كتاب الشفاعة : ( النبى لا يشفع يوم الدين )
الفهرس
الفهرس
النبى لا يشفع يوم الدين : ( كتاب الشفاعة بين الاسلام والمسلمين )
مقدمة
الباب الأول : الشفاعة فى الاسلام
الفصل الأول : عرض تمهيدى للشفاعة فى الاسلام
الفصل الثانى : الشفاعة فى القرآن الكريم فى رؤية منهجية
الفصل الثالث : الشفاعة فى ( يوم الدين) تخضع لهيمنة (مالك يوم الدين )
الفصل الرابع : الشفاعة هى للملائكة التى تحمل العمل الصالح :
الفصل الخامس : توضيح عن دور الملائكة فى الشفاعة
الفصل السادس : النبى لا يشفع يوم الدين
الباب الثانى : كفر المحمديين بيوم الدين أساس أسطورة الشفاعة
الفصل الأول : معنى الايمان بالله جل وعلا وباليوم الآخر
الفصل الثانى : غفلة المحمديين عن لقاء الله رب العالمين
الفصل الثالث : أنواع الكفر باليوم الآخر
الفصل الرابع : إرادة الدنيا سبب كفر المحمديين باليوم الآخر
الفصل الخامس : الصحابة وإرادة الدنيا والكفر بالآخرة
الباب الثالث : صناعة أساطير الشفاعة
الفصل الأول : المحمديون بالاسرائيليات متمسكون
الفصل الثانى : المقام المحمود ليس شفاعة النبى
الفصل الثالث : تلاعب أئمة المحمديين بقوله تعالى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )
الباب الرابع : مهرجان الكوميديا فى أحاديث الشفاعة فى ( البوخارى )
الفصل الأول : لمحة عامة
الفصل الثانى : فيلم الشفاعة العظمى ( أنا شجيع السيما ..ابو شنب بريمة )
الفصل الثالث : البخارى ( أبو لمعة الأصلى )
الباب الخامس : إنتشار الاعتقاد فى أساطير الشفاعة
الفصل الأول : أساطيرالشفاعة الحنبلية بعد البخارى
الفصل الثانى : مدى تأثير أساطيرالشفاعة الحنبلية فى الصوفية
الفصل الثالث : أساطيرالشفاعة الحنبلية عند ابن تيمية وابن عبد الوهاب
الباب السادس : الشفاعة والانحلال الخلقى
الفصل الأول : الشفاعة الحنبلية ونشر الانحلال الخلقى فى العصر العباسى الثانى
الفصل الثانى : إستمرار تأثير أحاديث الشفاعة فى البخارى فى ميدان الانحلال
خاتمة الكتاب : سطر واحد :
لا يفلح شعب تسيطر عليه أساطير الشفاعة . لا يفلح فى الدنيا ، ولا يفلح فى الآخرة .
مقدمة الكتاب
مقدمة
1 ـ خلافا للاسلام فان معظم المسلمين يؤمنون بشفاعة النبى محمد ، بل ويؤمنون بشفاعة غيره من الأولياء والأئمة ، ويجعلون يوم القيامة سوقا رائجة للشفاعات والوساطات بحيث يكون النبى محمد وغيره يملكون يوم الدين وليس الله تعالى. خطورة هذا الاعتقاد انه ليس فقط اهانة لله تعالى وتكذيبا لمئات الآيات القرآنية وافتراءا وكذبا على خاتم النبيين محمد عليه وعليهم السلام ، بل هو أيضا افساد لاخلاق المسلمين فطالما سيدخلون الجنة بالشفاعات مهما فعلوا من جرائم وموبقات فلماذا يتقون الله تعالى ولماذا يتعبون أنفسهم بالترقى الخلقى والتهذيب السلوكى؟ لماذا يتعب الطالب البليد أو حتى النجيب نفسه فى المذاكرة طالما أن والده سيتدخل مقدما لانجاحه فى الامتحان سواء ذاكر أم لم يذاكر. طالما أعتقدنا مقدما أننا من الناجحين يوم الدين بسبب شفاعة النبى فقد نجحنا مقدما قبل يوم الدين ، واذن فلا حاجة ليوم الدين من أساسه طالما كانت النتيجة محسومة مقدما . ودائما تجد الأحاديث الضالة المنسوبة كذبا للنبى محمد وراء كل موبقات المسلمين التى وقعوا ويقعون فيها ، وأحاديث الشفاعة فى مقدمة تلك الأكاذيب المفتراة.
2 ـ فى كتابى " الأنبياء فى القرآن الكريم : دراسة تحليلية " وغيره نفيت شفاعة النبى محمد مستدلا بمائة وخمسين آية قرآنية . كان ذلك فى سنة 1985، ولأن الايمان بشفاعة النبى محمد وتأليهه فوق الايمان بالله تعالى وتقديسه جل وعلا فاننى تعرضت للمحاكمة داخل الأزهر لأتراجع عن اعتقادى ، وانتهى الأمر بتقديم استقالتى ورفع دعوى ضدهم لالزامهم بقبولها ، وانتهى الأمر باطلاق سراحى من هذا المستنقع الراكد لأتنسم عبير الحرية مدافعا عن الاسلام العظيم.
3 ـ قضية الشفاعة تقف بقوة وراء العمليات الانتحارية ، بها يتم اقناع الشاب المخدوع والشابة المخدوعة بأن الجنة فى انتظاره وأنه سيشفع يوم القيامة فى أقاربه وأحبائه، وبذلك يفجر نفسه ليقتل الأبرياء فيخسر الدنيا والآخرة .
4 ـ هذا البحث يقدم قضية الشفاعة بين الاسلام والمسلمين رغبة فى انقاذ المسلمين بالاسلام.
والله تعالى المستعان.
د. أحمد صبحى منصور
القاهرة فى يولية 1997
ملاحظة
تمت إعادة كتابة هذا البحث بتوسع ، ونشره فى موقع أهل القرآن مقالات ، ثم تجميعها فى كتاب تحت عنوان (النبى لا يشفع يوم الدين )
الباب الأول : الشفاعة فى الاسلام
الباب الأول : الشفاعة فى الاسلام
الفصل الأول : عرض تمهيدى للشفاعة فى الاسلام
أولا :
القرآن يؤكد على أن النبى لا يعلم الغيب وليس له أن يتكلم عن السعة وما يحدث فيها ولذلك فإن كل أحاديث الشفاعة لم يقلها النبى ولا يمكن أن يجتمع الإيمان بالقرآن والرسول مع الإيمان بتلك الأحاديث الكاذبة التى تخالف كتاب الله. والله تعالى هو وحده "مالك يوم الدين" وهو وحده تعالى الذى يملك الأمر كله يوم القيامة، والنبى نفس بشرية ينطبق عليها قوله تعالى ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ (الإنفطار 19). لذا قال تعالى للنبى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ (آل عمران 128). وإذا أصدر مالك يوم الدين قراراً يوم القيامة فلا مجال لتبديل كلمته، وسيقول تعالى حينئذ ﴿مَا يُبَدّلُ الْقَوْلُ لَدَيّ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاّمٍ لّلْعَبِيدِ﴾ (ق 29). ومن التكذيب بآيات الله تعالى أن يؤمن بعضنا بأن الله تعالى يصدر قراراً بأن يدخل بعض الناس النار فيتشفع فيهم النبى ويتراجع الله تعالى عن قراره، لأنه ليس فى إمكان النبى أن يتدخل فى إخراج أحد من النار، فالله تعالى يقول له ﴿أَفَمَنْ حَقّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النّارِ﴾ (الزمر 19).
والإيمان بأحاديث الشفاعة تلك ليس فقط تكذيباً لآيات الله تعالى الصريحة الواضحة ولكنه أيضاً تأليه للنبى محمد عليه السلام بل وتطرف فى تأليهه إلى درجة الادعاء بأنه هو صاحب الأمر يوم القيامة وأنه مالك يوم الدين، وهو الادعاء ضمناً بأن النبى هو أرحم الراحمين لأنه ينقذ الناس من النار بعد أن يحكم الله تعالى بدخولهم فيها.. وهو الادعاء ضمناً بأن النبى هو الأعلم بحال البشر من الله ولذلك فهو يتدخل لدى الله لإنقاذ بعضهم، ولا يملك الله تعالى إلا الموافقة.. فهل ذلك يتفق عقلاً مع الإيمان بالله تعالى مالك يوم الدين الذى لا شريك له فى ملكه وحكمه؟ . والإيمان بالحديث الكاذب الذى يدعى أن النبى يشفع فى البشر جميعاً شفاعة عظمى معناه التكذيب الصريح بالقرآن الذى لا يجعل للنبى أى ميزة يوم القيامة، بل يؤكد أنه مثل كل نفس بشرية يتعرض للحساب والمساءلة ويحاول أن ينجو بنفسه من هول الموقف.. فالنبى نفس بشرية ينطبق عليها قوله تعالى ﴿يَوْمَ يَفِرّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأُمّهِ وَأَبِيهِ. وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ. لِكُلّ امْرِىءٍ مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس 34: 37) أى سيفر الجميع فى ذلك الوقت ولن يجد النبى أو غيره وقتاً لكى يفكر فى غيره، فكيف سيتصدر للشفاعة فى البشر جميعاً؟
ثم كيف سيتدخل النبى فى حساب البشر ليتوسط فى إدخال بعضهم الجنة، والله تعالى يقول للبشر جميعاً قال تعالى﴿يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمْ وَاخْشَوْاْ يَوْماً لاّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ فَلاَ تَغُرّنّكُمُ الْحَيَاةُ الدّنْيَا وَلاَ يَغُرّنّكُم بِاللّهِ الْغَرُورُ. إِنّ اللّهَ عِندَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ (لقمان 33،34). وصدق الله العظيم. فالله تعالى هو وحده الذى عنده علم الساعة، وقد أخبرنا ببعض غيب الساعة فى القرآن، ومنه أن النبى وهو والد ومولود لا يملك أن ينفع والده ولا يستطيع أن ينفع ابنه.. وإذا كان لا ينفع ابنته فاطمة فكيف سينفع الآخرين؟. ثم كيف سيتدخل النبى فى حساب البشر ويشفع فيهم وهو نفسه يتعرض للحساب والمساءلة.. إن الله تعالى يؤكد على حساب الأنبياء يوم القيامة حين يجعل الحديث عن حسابهم وهم أفراد مساوياً للحديث عن باقى البشر، والبشر ملايين البلايين، يقول تعالى ﴿فَلَنَسْأَلَنّ الّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأعراف 6) وبالنسبة لخاتم النبيين فإن الله تعالى يتحدث عن حسابه وهو شخص واحد ويقرن ذلك بحساب الذين معه وهم آلاف الناس، يقول تعالى ﴿وَإِنّهُ لَذِكْرٌ لّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (الزخرف 44). وفى حساب النبى فلن يستطيع أن ينفع أحداً من أصحابه، وليس بإمكان أحد من أصحابه أن يغنى عنه شيئاً، يقول الله تعالى للنبى ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ.. مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَيْءٍ﴾ (الأنعام 52). أى فلن يتحمل النبى شيئاً من حسابهم ولن يتحمل أحدهم شيئاً من حساب النبى.ومن الغريب أن يقول الله تعالى له نفس الكلام عن المشركين، يقول تعالى للنبى عنهم ﴿وَلاَ تَتّبِعْ أَهْوَآءَ الّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ. إِنّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللّهِ شَيْئاً﴾ (الجاثية 18،19) أى أنهم لن ينفعوا النبى بشىء يوم القيامة، وفى ذلك تمام العدالة.. فالقيامة هى العدالة المطلقة التى لا نظير لها، يقول الله تعالى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىَ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء 47).
ولكن تلك العدالة فى اليوم الآخر تحولت فى عقائدنا إلى ظلم وشفاعات ووساطات وتزكية لنا نحن دون باقى الأمم، وأصبح من العقائد الثابتة لدينا أن الجنة من نصيبنا نحن من دون البشر جميعاً، وأن أحداً لن يدخل الجنة إلا بعد أن نرضى عنه، وبذلك سلبنا الله تعالى حقوقه علينا وجعلنا أنفسنا مالكين ليوم الدين، وبعد أن ترسب فى اعتقادنا أننا نجحنا فى اختبار يوم القيامة قبل أن تقوم القيامة فعلنا كل الموبقات، والآن نتمتع بكل الرذائل التى أهلك الله تعالى بسببها الأمم السابقة، لدينا السرقات والنهب والتطفيف فى الكيل والموازين، وكان ذلك سبب إهلاك قوم شعيب، ولدينا وباء الشذوذ الجنسى الذى أهلك الله تعالى بسببه قوم لوط، ولدينا ادعاء الألوهية وتقديس البشر الذى أهلك الله تعالى بسببه الأمم السابقة.. ونحن نعبد البشر من الأئمة والأنبياء ونضفى التقديس على أكاذيب ننسبها للرسول ونجعلها فوق كلام الله، ومع ذلك نؤمن بأننا أولياء لله تعالى من دون الناس ونعتقد أننا خير أمة أخرجت للناس..!! ونكتفى بنقد الآخرين ولا نتصور أن فينا عيباً واحداً..!! ومع أننا نرى الله تعالى يذيقنا العذاب الأدنى فى الدنيا إلا أننا لا نتعلم ، وينطبق علينا قوله جل وعلا : " ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون " خصوصا وأن رب العزة يقول بعدها على من يكذب بآيات الله تعالى ويعرض عنها تمسكا بأكاذيب الشفاعات وكتب الأحاديث الضالة : " ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها ، انا من المجرمين منتقمون." السجدة 21ـ22"
ونحن بحمد الله تعالى ـ الذى لا يحمد على مكروه سواه ـ أصبحنا أذل الأمم وأضعفها وأضيعها. نتمتع باذلال حكامنا المسلمين لنا ، ويتمتع حكامنا المقدسون باذلال الغرب لهم، ونحن من محكومين وحكام أصبحنا شر أمة أخرجت للناس.نشرة الأخبار العالمية تتزين دائما بأخبارنا السوداء قتلى وضحايا وقتلة ومجرمون ، أصبحنا آفة العالم ، تظهر فينا بكل صدق لعنة الله تعالى علينا ، أو عذابه الأدنى فينا ، ثم ينتظرنا العذاب الأخزى فى الآخرة ان لم نتب ونرجع للقرآن مخلصين وننبذ افك التراث الضال . كل ذلك النصح لا يجدى مع من يتمسك بتلك الأحاديث والعقائد الضالة التى أوردتنا مورد التهلكة.. ولا نتعلم..
ثانياً:
من يؤمن بشفاعة النبى يستدل عليها بالأحاديث وبتأويل لآيات القرآن الكريم. وقد قرر علماء الأصول أن أحاديث الأحاد- ومنها أحاديث الشفاعة- لا تؤخذ منها العقائد والسمعيات والغيبيات، لأن العقائد لا تؤخذ إلا من الحق القرآنى اليقينى، وقبل علماء الأصول فإن القرآن نفسه يؤكد على أن النبى لا يعلم الغيب وليس له أن يتحدث فى الغيبيات، ومنها علامات الساعة والشفاعة، أى أن تلك الأحاديث لم يقلها النبى، وبالتالى فإن الاستشهاد بها فى إثبات شفاعة النبى أمر باطل.
نأتى بعدها لمحاولتهم تأويل آيات القرآن لإثبات شفاعة مزعومة للنبى عليه السلام.. وفى البداية نقول أن محاولة التأويل فى آيات القرآن معناه أن تحصل بالتأويل على معنى يأتى مناقضاً لآيات عديدة فى القرآن الكريم، وعلى سبيل المثال فإنك إن استطعت بالتأويل والتحريف أن تثبت شفاعة للنبى فإنك ستأتى بمعنى يخالف القرآن الذى يقول للنبى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ (آل عمران 128) ويقول له ﴿أَفَمَنْ حَقّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النّارِ﴾ (الزمر 19).أما الذى يبحث عن الحق فى القرآن يبغى وجه الله تعالى ويرجو الهداية فإنه يترك نفسه بين آيات القرآن ولا يفرض عليها أهواءه وأمنياته، وحيثما تصل به الآيات الكريمة إلى معنى فإنه يتمسك به ويضحى فى سبيله بكل ما توارثه من عقائد وأفكار. والقرآن الكريم كتاب مثانى متشابه، والمعانى فيه تتكرر، والمتشابه من الآيات يتكرر فيها المعنى الواحد بصور مختلفة، وفى نفس الوقت تؤكد الآيات المتشابهة المعنى الذى تأتى به الآيات المحكمة، ومعنى ذلك أن الباحث عن الحق فى القرآن لن يلجأ إلى تأويل بعض الآيات لكى يؤكد ما توارثه من عقائد، ثم يأتى فى النهاية بما يخالف آيات القرآن، لن يفعل ذلك الباحث عن الحق، ولكه سيراجع القرآن الكريم كله، ويأتى بالآيات الخاصة بموضوعه، ما كان منها محكماً وما كان منها متشابهاً، وكل الآيات معاً ستعطى حقيقة قرآنية واحدة.
وبالنسبة لقضية الشفاعة سيجد الآيات نؤكد على أن النبى ليس له من الأمر شىء وأنه فى حياته كان يخاف أن عصى ربه عذاب يوم عظيم، وأنه كان يعلن أنه لن يجيره من الله أحد ولن يجد من دون الله ناصراً إلا إذا بلغ الرسالة.. وطالما أن هذه الآيات وهى كثيرة- تؤكد على نفى شفاعة النبى إذن يبدأ الباحث عن الحق فى تتبع آيات الشفاعة بعد أن تأكد منها أنها لا شأن لها بالنبى، خصوصاً قوله تعالى عن الشفاعة ﴿مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة 255) لأن الآية التى قبلها تنفى الشفاعة بمفهومها البشرى أى التوسط، فالآية تقول ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ أَنْفِقُواْ مِمّا رَزَقْنَاكُم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾ (البقرة 254). فإذا كان فى هذه الدنيا بيع وخلة أى صداقة وإذا كان فى هذه الدنيا وساطة وشفاعة ومحسوبية، فليس فى الآخرة شىء من ذلك.
والقرآن ذكر الشفاعة فى آيات محكمات وآيات متشابهات.. وآية ﴿أَنْفِقُواْ مِمّا رَزَقْنَاكُم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾ من الآيات المحكمة التى تنفى الشفاعة بمفهومها البشرى الذى نمارسه فى الدنيا والذى على أساسه نتمنى أن يكون يوم الدين سوقاً لشفاعة الأنبياء والأولياء.. ولذلك تأتى آيات محكمة كثيرة تنفى هذه الشفاعة وتؤكد على أنه ليس بإمكان نفس بشرية أن تنفع نفساً بشرية، ومنها قوله تعالى ﴿وَاتّقُواْ يَوْماً لاّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.. ﴿وَاتّقُواْ يَوْماً لاّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ (البقرة 48،123). وقوله تعالى ﴿يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمْ وَاخْشَوْاْ يَوْماً لاّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ (لقمان 33).
أما الآيات المتشابهة فهى تفسر بعضها بعضاً، فقوله تعالى ﴿مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾. وقوله تعالى ﴿مَا مِن شَفِيعٍ إِلاّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ (يونس 3) يشير إلى أن هناك من المخلوقات- غير البشر- من يشفع ولكن بعد إذن الرحمن، ولكى تعرف هذه المخلوقات نرجع إلى باقى الآيات، فالله تعالى يقول ﴿يَوْمَئِذٍ لاّ تَنفَعُ الشّفَاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرّحْمَـَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ (طه 109). فالآية هنا أضافت الرضى من الرحمن بعد الإذن، وتأتى آية أخرى تقول عن الجاهلين وعبادتهم للملائكة ﴿وَقَالُواْ اتّخَذَ الرّحْمَـَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مّكْرَمُونَ. لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَىَ وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (الأنبياء 26: 28). إذن يتضح لنا أن الملائكة هى التى تشفع ولكن بعد رضى الله تعالى وإذنه وأمره، ثم تأتى آية أخرى تقول بصراحة ﴿وَكَمْ مّن مّلَكٍ فِي السّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىَ﴾ (النجم 26). إذن الملائكة هم المقصودون بقوله تعالى ﴿مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾. ولأنهم ملائكة فإن لهم دوراً فى الحساب، وهذا الدور قد حدده رب العزة بأمره وإذنه ورضاه، ولا اختيار للملائكة فى ذلك، وعليه فالشفاعة مصدرها الله تعالى، بأمره وإذنه ورضاه، أما أولئك البشر الذين أصدروا من عندهم قراراً بأن بعض البشر سيشفع فيهم عند الله، فالله تعالى هو الذى رد على أولئك الذين أخذوا من عندهم شفعاء من البشر لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، يقول تعالى ﴿أَمِ اتّخَذُواْ مِن دُونِ اللّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ. قُل لِلّهِ الشّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ (الزمر 43،44). فالبشر هم الذين يتخذون الأولياء والشفعاء، وهم الذين يؤلفون الأساطير والأحاديث والأكاذيب، وهم الذين يعبدون أولئك الشفعاء وينتظرون منهم المدد فى الدنيا والجاه فى الآخرة، وينسون أن الله تعالى هو وحده الولى ﴿أَمِ اتّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ فَاللّهُ هُوَ الْوَلِيّ﴾ (الشورى 9) وينسون أن الله وحده هو الشفيع ﴿أَمِ اتّخَذُواْ مِن دُونِ اللّهِ شُفَعَآءَ.. قُل لِلّهِ الشّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾.
ومن عجب أن القرآن يؤكد على أن النبى لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا بإذن الله، ومع ذلك يجعلونه مالكاً ليوم الدين وشفيعاً يوم القيامة بالمخالفة لكتاب الله العزيز.
ثالثاً:
يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين، له مراحل تبدأ بالبعث ثم الحشر ثم العرض ثم الحساب ثم دخول الجنة أو النار، وعند الحشر والهول العظيم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، ينطبق هذا على كل البشر من الأنبياء وغيرهم، وعند العرض أمام الله تعالى يقف البشر جميعاً أمامه جل وعلا صفاً ﴿وَعُرِضُواْ عَلَىَ رَبّكَ صَفّاً﴾ (الكهف 48). وبعدها يوضع كتاب الأعمال لكل أمة ولكل شخص بعينه. وتعقد المحاكمة الإلهية فى يوم الحساب أو يوم الفصل أو يوم التغابن. والقاضى هنا هو رب العزة ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىَ عَلَى اللّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْوَاحِدِ الْقَهّارِ. الْيَوْمَ تُجْزَىَ كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ. وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الأَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ. يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصّدُورُ. وَاللّهُ يَقْضِي بِالْحَقّ﴾ (غافر 16: 20).هل هناك أعظم من هذا الكلام؟ سبحان من كان هذا كلامه!!
فى المحكمة الإلهية لا ظلم، بل عدل مطلق، ونحن فى محاكمات الدنيوية نراعى العدل ما استطعنا، ولا نرضى بأن يتشفع أحدنا فى المتهم أمام القاضى ويجعله يخرج بريئاً وهو مستحق للإدانة، ومع ذلك فإننا نرض أن نزيف أقاويل ننسبها للنبى عليه السلام نجعل فيها المحكمة الإلهية يوم الحساب سوقاً للشفاعات والوساطات، ونكذب بآيات الله تعالى الصريحة التى تكررت فى القرآن تنفى شفاعة البشر، بل وتجعل دور الأنبياء فى تلك المحاكم الإلهية العظمى مناقضاً لتلك الشفاعة المزعومة.
فى محاكمنا الدنيوية هناك شاهد لصالح المتهم وهناك شاهد يشهد على المتهم ويثبت عليه الجريمة، وهناك فرصة للمتهم كى يدافع عن نفسه ما استطاع، وكل ذلك طبعاً بعد أن يأذن القاضى للشاهد والمتهم.. وذلك أقصى ما استطعنا الوصول إليه فى تحقيق العدالة على الأرض، إلا أن العدالة لا تتحق أحياناً لأن القاضى بشر ، وحتى لو كان يتحرى العدل فإنه لا يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور.
أما فى المحكمة التى يعقدها الله تعالى عالم الغيب والشهادة فإنه جل وعلا يوفر كل الفرصة لكل فرد لكى يدافع عن نفسه ما استطاع، وحيث أن كل إنسان يأتى للحساب حريصاً على النجاة بنفسه فقط فإنه لا مجال لأن تجزى نفس عن نفس شيئاً أى لا مجال لأن يشفع بشر فى البشر، بل يحدث العكس، وهو أن يحاول كل منا أن يلقى المسئولية على الآخر لينجو، ولذلك فإن الشاهد البشرى الذى يشهد لصالح المتهم أمام الله لا وجود له، لأن كل نفس بشرية منهمكة فى الجدال عن نفسها فقط يقول تعالى ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نّفْسِهَا وَتُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ (النحل 111).
وتبدأ المحاكمة الإلهية بأفضل البشر وهم الأنبياء والدعاة للحق، الذين يؤتى بهم أولاً ليشهدوا (على) أقوامهم،أى شهادة خصومة ضد أقوامهم يقول تعالى ﴿وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِـيءَ بِالنّبِيّيْنَ وَالشّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ ثم يقول عن حساب باقى البشر ﴿وَوُفّيَتْ كُلّ نَفْسٍ مّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (الزمر 69،70). أى يأتى النبى شاهداً (على) قومه ، أى شاهد خصومة، يدافع عن نفسه أمام ربه بأنه بلغ الرسالة وأدى ما عليه، أى أنه لا يشهد (لقومه) أى لصالحهم ولكن يشهد (عليهم) أى يكون خصماً لمن عصى منهم، والله تعالى يقول ﴿إِنّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىَ فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ (المزمل 15). والرسول يكون شاهداً على قومه الذين عاصرهم وشاهدهم، والأمة التى لم يشهدها الرسول فى حياته يكون عليها شهداء من الذين عايشوهم، يقول تعالى ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىَ هََؤُلآءِ شَهِيداً﴾ (النساء 41). والله تعالى حكى بعض ما سيحدث فى ذلك اليوم: إذ سيدور حوار بين الله تعالى وعيسى عليه السلام، يقول فى نهايته عيسى ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبّي وَرَبّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المائدة 117). أى كان شهيداً عليهم مدة حياته فيهم.. أما خاتم النبيين عليه سلام الله فسيقول ﴿ يَرَبّ إِنّ قَوْمِي اتّخَذُواْ هَـَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ (الفرقان 30). وهذا هى مصيبتنا الكبرى.. أننا اتخذنا القرآن مهجورا ، وهو الذى ضمن الله تعالى حفظه ليكون حجة علينا إلى يوم الدين ، واتخذناه مهجورا بأن اكتفينا باتخاذه أغنية للمقرئين والمنشدين فىة حفلات العزاء ، واتخذناه " رقية " وحجابا " فى الصالون والسيارة والمكتب مجرد رمز للبركة للمعتقدين فى الزار والأرواح الشريرة ، هجرناه بابعاده عن حياتنا العملية فى العقائد والسلوكيات ، بينما اتبعنا فى تلك الحياة العملية كتب الزيف والأحاديث الشيطانية وأوليائها وأئمتها. ولأنهم اسندوا كل هذه الضلالات للنبى محمد ،ولأنهم رسموا له شخصية الاهية تخالف حقيقته البشرية التى أكدها القرآن الكريم ، ولأنهم جعلوه بتلك الأحاديث الضالة مالكا ليوم الدين بالشفاعة الكاذبة ـ بسبب ذلك كله سيأتى النبى محمد يوم القيامة يتبرأ منهم جميعا لأنهم خصومه الحقيقيون ، تقول الآية التالية " وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين ، وكفى بربك هاديا ونصيرا. " الفرقان 31 "
وبعد النبى هناك شهيد على كل مجتمع من داخل المجتمع نفسه ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلّ أُمّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مّنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىَ هَـَؤُلاَءِ وَنَزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لّكُلّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىَ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل 89). أى أنه بعد وفاة النبى محمد هناك شهيد على كل أمة تالية فى كل مجتمع، وموضوع الشهادة هو الكتاب الحكيم الذى أنزله الله تعالى تبياناً لكل شىء فهجره المسلمون فى سبيل أحاديث مزورة سيتبرأ منها الرسول يوم القيامة. الشاهد على أمته كان فى خصومة مع قومه. هو يِؤكد لهم أن الله تعالى أنزل القرآن الكريم تبيانا لكل شىء وهم يؤكدون أن القرآن غامض محتاج لتفسير ، موحز محتاج لتفصيل ، وناقص محتاج لتكميل ، وفيه من التشريعات ما يستوجب الحذف والالغاء ، لذا يؤمنون أن السنة أو أحاديثهم تنسخ ـ أى تلغى ـ بعض تشريعات القرآن ، وانها تشرح القرآن وتكمله وتفسره وتهيمن عليه . هذا هو موضوع الشهادة يوم القيامة ، اذ سيأتى الشهود يشهدون شهادة خصومة على أقوامهم يؤكدون قوله تعالى " وَنَزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لّكُلّ شَيْءٍ " دون أن يجرؤ المشركون وقتها على التشكيك فى القرآن متسائلين فأين تفصيلات الصلاة والزكاة و .. فى القرآن الكريم ؟
ولذلك فإن الذين اخترعوا تلك الأحاديث والذين يروجون لها ويصدون عن سبيل الله وكتابه ويبغونها عوجاً هم أشد الناس خزياً يوم العرض على الله، يقول تعالى عن أولئك الكاذبين على الله ورسوله ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللّهِ وُجُوهُهُم مّسْوَدّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنّمَ مَثْوًى لّلْمُتَكَبّرِينَ﴾ (الزمر 60).كانوا فى الدنيا متكبرين بما لديهم من سطوة وأتباع، لأنهم ينشرون بين العوام أحاديث تطمعهم فى دخول الجنة بغير عمل وتشجعهم على الانحراف والتخلف طالما ضمنوا الجنة وأيقنوا أنهم سيدخلونها بالشفاعة البشرية المزعومة، وأولئك المتكبرون هم أعداء الأنبياء حين يروجون لأكاذيب ما نطق بها أنبياء الله، يقول تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِيّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ويقول تعالى عن جمهورهم من الناس ﴿وَلِتَصْغَىَ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مّقْتَرِفُونَ. أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً﴾ (الأنعام 112، 113: 114).
أولئك الكاذبون أعداء النبى سيكون المتمسكون بالحق شهوداً عليهم يوم القيامة، فهم أظلم الناس حين افتروا على الله ورسوله كذباً، يقول تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ كَذِباً أُوْلَـَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىَ رَبّهِمْ وَيَقُولُ الأشْهَادُ هَـَؤُلآءِ الّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىَ رَبّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظّالِمِينَ. الّذِينَ يَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا﴾ (هود 19).أولئك الكاذبون سيكونون خصماً لله تعالى، لأنهم زيفوا الدين الذى أنزله للسمو بالناس وكتموا الحق الذى عجزوا عن تزييفه، لذلك فإن الله تعالى فى محكمته العظمى سيكون خصماً لهم، لن يكلمهم ولن يزكيهم ﴿إِنّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاّ النّارَ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. أُولَـَئِكَ الّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضّلاَلَةَ بِالْهُدَىَ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ﴾ (البقرة 174: 175) .ورب العزة يتعجب من صبرهم على النار.. لأن عذابهم أشد، يقول تعالى ﴿الّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾ (النحل 88).
رابعاً:
قوله تعالى ﴿مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ يفسره قوله تعالى ﴿وَكَمْ مّن مّلَكٍ فِي السّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىَ﴾ (النجم 26). أى أن الملائكة هى التى تشفع فى النفس البشرية المستحقة للشفاعة، ولكن بعد إذن الله تعالى ورضاه، والملائكة فى ذلك تنفذ أمر الله، فالله تعالى هو وحده صاحب الأمر كله وله تعالى الشفاعة جميعاً ﴿أَمِ اتّخَذُواْ مِن دُونِ اللّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ. قُل لِلّهِ الشّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ (الزمر 43: 44).
وكل فعل تقوم به الملائكة تنفيذاً لأمر الله تعالى ينسبه الله تعالى لذاته حيناً وينسبه للملائكة حيناً، رأينا ذلك فى الشفاعة فى الآيات السابقة، ونراه أيضاً فى الموت، فالله تعالى يأمر الملائكة بقبض نفس الإنسان حين الموت، والله تعالى يقول ﴿اللّهُ يَتَوَفّى الأنفُسَ حِينَ مِوْتِهَا﴾ (الزمر 42) أى أنه يصدر الأمر والإذن، ويقول تعالى أيضاً ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُم مّلَكُ الْمَوْتِ الّذِي وُكّلَ بِكُمْ﴾ (السجدة 11). أى أن ملك الموت هو قائد التنفيذ، ويساعده جملة من الملائكة والله تعالى أعلم بهم، يقول تعالى ﴿حَتّىَ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ﴾ (الأنعام 61). إذن فعل الموت يأتى منسوباً لله تعالى باعتباره صاحب الأمر، ويأتى منسوباً للملائكة باعتبارها صاحبة التنفيذ.. وكذلك الشفاعة.. الله تعالى هو صاحب الأمر والإذن، وعلى الملائكة التنفيذ. ولكن من هم الملائكة الذين يشفعون فى الإنسان المستحق للشفاعة؟
نبدأ القصة من أولها، من خلق الإنسان، يقول تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ كيف يكون الله تعالى أقرب إليك من حبل الوريد؟ عن طريق الملائكة التى تسجل عليك أعمالك وتحفظها فى سجلات، هى كتاب أعمالك، تقول الآية التالية ﴿إِذْ يَتَلَقّى الْمُتَلَقّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشّمَالِ قَعِيدٌ. مّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق 16، 17: 18). إذن هناك اثنان من الملائكة مقترنان بكل فرد منّا يسجل عليه أعماله وأقواله ويحفظانها، والله تعالى يقول عن الملائكة التى تحفظ أعمال الإنسان ﴿وَإِنّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ. كِرَاماً كَاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (الإنفطار 10: 12).والإنسان فى حال حياته لا يستطيع أن يرى هذين الملكين اللذين يحفظان أعماله، ولكنه يراهما مع ملائكة الموت، حين تأتيه سكرة الموت وينكشف عنه غطاء الجسد ويرى الملائكة التى تحفظ أعماله قد أغلقت كتاب أعماله فيتمنى أن يأخذ فرصة أخرى ولكن دون جدوى، ﴿حَتّىَ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبّ ارْجِعُونِ. لَعَلّيَ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاّ إِنّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون 99: 100). ويدخل كل منا فى البرزخ ميتا ثم تقوم الساعة ويتم البعث للجميع ، ويفاجأ كل منا وقد تحول الرقيب والعتيد اللذان كانا يحفظان أعماله إلى سائق وشهيد؛ أحدهما يسوقه والآخر يشهد عليه . يقول تعالى ﴿مّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ. وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ. وَنُفِخَ فِي الصّورِ ذَلِكَ يَوْمَ الْوَعِيدِ. وَجَآءَتْ كُلّ نَفْسٍ مّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ. لّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مّنْ هَـَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (ق 18: 22).
فى الدنيا كان الإنسان حراً يتصرف كما يريد ولا تملك الملائكة التى تحفظ أعماله إلا أن تسجل أعماله فقط، وفى الآخرة يفقد حرية الإرادة وتستحضره الملائكة التى تحمل أعماله إلى موقف العرض أمام الله تعالى. وهنا يكون أسيراً لما كسبت يداه، أو بتعبير القرآن ﴿كُلّ امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ (الطور 21).
وعند الحساب أمام رب العزة جل وعلا تأتى كل نفس بشرية بمفردها والله تعالى يقول للبشر جميعاً ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىَ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوّلَ مَرّةٍ وَتَرَكْتُمْ مّا خَوّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىَ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ﴾ (الأنعام 94). أى يأتى البشر للحساب فرادى وقد تركوا خلفهم المال والجاه والمناصب والعزوة والأتباع ، وتركوا أيضا أساطير الشفاعات ، وسيرون بأعينهم أولئك البشر الذين أسندوا اليهم الشفاعة وهم يفرون لكل امرىء منهم شأن يغنيه. كل منا يأتى أمام الله تعالى يوم الحساب عبدا فردا ، لا فرق بين أعظم البشر وهم الأنبياء وأحط المخلوقات. كل منهم يؤتى به أمام الواحد القيوم فردا. ويقول تعالى عن ذلك الموقف العظيم ﴿إِن كُلّ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلاّ آتِي الرّحْمََنِ عَبْداً. لّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدّهُمْ عَدّاً. وَكُلّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ (مريم 93: 95). كل منهم يأتى وحده نفسا بشرية تدافع عن نفسها وتنال نصيبها ان خيرا فخيرا وجنة ،وان شرا فشرا وجحيما : ( يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (111) النحل ).
الفرد هو الواحد ، اما الشفع فهو الذى يأتى للفرد الواحد يؤيده ويشفع فيه . الفرد الوحيد يحتاج إلى شفيع، يؤيده ويعزز موقفه، وذلك معنى شفاعة الملائكة فى أصحاب العمل الصالح من الأفراد، فكل فرد منا فى هذه الحياة قد وكل به ملك يحفظ ويسجل أعماله . ان كانت أعماله صالحة جىء به أمام الله تعالى يسوقه سائق ويحمل أعماله شاهد أو شهيد : (وَجَآءَتْ كُلّ نَفْسٍ مّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ.) ق 21 ). ( الشهيد ) هنا الذى يحمل العمل . إذا كان العمل صالحا تكون شهادته شفاعة أى لصالح الفرد. أما اذا كان العمل سيئا شريرا فالشاهد الذى يحمل هذا العمل سيكون خصما وشاهدا " على " الفرد.
الخلاصة أن الملائكة التى تحمل العمل الصالح للفرد المؤمن تقدم كتاب أعماله حين يأذن الله تعالى ويرضى، والله تعالى يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، والملائكة التى كانت تحفظ سجل حياة الفرد فى الدنيا باسم رقيب وعتيد، يتحولان لكل فرد إلى سائق وشهيد، أحدهما يسوقه إلى موقف العرض والآخر يشهد له أو يشهد عليه، إذا كان عمله صالحاً فهو يشهد له، أى يشفع فيه بتقديم عمله الصالح بعد إذن رب العزة جل وعلا، وإذا كان عمله سيئاً فهى ليست شفاعة ولكن إدانة لا تنفع ولا تشفع بل تزيد صاحب العمل حسرة ونقمة.
وهكذا فإن شهادة الملائكة التى تحمل العمل الصالح للمؤمن الفائز هى الشفاعة، وبالطبع فهذه الملائكة هى التى تقترن بكل فرد تعلم خباياه وتسجل كل حركة وكل لفظة، ولذلك يقول تعالى عن شفاعة الملائكة ﴿وَلاَ يَمْلِكُ الّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشّفَاعَةَ إِلاّ مَن شَهِدَ بِالْحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (الزخرف 86). فالملائكة الذين يحفظون الأعمال لكل منا يشهدون بالحق لأنهم يعلمون كل صغيرة وكبيرة عن الفرد الذى رافقوه فى حياته.. ولأن ذلك يكون بعد إذن الله تعالى وأمره فإن الله تعالى يقول ﴿لاّ يَمْلِكُونَ الشّفَاعَةَ إِلاّ مَنِ اتّخَذَ عِندَ الرّحْمََنِ عَهْداً﴾ (مريم 87). فالعهد هو الأمر، يقول تعالى ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىَ ءَادَمَ﴾ (طه 115). أى أمرنا آدم، ويقول ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيَ آدَمَ أَن لاّ تَعْبُدُواْ الشّيطَانَ إِنّهُ لَكُمْ عَدُوّ مّبِينٌ﴾ (يس 60). فأوامر الله تعالى أن لا نعبد الشيطان، وقد عهد الله لملائكة الأعمال أى أمرهم وأذن لهم بالشفاعة أى تقديم العمل عند الحساب لأولئك الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. وذلك هو معنى شفاعة الملائكة، وهى الشفاعة الوحيدة المسموح بها فى اليوم الأخر طبقا للقرآن الكريم ..
خامساً:
حدثت هذه القصة فى المدينة فى عصر الرسول عليه السلام، سرق شاب درعاً وشاع أمر السرقة وصارت فضيحة للشاب السارق، وأحس أهله بالعار فاجتمعوا ليلاً ليتداركوا الفضيحة، وانتهوا إلى قرار، خبأوا الدرع المسروق فى بيت يهودى برئ، ثم ذهبوا فى الصباح للنبى يدافعون عن ابنهم (المظلوم) وتم العثور على الدرع المسروق فى بيت اليهودى واقتنع النبى ببراءة الشاب ودافع عن براءته.. وبذلك تمت تبرئة المجرم وتمت إدانة برئ مظلوم..ولأنها قصة إنسانية تكرر فى كل زمان ومكان، فإن القرآن نزل يوضح الحق وينصف المظلوم ويثبت جريمة السارق ويضع القواعد، ويحول الحادثة المحددة بالزمان والمكان والأشخاص إلى قضية عامة فوق الزمان والمكان، قضية البرئ المظلوم والمجرم صاحب النفوذ الذى يفلت بجريمته. وبدأت الآيات بعتاب النبى، تقول له ﴿إِنّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُنْ لّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً. وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ إِنّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رّحِيماً. وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ مَن كَانَ خَوّاناً أَثِيماً﴾ ولا شك أن أولئك الناس كانوا من الصحابة المقربين للنبى الذين كانوا يتمتعون بتقدير خاص لديه، ولكن لأنهم اجترءوا على تبرئة ابنهم المجرم واتهام إنسان (يهودى) برئ فقد جعلهم الله من الخونة الآثمين.. وتلك عظمة الرقى التشريعى فى الإسلام، فالبرئ له حقوقه حتى لو كان يهودياً والمجرم مستحق للاحتقار هو وأهله الذين يعاونونه حتى لو كانوا من أقرب أصحاب النبى إليه.ثم يقول تعالى يصف تآمر أولئك (الصحابة) ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىَ مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ أى أنهم كانوا يراعون الناس ولا يراعون رب الناس جل وعلا.. تآمروا ليلاً على اتهام برئ ليبرئوا ابنهم المجرم، وقد نسوا أن الله تعالى معهم يسمع نجواهم ومحيط بكل ما يعملون. ثم يتوجه العتاب للنبى ولهم فيقول تعالى ﴿هَا أَنْتُمْ هََؤُلآءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾؟؟!! يعنى إذا كنتم تجادلون وتدافعون عنهم فى الدنيا فهل يستطيع أحد منكم أن يدافع عنهم أو يشفع فيهم يوم القيامة، وهل يستطيع أحد منكم أن يكون وكيلاً عنهم أمام الله، والاستفهام استنكارى.. يعنى أن الله تعالى يستنكر منذ البداية وجود الظلم ، فقد أنزل الكتاب لتأسيس العدل وليقوم الناس بالقسط، ولكن الذى حدث أن الناس لم يكتفوا بنشر الظلم فى الدنيا بل وتصوروا يوماً للحساب فى الآخرة يقوم أيضاً على الوساطات والشفاعات حتى يستطيع الذى نجا بظلمه فى الدنيا أن ينجو أيضاً فى الآخرة.. ولذلك فإن الله تعالى بعد أن عاتبهم- ومنهم النبى- بأنهم إذا كانوا يجادلون عن الخونة فى الدنيا فلن يستطيعوا الدفاع عنهم فى الآخرة.
وبعدها يضع الله تعالى القواعد التى على أساسها تتم عدالة الحساب فى الآخرة حيث لا مجال للشفاعة أو التوسط أو المحاباة، فيقول تعالى ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوَءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رّحِيماً﴾ أى أن المذنب إذا استغفر الله غفر الله له، وحينئذ لا حاجة لوسيط خارجى، عليه أن يتوب والله تعالى يتوب عليه، أى أنه مسئول عن نفسه، إن تاب فالله تعالى غفور رحيم. وتؤكد الآية التالية هذه الحقيقة ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىَ نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ أى فالمسئولية فردية ولا يغنى أحد عن أحد، والله تعالى (عليم) بكل ما يحدث فى العالم (حكيم) فى كل أحكامه وقضائه وتشريعاته. وتقول الآية التالية ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيَئَةً أَوْ إِثْماً ثُمّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مّبِيناً﴾ أى فالذى لا يكتفى بالإثم ولكن يضيف عليه أن يلصق الإثم ببرئ ليفلت هو إنما اكتسب مع الإثم بهتاناً عظيما.. فالعقاب على قدر الجناية..
وفى النهاية يقول تعالى للنبى ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمّتْ طّآئِفَةٌ مّنْهُمْ أَن يُضِلّوكَ وَمَا يُضِلّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ (النساء 105: 113) أى فلولا الوحى وما نزل من الكتاب لاستطاعوا خداع النبى وتضليله، ولكن الله تعالى بفضله على النبى أخبره بما لم يكن يعلم بتآمر أولئك الصحابة الخونة المخادعين الذين كذبوا على النبى ليبرئوا ابنهم بالباطل ويلصقوا الجريمة ببرىء ، وهم فى الحقيقة لم يخدعوا إلا أنفسهم، وما أضلوا غيرهم.
وهكذا لم يتحدث القرآن عن فلان السارق وفلان البرئ وأسرة الجانى وزمن الحادثة وتفصيلاتها، وإنما تحولت الحادثة التاريخية الى قضية عامة نراها فى كل مجتمع لتكون حجة على أصحاب النفوذ الذين يستغلون نفوذهم والواسطة أو الشفاعة فيهربون من العقوبة على جرائمهم ويضعون الأبرياء مكانهم فى السجون ، وتلك احدى أهم الرذائل التى تنتشر فى بلاد " المسلمين " الذين آمنوا بالشفاعات والوساطات فى الدين وفى الدنيا فخسوهما معا، ولذلك تمتلىء السجون فى بلادنا بالمظاليم حتى يقول المثل الشعبى "ياما فى الحبس مظاليم".
والآيات تنفى أن كل الصحابة أطهار بررة، فمنهم السابقون الأطهار ومنهم من خلط عملا صالحا وآخر سيئا ، ومنهم منافقون، ومنهم خونة متآمرون، وذلك الوصف ليس من عندنا ولا نجرؤ على قوله إلا من خلال ما قاله رب العزة فى الآيات السابقة ، استرجع معنا ماقاله تعالى عنهم فى هذا السياق :" ( وَلاَ تَكُنْ لّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً") ـ ( "وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ مَن كَانَ خَوّاناً أَثِيماً" ـ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ) ـ ( وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمّتْ طّآئِفَةٌ مّنْهُمْ أَن يُضِلّوكَ وَمَا يُضِلّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ )". نقول هذا حتى لا تتقافز أمامنا الماعز غاضبة تتهمنا بأننا الذين نهاجم الصحابة .ان الذى ذكر قصص الصحابة التى نخجل منها الآن هو الله تعالى الذى لا معقب لحكمه.. وعليه فإن إضفاء العدالة على كل الصحابة أمر يخالف العقل ويجافى القرآن الكريم.
والآيات تثبت أن النبى بشر يستطيع الآخرون خداعه وتضليله، إلا أن عصمته بالوحى، إذ يأتى الوحى يوضح له الحق ويأمره بالاستغفار من الذنب، وعن عصمة النبى بالوحى فقط يقول له ربه تعالى ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنّمَآ أَضِلّ عَلَىَ نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيّ رَبّي﴾ (سبأ 50). وإضفاء العصمة المطلقة للنبى تأليه للنبى، فالله سبحانه وتعالى هو وحده المنزه عن الخطأ، وهو الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فى موضوعنا عن الشفاعة ، فالآيات تثبت أن النبى لن يستطيع أن يجادل عن أحد يوم القيامة أو أن يشفع فيه، فالمسئولية تقع على كل فرد، إذا تاب تاب الله عليه، وإذا عصى ولم يتب فالعقاب على قدر الجريمة.. والله تعالى يقول ﴿مَن يَعْمَلْ سُوَءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ (النساء 123). أى ولا يجد له من دون الله شفيعاً. ولذلك فإن الذين ارتكنوا فى الدنيا على شفاعة البشر فإنهم سيقولون فى النار ﴿وَمَآ أَضَلّنَآ إِلاّ الْمُجْرِمُونَ. فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ. وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾..!!
وموعدنا أمام الله تعالى يوم القيامة ليحكم بيننا فيما نحن فيه مختلفون..
الباب الأول: الشفاعة فى الاسلام .
الفصل الثانى : الشفاعة فى القرآن الكريم فى رؤية منهجية
مدخل:
1 ـ القرآن الكريم هو سبيل الله تعالى وصراطه المستقيم الذى لا مكان فيه للعوج ( الكهف 1) (الزمر 28 )، ولهذا فإن فى القرآن الكريم تفصيلات جاءت على علم لمن يعرفها من المؤمنين بالقرآن (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ : الأعراف 52 ). ولكى يتعرف عليها الباحث فى القرآن لا بد أن يتمتع بالهداية الايمانية و الهداية العلمية، وهما معا يتفقان فى موضوعية المنهج العلمى. وتتجلى النزاهة العلمية و الموضوعية العلمية فى التعامل المنهجى مع المحكم و المتشابه فى القرآن الكريم . فى القرآن الكريم آيات محكمة المعنى موجزة اللفظ ولكن قاطعة الدلالة لا مجال فيها لأكثر من رأى. تلك هى الآيات المحكمات،هذه الآيات المحكمة تشرحها آيات أخرى هى الآيات المتشابهة.
2 ـ الباحث المسلم عليهيدخل على القرآن الكريم بدون رأى مسبق يسعى لإثباته ، بل يكون مستعدا للتمسك بأى حقيقة قرآنية تظهر له فى بحثه مهما خالفت عقائده المتوارثة ومستعدا لأن يضحى فى سبيلها بحياته ومستقبله . بعد هذا الاستعداد الايمانى الموضوعى العلمى يقوم بتتبع الآيات المحكمة فى موضوعه البحثى فى القرآن ، ثم يأتى بكل ما يتصل به من آيات متشابهة ، وسيجد الآيات المتشابهة تشرح المحكمات ، فالاية المحكمة تاتى بالمعنى محددا وقاطعا ولو فى صيغ مختلفة ، أما الاية المتشابهة فتاتى بالتفصيل والتوضيح دون ادنى تناقض مع الآيات المحكمة فى نفس الموضوع .هنا يجد الباحث عن الهداية أن موضوعه قد توضح بالقرآن بعد أن قام بواجب ( التدبر ) أى السعى ( دبر ) أو خلف الآيات المحكمة ثم خلف الآيات المتشابهة وربط هذا بذاك. وهذا ما يشير اليه قوله تعالى (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا: آل عمران 7)،وكالعادة فان الله تعالى يوضح منهج الباحثين المؤمنين بالقرآن أو( الراسخون فى العلم ) الذين يؤمنون بكل ما فى القرآن وأنه لا عوج فيه ولا اختلاف ولا تناقض، لذلك يتتبعون كل الآيات الخاصة بالموضوع ويبحثونها معا فى سياقها الخاص وسياقها العام ، وفى اطار أنها يفسر بعضها بعضا ويفصّل بعضها بعضا و يكمل بعضها بعضا .
3 ـ أما الصنف الآخر الذى فى قلبه مرض فيتجاهل المحكم وينتقى المتشابه ، يحرّف معناه ليخدم غرضه ، ثم يضيف أحاديث موضوعة .وبالتحريف فى معانى القرآن الكريم واختراع أحاديث كاذبة تمت إقامة عقائد شركية (نسبة للشرك ) وكفرية (نسبة للكفر ) تناقض الاسلام ، ومنها اسناد الشفاعة كذبا للنبى محمد عليه السلام وغيره. وبهذا قام أصحاب الديانات الأرضية من المسلمين بتحريف معانى القرآن الكريم وصنع اسلام مغشوش يناقض الاسلام الحق ، وحققوا ما نبأ به رب العزة سلفا من هوية أولئك الذين يصدون عن سبيل الله تعالى ويتخذونها عوجا . والشفاعة هى تبرير و تسويغ و تشجيع العوج فى الأخلاق و السلوك والمعتقدات ، وقد أنبأ رب العزة بأن مصيرهم الخلود فى النار عكس ما يأملون من شفاعات ، ولقد وصف الله تعالى أهل النار بأنهم الذين كانوا فى حياتهم الدنيا يصدون عن سبيل الله تعالى ويبغونها عوجا : ( الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ )( الأعراف 45 ) ( الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ) هود 19 )( الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَـئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ).ابراهيم 3 )
ولنبحث قضية الشفاعة مثالا للتوضيحفى كيفية التعامل مع المحكم وٍالمتشابه .
1 ـ فى البداية فان القرآن يؤكد على أن النبى محمدا عليه السلام لا يعلم الغيب ـ خصوصا غيب اليوم الآخر ، فليس له أن يتكلم عن الساعة وما يحدث فيها ، ولذلك فإن كل أحاديث الشفاعة مجرد أكاذيب لم يقلها النبى ، وإسنادها اليه عداء شديد لخاتم النبيين عليه وعليهم السلام . علاوة على انه كفر بالقرآن الكريم ،فلا يمكن أن يجتمع الإيمان بنقيضين مختلفين ؛الايمان بالقرآن والرسول مع الإيمان بتلك الأحاديث الكاذبة التى تخالف كتاب اللهوتعادى رسول الله عليه السلام.
والله تعالى هو وحده "مالك يوم الدين" وهو وحده تعالى الذى يملك الأمر كله يوم القيامة، والنبى نفس بشرية ينطبق عليها قوله تعالى ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ (الإنفطار 19). لذا قال تعالى للنبى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ (آل عمران 128). وإذا أصدر مالك يوم الدين قراراً يوم القيامة فلا مجال لتبديل كلمته، وسيقول تعالى حينئذ ﴿مَا يُبَدّلُ الْقَوْلُ لَدَيّ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاّمٍ لّلْعَبِيدِ﴾ (ق 29). ومن التكذيب بآيات الله تعالى أن يؤمن بعضنا بأن الله تعالى يصدر قراراً بأن يدخل بعض الناس النار فيتشفع فيهم النبى ويتراجع الله تعالى عن قراره، لأنه ليس فى إمكان النبى أن يتدخل فى إخراج أحد من النار، فالله تعالى يقول له ﴿أَفَمَنْ حَقّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النّارِ﴾ (الزمر 19).
والإيمان بأحاديث الشفاعة تلك ليس فقط تكذيباً لآيات الله تعالى الصريحة الواضحة ولكنه أيضاً تأليه للنبى محمد عليه السلام ، بل وتطرف فى تأليهه إلى درجة الادعاء بأنه هو صاحب الأمر يوم القيامة وأنه مالك يوم الدين . وهو الادعاء ضمناً بأن النبى هو أرحم الراحمين لأنه ينقذ الناس من النار بعد أن يحكم الله تعالى بدخولهم فيها.. وهو الادعاء ضمناً بأن النبى هو الأعلم بحال البشر من الله ولذلك فهو يتدخل لدى الله لإنقاذ بعضهم، ولا يملك الله تعالى إلا الموافقة.. فهل ذلك يتفق عقلاً مع الإيمان بالله تعالى مالك يوم الدين الذى لا شريك له فى ملكه وحكمه؟
والإيمان بالحديث الكاذب الذى يدعى أن النبى يشفع فى البشر جميعاً شفاعة عظمى معناه التكذيب الصريح بالقرآن الذى لا يجعل للنبى ـ أى نبى ـ أى ميزة يوم القيامة، بل يؤكد أنه مثل كل نفس بشرية يتعرض للحساب والمساءلة ويحاول أن ينجو بنفسه من هول الموقف.. فالنبى نفس بشرية ينطبق عليها قوله تعالى ﴿يَوْمَ يَفِرّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأُمّهِ وَأَبِيهِ. وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ. لِكُلّ امْرِىءٍ مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس 34: 37) أى سيفر الجميع فى ذلك الوقت ولن يجد النبى أو غيره وقتاً لكى يفكر فى غيره، فكيف سيتصدر للشفاعة فى البشر جميعاً؟
ثم كيف سيتدخل النبى فى حساب البشر ليتوسط فى إدخال بعضهم الجنة، والله تعالى يقول للبشر جميعاً : ﴿ يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمْ وَاخْشَوْاْ يَوْماً لاّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ فَلاَ تَغُرّنّكُمُ الْحَيَاةُ الدّنْيَا وَلاَ يَغُرّنّكُم بِاللّهِ الْغَرُورُ. إِنّ اللّهَ عِندَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾(لقمان 33،34). وصدق الله العظيم. فالله تعالى هو وحده الذى عنده علم الساعة، وقد أخبرنا ببعض غيب الساعة فى القرآن، ومنه أن النبى وهو والد ومولود لا يملك أن ينفع والده ولا يستطيع أن ينفع ابنه. وإذا كان لا ينفع ابنته فاطمة فكيف سينفع الآخرين؟
ثم كيف سيتدخل النبى فى حساب البشر ويشفع فيهم وهو نفسه يتعرض للحساب والمساءلة.. إن الله تعالى يؤكد على حساب الأنبياء يوم القيامة حين يجعل الحديث عن حسابهم وهم أفراد مساوياً للحديث عن باقى البشر، والبشر ملايين البلايين، يقول تعالى:﴿ فَلَنَسْأَلَنّ الّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأعراف 6) وبالنسبة لخاتم النبيين فإن الله تعالى يتحدث عن حسابه وهو شخص واحد ويقرن ذلك بحساب الذين معه وهم آلاف الناس، يقول تعالى ﴿وَإِنّهُ لَذِكْرٌ لّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (الزخرف 44).
وفى حساب النبى فلن يستطيع أن ينفع أحداً من أصحابه، وليس بإمكان أحد من أصحابه أن يغنى عنه شيئاً، يقول الله تعالى للنبى ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ.. مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَيْءٍ﴾ (الأنعام 52). أى فلن يتحمل النبى شيئاً من حسابهم ولن يتحمل أحدهم شيئاً من حساب النبى. بل يقول الله تعالى له نفس الكلام عن المشركين، يقول تعالى للنبى عنهم ﴿وَلاَ تَتّبِعْ أَهْوَآءَ الّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ. إِنّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللّهِ شَيْئاً﴾ (الجاثية 18،19) أى أنهم لن ينفعوا النبى بشىء يوم القيامة، وفى ذلك تمام العدالة.. فالقيامة هى العدالة المطلقة التى لا نظير لها، يقول الله تعالى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىَ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء 47).
ولكن تلك العدالة فى اليوم الآخر تحولت فى عقائدالمسلمين الأرضية إلى ظلم وشفاعات ووساطات وتزكية لهم دون باقى الأمم، وأصبح من العقائد الثابتة لديهم أن الجنة من نصيبهم وحدهم من دون البشر جميعاً، وأن أحداً لن يدخل الجنة إلا بعد أن يرضى عنهأصحاب الديانات الأرضية المسلمون ، وبذلك سلبنا الله تعالى حقوقه علينا وجعلنا أنفسنا مالكين ليوم الدين، وبعد أن ترسب فى اعتقادنا أننا نجحنا فى اختبار يوم القيامة قبل أن تقوم القيامة.
وبالشفاعة المزعومة أعطينا أنفسنا ـ نحن المسلمين ـ الجنة مقدما دون أن نعمل لها ، بل و تشجعنا على فعل كل الموبقات لأننا قد ضمنّا لأنفسنا الجنة مقدما بشفاعة (المصطفى ) (وبرغم أنف أبى ذر) مهما ارتكبنا من ظلم وعصيان. ولذلك تجد الاعتقاد فى الشفاعة هو السبب الحقيقى فى تخلف المسلمين خلقيا و عقليا وانسانيا وحضاريا .
2 ـ :صانعو اكذوبة شفاعة النبى محمد زيفوا لها الأحاديث وحرّفوا من أجلها آيات القرآن الكريم. هذا مع أن علماء الأصول قد أكدوا أن أحاديث الأحاد- ومنها أحاديث الشفاعة- لا تؤخذ منها العقائد والسمعيات والغيبيات، لأن العقائد لا تؤخذ إلا من الحق القرآنى اليقينى. وقبل علماء الأصول فإن القرآن نفسه يؤكد على أن النبى لا يعلم الغيب وليس له أن يتحدث فى الغيبيات، ومنها علامات الساعة والشفاعة، أى أن تلك الأحاديث لم يقلها النبى، وبالتالى فإن الاستشهاد بها فى إثبات شفاعة النبى كفر بالقرآن الكريم . نأتى بعدها لمحاولتهم تأويل ـ أى تحريف ـ آيات القرآن لإثبات شفاعة مزعومة للنبى عليه السلام..
وفى البداية نقول أن محاولة التأويل ـ أى تحريف ـ آيات القرآن معناه أن تحصل بالتأويل على معنى يأتى مناقضاً لآيات عديدة فى القرآن الكريم. وعلى سبيل المثال فإنك إن استطعت بالتأويل والتحريف أن تثبت شفاعة للنبى فإنك ستأتى بمعنى يخالف القرآن الذى يقول للنبى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ (آل عمران 128) ويقول له ﴿أَفَمَنْ حَقّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النّارِ﴾ (الزمر 19)، أما الذى يبحث عن الحق فى القرآن يبغى وجه الله تعالى ويرجو الهداية فإنه يترك نفسه بين آيات القرآن ولا يفرض عليها أهواءه وأمنياته، وحيثما تصل به الآيات الكريمة إلى معنى فإنه يتمسك به ويضحى فى سبيله بكل ما توارثه من عقائد وأفكار.
والقرآن الكريم كتاب مثانى متشابهتتكرر فيه المعانى وتتأكد ، فالمتشابه من الآيات يتكرر فيها المعنى الواحد بصور مختلفة، وفى نفس الوقت تؤكد الآيات المتشابهة المعنى الذى تأتى به الآية المحكمة، ومعنى ذلك أن الباحث عن الحق فى القرآن سيراجع القرآن الكريم كله،ويأتى بالآيات الخاصة بموضوعه، ما كان منها محكماً وما كان منها متشابهاً، وسيجد كل الآيات معاً تعطى حقيقة قرآنية واحدة.وهذا من أسرار التكرار والتفصيل والبيان القرآنى .
3 ـ وبالنسبة لقضية الشفاعة سيجد الآياتالمحكمة تؤكد على أن النبى ليس له من الأمر شىء وأنه فى حياته كان يخاف أن عصى ربه عذاب يوم عظيم، وأنه كان يعلن أنه لن يجيره من الله أحد ولن يجد من دون الله ناصراً إلا إذا بلغ الرسالة.. وطالما أن هذه الآيات المحكمة ـ وهى كثيرة- تؤكد على نفى شفاعة النبى إذن يبدأ الباحث عن الحق فى تتبع الآياتالمتشابهة فىالشفاعة بعد أن يكون قد تأكد بالآيات المحكمات أن النبى محمدا لا يشفع وليس له من الأمر شىء. عندها سيجد الايات المتشابهة لا شأن لها بالنبى محمد ولا تتحدث عنه، وانما يفسر بعضها بعضا فى تأكيد ما تقرره الآيات المحكمات.
إن أشهر الآيات المتشابهات فى موضوع الشفاعة هى قوله تعالى ﴿مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة 255)قد جاءت فى سياق آية محكمة قبلها تنفى الشفاعة بمفهومها البشرى أى التوسط، فالآية تقول ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ أَنْفِقُواْ مِمّا رَزَقْنَاكُم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾ (البقرة 254). فإذا كان فى هذه الدنيا بيع وخلة أى صداقة وإذا كان فى هذه الدنيا وساطة وشفاعة ومحسوبية، فليس فى يوم الحساب شفاعة بشرية ولا صداقة بشرية ولا عقد صفقات وبيع وشراء .وعليه فان قوله تعالى للمؤمنين (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ أَنْفِقُواْ مِمّا رَزَقْنَاكُم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾ (البقرة 254)هو آية قرآنية محكمة تنفى الشفاعة بمفهومها البشرى الذى نمارسه فى الدنيا والذى على أساسه نتمنى أن يكون يوم الدين سوقاً لشفاعة الأنبياء والأولياء.
4 ـ ونتوقف مع أمثلة قرآنية للآيات المحكمات التى تنفى شفاعة البشر يوم القيامة ـ والأنبياء هم خير البشر . ولا شفاعة لأحد منهم. هناك آيات محمكات تنفى شفاعة النبى محمد وتنفى أيضا علمه بالساعة وأنه لا يملك لأحد نفعا ولا ضرا فى الدنيا ولا فى الآخرة ٍ، يقول جل وعلا (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . الأعراف 187 ـ ) اى كانوا يسألونه عن يوم القيامة وما سيحدث فيه وموعده ويأتيه الرد من الله تعالى بأن يعلن بأن علمها عند الله تعالى وحده ، وأنه عليه السلام لا يعلم الغيب وليس له أن يتكلم فيه. ونظير ذلك قوله تعالى : (وَيَقُولُونَ مَتَى هَـذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ . يونس 48 ـ ) .
وفى سورة البقرة آيتان تكرر فيهما نفى الشفاعة لأى نفس بشرية ، هما قوله تعالى ﴿وَاتّقُواْ يَوْماً لاّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.. ﴿وَاتّقُواْ يَوْماً لاّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ (البقرة 48،123). أى لا يمكن لنفس بشرية أن تنفع نفسا بشرية أخرى ، ولايمكن لنفس بشرية أن تشفع فى أخرى ولا يمكن لنفس بشرية أن تنجو من الحساب والمساءلة بتقديم بدل نقدى أو مالى أو عوض يعدل ذنوبها فى الدنيا . هنا الاية المحكمة تتحدث بالعموم عن كل نفس بشرية لتشمل الأنبياء وغيرهم ، وتأتى آية أخرى تؤكد نفس المعنى ولكن بتفصيل آخر يتوجه لكل الناس سواء من كان منهم مولودا او والدا بأن الوالد لن ينفع ولده وأن المولود لن ينفع والده ، يقولالله تعالى ﴿يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمْ وَاخْشَوْاْ يَوْماً لاّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ (لقمان 33).والانبياء ـ ومنهم خاتم النبيين ـ لكل منهم أزواجا وذرية (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً )( الرعد 38 ) وكل نبى له والد ، وهو أى النبى لن ينفع والديه ولن ينفع أولاده، وعليه فالنبى محمد لن ينفع ابنته فاطمة ولن ينفع أباه عبدالله أو أمه آمنة بنت وهب. فهل سينفع الاخرين ؟. ونفس المعنى يقوله رب العزة بصيغة أخرى فى وصف ملامح يوم الحساب ، يقول تعالى (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ ) ( المؤمنون 101) أى لا مجال يوم الحساب للأنساب ، ولا يسأل قريب قريبه لأن كل انسان مشغول بنفسه مهموم بمستقبله ومثقل بهول القيامة و الحساب . ويتأكد نفس المعنى بصورة أخرى حيث يحدد الله جل وعلا مهمة النبى محمد فى التبليغ فقط ، وأنه ليس مسئولا أو مساءلا عن الآخرين يوم الحساب ، بل ليس مسئولا أو مساءلا عن هداية الناس لأن الهداية مسئولية شخصية لكل إنسان .. وهنا نقرأ تلك الايات المحكمات : (وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ .الرعد 40 ) أى عليك تبليغ القرآن وعلى الله تعالى الحساب ،كقوله تعالى : (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ. َّلسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ. الغاشية 21 ـ ).
بل ان تبليغ الرسالة لا يعنى مسئولية النبى عن الهداية ، إذ عليه تبليغ وتوصيل الهداية القرآنية فقط ، ثم يكون كل انسان حرا فى قبولها أو رفضها ـ وعلى اساس حرية الاختيار تكون المسئولية والاختبار لكل انسان ولا شأن للنبى بذلك ، يقول تعالى عن كل منا يوم القيامة وهو يتلقى كتاب اعماله الذى تم تسجيله فى الدنيا :( وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا .. الاسراء 13 ـ ).
ولذا أمر الله تعالى خاتم النبيين أن يعلن للناس مسئولية كل انسان عن اختياره ،إن إختار الهداية فلنفسه وإن إختار الضلال فعلى نفسه ، وليس هو ـ أى خاتم النبيين ـ وكيلا عن أحد أو مسئولا عن أحد: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ . يونس 108 ). ويتكرر نفس المعنى فى قوله تعالى :(قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ .الأنعام 104 ). بل يؤكد رب العزة أن خاتم النبيين لا يستطيع أن يهدى من أحب طالما ارتضى ذلك الشخص الضلال ، ولا يستطيع خاتم النبيين أن يعرف من اهتدى ومن ضل لأن ذلك يرجع لعلم رب العالمين عالم السرّ وأخفى ،الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور : (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ).القصص 56).هذه بعض الايات المحكمات التى تنوعت فى نفى شفاعة النبى محمد وغيره بأساليب مختلفة ومتنوعة.
5 ـ ثم نأتى الى الآيات المتشابهة لنجدها تؤكد ما سبق وتفسر بعضها بعضاً:
فقوله تعالى ﴿مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾. وقوله تعالى ﴿مَا مِن شَفِيعٍ إِلاّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ (يونس 3) يشير إلى أن هناك من المخلوقات- غير البشر- من يشفع ولكن بعد إذن الرحمن. ولكى تعرف هذه المخلوقات نرجع إلى باقى الآيات المتشابهة:
فالله تعالى يقول ﴿يَوْمَئِذٍ لاّ تَنفَعُ الشّفَاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرّحْمَـَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ (طه 109). فالآية هنا أضافت الرضى من الرحمن بعد الإذن، وتأتى آية أخرى تقول عن الجاهلين وعبادتهم للملائكة ﴿وَقَالُواْ اتّخَذَ الرّحْمَـَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مّكْرَمُونَ. لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَىَ وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (الأنبياء 26: 28). إذن يتضح لنا أن الملائكة هى التى تشفع ولكن بعد رضى الله تعالى وإذنه وأمره، ثم تأتى آية أخرى تقول بصراحة ﴿وَكَمْ مّن مّلَكٍ فِي السّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىَ﴾ (النجم 26). إذن الملائكة هم المقصودون بقوله تعالى ﴿مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾.
ولأنهم ملائكة فإن لهم دوراً فى الحساب، وهذا الدور قد حدده رب العزة بأمره وإذنه ورضاه، ولا اختيار للملائكة فى ذلك، وعليه فالشفاعة مصدرها الله تعالى، بأمره وإذنه ورضاه،أما أولئك البشر الذين أصدروا من عندهم قراراً بأن بعض البشر سيشفع فيهم عند الله، فالله تعالى هو الذى رد على أولئك الذين أخذوا من عندهم شفعاء من البشر لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، يقول تعالى ﴿أَمِ اتّخَذُواْ مِن دُونِ اللّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ. قُل لِلّهِ الشّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ (الزمر 43،44).
فالبشر هم الذين يتخذون الأولياء والشفعاء، وهم الذين يؤلفون الأساطير والأحاديث والأكاذيب، وهم الذين يعبدون أولئك الشفعاء وينتظرون منهم المدد فى الدنيا والجاه فى الآخرة، وينسون أن الله تعالى هو وحده الولى ﴿أَمِ اتّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ فَاللّهُ هُوَ الْوَلِيّ﴾ (الشورى 9) وينسون أن الله وحده هو الشفيع ﴿أَمِ اتّخَذُواْ مِن دُونِ اللّهِ شُفَعَآءَ.. قُل لِلّهِ الشّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾.
6 ـ ومن عجب أن القرآن يؤكد على أن النبى لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا بإذن الله، ومع ذلك يجعلونه مالكاً ليوم الدين وشفيعاً يوم القيامة بالمخالفة لكتاب الله العزيز.والأعجب أنهم يتلاعبون بالآيات الكريمة المحكمة والمتشابهة لاثبات مزاعمهم ثم يزيفون أحاديث ينسبونها للنبى محمد عليه السلام وهو الذى كان لا يعرف الغيب وليس له أن يتكلم فيه. وهكذا بالتحريف و الكذب والتلاعب بآيات الله تعالى أعادوا عقائد شركية تناقض عقيدة الاسلام فى أن الله تعالى هو مالك يوم الدين ، وأنه وحده الولى والشفيع وأنه ما لهم من دونه من ولى ولا يشرك فى حكمه أحدا..
7 ـ وموعدنا مع تفصيلات أخرى .
الباب الأول : الشفاعة فى الاسلام .
الفصل الثالث : الشفاعة فى ( يوم الدين) تخضع لهيمنة (مالك يوم الدين )
أولا : شفاعة الدنيا واختلافها عن شفاعة الآخرة
1 ـ تنتشر الواسطة أو الشفاعة فى التعامل البشرى كأحد مظاهر الحرية الانسانية فى عمل الخير أوالشّر . قد تكون شفاعة فى سبيل خير كأن تتوسط لصاحب حق كى يأخذ حقه أو ترفع عنه ظلما ،وقد تكون فى الشر حين تعين ظالما او تساعد من لا يستحق على اخذ ما لا يستحق . ومقابل هذه الحرية هناك مسئولية مترتبة عليها يوم القيامة ، فمن يتوسط (او يشفع) فى الخير يكن له نصيب فى الخير ،ومن( يشفع) او يتوسط فى الشر يكن عليه نصيب من الشر ، وهذا معنى قوله تعالى عن شفاعة الدنيا : ( مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا )( النساء 85).
2 ـ شفاعة الدنيا ليس لهامكان فى الاخرة ، فالدنيا هى دار البيع والشراء والعلاقات والصداقات ، وأهم من ذلك هى دار الحرية فى الطاعة أو المعصية . أما الاخرة ففيها تحكم ( مالك يوم الدين ) حيث يأتى الحساب المترتب على هذه الحرية ، وكل منا سيكون مشغولا بنفسه ، حين يفر المرء من أخيه وأمّه وأبيه وصاحبته وبنيه ، لكل امرئ منهم شأن يغنيه ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ )(عبس 34-37)،فليس فى الاخرة مراعاة للقرابة اوالنسب،حتى لا يملك الاب يوم القيامة ان يتساءل عن مصير ابنه ( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ )( المؤمنون 101) ويسرى ذلك على كل والد وكل مولود ، فلا يستطيع النبى عليه السلام ان يجزى عن ابيه او ولده ،وهذا مما حذر منه رب العزة حين قال للناس جميعا ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ )(:لقمان 33)، فالله تعالى يحذرنا من ان نغتر بالحياة الدنيا وما فيها من بيع وشراء وصداقات وشفاعات فنقيس عليها احوال الاخرة. وأيضا يحذرنا رب العزة جل وعلا من تصديق الشيطان الذى يخدع البشر ويضلهم باحاديثه الكاذبة المنسوبة ظلما لله تعالى ولرسوله ، هذه الاحاديث تعزز للبشر تصورهم للحياة الاخرة بالتصور الدنيوى من الصداقات والشفاعات والبيع والشراء ، لذلك يقول الله تعالى محذرا الذين يؤمنون بذلك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (البقرة 254). والله تعالى يختم الاية بتقرير أن الكافرين هم الظالمون فمن الكفر والظلم للمولى جل وعلا ان نحول اليوم الاخر الى مكان للظلم والشفاعات ودخول الجنة لمن لا يستحق ،والله تعالى سيعلن يوم القيامة ( لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ . لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ.إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ )( :غافر 16-17) ويقول تعالى عن يوم الحساب إنه يوم العدل الاكبر حيث لن يوجد مثقال ذرة من الظلم بل العدل المطلق لأن القاضى الأعظم الذى يقضى بالحق هو وحده الذى يعلم الغيب ويعلم ما فى السرائر ، وهو الشهيد على كل شىء : (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ )( الانبياء 47). ان اليوم الاخر له اسماء متعددة منها يوم التغابن (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ )(التغابن 9)والغبن هو الظلم ،ويوم التغابن يوم رفع الظلم والقصاص من الظالمين ، هو اليوم الذى يأخذ فيه المظلوم حقه، وهذا يتناقض مع أكاذيب الشفاعة فى الأحاديث السنية.
3 ـ ومن المفجع أنّه خلافا للقرآن الكريم تنتشر فى بلاد المسلمين الوساطة والمحسوبية،أو الشفاعة الدنيوية الظالمة جنبا الى جنب مع الايمان بشفاعة النبى ( المزعومة ) فى الآخرة ، مع أن رب العزة حذّر من هذا وذاك . ومن المؤلم ايضا اننا فى دعوتنا للا صلاح نحارب الغش فى المدارس والوساطات فى الوظائف التى تعطى الحقوق لغير اصحابها ونطالب بالعدل والمساواة ووصول الحق لمستحقيه، نطالب بهذا فى النيا بينما نجعل الاخرة سوقا للوساطات والشفاعات حربا لله تعالى ورسوله،وصدق الله العظيم : ( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )(فصلت 40) .
ثانيا : الحرية فارقا اساسا بين شفاعة الدنيا وشفاعة يوم الدين
1ـ نتمتع بالحرية فى الدنيا ، ونفقدها مؤقتا بالنوم ، ونفقدها جزئيا بحدوث خلل أو مرض فى الجسد ، ونفقدها تماما عند الاحتضار . النفس البشرية حُرّة فى إختيارها ، وهى تتحكم جزئيا فى جسدها تسير به هنا وهناك حسب المجال والحيّز المُتاح لها . ولكن التحكم الكلى فى الجسد هو لله جل وعلا. فأجهزة الجسد الحيوية تسير بمشيئة الخالق لها جل وعلا . وهذا الجسد مهما بلغت قوته فهى محدودة ، يقول رب العزة للفرد منّا ( إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً (37)الاسراء).وبمرض الانسان وشيخوخته ووهنه تقل حريته ، وعند المرض تقلّ خياراته فيتذكر ربه جل وعلا داعيا منيبا (الزمر 8 ، 49). وعند الموت يصبح أسيرا مُجبرا لا حول له ولا قوة وهو يرى ملائكة الموت. وبالموت يمسك رب العزة بالنفس ( الزمر 42 )،أى تفقد حريتها تماما، فتدخل فى برزخ (المؤمنون 99 : 00 ) تظل فيه الى يوم البعث . ومن البعث الى الحشر والعرض والحساب يفقد الفرد منا حريته تماما . ثم إذا كان مصيره الجنة إستعاد حريته وتمتع بالحرية فيها أبد الآبدين .أما إذا دخل النار فهو مستمر فى الأسر والقهر من الموت الى أبد الآبدين فى الجحيم . أى إن كل ما تمتع به من حرية هو تقريبا ثُلث عمره فى هذه الحياة الدنيا ، ويكون جزاء عصيانه وسوء إستغلاله لحريته فى هذه المدة البسيطة أن يظل يعانى عذابا مهولا ، لا نهاية له ولا تخفيف فيه أبد الآبدين .!
2 ـ فقدان الحرية فى يوم الدين هو ملمح من ملامح كونه جل وعلا ( مالك يوم الدين ).نحن فى هذه الدنيا أحرار فى الايمان أو الكفر (بالدين )،ولكنّ لهذا ( الدين ) يوما هو ( يوم الدين ) نفقد فيه حريتنا ، ويتعين علينا أن نعايش معنى قوله جل وعلا ( مالك يوم الدين )، فالتحكم يكون تاما له جل وعلا فى هذا اليوم ، ونكون فى هذا اليوم أسرى ومجبرين ومقهورين تحت سلطانه جل وعلا لأنه ( مالك يوم الدين ).
3 ـ ويأتى التعبير عما يحدث لنا فى يوم الدين أحيانا بالمبنى للمجهول ، فليس أحد منا (فاعلا ) بل هو مفعول به مجبور مُسيّر لا مُخيّر .!. لا فارق بين الأنبياء والشهداء والمجرمين.يقول جل وعلا: ( وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ )(69) الزمر) لم يقل ( وجاء النبيون والشهداء ) بل ( جىء بهم ) وعلى نفس المنوال يقول جل وعلا عن مصير الكافرين ومصير المتقين إنهم ( يُساقون ):( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً )(71)( وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً )(73)الزمر). ويأتى حينا بتعبير الإحضار أى الاعتقال :( وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32) يس ) (فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) الصافات )( وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (16) الروم ) أو تعبير ( يُرجعون ) أى يُرغمون على الرجوع لله جل وعلا يوم القيامة، يقول جل وعلا:( إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40) مريم )( فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77)غافر)( وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) آل عمران )(ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) الانعام ) ، أو أنّ اليه جل وعلا ( مصيرنا ) الحتمى الذى لا مهرب منه ، أى إن مسيرنا اليه ومصيرنا اليه جبرا وقهرا. ويتكرر تعبير ( اليه المصير) كقوله جل وعلا: ( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) المائدة )(خَلَقَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) التغابن )( اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) الشورى ). أى إن ( مالك يوم الدين ) قد جعله حتما ، لن يستطيع المجرمون الغياب ( أو الزوغان ) : (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) الانفطار ). أو هو ( يوم لا مردّ له ) أى لا مهرب منه ولا ملجأ من الله جل وعلا إلا اليه ، لذا يقول جل وعلا لنا : (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47) الشورى ).
4 ـ والذى يستجيب لله جل وعلا فى هذه الدنيا هو الذى يؤمن باليوم الآخر . إنّ الايمان باليوم الآخر قلبيا يعنى الايمان بالله جل وعلا ( مالك يوم الدين ) كما سبق بيانه . أما الايمان باليوم الآخر سلوكيا فهو تقوى الله جل وعلا فى السلوك وفى التعامل مع الناس ، حيث يحاسب الفرد منا نفسه ، وتتكون فى داخله ( النفس اللوامة ) أو ( الضمير ) أو ( الأنا العليا ) التى تنهى النفس عن الهوى ، فيستحق بعمله دخول الجنة:( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) النازعات ) . المؤمن باليوم الآخر قلبيا وسلوكيا يعتمد على عمله الصالح الذى سيكون شفيعا له يوم القيامة لأنه يؤمن بقول الله جل وعلا مالك يوم الدين عن يوم الدين : (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19) الانفطار ) . أى إن الشفاعة الحقيقية للعمل الصالح هى ملمح من ملامح الايمان باليوم الآخر وبالله جل وعلا مالك يوم الدين .
ثالثا : موقع الشفاعة الحقيقية فى عقيدة الاسلام ( لا اله إلا الله ):
هذه الشفاعة الحقيقية ملمح من ملامح ( لا اله إلا الله ) .وهنا يتّحد الايمان بالله جل وعلا والايمان باليوم الآخر، إذ يجمع بينهما الايمان بأنه جل وعلا هو مالك يوم الدين. ونوضحها فى الآتى :
1 ـ الله تعالى وحده هو الشفيع لأنه وحده خالق السماوت والأرض ومالك يوم الدين ، وهذا يناقض إعتقادهم فى شفاعة الأولياء والقديسين يوم الدين . إنّ جوهر العقيدة الاسلامية أن الله جل وعلا وحده هو الولى والشفيع، لأن الشفاعة مرتبطة بهيمنته جل وعلا يوم الدين ، لذا فليس غيره للمؤمن وليا ولا شفيعا . فى التأكيد على أن الشفاعة لله وحده وفى الرد على المشركين الكافرين يقول تعالى ( أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )( الزمر 43 : 44). أى ان اولئك (اتخذوا ) اى هم بدافع من أنفسهم وبدون هدى من الله قاموا باتخاذ فلان وفلان شفعاء ، والله تعالى يؤكد أنهم لا يملكون هذه الأهلية ولا يعقلون، لأن الشفاعة لا تكون إلا لمن له ملك السماوات والأرض والذى يملك وحده اليوم الآخر ، والذى اليه وحده يرجع الناس للحساب يوم الدين. ونلاحظ هنا مجىء صيغة الشفاعة باسلوب القصر : (قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )، أى اليه وحده جل وعلا موضوع الشفاعة ، وله وحده جل وعلا ملك السماوات والأرض ، واليه وحده مرجع البشر يوم الدين . وفى كل ذلك ليس له شريك من المخلوقات . وقد أمر جل وعلا رسوله أن يعلن هذا وأن يقوله:( قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )، وبالتالى فإن ما ينسبه المشركون للرسول من أحاديث كاذبة تناقض ذلك إنّما هم أعداء للرسول ولرب العزّة جل وعلا .
2 ـ ويتكرر نفس المعنى فى قوله تعالى ردا على عبادتهم آلهة يزعمون أنها تشفع وتنفع مع أنها لا تضر ولا تنفع :( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون )( يونس 18 ) والله تعالى هنا يأمر النبى محمدا وكل مؤمن أن يقول لهم : (أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْض) ولأن اتخاذ الشفعاء جريمة شركية (من الشرك ) فان الله تعالى ينزه ذاته عن ذلك الاتهام بوجود شفيع آخر معه، فيقول جل وعلا (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون ). أمر رب العزة رسوله أن يقول هذا ، ثم يأتى المشركون من ( المسلمين ) وينسبون أكاذيب للرسول أحاديث تخالف هذا .!!
رابعا:ارتباط الشفاعة الحقيقية بالهيمنة الالهية لخالق السماوات والأرض وما بينهما من نجوم ومجرات
1 ـ والشفاعة الحقيقية ترتبط بالهيمنة الالهية لخالق السماوات والأرض جل وعلا مالك يوم الدين . ولأنه جل وعلا وحده هو الخالق لكل السماوات والأرض وما بينهما من نجوم ومجرات ، ولأنه وحده هو الذى يهيمن على خلقه لذا فإنه تعالى هو وحده الولى المقصود بالتوسل وطلب العون والمدد ، وهو وحده الشفيع الذى لا شفيع غيره. يخاطبنا جل وعلا خطابا مباشرا فيقول:( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ )( السجدة 4). وهذا خطاب يأتى باسلوب القصر:( مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ). فليس غيره الاها ( لا اله إلا الله ) وليس غيره وليا أو شفيعا. ويدعونا رب العزة لأن نتذكر:( أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ )؟. فهل تذكّر المسلمون ؟ أم أنهم فى ضلالهم يعمهون ؟.
2 ـ قوله جل وعلا لنا :( مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ) هو آية مُحكمة ، نفهم فى ضوئها الآيات المتشابهة التى تفصّل آلية الشفاعة للملائكة بعد إذنه جل وعلا خالق السماوات والأرض . ومنها قوله جل وعلا فى خطاب مباشر للبشر:( إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ )(يونس 3 ). ونلاحظ هنا أيضا صيغة القصر التى يستعملها رب العزة فيما يخص عقيدة الاسلام، فكما أنه ( لا اله إلا الله ):( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ )(19)محمد ) فإن الشفاعة أيضا باسلوب القصر:( مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ). وأيضا يدعونا رب العزة لأن نتذكر: (أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ )؟ فهل تذكّر المسلمون؟ أم أنهم فى ضلالهم يعمهون ؟. 3 ـ ومما سبق يتضح أن الشفاعة صفة الاهية لا شريك لله تعالى فيها لأنه وحده الخالق للسماوات والأرض وما بينهما من نجوم ومجرات ، ولأنه وحده جل وعلا المسيطر المتحكم فى يوم الدين . فهل شارك أولئك الشفعاء المزعومون رب العزة فى خلق السماوات والأرض وما بينهما من نجوم ومجرات ؟
خامسا : ارتباط الشفاعة الحقيقية بالعلم الالهى والهيمنة الالهية فى الآيات المتشابهة عن الشفاعة :
1 ـ تأتى الآيات المتشابهة عن الشفاعة عن إذنه ورضاه فى سياق الحديث عن هيمنته جل وعلا وعلمه الالهى المحيط بكل شىء . وهذا عكس ما يفعله المشركون الذين يقومون بتحريف معنى تلك الآيات المتشابهة ليزيفوا شفاعة للنبى محمد وغيره . ونعطى بعض الأمثلة القرآنية :
2 ـ جمعت آية الكرسى (12 ) من أسماء الله الحسنى جل وعلا وصفاه التى لا يشاركه فيها أحد من خلقه، والتى تعبّر عن الهيمنة والقيّومية ، ومنها أن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذنه وعلمه . يقول ربى سبحانه وتعالى : ( اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) (البقرة 255 ). تبدأ الآية الكريمة بالصفة الأولى لرب العزة: (للّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ) ، وطالما أنه لا اله إلا هو فلا بد أن تختلف صفاته عن صفات المخلوقات ، ولأن اللسان البشرى لا يستطيع أن يعبّر عن صفاته جل وعلا ، ولأن العقل البشرى لا يستطيع إدراك صفاته جل وعلا وعظمته جل وعلا فإن رب العزة يأتى بصفاته بلغة البشر مع التأكيد بأنه ليس كمثله شىء : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11 ) الشورى) ، لذا فهو( الْحَيُّ ) الذى لا يموت عكس المخلوقات (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً (58) الفرقان )، وهو الحىّ ( الْقَيُّومُ ) أى القائم على مخلوقاته بالهيمنة والتحكم ، والقائم على كل نفس بما كسبت من عمل سىء او عمل صالح:( أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ )(33)الرعد ) وفيما عدا حرية الايمان والكفر والطاعة والمعصية التى منحها للبشر مقابل مسئوليتهم يوم الحساب فإنه جل وعلا هو القيوم على أجسادهم وله السيطرة الكاملة على المخلوقات غير المُكلفة. وبينما ينام البشر فإنه جل وعلا:( لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ )،وهو المالك للسماوت والأرض: ( لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ) ، ولذلك فإن من تمام تحكمه يوم الدين ألا تكون هناك شفاعة إلا من بعد إذنه ورضاه:( مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ )، وهذا الإذن الالهى لملائكة الشفاعة التى تسجل الأعمال مبنى على أنه جل وعلا يعلم حقيقة عمل كل فرد: ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ )بينما لا يحيط البشر بشىء من علمه إلا بما يشاء وقت ما يشاء :( وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء )، وتحكمه جل وعلا يسع كل ملكوته أو عرشه أو كرسيّه، أى السماوات والأرض :( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ) ، ولا يتعبه حفظهما (وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا ) لأنه العلى ( وَهُوَ الْعَلِيُّ) ولأنه العظيم ( الْعَظِيمُ ). جاء هنا ذكر الشفاعة بعد إذنه جل وعلا فى سياق تحكمه وقيوميته وفى سياق علمه بما بين أيدينا وما خلفنا . وهذا لا يتأتى إلا له جل وعلا وحده . وهذا تأكيد لأنه جل وعلا ( مالك يوم الدين ).!
2 ـ وعن ارتباط الشفاعة بالعلم الالهى والهيمنة الالهية يقول جل وعلا عن الملائكة التى تحمل عمل الفرد بعد رضاه جل وعلا : (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ )( الانبياء 26- 28 ). قال جل وعلا عن هيمنته على الملائكة : (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) (وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) وعلى هيمنته على شفاعتهم يقول جل وعلا : (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ) . وعن علمه الالهى بهم وبنا يقول جل وعلا : (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ).
3 ـ ويقول جل وعلا عن هيمنته على الخلق وخضوعهم له يوم الدين :( يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ). أى إستسلام تام منّا يومئذ وخشوع للرحمن فلا تسمع إلا همسا. وفى هذا الموقف العظيم يأتى الحديث عن الشفاعة كملمح من ملامح الهيمنة الالهية والعلم الالهى :( يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا )هنا ايضا ربط الشفاعة بالرضى والإذن والعلم الالهى . ثم بعدها التأكيد على هيمنته جل وعلا علينا يوم الدين :( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ) طه 108 ـ )
4 ـ ويقول جل وعلا عن جمع الناس ليوم الدين ليكونوا تحت هيمنة الواحد القهّار ( ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) هود ). لا يستطيع أحد التكلم دفاعا عن نفسه إلا بإذن الرحمن .! .
5 ـ وعن هيمنته جل وعلا يقول عن يوم الحشر : ( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (47) الكهف ) أى لا يستطيع أحد الهرب من مالك يوم الدين الواحد القهّار . ثم يتم عرضنا يوم العرض ونحن نقف صفّا ( وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً )(48) الكهف).
6 ـ ويشمل هذا الملائكة من الملأ الأعلى من الروح جبريل وغيره ، إذ لا يملك مخلوق من المخلوقات أن يملك خطاب الرحمن إلا بعد أن ياذن له الرحمن . فعن تمام التحكم والهيمنة فى الملائكة وجبريل والجميع ووقوف الملائكة صفا لا يتكلمون إلا بعد إذن الرحمن مالك يوم الدين يقول جل وعلا : ( رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا )( النبأ :36 ـ ). يقف الملائكة صفا لا يتكلمون إلا بإذن الرحمن ، ولا بد أن يقول هذا المخلوق الملائكى صوابا ، والذى يعرف ما سيقوله هو الذى يحيط بكل شىء علما ، جلّ وعلا رب العالمين .!
5 ـ فارق هائل بين هيمنة الرحمن مالك يوم الدين وذلك الإفك الكاذب فى أحاديث الدين السّنى التى تُكذّب بيوم الدين وتكفر بمالك يوم الدين .!... هذا مع أنهم يقولون فى صلاتهم فى الفاتحة ( مالك يوم الدين ) . يقولونها وهم فعلا يكفرون بها .!!
الباب الأول : الشفاعة فى الاسلام .
الفصل الرابع : الشفاعة هى للملائكة التى تحمل العمل الصالح :
شفاعة الملائكة هى مجرد تفصيلة فى قصة كبرى ، نتعرض لها سريعا هنا :
أولا : بين يوم الدنيا ويوم الدين
1 ـ يوم الدنيا هو ( اليوم الأول ) ، ويوم الدين هو ( اليوم الآخر ) . يوم الدنيا هو هذا العالم الذى نعيش فيه الفترة المقررة لنا ثم نموت وتننقل فيه أنفسنا الى البرزخ ، وبعد أن تأخذ كل نفس إختبارها فى هذا اليوم الدنيوى يتم تدمير هذا الكون بأرضه وسماواته ومستوياته البرزخية ليأتى يوم الدين .الدين فى هذه الدنيا نتصرف خلاله بحريتنا المطلقة فى الايمان والكفر بالطاعة او المعصية ، ثم يأتى يوم الدين حيث نفقد حريتنا وتتم محاسبتنا على ما عملناه فى يوم الدنيا .
2 ـ الحيز المكانى لليوم الأول يوم الدنيا يشمل الأرض والسماوات ومابينهما من عوالم البرزخ والنجوم والمجرات . الأرض لها سبع مستويات : الأول ، المستوى المادى الذى نعيش فيه ، ولها ستة مستويات برزخية تتداخل فى المستوى المادى وتعيش فيها الجن والشياطين والملائكة . وللسماوت سبع مستويات عليا برزخية تتنقل بينها الملائكة ، ولا تدخلها الجن والشياطين . بمعنى آخر الحيز المكانى لهذا العالم أو لليوم الأول أو لهذه الدنيا ينقسم الى مستوى مادى ( الأرض التى تعيش فيها ، والأجرام السماوية من كواكب ونجوم ومجرات ) ومستويات برزخية تعلو هذا المستوى المادى تبدأ هذه المستويات البرزخية بستة مستويات للأرض تعيش فيها الجن والشياطين والملائكة ـ وتوجد فيها جنة ( المأوى ) حيث نعيم الذين يُقتلون فى سبيل الله ، وهى الجنة التى كان فيها آدم وحواء قبل هبوطهما الى المستوى الأدنى وهو الأرض المادية . وفى إحدى مستويات البرزخ الأرضى يوجد عذاب البرزخ لفرعومن وقومه وقوم نوح . أعلى من هذه المستويات البرزخية الأرضية توجد السماوات السبع البرزخية . السماوت والأرض وما بينهما من أكوان ومستويات برزخية هى(الكرسى للرحمن ) ، اى مجال التحكم والسيطرة :( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) البقرة ) أو ( العرش ) أى مجال ملكوته الذى يتحكم فيه الرحمن : ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) طه ) .
ثانيا : رب العزة يتحكم فى يوم الدنيا بملائكته
1 ـ هذا العالم الحالى لا يتحمّل تجلى رب العزة، وهو جل وعلا يدبّره بأوامر تنفذها الملائكة،وتتنزل هذه الأوامر من رب العزة اليهم خلال السبع سماوات والسبع أرضين:( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12) الطلاق ) . وبهذا التحكم يحيط رب العزة بكل شىء علما ، ويكون شهيدا على كل شىء ، ويمارس قيوميته على مخلوقاته ، ويتم تسجيل أعمالنا .
2 ـ عرفنا الحيّز المكانى لعرش الرحمن ( السماوات السبع والأرضين السبع ) . أما الحيّز الزمانى فهو زمن متحرك من البداية الى النهاية يتوجه الى الأمام، تصحب فيه الملائكة والروح هذا العالم الدنيوى صاعدة الى الرحمن فى هذه رحلة زمنية مدتها خمسون ألف عام بتقدير الرحمن . وبانتهائها ينتهى هذا العالم وهذا اليوم الدنيوى وتقوم القيامة ويأتى يوم الدين . نفهم هذا من قوله جل وعلا ردّا على من يستعجل عذاب الآخرة وموعد الساعة : ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (6) وَنَرَاهُ قَرِيباً (7) المعارج ).
3 ـ الملائكة تصحب هذا العالم تحمل أوامر الرحمن بالحتميات التى تحدث لنا والتى لا شأن لنا فى إختيارها ولا يمكن لنا تجنبها اوالفرار منها ، وهى الميلاد والموت والرزق والمصائب من خير وشرّ. وفى ليلة محددة ( ليلة القدر ) من كل عام تهبط الملائكة بالروح ( جبريل ) بإذن الرحمن تحمل للعام الجديد أوامره التى يجب تنفيذها خلال العام القادم ، وهى ليلة القدر التى نزل فيها الكتاب القرآنى : ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5) القدر ). سبحانه وتعالى هو الذى ( يدبر الأمر) فإذا قال (كن فيكون)،والملائكة عليها التنفيذ الفورى ، ويستغرق هذا (يوما) ما بين التدبير والتنفيذ وصعود النتيجة للرحمن. هذا اليوم الالهى مقداره ألف عام بزمننا:( يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) السجدة ). هذه الملائكة هى رسل الرحمن فى تنفيذ أوامره ، وقد خلقها رب العزة بسرعات رهيبة لتخترق العوالم والعالمين، وسرعتها لا يمكن تخيلها بعقلنا البشرى، لذا فإن رب العزة يعبّر عن قياس سرعة طيرانها بالأجنحة فى صورة مجازية حتى نفهم ، يقول جل وعلا : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) فاطر ).
4 ـ وتتنوع وظائف الملائكة فيما يخص البشر فى هذا اليوم الدنيوى . فهناك ملائكة كانت تنزل بالوحى والرسالات السماوية لتنذر مقدما بمجىء يوم الدين : ( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (2) النحل ). وملائكة تُسجل عملنا وتحفظه:(وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَاماً كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)الانفطار)وملائكة الموت:( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوْا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) النحل )(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (32)النحل). ويوصفون أحيانا بالرسل ، يقول جل وعلا عن ملائكة الموت:(حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ )( الأعراف 37 )، ويقول عن ملائكة تسجيل الأعمال : (بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ )(الزخرف 80 ).
5 ـ ويأتى اسناد الفعل لله تعالى باعتباره الآمر و للملائكة باعتبارهم من ينفذ الأمر . فعن الوحى يقول جل وعلا يسند الوحى لذاته : ( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ )(النساء 163 )( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4) آل عمران ) . ويأتى أحيانا ذكر ملائكة الوحى : (يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ ) ( النحل 2 )(وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ) ( الشعراء 192 ـ ).
ونفس الحال عن كتابة الأعمال ، يأتى مرة منسوبا لله جل وعلا صاحب الأمر :( وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ )( النساء 81 )، ويأتى عن صنف الملائكة المكلف بكتابة أعمال البشر: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ )(الانفطار 10 ـ )( لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ )(الرعد 11 )(أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) ( الزخرف 80 )، ويأتى إسناد الكتابة لمن يتخصص بكل فرد : (إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ )( الطارق 4 )(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) ( ق 16ـ ).
ونفس الحال مع الموت . فيأتى إسناد الفعل لله جل وعلا المحيى المُميت : ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) ( الزمر 42 ). ويأتى إسنادة للملائكة المختصّة بالبشر : ( حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ )( الأعراف 37 ). ويأتى بنسبة ذلك للملك الموكّل بكل فرد:( قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) ( السجدة 11 ).
6 ـ وفى كل الأحوال فهو جل وعلا القاهر فوق عباده والمتحكم فيهم بحتمياته ، والذى يسجل بملائكته كل أعمالهم ويحفظها ، وهو الذى يرسل ملائكة الموت : (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ)( الأنعام 61 ). وهو جل وعلا الحفيظ على كل شىء :( إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ )(هود 57 )(وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ )( سبأ 21) . لذا فهو ( الوكيل ) أى المسيطر، وليس النبى وكيلا عن أحد أو شفيعا لأحد: ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَولِيَاء اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ )( الشورى 6 ) فليس عليه سوى التبليغ للرسالة فقط : (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ )( الشورى 48)(قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ) ( الأنعام 104 ).
ثانيا : فى يوم الدين يأتى رب العالمين بعد تدمير هذا العالم بسماوته وأرضه وما بينهما
1 ـ بإنتهاء مهلة اليوم الدنيوى يتم تدمير هذا العالم بكل مستوياته وزمنه المتحرك ليأتى عالم جديد خالد بزمن خالد آبد لا ينتهى . وعن تدمير هذه السماوات والأرض وخلق سماوات بديلة مختلفة وبروز الناس للقاء رب العالمين يقول جل وعلا : ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) ابراهيم ) (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً )(21) ابراهيم ). ( يوم الدين ) هو الذى يستطيع تحمل التجلّى الالهى حين يجىء الرحمن والملائكة صفا صفا ، ويتم خلق جهنم الخالدة وخلق الجنة الخالدة، ولم يكن لهما وجود قبل ذلك . يقول جل وعلا عن مجىء رب العزة يوم الدين : ( كَلاَّ إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً (22)الفجر ). ويقول جل وعلا عن خلق الجنة والنار وظهورهما مرة واحدة :( وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى)(36) النازعات)(وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) الشعراء )، ( وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ )(23) الفجر)
2 ـ وردّا مقدما على المشركين الذين ما قدروا الله جل وعلا حق قدره وهم أصحاب الأحاديث الضالة عن شفاعة النبى والبشر يقول رب العزّة يصف هول يوم القيامة ومجيئه جل وعلا متحكّما فى يوم الدين ، وحيث ستشرق الأرض الجديدة الخالدة بنور ربها ويتم الحساب ويؤتى بالنبيين والشهداء : ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِوَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (69)الزمر)
3 ـ وبهذا يتحقق ما أنذر به جل وعلا فى دينه ورسالاته السماوية ، إذا يأتى يوم الدين يوم لقاء الرحمن حيث سيكون المُلك والتحكم التام للواحد القهّار، وحيث لا يوجد للظالمين المشركين شفيع أو صديق حميم، يقول جل وعلا يربط بين رسالاته السماوية ويوم الدين :( رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ )( غافر 15 : 20 )
ثالثا : دور الملائكة يوم الدين
1 ـ تأتى فيه الملائكة مع رب العزة:( وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً (22)الفجر)،تحتل الملائكة أرجاء السماوات الجديدة والأرض الجديدة ، أو عرش الرحمن الذى تكون فيه السيطرة الكاملة له جل وعلا يوم الحساب، حيث لا حرية للمخلوقات، أو بتعبير رب العزة فى أسلوب مجازى : (وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18)الحاقة ). وعن نزول الملائكة يوم القيامة فى العالم الجديد يوم الدين وعن تمام هيمنته جل وعلا يقول رب العزة:( وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلاً (25) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً (26) الفرقان ).
2 ـ والملائكة فى يوم الدين نوعان : نوع أدرك يوم الدنيا ، ونوع سيتم خلقه فى يوم الدين لتؤدى وظائف خاصة بيوم الدين ، منهم ملائكة العذاب الغلاظ الشداد الذين سيتم خلقهم مع النار ، تلك النار التى سيكون إشتعالها ذاتيا بأجساد أصحابها المشركين ، لأن وقودها الناس والحجارة ، وهذا ما حذّرنا منه رب العزة فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) التحريم ).
3 ـ وبالتالى تختلف وظائف الملائكة يوم الدين عنها فى اليوم السابق ( يوم الدنيا ) . يبرز هنا دور ملائكة النار بالذات ورئيسهم (مالك ) الذى سيناديه أصحاب النار يتمنون الموت:( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78) الزخرف ). هذه الملائكة تطارد أصحاب النار إذا أرادوا الفرار ، فهم يدورون صعودا وهبوطا مع نار جهنم والسائل المسمى بالحميم ليستمر إشتعالهم بالنار:( هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44)الرحمن) ويحاولون الفرار فتقمعهم ملائكة العذاب بمقامع من حديد: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22)الحج ) (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20)السجدة). فى المقابل هناك ملائكة للترحيب بأهل الجنة:( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) الرعد ).
4 ـ فى يوم الدين يبدأ فزع يعمّ الجميع الخلق فى السماوات والأرض إلا من شاء الله جل وعلا ، ويتعين حشرهم للقاء رب العالمين . ( وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِوَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) النمل ) . وينجو من هذا الفزع المؤمنون ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89) النمل ) إذ تقوم الملائكة بالتسرية عنهم وطمأنتهم : ( لا يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (103)الانبياء).أما المشركون فيهربون عند الفزع فلا يستطيعون:( وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (51) سبأ ). فهناك ملائكة تنظّم حشرهم فى صفوف وأفواج وهم فى طريقهم لإلقائهم فى جهنم:( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) النمل)( وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) فصلت ).
5 ـ وضمن تفصيلات يوم الدين تأتى شفاعة الملائكة التى تحمل عمل من كان صالحا فى الدنيا .
رابعا : شفاعة الملائكة يوم الدين وكتاب العمل
1 ـ والشفاعة مأمور بها الملائكة بعد إذن الرحمن ورضاه :( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِلا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26) النجم ). وتقوم الملائكة بتسجيل عمل كل فرد ، ويتفرع من كتاب العمل الجماعى والفردى نسخ ، يتم نسخها : (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)( الجاثية 28 : 29 ). ومنها نسخة يتسلمها صاحب العمل ليكون حسيبا على نفسه : (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) ( الاسراء 13 : 14 ). وبهذا يتم لكل منّا فى يوم الحساب معرفة ما قدّم وما أخّر: ( إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ) ( القيامة 12 : 13 )، ويكون كل فرد منا رهينا أو أسيرا بعمله ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) المدثر ) (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21) الطور). عندها يرى المجرمون بكل حسرة اعمالهم تُعرض عليهم بالصوت والصورة ( والألوان الطبيعية ) ، يقول جل وعلا عن كتاب الأعمال الجماعى : (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَأَحَدًا )(الكهف 49 ) 2 ـ هذه بعض تفاصيل قرآنية عن تقديم العمل يوم القيامة بعلم الله جل وعلا . فإذا كان العمل صالحا ، فالله جل وعلا يعلمه لأنه الشهيد عليه، لذا يتقدم به الملك الذى يحفظ العمل،بعد إذن الرحمن ورضاه . وهذا هو معنى أن تكون الشفاعة مرتبطة بإذن الرحمن وبعلمه كما جاء فى الآيات السابقة : (مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ )،( وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ )(23) سبأ )،(يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى)،( يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا )( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِلا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26) النجم ). أما صاحب العمل السىء فليس مأذونا له فى أن يكون شفيعا لصاحبه.فهناك شفاعة غير نافذة ، وشفاعة نافذة بالإذن والرضى .
3 ـ وبالتالى أيضا تصبح أوهام الشفاعة البشرية لدى المشركين مجرد ذكريات مؤلمة يتذكرونها فى حسرة وهم فى النار ،يسألهم أهل اليمين:( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) المدثر ) فتكون إجابتهم :( قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) المدثر ) ويأتى التعليق :( فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) المدثر ) ويقول جل وعلا عن ظهور الجحيم مرة واحدة أمامهم : ( وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ) ثم يقال لهم بالسخرية والتقريع والتأنيب أين شفعاؤكم واين من ينصركم وينقذكم ؟( وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ ) ثم يتم إلقاؤهم فيها مع أوليائهم من الشياطين ( فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ). ويلعن الضعفاء العوام الأولياء الذين كانوا يقدسون قبورهم ويعتبرونهم ( أولياء الله أصحاب المدد والكرامات ). يقول الضعفاء لهم : ( قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ثم يلتفت أولئك الضعفاء الى الفقهاء وأئمة الضلال وهم معهم فى النار ويقولون لهم : ( وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ ). فأولئك الفقهاء و( العلماء ) والدعاء خدعوا البسطاء بأساطير الشفاعة البشرية التى لا وجود لها ، لذا يقول أولئك الضعفاء وهم فى النار : (فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) ، ويتمنون فرصة أخرى يعودون بها الى الدنيا :(فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ( الشعرهء 90 ـ ). وبينما تتقلب وجوههم فى النار يصرخ اولئك الضعفاء باللعنة على أسيادهم : (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (68)الأحزاب ).
خامسا : شفاعة (أو شهادة ) الملائكة تنفيذا لأوامر الله تعالى .
1 ـ كل نفس بشرية يسجل عملها رقيب وعتيد ، ويوم البعث يتحولان الى سائق وشهيد ، احدهما يسوقه والاخر ( يشهد عليه) أو ( يشهد له) على حسب عمله ،فإذا كان عمله صالحا كانت شهادة له او شفاعة له : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ )( ق16-22 ). صاحب العمل السىء يقوم الملكان المكلفان به ( سائق وشهيد ) بتنفيذ أوامر الله جل وعلا بإلقائه فى النار : ( أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ). ويكون معه قرينه الشيطانى الذى أضلّه فى الدنيا . ويدافع قرينه الشيطانى عن نفسه عن نفسه : ( قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ) ، ويأتى الرد من رب العزة ( قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ). ( ق 23 :ــ )أى لا تبديل للحكم الالهى العادل فمن يصدر عليه الحكم بدخول النار لن يخرج منها ، ولا شفاعة إلا للعمل الصالح طبقا لهذا الحكم الالهى العادل .
2 ـ إن شفاعة الملائكة هى شهادة بالحق طبقا لسجل كتاب الأعمال الحق المسجل لصاحب العمل الصالح فى الدنيا ، وهذا معنى قوله تعالى عن شهادة الملائكة (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ) ( الزخرف 80 ) ثم يقول فيما بعد فى نفس السورة عن شفاعة الملائكة (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ )( الزخرف 86). فالملائكة التى تحمل العمل هى وحدها التى تشهد بالحق الذى عمله الانسان الصالح وهى التى تعلمه ، ودور الملائكة هنا الزام عليها لابد ان تؤديه لأن الله عهد اليها بذلك ، والعهد فى مفهوم القرآن الكريم هو الامر الواجب التنفيذ (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا )( طه 115) (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ )( يس 60 : 61) لذلك يقول الله تعالى عن الامر الالهى للملائكة بالشفاعة اى تقديم عمل الصالحين (لا يملكون الشفاعة الا من اتخذ عند الرحمن عهدا :مريم 87).
3 ـ والعادة ان كل انسان يأتى فردا (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا )(مريم 93 : 95) ليجادل عن نفسه (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ )( النحل 111) والشفع هو الذى يؤيد الفرد ، فاذا كان الفرد الواحد صالحا كان عمله الصالح الذى تحمله الملائكة هو شفعه او شفيعه الذى يؤيده وينصره يوم الحساب ، الا ان شفاعة الملائكة لا تأتى الا بعد إذن الرحمن تعالى ورضاه وعلمه بصاحب العمل الصالح ،وهذا معنى الاستثناء فى آيات الشفاعة بالإذن والرضا من الرحمن .
4 ـ ولأن الملائكة مأمورة فى تقديم الشفاعة بأذن الرحمن جل وعلا وتبعا لرضاه فأن الشفاعة لله وحده (قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا )( الزمر 44).وهو جل وعلا الولى الشفيع :( مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ )( السجدة 4)، وهو سبحانه و تعالى وحده الذى لا تملك الملائكة مخالفة اوامره : ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ )(يونس 3 ).
5 ـ فمتى نتذكر ؟
الباب الأول : الشفاعة فى الاسلام
الفصل الخامس : توضيح عن دور الملائكة فى الشفاعة
هناك من يسأل:( هناك أمر أود لو توضحه وهو الأية رقم 26 من سورة الأنبياء فهل هذه الأية تتحدث على الملائكة ام على الرسل ؟ لأن الله عز وجل يقول ( وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَٰهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [29] فهل يمكن أن تقول الملائكة قولا فتسبق قول الله عز وجل وهو يقول لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [27].وهل يمكن للملائكة أن تعمل عملا من تلقاء نفسها من غير أمر الله عز وجل . وهل يمكن أن تعذب الملائكة في جهنم.).وأردّ عليه مع الشكر والتقدير .
أولا :
1 ـ طبقا لحديث رب العزّة فى القرآن الكريم فلا يمكن لأى نفس بشرية أن تجزى أو أن تنفع أو تشفع فى نفس بشرية أخرى ، وينطبق هذا خصوصا على الأنبياء ، وينطبق على وجه أخصّ على خاتم الأنبياء. والتفاصيل فى الفصل القادم .
2 ـ وطبقا للتدبر القرآنى وأن القرآن الكريم يفسر بعضه بعضا وأن الآيات المتشابهة تشرح الآيات المحكمة فإن الملائكة هى التى تقوم بالشفاعة بعد إذن الرحمن لها وعلمه ورضاه جل وعلا بمن يصلح عمله لأن يكون شفيعا فيه . وهذا يتضح من ربط الآيات ببعضها البعض:( وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ )(23) سبأ )( مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ) (البقرة 255 ).( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى )( الانبياء 26- 28 )( يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا )طه 108 ـ )( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِلا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26) النجم ). وعليه فإن الملائكة هى المقصودة بقوله جل وعلا : ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ )( الانبياء 26- 28 ). وقد فصّلنا هذا فى الفصل السابق عن شفاعة الملائكة .
3 ـ ونتوقف بمزيد من التدبر مع قوله جل وعلا عن الملائكة : ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ )( الانبياء 26- 28 )
ثانيا :
1 ـ القائلون (اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ) هم بالتحديد العرب المشركون فى عهد النبى محمد عليه السلام فى مكة ، وهم قد عبدوا الأوثان والأنصاب أى القبور المقدسة وعبدوا الملائكة على انها بنات الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا . ولم يقيموا أصناما وأوثانا للملائكة بإعتبارها فى زعمهم جزءا من الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا . بينما أقاموا الأوثان والأصنام والأنصاب والقبور المقدسة لأوليائهم التى تقربهم لله جل وعلا زلفى، والتى إعتبرها رب العزة جل وعلا رجسا من عمل الشيطان : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)( المائدة ) . وبالتالى إنحصرت عقائدهم الشركية فى عبادة الشيطان وعبادة الملائكة ، وقال جل وعلا فى ذلك : (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَرِيداً (117) النساء ). ( الإناث ) هى الملائكة . والله جل وعلا يردّ على زعمهم بأتخاذ الاناث ملائكة وبنات له جل وعلا:( أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنْ الْمَلائِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (40) الاسراء ).
2ـ يؤكد هذا أنّه تكرر فى السور المكية الرّد على زعمهم هذا ؛ يقول جل وعلا : ( فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمْ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ (150) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (155) الصافات ). نلاحظ هنا الرد الالهى على زعمهم بأن الله جل وعلا إتخذ الملائكة ولدا وخلقهم إناثا. وتكرر الردّ فى قوله جل وعلا : ( وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمْ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) ، ( وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) الزخرف ).
3 ـ وفى سورة الأنبياء جاء الرد على عبادتهم الآلهة الشيطانية وعبادتهم الملائكة معا ، يقول جل وعلا عن عبادتهم الآلهة الشيطانية: ( أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِي وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25). ويقول بعدها جل وعلا عن عبادتهم الملائكة ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29).
4 ـ المشهور أن النصارى هم الذين أتخذوا المسيح إبنا لله ( تعالى عن ذلك علوا كبيرا ). وقد توالت الآيات فى السّور المدنية الردّ على ذلك فى وقت تعاظم فيه الاحتكاك بأهل الكتاب . ومنه قوله جل وعلا : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (171) لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (172) النساء ) ، ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) ) (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) ( المائدة ).
ولكن هذا لا علاقة له بالآيات الخاصة بموضوعنا عن الملائكة فى سورة الأنبياء لأنّ قوله جل وعلا (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً ) يشير الى عبادة العرب للملائكة وليس للأنبياء ، فلم يعرف العرب (الأميون) عبادة الأنبياء لسبب بسيط هو أنهم لم يأتهم أنبياء بعد جيل جدهم إسماعيل :( لِتُنذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) القصص ) ( لِتُنذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) السجدة ) (لِتُنذِرَ قَوْماً مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) يس ) ، ولهذا وُصفوا بأنهم ( أميون) أى لم ينزل عليهم ( كتاب ) مثل (أهل الكتاب ):( وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)( وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ )(75)( آل عمران ).
5 ـ فإن قيل بأن الاية الكريمة تتحدث عن ( الولد ) تقول : (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا)ولم تقل (بنتا ). وبالتالى فإن الآية تتحدث عن عبادة المسيح ، وليس الملائكة . ونقول إن ( ولد ) فى مصطلحات القرآن تعنى ( المولود ) ذكرا أو أنثى . يقول جل وعلا : (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ) (11) النساء ) ، وبالتالى فقولهم : (اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا) تعنى زعمهم بأن رب العزة إتّخذ الملائكة بناتا .
6 ـ فى الآيات الكريمة:( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29) وصف الله جل وعلا الملائكة بأنهم عباد مكرمون ، وأنهم لا يسبقونه بالقول ، وأنهم بأمره يعملون ، وأنه جل وعلا يعلم ما بين أيديهم وماخلفهم ، وأنهم لا يشفعون إلا لمن إرتضى ، ، وأنهم من خشية ربهم مشفقون . ووصف (عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ) لم يأت إلا للملائكة فى هذه الدنيا،وسيأتى وصفا لأهل الجنة فى اليوم الآخر ( إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40) أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43)الصافات ) . أى لا ينطبق على الأنبياء وصف (عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ) فى هذه الدنيا ، وسينطبق عليهم فى الآخرة وهم فى الجنة . ولقد تخصص الملائكة فى تنفيذ ( الأمر ) الالهى كما أوضحنا فى الفصل السابق ، لذا فهم المُشار اليهم فى قوله جل وعلا ( لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) ) أى ينتظرون الأمر ليعملوا به ، ولا يسبقون الأمر . ومن الأمور الموكلة بهم الشفاعة ، والشفاعة مرتبطة بعلمه جل وعلا ورضاه ، لذا جاء قوله جل وعلا عن الملائكة : ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28)).
ثالثا : عن حرية الملائكة وحسابها يوم الدين :
1 ـ من الخطأ الشائع أن الملائكة لا تعصى الله جل وعلا ، وأنه ينطبق عليها جميعا قوله جل وعلا : (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) التحريم ). هو خطأ لأن الآية الكريمة مقصود بها فقط ملائكة العذاب فى جهنم :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) التحريم ). وهذه ملائكة لم يتم خلقها بعد . سيخلقها الله جل وعلا مع خلق جهنم ، وسيكون وقود جهنم اصحاب النار والحجارة ، أى الحديث هنا عن المستقبل ، يوم الدين ، الذى لم يأت بعدُ .! ولذا نستبعدهم فيما يخص الحقائق القرآنية التى تنطبق على الملائكة المخلوقة قبل يوم الدين .
2 ـ من الحقائق القرآنية أن هذه الملائكة لها حرية الاختيار وما يعنيه هذا من إحتمال الوقوع فى المعصية والعذاب . ولقد عصى واحد من الملائكة وهو إبليس فطرده رب العزة من الملأ الأعلى حين رفض السجود لآدم وسيكون مع أوليائه فى الجحيم . ولنا مقال بحثى عن ابليس الذى كان من الملائكة فأصبح من الجنّ بعد عصيانه وطرده . ولكن نقرأ سريعا قوله جل وعلا فى هذا الموضوع : ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ (34) البقرة ) ونلاحظ هنا أن الملائكة تناقش الله جل وعلا وتراجعه فى قراره بجعل خليفة فى الأرض ، وأنهم كانوا يكتمون شيئا ، والله جل وعلا يعلمه . ثم جاء إفتضاح أحدهم وهو ابليس حين رفض السجود لآدم .
3 ـ ومن الحقائق القرآنية أن هذه الملائكة ستأتى فردا فردا أمام الرحمن يوم الحساب مثل أفراد البشر:( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً (95) مريم )
4 ـ ومن الحقائق القرآنية أن هذه الملائكة ستقف صفّا يوم العرض على الرحمن ، وكالبشر لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا : ( رَبِّ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً (38) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (39) النبأ ).
5 ـ ومن الحقائق القرآنية أن هذه الملائكة ستتعرض مثلنا للحساب . يبدأ الحساب بالنبيين والشهداء : (وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70)الزمر) ثم دخول اهل النار (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً )(71) ثم دخول أهل الجنة: ( وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً)73) الزمر ) وفى النهاية حساب الملائكة والقضاء بينهم بالحق : ( وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )(75) الزمر)
ودائما : صدق الله العظيم .!!
الباب الأول : الشفاعة فى الاسلام
الفصل السادس : النبى لا يشفع يوم الدين
طبقا لحديث رب العزّة فى القرآن الكريم فلا يمكن لأى نفس بشرية أن تجزى أو أن تنفع أو تشفع فى نفس بشرية أخرى ، وينطبق هذا خصوصا على الأنبياء ، وينطبق على وجه أخصّ على خاتم الأنبياء. ونعطى التفاصيل :
النبى نفس بشرية نطبق عليها ما ينطبق على كل نفس بشرية
1 ـ ينطبق علي أنفس الأنبياء قوله تعالى عن يوم الحساب :( يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (111):النحل ) .
2 ـ إلا إنّ القرآن الكريم أكّد أكثر على حساب الانبياء المرسلين فى قوله تعالى( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6)الاعراف) اي ان حساب الامم البشرية فى كفة والانبياء فى كفة اخرى،وان كان البشر يصل تعدادهم بالمليارات فأن تعداد الانبياء -والله تعالى اعلم - يصل الى ألوف ، ولكنهم فى كفة تكافئ كفة البشر ، وهذا تأكيد على حساب الأنبياء فى الآية الكريمة.
3 ـ ونفس الحال فى قوله تعالى لخاتم النبيين عليه السلام (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44)الزخرف) فالاية تؤكد على حسابه ومساءلته وهو فردواحد مقابل قومه وهم مئات الالوف،منهم المؤمنون ومنهم الكافرون. بل إن المساواة فى الحساب تصل الى مساواة النبى عليه السلام امام اعدائه وخصومه فى الموت وفى التخاصم أمام الله جل وعلا يوم الحساب ، يقول تعالى عنه وعنهم : ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) الزمر) فالتأكيدعلى موت النبى جاء اكثر من التأكيد على موتهم حيث جاء الخطاب له مباشرة وبدأ به ،ثم كان الخطاب عنهم بعد ذلك بصيغة الغيبة فقال ( وأنهم ) ولم يقل( وأنكم ). وفى الاية اعجاز ضمنى يرد على من سيدعى بعد القرآن بحياة النبى عليه السلام فى قبره ، ثم كان التأكيد على ان النبى وخصومه سيختصمون عند الله تعالى يوم القيامة ،وهو فرد واحد وهم جماعة .
النبى لن يشفع لأحد يوم الحساب ؟
1 ـ ان القرآن يتحدث عموما فيؤكد ان اى نفس بشرية لا تجزي عن اى نفس أخرى شيئا ولن تشفع فيها (وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ (48)(وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ (123)البقرة)، وانه فى ذلك اليوم لا ينفع الوالد ابنه ولا ينفع الابن اباه: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33) لقمان33) وجاءت الايات الكريمة السابقة مشفوعة بالامر بالخشية والخوف من هذا اليوم يوم الحساب والتحذير من خداع الشيطان وغروره.وأكد القرآن ان كل امرئ سيفرّ من اخيه وامه وابيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ يومئذ شأن يغنيه : ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) عبس )وكل ذلك ينطبق على الانبياء جميعا .
2 ـ الا ان القرآن اكد على أن خاتم النبيين لا يملك ان يجزى عن احد شيئا يوم الحساب ،وهذا التأكيد فيه اعجاز ضمنى يردعلى من جاء بعد القرآن ليثبت شفاعة النبى خلافا للقرآن ، ان رب العزة جل وعلا يقول عموما (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)الانفطار ) ويقول للنبى خصوصا: ( لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129) آل عمران128)، كما يقول تعالى للنبى فى سؤال استنكارى: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19) الزمر) أى لا يستطيع ان ينقذ احدا من النار إذا دخل النار ،لأن كلمة الله تعالى إذا حقّت فلا تتبدل ،وهذا معنى قوله تعالى يوم القيامة لأهل النار: ( مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ):( ق29).
3 ـ وعند الحساب بالذات لا يملك النبى ان يساعد اصحابه ولا يملك اصحابه ان يساعدوه،يقول تعالى عنه وعن اصحابه المؤمنين (وَلا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ (52) الانعام 52) وهى مساواة بينه وبينهم فى الحساب . كما لا يملك ايضا اعداء النبى ان ينفعوه يوم الحساب (إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ) الجاثية 19).وهذه حقائق القرآن من شاء فليؤمن ومن شاء فليكذب :(أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً )(114)الانعام ). وصدق الله العظيم.!
النبى محمدعليه السلام سيأتى شاهد خصومه على قومه
1 ـ ان كل نفس ستأتى يوم القيامة تجادل وتدافع عن نفسها ( النحل 111)وينطبق هذا على خاتم النبيين ، فسيأتى يدافع عن نفسه بأنه بلغ الرساله وانه يتبرأ من كل من هجر القرآن. صحيح ان الله تعالى سيجمع الرسل يوم القيامه ويسألهم عن مدى استجابة الناس اليهم ، وصحيح انهم سيردون بأنهم لا يعلمون ، لأن الله تعالى وحده علآم الغيوب : ( يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ )(المائدة 109)، إلّا أنّ ذلك يتعلق بسرائر الناس وحقيقة اعمالهم وهذه غيوب لا يعلمها إلّا علام الغيوب جل وعلا ، ولهذا فهو وحده الذى يعطى ملائكة تسجيل العمل الإذن بشفاعة العمل لمن يعلم بصلاحهم ويرضى عنهم . أمّا شهادة النبى على قومه وشهادة الاشهاد على اقوامهم فهى تتناول الاقوال والافعال الظاهرة .
2 ـ ويقول سبحانه وتعالى عن يوم الحساب (وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ )الزمر 69 -70) أى يوضع الكتاب ، الكتاب الالهى أو الرسالة السماوية فى كفة الميزان ،وكتاب الاعمال لكل فرد فى كفة أخرى (الأعراف 8-9) ، ثم يؤتى أولا بالانبياء والشهداء الذين يأتون شهداء على قومهم فيعطوا شهادتهم ،ويقضى رب العزة بينهم بالحق ،ثم بعدها يأتى حساب كل الانفس وكل الامم ليحاسبهم رب العزة فردا فردا بما عملوا ، وهو جل وعلا الأعلم بما كانوا يفعلون وما يُسرّون وما يعلنون .
3 ـ وفى مفهوم القرآن فالشهداء فى الآخرة هم الذين يشهدون على اقوامهم. وهؤلاء الأشهاد أوالشهداء هم من الانبياء والدعاة للحق الذين ساروا على طريق الأنبياء وتواصوا بالحق وبالصبر وتمسكوا بالكتاب وتحملوا الاذى فى سبيله ،وسيدلى الأنبياء والشهداء بشهادتهم يوم القيامة على العصر الذي عاشوا فيه والناس الذين شهدوهم وعايشوهم فى نفس الزمان والمكان . يقول تعالى : ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ) النحل 84 )، ويقول جل وعلا لخاتم النبيين عليه وعليهم السلام ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا ) النساء 41) أى جىء بك على هؤلاء القوم من قريش خصما أو شهيدا عليهم ، فلكل امة شهيد يشهد عليها يوم القيامة وسيكون النبي على السلام شهيدا على قومه ، أى شاهد خصومة لأن (شهدعلى) تفيد الخصومة يقول سبحانه و تعالى للعرب وقريش ( إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا ) المزمل 15) . فهو شاهد عليهم .
4 ـ وبعد موت النبى يظل طريق الدعوة للحق مفتوحا لكل من يتبع سبيل الحق الذى سار عليه النبى : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) يوسف 108). ويقع عليهم عبء المواجهة للضلال الذى يزحف متسللا بعد موت النبى ، لأن الشيطان لا يقدم إستقالته ، بل يظل يتفنّن فى إغواء البشر ، إذا تنبهوا له من اليمين أتاهم من الشمال ، ولا ييأس حتى ينجح فى إضلال الأكثرية من البشر ، وهكذا فعل بالمسلمين المحمديين : (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ )(الأعراف 16 : 17). وكلما إزداد إضلال الشيطان للناس إزدادت المعاناة لدعاة الحق ، ويوم القيامة يؤتى بدعاة الحق يشهدون على اقوامهم وعلى إئمة الضلال الذين زيفوا فى دين الله وإفتروا على الله ورسوله كذبا ، وأقاموا على أنقاض الدين السماوى أديانا أرضية بالتزوير والبهتان . يأتى دُعاة الحق يوم القيامة يشهدون على هؤلاء الظالمين الذين إفتروا على الله تعالى كذبا وكذّبوا بآياته . يقول جل وعلا عن أولئك الظالمين:( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا )،ويصف عرضهم أمام الواحد القهّار جل وعلا :( أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ ) ويذكر جل وعلا شهادة الشهداء الأشهاد عليهم شهادة خصومة:( وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) ويذكر الأشهاد كيف أن أولئك الظالمين أصحاب الجاه فى الدنيا كانوا يصدون عن سبيل الله ويحاربون كتابه وصراطه المستقيم ليبغونها عوجا:( الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ) ، وكأن الايات الكريمة تنزّلت لتصف بالضبط عصرنا البائس .!!. ويقول جل وعلا عن أولئك الظالمين المفترين :( أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ ). ويقول تعالى عن الرسل والاشهاد من الذين آمنوا ( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ).غافر 51-)
5 ـ وقد ذكر رب العزة ـ مقدما ـ شهادة عيسى عليه السلام على قومه فى مشهد حسابه يوم القيامة اذسيسأله ربه جل وعلا : ( أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ) ويرد عيسى عليه السلام مدافعا عن نفسه : ( قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ) وفى شهادته يؤكد عيسى عليه السلام أنه كان شهيدا عليهم المدة الى عاشها بينهم الى أن توفاه ربه جل وعلا ، وهو جل وعلا الرقيب عليهم وهو على كل شىء شهيد : ( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ). ثم فى تأكيد تبرئه منهم يقول عيسى عليه السلام لربه : ( إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) لم يقل:(وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم) حتى لا يكون متعاطفا معهم وميّالا للعفو عنهم . وتأتى شهادة الله جل وعلا لعيسى بالصدق وباستحقاقه الجنة فى يوم الدين:( قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )(المائدة 116 : 119).تركزت شهادة عيسى عليه السلام فى موضوع تأليهه الذى سيسبب له حرجا يوم الحساب أمام الواحد القهّار جل وعلا .
6 ـ أما الحرج الذى سيقع فيه خاتم المرسلين فهو أشد . سببه تلك الأحاديث التى نسبوها له إفترءا وكذبا وظلما بعد موته . وبها جعلوه إلاها مقدسا متحكما فى يوم الدين . لذا فإن شهادة محمد عليه السلام ستتركز فى هجر قومه للقرآن بسلوكياتهم ، ثم سار اللاحقون على سيرة هذا السلف غير الصالح حيث قاموا بتشريع هذا الفساد السلوكى بإفتراء أحاديث نسبوها زورا للنبى عليه السلام ،ومن أجلها اتخذوا القرآن مهجورا، ولذلك فإنّ رب العزة يعتبرهم الله تعالى اعداء للنبى . ونعايش السياق الذى جاء فيه جل وعلا بشهادة خاتم النبيين على قومه العرب : (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلا الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولا وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) ( الفرقان 25 : 30). الظالم يوم القيامة يندم أشد الندم ـ حيث لا ينفع الندم ـ لأنه لم يتخذ مع الرسول سبيلا ، ولأنه لم يتبع ( الذّكر ) أى القرآن، فالرسول هنا أو (الذكر ) هو الرسالة أو القرآن ، أى إن الندم يشمل كل الظالمين الذين إتّخذوا القرآن مهجورا من قوم الرسول محمد الذين عايشهم ومن جاء ويجىء بعدهم من الظالمين ، فكلهم إتخذوا القرآن مهجورا. يدخل ضمنهم ( صحابة الفتوحات ) الذين آمنوا وهاجروا ، ثم بعد موته عليه السلام إرتدوا بما قاموا به من إحتلال لأوطان وقهر سكانها وقتل مئات الألاف من أحرارها وإغتصاب نسائهم وإسترقاق ذرياتهم ونهب أموالهم ، مما تسبب عنه وقوع أولئك الصحابة فى الحرب الأهلية أو الفتنة الكبرى بسبب نزاعهم على ثروات الأمم المفتوحة المنهوبة . والله جل وعلا أنبأ بذلك مقدما فى مكة بتكذيبهم للقرآن حين قال لقوم النبى محمد عليه السلام : ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) ( الأنعام ) .
7 ـ والمستفاد أن الذين يتخذون القرآن مهجورا هم الأعداء الحقيقيون للنبى محمد عليه السلام ، ذلك أنه لكل نبى يوجد أعداء من المجرمين أولياء الشياطين الذين يتخصصون فى أتخاذ الرسالة السماوية مهجورة ، وفى إنتحال الكذب والافتراء على النبى وتأسيس دين أرضى يجعل الدين الحق مهجورا . وهنا نتذكر أيضا قوله جل وعلا عن أعداء الأنبياء : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116)( الأنعام )
8 ـ ويتأكّد هذا فى آية اخرى يوضح فيها الله تعالى ان القرآن الذى نزل تبيانا لكل شئ هوشهادة النبى على قومه وشهادة الاشهاد أو الشهداء من بعده على اقوامهم ،يقول سبحانه وتعالى : ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ )(:النحل 89) .أى نزل القرآن الكريم تبيانا لكل شىء يحتاج الى التبيين والتفصيل . فيه تفصيلات جاءت على (علم ورحمة ) لمن يفقه ويتعلم ويريد الهدايةمن المؤمنين : (وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) الأعراف) ، وفيه الاسترشاد والعمل بالعُرف والمعروف المتعارف على أنه عدل وقسط وخير ،وهذا فى الإجماليات من الأمور التى لا تحتاج الى تفصيل . أى جاءت تشريعات القرآن بميزان دقيق (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) الشورى ) وبالقول الفصل (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَأَكِيدُ كَيْداً (16) فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (17) الطارق ) ولكن اعداء القرآن يكيدون للقرآن كيدا وموعدهم الساعة. هم يصدون عن القرآن ويبغونه عوجا وهو الصراط المستقيم . هم يقولون ان القرآن وحده لا يكفى وينكرون قوله تعالى ( أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ ) العنكبوت 51 ). ويسمون أكاذيبهم (سُنّة ) ويجعلونها فوق القرآن ، ويقولون لا كتاب بدون سنة !!. واذا تعارضت آيات القرآن مع تلك الاحاديث الكاذبة تمسكوا بالاحاديث ورفضوا القرآن . ومن أجل ذلك يتمسكون بشفاعة النبى التى تتناقض مع القرآن. لذا ستأتى شهادة النبى عليهم وشهادة ( أهل القرآن ) عليهم بأن القرآن كتاب مبين (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) يوسف ) وأنّ آياته بينات (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ )(16) الحج) فليس محتاجا لتفسيرهم المزعوم ، وأنه جاء تفصيلا وبيانا لكل ما يحتاج للتفصيل والبيان ، فليس محتاجا لأحاديثهم الضالة ، وجاء كاملا تاما وليس ناقصا لتكمله أحاديثهم وسنتهم (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) الانعام )( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً (3) المائدة ). هذا هو فحوى الشهادة عليهم يوم الحساب :( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) (النحل 89).
قصة قرآنية للتوضيح
1 ـ هى قصة مؤلمة تتكرر فى عصور الظلم والطغيان فى كل زمان ومكان، ابن الاكابر يرتكب جريمة فيلصقها أهله أصحاب النفوذ بفتى مسكين فيدخل البرىء السجن ظلما بينما يظل المجرم ابن الاكابر طليقا .! وحدثت هذه القصة وتكررت وستحدث وستتكرر طالما ابتعدنا عن كتاب الله تعالى وهوالسنه الحقيقيه للنبى عليه السلام. حدثت هذه القصه فى عهد النبى عليه السلام فى المدينه اذ سرق ابن الاكابر درعا، واتضح امره ،وتحدث الناس بجريمته ، فأحسّ أهله الأكابر بالعار ، واجتمعوا بليل لإنقاذ ( شرف العائلة )، واتفقوا على قرار ؛ وضعوا الدرع المسروق فى بيت شخص برئ، ثم فى الصباح ذهبوا للنبى يشتكون اتهام ابنهم المظلوم ويطلبون من النبي ان يدافع عنه. وصدقهم النبى فدافع عن ابن الاكابر ، وهو عليه السلام لا يعلم الغيب . وبذلك نجا المجرم الحقيقى وحاقت التهمة ببرئ مظلوم . ولأن الوحى كان لا يزال ينزل فإن الله انزل قرآنا فى هذه الواقعة . وطبقا لمنهج القرآن فى القصص وتناول الاحداث التاريخية فإنه لم يهتم بالزمان والمكان واسماء الابطال ، وانما حوّل هذه الحادثة التاريخية الى موعظة يستفيد منها الناس فى كل زمان ومكان بعد نزول القرآن .
2 ـ قال ب العزة جل وعلا : ( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا هَاأَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ) ( النساء 105 : 113 )
3 ـ فى البداية يأتى الخطاب للنبى بأن الله تعالى انزل الكتاب بالحق ليحكم بين الناس بما أراهم الله تعالى فى هذا الكتاب ،ثم ينهاه على ان يكون مدافعا عن اولئك الخائنين : (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ). ثم يأمره بالاستغفار عما حدث منه من الدفاع عنهم : (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ) ، ثم ينهاه ثانية عن الدفاع عن هؤلاء الخائنين لأن الله تعالى لا يحب من كان خوانا اثيما . (وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ). ثم يصف رب العزة حالهم حين التآمر وهم يستخفون من الناس بينما لا يستخفون من الله وهو جل وعلا محيط بما يفعلون : (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ) . ثم يقول تعالى للنبى ومن كان يدافع عن هؤلاء المجرمين : اذا كنتم تجادلون عنهم فى الدنيا فهل تستطيعون الدفاع عنهم فى الاخرة ؟ : (هَاأَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ) .
4 ـ ثم يضع الله القواعد التشريعية فى هذا الموضوع: فالجانى اذا تاب تاب الله عليه ، والله جل وعلا هو الغفور الرحيم : (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ) والجانى اذا وقع فى جناية فإن العقوبة تقع عليه وحده إذ لا تزر وازرة وزر أخرى، والله جل وعلا هو العليم الحكيم :( وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ). أما الجانى الذى يلصق جريمته ببرئ فإن اثمه مضاعف فقد إكتسب الخطيئة والبهتان معا : ( وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ).وفى النهاية يقول جل وعلا للنبى عليه السلام : (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) .
5 ـ وبإيجاز شديد نستخلص من الاية الكريمة الحقائق الاتية :.(1) بعض الصحابة وصفهم القرآن بالخيانة والاثم فليس كل الصحابة ملائكة او شخصيات مقدسة وانما هم بشر يصيبون ويخطئون .(2)ان النبى لا يعلم الغيب ولذلك خدعه اؤلئك الصحابة وصدقهم .(3)ان عصمة النبى بالوحى فقط ،ولولا فضل الله عليه لهمت طائفة منهم ان يضلوه. (4)ان النبى يوم القيامة لا يستطيع ان يجادل عن احد ،اى لن يستطيع ان يشفع فى احد او ان يكون وكيلا عن احد .(5)ان قواعد المسؤلية والمحاسبة محددة سلفا بحيث لا يكون فى الاخرة مجال لأحد ان يشفع فى مجرم ؛ فالجانى اذا تاب فإن الله تعالى يقبل توبته، والعقوبه تلحق بالجانى وحده ولا يستطيع احد ان يدافع عنه امام الله طالما لم يتب فى الدنيا . (6 ) إن أفظع الإجرام هو ( تلفيق الجرائم ) .
6 ـ ( تلفيق الجرائم ) للأبرياء وهو من أفظع ( إنجازات ) نظم الحكم فى بلاد المسلمين ، فضابط البوليس لكى يترقى لا بد أن يثبت كفاءته بتقديم قضايا مزورة يزعم أنه إكتشفها وقبض على مرتكبيها ، ويعترف فيها الأبرياء بالتعذيب. وهذه الانجازات الإجرامية ( العظيمة ) تتمتع بحصانة فى الدين السّنى بالذات ، لأنهم يرتكبون هذه الجرائم بضمير مستريح وهم يؤمنون بأن النبى سيشفع لهم يوم القيامة مهما إرتكبوا من مظالم . لهذا تسود أساطير الشفاعات المنسوبة للنبى حيث يسود الظلم والقهر فى بلاد المسلمين . ولا يمكن تأسيس مجتمع نظيف أخلاقيا وراق حضاريا طالما تسود فيه أساطير الشفاعات البشرية .
7 ـ وندخل الى الباب الثانى عن أساطير الشفاعات فى الدين السّنى بالذات .
الباب الثانى : كفر المحمديين بيوم الدين أساس أسطورة الشفاعة
مقدمة للباب الثانى :
يختصّ هذا الباب بالجذور التى نبتت فيها أسطورة الشفاعة فى النبى محمد وغيره ، وهى كُفر المسلمين المحمديين بيوم الدين . وهم أغلبية المسلمين. كما إن يوم الدين هو يوم القيامة ويوم لقاء الله واليوم الآخر . ونؤثر هنا مصطلح ( اليوم الآخر ) لأنه السائد فى سياق الايمان .
الفصل الأول : معنى الايمان بالله جل وعلا وباليوم الآخر
أولا : كُفر المحمديين بالله واليوم الآخر فى تصورهم لله جل وعلا وتصورهم للنبى ( محمد )
1 ـ لا ينفصل الايمان بالله جل وعلا عن الايمان باليوم الآخر . فالايمان بالله جل وعلا وحده لا شريك له فى ملكه يعنى الايمان بأنه مالك يوم الدين . أما من يؤمنون بوجود متحكمين مع الله جل وعلا فى الدنيا والآخرة فهم فى الواقع يكفرون بالله جل وعلا ويشركون به ، إذ ينتزعون من الله جل وعلا التقديس الواجب له وحده ليضفوه على البشر الذين يؤلهونهم .وهذا ما يفعله ( المحمديون ) وهم أغلب المسلمين.
2 ـ المحمديون يكفرون بالله خالق السماوات والأرض الذى له وحده الخلق والأمر : (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ )(الأعراف) ، المحمديون يجعلون محمدا شريكا لله جل وعلا فى أمره وتحكمه فى خلقه ، مع أن محمدا هو مخلوق لم يخلق ذبابة ولا يستطيع : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ). المحمديون فعلا ما قدروا الله جل وعلا حق قدره ، وهو جل وعلا القوى العزيز : (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ( الحج 73 : 74 ).
لم يتفكر المحمديون فى قوله جل وعلا يخاطب من يعبد البشر المخلوقة التى لم تخلق شيئا : (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) ( الرعد 16 )، لم يتساءل المحمديون : هل قام محمد بخلق بعض البشر ، وهذه المخلوقات تعيش بيننا بحيث لا نستطيع أن نفرّق بينها وبين المخلوقات التى خلقها الله جل وعلا.؟! أم أنّ الله جل وعلا هو وحده خالق كل شىء ، وخالق محمد وغير محمد ؟ وإذا كان الله وحده هو خالق كل شىء من محمد وغيره فبأى منطق يجعل المحمديون ( محمدا ) شريكا لله جل وعلا فى مُلكه وأمره وخلقه ؟
المحمديون يكفرون بالله الذى خلق السماوات والأرض والذى يدبر الأمر بينهما متحكما وحده فى عرشه وملكوته: ( اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ) ( الرعد 2 ) ويجعلون محمدا شريكا لله جل وعلا فى ملكه وملكوته . المحمديون يكفرون بالله جل وعلا ( المهيمن القيوم ) الموصوف بأنه:( مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ) هود 56 ).
المحمديون يخلقون شخصية وهمية أسموها الرسول محمد جعلوه متحكما فى رب العزة ، بينما يجعل المحمديون رب العزة الاها منزوع السُّلطات تتحكم فيه وفى ملكه آلهة البشر فى الدنيا والآخرة وينتزعون المحمديون منه معظم التقديس لصالح محمد وبقية آلهتهتم المزعومة .
3 ـ وهذا بالضبط تصور المحمديين فى أديانهم الأرضية عن الله جل وعلا وعن ( الاههم محمد ). لا يؤمنون بالقرآن الكريم لأنه يعارض تأليههم لمحمد ، ولا يعترفون بالله جل وعلا كما قال جل وعلا عن ذاته فى القرآن الكريم ، ولا يعترفون باليوم الآخر الذى جاء تفصيله فى القرآن الكريم ، ولا يهمهم تأكيد رب العزة فى القرآن الكريم على أن النبى محمدا ليس له من الأمرشىء ، وأنه لا يشفع ولا ينفع أحدا ، وأنه لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا ، وأنه لا يعلم الغيب ، وأنه ليس عليه إلا البلاغ . يكفر المحمديون بكل هذا ، ويؤمنون بمفترياتهم فى أحاديثهم التى ترفع النبى محمدا فوق مقام رب العزة فى الدنيا والآخرة ، وتجعله مالك يوم الدين ، والذى تُعرض عليه أعمال الناس وهو فى قبره ليفصل فيها .
4 ـ المحمديون من السّنة والشيعة والصوفية يختلفون فى كل شىء ولكن يتفقون فى تفضيل ( محمد ) على رب العزّة جل وعلا . المحمديون يحجون الى الوثن الرجس المسمى بقبر النبى فى المدينة يتوسلون بالله جل وعلا أن يتوسط لهم عند ( محمد ) ليشفع فيهم ( محمد )!. وهم فى صلواتهم يترجون رب العزة كى يجعل محمدا يتشفع فيهم . أى يجعل المحمديون الله جل وعلا واسطة يتوسط لدى ( محمد ) و يرفعون محمدا فوق مقام رب العزة ، وهذه مكانة رب العزة فى أديانهم الأرضية. وهذا كفر فظيع بالله جل وعلا وكفر فظيع أيضا باليوم الآخر .
ثانيا : المحمديون هم أكثرية المسلمين . وأكثرية البشر يكفرون بالله وباليوم الآخر
1 ـ هذا الكفر عادة سيئة لأكثرية البشر . واكثرية البشر موصومة فى القرآن الكريم بأنها لا تعقل ولا تؤمن بالله جل وعلا إلا وهى مشركة:( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ) يوسف 103 ،106 ) ( وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) ( الأنعام ).ينطبق هذا على المحمديين أغلبية المسلمين اليوم وقد بلغوا البليون ونصف البليون . وهى أغلبية لا تؤمن بالله جل وعلا ولا باليوم الآخر .
2 ـ بعض المنافقين من الصحابة المتآمرين كان يعلن أنه يؤمن بالله جل وعلا وباليوم الآخر خداعا للمؤمنين . وهى ـ أيضا ـ ظاهرة بشرية تتكرر فى أى مجتمع فيه ناس ، فمن الناس من يزعم أنه يؤمن بالله وباليوم الآخر خداعا ، ولكنهم فى الحقيقة ليسوا بمؤمنين بالله جل وعلا ولا باليوم الآخر :( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)البقرة ).
3 ـ وينطبق هذا أكثر على محترفى الدين الأرضى من الأئمة والشيوخ والقساوسة والرهبان المتاجرين بالدين والذين يشترون بآيات الله جل وعلا ثمنا قليلا . وينطبق على أئمة المحمديين من الإخوان والسلفيين وكل الذين يخلطون السياسة بالدين، ويستخدمون دين الله جل وعلا مطية للوصول لأغراضهم السياسية.
4 ـ وأولئك هم المسيطرون على الأغلبية الصامتة من الشعوب ، وهم المتحالفون مع فراعنة الاستبداد والفساد ، وهم الأكابر المجرمون فى كل قرية ، و( القرية ) فى المصطلح القرآنى هى المجتمع والدولة بمفهومنا المعاصر . وقد قال رب العزة عن أولئك الأكابر المجرمين من السلاطين المستبدين ورجال الكهنوت والدين:( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) وهم دائما يكذبون بالرسلات السماوية الداعية للعدل ، يقول جل وعلا : ( وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ )(الأنعام 122 : 123 ). وهؤلاء المترفون الفاسدون الظالمون لا يؤمنون بالآخرة ، بل هم يؤمنون بما وجدوا عليه سلفهم أو أجدادهم الظالمين ، وهكذا قال الملأ المترف فى مكة فى تكذيبهم للقرآن الكريم وتكذيبهم باليوم الآخر : (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ). وهى قاعدة توجد فى كل أمة وفى كل قرية أو دولة يتسلط عليها المجركون المترفون ؛ أن يتمسكوا ما وجدوا عليه أسلافهم وآباءهم ، يقولون هذا لكل نذير وكل من يجاهد فى سبيل الاصلاح : ( وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ) ( الزخرف 22 / 23). ويتمسك مجرمو عصرنا ( السلفيون ) بما ( أجمعت عليه أمتهم ) وبما كان عليه ( سلفهم الصالح ..جدا ..! ). ولقد كفر أسلافهم باليوم الآخر،وهم على آثارهم يهرعون : ( إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ) ( الصافات 69 : 70 ).
ثالثا : حقيقة الايمان بالله وباليوم الاخر
1 ـ الإخوان والسلفيون وقادة المحمديين المتاجرين بالدين لو كانوا يخافون عذاب الله جل وعلا فى اليوم الآخر ويتحسّبون له ما جرءوا على إستغلال دين الله فى الصراع على حُطام دنيوى زائل .
2 ـ إنّ الذى يؤمن بالله جل وعلا وباليوم الأخر يتمسك بالسنة القرآنية الحقيقية لا يطلب جاها أو ثروة باستغلال الدين خداعا للناس وإمتهانا لاسم رب العالمين . والمؤمن الحقيقى بالله واليوم الآخر لا يريد علوا فى الأرض ولا فسادا بخداع الناس والكذب عليهم ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) ( القصص 83 ) لذا تكفيه أن تكون عاقبته مع المتقين فى اليوم الآخر . المؤمن الحقيقى باليوم الآخر يسير على خُطى خاتم المرسلين الذى أمره رب جل وعلا أن يعلن أنه يخاف إن عصى ربه من عذاب يوم عظيم:( قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) الانعام 15 ، الزمر13)( إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ يونس 15).
3 ـ إن الايمان بالله جل وعلا وباليوم الآخر ليس شعارا يُرفع للإستهلاك المحلى والرياء والمظهر الاجتماعى ، بل هو التقوى التى تتأكّد يقينا فى القلب وتتجسّد عملا صالحا فى السلوك : ( ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) البقرة 2 ـ ) . وهذا اليقين باليوم الآخر يجعل المؤمن يخلص لله جل وعلا فى عبادته وفى سلوكياته مع الناس، يحاسب نفسه قبل يوم الحساب، فإذا أنفق فى سبيل الله يكون إنفاقه فعلا فى سبيل الله جل وعلا يبتغى الأجر فى الآخرة ، ولا ينتظر من الناس جزاءا ولا شكورا ، يعطى المحتاج صاحب الحق بغض النظر إن كان هذا المحتاج صديقا أو عدوا له ، لأن هذا المتقى المؤمن بالله جل وعلا وباليوم الآخر لا يتعامل مع البشر ، ولكن يتعامل مع رب البشر ، ولا يحرص إلّا على رضى ربه ، سواء رضى عنه الناس أو كرهه الناس . وفى أى عمل يقوم به وفى كل عمل يقوم به يفكّر أولا هل هذا العمل يرضى ربه جل وعلا أم لا ، وهل سينفعه عمله هذا يوم الدين أم لا . أما قادة الاخوان والسلفيين فيعطون المواد التموينية للفقراء ليس فى سبيل الله جل وعلا بل فى سبيل إستمالتهم سياسيا . ويقتلون من يعارضهم ، وشعارهم الحقيقى ( إمّا أن نحكمكم وإمّا أن نقتلكم ).! وهذا هو جهادهم فى سبيل السُّلطة .
4 ـ المؤمن المتقى ليس معصوما من الخطأ ، ولكنه إذا أخطأ بادر بالتوبة مسرعا ومخلصا ، وظل يتذكر ذنبه مستغفرا : (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ )( آل عمران 133 : 136 ).
إن هذا المتقى إذا وسوس له الشيطان باللإثم إستيقظ ضميره المؤمن فى داخله فأبصر وتذكر وإستعاذ بالله جل وعلا من الشيطان الرجيم وخاف مقام ربه العظيم : (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ) هذا بينما يركب الشيطان أولياءه ( إخوان الشياطين )يمدّهم فى الإثم وفى الغى فلا يقصرون ، يقول جل وعلا عن (إخوان الشياطين ):( وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ) (الأعراف 200 : 202 ).
5 ـ وبينما يقضى قادة الاخوان وشيوخ السلفيين ليلهم فى التفكيروالتدبير والتآمر لتحقيق وصولهم للحكم والسلطة والثروة فإن المؤمنين فعلا بالله جل وعلا وباليوم الآخر وبالقرآن الكريم يخرّون سُجّدا إذا ذُكّروا بآية قرآنية وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون : (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) وتتجافى جنوبهم ليلا عن المضاجع يدعون ربهم خوفا من عذابه وطمعا فى رحمته ومغفرته وجنته ، وفى سبيل الله جل وعلا ينفقون أموالهم : ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) ولذا فإن نعيم الجنة الذى ينتظرهم لا يمكن أن تتخيله نفس بشرية جزاء عملهم الصالح فى الدنيا : ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ، فلا يمكن أن يستوى المؤمن المتقى بالفاسقين إخوان الشياطين:( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لّا يَسْتَوُونَ )( السجدة 15 ـ )
6 ـ وهذا المؤمن بالله وباليوم الآخر لا يغترّ بعبادته مهما أكثر من عمل الصالحات ، بل يظل فى خشية من ربه جل وعلا ، مؤمنا بآياته ، لا يشرك به شيئا ، وحين يقدم طاعة أو يصلّى أو يتصدّق يستقلّ طاعته وعبادته ويخشى أن لا تكون مقبولة يوم الدين ، لذا يظل يسارع فى الخيرات سبّاقا فى الخير، يقول جل وعلا عن أولئك المؤمنين المتقين الخاشعين :( إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ) ( المؤمنون 57 : 61 ). فهل رأيت خاشعا بين الاخوان والسلفييين ؟ إنّ الواحد من إخوان الشياطين إذا أدّى صلاة فهو يرائى بها ويتخذها تجارة يطلب من الناس أن يدفعوا له ثمن عبادته خضوعا له حتى يركب ظهورهم ويصل للسلطة متسلحا بزبيبة الصلاة ومظاهر التدين السطحى . أما صلاته التى يُرائى بها فإنه يمتنّ على الله بها ، فحتى لو كان مخلصا فى صلاته وعبادته فإن الله جل وعلا غنىّ عن صلاته وصدقته وزكاته وجهاده: ( وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) (العنكبوت). نحن الذين نحتاج للعمل الصالح لندخل الجنة ولننجو من النار ، فمن يعمل صالحا فلنفسه أى لفائدة نفسه وليس لفائدة ربه ، ومن يعمل سوءا فعلى نفسه، ولا يضرّ ربه:( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ) فصلت 46 ) (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ )( الجاثية 15 ). هذا هو ما يفهمه المؤمن بالله وباليوم الآخر .
فى النهاية ..
1 ـ فإن المحمديين لو ماتوا بعقائدهم هذه لن يفلحوا يوم الدين . لن تنفعهم أساطير الشفاعة ، فقد قال جل وعلا لخاتم المرسلين :( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ)(الزمر 19) وسيقول رب العالمين بعد دخولهم جهنم ( مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ) ق 29)، ومهما تكاثروا بالبلايين فإن جهنم فيها متسع لهم أجمعين : ( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ) ( ق 30 )
2 ـ المُفلح فى الآخرة هو الذى يؤمن بأن الله جل وعلا مالك يوم الدين ، ويؤمن أنه لا عاصم له من عذاب الآخرة إلا إيمانه الخالص وعمله الصالح ، وأنه لا شفاعة إلا بالعمل الصالح وحده فلا تشفع نفس فى نفس ولا تُجزى نفس عن نفس . ولهذا فلا بد أن يُكثر من عمله الصالح ويستغفر عن سيئاته ويتوب وينوب ، ويتمسك بالسّنة القرآنية لخاتم المرسلين الذى كان يخاف ـ إن عصى ربه ـ من عذاب يوم عظيم .
الباب الثانى : كفر المحمديين بيوم الدين أساس أسطورة الشفاعة
الفصل الثانى : غفلة المحمديين عن لقاء الله رب العالمين
أولا : معنى لقاء الله جل وعلا
1 ـ لقاء الله جل وعلا هو اليوم الأخر حين يقوم الناس فى اليوم العظيم، الذى يقوم فيه الناس لرب العالمين ،وهو قادم حتما مهما أنكره المجرمون:( أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ )(المطففين 4 : 6 ). لقاء الله جل وعلا هو يوم الحساب حين يبرز الناس الى رب العالمين ، وعندها يكون المجرمون فى أسوأ حال : ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ لِيَجْزِي اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ). ولهذا نزل القرآن الرسالة الالهية الخاتمة فى آخر الزمان ، نزل بلاغا للناس وإنذارا لهم قبيل الساعة: ( هَذَا بَلاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ) ( ابراهيم 48 / 52 ). فهل ( وصلت الرسالة ) الى من يهمّه الأمر ؟. الواقع إنه لا يوجد فى الأغلب من يهمّه الأمر.!!
2 ـ فقد أشار رب العزة الى اللقاء به جل وعلا فى 32 موضعا فى القرآن الكريم . فهل فكّر أحدنا فى هذا اللقاء الحتمى القادم مع ربّه جل وعلا ؟ لو كان لك موعد هام مع مخلوق مثلك ( رئيس فى العمل أو صاحب جاه أو صديق عزيز ) لأعددت لهذا اللقاء عُدته ، من مظهرك وماذا ستقول ، وحرصك على نجاح لقائك معه . فهل أعددت نفسك للقاء ربك ؟ بل هل حتى فكّرت مجرّد تفكير فى هذا اللقاء الآتى حتما ؟. الأغلبية الساحقة من البشر لا تهتم ولا تفكر أصلا فى هذا اللقاء. والمحمديون الذين يزعموم الايمان بالقرآن ضمن هذه الأكثرية اللاهية الغائبة عن الوعى الذين غرّتهم الحياة الدنيا ، ثم إذا أفاقوا منها كان الندم حيث لا ينفع الندم
ثانيا : لقاء الله يوم الدين بين المتقين والكافرين
1 ـ نحن فريقان بالنسبة للقاء الله جل وعلا فى اليوم الآخر : هناك من يرجو هذا اللقاء ويعمل له ويتحسّب له بالعمل الصالح والإيمان الخالص،والأغلبية تنسى هذا اليوم وبعملها السيىء وإيمانها الناقص لا ترجو هذا اللقاء .
2 ـ هناك لقاءان لنا بالله جل وعلا . اللقاء الأول الذى ( فطر ) الله جل وعلا أنفسنا وأخذ على الأنفس البشرية العهد قبل أن تدخل الأنفس فى أجسادها . وفيه أشهدهم على أنفسهم أنه وحده ربهم لا شريك له ، وحذّرهم مقدما من ان يأتوا يوم لقائه يوم القيامة فى اللقاء الثانى وقد نسوا هذا العهد: ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) ( الأعراف 172 : 173). ثم سيأتى اللقاء الثانى يوم القيامة بالحساب لكل نفس بما كسبت . وبين اللقاء الأول واللقاء الثانى وفى هذه الدنيا كانت الملائكة بالروح تنزل على البشر تذكّرهم وتُنذرهم بيوم اللقاء أو التلاق مع رب العزة :( رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ) (غافر 15 ).
3 ـ وفى الرسالة الخاتمة أمر رب العزة خاتم المرسلين أن يعلن:( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا )(الكهف 110 ). وتوجز الآية الكريمة الاسلام فى عبارات قليلة : فالنبى بشر مثلنا ، وليس الاها ، والنبى هو بشر يُوحى اليه بأنه لا اله إلا الله جل وعلا ، وأن من يرجو لقاء ربه من كل البشر فعليه أن يعمل عملا صالحا ولا يشرك بربه جل وعلا أحدا .
ثالثا : الايمان بالآيات والرسالات السماوية قرين بالايمان بلقاء الله جل وعلا
1 ـ يرتبط لقاء الله جل وعلا ( أو اليوم الآخر ) برسالاته السماوية وكتبه وآياته . ولذا فإن الكافرين بالآخرة ( الذين لا يرجون لقاء الله جل وعلا ) كانوا فى عهد النبى عليه السلام يكذّبون بالقرآن ويطلبون معجزة حسية بديلا عن القرآن إستكبارا وعتوا :( وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا) (الفرقان 21 ) بل ويطلبون بدلا منه قرآنا غيره يتفق مع أهوائهم : ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ )( يونس 15). فعل هذا مشركو قريش ـ وفعله بعدهم المحمديون حين إخترعوا اسطورة ( النسخ ) بمعنى إلغاء الأحكام القرآنية .
2 ـ وردّا عليهم فإن الله جل وعلا يصف (القرآن) بأنه لا ريب فيه :(ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ )(البقرة 2 ). ويصف (لقاء الله) جل وعلا بأنه لا ريب فيه:( رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ )(آل عمران ). وقد تكررت جملة ( لاَ رَيْبَ فِيهِ ) فى القرآن الكريم 14 مرة . جاءت ثلاث مرات وصفا للقرآن ( البقرة2 ، يونس 37 ، السجدة 2 ) وجاءت 11 مرة وصفا لليوم الآخر ( آل عمران 9 ، 25 ، النساء 87 ، الانعام 12 ، الاسراء 99 ، الكهف 21 ، الحج 7 ، غافر 59 ، الشورى 7 ،الجاثية 20 ، 32 ).
وبالتالى فالمطلوب هو الايمان الخالص بالله جل وعلا ولقائه وبآياته وكتبه . إيمانا لا يلحقه شكُّ أو ريب .
3 ـ ومع هذا فإن فى قلوبهم الشّك فى الكتاب الذى لا ريب فيه والشّك فى اليوم الآخر الذى لا ريب فيه . وأكبر دليل على هذا الريب والشّك هو تراث المحمديين المعادى للقرآن وتاريخ المحمديين فى إستغلال الاسلام فى طموحهم الدنيوى. وقد هبطوا بتزييفهم لليوم الآخر الى الحضيض ، وهو حضيض يعبّر عن عدم إيمانهم بلقاء الله جل وعلا ، وعن الشّك الذى وصل بهم الى بهم الى (العمى الجماعى ) ، أو بالتعبير القرآنى المُذهل المُوجز المُوجع:( بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ )( النمل 66 ) . يصف رب العزة علم المحمديين بالآخرة فى ثلاث جُمل فقط فى هذه الآية الكريمة القصيرة ، وهى أن علمهم بها وصل الى الدرك الأسفل، وأنهم منها فى شكّ ،وأنهم مصابون بالعمى الجماعى بشأنها. والعاقل الذى يقرأ تخاريفهم عن الشفاعة فى البخارى وغيره يتأكد من إصابتهم بالعمى القلبى جيلا بعد جيل . ولو كانوا يؤمنون باليوم الآخر الذى لا ريب فيه ولو كانوا يؤمنون بالقرآن الذى لا ريب فيه ما إنحطُّوا الى هذا الدرك من الحضيض . وسيظلون فى شكّ ولهو ولعب يتقلبون فى غرور الدنيا : (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ) ( الدخان 9 )
رابعا : جهنم مصير من يكفر بلقاء الله جل وعلا ويكذّب أو يشكّ فى آياته
1ـ ويوم القيامة يُحال بينهم وبين ما كانوا يشتهون ويحلمون من مزاعم شفاعاتهم ، شأنهم شأن من سبقهم من الكافرين ، فهذا هو مصير من يعمر قلبه بالشّك فى الآخرة : ( وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ )( سبأ 54 ) .
2 ـ فقد صوّرت لهم أحاديث الشفاعة المزعومة رب العزة الاها مغلوبا على أمره ، وصوّرت لهم يوم القيامة مهرجانا للشفاعات والوساطات كأحد الأسواق الشعبية والمصالح الحكومية فى دولة استبدادية . وستكون المفاجأة قاسية يوم لقاء الله جل وعلا ، إذ سيبدو لهم من الله جل وعلا ما لم يكونوا يحتسبون ، وستبدو لهم سيئات أعمالهم وسخريتهم بالدين الالهى فيما زيّفوه من أحاديث، وحينئذ سيتمنون لو أنّ لهم أضعاف ما فى الأرض ليفتدوا به أنفسهم من سوء العذاب : ( وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون ) ( الزمر 47 : 48 )
خامسا : التذكير بلقاء الله فى الحديث القرآنى عن عذاب الكافرين
1 ـ يقول جل وعلا عن يأس الكافرين من رحمة الله وعذابهم الأليم ويصفهم بتكذيب لقاء الله جل وعلا وبالقرآن معا :( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )( العنكبوت 23) ، ويتكرر نفس الوصف لهم وهم فى العذاب مُحضرون : ( وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ )( الروم 16). ويتكرر نفس الوصف لهم وقد أحبط الله جل وعلا عملهم وجازاهم بكفرهم بلقائه وبآياته : (وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)(الأعراف 147 )، وإحباط عملهم يعنى ألا يكون لأعمالهم وزن : ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ) (الكهف 105 ).
2 ـ وتأتى تفصيلات عن مصير الكافرين بلقاء الله جل وعلا ، فهم يتحسرون بينما يحملون أوزارهم على ظهورهم : ( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ )(الأنعام 31 ). وفى خسرانهم الأبدى يتذكرون الدنيا التى إغتروا بها ، وقد مضت هذه الدنيا بكل ذكرياتها كأنها ساعة من النهار : (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ )(يونس 45 ) .
ثم يُساقون الى جهنم ، وحين تفتح أبوابها لهم يُقال لهم تأنيبا إن هذا جزاؤهم لأنهم كذبوا بلقاء الله وبالكتب السماوية : (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ) (الزمر 71 ). ثم وهم فى الجحيم يقال لهم أيضا للتأنيب:( فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا )(السجدة 14 ) .
سادسا : الغفلة عن اليوم الاخر والتكذيب بلقاء الله جل وعلا
1 ـ كان الأولى بهم أن يتفكروا أن الله جل وعلا لم يخلق هذا الكون عبثا : ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ)(المؤمنون 115)، وأن يتذكروا أن لهم موعدا يلقون فيه ربهم: ( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ )(الروم 8 ) . ولكن أكثرية الناس كافرون بلقاء ربهم وكافرون بآياته تكبرا . وهم عنها وعن اليوم الاخر غافلون (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ )( الاعراف 146 ).
2 ـ الواقع العملى المُعاش يؤكد أن الأغلبية الساحقة من الناس فى غفلة عن الآخرة . ولو قمنا بإجراء إحصاء عن من يؤمن باليوم الآخر على حقيقيته القرآنية فستجد الأكثرية غافلين ، بل ربما لا تجد أصلا من يهتم بالمشاركة فى هذا الإستبيان .
3 ـ وهذا بسبب تركيزهم فى الصراع على زينة الدنيا التى جعلها الله جل وعلا إختبارا لنا ليبلونا أينا أحسن عملا فرسب معظمنا فى هذا الاختبار:( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا )( الكهف 7 ). لقد رضوا بالحياة الدنيا وإطمأنوا بها ووجهوا قلوبهم نحوها فقط ، وفى سبيلها غفلوا عن آيات الله فى القرآن ، لذا فمصيرهم جهنم : ( إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ )( يونس 7 : 8 ).
4 ـ ويوصف أصحاب جهنم بأنهم الغافلون ، سواء كانوا من الانس أم من الجن ، فقد عطّلوا عقولهم وقلوبهم فأصبحوا غافلين وأضل حالا من الأنعام : (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) ( الاعراف 179 ). كما يوصفون بأنهم الغافلون الخاسرون:( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) ( النحل 108 : 109 ). 5ـ وترى عباقرة العلوم الطبيعية وكبار العلماء والفلاسفة والمفكرين يشاركون عوام الناس وأغلبية الخلق فى هذه الغفلة عن لقاء الله جل وعلا ، فهم لا يعلمون إلا ظاهرا من هذه الدنيا بينما هم غافلون عن تذكر الأخرة ، وهم لا يتفكرون فى حكمة خلق الله جل وعلا للسماوات والأرض ، وما سيتلو هذا من القيامة ولقاء الله جل وعلا : ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ) ( الروم 7 : 8 ).
سابعا : إستمرار الغفلة عن لقاء الله جل وعلا بعد نزول القرآن والى وقت قيام الساعة
1 ـ القرآن هو خاتم الرسالات السماوية ، بمعنى أنه كلمة الله جل وعلا الأخيرة للبشرية قبيل تدمير هذا العالم ، وقد أصدر رب العزة أمره بقيام الساعة مع نزول القرآن ، ولكن تنفيذ الأمر سيأتى بالزمن الأرضى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ( النحل ) . يقول رب العزة عن الاختلاف فى الزمن بيننا وبين الملكوت الأعلى: ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ )( الحج 47 ) . وقبل نزول القرآن بأكثر من ألف عام وفى أول وحى الاهى خوطب به موسى عليه السلام أكّد ربّ العزة جل وعلا مجىء الساعة : ( إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ) ( طه ). ثم جاء القرآن الكريم بأقترابها : ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ )( القمر:1 ) لذا يأتى القرآن ينذرهم بيوم الحسرة الآتى لهم إذا ظلوا غلى غفلتهم وكفرهم بلقاء الله جل وعلا : ( وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ )( مريم 39 : 40 ).
2 ـ لقد إقترب يوم لقاء الله جل وعلا ، ونحن الآن على وشك قيام الساعة التى أخبر بهذا رب العزة منذ 14 قرنا بإقترابها، ومع ذلك فلا يزال الناس من وقتها وحتى الآن فى غفلة ، وهم مُعرضون عن كتاب الله جل وعلا لاهية قلوبهم : ( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ) ( الأنيياء 1 ـ ). وسيظل الناس فى غفلتهم حتى آخر جيل من البشر يعيش فى هذه الدنيا ويشهد تدمير هذا العالم ، عندها سيعترفون بغفلتهم وبظلمهم : ( وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ ) ( الأنبياء 97 ).
3 ـ وقتها سيكون المشهد فى حدّ ذاته عذابا لمن يحضره ويشهده ، إذ يبلغ الفزع بالناس أن تذهل المرضعة عن رضيعها فلا مجال للرضاعة أو حياة للرضيع ، وأن تجهض الحامل فلا مجال لمواليد جُدُد، ويصاب الناس بما يشبه الإغماء ، فيكونون سُكارى من الهول ، وما هم بسكارى من الخمر: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ )( الحج ).
4 ـ ولأنهم يعيشون فى غفلة وسيظلون فى غفلة جيلا بعد جيل فسيفاجأون بالساعة وقد أتتهم ( بغتة )وهم لا يشعرون : ( هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ )( الزخرف ) . وهى ( بغتة لا يشعرون بها ) لأنهم فى غفلة عنها ولم يتحسّبوا لها . يقول جل وعلا عن خسارتهم وحسرتهم وبغتتهم :( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ )( الأنعام 31 ).
5 ـ المؤمنون بالله جل وعلا وبلقائه وبآياته لا تصيبهم البغتة ، يقول جل وعلا عنهم :( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ). امّا الآخرون الكافرون فسيظلون فى شكّهم حتى العذاب يوم القيامة أو مجىء الساعة بغتة إذا كانوا فى آخر جيل من البشر : ( وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ) ( الحج 54 ، 55 ) .
6 ـ ولأن القرآن نزل مع إقتراب الساعة فإن التحذير الالهى يدعونا للتعجيل بالتوبة قبل الموت وقبل أن تأتى الساعة بغتة : (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ )(الزمر 53 : 55 ) .
7 ـ ومن عجب أن جاءت أشراط الساعة وتبدت بعض علاماتها المذكورة فى القرآن الكريم ، ومع هذا فالمحمديون فى غيّهم سادرون : (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ) ( محمد 18 ) . وسيقال لأحدهم يوم لقاء الله جل وعلا : ( لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ )( ق : 22 ).
ودائما : صدق الله العظيم .!
الباب الثانى : كفر المحمديين بيوم الدين أساس أسطورة الشفاعة
الفصل الثالث : أنواع الكفر باليوم الآخر
مقدمة :
1 ـ فى أوائل التسعينيات دعانى إستاذ فى جامعة عين شمس لحضور ندوة ، كان هذا الاستاذ الجامعى متخصصا مثلى فى ( التاريخ الاسلامى ) ومشهورا بعلمانيته وشيوعيته . وتعرّضت بعض كتبه للمصادرة . أى كان هناك بعض إتفاق بيننا . وقمت لأعلّق على محاضرته ، ففوجئت به يقول وهو يقدمنى للحاضرين أننى فلان ( مُنكر السّنة ) ويتحدث وهو يتبرأ من مشروعى الفكرى .
2 ـ تكرر نفس الموقف تقريبا مع كثير من العلمانيين ، ما إن يبدأ النقاش بيننا حتى يتحول ذلك العلمانى الى سُنى يدافع عما توارثه من أسلافه ، وتتبخّر القشرة الالحادية العلمانية ، ويظهر على حقيقته طالما تعلق الأمر بالبخارى وبالسّنة وبحديث الشفاعة وتقديس النبى محمد . إيقنت بعدها إنه يوجد بين البشر هذا الصنف الذى أسميته ( علمانى محمدى ) . حين يُواجه هذا الصنف بنقاش حول معتقداته المتوارثة تراه وقد إصفرّ وجهه خوفا ، وانطلق يدافع عن هويته الدينية التى تقبع فى أعماق قلبه .
3 ـ بل ربما يتندر ساخرا على القرآن وما جاء فيه من عذاب مستكثرا هذا ( الإلحاح ) على العذاب ، متناسيا وجود ( إلحاح ) آخر مواز عن حرية البشر المُطلقة فى الايمان او الكفر ، فى الطاعة أو المعصية ، وأن يوم الدين هو يوم المُساءلة والثواب والعقاب على هذه الحرية، وأن الالحاح على العذاب يساويه الإلحاح على نعيم الجنة. هذا العلمانى المحمدى يتعلّق بالشفاعة طوق نجاة له ، تعطيه حرية الكفر والفسوق والعصيان مع الأمل فى النجاة من العذاب بشفاعة النبى التى سينتج عنها طبقا لآساطير الشفاعة الخروج من النار لكل من فى قلبه ذرة من إيمان .
4 ـ وفى عام 1987 صدر كتابى الصغير ( المسلم العاصى : هل يخرج من النار ليدخل الجنة ) وقد صودروكان سببا مباشرا فى القبض علىّ وقتها . وأتذكّر أنه أحدث صدمة هائلة لمن سمع به ، فقد كانوا يعيشون على أمل الشفاعة غافلين عن الآخرة وعن قيامها على القسط والتحكم المُطلق لرب العالمين مالك يوم الدين . أتذكر أنه كان من بين المُستائين بعض من عرفتهم وقتها من العلمانيين المُلحدين . ومن هذه التجارب الشخصية تأكّد لى أكثر وأكثر عظمة وروعة الإعجاز القرآنى ، الذى قام بتوصيف دقيق لأنواع الكفر باليوم الآخر ، وكيف أن هذا ينطبق تماما على ( المحمديين ) العلمانيين منهم والسلفيين .
أولا : اليوم الآخر بين الكفر السلوكى والكفرالعقيدى
1 ـ وقلنا من قبل إن هناك كفرا سلوكيا باليوم الآخر يتركز فى الانغماس فى المعاصى بدون حاجة الى تبرير دينى أو تشريع أرضى ، وهذا الكفر السلوكى بالله جل وعلا وباليوم الآخر وقع فيه الصحابة بجريمة ( الفتوحات ) وما نجم عنها من قتل ونهب واسترقاق وإغتصاب وإحتلال وقهر وسبى لشعوب بأكملها باسم الاسلام . ثم تم التسويغ والتشريع الدينى لهذا بأثر رجعى فى العصر العباسى فيما يعرف الان بالجهاد السّنى ، والذى لا يزال يجرى بهمّة ونشاط من جانب الوهابيين . وهذا الكفر السلوكى بالله جل وعلا وباليوم الآخر يوجد على مستوى الأفراد السادرين فى غفلتهم المنهمكين فى المعاصى والتقاتل على حُطام الدنيا بطريقة ( علمانية ) أى بدون التحجّج بأحاديث أو تسويغات دينية من دينهم الأرضى . تجد هذا لدى المجرم العادى فى العصابات العادية كما تجد هذا أيضا فى مستبد علمانى يقهر شعبه باسم الوطنية أو القومية أو حقوق العمال والعدالة الاجتماعية ، كما كان يوجد فى الجزيرة العربية فى غارات الأعراب فى منطقة ( نجد ) وغيرها على القوافل .
2 ـ ولكن يختلف الأمر حين يتم إضفاء مبرر دينى على نفس الجرائم ، وهذه وظيفة الدين الأرضى الذى تتأسّس عليه الدولة الدينية . والدولة السعودية الأولى قامت بتحويل غارات القبائل الى ( جهاد دينى ) وهو نفس ما فعله منشىء الدولة السعودية الراهنة عبد العزيز آل سعود ، حين أقنع شباب البدو بأن يمارسوا نفس السلب والنهب والقتل والاغتصاب والسبى للآخرين بعد إتهامهم بالكفر ، فمن ليس وهابيا فهو حلال الدم والمال والعرض ، ويجب الجهاد ضده وإحتلال أرضه وقهره . وفى صعيد مصر نجح المتطرفون فى أن يضموا اليهم قطّاع الطرق الذين يعتصمون بالجبال فأصبح هؤلاء اللصوص يمارسون نفس الجُرم من قتل وسلب ونهب تحت مُسمى الجهاد ( الاسلامى ) .
3 ـ المُسفاد أن الدين الأرضى يقوم بتقعيد الكفر السلوكى وجعله ( دينا أرضيا ). وبهذا يتم التشجيع على ارتكاب الجرائم ، فقد أصبح إرتكابها عبادة ، ( وجهادا ) . ومن هنا يتم بسهوله إقناع الشباب بارتكاب العمليات الانتحارية على أنها جهاد ، وأن الانتحارى الذى يفجّر نفسه ليقتل الأبرياء عشوائيا سيجد سبعين من جميلات الحور العين يفتحن أحضانهن وأرجلهن له ، وبعض الروايات تبشّره بأن عضوه الذكرى الذى سينكح به هؤلاء الحور العين سيكون فى حجم جبل أُحُد ..يا للهول ..!!
4 ـ وبتبرير وتسويغ الجرائم يتنوع الكفر العقيدى ـ طبقا لما جاء فى القرآن الكريم ، الى ثلاث حالات : الإنكار ، التحريف والتزييف ، والجمع بين الانكار والتحريف . ونتعرض لها بإيجاز :
ثانيا : إنكار اليوم الآخر :
1 ـ يقول العلمانيون اليوم ما كان أقرانهم من كُفّار قريش يقولونه فى إنكار اليوم الآخر ، يقولون أنها حياة واحدة فقط نحياها ، ثم نموت كما يموت السابقون واللاحقون فى هذا الدهر:( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ ). ويردُّ عليهم ربّ العزة:( وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (24) ( الجاثية ). ويتكرر فى حديثنا العادى وحتى فى الدراما أن يقال ( إحنا بنعيش مرة واحدة ) ، وهو إنكار صريح لليوم الآخر ، وهو الحياة الخالدة الذى لا موت فيه فى الجنة أو فى الجحيم ، أو هو بالتعبير القرآنى ( الحيوان ): (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) ( العنكبوت ). ولنا هنا ثلاث ملاحظات :
2 ـ الملاحظة الأولى : أنه جاء التركيز على بداية اليوم الآخر وهو يوم البعث لأن ما يتلوه مؤسّس عليه. وحول البعث دارت تساؤلات المنكرين لليوم الآخر من العرب وقت نزول القرآن الكريم ، وكالعادة لم يقم النبى بالردّ لأنّ الذى يتولى الردّ هو رب العزّة بالوحى القرآنى . فقد إعتبروا البعث سحرا : ( وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ )( الصافات 15 ـ ). وبعضهم إعتبر البعث من أساطير الأولين ، وإتّهم بهذا ملة ابراهيم التى وصلت اليهم عن طريق آبائهم : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ). وجاء الأمر للرسول أن يقول لهم سيروا فى الأرض فانظروا كيف كانت عاقبة المجرمين : ( قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ )(النمل 67 : 69 ) . وتساءل بعضهم فى عجب وهو يُنكر البعث:كيف يبعث الله جل وعلا جثة أصبحت ترابا:( وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ). وجاءهم التهديد المباشر من رب العزة : ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )( الرعد 5 ).
وبعضهم ضرب الأمثال بعظام بشرية قد بليت فكيف ستعود اليها الحياة ، وجاء الردّ عليه من الرحمن بجملة إعتراضية مُذهلة هى : (وَنَسِيَ خَلْقَهُ ) :( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78)( يس ). أى إنه نسى أنه مخلوق الآن ولم يكن قبل ذلك شيئا مذكورا . هو مخلوق من منى وبويضة ، وتم تخليقهما من طعام أكله الأب والأم ، وتم هضمه وتمثيله ، وهذا الطعام جاء من عناصر طبيعية تكون منها النبات والحيوان ، ثم سيموت هذا الجسد ويتحلّل ويعود الى نفس العناصر الطبيعية ، وتتكرر دورة الحياة والموت والبعث فى صورة مبسّطة فى هذه الدنيا ، قبل أن يأتى البعث الأكبر باليوم الآخر . ثم أتى رب العزة بحُجّة عقلية : ( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79). أى أن الذى خلق هو القادر على أن يعيد ما خلقه ، وهو العليم بكل ما خلق . ثم يأتى رب العزّة بردّ علمى يخاطب كل مُنكر للبعث، فهو الذى يحيل النبات الأخضر الى طاقة ونار :( الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80). فالمادة الخضراء فى النبات هى طاقة متجمدة تأتى أصلا من الشمس مصدر الطاقة والحياة، وتتحول الى خشب ووقود. بل إن الفحم والبترول كانت فى الأصل غابات هائلة من الشجر الأخضر ، وبالضغط والحرارة الهائلة فى ملايين السنين تحولت الى أهم مصادر الطاقة الآن . وفى سورة الواقعة يشير رب العزّة الى أن أصل الطاقة التى نعيش عليها الآن هو شجرة : ( أَفَرَأَيْتُمْ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74) الواقعة) .وهذه التحولات فى داخل أجسادنا وحولنا من مادة الى طاقة والعكس هى عمايات متعاقبة من الخلق والبعث. وتمتد لتشمل السماوات والارض وما بينهما من نجوم ومجرات تولد وتتضخم وتنفجر وتندثر وتتحول الى أشباح أو ثقب أسود أو أبيض ليعاد خلقها من جديد ، وسبحان المبدىء المعيد . ثم يشير جل وعلا فى الاية التالية الى أنه جل وعلا هو الذى خلق السماوات والأرض وهو القادر على تدميرها وإعادة خلقها :( أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (81 )( يس ) . ووصف (الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ) هنا غاية فى الإعجاز والإيجاز ، فهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده ، وتتكرر عملية الخلق والبعث أو إعادة الخلق ، بل إن البعث اسهل عليه جل وعلا من الخلق أول مرة : ( وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) الروم 27 ).
3 ـ الملاحظة الثانية : أن الردود الالهية عن البعث وارتباطه بالخلق تحوى أحيانا بعض الحقائق العلمية ، ومنها ما تم إكتشافه كما سبقت الاشارة اليه عن الطاقة والمادة داخلنا وحولنا ، وكقوله جل وعلا يخاطب البشر جميعا عن مراحل خلق الجنين والمراحل العمرية للإنسان فى سياق التدليل على البعث : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ )( الحج 5 : 7 ).
ومنها ما لم نكتشفه بعد كقوله جل وعلا فى سورة ( ق ):( بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ )2 : 3 ) . الرد العلمى الأول هو قوله جل وعلا ( قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4) ق ) . فكل فرد يستهلك جسده قدرا محددا سلفا من الماء والاوكسجين والمعادن التى يتكون منها طعامه وشرابه وتنفسه . ثم يموت ويتحلل جسده الى عناصره الطبيعية لتعود تلك العناصر للأرض بخارا وترابا لو إختلط به الماء صار طينا . أى جاء من التراب والى التراب يعود . وبينهما فكل ( الفاقد ) من هذا وذاك وكل المستهلك وكل العائد يتم حفظه فى كتاب الاهى حفيظ ، فيه مقدار ما استهلكناه من الأرض ، من ترابها ومائها وغازاتها وأوكسجينها وثانى أوكسيد كربونها . هذا الحساب فوق طاقتنا .
أيضا فإنّ ألية البعث يوم البعث لم يكتشفها علمنا البشرى بعد ، وإن جاءت الاشارة اليه فى القرآن الكريم . ففى نفس سورة ( ق ) يقول جل وعلا يخاطبنا : ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11)ق ) . هنا يدعونا جل وعلا للنظر الى الخلق فى السماء وفى الأرض . ونزول السماء بالماء ، وحياة الأرض بالنبات ، ثم موت النبات ، ثم إعادته للحياة ، ويختم جل وعلا بقوله (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ )، أى بنفس الطريقة سيكون البعث أو الخروج من القبر ، أوالنشور:( وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (9)( فاطر ) . والبعث هو عملية عكسية للخلق (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) ( الأعراف ) ويشمل هذا إعادة خلق السماوات والأرض فى يوم القيامة (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104)( الأنبياء )، وذلك سهل ويسير على الله جل وعلا : ( مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) (28) ( لقمان ).
4 ـ الملاحظة الثالثة : إن الخطاب بالبعث جاء للبشر جميعا لأن إنكار البعث والكفر باليوم الآخر عادة سيئة لمُعظم البشر . قال ذلك قوم عاد للنبى هود عليه السلام : ( أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ )( المؤمنون 35 : 37 ). وردّد نفس القول كفرة العرب وقت نزول القرآن فقالوا مثل ما قال الأولون : ( بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ )( المؤمنون 81 : 83 ). وسيظل الكفرة يقولون هذا الكفر بالبعث الى أن تقوم الساعة . ويؤتى بهم يوم القيامة الى النار من أصحاب الشمال ، وقد وصفهم رب العزة فقال: ( وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ ). ويأتى الرد عليهم مقدما بما ينتظرهم من العذاب:( قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ) ( الواقعة 46 : 56 ) .
ثالثا : التحريف والتزييف وصناعة يوم آخر يالشفاعات
1 ـ وليمتع العاصى بعصيانه والمجرم الطاغى بطغيانه يكون الحل أحيانا ليس بالكفر الصريح باليوم الأخر ، ولكن بصناعة وصياغة يوم آخر على هوى البشر ، يزدحم بالشفاعات ، ويدخل العصاة والمتقون الجنة معا ، وهذا ما يفعله المحمديون بأساطير الشفاعة ، وما يفعله المسيحيون بأساطير الخلاص ، وكلم يتخذون شفعاء لهم من دون الله جل وعلا . وقد ردّ رب العزة عليهم فقال جل وعلا : ( أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44) الزمر ).وجعلهم بافتراءاتهم هذه أظلم الخلق :( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِوَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) يونس ). 2 ـ وليس من عدله جل وعلا أن تساوى الصالح بالطالح ، وحتى ليس هذا فى قوانين البشر التى تحاول تأسيس العدل أن يتساوى المجرم بالبرىء . يقول جل وعلا ( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) القلم ) ،( أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (18) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20) ( السجدة ) (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) ( ص )
رابعا : النوعان معا
وبعضهم ينكر اليوم الآخر ، ولكن يقول: وحتى لو كان هناك هذا اليوم الآخر فسأجد فيه النعيم مهما فعلت من عصيان . قالها الرجل صاحب الجنتين فى المثل الذى ضربه رب العزة لمن يغترُّ بالدنيا ويعبد حُطامها فيكفر بالله جل وعلا وباليوم الآخر ، ويفقد حطام الدنيا نفسه ويخسر الدنيا والآخرة معا : ( وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (37) الكهف ) وتنهى القصة وقد دمّر رب العزة جنتيه : (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (42)( الكهف ). قال عن كفره بالآخرة (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ) ، وفى نظره حتى لو كان هناك يوم آخر سيجد خيرا من جنته : (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً ). وقالها رجل من العرب ونزل الرد عليه فى القرآن الكريم : (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً (77) أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً (78) كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنْ الْعَذَابِ مَدّاً (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً (80) مريم )
وهى عادة سيئة للإنسان ، يقول رب العزة : (لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50) ( فصلت ). يقول منكرا الآخرة شاكّا فيها (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً )، وفى نظره أنه حتى لو صحّ وقوعها سيجد الجنة أو الحُسنى فى إنتظاره مهما أجرم : (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى ). ويأتي الردُّ : ( فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ) .
ودائما : صدق الله العظيم .
الباب الثانى : كفر المحمديين بيوم الدين أساس أسطورة الشفاعة
الفصل الرابع : إرادة الدنيا سبب كفر المحمديين باليوم الآخر
مقدمة : بالديمقراطية العلمانية وثقافة حقوق الانسان إستطاع الغرب تخفيف المعاناة فى الدنيا فكسب الدنيا وتمتع أبناء الغرب بالدنيا . أما المحمديون فهم فى قهر أديانهم الأرضية يعيشون فى ظل الاستبداد والفساد وشقاء الأقلية المترفة بما تكدّس لديها من اموال وصراعها الدامى فيما بينها ، وشقاء الأغلبية فى فقرها وجوعها وكونها مجال التحكم للمترفين وضحايا الحروب المذهبية ووقود نيرانها . أى أن المحمديين فقدوا الدنيا مقارنة بالغرب ، وفقدوا أيضا مثله الآخرة . وهذا الخسران العظيم لآنهم أرادوا الدنيا وكفروا بالآخرة فما أغنت عنهم دنياهم ولا أفلحوا فى آخرتهم . هذا مع أن الهدى القرآنى يوضح لهم الطريق ، ولكنهم بأديانهم الأرضية أتّخذوا القرآن مهجورا .
أولا : موقع الحياة الدنيا فى عقيدة المؤمن باليوم الآخر
1 ـ ليس مطلوبا ممّن يؤمن باليوم الآخر الزهد فى الدنيا والاعراض عن المُتع الحلال فيها . فالمتاع الحسن نعمة من رب العزة ، وهذا المتاع نزل به الأمر من رب العزة مع هبوط آدم وحواء للأرض:( وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ )(البقرة 36 )( قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ )( الأعراف 24 ). هو ( متاع الى حين ) أى طيلة مدة حياة الفرد فى هذه الأرض، أى الى أن يحين أجله بالموت للفرد وبتدمير هذا العالم فى (الأجل المسمى ):( وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى )(هود 3 ).
2 ـ ولكن المؤمن منهىُّ عن شيئين بالنسبة لهذا المتاع الحسن: ألا يحرّم هذا المتاع الحسن ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ )( الاعراف 32 ). وألّا يغترّ به لأنه مؤقت ولأنه متاع نهايته الموت الذى لا مفرّ منه وما الحياة الدنيا إلّا متاع الغرور:( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ)(آل عمران 185). فالعبرة بالآخرة،والفائز الحقيقى هو من يتزحزح عن النار ويدخل الجنة .
3 ـ المؤمن بالآخرة لا ينسى نصيبه فى الدنيا ، وفى نفس الوقت يسعى فى طلب الفوز فى الآخرة :( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) ( القصص 77 ). وأولئك المُغترُّون بالدنيا قد راهنوا على متاع زائل فرحوا به ونسوا الآخرة:( وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ ) ( الرعد 26 ). متاع الدنيا قليل ومع ذلك يغتر به المغرورن بالدنيا ، أو بالتعبير القرآنى يفرحون بها :( اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقْدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ) ( الرعد 26 ). فالفارق هائل بين متاع الدنيا الزائل وما سيأتى فى الآخرة بعذابها الخالد الذى ينتظرهم ( وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) ( القصص 60 : 61 ). لذا فإن المؤمن باليوم الآخر لا يغترّ بمواكب الظالمين وجاههم وتقلبهم فى البلاد ، فهو متاع قليل وزائل ، ومصيرهم للجحيم مقابل جنات مُعدّة للمتقين :( لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ)( آل عمران 196 : 198)
ثانيا : مقارنة بين نعيم الدنيا ونعيم الاخرة
1 ـ تكرر هذا فى القرآن الكريم إصلاحا للناس وتذكيرا لهم بالآخرة ، لأن الايمان بالآخرة والعمل من أجل الفلاح فيها هو الذى يُصلح الدنيا ويُصلح الانسان فيها ، بل و يُصلح نفسيته ، ويُقلّل من العداء والمشاكل والأزمات والحروب بين الأفراد والجماعات والدول . الايمان بأن هناك حياة وحيدة للإنسان فى هذه الأرض فى هذه الحياة الدنيا ولا حياة بعدها ولا مُساءلة بعدها يجعل البشر يتكالبون ويتصارعون ويتقاتلون على حُطام الدنيا ، ولأنه لا مُساءلة فى الآخرة ولا وجود لها فى عقيدتهم فإنه لا رادع لأى تطرف فى العدوان ، فيتسع المجال للصراع كمّا وكيفا ، ويستحل القوى أن ينهش الضعيف ، ويفقد الضعيف الأمل . أى تتحول الدنيا الى غابة تتفوق على الغابة الحيوانية . الايمان بالآخرة يخفّف من هذه النار المُستعرة . فلو آمن الناس بها فإن متاع الدنيا الزائل يصبح أقل أهمية ، كما إن الايمان بيوم الحساب يُلطّف من حدة الصراع ، ويؤمن الناس بأن لا شىء فى هذه الدنيا يستحق أن نفقد حياتنا من أجله ، ولا يستحق أن نعانى الخلود فى الجحيم فى سبيله . كما أن المطحون والمهزوم والمقهور فى هذه الدنيا يجد العزاء والسلوى والأمل فى الآخرة ، فيستريح بالا ، ويعمل على ألّا يخسر الآخرة كما يخسر الدنيا بأن يعمل صالحا ويصبر ويتسامح ويغفر أملا فى نعيم خالد فى الجنة ، وقد ضمن رب العزة جل وعلا لكل ذكر او انثى حياة طيبة لكل مؤمن يعمل عملا صالحا : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) ( النحل ). وفى النهاية فإن كل نعيم الدنيا لا يساوى لحظة فى نعيم الجنة ـ وكل عذابات البشر فى الدنيا ليست بشىء مقارنة بلحظة عذاب فى الجحيم . هذا ما يعلمه المؤمن بالآخرة ، لذا يكون وجوده فى حدّ ذاته عامل إصلاح فى قومه ومجتمعه ، يتعلمون منه قيم التسامح والعفو والكرم والإيثار وعمل الخير إبتغاء مرضاة رب العزّة جل وعلا . ولهذا يتنوع الخطاب القرآنى فى المقارنة بين نعيم الدنيا والاخرة .
2 ـ قد يأتى بإيجاز وإعجاز كقوله جل وعلا:( نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ )( لقمان 24 ) ( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ )( الانعام 32 ) ( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) ( العنكبوت 64 ).
3 ـ وقد يأتى بضرب الأمثال بما يحدث للنبات كقوله جل وعلا : ( وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا ) ، ثم تأتى العظة بأن المال والبنون مجرد زينة فى هذه الحيالة الدنيا ، وهى زينة زائلة ، أما الأصل الباقى والدائم فهو العمل الصالح الذى يصلح به صاحبه لنعيم الجنة: ( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا ) ( الكهف 45 : 46 ).
4 ـ وكقوله جل وعلا : ( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ). وطالما أن هذه الدنيا هى متاع الغرور ويليها عذاب أو مغفرة ورضوان فإنّ الذى ينبغى أن يكون التسابق ليس فى سبيل هذا المتاع الزائل ولكن فى سبيل الجنة بالعمل الصالح والإيمان الخالص : ( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ). وحتى تستريح نفسية المؤمن ويهدأ باله فإن رب العزة يقول له إن كل ما يصيب الانسان من حتميات من خير أو شرّ قد تم تقريرها سلفا ومكتوبة من قبل ، ولهذا لا ينبغى أن يحزن أو أن يبالغ فى الفرح لما يحدث له من مصائب :( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) ( الحديد 20 : ـ ).
5 ـ وقد تأتى المقارنة بصورة تقريرية بأن الناس قد زُيّن لهم حب الشهوات الدنيوية وأصنافها ولكن الأفضل هو متاع المتقين فى الجنة :( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) ( آل عمران 14 : 15 ).
6 ـ وقد تأتى المقارنة بحكاية قصة مثل قصة قارون ، وموقف المنبهرين بموكبه وأمواله : ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ ) ، ثم خسف الأرض به وتغير موقف المنبهرين بموكبه : ( فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)). ثم تأتى العظة فى أن الفوز بالآخرة هو عاقبة الذين لا يريدون علوا فى الأرض ولا فسادا : (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) القصص ).
رابعا : إرادة الدنيا وإرادة الآخرة
1 ـ يتوقف الأمر على إرادة الفرد. هل يريد الدنيا أو الآخرة . إن أراد الدنيا فلن يفوز منها إلّا بالرزق المُقدّر له سلفا سواء كان غنيا أو فقيرا ، ثم سيصلى الجحيم يوم القيامة . أما إن أراد الآخرة وسعى لها سعيها بالعمل الصالح وهو مؤمن فسيأخذ رزقه الدنيوى المقدر له سلفا وسيتنعم أيضا بالجنة فى الآخرة :( مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ) ( الاسراء 18 : 21 ) .
2 ـ وقد يعمل مريد الدنيا عملا صالحا يبتغى به رضا الناس والجاه بينهم والمراءاة وحُسن الشُّهرة . وهذا يؤتيه رب العزة نصيبه فى الدنيا ويُجزيه خيرا بخيره فى الدنيا فقط ، أى يتمتع فى الدنيا جزاء عمله الصالح فيها ، ولكن لا نصيب له فى الآخرة ، إذ يحبط عمله الصالح الذى كان فى سبيل الدنيا بفناء الدنيا ، ولا يبقى له سوى عمله السىء الذى يستحقّ به الخلود فى الجحيم : ( مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) ( هود 15 : 16 )
خامسا أغلب البشر يؤثرون الدنيا على الآخرة
1 ـ ومع ذلك فإنّ أغلب البشر قد تزينت الدنيا أمام عيونهم فأصبح هذا من سمات الكفر: ( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) البقرة 212 )، وهم يؤثرون الدنيا الفانية على الآخرة الخالدة الباقية : ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى )( الأعلى 16 : 17 )، يقعون فى هيام الدنيا و( غرامها )، وفى سبيلها يضحُّون بالآخرة : (كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ )( القيامة 20 : 21 ). يحبون الدنيا العاجلة وينسون يوما ثقيلا هو اليوم الآخر :( إِنَّ هَؤُلاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْمًا ثَقِيلا ) ( الانسان 27 ) . وفى سبيل هذه الدنيا يُعرضون عن الحق القرآنى :( فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) ( النجم 29 : 30 ) . أى يكفرون باليوم الآخر حُبا منهم فى هذه الدنيا . بل يصل بهم الكفر الى الطغيان ، ومصيره الجحيم : ( فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ) ( النازعات 37 : 39 )
2 ـ واستحباب الدنيا يصل الى إنكار البعث والصد عن سبيل الله جل وعلا ، وأولئك ينتظرهم عذا شديد لو ماتوا بكفرهم :( وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ )( ابراهيم2 : 3 ).
3 ـ وعبادتهم للدنيا وغرورهم بها يجعلهم يتصورون الاخرة يوما للشفاعات . وهذا ما حذّر منه ربّ العزة فقال : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )( لقمان 33 : 34 ) .
4 ـ ومن صفات الشيطان انه ( الغرور ) وهو نفس صفة الدنيا . والشيطان يقوم بإغراء الانسان وخداعه ليغتر بزخرف الدنيا وينسى الآخرة ويفقد مستقبله فيها بالخلود فى النار . لذا قال جل وعلا يحذّر من غرور الدنيا ومن غرور الشيطان معا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ )( فاطر 5 : 6 ).
سادسا : من يريد الدنيا يعانى من عذاب فى الدنيا وعذاب فى الآخرة أيضا
1 ـ فى مقابل متاع قليل فى الدنيا فإن من يريد الآخرة يعانى من عذاب شديد فيها ، ثم إذا مات على كفره عانى من عذاب خالد فى الجحيم ، يقول جل وعلا : ( فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ )( آل عمران 56 ). يرتبط عذابه فى الدنيا بصراعه مع منافسيه فى سبيلها . لهذا الصراع آثار جانبية من المعاناة والقلق . هو إن خسر فى الصراع ضاع ، وإن إنتصر فلن يهنأ بانتصاره لأن الصراع مستمر حتى الخسارة أو الموت . وبهذه المعاناة وذلك القلق لا يهدأ له بال ، ولا يعرف الاستمتاع بما لديه من مال وأولاد ، بل يكون ماله وأولاده سبب شقائه . فلا يجد وقتا للتواصل والسعادة مع بيته وأولاده ، وينشأ أولاده غرباء عنه بسبب إتشغاله عنهم ، فلا يجدون مجالا لملء فراغهم العاطفى إلا بإساءة أستخدام الأموال المتوافرة فى أيديهم ، وهو لكى يعوّض إنشغاله عنهم يُغدق عليهم الأموال ، ويعطيهم بجاهه النفوذ والحصانة من العقاب ، فينطلق الأبناء فى الانحلال والفساد والإدمان . وهذا يحدث فى الطبقة المترفة التى هى علامة شؤم فى أى مجتمع تتحكّم فيه ، وتأخذه الى طريق التدمير. 2 ـ ولهذا فلا ينبغى للمؤمن بالآخرة أن ينبهر إعجابا بمواكب المترفين ممّن يسير على سُنّة قارون ، فخلف هذه المواكب معاناة وقلق . ولقد قال جل وعلا لخاتم المرسلين : ( فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) ( وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) (التوبة 55 ، 85 ).
2 ـ وعذاب الآخرة ينتظر من يريد الدنيا بلا تخفيف : ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ )( البقرة 86 ). وفى هذا العذاب يجأر المترفون الذين غمرتهم الدنيا فانهمكوا فى العصيان وكذبوا بالقرآن : ( بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لا تُنصَرُونَ قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ ) ( المؤمنون 63 : 66 ) . لقد كذّبوا بآيات القرآن ونسوا لقاء الله جل وعلا فنسيهم الله من رحمته فهم خالدون فى النار : ( وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ )( الجاثية 34 : 35 ) .إتّخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا وجحدا بآيات الله: ( الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) ( الأعراف 51 ). غرتهم الحياة الدنيا وإنخدعوا بها ، ومن أجلها كذبوا بآيات الله وكفروا بلقاء الله ، وهذا ما سيقال لهم وهم فى جهنم : (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا ) (الانعام 130 ). ( وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ ) ( الاحقاف 20 ).
3 ـ وأفظع الناس عذابا يوم القيامة هم أئمة الأديان الأرضية الذين يفترون على الله الكذب بأحاديث تراثية ضالة ويشترون بآيات الله ثمنا قليلا إنحيازا منهم للدنيا وكفرا منهم باليوم الآخر . يقول جل وعلا عنهم : ( قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ )( يونس 69 : 70 )( إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ( النحل 116 : 117 ). ويقول جل وعلا عنهم : ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ) ( البقرة 1ذ74 / 175 )
أخيرا : نعيم الدنيا للمؤمن
1 ـ تخيل ثريا يسكن قصرا فخيما يرتع فى الأضواء ، ويعجّ بالمواكب والولائم والأفراح ، ويعمل فيه بستانى فقير مؤمن بالله جل وعلا وباليوم الآخر . تخيب ما يحدث لهما فى هدأة الليل بعد إنفضاض المواكب والموائد . البستانى الفقير ينام هادىء البال سعيدا فليس مطلوبا وليس مُطاردا وليس فى صراع مع أحد ، ولا يخشى أحدا لأن الله جل وعلا ضمن له رزقه ، وهو يسعى فى طلب هذا الرزق بعمله المخلص ، وهو مستعد للموت فى أى لحظة ، وليس لديه ما يخاف عليه ، وهو لم يظلم أحدا ليعيش فى خوف من إنتقامه . أما صاحب القصر المنيف فهو ينام عل الحبوب المنومة ويصحو على الحبوب المهدئة ، لا يحسّ بمتعة الطعام الفاخر لإنشغاله بصراعاته وهمومه وتحالفاته ومكر الصديق وغدر العدو ويخشى تقلبات الأيام و مكر الأعداء والأصدقاء و ( الأعدقاء ). الكل يتنمّر به ويتآمر عليه ، يبتسم له وهو يحقد عليه ، أو هو هكذا يتخيل ويتصوّر . لا يمكن لهذا الثرى بكل ثروته وجاهه أن يعيش حياة راضية مطمئنة سعيدة هانئة ، فهو لا يأمن الخسارة وضياع كل شىء ، وجسده المترف لا يتحمل الفقر والسجن . والذين تغلب عليهم والذين صعد سُلّم الثروة والجاه على أجسادهم لهم أنصار سينتقمون منه ، وحتى لو لم يكن لهم أنصار فهناك من أتباعه من هم على إستعداد لبيعه والتضحية به وخيانته عند أول صفقة ، أو هو يتخيل ذلك . أى يعيش فى كوابيس تطارده . ووساوسه وضحاياه تمنعه النوم ، ويظل يتقلب على هذه الأشواك فى يقظته ومنامه . ويظل يخرج من معركة ليدخل أخرى حتى يفاجأ بغتة بالموت فيصرخ ـ دون جدوى ـ باسم ربه الذى نساه يقول (رب ) ويرجو ملائكة الموت إمهاله فترة قصيرة يعمل فيها عملا صالحا ( أرجعون لعلى أعمل صالحا ) . ولكن ( انتهى الدرس يا غبى ) . يقول جل وعلا : (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) ( المؤمنون ).
2 ـ صاحبنا البستانى الفقير المؤمن بالله جل وعلا وباليوم الآخر يتمتع باللقمة التى يأكلها ، ويتمتع بلقائه الجنسى بزوجته التى تكفيه عن نساء الدنيا ، ويتمتع بالوقت الذى يقضيه مع زوجته وأولاده . يعيش متعة يحمد عليها ربه جل وعلا . هو يعمل صالحا ما إستطاع ، وهو على صلة بربه جل وعلا آناء الليل وأطراف النهار يدعوه خوفا وطمعا فى صلاته ونسكه وعباداته فيزداد قلبه إطمئنانا . صاحبنا هذا ينطبق عليه قوله جل وعلا :( لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ) ( النحل 30 ) ( قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ) ( الزمر 10 ) .
ودائما : صدق الله العظيم .
الباب الثانى : كفر المحمديين بيوم الدين أساس أسطورة الشفاعة
الفصل الخامس : الصحابة وإرادة الدنيا والكفر بالآخرة
اولا : لمحة عن الصحابة قبل وبعد موت النبى
1 ـ كل ماسبق فى الفصل السابق عن إرادة الدنيا والتحذير منها خوطب به الصحابة أولا ، ثم من أتى ويأتى بعدهم . ونتوقف هنا مع بعض الآيات القرآنية التى تشير خصوصا للصحابة فى موضوع إرادة الدنيا .
2 ـ والصاحب فى مصطلحات القرآن هو الذى يصحب صاحبه فى الزمان والمكان ، أى يكون معه فى نفس الزمان والمكان سواء كان صديقا له أم عدوا له . وبالتالى فكلامنا عن الصحابة يشمل أهل مكة والمدينة وبقية العرب الذين كانت لهم علاقة بالنبى محمد عليه السلام ـ سواء من كان منهم كافرا ومات على كفره ، أو من كان منافقا ، أو من دخل فى الاسلام بعد فتح مكة ،أو من الأعراب . وكل أولئك جاء لهم ذكر فى القرآن الكريم عن تفاعلهم مع النبى والاسلام بالايجاب أو بالسلب . ومنه نتعرف على سبب الانقلاب الهائل الذى دفعهم بعد موت النبى الى ( الفتوحات ) قتالا فى سبيل الدنيا وليس فى سبيل الله جل وعلا ، فالسبب هو إرادة الدنيا وتفضيلها على الآخرة .
3 ـ كانت إرادة الدنيا كامنة أو ظاهرة فى الصحابة الذين نطلق عليهم ( صحابة الفتوحات ) الذين تصدروا القيادة بعد موت النبى عليه السلام ، ووقعوا فى جريمة (الفتوحات ) التى قتلوا فيها مئات الألوف وقهروا شعوبا وسلبوهم واسترقوهم واحتلوا بلادهم وقتلوا الأحرار المدافعين عن أوطانهم ، كل ذلك حُبا فى الدنيا وكُفرا بالآخرة وإستهانة بيوم الحساب أمام الواحد القهّار . ولو كان هناك أدنى إعتبار للموقف العظيم أمام رب العالمين فى يوم الدين ما وقعوا فى هذا الكُفر السلوكى بتشريعات رب العزة فى القرآن التى تحصر القتال فى رد العدوان فقط ، وتُحرّم الاعتداء على الآخرين :( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) البقرة ) ، وتجعل الذى يقتل متعمدا فردا واحدا مسالما مأمون الجانب مستحقا للعنة الله جل وعلا وغضبه والخلود فى جهنم (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً (93) النساء ) ، فكيف بمن يقتل ( فى سبيل الدنيا وتمسُّحا بالاسلام ) مئات الألاف من أهل الشام والعراق وفارس ومصر خلال الفتوحات فى عصر أبى بكر وعمر وعثمان ؟ ثم يتنازعون على المال السُّحت المنهوب فتندلع بينهم الفتنة الكبرى فى الجمل وصفين والنهروان ، ويقتلون عشرات الألوف من داخلهم ، حدث هذا خلال ثلاث عقود فقط بعد موت النبى عليه السلام وإنتهاء القرآن نزولا . كيف حدث هذا من صحابة كانوا يعايشون النبى عليه السلام ويشهدون نزول القرآن عليه ويشهدون تطبيق النبى عليه السلام وسنّته الحقيقية فى تطبيق شرع الله جل وعلا فى القرآن الكريم ؟
4 ـ يخطىء من يتصور الصحابة نمطا واحدا متساوين فى الطاعة أو فى المعصية . بل كان منهم السابقون ومن خلط عملا صالحا وسيئا ، ومنهم أنواع مختلفة من المنافقين الصُّرحاء ومنهم من مرد على النفاق ، ومنهم كان فى قلبه مرض ، ومنهم الموصوف بالخيانة وموالاة الأعداء . وهذا كله جاء فى القرآن تعليقا على مواقفهم .
ويخطىء من يتصور الصحابة قد تفرغوا لدراسة القرآن حول النبى وأنهم فهموا آياته واستوعبوها وطبقوها ؟ لوحدث هذا ما تزايدت آيات التوبيخ والتأنيب للصحابة فى السنوات الأخيرة فى حياة النبى عليه السلام ، أى كان العصيان والتمرد يزداد بين المنافقين وغيرهم بمرور السنوات ويتزايد التعليق عليه فى القرآن الكريم من بعد معركة ( أحد ) فى سورة آل عمران الى غزوة الأحزاب فى سورة الأحزاب الى أن نصل الى قمة التمرد الذى نلاحظه فيهم طبقا لما جاء فى سورة التوبة قبيل موت النبى عليه السلام .
ثم إنّ ظروف تأسيس الدولة الاسلامية فى عهد النبى كانت إستثنائية. كانت جزيرة للديمقراطية والعدل وسط ثقافة إستبدادية ظالمة سائدة معادية لها داخل وخارج الجزيرة العربية . ثم هى دولة تواجه أعداءا فى داخلها ( المنافقون ) وعلى حدودها ( اليهود ) وعلى تخومها الأعراب والمشركون ، ثم مع ذلك كانت تفتح ذراعيها لاستقبال من ينضم اليها من معسكر الأعداء يزعم انه ( مسلم ) . مع هذا الحصار والخطر المُحيق بها فلم تعرف تلك الدولة الأحكام العُرفية والاجراءات الإستثنائية التى تُصادر حرية المعارضة فى القول وفى التظاهر السلمى، بل كان المنافقون والمنافقات يجوبون شوارع المدينة يأمرون بالمنكر وينهون عن المعرف مقابل نشاط آخر للمؤمنين والمؤمنات يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر( التوبة 67 ، 71 ) . هذا المناخ المتفاعل بالحركة والحرب الدفاعية ومواجهة المكائد ونزول الوحى القرآنى لم يُعط مجالا هادئا لكى ينتظم كل الصحابة فى دروس قرآنية ، مع إفتراض أنهم جميعا كانوا من السابقين فى الاسلام . ولم يكونوا كلهم كذلك . هذا كان حال الصحابة إجمالا فى حُبّ الدنيا ، فكيف كان حال النبى نفسه ؟
ثانيا : نهى النبى عن ارادة الدنيا
1 ـ كان مثل كل البشر يمُدُّ عينيه إعجابا بالثروة. حدث هذا فى مكة فنزل عليه التنبيه :( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) طه 131 ). تفاعل هذا الاعجاب بالثروة مع حرص النبى عليه السلام على هداية أصحاب الثروة أملا فى أن ينتصر بهم الاسلام . وهو أمل خادع لأن الذى يكسب ثروته بالظلم يحافظ عليها حرصا على مكانته الاجتماعية وعلى أُسس مجتمعه الذى يتنفس الظلم ، أى لا بد لهذا الثرى الظالم أن يتخذ موقفا معاديا للاسلام ودعوته للقسط . وهذا لا يمنع أن يحاول المُداهنة والخداع ، وهذا ما كان الملأ القريشى يفعله مع النبى فى مكة ، ويشجعهم عليه إعجاب النبى بثرواتهم. وهذا الاعجاب بالثرة والحرص على هداية الأثرياء إنعكس بدوره على معاملة النبى للفقراء المُستضعفين من أصحابه المؤمنين ، فكان يتأفّف منهم حرصا على إرضاء الملأ المترف المستكبر من قريش، فقال رب العزة للنبى يؤنّبه:( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) ( الكهف 28 ). كلمة (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ ) تعنى الكثير مثلها مثل كلمة (وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ). والسبب هو (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )، ومن أجل هذا كان يطيع هذا الملأ القرشى فجاءه التأنيب والزجر والنهى (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا )
2 ـ ومع هذا إستمر النبى فى المدينة على إعجابة بالثروة.!. وكانت الثروة فى أيدى المنافقين ، فنزل النهى له مرتين فى سورة التوبة قبيل موته ، النهى عن إعجابه بأموال المنافقين وأولادهم :( فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) ( وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) التوبة 55 ، 85 ).
3 ـ وإذا كان هذا هو حال النبى نفسه باعتباره بشرا فكيف بالصحابة ؟
ثالثا : الملأ القرشى وإرادة الدنيا
1 ـ تزعّم الملأ القرشى أهل النبى ( بنو عبد مناف : الهاشميون والأمويون )، وقد كانوا المسيطرين على البيت الحرام ورعاية الحج وعلى رحلة الشتاء والصيف والايلاف . معظمهم آثر تكذيب القرآن حرصا على مصالحه الدنيوية الاقتصادية فقال جل وعلا لهم :( أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ )(الواقعة 81 : 82 ).أى كانوا يجعلون رزقهم فى تكذيب القرآن الكريم . هذا مع انهم إعترفوا بأنه (هُدى) ولكنهم زعموا انهم لوإتّبعوا هذا الهدى فستحاربهم العرب ( وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا )( القصص 57 ).
وهذا يذكّرنى بإمام كبير من السنيين فى مصر . أقرأه إبنه ما جاء فى البخارى من طعن فى النبى ورب العزة والقرآن والاسلام ، فذهل الرجل ، ومن المفترض فيه أنه كان دارسا للبخارى ، ولكن كعادة الإئمة فى عصرنا البائس كان يكتفى بأن يُرصّع مكتبته بكتب التراث دون أن يقرأ شيئا منها مثل الحمار الذى يحمل اسفارا ( الجمعة 5 ) . فلما أخذ إبنه نسخة البخارى من مكتبة أبيه وأطلعه على ما فيها ، واسترشد بكتابى ( القرآن وكفى ) ذُهل الرجل ، وإستعطف إبنه وترجّاه ألّا يذيع هذا الأمر ، وألّا يتحدث فيه فى خطبة الجمعة بين الناس لأن الناس ( بقر ) وقد يقتلونه ويقتلون أباه ، أى لو أذاع الحق فسيتخطّفه الناس !. الشيطان لم ولن يقدّم إستقالته .!
2 ـ وهذا الملأ القرشى فى حربه للنبى والمسلمين فى المدينة كان يتمتع بولاء الكثيرين من الصحابة المهاجرين فى المدينة ، وبسبب هذه الموالاة مع المشركين القرشيين المعتدين نزل القرآن يؤنب مؤمنى الصحابة المهاجرين ، وتكرر هذا التأنيب من بداية إقامتهم فى المدينة كما جاء فى سورة الممتحنة الى قبيل موت النبى فى سورة التوبة. وهذا الملأ القرشى دخل فى الاسلام قبيل موت النبى ، وتزعم المهاجرين وقاد المسلمين فى الفتوحات تطبيقا لإيثاره الدنيا على الاخرة.
3 ـ وعموم المؤمنين كانوا ينشغلون بالدنيا والتجارة عن حضور صلاة الجمعة ، بل يتركون النبى عليه السلام قائما يخطب إذا جاءهم نبأ وصول قافلة تجارية ( الجمعة 9 : 11 ) .
4 ـ وداخل بيت النبى نفسه كانت أزواجه يتطلعن الى زينة الدنيا فنزل تخييرهن بين الطلاق النهائى أو إرادة الآخرة:( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ) (الاحزاب 28 : ـ ).
رابعا : الجهاد بالنفس والمال فى سبيل الله جل وعلا هو الميزان والمقياس
1 ـ مُريد الدنيا يحرص على ماله وعلى حياته . أما مريد الآخرة فهو يضحى بماله وحياته فى سبيل الله جل وعلا . ولهذا فقد عقد ربّ العزة مع المؤمنين صفقة بأن لهم الجنة والنصر مقابل أن يجاهدوا فى سبيله فى هذه الدنيا ( الصف 10 : 13 ) ( التوبة 111 ). وكان إختبار الجهاد بالنفس وبالمال فى سبيل الله جل وعلا هو الميزان والمقياس إذ يعنى أن تبيع الدنيا فى سبيل الآخرة وأجرها العظيم :( فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا )( النساء 74 ). ومثلا ، فالذى يريد الدنيا يستأذن النبى معتذرا عن عدم الجهاد بالنفس والمال بينما يسارع الى الجهاد ذلك الذى يبيع الدنيا أملا فى جنّة الآخرة: ( لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ) ( التوبة 44 : 45 ).
2 ـ وفى هذا الاختبار رسب المنافقون إذ تقاعسوا عن الجهاد بالنفس والمال ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف من ضعاف النساء والرجال والولدان:( التوبة 81 ، 87 ، 93 ) وكان بُخلهم شديدا . كانوا لا يكتفون بالامتناع عن الانفاق فى سبيل الله:( المنافقون 7: 8 ) ( التوبة 67 ) بل كانوا أيضا مع ثرائهم يطمعون فيما ليس من حقهم من فىء وصدقات (الحشر 7 : ـ ) ( التوبة 58 : 60 ) .
3 ـ موقف معظم المؤمنين من الصحابة كان مماثلا تقريبا فى إيثار الدنيا . كرهوا تشريع القتال حُبا فى الحياة الدنيا فقال لهم جل وعلا ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216) ) ( البقرة )، وطلبوا تأجيل تنفيذ القتال الدفاعى حرصا أيضا على حياتهم الدنيا وخوفا من الموت ، فقال جل وعلا عنهم : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ )، وجاء الردّ عليهم ( قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً )( النساء 77 ).
4 ـ وفى موقعة بدر كانوا يأملون فى الفوز بالقافلة بدون قتال ، فلما تحتم عليهم مواجهة الجيش القرشى إرتعبوا خوفا وجادلوا النبى فى الحق الذى تبين وكانوا كأنما يُساقون الى الموت وهم ينظرون ( الانفال 5 : 8 )، ثم تشاجروا على ( الأنفال ) أو الغنائم فنزلت سورة الأنفال تأمرهم بتقوى الله جل وعلا إن كانوا فعلا مؤمنين ( الأنفال 1 ) نما يُساقون الى الموت وهم ينظرون
. وأخذوا الفدية المالية مقابل إطلاق سراح الأسرى فنزل التأنيب الشديد لهم لأنهم أخذوا هذا المال من الأسرى، وكان يجب إطلاق سراحهم مجّانا ، وفى هذا يقول جل وعلا : ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ). ويأمر رب العزة النبى أن يقول للأسرى وعده جل وعلا بتعويضهم عمّا أُخذ منهم ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )( الأنفال 76 : ـ ). وفى نفس السورة تحذيرات واتهامات للمؤمنين المهاجرين وقتها سببها إيثارهم للدنيا : ( الانفال 24 : 29 )
5 ـ مع هذا فلم ينقطع إيثار الدنيا من قلوبهم فكانوا كما وصفهم رب العزة فى القتال فى موقعة (أُحُد ) فريقين : فريق يريد الدنيا وفريق يريد الآخرة، وتسبّب فريق الدنيا فى الهزيمة بعد النصر لأنه سارع للغنائم :( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ) ( آل عمران 152 ). ونزل تحريم المبادرة بقتل من يستسلم من جنود العدو فى أرض المعركة ، وأنه بمجرد أن يومىء بالسلام فلا بد من حقن دمه . وهذا لأن بعض المؤمنين كان يسارع بالقتل طمعا فى ( عرض الدنيا ) أى سلب ما على القتيل بينما كان يسارع الأسير بالاشارة بالسلام لينجو من القتل : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) ( النساء 94 ).
6 ـ وظل التثاقل عن القتال الى اواخر ما نزل من القرآن ، ففى سورة التوبة يتكرر الأمر لهم بالقتال الدفاعى فى كل الظروف حماية لأنفسهم من خطر الإستئصال ( انفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) ( التوبة 41 ). ومع هذا يتثاقلون فينزل التأنيب لهم بأسلوب حاد مؤلم : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ). ويأتيهم تهديد مباشر من رب العزة بأن يعذبهم فى الدنيا وأن يستبدل بهم غيرهم إن لم ينفروا بالقتال دفاعا عن انفسهم:( إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ( التوبة 38 : 39 ).
7 ـ والتبرع بالمال جهادا كان إختبارا آخر فشل فيه أغلبية الصحابة برغم عشرات الآيات القرآنية التى كانت تدعو للإنفاق فى سبيل الله . يكفى هنا أن هذا الانفاق كان سبيلا لإنقاذهم من التهلكة :( وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) البقرة 195 ) . كانت الحرب الدفاعية الوقائية سبيلهم لتفادى الاستئصال من أعداء يحيطون بهم من كل الجهات . وهذه الحرب تستلزم إنفاقا فى سبيل الله جل وعلا . وقد جاءهم الوعظ بالانفاق فى سبيل الله لتقوى الدولة على الصمود الحربى فى مواجهة أعدائها المحيطين بها :( إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ ) ثم يقول جل وعلا لهم مذكّرا لهم بما إعتادوه من بُخل ، ومهددا لهم بأن يستبدل قوما غيرهم لو ظلوا على بُخلهم وإيثارهم للدنيا وكفرهم بالآخرة :( هَاأَنتُمْ هَؤُلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) ( محمد 36 : 38 ). وهو نفس التهديد الذى جاء لهم بسبب تقاعسهم عن القتال الدفاعى : ( إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )( التوبة : 39 ). ولكن أكثرية المؤمنين خصوصا الأغنياء منهم لم يكتفوا بالبُخل بل جعلوا أولوياتهم فى الحفاظ على مصالحهم التجارية وعلاقاتهم مع أقاربهم الكافرين، واستمر هذا حتى قبيل موت النبى عليه السلام ، فأمر الله جل وعلا رسوله الكريم أن يقول لهم مهددا:( قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ )( التوبة 24 ).أى يصفهم بالفاسقين لو إستمروا. ولقد إستمروا بعد موت النبى فكانت الفتوحات فى سبيل الدنيا .
خامسا : السابقون مريدو الآخرة :
1 ـ جاءت عنهم إشارات قليلة ، ففى البداية كان أغلبية المهاجرين فى المدينة قد أصبحوا فقراء لأنهم تركوا أموالهم فى مكة، ووجدوا من مؤمنى الأنصار من كان يؤثرهم على نفسه:( لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ).
2 ـ وفى أواخر ما نزل كان الفقراء المؤمنون لا يجدون إلا جهدهم فيتبرعون بالقليل الذى يملكون فيسخر منهم أثرياء المنافقين :( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )( التوبة 79 ). وبعضهم كان يبكى لأنه لا يجد ناقة يركبها ليقاتل بها مع النبى :( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ (92) ( التوبة ).
3 ـ وفى النهاية كان مع النبى مؤمنون صادقون جاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله فاستحقوا أن يقول عنهم رب العزة : ( لَكِنْ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89)التوبة).
سادسا : بعد موت النبى
1 ـ العادة أن يكون المؤمنون أقلية . الأغلبية ضالة كما قال رب العزة عن قوم النبى عموما : ( وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) الانعام ) لكن هذا لا يمنع وجود أقلية مؤمنة أشرنا اليها بين المهاجرين والأنصار . وبنفس الاسلوب يقول جل وعلا عن عموم الأعراب : ( الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ). وهذا التعميم لا يمنع وجود أقلية إعرابية مؤمنة : ( وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )( التوبة 97 : 99 )
2 ـ هذه الأغلبية من الصحابة التى كانت تريد الدنيا إستراحت بموت النبى وإنتهاء الوحى نزولا ، وكان فى حياة النبى ينزل يفضحهم ويؤنبهم . ومن المُستغرب أن ينقطع الحديث فجأة عن المنافقين الذين كان يبدو من حديث القرآن عنهم وعن مكائدهم أنهم كانوا أغلبية فى المدينة . يبدو الأمر كما لو كانوا قد تابوا فجأة عن النفاق بعد موت النبى . وهذا إفتراض مضحك . الواقع إنهم بكثرتهم وأموالهم ونفوذهم قد أصبحوا القادة بعد إنقطاع الوحى القرآنى فلم يعودوا يخشون منه . يقول جل وعلا عن حذرهم من نزول القرآن بفضائحهم : ( يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) ( التوبة ). بعد موت النبى وإنتهاء القرآن نزولا لم يعودوا يحذرون فاستثمروا أموالهم وجاههم وخبرتهم فى التآمر فى أن يكونوا قادة المؤمنين بعد موت النبى عليه السلام .
3 ـ العامل الأكبر فى نجاحهم تمثّل فى ( الخلايا النائمة ) للمنافقين من المهاجرين والأنصار . هى خلايا نائمة مردت على النفاق وكتمته فى أعماق قلوبها ، وعاشت بقرب النبى وحوله بلا أى مظهر يفضحها ويكشف نقاقها وعداءها ، فكان النبى لا يعلمهم ، وقد قال رب العزة عنهم : ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) التوبة ). توعدهم رب العزة بعقوبة فريدة فى نوعها ؛ توعدهم بعذاب مرتين فى الدنيا بعد موت النبى ثم بعذاب عظيم فى الآخرة ، أى أنهم لن يتوبوا بل سيتضاعف مكرهم بعد موت النبى .
4 ـ وقد تضاعف مكرهم بالفتوحات التى كانت المستنقع الذى غرق فيه المسلمون ولا يزالون . ففى هذا المستنقع نبتت الأديان الأرضية للمحمديين التى تشرّع القتال فى سبيل الدنيا أى فى سبيل الشيطان .
5 ـ فالقتال إن لم يكن فى دفاعيا فى سبيل الله فهو كُفر بالآخرة وقتال فى سبيل الدنيا وفى سبيل الطاغوت . وصدق الله العظيم :( الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً (76)( النساء )
ودائما : صدق الله العظيم .
الباب الثالث : صناعة أساطير الشفاعة
الباب الثالث : صناعة أساطير الشفاعة
الفصل الأول : المحمديون بالاسرائيليات متمسكون
أولا : لم يكن للشفاعة ذكر فى عصر الخلفاء الراشدين والأمويين
1 ـ دخل صحابة الفتوحات فى الكُفر السلوكى بالله جل وعلا وباليوم الآخر بارتكابهم جريمة الفتوحات ، ثم قام العصر العباسى فيما بعد بتشريع هذا الكفر السلوكى وتسويغه بالأحاديث التى توجب قتال الناس جميعا حتى يقولوا لا اله الا الله ، والتى تبرّر العصيان وتحصّنه من عذاب الجحيم بتأليف أساطير تُعطى النبى محمدا قوة الشفاعة التى يستطيع بها إدخال المسلمين الجنة بل وأن يُخرج من النار من كان فى قلبه ذرة إيمان . ثم أدخلوا فى قائمة الشفعاء الأولياء الصوفية وأئمة السنيين وآل البيت عند الشيعة بحيث جعلوا رب العزة لا يملك شيئا يوم الدين .
2 ـ وخلال عصر الخلفاء الراشدين والأمويين إنشغل العرب بالسياسة والحرب ( الفتوحات والحروب الأهلية فيما بينهم ) مع تعصبهم ضد أهل الكتاب عُنصريا ودينيا . وجاء العباسيون بمساعدة الفُرس والموالى فكانوا أكثر تسامحا وأقل تعصبا ممّن سبقهم من الخلفاء ، كما شهد عصرهم إنتهاء الفتوحات الخارجية والالتفات فى الداخل نحو النواحى العلمية والثقافية بالتدوين والانفتاح والتفاعل مع المدارس العلمية الفلسفية فى الاسكندرية والرها وانطاكية وحرّان حيث الفلسفات اليونانية والهلّينية والشرقية وإمتزاجها بالمسيحية . وبدأ مع العصر العباسى ترجمة هذا التراث ( الأجنبى ) للعربية والتفاعل معه والتأثر به ، مع دخول أبناء أهل الكتاب فى الاسلام ، ومعهم جيل من مثقفى أبناء وأحفاد الموالى الذين كانوا من قبل رقيق الفتوحات فى عصرى الراشدين والأمويين .
3 ـ هؤلاء المسلمون الجُدُد أدخلوا ثقافتهم الدينية ومعتقداتهم فى شفاعة البشر فى الحياة الدينية للعصر العباسى الذى شهد ولادة وتدوين الديانات الأرضية للمسلمين وتحويلهم الى ( محمديين ) يؤلهون محمدا نفس مضمون التأليه الذى كان للمسيح ، ويؤلهون الأئمة بنفس التأليه الذى كان للأحبار والرهبان . ومن عناصر هذا التأليه : الشفاعة. كان هذا تجسيدا للتاثر بالتراث والتراكم المسيحى واليهودى والمجوسى والفرعونى المصرى لدى السُّكان الذين دخلوا الاسلام بنفس المتوارث لديهم ، ولكن مع تغير فى الأسماء والشخصيات واللغة المنطوقة . وتم صياغة هذا التدين باللغة العربية فى صورة أحاديث نبوية و قدسية مزورة منسوبة للنبى محمد بعد موته بقرنين وأكثر . ولأنها تعبر عن الثقافة الشعبية الكامنة و السائدة فقد كان سهلا إنتشارها ، خصوصا وهى تمنح الناس بالشفاعة أملهم فى الدخول فى الجنة مع إستمرارهم فى الفسوق والعصيان .
4 ـ أى تحول ( المسيحيون ) الى ( محمديين ). تركوا (أمة المسيح ) وعبادة ( المسيح ) إلى (أمة محمد ) وعبادة ( محمد ) رغم أنف ( محمد ). أى إنتقلوا من جيب الشيطان الأيسر الى جيبه الأيمن .
5 ـ وفى هذا كله إتّخذوا القرآن مهجورا . وهذا يستلزم الرجوع للقرآن الكريم لنعرف موقف أكثرية أهل الكتاب الضالين المغضوب عليهم المعاصرين للنبى محمد عليه السلام فى موضوع الشفاعة .
أولا : المحمديون بالاسرائيليات متمسكون
1 ـ أهل الكتاب فى عهد النبى عليه السلام كانوا من حيث الهداية والضلال ثلاثة أنواع : مؤمنون سابقون :( آل عمران 113 ـ ، 199)( النساء 162 ) ( المائدة 83 ـ )( الاسراء 107 ــ ) ومقتصدون خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، واكثرية فاسقة ضالة مغضوب عليها ( المائدة 66 )، وهو نفس التقسيم للمسلمين ( فاطر 32 )، ونفس التقسيم الذى سيكون عليه البشر يوم القيامة ( الواقعة 7 ـ ). أى إنه فيما بعد نزول القرآن سيكرر المحمديون مسيرة الأغلبية الضالة المغضوب عليها من أهل الكتاب ، وأنهم سيحصنون فسقهم وعصيانهم بأساطير الشفاعة . وكان أهل الكتاب يرفضون الاحتكام الى القرآن الكريم : ( أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)آل عمران )، والمحمديون الذين يزعمون الايمان بالقرآن فى عصرنا يتهموننا بالكفر لأننا ندعوهم الى الاحتكام الى القرآن الكريم ، وهو فريضة اسلامية: ( أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً )(114 الانعام ).
2 ـ كان من ملامح أديانهم الأرضية أن الضالين المغضوب عليهم من أهل الكتاب قاموا بتزكية أنفسهم ، فقال رب العزة عنهم ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (50) النساء ).
3 ـ وفى هذا الافتراء الكاذب وقع المحمديون من ذرية أهل الكتاب بعد أن دخلوا فى الاسلام . وحتى اليوم يرى السنيون أنهم المُختارون من دون الناس للتحكم فى الناس . ويرى الشيعة نفس الرأى فى أنفسهم وفى أئمتهم . ويرى الصوفية أنهم أولياء الله من دون الناس جميعا . ومن قبلهم قال الذين هادوا أنهم شعب الله المُختار ، وجاء الرد عليهم فى القرآن الكريم بأنهم لو كانوا فى الحقيقة أولياء الله من دون الناس فليتمنوا الموت ليسعدوا بلقاء الله : ( قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7 ) الجمعة ) . وزعموا أنهم وحدهم لهم الجنة خالصة من دون الناس ، أى بالشفاعة والتحكم فى يوم الدين فتحداهم رب العزة أن يتمنوا الموت إن كانوا صادقين : ( قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) البقرة ). وهو نفس إعتقاد المحمديين بأن ( أمة محمد ) هى التى لها الآخرة خالصة من دون ( أمة المسيح ) وبقية ( الأمم ).
4 ـ وفى أديانهم الأرضية كانت ولا تزال كل فرقة من أهل الكتاب تحتكر لنفسها الهداية فردّ عليهم رب العزة يدعوهم الى الهدى والتمسك بملة ابراهيم حنيفا ( وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (135) البقرة 135 ) وكانت كل فرقة تحتكر لنفسها الجنة دون الأخرين ، فردّ عليهم رب العزة بالتأكيد على أن الجنة من نصيب من يُسلم لله جل وعلا وجهه وهو مُحسن من كل البشر:( وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) البقرة ). وقامت كل فرقة بتكفير الأخرى ، وردّ رب العزة بأنه سيحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون : ( وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) البقرة )وهو نفس حال المسلمين المحمديين أمس واليوم .
5 ـ والأمانى هى الأصل فى موضوع الشفاعة . أى أن يتمسك الناس بالضلال ثم يتمنون النجاة فى الآخرة بالشفاعات . ولهذا يرتبط الضلال بالتمنى ، وبالتمنى يستمر الضال فى ضلاله ، لأنه لو أدرك أن عاقبة الضلال هو الخلود فى النار لربما تاب وأناب. ولكن وجود من يشفع له وينجيه من العقوبة كفيل بأن يستمر فى ضلاله يعيش به ويموت عليه. ولهذا قال الشيطان يقرن كيده للبشر بالإضلال والتمنى ( وَلأضِلَّنَّهُمْ وَلأمَنِّيَنَّهُمْ )(119) النساء ) . ولهذا حذّر رب العزة المؤمنين من كيد الشيطان وغروره ووعوده الكاذبة فقال جل وعلا : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) لقمان ) . وأخبر رب العزة مقدما إن الشيطان سيتبرأ وهو فى النار من أتباعه فيها وأنه سيتنكّر من وعوده معترفا أنه وعدهم بالباطل فصدقوه وكذّبوا بوعد الله الحق : (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)( ابراهيم ).
وخدع الشيطان أغلبية أهل الكتاب فجعلهم يزيفون أحاديث للشفاعة يدخلون بها الجنة ، وتكاثرت تلك الأحاديث حتى أصبح الكتاب الالهى بعد تحريفهم له مجرد ( كتاب أمانى ) أو بتعبير رب العزة : ( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (78) البقرة ). وهذا هو الأصل فيما ساد فى العصور الوسطى المسيحية باسم ( صكوك الغفران ) وقد قال رب العزة يتوعدهم : (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) ( البقرة ). وهو نفس ما يقال اليوم فى جمع أموال لبناء مساجد وهابية بترديد حديث كاذب يقول ( من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له قصرا فى الجنة ). ومن الإعجاز والإخبار مقدما بالمستقبل إن الله جل وعلا حذّر مقدما بأن الأخرة لا مجال فيها للأمنيات ، سواء كانت أمانى المؤمنين أم اهل الكتاب ، فمن يعمل سوءا سيجد عقوبته ، ومن يعمل صالحا سيجد جزاءه الجنة : ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124) النساء )
6 ـ وبالافتراء وتزييف الأحاديث زعم الضالون المغضوب عليهم من أهل الكتاب إنهم سيخرجون من النار بالشفاعات مهما إقترفوا من الكبائر ، وجاء الرد من رب العزة عليهم : هل أتخذوا بهذا عهدا من الله ؟ أم هو إفتراء بغير علم : ( وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (80) البقرة ) . ثم أوضح رب العزة أن العاصى الذى يموت على عصيانه وقد أحاطت به خطيئته فهو خالد فى النار : ( بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81). البقرة ) . أما المؤمن الذى يموت وقد أنفق حياته فى الايمان والعمل الصالح فسيكون خالدا فى الجنة : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) البقرة ). ولأن الخروج من النار بالشفاعات كان عقيدة راسخة لدى الضالين المغضوب عليهم من أهل الكتاب فقد تكرر إستنكار رب العزة لهذا الافتراء فقال جل وعلا:( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)آل عمران ) . أى (غرّهم ) و( اضلهم ) هذا الافتراء فخسروا الدنيا والآخرة . ثم يقول جل وعلا عن حالهم يوم القيامة :( فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (25) آل عمران ).
ومع هذا فقد إخترع المحمديون أحاديث الشفاعات وأحاديث الخروج من النار تمسُّكا بسنّة أسلافهم الضالين المغضوب عليهم من رب العزة. هذا مع إن المحمديين واسلافهم يقرأون فى صلاتهم الفاتحة:( بسمالله الرحمن الرحيم (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7)
7 ـ ولأن أساطير الشفاعة كانت راسخة لدى بنى إسرائيل فقد قال جل وعلا يخاطبهم مرتين فى القرآن الكريم خطابا مباشرا : ( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ (48) البقرة ) ، ( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ (123) البقرة ) .
ومع ذلك أعادت المحمديون أساطير الشفاعة فى أحاديث مُفتراة فى العصر العباسى فى البخارى وغيره . أى أنها ضمن ما يطلق عليه ( إسرائيليات ). وكل الأحاديث إفتراءات سواء كات إسرائيليات أو مجوسيات أو فرعونيات . يجمعها كلها أنه (أمنيات شيطانيات ) يؤمن بها المحمديون والمسيحيون .
أخيرا :
1 ـ تكاثرت الكتب والأسفار المقدسة لدى أهل الكتاب الصحيح منها والزائف ، بدءا من التوراة وما تلاها . ومع تقديسها فلم تحظ بالدراسة والبحث. كانوا كالحمار يحمل أسفارا ، يحملها ولا يقرؤها . يقول جل وعلا : ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) الجمعة ) وهو نفس ما يحدث حتى الآن . فكتب التراث تملأ أرفف المكاتب للشيوخ ، وهم لا يقرأونها . بدليل أنهم لا يقرأون البخارى . وحين فضحنا البخارى واضطروا للدفاع عنه جاء دفاعهم يضيف فضائح بجهلهم .
2 ـ كان القزوينى (605 : 682 ) من القضاة فى خلافة المستعصم العباسى . وروى فى كتابه ( آثار البلاد وأخبار العباد ) الشائع من الروايات عن أشهر المدن فى عصره من خلال الروايات المتداولة عنها وعن المشاهير الذين عاشوا فيها . وعن ( بغداد ) يقول : ( ينسب إليها القاضي أبو يوسف. ذكر أنه كان رآه رجل يهودي وقت الظهيرة يمشي راكباً على بغلة واليهودي يمشي راجلاً جائعاً ضعيفاً فقال للقاضي: أليس نبيكم يقول الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ؟ قال : نعم. قال: فأنت في السجن وأنا في الجنة والحالة هذه ؟ ! فقال القاضي: نعم يا عدو الله . بالنسبة إلى ما أعدّ الله لي من الكرامة في الآخرة في السجن وأنت بالنسبة إلى ما أعد الله لك في الآخرة من العذاب في الجنة! ) . يعنى لأنه من ( أمة محمد ) فهو يحتكر نعيم الدنيا والآخرة . أما من ليس من ( أمة محمد ) فهو ( تعيس فى الدنيا تعيس فى الآخرة ) ، أو بالتعبير الشعبى المصرى : ( يا بختنا بالنبى .! ) .
3 ـ ويوم القيامة سيكتشف المحمديون والمسيحيون وغيرهم ممن يعبد البشر والحجر أنهم إخترعوا أحاديث شيطانية ضلوا بها وفقدوا بها مستقبلهم يوم القيامة بالخلود فى النار .
أحسن الحديث :
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8) ( فاطر )
ودائما : صدق الله العظيم .!!
الباب الثالث : صناعة أساطير الشفاعة
الفصل الثانى : المقام المحمود ليس شفاعة النبى
مقدمة
عجز أئمة المحمديين عن تحريف ألفاظ القرآن لأنه محفوظ من لدن الله جل وعلا فاتجهوا الى تحريف معانى القرآن عن طريق ما يّعرف بالتفسير ، وقاموا بتأليف أساطير الشفاعة فى صورة أحاديث نسبوها زورا للنبى محمد بعد موته بقرنين وأكثر. وبهذه الأحاديث توجهوا للتلاعب بالقرآن الكريم وتحريف معانيه. ووجدوا ضالتهم فى الايات المتشابهات كالآيات الى تجعل الشفاعة بإذن الله جل وعلا ورضاه . وقد تعرضنا لهذا من قبل . كما دخلوا بأساطيرهم المصنوعة عن الشفاعة فى تحريفهم لمعنى ( المقام المحمود ) فى قوله جل وعلا للنبى ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) ، وزعموا أن المقام المحمود هو الشفاعة العُظمى . ونرد على هذا الزعم .
أولا : المقام المحمود هو الجنة :
1 ـ تفسير القرآن هو بالقرآن ، فالقرآن يفسّر بعضه بعضا ويبين بعضه بعضا ، ومن خلاله نفهم معانى ألفاظه . هذا هو المنهج العلمى فى التعامل البحثى مع أى مصدر تراثى ومع القرآن الكريم أيضا. أى أن تلتزم بمصطلحات الكتاب فى فهم ما يأتى فى هذا الكتاب . أما إذا فهمت مفردات الكتاب حسب المألوف فى عصرك فهذا خطأ علمى وبحثى . أكثر من هذا أن تنتقى آيات معينة لتُخرج معناها من السياق الخاص والسياق العام ، وتضع لها تفسيرا من خلال تراثك أنت متجاهلا عشرات الآيات الأخرى التى تخالفك فهذا يقع ضمن الجرائم البحثية و قلب الحقائق . وهذا بالنسبة للقرآن الكريم من أكبر الكبائر . وأئمة المحمديين الذين وقعوا فى هذه الجريمة يزدادون بقراءتهم للقرآن خسارة بينما يزداد المؤمنون بالقرآن شفاءا ورحمة . يقول جل وعلا فى سورة الاسراء : ( وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً (82)). ومن الإعجاز الالهى فى القرآن الكريم أن تأتى الآية الكريمة( وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً (82)) مباشرة بعد موضوع ( المقام المحمود ) ، كإشارة الى ما سيقع فيه الظالمون المحمديون من إستغلال لمصطلح ( المقام المحمود ) فى إثبات أسطورة الشفاعة للنبى محمد خلافا للقرآن الكريم .
2 ـ إنّ السياق الخاص بالمقام المحمود فى سورة الاسراء يقول فى خطاب موجّه للنبى وللمؤمنين معه :
( أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78) وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً (79) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً (80) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81) وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً (82)الاسراء ). وكل المؤمنون مُطالبون بإقامة الصلاة من قبيل طلوع الشمس (الفجر) الى ما بعد العشاء ، أى أوقات اليقظة ، عليهم فيها أن يحافظوا على أنفسهم من الوقوع فى الكبائر ، فهذه هى إقامة الصلاة أو المحافظة على ثواب الصلاة . فالمفروض أن نخشع فى تأدية الصلاة ، وأن نتقى ربنا جل وعلا بين أوقات الفرائض الخمسة للصلاة .
3 ـ وفى السياق العام فأن قوله جل وعلا ( أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ) يفسره قوله جل وعلا فى سورة (هود):( وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) هود ). فإقامة الصلاة بالمحافظة عليها تعنى أن تتكاثر الحسنات فلا يتبقى وقت لارتكاب السيئات . وبالتالى تكون المكافأة يوم القيامة هى الجنة أو المقام المحمود .
4 ـ وقوله جل وعلا عن قيام الليل فى سورة الاسراء (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78) وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ ) تشرحه آيات كثيرة عن قيام الليل بالصلاة وقراءة القرآن ، منها قوله جل وعلا عن النبى والمؤمنين معه : (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4)المزمل ) وقد أطاع النبى عليه السلام وأطاع المؤمنون معه فنزل التخفيف عنهم فى قوله جل وعلا (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20) المزمل ) . والجنة هى الجزاء الذى سيجدونه عند الله جل وعلا خيرا وأعظم أجرا .!
وهناك آيات كثيرة تجعل من من صفات المتقين قيام الليل ، منها قوله جل وعلا : (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16) السجدة )، ثم يقول جل وعلا عن جزائهم فى الجنة : ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) السجدة ). كما يقول جل وعلا عن الجنة جزاءا للمتقين ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) الذاريات ) .ويصفهم جل وعلا بقيام الليل وعمل الصالحات: ( كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) الذاريات ).
5 ـ وبالتالى فإن الجنة هى جزاء قيام الليل وإقامة الصلاة كما جاء فى سورتى الذاريات والسجدة . أى فإن جزاء ( المقام المحمود ) فى سورة الاسراء يعنى الجنة . أى إن قوله جل وعلا (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً (79) الاسراء ) يفسره قوله جل وعلا : ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) السجدة )، ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18)الذاريات ).
6 ـ يؤكّد هذا وصف الجنة بالمقام المحمود الذى أعدّه رب العزة للسابقين من المسلمين الذين يتمسكون بالقرآن ، يقول جل وعلا عمّن أصناف ورثة القرآن الكريم : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) فاطر )
وعن جزاء أولئك السابقين بالخيرات من المتمسكين بالقرآن يقول جل وعلا فى الآية التالية : ( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) فاطر) . أى إن الجنة مصيرهم . ويقول رب العزة عنهم وهم فى الجنة : ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35)) فاطر ). أى هم يصفون الجنة بأنها ( دار المُقامة ) ويقولون هذا فى معرض الحمد لله جل وعلا (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ) لأنه (الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ ). أى إن الجنة هى ( المقام المحمود ) الذى جاء فى سورة الاسراء (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ) .
وفى مقابل المقام المحمود المُشار اليه فى سورة (فاطر ) تأتى الآيات التالية فى نفس السورة تتكلم عن مصير و ( مقام ) الكفار فى جهنم، يقول جل وعلا : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37) فاطر ). أى إننا فى سورة فاطر بإزاء موقفين متناقضين للمؤمنين السابقين فى الجنة والكافرين فى الجحيم ، والجنة موصوفة بالمقام المحمود ، بينما يصطرخ الكفار فى جهنم يرجون الخروج ليعملوا صالحا بينما هم خالدون فيها . أى فالجنة ( مقام محمود ) و جهنم ( مقام سىء )
7 ـ ومصطلح ( المقام ) هنا يعنى الاقامة الخالدة والاستقرار الخالد فى الجنة أو فى النار ، وفى الجنة يكون ( المقام والمستقر ) . يقول جل وعلا عن ( مقام المتقين فى الجنة ) : (خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً (76) ( الفرقان )أى حسُنت مستقرا ومُقاما . ويأتى فى سورة الدخان تفصيل ذلك المقام المحمود للمتقين ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51)الدخان ) وتأتى تفاصيل النعيم لهم فى هذا المقام : ( فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (53) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55) الدخان ).
وفى هذا المقام الخالد فى الجنة فإنّ أعظم دعاء أهل الجنة هو ( الحمد لله رب العالمين ) يقول جل وعلا عنهم:( دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10) يونس ). أى إنه ( المقام المحمود ).
وفى مقابل الجنة التى (حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً (76) الفرقان ) فإن جهنم ساءت مستقرا ومُقاما ، لذا فإن عباد الرحمن يدعون ربهم جل وعلا أن يصرف عنهم عذابها : ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً (66) الفرقان).
8 ـ وفى مكة فى بداية الدعوة قال جل وعلا للنبى يشجعه على أن يتأهّل للجنة بالعمل الصالح (( أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78) وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً (79) الاسراء ) أى هو وعد بالجنة مشروط بعمل صالح . وفى نهاية حياته كان عليه السلام قد حقّق هذا الشرط بالجهاد والتقوى ومعه السابقون إيمانا وعملا من أصحابه ، فنزل تبشيرهم بالجنة قبيل موته عليه السلام :( لَكِنْ الرَّسُولُوَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89) التوبة ).
المقصود أن المقام المحمود هو الجنة ، وقد حاز النبى عليه السلام هذا المقام بعمله ويحوزه أيضا المؤمنون الذين يموتون وقد حققوا الايمان الخالص والعمل الصالح . ويوم القيامة سيكونون جميعا فى صُحبة واحدة معا (وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً) : (وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً (69) ( النساء ) .
وفى النهاية فإن خاتم النبيين هو من ( عباد الرحمن ) . تنطبق عليه كل الصفات التى ذكرها عنهم رب العزة . ينطبق عليه قوله جل وعلا : ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً (63)الفرقان ) . فقد كان عليه السلام هينا لينا متواضعا رءوفا رحيما بالمؤمنين . وينطبق عليه قوله جل وعلا : ( وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً (64) فكان عليه السلام يبيت ليله قائما قارئا للقرآن متهجدا به . وكان عليه السلام يخاف ـ إن عصى ربه ـ من عذاب عظيم خوفا من جهنم التى ساءت مستقرا ومُقاما : ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً (66) أى فالجحيم ساءت مستقرا ومقاما . وتنطبق عليه كل الصفات الصالحة الباقية . وبالتالى يستحق الجنة التى حسُنت مستقرا ومقاما : ( أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً (76) الفرقان ). وهذا يجمعه بالمتقين يوم القيامة فى مقعد صدق عند مليك مقتدر : ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55) القمر) .
هل هناك أعظم من هذا مقاما محمودا ؟
ودائما : صدق الله العظيم .
أخيرا :
ائمة المحمديين حرّفوا معنى ( المقام المحمود ) وزعموا أنه ( الشفاعة ) وإستشهدوا على هذا باساطير البخارى وغيره . وفى كتاب ( أيسر التفاسير ) جاء تلخيص كتب التفاسير كلها فى عبارات سهلة مبسطة . وفى قوله جل وعلا : ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79)} يقول باختصار : (مَقَاماً مَّحْمُوداً- مَقَامَ الشَّفَاعَةِ العُظْمَى. ). أما ما جاء فى كتب ( التفسير السّنى ) فى تحريف ( المقام المحمود ) فهو غابة متكاثفة من الغموض ( مع إن إسمه تفسير ) مع الأقاويل الكاذبة والخرافات تصل فى كُفرها الى الزعم بأن الله جل وعلا أجلس النبى معه على العرش . وننقل ــ لمن يتمتع بالصبر وطول البال ـ الخرافات والأباطيل التى كتبها أئمة المحمديين من الطبرى فى القرن الثالث الهجرى حتى الشعراوى فى عصرنا البائس . وهم كلهم ينهلون من نفس مستنقع الرجس المسمى بالسّنة والأحاديث. واليكم ما قالوه فى تحريف كلمتى ( المقام المحمود ) :
( تفسير الطبرى ( مولود عام 224 ، وتوفى عام 310 )
وَقَوْله : { عَسَى أَنْ يَبْعَثك رَبّك مَقَامًا مَحْمُودًا } وَعَسَى مِنْ اللَّه وَاجِبَة , وَإِنَّمَا وَجْه قَوْل أَهْل الْعِلْم : عَسَى مِنْ اللَّه وَاجِبَة , لِعِلْمِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ اللَّه لَا يَدَع أَنْ يَفْعَل بِعِبَادِهِ مَا أَطْمَعَهُمْ فِيهِ مِنْ الْجَزَاء عَلَى أَعْمَالهمْ وَالْعِوَض عَلَى طَاعَتهمْ إِيَّاهُ لَيْسَ مِنْ صِفَته الْغُرُور , وَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَدْ أَطْمَعَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ لَهُ فِي نَفْعه , إِذَا هُوَ تَعَاهَدَهُ وَلَزِمَهُ , فَإِنْ لَزِمَ الْمَقُول لَهُ ذَلِكَ وَتَعَاهَدَهُ ثُمَّ لَمْ يَنْفَعهُ , وَلَا سَبَب يَحُول بَيْنه وَبَيْن نَفْعه إِيَّاهُ مَعَ الْأَطْمَاع الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْهُ لِصَاحِبِهِ عَلَى تَعَاهُده إِيَّاهُ وَلُزُومه , فَإِنَّهُ لِصَاحِبِهِ غَارّ بِمَا كَانَ مِنْ إِخْلَافه إِيَّاهُ فِيمَا كَانَ أَطْمَعَهُ فِيهِ بِقَوْلِهِ الَّذِي قَالَ لَهُ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ صِفَته الْغُرُور لِعِبَادِهِ صَحَّ وَوَجَبَ أَنَّ كُلّ مَا أَطْمَعَهُمْ فِيهِ مَنْ طَمِعَ عَلَى طَاعَته , أَوْ عَلَى فِعْل مِنْ الْأَفْعَال , أَوْ أَمْر أَوْ نَهْي أَمَرَهُمْ بِهِ , أَوْ نَهَاهُمْ عَنْهُ , فَإِنَّهُ مُوفٍ لَهُمْ بِهِ , وَإِنَّهُمْ مِنْهُ كَالْعِدَةِ الَّتِي لَا يُخْلَف الْوَفَاء بِهَا , قَالُوا : عَسَى وَلَعَلَّ مِنْ اللَّه وَاجِبَة . وَتَأْوِيل الْكَلَام : أَقِمْ الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة يَا مُحَمَّد فِي هَذِهِ الْأَوْقَات الَّتِي أَمَرْتُك بِإِقَامَتِهَا فِيهَا , وَمِنْ اللَّيْل فَتَهَجَّدْ فَرْضًا فَرَضْته عَلَيْك , لَعَلَّ رَبّك يَبْعَثك يَوْم الْقِيَامَة مَقَامًا تَقُوم فِيهِ مَحْمُودًا تَحْمَدهُ , وَتُغْبَط فِيهِ . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى ذَلِكَ الْمَقَام الْمَحْمُود , فَقَالَ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم : ذَلِكَ هُوَ الْمَقَام الَّذِي هُوَ يَقُومهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْقِيَامَة لِلشَّفَاعَةِ لِلنَّاسِ لِيُرِيحَهُمْ رَبّهمْ مِنْ عَظِيم مَا هُمْ فِيهِ مِنْ شِدَّة ذَلِكَ الْيَوْم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17061 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ صِلَة بْن زُفَر , عَنْ حُذَيْفَة , قَالَ : يُجْمَع النَّاس فِي صَعِيد وَاحِد , فَيَسْمَعهُمْ الدَّاعِي , وَيَنْفُذهُمْ الْبَصَر , حُفَاة عُرَاة كَمَا خُلِقُوا , قِيَامًا لَا تَكَلَّم نَفْس إِلَّا بِإِذْنِهِ , يُنَادَى : يَا مُحَمَّد , فَيَقُول : " لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْك وَالْخَيْر فِي يَدَيْك , وَالشَّرّ لَيْسَ إِلَيْك , وَالْمَهْدِيّ مَنْ هَدَيْت , عَبْدك بَيْن يَدَيْك , وَبِك وَإِلَيْك , لَا مَلْجَأ وَلَا مَنْجَا مِنْك إِلَّا إِلَيْك , تَبَارَكْت وَتَعَالَيْت , سُبْحَانك رَبّ هَذَا الْبَيْت " ; فَهَذَا الْمَقَام الْمَحْمُود الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه تَعَالَى . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ صِلَة بْن زُفَر , عَنْ حُذَيْفَة , قَالَ : يُجْمَع النَّاس فِي صَعِيد وَاحِد . فَلَا تَكَلَّم نَفْس , فَأَوَّل مَا يَدْعُو مُحَمَّد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيَقُوم مُحَمَّد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيَقُول : " لَبَّيْكَ " , ثُمَّ ذَكَرَ مِثْله . 17062 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن عَمْرو بْن خَالِد الرَّقِّيّ , قَالَ : ثنا عِيسَى بْن يُونُس , عَنْ رِشْدِين بْن كُرَيْب , عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { عَسَى أَنْ يَبْعَثك رَبّك مَقَامًا مَحْمُودًا } قَالَ : الْمَقَام الْمَحْمُود : مَقَام الشَّفَاعَة . 17063 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْلٍ , قَالَ : ثنا أَبُو الزَّعْرَاء , عَنْ عَبْد اللَّه فِي قِصَّة ذَكَرَهَا , قَالَ : ثُمَّ يُؤْمَر بِالصِّرَاطِ فَيُضْرَب عَلَى جِسْر جَهَنَّم , فَيَمُرّ النَّاس بِقَدْرِ أَعْمَالهمْ ; يَمُرّ أَوَّلهمْ كَالْبَرْقِ , وَكَمَرِّ الرِّيح , وَكَمَرِّ الطَّيْر , وَكَأَسْرَع الْبَهَائِم , ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى يَمُرّ الرَّجُل سَعْيًا , ثُمَّ مَشْيًا , حَتَّى يَجِيء آخِرهمْ يَتَلَبَّط عَلَى بَطْنه , فَيَقُول : رَبّ لِمَا أَبْطَأْت بِي , فَيَقُول : إِنِّي لَمْ أُبْطِئ بِك , إِنَّمَا أَبْطَأَ بِك عَمَلك , قَالَ : ثُمَّ يَأْذَن اللَّه فِي الشَّفَاعَة , فَيَكُون أَوَّل شَافِع يَوْم الْقِيَامَة جَبْرَائِيل عَلَيْهِ السَّلَام , رُوح الْقُدُس , ثُمَّ إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن , ثُمَّ مُوسَى , أَوْ عِيسَى , قَالَ أَبُو الزَّعْرَاء : لَا أَدْرِي أَيّهمَا قَالَ ; قَالَ : ثُمَّ يَقُوم نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَابِعًا , فَلَا يَشْفَع أَحَد بَعْده فِيمَا يَشْفَع فِيهِ , وَهُوَ الْمَقَام الْمَحْمُود الَّذِي ذَكَرَ اللَّه { عَسَى أَنْ يَبْعَثك رَبّك مَقَامًا مَحْمُودًا } 17064 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى { وَمِنْ اللَّيْل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَة لَك عَسَى أَنْ يَبْعَثك رَبّك مَقَامًا مَحْمُودًا } قَالَ : الْمَقَام الْمَحْمُود : مَقَام الشَّفَاعَة يَوْم الْقِيَامَة . 17065 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى : وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { مَقَامًا مَحْمُودًا } قَالَ : شَفَاعَة مُحَمَّد يَوْم الْقِيَامَة . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17066 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ عَاصِم الْأَحْوَل , عَنْ أَبِي عُثْمَان , عَنْ سُلَيْمَان , قَالَ : هُوَ الشَّفَاعَة , يُشَفِّعهُ اللَّه فِي أُمَّته , فَهُوَ الْمَقَام الْمَحْمُود . 17067 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { عَسَى أَنْ يَبْعَثك رَبّك مَقَامًا مَحْمُودًا } وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُيِّرَ بَيْن أَنْ يَكُون نَبِيًّا عَبْدًا , أَوْ مَلِكًا نَبِيًّا , فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ جَبْرَائِيل عَلَيْهِ السَّلَام : أَنْ تَوَاضَعْ , فَاخْتَارَ نَبِيّ اللَّه أَنْ يَكُون عَبْدًا نَبِيًّا , فَأُعْطِيَ بِهِ نَبِيّ اللَّه ثِنْتَيْنِ : إِنَّهُ أَوَّل مَنْ تَنْشَقّ عَنْهُ الْأَرْض , وَأَوَّل شَافِع . وَكَانَ أَهْل الْعِلْم يَرَوْنَ أَنَّهُ الْمَقَام الْمَحْمُود الَّذِي قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى { عَسَى أَنْ يَبْعَثك رَبّك مَقَامًا مَحْمُودًا } شَفَاعَة يَوْم الْقِيَامَة . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { مَقَامًا مَحْمُودًا } قَالَ : هِيَ الشَّفَاعَة , يُشَفِّعهُ اللَّه فِي أُمَّته . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر وَالثَّوْرِيّ , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ صِلَة بْن زُفَر , قَالَ : سَمِعْت حُذَيْفَة يَقُول فِي قَوْله : { عَسَى أَنْ يَبْعَثك رَبّك مَقَامًا مَحْمُودًا } قَالَ : يَجْمَع اللَّه النَّاس فِي صَعِيد وَاحِد حَيْثُ يَسْمَعهُمْ الدَّاعِي , فَيَنْفُذهُمْ الْبَصَر حُفَاة عُرَاة , كَمَا خُلِقُوا سُكُوتًا لَا تَكَلَّم نَفْس إِلَّا بِإِذْنِهِ , قَالَ : فَيُنَادَى مُحَمَّد , فَيَقُول : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْك , وَالْخَيْر فِي يَدَيْك , وَالشَّرّ لَيْسَ إِلَيْك , وَالْمَهْدِيّ مَنْ هَدَيْت , وَعَبْدك بَيْن يَدَيْك , وَلَك وَإِلَيْك , لَا مَلْجَأ وَلَا مَنْجَى مِنْك إِلَّا إِلَيْك , تَبَارَكْت وَتَعَالَيْت , سُبْحَانك رَبّ الْبَيْت , قَالَ : فَذَلِكَ الْمَقَام الْمَحْمُود الَّذِي ذَكَرَ اللَّه { عَسَى أَنْ يَبْعَثك رَبّك مَقَامًا مَحْمُودًا } * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ صِلَة بْن زُفَر , قَالَ حُذَيْفَة : يَجْمَع اللَّه النَّاس فِي صَعِيد وَاحِد , حَيْثُ يَنْفُذهُمْ الْبَصَر , وَيُسْمِعهُمْ الدَّاعِي , حُفَاة عُرَاة كَمَا خُلِقُوا أَوَّل مَرَّة , ثُمَّ يَقُوم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُول : " لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْك " , ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : هُوَ الْمَقَام الْمَحْمُود . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ الْمَقَام الْمَحْمُود الَّذِي وَعَدَ اللَّه نَبِيّه أَنْ يَبْعَثهُ إِيَّاهُ , هُوَ أَنْ يُقَاعِدهُ مَعَهُ عَلَى عَرْشه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17068 - حَدَّثَنَا عَبَّاد بْن يَعْقُوب الْأَسَدِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن فُضَيْل , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { عَسَى أَنْ يَبْعَثك رَبّك مَقَامًا مَحْمُودًا } قَالَ : يُجْلِسهُ مَعَهُ عَلَى عَرْشه . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ مَا صَحَّ بِهِ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه . وَذَلِكَ مَا : 17069 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ دَاوُدَ بْن يَزِيد , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { عَسَى أَنْ يَبْعَثك رَبّك مَقَامًا مَحْمُودًا } سُئِلَ عَنْهَا , قَالَ : " هِيَ الشَّفَاعَة " . 17070 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن حَرْب , قَالَ : ثنا مَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا دَاوُدَ بْن يَزِيد الْأَوْدِيّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله : { عَسَى أَنْ يَبْعَثك رَبّك مَقَامًا مَحْمُودًا } قَالَ : " هُوَ الْمَقَام الَّذِي أَشْفَع فِيهِ لِأُمَّتِي " . 17071 - حَدَّثَنَا أَبُو عُتْبَة الْحِمْصِيّ أَحْمَد بْن الْفَرَج , قَالَ : ثنا بَقِيَّة بْن الْوَلِيد , عَنْ الزُّبَيْدِيّ , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب بْن مَالِك , عَنْ كَعْب بْن مَالِك , أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يُحْشَر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة , فَأَكُون أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلّ , فَيَكْسُونِي رَبِّي حُلَّة خَضْرَاء , ثُمَّ يُؤْذَن لِي , فَأَقُول مَا شَاءَ اللَّه أَنْ أَقُول , فَذَلِكَ الْمَقَام الْمَحْمُود " . 17072 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم , قَالَ : ثنا شُعَيْب بْن اللَّيْث , قَالَ : ثني اللَّيْث , عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْت حَمْزَة بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر يَقُول : سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن عُمَر يَقُول : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الشَّمْس لَتَدْنُو حَتَّى يَبْلُغ الْعَرَق نِصْف الْأُذُن , فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ اِسْتَغَاثُوا بِآدَم عَلَيْهِ السَّلَام , فَيَقُول : لَسْت صَاحِب ذَلِكَ , ثُمَّ بِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام , فَيَقُول كَذَلِكَ ; ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ فَيُشَفَّع بَيْن الْخَلْق فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذ بِحَلَقَةِ الْجَنَّة , فَيَوْمئِذٍ يَبْعَثهُ اللَّه مَقَامًا مَحْمُودًا " . 17073 - حَدَّثَنِي أَبُو زَيْد عُمَر بْن شَبَّة , قَالَ : ثنا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل , قَالَ : ثنا سَعِيد بْن زَيْد , عَنْ عَلِيّ بْن الْحَكَم , قَالَ : ثَنْي عُثْمَان , عَنْ إِبْرَاهِيم , عَنْ الْأَسْوَد وَعَلْقَمَة , عَنْ اِبْن مَسْعُود , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي لَأَقُوم الْمَقَام الْمَحْمُود " فَقَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه , وَمَا ذَلِكَ الْمَقَام الْمَحْمُود ؟ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ذَاكَ إِذَا جِيءَ بِكُمْ حُفَاة عُرَاة غُرْلًا فَيَكُون أَوَّل مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام , فَيُؤْتَى بِرَيْطَتَيْنِ بَيْضَاوَيْنِ , فَيَلْبَسهُمَا , ثُمَّ يَقْعُد مُسْتَقْبِل الْعَرْش , ثُمَّ أُوتَى بِكِسْوَتِي فَأَلْبَسهَا , فَأَقُوم عَنْ يَمِينه مَقَامًا لَا يَقُومهُ غَيْرِي يَغْبِطنِي فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ , ثُمَّ يُفْتَح نَهَر مِنْ الْكَوْثَر إِلَى الْحَوْض " . 17074 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن , أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة مَدَّ اللَّه الْأَرْض مَدّ الْأَدِيم حَتَّى لَا يَكُون لِبَشَرٍ مِنْ النَّاس إِلَّا مَوْضِع قَدَمَيْهِ " , قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَأَكُون أَوَّل مَنْ يُدْعَى وَجَبْرَائِيل عَنْ يَمِين الرَّحْمَن , وَاَللَّه مَا رَآهُ قَبْلهَا , فَأَقُول : أَيْ رَبّ إِنَّ هَذَا أَخْبَرَنِي أَنَّك أَرْسَلْته إِلَيَّ , فَيَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : صَدَقَ , ثُمَّ أُشَفَّع , قَالَ : فَهُوَ الْمَقَام الْمَحْمُود " . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر . عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن , قَالَ : قَالَ النَّبِيّ : " إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة " , فَذَكَرَ نَحْوه , وَزَادَ فِيهِ : " ثُمَّ أُشَفَّع فَأَقُول : يَا رَبّ عِبَادك عَبَدُوك فِي أَطْرَاف الْأَرْض , وَهُوَ الْمَقَام الْمَحْمُود " . 17075 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو عَامِر , قَالَ : ثنا إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان , عَنْ آدَم , عَنْ عَلِيّ , قَالَ : سَمِعْت اِبْن عُمَر يَقُول : إِنَّ النَّاس يُحْشَرُونَ يَوْم الْقِيَامَة , فَيَجِيء مَعَ كُلّ نَبِيّ أُمَّته , ثُمَّ يَجِيء رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِر الْأُمَم هُوَ وَأُمَّته , فَيَرْقَى هُوَ وَأُمَّته عَلَى كَوْم فَوْق النَّاس , فَيَقُول : يَا فُلَان اِشْفَعْ , وَيَا فُلَان اِشْفَعْ , وَيَا فُلَان اِشْفَعْ , فَمَا زَالَ يَرُدّهَا بَعْضهمْ عَلَى بَعْض يَرْجِع ذَلِكَ إِلَيْهِ , وَهُوَ الْمَقَام الْمَحْمُود الَّذِي وَعَدَهُ اللَّه إِيَّاهُ . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَوْف , قَالَ : ثنا حَيْوَة وَرَبِيع , قَالَا : ثنا مُحَمَّد بْن حَرْب , عَنْ الزُّبَيْدِيّ , عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب بْن مَالِك , عَنْ كَعْب بْن مَالِك , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يُحْشَر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فَأَكُون أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلّ , فَيَكْسُونِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ حُلَّة خَضْرَاء , ثُمَّ يُؤْذَن لِي فَأَقُول مَا شَاءَ اللَّه أَنْ أَقُول , فَذَلِكَ الْمَقَام الْمَحْمُود " . وَهَذَا وَإِنْ كَانَ هُوَ الصَّحِيح مِنْ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله { عَسَى أَنْ يَبْعَثك رَبّك مَقَامًا مَحْمُودًا } لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الرِّوَايَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ , فَإِنَّ مَا قَالَهُ مُجَاهِد مِنْ أَنَّ اللَّه يُقْعِد مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَرْشه , قَوْل غَيْر مَدْفُوع صِحَّته , لَا مِنْ جِهَة خَبَر وَلَا نَظَر , وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا خَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا عَنْ أَحَد مِنْ أَصْحَابه , وَلَا عَنْ التَّابِعِينَ بِإِحَالَةِ ذَلِكَ . فَأَمَّا مِنْ جِهَة النَّظَر , فَإِنَّ جَمِيع مَنْ يَنْتَحِل الْإِسْلَام إِنَّمَا اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى أَوْجُه ثَلَاثَة : فَقَالَتْ فِرْقَة مِنْهُمْ : اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بَائِن مِنْ خَلْقه كَانَ قَبْل خَلْقه الْأَشْيَاء , ثُمَّ خَلَقَ الْأَشْيَاء فَلَمْ يَمَاسَّهَا , وَهُوَ كَمَا لَمْ يَزَلْ , غَيْر أَنَّ الْأَشْيَاء الَّتِي خَلَقَهَا , إِذْ لَمْ يَكُنْ هُوَ لَهَا مُمَاسًّا , وَجَبَ أَنْ يَكُون لَهَا مُبَايِنًا , إِذْ لَا فِعَال لِلْأَشْيَاءِ إِلَّا وَهُوَ مُمَاسّ لِلْأَجْسَامِ أَوْ مُبَايِن لَهَا . قَالُوا : فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَاعِل الْأَشْيَاء , وَلَمْ يَجُزْ فِي قَوْلهمْ : إِنَّهُ يُوصَف بِأَنَّهُ مُمَاسّ لِلْأَشْيَاءِ , وَجَبَ بِزَعْمِهِمْ أَنَّهُ لَهَا مُبَايِن , فَعَلَى مَذْهَب هَؤُلَاءِ سَوَاء أَقْعَدَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَرْشه , أَوْ عَلَى الْأَرْض إِذْ كَانَ مِنْ قَوْلهمْ إِنَّ بَيْنُونَته مِنْ عَرْشه , وَبَيْنُونَته مِنْ أَرْضه بِمَعْنًى وَاحِد فِي أَنَّهُ بَائِن مِنْهُمَا كِلَيْهِمَا , غَيْر مُمَاسّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا . وَقَالَتْ فِرْقَة أُخْرَى : كَانَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَبْل خَلْقه الْأَشْيَاء , لَا شَيْء يُمَاسّهُ , وَلَا شَيْء يُبَايِنهُ , ثُمَّ خَلَقَ الْأَشْيَاء فَأَقَامَهَا بِقُدْرَتِهِ , وَهُوَ كَمَا لَمْ يَزَلْ قَبْل الْأَشْيَاء خَلْقه لَا شَيْء يُمَاسّهُ وَلَا شَيْء يُبَايِنهُ , فَعَلَى قَوْل هَؤُلَاءِ أَيْضًا سَوَاء أَقْعَدَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَرْشه , أَوْ عَلَى أَرْضه , إِذْ كَانَ سَوَاء عَلَى قَوْلهمْ عَرْشه وَأَرْضه فِي أَنَّهُ لَا مُمَاسّ وَلَا مُبَايِن لِهَذَا , كَمَا أَنَّهُ لَا مُمَاسّ وَلَا مُبَايِن لِهَذِهِ . وَقَالَتْ فِرْقَة أُخْرَى : كَانَ اللَّه عَزَّ ذِكْره قَبْل خَلْقه الْأَشْيَاء لَا شَيْء يُمَاسّهُ , وَلَا شَيْء يُبَايِنهُ , ثُمَّ أَحْدَثَ الْأَشْيَاء وَخَلَقَهَا , فَخَلَقَ لِنَفْسِهِ عَرْشًا اِسْتَوَى عَلَيْهِ جَالِسًا , وَصَارَ لَهُ مُمَاسًّا , كَمَا أَنَّهُ قَدْ كَانَ قَبْل خَلْقه الْأَشْيَاء لَا شَيْء يَرْزُقهُ رِزْقًا , وَلَا شَيْء يُحَرِّمهُ ذَلِكَ , ثُمَّ خَلَقَ الْأَشْيَاء فَرَزَقَ هَذَا وَحَرَّمَ هَذَا , وَأَعْطَى هَذَا , وَمَنَعَ هَذَا , قَالُوا : فَكَذَلِكَ كَانَ قَبْل خَلْقه الْأَشْيَاء يُمَاسّهُ وَلَا يُبَايِنهُ , وَخَلَقَ الْأَشْيَاء فَمَاسَّ الْعَرْش بِجُلُوسِهِ عَلَيْهِ دُون سَائِر خَلْقه , فَهُوَ مُمَاسّ مَا شَاءَ مِنْ خَلْقه , وَمُبَايِن مَا شَاءَ مِنْهُ , فَعَلَى مَذْهَب هَؤُلَاءِ أَيْضًا سَوَاء أَقْعَدَ مُحَمَّدًا عَلَى عَرْشه , أَوْ أَقْعَدَهُ عَلَى مِنْبَر مِنْ نُور , إِذْ كَانَ مِنْ قَوْلهمْ : إِنَّ جُلُوس الرَّبّ عَلَى عَرْشه , لَيْسَ بِجُلُوسٍ يَشْغَل جَمِيع الْعَرْش , وَلَا فِي إِقْعَاد مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوجِبًا لَهُ صِفَة الرُّبُوبِيَّة , وَلَا مُخْرِجه مِنْ صِفَة الْعُبُودِيَّة لِرَبِّهِ , كَمَا أَنَّ مُبَايَنَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ مُبَايِنًا لَهُ مِنْ الْأَشْيَاء غَيْر مُوجِبَة لَهُ صِفَة الرُّبُوبِيَّة , وَلَا مُخْرَجَته مِنْ صِفَة الْعُبُودِيَّة لِرَبِّهِ مِنْ أَجْل أَنَّهُ مَوْصُوف بِأَنَّهُ لَهُ مُبَايِن , كَمَا أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مَوْصُوف عَلَى قَوْل قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة بِأَنَّهُ مُبَايِن لَهَا , هُوَ مُبَايِن لَهُ . قَالُوا : فَإِذَا كَانَ مَعْنَى مُبَايِن وَمُبَايِن لَا يُوجِب لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخُرُوج مِنْ صِفَة الْعُبُودَة وَالدُّخُول فِي مَعْنَى الرُّبُوبِيَّة , فَكَذَلِكَ لَا يُوجِب لَهُ ذَلِكَ قُعُوده عَلَى عَرْش الرَّحْمَن , فَقَدْ تَبَيَّنَ إِذًا بِمَا قُلْنَا أَنَّهُ غَيْر مُحَال فِي قَوْل أَحَد مِمَّنْ يَنْتَحِل الْإِسْلَام مَا قَالَهُ مُجَاهِد مِنْ أَنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُقْعِد مُحَمَّدًا عَلَى عَرْشه . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنَّا لَا نُنْكِر إِقْعَاد اللَّه مُحَمَّدًا عَلَى عَرْشه , وَإِنَّمَا نُنْكِر إِقْعَاده . 17076 - حَدَّثَنِي عَبَّاس بْن عَبْد الْعَظِيم , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن كَثِير , عَنْ الْجَرِيرِيّ , عَنْ سَيْف السَّدُوسِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَلَام , قَالَ : إِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى كُرْسِيّ الرَّبّ بَيْن يَدَيْ الرَّبّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى . وَإِنَّمَا يُنْكِر إِقْعَاده إِيَّاهُ مَعَهُ . قِيلَ : أَفَجَائِز عِنْدك أَنْ يُقْعِدهُ عَلَيْهِ لَا مَعَهُ . فَإِنْ أَجَازَ ذَلِكَ صَارَ إِلَى الْإِقْرَار بِأَنَّهُ إِمَّا مَعَهُ , أَوْ إِلَى أَنَّهُ يُقْعِدهُ , وَاَللَّه لِلْعَرْشِ مُبَايِن , أَوْ لَا مُمَاسّ وَلَا مُبَايِن , وَبِأَيِّ ذَلِكَ قَالَ كَانَ مِنْهُ دُخُولًا فِي بَعْض مَا كَانَ يُنْكِرهُ وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ غَيْر جَائِز كَانَ مِنْهُ خُرُوجًا مِنْ قَوْل جَمِيع الْفِرَق الَّتِي حَكَيْنَا قَوْلهمْ , وَذَلِكَ فِرَاق لِقَوْلِ جَمِيع مَنْ يَنْتَحِل الْإِسْلَام , إِذْ كَانَ لَا قَوْل فِي ذَلِكَ إِلَّا الْأَقْوَال الثَّلَاثَة الَّتِي حَكَيْنَاهَا , وَغَيْر مُحَال فِي قَوْل مِنْهَا مَا قَالَ مُجَاهِد فِي ذَلِكَ . )
( تفسير الرازى ( فخر الدين الرازى ) 543 ـ 606 هجرية
البحث الثاني: في تفسير المقام المحمود أقوال:
الأول: أنه الشفاعة قال الواحدي أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي وأقول اللفظ مشعر به وذلك لأن الإنسان إنما يصير محموداً إذا حمده حامد والحمد إنما يكون على الانعام فهذا المقام المحمود يجب أن يكون مقاماً أنعم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه على قوم فحمدوه على ذلك الإنعام وذلك الإنعام لا يجوز أن يكون هو تبليغ الدين وتعليم الشرع لأن ذلك كان حاصلاً في الحال وقوله: {عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا} تطميع وتطميع الإنسان في الشيء الذي وعده في الحال محال فوجب أن يكون ذلك الانعام الذي لأجله يصير محموداً إنعاماً سيصل منه حصل له بعد ذلك إلى الناس وما ذاك إلا شفاعته عند الله فدل هذا على أن لفظ الآية وهو قوله: {عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا} يدل على هذا المعنى وأيضاً التنكير في قوله مقاماً محموداً يدل على أنه يحصل للنبي عليه السلام في ذلك المقام حمد بالغ عظيم كامل ومن المعلم أن حمد الإنسان على سعيه في التخليص عن العقاب أعظم من حمده في السعي في زيادة من الثواب لا حاجة به إليها لأن احتياج الإنسان إلى دفع الآلام العظيمة عن النفس فوق احتياجه إلى تحصيل المنافع الزائدة التي لا حاجة به إلى تحصيلها وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قوله: {عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا} هو الشفاعة في إسقاط العقاب على ما هو مذهب أهل السنة ولما ثبت أن لفظ الآية مشعر بهذا المعنى إشعاراً قوياً ثم وردت الأخبار الصحيحة في تقرير هذا المعنى وجب حل اللفظ عليه ومما يؤكد هذا الوجه الدعاء المشهور وابعثه المقام المحمود الذي وعدته يغبطه به الأولون والآخرون واتفق الناس على أن المراد منه الشفاعة.
والقول الثاني: قال حذيفة، يجمع الناس في صعيد فلا تتكلم نفس فأول مدعو محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: «لبيك وسعديك والشر ليس إليك والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك لا ملجأ ولا منجاً منك إلا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت» فهذا هو المراد من قوله: {عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا} وأقول القول الأول أولى لأن سعيه في الشفاعة يفيده إقدام الناس على حمده فيصير محموداً وأما ذكر هذا الدعاء فلا يفيد إلا الثواب أما الحمد فلا فإن قالوا لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى يحمده على هذا القول قلنا لأن الحمد في اللغة مختص بالثناء المذكور في مقابلة الأنعام فقط فإن ورد لفظ الحمد في غير هذا المعنى فعلى سبيل المجاز.
القول الثالث: المراد مقام تحمد عاقبته وهذا أيضاً ضعيف للوجه الذي ذكرناه في القول الثاني.
القول الرابع: قال الواحدي روى عن ابن مسعود أنه قال: يقعد الله محمداً على العرش وعن مجاهد أنه قال يجلسه معه على العرش، ثم قال الواحدي وهذا قول رذل موحش فظيع ونص الكتاب ينادي بفساد هذا التفسير ويدل عليه وجوه:
الأول: أن البعث ضد الإجلاس يقال بعثت النازل والقاعد فانبعث ويقال بعث الله الميت أي أقامه من قبره فتفسير البعث بالإجلاس تفسير للضد بالضد وهو فاسد.
والثاني: أنه تعالى قال مقاماً محموداً ولم يقل مقعداً والمقام موضع القيام لا موضع القعود.
والثالث: لو كان تعالى جالساً على العرش بحيث يجلس عنده محمد عليه الصلاة والسلام لكان محدوداً متناهياً ومن كان كذلك فهو محدث.
والرابع: يقال إن جلوسه مع الله على العرش ليس فيه كثير إعزاز لأن هؤلاء الجهال والحمقى يقولون في كل أهل الجنة إنهم يزورون الله تعالى وإنهم يجلسون معه وإنه تعالى يسألهم عن أحوالهم التي كانوا فيها في الدنيا وإذا كانت هذه الحالة حاصلة عندهم لكل المؤمنين لم يكن لتخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بها مزيد شرف ورتبة.
والخامس: أنه إذا قيل السلطان بعث فلاناً فهم منه أنه أرسله إلى قوم لإصلاح مهماتهم ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه فثبت أن هذا القول كلام رذل ساقط لا يميل إليه إلا إنسان قليل العقل عديم الدين، والله أعلم . )
( تفسير القرطبى ( توفى عام 671 هجرية )
قوله تعالى: {عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً} اختلف في المقام المحمود على أربعة أقوال: الأول- وهو أصحها- الشفاعة للناس يوم القيامة، قاله حذيفة بن اليمان. وفى صحيح البخاري عن ابن عمر قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا كل أمة تتبع نبيها تقول: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود. وفى صحيح مسلم عن أنس قال حدثنا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض فيأتون آدم فيقولون له اشفع لذريتك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم عليه السلام فإنه خليل الله فيأتون إبراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله فيؤتى موسى فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى عليه السلام فإنه روح الله وكلمته فيؤتى عيسى فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأوتى فأقول أنا لها»وذكر الحديث.
وروى الترمذي عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه في قوله: {عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً} سئل عنها قال: «هي الشفاعة» قال: هذا حديث حسن صحيح.
إذا ثبت أن المقام المحمود هو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء عليهم السلام، حتى ينتهى الامر إلى نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيشفع هذه الشفاعة لأهل الموقف ليعجل حسابهم ويراحوا من هول موقفهم، وهو الخاصة به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولأجل ذلك قال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر». قال النقاش: لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاث شفاعات: العامة، وشفاعة في السب إلى الجنة، وشفاعة في أهل الكبائر. ابن عطية: والمشهور أنهما شفاعتان فقط: العامة، وشفاعة في إخراج المذنبين من النار. وهذه الشفاعة الثانية لا يتدافعها الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء.
وقال القاضي أبو الفضل عياض: شفاعات نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم القيامة خمس شفاعات: العامة. والثانية في إدخال قوم الجنة دون حساب.
الثالثة في قوم من موحدى أمته استوجبوا النار بذنوبهم فيشفع فيها نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن شاء الله أن يشفع ويدخلون الجنة. وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعة: الخوارج والمعتزلة، فمنعتها على أصولهم الفاسدة، وهى الاستحقاق العقلي المبني على التحسين والتقبيح.
الرابعة فيمن دخل النار من المذنبين فيخرجون بشفاعة نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغيره من الأنبياء والملائكة وإخوانهم المؤمنين.
الخامسة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وترفيعها، وهذه لا تنكرها المعتزلة ولا تنكر شفاعة الحشر الأول. قال القاضي عياض: وعرف بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح لشفاعة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورغبتهم فيها، وعلى هذا لا يلتفت لقول من قال: إنه يكره أن تسأل الله أن يرزقك شفاعة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنها لا تكون إلا للمذنبين، فإنها قد تكون كما قدمنا لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات. ثم كل عاقل معترف بالتقصير محتاج إلى العفو غير معتد بعمله مشفق أن يكون من الهالكين، ويلزم هذا القائل ألا يدعو بالمغفرة والرحمة، لأنها لأصحاب الذنوب أيضا، وهذا كله خلاف ما عرف من دعاء السلف والخلف. روى البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة».
القول الثاني- أن المقام المحمود إعطاؤه لواء الحمد يوم القيامة. قلت: وهذا القول لا تنافر بينه وبين الأول، فإنه يكون بيده لواء الحمد ويشفع. روى الترمذي عن أبى سعيد الخدري قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من نبى آدم فمن سواه إلا تحت لوائي» الحديث. القول الثالث- ما حكاه الطبري عن فرقة، منها مجاهد، أنها قالت: المقام المحمود هو أن يجلس الله تعالى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معه على كرسيه، وروت في ذلك حديثا. وعضد الطبري جواز ذلك بشطط من القول، وهو لا يخرج إلا على تلطف في المعنى، وفية بعد. ولا ينكر مع ذلك أن يروى، والعلم يتأوله. وذكر النقاش عن أبى داود السجستاني أنه قال: من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متهم، ما زال أهل العلم يتحدثون بهذا، من أنكر جوازه على تأويله. قال أبو عمر ومجاهد: وإن كان أحد الأئمة يتأول القرآن فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم: أحدهما هذا والثاني في تأويل قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ} قال: تنتظر الثواب، ليس من النظر. قلت. ذكر هذا في باب ابن شهاب في حديث التنزيل.
وروى عن مجاهد أيضا في هذه الآية قال: يجلسه على العرش. وهذا تأويل غير مستحيل، لان الله تعالى كان قبل خلقه الأشياء كلها والعرش قائما بذاته، ثم خلق الأشياء من غير حاجة إليها، بل إظهارا لقدرته وحكمته، وليعرف وجوده وتوحيده وكمال قدرته وعلمه بكل أفعاله المحكمة، وخلق لنفسه عرشا استوى عليه كما شاء من غير أن صار له مماسا، أو كان العرش له مكانا. قيل: هو الآن على الصفة التي كان عليها من قبل أن يخلق المكان والزمان، فعلى هذا القول سواء في الجواز أقعد محمد على العرش أو على الأرض، لان استواء الله تعالى على العرش ليس بمعنى الانتقال والزوال وتحويل الأحوال من القيام والقعود والحال التي تشغل العرش، بل هو مستو على عرشه كما أخبر عن نفسه بلا كيف. وليس إقعاده محمدا على العرش موجبا له صفة الربوبية أو مخرجا له عن صفة العبودية، بل هو رفع لمحله وتشريف له على خلقه. وأما قوله في الاخبار: «معه» فهو بمنزلة قوله: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ}، و{رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ}. {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} ونحو ذلك. كل ذلك عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة، لا إلى المكان.
الرابع- إخراجه من النار بشفاعته من يخرج، قاله جابر بن عبد الله. ذكره مسلم. وقد ذكرناه في كتاب التذكرة والله الموفق.
السادسة: اختلف العلماء في كون القيام بالليل سببا للمقام المحمود على قولين: أحدهما: أن البارئ تعالى يجعل ما شاء من فعله سببا لفضله من غير معرفه بوجه الحكمة فيه، أو بمعرفة وجه الحكمة.
الثاني: أن قيام الليل فيه الخلوة مع البارئ والمناجاة دون الناس، فأعطى الخلوة به ومناجاته في قيامه وهو المقام المحمود. ويتفاضل فيه الخلق بحسب درجاتهم، فأجلهم فيه درجة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنه يعطى ما لا يعطى أحد ويشفع ما لا يشفع أحد. و{عَسى} من الله عز وجل واجبة. و{مَقاماً} نصب على الظرف. أي في مقام أو إلى مقام. وذكر الطبري عن أبى هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «المقام المحمود هو المقام الذي أشفع فيه لامتي». فالمقام الموضع الذي يقوم فيه الإنسان للأمور الجليلة كالمقامات بين يدي الملوك. )
( تفسير ابن كثير ( 700 : 774 )
وَقَوْله " عَسَى أَنْ يَبْعَثك رَبّك مَقَامًا مَحْمُودًا " أَيْ اِفْعَلْ هَذَا الَّذِي أَمَرْتُك بِهِ لِنُقِيمَك يَوْم الْقِيَامَة مَقَامًا مَحْمُودًا يَحْمَدك فِيهِ الْخَلَائِق كُلّهمْ وَخَالِقهمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى . قَالَ اِبْن جَرِير : قَالَ أَكْثَر أَهْل التَّأْوِيل ذَلِكَ هُوَ الْمَقَام الَّذِي يَقُومهُ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْقِيَامَة لِلشَّفَاعَةِ لِلنَّاسِ لِيُرِيحَهُمْ رَبّهمْ مِنْ عِظَم مَا هُمْ فِيهِ مِنْ شِدَّة ذَلِكَ الْيَوْم ذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ " حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ صِلَة بْن زُفَر عَنْ حُذَيْفَة قَالَ : يُجْمَع النَّاس فِي صَعِيد وَاحِد يُسْمِعهُمْ الدَّاعِي وَيَنْفُذهُمْ الْبَصَر حُفَاة عُرَاة كَمَا خُلِقُوا قِيَامًا لَا تُكَلَّم نَفْس إِلَّا بِإِذْنِهِ يُنَادَى يَا مُحَمَّد فَيَقُول " لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْك وَالْخَيْر فِي يَدَيْك وَالشَّرّ لَيْسَ إِلَيْك وَالْمَهْدِيّ مَنْ هَدَيْت وَعَبْدك بَيْن يَدَيْك وَمِنْك وَإِلَيْك لَا مَنْجَى وَلَا مَلْجَأ مِنْك إِلَّا إِلَيْك تَبَارَكْت وَتَعَالَيْت سُبْحَانك رَبّ الْبَيْت " فَهَذَا الْمَقَام الْمَحْمُود الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ بُنْدَار عَنْ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق بِهِ وَكَذَا رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر وَالثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي إِسْحَاق بِهِ وَقَالَ اِبْن عَبَّاس هَذَا الْمَقَام الْمَحْمُود مَقَام الشَّفَاعَة وَكَذَا قَالَ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد وَقَالَهُ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَقَالَ قَتَادَة هُوَ أَوَّل مَنْ تَنْشَقّ عَنْهُ الْأَرْض يَوْم الْقِيَامَة وَأَوَّل شَافِع وَكَانَ أَهْل الْعِلْم يَرَوْنَ أَنَّهُ الْمَقَام الْمَحْمُود الَّذِي قَالَ اللَّه تَعَالَى " عَسَى أَنْ يَبْعَثك رَبّك مَقَامًا مَحْمُودًا " قُلْت لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشْرِيفَات يَوْم الْقِيَامَة لَا يُشْرِكهُ فِيهَا أَحَد وَتَشْرِيفَات لَا يُسَاوِيه فِيهَا أَحَد فَهُوَ أَوَّل مَنْ تَنْشَقّ عَنْهُ الْأَرْض وَيُبْعَث رَاكِبًا إِلَى الْمَحْشَر وَلَهُ اللِّوَاء الَّذِي آدَم فَمَنْ دُونه لِوَائِهِ وَلَهُ الْحَوْض الَّذِي لَيْسَ فِي الْمَوْقِف أَكْثَر وَارِدًا مِنْهُ وَلَهُ الشَّفَاعَة الْعُظْمَى عِنْد اللَّه لِيَأْتِيَ لِفَصْلِ الْقَضَاء بَيْن الْخَلَائِق وَذَلِكَ بَعْدَمَا تَسْأَل النَّاس آدَم ثُمَّ نُوحًا ثُمَّ إِبْرَاهِيم ثُمَّ مُوسَى ثُمَّ عِيسَى فَكُلّ يَقُول لَسْت لَهَا حَتَّى يَأْتُوا إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُول " أَنَا لَهَا أَنَا لَهَا " كَمَا سَنَذْكُرُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي هَذَا الْمَوْضِع إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَشْفَع فِي أَقْوَام قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّار فَيُرَدُّونَ عَنْهَا وَهُوَ أَوَّل الْأَنْبِيَاء يَقْضِي بَيْن أُمَّته وَأَوَّلهمْ إِجَازَة عَلَى الصِّرَاط بِأُمَّتِهِ وَهُوَ أَوَّل شَفِيع فِي الْجَنَّة كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم. وَفِي حَدِيث الصُّور أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كُلّهمْ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّة إِلَّا بِشَفَاعَتِهِ وَهُوَ أَوَّل دَاخِلٍ إِلَيْهَا وَأُمَّته قَبْلَ الْأُمَم كُلّهمْ وَيَشْفَع فِي رَفْع دَرَجَات أَقْوَام لَا تَبْلُغهَا أَعْمَالهمْ وَهُوَ صَاحِب الْوَسِيلَة الَّتِي هِيَ أَعْلَى مَنْزِلَة فِي الْجَنَّة لَا تَلِيق إِلَّا لَهُ وَإِذَا أَذِنَ اللَّه تَعَالَى فِي الشَّفَاعَة لِلْعُصَاةِ شَفَعَ الْمَلَائِكَة وَالنَّبِيُّونَ وَالْمُؤْمِنُونَ فَيَشْفَع هُوَ فِي خَلَائِق لَا يَعْلَم عِدَّتهمْ إِلَّا اللَّه تَعَالَى وَلَا يَشْفَع أَحَد مِثْله وَلَا يُسَاوِيه فِي ذَلِكَ وَقَدْ بَسَطْت ذَلِكَ مُسْتَقْصًى فِي آخِر كِتَاب السِّيرَة فِي بَاب الْخَصَائِص وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة وَلْنَذْكُرْ الْآن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْمَقَام الْمَحْمُود وَبِاَللَّهِ الْمُسْتَعَان . قَالَ الْبُخَارِيّ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن أَبَان حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص عَنْ آدَم بْن عَلِيّ سَمِعْت اِبْن عُمَر يَقُول : إِنَّ النَّاس يَصِيرُونَ يَوْم الْقِيَامَة جُثًا كُلّ أُمَّة تَتْبَع نَبِيّهَا يَقُولُونَ يَا فُلَان اِشْفَعْ يَا فُلَان اِشْفَعْ حَتَّى تَنْتَهِي الشَّفَاعَة إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَلِكَ يَوْم يَبْعَثهُ اللَّه مَقَامًا مَحْمُودًا. وَرَوَاهُ حَمْزَة بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم حَدَّثَنَا شُعَيْب بْن اللَّيْث ثَنَا اللَّيْث عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْت حَمْزَة بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر يَقُول سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن عُمَر يَقُول : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ الشَّمْس لَتَدْنُو حَتَّى يَبْلُغ الْعَرَق نِصْف الْأُذُن فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ اِسْتَغَاثُوا بِآدَم فَيَقُول لَسْت بِصَاحِبِ ذَلِكَ ثُمَّ بِمُوسَى فَيَقُول كَذَلِكَ ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَشْفَع بَيْن الْخَلْق فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذ بِحَلْقَةِ بَاب الْجَنَّة فَيَوْمئِذٍ يَبْعَثهُ اللَّه مَقَامًا مَحْمُودًا " وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي الزَّكَاة عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْر وَعَلْقَمَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن صَالِح كِلَاهُمَا عَنْ اللَّيْث بْن سَعْد بِهِ . وَزَادَ فَيَوْمئِذٍ يَبْعَثهُ اللَّه مَقَامًا مَحْمُودًا يَحْمَدهُ أَهْل الْجَمْع كُلّهمْ . قَالَ الْبُخَارِيّ : وَحَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَيَّاش حَدَّثَنَا شُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ قَالَ حِين يَسْمَع النِّدَاء : اللَّهُمَّ رَبّ هَذِهِ الدَّعْوَة التَّامَّة وَالصَّلَاة الْقَائِمَة آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَة وَالْفَضِيلَة وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْته . حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْم الْقِيَامَة " اِنْفَرَدَ بِهِ دُون مُسْلِم . " حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا أَبُو عَامِر الْأَزْدِيّ حَدَّثَنَا زُهَيْر بْن مُحَمَّد عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عُقَيْل عَنْ الطُّفَيْل بْن أُبَيّ بْن كَعْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة كُنْت إِمَام الْأَنْبِيَاء وَخَطِيبهمْ وَصَاحِب شَفَاعَتهمْ غَيْر فَخْر " وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي عَامِر عَبْد الْمَلِك بْن عَمْرو الْعَقَدِيّ وَقَالَ حَسَن صَحِيح . وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عُقَيْل بِهِ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب فِي قِرَاءَة الْقُرْآن عَلَى سَبْعَة أَحْرُف قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِره " فَقُلْت اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِأُمَّتِي اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِأُمَّتِي وَأَخَّرْت الثَّالِثَة لِيَوْمٍ يَرْغَب إِلَيَّ فِيهِ الْخَلْق حَتَّى إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام " . " حَدِيث أَنَس بْن مَالِك " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد حَدَّثَنَا سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة حَدَّثَنَا قَتَادَة عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " يَجْتَمِع الْمُؤْمِنُونَ يَوْم الْقِيَامَة فَيُلْهَمُونَ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ لَوْ اِسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبّنَا فَأَرَاحَنَا مِنْ مَكَاننَا هَذَا فَيَأْتُونَ آدَم فَيَقُولُونَ يَا آدَم أَنْتَ أَبُو الْبَشَر خَلَقَك اللَّه بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَك مَلَائِكَته وَعَلَّمَك أَسْمَاء كُلّ شَيْء فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبّك حَتَّى يُرِيحنَا مِنْ مَكَاننَا هَذَا . فَيَقُول لَهُمْ آدَم لَسْت هُنَاكُمْ وَيَذْكُر ذَنْبه الَّذِي أَصَابَ فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَيَقُول وَلَكِنْ اِئْتُوا نُوحًا فَإِنَّهُ أَوَّل رَسُول بَعَثَهُ اللَّه إِلَى أَهْل الْأَرْض فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُول لَسْت هُنَاكُمْ وَيَذْكُر خَطِيئَة سُؤَاله رَبّه مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْم فَيَسْتَحْيِي رَبَّه مِنْ ذَلِكَ وَيَقُول وَلَكِنْ اِئْتُوا إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن فَيَأْتُونَهُ فَيَقُول لَسْت هُنَاكُمْ وَلَكِنْ اِئْتُوا مُوسَى عَبْدًا كَلَّمَهُ اللَّه وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاة فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُول لَسْت هُنَاكُمْ وَيَذْكُر لَهُمْ النَّفْس الَّتِي قَتَلَ بِغَيْرِ نَفْس فَيَسْتَحْيِي رَبّه مِنْ ذَلِكَ وَيَقُول وَلَكِنْ اِئْتُوا عِيسَى عَبْد اللَّه وَرَسُوله وَكَلِمَته وَرُوحه . فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُول لَسْت هُنَاكُمْ وَلَكِنْ اِئْتُوا مُحَمَّدًا غَفَرَ اللَّه لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه وَمَا تَأَخَّرَ فَيَأْتُونِي قَالَ الْحَسَن هَذَا الْحَرْف فَأَقُوم فَأَمْشِي بَيْن سِمَاطَيْنِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ - قَالَ أَنَس - حَتَّى أَسْتَأْذِن عَلَى رَبِّي فَإِذَا رَأَيْت رَبِّي وَقَعْت لَهُ - أَوْ خَرَرْت - سَاجِدًا لِرَبِّي فَيَدَعنِي مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَدَعنِي - قَالَ - ثُمَّ يُقَال اِرْفَعْ مُحَمَّد قُلْ يُسْمَع وَاشْفَعْ تُشَفَّع وَسَلْ تُعْطَهُ فَأَرْفَع رَأْسِي فَأَحْمَدهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمنِيهِ ثُمَّ أَشْفَع فَيَحُدّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلهُمْ الْجَنَّة قَالَ ثُمَّ أَعُود إِلَيْهِ الثَّانِيَة فَإِذَا رَأَيْت رَبِّي وَقَعْت لَهُ - أَوْ خَرَرْت - سَاجِدًا لِرَبِّي فَيَدَعنِي مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَدَعنِي ثُمَّ يُقَال اِرْفَعْ مُحَمَّد قُلْ يُسْمَع وَسَلْ تُعْطَهُ وَاشْفَعْ تُشَفَّع فَأَرْفَع رَأْسِي فَأَحْمَدهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمنِيهِ ثُمَّ أَشْفَع فَيَحُدّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلهُمْ الْجَنَّة قَالَ ثُمَّ أَعُود الثَّالِثَة فَإِذَا رَأَيْت رَبِّي وَقَعْت - أَوْ خَرَرْت - سَاجِدًا لِرَبِّي فَيَدَعنِي مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَدَعنِي ثُمَّ يُقَال اِرْفَعْ مُحَمَّد قُلْ يُسْمَع وَسَلْ تُعْطَهُ وَاشْفَعْ تُشَفَّع فَأَرْفَع رَأْسِي فَأَحْمَدهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمنِيهِ ثُمَّ أَشْفَع فَيَحُدّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلهُمْ الْجَنَّة ثُمَّ أَعُود الرَّابِعَة فَأَقُول يَا رَبّ مَا بَقِيَ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآن " فَحَدَّثَنَا أَنَس بْن مَالِك أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " فَيَخْرُج مِنْ النَّار مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَكَانَ فِي قَلْبه مِنْ الْخَيْر مَا يَزِن شَعِيرَة ثُمَّ يَخْرُج مِنْ النَّار مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَكَانَ فِي قَلْبه مِنْ الْخَيْر مَا يَزِن بُرَّة ثُمَّ يَخْرُج مِنْ النَّار مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَكَانَ فِي قَلْبه مِنْ الْخَيْر مَا يَزِن ذَرَّة " أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيث سَعِيد بِهِ وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد عَنْ عَفَّان بْن حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس بِطُولِهِ . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا يُونُس بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا حَرْب بْن مَيْمُون أَبُو الْخَطَّاب الْأَنْصَارِيّ عَنْ النَّضْر بْن أَنَس عَنْ أَنَس قَالَ حَدَّثَنِي نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنِّي لَقَائِم أَنْتَظِر أُمَّتِي تَعْبُر الصِّرَاط إِذْ جَاءَنِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ هَذِهِ الْأَنْبِيَاء قَدْ جَاءَتْك يَا مُحَمَّد يَسْأَلُونَ - أَوْ قَالَ يَجْتَمِعُونَ إِلَيْك - وَيَدْعُونَ اللَّه أَنْ يُفَرِّق بَيْن جَمِيع الْأُمَم إِلَى حَيْثُ يَشَاء اللَّه لِغَمِّ مَا هُمْ فِيهِ فَالْخَلْق مُلْجَمُونَ بِالْعَرَقِ فَأَمَّا الْمُؤْمِن فَهُوَ عَلَيْهِ كَالزَّكْمَة وَأَمَّا الْكَافِر فَيَغْشَاهُ الْمَوْت فَقَالَ : اِنْتَظِرْ حَتَّى أَرْجِع إِلَيْك فَذَهَبَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ تَحْت الْعَرْش فَلَقِيَ مَا لَمْ يَلْقَ مَلَك مُصْطَفًى وَلَا نَبِيّ مُرْسَل فَأَوْحَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِلَى جِبْرِيل أَنْ اِذْهَبْ إِلَى مُحَمَّد وَقُلْ لَهُ اِرْفَعْ رَأْسك سَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّع فَشُفِّعْت فِي أُمَّتِي أَنْ أُخْرِج مِنْ كُلّ تِسْعَة وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا وَاحِدًا فَمَا زِلْت أَتَرَدَّد إِلَى رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَلَا أَقُوم مِنْهُ مَقَامًا إِلَّا شُفِّعْت حَتَّى أَعْطَانِي اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَنْ قَالَ يَا مُحَمَّد أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتك مِنْ خَلْق اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه يَوْمًا وَاحِدًا مُخْلِصًا وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ "" حَدِيث بُرَيْدَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل : حَدَّثَنَا الْأَسْوَد بْن عَامِر أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْرَائِيل عَنْ الْحَارِث بْن حَصِيرَة عَنْ اِبْن بُرَيْدَة عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَة فَإِذَا رَجُل يَتَكَلَّم فَقَالَ بُرَيْدَة : يَا مُعَاوِيَة تَأْذَن لِي فِي الْكَلَام ؟ فَقَالَ نَعَمْ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ سَيَتَكَلَّمُ بِمِثْلِ مَا قَالَ الْآخَر فَقَالَ بُرَيْدَة سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَشْفَع يَوْم الْقِيَامَة عَدَد مَا عَلَى الْأَرْض مِنْ شَجَرَة وَمَدَرَة " قَالَ فَتَرْجُوهَا أَنْتَ يَا مُعَاوِيَة وَلَا يَرْجُوهَا عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . " حَدِيث اِبْن مَسْعُود " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا عَارِم بْن الْفَضْل حَدَّثَنَا سَعِيد بْن الْفَضْل حَدَّثَنَا سَعِيد بْن زَيْد حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْحَكَم الْبُنَانِيّ عَنْ عُثْمَان عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَلْقَمَة وَالْأَسْوَد عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : جَاءَ اِبْنَا مُلَيْكَة إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَا : إِنَّ أُمّنَا تُكْرِم الزَّوْج وَتَعْطِف عَلَى الْوَلَد قَالَ وَذَكَرَ الضَّيْف غَيْر أَنَّهَا كَانَتْ وَأَدَتْ فِي الْجَاهِلِيَّة فَقَالَ " أُمّكُمَا فِي النَّار " قَالَ فَأَدْبَرَا وَالسُّوء يُرَى فِي وَجْهَيْهِمَا فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُدَّا فَرَجَعَا وَالسُّرُور يُرَى فِي وَجْهَيْهِمَا رَجَاء أَنْ يَكُون قَدْ حَدَثَ شَيْء فَقَالَ " أُمِّي مَعَ أُمّكُمَا " فَقَالَ رَجُل مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَمَا يُغْنِي هَذَا عَنْ أُمّه شَيْئًا وَنَحْنُ نَطَأ عَقِبَيْهِ . فَقَالَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار وَلَمْ أَرَ رَجُلًا قَطُّ أَكْثَر سُؤَالًا مِنْهُ يَا رَسُول اللَّه هَلْ وَعَدَك رَبّك فِيهَا أَوْ فِيهِمَا . قَالَ فَظَنَّ أَنَّهُ مِنْ شَيْء قَدْ سَمِعَهُ فَقَالَ " مَا شَاءَ اللَّه رَبِّي وَمَا أَطْعَمَنِي فِيهِ وَإِنِّي لَأَقُوم الْمَقَام الْمَحْمُود يَوْم الْقِيَامَة " فَقَالَ الْأَنْصَارِيّ يَا رَسُول اللَّه وَمَا ذَاكَ الْمَقَام الْمَحْمُود ؟ قَالَ :" ذَاكَ إِذَا جِيءَ بِكُمْ حُفَاة عُرَاة غُرْلًا فَيَكُون أَوَّل مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام فَيَقُول اُكْسُوَا خَلِيلِي فَيُؤْتَى بِرَيْطَتَيْنِ بَيْضَاوَيْنِ فَيَلْبَسهُمَا ثُمَّ يُقْعِدهُ مُسْتَقْبِل الْعَرْش ثُمَّ أُوتِيَ بِكِسْوَتِي فَأَلْبَسهَا فَأَقُوم عَنْ يَمِينه مَقَامًا لَا يَقُومهُ أَحَد فَيَغْبِطنِي فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ " قَالَ : وَيُفْتَح لَهُمْ مِنْ الْكَوْثَر إِلَى الْحَوْض فَقَالَ الْمُنَافِق إِنَّهُ مَا جَرَى مَاء قَطُّ إِلَّا عَلَى حَال أَوْ رَضْرَاض فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " حَاله الْمِسْك وَرَضْرَاضه اللُّؤْلُؤ " فَقَالَ الْمُنَافِق لَمْ أَسْمَع كَالْيَوْمِ فَإِنَّهُ قَلَّمَا جَرَى مَاء عَلَى حَال أَوْ رَضْرَاض إِلَّا كَانَ لَهُ نَبْت ؟ فَقَالَ الْأَنْصَارِيّ : يَا رَسُول اللَّه هَلْ لَهُ نَبْت ؟ فَقَالَ : " نَعَمْ قُضْبَان الذَّهَب " قَالَ الْمُنَافِق لَمْ أَسْمَع كَالْيَوْمِ فَإِنَّهُ قَلَّمَا يَنْبُت قَضِيب إِلَّا أَوْرَقَ وَإِلَّا كَانَ لَهُ ثَمَر قَالَ الْأَنْصَارِيّ يَا رَسُول اللَّه هَلْ لَهُ ثَمَرَة ؟ قَالَ : " نَعَمْ أَلْوَان الْجَوْهَر وَمَاؤُهُ أَشَدّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَن وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَل مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَة لَا يَظْمَأ بَعْده وَمَنْ حُرِمَهُ لَمْ يُرْوَ بَعْده " وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَلَمَة بْن كُهَيْل عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الزَّعْرَاء عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : ثُمَّ يَأْذَن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي الشَّفَاعَة فَيَقُوم رُوح الْقُدُس جِبْرِيل ثُمَّ يَقُوم إِبْرَاهِيم خَلِيل اللَّه ثُمَّ يَقُوم عِيسَى أَوْ مُوسَى قَالَ أَبُو الزَّعْرَاء لَا أَدْرِي أَيّهمَا قَالَ , ثُمَّ يَقُوم نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَابِعًا فَيَشْفَع لَا يَشْفَع أَحَد بَعْده أَكْثَر مِمَّا شَفَعَ وَهُوَ الْمَقَام الْمَحْمُود الَّذِي قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " عَسَى أَنْ يَبْعَثك رَبّك مَقَامًا مَحْمُودًا " . " حَدِيث كَعْب بْن مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن عَبْد رَبّه حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حَرْب حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيّ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن كَعْب بْن مَالِك عَنْ كَعْب بْن مَالِك أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يُبْعَث النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فَأَكُون أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلّ وَيَكْسُونِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ حُلَّة خَضْرَاء ثُمَّ يُؤْذَن لِي فَأَقُول مَا شَاءَ اللَّه أَنْ أَقُول فَذَلِكَ الْمَقَام الْمَحْمُود "" حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُ " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا حَسَن حَدَّثَنَا اِبْن لَهِيعَة حَدَّثَنَا يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن جُبَيْر عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنَا أَوَّل مَنْ يُؤْذَن لَهُ بِالسُّجُودِ يَوْم الْقِيَامَة وَأَنَا أَوَّل مَنْ يُؤْذَن لَهُ أَنْ يَرْفَع رَأْسه فَأَنْظُر إِلَى مَا بَيْن يَدَيَّ فَأَعْرِف أُمَّتِي مِنْ بَيْن الْأُمَم وَمِنْ خَلْفِي مِثْل ذَلِكَ وَعَنْ يَمِينِي مِثْل ذَلِكَ وَعَنْ شِمَالِي مِثْل ذَلِكَ " فَقَالَ رَجُل يَا رَسُول اللَّه كَيْف تَعْرِف أُمَّتك مِنْ بَيْن الْأُمَم فِيمَا بَيْن نُوح إِلَى أُمَّتك ؟ قَالَ " هُمْ غُرّ مُحَجَّلُونَ مِنْ أَثَر الْوُضُوء لَيْسَ أَحَد كَذَلِكَ غَيْرهمْ وَأَعْرِفهُمْ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ كُتُبهمْ بِأَيْمَانِهِمْ وَأَعْرِفهُمْ تَسْعَى مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ ذُرِّيَّتهمْ " . " حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد رَحِمَهُ اللَّه : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّان حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة بْن عَمْرو بْن جَرِير عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : أُتِيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاع وَكَانَتْ تُعْجِبهُ فَنَهَشَ مِنْهَا نَهْشَة ثُمَّ قَالَ " أَنَا سَيِّد النَّاس يَوْم الْقِيَامَة وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَاكَ ؟ يَجْمَع اللَّه الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيد وَاحِد يُسْمِعهُمْ الدَّاعِي وَيَنْفُذهُمْ الْبَصَر وَتَدْنُو الشَّمْس فَيَبْلُغ النَّاس مِنْ الْغَمّ وَالْكَرْب مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ فَيَقُول بَعْض النَّاس لِبَعْضٍ أَلَا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِمَّا قَدْ بَلَغَكُمْ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَع لَكُمْ إِلَى رَبّكُمْ ؟ فَيَقُول بَعْض النَّاس لِبَعْضٍ عَلَيْكُمْ بِآدَم فَيَأْتُونَ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام فَيَقُولُونَ : يَا آدَم أَنْتَ أَبُو الْبَشَر خَلَقَك اللَّه بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيك مِنْ رُوحه وَأَمَرَ الْمَلَائِكَة فَسَجَدُوا لَك فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبّك أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُول آدَم : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْم غَضَبًا لَمْ يَغْضَب قَبْله مِثْله وَلَنْ يَغْضَب بَعْده مِثْله وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَنْ الشَّجَرَة فَعَصَيْت نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اِذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اِذْهَبُوا إِلَى نُوح فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ : يَا نُوح أَنْتَ أَوَّل الرُّسُل إِلَى أَهْل الْأَرْض وَقَدْ سَمَّاك اللَّه عَبْدًا شَكُورًا اِشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبّك أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُول نُوح : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْم غَضَبًا لَمْ يَغْضَب قَبْله مِثْله وَلَنْ يَغْضَب بَعْده مِثْله قَطُّ وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَة دَعَوْتهَا عَلَى قَوْمِي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اِذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اِذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيم فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيم فَيَقُولُونَ : يَا إِبْرَاهِيم أَنْتَ نَبِيّ اللَّه وَخَلِيله مِنْ أَهْل الْأَرْض اِشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبّك أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُول : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْم غَضَبًا لَمْ يَغْضَب قَبْله مِثْله وَلَنْ يَغْضَب بَعْده مِثْله فَذَكَرَ كَذَبَاته نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اِذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اِذْهَبُوا إِلَى مُوسَى فَيَأْتُونَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَيَقُولُونَ : يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُول اللَّه اِصْطَفَاك اللَّه بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاس اِشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبّك أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُول لَهُمْ مُوسَى : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْم غَضَبًا لَمْ يَغْضَب قَبْله مِثْله وَلَنْ يَغْضَب بَعْده مِثْله وَإِنِّي قَدْ قَتَلْت نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اِذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اِذْهَبُوا إِلَى عِيسَى فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ : يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُول اللَّه وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وَرُوح مِنْهُ وَكَلَّمْت النَّاس فِي الْمَهْد صَبِيًّا فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبّك أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُول لَهُمْ عِيسَى إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْم غَضَبًا لَمْ يَغْضَب قَبْله مِثْله وَلَنْ يَغْضَب بَعْده مِثْله وَلَمْ يَذْكُر ذَنْبًا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اِذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اِذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُونَ : يَا مُحَمَّد أَنْتَ رَسُول اللَّه وَخَاتَم الْأَنْبِيَاء وَقَدْ غَفَرَ اللَّه لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبك وَمَا تَأَخَّرَ فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبّك أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَأَقُوم فَآتِي تَحْت الْعَرْش فَأَقَع سَاجِدًا لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَفْتَح اللَّه عَلَيَّ وَيُلْهِمنِي مِنْ مَحَامِده وَحُسْن الثَّنَاء عَلَيْهِ مَا لَمْ يَفْتَح عَلَى أَحَد قَبْلِي فَيُقَال : يَا مُحَمَّد اِرْفَعْ رَأْسك وَسَلْ تُعْطَهُ وَاشْفَعْ تُشَفَّع . فَأَرْفَع رَأْسِي فَأَقُول أُمَّتِي يَا رَبّ أُمَّتِي يَا رَبّ أُمَّتِي يَا رَبّ ؟ فَيُقَال : يَا مُحَمَّد أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتك مَنْ لَا حِسَاب عَلَيْهِ مِنْ الْبَاب الْأَيْمَن مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة وَهُمْ شُرَكَاء النَّاس فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَبْوَاب ثُمَّ قَالَ وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْن الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيع الْجَنَّة كَمَا بَيْن مَكَّة وَهَجَر أَوْ كَمَا بَيْن مَكَّة وَبُصْرَى " أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه : حَدَّثَنَا الْحَكَم بْن مُوسَى حَدَّثَنَا هِقْل بْن زِيَاد عَنْ الْأَوْزَاعِيّ حَدَّثَنِي أَبُو عَمَّار حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن فَرُّوخ حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم يَوْم الْقِيَامَة وَأَوَّل مَنْ يَنْشَقّ عَنْهُ الْقَبْر يَوْم الْقِيَامَة وَأَوَّل شَافِع وَأَوَّل مُشَفَّع " وَقَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب حَدَّثَنَا وَكِيع عَنْ دَاوُد بْن يَزِيد الزَّعَافِرِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " عَسَى أَنْ يَبْعَثك رَبّك مَقَامًا مَحْمُودًا " سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ : هِيَ الشَّفَاعَة " رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد عَنْ وَكِيع عَنْ مُحَمَّد بْن عُبَيْد عَنْ دَاوُد عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله تَعَالَى :" عَسَى أَنْ يَبْعَثك رَبّك مَقَامًا مَحْمُودًا " قَالَ : " هُوَ الْمَقَام الَّذِي أَشْفَع لِأُمَّتِي فِيهِ " وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة مَدَّ اللَّه الْأَرْض مَدّ الْأَدِيم حَتَّى لَا يَكُون لِبَشَرٍ مِنْ النَّاس إِلَّا مَوْضِع قَدَمَيْهِ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَكُون أَوَّل مَنْ يُدْعَى وَجِبْرِيل عَنْ يَمِين الرَّحْمَن تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَاَللَّه مَا رَآهُ قَبْلهَا فَأَقُول أَيْ رَبّ إِنَّ هَذَا أَخْبَرَنِي أَنَّك أَرْسَلْته إِلَيَّ فَيَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : صَدَقَ ثُمَّ أَشْفَع فَأَقُول يَا رَبّ عِبَادك عَبَدُوك فِي أَطْرَاف الْأَرْض قَالَ فَهُوَ الْمَقَام الْمَحْمُود" وَهَذَا حَدِيث مُرْسَل . )
( السيوطى مولود عام 1445 وتوفى عام 1505 ميلادية
وأخرج سعيد بن منصور والبخاري وابن جرير وابن مردويه، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثاء كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان، اشفع لنا. حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود.
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} وسئل عنه قال: هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي.
وأخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المقام المحمود، الشفاعة».
وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} قال: مقام الشفاعة.
وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المقام المحمود فقال: «هو الشفاعة».
وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن كعب بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تَلٍّ، ويكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي أن أقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود».
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان من طريق علي بن حسين قال: أخبرني رجل من أهل العلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تمد الأرض يوم القيامة مدّ الأديم ولا يكون لبشر من بني آدم فيها إلا موضع قدمه، ثم أدعى أول الناس فأخر ساجداً، ثم يؤذن لي فأقول: يا رب، أخبرني هذا لجبريل وجبريل عن يمين الرحمن، والله ما رآه جبريل قط قبلها أنك أرسلته إلي. وجبريل عليه السلام ساكت لا يتكلم حتى يقول الرب: صدقت... ثم يؤذن لي في الشفاعة فأقول: أي رب، عبادك عبدوك في أطراف الأرض. فذلك المقام المحمود».
وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه والبيهقي في البعث والخطيب في المتفق والمفترق، عن حذيفة رضي الله عنه قال: يجمع الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر حفاة عراة كما خلقوا قياماً، لا تكلم نفس إلا بإذنه ينادي: يا محمد، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك والشرّ لَيْسَ إليك، والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت. فهذا المقام المحمود.
وأخرج البخاري وابن جرير وابن مردويه، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم عليه السلام فيقول: لَسْتُ بصاحب ذلك، ثم موسى عليه السلام فيقول: كذلك، ثم محمد صلى الله عليه وسلم فيشفع، فيقضي الله بين الخلائق فيمشي حتى يأخذ بحلقة باب الجنة»فيومئذ يبعثه الله مقاماً محموداً يحمده أهل الجمع كلهم.
وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأقوم المقام المحمود. قيل: وما المقام المحمود؟ قال: ذلك إذا جيء بكم حفاة عراة غرلاً، فيكون أول من يكسى إبراهيم عليه السلام، فيقول: اكسوا خليلي. فيؤتى بريطتين بيضاوين فيلبسهما، ثم يقعد مستقبل العرش. ثم أوتَى بكسوة فألبسها فأقوم عن يمينه مقاماً لا يقومه أحد، فيغبطني به الأولون والآخرون، ثم يفتح نهر من الكوثر إلى الحوض».
وأخرج ابن مردويه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: ما المقام المحمود الذي ذكر لك ربك؟ قال: «يحشر الله الناس يوم القيامة عراة غرلاً، كهيئتكم يوم ولدتم... هالهم الفزع الأكبر وكظمهم الكرب العظيم، وبلغ الرشح أفواههم وبلغ بهم الجهد والشدة، فأكون أول مدعى وأول معطى، ثم يدعى إبراهيم عليه السلام قد كسي ثوبين أبيضين من ثياب الجنة، ثم يؤمر فيجلس في قبل الكرسي. ثم أقوم عن يمين العرش... فما من الخلائق قائم غيري، فأتكلم فيسمعون وأشهد فيصدقون».
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} قال: «يجلسه على السرير».
وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ- آدم فمن سواه- إلا تحت لوائي، وأنا أوّل من تَنْشَقُّ عنه الأرض ولا فخر... فيفزع الناس ثلاث فزعات فيأتون آدم عليه السلام فيقولون: أنت أبونا فاشفع لنا إلى ربك. فيقول: إني أذنبت ذنباً أهبطت منه إلى الأرض، ولكن ائتوا نوحاً. فيأتون نوحاً فيقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة فأهلكوا، ولكن اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم فيقول: ائتوا موسى. فيأتون موسى عليه الصلاة والسلام فيقول: إني قتلت نفساً، ولكن ائتوا عيسى. فيأتون عيسى عليه السلام فيقول: إني عُبِدْتُ من دون الله، ولكن ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم. فيأتوني فأنطلق معهم فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها، فيقال: من هذا؟ فأقول: محمد. فيفتحون لي ويقولون: مرحباً. فأخرّ ساجداً فيلهمني الله عز وجل من الثناء والحمد والمجد، فيقال: ارفع رأسك... سل تُعْطَ، واشفع تُشَفّعْ، وقل يسمع لقولك. فهو المقام المحمود الذي قال الله: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً}».
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد رضي الله عنه في قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} قال: يخرج الله قوماً من النار من أهل الإيمان والقبلة بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، فذلك المقام المحمود.
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أنه ذكر حديث الجهنّميّين فقيل له: ما هذا الذي تحدث والله تعالى يقول: {إنك من تدخل النار فقد أخزيته} [ آل عمران: 192] {وكلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} [ السجدة: 20] فقال: هل تقرأ القرآن؟ قال: نعم. قال: فهل سمعت فيه بالمقام المحمود؟ قال: نعم. قال: فإنه مقام محمد صلى الله عليه وسلم الذي يخرج الله به من يخرج.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: يأذن الله تعالى في الشفاعة، فيقوم روح القدس جبريل عليه السلام، ثم يقوم إبراهيم خليل الله عليه الصلاة والسلام، ثم يقوم عيسى أو موسى عليهما السلام، ثم يقوم نبيكم صلى الله عليه وسلم واقفاً ليشفع، لا يشفع أحد بعده أكثر مما شفع، وهو المقام المحمود الذي قال الله: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً}.
وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سألتم الله فاسألوه أن يبعثني المقام المحمود الذي وعدني».
وأخرج البخاري عن جابر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حَلّتْ له شفاعتي يوم القيامة».
وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان رضي الله عنه قال: يقال له: سل تعطه- يعني النبي صلى الله عليه وسلم- واشفع تشفع، وادع تجب. فيرفع رأسه فيقول: أمتي. مرتين أو ثلاثاً، فقال سلمان رضي الله عنه: يشفع في كل من في قلبه مثقال حبة حنطة من إيمان أو مثقال شعيرة من إيمان أو مثقال حبة خردل من إيمان. قال سلمان رضي الله عنه: فذلكم المقام المحمود.
وأخرج الديلمي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «قيل: يا رسول الله، ما المقام المحمود؟ قال: ذلك يوم ينزل الله تعالى عن عرشه، فيئط كما يئط الرحل الجديد من تضايقه».
وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} قال: يجلسه بينه وبين جبريل عليه السلام، ويشفع لأمته. فذلك المقام المحمود.
وأخرج الديلمي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «{عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} قال: يجلسني معه على السرير».
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم خيِّر بين أن يكون عبداً نبياً أو ملكاً نبياً، فأومأ إليه جبريل عليه السلام أن تواضع، فاختار أن يكون عبداً نبياً. فأعطى به النبي صلى الله عليه وسلم ثنتين: أنه أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع. فكان أهل العلم يرون أنه المقام المحمود.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} قال: يجلسه معه على عرشه.)
( الشوكانى 1173 1255 1759 1834
{عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا} قد ذكرنا في مواضع أن {عسى} من الكريم إطماع واجب الوقوع، وانتصاب {مقاماً} على الظرفية بإضمار فعل، أو بتضمين البعث معنى الإقامة، ويجوز أن يكون انتصابه على الحال أي: يبعثك ذا مقام محمود؛ ومعنى كون المقام محموداً: أنه يحمده كل من علم به.
وقد اختلف في تعيين هذا المقام على أقوال: الأول أنه المقام الذي يقومه النبي صلى الله عليه وسلم للشفاعة يوم القيامة للناس ليريحهم ربهم سبحانه مما هو فيه، وهذا القول هو الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة في تفسير الآية، وحكاه ابن جرير عن أكثر أهل التأويل، قال الواحدي: وإجماع المفسرين على أن المقام المحمود هو مقام الشفاعة. القول الثاني: أن المقام المحمود إعطاء النبيّ لواء الحمد يوم القيامة. ويمكن أن يقال: إن هذا لا ينافي القول الأوّل، إذ لا منافاة بين كونه قائماً مقام الشفاعة وبيده لواء الحمد. القول الثالث: أن المقام المحمود: هو أن الله سبحانه يجلس محمداً صلى الله عليه وسلم معه على كرسيه، حكاه ابن جرير عن فرقة منهم مجاهد، وقد ورد في ذلك حديث.
وحكى النقاش عن أبي داود السجستاني أنه قال: من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متهم، ما زال أهل العلم يتحدّثون بهذا الحديث. قال ابن عبد البرّ: مجاهد وإن كان أحد الأئمة بالتأويل، فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم: أحدهما هذا، والثاني في تأويل {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22 23]. قال: معناه تنتظر الثواب، وليس من النظر. انتهى. وعلى كل حال فهذا القول غير منافٍ للقول الأوّل لإمكان أن يقعده الله سبحانه هذا المقعد ويشفع تلك الشفاعة. القول الرابع: أنه مطلق في كل مقام يجلب الحمد من أنواع الكرامات، ذكره صاحب الكشاف والمقتدون به في التفسير، ويجاب عنه بأن الأحاديث الصحيحة الواردة في تعيين هذا المقام المحمود متواترة، فالمصير إليها متعين، وليس في الآية عموم في اللفظ حتى يقال: الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومعنى قوله: «وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد» أنه عام في كل ما هو كذلك، ولكنه يعبر عن العام بلفظ المطلق، كما ذكره في ذبح البقرة، ولهذا قال هنا. وقيل: المراد: الشفاعة، وهي نوع واحد مما يتناوله، يعني: لفظ المقام، والفرق بين العموم البدليّ والعموم الشموليّ معروف، فلا نطيل بذكره. {وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ}. قرأ الجمهور {مدخل صدق ومخرج صدق} بضم الميمين. وقرأ الحسن، وأبو العالية، ونصر بن عاصم بفتحهما، وهما مصدران بمعنى الإدخال والإخراج، والإضافة إلى الصدق لأجل المبالغة نحو حاتم الجود أي: إدخالاً يستأهل أن يسمى إدخالاً، ولا يرى فيه ما يكره.)
( تفسير الشعراوى ( 1911 : 1998 )
ثم يقول تعالى: {عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} [الإسراء: 79].
تحدثتْ الآية في أولها عن التكليف، وهذا هو الجزاء، و{عسى} تدل على رجاء حدوث الفعل، وفَرْق بين التمني والرجاء، التمني: أن تعلن أنك تحب شيئاً لكنه غير ممكن الحدوث أو مستحيل، ومن ذلك قول الشاعر:
لَيْتَ الكَواكِبَ تَدْنُو ليِ فَأنْظِمُهَا ***
فالشاعر يتمنى لو أصبحت الكواكب بين يديه فينظمها قصائد مدح فيمن يمدحه، وهذا أمر مستحيل الحدوث.
وقوله:
أَلاَ لَيْتَ الشَّباب يعُودُ يَوْماً *** فَأُخبرُه بِمَا فَعَلَ المشيِبُ
أما الرجاء فهو طلب فعل ممكن الحدوث.
ويقع تحت الطلب أشياء متعددة؛ فإنْ طلب المتكلم من المخاطب شيئاً غير ممكن الحدوث فهو تمنٍّ، وإن طلب شيئاً ممكن الحدوث فهو ترجٍّ، وإنْ طلب صورة الشيء لا حقيقته فهو استفهام كما تقول: أين زيد؟ وفَرْقٌ بين طلب الحقيقة وطلب الصورة.
فإنْ طلبتَ حقيقة الشيء، فأمامك حالتان: إما أنْ تطلب الحقيقة على أنها تُفعل فهذا أمر، مثل: قُمْ: فإنْ طلبتها على أنها لا تفعل فهذا نهي: لا تَقُمْ.
إذن: {عسى} تدل على الرجاء، وهو يختلف باختلاف المرجو منه، فإنْ رجوت من فلان فقد يعطيك أو يخذلك، فإنْ قُلْتَ: عسى أنْ أعطيك فقد قربت الرجاء؛ لأنني أرجو من نفسي، لكن الإنسان بطبعه صاحب أغيار، ويمكن أن تطرأ عليه ظروف فلا يَفِي بما وعد.
فإنْ قُلْت: عسى الله أن يعطيك، فهو أقوى الرجاء؛ لأنك رجوتَ مَنْ لا يُعجِزه شيء، ولا يتعاظمه شيء، ولا تتناوله الأغيار إذن: فالرجاء فيه مُحقَّق لاَ شَكَّ فيه.
والمقام المحمود، كلمة محمود: أي الذي يقع عليه الحمد، والحمد هنا مشاع فلم يَقُلْ: محمود مِمَّنْ؟ فهو محمود مِمَّنْ يمكن أن يتأتّى منه الحمد، محمود من الكل من لَدُنْ آدم، وحتى قيام الساعة.
والمراد بالمقام المحمود: هو مقام الشفاعة، حينما يقف الخَلْق في ساحة الحساب وهَوْل الموقف وشِدّته، حتى ليتمنى الناس الانصراف ولو أن النار، ساعتها تستشفع كُلُّ أمة بنبيها، فيردّها إلى أنْ يذهبوا إلى خاتم المرسلين وسيد الأنبياء، فيقول: أنا لها، أنا لها.
لذلك أمرنا صلى الله عليه وسلم أن ندعو بهذا الدعاء: (وابعثه اللهم المقام المحمود الذي وعدته) ولا شَكَّ أنه دعاء لصالحنا نحن.).
الباب الثالث : صناعة أساطير الشفاعة
الفصل الثالث : تلاعب أئمة المحمديين بقوله تعالى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )
أولا : الفاتحة و (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )
1 ـ:( بسماللهالرحمنالرحيم (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7) ) فى سورة الفاتحة يتوجه المؤمن لربه وحده بالحمد . وفيها موجز صفات الله جل وعلا الرحمن الرحيم مالك يوم الدين . وأن يعلن المؤمن إخلاصه لله جل وعلا فى الايمان به وحده الاها لاشريك له لا يستعين ولا يتوسل بغيره ، ويعلن إخلاصه فى عبادته الله وحده لا شريك له . ويطلب مخلصا من ربه جل وعلا الهداية للصراط المستقيم ، بعيدا عن المغضوب عليهم والضالين . المفترض أن يقرأ المؤمن هذه الفاتحة 17 مرة فى صلاته اليومية . والمفترض أن يكون مخلصا خاشعا فى صلاته وفى قراءته الفاتحة ، خصوصا وهو يطلب الهداية من ربه ، وخصوصا وهو يعلن إيمانه بأن الله جل وعلا هو المستحق وحده للحمد ، وأنه وحده جل وعلا مالك يوم الدين . وكل مؤمن يتعرض للسهو والإنشغال إثناء الصلاة ، بل يتسلط عليه الشيطان وقت الصلاة بالذات ليحرمه أروع لحظات فى حياته الدنيا ، وهى صلته بالله جل وعلا أساطير الشفاعةو خطابه ومناجاته لربه جل وعلا . والمؤمن المخلص يحاول جاهدا أن يركّز فى صلاته ، وأن يستشعر معانى الفاتحة بالذات . ومن رحمة الله جل وعلا أن تتكرر الفاتحة فى كل ركعة ، حتى لو غلبه الشيطان مرة فيستطيع أن ينجو منه فى المرات التالية . وفى كل الأحوال فالمؤمن المخلص هو الذى يؤمن بقلبه بما يقرؤه فى الفاتحة ، وهو الذى يطلب دائما ومخلصا الهداية من ربه ليظل على الصراط المستقيم ، وهو الذى يؤمن فعلا بأن الله جل وعلا هو ( مالك يوم الدين ) يوم لا تملك نفس بشرية لنفس بشرية أخرى شيئا لأن الملك يوم الدين سيكون لله جل وعلا وحده رب العالمين . فهل يفعل هذا المحمديون ؟
2 ـ المحمديون يؤمنون بشفاعة ( محمد ) وبجاهه يوم الدين ، وهم يقسمون ب ( جاه النبى ) أى سلطانه ، وينتزعون من جاه رب العزة وسلطانه الجزء الأكبر ليضيفوه لأله جديد إخترعوه باسم ( محمد ) جعلوه المتحكم فى يوم الدين ، وإخترعوا آلهة أخرى بجانبه من الإئمة والأولياء يشاركون الاههم الأكبر المصنوع المسمى ( محمد ) وبالتالى لا يتبقى فى عقيدتهم لله إلا أن يكون الاها منزوع السُّلطات فى الدنيا والآخرة . هذه المعتقدات أرساها أئمة المحمديين ، وهى تترسّخ يوما بعد يوم بسيطرة الأديان الأرضية على عصرنا البائس . وبهذه العقيدة فى ( جاه النبى ) يقرأ ( المحمديون ) ( الفاتحة للنبى ) عبادة للنبى . وفى صلاتهم يقرأون ( التحيات ) للنبى ، ويصلّون له صلوات ( السّنة )، ويرفعون إسمه مع اسم رب العزة فى الأذان للصلاة ، ويضعون إسمه الى جانب إسم رب العزة فى شهادة الاسلام التى جعلوها مثناة وليست واحدة . وفى مساجدهم يجعلون اسم محمد وغيره الى جانب إسم الله جل وعلا . وبالتالى فهم حين يقرأون الفاتحة فى الصلاة فإن نورها لا يصل الى قلوبهم التى ترفض المساس بجاه محمد وشفاعته . وبالتالى أيضا فهم مهما قرأوا الفاتحة فهم يكفرون بكل كلمة فيها ، خصوصا ( مالك يوم الدين ).
3 ـ ونتوقف هنا بالتدبر فى قوله جل وعلا عن ذاته (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ). وما قاله فيها أئمة المحمديين
ثانيا : معنى مالك يوم الدين
1 ـ معنى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) يفسره قوله جل وعلا : ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19) الانفطار )، وعشرات الآيات الأخرى التى تفصّل ما سيجرى يوم القيامة ، يوم الحساب ، يوم لقاء الله جل وعلا ، يوم الدين .
2 ـ وهناك مستويات لفهم القرآن الكريم . أبسطها مستوى الهداية ، وهو مُتاح لمن أراد الهداية . ومن يُريد الهداية يرى الآية واضحة فى أن الله جل وعلا وحده هو المالك ليوم الدين بمعنى أن أى مخلوق لا يملك لمخلوق آخر شيئا لأنّ الأمر يوم الدين هو لمالك يوم الدين . هكذا بكل بساطة ووضوح . الآيات واضحة بلا تعقيد ، ووضوحها يصل الى من كان قلبه نظيفا مُطهّرا من رجس الشيطان وأحاديثه الضالة .
بعد مستوى الهداية هناك مستويات أعمق لمن أراد أن يتبحّر فى ( العلم القرآنى ) ويتأهّل لهذا ليكون من ( الراسخين فى العلم ) ، وما يقوله الراسخون فى العلم ليس دينا ، بل هو إجتهاد فى تدبر القرآنى يحتاج الى مراجعة ونقاش، وبهذا يظل الراسخون فى العلم تلاميذ أمام عظمة القرآن الكريم مهما ( ترسخوا فى العلم ) . أما إئمة الضلال الذين فى قلوبهم زيغ ؛ يتبعون ما تشابه من الآيات إبتغاء الفتنة وإبتغاء التحريف فقد تحصّنوا بأديانهم الأرضية من النقاش . ومهما يقولون من إفك وبهتان وخرافات وأساطير وأكاذيب فهى تحظى بالتقديس ، سواء قرأها القطيع التابع لهم أم لم يقرأها . ونعطى بعض التدبر فى قوله جل وعلا : (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )
الله جل وعلا مالك يوم الدنيا
1 ـ الملوك من البشر فى هذه الدنيا يسرى عليهم ما يسرى على البشر من الخضوع للحتميات المكتوبة والمقدرة سلفا والتى تشمل الميلاد والرزق والمصائب والموت . يصل أحدهم للسلطة ويفقدها بالهزيمة أو بالموت او بهما معا ، ويعيش العزّ والذُّل والاتفاع والانخفاض ، ثم ينتهى به وقد تحول هذا كله الى سراب ، ويتعيّن عليه أن يواجه مصيره يوم الدين كبقية ( الرعية ) فى خلود فى الجنة أو خلود فى النار . وبالتالى فليس مُلك البشر سوى إمتحان وابتلاء ، وخلال حياتنا الدنيا فإنّ الله جل وعلا يبلونا بالخير والشرّ فتنة ، ثم نموت ونرجع اليه يوم الدين: ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) الأنبياء ) .
2 ـ المُلك الحقيقى فى يوم الدنيا هذا هو لله جل وعلا ، فهو خالق السماوات والأرض ، وهو المسيطر على العرش الذى يشمل كل هذا الملكوت ، وهو الذى يسخّر النجوم والمجرات والأرض والسماوات ، وهو وحده الذى له ( الأمر ) لأنه وحده هو خالق الخلق ، لذا فهو وحده رب العالمين : ( إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) الاعراف ) . وهو فى تحكّمه فى مُلكه ليس له شريك فى مُلكه وليس له إبن : ( الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ )(2) الفرقان )، وسبحانه الذى بيده ملكوت كل شىء فى يوم الدنيا ، واليه وحده مصيرنا ومرجعنا يوم الدين : ( فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83) يس ). وبهذا يعنى المؤمن التقىُّ معنى قوله جل وعلا : ( ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6) الزمر )، ( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الملك ). ( قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ (89)( المؤمنون ).
3 ـ ولكنّ رب العزة منح البشر فى يوم الدنيا حرية الايمان أو الكفر وحرية الطاعة أو المعصية ، ومقابل مشيئتهم الحرة فى الايمان أو الكفر فى يوم الدنيا فسيأتون اليه جل وعلا يوم الدين ليواجهوا الحساب والجزاء ، بين خلود فى النار أو خلود فى الجنة : ( وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً (29) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30) أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (31) الكهف ).
ولهذا يقول جل وعلا للمحمديين وغيرهم من ائمة الأديان الأرضية الذين يُلحدون فى القرآن الكريم إن إلحادهم لا يخفى على الله جل وعلا ، فليعملوا ما شاءوا ، فمن سينتهى به الحال الى الإلقاء فى النار لا يتساوى مع من سيأتى آمنا يوم القيامة :( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) فصلت )
4 ـ المقصود أنه فى يوم الدنيا هذا تكون لنا حرية ممنوحة لنا من رب العزة الذى بيده ملكوت كل شىء ، وبملكوته يتم تسجيل أعمالنا ، ثم تتم محاسبتنا يوم الدين حين يقوم الناس لرب العالمين مالك يوم الدين.
الله جل وعلا وحده مالك يوم الدين
1 ـ فى هذا اليوم يكون المُلك تاما وخالصا لمالك يوم الدين ، ويكون يوما عسيرا على الكافرين وعلى المحمديين الذين إتخذوا القرآن مهجورا:( وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلاً (25) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً (26) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً (29) وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً (31) الفرقان ).
2 ـ فى هذا اليوم يبرز الخلق لمالك يوم الدين لا يخفى على الله جل وعلا منهم شىء ، حيث سيكون المُلك والتحكُّم التام للواحد القهار جل وعلا : ( يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) غافر ) فى هذا اليوم تلقى كل نفس بشرية جزاءها طبقا لما كسبته من عمل فى يوم الدنيا ، بلا ظلم من مالك يوم الدين وهو سريع الحساب : ( الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17) غافر) . عندها سيكون المحمديون وسائر الظالمين فى ورطة إذ ضاعت أمانيهم فى الشفاعات وأساطيرها : ( وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18) غافر ). وبرزوا أمام مالك يوم الدين الذى :( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) غافر ) والذى يقضى بالحق : (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20) (غافر).
3 ـ وفى هذا الموقف العظيم أمام مالك يوم الدين لا يملك أحد منه خطابا:( رَبِّ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً (37) النبأ ) . يوم الدين سيقف الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلّا من أذن له الرحمن ورضى له قولا : ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً (38) النبأ ) . هذا هو اليوم الحق الذى يجب أن نستعد له بالعمل الصالح فى حياتنا يوم الدنيا : ( ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (39) النبأ )
4 ـ فى هذا اليوم لا يملك أى نبى التدخل لصالح غيره . ولهذا قال ابراهيم عليه السلام لأبيه :( لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ) (4) الممتحنة ). وعندما نهاه ربه جل وعلا عن الاستغفار لأبيه سارع ابراهيم بالطاعة ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ )(التوبة 114).
ولأنه جل وعلا وحده مالك يوم الدين فإنه جل وعلا أنّب خاتم النبيين حين تكلم بما يعتبر تدخلا منه فى موضوع التوبة والغفران فقال له جل وعلا:( لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) آل عمران )، ذلك لأنّ هذا مرجعه لمالك يوم الدين جل وعلا وحده:( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (14) الفتح ).
وبالتالى فأساطير الشفاعات هى مجرد رجس وزبالات ، فهؤلاء الذين إخترعوا الشفعاء الوهميين لا يملكون شيئا ولا يعقلون : ( أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44) الزمر ).
5 ـ والمقصود أن الفهم القرآنى الصحيح ليوم الدين و( مالك يوم الدين ) جاء فى قوله جل وعلا يخاطب خاتم النبيين : ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19) الانفطار ). هذا ما قاله رب العالمين ، مالك يوم الدين . فماذا قال أئمة المحمديين ؟
أخيرا : إضحك مع أقوال أئمة المحمديين فى ( مالك يوم الدين )
تلاعب الطبرى بقوله تعالى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )
( تفسير الطبرى ( مولود عام 224 ، وتوفى عام 310 )
وبما قلنا في تأويل قوله ( يوم الدين ) جاءت الآثار عن السلف من المفسرين ، مع تصحيح الشواهد تأويلهم الذي تأولوه في ذلك.
167 - حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس : ( يوم الدين ) ، قال : يوم حساب الخلائق ، وهو يوم القيامة ، يدينهم بأعمالهم ، إن خيرا فخيرا ، وإن شرا فشرا ، إلا من عفا عنه ، فالأمر أمره . ثم قال: ( ألا له الخلق والأمر ) سورة الأعراف : 54.
168 - وحدثني موسى بن هارون الهمداني ، قال : حدثنا عمرو بن حماد القناد ، قال : حدثنا أسباط بن نصر الهمداني ، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ( " ملك يوم الدين " ) ، هو يوم الحساب.
169 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا [ ص: 157 ] [ ص: 158 ] [ ص: 159 ] [ ص: 160 ] معمر ، عن قتادة في قوله: ( مالك يوم الدين ) قال : يوم يدين الله العباد بأعمالهم.
170 - وحدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، ( مالك يوم الدين ) قال : يوم يدان الناس بالحساب.)
تلاعب القرطبى بقوله تعالى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )
{مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)}
الرابعة عشرة: قوله تعالى: {مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قرأ محمد بن السميقع بنصب مالك، وفيه أربع لغات: مالك وملك وملك مخففة من ملك ومليك. قال الشاعر:
وأيام لنا غر طوال *** عصينا الملك فيها أن ندينا
وقال آخر:
فاقنع بما قسم المليك فإنما *** قسم الخلائق بيننا علامها
الخلائق: الطبائع التي جبل الإنسان عليها. وروي عن نافع إشباع الكسرة في: {ملك} فيقرأ {ملكي} على لغة من يشبع الحركات، وهي لغة للعرب ذكرها المهدوي وغيره.
الخامسة عشرة: اختلف العلماء أيما أبلغ: ملك أو مالك؟ والقراءتان مرويتان عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بكر وعمر. ذكرهما الترمذي، فقيل: {ملك} أعم وأبلغ من {مالِكِ} إذ كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكا، ولان أمر الملك نافذ على المالك في ملكه، حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك، قال أبو عبيدة والمبرد.
وقيل: {مالِكِ} أبلغ، لأنه يكون مالكا للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرفا وأعظم، إذ إليه إجراء قوانين الشرع، ثم عنده زيادة التملك.
وقال أبو علي: حكى أبو بكر بن السراج عن بعض من اختار القراءة ب {ملك} أن الله سبحانه قد وصف نفسه بأنه مالك كل شيء بقوله: {رَبِّ الْعالَمِينَ} فلا فائدة في قراءة من قرأ {مالِكِ} لأنها تكرار. قال أبو على: ولا حجة في هذا، لأن في التنزيل أشياء على هذه الصورة، تقدم العام ثم ذكر الخاص كقوله: {هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ} فالخالق يعم. وذكر المصور لما فيه من التنبيه على الصنعة ووجود الحكمة، وكما قال تعالى: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} بعد قوله: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}. والغيب يعم الآخرة وغيرها، ولكن ذكرها لعظمها، والتنبيه على وجوب اعتقادها، والرد على الكفرة الجاحدين لها، وكما قال: {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} فذكر {الرَّحْمنِ} الذي هو عام وذكر {الرَّحِيمِ} بعده، لتخصيص المؤمنين به في قوله: {وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً}.
وقال أبو حاتم: إن مالكا أبلغ في مدح الخالق من {ملك}، و{ملك} أبلغ في مدح المخلوقين من مالك، والفرق بينهما أن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك وإذا كان الله تعالى مالكا كان ملكا، واختار هذا القول القاضي أبو بكر بن العربي وذكر ثلاثةأوجه.
الأول: أنك تضيفه إلى الخاص والعام، فتقول: مالك الدار والأرض والثوب، كما تقول: مالك الملوك.
الثاني: أنه يطلق على مالك القليل والكثير، وإذا تأملت هذين القولين وجدتهما واحدا. والثالث: أنك تقول: مالك الملك، ولا تقول: ملك الملك. قال ابن الحصار: إنما كان ذلك لان المراد من {مالِكِ} الدلالة على الملك بكسر الميم وهو لا يتضمن الملك بضم الميم و{ملك} يتضمن الأمرين جميعا فهو أولى بالمبالغة. ويتضمن أيضا الكمال، ولذلك استحق الملك على من دونه، ألا ترى إلى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}، ولهذا قال عليه السلام: «الإمامة في قريش» وقريش أفضل قبائل العرب، والعرب أفضل من العجم وأشرف. ويتضمن الاقتدار والاختيار وذلك أمر ضروري في الملك، إن لم يكن قادرا مختارا نافذا حكمه وأمره، قهره عدوه وغلبه غيره وازدرته رعيته، ويتضمن البطش والامر والنهي والوعد والوعيد، ألا ترى إلى قول سليمان عليه السلام: {ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ. لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً} إلى غير ذلك من الأمور العجيبة والمعاني الشريفة التي لا توجد في المالك.
قلت: وقد احتج بعضهم على أن مالكا أبلغ لان فيه زيادة حرف، فلقارئه عشر حسنات زيادة عمن قرأ ملك.
قلت: هذا نظر إلى الصيغة لا إلى المعنى، وقد ثبتت القراءة بملك، وفيه من المعنى ما ليس في مالك، على ما بينا والله أعلم.
السادسة عشرة: لا يجوز أن يتسمى أحد بهذا الاسم ولا يدعى به إلا الله تعالى، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض» وعنه أيضا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الاملاك زاد مسلم لا مالك إلا الله عز وجل» قال سفيان: مثل: شاهان شاه.
وقال أحمد بن حنبل: سألت أبا عمرو الشيباني عن أخنع، فقال: أوضع. وعنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه رجل كان يسمى ملك الاملاك لا ملك إلا الله سبحانه». قال ابن الحصار: وكذلك {ملك يوم الدين} و{مالِكَ الْمُلْكِ} لا ينبغي أن يختلف في أن هذا محرم على جميع المخلوقين كتحريم ملك الاملاك سواء، وأما الوصف بمالك وملك وهي: السابعة عشرة فيجوز أن يوصف بهما من اتصف بمفهومهما، قال الله العظيم: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً}.
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة».
الثامنة عشرة: إن قال قائل: كيف قال: {مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ويوم الدين لم يوجد بعد، فكيف وصف نفسه بملك ما لم يوجده قيل له: اعلم أن مالكا اسم فاعل من ملك يملك، واسم الفاعل في كلام العرب قد يضاف إلى ما بعده وهو بمعنى الفعل المستقبل ويكون ذلك عندهم كلاما سديدا معقولا صحيحا، كقولك: هذا ضارب زيد غدا، أي سيضرب زيدا. وكذلك: هذا حاج بيت الله في العام المقبل، تأويله سيحج في العام المقبل، أفلا ترى أن الفعل قد ينسب إليه وهو لم يفعله بعد، وإنما أريد به الاستقبال، فكذلك قوله عز وجل: {مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} على تأويل الاستقبال، أي سيملك يوم الدين أو في يوم الدين إذا حضر. ووجه ثان: أن يكون تأويل المالك راجعا إلى القدرة، أي إنه قادر في يوم الدين، أو على يوم الدين وإحداثه، لأن المالك للشيء هو المتصرف في الشيء والقادر عليه، والله عز وجل مالك الأشياء كلها ومصرفها على إرادته، لا يمتنع عليه منها شي. والوجه الأول أمس بالعربية وأنفذ في طريقها، قال أبو القاسم الزجاجي.
ووجه ثالث: فيقال لم خصص يوم الدين وهو مالك يوم الدين وغيره؟ قيل له: لان في الدنيا كانوا منازعين في الملك، مثل فرعون ونمرود وغيرهما، وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، وكلهم خضعوا له، كما قال تعالى: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} فأجاب جميع الخلق: {لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ} فلذلك قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، أي في ذلك اليوم لا يكون مالك ولا قاض ولا مجاز غيره، سبحانه لا إله إلا هو.
التاسعة عشرة: إن وصف الله سبحانه بأنه ملك كان ذلك من صفات ذاته، وإن وصف بأنه مالك كان ذلك من صفات فعله.
الموفية العشرين: اليوم عبارة عن وقت طلوع الفجر إلى وقت غروب الشمس، فاستعير فيما بين مبتدأ القيامة إلى وقت استقرار أهل الدارين فيهما. وقد يطلق اليوم على الساعة منه، قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} وجمع يوم أيام، وأصله أيوام فأدغم، وربما عبروا عن الشدة باليوم، يقال: يوم أيوم، كما يقال: ليلة ليلاء. قال الراجز: نعم أخو الهيجاء في اليوم اليمي وهو مقلوب منه، أخر الواو وقدم الميم ثم قلبت الواو ياء حيث صارت طرفا، كما قالوا: أدل في جمع دلو.
الحادية والعشرون: الدين: الجزاء على الأعمال والحساب بها، كذلك قال ابن عباس وابن مسعود وابن جريج وقتادة وغيرهم، وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويدل عليه قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} أي حسابهم. وقال: {الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ} [غافر 17] و{الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} وقال: {أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} أي مجزيون محاسبون.
وقال لبيد:
حصادك يوما ما زرعت وإنما *** يدان الفتى يوما كما هو دائن
آخر:
إذا ما رمونا رميناهم *** ودنّاهم مثل ما يقرضونا
آخر:
واعلم يقينا أن ملكك زائل *** واعلم بأن كما تدين تدان
وحكى أهل اللغة: دنته بفعله دينا بفتح الدال ودينا بكسرها جزيته، ومنه الديان في صفة الرب تعالى أي المجازي، وفي الحديث: «الكيس من دان نفسه» أي حاسب.
وقيل: القضاء. روي عن ابن عباس أيضا، ومنه قول طرفة:
لعمرك ما كانت حمولة معبد *** على جدها حربا لدينك من مضر
ومعاني هذه الثلاثة متقاربة. والدين أيضا: الطاعة، ومنه قول عمرو بن كلثوم:
وأيام لنا غر طوال *** عصينا الملك فيها أن ندينا
فعلى هذا هو لفظ مشترك وهي:
الثانية والعشرون: قال ثعلب: دان الرجل إذا أطاع، ودان إذا عصى، ودان إذا عز، ودان إذا ذل، ودان إذا قهر، فهو من الأضداد. ويطلق الدين على العادة والشأن، كما قال:
كدينك من أم الحويرث قبلها ***
وقال المثقب يذكر ناقته:
تقول إذا درأت لها وضيني *** أهذا دينه أبدا وديني
والدين: سيرة الملك. قال زهير:
لئن حللت بجو في بني أسد *** في دين عمرو وحالت بيننا فدك
أراد في موضع طاعة عمرو. والدين: الداء، عن اللحياني. وأنشد:
يا دين قلبك من سلمى وقد دينا ***
تلاعب الرازى بقوله تعالى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )
{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)}
وأما قوله تعالى: {مالك يَوْمِ الدين} فاعلم أن الإنسان كالمسافر في هذه الدنيا، وسنوه كالفراسخ، وشهوره كالأميال، وأنفاسه كالخطوات، ومقصده الوصول إلى عالم أخراه؛ لأن هناك يحصل الفوز بالباقيات الصالحات، فإذا شاهد في الطريق أنواع هذه العجائب في ملكوت الأرض والسموات فلينظر أنه كيف يكون عجائب حال عالم الآخرة في الغبطة والبهجة والسعادة، إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {مالك يَوْمِ الدين} إشارة إلى مسائل المعاد والحشر والنشر، وهي قسمان: بعضها عقلية محضة، وبعضها سمعية: أما العقلية المحضة فكقولنا: هذا العالم يمكن تخريبه وإعدامه، ثم يمكن إعادته مرة أخرى، وإن هذا الإنسان بعد موته تمكن إعادته، وهذا الباب لا يتم إلا بالبحث عن حقيقة جوهر النفس، وكيفية أحوالها وصفاتها، وكيفية بقائها بعد البدن، وكيفية سعادتها وشقاوتها، وبيان قدرة الله عزّ وجلّ على إعادتها، وهذه المباحث لا تتم إلا بما يقرب من خمسمائة مسألة من المباحث الدقيقة العقلية.
وأما السمعيات فهي على ثلاثة أقسام:
أحدها: الأحوال التي توجد عند قيام القيامة، وتلك العلامات منها صغيرة، ومنها كبيرة وهي العلامات العشرة التي سنذكرها ونذكر أحوالها.
وثانيها: الأحوال التي توجد عند قيام القيامة، وهي كيفية النفخ في الصور، وموت الخلائق، وتخريب السموات والكواكب، وموت الروحانيين والجسمانيين.
وثالثها: الأحوال التي توجد بعد قيام القيامة وشرح أحوال أهل الموقف، وهي كثيرة يدخل فيها كيفية وقوف الخلق، وكيفية الأحوال التي يشاهدونها، وكيفية حضور الملائكة والأنبياء عليهم السلام، وكيفية الحساب، وكيفية وزن الأعمال، وذهاب فريق إلى الجنة وفريق إلى النار، وكيفية صفة أهل الجنة وصفه أهل النار، ومن هذا الباب شرح أحوال أهل الجنة وأهل النار بعد وصولهم إليها، وشرح الكلمات التي يذكرونها والأعمال التي يباشرونها، ولعل مجموع هذه المسائل العقلية والنقلية يبلغ الألوف من المسائل، وهي بأسرها داخلة تحت قوله: {مالك يَوْمِ الدين}.
|
تلاعب إبن كثير (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَرَأَ مُحَمَّد بْن السَّمَيْقَع بِنَصْبِ مَالِك ; وَفِيهِ أَرْبَع لُغَات : مَالِك وَمَلِك وَمَلْك - مُخَفَّفَة مِنْ مَلِك - وَمَلِيك . قَالَ الشَّاعِر : وَأَيَّام لَنَا غُرّ طِوَال عَصَيْنَا الْمَلْك فِيهَا أَنْ نَدِينَا وَقَالَ آخَر : فَاقْنَعْ بِمَا قَسَمَ الْمَلِيك فَإِنَّمَا قَسَمَ الْخَلَائِق بَيْننَا عَلَّامُهَا الْخَلَائِق : الطَّبَائِع الَّتِي جُبِلَ الْإِنْسَان عَلَيْهَا . وَرُوِيَ عَنْ نَافِع إِشْبَاع الْكِسْرَة فِي " مَلِك " فَيَقْرَأ " مَلِكِي " عَلَى لُغَة مَنْ يُشْبِع الْحَرَكَات , وَهِيَ لُغَة لِلْعَرَبِ ذَكَرَهَا الْمَهْدَوِيّ وَغَيْره . اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء أَيّمَا أَبْلَغُ : مَلِك أَوْ مَالِك ؟ وَالْقِرَاءَتَانِ مَرْوِيَّتَانِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَعُمَر . ذَكَرَهُمَا التِّرْمِذِيّ ; فَقِيلَ : " مَلِك " أَعَمّ وَأَبْلَغ مِنْ " مَالِك " إِذْ كُلّ مَلِك مَالِك , وَلَيْسَ كُلّ مَالِك مَلِكًا ; وَلِأَنَّ الْمِلْك نَافِذ عَلَى الْمَالِك فِي مُلْكه , حَتَّى لَا يَتَصَرَّف إِلَّا عَنْ تَدْبِير الْمَلِك , قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْمُبَرِّد . وَقِيلَ : " مَالِك " أَبْلَغ ; لِأَنَّهُ يَكُون مَالِكًا لِلنَّاسِ وَغَيْرهمْ ; فَالْمَالِك أَبْلَغ تَصَرُّفًا وَأَعْظَم ; إِذْ إِلَيْهِ إِجْرَاء قَوَانِين الشَّرْع , ثُمَّ عِنْده زِيَادَة التَّمَلُّك . وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : حَكَى أَبُو بَكْر بْن السَّرَّاج عَنْ بَعْض مَنْ اِخْتَارَ الْقِرَاءَة بِ " مَالِك " أَنَّ اللَّه سُبْحَانه قَدْ وَصَفَ نَفْسه بِأَنَّهُ مَالِك كُلّ شَيْء بِقَوْلِ : " رَبّ الْعَالَمِينَ " فَلَا فَائِدَة فِي قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ " مَالِك " لِأَنَّهَا تَكْرَار . قَالَ أَبُو عَلِيّ : وَلَا حُجَّة فِي هَذَا ; لِأَنَّ فِي التَّنْزِيل أَشْيَاء عَلَى هَذِهِ الصُّورَة , تَقَدُّم الْعَامّ ثُمَّ ذِكْر الْخَاصّ كَقَوْلِهِ : " هُوَ اللَّه الْخَالِق الْبَارِئ الْمُصَوِّر " فَالْخَالِق يَعُمّ . وَذَكَرَ الْمُصَوِّر لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْبِيه عَلَى الصَّنْعَة وَوُجُود الْحِكْمَة , وَكَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ " بَعْد قَوْله : " الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ " . وَالْغَيْب يَعُمّ الْآخِرَة وَغَيْرهَا ; وَلَكِنْ ذَكَرَهَا لِعِظَمِهَا , وَالتَّنْبِيه عَلَى وُجُوب اِعْتِقَادهَا , وَالرَّدّ عَلَى الْكَفَرَة الْجَاحِدِينَ لَهَا ; وَكَمَا قَالَ : " الرَّحْمَن الرَّحِيم " فَذَكَرَ " الرَّحْمَن " الَّذِي هُوَ عَامّ وَذَكَرَ " الرَّحِيم " بَعْده , لِتَخْصِيصِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ فِي قَوْله : " وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا " . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : إِنَّ مَالِكًا أَبْلَغَ فِي مَدْح الْخَالِق مِنْ " مَلِك " , و" مَلِك " أَبْلَغ فِي مَدْح الْمَخْلُوقِينَ مِنْ مَالِك ; وَالْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ الْمَالِك مِنْ الْمَخْلُوقِينَ قَدْ يَكُون غَيْر مَلِك وَإِذَا كَانَ اللَّه تَعَالَى مَالِكًا كَانَ مَلِكًا , وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ وَذَكَرَ ثَلَاثَة أَوْجُه ; الْأَوَّل : أَنَّك تُضِيفهُ إِلَى الْخَاصّ وَالْعَامّ , فَتَقُول : مَالِك الدَّار وَالْأَرْض وَالثَّوْب , كَمَا تَقُول : مَالِك الْمُلُوك . الثَّانِي : أَنَّهُ يُطْلَق عَلَى مَالِك الْقَلِيل وَالْكَثِير ; وَإِذَا تَأَمَّلْت هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَجَدْتهمَا وَاحِدًا . وَالثَّالِث : أَنَّك تَقُول : مَالِك الْمُلْك ; وَلَا تَقُول : مَلِك الْمُلْك . قَالَ اِبْن الْحَصَّار : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَاد مِنْ " مَالِك " الدَّلَالَة عَلَى الْمِلْك - بِكَسْرِ الْمِيم - وَهُوَ لَا يَتَضَمَّن " الْمُلْك " - بِضَمِّ الْمِيم - و" مُلْك " يَتَضَمَّن الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فَهُوَ أَوْلَى بِالْمُبَالَغَةِ . وَيَتَضَمَّن أَيْضًا الْكَمَال , وَلِذَلِكَ اِسْتَحَقَّ الْمُلْك عَلَى مَنْ دُونَهُ ; أَلَا تَرَى إِلَى قَوْله تَعَالَى : " إِنَّ اللَّه اِصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَة فِي الْعِلْم وَالْجِسْم " [ الْبَقَرَة : 247 ] وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( الْإِمَامَة فِي قُرَيْش ) وَقُرَيْش أَفْضَل قَبَائِل الْعَرَب , وَالْعَرَب أَفْضَل مِنْ الْعَجَم وَأَشْرَف . وَيَتَضَمَّن الِاقْتِدَار وَالِاخْتِيَار وَذَلِكَ أَمْر ضَرُورِيّ فِي الْمِلْك , إِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا مُخْتَارًا نَافِذًا حُكْمه وَأَمْره , قَهَرَهُ عَدُوّهُ وَغَلَبَهُ غَيْره وَازْدَرَتْهُ رَعِيَّته , وَيَتَضَمَّن الْبَطْش وَالْأَمْر وَالنَّهْي وَالْوَعْد وَالْوَعِيد ; أَلَا تَرَى إِلَى قَوْل سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام : " مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُد أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ . لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا " [ النَّمْل : 20 , 21 ] إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأُمُور الْعَجِيبَة وَالْمَعَانِي الشَّرِيفَة الَّتِي لَا تُوجَد فِي الْمَالِك . قُلْت : وَقَدْ اِحْتَجَّ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّ مَالِكًا أَبْلَغ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَة حَرْف ; فَلِقَارِئِهِ عَشْر حَسَنَات زِيَادَة عَمَّنْ قَرَأَ مَلِك . قُلْت : هَذَا نَظَر إِلَى الصِّيغَة لَا إِلَى الْمَعْنَى , وَقَدْ ثَبَتَتْ الْقِرَاءَة بِمَلِكِ وَفِيهِ مِنْ الْمَعْنَى مَا لَيْسَ فِي مَالِك , عَلَى مَا بَيَّنَّا وَاَللَّه أَعْلَم . لَا يَجُوز أَنْ يَتَسَمَّى أَحَد بِهَذَا الِاسْم وَلَا يُدْعَى بِهِ إِلَّا اللَّه تَعَالَى ; رَوَى الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَقْبِض اللَّه الْأَرْض يَوْم الْقِيَامَة وَيَطْوِي السَّمَاء بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُول أَنَا الْمَلِك أَيْنَ مُلُوك الْأَرْض ) وَعَنْهُ أَيْضًا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ أَخْنَع اِسْم عِنْد اللَّه رَجُل تَسَمَّى مَلِك الْأَمْلَاك - زَادَ مُسْلِم - لَا مَالِك إِلَّا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ) قَالَ سُفْيَان : مِثْل : شَاهَانْ شَاه . وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل : سَأَلْت أَبَا عَمْرو الشَّيْبَانِيّ عَنْ أَخْنَع ; فَقَالَ : أَوْضَع . وَعَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَغْيَظ رَجُل عَلَى اللَّه يَوْم الْقِيَامَة وَأَخْبَثه رَجُل [ كَانَ ] يُسَمَّى مَلِك الْأَمْلَاك لَا مَلِك إِلَّا اللَّه سُبْحَانه ) . قَالَ اِبْن الْحَصَّار : وَكَذَلِكَ " مَلِك يَوْم الدِّين " و" مَالِك الْمُلْك " لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَف فِي أَنَّ هَذَا مُحَرَّم عَلَى جَمِيع الْمَخْلُوقِينَ كَتَحْرِيمِ مَلِك الْأَمْلَاك سَوَاء , وَأَمَّا الْوَصْف بِمَالِك وَمَلِك وَهِيَ : فَيَجُوز أَنْ يُوصَف بِهِمَا مَنْ اِتَّصَفَ بِمَفْهُومِهِمَا ; قَالَ اللَّه الْعَظِيم : " إِنَّ اللَّه قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوت مَلِكًا " [ الْبَقَرَة : 247 ]. وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نَاس مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاة فِي سَبِيل اللَّه يَرْكَبُونَ ثَبَج هَذَا الْبَحْر مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّة أَوْ مِثْل الْمُلُوك عَلَى الْأَسِرَّة ) . إِنْ قَالَ قَائِل : كَيْف قَالَ " مَالِك يَوْم الدِّين " وَيَوْم الدِّين لَمْ يُوجَد بَعْد , فَكَيْفَ وَصَفَ نَفْسه بِمَلِكِ مَا لَمْ يُوجِدهُ ؟ قِيلَ لَهُ : اِعْلَمْ أَنَّ مَالِكًا اِسْم فَاعِل مِنْ مَلَكَ يَمْلِك , وَاسْم الْفَاعِل فِي كَلَام الْعَرَب قَدْ يُضَاف إِلَى مَا بَعْده وَهُوَ بِمَعْنَى الْفِعْل الْمُسْتَقْبَل وَيَكُون ذَلِكَ عِنْدهمْ كَلَامًا سَدِيدًا مَعْقُولًا صَحِيحًا ; كَقَوْلِك : هَذَا ضَارِب زَيْد غَدًا ; أَيْ سَيَضْرِبُ زَيْدًا . وَكَذَلِكَ : هَذَا حَاجّ بَيْت اللَّه فِي الْعَام الْمُقْبِل , تَأْوِيله سَيَحُجُّ فِي الْعَام الْمُقْبِل ; أَفَلَا تَرَى أَنَّ الْفِعْل قَدْ يُنْسَب إِلَيْهِ وَهُوَ لَمْ يَفْعَلهُ بَعْد , وَإِنَّمَا أُرِيد بِهِ الِاسْتِقْبَال ; فَكَذَلِكَ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " مَالِك يَوْم الدِّين " عَلَى تَأْوِيل الِاسْتِقْبَال , أَيْ سَيَمْلِكُ يَوْم الدِّين أَوْ فِي يَوْم الدِّين إِذَا حَضَرَ . وَوَجْه ثَانٍ : أَنْ يَكُون تَأْوِيل الْمَالِك رَاجِعًا إِلَى الْقُدْرَة , أَيْ إِنَّهُ قَادِر فِي يَوْم الدِّين , أَوْ عَلَى يَوْم الدِّين وَإِحْدَاثه ; لِأَنَّ الْمَالِك لِلشَّيْءِ هُوَ الْمُتَصَرِّف فِي الشَّيْء وَالْقَادِر عَلَيْهِ ; وَاَللَّه عَزَّ وَجَلَّ مَالِك الْأَشْيَاء كُلّهَا وَمُصَرِّفهَا عَلَى إِرَادَته , لَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْء . وَالْوَجْه الْأَوَّل أَمَسّ بِالْعَرَبِيَّةِ وَأَنْفَذ فِي طَرِيقهَا ; قَالَهُ أَبُو الْقَاسِم الزَّجَّاجِيّ . وَوَجْه ثَالِث : فَيُقَال لِمَ خَصَّصَ يَوْم الدِّين وَهُوَ مَالِك يَوْم الدِّين وَغَيْره ؟ قِيلَ لَهُ : لِأَنَّ فِي الدُّنْيَا كَانُوا مُنَازِعِينَ فِي الْمُلْك , مِثْل فِرْعَوْن وَنُمْرُوذ وَغَيْرهمَا , وَفِي ذَلِكَ الْيَوْم لَا يُنَازِعهُ أَحَد فِي مُلْكه , وَكُلّهمْ خَضَعُوا لَهُ , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " لِمَنْ الْمُلْك الْيَوْم " [ غَافِر : 16 ] فَأَجَابَ جَمِيع الْخَلْق : " لِلَّهِ الْوَاحِد الْقَهَّار " [ غَافِر : 16 ] فَلِذَلِكَ قَالَ : مَالِك يَوْم الدِّين ; أَيْ فِي ذَلِكَ الْيَوْم لَا يَكُون مَالِك وَلَا قَاضٍ وَلَا مُجَازٍ غَيْره ; سُبْحَانه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ. إِنْ وُصِفَ اللَّه سُبْحَانه بِأَنَّهُ مَلِك كَانَ ذَلِكَ مِنْ صِفَات ذَاته وَإِنْ وُصِفَ بِأَنَّهُ مَالِك كَانَ ذَلِكَ مِنْ صِفَات فِعْله . |
|
{4} مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ |
|
عِبَارَة عَنْ وَقْت طُلُوع الْفَجْر إِلَى وَقْت غُرُوب الشَّمْس , فَاسْتُعِيرَ فِيمَا بَيْن مُبْتَدَأ الْقِيَامَة إِلَى وَقْت اِسْتِقْرَار أَهْل الدَّارَيْنِ فِيهِمَا . وَقَدْ يُطْلَق الْيَوْم عَلَى السَّاعَة مِنْهُ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ " [ الْمَائِدَة : 3 ] وَجَمْع يَوْم أَيَّام ; وَأَصْله أَيْوَام فَأُدْغِمَ ; وَرُبَّمَا عَبَّرُوا عَنْ الشِّدَّة بِالْيَوْمِ , يُقَال : يَوْم أَيْوَم , كَمَا يُقَال : لَيْله لَيْلَاء. قَالَ الرَّاجِز : نِعْمَ أَخُو الْهَيْجَاء فِي الْيَوْم الْيَمِي وَهُوَ مَقْلُوب مِنْهُ , أَخَّرَ الْوَاو وَقَدَّمَ الْمِيم ثُمَّ قُلِبَتْ الْوَاو يَاء حَيْثُ صَارَتْ طَرَفًا ; كَمَا قَالُوا : أَدْلٍ فِي جَمْع دَلْو. |
|
{4} مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ |
|
الْجَزَاء عَلَى الْأَعْمَال وَالْحِسَاب بِهَا ; كَذَلِكَ قَالَ اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَابْن جُرَيْج وَقَتَادَة وَغَيْرهمْ , وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى : " يَوْمئِذٍ يُوفِيهِمْ اللَّه دِينهمْ الْحَقّ " [ النُّور : 25 ] أَيْ حِسَابهمْ. وَقَالَ : " الْيَوْم تُجْزَى كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ " [ غَافِر : 17 ] و" الْيَوْم تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " [ الْجَاثِيَة : 28 ] وَقَالَ : " أَئِنَّا لَمَدِينُونَ " [ الصَّافَّات : 53 ] أَيْ مَجْزِيُّونَ مُحَاسَبُونَ . وَقَالَ لَبِيد : حَصَادك يَوْمًا مَا زَرَعْت وَإِنَّمَا يُدَان الْفَتَى يَوْمًا كَمَا هُوَ دَائِن وَقَالَ آخَر : إِذَا رَمَوْنَا رَمَيْنَاهُمْ وَدِنَّاهُمْ مِثْل مَا يُقْرِضُونَا وَقَالَ آخَر : وَاعْلَمْ يَقِينًا أَنَّ مُلْكك زَائِل وَاعْلَمْ بِأَنَّ كَمَا تَدِين تُدَان وَحَكَى أَهْل اللُّغَة : دِنْته بِفِعْلِهِ دَيْنًا ( بِفَتْحِ الدَّال ) وَدِينًا ( بِكَسْرِهَا ) جَزَيْته ; وَمِنْهُ الدَّيَّان فِي صِفَة الرَّبّ تَعَالَى أَيْ الْمُجَازِي ; وَفِي الْحَدِيث : ( الْكَيِّس مَنْ دَانَ نَفْسه ) أَيْ حَاسَبَ. وَقِيلَ : الْقَضَاء وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا ; وَمِنْهُ قَوْل طَرَفَة : لَعَمْرك مَا كَانَتْ حَمُولَة مَعْبَد عَلَى جُدّهَا حَرْبًا لِدِينِك مِنْ مُضَر وَمَعَانِي هَذِهِ الثَّلَاثَة مُتَقَارِبَة . وَالدِّين أَيْضًا : الطَّاعَة وَمِنْهُ قَوْل عَمْرو بْن كُلْثُوم : وَأَيَّام لَنَا غُرّ طِوَال عَصَيْنَا الْمَلك فِيهَا أَنْ نَدِينَا فَعَلَى هَذَا هُوَ لَفْظ مُشْتَرَك وَهِيَ : قَالَ ثَعْلَب : دَانَ الرَّجُل إِذَا أَطَاعَ , وَدَانَ إِذَا عَصَى , وَدَانَ إِذَا عَزَّ , وَدَانَ إِذَا ذَلَّ , وَدَانَ إِذَا قَهَرَ ; فَهُوَ مِنْ الْأَضْدَاد. وَيُطْلَق الدِّين عَلَى الْعَادَة وَالشَّأْن , كَمَا قَالَ : كَدِينِك مِنْ أُمّ الْحُوَيْرِثِ قَبْلهَا وَقَالَ الْمُثَقِّب [ يَذْكُر نَاقَتَهُ ] : تَقُول إِذَا دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِي أَهَذَا دِينه أَبَدًا وَدِينِي وَالدِّين : سِيرَة الْمَلِك . قَالَ زُهَيْر : لَئِنْ حَلَلْت بِجَوٍّ فِي بَنِي أَسَد فِي دِين عَمْرو وَحَالَتْ بَيْننَا فَدَكُ أَرَادَ فِي مَوْضِع طَاعَة عَمْرو . وَالدِّين : الدَّاء ; عَنْ اللِّحْيَانِيّ . وَأَنْشَدَ : يَا دِين قَلْبك مِنْ سَلْمَى وَقَدْ دِينَا |
تلاعب السيوطى بقوله تعالى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )
{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)}
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {إياك نعبد} يعني إياك نوحد ونخاف ونرجو ربنا لا غيرك {وإياك نستعين} على طاعتك وعلى أمورنا كلها.
وأخرج وكيع والفريابي عن أبي رُزين قال: سمعت علياً قرأ هذا الحرف وكان قرشياً فصيحاً {إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا} يرفعهما جميعاً.
وأخرج الخطيب في تاريخه عن أبي رُزين أن علياً قرأ {إياك نعبد وإياك نستعين} فهمز، ومد، وشد.
وأخرج أبو القاسم البغوي والماوردي معاً في معرفة الصحابة والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل عن أنس بن مالك عن أبي طلحة قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فلقي العدوّ فسمعته يقول: يا {مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين} قال: فلقد رأيت الرجال تصرع، تضربها الملائكة من بين يديها ومن خلفها».
تلاعب الشوكانى بقوله تعالى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )
{مالك يَوْمِ الدين} قرئ: {ملِك} و{مالك} و{ملْك} بسكون اللام، و{مَلَكَ} بصيغة الفعل.
وقد اختلف العلماء أيما أبلغ مِلك، أو مالك؟ فقيل إن ملكَ أعمّ، وأبلغ من مالك، إذ كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكاً، ولأن أمر الملك نافذ على المالك في ملكه حتى لا يتصرّف إلا عن تدبير الملك، قاله أبو عبيد، والمبرّد، ورجحه الزمحشري.
وقيل مالك أبلغ لأنه يكون مالكاً للناس، وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرفاً، وأعظم.
وقال أبو حاتم: إن مالكاً أبلغ في مدح الخالق من ملك، وملك أبلغ في مدح المخلوقين من مالك، لأن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك، وإذا كان الله تعالى مالكاً كان ملكاً. واختار هذا القاضي أبو بكر بن العربي.
والحق أن لكل واحد من الوصفين نوع أخصية لا يوجد في الآخر؛ فالمالك يقدر على ما لا يقدر عليه الملك من التصرفات بما هو مالك له بالبيع، والهبة، والعتق، ونحوها، والملك يقدر على ما لا يقدر عليه المالك من التصرفات العائدة إلى تدبير الملك، وحياطته، ورعاية مصالح الرعية، فالمالك أقوى من الملك في بعض الأمور، والملك أقوى من المالك في بعض الأمور. والفرق بين الوصفين بالنسبة إلى الرب سبحانه، أن الملك صفة لذاته، والمالك صفة لفعله. و{يوم الدين} يوم الجزاء من الرب سبحانه لعباده كما قال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين * يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والامر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الإنفطار: 17 19] وهذه الإضافة إلى الظرف على طريق الاتساع كقولهم: يا سارق الليلة أهل الدار، ويوم الدين وإن كان متأخراً فقد يضاف اسم الفاعل وما في معناه إلى المستقبل كقولك: هذا ضارب زيداً غداً.
وقد أخرج الترمذي عن أمّ سلمة؛ «أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقرأ ملك بغير ألف».
وأخرج نحوه ابن الأنباري عن أنس.
وأخرج أحمد والترمذي عن أنس أيضاً: «أن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا يقرءون مالك بالألف».
وأخرج نحوه سعيد بن منصور، عن ابن عمر مرفوعاً، وأخرج نحوه أيضاً وكيع في تفسيره وعبد بن حميد، وأبو داود وعن الزهري يرفعه مرسلاً.
وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في تفسيره وعبد بن حميد، وأبو داود عن ابن المسيب مرفوعاً مرسلاً.
وقد روي هذا من طرق كثيرة، فهو أرجح من الأوّل.
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة. «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ مالك يوم الدين» وكذا رواه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود مرفوعاً.
وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه عن ابن مسعود، وناس من الصحابة أنهم فسروا يوم الدين بيوم الحساب. وكذا رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة قال: {يوم الدين} يوم يدين الله العباد بأعمالهم.
تلاعب الشعراوى بقوله تعالى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)}
اذا كانت كل نعم الله تستحق الحمد.. فإن {مالك يَوْمِ الدين} تستحق الحمد الكبير.. لأنه لو لم يوجد يوم للحساب، لنجا الذي ملأ الدنيا شروراً. دون أن يجازى على ما فعل.. ولكان الذي التزم بالتكليف والعبادة وحرم نفسه من متع دنيوية كثيرة إرضاء لله قد شقي في الحياة الدنيا.. ولكن لأن الله تبارك وتعالى هو {مالك يَوْمِ الدين}.. أعطى الاتزان للوجود كله.. هذه الملكية ليوم الدين هي التي حمت الضعيف والمظلوم وأبقت الحق في كون الله.. إن الذي منع الدنيا أن تتحول إلي غابة يفتك فيها القوي بالضعيف والظالم بالمظلوم هو أن هناك آخرة وحسابا، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي سيحاسب خلقه.
والإِنسان المستقيم استقامته تنفع غيره؛ لأنه يخشى الله ويعطي كل ذي حق حقه ويعفو ويسامح.. إذن كل من حوله قد استفاد من خلقه الكريم ومن وقوفه مع الحق والعدل.
أما الأنسان العاصي فيشقى به المجتمع لأنه لا احد يسلم من شره ولا احد الا يصيبه ظلمه.. ولذلك فإن {مالك يَوْمِ الدين} هي الميزان.. تعرف أنت ان الذي يفسد في الأرض تنتظره الآخره.. لن يفلت مهما كانت قوته ونفوذه، فتطمئن اطمئنانا كاملاً إلي أن عدل الله سينال كل ظالم.
على أن {مالك يَوْمِ الدين} لها قراءتان.. {مالك يَوْمِ الدين}.. وملك يوم الدين. والقراءتان صحيحتان.. والله تبارك وتعالى وصف نفسه في القرآن الكريم بأنه: {مالك يَوْمِ الدين}.. ومالك الشيء هو المتصرف فيه وحده.. ليس هناك دخل لأي فرد آخر.. أنا أملك عباءتي.. وأملك متاعي، وأملك منزلي، وانا المتصرف في هذا كله أحكم فيه بما أراه.
فمالك يوم الدين.. معناها أن الله سبحانه وتعالى سيصرف أمور العباد في ذلك اليوم بدون أسباب.. وأن كل شيء سيأتي من الله مباشرة.. دون ان يستطيع أحد أن يتدخل ولو ظاهراً.
ففي الدنيا يعطى الله الملك ظاهرا لبعض الناس.. ولكن في يوم القيامة ليس هناك ظاهر.. فالامر مباشر من الله سبحانه وتعالى.. ولذلك يقول الله في وصف يوم الدين: {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بالدين} [الانفطار: 9] فكأن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان في الدنيا لتمضي بها الحياة.. ولكن في الآخرة لا توجد أسباب. الملك في ظاهر الدنيا من الله يهبه لمن يشاء.. واقرأ قوله تعالى: {قُلِ اللهم مَالِكَ الملك تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الخير إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26] ولعل قوله تعالى: (تنزع) تلفتنا إلى أن أحدا في الدنيا لا يريد ان يترك الملك.
ولكن الملك يجب ان ينتزع منه انتزاعا بالرغم عن ارادته.. والله هو الذي ينزع الملك ممن يشاء.
وهنا نتساءل هل الملك في الدنيا والآخرة ليس لله؟.. نقول الأمر في كل وقت لله.. ولكن الله تبارك وتعالى استخلف بعض خلقه أو مكنهم من الملك في الأرض.. ولذلك نجد في القرآن الكريم قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الملك إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب فَبُهِتَ الذي كَفَرَ والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين} [البقرة: 258] والذي حاج ابراهيم في ربه كافر منكر للألوهية.. ومع ذلك فإنه لم يأخذ الملك بذاته.. بل الله جل جلاله هو الذي اتاه الملك.. اذن الله تبارك وتعالى هو الذي استخلف بعض خلقه ومكنهم من ملك الارض ظاهريا.. ومعنى ذلك انه ملك ظاهر للناس فقط.. أن بشرا أصبح ملكا.. ولكن الملك ليس نابعا من ذات من يملك.. ولكنه نابع من أمر الله.. ولو كان نابعا من ذاتية من يملك لبقى له ولم ينزع منه.. والملك الظاهر يمتحن فيه العباد، فيحاسبهم الله يوم القيامة.. كيف تصرفوا؟ وماذا فعلوا؟.. ويمتحن فيه الناس هل سكتوا على الحاكم الظالم؟.. وهل استحبوا المعصية؟ أم أنهم وقفوا مع الحق ضد الظلم؟.. والله سبحانه وتعالى لا يمتحن الناس ليعلم المصلح من المفسد.. ولكنه يمتحنهم ليكونوا شهداء على أنفسهم.. حتى لا يأتي واحد منهم يوم القيامة ويقول: يا رب لو أنك أعطيتني الملك لا تبعت طريق الحق وطبقت منهجك.
وهنا يأتي سؤال.. اذا كان الله سبحانه وتعالى يعلم كل شيء فلماذا الامتحان؟.. نقول اننا اذا أردنا ان نضرب مثلا يقرب ذلك الي الأذهان.. ولله المثل الاعلى.. نجد ان الجامعات في كل انحاء الدنيا تقيم الامتحانات لطلابها.. فهل اساتذة الجامعة الذي علموا هؤلاء الطلاب يجهلون ما يعرفه الطالب ويريدون ان يحصلوا منه على العلم؟.. طبعا لا.. ولكن ذلك يحدث حتى اذا رسب الطالب في الامتحان.. وجاء يجادل واجهوه بإجابته فيسكت.. ولو لم يعقد الامتحان لادعي كل طالب انه يستحق مرتبة الشرف.
اذا قال الحق تبارك وتعالى: {مالك يَوْمِ الدين}.. أي الذي يملك هذا اليوم وحده يتصرف فيه كما يشاء.. واذا قيل: {مالك يَوْمِ الدين}.. فتصرفه أعلى على المالك لأن المالك لا يتصرف إلاّ في ملكه.. ولكن الملك يتصرف في ملكه وملك غيره.
فيستطيع أن يصدر قوانين بمصادرة أو تأميم ما يملكه غيره.
الذين قالوا: {مالك يَوْمِ الدين} اثبتوا لله سبحانه وتعالى انه مالك هذا اليوم يتصرف فيه كما يشاء دون تدخل من احد ولو ظاهرا: والذين يقرأون ملك.. يقولون ان الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم يقضي في امر خلقه حتى الذين مَلَّكَهُم في الدنيا ظاهرا.. ونحن نقول عندما يأتي يوم القيامة لا مالك ولا ملك الا الله.
الله تبارك وتعالى يريد ان يطمئن عباده.. انهم اذا كانوا قد ابتلوا بمالك او ملك يطغى عليهم فيوم القيامة لا مالك ولا ملك الا الله جل جلاله.. عندما تقول مالك او ملك يوم الدين.. هناك يوم وهناك الدين.. اليوم عندنا من شروق الشمس الي شروق الشمس.. هذا ما نسيمه فكليا يوما.. واليوم في معناه ظرف زمان تقع فيه الاحداث.. والمفسرون يقولون: {مالك يَوْمِ الدين} اي مالك أمور الدين لأن ظرف الزمان لا يملك.. نقول ان هذا بمقاييس ملكية البشر، فنحن لا نملك الزمن.. الماضي لا نستطيع ان نعيده، والمستقبل لا نستطيع ان نأتي به.. ولكن الله تبارك وتعالى هو خالق الزمان.. والله جل جلاله لا يحده زمان ولا مكان.. كذلك قوله تعالى: (مالك يوم الدين) لا يحده زمان ولا مكان.. واقرأ قوله سبحانه: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: 47] وقوله تعالى: {تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 4] واذا تأملنا هاتين الايتين نعرف معنى اليوم عند الله تبارك وتعالى.. ذلك ان الله جل جلاله هو خالق الزمن.. ولذلك فانه يستطيع ان يخلق يوما مقداره ساعة.. ويوما كأيام الدنيا مقداره أربع وعشرون ساعة.. ويوما مقداره ألف سنة.. ويوما مقداره خمسون الف سنة ويوما مقداره مليون سنة.. فذلك خاضع لمشيئة الله.
ويوم الدين موجود في علم الله سبحانه وتعالى. بأحداثه كلها بجنته وناره.. وكل الخلق الذين سيحاسبون فيه.. وعندما يريد ان يكون ذلك اليوم ويخرج من علمه جل جلاله الي علم خلقه.. سواء كانوا من الملائكة او من البشر أو الجان يقول: كن.. فالله وحده هو خالق هذا اليوم.. وهو وحده الذي يحدد كل أبعاده.. واليوم نحن نحدده ظاهرا بانه اربع وعشرون ساعة.. ونحدده بأنه الليل والنهار.. ولكن الحقيقة أن الليل والنهار موجودان دائما على الارض.. فعندما تتحرك الارض، كل حركة هي نهاية نهار في منطقة وبداية نهار في منطقة اخرى.. وبداية ليل في منطقة ونهاية ليل في منطقة اخرى.
ولذلك في كل لحظة ينتهي يوم ويبدأ يوم.. وهكذا فإن الكرة الارضية لو أخذتها بنظرة شاملة لا ينتهي عليها نهار أبدا.. ولا ينتهي عنها ليل أبدا.. إذن فاليوم نسبي بالنسبة لكل بقعة في الارض.. ولكنه في الحقيقة دائم الوجود على كل الكرة الارضية.
والله سبحانه وتعالى يريد أن يطمئن عباده.. أنهم إذا أصابهم ظلم في الدنيا.. فإن هناك يوم لا ظلم فيه.. وهذا اليوم الامر فيه لله وحده بدون أسباب.. فكل انسان لو لم يدركه العدل والقصاص في الدنيا فإن الآخرة تنتظره.. والذي أتبع منهج الله وقيد حركته في الحياة يخبره الله سبحانه وتعالى ان هناك يوم سيأخذ فيه أجره.. وعظمة الآخرة أنها تعطيك الجنة.. نعيم لا يفوتك ولا تفوته.
ولقد دخل أحد الأشخاص على رجل من الصالحين.. وقال له: أريد أن أعرف.. أأنا من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة؟.. فقال له الرجل الصالح.. ان الله أرحم بعباده، فلم يجعل موازينهم في أيدي أمثالهم.. فميزان كل انسان في يد نفسه.. لماذا؟.. لأنك تستطيع أن تغش الناس ولكنك لا تغش نفسك.. ميزانك في يديك.. تستطيع أن تعرف أأنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة.
قال الرجل كيف ذلك؟ فرد العبد الصالح: اذا دخل عليك من يعطيك مالا.. ودخل عليك من يأخذ منك صدقة.. فبأيهما تفرح؟.. فسكت الرجل.. فقال العبد الصالح: اذا كنت تفرح بمن يعطيك مالا فأنت من اهل الدنيا.. واذا كنت تفرح بمن يأخذ منك صدقة فأنت من أهل الآخرة.. فإن الانسان يفرح بمن يقدم له ما يحبه.. فالذي يعطيني مالا يعطيني الدنيا.. والذي يأخذ مني صدقة يعطيني الآخرة.. فإن كنت من أهل الآخرة.. فافرح بمن يأخذ منك صدقة.. أكثر من فرحك بمن يعطيك مالا.
ولذلك كان بعض الصالحين اذا دخل عليه من يريد صدقة يقول مرحبا بمن جاء يحمل حسناتي الي الآخرة بغير أجر.. ويستقبله بالفرحة والترحاب.
قول الحق سبحانه وتعالى: {مالك يَوْمِ الدين}.. هي قضية ضخمة من قضايا العقائد.. لأنها تعطينا أن البداية من الله، والنهاية الي الله جل جلاله.. وبما أننا جميعا سنلقى الله، فلابد أن نعمل لهذا اليوم.. ولذلك فإن المؤمن لا يفعل شيئا في حياته إلا وفي باله الله.. وأنه سيحاسبه يوم القيامة.. ولكن غير المؤمن يفعل ما يفعل وليس في باله الله.. وعن هؤلاء يقول الحق سبحانه: {والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب} [النور: 39] وهكذا من يفعل شيئا وليس في باله الله.. فسيفاجأ يوم القيامة بأن الله تبارك وتعالى الذي لم يكن في باله موجود وانه جل جلاله هو الذي سيحاسبه.
وقوله تعالى: {مالك يَوْمِ الدين} هي أساس الدين.. لأن الذي لا يؤمن بالآخرة يفعل ما يشاء.. فمادام يعتقد انه ليس هناك آخره وليس هناك حساب.. فمم يخاف؟.. ومن أجل مَنْ يقيد حركته في الحياة.
ان الدين كله بكل طاعاته وكل منهجه قائم على أن هناك حسابا في الآخرة.. وأن هناك يوما نقف فيه جميعا أمام الله سبحانه وتعالى.. ليحاسب المخطئ ويثيب الطائع.. هذا هو الحكم في كل تصرفاتنا الايمانية.. فلو لم يكن هناك يوم نحاسب فيه.. فلماذا نصلي؟.. ولماذا نصوم؟.. ولماذا نتصدق؟.
ان كل حركة من حركات منهج السماء قائمة على اساس ذلك اليوم الذي لن يفلت منه أحد.. والذي يجب علينا جميعا أن نستعد له.. ان الله سبحانه وتعالى سمى هذا اليوم بالنسبة للمؤمنين يوم الفوز العظيم.. والذي يجعلنا نتحمل كل ما نكره ونجاهد في سبيل الله لنستشهد.. وننفق اموالنا لنعين الفقراء والمساكين.. كل هذا أساسه أن هناك يوما سنقف فيه بين يدي الله.. والله تبارك وتعالى سماه يوم الدين.. لأنه اليوم الذي سيحاسب فيه كل انسان على دينه عمل به أم ضيعه.. فمن آمن واتبع الدين سيكافأ بالخلود في الجنة.. ومن أنكر الدين وأنكر منهج الله سيجازى بالخلود في النار.
ومن عدل الله سبحانه وتعالى ان هناك يوما للحساب.. لأن بعض الناس الذين ظلموا وبغوا في الأرض ربما يفلتون من عقاب الدنيا.. هل هؤلاء الذين أفلتوا في الدنيا من العقاب هل يفلتون من عدل الله؟.. أبدا لم يفلتوا.. بل إنهم انتقلوا من عقاب محدود الي عقاب خالد.. وافلتوا من العقاب بقدرة البشر في الدنيا.. الى عقاب بقدرة الله تبارك وتعالى في الآخرة.. ولذلك لابد من وجود يوم يعيد الميزان.. فيعاقب فيه كل من أفسد في الارض وأفلت من العقاب.. بل إن الله سبحانه وتعالى يجعل انسانا يفلت من عقاب الدنيا.. فلا تعتقد أن هذا خير له بل انه شر له.. لانه أفلت من عقاب محدود إلى عقاب أبدي.
والحمد الكبير لله بأنه {مالك يَوْمِ الدين}.. وهو وحده الذي سيقضي بين خلقه. فالله سبحانه وتعالى يعامل خلقه جميعا معاملة متساوية.. وأساس التقوى هو يوم الدين.
تلاعبهم بآيتى ( يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19) الانفطار )
القرطبى
{يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ} قرأ ابن كثير وأبو عمرو {يَوْمُ} بالرفع على البدل من يَوْمُ الدِّينِ أو ردا على اليوم الأول، فيكون صفة ونعتا ل- يَوْمُ الدِّينِ. ويجوز أن يرفع بإضمار هو. الباقون بالنصب على أنه في موضع رفع إلا أنه، نصب، لأنه مضاف غير متمكن، كما تقول: أعجبني يوم يقوم زيد. وأنشد المبرد:
من أي يومي من الموت أفر *** أيوم لم يقدر أم يوم قدر
فاليومان الثانيان مخفوضان بالإضافة، عن الترجمة عن اليومين الأولين، إلا أنهما نصبا في اللفظ، لأنهما أضيفا إلى غير محض. وهذا اختيار الفراء والزجاج.
وقال قوم: اليوم الثاني منصوب على المحل، كأنه قال في يوم لا تملك نفس لنفس شيئا.
وقيل: بمعنى: إن هذه الأشياء تكون يوم، أو على معنى يدانون يوم، لان الدين يدل عليه، أو بإضمار اذكر. {وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} لا ينازعه فيه أحد، كما قال: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ} [غافر: 17- 16]. تمت السورة والحمد لله.
الرازى
وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)}
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: اختلفوا في الخطاب في قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ} فقال بعضهم: هو خطاب للكافر على وجه الزجر له، وقال الأكثرون: إنه خطاب للرسول، وإنما خاطبه بذلك لأنه ما كان عالماً بذلك قبل الوحي.
المسألة الثانية: الجمهور على أن التكرير في قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين} لتعظيم ذلك اليوم، وقال الجبائي: بل هو لفائدة مجددة، إذ المراد بالأول أهل النار، والمراد بالثاني أهل الجنة، كأنه قال: وما أدراك ما يعامل به الفجار في يوم الدين؟ ثم ما أدراك ما يعامل به الأبرار في يوم الدين؟ وكرر يوم الدين تعظيماً لما يفعله تعالى من الأمرين بهذين الفريقين.
المسألة الثالثة: في: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ} قراءتان الرفع والنصب، أما الرفع ففيه وجهان:
أحدهما: على البدل من يوم الدين والثاني: أن يكون بإضمار هو فيكون المعنى هو يوم لا تملك، وأما النصب ففيه وجوه:
أحدها: بإضمار يدانون لأن الدين يدل عليه.
وثانيها: بإضمار اذكروا.
وثالثها: ما ذكره الزجاج يجوز أن يكون في موضع رفع إلا أنه يبنى على الفتح لإضافته إلى قوله: {لاَ تَمْلِكُ} وما أضيف إلى غير المتمكن قد يبنى على الفتح، وإن كان في موضع رفع أو جر كما قال:
لم يمنع الشرب منهم غير أن نطقت *** حمامة في غصون ذات أو قال
فبنى غير على الفتح لما أضيف إلى قوله إن نطقت، قال الواحدي: والذي ذكره الزجاج من البناء على الفتح إنما يجوز عند الخليل وسيبويه، إذا كانت الإضافة إلى الفعل الماضي، نحو قولك على حين عاتبت، أما مع الفعل المستقبل، فلا يجوز البناء عندهم، ويجوز ذلك في قول الكوفيين، وقد ذكرنا هذه المسألة عند قوله: {هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ} [المائدة: 119].
ورابعها: ما ذكره أبو علي وهو أن اليوم لما جرا في أكثر الأمر ظرفاً ترك على حالة الأكثرية، والدليل عليه إجماع القراء والعرب في قوله: {مّنْهُمُ الصالحون وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك} [الأعراف: 168] ولا يرفع ذلك أحد. ومما يقوي النصب قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا القارعة * يَوْمَ يَكُونُ الناس} [القارعة: 4 3] وقوله: {يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدين * يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ} [الذاريات: 13 12] فالنصب في {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ} مثل هذا.
المسألة الرابعة: تمسكوا في نفي الشفاعة للعصاة بقوله: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً} وهو كقوله تعالى: {واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48] والجواب: عنه قد تقدم في سورة البقرة.
المسألة الخامسة: أن أهل الدنيا كانوا يتغلبون على الملك ويعين بعضهم بعضاً في أمور، ويحمي بعضهم بعضاً، فإذا كان يوم القيامة بطل ملك بنى الدنيا وزالت رياستهم، فلا يحمي أحد أحداً، ولا يغني أحد عن أحد، ولا يتغلب أحد على ملك، ونظيره قوله: {والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} وقوله: {مالك يَوْمِ الدين} [الفاتحة: 4] وهو وعيد عظيم من حيث إنه عرفهم أنه لا يغني عنهم إلا البر والطاعة يومئذ دون سائر ما كان قد يغني عنهم في الدنيا من مال وولد وأعوان وشفعاء.
قال الواحدي: والمعنى أن الله تعالى لم يملك في ذلك اليوم أحداً شيئاً من الأمور، كما ملكهم في دار الدنيا.
قال الواسطي: في قوله: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً} إشارة إلى فناء غير الله تعالى، وهناك تذهب الرسالات والكلمات والغايات، فمن كانت صفته في الدنيا كذلك كانت دنياه أخراه.
وأما قوله: {والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} فهو إشارة إلى أن البقاء والوجود لله، والأمر كذلك في الأزل وفي اليوم وفي الآخرة، ولم يتغير من حال إلى حال، فالتفاوت عائد إلى أحوال الناظر، لا إلى أحوال المنظور إليه، فالكاملون لا تتفاوت أحوالهم بحسب تفاوت الأوقات، كما قال: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً، وكحارثة لما أخبر بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم يقول: كأني أنظر وكأني وكأني والله سبحانه وتعالى أعلم.
والحمد لله رب العالمين.
السيوطى
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: {وما أدراك ما يوم الدين} قال: تعظيم يوم القيامة يوم يدان الناس فيه بأعمالهم وفي قوله: {والأمر يومئذ لله} قال: ليس ثم أحد يقضي شيئاً ولا يصنع شيئاً غير رب العالمين.
الشوكانى
ثم عظم سبحانه ذلك اليوم فقال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين} أي: يوم الجزاء، والحساب، وكرّره تعظيماً لقدره، وتفخيماً لشأنه، وتهويلاً لأمره، كما في قوله: {القارعة * مَا القارعة * وَمَا أَدْرَاكَ مَا القارعة} [القارعة: 1 3] و{الحاقة * مَا الحاقة * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحاقة} [الحاقة: 1- 3] والمعنى: أيّ شيء جعلك دارياً ما يوم الدين. قال الكلبي: الخطاب للإنسان الكافر.
ثم أخبر سبحانه عن اليوم فقال: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} قرأ ابن كثير، وأبو عمرو برفع: {يوم} على أنه بدل من {يوم الدين}، أو خبر مبتدأ محذوف. وقرأ أبو عمرو في رواية: {يوم} بالتنوين، والقطع عن الإضافة. وقرأ الباقون بفتحه على أنها فتحة إعراب بتقدير: أعني أو اذكر، فيكون مفعولاً به، أو على أنها فتحة بناء لإضافته إلى الجملة على رأي الكوفيين، وهو في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو على أنه بدل من يوم الدين. قال الزجاج: يجوز أن يكون في موضع رفع إلا أنه مبنيّ على الفتح لإضافته إلى قوله: {لاَ تَمْلِكُ} وما أضيف إلى غير المتمكن، فقد يبنى على الفتح، وإن كان في موضع رفع، وهذا الذي ذكره إنما يجوز عند الخليل، وسيبويه إذا كانت الإضافة إلى الفعل الماضي، وأما إلى الفعل المستقبل، فلا يجوز عندهما، وقد وافق الزجاج على ذلك أبو علي الفارسي، والفرّاء، وغيرهما، والمعنى: أنها لا تملك نفس من النفوس لنفس أخرى شيئًا من النفع أو الضرّ {والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} وحده لا يملك شيئًا من الأمر غيره كائناً ما كان. قال مقاتل: يعني لنفس كافرة شيئًا من المنفعة. قال قتادة: ليس ثم أحد يقضي شيئًا، أو يصنع شيئًا إلا الله ربّ العالمين، والمعنى: أن الله لا يملك أحداً في ذلك اليوم شيئًا من الأمور، كما ملكهم في الدنيا، ومثل هذا قوله: {لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار} [غافر: 16].
ابن كثير
وقوله( وما أدراك ما يوم الدين ) تعظيم لشأن يوم القيامة ثم أكده بقوله( ثم ما أدراك ما يوم الدين ) ثم فسره بقوله( يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ) أي : لا يقدر واحد على نفع أحد ولا خلاصه مما هو فيه إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى
ونذكر هاهنا حديث يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار لا أملك لكم من الله شيئا وقد تقدم في آخر تفسير سورة الشعراء ولهذا قال( والأمر يومئذ لله ) كقوله( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) غافر 16 وكقوله( الملك يومئذ الحق للرحمن ) الفرقان : 26 وكقوله( مالك يوم الدين ) الفاتحة : 4 ) قال قتادة : ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله والأمر والله اليوم لله ولكنه يومئذ لا ينازعه أحد . آخر تفسير سورة الانفطار ولله الحمد
الطبرى
وقوله: ( ثم ما أدراك ما يوم الدين ) يقول : ثم أي شيء أشعرك يوم المجازاة والحساب يا محمد ، تعظيما لأمره ، ثم فسر جل ثناؤه بعض شأنه فقال: ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ) يقول : ذلك اليوم ، ( يوم لا تملك نفس ) يقول : يوم لا تغني نفس عن نفس شيئا ، فتدفع عنها بلية نزلت بها ، ولا تنفعها بنافعة ، وقد كانت في الدنيا تحميها ، وتدفع عنها من بغاها سوءا ، فبطل ذلك يومئذ ، لأن الأمر صار لله الذي لا يغلبه غالب ، ولا يقهره قاهر ، واضمحلت هنالك الممالك ، وذهبت الرياسات ، وحصل الملك للملك الجبار ، وذلك قوله: ( والأمر يومئذ لله ) يقول : والأمر كله [ ص: 273 ] يومئذ ، يعني : الدين لله دون سائر خلقه ، ليس لأحد من خلقه معه يومئذ أمر ولا نهي. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( والأمر يومئذ لله ) قال : ليس ثم أحد يومئذ يقضي شيئا ، ولا يصنع شيئا إلا رب العالمين. حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ) والأمر والله اليوم لله ، ولكنه يومئذ لا ينازعه أحد.
واختلفت القراء في قراءة قوله: ( يوم لا تملك نفس ) فقرأته عامة قراء الحجاز والكوفة بنصب ( يوم ) إذ كانت إضافته غير محضة . وقرأه بعض قراء البصرة بضم ( يوم ) ورفعه ردا على اليوم الأول ، والرفع فيه أفصح في كلام العرب ، وذلك أن اليوم مضاف إلى يفعل ، والعرب إذا أضافت اليوم إلى تفعل أو يفعل أو أفعل ، رفعوه فقالوا : هذا يوم أفعل كذا ، وإذا أضافته إلى فعل ماض نصبوه; ومنه قول الشاعر :
على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألما تصح والشيب وازع )
الباب الرابع : مهرجان الكوميديا فى أحاديث الشفاعة فى ( البوخارى )
الباب الرابع : مهرجان الكوميديا فى أحاديث الشفاعة فى ( البوخارى )
الفصل الأول : لمحة عامة
أولا : ( صحيح / صفيح ) ( البخارى / البوخارى )
1 ـ الله جل وعلا ( مالك يوم الدين ) أمر رسوله محمدا ان يعلن إنه ليس متميزا عن الرسل وإنه لا يدرى ماذا سيحدث له أو لغيره ، وانه مجرد مُتّبع للقرآن وأنه مجرد نذير مبين : (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)(الأحقاف ). أى أن النبى كان لا يعلم الغيب ، وليس له أن يتحدث فى الغيبيات ومنها ما سيحدث يوم الدين ( الأعراف 187 : 188 الأنعام 50 ). وبالتالى فإن كل الأحاديث التى فيها غيبيات هى كاذبة ، ومنها أحاديث الشفاعة .
2 ـ ظل عصر الصحابة والراشدين والأمويين ومعظم العصر العباسى الأول خاليا تقريبا من أى ذكر لأساطير الشفاعة التى ضخّمها البوخارى فى العصر العباسى الثانى .
3 ـ نعم .! لقد جاءت إشارات قليلة عن الشفاعة فى ( الطبقات الكبرى) لمحمد بن سعد . وقد عاش ابن سعد فى العصر العباسى الأول بين عامى( 168 : 230 ) هجرية ، وقد عاصره البوخارى المولود عام 194 والمتوفى عام 256 هجرية . أى أدرك البوخارى المؤرخ ابن سعد وعاصر شهرته ووفاته ، وعاش البوخارى بعد ابن سعد 26 عاما . وقد اعتمد البوخارى على كتاب ( الطبقات الكبرى ) لابن سعد ونقل عنه دون أن يشير اليه ، بل إخترع أسانيد مختلفة عن أسانيد ابن سعد . ولكن لم ينقل البخارى عن ابن سعد تلك الشذرات القليلة عن الشفاعة لأن البوخارى توسّع فيها وأتى بما لم يقله أحد من قبله فى أساطير الشفاعة. يعنى إن البوخارى هو مخترع أحاديث الشفاعة والتى وقع فى هواها أئمة المحمديين بعده ، بدءا من الطبرى المتوفى عام 310 الى عصرنا البائس .
4 ـ والبوخارى كتب هذا الرجس الكاذب عن الشفاعة من خياله ، أو بالتعبير الدّارج : ( من دماغه ) . فلم ينقله عن كتاب مكتوب من قبله كما فعل ابن هشام فى السيرة التى نقلها عن سيرة ابن اسحاق . جلس البوخارى فى قعر بيته ، وكتب من دماغه تلك الأحاديث ، وزعم أنه سمع هذا الحديث من فلان عن فلان عن فلان...عن الصحابى فلان عن النبى أنه قال .!!. وقد كتبنا بحثا عن ( الاسناد فى الحديث ) وهو منشور هنا . وهو يثبت أن الإسناد إفك مضحك . هذا البوخارى مولود فى خلافة الأمين العباسى عام 810 ميلادية ، وعاش في عصر الفتن والاضطرابات السياسية والفكرية والدينية فى العصر العباسى فى خلافة المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز الى أن مات فى خلافة المهتدى عام 870 ميلادية . وقد إخترع إسنادا لتلك الأحاديث التى يكتبها من دماغه . أى يزعم أن شيخه فلان أخبره بهذا الحديث ، وان شيخه الذى عاش مثلا فى خلافة هارون الرشيد قد سمع نفس الحديث من شيخ سابق عاش فى زمن الخليفة المهدى ، وان هذا الشيخ السابق سمع نفس الحديث من شيخ أسبق عاش فى خلافة أبى جعفر المنصور ، ثم عن شيخ اسبق عاش فى خلافة مروان بن محمد الأموى ، ثم عن شيخ آخر عاش فى خلافة سليمان بن عبد الملك الأموى ثم عن شيخ آخر عاش فى خلافة عبد الملك بن مروان ثم عن شيخ أسبق عاش فى خلافة معاوية ، ثم عن الصحابى فلان الذى أدرك النبى وروى عنه .!! هو إسناد عن موتى سابقين عاشوا وماتوا وهم لا يعلمون شيئا عمّا أسنده البخارى اليهم بعد موتهم بعدة عقود من الزمن . بل بعض الرواة شخصيات وهمية إخترعها البوخارى ووضع على كاهلها هذه الأساطير . بإختصار : الإسناد هو إفك كوميدى يضحك منه الحزين ..ولا يصدقه إلّا نزلاء المستشفيات العقلية . هذا الإفك المفترى من حيث السند ومن حيث المتن تبوله البوخارى فى قلوب المحمديين فآمنوا به وقدّسوه ..ولا يزالون .
5 ـ والبخارى فى أساطيره التى إخترعها عن الشفاعة يكتب دراما كوميدية يجعل فيها رب العزة الاها منزوع السلطات ، ومعه شخصية أخرى للنبى محمد الذى يجعله الاله المّدلل صاحب النفوذ ، وصاحب السيادة على الأنبياء السابقين . وطبعا فلا شأن لرب العزة بهذا ، ولا صلة لحقيقة النبى محمد وبقية الأنبياء عليهم السلام بذلك الإفك البوخارى . وحين نتندّر على هذه الشخصيات التى خلقها البوخارى فلأن هذا الإفك لا يستحق سوى السخرية منه وممّن إختلقه . والسخرية هى الردّ المناسب على المحمديين الذين يقدسون البوخارى ويباركون هذا الطعن المقيت فى الله جل وعلا ورسوله .
أخيرا :
ونقرأ هذه الأسطورة من اساطير الشفاعة للبوخارى ، ونعلّق على فقراتها أولا بأول :
1 ـ ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ زَيْدٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) تعليق : هذا هو الاسناد والعنعنة . ويلاحظ هنا أن البخارى جعل الاسناد والعنعنة عبر سبعة من الرواة ، وآخرهم الصحابى أبى سعيد الخدرى . هذا من عصر البخارى فى منتصف القرن الثالث الهجرى الى عصر النبى . كما لو أنّ البوخارى قد أجلسهم امامه جميعا بالترتيب وسمع من فلان عن فلان . أو كان معه جهاز تسجيل وقام بتسجيل رواياتهم ، وهم جميعا قالوا نفس هذه الرواية بلا تغيير فى أى كلمة أو أى حرف ، مع أنها رواية طويلة ..أو ( فيلم هابط ) .
2 ـ دعنا نقرأ متن أو سيناريو وحوار هذه الكوميديا : ( قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : هَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ إِذَا كَانَتْ صَحْوًا ؟ قُلْنَا : لَا. قَالَ : فَإِنَّكُمْ لَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئِذٍ إِلَّا كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا . ) التعليق : هنا يثبت البخارى رؤية الله يوم القيامة عن طريق هذا الافتراء ، وأن الصحابة جميعا سألوه فأجابهم بهذا . وقضية رؤية الله كانت ولا تزال محل جدل ، وقد نفاها المعتزلة فردّ عليهم البخارى وغيره بتأليف أحاديث خاصة أو بإدخالها ضمن أحاديث مطولة مثل هذا الحديث الاسطورة .
3 ـ ( ثُمَّ قَالَ : يُنَادِي مُنَادٍ لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ، فَيَذْهَبُ أَصْحَابُ الصَّلِيبِ مَعَ صَلِيبِهِمْ وَأَصْحَابُ الْأَوْثَانِ مَعَ أَوْثَانِهِمْ وَأَصْحَابُ كُلِّ آلِهَةٍ مَعَ آلِهَتِهِمْ ، حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ وَغُبَّرَاتٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. ). تعليق : هذا يجعل المسيحيين ضمن من يعبد الأوثان . فماذا عمّن يعبد القبور المقدسة أو الأنصاب من ( المحمديين ) ؟ سنعرف فى نهاية الفيلم أن مصيرهم الجنة والخروج من النار .
4 ـ ( ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كَأَنَّهَا سَرَابٌ. فَيُقَالُ لِلْيَهُودِ : مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ. فَيُقَالُ : كَذَبْتُمْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا. فَيُقَالُ : اشْرَبُوا. فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ ) أى هنا نجد البوخارى قد صنع الاها كاذبا مُخادعا ، يجعل جهنم سرابا من الماء يعرضه أمام اليهود العطشانين الغلابة ، ويدعوهم للشرب فيندفع اليهود لروى ظمئهم فيتساقطون فى جهنم 5 ـ ويكرر نفس الخدعة للنصارى :( ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّصَارَى مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ فَيَقُولُونَ كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ كَذَبْتُمْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ فَمَا تُرِيدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ : نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا .فَيُقَالُ : اشْرَبُوا . فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ ). التعليق : والبوخارى يجعل النصارى فى هذا السيناريو غاية فى الغباء ، إذ يقعون ببساطة فى نفس الخدعة التى وقع فيها اليهود أمامهم ، ويتساقطون مثلهم فى جهنم ..يا عينى .!! .
6 ـ وبعد إلقاء اليهود والنصارى فى جهنم لا يبقى سوى ( أمة محمد ) أو بتعبير البوخارى ( حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ ) التعليق : أى هم بين برّ وفاجر ..OK يا بوخارى . ولو أنك لم تذكر أغلبية سكان العالم من بوذيين وهندوس و سيخ ..الخ .
7 ـ ونعود للسيناريو والحوار : ( فَيُقَالُ لَهُمْ مَا يَحْبِسُكُمْ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ ؟ فَيَقُولُونَ : فَارَقْنَاهُمْ وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ الْيَوْمَ ، وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا ) التعليق : يعنى ينتظرون الى أن يأتى لهم ربهم الذى إخترعه البوخارى فى هذا الفيلم الهابط .
8 ـ وهنا سيداتى وسادتى : تنتفتح الستارة ويظهر على الشاشة الممثل الذى يقوم بدور الاله الذى إخترعه البوخارى. هذا الاله يأتيهم متنكرا : ( قَالَ فَيَأْتِيهِمْ الْجَبَّارُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ . فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا ؟؟!! ) أى يستنكرون أن يكون ربهم . ولكن يعرفه الأنبياء .
9 ـ يقول السيناريو : ( فَلَا يُكَلِّمُهُ إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ ) ويتعرف عليه الأنبياء عندما يكشف لهم ساقه فيسجدون له :( فَيَقُولُ هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ فَيَقُولُونَ : السَّاقُ .! فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا) التعليق : هنا يضع البوخارى تلاعبه بقوله جل وعلا عن بعث الناس من القبور : (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (42) القلم ) . إذ تنشق القبور يوم البعث ويبدأ ظهور سيقان البشر ، ثم بقية أجسادهم . وبعد البعث يكون مساق الناس فى الحشر ، الى حيث العرض أمام الله جل وعلا صفّا واحدا ، يقول جل وعلا عن هذا الحشر : (وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) القيامة ) البوخارى يضع عامدا هذه الفقرة فى هذا الحديث ليجعل الساق هى ساق رب العزة .
10 ـ ثم يقول البوخارى : ( ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ . قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْجَسْرُ ؟ قَالَ : مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ تَكُونُ بِنَجْدٍ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ . الْمُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا ) . التعليق : أساطير المحمديين تتخيل جسرا بين الجنة والنار إسمه الصراط ، يعبره الناس ، فالمؤمنون يعبرونه بسلام والكافرون يتساقطون من فوقه الى الجحيم . وهذا خيال بائس ساقط لأن المقصود بالصراط فى السياق القرآنى هو الطريق الذى يختاره الفرد فى علاقته بربه ، هو ( الدين ) وهو ( السبيل ) . قد يكون الصراط مستقيما وقد يكون معوجا مختلفا . ولقد شاء رب العزة أن نيكون الناس أحرارا فى إختيار طريقهم وصراطهم . والبوخارى هنا يصف ما يتخيله من هذا الكوبرى فوق الجنة والنار ، وقد تساقط من فوقه بعض المؤمنين فى سيناريو البوخارى .
11 ـ ويزعم البوخارى أن المؤمنين يتوسلون بمحمد لينجى من سقط من فوق الكوبرى الى النار : ( فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ لِي مُنَاشَدَةً فِي الْحَقِّ ). ثم تأتى عبارت غامضة فى السيناريو : ( قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِ يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ).
12 ـ ويقول البوخارى عن تشفع المؤمنين فى إخوانهم الذين سقطوا من فوق الكوبرى ( الصراط ) الى جهنم : ( وَإِذَا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا فِي إِخْوَانِهِمْ يَقُولُونَ : رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَعْمَلُونَ مَعَنَا فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ . وَيُحَرِّمُ اللَّهُ صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ . فَيَأْتُونَهُمْ ، وَبَعْضُهُمْ قَدْ غَابَ فِي النَّارِ إِلَى قَدَمِهِ ، وَإِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ) أى يعطيهم القوة على إخراج إخوانهم من النار من كان منهم فى قلبه مثقال دينار من إيمان ، يعنى حوالى نصف أوقية أو ربع رطل أو ثُمن كيلو ..مثلا . وطبعا لا بد أن يذهبوا ومعهم ( ميزان ) يزنون به أعمال أولئك الناس المؤمنين الذين كانوا يصلون ويصومون ليخرجوهم من النار طالما وصل إيمانهم الى مثقال دينار بالعُملة الأردنية . ويخرجونهم من النار ..
13 ـ ولكن لا يكفيهم هذا لأنه لا يزال بعض إخوانهم ( المؤمنين ) فى النار ، وإيمانهم أقل من مثقال دينار .يعنى بالدرهم أى بالعملة الامارتية ، أو بالدراخمة اليونانية . ويتشفعون فيهم : يقول السيناريو الهابط : ( ثُمَّ يَعُودُونَ ، فَيَقُولُ : اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ فَأَخْرِجُوهُ ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا . ) .
14 ـ ولا يكتفون بهذا ، لأنه لا يزال فى النار من المؤمنين الذين كانوا يُصلُّون ويصومون من فى قلبه مثقال ذرة من إيمان ، يعنى واحد على مليون من الجرام من الايمان . لذا يعودون للتشفع فيهم ليخرجوهم من النار . يقول السيناريو : ( ثُمَّ يَعُودُونَ . فَيَقُولُ : اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ . فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي فَاقْرَءُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا) . ولأن البوخارى يرى إنها كذبة واسعة ( حبتين ) وغير قابلة للتصديق فإنه يستشهد بآية قرآنية هى دليل ضده وليست دليلا له .
15 ـ ويستمر سيناريو البوخارى يقول : ( فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ . ) وبعد شفاعتهم لا يبقى فى النار إلا القليلون من ( أمة محمد ) ، وهؤلاء يشفع فيهم اله البخارى نفسه . أى يشفع فيهم بنفسه عند نفسه ، يقول البوخارى فى فيلمه الهابط : ( فَيَقُولُ الْجَبَّارُ : بَقِيَتْ شَفَاعَتِي . ) أى بقى أن يشفع هو بنفسه عند نفسه فيقبض قبضة من الناروتخرج قبضته مليئة بأقوام من المحمديين من أهل النار يلقيهم فى ماء الحياة عند الجنة ( على شمالك وانت عند نافورة ميدان التحرير ) :يقول البوخارى المعتوه : ( فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النَّارِ فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا قَدْ امْتُحِشُوا ، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ بِأَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ ، فَيَنْبُتُونَ فِي حَافَتَيْهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ، قَدْ رَأَيْتُمُوهَا إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ وَإِلَى جَانِبِ الشَّجَرَةِ . فَمَا كَانَ إِلَى الشَّمْسِ مِنْهَا كَانَ أَخْضَرَ وَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ كَانَ أَبْيَضَ .) أصحاب النار هؤلاء يلبسون اللؤلؤ والخواتيم ويقام لهم حفل إستقبال فى الجنة ، مع إنهم ما عملوا خيرا فى حياتهم الدنيا . يقول البخارى فى خاتمة هذا الفيلم : ( فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ اللُّؤْلُؤُ . فَيُجْعَلُ فِي رِقَابِهِمْ الْخَوَاتِيمُ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ أَدْخَلَهُمْ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ فَيُقَالُ لَهُمْ لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ). وتأتى (النهاية ) السعيدة ( The End) لهذا الفيلم الهابط . ويخرج المحمديون من قاعة السينما وقد تشجعوا على العصيان وطاعة الشيطان ، إذ ليس هناك حساب ولا عقاب بل هو يوم من الشفاعات يشفع فيه الجميع من المؤمنين والأنبياء وحتى ربّ البوخارى يشفع بنفسه عند نفسه . ويتمتع بهذه الشفاعات المحمديون فقط . أما اليهود والنصارى فقد تم وضعهم فى النار فى أول الفيلم . وعليه العوض ومنه العوض .!!
لكن أين شفاعة ( محمد ) ؟ هى فى الأفلام القادمة .
انتظرونا ..
الباب الرابع : مهرجان الكوميديا فى أحاديث الشفاعة فى ( البوخارى )
الفصل الثانى : فيلم الشفاعة العظمى ( أنا شجيع السيما ..ابو شنب بريمة )
مقدمة :
1 ـ اسطورة الشفاعة العظمى ( العالمية ) للبشر جميعا تجعل ( يوم الدين ) مثل ( المولد ) الذى صاحب له ، أو باتعبير المصرى ( مولد وصاحبه غايب ) . صياغة هذه الاسطورة تتشابه مع أوبريت ( الليلة الكبيرة ) التى كتبها العبقرى الراحل صلاح جاهين ولحّنها الموسيقار الراحل سيد مكاوى ، وقام بغنائها مجموعة من المطربين ، وأحد الشخصيات هو ( فتوة ) يظهر مفتول العضلات ومتباهيا بجاهه وقوته قائلا ( أنا سجيع السيما ..أبو شنب برّيمة ). البوخارى فى اسطورته عن ( الشفاعة العظمى ) والتى إستقاها من مستنقع الفولكلور الدينى للرعاع لم يبتعد كثيرا عما كتبه المُبدع صلاح جاهين فى ( الليلة الكبيرة ) حيث الهرج والمرج والصراخ والأصوات فى ( مولد وصاحبه غايب ) . إلا إن البوخارى قد أعطى الدور الرئيس والبطولة المطلقة فى فيلم الشفاعة العظمى لمن ( أسماه النبى محمد ) ، وأعكى الأدوار المساعدة والثانوية لمن جعلهم الأنبياء ولمن جعله الاله ، بالاضافة الى ( مجاميع ) تمثّل جموع البشر من ابناء آدم .
ولن نملّ من التأكيد بأن هذا الافتراء لا صلة له مطلقا بالله جل وعلا ورسله وخاتم النبيين ، إنه مجرد سيناريو فيلم هابط لا يستحق سوى السخرية والتندّر ، وهذا ما نفعله .
ومن مكر البوخارى أنه كرر فى كتابه اسطورة الشفاعة العظمى حوالى عشر مرات ، مع اختلافات فى العنعنة والسند وخلافات أخرى فى صياغة المتن . ولكنها كلها تجعل الخلق جميعا يلجأون للأنبياء من آدم الى عيسى يترجونهم الشفاعة فيرفضون فيأتون لمحمد فيتصدى لها ويشفع فى الناس جميعا فيقبل الله شفاعته.!.وبدلا من أن يُفرج عنهم من الحبس تكون المفاجأة أن يُخرجهم ( محمد ) من النار ويدخلهم الجنة . ونقرأ إحدى سيناريوهات هذه الاسطورة ونعلّق على فقراتها أولا بأول :
أولا :
1 ـ ( وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ) فى هذا السّند يجعل البخارى أربعة فقط بينه وبين النبى ( حجاج بن منهال ) ، (همام بن يحيى ) ( قتادة ) ( أنس بن مالك الصحابى ) عن النبى . هذا بالطبع لو إفترضنا أن البخارى جلس معهم جميعا فى وقت واحد وكان معه جهاز تسجيل او تراسل معهم بالفاكس أو السكايب أو حتى بالايميل ..! . بغض النظر عن هذا الإسناد الكوميدى ، فإن البوخارى بكل جُرأة يزعم أن النبى قال :
2 ـ ( .. أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يُحْبَسُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُهِمُّوا بِذَلِكَ. فَيَقُولُونَ : لَوْ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا ؟ ) لم نعرف اين كان حبسهم ؟ وحتى لا نعرف متى كان حبسهم ؟ لأن يوم القيامة يحوى فى داخله يوم البعث ويوم الحشر ويوم العرض ويوم الحساب ..المهم إن الناس إتحبست وخلاص .! لأنه بدون حبس الناس لن يكون هناك مبرر فى السيناريو للشفاعة العظمى . لأنه بعد حبس الناس أجمعوا على أنه لا بد من التشفع بأبيهم آدم ليتوسّط للإفراج عنهم . وإلّا سيظلون فى مكانهم بلا عمل ، لأن المفهوم من السيناريو أن ( صاحب المولد ) غائب عن الوعى ، أى حبس الناس وقفل عليهم بالمفتاح وذهب يشاهد ( مسلسل تركى مدته عدة سنوات ) .. ولما يرجع ( بقى ) يكون الناس قد ( فرهدت ) من الإنتظار ، وفاتهم ميعاد الاتوبيس .
3 ـ ( فَيَأْتُونَ آدَمَ ، فَيَقُولُونَ : أَنْتَ آدَمُ أَبُو النَّاسِ ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ ، وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ . لِتَشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا؟! قَالَ فَيَقُولُ : لَسْتُ هُنَاكُمْ . قَالَ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ أَكْلَهُ مِنْ الشَّجَرَةِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا وَلَكِنْ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ ) . يأتون لآدم . ( بسّ عرفوه إزاى ؟ مش ممكن يكون واحد زور بطاقة آدم وهويته وباسبوره ورقمه القومى ؟ ) ( طيب : وكلموه إزّأى ؟ وما هى لغة آدم ؟ ) ( طيب : وهم كل البشر من أول الخلق الى أخر جيل منهم تكلموا مع بعضهم إزّاى ؟ . وهم طبعا بملايين البلايين .. طيب ..سمعوا بعض إزّاى ) . مش مهم .. المهم أن آدم بعد ما مدحوه ونافقوه تهرّب منهم ، مع انهم يا عينى أولاده و ( فلذات كبده ) فلذة فلذة .! لكن الظاهر أن بابا آدم فى سيناريو البوخارى قرفان من فلذات كبده ، فتحجّج بالأكل من الشجرة ، ونسى إن الله جل وعلا قد غفر له . بالمناسبة : اين السيدة الفاضلة أمنا حواء ؟ المفروض أنها الأكثر حنانا على فلذات كبدها .. لكن الظاهر أنه كان عندها موعد كوافير ..
4 ـ ييأس البشر من بابا آدم وماما حواء فيذهبون الى الأخ الأكبر فى الفيلم : ( أبيه نوح ) : ( فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ : لَسْتُ هُنَاكُمْ . وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ سُؤَالَهُ رَبَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ . وَلَكِنْ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ ) ويعتذر لهم نوح بأنه اخطا حين استغفر لابنه . وطبعا ينسى أن الله جل وعلا غفر له . وينصحهم بالذهاب الى ( ابراهيم ). والسؤال هنا : لماذا أهمل كاتب السيناريو الأنبياء الآخرين بين نوح وابراهيم .. هل لأنه ليست لهم ذنوب تعرضوا بسببها الى اللوم والعتاب ، وكاتب السيناريو حريص على معاقبة الأنبياء والتذكير بذنوبهم حتى لو كان قد تم غفرانها ؟ أم هى ضرورة فنيّة فى تكنيك كتابة السيناريو؟
5 ـ ( قَالَ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ ، فَيَقُولُ : إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ كَذَبَهُنَّ وَلَكِنْ ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا آتَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَكَلَّمَهُ وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا ) وهنا يحرص البوخارى على إتهام ابراهيم عليه السلام بالكذب . وقد كرّر البوخارى هذا الاتهام لابراهيم عليه السلام فى أحاديثه تحت عناوين شتى وموضوعات متفرقة . والبوخارى ينقل هنا عن تحريفات التوراة التى تزعم أن ابراهيم عليه السلام كذب مرتين ، والبوخارى يضيف واحدة ، ويجعلها ثلاث كذبات ، هذا برغم أن رب العزة وصف ابراهيم بأنه كان صديقا نبيا (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً (41)( مريم ). يتخلّى عنهم ( ابراهيم ) وينصحهم بالذهاب الى موسى . وكالعادة يتخطى سيناريو البوخارى أنبياء كثيرين ( اسماعيل واسحق ويعقوب ويوسف )، ومن لا نعلمهم . لكن .. بالمناسبة : كيف عرفوا عناوين وأماكن تواجد أولئك الأنبياء ومحل إقامتهم ؟ أم كان معهم أرقام هواتفهم المحمولة ؟ ثم كيف وصلوا اليهم وهم محبوسون ؟ هل يا ترى ( اخذوا تاكسى ) أم ركبوا القطار ؟ وفى زحمة التدافع للذهاب الى لقاء الأنبياء ألم يسقط منهم ضحايا ؟ عشرات الأسئلة أغفل السيناريو الاجابة عنها .
6 ـ نرجع للسيناريو الهابط : ( قَالَ فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ . وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ قَتْلَهُ النَّفْسَ ، وَلَكِنْ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَرُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ .قَالَ : فَيَأْتُونَ عِيسَى ، فَيَقُولُ : لَسْتُ هُنَاكُمْ وَلَكِنْ ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ . فَيَأْتُونِي ) ويعتذر موسى ويعتذر عيسى ، وينصحهم عيسى بالذهاب الى ( سجيع السيما ) فى هذا السينارية البوخارى .
7 ـ يقول سجيع السيما فى سيناريو البوخارى يتحدث عن نفسه :( فَيَأْتُونِي .! ) . طبعا كان معاهم العنوان ويعرفون البيت ، ولا بد أنه بيت واسع يتسع لملايين البلايين من البشر . ولأنه ( سجيع السيما أبو شنب بريمة ) فهو لا ينتظر حتى يطلبوا منه التشفع لهم ، بل يبادر بالتصرف مباشرة فيدخل على ( الرب ) الذى إخترعه البوخارى فى هذا السيناريو .
8 ـ يقول السيناريو والحوار : (َفيَأْتُونِي فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ ) ، أى مجرد أن أتوه أسرع بالاستئذان على ( ربه فى داره ) . هنا نعرف أن هذا ( الرب ) الذى إخترعه البوخارى له ( دار ) وهو يعيش داخل هذه الدار . ولا نعرف هذه الدار هل هى صالة وحجرتان ومطبخ ودورة مياه ؟ أم فيها أيضا حمام سباحة وبلكونة وغرفة للضيوف وأخرى للمكتبة ؟ . ولكنّ الذى نعرفه أن هذا ( الرب ) الذى إخترعه البوخارى قد حبس الخلق فى ( يوم الدين) وجلس مستريحا فى داره . والذى نعرفه أيضا أن هذا ( الرب ) قد وضع على باب داره حُراسا وحُجّابا يمنعون الناس المحبوسين من الدخول عليه إلا بإذن ، حتى لو كان ( سجيع السيما ) نفسه . وقد قدم لهم ( محمد الذى صنعه البوخارى من خياله ) طلبا بالدخول فأذنوا له بالدخول .!
9 ـ ويصف السيناريو هذا اللقاء بين ( رب البخارى ) و ( سجيع السما ) : ( فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا ، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي . فَيَقُولُ : ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ . )، أى أن الرب الذى إخترعه البوخارى يقول لمحمد أن الذى يقوله محمد مسموع مقدما ، (وَقُلْ يُسْمَعْ )، أى يعلن هذا الرب المزعوم السمع والطاعة لمحمد .!!.وأن شفاعته مقبولة مقدما . وبالتالى : ( قَالَ فَأَرْفَعُ رَأْسِي ، فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ،) أى إن هذا الرب المصنوع هو الذى يعلّم محمدا كيفية التحميد والثناء . ( ثُمَّ أَشْفَعُ ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ . ) وهذا يعنى أن الشفاعة ليست فى تخليص البشر كلهم من الحبس ، ولكنها فى موضوع مختلف هو إدخالهم الجنة . وهذا تضارب غير مفهوم.
10 ـ وتأتى تكملة السيناريو بمزيد من التضارب : ( قَالَ قَتَادَةُ وَسَمِعْتُهُ أَيْضًا يَقُولُ : فَأَخْرُجُ ، فَأُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ . ) . وهنا التضارب . فالمفهوم أنهم كانوا فى حبس وليسوا فى النار . ففى بداية السيناريو يكتب البوخارى : (يُحْبَسُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُهِمُّوا بِذَلِكَ. فَيَقُولُونَ : لَوْ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا ؟ )، ويتشفعون بأدم والأنبياء ليرتاحوا من هذا الحبس ، ثم يتشفع فيهم محمد ، فتأتى النتيجة بإخراج أهل النار من النار ودخولهم فى الجنة .! فما هى العلاقة يا أبو خارى بين هذا وذاك ؟
11 ـ ويتكرّر نفس الخبل مرة ثانية : ( ثُمَّ أَعُودُ الثَّانِيَةَ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يَقُولُ ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ قَالَ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ قَالَ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ قَالَ قَتَادَةُ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ). وفى المرة الثانية يعيد الرب المزعوم تعليم محمد كيفية التحميد والثناء للمرة الثانية . ويتكرر إخراجه للناس من النار وإدخالهم الجنة .
12 ـ ويتكرر نفس الخبل للمرة الثالثة : ( ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يَقُولُ ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَهْ قَالَ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ قَالَ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ) . وفى كل مرة يستأذن محمد على ربه ( فى داره ) وهذا الرب الذى صنعه البخارى لا عمل له سوى إستقبال محمد وأن يكرر تعليم محمد كيفية التحميد والثناء ، وأن يقول له نفس الكلام وأن يعلن لمحمد السمع والطاعة (ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَهْ ). ومحمد فى كل مرة ينسى ما تعلمه ويحتاج الى أن يتعلم مرة ثانية . ومن حق الأمين العام للأمم المتحدة أن يتساءل : ما هى الحاجة لوجود هذا الإله الذى لا عمل له سوى إعلان طاعته لمحمد ؟ لماذا لا يستقيل ويبحث عن عقد عمل فى الخليج ويترك الأمور لسجيع السيما أبو شنب بريمة ؟
13 ـ: ويستمر محمد فى مهمته تلك ( طالع نازل ) يدخل يستأذن ويسجد ويقول له ربه نفس الكلام ويعلمه نفس الكلمات ، ثم يُخرج الناس من النار ويُدخلهم الجنة . يظل هكذا الى أن يتم إخراج المؤمنين من النار وإدخالهم الجنة ، ولا يتبقى فى النار إلا الناس المشركون ( الناس الوحشة ) : ( قَالَ قَتَادَةُ وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ : فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ، حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ ، أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ . )
14 ـ ( قَالَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا قَالَ وَهَذَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وُعِدَهُ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .).أى وفى النهاية ، وبعد ( طلوع الروح ) تأتى نهاية السيناريو وقد تعلمنا أن هذا الفيلم الهابط هو فى تفسير ( المقام المحمود ) ..آه يا ابن ال .. موظفة .!؟؟!!
15 ـ تبقى ملاحظة صغيرة جدا ( ملاحظة صُغنّنة ) : يقول البو خارى فى إسناد هذا الحديث : ( وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ... ). يعنى أنه يزعم أنّ الذى روى الحديث مباشرة عن النبى هو ( انس ) . ولكنه ينسى هذا فى زحمة الكذب ، ويظل يؤكّد أن الذى روى عن النبى هو قتادة . ففى كل مرة يكرر ( قال قتادة ): ( قَالَ قَتَادَةُ وَسَمِعْتُهُ أَيْضًا يَقُولُ : فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ . ) ،(قَالَ قَتَادَةُ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ )، ( قَالَ قَتَادَةُ وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ، حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ ، أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ . ). أى إن قتادة هو الذى كان يسمع النبى ويروى عنه وليس ( انس بن مالك ) الصحابى المشهور بأنه كان خادما للنبى . فكيف يسمع قتادة من النبى ؟ قتادة هذا هو ( قتادة بن دعامة السدوسى ) مولود فى البصرة عام 61 هجرية 680 ميلادية ، فى نهاية خلافة معاوية ، ومات فى واسط بالعراق فى خلافة هشام بن عبد الملك الأمى عام 118 هجرية 736 ميلادية . فكيف يروى قتادة هذا مباشرة عن النبى ؟
ثانيا : وهناك عدة ( نُسخ ) من سيناريو البوخارى فى فيلم الشفاعة العظمى : منها هذه النُّسخة :
( حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِيُّ قَالَ اجْتَمَعْنَا نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَذَهَبْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَذَهَبْنَا مَعَنَا بِثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ لَنَا عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ فَإِذَا هُوَ فِي قَصْرِهِ فَوَافَقْنَاهُ يُصَلِّي الضُّحَى فَاسْتَأْذَنَّا فَأَذِنَ لَنَا وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى فِرَاشِهِ فَقُلْنَا لِثَابِتٍ لَا تَسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ أَوَّلَ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ فَقَالَ يَا أَبَا حَمْزَةَ هَؤُلَاءِ إِخْوَانُكَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ جَاءُوكَ يَسْأَلُونَكَ عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ فَقَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْتُونِي فَأَقُولُ أَنَا لَهَا فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الْآنَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيَقُولُ انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيَقُولُ انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ أَوْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيَقُولُ انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْ النَّارِ فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ أَنَسٍ قُلْتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا لَوْ مَرَرْنَا بِالْحَسَنِ وَهُوَ مُتَوَارٍ فِي مَنْزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ فَحَدَّثْنَاهُ بِمَا حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَنَا فَقُلْنَا لَهُ يَا أَبَا سَعِيدٍ جِئْنَاكَ مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَلَمْ نَرَ مِثْلَ مَا حَدَّثَنَا فِي الشَّفَاعَةِ فَقَالَ هِيهْ فَحَدَّثْنَاهُ بِالْحَدِيثِ فَانْتَهَى إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَالَ هِيهْ فَقُلْنَا لَمْ يَزِدْ لَنَا عَلَى هَذَا فَقَالَ لَقَدْ حَدَّثَنِي وَهُوَ جَمِيعٌ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَمْ كَرِهَ أَنْ تَتَّكِلُوا قُلْنَا يَا أَبَا سَعِيدٍ فَحَدِّثْنَا فَضَحِكَ وَقَالَ خُلِقَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا مَا ذَكَرْتُهُ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدَّثَنِي كَمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ قَالَ ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ وَسَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَيَقُولُ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ )
الجديد هنا هو:
1 ـ أفواج من أهل البصرة يذهبون الى ( انس ) فى قصره يطمئنون على موضوع الشفاعة ، فيطمئنهم أنس ، حسبما يروى البوخارى . وأنهم يستوثقون من ( الحسن ) أى الحسن البصرى .
2 ـ وأن النبى الذى إخترعه البوخارى يغنى الأغنية المشهورة( أمّتى أمّتى ) والرد عليها بما يعنى ( شفاعى شفاعتى ) ، أو كما جاء فى نصّ السيناريو فى هذه النُّسخة : (فَيَقُولُ : انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْ النَّارِ ) .
3 ـ ثم ينتهى الفيلم بأن يخرج من النار كل من قال ( لا اله إلا الله ) .
ثالثا : وهذه نسخة أخرى للفيلم ينسبها البوخارى لأبى هريرة : يقول فيها :
( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَشَ مِنْهَا نَهْشَةً ، ثُمَّ قَالَ : أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصَرُ وَتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنْ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ فَيَقُولُ النَّاسُ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ عَلَيْكُمْ بِآدَمَ فَيَأْتُونَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَام فَيَقُولُونَ لَهُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ آدَمُ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَنْ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ يَا نُوحُ إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِي الْحَدِيثِ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ عِيسَى إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُولُونَ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتِمُ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي ثُمَّ يُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَبْوَابِ ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى ).
والجديد هنا :
1 ـ أن النبى الذى إخترعه البوخارى يحكى مفتخرا وهو ينهش اللحم عن بطولاته القادمة فى فيلم الشفاعة العظمى ، ويستهل الحديث بالـتاكيد على أنه ( سيد الناس يوم القيامة ):(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَشَ مِنْهَا نَهْشَةً، ثُمَّ قَالَ : أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . )، ثم يُدلّل على هذا ببطولاته فى هذا اليوم بما يعنى أنه ( مالك يوم الدين ) طالما هو ( سيد الناس يوم الدين ). وبالتالى فمن حق السيد الأمين العام للأمم المتحدة أن يتساءل عن أهمية وجود هذا الاله الذى إخترعه البوخارى والذى لا يهشّ ولا ينشّ ؟.أى لا بد من الاستغناء عنه وفصله من عمله توفيرا للنفقات .!
2 ـ والعجيب أنه بعد أغنية ( أمتى أمّتى ) يقول الاله الذى إخترعه البوخارى : (يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَبْوَابِ ). أى إن هناك من ( أمة محمد ) من ليس عليهم حساب ، أى يدخلون الجنة بلا حساب ، إذن فما الداعى لمهرجان الشفاعة أصلا ، وناس تأتى وناس تخرج .. وهيصة وزمبليطة ، وروح لآدم ومن آدم الى عيسى ..هذه بيروقراطية مُزعجة ، ومن السلبيات فى هذا العمل الفنى الدرامى .
3 ـ وهناك أمر مُزعج أيضا . فلم نعرف عدد أبواب الجنة . فالمؤمنون الذين ليس عليهم حساب سيدخلون الجنة من الباب الأيمن الخاص بهم ، ثم لهم أن يدخلوا أيضا من الأبواب الأخرى التى لا نعرف عددها . وهنا قد تحدث فوضى كالتى تحدث فى الموالد والأفراح . فماذا يحدث لو تاه أحدهم وضل الطريق ووجد نفسه يدخل باب جهنم ؟ هنا كان يجب على كاتب السيناريو أن يحدد عدد الأبواب ، وقوائم بمن سيدخل من كل باب ، ونوعية التذاكر وبطاقات الدعوة ، خصوصا وأن كل باب سيكون واسعا جدا ليستقبل بلايين المحظوظين . يقول البوخارى (إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى ). وهو يتوهم أن ( حمير ) مدينة فى اليمن وهى أشهر مملكة كانت فى اليمن . كما إن ( بُصرى ) المدينة الأثرية السورية الرومانية الأصل لم يكن لها وجود فى عصر البوخارى . وواضح أنه خلط بين ( حمير ) و ( بُصرى ) لكونهما تاريخا مضى .
أخر سطر
تخيلوا أن هذا الجهل يقوم على رعايته ( الأزهر ) ( الشريف جدا ). وهناك أكثر من 13 كلية باسم ( أصول الدين ) فيها أقسام للحديث ، ومفروض أن يقرأوا البوخارى .. ولكنهم كالحمار يحمل أسفارا .
وقديما قال الشاعر :
وتعجبون من سقمى ؟
صحتى هى العجب .!
الباب الرابع : مهرجان الكوميديا فى أحاديث الشفاعة فى ( البوخارى)
الفصل الثالث : البخارى ( أبو لمعة الأصلى )
مقدمة :
1 ـ فى الستينيات إشتهر فى الاذاعة المصرية برنامج ( ساعة لقلبك ) ، كان حلقات فكاهية تخرّج فيها مشاهير الكوميديا المصرية الذين تألقوا فى السبعينيات والثمانينيات مثل أمين الهنيدى وعبد المنعم مدبولى ومحمد عوض وفؤاد المهندس وخيرية أحمد . ولكن اشهر ممثلى برنامج ساعة لقلبك كان (أبو لمعة ) و( الخواجة بيجو ). قام الممثل محمد أحمد المصرى( 1929 : 2003 ) بدور ( أبو لمعة) وقام رفيقه فؤاد راتب ( 1930 : 1986 ) بدور الخواجة بيجو . ويقوم أبو لمعة بإقتناص الخواجة بيجو ليحكى له بطولات وهمية تمتلىء بأكاذيب مضحكة فينفعل الخواجة بيجو مصدقا لها . وبين أكاذيب أبو لمعة وسذاجة الخواجة بيجو تتفجّر الضحكات . هنا ضحك نبيل يُسعدُ الناس ،والأكاذيب التى فيه أكاذيب بيضاء نعرف جميعا أنها أكاذيب ، ولهذا نضحك عليها من قلوبنا . الفارق هائل بين الأكاذيب ( النبيلة ) لأبى لمعة والأكاذيب السّامة للبوخارى . وبينما يضحك المصريون المحمديون على أكاذيب أبى لمعة فإنهم يُقدّسون الأكاذيب والخرافات السّامة للبوخارى ولا يسخرون منها . لذا نتولى نحن المهمة ، ونقدم التحية لأكاذيب أبى لمعة ( النبيلة ) ونقدم إحتقارنا وإزدراءنا لأكاذيب البوخارى السامة،ونسخر منها حُبّا فى الله جل وعلا ورسوله.
2 ـ ونُعيد التأكيد على أن البخارى فى أساطيره التى إخترعها عن الشفاعة يكتب دراما كوميدية يجعل فيها رب العزة الاها منزوع السلطات ، ومعه شخصية أخرى للنبى محمد الذى يجعله الاله المّدلل صاحب النفوذ ، وصاحب السيادة على الأنبياء السابقين . وطبعا فلا شأن لرب العزة بهذا ، ولا صلة لحقيقة النبى محمد وبقية الأنبياء عليهم السلام بذلك الإفك البوخارى . وحين نتندّر على هذه الشخصيات التى خلقها البوخارى فلأن هذا الإفك لا يستحق سوى السخرية منه وممّن إختلقه . والسخرية هى الردّ المناسب على المحمديين الذين يقدسون البوخارى ويباركون هذا الطعن المقيت فى الله جل وعلا ورسوله .
أولا :
1 ـ الرجس الذى إفتراه البوخارى أصبح شعيرة دينية فى الصلاة والأذان ، حيث يتوسل المحمديون حتى الآن بالله جل وعلا كى يجعل محمدا يشفع فيهم ، وهذا تطبيق لحديث البوخارى القائل :( حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ : "اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ" ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ) . المقصد الشيطانى البوخارى هو تعظيم ( محمد ) وتأليهه ، وذكره فى الأذان وفى الصلاة . عقليا فهذا تخلّف فكرى . فإذا كان رب العزّة فى عقيدتهم هو الذى يملك الشفاعة فما الحاجة لسؤاله أن يعطيها لمحمد ليتشفع فيهم ؟ ولماذا لا يسألون الله مباشرة أن يغفر لهم ويتوب عليهم ؟ . إنّ سؤالهم رب العزة أن يجعل محمدا يشفع فيهم يعنى أنهم جعلوا رب العزة واسطة عند محمد ، أى يتوسط لهم عند محمد حتى يتشفع محمد فيهم . ثم إنّ هذا الحديث البوخارى يجعل شفاعة محمد مشروطة بأن يتوسلوا بالله جل وعلا أولا حتى تحلّ لهم شفاعته (حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ). بدون هذا فلن يشفع ( محمد ) طبقا لإفتراء البوخارى . أى لا بد أن يتوسط رب العزة عند محمد حتى يتفضّل محمد ويشفع وتحلّ شفاعته لمن يسألها . وعليه أن يقول هذه الصيغة بالتحديد .!.طبعا لا صلة لرسول الله عليه السلام بهذا الافتراء الشيطانى .
2 ـ والمحمديون حتى الآن يختمون الأذان بهذه الكلمات الضالة ، يرجون أن تضمن لهم الجنة بشفاعة محمد . وبشفاعة محمد ( المزعومة ) يرتكبون الكبائر ويتكالبون على الدنيا ويكفرون عمليا بالآخرة . وهنا نتذكر أن المؤمن حقّا بالله جل وعلا وباليوم الآخر لا ينسى نصيبه من الدنيا ، ويعمل للآخرة عمل الصالحات مخلصا لله جل وعلا قلبه ، وبدلا من أن يقول هذه العبارات الشيطانية يطلب الشفاعة البوخارية فإنه يدعو الله جل وعلا قائلا:( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) البقرة ) . ورب العزة يقول عنهم ( أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)( البقرة ). وهو جل وعلا قريب من عباده إذا دعوه، فقد قال جل وعلا لرسوله الكريم : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي )(186) البقرة ). لم يقل له ( وإذا سألك عبادى عنى فقل لهم .. ). لم تأت كلمة ( قل ) لأن النبى ليس واسطة بين رب العزة وعباده . وإذا دعوه وتوسلوا به فهو أقرب اليهم من حبل الوريد . هذا هو الله جل وعلا رب العالمين . أما الاله الذى صنعه البوخارى فى أساطيره فهو مجرد واسطة لدى من جعله البوخارى ( محمد ) فى أساطيره وأكاذيبه .
3 ـ وتتناقض أساطير البوخارى كالعادة . فربما لا يقول أحدهم تلك الصيغة التى إشترطها البوخارى فى الأذان والصلاة ، ومع ذلك يمكن أن يشفع فيه ( محمد ) الذى صنعه البوخارى . يفترى البوخارى هذا الحديث : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ. أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ ). وعليه فكل من يتلفّظ بقول ( لا اله إلا الله ) خالصا بقلبه او بنفسه سيشفع فيه محمد ، وسيدخل الجنة مهما إرتكب من كبائر . وهى عملية سهلة جدا . يمكن لأى مستبد عريق أو لأى مجرم عريق أن يعطى نفسه نصف دقيقة يقول فيها ( لا اله إلا الله ) خالصا من قلبه ، وبعدها مباشرة يّطلق مدفعه الرشاش على الأبرياء ، ويلقى بنفسه فى أحضان الغانيات ، وتنتظره شفاعة محمد الذى خلقته أساطير البوخارى .
4 ـ وأحاديث أخرى تقصر شفاعة ( محمد ) على ( أمّة محمد ) فقط : ( حدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ ) ، ( وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ قَالَ مُعْتَمِرٌ سَمِعْتُ أَبِي عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُلُّ نَبِيٍّ سَأَلَ سُؤْلًا أَوْ قَالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فَاسْتُجِيبَ فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ).
5 ـ ويتفنّن البوخارى فى إختراع الأسماء والألقاب ولا يهتم بالشرح أو بتوضيح الغامض من كلامه ، وإذا قام بالتوضيح فإنه يُزيد فى الغموض ، كل ذلك ليُبهر القارىء . يقول مثلا : ( حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ كَأَنَّهُمْ الثَّعَارِيرُ قُلْتُ مَا الثَّعَارِيرُ قَالَ الضَّغَابِيسُ وَكَانَ قَدْ سَقَطَ فَمُهُ فَقُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَبَا مُحَمَّدٍ سَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَخْرُجُ بِالشَّفَاعَةِ مِنْ النَّارِ قَالَ نَعَمْ ). ويقول ( حّدَثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ الْحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ ) ..
6 ـ ولكن فى مهرجان الشفاعة البوخارية الممنوحة مجانا لكل من هبّ ودبّ من الطغاة والبُغاة وصغار كبار الموظفين وكبار صغار الموظفين فإن البوخارى ( السّنى ) حرم منها ( ابا طالب ) عمّ النبى ليغيظ الشيعة . يقول البوخارى فى حديثه :( حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ أُمُّ دِمَاغِهِ ). أى إن شفاعة محمد ( ربما (تخفّف عذاب أبى طالب . فيوضع فى عذاب هيّن يسير ، يصفه البوخارى بأبشع وصف هو أن يكون (فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ أُمُّ دِمَاغِهِ ) . بسيطة ..!!
وحتى يُرسّخ البوخارى هذه الأسطورة فى ذهن المحمديين فإنه يُكرّر نفس الحديث مع تغيير فى الاسناد وفى المتن : (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا ابْنُ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ فَقَالَ لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ . حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ بِهَذَا ، وَقَالَ تَغْلِي مِنْهُ أُمُّ دِمَاغِهِ ). ومع تغيير المتن يظل التأكيد على هذا الاسلوب الفظيع فى وصف عذاب أبى طالب .
ثانيا :
فى باب التيمم يذكر البوخارى هذا الحديث : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ هُوَ الْعَوَقِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ قَالَ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ الْفَقِيرُ قَالَ أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ ، وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ. وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً.)
1 ـ هذه الأكذوبة تعبر عن مدى كفر البوخارى بالله جل وعلا ورسوله . إذ يزعم ـ خلافا للقرآن الكريم ـ أن النبى محمدا قد تميّز عن الأنبياء السابقين بخمس مميزات . الله جل وعلا ( مالك يوم الدين ) أمر رسوله محمدا ان يعلن إنه ليس متميزا عن الرسل وإنه لا يدرى ماذا سيحدث له أو لغيره ، وانه مجرد مُتّبع للقرآن وأنه مجرد نذير مبين : (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)(الأحقاف ). البوخارى هنا ينسب للرسول قولا مخالفا يزعم أنه متميّز عن الأنبياء والرسل . وهذا كفر صريح بالله جل وعلا ورسوله .
2 ـ هذه الأكذوبة تعبر عن مدى ثقافة البوخارى وعلمه . فالأرض بترابها ومائها هى مجال للصلاة والطهارة . على ترابها يسجد المؤمن وبمائها يتطهر . هذا لكل المؤمنين من بنى آدم . وطالما يوجد قتال مشروع لأى نبى فالغنائم مشروعة. وليس محمد عليه السلام وحده هو الرسول العام للبشر فقد كان قبله نوح عليه السلام .
3 ـ ولكن المضحك هو جهل البوخارى فى قوله ( نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ). أى كان العدو ينهزم مقدما قبل شهر من وصوله للمدينة . أى ينتصر عليهم بلا حرب ، وبمجرد الرعب ، أو كان ( الرُّعب ) يصيب الأعداء وبينهم وبين المدينة مسيرة شهر . وهنا نتساءل عن هزيمة النبى والمؤمنين فى معركة ( أُحُد ) ونتساءل عن حصار المشركين للمدينة فى موقعة ( الأحزاب ) وبناء المسلمين ( الخندق ) خوفا من أن يقتحم ( الأحزاب ) المدينة . وقد عانى المؤمنون خوفا ورُعبا يفوق التصوّر ، وصفه رب العزة فقال جل وعلا : ( إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11) الاحزاب ).
4 ـ وقد صاغ البوخارى هذه الأكاذيب الصغيرة ليحشلر بينها أكذوبته الكبرى فى الشفاعة ضمن ما زعمه فى هذا الحديث : (وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ ).
أخيرا
1 ـ يرسم البوخارى ملمحا آخر من ملامح هذا ( المحمد ) الذى صنعه وإختلقه مخالفا لحقيقة النبى محمد عليه السلام . محمد عليه السلام كان دينه وخُلُقه القرآن ، وكان متبعا للوحى ، وكان صادقا . أما (محمد ) الذى إختلقه البوخارى فقد كان كذّابا مُدّعيا متباهيا يزعم تميزه عمن سبقه وأنه ( سيد ولد آدم .. ولا فخر.؟؟) . وقد جعل البوخارى من محمد الذى صنعه الاها متحكما فى يوم الدين ، وأعطاه سلطات إنتزعها من الاله الآخر الى صنعه البوخارى أيضا .
2 ـ هنا نتساءل من هو الأفضل : أبو لمعة فى أكاذيبه البيضاء النبيلة التى نعلم انها أكاذيب ونضحك عليها ونسعد بها أم الكذاب ( ابن برزويه ) المجوسى المعروف بالبخارى ؟
3 ـ لهذا نسميه هنا ( أبو خارى ) .
الباب الخامس : إنتشار الاعتقاد فى أساطير الشفاعة
الباب الخامس : إنتشار الاعتقاد فى أساطير الشفاعة
الفصل الأول : أساطيرالشفاعة الحنبلية بعد البخارى
أولا : أساطير الشفاعة الحنبلية قبل البخارى
1 ـ الحنابلة هم مخترعو وناشرو أساطير الشفاعة فى تاريخ المسلمين ( المحمديين ). نقصد بالحنابلة المتخصصين فى صناعة وإفتراء ونشر الحديث ( النبوى والقدسى ) وفى صناعة ونشرالمنامات . يدخل فى الحنابلة من كان سابقا لابن حنبل مثل المؤرخ ابن سعد ت 230 صاحب الطبقات الكبرى ، لأنه صاحب أول موسوعة تاريخية مرتبة حسب طبقات رواة الأحاديث فى المدن من التابعين وتابعيهم حتى الصحابة الى النبى عليه السلام ، ويدخل فيهم أئمة الحديث بعد ابن حنبل كالبخارى ومسلم والترمذى وغيرهم والذين لم يكونوا ضمن عوام الحنابلة الذين سيطروا بتشددهم وارهابهم على الشارع العباسى .
2 ـ ولم تأت أحاديث الشفاعة فى (سيرة ابن إسحاق ) وقد توفى محمد بن اسحاق عام 152 ولا فى سيرة ابن هشام التى لخّصها عن ابن اسحاق . وقد توفى ابن هشام عام 218 . وورد حديث يتيم عنها فى ( موطأ مالك ) وقد مات الامام مالك عام 179 هجرية ومات تلميذه محمد بن الحسن الشيبانى اشهر من كتب موطأ مالك عام 189 هجرية . ولم تأت روايات الشفاعة فى كتابات الشافعى المتوفى عام 204 هجرية سوى جملة صغيرة فى الرسالة ، يقول فيها عن النبى : (والشافعُ المشفَّعُ في الأخرى. ). وخلا تاريخ الطبرى والسيرة التى كتبها عن النبى والخلفاء الراشدين وغير الراشدين من أى إشارة للشفاعة ، مع تكرار كلمة ( تشفع ) ومشتقاتها فى الموضوعات السياسية ، أى ( تشفع فلان عند فلان ) .
3 ـ وسبق إبن سعد بإشارات قليلة عن الشفاعة فى ( الطبقات الكبرى) . وقد عاش ابن سعد فى العصر العباسى الأول بين عامى( 168 : 230 ) هجرية ، وقد عاصره البخارى المولود عام 194 والمتوفى عام 256 هجرية . أى أدرك البخارى المؤرخ ابن سعد وعاصر شهرته ووفاته ، وعاش البخارى بعد ابن سعد 26 عاما . وقد اعتمد البخارى على كتاب ( الطبقات الكبرى ) لابن سعد ونقل عنه دون أن يشير اليه ، بل إخترع أسانيد مختلفة عن أسانيد ابن سعد . ولكن لم ينقل البخارى عن ابن سعد تلك الشذرات القليلة عن الشفاعة لأن البخارى توسّع فيها وأتى بما لم يقله أحد من قبله فى أساطير الشفاعة. يعنى إن البخارى هو مخترع أحاديث الشفاعة والتى وقع فى هواها أئمة المحمديين بعده ، بدءا من الطبرى المتوفى عام 310 الى عصرنا البائس .
4 ـ ونذكر الإشارات الضئيلة فى ( الطبقات الكبرى ) لابن سعد ت 230 .
فى ترجمة حمزة عم الرسول ، ينسب ابن سعد للنبى قولا طويلا مُملا سمجا ، منه (إنه يأتي على الناس زمان يخرجون إلى الأرياف فيصيبون فيها مطعما وملبسا ومركبا أو قال مراكب فيكتبون إلى أهلهم هلموا إلينا فإنكم بأرض جردة والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة. ). ومعروف أنه عليه السلام لم يكن يعلم الغيب وليس له أن يتحدث عن غيب المستقبل . وواضح ان صانع الحديث مهموم بحال المدينة بعد أن زالت عنها الأضواء الى بغداد والكوفة والبصرى ودمشق والفسطاط وخراسان ..الخ . وهذا الحديث ضمن سلسلة من الأحاديث التى تخصصت فى تمجيد المدينة واعتبرتها حرما ثانيا ، وأسست لها تقديسا وربطته بالحج الى ( قبر النبى ) المزعوم طلبا لشفاعته المزعومة.
وحديث أخر جاء فى ترجمة عبد الله بن سهيل بن عمرو :( وشهد عبد الله أحدا والخندق والمشاهد كلها وقتل باليمامة شهيدا وهو ابن ثمان وثلاثين سنة. فلما حج أبو بكر في خلافته أتاه سهيل بن عمرو فعزاه أبو بكر بعبد الله، فقال سهيل: لقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يشفع الشهيد لسبعين من أهله . فأنا أرجو أن لا يبدأ ابني بأحد قبلي. ) . ومعروف أن سهيل بن عمرو تأخر اسلامه ، وعاش فى مكة دون صُحبة للنبى . والحديث يضع على لسانه ( لقد بلغنى ) أى إنه لم يسمع ذلك بنفسه .
وذكر ابن سعد حديث : ( إن الرجل من أمتي ليشفع لمثل ربيعة ومضر ). وهو حديث متطرف فى مبالغته.
إلا إن ابن سعد يأتى برواية هامة تثبت أن كعب الأحبار اليهودى هو أول مصدر لأساطير الشفاعة عند المحمديين . وأنها لم تكن معروفة لدى الصحابة وأقارب النبى قبل إسلام كعب الأحبار فى خلافة عمر بن الخطاب . جاء هذا فى ترجمة ( المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ) ابن عم النبى . (أخبرنا عفان بن مسلم قال حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن علي بن الحسين أن كعبا أخذ بيد المغيرة بن نوفل فقال :"اشفع لي يوم القيامة.!" قال فانتزع يده من يده وقال : "وما أنا ؟ إنما أنا رجل من المسلمين.!" قال فأخذ بيده فغمزها غمزا شديدا وقال :"ما من مؤمن من آل محمد إلا وله شفاعة يوم القيامة." ثم قال اذكر هذا بهذا . )( أخبرنا خالد بن مخلد قال حدثني الحكم بن الصلت المؤذن قال حدثني عبد الملك بن المغيرة بن نوفل قال حدثني أبي قال : أخذ بيدي كعب الأحبار فعصرها ثم قال: " أختبيء هذه عندك لتذكرها يوم القيامة ." قال : "وما أذكر منها ؟ " قال : "والذي نفسي بيده ليبدأن محمد بالشفاعة يوم القيامة بالأقرب فالأقرب ).
ثانيا : أساطير الشفاعة فى الملل والنحل
1 ـ خلال العصر العباسى الثانى ( 232 : 685 هجرية ) راجت الكتابات المتخصصة التى تسجل معتقدات وتاريخ الملل والنحل والطوائف بين المسلمين . ومعروف أن الخلافات بدأت سياسية بين الصحابة ووصلت الى التقاتل بين (على ) وخصومه فنشأ التشيع ، ثم الخوارج ، وتتابعت الفرق والطوائف وتحول الخلاف السياسى الحربى فى العصر العباسى الى شقاق فى الدين ، وتفرّع الخلاف وتشعب داخل كل طائفة وفى كل ملّة ونحلة . وتم تسجيل هذا فى العصر العباسى الثانى.وبتأثير الحنابلة وصناعتهم أحاديث الشفاعة فى القرن الثالث الهجرى وما تلاه دخل الجدل حول الشفاعة بين أرباب الملل والنحل فى القرون التالية .
2 ـ وابو الحسن الاشعرى ( ت 330 ) أشهر من كتب فى ( الملل والنحل ) وقد كان من المعتزلة ثم إنشق عنهم وإنضم للسنيين وتبعه أبو منصور الماتوريدى . وتكونت الأشاعرة والماترويدية كفرقتين فيما يسمى بعلم الكلام أو ( اللاهوت ) ضد المعتزلة . ومع إنتمائهما السّنى إلا إن متشددى الحنابلة السنيين بثقافتهم العامية وإنغلاقهم لا يستريحون للاشاعرة ومنهجهم الجدلى ، ويفضّل الحنابلة التقليديون وضع أرائهم فى حديث أو منام يكون أكثر تأثيرا فى أتباعهم العوام .يقول ابو الحسن الأشعرى فى كتابه ( مقالات الاسلاميين ) عن الشفاعة : ( إختلفوا فى شفاعة النبى هل هى لأهل الكبائر من أمته : أنكرت المعتزلة ذلك وقالت بإبطاله . وقال بعضهم الشفاعة للمؤمنين أن يزادوا فى منازلهم . ) ثم يقول عن طائفته :( وقال أهل السُّنة والاستقامة بشفاعة رسول الله ( ص ) لأهل الكبائر ) ( مقالات الاسلاميين ) ( 2 / 166 ). هنا ينحاز الأشعرى الى طائفته ويسميها ( أهل السُّنة والاستقامة )
3 ـ وعلى منواله كتب ابن حزم الظاهرى الاندلسى (ت 456 )( الفصل فى الملل والنحل) وفى ج 4 / 85 ) يقول عن الشفاعة : ( اختلف الناس فى الشفاعة فانكرها قوم وهم المعتزلة والخوارج وكل من تبع ، أن لا يخرج أحد من النار بعد دخوله فيها . وذهب أهل السنة والأشعرية والكرامية وبعض الرافضة الى القول بالشفاعة ) ويؤمن ابن حزم بالشفاعة . وقد دافع عن وجهة نظره .
ونفس الحال مع الشهرستانى ت (548 ) القائل فى كتابه ( الملل والنحل ) : ( وصاحب الكبيرة: إذا خرج من الدنيا من غير توبة يكون حكمه إلى الله تعالى: إما أن يغفر له برحمته وإما أن يشفع فيه النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ".) .
رابعا : ابن الجوزى بطل الافتراء فى أساطير الشفاعة فى القرن السادس الهجرى
1 ـ يمتاز ابن الجوزى بكثرة مؤلفاته وتنوعها بين التاريخ الحديث والفقه بنوعيه ( الفقه النظرى والفقه الوعظى ) ومؤلفات فيما يسمى بالنسخ وفى الأحاديث الموضوعة وفى النوادر والأقاصيص . كما إنه عمل واعظا وقصّاصا وخطيبا فى مسجده مقصودا من آلاف العوام ، ومقربا من بعض الخلفاء العباسيين . وبالتالى تعرض لمحنة فى عهد الخليفة الناصر العباسى.ثم إنه عاش طويلا( 510 : 597 ) مستمرا فى إنتاجه ونشاطه . يعيب ابن الجوزى أنه أدخل القصص المصنوع فى تاريخه وصنع له إسنادا وجعله روايات وحقائق تاريخية ، وأنه تعصب لمذهبه الحنبلى فصاغ روايات مكذوبة وجعلها تاريخا كما قام بتحقير خصوم مذهبه فى التأريخ لهم ، وهكذا فعل مع المعتزلة والصوفية ،بينما قام بتمجيد وتقديس أئمة السنيين والحنابلة وتجاهل سيئاتهم وجرائمهم فى تاريخه . وهذا يظهر جليا فى تاريخ ( المنتظم ) و ( صفوة الصفوة ) و ( مناقب أحمد بن حنبل ).
يهمنا هنا أنه أشهر من قام بالترويج لأحاديث الشفاعة فى عصره وفى كتبه فراجت أكثر من بعده، وقد سبك اساطير الشفاعة وأدخلها فى تأريخه لبعض المشاهير .
2 ـ وأول حديث له عن الشفاعة فى ترجمة ( شبيب بن شيبة ت 164 هجرية )، يقول : ( توفي ابن لبعض المهالبة فأتاه شبيب بن شيبة المنقري يعزيه ، وعنده بكر بن حبيب السهمي فقال شبيب: بلغنا أن الطفل لا يزال محتبطًا على باب الجنة يشفع لأبويه ) .
3 ـ وبعض الأساطير التى سبكها ابن الجوزى لم يتورع عن كتابتها فى تاريخه ، لذا إمتلأ ( المنتظم ) بأساطير المنامات ، وتميّز تاريخ المنتظم بأنه يقسّم التأريخ لكل سنة الى قسمين : الأول للحوادث التى تجرى فى العام ، ثم أشهر من مات فى هذا العام . ويفرد إهتماما خاصا للعلماء والزُّهاد والعُبّاد وأهل الحديث والفقه يجعلهم على قدم المساوة بالخلفاء والسلاطين من حيث الاهتمام ، بل ويملأ تاريخهم بالمنامات وأساطير الكرامات تعويضا عن إفتقادهم للجاه السياسى . ولذلك كان إسناده الشفاعة لبعضهم لتكون له مكانة فى الآخرة تعويضا عن مكانته الضائعة فى الدنيا . فى ترجمته ليزيد بن هارون ت 194 يقول ابن الجوزى فى ( المنتظم وفيات 206 ): ( حدَثني أبو نافع ابن بنت يزيد بن هارون قال: كنت عند أحمد بن حنبل وعنده رجلان فقال أحدهما: يا أبا عبد الله رأيت يزيد بن هارون في المنام فقلت له: يا أبا خالد ما فعل الله بك قال: غفر لي وشفعني وعاتبني . فقلت له: غفر لك وشفعك قد عرفت. ففيم عاتبك؟ قال: قال لي: يا يزيد أتحدّث عن جرير بن عثمان ؟. قال: قلت: يا رب ما علمت إلا خيرًا .قال: يا يزيد إنه كان يبغض أبا الحسن علي بن أبي طالب . ). وهى نفس الرواية فى مناقب احمد بن حنبل.
بل إن بعض المنامات التى نسبها لابن حنبل فى ( مناقب ابن حنبل ) قام بنسبتها أيضا ليزيد بن هارون فى ( المنتظم ) وصنع لها إسنادا ، فقد أدمن ابن الجوزى الكذب فى المنامات وفى الأحاديث دون أن يشعر بتناقضه مع نفسه . يحكى هذا المنام : ( قال الآخر: وأنا واللهّ رأيت يزيد بن هارون في المنام . فقلت له: هل أتاك منكر ونكير؟ . قال: إي والله وسألاني من ربك وما دينك ومن نبيك فقلت: ألمثليِ يقال هذا ؟!.وأنا كنت أعلم الناس بهذا في الدنيا فقالا لي: صدقت فنم نومة العروس لا بأس عليك. !)
4 ـ والتناقض واضح فى كتابات ابن الجوزى على مستوى المؤلفات وعلى مستوى التفصيلات . فهو من أكبر صُنّاع الأحاديث وأكبر مروجيها ، وفى نفس الوقت يكتب فى الأحاديث الموضوعة مجلدا ضخما ( الموضوعات من الأحاديث المرفوعات ). وفى الوقت الذى يروّج فيه لشفاعة النبى والأئمة السنيين نراه يقف بالمرصاد لمزاعم خصومه الصوفية فى شفاعة أوليائهم . وقد خصّص معظم كتابه ( تلبيس ابليس ) فى الهجوم على الصوفية وفضحهم والرد عليهم. فيهاجم الشبلى الامام الصوفى لأنه قال : أن الله سبحانه وتعالى قال ( ولسوف يعطيك ربك فترضى) والله لا رضي محمد وفي النار من أمته أحد. ثم قال : أن محمدا يشفع في أمته وأشفع بعده في النار حتى لا يبقى فيها أحد ) وفى معرض انتقاده للصوفية يقول (
ومن تلبيسه عليهم أن يكون لأحدهم نسب معروف فيغتر بنسبه فيقول أنا من اولاد أبو بكر وهذا يقول أنا من اولاد علي وهذا يقول أنا شريف من أولاد الحسن أو الحسين أو يقول أنا قريب النسب من فلان العالم أو من فلان الزاهد . وهؤلاء يبنون أمرهم على أمرين . أحدهما : أن يقولون من أحب إنسانا أحب أولاده وأهله ، والثاني أن هؤلاء لهم شفاعة وأحق من شفعوا فيه أهلهم وأولادهم. وكلا الأمرين غلط أما المحبة فليس محبة الله عز وجل كمحبة الآدمين وإنما يحب من أطاعه، فإن أهل الكتاب من أولاد يعقوب ولم ينتفعوا بآبائهم . ولو كانت محبة الأب يسرى لسرى إلى البعض أيضا . وأما الشفاعة فقد قال الله تعالى ( ولا يشفعون إلا لمن أرتضى ) ولما أراد نوح حمل ابنه في السفينة قيل له إنه ليس من أهلك . ولم يشفع إبراهيم في أبيه ، ولا نبينا في أمته ، وقد قال لفاطمة رضي الله عنها : لا أغني عنك من الله شيئا . ومن ظن أنه ينجو بنجاة أبيه كمن ظن أنه يشبع بأكل أبيه . )
5 ـ هنا يتناقض ابن الجوزى مع نفسه إذ ينكر شفاعة النبى وغيره . وقد قال ابن الجوزى فى ( صفوة الصفوة ) عن النبى تحت عنوان : ( ذكر فضلة على الأنبياء وعلو قدره )( عن جابر بن عبد الله ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "أُعطيت خمسا لم يُعطهن أحد قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي ادركته الصلاة فليصل ، وأُحلت لي الغنائم ولم تُحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة ، وبُعثت إلى الناس عامة ."أخرجاه في الصحيحين. ) واستمر ابن الجوزى فى سرد أحاديث مماثلة من البخارى ومسلم . منها : ( وعن أنس قال قال رسول الله. صلى الله عليه وسلم اتي باب الجنة يوم القيامة فاستفتح فيقول الخازن من انت فاقول محمد فيقول بك امرت لا افتح لأحد قبلك انفرد باخراجه مسلم. وعن أنس ان النبي. صلى الله عليه وسلم قال أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا وانا خطيبهم إذا وفدوا وانا مبشرهم إذا يئسوا لواء الحمد بيدي وانا اكرم ولد ادم على ربي ولا فخر رواه الترمذي.) ( وقد روى مسلم في افراده من حديث أنس بن مالك ان النبي صلى الله عليه وسلم قال أنا أول الناس يشفع يوم القيامة وانا أكثر الانبياء تبعا يوم القيامة وانا أول من يقرع باب الجنة. )( وفي افراده من حديث ابي هريرة عن النبي. صلى الله عليه وسلم أنه قال: أنا سيد ولد ادم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع ومشفع. )
ويكرر مناما ورد فى مناقب ابن حنبل ، يذكره فى كتاب ( صفوة الصفوة ) يقول ابن الجوزى : ( وقال أحمد ابن الفتح رأيت بشر بن الحارث في منامي وهو قاعد في بستان وبين يديه مائدة وهو يأكل منها، فقلت له : يا أبا نصر ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي ورحمني وأباحني الجنة بأسرها، وقال لي : " كُل من جميع ثمارها واشرب من انهارها وتمتع بجميع ما فيها كما كنت تحرم نفسك الشهوات في دار الدنيا "فقلت له : فاين اخوك أحمد بن حنبل ؟ قال : هو قائم على باب الجنة يشفع لاهل السنة ممن يقول القرآن كلام الله غير مخلوق . ).
ويفترى ابن الجوزى فى ( صفوة الصفوة ) مناما فاجرا لم يذكره فى ( مناقب ابن حنبل ) يقول فى ترجمة ابن الموفق ت 265 : ( وعن محمد بن اسحاق السراج قال سمعت علي بن الموفق يقول حججت نيفا وخمسين حجة فنظرت الى اهل الموقف وضجيج اصواتهم فقلت اللهم ان كان في هؤلاء احد لم يتقبل حجة فقد وهبت حجتي له فرحت الى مزدلفة فبت بها ف رأيت رب العزة تعالى في المنام فقال لي : يا علي يا ابن الموفق تتسخى علي? قد غفرت لاهل الموقف ولامثالهم وشفعت كل واحد منهم في اهل بيته وعشيرته وذريته وأنا أهل التقوى واهل المغفرة. ) ويقول ( وعن احمد بن عبد الله الحفار قال رأيت أحمد بن حنبل في النوم فقلت: يا ابا عبد الله ما فعل الله بك ؟ قال حباني وأعطاني وقربني وأدناني . قال قلت الشيخ الزمن علي بن الموفق ما صنع الله بك قال الساعة تركته في زلال يريد العرش. ). الزلال يعنى سفينة نهرية ، أى إن صاحبنا ركب سفينة وسافر بها الى العرش .!
ويقول فى ترجمة ( يزيد بن هارون ) بعض ما قاله عنه فى المنتظم ( ... عن الحسن بن عرفة قال: رأيت يزيد بن هارون بواسط وهو أحسن الناس عينين، ثم رأيته بعين واحدة، ثم رأيته وقد ذهبت عيناه فقلت: يا أبا خالد ما فعلت العينان الجميلتان? فقال: ذهب بهما بكاء الأسحار...) وهذه من نوعية رياء أولئك المتظاهرين بالعبادة ، وتاريخهم فى كتابات ابن الجوزى تطفح بمبالغات غير معقولة عن عبادتهم . ونستمر مع ابن الجوزى وهو يقول عن يزيد بن هارون : (.. أبو نافع ابن بنت يزيد بن هارون قال: كنت عند أحمد بن حنبل وعنده رجلان، فقال أحدهما: يا أبا عبد الله رأيت يزيد بن هارون في المنام فقلت له: يا أبا خالد ما فعل الله بك? قال: غفر لي وشفعني وعاتبني. قال: قلت غفر لك وشفعك قد عرفت، ففيم عاتبك? قال: قال لي يا يزيد أتحدّث عن حريز بن عثمان? قال: قلت يا رب ما علمت إلا خيرا. قال: يا يزيد إنه كان يبغض أبا الحسن علي بن أبي طالب. ) ( قال: وقال الآخر: وأنا رأيت يزيد بن هارون في المنام? فقلت له: هل أتاك منكر ونكير? قال: إي والله، وسألاني من ربك? وما دينك? ومن نبيك? قال: قلت: ألمثلي يقال هذا وأنا أعلم الناس هذا في دار الدنيا? فقالا لي: صدقت فنم نومة العروس لا بؤس عليك... حوثرة بن محمد المقري قال: رأيت يزيد بن هارون في المنام بعد موته بأربع ليال فقلت: ما فعل الله بك? تقبل مني الحسنات، وتجاوز عن السيئات، ووهب لي التبعات. قلت: وما كان بعد ذلك? قال: هل يكون من الكريم إلا الكرم? غفر لي ذنوبي وأدخلني الجنة. قلت: بم نلت? قال: بمجالس الذكر وقول الحق وصدقي في الحديث وطول قيامي في الصلاة وصبري على الفقر.)
أخيرا
وأثمرت جهود ابن الجوزى فى نشر أساطير الشفاعة فى القرون التالية حتى أصبحت لدى المحمديين اساس الدين ، وحتى لقد نسوا أنها من الأمور المختلف حولها كما ذكر الأشعرى والشهرستانى وابن حزم . أدت أكاذيب الحنابلة الى التعمية حول الخلافات حول الشفاعة فأصبحت لدى العوام ودعاة وشيوخ العوام معلوما من الدين بالضرورة و لا خلاف حولها.
وفى عام 1985 أحالتنى جامعة الأزهر للتحقيق لأننى أنكرت شفاعة النبى فى خمسة كتب ألّفتها ، وهى فى رأيهم من المعلوم من الدين بالضرورة . وهكذا دفعت ثمن اكاذيب الحنابلة و البخارى وابن الجوزى .
الباب الخامس : إنتشار الاعتقاد فى أساطير الشفاعة
الفصل الثانى : مدى تأثير أساطيرالشفاعة الحنبلية فى الصوفية
مقدمة
1 ـ سنعيش بالتفصيل مع التصوف فى موسوعة التصوف عند نشرها هنا بأجزائها بعون الله جل وعلا . ونعطى هنا لمحة عنه تخصّ الشفاعة .
2 ـ ظهر التصوف ونشأ فى خندق الاضطهاد من الحنابلة ، ثم انتشر على حسابهم شيئا فشيئا مجتذبا اليه العوام ، حتى أصبح الدين السائد فى العصرين المملوكى العثمانى . بالاضافة الى سعى الصوفية لاجتذاب العوام وتطويع دين التصوف ليلبى كل أهواء ونزوات العوام فهناك سبب آخر هو إنتاج مزيج من دينى التصوف والسُّنة هو التصوف السّنى الذى دعّمه سياسيا صلاح الدين الأيوبى ليحارب به التشيع ، والذى كتب فيه علميا الغزالى ( إحياء علوم الدين ) وغيره. تخلص التصوف السنى من تطرف الحنابلة السنيين ومن تطرف فلاسفة التصوف النظرى الذين كانوا على مثال الحلاج المقتول 309 بسبب صراحته فى إعلان الالوهية .
3 ـ وينقسم التصوف الى نوعين : تصوف نظرى فلسفى كان السائد فى العصر العباسى الثانى ، وهو مؤسس على الحلول والاتحاد ووحدة الوجود ووحدة الفاعل . وتعنى إنكار ألوهية الله عز وجل ، وأنه لا فارق بين الخالق والمخلوق إلا كالفارق بين البحر وأمواجه . وقد كان التعبير عن هذه العقيدة الصوفية يتم بالرمز خوفا من مصير الحلاج . وبمرور الزمن وانتشار التصوف بين العوام بدءا من العصر المملوكى ( 648 هجرية ) تناقص التصوف النظرى ولم يظهر من شيوخة سوى ابن عربى وابن سبعين وابن الفارض وعبد الكريم الجيلانى وابو الوفا الشاذلى ، بينما انتشرت على أوسع نطاق الطُّرق الصوفية أو التصوف العملى يجذب اليه مئات الألوف من الشيوخ الجهلة الرّعاع مع مئات الالوف من المعتوهين المتخلفين عقليا ( المجاذيب ) أو الذين يتظاهرون بالجنون ليكونوا أولياء ( جذبتهم ) المحبة الالهية بزعمهم ففقدوا عقولهم . وفى كل الأحوال (نام) المحمديون فى ظل ( المنامات ) الصوفية بعد أن كانوا من قبل ( ينامون ) فى ظل (المنامات ) الحنبلية .
3 ـ إلا إن أساطير الشفاعة لم تحظ لدى التصوف النظرى بالذات بنفس الاهتمام الذى كانت تحظى به لدى الحنابلة فى مناماتهم وأحاديثهم . السبب فى أن التصوف النظرى لا يأبه بالجنة والنار أو بالعبادة رغبة فى الجنة وخوفا من النار ، لأن التصوف يعنى ( الجلوس فى الحضرة الالهية ) و ( الحلول الالهى فى البشر ) و ( إتّحاد البشر بالله ) و ( العشق الالهى ) على قدم المساواة التامة بين الخالق والمخلوق فهم يعتقدون أنه لا خالق ولا مخلوق ، لأن الاله الذى صنعوه من أوهامهم يتجلّى فى كل المواد الحيّة والميتة،ولا يرى هذه الحقيقة (الأغيار المحجوبون )ولكن يراها من زال عنه الحجاب وأوتى العلم اللدنى ونطق بالسّر المكنون ..الى آخر خزعبلاتهم . وطالما يعتقدون فى أنفسهم الألوهية ولا يهتمون بالجنّة فإن الشفاعة لا تحتل أولوية لديهم . وهذا ما كان . ونعطى بعض التفاصيل :
أولا : أبوحامد الغزالى ومحنة التناقض فى دين التصوف السُّنى
1 ـ فى كتابه ( الإحياء ) تناقض الغزالى بين الحنبلية السنية التى يستشهد بأحاديثها والتصوف النظرى الذى يؤمن به .
2 ـ فى ( الاحياء الجزء الأول كتاب قواعد العقائد وهو الكتاب الثاني من ربع العبادات كتاب قواعد العقائد وفى الفصل الأول في ترجمة عقيدة أهل السنة ) يعرض الغزالى لعقائد (أهل السنة ) فى الصراط والكوثر والميزان التى يجب أن يؤمن بها ( المسلم ) الى أن يقول عمّن ( يدخل الجنة بغير حساب ) :( حديث ابن عباس عرضت علي الأمم فقيل هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ، ولمسلم من حديث أبي هريرة وعمران بن حصين يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا بغير حساب . زاد البيهقي في البعث من حديث عمرو بن حزم : وأعطاني مع كل واحد من السبعين ألفا سبعين ألفا . زاد أحمد من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر بعده هذه الزيادة : فقال فهلا استزدته قال قد استزدته فأعطاني مع كل رجل سبعين ألفا .قال عمر فهلا استزدته قال قد استزدته فأعطاني هكذا ) ..( وأن يؤمن بإخراج الموحدين من النار بعد الانتقام حتى لا يبقى في جهنم موحد بفضل الله تعالى فلا يخلد في النار موحد ، حديث إخراج الموحدين من النار حتى لا يبقى فيها موحد بفضل الله سبحانه أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة في حديث طويل حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله .الحديث .وأن يؤمن بشفاعة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ثم سائر المؤمنين على حسب جاهه ومنزلته عند الله تعالى. ومن بقي من المؤمنين ولم يكن له شفيع أخرج بفضل الله عز وجل فلا يخلد في النار مؤمن بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان .حديث شفاعة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ثم سائر المؤمنين ومن بقي من المؤمنين ولم يكن لهم شفيع أخرج بفضل الله فلا يخلد في النار مؤمن بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان أخرجه ابن ماجه من حديث عثمان بن عفان : يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء وقد تقدم في العلم. وللشيخين من حديث أبي سعيد الخدري من وجدتم في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان فأخرجوه . وفي رواية من خير . وفيه فيقول الله تعالى شفعت الملائكة وشفعت النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط .الحديث . ) هنا نرى الغزالى حنبليا صميما. 3 ـ ولكن نُفاجأ بالغزالى فى نفس الكتاب يعبر عن عقيدته الصوفية . وننقل هنا بعض ما كتبناه فى موسوعة التصوف فيما يدخل فى هذا الموضوع :( أما الصوفية فلا يأبهون بالجنة أو بالنار: ( ولذلك قال العارفون ليس خوفنا من نار جهنم ولا رجاؤنا للحور العين ، وإنما مطالبنا اللقاء ومهربنا الحجاب فقط ، وقالوا ومن يعبد الله بعوض فهو لئيم كأن يعبده لطلب جنته أو لخوف ناره ، بل العارف يعبده لذاته فلا يطلب إلا ذاته فقط ) [1].ولسنا في مجال التعليق على ذلك النص الذي يجعل الصوفية أنداداً لله ويفضلهم على الرسل الذين كانوا يعبدون الله رغبة ورهبة ، ويكفى أن نقرر أن ترفع الصوفية عن الجنة وسخريتهم بالنار تردد في مواضع شتى في الإحياء [2]كإحدى مظاهر عقيدة الاتحاد التي تسبغ الألوهية على الصوفية ..إلا أن الغزالى فى نفس الكتاب ( الاحياء) يقرر عقيدته الصوفية الرامية لإسقاط التكاليف الإسلامية عن الصوفى الواصل ، وذلك بأسلوب ملتو غير مباشر كالشأن به دائماً فى مواضيع التصوف فى كتاب الاحياء ،يقول مثلاً ( ليس يخفى أن غاية المقصود من العبادات الفكر الموصل للمعرفة والاستبصار بحقائق الحق)[3]. وخطورة هذه العبادة تتجلى فى أن الفقيه العادى يقرأها بطريقة حسنة النية فلا يرى فيها عوجاً ولا أمتاً ، أما قراءة الصوفى – والخطاب موجه إليه أساساً_ فيرى فيها تقريراً كاملاً لإسقاط التكاليف الإسلامية ،فالصوفى يفهم أن غاية العبادات هى المعرفة ( والمعرفة هى الاتحاد الصوفى) والاستبصار بحقائق الحق ( أى معرفة الأسرار الإلهية اللدنية_وهى فرع عن الاتحاد) .. ومعنى ذلك أن الغاية ( وهى المعرفة الصوفية) إذا حصلت للصوفى بجذبة إلهية مثلاً فقد استغنى عن الوسيلة( وهى العبادات) .. وفى مواضع أخرى من كتاب ( الاحياء) تعرض الغزالى للمطلب الصوفى بإسقاط التكاليف الإسلامية فضرب الأمثلة للتوضيح ، يقول ( قيل لعبد الواحد بن زيد : ههنا رجل قد تعبد خمسين سنة فقصده فقال له : يا حبيبي أخبرنى عنك هل قنعت به ؟ قال. لا . قال: هل أنست به ؟ قال : لا. قال : فهل رضيت عنه ؟ قال : لا . قال: فإنما مزيدك منه الصوم الصلاة؟ قال : نعم ، قال : لولا أن استحي منك لأخبرتك بأن معاملتك خمسين سنة مدخولة( أى مغشوشة)، ومعناه: أنه لم يفتح لك باب القلب فتترقى إلى درجات القرب بأعمال القلب وإنما أنت تعد فى طبقات أصحاب اليمين لأن مزيدك منه فى أعمال الجوارح التى هى مزيد أهل العموم)[4]. فهذه قصة وهمية جعلت عبادة خمسين عاماً لاغية عند عبد الواحد بن زيد لأن صاحبها لم يستشعر المقامات الصوفية الإتحادية من الأُنس والرضا والقرب، أو بتعبير الغزالى فقد حرمت صاحبها من الترقى فى درجات القرب حتى يصل للإتحاد ، و جعلت منتهى أمره أن يكون من أصحاب اليمين ( التى هى مزيد أهل العموم) أى عموم الخلق الذى لا عمل لهم إلا القيام بالتكاليف الإسلامية،أما الصوفية فهم ــــ بلا عبادة ــــ يتمتعون بالقرب والأُنس والمناجاة والعشق ـ تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا .. وفى موضع آخر يتحدث الغزالى عن التصوف وأعمال الباطن المزعومة ثم يعرض للتكاليف الإسلامية فيقول ( فأما ما ذكرناه ، فهو تفكر فى عمارة الباطن ليصلح للقرب والوصال ، فإذا ضيع جميع عمره فى إصلاح نفسه فمتى يتنعم بالقرب؟ ولذلك كان الخوَّاص يدور فى البوادى فلقيه الحسين بن منصور ( الحلاج) وقال فيما أنت؟ قال: أدور فى البوادى أصلح حالى فى التوكل ، فقال الحسين : أفنيت عمرك فى عمران باطنك ،فأين الفناء فى التوحيد؟؟ فالفناء فى الواحد الحق هو غاية مقصد الطالبين ومنتهى نعيم الصديقين ، وأما التنزه عن الصفات المهلكات فيجرى مجرى الخروج عن العدة فى النكاح ، وأما الاتصاف بالصفات المنجيات وسائر الطاعات فيجرى مجرى تهيئة المرأة جهازها وتنظيفها وجهها ومشطها شعرها لتصلح بذلك للقاء زوجها ، فإن استغرقت جميع عمرها فى تبرئة الرحم وتزيين الوجه كان ذلك حجاباً لها عن لقاء المحبوب ، فهكذا ينبغى أن تفهم طريق الدين إن كنت من أهل المجالسة ، وإن كنت كالعبد السوء لا يتحرك إلا خوفاً من الضرب وطمعاً فى الأجر فدونك وإتعاب البدن بالأعمال الظاهرة ، فإن بينك وبين القلب حجاباً كثيفاً،فإذا قضيت حق الأعمال كنت من أهل الجنة ، ولكن للمجالسة أقوام آخرون)[5]. فالغزالى يظهر هنا على حقيقته كصوفى قح .. فهو ينظر إلى العبادات والأوامر والنواهى الإلهية من خلا ل عقيدة الاتحاد الصوفية ومسمياتها من القرب والوصاال والفناء والمجالسة والحجاب .. ويبدأ النص بالغزالى وهويطرح سؤالاً يقول : إذا ضيع الإنسان عمره فى إصلاح نفسه بالطاعة فمتى يتنعم بقرب الله تعالى؟ أ و بالتعبير الحقيقى إذا أضاع عمره فى الطاعة فمتى يتنعم بالألوهية؟ واستشهد ـــ ليس بالقرآن ـــــ وإنما بقصة صوفية عن الحلاج كان فيها يشرّع للخواص أسهل الطرق للوصول وأنها ليست بإصلاح الحال أى بالأعمال الصالحة، وإنما بالفناء فى التوحيد أى اعلان عقيدة الاتحاد والفناء فى الذات الإلهية فذلك ( هو غاية مقصد الطالبين ومنتهى نعيم الصديقين) حسب قول الغزالى. ثم يصف الغزالى أعمال الطاعات بأنها تجرى ( مجرى تهيئة المرأة جهازها وتنظيفها وجهها ومشطها شعرها لتصلح بذلك للقاء زوجها) ويصف الإنتهاء عما نهى الله عنه من المعاصى بأنه كخروج المرأة ( عن العدة فى النكاح) .. ويقول ( فإن استغرقت جميع عمرها فى تبرئة الرحم وتزيين الوجه كان ذلك حجاباً لها عن لقاء المحبوب) . ومع بشاعة التشبيه الذى قاله الغزالى فى وصفه للتكاليف الإسلامية فإنه يعكس نفسية الصوفية ونظرتهم لله تعالى ونظرتهم لأنفسهم كألهة يستحقون المساواة بالله ولا يرون لأنفسهم مقاماً إلا مجالسته وقربه والفناء فيه وعشقه ( تعالى عن ذلك علواًكبيراً) ، والغزالى لا يكتفى بذلك وإنما يعتبر التكاليف الإسلامية التى تعنى تجسيد العبودية لله تعالى ـ حجاباً عن الوصول لدرجة المجالسة ، فإذا أضاع الصوفى عمره فيها فقد حجب عن لقاء المحبوب يقول ( فإن استغرقت المرأة جميع عمرها فى تبرئة الرحم وتزيين الوجه كان ذلك حجاباً لها عن لقاء المحبوب ، فهكذا ينبغى أن تفهم طريق الدين إن كنت من أهل المجالسة ) أى الذين يجلسون مع الله. ثم يصف الأنبياء والرسل وأتباعهم المؤمنين بأنهم عبيد سوء لأنهم اتعبوا أنفسهم بالعبادة خوفاً من النار وطمعاً فى الجنة .. وأولئك إن افلحوا فمصيرهم الجنة ـ والصوفية لا يأبهون بالجنة ـ ولكنهم بذلك حجبوا عن مجالسة الله .. ( فهكذا ينبغى أن تفهم طريق الدين إن كنت من أهل المجالسة ، وإن كنت كالعبد السوء لا يتحرك إلا خوفاً من الضرب وطمعاً فى الأجر فدونك وإتعاب البدن بالأعمال الظاهرة فإن بينك وبين القلب حجاباً كثيفاً، فإذا قضيت حق الأعمال كنت من أهل الجنة ولكن للمجالسة قوم آخرون ).. والغزالى اختار لفظ (العبد) عمداً،فالطائعون (عبيد) لله أما هم فينزعون للإتحاد بالله ويعتبرونه نداً يجالسونه ويفنون فيه اتحاداً به .. وطريق اتحادهم يكمن فى القلب ،إذ بالقلب أوبالروح يتلقى الصوفى العلم الإلهى ويعلم الغيب وتكون الجذبه الإلهية. ويصف الغزالى المؤمنين (عبيد السوء)بأن بينهم ( وبين القلب حجاباً كثيفاً)..وذلك الحجاب الكثيف هو الطاعة لله بأداء فرائضه والإنتهاء عن نواهيه..أى ان الفرائض الإسلامية حجاب عنده !!
ثانيا : الشفاعة لاجتذاب العوام فى الموالد الصوفية والطرق الصوفية ( التصوف العملى )
أولا: إن " الاختلاط " واقع فى الطواف حول الكعبة ولم يمنع منه أحد وضريح البدوى كالكعبة والحج إليه كالحج لبيت الله الحرام ، وما يجوز هناك يجوز هنا .ثانيا : أن تصريف البدوى يصل إلى حد مقدرته على فرض التوبة على من عصى فى المولد فسرعان ما يتوب بعدها .. ثم يعود للعصيان فى المولد ويتوب بعدها وهكذا ،فلا حرج على رواد المتعة فى المولد الأحمد والبدوى بيده مقاليد التوبة يهبها لزواره بعد أن يأخذوا حظهم من المتع فى المولد .. فالانحراف مستمر والتوبة أيضا مستمرة والمولد طبعا مستمر .
ثالثا : ثم إذا تأزمت الأمور فتصريف البدوى عظيم وإذا كان يصل بقدرته إلى التحكم فى الوحوش فى الغابات والأسماك فى البحار ألا يستطيع أن يشفع لزواره ويحميهم من العقاب ؟؟ فلا عليكم يازوار البيت " الحرام " فى طنطا فذنبكم مغفور مقدما أما أنت أيها المعترض على ما يحدث بالمولد فجزاؤك أن يحل بك غضب البدوى فيسلبك حلاوة الإيمان ..
وفى ذلك يقول أحدهم :
وأعجب شيئ أن من كان عاصيا بمولده يعنى به ويرفق [8].
2 ـ وننقل من الطبقات الكبرى للشعرانى ترجمته للشيخ ( على وحيش ) الذى تخصص فى الشفاعة فى رواد بيوت الدعارة وتخصص أيضا فى فعل الفاحشة بالحمير !!: يقول عنه الشعرانى بكل إحترام وتقديس : (ومنهم سيدي علي وحيش من مجاذيب النجارية ، رضي الله عنه. كان رضي الله عنه من أعيان المجاذيب أرباب الأحوال، وكان يأتي مصر، والمحلة، وغيرهما من البلاد، وله كرامات، وخوارق.واجتمعت به يوماً، في خط بين القصرين فقال لي:" وديني للزلباني " ، فوديته له فدعا لي، وقال:" الله يصبرك على ما بين يديك من البلوى". وأخبرني الشيخ محمد الطنيخي رحمه الله تعالى قال: كان الشيخ وحيش رضي الله عنه يقيم عندنا في المحلة في خان " بنات الخطا"، وكان كل من خرج يقول له : " قف حتى أشفع فيك عند الله قبل أن تخرج " فيشفع فيه، وكان يحبس بعضهم اليوم، واليومين، ولا يمكنه أن يخرج حتى يجاب في شفاعته. وقال يوماً لبنات الخطا: "اخرجوا فإن الخان رائح يطبق عليكم". فما سمع منهن إلا واحدة فخرجت ووقع على الباقي فمتن كلهن. وكان إذ رأى شيخ بلد أو غيره، يُنزله من على الحمارة، ويقول له :" أمسك رأسها لي حتى أفعل فيها" فإن أبي شيخ البلد تسمّر في الأرض لا يستطيع يمشي خطوة، وإن سمع حصل له خجل عظيم، والناس يمرون عليه... مات رحمه الله تعالى بالنجارية سنة سبع عشرة وتسعمائة رضي الله عنه.). عذرا ..فلا أجد تعليقا مناسبا .!
الباب الخامس : إنتشار الاعتقاد فى أساطير الشفاعة
الفصل الثالث : أساطيرالشفاعة الحنبلية عند ابن تيمية وابن عبد الوهاب
أولا : حنابلة العصر المملوكى : ابن تيمية ومدرسته بين التصوف والحنبلية
1 ـ فى العصر المملوكى وقف السلاطين وكهنوتهم من أرباب التصوف السنى ضد متطرفى السّنة ( الحنابلة ) وضد متطرفى التصوف الذين يعلنون عقائد الاتحاد والحلول ووحدة الوجود . ولهذا تعرض ابن تيمية ومدرسته الفقهية الحنبلية للإضطهاد لأنه حاول إسترجاع النفوذ الحنبلى الذى كان فى العصر العباسى الثانى.
2 ـ هذا ، مع إن مدرسة إبن تيمية الحنبلية ( ابن القيم ، وابن كثير وغيرهما ) لم تكن ضد التصوف نفسه ، بل ضد صوفية عصرهم فحسب ، إذ تتردد فى كتاباتهم تقدير أئمة التصوف السابقين المنافقين الذين كانوا وقت الاضطهاد يعبرون عن تصوفهم بالرمز ويعلنون تمسكهم بالكتاب والسّنة . كان إبن تيمية إبنا لعصره الذي دان بالتصوف ، فتأثر بالتصوف وحصر إنكاره على متطرفى التصوف من أصحاب الحلول والاتحاد ووحدة الوجود ، كما أنكر على شيوخ الجهل من عوام المتصوفة الذين كانوا أصحاب نفوذ بسبب الجماهير المؤمنة بهم من الرعاع والعوام . ونعطى بعض الملامح :
3 ـ يرى ابن تيمية في التصوف رأيا حسناً ، ويقول عن الصوفية (إن الصوفية مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ، ففيهم السابق بحسب اجتهاده ،وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين .. وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة ، ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم كالحلاج مثلاً ، فإن أكثر مشايخ الطريق أنكروه وأخرجوه عن الطريق مثل الجنيد سيد الطائفة وغيره ) . وواضح أن ابن تيمية مخدوع بالجنيد ومنافقي الصوفية الأوائل ، ويرى أن أصحاب الوحدة والاتحاد ليسوا من الصوفية. بل إن ابن تيمية يقدّس الجنيد مثل الصوفية يقول ( .. فإن الجنيد قدس الله روحه وكان من أئمة الهدى.).
ويعتقد ابن تيمية بكرامات الصوفية حتى ممن يعتبرهم أولياء للشيطان ، يقول عنهم ( وهؤلاء يأتيهم أرواح تخاطبهم وتتمثل لهم وهي جنُّ وشياطين فيظنونها ملائكة .. وهذه الأرواح الشيطانية هي الروح الذي يزعم صاحب الفتوحات ( يعني ابن عربي ) أنه ألقى إليه ذلك الكتاب .. وأعرف من هؤلاء عدداً ، ومنهم من كان يُحمل في الهواء إلى مكان بعيد ويعود ، ومنهم من كان يؤتي بمال مسروق تسرقه الشياطين وتأتيه به ، ومنهم من كانت ( الشياطين ) تدله على السرقات بجُعل يحصل له من الناس ).( ومن هؤلاء من يأتيه الشيطان بأطعمة وفواكه وحلوى وغير ذلك مما لا يكون في ذلك الموضع ، ومنهم من يطير به الجني إلى مكة أو بيت المقدس أو غيرهما ، ومنهم من يحمله الى عرفه ثم يعيده في ليلته .. ومن هؤلاء من إذا أحضر سماع المُكاء والتصدية يتنزل عليه شيطانه حتى يحمله في الهواء ..) .( ابن تيمية : رسالة الصوفية والفقراء 16.، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان :99 ، 100 ، 141 : 142 ط صبيح .) وذلك التصديق بإدعاءات الصوفية وإمكانية حدوثها فعلاً هو اعتقاد العصر المملوكي الذي لم يستطع ابن تيمية الخروج عنه ، وإن رده إلى فعل شيطاني يناسب رأيه فيهم باعتبارهم كفرة ..
4 ـ هذا التسليم بالتصوف كدين أثّر على موقف ابن تيمية الحنبلى فى موقفه من صوفية عصره إذ ثار عليهم فتعرض للإضطهاد من سجن ومحاكمات ، ولكن تسليمه بالتصوف السّنى جعله يقدّس من إعتبرهم أئمة التصوف السّنى . وتجلى هذا فى موقف ابن تيمية فى موضوع الشفاعة .
ثانيا : الشفاعة عند ابن تيمية
1 ـ قلنا إن الشفاعة لله جل وعلا جميعا تعبيرا على تحكمه جل وعلا يوم الدين وأنه وحده جل وعلا مالك يوم الدين . وأن الشفاعة هى وظيفة مأمور بها ملائكة العمل الذين يحملون العمل الصالح لصاحب العمل الصالح فيقدمونه بعدإذن الرحمن ورضاه. وشرحنا أن أساطير الحنابلة جعلت النبى هو صاحب الشفاعة العظمى الذى تشمل جماعته الجميع ، وأنه عندهم يجب التوسل بالله ليعطى محمدا الوسيلة والدرجة الرفيعة ( الشفاعة ) أى أن يتوسط الله جل وعلا عند محمد كى يشفع محمد فى الناس . أى بدلا من ان يدعو المؤمن ربه بالدعاء الشامل الكامل قائلا (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)) ( البقرة ) فعلى العكس يتوسل بالله لكى يعطى محمدا الشفاعة فيشفع فيه محمد .!! كل هذه التعقيدات كى يكون محمد مالكا ليوم الدين بدون رب العالمين .
2 ـ لم يأت ابن تيمية بجديد فى موضوع الشفاعة ، إذ كان يؤمن بالأحاديث الحنبلية التى تتكلم عن أساطير شفاعة النبى وشفاعة الأولياء حتى للمشركين ، ومن خلالها ينظر للآيات القرآنية بالطريقة الحنبلية فتجعل الشفاعة للبشر ضمن الإذن الرضى الالهى ، ويعتبر أولياء التصوف السابقين ممن رضى له الله بشفاعتهم وأذن بها . ولكنه فى مواجهته لصوفية عصره يحرمهم من تلك الشفاعات ويجعل شفاعاتهم ضمن شفاعات المشركين التى لا تتمتع برضى الله جل وعلا . أى إن ابن تيمية جعل نفسه المتحدث الرسمى باسم الله والموكول له تحديد من يرضى الله جل وعلا بشفاعتهم أو يرفضها . لذا قرّر أن خصومه من صوفية عصره لا يتمتعون بالإذن والرضى الالهى فى الشفاعة لأنهم مشركون ، أما شيوخ الصوفية السابقون فهم يتمتعون بهذا رضى الالهى .ونعطى أمثلة من كتاباته :
3 ـ فى ( مجموع فتاوى ابن تيمية – 11 – المجلد الحادي عشر : (الآداب والتصوف) يقول عن شفاعة الانبياء والأولياء : ( ومع هذا فالمؤمنون ـ الأنبياء وسائر الأولياء ـ لا يشفعون لأحد إلابإذن الله،كما قال تعالى:(مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّبِإِذْنِهِ)[ البقرة: 255 ]،وقال: ( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّالِمَنِ ارْتَضَى)[الأنبياء:28]،وقال تعالى: ( وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍلِلَّهِ) [الانفطار:19.) هنا يجعل ابن تيمية الشفاعة للأنبياء والأولياء الصوفية بعد إذن الله جل وعلا بنفس التأويل الحنبلى . ثم يقول عن شفاعة النبى المزعومة : ( ومن المعلوم أن سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم... وإذا كان يوم القيامة يجىء الناس إلى آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثمموسى، ثم عيسى، فيطلبون الشفاعة منهم، فلا يشفع لهم أحد من هؤلاء الذين هم سادةالخلق، حتى يأتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم ، فيأتي ربه فيحمده بمحامد ويسجد له،فإذا أذن له في الشفاعة شفع لهم. فهذه حال هؤلاء الذين هم أفضل الخلق، فكيفغيرهم؟) .
ثم يلتفت إبن تيمية لشيوخ الصوفية فى عصره ومريديهم فيقول : ( وأما قول القائل: أنت للشيخ فلان، وهو شيخك في الدنيا والآخرة فهذه بدعة منكرة من جهة أنه جعل نفسه لغير الله، ومن جهة أن قوله:شيخك في الدنيا والآخرة كلام لا حقيقة له، فإنه إن أراد أنه يكون معه في الجنة،فهذا إلى الله لا إليه، وإن أراد أنه يشفع فيه فلا يشفع أحد لأحد إلا بإذن اللهتعالى، إن أذن له أن يشفع فيه وإلا لم يشفع، وليس بقوله: أنت شيخي في الآخرة يكونشافعًا له ـ هذا إن كان الشيخ ممن له شفاعة ـ فقد تقدم أن سيد المرسلين والخلقلايشفع حتى يأذن الله له في الشفاعة بعد امتناع غيره منها. وكم من مدع للمشيخةوفيه نقص من العلم والإيمان ما لا يعلمه إلا الله تعالى.وهذا كلام أهل الشرك والضلال.. فنفى الرب هذا كله فلم يبق إلاالشفاعة. فقال :(وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَلَهُ)[سبأ:23]وقال:( مَن ذَا الَّذِييَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)البقرة:255] فهو الذييأذن في الشفاعة وهو الذي يقبلها فالجميع منه وحده، وكلما كان الرجل أعظم إخلاصا:كانت شفاعة الرسول أقرب إليه. قال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسولالله ؟ قال: (من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله).وأما الذين يتوكلون على فلان ليشفع لهم من دون الله تعالى ويتعلقونبفلان فهؤلاء من جنس المشركين الذين اتخذوا شفعاء من دون الله تعالى.قال اللهتعالى:(أَمِاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَشَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا) [الزمر:43، 44]وقال الله تعالى:( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَىالْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَاشَفِيعٍ)[السجدة:4 ).(..ومع هذا فالمؤمنون ـ الأنبياء وسائر الأولياء ـ لا يشفعون لأحد إلابإذن الله،كما قال تعالى: مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّبِإِذْنِهِ}البقرة: 255 ]، وقال: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّالِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28]، وقال تعالى: وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍلِلَّهِ} [الانفطار:19] ).
3 ـ وفى كتابه (الجَوَاب ُالبَاِهر في زُوَّارِ المَقَابِر ) يعيد نفس القول عن الشفاعة المزعومة للنبى : ( ومحمد صلى الله عليه وسلم سيد الشفعاء لديه، وشفاعته أعظم الشفاعات، وجاهه عند الله أعظم الجاهات. ويوم القيامة إذا طلب الخلق الشفاعة من آدم ثم من نوح ثم من إبراهيم ثم من موسى ثم من عيسى كل واحد يحيلهم على الآخر فإذا جاءوا إلى المسيح يقول : اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؛ قال : { فأذهب فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا وأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقال : أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع . قال : فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة } الحديث . فمن أنكر شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر فهو مبتدع ضال كما ينكرها الخوارج والمعتزلة . ).ويتعرض للخلاف حول الشفاعة : ( واحتج بكثير منه الخوارج والمعتزلة على منع الشفاعة لأهل الكبائر؛إذ منعوا أن يشفع لمن يستحق العذاب، أو أن يخرج من النار من يدخلها، ولم ينفواالشفاعة لأهل الثواب فى زيادة الثواب.) ويقول عن ديه الحنبلى ( دين العوام ) : ( ومذهب سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة: إثبات الشفاعةلأهل الكبائر، والقول بأنه يخرج من النار مَنْ فى قلبه مثقال ذرة من إيمان.).
4 ـ ثم يؤكد شفاعة النبى للمشركين ، وهذا تناقض مع موقفه من خصومه الصوفية الذين يتهمهم بالشرك ، يقول عن شفاعة النبى : ( وأيضاً، فالأحاديث المستفيضة عن النبى صلى الله عليه وسلم فىالشفاعة: فيها استشفاع أهل الموقف ليقضى بينهم، وفيهم المؤمن والكافر، وهذا فيهنوع شفاعة للكفار. وأيضاً، ففى الصحيح عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: يارسول اللّه، هل نفعتَ أبا طالب بشىء ؟ فإنه كان يَحُوطك ويغضب لك. قال:(نعم هو فى ضَحْضاح من نار، ولولا أنا لكان فى الدرك الأسفل من النار)، وعن عبداللّه بن الحارث قال: سمعت العباس يقول: قلت: يا رسول اللّه، إن أبا طالب كانيحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك ؟ قال: (نعم، وجدته فى غمرات من نار فأخرجته إلىضحضاح).وعن أبى سعيد الخدرى ــ رضى اللّه عنهــ أن رسول اللّه صلى اللهعليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب، فقال: (لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة فيجعلفى ضحضاح من النار، يبلغ كعبيه، يغلى منه دماغه).فهذا نص صحيح صريح لشفاعته فى بعض الكفار أن يخفف عنه العذاب، بل فىأن يجعل أهون أهل النار عذاباً، كما فى الصحيح أيضاً عن ابن عباس: أن رسول اللّهصلى الله عليه وسلم قال: (أهون أهل النار عذابا أبو طالب، وهو منتعل بنعلينيغلى منهما دماغه).وعن أبى سعيد الخدرى؛ أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال:(إن أدنى أهل النار عذاباً منتعل بنعلين من نار، يغلى دماغه من حرارة نعليه) ،وعن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أهونأهل النار عذاباً يوم القيامة لرجل يوضع فى أخمص قدميه جمرتان، يغلى منهما دماغه)، وعنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (إن أهون أهل النار عذاباًمن له نعلان وشراكان من نار، يغلى منهما دماغه، كما يغلى المِرْجَل، ما يرى أنأحداً أشد منه عذاباً، وإنه لأهونهم عذاباً).
5 ـ ثم يجعل التوسل بالنبى لطلب الشفاعة فريضة تعبدية: ( والناس يطلبون الشفاعة يوم القيامة من الأنبياء، ومحمد صلى الله عليه وسلم وهوسيد الشفعاء، وله شفاعات يختص بها ومع هذا فقد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى اللهعليه وسلم أنه قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علىّ ،فإنهمن صلى علىّ مرة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا الله لى الوسيلة، فإنها درجة فىالجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون ذلك العبد! فمن سأل الله لىالوسيلة حَلت عليه شفاعتى يوم القيامة... فعلى كل أحد أن يؤمن بهوبما جاء به ويتبعه فى باطنه وظاهره. والإيمان به ومتابعته هو سبيل الله، وهو دينالله، وهو عبادة الله، وهو طاعة الله، وهو طريق أولياء الله، وهو الوسيلة التىأمر الله بها عباده فى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَآمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35]. فابتغاء الوسيلة إلى الله إنما (وهو صلى الله عليه وسلم شفيع الخلائق صاحب المقام المحمود الذىيغبطه به الأولون والآخرون، فهو أعظم الشفعاء قدراً وأعلاهم جاها عند الله... ومحمد صلى الله عليه وسلم أعظم جاها من جميع الأنبياء والمرسلين،لكن شفاعته ودعاؤه إنما ينتفع به من شفع له الرسول ودعا له، فمن دعا له الرسول وشفعله توسل إلى الله بشفاعته ودعائه، كما كان أصحابه يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته،وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله ـ تبارك وتعالى ـ بدعائه وشفاعته، صلى اللهعليه وعلى آله وسلم تسليما. ).
6 ـ ويعود للتأكيد على شفاعة النبى فى المشكرين متناقضا مع نفسه ، فيقول : (فإذا كان فى الكفارمن خف كفره بسبب نصرته ومعونته، فإنه تنفعهشفاعته فى تخفيف العذاب عنه لا فى إسقاط العذاب بالكلية، كما في صحيح مسلم عنالعباس بن عبد المطلب أنه قال: قلت: يا رسول الله، فهل نفعت أبا طالب بشىء،فإنه كان يحوطك ويغضب لك ؟ قال :(نعم هو فى ضحْضاح من نار، ولولا أنا لكان فىالدرْك الأسفل من النار)، وفى لفظ: إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك فهلنفعه ذلك؟ قال: (نعم، وجدته فى غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح)، وفيه عنأبى سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: (لعلهتنفعه شفاعتى يوم القيامة فيجعل فى ضحضاح من النار يبلغ كعْبيه يغلى منهمادماغه)، وقال: (إن أهون أهل النار عذاباً أبو طالب، وهو منتعل بنعلين من ناريغلى منهما دماغه).وكذلك ينفع دعاؤه لهم بألا يُعجل عليهم العذاب فى الدنيا كما كانصلى الله عليه وسلم يحكى نبياً من الأنبياء ضربه قومه وهو يقول: (اللهم اغفرلقومى فإنهم لا يعلمون). وروى أنه دعا بذلك أن اغفر لهم فلا تعجل عليهم العذابفى الدنيا؛ .. فقد يدعو لبعض الكفار بأن يهديه الله أو يرزقه فيهديه أويرزقه، كما دعا لأم أبى هريرة حتى هداها الله، وكما دعا لدوس فقال: (اللهم اهـددوسـاً وائت بهم)، فهداهم الله، وكما روى أبو داود أنه استسقى لبعض المشركين لماطلبوا منه أن يستسقى لهم، فاستسقى لهم، وكان ذلك إحسانا منه إليهم يتألف به قلوبهمكما كان يتألفهم بغير ذلك.).
7 ـ ويعود للثرثرة : (وقد اتفق المسلمون على أنه صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق جاهاً عندالله، لا جاه لمخلوق عند الله أعظم من جاهه، ولا شفاعة أعظم من شفاعته ...وأما شفاعته ودعاؤه للمؤمنين فهى نافعة فى الدنيا والدين باتفاقالمسلمين، وكذلك شفاعته للمؤمنين يوم القيامة فى زيادة الثواب ورفع الدرجات متفقعليها بين المسلمين. وقد قيل: إن بعض أهل البدعة ينكرها.وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته فمتفق عليها بين الصحابة والتابعينلهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم، وأنكرها كثير من أهل البدع منالخوارج والمعتزلة والزيدية، وقال هؤلاء: من يدخل النار لا يخرج منها لا بشفاعةولا غيرها، وعند هؤلاء ما ثم إلا من يدخل الجنة فلا يدخل النار، ومن يدخل النار فلايدخل الجنة، ولا يجتمع عندهم فى الشخص الواحد ثواب وعقاب. وأما الصحابة والتابعونلهم بإحسان وسائر الأئمة كالأربعة وغيرهم، فيقرون بما تواترت به الأحاديث الصحيحةعن النبى صلى الله عليه وسلم أن الله يخرج من النار قوماً بعد أن يعذبهم الله ماشاء أن يعذبهم، يخرجهم بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ، ويخرج آخرين بشفاعة غيره،ويخرج قوماً بلا شفاعة.)
8 ـ وفى ثرثرته يعيد الردّ على منكرى الشفاعة فيقول : ( واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّتَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَيُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} [البقرة: 48]، وبقوله: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَاعَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 123]،وبقوله: {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَخُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ} [البقرة: 254]، وبقوله: {مَالِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يطاع} [غافر: 18]،وبقوله: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48].وجواب أهل السنة أن هذا يراد به شيئان:أحدهما: أنها لا تنفع المشركين، كما قال تعالى فى نعتهم: {مَا سَلَكَكُمْفِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُالْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِالدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُالشَّافِعِينَ} [المدثر:42: 48]، فهؤلاء نفى عنهم نفعشفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفاراً.والثانى: أنه يراد بذلك نفى الشفاعة التى يثبتها أهل الشرك، ومنشابههم من أهل البدع، من أهل الكتاب والمسلمين الذين يظنون أن للخلق عند الله منالقدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه..)
9 ـ ويعود يثرثر فى موضوع التوسل ، والجديد هنا أن إبن تيمية يحكم بكفر وقتل من يخالف وجهة نظره : ( ولفظ التوسل قد يراد به ثلاثة أمور. يراد به أمران متفق عليهمابين المسلمين :أحدهما: هو أصل الإيمان والإسلام، وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته.والثاني: دعاؤه وشفاعته، وهذا أيضًا نافع يتوسل به من دعا له وشفعفيه باتفاق المسلمين. ومن أنكر التوسل به بأحد هذين المعنيين فهو كافر مرتديستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتدًا. ولكن التوسل بالإيمان به وبطاعته هو أصل الدين،وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام للخاصة والعامة، فمن أنكر هذا المعنى فكفرهظاهر للخاصة والعامة.وأما دعاؤه وشفاعته وانتفاع المسلمين بذلك فمن أنكره فهو أيضًاكافر، لكن هذا أخفى من الأول، فمن أنكره عن جهل عُرِّف ذلك، فإن أصر على إنكاره فهومرتد.أما دعاؤه وشفاعته فى الدنيا فلم ينكره أحد من أهل القبلة.وأما الشفاعة يوم القيامة فمذهب أهل السنة والجماعة ـ وهم الصحابةوالتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم ـ أن له شفاعات يومالقيامة خاصة وعامة، وأنه يشفع فيمن يأذن الله أن يشفع فيه من أمته من أهلالكبائر. ولا ينتفع بشفاعته إلا أهل التوحيد المؤمنون، دون أهل الشرك، ولو كانالمشرك محبًا له معظمًا له لم تنقذه شفاعته من النار، وإنما ينجيه من النار التوحيدوالإيمان به، ولهذا لما كان أبو طالب وغيره يحبونه ولم يُقِرُّوا بالتوحيد الذى جاءبه لم يمكن أن يخرجوا من النار بشفاعته ولا بغيرها.)
( وذكر صلى الله عليه وسلم أنه من سأل الله له الوسيلة حلت عليه شفاعتهيوم القيامة، فبين أن شفاعته تنال باتباعه بما جاء به من التوحيد والإيمان.وبالدعاء الذى سن لنا أن ندعو له به.وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى اللهعليه وسلم: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علىّ فإن من صلى علىصلاة صلى الله عليه عشرًا، ثم سَلوا الله لى الوسيلة، فإنها درجة فى الجنة لا تنبغىإلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لى الوسيلة حلتعليه الشفاعة). وسؤال الأمة له الوسيلةهو دعاء له وهو معنى الشفاعة. )
10 ـ وفى ثرثرة أخرى يجيب على سؤال : ما يجوز وما لايجوز من الاستشفاع والتوسل بالأنبياء والصالحين.فيقول : ( أجمع المسلمون على أن النبى صلى الله عليهوسلم يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك، وبعد أن يأذن الله له فىالشفاعة. ثم إن أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفق عليه الصحابة ـ رضوان اللهعليهم أجمعين ـ واستفاضت به السنن من أنه صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الكبائر منأمته، ويشفع أيضا لعموم الخلق.فله صلى الله عليه وسلم شفاعات يختص بها لا يشركه فيها أحد، وشفاعاتيشركه فيها غيره من الأنبياء والصالحين، لكن ما له فيها أفضل مما لغيره، فإنه صلىالله عليه وسلم أفضل الخلق وأكرمهم على ربه عز وجل، وله من الفضائل التى ميزه اللهبها على سائر النبيين ما يضيق هذا الموضع عن بسطه، ومن ذلك [المقام المحمود]الذى يغبطه به الأولون والآخرون، وأحاديث الشفاعة كثيرة متواترة، منها فى الصحيحينأحاديث متعددة، وفى السنن والمساند مما يكثر عدده. )
ثالثا : الشفاعة عند ابن عبد الوهاب
1 ـ سار على طريقة ابن تيمية . يقول فى كتابه ( كشف الشبهات )عن شفاعة النبى المزعومة : ( فَإِنْ قَالَ :أتُنْكِرُ شَفَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتتَبْرَأُ مِنْهَا ؟ فَقُلْ لاَ أُنْكِرُهَا ، وَلاَ أتَبَرَّأُ مِنْهَا، بَلْ هُوَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشَّافِعُ الْمُشَفَّعُ ، وَأَرْجُو شَفَاعَتَهُ ، وَلكِنَّ الشَّفَاعَةَ كُلَّهَا للَّهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً}( ). وَلاَ تَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ إِذْنِ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}( ) ، وَلاَ يَشْفَعُ فِي أَحَدٍ إِلاَّ بَعْدَ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ فِيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى} ، وَهُوَ لاَ يَرْضى إِلاَّ التَّوْحِيدَ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - {وَمَنْ يَبْتَغ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } ( ). فَإِذَا كَانَتِ الشَّفَاعَةُ كُلُّهَا لِلَّهِ ، وَلاَ تَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ إِذْنِهِ ، وَلاَ يَشْفَعُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، وَلاَ غَيرُهُ فِي أحَدٍ حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ فِيهِ ، وَلاَ يَأْذَنُ الله تعالى إِلاَّ لأَهْلِ التَّوْحِيدِ تَبَيَّنَ أنَّ الشَّفَاعَةَ كُلَّهَا لِلَّه ، وَأطْلُبُهَا مِنْه - سبحانهُ - فَأَقُولُ : اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنِي شَفَاعَتَه ، اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ ، وَأمْثَالُ هَذَا . ) .
(فإِنْ قَالَ : النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أُعْطِيَ الشَّفَاعَةَ ، وَأنَا أطْلُبْهُ مِمَّا أعْطَاهُ اللَّهُ. فَالْجَوَابُ : أَنَّ اللَّهَ أعْطَاهُ الشَّفَاعَةَ، وَنَهَاكَ عَنْ هَذَا ، وَقَالَ تَعَالَى {فَلاَ تَدْعُوا مَع اللَّهِ أحَدًا} ( ) وَطَلَبُكَ مِنَ اللَّهِ شَفَاعَةَ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم عِبَادَةٌ ، وَاللَّهُ نَهَاكَ أنْ تُشْرِكَ في هَذِهِ الْعِبَادَةِ أَحَدًا ، فَإذَا كُنْتَ تَدْعُو اللَّهَ أنْ يُشَفِّعَ نبيه فيكَ فَأَطِعْهُ فِي قَوْلِهِ {فَلاَ تَدْعُوا مَع اللَّهِ أحَدًا} ( ) .
2 ـ ويقول عن شفاعة الأولياء ( وَأَيْضاً فَإِنَّ الشَّفَاعَةَ أُعْطِيَهَا غَيْرَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَصَحَّ أنَّ الْمَلاَئِكَةَ يَشْفَعُونَ ، وَالأَفْرَاطَ يَشْفَعُونَ ، وَالأَوْلِيَاءَ يَشْفَعُونَ . أَتَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ أعْطَاهُم الشَّفَاعَةَ، فَأطْلُبُهَا مِنْهُمْ ؟ فَإِنْ قُلْتَ هَذَا رَجَعْتَ إِلَى عِبَادَةِ الصَّالِحِينَ - التِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ - . وَانْ قُلْتَ : لاَ ، بَطَلَ قَوْلُكَ : أعْطَاهُ اللَّهُ الشَّفَاعَةَ، وَأنَا أطْلُبُهُ ممَّا أعْطَاهُ اللَّه.)
3 ـ وعن إيمانه بأولياء التصوف وكراماتهم يقول :( وَإنْ قَالَ :{أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ }( ) فَقُلْ : هَذَا هُوَ الْحَقُّ ، وَلكِنْ لا يُعْبَدُونَ . وَنَحْنُ لاَ نُنْكِرُ إِلاَّ عِبَادَتَهُمْ مَع اللَّهِ ، وَإِشْرَاكَهُمْ مَعَهُ . وَإِلاَّ فَاَلوَاجِبُ عَلَيْكَ حُبُّهُمْ ، وَاتِّبَاعُهُمْ ، وَالإقْرَارُ بِكَرَامَاتِهِمْ . وَلاَ يَجْحَدُ كَرَامَاتِ الأَوْلِيَاءِ إِلاَّ أهْلُ الْبِدَع وَالضَّلاَلاَتِ . )
3 ـ ودافع بعض أئمة الوهابية عن الاههم ابن عبد الوهاب وردوا على اتهامات خصومه له ومنها موضوع الشفاعة فقالوا : ( ثالثا : إنكار شفاعته صلى الله عليه وسلم : ويتولى الشيخ جواب هذه الشبهة ، حيث يقول : يزعمون أننا ننكر شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم ، بل نشهد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع ، صاحب المقام المحمود ، نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يشفعه فينا ، وأن يحشرنا تحت لوائه . ( الدرر السنية 1/64،63 )ولا ينكر شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إلا أهل البدع والضلال ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى ، كما قال تعالى : (( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى )) وقال تعالى :( من ذا الذي يشفعه عنده إلا بإذنه )( الدرر السنية 1/31 ).
المسألة الثالثة : كرامات الأولياء: يشيع بعض الناس أن الشيخ محمد بن عبدالوهاب ينكر كرامات الأولياء .ويدحض هذا الافتراء أن الشيخ رحمه الله قد قرر في عدد من المواضع معتقده الصريح في هذا الأمر بخلاف ما يشاع ، من ذلك قوله ضمن كلام له يبين فيه معتقده : وأقر بكرامات الأولياء ( الدرر السنية 1/32 )وليت شعري كيف يتهم الشيخ بذلك وهو الذي يصف منكري كرامات الأولياء بأنهم أهل بدع وضلال ، حيث يقول :ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال . ( مؤلفات الشيخ 1/169 )
الباب السادس : الشفاعة والانحلال الخلقى
الباب السادس : الشفاعة والانحلال الخلقى
الفصل الأول : الشفاعة الحنبلية ونشر الانحلال الخلقى فى العصر العباسى الثانى
1 ـ نشر السنيون المتشددون ــ الحنابلة ــ الانحلال الخلقى فى العصر العباسى الثانى حين سيطروا عليه . لا يعنى هذا أن الانحلال لم يكن موجودا من قبل ، فهو موجود قبل وبعد العصر العباسى الثانى وفى كل عصر ، لكننا هنا نتحدث شيوع الانحلال الخلقى بتشجيع دينى من دين السّنة الحنبلية . كان هناك إنحلال خلقى ( علمانى ) لا يتستر بالدين ولا يبحث عن بررات وتسويغات دينية ، فإرتدى هذا الانحلال الخلقى السُّنى الحنبلى وشاح الدين وإتّخذ مظاهر التدين السطحى المظهرى ، من اللحية والنقاب والحجاب ، وإشتعل فى ظل أساطير الشفاعة . وبسبب الحنبلية إقترن التشدد والتزمت بالرياء والنفاق والتحلل الأخلاقى تحت مظاهر التدين السطحى . ويحدث هذا اليوم تحت سيطرة الوهابية الحنبلية ، حيث تتكاثر المساجد وتتكاثر صفوف الصلاة فيها جنبا الى جنب مع مظاهر الانحلال الخلقى والتحرش الجنسى والفساد فى كل مناحى الحياة . وشعار الناس ( يا بختنا بالنبى ).!. وهذه لمحة عن أثر الشفاعة الحنبلية فى الانحلال الخلقى فى العصر العباسى الثانى .
أولا : الدعوة الى الانحلال الخلقى : بمزاعم الغفران لمشاهير الماجنين :
1 ـ إشتهر أبو نواس المتوفى عام 195 بالشعر والمجون معا ، وبعد مرور عدة قرون صاغ الحنابلة فى العصر العباسى هذه الرواية التى صنع لها ابن الجوزى إسنادا ، يقول : ( أخبرنا محمد بن عبد الملك بن خيرون قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا هلال بن محمد بن جعفر الحفار أخبرنا إسماعيل بن علي الخزاعي أخبرنا محمد بن إبراهيم بن كثير الصوفي أخبرنا أبو نواس الحسن بن هانئ حدَّثنا حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك رضي اللهّ عنه قال: لا يموتن أحدكم حتى يحسن ظنه بالله من الخير . قال ابن كثير: ودخلنا على أبي نواس نعوده في مرضه الذي مات فيه فقال له عيسى بن موسى الهاشمي: يا أبا علي أنت في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة وبينك وبين الله هنات ، فتب إلى الله . قال أبو نواس: أسندوني . فلما استوى جالسًا قال: إياي يُخوّف بالله ؟ وقد حدّثني حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لكل نبي شفاعة وإني اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة " أفترى لا أكون منهم ؟.). هنا دعوة للإنحلال تتخذ من أبى نواس دليلا ، فعند إحتضاره يموت مطمئنا واثقا من الشفاعة . .
2 ـ وتناقلت المنامات الحنبلية الغفران لأبى نواس بطريقة أخرى دون الحاجة لاختراع حديث ؛ يذكر إبن أيبك الصفدى فى ( الوافى بالوفيات ج 12 ص 286 ) هذه الرواية المنامية عن مجهول عبر الاسناد ( ...عبد الله بن صالح الهاشمى قال حدثنى من اثق به قال : رأيت أبا نواس فى النوم وهو فى نعمة كبيرة .. قلت : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لى وأعطانى هذه النعمة ، قلت ممّ ذاك وأنت كنت مخلّطا ؟قال : اليك عنى .! جاء بعض الصالحين الى المقابر ..وصلى ركعتين لأهل المقابر قرأ فيهما ألفى مرة ( قل هو الله أحد ) وجعل ثوابها لأهل المقابر ، فغفر الله لآهل المقابر فدخلت لنا فى جملتهم . ). هؤلاء جميعا يجهلون الحقيقة القرآنية عن الغفران ، وأنه ليس فى هذه الدنيا ، بل هو يوم الدين : ( ابراهيم )( الشعراء ).
3 ـ وصيغت رواية منامية أخرى فى ( الوافى بالوفيات ج 11 ص 257 ) غن قاضى مصر الحارث بن معين ت 250 . قالوا إن رجلا كان مسرفا على نفسه فمات فرؤى فى المنام ( فقال : إن الله غفر لى بحضور الحارث بن مسكين جنازتى ، وأنه إستشفع لى فشُفع لى . ). وبالتالى فهى رسالة صريحة : يا معشر الفاسقين الفُجّار ، لا تثريب عليكم ، إنطلقوا فى المجون ما إستطعتم، فالشفاعة والغفران فى إنتظاركم .!
ثانيا : ـ الدعوة الى الانحلال الخلقى بمزاعم الغفران للشيوخ الماجنين إبناء الثمانين :
1 ـ وضعوا قاعدة إفتروا لها حديثا يزعم أن الله جل وعلا يغفر لمن يموت وهو فى الثمانين من العمر وما فوقها .وقرروا أن يتمتع بهذه الرخصة قاضى القضاة يحيى بن أكثم ت 243 الذى كان مشهورا بالشذوذ الجنسى. يروى ابن الجوزى فى المنتظم هذه الرواية المنامية بالسند عن أحد ( الجيران ) مجهول الاسم والعنوان : ( أخبرنا القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي الحافظ قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن سليمان المعدل قال: أخبرنا أبو الفضل الزهري قال: حدثنا أحمد بن محمد الزعفراني قال: حدثنا أبو العباس بن واصل قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن الصيرفي قال: رأى جار لنا يحيى بن أكثم بعد موته في منامه فقال له: ما فعل الله بك ؟ فقال: وقفت بين يديه فقال لي : سوءة لك يا شيخ .! فقلت: يا رب إن رسولك صلى الله عليه وسلم قال: " إنك لتستحي من أبناء الثمانين أن تعذبهم " وأنا ابن ثمانين أسير الله في الأرض .! فقال لي: صدق رسولي قد عفوت عنك . ) البذاءة هنا أنهم يجعلون رب العزة يستحى من تعذيب شخص فاسق ، ويجعلون هذا حديثا نبويا .! .
كل هذا الإفك وتلك البذاءة لتشجيع على إرتكاب الشذوذ الجنسى إتباعا للقاضى يحيى بن أكثم . ثم للتأكيد يؤلفون مناما آخر فى نفس الموضوع : ( أخبرنا القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي الخطيب قال: أخبرنا القاضي أبو العلاء الواسطي قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد المفيد قال: حدثنا عمر بن سعد بن سنان قال: حدثنا محمد بن سلم الخواص قال: رأيت يحيى بن أكثم القاضي في المنام فقلت له: ما فعل الله بك ؟ فقال لي: وقفني بين يديه وقال لي: يا شيخ السوء لولا شيبتك لأحرقنك بالنار .! فأخذني ما يأخذ العبد بين يدي مولاه . فلما أفقت قلت: يا رب ما هكذا حُدّثت عنك ؟ فقال الله تعالى: وما حُدّثت عني ؟ - وهو أعلم بذلك - قلت: حدثني عبد الرزاق بن همام حدثنا معمر بن راشد عن ابن شهاب الزهري عن أنس بن مالك عن نبيك صلى الله عليه وسلم عن جبريل عنك يا عظيم أنك قلت: " ما شاب لي عبد في الإسلام شيبة إلا استحييت منه أن أعذبه بالنار " . فقال الله عز وجل: صدق عبد الرزاق وصدق معمر وصدق الزهري وصدق أنس وصدق نبيي وصدق جبريل وأنا قلت ذلك انطلقوا به إلى الجنة . ). هنا محاولة حنبلية للتأكيد بمنام كاذب على صحة هذا الحديث .
2 ـ وأعطوا هذه الرخصة لأبى بكر الأدمى بعد موته عام 348 . يفترى ابن الجوزى فى ( المنتظم ) : ( أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي قال: حدثني علي بن أبي علي المعدل أخبرنا أبو بكر بن أبي موسى القاضي وأبو إسحق الطبري وغيرهما قالوا سمعنا أبا جعفر عبد الله بن إسماعيل بن بويه يقول: رأيت أبا بكر الآدمي في النوم بعد موته بمديدة ، فقلت له : ما فعل الله بك ؟ فقال لي: وقفني بين يديه وقاسيت شدائد وأمورًا صعبة.فقلت له: فتلك الليالي والمواقف والقرآن فقال: ما كان شيء أضر علي منها لأنها كانت للدنيا.فقلت له: فإلى أي شيء انتهى أمرك قال: قال لي الله عز وجل آليت على نفسي أن لا أعذب أبناء الثمانين.).
3 ـ ويذكر مناما آخر عن أحد القضاة : أبو السائب عتبة بن عبيد الله المتوفى عام 350 : ( أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر بن ثابت أخبرنا علي بن أبي علي المعدل أخبرنا أبو طاهر المخلص أخبرنا ابو بكر أحمد بن علي الذهبي المعروف: بابن القطان قال: رأيت أبا السائب عتبة بن عبيد الله قاضي القضاة بعد موته فقلت: ما فعل الله بك مع تخليطك بهذا اللفظ ؟ فقال: غفر لي . فقال: كيف ذلك ؟ فقال : إن الله تعالى عرض عليّ أفعالي القبيحة ثم أمر بي إلى الجنة ، وقال: لولا آليت على نفسي أن لا أعذب من جاوز الثمانين لعذبتك ، ولكني قد غفرت لك وعفوت عنك .اذهبوا به إلى الجنة فأُدخلتها..)
ثالثا : الجمع بين التطرف الحنبلى والانحلال
1 ـ من هنا لم يكن غريبا أن يشتهر قادة التطرف الحنبلى بالانحلال الخلقى . وأسوأ مثال لذلك هو زعيم الحنابلة فى عصره : (محمد بن داود الظاهري) ت 297 . وقد تزعم أصحاب الحديث فى العراق وبغداد وحين جاء الطبري إلى بغداد فى أخريات عمره رأى فيه محمد بن داود منافسا خطيرا فكانت محنة الطبري على يديه ، إذ أن عشرات الألوف من فقهاء الحديث كادوا يفتكون بالطبري والجأوه إلى الهرب لبيته وحاصروه داخل البيت بسبب مسألة الاستواء على العرش، واتهامه بمخالفة رأى ابن حنبل ، وظل الطبرى محصورا فى داره سنوات إلى أن مات مقهورا ، ومنع فقهاء الحديث دفن الطبرى فلم يدفن إلا ليلا وفى داره .وكان الطبرى قد جاوز الثمانين بخمس سنين ، يقول عنه ابن كثير فى تاريخه عن مأساة الطبرى " ودفن فى داره لأن بعض العوام الحنابلة ورعاعهم منعوا دفنه نهارا ومن الجهلة من رماه بالإلحاد... وإنما تقلدوا ذلك عن أبى بكر محمد بن داود الفقيه الظاهري حيث كان يتكلم فيه ويرميه بالعظائم .". هذا هو الملمح الأول من شخصية محمد بن داود الظاهرى . الملمح الثانى الخاص بموضوعنا هو شهرته بالشذوذ الجنسى ، وإعلانه هذا بلا تحرّج . والحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي صاحب الكتاب الضخم " تاريخ بغداد " كتب سيرة محمد بن داود ضمن تاريخه لأهل بغداد ( 5 / 256 رقم 2750 )، وكتابه " تاريخ بغداد "( 14 جزءا ) هو المصدر الأساس للعصر العباسي ورجاله من بدايته الى القرن الخامس الهجرى ، وعنه نقل اللاحقون ترجمة محمد بن داود مثل ( المنتظم ) لابن الجوزى و( تاريخ ابن كثير ) و( الوافي بالوفيات ) للصفدى و( العبر ) للذهبي و( وفيات الأعيان ) لابن خلكان و( شذرات الذهب ) لابن العماد الحنبلي و( الفهرست ) لابن النديم . وذكر الخطيب البغدادي أن محمد بن داود كان ( يهوى فتى حدثا من أهل اصبهان ، يقال له "محمد بن جامع "، ويقال له " ابن زخرف "..)، وكان ابن جامع هذا هو الذى ينفق على محمد بن داود ، حتى قيل ( لم يُر معشوق ينفق على عاشق غيره ) .ودخل المعشوق محمد بن جامع يوما الى الحمام وخرج ، فنظر فى المرآة فأعجبه حُسنه ، فغطى وجهه بمنديل ، وجاء الى محمد بن داود وهو على تلك الحالة فقال : ما هذا ؟ قال :" نظرت فى المرآة فأعجبنى حُسنى فما أحببت أن يراه أحد قبلك .! "، فغشى على محمد بن داود من فرط العشق . وفى مجلسه الذى يفتى فيه ويروى الأحاديث جاءه رجل برقعه يستفتيه ، مكتوب فيها :
يا ابن داود يا فقيه العراق أفتنا فى قواتل الأحداق
هل عليهن فى الجروح قصاص أم مباح لها دم العشاق ؟
فكتب له
كيف يفتيكم قتيل صريع بسهام الفراق و الاشتياق
وقيل التلاق أحسن حالا عند داود من قتيل الفراق .
وبسبب هذا العشق مات محمد بن داود شابا ، فقد دخل نفطويه النحوي على ابن داود وهو يحتضر فقال له : كيف نجدك ؟ فقال : حب من تعلم اورثنى ما ترى.." يشير الى غرامه بابن جامع .
2 ـ وكان على شاكلته الفقيه المحدث ( محمد بن مناذر) المتوفى عام 198 .قيل عنه ( سمع محمدًا وشعبة وسفيان بن عيينة وغيرهم . وكان محمد بن مناذر يتعبد ويتنسك ويلازم المسجد ، ثم هوى عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي فتهتك وعدل عن التنسك وأظهر الخلاعة . وكان عبد المجيد من أحسن الناس وجهًا وأدبًا ولباسًا ، وكان يحب ابن مناذر أيضًا ). ( المنتظم 10 / 71 ).
رابعا : الجمع بين الانحلال والتدين السطحى
1 ـ هى ظاهرة أساس فى أى مجتمع يسيطر عليه دين أرضى ، فينتشر التدين السطحى المظهرى والاحتراف الدينى جنبا الى جنب مع الانحلال الخلقى ، سواء ما ظهر منه وما بطن . ويحكى ابن الأثير واقعة طريفة حدثت عام 409 وكانت مشهورة فى بغداد . وقتها كانت بغداد تعانى الفتن ـ كالعادة ـ فجاء السلطان البويهى بجنده الديالمة ليضبط الأمور ، وأنزل جنوده فى أحياء بغداد التى تركز فيها الشغب ، أى الكرخ وباب البصرة ، وعاث الجند الديالمة فسادا من الخمر والفسق . يقول ابن الأثير عن سلطان الدولة البويهى : ( وأنزل الديلم أطراف الكرخ وباب البصرة، ولم يكن قبل ذلك، ففعلوا من الفساد ما لم يشاهد مثله.فمن ذلك أن رجلاً من المستورين أغلق بابه عليه خوفاً منهم، فلما كان أول يوم من شهر رمضان خرج لحاجته، فرآهم على حال عظيم من شرب الخمر والفساد، فأراد الرجوع إلى بيته، فأكرهوه على الدخول معهم إلى دارٍ نزلوها، وألزموه بشرب الخمر فامتنع، فصبّوها في فيه ( فمه ) قهراً، وقالوا له: " قم إلى هذه المرأة فافعل بها "، فامتنع فألزموه، فدخل معها إلى بيت في الدار، وأعطاها دراهم، وقال: هذا أول يوم في رمضان، والمعصية فيه تتضاعف، وأحب أن تخبريهم أنني قد فعلت. فقالت: لا كرامة ولا عزازة، أنت تصون دينك عن الزناء وأنا أريد أن أصون أمانتي في هذا الشهر عن الكذب! فصارت هذه الحكاية سائرة في بغداد.) . التدين السطحى هنا يجعل الفاحشة أهون من الكذب لدى هذه المرأة المحترفة ، لأن شيوع الزنا جعله عادة لا ينجو منها إلّا القليل مثل هذا الرجل ( المستور ) .
خامسا : الجمع بين التوبة السطحية والهجوم على المواخير وقت الكوارث
1 ـ المواخير أو بيوت الزنا كانت تفتح أبوابها بشكل عادى تستقبل الزبائن وتدفع ضرائب للدولة ، كأحد المظاهر الحياتية الاجتماعية تسير جنبا الى جنب مع التعصب الحنبلى . واشتهر عضد الدولة البويهى بتشجيع المواخير وفرض الضرائب على المحترفات فيها . وفى ظل المواخير كانوا يتذكرون التوبة فقط عند حدوث الكوارث ، فيعطلون المواخير وبيوت الزنا . وننقل من صاحبنا ابن الجوزى ملامح ذلك الارتباط بين الكوارث والتوبة السطحية الوقتية .
2 ـ وأبرز مثل هو كارثة المجاعة والوباء عام 449 ، يقول ابن الجوزى فى المنتظم عن الغلاء وتحوله الى مجاعة : ( في العشر الأخير من المحرم : بلغت الكارة الدقيق تسعة دنانير ، وكدى ( أى إفتقر ) المتجملون ( أى المستورون ) وكثير من التجار، وأُكلت الكلاب والميتات ، ومات من الجوع في كل يوم خلق كثير ، وشوهدت امرأة معها فخذ كلب ميت قد اخضر وجاف وهي تنهشه ، ورمي من سطح طائر ميت فاجتمع عليه خمسة أنفس فاقتسموه وأكلوه، ورؤي رجل قد شوى صبية في أتون فأكلهـا ، فقُتـل . وسُـدّدت أبواب دور مات أهلها ، وكان الإنسان يمشي في الطريق فلا يرى إلا الواحد بعد الواحد.) وقت هذه المحنة إعتدى الحنابلة على الشيعة فى الكرخ : ( وفي صفر هذه السنة: كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلم الشيعة بالكرخ ، وأخذ ما وجد من دفاتره، وكرسي كان يجلس عليه للكلام ، وأخرج ذلك إلى الكرخ ، وأضيف إليه ثلاثة مجانيق بيض كان الزوار من أهل الكرخ قديمًا يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة فأحرق الجميع. ) . وكالعادة ينتج عن المجاعة وباء بسبب كثرة الجثث والجيف، ويتنقل الوباء بين البلاد : ( وفي جمادى الآخرة: ورد كتاب من تجار ما وراء النهر، قد وقع في هذه الديار وباء عظيم مسرف زائد عن الحد ، حتى انه خرج من هذا الإقليم في يوم واحد ثمانية عشرة ألف جنازة ، وأحصي من مات إلى أن كتب هذا الكتاب فكانوا ألف وستمائة ألف وخمسين ألفًا . والناس يمرون في هذه البلاد فلا يرون إلا أسواقًا فارغة وطرقات خالية وأبوابًا مغلقة ، حتى إن البقر نفقت. وجاء الخبر من آذربيجان وتلك الأعمال بالوباء العظيم ، وأنه لم يسلم إلا العد القليل. ووقع وباء بالأهواز وأعمالها وبواسط وبالنيل ومطير أباذ والكوفة وطبق الأرض ، حتى كان يخد للعشرين والثلاثين زبية ( قبر ) فيلقون فيها . وكان أكثر سبب ذلك الجوع . وكـان الفقـراء يشـوون الكلاب ، وينبشون القبور فيشوون الموتى ويأكلونهم . وكان لرجل جريبان أرضًا دفع إليه في ثمنها عشرة دنانير فلم يبعها فباعها حينئذ بخمسة أرطال خبز وأكلها ومات مـن وقتـه. وطويـت التجارات وأمور الدنيا ، وليس للناس شغل في الليل والنهار إلا غسل الأموات والتجهز والدفن. ) فى هذه المحنة ظهرت التوبة الوقتية : ( وتاب الناس كلهم ، وتصدقوا بمعظم أموالهم ، وأراقوا الخمور ، وكسروا المعازف ، ولزموا المساجد لقراءة القرآن خصوصًا العمال والظلمة . وكل دار فيها خمر يموت أهلها في ليلة واحدة . ووجدوا دارًا فيها ثمانية عشر نفسًا موتى ففتشـوا متاعهـم فوجـدوا خابيـة خمـر فأراقوهـا . ودخلوا على مريض طال نزعه سبعة أيام فأشار بإصبعه إلى خابية خمر فقلبوها ، وخلصه الله تعالى من السكرة . وقبل ذلك كان من يدخل هذه الدار يموت . ومن كان مع امرأة حرامًا ماتا من ساعتهما . وكل مسلمين بينهما هجران وأذى فلم يصطلحا ماتا معًا . ومـن دخـل الـدار ليأخـذ شيئًا مما قد تخلف فيها وجدوا المتاع معه وهو ميت. ) . واضح هنا أن الاشاعات ربطت الموت ( كعقوبة ) بإفتراف المعاصى طلبا للتوبة .
3 ـ وعادت المواخير الى عملها بكامل طاقتها بعد زوال المحنة الى أن حدثت محنة أخرى عام 454: ( فـي ربيـع الأول:.. ورد سيل شديد ليلًا ونهارًا فوقف الماء في الدروب ، وسقطت منه الحيطان ، واتصل المطر والغيم بقية آذار وجميع نيسان حتى لم يجد يوم ذاك وكان في أثنائه من البرد الكبار ما أهلك كثيرًا من الثمار.. ) ويستطرد ابن الجوزى فى وصف هذه الكارثة المناخية الى أن يقول : ( وفي ربيع الآخر: عطلت المواخير وغلقت ونودي بإزالتها . وكان السبب أنه كثر الفساد وشرب الخمر. ) .
4 ـ وعادت المواخير تعمل بكامل طاقتها عشر سنوات الى أن حدث زلزال عام 464 . ( وفـي ليلـة الجمعـة لأربـع بقيـن مـن ربيع الآخر وقت طلوع الفجر : حدثت زلزلة ارتجت لها الأرض ست مرات. ) واستنكر فقيه حنبلى خروج مغنية من دار أحد القواد الأتراك وكسر العود الذى تحمله فعاقبه القائد التركى فثار الحنابلة ( .. واجتمـع الحنابلـة في جامع القصر من الغد ، فأقاموا فيه مستغيثين ..وطلبوا قلع المواخير وتتبع المفسدات ومن يبيع النبيذ ..فتقدم أمير المؤمنين بذلك ، فهرب المفسـدات وكبسـت الـدور وارتفعـت الأنبـذة ووُعـد بقلـع المواخيـر ، ومكاتبة عضد الدولة برفعها . )،.
5 ـ وتكرر نفس الحال عام 469 في ذي القعدة، حيث : ( كثرت العلل والأمراض ببغداد وواسط السواد ، وكثر الموت حتى بقي معظم الغلات بحالها في الصحراء لعدم من يرفعها . وورد الخبر من الشام كذلك. ) وكالعادة ظهرت التوبة الوقتية : ( وفي يوم الأربعـاء لعشـر بقيـن من ذي القعـدة: أزيلـت المواخيـر ودور الفسـق ببغـداد ، ونقضـت وهـرب الفواسـق، وذلـك لخطـاب جـرى من الخليفة للشحنة الذي كانت هذه إقطاعه، وبذل له عنها ألف دينار فامتنع ، وقال: "هذه يحصل منها ألف وثماني مائة دينار". فكوتب النظام بمـا جـرى فعوض الشحنة من عنده وكتب بإزالتها.) أى كان متولى الشرطة يأخذ مرتبه أو ( إقطاعه 1800 دينار ) من تلك المواخير وعرق المومسات ، فرفض إزالتها ، فتم تعويضه .
أخيرا
يقول جل وعلا فى سورة الزمر عن التدين السطحى والتوبة الوقتية عند الكوارث : ( وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8)).
ودائما : صدق الله العظيم .!!
الباب السادس : الشفاعة والانحلال الخلقى
الفصل الثانى : إستمرار تأثير أحاديث الشفاعة فى البخارى فى ميدان الانحلال
مقدمة
يمتاز ( صحيح البخارى ) بأنه الأكثر تقديسا بين كتب السّنة ومذاهب الدين السُّنى ، بل وبين الصوفية والتصوف السُّنى . وشهد العصر المملوكى قيام بعض أئمة الدين السُّنى بشرح البخارى كابن حجر والعينى والقسطلانى . وفى كتابنا عن المجتمع المصرى فى عصر السلطان قايتباى تحدثنا عن ميعاد البخارى فى العصر المملوكى دليلا على استمرار تقديس البخارى وجعله أكثر قداسة من القرآن بحيث تتخصص له ـ رسميا ـ أسابيع لتلاوته برغم سيطرة التصوف غلى العصر المملوكى . وللصوفية أسبابهم الخاصة فى تقديس كتاب البخارى ، لأنه يحتوى على أحاديث تخدم العقائد الصوفية ، منها حديث ( من عادى لى وليا آذنته بالحرب ..) ، بالاضافة الى الشعبية الفائقة للبخارى فى موضوع الانحلال الخلقى ، فى أحاديث الشفاعة ، وأحاديث تُشرّع الزنا : ( أيما رجل وإمرأة توافقا فعشرة ما بينهما ثلاث ليال ..الخ ..)، أو المؤاخاة بالتعبير الصوفى كما سيأتى بيانه . وإستمرار تقديس البخارى حتى اليوم أكبر دليل على تأثير أساطير الشفاعة التى كان البخارى الأكثر ترويجا لها . وفى برنامجنا ( فضح السلفية ) عرضنا لأحاديث البخارى بالتفصيل . ونعطى هنا لمحة عن إستمرار تأثر البخارى فى مجال الانحلال الخلقى بعد إنتهاء الغصر العباسى .
أولا : جذور الانحلال الخلقى المُزدكية لدى ابن برزدويه المجوسى الأصل ، المشهور بالبخارى
1 ـ أسقطت الفتوحات العربية امبراطورية الفرس العاتية ، وجعلت الفارسيين موالى أو مواطنين من الدرجة الثانية ، وكان ( الموالى ) الفرس هم وقود الثورات ضد الأمويين ، وقد تطوّر بهم دين التشيع ، وإتّخذوه ستارا للتحرر من سيطرة العرب ( المسلمين ) وقاموا بإستعادة دينهم الفارسى من خلال ( التبرى والتولى ) فى العقيدة الشيعية ، وبعد أن كان الدين الأصلى الفارسى يتركز فى عبادة إله الخير والنور ولعن أله الشر والظلام ، أصبح من خلال التشيع موالاة ( على وآل البيت ) والتبرى من أبى بكر وعمر وعثمان ، الذين دمروا الامبراطورية الفارسية واحتلوا الوطن الفارسى . كما أن الانحلال الخلقى الذى إصطبغ بصبغة دينية فى المجتمع الفارسى من خلال الدين الفارسى ( المزدكية ) ما لبث أن عاد فى صورة أحاديث سجلها ـ فيما بعدُ ـ إبن برزدويه الفارسى الخراسانى المولود فى بُخارى، والمعروف بالبخارى . ولقد عرضنا فى كتاب ( القرآن وكفى ) وفى بحث ( منهج البخارى فى تصوير شخصية النبى ) لتلك الأحاديث ذات الجذور المزدكية الفارسية فى ضوء تعارضها مع الاسلام ، وتشويه شخصين النبى عليه السلام ، ومنها ذلك الحديث الذي يفتري أن النبي محمدا عليه السلام كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وبغسل واحد ، وأن أصحابه كانوا يتحدثون بينهم أن النبي قد أعطي قوة ثلاثين رجلا في الجماع .
2 ـ والبخاري الفارسي الأصل ( ابن برزدويه) عاش شبابه وصدر حياته فى بخارى معقل المزدكية ، والتى لا تزال الى الآن منبع القومية الفارسية والكراهية للعرب . وقد افترى البخاري فى (صحيحه ) فى كتاب النكاح حديثاً يقول: ( أيما رجل وامرأة توافقا فعشرة ما بينهما ثلاث ليال ، فإن أحبا أن يتزايدا أو يتتاركا ) والملامح المزدكية واضحة في ذلك الحديث المفترى لأنه دعوة عامة للجنس الجماعي ، فأي رجل وامرأة توافقا فلهما الحق أن يتعاشرا ثلاث ليال ويمكن أن ينفصلا أو أن يستمرا ، دون زواج ودون طلاق ودون عدة أو نفقة أو وجع قلب . وبهذا الإنحلال الخلقى كشعيرة دينية ظهرت المزدكية قبل نزول القرآن الكريم على يد مزدك الفارسي النيسابوري المقتول سنة 523 . وكان من تعاليم المزدكية شيوعية المال والنساء لأنهما سبب كل حرب وبلاء . وكان من طقوس دينه إقامة حفلات الجنس الجماعي في ليالي الأعياد التي يجتمع فيها الناس ، ثم تطفئ الأنوار ( ويختلط الرجال بالنساء) طيلة الليل ، وهو التعبير التراثي عن حفلات الجنس الجماعي .وأدت هذه الطقوس بالذات إلى كثرة أتباعه ، وذلك ما أكده البيروني في كتابه( الآثار الباقية ) والبغدادي في كتابه ( الفرق بين الفرق ) .
3 ـ كان تغلغل المزدكية الفارسية أكبر خطر تعرضت له الدولة الأموية بعد فتح فارس وتحولها إلى مسرح لمقاومة الحكم الأموي . وساعد الفُرس فى إسقاط الدولة الأموية ، وإقامة الدولة العباسية ، وطمعوا فى السيطرة عليها وإستعادة المُلك الفارسى من خلالها ، ولكن كان خلفاء العصر العباسى الأول لهم بالمرصاد ، فقتل أبو جعفر المنصور القائد الفارسى أبا مسلم الخراسانى ، ودخلت الدولة العباسية فى حروب طاحنة مع الثوار الفرس ، إنتهت بهزيمتهم ، فلم يعد امام أحبار المُزدكية إلا صناعة دين سُنى يعيد العقائد الفارسية بالاضافة الى الدين الشيعى . وهذا أساس صناعة أحاديث النيين والحنابلة على وجه الخصوص . وعليه فإن هذا الصراع السياسى والعسكرى والقومى ( الشعوبى ) ساعد على تغلغل تعاليم المزدكية سراً إلى العراق وجنوبها ، ومنها حفلات الجنس الجماعي التى مارستها طوائف ومذاهب شتى، فلم تمت المزدكية بانهيار قوتها العسكرية ، فآثروا حسبما قال البغدادي في (الفرق بين الفرق) اعتناق الإسلام ظاهرا ولكنهم استمروا على عاداتهم القديمة ، كالاجتماع في ليالي الأعياد، حيث يطفئون المصابيح ويختلط رجالهم ونساؤهم في حفلاتجنس ماجنة. وقد غفل مؤرخو (الفرق الإسلامية ) أن المزدكية نشروا تعاليمهم خلال طوائف التشيع والتصوف، كما أصابوا معتقدات المسلمين في مقتل حين تخصص شيوخهم في صناعة الدين السّنى برواية الأحاديث وصناعتها وتشويه الإسلام والنبي عليه السلام من خلالها . ونلاحظ أن الأغلبية الساحقة من أئمة الحديث هم من الفُرس ، وهم الصُّنّاع الحقيقيون للدين السنى ، والحنبلى بالذات ، وهم مخترعو أحاديث الشفاعة .
4 ـ وقد إزدهر أثر المزدكية في بعض فرق الشيعة فيما يخص حفلات الجنس الجماعي . ولقد استطاع أتباع المزدكية إدراك ثأرهم الحربي من الدولة العباسية من خلال ثورة الزنج التي أثارها تلك الشخصية الغامضة : (علي بن محمد) الذي انتسب للشيعة الزيدية ، واستمرت ثورته جنوب العراق فيما بين ( 255 ـ 270 هـ) وكان يقول بحكم السيف وقتل أطفال المسلمين وإباحة نسائهم ، وحين كان يستولي على مدينة يبادر بسبي نساء الأشراف ويطلق عليهم جنوده الزنوج لاغتصابهن في حفلات ماجنة ، وبعدها يتم بيعهن بأبخس الأثمان ، وكانت إحداهن تباع بالدرهم والدرهمين ، وذلك ما ذكره الملطي في كتابه ( التنبيه والرد: 33 ) والمسعودي في (مروج الذهب 4 /146) .
وقد أخمد العباسيون ثورة الزنج ، ولكن دعوة المزدكية كانت قد تغلغلت في منطقة جنوب العراق وفيما بين نجد إلى الخليج . لذلك وجد فيها مجرمو أهل المنطقة مسوغاً دينياً لاستحلال الأموال والنساء، وكانوا قبل ذلك يحترفون قطع الطريق على الحجاج ونهبهم وقتلهم وسبي نسائهم ، فجاءتهم الدعوة المزدكية تبيح لهم نفس الإجرام بمذهب ديني ينتسب للشيعة الإسماعيلية الفاطمية. وذلك ما طبقه القرامطة ، الذين ظهروا في السنوات الأخيرة من حياة المؤرخ الطبري فحكى عنهم في تاريخه عجائب في سفك الدماء، ذكر بعضها فى أحداث سنة 290 هـ حين تناوبوا اغتصاب فتاة من الأشراف ، وظلت في حوزتهم إلى أن ولدت طفلاً لم تعرف أباه فيهم . ويقول الملطي (الذي عاش قريباً من هذه الفترة) أن القرامطة قد قالوا باشتراكية الأموال والنساء والأولاد والأبدان ، وأن ذلك هو حقيقة الإيمان عندهم (.. حتى لو طلب رجل منهم من امرأة نفسها أو طلب ذلك من رجل أو من غلام فامتنع عليه فهو كافر عندهم حلال الدم ، أما إذا أمكن من نفسه فهو مؤمن فاضل ، والمفعول به من الرجال والنساء أفضل عندهم من الفاعل ، حتى يقوم الرجل منهم من فوق المرأة التي ليست زوجته فيقول لها : طوبى لك يا مؤمنة.!! ) .. (المالطي : التنبيه والرد21: 22 .) وظل القرامطة يفسدون فى المنطقة الى أن قضى عليهم أعراب المنتفق بعد قرون.
5 ـ وظهر التصوف في القرن الثالث الهجري وبدأ في الانتشار يحمل بعض شيوخه تعاليم المزدكية في الجنس الجماعي . وقد ذكر ابن الجوزي في كتابه (تلبيس إبليس :358 ) ظهور الشيخ الصوفي ابن خفيف البغدادي في شيراز بفارس ، وقد كان يحضر درسه الألوف من الرجال والنساء ، وكان ذلك في القرن الرابع الهجري ، وحدث أن مات أحد أصحابه من الصوفية فدخل بأصحابه على المرأة المتوفى عنها زوجها ، وحولها نساء من الصوفية من أتباعه ، وبعد أن قام بتعزيتها قال لها : (هاهنا غير ؟ ( أي هل يوجد غرباء؟ ) فقالت : لاغير ، قال لها : فما معنى إلزام النفوس آفات الغموم وتعذيبها بعذاب الهموم ؟ ولأي معنى نترك الامتزاج ؟ لتلتقي الأنوار وتصفو الأرواح ويقع الاخلافات وتنزل البركات ) أي لماذا الهموم والغموم ، واقترح عليها الامتزاج أي ممارسة الجنس (لتلتقي الأنوار) حيث يعتقد كالمزدكية وجود نور إلهي في داخل كل إنسان ، يلمع ويضئ عند الجنس ، وحينئذ (يقع الاخلافات) أي تنجب النساء خلفة وذرية . ونتابع القصة ، إذ وافقت النساء ، ( فاختلط جماعة الرجال بجماعة النساء طول ليلتهم) ويذكر ابن الجوزى أن حفلات الجنس الجماعية هذه قد انتشرت في فارس، وبلغ خبرها السلطان عضد الدولة البويهي المتحكم في الخلافة العباسية والمتوفى سنة 372 هـ ، فقبض على جماعة منهم وضربهم فشرد جموعهم .
6 ـ ولكن بضعف البويهيين ثم بضعف السلاجقة بعدهم ازداد التصوف انتشارا ، وانتشرت معه حفلات الجنس الجماعي ، وذلك ما يتردد بين سطور كتاب "تلبس إبليس" لابن الجوزي حيث يتحدث عن شيوخ عصره في العراق في القرن السادس الهجري إذ تسلطوا على خداع النساء فاجتذبوهن بفنون الماكياج والزى وحفلات الغناء يقول ( فما دخلوا بيتاً فيه نسوة فخرجوا إلا على فساد قلوب النسوة على أزواجهن ) ..( والناس يقولون إذا أحب الله خراب بيت تاجر عاشر الصوفية) ..( .. إذ تتغير المرأة على زوجها ، فإن طابت نفس الزوج سمي بالديوث وإن حبسها طلبت الطلاق والتحقت بالصوفية تنتقل من شخص لآخر في رعاية الشيخ حيث يقال " تابت فلانة وألبسها الشيخ الخرقة ، وصارت من بناته ) ( راجع تلبس إبليس360 ، 363 ، 356 ) أي أنهم اخترعوا مصطلحات جديدة للجنس الجماعي منها التوبة ، أي إعتناق التصوف ودخول الطريق الصوفي،وأن تكون المرأة بنتاً للشيخ الصوفي يستحلها هو وأتباعه تحت مصطلحات جديدة ، يقول ابن الجوزى : (فإن قبّلها قالوا رحمة ، وإن اختلى بها قالوا ابنته في الطريق ) أما إذا اختلى بها المريدون وفسقوا بها فهي (مؤاخاة )، لأنهم جميعاً إخوانها في الطريق .
7 ـ وتحت شعار المؤاخاة دارت حفلات الجنس الجماعي في العراق ثم في مصر في العصر المملوكي . وابن الجوزي ( ت 597 ) الفقيه المؤرخ فى العصر العباسى هو أول من تكلم عن المؤاخاة ومدلولها الجنسي ، إذ يقول: ( وبلغنا أنهم يؤاخون النساء ويخلون بهم ) أى الخلوة بهن ويقول ( ومن الصوفية قوم أباحوا الفروج ( أى استباحوا الزنا ) بادعاء الأخوة ، فيقول أحدهم للمرأة : تؤاخيني على ترك الاعتراض فيما بيننا ) أي اخترعوا عقداً للزنا تحت اسم المؤاخاة بين الرجال والنساء أساسه أن يستمتع الرجل بالمرأة دون أي التزام نحوها ودون أن يعترض عليها إذا رآها مع غيره ودون أن تعترض عليه إذا رأته مع غيرها، أي عقد يبيح ممارسة الجنس الجماعي ، وذلك في إطار نفس الطريقة الصوفية وكون الجميع أبناء للشيخ وأخوة فيما بينهم ، بعد أن " تابت المرأة" والتحقت بالطريق الصوفي . ثم دخل الانحلال الخلقى طورا جديدا فى العصر المملوكى من حيث التشريع والتطبيق ، وسنعرض له فى موسوعة التصوف المملوكى . ولكن يظل الأصل هو الأساس ، وهو ( صحيح البخارى ) الذى تسيّد العصر المملوكى مشجعا على الانحلال الخلقى بأساطير الشفاعة ، وأساس ( المؤاخاة الصوفية ) بحديث ( أيما رجل وإمرأة توافقا ..) ..الخ . وأحدث تشريعات الحنابلة الوهابيين فى مجال الانحلال الخلقى هو ( جهاد المُناكحة ) .
أخيرا : الشيطان لم ـ ولن ـ يقدم إستقالته .وبتعبير آخر: البخارى لم يقدم إستقالته ..!!
خاتمة الكتاب : سطر واحد :
خاتمةالكتاب : سطر واحد :
لا يفلح شعب تسيطر عليه أساطير الشفاعة . لا يفلح فى الدنيا ، ولا يفلح فى الآخرة .