3 / ف 4 :الصوفية وأكل أموال الناس بالباطل :(النصب على الناس )

   كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

الفصل الخامس : أكل أموال الناس بالباطل

التنافس على الدنيا والنصب على الناس :  

1 ــــ  بانتشار التصوف وتكاثر عدد الأشياخ وصراعهم حول الشهرة صار لكل منهم " نقيب" ، وهو أشبه بالمتعهد أو وكيل الأعمال ، ووظيفته نشر صيت الشيخ خصوصاً عند أصحاب الجاه، يقول الشعرانى " ( صار النقباء يمدحون شيخهم عند الأمراء وكبراء البلاد ونحوهم ممن يتوهمون حوله البر) "[15] .أى الأموال .

2 ــ  وافتخر الشعرانى على عادته أنه لم " ( يزاحم أحداً على تدريس علم أو وظيفة ) ، ويفتخر أيضا ًبعدم مبادرته للإنكار على من رآه يسعى على وظائف إخوانه "[16]. والمزاحمة على الوظائف والصراع حولها كان شيمة العلماء فى العصر – وأغلبهم فى القرن العاشر – صوفية .

3 ــ أما الأشياخ الصوفية الذين لا حظ لهم فى العلم فقد وجدوا مجالهم فى ادعاءات الكرامات وعن طريقها " نصبوا" على الناس وأكلوا أموالهم بالباطل وصدق الله العظيم : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ  ) ٍ (34) التوبة ) . 34"

النصب على الناس:

1 ــ  يقول الشعرانى : (  كثر النصب في أهل هذا الزمان، فصار أحدهم يوقف النقيب مثلاً ينصب له عند الأمراء أو مشايخ العرب ،ثم إذا أتاه به يختص به ولا يعطى النقيب الذى نصب وتعب شيئاً) [17].

إذن فتعبير ( النصب )  ليس من عندنا وإنما قاله الشعرانى ليصف أشياخ عصره النصابين الذين ينصبون ليس على الأمراء ومشايخ الغرب فقط وإنما ينصبون أيضا على النقيب أو الذى يأتى بهم فيحرمه الشيخ من عمولته فى النصب.

2 ــ   ويقول الشعرانى : ( منهم من يقبل المال على اسم الفقراء ، ويسمَى لصاحب المال أسماء خلائق على غير مسمى ، ويوهمه أنه يفرق المال عليهم") [18].  

ويعد الشعرانى طرقا أخرى لنصب الصوفى يذكرها مفتخرا بعدم وقوعها منه كما يفعل أشياخ الصوفية من استجلاب حضور الأمراء عنده ( كما يفعل النصابون فيغمز أحدهم نقيبه أن يقول له إذا جلس عنده أمير : إن الباشا أرسل لكم السلام مع شخص من جماعته ، ويقول لكم لاتخلوه من نظركم فإنه فى بركتكم ، فيسمع ذلك الأمير فيحكى ذلك للأمراء فيترددون عليه . )"، ويحكى الشعرانى أن أحدهم رأى فى خلوته شخصا ( فادعى أنه الرسول(ص) جاء يزوره . ) ،  وبعضهم يدعى أن الخضر يزوره ، ( وينزل شخصا من طاقة فى سقف البيت فإذا قرب من الأرض أمر الحاضرين بالقيام إليه والتبرك به ثم يغمز الذى أنزله أن يرفعه). ( وبعضهم كان لايحمل الحملة إلا بفلوس وثياب )..(  فجاءته زوجة أمير فقالت إن الأمير يريد أن يتزوج عليها لأنها لاتلد وطلبت منه أن يسأل الله أن يعطيها ولدا ، فقال لها: هاتى مامعك من الفتوح ، فأعطته أسورة كانت فى يدها، فقال لها " هذه ما تكفى حلاوة الصبى وإن لم تعط أختها لى جاءت أنثى بعون الله تعالى... فأعطته الأسورة الثانية فقال لها : تأتى بولد وفى يده اليمنى أصبع زائدة. ). ويحكى الشعرانى أنه قضى حاجة لأحدهم ورفض  أن يأخذ منه مالا، ثم حدث أن مرض ولد لذلك الشخص فجاءه أحد الصوفية وطلب منه خمسين دينارا على أن يشفى ابنه فأعطاه المبلغ ثم أصبح الولد ميتا فى اليوم التالى ، فطلب الرجل ماله من الصوفى فلم يعطه له، وقد نصب هذا الصوفى بنفس الطريقة على أحد الكبار بنفس الطريقة.[19].

3 ــ والشعرانى الذى شهدناه يحتج على " النصابين" من الصوفية نراه فى كتابه " البحر المورود" يكثر من استعمال لفظ " الصيد" للفقراء الصوفية ، وكلمة " الصيد" لاتختلف عن كلمة " النصب" .

يقول مثلا  : ( ينبغى للشيخ إذا رأى نفسه قد صار قليل الصيد للفقراء أن يعلمهم بسبب توقف الرزق . ) " ويقول : ( وصار شيخ الفقراء لايقدر يصطاد لهم رغيفا إلا بألف حيلة. )،  ويقول : ( وقد صارت الزوايا الآن مصيدة للدنيا ) [20].

4 ــ ثم يستعمل الشعرانى بنفسه لفظ (النصب) ويدعو للنصب ، فيقول : (  ينبغى للشيخ إذا لم يعلم فى جماعته الصدق فى طلب طريق الله تعالى أن ينصب لهم حتى يقوى يقينهم وأجره على الله ، وصورة نصبه أن يقول عندى فقراء صالحون يعنى صالحون للجنة أو النار ، ومقصودى أحد من أهل الخير يبرهم بشىء من الخبز أوشىء من العسل ، ثم إذا جاء ذلك المحسن يوما إلى زاويتهم فيأمرهم بالإشتغال بالذكر والقرآن حتى يداوم عليهم ذلك البر وإلا تحول باطنه، وقال: فى سبيل الله حسنتى لهؤلاء ياليتنى أعطيتها لغيرهم"[21]. . والشعرانى هنا يضفى المشروعية على "( النصب )" حين يمارسه ، فى نفس الوقت الذى ينقم فيه على الآخرين من الأشياخ المنافسين له احتيالهم ونصبهم ..

5 ــ على أن النصب قديم فى تاريخ التصوف . ففى بداية العصر المملوكى فى مرض الصالح إبن السلطان قلاوون  ت 786 ، بعث السلطان قلاوون للشيخ محمد المرجانى يدعوه فأبى أن يجتمع به ، فحمل إليه مع الطواشى خمسة آلاف درهم ليعمل بها وقتا للفقراء ( حتى يطلبوا ولد السلطان من الله تعالى " فقال له : سلم على السلطان وقول له متى رأيت فقيرا يطلب أحدا من الله ، فإن فرغ أجله فوالله ماينفعه أحد وإن كانت فيه بقية فهو يعيش ورد المال.) . وهذا موقف مشرّف للشيخ محمد المرجانى . ولكن ظهر صوفى نصّاب إستغل الفرصة . تقول الرواية : ( وطلع الشيخ عمر خليفة الشيخ أبى السعود إلى السلطان وقد دعاه ليدعو للصالح فقال: " لله أنت رجل بخيل مايهون عليك شىء ولوخرجت للفقراء عن شىء له صورة لعملوا له وقتا وتوسلوا إلى الله أن يهبهم ولدك لكان يتعافى" ، فأعطاه السلطان خمسة آلاف درهم عمل بها سماعا ثم عاد إلى السلطان وقال له : "طيب خاطرك ، الفقراءكلهم سألوا الله فى ولدك وقد وهبه الله لهم ، فلم يكن غير قليل حتى مات الصالح ، فقال السلطان : ياشيخ عمر أنت قلت أن الفقراء طلبوا ولدى من الله ووهبه لهم ، فقال له على الفور :" نعم الفقراء طلبوه ووهبهم إياه ألا يدخل جهنم ويدخله الجنة " ، فسكت السلطان ) [22].

هنا بلغ النصب درجة التحايل .

من النصب الى التحايل:

1 ــ  فبعض النصب يبلغ درجة التحايل الذى يعاقب عليه القانون مثل خيانة الأمانة ، ففى سنة 794 عزل برقوق شيخ الخانقاه أصلم الأصفهانى وسلمه لشاد الدواوين ليعذبه ويستخلص منه مائتى ألف درهم ، لأن برقوق حين أختل أمره بثورة الأمير يلبغا الناصرى ومسيرته للقاهرة همَ بالهرب، وأعطى  الشيخ أصلم هذا خمسة آلاف دينار ليخفيها عنده وواعده أن ينزل إليه ويختفى عنده فلم يف له أصلم بذلك وتغيب عنه ، واضطر برقوق للإختفاء عند غيره ، فلما عاد إلى الملك طلب منه الخمسة آلاف دينار على لسان الداودار فرفض أصلم وقال:" تصدقت بها على الفقراء ،فلما ألح عليه الدوادار قال: أعلم السلطان أنى سأجمع الفقراء من الزوايا والربط وألزمهم بإعادة ماتصدقت به عليهم، وأقول لهم إن السلطان قد رجع فى صدقته فإنه لم يدفع هذا المال لى إلا لأتصدق به ،لا أنه وديعة عندى " ولم يستطع السلطان الرد فسكت ، ولكنه أسرها فى نفسه وصبر حتى نمى إلى علمه أن تاجرا ترك عند أصلم فى الخانقاه عدة أحمال هربها من المكوس، فأمر بطلبه من الخانقاه وعزله وصادره[23].

  2 ــ  وتزايدت قصص الاحتيال بكثرة الأشياخ وسيطرة التصوف المطلقة منذ القرن التاسع . وكان ضحايا الأشياخ هم الأثرياء المعتقدون فى الأولياء ، ويذكر أبوالمحاسن فى ترجمة الأمير الطيبرسى بن عبدالله إنه كان سليم الباطن محبا للفقراء ، جاءه يوما بعض الفقراء وقال له اشتريت لك جارية ما دخل هذا الأقليم مثلها بخمسة عشر ألف درهم، فوزن له الثمن ، فقال وأزيد ثلاثة آلاف درهم لكسوتها فاعطاه، ثم جاءه الفقير بعد ذلك وقال له " قد زوجتها لك بواحد من رجال الغيب ، فما أنكر ذلك"[24].

 3 ــ  ووقع قايتباى ضحية لمحتال صوفى آخر عرف أن السلطان يعتقد فى الشيخ الدشطوطى، وأن الدشطوطى يتردد إلى مكان معين بالقرافة بعد العشاء، فنزل السلطان إلى ذلك الشخص وكان جالسا وقد أخفى وجهه فأخذ السلطان يقبل رجليه ويقول يا سيدى احمل حملتى مع ابن عثمان ، فاخذ ذلك الشخص يتمنع عليه ويقول له : أنت ما ترجع عن ظلم العباد ، فطال المجلس بينهما ثم أعطاه السلطان كيسا فيه ألف دينار ، ثم ركب ومضى وهو يعتقد أنه الدشطوطى ثم بعد أيام " انكشفت هذه الواقعة وظهر أنها مفتعلة"[25]...  ويروى الشعرانى نفس الواقعة يقول: ( وكان السلطان قايتباى يمرغ وجهه على أقدامه") أى الدشطوطى ،( ومن مناقبه أنهم زوروا عليه برجل كان يشبهه فأجلسوه فى تربة مهجورة فى القرافة ليلا، وراحوا للسلطان وقالوا له أن سيدى عبدالقادر الدشطوطى يطلبك بالقرافة فنزل إليه وصار يقبل أقدامه ، فقال الرجل المزور الفقراء يحتاجون لعشرة آلاف دينار فقال السلطان بسم الله ، فمضى ثم أرسلها له ) "[26].

4 ــ  وذكر الشعرانى قصصا كثيرة عن تحايل الأشياخ فى عصره ، منها أن الشيخ السنهورى الضرير جمع خمسة وعشرين دينارا " ( على نية التزويج فبلغ ذلك شخصا من المشايخ اسمه الشيخ حسن النطاح كان من شأنه أن له مثل ركبة العنز موضع السجود وله شعرة مضفورة .. ويذكر الله معنا فى كل مجلس حتى يصير له رغاء كرغاء البعير من الهيام ، فأتى هذا الشيخ إلى السنهورى وقال له يأخى أعجبنى خيرك ودينك ولى بنت عظيمة الجمال ماأحببت أن يأخذها أحد غيرك ، وأعطونى فيها ثلاثين دينار، وأنا أرضى منك بعشرين دينار فأتى بهم الضرير له فى صرة، وقال : تحضر عبدالوهاب ( الشعرانى) معنا، فقال أما ترضى أن يكون الله شاهدا لك فقال الضرير نعم، فأخذهم وراحوا إلى تاريخه) "[27].

5 ــ  وأودع أحدهم عند بعض الأولياء ( ألف نصف) والنصف عملة فضية . وعندما طالبه بها أنكر، وهمَ أصحاب الشيخ بتكفيره، ويقول الشعرانى معلقا: (  إياك  ياأخى أن تعطى شخصا فى هذا الزمان وديعة بلا شهود . )"[28].

6 ــ وبعضهم كان يستدين ويستغل نفوذه فى أكل المال الباطل ، فبعض الأشياخ استدان " حتى صار عليه مال عظيم فاجتمع عليه أرباب الديون وارادوا  حبسه" ، فقام المريدون على أصحاب الديون وقالوا" كيف تحبسون ولد سيدى الشيخ" فلم يصل لأصحاب الديون شىء حتى وقت الشعرانى.[29]

7 ــ وبعضهم وصل من الإحتيال إلى السرقة الصريحة مثل علاء الدين الرومى شيخ الخانقاه الأشرفية ، يقول عنه ابن حجر عن عزل الشيخ علاء الدين الرومى : (  صُرف علاء الدين الرومى عن مشيخة الأشرفية لأن شخصا من الصوفية مات وخلف مالا جزيلا فاحتاط عليه ( أى أخذه )، ونقل  عنه أمور فاحشة )"[30].

8 ــ   وحاولت الكرامات أن تُموّه على وقوع بعض الأشياخ فى السرقة وضبطهم متلبسين ، فهناك أسطورة عن صوفى اتهم بسرقة درة وضبطت معه، وانتهت الأسطورة بأن دعا الله ـ وكان الجميع فى البحر ـ فطلع البحر كله حيتانا تمتلىء أفواها بالدرر، ثم ألقى بنفسه فى اليم [31]. وأسطورة أخرى عن صوفى نام إلى جانب دكان فسرق الدكان وتنتهى الحكاية بمقالة الصوفي: إن من عباد الله من يقول لهذا الطين صر ذهبا فيصير ذهبا، وحين قال ذلك صار الطين الذى إلى جانبه ذهبا، فقال له عد كما كنت"[32].

 9 ــ  وبعضهم سرق وقتل مثل شعبان بن شيخ الخانقاه البكتمرية الذى خدع امرأة فخنقها ودفنها فى تربة وأخذ ثيابها ، وكانت لها قيمة"[33]. ثم أتاح التصوف مجالات أخرى للتحاي ليجمعها مفهوم الشعوذة.

ج3 / ف 5:  الصوفية وأكل أموال الناس بالباطل: التحايل بالشعوذة الصوفية

   كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

الفصل الخامس : أكل أموال الناس بالباطل

التحايل بالشعوذة الصوفية   

 قبل العصر المملوكى:

1 ــ   يقول الغزالى عن طوائف المشعوذين فى عصره أو" المكدين"" إنهم افتقروا إلى حيلة فى استخراج الأموال وتمهيد العذر لأنفسهم فى البطالة ، فاحتالوا للتعلل بالعجز، إما بالحقيقة كجماعة يعمون أولادهم وأنفسهم بالحيلة ليُعذروا بالعمى فيُعطون، وإما بالتعامى والتفالج والتجانن والتمارض ، وإظهار ذلك بأنواع من الحيل مع بيان أن تلك محنة أصابت من غير استحقاق ليكون ذلك سبب الرحمة". " وجماعة يلتمسون أقوالا وأفعالا يتعجب الناس منها حتى تنبسط قلوبهم عند مشاهدتها فيسخو برفع اليد عن قليل من المال فى حال التعجب ثم فالندم بعد زوال التعجب ولاينفع الندم، وذلك قد يكون بالتمسخر والمحاكاة والشعبذة والأفعال المضحكة،وقد يكون بالأشعار الغريبة والكلام المنثور المسجع مع حسن الصوت . والشعر الموزون أشد تأثيرا فى النفس لاسيما إذا كان فيه تعصب يتعلق بالمذاهب كأشعار مناقب الصحابة وفضائل أهل البيت أو الذى يحرك داعية العشق من أهل المجانة كصنعة الطبالين فى الأسواق ، وصنعة بما يشبه العوض وليس بعوض كبيع التعويذات والحشيش الذى يخيل بائعة أنها أدوية فيخدع بذلك الصبيان والجهال، وكأصحاب القرعة والفأل من المنجمين ، ويدخل فى هذا الجنس الوعاظ والمكدون على رءوس المنابر إذا لم يكن وراءهم طائل.. وكان غرضهم استمالة قلوب العوام وأخذ أموالهم بأنواع الكدية، وأنواعها تزيد ألف نوع وألفين ، وكل ذلك استنباط بدقيق الفكرة لأجل المعيشة"[34].

2 ــ ويتجاهل الغزالى أثر التصوف فى أولئك الذين أنكر عليهم، فهم متسولون وقد سبق الربط بين التصوف والتسول ، ثم هم يستخدمون أساليب التصوف من التجانن ـ أو الجذب الصوفى ـ وأشعار المدح للصحابة آل البيت ، مع العشق وصلته بالتصوف عضوية ـ ثم بيع الحشيش ـ أو لقيمة الفقراء الخضراء، ثم التنجيم ـ وهو نوع من الكشف الصوفى وفى النهاية الوعاظ الصوفية على رءوس المنابر.

3 ــ  ثم يعترف الغزالى بأن أولئك الصوفية ـ الذين ينكر  الغزالى نسبتهم للتصوف ـ يتخذون من المساجد مجالا لنشاطهم فينكر عليهم " التحلُق أو" الحلق يوم الجمعة لبيع الأدوية والأطعمة والتعويذات ، وكقيام  السوّال ـ أى  المتسولين ـ وقراءتهم للقرآن وإنشادهم للأشعار ومايجرى مجراه، فهذه الأشياء منها ماهو محرم لكونه تلبيسا وكذبا كالكذابين من طرقية الأطباء وكأهل الشعبذة والتلبيسات ، وكذا أرباب التعويذات فى الأغلب يتوصلون إلى بيعها بتلبيسات على الصبيان والسوادية ، فهذا حرام فى المسجد وخارج المسجد"[35].

4 ــ وبازياد التصوف تخصص من الصوفية طائفة فى مجال الشعوذة وهم" بنوساسان" يقول عنهم الجوبرى فى العصر المملوكى " أصحاب المكر والدهاء والحيل ولهم جسارة على كل مايفعلونه، ولهم ألف باب وباب ، فمنهم الفقراء ( الصوفية ) والمدرعون وأصحاب القرود والدبب.. إلخ"[36].

التحايل والعلم اللدنى:

 1 ــ  وادعاء العلم اللدنى ومشتقاته هو الأساس فى ممارسة الصوفية للشعوذة فى عصر الغزالى ومابعده ، وإذا راجعنا أقاويل الصوفية المشهورين فى عصرنا المملوكى أيقنا أنهم لايختلفون عن باقى المشعوذين. 2 ــ الدسوقى يقول : ( إذا كمل العارف فى مقام العرفان أورثه الله علما بلا واسطة، وأخذ العلوم المكتوبة فى ألواح المعانى ففهم رموزها وعرف كنوزها وفك طلسماتها وعلم اسمها ورسمها ، وأطلعه الله تعالى على العلوم المودوعة فى النقط، ولو لا خوف الإنكار لنطقوا بما يبهر العقول ، وكذلك لهم فى إشارات العبارات عبارات معجمة وألسن مختلفة، وكذلك لهم فى معانى الحروف والقطع والوصل والهمز والشكل والنصب والرفع مالا يحصر ولايطلع عليه إلاَ هم، وكذلك لهم الإطلاع على ماهو مكتوب على أوراق الشجر والماء والهواء ومافى البر والبحر وماهو مكتوب على صفحة قبة خيمة السماء، ومافى جباه الأنس والجن مما يقع لهم فى الدنيا والآخرة ، وكذلك له الإطلاع على ماهو مكتوب بلا كتابة من جميع مافوق الفوق وماتحت التحت "[37].

3 ــ  وكان أبوالعباس المرسى " يتحدث فى العقل الأكبر، والاسم الأعظم وشعبة الأربع، والأسماء والحروف ودوائر الأولياء ، وامداد الأذكار ، ومقامات الموقنين، والأملاك المقربين عند العرش، وعلوم الأسرار ، وامداد الإنكار ، ويوم المقادير، وشأن التدير ، وعلم البدء، وعلم المشيئة ، وشأن القبضة ، ورجال القبضة ، وعلوم الأفراد ، وماسيكون يوم القيامة من أفعال الله مع عباده..إلخ[38].

وكان يقول" لولا ضعف العقول لأخبرت بما يكون غدا، وكان يمسك بذقنه ويقول :" لو علم علماء العراق والشام ماتحت هذه الشعرات لأتوها ولو سعيا على وجوههم[39]

4 ــ وادعى أفضل الدين الشعرانى أنه استخرج من سورة الفاتحة مائتى ألف علم ونيفا وأربعين ألف علم"[40].

5 ــ وابراهيم المتبولى كان صوفيا أميا ومع ذلك يقول : ( أُعطيت استخراج العلوم من القرآن العظيم من فقه وأصول ومعان وبيان وجدل وعروض وغيرذلك ، فلو جلس إلى مصنف ( مؤلف ) نظيف القلب من الأدناس خال من الحسد لبينت له مادة كل علم وأوضحت له ذلك حتى لايبقى عنده فى ذلك شك )"[41]. ويقول المتبولى أيضا : (  لايكمل الرجل عندنا حتى يعلم حكمة كل حرف تكرر فى القرآن ، ويخرج منه سائرالأحكام الشرعية إذا شاء. )"[42].

6 ــ  ولو تخيلنا الدسوقى أو المرسى أو الشعرانى أو المتبولى ـ واقفا فى مجتمع يعلن هذه الادعاءات لما اختلف وضعه عن باقى المشعوذين . ولكن أولئك من مشاهير الأولياء ولا يزالون، مما يعنى أن الشعوذة بالعلم اللدنى تعتبر أصلا من أصول التصوف، وعن طريق هذه الشعوذة اكتسب أولئك الأشياخ الشهرة والأموال بالنذور والقرابين.

علوم وهمية للتحايل:

 1 ــ  لقد ادعى بعضهم علوما وهمية لاوجود لها إلا فى مخيلته ، واخترع لها العناوين مثلما فعل الدسوقى والمرسى، وآخرون ادعوا علوما محددة وثيقة الصلة بادعاء العلم اللدنى مثل علم الحرف والسيمياء والاسم الأعظم والمطالب والرمل، هذا بالإضافة للكيماء وهى بدورها وثيقة الصلة بادعاء الكرامات .. واتخذ بعضهم من ادعاء هذه العلوم وسيلة للتحايل وأكل أموال الناس بالباطل..

2 ــ  وقد وصف الكثيرون بمعرفة تلك العلوم مجتمعة.

فقيل عن الشيخ أمين الدّهان الطبيب ت743 أنه كان عالما بالكيمياء " إلى غير هذا مما كان مغرى به من الروحانيات واعتقاد مايقال من المخاطبات النجومية"[43].

وكان شيخ الطريقة ابن الشاهد المنجم ت 801" عارفا بحل الزيج متقنا لفقه عمله فى كتابة التقاويم، وكان يعرف الضرب بالرمل وغير ذلك من الأمور الغيبية مع سلامة فيه وملازمة لبيته"[44]. أى مع اتصافه بالصفات الحسنة كان يدعى علم الحرف ويضرب الرمل وعلم الغيب.

 وبسبب معرفة احدهم بالرمل وغيره ـ كما يقال عن ابن الميقاتى ت 801 ـ قرّبه الظاهر برقوق وجعله شيخ طريقة[45].

 أما ابن زقاعة (724ـ 816) فقد كان مشهورا ـ فى اعتقاد عصره ـ بكونه "إماما بارعا متفننا فى علوم كثيرة ، ولاسيما معرفة النبات والأعشاب والرياضة والتصوف" مع علم الحرف ومعرفة الاسم الأعظم والنجوم والكيمياء[46].

وحين تجرد ابن بهادر ت816 للتصوف وتعلم علم الحرف أقام بمنزله فقصده الناس لتعلم علم الحرف على يديه خصوصا وقد كان يدرى طرفا من الشعوذة والكيمياء على حد قول ان حجر فى ذيل الدرر الكامنة ( 136 ).

وقال السخاوى فى ( الضوء اللامع 3/ 18 ) عن الشيخ بلال الحبشى ت867 " ( تعانى علم الحرف واشتغل بالكيمياء مع إلمامه بالتصوف ومحبته فى الفقراء والخلوة )".

وكان ابن قرقماس الحنفى ت 882 يدعى معرفة علم الحرف وعلم الكيمياء ، وهو شيخ لتربة الظاهر خشقدم ، كما جاء فى تاريخ ابن اياس ( 2 / 181 ) .

3 ــ وتأثر الكثيرون بما أحدثه التصوف من رواج لهذه العلوم الوهمية فوصف كثيرون بمحاولة تعلمها ، فالمقريزى المؤرخ المشهور قال عنه السخاوى فى تاريخه ( التبر المسبوك 24 ) : ( أنه كان يعلم الرمل والاسطرلاب والميقات ").

4 ــ وإذا كان كبار الصوفية يجعلون من ضرب الرمل مجديا فى معرفة الغيب إلى درجة أن يتأثر المقريزى نفسه بذلك فإن من المنتظر أن يكون العامة أكثر إعتقادا فى ضرب الرمل ، ولابد حينئذ أن يتكاثر مدعو علم الرمل ، وقد كان ذلك قبل عصر المقريزى الذى يذكر بنفسه فى تاريخ السلوك " أن الناصر محمد منع الجالسين فى الطرقات لضرب الرمل والتكسب بذلك "وكان ذلك فى حوادث 735.( السلوك 2 / 2 / 382 )

5 ــ  وبعدها بقرنين انتشر مدعو هذا العلوم الخرافية واكتشف الناس أمرهم ، فتبرأ الشعرانى منهم وتابع الغزالى فى نظرته ، فالشعرانى بفتخر بكراهيته منذ صغره لتعلم علم الحرف وعلم الرمل والهندسة والكيمياء وغيرها من علوم الفلاسفة وزجر أصحابه عن تعلم ذلك ، فقال فى ( لطائف المنن الكبرى 350 ): (  فإنها أمور يفتعلها المفلسون من صفات الصالحين ، فيريدون أن يكون لهم تأثير فى الوجود تشبها بالصالحين )".

ج3 / ف 5:  الصوفية وأكل أموال الناس بالباطل  : التحايل بعلم الحرف 

 كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

الفصل الخامس : الصوفية وأكل أموال الناس بالباطل: التحايل بعلم الحرف 

علم الحرف .

1 ــ تكلم ابن خلدون فى ( المقدمة : 51 : 54 ، 114 ) عن إرتباط علم الحرف بقسمة الطبائع من الماء والهواء والنار والتراب وبالأعداد ، وذكر طريقة حساب التيم ، وهى حساب للحروف الأبجدية من الواحد إلى الألف، آحاد أو عشرات أو مئات الألوف ، فلكل حرف عدد يساويه ، ومن مجموع حروف أسم الشخص يمكن جمع القيمة العددية للحروف ويعرفون طالعه كما يزعمون .

ولإبن سينا رسالة فى معنى الحروف الهجائية ، تعمق فيها فى ربط الحروف ربطا باطنيا بترتيب مراتب الفيض فى الأفلاطونية الحديثة والتى أصبحت فيما بعد أهم أصل فى نظرية الإشراق الصوفية أو العلم اللدنى. وقد تكونت الطائفة الحروفية أو النسيمية على هذا الأساس وعرضنا لأفكارهم الانحلالية ، ويبدو أثر علم الحرف فى محاولات الصوفية تحريف الآيات القرآنية حيث تبدأ بعض أحزابهم ببعض الحروف القرآنية كما فى حزب البحر للشاذلى وفيه تردد فواتح ببعض السورمثل حم حم حم حم.. طس حم عسق .. إلخ.

2 ــ  وقد ظل علم الحرف تقليدا صوفيا معمولا به حتى أوائل هذا القرن ، يقول العلاّمة أحمد أمين " يزعمون أن لكل حرف سرا ، وأن أسرار القرآن كلها وضعت فى سورة الفاتحة، وأن سر الفاتحة وضع فى البسملة، وأن أسرار البسملة وضعت فى حرف الباء ،وهكذا. وكل حرف له خواص وله أعداد ومن ذلك حروف الجمل وتقابل أبجد هوز. إلخ فالألف بواحد والباء باثنين. ويقولون إن بعض هذه الحروف نارى والآخر ترابى وهوائى ومائى، والأعداد للحروف كالأجساد للإنسان ، وللحروف قوة فى باطن العلويات ، ولها هوة فى باطن السفليات . وبعضهم يجعل للحروف طبائع فبعضها حار وهى أ، و، ن، م، ع  وبعضها يابسة وهى س ف ب ج وبعضها رطبة وبعضها باردة ، وللحروف اتصالات بالبروج معقدة تسبب العداوة والبغضاء والسعادة والشقاء، ولهم فى ذلك حساب طويل وكتب خاصة"[47].

 3 ــ  ووضعت تطبيقات علم الحرف فيما كتبه أحمد أمين آنفا، وذلك ماكان معمولا به فى العصر المملوكى كمحاولة لمعرفة الغيب ، فشاع استخدام الحروف وأعدادها، فالسلطان الظاهر تمربغا المملوكى الرومى الأصل ت879 كان يتوهم طول مدته فى الحكم وأن الأمر عاد إلى الروم، وأخذ ذلك من قوله سبحانه وتعالى"فى سورة ( الروم ) : ( سَيَغْلِبُونَ  فِي بِضْعِ سِنِينَ )  ففى الحساب الحرفى لكلمة ( بضع ): الباء باثنتين ، والعين بسبعين، والضاد ثمانمائة ، والمجموع ( 872 ).  بل زعموا ان طالبا شاميا أخبره أنه سمع بسلطنته بمدينة غزة وأنه أخبر بدمشق بمشاهدة درهم عتيق مسكوك باسم الظاهر تمربغا" ويعلق السخاوى قائلا: فالله أعلم[48]. أى أن السخاوى يعتقد فى ذلك.

وقال شيخ الرباط بالخانقاه البيبرسية "كان أول خروج تيمور لنك فى سنة (عذاب)، يشيرإلى أن أول ظهوره سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، لأن العين بسبعين والذال المعجمة بسبعمائة والألف والباء بثلاثة، وعد ابن حجر هذه المقالة من لطائف شيخ الرباط[49] ، مع أن الظلم والتجبر كان صفة مشتركة لكل السلاطين فى ذلك الوقت ، وقالوا عن السلطان العزيز يوسف بن برسباى " كانت مدته أربعة وتسعين يوما، ومن الاتفاق الغريب أن عدة حروف عزيز بالجمل أربعة وتسعين[50] ، مع أن مدة سلطنته فيها شك كبير. وقال ابن اياس عن انقراض الدولة القلاوونية " وقد صح ما أخبر به أرباب الملاحم" ووفق بين تاريخ انقراض الدولة وأبيات من الشعر قيلت فى ذلك بعد قيام الدولة البرجية[51]. ومعناه أن أصحاب علم الحرف كانوا يحاولون إثبات دعواهم بشتى الطرق.

  4 ــ  ومن مشاهير الأولياء الصوفية المعتقدين أصحاب علم الحرف كان: شرف الدين الأخميمى[52]. ت648، وأبوذر[53]. ت780 الذى قدم القاهرة وكان يعرف علم الحرف ويدرس كتب ابن عربى فاعتقده الناس. ومثله شهاب الدين أبوالعباس الذى كان معاصرا له وقد قدم مصر وأقام بها مدة ، وتردد إليه الناس " وكان ينسب إلى علم الحرف وكان عنده التصوف كما ينبغى"[54]. ثم هناك آخرون مثلهم مثل السبى[55]. ونصر العجمى[56]. وأبوبكر الجبرتى العابد[57].

وإلى علم الحرف نسب الشيخ محمد بن على "الحرفى" ت806 الذى كان من خواص الملك الظاهر[58].

 وكان علم الحرف من ضمن العلوم التى درسها زكريا الأنصارى ، أخذه عن ابن قرقماس الحنفى[59].

وقال الشاعر ابن نباته فى شعر فاضح ماجن  فصيح صريح :

             عندى غلام بعلم الحرف مشتغل       وأى حرف إلى الفحشاء منحرف

             أحكى الأنام لدال فى تفاجعــه       وانفق الناس من ميم على ألف [60]

( الميم رمز للمؤخرة ، والألف رمز للعضو الذكرى) .

5 ــ  وبعضهم ساعدته الظروف فوصل بعلم الحرف إلى الشهرة لدى الحكام ، ومنهم ابن زقاعة ت 816 الذى"(  كان عارفا بالأوفاق ومايتعلق بعلم الحرف ، مشاركا فى القراءات والنجوم وطرف من الكيمياء، وقد عظمه الظاهر ـ برقوق ـ جدا بحيث كان لايسافر إلا فى الوقت الذى يحدده له) "[61]. " والناس فيه فريقان فريق على أنه ولى ويحكى عنه خوارق وفريق يزعمون أنه مشعبذ "  وظهر تحايله لدى السلطان برقوق فأعرض عنه ثم مالبث أن علا نفوذه لدى ابنه السلطان الناصر فرج حتى كان لايخرج إلى السفر إلا بعد أن يأخذ له الطالع" إلا أن السلطان التالى المؤيد شيخ نقم عليه وأهانه ثم أعرض عنه فترك القاهرة وعاد إلى موطنه فى غزة [62].

6 ــ وقال المقريزى عن الشيخ الزعيفرينى ت830" ( كان يزعم معرفة الحرف ويستخرج من القرآن مايريد معرفته من الأخبار بالمغيبات) "[63]. أى أن المقريزى لايصدقه ويعتبره محتالا . وذلك ماقاله عنه السخاوى المؤرخ: (  كان يزعم أنه يعلم علم الحرف ويستخرج من القرآن مايعلم به علم المغيبات ، وخدع بذلك طائفة من الأمراء فى الأيام الناصرية وغيرهم من الأكابر) "[64] . والخداع معناه الحصول على أموال كثيرة . ويقول عنه ابن حجر": (  كان يتكلم فى علم الحرف ويخبر عن المغيبات ، لذلك مال إليه جماعة من الأكابر وأثرى )" [65]. أى تحايل بعلم الحرف على أكل أموال الناس بالباطل فأثرى.

 7 ــ  وقال ابن حجر عن الشيخ جلال الدين الرويانى ت 833 : (" تجرد (أى تصوف )، وبرع فى علم الحكمة والتصوف، وقدم القاهرة مجردا( أى متصوفا ) ، واتصل بأمراء الدولة وراج عليهم ( اى إشتهر ) لما ينسب إليه من معرفة الحرف وعمل الأوفاق ( اى الأعمال السحرية / السيماء )، وله عدة تصانيف فى علوم الحرف والتصوف ، منها: غنية الطالب فيما اشتمل عليه الوهم من المطالب، وأعلام الشهود بحقائق الوجود. )" وتحدث ابن حجر عن وسيلته فى الشهرة فقال : ( وكان مفضالا  مطعاما للفقراء ، فهرعوا إليه ولازموه، وقام بأمرهم ، فصيرهم سوقه التى ينفق عليها وينفق بها" ، واستخدم فى ذلك الغرباء الذين جمعهم حوله ، ينفق بها واستخلص بسبب ذلك الأموال من الأمراء وغيرهم حتى كان كثير من الأمراء يفرد له من اقطاعه أرضا يصيرها رزقه، ثم يسعى هو حتى يشتريها . )"[66].

8 ــ  وبعضهم لم يكن فى براعة جلال الدين الرويانى مثل الشيخ أصلم شيخ خانقاه سرياقوس أعظم الخوانق فى العصر وشيخها هو شيخ الشيوخ للصوفية جميعا ، وقد ادعى معرفة علم الحرف[67]. وتحايل على السلطان برقوق فعزله وصادره " كما سبق بيانه .

9 ــ  وقد عارض بعض الفقهاء السنيين علم الحرف الصوفى ، فيقول عنه الذهبى " إن الدخول فى علم الحرف ينافى طريق السلف وهو فى شق وماجاء به الرسول فى شق، وهو فى حرمة الله تعالى بقوله: وأن تقولوا على الله مالا تعلمون، وقال النبى( ص) إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، وعلم الحرف نسبه الكهانة والنجوم ،بل هو شر منه، فنسأل الله أن يحفظ علينا إيماننا"[68] 

السيمياء :

1 ــ  من تطبيقات علم الحرف ، وتخصصت كما يقول السبكى فى إحداث المرض أو المحبة أو البغض أو التفريق بين زوجين على وجه الحقيقة أو تكون تخييلا لا حقيقة له ، ويفرق بينهما وبين الشعبذة فى أن الأخيرة مبنية  على خفة اليد والأخذ بالبصر[69]. ورأينا اتصاف الكثيرين بعلم السيمياء ، ومن ذلك مايقال عن الهرماس الصوفى أنه" كان يعرف أشياء من السيمياء"[70]

وترتبط السيمياء بالسحر ، فيذكر ابن أيبك الصفدى فى موسوعته ( الوافى بالوفيات ) أن ابن دبوقا ت 691 ، الذى عمل مقرئا للقرآن وإمام مسجد وأديبا ( كان يدخل روحه فى السيمياء والسحر ) ( الوافى 11 / 124 ).

ج3 / ف 5:  الصوفية وأكل أموال الناس بالباطل: التحايل بالمطالب  

 كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

الفصل الخامس : الصوفية وأكل أموال الناس بالباطل: التحايل بالمطالب :

1 ــ وهى عبارة عن طلب استخراج الكنوز المدفونة فى باطن الأرض من آثار الفراعنة ، وطالما أن العصر المملوكى يعتقد فى علم الصوفية بالغيب فمن المنتظر أن يكون " علم المطالب" من ممارسات الصوفية وطرقهم فى التحايل.

2 ــ وقبل العصرالمملوكى زار مصر المؤرخ الطبيب عبداللطيف البغدادى وقال عن آثارها : (  ومازالت الملوك تراعى بقاء هذه الآثار وتمنع من البعث فيها والعبث بها وإن كانوا أعداء لأربابها.. وأما فى زمننا هذا فتُرك الناس سدى ، وسُرّحوا هملا ، وفُوُّضت إليهم شئونهم ، فتحركوا بسبب أهوائهم وجروا نحو ظنونهم واطماعهم ..فلما رأوا آثارها هائلة راعهم منظرها وظنوا ظن السوء .. وكان جُل انصراف ظنونهم إلى معشوقهم . وهو الدينار.. فهم يحسبون كل علم يلوح لهم أنه علم على مطلب ، وكل شىء منظور فى جبل أنه يفضى إلى كنز ، وكل صنم ( أى تمثال ) عظيم أنه حاصل لمال تحت قدميه.. فصاروا يعملون الحيلة فى تخريبه ويبالغون فى تهديمه ، ويفسدون صور الأصنام ( التماثيل ) افساد من يرجو عندها المال .. وينقبون الأحجار نقب من لايتمارى أنها صناديق مقفلة على ذخائر .. ومن كان من هؤلاء له مال أضاعه فى ذلك . ومن كان فقيرا قصد بعض المياسير وقوى طمعه وقرب أمله بإيمان يحلفها له وعلوم يزعم أنه استأثر بها دونه وعلامات يدعى أنه شاهدها )"[71].

 وقد وضح فى هذا النص ماعاينه عبداللطيف البغدادى بنفسه من تدمير للآثار الفرعونية بحثا عن الكنوز والمطالب ، وكيف أضاعوا الأموال فى ذلك البحث المحموم ، والسلطة الأيوبية وقتها لم تتدخل فى الأمر وتركتهم وشأنهم ، وأن بعض الفقراء ـ أى الصوفية ـ كانوا يخدعون الأثرياء ويطمعونهم بتمويل عمليات البحث ويدعون بالعلم اللدنى معرفتهم بالكنوز.

 3 ـ  وقد كثر عددهم فى عصر ابن خلدون ت 808 ، فقال عنهم : ( كثير من صغار العقول يحرصون على استخراج الأموال من تحت الأرض ويبتغون الكسب من ذلك، ويعتقدون أن أموال الأمم السابقة مختزنة كلها تحت الأرض .. مختوم عليها كلها بطلاسم سحر لايفضُ خاتمها ذلك إلا من عثر على علمه واستحضر مايحله من البخور والدماء والقربان. ).  أى أنهم بعد أن عجزوا عن الوصول للكنوز الفرعونية التى أجاد أصحابها إخفاءها وجدوا المخرج فى الإدعاءات الصوفية فى الطلاسم والبخور والدماء والقرابين، أى استرجاع بعض الممارسات الفرعونية . وبذلك ازداد ارتباط المطالب بالتصوف والتحايل.

وبانتشار التصوف ازداد عددهم ، يقول ابن خلدون: ( ووجدوا لهم سوقا رائجة فى مصر حيث قبور القبط منذ آلاف السنين مظنة لوجود توابيت الذهب فيها، لذلك عُنى أهل مصر بالبحث عن المطالب حتى أنهم حين ضربت المكوس  آخر الدولة على أهل المطالب وصدرت ضريبة على من يشتغل بذلك من الحمقى والمتهوسين، فوجد بذلك المتعاطون من أهل الأطماع الذريعة إلى الكشف عنه والتذرع باستخراجه ، وماحصلوا على الخيبة فى جميع مساعيهم . )"[72].

4 ــ  والدلجى ــ من تلاميذ ابن خلدون ـ يبحث إمكانية العثور على المطالب بالطرق الصوفية، فيقول " ( وأما المطالب فلا بحث فى إمكان أن يجد الشخص دفينا جاهليا أو أسلاميا على الاتفاق والصدف،إنما البحث فى أن تحت الأرض مساكن وعمارات مبنية ، وفيها كنوز وأموال عظيمة ، وعليها موانع وطلسمات ، ولتلك الموانع طرق تزول بها ، وعلى تلك المطالب علامات وامارات يتوصل بها إلى أمكنتها ويستدل عليها بها ، فهذا من مخارق المحتالين) [73].

   5 ــ  وقد أشارت الحوليات التاريخية إلى بعض ماذكره البغدادى وابن خلدون والدلجى .

فيذكر ابن حجر أن بكتوت القرمانى ت749 كان " مغرى بالمطالب والكيمياء مع كثرة أمواله"[74].

وحين سافر الغورى سنة 918 للتنزه عند الأهرامات أشاعوا أنه ذهب بسبب مطلب"[75].

ورويت حكاية عن بعضهم مضمونها العثور على كنز ذهبى بجوار الأهرام[76].

وبعضهم أضاع أمواله فى المطالب دون جدوى مثل الشيخ شمس الدين الصالحى ت843  الذى " كان مولعا بالمطالب ينفق عليها مع التقتير على نفسه"[77] . وابن قاسم العاجلى 835 الذى "غلب عليه حب المطالب فمات ولم يظفر بطائل"[78]. ومثله أبو البقاء الشيبانى ت835[79].

  6 ــ  وفى القرن العاشر حين أيقن البعض من عبثية الحصول على المطالب بالطرق الصوفية قال مقالة الشعرانى: ( الفقراء الصادقون فى غنية عن عمل الكيمياء وفتح المطالب)"[80].

 إلا أن الأغلبية كانوا يقعون فريسة لتحايل الصوفية من مدعى فتح المطالب وفك الطلسمات السحرية، وكانوا يقدمون لأولئك المحتالين مايريدون حتى الطعام والشراب والزنا بالزوجات كما ذكر الشعرانى.

 7 ــ  واحتل ( جامع الحاكم ) مرتبة هامة فى عقيدة الباحثين عن المطالب ، ربما لنسبته إلى الحاكم بأمر الله الفاطمى الذى ادعى الإلوهية وأحاطت الأسرار بنشأته وحياته ومقتله وآمن بعضهم برجعته بعد موته . وكان من حوادث سنة 841 أن بعضهم أقنع السلطان برسباى بأن إحدى الدعامات فى جامع الحاكم مملوءة ذهبا، وركب السلطان إلى الجامع فعلم عجزه عن ذلك وقال " أن الذى نأخذه من الدعامة يصرف على عمارة مانهدمه ولا ينوبنا غير تعب السر"[81].

وفى سنة 857 أمر السلطان بهدم مكان مبنى على يمين محراب  جامع الحاكم لأن شخصا قال للسلطان: عندى مايدل على أن بالموضع الفلانى صندوق بللور فيه أوراق تدل على خبيئة بالجامع المذكور ، يقول أبو المحاسن " فأمر السلطان بهدمه فى حضرة الشخص المذكور فلم يجدوا إلا التعب وانتشار القالة"[82].

 وفى سنة 871 أخبر مغربى جيران جامع الحاكم أن به كنزا عظيما وعلامة ذلك أن يجدوا بعد الحفر قبة كبيرة ، وذكر أنهم وجدوا القبة وتحتها مايشبه القاعة [83].

 وفى سنة 914 يذكر ابن إياس أن بوّاب جامع الحاكم طلع للسلطان وذكر له أنه رأى فى المنام قائلا يقول له: قل للسلطان أن فى جامع الحاكم فى بعض دعائمه دعامة تحتها دنانير ذهب لاينحصر عددها، فمال السلطان لكلامه ، وأرسل خاير بك الخازندار والمحتسب والمهندسين وسألوا البواب فقال : لا أعلم الدعامة التى تحتها الذهب. فقال المهندسون مايظهر ذلك حتى نهدم جميع الدعائم التى هنا، فاجتمع الناس وكثر القيل والقال ولم يوافق السلطان على هدم الجامع[84].

 8 ــ   وفيما عدا جامع الحاكم  ذكر ابن إياس أنه احتال تاجر اسمه ابن القماح على صاحب قيسارية ( محل كبير للتجارة ) وأوهمه أن ببئرها كنزا واستطاع بذلك أن يسرق القيسارية [85] .. ومعناه أن التحايل فى المطالب لم يعد قصرا على الصوفية.

9 ــ  ولايزال التحايل بالمطالب مستمرا على فترات متقطعة ، فلا تزال المطالب تعيش فى الضمير الشعبى لارتباطها الدينى بالتصوف وكونها حلما يداعب خيال الناس. ويأتى المثل الشعبى فى عصرنا يقول فى حصيلة المطالب : ( كل  مطلب وعليه مهلك )" ويقول فيمن نزلت عليه ثروة لايستحقها : ( كلب أجرب وانفتح له مطلب. )"[86].

 وإلى جانب العلم اللدنى كان اشتهار الصوفية بالكرامات . وعن طريقها كان التحايل على الناس بالكيمياء.وهذا يستحق تفصيلا.

ج3 / ف 5 : التصوف والكيمياء ( ادعاء قلب الأشياء ذهبا):

   كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

الفصل الخامس: الصوفية وأكل أموال الناس بالباطل

    التصوف يحول الكيمياء إلى خرافة:

    1 ــ يتردد فى الكرامات الصوفية ادعاء قلب الأعيان ذهبا، وقبل التصوف كان هذا الحلم يراود الجميع بإمكانية تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب، وعن هذا الطريق سارت الكيمياء حتى اكتسبت ذلك المفهوم ، ولما تعذر الوصول إلى هذه النتيجة بالتجارب العملية أمل الباحثون إلى الوصول إلى إمكانية التحقيق عن طريق القوة النفسية أو مايعرف بالكرامة فى عصور التصوف.

2 ــ يقول ابن خلدون عن الكيمياء " علم ينظر فى المادة التى يتم بها كون الذهب والفضة بالصناعة". ويشرح العمل الذى يوصل إلى ذلك " فيتصفحون المكونات كلها بعد معرفة أمزجتها وقواها لعلهم يعثرون على المادة المستعدة لذلك حتى من الفضلات الحيوانية .. فضلاعن المعادن ". ثم يشرح الأعمال التى تخرج بها تلك المادة من القوة إلى الفعل مثل حل ( تحليل ) الأجسام إلى أجزائها الطبيعية بالتصعيد والتقطير. وفى زعمهم أنه يخرج بهذه الصناعات كلها جسم طبيعى يسمونه الأكسير، وأن هذا الاكسير يُلقى على الجسم المعدنى المستعد لقبول صورة الذهب أو الفضة .. بعد أن يحمى بالنار فيصبح ذهبا إبريزا، وكلامهم فى الكيمياء الغاز ورموز" أى قائم على غير أساس.

 وفى فصل بعنوان " فى إنكار ثمرة الكيمياء واستحالة وجودها وماينشأ من المفاسد عن انتحالها" يقول ابن خلدون" واعلم أن كثيرا من العاجزين عن معاشهم تحملهم المطامع على انتحال هذه الصنائع ، ويرون أنه أحد مذاهب المعاش ووجوهه وأن اقتناء المال منها أيسر وأسهل على مبتغيه" "وتحقيق الأمر فى ذلك أن الكيمياء إن صح وجودها فليست من باب الصنائع الطبيعية ولا تتم بأمر صناعى ، وليس كلامهم فيها من منحى الطبيعيات، إنما هو منحى كلامهم فى الأمور السحرية وسائر الخوارق وماكان ذلك للحلاج وغيره .). ويقول : " ومن طلب  الكيمياء .. ضيع ماله وعمله لأنه تدبير عقيم ، واقع مما وراء الطبائع والصنائع كالمشى على الماء وامتطاء الهواء ونحو ذلك من كرامات الأولياء الخارقة للعادة والكيمياء ربما يؤتاها الصالح وغيره فيكون عملها سحريا"[87]. فابن خلدون نفى عن الكيمياء فى عصره صفة العلم وألصقها إما بكرامات الأولياء التى يؤمن بها أوبالسحر.

3 ــ، وتلميذه الدلجى يتابعه فى رأيه فيقول " أما الكيمياء فلا بحث فى إمكانها على يد ولى من قبيل الكرامات وخرق العادات، ولا فى الوصول إلى تصحيح صيغها ظاهرا على وجه التلبيس والغش كما يفعله الفساق، وإنما البحث فى تصيير النحاس ذهبا حقيقة على طريقة صناعية مطردة ، فهذا مما لا أعتقد صحته، وقد صنف الشيخ تقى الدين ابن تيمية رسالة فى إنكارها ، وكذلك ابن القيم الجوزية كما حكاه هو عن نفسه فى كتابه المسمى مفتاح دار السعادة"[88].

 4 ــ  ومن الطبيعى أن يقف السنيون هذا الموقف من الكيمياء طالما ارتبطت بالتصوف والخرافة، وفى الرسالة التى أشار إليها الدلجى يقول ابن تيمية " فصار كثير من الناس لايعلمون ما للسحرة والكهان ومايفعله الشياطين من العجائب، وظنوا أنها لاتكون إلا لرجل صالح ، فصار من ظهرت له هذه نظن أنها كرامة ، فيقوى قلبه بأن طريقه هى طريقة الأولياء"[89].

وابن تيمية يظن أن الكيمياء يمكن أن تؤتى ثمرة ويجعلها إحدى الخوارق التى يؤمن العصر بإمكانية وقوعها على يد الولى الصوفى أو السحرة والكهان.

5 ــ  واليافعى يتحسب لذلك الخلط بين السحر والكرامة ، فيقول : "فإن قال قائل: تشبه الكرامات بالسحر، فالجواب ماأجاب به المشايخ العارفون العلماء المحققون فى الفرق بينهما إن السحر يظهر على أيدى الفساق والزنادقة والكفار .. أما الأولياء فهم الذين بلغوا .. الدرجة العليا، فافترقا:  ثم إن كثيرا من المنكرين لو رأوا الأولياء والصالحين يطيرون على الهواء لقالوا هذا سحر أو قالوا هؤلاء شياطين. فواعجبا كيف ينسب السحر وفعل الشياطين إلى الأولياء؟!!؟[90].

   6 ــ  والشعرانى حاول أن ينزه طريقة الصوفى من الكيمياء وماشاع حولها حين تكاثر منتحلوها فى القرن العاشر، فروى أن أخاه افضل الدين الشعرانى أمره بعدم الإصغاء " إلى كلام من يزعم من فسقة المتصوفة أنه يعرف علم الكيمياء فإنه كافر" . وأمره بأن يزجر أصحابه الذين يشتغلون بالكيمياء وقال له" كيمياء الفقراء هو أن يعطيهم الله تعالى حرف كن"[91]. يعنى يقول للنحاس مثلا كن ذهبا فيكون ذهبا بدون تعب.

7 ــ ولا أدل على ارتباط الكيمياء بالتصوف من أن أشهر علماء الكيمياء العرب وهو جابر بن حيان وصف بالصوفى، وكان من أوائل من تسمى بذلك ، كما أن عثمان بن سويد الأخميمى الصوفى كان من تلامذة جابر بن حيان، وكان فى نفس الوقت وثيق الصلة بذى النون المصرى الصوفى الرائد، وكان ذا النون المصرى من ناحية أخرى فى طبقة جابر بن حيان فى صناعة الكيمياء[92].

الصوفية وادعاء الكيمياء:

1 ـ   والشاذلى حكى عن نفسه " لما كانت فى ابتداء أمرى أطلب الكيمياء واسأل الله فيها، فقيل لى: " الكيمياء فى بولك اجعل فيه ماشئت يعود كما شئت" .فحميت فأسا ثم طفيته فى بولى فعاد ذهبا"[93].

وهى طريقة عجيبة فى الإدعاء أن يكون لبول الأخ الشاذلى المقدرة على تحويل الأشياء الى ذهب .  ولكنها تتكرر فى المصادر الصوفية عن الشاذلى فيقول فى موضع آخر " كنت أطلب الكيمياء فقيل لى الكيمياء فى بولك"[94].

2 ــ وتلميذه أبو العباس المرسى لم يجد بعد كلمة الشاذلى وبوله إلا أن يقول " ماذا أصنع بالكيمياء ؟ والله لقد صحبت أقواما يعبر أحدهم على الشجرة اليابسة فيشير إليها فتثمر رمانا للوقت، فمن صحب هؤلاء الرجال ماذا يصنع بالكيمياء"[95].

3 ــ   وبعضهم لم يكتف بالتسابق فى ادعاء الكرامات الكيميائية وإنما طرق مجالا جديدا فاشاع مقدرته على تحويل الأشياء الى ذهب بكراماته ، ثم يزهد فى هذا الذهب ، فيعيده الى ما كان . قال الشيخ  أحمد الزاهد  عن نفسه أنه تعلم الكيمياء فصنع منها خمسة قناطير ذهبا ثم نظر إليها وقال : أف للدنيا ثم رماها فى سراب جامعة[96]،  وصدق الناس هذا الكذب لأنه (ولى) فلقبوه بالزاهد.

4 ــ    لذلك كان الولى الصوفى إذا اشتهر بالولاية أو بعلم الكيمياء يتوافد عليه المريدون أملا فى  تعلم الكيمياء ومايعنيه ذلك من احلام ذهبية ،  فالشاذلى يقول " صحبنى إنسان : فقلت له ياولدى ماحاجتك ولم صحبتنى ؟ قال ياسيدى قيل لى إنك تعلم الكيمياء فصحبتك لأتعلم منك"[97].

  وجاء رجل إلى شمس الدين الحنفى ليعلمه الكيمياء لأنه" فقير ذو عيال"[98]، واتهم بدر الدين النورى بعمل الكيمياء" فخدمه لذلك جمع من الأمراء  منهم تغرى بردى رجاء أن يتعلموا منه"[99].

  وحكى الشعرانى أنه ادعى لأحد الأولياء أنه يعرف علم الكيمياء فصار هذا الولى  يخدمه وتبعه على أن يعلمه إياها وبعد مدة قال له الشعرانى: هيهات كيف أعلمك شيئا يشغلك عن الله تعالى" فما زال يقسم عليه فلا يجيبه، ثم قال له الشعرانى: ياشيخ محمد إن شهرتك فى الزهد وأنت تحب الدنيا"[100].

يعنى خدعه الشعرانى واستخدمه ثم ( أعطاه زُمبة ) على حد قول المصريين .

ويتناقض الشعرانى مع نفسه ، فقد افتخر بانه لاينصب على الناس ويوهمهم بانه يعرف علم الكيمياء ليجتذبهم إلى طريقته ويرشدهم إلى طريق القوم " كما عليه جماعة ممن برزوا فى هذا الزمان من فقراء العجم ، وقد أتلف هذا الباب خلائق لايحصون  وصار أصحابه يجلبون أولاد المباشرين والتجار والعلماء إلى أشياخهم ويقولون شيخنا يقلب العيان ويجعل الرصاص ذهبا، فيتركون الإشتغال بالعلم أو التجارة التى بها قوام معاشهم ويصير أحدهم يجعل له عذبه وجبة بيضاء"[101]

 5 ــ  وتصوف كثيرون واشتهر بالكيمياء مثل ابن عبدالرحمن المطرى ت822[102] ، وكان ابن الجابى خطيبا واعظا مشهورا يقصده الناس لسماع خطبته من حسن صوته " وكان مهووسا بعلم الكيمياء، بل كان الفقيه السُذنى المشهور ابن دقيق العيد أيضا" مهووسا بعلم الكيمياء معتقدا صحتها"[103] .

إضاعة الأموال على الكيمياء:

1 ــ  وبعض أولئك المهووسين بالكيمياء أضاعواعليها أموالهم وأعمارهم كما يقول ابن خلدون: (ومن طلب  الكيمياء .. ضيع ماله وعمله لأنه تدبير عقيم  ).

وممن ضيع ماله على الكيمياء : منصور الجفانى الذى" كان أكثر ما يحصله يصرفه فى عمل الكيمياء"[104]. وكان الشيخ الطيبرسى ت 800 إماما يجامع الطيبرسى" وفتن بصناعة الكيمياء" فأفنى  عمره وماله ولم يحصل على طائل"[105]. وانشغل ابن الأبله ت886 فى الكيمياء" فكان ينفد مايحصله من كد يمينه.. بحيث يصيرمملقا وربما ليم على ذلك وهو لاينكف"[106]. وقال الشعرانى " بلغنى إن جماعة من الفقراء وطلبة العلم باعوا كتبهم وامتعتهم فى طلب علم الكيمياء وفتح المطالب وكان عاقبتهم الحرمان "[107]. وكان على الاسكندرانى ت802 اشهرهم جميعا قالت عنه المصادر التاريخية " أفنى عمره فى الكيمياء تصعيدا وتقطيرا ولم يصعد معه شىء"[108].

 2 ــ  وذلك يعنى أنهم مارسوا الكيمياء والعملية بالتصعيد والتقطير للحصول على الذهب دون جدوى ، أى لم يكتف بادعاء الكرامات وغيرها. وفى طرق الكيمياء كتب شرف الدين المقدسى ت712 كاتب الإنشاء تخميسا لشذور الذهب فى صنعةالكيمياء[109].

ولكن بعض الصوفية أفتوا ببعض الوصفات ضمن ادعاءات الكرامات الكيمياوية الذهبية ، ففى كرامة للشيخ الفرغل كان يعلم فيها بعضهم الأكسير الذى " إذا وضع درهم منه على مادته درهم من النحاس الأحمر يصير ذهبا والرصاص يصير فضة"[110] .

وكان الشيخ المحلى إذا أتاه فقير يستعين به فى شىء من الدنيا يقول له : هات ماتقدر عليه من الرصاص فإذا جاء به يقول له ذوبه بالنار فإذا أذابه يأخذ الشيخ باصبعه شيئا يسيرا من التراب ثم يقول عليه بسم الله ويحركه فإذا هو ذهب[111]. وماأسهلها طريقة وما أنظفها بالمقارنة بطريقة الشاذلى المشهورة .. وكلها بالطبع خرافات .

الاعتقاد فى الكيمياء:

  1 ــ  لارتباط التصوف بها كان اعتقاد الناس فى جدوى الكيمياء راسخا مهما قال ابن خلدون والدلجي ومهما رأوا أنه لا فائدة منها، إذ كان الناس على استعداد للتصديق بأى كرامة أو بأى خبر عن نجاح عملية كيمياء.والمؤرخ ابن أيبك الصفدى يقول عن ابن البرهان الطبيب ت 743 والذى كان معاصرا له ، إنه (  كان يثبت علم الكيمياء معتقدا فى الروحانيات والمخاطبات النجومية )( الوافى2 / 24 ). أى وصل الاعتقاد فى خرافة الكيمياء الروحانية والتنجيم الى الأطباء .!

بل أنهم كانوا ينسبون هبوط ثروة على شخص ما بأنه يعرف الكيمياء،إذ أن الخواجا ابن القبيش البرلسي حين شرع في بناء زاويته قال أعداؤه أن هذا المصروف العظيم إنما هو من الكيمياء "[112]

   ومات التاجر الثري ناصر الدين الكارمى ت776 وخلف مالاً كثيراً فقال عنه  أبو المحاسن " خاف أموالاً كثيرة من المتجر والكيمياء، بحيث أنه لم يكن أحد من أهل عصره أكثر مالاً منه "[113]

      وعاش الصوفي ابن سلطان طويلاً في أرغد عيش فاتهمه بعض الناس بمعرفة الكيمياء أو طرف منها خصوصاً وأنه لم يكن يقبل من أحد شيئاً إلا نادراً حسبما يحكي أبو المحاسن[114] .

وبعض الصوفية ادعى أنه كان ينفق من الغيب من كوة في بيته أو من تحت البساط يمد يده فيخرج المال ــ كما جاء في مناقب المنوفي ــ فاتهموه بعمل الكيمياء، فشق ذلك على بعضهم وقالوا له : يقولون عنك أنك تعمل بالكيمياء فلم يتأثر بذلك بل قال : نعم نحن نعمل بالكيمياء وهى تقوى الله..[115] وقيل في ترجمة محمد التوزي ت930، كانوا يقولون أنه يعرف الكيمياء وكان يعلم انهم لا يعظمونه إلا لذلك[116]

ج3 / ف 5 :  الصوفية وأكل أموال الناس بالباطل:   التحايل بالكيمياء

   كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

الفصل الخامس: الصوفية وأكل أموال الناس بالباطل

 التحايل بالكيمياء:

1 ــ واتخذت الكيمياء وسيلة للتحايل على البسطاء من الناس وأكل أموالهم بحجة تحويل الأشياء لذهب أو فضة، وفي حوادث سنة 872 ورد أن أحمد المكناسى أتلف مال بعضهم بالكيمياء " وعمل له قرصاً ادعى أنه فضة فضربه الداودار الكبير وجرسه" وحدث ذلك أيضاً مع ابن حمادة  ، [117] وطبيعي أن المصادر التاريخية لم تذكر بين سطورها إلا من ظهر أمره وتعرض لعقوبة الضرب والتشهير .

2 ــ  وبعضهم لم يكتف بالتحايل على البسطاء وإنما خدع السلاطين فأوسعت له المصادر التاريخية صفحاتها مثل يوسف الكيماوى ت 731 الذى اشتهر بالكيمياء ، فطلبه الناصر محمد وأحضر له الأدوات فأخرج له سبيكة جيدة عن طريق الحيلة ، فانخدع به الناصر وقربه، إلا أن الخدعة انكشفت ففر وانتهت حياته مقتولا مُسمّراً على جمل [118]

3 ــ وتكررت الحادثة سنة 852 في سلطنة جقمق ، فالشريف الأعجمى أسد الكيماوى " تغير عليه السلطان جقمق" لكونه أتلف عليه مالاً كثيراً ولم يظهر لما ادعاه أثر، وكان قد نصب على التاجر ابن الشمسى حتى أخذ منه جملة من المال بايهامه بالكيمياء وتنازعا أمام السلطان فصدقه السلطان ونصره على التاجر وقربه. واستغل الكيماوى هذه الصلة بالسلطان فأغراه بنفي التاجر ، وكان أسد الكيماوى أيام صحبته للتاجر قد أغراه بطلاق زوجته لأنها كانت تحذره منه وتقول له : " إذا كان يعرف الكيمياء فلما يحتاج إليك وإلى غيرك.! ".وعندما لم يظهر أثر لمحاولات أسد أمر السلطان بسجنه بالمقشرة وتغير السلطان على المحتسب يار على العجمى وعزله وقبض عليه لكونه كان الواسطة بينه وبين الكيماوى وأنه الذي أشاد به عنده.[119]

الاتهام بالكيمياء:       

 1 ـ  لذا كانت ممارسة الكيمياء اتهاماً بالدجل في بعض الأحيان فيقال " اتهم الشاذلى عند السلطان بأنه كيميائى"[120]. واتهم الشيخ حسين أبو على بعمل الكيمياء[121]، من الزاوية ، وكان بعض الصوفية يأمر بإخراج من يتهم بعمل الكيمياء من الزاوية،وذلك ما فعله المنوفي. والشعراني هو القائل " أخذ علينا العهود ألا نمكن أحداً من إخواننا بأن يشتغل بعلم جابر الملقب بالكيمياء ، ويجب إخراج من يفعل ذلك من الزاوية لئلا يفسد حال الفقراء"[122]

2 ــ  وانتهى العصر المملوكى ولم تنته مؤثرات التصوف، ومنها الكيمياء . فيقول كلوت بك " وفي مصر جمع غفير من  المشتغلين بالكيمياء يضيعون أموال السذج والبلهاء في البحث عن الحجر الفلسفي الذي يحول المعادن إلى ذهب ، ويعتقدون أنهم سينجحون في ذلك إذا استطاعوا أن يقضوا سبعة أيام بلياليها من غير نوم مطلقاً" [123] . وهذا هو التجديد الذى جاء به التصوف في العصر العثمانى.

 وكان الزغل أهم نتائج الكيمياء. وهو محاولة واقعية لغش العملات الذهبية.

الزُغل( تزييف الذهب):

  1 ــ يقول العينى فى حوادث سنة 813 " دخل الزغل فى الذهب كثيرا" [124] .

وكانت السلطة المملوكية تطارد ( الزغلية ) أى المزيفين  للذهب . ففى سنة 827 " أمسك رجل من الصوفية بالمؤيدية، وجدت عنده آلات الزغل فأمر السلطان بقطع يده ، فشفع فيه فأخرج ، وضرب ضرباً مبرحا، وسجن" .[125] أى كان من الصوفية من عمل في تزييف العملة الذهبية.

2 ــ   وبعض الوزراء اتهم بالزغل مثل ناصر الدين الشيميى ت 834 وقد تولى الوزارة للناصر فرج ثم عزل وصودر سنة 804 " بسبب أنه ظهر عنده من يعمل بالزغل ويخرجه على الناس " [126] أى انتشر الأمر بانتشار التصوف فأصبح بعض الوزراء مزيفاً للدنانير.

الصوفية والزغل:

1 ــ دس المحتسب يار على العجمى أدوات الزغل في بيت غريمه قوام الدين العجمى واتهمه عند جقمق بالزغل فضرب وحبس ، وكان السلطان قد وثق بقوام الدين وجعله شيخاً للشيوخ في خانقاه سرياقوس [127] 2 ــ وتكاثر( الزغلية) سنة 862 فنودى بتسعير الذهب والفضة " وصار السلطان يقطع أيدي الزغلية أو يوسطهم ( التوسيط أى القتل بقطع الجسد نصفين ) فارتعبوا وأصلحت أحوال المعاملة بعد جهد كبير، وكان اينال يوسّط كل من يقع تحت يده من الزغلية فأصلح معاملة النقد فى أيامه"[128].

ويذكر أبوالمحاسن فى حوادث نفس السنة 862 أن السلطان وسّط ثلاثة من الزغلية ، وكان أيضا قد وسّط خمسة منهم ، لأن الزغلية تسببوا فى اضطراب النقد واختلال قيمة الدينار الذهبى فتهدد الأمن الاقتصادى فى البلاد[129] .

 3 ــ  وهدأت الأمور قليلا إلا أن نشاط الزغلية عاد، واعتقل الشيخ الصوفى إسماعيل النبتيتى سنة 889 متهما بعمل الكيمياء ، يقول السخاوى " وجرت له حادثة بسببها تألم لها الخيرون وذو الظن الخير به"[130].

 4 ــ  وفى سنة 911 اتهم الشيخ سنطبانى بضرب الزغل " وكان يدعى التصوف، وكان مقيما بالمدرسة السنقرية تجاه سعيد السعداء، فوشى به عند السلطان أنه يضرب الدراهم والدنانير الزغل، فقبض عليه فوجد عنده عدة ضرب الزغل، وكان عنده جماعة يفعلون ذلك " فأمر السلطان بقطع ايديهم ، وشفع فى سنطباى فنفاه السلطان للقدس [131]  ويذكر الغزى نفس الحادثة وأن ما ضبط عند سنطباى كان خمسين رطلا مصريا وأنهم  ضربوا بحضرة السلطان وأن الذى شفع فى سنطباى هو الأمير قرقماس أتابك العسكر، وان الغورى زجر سنطباى وقال له : إنك تدعى أنك الصوفى المسلك وأنت زوكارى شيطان زغلى ، أخرج من مملكتى[132].

  5 ــ  وفى حوادث سنة915 أنه هرب الشيخ جمال الدين الزغلى من المقشرة " وكان التزم بدار الضرب، وقرر عليه السلطان فى كل شهر مالا له صورة، فاتلف سائر المعاملة من الذهب والفضة وظهر بها الزغل كالشمس حتى ضج من ذلك سائر الناس والأمراء.. فقبض عليه السلطان وسجنه فهرب " ثم قبض عليه وشنق ومعه خمسة كانوا يعملون معه، وبعدها شنق "زغلى" آخر على باب زويلة، ثم قبض على الأمير بردوار الأتابكى وعاقبه الوالى حتى مات لأنه "وشى به عند السلطان أنه يعانى صنعة الزغل وقد اشتهر بذلك بين الناس[133].

  6 ــ وتأثر العصر المملوكى بالإفساد الذى مارسه الزغلية وجاء المثل الشعبى المملوكى يقول" ماتنقدوهم كلهم زغلية [134]. واستمر الزغل بعد العصر المملوكى وحمل المثل الشعبى ذلك فيقال " زبون العتمة فلوسه زغل"[135]. والعتمه هى الظلام.

الكيمياء والسحر:

1 ــ  ارتبطت الكيمياء بالسحر حتى أن ابن النديم فى الفهرست عدَ جابر بن حيان كبير السحرة فى هذه الملة، وفسر كيمياء جابر بقوله: لأن إحالة الأجسام النوعية فى صورة اخرى إنما يكون بالقوة النفسية لا بالصناعة العملية فهو من قبيل السحر[136].

2 ــ  وقال ابن خلدون فى الكيمياء " والكيمياء ربما يؤتاها الصالح وغيره فيكون عملها سحريا[137]. أى يعبر عن الرأى السائد وهو أن الخوارق إذا ظهرت على يد ولى صوفى فهى كرامة وإذا ظهرت على يد غيره فهى سحر، وأدى ذلك الارتباط بين الكرامة والسحر والكيمياء إلى انتشار الاعتقاد فى السحرو اتخاذه وسيلة للتحايل عن طريق الإيهام بقيام أعمال سحرية والاتصال بالجان.

2 ــ  وكانت بعض الغرائب تفسر فى ضوء السحر فيقول ابن الفرات أن ابن البرهان كانت تقع له عجائب فيظن بعضهم أن له رئيا من الجن يخبره [138]. وفى إحدى الفتن كانت السهام تطيش حول الأمير يلبغا المجنون، فيقول أبو المحاسن " واختلف الناس فى أمره فمنهم من يقول كان معه هيكل منيع، ومنهم من يقول كان يتحوط بأدعية عظيمة ومنهم من يقول كان ساحرأ[139].

3 ــ   وفى سلطنة جقمق اختفى السلطان المعزول العزيز بن برسباى ليثيرها فتنة، وكالعادة فتشوا البيوت واخذوا المظلوم بذنب الظالم، وكان من المظلومين امرأة مسكينة "تزعم أن لها تابعا من الجن يخبرها بما يكون فتتكسب بذلك من النساء وجهلة الرجال مايقيم أودها، وذلك انه وشى بها"فى الفتنة فاعتقلت[140]. أى كان الناس يذهبون إلى محتالين يزعمون السحروالاتصال بالجان.

4 ــ  وكان السحر وسيلة هامة فى مكائد النسوة لأنهن بالطبع أميل لتصديق الخرافات .

ولم تسجل المصادر التاريخية إلا أخبار المشهورات من النساء، ففى سنة 802 ادعت والدة الناصر فرج أن إحدى جواريها سحرتها وماتت الجارية ومعها نصرانى تحت العذاب[141].

 وفى سنة 852 طلق السلطان جقمق زوجته خوند الكبرى مغل لأنه اتهمها بأنها سحرت جاريته المحبوبة سورباى الجركسية[142].

 5 ــ إذن كانت السلطة المملوكية تعتقد بجدوى السحر وكان عنصرا فى المؤامرات السياسية ، ففى حوادث سنة 843 اتهام الزينى عبدالباسط بأن معه الإسم الأعظم أو أنه يسحر السلطان لأنه كلما أراد عقوبته صرف عن ذلك، وفتشوه فوجدوا فى ثيابه أوراقا فيها أدعية ونحوها[143].

 6 ــ وقيل فى سبب موت محمد بن جقمق ت 874 أنه سحر فمرض من ذلك السحر ومات[144] .

7 ــ  واتهموا يحيى بن الأتابكى أزبك أنه قتل والده بالسحر عن طريق شخصين من السحرة ، وكان عاقبتهما القتل .[145].

 8 ــ  ولأن الشائع أن الساحر يجب أن يقتل فقد وقع أحدهم فى جريمة قتل ولكى يبرىء نفسه ادعى أن القتيل كان ساحرا وأن العلماء أفتوا بقتل السحرة[146].

9 ــ        والمقريزى مع عقليته الناضجة فقد كان يعتقد بجدوى السحر وقال أنه بوسع المرأة أن تمنع سقوط المطر إذا تجردت من ثيابها ورفعت رجليها وباعدت مابينهما وهى نائمة بشرط أن تكون حائضا[147].

10 ــ  وكان طبيعيا أن يزداد الاعتقاد فى السحر فى بيئة تؤمن بالتصوف، ولذلك انتشرت التمائم ومنها فائدة لوجع الرأس، قالوا عنها : " جربت مرارا وهى أن يكتب الصورة الآتية ويكتب حولها اسم أحمد البدوى وسيدى إبراهيم الدسوقى وسيدى محمد الحنفى ثم توضع الورقة على محل الوجع"[148].

 11 ــ      واستمر الاعتقاد فى جدوى السحر فى العصر العثمانى ،يقول كلوت بك " ومسلمو مصر يعتقدون أن بالإمكان القيام بالإجراءات السحرية بحسب مبادئ الخير أو الشر، وتسمى نظريتهم فى الحالة الأولى بالعلم الروحانى وفى الحالة الثانية بالعلم الشيطانى، فالسحر الروحانى .. يعمل بقصد محمود لأنه يعتمد فيه على الوسائل غير المنافية للدين[149].

والتصوف هو الذى جعل " مسلمى مصر "يعتقدون فى السحر الذى يقول عنه رب العزة فى القرآن الكريم" وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) الاعراف) (  وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69) طه ) .

 والبيئة الشعبية لاتزال تعتقد فى السحر ولعن الساحر ، فيقول المثل الشعبى : " روحى ياساحرة لانايبك دنيا ولا آخرة"[150].

 12 ــ وحتى الآن لايزال الناس معتقدين فى الأعمال السحرية ومنتحليها الذين يوصفون بالمشيخة ويطاردهم القانون بتهمة الاحتيال، وبالتصوف أصبح أولئك المحتالون أشياخا يرتدون العمامة ويتمتعون باعتقاد المثقفين من المصريين.

وفى جريدة الأخبار فى 11/11/1978 عنوان يقول" اعترافات دجال لماذا يقبضون علىَ  ومعظم زبائنى من المثقفين ؟" وهو تساؤل فى محله، والإجابة عليه بالرجوع إلى تصوف العصر المملوكى وأشياخه الذين خلطوا الشعوذة والسحر بالدين.

ونقرأ ماقاله الشعرانى عن نفسه مفتخرا " ومما أنعم الله تبارك وتعالى به على اعتقاد كثير من الأنس والجن واليهود فى الصُلاح وإجابة الدعاة.. " " وإذا علمت ذلك فمن جملة اعتقاد المسلمين فى أننى أعطى أحدهم القشة من الأرض إذا طلب منى الدعاء لمريضه أو كتابة ورقة ، وأقول له : "بخَر المرض بها " فيفعل  فيحصل له الشفاء.. فأعرف أنه لولا شدة اعتقاد احدهم ماشفى الله تعالى مريضه بدخان تلك القشة، فإن الأمور تجرى بها المقادير الإلهية سرعة وبطئا بحسب قوة الاعتقاد وضعفه.. ووقائعى فى ذلك كثيرة وشهيرة . ومن جملة اعتقاد اليهود والنصارى أنهم يطلبون منى كتابة الحروز لأولادهم ومرضاهم فأعطى أحدهم القشة فيبخر بها مريضه فيحصل له الشفاء، فأتعجب فى اعتقادهم مع اختلاف الدين . وكثيرا ما أقول لهم:" لم لاتسألون رهبانكم وعلماءكم ؟ " فيقولون: " أنت أعظم عندنا من البترك ومن جميع أهل ديننا" [151].

        وطالما تعلق الأمر بكتابة الحروز والأعمال السحرية والاعتقاد فيها فلا فارق بين مسلم ويهودى ومسيحى ، كلهم يعتقد فى الأولياء الصوفية وشهرتهم الفائقة ، والأمر كله مبنى على الاعتقاد أو الإيحاء.

ج3 / ف 5 :  الصوفية وأكل أموال الناس بالباطل: تشريع الرشوة

   كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

الفصل الخامس: الصوفية وأكل أموال الناس بالباطل

(  تشريع الرشوة ـ القضاة مرتشون ـ الرشوة وسيلة للوصول ).

 تشريع الرشوة .     

      1 ـ وهى من إفرازات التصوف فى العصر المملوكى القائم فى عقيدته الدينية على إتخاذ الأولياء واسطة، وتقديم القرابين والنذور والنقوط لهم ( رشوة دينية ) . وإذا كان المتصوفة قد برعوا فى التسول فإن ارباب الوظائف ـ وهم إما متصوفة او أتباع لهم ـ قد سموا تسولهم رشوة. وكانوا راشين ومرتشين معا..

 2 ـ    يقول باحث فى العصر المملوكى : " ليس هناك أعجب من أن تقرر حكومة البلاد الشرعية الرشوة وتنشىء لها ديوانا خاصا يعرف بديوان البذل أو البرطيل، على عهد السلطان الصالح إسماعيل ابن الناصر محمد عام توليه العرش سنة 743"،وبارك رجال الدين إقرار قانون الرشوة ومارسوه ممارسة شرعية فسعى القاضى الغزى عند القاضى الخيضرى فى نيابة قضاء دمشق مقابل تسعمائة دينار، دفع منها شيئا وكتب حجة بالباقى فهل هناك من فساد أفظع من أن تكون الرشوة مسجلة بحجة وعقد ـ كعقد الزواج أو البيع ـ ويوقع عليها قاضى؟" [152].

وهو بالطبع تساؤل وجيه فى عصرنا، ولكنه كان عاديا فى العصرالمملوكى.

القضاة مرتشون :

        1 ـ والواقع أن القضاة كانوا ـ كالعهد بهم ـ سباقين فى كل مجال للفساد ونقتطف ببعض وقائعهم فى الرشوة من كتابات المؤرخين فى العصر عنهم :

فقيل عن الصوفى شمس الدين الشاذلى المحتسب" كان جاهلا عاميا غاية فى الجهل وكان خردفوشيا فى الإسكندرية ثم صار بلانا فى الحمامات ثم ولى حسبة القاهرة بواسطة الأمير بيبرس الداودار لأنه كان يخدمه ويتقرب إليه بالمال وغيره من الأمور المنكرة"[153].  أى تدرج من أسفل إلى أعلى بالرشوة .

وقيل عن الشيخ السبكى " كثر النكير عليه من أخذ الرشوة[154].

  2 ــ     وكان السفطى صوفيا متسولا ، وحين عين قاضيا للقضاة فاستمر فى تسوله بل وسع من نطاق التسول يقول أبوالمحاسن فى ذلك: ( ومع ذلك " فالبلص ( أى السرقة والاختلاس )عمّال والشحاذة فى كل يوم من الأمير الكبير إلى مقدم الجبلية) " أى زعيم الأعراب"[155] .

3 ــ وقال " خلع على الشيخ على المحتسب خلعة الاستمرار لأن شخصا من الأوباش سعى فى الحسبة بثلاثة آلاف دينار ... فتكلم معه بعض أرباب الدولة باستمرار المذكور على بذل ألفين[156].

4 ــ ويقول السخاوى عن القاضى عز الدين البكرى " تحكى عنه فى أكل الرشوة العجائب".

5 ــ وفى سنة 850 خلع على المحب بن الشحنة بالاستمرار على مابيده من قضاء بلده وكتابة سرها ونظر جيشها بل وأضيف إليه النظر على قلعة " حلب" والجامع النورى بحلب كل ذلك بعد أن حمل من الأموال الجزيلة والهدايا الجليلة مايطول شرحه.. وقال العينى عبارة مؤثرة : ولم يتفق قط مثل هذا فى حلب ولكن بالرشا يصل المرء فى هذه الأزمان إلى مايشاء.

6 ــ  وقال السخاوى عن القاضى جمال الدين الدمامينى: طالت مدته فى القضاء إلى أكثر من ثلاثن عاما وصار وجها ضخم الرياسة مع نقص بضاعته فى العلم والدين، لكن لكثرة بذله ومزيد سخائه، وقد أفنى مالا كثيرا فى قيام صورته فى المنصب ودفع من يعارضه حتى أنه كان يستدين ثم يحصل له إرث أو أمر من الأمور التى تحصل تحت يده بها مال من أى جهة ساغت أم لم تسغ ، فلا يلبث أن يستدين أيضا، وكان يخدم الناس كثيرا خصوصا الظلمة"[157].

ويقدم النص السابق صورة القاضى المملوكى ( من نقص فى علمه ودينه ورشوته للظلمة وطاعته لهم و أخذه الرشوة من المتقاضين وأكل الحرام ) فهو راش للظلمة مرتش من المظلومين قليل فى العلم والدين.

المماليك مرتشون :

        1 ـ ومن الطبيعى أن يبتهج المماليك بهذا الصنف من البشر، فجعلوا من الرشوة عملا قانونيا رسميا كإحدى مظاهر الظلم التى أرسى المتصوفة قواعدها مع المماليك. وشاعت الرشوة وانتشرت آثارها السيئة فى العصر متفاعلة ومتأثرة بالمظاهر الأخرى للتصوف . ويذكر المؤرخ ابن ايبك الصفدى فى موسوعته التاريخية ( الوافى بالوفيات : 30 جزءا ) فى ترجمة الملك القلاوونى الكامل ــ الذى حكم سنة و 17 يوما ــ أنه كان مُحبّا للمال ، ويعطى ( الاقطاعات والوظائف بالبذل ، وأنه عمل لذك ديوانا قائم الذات ، وكان يعين فى المناشير البذل وهم مبلغ ثلثمائة درهم فما فوقها ، فما إستحسن الناس ذلك ) ( الوافى 16 / 153 : 154 )

2 ــ ويصف أبو المحاسن الأمير وبردبك الداودار بأنه كانت له محبة واعتقاد فى الفقراء وأرباب الصلاح، وكان يحب جمع المال وله فى الأخذ والبلص والبرطيل فنون مشهورة[158].

3 ــ وقيل عن الأميرين بركة وبرقوق أنهما " يأخذان البراطيل والرشوة على ولاية الوظائف التى تسعى فيها الأنذال والأرذال من أوباش الناس الذين هم غير أهلها، فمن يومئذ تلاشى أحوال الديار المصرية والشامية حتى قيل: برقوق وبركة ضربا على الدنيا شبكة"[159] .

وكان ذلك بعد إنشاء ديوان البذل وبظهور ثقل الصوفية السياسى فى بداية ظهور الدولة الجركسية..

4 ــ ويقول مستشرق عن السلطان خشقدم وعصره واصفا الرشوة فى الدولة الجركسية حين عم التصوف: تفوق خشقدم فى انتزاع الرشوات الفادحة ممن كانوا يتطلعون إلى شراء الوظائف العامة ، قد كلفت ولاية دمشق الطامع فيها خمسة وأربعين ألف دينار، على حين بيعت وظيفة أخرى لشخص بعشرة آلاف ، أما وزراء الدولة فكانوا يعزلون كلما تمكن من يريدون عزله من إشباع مطامع الأمير، أما زيارات هذا السلطان الداهية لرعاياه فكانت تكلف من يتشرفون بها كثيرا من المال، وقد ساد الفساد جميع البلاد فى حكم الشراكسة ، ولم يكن للعدل وزن فى سير الأمور حتى أن شيخ الإسلام كان يختلس أموال الودائع"[160]. والمؤسف أن كلام ذلك المستشرق واقعى.

الرشوة وسيلة للوصول:

        1 ـ وجعل التصوف من الرشوة وسيلة للوصول .

فقيل عن الأمير علاء الدين الطبلاوى كان عمه تاجرا فورثه وسعى بالمال حتى تولى شد المرستان وتقلب فى الوظائف[161]. حتى صار أميرا.

2 ــ  وبالرشوة تولى غير الصالح مصالح المسلمين ، فقيل عن القاضى جمال الدين بن الكركى " كان من النصارى فتظاهر بالإسلام واستقر بالمال فى كتابة السر فكانت ولايته أقبح حادثة[162] .

3 ــ وبالرشوة تولى الوزارة البباوى لسعة ماله وكان جزارا عاميا أميا جاهلا وضيعا وهو بالتعبير العصرى" معلم" بكسر الميم ، ويصفه ابوالمحاسن وهو مؤرخ ارستقراطى بعدم ( الدراية فى الكلام العرفى والاصطلاح، حتى أنه إذا اراد أن يقول لأحد الكتبة أكتب قال: أضرب بالقلم. ) ، وقال عن ولايته الوزارة: وهى(الوزارة) إلى الآن أرفع الوظائف قدرا فى سائر بلاد الله.. إلا الديار المصرية فإنه انحط بها قدرها ووليها من الأوباش وصغار الكتبة جماعة من أوائل القرن التاسع إلى يومنا هذا، فالذى وليها فى عصرنا هذا ممن لايصلح لولايتها ابن النجار وعلى بن الأهناس البردار وأبوه الحاج محمد ويونس بن جربغا.. وغيرهم من هذه المقولة ، ومع هذا كله بلاء أعظم من بلاء، وأعظم الكل ولاية البباوى هذه ، فإن كل واحد ممن ذكرنا من الذين ولوا كان لكل واحد ميزة فى نفسه .. إلا البباوى هذا فإنه لم يتقدم له نوع من أنواع الرئاسة ، ومع هذه المساوىء باشر بظلم وعسف وعدم حشمة وقلة أدب مع الأكابر والأعيان وساءت سيرته وكثر الدعاء عليه .." [163]

4 ــ وبعد البباوى تولى الوزارة قاسم صيرفى اللحم " وقلع لبس العوام والسوقة"واعتبر أبوالمحاسن ذلك عارا كبيرا على مصر[164].

5 ــ  وعن الصلة بين التصوف والرشوة يقول المثل الشعبى: ارشوا تشفوا، البرطيل شيخ كبير[165].

وطالما أصبحت الرشوة شيخا فقد اكتسبت مشروعية فى الضمير الشعبى.  ويقول مؤرخ يحدث عن إشارة الرشوة: ولعل هذا كان أصل المثل الدارج القائل : إطعم الفم تختشى العين"[166].

أخيرا :

 1 ــ  ولابد أن يتاثر الجمهور بهذا السيل من الانحرافات الأخلاقية المتنوعة التى اكتسبت مشروعية اجتماعية . يقول السخاوى فى حوادث 847 " كثر التطفيف فى الموازين والغش فى البضائع وفشى ذلك فى الناس فشوا منكرا وتزايد ، وطمع السوقة كثيرهم لما جعلوا عليهم من الرواتب الشهرية والجُمعية، والفساد فى ازدياد ولا قوة إلا بالله[167]..

2 ــ  فقد انتقل فساد الأئمة والملوك إلى الناس فى الشوارع والأسواق وأصبح عرفا اجتماعيا يحظى بمشروعية الصمت والاعتياد، سوى بعض استنكار بين السطور .هذا الاستنكار هو الاستثناء الذى يؤكد القاعدة ولا يلغيها. .!.



[1]
ـ الجويرى المختار فى كشف الأسرار 20: 21

[2]ـ المدخل جـ 2/208، 211.

[3]البحر الموررود 210 .

[4]ردع الفقراء 10 .

[5]ـ لطائف المنن 203، 492، 278، 255، 199 : 201.

[6]ـ البحر الموررود 160 ،305 ،336 .

[7]ـ البحر الموررود 160 ،305 ،336.

[8]درر الغواص 53.

[9]الطبقات الكبرى جـ2 / 122 ، 135 ، 95 ، 62

[10]ـ الطبقات الكبرى جـ2 / 122 ، 135 ، 95 ، 62

[11]الطبقات الكبرى جـ2 / 122 ، 135 ، 95 ، 62

[12]ـ الطبقات الكبرى جـ2 / 122 ، 135 ، 95 ، 62

[13]لطائف المنن 147 : 148 .

[16]ـ لطائف المنن89 ،218 .

[17]ـ تنبيه المغترين 92.

[18]ـ لطائف المنن 128، 380، 381، 400، 173.

[19]ـ لطائف المنن 128، 380، 381، 400، 173.

[20]ـالبحر المورود 346 ،354 ،334 .

[21]ــالبحر المورود 346 ،354 ،334 .

[22]ـ السلوك جـ1/3/744: 745.

[23]ـ السلوك جـ3/2/770: 771

[24]ـ المنهل الصافى ج2/668.

[25]ـ تاريخ ابن اياس جـ2/256.

[26]ـ ـالطبقات الكبرى ج2/125.

[27]ـ لواقح الأنوار 217.

[28]ـ لطائف المنن 344

[29]لطائف المنن 344

[30]ـ. إنباء الغمر جـ3/365

[31]ـ الكواكب السيارة 234، 224.

[32]ـ إنباء الغمر جـ2/ 103 ، الضوء اللامع جـ4/305 .

[33]ـ إنباء الغمر جـ2/ 103 ، الضوء اللامع جـ4/305 .

[34]إحياء علوم الدين جـ3 / 197 : 198 ، جـ2 / 295 .

[35]ـ إحياء علوم الدين جـ3 / 197 : 198 ، جـ2 / 295.

[36]الجويرى : المختار فى كشف الأسرار 44.

[37]ـ الطبقات الكبرى للشعرانى ج1: ترجمة الدسوقى.

[38]ـ ابن عطاء. لطائف المنن71.

[39]ـ طبقات الشاذلى للكوهن62.

[40]ـ. لواقح الأنوار للشعرانى284.

[41]ـ لطائف المنن 55.

[42]ـ لواقح الأنوار 271 .

[43]الصفدى. الوافى بالوفيات وفيات 743.

[44]ـ ابن حجر.ذيل الدرر الكامنة 10، 11.

[45]ـ  إنباء الغمر جـ2/77.

[46]ـ عقد الجمان ورقة 387 وفيات 816 (المنهل الصافى 152 : 153 ).

[47]ـ قاموس العادات والتقاليد  166 .

[48]ـالضوء اللامع جـ 3 /41 .

[49]ـإنباء الغمر جـ 2 / 111.

[50]ـ السلوك جـ 4 / 3 / 185 .

[54]ـعقد الجمان : 243وفيات 780 .

[55]ـ إنباء الغمر جـ 1 / 183

[56]ـالنجوم الزاهرة جـ 15 / 165 : 166.

[57]ـإنباء الغمر جـ 3 / 148.

[58]ـالسلوك جـ 3 / 3 / 1129.النجوم جـ 13 / 37 .

[59]ـ الضوء اللامع جـ 3 / 235.

[60]ـ ديوان ابن نباته 333

[61]ـإنباء الغمر جـ 3 / 17 .

[62]ـ تحفة الأحباب 43 : 44.

[63]ـالسلوك جـ 4 / 2 / 759.

[64]ـالضوء اللامع جـ 2 / 250.

[65]ـ إنباء الغمر جـ3 /387 .

[66]ـ نفس المرجع جـ 3/ 451 . .

[67]ـابن حجر : ذيل الدرر الكامنة 17 ، إنباء الغمر جـ 2 / 113 ، والمنهل الصافى جـ / 85 ، ونزهة النفوس جـ 2 / 68 : 69.

[68]ـتاريخ الذهبى. مخطوط . مجلد 31 ، 40 : 41 .

[69]ـالسبكى . معيد النعم 155.

[70]ـالدررالكامنةجـ 4/33.

[71]ـالإ فادة والاعتبار فى المشاهدة والحوادث والمعاينة بأرض مصر لعبداللطيف البغدادى نشرته مطبعة المجلة الجديدة تحت عنوان عبداللطيف البغدادى فى مصر 47 : 48 .

[72]ـ ابن خلدون . المقدمة 384 ، 385 ، 386 ، 388

[73]ـالفلاكة والمفلوكون : 30 ، 31.

[74]ـ الدرر الكامنة جـ 2 / 23 .

[75]ـ. تاريخ ابن اياس ج4/293

[76]ـ. ـ التبر المسبوك 173: 174

[77]. إنباء الغمر مخطوط 1124 .

[78]ـ. إنباء الغمر ج3/485 ـ

[79]ـ. الضوء اللامع ج3/172

[80]ـ ـ البحر المورود 40

[81]. النجوم الزاهرة ج15: 91، نزهة النفوس  ج3/402

[82]. ـ . حوادث الدهور ج2/197

[83]ـ تاريخ البقاعى 12 أ مخطوط

[84]ـ تاريخ ابن اياس ج4/ 147: 148 .

[85]. نفس المرجع ج1/2/299 ـ

[86]ـ الأمثال الشعبية تيمور 324،328 .

[87]. ـ المقدمة 504، 524، 530

[88]ـ الفلاكة والمفلوكون 29 .

[89]ـ مجموعة الرسائل والمسائل ج1/70.

[90]ـ روض الرياحين 18، 19. ـ.

[91]ـلطائف المنن 76، 73

[92]ـ. ابن ا لنديم الفهرست 498، 500، 505

[93]. ابن عياد الشاذلى : المفاخرالعلية 11

[94]تعطير الأنفاس 31

[95]. ـ تعطير الأنفاس 226،ابن عطاء .لطائف المنن 59

[96]ـ. الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/ 7.

[97]ـ ابن عطاء التنوير 82 .

[98].. الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/89  

[99]ـ الطبقات الكبرى للمناوى 385   

[100]ـ لطائف المنن 75 ، 85 .

[101]ــ لطائف المنن  75، 85.

[102]. ـ إنباء الغمر جـ3/204

[103]ـ. العينى . عقد الجمان ورقة 269، وفيات 701

[104]ـ  الجزرى : الذيل جـ 2 / 365 .

[105]ـإنباء الغمر جـ2/30

[106]. ـ الضوء اللامع جـ1/183.

[107]ـ  ـلطائف المنن 75

[108]ـذيل الدرر الكامنة مخطوط 26 . تاريخ قاضى شهبة جـ 2 / 167 . إنباء الغمر جـ 2 / 123.

  [109]ـ الصفدى . أعيان العصر جـ 7 / 1 / 32 .

[110]ـ مناقب الفرغل 28 : 29 .

[111]- الطبقات الكبرى للشعرانى جـ 2 / 99 .

[112]- نفس المرجع جـ 2 / 80 .

[113]- النجوم الزاهرة جـ 11 / 132 . .

[114]-نفس المرجع جـ 15 / 542 : 543.

[115]- مناقب المنوفى 27، 32.

[116]- الغزى.الكواكب السائرة جـ1 / 94 .

[117]- تاريخ البقاعى 41 ب

[118]- العيني.عقد الجمان حوادث 730 ورقة 16، 17 ، 18 ، التنويرى : نهاية الأرب ج31 / 105 ، الدرر الكامنة ج4 / 455.

[119]- أبو المحاسن: حوادث الدهور ج1 / 33 ، 39 ، 40 السخاوى : التبر المسبوك 211 ،212 .   

[120]- تعطير الأنفاس 48.

[121]-الطبقات الكبرى .

[122]ـ البحر المورود 154 .

[123]ـلمحة عامة إلى مصر جـ 2 / 97.

[124]ـ عقد الجمان . مخطوط مصدر لوحة 323. حوادث سنة 813 .  

[125]إنباء الغمر جـ3 / 326 .

[126]-نفس المرجع 468 .

[127]التبر المسبوك 309 .

[128]ـتاريخ ابن إياس جـ 2 / 344 .

[129]حوادث الدهور ج2/313 .

[130]ـالضوء اللامع جـ /301 .

[131]ـتاريخ ابن إياس جـ 4 / 88

[132]. الكواكب السائرة جـ 1 / 211 : 212

[133]ـ تاريخ ابن اياس ج4/153، 158، 160، 163.

[134]ـ الأبشيهى. المستظرف 37.

[135]ـ تيمور. الأمثال الشعبية 247.

[136]ـ الفهرست 497.

[137]ـ المقدمة 530.

[138]ـ تاريخ ابن الفرات ج8/56

[139]ـحوادث الدهور ج2/174.

[140]ـ السلوك ج4/3/1130

[141]ـ نزهة النفوس ج2/69.

[142]ـ التبر المسبوك 209، تاريخ ابن اياس ج2/263.                     

[143]ـ النجوم الزاهر ج15/331.

[144]ــ التبر المسبوك 83.

[145]ـ تاريخ ابن اياس ج2/355.

[146]ـ إنباء الغمر ج3/457.

[147]ـ المقريزى حل لغز الماء 75، 76 مخطوط.

[148]ـ شمة : مسرة العين 10ب,

[149]ـلمحة عامة إلى مصر ج2/96.

[150]ـ تيمور الأمثال الشعبية 246.

[151]ـ لطائف المنن 272:274.

[152]ـ نظير سعداوى :27، 30. صور ومظالم من عصر المماليك.

[153]ـ العينى . عقد الجمان. مخطوط مصور وفيات 810 لوحة 276.

[154]ـ المقريزى. المقفى. مخطوط ج4/25.

[155]ـأو المحاسن: النجوم ج15/375.

[156]ـ أبو المحاسن : حوادث الدهور ج2/196.

[157]ـ السخاوى : التبر المسبوك 55، 145، 27.

[158]ـ أبوالمحاسن . حوادث الدهور ج3/579.

[159]ـ تاريخ ابن اياس ج1/2/220 تحقيق محمد مصطفى.

[160]ـ لين بول .سيرة القاهرة205.

[161]ـ تاريخ قاضى شهبة مخطوط ج2/167.

[162]ـ السخاوى: التبر المسبوك 422.

[163]ـ أبوالمحاسن:  النجوم الزاهرة جـ16/292، 341، حوادث الدهور جـ3/580

[164]ـ أبوالمحاسن: النجوم الزاهرة جـ16/292 ، 341، حوادث الدهور جـ3/580

[165]ـ الأمثال الشعبية لتيمور :20،139. شعلان: الشعب المصرى فى أمثاله العامية 62.

[166]ـ نظير سعداوى : صور ومظالم :30.

[167]ـ السخاوى  :التبر المسبوك77.

ج 3 ف 6 التصوف ونشر المساوىءالاجتماعية.

ج3 / ف 6  : التصوف والتطرف فى الكذب

   كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

الفصل السادس : التصوف ونشر المساوىءالاجتماعية. 

 مقدمة الفصل

   كانت الحياة الأجتماعية أكثر استجابة للتصوف وتعبيرا عنه بالقدر الذى كان فيه التصوف نفسه تعبيرا عن غرائز المجتمع واهوائه. وبين هذا التفاعل بين المجتمع والتصوف انتشرت قيم اجتماعية هابطة اعتادها الناس ولم يروها عيبا، ولاتزال آثارها ماثلة فى تصرفات المجتمعات الشرقية المسلمة حتى الآن من الكذب والقذارة والبذاءة.ونعرض لها فى هذا التقرير عن تأثر المجتمع المصرى المملوكى بالتصوف .

التصوف والتطرف فى الكذب

 الكذب فى الأديان الأرضية وتطرف التصوف فى الكذب :

1 ــ تتأسّس الأديان الأرضية عموما على أفظع أنواع الكذب ، وهو الافتراء على الله جل وعلا . ورب العزة أكّد فى آيات قرآنية كثيرة أنّ أظلم الناس هو من يفترى على الله جل وعلا كذبا ، ويُكذّب بآياته . وترى تلازم الافتراء على الله جل وعلا ورسوله وتكذيب آيات القرآن الكريم عادة سيئة فى أديان السّنّة والتشيع والتصوف .

فى السُّنة والتشيع يأتى الافتراء بأحاديث منسوبة للنبى ولله تعالى ولكبار الصحابة . أما التصوف فقد توسع بإختراع المنامات( رؤية الله جل وعلا ورؤية النبى فى المنام وفى اليقظة أيضا ) والعلم اللدنى والهاتف ، وبلا حاجة الى ان يقول أحدهم ( حدثنى فلان عن فلان ) بل ـ بجُرأة عجيبة ــ يزعمون الوحى الالهى المباشر لهم ، تبعا لعقيدتهم فى أن الله جل وعلا فى داخلهم ومُتّحد بهم ، تعالى رب العزة عن ذلك علوا كبيرا . وهذا الافتراء يتفوق به التصوف ليس فقط على دينى السُّنّة والتشيع ، بل على كل الأديان الأرضية الأخرى للمسيحيين وغيرهم .      

2 ــ بجانب هذا ، افترى أولئك الصوفية على الله كذبا حين ادعوا أنهم وحدهم من دون الناس أولياء الله وخاصته، وحين زكوا أنفسهم ، وبذلك استحقوا قول الله تعالى": (ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (50) النساء).

3 ــ ثم ازداد افتراء أولئك الصوفية حين ادعوا لأنفسهم مستلزمات الألوهية من علم الله وتحكمه فى الكون واتحادهم بالله وحلوله فيهم ورتبوا على ذلك حقوقا لهم على الناس فصدقوهم وقصدوهم بالعبادة والتقديس.

4 ــ ودين يقوم على التطرف فى الكذب على الله ويحظى بتقديس الناس لابد أن تتحول فيه الأكاذيب إلى فضائل طالما دارت على ألسنة الصوفية أو حول الأولياء، وعلى ذلك استشرت أكاذيب الكرامات حتى أصبح التصديق بها معلوما من الدين بالضرورة والاعتراض عليها مؤذنا بالأذى والإنكار.

5 ــ  ولسنا فى مجال التوقف مع مظاهر الكذب الدينى فى دين التصوف فقد ناقشنا عقائد التصوف ورسومه من قبل ، ولكننا نتتبع آثار ذلك الكذب الدينى فى نشر رذيلة الكذب وجعلها ظاهرة اجتماعية سيئة. فالكذب العادى لاينجو منه بشر ، بل قد يمكن القول أن الإنسان قد يعرف الكذب مع بداية معرفته نطق الكلمات ، ولكن يظل الكذب رذيلة ولايتخذ له مسميات أخرى من الكرامات والمنامات إلا فى عصور يسيطر عليها دين أرضى مؤسّس على الكذب ، خصوصا إذا كان هذا الدين الأرضى صوفيا متطرفا فى رذيلة الكذب يجعلها من أُسُس دينه وعقيدته وشريعته . التصوف والدجل الدينى.

أئمة التصوف هم أئمة الكذب من القشيرى الى الغزالى : 

1 ــ  وتاريخ التصوف هو تاريخ " الكذب الدينى" بادعاء المنامات والأساطير العاطفية والحديث مع الله والملائكة. والصفحات الأولى التى كتبت عن دين التصوف ملئت بمثل ذلك . 2 ــ وحتى من ادعى التصوف المعتدل وأنكر على الآخرين أكاذيبهم ودعاويهم فإنه وقع فيما وقعوا فيه ، فالقشيرى يروى عن ابن خفيف أحد معتدلى الصوفية قوله عن نفسه: ( ربما كنت أقرأ فى إبتداء أمرى فى ركعة واحدة عشرة آلاف مرة قل هو الله أحد، وربما كنت أقرأ فى ركعة واحدة القرآن كله، وربما كنت أصلى من الغداة إلى العصر ألف ركعة[1].

بل إن القشيرى الذى استكثر على أجلاف الصوفية فى عصره دعاويهم الكاذبة عن الاتحاد والشهود هو نفسه القائل يوجب تصديق أكاذيب زاعمى الحلول والاتحاد : (  لايصح لأحد منازلة مقام إلا بشهود إقامة الله تعالى إياه بذلك المقام ليصح بناء أمره على قاعدة صحيحة. ) [2]. أى أنه لإدعاء الصوفية فى الحلول والشهود قاعدة تتيح لأحدهم أن يدعى مايدعى ولايطالب ببينة أو دليل.

3 ــ  والغزالى فى " الاحياء" أتى بطائفة من الاساطير والمبالغات لم يكن ليجرؤ على ذكرها لولا أن العصر يتحملها ويقبلها، من ذلك قوله: (  روى أنه كان فى بنى إسرائيل رجل يتعبد فى صومعته ، فمكث كذلك زمانا طويلا، فأشرف ذات يوم فإذا بإمرأة فأفتتن بها، وهمَ فأخرج رجله لينزل إليها، فأدركه الله بسابقة . فقال: ماهذا الذى أريد أن أصنع؟ فرجعت إليه نفسه وعصمه الله تعالى، فلما أراد أن يعيد رجله إلى الصومعة ، قال : " هيهات رجل خرجت تريد أن تعصى الله تعود معى فى صومعتى؟ لايكون والله ذلك أبدا .!" ، فتركها معلقة فى الصومعة تصيبها الأمطار والرياح والثلج والشمس حتى تقطعت وسقطت ، فشكر الله له ذلك"[3].

 فكيف نصدق أن انسانا يترك رجله معلقة فى الهواء إلى أن تنقطع وتسقط؟ فكيف كان يتوضأ ويصلى ويأكل ويشرب ويذهب لدورة المياه ؟ هذه الرواية الكاذبة شأن أكاذيب الغزالى تحتاج الى بشر بلا عقول ليبتلعوا هذا الإفك المُضحك .

4 ــ  " والاحياء" محشو بأكاذيب منها ماصيغ أحاديث منسوبة للنبى أو لأنبياء سابقين معروفين أو غير معروفين ، أو لرب العزة ، أو ( لبعض الكتب المُنزّلة ) لا ندرى ما هى .   ومنها أقاصيص لايصدقها عقل طفل صغير مثل القصة السابقة عن الراهب الإسرائيلى وقدمه العاصية، ومثل هذه القصة التى يرويها عن بعضهم: ( دخلت على فتح الموصلى فرأيته قد مد كفيه يبكى حتى رأيت الدموع تنحدر من بين أصابعه، فدنوت منه فإذا دموعه قد خالطها صفرة ، فقلت ولماذا بالله يافتح بكيت الدم؟ قال : لولا أنك أحلفتنى بالله ما أخبرتك نعم بكيت دما. فقلت له: على ماذا بكيت الدموع؟ فقال على تخلفى عن واجب حق الله تعالى ، وبكيت الدم على الدموع لئلا يكون ماصحت لى الدموع، قال فرأيته عند موته فى المنام فقلت : ماصنع الله بك قال غفر لى فقلت له فما صنع فى دموعك ،قال قربنى ربى عز وجل وقال لى يافتح الدمع على ماذا قلت يارب على تخلفى عن واجب حقك قال والدم على ماذا قال على دموعى أن لاتصح لى فقال لى يافتح ما أردت بهذا كله وعزتى وجلالى لقد صعد حافظاك أربعين سنة بصحيفتك مافيها خطيئة؟[4].

الكذب فى مناقب الصوفية وفى مجالس ( الكرامات ) الصوفية

1 ــ وبازدياد التصوف ازدادت جرعة الأكاذيب الدينية وملئت بها كتب المناقب التى تخصصت فى تقديس الأشياخ الصوفية وتعداد مناقبهم ونشر كراماتهم ، وتمتعت كالعادة بتصديق الناس حتى أن بعض الحوليات التاريخية اقتبست منها الكثير من هذه الأكاذيب ورددتها معتقدة بصحتها خصوصا فى عصر الدولة البرجية .

2 ــ  ولم تكن كتب المناقب على كثرتها لتفى بإشباع شهية الصوفية فى اختلاق الأكاذيب وإنما دارت المجالسات والندوات حول أقاصيص الكرامات الصوفية وحكايات الصالحين، مما  دعا الفقيه الصوفى ابن الحاج فى القرن الثامن للإنكار على هذه الظاهرة ( مجالس الكذب الدينى ) ، فيقول: ( كثير من الناس يدعى الدين والصلاح وأنه من أهل الوصول ويأتى بحكايات من تقدم من الأكابر ويطرز بها كلامه ، وهو مع ذلك يشير إلى نفسه بلسان حاله وأن منها عنده طرفا، وبعضهم يزعم أنه حصل له من ذلك الأمر حاصل، ومنهم من له القدرة على تصنيف الحكايات والمراءى التى يختلقها من تلقاء نفسه ، ولاسيما ما ابتلى به بعضهم من دعواه رؤيا النبى عليه السلام فى المنام، وأنه أقبل عليه وخاطبه وأمره ونهاه، بل بعضهم يدعى رؤيته عليه السلام وهو فى اليقظة، وهذا باب ضيق، وقل من يقع له ذلك إلا من كان على صفة عزيز وجودها فى هذا الزمان، بل عدمت غالبا، مع أننا لاننكر من يقع له هذا من الأكابر الذين حفظهم الله تعالى فى ظواهرهم وبواطنهم.. ومنهم من يشير إلى نفسه بالكرامات وخرق العادات وهو عرى عنها بالاتصاف بضدها)"[5].

وابن الحاج ـ مثل فقهاء التصوف ــ يقرر المبدأ  ويستكثره على صوفية عصره، فلا يراهم مستحقين لدعوى رؤية النبى مناما أو يقظة ويجعلها شرفا لأشياخه، وكان شيخه  ممن يدعى رؤية الرسول يقظة، وعقدوا له مجلسا للمحاكمة بسبب ذلك [6].

 ومما قاله ابن الحاج يظهر أن الأشياخ الصوفية فى القرن الثامن كانوا يعقدون مجالس لقص أساطير الكرامات والمنامات ، ويحول الشيخ المجلس فى النهاية إلى حفل تكريم لنفسه، ثم كانت تلك الأكاذيب التى يرويها الشيخ عن نفسه تجد آذانا مصغية لا عقولا منتقدة مستنكرة.

تطرف الشعرانى فى الكذب

1 ــ   وبعد ابن الحاج وفى القرن العاشر حيث تعاظمت سيطرة التصوف وجدنا الشعرانى لايكتفى بحكاية الأكاذيب عن أشياخه وإنما يؤلفها عن نفسه فى معرض التفاخر حيث أفرد كتابا ضخما هو ( لطائف المنن ) يقول فى كل فقرة "  ومما من الله تعالى به على أن..." ومن ثنايا السطور تتكاثر أكاذيبه التى كانت تحظى بالتصديق فى عصره وإن كانت الصحوة العقلية الآن تستفظع أكاذيبه أو لا تستسيغ بلعها.. يقول مثلا :

( ومما أنعم الله تبارك وتعالى به على مساعدتى لأصحاب النوبة فى سائر أقطار الأرض فى حفظ إدراكهم من برارى وقفار ومدائن وبحار وقرى وجبال ، فأطوف بقلبى على جميع أقطار الأرض فى نحو ثلاث درج .. وصورة طوافى كل ليلة على مصر وجميع أقاليم الأرض أننى أشير بأصبعى إلى أزقة جميع المدائن والقرى والبرارى والبحار وأنا أقول الله الله الله ، فأبدأ بمصر العتيقة ثم بالقاهرة ثم بقراها حتى أصل الى مدينة غزة ، ثم إلى القدس ، ثم إلى الشام ، ثم إلى حلب ، ثم إلى بلاد العجم ، ثم إلى البلاد التركية ، ثم إلى بلاد الروم ، ثم اعدى من البحر المحيط إلى بلاد المغرب، فأطوف عليها بلدا بلدا حتى أجىء إلى الإسكندرية ، ثم أعطف منها إلى دمياط ، ثم منها إلى أقصى الصعيد ، ثم إلى بلاد الرجر وهى اقطاع جدى الخامس، ثم أعطف إلى بلاد التكرور وبلاد السكوت ، ومنها إلى بلاد النجاشى ، ثم إلى أقصى بلاد الحبشة ، وهى سفر عشر سنين ، ثم منها إلى بلاد الهند ثم إلى بلاد السند، ثم إلى بلاد الصين.  ثم ارجع إلى بلاد اليمن ثم إلى مكة ، ثم اخرج من باب العلى إلى الدرب الحجازى ،إلى بدر ، ثم إلى الصفراء، ثم إلى مدينة النبى صلى الله عليه وسلم ، فاستأذنه عند باب السورة ، ثم أدخل حتى أقف بين يديه صلى الله عليه وسلم فأصلى وأسلم عليه وعلى صاحبيه وأزور من فى البقيع .. وما أرجع إلى دارى بمصر إلا وأنا ألهث من شدة التعب كأنى كنت حاملا جبلا عظيما. ولا أعلم أحدا سبقنى إلى مثل هذا الطواف .وكان إبتداء حصول هذا المقام لى فى سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة فرأيت نفسى فى محفة طائرة ، فطافت بى سائر أقطار الأرض فى لحظة . وكانت تطوف بى على قبورالمشايخ من فوق أضرحتهم ، إلا ضريح سيدى أحمد البدوى وضريح سيدى إبراهيم الدسوقى .. فإن المحفة نزلت بى من تحت عتبة كل من أحدهما ومرت من تحت قبره ، ولم أعرف إلى الآن الحكمة فى تخصيص هذين الشيخين بذلك"[7]!!

2 ــ والشعرانى حين يفترى هذه الأكاذيب المضحكة كان يتيقن أن عصره لن يقابلها بالسخرية بل بالتصديق وزيادة الإعتقاد في كراماته وولايته . وذلك يؤكد الصلة الوثيقة بين الكذب والولاية الصوفية، كلما ازداد أحدهم جرأة في الكذب ومهارة فيه كلما انتشر صيته وازداد أتباعه . ومن ناحية أخرى فإن ذلك يعنى أن التصوف كرًس في عقائد الناس الإيمان بأكاذيب الصوفية بالغاً ما بلغت . والشعرانى حتى الآن – وبعد وفاته بنحو خمس قرون- لا يزال أستاذاً مقدساً عند الصوفية " وكهفهم الصمدانى وقطبهم الربانى".

ج3 / ف 6  : الصوفية  وتشريع ونشر الكذب 

   كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

الفصل السادس : التصوف ونشر المساوىءالاجتماعية.

الصوفية  وتشريع ونشر الكذب 

تشريع فرض الايمان بأكاذيب الصوفية

1ــ  وفي عصر الشعرانى خفت صوت العقل وعلا صوت الخرافة ومع ذلك فإن الشعرانى يحاول أن يجتث العقل من جذوره فيقول داعياً إلى تصديق أكاذيبه: ( ومما أنعم الله تبارك وتعالى به على تصديقى للصالحين في كل ما يخبرون به من الأمور التى تحيلها ( أى تُنكرها ) العقول عادة، ولم أزل أصدقهم في ذلك من حين كنت صغيراً، وكل شيئ لم أتعقله جعلته من جملة العلم الذى لم أعرفه، ولا أكذّب إلا ما خالف النصوص الصريحة أو خرق إجماع المسلمين .) ( وأجمع أهل الكشف – أى الصوفية- على أنه إذا أنكر شيئاً أخبره به أهل الكشف حرم ذلك الأمر الذى أنكره، ولو بلغ الغاية في السلوك فلا يعطى ذلك الأمر عقوبة له على إنكاره وتكذيبه أولياء الله تعالى، الذين هم آياته في الأرض ، وبهم يُرزق الناس وبهم يُمطرون وبهم يدفع الله البلاء عن عباده.) . هنا يقع الشعرانى فى أحطّ دركات الكفر حين يجعل الله جل وعلا واسطة ، أى ان الله جل وعلا يستعين بهؤلاء الصوفية فى رزق البشر و انزال المطر و دفع البلاء عن العباد . ويقع الشعرانى فى هذا الحضيض من الكفر العقيدى لكى يوجب الايمان بأكاذيب الصوفية بالغا ما بلغت .

2 ــ ويستمر الشعرانى فيحكى هذه الأكاذيب التى يوجب التصديق بها ، يقول : ( وقد جلس عندى مرة الأخ الصالح الشيخ أبو العباس الحريثى بين المغرب والعشاء في رمضان ، فقرأ بعد المغرب إلى مغيب الشفق الأحمر القرآن خمس مرات وأنا أسمعه . فلما دخلت أنا وإياه على سيدى على المرصفى حكيت له ذلك فقال : " قد وقع لى أنى قرأت القرآن في يوم وليلة ثلثمائة وستين ألف درجة كل درجة ألف ختمة " ، هذا بلفظه انتهى. ومما وقع لى أننى أحرمت بصلاة الصبح خلف الشيخ عمر الإمام بالزاوية فافتتح سورة المزمل فسبق لسانى فقرأت القرآن من أول سورة البقرة ولحقته في قراءة الركعة الأولى قبل أن يركع فأنصتُ له حتى ركع، هذا أمر شهدته من نفسى وآمنت بأنه كرامة لى من الله تعالى. ) ويصل الشعرانى الى الهدف ، فيقول : ( فإن الإيمان بكرامات الأولياء واجب حق ويجب على الولى أن يؤمن بكرامات نفسه كما يؤمن بكرامات غيره . ) [8].

أكاذيب المنامات والكرامات :

1 ــ وبالتصوف انتشرت أكاذيب المنامات تحظى بتصديق الناس ، وأصبح من العادات الإجتماعية الدينية أن من قتل مظلوماً رؤيت له منامات صالحة [9]. ومن اشتهر بالصلاح أو التصوف قيلت له منامات عن وقت مولده. وتكاثر الأمر حتى أصبح مثار السخرية، يقول السخاوى معلقًأ على حادثة من هذا النوع : (  ولم يعدم متهكماً عليه في هذا المنام حسداً وافتراءاً على عادة البطالين" [10].

وأبو المحاسن احتج بدوره على أصحاب المنامات الكاذبة [11].

وقال ابن حجر في ترجمة الشهاب الباعونى ت 816 " كان لا يعاب إلا بالإعجاب والمزيد من الكلام  والمنامات [12]. ومما يدل على أكاذيب المنامات انتشرت من الصوفية إلى غيرهم وأثارت نوعاً من الإحتجاج والسخرية لعدم تمتع أصحابها بإحترام كافٍ .

2 ــ  أما الكرامات فقد كانت خصوصية يدعيها الأولياء الصوفية وأتباعهم والمرتزقة حولهم وسدنة المقابر المقدسة . وأسهم العصر المملوكى في روايتها سرداً وتزايداً واعتقاداً.

بل لقد أصبحت رواية أكاذيب الكرامات نوعا من الشعائر الدينية، وذلك ما نفهمه من الربط بين وصف أحدهم بالصلاح والتدين مع وصفه أيضاً بسرد " حكايات الصالحين".

يقول السخاوى في ترجمة عباس السندبسطى ت 888 " كان كثير العبادة تالياً للقرآن ذاكراً لنبذة من حكايات الصالحين ونحوها معتقداً بين كثير من العامة والخاصة" [13].  فصاحبنا كان تالياً للقرآن ذاكراً الأكاذيب والكرامات متمتعاً باعتقاد الناس فيه بسبب ذلك .

 وقيل في ترجمة الشيخ محمد المغربى الشاذلى ت 911 أن الغالب عليه كان " الإطراق " " وعدم الإطالة في الكلام" أما إذا تعلق الأمر بحكايات الصالحين عندئذ يكون " بارعا في استحضار حكايات الصالحين ونقلها مسارعاً" [14].

 والمريدون على وجه الخصوص كانوا أسرع الناس في نشر أساطير أشياخهم ، فالبدر القطى ت 878 " كان يكثر من حكايات كرامات شيخه يوسف الصفى " [15]. ويقول الدسوقى " مطالعة حكايات الأولياء جند من جنود الله " [16] ، أى شعيرة دينية.

والصوفى إذا وجد مريدين اتسع أمامه المجال للأكاذيب طالما بقى فيه رمق حتى لو كان على فراش الموت، كما قيل عن تاج الدين الذاكر أنه أخبر أصحابه ليلة وفاته أن له سبعاً وعشرين سنة ما وضع جنبه إلى الأرض [17]. أى ظل واقفاً أو جالساً إلى أن حضره الموت.

     أما إذا لم يتمتع الصوفي بالشهرة اللازمة فلا حظَ له في أكاذيبه وكراماته إلا السخرية فيقول الأدفوى عن الصوفي ابن سليمان " وكانت له ادعاءات مضحكة : مثل حصر دخان المعصرة كم يجئ من قنطار، والأردب السمسم يعرفه كم حبة ، وأنه تبول في النيل فزاد ، وأنه طلع إلى بربارة ادفو وكسر التتار " [18].

التفنن فى تأليف الأكاذيب :

1 ــ على أن دين التصوف ألهب خيال الشيوخ في اختراع شتى الحكايات والنوادر، وكان يمكن أن تظل في إطار الأقاصيص العادية التى تُقال للتسلية مثل قصص ( ألف ليلة ) لولا أن الشيخ القاص كان يرويها كشعيرة دينية ثم يدعى حدوثها لنفسه ويجعل من نفسه البطل أو الراوى الذى شهد وقوع الحادثة بحذافيرها، ثم يحظى بالتصديق مهما بلغت أكاذيبه، ومهما كان مفهوما أنه مخترع لهذه الأكاذيب ، بل ربما يُمدح على إختراعه الكذب ، وتُعدُّ موهبة له . فالشيخ النصيبى القوصى ت 707 " كانت له قدرة على ارتجال الحكاية المطولة" [19]. وكان ابن المبارك الأثارى ت 806 " كثير النوادر والحكايات العجيبة أعجوبة في وضعها " [20]. وكان بدر الدين العجمى ت 873 " حلو النادرة حسن المحاضرة والمفاكهة والمذاكرة .. وكان يروى لمن يحضر عنده ويذاكره عن أعاجيب، ما اطلَع عليه في البر والبحر والأسفار بالجملة والتفصيل " [21]. أما الشيخ الفنارى ت 903 فقد كان يغلب عليه الصمت " إلا إذا ذكر صحبة مع السلطان فعند ذلك يورد الحكايات العجيبة  واللطائف الغريبة " [22].

 وقال العيني عن ابن زقاعة الصوفي " كان أعجوبة في استحضار الحكايات والمجريات " [23]. أى ما جرى من أمور وحكايات.

ويقول الصيرفى في حوادث سنة 875 " وحدث في هذه الأيام أمور تؤذن باقتراب الساعة ، منها أن السيد الشريف الوفائى – نائب قاضى الحنفية – أخبرنى بحضوره أن الأمير تمر المحمودى حاجب الحجاب شاهد عنده بغلة ولدت وعاش الولد أياماً ومات بعد ذلك " [24].

أى أن مؤرخاً قاضياً مثل الصيرفى صدق هذه الأسطورة واعتبرها إيذاناً بقيام الساعة .

ويذكر ابن العراقى أن الشيخ ابن القارئ ت 776 كان يعلل صممه بأنه سمع عذاب القبر وهو صغير. ويبدو من أسلوب ابن العراقى أنه كان يصدق هذه الأكذوبة [25].

2 ــ كان التصديق بالأكاذيب متوقفا على مكانة الشيخ بين الناس ، فإذا حظى بالاعتقاد فيه فكل أكاذيبه مقبولة وهى جزء من دينهم الصوفى . ولهذا فالويل لمن لا يحظى باعتقاد عصره وأحترام الناس له ، عندها إذا بالغ فى الكذب لم تحظ أكاذيبه بالتصديق ، بل يوصف بما يستحق. يقول أبو المحاسن عن سودون القرمانى 863 " كان مهملاً مسرفاً على نفسه وعنده فشار كبير ومجازفات في كلامه " [26]. بل وصف بعضهم بالكذاب واشتهر به مثل الخالدى [27].

3 ــ  وبانتشار التصوف قدم كثيرون إلى مصر من صوفية المشرق والمغرب ، وكانت لبعضهم حصيلته الوافرة من الحكايات الخرافية التى لا ضابط عليه في روايتها ، خصوصاً وأن المبالغة محمودة في عرف الصوفية الباحثين عن الشهرة والقادمين من أجلها.

يقول ابن حجر في ترجمة الشيخ ابن سيرين الحنفى ت 809 نزيل القاهرة " حدث وخطب بالظاهرية البرقوقية وكان يحدث عن الهند بعجائب والله أعلم بصحتها " [28]

ويذكر ابن حجر الهيثمى أنه قدم إلى مصر رجل هندى "يزعم أن عمره مائتا سنة وخمسون سنة على ما يدعيه ، بل شواهد الحال تقطع بكذبه"[29].

 ربط التصوف بالكذب

ونورد نصوصا ثلاثة تربط بين التصوف والكذب .

أولها: من فقيه صوفى مشهور هو السيوطى القائل أن من ادعى التجريد ثم أخذ يذكر الأسباب فهو مدع كذاب [30] . وبداية الطريق الصوفى لكل شيخ هو التجرد ، وكلهم ذكر الأسباب وعاش بها ، فكلهم كذابون عند السيوطى .

وثانيها:  ما كانت تنص عليه وثائق الوقف على المؤسسات الصوفية " ألا يكون معروفاً بكثرة الكذب والإفتراء على الناس "[31]. أى كانت تشترط ألا يزيد حظه كثيراً من الكذب والإفتراء ..

وثالثها: ما ذكره السخاوى فى ترجمة ابن المغيربى ت 846 "كان لا يتوقى منه يمين يحلفها فيما لا قيمة له ، مع إظهار تحرى الصدق والديانة البالغة ، ويتوسع فى المأكل والملابس من غير مادة ، ويشكو الضيق"[32].

أى يبالغ فى القسم والحلف والأيمان على التوافه ، يحلف على أى شىء تافه مع التظاهر بالتدين والصدق ، وانعكس ذلك التناقض فكان مسرفاً فى المأكل والمظهر متبرماً من ضيق الأحوال ، والمعنى الواضح فى النص أنه تعود الكذب فى لسانه وسلوكه ودينه .وتلك جناية التصوف على العصر ..أن جعل الكذب شعيرة دينية .

شيوع شهادة الزور

1 ــ ومن الطبيعى وقد أصبح الكذب فضيلة أن ينتشر شهود الزور . وشهادة الزور أساس دين التصوف .

2 ــ وقرآنيا ؛ فإن شهادة الزور تعنى أساسا  قول الزور والأكاذيب فى الدين وحضور وزيارة الأوثان والأنصاب والقبور المقدسة . يقول جل وعلا فى إجتنابها: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) الحج ).ويقول جل وعلا : (و الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً (72) الفرقان ) ـ

3 ــ ولقد عكف العصر المملوكى على الأولياء الصوفية أحياءا وأمواتا ، يشهدون الزور . ونطق العصر المملوكى بأقاويل الزور كذبا يردد كرامات ومنامات وحكايات الزور . لذا لا بد أن تتأثر المحاكم بشهادات الزور ، خصوصا مع فساد النظام القضائى وفساد أعمدته من قضاة وفقهاء وفساد السُّلطة المملوكية نفسها .

4 ــ يقول أبو المحاسن فى حوادث سنة 870 أنه كان من الممكن شراء الشهادات الزور علناً وتحت سمع وبصر القضاة[33] .

وفى حوادث سنة 872 " كثر الاطلاع على شهود الزور فضرب منهم جماعة وجرس أحدهم على ثور [34] .

وفى فتنة البقاعى انبث الصوفية فى البلد وهم كثير ومعهم الجاه وهم أهل مكر وكيد وكذب لا يتوقفون فى شئ ويقولون ما لا يقبله عقل [35]  . ومع أنها مقالة البقاعى عدو الصوفية ، إلا أن شواهد الأحوال تقطع بصدق رأيه فيهم .   

ج3 / ف 6  : بين طهارة الاسلام ورجس الشرك ( فى القرآن والعبادات )

التصوف ونشر المساوىءالاجتماعية :  القــذارة فى دين التصوف

   كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

 الفصل السادس : التصوف ونشر المساوىءالاجتماعية . القذارة فى دين التصوف

ليس مثل الاسلام دينا فيما يخص الطهارة ، وليس مثل التصوف دينا فيما يختصُّ بالقذارة . وكما أن الاسلام هو دين الطهارة المعنوية القلبية والطهارة الحسية الجسدية فإن الأديان الأرضية على النقيض ، تؤسس على الرجس المعنوى القلبى ، و إذا تسيدت عصرا ـ كالعصر المملوكى ــ جعلت القذارة الحسية فيه من شعائرها ، والتصوف بالذات لديه غرام بالقذارة لا مثيل له . ونعطى بعض التفاصيل

 بين طهارة الاسلام ورجس الشّرك ( فى القرآن والعبادات)

مقدمة :

 للقرآن الكريم مصطلحاته الخاصة ، ففى موضوعنا مثلا لا يستعمل رب العزة مصطلح ( النظافة ) ولكن يستعمل مصطلح ( الطهارة ). لأن النظافة تفيد الطهارة الخارجية الجسدية المادية الحسية فقط ، أما ( الطهارة ) فهى تفيد طهارة النفس بإخلاص الايمان بالله جل وعلا إلاها لا إله غيره ولا تقديس لسواه ، وطهارة الجسد الحسية المادية .

وليس من مصطلحات القرآن الكريم كلمتا ( قذارة ووساخة )، لأنهما أيضا تفيدان الاستعمال الحسى الجسدى المادى . الله جل وعلا يستعمل فى كتابه العزيز مصطلحا أعمق هو ( الرجس ) و ( النًجس ) بفتح النون وفتح الجيم . ولقد آثرنا أن نستعمل المصطلح الشائع وهو القذارة لتبسيط الموضوع ولنركّز على القذارة الحسية الجسدية المادية للتصوف . فقلنا ( القذارة فى دين التصوف ). وقد عرضنا من قبل لمفهوم التزكية فى الاسلام وهى تعنى التطهُّر 

القرآن والطهارة :

1 ــ يقول جل وعلا عن القرآن إنه صُحُف مطهرة :( رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (2) البينة ). الطهارة هنا معنوية ، من يؤمن بالقرآن فعلا يتطهر به قلبه عقيديا وجوارحه سلوكيا. وتكرّر فى القرآن الكريم أن مهمة الرسول أنه يتلو عليهم آيات القرآن الكريم ليزكيهم ــ أى يطهرهم ـ وليعلمهم الكتاب والحكمة ( الجمعة 2 ، آل عمران 164 البقرة 129 ) .

2 ــ والهداية أو الضلال مشيئة شخصية لكل فرد ، والذى يريد تزكية نفسه بالهداية يهده الله جل وعلا فيزداد بالقرآن إيمانا ، والذى يرفض الهداية والتطهر والتزكية يزداد بالقرآن كفرا وطغيانا .

يتجلى هذا بالقرآن بالذات ، فهو الميزان . يقول جل وعلا عن بعض منافقى المدينة : (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125) التوبة ). أى إزداد المنافق بالقرآن رجسا الى رجسه . فالمؤمن يزداد بالقرآن إيمانا ( الأنفال2 ) ، والمنافق يزداد به ( رجسا). ويقول جل وعلا عن بعض الكفرة من أهل الكتاب الذين إزدازدا بالقرآن طغيانا وكفرا :( وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً )(64) (68)المائدة ).

هم إختاروا الضلال ، وبناءا على إختيارهم فإن الله جل وعلا لم يُرد أن يُطهّر قلوبهم : ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)المائدة ).فطهارة القلب والجوارح مشيئة فردية شخصية ، وايضا فرجس القلوب إرادة فردية شخصية. 

3 ــ ولهذا يتحول القرآن الى شفاء ورحمة للمؤمن به أو الى خسارة تزيد الظالمين خسارة على خسارتهم الأصلية ، يقول جل وعلا : (وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً (82) الاسراء )( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44) فصلت ) (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (27) البقرة ).

4 ــ وهذا الإعجاز القرآنى هنا تحقّق ويتحقق لدى المحمديين فى أديانهم الأرضية الذين إختاروا بمحض إرادتهم أن يزدادوا رجسا على رجسهم ، مع وجود القرآن معهم . إذا واجهتهم بعشرات الآيات القرآنية التى تؤكد عدم شفاعة النبى أعلنوا كفرهم بالقرآن وسلطوا عليك نفوذهم وشياطينهم يصدون عن سبيل الله وكتابه يبغونها عوجا:( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19) هود ). 

هم فى تقديسهم للبشر والحجر( يستخدمون ) القرآن الكريم فقط فى خدمة أديانهم الشيطانية ، يتبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وإبتغاء تأويله ، يلوون عُنُق الآية لتوافق أهواءهم ويتجاهلون آيات أخرى ليجعلوا لأديانهم الأرضية مُسوّغا قرآنيا بالتزييف والتحريف . وهذا قد نبّأ به رب العزة من قبل ، فى الحديث عن المتشابه والمُحكم من القرآن الكريم : ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (7) آل عمران ).

وبالتأويل واسطورة النسخ ومزاعم ما يسمى بعلوم القرآن وإفتراء الأحاديث يتّخذ المحمديون القرآن الكريم مهجورا ، يكون موجودا فى كتبهم وحفلات أسمارهم ، وممنوعا من الاحتكام اليه فى الاصلاح . والاحتكام الى القرآن الكريمة فريضة إسلامية للتصحيح والاصلاح ، يقول جل وعلا فى سياق الحديث عن مُتّبعى الأحاديث الشيطانية ووجوب الاحتكام لرب العزة فى القرآن الحكيم : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ (114)  الأنعام ) .

ولكنّ المحمديين إذا قيل فى الاحتكام الى القرآن لهم: تعالوا الى ما أنزل الله ، قالوا مقالة الكافرين : حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (170) البقرة ) ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) لقمان) . وهى عادة سيئة للمشركين فى كل زمان ومكان: ( بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) الزخرف ) 

5 ــ الذى ينجو من هذا هو المؤمن بالقرآن الكريم حقا، صاحب القلب الطاهر من تقديس البشر والحجر. الذى لا تقديس فى قلبه إلّا لله جل وعلا ، ولا تأخذه فى الحق القرآنى وحق الله جل وعلا لومة لائم . هذا المؤمن بالقرآن يدخل على القرآن الكريم بقلب سليم،  يتدبره ، بلا رأى مسبق ، بل بقلب يطلب الهداية ويسعى اليها ، وبهذا القلب المخلص تأتى هداية الرحمن تزيده هدى.

وبالتالى، فهناك فريقان اشار اليهما رب العزة فى سورة العنكبوت : ضالون مفترون مكذبون لآيات الله (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68) العنكبوت )، وفريق يسعى للهداية مجاهدا فى سبيل الحق : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)العنكبوت ).

هذا المؤمن طاهر القلب يمسّ القرآن قلبه ، فالقرآن لا يمسُّ ولا تصل أنوار هدايته إلا للمطهرين من رجس الشرك ورجس تقديس البشر ، والذين هم على إستعداد للتخلى عن أى فكرة أو عقيدة يظهر لهم أنها تعارض القرآن الكريم ، والذين هم على أتم إستعداد لقبول التضحيات تمسكا بالقرآن المجيد . هؤلاء هم المطهرون قلبيا الذين تمسُّهم أنوار القرآن الكريم . يقول جل وعلا  عن الفريقين فى سورة الواقعة : ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (79) الواقعة ). أما غيرهم من المؤمنين بأحاديث مفتراة فهم يجعلون رزقهم التكذيب بالقرآن الكريم ، ويقول جل وعلا يخاطبهم فى كل زمان ومكان : (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82)  الواقعة ).

العبادات والطهارة الحسية والقلبية المعنوية

1 ــ الإسلام دين الطهارة المعنوية فى العقيدة والسلوك، ودين الطهارة الحسية بمعنى نظافة المظهر والجسد. ويتجلى هذا فى العبادات الاسلامية .

2 ــ وكان فرض الوضوء جمعا للطهارة الحسية مع الطهارة المعنوية القلبية فى الصلاة خشوعا وتقوى . يقول سبحانه وتعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) هذا عن الطهارة الحسية بالاغتسال، ثم يأتى التذييل فى الآية الكريمة يشير الى الطهارة القلبية : ( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) المائدة ). فالآية الكريمة بينت أسلوب الطهارة للصلاة من الحدث الأصغر والأكبر بالماء أو بأى شىء طيب نظيف  عند تعذر وجود الماء أو استعماله، وتردد في الآية تين الحث على الطهارة الحسية: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) والطهارة القلبية المعنوية (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ). 

3 ــ بل أن الإسلام حرصاً منه على الطهارة حرم الإتصال الجنسى بالزوجة الحائض لأن الحيض ( أذى ) : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) البقرة ) . قوله جل وعلا : (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ) تعنى الطهارة الحسية لموضع نزول الحيض الذى يجب إعتزال النساء  جنسيا بسببه ، وقوله جل وعلا : ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) يعنى الطهارة القلبية المعنوية بالهداية وزكاة النفس بالتقوى .

4 ــ و( الماء ) هو أصل الحياة ( وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (30)الأنبياء) (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ )(45) النور) ، والماء أيضا الوسيلة الأساسية للطهارة . وهو ينزل من الغلاف الجوى ماءا نقيا طهورا :( وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً (48) الفرقان48 ) .

والماء وسيلة الطهارة الحسية :( إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ). وحين يتطهر المؤمن حسيا بالماء وقلبه مُهيا للطاعة فإن الطهارة المعنوية تُصاحب الطهارة الحسية . نفهم هذا من تكملة الآية الكريمة السابقة : (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (11) الأنفال )   . 

الماء هو الوسيلة الحسية للطهارة الحسية ( والمعنوية أيضا لأصحاب القلوب المؤمنة ) . و( القرآن ) هو السبيل للطهارة القلبية ، وهما ( الماء والقرآن ) يجتمعان فى الصلاة ، بما يُعرف بالوضوء والغسل قبل الصلاة وبالخشوع القلبى فى تأدية الصلاة و التقوى فيما بين الصلوات ، أو بالمصطلح القرآنى ( إقامة الصلاة ) و ( المحافظة على الصلاة ) و ( إيتاء الزكاة ) أى التزكية وتطهير القلب أى النفس ( القلب والنفس والفؤاد بمعنى واحد ).

ولأن الماء والقرآن هما معا للطهارة بنوعيها المادية والقلبية فإنّ من الروعة القرآنية أن الله جل وعلا يتحدث عن الماء والقرآن معا فى سورة الفرقان. قال جل وعلا عن الماء :( وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً (49)) وقال بعدها عن القرآن : ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (50) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (51) فَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (52)الفرقان). والفرقان من أسماء القرآن .

القرآن يُحيى القلوب والنفوس (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122) الانعام ) ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) (24) الأنفال ) والماء أصل الحياة : ( وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (30)الأنبياء) (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ )(45) النور) .

 5 ــ والمساجد بيوت الصلاة هى نفسها بيوت التطهر والنظافة أى تجمع بين الطهارة المعنوية والطهارة الحسية ، يقول تعالى"( لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) التوبة ). الطهارة هنا بالمعنى الحسى والقلبى الايمانى .

  ، ونزلت آيات الوضوء والطهارة في المدينة، وكان العرب قبلها فى تأديتهم لملة ابراهيم يصلون دون طهارة ، وفي الفترة المكية نزل للرسول في بدايات الوحى: ( وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) المدثر ) . ثم بعدها فى المدينة نزل تشريع الطهارة الحسية فى سورتى النساء والمائدة .

6 ــ ويقول جل وعلا لنساء النبى :( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً (34) الاحزاب ). أى بإقامة الصلاة وتزكية النفس وطاعة الله جل وعلا ورسوله يتم التخلص من الرجس ويتم التطهير.

7 ــ ويقول جل وعلا عمّن خلط عملا صالحا وآخر سيئا ويريد التوبة والتطهر : ( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) التوبة ). فالزكاة المالية من سُبُل الطهارة القلبية .

ج3 / ف 6  : بين طهارة الاسلام ورجس الشرك : ( فى الحج وعقوبة الرجز )

التصوف ونشر المساوىءالاجتماعية :  القــذارة فى دين التصوف

   كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

 الفصل السادس : التصوف ونشر المساوىءالاجتماعية . القذارة فى دين التصوف

بين طهارة الاسلام ورجس الشرك : ( فى الحج وعقوبة الرجز )

الحج والبيت الحرام :

1 ــ لله جل وعلا حرم زمانى هو الأشهر الحُرُم الأربعة فى كل عام ( ذو الحجة ، محرم ، صفر ، ربيع الأول )( التوبة 1 : 6). ويجب تفعيل التطهر فى هذا الحرم الزمانى بإجتناب الظلم (التوبة 36 : 37). ولله جل وعلا حرم مكانى هو البيت الحرام ، بيته جل وعلا الحرام . ولله جل وعلا فى داخل كل إنسان (حرم إنسانى ) هو القلب أو النفس التى يجب أن تتطهر من تقديس البشر والحجر . والحج هو إجتماع هذه ( الحُرُمات معا ) فالذى يحج يؤدى الحج أياما معدودات الى البيت الحرام ( الحرم المكانى ) خلال الأشهر الأربعة الحرم ،( الحرم الزمانى ) ويجب في تأديته للحج ان يتطهر قلبه أو نفسه ( الحرم الانسانى ) فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج ، يقول جل وعلا ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197) فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197)  البقرة ). فى الآية الكريمة ذكر للحرم الزمانى وهو (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ) وذكر للحرم الانسانى وهو تطهير النفس بالتقوى وتطهير الجوارح بالامتناع عن الرفث والفسوق والجدال : (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ).

وبهذا يكون الحج الاسلامى وسيلة للتطهر ، لمن أراد أن يتطهّر.

2 ـ ولكن هناك على المسلمين ــ إذا كانوا فعلا مسلمين يحبون أن يتطهروا ــ أن يقوموا لبيت الله الحرام بما يستحق . وهذا مع الأسف ما لم يحدث ، لأن المسلمين معظمهم محمديون تمتلىء قلوبهم بالرجس وليس بالتطهر القلبى .

2 / 1 : يجب تطهير البيت الحرام من رجس الأوثان . ويجب أن يكون مثابة للناس وأمنا . وهذه هى أوامر رب العزة لابراهيم واسماعيل : ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) البقرة ) ( فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً )97) آل عمران ). هذا البيت الحرام هو للناس المُسالمين كافة ، لآنه جل وعلا هو رب الناس كافة . وله جل وعلا بيت وحيد فى هذه الكرة الأرضية هو الكعبة ، تقوم حوله مكة ( ام القرى ) مركز الكرة الأرضية . ومنها كانت بعثة خاتم النبيين عليه وعليهم السلام ، واليها يتوجه المؤمنون نحوها بالصلاة ، واليها يقصدها المؤمنون المسالمون فى الحج . وبالتالى فإنه يحرم صدُّ الناس المُسالمين عن الحج وزيارة المسجد الحرام ، يقول جل وعلا :( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) الحج ) . هنا التأكيد على أن بيت الله الحرام هو للناس جميعا كافة وسواء ، العاكف المقيم والباد اى الذى يقطع البوادى قادما اليه . وأن الذى يصدّ الناس المسالمين عن الحج لهذا البيت يرتكب ظُلما هائلا بشعا ، خصوصا وأن الله جل وعلا يعاقب على مجرد إرادة الظلم والالحاد فى الحرم (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ). والمُسالم يعنى الذى يكون بسلوكه مسالما ، ويجب أن يكون آمنا إذا دخل بيت الله الحرام ، لا يتعرض له أحد ، ولا يسأله أحد عن دينه وعقيدته ، لأن للدين يوما هو يوم الدين الذى سيحاسب فيه رب العزة الناس على إختيارهم الدينى . الذى يهمّ الناس فى التعامل بينهم أن يكونوا مُسالمين ، أى مسلمين بالاسلام الظاهرى الذى يعنى السلام . ومعنى الكفر والشرك فى التعامل بين الناس هو الاعتداء الحربى خصوصا بالتذرع بدين أرضى . كما حدث من كفار قريش ونزلت بسبب إعتدائهم سورة التوبة فى الجزء الأول منها ، من قوله جل وعلا ( بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3)) الى قوله جل وعلا ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28) التوبة ). وفى هذه الآيات الكريمة نتعرف على مظاهر الكفر السلوكى الذى به نعرف الكافرين الظالمين ونتعامل معهم على أساس انهم كفرة معتدون ظالمون ناكثون للعهد ، فإن تابوا عن ذلك توبة ظاهرية كانت تلك التوبة إقامة للصلاة وإيتاء للتزكية أى التطهر ( التوبة 5 ، 11 ). وسبق أن معنى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لا تعنى مجرد تأدية الصلاة أو إعطاء الزكاة المالية بل التقوى والتطهر .

وبعد هزيمة أولئك المعتدين ، وبعد دخول الناس فى دين الله ( السلام ) أفواجا ، أوجب رب العزة على المسلمين منع المشركين المعتدين من دخول البيت الحرام ، ووصفهم رب العزة بأنهم ( نجس ) بفتح النون وفتح الجيم : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28) التوبة ).

المحمديون السنيون يعتبرون الأسرة السعودية مُمثلة للاسلام والقائمة على رعاية البيت الحرام . بينما الواجب إسلاميا هو قتال هذه الأسرة وتحرير المسجد الحرام من سيطرتها ليكون مفتوحا للبشر المسالمين جميها ومثابة للناس وأمنا . إذ لا يصح لأرباب دين أرضى مشهور بالاعتداء والارهاب أن يسيطروا على بيت الله الحرام الذى جعله رب العزة مثابة للناس وأمنا ، وجعله للبشر جميعا سواء ، العاكف فيه والقادم اليه.. لا يصح لمن وصفهم رب العزة بأنهم ( نجس ) و ( رجس ) أن يتحكموا فى بيت الله الحرام منبع الطُّهر .

عدم طهارة المشرك

  إن الله جل وعلا يصف المنافقين بأنهم رجس : ( سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) التوبة ). وهذا ينطبق على كل من يزعم الاسلام وهو يطوى قلبه على أرجاس دينى أرضى .

والله جل وعلا يجعل الرجس على الذين لا يؤمنون والذين لا يعقلون ( كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (125)الانعام )( وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (100) يونس ). والمشرك الكافر عديم العقل لأنه يعبد البشر الأحياء الذين يتبرزون ويتبولون ويمرضون ، ويعبد بشرا موتى تحولوا الى (جيف ) قذرة نتنة ورماد وعظام نخرة . يعبد ترابا ، ويتبرك بأضرحة وأنصاب مقامة من طوب وحجر وأسمنت وزجاج وحديد وطلاء . هذا المشرك الكافر يمتلىء قلبه رجسا . هذا المشرك يختلق اسماءا ثم يعبدها ، وتصير لها فى قلبه مهابة لا يجرؤ على المساس بها ، مع أنها مجرد أسماء قام الأسلاف بتسميتها وما أنزل الله جل وعلا بها من سلطان . وقديما قال نبى الله هود لقومه ( عاد ) :( قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ (71) الاعراف ). والمحمديون يعبدون أسماء ما أنزل الله جل وعلا بها من سلطان . جرّب أن تقف وتلعن ( ابن برزويه ) فلن يلتفت اليك أحد . ولكن إذا رفعت صوتك تلعن ( البخارى ) فربما يقتلونك ، مع ان إسم البخارى مصطنع لمن كان إسمه الحقيقى ابن برزدويه المجوسى من مدينة بخارى فى أوزبكستان الحالية . فالمحمديون يقدسون إسم البخارى ويرتعبون من المساس به . وهذا هو رجس ما أنزل الله جل وعلا به من سلطان.

الله جل وعلا يصف كل الأوثان والأنصاب بأنها رجس ، ويأمر بإجتنابها : ( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) الحج )( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)  المائدة ). والمحمديون على الأضرحة يعكفون . وفى مقدمتها القبور المقدسة عندهم المنسوبة للنبى ولعلى والحسين وزينب ومن يسمونهم آل البيت والأئمة والأولياء الصوفية . هى عند الله جل وعلا رجس من عمل الشيطان ، وهى عندهم قداسة . لذا فإن الله جل وعلا يجعل الرجس على الذين لا يعقلون والذين لا يؤمنون .

اخيرا : وماذا عن التصوف بالذات

أغلب الصوفية مُسالمون ، أى مُسلمون من حيث الظاهر ،أى السلام السلوكى . ولكنهم متطرفون فى الكفر القلبى العقيدى سواء فى عقائدهم أو فى إنحلالهم الخلقى أو فى تقديسهم للبشر والحجر والقبور المقدسة . وبالتالى فإن التصوف إذا سيطر على عصر أو قوم إنحدر بهم الى رجس عقيدى قلبى لا قاع له ، والى قذارة حسية لا مثيل لها . وسبق التعرض للتصوف وعقائده وعباداته وإنحلاله الخلقى ، وسنتوقف هنا مع نشره للقذارة تبعا لرجسه العقيدى الأخلاقى .

ولكن قبل ذلك ، وما دمنا مع القرآن الكريم وهديه الطاهر فإننا نضع بعض الملاحظات قبل أن نعانى القرف من قذارة التصوف والصوفية :

1 ـ إن ( الرجس ) الذى كان يقع فيه المشركون الكفرة كانت تأتى أحيانا عقوبته ب ( الرجز) .

هذا ( الرجز) قد يكون هلاكا مٌميتا كما حدث لقوم لوط أشهر الُصابين بالشذوذ الجنسى ، يقول جل وعلا فى قصصهم : ( إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34) وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35) العنكبوت ).

وقد يكون عذابا مؤقتا للإختبار ، كما حدث لفرعون وقومه : ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمْ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) الأعراف ) كشف الله جل وعلا عنهم الرجز فعادوا الى عتوهم وكفرهم فكان الانتقام بالاغراق :( فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمْ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (135) فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) الاعراف ). وحدث نفس العقاب بالرجز لبنى اسرائيل حين بدلوا الأمر الالهى لهم :( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) البقرة ) ( وَإِذْ قِيلَ لَهُمْ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162) الاعراف )

2 ــ وهذا الرجز عذاب يتوعّد الله جل وعلا أولئك الذين يسعون فى كتاب الله معاجزين ، كما يفعل السنيون الذين يتهمون القرآن بأنه مُبهم مُحتاج للتفسير ، وموجز محتاج للتفصيل ، وناقص محتاج للتكميل ، وأن سنتهم البخارية هى التى تفسّر وتكمل و تشرح وتفصّل القرآن الكريم . أولئك الذين يحملون هذا الرجس فى قلوبهم وتتحرّك به جوارحهم يتوعدهم رب العزة بعذاب دنيوى من رجز أليم ، يقول جل وعلا ( وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5) سبأ ). ويقول جل وعلا عن الهدى القرآنى أنه ( هدى ) ويتوعد من يكفر به بعذاب من رجز أليم : ( هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11) الجاثية ).

وانظر حولك لترى العذاب الرجزى يكتوى به المحمديون فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا .

ج3 / ف 6  :  القذارة أصل فى دين التصوف

التصوف ونشر المساوىءالاجتماعية :  القــذارة فى دين التصوف

   كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

 الفصل السادس : التصوف ونشر المساوىءالاجتماعية . القذارة أصل فى دين التصوف

 القذارة أصل فى دين التصوف:ــ  

مقدمة

1 ــ التصوف هبط بمصر عن الطهارة الاسلامية والنظافة الفرعونية .

إذا كان المثل الأعلى للمسلم أن يكون من الرجال الذين يحبون أن يطهروا والله يحب المطهرين فإن المثل الأعلى للتصوف هو المجذوب بأسماله البالية وعورته الظاهرة ورائحته المزعجة والحشرات التى ترتع على جسده كما كان معهوداً في مصر إلى عهد قريب.    وعلى قدر عناية دين الإسلام بالطهارة اعتنى دين التصوف بالقذارة وجعلها من رسومه الدينية منذ بدأ التصوف في القرن الثالث الهجرى.

2 ـ التصوف هبط بمصر أيضا عما إعتادته فى تاريخها الفرعونى القديم من عناية بالنظافة .

 في كتابه (الحياة اليومية  في مصر في عهد الرعامسة) يقول بيير مونتير ( كان قدماء المصريين يعنون عناية كبيرة بالنظافة، ويهتمون بأبدانهم وملابسهم ومكانسهم....كان المصريون يغتسلون عدة مرات في اليوم، في الصباح عند الاستيقاظ من النوم، وقبل تناول الوجبات الرئيسية، وبعد الفراغ منها.... كانت أدوات الإغتسال تتكون من: طست وابريق ذي صنبور توضع عادة تحت دائرة مستديرة ذات ثلاثة أرجل محملة بألوان الطعام... ويعتقد انه كان يوضع ( ملح ) النطرون في مياه الأبريق... أما مياه مضمضة الفم، فكانت تعقم بنوعٍ أخر من الملح يسمى "بد" . وأطلق اسم "سوابو" المشتقة من كلمة "اواب"، بمعنى نظيف أو نقي على معجون جاف يختوي على مادة للترغية والتنظيف وإزالة الشحم... وبعد أول إغتسال، يتوجه الرجال إلى الحلاقين وإلى مقلمي أظافر الأيدي والأرجل، كذلك يتجه النساء الى محلات التزيين... وتولى الحلاق حلاقة الذقن ويقص الشعر مستعملا موسي منحني السلاح ذا كلابة... ويخرج الرجل من هناك نظيفا منتعشا.. ويأتي بعد ذلك دور الأخصائيين والصيادلة الذين كانوا يحملون الروائح العطرية والطيب في آوان مختومة من البللور أو المرمر أو  الزجاج الطبيعي، كما يحملون مساحيق خضراء وسوداء لتجميل العيون داخل اكياس صغيرة ربطت من أعلى بأشرطة. وكانت العيون الكحيلة المستطيلة تروق المصريين. كما كانت تلك المساحيق وسيلتهم لحماية العيون شديدة الحساسية من أنواع الرمد.. ولم تكن تنقصهم مواد التجميل... ولتفادي الرائحة الكريهة التي تنبعث من الجسم حين تشتد الحرارة، كانوا يدلكون أنفسهم عدة ايام متتالية بعطر اساسه زيت النفط ويسمى "سونتي".. ومن البخور المسمى "انتي" الذي كان يخلط بحبوب غير معروفة وبمادة عطرية أخرى... وكان لديهم منتجات للتجميل ولتجديد البشرة ولتقوية الجسم، وأخرى لإزالة البقع وحبوب الوجه. فكانوا يستعملون مثلا لتقوية البشرة مسحوق المرمر أو مسحوث النترون أو ملح الشمال ممزوجا بالعسل، كما توجد وصفات أخرى اساس تركيبها لبن الأتان. أما جلد الرأس، فقد كانوا يعنون به عناية كبيرة دائما، تتمثل تارة في انتزاع الشعر الأشيب أو تسرب الشيب الى شعر الحواجب، وتارة أخرى في العمل على تلافي الصلع أو إعادة نمو الشعر. وكانوا يعلمون ان زيت الخروع أحسن علاج لذلك. كما كانوا يعرفون كيف يصلون الى إزالة شعر الجسم .. كان أفراد الطبقة الفقيرة يذهبون الى حلاق يجلس تحت ظلال شجرة في العراء، وانظارا لدورهم، كانو يتحدثون أو يبقون جالسون دون ان يتمددوا، فيحنون ظهورهم ويضعون رؤوسهم بين أيديهم.. والعميل الذي يصيبه الدور يجلس على مقعد ذي ثلاثة أرجل ويسلم رأسه للخلاق فيجعله املس كحجر على شاطئ البحر. أما زينة المرأة الغنية كان حدثا هاما مثل زينة زوجها. وأما الزوجة المتوسطة الحال والتي كان زوجها فلاحا ومالكا صغيرا فكانت تقوم بعمل زينتها بنفسها.. وكانت إذا قامت لقضاء امر أفسد زينتها في الطريق، اضطرت إالى إعادة الكرة من جديد)- ( الحياة اليومية 93-97 بيير مونتيه . ترجمة عزيز مرقص منصور . الدار المصرية للتأليف والترجمة . 1965 ).

3 ــ إعتنق المصريون التصوف وسيطر عليهم فى العصر المملوكى فتقدست لديهم القذارة .

الكرامات الصوفية فى الدفاع عن القذارة:

 اشتهر رواد التصوف الأوائل بقذارة المظهر،يحكى القشيرى في رسالته أن زيتونة كانت تخدم أبا الحسن النورى وأبا حمزة والجنيد، وفي يوم بارد حملت للنورى طعامه من خبز ولبن وكان النورى يقلب فحم الموقد بيده فأخذ يأكل واللبن يسيل على يديه مختلطاً بسواد الفحم ، فقالت الخادمة – في نفسها– حسبما تحكى القصة " ما أقذر أولياءك  يا رب ما فيهم أحد نظيف "  وتنهى الحكاية باتهام الخادمة ظلماً بالسرقة وتدخل النورى لإنقاذها ولا ينسى أن ينبها إلى أن ذلك عقوبة لها لأنها اعترضت على قذارته" وقال لها لا تقولين بعدها ما أقذر أولياءك ، فقالت تبت إلى الله " [36].

أى أن الصوفية منذ البداية ألفوا كرامات لتدافع عن اتهامهم بالقذارة .

القذارة دليل التدين الصوفى 

1 ــ ثم انتشر التصوف منذ عصر الغزالى لأنه يعنى اتباع الهوى في كل شئ والراحة من كل شئ ومنها العناية بالنظافة والطهارة . وبه تم قلب الموازين فبعد أن كانت طريقة الإسلام هى طهارة الباطن والظاهر أصبحت سمة التصوف قذارة المظهر والمخبر، بل أصبح في عصر الغزالى من مظاهر الرياء بالصلاح والتقوى أن يتقذر الإنسان في شكله وهيئته ؛ فالغزالى يعد من مظاهر الرياء الديني القذارة فى الهيئة والزى ، يقول :( أما الهيئة فتشعيث شعر الرأس وحلق الشارب.. وغلظ الثياب ولبس الصوف وتشميرها. وترك تنظيف الثوب وتركه مخرقًاً ، كل ذلك يرائى به ليظهر من نفسه أنه يتبع للسنة فيه ومقتد فيه بعباد الله الصالحين. ) ، فأتباع السنة والإقتداء بعباد الله الصالحين معناه عند الغزالى والتصوف تشعيث شعر الرأس وقذارة الثوب وتغليظه وتمزيقه.

 2 ــ ثم يقول الغزالى عن أولئك المرائين بالقذارة الصوفية: (  فمنهم من يطلب المنزلة عند أهل الصلاح بإظهار الزهد ،فيلبس الثياب الممزقة الوسخة القصيرة الغليظة ليرائى بغلظتها ووسخها وقصرها وتخريقها أنه غير مكترث بالدنيا  )" .

2 ــ  وأراد بعض المترفين الدخول في دين التصوف فإعتبرهم الغزالى ( مُرائين ) لأنهم لم يكونوا صادقين فى ( قذارتهم ) أى فى المظهر القذر الذى يجب أن يكون عليه الصوفى الصادق . وهم – على حد قول الغزالى – "(  شق عليهم الإقتداء بهم في بذاءة الثياب والرضا بالدون، فأرادوا أن يتظاهروا بالتصوف ولم يجدوا بداً من التزين بهم ، فتركوا الحرير والأبريسم وطلبوا المرقعات النفيسة والفوط الرقيقة والسجادات المصبغة ولبسوا من الثياب ما هو أرفع قيمة من الحرير والأبريسم ، وظن أحدهم مع ذلك أنه متصوف بمجرد لون الثوب وكونه مرقعا)  [37].   ويروى الغزالى أنه قيل للحسن البصرى : (  لم لا تغسل ثيابك؟ قال: الأمر أعجل من ذلك" وقيل لداوود الطائى " أو سرحت لحيتك؟ قال إنى إذن لفارغ " [38].

تشريع القذارة :

 1 ــ  وحتى ينشر الصوفية قذارتهم لتصبح سلوكاً عاماً بين المسلمين ينسيهم عادة الإسلام في الطهارة والنظافة فإن الصوفية لجأوا للأحاديث الموضوعة أو تحريف معانى القرآن، فالحسن البصرى الذى كان لا يغسل ثيابه تأول قوله تعالى" وثيابك فطهر" بأن معناها "( وخلقك فحسن") حسبما يروى القشيرى [39].

2 ــ أما الغزالى الذى أتخم الإحياء بالأحاديث الباطلة فقد أورد منها في الدعوة للقذارة حديثا يزعم  "( إن الله يحب المتبذل الذى لا يبالى ما لبس )" والعراقى في تخريجه لهذا الحديث قال عنه " (لم أجد له أصلاً")  أى لم يكن مكتوباً إلا في الإحياء أى اخترعه الغزالى . بل أن الغزالى حرّف حديث أنس القائل: "( إن الرسول كان يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته حتى كأن ثوبه ثوب زيات")  فجعله الغزالى يؤدى عكس المعنى تماماً فرواه " ( كان قميص رسول الله كأنه قميص زيات)" وروى حديثاً آخر ينطبق على الصوفية وهو "( يكون في أمتى قوم شعث رؤسهم دنسة ثيابهم لو أقسموا على الله لأبرهم )"[40] .

3 ــ وهناك حديث مزور وضعه الصوفية ، وهو مشهور حتى الآن يحوى نفس المعنى ونفس اللفظ ، وهو ( رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرَه  ) ، فيجعل الصوفي الأشعث الأغبر صاحب دلال وسطوة على الله جل وعلا بحيث لو قال لله افعل كذا لأبر الله قسمه. أى لابد أن يكون أشعث أغبر حتى تكتمل في الحديث القذارة الحسية والقذارة المعنوية. ولو كان يقيم الصلاة ما أصبح أشعث أغبر .

4 ــ  وروج الصوفية لأحاديث كثيرة في القذارة ، منها أن الرسول كان يباشر نساءه في المحيض وأن عائشة كانت تقول أن النبى كان يتكئ في حجرها وهى حائض ويقرأ القرآن ، وأن الناس كانوا يتبركون ببقايا غسل الرسول ونخامته . وأن النبى دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجه منه ومجَ (بصق) فيه ثم قال لأصحابه اشربوا منه ، وأن النبى أمر أناساً من عكل أو عرينة يعيشون في المدينة بأن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها، وكل هذه الأحاديث موجودة في البخارى في كتاب الطهارة وغيره، وكل هذه الأحاديث الصوفية لا تزال تحظى حتى الآن بتقديس السنيون من عُبّاد السنة وصحيح البخارى تعبيراً عن التأثر بالصوفية، ودليلاً على تأثر السلفية والحنابلة بالتصوف الذى يهاجمون أولياءه.

القذارة في ولاية العهد الصوفي:

1 ــ وبالتصوف سادت شهرة البخاري وكتابه في العصر المملوكى حتى كانت له تعقد المواعيد فى شهر رمضان  وتختم قراءته في كل عام، بديلا عن قراءة وتلاوة القرآن . ولذلك لم يكن مستغرباً أن تعبر القذارة عن نفسها في طقوس التصوف ترديداً للأحاديث التى ذكرها البخارى.

2 ـ فمن مراسيم ولاية العهد من البدوى لعبد العال أن جعله البدوى يمصُّ دُمّلاً في ذراعه قد ملئ قيحاً وصديداً حتى يمتزج الدم بالدم. 

وتقول أسطورة أن البدوى تقايأ ، وشرب قمر الدولة ما تقايأه البدوى ، فجعل البدوى قمر الدولة ( قمر أصحابه)  وبعثه إلىّ نفياً خوفاً عليه من عبد العال ، ولكن عبد العال علم فحاول أن يدرك قمر الدولة ليغتصب منه ما شربه من قيئ البدوى [41] .

3 ــ  وعهد أحمد الرفاعى للواسطى ، لأن الواسطى وقف يوضئه وحين تنخم الرفاعى تناولها الواسطى وازدردها وابتلعها ، وكافأه الرفاعى ــ بزعمهم ــ بأن كشف له عما بالمشرق والمغرب وصارت كالقصعة بين عينيه [42].

4 ــ  ولما حضرت الوفاة تاج الدين النخال الشاذلى ت 824 استدعى ابنته وقال لها أن أخاه تفل في فمه عندما كان يحتضر، فأخذ من هذه التفلة العهد والبركة ، ونكمل الرواية وهو يقول عن أخيه  : (  لما حضرته الوفاة استدعانى إليه وقال لى افتح فمك يا أخى ففتحت فمى فتفل لى فيه، فأعطانى الله تعالى خير الدنيا والآخرة‘ وأنتِ يا عائشة افتحى فمك ففتحت فمها فتفل لها فيه ، وقال لها هذه التفلة ما هى لكِ ، هى زخيرة عندكِ "[43] .

أى تستطيع أن تنقلها  لغيرها، لأن البركة في (التفلة) .

ج3 / ف 6  : قذارة الصوفية فى التطهر بالبول ومعايشة الذباب والقمل 

   كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

 الفصل السادس : التصوف ونشر المساوىءالاجتماعية : القذارة

قذارة الصوفية فى التطهر بالبول ومعايشة الذباب والقمل 

الذباب :

1 ــ  وكان من طقوس التصوف في بدايته أن يتكاثر الذباب على وجه العارف الصوفي.

يحكى القشيري في رسالته عن بعضهم : (  رأيت فقيراً يجود بنفسه غريباً ، والذباب على وجهه فجلست أذبُّ الذباب عن وجهه ، ففتح عينيه وقال من هذا،أنا من كذا سنة في طلب وقت يصفو لى فلم يبقى إلا الآن. جئت أنت توقع نفسك فيه؟ مر عفاك الله " [44] .

فصاحبنا عاش هادئا ً في ملكوت التصوف متمتعا بالذباب يتكاثر على وجهه حتى استيقظ من أحلامه الصوفية على من يهشّ الذباب عنه فاحتج عليه. 

2 ــ وبذلك احتل الذباب مكانته السامية على وجه الصوفي ، لذا يقول الشعرانى : (  العارف يجب ألا يدفع عن وجهه الذباب، وإلا فقد طلب النعيم المعجل له في الدنيا. )" [45] .  وهنا نتذكر حديث البخارى عن الذبابة وتغميسها في الإناء إذا وقعت فيه .

3 ــ وإذا كان الغزالى قد احتج على أولئك المرائين فى دين التصوف الذين يتصنعون القذارة تشبهاً بالأولياء الصوفية ، وهم أقل من أن يكونوا في مستواهم في القذارة ، فإن العصر المملوكى – عصر تسيد التصوف – لم يكتف بالإستنكار وإنما أتى بسلوك إيجابى عبر عنه الشيخ أبو الحمائل السروى حين جاءه الشيخ على الحديدى يطلب الطريق فرآه متلفتاً لنظافة ثيابه فقال له: ( إن كنت تطلب الطريق فاجعل ثيابك ممسحة لأيدى الفقراء. فكان كل من أكل سمكاً أو زفراً يمسح في ثوبه يده مدة سنة وسبعة شهور ، حتى صارت ثيابه كثياب الزبالين أو السماكين . )  فلما رأى ثيابه لقنه الذكر وأخذ منه الطريق [46] .

الوضوء الصوفي والتطهر بالنجاسات :

1 ــ وإذا كان الوضوء الإسلامى يهدف إلى تطهير المسلم من القاذورات فإن للصوفية وضوءهم الذى يهدف إلى التجمل بهذه القاذورات ، خصوصاً وقد أهملوا الوضوء الإسلامى والصلاة طبقاً لعقيدتهم في إسقاط التكاليف الإسلامية كما سبق بيانه .

2 ــ والبول كان من أهم عناصر الوضوء الصوفي في مقابل الماء الطهور في الوضوء الإسلامى.

وفي بداية التصوف يحكى الرائد الصوفي إبراهيم بن أدهم طبقاً لما جاء فى الرسالة القشيرية: ( ما سررت لشئ كسرورى أنى كنت يوماً جالساً فجاء رجل  وبال على.! ) "[47]. اى حصل له السرور العظيم لأن رجلا تبول عليه .

وفى القرن السابع الذى شهد منتصفه بداية العصر المملوكى كان الشيخ يوسف القمينى الموله ت 657 : (  يتنجس ببوله،  ويمشى حافياً ، ويأوى إلى قمين حمام ولا يصلى . )".  فوضوؤه التنجس بالبول ومسجده الذى يأوى إليه هو الحمام، إلا أنه لا يصلى ، ويعلق الذهبى قائلاً:  "وقد كثر هذا فى عصرنا والله المستعان " "[48] .

 إذن كثر ذلك منذ بداية العصر المملوكى ، وطبيعى أن يسود ذلك بسيادة التصوف بمرور الزمن .

مناقب البدوى فى تبوله

1 ـ  ــ والبدوى أشهر الأولياء الصوفية  فى مصر حتى الآن . وقد عاش فى القرن السابع ، ولم يكن يصلى – كما أسلفنا فى موضعه- ، ولكن كان يتحاور ببوله إذا أعيته الحجه ، فمن ذلك أنه تبول وهو على السطح على طائفة من الفقهاء السنيين أتوا إليه للمحاورة. وهى قصة مشهورة عن البدوى تقول : ( إن الشيخ النحوى كان كثير الإنكار عليه ، فراح إلى طندتا هو وجماعة من أصحابه الطلبة ، فجلسوا تحت حائط السطح الذى هو عليه ، فطلً عليهم الشيخ أحمد البدوى وبال عليهم، فقالوا :ما هذا البول على طلبة العلم ؟ فقال ما يؤكل لحمه فبوله طاهر ، رضى الله تعالى عنه ونفعنا به"[49] .!!

2 ــ   وتوسع البدوى فى التعبير عن رأيه ببوله حتى وصل ببوله إلى المسجد وقت صلاة الجمعة والناس قيام للصلاة حين الآذان ، يروى المؤرخ المملوكى أبوالمحاسن : (  قال أحدهم بسنده : ألزمنى الأمير ناصر الدين محمد بن جنكلى بن البابا بالمسير معه لزيارة الشيخ أحمد البدوى بناحية طندتا، فوافيناه يوم الجمعة، فإذا به رجل طوال عليه ثوب جوخ غال وعمامته صوف رفيع ، والناس تأتيه أفواجا ، منهم من يقول : ياسيدى خاطرك مع بقرى ، ومنهم من يقول : زرعى، إلى أن حان وقت صلاة الجمعة ، فنزلنا معه إلى الجامع بطندتا، وجلسنا فى انتظار الصلاة . فلما فرغ الخطيب من خطبة الجمعة وأقيمت الصلاة وضع الشيخ أحمد رأسه فى طوقه بعد ماقام قائما وكشف عن عورته بحضرة الناس، وبال على ثيابه وعلى حصير المسجد ، واستمر ورأسه فى طوق ثوبه وهو جالس حتى انقضت الصلاة ، ولم يصل. "[50].

مقتطفات فى تطهرهم بالنجاسات

 1 ــ  وبعد القرن السابع ابتكر الصوفية تنويعات قذرة فى وضوئهم بالنجاسات ، خصوصا مع كثرة المجاذيب وتفننهم فى كل غريب وقذر، ونأتى بمقتطفات سريعة نعتذر عنها ونمسك عن التعليق عليها.

2 ـ يقول العينى فى ترجمة الشيخ أبى بكر البجائى المغربى : " كان لايتوضأ، ويتغوط فى مجلسه"[51].

3 ــ ويقول الشعرانى فى ترجمة الشيخ إبراهيم العريان "كان يخرج الريح بحضرة الأكابر ثم يقول هذه ضرطة فلان، ويحلف على ذلك فيخجل ذلك الكبير منه"[52].

4 ــ ويقول الشعرانى فى ترجمة الشيخ بركات الخياط " أخبرنى الشيخ عبد الواحد.. أحد جماعة سيدى أبو السعود الجارحى.. قال مدحته للشيخ جمال الدين الصائغ مفتى الجامع الأزهر وجماعة، فقالوا امضوا بنا نزوره، وكان يوم جمعه، فسلم المؤذن على المنارة فقالوا له : نصلى الجمعة، فقال : مالى عادة بذلك، فأنكروا عليه، فقال نصلى اليوم لأجلكم، فخرج إلى جامع الماردانى ، فوجد فى الطريق مسقاة الكلاب فتطهّر منها ، ثم وقع فى مشخة حمير ، ففارقوه ، وصاروا يوبخون الشيخ عبدالواحد الذى جاء بهم إلى هذا الرجل[53].

5 ــ وقال عن الشيخ مدين الأشمونى "كان يوما يتوضأ فى البالوعة التى فى رباط الزاوية[54].

6 ــ وقال عن بعضهم أنه " تضمخ يوم الجمعة بغائط كلب فى جميع بدنه[55].

شهرة المجاذيب بإدمان القذارة

1 ــ من سمات المجذوب قذارة المظهر الى درجة يمكن بها تمييزه ووصفه بالجذبة الالهية ، وهى مرتبة عليا فى الدين الصوفى المؤسّس على القذارة .  وفى هذا العصر المملوكى كان المجذوب الذى يصلى ويتطهر نادرة.يقول أبوالمحاسن عن المجذوب عمر البياتى " كانت جذبته غير مطبقة لأنه كان لايُخلُ بالمكتوبة ، بل يغتسل فى الغالب لكل صلاة"[56].      

2 ــ وكان من عوامل انتشار القذارة أيضا ما أشاعه التصوف من انحلال خلقى وشذوذ، وفى طيف الخيال قصص عن العشق المحرم والأحاديث الخرافية الملوثة بنجاسات البول والبراز[57]. تعكس ذلك التردى الخلقى فى العصر المملوكى.

3 ـ وتفنن المجاذيب الصوفية فى قذارة الزى والمظهر.

3 / 1 : والعرى كان أهم مظهر للقذارة تفنن فيه المجاذيب أمثال الشيخ خليل[58].

ويقول الشعرانى عن شعبان المجذوب: (  وكان رضى الله عنه عريانا لايلبس إلا قطعة جلد أو بساط أو حصير أو لباد يغطى قُبله ودبره فقط .  وكانت الخلائق تعتقده، ويعدون رؤيته عيدا) "[59].

3 / 2 : وقال عن الشيخ نصر المجذوب " كان يركب الفيل بمصر أيام الغورى وكان ملامتيا عريانا"[60].

3 / 3 : وقبل الشعرانى وفى القرن الثامن كان الشيخ عبدالله أيبك الموله ت 729" لايكلم أحدا ولايستر عورته وحين مات فجأة شيعته خلائق من الناس[61]،

4 : وواضح أن الناس كانوا يعتقدون صلاح أولئك المجاذيب ويربطون بين قذارة مظهرهم وولايتهم طبقا لدين التصوف القائم على القذارة . وابن الحاج الفقيه الصوفى أنكر ذلك الوضع فقال: (  بعضهم يظهر للناس الزهد فى الدنيا وترك المبالاة بها حتى أنه ليجلس مكشوف العورة، وليس العجب منهم ، بل العجب ممن يعتقدهم مع ماهم فيه من مخالفةالشرع") [62].

 5 ــ وبعضهم إذا ارتدى ثيابا حافظ على قذارة المظهر .

5 / 1 : فالشيخ سويدان المجذوب ت919  : (  كان مكشوف الرأس أبدا ، وله شعر طويل ملبد ، كث اللحية ، وكان أكثر كلامه إشارات لايفهمها عنه إلا الفقراء الصادقون. )"[63].. كشف الرأس كان عيبا كبيرا وقتها . وكان عقوبة مخزية توقعها السلطة المملوكية بمن تقوم بتجريسهم . وعند المصائب الهائلة يقوم المُصاب بكشف رأسه . ولكن هذا المجذوب كان مكشوف الرأس ولا يعتنى بشعر رأسه أو لحيته . وبهذا المظهر القذر حظى بالتقديس بحيث أنه كان إذا هذى فلا يفهم هذيانه إلا الصوفية الصادقون فى دينهم الصوفى .!

5 / 2 :  وكان الشيخ أبوالفضل الأحمدى يقول " والله أنى لاستحى من لبس الثوب النظيف على ذاتى  هذه القذرة"[64]. وهو يتحدث هنا عن نفسه.

6 ــ وذكر الشعرانى بعض مظاهر القذارة للمجاذيب :

6 / 1 : فالشيخ عبيد البلقينى " حصل له جذب فى أول عمره فمكث نحو الخمس عشرة سنة بلباس جلده مكشوف الرأس والبدن، لايلتفت إلى تدبير بدنه حتى صار الدود يتساقط من تحت قلنسوته من محل الزيق، ولم يزل أثره ظاهرا فى ناحية قفاه رضى الله عنه"[65].أى إستعمر الدود قفاه ، فوصل الى التألق فى الدين الصوفى الى درجة قول الشعرانى عنه : ( رضى الله عنه ).!!

6 / 2 : وبركات الخياط كان يقول لزبائنه الوافدين لحانوته فى الخياطة : ( هات معك فوطة وإلا يتسخ قماشك من ثيابى )"[66].

6 / 3 : والشيخ أبو لحاف " كان حافيا مكشوف الرأس ملتحفا بملاءة حمراء وبيده عصا غليظة"[67]. وبهذا اللحاف إشتهر بأنه أبو لحاف .

6 / 4 : والشيخ سليمان الحانوتى تميز بأنه كان رث الثياب مع تغييره فى الزى : (  كانت ثيابه تارة رثة وتارة كثياب القضاة والتجار ولونه تارة تجده أحمر القرمزى وتارة أصفر متحولا )"[70]. كان يمكنه ان يحمل نعالهم بيده تواضعا وفقط ، لولا أن القذارة تستوجب أن يحملها فى عنقه ليستمتع بشم روائحها العطرة .

6 / 7 : وكان من كرامات شعبان المجذوب أنه كان بزعمهم : (  إذا رأى الهلال عرف جميع مافيه مكتوبا على العباد، وكان إذا إطلع على موت البهائم يلبس صبيحة تلك الليلة جلد البهائم البقر أو الغنم، أو تسخير الجمال لجهة السلطنة يلبس الشيف الليف فيقع الأمر كما نوُه به) "[71]. أى كانت كرامته المزعومة فى القذارة فى المظهر.

7 ــ  والصوفية الأعاجم القادمون لمصر من الشرق اشتهروا بقذارة المظهر أكثر من الصوفية المصريين .

7 / 1 : حتى أنه يقال في ترجمة المجذوب على الدميري ت 924 : (  كان مكشوف الرأس ملتفاً في بزه بحيث أن من يراه يظنه أعجمياً") [72].

7 / 2 : ويقال في ترجمة الفقيه ابن جماعة ت 819: (  كان يعاب بالتزيي بزى العجم من طول الشارب وعدم السواك) "[73]. أى أن التأثر بالقذارة الصوفية للأعاجم وصل للفقهاء المشاهير. 

7 / 3 : ومثل ابن جماعة الشيخ برهان الدين العثمانى ت 852 يقول فيه أبو المحاسن " عُدّ من الفضلاء إلا أنه كان دنس الثياب غير ضوي الهيئة" [74].

الصوفية والكلاب

1 ــ وبعض المجاذيب لم يكتف بقذارته الذاتية وإنما أضاف إليها الرتوش مثل أن يصحب معه كلاباً تفوقه في القذارة، فالشيخ مسعود المجذوب كان له كلب قدر الحمار لم يزل واضعاً بوزه على كتفه " .

2 ــ وتلقب بعضهم بالكليباتى نسبة لكلابه مثل الشيخ أبو الخير الكليباتى ، وقد أشاعوا أن الكلاب التى كانت تسير معه من الجن، يقول عنه الشعرانى : (  وكان أغلب أوقاته واضعاً وجهه في حلق الخلاء في ميضأة جامع الحاكم) أى يضع وجهه فى موضع البراز فى الميضأة ، معتكفا . وتستمر الرواية تقول : ( ويدخل الجامع بالكلاب.. وكان رجلاً قصيراً في يده عصا فيها حلق وشخاشيخ. ) " [75].

3 ــ  وبعد العصر المملوكى يقول كلوت بك عن المجاذيب " ويعرف المجاذيب بقذارة أبدانهم وما يتشحون به من أطمار بالية " [76].

تحريم غسل الثياب

1 ــ     ومن مظاهر قذارة الصوفية أن بعضهم كان يظل يرتدى الزى دون أن يغسله، ويظل هكذا حتى يذوب ، فيقوم الآخرون بتجريده منه ويبدلونه له بغيره .

2 ــ فالبدوى: ( كان إذا لبس ثوباً أو عمامة لا يخلعها لغسل ولا لغيره حتى تذوب فيبدلونها له بغيرها )" [77]. . لا يُبدلها هو ، بل هم الذين يبدلونها له حين تذوب من القذارة .

3  ــ والشيخ المنوفى كان أهون حالا : (  كان الغالب إذا توسخ ما عليه لا يكون له ما يبدله به وكانت أخته إذا توسخت ثيابه تنزع ثيابه لغسلها وإلا فهو ما كان يفكر في ذلك . ) [78].

4 ــ وكان الشيخ الدميري مكشوف الرأس ملفوفاً في بردة كلما تنقطع يبدلونها له بأخرى ،وأقام على هذه الحالة نحو عشرين سنة " [79]. أى حقّق رقما قياسيا فى قذارة الثياب ، فعدُّا ذلك من مناقبه وعُلُّوه فى الدين الصوفى .

5 ـ وكان  الشيخ عمر المجذوب: ( " كان إذا لبس القميص لا ينزعه حتى يذوب " [80].

6 ــ والشيخ المعتزل الذى كان الأكابر تتردد إليه: ( وكان يلبس العمامة أو الثوب لايخلعها حتى تذوب "[81] .

 القمل والتصوف:

1 ــ  بسبب تلك القذارة كان للقمل دوراً في تاريخ التصوف والصوفية.

يقول الرائد الصوفي ابراهيم بن أدهم : ( ما سررت في إسلامى إلا ثلاث مرات كنت في سفينة وفيها رجل مضحاك كان يقول : كنا نأخذ العلج في بلاد الترك هكذا وكان يأخذ بشعر رأسي ويهزنى فيسرنى ذلك لأنه لم يكن في تلك السفينة أحقر في عينه منى ، والأخرى كنت عليلاً في مسجد فدخل المؤذن وقال أخرج فلم أطق فأخذ برجلى وجرنى إلى خارج المسجد ، والثالثة كنت بالشام وعلىّ فرو فنظرت فيه فلم أميز بين شعره وبين القمل لكثرته ، وسرنى ذلك. ) [82]. أى من ضمن مناقبه التى يفخر بها أن القمل غزا الفرو الذى يلبسه بحث غطّى عليه .

2 ــ  ولأهمية القمل في حياة الصوفية فقد اخترعوا له الأحاديث.

وتطوع الغزالى بهذه المهمة فيفترى أن نبياً من الأنبياء – لا نعرف  اسمه – " شكا إلى ربه الجوع والفقر والقمل عشر سنين فما أجيب إلى ذلك ثم أوحى إليه : لم تشكو ؟ هكذا كان بدؤك عندى في أم الكتاب قبل أن أخلق السموات والأرض وهكذا سبق لك منى وهكذا قضيت عليك قبل أن أخلق الدنيا أفتريد أن أعيد خلق الدنيا من أجلك؟ أم تريد أن أبدل ما قدرته عليك فيكون ما تحب فوق ما أحب  ويكون ما تريد فوق ما أريد  ؟ وعزتى وجلالى لإن تلجلج هذا في صدرك مرة أخرى أمحونك من ديوان النبوة" [83].

فالغزالى يفترى هذه الحكاية ويكذب على الله لكى يضخم من موضوع الإعتراض على القمل والفقر، ولايكتفى الغزالى بذلك بل يفترى حديثاً عن خاتم المرسلين هو ( لقد كان الأنبياء قبلى يبتلى أحدهم بالفقر فلا يلبس العباءة، وإن كان أحدهم ليبتلى بالقمل حتى يقتله القمل ، وكان ذلك أحب إليهم من العطاء إليكم " [84] .

3 ــ  وبسبب غزو القمل وإستعماره لأجساد الصوفية فقد احتاجوا إلى وظيفة دينية هي تفلية الفقراء، وكالعادة اصطنعوا لها فى دينهم حديثاً مفترى ، يرويه القشيري : (  قيل أوحى الله تعالى إلى موسى : أتريد أن تكون لك يوم القيامة مثل حسنات الناس أجمعين ؟ قال نعم ، قال : عُد المريض وكن لثياب الفقراء فالياً، فجعل موسى على نفسه في كل شهر سبعة أيام يطوف على الفقراء يفلي ثيابهم " [85]

  4 ــ  وفقراء المطاوعة في العصر المملوكى جعلوا من وظيفة (البدوات) أى (الصبيان المفعول فيهم ) تفلية ثياب الفقراء ، كما سبق بيانه في موضعه.

5 – ويقول الشعرانى أن من آداب العبودية": ( أن يجالس الفقراء أصحاب القمل ويفلي ثيابهم )" .[86] .     6 ــ وقبل العصر المملوكى كان السهروردى الصوفى المقتول : ( دنئ الهمة زرى الخلقة ، دنس الثياب ، وسخ البدن لا يغسل له ثوباً ولا جسماً ولا يداً، ولا يقص ظفراً ولا شعراً، وكان القمل يتناثر على وجهه ويسعى على ثيابه ، وكان من رآه يهرب منه) [87].

7 ــ  أما القمل ( المملوكى الصوفى ) فقد كان له شأن.

7 / 1 : فالبدوى الذي كان يحتفظ بملابسه إلى أن تذوب على جسده كان من أهم مخلفاته التى لا تزال موجودة حتى الآن" المهراش" الذى يتعامل به مع القمل .    

7 / 2 : ويقول العينى في حوادث سنة 792 "وتسلط على الفقراء ـ أى الصوفية ـ قمل عظيم [88] . أى وصل غزو القمل لأجساد الأولياء الصوفية الى درجة أن يكون خبرا يسجله المؤرخون .!!

8 ــ والصوفي يحاول أن يوظف القمل السارح على جسده في أساطير الكرامات .

فالشيخ شمس الدين الحنفي دعا الله في مرض موته أن يبتليه الله بالقمل – كما لو كان محروماً منه قبل ذلك – ويقول الشعرانى معلقاً: (  وحصل له ذلك قبل موته فتزايد عليه القمل حتى صار يمشى على فراشه.) . ويعلل الشعرانى هذه الأمنية المزعومة : (  وإنما يتمنى ذلك ليكون له أسوة حسنة بالأنبياء الذين ماتوا بالجوع والقمل. ) " [89]. أى أنه افترى على أنبياء الله بهذه التهمة القذرة .

  9 ــ  ولأن القمل يعايش الصوفية إلى هذا الحد الذى جعلهم يلصقونه بالأنبياء ظلماً وافتراءاً فإن بعضهم وجد فيه مجالاً للتخصص في الكرامات ، فالشيخ ابن عنان: (  كان إذا غضب على أحد قال للقمل : رح إليه"، فيمتلئ قملاً ، ويعجز عن تنقيته ولا يكاد ينام ، فيمضى إليه ويقول : ما رأيت إلا تعمل شيخ القمل ، فيأخذه بيده ويرميه في الهواء " [90] .فينقشع القمل عنه .

   10 ــ  وظل القمل عادة قذرة سيئة مصرية ، تعبر عن القذارة الصوفية التى انتشرت في المجتمع حتى بعد العصر المملوكى . وما أروع قول كلوت بك : (  وبالرغم من أن الدين الإسلامى قد فرض النظافة فإن الأغنياء ــ كالفقراء ــ كثيراً ما تحوى ثيابهم القمل ولا يخجلهم وجوده، ولا يعنون بإبادته وتطهير أجسامهم منه، بل يقتصرون بما جبلوا عليه من الدعة والخمول على إمساكه بأطراف الأنامل وطرحه على الأرض بعيداً عنهم ، ولدى أرباب اليسار أداة خاصة من الخشب في شكل المغرفة يحكون بها ظهورهم ليخففوا عن أنفسهم آلام وخزها ولسعها "[91].

 وهكذا أتى إنصاف الإسلام من هذه القذارة على يد مؤرخ أجنبي هو كلوت بك ، وأوضح دون أن يدرى دور التصوف في نشر هذه القذارة بين الأغنياء والفقراء الذين وحّد ما بينهم الاستكانة للقمل في كسل وخمول. أى إن القمل الصوفى أزال الفوارق بين الطبقات .  وكل ما هنالك أن بعض الأغنياء كان يحتفظ بالمهراش الشعار الرسمى للبدوى أشهر الأولياء الصوفية  يحُكُّ به جلده من أثر القمل .

ج3 / ف 6  : التصوف ونشر القذارة فى مصر المملوكية 

   كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

 الفصل السادس : التصوف ونشر المساوىءالاجتماعية : القذارة

التصوف ونشر القذارة فى مصر المملوكية 

1 ــ لم يكن من إهتمامات مؤرخى العصور الوسطى ذكر حالة الشارع وما فيه من نظافة أو قذارة . قد يعرضون لذلك بين السطور إذا قفز الأمر الى دائرة إهتمام السلطة ، أو حدثت حادثة تُجبر المؤرخ الذى يطوف بالسلطان على أن يلتفت الى الشارع وما يجرى فيه ، وحتى لو إلتفت فهو الى الناس أبطال الحدث وليس لحال الشارع نفسه من نظافة أو قذارة . لهذا فنحن نبحث عن ( إبرة ) فى أكوام من القش ..

وقد وجدنا بعض الإبر المؤلمة عن تأثير التصوف فى نشر القذارة فى الشارع المملوكى بالقاهرة المملوكية ، وهى المثال لنا لنتخيل حال بقية العمران المصرى بل وبقية الأقطار التى كانت تابعة للدولة المملوكية فى العصر المملوكى .

 فإذا كان هذا هو حال أكبر عاصمة لأكبر دولة وقتئذ ، فما البال بغيرها ؟ وما هو حال بقية المدن المصرية القابعة تحت ستار النسيان ؟ وما هو حال الريف والفلاحين الذين كانوا يتعايشون مع حيواناتهم الأليفة لا فارق بين غرفة النوم وحظيرة الحيوانات ؟

نشر الصوفية معايشة القاذورات فى الشارع المصرى المملوكى:

فى الموالد

1 ــ وطالما عايش الصوفية القاذورات على أجسامهم دون تحرج – كما رأينا في القمل – فإن من السهل عليهم التعود على معايشة القاذورات إلى جانبهم ونشرها في الشوارع والمساكن ، ولا تزال الموالد حتى الآن المناسبات المتجددة في الجمع بين الجماهير وقاذوراتها في مكان واحد. ومرّ من قبل قول المؤرخ الجبرتى : (( أقيم ضريح للشيخ عبدالوهاب بن عبد السلام ، وصيروه مزارا عظيما يقصد للزيارة وتختلط به الرجال والنساء ، ثم أنهم ابتدعوا له مولدا وعيدا ، وكل سنة يدعون إليه الناس من البلاد القبلية والبحرية ، فينصبون خياما كثيرة وحدادين وصواوين ومطابخ وقهاوى ، ويجتمع العالم الأكبر من اختلاط الناس وخواصهم وعوامهم وفلاحى الأرياف وأرباب الملاهى والملاعيب والغوازى والبغايا والقرادين والحواة ، فيملأون الصحراء والبساتين، فيطأون القبور ويوقدون عليها النيران ويضعون عليها القاذروات ويبولون ويتغوطون ويزنون ويلوطون ، ويلعبون ويرقصون  ويضربون بالطبول والزمور ليلا ونهارا ، ويستمر ذلك نحو عشرة أيام أو أكثر ، ويجتمع لذلك الفقهاء والعلماء وينصبون لهم خياما، ويقتدى بهم الأكابر من الأمراء والتجار والعامة من غير إنكار ، بل ويعتقدون أن ذلك قربة وعبادة ، ولو لم يكن كذلك لأنكره العلماء ، فضلا عن كونهم يفعلونه ، فالله يتولى هدايتنا جميعا ) .( تاريخ الجبرتى جـ 2/142   )

المجاذيب يجمعون الناس عند القاذورات

2 ــ  والمجاذيب الصوفية كان لهم دور الريادة في معايشة القاذورات والنجاسات ، والتف الناس حولهم منبهرين بشهرتهم وولايتهم منذ القرن الثامن، حيث بدأ تواجد المجاذيب بجانب القاذورات والتفاف الناس حولهم.

2 / 1 : فالشيخ سليمان التركمانى ت 713 " كان شخصاً صالحاً مولّهاً أى مجذوبا – وللناس فيه اعتقاد حسن زائد، وكان يجلس عند باب البريد وعليه عباءة نجسة ووسخ بين يده ، وهو ساكن قليل الكلام، وكان يأكل في شهر رمضان ولا يصوم ولا يصلى " [92].

2 / 2 : ويذكر ابن كثير قصة الشيخ ابراهيم المولَه ت 725 الذى كان يخالط القاذورات ويجمع الرجال والنساء عنده حولها [93] .

2 / 3 : والشيخ عبد الله أيبك ت 729 "كان لا يتقى النجاسات ولا يستر عورته " [94].     

2  / 4 ــ وفي القرن التاسع انتشرت هذه الظاهرة وسمى الموله بالمجذوب ، واتسعت شهرة المجاذيب وسعى الناس لرؤيتهم .والمؤرخ الارستقراطى أبو المحاسن كان يسعى لزيارة الشيخ المجذوب محمد المغربى ت 859 ، ولكن يبقى بعيداً عنه خوفاً مما كان حوله من النجاسات [95] .  

3 ــ ثم أصبح أغلب الصوفية مجاذيب في القرن العاشر ، فاتسعت دائرة القاذورات وتفننوا في الإلتصاق بها .

3 / 1 : فالشيخ أبو الخير الكليباتى ت 912 " كان يجلس بالكلاب في جامع الأزهر وكان يجلس في الخلاء في ميضأة جامع الحاكم الأيام المتتابعة لا يرفع رأسه " أى يظل ناظراً إلى الفضلات البشرية في الميضأة متأملا فيها . وذكرنا هذا من قبل . ونضيف ما قاله العيدروس عنه: (  وقد تغوط في طبق وقدمه لأصحابه على أنه عسل نحل )" [96].

3 / 2 : والشيخ بركات المصرى المجذوب ت 915 وصفوه أيضا بأنه كان يحب الإقامة في الأخلية ( أى مكان قضاء الحاجة )، وكان أكثر إقامته بميضأة الكاملية بمصر أو بميضأة الحجازية" [97]. أى كان معبده هناك ، لذا قيل فى مناقبه العليا أنه : ( الشيخ المستغرق في محل إقامته في بيوت الأخلية ) " [98]، يعنى شيخ ال ....

3 / 3 : والشيخ حسن المجذوب تميّز بأنه : (" كان يقعد بجانب قعاوى الكلاب )" [99] .

3 / 4 : وبعضهم التزم بدكانه وعز عليه أن يحرم نفسه من الإقامة في بيوت الأخلية وقعاوى الكلاب فأتى بالقاذورات إلى دكانه مثل الشيخ بركات الخياط ، والذى سبق ذكره ، يقول عنه الشعرانى يمدحه ويفتخر به : (  وكان رضى الله عنه يقول لمن يخيط له هات معك فوطة وإلا يتسخ قماشك من ثيابى ، وكان دكانه منتناً قذراً ، لأن كل كلب وجده ميتاً أو قطاً أو خروفاً يأتى به فيضعه داخل الدكان ، فكان لا يستطيع أحد أن يجلس عنده. ) " [100] . هذا تفوق فى القذارة ومعايشتها وعبادتها يستحق من الشعرانى أن يقول عنه ( وكان رضى الله عنه ). وبركات الشيخ بركات لا تزال موجودة فيه ، وفى الشارع المصري الذى يحتفظ بجثث الحيوانات النافقة التى تظل مكانها حتى تندثر وتنتهى وتنشر المرض والروائح الكريهة ولا تجد من يتطوع بدفنها إلا بإلقائها في النيل لتزيد من تلوثه ..

قذارة البيوت والشوارع:

1 ــ  إذا تقذر البشر تقذرت بالتالى بيوتهم وشوارعهم.

وقد قال من دخل بيت الشيخ طاهر المدلجى ت 685  : ( رأينا بيتاً لم يكنس قط وتحته حصير رثة سوداء ) "[101]. والشيخ المنوفى لم يره أحد يكنس بيته أو ينفضه ، وكان لا يأبه بنظافة ما يأكله، وكان ذلك بعض ما جاء في مناقبه [102].

 2 ــ وكانت الشوارع في أسوأ حالات القذارة، وحاولت السلطات دفع الناس لتنظيفها دون جدوى ، ففي المحرم سنة 846   يذكر السخاوى أن السلطان جقمق أمر بإصلاح الطرق وتنظيفها وبيوتها ، يقول السخاوي معلقاً "فأساءو التصرف في ذلك فإنه ألزم كل من له حانوت أو بيت بإصلاح ما أمامه وأوجع كثيراً منهم بالضرب المؤلم وتهدد من لم يفعل ، فبادر إلى ذلك من ضرب أو حضر الضرب أو سمع الوعيد وتأخر عنه من غاب .. فلزم من ذلك أن الطرقات كلها صارت موعرة لقطع بعضها دون بعض ، وقاسى الناس من ذلك شدة شديدة خصوصاً من يمشى بالليل وهو ضعيف البصر ، ثم بطل ذلك في اليوم التالى ،وبقى الضرر يسببه إلى أن تساوت الأرض"[103]. أى كعادة المصريين هوجة تحدث ثم ينسى الأمر وكل شيئ فيها ينسى بعد حين .

3 ــ ويقول الصيرفى أن والى القاهرة أمر السوقة وأهل الطرقات بكنس الشوارع وتنظيفها ورشها بالماء وعاقبه على ذلك فامتثلوا ثم عاد الأمر بعد حين لما كان عليه[104]. لأن الخطأ في البشر وليس في الشوارع ..

4 ــ  وحتى الآن فإن آثار القذارة لا تظهر في الشوارع صارخة إلا وقت الأمطار ، ومع قلة الأمطار كمية وأياماً فإنها توقع المصريين في حيرة ، ومع أن لها مواعيد شبه ثابتة فى فصل الشتاء ، إلّا إن المصريين يُفاجأون بها كل شتاء فى نفس الموعد السنوى، وليس لديهم أى إستعداد لقدومها ، لذا يسعدون بما تصنعه الأمطار من طين وقاذورات ... وحوادث .

5 ــ وليس ذلك وليد اليوم وإنما كان في عصرنا المملوكى ففي حوادث سنة 874 "أمطرت القاهرة مطراً غزيراً جعل أزقتها مثل الخلجان واستمر الناس في آثار ذلك أياماً دون أن ينزحوا المياه أو أن يسووا الطرقات"[105].

6 ـ والقاهرة الآن 2015 ميلادية هى أكبر عاصمة لأهرامات الزبالة فى العالم . وبها أكبر نسبة للتلوث فى الهواء والماء . وبسب التلوث تنتشر فيها أمراض الكبد بكل أنواعه وبما يشبه الوباء ، وبينما إختفت أمراض معينة فى العالم المتقدم فإن هذه الأمراض لا تزال تحظى بالرعاية والانتشار فى أجساد المصريين شأنها شأن القمل والذباب والبعوض . وفى القذارة تتضاءل الفوارق بين دينى السُّنّة والتصوف ، وشعارهما معا الحديث المفترى المُقرف الذى يزعم : ( رُبّ أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرّه ) .

وفى رعاية دينى التصوف والسّنة يتخصّص شيوخ الأزهر قديما وحديثا .

فماذا عن تاريخ الأزهر فى القذارة ؟

الأزهر:

1 ــ  العصر المملوكى تعبير حضارى لا يرتبط بفترة زمنية ،ففي العصر المملوكى تسيد التصوف السُّنّى  بكل تلك  المؤثرات لتصبح  علماً علي هذا العصر . وبقاؤها بقاء للعصر حتى مع إنهيار السلطة المملوكية بالفتح العثمانى سنة921. ومن آثار العصر المملوكى القذرة ما ألمحنا إليه في سلوك الناس وتصرفاتهم وعقائدهم فى العصر العثمانى . وإذا كان للعصر المملوكى سمة معينة من السلوك والعقائد فإن بعض المناطق في عصرنا – يتفاوت حظها من سلوكيات العصر المملوكى وعقائده .  

2 ــ والأزهر بما اتسم به من محافظة على التقاليد وبعادة الأسلاف احتفظ – ولا يزال – بمؤثرات العصر المملوكى في عقيدته وسلوكياته ، ويكفى أن مناهجه التقليدية مؤلفة في العصر العثمانى ربيب العصر المملوكى والأكثر منه تخلفاً وجموداً.

3 ـ  لذا كان حظ الأزهر والأزهريين من القذارة وافراً.

يقول أحمد أمين عنه في بداية القرن العشرين عن الطلبة الأزهريين المقيمين فى داخل الأزهر ( المجاورين ) : ( "المجاورون في الأزهر قلّ أن يتعهدوا بيوتهم بالتنظيف ، ومن الأمثال التى كانت منتشرة بين الأزهريين قولهم :" العلم زبال" ، يعنون به أن العلم لا يلائم المظاهر (النظيفة ) ، وإنما يذهب إلى القذرين الذين يشبهون في قذارتهم الزبالين.  وشاع بين القاهريين أن من الأزهر ينتشر الجرب . ) . ومعناه أن الأزهر حافظ على القذارة الصوفية المملوكية ضمن ما حافظ عليه من جمود وتصوف وسلوكيات، وبينما بدأت القاهرة في  فى القرن العشرين تنظف وجهها ظل الأزهر قابعاً قذارته فأشاعوا أنه سبب نشر الجرب .

وتكرر ذلك في موضع آخر من كتاب أحمد أمين يقول : ( وقد كان شائعاً عند القاهريين أن منشأ مرض الجرب هو الجامع الأزهر لكثرة ما فيه من الأتربة والقمل والبق ) [106]".    

4 ــ وكان الأزهرى التقليدي معروفاً بمظهره الذي لا يتفق مع النظام والنظافة، والتصوف هو المسئول على ذلك. وارتبطت محاولات تطوير الأزهر وإيقاظه بالهجوم على التصوف والصوفية في داخله . وظل التصوف مسيطراً على مستعمرات أخرى غير الأزهر ومنها المساجد ، التى كان معظمها في أوائل القرن الحالى يضم ضريحا أو أكثر، والضريح هو المثل المعبر عن رجس  العقيدة كما جاء فى القرآن الكريم  : ( المائدة 90") ( الحج 30 ). 

5 ــ وارتبط رجس العقيدة ونجسها بنجاسة المؤسسات الصوفية  الدينية . وظل ذلك موجودا حتى أوائل القرن العشرين .

يقول أحمد أمين فى قصة حياته وهو طفل: (  وحدثت مرة أن أخذنى والدى إلى المسجد بجوار بيتنا ليصلى ولم يكن بالمسجد غيرنا، وذهب إلى الميضأة ليتوضأ، والميضأة حوض ماء نحو ثلاثة فى ثلاثة ، يملأ  بالماء من حين لآخر ، وفى العادة يُملأ من بئر بجانبه، عليه بكرة وعلق فيها حبل فى طرفيه دلوان ، ينزل أحدهما فارغا ويصعد الآخر ملآن. ومن أراد أن يتوضأ من الميضأة جمع الماء بين كفيه وغسل وجهه ويديه إلخ. ثم يعود الماء إلى الميضأة بعد الغسل كما أخذ.  وكانت هذه الميضأة مصدر بلاء كبير ، فقد يتوضأ المريض بمرض معد كالرمد ونحوه فيتلوث الماء ويعدى الصحيح، هذا إلى قذارته ، فالمتوضىء يغسل وجهه بعد أن غسل من قبله رجليه.  ولكن الإعتقاد الدينى يغطى كل هذه العيوب والأخطار . فلما دخل القاهرة نظام جرى الماء فى الأنابيب والحنفيات لم تعد حاجة إلى الميضأة، ولذلك كان مما أُخُذ على الشيخ محمد عبده وعيب عليه أن أبطل ميضأة الأزهر وأحل محلها الحنفيات ، وهكذا يألف الناس القديم الضار ويكرهون الجديد النافع ويدخلون فى الدين ماليس فى الدين )"[107].

 إذن  كان من أسباب ثورة الأزهريين على الشيخ محمد عبده أنه حرمهم من الميضأة التى اكتسبت بقذارتها مظهرا دينيا .

6 ــ ويقول أحمد أمين عن النظافة عند المصريين : ( ومما يؤسف له أن النظافة لم تنل من المصريين العناية الكاملة.. وقد رتبت الأمم الشرقية فى النظافة فكان الأتراك أولا ثم اللبنانيون والسوريون ثم المصريون ثم الإيرانيون ثم الهنود )"[108]. وهذا الترتيب يتناسب مع انتشار التصوف وتأثر تلك الدول به.

الوحدة الوطنية بين الأقباط والمحمديين فى ميدان القذارة 

1 ــ لمجرد الانصاف ، نذكر أن القذارة ( الدينية ) لم تكن مقتصرة على المحمديين فى مصر المملوكية بل ضمت الأقباط أيضا . يذكر المؤرخ ابن أيبك الصفدى فى موسوعته ( الوافى فى الوفيات : 30 جزءا ) فى ترجمة القبطى سعد بن السديد المستوفى ت 695 ، وكان صاحب جاه . وعند موته احضروا له الجواهر والعطور، فأعرض عنها وأشار الى خادمه وأسرّ اليه أن يُحضر له ( حُقّا ) مغلقا ، فأحضره الخادم اليه ، فأخذ يستنشقه تبركا الى أن مات . وبعد موته سألوا الخادم عمّا كان فى ذلك ( الحُقّ ) فقال لهم إن فيه ( شعرة من إست الراهب الفلانى الذى كان له كذا سنة وسنة ما لمس الماء ولا قاربه )( الوافى 9 / 45 : 46 ).

2 ــ ورفاعة الطهطاوى ذهب الى فرنسا يحمل فى داخله الثقافة المصرية فأدهشته نظافة الفرنسيين ، فقال : ( ومما يُستحسن فى طبائع الفرنج دون عداهم من النصارى حب النظافة الظاهرية ، فإن جميع ما ابتلى الله سبحانه وتعالى به قبط مصر من الوخم والوسخ أعطاه للإفرنج من النظافة ، ولو على سطح البحر، فإن أهل المركب التى كنا فيها يحافظون على تنظيفها وذهاب الوسخ منها ما أمكن ..مع ان النظافة من الايمان ، وليس عندهم منه ذرة. ومع ما عند الفرنساوية من النظافة الغريبة بالنسبة لبلادنا فإنهم لا يعدون أنفسهم من الأمم كثيرة العناية بالنظافة...ومن الأمم من هى كثيرة الاتساخ وكثيرة القمل ، بل تجد بعض أناسها يأكلون القمل ولا يُبالون .! ) .

الطهطاوى يحمل فى داخله التعصب ضد النصارى ، فعنده أن الفرنسيين النصارى ليس لديهم من الايمان ذرة . وهو يُصرّح بقذارة الأقباط المصريين ويقارن ( الوخم والوسخ ) لدي الأقباط بنظافة الفرنسيين . وينسى أن المسلمين المصريين شركاء الأقباط فى وحدة وطنية مع القذارة . بل إن الطهطاوى حين أشار معايشة القمل وأكله لم يُصرّح بأنهم المصريين المسلمين ، بل قال ( ومن الأمم من هى كثيرة الاتساخ وكثيرة القمل ، بل تجد بعض أناسها يأكلون القمل ولا يبالون ).

والطهطاوى يكرر المقارنة بين نظافة الفرنسيين وقذارة الأقباط المصريين ، فقال ( ومما يُمدح به الفرنساوية نظافة بيوتهن من سائر الأوساخ ، وإن كانت بالنسبة الى بيوت الفلمنك كلاشىء . فإن أهل الفلمنك أشد جميع الأمم نظافة ظاهرية . كما أن أهل مصر كانوا أيضا اعظم أهل الدنيا نظافة ، ولم يقلدهم ذراريهم وهم القبطة فى ذلك ) ( تخليص الابريز فى تلخيص باريز :1 / 106 : 107 ،  2 / 199 ) .

       ج3 / ف 6  : التصوف ونشر المساوىءالاجتماعية :  البذاءة

   كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

 الفصل السادس : التصوف ونشر المساوىءالاجتماعية :  البذاءة 

  الإسلام دين الإحسان فى القول والعمل : ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ) البقرة 83") والمسلم لايكتفى بالإعراض عن البذاءة بل يعرض عن أصحابها ، يقول لهم ( سلاما ) : (  وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً )  الفرقان ) 63")(  وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) (  القصص 55) . وفى إعطاء الصدقة لا يقبلها رب العزة جل وعلا حين يصاحبها منُّ وأذى قولى : ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنّاً وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِوَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)  البقرة ).

أما التصوف فله شأن آخر . هو البذاءة .

بين التصوف والبذاءة :

 1 ـ بدأ  التصوف بالبذاءة مع الله تعالى فيما عرف بالشطح أو إعلان الصوفى عقيدته فى الله افتراء على الله وجرأة عليه ، وبغض النظر عن الشطح ــ وهو من لوازم التصوف ــ فإن أهون مظاهر التصوف فيها إساءة لله تعالى، من ذلك ادعاؤهم أن الله تعالى اختارهم وحدهم من دون البشر جميعا لولايته وحكَمهم فى ملكه وفضلهم على ذاته بدون أى مبرر ، فكأنهم وصفوا الله تعالى بالظلم والضعف والجهل، تعالى الله عما يصفون عُلُوّا كبيرا .وأى صوفى معاصر إذا دافع عن افتراءات الصوفية فقد أوقع نفسه فى اتهام الله تعالى وسبه، ولذلك أمر القرآن بعدم جدال المشركين لأنهم فى دفاعهم عن عقيدتهم الضالة يقعون فى سب الله تعالى دون أن يدروا، يقول  سبحانه وتعالى : ( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ) (108) الأنعام108".).

2 ـ وبعد سب الله تعالى بالشطح أجترأ الصوفية على البذاءة فى حق الناس، بدأوا بالدين والعقيدة وانتهوا بالسلوك ، والشيخ نصر المجذوب ت922 " كان يشتم السلطان  فمن دونه ويحتمله الناس"[109]. ويشتم من كلَمه ويستر حاله"[110].

  بل كانت الجرأة على السلطان دليلا على الولاية حتى لو كان صاحبها غير مستحق  لها فى عرف الناس، والجرأة هنا مقصود بها البذاءة، أو الشطح فى حق السلطات وفى حوادث سنة 854" اشتهر عبد أسود بالولاية، وذلك لأنه عارض الإستادار وأفحش فى خطابه ، ولم يستطع الإستادار مسكه فتحاكى العوام عنه مايدل عندهم على الصلاح على أنحاء مختلفة ، وفشا أمره جدا"[111].

وقبيل العصر المملوكى إشتهر بعض محققى التصوف بالبذاءة . فالشيخ الفخر الصفدى ( ت 622 ) نزيل مصر كان شيخا مشهورا بعلمه بمقالات التصوف ، ويقول عنه المؤرخ ابن أيبك الصفدى ( وله تصانيف فى الطريقة . وكان بذىء اللسان كثير الوقيعة فى الناس ) ( الوافى بالوفيات 2 / 9 ) .

  3 ـ وبدأت البذاءة ببداية التصوف تحت اسم عدم الاحتشام وترك التكلف يقول الجنيد : ( صحبت أربع طبقات كل طبقة ثلاثون رجلا.. فما تآخى اثنان فى الله واحتشم أحدهما من صاحبه . ) .

 وجعل الغزالى من حق الصحبة : (  التخفيف وترك التكلف والتكليف ).  ويقول : (  وتمام التخفيف طى بساط التكليف حتى لا يُستحى منه فيما لايستحى من نفسه ، وقال بعض الصوفية لاتعاشر من الناس إلا من لاتزيد عنه ببر ولاتنقص عنه بإثم ، يكون ذلك لك وعليك وأنت عنده سواء، وقال بعضهم: كن مع أبناء الدنيا بالأدب ومع أبناء الآخرة بالعلم ، ومع العارفين كيف شئت ) "[112].

 4 ـ والصوفية كانوا فى بداية الأمر من أصحاب الحرف وأبناء الطبقات الشعبية التى يختلط لديها مفهوم الصراحة بالبذاءة، وأغلبيتهم كانوا أميين لم يلتزموا بفلسفة الغزالى التى تخفف من مفهوم البذاءة، لذا كان لأوباش الصوفية منذ بدأ التصوف فلاسفتهم الذين توسعوا فى مفهوم البذاءة ضمن ماتوسعوا فيه فى كل ما تهواه نفوسهم.  وكان من الطبيعى أن ينقم مثقفو الصوفية على أولئك الأوباش صراحتهم واستعمالهم مصطلحات شأن الكبار والتوسع فيها ، يقول الواسطى فيهم : (  نقضوا أركان التصوف وهدموا سبيلها وغيروا معانيها بأسامى أحدثوها، سموا الطمع زيادة وسوء الأدب أخلاصا . ) ، أى أصبحت البذاءة أخلاصا، يقول الواسطى : (  جعلوا سوء أدبهم إخلاصا وشره نفوسهم انبساطا ) [113].

البذاءة فى رسوم التصوف ومؤسساته الدينية:

1 ــ وحين انتشر التصوف فى العصر المملوكى وتكاثرت طوائفهم ، وكان من بينها طائفة القلندرية وكان من رسومهم مايعبر عن البذاءة وهى : (  طرح التقيد بآداب المجالسات والمخاطبات ) "[114].

2 ــ  وحين أقيمت لهم فى العصر المملوكى المؤسسات الصوفية أصبح من طقوسهم الدينية استقبال الضيف ـ لا بالإكرام ـ ولكن بالشتم والسب والإهانة ، وبعد موشح الإساءة للضيف يأمرونه عند إرادة دخول الرباط  : ( أن يقف على الباب ثم يخرج إليه من فى الرباط فيوذونه بالشتم، ويقلون الأدب عليه ، ويخرقون حرمته ، ويكسرون الإبريق الذى معه ، ويفعلون ذلك به مرة بعد أخرى حتى ييأسون من غضبه، ويعللون ذلك بأن يقفوا على حسن خلقه وحمله للأذى، ثم يخرج إليه الخادم فيأخذ السجادة عن كتفه وهو ساكت لايسلم أحدهما على الآخر ويدخل الخادم والوارد يتبعه . ).

3 ــ  وداخل المؤسسة الصوفية كانوا يتشاتمون ، وانتقل ذلك منهم للناس كالعدوى ، وما أسهل وما أسرع إنتشار الفساد القولى والفعلى . ، يقول ابن الحاج عن بذاءتهم مع بعضهم : (  وقد جاوزوا الحد فى ذلك، يشتم بعضهم بعضا دون أجنبى بينهم يكفهم . ولو نبههم أحد على ماهم فيه من شدة القبح المجمع على منعه ، فمنهم من يسخر منه ويقول : "إن هذا بسط"">[116].اى ظل هذا الصوفى يسيء الأدب على ( ابن حجر العسقلانى ) شيخ السخاوى حتى إضطر ابن حجر لترك المجلس .

 وبعض مؤسسى الخوانق حاول أن يسمو بمستوى خانقاته ؛ فجمال الدين الاستادار جعل من شروط السكنى فى خانقاته : ألا يكون الصوفى معروفا بالسلاطة والإفتراء على الناس "[117].

ومن الصعب العثور على هذا الصنف من الصوفية طالما أن دينهم قائم على ارضاء هوى الأنفس فى كل ماتريد.لذا كان الشرط مُخففا ، ألا يكون معروفا بالبذاءة . أى يكون متصفا بها ولكن ليس مشهورا بها .

شيوخ البذاءة

1 ــ  وبعض الصوفية تعرض للمساءلة بسبب بذاءته ، مثل أبى الخير  الذى استقبل أحد الأشراف بقوله: ( أهلا بالكلب ابن الكلب ، وكرر ذلك ثلاثا ).! ولكونه شريفا حسب تقاليد العصر فقد ادعى الشريف عليه[118]

2 ــ ونفى الشيخ ابن العطار أحد أعيان الصوفية فى الشيخونية بسبب بذاءته فى حق الأشياخ[119].          3 ــ وحتى فى الوعظ كان بعض الصوفية لايستطيع التحكم فى لسانه مثل الشيخ الجعبرى الذى كان " يشتم فى الوعظ "[120].

 4 ــ  وفى خصومة الصوفية مع الفقهاء كان السب أهم أسلحتهم فى الجدال.

يقول ابن تيمية عن خصومه الصوفية فى القرن الثامن : (  انقلبوا فينا بالسب القبيح والشتم . ) "[121].

ويقول البقاعى  عن خصومه بعدها فى القرن التاسع : (  فعُلم من تركهم الكتابة على شدة الخصومة والمشاورة والانتقال إلى الفحش أن المراد أن يغلبوا بالباطل . )"[122].

5 ــ وفى المجادلات فيما بينهم كان اللسان ينزع دائما للبذاءة حتى أن الشعرانى عد من المنن إقامته": ( العذر باطنا للإخوان إذا أخرجوا أخلاقهم الرديئة على بعضهم ، فكان لا يبادر  لعتاب أحد منهم " إذا خرج فى سوء  الخلق عن الحد ) "[123]. يعنى مقبول منهم سوء الأدب العادى أما إذا تطور وزاد عن الحدّ ، فالشعرانى أيضا يجد لهم العذر .

 6 ــ  ويذكر أبو المحاسن أن الولى الصوفى محمد السنارى ت 855 " أفحش فى الجواب للوالى حين أراد أخذ بعض أتباعه بسبب تهمة" [124].

القضاة والبذاءة :

1 ــ  وامتد وباء البذاءة للقضاة وهم صوفية بالدين وأعداء الفقهاء المنكرين على الصوفية.

2 ــ والسخاوى يذكر فى ترجمة الشيخ عبدالباسط بن النقرى أنه كان يصرح بالإنكار على بذاءة الفقهاء ولكن يحكى عنه السخاوى حكايتين تمتلئان  بالسب القبيح .  أما القاضى عبدالبر بن الشحنة وهو شيخ الحديث والتصوف فى الشيخونية وقاضى قضاة الحنفية ، فقد قال عنه السخاوى : (  لم يضبط لسانه من الوقيعة فى الأكابر ولم يسلم من آذاه أحد ) "[125].

ويقول أبوالمحاسن فى ترجمة " الإمام المحقق الفقه " المحلى الشافعى ىت 864  ( وكان فى طباعه حدة مع عدم التكلف، بحيث أن كان من لايعرفه يظنه من جملة العوام ) [126].

3 ــ وقاضى القضاة السفطى ت 854 كان نموذجا حيا لتأثر القضاة بالتصوف يقول عنه أبوالمحاسن " : ( كان ذا أوراد هائلة وصلاة وخشوع وصوم وعبادة ، مع بذاءة لسان وفُحش فى لفظه. )  فذلك القاضى الصوفى لم ير تعارضا بين أوراده وصلاته وبين بذاءته وفحشه .

وفى موضع آخر يتحدث عنه أبو المحاسن فيقول معبرا عن ذلك التناقض فى شخصية قاضى القضاة السفطى : ( أظهرفى ولايته من شراسة الخلق وحدة المزاج والبطش وبذاءة اللسان أمور يستقبح ذكرها، هذا مع التعبد والاجتهاد فى العبادة ليلا ونهارا من تلاوة القرآن وقيام الليل والتعفف عن المنكرات والفروج حتى أنه كان فى شهر رمضان يختتم القرآن الكريم كل ليلة فى ركعتين، أما سجوده وتضرعه فكان إليه المنتهى، وكانت له أوراد هائلة دوما فكان بمجرد فراغه من ورده يعود إلى تسليطه على خلق الله وعباده ) [127]. فذلك القاضى صريع التصوف جعل من أوراده وعبادته طريقا للغلو فى الظلم والبذاءة على الخلق.

 4 ــ وفي خصومات القضاة ومناقشاتهم كان الأمر يتطور سريعا إلى الفحش والسب العنيف حتى لو كان في حضرة السلطان.. ويذكر المقريزي في حوادث سنة 821 أنه حدث تنافس بين القاضيين الهروى والديري أمام السلطان" ( وخرجا عن الحد حتى تسابا سبابا قبيحاً بحضرة السلطان. )(  وقد اجتمع من طوائف الناس خلق كثير يقول المقريزي: (  فكان هذا مما لايليق. ). " وفي مجلس آخر بحضرة السلطان أيضا تسابا وعدّد الديري مساوئ الهروى وأنه كان من أتباع تيمور لنك وحجر عليه وعلى الفتوى، ونفذ القاضيان الآخران حكمه في الهروى يقول المقريزي: (  فكان مجلسا غاية في القبح . )"[128].

5 ــ ويذكر الصيرفي في حوادث سنة 821 أيضاً ما وقع من الاستادار وناظر الخاص من كلام فاحش أمام السلطان المؤيد شيخ ، يقول الصيرفي : ( وانفتح القاضي – ناظر الخاص – على فخر الدين – الاستادار- ورماه بأمور عظيمة ولم يلتفت السلطان إلى ذلك، وأصلح بينهما . ).

وفي حوادث 822  تشاجر الوزير والاستادار: ( وافحشا الكلام ، وآخر ذا أخلع عليهما السلطان ، وألزمهما بحمل مائة ألف دينار. )"[129].   

 ويذكر العينى في حوادث 822 ( أفحش كل من الهروى وابن المغلى في حق بعضهما". ) ، و ( "أفحش الديري في حق الهروى . )"[130] .

6 ــ وكلمة ( أفحش فلان ) ومرادفاتها تتكرر كثيرا فى التاريخ الملوكى وحولياته التاريخية .

وفي قراءة سريعة لبعض صفحات من كتاب ( إنباء الغمر ..)  لابن حجر نرى الآتى :

( وفيه تشاجر الوزير والاستادار وتفاحشا". ) (  وتقاول القاضيان الشافعى والحنفى حتى تسابا وأفحش الديري في أمر الهروى. ) ، ( وتحامى كثير من النواب الركوب مع الهروى خوفا من البلقينى ومما يقاسونه من السب الصريح من أتباعه. ) ، (  وحضر السلطان في خاصته في الجامع بباب زويلة واجتمع عنده القضاة فتنافس كل من القاضيين الهروى والديري ، وخرجا عن الحد في السباب والفحش في القول ثم سكن السلطان ما بينهما فسكنا . ) ، (  وعظم الشر بين فخر الدين الاستادار وبدر الدين بن نصر الله وتفاحشا بحضرة السلطان . ) ، ( وفي مجلس السلطان واجه الشيخ ابن المغربي صدر الدين العجمى بأنه يتمنى ورث السلطان ويدعو عليه ، وتفاحشا في القول . ) ، ( وعقد مجلس بسبب زيادة الجوامك لمدرسي المنصورية ، وقام في ذلك القمنى ، وحصل بينه وبين المحتسب كلام سيئ ، وتساقطا ً ، فقام السلطان وتركهم . ) [131]  ".

 وفي تاريخ ابن إياس يكثر قوله " أفحش فلان " كما لو كان الكلام المتداول بين خواص الناس كله فحشاً، ويقول في حوادث سنة 912 أنه وقع تشاجر بين قاضى القضاة الشافعى ابن النقيب والحنفى عبد البر بن أبى الشحنة : ( حتى خرجوا في ذلك عن الحد . )" ( وأمر هذه الواقعة اشتهر بين الناس. ) " ( وعندما ذهب لتهنئة السلطان بالشهر "ربيع أول" أصلح بينهما )[132].

 وفي حوادث 922 ": ( وقع بين القاضيين الشهاب الرملى والقارئ بسبب إمامة الجامع الأموى كلمات قبيحة لاتصدر من مثلهما ولا من أقل منهما يؤدى أمرها إلى شئ عظيم حتى بقى جماعات من الترك ( المماليك ) وغيرهم يستهزئون بأهل الشرع . فلما كثر ذلك عزلهما موليهما ) "[133]. . هذا ما يذكره ابن طولون عن قضاة دمشق.

المماليك :

1 ــ  ومن الطبيعي أن يمتد الأمر للمماليك وقد امتاز برسباى عن غيره من السلاطين بعفة لسانه، يقول فيه أبو المحاسن: ( كان برسباى يعيب على المؤيد – شيخ – سفه لسانه.  أما الأشرف – برسباى – فإنه كان لايسفه على أحد من مماليك ولاخدمه..فكان أعظم ما شتم به أحداً أن يقول له حمار، وكان ذلك في الغالب مزحاً.  ولقد داومت خدمته من أوائل سلطنته إلى أن مات فما سمعته أفحش في سب واحد بعينه كائن من كان. )".

وفي نفس الوقت يصف أبو المحاسن الكثيرين من الأمراء المماليك بالفحش والبذاءة ، ومنهم الأمير تمر باى ت 853 الذى وصفه بحدة الخلق وبذاءة اللسان.

وذكر أن ابن العطار ت853 خدم عند الزيني عبد الباسط ناظر الجيش "( فملأه سباً وتوبيخاً عند مباشرته إلى أن ملَ ذلك وترك التوقيع") . 

أما الأمير سيف الدين ايتمش فقد وصفه أبو المحاسن بكثرة الكلام فيما لا يعنيه ومخاطبة الرجل بما يكره وتوبيخ الشخص بما فيه من المعايب بلا عداوة بينهما مع البادرة والجرأة والإفحاش في اللفظ"[134] .

2 ــ وامتدت البذاءة إلى نساء المماليك . ويذكر المقدسي أنه لما مات السعيد ناصر الدين بركة ت678 "خرجت الخواندات حاسرات ، واسمعن المنصور قلاوون الكلام القبيح من سب وغيره وهو لا يتكلم"[135].

العوام :

1 ــ  وتوارث المصريون حتى الآن من التصوف بذاءته ، فالعوام يحتفظون بالآثار السيئة ويحافظون عليها، وفي إحدى موجات الغلاء في القرن التاسع اجتمع جمهور من العامة": ( من داخل باب زويلة إلى تحت القلعة ، وأكثروا من الاستغاثة والصياح والشنعة مع السب واللعن والتهديد والتصريح بالعيب الذي له من مزيد ، من غير إفصاح بمراد ولا إيضاح شيئ مستقر في الفؤاد، لكثرة غوغائهم ولغطهم ودعائهم إلى أن اجتاز بهم المحتسب .. فأخذوه بتلك الألسنة وأوسعوه من الإساءة المعلنة ولم يتحاشوا عن القذف بالتصريح والإيماء..إلى أن طلع القلعة بعد أن ملأ من السوء سمعه) "[136]

2 ــ والمثل الشعبي يشير إلى الأصل الصوفي الذي تعتمد عليه البذاءة عند المصريين وهو: ( البساط أحمدى") ، ويضرب في طرح التكليف والإحتشام بين الحاضرين"[137].

3 ــ وفي العصر العثمانى يصور كلوت بك ذلك الملمح  في الحياة الإجتماعية المصرية يقول : (  تثور المنازعات بأسباب تافهة ، وتتبادل فيها ألفاظ السب والشتم واللعنات ، ويتراشق الفريقان بالمخازى والمعاير ، فيتبادر للذهن أن الشجار لسوف يفضي إلى أوخم العواقب ، إلا أنه قلما ينقلب الشجار بين المصريين من التنابذ بالقول إلى التضارب بالأيدي، بل أنه سرعان ما تهدأ النفوس وتسكن ثورة الغضب فيها بعد تنازل أحد الخصمين عن حقه بقوله للآخر: الحق علىّ .. وقد يتعانقان  تعانق الوئام والوداد". ) أى أن الشجار في معظمه سباب وبذاءة لا حد لها دون تضارب.

4 ــ  ويقول كلوت بك عن معجم السباب عند المصريين ": ( ومعجم الشتائم عندهم غني بكثرة الألفاظ ، ومنها ما يندى الجبين خجلاً.. وهم يتظاهرون أحيانا بالبصق على الذين يشتمونهم لأن البصق في نظرهم أبلغ فى الإهانة والتحقير"[138].

وفي العصر الحديث يقول أحمد أمين: ( معجم المصريين في السباب معجم وافٍ ذو ألفاظ متعددة ، وكلما مضى زمن زيدت هذه الألفاظ ، وكثيراً ما يستعملون في السباب أسماء  بعض الحيوانات كالخنزير والكلب والحمار، وربما كان أشنع السباب عندهم السباب بالدين كابن النصرانى وابن اليهودى ويا كافر. ) [139].

5 ــ وأقول أن "سب الدين" انتشر حتى لم يعد عيباً . ومع سب الدين انتشر سب الأم في كرامتها وشرفها بألفاظ واضحة مكشوفة .

والمفجع في الأمر أن سب الدين أو سب الأم لا يستعمل دائماً عند الغضب ، بل تعدى إلى مناسبات الفرح والمداعبة بل والإعجاب ..

وهذا يذكرنا بمدح الشعرانى لأشياخه بأنهم أصحاب شطح عظيم..

وهكذا عندما يسود الفساد لا يصبح عيباً..بل قد يكون مسوغاً للمدح والإعجاب ..

  ج3 / ف 6:التصوف ونشر المساوىءالاجتماعية :الغيبة والنميمة..والمقاريض

   كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثالث : أثر التصوف فى الانحلال الأخلاقى فى مصر المملوكية 

 الفصل السادس : التصوف ونشر المساوىءالاجتماعية

" الغيبة والنميمة"

  من المنهى عنه إسلاميا الغيبة والنميمة ضمن رذائل أخرى حددها رب العزة جل وعلا فى القرآن الكريم : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)   الحجرات )،  هذا فى الاسلام . أما التصوف فله شأن آخر .

بين التصوف والغيبة والنميمة:

1ـ  الصوفية لم يكن في حياتهم ما يشغلها بخطير الأمور ، وإنما عاشوا في فراغ عالة على الناس،  وفي تنافس مستمر فيما بينهم على المريدين والنذور ، مما جعل عملهم وتسليتهم الأساسية في الغيبة والنميمة.

2 ــ  ومنذ بدأ التصوف بدأت معه دولة الغيبة والنميمة ، حتى لقد نصح بعض الأشياخ بأن ينشغل الصوفية عن الغيبة بمطرب أو منشد مُغنّى أو ( قوّال ) . يقول أبوالقاسم النصراباذى: (  أنا أقول إذا اجتمع القوم فيكون معهم قوَال يقول، خيرا لهم من أن  يغتابوا . )"[140].

وانتشر التصوف فتعاظمت دولة الغيبة والنميمة حتى يقول الدلجى إن من آفات الفلاكة ـ أى الفقر والتصوف ـ "( الغيبة والطعن فى أعراض الناس والغض منهم) "[141]. ويقول السيوطى عنهم: ( ومنهم من تراه يتتبع عيوب الخلق فيذكرها ) "[142].

فى المؤسسات الصوفية :

1 ــ وكانت مؤسساتهم مراكز أساسية لهذا النشاط حتى يقول الشعرانى : (  وقبيح على شيخ الزاوية مثلا أن يجلس فى مجالس الغيبة والنميمة أو يُقرّ أحدا على ذلك ، فإنه يصير فاسقا، وهذا أمر قد استهان به الناس ، مع أنه أقبح من بيع الحشيش، ومع ذلك فلا يكاد أحد أن يستقبحه كل القبح"[143].  أى فقط بعض القبح ، أى صار عادة شائعة لاتستوجب إنكارا.

 بل كانوا يمارسون الغيبة والنميمة أثناء قراءة القرآن، فى تلك المؤسسات ،  يقول السبكى عن القُرّاء : (  القراء قد يتحدثون مع بعضهم البعض أثناء قراءة الجزء من الربعة، فلا هم يقرأون القرآن ولاهم يسكتون من اللغو فى الكلام، فإن انضم إلى ذلك أن قراءة الجزء شرط الواقف وأن حديثهم فى النميمة فقد جمعوا حراما ) "[144]. ذلك أن من أقام للصوفية الخوانق والربط والزاوية كان يشترط فى حجج الوقف أن يقرأوا القرآن ، وماكان يدرى أنها ستتحول إلى دروس للغيبة والنميمة.

شيوخ الغيبة والنميمة

 1 ــ  واشتهر كثيرون من الأشياخ الصوفية فى مجال الغيبة والنميمة، مثل الفخر الصوفى ت622" الذى ( كان بذىء اللسان كثير الوقيعة فى الناس"[145]. على حد قول الصفدى الذى يمدح صوفيا آخر هو ابن الفخر ت731 بأنه " كان متعبدا ممتنعا من الغيبة وسماعها"[146]. أى أن الغيبة والنميمة من عادات الصوفية ، ومن نجا منهما مدحوه بذلك .

2 ــ والقضاة ــ كالعادة ـ شاركوا فى الميدان . فقاضى قضاة حلب " شهاب الدين بن أبى الرضا ت791 ( كان مولعا بسلب أعراض الناس مستهزئا بأقوال الأكابر من العلماء والصالحين مواظبا على النفاق وإساءة الأدب والإساءة لمن أحسن إليه) [147].

والشيخ تقى الدين المصرى ت834  ( تفقه وتكسب بالشهادة واشتهر بمعرفة الملح ) أى الطرائف ، (  وسلب أعراض الناس خصوصا الأكابر فكان بعض الأكابر يقربه لذلك )"[148]. أى كانوا يطلبونه لأنه متخصص فى الغيبة ونشر أخبار الناس صحيحة أو مُلفّقة ، أى كان بتعبير عصرنا جريدة صفراء للفضائح تسير على قدمين ، ويُقبل عليها الناس .

فى القرن العاشر

1 ــ  وفى القرن العاشر سادت دولة الغيبة والنميمة إلى حد أكلت أعراض الأشياخ الصوفية أنفسهم، وإلى حد شارك فيها المريدون فى الوقيعة بين الأشياخ الذين تكاثروا عددا، وتعاظم التنافس والحقد بينهم ، ولم يعد لهم من عمل إلا أكل لحوم بعضهم البعض.

2 ــ والشعرانى أبرز الأشياخ فى عصره افتخر بحفظه لمقام أصحابه ( ومن أكل معه عيشا وملحا مع أن هذا خلق غريب) فى أيامه . ، يقول": (  ومما أنعم الله تبارك وتعالى به على حفظى لمقام صاحبى ومن أكلت معه لقمة ملح فى وقت من الأ" title="">[150].

ويقول الشعرانى : ( وقد رأيت شخصا عاد (أى زار ) مريضا فلما مرض هو لم يأت إليه، فمزق عرضه فى الآفاق.  وقد مرض شخص من مشايخ العصر فطلب من سيدى على المرصفى أن يعوده فلم يجبه إلى ذلك وقال إنما يطلب عيادتى طلبا للشهرة عند الأمراء الذين يعتقدونه ويقول الناس أن المرصفى زار سيدى الشيخ اليوم، ثم أن ذلك الشيخ صار ينقض عرض الشيخ المرصفى".)

المقاريض :

1 ــ هم مريدون تخصصوا فى إبتزاز شيوخ الصوفية باستعمال الغيبة والنميمة . ووجدوا لهم سوقا رائجة فى جلسات الشيوخ الصوفية أنفسهم ، ينقلون الأخبار و الوقائع والخصومات والفضائح .

2 ــ ويحكى الشعرانى عنهم ضمن كلامه عن  مجالس الغيبة والنميمة فيقول عن الأشياخ : (  بل رأيت بعض المشايخ يستجلب كلام اللغو من الداخلين عليه، يقول لهم : إيش أخبار الناس اليوم ؟ فينفتح الزائر كأنه جسر وانقطع ، ويحكى له ماجمعه فى تلك الغيبة كلها من غيبة ونميمة وقذف عرض وذكر نقائص الناس من سائر أصناف الخلائق. ثم يقول للزائر: والله ماأنت إلا حكيت لى، إيش بقى معك أيضا ؟ كأنه ماكفاه ماوقع فيه من الإثم حيث لم ينكر عليه شيئا مما قاله فى الناس من الغيبة لاسيما غيبة العلماء والمشايخ، وكيف ينكر عليه وهو الذى استجلب منه ذلك.!! )".

3 ــ وأولئك الأشياخ تربى عليهم جيل من المريدين يرتزق بالوقيعة بين الأشياخ بنقل الأخبار أو يصنعها. هم مريدون بلا إخلاص لأى من الأشياخ ولا يعتقدون فى ولايتهم فأرادوا إبتزازهم بالغيبة والنميمة. عرفوا طبيعة الأشياخ على حقيقتهم وأسرارهم  ومخازيهم وأنهم منتحلون منحلُّون يتكسبون بالدين ،وبالتالى فلن تكون الغيبة والنميمة مجرد إفتراء ، بل فيها حقائق . هؤلاء المريدون كانوا خطرا على هيبة الشيوخ الذين تقوم أرزاقهم ومكانتهم على الاعتقاد فيهم . وإذا تلاعب هؤلاء بالأشياخ فمن الطبيعى أن تضيع هيبة الأشياخ ويزول الاعتقاد فى كرامتهم . أى كان أولئك المريدون أشبه بمن يمارس الابتزاز فى عصرنا ، أو كانوا مثل بعض وسائل الاعلام التى تحترف مطاردة الأثرياء لتتكسّب منهم .

والشعرانى كان يتخوف من هذا الصنف من المريدين فى عهده ، ويسميهم ( مقاريض ) أى يقرضون الأعراض بألسنتهم ،وكان يتودد اليهم وينافقهم لينجو من ألسنتهم ، يقول أن من المنن: ( حُسن سياستى للمقاريض الذين يقرضون فى أعراض الناس بغير حق، فأقدم لأحدهم الطعام إذا ورد على ، وأبشُّ له فى وجهه وأباسطه ، وكثيرا ماأعطيه ردائى وقميص أو شيئا من الدنيا ، ونحو ذلك مما يحبّبه فىَ . ).

4 ــ ومن براعة الشعرانى فى اكتشاف طبيعة هذا الصنف أنه كان أثناء مباسطته معه يأخذ منه الأخبار دون أن يعطيه من أخباره شيئا، ثم يقول الشعرانى عن سياسته تلك مع المقاريض : ( وهذا الخُلق قلّ من يفعله من الناس ، فإنهم إماينكروا على ذلك المقراض ويعبسوا فى وجهه فيخرج مقراضا فيهم كذلك ، وإما أنهم يشاركونه فى الغيبة فى الناس وإما أن يسكتوا على تلك الغيبة. )".

5 ــ ويحذر الشعرانى الأشياخ من هذا الصنف من المريدين : (  فإياك ياأخى أن تذكر أحدا ممن يبايعك على النصح بسوء تنقصه به فى المجالس فإنه ربما عاملك بنظير ذلك وصار يقطع فى عرضك وينقصك فى أعين الناس كما نقصته، وكثيرا مايبلغ الشيخ الكبير القدر أن فلانا يقطع  فى عرضك فيتكدر لذلك. وغالب مريدى هذا الزمان غير صادقين مع أشياخهم. ).

ومعناه أن أغلبية المريدين تحولوا فى عصر الشعرانى إلى مقاريض فى  أعراض الأشياخ باعتراف الشعرانى الذى يقول : ( فربما عاهد أحدهم شيخه على أنه ينصحه سرا وجهرا أى من ورائه لمن يبلغه ومواجهته وهو كاذب، فليحذر الشيخ من التهور فى ذلك وعدم التفتيش ، فربما ظن أن مريده مقيم على العهد ولا غير ولا بدل ، والحال أنه غيّر وبدّل فيفجُر على الشيخ ، كما وقع لى ذلك كثيرا مع أصحابى ، وصار بعضهم يمزق فى عرضى فى أى مكان حل فيه، وبعضهم يصرخ فى وجهى أنه ليس من جماعتى ثم أنه إذا احتاج إلى حاجة عند الولاة يكُبّر فىّ غاية التكبر ( أى يُعظّمنى نفاقا ) ويجعل نفسه من جملة المريدين حتى تقضى حاجته.  ويبلغنى عنه ذلك وأُقرُّه عليه غصبا على، فتارة يجعلنى متفعّلا ـــ أى منتحلا مدعيا ـــ وتارة يجعلنى قطبا ) "[151].

6 ــ وتجربة الشعرانى تثبت أن الصوفية أداروا رحى الغيبة والنميمة  فما لبث أن طحنت أعراضهم.



[1]
ـ الرسالة القشيرية 49،54.

[2]ـ الرسالة القشيرية 54، 49

[3]ـ. ـالاحياء جـ4/347، 350.

[4]ـ المدخل جـ2/201: 202

[5]ـ المدخل ج2/201: 202.

[6]ـالطبقات الكبرى للشعرانى ج1/138، 177.

[7]ـ لطائف المنن 173، 351 ط عالم الفكر.

[8]- لطائف المنن 173 ، 351 ط عالم الفكر .  

[9]- أبو المحاسن : حوادث الدهور ج3 / 591 .

[10]- التبر المسبوك 203 ، 204 .

[11]- حوادث الدهور ج3 / 594 .

[12]- إنباء الغمر ج3 / 21 .

[13]- الضوء اللامع ج4 / 19 .

[14]- العيدروس : أخبار القرن العاشر 74 .

[15]- الضوء اللامع ج3 / 135 .

[16]- المناوى . الطيقات الكبرى 255 ، مخطوط .

[17]- الشعرانى . تنبيه المغترين 108 .

[18]- الطالع السعيد 428 .

[19]- الوافي يالوفيات جـ1 / 164 .

[20]- إنباء الغمر جـ2 / 285 .

[21]- إنباء الهصر 82 .

[22]- أخبار القرن العاشر 29 .

[23]- عقد الجمان 387 .

[24]- إنباء الهصر 248 .

[25]- ذيل ابن العراقى 158 .

[26]- النجوم الزاهرة جـ 16 / 207 .

[27]-  التبر المسبوك 287 .

[28]- إنباء الغمر ج2 / 368 .

[29]- تاريخ الخلفاء 135 .

[30]- تأييد الحقيقة العلية47 .

[31]- وثيقة وقف جمال الدين الاستادار .

[32]- التبر المسبوك 48 .

[33]- حوادث الدهور جـ 3 / 519

[34]تاريخ البقاعى 53 ، 59 .

[35]ـ تاريخ البقاعى 53 ، 59

[36]- الرسالة 297 .

[37]- الاحياء جـ3 / 257 ، 344 .

[38]- الاحياء ج4 / 194 ، 350 .

[39]- الرسالة القشيرية 189 .

[40]- إحياء ج4 / 200 ،292 .

[41]- الجواهر السنية ، 32 ، 33 ، 34 .

[42]- المناوى . الطبقات الصغرى 89 .

[43]- الكوهن . طبقات الشاذلية 115 : 116 .

[44]- الرسالة القشيرية 237 : 238 .

[45]- الجواهر والدرر 112 .

[46]- الطبقات الكبرى للشعراني ج2 / 115 .

[47]- الرسالة القشيرية 119 .

[48]- العبر فى خبر من غبر ج5/ 240 .عقد الجمان للعين 54 /422.

[49]- عبد الصمد الأحمدى 38 الجواهر السنية .العلوى النصيحة العلوية 300 .

[50]ـ المنهل الصافى. مخطوط جـ15/191.

[51]ـ عقد الجمان وفيات 797.

[52]ـالطبقات الكبرى جـ2/129 ،130 ،93 .

[53]ـ الطبقات الكبرى جـ2/129 ،130 ،93.

[54]ـ الطبقات الكبرى جـ2/   129 ، 130 ،93 .

[55]ـ الشعرانى. آداب العبودية 31.

[56]ـ النجوم الزاهرة جـ15/328: 329.

[57]ـ طيف الخيال161. تحقيق ابراهيم حمادة.

[58]ـالطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/168،167.

[59]ـ الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/167، 168.

[60]ـ الغزى. الكوكب السائرة جـ1/311.

[61]ـ تاريخ ابن الوردى جـ2/291.

[62]ـ المدخل جـ2/202.

[63]ـ الكواكب السائرة جـ1/213.

[64]ـ الشعرانى. الطبقات الكبرى ج2ـ/157، 132، 130، 134، 169، 157، 167.

[65]ـ الشعرانى  الطبقات الكبرى جـ2/157، 132، 130، 134، 169، 157، 167.

[66]ـ الشعرانى . الطبقات الكبرىجـ2/157، 132، 130، 134، 169، 157، 167.

[67]ـ الشعرانى. الطبقات الكبرىجـ2/ 157 ، 132، 130، 134، 169، 157، 167.

[68]ـ الشعرانى . الطبقات الكبرىجـ2/157، 132، 130، 134، 169، 157، 167.

[69]ـ الشعرانى. الطبقات الكبرى جـ2/157، 132، 130، 134، 169، 157، 167.

[70]ـ الشعرانى. الطبقات الكبرى جـ2/157، 132، 130، 134، 169، 157، 167.

[71]ـ الشعرانى. الطبقات الكبرىجـ2/157، 132، 130، 134، 169، 157، 167.

[72]- الكواكب السائرة جـ1 / 283 .

[73]- البدر الطالع جـ2 /149 .

[74]- النجوم الزاهرة جـ15 / 525 .

[75]- الطبقات الكبرى جـ2/ 130 ، 129 .

[76]- لمحة عامة إلى مصر جـ2 / 82 .

[77]- عبدالصمد. الجواهر 12 .

[78]- مناقب المنوفى 16 .

[79]- الطيقات الكبرى للشعرانى جـ2 / 135 . ، 169 ،168 .

[80]- الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2 / 135 ، 169، 168 .

[81]- الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2 / 135 ، 169 ، 168 .

[82]- الرسالة القشيرية 119.

[83]- الإحياء جـ4 / 296 .

[84]- الإحياء جـ4 / 192.

[85]- الرسالة القشيرية 211 ، 212 .

[86]- آداب العبودية 34.

[87]- الوافي بالوفيات .جـ2 / 320 ، 321 .

[88]- عقد الجمان حوادث سنة 792 .لوحة 410 .

[89]- الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2 / 92 .

[90]- العيدروس : أخبار القرن العاشر 177 .

[91]- كلوت بك . لمحة عامة إلى مصر جـ1 / 581 .

[92]- أبو المحاسن: المنهل الصافي ج3ـ / 249 .

[93]- تاريخ ابن كثير جـ14 / 119 .

[94]- تاريخ الجذرى. مخطوط 369 .

[95]- النجوم الزاهرة جـ16 / 178 .

[96]- العيدروس. أخبار القرن العاشر 101 .

[97]- الغزى . الكواكب السائرة جـ1 / 167 .

[98]- المناوى . الطبقات الكبرى 384 أ ، 386 ب .

[99]- المناوى . الطبقات الكبرى 384 أ، 386 ب .

[100]- الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2 / 130.

[101]- تاريخ الذهبى 31. ،47 .

[102]- مناقب المنوفى 16، 17 .

[103]- التبر المسبوك 36 .

[104]- نزهة النفوس . مخطوط 835 .

[105]- تاريخ البقاعى : 7 .

[106]- أحمد أمين. قاموس العادات والتقاليد 32، 135 .

[107]ـ أحمد أمين . حياتى : 31، 32، مكتبة النهضة المصرية .

[108]ـ قاموس العادات 397: 398.

[109]ـ الغزى . الكواكب ج1/311.

[110]ـ أخبار القرن العاشر 185.

[111]ـالتبر المسبوك،30.

[112]ـاحياء ج2/166.

[113]ـ الرسالة القشيرية 50، 41.

[114]ـ خطط المقريزى 3، 430، 431.

[115]ـ المدخل ج2/198.

[116]ـ التبر المسبوك 227.

[117]ـ وثيقة وقف خانقاه ، جمال الاستادار.

[118]ـ التبر المسبوك 315، 316، 90.

[119]ـ الطبقات الكبرى للمناوى 258، 259.

[120]ـالطبقات الكبرى للمناوى 258، 259.

[121]ـ تكسير الأحجار : 155.

[122]ـ تاريخ البقاعى 9ب .

[123]ـ لطائف المنن 348.

[124]ـ النجوم الزاهرة جـ16/5.

[125]ـ الضوء اللامع جـ14/31: 32، 34.

[126]ـ النجوم الزاهرة جـ16/5،209

[127]ـ حوادث الدهور جـ1/ 157، النجوم الزاهرة ج15/557.

[128]- السوك جـ4 / 1 / 471 ، 479 : 480 .

[129]- نزهة النفوس جـ2/ 428 : 429 ، 446 .

[130]-  عقد الجمان حوادث 821 ، 822 لوحة 469 ، 480 .

[131]- إنباء الغمر جـ3 / 165 ، 190 ، 192 ، 174 ، 214 ، 217 .

[132]- تاريخ ابن اياس ج4 / 95 ، 96 .

[133]- تاريخ ابن طولون ج2/ 10: 11 .

[134]- النجوم الزاهرة ج15/ 109 ،543 ،545 ، 499 .

[135]- تاريخ المقدسي 40 .

[136]- السخاوى. التبر المسبوك 260 .

[137]-  تيمور .الأمثال الشعبية 140 ،141 .

[138]- لمحة عامة إلى مصر : ج1 /556 ،597 : 598 .

[139]- قاموس العادات والتقاليد 227 .

[140]ـ احياء ج2/266.

[141]ـ الدلجى. الفلاكة والمفلوكون16

[142]ـ تأييد الحققةالعلية 47.

[143]ـ تنبيه المغتربين 215.

[144]ـ السبكى . معيد النعم 144: 145.

[145]ـ الوافى بالوفيات ج2/9، ج3/139.

[146]ـ الوافى بالوفيات ج2/9، ج3/139.

[147]ـ العينى . عقد الجمان لوحة 378.وفيات 791.

[148]ـ إنباء الغمر ج3/465: 466.

[149]ـ لطائف المنن ط. دار الفكر: 378، 407: 408، 313، 361، 256، 310.

[150]ـ لطائف المنن ط. دار الفكر : 378، 407: 408، 313، 361، 256، 310.

[151]ـ لطائف المننط. دار الفكر: 378، 407: 408، 313، 361، 256، 310.

الخاتمة

الخاتمة

(أ‌)    مشاكل هذا البحث

1 ـ  ـ هناك فرق بين الروائى والباحث التاريخى ؛ الروائى يستطيع أن يؤلف رواية بأشخاصها وظروفها كما يحلو له، أما الباحث التاريخى فهو ملتزم ببحث الأحداث والأقوال التاريخية المكتوبة عن العصر الذى يبحثه.  فالباحث فى التاريخ المملوكى ـ مثلا ـ  يدخل حجرة التاريخ المملوكى بكل مافيها من أشخاص واحداث ومؤلفات تعكس الحياة التى كانت سائدة فى العصر المملوكى ، ولا يملك الباحث الملتزم بالأمانة العلمية أن يفترى وقائع أو يتجاهل ماتصرخ به حقائق العصر، خصوصا إذا كانت تلك الحقائق تظهر فى سطور التايخ المملوكى كلها، وفى عناونيه ، بحيث إذا تجاهل سطرا فضحته باقى السطور ، وإذا تعامى عن مصدر نطقت بالحقائق باقى المصادر.

2 ـ ومشكلة هذا البحث بالذات غاية فى التعقيد .

2 / 1 : فهو بحث إرتاد لأول مرة ـموضوعا مسكوتا عنه فى البحث التاريخى ، هو بحث الحياة الدينية للمسلمين ، وهم الذين يتصورون أن المسلمين فى حياتهم الدينية متمسكون بالاسلام الذى كان عليه خاتم النبيين ، وأن الشيطان قدّم إستقالته بمجرد أن العرب دخلوا فى دين الله جل وعلا ـ أفواجا ، وهم ممنوعون من التفكير العقلى فى تاريخ الصحابة بعد موت النبى وما إرتكبوه من فتوحات وحروب أهلية ، تأسّست عليها أديان المسلمين الأرضية .

2 / 2 : ومن الممنوع عُرفا وشرعا فى الأديان الأرضية للمسلمين توضيح الفجوة بين دين الإسلام وتلك الأديان الأرضية التى ترفع راية الاسلام وتتناقض معه فى نفس الوقت ، وقد تكوّنت لها قُدسية وتأسست عليها مؤسسات قوية النفوذ مؤثرة فى ثقافة الشعوب ومتحكمة فى حياتها الدينية والاجتماعية ، ومتحالفة مع السلطان القائم تبرر إستبداده ، وإذا واتتها الفرصة طمحت فى السيطرة عليه أو الثورة عليه . وأعتى تلك المؤسسات مؤسسة الأزهر.

2 / 3 : ومن الكبائر التى تستوجب إقامة حد الردّة تقديم هذا البحث فى مؤسسة الأزهر بالذات ، وهى التى تمثل قاع الجمود العقلى والتخلف العلمى ، والتى تتخصّص فى مطاردة المفكرين سواء كانوا من داخلها أو من خارجها . لو تقدم الباحث بهذا البحث لنيل درجة الدكتوارة فى جامعة القاهرة ــ  مثلا ــ لناله العنت والمشقة ، فكيف بجامعة الأزهر  ؟

2 / 4 : ثم كان إنتحارا تقديم هذه الرسالة للمناقشة عام 1977 ،والأزهر تحت قيادة د .عبد الحليم محمود الذى كان أكبر شيوخ الأزهر نفوذا ، وكان فى نفس الوقت ـ بكل نفوذه وتسلطه ــ أكبر مدافع عن التصوف فى مصر وخارجها ؟

 لقد عرضت فى المقدمة بعض الاضطهاد الذى أسفر ــ أخيرا ــ عن حذف ثلثى الرسالة ، وكان من ضمن المحذوف ذلك الذى تم نشره هنا عن أثر التصوف فى العقائد والعبادات والأخلاق .

3 ــ ثم هو بحث يستلزم التعمق فى موضوعات متشابكة معا : الاسلام من خلال القرآن الكريم ، والتصوف ، ومصر والعصر المملوكى .

3 / 1  : التعمق هنا يدخل فيه قضية علمية قلما يلتفت اليها أحد ، وهى أساس فى أى بحث جاد فى الموضوعات الدينية والتاريخية والتراثية ؛ هى قضية المصطلحات .

ـ للقرآن الكريم مصطلحاته الخاصة التى لا يمكن بدونها فهم القرآن الكريم ومعرفة حقائق الاسلام . هذه المصطلحات القرآنية لا يمكن فهمها إلا بالتدبر القرآنى ، وفهم كل مصطلح من خلال السياق الخاص بالآية وعلاقتها بماقبلها وما بعدها ، ثم بتدبر نفس المصطلح فى سور القرآن الكريم كلها . مصطلحات القرآن تختلف ـ وأحيانا تتناقض مع مصطلحات التراث وأديان المسلمين الأرضية . ولكل دين أرضى ( سُنّة ، تشيع ، تصوف ) مصطلحاته الخاصة ، وأتباع كل دين منها يدخلون على القرآن بمصطلحات دينهم يحرفون الآية عن سياقها ويؤولون معناها ليجعلوا لدينهم مسوغا شرعيا يربطهم بالاسلام زورا وبهتانا .

ــ ثم هناك مصطلحات علمية لعلوم النحو والبلاغة والعلوم العقلية ..الخ ، بل إن تسمية هذه العلوم وموضوعاتها يدخل فى المصطلحات المستحدثة المصنوعة مثل ( النحو ، وما فيه من الاعراب ، الرفع ، النصب الجر ، الفاعل ، المفعول . ومثل البلاغة وما فيها : الاستعارة ، الكناية ، المجاز ..، والعروض . والحديث وما فيه من الجرح والتعديل والحديث المتواتر والصحيح والحسن الضعيف والموضوع..الخ ، ومثل علم الكلام ، والتوحيد ..الخ ) .

ــ ثم هناك مصطلحات خاصة بكل عصر تاريخى ، وهناك اسلوب للكتابة فى كل عصر يختلف عن العصور الأخرى . فمصطلحات العصر العباسى تختلف عن مصطلحات العصر المملوكى ، سياسيا ولغويا .

ــ ولا بد للباحث أن  يتعرف على هذه المصطلحات القرآنية والتراثية والتاريخية ، بل لا بد أن يُعايشها ، ويعرف الفروق بينها . ومصطلحات التصوف بالذات هى الأكثر عددا الى درجة أن هناك مؤلفات صوفية كُتبت فى التعريف بتلك المصطلحات ، ثم هى مصطلحات تعتمد على الرمزية ، ويحاول أرباب التصوف بها نشر وتسويغ دينهم وعقائدة المتناقضة مع الاسلام .

3 /  2 : بالاضافة الى قضية المصطلحات لا بد للباحث من فهم دين التصوف . وتلك مشكلة عويصة فى البحث عن التصوف فى العصر المملوكى . ففيه ساد التصوف وسيطر. والعادة أن البحث فى التصوف يتوقف عادة عند بداية العصر المملوكى ، أو بانتهاء التصوف النظرى الفلسفى، ويتجاهل باحثو التصوف الفلسفى تحليل تاريخ التصوف بعدها،لأن التصوف بعدها أصبح تصوفا عمليا مؤثرا فى الحياة الاجتماعية السياسية الدينية الثقافية . وتحول إلى طرق صوفية ، وأصبح البحث فيه أدخل فى مجال التاريخ والحضارة منه إلى البحث الفلسفى والفكرى .

ليس بوسع باحث التصوف النظرى الفلسفى أن يُقحم نفسه فى مجال ليس متخصصا فيه ، وهو تأثير التصوف التاريخى فى العصر المملوكى فى كل جوانبه . أى ليس مجرد أن تُحلّل وتُهلّل لكتاب فى التصوف النظرى من كتب الغزالى والقشيرى وابن عربى واللمعى ، بل عليك أن تقرأ  بالإضافة لكل تلك الكتب الصوفية النظرية كل الكتب التى كتبها صوفية العصر المملوكى ، من موضوعات مختلفة كالمناقب والمزارات والكرامات والوصايا والطبقات ..الخ . ثم عليك أن تتبع تأثير دين التصوف فى العصر المملوكى بكل تفصيلاته وحياته اليومية من خلال سطور المكتوب فى العصر المملوكى كله .

3 /  3 : والعصر المملوكى مشكلة أخرى . هو عصر تم فيه إعادة تدوين كل تراث ومؤلفات العصر العباسى بعد تدمير بغداد على يد المغول ، وارتبطت إعادة التدوين هذه بشرح بعض منتجات العصر العباسى مثل ( صحيح البخارى ) ، ودارت الحياة العلمية فى هذا العصر المملوكى على الشرح والتلخيص دون تجديد ، مع كثرة ( العلماء والفقهاء ) وكثرة المؤسسات العلمية التعليمية الصوفية .

ثم إن هذا العصر المملوكى شهد قيام الدولة المملوكية دولة محورية مؤثرة وثرية سياسيا بالأحداث المحلية والعالمية ، فهى الدولة التى أوقفت زحف المغول وأنهت الوجود الصليبى ، وأنشأت أكثر الموجود الآن من الآثار ( الاسلامية ) .

وهو العصر الذى إزدهرت فيها التأريخ أو علم التاريخ بكل مدارسه ونوعياته من حوليات وتاريخ محلى وموضوعى وطبقات و تأريخ للمدن والعمران وموسوعات تاريخية ، ونوعيات تاريخية متخصصة، وفيه ظهر أعظم المؤرخين كالصفدى والنويرى والمقريزى وابن حجر وأبى المحاسن والسخاوى وابن إياس . البحث فى أثر التصوف فى العصر المملوكى يستلزم ليس فقط قراءة كل المصادر التاريخية ؛ المنشورة والمخطوطة والوثائق ، بل أيضا قراءة كل ما أنتجه العصر من مؤلفات فقهية وأدبية وشعرية وعقلية وعقيدية وكتب فى الأمثال الشعبية والنوادر لمعرفة تأثير التصوف على ثقافة العصر ومنتجاته العلمية .

3 / 4 : ثم يستلزم التركيز على (مصر) لأنها فى عنوان البحث:( اثر التصوف فى مصر العصر المملوكى ) . والتاريخ المصرى مع إمتداده وتنوع حكامه وحياته الدينية عبر العصور خلال عشرات القرون قبل العصر المملوكى فله فى أغلبه طبيعة واحدة ، خصوصا فى السياسة والحياة الاجتماعية والدينية . الأمر الذى يستلزم التعرف على هذا ( النمط المصرى ) والى أى حد تأثر بالتصوف .

3 / 5 : ثم تبدو مشكلة أخرى هى أن التأريخ للحياة الاجتماعية فى عصر معين أمر لا يجتذب إنتباه مؤرخي العصور الوسطى الذين يدورون حول الحاكم والمتصلين به ، ولا يأبهون بالعوام ، وهم أغلبية الشعب والمادة الحية للحياة الاجتماعية ، ولا يهتمون بما يحدث فى الشارع ، إلا إذا حدث أمر خطير يُجبر المؤرخ لأن يلتفت اليه .

وهنا يستوجب على الباحث تتبع نبض الشارع ومعرفة أحوال العوام من خلال سطور متفرقة ضائعة وتائهة بين مئات الألوف من صفحات المصادر التاريخية المملوكية ، ثم عليه أن يهتم بكتب الرحالة وكتب الفقه الوعظى وثرثرة الأكاذيب الصوفية فى مؤلفاتهم ، وهى تعكس ــ بصدق ــ عقلية العصر وملامح من حياته الاجتماعية .

4 ــ  تغلب الباحث على كل هذه المشاكل ، ولكنه واجه مشكلة أخرى لاشأن له بها، وهى أن آثار التصوف الدينية والسياسية والاجتماعية كلها تدخل فى مجال السلبيات وكبائر الذنوب والجرائم .  وواجب الأمانة العلمية يقتضيه أن ينقل الصورة كما هى، ثم يقوم بتحليلها علميا ويتتبع جذورها العقيدية والتاريخية ، ولكن هذه الأمانة العلمية لا تُرضى أولئك الذين يقدسون الأجداد والأسلاف، وما وجدنا عليه آباءنا ، أو يقدسون التصوف وأولياءه. وبسببهم عاشت أجيال تحت ضغط طاحونة هائلة من غسيل المخ تركز على عبادة السلف ولا تذكر إلا الجانب المضىء، فإن لم تجده اخترعته اختراعا.

أئمة الجهل هؤلاء لا يرون للبحث التاريخى إلّا وظيفة وحيدة وهى التغنى بالأمجاد والمناقب، وعدم كشف العيوب والمساوىء ، حتى نظل نقع فى الخطا ولانستفيد من تجارب التاريخ ومواعظه.

أئمة الجهل هؤلاء لايعرفون أن نهضة أوربا الحديثة ارتبطت بمنهجها النقدى للتاريخ والأفكار، ولا يعرفون أن القرآن العظيم نفسه تحدث فى قصص الأنبياء عن أخطاء الأنبياء وأخطاء البشر من آدم إلى خاتم النبيين عليهم السلام. وجعل هذا القصص عبرة وعظة، كى نستفيد من الدروس ونتجنب أخطاء السابقين .ومن أسف أن يتبع الأوربيون المنهج القرآنى فى البحث التاريخى ، ونظل نحن نسبح بحمد الأسلاف ونرتكب نفس أخطائهم، ولهذا نظل رقيق القرن الحادى والعشرين. لذا نتفهّم موقفهم من بحث يُظهر مساوىء التصوف وأربابه بكل موضوعية ، ولا يستعمل إطلاقا أسلوب التبرير .

( ب ) المنهج العلمى

 1 ـ إن هذا البحث قد أعيدت كتابته اكثر من مرة خلال خمسة عشر عاما، وحتى بعد نشره عام 2000 ، قمت بإعادة كتابته قبل نشره هنا . وهذه هى أمانة العلم ومسئولية الباحث أمام ربه جل وعلا وضميره . وهذا غريب فى عصرنا السىء الذى تتفتّحُ فيه الأبواب لأرباب الجهل طالما يكررون ما تقايأه أئمة الإفك والضلال فى العصرين العباسى والمملوكى .

2 ـ لم أحاول مطلقا تزيين الواقع التاريخى المُظلم للتصوف وأربابه ، بل قمت بتحليل هذا الواقع كما هو ، ثم الاحتكام فيه للقرآن الكريم ، لإنصاف الاسلام وإصلاح المسلمين .

3 ــ ومع هذا فقد إضطررت الى المواءمة بين الأمانة العلمية (التى تستلزم نقل الحقائق كما هى وتحليلها تحليلا علميا) وبين ذوق عصرنا الذى يستفظع ماكان سائدا فى عصر التصوف المملوكى ولا يستطيع تصديقه. وبسبب هذه المواءمة فقد اضطررت إلى حذف أغلبية النصوص ( البذيئة) وهى تشكل ظاهرة عادية فى المصادر المملوكية المنشورة والمخطوطة،( والمخطوطة منها أفظع وأضل سبيلا) واكتفيت ببعض النماذج التى تعطى فكرة عن العصر ، مع الكثير من الإعتذار .

4 ــ كما أن الباحث نقل مباشرة عن المصادر الصوفية، وأغلبها مصادر منشورة ومشهورة وفى متناول من يريد قراءتها، كما أنها كانت مكتوبة فى عصرها فى تمجيد التصوف والصوفية والافتخار بما يفعلون أو نقد ما كانوا يفعلون . أى أن الباحث اعتمد على مصادر حية لأصحاب الشأن أنفسهم، ونقل عنهم مايؤكد الحقائق التاريخية للعصرالمملوكى وتصوفه، فإذا كانت تلك الحقائق تدين التصوف وتشينه فليس ذلك ذنب الباحث، بل هو فضل للباحث طالما يريد ببحثه توضيح الحقائق للمسلمين من الصوفية وغيرهم.  وتلك هى مهمة البحث التاريخى، أن ندرس حقائق التاريخ لنتعلم من الأخطاء.

كما حرص الباحث على الاحتكام إلى كتاب الله ليوضح حقائق الإسلام ، ويسلط بها الضوء علي روايات التصوف وتشريعاته، وقد ألصقها أصحابها بالإسلام زورا مع تناقضها مع القرآن ، والباحث يهدف بذلك إلى تصحيح عقائد المسلمين من الصوفية وغيرهم فى عصرنا الراهن.

 أخيرا :

1 ــ واضح فى هذا البحث أن التصوف حين ساد العصر المملوكى فقد هبط به الى مستنقع الكُفر العقيدى القلبى ، ومستنقع الفساد الأخلاقى والانحلال الأخلاقى . وبقية فصول الرسالة التى نوقشت تناولت آثار التصوف السلبية سياسيا وعلميا وتعليميا وإقتصاديا و إجتماعيا . ونرجو أن نتمكن من نشر هذه الأبحاث لاحقا .

ولكن تبقى للتصوف ميزة لا بد من الاعتراف له بها . هى أنه دين المٌسالمة والحرية الدينية .

2 ــ إن للإسلام والايمان معنيان : فى التعامل القلبى مع الله جل وعلا هو التسليم له جل وعلا وحده والانقياد له وحده إلاها لاشريكله ولا تقديس لغيره . ( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) الأنعام ).

والإيمان فى معناه القلبى هو الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله دون تفريق بين الرسل (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) البقرة  ).

وهذا الاسلام القلبى والايمان القلبى مرجعه لله جل وعلا وحده يحكم فيه بين الناس يوم القيامة فيما هم فيه مختلفون : ( قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46)) الزمر ).

أمّا فى التعامل مع الناس ، فالاسلام هو السلام ، والمسلم هو المُسالم مهما كان دينه وعقيدته . والمؤمن هو من يأمنه الناس من الأمن والأمان . والمنافقون فى عصر النبى كان ينزل القرآن بكفرهم وتآمرهم ، ومع ذلك فهم مسلمون ظاهريا لأنهم لا يرفعون السلاح ، وكان التزواج بينهم وبين المسلمين المؤمنين قائما لأن الفريقين إشتركا فى السلام ، أى الاسلام بمعناه السلوكى الظاهرى .

والايمان فى معناه الظاهرى هو التمسك بالأمن والأمان ، والمؤمنون حول النبى كانوا مؤمنين بالظاهر بمعنى الأمن والأمان ، ومعظمهم لم يحقق الايمان القلبى ـ كان كافرا بقلبه ـ لذا دعاهم رب العزة الى تحقيق الايمان القلبى بأن يؤمنوا بالله ورسله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136) النساء ). أولئك المؤمنون حول النبى كان منهم من يأكل الربا فهددهم رب العزة قائلا : (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275))، ثم يقول لهم رب العزة جل وعلا :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279) البقرة ).  يخاطبهم رب العزة بالذين آمنوا ، ليس بالايمان القلبى ولكن الايمان السلوكى بمعنى الأمن والأمان . وكان أولئك ( المؤمنون ) الصحابة يعبدون الأوثان فى المدينة متمتعين بالحرية الدينية المطلقة التى أرسها الاسلام فى دولة الاسلام فى المدينة فى عهد خاتم النبيين عليه وعليهم السلام . قال الله جل وعلا لهم : ( وَأُحِلَّتْ لَكُمْ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) الحج ) فلم يسمعوا ولم يطيعوا ، وظلوا على عبادة الرجس عاكفين ، ثم فى أواخر ما نزل قال لهم جل وعلا يخاطبهم بالذين آمنوا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (91) المائدة ) قال لهم جل وعلا (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ ) ثم تأتى الآية التالية تحملهم المسئولية وأن ما على الرسول سوى البلاغ المبين دون إكراه فى الدين : (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92) المائدة ).

ولأن الاسلام دين السلام فإن الله جل وعلا إعتبر دخول العرب فى السلام دخولا فى دين الله جل وعلا فقال لخاتم النبيين : ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2)  النصر). الذى رآه النبى هو الاسلام الظاهرى ، أى السلام وتوقف الحروب .

ليس بوسع النبى أن يعلم غيب القلوب ، ليس بوسعه معرفة الاسلام القلبى بمعنى التسليم لله جل وعلا ، والايمان القلبى بالله جل وعلا وحده الاها وبملائكته وكتبه ورسله دون تفريق بين رسله، فالله جل وعلا قال له عن بعض أصحابه الملازمين له إنهم مردوا على النفاق ، وهم أسوأ المنافقين وسيعذبهم الله جل وعلا مرتين فى الدنيا ـ بعد موت النبى ، ثم ينتظرهم عذاب عظيم فى الآخرة . هؤلاء الصحابة المجرمون الملازمون للنبى لم يكن يعرف ما فى قلوبهم : (  وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) التوبة )  . هؤلاء الصحابة الذين مردوا على النفاق وتوعدهم رب العزة بالعذاب مرتين فى الدنيا وعذاب عظيم فى الآخرة كانوا مؤمنين مسالمين حسب الظاهر ، شأنهم شأن الذين دخلوا فى السلام ـ دين الله جل وعلا ـ أفواجا .  ثم إرتكبوا فيما بعد خطيئة الفتوحات والفتنة الكبرى.

3 ـ  الكفر و الشرك سواء, هما قرينان فى مصطلح القرآن لذلك يأتيان مترادفين فى النسق القرآنى. ( 9 / 1 ، 2 ، 17) ( 40/42 2)ـ الكفر فى الغة العربية يعنى التغطية, أى كفر بمعنى غطى , والكفر العقيدى يعنى التغطية على الفطرة النقية بتقديس آلهة وأولياء مع الله جل وعلا .و فى نفس الوقت فان ذلك هو أيضا شرك لأنه حول الألوهية الى شركة وجعل لله تعالى شركاء فى ملكه ودينه.   وعليه فكما للاسلام معنيان (الايمان بالله وحده الاها والانقياد والاستسلام لله وحده) حسب العقيدة القلبية فى التعامل مع الله، و( الأمن والثقة والسلام ) فى التعامل مع كل الناس ، فان الشرك والكفر معا يعنيان النقيض ؛ الظلم والاعتداء. الظلم لله تعالى والاعتداء على ذاته بالاعتقاد فى آلهة أخرى معه ، وتقديس غيره ، فيما يخص العقيدة ، والظلم والاعتداء على البشر بالقتل للابرياء وسلب حقوقهم وقهرهم، في التعامل مع الناس، كما فعل الصحابة فى الفتوحات.     

هنا يكون سهلا تحديدنا المسلم بأنه الذى سلم الناس من أذاه مهما كان دينه الفعلى أو الرسمى أو إعتقاده، وتحديد المشرك الكافر بأنه هو المجرم الارهابى والمستبد الظالم الذى يقهر شعبه . الأفظع فيهم هو الذى يقتل الناس ويستبد بهم ويُكرههم فى الدين باسم الاسلام ، ينسب شروره لله جل وعلا ورسوله ودينه . وهذا ما نعانيه الآن من الوهابية ، و ما أنتجته من تنظيمات وجماعات .

 يمتاز التصوف على الدين الوهابى السّنى بالاسلام الظاهرى المسالم ، وبإيثاره للحرية الدينية . ونحن نشهد بهذا لأغلبية الصوفية ، ونفضلهم على الوهابيين الذين يجمعون الكفر والشرك بالمعنيين : الشرك القلبى بتقديس النبى والبخارى وسائر أئمتهم ، والشرك والكفر السلوكى بجهادهم الذي يقتلون به الأبرياء.  .

وموعدنا جميعا يوم الحساب ليحكم بيننا رب العزة فيما نحن فيه مختلفون .

  أحمد صبحى منصور

سبرنج فيلد / فرجينيا / الولايات المتحدة الأمريكية

 الثلاثاء 14  ابريل عام 2015

مصادر البحث

                           المصـــــادر

                             أولاً: الوثائق

أ) وثائق وقف منشورة

       1- وثيقة وقف الأشرف برسباي نشرها د./ أحمد دراج . ط المعهد العلمي  الفرنسي

            1963.

     2- وثيقة وقف السلطان قايتباي نشرها . ماير بدون تحقيق أو تعليق تحت اسم

Mayer. The Building of Quyed – bay as described in his

 Endowmented     London          1938(عمائر قايتباي كما هو مدون في وثيقته)

3-  وثيقة وقف مسرور الشبلي الجمدار في دوريات القاهرة مجلد 21جـ2 – 1959 نشر د./ عبد اللطيف إبراهيم .

    4- نصان من وثيقة الأمير سرغتمش دوريات القاهرة مجلد 28/1966 نشر د. /

            عبد اللطيف إبراهيم .

  ب) وثائق أخرى منشورة :وثائق عن التركية أوردها أحمد فؤاد متولى في ملحق كتابه 

        عن الفتح العثماني .

   ج) وثائق غير منشورة

       1- وثيقة وقف الغوري .. وهي رسالة دكتوراه للدكتور عبد اللطيف إبراهيم.

       2- أجزاء من وثائق وقف ورد ذكرها في ثنايا وملاحق الرسائل العلمية في جامعة

            القاهرة وأهم الوثائق:

         وثيقة جمال الاستادار الملحقة برسالة الخوانق للدكتورة دولت صادق ثم وثائق

         السلاطين لاجين  والجاشنكير وقلاوون وبرقوق والأمير جوهر  اللالا  إلخ..

                                        ثانيا : المصادر المخطوطة

* فكرة عنها ومدى استفادة البحث منها :                                             

                                              ( أ )

* ابن إسحاق : خليل المالكي ت 767.

         1- مناقب عبد الله المنوفي ت 749 أو 746 . مخطوط بالدار تحت رقم 1454 تاريخ

             تيمور ، كان المؤلف معاصراً ومعتدلاً بالنسبة لكتاب المناقب الذين أتوا بعده .

                                       (ب)

* البتنوني : على بن على . أواخر القرن التاسع .

         2- السر الصفي في مناقب الحنفي . مخطوط بالدار تحت رقم 1164 تاريخ  تيمور، 

              1035 تاريخ ، كان المؤلف معاصراً يقول عن حكاية للشيخ الحنفي ( وكنت

               حاضراً ذلك المجلس ورقة 400) من أكثر الكتب الصوفية التي استفاد بها

                البحث .

*  ابن برهان الدين إبراهيم : من أصحاب ابن تيمية .

  3- تكسير الأحجار التي افتتن بها أهل الجهل والاغترار ، رسالة مخطوطة بالدار   تحت رقم 404 مجاميع تيمور رقم 6 في المجموعة ، وهي تفصيل للأزمات التي وجهها ابن تيمية مع نصر المنبجي خاصة .

 *  البغدادي : أحمد بن عبد الله ت 1102.

   4-عيون الأخبار " مخطوط مصور، جزءان في مجلد تحت رقم 3810 تاريخ ، وهو تاريخ لما قبل الإسلام وما بعده ، فهو مختصر .

  *  البقاعي إبراهيم بن عمر ت 885.

      5- تاريخ البقاعي ، مخطوط مجلد رقم 5631 تاريخ ، يهتم فيه بأخبار الفقهاء والقضاة ،     وهو تاريخ دقيق مفصل معاصر للأحداث متفاعل معها ، مع صعوبة    

              تحقيقه ، لأن  النسخة المخطوطة أقرب إلى أن تكون مسودة بخط المؤلف فيما

             اعتقد ، فهي كثيرة الحواشي والتنقيح والزيادة ، وخطها رديء ، ويبدو أنها

              كانت تكتب على فترات ، ويبدو تعرضها لطمس بعض كلماتها عن عمد ،

              وساعد في قراءة الخط فيه  ما ورد من مواضع متشابهه في كتابي البقاعي

               : تنبيه الغبي ، تحذير العباد وهما محققان ، هذا بالإضافة إلى عدم ترتيب

               سنوات الأحداث فيه وقد اعتمد السخاوي في الضوء اللامع على تاريخ

                البقاعي  في مواضع كثيرة  جداً .

   *  البكري : شمس الدين أبي السرور بن محمد ، من رجال العصر العثماني .

                6- الروضة الزهية في ولاة مصر المعزية ، مخطوط بالدار تحت رقم 2407

                    تاريخ تيمور ، وهو تاريخ مختصر لولاة مصر ، وصل به إلى ولاية علي

                    باشا  ت 1602ويليه تذييل يظهر أنه بخط شرف الدين من حفدة الشيخ

                    زكريا الأنصاري .

     *  البكري : محمد توفيق من شيوخ العصر العثماني .

                  7-  تراجم بعض رجال الصوفية ، مخطوط بالدار تحت رقم 3736 تاريخ ،

                     واستفاد البحث من تأريخه للرفاعي وتلاميذه .

  *  ابن بهادر : محمود بن محمد بن محمود ابن بهادر المومني .

                   8-  فتوح النصر في تاريخ ملوك مصر ، 2 جـ في مجلدين . مخطوط

                      مصور بالدار رقم 2399 تاريخ ، كتبه سنة 877 وأهمية هذا المرجع 

                      في تعبيره عن تفكير القرن التاسع ، حيث أن مؤلفه قام بتلخيصه عن كتب

                      السابقين ، ومع هذا فقد ظهر أثر تفكيره وعقليته في هذا التلخيص

                       والجمع .

       *  بيبرس الداودار ت725

                    9- زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة .. وهو الجزء التاسع من تاريخ بيبرس

                       الداودار وأهميته في معاصرته للأحداث ، وهو مصور بمكتبة جامعة

                       القاهرة  تحت رقم 24028 وأرخ للفترة فيما بين 656 : 709

                        والمؤرخ مملوك ينافق سلطانه الناصر محمد بن قلاوون إلى  درجة أنه                      

                        أهمل تاريخ من اغتصبوا الحكم منه أسوة بإهماله  تاريخ المغول

                         المعاصرين له .

( ت )

*   ابن تيمية : أحمد بن عبد الحليم . تقي الدين ت 728.

                       10 – قاعدة في التنفير من المردان ، رسالة جمعت بين الفقه والتاريخ،

                        مخطوطة بالدار تحت رقم 404 مجاميع تيمور رقم 11 في المجموعة.

                                     ( جـ )

         *  الجزري : شمس الدين محمد بن إبراهيم (658- 739)

                          11- تاريخ الجزري 3 مجلدات . مخطوطة بالدار تحت رقم 5422

                               تاريخ ، وهو تاريخ معاصر لسني حياته ، حيث أنهاه إلى 738

                                ورغم إقامته بالشام كما يفهم من تاريخه إلا أنه حرص على تتبع

                                أخبار مصر ، وإسنادها إلى من رواها له ويقول ( كتب إلىّ فلان)

                                 …

                                     ( حـ  )

           *  ابن حبيب : الحسن بن عمر بن الحسن بن عمر بن حبيب ت 779

                           12 – درة الأسلاك في دولة الأتراك … 3 ج في 3 مجلدات .

                                  مخطوط مصور بالدار تحت رقم 670 ، يهتم فيه بالسجع

                                  والمحسنات والاستطراد الإنشائي وإيراد الأشعار ، وأهميته

                                  أنه معاصر للأحداث ابتداء من منتصف الجزء الثاني إلى نهاية

                                   الجزء الثالث .

*  ابن حجر ( العسقلاني ) شهاب الدين أحمد بن على بن محمد بن على

                                                (773- 752)

                        13- إنباء الغمر بأبناء العمر : مخطوط بالدار تحت رقم 8844 ح.

                              اعتمدت على السنوات العشر الأخيرة من التاريخ والتي لم

                               تحقق ( من سنة 840 إلى سنة 850).

                      14 – تاريخ المائة التاسعة أو ذيل الدرر الكامنة : مخطوطة بالدار تحت

                               رقم 641 تاريخ  تيمور ، وهناك نسخة مصورة عنها تحت

                               رقم 4767 تاريخ .. وهي نسخة خطية بيد المؤلف نفسه

                                وصعبة القراءة مع أهميتها حتى أن المؤرخين المعاصرين

                                  نقلوا عنها ..

   *  ابن حجر (الهيثمي) شهاب الدين بن محمد بن بدر الدين ت 974

                         15- أخبار الخلفاء (إتحاف إخوان الصفا بنبذ من أخبار الخلفا ) مجلد

                                بالدار تحت رقم 276 تاريخ .. وهو تاريخ للخلفاء العباسيين

                                 بالقاهرة .

       *  الحلبي : شهاب الدين أحمد ( كان موجوداً سنة 1018 كما في ص 88 من

                       المخطوطة )

                      16- النصيحة العلوية  في بيان حسن طريق السادة الأحمدية . مخطوط

                              بالدار رقم 1129 تاريخ تيمور .. واعتمد أساساً على الجواهر

                               السنية لعبد الصمد الأحمدي ..

                                           ( د )

        *   ابن دقماق : صارم الدين إبراهيم بن محمد 809.    

                       17-  الجوهر الثمين في سير الملوك والسلاطين ، مخطوط في مجلد

                               بالدار تحت رقم 1522 تاريخ .. ورغم أنه مختصر إلا أنه معاصر

                                يعبر عن عقلية العصر .

                                            ( ذ )

          *   الذهبي : شمس الدين بن محمد ت 748. 

                       18- تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام .. مجلد 31، مخطوط

                               بالدار تحت رقم 42 تاريخ ، ولا أدل على أهميته من نقل

                               المؤرخين منه . إلا أن الأجزاء المخطوطة في الدار ضائعة أو

                                متفرقة ..

                                                            ( ر )

          *  الرجائي : أبو الفتح المقدسي الرجائي .. من رجال القرن التاسع.

                        19- العقد المفرد في حكم الأمرد أو المنازعة في حكم المطاوعة ..

                                رسالة مخطوط  بالدار تحت رقم 40 مجاميع تيمورية رقم 5 في

                                المجموعة .. وهي عن الشذوذ الجنسي  لدى الصوفية .

           *  الرشيدي : محمد بن إسماعيل بن محمود بن محمد.     

                         20- الألفاظ المكفرة . مخطوط رقم 103 مجاميع تيمور رقم 3 في

                                المجموعة .. وكتبها سنة 892 ويمثل في تلك الرسالة تطرف

                                 الفقهاء في الإنكار على انحلال الصوفية العقائدي .

                                         ( ز )

            *  الزركشي : بدر الدين من رجال القرن التاسع .

                            21- زهر العريش في أحكام الحشيش ( مخطوط بالدار تحت رقم

                                83  مجاميع تيمور رقم 6 في المجموعة ) عن انتشار الحشيش

                                  بأثر الصوفية .

            *  زكريا الأنصاري : من أعلام القرنين التاسع والعاشر ..

                            22- تحفة الراغبين في بيان أمر الطواعين . مخطوط رقم 134

                                   مجاميع تيمورية رقم 1 في المجموعة  وهو يسجل الطواعين

                                   وبعض أخبارها في العصر المملوكي .

                                            (س )

     *  السيوطي : جلال الدين عبد الرحمن ت 911 .. ومخطوطاته التي استفاد

                         منها البحث على نوعين : كتب ورسائل :

    أ ) الكتب :

       23ـ كوكب الروضة ، تاريخ تيمورية 521 بدار الكتب ، فرغ من كتابته سنة  815 .

       24ـ تاريخ قايتباي ، مخطوط بالدار رقم 61 تاريخ .

    ب) الرسائل :

        25ـ  الأساس في مناقب بني عباس : مخطوطة ضمن مجموعة 201 تيمورية رقم

                    8 في المجموعة .

        26ـ الأسفار عن قلم الأخطار : مخطوطة ضمن مجموعة 201 مجاميع

                     تيمورية   رقم 10 في المجموعة .

         27ـ إحياء الميت بفضائل آل البيت ، مخطوطة ضمن مجموعة 72 مجاميع

                      تيمورية رقم 7 في المجموعة .

         28ـ إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء  ، مخطوطة ضمن مجموعة 11 مجاميع      

                      تيمورية رقم 11 في المجموعة .

        29ـ أكام العقبان في أحكام الخصيان ، مخطوطة ضمن مجموعة 139

                        مجاميع تيمورية رقم 5 في المجموعة .

       30ـ  الانتصار بالواحد القهار ( في وضع الحديث ) مخطوطة ضمن مجموعة  

                         202 مجاميع تيمورية رقم 20 في المجموعة .

       31ـ بذل المجهود في خزانة محمود ( عن استعارة الكتب ) مخطوطة ضمن

                       مجموعة 139 مجاميع تيمورية رقم 23 في المجموعة .

       32ـ بلوغ المآرب في قص الشارب ، مخطوطة ضمن مجموعة 1 مجاميع

                        تيمورية رقم 2 في المجموعة .

       33 ـ أسئلة السلطان قايتباي ، مخطوطة ضمن مجموعة 255 مجاميع

                        تيمورية رقم 56 في المجموعة .

         34ـ تحفة العجلان في فضل عثمان ، مخطوطة ضمن مجموعة 201

                         مجاميع تيمورية رقم 3 في المجموعة .

        35 ـ حسن المقصد في عمل المولد ، مخطوط ضمن مجموعة 201 مجاميع 

                        تيمورية رقم 6 في المجموعة .

         36ـ حصول الرفق بأصول الرزق ، مخطوطة ضمن مجموعة 209 مجاميع

                       تيمورية رقم  6 في المجموعة

         37ـ الدرر في فضل عمر ، مخطوطة ضمن مجموعة 201 مجاميع تيمورية

               رقم 5 في المجموعة .

         38ـ حياة الأنبياء ،مخطوطة ضمن مجموعة 201 مجاميع تيمورية رقم 11

                       في المجموعة .

         39 ـ الروض الأنيق في فضل الصديق ، مخطوطة ضمن مجموعة 201 

                       مجاميع تيمورية  رقم 1 في المجموعة .

         40ـ رشف الزلال من السحر الحلال ، مخطوطة ضمن مجموعة 72 مجاميع 

                       تيمورية رقم 14 في المجموعة .

         41 ـ الرسالة السلطانية ،مخطوطة ضمن مجموعة 139 مجاميع تيمورية

                       رقم 19   في المجموعة .   

        42 ـ  شقائق الأترج في دقائق الغنج ، مخطوطة ضمن مجموعة 72 مجاميع

                        تيمورية رقم 14 في المجموعة .

         43ـ الفتاش على القشاش : مخطوطة ضمن مجموعة 202 مجاميع تيمورية .

                       رقم 4 في المجموعة .

         44ـ عمل اليوم والليلة مخطوطة ضمن مجموعة 72 تيمورية ، رقم 6 في

                        المجموعة .

        45ـ  العجاجة الزرعية في السلالة الزينبية ، مخطوط ضمن مجموعة 42

                        تيمورية رقم 6 في المجموعة .

        46 ـ الفاشوش في أحكام قراقوش ، مخطوط ضمن مجموعة 139 تيمورية

                       رقم 24 في المجموعة .

         47ـ الطرثوث في فوائد البرغوث ، مخطوطة ضمن مجموعة 139 تيمورية 

                      26 في المجموعة .

         48 ـ القول الجلي في فضل علي ، مخطوطة ضمن مجموعة  201 تيمورية

                      رقم 4 في المجموعة

         49 ـ  القول الجلي في تطور الولي ، مخطوطة ضمن مجموعة 72 تيمورية

                       رقم 11 في المجموعة .

        50 ـ كشف الصيانة عن مسألة الاستنابة ، مخطوطة ضمن مجموعة201                  

                      تيمورية رقم 5 في المجموعة .

        51 ـ  ما رواه السادة في الاتكاء على الوسادة ، مخطوطة ضمن مجموعة 201

                       تيمورية رقم 7 في المجموعة .

      52 ـ المنحة في السبحة ، مخطوطة ضمن مجموعة 72 تيمورية رقم 4 في

                         المجموعة .

                                  (ش)

      * الشرنوبي : أحمد .

     53ـ  طبقات الشرنوبي . نقلها عنه الإمام أحمد البلقيني ، وتقول دائرة المعارف    

                     أن الشرنوبي توفي سنة 950 هـ . ويقول في طبقاته أنه اجتمع مع الأولياء

                     سنة 670 فوق سطح الكعبة ( الطبقات 6 ،7) . واعتقد بصحة ما قالته

                     دائرة المعارف . وهي مخطوطة بمكتبة جامعة القاهرة تحت رقم 21846

      *  الشبلي : بدر الدين محمد ت 769.

     54ـ أكام المرجان في أحكام الجان ، مخطوط بالدار تحت رقم 2412 تاريخ،

                        جمع بين الفقه والأخبار .

   *  الشعراني : عبد الوهاب أبو المواهب (898 – 973هـ ).

         55ـ  إرشاد المغفلين من الفقهاء والفقراء إلى شروط  صحبة  الأمراء ،

                       مخطوط بمكتبة القاهرة رقم 15359.

         56ـ  القول المبين لدليل لبس الخرقة والتلقين . مخطوط بمكتبة القاهرة  رقم 

                        15359.

        57ـ المنن الصغرى : الدرر و اللمع في بيان الصدق في الزهد والورع ،

                       مخطوط بالدار رقم 921 تصوف طلعت .

  * الشطنوفي : علي بن يوسف بن جرير ت 713.

         58ـ بهجة الأسرار ومعدن الأنوار في مناقب السادة الأخيار من المشايخ الأبرار

                   2ج في مجلد ، مخطوط بالدار رقم 4506 تاريخ

                   شمة . حسن بن على بن على ( من رجال العصر العثماني ).

          59ــ مسرة العينين بشرح حزب أبي العينين . مخطوط بالدار تحت رقم

                        تصوف 1095 تصوف طلعت .

                                 (ص)

      *  الصاغاتي  : أبو الفضايل حسن بن محمد في القرن التاسع.

           60ــ رسالة في الأحاديث الموضوعة . 132 مجاميع تيمورية بالدار . آخر

                         رسالة في المجموعة ، جمع فيها الأحاديث الموضوعة المتداولة في

                          القرن التاسع .

       *   الصفدي : صلاح خليل بن أيبك ت 764.

           61ــ  أعيان العصر ، مخطوط مصور من 6 أجزاء بالدار تحت رقم 1091

                    تاريخ الموجود ج 6 قسم 1 ، قسم 2 ، ج9 قسم 1 ، قسم 2.

                    ويلاحظ أن الأقسام السابقة بمجلداتها الأربعة مصورة عن النسخة الموجودة

                   في تركيا ، وتوجد نسخة مصورة من الدار عن مخطوط الأسكوريال

                    ووضعت تحت رقم ( 1091 تاريخ ) على أن هذه النسخة قد تعرضت 

                    لبعض الشخصيات التي تعرضت لها النسخ السابقة مع اختلافات ليست

                    فقط  في الخط وإنما في إيراد المعلومات ، وعلى سبيل المثال ترجمة

                    ابن دقيق العيد في نسخة استانبول (6/2/309) تختلف عن نظيرها في

                    نسخة الاسكوريال ( لوحة 26) ويبدو أن  النسخة الموجودة في

                    الاسكوريال هي الأصلية بما فيها من توقيت وترك الفراغ وسرعة الخط .

                    وقد عرض المؤلف لأعيان عصره مع الاهتمام بالنواحي الأدبية والأشعار،

                    خصوصاً حين ترجم للمعاصرين له .

      *  الصيرفي : على بن الجوهري الصيرفي (819  ــ 900).

         62ـ نزهة النفوس والأبدان ، مخطوط بالدار تحت رقم 116 تاريخ 

               م ، 12861ح  الجزء الأخير الذي لم يحقق وقد توقف سنة 850

               حيث انتهى العيني في عقد الجمان ، ولم يؤرخ بعد ذلك للمعاصرين

              اكتفاءاً بتاريخه الآخر إنباء الهصر أما في نزهة النفوس فقد نقل

                عن العيني والمقريزي دون أن يضيف .

                            (ع)

       * عبد الباسط بن خليل ( 844  ــ 920)

           63ــ الروض الباسم في حوادث العصر والتراجم 4 ج في 4 مجلدات ،

                              مخطوط مصور بالدار تحت رقم 2403 تاريخ تيمور .

           64ــ ابن العراقي : ولي الدين أبو زرعه بن عبد الرحيم بن الحسين

                               العراقي .

           65ــ الذيل .. وهو ذيل على تاريخ والده الذي ذيّل على ذيل العبر للحافظ  الذهبي ،

                                وابتدأ فيه التأريخ بسنة مولده 762 ، ويهتم فيه بتاريخ الشام

                                وهو مخطوط بالدار تحت رقم 5615 تاريخ .

          * ابن عطاء السكندري .

            66ــ تاج العروس : رسالة مخطوطة في مجاميع تيمورية رقم 209

                                 رقم الرسالة 1.

         *  العلوي : خالد بن عيسى بن أحمد إبراهيم .

             67ــ رحلة العلوي .. مخطوطة بخط مغربي ( صعب القراءة ) تحت

                           رقم 400 جغرافيا بالدار  وقد ابتدأ رحلته في 18 صفر 736

                            في طريقه للحج وسجل مشاهداته في مصر .

           * العيني : بدر الدين 762ــ 855.

                68ــ عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان . مخطوط مصور بالدار تحت

                         رقم 1584 تاريخ 8203ح. واعتمد البحث على المجلد الذي

                         ابتدأ سنة 656 : سنة 850 ويقع في 15 مجلداً موجودة

                          بالدار وهي في دور التحقيق .. وفي تاريخه  للسنوات الأخيرة

                          كان مختصراً على غير  العادة في الحوليات .

                                      (ف)

          *  ابن فارس : أبو اللطايف خادم الوفائية ( من القرن العاشر ).

              69ـ المنح الإلهية من مناقب السادة الوفائية .. مخطوط بالدار رقم

                                   874 تاريخ تيمور ..

          * الفقي : من رجال القرن العاشر ..

           70ـ تاريخ واقعة السلطان الغوري والسلطان سليم .. مخطوط

                 بالدار رقم 376 تاريخ تيمور  . واعتمد على تاريخ  ابن

                    زنبل الرمال .

    * ابن قاضي شهبه : أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر ت 851.

            71ــ الإعلام بتاريخ أهل الإسلام ، تاريخ مصور في 7 مجلدات بالدار 

                    تحت رقم 392 تاريخ ، تراجم للأشخاص والحوادث ومع

                     اهتمام أكثر بالشام .

                                   (ك)

    *  الكتبي : ابن شاكر : صلاح الدين محمد ابن أحمد ت 764

                72ــ عيون التواريخ ، الموجود منه مجلدات مصورة بالدار تحت

                        رقم 1497 يهتم فيه بأخبار الشام مع إيراد الأشعار لمن

                         يترجم لهم .        

       * مجهول

          73 ــ تشريف الأيام والعصور بسيرة الملك المنصور (قلاوون)  .

                   حوادث 681 ـ 689 مجلدان مخطوط بالدار تحت رقم 226

                      تاريخ تيمور .

          74 ــ شرح صلاة ابن مشيش .. رسالة في مجموعة رقم 120

                          مجاميع تيمور رقم 3 في المجموعة .

         75 ــ مناقب أبي العباس بن وفا . مخطوط بالدار تحت رقم 1785

                                      تاريخ تيمور .   

         76 ــ مناقب السيوطي . لم يعلم مؤلفها ومنقولة عن رواية الشيخ

                      يحيي الدين المالكي . مخطوط بالدار رقم 567 تاريخ .    

         77 ــ مناقب القطب الأمثل سيدي محمد بن أحمد الفرغل . مخطوط

                               بالدار تحت رقم 1729 تاريخ تيمور .

          *  ابن محسن : أبو الصلاح علي الصعيدي الشاذلي

             78ــ  تعطير  الأنفاس بمناقب أبي الحسن وأبي العباس . فرغ من

                          جمعه 1110  مخطوط بالدار رقم 357 تاريخ تيمور .         

        *   أبو المحاسن : ابن تغري بردي .             

           79ــ  المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي ، مخطوط في خمسة  

        أجزاء بالدار تحت رقم 1209 تاريخ تيمور . وهو قصر

                            على التراجم .

         *   مرعي الحنبلي :  ت 1033.

            80 ــ نزهة الناظرين في تاريخ من ولي مصر من الخلفاء والسلاطين

                     ..مخطوط في مجلد بالدار تحت رقم 303 تيمور . وهو تاريخ

                       مختصر ينقل عن السابقين .

        *  المقدسي : مرعي بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد المقدسي.

           81 ــ نزهة الناظرين في  تاريخ من ولي مصر من الخلفاء والسلاطين.

                   فرغ من كتابته سنة 1142هـ ، مجلد مخطوط بالدار تحت رقم

                  2076 تاريخ ، وهو منقول حرفياً عن تاريخ مرعي الحنبلي

                    السابق في مواضع كثيرة ويبدو فيه ميل صاحبه للخلفاء

                     العباسيين بالقاهرة .

        * المقريزي : تقي الدين أحمد بن على (766ــ 845).

           82 ــ حل لغز الماء .. رسالة في مجموعة رقم 33 مجاميع تيمورية رقم        

                   5 في المجموعة .

         *  المقفي .

        83 ــ 4 ج في 4 مجلدات ، مخطوط مصور بالدار تحت رقم 5372

                  تاريخ ، ومن الصعب قراءة خطه وهو يترجم فيها لشخصيات

                   مصرية أو أتت لمصر قبل وأثناء العصر المملوكي.    

      * المناوي : عبد الرؤوف ت 1031.

        84 ــ الطبقات الكبرى .. مخطوط بالدار تحت رقم 1589 تاريخ تيمور.

        85 ــ الطبقات الصغرى . مخطوط بالدار تحت رقم 476 تاريخ تيمور.

                                (ن)

* النويري : شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب بن محمد ، عبد الدايم البكري ت 733.

        86 ــ نهاية الأرب : الأجزاء 28 ، 29، 30، 31، مخطوط مصور بالدار تحت رقم 

                549 معارف . كان يتهرب من التاريخ المباشر لعصره خوفاً وتملقاً للناصر

                محمد بن قلاوون كما يظهر في الجزء الأخير ..

* النويري : محمد بن قاسم بن محمد ت 775 هـ

          87 ــ  الإلمام بالأعلام فيما جرت به الأحكام والأمور المقضية في واقعة الإسكندرية

                 جزءان في مجلدين ، مخطوط مصور بالدار تحت رقم 3942 تاريخ وجمع

                  فيه بين التاريخ والفقه والتصوف والمعارف العامة .

                                   (ى)

* اليمني : محمد الشبلي : من رجال القرن الحادي عشر .

         88 ــ السنا الباهر بتكميل النور السافر في أخبار القرن العاشر . مخطوط

                  مصور بالدار تحت رقم 1586 تاريخ ..

                        ثالثا : المصادر المطبوعة

                                   ( أ )

* الأبشيهي : شهاب الدين محمد بن أحمد 790ــ 850.

           1 ــ المستطرف في كل فن مستظرف 2ج المكتبة التجارية الكبرى . مطبعة

                  الاستقامة 1379.

* الأدفوي : جعفر بن ثعلب بن جعفر ت 748.

           2 ــ الطالع السعيد في أخبار نجباء الصعيد . المطبعة الجمالية 1914، وبتحقيق  

                  سعد محمد حسن طبعة سنة 1966.

* ابن إياس : محمد بن أحمد . من مخضرمي الدولتين المملوكية والعثمانية .

           3 ــ   بدائع الزهور ط بولاق الطبعة الأولى 1311هـ .ج1 ، ج2 حتى سنة 906

                  وبتحقيق محمد مصطفى الجزء الرابع (906ــ 921) نشر جمعية المستشرقين

                   الألمان 1971 . وبتحقيق محمد مصطفى الجزء الخامس (922ـ 928)

                   الطبعة الثانية القاهرة 1961 ، وحقق محمد مصطفي أيضاً ما طبع في مطبعة

                    بولاق نشره في الجزء الأول في قسمين من بداية الكتاب حتى سنة 815هـ

                   1974 ، الجزء الثاني ( 815- 873) ونشره 1972 .

* ابن أيبك الداوداري:  أبوبكر بن عبد الله ( معاصر للناصر محمد بن قلاوون) .

             4 ــ الدرر القاهر في سيرة الملك الظاهر . وهو الجزء التاسع من كنز الدرر وجامع

                    الغرر تحقيق هانس أرفست ، أروبر رويمر نشر سامي الخانكي . مطبعة لجنة

                    التأليف والترجمة 1960.

                                        ( ب )

* ابن بطوطة :

              5 ــ رحلة ابن بطوطة 2ج الطبعة الثانية مطبعة التقدم .

* البقاعي : برهان الدين البقاعي (809 ــ 885).

              6 ــ  تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي .

              7 ــ  تحذير العباد من أهل العناد . تحقيق وتعليق عبد الرحمن الوكيل الطبعة الأولى

                     1953.

* البهاء زهير : بهاء الدين زهير بن محمد بن على.

               8 ــ ديوان البهاء زهير نشر مكتبة المليجي . الطبعة الأولى 1322.

*  البوصيري : شرف الدين محمد بن سعيد ت 694.

                9 ــ ديوان البوصيري : تحقيق محمد سيد كيلاني . نشر البابي الحلبي الطبعة

                      الأولى 1955.

                                 ( ت )

* ابن تيمية : الحافظ أبو العباس أحمد بن عبد الحليم (ت) 728هـ

               10ــ الصوفية والفقراء : مكتبة المنار . المطبعة الأولى 1327.

               11ــ مجموعة الرسائل والمسائل . المطبعة العامرية الطبعة الأولى 1323.

               12ــ أحاديث القصاص تحقيق محمد الصباغ .

                               ( ج )

* الجويري : زين الدين عبد الرحيم بن عمر الدمشقي

               13ــ المختار في كشف الأسرار طبع دمشق 1302.

* ابن الجوزي : الحافظ جمال الدين عبد الرحمن ت 597

               14ــ  تلبيس إبليس ، مطبعة النهضة 1928، المطبعة المنيرية .

                                 ( ح )

* ابن الحاج : محمد بن محمد العبدري (ت 737).

               15ــ المدخل : مدخل  الشرع الشريف على المذاهب ، 4 أجزاء ط 1320هـ ،  

                       المطبعة الشرقية .

* ابن حجر ( العسقلاني ) : أحمد بن على محمد بن على (733ــ 852).

                16ــ إنباء الغمر بأبناء العمر 3ج ، تحقيق د./ حسن حبشي  المجلس الأعلى

                        للشئون الإسلامية (1969ــ 1972).

               17ــ  الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة . الأجزاء 1، 2، 3، 4 ، نشر دار

                       الكتب  وتحقيق محمد سيد جاد الحق ، الطبعة الثامنة 1966 والأجزاء

                        الرابع والأخير من طبعة دائرة المعارف العثمانية في الهند ج1 الأول

                         1350هـ

                18ــ رفع الإصر عن قضاة مصر ، تحقيق حامد عبد الحميد مراجعة إبراهيم

                       الإبياري وزارة الثقافة 1961.

                                           ( خ )

* الخفاجي : عبده حسن راشد الخفاجي ( العصر العثماني )

                19ــ النفحات الأحمدية . الطبعة الأولى . مطبعة التقدم 1321.

* ابن خلدون : عبد الرحمن (ت 808).

                20ــ شفاء السائل لتهذيب المسائل ــ نشر وتعليق أغناطيسون اليسوعي بحوث

                       دراسات معهد الآداب الشرقية رقم 11 الطبعة الكاثولوكية بيروت .

                21ــ المقدمة : المكتبة التجارية ومطبعتها . مصطفى محمد .

                                      ( د )

* الدسوقي : إبراهيم ت 669

                22ــ الجوهرة : مراجعة طه عبد الرؤوف سعد ، نشر مكتبة الكليات الأزهرية

                        1972 ، ومكتبة الجمهورية .

* ابن دقماق : إبراهيم بن محمد  ت 809.

                23ــ الانتصار لواسطة عقد الأمصار – 5 أجزاء ، الطبعة الأولى ، المطبعة

                        الأميرية ببولاق 1309.

* الدلجي :أحمد بن على ( شهاب الدين ، ويقول عنه السخاوي في كتابه التبر المسبوك

             :  عبد الوهاب بن عبد المؤمن القرشي الدلجي ت  )845.

                24 ــ الفلاكة والمفلوكون . مطبعة الشعب 1322. 

* الدميري : كمال الدين أبو البقاء محمد بن موسى بن عيسى 808.

                  25ــ حياة الحيوان الكبرى 2ج مطبعة الاستقامة 1963، المكتبة التجارية.

                                     ( ذ )

* الذهبي : شمس الدين محمد بن قايماز التركماني ت 748.

                  26ــ تذكرة الحفاظ ، المجلد الرابع طبع حيدر آباد بدون تاريخ .

                  27ــ دول الإسلام 2ج ، الطبعة الثانية . الطبعة العثمانية بالدكن 1365.

                  28ــ العبر في خبر من غبر . تحقيق د./ صلاح الدين المنجد 5 أجزاء نشر

                          التراث العربي بالكويت 1969.

                                  ( ز )

* ابن زنبل الرمال :

                  29ــ تاريخ السلطان سليم مع قنصوه الغوري . طبعة 1278.

* ابن الزيات : شمس الدين محمد بن الزيات ت 814.

                 30 ــ الكواكب السيارة في ترتيب الزيارة في القرافتين الكبرى والصغرى. 

                          المطبعة الأميرية 1907.

                                          (س)

* السبكي : تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي ت 771.

                 31 ــ طبقات الشافعية الكبرى 6ج. الطبعة الأولى .

                 32 ــ معيد النعم ومبيد النقم ، على هامش تفريج المهج. طبعة الخانجي بدون

                         تاريخ ، طبعة لندن 1908.

* السخاوي : الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد أبي بكر (831 ــ 902)

                 33 ــ الذيل على رفع الإصر تحقيق جودة هلال ، محمد صبيح ، تراثنا ،

                         التأليف النشر 1966.

                 34ــ الضوء اللامع لأهل القرن التاسع ، مطبعة ومكتبة القدس ( 1353هـ ـ

                         1355).

* السخاوي : نور الدين على بن أحمد بن عمر (ت 900).

                  35ــ تحفة الأحباب وبغية الطلاب في الخطط والمزارات والتراجم والبقاعات

                          المباركات ، الطبعة الأولى بالمطبعة الأزهرية1302 على هامش الجزء

                           الرابع من نفخ الطب للمقري.

* السيوطي : جلال الدين عبد الرحمن ت 11.

                   36ــ أنيس الجليس طبع 1302.

                   37ــ بشرى الكئيب بلقاء  الحبيب . ونشر البابي الحلبي الطبعة الأولي

                           1960.

                   38ــ  تأييد الحقيقة العلية وتشيد الطريقة الشاذلية ،  تحقيق عبد الله الغماري

                            1934.

                   39ــ تنوير الفلك في رؤية النبي والملك مطبعة السعادة بمصر 1328.

                   40ــ حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة ط 1299.

                   41ــ اللآليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة : 2 ج الطبعة الأولى

                           المطبعة الأدبية 1317.

                   42ــ نظم العقبان في أعيان الأعيان تحقيق فيليب حتى نيويورك 1927.

                                            ( ش )

   * الشاب الظريف : شمس الدين محمد بن العفيف التلمساني (661ــ 688).         

                   43ــ ديوان الشاب الظريف : تحقيق شاكر شكر . ط . العراق : 1967

                          أبو شامة شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل ت 665.

                    44ــ الباعث في الإنكار على الحوادث ، تصحيح محمد فؤاد منقارة

                             الطرابلسي ، المطبعة المنيرية 1374ــ 1955.

 * شاهين الظاهري : غرس الدين خليل .

                    45ــ زبدة كشف المماليك وبيان الطرق والمسالك . تصحيح بولس راويس

                           طبع باريس 1893.

*الشحنة : محب الدين محمد بن الشحنة ( ولد سنة 800).

                   46 ــ  الدر المنتخب في تاريخ مملكة حلب ، طبع وتعليق يوسف سركيس ،

                            بيروت المطبعة الكاثوليكية 1909.

   * الشربيني : يوسف بن محمد بن عبد الجواد بن خضر.

                   47ــ هز القحوف في شرح قصيدة أبي شاذوف . المطبعة السعدية 1289

                           بالإسكندرية ، وطبعة بولاق 1890.

   * الشعراني : عبد الوهاب أبو الدهب ( 898 ـ973).

                   48ــ الأنوار في صحبة الأخيار ، تحقيق عبد الرحمن عميرة طلعت غنام ،

                            مجمع البحوث عدد 64 سنة 1973.

                   49ــ الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية . تحقيق عبد الرحمن عميرة

                            طلعت غنام الطبعة الأولى 1962.

                   50ــ آداب العبودية . الطبعة الأولى . المجلة الشرقية 1317.

                   51ــ البحر المورود في المواثيق والعهود . المطبعة الميمنية بمصر 1308.

                   52ــ تنبيه المغفلين . مطبعة شاهين 1278.

                   53ــ درر الغواص على فتاوى على الخواص . بهامش كتاب الإبريز.

                            الطبعة الأولى ، المطبعة الأزهرية 1306هـ

                   54ــ الطبقات الصغرى . تحقيق عبد القادر عطا. الطبعة الأولى 1970 ،

                           مكتبة القاهرة .

                   55ــ الطبقات الكبرى 2ج المطبعة الشرقية 1315، طبعة صبيح.

                   56ــ الكبريت الأحمر ، على هامش اليواقيت والجواهر. المطبعة الأزهرية.

                           الطبعة الثانية 1308

                   57ــ كشف الحجاب والران عن وجه أسئلة الجان . نشر عبد الله عبد الرازق

                           الطبعة الأولى 1356.

                   58ــ لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية ، على هامش البحر

                           المورود .

                   59ــ لطائف المنن ط 1288.

                   60ــ الميزان الخضرية طبعة قديمة في مكتبة القاهرة تحت رقم 2959

                            عقليات في قاعة (ب).

                   61ــ الوصية المتبولية . المنح السنية على الوصية المتبولية بدون تاريخ..

                   62ــ  اليواقيت والجواهر . المطبعة الأزهرية الطبعة الثانية 1308.

                                (ص)

        * الصفدي : خليل بن أيبك ت 764.

                   63ــ شرح لأمية العجم 2ج . طبعة 1290.

                   64ــ نكت الهيمان في نكت العميان . طبعة الجمالية 1911.

                   65ــ  الوافي بالوفيات . نشر رتيتر 1931 والنشريات الإسلامية

                           1949، 1953.

         * ابن الصيرفي : على بن داود الجوهري الصيرفي ( 819 ــ 900)

                     66ــ إنباء الهصر بأنباء العصر . تحقيق د./ حسن حبشي . دار الفكر

                             العربي 1970.

                     67ــ  نزهة النفوس والأبدان في تواريخ الزمان ، تحقيق حسن حبشي

                              دار الكتب ( 1970ــ 1973)

                                        ( ط )

            *  الطوسي : أبو نصر .

                      68ــ اللمع تحقيق عبد الحليم محمود ط 1967 القاهرة .

            * ابن طولون : شمس الدين محمد بن أحمد (880ــ 953) .

                      69ــ مفاكهة الخلان في حوادث الزمان ( تاريخ ابن طولون ) . تحقيق

                              محمد مصطفى . القسم الأول ( 884ــ 921). والقسم الثاني

                             ( 922- 926 )،  وزارة  الثقافة (1962ــ 1964).

                                         ( ظ )

            * ابن ظهيرة :

                       70ــ الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة . تحقيق مصطفى

                               السقا ، كامل المهندس ــ وزارة الثقافة ط دار الكتب 1969.

                                              ( ع )

            * ابن عبد الظاهر : عبد الله بن عبد الظاهر كاتب السر .

                        71ــ الألطاف الخفية من السيرة الشريفة السلطانية الملكية الأشرفية

                                (سيرة الأشرف خليل) طبعة لبيسك 1902

            * ابن عطاء السكندري :

                        72ــ التنوير في إسقاط التدبير . المطبعة الحمدية 1321.

                        73ــ الحكم العطائية ، ملحقة بكتاب إيقاظ الهمم لابن عجيبة . مطبعة

                                الجمالية 1913 الطبعة الثانية .

                        74ــ لطائف المنن المطبعة البهية 1322 الطبعة الأولى مطبعة السعادة.

            * ابن العماد الحنبلي : أبو الفلاح عبد الحي ت 1089.

                         75ــ شذرات الذهب في أخبار من ذهب . الأجزاء من 5: 9 ، نشر مكتبة

                                 القدس 1351.

            * عبد الصمد الأحمدي : 

                         76ــ الجواهر السنية والكرامات الأحمدية . ألف الكتاب سنة 1027

                                  طبعة 1287.

            * العيدروس : أبوبكر بن عبد الله : من علماء القرن العاشر

                        77 ــ النجم الساعي في مناقب القطب الكبير الرفاعي ، الطبعة الأولى

                                 1970.

             * العيدروس : محيي الدين عبد القادر بن عبد الله المهندي 1038.

                         78ــ النور السافر في أخبار القرن العاشر . تصحيح رشيد الصغار

                                 بغداد 1934.

              * العيني : بدر الدين (762ــ 855)

                         79ــ الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر ططر . تحقيق هانس

                                 أرنست : نشر البابي الحلبي 1962.

                        80 ــ السيف المهند في سيرة الملك المؤيد شيخ  المحمودي ، تحقيق

                                  فهيم شلتوت  مراجعة د./ زيادة . دار الكاتب 1966ـ 1967.

                                           ( غ )

             * الغزالي : ( ت 505)

                         81 ــ إحياء علوم الدين ، المطبعة العثمانية .. و .. إشكالات الإحياء ،

                                  على هامش الإحياء .

             * الغزي : نجم الدين ت 1061

                         82 ــ الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة ، الجزء الأول فقط

                                   المطبعة الأمريكية ببيروت 1945.

                                                         ( ف )

             * ابن الفارض : عمر ت 632:

                         83 ــ ديوان ابن الفارض : مكتبة القاهرة 1979.

             * أبو الفدا  : المؤيد إسماعيل أبو الفدا ت 714

                         84 ــ تاريخ أبو الفدا : 4 ج المطبعة الشاهانية بالقسطنطينية 1286.

              * ابن الفرات : ناصر الدين محمد بن عبد الرحيم بن الفرات (735ــ 807)

                        85 ــ  مجلدات 7،  8 ، 9 القسم الأول والثاني . تحقيق قسطنطين

                                 رزيق ، نجلاء عز الدين ، المطبعة الأمريكانية ببيروت

                                 1936ــ1939.

                                                       ( ق )

             * القاشاني ( كمال الدين عبد الرازق ) ت 735:

                          86 ــ اصطلاحات الصوفية : تحقيق د. / كمال جعفر / الهيئة العامة

                                   للكتاب 1981.

             * القشيري : عبد الكريم بن هوزان القشيري (376ــ 465).

                          87 ــ الرسالة القشيرية . تحقيق د . / عبد الحليم محمود ، 

                                    محمود الشريف ، دار الكتاب الحديث .

             * القلقشندى : أبو العباس أحمد بن على ت 822.

                           88 ــ  صبح الأعشى : 14 جزءاً المطبعة الأميرية بالقاهرة 1913.

             * ابن قيم الجوزية .

                            89 ــ  المنار المنيف في الصحيح والضعيف : تحقيق حامد الفقي.

             * عبد الفتاح أبو غدة  مكتب المطبوعات الإسلامية 1390، 1970، 691.

                                                  751.

                            90 ــ إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان تحقيق حامد الفقي 2ج

                                     دار العدل بالإسكندرية .

                                           ( ك )

              * الكتبي : محمد بن شاكر بن أحمد  . ت 764

                             91 ــ فوات الوفيات . تحقيق محيي الدين عبد الحميد ، مكتبة النهضة 2ج

                                       1951.

              * ابن كثير: عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي ت 774.

                               92 ــ البداية والنهاية ج13، ج14 مطبعة السعادة 1358 ،

                                         طبعة بيروت 1966.

                                       ( ل )

               * اللخمي : على بن محمد الأشبيلي اللخمي .

                                93 ــ سيرة سليم ، كتبه سنة 923 تحقيق هانس ارنست . عيسى البابي

                                           الحلبي 1962.

                                      ( م )

                * أبو المحاسن : جمال الدين يوسف بن تغري بردي 874.

                          94 ــ النجوم الزاهرة . الأجزاء ( 7 ، 8 ، 9 ، 10، 11، 12، 13،

                                     14، 15 ، 16) ، ( 1938 ــ  1972) ج 13 تحقيق فهيم

                                        شلتوت ، ج14 تحقيق فهيم شلتوت  وجمال محرز ج15 تحقيق

                                       علي طرخان ، ج16 تحقيق الشيال ، فهيم شلتوت .

                             95 ــ المنهل الصافي  والمستوفي بعد الوافي : نشر دار الكتب . الجزء

                                        الأول بتحقيق أحمد يوسف نجاتي 1956

                            96 ــ منتخبات من حوادث الدهور ، حررها وليام بيير 1930 طبعة  

                                                 باريس .

                    * مجهول :

                        97 ــ تاريخ السلاطين المماليك من (690ــ 741هـ) والمؤلف

                             معاصر للناصر محمد بن قلاوون  نشر زيتر ستين ليدن

                               1919.

                    * المقريزي : تقي الدين أحمد بن على ( 766ــ 845).

                      98ــ إغاثة الأمة بكشف الغمة . نشر زيادة د./ الشيال . لجنة

                               التأليف والترجمة والنشر 1940.

                     99 ــ تجريد التوحيد المفيد : علق عليه وصححه طه الزيني الطبعة

                               الأولى 1373،  المطبعة المزينة بالقاهرة .

                    100ــ الخطط المقريزية 4ج مطبعة النيل بمصر 1326 هـ ، 1324،

                                 مطبعة بولاق 1270.

                    101ــ السلوك لمعرفة دول الملوك : الأجزاء  1، 2 بأقسامهما

                             تحقيق محمد مصطفى زيادة مطبعة لجنة التأليف والترجمة

                              والنشر . الأجزاء 3، 4 بأقسامهما تحقيق د./ عاشور

                                (1970ــ 1972).

                102ــ فضل آل البيت . تحقيق وتعليق محمد أحمد عاشور . دار

                         الاعتصام  الطبعة الثانية 1973.

                   * المناوي : عبد الرؤوف 1031

                  103ــ الكواكب الدرية ( الطبقات الكبرى ) الجزء الأول المطبعة

                            الأولى تصحيح محمود حسن ربيع 1938.

                                ( ن )

                    * ابن نباتة : جمال الدين بن نباتة المصري ت 768.

                           104ــ  ديوان ابن نباتة . الطبعة الأولى مطبعة التمدن

                                      1323ــ  1905.

                                          ( و )

                    ابن الوردي  : زين الدين عمرت 750 هـ                      

                       105 ــ تاريخ ابن الوردي : تتمه المختصر في أخبار البشر،

                                   مطبعة الوهبية بمصر 1285.

                                    ( ى )

                     * اليافعي : عفيف  الدين عبد الله بن أسعد اليافعي 768.

                           106 ــ فضل مشايخ الصوفية على هامش الكرمات للنبهاني

                                        مطبعة دار الكتب العربية .

                            107 ــ روض الرياحين في حكايات الصالحين . المطبعة

                                           الميمنية  بمصر 1307.

                             108 ــ مرآة الجنان وعبر اليقظان ، ج بيروت الطبعة الثانية

                                                       1970.

                        رابعا : المراجع المطبوعة المنشورة

                                            ( أ )

                   *  أبو العلا عفيفي :    

                              1ــ التصوف الثورة الروحية في الإسلام : دار

                              المعارف 1963.

                   * أحمد أمين :        

                         2ــ  حياتي : مكتبة النهضة المصرية . الطبعة

                              السادسة 1978.

                         3 ــ  قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية ،

                                 الطبعة الأولى 1953.

                                     ( ت )

                        * التفتازاني : ( أبو الوفا غنيمي )

                         4 ــ  ابن عطاء السكندري  وتصوفه : مكتبة القاهرة   

                                     الحديثة ، الطبعة الأولى 1958.

                        5 ــ مدخل إلى التصوف . دار الثقافة طبعة 1974.

                       * تيمور أحمد :

                          6 ــ الأمثال العامية : الطبعة الأولى 1949،

                                   الطبعة الثانية 1956.

                                 ( ش )

                * شعلان إبراهيم أحمد :

                           7 ــ الشعب العربي في أمثاله العامية ، الهيئة

                              المصرية العامة للكتاب 1972.

              * الشوكاني محمد بن على ت 1250:

                            8 ــ البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع،                          

                                   2ج الطبعة الأولى 1348.

              * الشيبي ( مصطفى كامل ):

                           9 ــ الصلة بين التصوف والتشيع ، الطبعة الثانية ،

                                       دار المعارف 1971.

                      10 ــ الفكر الشيعي والنزعات الصوفية مكتبة النهضة

                                    ببغداد 1966.

                                ( ط )                                                          

              * الطويل : توفيق :

                        11ــ التصوف في مصر في العهد العثماني مكتبة الآداب 

                                   بالجماميز 1946.

                                         ( ع )

               * عاشور / سعيد عبد الفتاح :

                   12 ــ السيد أحمد البدوي ، دار الكاتب العربي سنة 1967

                             أعلام العرب الطبعة الثانية .

                 * عبد الباقي / محمد فؤاد :

                     13ــ المعجم المفهرس للقرآن الكريم طبعة كتاب الشعب .

                 * عبد الحليم محمود :

                    14 ــ أبو العباس المرسي . أعلام العرب عدد 84  /1969 .

                    15 ــ الشاذلي أعلام العرب عدد 72 / 1967.

                                 ( ق )

                * قاسم غني :

                  16ــ تاريخ التصوف في الإسلام . ترجمة صادق نشأت

                         مكتبة  النهضة المصرية 1970 .

                                ( ك )

                 * كلوت بك :

               17 ــ لمحة عامة إلى مصر ترجمة محمد مسعود 2ج

                                      مطبعة أبي الهول .

               * الكوهن / الحسن بن محمد بن قاسم الشاذلي :

                   18ــ  طبقات الشاذلية ، الطبعة الأولى 1347.

                                         ( ل )

                * لين بول :

                    19 ــ سيرة القاهرة ترجمة حسن وعلى إبراهيم حسن ،

                             الطبعة الثانية مكتبة النهضة .

                                          ( م )

                  * مايـــــــــــر :

                    20ــ الملابس المملوكية ، ترجمة صالح الشيبي ،

                               الهيئة العامة للكتاب 1972.          

                    * متولي : أحمد فؤاد :

                       21ــ الفتح العثماني للشام ومصر ومقدماته من واقع

                               الوثائق والمصادر التركية والعربية المعاصرة له .

                                 دار النهضة 1976.

                      * نيكلسون / أرنولد :

                     22ــ في التصوف الإسلامي وتاريخه . ترجمة وتعليق

                             أبو العلاء عفيفي 1947.ِ