مكتبة منصور أرشيف دائم
EN / AR
الكتب 2014

كتاب الميراث

المقدمة

كتاب الميراث : المقدمة   

سبق القرآن الكريم الحضارة البشرية الراهنة بتشريع الميراث بكل ما فيه من رُقىّ وسُمُوّ . خصوصا عندما نتذكر أن القرآن الكريم خاطب فى البداية عربا صحراويين لا يقيمون وزنا للحقوق حيث قامت حياتهم على الصراع القبلى والتقاتل من أجل الماء والكلآ ، والعظمة عندهم مرتبطة  ـ ليس برعاية الحقوق ـ ولكن بسلب الحقوق ، فالضعيف من الأشخاص ومن القبائل منهوب مظلوم ، والعظيم هو السالب الناهب الذى يسبى النساء . والمرأة سلعة للسبى  بلا حقوق أصلا ، هذا ، إن عاشت بلا وأد ولم تكن ( موءودة ). إرتقى العرب فى دولة النبى عليه السلام الى درجة أن ينزل تشريع الميراث فى المدينة بكل هذا السمو الذى يتناقض مع حضيض الجاهلية فى الجزيرة العربية وخارجها فى ظلام القرون الوسطى .

ولكن ما لبث المسلمون بالفتوحات أن أشبهوا الفُرس والروم ، وسكنوا فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم ، وأقاموا امبراطوريات تعتنق السلب والنهب والاسترقاق والسبى والظلم على مشتوى الأمم والشعوب ، وليس كما كانت الجاهلية العربية التى إنحصر ظلمها على مستوى الأفراد والقبائل . وفى العصر العباسى إكتمل التناقض بين الاسلام والمسلمين بتأسيس أديان أرضية ، لا يزال باقيا منها ثلاثة : السُّنة ، والتشيع والتصوف . وتميّز دين السّنة بتعبيره عن الهيمنة والدولة ، لذا كان تميزه أكثر فى مجال التشريعات . وجاءت تشريعات السّنة التى إزدهرت فى العصر العباسى تُلغى تشريعات القرآن الكريم بمزاعم ( النسخ ) وتُحرفها بألاعيب أخرى مثل ( إختراع الأحاديث ) وتغيير مصطلحات القرآن ، واساطير ( أسباب النزول ) وخرافات ما يُعرف بالتفسير .

ولكن مع هذا التعامل السىء مع القرآن الكريم ، فإن تأثير القرآن فى العرب والمسلمين ( المحمديين ) فى العصر العباسى كان هائلا بالمقارنة بينهم وبين أوربا فى نفس العصر . وأبرز نواحى هذا التأثير فى التشريع ، والتأريخ .  وتشريعات المسلمين فى الميراث شاهد على هذا ، فلم تصل تشريعات الميراث الغربية الى هذه الدقة والتفصيلات التى وصلها علم ( الفرائض ) أو ( المواريث ) لدى المسلمين . ومع هذا فإن تشريعات المسلمين فى الميراث أخذت بعض تشريعات القرآن وحرّفت البعض الآخر . وهذا يؤكد أن تشريعات الميراث القرآنية وصلت الذروة فى الرقى وتحقيق العدل .

و( كتاب الميراث ) يعرض لتشريع الميراث القرآنى ثم إختلافه عن تشريعات الميراث فى الفقه السّنى .

والله جل وعلا هو المستعان .

أحمد صبحى منصور

يناير 2014

الباب الأول : تشريع الميراث فى القرآن الكريم

الباب الأول : تشريع الميراث فى القرآن الكريم

الفصل  الأول  : مقاربة إصطلاحية : مفهوم : ورث

 يأتى مصطلح ( ورث ) ومشتقاته فى القرآن بمعان مختلفة حسب السياق :

أولا  : بمعنى وراثة النبوة والكتاب :

1 ـ وراثة الكتاب : فبنو إسرائيل توارثوا الكتاب ، من خلال الرسالات السماوية التى نزلت فى أنبيائهم ، يقول جل وعلا : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53) غافر ). ومع هذا تفرقوا وإختلفوا فى الكتاب الالهى او العلم الالهى بسبب البغى :( وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14) الشورى )، ومنهم من كان يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضه بما يتفق مع أهوائهم فى أساطير الشفاعة: ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ) (169) الاعراف ). الذين يرثون الكتاب ثلاثة أنواع : سابقون وظالمون ومعتدلون مقتصدون. ينطبق هذا على ( أهل الكتاب ) الذين ورثوا التوراة والانجيل وما بينهما  كما ينطيق على (أهل القرآن ) ورثة الكتاب الخاتم ، يقول جل وعلا عنه : ( وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31)فاطر ) ، ويقول عن ورثة القرآن : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) فاطر )

2 ـ وراثة النبوة :نرى هذا فى ذرية ابراهيم وبنى اسرائيل .  فابراهيم عليه السلام أنجب إسماعيل واسحاق ، وإسحاق أنجب يعقوب ، ويعقوب أنجب 12 ولدا كان من بينهم يوسف الذى أصبح رسولا . ثم كان موسى وأخوه هارون نبيين ،ودعا النبى زكريا عليه السلام ان يرزقه الله جل وعلا ولدا يرث النبوة ، واستجاب رب العزة لدعائه  : ( وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً (7) مريم ) ، وقبله ورث سليمان النبوة والمُلك من أبيه داود عليهما السلام : ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) النمل ). ويقول جل وعلا عن ابراهيم عليه السلام (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ )(27) ( العنكبوت ) ، أى توارثوا النبوة و الكتاب .

ثانيا :  وراثة بمعنى الاستخلاف فى الأرض ثم فى الجنة للمتقين فقط :

1 ـ البشر فى هذا الكوكب أمم يخلف بعضها بعضا ، أى يرث بعضها بعضا،  يقول جل وعلا : ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ ) (165) الانعام ) ( هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ )(39) فاطر ).

2 ـ كان قوم نوح أكبر مجتمع بشرى ، وقد أغرق الله جل وعلا معظمهم بالطوفان لأنهم كذبوا بالرسالة السماوية ، وممن بقى مع نوح أصبحوا خلائف يتوارثون الأرض أمة بعد أمة . يقول جل وعلا عن نوح عليه السلام : ( فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ   (73) يونس ).

2 ـ وورث قوم عاد قوم نوح ، وكذبوا مثلهم النبى هود  عليه السلام ، فقال لهم : ( وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ) (69)( الاعراف ) وهددهم بأن يستخلف الله جل وعلا غيرهم بعد أن يهلكهم : ( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ ) (57) هود ) . وجاء بعدهم قوم ثمود الذين كذبوا نبيهم صالح عليه السلام ، فقال لهم يذكرهم بنفس ما قاله من قبل هود لقومه (عاد ) : ( وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ ) (74) الأعراف ).

3 ـ  وبنفس الطريقة أهلك الله جل وعلا فرعون موسى الطاغى وقومه ، وورث بنو إسرائيل جناته ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) ( القصص ). تطرف فرعون فى تعذيب بنى اسرائيل : ( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)( الاعراف ). وفى النهاية جاء التدخل الالهى بإغراق فرعون وقومه ، وورثهم  بنو اسرائيل : ( فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59 ) الشعراء )( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ (28) الدخان ).

4 ـ وحذّر رب العزة العرب من أن يرثوا نفس المصير: (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ( الأنعام 133  ). وقال مُذكّرا بما حدث للأمم السابقة : (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) يونس ).

5 ـ  وكان المسلمون فى بداية عهدهم بالمدينة ضعافا يخافون أن يتخطفهم الناس فآواهم وأيدهم الله جل وعلا بنصره  (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) ( الأنفال ) ، وكان قد وعدهم بالأمن والنصر بشرط التمسك بالاسلام :( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (55) النور ) ووفوا بالشرط فى عهد النبى فأنجاهم من كيد اليهود المعتدين وأورثهم ارضهم وغيرها : ( وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (27) الاحزاب ).

6 ـ وتبقى العظة من الاستخلاف أو وراثة أمة بعد أمة ، وهى أن الاهلاك يأتى بسبب الفسوق والعصيان والجحود والكفران ، و يتكرر هذا ، فتسير كل امة على نفس الطريق الضال فتهلك ، ترثها أمة بنفس الشرور فتهلك دون ان يتعلم أحد ، وانظر الى حال العرب اليوم الذين لا يأمنون مكر الله أو إنتقام الله جل وعلا ،  يقول جل وعلا : ( أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (100) الاعراف ).

7 ـ إن ما لدينا من ثروة لسنا فى الحقيقة أصحابها ، إنما نحن مُستخلفون فيها ، ويجب علينا أن ننفق جزءا منها فى سبيل الله جل وعلا : ( آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) الحديد ). موارد الدولة يتوارثها السكان جيلا بعد جيل ، هو ( ميراث ) وتنميته الحقيقية بالصلاح وليس بالفساد . ولكن الأغلب أن يسود الفساد كل عصر ، فيسكن اللاحقون الخلف فى مساكن الذين ظلموا انفسهم من السلف فتحيق بهم لعنة الهلاك : (وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمْ الأَمْثَالَ (45) ابراهيم ). وانظر الى البترول وكيف أصبح لعنة ، لأنه يحتكره المستبدون يأكلون ويدمرون حقوق الأجيال القادمة ، ويتحول عائد النفط الى سلاح يقتتلون به بكل حميّة وإخلاص ، وكل منهم يهتف ( الله أكبر . )!! وتدبر قوله جل وعلا : (أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30) ابراهيم ) الناجون من هذا المصير هم من يقول عنهم رب العزة فى الآية التالية:( قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (31) ابراهيم )، فكم عددهم بين العرب المسلمين؟  8 ـ إن ميراث الانسان فى هذه الدنيا نوعان : ميراث مالى مادى، يرثه من الوالدين والأقربين وما يكسبه بعمله . هذا الميراث يتركه صاحبه بالموت . وهناك ميراث باق يصاحب الفرد بعد موته، وهو عمله إن كان صالحا او فاسدا .  هذا العمل هو النوع الآخر من الإرث ، أو هو ( الآثار ) التى تتعلق بنفس صاحبها يسجلها له او عليه ملائكة تسجيل الأعمال: ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)( يس). وكل إنسان مؤاخذ بكل ذرة من عمله ، وبكل لفظة ينطق بها لسانه . وحدث أن تبجّح أحدهم فقال إنه سيأتى يوم القيامة بنفس الثراء الذى هو فيه وسيؤتى يوم القيامة مالا وولدا . هى كلمة تافهة ، ولكن تم تسجيلها عليه ضمن ( إرثه ) ، يقول جل وعلا  يعلمنا تحمل المسئولية حتى فى الكلمة : ( أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً (77) أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً (78) كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنْ الْعَذَابِ مَدّاً (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً (80) مريم ). أى ورث ما قال ، وسيُعذّب بما قال .

9 ـ وبعد أن تكتمل وتتمّ دورة الاستخلاف والميراث فى هذه الدنيا تأتى القيامة ليكون الله جل وعلا هو الوارث الحقيقى ، يقول رب العزة : ( إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40) مريم ). ترث أمة ما سبقتها ثم تموت لترثها أمة أخرى الى أن يصير الارث لرب العالمين : ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) القصص )، وكل ذلك بعلمه جل وعلا : ( وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24) الحجر ). وبالتالى فإنّ إرثنا المالى وهمى لأنه محدد للفرد بزمن حياته ، فالله جل وعلا هو خير الوارثين ، قالها زكريا عليه السلام :( وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) الأنبياء ). الإرث الخالد الذى سيبقى بلا فناء هو : إرث الجنة .

10 ـ وراثة الجنة : وهى للمتقين فقط : ( تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً (63) مريم )، لن يدخل الجنة أىّ مؤمن ، بل المؤمن المُفلح التقىّ الذى قال جل وعلا فى وصفه : ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) المؤمنون ).

فى هذه الدنيا الفانية نتنازع على شبر من الأرض ، سواء كانت زراعية أو للسكن ، ثم ينتهى بنا الأمر الى أن ندفن فى حفرة من هذه الأرض ، ونتحول الى تراب ضمن ترابها . ويأتى بعدنا من يرثنا يمارس نفس الصراع حول قطعة الأرض الى أن يموت ، وهكذا . ثم تأتى الساعة وتتدمر هذه الأرض والعالم كله . وتأتى أرض جديدة خالدة وسماوات جديدة خالدة بلا صراع بل بالسلام والنعيم : (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) ( ابراهيم ). هنا أرض الجنة التى تجرى من تحتها الأنهار ، يقول جل وعلا فيمن سيرثها يوم الدين : ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ (105) الانبياء ). وسيقول ورثة أرض الجنة يحمدون ربهم جل وعلا : ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) الزمر ). وسيُقال لهم وهم فى الجنة ( وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43) الاعراف ).( وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (73) الزخرف ). لذا دعا ابراهيم عليه السلام ربه أن يجعله من وارثى الجنة : ( وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) الشعراء ).

يبقى أن ندعو نحن نفس الدعاء متمسكين بملة ابراهيم حنيفا .

ثالثا : ميراث أو وراثة التركة:  

1 ـ نأتى لموضوعنا عن الميراث المالى المستحق للورثة . ويكون حين ( يترك ) أحدنا ثروة . هذه الثروة تكون ( تركة ) ، ومن هنا يرتبط هذا الميراث بكلمة ( ترك ) ، ومنه قوله جل وعلا فى تشريع الميراث فى سورة النساء : (  لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ) (7)..  ( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (9).. ( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ ...) (11)(  وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) .. ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (33) النساء ) ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا ترك..) (176)

2 ـ والتفاصيل بعون الله جل وعلا فى هذا الكتاب .

كتاب الميراث : الباب الأول : تشريع الميراث فى القرآن الكريم

الفصل  الثانى : مقاربة إصطلاحية : مفهوم : وصّى .

مقدمة : التوصية هى تأكيد للأمر أو الطلب أو الفرض . حين تأمر إنسانا بفعل شىء أو تنهاه عن فعل شىء ، فهذه هى الدرجة البسيطة من الأوامر والنواهى . أما حين ( توصّيه ) فهذا تأكيد وتغليظ للأمر والنهى . ولذا ترتبط الوصية وفعل ( وصّى ) و مشتقاته بالكليات الكبرى فى التشريع ، وبالأوامر النهائية ( عند الموت ). ونعطى التفصيل :  

أولا : الوصايا أثناء الحياة :

1 ـ الأوامر الالهية فى كل الرسالات السماوية : تمّ إجمالها وإختصارها فى قوله جل وعلا : ( شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ )(13) الشورى). فالشريعة النابعة من الدين الالهى الذى نزلت به كل الرسالات السماوية تتلخّص فى شيئين : إقامة الدين ، وعدم التفرق فى الدين . والشرح يطول . فكل الأنبياء من نوح الى ابرهيم وموسى وعيسى وخاتم النبيين تتفق شرائعهم فى إقامة الدين ( إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وتطبيق العدل والاحسان وكل الأوامر الالهية ) وألا يتفرق المؤمنون شيعا وأحزابا ، لأن التفرق فى الدين يعنى تأسيس ديانات أرضية وإختراع أحاديث بوحى كاذب . هذه الشريعة المشتركة قد أوصى الله جل وعلا بها كل الأنبياء . لم يقل جل وعلا (أمر ــ  أمرنا ) بل ( وصّى ) ( وصّينا ) . هذا يوضح لنا الفرق بين ( الأمر والنهى ) وبين ( التوصية )  

2 ـ ونحو ذلك فى الايجاز والإعجاز ودقّة التعبير قوله جل وعلا :( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ ) النساء 131 ). الشرح القرآنى لهذا المقطع من الآية الكريمة يحتاج الى مراجعة الأمر بالتقوى فى قصص الأنبياء فى القرآن الكريم وفى خطابه جل وعلا للمؤمنين ولخاتم النبيين ، ومعانى التقوى وجزاء المتقين . كل هذا تم تركيزه وتلخيصه فى أن الله جل وعلا ( وصّانا ) نحن وأهل الكتاب بالتقوى . لم يقل جل وعلا ( ولقد أمرنا الذين أوقوا الكتاب وإياكم بالتقوى ) لأن الأوامر تكاثفت وتكاثرت ، فجاء التأكيد عنها بالتوصية .

3 ـ وتكررت الأوامر والنواهى  لنا  بلا اله إلا الله والاحسان للوالدين وعدم القتل وعدم الاقتراب من الفواحش وعدم الاقتراب من مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن والوفاء بالكيل والميزان والعدل فى القول والوفاء بالعهد والتمسك بالكتاب وحده . جاء هذا مركّزا ومؤكدا فى ( الوصايا العشر )  فى الرسالة الخاتمة، يقول جل وعلا  :( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)الانعام ). هذه الأوامر والنواهى التى تكررت فى القرآن الكريم جاء هنا تكثيفها وتأكيدها فى ثلاث آيات ، تنتهى كل آية بالتوصية :( ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)) (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)) (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)).

 ثانيا : الوصية عند الموت :

مطلوب من الانسان وهى يسعى فى الأرض أن يطبّق هذه الوصايا فى حياته . ثم مطلوب منه عند الاحتضار أن يوصّى قبل الموت . ولأنها الأوامر الأخيرة والنهائية التى يقولها فهى هنا ليست مجرد أوامر بل ( وصايا ) . وهذه الوصايا نوعان : وصية وعظية ، ووصية مالية .

1 ـ الوصية الوعظية بالدين الحقّ : عند موت ابراهيم عليه السلام إجتمع  عند فراشه ابناؤه فأوصاهم . وعند موت يعقوب إجتمع عند فراشه أبناؤه فأوصاهم . وكانت وصية يعقوب هى نفس وصية جده ابراهيم عليهم السلام . يقول جل وعلا :( وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) البقرة ). كلاهما أوصى أولاده بالتمسك بالاسلام . يعقوب عليه السلام فى وصيته لأبنائه وهو يحتضر سألهم عن الاله الذى سيعبدونه ، فأجابوه بما أحبّ أن يسمع : ( أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) البقرة ). قيل هذا ليس باللغة العربية ولكن باللغة المتعارف عليها وقتئذ . فكل الرسالات السماوية نزلت بالاسلام ، ولكن كل رسالة نطقت بلسان كل رسول وقومه : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) (4) ابراهيم ). فلكى ( يبيّن ) لهم لا بد أن يكون منهم متكلما بلسانهم . وبهذا فكل الوصايا فى كل رسالة ولكل رسول كانت بلسان القوم . يستحيل عقلا أن يأتى رسول يكلم قومه بغير لسانهم . ومطلوب من المؤمن عند الاحتضار أن يوصى أهله وأولاده بالتمسك بالاسلام الحق ، وأن يعظهم ويوصيهم بالتقوى والأخلاق الاسلامية السامية .

2 ـ الوصية الخاصة بالتركة: ومفروض عليه ايضا أن يوصّى بجزء من ماله للوالدين والأقربين ، تنفيذا لقوله جل وعلا : ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) البقرة ).

وهذا الفرض بالوصية المالية واجب حين يحتضر المؤمن فى السفر والغُربة بعيدا عن الأهل . وعندها لا بد أن يودع وصيته لدى شاهدين ، يقومان بتوصيل الشهادة للأهل تحت رقابة السلطة الاجتماعية : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنْ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنْ الآثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَمِنْ الظَّالِمِينَ (107) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108) المائدة ). مفهوم هنا وجوب الوصية المالية فى كل الأحوال عند الموت .

3 ـ ولارتباطها بالميراث فقد تخللت الوصية تشريعات الميراث ، كما جاء الأمر التشريعى بالميراث بصيغة التوصية دلالة على التأكيد على الأمر . يقول جل وعلا : ( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ )(11) ( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)( النساء ).

لخطورة تشريع الميراث لم يقل جل وعلا ( يأمركم الله ) بل قال فى بداية التشريع بتوزيع التركة:( يُوصِيكُمْ اللَّهُ ).وفى نهاية التشريع لم يقل ( أمر من الله ) بل قال جل وعلا : (وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ). وقبل توزيع الميراث فقد  أوجب الله جل وعلا تنفيذ وصية المتوفى قبل توزيع التركة : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ  ) (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) ) (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ).

4 ـ وبصيغة ( الوصية ) أوجب رب العزة على من يحضره الموت أن يوصى لزوجته بأن تبقى فى البيت عاما بلا إخراج . هذا بالاضافة الى حقها فى التركة . فإذا خرجت من البيت قبل العام تريد الزواج فلا حرج عليها . يقول جل وعلا فى مُتعة الأرملة : ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) البقرة ). ثم يقول جل وعلا بعدها عن مُتعة المطلقة : ( وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) البقرة ).

ودائما : صدق الله العظيم .

كتاب الميراث : الباب الأول : تشريع الميراث فى القرآن الكريم

الفصل  الثالث : التقوى المقصد الأسمى لتشريع الميراث فى القرآن الكريم

من الحياة :

1 ـ أعرف شيخا أزهريا سلفيا ، كان الأخ الوحيد لأخواته البنات ، ورثن معه قطعة أرض ومنزلا واسعا . بذل كل وسعه حتى حرم اخواته البنات من معظم إرثهنّ . إشترى حقوقهن فى الأرض بثمن بخس . هذا مع إنه هو الذى كان محل الرعاية من والديه وأخواته . ثم بعدها مات فجأة ورحل  يحمل ظلمه لأرحامه .

2 ـ أعرف شيخا معلما فى التعليم الأزهرى أكل حقوق أخيه الأصغر وميراثه من أبيهما فى حياة هذا الأخ الأصغر الذى لم يكن يجرؤ على مناقشة أخيه . تزوج هذا الأخ الأصغر ثلاث مرات وفشل فى زواجه بسبب تحكم أخيه الأكبر فى حياته . وأنجب من كل زوجة بنتا ، ثم مات  تاركا ثلاث بنات يتامى . وإستحوذ الأخ الأكبر على التركة كلها . وكانت حياته فى حب أولاده ، وقرر أن يوزع عليهم أمواله فى حياته بما فيها الأرض الزراعية ليضمن عدم تنازعهم مع بعضهم ، وحتى يقطع الطريق على أى أمل لبنات أخيه اليتامى فى حق أبيهن الضائع . أتذكر أننى نصحته ووعظته فرفض النصيحة . ثم حدث أن تمرد عليه إبنه الأصغر وتطاول عليه ، وامتدت يد الابن على أبيه بالضرب . أفاق هذا الشيخ المعلم الأزهرى ، وهو يقارن بين أخيه الشقيق الذى كان لا يجرؤ على مناقشته وينكّس رأسه فى حضرته توقيرا له و بين إبنه الأصغر الذى ( ضربه وأهانه ) فى شيخوخته . قرر أن يتوب ، وفعلا قام بكتابة عقود بيع لبنات أخيه اليتامى أعطى بها لهن حقوقهن فى الأرض وفى البيت طبقا للشرع الالهى فى الميراث ، وسلّم كل بنت حقها فى حياته . ومات راضيا سعيدا .

3 ـ شيخ آخر سلفى كان واعظا مرموقا ، وإشتهر بالبكاء وهو يقرأ القرآن  إماما فى الصلاة . بسبب شهرته بالصلاح والتدين الظاهرى تم إختياره وصيا على طفل يتيم ثرى . قبل ان يبلغ اليتيم ويتجهّز ليتسلم ثروته كان الشيخ الواعظ  قد اضاع معظمها ، وباسلوب نصّاب محترف حوّل ميراث اليتيم الى رصيده البنكى . وظل هذا الشيخ يعظ ويبكى، وقد كتبت عنه مقالا فى التسعينيات بعنوان(الشيطان يعظ ).

4 ـ دعنا نتخيل تاريخ جوهرة ثمينة . منذ العثور عليها ويتنازع الناس حولها ويتقاتلون ، والذى يستحوذ عليها يظل فى دفاع عنها ليرثها أبناؤه من بعده ، وتظل الجوهرة بحالها تنتقل من شخص الى شخص ، يرثها هذا عن ذاك ، وتتنقل من هذا الى ذاك ، ويموت هذا تاركا إياها لذاك ، ويظل التصارع حولها ، ويظل توارثها ، وهى بحالها .. لم يفكر أحدهم فى جدوى هذا الصراع ..ولم يفكر أحدهم أنه سيموت تاركا تلك الجوهرة . بالضبط كما لم يفكر الحريصون على وراثة قطعة الأرض الزراعية أن تلك الأرض الزراعية هى هى من آلاف السنين ، يتنازع على وراثتها اشخاص من كل جيل ، ثم يموت الوارث ، بعد الوارث ، ويتحول الى تراب مدفون داخل تلك الأرض  ، يأتى أحدهم لا يتعظ بمن سبقه ، ويموت، وهكذا ، تبقى الأرض يتصارعون حولها ثم يموتون داخلها ، ويستمر التنازع مع الظلم واكل الميراث بالباطل .

5 ـ نفس الحال فى المناصب ووراثة الحكم . الذى يصل الى الكرسى يتمسك به فى لوثة عقلية غير مفهومة . تتعلق مؤخرته بالكرسى ويناضل لكى يحتفظ به حتى الموت . لا يدرك أن هذا الكرسى  ( لو دام لغيره ما وصل اليه ). وهكذا العمارات والبيوت والأراضى الزراعية .. كل هذه ( الأعراض ) الدنيوية لا تدوم لأحد . ومن الحُمق أن يدخل الفرد منا الجحيم خالدا مخلدا بسبب هذا المتاع الزائل . هذا المتاع الزائل سيترك الانسان بالخسارة ، وسيتركه الانسان بالموت . فى كل الأحوال هو متاع زائل . فهل يساوى أن ندفع من أجله خلودا فى الجحيم ؟.هنا نتذكر قوله جل وعلا :( وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)  آل عمران ).

بين صلة الرحم وأكل أموال الورثة .

1 ـ الظلم فظيع ،ولكن أفظع أنواع الظلم هو الذى يأتى من أقرب الناس ؛ من الأخ الأكبر حين يأكل ميراث إخوته الصغار ، والأخ القوى حين يأكل حق أخته الضعيفة . وهذا الظلم الفظيع هو الشائع بين المسلمين ، وقد أسميته فى مقال سبق بثقافة العبيد . ومن ملامحها أنه قلّما تأخذ البنت حقها فى الميراث ، وقلما يعدل الأخ الأكبر ويرضى بالتساوى مع أخوته الذكور الأصغر منه ، وان يعطى أخواته البنات حقوقهن .

2 ـ و فى الوقت الذى يُفترض فيه إسلاميا الإحسان الى ذوى القربى فإن الأقرب من مستحقى الميراث يتعرضون لسلب الحقوق فى الميراث . إنّ الاحسان الى ذوى القربى يعنى أن تعطيهم حقا لهم من ثروتك الشخصية ودخلك الشهرى والسنوى . إن الله جل وعلا يأمر بالاحسان للوالدين وذوى القربى : ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ )(36) النساء ) ، ويأمر بأن يأخذوا حقوقهم من مالك ورزقك ودخلك ونتاج عرقك وتعبك : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) النحل ) ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26) الاسراء )( فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (38) الروم )، ويقول جل وعلا عن حقوقهم فى الصدقة الفردية : ( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) البقرة ) . هذه ( حقوق ) لهم فى مالك وواجب أن تعطيهم حقوقهم من مالك، فكيف بك تأكل أموالهم المستحقة لهم فى الميراث ؟. إنّ السائد لدى المسلمين فى ( أكل ) حقوق ذوى القربى فى الميراث يتناقض كليا مع الأمر الالهى بالاحسان اليهم وإعطائهم حقوقهم فى دخل المؤمن وثروته التى يكتسبها .

كفى بالموت واعظا

الميراث يعنى أن تأخذ مالا من ثروة شخص مات تربطك به قرابة وثيقة ، أى كنت تعايشه وتعرفه ، وترى سعيه وحرصه على جمع المال ، ثم تراه وقد مات أمام عينيك وغاب ولم يعد فى الدنيا ، تاركا لك ولأقاربه المال الذى أرهق نفسه فى جمعه ورعايته . العاقل يعتبر بالموت ، ويراه فيه واعظا ، ويتحقق  نفسه ميتا إن آجلا أو عاجلا . وهو حين يرث الميت يتيقن أنه نفسه سيموت تاركا ثروته للآخرين ، أى إنه ( وارث ) اليوم و ( موروث ) غدا ، وسيخرج من الدنيا بكفن بلا جيوب . أى عليه أن يتعظ بالموت الآتى حتما والذى لا مفرّ منه ، وأن يعمل لما بعد الموت ، حيث يوم الحساب والخلود فى الجنة أو الخلود فى النار . وكل عذاب الدنيا لا يساوى دقيقة فى عذاب الجحيم ، وكل متاع الدنيا لا يُقارن بلحظة نعيم فى الجنة . فكيف بالخلود هنا أو هناك .. عند عذاب الآخرة سيتمنى الظالم أن يفتدى نفسه بكل ما فى الأرض لو كان يملك هذا ، ولن يكون للظالم وقتها سوى الندم : (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )(47) الزمر).

آيات التقوى فى تشريع الميراث

بهذا نتعرف على أهمية التقوى ، فهى المقصد الأعظم فى العقيدة والايمان القلبى والعبادات ( أى حق الله جل وعلا علينا ) . والتقوى ايضا هى المقصد الأساس فى حقوق الناس ، ومنها الميراث . وبغياب التقوى لا يمكن تطبيق شريعة الميراث بالعدل والاحسان كما أمر رب العزة . ومن أجل هذا يأتى تشريع الميراث محمّلا بالوعظ بالتقوى والترهيب من النار . ونأخذ أمثلة :

1 ـ نرجع للشيخ الواعظ البكّاء الوصى الذى أكل ميراث اليتيم ، ونقرأ قوله جل وعلا : ( وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً (6) النساء ). هنا الله جل وعلا هو الحسيب ، وكفى به جل وعلا حسيبا . ولو نجح الشيخ الواعظ فى خداع ( المجلس الحسبى ) فلن ينجو من الله جل وعلا الحسيب على كل شىء والرقيب على كل شىء. 

2 ـ والذى يقترب منه الموت وله ذرية من الصغار يخاف عليهم ، فعليه أن يتقى الله جل وعلا ليحفظ الله جل وعلا  ذريته بعد موته :( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (9) النساء ). وقد حفظ الله جل وعلا  كنزا لرجل صالح ليكون الكنز للغلامين ورثة ذلك الرجل الصالح عند بلوغهما : ( وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي )(82) الكهف )

3 ـ وفى تحذير شديد لمن يأكل أموات اليتامى ظلما ، جاء ضمن تشريع الميراث قوله جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (10) النساء ) من منكم يرضى أن يظل يأكل فى بطنه نارا ويصلى سعيرا ؟

4 ـ وسيكون فى هذا السعير يأكل النار فى بطنه خالدا مخلدا . ففى نهاية تشريع الميراث يقول جل وعلا: ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14) النساء ). هنا الخلود فى النار سيكون لبلايين ( المسلمين ) الذين تعدُّوا حدود الله جل وعلا وأكلوا حقوق الورثة . أى إن أكل حقوق الورثة يساوى الكُفر بالله جل وعلا ، لأن مصير الكافر الخلود فى النار أيضا . أى إن كل صلاتك وصيامك ونسكك وحجّك وصدقاتك ستضيع هباءا وستدخل النار خالدا مخلدا فيها لو أكلت حق الورثة . 

5 ـ بقى أن نعلم أن حقوق الورثة تشمل كل قرش وكل درهم وكل ذرة حق . يقول جل وعلا : (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7) النساء ) . يعنى الحق فى التركة يشمل كل صغيرة وكبيرة ، مما قلّ منه أو كثر، نصيبا مفروضا ..يعنى لو كانت التركة خمسين جنيها فلا بد من أن تأخذ فيها النساء مستحقات حقوقهن ولو بضع جنيهات . لا فارق بين خمسين جنيها وخمسين مليار جنيه . نحن لا نتحدث هنا عن مقدار التركة ، ولكن عن ( حدود الله ) أو تشريعات الله جل وعلا ، ومن يتعدّاها فهو خالد فى النار ، مهما صغُر مقدار التركة ومهما طالت اللحية وتعاظمت الزبيبة .!.

6 ـ وقبل أن نتعمّق فى تشريعات الميراث يجب القول بأن تطبيقها فى واقع المسلمين ضئيل جدا .. لأن التقوى غائبة فى قلوب المسلمين ، فقد أضاعتها وحلّ محلها الايمان باساطير الشفاعة ، وطالما يعتقدون فى شفاعة النبى ويضمنون بها الجنة مقدما فإن الظلم هو السائد . واقرب الناس اليك هم أكثرهم تعرضا لظلمك ..وبدلا من أن تجد الأخت الحماية والشهامة من أخيها تراه يأكل حقها فى الميراث بلا خجل ، بل ويرى المجتمع الفاسد يؤيده ويرى ذلك حقا له .

من هنا فالتقوى هى المقصد من تشريعات الميراث ، وبدونها لا يرث المسلمون إلا ظلما متداولا ، جيلا بعد جيل ، يأكل القوى الضعيف داخل الأسرة الواحدة ، حتى لو كان الضعيف طفلة يتيمة مكسورة الجناح . لقد ( ورثوا الكتاب ) ولكن إتّخذوه مهجورا ، ومنها تشريعاته فى الميراث . فبرغم المكتوب عن الميراث فى عشرات الألوف من الصفحات فى الفقه السّنى فلا تجد إشارة الى التقوى ، المقصد الأسمى للتشريع فى الميراث وغيره .

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلىّ العظيم .

 الباب الأول : تشريع الميراث فى القرآن الكريم

الفصل  الرابع : العدل فى تشريع الميراث : بين العدل والمساواة

مقدمة :

1 ـ التشريعات فى الاسلام لها مقاصد وقواعد وأوامر ، الأوامر تخضع للقواعد ، والقواعد تخضع للمقاصد . وقد شرحنا هذا من قبل فى بحث عن الاسلام دين السلام ، والتأويل وغيرهما .  ويتجلى القسط أو العدل فى الدرجات الثلاث للتشريع الاسلامى . فالقسط هو المقصد أو سبب إنزال الرسالات السماوية ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ )(25)( الحديد ) . والعدل أو القسط أساس فى قواعد التشريع ، ومنها تشريع الميراث تحت مصطلح ( المعروف ) أى المتعارف على أنه عدل وحق ، وأيضا فقد جاء ( الأمر ) بالعدل والقسط  ضمن الأوامر والوصايا ، كقوله جل وعلا : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) ( النحل ) (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) ( الأنعام ).

2 ـ ونعرض للعدل أو القسط هنا فيما يخص تشريع الميراث من زوايا مختلفة . نبدؤها بإشكالية العدل والمساوة فى تشريع الميراث .

أولا : المساواة المطلقة ظُلم

 المساوة المطلقة ظُلم واضح . لا بد من إقتران المساواة بالعدل . تخيل فصلا دراسيا به 50 تلميذا . وقد قرّر المدرس المساواة المطلقة بينهم فى درجات الامتحان ، لا فارق بين ناجح متفوق وبليد راسب .هذا ظلم واضح .  أتذكر أنه أثناء عملى مدرسا فى جامعة الأزهر ، وفى الامتحانات كنت أشارك فى الكونترول كالعادة . وكان معنا زميل مدرس لمادة التفسير يرتدى العمامة والزى الأزهرى ، وكان عليه أن يصحح إجابات الطلبة في هذه المادة . وكان يستنكف من حمل كراسات الاجابات الى بيته ليصححها فى هدوء . كان يضعها امامه على المكتب وهو معنا فى حجرة الكنترول ، ويضع درجة موحدة ينجح بها كل الطلبة ، وهى  (55 ) يعنى ( مقبول ) . وفى أقل من ساعة ينتهى من التصحيح لكل الكراسات دون ان يفتح كراسة واحدة ، ودون أن يقرأ أى إجابة . وكان يفعل هذا بلا خجل . وحجته أنه يكفى أنهم جميعا ناجحون . تخيل أنك قررت التبرع بخمسن ألف جنيه لهذا الفصل الذى يضم 50 تلميذا ، وإشترطت ان يتم التوزيع بالمساواة المطلقة . ليس هذا عدلا ، فهناك تلميذ ثرى مترف سيأخذ ألف جنيه ينفقها عبثا ، بينما زميله تلميذ يعيش الفقر المُدقع يتضور جوعا ، وليس عدلا أن تساوى هذا بذاك . لا بد أن يصحب العدل المساواة . وأروع تطبيق لهذا هو تشريع الميراث للذكر والأنثى .

ثانيا : بين المساواة والعدل ( الذكر والأنثى ) فى التشريع الاسلامى عموما

1 ـ تأتى المساواة فى الأوامر التشريعية وقواعدها ومقاصدها ، فكل فرد ذكرا وأُنثى مأمور بالتقوى والعبادات والفرائض والتمسك بالقيم العليا .. وتاتى المساواة المطلقة بالعدل المطلق يوم القيامة ، وتكررت الحقيقة القرآنية تؤكد ان من يعمل صالحا من ذكر أو أُنثى وهو مؤمن فله الجنة . ويأتى التعبير عن المساواة بين الذكر والأنثى فى الخطاب التشريعى بألفاظ ( يا أيها الناس ) ( يا أيها الذين آمنوا ) ( يا بنى آدم )..الخ لتشمل الذكور والإناث معا .

2 ـ ولكن يختلف الحال فى الحقوق كالميراث . فالمساواة المطلقة تحوى ظلما ، لذا يكون العدل هو الأساس.

ثالثا : بين المساواة والعدل ( الذكر والأنثى ) فى تشريع الميراث

1 ـ حين نزل القرآن الكريم كانت المرأة سلعة ، وإستمرت هذه النظرة الدونية للمرأة فى أوربا العصور الوسطى ، وألغى الدين السّنى الحنبلى العدل الاسلامى الذى شمل المرأة ، حين أعطاها حقوقها وسط ظلمات الجاهلية العربية . يكفينا هنا أن أول آية فى تشريع الميراث بدأت بتقرير حق المرأة فى الميراث شأن الرجل ، فقال جل وعلا : ( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7) النساء ). التدبر فى الآية الكريمة يوضّح خطابا للعرب المسلمين وهم فى المدينة بأحقية النساء فى الميراث شأن الرجال ، مهما قلّ الميراث أو كثُر ، وأنه حق مفروض من رب العزة جل وعلا.

2 ـ وليس منتظرا أن تتغير ثقافة الجاهلية فى نفوس الصحابة فى يوم وليلة فيما يخص النظرة الدونية للمرأة ، خصوصا وقد إعتاد العرب إعتبار المرأة سلعة يتواثونها ، فالزوج يأكل الصداق الذى دفعه لزوجته ، ومنع هذا رب العزة ، إلا أن يكون برضاها بالتنازل عن بعضه وليس جميعه : ( وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (4) النساء ). كان الأب يستفيد من تزويج إبنته بطرق شتى ، فقد كان هناك زواج الشغار أى الزواج بلا مهر ، بأن يعطى رجل إبنته الى رجل آخر مقابل أن يعطى الرجل ابنته اليه ، يتزوج كل منهما إبنة الآخر بلا مهر . وإذا كان للمرأة مهر يأكله أبوها ، يقبضه دونها وينفقه ، وكانوا يمنعونها من الزواج ، وهو ( العضل ) تبعا لمصلحتهم . نزل فى المدينة النهى عن هذا كله ، يقول جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19) النساء ). هنا الأمر بالمعروف ( أى العدل ) فى معاشرة الزوجة حتى لو كان يكرهها زوجها ، والمقابل وعد الله جل وعلا بخير كثير يأت لهذا الزوج العادل . يأتى تشريع الرحمن ينصف المرأة ويرفع عنها اوزارا . وفى هذا الإطار جاءت الموازنة بين العدل والمساواة فى تشريع الميراث .

رابعا : تجلى المساواة والعدل فى مصطلح ( الفريضة ) فى المهر وفى الميراث

1 ـ باب المواريث يُطلق عليه أيضا ( باب الفرائض ) بسبب ورود كلمة ( فريضة ) ومشتقاتها فى تشريعات الميراث ، كأن يقول جل وعلا فى أول آية :( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7) النساء ). قال هنا ( نصيبا مفروضا ) . وجاءت كلمة ( فريضة من الله ) فى قوله جل وعلا :( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ )(11) النساء ).

2 ـ ونفس المصطلح ( فريضة ) يطلقه رب العزة على المهر أو الصداق ، ويجعله أساس الزواج ، ولا جناح ولا حرج فى أى إتفاق بالتراضى بين الزوج والزوجة بعد دفع المهر أو ( الفريضة ) ، فالفريضة هى دفع المهر وجوبا وفرضا ، يقول جل وعلا  : ( وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ) (24) النساء ). ويقول جل وعلا ايضا عن المهر الواجب على المؤمنين  عند الزواج : ( قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) (50) الاحزاب ). بل يوجب رب العزة دفع المهر لملك اليمين إذا تزوجها سيدها ، أو غير سيدها ، وهى التى تقبض مهرها : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ )   (25) النساء ).

3 ـ ونفس المصطلح ( فريضة ) يطلقه رب العزة على مؤخر الصداق فى حالة الطلاق ، يقول جل وعلا : ( لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ) 236 )  ( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذ ي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) (237) البقرة ).وفى إشارة الى ( مُتعة ) المطلقة يقول جل وعلا:( وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) البقرة )، وهو أيضا حق لها بالاضافة الى المهر والمؤخر لو كان .

4 ـ وللمطلقة حق السُّكنى على زوجها ، ولها عليه حق النفقة لو كانت حاملا ، وإذا ولدت فعليه ثمن الرضاعة والنفقة والكسوة للأم وأجر المرضعة . ولومات الزوج السابق يتعلق الحق بمن يرثه . وفى تفاصيل ذلك يقول جل وعلا : ( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) البقرة )( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (7) الطلاق )

وبطبيعة الحال فالزوج هو المُكلف بالانفاق على زوجته ، وهو مسئول عن رعايتها أو القيام على رعايتها ، أو ( القوامة ) بمعنى المسئولية وليس التحكُّم : ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ  ) (34) النساء )

5 ـ تشريعات الاسلام متكاملة ، وتؤخذ جميعا بلا إنتقاء . فالفريضة فى الميراث تؤخذ مع الفريضة فى المهر وسائر حقوق المرأة فى الزواج والطلاق وما يترتب عليه من رضاعة وحضانة . إنّ للمرأة فريضة فى الميراث ولها أيضا فريضة ( على الزوج ) فى الزواج وآثاره الجانبية . وليس عدلا أن تتساوى المرأة مساواة مطلقة بالرجل فى فريضة الميراث ، وهو مثقل بفرائض نحوها كزوج ومطلّق . ونتخيل أن لك إبنا وإبنة . ( إبنك ) عليه أن يدفع مهرا ويجهز سكنا وينفق على زوجته وإذا طلقها فعليه كذا وكذا . أما ( بنتك ) فعندما تتزوج تقبض المهر وتجد من ينفق عليها ويؤسس لها منزلا ، وإذا طلقها فعليه لها كذا وكذا . هنا يكون من الظلم أن تتساوى ابنتك فى الميراث مع ابنك . ولهذا فلها نصف أخيها فى ميراثها منك . ولكن هذا لا يسرى على الوالدين ( الأب والأم ) فى ميراث ابنهما المتوفى . فالوضع هنا مختلف ، لأن حقوق الوالدين متساوية ، سواء فى الحقوق المالية فى النفقة والميراث والوصية أو فى الرعاية والاحسان اليهما . فى كل الآيات يأتى الحديث عنهما معا ( بالوالدين ) بلا تمييز للأب عن الأم أو العكس . فقد قاما بدورهما معا فى الرعاية بالأولاد حتى وصلا الى نهاية العمر ، فأصبح من حقهما على أولادهما الرعاية وسائر الحقوق المنصوص عليها فى القرآن الكريم .

خامسا : الجمع بين العدل والمساواة فى ميراث  الأبناء والوالدين  :

إذن فقاعدة (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ) ليست عامة ومطلقة . يقول جل وعلا فى ميراث الأبناء والآباء : ( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (11) النساء ). ونعطى للآية الكريمة أمثلة توضيحية :

مات رجل وترك : إبنا وبنتا : للذكر مثل حظ الأنثيين ، أى يرث ضعف البنت . لو كانت التركة 1200 جنيه مثلا : تتقسم  على 3 أسهم : الثلثان للولد والثلث للبنت : الابن 800 ، البنت 400 .

مات رجل وترك إبنا وبنتين : الابن يرث مثل نصيب البنتين .تنقسم على أربعة أسهم : للولد سهمان 600 وللبنت سهم واحد ، لكل منهما 300 .

مات رجل وترك : إبنين وبنتين : لو كانت التركة 1200 جنيه مثلا : تتقسم على 6 : البنت 200 ، الابن 400 .

مات رجل وترك بنتا واحدة فقط : لها النصف . لو كانت التركة 1200 جنيه مثلا فهى ترث 600 .

مات وترك بنتين : لهما ثلثا التركة بالتساوى بينهما : لو كانت التركة 1200 جنيه مثلا ، ترث كل بنت 400 .

مات وترك أربع بنات : لهن جميعا الثلثان بالتساوى ، أى 800 على 4 ، ونصيب البنت 200 .

مات وترك : ( أب + أم + ابن + بنت ) يرث الأب السدس ، وترث الأم السدس ، والباقى للإبن والبنت للذكر مثل حظ الأنثيين .

مات وترك ( أب + أم + بنت ) الأب له السدس ، الأم لها السدس ، البنت لها النصف

مات وترك ( أب + أم + بنتين ) : الأب السدس ، الأم السدس ، البنات : الثلثان .

مات وترك ( أب + أم فقط  وبلا أولاد وبلا أخوة ): لكل واحد من الأب والأم الثلث .

مات وترك ( اب + أم + أخ فأكثر ) وبدون أولاد : الأم السدس ، والأب السدس .

سادسا : الجمع بين العدل والمساواة فى ميراث الزوجين . يقول جل وعلا : ( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) النساء ): أمثلة توضيحية

زوجة ماتت وتركت ( زوج . وليس لها أولاد ) للزوج النصف .

زوجة ماتت وتركت ( زوج + ولد ) للزوج الربع .

زوج مات وترك زوجة وليس له أولاد ، للزوجة الربع .

زوج مات وترك زوجة وله أولاد : للزوجة الثمن .

سابعا : فى ميراث الكلالة هى عدم وجود ذرية من أولاد وبنات . وهى نوعان :

1 ـ كلالة مع وجود الزوج او الزوجة : يقول جل وعلا : ( وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) النساء ) 

أمثلة توضيحية :

مات الزوج وترك زوجة واخا أو أختا ( ولم يترك أولادا ) : الزوجة لها الربع . الأخ له السدس . الأخت لها السدس .

">  

الباب الأول : تشريع الميراث فى القرآن الكريم

الفصل  الخامس : الورثة هم فقط ( الأقربون ) وليسوا ( أولى القربى )

مقدمة :

1 ـ يتناقض التشريع السُّنى فى الميراث مع التشريع الاسلامى فى تحديد الورثة ، وهوتناقض بالاضافة والحذف . فهم يضيفون الى الورثة ما ليس منهم مثل توريث صاحب الولاء من مولاه التابع له واخترعوا لذلك حديثا يزعم أن الولاء لُحمةُّ كلُحمة النسب ، وتوريث ذوى القربى غير المذكورين فى القرآن الكريم من العصبية فى النسب كالعم وابن العم . وهم ايضا يحذفون الورثة الأُصلاء كالإبن والبنت  الأب والأم ، بزعم الاختلاف فى الوطن والاختلاف فى الحرية والعبودية و الاختلاف فى الدين تبعا لقاعدة مفتراة تقول ( لا يرث الكافر المسلم ولا يرث المسلم الكافر ) ويقولون بأن المرتد لا يرث ، وأن القاتل لا يرث القتيل .. وسنعرض لهذا التناقض فى حينه . ولكن نتوقف هنا مع حقيقة قرآنية غفلوا عنها ، وربما عرفوها وتجاهلوها طبقا لمنهجهم الذى بدأه الامام مالك فى ( الموطأ ) وتوسع فيه وفصّله الشافعى فى كتابه ( الأم ) ، وهذا المنهج هو إخضاع القرآن الكريم لما يسمونه بالسنة ، وهى ثقافة عصرهم التى سادها حينئذ الاسترقاق والموالى وتقسيم العالم الى معسكرين متحاربين (الايمان والكفر )، وقد صاغوا هذه الثقافة المنتمية للعصور الوسطى فى أحاديث مفتراة وأحكام فقهية .

2 ـ الحقيقة القرآنية التى غفلوا عنها هى التفرقة بين (الأقربين) و(أولى القربى ) فيما يخص الميراث .

أولا : الأقربون فقط هم الورثة . أما أولو القربى فليسوا من الورثة 

1 ـ يتضح الفارق بين ( الأقربين ) و ( أولو القربى ) أو ( ذوى القربى ). فالأقارب درجات ، منهم ( الأقربون ) ثم الذين يلونهم من بقية الأقارب، أو ( ذوى القربى : أولو القربى ). وهذا يتفق مع اللسان العربى فالأقرب غير القريب .

2 ـ والفارق بين ( الأقربين) و (أولى القربى ) فى موضوع الميراث يتجلى فى قوله جل وعلا :( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7)النساء ) فالميراث هنا للأقارب الأقربين . أما ( أولو القربى ) من عموم الأقارب فليس لهم حق فى الميراث ، لهم ( هبة ) أو ( عطية ) أو ( رزقة ) أو ( صدقة ) تؤخذ من التركة قبل توزيعها على الورثة ( الأقربين ) من المتوفى . يقول جل وعلا فى الآية التالية عن أولى القربى : ( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8) النساء ) . الأقارب من غير الورثة هم ( أولو القربى )،وهم كاليتامى والمساكين ، ليسوا من الورثة ، وإذا حضروا قسمة الميراث فعلى الورثة ( الأقربون ) منحهم صدقة من التركة قبل توزيع الأنصبة . وإذا لم يحضروا قبل القسمة فلا نصيب لهم . وفى كل الأحوال فلا نصيب لأولى القربى فى التركة لأنها حق للأقربين فقط .

3 ـ والتحديد القرآنى فى مصطلح ( الأقربين ) يربطه بالوالدين فى ثلاثة مواضع تخصّ موضوعنا :

3/ 1 : الميراث ، فى الآية الكريمة السابقة : ( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7). فالأقربون هم أقرب ألأقارب من ناحية الوالدين . وهم فقط الورثة.

3/ 2 : فى الوصية : ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) البقرة ) فالوصية للوالدين وأقرب الأقارب من ناحيتهما . ولا وصية خارج الوالدين والأقربين ، أى لا وصية إلا للورثة فقط ، خلافا لأُكذوبة الدين السنى القائلة :" لا وصية لوارث ". هنا الوصية للوالدين الأحياء وهم ورثة ، وللأقربين وهم ورثة . ولا وصية خارج هذا الاطار .

3/ 3 : توارث الرعاية للموالى ( الخدم والأتباع ) المرتبطين بالوالدين ، يقول جل وعلا ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (33) النساء ). بعض الناس يكون له أتباع وخدم وحاشية يكون مسئولا عنهم فى حياته ، وحين يموت فإن مسئوليتهم تنتقل الى الأبناء . فهم ممّا ( ترك الوالدان والأقربون ) ولكن ليسوا متاعا وتركة تتوراث ، بل هم مسئولية على الورثة . وهذا التشريع الاسلامى يتناقض مع التشريع السُّنى الذى يجعل العربى الذى يعطى ( الولاء ) للفرس وغيرهم من ( الموالى ) يرث  المولى التابع له ، ويجعل من حق الذى يعتق عبدا أن يرثه بعد موته .

ثانيا : من هم الأقربون :

1  ـ هم الورثة المتصلون مباشرة بالوالدين، أو هم ( الأقربون ) للوالدين. وقد جاء ذكرهم فى  تفصيلات تشريع الميراث فى آيتي سورة النساء . يقول جل وعلا :( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (11) ). هنا الوالدان والأولاد والأخوة .

2 ـ والأب والأم هما أيضا زوجان : زوج وزوجة . وجاءت الآية التالية فى ميراثهما : ( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12). الورثة هنا هم ( الزوج أو الزوجة )، الأولاد ، الأخوة .  مجموع الورثة : الأب ، الأم ، الزوج ، الزوجة ، الإبن والبنت ( الأولاد ) الأخ والأخت ( الأخوة ) . وليس معهم أحد آخر .

3 ـ هؤلاء هم الأقربون المقصودون بقوله جل وعلا : ( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7)النساء ). هذه الآية الكريمة شرحتها آيتا توزيع الميراث (11 ، 12 )، وجعل الله جل وعلا ذلك التشريع ( حدود الله ) وتوعّد من يتعداها بالخلود فى النار ، ووعد من يطيع الله ورسوله بالخلود فى الجنة :( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14) النساء ).

4 ـ ثم جاء مالك والشافعى وأئمة الدين السّنى فاعتدوا على حدود الله ، ليس فقط بعدم التطبيق بل بتأسيس تشريع مناقض ، ثم نسبته للنبى عليه السلام زورا وبُهتانا . وهذا التشريع المناقض لدين الله والذى يتعدى على حدود الله وشرع الله يتم تطبيقه حتى الآن ، و من أجله نهجر تشريع الرحمن !.

5 ـ الذى يعنينا هنا أن الله جل وعلا بدأ تشريع الميراث بتحديد الورثة ( رجالا ونساءا ) وأسماهم ( الأقربون ): :( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7)النساء )، ثم جعل لبقية الأقارب غير الورثة صدقة إذا حضروا القسمة ، واسماهم ( أولو القربى ) : ( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8) النساء ). ثم جاء بتفصيلات قسمة التركة على الأقربين فى الآيتين ( 11 ، 12 . ) وبعدهما جاء التأكيد على أن  :( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ). نحن هنا أمام تشريع إسلامى قرآنى جامع مانع ، أحاط الورثة بسور ، منع أن يُضاف اليهم أحد ، أو أن يؤخذ منهم أحد ، وأكّد على أن هذا التشريع هو حدود الله ، من يتعداها فهو خالد فى النار .

6 ـ مثل توضيحي : مات وترك : (والدين ، زوجة ، إبنا ، بنتا ، عمّا ، عمّة ، بنت أخ ، خالة ، ابن عم ، ابن خال .) لا يرث العم والعمّة ، ولا بنت الأخ ، ولا الخالة ولا ابن العم ولا ابن الخال ) هم من ذوى القربى ، أو من أولى القربى . إذا حضروا القسمة فعلى الورثة منحهم شيئا قبل القسمة ، شأنهم شأن اليتامى والمساكين . الورثة هنا هم الوالدان ( كل منهما السدس ) ( الزوجة : الثمن ) ( الإبن والبنت لهما الباقى ، للذكر مثل حظ الأنثيين ).

ثالثا : الحجب بين تشريع الرحمن وتشريع السنييّن

1 ـ أضاف السنيون مستحقين للميراث خارج حدود الله جل وعلا . مثل  العم وابن العم . وجعلوا توريثهم بالعصبية ، أو النسبة للأب فقط ، طبقا لنظام القرابة العربية القائمة على العصبية الأبوية . وهم يرثون فى حالة عدم وجود من يحجبهم ممّن يكون أقرب منهم للمتوفى . مثلا :  لو مات وترك إبنا فإن الإبن يحجب أخ المتوفى وابن اخ المتوفى وعمّ المتوفى . أمّا إذا مات وترك بنتا وزوجة وعمّا وابن عم ، فللبنت النصف وللزوجة الثمن ، والباقى يكون ـ بزعمهم ـ من حق العمّ الذى يحجب ابن العم لأن العمّ أقرب . ووقع السنيون فى مشكلة توريث الجدّ فهل يرث مع وجود الأب أم لا . ووقعوا فى مشاكل أخرى إختلفوا كالعادة فى حُكمها .

2 ـ أما فى تشريع الرحمن الذى يقصر الورثة على الأقربين فقط فإن الحجب يختلف . فالابن يحجب أخ المتوفى وأخت المتوفى . لأنّ الابن هنا هو ( الأقرب ) ويصبح ( الأخ ) للمتوفى من أولى القربى وليس الأقرب . والأب يحجب الجد لأنه الأقرب لإبنه المتوفى ، ويكون الجد ضمن أولى القربى الذين لا يرثون . أما فى حالة الكلالة ـ أى عدم وجود الأولاد ـ فإن الأخ يصبح الأقرب ويرث . وكذلك الأخت . مثلا : مات وترك ( أب + جد + أخ + ابن ) لا يرث الجد لأنه محجوب بالوالد الأب ، ولا يرث أخ المتوفى لأنه محجوب بابن المتوفى . يأخذ الأب السدس ، ويأخذ الابن الباقى . أمّا إذا مات بلا ذرية وترك  أخا فقط فله السدس ، وأن ترك أختا فقط فلها السدس ، وإن ترك أخا وأختا أوأكثر فهم شركاء فى الثلث : (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ). بعدم وجود الابن يصبح الأخ والأخت الأقربين للمتوفى .

رابعا : أولو القربى فى القرآن خارج تشريع الميراث

1 ـ ورد ذكر بعض الأقارب من الدرجتين ( الأقربون و أولو القربى ) فى تشريع المحرمات فى الزواج ، يقول جل وعلا : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً (23) ( النساء ). هنا ( الأم والبنت والأخت ) وهن يرثن ، وهنا ايضا أقارب من الدرجة الثانية لا يرثون . فالتشريع يختلف حسب الموضوع .

2 ـ ونفس الحال فى النظر لزينة المرأة : ( وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) النور) . هنا الورثة هم ( الزوج و الأب والابن والأخ ) وهنا ايضا أقارب لا يرثون .فالتشريع هنا يختلف . ومثله يقول جل وعلا عن أقارب أزواج النبى : ( لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (55) الاحزاب ). المقصد أنّ رب العزة ذكر درجات مختلفة فى القرابة منها ما ينتمى للدرجة الأولى ( الأقربون ) ومنها ما ينتمى للدرجة الثانية ، ( اولو القربى ). وهذا بلا تفرقة بين الدرجتين لأن الأمر يتعلق بموضوع مختلف ( المحرمات فى الزواج ، والمباح فى النظر لزينة المرأة عموما ، وفى الدخول لبيوت النبى فى تشريع خاص بوقته ).

3 ـ بمناسبة التشريع الخاص بالنبى عليه السلام فقد أباح الله جل وعلا له أن يتزوج بالهبة بلا مهر ، ثم حرّم عليه بعدها أن يتزوج أو أن يستبدل : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (50) الاحزاب )( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (52) الأحزاب ). يهمنا هنا ذكر بنات العم وبنات العمّات وبنات الخال وبنات الخالات . وهن مذكورات هنا فى موضوع مختلف . شأن الموضوعات السابقة .

أخيرا :

ولكن التدبر فى قوله جل وعلا: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ ) يشير الى حقيقة تاريخية مجهولة ، وهى أن النبى عليه السلام تزوج بعد الهجرة من بنات عمّه وبنات عمّاته وبنات خاله وبنات خالاته . ودفع مهورهن . ثم أبيح له زواج الهبة بلا صداق ، ثم تم إلغاء ذلك بالمنع من الزواج والابقاء على الوضع القائم . الحقيقة التاريخية هنا أن هذا يتناقض مع ما كتبه ابن اسحاق فى السيرة عن زوجات النبى . ولقد آمن المسلمون بما كتبه ابن اسحاق فى السيرة وتداولوه وبنوا عليه منذ العصر العباسى الأول حتى الآن ، ونسوا القصص الحقيقى للنبى عليه السلام فى القرآن الكريم .

الباب الأول : تشريع الميراث فى القرآن الكريم

الفصل  السادس : لمحة عن المعروف وتطبيق الشريعة الاسلامية

أولا : مفهوم المعروف

1 ـ هو نقيض المنكر ، ونفهم هذا من فريضة ( الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ) التى تكررت فى القرآن الكريم فى السور المكية والمدنية :( يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (17) لقمان ) ، ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (104) ،( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) آل عمران )

2 ـ المعروف بمعنى العدل والاحسان ونقيض الفحشاء والمنكر والبغى جاء فى قوله جل وعلا :( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) النحل ). وتشريع الميراث متضمن هنا إذ يقوم على العدل والاحسان وإيتاء ذى القربى ، ومن يخالفه يقع فى المنكر والبغى,

3 ـ  المعروف هو نقيض الظلم : ومصطلح ( الظلم ) ورد كثيرا فى القرآن ، ليؤكد على أن الله جل وعلا لا يريد ظلما للناس  (آل عمران 108 )( غافر 31 ).ويصف جل وعلا من يتعدى حدوده وتشريعاته بالظلم :( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (229)البقرة )، وتشريعات الميراث من حدود الله جل وعلا ، ومن يتعداها فهو خالد فى النار يوم القيامة : ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) النساء 13  14 ).

والظلم قرين للكفر:( وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ (254) البقرة ). والذى يختار الظلم مصمما عليه لا يمكن أن يهديه الله جل وعلا :(البقرة  258) (آل عمران 86 )( المائدة 51)( الانعام 144 )(التوبة 19، 109 ) ( القصص 50 )( الاحقاف 10 )( الصف 7 )( الجمعة 5 ). والله جل وعلا لا يحب الظالمين: ( آل عمران (57) ( 140 )( الشورى 40). والظالمون ملعونون يوم القيامة ( الأعراف 44 : 45 ) ( هود 19 )

 ولأن العدل هو أساس الحكم فى الاسلام : ( وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ )(58)( النساء )، ولأن تشريعات الرحمن أساسها العدل فإن من لم يحكم بها ويطبقها يكون كافرا فاسقا ظالما :( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ (44)  ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (45) ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (47) المائدة ). ومن العجيب أن شريعة الدين السّنى مؤسسة على الظلم ، ثم هم يستشهدون بالآيات الكريمة السابقة يزعمون أن شريعتهم ( إسلامية ) بينما هى فى مبناها قائمة على الافتراء على الله جل وعلا ورسوله . وقد وصم رب العزة من يفترى على الله كذبا ويكذّب بآياته بأنه أظلم الناس ، وأنه لا يفلح أبدا يوم القيامة : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) الانعام ). وبعد هذا لا يزال الناس غافلين عن حقيقة أولئك الظالمين المفترين ، ولا يزالو ينسبونهم للاسلام ، ويطلقون عليهم ( إسلاميين ) ..ونستغفر الله العظيم .

إنّ المعروف ( العدل ) هو نقيض الظلم . وعن الظلم والصلة بالميراث يقول جل وعلا :( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (10) النساء ). فالذى يأكل مال اليتيم هو ظالم وسيصلى سعيرا .

ثانيا : أنواع المعروف

1 ـ  المعروف القولى : إذا لم تُعط السائل صدقة فعلى الأقل قُل له قولا معروفا حسنا ، فهذا خير من أن تعطيه ثم تمنّ عليه وتؤذيه : ( قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) البقرة ). وأمر الله جل وعلا نساء النبى أن يتحدثن بجدية خالية من الأنوثة ، وأن يقلن قولا معروفا :( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (32) الاحزاب ). ودعا جل وعلا المنافقين بأن الأولى لهم الطاعة وقول المعروف : (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ (21) محمد ).

والمعروف القولى له صلة بالميراث ، فأمر رب العزة أن يُقال لأولى القربى قول معروف حين التصدق عليهم إذا حضروا القسمة : ( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8) النساء ) أى يأخذون الصدقة من التركة مشفوعة بقول معروف ، دون منّ أو أذى . ونفس الحال مع الوريث السفيه ، يأخذ مرتبا وكسوة من دخل أمواله مع القول الحسن : ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (5) النساء )

2 ـ وهناك ( فعل المعروف) أى التصرف بالعدل والخير والاحسان ، مثل معاملة الوالدين  بإحسان ، وحتى لو صمّما على إضلال الابن ، فعلى الإبن أن يصاحبهما بمعروف وإحسان ، مع تمسكه بالهداية : ( وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15) لقمان ). ومن ( فعل المعروف ) الأمر بالصدقة والاصلاح بين الناس والأمر بالعدل والحق ، حتى لو كان هذا سرّا وبالنجوى بين شخصين وأكثر : ( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (114) النساء ) . وعن ( فعل المعروف ) للأنصار والأولياء والأتباع يقول جل وعلا : ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً (6) الاحزاب )

3 ـ والله جل وعلا يُلخّص كل أوامر الاسلام فى كلمة ( المعروف ) ، فمن ضمن بنود العهد والمبايعة على إقامة الدولة جاء فيما يخص النساء فى الطاعة لأوامر الرحمن : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) الممتحنة ). (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) يعنى إن الطاعة  لولى الأمر مقيدة بالأوامر الالهية ( المعروف ) وليست طاعة لشخصه ، فلا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق جل وعلا ، حتى لو كان هذا المخلوق هو النبى عليه السلام .

ثالثا :المعروف من المقاصد الى القواعد والتطبيق

1 ـ قلنا إن العدل من مقاصد وأهداف التشريع ( تحت مصطلح القسط ) ، وهو أساس قواعد التشريع ، وتطبيقه تحت مصطلح ( المعروف ) ، ثم هو من الوصايا العشر وضمن أوامر التشريع تحت مصطلح ( العدل ) ومشتقاته .

2 ـ وفى السور المكية كان التركيز على نقاء العقيدة ( لا اله إلا الله ) وسمو الأخلاق ، فجاءت التشريعات موجزة وبالعموميات ومرتبطة بأنه لا اله الا الله ، كالوصايا العشر فى سورة الأنعام ( 151 : 153 )،  والأوامر التشريعية والأخلاقية فى سور الاسراء ( 22 : 39 )، والفرقان ( 63 ـ  ) ولقمان ( 13 : 19 ) والشورى(   36 : 43 ). ثم تأسست للنبى عليه السلام دولة فى المدينة ، فنزلت تفصيلات التشريعات مرتبطة بتطبيقها ، فكثر إستعمال مصطلح ( المعروف ) مرجعية لتطبيق التشريعات بالعدل .

3 ـ  إن للمعروف ( أى العدل ) دخلا فى جانب التشريع النظرى لأن التشريعات الاسلامية القرآنية تركت جانبا واسعا للتشريع البشرى بشرط أن يخضع لمقاصد التشريع وأن يصدر فى دولة الشورى الاسلامية ( التى تعنى الديمقراطية المباشرة ) وتحقق ( المعروف ) أى المتعارف على أنه ( حق وعدل وتيسير ورحمة وخير وإحسان ) والتى تبتعد عن ( الظلم والبغى والفحشاء والمنكر ). أى إن المعروف يدخل فى المجال التشريعى ، فى سنّ القوانين فى الإطار الاسلامى المشار اليه ، كما يدخل فى المجال التطبيقى سواء للتشريعات القرآنية أو فى التشريعات البشرية التى تسنّها الدولة الاسلامية فى إطار مقاصد وقواعد وتنفيذ الأوامر التشريعية القرآنية .

رابعا : نماذج لتطبيق للمعروف خارج الميراث :

1 ـ تقوم الدولة فى الاسلام على أساس عقد أو بيعة بين الأفراد جميعا رجالا ونساء وبين المُختارين لتأسيس هذه الدولة . ومن بنود هذه البيعة الطاعة فى تنفيذ المعروف ، أو كما قال جل وعلا ( وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) 12 الممتحنة ). وكان هذا من أوائل ما نزل فى المدينة . وبعدها توالت آيات التشريع يتخللها مصطلح ( المعروف ) للتأكيد على أن يكون التطبيق بالمتعارف على أنه عدل وخير .  وقد يحتاج التطبيق ذاته الى قانون أو ( لائحة تنفيذية ). ونعطى لذلك أمثلة :

2 ـ فى تشريع الدية بديلا عن القصاص ، يقول جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) البقرة ) هنا لا بد من لائحة تنفيذية تُحدّد مقدار أو مقادير الدية وكيفية أدائها ، ثم سنّ قانون بعقوبة من يعتدى بعد ذلك ، سواء من أهل القتيل بعد أخذ الدية أو من جانب القاتل نفسه بعد دفعه الدية .

 3 ـ فى تشريع الطلاق لا بد من إشراف السلطة الاجتماعية ، أى لا بد من شاهدى عدل عند بدء الطلاق ، ويراقبان معاملة الزوج لمطلقته أثناء إقامتها فى بيت الزوجية فترة العدة ، والتأكيد على عدم طردها من بيتها طيلة العدة إلا إذا وقغت فى جريمة الزنا وكانت مثبتة عليها ، فإذا تصالحا وقت العدة انتهى موضوع الطلاق ، فإذا انتهت العدة بلا صلح بينهما وجاء وقت خروجها من بيتها يحضر الشاهدان ، ليراجعا الزوج فإن إستبقاها واتفقا على إعادة الحياة الزوجية الى مجاريها انتهى موضوع الطلاق وأصبحت زوجته ، ولكن تُحسب عليه  طلقة . وعلى الشاهدين التأكُّد من انه يعاملها بالمعروف والعدل والاحسان فى فترة العدة ، وانه حين ( يُسرحها ) بالاتفاق التام بخروجها النهائى من بيته أن يكون ذلك بالمعروف والاحسان ، وأنه حين يتمسك بها فلا بد من التأكد انه يُمسكها بمعروف وإحسان وليس للإضرار بها . الدولة مُمثّلة فى السلطة القضائية أو الاجتماعية المختصة عليها تطبيق هذا ، وأن تضع له قوانين تفصيلية أو مذكرات تفسيرية . يقول جل وعلا :  ( يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (1) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2 الطلاق ) ( وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) البقرة )

ويلاحظ هنا أن المعروف جاء مرادفا للإحسان ، يظهر هذا فى المقارنة بين آيتى سورة الطلاق البقرة : ( الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ  ) (229) البقرة ) (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) ( الطلاق ).

3 ـ ولا بد من إصدار قانون يمنع الأهل والزوج السابق من ( عضل المرأة ) أى منعها من الزواج ، إذا كانت مطلقة ، تطبيقا لقوله جل وعلا : ( وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (232) البقرة( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) (19) النساء ) أو إذا كانت أرملة  : ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) البقرة ) .

الباب الأول : تشريع الميراث فى القرآن الكريم

الفصل  السابع : تطبيق المعروف فى تشريع الوصية والميراث

وقد تعرضنا بالتفصيل لتشريعات المعروف وإمكانية التشريع البشرى الواسعة فى كتاب ( نظام القضاء بين الاسلام والمسلمين ) . ونتوقف مع تطبيق المعروف فى تشريع الميراث والوصية ، ودور الدولة الاسلامية والفرد المسلم  فى تطبيق الوصية والميراث :

أولا : لمحة عن دور الدولة الاسلامية والفرد المسلم فى التطبيق للشريعة الاسلامية

1 ـ نزلت تفصيلات التشريعات  فى الميراث والأحوال الشخصية فى ظل دولة إسلامية تجتهد فى تنفيذ التشريع على أرض الواقع . وكان الخطاب التشريعى موجّها لدولة المسلمين ذات الديمقراطية المباشرة التى تجعل المجتمع هو صاحب السلطة ، والذى يمارسها من خلال جهاز متخصص ( اولى الأمر ) . كما كان الفرد المسلم مسئولا مسئولية مباشرة أمام المجتمع وأمام ربه جل وعلا فى تطبيق الشرع ، ولهذا توجّه الخطاب أيضا للفرد المسلم مباشرة بالترغيب والترهيب يعظه ويحثه على التقوى ويخوّفه من عذاب يوم القيامة . 

2 ـ مثلا ، فى الخطاب للمجتمع فى رعاية المطلقة المُرضعة يقول جل وعلا : (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) الطلاق ) الفرد المُطلّق عليه توفير السكن الملائم  لللزوجة المطلقة ، وعليه تدبير النفقة الملائمة لها وللرضيع . وتحقيق المبلغ الملائم هو وظيفة المجتمع فى إصدار تشريعات أو مذكرات تفسيرية أو لائحة تنفيذية ، والتطبيق علي أفراد يختلف وضعهم الاقتصادى والاجتماعى يستلزم تمحيصا وجلسات تقرر المبلغ على أساس العدل أو المعروف ، وهذا معنى الخطاب للمجتمع بقوله جل وعلا (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ  ).

والخطاب فى الآية التالية يتوجه مباشرة للفرد ( لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (7) الطلاق ) ، فالفرد عليه الانفاق على قدر دخله ، وهو الذى يعرف مقدار دخله، ويستطيع خداع السلطة الزمنية البشرية ، ولكنه لا يستطيع خداع رب العزة الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ، لذا يتم تذكير الفرد بالمبدأ التشريعى أنه لا يكلف الله جل وعلا نفسا إلا وسعها ، مع وعد الاهى للمُعسر بأن يجعل الله جل وعلا بعد عُسر يُسرا.

ثانيا : دور الدولة الاسلامية والفرد المسلم فى تطبيق الوصية

1 ـ وفيما يخص الوصية نجد الخطاب واضحا للمجتمع وسلطته القضائية والاجتماعية . يبدأ هذا بتوجيه مباشر للمجتمع يحرّم منح الوارث السفيه سلطة فى المال الذى يرثه ، لأنه لو تحكّم  فى المال بسفاهته سيضيع المال وسيضيع  نفسه . وطبقا للشريعة الاسلامية فإن المال هو ملك للمجتمع  أصلا ، وليس للفرد أن يتصرف  فى التركة المنقولة اليه إلا إذا أحسن القيام عليها ، وبالتالى فإذا تبين أن الوارث سفيه فإن السلطة تقيم وصيا على الوارث السفيه يستثمر تركة السفيه لصالحه وصالح المجتمع ، ويعطيه من دخل الاستثمار ما يكفي نفقته وكسوته مع معاملة حسنة بالمعروف . يقول جل وعلا : ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (5) النساء ).  

2 ـ والوارث الطفل لا بد من تعيين وصىّ عليه يحفظ ماله ، ويستثمره له . وإذا كان هذا الوصى غنيا فالأولى ألا يأخذ مرتبا من مال الوارث القاصر مقابل الوصاية عليه . أما إذا كان فقيرا فله أن يأخذ مرتبا معقولا بالعدل والمعروف . وقد يطمع بعضهم فى مال الوارث القاصر فيزعم أنه سفيه ، لذا فإن من سلطة المجتمع تعيين لجنة تختبر الوارث القاصر حين يبلغ مستوى الرجال ، أى حين يبلغ ويكون قادرا على الانجاب ، وتختبر اللجنة مدى كفاءته فى إدارة تركته ، فإذا تبينت كفاءته سلمته التركة  ، وإن تبين سفهه ظل تحت رعاية الوصىّ . يقول جل وعلا : ( وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً (6) النساء ).

المستفاد هنا الآتى : وجوب هيئة مختصة تشرف على تركة القُصّر الوارثين ، تختبر الوارث القاصر ، وهل بلغ مبلغ الرجال أم لا ، وتختار الوصى ، وتقدر إن كان يستحق مرتبا أم لا ، ومقدار المرتب ، وتراقب إستثماره للتركة ، وتقرر المرتب الذى ينفقه الوارث الصبى تحت الوصاية أو السفية الذى سيظل تحت الوصاية .

3 ـ وتقوم نفس اللجنة بمراقبة الوصية عند الموت . يقول جل وعلا فى خطاب مباشر لكل مؤمن : ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)  البقرة ) أى إن الوصية فرض وحق واجب على كل مؤمن حين يحضره الموت ويريد أن يكون تقيا يريد أن يترك خيرا خلفه بعد موته ، والوصية هى اساسا بالتعيين للوالدين الأحياء ، أو أحدهما إن كان حيا وقت وفاة الابن أو البنت . والوصية بلا تحديد للأقربين من بقية الورثة الذين يختارهم الموصى ، سواء أوصى لابنه أو بنته أو أخيه أو اخته ، أو زوجه . وقلنا أن الورثة هم الوالدان والأبناء والأخوة والأخوات . وهؤلاء هم الأقربون والورثة ، وعلى المؤمن الذى يحتضر أن يوصى لهم أو لبعضهم ، سواء كان وارثا أو محجوبا من الإرث كالأخ والأخت فى وجود الابن . وبعد موته قد يقوم بعضهم بتبديل الوصية ، وهو هنا آثم :( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) البقرة ) والله جل وعلا السميع العليم يسمع ويعلم وسيحاسب المخطىء يوم القيامة . وقد يكون الموصى ظالما فى وصيته ، وحينئذ تتدخل اللجنة لإقامة العدل وإصلاح الأمر بينهم : ( فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) البقرة ).

ثالثا : فى قسمة الميراث

1 ـ الترتيب كالآتى : الوصية عند الموت ، ثم قبل تقسيم التركة يتم إقتطاع الوصية والديون ، وعند التقسيم ، فإذا حضر الأقارب غير الورثة واليتامى والمساكين ( من غير الورثة ) يتم التصدق عليهم بمبلغ بالمعروف الذى يعنى الاحسان ، ويُقال لهم قولا معروفا : ( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8) النساء ) . ويتوجه الخطاب مباشرة للمؤمنين بالتحذير والترهيب من أكل أموال اليتامى ظلما فى الميراث : ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (10). النساء )

2 ـ ثم تأتى تشريعات قسمة الميراث على الأقربين .وفى خاتمتها نعلم أنها ضمن ( حدود الله ) ، وأن جزاء من يتعدى حدود الله هو الخلود فى الجحيم .

رابعا : حدود الله الخاصة بحقوق البشر تحتاج الى سلطة المجتمع فى التطبيق :

1 ـ جاءت كلمة "حدود" فى القرآن الكريم (14) مرة. وكلها تعنى حقوق الله وتشريعاته، ولا تعنى العقوبة كما يدل مصطلح حد الردة أو "حد الزنا" وتطبيق "الحدود" فى الشريعة السنية .
جاءت مرتين بمعنى شرع الله وأوامره فى قوله تعالى: ( الأعْرَابُ أَشَدّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اللّهُ عَلَىَ رَسُولِهِ (التوبة 97). وفى قوله تعالى:( وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ ) (التوبة 112) .وجاءت مرة فى تشريع الصيام فى : ( أُحِلّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيَامِ الرّفَثُ إِلَىَ نِسَآئِكُم ) وفى نهايتها يقول تعالى : ( تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ) البقرة 187 ).وجاءت مرتين فى تشريع الميراث، يقول تعالى : ( تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا )(النساء 13، 14 .).وجاءت تسع مرات فى تشريعات الله تعالى فى الزواج والطلاق.: منها مرة فى موضوع، الظهار أى إذا ظاهر الرجل على امرأته وحرمها على نفسه، فلا يرجع إليها إلا بعد تقديم الكفارة، ويقول تعالى بعدها ( وتلك حدود الله )( المجادلة 4 ) .  ومنها أربع مرات فى أية واحدة تتحدث عن الطلاق الأول للزوجة والطلاق الثانى ، وحق الزوجة فى الافتداء أو ( الخُلع ):  يقول تعالى فيها : ( الطّلاَقُ مَرّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمّآ آتَيْتُمُوهُنّ شَيْئاً إِلاّ أَن يَخَافَآ أَلاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ) (البقرة 229) .  ومنها مرتان فى الآية التى تتحدث عن الطلاق للمرة الثالثة وحتمية أن تعقد الزواج على شخص  آخر إذا أرادت الرجوع لتتزوج الزوج السابق: ( فَإِنْ طَلّقَهَا فَلاَ تَحِلّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّىَ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (البقرة 230) .  ومرتان فى تحريم إخراج المطلقة من بيتها قبل العدة : ( لاَ تُخْرِجُوهُنّ مِن بُيُوتِهِنّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يَتَعَدّ حُدُودَ اللّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ (الطلاق 1) . هذه هى المواضع التى جاء فيها لفظ "الحدود" وكلها تعنى شرع الله ولا تدل مطلقا على العقوبات المنصوص عليها فى القرآن مثل السرقة والزنا والقصاص وقطع الطريق والقذف للمحصنات . وليس منها ما يتعلق بالعقوبات التى استحدثها العصر العباسى لشرب الخمر والردة وترك الصلاة.ذلك يدل على أن العصر العباسى وفقهاءه قد نحتوا لهم مسميات خاصة لا تتفق وتشريعات القرآن..وذلك يدل أيضاً على أن عصر الرسول المرتبط بالقرآن أساساً لم يعرف مدلولاً اسمه "حد السرقة" أو "حد الزنا" وسائر العقوبات المنصوص عليها فى القرآن لأن القرآن حين ذكر عقوبة الجلد للزانى لم يستعمل كلمة حد الزنا ، وكذلك حين تحدث عن جريمة السرقة أو القذف أو القتل.. ويمكن مراجعة ذلك فى القرآن . هذا بعض ما قلناه فى كتابنا ( حد الردة.. المزعوم ).

2 ـ وفيما يخص موضوعنا عن دور الدولة الاسلامية الفرد المؤمن فى تطبيق شريعة الميراث وغيرها من التشريعات و ( الحدود ) نقول إن على الدولة الاسلامية أن تتدخل فى تطبيق التشريعات الخاصة بحقوق البشر فقط كالميراث والوصية والأحوال الشخصية من زواج وطلاق ونفقة ومتعة وعدّة وما يترتب للمرأة بالذات من حقوق ، وما يكون لليتيم والمساكين من حقوق . بإعتبار أن المرأة واليتيم والمساكين هم الطرف الأضعف فى المجتمع ، ويعتاد المجتمع غالبا تهميشهم وظلمهم وأكل حقوقهم .

ولا دخل للدولة ومجتمعها فى تطبيق حدود الله جل وعلا فى العبادات كالصلاة والصوم لأنها حقوق الله جل وعلا ، وموعد الحساب عليها مؤجل ليوم الحساب . ولكن للمجتمع دخل فى تطبيق الزكاة المالية لأنه وإن كانت عبادة إلا إن المستفيد منها جزء من المجتمع . وللمجتمع دخل فى تطبيق حدود الله فى الوصية والميراث و الأحوال الشخصية . هذا حتمى لأن دور الدولة الاسلامية هو إقرار العدل والاحسان وما نسميه اليوم بحقوق الانسان ، وكان أحرار المفكرين المسلمين يقولون عنه ( حقوق العباد ) المطلوب رعايتها وتنفيذها فى الدنيا .

الباب الأول : تشريع الميراث فى القرآن الكريم

الفصل  الثامن : تطبيق الوصية وسداد الديون

مقدمة

قلنا إن تطبيق الأفراد للوصية وتوزيع الميراث يتم تحت إشراف ومراقبة الدولة فى الاسلام . وإن الوصية هى فرض على كل مؤمن عند الموت ، أن يوصّى للورثة فقط ،أى للأقربين ، وهى أساسا لوالدىّ المتوفى الأحياء بالتعيين والتحديد ( أو للحىّ منهما ) ، ولمن يختاره المؤمن فى وصيته من بين الورثة فقط ، وأن هذه الوصية هى عند الموت ، أى ساعة الاحتضار ، بالقول والكتابة ، وأن من يغيّر الوصية يكون آثما ، وأن الوصية إذا كان بها ظلم فللدولة أن تتدخل بالاصلاح . يقول جل وعلا : ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) البقرة ). ونعطى هنا تفصيلات أخرى

أولا : الوصية عند الموت فى السفر

إذا كان المؤمن مسافرا وأدركته المنية بعيدا عن أهله وحان وقت الوصية قبل الموت فعليه أن يكتب وصيته وأن يقولها أمام إثنين من الشهود العدول . وعليهما إبلاغ السلطة المسئولة فى بلده بهذه الوصية علنا . ولو كان هناك ريب أو شكّ فيهما فعليهما أن يقسما بالله جل وعلا قائلين ( لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنْ الآثِمِينَ ). فإن ظهر كذبهما فعلى من يُظهر هذا الكذب أن يشهدا شهادة تنفى شهادتهما وأن شهادتهما أحق من هذين السابقين .  يقول رب العزة جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنْ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنْ الآثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَمِنْ الظَّالِمِينَ (107) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108) المائدة )

ثانيا : هل تجوز الوصية قبل الموت بمدة طويلة

من الممكن أن يكتب المؤمن وصيته ، ويحتفظ بها الى أن يقترب منه الأجل ، فيظهرها ويعطيها للحاضرين عند الاحتضار ، أو أن يتلوها لهم . ولكن لا يتركها لتُذاع بعد وفاته . ومن الممكن أن يكتب وصيته ثم يعدّل فيها ، وتكون الوصية المعمول بها هى التى تُقال قبيل موته . ويحدث أن يكتب وصيته ثم تتغير الظروف كأن يموت قبله الوالدان ، أو أحد الأقربين ممّن شملتهم وصيته ، لذا لا بد أن يغير وصيته لتكون صالحة عند موته .

 ثالثا : أمثلة عمّن تجب أو تجوز أو تمتنع الوصية له  :

1 ـ   ( زوج + أب + أم + ابن + بنت + أخ + أخت + ابن ابن + ابن بنت  + عمّ + عمة )

الوصية للأب والأم وجوبا . وهى جوازا وإختيارا للزوج و للإبن والبنت لبعضهم أو لهم جميعا . وتمتنع الوصية للأخ والأخت وإبن الابن  لأنهم قد حجبهم  الإبن من الميراث .وتمتنع الوصية للعمّ والعمّة وابن البنت لأنهم ليسوا من الورثة  أصلا .

2 ـ ( أب  + أم  + زوج + بنت + أخ + أخت + ابناء ابن + ابن بنت  + عمّ + عمة )

الوصية للأب والأم وجوبا . وهى جوازا وإختيارا للبنت  وابن الابن وللزوج ، لبعضهم أو لهم معا  . وتمتنع الوصية للأخ والأخت  لأنهم قد حجبهما إبناء الإبن من الميراث .وتمتنع الوصية للعمّ والعمّة وابن البنت لأنهم ليسوا من الورثة أصلا .

3 ـ ( أم  + بنتان + زوج + + إبن + أخ + أخت + ابن ابن + ابن بنت  + عمّ + عمة )

الوصية للأم  وجوبا . وهى جوازا وإختيارا للبنتين والابن وللزوج لبعضهم أو لهم جميعا. . وتمتنع الوصية للأخ والأخت وابن الابن   لأنهم قد حجبهم  الإبن من الميراث .وتمتنع الوصية للعمّ والعمّة وابن البنت لأنهم ليسوا من الورثة  أصلا .

4 ـ ( أب + زوج + أم  + بنت + أخ + أخت + ابن بنت  + عمّ + عمة )

الوصية للأب والأم وجوبا . وهى جوازا وإختيارا للبنت و للزوج والأخ والأخت لبعضهم أو لهم جميعا  . فالأخوة يرثون فى عدم وجود الابن أو ابن الابن . وتمتنع الوصية للعمّ والعمّة وابن البنت  لأنهم ليسوا من الورثة  أصلا .

رابعا : مبررات تفضيل بعض الورثة بالوصية

للوالدين وصية واجبة . وما عداهما فلصاحب الوصية أن يختار وأن يفضل من يشاء من الورثة فى الوصية ، بالزيادة والنقصان أو بالعطاء والحرمان كلية من الوصية . ولكن بالعدل أو المعروف ، فهو هنا يتعامل مع ربه جل وعلا ليراعى العدل ، الذى هو أساس تشريع الوصية . وبالعدل يمكن علاج بعض الظروف المختلفة للورثة . ونعطى أمثلة :

1 ـ له بنت أرملة فقيرة وتعول أطفالا ، فله أن يفضلها بالوصية عن أخوتها الأثرياء ، لأن تطبيق  قاعدة ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) بلا وصية لها يكون ظُلما لها .

2 ـ له إبن ثرى وقد أنفق على تعليمه وتزويجه الكثير . وله أبناء صغار لم يتمتعوا بما تمتع به أخوهم الأكبر . عليه أن يفضّل أبناءه الصغار على أخيهم الأكبر فى الوصية .

3 ـ له ابن أكبر أسهم فى تنمية ثروة أبيه ، وله ابناء آخرون لم يتعبوا فى السعى للرزق مع أبيهم . عليه  أن يفضل إبنه الأكبر فى الوصية بمقدار إسهامه فى تنمية ثروة الأب .

4 ـ له زوجتان ، إحداهما عانت وعاشت معه أوقات المحن حتى بلغت من الكبر عتيا ، والأخرى تزوجها فى أيام العز والثروة التى أسهمت الزوجة الأولى فى تنميتها . العدل يقتضى تفضيل الزوجة الأولى بالوصية دون الأخرى .

5 ـ له ابن صغير سيكون يتيما بموته ، وأبناء كبار إستقلوا بحياتهم  بعد أن أنفق على تعليمهم وزواجهم ، عليه أن يعوّض ابنه الصغير  بالوصية .

6 ـ  ليس له ابن ، ولكن  له ( أخّ ) ساعده فى حياته ، ووقف الى جانبه فى المحن ، وهذا الأخ يرث لعدم وجود الابن . وعليه أن يوصى للأخ بما يساوى ما قدمه فى مساعدة أخيه .

7 ـ له أب ظالم كان قاسيا فى معاملته ، ولم يساعده فى حياته كأى أب . الآن هذا الابن على وشك الموت ، وسيكون هذا الأب من الورثة شرعا ، فهل يوصى له أيضا ؟  نعم ..الوصية هى للأب بصفته ( أبا ) ، حتى لو لم يقم بواجبات الأب .

8 ـ تزوجت أمه بعد  طلاقها من أبيه ، وتركته مع أهله وإنقطعت صلتها به فعاش كأنه يتيم الأم مع وجود أمّه على قيد الحياة . وهو الآن على وشك الموت ، وسيكون من حق هذه الأم أن ترث شرعا . فهل من حقها الوصية كأى أم طبيعية عانت فى تربية ابنها ؟ نعم . الوصية للأم بحسب وصفها أُمّا . وليس بمدى قيامها بواجب الأمومة . 

خامسا: يحرم أن يترتب على الوصية ضرر:( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ )(12 النساء)

قد يتأثر الموصى بالهوى ، وقد يؤثر فيه آخرون فيوصى بما فيه ظلم وضرر.وهذا حرام. ونعطى أمثلة :

1 ـ  له بنت وأبن ويريد أن يوصى لابنته دون الإبن ليساويها بأخيها فى الميراث ليكسر قاعدة ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) .هذا حرام ووصية باطلة .

2 ـ بنفوذ زوجته أوصى لابنهما الصغير وفضّله بهذه الوصية عن أخوته من زوجة أخرى . هذا ظلم ووصية مُحرّمة باطلة .

3 ـ بنفوذ الزوجة صاحبة الحظوة أوصى لها دون الزوجة الأخرى . هذه وصية ظالمة مُحرّمة باطلة .

سادسا : سداد الديون مع تنفيذ الوصية قبل قسمة الميراث :( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ )(11)

1 ـ هناك ديون عادية تكون على المتوفى الذى مات دون أن يسددها ، ولا بد من سدادها مع تنفيذ الوصية وقبل تقسيم التركة . وهناك نوع آخر من الديون يخص موضوع الميراث والحجب . فالأقربون هم الورثة فقط ، ولهم فقط الوصية . ولكن هناك من أولى القربى ( ذى القربى ) كالعم والخال من يكون صاحب حق ولكن لا يرث . فكيف يتم تعويضه عن حقه ؟  وهناك من يتم حجبه من الميراث ( كالأخ ) الذى يحجبه ( الابن ) و ( ابن الابن ) الذى يحجبه الابن . وهؤلاء الذين لا يرثون ولا حق لهم فى الوصية يجب تعويضهم عن حقوقهم بإعتبار حقوقهم ضمن الدين الذى يجب سداده مُلحقا بالوصية .

2 ـ وفى كل الأحوال فإن تنفيذ الوصية وسداد الديون لا بد من القيام به قبل توزيع التركة . وهذا ما جاء فى تشريع الميراث :( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ )(11) ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ )( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ )( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ) (12 ) النساء ).

3 ـ ونعطى أمثلة :

3 / 1 : الإبن الأكبر الذى أسهم مع أبيه فى تكوين الثروة ، ثم مات فى حياة أبيه وترك أولادا . هم لا يرثون لأن أبناء المتوفى يحجبونهم . هنا يجب على المُوصّى أن يعتبر إسهام إبنه الأكبر المتوفى دينا لا بد من الوفاء به ، ويكتب بهذا دينا يجب سداده من تركته . وقد يكون من الأفضل أن يفعل ذلك قبل موته وهو يسعى فى الأرض . وقد مات إبنه الأكبر تاركا ذرية ضعافا ، فالأفضل أن يبادر بكتابة حقوق الاين المتوفى لذريته بيعا وشراءا . وإلا فهو ( دين عليه ).

3 / 2 : تزوج ثم طلّق زوجته بعد أن عانت معه الأيام الصعبة . وبموته لا ترث ، وتضيع مُعاناتها معه هباءا . عليه أن يكتب لها دينا قبل موته يتم سداده لها مع الوصية .

3 / 3 : عاش يتيما وقد تولاه عمُّه بالرعاية بعد موت أبيه ، وأنفق عليه كإبن من إبنائه . ثم مات العم وترك ذرية أبناء عمومة . وقد أشرف هو على الموت ، ويريد الوفاء بجميل عمّه ، وهم ليسوا ورثة ولا حقّ لهم فى تركته . عليه أن يقيّم مقدار مساعدة عمه له ، وأن يكتب ذلك دينا عليه يتم سداده من تركته مع الوصية.

3 / 4 : نفس الحال مع الأخ الذى لا يرث بوجود الابن حاجبا له ، ونفس الحال مع العمة والخالة والعم وابن العم ، الذين كانت لهم أفضال عليه ، وهو مدين لهم ، فعليه أن يسدد هذه الديون وأن يردّ هذا الفضل بكتابته دينا يتم سداده من لتركة .

3 / 5 : له ابن بنت توفيت من قبل ، وابن البنت هذا لا يرث وليس له حق فى الوصية . ويشعر الموصى بالعطف عليه ، ويريد الاحسان اليه . لذا يمكن ان يكتب له هبة مالية بالعدل والاحسان ( بالمعروف )

أخيرا

فى كل الأحوال لا بد من إشراف السُّلطة الاجتماعية المحتصة بالتركات لإقرار العدل وحفظ الحقوق .

الفصل  التاسع : تقسيم الميراث

أولا : قبل تقسيم النركة

1 ـ البداية بالوصية قبل الموت للوالدين والورثة الأقربين بالعدل والمعروف . بعد تحقّق موت المُوصّى ودفنه يتم حصر التركة ، ثم يتم تنفيذ الوصية وسداد الديون . بعدها يبدأ تحديد الورثة وتقسيم التركة ، وإذا حضر القسمة أقارب خارج الورثة ويتامى ومساكين يجب إعطاؤهم صدقة من التركة قبل توزيع التركة. والسلطة الاجتماعية المختصة بالتركات والمواريث عليها ان تقوم بالاشراف على هذا فى الدولة الاسلامية ، فإن لم يكن هناك وجود للسلطة المختصة بالمواريث فإن المسئولية تنتقل الى الأفراد ، وهم مساءلون عن مراعاة حدود الله جل وعلا  فى ذلك أمام رب العزة يوم القيامة  .

2 ـ آيات تقسيم الميراث ثلاث فقط ، والتدبر فيها والتمسك بها وحدها يوفر الكثير من ( الهجص ) الذى وقع فيه فقهاء السُّنة فى موضوع الميراث ، وهو هجص إستغرق آلاف الصفحات فى الفقه السُّنى . يقول جل وعلا: ( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (11) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12 ) النساء )...( يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 167 ) النساء )

ثانيا  : تحديد الورثة :

1 ـ قلنا إنهم ( الأقربون ) المذكورون فى الآيات الثلاث الخاصة بالمواريث . أى الوالدان ( الأب والأم ) و الأولاد ( الذكور والاناث ) والأخوة ، والزوج والزوجة . الابن ينطبق على ابن الابن فى عدم وجود الابن ، والأب ينطبق على ( الجد ) فى عدم وجود الأب . ( الأخ ) يعنى ابن الأخ فى عدم وجود الأخ . والأخ يرث فى عدم وجود الابن وابن الابن . أما ابن الأخت فلا يرث لأنه ينتسب لأبيه ، وكذلك ابن البنت . فالبنت ترث من أبيها ، فإذا ماتت فى حياة أبيها فإن ابنها لا يرث من أبيها لأنه ينتسب الى أب آخر وعائلة أخرى ، وهكذا الخالة والخال وابناؤهم .

 2 ـ مفهوم ( الأقرب ) ينتج عنه حجب ومنع ذوى القربى من بقية الأقارب كالعمّ والعمة والخال والخالة وأبنائهم . وينتج أيضا عن مفهوم الأقربين أن يحجب الأقرب من هو اقل منه قرابة داخل الورثة ، فالابن أوابن الابن يحجبان الأخ . ولا يرث الأخ مع وجود الابن أوابن الابن . والأخ الشقيق يحجب الأخ غير الشقيق ، والأخوة غير الأشقاء متساوون ، ويرثون لو إنفردوا بالتركة . ولا يرث ابن الأخ مع وجود الأخ لأن الأخ هو الأقرب للمتوفى . كما أن ابن الابن لا يرث مع وجود الابن ، ولا يرث الجد مع وجود الأب لأن الأب هو ( الأقرب ) . مثلا : : أب + جد + زوجة + أم + أخ شقيق + أخ لأب + أخ لأم : للزوجة الربع ، وللأب والأم كل منهما السدس لوجود الأخ الشقيق . ولا يرث الأخوة غير الأشقاء لوجود الشقيق ، ولا يرث الجد لوجود الأب .

 ثالثا : ميراث الأب والأم

1 ـ قاعدة ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) تنطبق على الأولاد ولا تنطبق على الأب والأم . فى السور المكية والمدنية يأمر رب العزة بالاحسان للوالدين بالمساواة المطلقة بين الأب والأم ، وبالتالى فإن المساواة المطلقة بينهما واجبة فى حقوق الميراث . والآية الأولى فى تشريع الميراث تجعل تطبيق قاعدة ( للذكر مثل حظّ الأنثيين ) مقصورة على الأولاد وليس الوالدين . ( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ) . ويأتى التعبير فى نفس الآية عن الأم والأب بلفظ مشترك ( آباؤكم ) ( ابويه ) للتأكيد على مساواة الأم بالأب ، فالأب والأم كلاهما ( أب ) ، كما أن كليهما ( والد ) فى مصطلح ( الوالدين ).

2 ـ من هنا نفهم قوله جلّ وعلا عنهما :( وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (11)  فالمعنى أنه   مع وجود ( الولد  والأخ والأخت ) يكون نصيب الأب السدس ونصيب الأم السدس: (وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ  ) . وفى عدم وجودهم ترث الأم الثلث ومفهوم طبقا للمساواة أن يرث الأب الثلث .  ونعطى أمثلة :

1 /1  ( أب + أم + ولد ) : الأب السدس ، الأم السدس ، الابن الباقى .

 1 / 2 ـ ( أب + أم + اولاد ): الأب السدس ، الأم السدس ، والباقى للاولاد للذكر مثل حظ الأنثيين .

1/ 3 ـ ( أب + أم + بنت ) الأب السدس ، الأم السدس ، البنت النصف .

 1/ 4  ـ ( اب + أم + بنتان فأكثر ) : الأب السدس ، الأم السدس ، البنات الثلثان .

1 / 5  ـ ( أب + أم + ولد + أخ ) لا يرث الأخ فقد حجبه الابن . الأب السدس والأم السدس،الابن الباقى.

1 / 6 ـ ( أب + أم   ، وبلا ولد  )الأم الثلث ، الأب الثلث .

1 / 7  ـ ( أب + أم + أخ فأكثر ) للأم السدس والأب السدس  والباقى للأخ والأخوة لعدم وجود الاولاد. 

رابعا : خطأ الفقه السُّنى فى ميراث الأب

1 ـ أخطأ الفقه السُّنّى فى ميراث الأب ، إذ تناسى أنه له فريضة محددة كالأم  ، فجعله عصبا مثل الابن أو الأخ ، ينفرد بباقى التركة بعد أصحاب الفروض . 

2 ـ مثلا : ( أب + أم + أخ ) يجعلون الأب يحجب الأخ ويأخذ الباقى ، أى للأم الثلث ، وللأخ لا شىء ، والباقى ( الثلثان ) للأب . هذا خطأ لأن الأب والأم متساويان فى الميراث ، وهما معا لا ينفرد أحدهما بالتركة كالابن والأخ ، لأن للأب فريضة محددة بالثلث وبالسدس وكذلك الأم حسب وجود الابن والبنت والأخ والأخت .

3 ـ ثم ان تطبيق هذا الزعم سينتهى بالخلط فى ميراث الأب . ونعطى أمثلة :

 ( أب + أم + زوجة ) هنا على زعمهم تأخذ الأم الثلث والزوجة الربع والباقى للأب ، أى تكون الأسهم فى التوزيع على ستة  . للأم الثلث : 2 ، وللزوج النصف  : 3 . ولا يبقى للأب سوى السدس ، أى نصف نصيب الأم .! ويختلف الحال لو كان المتوفى زوجا وترك زوجة وأما وأبا ، فللزوجة الربع ، وللأم الثلث ، ويبقى الباقى للأب بزعمهم فيكسب الأب أكثر من الأم . فللأم الثلث ، وللزوجة الربع والباقى للأب . فالأسهم هنا 12 : ( 4 ) للأم ، و( 3 ) للزوجة ، ويأخذ الأب الباقى أى 5 . هذا خلط ناتج عن تجاهلهم للحقيقة القرآنية فى تساوى الأب والأم فى فريضة الميراث .

خامسا : ميراث الأولاد :

يقول جل وعلا : : ( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ). الابن ضعف البنت.الابن إذا إنفرد يحوز التركة كلها بعد الفروض . الأولاد والبنات معا يأخذون باقى التركة بعد الفروض للذكر مثل حظ الأنثييين . البنت والبنات لا يستغرقن التركة . للبنت إذا إنفردت لها النصف ، البنتان فأكثر لهما أو لهنّ الثلثان . أمثلة :

الابن مع الفروض ينفرد بالباقى : أب + أم + زوج + ابن . السدس للأب والسدس للأم ، والربع للزوج ، والباقى للإبن .

الابن مع البنت يأخذون الباقى بعد الفروض : زوجة + أب + اولاد وبنات : الزوجة الثمن ، الأب السدس ، والباقى للأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين .

الابن والبنات ينفردون بالتركة كلها بالحجب وفى عدم وجود أصحاب الفروض : ابن وبنت و إبن ابن وأخ وأخت وعمة وخالة وابن أخ وابن عم . وجود الابن يحجب ابن الابن والأخ والأخت وكل الأقارب ، ويستغرق مع البنت التركة كلها للذكر مثل حظ الأنثيين .

الابن وحده ينفرد بالتركة كلها إذا : لم تكن معه بنت للمتوفى ، ولا وجود لوالدى المتوفى وزوجه .

الولد الجنين : يتوقف توزيع التركة إذا كانت الزوجة حاملا إنتظارا لقدوم المولود . ويكون المولود وارثا بمجرد صراخه ، ويعتبر حيا يرث حتى لو مات بعدها بدقيقة واحدة . إذا نزل ميتا لا يتغير شىء فى توزيع التركة . أما إذا ثبتت حياته فإن توزيع التركة يختلف ، فالوالدان يأخذ كل منهما السدس بدلا من الثلث ، والزوجة تأخذ الثمن بدلا من الربع ، إن كان الوليد بنتا ترث النصف ، وإن كان ذكرا يأخذ نصيبه حسب الأحوال . ولا ينال الأخ شيئا مع وجود الابن . إذا مات الوليد بعد صراخه وثبوت حياته فإن تركته يتم توزيعها ، فتصبح الزوجة هى ( الأم ) وتأخذ ثلث تركة ابنها الوليد المتوفى إن لم يكن له أخوة ، فإن كان له أخوة فهى ترث السدس . 

سادسا : ميراث الزوج والزوجة :

يقول جل وعلا : ( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ )  . للزوج نصف تركة زوجته إن لم يكن لها ولد . فإن كان لها ولد فله الربع . والزوجة ترث ثُمن تركة زوجها إن كان له ولد ، فإن لم يكن له ولد فهى ترث الربع . وتحديد الزوجة يعنى من تكون فى عصمة زوجها حين توفى عنها . ومثلا ، فالزوجة ترث لو كانت  مُطلقة فى فترة العدة ولم تصل الى مرحلة الانفصال التام ( السّراح ) التى تفارق فيها بيت الزوجية . بعد تسريحها تنتفى عنها صفة الزوجة ، وليس لها أن ترث من زوجها السابق . 

سابعا ميراث الأخ والأخت

ميراث الأخ والأخت والأخوة مرتبط بالكلالة، أى عدم ذرية للميت . والكلالة أربعة أحوال :

1 ـ كلالة مع وجود الوالدين :وجاء هذا فى الآية الأولى فى توزيع الميراث فيما يخصّ الوالدين والأولاد : ( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (11). مفهوم الكلالة هنا فى قوله جل وعلا:( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ ). فى عدم وجود الأولاد للمتوفى يأخذ الأب الثلث ، وتأخذ الأم الثلث . والباقى للأخ ( والأخت والأخوة ).

2 ـ كلالة مع وجود الزوج / الزوجة : جاء هذا فى الآية الثانية فى نصيب الزوج / الزوجة . يقول الله جل وعلا :( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) بعدها قال جل وعلا عن الكلالة فى وجود الزوج / الزوجة : ( وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12 ) النساء ). يرث الأخ السدس ، وترث الأخت السدس . وإن كانوا أخوة رجالا ونساء فهم شركاء فى الثلث.

3 ـ  كلالة مع عدم وجود الوالدين والزوج / الزوجة : هنا لا يوجد أولاد ولا والدان ولا زوج / زوجة . يوجد الأقرب الوحيد هو الأخ ، الأخت ، الأخوة . هنا يرث ( الأخ / الأخوة ) كل التركة . يقول جل وعلا : ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 167 ) النساء ). أن ترك المتوفى أختا فقط ترث النصف ، إن كانتا أختين فأكثر فلهما ـ أو لهنّ ـ الثلثان . وإن تركت المتوفاة أخا فقط يرث كل التركة . وإن ترك المتوفى / المتوفاة أخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين . هذا مع مراعاة قاعدة الحجب ، أى لا يرث الأخ غير الشقيق مع وجود الشقيق ، ولا يرث ابن الأخ مع وجود الأخ .

4 ـ كلالة مع وجود ( الزوج / الزوجة ) والوالدين تكون القسمة حسب الظروف : مثلا : المتوفى ترك ( زوجة + اخ + والدين ) للزوجة الربع ، وللوالدين الثلثان . والباقى للأخ . أمّا إن تركت المتوفاة زوجا ووالدين وأخا : للزوج النصف ، وللوالدين الثلثان ، ولا شىء للأخ . وفى هذه المسألة ( عول ) ، وسنعرض له فى المقال القادم بعونه جل وعلا .

والله جل وعلا هو الأعلم .

الباب الأول : تشريع الميراث فى القرآن الكريم

الفصل  العاشر : الردّ والعول :

مقدمة : توزيع التركة ينتهى الى واحد من ثلاث : إتفاق الفروض مع الأصل الذى هى واحد صحيح ، وليست هنا مشكلة . المشكلة فى ( الرد ) وفى ( العول ) . إن زادت الفروض على الواحد الصحيح ، فهو ( العول ) ، وإن نقصت الفروض عن الواحد الصحيح ويتبقى من التركة جزء ، فهذا هو الرد . ونعطى تفصيلات:

أولا :  أن تتفق الأسهم مع الأصل ، فالأصل واحد صحيح ينقسم الى كسور ،أو أسهم ، والأسهم لأصحاب الفروض والعصبة تنتهى الى واحد صحيح.  أمثلة  :

1 ـ ( الورثة : أب + أم + بنات ) : للاب السدس ، وللأم السدس ، وللبنات الثلثان . المجموع واحد صحيح .

2 ـ :( الورثة : زوجة وأم وابن .) للزوجة الثمن ، وللأم السدس ، والباقى للابن . المجموع واحد صحيح.

3 ـ  ( الورثة : زوج + أب + اولاد وبنات ) للزوج الربع ، وللأب السدس ، والباقى للأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين.  المجموع واحد صحيح.

4 ـ الورثة اولاد وبنات ( يقتسمون كل التركة للذكر مثل حظ الأنثيين ). المجموع واحد صحيح. 

5 ـ الورثة ( أخ وحيد ) يرث التركة كلها. المجموع واحد صحيح.

ثانيا : ( الرد ) أى  أن يتبقى جزء من التركة. . أمثلة :

1 ـ ( زوجة + بنات ) للزوجة الثمن ، وللبنات الثلثان .تنقسم على 24 سهما . الزوجة 3 ، البنات 16 سهما ،  أى 19 سهما من 24 سهما ،ويبقى ما مقداره 5 على 24 .

2 ـ ( زوجة + أم ) : للزوجة الربع ، وللأم الثلث : أى 7 على 12 . ويبقى 5 على 12 .

3 ـ ( زوج + أب ) للزوج النصف ، وللأب الثلث ، أى 5 على 6 . ويبقى السدس.

4 ـ ( أب + أم ) لهما الثلثان ويبقى الثلث.

5 ـ ( بنتان فقط ) لهما الثلثان ويبقى الثلث .

6 ـ ( زوجة + بنت ) للزوجة الثمن وللبنت النصف ، أى 5 على 8 . ويبقى 3 على 8 .

7 ـ ( والدان + زوجة + بنت ) الوالدان لكل منهما السدس ، للزوجة الثمن ، وللبنت النصف . والمجموع 23 على 24 ، ويبقى واحد على 24 .

ثالثا : كيفية التصرف فى الرد ( بقية التركة )

1 ـ الأصل أن الثروة مللك للمجتمع ، وهى للفرد الوارث الذى يُحسن القيام على نصيبه، فلو ثبت انه سفيه يتم تعيين وصى على تنمية ثروته . وبالتالى فلو بقى جزء من التركة فهو يعود الى ( بيت المال ) فى بند خاص يتم الصرف منه على مستحقى الصدقة الرسمية ، طبقا لقوله جل وعلا : ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)( التوبة ). هنا توزيع الصدقات فريضة ( فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )، وهو نفس قوله جل وعلا فى "فريضة الميراث":( فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (11) (النساء) فالميراث وتوزيع الصدقات كلاهما فريضة من الله جل وعلا / وبالتالى فإن ما يفيض من فريضة الميراث يتم ( ردُّه ) الى فريضة توزيع الصدقات  . وتنفق الدولة من هذا فى إنشاء بيوت لاستضافة ابناء السبيل ، وكفالة الأيتام وأطفال الشوارع والأرامل ، ومستشفيات لعلاج غير القادرين، وفى رعاية للفقراء والمساكين بالدعم العينى فى السلع الأساسية أو بمرتبات ..الخ ..

2 ـ وتفرض بعض الدول ضريبة على التركات . والأولى أن يكون هذا فى حالة ( الرد ) أى أن يئول الباقى من الميراث الى خزينة الدولة،  للإنفاق منها على الرعاية الاجتماعية .

رابعا : العول :

عكس الرد ، أى زيادة الأنصبة ( الفروض ) عن الواحد الصحيح ، ويحدث عند إجتماع الوالدين والزوج/ الزوجة والبنات . الأمثلة :

1 ـ والدان + زوج + بنت : للوالدين الثلث ، وللزوج الربع ، وللبنت النصف . الأسهم هنا 12 ، للوالدين 4 ، وللزوج 3 ، وللبنت 6 . والمجموع يزيد على الواحد الصحيح ، أى 13 على 12 . هنا يكون الحل باعتبار الأسهم 13 . ويكون للوالدين 4 ، وللزوج 3 ، وللبنت 6 . 

2 ـ والدان + زوج + بنتان : للوالدين الثلث ، وللزوج الربع ، وللبنتين الثلثان . الأسهم 12 . للوالدين 4 ، وللزوج 3 ، وللبنتين 8 . والمجموع يزيد على الواحد الصحيح ، اى 15 على 12 . الحل بإعتبار الأسهم 15 . للوالدين 4 ، وللزوج 3 ، وللبنتين 8 .

3 ـ والدان + زوجة + بنات : للوالدين الثلث ، وللزوجة الثمن ، وللبنات الثلثان . الأسهم 24 . للوالدين 8 ، وللزوجة 3 ، وللبنات 16 . والمجموع يزيد على الواحد الصحيح / أى 27 على 24 . والحل باعتبار الأسهم 27 : للوالدين 8 ، وللزوجة 3 ، وللبنات 16 .

4 ـ والدان + زوج : للوالدين الثلثان ، وللزوج النصف . الأسهم هنا 6 ، للوالدين 4 ، وللزوج 3 . أى يزيد المجموع عن العدد الصحيح : 7 على 6 . والحل باعتبار الأسهم 7 : للوالدين 4 ، وللزوج 3 .

أخيرا :

1 ـ مسائل العول بسيطة ومحددة هنا طبقا للتشريع القرآنى فى الميراث ، ولكنها فى الفقه السّنى متشعبة ومعقّدة لأنهم أدخلوا بين الورثة من ليس منهم ، فإزداد العدد وإزدادت الأنصبة أو الفروض . ونفس الحال فى موضوع الرد لبقية التركة ، عالجوه بالتقسيم على العصبيات التى لا ترث وبغير ذلك من تفصيلات واختلافات شتى .

2 ـ وبعون الله جل وعلا سنتعرض فى الباب التالى لتشريعاتهم فى الميراث فى لمحة سريعة . 

الباب الثانى: الهجص السّنى فى الميراث

 الباب الثانى: الهجص السّنى فى الميراث

مقدمة للباب الثانى

1 ـ بسبب سبق القرآن بتشريعات الميراث فإن الفقه السّنى ـ الذى تأثر جزئيا بالتشريع القرآنى فى الميراث ـ كان ولا يزال متفوقا على التشريعات الغربية فى هذا المجال . ولكن تظل تشريعات الفقه السنى ـ فى أغلبها ـ مجرد ( هجص ) إذا قورنت بتشريعات الميراث القرآنية . واساس الهجص هنا أن الفقهاء السنيين تأثروا بثقافتهم فى العصور الوسطى فأضافوا وحذفوا وتلاعبوا فى تشريعات الميراث ، وصاغوا هذا فى أحاديث وأقاويل للصحابة والتابعين ، فنشأ تشريع فى الميراث السُّنى مُحمّل بالهجص . ومع هذا يظل الهجص السنى فيه متفوقا على تشريعات الميراث فى الغرب . هذا يوضح الى أى مدى تبلغ عظمة التشريع القرآنى التى نزلت فى عتمة ظلام العصور الوسطى ـ نورا للعالم . ولا تزال .

2 ـ وتعطى فصول هذا الباب لمحة سريعة عن الهجص فى تشريع الميراث السُّنى .

الباب الثانى : الهجص السّنى فى الميراث

الفصل الأول : هجص ( لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم.)

أولا : هذا هجص يناقض الاسلام

1 ـ لأنه يناقض مقصدين من مقاصد أساسين فى تشريع الاسلام ، هما العدل والحرية المطلقة فى الدين . ولقد تعرضنا لهما كثيرا فى مؤلفات سابقة ، ولن نُكرر ما قلناه ، ولكن سنضيف شيئا جديدا متصلا بموضوعنا ، وهو أهمية التحديد القرآنى لمستحقى الصدقة والزكاة المالية والوصية والميراث .

2 ـ حين دعا ابراهيم عليه السلام ربه أن يرزق أهل مكة الأمن والثمرات فقد قصر دعوته على المؤمنين منهم دون الكافرين ، وجاء الرد من رب العزة بأنه جل وعلا سيرزق الجميع من مؤمن وكافر ، ولكن الذى يموت كافرا سيُعذّب يوم القيامة بعد أن يتمتّع فى الدنيا : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) البقرة  ) . الرزق للجميع ، وقد تكفل ربّ العزة برزق كل دابة : ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6)(هود )( وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60)(العنكبوت) ، وبالتالى فالرزق لكل فرد من البشر بغضّ النظر عن إيمانه أو كفره .

3 ـ نفس الحال فى الحقوق فى الصدقة والزكاة المالية ، فقوله جل وعلا عن صفات المتقين :( وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) الذاريات ) يعنى أن المتقى إذا سأله سائل للصدقة يُبادر بإعطائه الصدقة دون أن يسأله عن دينه ومذهبه ، وإذا رأى محروما بادر بإعطائه دون ان يقيم له محكمة تفتيش يستجوبه عن عقيدته . فالمستحق للصدقة هنا مُحِدّد بالصفة وهى ( السؤال ) و ( الحرمان ) ، وليس مهما إن كان صالحا أو فاسقا مؤمنا أو كافرا . وحين يقول رب العزّة جل وعلا : ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) التوبة) فالفقير هنا لا أهمية لدينه وجنسه ووطنه ، يكفى كونه فقيرا أو مسكينا أو إبن سبيل ليأخذ ( حقّه ) من الصدقات فى الدولة الاسلامية . وفى الصدقة الفردية يقول رب العزة جل وعلا : (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ ) 177 ) (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) البقرة ). الصفات هنا هى المُعوّل عليه ، يكفى كونه من ذوى القربى والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل ليأخذ حقه . أما هدايته وعلاقته بربه جل وعلا فلا دخل لأحد بهذا ، وليس علينا هدايته لأن هدايته أو ضلاله هى مسئوليته الشخصية ، والذى علينا أن نعطيه حقا فقيرا أو مسكينا أو يتيما أو قريبا أو ابن سبيل . وليس هناك أروع من قوله جل وعلا  لنا وللنبى عليه السلام بعد تفصيلات فى تشريع الصدقة :( لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272) البقرة ). أى لسنا مسئولين عن هداية مستحقى الصدقة ، لأن الله جل وعلا يهدى منهم من يشاء  الهداية، ومفروض أن نتصدق إبتغاء وجه الله ، وما ننفقه سيكافئنا الله جل وعلا خيرا فى الدنيا والآخرة .

2 ـ إذا كان هذا فى ( حق الصدقة ) فهو أولى فى حقوق الوصية والميراث . لقد تكرّر النّص على ( حق ) ذى القربى كقوله جل وعلا : ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26)الاسراء ) ( فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (38) الروم ). هنا ( حق ) واجب لأناس محددين بالوصف وهم ذو القربى . وكل منا يعرق أقاربه والأقربين منهم . ليس مهما أن يكون أحدهم فاسقا عاصيا أو مؤمنا تقيا ، المهم أن يكون من ذوى القربى ليأخذ حقه من الاحسان والصدقة ، ويكفى أن يكون من ( الأقربين ) ليأخذ حقه من الميراث ومن الوصية . وينطبق هذا على الورثة الأقربين  فى قوله جل وعلا :( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7) النساء )، وينطبق على بقية الأقارب قوله جل وعلا :( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8) النساء )، وفى الوصية : ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) البقرة ).

3 ـ لا دخل على الاطلاق لاختلاف الدين فى الميراث ، فالمسلم يرث الكافر ، والكافر يرث المسلم ، واليهودى يرث المسلم ويرث النصرانى المسلم ،والعكس . والمرتد عن دينه يرث ويوُرّث دون أى إعتبار على الاطلاق لموضوع الدين فى الميراث . يكفى أن يكون أبا أو أما أو ابنا أو زوجا أو أخا ليرث . فالعبرة بالوصف ( الأقربين ) عموما ، والأب والأم والأولاد والزوج والزوجة والأخ والأخت والأخوة . بهذا ـ وفقط ـ يستحقون حقوقهم من الميراث . وإذن فمن ( هجص ) الدين السُّنّى أن منع التوارث عند إختلاف الدين .

ثانيا : هجص مالك فى الموطأ :( لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم.)

1 ـ بدأ مالك بهذا الهجص ، وصنعه حديثا نسبه عبر العنعنة للنبى عليه السلام . جاء فى الموطأ : ( 1086 –  حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ‏"‏ لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ‏"‏ ‏.‏ ) هنا يروى يحيى الذى كتب الموطأ سمعا من مالك أن مالك روى له هذا الحديث يزعم أنه سمعه من (ابن هشام ) الزهرى . وقد أثبتنا أن مالك لم يسمع ابن شهاب الزهرى ولم يره اصلا .

2 ـ وتوالى تزييف أحاديث أخرى منسوبة لعلى بن أبى طالب ، أن أبا طالب الذى مات مشركا بزعمهم ورثه ابنه المشرك عقيل ولم يرثه ( على ) : ( 1087 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ إِنَّمَا، وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ وَلَمْ يَرِثْهُ عَلِيٌّ - قَالَ - فَلِذَلِكَ تَرَكْنَا نَصِيبَنَا مِنَ الشِّعْبِ ‏.‏)

3 ـ وحديث مُضحك يقول : (  1088 -  وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الأَشْعَثِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمَّةً لَهُ يَهُودِيَّةً أَوْ نَصْرَانِيَّةً تُوُفِّيَتْ وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الأَشْعَثِ ذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَالَ لَهُ مَنْ يَرِثُهَا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَرِثُهَا أَهْلُ دِينِهَا ‏.‏ ثُمَّ أَتَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ أَتَرَانِي نَسِيتُ مَا قَالَ لَكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَرِثُهَا أَهْلُ دِينِهَا ‏.‏) وهنا إفتراء مضحك ، فكيف تكون لمحمد بن الأشعث بن قيس زعيم قبائل كندة اليمنية فى العراق عمّة يهودية أو نصرانية ؟ ومتى التقى محمد بن الأشعث بن قيس بعمر بن الخطاب ، وأبوه ( الأشعث بن قيس هو الذى عاش خلافة عمر وعثمان وعلى ؟ ) والمفترض فى قضية كهذه أن يكون السائل هو الأب الأشعث بن قيس وليس طفلا له إسمه محمد .

4 ـ وهناك حديث لا صلة له بالموضوع جاء فى الموطأ : (1089 -  وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، أَنَّ نَصْرَانِيًّا، أَعْتَقَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ هَلَكَ - قَالَ إِسْمَاعِيلُ - فَأَمَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ أَجْعَلَ مَالَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ‏.‏ ) يجوز ان يكون هذا النصرانى الذى أعتقه عمر قد مات بلا وارث . ويكون متوقعا أن تئول تركته الى بيت المال . وليس لهذا صلة موضوع أنلا يرث المسلم الكافر والعكس .

5 ـ وفى النهاية يأتى فى الموطأ هذا الحديث الفكاهى : (  1090 -  وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الثِّقَةِ، عِنْدَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، يَقُولُ أَبَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُوَرِّثَ، أَحَدًا مِنَ الأَعَاجِمِ إِلاَّ أَحَدًا وُلِدَ فِي الْعَرَبِ ‏.‏ قَالَ مَالِكٌ وَإِنْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ حَامِلٌ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ فَوَضَعَتْهُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ فَهُوَ وَلَدُهَا يَرِثُهَا إِنْ مَاتَتْ وَتَرِثُهُ إِنْ مَاتَ مِيرَاثَهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ‏.‏ قَالَ مَالِكٌ الأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَالسُّنَّةُ الَّتِي لاَ اخْتِلاَفَ فِيهَا وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنَّهُ لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ بِقَرَابَةٍ وَلاَ وَلاَءٍ وَلاَ رَحِمٍ وَلاَ يَحْجُبُ أَحَدًا عَنْ مِيرَاثِهِ ‏.‏ قَالَ مَالِكٌ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لاَ يَرِثُ إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهُ وَارِثٌ فَإِنَّهُ لاَ يَحْجُبُ أَحَدًا عَنْ مِيرَاثِهِ ‏.‏ ) يقول : (وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الثِّقَةِ، عِنْدَهُ ). أى يروى عن مجهول يجعله ( ثقة ) ، ولماذا يكون ثقة وهو مجهول الاسم والنسب والعنوان ؟ وينسب لعمر بن الخطاب ولفقهاء المدينة هذا التشريع الظالم . ولو كان هذا تشريعا إسلاميا تم تطبيقه فى عصر النبوة لما إحتاجوا الى رأى عمر بن الخطاب وغيره . هو فى النهاية تشريع ظالم يعبر عن تعصب دينى يجعل الجنسية فى الدين ، ويؤسس تفرقة بين الناس على أساس إنتمائهم الدينى . وهذا هجص يخالف الاسلام، يقول جل وعلا :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)( الحجرات )

ثالثا : البخارى ومسلم يتابعان مالك فى هجص: ( لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم )

1 ـ جاء فى صحيح البخارى :  ( وقال عمر بن عبد العزيز: أجز وصية الأسير وعتاقه، وما صنع في ماله، ما لم يتغيِّر عن دينه، فإنما هو ماله يصنع فيه ما يشاء.  -3-25 -  باب: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم.وإذا أسلم قبل أن يقسم الميراث فلا ميراث له.)

  2 ـ وجاء فى صحيح مسلم :  ( لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ).( 4225-  حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ يَحْيَى أَخْبَرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلاَ يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ. ).

رابعا : الشافعى يقوم بتفصيل هذا الهجص فى كتابه ( الأم )

1 ـ يقول الشافعى فى ( الأم ) : (  لاَ يَرِثُ أَحَدٌ مِمَّنْ سُمِّيَ لَهُ مِيرَاثٌ حَتَّى يَكُونَ دِينُهُ دِينَ الْمَيِّتِ الْمَوْرُوثِ وَيَكُونُ حُرًّا، وَيَكُونُ بَرِيئًا مِنْ أَنْ يَكُونَ قَاتِلاً لِلْمَوْرُوثِ، فَإِذَا بَرِئَ مِنْ هَذِهِ الثَّلاَثِ الْخِصَالِ وَرِثَ، وَإِذَا كَانَتْ فِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لَمْ يَرِثْ، فَقُلْت‏:‏ فَاذْكُرْ مَا وَصَفْت، قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلاَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» وَأَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلاَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» وَأَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ‏:‏ إنَّمَا وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ عَلِيٌّ، وَلاَ جَعْفَرٌ‏.‏ قَالَ‏:‏ فَلِذَلِكَ تَرَكْنَا نَصِيبَنَا مِنْ الشِّعْبِ‏.‏ قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا وَصَفْت لَك مِنْ أَنَّ الدِّينَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا بِالشِّرْكِ وَالْإِسْلاَمِ لَمْ يَتَوَارَثْ مَنْ سُمِّيَتْ لَهُ فَرِيضَةٌ. ).

الشافعى هنا يكرر هجص مالك فى:( لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم.)، ويستخدم نفس أحاديث مالك ، ويجعلها قاعدة دينية ، بزعم أنها ( سُنّة ) ، يقول : (فَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا وَصَفْت لَك مِنْ أَنَّ الدِّينَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا بِالشِّرْكِ وَالْإِسْلاَمِ لَمْ يَتَوَارَثْ مَنْ سُمِّيَتْ لَهُ فَرِيضَةٌ. ) . ولا يكتفى بذلك بل يضيف أسبابا أخرى للحرمان من الميراث لم يقُلها مالك ، وهى الرق ( العبودية ) والقتل . يقول : (لاَ يَرِثُ أَحَدٌ مِمَّنْ سُمِّيَ لَهُ مِيرَاثٌ حَتَّى يَكُونَ دِينُهُ دِينَ الْمَيِّتِ الْمَوْرُوثِ وَيَكُونُ حُرًّا، وَيَكُونُ بَرِيئًا مِنْ أَنْ يَكُونَ قَاتِلاً لِلْمَوْرُوثِ، فَإِذَا بَرِئَ مِنْ هَذِهِ الثَّلاَثِ الْخِصَالِ وَرِثَ، وَإِذَا كَانَتْ فِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لَمْ يَرِثْ . ) الاسلام إكتمل بالقرآن الكريم . أما دين السُّنة فهو دين أرضى وضعى يكتبه أربابه ، بدأ به مالك ، ثم أضاف اليه الشافعى ، وأضاف من جاء بعد الشافعى واحتلفوا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم . من هنا يأتى الشافعى بما لم يقله شيخه مالك ، ويجعله دينا باسم السُّنّة .

2 ـ   ولأن الأديان الأرضية مؤسسّة على الاختلاف والشقاق فإن الاختلاف قائم هنا . تحت عنوان : ( باب الْخِلاَفِ فِي مِيرَاثِ أَهْلِ الْمِلَلِ، وَفِيهِ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِمِيرَاثِ الْعَبْدِ وَالْقَاتِلِ ) يقول الشافعى فى كتاب ( الأم ) : ( قَالَ الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ فَوَافَقَنَا بَعْضُ النَّاسِ، فَقَالَ‏:‏ لاَ يَرِثُ مَمْلُوكٌ، وَلاَ قَاتِلٌ عَمْدًا، وَلاَ خَطَأً، وَلاَ كَافِرٌ شَيْئًا، ثُمَّ عَادَ فَقَالَ‏:‏ إذَا ارْتَدَّ الرَّجُلُ عَنْ الْإِسْلاَمِ فَمَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ، أَوْ قُتِلَ وَرِثَهُ وَرَثَتُهُ الْمُسْلِمُونَ‏.) ودخل الشافعى فى جدل ـ كعادته ـ فى كتاب ( الأم ) . ونفهم منه أن آراءه الفقهية لم تحظ بقبول فى عصره . ويتشعب الشافعى فيدخل فى هجص جديد لم يتعرص له شيخه ( مالك ) فى الموطأ ، وهو ميراث المرتد . وينتهى بقوله : ( قُلْنَا‏:‏ فَكَذَلِكَ الْمُرْتَدُّ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ الْكَافِرِينَ. ) أى لا يرث مسلما ولا يرثه مسلم .

3 ـ ثم يدخل فى هجص جديد عن حكم المرتد الذى يلحق بدار الكفر وهل هو فى حُكم الميت : ( قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَقَالَ‏:‏ مَا وَصَفْت بَعْضَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُهُمْ عِنْدَهُمْ، أَوْ كَأَعْلَمِهِمْ فَقُلْت لَهُ مَا وَصَفْت، وَقُلْت‏:‏ لَهُ أَسْأَلُك عَنْ قَوْلِك، فَقَدْ زَعَمْت أَنَّ حَرَامًا أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ أَبَدًا قَوْلاً لَيْسَ خَبَرًا لاَزِمًا، أَوْ قِيَاسًا أَقَوْلُكَ فِي أَنْ يُورَثَ الْمُرْتَدُّ، وَهُوَ حَيٌّ إذَا لَحِقَ بِدَارِ الْكُفْرِ خَبَرًا، أَوْ قِيَاسًا‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ أَمَّا خَبَرٌ فَلاَ، فَقُلْت‏:‏ فَقِيَاسٌ‏؟‏ قَالَ‏:‏ نَعَمْ مِنْ وَجْهٍ، قُلْت فَأَوْجِدْنَا ذَلِكَ الْوَجْهَ قَالَ‏:‏ أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعِي فِي الدَّارِ وَكُنْتُ قَادِرًا عَلَيْهِ قَتَلْته‏؟‏ فَقُلْت فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَادِرًا عَلَيْهِ فَتَقْتُلُهُ أَفَمَقْتُولٌ هُوَ أَمْ مَيِّتٌ بِلاَ قَتْلٍ‏؟‏ قَالَ‏:‏ لاَ قُلْت‏:‏ فَكَيْفَ حَكَمْت عَلَيْهِ حُكْمَ الْمَوْتَى، وَهُوَ غَيْرُ مَيِّتٍ‏؟‏ أَوَرَأَيْت لَوْ كَانَتْ عِلَّتُك بِأَنَّك لَوْ قَدَرْت عَلَيْهِ فِي حَالِهِ تِلْكَ فَقَتَلْته فَجَعَلْته فِي حُكْمِ الْمَوْتَى فَكَانَ هَارِبًا فِي بِلاَدِ الْإِسْلاَمِ مُقِيمًا عَلَى الرِّدَّةِ دَهْرًا مِنْ دَهْرِهِ أَتُقَسِّمُ مِيرَاثَهُ‏؟‏ قَالَ‏:‏ لاَ، قُلْت‏:‏ فَأَسْمَعُ عِلَّتَك بِأَنَّك لَوْ قَدَرْت عَلَيْهِ قَتَلْته‏.‏ قَالَ‏:‏ فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَيْهِ حُكِمَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْمَوْتَى كَانَتْ بَاطِلاً عِنْدَك فَرَجَعْت إلَى الْحَقِّ عِنْدَك فِي أَنْ لاَ تَقْتُلَهُ إذَا كَانَ هَارِبًا فِي بِلاَدِ الْإِسْلاَمِ وَأَنْتَ لَوْ قَدَرْت عَلَيْهِ قَتَلْته‏.‏ وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَك حَقًّا فَتَرَكْت الْحَقَّ فِي قَتْلِهِ إذَا كَانَ هَارِبًا فِي بِلاَدِ الْإِسْلاَمِ‏.‏قُلْت‏:‏ فَإِنَّمَا قَسَّمْت مِيرَاثَهُ بِلُحُوقِهِ بِدَارِ الْكُفْرِ دُونَ الْمَوْتِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ نَعَمْ، قُلْت‏:‏ فَالْمُسْلِمُ يَلْحَقُ بِدَارِ الْكُفْرِ أَيُقَسَّمُ مِيرَاثُهُ إذَا كَانَ فِي دَارٍ لاَ يَجْرِي عَلَيْهِ فِيهَا الْحُكْمُ‏؟‏ قَالَ‏:‏ لاَ‏.‏ قُلْنَا فَالدَّارُ لاَ تُمِيتُ أَحَدًا، وَلاَ تُحْيِيهِ، فَهُوَ حَيٌّ حَيْثُ كَانَ حَيًّا وَمَيِّتٌ حَيْثُ كَانَ مَيِّتًا‏.‏ قَالَ نَعَمْ‏:‏ قُلْنَا أَفَتَسْتَدْرِكُ عَلَى أَحَدٍ أَبَدًا بِشَيْءٍ مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ أَقْبَحُ أَنْ تَقُولَ الْحَيُّ مَيِّتٌ‏؟‏ أَرَأَيْت لَوْ تَابَعَك أَحَدٌ عَلَى أَنْ تَزْعُمَ أَنَّ حَيًّا يُقَسَّمُ مِيرَاثُهُ مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْك أَنَّ مَنْ تَابَعَك عَلَى هَذَا مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ، أَوْ غَبِيٌّ لاَ يُسْمَعُ مِنْهُ‏.‏ فَكَيْفَ إذَا كَانَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ يَدُلَّانِ مَعًا عَلَى دَلاَلَةِ الْمَعْقُولِ عَلَى خِلاَفِكُمَا مَعًا‏؟‏. ) . كلام سقيم وتفصيلات واختلافات وجدال فى موضوع غبى وهجص لا محلّ له على الاطلاق فى الاسلام . هم يقومون بتشريع يخالف شرع الله جل وعلا ، ثم ينهمكون فى تفصيله والاختلاف حوله بكلام سقيم وجدل عقيم . أى فى النهاية هو تشويش على الشريعة الاسلامية الحقيقية البسيطة الواضحة فى القرآن الكريم . وهذه مجرد ملاحظة من قراءة بعض سطور فى كتاب ( الأم ) للشافعى بأجزائه السبعة ، وهى مليئة بأنواع فريدة من الهجص . ما كان أغنى عنها المسلمون لو تفرغوا لتدبر كتاب الله جل وعلا .

أخيرا : مقتطفات أخرى من هجص الشافعى بلا تعليق :

1 ـ يقول الشافعى فى ميراث المجوس : ( مِيرَاثُ الْمَجُوسِ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَقُلْنَا‏:‏ إذَا أَسْلَمَ الْمَجُوسِيُّ وَابْنَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتُهُ، أَوْ أُخْتُهُ أُمُّهُ نَظَرْنَا إلَى أَعْظَمِ السَّبَبَيْنِ فَوَرَّثْنَاهَا بِهِ وَأَلْغَيْنَا الْآخَرَ وَأَعْظَمُهُمَا أَثْبَتُهُمَا بِكُلِّ حَالٍ، وَإِذَا كَانَتْ أُمٌّ أُخْتًا وَرَّثْنَاهَا بِأَنَّهَا أُمٌّ وَذَلِكَ أَنَّ الْأُمَّ قَدْ تَثْبُتُ فِي كُلِّ حَالٍ وَالْأُخْتَ قَدْ تَزُولُ وَهَكَذَا جَمِيعُ فَرَائِضِهِمْ عَلَى هَذِهِ الْمَنَازِلِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ أُوَرِّثُهَا مِنْ الْوَجْهَيْنِ مَعَهَا فَقُلْنَا لَهُ أَرَأَيْت إذَا كَانَ مَعَهَا أُخْتٌ وَهِيَ أُخْتُ أُمٍّ‏؟‏ قَالَ أَحْجُبُهَا مِنْ الثُّلُثِ بِأَنَّ مَعَهَا أُخْتَيْنِ وَأُوَرِّثُهَا مِنْ الْوَجْهِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهَا أُخْتٌ قُلْنَا أَرَأَيْت حُكْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إذْ جَعَلَ لِلْأُمِّ الثُّلُثَ فِي حَالٍ وَنَقَصَهَا مِنْهُ بِدُخُولِ الْإِخْوَةِ عَلَيْهَا أَلَيْسَ إنَّمَا نَقَصَهَا بِغَيْرِهَا لاَ بِنَفْسِهَا‏؟‏ قَالَ‏:‏ بَلَى بِغَيْرِهَا نَقَصَهَا فَقُلْنَا وَغَيْرُهَا خِلاَفُهَا‏؟‏ قَالَ‏:‏ نَعَمْ قُلْنَا، فَإِذَا نَقَصْتهَا بِنَفْسِهَا أَفَلَيْسَ قَدْ نَقَصْتهَا بِخِلاَفِ مَا نَقَصَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ‏؟‏ وَقُلْنَا أَرَأَيْت إذَا كَانَتْ أُمًّا عَلَى الْكَمَالِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تُعْطِيَهَا بِنَقْصِهَا دُونَ الْكَمَالِ وَتُعْطِيَهَا أُمًّا كَامِلَةً وَأُخْتًا كَامِلَةً وَهُمَا بَدَنَانِ، وَهَذَا بَدَنٌ‏؟‏ قَالَ‏:‏ فَقَدْ دَخَلَ عَلَيْك أَنْ عَطَّلْت أَحَدَ الْحَقَّيْنِ قُلْنَا لَمَّا لَمْ يَكُنْ سَبِيلٌ إلَى اسْتِعْمَالِهِمَا إلَّا بِخِلاَفِ الْكِتَابِ وَخِلاَفِ الْمَعْقُولِ لَمْ يَجُزْ إلَّا تَعْطِيلُ أَصْغَرِهِمَا لاَ أَكْبَرِهِمَا قَالَ‏:‏ فَهَلْ تَجِدُ عَلَيْنَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ‏؟‏ قُلْنَا نَعَمْ قَدْ تَزْعُمُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَيْسَ بِكَامِلِ الْحُرِّيَّةِ، وَلاَ رَقِيقٍ وَأَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ تَكْمُلْ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ صَارَ إلَى حُكْمِ الْعَبِيدِ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَرِثُ، وَلاَ يُورَثُ، وَلاَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَلاَ يُحَدُّ مَنْ قَذَفَهُ، وَلاَ يُحَدُّ هُوَ إلَّا حَدَّ الْعَبِيدِ فَتَعَطَّلَ مَوْضِعُ الْحُرِّيَّةِ مِنْهُ قَالَ‏:‏ إنِّي أَحْكُمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَقِيقٌ قُلْت‏:‏ أَفِي كُلِّ حَالٍ، أَوْ فِي بَعْضِ حَالٍ دُونَ بَعْضٍ‏؟‏ قَالَ‏:‏ بَلْ فِي بَعْضِ حَالِهِ دُونَ بَعْضٍ؛ لِأَنِّي لَوْ قُلْت‏:‏ لَك فِي كُلِّ حَالِهِ قُلْت لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَأْخُذَ مَالَهُ، قُلْت‏:‏ فَإِذَا كَانَ قَدْ اخْتَلَطَ أَمْرُهُ فَلَمْ يُمْحَضْ عَبْدًا، وَلَمْ يُمْحَضْ حُرًّا فَكَيْفَ لَمْ تَقُلْ فِيهِ بِمَا رَوَيْته عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى وَيُحَدُّ بِقَدْرِ مَا أَدَّى وَيَرِثُ وَيُورَثُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى‏؟‏ قَالَ‏:‏ لاَ تَقُولُ بِهِ قُلْنَا وَتَصِيرُ عَلَى أَصْلِ أَحْكَامِهِ، وَهُوَ حُكْمُ الْعَبِيدِ فِيمَا نَزَلَ بِهِ وَتَمْنَعُهُ الْمِيرَاثَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ نَعَمْ قُلْنَا فَكَيْفَ لَمْ تَجُزْ لَنَا فِي فَرْضِ الْمَجُوسِ مَا وَصَفْنَا‏؟‏ وَإِنَّمَا صَيَّرْنَا الْمَجُوسَ إلَى أَنْ أَعْطَيْنَاهُمْ بِأَكْثَرِ مَا يَسْتَوْجِبُونَ فَلَمْ نَمْنَعْهُمْ حَقًّا مِنْ وَجْهٍ إلَّا أَعْطَيْنَاهُمْ ذَلِكَ الْحَقَّ، أَوْ بَعْضَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَجَعَلْنَا الْحُكْمَ فِيهِمْ حُكْمًا وَاحِدًا مَعْقُولاً لاَ مُتَبَعِّضًا لاَ أَنَّا جَعَلْنَا بَدَنًا وَاحِدًا فِي حُكْمِ بَدَنَيْنِ‏.‏)

2 ـ ويقول الشافعى يثرثر فى ميراث المرتد : ( مِيرَاثُ الْمُرْتَدِّ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلاَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ»‏.‏ قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَبِهَذَا نَقُولُ فَكُلُّ مَنْ خَالَفَ دِينَ الْإِسْلاَمِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ فَإِنْ ارْتَدَّ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلاَءِ عَنْ الْإِسْلاَمِ لَمْ يَرِثْهُ الْمُسْلِمُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَطْعِ اللَّهِ الْوِلاَيَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، فَوَافَقْنَا بَعْضَ النَّاسِ عَلَى كُلِّ كَافِرٍ إلَّا الْمُرْتَدَّ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ قَالَ تَرِثُهُ وَرَثَتُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقُلْنَا فَيَعْدُو الْمُرْتَدُّ أَنْ يَكُونَ دَاخِلاً فِي مَعْنَى الْكَافِرِينَ، أَوْ يَكُونَ فِي أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ‏؟‏ فَإِنْ قُلْت‏:‏ هُوَ فِي بَعْضِ حُكْمِهِ فِي أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، قُلْنَا أَفَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا فِي حُكْمٍ مُؤْمِنًا فِي غَيْرِهِ‏؟‏ فَيَقُولُ لَك غَيْرُك فَهُوَ كَافِرٌ حَيْثُ جَعَلْته مُؤْمِنًا وَمُؤْمِنٌ حَيْثُ جَعَلْته كَافِرًا، قَالَ‏:‏ لاَ، قُلْنَا أَفَلَيْسَ يَجُوزُ لَك مِنْ هَذَا شَيْءٌ إلَّا جَازَ عَلَيْك مِثْلُهُ‏؟‏ قَالَ‏:‏ فَإِنَّا إنَّمَا صِرْنَا فِي هَذَا إلَى أَثَرٍ رَوَيْنَاهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَتَلَ الْمُسْتَوْرِدَ وَوَرَّثَ مِيرَاثَهُ وَرَثَتَهُ الْمُسْلِمِينَ قُلْنَا، فَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْكُمْ أَنَّهُ غَلَطٌ وَنَحْنُ نَجْعَلُهُ لَك ثَابِتًا أَفَرَأَيْت حُكْمَهُ فِي سِوَى الْمِيرَاثِ أَحُكْمُ مُشْرِكٍ، أَوْ مُسْلِمٍ‏؟‏ قَالَ‏:‏ بَلْ حُكْمُ مُشْرِكٍ قُلْنَا فَإِنْ حَبَسْت الْمُرْتَدَّ لِقَتْلِهِ أَوْ لِتَسْتَتِيبَهُ فَمَاتَ ابْنٌ لَهُ مُسْلِمٌ أَيَرِثُهُ‏؟‏ قَالَ‏:‏ لاَ، قُلْنَا أَفَرَأَيْت أَحَدًا قَطُّ لاَ يَرِثُ وَلَدَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَاتِلَهُ وَيَرِثُهُ وَلَدُهُ‏؟‏ إنَّمَا أَثْبَتَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمَوَارِيثَ لِلْأَبْنَاءِ مِنْ الْآبَاءِ حَيْثُ أَثْبَتَ الْمَوَارِيثَ لِلْآبَاءِ مِنْ الْأَبْنَاءِ وَقَطَعَ وِلاَيَةَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ «لاَ يَرِثَ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلاَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» فَإِنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ خَارِجًا مِنْ مَعْنَى حُكْمِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَحُكْمِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْنِ الْمُشْرِكِينَ بِالْأَثَرِ الَّذِي زَعَمْت لَزِمَك أَنْ تَكُونَ قَدْ خَالَفْت الْأَثَرَ؛ لِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه لَمْ يَمْنَعْهُ مِيرَاثَ وَلَدِهِ لَوْ مَاتُوا، وَهُوَ لَوْ وَرَّثَ وَلَدَهُ مِنْهُ انْبَغَى أَنْ يُوَرِّثَهُ وَلَدَهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ مُخَالِفًا لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَرِثُوهُ، وَلاَ يَرِثُهُمْ كَانَ فِي مِثْلِ مَعْنَى مَا حَكَمَ بِهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَقَالَ‏:‏ نَرِثُ الْمُشْرِكِينَ، وَلاَ يَرِثُونَا كَمَا تَحِلُّ لَنَا نِسَاؤُهُمْ، وَلاَ تَحِلُّ لَهُمْ نِسَاؤُنَا أَفَرَأَيْت إنْ احْتَجَّ عَلَيْك أَحَدٌ بِهَذَا مِنْ قَوْلِ مُعَاوِيَةَ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ شَبِيهُهُ‏.‏

وَقَدْ قَالَهُ مُعَاوِيَةُ وَمُعَاذٌ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ‏:‏ لَك إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا كَانَ يَحْكُمُ بِهِ عَلَى أَهْلِ الْأَوْثَانِ وَالنِّسَاءِ اللَّاتِي يَحْلِلْنَ لِلْمُسْلِمِينَ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ لاَ نِسَاءِ أَهْلِ الْأَوْثَانِ فَقَالَ‏:‏ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَلِمُعَاوِيَة وَلَهُمَا فِقْهٌ وَعِلْمٌ فَلِمَ لَمْ تُوَافِقْ قَوْلَهُمَا‏؟‏ وَقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلاَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ الْكُفَّارَ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ وَأَتَّبِعُ مُعَاوِيَةَ وَمُعَاذًا فِي أَهْلِ الْكِتَابِ فَأُوَرِّثُ الْمُسْلِمَ مِنْ الْكَافِرِ، وَلاَ أُوَرِّثُ الْكَافِرَ مِنْ الْمُسْلِمِ كَمَا أَقُولُ فِي نِكَاحِ نِسَائِهِمْ قَالَ‏:‏ لاَ يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ‏:‏ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» فَهَذَا عَلَى جَمِيعِ الْكُفَّارِ، قُلْنَا وَلِمَ لاَ تَسْتَدِلُّ بِقَوْلِ مَنْ سَمَّيْنَا مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ مُحْتَمَلٌ لَهُ‏؟‏ قَالَ إنَّهُ قَلَّ حَدِيثٌ إلَّا وَهُوَ يَحْتَمِلُ مَعَانِيَ وَالْأَحَادِيثُ عَلَى ظَاهِرِهَا لاَ تُحَالُ عَنْهُ إلَى مَعْنَى تَحْتَمِلُهُ إلَّا بِدَلاَلَةٍ عَمَّنْ حَدَّثَ عَنْهُ قُلْنَا، وَلاَ يَكُونُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ مُقَدَّمًا حُجَّةً فِي أَنْ يَقُولَ بِمَعْنًى يَحْتَمِلُهُ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ لاَ قُلْنَا فَكُلُّ مَا قُلْت‏:‏ مِنْ هَذَا حُجَّةٌ عَلَيْك فِي مِيرَاثِ الْمُرْتَدِّ، وَفِيمَا رَوَيْت عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِثْلُهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَقُلْنَا لاَ يُؤْخَذُ مَالُ الْمُرْتَدِّ عَنْهُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ عَلَى رِدَّتِهِ، وَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلاَمِ كَانَ أَحَقَّ بِمَالِهِ‏.‏ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إذَا ارْتَدَّ فَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ قَسَّمَ الْإِمَامُ مِيرَاثَهُ كَمَا يُقَسِّمُ مِيرَاثَ الْمَيِّتِ وَأَعْتَقَ أُمَّهَاتِ أَوْلاَدِهِ وَمُدَبَّرِيهِ وَجَعَلَ دَيْنَهُ الْمُؤَجَّلَ حَالًّا وَأَعْطَى وَرَثَتَهُ مِيرَاثَهُ فَقِيلَ‏:‏ لَهُ عِبْت أَنْ يَكُونَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ رضي الله تعالى عنهما حَكَمَا فِي دَارِ السُّنَّةِ وَالْهِجْرَةِ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ الَّذِي لاَ يُسْمَعُ لَهُ بِخَبَرٍ وَالْأَغْلَبُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ بِأَنْ تَتَرَبَّصَ امْرَأَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ثُمَّ تُنْكَحُ فَقُلْت‏:‏ وَكَيْفَ نَحْكُمُ بِحُكْمِ الْوَفَاةِ عَلَى رَجُلٍ امْرَأَتُهُ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَيًّا‏؟‏ وَهُمْ لَمْ يَحْكُمُوا فِي مَالِهِ بِحُكْمِ الْحَيَاةِ إنَّمَا حَكَمُوا بِهِ لِمَعْنَى الضَّرَرِ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَقَدْ نُفَرِّقُ نَحْنُ وَأَنْتَ بَيْنَ الزَّوْجِ وَزَوْجَتِهِ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا الضَّرَرِ عَلَى الزَّوْجَةِ فَنَزْعُمُ أَنَّهُ إذَا كَانَ عِنِّينًا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ صِرْت بِرَأْيِك إلَى أَنْ حَكَمْت عَلَى رَجُلٍ حَيٍّ لَوْ ارْتَدَّ بطرسس فَامْتَنَعَ بِمُسَلِّحَةِ الرُّومِ وَنَحْنُ نَرَى حَيَاتَهُ بِحُكْمِ الْمَوْتَى فِي كُلِّ شَيْءٍ فِي سَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ خَالَفْت فِيهِ الْقُرْآنَ وَدَخَلْت فِي أَعْظَمِ مِنْ الَّذِي عِبْت‏.‏ وَخَالَفْت مَنْ عَلَيْك عِنْدَك اتِّبَاعُهُ فِيمَا عَرَفْت وَأَنْكَرْت‏.‏ قَالَ‏:‏ وَأَيْنَ الْقُرْآنُ الَّذِي خَالَفْت‏؟‏ قُلْت‏:‏ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ‏:‏ ‏{‏إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ‏}‏ وَقَالَ‏:‏ جَلَّ وَعَزَّ‏:‏ ‏{‏وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ‏}‏ فَإِنَّمَا نَقَلَ مِلْكَ الْمَوْتَى إلَى الْأَحْيَاءِ وَالْمَوْتَى خِلاَفُ الْأَحْيَاءِ، وَلَمْ يَنْقُلْ بِمِيرَاثٍ قَطُّ مِيرَاثَ حَيٍّ إلَى حَيٍّ فَنَقَلْت مِيرَاثَ الْحَيِّ إلَى الْحَيِّ، وَهُوَ خِلاَفُ حُكْمِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى‏.‏ قَالَ‏:‏ فَإِنِّي أَزْعُمُ أَنَّ رِدَّتَهُ وَلُحُوقَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ مِثْلُ مَوْتِهِ، قُلْت‏:‏ قَوْلُك هَذَا خَبَرٌ‏؟‏ قَالَ‏:‏ مَا فِيهِ خَبَرٌ، وَلَكِنِّي قُلْته قِيَاسًا‏.‏ قُلْت‏:‏ فَأَيْنَ الْقِيَاسُ‏؟‏ قَالَ‏:‏ أَلاَ تَرَى أَنِّي لَوْ وَجَدْته فِي هَذِهِ الْحَالِ قَتَلْته فَكَانَ مَيِّتًا، قُلْت‏:‏ قَدْ عَلِمْت أَنَّك إذَا قَتَلْته مَاتَ فَأَنْتَ لَمْ تَقْتُلْهُ فَأَيْنَ الْقِيَاسُ‏؟‏ إنَّمَا قَتْلُهُ لَوْ أَمَتَّهُ فَأَنْتَ لَمْ تُمِتْهُ‏.‏ وَلَوْ كُنْت بِقَوْلِك لَوْ قَدَرْت عَلَيْهِ قَتَلْته كَالْقَاتِلِ لَهُ لَزِمَك إذَا رَجَعَ إلَى بِلاَدِ الْإِسْلاَمِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ الْمَيِّتَ فَتُنَفِّذُ عَلَيْهِ حُكْمَ الْمَوْتَى‏.‏ قَالَ‏:‏ مَا أَفْعَلُ وَكَيْفَ أَفْعَلُ، وَهُوَ حَيٌّ‏؟‏ قُلْت‏:‏ قَدْ فَعَلْت أَوَّلاً، وَهُوَ حَيٌّ ثُمَّ زَعَمْت أَنَّك إنْ حَكَمْت عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْمَوْتَى فَرَجَعَ تَائِبًا وَأُمُّ وَلَدِهِ قَائِمَةٌ وَمُدَبَّرُهُ قَائِمٌ، وَفِي يَدِ غَرِيمِهِ مَالُهُ بِعَيْنِهِ الَّذِي دَفَعْته إلَيْهِ، وَهُوَ إلَى عَشْرِ سِنِينَ، وَفِي يَدِ أَبِيهِ مِيرَاثُهُ فَقَالَ‏:‏ لَك رُدَّ عَلَيَّ مَالِي، وَهَذَا غَرِيمِي يَقُولُ هَذَا مَالُك بِعَيْنِهِ لَمْ أُغَيِّرْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ لِي إلَى عَشْرِ سِنِينَ وَهَذِهِ أُمُّ وَلَدِي وَمُدَبَّرِي بِأَعْيَانِهِمَا‏.‏ قَالَ‏:‏ لاَ أَرُدُّهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ نَفَذَ فِيهِ، قُلْنَا فَكَيْفَ رَدَدْت عَلَيْهِ مَا فِي يَدَيْ وَارِثِهِ، وَقَدْ نَفَذَ لَهُ بِهِ الْحُكْمُ‏؟‏ قَالَ‏:‏ هَذَا مَالُهُ بِعَيْنِهِ، قُلْنَا‏:‏ وَالْمَالُ الَّذِي فِي يَدِ غَرِيمِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ وَمُدَبَّرُهُ مَالُهُ بِعَيْنِهِ، فَكَيْفَ نَقَضْت الْحُكْمَ فِي بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ‏؟‏ هَلْ قُلْت‏:‏ هَذَا خَبَرًا، أَوْ قِيَاسًا قَالَ‏:‏ مَا قُلْته خَبَرًا، وَلَكِنْ قُلْته قِيَاسًا، قُلْنَا فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ قِسْته‏؟‏ قَالَ عَلَى أَمْوَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ يُصِيبُهَا أَهْلُ الْعَدْلِ، فَإِنْ تَابَ أَهْلُ الْبَغْيِ فَوَجَدُوا أَمْوَالَهُمْ بِأَعْيَانِهَا أَخَذُوهَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدُوهَا بِأَعْيَانِهَا لَمْ يَغْرَمْهَا أَهْلُ الْعَدْلِ، وَكَذَلِكَ مَا أَصَابَ أَهْلُ الْعَدْلِ لِأَهْلِ الْبَغْيِ، قُلْنَا فَهَذَا وَجَدَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَرَدَدْت بَعْضَهُ، وَلَمْ تَرْدُدْ بَعْضَهُ فَأَمَّا أَهْلُ الْعَدْلِ لَوْ أَصَابُوا لِأَهْلِ الْبَغْيِ أُمَّ وَلَدٍ، أَوْ مُدَبَّرَةً رَدَدْتُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِمَا وَقُلْت‏:‏ لاَ يَعْتِقَانِ، وَلاَ يَمْلِكُهُمَا غَيْرُ صَاحِبِهِمَا وَلَيْسَ هَكَذَا قُلْت‏:‏ فِي مَالِ الْمُرْتَدِّ‏.‏)

3 ـ ويثرثر فى ميراث المشركة فيقول : ( مِيرَاثُ الْمُشْرِكَةِ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ قُلْنَا‏:‏ إنَّ الْمُشْرِكَةَ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأَخَوَانِ لِأَبٍ وَأُمٌّ وَأَخَوَانِ لِأُمٍّ فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ وَلِلْأَخَوَيْنِ مِنْ الْأُمِّ الثُّلُثُ وَيُشْرِكُهُمْ بَنُو الْأَبِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَمَّا سَقَطَ حُكْمُهُ صَارُوا بَنِي أُمٍّ مَعًا وَقَالَ‏:‏ بَعْضُ النَّاسِ مِثْلَ قَوْلِنَا إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا لاَ يُشْرِكُهُمْ بَنُو الْأَبِ وَالْأُمِّ وَاحْتَجُّوا عَلَيْنَا بِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَلَفُوا فِيهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلَنَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُمْ فَقَالُوا اخْتَرْنَا قَوْلَ مَنْ قُلْنَا بِقَوْلِهِ مِنْ قَبْلُ أَنَّا وَجَدْنَا بَنِي الْأَبِ وَالْأُمِّ قَدْ يَكُونُونَ مَعَ بَنِي الْأُمِّ فَيَكُونُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ الثُّلُثَانِ وَلِلْجَمَاعَةِ مِنْ بَنِي الْأُمِّ الثُّلُثُ وَوَجَدْنَا بَنِي الْأَبِ وَالْأُمِّ قَدْ يُشْرِكُهُمْ أَهْلُ الْفَرَائِضِ فَيَأْخُذُونَ أَقَلَّ مِمَّا يَأْخُذُ بَنُو الْأُمِّ فَلَمَّا وَجَدْنَاهُمْ مَرَّةً يَأْخُذُونَ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْخُذُونَ وَمَرَّةً أَقَلَّ مِمَّا يَأْخُذُونَ فَرَّقْنَا بَيْنَ حُكْمَيْهِمْ فَوَرَّثْنَا كُلًّا عَلَى حُكْمِهِ؛ لِأَنَّا وَإِنْ جَمَعَتْهُمْ الْأُمُّ لَمْ نُعْطِهِمْ دُونَ الْأَبِ، وَإِنْ أَعْطَيْنَاهُمْ بِالْأَبِ مَعَ الْأُمِّ فَرَّقْنَا بَيْنَ حُكْمَيْهِمْ فَقُلْنَا إنَّا إنَّمَا أَشْرَكْنَاهُمْ مَعَ بَنِي الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ جَمَعَتْهُمْ وَسَقَطَ حُكْمُ الْأَبِ، فَإِذَا سَقَطَ حُكْمُ الْأَبِ كَانَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَلَوْ صَارَ لِلْأَبِ مَوْضِعٌ يَكُونُ لَهُ فِيهِ حُكْمٌ اسْتَعْمَلْنَاهُ قَلَّ نُصِيبُهُمْ، أَوْ كَثُرَ قَالَ‏:‏ فَهَلْ تَجِدُ مِثْلَ مَا وَصَفْت مِنْ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُسْتَعْمِلاً فِي حَالٍ ثُمَّ تَأْتِي حَالٌ فَلاَ يَكُونُ مُسْتَعْمِلاً فِيهَا‏؟‏ قُلْنَا نَعَمْ، قَالَ‏:‏ وَمَا ذَاكَ‏؟‏ قُلْنَا مَا قُلْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ وَخَالَفْت فِيهِ صَاحِبَك مِنْ الزَّوْجِ يَنْكِحُ الْمَرْأَةَ بَعْدَ ثَلاَثِ تَطْلِيقَاتٍ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَحِلُّ لِلزَّوْجِ قَبْلَهُ وَيَكُونُ مُبْتَدِئًا لِنِكَاحِهَا وَتَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى ثَلاَثٍ، وَلَوْ نَكَحَهَا بَعْدَ وَاحِدَةٍ، أَوْ اثْنَتَيْنِ لَمْ يَهْدِمْ الْوَاحِدَ، وَلاَ الثِّنْتَيْنِ كَمَا يَهْدِمُ الثَّلاَثَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ مَعْنًى فِي إحْلاَلِ الْمَرْأَةِ هُدِمَ الطَّلاَقُ الَّذِي تَقَدَّمَهُ إذَا كَانَتْ لاَ تَحِلُّ إلَّا بِهِ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى فِي الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ وَكَانَتْ تَحِلُّ لِزَوْجِهَا بِنِكَاحٍ قَبْلَ زَوْجٍ كَمَا كَانَتْ تَحِلُّ لَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى فَلَمْ نَسْتَعْمِلْهُ قَالَ‏:‏ إنَّا لَنَقُولُ هَذَا خَبَرًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قُلْت‏:‏ وَقِيَاسًا كَمَا وَصَفْنَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَالَفَ عُمَرُ فِيهِ غَيْرَهُ‏.‏

قَالَ‏:‏ فَهَلْ تَجِدُ لِي هَذَا فِي الْفَرَائِضِ‏؟‏ قُلْت‏:‏ نَعَمْ الْأَبُ يَمُوتُ ابْنُهُ وَلِلِابْنِ إخْوَةٌ فَلاَ يَرِثُونَ مَعَ الْأَبِ، فَإِذَا كَانَ الْأَبُ قَاتِلاً وَرِثُوا، وَلَمْ يُوَرَّثْ الْأَبُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ حُكْمَ الْأَبِ قَدْ زَالَ وَمَا زَالَ حُكْمُهُ كَانَ كَمَنْ لَمْ يَكُنْ فَلَمْ نَمْنَعْهُمْ الْمِيرَاثَ لَهُ إذَا صَارَ لاَ حُكْمَ لَهُ كَمَا مَنَعْنَاهُمْ بِهِ إذَا كَانَ لَهُ حُكْمٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ كَافِرًا أَوْ مَمْلُوكًا قَالَ‏:‏ فَهَذَا لاَ يَرِثُ بِحَالٍ وَأُولَئِكَ يَرِثُونَ بِحَالٍ قُلْنَا‏:‏ أَوَلَيْسَ إنَّمَا نَنْظُرُ فِي الْمِيرَاثِ إلَى الْفَرِيضَةِ الَّتِي يُدْلُونَ فِيهَا بِحُقُوقِهِمْ لاَ نَنْظُرُ إلَى حَالِهِمْ قَبْلَهَا، وَلاَ بَعْدَهَا‏؟‏ قَالَ‏:‏ وَمَا تَعْنِي بِذَلِكَ‏؟‏ قُلْت‏:‏ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَاتِلاً وَرِثَ، وَإِذَا صَارَ قَاتِلاً لَمْ يَرِثْ، وَلَوْ كَانَ مَمْلُوكًا فَمَاتَ ابْنُهُ لَمْ يَرِثْ، وَلَوْ عَتَقَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَرِثَ قَالَ‏:‏ هَذَا هَكَذَا‏؟‏ قُلْنَا فَنَظَرْنَا إلَى الْحَالِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ فِيهَا لِلْأَبِ حُكْمٌ فِي الْفَرِيضَةِ أَسْقَطْنَاهُ وَوَجَدْنَاهُمْ لاَ يَخْرُجُونَ مِنْ أَنْ يَكُونُوا إلَى بَنِي الْأُمِّ‏.) .

سؤال أخير : بعد أن عرفنا روعة الاسلام فى بداية هذا المقال ، إن لم يكن هذا هجصا .. فماذا يكون ؟

كتاب الميراث: ب2 ف 2   (هجص فى موانع الارث )

 الباب الثانى: الهجص السّنى فى الميراث

الفصل الثانى : (هجص فى موانع الارث )

أولا : الهجص السنى أسوأ أنواع الهجص

1 ـ هناك هجص علمانى فكاهى ينزع الابتسامة ويشرح الصدر ، ونتعامل معه على أنه هجص فنضحك ونتسلى . ولكن الهجص الدينى يتنكر ويأتينا بصورة جادة وحادة ، يزعم انه دين الاهى ووحى سماوى وشريعة الاهية تتطلب التقديس والتطبيق . وبذلك تستلزم من البشر التخلى عن عقولهم ليستقبلوا ذلك الهجص بالتقديس . على أن الهجص الدينى ليس كله سواء فى الظلم . هناك هجص صوفى يتخصص فى الخرافات يفترى على الله جل وعلا كذبا ليقتات منهم النذور ولكنه هجص مُسالم . إلا أن الهجص السُّنى  سنيا يفترى على الله جل وعلا كذبا ليقتل باسمه جل وعلا الأبرياء ويصادر أموالهم ويسترق نساءهم وذراريهم ويحتل بلادهم . هذا الهجص الظالم السّام هو جوهر الدين السّنّى وأساس شريعته ، ومنها شريعته فى الميراث .

2 ـ وفى الفصل السابق عرضنا لهجصهم الذى يزعم أن المسلم لا يرث الكافر وأن الكافر لا يرث المسلم ، وقد صاغوا ذلك فى أحاديث ، وقام الشافعى بتفصيلها والتوسع فيها . وقد يرى البعض فى هذا نوعا من اللّغو النظرى الذى لا يقبل التطبيق فى عصرنا . ولكن نُنبّه الى أن دستور الاخوان المسلمين الذى حاولوا فرضه على مصر كانت المادة 219 منه تحدّد الشريعة بأنه شريعة ( أهل السنة والجماعة ) ، وبالتالى فعند التمكين ـ لو إستمروا فى الحكم ـ فسيطبقون هذه الشريعة بحذافيرها ، وهذا ما نبهنا عليه فى كتاب ضم مقالات فى تحليل دستور مرسى وخطورة تطبيقه . وبالتالى فإن تطبيق هذا الهجص ـ الذى يحرم الوارث من حقه عند إختلاف الدين ـ سيكون فادحا فى ظلمه وفى مصادرته لحق الورثة ، وسيكون سلاحا فى يد الإخوان يهددون به خصومهم وينتقمون به منهم ، وبه  ينهبون التركات بسيف الشريعة السُّنّية . ونعطى أمثلة :

2 / 1 : يرى أئمة الفقه السلفى المعاصرين كأبى بكر الجزائرى فى كتابه ( منهاج المسلم ) وسيد سابق مُفتى الاخوان فى كتابه ( فقه السّنة ) والجزرى فى ( موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة ) أن الزنديق هو من يؤمن بالكتاب والسنة ولكن يعترض على متن أو إسناد بعض الأحاديث ، ويرون أن حكمه هو القتل بلا محاكمة وعند العثور عليه وأنه يُقتل حتى لو تاب . هذا التطرف قال به ابن تيمية فى العصر المملوكى فى القرن الثامن الهجرى ، وربما لم يخطر على بال الشافعى وروّاد الشريعة السنية فى القرن الثالث الهجرى . فإذا كان هذا حال الزنديق فلن يسمحوا له بأن يرث والده أو زوجته أو إبنه أو أخاه . أى إن كل من يختلف مع الاخوان ـ حتى لو كان متمسكا بالسُّنة مثلهم ـ ولكن له بعض أتجاهات مستنيرة وليس مثلهم فى التشدّد ، مصيره الاتهام بالزندقة والقتل الفورى ، ومصادرة حقه فى أن يرث أباه أو زوجته أو إبنه أو أخاه .

2/ 2 : إذا كان هذا هو مصير المثقف السّنى فكيف بمن يتهمهم الوهابيون والسلفيون والاخوان بالكفر علنا مثل الماركسيين والعلمانيين والشيعة والصوفية وأهل القرآن ؟

2/ 3 : ولن ينجو الأقباط والمسيحيون من هذا الهجص السّام القائل :( لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم ) . نتصور أن الاستاذ جرجس عازر مات و( تنيّح ) وصعد للسماء .!، وترك سلسلة من محلات الجواهر والذهب يسيل لها لُعاب الاخوان . الأمر غاية فى البساطة . طبقا للنظام القضائى الاخوانى وشريعتهم ، يأتى إثنان من الشهود ( العدول ) الى القاضى يشهدان بأن الاستاذ جرجس عازر قد أفضى لهما بأنه اسلم ، أو أنه أعلن أمامهما وعلى أيديهما إسلامه ، وأراد كتم الأمر خوفا من عائلته . وبناء على هذه الشهادة يحكم القاضى باسلامه ، ويمنع أن يرثه أبناؤه ( الكفرة ).! وتتم مصادرة تركته لصالح الدولة الدينية الاخوانية وجيوب أربابها التى لا قاع لها.! . بل ربما لا ينتظر زبانية الاخوان موت الاستاذ جرجس عازر ، فيبتزونه وهو حى ّ يُرزق ليدفع لهم حتى لا يشهدوا ضده أنه أسلم ، ويترتب على هذا التفريق بينه وبين زوجته ، وحرمان ورثته بعد موته ..وأمثلة كثيرة من هذا ذكرته فى ذلك الكتاب عن دستور مرسى ، وهو منشور هنا .

ثانيا : بقية الهجص فى موانع الارث :

1 ـ فى عصرنا نقل أئمة التشريع السلفى السّنى والوهابى ما ردّده فقهاء السّنة فى العصور الوسطى فى موانع الإرث ، وقد إتّفقوا على ( إختلاف الدين ) وأضافوا أسبابا أخرى ومظاليم آخرين الى قائمة الضحايا ، مع إختلاف بينهم .

2 ـ يذكر سيد سابق فى ( فقه السُّنّة ) أن موانع الارث  أربعة ، وهى : الرق : سواء أكان تاما أم ناقصا ، والقتل العمد المحرم ،  واختلاف الدين : فلا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم ، واختلاف الدارين أي الوطن. وإنّ المرتد المرتد لا يرث من غيره ولا يرثه غيره، وإنما ميراثه يكون لبيت مال المسلمين . أى للإخوان المسلمين .! لو تحكموا فى المسلمين .  ويمنع سيد سابق من الميراث ( ابن الزنا ) و( ابن الملاعنة ) ، ويقول : ( ابن الزنا هو المولود من غير زواج شرعي وابن الملاعنة هو الذي نفى الزوج الشرعي نسبه منه . وابن الزنا وابن الملاعنة لا توارث بينهما وبين أبويهما باجماع المسلمين لانتفاء النسب الشرعي . وإنما التوارث بينهما وبين أميهما .).يقول سيد سابق بكل جُرأة ( باجماع المسلمين ) لأنه يرى أن السلفيين السنيين الوهابيين هم كل المسلمين .ومن عداهم ليسوا مسلمين !

3 ـ ويجعل أبو بكر الجزائرى فى ( منهاج المسلم ) موانع الارث ستة ، وهى الكفر والقتل و الرقّ و الزنا ، أى لا يرث الولد من الزنا ، وابن اللعان ، إذا لاعن الزوج زوجته ونفى ابنه منها . وأن يولد الجنين ميتا .

4 ـ  وفى ( موسوعة الفقه ) يذكر الفقيه السعودى ( التويجرى ) أنّ موانع الإرث ثلاث فقط وهى : الرقّ ، والقتل بغير الحق فلا يرث القاتل المقتول عمداً أو خطأ .  واختلاف الدين: فلا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم . وفى موضع آخر يمنع ميراث ابن الزنا وابن الملاعنة مكررا بالنص ما قاله شيخه سيد سابق .

ثالثا : أصل هذا الهجص والرد عليه :

 1 ـ قال الشافعى : (  وَلَمْ أَسْمَعْ اخْتِلاَفًا فِي أَنَّ قَاتِلَ الرَّجُلِ عَمْدًا لاَ يَرِثُ مَنْ قَتَلَ مِنْ دِيَةٍ، وَلاَ مَالٍ شَيْئًا‏.‏) هو لم يسمع إختلافا فى هذا الموضوع ، فهل سمع كل الناس ؟ وهل إذا قال كل الناس رأيا اصبح دينا سماويا ؟ وهل الناس مصدر الدين أم هو رب العالمين ؟ كلام الشافعى يؤكد ما نقوله عن السُّنة أنها دين أرضى صنعه ويصنعه الناس . ثم يذكر الاختلاف فى توريث القاتل بالخطأ : ( ثُمَّ افْتَرَقَ النَّاسُ فِي الْقَاتِلِ خَطَأً، فَقَالَ‏:‏ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَرِثُ مِنْ الْمَالِ، وَلاَ يَرِثُ مِنْ الدِّيَةِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَدِيثٍ لاَ يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ‏:‏ لاَ يَرِثُ قَاتِلُ الْخَطَأِ مِنْ دِيَةٍ، وَلاَ مَالٍ، وَهُوَ كَقَاتِلِ الْعَمْدِ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْحَدِيثُ فَلاَ يَرِثُ قَاتِلُ عَمْدٍ، وَلاَ خَطَأٍ شَيْئًا أَشْبَهَ بِعُمُومِ أَنْ لاَ يَرِثَ قَاتِلٌ مِمَّنْ قَتَلَ‏. ) هنا يعترف الشافعى بأن بعضهم صنع حديثا نسبه للنبى ليثبت به وجهة نظره . وهذا ما يفعله الشافعى وشيخه مالك . ولكن لأن الشافعى يخالف هذا الرأى فهو يشكّك فى الحديث .

ونقول : أن عقوبة القتل الخطأ والقتل العمد مذكورة فى القرآن الكريم ، يقول جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) البقرة ) . اى القصاص أو الدية . ويقول جل وعلا فى قتل مؤمن بطريق الخطأ : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (92) النساء ) أما عن القتل المتعمد للضحية المؤمن: ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً (93) النساء ) . إذنليس فى عقوبة القاتل بالخطأ أو التعمد حرمان للقاتل من الميراث إذا كان القتيل أباه أو امه أو أخاه أو زوجه . وعليه فهذا تشريع يناقض القرآن ، فلم يقل رب العزة أن القاتل لا يرث القتيل . 

2 ـ يقول مالك فى  ( الموطا ) فى ( باب مِيرَاثِ وَلَدِ الْمُلاَعَنَةِ وَوَلَدِ الزِّنَا ) : (  1092 -   حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، كَانَ يَقُولُ فِي وَلَدِ الْمُلاَعَنَةِ وَوَلَدِ الزِّنَا إِنَّهُ إِذَا مَاتَ وَرِثَتْهُ أُمُّهُ حَقَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِخْوَتُهُ لأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ وَيَرِثُ الْبَقِيَّةَ مَوَالِي أُمِّهِ إِنْ كَانَتْ مَوْلاَةً وَإِنْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً وَرِثَتْ حَقَّهَا وَوَرِثَ إِخْوَتُهُ لأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ وَكَانَ مَا بَقِيَ لِلْمُسْلِمِينَ ‏.‏) هذا رأى منسوب لعروة بن الزبير وليس لكبار الصحابة وليس للنبى ، ولكن إتّبعه أهل المدينة . يقول مالك : ( 1093 – قالَ مَالِكٌ وَبَلَغَنِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، مِثْلُ ذَلِكَ ‏.‏ قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا ‏.‏ ).

ويقول الشافعى فى ( الأمّ ) : ( مِيرَاثُ وَلَدِ الْمُلاَعَنَةِ :  قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَقُلْنَا إذَا مَاتَ وَلَدُ الْمُلاَعَنَةِ وَوَلَدُ الزِّنَا وَرَّثْت أُمَّهُ حَقَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِخْوَتَهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ وَنَظَرْنَا مَا بَقِيَ فَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ مَوْلاَةَ عَتَاقَةٍ كَانَ مَا بَقِيَ مِيرَاثًا لِمَوَالِي أُمِّهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً أَوْ لاَ، وَلاَءَ لَهَا كَانَ مَا بَقِيَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ‏:‏ بَعْضُ النَّاسِ بِقَوْلِنَا فِيهَا إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ إذَا كَانَتْ أُمُّهُ عَرَبِيَّةً أَوْ لاَ وَلاَءَ لَهَا رَدُّوا مَا بَقِيَ مِنْ مِيرَاثِهِ عَلَى عَصَبَةِ أُمِّهِ وَكَانَ عَصَبَةُ أُمِّهِ عَصَبَتَهُ وَاحْتَجُّوا فِيهِ بِرِوَايَةٍ لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ وَأُخْرَى لَيْسَتْ مِمَّا يَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ وَقَالُوا كَيْفَ لَمْ تَجْعَلُوا عَصَبَتَهُ عَصَبَةَ أُمِّهِ كَمَا جَعَلْتُمْ مَوَالِيَهُ مَوَالِيَ أُمِّهِ‏؟‏ قُلْنَا بِالْأَمْرِ الَّذِي لَمْ نَخْتَلِفْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِي أَصْلِهِ ثُمَّ تَرَكْتُمْ قَوْلَكُمْ فِيهِ قُلْت‏:‏ أَرَأَيْتُمْ الْمَوْلاَةَ الْعَتِيقَةَ تَلِدُ مِنْ مَمْلُوكٍ، أَوْ مِمَّنْ لاَ يُعْرَفُ أَلَيْسَ يَكُونُ وَلاَءُ وَلَدِهَا تَبَعًا لِوَلاَئِهَا حَتَّى يَكُونُوا كَأَنَّهُمْ أُعْتِقُوا مَعًا مَا لَمْ يَجُرَّ أَبٌ وَلاَءَهُمْ‏؟‏ قَالُوا‏:‏ بَلَى، قُلْنَا‏:‏ أَوْ يَعْقِلُ عَنْهُمْ مَوَالِيَ أُمِّهِمْ وَيَكُونُونَ أَوْلِيَاءَ فِي التَّزْوِيجِ لَهُمْ‏؟‏ قَالُوا‏:‏ بَلَى، قُلْنَا‏:‏ فَإِنْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً فَتَكُونُ عَصَبَتُهَا عَصَبَةَ وَلَدِهَا فَيَعْقِلُونَ عَنْهُمْ وَيُزَوِّجُونَ بَنَاتِهِمْ قَالُوا‏:‏ لاَ، قُلْنَا‏:‏ فَإِذَا كَانَ مَوَالِي الْأُمِّ يَقُومُونَ مَقَامَ الْعَصَبَةِ فِي وَلَدِ مَوْلاَتِهِمْ وَكَانَ الْأَخْوَالُ لاَ يَقُومُونَ ذَلِكَ الْمَقَامَ فِي بَنِي أُخْتِهِمْ فَكَيْفَ أَنْكَرْت مَا قُلْنَا وَالْأَصْلُ الَّذِي ذَهَبْنَا إلَيْهِ وَاحِدٌ‏؟‏. ) خلاصة هذا الهجص أن الأم الزانية والتى تعرضت للملاعنة ترث ولدها المطعون فى نسبه لأبيه . أما الولد الضحية الذى يحمل وزر أمه ووالده فهو محروم من الميراث . الأم الخاطئة ترث ابنها ، اما الابن الضحية فلا يرث أباه .

والقاعدة العامة فى التشريع السّنى فى التعامل مع ابن الزنا هى حرمانه وعقابه كما لو كان مسئولا عن إجرام أبويه . وهذا يخالف تشريع الاسلام والقاعدة الأساس فيه والتى تكررت فى القرآن الكرﯾم خمس مرات ،  وھى "أﻻ تزر وازرة وزر أخرى " أى ﻻ ﯾتحمل برىء مسئولﯾة ذنب لم ﯾقع فﯾھ :( اﻻنعام 164 اﻻسراء 15 فاطر 18 الزمر 7 النجم 38 )  . وبالتالى فليس فى الاسلام حرمان لابن الزنا من ميراث أبيه طالما كان أبوه معروفا . ويمكن الآن تحديد أب الطفل باختبار الحمض النووى . فإذا ثبت النسب فلا عبرة إن كان الولد قد جاء بالزواج الشرعى أو بغيره . فطالما هو ( ولد ) فهو أو ( هى ) وارث .

 رابعا  ـ حرمان الرقيق وملك اليمين من الميراث :

1 ـ تشريعات الاسلام فى موضوع ملك اليمين كانت بالعلاج الجذرى للمشكلة ، بمنع الاسترقاق إبتداءا ، والتعامل مع الرقيق الموجود فعلا بسبل شتى من تحريره ، مع الرعاية وحّسن المعاملة ، وكل ذلك فى إطار المقصد التشريعى فى الاسلام وهو العدل والقسط ومنع الظلم . والذى يهمنا هنا فى موضوع الميراث أن الوارث يأخذ حقه سواء كان حُرّا أو رقيقا ، فلم يأت إستثناء فى مستحقى الميراث عن الحرية أو الدين أو غير ذلك . بل إن إ‘طاء الرقيق حقه فى الارث يساعده على التحرر . الأهم فى موضوعنا هو تشريع قرآنى تمسّك الدين السّنى بتجاهله ، وهو أن للرقيق ذمّة مالية مستقلا عن مالكه . فالمرأة المملوكة لا يضاجعها مالكها إلا بعقد زواج ، ولا يعقد عليها إلا بمهر يدفعه لها هى ، يقول جل وعلا : ( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ )(25)النساء). وإذا طلب المملوك الحرية بثمن يدفعه كوتب على ذلك ، ووجب إعطاؤه مالا لمساعدته ، جاء هذا فى حِزمة من التشريعات تحثّ على الزواج وتزويج ملك اليمين بالتساوى مع الأحرار ، يقول جل وعلا : (  وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ )(33) النور ) . اكثر من هذا ، فالمملوك شريك بالمساواة فى مال سيده ، مهما بلغ التفاضل بينهما فى الرزق ، يقول جل وعلا : ( وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71) النحل ).

2 ـ روعة التشريع الاسلامى هذه فى ظلام العصور الوسطى دمرها الخلفاء الراشدون والأمويون القرشيون بالفتوحات ، حيث تحول الاسترقاق الفردى الى إسترقاق لشعوب وأمم بأكملها وإعتبار سكانها ( موالى ) وسبى نسائهم وذرياتهم وسلب أموالهم . وفى هذا الظلم المركب تمت صياغة الدين السُّنّى ليسوّغه بأحاديث مفتراة وبتجاهل التشريعات الاسلامية فى القرآن . ومنها ما يخص موضوعنا : حرمان الوريث إذا وقع ضحية فى الاسترقاق . أى بدلا من تحريره نمنعه حقه فى إرث أبيه ..

3 ـ والشافعى فى ثرثرته يدخل فى موصوعات مختلفة فى نوعية هابطة من الهجص ، ومثال ذلك أن يتحدث عن إختلاف الدين كمانع من الإرث فيخرج منه الى موضوع منع الرقيق من الارث: ( قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا وَصَفْت لَك مِنْ أَنَّ الدِّينَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا بِالشِّرْكِ وَالْإِسْلاَمِ لَمْ يَتَوَارَثْ مَنْ سُمِّيَتْ لَهُ فَرِيضَةٌ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ»‏.‏ قَالَ الشَّافِعِيُّ‏ :‏ فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ إنَّ مَالَ الْعَبْدِ إذَا بِيعَ لِسَيِّدِهِ دَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَمْلِكُ شَيْئًا، وَأَنَّ اسْمَ مَالِهِ إنَّمَا هُوَ إضَافَةُ الْمَالِ إلَيْهِ، كَمَا يَجُوزُ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِأَجِيرٍ فِي غَنَمِهِ وَدَارِهِ وَأَرْضِهِ هَذِهِ أَرْضُك وَهَذِهِ غَنَمُك عَلَى الْإِضَافَةِ لاَ الْمِلْكِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ‏:‏ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا مَعْنَاهُ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ مِلْكًا لَهُ‏؟‏ قِيلَ‏:‏ لَهُ قَضَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ مَالَهُ لِلْبَائِعِ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ مِلْكَ الْمَالِ لِمَالِكِ الرَّقَبَةِ وَأَنَّ الْمَمْلُوكَ لاَ يَمْلِكُ شَيْئًا، وَلَمْ أَسْمَعْ اخْتِلاَفًا فِي أَنَّ قَاتِلَ الرَّجُلِ عَمْدًا لاَ يَرِثُ مَنْ قَتَلَ مِنْ دِيَةٍ، وَلاَ مَالٍ شَيْئًا‏.) . بهذا الهجص يؤكد الشافعى أن الرقيق مملوك لا يصح أن يكون مالكا ، وبالتالى فما يملكه هو للسيد المالك .

4 ـ وليس هذا غريبا عن الشافعى لأنها ثقافة عصره ، وقد جعلها دينا تحت إسم السُّنّة . الغريب فى فقهاء السلفية الوهابية فى عصرنا . ثقافة عصرنا ترفض الاسترقاق ومع ذلك يجترّ أئمة الفقه السلفى اليوم ما قاله سلفهم غير الصالح من قرون مضت . فالشيخ سيد سابق يجعل الرق أول موانع الإرث الأربعة ، سواء أكان تاما أم ناقصا . والتويجرى السعودى يتابعه فيجعل الرق أول موانع الارث الثلاثة عنده ويقول :( الرق: فلا يرث الرقيق ولا يورث؛ لأنه مملوك لسيده . ) ويكرر ذلك فى موضوع الحجب فيقول : ( هو أن يتصف الوارث بمانع من موانع الإرث، وهو الرق، أو القتل، أو اختلاف الدين.وهو يدخل على جميع الورثة، فمن اتصف بأحد هذه الأوصاف لم يرث، ووجوده كعدمه.) وأبو بكر الجزائرى فى ( منهاج المسلم ) يجعل الرق ضمن موانع الارث الستة . 

5 ـ هم يعيشون مع سلفهم الطالح الظالم ، بدليل أن هذا السلف يمنع الرقيق من الارث فى الوقت الذى يجعل صاحب الولاء يرث مولاه ، أو التابع له من أهل البلاد المفتوحة . أى أنهم حرموا ورثة حقيقيين ، واضافوا للورثة من لا يستحق . وهذا ما سنعرض اليه فى نوعية أخرى من نوعيات الهجص السُّنى . 

الباب الثانى: الهجص السّنى فى الميراث

الفصل الثالث : هجص توريث من لا يستحق

مقدمة

قلنا إن فقهاء الدين السُّنى لم ينتبهوا للفوارق بين ( الأقربين ) و ( ذى القربى ) فى قوله جل وعلا : ( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8) النساء ) . وواضح أن الميراث ينحصر فى الوالدين والأقربين ، بينما يكون من حق ذى القربى الحصول على صدقة من الورثة إذا حضروا تقسيم التركة . وقلنا أيضا أن أولى القربى مع الوالدين هم أصحاب الوصية:( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) البقرة ) حيث تقوم الوصية للوالدين والمختارين من الورثة بربط توزيع الميراث بالعدل تبعا للظروف التى تستدعى ذلك . بسبب جهل فقهاء السُّنّة بذلك أضافوا للورثة ما ليس فيهم ،وحذفوا من الورثة أصحاب الحق ، كما سبق . نتوقف الآن مع من أضافوه للورثة بغير حق ، وبالاعتداء على التشريع الالهى فى الميراث ، وهو ما نطلق عليه ( الهجص). وهذا الهجص بإضافة من لا يستحق من الورثة له أنواع . نتوقف معها هنا :

أولا : هجص بسبب إعتبارهم ذى القربى ورثة :

يتجلى هذا فى إضافة الأقارب العصب من ناحية الأب كالعم وابن العم . وقد قلنا تبعا لما جاء فى آيتى الميراث أن الأقربين الورثة هم الوالدان والأولاد والأخ والاخوة و الزوج والزوجة . وبعد الأخ الأقرب بالعصبة لا حق لمن بعده كالعم وابن العم . ولكن أئمة السُّنة يجعلون العم ثم ابن العم من الورثة فى عدم وجود الوالد والأولاد والأخ وابن الأخ ، بل ينفرد أقربهم بكل التركة .

ثانيا : هجص بسبب عدم فهمهم للتساوى بين الأب والأم فى الميراث

وقد تعرضنا لهذه المساواة بين الأب والأم فى الميراث والوصية وسائر الحقوق ، والتى جهلها أئمة السنيين ، وضربنا مثلا لأثر هذا الجهل فى تغيير ميراث الأب بأن يصير أحيانا أقل من الأم . ولكن نشير هنا الى خطأ افدح مترتب على هذه التفرقة بين الأب والأم فى الميراث ، وهو أنهم يجعلون الأخ لأم وارثا ، دون الأخ الشقيق المولود من نفس الأم  فى حالة موت الأخ . وهذه كوميديا هزلية لأنهم جميعا من أم واحدة ، ولكن للشقيق الأقرب فقط حق الارث من الأخ المتوفى  ، فكيف للأخ من الأم أن يحجب الأخ الشقيق فى حالة موت الأخ ؟ 

ثالثا : هجص بسبب تأثرهم بثقافة الاستعباد فى العصور الوسطى ( إعتبار سكان البلاد الأصليين موالى )

طبقا لتشريع رب العزة فى الميراث فإن المتوفى له ( تركتان ) ، فهو ( يترك ) ثروة يرثها الوالدان والأقربون ، و( يترك ) أيضا مسئولية يتحملها الورثة ، فهناك ( موالى ) أى أتباع من الأقارب الفقراء والضعاف والخدم كانوا محل رعاية المتوفى ، وبعد أن ( يتركهم ) يجب أن يتحمل الورثة رعايتهم . وهذا معنى قوله جل وعلا : ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (33) النساء ).

بالفتوحات التى إرتدّ بها الخلفاء الراشدون عن الاسلام أصبح أصحاب البلاد المفتوحة فى درجة أقل من العرب ، بين الاسترقاق الصريح والحرية المقيدة ، وجاء التعبير عن هذا بوصفهم ( موالى ) اى أتباعا وخدما واشياء من ( سقط المتاع ) . كان هذا عاما لكل الشعوب التى خضغت للإحتلال العربى . وتفضّل العرب على من يعتنق الاسلام على يد شخص عربى بأن يكون ( مولى ) له ويحمل ( الولاء ) لقبيلة هذا العربى . وقد إستمر هذا من عصر الخلفاء الراشدين الى أواخر القرن الثالث الهجرى . ومثلا فإن إبن برزدويه ( البخارى ) يحمل ولاءا عربيا هو ( الجعفى ) إذ  أسلم جده المجوسى على يدي اليمان الجعفي والي بخارى ، فحمل الولاء للجعفى هو وذريته . وكذلك الامام مسلم القشيرى   وهو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد بن كوشاذ القشيري النيسابوري ، فهو من نيسابور ، وحمل ولاء قبيلة قشير العربية . مقابل هذا الولاء صاغ أئمة الفقه السُّنى حقا للعربى صاحب الولاء على المولى الذى ينتسب اليه بالتبعية ، وهذا الحق هو أن يرث العربى مال المولى ، أى يكون ( الولاء ) من عوامل الآرث مع النسب ( الوالدان والأولاد ) و ( الزواج ) . وصنعوا فى ذلك حديثا يقول (الولاء لحمة كلحمة النسب ). وطبعا هو حق لطرف واحد ، هو العربى فقط على المولى ، وليس على العربى أى حق ، فلا يرث المولى سيده العربى . وهنا يتحقق الاتناقض التام بين تشريع القرآن فى قوله جل وعلا : ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (33)النساء ). وبين هجص أئمة السّنّة فى ( الولاء ) .

رابعا : نماذج من هجص السُّنّة :

يطول الحديث لو تعرضنا لهجص مالك فى (الموطأ ) وهجص الشافعى فى ( الأم )، فهذا فوق الاحتمال ، خصوصا مع الثرثرة والاعادة والتكرار والتناقض . نكتفى بفقهاء الوهابية فى عصرنا البائس وهم ينقلون هذا الهجص ، وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعا .  نذكر بعض ما ذكره سيد سابق فى ( فقه السُّنّة ) والتويجرى فى ( موسوعة الفقه ) . يقولون :

1 ـ  أسباب الارث ثلاثة :  النسب الحقيقي   و النسب الحكمي  وهو الولاء : - لقول الرسول صلى الله عليه وسلم " الولاء لحمة كلحمة النسب "   والزواج الصحيح . أى جعلوا الولاء من أسباب الارث .

2 ـ وأصحاب الفروض اثنا عشر : أربعة من الذكور وهم الاب والجد الصحيح وإن علا والاخ لام والزوج . وثمان من الاناث وهن الزوجة والبنت والاخت الشقيقة والاخت والاخت لام الابن والام والجدة الصحيحة وإن علت . هنا يجعلون الأخ لأم مميزا ، ومن اصحاب الفروض .

3 ـ معلوم أن اصحاب العصبية الذين يأخذون كل التركة إذا إنفردوا بها أو يأخذون الباقى كالابن والأخ ، ولكن قسموهم ـ خلافا للقرآن ـ الى  : عصبة بالنفس:وجعلوهم : ( كل وارث من الذكور إلا الزوج والأخ لأم، وهم: الابن، وابن الابن وإن نزل، والأب، والجد وإن علا، والأخ الشقيق، والأخ لأب، وابن الأخ الشقيق وإن نزل، وابن الأخ لأب وإن نزل، والعم الشقيق، والعم لأب، وابن العم الشقيق وإن نزل، وابن العم لأب وإن نزل، والمعتِق.) هنا أضافوا الولاء ، أو المعتق . وأضافوا العم وابن العم . وقالوا إن  ( جهات التعصيب ) هى :( البنوة. ثم الأبوة. ثم الإخوة وبنوهم..ثم الأعمام وبنوهم. ثم الولاء.). وقالوا إن جهات التعصيب بعضها أقرب من بعض وهي خمس على الترتيب:البنوة.. ثم الأبوة.. ثم الإخوة وبنوهم.. ثم الأعمام وبنوهم.. ثم الولاء.فإذا وُجدت جهة البنوة أخذت المال، فإن لم توجد انتقلت التركة إلى جهة الأبوة، فإن لم توجد جهة الأبوة انتقلت التركة إلى الإخوة، فإن لم توجد انتقلت إلى العمومة، فإن لم توجد انتقلت إلى الولاء.  وقالوا إن عدد الوارثين من الرجال 15 ، وهم :الابن وابنه وإن سفل بمحض الذكور .والأب، والجد من قبل الأب وإن علا بمحض الذكور.والأخ الشقيق، والأخ لأب، والأخ لأم.وابن الأخ الشقيق وابن الأخ لأب وإن نزلا بمحض الذكور.والعم الشقيق وإن علا، والعم لأب وإن علا.وابن العم الشقيق، وابن العم لأب وإن نزلا بمحض الذكور.والزوج، والمعتق وعصبته.) وقالوا عمن يرث بالفرض فقط،: ( وهم سبعة:الزوج، والزوجة، والأم، والجدة من جهة الأم، والجدة من جهة الأب، والأخ لأم، والأخت لأم ). هكذا تلاعبوا فى مستحقى الميراث فأضافوا لهم من جهة العصبية العم وابن العم ، ومن جهة الفروض الأخ لأم ، وجعلوا الولاء ـ أو العتق ـ سببا للإرث .

4 ـ المضحك هنا أن مالك والشافعى والشيبانى وابن حنبل كانوا يعبرون عن ظاهرة إجتماعية سياسية موجودة وهى ( الولاء ) . وقد إندثرت هذه الظاهرة بالتدريج منذ القرن الرابع الهجرى ، وأنمحت تماما منذ القرن السابع الهجرى ولم يكن لها وجود فى العصر المملوكى  . وبالتالى اصبحت مقطوعة الصلة تماما فى عصرنا الراهن ، فإذا كانت هجصا فى عصرها فكيف يكتبها أئمة السلفية المعاصرون فى التشريع السّنى لعصرنا ؟ هل يوجد الآن مصريون يدينون بالولاء لأفراد فى الجزيرة العربية ؟ وهل قام أحد الأعراب بعتق شخص من ايران فيستحق أن يرثه ؟ هذا يوضح أن ائمة السلفية فى عصرنا غائبون تماما عن عصرنا . وعاجزون تماما عن الاجتهاد بما يوافق عصرنا . هم فقط يجترُّون المكتوب فى العصر العباسى بحذافيره وبأحاديثه وبأكاذيبه ، ويرفعون لواء تطبيقه علينا .

أرحم بنا وبهم أن نجمعهم جميعا فى كيس زبالة ونلقى بهم على الحدود المصرية الليبية السودانية ..!

أخيرا : هجص ترتب على هجص

1 ـ بكثرة المُضافين للورثة تكاثرت حالات ( العول )

2 ـ و بكثرة المُضافين للورثة إزداد الخلاف فى الردّ ، أى ما يتبقى من التركة ، فجعلوه للعم وابن العم ولبيت المال ، على إختلاف شديد فيما بينهم .

كان السهل والأكثر عدلا التمسك بشرع الله جل وعلا فى الميراث .

هجص الوصية عند السنيين

الباب الثانى: الهجص السّنى فى الميراث

: الفصل الرابع : هجص الوصية عند السنيين

أولا : هجص الوصية عند مالك :

1 ـ مالك لم يكتب ( الموطأ ) ، وإنما أملاه ، وكتبه عنه تلامذته ، لذا تعددت نُسخ ( الموطأ ) تبعا للرواة وبلغت عشرين ، ويقال ثلاثين ، وهى تختلف فيما بينها فى عدد الأحاديث وفى صياغتها وسندها . وأشهر نسخة للموطا رواها يحيى بن يحيى . ثم النسخة التى رواها الشيبانى صاحب أبى حنيفة . وهناك إختلافات كثيرة بين هاتين  النسختين  مع شهرة يحيى والشيبانى وزعم كل منهما أن يروى هذا ( الموطأ ) عن مالك . وفيما يخص موضوعنا عن ( الوصية ) فلا نجد ها على الاطلاق فى ( الموطأ ) براوية يحيى . ولكن نجد ( الموطأ ) برواية الشيبانى  قد عرض للوصية ص 258 . وهو يروى حديثا تحت عنوان ( فضل الوصية ) ينسبه الى نافع عن ابن عمر يزعم أن النبى قال : ( ما حق إمرىء مسلم له شىء يوصى فيه يبيت ليلتين إلّا ووصيته عنده مكتوبة ). ثم يذكر هذا ( الموطأ ) حديثين عن الوصية بثلث المال تحت عنوان ( باب الرجل يوصى عند موته بثلث ماله) . ليس التحديد بالثلث متفقا مع المعلوم من القرآن الكريم . إن هذا متروك للوارث وأقاربه من بعده والسلطة الاجتماعية لتحديده بالعدل والمعروف .

2 ـ أراح مالك نفسه والناس فلم يسترسل بالهجص ، ولكن جاء الشافعى فأبدع فى هجص الوصية .

 ثانيا :هجص الوصية عند الشافعى

1 ـ هجص الشافعى فى تشريع الوصية يزيد عن 20 ألف كلمة فى كتاب ( الأم ). يبدأ الهجص بحديث نقله الشافعى عن مالك مع بعض التغيير ، وبلا سند تحت باب (باب الْوَصِيَّةِ وَتَرْكِ الْوَصِيَّةِ‏.‏ )( قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ فِيمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوَصِيَّةِ‏:‏ إنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ «مَا حَقُّ امْرِئٍ لَهُ مَالٌ يَحْتَمِلُ مَا لِامْرِئٍ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ».). هذا الحديث الكاذب يخالف القرآن الكريم الذى يوجب الوصية عند الموت ، فالشافعى هنا يوجب الوصية على كل صاحب مال وهو حىُّ يسعى، لا يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده .!. ويجعلها نافذة بعد موته دون حاجة لوصية جديدة .

2 ـ ولأن تشريع الوصية فى الاسلام مرتبط بوقت الاحتضار عند الموت فإن تفاصيلها محددة فى القرآن الكريم ، وتتعلق بضبط الوصية لتتماشى مع العدل والمعروف ، وجاء هذا فى آيتين ( البقرة 181 : 182 )، عن تبديل الوصية أو أن تكون الوصية ظالمة ، وفى الحالتين يتدخل المجتمع ممثلا فى السُّلطة القضائية لاقرار الحق والعدل ، ثم تفصيل آخر عن الوصية فى السفر عند الاحتضار بعيدا عن الأهل وضرورة التوثق من شهادة الشاهدين ( المائدة 107 : 108 ). هذه هى كل التفصيلات المطلوبة فى موضوع الوصية للأقربين فقط . وبالتالى لا حاجة لتفصيلات أخرى ، يكفى أن تقوم السلطة الأجتماعية  المختصّة بالتطبيق بالعرف والعدل حسب كل حالة .

3 ـ ولأن الشافعى قد أوجب الوصية قبل الموت بسنوات طوال فقد إحتاج الى تفصيلات من الهجص ، أخذ يثرثر فيها ويكرر . ونكتفى بذكر العناوين لتعطى أمثلة لهجص الشافعى فى الوصية  (  باب الْوَصِيَّةِ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدِهِ، أَوْ أَحَدِ وَرَثَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .  باب الْوَصِيَّةِ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ . http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْوَصِيَّةِ بِشَيْءٍ مُسَمًّى بِغَيْرِ عَيْنِهِ http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْوَصِيَّةِ بِشَيْءٍ مُسَمًّى لاَ يَمْلِكُهُ  http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْوَصِيَّةِ بِشَاةٍ مِنْ مَالِهِ http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْوَصِيَّةِ بِشَيْءٍ مُسَمًّى فَيَهْلِكُ بِعَيْنِهِ، أَوْ غَيْرِ عَيْنِهِ  http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب مَا يَجُوزُ مِنْ الْوَصِيَّةِ فِي حَالٍ، وَلاَ يَجُوزُ فِي أُخْرَى http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْوَصِيَّةِ فِي الْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِhttp://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْوَصِيَّةِ فِي الرِّقَابِhttp://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْوَصِيَّةِ فِي الْغَارِمِينَ .‏http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْوَصِيَّةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِhttp://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْوَصِيَّةِ فِي الْحَجِّhttp://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْعِتْقِ وَالْوَصِيَّةِ فِي الْمَرَضِhttp://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب التَّكْمِلاَتِhttp://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْوَصِيَّةِ لِلرَّجُلِ وَقَبُولِهِ وَرَدِّهِ http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب مَا نُسِخَ مِنْ الْوَصَايَاhttp://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْخِلاَفِ فِي الْوَصَايَا http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْوَصِيَّةِ لِلزَّوْجَةِ http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب اسْتِحْدَاثِ الْوَصَايَا    .‏http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب عَطَايَا الْمَرِيضِ .‏  http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب نِكَاحِ الْمَرِيضِ  .‏ http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifهِبَاتُ الْمَرِيضِhttp://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifبَابُ الْوَصِيَّةِ فِي الدَّارِ وَالشَّيْءِ بِعَيْنِهِhttp://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْوَصِيَّةِ بِشَيْءٍ بِصِفَتِهِ http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْمَرَضِ الَّذِي تَكُونُ عَطِيَّةُ الْمَرِيضِ فِيهِ جَائِزَةً، أَوْ غَيْرَ جَائِزَةٍ .‏http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب عَطِيَّةِ الْحَامِلِ وَغَيْرِهَا مِمَّنْ يُخَافُhttp://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب عَطِيَّةِ الرَّجُلِ فِي الْحَرْبِ وَالْبَحْرِhttp://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِhttp://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب مَا يَجُوزُ مِنْ إجَازَةِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ وَغَيْرِهِ وَمَا لاَ يَجُوزُ  http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب مَا يَجُوزُ مِنْ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ لِلْوَصِيَّةِ وَمَا لاَ يَجُوزُ http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب اخْتِلاَفِ الْوَرَثَةِ http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifالْوَصِيَّةُ لِلْقَرَابَةِ.‏ http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْوَصِيَّةِ لِمَا فِي الْبَطْنِ وَالْوَصِيَّةِ بِمَا فِي الْبَطْنِ  .‏http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْوَصِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ عَلَى الشَّيْءِ  http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ    .‏http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب تَفْرِيغِ الْوَصَايَا لِلْوَارِثِ .‏http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifمَسْأَلَةٌ فِي الْعِتْقِ  .‏http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْوَصِيَّةِhttp://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الرُّجُوعِ فِي الْوَصِيَّةِ .‏http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifتَغْيِيرُ وَصِيَّةِ الْعِتْقِ http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب وَصِيَّةِ الْحَامِلِ  http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifصَدَقَةُ الْحَيِّ عَنْ الْمَيِّتِhttp://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْأَوْصِيَاءِ http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب مَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَصْنَعَهُ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى  .‏http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifالْوَصِيَّةُ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه.  ).

4 ـ ونلاحظ أن السائد من خلال العناوين كثرة التكرار والثرثرة ، خصوصا فى موضوع ( لاوصية لوارث ) وفيها يحاول الشافعى التلاعب بتشريع الله جل وعلا الذى جعل الوصية للورثة فقط ، ويزعم الشافعى أنه منسوخ ، أى ملغى ، أى أن الحديث الذى إخترعوه ألغوا وأبطلوا به حكم الله جل وعلا فى القرآن الكريم . وبسبب فداحة هذا الأمر وعدم إقتناع الشافعى نفسه بالهجص الذى يفتريه نرى الشافعى يدور حول نفس الموضوع بالجدال والدخول فى متاهات لا تخلو من تناقض ، والتعرض لهذا الهجص يخرج عن إلتزامنا بالاختصار ، علاوة على أنه لا يستحق النقاش . ولكن ننبّه مُجدّدا على أن الشافعى استرسل فى هجصه لأنه تجاهل أن الوصية والميراث هما فقط للأقربين ، وأن الوصية المقصودة بالتشريع الاسلامى هى التى قبل الموت. تجاهله لهاتين الحقيقتين أوقعه فى هجص زاد على 20 ألف كلمة .

ثالثا : هجص مسلم  فى ( الوصية )

 1 ـ ذكر البخارى حديث إبن عمر رضي الله عنه:( ما حق امرئ مسلم له شئ يوصي فيه  يبيت ليلتين )

2 ـ إحتفل مسلم بهجص مالك فى ( موطأ ) الشيبانى ، فذكر نفس الأحاديث مع تغيير فى السّند ، حديث مالك عن نافع عن ابن عمر الذى يزعم أن النبى قال : ( ما حق إمرىء مسلم له شىء يوصى فيه يبيت ليلتين إلّا ووصيته عنده مكتوبة )، قام مسلم بتكراره باسانيد مختلفة وعبارات مختلفة. يقول مثلا :(   4291- حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ- وَاللَّفْظُ لاِبْنِ الْمُثَنَّى- قَالاَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شيء يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ».
4292-
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنِي أَبِي كِلاَهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالاَ: «وَلَهُ شيء يُوصِي فِيهِ». وَلَمْ يَقُولاَ: «يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ».4293- وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ- كِلاَهُمَا عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ- يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ- كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. بِمِثْلِ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَالُوا جَمِيعًا: «لَهُ شيء يُوصِي فِيهِ». إِلاَّ فِي حَدِيثِ أَيُّوبَ فَإِنَّهُ قَالَ: «يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ». كَرِوَايَةِ يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ.4294- حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو- وَهْوَ ابْنُ الْحَارِثِ- عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شيء يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ ثَلاَثَ لَيَالٍ إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ». قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ إِلاَّ وَعِنْدِي وَصِيَّتِي.4295- وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ. نَحْوَ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ . ). وما ذكره مالك عن الوصية بالثلث كرره مسلم بنفس الطريقة . يقول تحت عنوان : http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gif.2- باب الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ:( 4296- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَنِي مَا تَرَى مِنَ الْوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلاَ يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي قَالَ: «لاَ». قَالَ: قُلْتُ أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ قَالَ: «لاَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى اللُّقْمَةُ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ». قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلاً تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنْفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلاَ تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ». قَالَ رَثَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ.4297- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالاَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.4298- وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ قَالَ دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ يَعُودُنِي. فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَعْدِ ابْنِ خَوْلَةَ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا.4299- وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَرِضْتُ فَأَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ دَعْنِي أَقْسِمْ مَالِي حَيْثُ شِئْتُ فَأَبَى. قُلْتُ فَالنِّصْفُ فَأَبَى. قُلْتُ فَالثُّلُثُ قَالَ فَسَكَتَ بَعْدَ الثُّلُثِ. قَالَ فَكَانَ بَعْدُ الثُّلُثُ جَائِزًا.4300- وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ فَكَانَ بَعْدُ الثُّلُثُ جَائِزًا.4301- وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ عَادَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ. قَالَ: «لاَ». قُلْتُ فَالنِّصْفُ. قَالَ: «لاَ». فَقُلْتُ أَبِالثُّلُثِ فَقَالَ: «نَعَمْ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ».4302- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ ثَلاَثَةٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ كُلُّهُمْ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى سَعْدٍ يَعُودُهُ بِمَكَّةَ فَبَكَى قَالَ: «مَا يُبْكِيكَ». فَقَالَ قَدْ خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا كَمَا مَاتَ سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا». ثَلاَثَ مِرَارٍ. قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالاً كَثِيرًا وَإِنَّمَا يَرِثُنِي ابْنَتِي أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ قَالَ: «لاَ».قَالَ فَبِالثُّلُثَيْنِ قَالَ: «لاَ». قَالَ فَالنِّصْفُ قَالَ: «لاَ». قَالَ فَالثُّلُثُ قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّ صَدَقَتَكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ وَإِنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى عِيَالِكَ صَدَقَةٌ وَإِنَّ مَا تَأْكُلُ امْرَأَتُكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ وَإِنَّكَ أَنْ تَدَعَ أَهْلَكَ بِخَيْرٍ- أَوْ قَالَ بِعَيْشٍ- خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ». وَقَالَ بِيَدِهِ.
4303-
وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ ثَلاَثَةٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ قَالُوا مَرِضَ سَعْدٌ بِمَكَّةَ فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ. بِنَحْوِ حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ.4304- وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنِي ثَلاَثَةٌ مِنْ وَلَدِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ كُلُّهُمْ يُحَدِّثُنِيهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ صَاحِبِهِ فَقَالَ مَرِضَ سَعْدٌ بِمَكَّةَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ. بِمِثْلِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ.4305- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ أَخْبَرَنَا عِيسَى يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ». وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍكَبِيرٌ أَوْ كَثِيرٌ».)

أخيرا: هجص أئمة الوهابيين فى الوصية :

سار سيد سابق فى كتابه ( فقه السنة ) على سُنّة الهجص ، ويضيق الصدر عن متابعة هذا الهجص حرصا على الوقت ..والصحة .!

خاتمة كتاب الميراث : تشريع الميراث الاسلامى صمام أمن للمجتمع

أولا :

1 ـ  (الفرد ) هو أساس المجتمع الغربى ، ويحرص التشريع الغربى على حق الفرد فى تحقيق سعادته  مهما تعارضت مع سعادة الآخرين ، لذا تنهار الأُسر ، وينشأ الأفراد فى ظل أسر بديلة أو بلا أب أو أب ليس هو الأب الحقيقى ، ويبادر الشاب على الاعتماد على نفسه سريعا ، يدخل فى صراع لا يهدأ ولا يتوقف فى مجتمع تتركّز فيه الأنانية والتنافس والتكالب والصراع  ، ويظل الفرد فى حمأة هذا الصراع الى أن تدركه الشيخوخة فيجد نفسه ـ إن نجح وصار من أصحاب الملايين ـ وحيدا . ويفتقد الفرد الغربى دفء الأسرة فيعوّض هذا بالانتماء الى النوادى والمنظمات والجمعيات والجماعات تعويضا عن الأسرة الى فقدها .

( الأسرة ) هى أساس المجتمع ( الشرقى العربى ) لذا تنمحى شخصية الفرد لصالح الأكبر سِنّا الذى ليس هو بالضرورة الأعقل أو الأعلم ، وتسود قيمة ( الأب ) و ( الأخ الأكبر ) وقيم المجتمع الذكورى من إستبداد وإضطهاد للمرأة وتخلف وتغييب لدور العقل والابداع لصالح ما وجدنا عليه آباءنا .

فى الاسلام توازن رائع بين ( الفرد ) و ( الأسرة ) لصالح المجتمع الذى تمثله سُلطة تخدم هذا المجتمع ولا تحكمه . من ملامح هذا التوازن مسئولية الفرد الشخصية عن دينه يوم القيامة أمام رب العزة جل وعلا ، ومسئوليته عن مشاركته فى مجتمعه تفاعلا بالخير، فهناك حق لله جل وعلا مؤجل الحساب عليه يوم القيامة ، وهناك حق للمجتمع يؤاخذ به الفرد فى الآخرة ، وأيضا فى الدنيا أمام السُّلطة المجتمعية رعاية لحق هذا المجتمع فى الأمن والعدل . ويتجلى هذا التوازن أكثر فى تشريعات الاسلام الاقتصادية ، وخصوصا تشريع الميراث .

ثانيا :

1 ـ فى تشريع الميراث تجد العناصر الثلاث : الفرد ، والأقارب ، والسلطة الاجتماعية . الفرد هو المأمور قبيل موته وهو يودّع الدنيا أن يترك خيرا وهو الوصية لأقرب الناس اليه مع الوالدين ، حرصا على تحقيق العدل ، ويكون المجتمع رقيبا وحارسا على الوصية وعلى رعاية مال اليتيم . الأهمية العُظمى هى فى ( الأقربين وذى القربى ) وهم الحلقة الوسطى بين الفرد والمجتمع ، وسلطته المسئولة ، وهم يحصلون على حقهم فى الميراث :( النساء 7 ، 8 ) وحقهم المالى فى الوصية : (البقرة 180 ).

2 ـ وتشريعات القرآن منظومة متكاملة تؤخذ جميعا ، وبهذا الخصوص نرى الأمر بإعطاء الأقارب (   النحل 90 )، ويُضاف اليهم المساكين وابن السبيل :( الاسراء 26) ( الروم 38) واليتامى فى الصدقة الفردية ( البقرة 215)، والسائلون : (البقرة 177) والمهاجرون :(   النور22 ). كل هذا يدخل فى الانفاق أو التصدق الفردى ، فكل فرد عليه أن يعطى الحقوق المالية للوالدين والأقربين والأقارب واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين والمهاجرين، هذا بالاضافة الى التوزيع الرسمى للصدقات (التوبة 60) والغنائم : (الانفال 41 ) ، وما يدخل الى خزينة الدولة من ( فىء ) أو دخل ( ضرائب) يجب إعطاؤه لذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل : (الحشر 7 ).

3 ـ إعطاء الحقوق المالية لا يكفى ، فقد يكون هناك أقارب لا يحتاجون الى المال ، ولكن بلا شك يهتمون بالحنان والرعاية والاهتمام ، أو بالتعبير القرآنى ( الاحسان ) . إنّ الأمر بالاحسان للوالدين والأقارب واليتامى والمساكين وأن نقول للناس حُسنا جاء ضمن الأوامر الالهية ( البقرة 83 ) ، وبالاحسان تكون الصدقة نابعة من شعور المتصدق أنه يعطى حقا عليه للمستحق للصدقة ، ولا بد أن يعطيه هذا الحق بلا منّ ولا أذى ، بل بما يحفظ على المستحقّ كرامته . ويشمل هذا الاحسان ـ  بالاضافة للوالدين والأقارب واليتامى والمساكين وابن السبيل ـ الجيران والأصحاب ( النساء 36 ). هو مجتمع المودة الذى يشمل الأهل والأقارب ، فالرسول لا يسأل أجرا سوى المودة لذوى القربى :( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23) الشورى ).

ثالثا :

1 ـ المستفاد مما سبق : الارتباط بين العطاء المادى والمودة والاحسان فى تعامل الفرد مع والديه وأقاربه ، وأن يشمل هذا دوائر متداخلة ومحيطة بالفرد وأسرته من الفقراء والمساكين واليتامى وابن السبيل والسائلين والجيران والأصحاب . كما يشمل هذا تعامل الفرد وتعامل الدولة فى الصدقات الرسمية وفى الغنائم والفىء أو الدخل الذى يفىء أو يدخل الى خزينة الدولة . هذه الدوائر تتداخل وتتسع لتشمل المجتمع كله ، بمختلف طوائفه ، من الأسرة الى المجتمع كله . هذا التداخل يحمل فى داخله العطاء المالى والعطاء المعنوى من تعاطف وبرّ وإحسان .

2 ـ فى التطبيق لهذا ، نتصور مجتمعا يتكون من مليون أسرة ، أو عشرة ملايين فرد . فى داخل كل أسرة عدة أفراد مُطالبون بإيتاء الصدقة والميراث والوصية وبالاحسان والرعاية للأسرة . أى لدينا عدة ملايين من الأفراد يُعطون حقوق ذوى القربى وغيرهم ، أى لدينا أغلبية من السكان تقوم مع الدولة على رعاية المستضعفين والمحتاجين ، بحيث يجد الفقير والمسكين والأقارب والجيران والأصحاب وحتى الغرباء ( ابناء السبيل ) حقوقهم فى الرعاية والكفالة الاجتماعية . مجتمع مترابط متماسك متكافل كهذا لا خوف عليه من الانفجار الداخلى أو السقوط أمام عدو معتدى .

3 ـ فى هذا المجتمع يأمن الأب والأم فى شيخوختهما ، ويأمن الطفل اليتيم على حقوقه ، ويأمن الأقارب والجيران والفقراء والمساكين وحتى أبناء السبيل . وحين يقترب الفرد المؤمن من الموت يوصى بجزء من ثروته للأقربين لاتمام العدل ، وقد يكتب بعض حقوق لأقاربه على أنها ديون عليه ، ويتم تنفيذ الوصية وسداد الديون قبل توزيع التركة ، وقبلها إذا حضر أقاربه من غير الورثة توزيع التركة يأخذون صدقة ويسمعون قولا معروفا وإحسانا فى التعامل . وفى مجتمع يسوده الحب والتعاطف والعدل والاحسان لا بد للسلطة الاجتماعية فيه أن تُعبّر عن هذا المجتمع لأنها منه ولأنها تخدمه ولا تحكمه .

4 ـ وهذا مجرد ملمح من ملامح المجتمع الاسلامى . ولقد إقتصرنا على دور تشريع الميراث ضمن تشريعات الصدقة فى بناء مجتمع سعيد وصحّى ونظيف . أما عن دور التشريع السنى فى الميراث وغيره فى تكوين طبقة أقلية من المترفين تدمّر المجتمع وتُلقى به الى التهلكة ، فقد تكلمنا فى هذا كثيرا .