مكتبة منصور أرشيف دائم
EN / AR
الكتب 2014

كتاب ( قل ) فى القرآن الكريم

الفهرس

كتاب ( قل ) فى القرآن الكريم 

( أقوال الرسول فى القرآن فقط ، وليس له أقوال فى الاسلام خارج القرآن ) 

الفهرس

 المقدمة الأولى : يا أيها المحمديون .لا أعبد ما تعبدون  . ولا أنتم عابدون ما أعبد

  من هم المحمديون ؟ .  نحن نكفر بإله المحمديين . المحمديون كالمسيحيين  . المحمديون أشد ضلالا من المسيحيين .  ليست لرسول الله عليه السلام أقوال خارج القرآن

 المقدمة الثانية : أولا :1 ـ كلمة "قل" من أهم الكلمات القرآنية .  وقد وردت في القرآن 332 مرة.  
وباستقراء المواضع القرآنية التي جاءت فيها كلمة "قل" نضع الملاحظة السريعة الآتية

ثانيا :قل واجتهاد النبى

  الباب الأول : مقاربة لمفهوم ( قل ) فى القرآن الكريم 

الفصل الأول : (قل ) فى القرآن الكريم تعنى ( يقول الله رب العالمين )

مقدمة  . أولا : ( قل ) بمعنى : ( يقول الله جل وعلا ):

 ثانيا : لماذا تأتى ( قل ) الالهية القرآنية بمعنى ( يقول الله جل وعلا ):  

 الفصل الثانى : ( قل ) و قول التبشير والإنذار

مقدمة : بين ( قل ) والتبشير والانذار  .

أولا  : التبشير قد يعنى الانذار ( على سبيل السخرية )

  ثانيا : التبشير من الله جل وعلا أصلا

 ثالثا : موقف المؤمنين والمنافقين من التبشير القرآنى :

رابعا : كل الأنبياء مهمتهم التبشير والانذار:

خامسا : خاتم النبيين كان مأمورا بالتبشير والانذار .

سادسا : الرسالة القرآنية نفسها بشيرا ونذيرا

الفصل الثالث : بين ( قل ) و( قول ) الدعاء 

أولا  : الدعاء و كلمة : (قل )

 ثانيا : دعاء الأنبياء بدون كلمة (قل )

  ثالثا : دعاء المؤمنين بدون ( قل )

رابعا : الانسان والدعاء

 خامسا : تشريع الدعاء

 أخيرا : دعاء الكافرين وهم فى النار :

 الباب الثانى  : ( قل ) ومرض الكفر عموما

الفصل الأول : الهدف من إستعمال (قل ):  شفاء الأحياء المرضى بالكفر 

أولا : المرض الجسدى والمرض العقيدى القلبى ( الكُفر ):

ثانيا : لمحة عن منهج الشفاء القرآنى من مرض الكفر

 ثالثا : منهج القرآن فى إستعمال ( قل ) فى الشفاء القرآنى

 الفصل الثانى : الشيطان هو جرثومة مرض الكفر

أولا : نوعان للمرض الجسدى وللمرض الكُفرى

ثانيا : الكفر حالة مرضية  فى كل زمان ومكان 

 ثالثا : الدليل على أنّ : الكفر حالة مرضية  فى كل زمان ومكان  : 

 رابعا : لمحة عن مرض الكفر لدى المحمديين :  .

خامسا : الشيطان هو جرثومة مرض الكُفر :

 الفصل الثالث :أعراض مرض الكفر :

مقدمة :  أولا :  الأعراض العامة وتفصيلاتها :

 ثانيا :  التكفير بكلمة :

  ثالثا : ـ التكفير بالموقف : 

 رابعا : ـ  التكفير بالكلمة والموقف :

 خامسا : ـ القرآن الكريم يكشف المرض الكُفرى :

 سادسا : ـ ظهور أعراض المرض الكُفرى عند التمحيص والاختبار والابتلاء :

سابعا : ـ التعرف على ملامح الكفر على الوجه والجسد  :

 الباب الثالث  : ( قل ) فى إصلاح الكافرين عموما  

الفصل الأول : ( قل ) فى الشفاء بالاخلاص فى الدين لله جل وعلا

أولا : معنى الاخلاص فى الدين

 ثانيا : بين (المخلِص ) بكسر اللام و ( المخلًص ) بفتح اللام .

ثالثا : (قل ) فى الدعوة لاخلاص الدين لله جل وعلا :

 الفصل الثانى : ( قل ) فى الردّ على  من زعم إتّخاذه جلّ وعلا ولدا :

مقدمة :  

أولا : الرد على اتخاذ ولد بوجه عام

ثانيا : مع أهل الكتاب من النصارى المسيحيين واليهود :

  الباب الرابع : ( قل ) فى الحوار وسيلة للشفاء من مرض الكفر 

 الفصل الأول : ( قل ) فى الحوار مع الكافرين حول ( الخلق ) 

أولا : معنى الحوار

ثانيا : الحوار حول الخلق

 ثالثا  الحوار حول الخلق بدون ( قل )

 رابعا : الحوار حول الخلق باستعمال ( قل )

 الفصل الثانى ( قل ) فى الحوار فى التأكيد على عبودية النبى لله جل وعلا وحده 

كفى شرفا للنبى أن يكون عبدا للخالق جل وعلا

أولا : بشرية النبى و الحوار ب ( قُل )

ثانيا : عبودية النبى لله جل وعلا

ثالثا : عبودية النبى تكريم له

رابعا : تكريم الأنبياء بالعبودية للرحمن جل وعلا

خامسا : التكريم للبشر بالعبودية للرحمن جل وعلا 

 الفصل الثالث : ( قل ) فى الحوار فى الألوهية ردّا على  الكافرين

مقدمة  

أولا : أسئلة متنوعة  تتحدى  بدون ( قل ) :

ثانيا : أسئلة متنوعة  تتحدى  باستعمال ( قل ) :

الفصل الرابع  : ( قل ) بأسئلة فى الحوار فى الألوهية تهديدا للكافرين

مقدمة :ـ السؤال هنا ب ( قل ) عن النشأة . أسئلة عن

1 ـ النشأة الأولى

2 ـ السمع والابصار والادراك

3 ـ الاهلاك

4 ـ  الماء .

5 الليل والنهار

  6 ـ الانذار بالوحى

لا جدوى من هداية أولياء الشيطان

الفصل الخامس  : ( قل ) فى  حوار فى الألوهية بإيقاظ الفطرة داخل الكافرين  

مقدمة : تدبر قوله جل وعلا : ( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) سبأ )

أولا : ( صاحبكم ) . ثانيا : الفطرة:ثالثا : مخاطبة الجانب الخيّر ( الفطرة ) داخل قلوب المشركين 

  الفصل السادس  : ( قل ) فى الحوار وعظا بقرب قيام الساعة

مقدمة : ـ  

أولا : تأجيل عذاب المشركين الى قيام الساعة .

ثانيا : إقتراب العذاب ( إقتراب الساعة )   

ثالثا : قيام الساعة ـ أيها القارىء الآن  ـ أقرب اليك مما تظن .

أخيرا

الفصل السابع : ( قل ) فى الحوار فى الألوهية تحديا للمشركين طلبا للدليل العملى والعقلى  

مقدمة

اولا : أرونى الدليل العملى

ثانيا :   الاحتكام للدليل العقلى بكلمة ( قل ) وبدونها :

  الفصل الثامن  :  فى حوار حول الولاية والأولياء  ( قل )

مقدمة :

أولا : الله جل وعلا هو الولى وحده

ثانيا : إتخاذ الشيطان وليا:

 ثالثا : إتخاذ البشر أولياء من دون الله جل وعلا

 رابعا : ارتباط الموالاة بالنصرة

الباب الخامس : (قل ) وعلاج المحمديين

 الفصل الأول : (قل ) فى الرد مقدما على المحمديين فى أن النبى محمدا لا يعلم الغيب 

 أولا :  نكرر الكتابة فى هذا الموضوع لسببين.  .

ثانيا : كلمة ( قل ) فى أنه لا يعلم الغيب إلا الله   

ثالثا : ( قل ) وإعلانه عليه السلام أنه لا يعلم الغيب

رابعا : الله جل وعلا يذكر بعض الغيوب فى القرآن الكريم  غيوب الماضى والحاضر والمستقبل :   

 الفصل الثانى : (قل ) فى الرد مقدما على المحمديين فى أن النبى محمدا لن يشفع يوم القيامة

أولا : نفى علم النبى بالغيب وشفاعته .

 ثانيا :  نفى شفاعة النبى فى سورة الزمر:   باستعمال (قل ) .  وبدون ( قل ): ـ

 ثالثا : تأكيد ما جاء فى سورة الزمر فى سور أخرى فى القرآن الكريم : بدون ( قل ): وباستعمال ( قل )

الفصل الثالث : ( قل ) فى الرد على إنكار البعث

مقدمة :  

  اولا : إنكار البعث قولا وعملا

ثانيا : أمثلة لتنوع الرد على انكار البعث بدون ( قل )

  ثالثا : أمثلة لتنوع الرد على إنكار البعث بكلمة ( قل )

رابعا : الرد على إنكار البعث بكلمة ( قل ) وبدون ( قل )

الفصل الرابع : ( قل ) فى تأكيد أن الاسلام ضد الاحتراف الدينى

مقدمة  

أولا :  الاحتراف الدينى فى الأديان الأرضية 

ثانيا : حاجة أهل الحق للمال ليصمدوا ضد الكهنوت الذى يصُّدُّ عن سبيل الله

ثالثا : الرسل ودعاة الحق لا يسألون أجرا لأنفسهم 

الفصل الخامس : ( قل ) فى التحدى بالقرآن

 أولا : الشهادة الالهية بأن القرآن من عند الله جل وعلا

  ثانيا : التحدى بآية ( أو معجزة القرآن )

ثالثا : اوجه الاعجاز

الباب السادس  : ( قل ) فى إصلاح اشباه المحمديين

الفصل الأول : ( قل ) فى إصلاح أهل الكتاب  ..والمحمديين .!!

أولا : الدعوة الى الاسلام :

  ثانيا  ـ (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )

ثالثا : رفض معظم أهل الكتاب الاسلام لله جل وعلا وحده ، والرد عليهم :

رابعا : الحوار حول ابراهيم 

 خامسا : الرد على رفضهم القرآن

 سادسا : النهى عن التزكية للنفس وللغير 

سابعا : فى تأليه المسيح :

  أخيرا : سؤال : لماذا كل هذا التركيز القرآنى على (اهل الكتاب ) و ( اليهود والنصارى ) ؟

الفصل الثانى :  ( قل ) فى إصلاح المنافقين ..والمحمديين .!!

مقدمة  عن عالمية النفاق : ونشأة وتطور النفاق بين الصحابة

أولا : البداية قبل المواقع الحربية:

 ثانيا : المواقع الحربية الأولى :

ثالثا : المواقع الحربية الأخيرة

رابعا : مع المنافقين من الأعراب خارج المدينة

الفصل الثالث : ( قل ) فى إصلاح الصحابة المؤمنين ..والمحمديين

مقدمة عن الزعم بالايمان

أولا : التقوى والصدق :

 ثانيا :عمومية الاصلاح من الصحابة الى آخر الزمان

ثالثا : أخطاء الصحابة التى جعلها المحمديون دينا ومنهج حياة و ( سُنّة )

 الباب السابع : ( قل ) فى التشريع

الفصل الأول : فى عموم التشريع

مقدمة عن مدارات التشريع

 أولا : فى الوصايا والأوامر العامة :

ثانيا : فى بعض التفصيلات التشريعية فى الحلال والحرام

 الفصل الثانى : ( قل ) فى تشريع الحرية الدينية  

أولا :القاعدة الأساس فى تشريع الحرية الدينية : تأجيل الحكم لله جل وعلا  فى الدين الى يوم الدين .

 ثانيا : سريان هذه القاعدة العامة على الاختلافات بين طوائف البشر :

  ثالثا : تفريعات تشريعية لتأجيل الحكم لله جل وعلا يوم الدين :  الحرية الدينية والمسئولية الشخصية الفردية  ـ النبى ليس وكيلا عن أحد  ـ إنحصار دور النبى فى الدعوة فقط وباسلوب القصر ـ  الاعتراف بحريتهم فى الكفر قلبيا وتعبديا .

رابعا :الاعراض عن الكافرين الذين لا أمل فيهم : وارتباط الاعراض عنهم بالجهر بالحق كاملا :

 خامسا : تشريعات الدعوة الاسلامية فى هذا الإطار

 سادسا  ـ   الصفح عن الخصوم فى الدين

الخاتمة

أولا :  بين (قل ) فى القرآن و الأقوال المنسوبة للنبى فى السيرة 

 ثانيا : أقوال الرسول هى أقوال من أرسل الرسول ، هى ( الرسالة )

 ثالثا : كل رسول من رسل الله له رسالة واحدة أو كتاب واحد ، وليس له ( كتاب وسُنّة )

 أخيرا : فى مجال الكذب على الله جل وعلا ورسوله : المحمديون أشد كفرا من المسيحيين

مقدمتان للكتاب

مقدمتان للكتاب                              

 المقدمة الأولى

يا أيها المحمديون .لا أعبد ما تعبدون  . ولا أنتم عابدون ما أعبد

أولا : من هم المحمديون ؟

1 ـ هم الذين يؤمنون بأن محمدا هو أفضل الأنبياء واشرف المرسلين و( سيّد الخلق ) اجمعين . هم الذين يؤمنون بشفاعته يوم الدين ، ويقول أئمتهم أنّ من أجله خلق الله العالم ، وأنه قبس من نور الله ، وأنه أول خلق الله ، وأنه نور عرش الله . هم الذين لا يؤمنون ب ( لا اله إلا الله ) وحدها . لابد أن يكون محمد شريكا لله جل وعلا فى شهادة الاسلام ( فيقولون : لا اله إلا الله محمد رسول الله ). هم الذين يسمون أنفسهم ( امة محمد ) مقابل ( أمة المسيح ) .

2 ـ هم الذين يجعلون محمدا شريكا لله جل وعلا فى الأذان فى الصلاة ، وفى التشهد فى الصلاة ( التحيات ) بل يؤدون ( صلاة السُّنّة ) من اجل عيون ( محمد )، هم الذين يجعلون الحج لا يكتمل إلا بزيارة القبر المنسوب اليه ، وبتأدية طقوس للحج لهذا القبر ، معتقدين أن محمدا داخل هذا القبر يسمع ويُجيب المُضطر إذا دعاه ، وان أعمال البشر يتم عرضها عليه فى قبره فيستغفر للمحمديين أو ( أُمّة محمد ) . هم الذين ينكرون موت ( محمد ) ، بل يعتقدون حياته الأزلية حيث يعيش فى قبره يتحكّم فى الكون .

3 ـ هم الذين عندما يُذكر إسم محمد يجهرون بالصلاة عليه يجعلون الصلاة عليه عبادة له ، خلافا للاسلام الذى يجعل الصلاة على النبى هى التمسك بالقرآن الكريم الذى كان النبى فى حياته يتمسّك به .

4 ـ هم الذين يرفعون محمدا فوق مقام رب العزّة . عندما يُذكر إسم الله لا يقولون التسبيح والتحميد الواجب عند ذكر إسم الله ولا يخشعون. هم الذين لا ينطبق عليهم قوله جل وعلا (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2 ) ( الأنفال ). ولكن إذا ذُكر أمامهم إسم محمد هللوا بالصلاة عليه ، وإذا ذُكر امام إسم الله جل وعلا وحده فى معرض التقديس والتسبيح والتمجيد دون ذكر محمد إشمأزت قلوبهم : (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45)( الزمر ) ، وإذا ألقيت أمامهم عِظة دينية قرآنية بالقرآن وحده فى تعظيم الله وحده دون تعظيم لمحمد ودون ذكر لأحاديثهم ولُّوا نفورا :( وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً (46) الاسراء ) هذا لأنهم يقدسون إسم ( محمد ) أكثر من تقديسهم لاسم رب العزة جل وعلا . بل يخصصون إسم الله جل وعلا للأيمان الكاذبة والحلف الكاذب شأن منافقى المدينة الذين قال جل وعلا عنهم أنهم يهلكون أنفسهم بسبب جُرأتهم على القسم باسم الله جل وعلا كذبا : ( وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوْ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42) ( التوبة ) . هم الذين إذا أرادوا الكذب فى الوعد قالوا ( إن شاء الله ) وهم يعلمون أنهم لن يفعلوا ما يعدون به ، أى يعلّقون نكث الوعد على مشيئة الله جل وعلا ظلما لله جلّ وعلا وعُدوانا على مقامه القُدسىّ . بل يشيع فيهم الجهر بسبّ الدين ( دين الله جل وعلا ) بحيث لم يعد ذلك مُنكرا ، ولكن هذا الذى يسبُّ دين الله إذا قيل له إسم ( محمد ) سارع بالصلاة عليه تقديسا لاسم محمد .

5 ـ التالى فإن المحمديين لا يؤمنون بالله جل وعلا حسبما وصف جل وعلا ذاته فى القرآن الكريم . هم   لايؤمنون بالله  الولىّ الذى لا شريك له فى مُلكه وحُكمه ( مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26) ( الكهف ) ، والذى هو وحده خالق السماوت والأرض ، وهو وحده الولى الشفيع : ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (4)  السجدة  )، والذى هو وحده مالك يوم  ـ الدين ، والذى سيحاسب محمدا وغيره بنفس المساواة مع بقية البشر: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) هود ) والذى ما من دابة إلّا هو آخذ بناصيتها : (مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) هود   )، والذى هو قريب من عباده يجيب دعوة الداعى بلا واسطة : (  وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)) ( البقرة)، بل هو أقرب اليهم من حبل الوريد (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) ق  ) .

6 ـ المحمديون يكفرون بالله جل وعلا الموصوف بهذه الصفات ، وقد خلقوا لهم الاها ليتحكّم فيه إلاههم القوى الذى صنعوه تحت إسم ( محمد ) ، فمحمد عندهم هو الولى وهو الشفيع وهو الغافر للمحمديين ، وهو الذى يجيب المضطر إذا دعاه . أما الاله الذى جعلوه الى جانب محمد فهو مجرد ( كومبارس ) تابع لمحمد فى الايمان والاعتقاد وفى العبادة . ـ نحن نكفر بهذا الاله الذى صنعه المحمديون ، ونكفر بالاله القوى الذى صنعه المحمديون وسموه محمدا ، ونسبوا أنفسهم له .

 نحن نكفر بإله المحمديين

1 ـ   نحن نكفر بتأليه محمد . لأننا نؤمن بما نزل على ( محمد ) وهو القرآن الكريم ، ولا تؤمن بشخص محمد .نؤمن بالرسول أى الرسالة وليس بمن كانت مهمته تبليغ الرسالة .ولهذا نؤمن بكل الرسل ولا نفرّق بين أحد منهم ، ونقول سمعنا وأطعنا وليس سمعنا وعصينا : (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) البقرة ). نؤمن أن محمدا هو رسول قد خلت من قبله الرسل ، وقد مات مثلما مات من سبقه من الرسل (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) آل عمران  )

2 ـ نقول لهم :( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ (4) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) الكافرون ).

3ولأنهم يحملون إسم الاسلام زورا وبهتنانا فسنواصل عملنا فى تبرئة الاسلام منهم ومن عقائدهم وشرائعهم وأديانهم الأرضية وتاريخهم الملىء بالارهاب والاعتداء والظلم . ولتأكيد التناقض بينهم وبين الاسلام نعطى مقارنة بينهم وبين المسيحيين : 

المحمديون كالمسيحيين  

1 ـ نحن نرى أن (المحمديين) يسيرون على سُنّة ( المسيحيين ). ويتنافس كل فريق فى التغصب للإله الذى ينتمى اليه بالاسم .

2 ـ المسيحيون يحتفلون بميلاد المسيح فى ( عيد الميلاد المجيد  ) والمحمديون يحتفلون بميلاد محمد فى ( المولد النبوى الشريف ).

3 ـ المسحيون يسمون أولادهم ( عبد المسيح ) ويسمى المحمديون اولادهم ( عبد النبى ) و ( عبد الرسول ) بل فى تقديسهم لأئمتهم يسمى المحمديون الشيعة ( عبد على ) و ( عبد الحسين ) ويسمى المحمديون الصوفية ( عبد الصالحين ) .

4 ـ المسيحيون الذين يعتبرون أنفسهم ( أمة المسيح ) يعتقدون فى الاههم الميح بأنه ( المُخلّص ) والمحمديون المنتمون الى ( أمة محمد ) يعتقدون أن الاههم محمد هو الشفيع مالك يوم الدين .

5 ـ المسيحيون يعتقدون أن المسيح جُزء من الله كالابن جزء من أبيه ، بينما يعتقد المحمديون نفس الاعتقاد فى ( محمد ) مع بعض التحوير اللفظى ، فلا يستطيعون التصريح بأن محمدا ابن لله فيقولون أنه قبس من نور الله ، أى جزء منه .

  6  ـ المسيحيون يعتقدون أنهم ابناء الله وأحباؤه من خلال إعتقادهم أن ( الروح ) جزء الاهى داخل الانسان ،  بينما يؤكد رب العزة أن الروح هو جبريل . وقد قال رب العزة يرد على زعمهم بأنهم ابناء الله وأحباؤه : (وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ 5 ـ الْمَصِيرُ (18) المائدة ) ، وجاء  ت المحمديون على أثرهم يهرعون ، يقول الصوفية والشيعة أن النور المحمدى يتنقل بعد محمد فى الأولياء والأئمة . اى تتناسخ الالوهية بعد ( محمد ) وتتنقّل فى آلهتهم وأئمتهم .

7 ـ المسيحيون يقدسون أئمتهم (  اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) التوبة ) وكذلك يفعل المحمديون .

8 ـ إنقسم المسيحيون الى ملل وطوائف ، وداخل كل فرقة طوائف ومذاهب شتى ، وكذلك إنقسم المحمديون الى شيعة وسُنّة وصوفيه ، ودخل كل فرقة طوائف ومذاهب شتى .

9 ـ التشابه قائم بين المسيحيين والمحمديين ، وكذلك التعصب بينهما . وهذا هو شأن المشركين . هم دائما فى شقاق . ويحل بينهم الشقاق بمجرد أن يقوموا بالتفريق بين الرسل وتمييز رسول على بقية الرسل ، فعل ذلك المسيحيون مع المسيح ، وفعل ذلك المحمديون مع محمد . وقالها رب العزة مُحذّرا من البداية : ( قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) البقرة ).

المحمديون أشد ضلالا من المسيحيين

ومع التشابه بين المسحيين والمحمديين إلّا أنّنا نرى أن المحمديين أشدّ ضلالا من المسحيين . فقد أوضح رب العزة حقائق الاسلام وركّز على الحوار مع أهل الكتاب ودعوتهم الى أنه لا اله إلّا الله . وتكرّر هذا وتأكّد بما لا يدع مجالا لأى عُذر . وعجز المحمديون  عن تحريف القرآن الكريم فإخترعوا أحاديث نسبوها للنبى عليه السلام ، ومن أجلها حكموا بنسخ أو إلغاء آيات القرآن الكريم ، وقاموا بتغيير مفاهيم القرآن بالتأويل وما أسموه بالتفسير .

أخيرا : ليست لرسول الله عليه السلام أقوال خارج القرآن

1 ـ  نؤمن بأن الرسول بعد موت خاتم رسل الله هو القرآن الكريم المحفوظ من لدن الله جل وعلا حُجّة علينا الى قيام الساعة . نحن لا نؤمن بالأحاديث التى زيفوها ونشروها ونسبوها للنبى محمد بعد موته بقرنين وأكثر . نكفر بهذه الأحاديث لأننا لا نؤمن إلا بحديث واحد هو حديث الله فى القرآن الكريم .( أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) الأعراف) (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50) المرسلات )  (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) ( الجاثية ). 

2 ـ نؤمن أن كل الأقوال التى كان يحتاجها الرسول فى الاسلام جاءت فى القرآن الكريم خلال تكرار كلمة ( قل ) ، وليس له أن يتقوّل على الله جل وعلا شيئا ، وقد أطاع عليه السلام أمر ربه فقام بتبليغ الرسالة أو القرآن كاملا ، ومات وقد بلّغ الرسالة وأدى الأمانة . ولوتقوّل على الله شيئا لأخذه الله جل وعلا باليمين وقطع منه الوتين ، وعندها فلا يمكن أن يحميه أحد من غضب رب العالمين . (  وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (44) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)( الحاقة ).

هذه هى المقدمة الأولى لكتاب (أقوال الرسول فى القرآن فقط )

المقدمة الثانية

أقوال الرسول فى القرآن فقط ، وليس له أقوال فى الاسلام خارج القرآن

أولا :

1 ـ كلمة "قل" من أهم الكلمات القرآنية .  وقد وردت في القرآن 332 مرة ، وهى تعنى أن هناك أقوالاً محددة أمر الله تعالى رسوله أن يقولها للناس ، وتميز القرآن الكريم بكثرة ورود كلمة "قل" على نحو يختلف به القرآن عن التوراة والإنجيل اللذين بين أيدينا.
وقد بشرت التوراة التي بين أيدينا بخاتم النبيين الذى يأتي من بنى إسماعيل "يقيم الرب إلاهـك نبياً من وسطك من إخوتك مثلى له تسمعون.. أقيم لهم نبياً من وسط أخوتهم مثلك واجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به: سفر التثنية 18/5، 18". والشاهد هنا أن الكتب السماوية السابقة نبأت بخاتم النبيين الذى ينزل عليه الوحى يقول له قل كذا ، ويصبح هذا جزءاً من الوحى المكتوب ، أو بتعبير التوراة "واجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به".
وباستقراء المواضع القرآنية التي جاءت فيها كلمة "قل" نضع الملاحظة السريعة الآتية:
1 :  أكثر ورود كلمة "قل" كان في الحوار مع شتى الأنماط البشرية والدينية.
هناك حوار مع المشركين مثل ( قُلْ : سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ  ) (الروم 42). وهناك حوار مع أهل الكتاب ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ )(آل عمران 64)
وهناك حوار مع المنافقين ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ: لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ) (النور 53). وهناك حوار مع المؤمنين ( قُلْ: تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ.) الأنعام 151). وهناك حوار مع كل البشر ( قُلْ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً )الأعراف 158)
2 ـ وهناك "قل" في الإجابة عن أسئلة المؤمنين للرسول (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ: الْعَفْو )(البقرة 219)
3 ـ وهناك "قل" في تشريع الدعاء والعقائد والعبادات  ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
ï´¾) (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) ( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا ) (الأنعام 161)
4 ـ   وهناك تكرار لكلمة "قل" في الآية الواحدة  ( قُلْ: أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ: إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ...) (الأنعام 14)
5 ـ  وتأتى "قل" لتؤكد معنى قرآنياً ورد في آيات أخرى لم تأت فيها كلمة "قل" فالله تعالى يقول ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُآ  إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير ) (لقمان 33: 34)
ومضمون الآيتين السابقتين تكرار في آيتين جاءت فيهما كلمة قل : ( يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ: إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ: إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَآ  قُلْ: لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (الأعراف 187: 188)
6 ـ وبالتوقف مع كل آية وردت فيها كلمة "قل" نتأكد أن القرآن كان يتابع النبي بإجابات مستفيضة ومتكررة عن كل شيء يحتاجه بحيث لم يكن لديه مجال أو متسع أو تصريح لأن يتكلم في دين الله من عنده ، خصوصاً وأن الله تعالى منع أن يتحدث النبي في الدين من عنده أو أن يتقول شيئاً ينسبه لله، وهذا يعنى أن أقوال الرسول وأحاديثه هي في داخل القرآن،  خصوصاً ما كان فيها الأمر الإلهي"قل" ، وفيها كل ما يحتاجه النبي والمسلمون.
7 ـ وكان الرسول ينذر بالقرآن ( وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ) (الأنعام 51)
وكان يذكرهم بالقرآن ( وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ) (الأنعام 70) ( فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ )  (ق 45) وكان يبشرهم بالقرآن ( فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّا ) (مريم 97) وكان يجاهدهم بالقرآن ( فَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً )  (الفرقان 52).

ثانيا :

1 ـ  والذى لا شك فيه أن النبي عليه السلام بعقليته كان أصلح الناس للاجتهاد ، وكان منتظراً أن يبادر بالإجابة على من يسأله ويستفتيه في أمور الدين ، ولكن الواقع القرآني يؤكد أن النبي كان إذا سُئـِلَ في شيء كان ينتظر نزول الوحى ليأتي بالإجابة ، وينزل قوله تعالى ( يسألونك عن ) كذا ( قل ) ..
وكلمتا  ( يسألونك ) و ( يستـفـتونك ) مع  كلمة {قل} من كلمات الله في القرآن الكريم ، ومنها نتأكد أن النبي كان مطلوباً منه فقط أن يبلغ الرسالة كما هي .  لقد كانوا يستفتون النبي ولكن النبي كان ينتظر نزول الوحى ، وتنزل الفتوى من رب العزة: ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ ) (النساء 127) . لم يقل له ويستفتونك قل إني أفتيكم ، وإنما قال : ( قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ ) . وفى المواريث استفتوا النبي في الكلالة،  فانتظر الفتوى من الله تعالى فنزل قوله تعالى : ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) (النساء 176) لم يقل أنا أفتيكم.
2 ـ ومن مراجعة كلمة "يسألونك" في القرآن نتعرف على الحقائق الآتية:
* كانوا يسألون النبي عن أشياء جديدة في التشريع ، وكان النبي ينتظر معهم الحكم التشريعي الجديد الذى ينزل به القرآن ، مثال ذلك سؤالهم عن الأنفال أو الغنائم : ( يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ....) (الأنفال 1)
* وكانوا يسألون النبي عن إيضاحات جديدة في أمور تحدث عنها القرآن من قبل ، وكان بإمكان النبي أن يجيب عنها بالاستنتاج والقياس ، ولكنه عليه السلام لم يفعل ، فقد نزل قوله تعالى في مكة : ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
ï´¾ (الأعراف 33). فالإثم كان محرماً في مكة ، ثم سُئـِلَ النبي في المدينة عن حكم الخمر ومعلوم أنها من الآثام ، ولم يجتهد النبي في التوضيح والقياس والاستنتاج ، وهو بلا شك أقدر الناس عليه ، ولكنه انتظر حتى جاءت الإجابة من الله تعالى (´يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ) البقرة 219). وطالما أن في الخمر إثماً كبيراً فإن تحريمها قد نزل إجمالاً في مكة ثم جاء تفصيلاً في المدينة.

* بل كانوا يسألون النبي عن أمور تكرر حديث القرآن عنها، ومع ذلك فالنبي كان لا يتلو عليهم الإجابة من الآيات التي نزلت من قبل ،وإنما كان ينتظر نزول الوحى فينزل بإجابات تؤكد ما سبق بيانه ، فقد نزلت آيات مكية تحض على رعاية اليتيم ، ومنها ( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ) (الضحى 9) ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِآ  فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ) (الماعون 1: 2) ( كَلاَّ بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) (الفجر 17) ( أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ آ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَة )(البلد: 14 ، 15) (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ) (الأنعام 152، الإسراء 34). ثم نزلت آيات في المدينة تؤكد على رعاية اليتيم منها : ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ) (الإنسان 8) ، ( وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ.) (البقرة 177). ومع ذلك سألوا النبي عن اليتامى ، وانتظر النبي الإجابة ، ولم يقرأ عليهم الآيات الكثيرة عن رعاية اليتيم وحقوقه ، ونزل قوله تعالى يجيب السؤال : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ) (البقرة 220) وهذه الإجابة تؤكد ما سبق بيانه من رعاية اليتيم . وسُئـِلَ النبي مرة أخرى عن يتامى النساء ونزل الوحى يؤكد ما سبق بيانه من وجوب رعايتهن ورعاية اليتيم : ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ ) (النساء 127) والإجابة هنا تشير إلى ما نزل في الكتاب وكانوا يتلونه ويقرأونه من رعاية اليتامى والمستضعفين من الولدان.
3 ـ وأكثر من ذلك فهناك حقيقة قرآنية مؤكدة وكررها القرآن ، وهى أن النبي لا يعلم الغيب ولا يعلم موعد قيام الساعة ولا ما سيحدث له أو للناس ، واقرأ في ذلك قوله تعالى
ïقُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ) (الأنعام 50) ( قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (25) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ..) (الجن 25: 27) ( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ ) (الأنبياء 109) . وهل هناك أوضح من قوله تعالى  : ( قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ.) (الأحقاف 9). ومع ذلك فهناك آيات أخرى كثيرة تؤكد أن علم الساعة عند الله وحده : ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ) (لقمان 34) ( إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ) (فصلت 47) ( وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )(الزخرف 85)
كلها آيات تؤكد أن النبي لا يعلم الغيب وأن علم الساعة لله وحده .وكانت تكفى آية واحدة ، ولكنهم سألوا النبي مرة ومرات عن الساعة ، ومع ذلك لم يبادر بالإجابة بأن يقرأ عليهم الآيات السابقة ، وإنما انتظر الوحى ، وكان الوحى ينزل دائماً بنفس الإجابة وهى أن علم الساعة لله وحده وأن النبي لا يعلم الغيب.
سألوا النبي عن الساعة فلم يبادر بالإجابة وهو بلا شك يعلم أن القرآن لا يمكن أن يأتي بإجابة تناقض ما سبق ، وأن الإجابة ستكون نفس المعنى الذى تكرر وتأكد من قبل،.. انتظر النبي الإجابة ونزل قوله تعالى (  يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ  قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ   (الأعراف 187: 188) وهذا توضيح فيه أكثر من الكفاية. ولكنهم سألوه أيضاً عن الساعة. ونرى النبي عليه السلام أيضاً ينتظر الإجابة.! فنزل قوله تعالى يجيب : ( يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَاآ  فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَاآ  إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَاآ  إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ) (النازعات 42: 45) . والآيات الأخيرة مُلئت بأسلوب الاستفهام الإنكاري : ( فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ). وجاء أسلوب القصر يقصر علم الساعة على رب العزة : ( إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا ) ويقصر وظيفة النبي على الإنذار : ( إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ) . كان ذلك في مكة.  ثم في المدينة سألوا النبي عن الساعة، وانتظر النبي أيضا نفس الجواب من رب العزة : ( يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ) (الأحزاب 63).
كان بإمكان النبي أن يجيب، ولديه الكفاية من الآيات، ولكنه كان ينتظر الإجابة، وينزل الوحى بالإجابة المعروفة سلفاً، ثم يسألون النبي نفس السؤال وينتظر النبي إلى أن تأتى الإجابة.. وتأتى نفس الإجابة ثم يسأله آخرون نفس السؤال ، وأيضاً ينتظر الإجابة التي يعرفها إلى أن ينزل الوحى.. وهكذا.. ولو كان من حقه الاجتهاد لأجاب منذ السؤال الأول.
على أن هذه التأكيدات القرآنية لم تأت عبثاً- وتعالى الله عن العبث- فمع كل التأكيدات التي كانت تكرر وتكرر وتؤكد أن النبي لا يعلم الغيب ولا يعلم شيئاً عن الساعة وموعدها وأحداثها - مع ذلك فإن الناس أسندوا للنبي بعد موته عشرات الأحاديث عن علامات الساعة وأحداثها والشفاعات وأحوال أهل الجنة وأهل النار.وهذه الأحاديث التي ملأت الكتب (الصحاح) تؤكد اعجاز القرآن ، لأننا نفهم الآن لماذا كرر القرآن تلك التأكيدات سلفا ومسبقا ليرد عليها سلفا ومسبقا.

هذه الأحاديث الضالة تضعنا في موقف اختبار أمام الله تعالى فإما أن نصدق القرآن ونكذبها، وإما أن نصدقها ونكذب الله وقرآنه.. ولا مجال للتوسط.. ونسأل الله السلامة والهداية..

4 ـ ونعود إلى قضية التشريع..
*** فقد كانوا يسألون النبي عن أشياء لا نشك لحظة في أنه عليه السلام كان يعرف الإجابة عنها من خارج القرآن ، ومع ذلك فلم يبادر النبي بالإجابة من عنده أو من معلوماته وإنما انتظر الوحى القرآني ، فقد سألوا النبي عن الأهلة - جمع هلال - ومعروف أن الأهلة هي لمعرفة المواقيت ، وهذا ما كان مشهوراً العلم به في الجزيرة العربية حيث اعتاد العرب في شهورهم العربية على الاعتماد على التوقيت القمري ، وبه كانوا يؤدون فريضة الحج قبل القرآن وفى عصر النبي عليه السلام. وهكذا فعندما سألوا النبي عن الأهلة كان ممكناً أن يجيبهم من عنده ولكنه انتظر حتى نزل قوله تعالى  : ( يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ...) (البقرة 189). وسألوا النبي عن مباشرة النساء في المحيض ، ونحن نعتقد أن النبي بذوقه الرفيع وحسه المرهف - عليه السلام - كان يعلم أن المحيض أذى وأنه ينبغي اجتناب النساء في المحيض ، ومع ذلك فلم يصرح النبي برأيه وانتظر الوحى ، حتى نزل قوله تعالى : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ) (البقرة 222)
* وحدث أن جاءت امرأة تسأل النبي عن حكم الظهار بعد أن ظاهر منها زوجها أي أقسم باجتنابها جنسيا أو بحرمتها مثل تحريم أمه عليه ، ولم تكن لدى النبي إجابة ، فانتظر كعادته الوحى ، ولكن المرأة لم تنتظر وأخذت تجادل النبي - وهذا منتظر ممن كانت في مثل حالتها - ولما لم تجد لدى النبي شيئاً رفعت يديها للسماء تشكو لله تعالى حالها ، ونزل القرآن يوضح ذلك الموقف ويفتى في الموضوع : ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) (المجادلة 1)
إن صاحب الشرع هو رب العزة تعالى ، أما الرسول فهو الذى يبلغ ذلك الوحى كما هو.. ولو كان للنبي حق الشرح والاجتهاد ، لأصبح للدين مصدران ، وكان لابد حينئذ أن يحظى ذلك المصدر الثاني بحفظ الله شأنه شأن المصدر الأول ، ولكن ذلك لم يحدث لأنه ومنذ البداية فإن التبليغ هو مسئولية الرسول ، وليس الاجتهاد من مسئولياته..

أخيرا

1 ـ قلنا ما سبق فى كتاب ( القرآن وكفى مصدرا للتشريع ) ، وهو منشور هنا . نقلنا منه ما يخصّ الكلمة القرآنية ( قُل ).

2 ـ ولكن كلمة ( قُل ) ومشتقاتها فى القرآن الكريم تستلزم بحثا مستقلا . نرجو من الله جل وعلا أن يهدينا فيه الى الصواب .

3 ـ أهلا بكم فى هذا البحث عن كلمة ( قُل ) فى القرآن الكريم ، والتى تؤكد مقدما ومُجدّدا أنه ليست للرسول عليه السلام أقوال خارج القرآن الكريم . أى إنّ الاسلام هو القرآن وفقط .

والله جل وعلا هو المستعان .

أحمد صبحى منصور

فبراير 2014

الباب الأول : مقاربة لمفهوم ( قل ) فى القرآن الكريم

كتاب ( قل ) فى القرآن الكريم  

( أقوال الرسول فى القرآن فقط ، وليس له أقوال فى الاسلام خارج القرآن )

  الباب الأول : مقاربة لمفهوم ( قل ) فى القرآن الكريم 

الفصل الأول : (قل ) فى القرآن الكريم تعنى ( يقول الله رب العالمين )

مقدمة  . أولا : ( قل ) بمعنى : ( يقول الله جل وعلا ):

 ثانيا : لماذا تأتى ( قل ) الالهية القرآنية بمعنى ( يقول الله جل وعلا ):  

 الفصل الثانى : ( قل ) و قول التبشير والإنذار

مقدمة : بين ( قل ) والتبشير والانذار  .

أولا  : التبشير قد يعنى الانذار ( على سبيل السخرية )

  ثانيا : التبشير من الله جل وعلا أصلا

 ثالثا : موقف المؤمنين والمنافقين من التبشير القرآنى :

رابعا : كل الأنبياء مهمتهم التبشير والانذار:

خامسا : خاتم النبيين كان مأمورا بالتبشير والانذار .

سادسا : الرسالة القرآنية نفسها بشيرا ونذيرا

الفصل الثالث : بين ( قل ) و( قول ) الدعاء 

أولا  : الدعاء و كلمة : (قل )

 ثانيا : دعاء الأنبياء بدون كلمة (قل )

  ثالثا : دعاء المؤمنين بدون ( قل )

رابعا : الانسان والدعاء

 خامسا : تشريع الدعاء

 أخيرا : دعاء الكافرين وهم فى النار :

 الباب الأول : مقاربة لمفهوم ( قل ) فى القرآن الكريم  

الفصل الأول : (قل ) فى القرآن الكريم تعنى ( يقول الله رب العالمين )

مقدمة

1 ـ يمكن القول بأن الخطاب القرآنى ينقسم الى نوعين ، يأتى أحدهما مسبوقا بكلمة ( قل ) ويأتى الآخر بدونها. وفيهما معا تأتى الدعوة الاصلاحية القرآنية تخاطب الناس وطوائفهم . كان ممكنا أن يكتفى رب العزة بتقرير حقائق الاسلام ودعوته الاصلاحية بدون ( قل ) ولكن إستعمال ( قل ) يؤكد أنه ليس للرسول عليه السلام أقوال سوى هذه الأقوال المأمور لأن يقولها ، والتى  لا تغطى فقط كل ما يحتاجه المؤمن فى الهداية ، ولكن أيضا يتم تكرارها مرة ومرات طبقا للمنهج القرآنى ( المثانى ) الذى يكرر الحقائق للتذكير وللتأكيد . ومع الأخذ فى الاعتبار أنه عليه السلام لم يكن بوسعه ان يتقوّل على الله، فإنه لا مجال على الاطلاق لأى قول فى الاسلام خارج القرآن الكريم ، وأن كل الأقوال التى يحتاجها المؤمن وكل الأقوال التى كان يحتاجها النبى فى حياته هى موجودة ومكررة ومؤكدة فى القرآن الكريم بكلمة ( قُل ).

2 ـ وفى هذا الباب عن المنهج القرآنى فى إستعمال كلمة ( قل ) سنتعرض فى فصول قادمة عن التكرار كوسيلة للإصلاح باستعمال ( قل ) ، ولكننا هنا نتوقفمع معنى كلمة ( قل ) فى القرآن الكريم .

أولا : ( قل ) بمعنى : ( يقول الله جل وعلا ):

1 ـ نؤكّد دائما أن للقرآن الكريم مصطلحاته الخاصة الى لا يمكن فهمه بدون التعرف عليها من داخل القرآن نفسه . وقلنا كثيرا فى أُسُس البحث القرآنى أنه لا بد من فهم مصطلحات القرآن من داخل القرآن وليس من قواميس اللغة العربية التى تختلف عن القرآن الكريم وأيضا تختلف فيما بينها .

2 ـ وقلنا إن للقرآن الكريم قواعده ( النحوية ) الخاصة به والتى لم يدركها كلها علماء النحو واللغة فى العصر العباسى. وقد يأتى وقت لتفصيل ذلك فى بحث مستقل. يهمنا فى هذا البحث هو ما يتصل بكلمة ( قل ) التى جعلها النحويون فعل أمر فقط . وهى ليست كذلك فى القرآن الكريم ، إذ تأتى بمعنى ( يقول ) أى يقول الله جل وعلا . إنّ المفهوم الشائع أن ( قل ) تأتى ( أمرا ) للنبى بأن يقولوا كذا ، أى تكون (قل ) منفصلة عن القول الذى يأتى بعدها . ولقد فهم القذافى هذا فأعلن ضمن شطحاته حذف كلمة ( قل ) من القرآن . الذى لم يفهمه القذافى أن كلمة ( قل ) هى أصل فى القرآن ، وأنها ليست مثل ( قل ) فى كلام البشر . لأنها ( قل ) فى كلام الرحمن الذى علّم القرآن ، وأنها تعنى :( يقول الله جل وعلا )، وفى كل الأحوال تأتى تأكيدا لحقائق قرآنية قالها الرحمن فى القرآن بدون ( قل )، ثم يأتى تأكيدها فى القرآن بكلمة (قل ) أى ( يقول الله جل وعلا) . ونعطى أمثلة توضيحية :

3 ـ مثلا : يقول جل وعلا ( وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) النحل ) .  هنا ( قال الله ) ، وهو نفس المعنى الذى جاء بعد كلمة ( قل ) فى قوله جل وعلا (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4)الاخلاص ). أى إن ( قال ) فى سورة النحل هى ( قل ) فى سورة الاخلاص . والمعنى الجامع بينهما ( يقول الله جل وعلا ).

4 ـ فى الأمر ( بقول ) شىء فمعنى ( قل ) هو ( يقول الله جل وعلا أن تقول كذا ) . مثلا ، هناك أوامر للنبى والمؤمنين بأن يقولوا أو أن يعلنوا إخلاص إيمانهم بالله جل وعلا وحده : ( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ )(الأنعام). هنا أمر على النبى أن يمتثل له وأن يقوله خاشعا ، وهو يعى أن هذا هو ( قول الله جل وعلا له ). وعلى كل مؤمن أن يقوله فى قلبه وبلسانه فى مناجاته لربه جل وعلا وفى دعائه ، وهو يعى خاشعا أن هذا هو ( قول الرحمن له ) ، أى أن كلمة ( قل ) يعيها فى قلبه أنها أمر الاهى له ، وهو ينفّذ هذا الأمر بقول الآية كاملة بكلمة ( قل ) فيها ، وحين يقولها يدرك أنها خطاب مباشر له من رب العزة جل وعلا ، وأن هذا الخطاب المباشر حين يقرأ الآية الكريمة فى الصلاة وفى المناجاة مع الله تعالى تؤكد أنه لا واسطة بين الله جل وعلا وعباده المؤمنين ، وهذا يؤكّد معنى ( الصلاة ) أى إنها ( صلة ) متجددة بالله جل وعلا ، وتؤكّد معنى ( الذكر ) سواء كان معنى الذكر هو القرآن بما فيه من كلمة ( قل ) أو التفكّر فى آلاء الله جل وعلا . بإيجاز ، هى تعنى  : يقول لك رب العزة أن تقول ( قُل إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ).  

5 ـ وفى الأمر بقول شىء تأتى كلمة ( قل ) وتعنى ( يقول الله جل وعلا أن تقولوا كذا ) . مثلا  : يقول جل وعلا : ( وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )( الاسراء 53 ). هنا أمر من رب العزة للرسول أن يقول لعباد الرحمن أن يقولوا أحسن القول . أى أن يقول لهم قولوا التى هى أحسن . ولكنه عليه السلام لن يقول هكذا ، بل سيقرأ لهم الآية . وبها يكون المعنى إن الله جل وعلا يأمر عباده أن يقولوا التى هى أحسن . وبالتالى فمعنى ( قل ) هنا هو : ( يقول الله جل وعلا لعباده أن يقولوا التى هى أحسن )

6 ـ وفى الأمر بفعل شىء تأتى كلمة ( قل ) وتعنى أنه جل وعلا يقول لهم أن تفعلوا كذا ، يقول جل وعلا : ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّإِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَو..)( 31 ) النور ) هنا أمر للرسول عليه السلام، أن يأمر المؤمنين والمؤمنات بغض البصر والتمسّك بالعفّة . وهو فى هذا الأمر يقرأ لهم الآية ، لأن الأمر أصلا من رب العزة ، وهو جل وعلا صاحب الشرع ، ومن هنا تأتى ( طاعة الله وطاعة الرسول ) ، فالطاعة لواحد فقط ، هو الله جل وعلا فى كتابه الذى ينطق به رسوله ، أى طاعة للرسول أى الرسالة الالهية . وقد فصّلنا هذا فى كتاب ( القرآن وكفى ). وبالتالى فمعنى ( قل ) هنا هو ( يقول الله جل وعلا للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ..ويقول جل وعلا للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) .

ونفس المعنى  فى كلمة ( قل ) فى قوله جل وعلا  ( قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلالٌ  ) ( ابراهيم 31 )، فالمعنى ( يقول الله جل وعلا لعباده الذين آمنوا أن يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم ..

7 ـ  من هنا نفهم قوله جل وعلا : ( قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ) 10 الزمر ). الفهم السطحى لكلمة ( قل ) هنا يجعلنا فى مأزق . كيف سيقول النبى للناس (يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ )؟ هل هم عباد النبى أم عباد الرحمن جل وعلا ؟ .أى إن المعنى الوحيد لكلمة ( قل ) هنا هو ( يقول الله جل وعلا : يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ..)

ونفس الحال فى نفس السورة : (  قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتىٰ عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ  ) ( الزمر53 : 59  ). هذا كله يعنى ( يقول الله جل وعلا : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتىٰ عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ  )

ثانيا : لماذا تأتى ( قل ) الالهية القرآنية بمعنى ( يقول الله جل وعلا ):

1 ـ الملائكة هم جنود الرحمن ، ومنهم مختصّون بأمور البشر . يأتيهم الأمر من الله جل وعلا فينفذونه ، مثل كتابة أعمال البشر وكل فرد فينا . هذا يقوم به على مستوى الفرد إثنان من الملائكة : رقيب وعتيد ، يسجلان ويكتبان ما يتلفظ به الفرد : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) ق ). وعلى المستوى العام للبشر جميعا هناك ملائكة مُخصّصون ، إختصّهم الله جل وعلا بكتابة الأعمال : (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَاماً كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) الانفطار). ولهذا فإنّ كتابة الأعمال تأتى أحيانا منسوبة للملائكة المُخصّصين بها : ( إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (21) يونس)( بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) الزخرف ). وتأتى حينا منسوبة لرب العزّة جل وعلا صاحب الأمر : ( وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ (81) النساء )، هنا يقول جل وعلا (وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ )، أى يأمر بكتابة ما يقولون . وهو نفس الحال فى الشفاعة يوم القيامة ،وقد شرحنا هذا فى كتاب الشفاعة .

2 ـ وهو نفس الحال فى الوحى بالرسالات السماوية . ومنها الوحى القرآنى . يقول جل وعلا عن القرآن الكريم : ( وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) الشعراء ). أى هو كلام رب العالمين ، أو ( قول رب العالمين ) أو تنزيل رب العالمين ، ونزل به الى الأرض الروح الأمين ( جبريل ) على (قلب ) أو ( نفس ) خاتم النبيين بلسان عربى مبين . هذا الروح الأمين هو جبريل عليه السلام : ( قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) البقرة ) ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102) النحل ). وبالتالى فإنّ ( القول القرآنى ) هو ( قول الاهى ربانى ، يأتى أحيانا بكلمة (قل ) أى ( يقول الله جل وعلا ) ويأنى أحيانا بدونها للتأكيد والتكرار والتذكير .

ولأنّ هذا القول القرآنى نزل به جبريل ، فهو يأتى أيضا منسوبا لجبريل الرسول الكريم صاحب القوة عند رب العزة صاحب العرش العظيم المكين : يقول جل وعلا عن جبريل : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) التكوير) ثم يقول عن خاتم المرسلين الذى نزل على قلبه القول الالهى :( وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22)التكوير) . ويقول جل وعلا عن رؤية خاتم المرسلين لجبريل :( وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ (23) التكوير) .

وما جاء هنا فى سورة التكوير عن جبريل والوحى القرآنى شرحته سورة النجم: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) النجم ) خاتم المرسلين هو المقصود بقوله جل وعلا : ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2)) أى ما ضلّ صاحبكم وما غوى حين قرأ عليكم وحى القرآن ، لأنه هنا لا ينطق عن هواه وإنما بالقول الالهى الذى تعلمه من جبريل حين رأى جبريل بالأفق الأعلى ، وتم التلاقى بين مخلوق بشرى ومخلوق سماوى ، وبإلتقائهما تم تنزيل القرآن الكريم مرة واحدة فى قلب النبى عليه السلام :( وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12)).  

وكما جاء ( القول ) القرآنى منسوبا لجبريل الذى نزل به على خاتم المرسلين ، فهو ( اى القول القرآنى ) يأتى أيضا منسوبا للرسول الكريم محمد عليه السلام لأنه هو الذى قرأه لأول مرة بلسانه البشرى . يقول جل وعلا عن خاتم المرسلين فى الرد على إتهامات المشركين له بأنه شاعر وكاهن : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (42) الحاقة ) ويقول جل وعلا عن القرآن القول الالهى أنه تنزيل من رب العالمين : ( تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43) ) الحاقة ) . وأنّ محمدا لا يستطيع أن يتقول على الله جل وعلا  شيئا ، ولو فعل لأهلكه الله جل وعلا : ( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (44) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) الحاقة ) ثم يختم الله جل وعلا السورة بقوله جل وعلا عن القرآن الكريم وموقف المتقين والكافرين منه : ( وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52) الحاقة ).

3 ـ وطالما أن القرآن قول رسول كريم ( جبريل / محمد ) وأنه تنزيل رب العالمين أو فى الأصل (قول رب العالمين ) فإن كلمة ( قل ) هى كلمة الاهية تعنى ( يقول الله جل وعلا ). وهى تكرّر وتؤكّد ما جاء فى القرآن الكريم ، لتؤكد أيضا أن كل أقوال الرسول هى فى القرآن فقط ، ويستحيل أن يتقوّل قولا من عنده أو من هواه . لذا كانت دعوة الاسلام القرآنية الاصلاحية تشمل النبى نفسه تأمره وتنهاه وتلومه وتؤنبه ، وتقول له ( قل ) و ( لا تقل كذا ) . وقام عليه السلام بتبليغ الرسالة كاملة بما فيها من تأنيب ولوم له عليه السلام . ومات عليه السلام بعد تبليغ القرآن وإكتمال الاسلام (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً ) ( 3 ) المائدة ).

أخيرا :

هذا هو إيماننا أهل القرآن ؛ إنه عليه السلام بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة بتبليغ القرآن بلا زيادة ولا نُقصان . أما من يكفرون بالرسول عليه السلام فيزعمون أنه ترك جزءا من الاسلام دون تبليغ ، وأسموا هذا الجزء ( السُّنّة ) ، ويزعمون أنه تركها شيئا هُلاميا ليكتبها العصر العباسى بأئمة يختلفون فيها ، وكلما جاء إمام منهم أضاف أحاديث عمّا قبله حتى أصبحت بعد قرون من موته عليه السلام حرفة لآلاف النصّابين الذين إخترعوا أحاديث بالملايين . عليهم لعنة الله أجمعين .

 الباب الأول : مقاربة لمفهوم ( قل ) فى القرآن الكريم   

الفصل الثانى : ( قل ) و قول التبشير والإنذار

مقدمة : بين ( قل ) والتبشير والانذار

1 ـ قلنا أن (قل ) تعنى  ( يقول الله جل وعلا ) إفعلوا كذا أو قولوا كذا ..وأن النبى وكل مؤمن يجب أن يقرأ الآية التى فيها (قل ) خاشعا فى صلاته وتسبيحه وأن يطبق المطلوب طاعة لله جل وعلا ، لأن القول فى الأصل هو قول الله جل وعلا ، نطق به الرسول ، والطاعة لله ورسوله فى هذا القول هى طاعة لواحد فقط ، هو رب العزة فى رسالته القرآن الكريم .

2 ـ والكتب السماوية كلها نزلت تُبشّر وتُنذر ، وكل الرسل كان مبشرين منذرين ، كل منهم كان مأمورا أن ( يُبشّر وأن يُنذر ) قومه ،  فهل كان يُنذر ويُبشر قومه بكلام من عنده ؟ هل كان ( يقول ) لهم تبشيرا من كلامه هو ، أم كان يقرأ لهم التبشير والانذار المكتوب فى الكتاب السماوى ؟

3 ـ من القرآن الكريم نعلم أن خاتم المرسلين ـ مع فصاحته ـ لم يكن يُبشّر ويُنذر بكلامه بل بالقرآن الكريم تنفيذا لأمر الله جل وعلا له . يقول رب العزة جل وعلا يأمره بالإنذار بالقرآن : ( وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ) (51) الانعام )، وهذا أمر للنبى والمؤمنين أيضا ( كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الاعراف ). ولقد يسّر الله جل وعلا القرآن للذكر بلسان عربى مبين ليبشر به الرسول المتقين ولينذر به الكافرين : ( فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً (97) مريم ). وهكذا فالتذكير والوعظ  تبشيرا وإنذارا لا يكون إلا بالقرآن الكريم وحده : ( فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45) ق ) ( وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ) (70) الانعام ).

4 ـ وهذا بالضبط ما كان يفعل رسول الله عليه السلام . لم يكن يُلقى فى قومه خُطبة عصماء ( يقول ) لهم فيها التبشير والانذار بكلامه ترغيبا وترهيبا ، بل كان ( يقرأ ) لهم آيات القرآن ، كان يتلو عليهم القرآن ، كان ( يُذكّرهم ) بالقرآن . وقد كانوا إذا ذكّرهم بالقرآن وحده ولُّوا على أدبارهم نفورا : (ً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً (46)الاسراء ) . وكانوا إذا تُلى عليهم القرآن يكادون يسطون بمن يتلو عليهم القرآن ويغشى وجوههم الغضب والكراهية : (  وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ) (72)  الحج ) ، وكانوا ينظرون للنبى بكراهية هائلة حين يتلو عليهم القرآن ينذرهم  به : ( وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ )(51)القلم ) . ونعطى المزيد من التفصيلات فى موضوع التبشير والانذار .

أولا  : التبشير قد يعنى الانذار ( على سبيل السخرية )

1 ـ الشائع أن التبشير هو الاخبار بالأنباء الحسنة والسّارة الطيبة وليس بالأخبار السيئة الكريهة .  من ذلك مثلا تبشير ابراهيم عليه السلام بميلاد ابنه اسماعيل ثم إسحاق : ( فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (101) ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِينَ (112) الصافات )( وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ (71) ( هود ) ( وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى ) (31) العنكبوت ). وتبشير زكريا بابنه يحيى : ( يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً (7) مريم ).

2 ـ ويختلف الأمر باستعمال ( التبشير) فى ايراد الأخبار السيئة الكريهة الكئيبة ، هنا يكون اسلوب السخرية القرآنية . وفى السخرية من العادة السيئة للعرب فى الجاهلية ( وأد البنات ) يقول جل وعلا : ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ (17) الزخرف ) ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59) النحل ). هنا تبشير العربى الجاهلى بما يكره . كان يتوقع ولدا فإذا بالخبر السىء يأتيه بأنثى . مبعث السخرية هنا أنهم يعتبرون ميلاد البنت عارا يجب التخلص منه بالوأد والقتل ، فى نفس الوقت الذى ينسبون لله جل وعلا الملائكة بنات له . لذا يقول جل وعلا لهم ( أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنْ الْمَلائِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (40) الاسراء ) وفى الرد على هذا التقول العظيم جاءت السخرية منهم باستعمال التبشير فى إخبارهم بما يكرهون .

3 ـ بنفس الأسلوب يأتى ( تبشير ) الكافرين بالنار وليس بالجنّة . يقول جل وعلا لخاتم المرسلين عن الكفار الذين لا يؤمنون بالقرآن ويرفضون الانصياع له أن ( يبشرهم بعذاب أليم ) :( فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (21) بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلانشقاق ). ونفس الحال مع العُصاة من الأحبار والرهبان والذين يصدون عن سبيل الله والذين يبخلون عن الانفاق فى سبيل الله ويكنزون الذهب والفضة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) التوبة ) .وأن يبشّر المنافقين المتحالفين مع الكافرين بعذاب أليم : ( بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (138) النساء )،وايضا الكافرين المعتدين ناكثى العهد : ( وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) التوبة ).

4 ـ وهناك عناية خاصة بالسخرية بنوعية خاصة من الكافرين المُكذبين بىيات الله القرآنية . ذلك الصنف الذى لا يكتفى بالقرآن الكريم حديثا ، وإذا سمع آيات الله إتّخذها هزوا ، فى نفس الوقت الذى يتمسّك فيه بلهو الحديث ( البخارى مثلا ) . فى السخرية من هذا الصنف الكافر المُكذّب بآيات الله يأمر الله جل وعلا النبى والمؤمنين بتبشيره بعذاب أليم : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7) لقمان )( تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) الجاثية ).

 ثانيا : التبشير من الله جل وعلا أصلا

1 ـ وقوله جل وعلا : : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7) لقمان ) يعنى أنه فى كل مجتمع فيه ناس تجد ( من الناس ) من يشترى لهو الحديث ليُضل ععن سبيل الله . أى يوجد هذا الصنف بعد موت خاتم النبيين ، وكان موجودا قبله فى الأمم السابقة . وبالتالى فإن الأمر بتبشيرهم بعذاب أليم هو أمر عام لكل المؤمنين فى جهادهم لأولئك الذين يصدون عن سبيل الله ويتتخذونها عوجا ويشترون لهو الحديث ليصدوا الناس عن ( أحسن الحديث ) . وبالتالى فإن هذا التبشير الساخر هو من عند الله جل وعلا ، وهو جل وعلا فوق الزمان والمكان ، وهو الشاهد على كل زمان ومكان ، وهو الذى كان ولا يزال على كل شىء شهيدا : ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (33)( النساء ). وبالتالى فالمطلوب من المؤمن فى عصرنا أن ينطق بالآيات الكريمة يبشر أولئك الكفار المُكذّبين بالقرآن وحده حديثا ، والذين يتخذون لهو الحديث ( البخارى مثلا ) ليضلوا الناس عن القرآن سبيل الرحمن . يكفى أن تستشهد عليهم بما جاء فى شأنهم فى سورتى الجاثية ولقمان . وهنا فالله جل وعلا هو الذى يبشرهم بالعذاب الأليم سخرية منهم ، هو الله جل وعلا ولست أنت .

2 ـ ويقول جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) آل عمران ). ليس مقبولا هنا أن خاتم النبيين عليه وعليهم السلام هو المأمور هنا أن يبشّر الكافرين الذين كانوا يقتلون الأنبياء ، فأولئك الكفرة ماتوا قبل مولد ( خاتم النبيين ) . وبالتالى فإن هذا التبشير هو من الله جل وعلا الذى يعلو على الزمان والمكان . هذا يماثل كلمة ( قل ) التى تعنى ( يقول الله جل وعلا ) . المقبول أن ( يبشّر ) النبى فى حياته الكافرين فى عصره الذين يقتلون المصلحين والذين يأمرون بالقسط ، وهذا ما كانت قريش تفعله . ومع هذا فإنه عليه السلام كان لا ( يُبشّرهم ) أو ينذرهم إلا بالقرآن فقط .

3 ـ الواقع أن الله جل وعلا هو مصدر التبشير بالجنة والتخويف أو الترهيب والانذار من النار . ويأتى هذا صريحا فى تبشيره جل وعلا للمؤمنين المهاجرين المجاهدين فى كل زمان ومكان ، يقول جل وعلا : ( الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) التوبة ).

 وفى نفس السورة يجعل رب العزة هذا وعدا الاهيا ولا يُخلف رب العالمين وعده : ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (112) التوبة ) فقوله جل وعلا هنا أمرا للنبى والمؤمنين : (وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ ) يعنى ( بشرى من الله جل وعلا للمؤمنين ).

كما يخاطب جل وعلا المؤمنين خطابا مباشرا يعقد معهم عهدا فيه التبشير بالفوز العظيم فى الدنيا والاخرة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (13) الصف )

4 ـ ويقول جل وعلا يُنذر الكافرين المشركين الذين إختاروا بمشيئتهم تقديس البشر والحجر : ( فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنْ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ) الزمر 16 ) ويقول جل فى تخويف المتقين من نفس المصير:( ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16) الزمر ) . ويقول فى تبشيرهم إذا إجتنبوا الطاغوت ( وهو يعنى الأحاديث المفتراة والوحى الكاذب كما يزعمون عن السّنّة ) : ( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمْ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِي (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (18) الزمر ) فمن يجتنب الطاغوت ويتبع أحسن الحديث يبشره رب العزة بالجنة .

5 ـ  وهنا مقابلة ومفارقة ومقارنة بين للتبشير بالجنة والتبشير بالجحيم ، كقوله جل وعلا يبشر وينذر : ( تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ (22) ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) 23 ) الشورى ).

ثالثا : موقف المؤمنين والمنافقين من التبشير القرآنى :

1 ـ تتحقّق هذه البشرى عمليا عندما يتلقاها المؤمنون عند الموت ، إذ تبشرهم ملائكة الموت بأن لاخوف عليهم ولا هم يحزنون : ( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64) يونس ) ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32) فصلت ).

2 ـ  وهذا هو الفارق بينهم وبين الذين يموتون على كفرهم ، عند الموت ورؤية ملائكة الموت يعتذرون دون جدوى : ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوْا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) النحل ) وفى المقابل تكون البشرى عند الموت لمن مات مؤمنا مسلما لله جل وعلا وجهه وقلبه : ( وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (32) النحل )

رابعا : كل الأنبياء مهمتهم التبشير والانذار:

1 ـ هذا التبشير الالهى والانذار الالهى نزلت به كل الرسالات السماوية ، وأرسل الله جل وعلا به كل الرسل مبشرين ومُنذرين . يقول جل وعلا : ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ )  (213) البقرة ). ). ويقول جل وعلا عنهم : (  رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ) 165 )( النساء ).

2 ـ  بل يقول جل وعلا باسلوب القصر والحصر أن الله جل وعلا أرسلهم مبشرين ومنذرين فقط ، وتكرر قوله جل وعلا : ( وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ )(48) الانعام ) (56) الكهف ). ويقول جل وعلا لخاتم المرسلين بنفس الأسلوب : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (56) الفرقان ).

 خامسا : خاتم النبيين كان مأمورا بالتبشير والانذار

1 ـ كانت مهمته عليه السلام الانذار والتبشير : ( أَنْ أَنْذِرْ النَّاسَ وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ  )(2) يونس ) وعن تبشره للمؤمنين يقول جل وعلا : (وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ (155) البقرة ) ( وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (223) البقرة )( وَبَشِّرْ الْمُخْبِتِينَ (34) الحج )( وَبَشِّرْ الْمُحْسِنِينَ (37) الحج ).

2 ـ ويأتى شرح التبشير والانذار بإضافات لوظائف النبى فى الدنيا والآخرة ، كونه شاهدا على الكفار يوم القيامة ، كقوله جل وعلا : ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (8) الفتح )، وداعيا الى الله جل وعلا بإذنه أى برسالته القرآنية ليكون بها سراجا منيرا ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45) وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً (46) وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً (47) الاحزاب )، وأن هذه المهمة من الانذار والتبشير موجهة أيضا لأهل الكتاب ، فهو عليه السلام منذر مبشّر لهم أيضا : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنْ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) المائدة ) ، وأن الانذار أيضا للمؤمنين ليتمسكوا بالحق حتى الموت ليحظوا بالمغفرة واجر كريم يوم الدين : ( إِنَّمَا تُنذِرُ مَنْ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)  يس ) .

3 ـ وما عدا هذا ،  فهو عليه السلام لا يعلم الغيب ولا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا : ( قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) الاعراف )( قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (9) ( الأحقاف ).

سادسا : الرسالة القرآنية نفسها بشيرا ونذيرا

1 ـ قلنا إنه عليه السلام كان يبشّر وينذر بالحق القرآنى يتلوه ويدعو به ، وهذا معنى قوله جل وعلا له عليه السلام مرتين : (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً ) (119) البقرة ) ( فاطر 24 ) .ويؤكّد رب العزة هذا فى قوله جل وعلا عن الحق القرآنى : ( وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (105) الاسراء )، ( فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً (97) مريم ).

2 ـ ولأن القرآن هو فى حقيقته المبشّر والنذير فإن وظيفة التبشير والانذار مستمرة بالقرآن الكريم بعد وفاة النبى فى كل زمان ومكان ، وهذا بحفظ الله جل وعلا للرسالة القرآنية الكريمة ، وبها يكون الرسول للناس كافة بشيرا ونذيرا : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً  ) (28) سبأ ). وبهذه الرسالة العالمية المحفوظة من لدن رب العالمين يكون خاتم المرسلين رحمة للعالمين (  وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) ( الأنبياء ) لمن شاء منهم أن يستقيم ويحظى بالرحمة ، كما يكون عليه السلام نذيرا للعالمين : (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً (1) ( الفرقان ).

3 ـ النبى ( محمد بن عبدالله القرشى ) بشر محكوم عليه بالموت ، ولكن الرسالة التى قام بتبليغها وهى القرآن الكريم سارية بعده الى قيام الساعة ، وبها يكون الرسول أو تكون الرسالة رحمة للعالمين وإنذارا للعالمين . وبالتالى فأن القرآن ـ كلام رب العالمين ـ هو فى الحقيقة البشير والنذير . والمطلوب من الدُّعاة للحق التبشير والانذار به . وعندها تنتهى مهمتهم ، ويكونون شهداء على قومهم يوم القيامة .

4 ـ يقول جل وعلا عن القرآن نفسه هاديا ومبشرا ونذيرا : ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (10) الاسراء ). فالقرآن هو الذى يهدى للتى هى أقوم ، وهو الذى يبشر المؤمنين وهو الذى ينذر الكافرين بعذاب أليم . وقد أنزل الله جل وعلا الكتاب القرآنى ولم يجعل له عوجا لينذر الكافرين بأسا شديدا وليبشر المؤمنين بأجر حسن خالد أبدا : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا (1) قَيِّماً لِيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (3) وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً (4) الكهف ).

5 ـ ومن هنا يأتى وصف القرآن نفسه بأنه هدى وبشرى : ( طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) النمل )، وأنه نذير وبشير : ( وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيّاً لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12) الاحقاف ) ، وأن تفصيلاته تؤكد دوره بشيرا ونذيرا : ( حم (1) تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيراً وَنَذِيراً ) (4) فصلت ) ،. لذا فالقرآن نفسه هو الذى يقول للناس إننى لكم نذير وبشير : ( الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) هود ).

6 ـ وفى النهاية ، يأتى يوم القيامة ، ويكون النبى شاهدا على قومه الذين عاصرهم ، يشهد عليهم شهادة خصومة بأنهم إتّخذوا القرآن مهجورا : (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (30)( الفرقان ). خصوم النبى ليسوا فقط أولئك الكفار الذين عاندوه فى مكة وقاتلوه فى المدينة وماتوا على كفرهم ، بل أيضا قومه وأصحابه الذين آمنوا به ثم بعد موته إتّخذوا القرآن مهجورا ، وارتكبوا جريمة الفتوحات ، ينسبون هذه الجريمة الكبرى الى الاسلام العظيم . سيأتى الرسول عليه السلام شاهدا عليهم يوم القيامة ، يتبرأ مما فعلوه ، وبأنه ما أمرهم بهذا ، بمثل ما سيتبرا عيسى عليه السلام ممّن ألّهوه بعد موته .

7 ـ ويقول جل وعلا عن الشهادة يوم القيامة : ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89) النحل ). أى إن جوهر الشهادة يوم القيامة هى أن القرآن الكريم نزل تبيانا لكل شىء وهدى ورحمة للمسلمين . وهذه شهادة أهل القرآن ـ بإذن الرحمن ـ يوم القيامة ضد أولئك الذين يزعمون ان القرآن لا يكفى وأنه محتاج لسنّتهم لتكمله وتشرحه وتفصّله وتفسره . بل و( تنسخه ) أى تبطل أحكامه .. هل هناك كُفر أفظع من هذا ؟

7 ـ  موعدنا معكم يوم الفصل :( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50) المرسلات ).

ودائما : صدق الله العظيم !.

الباب الأول : مقاربة لمفهوم ( قل ) فى القرآن الكريم   

الفصل الثالث : بين ( قل ) و( قول ) الدعاء

أولا  : الدعاء و كلمة : (قل )

1 ـ قلنا إن كلمة ( قل ) تعنى ( يقول الله جل وعلا ) . السؤال هنا عن صلة ( قل ) بالدعاء ، أى حين يدعو المؤمن ربه جل وعلا ، أى حين ( يقول  المؤمن ) دعاءا يرجو به ربه نفعا  أو يرجو به دفع ضرر  حاق به . لا شك أن له أن ( يقول ) فى الدعاء  ما شاء متضرعا لله جل وعلا بما يعبّر به عن حاله . ولكن الدعاء بأساليبه ومختلف موضوعاته جزء من الخطاب القرآنى ، ومن الأفضل أن ندعو بما جاء فى القرآن ، وهذا يجعلنا نبحث علاقة ( قل ) بالدعاء  .

2 ـ  إن الدعاء هو لُبُّ العبادة فى الصلاة وفى الذّكر وفى قراءة القرآن وفى للتسبيح والتفكر فى آلاء الله جل وعلا . وهو أيضا جزء فى القصص القرآنى ، فالله جل وعلا أورد دعاء الأنبياء ، والمؤمنين ، بل إن فاتحة الكتاب هى دعاء يبدأ بحمد الله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم ، وبتأكيد أننا نعبده جل وعلا وحده ونستعين به وحده ، ثم بعد هذا التمهيد يأتى الدعاء بأن يهدينا الله جل وعلا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم الله عليهم وليس صراط المغضوب عليهم ولا الضالين .

2 ـ الملاحظ أن ( قل ) لا تأتى كثيرا فى الدعاء. جاءت فى قوله جل وعلا : ( وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118) الأنبياء ) . إن الأغلب غياب كلمة ( قل ) أمرا بالدعاء  .      

3 ـ لا نجد ( قل ) أمرا فى الدعاء فى الفاتحة ، ونفتقدها فى قوله جل وعلا : ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186 ) البقرة ) ، فالسياق أن يقال ( وإذا سألك عبادى عنى فقل إنى قريب ..). ولكن تم حذف ( قل ) منعا للواسطة ، ولتأكيد أنه جل وعلا قريب من عباده يسمع الداعى إذا دعاه . ونفتقدها فى قوله جل وعلا : ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286 ) البقرة ) المنتظر أن يقال ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، لها ما كسبت وعليها ما إكتسبت ، قولوا ربنا لا تؤاخذنا غن نسينا أو أخطأنا ...). بل إن الأمر بالدعاء خلا من كلمة ( قل ) يقول جل وعلا  : ( وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) غافر ). (قال ) هنا بمعنى ( قل ) لأن الله جل وعلا جعل جهنم مصير الذين يستكبرون عن الدعاء .هذا دليل على أن الدعاء فريضة تعبدية مأمور بها الناس جميها ، سواء جاءت بكلمة (قل )أو بدونها. 

4 ـ إن الله جل وعلا جعل من صفات المتقين أنهم يدعون الله جل وعلا : ( الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ (17 ) آل عمران ) أى هم الذين يدعون ربهم يطلبون الغفران والوقاية من عذاب النار ، وهم القانتون المستغفرون بالأسحار . وجعل رب العزة من صفات أولى الألباب المؤمنين أنهم يتفكرون فى خلق السماوات والأرض ويخاطبون ربهم يرجون رحمته وغفرانه :الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)     آل عمران ). وجعل  من صفات عباد الرحمن أنهم  يقولون (  رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً (66 ) ، ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74) الفرقان ) وفى المقابل يقول جل وعلا إنه لا يعبأ بنا لولا أننا ندعوه ، فيستجيب : (  قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً ( 77 الفرقان ).

ومشركو قريش دعوا الله جل وعلا أن يهلكهم لو كان القرآن حقا ، وجاءهم الرد من رب العزة بتأجيل العذاب طالما كان النبى بينهم وطالما كانوا يستغفرون : ( وإذ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) الانفال )

5 ـ إن الدعاء هو خطاب مباشر يوجهه ابن آدم لربه جل وعلا ، يحادثه ويشكو اليه ، ويرجوه . وهكذا كان يفعل أفضل البشر ، وهم أنبياء الله ، والدعاء جزء أساس فى قصصهم ، وهو بدون كلمة ( قل ) ، وجىء به فى القرآن لنستفيد به ونطبقه إذا كنا فى نفس الحال .

ثانيا : دعاء الأنبياء بدون كلمة (قل )

1 ـ دعاء الأنبياء يتنوع من حيث الموضوع . منه نوع يخص النبى وحده خاص بظروف النبى ودعوته وليس لنا أن ندعو به ، ونوع يمكن لنا أن نطبقه وندعو به إذا تطابق مع أحوالنا . ثم هناك نوع مختلط ، جزء منه يجوز لنا  أن نطبقه إذا توافق مع ظروفنا .

2 ـ من أمثلة النوع الخاص بالنبى وحده دعاؤه على قومه بالهلاك ، كما فعل نوح عليه السلام : ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) القمر ) ( وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77) الانبياء ) ،( وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً (27) نوح )  .

ورجع موسى عليه السلام من لقاء ربه ووجد قومه يعبدون العجل ، فغضب ، ثم هدأ ، ودعا ربه أن يغفر له ولأخيه هارون عليه السلام : ( وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِي الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)) الاعراف ).

وحين عاقب الله جل وعلا قادة بنى اسرائيل دعا موسى ربه بالغفران :( وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156 الأعراف).

وفى تحويل مؤقت للقبلة ظل عليه السلام يدعو ربه فاستجاب له : ( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144 البقرة ).

3 ـ ونعطى أمثلة من النوع الذى يمكن لنا أن نطبقه لأنه صالح لظروفنا :

قد يتعرض أحدنا للفقر والحاجة ، وله أن يستعمل دعاء موسى وهو فى مدين (  فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) وجاءت الاستجابة سريعا ( فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25 القصص ) .

وحين قتل موسى الرجل المصرى المعتدى عن طريق الخطأ بادر بالتوبة وطلب الغفران فغفر الله جل وعلا له : (  وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)القصص ) وهذا يصلح لأى مؤمن يقع فى نفس الموقف .

وكلنا يتعرض لمحنة المرض ، ويمكن أن يستفيد عند المرض بدعا النبى أيوب ربه ،وقد فاستجاب له : (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84) الانبياء ) (  وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44  ص )

وكل منا يتعرض لأوقات الشّدة ، أفظعها عندما إلتقم الحوت النبى يونس عليه السلام ، فظل يسبّح ويدعو ربه وهو فى بطن الحوت فاستجاب له ربه جل وعلا : ( وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) الصافات ) (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنْ الصَّالِحِينَ (50) ) (القلم ) ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) الأنبياء ) . يقول جل وعلا (وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ) أى تشجيع من  رب العزة لكل مؤمن يقع فى ضيق وشدّة أن يدعو ربه مستجيرا به ، والله جل وعلا يعده بأن يستجيب له وأن يُنجيه .

ومن الشدائد الاضطرار الى دخول السجن ظُلما ، وقد تعرض له يوسف عليه السلام ، وفى مواجهة التآمر النسائى دعا ربه : ( قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34 يوسف ).

ولأهل القرآن تجربة مريرة مع الفرعون مبارك المشهور بفساده وإستبداده ، حين كان أمن الدولة يرهبنا ، ويعتقل أهالينا ، وننام فى خوف ونصحو فى قلق ، وإذا دقّ الباب توقعنا الشّر ومجىء قوات الأمن لتقبض علينا . فى هذه الظروف كان الدعاء المُريح لنا هو دعاء يونس فى محنته ( لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ ). والدعاء بألّا يجعلنا ربنا جل وعلا ( فتنة للظالمين الكافرين ) أى ضحية للظالمين الكافرين الذين يفتنون المؤمنين فى دينهم بالاكراه فى الدين والاضطهاد الدينى ، وهو ما كان يفعله مبارك الذى كان جنوده يعتقلون أهل القرآن بتهمة أنهم يُصلُّون فى بيوتهم . وهذه فتنة فى الدين لم يقع فيها فرعون موسى نفسه ، الذى تغاضى عن صلاة بنى إسرائيل فى بيوتهم . يقول جل وعلا عن تطرف فرعون فى ارهاب قوم موسى حتى جعلهم يتحاشون موسى خوفا من أذى فرعون :  ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الْمُسْرِفِينَ (83)يرنس )، ودعاهم موسى للتوكل على الله جل وعلا للصمود أمام هذا الاضطهاد : ( وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) يونس ) فاستجابوا ، ودعوا ربهم جل علا أن يُنجيهم من فرعون وألّا يجعلهم فتنة للقوم الكافرين : ( فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنْ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86) يونس ) وأمر الله جل وعلا موسى وهارون أن يقيما الصلاة فى بيوتهم وأن يدعوا جميعا على فرعون حتى ينتقم الله جل وعلا منه :( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (87) وفى الصلاة كان موسى يدعو على فرعون : ( وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ (88) يونس )واستجاب الله جل وعلا  الدعاء : ( قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (89 يونس ) وبعدها كان غرق فرعون وقومه . وكنا ندعو الله جل وعلا على هذا الفرعون مبارك ، ونحمد الله جل وعلا أن إستجاب لنا .

وقبل ذلك كان ابراهيم عليه السلام ومن آمن معه يدعون الله جل وعلا ألّا يجعلهم فتنة للقوم الكافرين ، وإستجاب لهم الرحمن ( رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5 ) الممتحنة ).

والحروب من أشد المحن . وفيها تكون فائدة الدعاء للمؤمنين أصحاب الحق : ( وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ  )(251) البقرة ) (  وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148 آل عمران ). وفى معركة بدر إستغاث المؤمنون بربهم جل وعلا فاستجاب لهم :( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ) (9 ) الأنفال ).

ويستجيب رب العزة أيضا لمن يطلب من الله جل وعلا النّعم . رأى زكريا عليه السلام الطفلة مريم فى عبادتها فاشتاق أن يهبه الله جل وعلا ولدا ، وكان فى شيخوخته وزوجه عاقر : ( هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى  ) (39 ) آل عمران) . ( وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى ) (90) الانبياء ). ولمن يريد الذرية يستطيع أن يرجوها من ربه جل وعلا.

بل أكثر من هذا ، قد يُنعم الله عليك بالمُلك وتطلب المزيد . وهكذا فعل يوسف عليه السلام الذى أوتى الدنيا فطلب الجنة ، ودعا ربه جل وعلا فقال : ( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101 يوسف ).

أكثر منه نبى الله سليمان عليه السلام الذى أوتى المُلك والنبوة فطلب المزيد : ( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40) ص ) . المستفاد هنا أن تطلب ما تريد من ربك بعيدا عن الإثم والعدوان . وستجد الاجابة ، إما بما تطلب ، أو برحمة ورضوان ، والله جل وعلا يختار الأصلح لك . وهو الأعلم بالأصلح لك .

3 ـ ومن دعاء الأنبياء ما يصلح جزء منه لنا ، والباقى لا يصلح لأنه كان خاصا بالنبى نفسه لا علاقة له بنا . فمن دعاء ابراهيم عليه السلام ما لايعد صالحا لنا ، مثل دعائه لأبيه بالغفران : ( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40 رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41 ابراهيم  )  ، وقد عوتب فى هذا فكفّ عنه . ولنا أن ندعو بدعائه الآتى إلا الفقرة التى تخصُّ أباه : ( الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنْ الضَّالِّينَ (86) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) الشعراء . )

ونفس الحال مع نوح عليه السلام : ليس لنا أن ندعو بدعائه على قومه ،( وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً (27) نوح )  ولكن ندعو بالدعاء الذى قاله :( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً (28) نوح ).

وآخر إستجابة الاهية لطلب آية حسية كانت فى المائدة التى طلبها الحواريون من عيسى عليه السلام ، وإستجاب رب العزة مع تهديد لهم إن كفروا بعدها : ( إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ (115 ) المائدة) الذى ينفعنا من هذا هو أن ندعوبدعاء عيسى عليه السلام بأن يرزقنا الله جل وعلا وهو خير الرازقين : (وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (114)

اللهم ارزقنا وأنت خير الرازقين .!

  ثالثا : دعاء المؤمنين بدون ( قل )

1 ـ بدون كلمة ( قل ) أمرنا الله جل وعلا بالدعاء ، وجعل من لا يدعوه مستكبرا مستحقا للجحيم : : ( وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) غافر ) ، وهذا أكثر تأكيدا من إستعمال (قل ). وبدون( قل ) ايضا قال جل وعلا : ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186 ) البقرة ) .

وفى كل الأحوال فالبشر جميعا مدعوُّون لأن يكونوا من عباد الرحمن بأن يستغيثوا برحمته إذا مسّهم الضرر ، وهو جل وعلا الذى يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السُّوء عنه :( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ )(62 النمل ) . وكل منا يقع فى أزمات ومحن وشدائد ، ويلجأ الى الله جل وعلا متضرعا.

2 ـ  وينبغى لمن بلغ سنّ الأربعين أن يتوقف مع نفسه ، وأن يبدأ مراجعة حياته تائبا داعيا الله جل وعلا بإخلاص أن يُصلحه ويُصلح ذريته : ( وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ (15) الاحقاف )، والله جل وعلا يعد بالاستجابة : ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16) الاحقاف ).

3 ـ والدعاء يصاحب العبادات ، ففى الصلاة يكون الخشوع إقترابا من الخالق جل وعلا عند السجود والدعاء فيه كما جاء فى آخر سورة العلق ، وفى تشريع الصوم يقول جل وعلا : ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)البقرة ) ، وفى الحج يأمر الله جل وعلا بالذكر وبالدعاء الأمثل:( فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202 البقرة ) . وفى الذكر والتفكر فى خلق السماوات والأرض : ( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) آل عمران )

4 ـ وهناك نماذج فى القرآن الكريم لدعاء المؤمنين ، تمت الاستجابة لها من الرحمن جل وعلا :

ـ إمرأة فرعون دعت ربها جل وعلا أن يبنى لها قصرا فى الجنة وأن ينجيها من فرعون وعمله : ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) التحريم ) والجزء الخاص بالدنيا تم تحقيقه وهو الانتقام من فرعون . والجزء الخاص بألاخرة نفهم مقدما تحقيقه لأن الله جل وعلا جعلها مثلا أعلى للذين آمنوا . 

ـ وبعض  القساوسة والرهبان كانوا يسارعون الى الايمان عند سماع القرآن ويدعون الله جل وعلا أن يكونوا من الصالحين ومن الأشهاد على قومهم : ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنْ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) المائدة ) . ونفهم أن الله جل وعلا إستجاب دعاءهم، لأنه جل وعلا يقول عنهم : ( فَأَثَابَهُمْ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85 المائدة ) .

ـ وأهل الكهف دعوا ربهم بالرحمة والرشد : ( إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً (10). ونفهم أن رب العزة قد إستجاب لهم إذ وصفهم لنا بأنهم (  إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)) الكهف ) وسجّل قصتهم فأصبحت معلومة شهيرة فى هذه الدنيا .

ـ وسحرة فرعون أمضوا حياتهم فى الضلال ، ثم آمنوا عندما شهدوا آية موسى ، أو عصاه ، تأكل حبالهم وعصيّهم ، فأعلنوا إيمانهم تحديا لفرعون ، ورفضوا تهديده لهم بالقتل والصلب ، ودعوا ربهم بالغفران ، وسجّل رب العزة موقفهم هذا فى القرآن الكريم :( لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126 ) الاعراف ) ،( فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى (71) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) طه ) ( قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51) الشعراء )

رابعا : الانسان والدعاء

1 ـ عندما يكون ابن آدم مشركا كافرا سيء الخلق فإن وصفه القرآنى ( إنسان ) ، وهذا عكس الشائع فى ثقافتنا المعاصرة عن المفهوم الايجابى الطيب للإنسان والإنسانية . يقول جل وعلا فى الصفات السيئة للواحد منا إن كان ( إنسانا ):(إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) ابراهيم)( وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُوراً (100) ( الاسراء )( وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً (54) الكهف ) ( إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ (66) الحج )( وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72) ( الأحزاب) (إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) الزخرف)( قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) عبس).والمؤمنون المفلحون هم الاستثناء من الخسران الذى يقع فيه الانسان:( إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ( العصر) ، والتفاصيل فى سورة المعارج ( 19 : 35 ).

2 ـ هذا ( الانسان ) عند المحنة كالمرض والتعرض للغرق يدعو ربه مستجيرا به مؤمنا مخلصا ، ولكن بمجرد أن ينجو من المحنة يعود الى ضلاله، يقول جل وعلا :( وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً (67) الاسراء )، ( وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12) يونس ) ، ( وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) الزمر )،( فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (49) الزمر )

3 ـ ولهذا الانسان طبيعة خاصة فى الدعاء ، هى التعجُّل ، أى يدعو بالشّر أحيانا على نفسه وأقرب الناس اليه ( كما تفعل بعض الأمهات فى غضبهن ). المفترض أن تدعو بالخير ولكن الغضب يجعله يُسارع  بأن يدعو بالشر بمثل دعائه بالخير،يقول جل وعلا :( وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً (11)( الاسراء )

4 ـ إلا إن الأغلب على الإنسان تأثره بالأنانية فى دعائه ، فهو غافل عن الآخرة، غير مهتم بالدعاء بالغفران لأن الدنيا هى شُغلُهُ الشّاغل . وهو يريد النعيم الدنيوى فقط ، فإذا جاءه النعيم إغترّ وطغى واستكبر يظنُّ أنه إسنغنى عن الرحمن جل وعلا:( كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7 العلق ). وإذا مسّه الشّرُّ وقع فى اليأس : ( وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً (83)( الاسراء ). إن العادة ان يتعرض ابن آدم لاحتبار النعمة والنقمة ، والمحنة والمنحة ، والمؤمن يصبر و يشكر فى الحالتين . أما ( الانسان ) فهو يائس عندما تُنزعُ منه النعمة ، وهو كفور عندما تأتيه نعمة بعد نقمة : ( وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ (48) الشورى )، ( وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10 هود )

5 ـ يترتب على هذا فيما يخُصُّ الدعاء أن الانسان لا يسأم من الدعاء بالخير ، فإذا أُبتُلى بمصيبة وقع فى اليأس والقنوط . فإذا تبدلت المصيبة بنعمة إغترّ وأعرض ونأى بجانبه وكفر بالآخرة ، فإذا عاد اليه بالابتلاء بالمصائب جأر وصرخ بالدعاء العريض . وما أروع قوله جل وعلا : ( لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (51) فصلت ) . أى هو خاسر فى الحالتين . وصدق الله العظيم : ( وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) (العصر)

خامسا : تشريع الدعاء

1 ـ لأنه عبادة فلا بد للدعاء أن يصدر عن خشوع وتضرع . إذا لم يكن تضرعا وخشوعا أصبح سخرية بالله جل وعلا ، وإعتداءا على التقديس الواجب له وحده جل وعلا . أى إن الدعاء إما أن يكون تضرعا وبصوت خافت خاشع وإما أن يكون إعتداءا وكفرا . يقول جل وعلا : ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) الأعراف )( وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ (56 الأعراف). أى عندما ندعوه خوفا وطمعا وتضرعا وخفية فإن رحمته جل وعلا ستكون قريبة منا ، وسيستجيب لنا . وزكريا عليه السلام حين دعا ربه فقد تكلم بصوت خافت ، والله جل وعلا يجعله لنا تذكرة وذكرا لنتعلم منه الدعاء الناجح المُستجاب : ( ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً (3) مريم ). 

2 ـ ويختلف الأمر فى الديانات الأرضية حيث يتحوّل الدعاء الى غناء وموسيقى وقصائد ولهو ولعب . لذا يأمر رب العزة بالاعراض عمّن إتخذوا دينهم لهوا ولعبا : ( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا )(70) الأنعام )، ويصف أصحاب النار بأنهم ( الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) (51) الأعراف ).

3 ـ وتحويل الدعاء الى أغانى والتغنى بالقرآن والانشاد الدينى والمديح فى النبى والأولياء والأئمة من الملامح الأساس فى الديانات الأرضية للمسلمين ، خصوصا  دين التصوف . إنّ من صفات المؤمنين حقّ الايمان أنهم إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم  : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ )( 2 ) الأنفال )، أمّا المحمديون فأشدهم تدينا هم الذين إذا ذُكر إسم الله رقصت قلوبهم .! . يكفى أنهم يجعلون لفظ الجلالة ـ إسم الله العظيم جل وعلا ـ فاصلة موسيقية فى أغانيهم .!

وفى نفس الوقت يجعلون الغناء العادى المباح حراما ، وهذا بالتناقض تماما مع شرع الله جل وعلا.

بل حتى بالتناقض مع أنفسهم وثقافتهم الاجتماعية . إن الدعاء هو رجاء من الأسفل الى الأعلى . ومن الطبيعى أن يكون الرجاء مصحوبا بالخضوع والخشوع طالما ترجو ربك جل وعلا . بل إنّك عندما تقدم إلتماسا لرئيسك فى العمل تقدمه بإحترام له ، وربما بتذلل . تخيل لو دخلت عليه تلتمس منه شيئا وأنت ترقص وتغنى وتتلاعب حواجيك ؟ تخيل أن إبنك جاء يطلب منك شيئا فاصطحب فرقة موسيقية وجعل طلبه غنوة ؟ فى كل الأحوال سيكون هذا سخرية ممّن ترجوه وتطلب عونه . لا يرضى أحدنا أن يرجوه أحد بأسلوب ساخر ، فكيف برب العزّة جل وعلا ؟. هنا نفهم وصف رب العزة للدعاء الخالى من التضرع بأنه إعتداء . وافظع أنواع الاعتداء أن تعتدى على التقديس الواجب لله جل وعلا وحده .

4 ـ ومن سُبُل التضرع ـ فى الظروف العادية ـ  أن يسبق الدعاء تحميد وتمجيد وتقديس لله جل وعلا . والفاتحة خير مثال ، فنصفها الأول تمهيد للدعاء : ( بسم الله الرحمن الرحيم (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)) ونصفها الآخر هو الدعاء : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7)).

وفى دعاء زكريا لم يقل ما يطلبه مباشرة ، بل بدأ بحيثيات طلبه ورجائه : ( قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً (6) مريم ) . وفى دعاء يوسف بدأ بقوله : (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ  ) ثم بعد هذه المقدمة دعا ربه جل وعلا أن يتوفاه مسلما وأن يُلحقه بالصالحين : ( تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) يوسف ). وهكذا دعاء أولى الألباب الذين يرجون النجاة من النار ، يقولون فى البداية على سبيل التمهيد : ( رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ(193) آل عمران )

5 ـ أمّا فى الظروف القهرية عند شدّة الكرب فلا بأس أن يأتى الدعاء بإيجاز لأن الله جل وعلا هو الأعلم بالحال ، والحال صعب شديد ، وبالتالى يكون التضرع صادقا وخميقا وحارا ولا يحتاج الى مقدمات .  يونس عليه السلام وهو فى بطن الحوت ، لم يشرح حاله الفظيع ، ولكن إكتفى بأن نادى ربّه جل وعلا ، وهو فى ظلمات بطن الحوت قائلا :( لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ (87 )الانبياء ).وإكتفى يعقوب عليه السلام فى جزعه على يوسف بقوله داعيا الله جل وعلا : ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)، وقوله :( فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)  يوسف ) . والمؤمنون يدعون الله جل وعلا عند الابتلاء بعبارة بسيطة خاشعة :" إنا لله وإنا اليه راجعون": ( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) والمكافأة :(أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ (157 البقرة ).  وهكذا حال المؤمنين المتضرعين فى الدنيا .

6 ـ وهناك دعاء ضمنى مستتر ، كان ملاذنا نحن أهل القرآن وقت إضطهاد الفرعون مبارك لنا . كنا ـ ولا نزال ـ نقول : ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) ( حسبى عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ، حسبى الله عليه يتوكل المتوكلون ) . عند قولها يُحسّ المظلوم أنه مؤيّدُّ برب العزة العزيز المتعال ، خصوصا فى حالنا نحن أهل القرآن . إذ نتعرض للإضطهاد ليس بسبب أننا نسعى للحكم أو نتصارع مع أهل الثروة والجاه حول حُطام الدنيا . ليس بيننا وبينهم خلاف شخصى أو نزاع حول ميراث أو مصاهرة . يضطهدوننا لأننا ندافع عن حق الله جل وعلا فى أن يكون الدين خالصا له جل وعلا دون تقديس لبشر أو حجر . أى نحن  ننصر الله جل وعلا ، ومن حقنا أن ينصرنا الله جل وعلا ، وهذا هو الذى وعد به رب العزة جل وعلا بصيغة التأكيد ، أه سينصر من ينصره : (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الحج ) (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47) الروم ) كنّا ـ ولا زلنا ـ نتمثل هذا ، ونحن ندعو : ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) ( حسبى عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ، حسبى الله عليه يتوكل المتوكلون ) . ولم يخذلنا أبدا رب العزة . ونرجو ألّا يخذلنا يوم القيامة ، وأن يتحقق وعده فينا ، وهو جل وعلا يقول ويعِدُ : (  إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمْ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52)( غافر )

إن الدعاء بأن يكون رب العزة هو وحده حسبنا ونصيرنا فى المحن والشدائد يأتى عند التحدى للمشركين وآلهتهم وخرافاتهم التى تجعل لهذه الآلهة والأولياء سطوة بالنفع والضر . وكان المشركون يُخوُّفون خاتم النبيين فقال له جل وعلا : ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ )(36) الزمر).وقد أكّد رب العزة أن هؤلاء الآلهة والأولياء كانوا بشرا مثلنا ، ثم أصبحوا موتى وترابا فى قبورهم  لا نفع فيه ولا ضرر:( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا  )، ثم أمر رب العزة رسوله الكريم أن يتحداهم وأن يقول لهم : ( قُلْ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنظِرُونِ (195) إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (197) الاعراف ). جاء هنا إستعمال ( قل ) فى معرض التحدى .

وفى معرض التحدى يأتى القول ( حسبى الله ، حسبنا الله ) فى مواجهة الظلم والظالمين يستعين فيه المؤمن بربه جل وعلا . وبهذا كان يدعو النبى عليه السلام ، وكل مؤمن يدعو الى الله على بصيرة فى مواجهة المشركين المعتدين ، سواء كانت المواجهة حوارا عقليا أو جهادا حربيا . فى الجهاد العقلى تحديا لخرافات الكرامات والمعجزات للاولياء والآلهة المزعومة ، نقرأ قوله جل وعلا : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38) الزمر) . الأمر هنا ب( قل )، والقول هو (حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ). والمعنى طلب العون من الله وحده ، والتوكل عليه جل وعلا وحده : (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (3) الطلاق  ). وعندما كان خاتم النبيين يعانى من قومه واصحابه أمره ربه جل وعلا أن يقول حسبى الله :( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِي اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129) التوبة )، وهكذا  كان يقول  المجاهدون الصادقون الذين لم تمنعهم جراحاتهم عن ملاحقة العدو ، ورفضوا تخويف الناس لهم : ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) وكانت النتيجة : ( فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) آل عمران ).

أخيرا : دعاء الكافرين وهم فى النار :

1 ـ يختلف الحال فى الآخرة حيث الخلود فى نعيم الجنة أو عذاب النار . فأصحاب الجنة يكون دعاؤهم ليس بالتضرع ، فقد إنتهت المحن وجاء وقت النعيم الخالد ، وفيه يكون دعاؤهم بالتسبيح وبالحمد لله جل وعلا رب العالمين ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10) يونس ). أما أصحاب النار الذين إتّخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرّتهم الحياة الدنيا والذين  لم يعرفوا التضرع فى الدعاء فى الدنيا ،فهم يتضرعون لربهم وهم فى النار يطلبون الخروج منها ، ولكن بلا جدوى .ويأتى القرآن ينذرنا مقدما ويعظنا ونحن أحياء ، يخبرنا بما سيحدث فى الآخرة :

2 ـ عند وقوفهم أذلّة أمام رب العزة يتمنُّون الرجوع للدنيا:( وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ )، ويتضرعون له جل وعلا:( رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (12 السجدة )، وهم على أبواب النار يتحسّرون يتمنون ـ بلا جدوى ـ رجوعهم الى الدنيا ليؤمنوا : ( وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (27) ، ويأتى الرد بأنهم لو رُدُّوا لعادوا الى ضلالهم :( بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28 الانعام ). انتهى الأمر فقد تبين لهم الحق فرفضوه وسكنوا فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم : ( وَأَنذِرْ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعْ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمْ الأَمْثَالَ (  ابراهيم  45 ). لذا يقول رب العزة فى نهاية السورة : (هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (52) ابراهيم )

3 ـ وهم فى غمرة العذاب تلفح وجوههم النار يتم تذكيرهم بتكذيبهم بآيات القرآن:( تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) ، فيطلبون الخروج : ( قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107)، فيأتيهم  الرد :( قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ (108)) الى أن يقول جل وعلا لهم ولنا :(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (115) المؤمنون ). فى عذابهم هذا يتمنون الموت دون جدوى : ( وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17) ابراهيم ) يتضرعون الى ( مالك )  خازن النار يرجون الموت :( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ )،ويردُّ عليهم:( قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78) الزخرف ). 

4 ـ ييأس الرعاع الضعفاء الأتباع الذين إتّبعوا سادتهم وشيوخهم المُضلّين فيتضرعون لله جل وعلا أن يؤتيهم ضعفين من العذاب وأن يلعنهم لعنا كبيرا :( يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (68 الأحزاب )

5 ـ يظل الحال كما هو ، تضرّع لا فائدة فيه ، وخلود فى النار بلا خروج وبلا تخفيف ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36)فاطر )ويصف رب العزة صراخهم بأنه ( إصطراخ ) بالتضرع طلبا للخروج من الجحيم :( وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ )، ويأتيهم الرد بأنهم أخذوا فرصتهم فى حياتهم الدنيا فعاشوا ، وجاءهم الكتاب النذير فأعرضوا:( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37 ) فاطر ).

الخاتمة

1 ـ هذا ما يقوله لنا ربنا بدون كلمة (قل ) . يقوله لنا ونحن أحياء فى خطاب مباشر لنا قبل أن نموت وتضيع منا الفرصة . أن نؤمن الآن وأن نتضرع له جل وعلا نطلب الغفران قبل فوات الأوان .

2 ـ ونحن أحرار فى الايمان أو الكفر ، وما على الرسول إلا البلاغ . يقول جل وعلا يدعونا ويقرّر حريتنا فى الطاعة والمعصية :( اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ(47) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ )(48 )الشورى ). إن إستجبنا لربنا إستجاب هو لنا. وإن أعرضنا فأمامنا خلود فى النار،وتضرع بالخروج منها لا يُستجابُ له .

  أحسن الحديث :( وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (9)( الزمر )

ودائما : صدق الله العظيم .!

الباب الثانى : ( قل ) ومرض الكفر عموما

الباب الثانى  : ( قل ) ومرض الكفر عموما

الفصل الأول : الهدف من إستعمال (قل ):  شفاء الأحياء المرضى بالكفر 

أولا : المرض الجسدى والمرض العقيدى القلبى ( الكُفر ):

ثانيا : لمحة عن منهج الشفاء القرآنى من مرض الكفر

 ثالثا : منهج القرآن فى إستعمال ( قل ) فى الشفاء القرآنى

 الفصل الثانى : الشيطان هو جرثومة مرض الكفر

أولا : نوعان للمرض الجسدى وللمرض الكُفرى

ثانيا : الكفر حالة مرضية  فى كل زمان ومكان 

 ثالثا : الدليل على أنّ : الكفر حالة مرضية  فى كل زمان ومكان  : 

 رابعا : لمحة عن مرض الكفر لدى المحمديين :  .

خامسا : الشيطان هو جرثومة مرض الكُفر :

 الفصل الثالث :أعراض مرض الكفر :

مقدمة :  أولا :  الأعراض العامة وتفصيلاتها :

 ثانيا :  التكفير بكلمة :

  ثالثا : ـ التكفير بالموقف : 

 رابعا : ـ  التكفير بالكلمة والموقف :

 خامسا : ـ القرآن الكريم يكشف المرض الكُفرى :

 سادسا : ـ ظهور أعراض المرض الكُفرى عند التمحيص والاختبار والابتلاء :

سابعا : ـ التعرف على ملامح الكفر على الوجه والجسد  :

 الباب الثانى  : ( قل ) ومرض الكفر عموما

الفصل الأول : الهدف من إستعمال (قل ):  شفاء الأحياء المرضى بالكفر 

أولا : المرض الجسدى والمرض العقيدى القلبى ( الكُفر ):

ثانيا : لمحة عن منهج الشفاء القرآنى من مرض الكفر

 ثالثا : منهج القرآن فى إستعمال ( قل ) فى الشفاء القرآنى

أولا : المرض الجسدى والمرض العقيدى القلبى ( الكُفر ):

1 ـ  لا يذهب الموتى للطبيب طلبا للشفاء . يذهب الأحياء فقط . لا يذهب كل الأحياء للطبيب ، يذهب المرضى منهم فقط . الطبيب لا يعالج الأصحّاء ، وحين يكشف على المريض بالكلى لا يهتم باسنانه القوية اللامعة بل بكليته الكليلة . الطبيب يهتم فقط بالمرض ، وعنده شخص المريض ( مجرد حالة ) . الطبيب يقول للمريض : أنت مريض . لو قال للمريض : أنت صحتك عال العال ولا تحتاج لدواء فهو ليس طبيبا بل هو مُحتال . لا بد من التصريح بالمرض ومصارحة المريض بحاله وتوصيف المرض وأعراضه بدقة حتى يمكن علاجه بنجاح . هذا عن المرض الجسدى .فماذا عن مرض ( الكفر )؟

2 ـ ( الكُفر ) يُسمّيه رب العزة مرضا فى القلب ، والقلب فى المصطلح القرآنى يعنى النفس والفؤاد. يقول جل وعلا :( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً )(10) ( البقرة ). هم مرضى بالكفر ، وهو مرض من نوع جديد ، يفخر به المريض ويناضل فى سبيله متمسّكا به ، لذا يزداد مرضا .  هذا عكس المريض بجسده الذى يسعى للطبيب وللشفاء.

3 ـ والقرآن الكريم هو الشفاء للمريض بالكفر ، ولكن هذا الشفاء مرفوض من المريض بالكفر ، ومقبول ممّن لديه إستعداد إيمانى ، أو المريض الباحث عن الهداية وعن الشفاء . يقول جل وعلا : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) يونس)، أى هو شفاء للمؤمنين وليس للمُعاندين الرافضين . الذى يسعى من الناس للشفاء ويتقبل العلاج والاصلاح ينجح معه الشفاء القرآنى ، بينما لا يُجدى الشفاء القرآنى مع المتمسكين بمرض الكفر ، بل يزيدهم كفرا وضلالا . يقول جل وعلا :( وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً (82)( الاسراء )( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى )(44 )( فصلت ). (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً  ) ( المائدة 64 ، 68 ) . هذا عكس المؤمن الذى يزداد بالقرآن إيمانا : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الانفال ) (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125) التوبة )

ثانيا : لمحة عن منهج الشفاء القرآنى من مرض الكفر

1 ـ  قلنا إن الطبيب البشرى يركّز فقط على علاج العضو المريض  فى الجسد ولا يلتفت للأعضاء الصحيحة ، وهكذا الحال فى الشفاء القرآنى ، يتم التركيز فيه على أعراض المرض ( الكفر ) ،أى النواحى السلبية والفاسدة والعفنة ، وليس الايجابية والصحيحة . كان كفار الجاهلية يؤمنون بالله جل  وعلا  خالق السماوات والأرض ولكن يعبدون الأولياء لكى تقربهم لله زلفى ولتشفع فيهم يوم القيامة ، وكانوا يتمسكون بملة ابراهيم فى ( تأدية ) الصلاة والصيام والصدقة والحج ورعاية الأشهر الحُرُم ، ولكن مع التمسك بعبادة الأولياء وقبورهم المقدسة ، وتقديم القرابين لها ، والحج اليها بمثل الحج الى الكعبة ، كانوا يؤدون الصلاة ولكن لا يقيمون الصلاة فى سلوكهم تقوى وتزكية للنفس ، ولا يقيمونها فى قلوبهم  خشوعا للرحمن جل وعلا ، كانوا يتقاتلون بسبب وبدون سبب ، وفى قتالهم يمارسوم السلب والنهب والسبى والظلم و البغى والعدوان وإستغلال الدين فى سبل الحُطام الدنيوى كما كانت تفعل قريش بإستغلالها البيت الحرام . نزل القرآن الكريم علاجا لهذا الكفر ، لا يقول لهم ( الله هو الاله ) ولكن يقول لهم ( لا اله إلا الله ) . يقول لهم ( أإله مع الله ؟ ) ، يقول جل وعلا لهم فى خطاب مباشر بدون ( قُل ) : ( أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (64) النمل )

2 ـ هذا الشفاء القرآنى هو للناس كافة ، وبه صار رسول الله رحمة للعالمين ونذيرا للعالمين ، يشمل هذا أهل الكتاب كما يشمل ( المحمديين ) الذين يزعمون أنهم يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر وما هم فى الحقيقة بالمؤمنين ، فهم بتاريخهم وأديانهم الأرضية وشرائعهم وحروبهم وظلمهم أكثر ضلالا من عرب الجاهلية . ولأن الشفاء القرآنى لمرض الكفر جاء للبشر جميعا الى قيام الساعة ، فإن الله جل وعلا لم يقل يا كفار قريش أو يا مشركى العرب ، ولكن جعل الخطاب عاما ينطبق على مرض الكفر أو الشرك فى كل زمان ومكان الى قيام الساعة .

3 ـ. ومثل تعامل الطبيب مع الجسد البشرى ، أى مع المريض ليس كشخص بل كحالة  ومرض ووصف ، نجد نفس التعامل فى الشفاء القرآنى . هو أيضا علاج للمرض  أى الكُفر ، اى للحالة ، بأعراض مرضها . وإذا تم الشفاء بالتوبة والعمل الصالح وتصحيح الايمان إنتهى المرض ، وأصبح الشخص مؤمنا وقد تخلّص من ( حالة ) الكفر . وهذا يؤكد أن رب العزة عندما يخاطب ( الذين كفروا) فإنما يخاطب صفات وليس اشخاصا . هم أشخاص يعتريهم مرض الكفر ، وقد يزداد بهم المرض ، وقد يتم شفاؤهم منه حسب مشيئتهم هم . يقول جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (137) النساء ) . هنا شخص آمن ثم كفر ثم آمن ثم كفر ثم إزداد كفرا . هو نفس الشخص ولكن تقلب فى (حالات ) من الايمان والكفر . وفى  النهاية إستعصى علاجه . وهناك من يتوب فينجو من الخلود فى النار . يقول جل وعلا فى صفات ( عباد الرحمن ) : ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً (71) الفرقان ) بالتوبة وهم أحياء تتبدل أعمال الكفار السيئة لتكون حسنات ، ويصبحون من عباد الرحمن المفلحين . وكلما كانت التوبة مبكّرة أعطت فرصة ووقتا أطول للعمل الصالح الذى يُغطى أو ( يُكفّر ) أو ( يغفر ) للكفر السابق والعصيان السابق . يقول جل وعلا فى التوبة المبكرة : ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (17) النساء ). ويأمر جل وعلا رسوله أن (يقول  ) للكافرين المعتدين ( أى أصحاب الكفر السلوكى ) يدعوهم للكفّ عن الاعتداء ، وأن ينتهوا حتى يغفر الله جل وعلا ما سبق ، إما إن إستمروا فى إعتدائهم فلا سبيل إلّا القتال الدفاعى حتى ينتهى الاضطهاد الدينى أو تنتهى الفتنة فى الدين : (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) الانفال ) أى إذا كفُّوا عن العدوان وأصبحوا ( مسالمين ) فهم ( مسلمون ) حسب السلوك الظاهرى . ولو قرنوا إسلامهم الظاهرى بإسلام قلوبهم لله جل وعلا إخلاصا فى الايمان وإخلاصا فى العبادة فسينعمون يوم القيامة بالسلام فى الجنة، وتدخل عليهم الملائكة تُحييهم بالسلام  : ( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) ( الرعد ).

4 ـ يتم تقديم العلاج القرآن للمرضى ( المصابين بالكفر ) من الأحياء وهم فى سعيهم فى الحياة الدنيا ، أملا فى أن يتوبوا قبل الموت . لأن الذى يموت كافرا يخلدُ فى النار ، أى لديه فرصة هذه الحياة لينجو من عذاب الآخرة . وينبّه رب العزة محذرا بما ينتظر الكافر إذا ظل متمسكا بكفره جدون توبة حتى الموت ، يقول جل وعلا :( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ (162) البقرة ). أى عليهم اللعنة والخلود فى النار بلا تخفيف وبلا إمهال . وعلى فرض أنهم فى النار يملكون خزائن الأرض ذهبا فليس مقبولا منهم أن يفتدوا أنفسهم من الخلود فى النار بملء الآرض ذهبا : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً وَلَوْ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91) آل عمران ). أى هى فرصة للأحياء الذين يخاطبهم رب العزة بالقرآن جيلا بعد جيل . والعادة أن أغلبية البشر تضيع هذه الفرصة ، وتموت مريضة بكفرها ، تتمسك بما وجدوا عليه آباءهم : ( إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70)(الصافات ).  إن الموت هو الفيصل ، والله جل وعلا لا يقبل توبة الكافر أو العاصى ، إذا تذكر أحدهما التوبة عند الاحتضار : (وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (18)( النساء )

5 ـ وفى وعظ الأحياء إنقاذا لهم من مرض الكفر يستعمل رب العزة كلمة ( قل ) وقصص الأنبياء السابقين والأمم البائدة ، وطبقا للمنهج القرآن فى الدعوة يكون التكرار فى هذا القصص ، وفى الوعظ وفى الحوار والردّ عليهم ، وتكرار القول بكلمة (قل ) وبدون (قل ) .

 ثالثا : منهج القرآن فى إستعمال ( قل ) فى الشفاء القرآنى

يأتى إستعمال ( قل ) فى محاولة إصلاح الكافرين الأحياء ، وإثبات الحُجة عليهم فى هذه الدنيا وفى الآخرة أيضا . ويأتى مكررا باستعمال ( قل ) و بدون ( قل ) . وسبق لنا فى الفصل السابق الاستشهاد بآيات تكررت فى دعاء الأنبياء ، وجاء التكرار فى صور مختلفة ، فللتكرار فى القرآن منهج لا محل للحديث عنه الآن . ولكن التكرار يأتى أحيانا بكلمة ( قل ) وبدون ( قل ) .

وهنا نكتفى بمثلين : 

1 ـ فى محاولة لشفاء أهل الكتاب يخاطبهم رب العزة خطابا مباشرا ، يقول لهم : ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) آل عمران ) . ونفس المضمون جاء مسبوقا بكلمة (قل ) أى يقول الله جل وعلا لأهل الكتاب : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) آل عمران )

2 ـ كما يتكرر دعوة الكافرين الأحياء فى كل زمان ومكان للسير فى الأرض وبحث آثار الموتى السابقين للإتّعاظ والعبرة .

2/ 1  : يأتى هذا بدون ( قل ) . ويتكرر بدونها ، أمرا مباشرا . ونورد الآيات . يقول جل وعلا :

( قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) آل عمران )

 ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِوَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً (44) فاطر )(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (109) يوسف )( فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) الحج )( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) الروم ) ( أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21) غافر )( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) غافر )( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10) محمد ) ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) النحل ).

2 / 2 : وكانت قريش فى رحلتها التجارية للشام تمرّ على الأردن حيث آثار تدمير قوم لوط ، يقول جل وعلا عن تدمير قرية قوم لوط : ( فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إالحجر ) أى هى فى طريقهم قائمة باقية . ويقول جل وعلا ( وَإِنَّ لُوطاً لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ (136) ثم يقول لقريش التى تمر قوافلها على آثار التدمير : ( وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (138) الصافات ) ، ويقول جل وعلا عن عدم إتعاظهم بآثار قوم لوط وهم يمشون فى مساكنهم ( أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى (128) طه ) ( أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (26) السجدة ).

2 / 3 : ومع هذا التوضيح والتكرار تأتى كلمة ( قل ) فى نفس الدعوة للسير فى الأرض : ( قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) النمل ) ( قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) العنكبوت ) ( قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) الروم ) ( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(11) الانعام ).

أخيرا

ومع كل هذا التوضيح والتكرار لا يزال المحمديون الوهابيون يحرّمون السير فى الأرض بحثا عن آثار السابقين .!

ومع كل هذا التوضيح والتكرار لا يزال المحمديون يؤمنون بأن القرآن الكريم لا يكفى وأنه ( غامض غير مُبين ) يحتاج الى بيان و( تفسير ) البشر ، وأنه ( ناقص ) يحتاج للبشر ليُكملوه .

ومع كل هذا التوضيح والتكرار لا يزال المحمديون يسعون فى آيات الله معاجزين : (  وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51) الحج ) (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5) (وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (38) سبأ  ) .

وموعدنا معهم يوم الحساب .

أحسن الحديث :

( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34) محمد )

 الفصل الثانى : الشيطان هو جرثومة مرض الكفر

أولا : نوعان للمرض الجسدى وللمرض الكُفرى

ثانيا : الكفر حالة مرضية  فى كل زمان ومكان 

 ثالثا : الدليل على أنّ : الكفر حالة مرضية  فى كل زمان ومكان  : 

 رابعا : لمحة عن مرض الكفر لدى المحمديين :  .

خامسا : الشيطان هو جرثومة مرض الكُفر :

أولا : نوعان للمرض الجسدى وللمرض الكُفرى 

1 ـ أمراض البشر الجسدية نوعان : نوع ( متعدى ) ( يُعدى ومُعدى للآخرين ) ولو سكتنا عن مواجهته تحول الى ( وباء ) يغزو الآخرين ويدمر شعوبا وأُمما . ونوع ساكن فى صاحبه ، قد يُميتُه ويقضى عليه ولكن لا يُعدى ولا يتعدّى الى الآخرين .

2 ـ وهكذا مرض الكُفر . هو نوعان : كُفر سلوكى مُتعدّى ، يقوم بإكراه الناس فى الدين ،وإخراجهم من ديارهم ، ويأمر بالهجوم على الأمم الأخرى وإحتلال بلادهم ونهبها وقتل أبطالها المدافعين عنها ، وسبى نسائهم وذراريهم وسلب أموالهم باستغلال الدين . هذا ما فعلته قريش مع المؤمنين حين إضطهدتهم فى الدين وأخرجتهم من ديارهم وواصلت الهجوم عليهم ، ثم دخلت قريش فى الاسلام قبيل موت النبى عليه السلام ، وما لبث أن سيطرت على المسلمين وقامت بتغيير عملى لتشريع القتال الاسلام ، وبعد أن كان دفاعيا فى دولة النبى جعلته قريش بالفتوحات بغيا وعدوانا على شعوب وأمم واحتلت بلادهم ، وأقيم على هذا الاحتلال الباغى دين السُّنّة الأرضى الذى يتركز فى الإكراه فى الدين وقتل الآخر المختلف فى الدين والمذهب ، كما يفعل الوهابيون اليوم .

النوع الآخر : كُفر عقيدى قلبى مُسالم ، لا يعتدى على أحد ، ولا يقوم بإخراج الآخر من دياره بسبب الاختلاف الدينى ، ولا يقوم بتأييد الكافرين المعتدين فى ظلمهم وتطرفهم وإرهابهم .

3 ـ فى التعامل مع المُصابين بمرض الكُفر المعتدى: يعرض الله جل وعلا عليهم الكفّ عن العدوان حتى يغفر لهم ، فإن رفضوا مستمرين فى العدوان والإضطهاد أو الفتنة فى الدين فيجب على الدولة الاسلامية التى تتعرض لاعتدائهم أن تقاتلهم دفاعيا لمنع الاضطهاد الدينى والاكراه فى الدين أو الفتنة ، وحتى يكون الدين كله لله جل وعلا يحكم فيه بين الناس يوم الدين : ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39)( الانفال ).

ويُحرّم الله جل وعلا على المؤمنين موالاة أولئك الكفرة الذين يعتدون عليهم بينما يأمر جل وعلا بالتعامل مع الكفار المسالمين بالبر والاحسان والعدل والقسط : ( لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (9) الممتحنة )

4 ـ التعريف القرآنى للكافرين فى العقيدة المسالمين : أنهم ( الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ) ،  ومقابل هذا السلام وعدم الاعتداء يأتى الأمر بالبر والقسط فى التعامل معهم . ومعه تقرير حريتهم الدينية بلا سقف أعلى ، وهذا التشريع إستفاد به المنافقون فى دولة النبوة فى المدينة ، مارسوا حريتهم فى المعارضة الدينية والسياسية الى أبعد مدى طالما لا يرفعون سلاحا . والتفاصيل فى كتابنا ( حرية الرأى بين الاسلام والمسلمين ).

ثانيا : الكفر حالة مرضية  فى كل زمان ومكان 

1 ـ قلنا إن الكفر  حالة مرضية عرضية من مواقف وملامح وأقوال وليس أشخاصا يولدون كُفارا ويظلون كفارا حتى الموت . والدليل أنه حتى فى الكفر السلوكى ـ  وهو أفظع أنواع الكفر ـ فإن الله جل وعلا ـ فإن الله جل وعلا يعرض عليهم التوبة فإن تابوا زالت عنهم صفة الكفر ، أما إن ماتوا على كفرهم بلا توبة فسيلقون رب العزة كافرين خالدين فى النار .

2 ـ ولأن ( الكُفر ) حالة عرضية ممكن للأحياء الشفاء منها بالتوبة فإن رب العزة لا يذكر الكفار بالاسم ، بل بالوصف لأفعالهم ( كفار ، مشركون ، ظالمون ، فاسقون ، معتدون ، مستكبرون ، مترفون ، مفترون ، أفّاك أثيم ، يؤفكون ، مكذبون لآيات الله ، جاحدون ..الخ ) لينطبق الوصف على من يستحقه فى كل زمان ومكان طبقا لسلوكه.

3 ـ الاستثناء الوحيد هو ذكر إثنين من الكفار بالاسم ، وهما والد ابراهيم عليه السلام ( آزر ) :( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (74)  ( الأنعام )، وعم النبى محمد عليه السلام ( ابو لهب ): ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5) ). وقد تحولا الى رمزين للكفر ، يؤكد أن النبى ـ أى نبى ـ لا ينفع أقرب الناس له . وأن النبى ـ أى نبى ، لا يستطيع أن يهدى أقرب الناس اليه ، لأن الهداية إختيار شخصى ، والذى يختار الهداية فإن الله جل وعلا يهديه ، والذى يختار الضلال فإن الله جل وعلا يتركه لضلاله مهما كان قريبا للنبى ، وقد قال رب العزة لخاتم الأنبياء عليهم جميعا السلام : ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) ( القصص )

ثالثا : الدليل على أنّ : الكفر حالة مرضية  فى كل زمان ومكان  : 

1 : نفس أقوال الكافرين ُالسابقين تكررت ولكن بألسنة مختلفة ، ولأنها تقول نفس المعنى فإن الله جل وعلا يوجزها فى حوار مُوحّد دار بين كل الأنبياء وأقوامهم مع إختلاف الزمان والمكان واللسان ، يقول جل وعلا : ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ (12) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمْ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14) ابراهيم  ).

أى أن كل الأقوام قالوا لأنبيائهم : (إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) (إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) ، وأن كل الأقوام آذوا الرسل فقال لهم الرسل : (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا ) ،وأن كل الأقوام هددوا  الرسل والمؤمنين  بالطرد من ديارهم : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا )

  2 . و نفس أقوال الكافرين ُالسابقين قيلت لخاتم المُرسلين . يقول جل وعلا له : ( مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ )( 43) فصلت ). أى ما قاله الله جل وعلا  لك من وحى قرآنى قيل لمن سبقك من الأنبياء ، وهذا ما يؤكه رب العزة فى القرآن الكريم :( النساء  163) ( الشورى 13 ) ( الزمر 56 : 66) ( النجم  36 ــ ) ( الأعلى : ـــ  19).

وأيضا يؤكد رب العزة أن أقوال المشركين هى هى ، فى التكذيب للأنبياء من البداية الى خاتم النبيين عليهم جميعا السلام . ونضرب أمثلة :

2/ 1 : اهل الكتاب لهم تقريبا نفس الكتب السماوية ، ولكن كان ـ ولا يزال ـ يُكفّر بعضهم بعضا : ( وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ) ، ويبيّن رب العزة أنه نفس أقوال السابقين :( كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ) ، ويجعل الله جل وعلا الحكم له يوم القيامة : ( فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)  البقرة ).

2/ 2 : وطلب بعض أهل الكتاب آية حسية من خاتم المرسلين عليهم جميعا السلام ، وتابعوا فى ذلك الكافرين من قبل ، وتابعوا أيضا مشركى العرب ، فقال جل وعلا عنهم :( وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) البقرة ). أى تشابهت قلوبهم فى المرض الكُفرى .

2/ 3 : واستكبرت قريش أن تتّبع رسولا من البشر ، وهو نفس موقف المشركين السابقين ، وعظهم رب العزة  بما حدث للكفار السابقين :( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا )(6) التغابن ). الاستكبار عن إتباع رسول منهم بشر مثلهم عادة سيئة لكل المشركين ، قالها قوم نوح : (فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) المؤمنون ) وقالها قوم عاد لنبيهم هود :( وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ (34)  المؤمنون  )وقالها فرعون وقومه عن موسى وهارون عليهما السلام : (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47 ) ( المؤمنون ) ، وهو نفس الحال مع قريش : ( أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرْ النَّاسَ وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (2 ) يونس ) (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً (94)  ( الاسراء ). قالت ثمود عن النبى صالح عليه السلام : ( فَقَالُوا أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (24) أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25)  ( القمر )، وبعدهم بقرون طويلة قالتها قريش عن خاتم المرسلين : ( أَؤُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا ) (8) ص ) .

كلهم أتهم الأنبياء بالسحر والجنون كأنما تواصوا على ذلك عبر القرون : ( كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) ( الذاريات ). كلهم رفضوا الرسالة الالهية وتمسّكوا بما وجدوا عليه آباءهم : (  بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) ( الزخرف ) وهو نفس ما يقوله المحمديون اليوم من ( ثوابت الأمة ) و ( ما أجمعت عليه الأمة ) و ( المعلوم من الدين بالضرورة ) ، وكلها أكاذيب ، ومجرد شعارات لا تصمد لأى نقاش علمى .

رابعا : لمحة عن مرض الكفر لدى المحمديين :

1  : ونفس الأقوال والأفعال لا يزال يقولها المحمديون حتى اليوم .

ومعروف أنه كانت لقريش مساجد تصلّى فيها اللوات المعتادة المعروفة لنا ، والمتوارثة من ملّة ابراهيم ، إلّا أنهم أقاموا فيها قبورا مقدسة لأوليائهم ، كما يفعل المحمديون اليوم . وبعث الله جل وعلا خاتم النبيين يعلن لهم : (  وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) الجن ) أى يجب أن تكون المساجد لعبادة الله جل وعلا وحده بلا تقديس لبشر أو حجر . وكانت النتيجة أنهم تكالبوا عليه يريدون إهلاكه : ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (19)الجن ) وهو نفس الذى سيحدث لأى مُصلح إذا وقف أمام قبر مقدس فى مسجد كقبر الحسين أو قبر السيدة زينب ، الخ .

وكانت قريش بعد الهجرة تمنع من بقى من المسلمين فى مكة من دخول المساجد  ، فقال جل وعلا : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)  البقرة ) . لم يقل رب العزة ( ومن أظلم من كفار مكة الذين يمنعون مساجد الله ...) ، لم يجعلها رب العزة حالة خاصة مرتبطة بزمانها ومكانها وظروفها والقائمين عليها ، بل جعلها رب العزة حالة تسرى فى كل ومان ومكان قبل وأثناء وبعد نزول القرآن ، ففى كل زمان ومكان فإن من أظلم الناس هو من يمنع مساجد الله جل وعلا أن يُذكر فيها إسمه وحده  فى الأذان والصلاة ، بل يجعل فيها ذكرا وتقديسا للبشر والحجر ، ويمنعون المؤمنين حق الايمان من دخولها لأنهم يرفضون تقديس البشر والحجر ، ويقومون بارهابهم فلا يدخلها أولئك المؤمنون إلا خائفين . والله جل وعلا يتوعد أولئك الكافرين المعتدين المسيطرين على المساجد بالخزى فى الدنيا ، والعذاب العظيم فى الآخرة ، إذا ماتوا  بلا توبة .

وكان نظام ( مبارك ) يرهبنا ومعه المتطرفون ، فيجعلوننا ـ أهل القرآن ـ نخاف من دخول المساجد تحاشيا للتكفير والايذاء والملاحقة ، وإذا إضطررنا الى الصلاة فى بيوتنا قبض علينا أمن ( مبارك ) بتهمة إزدراء الدين . وتحقّق فى مبارك الوعيد الذى هدّد به الرحمن جل وعلا ، فحقّ عليه الخزى فى الدنيا ، ورآه العالم طريح كرسى فى المحاكمة ، يغمض عينيه خزيا . وتحقّق الخزى على زعماء الاخوان  فى قفص المحاكمة ، ولا يزال خزى هؤلاء وأولئك قائما .وصدق الله العظيم : (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)  البقرة ).

 2 ـ وينطبق على المحمديين ـ وخصوصا السنيين منهم ـ تكذيب آيات الله جل وعلا فى القرآن الكريم تمسكا منهم بأحاديث مفتراة . وهذه هى سُنّة قريش فى الصّد عن سبيل الله وعن القرآن الكريم ، وقد تكرر فى القرآن الكريم  المعنى القائل بأن أظلم الناس من يفترى على الله كذبا ويُكذّب بآياته : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) الانعام ). وتمتلىء مساجد وعقول المحمديين بكتب الأحاديث ، وهى إفتراء على الله جل وعلا وسوله الكريم ، ومن أجلها يتهم المحمديون القرآن بأنه غير مبين وغير كامل وغير تام ، ويحتاج الى ( سنتهم ) لتشرحه وتوضحه وتبينه وتكمله  وتلغى أحكامه بأكذوبة النسخ عندهم .!.

وبهذا يمتد الشفاء القرآنى لعصرنا ، حيث يُردد المحمديون أمراض الكفر التى وقع فيها السابقون .

خامسا : الشيطان هو جرثومة مرض الكُفر :

1 : ونرجع لقوله جل وعلا له : ( مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ )( 43) فصلت ). ونرى أن الوحى الالهى واحد فى أساسياته مع اختلاف الزمان والمكان واللسان ، ونرى أيضا أن أقوال المشركين وتصرفاتهم واحدة مع إختلاف الزمان والمكان واللسان . أى إن مصدر الشفاء واحد ، هو الوحى الالهى ، ومصدر الوباء والمرض واحد ، وهو الوحى الشيطانى . هذا يستلزم بعض التوضيح :

2 ـ تتركّز الحياة الدينية للكافرين المشركين فى مظهرين أساس : تقديس وعبادة القبور والبشر والحجر ، أو الذى نسميه الكفر أو الشرك القلبى العملى ، وتقديس الأحاديث المفتراة ، أو الذى نسميه الكفر أو الشرك القلبى العلمى . وهما معا يسريان مرضا ( كفرا قلبيا ) فى كل زمان ومكان . لماذا ؟ لأنّ لهما مصدرا واحدا ، هو الشيطان .

3 ـ الشيطان هو الذى يُقنع أتباعه أن الميت الذى تحول الى جيفة وتراب ـ يتحكم فى الأحياء ، أى يتحول التراب الى إله ، يتقرب اليه المشركون الكفرة بالقرابين والنذور ويطلبون منه النفع والضرر . يقنعهم الشيطان بأن يقوموا هم ببناء قبور من حجر وجير واسمنت وأخشاب وزجاج ، ثم يعكفوا عليها عابدين قانتين ، يتبركون بلمس الزجاج والخشب والقطيفة والقماش المصنوع بأيديهم ، فى غياب تام للعقل .

اى ينحتون ويصنعون آلهة ثم يخلقون أساطير حولها ، وهذا ما كان يفعله قوم ابراهيم عليه السلام ، فقال لهم :( قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) الصافات) ( إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ) (17) العنكبوت  ). وهو نفس ما يفعله المحمديون ، خصوصا الصوفية والشيعة . الشيطان هو الذى يقنع الجميع فى كل أمة وفى كل جيل بهذا الإفك . أو بإختصار فهذه الأنصاب أو الأضرحة أو المقامات أو القبور المقدسة هى من ( عمل ) الشيطان . يقول جل وعلا يُحذّر المؤمنين : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) المائدة ).

 4 ـ الشيطان أيضا هو مصدر كل ذلك الوحى الكاذب المنسوب لرب العزة ورسوله الكريم بالافتراء والكذب . والشيطان هو الذى يوحى بهذا الافك الى أعوانه من شياطين الانس والجن ، وهؤلاء الأعوان هم أعداء الرسل والأنبياء ، ولكل نبى يوجد عدو له من شياطين الانس والجن ، كانوا قبل نزول القرآن وكانوا مع نزول القرآن أعداءا لخاتم المرسلين ، ولا يزالون بعد موته أعداء له عليه السلام ولدين الاسلام ، هؤلاء الشيوخ الكفار المُضلُّون أعداء الاسلام لا يزالون يمارسون دورهم : يوحى بعضهم الى بعض أحاديث مزخرفة تُغرى الناس وتخدعهم ، ويصغى اليهم الرعاع والعوام ، فيقترفون الإثم والعدوان يعتقدون أنهم متحصّنين بشفاعة النبى تسوّغ لهم العصيان ، يقول جل وعلا : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ (114) الانعام ) .

5 : وقد توعّد الشيطان بأن يُضلّ بنى آدم بكل طريقة ، وسيظل يغويهم جيلا بعد جيل الى قيام الساعة : (قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنْ الْمُنظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)(18)(الأعراف ) .وقد حقّق وعيده مع الأمم السابقة قبل وأثناء وبعد نزول القرآن ، وحتى عصرنا حيث اصبح المحمديون ( أمة محمد كما يزعمون ) شرّ أمة أُخرجت للناس .

6 ـ  وسيظل الشيطان ينفث مرض الكُفر فى الناس الى نهاية العالم ، يضلّهم جيلا بعد جيل ، يموت جيل على كفره وضلاله ، ويأتى جيل جديد فيوقعه الشيطان فى الضلال . ويوم القيامة سيقول رب العزة لضحايا الشيطان وهم فى النار:( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (64)( يس). هذا بينما سيتبرأ الشيطان من أتباعه وهو معهم فى النار:(  وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) (ابراهيم )

أخيرا :

1 ـ هناك نوعان من الوحى : أحدهما الوحى الالهى بالشفاء ، والآخر هو الوحى الشيطانى الذى ينفث المرض. فى سورة الشعراء يقول جل وعلا عن الوحى القرآنى:( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) ،ويقول جل وعلا عنه يبرئه من تدخل الشياطين : (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنْ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212 ) . ثم يقول جل وعلا عن وحى الشياطين : ( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) الشعراء ).

2 ـ الله جل وعلا يصفهم بأنهم أفّاكون آثمون . ونجن نخاطبهم بالتقديس والتعظيم من نوعية ( فضيلة الشيخ ) ( شيخ الاسلام ) ( الإمام الأكبر ) ( سماحة الشيخ ) ( روح الله ) ( آية الله ) ( قداسة البابا ) ( قداستك )..الخ !!

3 ـ هل كانوا يخاطبون الأنبياء بهذا التقديس ؟ أم كانوا يخاطبونهم بأسمائهم ؟ هل كانوا يقولون لخاتم المرسلين : ( روح الله ، آية الله ؟ أو الامام الأكبر ؟ ) لم يقولوا لموسى عليه السلام : ( يا فضيلة الشيخ أو يا قداسة البابا ) بل كانوا ينادونه باسمه فقط : (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ) (55) (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا )(61) البقرة ) (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) ( قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) المائدة ).

بالمناسبة : موسى عليه السلام خاطبه ربه جل وعلا ووصفه بما لم يرصف به نبى فى القرآن الكريم . قال له رب العزة جل وعلا:( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)( وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)  طه )( إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي ) (144)الاعراف )( وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً (52) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً (53) مريم )، ومع هذا كان قومه ينادونه باسمه : ( ياموسى ) بلا تقديس ولا تعظيم ، أما أصحاب الديانات الأرضية ضحايا الشيطان فيقولون للأفّاكين الدجّالين أتباع الشيطان : ( فضيلة الشيخ ) ( شيخ الاسلام ) ( الإمام الأكبر ) ( سماحة الشيخ ) ( روح الله ) ( آية الله ) ( قداسة البابا ) ( قداستك ) ..الخ

4 ـ أين حُمرة الخجل .!!

 الفصل الثالث :أعراض مرض الكفر :

مقدمة :

 أولا :  الأعراض العامة وتفصيلاتها :

 ثانيا :  التكفير بكلمة :

  ثالثا : ـ التكفير بالموقف : 

 رابعا : ـ  التكفير بالكلمة والموقف :

 خامسا : ـ القرآن الكريم يكشف المرض الكُفرى :

 سادسا : ـ ظهور أعراض المرض الكُفرى عند التمحيص والاختبار والابتلاء :

سابعا : ـ التعرف على ملامح الكفر على الوجه والجسد  :

مقدمة :

1 ـ المرض الجسدى العضوى ( عرض ) مؤقت ، يحلّ بالبشر ، قد يزول ، وقد يموت به الانسان ، وفى كل الأحوال فهذا المرض الجسدى ( العرضى ) له ( أعراض ) . وكذلك مرض الكفر ، هو (عرض مؤقت ) يحلّ بالبشر ، وقد يزول ، وقد يموت به الانسان . وفى كل الأحوال فهذا المرض الكُفرى له أعراض . وإذا كانت أعراض الكفر السلوكى واضحة فاضحة دامية تُعلن عن نفسها بقوة وببجاحة  وصراحة ، فإن أعراض المرض القلبى يمكن التعرف عليها . وقد أورد القرآن الكريم تشخيصها . ، باعتبارها ( حالة ) تعترى اشخاصا أحياء مطلوب شفاؤهم  قبل الموت  للنجاة  من الخلود فى النار .

 2 ـ ومن السهل التعرف على أعراض الكفر السلوكى الارهابى المعتدى والمتعدى ـ فهو يعلن عن نفسه بالدماء التى يسفكها وبما يعلته من أنه يقتل ويُقاتل باسم الدين . وأيضا فليس صعبا التعرف على أعراض الكفر القلبى ، من خلال الحوار ومظاهر الدين الأرضى فى تقديس البشر والحجر ، وهى أعراض عامة  ومستمرة فى كل زمان ومكان .

3 ـ وكما يقوم الطبيب بتكرار الجُرعة للمريض الجسدى  العضوى فإن القرآن الكريم يقوم بتكرار جُرعة العلاج للمريض بالكفر ، أملا فى أن يتذكر وأن يخشى وأن يتعظ وأن يهتدى وأن يُشفى . ومن سُبُل التكرار إستعمال ( قل ). ويرفض ضحايا الشيطان الشفاء القرآنى الذى لم يأت فقط بالعلاج بل جاء بتشخيص رائع لأعراض مرض الكفر . فما هى هذه الأعراض حتى يتجنبها من يبحث عن الهداية والشفاء ؟

أولا :  الأعراض العامة وتفصيلاتها :

1 ـ المرض الجسدى العضوى تظهر اعراضه على الوجه والجسد ؛ ورما ، رشحا ، سُعالا ، إحمرار أو إصفرار الوجه ..الخ . المرض الكُفرى يظهر أيضا على الوجه واللسان ، وفى السلوك وفى المواقف ، مهما حاول صاحبه ـ  بالنفاق ـ كتمانه .

2 ـ ونعطى مثلا جامعا : يقول جل وعلا  عن بعض الصحابة : ( يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُنْ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (74) التوبة ). واضح أنهم من المنافقين المشهورين بالحلف كذبا بالله جل وعلا . ويقول جل وعلا يفضحهم : إنهم يحلفون بالله ما قالوا ، وهم فعلا قالوا كلمة كفروا ، أى أن الانسان يقع فى الكفر بكلمة يقولها ، ويكفر بها . فهنا عرض من أعراض الكفر ، وهو أن تقول كلمة كُفر ، وبها تكون عند الله كافرا بعد إسلامك . ثم يأتى ثانى أعراض الكفر وهو ( الفعل ) ، وهذا أيضا همُّوا بالوقوع فيه ولكن لم ينالوا مُرادهم . وفى قلوبهم مرض إذ نقموا أن الله جل وعلا أغناهم من فضله . هنا  حالة كفر قولية فعلية وقلبية . ولكنها حالة عرضية مؤقتة ، يمكن لصاحبها الشفاء منها بالتوبة ، فإن تاب فهو خير له ، وإن لم يتب فإن الذى يتولى عذابه وعقابه ـ ليس النبى قائد المدينة ، وليس النظام السياسى الحاكم ، ولكن الله جل وعلا هو الذى يتولى عذابهم  فى الدنيا والآخرة .

3 ـ ونتوقف مع أعراض المرض بالتفصيل دون العرض للمرض القلبى الكامن ، فهذا لا يخصّنا . نحن نتعامل مع اعراض الكُفر الظاهرية ، القولية المسموعة ، والسلوكية المنظورة . هذا لكى يتعرف كل منا بنفسه على نفسه ، وكل منا أدرى بحال نفسه مهما إخترع من تبريرات وأعذار:( بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15) القيامة ).

ثانيا :  التكفير بكلمة :

1 ـ يجوز ـ بغرض الوعظ والاصلاح  ـ أن تتهم صاحبك بالكفر إذا وقع فى كلمة يكفر بها . وهو نفس الحق لصاحبك أن يتصرف معك بنفس الاسلوب ، وهو نوع من التواصى بالحق . هنا ( التكفير ) المُسالم الذى يقصد الاصلاح ، ويُبيّن أعراض المرض الكُفرى ، وينبه عليها بغرض الشفاء والاصلاح . وهذا هو المقصد من  ضرب هذا المثل لنا . يقول جل وعلا: ( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (38) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنْ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِراً (43) هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً (44) الكهف ).  صاحب الحديقتين إغترّ بهما الى درجة أنه كفر باليوم الآخر ، فقال لصاحبه وهو يحاوره : ( أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً (36) الكهف ) ورد عليه صاحبه يتهمه بالكفر :( قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (37) الكهف  ). ولم يكن صاحبه المؤمن متجنيا عليه فى اتهامه بالكفر لأن الله جل وعلا عاقب صاحب الجنتين على كفره باحراق حديقتيه : ( وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِراً (43). نحن هنا أمام كلمة كفر نطق بها صاحبه الذى يؤمن بالله ولكنه كفر باليوم الآخر ، وردّ عليه صاحبه المؤمن يتهمه فى وجهه بالكفر يرجو وعظه وإصلاحه ، بدليل أنه نصحه بما يجب قوله: ( قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (38) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً (39)  الكهف ). هذا نموذج لكلمة كفر يكفر بقولها  صاحبها ، وبالتالى يجوز وعظه تنبيها له مع بقاء الصُّحبة بين الصاحبين .

2 ـ على أنّ الكفر بكلمة أكثره فى الكذب على الله والرسول بإفتراء أحاديث وأقاويل ينسبونها وحيا  فى الدين . فعل هذا الضالون من أهل الكتاب ، وفعله الضالون من المحمديين ، يقول جل وعلا  عن الضالين من أهل الكتاب : ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) البقرة )، ( وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) آل عمران ).

3 ـ وأقوال الكفرة من قريش كانت تُصيب النبى بالحزن ، فقال له ربه جل وعلا : ( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) الانعام ) ، وكان يضيق صدره من أقوالهم الكافرة : ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) الحجر )، فأمره ربه جل وعلا بالصبر : (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ) (17) ص )وأمره بالصبر والتسبيح : ( فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ) (130) طه )،( ق 39 ) وأمره جل وعلا أن يستمر فى تذكيرهم بالعلاج وهو القرآن وهو ليس عليهم بمسيطر ولا جبّار ، وهو جل وعلا الأعلم بما يقولون : ( نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45) ق ). وتفاصيل الأقوال الكافرة ومضمونها ستأتى لاحقا .

 ثالثا : ـ التكفير بالموقف : 

1 ـ طولب أهل الكتاب بأن يقولوا "سمعنا وأطعنا " ، فقال بعضهم العكس : "سمعنا وعصينا " هذا موقف كفر  ، يتمثل فى تحريف كلام الله جل وعلا والطعن فى دينه ، وكان الأولى بهم غير ذلك ، وهنا الوعظ والاصلاح شفاءا من هذا العرض الكُفرى : ( مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (46) النساء )

2 ـ وهنا نتذكر أن من سمات الكفر لدى المحمديين أنهم بسلوكهم يقولون ( سمعنا وعصينا ) . فالله جل وعلا نهى عن التفريق بين الرسل وأمر المؤمنين أن يقولوا سمعنا وأطعنا : (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا )(285) البقرة ) ويرفض هذا المحمديون الذين يؤمنون بتفضيل محمد على الأنبياء ورفعه الى مستوى الشريك لله جل وعلا فى الصلاة والأذان والحج ..الخ . بأفعالهم يقولون : سمعنا وعصينا .

3 ـ وحكى رب العزة قصة أصحاب الحديقة الذين بخلوا بثمرها عن المستحقين من المساكين ، فعوقبوا بإحراق حديقتهم فى الدنيا ثم ينتظرهم عذاب الآخرة ( القلم 17 : 33 )

رابعا : ـ  التكفير بالكلمة والموقف :

1 ـ وهو الأغلب . وجاء فى قصص أهل الكتاب . قال بعضهم ( إن الله فقير ونحن أغنياء ) وقرنوا هذا بقتل الأنبياء وماتوا على هذا الكفر القولى والسلوكى ، وأمامهم ينتظرهم عذاب الحريق :  ( لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (182) آل عمران ).

وذكر رب العزة خليطا من أقوالهم الكافرة وإفتراءاتهم  على السيدة مريم والمسيح عليه السلام وقتلهم الأنبياء ، وأن الله جل وعلا لعنهم بكفرهم : ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (158) النساء ) .

وبعضهم فى عصر خاتم النبيين ساندوا المشركين وزعموا أن المشركين أهدى من الذين آمنوا  ، فاستحقوا اللعن من رب العزة بسبب هذا الموقف :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (51) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (52) النساء ) .

2 ـ ويقول جل وعلا عن بعض المكذبين بالقرآن وكانت له علاقة بالنبى ، فنهى الله رسوله الكريم عن طاعته :  ( فَلا تُطِعْ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16) ( القلم ). نرى هنا مزيجا من الأقوال والأفعال الكافرة مرتبطة ببعضها . وقد تكرر مثيل لذلك فى سورة المدثر ( 11 : 26 )

3 ـ  وإعتاد المنافقون إقامة مسيرات فى المدينة تأمر بالمنكر وتنهى عن المعرف ، مستغلين الحرية المطلقة فى الدين التى هى أساس فى الشريعة الاسلامية ، وقد توعدهم رب العزة بالخلود فى النار بسبب موقفهم وأقوالهم : ( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68) التوبة )

خامسا : ـ القرآن الكريم يكشف المرض الكُفرى :

1 ـ للطبيب البشرى أجهزة يكتشف بها المرض حتى لو كانت أعراض المرض مستترة . ولمرض الكفر أيضا وسائل ومواقف تجعل أعراضه تظهر وتُفصح عن ذات المرض . والقرآن الكريم هو الشفاء ، وهو أيضا الكاشف للمرض ، لأن المريض بالكفر يرفض الشفاء القرآنى  بالقول وبالفعل فيفضح نفسه . وهذا يختلف عن موقف المؤمنين الذين إذا تُليت عليهم آيات الرحمن خروا سُجدا يبكون ( مريم 58 ) ( المائدة 83 ) ( الاراء 107 : 109 ) ويعلنون إيمانهم : ( القصص 52 : 53 )، لذا يقول رب العزة للكافرين : (فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (21) بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22)) ( الانشقاق ).

2 ـ ومجرد تلاوة القرآن كانت تجعل الكافرين يعلنون رفض القرآن ويطلبون من الرسول أن يأتيهم بقرآن آخر أو أن يبدّل هذا القرآن ليعترف بما وجدوا عليه آباءهم من كفر ( يونس 15 ـ ) . وهذا هو ما فعله أئمة المحمديين بمقولة ( نسخ القرآن ) أى تبديل وإبطال تشريعاته .

وبعضهم كان إذا تُلى عليهم القرآن يكادون يبطشون بمن يقرأ القرآن ( الحج 72 ) ، وبعضهم إعتاد الشوشرة على من يتلو القرآن حتى لا يصل صوت القارىء للقرآن الى آذان المستمعين ، هذا مع النهى عن سماع القرآن ، فوصفهم رب العزة بالكفر، وتوعدهم بالعذاب الشديد : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) فصلت ). وبعضهم كان يأتى ليستمع للقرآن ليجادل ، وفى نفس الوقت ينهى الآخرين عن الاستماع ويأمرهم بالنأى والابتعاد عن القرآن ، فوصفهم رب العزة بالكفر : ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26) الانعام )

3 ـ ونفس الحال مع المنافقين الذين كانت تفضحهم أفعالهم حين الاستماع للقرآن ، بعضهم كان يتساءل ساخرا إذا أنزلت سورة : أيكم زادته هذه إيمانا ؟! ( وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125) أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126) وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (127) التوبة )

4 ـ على أنّ أعتى مرض للكفر هو ذلك الذى يدفع صاحبه لافتراء أحاديث ونشرها ليصد عن القرآن وحديث القرآن ، وقد تخصّص المحمديون فى الصّد عن القرآن بهذا اللهو من أحاديث البخارى وغيره . وقد توعد الله جل وعلا أولئك بعذاب أليم : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7) لقمان ) ( تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) الجاثية ) .

5 ـ ويوم القيامة سيتم تذكيرهم جميعا بتكذيبهم بآيات الله : ( وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (31) الجاثية )، ويتم تذكيرهم وهم يجأرون بالصراخ فى النار : ( حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ (65) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ (67) المؤمنون ) ( تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105 ) المؤمنون )

سادسا : ـ ظهور أعراض المرض الكُفرى عند التمحيص والاختبار والابتلاء :

1 ـ الابتلاء تمحيص للمؤمنين يؤهلهم النجاح فيه لدخول الجنة ، وهو إهلاك ومحق للكافرين يعنى خلودهم فى النار : ( وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) آل عمران ) ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31) محمد ).

2 ـ والحرب بما تعنيه من تضحية بالنفس والمال هى المحكُّ ، وبها يظهر معدن الناس وحقيقة ما فى القلب المنافق من إيمان أو كفر . وبعض المؤمنين ضعاف الايمان رفضوا تشريع القتال الذى نزل بعد أوامر لهم بالكف عن المواجهة والصبر على الاضطهاد ، فلما كُتب عليهم القتال جأروا بالشكوى خوف الموت  ( النساء 77 ــ )

وفى موقعة الأحزاب كان الاختبار شديدا ، نجح فيه النبى والمؤمنون بينما إنكشف فيه جُبن المنافقين ( الاحزاب 10 : 12 ، 21 : 24 ) ، وكان الحال أشد فى المواقع الحربية الأخرى والتى كانت تقع فى الحرب وتتطلب الزحف فى الصحراء لمواجهة المعتدين بعيدا عن المدينة ، كما كانت تتطلب تبرعا بالأموال ، وتردد فى سورة التوبة إمتناع المنافقين عن المشاركة الحربية والمساعدة المالية ، بل كانوا ـ وهم الأغنياء ـ يسخرون من المؤمنين الفقراء الذين يتبرعون للمجهود الحربى ، ونزلت آيات القرأن تصفهم بالكفر وبالرجس وتتوعدهم بالعذاب . ( التوبة 42  : 49 ، 79 ـ ، 81 ـ )

سابعا : ـ التعرف على ملامح الكفر على الوجه والجسد  :

أعراض الكفر تنطق بها ملامح الوجه وتصرفات الشخص ، وهذا أوضحه رب العزة فى القرآن الكريم  درسا للناس فى كل زمان ومكان :

1 ـ هناك منافق يعجبك قوله ، يقطر لسانه حلاوة ، ويقسم بأغلظ الايمان بأن قلبه أبيض ملىء بالحب ، بينما هو خصم عنيد وفاسد عتيد ، ويظهر على حقيقته إذا نصحته بتقوى الله ، عندها تأخذه العزة بالاثم :

( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) البقرة ) . والأمر بتقوى الله جل وعلا تكرر كثيرا فى القرآن الكريم ، أمرا مباشرا للنبى وللمؤمنين ، وبالتالى فإنه عندما يقال للمؤمن : ( إتق الله ) يخشع ، بينما لو قيلت للمنافق الفاسد الجاحد المتكبر تأخذه العزة بالإثم . وعندها يظهر لك على حقيقته بالصوت والألوان الطبيعية ، أو تظهر فجأة أعراض مرضه الكُفرى الذى يخفيه بكلام معسول والقسم الكاذب بالله جل وعلا .

2 ـ ومن الألوان الطبيعية والصوت الغاضب الى ملامح الوجه التى تطفح بالكراهية تعبيرا عن الكفر بالقرآن . أتذكر أننى كنت المتحدث في ندوة فى قسم التاريخ بكلية اللغة العربية بالقاهرة  عام 1984 ، وكان معظم المستمعين أساتذة أكبر منى سِنّا ودرجة ، وتطرقت الى نفى شفاعة النبى فاحتجّ الأساتذة فانطلقت أتلو الآيات القرآنية التى تنفى شفاعة النبى والبشر ، ففوجئت بوجوههم يعلوها المنكر والغضب الشديد ، وكانت حالة لم أشهدها فيهم من قبل نظرا لعلاقات المودة بيننا . وعندها تذكرت قوله جل وعلا : (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72) الحج ). لم تكن كراهية شخصية  لى ، فعلاقة المودة راسخة بيننا ، ولكنها الكراهية للقرآن . وقد سارعوا بعدها لقفل الموضوع حرصا على الوئام بيننا .

 3 ـ ومن ملامح الوجه الى عيون تقدح باشرر وتطفح بالغلّ كراهية فى القرآن الكريم حين يُتلى عليهم . ونسترجع قوله جل وعلا يصوّر حقد الكافرين على النبى وهو يقرأ عليهم القرآن ، وعيونهم تقدح بالشرر تعبيرا عن الكفر المرضى فى قلوبهم : ( وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ) (51) القلم ). لم تكن بينهم وبينه عليه السلام عداوة شخصية ، بل كانوا يحبونه ويحترمونه . بدأ العداء حين دعاهم الى الشفاء القرآنى . كرهوا العلاج ، وظهر هذا فى ملامح وجوههم مرئيا وظاهرا للعيان .

4 ـ ويتصل بموضوع العيون أيضا موقف المنافقين فى الهلع عند الحروب ، واعينهم تدور كالذى يغشى عليه من الموت ، بالاضافة الى مظاهر أخرى كالتعويق والتثبيط عن المشاركة فى الحرب كما حدث من المنافقين فى موقعة الأحزاب :  ( قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (19) الاحزاب ). وكانت اعينهم ايضا تدور فى مناسبات معارك أخرى وفى مناسبة آيات يُذكر فيها القتال : ( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) محمد )

5 ـ وبهذا كانت سيماؤهم أو ملامحهم معروفة بالممارسة والتكرار ، وحتى فى طريقة الكلام فى عهد النبى عليه السلام ، شأن المريض الذى إستحكم فيه المرض وتعايش معه ، يقول جل وعلا لخاتم النبيين : ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30) محمد )5

6 ـ وأولئك المنافقون لا تنتظر منهم نشاطا فى صلاتهم بل كسلا وتثاؤبا عند الصلاة يغتبرونها واجبا ثقيلا لا بد من أدائه للمُراءاة  والخداع ، وهم لا يخدعون إلا أنفسهم ، وما يشعرون :( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142) النساء ) ( وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ (54) التوبة ). والتكاسل عن الصلاة والتكاسل فى أداء الصلاة عادة سيئة للمحمديين المنافقين حتى اليوم .

أخيرا :

قلنا إنها حالات مرض ، أى يمكن الشفاء منها لمن أراد الهداية وسعى لها سعيها وهو مؤمن .

1 ـ عن المرض الكُفرى حالة عرضية يقول جل وعلا يصف موقفا لبعض الصحابة :( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ )  (167) آل عمران ).لم يصفهم بالمنافقين بل قال ( الذين نافقوا ) أى الوصف للفعل وقتها ، قالوا قولا كافرا جعلهم وقتها أقرب للكفر منهم الى الايمان : ( هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ )  أى حين قالوا هذا كانوا وقتها أقرب الى الكفر منهم الى الايمان .

2 ـ فالكفر حالة عرضية وقتية ، لذا هو يزداد شأن أى مرض عضوى جسدى : (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) البقرة ) (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً )( المائدة 64 ، 68 ).

وهو أيضا قابل للشفاء بالتوبة لمن يتوب .  والمنافقون الذين يموتون بلا توبة  هم فى الدرك الأسفل من النار ، أما إذا تابوا توبة حقيقية فهم مع المؤمنين : ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146) النساء ) .

3 ـ ولهذا تكررت جرعات الشفاء ، بعضها يأتى ب( قل ) وبعضها بدون ( قل ) ، وفى كل الأحوال فالشفاء يتوجه للمؤمنين وأهل الكتاب والمشركين والمنافقين والناس جميعا . 

الباب الثالث : ( قل ) فى إصلاح الكافرين عموما

   الباب الثالث  : ( قل ) فى إصلاح الكافرين عموما  

الفصل الأول : ( قل ) فى الشفاء بالاخلاص فى الدين لله جل وعلا

أولا : معنى الاخلاص فى الدين

 ثانيا : بين (المخلِص ) بكسر اللام و ( المخلًص ) بفتح اللام .

ثالثا : (قل ) فى الدعوة لاخلاص الدين لله جل وعلا :

 الفصل الثانى : ( قل ) فى الردّ على  من زعم إتّخاذه جلّ وعلا ولدا :

مقدمة : 

أولا : الرد على اتخاذ ولد بوجه عام

ثانيا : مع أهل الكتاب من النصارى المسيحيين واليهود :

   الباب الثالث  : ( قل ) فى إصلاح الكافرين عموما  

الفصل الأول : ( قل ) فى الشفاء بالاخلاص فى الدين لله جل وعلا

أولا : معنى الاخلاص فى الدين

 ثانيا : بين (المخلِص ) بكسر اللام و ( المخلًص ) بفتح اللام .

ثالثا : (قل ) فى الدعوة لاخلاص الدين لله جل وعلا :

 أولا : معنى الاخلاص فى الدين

1 ـ الدين الحق مصدره رب العزة فقط ، والحكم على الناس مرجعه رب العزة فقط  ، وهذا معنى قوله جل وعلا :( وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) وَلَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54)  النحل ) . ينهى رب العزة عن إتّخاذ اله معه ، وأنه يجب أن نرهبه وحده ، لأنه وحده مالك السماوات والأرض ، لذا يجب أن نتقيه وحده . وكل ما لدينا من نعمة فمصدرها من الله جل وعلا وحده ، وإذا مسّنا الضّرُّ جأرنا بالشكوى له وحده ، ثم إذا كشف الضُّر عنا فإذا فريق منا بعد إخلاصه فى الدعاء وقت المحنة يعود الى تقديس البشر والحجر.

2 ـ الاخلاص فى الدين أن تعبد الله جل وعلا وحده ، وتتقيه وتخشاه وترهبه وحده ، وأن تؤمن أنه مالك يوم الدين وحده ، وأنه الشفيع وحده وأنه الولى المقدس النافع الضار وحده ، وأنه الرزاق وحده والوكيل المسيطر وحده .الاخلاص فى الدين أن تكون صلاتك ونُسٌكُك وحياتك ومماتك لله وحده لا شريك له ، وهذه هى ملة ابراهيم التى أمر رب العزة خاتم النبيين بأن يتبعها : ( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ) (164 ) الانعام )

3 ـ ومن السهل على ( المحمديين ) الزعم بأنهم مخلصون فى الدين . وهذا مستحيل لأن الاخلاص فى الدين لله جل وعلا يعنى أن يكون التقديس القلبى خالصا لله جل وعلا وحده ، أى بنسبة 100 % . لو شابتها 1% فقط ، أى لو قدّست النبى محمدا بنسبة 1% فقد ضاع الاخلاص . الذى يُخلص لله جل وعلا قلبه لا يرى فى الأنبياء إلا مجرد بشر إصطفاهم الله جل وعلا بالرسالة السماوية . ومع هذا الوحى فهم بشر ، مخلوقون من نطفة من ماء مهين ، ثم كانوا بشرا يأكلون ويتبولون ويتغوطون ، ويتزوجون ، ويمارسون الجنس فكانت لهم بهذا ذرية ، ثم هم كبقية البشر ماتوا وتحولت أجسادهم الى ( سوأة ) وجيفة قذرة برائحة كريهة ، تأكلها الأرض لترجع كما كانت ترابا ، شأن كل الموتى من البشر . الذى يُخلص لله جل وعلا قلبه يؤمن أن أى نبى لا يملك لنفه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ، شأن كل الشر ، وانه سيأتى يوم البعث ويوم الحشر ويوم العرض ويوم الحساب مثل بقية البشر ، ويقف أمام رب العزة يجادل عن نفسه ، ثم فى النهاية سيكون كل الأنبياء مع الصالحين من البشر فى جنة الخُلد .

هذا ما يرفضه المحمديون الذين يقدسون محمدا أكثر من تقديسهم لله جل وعلا ، بل ويُضيفون الى تقديس محمد تقديسا للأئمة وألأولياء ، ولمئات الألوف من القبور المقدسة ، اليها يحجون ويبتهلون ويطلبون المدد والنفع ومنع الضرر ، ويتمسحون بأعتابها ويقفون خاشعين قانتين أمام حجارتها . فى صلاتهم لله جل وعلا ـ لو أدوا الصلاة ـ يتملكهم النسيان ، وفى نذرهم لله جل وعلا قد يغفلون ، ولكن هذا لا يحدث مع آلهتهم البشرية . أى إن التقديس الذى فى قلوبهم لله جل وعلا لا يتعدى النصف فى المائة لأن معظم التقديس عندهم هو للنبى والأئمة والأولياء .

.4 ـ والمحمديون شأن الأغلبية العظمى من البشر فى هذا الكوكب الأرضى ؛ لو أطاعهم النبى نفسه لأضلوه : (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) الأنعام )، وهم مثل أغلبية البشر يعرفون الاخلاص لله جل وعلا فى وقت المحنة فقط . مثل تعرضهم للغرق ، عندها يصرخون متضرعين باكين يستغيثون بالله جل وعلا: ( هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمْ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ (22) يونس )، عندها يتجلى الاخلاص فى قلوبهم دموعا وصراخا ، ثم يختلف الحال بعد النجاة : ( فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) (23 يونس ). يقول جل وعلا أيضا :( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ( العنكبوت 65)( وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (32 لقمان )

5 ـ المفروض أن يكون الاخلاص فى الدين حالة دائمة فى اليُسر وفى العُسر ، فى النعمة والنقمة فى الصحة والمرض فى الغنى والفقر . هكذا يكون المسلم المؤمن الحقيقى .

ثانيا : بين (المخلِص ) بكسر اللام و ( المخلًص ) بفتح اللام .

1 ـ  الذى يقضى حياته الدنيا يخلص لله جل وعلا دينه وحياته يتم له ( الخلاص ) فى الآخرة ، ويكون فى الآخرة ( مخلصا ) بفتح اللام ، بعد أن كان فى الدنيا ( مخلصا ) بكسر اللام . الخلاص فى الآخرة يعنى النجاة من النار .

2 ـ ومنذ البداية أقسم ابليس ليُغوينّ أبناء آدم أجمعين إلا عباد الله المخلصين ( بفتح اللام ) أى ( خُلاصة البشر ) الذين سينجون منه باخلاصهم فى الدنيا لله جل وعلا ويصبحون به من أهل الجنة: ( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ (83 ص )، ( قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43 الحجر ).

3 ـ ويتكرر فى القصص القرآنى عن المؤمنين السابقين والأنبياء السابقين وصفهم بالمخلصين ، بفتح اللام ،  مكافأة على أنهم كانوا فى حياتهم الدنيا ( مخلصين ) بكسر اللام فقد أصبحوا بعد موتهم ( مخلصين ) بفتح اللام .

عن الأتباع عباد الله المخلصين ( بفتح اللام ) فى قصص الأنبياء السابقين يقول جل وعلا عن نجاتهم من الهلاك الدنيوى ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ (72) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ (73) إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (74) الصافات )( وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ (126) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( الصافات 128) . ويقول جل وعلا عن الخاسرين فى الآخرة ( إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ (38) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (39) ثم يستثنى عباده المخلصين بفتح اللام ، أصحاب الجنة :( إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40) أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43 الصافات ). وفى الجحيم سيتمنى أصحاب النار لو كانوا من ( المخلصين ) بفتح اللام :( وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (167) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْراً مِنْ الأَوَّلِينَ (168) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (169) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (170 الصافات  )

ووصف رب العزة النبى يوسف عليه السلام بأنه من عباده المخلصين بفتح اللام :( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24 يوسف )، ووصف موسى عليه السلام بنفس الوصف : ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً (51) مريم ).

4 ـ المسلم الحقيقى الذى لا يقدس بشرا ولا حجرا يكون فى حياته الدنيا مخلصا بكسر اللام ، فيصبح مخلصا بفتح اللام فى الآخرة ، نجا من النار و ( تخلّص منها ) وحظى ب ( الخلاص ) واصبح ( خلاصة البشر ) أى من عباد الرحمن المخلصين ( بفتح اللام ) . 

ثالثا : (قل ) فى الدعوة لاخلاص الدين لله جل وعلا :

1 ـ جاء هذا مشفوعا بكلمة ( قل ) ، وجاء بدونها . يقول جل وعلا يأمر خاتم النبيين عليهم جميعا السلام بالاخلاص فى الدين لرب العالمين : ( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ) 3 ) الزمر ) .

وبكلمة (قل ) : ( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (14) ( الزمر ).

2 ـ ويقول جل وعلا للبشر كافة :( فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) (14 غافر )، ( هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65 غافر )، ويقول جل وعلا عن أوامره لأهل الكتاب : ( وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5 البينة ).

ونفس المعنى بكلمة ( قل )  فى الأمر العام للبشر : ( قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29 الاعراف )، وايضا فى الحوار مع أهل الكتاب : ( قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) البقرة )

3 ـ وعرضنا لحالة الانسان حين يقع فى كرب فيتوجه لله جل وعلا بإخلاص يستغيث به . والنسق القرآنى يأتى يكرر هذا مشفوعا بكلمة ( قل ) وبدون كلمة (قل ) .

فى إستعمال كلمة ( قل ) نقرأ قوله جل وعلا :( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41)( الانعام  .

وبدون كلمة (قل ) يقول جل وعلا : ( وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً (67) أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (68) أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِنْ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً (69 الاسراء )

بل يأتى النوعان فى السورة الواحدة والحالة الواحدة . عن محنة الضرر أو مرض التى لا بد أن تصيب الانسان يقول جل وعلا فى سورة يونس : (وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12). لا توجد هنا ( قل ) . ولكن تأتى (قل ) فى نفس سورة  يونس ، فى نفس الموضوع : (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلْ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (21)( يونس ). ونفس الحال فى سورة الزمر : تأتى كلمة ( قل ) فى هذه الآية : ( وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) الزمر )، وتأتى بدونها فى هذه الآية : (فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (49) ( الزمر )

أخيرا .

هذا التكرار بكلمة ( قل ) وبدونها  فى موضوع الاخلاص فى الدين يؤكد أن بيان القرآن لا يحتاج الى بيان آخر من البشر ، ويؤكد أن الشفاء القرآنى يقوم على تكرار جرعة الشفاء للمريض بالكفر أملا أن يتطهر قلبه من شوائب الشرك ليفوز بالجنة ويكون من المخلصين ، بفتح اللام . فهل إستفاد بهذا المحمديون ؟ .

أحسن الحديث :

( وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) وَلَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54)  النحل )

ودائما : صدق الله العظيم .!

 الفصل الثانى : ( قل ) فى الردّ على  من زعم إتّخاذه جلّ وعلا ولدا :

مقدمة : 

أولا : الرد على اتخاذ ولد بوجه عام

ثانيا : مع أهل الكتاب من النصارى المسيحيين واليهود :

مقدمة : بعض العرب زعم أن لله جل وعلا ولدا ، مثلما يزعم المسيحيون . وفى عصر نزول القرآن كانت طائفة اليهود تزعم أن المسمى ( عزير ) ابن لله جل وعلا . ونزل القرآن الكريم يرد على هذه المزاعم ، يستعمل أحيانا ( قل ) وحينا بدون ( قل ) . ويمكن تقسم الموضوع الى : الرد العام على كل من زعم بأن لله جل وعلا ولدا ، والرد على من زعم ذلك من أهل الكتاب على وجه الخصوص .

أولا : الرد على اتخاذ ولد بوجه عام

 1 ـ  يأتى هذا بدون ( قل ) . ويتنوع اسلوب الخطاب :

فيه البرهان العقلى ، فلو كان له ولد إله يشاركه فى الحكم ، أو كان معه اله شريك فى الالوهية لحدث خلاف وتنافس يجعل هذا يعلو على ذاك ، وسيترتب على هذا فساد فى الخلق . هذه الحجة العقلية جاءت فى قوله جل وعلا : (  مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) المؤمنون ). ولكنه جل وعلا وحده هو مالك السماوات والأرض ، وهو وحده الذى خلق كل شىء فقدّره تقديرا ، بنظام مُحكم ، من الذرة والنواة الى الأجرام السماوية ، فهو وحده خالق كل شىء ، وما عداه فهى مخلوقاته ، وتلك الآلهة المزعومة التى يتخذها الناس هى فى الحقيقة مخلوقة ، ولا تملك لأنفسها نفعا ولا ضرا ولا حياة ولا نشورا . وبهذا أرسل الله جل وعلا رسوله وعبده محمدا بالقرآن الفرقان ليكون للعالمين نذيرا : ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (2) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً (3)  الفرقان ). ولأنه جل وعلا لم يتخذ ولدا فإن كل الخلق له قانتون ، أى خاضعون إما طوعا باختيارهم القلبى وإما كرها بأن تكون أجسادهم تحت هيمنته وسطوته رغم أُنوفهم ، ثم لأنه وحده الذى أبدع خلق السماوات والأرض ، ولأنه وحده الذى إذا أراد أمرا قال ( كن فيكون ) : ( وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)  البقرة ).

ومن الاسلوب العقلى قوله جل وعلا : (  لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4) الزمر ). أى لو أراد إتّخاذ ولد لاختار واصطفى له ولدا من خلقه . ولكنه جل وعلا عن ذلك ، هو الله الواحد القهّار .

ويأتى اسلوب التهديد والوعيد لأصحاب هذا الزعم : ( وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً (4)الكهف ) هذا لأنهم زعموا إفكا وقالوا جهلا ، وكبُرت هذه الكلمة الكاذبة التى خرجت من أفواههم  ( مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً (5) الكهف ).

وفى تصوير هول هذا الإفك يقول جل وعلا يرد عليهم : ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً (95) مريم ). أى هذا الزعم تكاد السماوات والأرض أن تتدمر بسببه ، فما ينبغى للرحمن جل وعلا أن يتخذ ولدا ، لأن كل المخلوقات من ملائكة وجن وشياطين وبشر سيأتون يوم القيامة أمام الله جل وعلا عبيدا ، فردا فردا ، وقد أحصاهم وعدّهم عدّا . وصاحب هذه الهيمنة على كل مخلوقاته لا يمكن أن يتخذ من مخلوقاته ولدا . هنا يرتبط التهديد بالحُجّة المنطقية .

2 ـ وفى الرد العام يأتى إستعمال ( قل ) يؤكد ما سبق ، وبأساليب مختلفة :

منها الاسلوب المباشر البسيط فى سورة : ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4)). ومع بساطتها فقد تجلّى فيها آيات الاعجاز البلاغى . هى فى بساطتها مُيسّرة للذكر والهداية لمن اراد . فالمفهوم ببساطة منها أنه جل وعلا أمر رسوله أن يقول بأن الله الأحد الصمد الذى لا يحتاج لغيره ويحتاج له غيره ، وأنه لم يلد ولم يولد وليس له نظير ولا مثيل . هذه البساطة فى التعبير تحوى عُمقا لا نهائيا لمن أراد التدبر . مثلا : قال جل وعلا : ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) ولم يقل ( قل هو الله واحد ) ، أى إنه جل وعلا ( واحد ) فى ذاته بلا تعدد وبلا تناسخ وبلا ولد يكون نسخة منه ، وهو أيضا جل وعلا ( واحد ) فى صفاته ، و( واحد)  فى ( واحد ) تساوى ( أحد ). والمعنى أن الله جل وعلا لا يوصف بصفات البشر ، وأن الصفات الالهية لا يوصف بها البشر والملائكة وسائر الخلق . فصفات الرحمن من العلم والقدرة والرحمة والعزيز العلى الجبار الخبير الحكيم السميع العليم البصير الغنى الحىّ ..الخ ..لا يمكن أن تكون مثل صفات البشر ، وتعجز عن تصورها وتخيلها وإدراكها عقول البشر ، ويعجز عن التعبير عنها ألسنة البشر . لذا يأتى القرآن الكريم مُيسّرا للذكر ، بأن يستعمل اللسان العربى فى ايراد صفات الله جل وعلا مع التأكيد أنه جل وعلا ليس كمثله شىء ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )(11) الشورى ). فهو جل وعلا ( أحد ) فى ذاته وفى صفاته . وبالتالى فصفاته وذاته تتناقض مع ذوات البشر وصفاتهم ، وفى التعبير عن هذا التناقض يقول جل وعلا فى خاتمة السورة (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ). اى لا يُكافئه ولا يُماثله ولا يُضارعه ( أحد ) من الخلق . وهنا روعة آية الاعجاز الفصاحى فى القرآن الكريم ، حيث جاء إستعمال كلمة واحدة ( أحد ) فى معنيين متناقضين : جاءت أولا وصفا لله جل وعلا : ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) وجاءت فى نهاية السورة وصفا للمخلوقات (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ). هو جل وعلا ( أحد ) ولا يماثله ( أحد ) .!

والخير للبشر أن يكون لهم إله واحد ، أى أن يكونوا عبيدا لمن خلقهم فقط ، ولا أن يكونوا عبيدا لمخلوق مثلهم ، وبالتالى فإن المؤمن يحمد ربه الذى لم يتخذ ولدا ويجعله شريكا له فى الملك ، ولم يتخذ وليا يجعله له عونا له فى الحُكم أو نصيرا له ضد الظلم ، وبهذا أمر الله جل وعلا رسوله أن يقول : ( وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (111) الاسراء ).

وبهذا أمر الله جل وعلا رسوله أن يقُص الوحى الذى نزل عليه يخبره بإيمان بعض الجن حين سمعوا القرآن ، وتأكد لديهم أنه جل وعلا ما إتّخذ زوجة ولا ولدا : ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً (2) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً (3) الجن ). 

ويأمره جل وعلا أن يقول لهم إنه لو كان للرحمن ولد سيكون أول العابدين ، ولكنه جل وعلا سبحانه وتنزّه عن هذا الوصف الذى يصفونه به وهو رب العرش العظيم ، يقول جل وعلا : ( قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82) الزخرف ).

ويأتى اسلوب الحُجّة العقلية مُمتزجا بالتهديد والوعيد ، يطلب منهم البرهان ويُنذرهم بعذاب شديد إذا ماتوا على كُفرهم ، ويأمر رسوله بأن يقول لهم هذا التهديد والوعيد :  ( قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمْ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) يونس )

ثانيا : مع أهل الكتاب من النصارى المسيحيين واليهود :

1 ـ  يأتى هذا بدون ( قل ) . ويتنوع أيضا اسلوب الخطاب :

منه الاسلوب القصصى الذى يُخبر بالحق عن ميلاد المسيح ، من أول قوله جل وعلا : ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً (17) مريم ) الى أن تنتهى القصة بالنتيجة الحقيقية عن عيسى عليه السلام : ( ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36  مريم ).

ومن الماضى عن ميلاد المسيح الى المستقبل عن يوم الحساب حين يأتى المسيح للحساب ، فيسأله ربه جل وعلا عما حدث بعد موته ، ومدى مسئوليته عما إفتراه الناس من إتّخاذه وأمّه الاهين من دون الله الخالق جل وعلا ، وأن المسيح سيتبرأ من هذا وممّن قال هذا وأنه بلّغ الرسالة ، وكان شاهدا على قومه وقت أن كان حيا بينهم ، ثم بعد موته إنقطعت علاقته بهم ولا شأن لهم بما زعموه ، وأن الله جل وعلا هو وحده الرقيب والشهيد عليهم إن شاء عذّبهم وإن شاء غفر لهم : ( وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118 ) المائدة )

ويأتى الخطاب بحقيقة تارخية غائبة يُجليها رب العزة فى القرآن الكريم ، وهى أن اليهود ثم النصارى تأثروا بالديانة المصرية القديمة ، وهذا أوضحناه فى كتبنا : ( شخصية مصر بعد الفتح الاسلامى : عام 1984)، ( مصر فى القرآن الكريم : عام 1990 ) ( كتاب الموت 1990 ، ) ومقالات بحثية اخرى منشورة هنا . وبإختصار فإن بنى اسرائيل تأثروا بالديانة الفرعونية خلال قرون عاشوها فى مصر ، وهذا ما يظهر فى قصصهم فى سورة ( الأعراف )و( طه ) و ( البقرة ) ( النساء ) . ومن هذا التأثر تأليههم لأوزيريس إله الموت والحساب ضمن الثالوث ( الزوجة الأم إيزيس ، والزوج الأب أوزيريس ، والابن حورس ) ولقد تم الكشف عن اللغة المصرية القديمة بمقارنتها باللغة اليونانية القديمة  فى ( حجر رشيد ) . واللغة المصرية القديمة كانت تنطق العين ، وعند الترجمة منها الى اللغة اليونانية تحولت العين الى الهمزة . كان المصريون ينطقون ويكتبون ( عُزير ) فكتبها اليونانيون بلغتهم ( أوزير ) وأضافوا اليها حرف ( الإس ) فصار ( عُزير ) ( أوزيريس ) ، ونفس الحال مع ( عزى ) التى صارت ( أيزيس ) ، مع إن العرب عبدوا ( عزى ) فى الجاهلية تأثرا بالديانة المصرية القديمة ، وأسموها ( العزّى ) . وتأثر اليهود بهذا فعبدوا ( عُزير ) وهو نفسه ( عُزير ، أو أوزيريس ) فى الديانة المصرية القديمة .  وفى أديان المحمديين الأرضية تحول ( عُزير ) ( أله الموت الفرعونى ) الى ( ملك الموت عزرائيل ) تأثرا بالاسرائليات .  وعندما إنتشرت المسيحية فى ( مصر ) تمّ ( تمصير ) المسيحية لتتماشى مع الموروث الدينى المصرى الذى إستقر فى وجدان المصريين عبر آلاف السنين قبل مولد المسيح ـ وبعده . وقام ( بولس ) بهذا التمصير فأصبح المسيح ابنا للإله ، وعاد الثالوث المصرى بنفس التقليد الكهنوتى المصرى . التفاصيل فى كتبنا السابقة . ولكن يعنينا هنا الخطاب الالهى فى الرد عليهم بدون ( قل ). يقول جل وعلا : ( وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) التوبة ). يقول جل وعلا عمّن إتّخذ عزير والمسيح ابنا لله جل وعلا أنهم (يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ) أى يسيرون على ( سُنّة ) المصريين القدماء .

ويأتى اسلوب الوعظ  مقرونا بالترغيب والترهيب فى خطاب مباشر من رب العزة لأهل الكتاب : ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (171) لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً (173) النساء )

2 ـ ويأتى إستعمال ( قل ) يؤكد ما سبق ، وبأساليب مختلفة

يحكم الله جل وعلا بتكفير من يقول بأن الله هو المسيح ابن مريم  ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ) ويأمر رب العزة الرسول أن يقول لهم : ( قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)  ) المائدة ).

ونفس الاسلوب فى قوله جل وعلا :  ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ  ) ، ويأتى الرد عليهم بقول المسيح نفسه : ( وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (72) المائدة )

 ونفس الاسلوب فى قوله جل وعلا : ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ ) ويأتى الرد الالهى بالتوضيح وبالتهديد معا : ( وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَانظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) المائدة ) ثم يأتى الأمر للرسول بأن يقول لهم بأن المسيح وغيره لا يملكون لهم نفعا ولا ضرا : ( قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) وأن ينهاهم عن الغلوّ فى الدين وإتّباع الهوى وما وجدوا عليه آباءهم : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77) المائدة ).

أخيرا : وهذا الاصلاح لمرض الكفر باستعمال (قل ) وبدونها لم ينفع مع النصارى المسيحيين ولم ينفع مع المحمديين . فلا يزال هؤلاء يعبدون المسيح ، ولا يزال أولئك يعبدون محمدا . وسيأتى المسيح يوم القيامة يتبرا من هؤلاء كما سيأتى محمد يوم القيامة يتبرأ من أولئك .!

الباب الرابع : ( قل ) فى الحوار وسيلة للشفاء من مرض الكفر

  الباب الرابع : ( قل ) فى الحوار وسيلة للشفاء من مرض الكفر 

 الفصل الأول : ( قل ) فى الحوار مع الكافرين حول ( الخلق ) 

أولا : معنى الحوار

ثانيا : الحوار حول الخلق

 ثالثا  الحوار حول الخلق بدون ( قل )

 رابعا : الحوار حول الخلق باستعمال ( قل )

 الفصل الثانى ( قل ) فى الحوار فى التأكيد على عبودية النبى لله جل وعلا وحده 

كفى شرفا للنبى أن يكون عبدا للخالق جل وعلا

أولا : بشرية النبى و الحوار ب ( قُل )

ثانيا : عبودية النبى لله جل وعلا

ثالثا : عبودية النبى تكريم له

رابعا : تكريم الأنبياء بالعبودية للرحمن جل وعلا

خامسا : التكريم للبشر بالعبودية للرحمن جل وعلا 

 الفصل الثالث : ( قل ) فى الحوار فى الألوهية ردّا على  الكافرين

مقدمة  

أولا : أسئلة متنوعة  تتحدى  بدون ( قل ) :

ثانيا : أسئلة متنوعة  تتحدى  باستعمال ( قل ) :

الفصل الرابع  : ( قل ) بأسئلة فى الحوار فى الألوهية تهديدا للكافرين

مقدمة :ـ السؤال هنا ب ( قل ) عن النشأة . أسئلة عن 1 ـ النشأة الأولى 2 ـ السمع والابصار والادراك

3 ـ الاهلاك 4 ـ  الماء .5 الليل والنهار   6 ـ الانذار بالوحى ـ لا جدوى من هداية أولياء الشيطان

الفصل الخامس  : ( قل ) فى  حوار فى الألوهية بإيقاظ الفطرة داخل الكافرين  

مقدمة : تدبر قوله جل وعلا : ( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) سبأ )

أولا : ( صاحبكم ) . ثانيا : الفطرة:ثالثا : مخاطبة الجانب الخيّر ( الفطرة ) داخل قلوب المشركين 

  الفصل السادس  : ( قل ) فى الحوار وعظا بقرب قيام الساعة

مقدمة : ـ  

أولا : تأجيل عذاب المشركين الى قيام الساعة .

ثانيا : إقتراب العذاب ( إقتراب الساعة )   

ثالثا : قيام الساعة ـ أيها القارىء الآن  ـ أقرب اليك مما تظن .

أخيرا

الفصل السابع : ( قل ) فى الحوار فى الألوهية تحديا للمشركين طلبا للدليل العملى والعقلى  

مقدمة

اولا : أرونى الدليل العملى

ثانيا :   الاحتكام للدليل العقلى بكلمة ( قل ) وبدونها 

  الفصل الثامن  :  فى حوار حول الولاية والأولياء  ( قل )

مقدمة :

أولا : الله جل وعلا هو الولى وحده

ثانيا : إتخاذ الشيطان وليا:

 ثالثا : إتخاذ البشر أولياء من دون الله جل وعلا

 رابعا : ارتباط الموالاة بالنصرة

  الباب الرابع : ( قل ) فى الحوار وسيلة للشفاء من مرض الكفر 

 الفصل الأول : ( قل ) فى الحوار مع الكافرين حول ( الخلق ) 

أولا : معنى الحوار

ثانيا : الحوار حول الخلق

 ثالثا  الحوار حول الخلق بدون ( قل )

 رابعا : الحوار حول الخلق باستعمال ( قل )

 أولا : معنى الحوار

1 ـ قيم التعقل والحرية وقيمة ابن آدم ومسئوليته تتمثل فى حوار رب العزة مع بنى آدم .

2 ـ الحاكم المستبد من البشر يستنكف من الحوار مع شعبه مع أنه  فرد منهم مخلوق مثلهم ، ولكن الخالق جل وعلا المهيمن العزيز الجبّار يُجرى حوارا مع بعض مخلوقاته ، وهم بنو آدم .

3 ـ الاحتكام فى هذا الحوار للعقل ، وقد أنزل رب العزة القرآن الكريم كى نتعقّل أو نستعمل عقلنا (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) يوسف ) (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) الزخرف   ) وتكرر فى القرآن الدعوة للتعقل والتفقه والتفكر والتبصّر لنستعمل عقولنا التى نتميز بها عن الحيوانات.

4 ـ ومعنى هذا الحوار الذى يُجريه رب العزة معنا أننا أحرار ، نملك إختيارنا بأيدينا ، نملك أن نؤمن به وحدا إلاها لا إله سواه ، ونملك أن نؤمن بغيره آلهة وأولياء معه ، وهو جل وعلا يحاورنا كلى يُقنعنا ، دون أن يفرض علينا الرأى الحق والايمان الحق . المستبد الشرقى  هو باطل يسير على قدمين ، وهو يفرض باطله على الناس  دون حوار إلا مع مستشاريه الذين يفكرون له فيما يرضيه . المستبد لا يتصور أن يتحاور مع أحرار ، وكل ما لديه أن يقول حتى لمستشاريه مقالة فرعون  ( مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) غافر  ) ، ولكن رب العزة قيوم السماوات والأرض يتحاور مع بعض مخلوقاته  ليؤمنوا بالحق وبالعدل الذى نزلت به الرسالات السماوية .

5 ـ وهذه الحرية التى كرّم الله جل وعلا بها بنى آدم لها جانب آخر يساويها ويترتب عليها ، وهو مسئولية بنى آدم  ومصيره يوم الدين بناءً على إختياره ، إمّا خلودا فى الجنة أو خلودا فى النار .

ثانيا : الحوار حول الخلق

1 ـ حقيقة لا جدال فيها ، وهى أن الله جل وعلا هو وحده خالق السماوات والأرض وما بينهما وخالق الأحياء والجمادات ، وخالق كل شىء وما عداه مخلوق . وهذه الحقيقة تؤكد أنه لا إله مع الله .

2 ـ وبالتالى فإن المؤمن  الحق يُنكر تقديس مخلوق مثله ، بل ويتفكّر فى خلق السماوات والأرض ، وأن هذا بالحكمة و ليس عبثا ، وجاء فى صفات المؤمنين العقلاء أولى الألباب : ( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ )(191 ) آل عمران )، وعلى العكس فإن الكافرين هم الغافلون عن هذه الحقيقة والذين لا يتفكرون فى خلق السماوات والأرض : ( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8) الروم )

3 ـ كلما تقدم العلم بكوكب الأرض إزداد إنبهار الانسان بإبداع الخالق جل وعلا وتجهيزه هذا الكوكب ليلائم الحياة . وكلما تقدم العلم بالنجوم والمجرات ( وهى التى بين السماوات والأرض ) إزداد الانسان إنبهارا مع أنه لا يزال على ساحل المعرفة بهذا الكون المادى ، فكيف بالأكوان غير المرئية كالبرزخ والسماوات ؟ لذا يظل الانسان مهما تقدم به العلم ينظر الى عظمة الأجرام السماوية ويُعيد النظر فيما فيها من إحكام وتقدير وتنظيم : ( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (4) الملك ).

4 ـ من هنا يدعو رب العزة الى ( النظر ) فى ملكوت السماوات والأرض . و ( النظر ) هنا هو بحث علمى مقترن بالتعقل الايمانى  القائم على أنه يستحيل أن يكون هذا الخلق الهائل الدقيق جاء بالصدفة وبلا خالق ، فهو ليس كونا عشوائيا بلا صاحب ، بل هو كون مستمر بالحركة يديره خالقه جل وعلا ويسيطر عليه و يتحكم فيه ، فقد خلقه لحكمة ولأجل مسمى . الحكمة هى إختبار الانسان فى حياته الدنيا ( وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً )هود 7 ) ، ولهذا فالسماوات والأرض وما بينهما من نجوم ومجرات وثقوب سوداء وبيضاء يعجز الانسان عن تصور عظمتها ـ هى مخلوقة لأجل مسمى ، مخلوقات مؤقتة ، وسيتم تدميرها بقيام السلعة حيث يخلق الله جل وعلا سماوات خالدة وأرضا خالدة ، وحيث يبرز الخلق للقاء الرحمن جل وعلا: ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) ( ابراهيم 48 ) ، هذا هو اليوم الحق الذى من أجله خلق هذه السماوات والأرض ، ثم سيدمرهما حين يأتى الأجل المسمى وهو قيام الساعة . يقول جل وعلا :( مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ) (3) الاحقاف )، وليس فى الأمر عبثا ولعبا ولهوا : ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ )( الانبياء 16 )( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) الدخان 38 ـ ).

5 ـ بعض الملحدين من علماء الفلك والفيزياء يتميزون بالذكاء ولكن بلا تعقل ، أى يتوقفون عند بحث المادة مع إنكار الخالق جل وعلا . وهذا خارج عن مفهوم ( النظر ) أو ( البحث العلمى ) وهو فريضة اسلامية ضمن الفرائض المنسية ، أضاعها الدين السنى بأحاديثه ومفترياته وخرافاته . يقول جل وعلا داعيا للنظر العلمى المقترن بالايمان بالخالق الذى أبدع ما خلق :( قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ )( 101 يونس)( قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ )(العنكبوت 20 ).ويقول جل وعلا يصف القرشيين والعرب والمحمديين ومعظم البشر:( وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ) ( يوسف 105)

6 ـ ويقرن جل وعلا النظر العقلى العلمى فى ملكوت السماوات والأرض ومخلوقات الرحمن بوعظ الانسان ، خصوصا إذا إقترب أجله ، ويحذّره رب العزة من الايمان بحديث آخر غير حديث رب العزة فى القرآن الكريم : (  أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ )( الاعراف 185 ).

7 ـ وجعل الله جل وعلا من قضية ( الخلق ) عنصرا هاما فى حواره مع الكافرين ، وهو حوار جاء حينا بدون ( قل ) وجاء أحيانا مشفوعا بكلمة ( قل ) .

ثالثا  الحوار حول الخلق بدون ( قل )

1 ـ مهما بلغ كفر أحدهم فهو بينه وبين نفسه يؤمن بأن لهذا الكون خالقا . ذلك الملك الكافر الذى زعم الالوهية وأنه يحيى ويميت أفحمه ابراهيم عليه السلام بأن قال له إن الله جل وعلا يأتى بالشمس من المشرق فهل يستطيع هو أن يأتى بالشمس من المغرب :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ )( البقرة 258 ). هذا الذى كفر ( بُهِت ) لأنه فى داخله يؤمن أن الله جل وعلا هو خالق السماوات والأرض .

2 ـ ولم يحدث ولن يحدث أن يأتى إنسان يزعم أنه خالق السماوات والأرض ، أو خالق البشر . لو قال أحدهم هذا فسيكون مصيره أقرب مستشفى للأمراض العقلية . ومن هنا يقول رب العزة للبشر : هل تم خلقهم من لاشىء ؟ أم هم الذين خلقوا أنفسهم ، وهذه السماوات والأرض هل هم الذين خلقوها :(  أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ (36) الطور ). وحتى أصل الانسان ( الحيوان المنوى والبويضة ) هل هم الخالقون له أم رب العزة : (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ )( 57 : 59  ) ( الواقعة )

3 ـ ومن تسليم الكافرين بأنه جل وعلا خالق البشر وخالق السماوات والأرض كانت الحُجّة القاهرة عليهم فى هذا الحوار الالهى معهم ، فلو سألهم النبى أو أى سائل : من خلقكم ؟ من خلق السماوات والأرض فسيقولون الله ، إذن السؤال التالى : الى متى يتم خداعهم ؟ (أنى يؤفكون ؟ ) : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) الزخرف )، ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) الزحرف )  ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّا يُؤْفَكُونَ (61) العنكبوت ) .

4 ـ ومن تسليمهم بأن الله جل وعلا هو الذى يولج الليل فى النهار ويولج النهار فى الليل ويسخر الشمس والقمر يأتى تساؤل آخر ساخر عن مغزى ومعنى إتّخاذهم آلهة وأولياء موتى فى قبورهم قد تحولوا الى رماد لا يسمعون من يستجير بهم ، وحتى لو سمعوا فلا يملكون إجابة الدعاء ، ثم يوم القيامة سيتبرأون من أولئك العابدين لهم : ( يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14) فاطر ).

5 ـ وجاءت تنويعات من الأسئلة الحوارية حول هذه الآلهة والأولياء المخلوقة والتى لا تخلق :

ـ هل يتساوى الخالق بالمخلوق :( أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (17) النحل ).

ـ التأنيب لهم حين يجعلون للخالق جل وعلا شركاء لا تخلق شيئا بل هى مخلوقة لا تملك نفعا ولا ضرا : ( أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) الاعراف ) ـ ( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً (3) الفرقان ) . بل هى   موتى لم تخلق شيئا ولا تشعر بأحد ، وبالتالى فلا إله إلا الله وحده لا شريك له :( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22 النحل )

رابعا : الحوار حول الخلق باستعمال ( قل )

على نفس النسق السابق جاء الحوار يؤكد ويكرر باستعمال (قل ) ، ومنه :

1 ـ التساؤل عما خلقته هذه الآلهة المزعومة ، وهل لهم ملكية مشاركة فى السماوات : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمْ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِأَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً (40) فاطر ) ، ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِاِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4) الاحقاف )

2 ـ هذه الآلهة المزعومة كلها هل تملك أن تخلق ذبابة  : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74) الحج )

3 ـ وهل تملك أن تبدأ الخلق ثم تعيده ؟ ( قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلْ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ (34 )يونس )

4  ـ وفى التساؤلات معهم عمّن خلق السماوات والأرض ، يأتى تسليمهم بأنه الله جل وعلا : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (25) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26) لقمان )

 وتترتب تساؤلات على تسليمهم بأن الخالق هو الله جل وعلا وحده :

ـ هل تملك تلك الآلهة كشف الضُّر لمن أوقع الله جل وعلا به ضُرّا ، وهل تملك منع رحمة أنزلها الله جل وعلا : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38) الزمر )

ـ  وهل خلقوا بشرا ومخلوقات فتشابه خلقها مع ما خلق رب العزة ، أم أن رب العزة هو وحده خالق كل شىء : ( قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) الرعد )

ـ   وما أروع هذا الحوار العقلى الذى يُجريه رب العزة مع البشر مشفوعا بكلمة (قل ) فى البداية  ، ثم تأتى التساؤل الرائع ( أإله مع الله ): ( قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ) ( أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ) ( أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) ( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُونَ )( أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ( أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) ( النمل 59 : 64 )

تحليل هذا الحوار يخرج عن موضوعنا ، ولكن نعيد التذكير بأنه لم يكن التساؤل عن ( وجود الله ) بل فى نفى وجود إله مع الله جل وعلا . أى فى التأكيد على أنه لا إله مع الله ، وأنه لا اله إلا الله .

أخيرا

سؤال لمن يقدسون محمدا ويرفعونه الى جانب رب العزة فى الصلاة والأذان والحج .. هل محمد هو خالق هذه الآرض ؟ هل هو خالق المجموعة الشمسية ؟ هل كان يعرف فى حياته شيئا عن إعجازات المجرات وإعجازات الذرة والنواة والاليكترون ؟

سؤال لمن يعبد المسيح ومحمدا وبوذا ..الخ  .. هل لو إجتمعت كل تلك الآلهة المزعومة هل تستطيع أن تخلق ذبابة ؟

سؤال للمحمديين : ماذا سيكون موقفكم يوم القيامة وهو عليه السلام يتبرأ منكم ومما زيفتموه من تأليه يتنافى مع رسالة القرآن التى قضى عمره يكافح من أجلها ؟

ثم من يحب النبى محمدا عليه السلام : ذلك الذى يدفع عنه الافتراءات التى تلوث سيرته القرآنية العطرة أم أولئك الذين بدلوا نعمة القرآن كفرا وأحلوا قومهم دار البوار ؟

 الفصل الثانى ( قل ) فى الحوار فى التأكيد على عبودية النبى لله جل وعلا وحده 

كفى شرفا للنبى أن يكون عبدا للخالق جل وعلا

أولا : بشرية النبى و الحوار ب ( قُل )

ثانيا : عبودية النبى لله جل وعلا

ثالثا : عبودية النبى تكريم له

رابعا : تكريم الأنبياء بالعبودية للرحمن جل وعلا

خامسا : التكريم للبشر بالعبودية للرحمن جل وعلا 

أولا : بشرية النبى و الحوار ب ( قُل )

1 ـ لأنه جل وعلا يعلم الغيب ولأن القرآن نزل للناس جميعا حتى قيام الساعة ، ولأن للمشركين عادة سيئة فى تقديس البشر وتحويل شخصية النبى البشرية الى إله بالتزييف ، لهذا جاء فى سياق كلمة ( قل ) التأكيد على بشرية النبى . ومن إعجاز القرآن أن هذا بالذات يأتى ردا على المحمديين الذين يقدسون خاتم المرسلين . وما يفعله المحمديون هو إمتداد ( عكسى ) لكفار قريش الذين كانوا يستنكرون أن يكون النبى بشرا مثلهم ، فجاء المحمديون يستنكرون ان يكون ( محمد ) بشرا مثل بقية البشر .

2 ـ كان القرشيون يسخرون من النبى حين كان يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق كأى بشر ، ومن سخريتهم أنه لو كان رسولا لما إحتاج لهذا : ( وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (8) الفرقان ).

تخيل لو ذهب واحد من ( أهل القرآن ) الى منطقة الأزهر ، وأكل ( كشرى ) فى مطعم هناك ، ثم إتّجه الى مسجد الحسين واستنكر تقديس قبر الحسن ، إن بقى حيا بعدها سيكون أخف ما يتعرض له هو السخرية من هذا الذى يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق ، ويتعرض للمقدسات والثوابت وما وجدنا عليه آباءنا  .

3 ـ ولأنه عليه السلام  فى حياته فى مكة كان يتعرض لآلهتهم المقدسة ، ولأنهم كانوا يرونه بشرا مثلهم فقد إستكثروا أن يقوم بشر مثلهم بالنيل من مقدساتهم ، فردوا على ذلك بالسخرية منه ، فكان إذا مرّ عليهم فى الطريق يشيرون اليه باستهزاء : أهذا الذى يذكر آلهتكم : ( وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ )(36)الأنبياء)،أو يتندرون عليه ساخرين : أهذا هو رسول الله ؟ : ( وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً (41) الفرقان ). لا يتخيلون الرسول بشرا مثلهم ، يتصورونه الاها مختلفا عنهم . وفى هذا يتفق المحمديون والمسيحيون والبوذيون والقرشيون ..الخ

4 ـ وفى المقابل كان عليه السلام مأمورا أن يؤكد أنه ( بشر مثلنا ) ولكن يُوحى اليه بأنه ( لا إله إلا الله ) : ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110) الكهف ). أى إن القضية ليست فى الشخص البشرى ، ولكن فى الوحى الالهى الدّاعى إلى أنّه ( لا إله إلا الله ) . وبالتالى فليس مُهمّا شخص الداعى ، المهم هى الدعوة الى ( لا إله إلّا الله ) ، وهذه هى سبيل النبى فى حياته وسبيل كل داعية يأتى على سُنّته وطريقته يدعو الى الله جل وعلا على بصيرة قرآنية ، وبهذ أمر الله جل وعلا رسوله الكريم أن ( يقول ):( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ (108) يوسف ) ولقد نزل القرآن الكريم بصائر للناس ، يقول جل وعلا يصف القرآن الكريم بأنه ( بصائر ): (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) ( الأنعام )

5 ـ ولو قام واحد من الدعاة يُبشّر بالقرآن ، يستنكر تقديس القبور ، كما كان يفعل خاتم المرسلين فسيكون المحمديون أشد الناس عداءا له . والدليل أنّ أهل القرآن يتحملون صنوف الأذى والتكفير لأنهم يبشرون  وينذرون بالقرآن ليؤكدوا نفس الذى  كان الرسول يدعو اليه : أنه لا تقديس إلا لله جل وعلا وحده ، وأن النبى محمدا كان بشرا مثلنا يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق ، وليس مقدسا ، وليس إلاها مع الله ، بل إنه كان يؤذى بسبب دعوته أنه ( لا إله إلا الله ) . وأنه عليه السلام  أوذى حين قام يدعو الى الله على بصيرة مستنكرا وجود  قبور مقدسة فى المساجد داعيا أن تكون المساجد لله جل وعلا وحده ، فلا يرتفع فيها بالأذان للصلاة إلّا ( الله أكبر ، لا إله إلا الله ) وأن تكون الصلاة فى المساجد لذكر الله وحده ، حين واجه كفار قريش بهذا كادوا يفتكون به : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (19)الجن ) . وبعدها يأتيه الأمر من الله جل وعلا ب( قُل ) ثلاث مرات : ( قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (20) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (22) إِلاَّ بَلاغاً مِنْ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً (23) الجن ) وهذه ال ( قُل ) الثلاث توجز عقيدة الاسلام وبشرية النبى عليه السلام ، وأنه لا يملك ضرا ولا رشدا ، ولن يُجيره أو ينقذه أحد من عذاب الله إلا تبليغه للرسالة ، لأن من يعصى  الله ورسالته فمصيره الخلود فى النار .

6 ـ تخيلوا : لو تجرأ أحد على الوقوف أمام قبر مقدس فى مسجد وخطب فى الناس بأن المساجد لله جل وعلا وحده فلا يجوز أن تدعوا غير الله . ماذا يحدث له لو تجرأ وأعلن أن هذه القبور المقدسة هى رجس من عمل الشيطان يجب إجتنابه ، وهذا أمر الاهى للمؤمنين : (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) المائدة ). لا حاجة للتخيل ، فالنتيجة معروفة ، أساسها إنكار المحمديين أن يكون محمد عليه السلام (عبدا ) لله جل وعلا . هم لا يعتبرونه عبدا لله ، لأنهم يقدسونه إلاها مع الله .

ثانيا : عبودية النبى لله جل وعلا

1 ـ جاءت الأوامر بكلمة (قل ) فى الحوار مع المشركين تؤكد أن النبى مأمور بأن يعبد الله جل وعلا ، وأنه منهى عن تقديس وعبادة شىء معه جل وعلا : (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) يونس:104 ) وجاء هذا فى الحوار مع أهل الكتاب : (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنْ الأَحْزَابِ مَنْ يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ) الرعد:36 ). ومن ناحيتهم قام الجاهليون بحملة مضادة تأمر النبى أن يقدّس أولياءهم وآلهتهم مع تقديسه لله جل وعلا ، ولأنّ هذا يتنافى مع العبادة الخالصة المخلصة لله جل وعلا فقد جاءت له عليه السلام أوامر بكلمة ( قل ):( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ) ( قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي  فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونَنِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ)  الزمر: 11 ، 14: 15  ، 64 ) .

2 ـ ولأنه عليه السلام كان ( يعبد ) الله جل وعلا وحده مبشرا بالقرآن الكريم ومُنذرا به ، فإن من ملامح التكريم الالهى له أن يصفه رب العزة جل وعلا  بأنه ( عبد ) لله جل وعلا ، فى رد مقدم على المحمديين .

ثالثا : عبودية النبى تكريم له

1 ـ من التكريم للنبى أن يوصف بأنه عبد لله جل وعلا ، وأن يقول عنه رب العزة ( عبدنا ) أو ( عبده ) ، أى ينسب عبودية النبى له جل وعلا  وحده.

2 ـ  وهذا التكريم جاء لخاتم النبيين فى سياق نزول الوحى القرآنى عليه : ( فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ) النجم:10 )، (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) الفرقان: 1 ) ، ( وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ  ) الأنفال: 41 ) (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ )الحديد: 9 ) ، (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا )الكهف: 1 ) كما يأتى فى سياق التحدى بالقرآن : ( وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ )  البقرة 23)

3 ـ كما يأتى هذا التكريم فى موضوع الاسراء :  ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) الاسراء 1 )،

4 ـ وفى تثبيت وتأييد النبى عليه السلام فى جهاده ضد حرب الكفار له نفسيا ، كالتخريف والارهاب ، وهنا فالله جل وعلا هو الكافى ( لعبده ): ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ )الزمر 36 ) ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً )الجن: 19 ) (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْداً إِذَا صَلَّى) العلق: 10 ) .

رابعا : تكريم الأنبياء بالعبودية للرحمن جل وعلا

1 ـ ردا على تأليه المسيح يقصّ رب العزة ميلاد عيسى عليه السلام ، ونطقه فى المهد طفلا يدافع عن والدته بأنه عبد لله جل وعلا : ( قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ) مريم: 30 ) الى أن يقول عليه السلام لقومه حين صار نبيا:( وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) مريم:36 ). ويقول جل وعلا عنه يصفه بالعبودية : ( إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) الزخرف: 59 ) وفى الرد على تأليههم له يقول جل وعلا : ( لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً)النساء:  ) 172 ) .

2 ـ وفى قصص الأنبياء جاء وصفهم بالعبودة تكريما لهم ، عن زكريا : ( ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ) مريم:2 )، وعن داود : ( اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ )ص: 17 ) وعن سليمان أو داود  :  (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ )ص: 30 ) وتمنى سليمان أن يُدخله ربه جل وعلا فى ( عباده الصالحين ) : ( فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ)النمل 19 ) وأيوب : ( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ )ص: 41 ) ( إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) ص 44 ) ، ولم يذكر رب العزة إسم النبى صاحب موسى ، ووصفه بأنه ( عبد آتاه الله رحمة وعلما):( فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً )الكهف:65 ) ، وقال جل وعلا عن يوسف حين أعرض عن إمرأة العزيز (  إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) يوسف 24  ). وقال جل وعلا عن نوح ( إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً)الإسراء: 3  ) ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا )القمر  9 ). وتكرر الوصف لبعض الأنبياء بقوله جل وعلا  ( إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ) (الصافات : 81 ، 111 ، 122 ، 132 ).

3 ـ وجاء وصف بعض الأنبياء معا بالعبودية ، مثل ابراهيم واسحاق ويعقوب : ( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ) ص: 45 ) وداود وسليمان ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) النمل: 15 )، ونوح ولوط ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ ) التحريم 10 )

 4 ـ وجاء وصف العباد للرسل جميعا ، فهم الذين يتم إختيارهم من بين البشر لينزل عليهم الروح ( جبريل ) بالوحى والرسالات السماوية : ( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ)النحل: 2 )، ( رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِي)غافر: 15 ) ، ويقول جل وعلا  يأمر النبى محمدا ويامرنا بالسلام عليهم جميعا: ( قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) النمل: 59 ). والرسل يفخرون بهذه العبودية لله جل وعلا إذ منّ الله جل وعلا عليهم بأن إختارهم رسلا من بين عباده البشر : ( قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ  )إبراهيم: 11 )

5 ـ والملائكة ، أيضا من عباد الله ، وقال جل وعلا فيمن إتّخذهم آلهة : ( وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ)الزخرف 19 ) ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ)الأنبياء: 26)

6 ـ ويوم القيامة سيأتى الجميع عبدا لله جل وعلا  رغم انوفهم : ( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً ) مريم: 93 )

خامسا : التكريم للبشر بالعبودية للرحمن جل وعلا 

1 ـ وإذا كان الرسل بالاصطفاء والاجتباء والاختيار الالهى فإن أمام البشر العاديين حرية الإختيار أن يكونوا من عباد الرحمن إذا تحلُّوا بصفات عباد الرحمن المذكورة فى سورة الفرقان ، والتى بها تتحقق العبودية الصادقة لله جل وعلا :  ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً )الفرقان: 63 وما بعدها ) . وهؤلاء الذين يختارون بمحض إرادتهم أن يكونوا عبادا وعبيدا للرحمن يأتيهم الخطاب الالهى بالتكريم ( يا عبادى ) مشفوعا بالأوامر ، وهى عامة لكل من يتمسك بها بارادته الحرة ، كقوله جل وعلا : ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)البقرة  ) ( يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ)العنكبوت: 56 ) ، أى هى صفات مطروحة أمام البشر فى كل زمان ومكان لمن شاء الفلاح بصدق العبودية للخالق جل وعلا .

2 ـ هو تكريم حقيقى لأى واحد من البشر ، أن يكون عبدا لله جل وعلا وحده ، أن يكون عبدا للخالق رب السماوات والأرض ، وليس عبدا لمخلوق مثله . يكفيه فخرا أن يكون عبدا لله جل وعلا وحده ، ويكفيه عِزّا أن يكون مولاه ومالكه وربه هو الله جل وعلا وحده، وبهذا جاءت ( قل ) أمرا لخاتم المرسلين  : (  قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ) (164 ) (الأنعام ) . المؤمن الحق هو ( عبد ) لله جل وعلا وحده ، لا يتخذ من البشر وليا يستغيث به ويجعل نفسه عبدا له ، ويقدم له النذور والقرابين .

4 ـ  المحمديون وأتباع الديانات الأرضية يجعلون أنفسهم عبيدا لمخلوقات يزعمون أنها الأولياء ، وقد أمر الله جل وعلا رسوله الكريم بأن ( يقول ) : ( قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (14) الأنعام ) .

الخاتمة

1 ـ محمد عليه السلام فى شخصيته البشرية الحقيقية كان مأمورا أن يكون صادقا فى عبوديته لله جل وعلا ، وكان مأمورا أن يعلن هذا وأن يقول هذا ( الأنعام 14 ، 164 ) .

2 ـ المحمديون عكس هذا .. جعلوا محمدا الاها ، فأصبحوا أعداء لمحمد عليه السلام .

الفصل الثالث : ( قل ) فى الحوار فى الألوهية ردّا على  الكافرين

مقدمة  

أولا : أسئلة متنوعة  تتحدى  بدون ( قل ) :

ثانيا : أسئلة متنوعة  تتحدى  باستعمال ( قل ) :

مقدمة

1 ـ  فى إطار الحوار تأتى أسئلة متنوعة ومتعددة تتحدى وتأتى إجابتها من الله جل وعلا ، لأن البشر لا يمكن أن يُجيبوا بغير هذا ، فهم يؤمنون بأن الله جل وعلا هو وحده الخالق الذى فطر هذا الكون ومن فيه وما فيه ، ويأتى هذا بكلمة ( قل ) ، وبدونها ، وقد يصل الحوار الى التهديد بالعذاب طلبا فى الشفاء من مرض الكفر قبل الموت .، و( الكفر ) من ( كفر ) أى (غطى ) وهذا هو معناه اللفظى ، ومعناه القلبى هو تغطية الفطرة السليمة التى يولد بها الفرد البشرى بالاعتقاد فى إله آخر مع الله . ولعلاج هذا الداء ( الكفر ) جاءت آيات القرآن بالشفاء بكلمة ( قل ) وبدونها . ونعطى بعض التفاصيل 

أولا : أسئلة متنوعة  تتحدى  بدون ( قل ) :

يقول جل وعلا : (  أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ (37) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمْ الْبَنُونَ (39) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (40) أَمْ عِنْدَهُمْ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمْ الْمَكِيدُونَ (42) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43) الطور ). الأسئلة هنا هى :

1 ـ من هو الذى خلقكم ؟ أم أنتم الذين خلقتم أنفسكم ؟ الجواب الوحيد : الله جل وعلا هو وحده الخالق.   2 ـ هل أنتم الذين خلقتم السماوات والأرض ؟ وهل أنتم المسيطرون على الكون ؟ الجواب الوحيد : الله جل وعلا هو وحده الخالق إذن فهو وحده الذى يملك خزائن السماوات والأرض ، وهو وحده جل وعلا المسيطر على الكون .

3 ـ هل لديكم سُلّم ـ أو وسيلة ـ تستطيعون بها الاستماع الى الوحى الالهى ؟ إن كان لكم من يستمع فليأت بالبرهان . الجواب : لا يوجد هذا ولا ذاك

4 ـ فى الرد على قول الجاهليين بأن الملائكة بنات الله : هل إختار رب العزة الملائكة بنات له ـ وأنتم تكرهون إنجاب البنات ـ ثم يرزقكم رب العزة بالبنين ؟ الجواب بالنفى .

5 ـ هل يسألهم خاتم المرسلين أجرا على دعوته للشفاء بالقرآن من مرض الكفر ؟ الجواب بالنفى ، لأن كل رسول وكل نبى لا يسأل أجرا لأن أجره على الله، هذه  هى سُنّة الأنبياء من نوح عليه السلام : ( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) الشعراء  ) الى خاتم المرسلين : (   قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) سبأ  )  وكذلك كل داعية للحق  مهتديا به : ( اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) يس). النبى وكل المؤمنين يجاهدون بأموالهم وأنفسهم ، وأجرهم هو الجنة التى أعدها رب العزة لهم:( لَكِنْ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (88)أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89) التوبة ).أما أصحاب الديانات الأرضية وشيوخها فيتحول الدين عندهم الى إحتراف دينى وكهنوت وشراء بآيات الله ثمنا قليلا من ثروة وسلطة وحُطام دنيوى .

6 ـ هل يعلمون الغيب ؟ والجواب بالنفى ، لأنه لا يعلم الغيب إلا الله جل وعلا : ( قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ  )(65)النمل) ، وقد يعطى رب العزة بعض الأنبياء العلم ببعض الغيب دليلا على صدق نبوتهم ( مثل يوسف:( يوسف37 ) وعيسى عليهما السلام:(آل عمران 49 )، يقول جل وعلا ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء )آل عمران 179 )، وبعض الأنبياء لم يعطه رب العزة أى علم بالغيب مثل نوح ( هود ) وخاتم النبيين عليهم جميعا السلام ( الجن 25 : 27 ) ( الأعراف 188 ) ( الأنعام 50 ) ( الأحقاف 9 )

7 ـ هل يريدون الكيد والمكر والتآمر ؟ نعم . إذن سينقلب عليهم كيدهم كما حدث لفرعون مع موسى الذى ربّاه ، وهى سُنّة الاهية  لا تبديل لها ، نراها فى عصرنا كما كانت من قبل : أن يحيق المكر السىء بأهله : ( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (43) فاطر ) . يقول جل وعلا عن قوم ثمود ومكرهم حين تآمروا وعقروا الناقة : ( وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49) وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (50) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53)  ) النمل ) . وردا على مكرهم وإعتداءاتهم أمر الله جل وعلا رسوله أن ( يقول ) للكافرين المعتدين ولكل الكافرين المعتدين : ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) ( آل عمران ) وكان بعد هزيمتهم فى موقعة بدر . وقبل موقعة بدر حذّرهم رب العزة فى خطاب مباشر بدون (قل ) فقال لهم ، ولكل الكافرين المعتدين فى أى زمان ومكان وباسلوب الفعل المضارع لينطبق على السعوديين والوهابيين المعتدين سفاكى الدماء : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)( الأنفال )

8 ـ بعد هذه الأسئلة الحوارية ، تأتى النتيجة الحتمية : لا إله إلا الله : (أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43) الطور ). كل هذا بدون كلمة ( قل )

ثانيا : أسئلة متنوعة  تتحدى  باستعمال ( قل ) :

1 ـ يقول جل وعلا ( قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِالسَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ (89) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91)  (المؤمنون ) .

هنا يأتى السؤال بكلمة ( قل ) وبعده تأتى الاجابة الحتمية ( سيقولون ) . ثم تساؤل بالنتيجة وبالموعظة وبالشفاء : ( ألا تتقون ؟ ألا تذكرون ، الى متى تُخدعون وتنخدعون ) ثم الموعظة والنتيجة الكلية والعقلية فى نهاية الحوار : وذلك كالآتى :

السؤال الأول : ( قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (84) الجواب الحتمى :( سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ) النتيجة والموعظة والشفاء ( قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (85)

السؤال الثانى ( قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِالسَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) الجواب الحتمى :( سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ) النتيجة والموعظة والشفاء : ( قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (87)  

السؤال الثالث : ( قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88) الجواب الحتمى ( سَيَقُولُونَ لِلَّهِ  ) النتيجة والموعظة والشفاء : ( قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ (89) المؤمنون ) .

ثم تأتى النتيجة النهائية العقلية فى نهاية الحوار ، وهى أنه لا اله مع الله وأنه جل وعلا لم يلد ، لأنه لو كان معه إله أو ولد لأخذ كل إله مخلوقاته التى خلقها ، وحدث صراع بينهم يتسبب فى دمار الكون ، وسبحان الله جل وعلا عما يصفون : (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91)  (المؤمنون ) .

قد يبدو هذا مُستساغا عقليا لدى المحمديين طالما ينصرف ذهنهم الى أن المقصود هم ( كفار قريش الوحشين فقط ) ولكنه يكون مرفوضا منهم إذا وجهت لهم نفس الأسئلة عن أتخاذهم محمدا والأئمة والأولياء آلهة مع الله وشركاء له فى المُلك وفى الحكم . هم يكفرون بقوله جل وعلا للرسول عليه السلام  ولكل البشر : (مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26) وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (27) الكهف ).

2 ـ ويقول جل وعلا  فى أسئلة متعددة تأتى الاجابة عليها ( قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) الانعام ).

الله جل وعلا يأمر رسوله بأن يقول أن يسيروا فى الأرض لينظروا آثار التدمير الذى لحق بالكفار السابقين حين كذّبوا الرسل ، وأن يقول لهم إنه وحده مالك السماوات والأرض ، وأن يقول لهم إنه جل وعلا قد كتب على نفسه الرحمة ، ولكن هذه الرحمة سينالها من يستحقها يوم القيامة ، وأمره جل وعلا أن يعلن ويقول بأنه لا يتخذ وليا غير الله ، لأنه جل وعلا هو الذى يُطعم المخلوقات الحية من بشر عاديين وبشر يتحولون بالافتراء والأكاذيب الى كائنات مقدسة وآلهة مزورة ، وأنه عليه السلام يخاف إن عصى ربه من عذاب يوم عظيم ، لأن الله جل وعلا هو مالك يوم الدين والذى لا يُشرك فى حكمه أحده ،  وأن الله جل وعلا إذا أصاب محمدا بضُرّ فلا كاشف لهذا الضُّر إلا الله ، وهذا يسرى على كل البشر لأن الله جل وعلا هو القاهر فوق عباده .

ثم تأتى الاية رقم 19 بثلاث كلمات من ( قل ) لأنها تؤكد شهادة الرحمن بأنه : لا إله ألا الله ، وأن القرآن وحى الله جل وعلا الصادق إنذارا للبشر ، بأنه لا اله إلا الله ، وأن محمدا عليه السلام برىء من المشركين . : (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) الانعام ). وبالتالى فهو عليه السلام برىء من المحمديين ، ليس فقط لأنهم مشركون بالله ، ولكن لأنهم جعلوا محمدا نفسه شريكا لله جل وعلا فى حكمه برغم الايات الكريمة السابقة وآلاف غيرها . هم بذلك يجعلون خاتم المرسلين فى موقف حرج مع رب العزة يوم القيامة . لذا سيتبرأ من قومه الذين إتخذوا القرآن مهجورا ، وكل من سار على (سُنّة ) قومه فى إتّخاذ القرآن مهجورا .

أخيرا

1 ـ والدليل على أن المحمديين إتخذوا القرآن مهجورا أننا نستدل بالقرآن الكريم نوضح داء الكفر المتمكّن فى قلوبهم ، والذى به يدمرون بلادهم ، ويُخربون بلادهم ، ويخرجون فريقا منهم من ديارهم ، ويسفكون به دماءهم فى مذابح لا تتوقف . هذه المذابح والمخازى تعوّد على رؤيتها العالم ولم يعد يأبه بها ، بل أصبحت مورد كسب بالبلايين لشركات السلاح . هذا الوباء الكُفرى حين نصف له العلاج القرآنى نُكافأُ عليه بالاضطهاد .

2 ـ ما يفعله المحمديون بأنفسهم وبنا يُعدُّ تكذيبا لآيات الله وكفرا بالقرآن الكريم . وإتّباعا للإسرائيليات التى جعلوها أحاديث وسُنّة نبوية .

3 ـ وبسبب هذه الاسرائيليات المسماة بالسّنة نرى المحمديين يكررون ما كان اليهود يفعلونه بأنفسهم وقت نزول القرآن . كان اليهود يقتتلون فيما بينهم قتالا مذهبيا ، ويُخرجون فريقا منهم من ديارهم ويأسرون آخرين يأخذون منهم الفدية ، وذلك حرام من أساسه ( الأسر ) ، يقول جل وعلا يخاطب اليهود وقتها :( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَتَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ (86) ( البقرة ).

3 ـ لم يعد اليهود فى عصرنا يفعلون ذلك بأنفسهم . المحمديون هم الذين يفعلون ذلك ، يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعضه ، ويقتلون أنفسهم فى سوريا والعراق وآسيا وشمال أفريقيا ومصر ، منذ العصر الأموى وحتى الآن . هذا بالرغم مما جاء فى القرآن الكريم مكررا ومؤكدا ، مشفوعا بكلمة (قل ) وبدونها

2 ـ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم

الفصل الرابع  : ( قل ) بأسئلة فى الحوار فى الألوهية تهديدا للكافرين

مقدمة :ـ السؤال هنا ب ( قل ) عن النشأة . أسئلة عن

1 ـ النشأة الأولى ـ 2 ـ السمع والابصار والادراك 3 ـ الاهلاك 4 ـ  الماء .5 الليل والنهار   6 ـ الانذار بالوحى ـ  لا جدوى من هداية أولياء الشيطان

مقدمة :ـ  

 الطبيب الذى يعالج جسد المريض قد يلجأ الى تهديده بأنه لو إستمر فى التدخين أو شرب الخمر أو الافراط فى الطعام أو الامتناع عن تعاطى الدواء فسيحدث له كذا . ونفس الحال فى الشفاء القرآنى ، قد يصل الحوار الى التهديد بالعذاب طلبا فى الشفاء من مرض الكفر قبل الموت . ولعلاج داء ( الكفر ) جاءت آيات القرآن بالشفاء بكلمة ( قل ) وبدونها . ونعطى بعض النماذج:

1 ـ يقول جل وعلا ( أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21) الملك ).

الحوار يبدأ بحقيقة لا جدال فيها ، ويأتى السؤال عنها للتذكير والتقرير مُغلّفا بالتهديد الواضح والضمنى ، وهذه الحقائق أن الله جل وعلا هو وحده الذى يرزق العباد ، وهو الذى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدره على من يشاء إختبارا لهذا وذاك ، ليكون هذا غنيا ثريا ويكون ذاك فقيرا مُملقا  ، ويصبح هذا فقيرا بعد ثراء ويصبح ذاك غنيا بعد إملاق  . ولو كان الرزق بيد البشر لصار كل البشر بليونيرات ، ولكننا نرى فقراء أصبحوا أثرياء ، ومليونيرات أصبحوا مفلسين ، أى إن الرزق بيد الرحمن ، وبالتالى فهنا تهديد بأنه جل وعلا لو أمسك ومنع رزقه فمن يرزقنا بعده . جاء هذا خطابا مباشرا بدون ( قل ) .

 2 ـ يقول جل وعلا  ( قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ (23)( الملك )

السؤال هنا ب ( قل ) عن النشأة . من مرحلة الجنين الى الولادة والطفولة . كلنا يراها فى غيره ، ولا يتذكرها فى نفسه . ترى إبنك رضيعا وطفلا يحبو ويكبر أمام ناظريك الى أن يشب رجلا . وكذلك رآك أبوك . ولكنك لا تتذكر نفسك حين كنت جنينا وحين كنت رضيعا وطفلا .هذه هى النشأة الأولى التى نعيشها ونراها فى غيرنا ولا نراها فى أنفسنا . ترى صورتك طفلا رضيعا فتتساءل عن هذا الجسد الغض الرقيق الذى كنت فيه ، أين ذهب ؟ مات فى داخلك وتجددت خلاياك مرات عديدة حتى أصبحت فى هذا الجسد الذى تحتله نفسك الآن . يقول رب العزة يحاورنا فى آية خلقه لنا ، من مرحلة المنى وتكوين الجنين ، الى مرحلة تطور الطفولة فى الانسان وموت خلاياه وتجددها ، من النشأة الأولى وما بعدها ، يقول جل وعلا فى حوار بدون ( قل )  : (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ (62) ( الواقعة ).

وهذه النشأة فينا مرتبطة بخلق حواس السمع والابصار ، وما يتبعها من إدراك : ( قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ ). والنسق القرآنى يجعل السمع سابقا للبصر ، والطفل يبدأ فى السمع ، أى يدرك بالسمع ، ثم بعدها يدرك بالبصر ، وفيما بعد يتحكم بالادراك با لأفئدة  فى حواسّه ، يُسيّرها حيث يشاء ، أى تُسيّرها ( نفسه ) . ولكنه قلّما يشكر ربه جل وعلا على نِعم النشأة والسمع والابصار والإدراك . لذا يقول جل وعلا لنا فى خطاب يستعمل ( قل ) : ( قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ (23) الملك )

 هنا تأتى ( قل ) سؤالا عمّن أنشأنا وخلق فينا السمع والبصر والإدراك ،وهو سؤال يحوى تهديدا ضمنيا ، لأن الذى وهب لنا السمع والبصر قادر على أن يحرمنا منها .( هل تتصور نفسك وقد فقدت قدرتك على البصر واصبحت أعمى ؟ أو أصبحت أصمِّ أو مجنونا لا تدرك ؟ ) . نحن لا تعرف قيمة هذه النعم إلا عندما نفقدها . ومن هنا يصيب رب العزة بعض الناس بالعمى والصمم والعرج وعاهات أخرى فتنة لهم ولنا ، والفتنة والابتلاء بالنعم والنقم والمنحة والمحنة ليبلونا ربنا جل وعلا هل سنشكر أم نكفر.

3 ـ يقول جل وعلا :  (  قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِي اللَّهُ وَمَنْ مَعِي أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28) الملك ) . هنا تأتى ( قل ) تهديدا واضحا ، يبدأ بإفتراض أن الرحمن لو أهلك النبى ومن معه من المؤمنين ، فمن ينقذ الكافرين ويُجيرهم من عذاب أليم ؟  ومعروف أن النبى لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا بإذن الله ، فإذا كان هذا حاله فمن ينقذ الكافرين من عذاب أليم . وهذا التساؤل مُوجّه للمحمديين الذين يجعلون محمدا مالك يوم الدين . هنا يأمره ربه أن يقول : (  قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِي اللَّهُ وَمَنْ مَعِي أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28) الملك ) .  ثم تهديد آخر ينتظر من يموت بكفره من المحمديين وغيرهم :( قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (29 ) الملك ).

4  ـ ويقول جل وعلا : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30) الملك ). هنا جاءت ( قل ) تهديدا واضحا فى أنه جل وعلا لو شاء لجعل الماء يغور فى باطن الأرض ، أى يجف سطح الأرض ، وعندها فلن يوجد من يأتى للبشر بماء معين. فهذا الماء مقره ومستودعه باطن الأرض ،أى اسكنه الله جل وعلا باطن الأرض ، ويستطيع أن يعيده الى منبته. وهذه حقيقة علمية أتى بها القرآن في أن باطن الأرض هو منبع ومخزن ومصدر الماء  ، ويعززها آيات أخرى عن ماء المطر، يقول جل وعلا  عن ماء المطر الذى لا نستطيع تخزينه مهما إستطعنا لأنه يتسرب عائدا الى منبته الأصلى  : ( وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22 ) الحجر ). ويقول جل وعلا عن الصخور وتفجر الماء منها : ( وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً )  (60) البقرة ) ،( وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) البقرة ) وعن إسكان الماء فى الأرض وتحكمه جل وعلا فيه :  ( وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18) المؤمنون ) ( أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (41) الكهف )

4 ـ ويقول جل وعلا ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) القصص )

قلنا إن من آيات الاعجاز فى القرآن العلمى إيراد الحقيقة العلمية باسلوب فريد ، يحافظ على جوهر الحقيقة العلمية ولا يجعلها تصدم العقول التى لم تصل بعدّ الى معرفة هذه الحقيقة العلمية . من ذلك كروية الأرض ، ودورانها حول نفسها ودورانها فى نفس الوقت حول الشمس ، وما ينتج عن ذلك من تعاقب الليل والنهار وتداخلهما و تعاقب الفصول الأربعة فى معظم الكرة الأرضية . التعبير المُعجز فى دوران الأرض حول نفسها وهى تدور الشمس ـ هو ( يولج الليل فى النهار ويولج النهار فى الليل ) .

وكما يتمتع معظم البشر بحواس السمع والبصر ، فإن  معظم البشر يتمتعون فى هذه الكرة الأرضية بليل يتبعه نهار ، ونهار يتبعه ليل . وفى المناطق القطبية الجنوبية والشمالية لا يحظى البشر بهذه النعمة . ومن هنا يأتى التهديد بأن الله جل وعلا هو القادر على أن يجعل النهار سرمدا الى يوم القيامة ، فمن غيره يأتى بليل يستريح فيه الناس ؟ أو أن يجعل الليل سرمدا الى يوم القيامة ، فمن غيره يأتى بضياء يتمتع به الناس ؟ ولهذا فإن من رحمته أن جعل الليل ليسكن ويستريح فيه الناس ، وجعل النهار ليسعى فيه الناس إبتغاء فضل الله جل وعلا . هنا تهديد جاء بكلمة ( قل )، والهدف منه أن يتعقل الناس وأن يسموعوا وأن يبصروا ( بعقولهم ) وأن يشكروا الرحمن جل وعلا (أَفَلا تَسْمَعُونَ (71) أَفَلا تُبْصِرُونَ (72) وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) ).!

5 ـ ويقول جل وعلا : ( قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ (45) الانبياء )

لقد أرسل الله جل وعلا رسوله الكريم بالقرآن الفرقان ليكون نذيرا للعالمين ، أى لتهديد العالمين بسوء العاقبة إن لم يهتدوا . هذه حقيقة جاءت بدون كلمة ( قل ) فى قوله جل وعلا : ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً (1)  الفرقان ). وجاءت هنا بكلمة ( قل ) : (قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ ) . لم يكن عليه السلام يُنذر الناس بكلامه الشخصى ، بل بالقرآن . وجاء فى سورة ( الأنعام ): ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ  ) (19) ) ( وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) ).  

ومع ذلك فقليلا من البشر من يتم شفاؤه من مرض الكفر . هم كالموتى فى القبور ، لا يسمعون . وقد كان عليه السلام يحزن لإعراض الكافرين ، فقال له ربه جل وعلا فى سورة فاطر : ( وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ (23) وقال : ( أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8))

المفترض أن يسمعوا ، ولكنهم مصابون بالصمم. يقول جل وعلا باستعمال كلمة ( قل )  : ( قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ (45) الانبياء ). لقد أنعم الله جل وعلا عليهم بنعمة السمع والبصر  فى الأذن والعينين ، وهما  وسيلتا السمع والبصر المادى فى الجسد  . ولكن النفس هى التى تتحكم فى الجسد وفى حواسه المادية ، فإذا إختارت النفس الضلال فمهما يصل الى أسماعها من هدى فلا تسمعه ، ومهما ترى بعينيها من حقائق فهى لا تبصرها . وما أروع قوله جل وعلا عن أولئك المعاندين ـ المحمديين منهم وغير المحمديين ـ ( وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (198) الاعراف). تتحدث مع المريض بالكفر ، فتراه يسمع ويبصر طالما تتحدث معه فى أى شىء على هواه ، فإذا دعوته الى الهدى فإن صوتك الذى يصل الى أذنيه بالهدى تمنعه أغلفة المرض الكفرى من الوصول ، وتراه ينظر اليك بعينيه ولكنه لا يبصر الحقيقة بقلبه . والقلب هو النفس وهو الفؤاد والعقل فى المصطلح القرآنى .  ومن تمكّن فى قلبه مرض الكفر لا يزداد إلا مرضا ، ولهذا فمهما أنذرته فالنتيجة صفر . جاء هذا فى سورة البقرة بدون كلمة ( قل ): ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) )

6 ـ  هؤلاء المرضى بداء الكفر مقتنعون بأنهم على الهدى . أقنعهم شيطانهم بهذا ، فيحسبون أنهم مهتدون، يقول جل وعلا عنهم بدون كلمة ( قل ) : ( إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)( الأعراف ). البداية بإختيار الفرد البشرى . إذا إختار الاعراض عن نور القرآن وهدى الرحمن ، أى أصيب بالعشى فلا يرى بقلبه النور القرآنى ـ عندئذ يتولاه شيطان يقترن به ( قرين من الشياطين ) يتخصص فى إضلاله ، يصده عن سبيل الحق ، ويجعله يحسب نفسه مهتديا ، ويظل على هذا حتى يموت ، ثم يوم القيامة يرى قرينه الشيطانى فيلعنه ، يقول جل وعلا ـ بدون إستعمال ( قل ): ( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنفَعَكُمْ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (40) الزخرف ).

لذا تجد العجب الآن من المحمديين ،وهم يتخذون أولياء من البشر يستجيرون بهم ويطلبون منهم المدد ، مُعرضين عن الله جل وعلا وهو وحده الولى الحميد (وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28) الشورى ). وهم ينسون أن الله جل وعلا أمر رسوله الكريم أن يعلن وأن يقول أنه لا يتخذ غير الله وليا ، لأن الله جل وعلا هو فاطر السماوات والأرض ، وهو الذى يُطعم غيره ولا يُطعمه غيره : (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (14)الأنعام ) المحمديون ممّن يعبد القبور ( المقدسة ) يكفرون بهذه الآية الكريمة ، حين يتخذون أولياء من البشر من عباد الله ، أولئك المحمديون ضلّ سعيهم فى الحياة الدنيا ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، وقد جاء التهديد لهم ولغيرهم باستعمال ( قل ) : يقول جل وعلا ( أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً (102) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) الكهف )

7 ـ هذا المريض بالكفر القلبى قد يصل به الكفر القلبى الى الكفر السلوكى بالاعتداء ، ويبدأ الاعتداء بالتطاول ومحاولة البطش بمن يقرأ القرآن داعيا للهدى . أى يتطاول المريض على الطبيب رافضا الدواء . لذا لا بد من التهديد بالنار ، أملا فى أن يهتدى قبل الموت .  يقول جل وعلا  فى تهديد بالنار  لمن يموت كافرا : (  وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72) الحج ). هنا جاءت كلمة ( قل )

أخيرا

كل هذا الشفاء بكلمة ( قل ) وبخطاب الاهى مباشر بدون ( قل ) لم يصل الى قلوب المحمديين ولم ينفع فى شفائها ، لأنها ممتلئة برجس الوحى الشيطانى مما يسمون ( أحاديث وسُنّة ) . هذا الرجس الشيطانى يجعل على قلوبهم حجابا ، يظل مستورا ، ولكن سرعان ما تظهر فاعليته وسيطرته حين يُتلى القرآن ، فالقرآن هو ( الفرقان ) الذى يفضح الباطل ، شأن سماعة الطبيب التى تكشف المرض الجسدى . بالقرآن يظهر الحجاب سدا منيعا يمنع الهداية ، ويجعل صاحبه يُعرض غن الشفاء القرآنى ويُولّى الأدبار . يقول جل وعلا : ( وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً (46) الاسراء . ) لو وعظت واحدا من المحمديين بالقرآن ( وحده ) ليقدّس الله جل وعلا ( وحده ) ولّى كارها كافرا حانقا غاضبا . يمكنك أن تجرب هذا معهم بنفسك ، هذا إن لم تكن قد جربته معهم فعلا بنفسك .!

هذا هو أظلم الناس  بشهادة الرحمن جل وعلا : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (57)( الكهف ).

ودائما : صدق الله العظيم .!

الفصل الخامس  : ( قل ) فى  حوار فى الألوهية بإيقاظ الفطرة داخل الكافرين  

مقدمة : تدبر قوله جل وعلا : ( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) سبأ )

أولا : ( صاحبكم ) . ثانيا : الفطرة:ثالثا : مخاطبة الجانب الخيّر ( الفطرة ) داخل قلوب المشركين 

مقدمة

1 ـ  يأتى الحوار القرآنى مع مريض الكفر ب (قل ) وبدونها يحتكم الى الفطرة السليمة التى تكمن فى قلب كل إنسان ، ولكن مرض الكفر يُغطّى عليها. وقلنا إن ( الكفر ) من ( كفر ) أى (غطى ) وهذا هو معناه اللفظى ، ومعناه القلبى هو تغطية الفطرة السليمة التى يولد بها الفرد البشرى بالاعتقاد فى إله آخر مع الله جل وعلا

2 ـ  ونتوقف هنا بالتدبر فى قوله جل وعلا : ( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) سبأ )

أولا : ( صاحبكم )

 1 ـ جاء وصف النبى عليه السلام بأنه ( صاحب الكفار والمشركين : صاحبكم ) فى ثلاثة مواضع .

2 ـ عاش عليه السلام قبل النبوة بين قومه مشهورا بالأمانة والخلق السامى والصدق ، كأن أكرمهم وأعظمهم خُلُقا وأرفعهم ذوقا . لذا إصطفاه رب العزة ، والله جل وعلا أعلم أين يضع رسالته .: ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) الانعام 124 ). أطلقوا عليه ( الصادق الأمين ) لأنهم صاحبوه وصحبهم فى الزمان والمكان فعرفوا فيه الصدق والأمانة . عندما جاءه الوحى القرآنى ودعاهم الى نبذ تقديس البشر والحجر تغير موقفهم منه ، وأتهموه بالسحر والكذب والجنون ، أى عكس ما أطلقوه عليه .

3 ـ صحبتهم له ومعرفتهم الوثيقة به عليه السلام كانت حُجّة عليهم ، لذا إستعمل رب العزة هذه الصحبة ضدهم ، فوصف رسوله عليه السلام لهم بأنه ( صاحبكم ) ، إى إن ( صاحبكم ) الذى صحبتموه وعرفتم صدقه وأمانته كيف بعد نزول القرآن تتهمونه بأنه ضل وغوى ، وهو ما ضلّ وما غوى ، وهو حين يقرأ القرآن الكريم فهو لا ينطق عن الهوى ، لأن هذا القرآن هو وحى يوحى اليه ، نزل اليه وتعلمه من جبريل شديد القوى حين رآى جبريل فى الأفق الأعلى ، ونزل اليه جبريل وتدلى ، فتم الوحى القرآن ، يقول جل وعلا فى حوار معهم بدون ( قل )  : ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12 النجم ).

4 ـ ويتكرر نفس المعنى فى وصفه عليه السلام بأنه للمشركين ( صاحبكم ) وأنه ليس مجنونا بسبب نزول القرآن عليه ، لأن جبريل الرسول الكريم هو الذى أرسله رب العزة بالوحى القرآنى فنزل به على ( صاحبكم ) حين رأى ( صاحبكم ) جبريل بالأفق المبين. يقول جل وعلا فى حوار مباشر بدون ( قل ) : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24 التكوير )

5 ـ ويأتى فى هذا السياق إستعمال ( قل ) أمرا بالرجوع للفطرة التى غطّاها داء ( الكفر) ، حيث يأمر الله جل وعلا رسوله الكريم أن يقول لهم : ( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) سبأ ) ، هنا الاحتكام للفطرة التى فطر الله جل وعلا الناس عليها. هذا يستلزم توضيحا لأن كلمة ( الفطرة ) لم تأت هنا .

ثانيا : الفطرة:.

1 ـ  هذه الفطرة فى داخلنا هى الدين القيم : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) ( الروم ) . هذه ( الفطرة ) من كلمة ( فطر ) أى خلق من لاشىء . والله جل وعلا هو الذى فطر السماوات والأرض ، أى خلقهما من لاشىء :( الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ) (1) ( فاطر ) فالله جل وعلا حين خلق الأنفس جميعا ، فقد فطرها على لااله إلا الله . أى جعل فيها ( الفطرة ) . وقبل أن تدخل النفس فى أجسادها ـ أخذ العهد علينا أنه جل وعلا هووحده الرب وحده ،وأشهد الأنفس على هذا ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ) 172 الأعراف ) .

2 ـ ويولد الانسان طفلا بهذه الفطرة ، ثم ينساها فى صراعه حول حُطام الدنيا ، حيث يغطيها الشيطان بظلمات وداء الكُفر ( والكفر هو التغطية كما قلنا ) وقد يصحو ويتذكر ، والأغلب أن يظل سادرا فى غيّه الى أن تحدث له مصيبة تهدده بالموت فتصحو الفطرة فى داخله ، فيستغيث برب العزة ، وفى كل الأحوال فإن الذى أمضى حياته مريضا بداء الكفر حتى الموت تستيقظ فيه الفطرة عند الاحتضار فتجأر نفسه ترجو من رب العزة أن تأخذ فرصة أخرى تُصلح فيها العمل : (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) المؤمنون . وفرعون نفسه إستيقظت فيه الفطرة عند الغرق فصرخ باسلامه دون جدوى : (  وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ (90) أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (91) يونس ) .ولهذا ينصح رب العزة المؤمنين بالانفاق فى سبيل الله قبل أن تأتى لحظة الأجل ، لحظة الاحتضار والندم ، يقول جل وعلا :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11) المنافقون )

3 ـ ومهما بلغ تمكن وتوطن داء الكفر فإنه لا يلغى تماما الفطرة فى داخل الانسان . لهذا يقول جل وعلا عن هذه الفطرة (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) أى لا تبديل لخلق الله . والتبديل هو تغيير بالكامل ، أى إحلال شىء محل شىء مناقض له . الشيطان يستحيل عليه تبديل الفطرة بأن يجعل الانسان يُنكر وجود الله جل وعلا . هو فقط ينجح فى ( كَفر ) أى تغطية الفطرة أو ( الكفر ) بأن يجعل الانسان يعتقد فى آلهة أخرى مع الله .لذا فالكفر والشرك بمعنى واحد ( التوبة 1 : 2 ) أى ينجح ليس فى التبديل ولكن فى ( تغيير ) الفطرة بوقوع الانسان فى الكفر والشرك . نؤكد أنه ( تغيير ) وليس تبديلا ، لذا قال الشيطان إنه سيغير خلق الله ( وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ )(119) النساء ) ولم يقل ( فليبدلن  خلق الله )

4 ـ ولهذا فإن الفطرة النقية فى الانسان الكافر هى الحاضر الغائب . هى ( الضمير )  فى الجانب الأخلاقى ، وهى ( لا إله إلا الله ) فى الجانب العقلى . إذا خلا الانسان بنفسه وراجعها فى صدق وأمانة وكيف ظلم فلانا ، وتصور وقوع هذا الظلم عليه ، وتصور نفسه مكان المظلوم ، عندها يلوم نفسه ، وتنطلق فيه ( النفس اللوامة ) أو الضمير الحى الذى يؤنب صاحبه . أو ( الفطرة الأخلاقية ) وقد قال جل وعلا عن النفس اللوامة ( وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)( القيامة ). النفس اللوامة أو( الضمير ) تمارس دورها تنهى عن السوء قبل الوقوع فيه ، أو تلوم صاحبها بعد الوقوع فيه . هذا هو الجانب الأخلاقى فى الفطرة . الجانب العقلى فى الفطرة هو الذى يأبى أن يقدس بشرا أو حجرا ، ويستقبح ويستنكر تقديس المخلوقات ، ويراها كفرا وشركا وتحقيرا لبنى آدم الذى كرّمه رب العزة ( الاسراء 70 ) وسخّر له ما فى السماوات ومافى الأرض جميعا منه ( الجاثية 13 ) ثم ينتهى به الحال الى أن يصنع من التراب والطين وبقية المواد التى يسير عليها بقدميه قبورا مقدسة يؤلهها .

5 ـ كيد الشيطان فى تغيير الفطرة  أو ( كَفرها وتغطيتها ) له مظاهر كثيرة:

 منها أنه بالوحى الشيطانى يقيم دينا أرضيا على أنقاض الدين الالهى يقلب فيه الحق باطلا والباطل حقا ، بحيث يصبح المتدين شديد التدين هو المتطرف المتعصب المتزمت سفاك الدماء، كما نشهد الآن من الوهابيين (الجهاديين) . وهنا يقترن الكفر القلبى بالكفر السلوكى فى الاكراه فى الدين والقتل والسلب والاسترقاق والسبى بزعم أن هذا هو الجهاد . وهذا هو الذى نجح فيه الوهابيون وهم يرفعون شعار الاسلام ، فأصبح الاسلام بهم متهما بالتطرف والتعصب والتزمت والارهاب، وأصبحوا هم ( إسلاميين ) فى ظلم هائل للاسلام ولرب العالمين .

 ومنها أنه يُلهى الانسان بعمل الخير مع الحرص على إصابته بمرض الكفر العقيدى. أى تغطية الجانب العقلى العقيدى فى الفطرة . لذا يأتى الحوار القرآنى يأمر بالتعقل والتبصر والتفكر والتفقه ، وينعى علينا الجهل والعمى العقلى ( العمه ) ( يعمهون )، ويهيب بنا ( متى تؤفكون ) أى الى متى يتم خداعكم . والشيطان فى كيده للبشر يترك الضمير ( او الجانب الأخلقى من الفطرة ) حيا مقابل التغطية الكاملة على الجانب العقلى الاعتقادى فى الفطرة ، فترى بعض المشركين قلبيا وإعتقاديا أصحاب خُلق رائع ، وفعّالين للخير ، فإذا دعوتهم للحق وحاولت كشف الغطاء ( الكفر ) أو حاولت علاج مرض الكفر الاعتقادى فيهم، أو حاولت إيقاظ الفطرة النقية فيما يخص ( لا إله إلا الله ) عاندوا واستكبروا إذا كان المرض الكفرى متمكنا منهم .

6 ـ وطالما توجد الفطرة داخل كل إنسان ، فلا يوجد إنسان شرير بدرجة مائة فى المائة . ومهما بلغ ضلاله وكفره وبغيه تظل فيه ناحية خير مدفونة تتمثل فى تلك الفطرة الكامنة التى غطّاها الكفر . يقول رب العزة (بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)( القيامة ). أى إن أى إنسان إذا صدق مع نفسه إستيقظ ضميره مهما إختلق من أعذار وتبريرات .

ثالثا : مخاطبة الجانب الخيّر ( الفطرة ) داخل قلوب المشركين 

1 ـ ومن هنا نفهم روعة التعبير القرآنى فى الأمر للرسول عليه السلام أن يقول لقومه : ( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) سبأ ) ، هنا يأتى الحوار ب ( قل ) يخاطب الخير فى داخل المشركين .

2 ـ هؤلاء المشركون الكافرون يتهمون النبى عليه السلام بأنه مجنون . وهم أيضا يؤمنون بالله جل وعلا ، وقد إتّخذ رب العزة من إيمانهم بالله جل وعلا حجة عليهم ، فطولبوا بأن ( يقوموا لله ) أى إبتغاء مرضاة الله جل وعلا ، مثنى وفرادى ، اى كل واحد منهم منفردا ، أو مع صاحب له ، ثم يتفكروا بموضوعية وبصدق : هل محمد ( صاحبهم الذى صحبوه وعرفوا أمانته وصدقه ) قد اصبح مجنونا أم هو فعلا نذير لهم بين يدى عذاب شديد . هذا التفكر الموضوعى المجرد الذى يبغى وجه الله جل وعلا يهدف الى إيقاظ الفطرة السليمة فى قلوبهم والتى غطأها الشيطان أو ( كفرها ) بتقديس البشر والحجر .

3 ـ هى عظة واحدة ( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ) . ولكنها كفيلة بالشفاء ، بشرط أن يكون للإنسان رغبة فى الشفاء .

أخيرا : هذه الوصفة العلاجية نتوجّه بها للمحمديين . لعلّ وعسى .!!

  الفصل السادس  : ( قل ) فى الحوار وعظا بقرب قيام الساعة

مقدمة : ـ  

أولا : تأجيل عذاب المشركين الى قيام الساعة .

ثانيا : إقتراب العذاب ( إقتراب الساعة )   

ثالثا : قيام الساعة ـ أيها القارىء الآن  ـ أقرب اليك مما تظن .

أخيرا

مقدمة : ـ

توقفنا فى الفصل السابق فيما يخصّ الفطرة مع قوله جل وعلا : ( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) سبأ ). الآن نتوقف مع روعة الإعجاز فى نفس الآية ، فى الجزء الأخير منها ، وهو قوله جل وعلا : ( إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ). والذى يعنى إنذارهم بعذاب شديد قريب جدا ، وأقرب مما يتصورون . وهذا العذاب المقصود هو قيام الساعة . ونعطى بعض التفاصيل

أولا : تأجيل عذاب المشركين الى قيام الساعة

1 ـ وكان مشركو العرب ـ بدافع العناد ـ يطلبون آية حسية ، كما كان حدث للسابقين ، وقد أوضح رب العزة إن زمن الآية الحسية قد إنتهى ، وجاء موعد الآية العقلية المستمرة الى قيام الساعة ، وهى القرآن الكريم  وفيه الكفاية :( وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) العنكبوت )، وكانت الأمم السابقة مجتمعات متفرقة منعزلة لم تقترب من النضج العلمى والعقلى للبشرية حين عرفت الاتصال فيما بينها وبناء حضارت . هذه الثقافة البدائية كان يناسبها آية حسية مؤقتة لنفس القوم ونفس الجيل تقريبا ، فكانت الآيات الحسية تأتى تخويفا لهم وإنذارا لهم بالهلاك ، ولم تفلح الآيات الحسية فى هداية الأقوام السابقين فتم إهلاكهم ، ويكفى أن قوم ثمود جىء لهم بآية حسية ، هى ناقة مخلوقة من الصخر كانت تكفيهم لبنا ، فعقروها ، يقول جل وعلا عن منع الآية الحسية : ( وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً (59) الاسراء ).

2 ـ وكان مشركو العرب ـ بدافع العناد ـ يطلبون مع الآية الحسية العذاب بالاهلاك العام . ولأن الاسلام بالقرآن جاء إنذارا للبشر جميعا الى قيام الساعة فإن الاهلاك الجماعى لم يعد واردا للبشر جميعا ، مع إن أغلبهم مُضلّين : ( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) ) ( الانعام ). وبالتالى تم تأجيل العذاب الى قيام الساعة لإعطاء البشر جميعا فرصة الشفاء من مرض الكفر . ليس هذا لكفار قريش فحسب ، بل هو لمن يسير على سُنّتهم الى قيام الساعة من المحمديين والمسيحيين والبوذيين وسائر من يقدس البشر والحجر .

3 ـ مشركو قريش كانوا يتعجلون العذاب والاهلاك فنزل فى الحوار معهم دون إستعمال ( قل ) بأن موعد عذابهم هو قيام الساعة ، وهو موعد الاهى لن يخلفه رب العزة ، لكنه الفرق بين الحساب الزمنى  بين الأمر الالهى الذى صدر فعلا ، وبين موعد تنفيذه بالزمن الأرضى البشرى . وقد قال جل وعلا : ( أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ )(1 ) النحل ): أى إن الأمر الالهى صدر فعلا بالزمن الالهى والأوامر الالهية فلا تستعجلوه ، لأن يوما عند رب العزة هو كألف سنة فى حساب البشر، يقول جل وعلا عن إستعجالهم العذاب يردّ عليهم ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (47)(الحج) . ويؤكد رب العزة أنه لو آخذهم بما كسبوا لعجّل لهم العذاب ، ولكن حدّد لهم موعدا حتميا لا يمكنهم الفرار منه وهو قيام الساعة : ( وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (58 الكهف ). ويقول جل وعلا عن إقتراب الساعة ، أو  العذاب  : ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ 35إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (6) وَنَرَاهُ قَرِيباً (7)  المعارج ). الاجابة عن التساؤل لم تأت بكلمة (قل ) ، فلم يقل جل وعلا ( قل إنهم يرون بعيدا ونراه قريبا ) بل جاء الخطاب الالهى مباشرا معبّرا عن الذات الالهية:( إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً ) . 

ثانيا : إقتراب العذاب ( إقتراب الساعة )

1 ـ تاريخ البشرية من هبوط آدم وزوجه لهذا الكوكب والى قيام الساعة ينقسم الى قسمين بالنسبة للرسالات السماوية : (1 ) البشرية قبل نزول القرآن ، وهو تاريخ يمتد الى عشرات الألوف من السنين وآلاف الأمم والشعوب والرسل والأنبياء ، وهذا غيب لا يعلمه إلا الله جل وعلا .  و( 2 ) البشر فى المرحلة القرآنية ، أو البشرية بعد نزول القرآن الى نهاية العالم . ونزل القرآن الكريم إنذارا للبشرية والعالمين ، ونحن نعيش فى هذه المرحلة ، ونرى الحوار القرآنى ينطبق على ما تفعله البشرية وما تقوله فى الكفر ، حتى من ( أمة محمد ) أو المحمديين الذين يزعمون أنهم يؤمنون بالقرآن الكريم .

2 ـ المرحلة القرآنية من الناحية الزمنية قصيرة جدا ،وليست بشىء مقارنة بالمرحلة السابقة لها . ولكن المرحلة القرآنية من نزول القرآن وحتى الآن والى قيام الساعة هى التى  ـ برغم قصرها الزمنى ـ  شهدت حتى الان تطورا هائلا حضاريا وعلميا وتكنولوجيا ، بما يعزز التواصل بين البشر وتخطى عوائق الزمان والمكان ، وتقارب الثقافات ، واللغة البشرية الموحدة القائمة على الأرقام والأعداد. والآية القرآنية أو الاعجاز القرآنى يواصل تحدى البشر فى كل عصر منذ نزوله والى قيام الساعة . فى مواجهة اللغة البشرية الموحدة ( الأرقام ) والتى تتأسس عليها الحضارة الراهنة يأتى الاعجاز العددى فى القرآن ـ وهو فى داخل القرآن منذ 14 قرنا ـ مواكبا لها ، كما إن الاعجاز العلمى فى القرآن ـ ما إكتشفناه وما لم نكتشفه بعد ـ يؤكد مواكبة القرآن للبشرية فى هذه المرحلة الأخيرة من حياتها ؛ أى المرحلة القرآنية أو مرحلة ( قبيل الساعة ). الإعجاز العلمى القرآنى يأتى مصاحبا للتطور البشرى منذ نزول القرآن والى قيام الساعة ، ومنها إعجازات علمية لم نكتشفها بعد ، وستكتشفها أجيال قادمة. ( الرحمن 33 ) ( النمل 40) .

3 ـ وقبل نزول القرآن الكريم ، وحين كلم الله تعالى موسى عليه السلام قال له جل وعلا ( إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ) ( طه 15 )، بعدها بحوالى ألف عام نزل القرآن الكريم ، وفي القرآن الكريم إشارة عن أشراط الساعة ،  يقول سبحانه و تعالى عن الساعة: (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ) (محمد18)،أى جاءت أشراط الساعة مع نزول القرآن الكريم من 14 قرنا

وقت نزول القرآن الكريم كان هناك قلق من قرب قيام الساعة يعبر عنه التكرار المستمر لسؤال النبى محمد عن موعد قيام الساعة ، ولم يمنع هذا التكرار من التأكيد المتكرر بأن النبى محمدا لا يعلم الغيب و ليس له أن يتحدث عن موعد قيام الساعة :(الأعراف 187 ) ( النازعات 42 ـ) . 

4 ـ و التعبير القرآنى عن اقتراب الساعة يستعمل صيغة الفعل الماضى ، وهو اسلوب بلاغى يؤكد على تحقق الوقوع ، كقوله تعالى : (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ) فانشقاق القمر سيحدث فقط عند قيام الساعة وتدمير الكون ، وهذا من ملامح أحداث الساعة وفقا لتفاصيلها القرآنية ، إذ يتم تدمير النظام الكونى كله القائم على التوزان بين الجاذبية وقوة الطرد المركزى ، ليكون من ملامحه انشقاق السماء وما فيها من قمر. ولكن التعبير عنه هنا جاء بالماضى (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ) لتحقق وقوعه فى المستقبل . وأشارت الآية التالية الى معجزة القرآن الكريم أو الآية الخاتمة للبشر والتى أعرض عنها المشركون ورموها بالسحر :(وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ )( القمر 1 : 2 ).أى إن آيات القرآن الكريم دليل على إقتراب الساعة. ونفس الحال فى مفتتح سورة النحل :(أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ) والتعبير هائل فى إعجازه، لأنه تحدث بالماضى عن قيام الساعة فقال (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) أى صدرالقرار الالهى بقيام الساعة ، ولكن تنفيذه سيكون طبقا للزمن الأرضى الآتى فى المستقبل ، لذا قال جل وعلا للبشر:(فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ). الحديث هنا عن زمنين ، الزمن الالهى الذى صدر فيه الأمر بقيام الساعة ، والزمن الأرضى الذى سيشهد تحقيق هذا الأمر عندما يدور الزمن الأرضى دورته . وجاءت أيضا الاية التالية تتحدث عن نزول القرآن الكريم كإحدى علامات قرب قيام الساعة : ( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ) .ونفس الحال فى مفتتح سورة الأنبياء ، فالآية الأولى تتحدث ليس فقط عن اقتراب قيام الساعة بل يوم الحساب نفسه وغفلة الناس ـ منذ 14 قرنا عنه (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ) وتأتى أيضا الآية التالية تتحدث عن الرسالة الأخيرة والخاتمة من الله تعالى للبشر وهى القرآن الكريم قبل قيام الساعة وموقفهم منه:(مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ). المستفاد هنا شيئان : (ا)إن نزول القرآن الكريم منذ 14 قرنا هو أول علامات إقتراب الساعة . فكيف بنا الآن ؟ (ب ) إن إحتواء القرآن الكريم على أهوال قيام الساعة وأهوال العذاب يوم القيامة يأتى إنذارا  وتحذيرا مقدما لنا قبل وقوعها،وفى نفس الوقت هو التحذير الأخير للبشرية قبيل القيامة.. 
 5  ـ نزول القرآن الكريم منذ 14 قرنا هو أول علامات اقتراب الساعة ، و خلافا للخرافات السلفية فى أحاديث علامات الساعة فان فى القرآن الكريم إشارات لثلاث علامات أخرى للساعة ، وقد تكلمنا عنها     بالتفصيل عنها فى مقالات سبقت عن ( الفزع الأكبر ) ، ولكن نشير هنا إلى أننا نشهد فى عصرنا  الحالى الدخول  فى العلامة الثانية من علامات الساعة ، وهى أن الأرض أخذت زخرفها وإزّينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها : (حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) يونس ). الله جل وعلا هنا يتحدث عن القرية الكونية التى تنعدم فيها المسافات ويصبح البشر فى الأرض قرية واحدة ، والتعبير القرآنى المعجز يصف البشر فى هذه الأرض بأنهم ( اهلها ) الذين وصلوا بتقدمهم العلمى والتكنولوجى الى الاعتقاد بأنهم القادرون على التحكم فيها ( أهلها ) : (وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ). يبقى زمن يسير ، ويصل زخرف الأرض الذى نشاهده فى الغرب وأمريكا واليابان الى دول العالم الثالث ، لتأخذ الأرض كلها زخرفها ، وعندها يأتى تدمير العالم وقيام الساعة بغتة . هذا ما تحدث عنه رب العزة فى حوار مع البشر بدون ( قل ) ، فى الرسالة السماوية الخاتمة للبشرية قبيل قيام الساعة .  الآن فى عام 1435 ، بعد نزول القرآن الكريم ، فإذا كانت الساعة قد إقتربت منذ  أكثر من 14 قرنا ، فنحن الآن منها قاب قوسين أو أدنى . 

ثالثا : قيام الساعة ـ أيها القارىء الآن  ـ أقرب اليك مما تظن

1 ـ عن يوم القيامة يقول جل وعلا بدون إستعمال ( قل ) : ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً (38) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (39) النبأ ) وبعدها يقول جلّ وعلا ينذرهم بنفسه بيوم القيامة أو العذاب القريب بدون كلمة ( قل ) :( إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا (40) النبأ ).

وباستعمال ( قل ) أمر الله جل وعلا خاتم النبيين أن يقول : ( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) سبأ )، أى إنه نذير لهم ( بين يدى عذاب شديد ) . أى قريب منهم  ، مع إنهم يرونه بعيدا ويراه رب العزة قريبا .

وتتفق الآيتان فى التعبير عن قرب  قيام الساعة : ( إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا )، ( إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ). ولكن يبدو نوع من الاختلاف بينهما فى أن آية سورة سبأ يتم فيها توجيه الحوار مع كفار قريش بالذات عن ( محمد صاحبهم ) : ( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) سبأ )،بينما تأتى الآية الأخرى فى سورة ( النبأ ) فى حوار بدن ( قل ) موجها للجميع ، من كفار قريش الى قبيل قيام الساعة بدقائق . الخطاب لكفار قريش ولنا ولمن سيأتى بعدنا يؤكد للجميع قُرب إقتراب الساعة بنفس الأسلوب . أى إن قُرب قيام الساعة هو نفسه لى ولك ولأحفادى ولأحفادك وللسابقين والأجداد من عشرة قرون ولكفار قريش . فكيف هذا ؟  من المستحيل أن نفهم هذا أن نعرف مشكلة الزمن ، والتعامل القرآنى المعجز فيه ، وخصوصا فى البرزخ .

2 ـ الزمن هو الضلع الرابع للكتلة ، هو الذى يغلف المادة ، ومنها مادة الجسد البشرى . والانسان يتكون من ( نفس ) تنتمى لعالم البرزخ الذى لا زمن فيه ، ومن ( جسد ) يخضع للزمن ، وتظهر عليه آثار الزمن ، بينما لا تشيخ النفس لأنها لا تخضع للزمن ككائن برزخى .

خلق الله جل وعلا الأنفس البشرية كلها مرة واحدة ، وأودعها فى البرزخ . من البرزخ تأتى كل نفس ـ فى موعدها المحدد سلفا ـ وترتدى ثوبها الجسدى جنينا ثم طفلا وليدا ثم شابا ثم كهلا وشيخا الى أن تموت ، أيضا فى موعدها المحدد سلفا . يبدأ العدّ التنازلى ليحياتها الأرضية بمجرد الولادة ، الى أن تنهى حيانها بالموت ، حيث تترك جسدها فيعود الجسد ترابا ، وتعود النفس الى برزخها بعد أن أخذت دورها فى إختبار الحياة الدنيا . وهكذا تأتى كل نفس فى موعدها المحدد لتلبس جسدها ، ثم تتركه نهائيا بالموت فى موعد محدد أيضا . وبعد أن تدخل كل الأنفس أجسادها ، وينتهى إختبار هذه الحياة الدنيا تقوم الساعة . أى إنه فى البرزخ توجد أنفس الذين ماتوا من قبل وأخذوا دورهم فى إختبار الحياة ، وفى البرزخ أيضا أنفس الذين لم يأتوا بعد الى إختبار هذه الحياة. وفى الحالتين هى أنفس موتى لا تتعرف ببعضها ولا تعرف بعضها . فى البرزخ أنفس أجدادى حتى آدم ، وأنفس أحفادى الى قبيل قيام الساعة .

وعند قيام الساعة ينتهى الحمل والولادة ، وتضع كل ذات حمل حملها ،ويموت الجميع من آخر جيل فى الأرض يشهد قيام الساعة : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) 2 )( الحج  ) .

الأحياء الذين يسعون فى الأرض ليسوا بعيدين عن البرزخ ، إذا تعود أنفسهم الى البرزخ مؤقتا ، تستريح فيه من سجن الجسد ، بضع ساعات كل يوم ، وهو ما نسميه بالنوم ، والنوم صورة مصغرة من الموت ، أو هو (وفاة ) مؤقتة ، غير الوفاة التى تعنى الانفصال التام بين الجسد والنفس: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) (42)( الزمر ).

عند الموت تدخل نفس الميت البرزخ وتظل فيه حتى يوم البعث ، لذا فإن الذى تمكن منه مرض الكفر حتى الاحتضار حين يرى ملائكة الموت يستغيث بربه جل وعلا يقول ( رب ) ويقول للملائكة يترجاهم ( أرجعون ) : (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) المؤمنون ). لا رجوع من برزخ لمن مات . ولكن هناك رجوعا من البرزخ لمن ينام ، تظل نفسه مربوطة بحبل سرى بالجسد ، وتعود اليه فيستيقظ الجسد .

ولأن البرزخ مستوى لا وجود فيه للزمن فإن نفس النائم لا تحس بالزمن ، سواء قضت فى البرزخ وقت منامها ، يوما أو بعض يوم فعلا ، أو قضت فى البرزخ مائة سنة وا أكثر . النتيجة هى الاحساس عند الاستيقاظ انه نام يوما أو بعض يوم . حدث هذا مع ذلك الذى أماته ، أو أنامه ، الله مائة عام ثم بعثه أو أيقظه فظن أنه نام أو مات يوما أوبعض يوم : (  فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ ) 259 البقرة )، وحدث مع أهل الكهف الذين لبثوا فى كهفهم 309 عاما : ( وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (25) الكهف ) وحين إستيقظوا ظنوا أنهم ماتوا أو ناموا يوما أو بعض يوم : ( وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) (19)الكهف) .

نفس الحال عند قيام الساعة . سيُحِسُّ كل البشر الموتى عند البعث أنهم ماتوا أو ناموا ثم إستيقظوا بعد يوم أو بعض يوم ، أو بعد ساعة ( أى أقل من يوم فى المصطلح القرآنى ). تمرُّ عليهم فترة البرزخ كأنها ساعة : ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ (56) الروم ). وحتى وهم فى الحشر يتذكرون الدنيا وتعارفهم فيها ببعضهم كأنما حدث هذا بالأمس القريب : (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ )(45) يونس ).ويقول جل وعلا عن الكفار عند الساعة والبعث ( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46) النازعات ).ويقول جل وعلا عمّن يستعجل القيامة والعذاب : ( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ  ) (35) الاحقاف ) أى جزءا من النهار .

المحصّلة النهائية أن البشر الموتى كلهم سيتساوون فى الاحساس عند البعث بأنهم أمضوا يوما أو بعض يوم فقط بعد موتهم . لا فارق بينى وبينك وبين آدم وحواء وآخر جيل يموت قبيل قيام الساعة .

3 ـ ماذا يعنى هذا بأمثلة عملية ؟ يعنى بالنسبة لى : أننى الآن قد جاوزت الخامسة والستين ب 24 يوما . ولنفرض أن الله جل وعلا قد حدد موعد موتى بعد عامين . إذن بينى وبين الساعة : عامان + يوما أوبعض يوم . يعنى سأموت وسأستيقظ عند البعث وأحسّ أننى مُتُّ أمس فقط  ، او من يوم أو بعض يوم . وإذا كنتّ أومن فعلا بالله وجل وعلا وباليوم الآخر فلا بد أن أُعايش هذا الاحساس بأن بينى وبين يوم القيامة هو ما تبقى لى من عُمر + يوما أو بعض يوم .

هذا يعنى بالنسبة لأبى جهل وأبى لهب الآتى : حين نزل قوله جل وعلا : ( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) سبأ ). فالنذير بين يدى عذاب شديد يعنى أنهم سيرون هذا العذاب بعد عدة سنوات من حياتهم + يوما أو بعض يوم . لنفترض أن الآية الكريمة نزلت قبل الهجرة بعامين ، وحدثت موقعة بدر بعد الهجرة بعامين ، أى إن أبا جهل المقتول فى بدر وأبا لهب الذى مات كمدا بعد هزيمة بدر ، قد عاشا أربع سنوات بعد نزول الآية الكريمة ، وعندما يستقظون عن البعث سيخيل اليهم أنهم ماتوا بالأمس فقط ، يعنى ينطبق عليهم قوله جل وعلا عن قيام الساعة :( إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا ) 40) النبأ ).  وهذا العذاب القريب ينطبق على كل كافر أتى أو سيأتى فيما بعد .

كل مولود يأتى الى هذه الدنيا ، وقد تحدد أجله أو الزمن الذى سيعيشه ، وكل يوم ينقص من عمره يتم تسجيله ، أى يبدأ العد التنازلى لحياته بمجرد ولادته ( وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11) فاطر)، ثم يموت فتدخل نفسه فى البرزخ بلا إحساس بالزمن ، فإذا جاء يوم البعث للجميع أحسّ كل منهم بأنه مات من يوم او بعض يوم . يعنى لنفرض أن مولودا وُلد اليوم ، ومقدر له أن يعيش سبعين عاما ، فإن بينه وبين يوم القيامة هو سبعون عاما + يوما أو بعض يوم .

أخيرا

1 ـ نحن فى هذه الحياة نركب قاطرة الزمن التى تجرى بنا فى إتجاه واحد لا يتوقف إلا بقيام الساعة . كل منا يركب هذه القاطرة فى وقت محدد ، ويغادرها بالموت فى ساعة محددة . مستحيل أن يتوقف القطار ، مستحيل أن يتوقف الزمن أو أن يتمهّل . أنا أكتب هذا المقال فى الساعة 21 : 5 دقيقة مساء الاثنين فى 24 مارس 2014 . لا أستطيع تحديد الثانية التى أكتب فيها هذا الحرف ، بمجرد الانتباه لها تكون قد مضت لأن الزمن متحرك لا أستطيع إيقافه ، أى بسرعة 60 ثانية فى الدقيقة تتحول الثانية من حاضر الى ماض إنتهى . ( هل تستطيع أن تستحضر يوم امس ؟.) .  بالنسبة لنا يتحول المستقبل الذى هو أمامنا  وبين أيدينا الى حاضر ثم الى ماض . بالنسبة لرب العزة فهو خالق الزمن ، وبالنسبة له جل وعلا فهو يعلم المستقبل والماضى والحاضر ، أو بالتعبير القرآنى الرائع : ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ )(255) البقرة )، يعلم المستقبل الذى بين ايدينا كعلمه بالماضى الذى تركناه خلفنا .

2 ـ الغافل من البشر يعيش الحاضر فقط ، يتصارع فى تحصيل مال سيتركه بالموت ، وفى الوصول الى جاه سيغادره بالوفاة ، وهو لا يعلم أن بينه وبين يوم القيامة هو ما تبقى له من عمر + يوما أو بعض يوم ، يركب قطار الحياة ويرى الناس تموت حوله ويتصرف كأنه وحده الذى سيظل فى القطار دون مغادرة . هو غافل عن موعد القيامة الذى يقترب منه والذى يحمله اليه قطار الحياة الذى هو أيضا قطار الموت . والله جل وعلا فى عليائه يرى حاضرنا ومستقبلنا وماضينا ، وينذرنا ويجعل لنا الشفاء فى كتابه الكريم ، ونحن عنه غافلون .

إقتربت الساعة ونحن عنها غافلون . ألهانا عنها التكاثر بالأموال والأولاد والصراع حول هذا وذاك الى أن ننتبه عند الموت بعد فوات الأوان : (أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ (2) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ (8) التكاثر ) .

لذا يقول جل وعلا يحذّر المؤمنين :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11) المنافقون )

ودائما : صدق الله العظيم

الفصل السابع : ( قل ) فى الحوار فى الألوهية تحديا للمشركين طلبا للدليل العملى والعقلى  

مقدمة

اولا : أرونى الدليل العملى

ثانيا :   الاحتكام للدليل العقلى بكلمة ( قل ) وبدونها :

مقدمة

الطبيب الذى يعالج جسد المريض قد يلجأ  فى حواره مع المريض الى الاحتكام للعقل والمنطق ، وهكذا يأتى الحوار القرآنى مع مريض الكفر يتحدى بطلب الدليل العملى والعقلى ، باستعمال ( قل ) وبدونها .

أولا : أرونى الدليل العملى  

1 ـ ذهب أحد الدعاة المحمديين الى كنيسة ، ووجد أتباعها يتبركون بتمثال للعذراء ، فسأل القسيس عمّن صنع هذا التمثال ؟ هل صانعه  من البشر أم أن هذا التمثال نزل من السماء ؟ ، وهل يمكن تكسيره أم يستعصى على التكسير . وهل إذا قام هو بتكسير هذا التمثال فهل ستسقط عليه صاعقة من السماء أو يحلُّ به عذاب أليم . لم يستطع القسيس الرد عليه .  قال للقسيس : هل يصح عقلا وبالمنطق أن تصنع إلاها من المواد الأرضية ثم تقدسه وتعبده وتطلب منه العون والمدد ؟ سكت القسيس عاجزا عن الرد . قال الداعية المحمدى للقسيس : وإذا كان هذا التمثال عاجزا عن حماية نفسه فكيف تكون له القوة والقدرة على حماية الآخرين ،؟ وهل يمكن أن يكون هذا التمثال شريكا لله جل وعلا فى مُلكه وفى هيمنته على الكون؟ . وكيف تعتبر هذه المواد الأرضية المصنوع منها تمثال العذراء مقدسة وهى لا تختلف عن بقية المواد الأرضية التى ندوسها بأقدامنا ؟. سكت القسيس ثم قال : : نحن لا نقدس المواد المصنوع منها تمثال العذراء ، ولا نقدس التمثال لذاته ، بل نقدس العذراء ، والتمثال رمز للعذراء . قال الداعية المحمدى : يعنى أن اساس التقديس هو للعذراء مريم ؟ قال القسيس : نعم . قال الداعية المحمدى : فأين هى العذراء مريم الآن ؟ لو سمحت ( أرنى العذراء مريم ) لأطلب منها المدد وأتبرك بها شخصيا بدلا من هذا التمثال الأبكم . سكت القسيس، فلن يستطيع إحضار السيدة مريم ، ولو جاءت لتبرأت منه  .

2 ـ فى اليوم التالى قابل القسيس الداعية المحمدى ، وطلب منه أن يتعرف على دين هذا المحمدى لعله يترك المسيحية ويتبع المحمدية . صحبه الداعية المحمدى الى القبر المنسوب للنبى محمد فى المدينة ( المنورة ) حيث يتهافت الآلاف على الحج ( او زيارة ) وتقديس أعظم قبر مقدس عند المحمديين . سأل القسيس الداعية المحمدى : هذا القبر المقدس مِمّ يتكون ؟ سكت الداعية المحمدى ، ثم قال مُضطرا : هو بناء مثل الأبنية هنا وهناك . قال القسيس : يعنى بناء من طوب وحجر وأسمنت و زجاج ورمل الى آخره . سكت الداعية المحمدى وهزّ رأسه موافقا . قال له القسيس : يعنى لا فارق بينه وبين المواد المصنوع منها تمثال العذراء . سكت الداعية المحمدى . قال القسيس : هل مواد البناء المصنوع منها قبر محمد تختلف عن المواد الأخرى التى تُبنى بها الكنائس والقصور والبيوت ودورات المياه والمراحيض العمومية والكازينوهات والمراقص وحظائر المواشى والمدارس والمستشفيات ؟ قال الداعية المحمدى : إنها نفس المواد ، ولكننا لا نقدس هذه المواد . قال القسيس: بل أراكم تقدسونها ، فأيديكم تتمسح بالأعتاب والقماش والزجاج والحوائط والخشب ، وكلها مواد بناء ندوسها بأقدامنا ، فما الذى جعل هذه المواد فى قبر النبى مختلفة عن غيرها ؟  قال الداعية المحمدى : نحن لا نقدس هذه المواد فى حد ذاتها ، ولكن لأنها مُقامة على قبر النبى . قال القسيس : هل تعنى أن النبى محمدا مدفون هنا فى هذا القبر تحت الأرض ؟ قال المحمدى : نعم . قال القسيس : إذن تحول جسده الى تراب ، لأنه ميت كما جاء فى كتابكم القرآن ( إنك ميت ) . قال الداعية المحمدى : إن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء . قال القسيس : وكيف تعرف الأرض أجساد الأنبياء وأجساد غير الأنبياء ؟ هل لدى الأرض سجل بأسماء الأنبياء وغير الأنبياء ؟ الذى أعرفه من كتابكم أن كل نفس ذائقة الموت ، وأن من الأرض خُلٍقت أجساد البشر والى الأرض تعود ، هذا للجميع لا فارق بين نبى كريم أو مجرم لئيم . قال المحمدى : نحن نؤمن أن النبى حىّ فى قبره . قال القسيس : تعنى أنه الآن حىّ تحت هذا القبر ؟ قال المحمدى : نعم ، ولذا نزوره وندعوه ونستغيث به ، وهو حىّ تحت هذا القبر يسمعنا . قال القسيس : هذا يعنى أن محمدا مسجون فى هذه الحفرة من وقت دفنه فيها وحتى الآن .! ألستم تحكمون عليه بالسجن الأبدى عقابا ؟ ثم ما معنى أنكم تحكمون عليه بأن يظل سجينا تحت الأرض أى تحت أقدامكم ؟  اليس هذا تحقيرا لشأنه ؟ قال المحمدى : بالعكس ، هو فى قبره مشغول بعمل يخصنا ، لأنه تُعرض عليه أعمالنا ، فيراجعها ويستغفر الله لنا . قال القسيس : هل تعنى أنه من وقت وفاته وحتى الآن والى قيام الساعة يتم عرض أعمال آلاف الملايين عليه فيراجعها قبل ان تصعد الى الله ؟ قال المحمدى : نعم . قال القسيس : وهل تكفى اربعة وعشرن ساعة فى اليوم لهذا العمل ؟ وهل هناك مساعدون له ؟ ومن هم ؟ وهل يؤخذ بتوصيته أم لا ؟ أجبنى .. سكت المحمدى .  قال القسيس : كما قلت لى عن العذراء  ( أرنى العذراء مريم نفسها ) فأنا أقول لك هنا ( أرنى النبى محمدا الذى تتحدث عنه ) . إذا كان حيا كما تزعم : قم بالنداء عليه ليصعد الينا ، ويتحدث عن نفسه . .

3 ـ يقول جل وعلا ( قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) سبأ ) هنا سؤال مُفحم يطلب دليلا عمليا . جاء بكلمة ( قل ) حوارا مع كل المشركين الذين يقدسون بشرا مات ، ولم يعد له وجود فى هذه الدنيا . تحول جسده الى تراب ، وعادت نفسه الى البرزخ . ولم يعد ممكنا رؤيته .

4 ـ إذن هى عبادة صريحة لما تبقى من جسد ذلك المخلوق البشرى الميت . هى عبادة للتراب والعظام التى إختلطت بالتربة شأن أى جسد بشرى . وبالتالى فهذه الرُّفات البشرية الميتة كانت تنتمى لعباد مثلنا ، ولكننا أحياء ، وهم تراب ميت . وهنا يأتى التحدى : هل يتحكم الأموات فى الأحياء ؟ هل لهذه الرُّفات الميت قدرة على الإستجابة لمن يدعوهم ؟ هل لهم أيد يبطشون بها ؟ هل لهم أرجل يمشون بها ؟ هل لهم أعين يبصرون بها ؟ هل لهم آذان يسمعون بها ؟ الجواب : لا . النتيجة : إذن طالما تزعمون أن هذه الأولياء  تملك الضر والنفع فادعوهم ليكيدونى إذا إستطاعوا . فإن وليّى الله جل وعلا ، وهو جل وعلا الذى يتولى ويدافع عن المتقين الصالحين . بهذا أمر الله جل وعلا رسوله أن يقول . يقول جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلْ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنظِرُونِ (195) إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (197) الاعراف ).

جاء هذا مصحوبا بكلمة (قل ). وجاء نفس المعنى بدون (قل ) فى حوار مباشر من رب العزة يقول فيه جل وعلا للمشركين المرضى بالكفر : ( ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14) فاطر )

5 ـ الشائع أيضا تقديس البشر الأحياء من الأحبار والرهبان والأولياء وسدنة الأضرحة المقدسة والأئمة والشيوخ . وهؤلاء أيضا تنطبق عليهم قاعدة التحدى (قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ ).

هذا شيخ مشهور بالولاية والكرامات ، أو هذا ( بابا ) يحج اليه الملايين يلتمسون المدد والبركات . يعتقدون فى هذا الشيخ وذلك البابا القداسة والألوهية والتميّز عن البشر . هنا يأتى التحدى : هل يملك هذا البشر المقدس دفع الأذى عن نفسه ؟ هل لا تصيبه الأمراض ؟ هل يقبل الدخول فى التحدى علنا أمام أعين الناس ويرينا تحكمه فى الملكوت ، أو حتى بعض معجزاته وكراماته ؟ فضلا عن ذلك . لنفترض أننا أحطناه بكاميرات تسجل عليه أقواله وأفعاله 24 ساعة يوميا ، فهل تختلف حياته البشرية عن اى بشر آخر . سيظهر فى تسجيلات الكاميرات أنه يأكل و يذهب لدورة المياه ،ويصيبه الامساك والاسهال ،  ويضحك ويبكى ويتألم ويضحك ، ويمارس الجنس ، وربما يرتكب المعاصى والفساد ( بلاش ربما ، الأغلب أنه .. ).!..إذن فما الذى يجعله ( بسلامته ) مقدسا ومُميزا ومعبودا لآلاف البشر من الحيوانات الناطقة التى تسير على قدمين ؟

6 ـ ( أَرُونِي ) هذه هى فصل الخطاب فى الرد العملى على كل المشركين من محمديين ومسيحيين وبوذيين. إذهب الى أى قبر  مقدس  ( الحسين ، السيدة زينب ، العذراء ، على ، السيد البدوى ، الشافعى ..الخ ) وقل لهم ( أرونى ) . ولن ترى منهم سوى الحُمق والسفالة . ترى أجسادا ضخمة وألفاظا فخمة ولكن بلا عقل . ينطبق عليهم قوله جل وعلا:( وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4) المنافقون )

7 ـ  ( أَرُونِي  ) جاءت مصحوبة بكلمة (قل ) فى سؤال عن تلك الآلهة المزعومة : ( قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) سبأ ) وفى سؤالين عمّا خلقته تلك الآلهة المزعومة :( قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ )(4 الاحقاف ) ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ ) ( فاطر 40 ).

كما جاءت أيضا بدون (قل ) : ( هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ  )  لقمان 11 )

ثانيا :   الاحتكام للدليل العقلى بكلمة ( قل ) وبدونها :

1 ـ يقول جل وعلا ( أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ )  24) الانبياء )  هنا كلمة ( قل ) فى طلب البرهان . ومثلها قوله جل وعلا فى الإتيان بدليل خقلى منطقى : ( قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً (43) الاسراء )

2 ـ ويتكرر نفس الدليل العقلى المنطقى بدون إستعمال (قل ) :يقول جل وعلا ( بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) (92) المؤمنون ). الحوار هنا فى أنه لا إله إلا الله ، وليس عن إثبات وجود الله ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا .

أخيرا

قلنا فى بحث التأويل الذى سبق نشره فى مصر فى أوائل التسعينيات : ( فالمعتزلة أجهدوا أنفسهم للاستدلال على وجود الله عز وجل وسط مجتمع يؤمن بالله سواء كان الناس مسلمين أو أهل كتاب ، هذا مع أن القرآن الكريم لم يحاول مطلقا اثبات وجود الله تعالى ، بل جاء بأدلة عقلية تثبت انه لا إله إلا الله ، واقرأ مثلا قوله تعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا : الانبياء 22) وقوله تعالى (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ: المؤمنون 91 ) . ولأنهم جعلوا الفكر اليوناني مرجعية عقلية معتمدة لديهم فقد اخذوا عنه أيضا وصف الله تعالى بأنه( قديم ) وهو وصف لا يتفق وتنزيه الله تعالى ، لان وصف القديم يعنى وجود من هو أقدم منه ، وطالما كانوا يحتكمون للعقل فان الله تعالى هو الأحق بالحديث عن ذاته وصفاته . وقد وصف تعالى ذاته في القرآن بأنه ( الأول ) وهذا الوصف هو الأولى عقلا لأن الأول لا يسبقه غيره في الوجود، لذا كان الأولى بالمعتزلة أن يتبعوا القرآن لا اليونان في الحديث عن صفات الله تعالى. )

  الفصل الثامن  :  فى حوار حول الولاية والأولياء  ( قل )

مقدمة :

أولا : الله جل وعلا هو الولى وحده

ثانيا : إتخاذ الشيطان وليا:

 ثالثا : إتخاذ البشر أولياء من دون الله جل وعلا

 رابعا : ارتباط الموالاة بالنصرة

مقدمة : تقرأ ما جاء فى القرآن الكريم عن ملمح أساس من ملامح وأعراض مرض الكفر ، وهو تقديس الأولياء وقبورهم ، فتشعر كأن القرآن نزل اليوم يخاطب المحمديين . فى هذا الخطاب جاءت كلمة ( قل ) احيانا وغابت كثيرا لتفسح المجال للخطاب الالهى المباشر لكفار قريش وللمحمديين وغيرهم من أولياء وأتباع الشيطان . ونبدأ القصة من أولها :

أولا : الله جل وعلا هو الولى وحده

1 ـ ( الولى ) صفة من صفات الله جل وعلا ، فالله جل وعلا هو ( الولى الحميد ) ، يقول جل وعلا :( وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ) ( الشورى 28 ).

2 ـ المقصود بالولى هنا أى المقصود بالعبادة وطلب المدد والعون ، أى الذى يجب أن يستجير به الناس ، وأن يطلبوا منه النُّصرة ، فليس للمؤمن من ولى إلا الله جل وعلا وحده ، يقول جل وعلا :( وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) ( النساء 45 ). ومن يتخذ له وليا غير الله فلن يجد وليا مرشدا ، وهذا هو مصير الضالين، يقول جل وعلا :( وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا )( مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا )( الكهف: 17 ، 26 )

ثانيا : إتخاذ الشيطان وليا:

1 ـ المؤمن يكتفى بالله جل وعلا وليا ونصيرا ، يقول جل وعلا : ( وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا )( النساء 45 ). المريض بالكفر يتخذ له أولياء ( مع الله )، أو يتخذ له أولياء ( من دون الله ). ومهما تعدد أولئك الأولياء ومهما إختافت أسماؤهم وأزمانهم فإن ( المُخرٍج ) والمؤسس و( المنتج ) لهذه الخرافات هو الشيطان . أى فى النهاية وفى الأصل هو تأليه للشيطان وعبادة للشيطان موالاة للشيطان ، لأن الشيطان هو الذى يقنع ضحاياه من المرضى بالكفر بأن يقدسوا أحجار المقابر وأن يعبدوا تراب ورفات الموتى وعظامهم وما تخلف من أجسادهم من مواد يستقذرها ويستبشع رؤيتها الأحياء . تلك ( الأنصاب ) ـ أو القبور المنصوبة على تلك البقايا البشرية الميتة ـ هى فى الحقيقة من ( عمل الشيطان ) ، يقول جل وعلا عنها:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ) ( المائدة 90 ). طبعا الشيطان لم يشمّر عن ساعديه ، ولم يقم ببناء تلك الأنصاب وزخرفتها وإضاءتها بالشموع . نحن لا نرى الشيطان أصلا . الشيطان هو الذى أقنع أولياءه من البشر ، أو ضحاياه من بنى آدم وجعلهم يعبدون ما ينحتون .

الشيطان لم يظهر فى برنامج تليفزيونى يدعو فيه الى تقديس البشر والحجر ، ولم يقف خطيبا فى مسجد يفترى الأكاذيب ينسبها زورا وبهتانا لله جل وعلا ورسوله . الذى يفعل ذلك هم أولياء الشيطان الذى يوحى اليهم الشيطان بزخرف القول خداعا وغرورا ، وينخدع بهذه الأكاذيب العوام وتصغى اليه أفئدتهم فينطلقون فى ارتكاب العصيان مؤمنين بشفاعات البشر ودخول الجنة والنجاة من النار مهما أجرموا . يقول جل وعلا عن هذا الصنف من أولياء الشيطان : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً )( الانعام 112 ـ  ).

2 ـ بإيجاز : الشيطان هو المصدر الأساس فى مرض الكفر القلبى ( العملى : عبادة القبور ، والعملى : تقديس الأسفار والكتب والتراث ) وهو أيضا المصدر الأساس أيضا فى الكفر السلوكى بالقتل والاكراه فى الدين .  أى إن ابن آدم أمامه أن يختار بين أمرين لا ثالث لهما : إما أن يكتفى بالله جل وعلا وليا ، وإما أن يتخذ له وليا مع الله جل وعلا أو يختار له وليا من دون الله ، وحينئذ فإن الشيطان هو وليه . أى تعود المسألة  فى الاصل الى الاختيار بين أمرين،إما : الله جل وعلا الولى وحده ، وإما الشيطان أو الطاغوت: (  اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  ) ( البقرة 257 ).

3 ـ وتبدأ جذور الموضوع مع خلق آدم ، ورفض ابليس السجود لآدم ، وتوعّد ابليس ( الشيطان ) أن يُضلّ بنى آدم ، وقد خدع آدم ، وهو يمارس مهمته فى إضلال بنى آدم وسيظل يمارس مهمته الى نهاية العالم . وبعد أن قصّ جل وعلا قصة آدم وهبوطه الى الأرض قال جل وعلا يحذرنا من الشيطان : ( يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ )( الاعراف 27 : 28 ). فالشياطين أولياء الذين لا يؤمنون . ويقول جل وعلا يعيب على من يتخذ الشيياطين ( ذرية ابليس ) أولياء من دون الله جل وعلا : (  وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا ) ( الكهف 50 )، وذكر رب العزة جل وعلا عزم ابليس إضلال بنى آدم ، ويؤكد رب العزة أن من يتخذ الشيطان وليا من دون الله يكون خاسرا خسرانا مبينا : (  وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا  ) ( النساء 119 ). ويقول جل وعلا عن أولئك الضالين : ( فرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ) ( الاعراف 30 ). ومن تمكن الشيطان فى خداعهم أنه يجعلهم يحسبون أنهم مهتدون وهم غارقون فى حمأة الضلال .

4 ـ وليس كلامنا هذا نظريا بعيدا عن الواقع ، بل هو واقع المحمديين الذين يحسبون أنفسهم مهتدين مع إنهم أولياء الشياطين . ونضرب أمثلة واقعية : فالذى يتعلق بأستار قبر الحسين أو السيدة زينب وما شابه ذلك هو يعبد الشيطان ، وهو ولى الشيطان . والذى يحِنُّ قلبه للتمسح بقبر محمد هو ولى للشيطان وهو يعبد الشيطان . والذى يعتنق الجهاد السلفى أويدعو اليه أويؤمن به أويمارسه هو ولى للشيطان . والذى يرتعش قلبه إذا سمع أو قرأ نقدا للبخارى أو الشافعى اوابن تيمية أو لما يعرف بآل البيت أو الخلفاء الراشدين أو الصحابة..هو ولى للشيطان . الشيطان يوقع الخوف فى قلوبهم ويجعل لتلك الأسماء مهابة . الشيطان يُخوّف أولياءه ، يقول جل وعلا : ( إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) آل عمران ) . العادة أن المحمديين  المعتدلين ، وكل من فى قلبه مرض يحسب نفسه من المهتدين. فإذا أردت أن تختبر نفسك وتعرف وضعك ؛ هل أنت من اولياء الشيطان أم تكتفى بالله جل وعلا وليا ، إسأل نفسك : حين ترتكب معصية دون خوف من الله جل وعلا ، هل هو نفس حالك إذا سمعت نقدا للبخارى أو آل البيت أو الراشدين والصحابة ؟

ثالثا : إتخاذ البشر أولياء من دون الله جل وعلا

1 ـ حينما تشاهد عملا دراميا فإنك لا تشاهد الفاعل الحقيقى له ، وهو ( المخرج ). أنت فقط تشاهد الممثلين والديكورات ، وتنشغل بالمظاهر التى يحركها ( المخرج ) بينما لا ترى ( المخرج ) نفسه . نفس الحال فى مظاهر الحياة الدينية للكفار المرضى ، والتى تدور حول القبور المقدسة و( الأسفار ) أو الكتب المقدسة . ترى البشر الذين يتخذون أولياء من دون الله ، ولا ترى الشيطان الذى أقنعهم بهذا ، والذى أوقعهم فى هذا.

2 ـ وتعبير ( إتخاذ ولى ) رائع . إذ يعنى أن البشر بدافع ذاتى هم الذين ( إتخذوا ) فلانا وليا . ( إتخذوه ) بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير . ( إتخذوه ) فى غيبوبة عقليه تعبر عن مرض كفرى قلبى يُعمى العقل والبصر والبصيرة . يكفى أن معظم من يتخذهم البشر أولياء مقدسين لا صلة لهم بأولئك البشر ، فالذين يقدسون عليا بن ابى طالب لم يروا عليا ابن أبى طالب ، والذين يقدسون ابن تيمية والبخارى ومسلم والشافعى وابن حنبل ..الخ لم يروهم ، وأولئك الفقهاء والأئمة لا علم لهم بمن جاء بعجدهم يعبدهم ويقدسهم ويطلق عليهم الأسماء فتصبح تلك الأسماء مقدسة ومهابة ومرعبة . هم ( أتخذوا ) أسماء وعبدوا هذا الأسماء التى ما أنزل الله جل وعلا بها من سلطان . لو وقفت فى السعودية وظللت تلعن ابن برزدويه فلن يلتفتا اليك أحد لأن غسن ابن برزدويه ليس مقدسا. أما إذا تعرضت بالنقد للبخارى فمصيرك القتل بتهمة الردة ، لأن البخارى هو ربهم الأعلى ، مع ان البخارى هو نفسه ابن برزدويه . أى أن المحمديين وغيرهم من المرضى بالكفر يعبدون أسماء ( ينحتونها ثم يقدسونها ) . فعل ذلك قوم عاد فقال لهم النبى ( هود ) عليه السلام : ( قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ )  (71) ( الأعراف )، وفعلها ولا يزال يفعلها المصريون ، فقال لهم يوسف عليه السلام (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ )(40) يوسف )، وفعلها العرب وقت نزول القرآن فقال لهم رب العزة : ( إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ  ) (23) ( النجم ).

3 ـ وفى الحوار حول ( إتخاذهم أولياء ) جاءت كلمة  ( قل ) تأمر خاتم المرسلين أن يقول لمن يتخذ وليا غير الله جل وعلا : ( قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(14) الانعام )، وتتحداهم تؤكد لهم أن تلك الأولياء الموتى لا تنفع ولا تضر :(  إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) ( الآعراف 194 : 196 )، وانها لا تخلق شيئا : ( قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) ( الرعد 16 )، وأن من يتخذ البشر أولياء من دون الله فقد ضل سعيه فى الدنيا:( أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا)(الكهف 102 ـ  ).

4 ـ وجاء الحوار مباشرا بدون ( قل ) : ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ )( أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )  الشورى 6 ،  9)(  مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) ( العنكبوت 41 )(أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ) ( الزمر  3 ). وقد سبق التوقف ـ كثيرا ـ مه هذه الآيات الكريمة .

رابعا : ارتباط الموالاة بالنصرة :

1 ـ الولاية تعنى التقديس والعبادة كما تعنى النُّصرة والمناصرة . والتقديس والنصرة مرتبطان. ويأتيان معا فى القرآن الكريم:( وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ )(التوبة 116 ،العنكبوت 22 ،الشورى 31 )(  وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا ) ( النساء 45 ).

2 ـ ونضرب مثلا من عصرنا البائس : فالذى يتخذ البخارى وليا يدافع عنه وينصره ويقدس إسمه ، وهو يقف بقوة ضد من ينتقد البخارى . أما الذى يكتفى بالله جل وعلا وليا فهو يقف بحزم ضد إفتراءات البخارى وأكاذيبه التى يجعلها وحيا ومنسوبا لله جل وعلا ورسوله الكريم . هنا خصومة وحرب ، هنا قضية فيها ظالم هو البخارى الذى يفترى الأكاذيب ، يظلم الله جل وعلا ورسوله ، ولا بد لمن ( يوالى ) الله جل وعلا أن ينصر الله جل وعلا ، ويبرىء الاسلام من هذا الافتراء .

3 ـ ونضرب مثلا آخر من عصرنا البائس : هؤلاء الارهابيون السنيون وجهادهم السلفى السنى القائم على شريعتهم وعلى حديث ( أمرت أن أقاتل الناس .. ) وهم يحملون إسم الاسلام شعارا . وبهم تشوّه دين الاسلام ، وتشوهت صورة الرحمن الذى ارسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين ، فأصبح بهم الاسلام إرهابا للعالمين . الذى يكتفى بالله جل وعلا وليا ( يناصر ) رب العزة ، ويوضح حقائق الاسلام ، ولا تأخذه فى مناصرة وموالاة رب العزة لومة لائم ، لأن حق رب العزة هو الأقدس ، فما بالك إذا كان المعتدى من أولياء الشيطان ؟  بهذا تكون الموالاة والمناصرة تفاعلا بين الله جل وعلا ( الولى ) ومن يوالى الله جل وعلا من المؤمنين المتقين . وفى الجهة المضادة تكون الموالاة بين الشيطان وأوليائه . والموالاة تعنى مواجهة بالكلام وبالحرب . وفى كل الأحوال فإن الله جل وعلا ـ وهو نعم المولى ونعم النصير ـ ينصر أولياءه فى الدنيا والآخرة . هذا يستحق بعض التفصيل :

3 / 1 : الموالاة والمناصرة قتالا فى الدنيا :  يقول جل وعلا فى خطاب مباشر للمؤمنين بدون كلمة ( قل ) :(  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ  ) (  محمد 7  ). هم ينصرون الله جل وعلا والله جل وعلا ينصر من يناصره : (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز ) ( الحج 41 ). والله جل وعلا يدافع عن الذين آمنوا (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ) الحج 38 )  وفى التحريض على القتاة مناصرة لله جل وعلا ضد أولياء الشيطان والعدوان يقول جل وعلا :  (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ) ويكون القتال بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان : ( الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ) ( النساء  75 : 76 ).

3 / 2 : هناك مؤمنون أمضوا حياتهم تقوى وجهادا ، ثم جاءت لحظة الاحتضار بما فيها من هول . عندها تظهر الموالاة والمناصرة بين الله جل وعلا والمتقين فى الدنيا والآخرة فى لحظة فارقة . يقول جل وعلا عنهم : ( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  ) ( يونس 62 : 64 ) عند الموت يتحدد مصير ابن آدم : هل هو ولى الرحمن أم ولى الشيطان . كلهذا تبعا لايمانه وعمله وجهاده . يقول جل وعلا : (  إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ  ) ( فصلت 30 : 32 )

3 / 3  : وتكون الموالاة والنصرة فى الآخرة هى الأعظم . فالذى يقضى حياته مجاهدا فى سبيل الله يأتى يوم القيامة شاهدا على قومه الضالين ، ويقال عنهم : ( أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ )( هود 20 )، ويقول جل وعلا عن مناصرته للأشهاد والمؤمنين والرسل : (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمْ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52) غافر ). فى هذا اليوم لا تنفع الظالمين معذرتهم ، فقد حاقت بهم اللعنة وتعين عليهم الخلود فى السعير ، ولم يجدوا من ينصرهم أمام العلى الجبار ، بل يتخلى الملأ وكبار الكفرة عن أتباعهم فلا يجد الأتباع سوى أن يلعنوا سادتهم وكبراءهم : (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ) ( الاحزاب 64 : 68 ). وفى حال رؤيتهم للنار ينظرون اليها من طرف خفى ويشعرون أنهم خسروا أعظم خسارة ، إذا أتخذوا الشيطان وليا من دون الله فلم يجدوا من دون الله جل وعلا وليا ولا نصيرا : ( وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ ) ( الشورى 45 : 46 ) . أما الشيطان فسيعلن تبرأه منهم وهو معهم فى النار : (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) ابراهيم )

أخيرا

يحتج المحمديون بأنهم أكثرية ، وهم فعلا يزيدون عن بليون ونصف البليون . والأكثرية ليست دليلا على إعتناق الحق ـ لأن أكثرية البشر يوالون الشيطان . وقد ردّ رب العزة عليهم مقدما فقال : (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) القمر )

ودائما : صدق الله العظيم 

الباب الخامس : (قل ) وعلاج المحمديين

الباب الخامس : (قل ) وعلاج المحمديين

 الفصل الأول : (قل ) فى الرد مقدما على المحمديين فى أن النبى محمدا لا يعلم الغيب 

 أولا :  نكرر الكتابة فى هذا الموضوع لسببين.  .

ثانيا : كلمة ( قل ) فى أنه لا يعلم الغيب إلا الله   

ثالثا : ( قل ) وإعلانه عليه السلام أنه لا يعلم الغيب

رابعا : الله جل وعلا يذكر بعض الغيوب فى القرآن الكريم  غيوب الماضى والحاضر والمستقبل :   

 الفصل الثانى : (قل ) فى الرد مقدما على المحمديين فى أن النبى محمدا لن يشفع يوم القيامة

أولا : نفى علم النبى بالغيب وشفاعته .

 ثانيا :  نفى شفاعة النبى فى سورة الزمر:   باستعمال (قل ) .  وبدون ( قل ): ـ

 ثالثا : تأكيد ما جاء فى سورة الزمر فى سور أخرى فى القرآن الكريم : بدون ( قل ): وباستعمال ( قل )

الفصل الثالث : ( قل ) فى الرد على إنكار البعث

مقدمة :  

  اولا : إنكار البعث قولا وعملا

ثانيا : أمثلة لتنوع الرد على انكار البعث بدون ( قل )

  ثالثا : أمثلة لتنوع الرد على إنكار البعث بكلمة ( قل )

رابعا : الرد على إنكار البعث بكلمة ( قل ) وبدون ( قل )

الفصل الرابع : ( قل ) فى تأكيد أن الاسلام ضد الاحتراف الدينى

مقدمة ـ أولا :  الاحتراف الدينى فى الأديان الأرضية 

ثانيا : حاجة أهل الحق للمال ليصمدوا ضد الكهنوت الذى يصُّدُّ عن سبيل الله

ثالثا : الرسل ودعاة الحق لا يسألون أجرا لأنفسهم 

الفصل الخامس : ( قل ) فى التحدى بالقرآن

 أولا : الشهادة الالهية بأن القرآن من عند الله جل وعلا

  ثانيا : التحدى بآية ( أو معجزة القرآن )

ثالثا : اوجه الاعجاز

الباب الخامس : (قل ) وعلاج المحمديين

 الفصل الأول : (قل ) فى الرد مقدما على المحمديين فى أن النبى محمدا لا يعلم الغيب 

 أولا :  نكرر الكتابة فى هذا الموضوع لسببين.  .

ثانيا : كلمة ( قل ) فى أنه لا يعلم الغيب إلا الله   

ثالثا : ( قل ) وإعلانه عليه السلام أنه لا يعلم الغيب

رابعا : الله جل وعلا يذكر بعض الغيوب فى القرآن الكريم  غيوب الماضى والحاضر والمستقبل :  

 أولا :  نكرر الكتابة فى هذا الموضوع لسببين : 

السبب الأول : إن المحمديين لا يزالون يؤمنون بأن النبى محمدا يعلم الغيب ، لذا لا بد من التذكير والتأكيد.

1 ـ يلفت النظر أن المحمديين يختلفون فى أشياء كثيرة ، ولكن يتفقون فى إسناد العلم بالغيب للنبى محمد والأولياء الصوفية والأئمة الشيعة والسنة .آلاف الأحاديث صيغت فى هذا الإفك ، وضاعت بسببها أجيال المحمديين جيلا بعد جيل ، ماتوا على الضلال .

2 ـ وبسبب رواج الاعتقاد فى هذا الزيف فقد تم توظيفه سياسيا ، فصاغوا أحاديث فى الغيبيات فى الصراع المذهبى والسياسى ، وتبارز السنيون والشيعة فى هذا الافك ، فيصيغ الشيعة أحاديث فى مناقب (على ) وتفضيله وأحقيته فى الخلافة ( وهو غيب مستقبلى مات النبى لا يعلم عنه شيئا ) وفى مكانته يوم القيامة، والنبى لا يعلم شيئا عن الساعة وما يحدث قبلها من علامات وما يحدث يوم القيامة، فيقابلهم السُّنّة بأحاديث فى فضل ابى بكر وعمر ومكانتهما يوم القيامة ومناقب العشرة المبشرين بالجنة،ومناقب سعد بن معاذ و ( سبقك بها عكاشة ).!! الخ .. الى أن نصل الى علم عمر بن الخطاب بالغيب ( يا سارية الجبل ) فيقبلهم الشيعة بأكوام من روايات تجعل عليا بن أبى طالب ينبىء بالغيب ـ بعد موته بقرون .  ويتطور الأمر بأن تصنع الدعاية العباسية أحاديث على لسان النبى ، تتنبأ بالخلفاء العباسيين وأن الخلافة العباسية ستستمر الى نزول المسيح . هذا عدا خرافات المهدى المنتظر لدى السنيين والشيعة والصوفية ، وهى خرافات سامة كان ولا يزال يستخدمها الطموحون للسلطة والثروة ، ولا تزال تسفر عن إثارة الفتن وتسفك الدماء .

3 ـ وفى خضم هذه الظلمات المتراكمة يكفر المحمديون بتأكيدات رب العزة فى نفى علم الغيب عن خاتم النبيين . ولو آمنوا بما قاله رب العزة فى القرآن لاسترحنا من آلاف الأحاديث الضالة ولوفرنا شلالات الدماء التى ضاعت ولا تزال تضيع عبثا فى سبيل إقامة دول دينية مؤسسة على أساطير العلم بالغيب .

السبب الثانى:   أننا نناقش هذا الموضوع فى صلته بكلمة ( قل ).

1 ـ .ونرى فيه عجبا ، فالأغلب أن تأتى فيه كلمة ( قل ) أمرا للنبى بوصفه وشخصه ـ  أن يعلن من البداية أنه لا يعلم الغيب . أى هو إعلان يأتى مقدما للرد على ( المحمديين ) تكفيرا لهم على لسان ( محمد ) خاتم المرسلين . وهذا فى حدّ ذاته آية وإعجاز للقرآن الكريم ، أن يرد مقدما على من ينسبون أنفسهم ل( محمد ) وهم أعدى أعداء محمد ، عليه السلام .وبالتالى فإذا كان عليه السلام لا يعلم الغيب فإنّ من يجرؤ على إسناد علم الغيب لنفسه يستحق الضرب بالنعال .فى أيسر الأحوال ..! .

ثانيا : كلمة ( قل ) فى أنه لا يعلم الغيب إلا الله 

.1ـ والغيب بتفصيلاته لا يعلمه إلا الله جل وعلا ، وهذه الحقيقة يؤكدها رب العزة بأساليب مختلفة ومتنوعة بدون كلمة ( قل ) ، وتحليل هذا الخطاب الالهى المباشر يخرج عن موضوعنا ، لذا نكتفى بسرد ألايات الكريمة . يقول جل وعلا : ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)(الانعام ) (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7)الأعلى )( وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِوَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)الأنعام )( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِي (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) الرعد ) ( وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7)  ) طه )( وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) الملك ) (  وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61) يونس )( عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِوَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3) سبأ . ) 

2 ـ وتأتى كلمة ( قل ) أمرا للنبى عليه السلام أن يعلن أنه لا يعلم الغيب فى السماوات والأرض الغيب إلا الله  : ( قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ  )(65) النمل ) . الغيب المطلق لا يعلمه إلا الله جل وعلا . هذه حقيقة أمر الله جل وعلا رسوله الخاتم أن يعلنها . وجاءت صياغتها باسلوب القصر ، فكما تقول ( لا إله إلا الله ) تقول ( لا يعلم الغيب إلا الله )

ثالثا : ( قل ) وإعلانه عليه السلام أنه لا يعلم الغيب

1 ـ وتكتمل هذه الحقيقة السابقة بحقيقة أخرى أنه عليه السلام مأمور أن يعلن أنه لا يعلم الغيب مطلقا : ( قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ )(50) الانعام )، ثم حقائق أخرى تفصيلية ، منها أنه مأمور أن يعلن أنه لا يعلم غيب المستقبل ، ما يحدث له أو لغيره فى هذه الدنيا أو فى الآخرة : ( قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (9) الاحقاف ) وبالتالى لا يمكن أن يتكلم عن مستقبل الصحابة بعد موته ، ولا أن يبشر هذا أو ذاك بالجنة ، أو أن يتكلم عمّا سيحدث له أو لغيره يوم الدين . أى إن كل مفتريات الغيوب التى نسبوها للنبى بعد موته هى تكذيب للقرآن الكريم وإفتراء على الله جل وعلا .

2 ـ وفى الآيتين الكريمتين السابقتين نلاحظ  التأكيد على حقيقة أنه عليه السلام كان متبعا للوحى القرآنى ، أى لا يمكن أن يعلن عدم علمه بالغيب ثم يتكلم فى الغيبيات . ولهذا ففى آيتى سورة الأحقاف والانعام وتكرر فيهما (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ ).: ( قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (9) الاحقاف ) ( قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (50) الانعام ) .  كما أن ما جاء فى الاية الكريمة السابقة من سورة الأنعام عن خاتم المرسلين تتشابه مع ما قاله من قبل نوح عليه السلام الذى أعلن أنه لا يعلم الغيب ولا يملك خزائن الله وليس ملكا من الملائكة : ( وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمْ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنْ الظَّالِمِينَ (31) هود ).

3 ـ ومعنى هذا أن من الأنبياء من يعطيه رب العزة العلم ببعض الغيب ، وليس منهم خاتم النبيين . لذا يقول جل وعلا بدون (قل ) فى خطاب مباشر للمؤمنين : ( مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ )  (179) آل عمران ).

4 ـ وباستعمال ( قل ) يأمر رب العزة خاتم المرسلين أن يعلن أنه لا يعلم موعد الساعة أقريب أم بعيد ، لأن عالم الغيب لا يُظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من الرسل ، وهو ليس منهم : : ( قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (25) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ) 27 ) الجن ). ويتكرر الأمر ب ( قل ) فى نفس الموضوع : ( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (109) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنْ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (110) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111) الانبياء).

5 ـ وكفرا بالقرآن إخترع أئمة المحمديين أحاديث فى علامات الساعة وما أسماه رب العزة ( علم الساعة ) وهو غيب لم يكن يعلمه خاتم النبيين . وكانوا يسألونه مرارا وتكرار فيجيب نفس الاجابة ويعلن أنه لا يعلم شيئا عن الساعة :( يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (63)(ألأحزاب )( يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (187) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)الاعراف )( يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) النازعات )

رابعا : الله جل وعلا يذكر بعض الغيوب فى القرآن الكريم

المحمديون فى إتّخاذهم القرآن مهجورا غفلوا عن بعض الغيوب التى ذكرها رب العزة فى القرآن . ومنها ما جاء مقرونا بكلمة ( قل ) ومنها ما جاء بدونها . ونقسمها كالآتى :

1 ـ غيوب الماضى : وهى تأتى بدون (قل ) . ففى قصة نوح عليه السلام ، وهى غيب ينتمى للماضى قال جل وعلا لخاتم المرسلين : ( تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) هود ). وبعد أن قصّ رب العزة قصة يوسف قال فى نهايتها : (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) يوسف ) . وفى قصة مريم قال جل وعلا لخاتم النبيين : ( ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) آل عمران ). كل هذا كان غيبا ماضيا لم يعرفه محمد عليه السلام وقومه إلّا بنزول القرآن . فهناك فجوة هائلة فى الزمان والمكان تفصل بينه وبين أبطال تلك القصص ، يقول جل وعلا للنبى إنه لم يكن حاضرا وموجودا وشاهدا وقت حدوث هذه القصص : ( وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46)القصص).

المحمديون غفلوا عن الحقائق القرآنية التى أخبر بها رب العزة فى القرآن الكريم فى ملمح من ملامح الإعجاز القرآنى ، أو الآيات القرآنية . وبسبب تمكن داء الكفر فى قلوب أئمتهم فقد زيفوا تاريخا وقصصا للانبياء ملأوه أكاذيب ، بعضها من تزييفات التوراة المحرفة ، وبعضها من خيال القُصّاص . وتم تسجيل هذا الإفك فى أسفار التراث ، ووجدت طريقها الى ما يعرف بكتب التفسير و( قصص الأنبياء ) .

2 ـ غيوب الحاضر : التى نزلت فى عصر النبى تعليقا على الأحداث الجارية والحوارات الدائرة ، ومن الطبيعى أن تأتى فيها كلمة ( قل ) . ومن أمثلة ذلك :

2/ 1 : فى الحوار : وفيها تأتى كلمة ( سيقول ) ( سيقولون ) وبعدها ( قل ) . أى ينبىء رب العزة مقدما أنهم سيقولون كذا ، فقل لهم كذا . ونعطى أمثلة لنوعيات من هذا الحوار:( سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) البقرة ) ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (148)الانعام ). وفى الحوار حول الألوهية يخبر رب العزة مقدما بإجابتهم : أى ( قل ) و ( سيقولون ) :( قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِالسَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ (89) المؤمنون ). وبعضها يأتى بأقوالهم مسبقا وبحركات رءوسهم أيضا : ( وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (49) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً (50) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلْ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً (51)الاسراء ) قال جل وعلا (فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ )

2/ 2 : ويخبر رب العزة مقدما بما سيقوله المرضى بالكفر فى عهد النبى عليه السلام : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) الاحقاف ). أى طالما إختاروا الضلال فسيقولون لو كان خيرا ما سبقونا اليه.

ومن ذلك الإخبار المسبق عما سيقوله المنافقون وعن انهم سيحلفون كذبا بالله جل وعلا : ( سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ )(95)التوبة ) (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنْ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (11) (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (15) الفتح )

 2/ 3 ـ الإخبار بغيب السرائر وما تخفيه القلوب لبعض الصحابة من المنافقين وغيرهم . والأمثلة كثيرة ، ، ومنها : ( بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (12) الفتح ) (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) آل عمران )( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29)  ( محمد )

3 ـ غيوب المستقبل : ومنها وعود تحققت ، بعضها تحقق فى حياة النبى عليه السلام . بعد الهجرة للمدينة تابعتهم قريش بالحملات العسكرية حين كان المؤمنون مأمورين بكف اليد وعدم القتال . وقتها عاشوا فى خوف ؛ يخافون أن يتخطفهم الناس. فى هذا الوقت العصيب نزل لهم وعد مشروط بأن يبدل الله جل وعلا خوفهم أمنا إذا آمنوا وعملوا الصالحات : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (55) النور )، وتحقق الوعد ونزل قوله جل وعلا يذكّرهم : ( وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26)الانفال ).

 وفى مكة وعدهم الله جل وعلا بأن ينتصر الروم ( على الفرس ) وتحقق الوعد المستقبلى : (غُلِبَتْ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6) الروم ).

والفتنة الكبرى التى وقع فيها الصحابة أنبأ بها مقدما رب العزة فى سورة مكية . نزل أولا التهديد ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) الأنعام ) ثم جاءت الآية التالية تقرر حقيقة ، وهى أن قوم النبى ( قريش ) كذبوا القرآن وهو الحق .ودخلت قريش ( بهذا الكفر القلبى ) فى الاسلام واستخدمته لصالحها فيما يسمى بالفتوحات ، ونتج عنها الفتنة الكبرى المشار اليها فى آية 65 .  يقول جل وعلا  ( وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)  الانعام ) وقد فصلنا هذا فى كتابنا عن ( المسكوت عنه من تاريخ الخلفاء الراشدين ).

 ولا يزال المحمديون سائرين فى الفتنة الكبرى ، ينطبق عليهم قوله جل وعلا : ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) الأنعام ) ولأنهم ( لا يفقهون ) فلا يزالون فى الضلالة يعمهون . وصدق رب العزة فى تحذيره لهم ولنا (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)  الانعام )

ودائما : صدق الله العظيم .

 الفصل الثانى : (قل ) فى الرد مقدما على المحمديين فى أن النبى محمدا لن يشفع يوم القيامة

أولا : نفى علم النبى بالغيب وشفاعته .

 ثانيا :  نفى شفاعة النبى فى سورة الزمر:   باستعمال (قل ) .  وبدون ( قل ): ـ

 ثالثا : تأكيد ما جاء فى سورة الزمر فى سور أخرى فى القرآن الكريم : بدون ( قل ): وباستعمال ( قل )

 مقدمة : كتبنا فى الشفاعة سلسلة مقالات تم تجميعها فى كتاب منشور ، ولكن أيضا نعيد التأكيد علي نفى شفاعة النبى لسببين : الأول : إن المحمديين لا يزالون يؤمنون بأن النبى محمدا سيشفع فيهم يوم القيامة ، لذا لا بد من التذكير والتأكيد ( لعل وعسى ) أن يؤمن منهم من لديه إستعداد كامن للهداية . السبب الثانى : أننا نناقش هذا الموضوع فى صلته بكلمة ( قل ). ونعطى بعض التفاصيل :

أولا : نفى علم النبى بالغيب وشفاعته 

1 ـ نفى علم النبى بالغيب يترتب عليه نفى أحاديث الشفاعة ، هذا بالاضافة الى أكثر من 150 آية قرآنية تنفى شفاعة النبى بطريق مباشر أوضمنى ، وآيات محكمة أو متشابهة . وقد قلنا إن الايمان بشفاعة النبى والأولياء والأئمة وغيرهم أفسد أخلاق المحمديين ، ولا يزال هذا الفساد الخلقى سائدا وساريا ، بحيث ترى المحمدى المتدين أكثر الناس سوءا فى أخلاقه ، وبالشفاعة وأساطير الحور العين يتم خداع الأغبياء ليفجروا أنفسهم فى عمليات ارهابية إنتحارية يقتلون بها الأبرياء عشوائيا . 

 2 ـ وبعض الآيات القرآنية تنفى شفاعة النبى وعلمه الغيب معا : ( قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّقُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (50) وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) الانعام ) فى الآية الأولى نفى لعلم الغيب وأشياء أخرى ، وفى الآية التالية أمر له عليه السلام بالإنذار بالقرآن والإعلان بأنه ليس للناس ولى ولا شفيع إلا رب العزة .

3ـ ونقرأ الاقتران بين نفى علم النبى بالغيب ونفى شفاعته فى قوله جل وعلا باستعمال ( قل ):( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ( الاعراف 187 : 188 ) وفى قوله جل وعلا : (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) يونس 48 : 49 ). عليه السلام لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا بمشية الرحمن ، وهذا حال كل البشر . لا يعلم الغيب ولا ينفع ولا يضر إلا بمشيئة الرحمن .وقد إقتضت مشيئته جل وعلا أن يكون هو جل وعلا مالك يوم الدين وأن يكون هو وحده الولى الشفيع .

ثانيا :  نفى شفاعة النبى فى سورة الزمر

ركزت سورة الزمر على اخلاص الدين لله جل وعلا وحده ، فجاء نفى شفاعة النبى باسلوب مباشر مُحكم ، وباسلوب ضمنى ، وباستعمال ( قل ) و بدونها. ونعطى أمثلة من السورة الكريمة :

  باستعمال (قل ): 

1 ـ وذلك فى الأمر له بأن يعلن خوفه من عذاب جهنم إن عصى ربه جل وعلا :( قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13). فإذا كان لا يستطيع دفع العذاب عن نفسه فكيف يشفع فى غيره ؟

2 ـ  كما أمره ربه جل وعلا أن يرد على من إتخذوا شفعاء من دون الله ، وهو جل وعلا وحده الولى والشفيع الذى له الشفاعة جميعا : ( أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) الزمر 43 : 44 )

بدون ( قل ): ـ

1 ـ وذلك فى خطاب مباشر جاء للنبى عليه السلام فى صيغة سؤال معروفة إجابته مقدما ، وهى أنه عليه السلام إذا حقت كلمة الله بالعذاب على شخص فإنه عليه السلام لا يستطيع إنقاذه من النار : ( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّار ) 19 ).

2 ـ وفى نفس السورة ذكر رب العزة أن الكفار سيُساقون الى جهنم جماعات ( زمرا ) وسيعترفون بأنه ( حقت عليهم كلمة العذاب ): ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) الزمر ). وبالتالى فإن من يحق عليه كلمة العذاب فلا سبيل لانقاذه .

3 ـ وفى خطاب مباشر للنبى أكّد رب العزة جل وعلا للنبى أنه ميت  (حين كان النبى حيا وقت نزول هذه الآية)، وأن أعداءه ميتون ، ثم إنه سيختصم معهم يوم القيامة : ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُون ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُون )الزمر  30 : 31 ). هنا مساواة بين النبى وخصومه ( ابوجهل وأبو لهب مثلا ) فى استحقاق الموت ، بنفس صفات موت الجسد وتحلله ، ومساواته بهم فى التخاصم أمام الله جل وعلا .وبالتالى ليست للنبى ميزة الشفاعة فى الغير إذا كان سيتساوى حتى مع خصومه فى الدفاع عن نفسه وفى التخاصم معهم أمام الواحد القهار .

4 ـ وفى خطاب مباشر آخر مع النبى يؤكد له ربه جل وعلا وحدة الوحى الذى نزل على كل الأنبياء وعليه من أنه لو وقع فى الشرك ومات عليه فإن الله جل وعلا سيحبط عمله يوم القيامة. هذا ينطبق على النبى وغيره من البشر ، وبالتالى فكيف يكون شفيعا فى غيره من لا يملك دفع الخسران عن نفسه إذا وقع فيما يستحق عليه العذاب : (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) 65 )ـ

5 ـ وفى أواخر سورة الزمر يعرض رب العزة مشاهد يوم القيامة ، فكما تم خلق هذا العالم بالتفجير الكبير ، فسيتم تدميره بتفجير آخر ، أو بالتعبير القرآنى ( الصعق ونفخ الصور )،أو ما يحدث عن الانفجار من صعق و صوت التدمير الهائل، ثم يعقبه الانفجارالأخير بالبعث وخلق العالم الخالد لليوم الآخرالذى يحكمه مباشرة رب العزة ، ثم وضع كتاب الأعمال والاتيان أولا بالنبيين والشهداء للحساب ثم بقية البشر ،ثم سوق الكافرين جماعات للنار وسوق المتقين جماعات للجنة . فى كل هذا نفى تام لشفاعة النبى ، يقول جل وعلا  عمّن لا يقدر الله جل وعلا حق قدره من المحمديين وغيرهم : ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُون وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُون وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُون وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِين قيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِين )( الزمر 67 : 72 )

ثالثا : تأكيد ما جاء فى سورة الزمر فى سور أخرى فى القرآن الكريم 

نفى شفاعة البشر  بدون ( قل ):

1 ـ عن شفاعة الملائكة التى تحمل العمل الصالح للمؤمنين يقول جل وعلا : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً (105) فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً (106) لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً (107) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِي لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتْ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً (108) يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (109) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (110) وَعَنَتْ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (111) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً (112) طه )( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) الانبياء ) ( وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86) الزخرف )( وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23) سبأ ) ( وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى ) ( النجم 26 )

2 ـ وكما قال جل وعلا للنبى عليه السلام فى سورة الزمر : ( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّار ) 19 ). فقد جاء التأكيد فى سور أخرى أنه من حقت عليه كلمة الله بالعذاب فلاسبيل الى إنقاذه . يقول جل وعلا : ( وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (6) غافر ) وفى حوار فى داخل النار بين المستضعفين الرعاع والملأ المستكبرين القادة والزعماء ، يقول الملأ للمستضعفين : ( وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِين فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُون ) الصافات 30 ـ )، أى حقت عليهم كلمة العذاب ولا تبديل لكلمات الله جل وعلا .

 3 ـ و جاء معنى هذا فى قوله جل وعلا : ( أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيد مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ   مُّرِيبٍ  الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيد قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيد قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيد مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيد   ) ( ق 24 : ـ ) لا تبديل لقوله جل وعلا ، وهذا معنى أنه حقت عليهم كلمة العذاب.

 4 ـ  والله جل وعلا يحكم لا معقب لحكمه :(وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) الرعد 41 ). فإذا أصدر أمرا فلا يستطيع مخلوق التعقيب ـ مجرد تعقيب ـ عليه ، فكيف بأساطير الشفاعات التى تجعل النبى يلغى قرارات رب العزة ، وكيف بيوم الحساب حيث يقوم الروح جبريل والملائكة صفا لايملكون من الرحمن خطابا: ( لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لّا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ) (النبأ 37 : 38 )، و البشر أيضا ؛ لا يتكلمون إلا من اذن له الرحمن ، شقيا كان أم سعيدا : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ  )( هود 103 : 105 ).

 يؤمن بهذا من يكتفى بالله جل وعلا وليا وشفيعا . أما المحمديون الذين يجعلون محمدا مالكا ليوم الدين فهم لا يقدرون الله جل وعلا حق قدره، ولهذا جاء لهم ولغيرهم آيات سورة الزمر ( 67 ـ )

نفى الشفاعة باستعمال ( قل )

1 ـ ما جاء فى سورة الزمر 43 / 44 مصحوبا بكلمة (قل ) جاء تكراره فى سورة يونس بصيغة أخرى فى نفى شفاعة البشر: ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(18)

2 ـ وما جاء فى سورة الزمر 13 من إعلان خوفه عليه السلام تكرر مسبوقا أيضا بكلمة ( قل )فى سورة الأنعام (قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم/ 15 ) وفى سورة يونس (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ / 15 )، وبالتالى فلن يجيره من الله جل وعلا أحد إذا عصى  ربه : ( قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا(22) ( الجن )

 3 ـ وماجاء فى سورة الزمر 65 عن مسئوليته الشخصية لو عصى تأكد فى سورة سبأ : ( قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ(50)

أخيرا

تخيلوا : لو لم يحفظ رب العزة القرآن الكريم ؟ كان المحمديون سيحذفون كل ما يخالف عقائدهم ويضعون بديلا منها أحاديثهم الضالة . ألا لعنة الله على الظالمين .!

الفصل الثالث : ( قل ) فى الرد على إنكار البعث

مقدمة :  

  اولا : إنكار البعث قولا وعملا

ثانيا : أمثلة لتنوع الرد على انكار البعث بدون ( قل )

  ثالثا : أمثلة لتنوع الرد على إنكار البعث بكلمة ( قل )

رابعا : الرد على إنكار البعث بكلمة ( قل ) وبدون ( قل )

مقدمة :

1 ـ من السهل القول بالايمان بالبعث وباليوم الآخر ، ولكن هذا يستلزم سلوكا عمليا يتجلى فى التقوى والاستعداد ليوم البعث ، يوم الحساب ، يوم الدين . التحدى الحقيقى هو فى السلوك ، فما أسهل القول ، وما أصعب الفعل . كلنا يعرف إنه سيموت ، وكلنا متأكد من هذه الحقيقة ، ولكن تحقيقها سلوكا صعب جدا ، فإذا كنت متيقنا من حقيقة موتك ، وإذا كان الآخرون كذلك فلن تكون هناك فى هذه الدنيا مشاكل ولا صراعات ولا محاكم ولا حروب ، فلماذا نتصارع على حُطام هالك فان تافه وكلنا سيتركه بالموت ؟

الايمان بالبعث وباليوم الآخر وبالموت لا يصح إلا بالسلوك القويم فى التعامل مع الناس وفى الايمان الخلص برب الناس ،جل وعلا .

2 ـ وكالعادة ، فإن العرب والمحمديين ينتمون الى ( القول ) وليس الى ( الفعل ) . ولقد أنّب رب العزة المؤمنين الصحابة وقت نزول القرآن فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَتَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (3) ( الصف ). ولا يزال المحمديون يقولون ما لا يفعلون ، يزعمون الايمان بالبعث وباليوم الآخر ، وفى سلوكهم يقترفون العصيان والفساد بما يؤكد أنهم لا يؤمنون بالله جل وعلا ولا باليوم الآخر . سلوكهم الذى يلوث أخبار العالم اليوم يؤكد أنهم ليسوا من المؤمنين الذين هم مشفقون من قيام الساعة ويعملون لها . ليسوا من الذين قال عنهم رب العزة ( وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28)المعارج ) (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنْ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) الانبياء )( إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61 )( المؤمنون )

3 ـ نقول هذا لنؤكد فارقا بين نوعين من إنكار البعث وقيام الساعة : نوع صريح ، كان يعلنه كفار قريش وغيرهم ، ويقول به اليوم العلمانيون الملحدون . وهم صرحاء . وهى صراحة مشكورة على أى حال . النوع الآخر هو النفاق الدينى، وهو عاهة بشرية وداء مستمر ينتشر بضراوة بين المحمديين المتدينين بالذات ، يعلنون الايمان بالله جل وعلا وباليوم الآخر وماهم بسلوكياتهم بمؤمنين . وصف رب العزة هذا الصنف والمرض المستحكم فيه فقال:( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12)( البقرة )

4 ـ كفار العرب والملحدون أفضل حالا من المحمديين المتمسكين بالسُّنّة الشيطانية.ونتوقف هنا مغ الانكار الصريح للبعث الذى أعلنه كفار العرب ، ورد رب العزة عليهم بكلمة ( قل ) وبدونها .

  اولا : إنكار البعث قولا وعملا

1 ـ الانكار القولى للبعث : أعلنوا بصراحة انها حياتهم الدنيا فقط بلا بعث : ( وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)الأنعام:29 )( إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) المؤمنون: 37 ). وقريب منه اليوم ما يتردد على الألسنة وفى الدراما ( إحنا حنعيش مرة واحدة ). 

2 ـ وقرن مشركو العرب هذا الانكار القولى للبعث بسلوك ظالم يؤكد أنهم لا يؤمنون بيوم البعث والحساب ، يقول جل وعلا يتوعدهم ويتوعد من على ملتهم :( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) المطففين:). التطفيف فى الكيل والميزان عنوان لتضييع العدل وتسيد الظلم ، ووصول هذا من قصر الحاكم الى الأسواق والمتاجر والشوارع . وليس مؤمنا بالبعث ذلك المجتمع الذى يصبح فيه العدل ممنوعا والظلم قاعدة ، ويكون فيه الغش فى التجارة وفى الامتحانات معروفا وليس منكرا. ومن يتجول فى أسواق المحمديين ومدارسهم ومصالحهم الحكومية يرى كيف تنطبق الآيات الكريمة عليهم ، مع أن مساجدهم تزاحم كل شارع وحارة ، واصواتهم بالأذان تلاحق الناس من مطلع الفجر الى العشاء .

ثانيا : أمثلة لتنوع الرد على انكار البعث بدون ( قل )

 1 ـ الاكتفاء بتقرير أن البعث وعد الاهى حق : ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)النحل: 38 ) وسيتحقق هذا الوعد فى وقته وعندها سيندم المنكرون : ( قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) يـس :52 )

2 ـ وهذا الوعد هو أيضا ( وعيد ) وتهديد يأتى فى الحوار الالهى مع المنكرين ، يتوعدهم بعذاب اليم  ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَافْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (8) سبأ ) ( وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5 ) الرعد)

3 ـ ويأتى الرد الالهى بتقرير حقيقة يكتشفها العلم حاليا ، وهى أن الله جل وعلا يبدأ الخلق ثم يعيده : ( إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ) (4 يونس ) ( أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ) (64) النمل )( اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11 الروم ).

4 ـ وهذه الحقيقة نراها ماثلة أمامنا فى دورة حياة بعض الحشرات كالذباب ، والنحل ، من بيض وشرنقة وفراشة وذبابة تضع البيض وتعود نفس الدائرة . وهكذا فيما حولنا بدءا من البيضة والفرخة ودورة الحياة والبعث فيهما ، حيث يخرج الحى من الميت والميت من الحى : ( وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ ) (27) آل عمران )

5 ـ ويتجلى هذا فى موت وبعث النبات . فالحبة الميتة فى التربة تتحول الى بذرة تنبض بالحياة حين تتشرب الماء :( إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنْ الْحَيِّ )(95)الانعام ) لذا ، فالدليل الأقوى على البعث يتجلى فى دورة حياة النبات من بذرة ميتة الى بذرة تنبض بالحياة الى شجرة تنبت حبا يعود الى الأرض ميتا ثم يحيا بالماء أى يتم بعثه.:( إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنْ الْحَيِّ ذَلِكُمْ اللَّهُ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ (95) الانعام ) لذا فهو آية لنا كى نتعظ : ( وَآيَةٌ لَهُمْ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33 يس ) بل ومن بعث الحياة فى البذرة نفهم آلية بعثنا من القبور، فكذلك سيتم إخراج الموتى  منها أحياء بالبعث والنشور:( يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) الروم ) وكذلك سيتم البعث أوالنشور( كذلك النشور):( وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (9) فاطر ).

6 ـ ومن هنا كرّر رب العزة ضرب المثل للحياة الدنيا وما يعقبها من موت ثم بعث بدورة حياة النبات : (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) يونس)( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ )(45)الكهف )( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (20)الحديد )

7 ـ والموت والبعث يمتد يمتد هذا الى أبعد من هذا .! الى الكون ونجومه ومجراته . نعرف الآن موت النجوم بغد ترهلها ثم إنفجارها لتتحول الى ثقب أسود أو أبيض ( أى الى طاقة أو شبح ) ومنها تتراكم وتتجمع أشلاء يتكون منها نجم جديد ، أى يتم بعث نجم من جديد من نجم مات . ويقرر رب العزة أن البعث أهون وأسهل من الخلق الذى يبدأ من لاشىء ، فالبعث هو مثال عكسى لمخلوق سابق ، أما الخلق الأول  فهو بلا مثال سابق . ينطبق هذا على بعث الانسان والمثل الأعلى فى بعث السماوات والأرض ( وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) الروم 27 )، ويؤكد رب العزة جل وعلا سهولة البعث فيقول : (مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) لقمان:28  )

8 ـ بل إن الموت والبعث ( يعيش ) فى داخلنا . جسدنا تتجدد خلاياه عدة مرات ، فالله جل وعلا خلقنا من ضعف ثم جعل بعد ضعف قوة وبعد قوة ضعفا وشيبة: ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً  )(54) الروم ) .وفى كل مرحلة تتجدد خلايا الجسد ، تموت القديمة وتبعث منها خلايا جديدة ، لذا يحتاج الجسم الى الغذاء والبروتينيات لتجديد خلاياه .  وكل منا يعرف نشأته طفلا وليدا ، وربما ترى الآن صورتك وأنت طفل وليد فتتعجب اين ذهب هذا الجسد الغض الهش ؟ بإختصار : مات فى داخلك . ويبدو أن خلايا الجلد هى الأكثر تجددا ، فهى التى تظهر عليها تجاعيد الزمن حين يحل الضعف والشيبة محل القوة والشباب . وكم تتحسر نجمات السينما اللاتى بلغن من العمر أرذله وهن يشاهدن صورهن فى مرحلة الصبا والشباب ، والتى تنتهى آخر العمر بما قاله جل وعلا : ( وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (68)( يس ) فى أرذل العمر يصير الانسان كالميت الذى يتنفس ، فقد استنفذ دورات الحياة والموت والبعث فى داخله ، وتعين عليه أن يدخل الموتة الثانية والأخيرة ، والتى يعقبها البعث . هذا البعث الذى ينكره الجاهلون ، مع إنه ( يعيش ) فى داخلهم ، لو كانوا يعلمون .!.  

9 ـ ولهذا يذكّرنا رب العزة بتحولات الجنين تدخل فى إطار البعث . فالبداية تراب ميت تنبت منه حياة النبات والحيوان ، يأكله الانسان طعاما ميتا لا حياة فيه فيتحول فى داخله الى دماء وخلايا حية ، ومنها المنى و البويضة ، وباتحاد الحيوان المنوى والبويضة تبدأ حياة الجنين ، وتحولاته الى أن يتم نفخ النفس فيه فيكون بشرا ، يولد وتجرى عليه تحولات أخرى من ضعف ثم قوة ثم ضعف ، ثم موت ثم بعث . فالبعث الأخير يوم القيامة سبقته تحولات من الموت والبعث قبل وفى حياة الجنين وفى حياة الانسان فى هذه الدنيا . وهو نفس الحال فى التربة وما يتجدد فيها وعليها من نبات . يقول جل وعلا يشرح لنا  ياسلوب علمى تقريرى قصة البعث فينا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ  ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ) الحج  7 ـ ) ويوجز هذا يكرره ويؤكد : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ) ( المؤمنون  12 : 16 ). ما سبق جاء بدون كلمة ( قل )

 ثالثا : أمثلة لتنوع الرد على إنكار البعث بكلمة ( قل )

1 ـ الخطاب الالهى المباشر  السابق عن البعث بدون ( قل ) ورد بعضه مقرونا بكلمة ( قل ) مثل:

1/ 1 : بدء الخلق ثم إعادته : ( قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلْ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ (34) يونس )،  وأن الذى خلق أول مرة هو الذى سيعيد الخلق بعثا مرة أخرى :  ( وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً )(  الاسراء 49 : 52)

1 / 2 : إخراج الحى من الميت والميت من الحى : ( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (31)( يونس ) ،

1 / 3 : التهديد :  ( وكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ . أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ) (الواقعة 47 : 56 ) ( وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ) (الصافات 15 ـ  ) ( زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (10) التغابن )

 1 / 4 : ويقول جل وعلا :( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ  )( يس 78 ـ  ). وهنا إشارة علمية للبعث فى الشجر الأخضر الذى يتحول الى طاقة ، فالمادة الخضراء الحية تموت وتتحول الى خشب ميت ، يكون مصدرا للطاقة ، وقبلها البترول والفحم .  بل إن طاقة الشمس هى مصدر المادة الخضراء فى النبات الحى ، فهنا موت وبعث يتجدد أمام أعيننا . ثم إن الذى خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلها.

1 / 5 : وفى التقرير بالبعث حقيقة مؤكدة : ( وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) السجدة ) ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِوَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3)  سبأ ) 

2 ـ وتأتى ( قل ) ايضا فى إطار حوار حول الخلق والبعث سبقت الاشارة اليه فى فصل سابق ، كقوله جل وعلا : ( وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ  )( المؤمنون 80 : 90 )

والأمر بالسير فى الأرض :( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (68) قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) النمل )

رابعا : الرد على إنكار البعث بكلمة ( قل ) وبدون ( قل )

يقول جل وعلا :  ( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) الجاثية 24  ـ 26 ) . هنا رد الاهى مباشر بدون ( قل ) ، وهو: ( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ) . ثم رد باستعمال ( قل  ) فى الآية التالية : (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ )

أخيرا

كل هذا الخطاب الذى تكرروتأكد بكلمة ( قل ) وبدونها لم يثمر هداية لدى المحمديين الذين يؤمنون بعذاب القبر والثعبان الأقرع بديلا عن الايمان بالبعث . أولئك المجرمون حين تقوم الساعة ويُبعثون سيُقسمون أنهم ما لبثوا غير ساعة : (  وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ (56) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57) الروم )

ودائما : صدق الله العظيم .!

الفصل الرابع : ( قل ) فى تأكيد أن الاسلام ضد الاحتراف الدينى

مقدمة ـ أولا :  الاحتراف الدينى فى الأديان الأرضية 

ثانيا : حاجة أهل الحق للمال ليصمدوا ضد الكهنوت الذى يصُّدُّ عن سبيل الله

ثالثا : الرسل ودعاة الحق لا يسألون أجرا لأنفسهم

مقدمة :1 ـ هناك مخدرات عادية تضيع بها أموال الناس وربما حياتهم ، وهناك مخدرات أخطر يضيع بها الناس فى الدنيا والآخرة ، وهى المخدرات الدينية فى الأديان الأرضية . كلاهما يقوم بتغييب العقل ، وكلاهما تقوم عليه ( تجارة ) أو ( يزينيس ) بالبلايين ، وكلاهما يقتل من البشر ملايين . ثم كلاهما يقوم على إدارته وإستغلاله نوعية حقيرة من البشر المحترفين . الفارق أن قادة تجارة المخدرات خارجون على القانون ، يُعاقبون بالاعدام أو السجون ، بينما يتمتع قادة المخدرات الدينية بالتقديس .

2 ـ حين يسيطر رجال الدين الأرضى على مجتمع تتحول الحياة الدينية الى تدين سطحى وفساد أخلاقى ، ويروج الاحتراف الدينى ، وتتأكد سلطة الكهنوت الذى يؤسس له سلطة دينية وسياسية زمنية باسم الله جل وعلا . ويقف هذا الكهنوت يحارب أى إصلاح دينى ، لأن الاصلاح الدينى كفيل بتقويض هذا الكهنوت وفضح حقيقته كمخدرات دينية تجعل الانسان مجردا من العقل يحنى ظهره ليركبه هذا الشيخ أو ذاك البابا  ويحتاج المصلحون  للمال ، ليس لأنفسهم ولكن لمتطلبات الصمود ، أى يحتاجون الى الجهاد ( فى سبيل الله ) بأموالهم وأنفسهم ، أما الكهنوت فهو يجمع المال فى سبيل ( أنفسهم ) ومن أجل الصد عن سبيل الله جل وعلا .

3 ـ قضية الاحتراف الدينى بين دين الله جل وعلا ( الاسلام ) وبين الأديان الأرضية وكهنوتها معقدة ، وتتداخل فيها أحيانا كلمة ( قل ) . ونحاول تبسيطها على النحوالآتى :

أولا :  الاحتراف الدينى فى الأديان الأرضية 

1 ـ  يكتنز أرباب الكهنوت البلايين والملايين لآنفسهم. ونتساءل : كم تبلغ أموال الكنيسة الارثوذكسية المصرية أو الكنيسة الكاثولوكية ؟ وكم تبلغ ثروة الساستانى الشيعى وكم تبلغ ثروة القرضاوى السُّنى ؟ وكم تبلغ أموال الاخوان المسلمين وتنظيماتهم العالمية والمحلية ومنظماتهم العلنية والسرية ؟ مهما بلغت ملايين أباطرة المخدرات فهى لا شىء بالمقارنة بأباطرة المخدرات الدينية .

2 ـ وهى عاهة بشرية تليدة ، ففى عهد نزول القرآن الكريم كان كثير من الأحبار ( اليهود ) والرهبان ( النصارى ) يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ، ويكتنزون الذهب الفضة ، وقد توعدهم رب العزة بأن يُحمى عليهم فى نارجهنم بما إكتنزوه . يقول جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (35)( التوبة ).

3 ـ وكان لدُعاة الباطل والكهنوت الدينى  من أهل الكتاب وسائل  فى الاحتراف الدينى ، منها :

3 / 1 : التحريف  فى الكتاب السماوى : كانوا ( يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)البقرة 75)، وفى عصر نزول القرآن كانوا ( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ )(النساء 46 والمائدة 13 )(  يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ) المائدة 41 ). التحريف لا يعنى الالغاء التام للحق بل إدخال الباطل فى الحق وكتمان الحق ، وهذا ما نهى رب العزة أهل الكتاب عنه فقال : ( وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42 البقرة ).  وبعض هذا التحريف كان بالكتابة ، وقد توعد رب العزة من يفعله بالويل : ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ )(79 البقرة )، ومنه التحريف الشفوى بتلاوة الأكاذيب على أنها من الكتاب السماوى، فيحسبها السامع أنها كلام الله جل وعلا  : (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) آل عمران )

3 / 2 : ثم بيع هذا الباطل أو التحريف للناس على أنه صحيح الدين ، وهو ما حذّر رب العزة منه أهل الكتاب ، فقال : ( وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ) البقرة (41) . وقد أخذ عليهم العهد على تبليغ الحق للناس وعدم كتمانه ، وعدم التجارة بالدين ، فعصى كثيرون منهم : ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) آل عمران )، ولكن كان منهم متقون يؤمنون بالقرآن وبما أنزل اليهم ، لايشترون بآيات الله ثمنا قليلا : ( وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199) آل عمران )

4 : ولأنها عاهة بشرية تلك التجارة بالدين فقد جعل رب العزة أرباب تلك التجارة خصوما له يوم القيامة ، وأنذر أنه جل وعلا لن يكلمهم يوم القيامة ولن ينظر اليهم ولن يزكيهم وسيصليهم عذابا لامثيل له : ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175 البقرة  ) ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77) آل عمران ).

5 : وأخذت قريش عن أهل الكتاب الاحتراف الدينى  والصّد عن سبيل الله بالمال وزادت عليه الاعتداء المسلح ، فقال جل وعلا عنهم : ( اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ (10) التوبة )، كانوا يتكسبون بتكذيب القرآن الكريم ، فقال جل وعلا  لهم عن القرآن الكريم  : ( أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82)) الواقعة ). وتخصصوا فى ( الصّدّ عن سبيل الله والمسجد الحرام  ) فقال جل وعلا عنهم  (وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (34) الانفال ) وقال عن إنفاقهم المال للصّدّ عن سبيل الله : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ )(36) الانفال ).

وفعل ذلك المنافقون فى المدينة ، أتاح لهم الاسلام الحرية المطلقة فى الدين وفى المعارضة السياسية السلمية ، فكانوا ينظمون مظاهرات من الرجال والنساء تجوب شوارع المدينة يصدون عن سبيل الله يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف: ( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (67)التوبة )

 6ـ ولأنها عاهة بشرية مستمرة فقد إحترف المحمديون الصّد عن سبيل الله ، وإفتراء الأحاديث ( النبوية والقدسية بزعمهم ) وتحريف معانى القرآن بعد عجزهم عن تحريف النصوص القرآنية نفسها ، كل ذلك يسعون فى آيات الله معاجزين ، وأسسوا فى ذلك ما يسمى بعلوم القرآن والنسخ والتفسير . والله جل وعلا نبّأ بذلك مقدما ، وتوعد من يفعل ذلك بالعذاب . قال جل وعلا  عنهم بصيغة الماضى: ( وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51) الحج ) ( وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5) سبأ ) ، وقال جل وعلا عنهم بصيغة الحاضر دليلا على إستمرار هذه العاهة البشرية ( وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (38) ( سبأ ).

6 ـ وستستمر هذه العاهة البشرية الى قيام الساعة ، ويوم الحساب سيقف الأشهاد دعاة الحق يشهدون ضد أرباب الكهنوت والاحتراف الدينى ؛ الذين يفترون على الله الكذب ويكذبون بآياته، يقول جل وعلا  : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19)هود ). وسيقال عنهم وهم فى النار : ( أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ (45) الاعراف )، وجاء قوله جل وعلا  عنهم قبل وأثناء وبعد نزول القرآن الكريم : ( وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (3) ابراهيم )

ثانيا : حاجة أهل الحق للمال ليصمدوا ضد الكهنوت الذى يصُّدُّ عن سبيل الله

1 ـ حاربت قريش الاسلام بكل الوسائل المتاحة، منها سلاح المال: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)الانفال ) ومنها متابعة المؤمنين فى المدينة بالقتال لارجاعهم الى الكفر : (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا )(217) ( البقرة ) . كان حتما أن يدافع المؤمنون عن أنفسهم ، وأن يجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم .

2 ـ  وفى سورة الأنفال نلاحظ أنها بدأت بتحديد صفات المؤمنين حقا : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) الانفال ). كان من صفاتهم أنهم (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ). كما جاء فى نفس السورة توصيف الكافرين بأنهم ينفقون اموالهم ليصدوا عن سبيل الله: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)(36)الانفال ). فى مواجهة هذا نزل التشريع فى نفس السورة بالاستعداد الحربى الدفاعى : ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ).ولأن هذا الاستعداد الحربى يستلزم تبرعا بالاموال فقد قال جل وعلا يدعوهم الى الانفاق فى سبيل الله جل وعلا : ( وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60) الانفال )

3 ـ هنا التبرع بالمال فى سبيل الله ، وليس تبرعا لأرباب الكهنوت ، وهو فرض على الجميع ، وكل مؤمن يتبرع بما لديه من جهد ونفس ومال إبتغاء مرضاة الله جل وعلا . وقد كان النبى عليه السلام فى مقدمة المجاهدين فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ، أى كان يدفع من جيبه ويبذل من صحته ووقته فى سبيل الله ، فاستحق والمؤمنون معه أن يقول عنهم رب العزة : ( لَكِنْ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89) التوبة )

4 ـ ولأنه تبرع فى سبيل الله جل وعلا فإنه جل وعلا :

4 / 1  : يجعله تجارة معه هو :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) الصف )

4 / 2  :ويجعله قرضا له جل وعلا ، ويعد ( من الوعد ) أن يرد القرض أضعافا مضاعفة : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (16) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17) التغابن )

4 / 3 : ويجعله ميزانا لدرجة التقوى بين المؤمنين: فلا يستوى القاعد بالمجاهد كما لا يستوى المنفق بالمُمسك : ( وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) الحديد )

4 / 4 : ويجعل البخل نذير الاهلاك ( هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38) محمد ). وبعد تشريعات القتال الدفاعى قال جل وعلا : ( وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195 ) البقرة )

4 / 5 : وتوالت الأوامر بالانفاق فى سبيل الله قبل الموت ، فهو الخير للمؤمنين : ( انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (41) التوبة )( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (15) الحجرات  ) ( آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8)الحديد ) ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ (254) البقرة ) ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11) المنافقون ).

ثالثا : الرسل ودعاة الحق لا يسألون أجرا لأنفسهم 

1 ـ هم لا يسألون الناس أجرا لأنفسهم مقابل الدعوة للهدى ، لأنهم ينتظرون أجرهم من الله جل وعلا. وكل الأنبياء كذلك . نرى هذا فى قصص الأنبياء فى سور: يونس ( 72 ) هود ( 29 ، 51  ) والشعراء (  109 ، 127 ، 145 ، 164 ، 180  ).

2 ـ خاتم النبيين أمره رب جل وعلا أن يعلن ( بكلمة قل ) أنه لا يسألهم أجرا : ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ(86) ( ص) . الأجر لهم هم إذا إختاروا طريق الهدى : ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (57) الفرقان ). الأجر لهم هم لأن أجره على الله جل وعلا :( قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) سبأ ). ومن ضمن هذا الأجر أن يكونوا ابرارا بذوى قرباهم : ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى )(23) الشورى) .

3 ـ وتكررت هذه الحقيقة بدون كلمة ( قل ) فى أسئلة إستنكارية يسألها رب العزة : (  أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (40 الطور) ( 46 القلم ) ( َأمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72) المؤمنون). وجاءت قاعدة عامة للبشر للتمييز بين الدعاة . دعاة الباطل يتصارعون فيما بينهم على اكل أموال الناس بالباطل ، أما دعاة الحق فلا يسألون الناس أجرا ، وفى نفس الوقت هم متمسكون بالهدى الالهى :( وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) يس ) 

4 ـ وجاء نفس المعنى بنفس الألفاظ تقريبا بكلمة ( قل ) وبدونها : (وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِين) ( يوسف  104) ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90) الانعام ). 

أخيرا : 1 ـ خلال نصف قرن مضى ، ومن عهد الملك فيصل وحتى الآن أنفقت السعودية أكثر من مائة بليون دولار من عوائد البترول فى نشر الوهابية على أنها الاسلام ، وسينطبق عليهم قوله جل وعلا : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) ابراهيم ) ويدفع العالم كله الثمن . أمام الجبروت السعودى يقف أهل القرآن بسواعدهم العارية ، ليس معهم سوى كتاب الله ، ونجحوا به فى فضح الوهابية .

2 ـ ندعو الله جل وعلا أن يجعلنا أشهادا عليهم يوم القيامة . ففى ذلك ـ  وليس فى حُطام الدنيا ـ  ينبغى أن يتنافس المتنافسون . ندعو الله جل وعلا ان ينطبق علينا قوله :(إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ ) (26)  المطففين ).

ودائما : صدق الله العظيم  

الفصل الخامس : ( قل ) فى التحدى بالقرآن

 أولا : الشهادة الالهية بأن القرآن من عند الله جل وعلا

  ثانيا : التحدى بآية ( أو معجزة القرآن )

ثالثا : اوجه الاعجاز

 أولا : الشهادة الالهية بأن القرآن من عند الله جل وعلا

 شهد الله جل وعلا أنه لا اله إلا هو ، وشهد معه الملائكة وأولو العلم : ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)  آل عمران )، وهذا هو التشهد الذى يجب أن يكون فى الصلاة ، وتجاهله المحمديون واخترعوا بدلا منه ( التحيات ) .

2 ـ وبنفس الاسلوب جاءت شهادة الله جل وعلا والملائكة على أن القرآن الكريم نزل من عند الله جل وعلا بعلم الله جل وعلا ، وكفى بالله شهيدا : ( لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (166) النساء ) . وجاءت الشهادة بلا إله إلا الله وبأن القرآن من عند الله فى آية واحدة ، تكررت فيها كلمة ( قل ) ثلاث مرات : ( قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(19)الانعام ).

3 ـ وفى معرض الرد على طلبهم آية حسية بديلا عن القرآن : ( وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ) جاء الرد امرا بكلمة ( قل )  ( قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) ثم خطاب مباشر من رب العزة جل وعلا للكافرين بالاكتفاء بالقرآن الكريم :( أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) . ثم أمرا بكلمة ( قل ) تأكيدا على شهادة الله جل وعلا شهادة خصومة على من لا يكتفى بالقرآن ، وعلى من يؤمن بالباطل ويكفر بالله جل وعلا الحق :( قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (52) العنكبوت )

ثانيا : التحدى بآية ( أو معجزة القرآن )

1 ـ وقد تحدى رب العزة الكافرين بأن يؤلفوا مثيلا للقرآن ، ومن الملفت للنظر أن يوصف القرآن هنا بالحديث ، أى تحداهم رب العزة جل وعلا أن يأتوا بحديث مثله : ( أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34) الطور ). وعجزوا عن الاتيان بحديث مثله . جاء هذا بدون ( قل ) .

2 ـ وظلوا يتهمون القرآن بأن محمدا إفتراه ، فتحداهم رب العزة جل وعلا أن يأتوا بعشر سور مثل سور القرآن ، وأن يستعينوا بمن يشاءون :( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (13). وإن عجزوا فعليهم أن يعلموا أن القرآن نزل بعلم الله جل وعلا ، وأنه لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يصفون :( فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14) هود ).

3 ـ وعجزوا عن الاتيان بعشر سور ، فتحداهم رب العزة ان يأتوا بسورة واحدة مثل سور القرآن . وأكّد رب العزة إستحالة أن يفترى أحد هذا القرآن الذى نزل مصدقا لما سبقه من كتب سماوية:( وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37). ثم ردا على زعمهم بأن محمدا إفترى القرآن ، تحداهم رب العزة أن يأتوا بسورة واحدة  مفتراة مثل القرآن ، وان يستعينوا بما يشاءون  :( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38). جاء هذا بكلمة ( قل ). بعدها أكّد رب العزة أنهم كذبوا بالقرآن الذى لم يحيطوا به علما ، ولم يعرفوا ـ بعد ـ تأويله . ( بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39) يونس )

4 ـوتكرر التحدى بأن يجعلوا واحدا منهم مثل محمد فى الفصاحة ـ يأتى بسورة كسورة من القرآن ، إذا كانوا لا يزالون فى ريب ، وأن يستعينوا بمن يشاءون : ( وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (23). وفى الآية التالية أكد رب العزة أنهم لن يفعلوا ، وعليهم أن يتقوا عذاب النار : ( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) البقرة )

5 ـ قبلها أكّد رب العزة مقدما أنه يستحيل على الجن والإنس معا الاتيان بمثيل للقرآن الكريم : ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88) (الاسراء )

ثالثا : اوجه الاعجاز :

1 ـ حقيقة الاعجاز تتجلى فى أنه يستحيل على شخص ( محمد بن عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم القرشى العربى ) الذى كان يعيش فى مجتمع صحراوى فى القرن السابع الميلادى ـ يستحيل عليه أن يؤلف القرآن ، بكل ما فيه من معلومات تاريخية وقصص للسابقين وللأنبياء ، وغيوب وحقائق علمية .

2 ـ كما أنه يستحيل على بشر عاش فى العصور الوسطى أن يؤلف كتابا يحوى حقائق علمية كانت مجهولة فى عصره ، و لا يزال العلم فى عصرنا يؤكدها . ثم إنه يستحيل على أى شخص مهما بلغت فصاحته أن يؤلف كتابا فيه التكرار والتفصيل والأساليب المختلفة لغويا ( فيه المجاز ، وفيه الاسلوب العلمى التقريرى ) وفى أغراض متنوعة من التشريع والوعظ والقصص والحوار والالإخبار بالغيبيات الماضوية والمستقبلية ، ثم لا يقع فى التناقض ، بل يكون الاسلوب فوق مستوى البشر فى الفصاحة والتبيين والحلاوة والوضوح ، بل يجمع بين نقيضين البساطة والعمق معا ، وهذا معنى أن الله جل وعلا جعل القرآن ميسرا للذكر والهداية  مع مجال لا نهائى للبحث المتعمق لمن يمتلك موهبة البحث ممّن وصفهم رب العزة بالراسخين فى العلم .

3 ـ من المستحيل أن يؤلف واحد من البشر كتابا يظل آية ومعجزة على مرّ العصور والقرون . فى عصرنا يتجلى إعجازه للبشرية فى اللغة التى يتفاهم بها البشر حاليا فى تقدمهم العلمى ؛ لغة الأرقام . الاعجاز الرقمى العددى فى القرآن لازلنا نتحسس الطريق اليه ، ولم نكتشف أبعاده بعدُ ، وهو الذى يفسر الطريقة الفريدة فى كتابة القرآن والتى تختلف عن الكتابة العربية العادية . إكتشف د . رشاد خليفة سرّ العدد 19 ومضاعفاته ، وإكتشف الاستاذ محمد صادق بعض أسرار العدد ( 7 ) ومضاعفاته ، واكتشف الاستاذ مراد الخولى حساب الجمل ، وعلاقاته بالعدد 19 ، وبتفسير بعض المصطلحات القرآنية ، وتخصّص الاستاذ عبد الله جلغوم فى إكتشافات حسابية معقدة . ولكن لم يتم حتى الآن الوصول الى الجذر العام للإعجاز العددى فى القرآن ، والذى هو مُدّخر لجيل أو أجيال قادمة ، شأن حقائق علمية أوردها القرآن ولم تصل اليها البشرية بعد .

الإعجاز العددى هو السّر الأكبر المكنون فى القرآن الكريم ، ويتجلى فى تدوين وكتابة القرآن . وأيضا فى حفظه،  لأن أى تحريف فى كتابة المصحف يكون الاعجاز العددى كاشفا له . ويلفت النظر أن المشركين فى مكة كانوا يمرُّون على النبى عليه السلام وهو يكتب نسخا من القرآن ويُمليه عليه ويساعده بعض أصحابه ، فوصفوا القرآن بالإفك ، وأنه أعانه على هذا الإفك قوم آخرون ، وأن القرآن اساطير الأولين إكتتبها وهى تُملى عليه بكرة وأصيلا : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (5) ) وجاء الرد بكلمة ( قل ) : ( قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً (6) الفرقان ). أى إن هناك ( سرّا ) فى كتابة القرآن مؤسسا على آية أو إعجاز مستقبلى .

المستفاد من هذا أنه يستحيل على أى بشر أن يؤلف كتابا فيه التكرار والتوضيح والتفصيل ، ثم ترتبط ( آياته ) و ( سوره ) باعجاز رقمى مُحكم ، ويكون أيضا غاية فى الفصاحة ، وفى السهولة .

4 ـ لست متخصصا فى الاعجاز العددى للقرآن الكريم ، ولكن يلفت النظر أن الشهادة الالهية عن رب العزة والقرآن الكريم هى رقم 19 : ( قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(19) الانعام )، وأن التأكيد على ان الدين عند الله هو الاسلام جاء فى الاية رقم 19 : (  إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) آل عمران ) وأيضا : ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19) ( محمد )وأن العدد 38 ( مضاعف العدد 19 ) جاء فى التحدى فى الاتيان بسورة مثل القرآن :( أم يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(38) يونس ). وفى سورة الأنعام : يطلبون آية حسية ، : (وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) ويأتى الرد على طلبهم فى الآية التالية رقم 38 ، بإعجاز علمى وإعجاز رقمى : ( وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ). وفى نفس السورة يتحدث ربا العزة عمّن يفترون على الله كذبا من شياطين الانس والجن : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ )   ، ويأتى الرد عليهم بالاحتكام للقرآن الكريم (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) وهى الآية رقم 114 ، من مضاعفات العدد 19 ، والتى تشير أيضا الى عدد سور القرآن الكريم .

5 ـ هى مجرد ملاحظات عابرة من غير متخصص ، ولكن الأهم أن هذه الاعجازات القرآنية غفل عنها المحمديون 14 قرنا ، لأنهم إنهمكوا فى السير على سُنّة كفار قريش فى : الجدال بغير علم فى آيات الله فى القرآن ، وفى السعى فى آيات القرآن معاجزين ، وفى إختراع ( لهو الحديث ) ليصدوا عن سبيل الله ، وفى مقولة النسخ بمعنى تبديل وتغيير شرع الله جل وعلا فى القرآن كما كان يطلب الجاهليون ( يونس 15 : 16 )، وفى التمسك ب ( الثوابت ) وما وجدوا عليه آباءهم و( أجمعت ) عليه ( أمة محمد ). ، وقد فصلنا الكلام فى هذا كثيرا . وبإيجاز ، فكما قلت فى بحث سابق تعليقا على تدنيس المصحف فإن المحمديين يقدسون ( المصحف ) ويكفرون بالقرآن .

آخيرا :

1 ـ لو بعث الله جل وعلا المسيح يقول للمسيحيين : (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) آل عمران ) لقتلوه وصلبوه .

2 ـ ولو بعث الله جل وعلا محمدا يقول للمحمديين : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)( الكهف ) لاتهموه بإنكار السُّنّة ، واقاموا عليه حّد الردة .

الباب السادس : ( قل ) فى إصلاح اشباه المحمديين

الباب السادس  : ( قل ) فى إصلاح اشباه المحمديين

الفصل الأول : ( قل ) فى إصلاح أهل الكتاب  ..والمحمديين .!!

أولا : الدعوة الى الاسلام :

  ثانيا  ـ (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )

ثالثا : رفض معظم أهل الكتاب الاسلام لله جل وعلا وحده ، والرد عليهم :

رابعا : الحوار حول ابراهيم 

 خامسا : الرد على رفضهم القرآن

 سادسا : النهى عن التزكية للنفس وللغير 

سابعا : فى تأليه المسيح :

  أخيرا : سؤال : لماذا كل هذا التركيز القرآنى على (اهل الكتاب ) و ( اليهود والنصارى ) ؟

الفصل الثانى :  ( قل ) فى إصلاح المنافقين ..والمحمديين .!!

مقدمة  عن عالمية النفاق : ونشأة وتطور النفاق بين الصحابة

أولا : البداية قبل المواقع الحربية:

 ثانيا : المواقع الحربية الأولى :

ثالثا : المواقع الحربية الأخيرة

رابعا : مع المنافقين من الأعراب خارج المدينة

الفصل الثالث : ( قل ) فى إصلاح الصحابة المؤمنين ..والمحمديين

مقدمة عن الزعم بالايمان

أولا : التقوى والصدق :

 ثانيا :عمومية الاصلاح من الصحابة الى آخر الزمان

ثالثا : أخطاء الصحابة التى جعلها المحمديون دينا ومنهج حياة و ( سُنّة )

الباب السادس  : ( قل ) فى إصلاح اشباه المحمديين

الفصل الأول : ( قل ) فى إصلاح أهل الكتاب  ..والمحمديين .!!

أولا : الدعوة الى الاسلام :

  ثانيا  ـ (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )

ثالثا : رفض معظم أهل الكتاب الاسلام لله جل وعلا وحده ، والرد عليهم :

رابعا : الحوار حول ابراهيم 

 خامسا : الرد على رفضهم القرآن

 سادسا : النهى عن التزكية للنفس وللغير 

سابعا : فى تأليه المسيح :

  أخيرا : سؤال : لماذا كل هذا التركيز القرآنى على (اهل الكتاب ) و ( اليهود والنصارى ) ؟

أولا : الدعوة الى الاسلام :

 1 ـ : هى تعنى التساوى بين الخلق جميعا فى الانقياد لله جل وعلا وحده إلها وربّا ، فطالما يؤمن الجميع بأنه لا إله إلا الله ، فهم جميعا سواء فى العبودية لله وحده، مهما إختلفت أعراقهم وألسنتهم وأزمنتهم وأمكنتهم . هم بالتعبير القرآنى ( أمة واحدة ) تشمل كل الأنبياء وكل رسل الله وكل المؤمنين فى كل زمان ومكان . ولهذا جاء القصص القرآنى يحكى عن الأنبياء وأقوامهم ، ويؤكد بعد هذا القصص فى سورة الأنبياء أن الأنبياء مع المؤمنين فى كل زمان ومكان هم أمة واحدة لأنهم يعبدون الرب الواحد جل وعلا . يقول جل وعلا عن هذه الأمة الواحدة :( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) الأنبياء ). ولكن الذى يحدث أن يتفرقوا ويتقطعوا الى أحزاب ، يقدس كل حزب ألاها مصنوعا من البشر ينتمى اليه ، فتصبح هذه (أمة فلان ) وتلك ( أمة علان )، يقول جل وعلا فى الآية التالية:( وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93)الانبياء).

ويتكرر هذا فى سورة ( المؤمنون ) يخاطب الله جل وعلا الأنبياء حميعا بأنهم جميعا أمة واحدة ، وهو جل وعلا وحده ربهم الذى يعبدونه  وحده ويتقونه وحده: (  يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) ولكن الذى يحدث أن يتفرقوا الى أمم شتى ( أمة فلان ) و ( أمة علان ) وكل أمة وكل حزب بما لديهم فرحون : ( فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) ( المؤمنون ).

2 ـ حدث هذا قبل نزول القرآن الكريم خاتم الرسالات السماوية ، وحدث مع أهل الكتاب ( أمة المسيح ) ، ثم حدث مع ( المحمديين ) أو ( أمة محمد ) بعد نزول القرآن الكريم .أى حدث الانتقال من عالمية ( الاسلام ) أو الانقياد لله جل وعلا وحده بكل الألسنة واللغات ومع اختلاف الزمان والمكان ـ الى التفتت والتفرق والشقاق والأديان المحلية والاقليمية الأرضية  ، ومن ثِمّ النزاع المذهبى والحروب الدينية والمذهبية ، وهى العادة السيئة لدى الأديان الأرضية ، من محمديين ومسيحيين ويهود ، وغيرهم. .3 ـ وقت نزول القرآن الكريم كان معظم أهل الكتاب قد تحولوا من ملة ابراهيم التى تعنى إخلاص القلب والعبادة لله جل وعلا وحده الى تفرق فى الدين وتكوين (أمة فلان ) و ( أمة فلان ). داخل ( امة المسيح ) وقتها كانت هناك خلافات حول طبيعة المسيح الألهية ، ومقدار الالوهية فيه ومدى ما فيه من الناسوت واللاهوت  ، واستمرت المجامع الكنسية تجتمع وتختلف ، مع وجود من يؤمن ببشرية المسيح وعدم تأليهه ( آريوس ). واستمرت هذه الخلافات المذهبية داخل الدين الأرضى لأمة المسيح ، ونشأت فرق جديدة بعد نزول القرآن ببضع قرون،أبرزها ما أفرزته حركة مارتن لوثر الاحتجاجية أو البروتستانية ، والتى تفرعت واختلفت وأنتجت مذاهب كثيرة . ونفس الحال مع اليهود ومذاهبهم ، ثم مع المحمديين ، ومذاهبهم وطوائفهم التى تعددت الى عشرات المذاهب ، إستمر منها الى الآن ( السُّنة ، والشيعة والصوفية ) مع الانقسام فى داخل السنيين والشيعة والصوفية .

فى وقت نزول القرآن رفض معظم أهل الكتاب الاسلام ، أى أن يسلموا القلب والجوارح لله جل وعلا وحده ، ولشفائهم من   هذا الرفض جاءت دعوتهم الى الاسلام باستعمال كلمة ( قل ) وبدونها .وهى نفس الدعوة للمحمديين لأن يؤمنوا بالاسلام .

  ثانيا  ـ (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )

1 ـ يتكرر كثيرا  ورود هذه العبارة : (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) فى هذا الحوار وصفة للشفاء . طبقا للبلاغة العربية فحين تقول ( نحن مسلمون له ) فهى تعنى ( نحن مسلمون له ولغيره ) أى لا تعنى الإخلاص فى الدين لله جل وعلا . أما عندما تقدم (الجار والمجرور ) هنا أى ( نحن له ) فهى تعنى القصر والحصر ، أى ( نحن له وحده مسلمون ) .

أسلوب القصر والحصر له طرق مختلفة ، منها النفى والاستثناء ( لا إله إلا الله ) والتقديم (إياك نعبد وأياك نستعين )  ( وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) آل عمران ) أى له وحده اسلموا ، واليه وحده يرجعون . واستعمال ( إنّما ): (فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ )(20) يونس). وقد تتعدد أساليب القصر فى آية وحده فى الحديث عن رب العزة وعلمه وحده بالغيب ، من التقديم والنفى والاستثناء ، كقوله جل وعلا : (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) الآنعام ) .

2 ـ وقد جاءت عبارة (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) فى :

2 / 1 : وصية ابراهيم ويعقوب لأبنائهم :( أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) البقرة )

2 / 2 : فى النهى عن التفرق فى الدين ، لأن أول سبب له وهو التفريق بين الأنبياء وتفضيل نبى على آخر ، فالاسلام يمنع التفريق بين الرسل ، ويأمر بالايمان بهم جميعا وبكل الكتب ، وهذا يعنى(وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) . جاء هذا لأهل الكتاب مرة فى خطاب مباشر من رب العزة : (قولوا ) : (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) البقرة ) ومرة باستعمال ( قل ):( قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) آل عمران ) وطالما كان الشعار (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) فلن يكون هناك مسيحيون او يسوعيون ( جزويت ) أو محمديون او مالكي أو شافعي أو أحناف أو حنابلة .أو وهابى!، يكفى أن الله جل وعلا هو الذى إختار لنا إسم الاسلام ، وسمانا ( مسلمين ) من أول رسالة سماوية الى القرآن الكريم : ( هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا ) (78) الحج ).

ونفس التحذير نزل مثله للمؤمنين (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا )(285) البقرة ) ولكن المحمديين قالوا سمعنا وعصينا .

2 / 3 : فى الجدال مع أهل الكتاب بالتى هى احسن : ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46العنكبوت )، أى نؤمن بالقرآن وبما أنزل الله جل وعلا اليكم ، ونحن له وحده مسلمون . 

ثالثا : رفض معظم أهل الكتاب الاسلام لله جل وعلا وحده ، والرد عليهم :

1 ـ إنقسموا الى يهود ونصارى فى عهد نزول القرآن ، فى البداية إحتكروا لأنفسهم الجنة ، فأمر الله جل وعلا رسوله أن يطالبهم بالبرهان إن كانوا صادقين ، وأكّد رب العزة  أن الفائز بالجنة هو من أسلم لله جل وعلا وجهه وأحسن فى عمله: ( وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) البقرة )، ثم إحتكر كل منهم لنفسه الهداية وانكرها على الآخر مع وجود الكتاب بينهم يتلونه، وتلك عادة سيئة كانت قبلهم  ( وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) البقرة  ) .ولأنهم إحتكروا الهداية لأنفسهم فقد إعتقدوا الضلال فى خاتم المرسلين طالما لا يتبع ملتهم ، ولا يمكن أن يرضوا عنه إلا إذا إتبع ملتهم ، مع أن الهدى هو هدى الله جل وعلا فى أن يُسلم الفرد وجهه لله جل وعلا وحده : ( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ(120) البقرة ). ولذلك جاءت وصفة الشفاء والهداية لهم بكلمة ( قل ) تأمر بعبادة الله جل وعلا وحده وعدم إتّخاذ شركاء معه ، وعدم أتخاذ أرباب معه ، فإن رفضوا فقد إختاروا لأنفسهم مكانهم فى الآخرة ، ويكتفى المؤمن بإعلانه أنه أسلم وجهه لله جل وعلا وحده : ( قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(64) آل عمران ). هذه الآية الكريمة من سورة آل عمران نوجهها للمحمديين فى عصرنا ، وهم ضمن ( أهل الكتاب ) .

2 ـ واليهم أيضا ولغيرهم يقول جل وعلا عن التشهد فى الصلاة : (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) آل عمران )، هذا التشهد أنكره المحمديون وصنعوا مكانه ( التحيات ) . حدث هذا فى العصر العباسى حين دخل أبناء أهل الكتاب فى الاسلام بكل ما يحملونه من تراث وأوزار ، فأسسوا أديانا أرضية على أنقاض الاسلام ، وصنعوا هذه التحيات بديلا عن التشهد ، وجعلوا لها صيغا مختلفة نسبوها لعمر وعائشة وابن مسعود وغيرهم ، إعترافا منهم بأنها لم تكن موجودة ولا معروفة فى عهد النبى عليه السلام ، ثم صارته هذه التحيات من المعلوم عندهم فى دينهم ( بالضرورة ) . وتبقى حجة الله جل وعلا البالغة عليهم ، فبعد هذا التشهد يقول جل وعلا عن الاسلام الذى نزلت به كل الرسالات السماوية بكل ألسنة الأنبياء : ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ  ) ويقول جل وعلا عن الاختلاف الباغى  الذى يحدث بعد نزول كل رسالة سماوية وما فيها من علم :( وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)آل عمران ) وأمر جل وعلا خاتم المرسلين أن يقول لهم أنه ومن يتبعه قد اسلموا لله جل وعلا وجوههم ، وما عليه سوى البلاغ : ( فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)آل عمران ).

رابعا : الحوار حول ابراهيم 

 1 ـ بتحريفهم ملة ابراهيم ، وخروجهم عن الاسلام وتفرقهم الى أديان وملل ونحل مختلفة كان كل فريق يحتكر لنفسه  ( ابراهيم وذريته من الأنبياء) ، يجعلهم النصارى منهم ، ويجعلهم اليهود يهودا  ، ونزل الرد عليهم بكلمة (قل ):( أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنْ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) البقرة ). ويأتى الرد بحقائق تاريخية ، أن ابراهيم أقدم من التوراة والانجيل :( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (65) هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (66)آل عمران )، وأن ابرهيم ما كان يهوديا ولا نصرانيا بل كان حنيفا مسلما ، وأن أولى الناس بابراهيم هو خاتم النبيين ومن أتبعه باحسان الى يوم الدين ، من أمة الاسلام وليس أمة المسيحيين أو أمة اليهود أو أمة المحمديين ، يقول جل وعلا : ( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) آل عمران )

3 ـ وفى النهاية تأنى وصفة العلاج من الله جل وعلا ، باتباع ملة ابراهيم ،وصدق الله العظيم : ( قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (95) آل عمران )

 خامسا : الرد على رفضهم القرآن

1 ـ ردا على دعوتهم للإيمان بالقرآن الذى نزل مصدقا للتوراة الحقيقية والانجيل الحقيقى يأمر  رب العزة خاتم المرسلين أن يٍسألهم إذا كانوا متمسكين بالكتب السماوية التى نزلت اليهم فلماذا كانوا يقتلون الأنبياء السابقين ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) البقرة )، ولماذا ينقمون على المؤمنين بالقرآن أنهم يؤمنون بالقرآن وبالتوراة والانجيل وبما أنزل الله على أهل الكتاب : ( قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ ) (59)المائدة )

2 ـ وكان من حججهم أن الله جل وعلا ما أنزل كتبا على بشر ، وجاءهم الرد بكلمة ( قل ) : ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) الانعام )، وانهم لا يؤمنون إلا إذا جاءهم قربان تأكله النار ، وجاء الرد بكلمة ( قل ) : ( الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(183)آل عمران )

3 ـ وبكلمة ( قل ) جاءهم التأنيب على كفرهم بالقرآن وصدهم عنه ؛ عن سبيل الله الصراط المستقيم يبغونها عوجا :( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) آل عمران )

4 ـ وبدون ( قل ) جاءهم التهديد فى خطاب مباشر من رب العزة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (47)النساء ) وبدون ( قل ) جاء التأكيد بأن أغلبية أهل الكتاب لن يؤمنوا بالقرآن ، ولن يتبعوا قبلة الاسلام ولا حتى قبلة بعضهم البعض ، مع انهم يعرفون صدق القرآن ويعرفونه كما يعرفون ابناءهم ولكنهم يكتمون الحق وهم يعلمون : ( وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنْ الظَّالِمِينَ (145) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) البقرة ). هم كانوا يكتمون الحق ، وكانوا أيضا يفترون أحاديث كاذبة فخسروا أنفسهم :( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) الانعام ).

5 ـ هذا مع أنهم لو أقاموا التوراة والانجيل وما أُنزل اليهم من ربهم وآمنوا فعلا بها لكان هذا إيمانبا بالقرآن الذى ذكرته ونبّأت به تلك الكتب السماوية : (  قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) ولكن الواقع أن أغلبهم سيزداد بالقرآن كفرا وطغيانا ، وهذا الصنف لا يستحق أن نحزن من أجله :( وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) المائدة ).

6 ـ وعلى هامش الحوار مع أهل الكتاب جاء التحذير (لأهل القرآن ) الذين آمنوا من التأثر بأهل الكتاب وطاعتهم، يقول جل وعلا  بكلمة ( قل ):( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)، ثم بعده التحذير لأهل القرآن من طاعة أهل الكتاب العصاة  بدون استعمال ( قل )  ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وأنه لا يجدر بهم الوقوع فى الكفر ، فالرسول ـ أى الرسالة القرآنية موجودة بيننا ، ومن يعتصم بالله جل وعلا وحده من خلال كتابه فهو الذى على الصراط المستقيم : ( وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)، وعلى ( أهل القرآن ) الذين آمنوا أن يتقوا الله جل وعلا حق تقاته الى آخر لحظة فى حياتهم ليموتوا مسلمين :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) آل عمران ).

سادسا : النهى عن التزكية للنفس وللغير 

1 ـ ونزل النهى عن تزكية أنفسهم بأنهم ( شعب الله المختار ) أو أولياء الله دون غيرهم، فتحداهم رب العزة بأن يتمنوا الموت إن كانوا صادقين ، وجاء هذا بكلمة ( قل ):  ( قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) البقرة ) ( قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7)  الجمعة ).وبدون (قل ) قال عنهم رب العزة : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (50) النساء ).

ونزل فى القرآن الكريم النهى عن تزكية النفس أو الغير بالتقوى لأن ذلك مرجعه لله جل وعلا فقط ، والذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور : (فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى (32) النجم )، ومع هذا يتنافس المحمديون فى تزكية أنفسهم . فهم عموما يختكرون الجنة لأنفسهم بأساطير الشفاعة المزعومة ، وهم ثانيا يتنافسون فيما بينهم فى هذه التزكية ، فالصوفية يجعلون أنفسهم ( أولياء الله ) وينافسهم السنيون والشيعة .

2 ـ وزعم المحمديون أنهم لو دخلوا النار فسخرجون منها بالشفاعة ، وهذه تزكية لأنفسهم . وقد سبقهم فى هذا الزعم أهل الكتاب ، ونزل الرد عليهم فى قوله جل وعلا : ( أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) آل عمران ) (  وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) البقرة ). ومع هذا الوضوح القرآنى فقد انتشرت أحاديث الخروج من النار ، وقد رددنا على هذا فى كتاب المسلم العاصى عام 1987 ، وصودر ، ودخلنا من أجله السجن . والكتاب منشور هنا .

3 ـ وزعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه ، ونزل الرد عليهم : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(18) المائدة ). والصوفية المحمديون يؤمنون بما يعرف بالحقيقة المحمدية ( أو النور المحمدى الالهى ) الذى يتنقل من محمد الى الأولياء والأئمة الشيعة . أى يجعلون محمدا جزءا من رب العزة ونوره الالهى ، ثم يجعلو أنفسهم جزءا من الله ، جل وعلا , وهذا بهتان عظيم .

سابعا : فى تأليه المسيح :

1 ـ جاء التوضيح فى أن خلق عيسى بدون أب كخلق آدم بلا أب ولا أم فى خطاب مباشر بلا ( قل )  ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) آل عمران )  

2 ـ وجاء الحكم الالهى بكفر من يزعم ان المسيح هو الله جل وعلا ، وجاء الأمر بكلمة (قل ) فى نفس الآية ، أن الله جل وعلا هو الذى يملك أن يهلك المسيح وأمه ومن فى الأرض جميعا :( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(17)المائدة ) . وهو نفس الخطاب لمن يزعم أن محمدا مخلوق من نور الله جل وعلا . 

3 ـ ونزل التهديد بالبطش بمن يؤله المسيح ويقول بالتثليث : ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) المائدة  ) ومع هذا فالتثليث ينطق به المحمديون ، حين يقسمون بالله جل وعلا أغلط الأيمان يقولون : ( والله العظيم تلاتة ) أو ( تلاتة بالله العظيم ). يقولون ( الله تلاتة ) .

 أخيرا

سؤال : لماذا كل هذا التركيز القرآنى على (اهل الكتاب ) و ( اليهود والنصارى ) ؟

الجواب : لأن الله جل وعلا يعلم أن ( المحمديين ) سيسيرون على طريق أهل الكتاب واليهود والنصارى.. إن المحمديين وجدوا آباءهم وأسلافهم  ضالين فساروا على آثارهم يهرعون : (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) ( الصافات )

ودائما : صدق الله العظيم .

الفصل الثانى :  ( قل ) فى إصلاح المنافقين ..والمحمديين .!!

مقدمة  عن عالمية النفاق : ونشأة وتطور النفاق بين الصحابة

أولا : البداية قبل المواقع الحربية:

 ثانيا : المواقع الحربية الأولى :

ثالثا : المواقع الحربية الأخيرة

رابعا : مع المنافقين من الأعراب خارج المدينة

 مقدمة  : عن عالمية النفاق : ونشأة وتطور النفاق بين الصحابة

1 ـ  النفاق حالة بشرية تسود فى عصور الاستبداد السياسى والدينى وحيث يتم تأليه الحاكم. وهنا يصل المنافقون الى أعلى المناصب . يضمحل النفاق فى الدول الديمقراطية ويصبح صعبا وصول المنافقين للصدارة ، ولكن الديمقراطية تتيح لهم حرية التعبير وحرية الحركة ، ويتم الحوار معهم ، وبالحوار يتم فضحهم وكشف مزاعمهم وأكاذيبهم ، وحصرهم فى دائرة المعارضة فى آليات الجدل السياسى والصراع السلمى للوصول للسلطة وتبادلها . والديمقراطية بما فيها من شفافية لا تعطى الفرصة للمنافقين للوصول الى السلطة ، فى مجتمع مفتوح يخضع فيه الجميع للمساءلة . وهذا بالضبط وضع المنافقين فى دولة الاسلام فى المدينة والتى تأسست على الديمقراطية المباشرة التى أتاحت للمنافقين الحرية المطلقة فى الدين وفى المعارضة الدينية والسياسية السلمية قولا وفعلا طالما لا تحمل السلاح . الدليل على ذلك ليس فقط فى التسجيل القرآنى لأقوال وتحركات المنافقين ، ولكن الأهم والأعظم أن الخالق جل وعلا هو الذى كان يحاورهم بكلمة ( قل ) وبدونها . الخالق جل وعلا قيوم السماوات والأرض هو الذى كان يخاطب أولئك المنافقين ، خطابا مباشرا ، أو يأمر رسوله بكلمة ( قل ) أن يحاورهم وأن يرد عليهم . سبحانه جل وعلا.   وهذا الخطاب القرآنى يصلح للمحمديين ، وفيهم ملامح النفاق حيث يقولون مالا يفعلون ويراءون ويمارسون التدين السطحى ، وتحت مظاهر التدين من اللحية والنقاب والحجاب والجلباب يرتكبون الفواحش ، ثم يزايدون بالأقوال وبكلام فصيح عن الآداب والآخلاق وعظمة الاسلام . هذا أخسّ أنواع النفاق . ولكن يظل القرآن الكريم حكما عليهم ، وإن رفضوا الاحتكام اليه .!!

2 ـ والملاحظ أن سورة ( المنافقون ) تحدثت عن المنافقين ،وجاء الخطاب الالهى يحاورهم بدون كلمة ( قل ) ، ففى معرض خداعهم للنبى وتآمرهم عليه وعلى المسلمين لم يقل جل وعلا للنبى ( قل ) ، وإنما جاء الخطاب لهم ردا مباشرا من رب العزة . يقول جل وعلا :(إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (3) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6) هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (8) المنافقون )

3 ـ وفى سور مدنية أخرى جرى الحوار معهم بكلمة ( قل ) وبدونها من بداية حركة النفاق الى تطورهاوتشعبها الى نهاية القرآن الكريم نزولا . ونتتبع  تطور جركة النفاق من البداية الى النهاية كالآتى :

أولا : البداية قبل المواقع الحربية:

1 ـ سورة النور من اوائل ما نزل فى المدينة ، نزلت بتشريعات إجتماعية وعقابية ( الزنا وقذف المحصنات ) وفى موضوع الافك الذى إختلقه المنافقون عن النساء المؤمنات العفيفات ، وفى كتاب ( القرآن وكفى ) وفى حلقة من برنامج فضخ السلفية أثبتنا أنه لا علاقة لحديث اللإفك بالسيدة عائشة . فقد كان مؤامرة من المنافقين للخوض فى أعراض النساء المهاجرات اللاتى كُنّ يتلقين العون من الأنصار .

2 ـ الى جانب ذلك حفلت سورة المنافقين بحوار مع المنافقين . كانوا يزعمون الايمان والطاعة ، ولكن يظهر نفاقهم عند التقاضى والاحتكام للقرآن الكريم . إذا كان لهم الحق يذعنون ، وإن كان عليهم الحق يُعرضون ، مع أن شأن المؤمن الطاعة فى كل الأحوال . يقول جل وعلا عنهم :( وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (51) النور )

3 ـ نلاحظ هنا قوله جل وعلا (لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ) فى الآيتين 48 ، 51 . الكلام عن (اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) ولكن لم يقل جل وعلا ( ليحكما بينهما ) لأن الطاعة لواحد فقط هو الله جل وعلا وحده ، والاحتكام الى واحد فقط هو الله جل وعلا وحده ، والرسول هنا وفى كل وقت هو الرسالة القرآنية ، وهذا فصلناه فى ( كتاب القرآن وكفى ) .

4 ـ  ولكن المستفاد هو الاصلاح للمحمديين فى عصرنا ، الذين ينطبق عليهم قوله جل وعلا : ( وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) . فى عصرنا يروج النفاق بين المحمديين على مستوى القادة والرعاع ، كبار الدعاة  ـ خصوصا ـ السنيين الوهابيين منهم ـ يتنافسون فى نفاق الحكام المستبدين ، يأكلون على موائدهم ويملأون أرصدتهم البنكية من أموال السحت التى يأكلها المستبد من دماء شعبه وموارد شعبه . وجميعهم يرفض الاحتكام الى القرآن الكريم ، والاحتكام للقرآن فريضة يتحدد بها المؤمن من المنافق . يقول جل وعلا  عن الاحتكام اليه وحده فى القرآن الكريم وحده : (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً ) (114) الانعام )، ويقول جل وعلا عن حكمه  (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)  المائدة )  ويوصف القرآن الكريم بأنه ( حُكم ) ورفض المشركين له : (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ (37) الرعد ). ويقول عن الاحتكام لله جل وعلا فى الخلافات بين المؤمنين ( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) الشورى ).

5 ـ الميزان الظاهرى هو الطاعة الظاهرية السلوكية ، وهذا مُتاح للبشر فى الحكم عليه . الميزان الباطنى القلبى هو التقوى ، وهذا لله جل وعلا وحده الحكم عليه . والذى يحقق الطاعة قلبا وسلوكا فى الظاهر وفى الباطن هو الفائز ، يقول جل وعلا : ( وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِيهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ (52) النور ). المنافقون كانوا يقسمون بتمسكهم بالطاعة حتى لو أمرهم الرسول بالخروج من المدينة . وهم كاذبون ، وهذا الكذب يستحق السخرية ، بأن ( طاعتهم معروفة ) والله جل وعلا خبير بها : (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (53) يأتى هذا بكلمة ( قل ) ، وتأى أيضا الآية التالية بكلمة ( قل ) تأمرهم بالطاعة لله والرسول : ( قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (54) النور )

ثانيا : المواقع الحربية الأولى :

محنة الحرب هى الاختبار الذى يتجلى فيه مقدار ما فى القلب من إيمان أو كفر. ومحنة أو إختبار الحرب تفضح المنافق ، ونتتبعها كالآتى : 

1 ـ بعد موقعة بدر : . لم يساهم المنافقون فى موقعة بدر ، ولكن تألموا بسبب هزيمة قريش ، وحقدوا على المؤمنين إنتصارهم ، فاتهموا المؤمنين بأنهم إغتروا بدينهم : ( إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49) الانفال ).

2 ـ بعد موقعة ( أحُد ) . لم يشاركوا أيضا فى موقعة أُحُد . كانوا يريدون إنتظار جيش قريش فى المدينة ، ولكن المؤمنين المتحمسين صمموا على التحرك لملاقاتهم فى الطريق ، وكانت هزيمة أُحُد التى إنتهزها المنافقون القاعدون فرصة فى الهجوم على النبى والمؤمنين . ونزلت آيات سورة آل عمران ترد عليهم باستعمال ( قل ) وبدونها ، فى إستعمال ( قل ) نقرأ قوله جل وعلا :( وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(154)، ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(165)، ( الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(168)آل عمران ) .

وبدون (قل ) نقرأ قوله جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) ، ( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) آل عمران )

3 ـ بعد موقعة الأحزاب : فى سورة الأحزاب ذكر رب العزة تندرهم على الوعد الالهى بالنصرة للمؤمنين :( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً (12)، وتحريضهم على القعود عن القتال وقت الحصار الذى كان يستهدف إستئصال المؤمنين فى المدينة ( وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً (13) الاحزاب ) ، وردا على دعوتهم الانهزامية بالفرار خوف الموت يقول جل وعلا باستعمال ( قل ) أن الفرار لن ينجيهم من حتمية الموت أو القتل ، ولن ينجيهم من قدر الله جل وعلا الحتمى  : ( قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمْ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ الْمَوْتِ أَوْ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (16) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنْ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً (17) ).وظهرت بوادر لجوء المنافقين الى الصدام الحربى ، أو ( الثقف ) فنزل الخطاب الالهى المباشر لهم بدون قل : ( لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (62) الاحزاب )

ثالثا : المواقع الحربية الأخيرة

1 ـ مع منافقى المدينة : كانوا يقعدون عن المشاركة فى الحرب الدفاعية عن المدينة، وقد كانت لها طبيعة خاصة ، فالمدينة موقع ثابت ، والأعداء المحاربون يقطعون الصحراء للهجوم عليها ، ولتفادى أن يحاصروا المدينة ـ كما حدث فى موقعة ( الأحزاب / الخندق ) كانت الاتستراتيجية العسكرية تتمثل فى الدفاع الوقائى ، أى مواجهتهم قبل وصولهم للمدينة ، أى بالتعبير القرآنى ( النفرة ) اى ان يهبوا للسفر للقتال ،وقطع مسافة طويلة ، وكانت عادة المنافقين الاعتذار والحلف بأغلظ الايمان لقبول أعذارهم ، ثم عدم التبرع للمجهود الحربى مع التندر على المتطوعين المؤمنين ، والسخرية بالقرآن وبرب العزة جل وعلا  ورسوله الكريم ، وينزل  الرد بكفرهم وبالأمر بالاعراض عنهم تأكيدا على حريتهم الدينية والسياسية ، فيكفى ما ينتظرهم من عذاب الآخرة لو ماتوا بلا توبة . جاء هذا ب ( قل ) وبدونها . ونستشهد بما جاء فى سورة التوبة :

فى استعمال ( قل ) :عن شماتتهم بالمؤمنين  يقول جل وعلا : ( إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ (51) قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52). وعن عدم قبول الصدقة منهم يقول جل وعلا : ( قُلْ أَنفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ (53) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ (54) التوبة ). وعن إيذائهم للنبى يأتى الدفاع عنه من رب العزة دليلا على أن النبى نفسه لم يرد عليهم إلى أن جاء الوحى يأمره أن يقول كذا فقال يقول جل وعلا : ( وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61). وعن إستهزائهم بالله جل وعلا ورسوله وكتابه يقول جل وعلا : ( يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66). وعن قعودهم ورفضهم الخروج للتصدى للعدو الزاحف لهم عبر الصحراء وقت الحرّ الشديد فى الصيف يقول جل وعلا : ( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82). والعقاب لهم بالسلب ، أى بحرمانهم من شرف القتال فى سبيل الله ، وعدم الصلاة عليهم إذا ماتوا ، يقول جل وعلا  : ( فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83) وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84). وعدم قبول إعتذارهم ، يقول جل وعلا : ( يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (94) .

وبدون إستعمال ( قل ) يقول جل وعلا فى نصحهم وإصلاحهم : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59) إ التوبة ). وبدون ( قل ) يأتى الرد الالهى مسبقا ينبىء بأنهم سيحلفون كذبا بالله جل وعلا يهلكون أنفسهم بهذا الكذب ، يقول جل وعلا : ( لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمْ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوْ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42). ويأتى تحذيرهم من هذا الحلٍف ، يقول جل وعلا :

( يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63). وعن مظاهراتهم التى تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف يصفهم رب العزة بالفسق ( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (67 ) التوبة )، ويأتى نصحهم بالتوبة ، يقول جل وعلا :  ( يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُنْ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (74) التوبة ). ومنهم من لا يقبل الله جل وعلا توبتهم  مهما إستغفر لهم الرسول : يقول جل وعلا عنهم : ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80).

كان المنافقون طوائف وأصنافا . لذا كان يتكرر القول بأن منهم كذا وكذا ، كقوله جل وعلا : ( وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (87) ، ( وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125) أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126) وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (127) التوبة ).

رابعا : مع المنافقين من الأعراب خارج المدينة :

1 ـ كانوا أخطر المنافقين ، وصفهم رب العزة بأنهم أشد كفرا ونفاقا . كانوا يدخلون المدينة بزعم الاسلام ، وفى الحقيقة للتجسس ولتنسيق خطط التآمر مع منافقى المدينة . ومن زعم الايمان منهم تصرف بنفس طريقة المنافقين فى المدينة ، لذا جاء الحوار معهم فى سورة الفتح مشابها لما جاء فى سورة التوبة ،  يقول جل وعلا : ( سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنْ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (11) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (12) ، ( سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (15) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنْ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمْ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً (16) الفتح ).

 قوله جل وعلا (أَوْ يُسْلِمُونَ ) أى يكونوا مسالمين لا يعتدون . فالمطلوب هو المسالمة وعدم الاعتداء ، ولأن طبيعة الأعراب هى السلب والنهب والآغارات فإن الأهم فى التعامل الظاهرى معهم أن يكونوا مسلمين أى مسالمين ، أن يقولوا ( أسلمنا ) .، يقول جل وعلا باستعمال ( قل ) : ( قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (15) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (17) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) الحجرات ).

ودائما : صدق الله العظيم .!

الفصل الثالث : ( قل ) فى إصلاح الصحابة المؤمنين ..والمحمديين

مقدمة عن الزعم بالايمان

أولا : التقوى والصدق :

 ثانيا :عمومية الاصلاح من الصحابة الى آخر الزمان

ثالثا : أخطاء الصحابة التى جعلها المحمديون دينا ومنهج حياة و ( سُنّة )

مقدمة عن الزعم بالايمان

1 ـ من السهل أن تزعم الايمان ، وأن تكون ضمن المؤمنين ، فهكذا يفعل المحمديون . ولكن لا يكفى فيه مجرد الزعم والقول ، فلا بد من الالتزام الصادق بالاسلام عقيدة وسلوكا أخلاقيا وإخلاصا فى عبادة الله جل وعلا وحده ـ. يكفى أن الله جل وعلا أنكر هذا على ( الصحابة ) فقال لهم ولمن يزعم الايمان قولا فقط : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (3) الصف ) . وبعض أهل الكتاب زعم الايمان وتصرف عكس هذا الايمان فأمر الله جل وعلا  أن يقول لهم : (قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) البقرة  ). وبعضهم كان يأمر الناس بالبر وهو غارق فى المعاصى فقال جل وعلا لهم فى خطاب مباشر : (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (44)( البقرة )

2 ـ وهناك صنفان من الدعاة أشار اليهما رب العزة : نوع فصيح فى قوله فاسد فى سلوكه ، يفترى على الله جل وعلا كذبا ، إذ يُشهدُ الله على ما فى قلبه زاعما التقوى ، ثم إذا وعظه أحد أخذته العزة بالاإثم لأنّ وظيفته ـ فى نظره ، أنه هو الذى يعظ ، ولا يجرؤ أحد على وعظه : ثم هناك صنف من الدعاة يتحرى التقوى ما استطاع لأنه باع نفسه لله جل وعلا إبتغاء رضى الرحمن . يقول جل وعلا  عن كل مجتمع فيه ناس : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) البقرة ). هذا يعكس نوعين من التدين ينطلق كلاهما من نوعين من الدين . الدين الحق القائم على التقوى القلبية والتى تتجلى فيها طاعة لله جل وعلا وسلوكا راقيا مع الناس ، ثم الأديان الأرضية المؤسسسة على التدين السطحى المطهرى والاحتراف الدينى ، مع الفساد الأخلاقى والرياء والنفاق ، وتناقض الأقوال مع الأفعال .

3 ـ يأتى الأمر بالتقوى للجميع ، للناس جميعا من أبناء آدم : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1)النساء ) وللناس جميعا حتى قيام الساعة : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)الحج  )، والى كل أصحاب الكتب السماوية حتى الرسالة الخاتمة:( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ )(131) النساء ). ويتكرر الأمر بالتقوى للمؤمنين بالقرآن لاصلاحهم حتى لا يتحولوا الى محمديين ، وتتداخل فيها أحيانا كلمة ( قل ) ، لأن الأغلب هنا أن يأتى الخطاب الالهى مباشرا من الله جل وعلا للناس جميعا وللمؤمنين بدون كلمة ( قل ) . ونعطى بعض التفصيلات :

أولا : التقوى والصدق :

1 ـ التقوى هى أن تصدّق بالكتاب السماوى ، وأن يتجلى هذا فى عملك ليكون عملك الصالح تصديقا سلوكيا لايمانك .

2 ـ والمتقون الصادقون نوعان : نوع إختاره الله جل وعلا للرسالة والنبوة ، ونزل عليه الصدق، وهو الكتاب ، وكان صادقا فى التمسك به ، ثم هناك مؤمنون صادقون إتبعوا هذا الصدق وصدقوا به ،  والنوعان معا هم المتقون. يقول جل وعلا :( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ (33) الزمر )، فاتلذى جاء بالصدق هم الأنبياء ، والذين صدّقوا به هم المؤمنون الصادقون ، وهؤلاء وهؤلاء هم المتقون . الأنبياء صادقون بالاسم وبالوصف . أما المؤمنون الصادقين فسيتم معرفتهم يوم القيامة ، حين يدخلون الجنة .

3 ـ و يقول جل وعلا عن المسيح عليه السلام يصفه بأنه من الصادقين : (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) ( المائدة ). هذا القول الالهى أو الحكم الالهى سيقال يوم القيامة ، حين يتحدد الصادقون المتقون . إذ لا يدخل الجنة إلّا المتقون . فى هذا اليوم سيسأل الله جل وعلا الصادقين عن مدى صدقهم ، وقتها سيتم فضح المنافقين أصحاب التدين السطحى المظهرى ، يقول جل وعلا : (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً (8) الاحزاب ) ( لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً (24) الاحزاب  ).

4 ـ المحمديون أبعد الناس عن الصدق ، فهم يفترون على الله ورسوله الكذب فيما يعرف بالأحاديث النبوية والقدسية ، ويكذّبون بآيات الله التى تتعارض مع أحاديثهم ، ويحكمون على آيات الله القرآنية بالنسخ ( أى الألغاء ) لو تعارضت مع تشريعاتهم . ثم هم يؤولون ـ أى يحرفون ـ معانى القرآن لتتفق مع أهوائهم .والشيعة بالذات متخصصون فى التأويل ، . فى هذا المجال يؤول الشيعة قوله جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) التوبة )، ويزعمون أنّ (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ )  تعنى ( كونوا مع على بن أبى طالب وآل بيته ). وهذا إفتراء لأن عليا بن أبى طالب هو شخصية تاريخية ، وليس جزءا فى دين الرحمن . وكتاب الله الكريم ليس فيه ( على بن أبى طالب ) ، وهذا التأويل هو ظلم لله جل وعلا وتكذيب بآياته ، يكفى فيه قوله جل وعلا : ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (32) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ (33) الزمر).هى شخصيات تاريخية  تمت الكتابة عنها بعد موتها ، ولا نعرف هل كان التأريخ لها صادقا أم كاذبا . فالحقيقة التاريخية نسبية وليست كالحقيقة القرآنية المطلقة . وأى شخصية تاريخية ـ خارج القرآن الكريم ـ يمكن أن تكون محض خيال ، وحتى لو كانت موجودة فعلا فإن هذا لايعنى صدق المكتوب عنها مائة فى المائة ، بل إن أباك لوعايشته طيلة حياته وعايشت ورعه فلا يصح لك أن تزكيه بالتقوى ، لأن الحكم بالتقوى هو من حق الرحمن فقط يوم القيامة : (  هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى (32)( النجم )

ثانيا :عمومية الاصلاح من الصحابة الى آخر الزمان

1 ـ فى خطابه جل وعلا للناس فى عصر نزول القرآن ، لم يقل يا أهل مكة ، أو يا قريش أو يا أيها العرب ، وإنما إستعمل الوصف الذى يعلو فوق الزمان والمكان ، فقال ( الذين كفروا ) ( الذين أشركوا ) ( الكافرين ) ( المنافقين ) ( المشركين ) كما خاطب الصحابة حول النبى بالذين آمنوا . أى الذين آمنوا بالقرآن وبالرسول عليه السلام . هذا لينطبق الوصف على من يستحقه الى قيام الساعة . وهذا ملمح من ملامح القصص القرآنى يختلف به عن التأريخ البشرى الذى يلتزم بتحديد أسماء الشخصيات وزمانها ومكانها .

2 ـ درجة هذا الايمان  ( للذين آمنوا ) ومستواه قد يتذبذب بين إزدياد أو نقصان حسب المواقف ، ولا يعلمه إلا الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور . يقول جل وعلا : (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ) 25)( النساء ). والتقوى لا تعنى العصمة من الخطأ ، ولكن لها درجات تبدأ من الوقوع فى الذنب والتوبة منه وعدم الاصرار عليه : (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136) ) آل عمران ) لتصل الى الدرجة الأسمى كما جاء فى سورة الذاريات : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) . والخطاب الالهى المباشر للذين آمنوا  كان مرنا يأمر بالدرجة العليا من التقوى وبالدرجة الدنيا منها ، الدرجة العليا فى قوله جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) آل عمران ) أى حافظوا على التقوى كما ينبغى أن تكون الى اللحظة الأخيرة من الحياة حتى تموتوا وأنتم لله جل وعلا مسلمون ، وهذا لا يمنع من التقوى بقدر الاستطاعة ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) (16) التغابن ). وبهذه المرونة فى الخطاب للذين آمنوا فى كل زمان ومكان تكون وصفة العلاج القرآنى سارية من عهد الصحابة الى نهاية الزمان ، ومع حفظ الله جل وعلا للقرآن ، ليكون حُجّة علينا .

ثالثا : أخطاء الصحابة التى جعلها المحمديون دينا ومنهج خياة و ( سُنّة )

  ـ هذا يحتاج الى مجلدات ، وكتبنا فيه مئات الأبحاث والمقالات . فالصحابة حين ارتدوا عن الاسلام بالفتوحات والفتنة الكبرى فهم قد أرسوا الدين العملى الذى سار عليه المحمديون ، وحتى الآن . نكتفى هنا بإشارات كاشفة

1 ـ من قواعد التشريع فى القرآن ربط التشريع بالتقوى سواء كان التشريع فى العبادات أو فى المعاملات . المحمديون فى شرائعهم أهملوا التقوى تماما وتمسكوا بالتفريعات السلوكية والتفصيلات المظهرية وبالغوا فيها الى درجة تأليف أحكام فقهية نظرية إفتراضية مستحيلة الحدوث ، ولم ينسوا فى كل هذا الحكم بغير ما أنزل الله . ونعطى أمثلة ، فتشريعات الله جل وعلا فى القتال الدفاعى مرتبطة بالتقوى ( البقرة  190 / 194)( التوبة 4 ، 7 ) والتشريعات الاجتماعية مرتبطة بالتقوى ، وقد إبتدع المحمديون تشريعا للطلاق يناقض تشريع الرحمن فى القرآن ، وقد أوضحنا هذا فى بحث لنا منشور هنا عن التناقض فى تشريع الطلاق بين الاسلام و تشريعات الفقهاء . ولكن يهمنا هنا قوله جل وعلا يربط تشريع الطلاق بالتقوى : (يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (1) الطلاق ) .

2 ـ المسئولية الفردية قاعدة أخرى من قواعد التشريع الجنائى فى القرآن ، بمعنى مؤاخذة المجرم فقط بذنبه دون أن يتحمل آخرون الوزر ، أو بالتعبير القرآنى (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى  ) وقد تكرر هذا بدون كلمة (قل ) فى قوله جل وعلا : (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ) (18) فاطر) ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) الزمر )( مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى )  (15) الاسراء )، وجاءت بكلمة ( قل ) فى سورة الانعام ( قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) (164)، وجاءت أيضا فى صحف ابراهيم  وموسى : ( أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) النجم ). مع هذا التأكيد والتكرار فإننا نشهد الالتزام بهذا التشريع الراقى فى الغرب وفى أمريكا ، أما بلاد المحمديين فالعكس تماما ، يشهد على هذا سياسية العقاب الجماعى فى الجيش وفى تعامل الشرطة مع المواطنين ، بل فى عادة الأخذ بالثأر ، وفى تعامل المستبد مع معارضيه السياسيين،ثم يزعمون أنهم من ( الذين آمنوا ) ويتهمون الغرب بالكفر.!

3 ـ الكيل بمكيالين : وهذا يتناقض مع أمره جل وعلا بالعدل مع الخصم والصديق على حد سواء : يقول جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) المائدة )( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (135)( النساء ) ومن الوصايا العشر القرآنية (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى (152) الانعام ) وبالمناسبة فقد كفر المحمديون بالوصية  التالية العاشرة ، وهى الاكتفاء بالقرآن وحده ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)  الانعام ) لذا وقعوا فى كل هذا الفساد .

4 ـ أكل الربا : نزل فى مكة تحريم إعطائه للفقير وتشريع الصدقة للفقير بدلا عنه : (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ (39) الروم ) ، واستمر بعض الصحابة فى إعطاء الفقراء قروضا بربا ، فنزلت تفصيلات تشريعات الصدقة ، وبعدها تحريم إعطاء الفقير قرضا بربا ، وفى سياق التحريم يقول جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279)( البقرة ).و لا يزال التعامل بالربا سائدا فى مجتمعات المحمديين .

5 ـ تقديس القبور ( الأنصاب ) : تعرضنا لهذا كثيرا. كان العرب يحجون اليها فى مواسم معينة ، كالموالد التى يقيمها المحمديون الآن حين يتوافدون الى قبورهم المقدسة ، وقد صوّر رب العزة  يوم البعث بتوافدهم هذا فقال جل وعلا :( يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) المعارج ) وحرّم رب العزة الأكل من الذبائح المقدمة قربانا للقبر (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ) المائدة 3 ). واستمر ( الذين آمنوا ) فى تقديس الأنصاب دون ان ينتهوا عنها فنزل فى سورة المائدة ـ وهى آخر ما نزل من القرآن ) قوله جل وعلا فى خطاب مباشر للذين آمنوا يأمرهم باجتناب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) المائدة ). وإزدادت القبور المقدسة لدى المحمديين وأصبحت من معالم تديمنهم خصوصا الشيعة والصوفية .

 6 ـ إن الله جل وعلا يقول : ( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ (31)الحج ). هنا أمر باجتناب الرجس من الأوثان ، والمحمديون يعتبرون هذا الرجس قمة الطهارة والتقديس . كل القبور المقدسة رجس من عمل الشيطان ، طبقا لدين الاسلام ، ولكن يستحيل على المحمديين أن يقولوا هذا عن قبر الحسين فى كربلاء والقاهرة وقبر السيدة زينب فى دمشق والقاهرة وقبر المنسوب للنبى فى المدينة . وهنا أمر باجتناب قول الزور . ودين المحمديين بكل أنواعه أقوال زور . بدءا من الكرامات التى يؤلفونها عن أصحاب القبور المقدسة ، الى الأحاديث التى جعلوها نبوية وقدسية . 

 7 ـ من التشريعات الأخلاقية فى الاسلام الوفاء بالعقود ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ )1 ) المائدة ) والوفاء بالعهد ، وجاء هذا ضمن الوصايا العشر : (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) الانعام) وفى الوصايا الأخلاقية ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً (34) الاسراء ) ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) النحل ) ( وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) المؤمنون ). وهناك صنفان من البشر فى هذا الموضوع : نوع مؤمن يفى بالعهد والميثاق ، ونوع كافر ينقض العهد والميثاق : ( الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25). المضحك أن من عادة المحمديين إذا أراد أن يخدع أحدا يعطيه وعدا كاذبا ، أن يقول ( سأفعل كذا إن شاء الله ) يقول هذا وهو يعلم انه لن يفى بالوعد . يستغل إسم الله ومشئية الله فى تبرير كذبه مقدما . المؤمن الحق يقول إن شاء الله مخلصا حين يتحدث عن عمل ينوى أن يقوم به فى المستقبل :  ( وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً (23) إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً (24) الكهف ). أما المحمدى فيتخذ مشيئة الله هزوا .

أخيرا

كل مساوىء الصحابة ( الذين آمنوا ) أصبحت دينا عند المحمديين ، ولهذا فإن الصحابة يتمتعون بالتقديس والتأليه فى أديان المحمديين الأرضية . ومن التخلف العقلى لدى أئمة الحديث لدى السنيين أنهم يعتبرون كل الصحابة ( عُدُولا ) أى معصومين من الخطأ . يعنى أن الذين قاموا بالحروب الأهلية كانوا من الهنود الحمر .!

الباب السابع : ( قل ) فى التشريع

  الباب السابع : ( قل ) فى التشريع

الفصل الأول : فى عموم التشريع

مقدمة عن مدارات التشريع

 أولا : فى الوصايا والأوامر العامة :

ثانيا : فى بعض التفصيلات التشريعية فى الحلال والحرام

 الفصل الثانى : ( قل ) فى تشريع الحرية الدينية  

أولا :القاعدة الأساس فى تشريع الحرية الدينية : تأجيل الحكم لله جل وعلا  فى الدين الى يوم الدين .

 ثانيا : سريان هذه القاعدة العامة على الاختلافات بين طوائف البشر :

  ثالثا : تفريعات تشريعية لتأجيل الحكم لله جل وعلا يوم الدين :  الحرية الدينية والمسئولية الشخصية الفردية  ـ النبى ليس وكيلا عن أحد  ـ إنحصار دور النبى فى الدعوة فقط وباسلوب القصر ـ  الاعتراف بحريتهم فى الكفر قلبيا وتعبديا .

رابعا :الاعراض عن الكافرين الذين لا أمل فيهم : وارتباط الاعراض عنهم بالجهر بالحق كاملا :

 خامسا : تشريعات الدعوة الاسلامية فى هذا الإطار

 سادسا  ـ   الصفح عن الخصوم فى الدين

  الفصل الأول : فى عموم التشريع

مقدمة عن مدارات التشريع

 1 ـ  التشريعات الاسلامية لها مدارات ثلاثة للتأكيد على أن يكون الدين خالصا لله جل وعلا وحده، يقول جل وعلا باسلوب القصر والحصر : ( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ) الزمر 3 )، وبالتالى فلا مجال لتقديس مخلوق فى دين الله جل وعلا . يشمل هذا : العقيدة القلبية والايمان ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ): يقول جل وعلا لخاتم المرسلين ولنا جميعا : ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ )(19) محمد)، والاخلاص فى العبادة لله جل وعلا وحده ، يقول جل وعلا لخاتم المرلسن ولنا جميعا :( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2)، ( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (14)  الزمر ) والمعاملات مع الناس بالعدل والاحسان وتحريم الفحشاء والمنكر والظلم والبغى ، يقول جل وعلا فى خطاب مباشر لنا جميعا:( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) النحل  )

2 ـ وفى هذا الاطار جاءت الأوامر التشريعيى بكلمة ( قل ) وبدونها . ونعطى بعض التفصيل :

أولا : فى الوصايا والأوامر العامة :

1 ـ وهى تجمع بين المدارات الثلاثة الايمانية والتعبدية وفى المعاملات مع الناس . وتأتى أحيانا فى نسق واحد ، كالوصايا العشر ، وقد بدأت بكلمة ( قل ) :( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) الانعام ) ،

 2 ـ وجاءت بدون كلمة ( قل ) فى سورة الاسراء ، وفيها بدأت الأوامر التشريعية بتحريم الاشراك بالله جل وعلا وعبادته وحده ، ثم إنتهت أيضا بالتحذير من الوقوع فى الشّرك ، وبينهما وصايا أخلاقية تجمع بين العدل والاحسان  ، يقول جل وعلا : (لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً (25) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً (28) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (30) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً (31) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (32) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً (33) وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (35) وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (36) وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (38) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (39)الاسراء).

3 ـ وجاء ( بدون : قل ) مشابها لذلك صفات ( عباد الرحمن ) لتكون نبراسا لمن يريد أن يكون منهم فى سلوكه وعبادته وعقيدته، يقول جل وعلا:(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (67) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً (71) وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74) أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً (76) الفرقان ).

4 ـ  ومثل ذلك فى صفات المفلحين من المؤمنين للتأكيد على أنه ليس كل المؤمنين مفلحين ، فالمفلحون من المؤمنين يوم القيامة هم من يموتون بهذه الصفات المذكورة فى أول سورة المؤمنون ، يقول جل وعلا :( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) المؤمنون  ) . لم تأت هنا كلمة ( قل ) .

5 ـ  كما لم تأت أيضا فى نفس الموضوع فى صفات الناجين من جهنم ، أصحاب الجنة ، يقول جل وعلا : (كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (18) إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35) المعارج ).

6 ـ نلاحظ التكرار بكلمة ( قل ) وبدونها ، والتكرار فى الأمر بنفس الوصايا والأوامر والنهى عن نفس الرذائل . وهذا يؤكد بيان القرآن الكريم وتفصيلاته ، فى سياق الوعظ والتذكير . ومع هذا فإن المحمديين الذين يزعمون الايمان بالقرآن الكريم يؤمنون بأن القرآن نزل ناقصا يحتاج لأحاديثهم كى تكمله ، وأنه نزل غامضا مُبهما يحتاج لسُنّتهم كى تبينه وتفصله وتشرحه وتفسّره ، ثم لا يكتفون بهذا ، بل يجعلون من تخريفاتهم السنية حكما على القرآن الكريم ، ( تنسخ ـ بزعمهم ـ أى تُلغى وتُبطل ) شريعة الله جل وعلا فى القرآن الكريم .  وبسبب تعاملهم مع القرآن الكريم بهذه الدرجة من الاحتقار فقد خالفوا كل تلك الوصايا والأوامر والتشريعات . ونعود الى قراءة الآيات الكريمة السابقة وتدبرها ـ وهى واضحات بيّنات ـ ونتفكّر فى مدى تطبيقها فى مجتمعات المحمديين فلا نجد لها أثرا . هذه هى الشريعةالاسلامية الحقّة . وأولئك الذين يرفعون لواء تطبيق الشريعة للوصول للحكم أو للبقاء فى الحكم ، لا يطبقون إلّا المُناقض لها ، أى الشريعة السّنية أو الشيعية . ثم ينسبون هذا ظلما وزورا للاسلام العظيم،يشوهون دين الرحمن ، ويظلمون الله جل وعلا ويفترون عليه كذبا . (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) الزمر )

ثانيا : فى بعض التفصيلات التشريعية فى الحلال والحرام

1 ـ يحلو لأئمة الأديان الأرضية الاعتداء على حق الله جل وعلا فى التحريم والتحليل ، فيستحلون الحرام ( مثل قتل النفس وأكل اموال الناس بالباطل ، بل يجعلون ذلك دينا كالجهاد السّنى بالقتال المعتدى والسلب والنهب والسبى والاغتصاب ، ومثل قتل المُسالم المخالف فى الدين والمذهب والرأى : كقتل المرتد وقتل الزنديق ، وقتل من يخرج عن الجماعة فى الشريعة السنية ) ، وايضا يحرمون الحلال المباح الذى أحله الله جل وعلا ، وسبق أن نشرنا هنا مقالات عن الحلال والحرام فى تشريع الطعام . ونعيد هنا التذكير بالموضوع فى سياق كلمة ( قل )

2 ـ تكرر فى مكة التأكيد على حصر المحرمات فى الطعام فى الميتة والدم المسفوح من الحيوان الحى ، ولحم الخنزير ، والقرابين من الطعام والحيوانات المذبوحة ، والتى تُقدّم للأنصاب والأولياء وسدنة القبور المقدسة ، يقول جل وعلا باسلوب القصر والحصر  وبكلمة ( قل ): ( قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) الانعام ). والاستثناء هنا للمضطر أن باكل منها دون ان يكون باغيا أو معتديا على حق الله جل وعلا فى التشريع ، اى فى حالة الاضطرار وليس بأن يكون مستحلا للحرام .

بعدها جاءت إشارة الى أن الذين هادوا حرموا بعض الطعام على أنفسهم فعاقبهم الله جل وعلا بأن جعله محرما فعليا عليهم جزاء بغيهم على حق الله جل وعلا فى التشريع ، يقول جل وعلا:( وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146) الانعام ) وفى حالة تكذيبهم جاء الأمر لخاتم المرسلين بكلمة ( قل ) بالتهديد لهم : ( فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147). وجاء الإخبار مسبقا بأنهم سينسبون  إجرامهم هذا الى مشيئة الرحمن ، ويأتى الرد مسبقا يتحداهم بكلمة ( قل ) بأن يُأتوا بالدليل والبرهان : ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150) . ثم جاءت بعدها الوصايا العشر التى تركز على المحرمات بكلمة ( قل ) ، وليس فيها هذا الذى زعموه من محرمات الطعام : ( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ..) ( الانعام 151 : 153 )

3 ـ وتكر هذا فى سورة الأعراف المكية . بداية فى تعليق على دور الشيطان فى إغواء بنى آدم ، حيث يُقنعهم ويخدعهم بأن ارتكاب الفواحش هو بمشيئة الله جل وعلا وأمره ، وهكذا يفعل أتباع الشيطان فى الديانات الأرضية ، قبل وأثناء وبعد نزول القرآن الكريم : ( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا)، ويأتى الرد عليهم بكلمة ( قل ) بأن الله جل وعلا لا يأمر بالفحشاء :( قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (28). بل إنه جل وعلا يأمر بالقسط وإخلاص الدين له جل وعلا  ( قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (29) الى أن يقول رب العزة عن أولياء الشياطين ( إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) الاعراف ).وبعدها يؤكد رب العزة إباحة الحلال فى الزينة والطعام والشراب بلا إسراف: ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) ثم يقول جل وعلا فى اسلوب إستنكارى بعدها عن أولئك الذين يحرمون الحلال : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) ثم يحصر المحرمات باسلوب القصر فى الفواحش الظاهرة والباطنة والإثم والبغى بغير الحق والاشراك بالله جل وعلا، والكذب على الله بالأحاديث الضالة (  قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (33)الاعراف ). وواضح أن المحمديين وقعوا فى كل هذه المحرمات .

4 ـ وفى سورة ( يونس) المكية أيضا ينهى رب العزة جل وعلا عن تحريم الحلال من الطعام ، يقول جل وعلا فى اسلوب إستنكارى بكلمة ( قل):( قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) فالله جل وعلا لم ياذن لهم ،بل هم يفترون عليه الكذب ، ومصيرهم جهنم يوم القيامة  ( وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (60)  يونس ).

5 ـ  وتكرر هذا فى سورة ( النحل ) المكية : يقول جل وعلا فى الأكل الحلال كقاعدة أساس فى خطاب مباشر بدون (قل ) : ( فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114)  ثم يوضح الإستثناء المحرم (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115) ثم يؤكد رب العزة على الاستنكار على من يحرم الحلال فى الطعام خارج تلك المحرمات ويؤكد أن هذا إفتراء على الله ، ومصيرهم العذاب الأليم يوم القيامة ( وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117). وأنهم يسيرون على ( سُنّة ) الذين هادوا الذين ظلموا أنفسهم : ( وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118)  النحل )ـ كان هذا كافيا ، ولكن جاء التأكيد والتفصيل  فى المدينة أيضا.

6 ـ فى أوائل ما نزل في المدينة ، فى سورة البقرة ، يقول جل وعلا يكرر ما جاء فى سورة النحل ، فى الأكل الحلال كقاعدة أساس : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) ثم يوضح الإستثناء المحرم ( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173). هو تكرار بنفس اللفاظ تقريبا.

7 ـ وفى المدينة تكرر الحوار مع أهل الكتاب فى تحريمهم الحلال من الطعام . نزل القرآن يتحداهم أن يرجعوا الى التوراة الحقيقية ، وكانت لا تزال معهم ، يقول جل وعلا:( كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93)   آل عمران ) . تحداهم رب العزة فقال ( قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) جاء هذا بكلمة ( قل ) .وبدونها خاطبهم رب العزة مباشرة يهددهم :( فَمَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (94) ثم جاء الأمر ب( قل ) بصدق رب العزة،وبأتباع ملة ابراهيم حنيفا :( قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (95) آل عمران ).

8 ـ وفى أواخر ما نزل فى القرآن الكريم جاءت التشريعات عن الطعام بمقدمة وتفصيلات . جاء فى مقدمة للسورة قاعدة التشريع فى الطعام بإيجاز وإعجاز ، يقول جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1)) فالحلال هو الأصل والاستثناء فيما بعد (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ).

والتفصيل جاء فى : ( نوعيات الميتة المحرمة ) ، يقول جل وعلا:( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ) الى أن يقول جل وعلا عن الاضطرار : (فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3).

وبعدها تحليل أكل ما يمسكه كلب الصيد وأمثاله من الجوارح : (  يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوامِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) .بعدها تحليل طعام اهل الكتاب خارج المحرمات المعلومة : ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ) ( 5).

ثم جاء النهى عن تحريم الحلال من الطعام وإعتباره إعتداءا على حق الله جل وعلا فى التشريع ، وهنا جاء الخطاب للذين آمنوا ، وليس للكافرين وأهل الكتاب كما كان يحدث فى السور المكية ، يقول جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) ثم الأمر بالأكل من الحلال الطيب: ( وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)، وألّا جُناح هناك على المؤمنين إذا إتقوا الله جل وعلا فى مطعمهم : ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93).

ثم تحريم الصيد فى الاحرام :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (95). ثم تحليل صيد البحر وتحريم صيد البر فى الاحرام ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96) المائدة )

 أخيرا  ـ

كل هذا التفصيل والشرح والتكرار والتأكيد لم يؤت ثماره لدى المحمديين وأئمتهم . يكفى أن الشافعى فى كتابه ( الأم ) عاد يشرّع تشريع الجاهلية فى تحريم الحلال فى الطعام ، يضيف محرمات جديدة خارج المنصوص عليها فى القرآن ، ويجعل ذلك هو ( الٍسُّنّة  ) التى جعلها ( تنسخ ) أو تلغى شريعة الله فى القرآن ، كما زعم فى كتابه ( الرسالة ) .

الفصل الثانى : ( قل ) فى تشريع الحرية الدينية  

أولا :القاعدة الأساس فى تشريع الحرية الدينية : تأجيل الحكم لله جل وعلا  فى الدين الى يوم الدين .

 ثانيا : سريان هذه القاعدة العامة على الاختلافات بين طوائف البشر :

  ثالثا : تفريعات تشريعية لتأجيل الحكم لله جل وعلا يوم الدين :  الحرية الدينية والمسئولية الشخصية الفردية  ـ النبى ليس وكيلا عن أحد  ـ إنحصار دور النبى فى الدعوة فقط وباسلوب القصر ـ  الاعتراف بحريتهم فى الكفر قلبيا وتعبديا .

رابعا :الاعراض عن الكافرين الذين لا أمل فيهم : وارتباط الاعراض عنهم بالجهر بالحق كاملا :

 خامسا : تشريعات الدعوة الاسلامية فى هذا الإطار

 سادسا  ـ   الصفح عن الخصوم فى الدين

أولا :القاعدة الأساس فى تشريع الحرية الدينية : تأجيل الحكم لله جل وعلا  فى الدين الى يوم الدين .

1 ـ نحن فى يوم ( الدنيا ) دار الاختبار والحرية والاختيار ، نموت ، وبعد فناء العالم يأتى يوم ( الدين ) بيوم الحساب على ما عمله كل فرد فى حياته الدنيا . وهناك نوعان من الحقوق : حقوق الانسان ، أو بتعبير الفقهاء ( حقوق العباد ) فى النفس والمال والعِرض ، وهذه لها جزاءات  أوعقوبات دنيوية لردع الظالم ، وهى تسقط بالتوبة الظاهرية ، هى خصومات بين الأفراد . أما حقّ الله جل وعلا من الايمان به وحده وعبادته وحده وتقديسه وحده فالحكم فيه مؤجل ليوم الدين ، لرب العالمين . لأن الخصومات الدينية فيها تتعلق بالله جل وعلا ، فالحكم فيها بين المختلفين المتخاصمين يجب أن تكون لله جل وعلا وحده يوم الدين ، وهو وحده صاحب الشأن ، وقد أعدّ لهذا يوما ثقيلا ، هو يوم الدين . والعادة أن أغلبية البشر لاهون عن الاستعداد لهذا اليوم الثقيل الآت بلا ريب ،هم مشغولون عنه بالدنيا العاجلة الفانية ، ويذرون وراءهم يوما ثقيلا، يقول جل وعلا:( إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)الانسان  )

2 ـ ولأن الحكم بين البشر فى خلافاتهم الدينية حق لله جل وعده ، فهذا يأتى ضمن الصفات الخاصة بالله جل وعلا وحده ، فلأنه جل وعلا هو وحده فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة ، إذن فهو وحده الذى يحكم بين البشر يوم القيامة فيما هم فيه يختلفون ، يقول جل وعلا : ( قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) الزمر ) ، ولأنه جل وعلا هو وحده الربّ لكل شىء فاليه وحده مرجعنا يوم القيامة ليحكم بيننا فيما نحن فيه مختلفون : ( قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) الانعام). وقد جاء هذا بكلمة ( قل ). 

وبدون ( قل ) ، يقول جل وعلا فى خطاب مباشر للناس جميعا : ( وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117)المؤمنون ) ، أى ليس لأحد من البشر أن يحاسب أحدا من البشر إختار أن يُشرك بالله جل وعلا ، لأن حساب هذا المشرك عند ربه جل وعلا ،ووقتها لن يفلح الكافرون المشركون . وبدون ( قل ) أيضا يقول جل وعلا أيضا فى خطاب مباشر للناس جميعا : ( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) الزمر ) . ما أروع قوله جل وعلا فى هذه الآية الكريمة ، فى تقرير حرية البشر فى كفرهم به جل وعلا ، وهو لا يرضاه ، ولكن يتركهم أحرارا فى كفرهم ومسئولين عن كفرهم يوم مرجعهم اليه يوم الدين .

ثانيا : سريان هذه القاعدة العامة على الاختلافات بين طوائف البشر :

 ومن القاعدة العامة فى مرجعية الحكم له جل وعلا وحده على البشر جميعا يوم الدين ، نأتى الى تفصيلات لسريان هذه القاعدة على طوائف البشر وأديانهم وإختلافاتهم الدينية .

1 : فالاختلافات الدينية بين بنى اسرائيل مرجع الحكم فيها لله جل وعلا يوم القيامة ، يقول الله جل وعلا : ( وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمْ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93) يونس) ( إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124) النحل )( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) السجدة )( وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنْ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) الجاثية).

  2 : وعن تأجيل الحكم لله جل وعلا فى الاختلافات بين اليهود والنصارى، يقول جل وعلا  : ( وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) البقرة ).

3 : وعن تأجيل الحكم لله جل وعلا  فى الاختلافات بين المسيحيين يقول جل وعلا يخاطب عيسى عليه السلام : ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)آل عمران )

  4 : وعن تأجيل الحكم لله جل وعلا فى الخلافات بين المؤمنين بالقرآن وأهل الكتاب يأمر جل وعلا الفريقين بالتسابق فى الخيرات وليس التنافس فى التعصب و الموبقات، و يقول جل وعلا : ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) المائدة )

  5 : وعن تأجيل الحكم لله جل وعلا فى الخلافات بين أهل القرآن والمشركين الذين يعبدون القبور والأولياء يقول جل وعلا : (  أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3 الزمر) .

6 : وعن تأجيل الحكم لله جل وعلا فى الخلافات بين خاتم المرسلين والمشركين فى عهده، يقول له جل وعلا  بدون ( قل ):( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31 الزمر ) ، وبكلمة ( قل ) ( وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) الحج)

ثالثا : تفريعات تشريعية لتأجيل الحكم لله جل وعلا يوم الدين :

  الحرية الدينية والمسئولية الشخصية الفردية

  لأن حسابنا سيكون يوم القيامة فقط أمام رب العزة فقط فلا سلطة لأى بشر فى إلزام بشر آخر فى الدين ، ولا إكراه فى الدين . وبالتالى فإن الهداية مسئولية فردية ، وكل عمل للفرد يتم تسجيله ومؤاخذته به يوم الدين ، ومن إهتدى فقد إهتدى لنفسه وصالح نفسه ، ومن ضلّ فقد ضلّ على نفسه وضد صالح نفسه ، يقول جل وعلا : ( وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14) مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15) الاسراء ). أى من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعلى نفسه ، واليه جل وعلا مرجعنا يوم الدين ، يقول جل وعلا : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15 الجاثية ) ولا يوجد ظلم فى يوم الحساب فى هذا الحساب الفردى ، يقول جل وعلا:( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (46) فصلت )

النبى ليس وكيلا عن أحد

مع مرجعية الحكم لله جل وعلا وحده ، ومع المسئولية الشخصية الفردية فى مجال الايمان والهداية والكفر والضلالة فإن النبى محمدا عليه السلام نفسه ليس وكيلا عن أحد وليس حفيظا على أحد وليس له سيطرة على أحد ، وليس مسئولا عن أحد . يقول جل وعلا بكلمة ( قل ) :( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109 يونس ) ، وبخطاب مباشر للناس يقول جل وعلا :( قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104 الانعام )، وبخطاب مباشر للنبى عليه السلام يقول جل وعلا  ( إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنْ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41) الزمر)

إنحصار دور النبى فى الدعوة فقط وباسلوب القصر :

 وبالتالى فإن دوره عليه السلام هومجرد الإنذار والتبليغ، وهنا استعمال (قل ) ، يقول جل وعلا: (  فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنْ الْمُنذِرِينَ (92) وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93) النمل ). فوظيفته هى الانذار وليس أن يكون وكيلا مسئولا عن أحد ، يقول جل وعلا فى خطاب مباشر له عليه السلام : ( إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) هود )، والانذار يعنى التذكير بالكلمة وليس بالاستطالة على الناس وفرض السيطرة عليهم ، ففى النهاية مرجعهم للخالق جل وعلا ، وهو وحده الذى سيحاسبهم، يقول جل وعلا له فى خطاب مباشر : ( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) الغاشية )

 الاعتراف بحريتهم فى الكفر قلبيا وتعبديا

هذا يعنى الاعتراف بحريتهم فى الكفر ، والسماح لهم بممارسة شعائرهم الدينية فى تقديس القبور والأولياء والموالد والحج الى الأنصاب وتقديم القرابين لها ، وهو نفس تقرير الحق للمؤمنين فى عبادة الله جل وعلا وحده . هنا المساواة المطلقة فى الحرية الدينية للجميع ، المساواة بين حرية الايمان وحرية الكفر ، ونزل هذا باسلوب بالغ الروعة ، يقول جل وعلا : ( وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121) وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (122) هود ) وباستعمال (قل ) أيضا : ( قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135) الانعام ) ( قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (39) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (40) الزمر )

وبنفس المساواة فى الحرية الدينية جاء الاعتراف بمشيئتهم فى الضلال وفى عبادة البشر والحجر ، مع تحذيرهم من الخسران يوم القيامة ، يقول جل وعلا باستعمال ( قل ) : ( قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنْ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16) الزمر) ، وجاء هذا أيضا مصحوبا باعلان البراءة منهم طالما يكذبون بالحق القرآنى ، يقول جل وعلا باستعمال ( قل ) :( وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41 يونس ) فيكفى أن الله جل وعلا سيجمعنا جميعا يوم القيامة ويحكم بيننا فيما نحن فيه مختلفون، يقول جل وعلا :( لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) الشورى)، ونزلت سورة ( الكافرون ) تؤكد حرية الدين لنا ولهم بأروع اسلوب فى المساواة ، يقول جل وعلا: (بسماللهالرحمنالرحيم) قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ (4) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) الكافرون )

رابعا :الاعراض عن الكافرين الذين لا أمل فيهم :

1 ـ يرتبط هذا الاعراض عنهم بالقاعدة الأساس ، وهى مرجعية الحكم علينا وعليهم لله جل وعلا يوم الدين ( يوم الفتح ) . باستعمال ( قل ) يقول جل وعلا : ( قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنتَظِرُونَ (30 السجدة ) ويأتى تحذيرهم مقدما من هذا اليوم مع التأكيد بأنه عليه السلام ليس حفيظا ولا وكيلا ولا مسئولا عنهم ، فليس عليه سوى البلاغ  ، يقول جل وعلا : ( اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ  ) (48) الشورى )، ونفس المعنى جاء فى قوله جل وعلا  فى خطاب مباشر للنبى عليه السلام :  ( اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107 الانعام )، وأيضا: ( فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) النجم ) 

 2 ـ وأمره ربالعزة بالاعراض عن المنافقين مع تقديم النصيحة لهم مسبقا : ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (63)، وكان منهم من يخدع النبى بمزاعم الطاعة ثم يقوم بالتآمر عليه ، فقال جل وعلا  يأمر بالاعراض عنهم :(وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (81) النساء ). كما أمره ربه بالاعراض عن مجالس المشركين إذا أخذوا فى الخوض فى آيات القرآن يكذبون بها ، فإذا سكتوا عن هذا الخوض فلا حرج فى العودة لمجالستهم ، يقول جل وعلا : (  وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68 الانعام )

3 ـ ويأتى الاعراض عنهم بالرد عليهم بجميل القول ، كالسلام  فى مواجهى لغوهم وهذيانهم ، يقول جل وعلا عن صفات المؤمنين من أعل الكتاب : ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55) القصص )، يقول جل وعلا من ضمن صفات المؤمنين المفلحين أنهم عن اللغو معرضون : ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) المؤمنون ) ومن صفات عباد الرحمن يقول جل وعلا : (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً (72) الفرقان ) و (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً (63) الفرقان ) .

ارتباط الاعراض عنهم بالجهر بالحق كاملا :

على أن هذا الاعراض لا يعنى الاعراض عن قول الحق ، ولا يعنى عدم التعرض لآلهتهم بما هو حق ، بل قول الحق جهرا وصدعا مع الاعراض عن الجاهلين المشركين، يقول جل وعلا :( خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ (199) الاعراف ) ويقول جل وعلا : ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ (94) الحجر ) .

خامسا : تشريعات الدعوة الاسلامية فى هذا الإطار

1 ـ  توضيح الحق القرآنى هو الدعوة بالتى هى أحسن ، وهى الجدال بالتى هى أحسن ، يقول جل وعلا : ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  )(125) النحل ) هذا التوضيح ليس عيبّا وشتما . حين تؤكد للمحمديين بشرية النبى وأنه كان جسدا كأجساد البشر ، وأنه كان يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق وأنه مات وتحلل جسده كبقية البشر ـ فأنت تقرر حقائق قرآنية. ولكنهم يعدون هذه الحقائق القرآنية عيبا فى الذات الالهية التى زعموها للنبى عليه السلام . نفس الحال حين تؤكد بشرية المسيح ، وتقرأ ما قاله جل وعلا فى بشرية المسيح وأمّه . نفس الحال مع المحمديين الشيعة الذين يقدسون عليا بن أبى طالب ، إذا تعرضت لتاريخه المكتوب بالنقد والتحليل ، ونفس الحال مع المحمديين السنيين حين تتعرض للصحابة ، وللمحمديين الصوفية حين تحلل أقوال وتاريخ الأولياء الصوفية . هم يعتبرون ذلك سبّا فى آلهتهم ، لأنها عندهم فوق مستوى البشر ، ولا يجوز أن تتعامل معها إلا بالتقديس والتبجيل والتاويل . هنا يكون الجهر بالحق مهما كان مؤلما للمشركين ، وفى نفس الوقت الاعراض عنهم ، بل رد أو ( دفع ) سيئاتهم بالتى هى أحسن . يقول جل وعلا : ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) المؤمنون )( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) فصلت) . هذا يستلزم صبرا هائلا لا يتحلّى به إلّا صاحب الحظ العظيم ، لذا يقول جل وعلا  لخاتم المرسلين يأمره بالصبر وعدم الضيق من كيد المشركين: ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128 النحل ).

2 ـ وأعطى رب العزة نموذجين : فى جدال أهل الكتاب بالتى هى أحسن ، وما يجب قوله لهم : (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) العنكبوت ). والنموذج الآخر فى الحوار مع الكافرين :( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) سبأ )

سادسا  ـ   الصفح عن الخصوم فى الدين :

ليس مجرد الصفح ، بل الصفح الجميل . يقول جل وعلا : ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) الحجر ) فطالما أن الساعة قادمة بالويل والخلود فى الجحيم فعلينا أن نصفح عنهم إكتفاء بما سيحدث لهم . يقول جل وعلا  فى الصفح عنهم وقول السلام لهم : ( وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89غافر )

وفى أمر بكلمة ( قل ) يأتى التشريع للمؤمنين بالغفران للمشركين ، يقول جل وعلا : ا( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) الجاثية)

 أخيرا : السبب أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر .!!

باختصار ، وبدون وجع قلب ، فإن الدين السّنى يتناقض مع كل ما سبق جملة وتفصيلا ، والسعودية أكبر دليل على ذلك . أليس كذلك ؟   

خاتمة كتاب ( قل )

كتاب ( قل ) فى القرآن الكريم 

( أقوال الرسول فى القرآن فقط ، وليس له أقوال فى الاسلام خارج القرآن

خاتمة كتاب ( قل )

أولا :  بين (قل ) فى القرآن و الأقوال المنسوبة للنبى فى السيرة  

1 ـ كل ما يحتاجه النبى والمؤمن فى الدين الاسلامى جاء فى القرآن الكريم  مكررا بكلمة ( قل ) وبدونها . وبالتالى فليس هناك حاجة لأن يتقول الرسول على ربه جل وعلا ، ولو تقوّل على الله جل وعلا شيئا لعوقب فى الحال : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (44) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)( الحاقة ) ، بل إنه لا يستطيع ذلك أساسا ، يقول جل وعلا فى تأكيد الحفظ الالهى للقرآن الكريم ردا على مزاعم المشركين :( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَأْ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (24) الشورى ).

2 ـ نقول (  كل ما يحتاجه النبى والمؤمن فى الدين الاسلامى ) لأنه كان للنبى كلام دنيوى فى تعامله مع اصحابه وزوجاته والمحيط البشرى من حوله . هذا الكلام ليس جزءا من الدين ، ولا شأن لنا به فى علاقتنا بالله جل وعلا ، لأن ( الدين ) هو علاقتك بالخالق جل وعلا ، سواء كانت طاعة أو عصيانا . هذه العلاقة لا يدخل فيها ما كان النبى يقوله مع الناس من حوله طبقا لظروف الزمان والمكان والاشخاص . هذا يدخل فى دائرة التاريخ . وليس التاريخ دينا ، هو تسجيل بشرى للأحداث والأقوال فى عصرها ، وربما يتم هذا التسجيل بعد عصرها كما حدث فى تسجيل ابن اسحق للسيرة ( النبوية ) وهو أول من كتبها ، وكان هذا فى العصر العباسى . ثم نقل عن ابن اسحاق من جاء بعده من المؤرخين كابن سعد والطبرى .

3 ـ التاريخ المكتوب هو جهد بشرى وكتابة بشرية منسوبة لأصحابها ، هذا التاريخ يحضع للبحث التاريخى ، يقوم به المتخصصون بالبحث التاريخى ، ونحن منهم فى عصر الجهل الذى نعيشه حاليا .

4 ـ وما يكتبه المؤرخون فى تاريخهم الذى يعاصرونه او فيما يؤرخونه للعصور السابقة عليهم ( مثل ما يعرف بالسيرة النبوية )  ليس حقائق مطلقة بل هو ظنّ وتخمين ، ( أخبار ) مروية تدخل فى إطار الحقيقة التاريخية النسبية التى تحتمل الصدق والكذب ، وليست داخلة على الاطلاق فى نطاق الايمان والحقائق المطلقة فى الدين الالهى الصحيح . وايضا فإن ما يصل اليه الباحث التاريخى فى التحليل لما كتبه المؤرخون السابقون هو عمل بحثى يعبر عن وجهة نظره ، قد يخطىء فيها وقد يصيب مهما أوتى من براعة علمية وعقلية فى استخدام أُسُس البحث التاريخى . ففى النهاية هو يبحث أخبارا ووقائع وروايات حدثت فى الماضى قام بتسجيلها أشخاص لا نعرف عنهم سوى المكتوب عنهم ، ولا ندرى أكانوا صادقين ام كاذبين ، وهل كتبوا كل الذى حدث أم أخفوا وتجاهلوا بعضه . كل هذا من غيوب الماضى ( التاريخية ) وبها يظل علم التاريخ مؤسسا على قانون الاحتمال والحقائق النسبية وتحتاج الى الشك  ومتابعة البحث لمعرفة اقصى قدر متاح من الحقائق النسبية التى لا يعلم صدقها الا علام الغيوب جل وعلا ، ممّا يجعله متناقضا مع حقائق الدين الالهى المطلقة التى تستلزم الايمان  والتسليم .

5 ـ من هنا فلو قلت فى محاضرة تاريخية اقاويل منسوبة للنبى فى السيرة والتاريخ فلا بد من التأكيد على انها ليست دينا بل هى تاريخ وسيرة كتبها ابن اسحق فى العصر العباسى بعد حوالى قرن ونصف القرن من وفاة النبى ، ونقلها مما شاع من روايات فى المدينة بعد عدة أجيال من موت النبى والصحابة التابعين وتابعى التابعين . وبالتأكيد فليس هذا دينا ، وليس ما ينسبه ابن اسحق للنبى هو القصص القرآنى الحق للنبى محمد عليه السلام . ولو أنكرت وكذّبت سيرة ابن اسحاق من أولها وآخرها فلن ينقص ذلك من ايمانك شيئا ، ولن تكون مسئولا يوم القيامة على ما قاله المؤرخون وغيرهم من أئمة التراث . ستكون مساءلا عما جاء فى القرآن الكريم فحسب ، لأنه قول الله جل وعلا ، وكلام الله جل وعلا ، وحديث الله جل وعلا ، ولأن الذى سيحاسبك هو ( الله جل وعلا ) . لن يحاسبك محمد رسول الله ولا ابن اسحاق ولا أئمة الفقه والتراث ، هم مثلى ومثلك سيتم حسابهم فرادى أمام الواحد القهار يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها : ( يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (111)( النحل ).

6 ـ هنا يختلف الاسلام الدين الالهى ( الذى نزلت به كل الرسالات السماوية بألسنة الرسل مع اختلاف الزمان والمكان ) عن أديان البشر الأرضية ، والتى تؤُسّسُ على تقديس البشر ، ويتحول فيها تاريخ البشر الى دين . ومن هنا تحولت السيرة النبوية الى دين عند المحمديين ، وتم إخفاء الانجيل الحقيقى واعتمدت الكنائس سيرة للمسيح كتبها رواة مختلفون . وتحولت سيرة الصحابة الى دين ، وتمت كتابة ( مناقب ) فى التأريخ للأئمة السنيين والشيعة والصوفية تسبّح بحمدهم ، والويل لمن يبحث هذا التاريخ الدينى وتلك السيرة بمنهج بحث تاريخى موضوعى . هنا يكون قد انتهك قُدس أقداسهم وعاب آلهنتهم ، وتعامل مع تلك الآلهة المزعومة على انهم بشر يخطئون ويُصيبون .

ثانيا : أقوال الرسول هى أقوال من أرسل الرسول ، هى ( الرسالة )

1 ـ يكفى التدبر فى معنى كلمة ( الرسول ) . تخيل أنك ارسلت شخصا برسالة محددة الى شخص آخر . هو رسول منك برسالة الى هذا الشخص . هذا الرسول عليه أن يبلغ رسالتك كما هى . لا يمكن أن يتقول كلاما من عنده . هنا لا يكون رسولا لك . هنا تتحول صفته من  (رسول ) لك يعمل لديك الى شخص آخر هو أنت . الرسول لا يقول كلامه هو بل كلام من أرسله ، اى الرسالة . وبالتالى نفهم التأكيد القرآنى المتكرر بأنه ما على الرسول الا البلاغ . بل إن من كثرة تكرارها فى القرآن الكريم فقد تحولت الى ( مثل شعبى ) يتردد على ألسنة الناس : ( " على رأى المثل : ما على الرسول غلا البلاغ  ) . كل هذه الأدلة القرآنية والعقلية و( الشعبية ) والتى تؤكد على أن مهمة الرسول هى تبليغ الرسالة فحسب تم تناسيها فى أديان المحمديين الأرضية ، فأضافوا ( أقوالا ) و( أحاديث ) للرسول ، وجعلوا النبى مالك الدين وصاحب الدين فى الدنيا ومالك يوم الدين فى الآخرة .

 2 ـ ومن إعجاز الغيب فى القرآن الكريم أن تكررت كلمة ( قل ) لتؤكد أن أقوال الرسول فى الاسلام هى كلها فى هذا القرآن،  وأنه لا شىء خارجا عنها .

ثالثا : كل رسول من رسل الله له رسالة واحدة أو كتاب واحد ، وليس له ( كتاب وسُنّة )

1 ـ  خاتم النبيين ليس بدعا من الرسل ( الأحقاف  9 ) وقد أوحى الله جل وعلا اليه كما أوحى للنبيين من قبله ( النساء 163 ) وشرع لنا من الدين أُسس التشريع التى شرعنا للرسل السابقين ( الشورى 13 ).  فإذا كان لكل رسول من السابقين كتاب واحد فقط فإن خاتم المرسلين النبيين ليس معه سوى كتاب واحد . يستحيل أن يكون معه ( كتاب وسُنّة ) . يكفى ان  كلمة ( كتاب ) بالمفرد تأتى أحيانا فى القرآن الكريم لتعبر عن كل الكتب السماوية . (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136) النساء 136 )( وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14) الشورى )   ( وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ  )(15) الشورى ) ( اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ  17) الشورى )

2 ـ الأعجب أنهم يعترفون أنه عليه السلام مات دون أن يكتب هذه ( السُّنّة ) ، ثم قام اللاحقون فى العصر العباسى من ابناء الفرس وغيرهم وفى عصور الاستبداد والقهر والظلم بتسجيلات مختلفة لتلك السُّنّة التى زعموها دينا ، مع تناقض ة  أحاديثها والزيادة المضطردة فى أحاديثها باستمرار . هذا خبل عقلى أيها السادة ، لا يجرؤ عليه إلا المحمديون الذين تفوقوا فى الكذب على أئمة المسيحيين

أخيرا : فى مجال الكذب على الله جل وعلا ورسوله : المحمديون أشد كفرا من المسيحيين

1 ـ. لا يؤمن المسيحيون بالقرآن ، يكفرون به اساسا وصراحة . المحمديون  يزعمون الايمان بالقرآن بينما يتناقضون معه فى عقائدعم وشرائعهم واخلاقياتهم . والكفر الصريح أهون من النفاق . فالمنافقون فى الدرك الأسفل من النار . وهناك سبب آخر يختص بالكذب على الله جل وعلا ورسوله فى الدين . لقد توقف أئمة المسيحية عن صناعة الأكاذيب ونسبتها للمسيح  بعد أن إعتمدوا أناجيلهم المعمول بها حتى الآن . حدث هذا التوقف بعد قرنين تقريبا من موت المسيح . ولكن المحمديين ظلوا يصنعون الأحاديث الكاذبة ، ولا يزالون ، وأشهر كذأب أشِر فى مضمار صناعة الأحاديث كان السيوطى الذى توفى عام 911 هجرية . ولم ينقطع الكذب على الرسول حتى عصرنا الأغبر . فالجماعات السلفية من الاخوان وغيرهم لا تزال تؤلف أحاديث تنسبها للنبى ، أذكر منها ما اشاعوه فى التسعينيات وقت صدامهم مع الأمن المصرى : صنعوا حديثا ( نبويا ) يقول ( من أكرم شرطيا أهانه الله ).

2 ـ ثم ينسبون أنفسهم الى الاسلام .!