مكتبة منصور أرشيف دائم
EN / AR
الكتب 2014

الحنبلية ( أمّ الوهابية ) وتدمير العراق فى العصر العباسى الثانى

الفهري

 الحنبلية ( أمّ الوهابية ) وتدمير العراق فى العصر العباسى الثانى

الفهرس : مقدمة

الباب الأول : الأرضية التاريخية التى نبتت فيها الحنبلية

 الفصل الأول : إتّخاذ الأحاديث دينا : ( مقدمة .  أولا : إضطهاد الموالى قبل العصر العباسى وأثرها فى ظهور حركتى البكائين والزُّهّاد . ثانيا : قيام الدولة العباسية بالتحالف مع أحبار المّزدكية . ثالثا : الصراع العسكرى بين العباسيين والمُزدكيين الفُرس . رابعا : الصراع بين العباسيين والمزدكيين الفُرس بالأحاديث . خامسا : الأحاديث وسيلة العباسيين فى تأسيس دولة دينية كهنوتية .  خاتمة )      

 الفصل الثانى  : دخول العوام فى الدين السنى فى العصر العباسى الأول   : ( أولا : رعاية العباسيين للموالى  ، ثانيا : الايدلوجية الدينية السُّنية للدولة العباسية. ثالثا : إختلاق روايات السُّنة وتدوينها فى العصر العباسى . رابعا : دخول ملايين الموالى فى دين الكذب السّنى .)

الفصل الثالث :  قبيل الصدام بين العباسيين ومتطرفى السنيين  : ( أولا : بين الايدلوجية الدينية والقوة العسكرية  .  ثانيا : بين الحركة العلمية الحقيقية وشيوخ الكذب اللاهوتى فى العصر العباسى الأول . ثالثا : الدولة العباسية فى عصرها الأول تنحاز للعلم الحقيقى والاتجاه العقلى . رابعا : حنق الكهنوت السّنى من أسيادهم الخلفاء العباسيين . )

الباب الثانى : أحمد بن حنبل :

الفصل الأول :   فتنة أحمد بن حنبل ( وموضوع خلق القرآن ): ( مقدمة. أولا : المأمون وخلق القرآن ) ثانيا : تحليل كتاب المأمون. ثالثا : ابن حنبل لم يكن من بين كبار الفقهاء وأهل الحديث فى عصر المأمون .

رابعا : ابن حنبل والمأمون فى التاريخ العباسى . خامسا  : المعتصم وضرب ابن حنبل . )

الفصل الثانى :  صناعة شخصية زائفة لابن حنبل  : ( أولا : تاريخ احمد بن حنبل بين الحقيقة والافتراء .  

ثانيا : الهدف من صناعة هذه الصورة الزائفة لابن حنبل . ثالثا : ضربوا إبن حنبل فأدخلوه التاريخ ، ولو لم يضربوه ما عرفه أحد  . رابعا : رفض ابن حنبل أن يكون زعيما بعد شهرته لأنه لا يصلح أن يكون زعيما . خامسا  : عبد الله بن احمد بن حنبل أول من رسم شخصية مزورة لأبيه . سادسا : ابن حنبل لم يكن ناشطا سياسيا ، ولم يؤلف كتبا فى الحديث . سابعا  : ابن حنبل كان من عوام أهل الحديث المقلدين  .)

الفصل الثالث : إبن حنبل كان من عوام أهل الحديث ولم يكن فقيها : ( مقدمة . أولا : لم يكن أبن حنبل من قادة الكهنوت السّنى فى عصره .ثانيا : الدليل على أن إبن حنبل كان من عوام أهل الحديث .ثالثا : ابن حنبل لم يكن ضمن من أرسلهم المتوكل لنشر الأحاديث .رابعا : ابن حنبل لم يكن فقيها . )

الباب الثالث : الحنبلية دين العوام والخلافة العباسية فى العصر العباسى الثانى

الفصل الأول : ( عسكرة) العوام  فى الصراع بين الأمين والمأمون  : ( مقدمة .  أولا : أول ظهور عسكرى للغوغاء وقطّاع الطرق ( العيارين ) فى فتنة ( المأمون والأمين ).ثانيا : الحسن الهرش زعيم العيارين ينضم للأمين قائدا لجيشه .أخيرا .)

 الفصل الثانى :  العوام  من العسكرة الى الحنبلة من المأمون الى قتل إبن نصر الخزاعى:( مقدمة. أولا : حركة المطوعة بالأمر والمعروف فى بداية خلافة المأمون ( 201 : 204 ) .ثانيا :  حركة احمد بن نصر الخزاعى فى خلافة الواثق عام 231 . أخيرا. ) :

 الفصل الثالث :  الحنبلية دين العوام : ( أولا :أثر أساطير الشفاعة وشريعة التسلط بحديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره  ..) ثانيا : العوام هم جنود التطبيق الحنبلى . ثالثا : جنازة ابن حنبل أكبر مظاهرة للعوام وجعلوها أكبر جنازة فى تاريخ المسلمين . الخاتمة .)

الفصل الرابع : ( المتوكل ) أول خليفة عباسى حنبلى: (أولا : السبب فى نقمة المتوكل على المعتزلة. ثانيا : المتوكل يأمر بتعذيب وقتل ابن الزيات وينتقم من أعمدة دولة الواثق .ثالثا : موقع المتوكل فى العصر العباسى . رابعا : ونتتبع إضطهاد المتوكل لأهل الكتب مما جاء فى تاريخ الطبرى. )

 الباب الرابع : الحنابلة وصناعة دين أرضى بالأحاديث والمنامات

الفصل الأول : الحنابلة وإفتراء الأحاديث فى الدفاع عن المتوكل : ( أولا : أهمية إفتراء الحديث للحنابلة . ثانيا : السّنة دين أرضى يملكه أصحابه ويصنعه أصحابه .ثالثا : صناعة منامات فى الدفاع عن المتوكل.) الفصل الثانى : الحنابلة وصناعة منامات فى مدح أنفسهم وقادتهم : ( مقدمة.  أولا : نماذج من الإفتراء بالمنامات فى أغراض متنوعة .أخيرا. ).

الفصل الثالث : الحنابلة وصناعة الأكاذيب فى تشويه أعدائهم  : ( مقدمة .أولا : بشر المريسى. ثانيا : أبو الهذيل العلاف . ثالثا : احمد بن أبى داود ت 240 .أخيرا . )

الفصل الرابع : الحنابلة يجعلون ضرب ابن حنبل ضمن تراث الدين السُّنى  : ( مقدمة . أولا : بين عقوبة ابن حنبل والعقوبات السائدة فى العصر العباسى . ثانيا : كرامات فى ضرب ابن حنبل . ختاما . )

الفصل الخامس : الحنابلة وصناعة التأليه لابن حنبل :  ( أولا :  ـ صناعة نسب عربى له . ثانيا ـ صناعة أحمد بن حنبل إلاها صوفيا . ثالثا : منامات ابن حنبل . رابعا : آلهة الصوفية مع ابن حنبل. خامسا : كرامات ابن حنبل الصوفية. سادسا : بعد ابن الجوزى . )

الباب الخامس : وسائل  تطبيق الشريعة الحنبلية    

الفصل الأول : إفتراء حديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره ): ( أولا : الجذور التاريخية لحديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره ).ثانيا : ظروف إختراع حديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره )ثالثا رؤية نقدية فى رواية حديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره )  رابعا : رؤية نقدية قرآنية لحديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره ) 

الفصل الثانى :المنامات:( أولا : المنامات لتزكية الحنابلة وتبشيرهم بالجنة وتحقير خصومهم .ثانيا :  تطبيق المنامات : تأسيسا على الايمان بأكاذيب المنامات تم تطبيقها فى نواح شتى . منها : إعلان الاسلام بالمنامات، تطبيق المنامات فى مزاعم التداوى والشفاء بالمنامات ، تطبيق المنامات ببناء مسجد عام 379 ، تطبيق المنامات رسميا بمنع الظلم ،   تزكية أنفسهم وتحقير خصومهم .)

 الفصل الثالث : القصص :( أولا : عقول العوام الحنبلية مستمعى القصص فى العصر العباسى الثانى .‏ ثانيا : أكاذيب القصاص .ثالثا : البكاء عند السماع .رابعا : قصّاصون من العوام المغفلين.)

الفصل الرابع : ابن الجوزى الحنبلى شيخ القصاصين : ( أولا : ابن الجوزى فى لمحة سريعة .ثانيا : إبن الجوزى ينتقد القصاصين الوعاظ . ثالثا : إبن الجوزى شيخ القصّاصين يقع فى نفس الأخطاء .)

الباب السادس :  تطبيق الشريعة الحنبلية بالاضطهاد 

الفصل الأول : الحنابلة يستأصلون المعتزلة : ( أولا : رُقى العلم ، وجهل العلم ، وتعليم الجهل .المرحلة الأولى : الاغتيال المعنوى . ثانيا : ـ عصر الخليفة العباسى القادر بالله بين الإغتيال المعنوى وإبادة المعتزلة . ثالثا : بقايا المعتزلة بعد ( الاعتقاد القادرى )

الفصل الثانى  : الحنابلة ومحنة الطبرى : ( تسيد عقلية العوام الحنبلية . ثانيا : عقلية العوام وتسليح العوام . محنة الطبرى بين عقلية العوام وهمجية العوام . )

الفصل الثالث : الحنابلة وإضطهاد الأشاعرة :( مقدمة. أولا : أبو الحسن الأشعرى ( 260 : 331 )، ثانيا  إرهاب الأشاعرة . ثالثا : المزايدة داخل الحنابلة .)

 الفصل الرابع : الحنابلة وإضطهاد أهل الكتاب  : ( مقدمة . أولا : فى عصر تحكم القادة الأتراك : ( 232 : 320 ) ثانيا : فى عصر تحكم بنى بويه ( 334 : 447 ). ثالثا : فى عصر تحكم السلاجقة )

 الباب السابع : الحنابلة ونشر الفوضى باضطهاد الشيعة حتى تدمير بغداد 

الفصل الأول :لمحة تاريخية سريعة: ( أولا : مقدمة.  ثانيا : أضطهاد الشيعة فى بغداد فى عصر نفوذ القواد الأتراك المحليين . ثالثا : فى عصر بنى بويه . )

الفصل الثانى : الحنابلة وإضطهاد الشيعة :( نماذج للفوضى الحنبلية البغدادية فى أوخر عهد البويهيين وبداية نفوذ السلاجقة ( 421 : 447 ) مقدمة . ( عام 422 ) نموذج رقم (1) ، ( ابن النسوى ) نموذجا ثانيا .  الصراع الحنبلى الشيعى نموذجا ثالثا . )

الفصل الثالث : الحنابلة وإضطهاد الشيعة :( ابن الجوزى الحنبلى مؤرخا فوضويا ).( أولا : ابن الجوزى مؤرخ فاشل بين كوكبة من المؤرخين العظام . ثانيا : نماذج لما نقله ومالم ينقله ابن الأثير عن ابن الجوزى . ثالثا : تحامل إبن الجوزى على خصومه . ثالثا : ابن الأثير يكتب ما تجاهله ابن الجوزى. رابعا : ابن الأثير شاهدا على العصر . )

الفصل الأخير : الحنابلة وإضطهاد الشيعة : من الفوضى الى تدمير بغداد : ( أولا : إستمرار الأخبار النمطية لابن الجوزى عن إضطهاد الشيعة بواسطة الحنابلة. ثانيا : أخبار غير نمطية . ثالثا : الصراع يؤدى الى الكفر والردة عن الاسلام .  رابعا : البساسيرى ينتقم من رئيس الرؤساء ابن المسلمة ( الحنبلى ) الذى تطرف فى أضطهاد الشيعة . أخيرا : وجاء المغول ..ودمروا بغداد ..).  

الباب الأول : الأرضية التاريخية التى نبتت فيها الحنبلية

الباب الأول : الأرضية التاريخية التى نبتت فيها الحنبلية

 الفصل الأول : إتّخاذ الأحاديث دينا

مقدمة

1 ـ دين الله جل وعلا ينزل رسلات سماوية لاصلاح البشر ، فيقوم البشر بتصنيع أديان أرضية تحقق أهواءهم . وأهم أهوائهم أن يجعلوا عصيانهم فريضة دينية ، وأن يدخلوا الجنة مهما إقترفوا من  آثام  . ولهذا يجعلون من مهام آلهتهم المصنوعة القدرة على الشفاعة أو ( الخلاص ) فى الآخرة . حدث هذا قبل نزول الرسالة السماوية الخاتمة ، وحدث بعهدها بقرنين . وأدت عوامل سياسية الى تمهيد التربة التى نبتت فيها حركة الحنابلة . 

2 ـ  ونعطى لمحة تاريخية موجزة عن الأرضية التاريخية التى مهّدت لأساطير الأحاديث من خلال  علاقة المثقفين المسلمين سياسيا بالخلفاء من عصر الراشدين الى العصر العباسى الأول . ونقصد بالمثقفين المسلمين المنشغلين بالعلم . وقد تنوّعت ألقابهم حسب الأجيال ، من ( القُرّاء ) الى ( الزهّاد ) الى ( الفقهاء ) و( الحُفّاظ ). ونتعرض لهم هنا لأنهم دائما مخترعو الأديان الأرضية ، وتدفعهم الظروف السياسية لهذا . وهذا موضوع تاريخى غاية فى التعقيد نحاول تبسيطه  بايجاز قدر المستطاع .

أولا : إضطهاد الموالى قبل العصر العباسى وأثرها فى ظهور حركتى البكائين والزُّهّاد

1 ـ أرسى عمر بن الخطاب إضطهاد سكان الأمم المفتوحة،( راجع مقال : المسكوت عنه من تاريخ عمر ) ثم اصبح سياسة ثابتة فى العصر الأموى. ومع إنشغال الأمويين بالفتوحات الخارجية حتى وصلوا تخوم الهند والصين شرقا وجنوب فرنسا غربا فقد دخلوا فى نفس الوقت فى حروب طاحنة داخلية مع العلويين والشيعة والخوارج وواجهوا ثورات الأقباط والبربر. وإنضم موالى العراق وايران الى كل ثائر على الأمويين خصوصا الثورات الشيعية . وعومل الموالى فى الدولة الأموية بإحتقار شديد ، ولم ينج من هذا من تخصّص فى العلم منهم ، والموالى كانوا روّاد الحركة العلمية فى العصر الأموى بسبب خلفيتهم الثقافية وتفرغهم للعلم وخدمتهم لكبار الصحابة ورغبتهم فى التفوق والنبوغ تعويضا لشعورهم بالنقص فى مجتمع ظالم يضطهدهم لأنهم من غير العرب.

2 ـ واشتهر الحجاج بن يوسف بالقسوة المفرطة فى قتل المعارضين بمجرد الريب والشّك ، وكان معظمهم من المثقفين ، كما إشتهر الحجاج بإضطهاد الموالى ، وهم الأكثرية الساحقة للسكان فى العراق وفارس . ولم تفلح سياسته فى كسر شوكة معارضية فأراد التخلص منهم ( بالجهاد ) فى المشرق ، فأرسل جيشا للفتوحات فى الشرق يقوده عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث . وهو حفيد الأشعث بن قيس زعيم قبائل كندة الذى تقلب فى ولاءاته من الاسلام الى الردة الى الفتوحات، ومن الانضمام لعلى الى التآمر عليه. ثم سار ابنه محمد بن الأشعث على سيرة أبيه ، فكان زعيم الشيعة ، وممّن استجلب الحسين ثم غدر به وانضم للأمويين . وحافظ بهذا محمد بن الأشعث على زعامته ومكانته فى العراق فى الدولة الأموية. وبعث الحجاج ( عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ) قائدا لهذا الجيش،  وتطوع معه آلاف مؤلفة من الكارهين للأمويين والحجاج ، من الشيعة والخوارج والموالى والقرّاء (أى المثقفين العلماء )، على أمل أن يؤثروا فى القائد المتقلب ( محمد بن الأشعث ) لينقلب على سيده ( الحجاج ) فيستدير بالجيش لحرب الحجاج . وهذا ما حدث فعلا . وكانت معركة دير الجماجم عام 83 التى كانت نقطة تحول فى تاريخ الدولة الأموية . وانتصر الحجاج فأسرف فى قتل الأسرى حتى لقد أقام اهرامات من رءوسهم فسميت المعركة بدير الجماجم .وانتصار الحجاج وتنكيله بالأسرى أدّى الى خيبة أمل  المثقفين فى التغيير، فكان تلك أكبر فرصة تمكنوا فيها من السيطرة على جيش كبير يقاتلون به الدولة الأموية فلم يفلحوا .

4 ـ أدت خيبة الأمل هذه الى يأس أنتج بدوره حركتى الزهد والبكائين بين المثقفين الحالمين مع الأمل فى ظهور شخص من عالم الغيب (المسيا أو  المسيح المنتظر أو المهدى المنتظر) يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا.هى أحلام يقظة للشعوب المقهورة ، تأتى ردّ فعل لظلم هائل ، فتصنع دينا أرضيا يكون لها ( حائط مبكى ) يعينها على معايشة القهر . ذلك القهر الذى بدأ قبل  البيزنطيين والأكاسرة واستمر الى ما بعد الأمويين والعباسيين ..ولا يزال . ولقد تعرضنا هنا فى بحث رائد عن ( البكائين والزُّهّاد ).

5 ـ إستثمر الدعاة العباسيون السّريون حاجة المقهورين الى (المهدى المنتظر ) فأسهموا فى سبك ونشر الأحاديث الخاصة به   وقامت  ( للمهدى المنتظر ) دعوة سرية تتحرك بثبات فى خراسان تحمل الدعوة الى (الرضى من آل محمد ) بدون تحديد لصاحب الدعوة سوى أنه من آل بيت النبى محمد عليه السلام. وانضم الكثيرون للدعوة الجديدة ، خصوصا من الشيعة ، فخرجت فى خراسان الى الدور العلنى المسلح بقيادة (أبو مسلم الخراسانى ) الذى نجح فى تدمير الدولة الأموية سريعا وإقامة الدولة العباسية عام 132 هجرية . وفوجىء الشيعة أن الدعوة ليست لذرية على بن أبى طالب ولكن لبنى عمومتهم العباسيين ، وكانت المفاجأة الكبرى أن أولئك العباسيين أشد قسوة من الأمويين ، وان أول ضحاياهم كانوا من أنصارهم الطامعين فى المشاركة فى السلطة ، فكان أن قضى عليهم الخليفة أبو جعفر المنصور ، فهو الذى قضى على أبى مسلم الخراسانى ، وهو الذى قضى على الرواندية . وهو الذى حارب أتباع أبى مسلم الخراسانى فى أقاصى الشرق ، وهو الذى عذّب أبناء عمه العلويين لمجرد الاشتباه ، وهو الذى كان يرتكب كل تلك الجرائم بفتاوى دينية يصدرها له أتباعه من كبار الفقهاء لتقطع الطريق على كل من يزايد فى الدين على الخليفة . وحين امتعض ابو حنيفة ورفض أن يفتى له بما يريد قام ابو جعفر المنصور بسجنه وتعذيبه وقتله بالسم .

6 ـ كانت خيبة أمل المثقفين شديدة ، فقد جاء الظلم اشد ، وجاء متوشحا بفتاوى دينية وأحاديث نبوية ، وخليفة يعلن أنه سلطان الله فى أرضه . هذه الخيبة الشديدة كان التعبير عنها هائلا أيضا، وتمثل في الرفض الكامل ليس للدولة فحسب وإنما للدنيا أيضا التي يئسوا منها فأقاموا لهم دولة بديلة صنعوها من آمالهم المحبطة وأحلامهم التي لم يكن لها أن تحقق إلا في دنيا الخيال والأقاصيص ، واكتفي أولئك بدنياهم تلك وابتدعوا لهم طقوسا دينية جديدة غلفوها بالبكاء والمنامات وأقاصيص الكرامات. وهذه هى ملامح حركة البكائين فى العصر العباسى الأول . ثم ورثتها حركة جديدة مختلفة هى ( حركة السنيين المتشددين : أو الحنابلة ) فى العصر العباسى الثانى  ، كان قوامها أحبار الديانة المُزدكية الفارسية .

ثانيا : قيام الدولة العباسية بالتحالف مع أحبار المّزدكية

1 ـ كان تغلغل الديانة المزدكية الفارسية أكبر خطر تعرضت له الدولة الأموية بعد فتح فارس وتحولها إلى مسرح لمقاومة الحكم الأموي ، إذ إرتبط  الشعور القومى الفارسى الوطنى بالدين الفارسى المُزدكى . والاضطهاد العربى للفرس ( الموالى ) قابله الفُرس بالتمسك بالمزدكية واللغة اللفارسية وآدابها وثقافتها ومدارسها العلمية. والاضطهاد الأموى جعل المزدكية تنتشر أكثر وسرا لتصبح حافزا للمقاومة ، بل وتتخفّى فى أشكال مختلفة للتهرب من القسوة الأموية فى معاملة خصومها .

2 ـ وبسبب قسوة الأمويين فى قمع ثورات آل البيت ( بدءا من الحسين فى كربلاء 61 الى حفيده زيد بن على زين العابدين 121 /  122 ثم ابنه يحيى 125 ) وبسببب مراقبتهم الشديدة لذرية ( على ) من ( فاطمة الزهراء )  فقد نشأت حركة شيعية جديدة ومختلفة ، تتشدّد فى السّرية والكتمان بتنظيم عنقودى ، تدعو لامام مجهول الاسم والعنوان من ذرية محمد بن على ( ابن الحنفية ) وليس ابنا لفاطمة الزهراء ، تحت شعار( الرضى من آل محمد )، لا يعرف شخصيته إلا كبار الدعاة . هذه هى ( الكيسانية ) التى تنتسب الى ( كيسان ) الفارسى خادم ( على بن أبى طالب ). وهذه الكيسانية تؤله الامام ( العلوى ) وتُضفى عليه عقائد المّزدكية لتوثيق التحالف السياسى بين المُزدكية والشيعة. تحالفت الكيسانية مع أحبار المّزدكية فى نشر دعوتهم السرية بين الفُرس لاسقاط الدولة الأموية .

3 ـ وقتها عاش أبناء ( عبد الله بن عباس ) مكرمين فى الدولة الأموية لابتعادهم عن العمل السياسى ، ثم جاءتهم الفرصة بموت الزعيم السرى للدعوة السرية مسموما بمؤامرة أموية عشوائية ، وكان على مقربة من بيت محمد ابن على بن عبد الله بن العباس فى منطقة الأردن ، فمات بين يديه بعد أن أفضى اليه بأسرار الدعوة والتنظيم ، فركب العباسيون هذا التنظيم العنقودى  ووصلوا به الى إقامة الدولة العباسية .

ثالثا : الصراع العسكرى بين العباسيين والمُزدكيين الفُرس

1 ـ لم يهتم زعماء المزدكية بأن يصل العباسيون للخلافة بدلا من العلويين طالما أن الدولة التى أسهموا بالجهد الأكبرفى إقامتها ستؤسس لهم نفوذا يساوى جهدهم فى تأسيسها . وكان نفوذ أبى مسلم الخراسانى طاغيا فى خلافة السفّاح أول خليفة عباسى،وأحسّ ابوجعفر المنصور بخطورة أبى مسلم الخراسانى فقتله سنة 137 هجرية. وبهذا تحطّمت أمنيات زعماء القومية الفارسية فى أن يعيدوا مجدهم القديم من خلال تحكمهم فى الخلافة العباسية ،وكانت أكثرية الفرس الذين مع أبي مسلم الخرساني يتمنون إعادة الديانة المزدكية ، وقد فجعهم مصرع قائدهم أبي مسلم الخرساني فقاموا بثورة على العباسيين للطلب بدم أبي مسلم ، وتزعمهم سيناذ وقد استولى على خزائن أبي مسلم وورثه في أتباعه ، واستطاع العباسيون هزيمته وقتلوا ستين ألفاً من أتباعه،وكان سيناذ مجوسياً كما يذكر الطبري ( تاريخ الطبري 7/ 495. المقدسي : البدء والتاريخ 6/ 82 ، 83 )

2 ـ ويلاحظ أن بعض الفرس تعجل في استغلال الدعوة العباسية في إرجاع الدين المزدكي الفارسي حتى قبل أن تنجح الدعوة العباسية في إقامة الدولة لبني العباس ،وذلك يدلنا على عمق الدوافع الدينية القومية لدى الفرس عندما تحالفوا مع العباسيين ضد الأمويين ، ويذكر المقديسى أن أحد المجوس من المزاد كية وهو (عمار بن بديل ) استطاع أن يخدع بكير بن ماهان كبير الدعاة العباسيين في العراق ، فأرسله إلى خراسان ليدعو إلى الرضى من آل محمد وأعطاه أسرار الدعوة وفي خراسان غيّر ّ (عمار بن بديل) اسمه إلى اسم فارسي هو(خداش) ونشر المزدكية بين مسلمي فارس ،والمقدسي يقول عنه : (ومثّل لهم الباطل في صورة الحق فرخص لبعضهم في نساء بعض ،وأخبرهم أنها تعاليم الرضى من آل محمد ،وقد انتهى أمره بالقتل.( المقدسى : البدء والتاريخ 6/60 : 61  )

3 ـ وبعد قيام الدولة العباسية وفجيعة الفرس فيها ظهر التحدي واضحا ًباكتساب الثورات الفارسية ضد الدولة العباسية طابعاً دينياً مزدكياً  صريحاً، وقد كان أبو مسلم في حياته وأثناء قيادته للجيوش العباسية يمنع أتباعه من إظهار المزدكية، وبعد أن قتله العباسيون ثاروا على الدولة العباسية وسموا أنفسهم " الأبو مسلمية" وأعلنوا ألوهية أبي مسلم الخرساني ثم ألوهية ابنته فاطمة ويزعمون أنه يخرج من نسلها رجل يستولي على الأرض كلها( المقدسي : البدء والتاريخ 6/ 95.).وبعد إخماد ثورة سيناذ التي أشرنا إليها قامت ثورة أخرى بقيادة (استاذيس) المجوسي المزدكي الذي ادعى النبوة ـ وبعث إليه الخليفة المنصور العباسي بجيش فقتله(تاريخ اليعقوبي 3/ 104 ،115.)

4 ـ واستمرت ثورات الفرس الدينية العسكرية في خراسان وما حولها وأرهقت الدولة العباسية ، وكان أهمها ثورة المقنع الخرساني الذي ادعى الألوهية وأباح جميع النساء والأموال ، وأتعب الدولة العباسية حتى قضت عليه،ثم قام الفرس بثورات أخرى في عهد هارون الرشيد وأولاده ، وكانت أقوى ثوراتهم في خلافة المعتصم بقيادة بابك الخرمي الذي كاد يقضي على الدولة العباسية ، واستمرت الحرب عشرين عاماً ، حتى قضى عليه الأفشين قائد المعتصم سنة 220هـ ، وكان الأفشين نفسه مزدكياً فقتله المعتصم ، مما يدل على تغلغل عقيدة المزدكية في البلاط العباسي . ولذلك كانت الدولة العباسية تطارد عملاء المزدكية في بغداد والعراق بتهمة الزندقة وتهمة الزنا ، واخترع العباسيون لذلك حد الردة وحد الرجم ، وكلاهما ليسا من تشريعات الإسلام ، ولم يعرفه عصر النبي محمدعليه السلام .

رابعا : الصراع بين العباسيين والمزدكيين الفُرس بالأحاديث

 1 ـ وما يهمنا من ذلك كله أن الفرس قسموا أنفسهم قسمين في حرب الدولة العباسية ،قسم أعلن الحرب وأظهر معتقداته المزدكية ،وكان لهم في بلادهم البعيدة عن مركز الخلافة ما مكنهم من الثورة، ثم قسم آخر كان يعيش في بغداد وقصور الخلافة ينافق السلطات ويكيد لها .وبينما حارب العباسيون القسم الأول بإرسال الجيوش فإنهم واجهوا عملاء عدوهم في الداخل بالقتل بمبرّر دينى مصنوع. ولأن الفرس متهمون بالكفر والانحلال الخلقي وإباحة النساء كلهن فقد كان سهلاً أن يخترع لهم الكهنوت العباسي عقوبات جديدة ما لبثت أن أضيفت للإسلام مع أنها تناقض القرآن،وتلك العقوبات هي ما اصطلح على تسميته بحد الردة وحد الرجم وحد تارك الصلاة  . وبينما انهمك أبو جعفر المنصور في حرب الفرس الثائرين عليه عسكريا ، فإن ابنه ( المهدي ) انهمك بعدها في حرب الزنادقة في بغداد نفسها . وسار أبناؤه على نهجه يتلقبون بألقاب دينية ( المهدي الهادي . الرشيد . المعتصم .) ويقتلون خصومهم بشعارات دينية وفقا لنصوص أضيفت لشريعة الإسلام وأخذت لقبا جديدا هو سنة النبي. وبهذا قام الدين السنى فى أحضان السلطة العباسية يقتل خصومه فى الدين والفكر بتهمة الزندقة .

 2 ـ وجدير بالذكر أن الدعوة العباسية كانت تصطنع الأحاديث لإقامة دولتها ثم لتدعيم خلافتها ، وتعلم المزدكية على أيديهم هذه الحرفة حين كانوا متحالفين معا، فلما حدث الشقاق بينهما تفرغ بعض أحبار  المزدكية في حرب الإسلام عن طرق صناعةالأحاديث . وفطنت الدولة العباسية أبان قوتها لهذا الأسلوب، وإكشفت أحدهم ، وهوعبد الكريم بن أبي العوجاء أكبر راوية للأحاديث في عصر الخليفة أبي جعفر المنصور ، والذي كان يصنع الأحاديث ويخترع لها أسانيد  قوية ، وقد قتله محمد بن سليمان والي الكوفة سنة 155 هـ ، وقد قال قبيل عبد الكريم هذا قبيل مقتله بأنه وضع أربعة آلاف حديث يحرم فيها الحلال ويحل بها الحرام .(تاريخ المنتظم لابن الجوزي8 /184 ) ولم يتعرف أحد على تلك الأحاديث ، كما لم يتعرف أحد على باقي أعوان ذلك الشيخ المزدكي .

خامسا : الأحاديث وسيلة العباسيين فى تأسيس دولة دينية كهنوتية

 1 ـ والواقع، فإنّ تبنّى الأحاديث والسّنة دينا للدولة بدأ عمليا فى العصر العباسى ، وهنا يظهر الاختلاف بين الأمويين والعباسيين . قدم الأمويين لنا فى عصر الرواية الشفهية أبا هريرة أقل الصحابة صحبة للنبي فجعلوه أكثر الصحابة رواية عن رسول الله ، وكذلك فعل العباسيون مع جدهم عبد الله بن عباس .يقول ابن القيم الجوزيةفى كتابه ( الوابل الصيب 77 ص 77 ) أن ابن عباس لم يبلغ ما سمعه من النبي  عشرين حديثا،ويرى الأمدي في كتاب الأحكام (2/ 78، 180 ) أن ابن عباس لم يسمع من النبي سوى أربعة أحاديث . وفعلا فإن ابن عباس لم يدرك النبي إلا وهو دون الحلم ، وقد قضى طفولته في مكة في حين كان النبي يومئذ بالمدينة . ولكن شاءت الدولة العباسية أن ترفع من شان جدها ابن عباس، فجعلته أكثر الصحابة علما ، وتبارى الفقهاء العباسيون في نسبة الأقوال والاجتهادات إليه في الحديث والتفسير والفرق المذهبية والفقه والأحكام .

 2 ـ وتميّز العباسيون بصناعة الأحاديث لتأسيس ملكهم ولتأسيس كهنوتهم الدينى . قام بهذا الفقهاء والخلفاء على حد سواء ، فأضافوا لابن عباس وغيره ما لم يكن معروفا من قبل من الأحاديث المصنوعة التي تتحدث عن ملك بني العباس وخلافتهم التي ستظل في أيديهم إلى يوم القيامة ، بل تتحدث عن الخلفاء العباسيين بالاسم واللقب. وظلت هذه الأحاديث تحظى بالتصديق حتى لقد عقد السيوطي فى اواخر العصر المملوكى في كتابه " تاريخ الخلفاء" فصلا بعنوان ( فصل في الأحاديث المبشرة بخلافة بني العباس ) وقد تمت نسبتها لصحابة ماتوا دون أن يعرفوا شيئا عن الدولة العباسية وخلفائها ، منها : أحاديث يرويها أبو هريرة أن النبي قال للعباس: " فيكم النبوة والملك " . أي أن العباسيين انتقموا من أبي هريرة بعد موته فوضعوا عليه ذلك الحديث رغم أنفه . وحديث آخر نسبوه لأبي هريرة أن النبي قال للعباس إن الله افتتح بي هذا الأمر وبذريتك يختمه " وحديث آخر " يكون من ولد العباس ملوك تكون أمراء أمتي" . ثم حديث ابن عباس يروي فيه أن أمه كانت حاملا فيه وقد أمرها النبي أن تأتي به إليه إذا ولدت ــ هذا مع أن ابن عباس ولد بمكة ولم يكن بمقدور النبي ـــ أن يدخلها ـــ وتمضي الرواية فتقول إن الأم جاءت بابنها عبد الله فأعطاه النبي الاسم وباركه وقال إنه سيكون أب الخلفاء حتى يكون منهم السفاح وحتى يكون منه المهدي ويكون منهم من يصلي بعيسى بن مريم .. وهذه بشرى بأنهم سيظلون في الحكم إلى أن تقوم الساعة . وهناك حديث يرويه أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي يقول : حدثني أبي عن جدي عن ابن عباس أن النبي قال للعباس إذا سكن بنوك السواد  لم يزل الأمر لهم حتى يدفعوه إلى عيسى بن مريم . وحديث آخر " الخلافة في ولد عمي أخو أبي حتى يسلموها إلى المسيح "، وحديث فيه مدح الخليفة المهدي ــ قاتل الزنادقة ــ يقول إن النبي دعا ثلاثا تقول اللهم انصر  العباس ، ثم قال ياعم أما شعرت أن المهدي من ولدك سيكون موفقا  مرضيا ." . ووضعوا في السفاح أول الخلفاء العباسيين حديثاً يقول : "يخرج رجل من العباسيين بعد انقطاع من الزمان وظهور الفتن يقال له السفاح ..." . وقالوا إن ابن عباس روى عن النبي حديث "منا السفاح ومنا المنصور ومنا المهدى.." أي يفخر النبي بأولئك الخلفاء.  وهناك أحاديث كثيرة عن الخليفة المهدى منها " المهدى من ولد العباس عمى " و "المهدى يواطىء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبى ". 

3 ـ ولاستكمال الصبغة الكهنوتية فقد تعدى الأمر ليصل الى أن الخليفة بالاختيار الإلهي وأن الله يخلق الخلفاء بصورة الاهية متميزة عن باقي الخلق ، فيقول حديث مصنوع منسوب إلى ابن العباس وأبى هريرة وأنس " إذا أراد الله أن يخلق خلقاً للخلافة مسح على ناصيته بيمينه ".  ومن الطبيعي بعد ذلك أن الاعتراض على الخليفة المنصوص على اسمه ولقبه إنما يكون اعتراض على مشيئة الله وقراره الذي لابد من  طاعته.. ومن هنا تقترن الجبرية السياسية بالأحاديث التي نسبوها للنبي عليه السلام.

4 ـ وقد حرص الخلفاء العباسيون على تحصين الأحاديث بسياج من الإرهاب والتقديس حتى لا ينالها النقد واستعمال العقل ، يروي أبو معاوية الضرير أن رجلا من قريش استمع إلى حديث " احتج آدم وموسى " وذلك في مجلس الرشيد فتعجب القرشي قائلا: أين التقى موسى بآدم ؟! ، فغضب الرشيد من ذلك التعليق وقال :النُّطع والسيف.. زنديق يطعن في حديث النبي.. وما زالوا بالرشيد حتى عفا عن الرجل من القتل .. والسبب واضح فإن باب الاعتراض على الأحاديث سيجر مشاكل كثيرة للملك العباسي القائم على صناعة الأحاديث لتأسيس الكهنوت الديني.

5 ـ بل تعدى الأمر الى تقديس قريش ، يروي الصولي  أن رجلا شتم قريشا فجيء به للخليفة الهادي فقال سمعت أبي المهدي يحدث عن أبيه المنصور عن أبيه محمد عن أبيه على عن أبيه عبد الله  بن عباس أنه قال : من أراد هوان قريش أهانه الله ، وأمر بقتل الرجل .. أي أن الخلافة العباسية امتدت بكهنوتها لتشمل قريشا كلها.

6 ـ وقريش تشمل الأمويين أيضا أعداء العباسيين، وحرص العباسيون على الكهنوت الأموي فيما يخص الخلافة حتى لا يصل التطاول على مقام الخلافة الأموية إلي الخلافة العباسية ،وقد كان الخليفة الأموي الوليد بن يزيد مشهورا بالمجون والزندقة، وقد ذكروا سيرته أمام الخليفة المهدى ، فقال بعض الحاضرين عنه إنه كان زنديقا ،فقال المهدي : " مه ــ خلافة الله عنده أجل من أن يضعها في زنديق":فنسب الخلافة لله وجعلها باختيار الله تعالى لشخص الخليفة ومن هنا تكون للخلافة قدسية وللخليفة عصمة ومكانة بحيث لا يتطاول أحد على مقامه ، والمهدي العباسى لا يهتم بالخليفة الأموي الوليد بن يزيد ولكن يهتم بمقام الخلافة الذي يحتله وبالكهنوت الذي أصبح يحيط به .

وجدير بالذكر أن تلك الدعاية العباسية القائمة على ختراع الأحاديث قد آتت أكلها فظل الناس يعتقدون أن ملك بني العباس سيظل إلى يوم القيامة كما أشاعوا في الأحاديث، وبلغ بهم ذلك مبلغ الإيمان حتى أن هولاكو والمغول تأثروا بالأساطير التي تجعل الهلاك من نصيب الذي يتعرض للخلافة العباسية ، وعقد هولاكو مجلسا عسكريا لبحث هذا الأمر كما يذكر الهمداني في تاريخ المغول ، وأخيرا تشجع هولاكو  بنبوءة نصير الدين الطوسي الفلكي وهجم على بغداد  . فأنهى الكهنوت العباسي وما أغنت عنهم الأحاديث التي اخترعوها .

خاتمة

نخلص من هذا أن إختراع الأحاديث كان مجالا سياسيا تخصص فيه العباسيون وأحبار المزدكية ، وأن الدولة العباسية استعملت الأحاديث فى تأسيس سلطانها وكهنوتها الدينى والسياسى ، وايضا فى مواجهة خصومها السياسيين بما يعرف بحد الردة وحد الرجم ، وبالتالى كان منتظرا أن تدوم شهور العسل أو سنوات العسل بين السلطة العباسية والفقهاء صانعى الأحاديث ومنشئى الدين السّنى ، لولا أن وقع الصدام بين العباسيين وجانب هام من هؤلاء الفقهاء . إستفاد من هذا الصراع  أحبار المّزدكية بعد فشل حركاتهم العسكرية فى فارس . إستغلوه فى نشر المزدكية تحت شعارات ( اسلامية محمدية ) ، وهذا يستلزم التوقف فى لمحة سريعة مع الحركة العلمية فى العصر العباسى وعلاقتها بالسلطة العباسية .

 الفصل الثانى  : دخول العوام فى الدين السنى فى العصر العباسى الأول   

أولا : رعاية العباسيين للموالى 

1 ـ ألغى جمال عبد الناصر الباشوية والبكوية وقضى على طبقة الاقطاعيين والرأسماليين ، وحقّق المساواة بين المصريين. وجعل التعليم مجانيا والتوظيف متاحا ، وأصبح المجال مفتوحا لأبناء الفلاحين والعمال للترقى بالتعليم المجانى ليدخلوا الجامعة وكلياتها الرئيسة والعسكرية ، ليس بالواسطة ولكن بالمجموع فى الثانوية العامة ومن خلال مكتب التنسيق ، وبالتفوق فى الجامعة يتعين ابن العامل والفلاح معيدا ويترقى بكفاءته ليصل الى أرفع المناصب . بهذا أصبح الشعب المصرى فى عصره ( ناصريا ). هذا تقريبا ما عملته الدولة العباسية مع الأغلبية المقهورة من السكان من غير العرب ، والذين عانوا من قسوة الأمويين وظلمهم . وقد كانوا العوام والأغلبية الساحقة المظلومة فى العصر الأموى . ونُطلق عليهم هنا إختصارا ( العوام ).

2 ـ  المعيار فى الدولة الأموية تركّز حول القبيلة ومدى قوتها العسكرية ، ومدى ولائها للأمويين . بهذا شارك زعماء القبائل فى إدارة الدولة وقيادة حملاتها العسكرية داخليا وخارجيا . فى هذا المعيار القبلى ( نسبة للقبيلة ) لا يهم من هو زعيم القبيلة . مثلا : إشتهر ( الأقرع بن حابس ) بأنه ( الأحمق المُطاع ) لأنه كان مُطاعا فى قبيلته ، قالوا إنه كان إذا غضب ، غضب لغضبه مائة ألف سيف لا يسألونه لماذا غضب .؟! هذا الأحمق الحمار دخل التاريخ ليس بكفاءته ولكن بثقافة العصبية القبلية التى أحيتها وتأسست بها الدولة الأموية ، ثم أسهمت هذه العصبية القبلية فى إسقاط الأمويين . وسنعرض لذلك فى بحث قادم .

المهم ، أنه من خلال هذا المعيار القبلى تعصب الأمويون للعرب ، واحتقروا السكان غير العرب من الموالى والأقباط والأنباط والبربر. ومهما بلغ شأن غير العربى فى العلم والتقوى والمكانة فهو من الدرجة الثانية ، وهو مشبوه تترصده أجهزة الأمن الأموية القوية ، لهذا عاش الحسن البصرى فى خوف ووجل من الحجاج ، وغيره كثيرون . وحتى من كان يدخل فى الاسلام كان الأمويون يأخذون منه الجزية لأنه لا عبرة بالاسلام ، العبرة بأنه غير عربى .

3 ـ لذا كان التغيير الذى أحدثه العباسيون هائلا فى حياة السكان الأصليين . تم رفع الجزية عمّن يُسلم ، وتتفتح له أبواب التوظيف ، بل يمكن له طالما كان مواليا للعباسيين أن يكون منحلا خلقيا وزنديقا ملحدا سواء دخل فى الاسلام أم ظل على دينه الأصلى . والعلماء الموالى غير المسلمين تمتعوا بمكانة متميزة فى العصر العباسى الأول ، وخصوصا الأطباء فى البلاط العباسى مثل آل بختيشوع .

4 ـ واكب هذا توقف الفتوحات الخارجية وانتهاء الخوارج وفسادهم وقطعهم الطريق فأصبحت الرحلة آمنة فى طلب العلم ، واستعادت المراكز العلمية نشاطها فى الرها والاسكندرية وجندياسبور وانطاكية ، وقامت برعاية العباسيين حركة ترجمة للمؤلفات اليونانية والسريانية وغيرها ، وبدأ الانفتاح على الثقافة العالمية يأخذ المنحى الفلسفى والبحث فى العلوم الطبية والطبيعية والفلكية ، كما بدأ علم (عقلى ) فى المجالات الدينية متأثرا بهذا الانفتاح على الفلسفات الهلينية ، ويحاول التقريب بينها وبين القرآن كما فعل المعتزلة ، وأثار هذا جدلا فى موضوعات الالوهية والنبوة والقضاء والقدر وصفات الخالق والمادة والجوهر ..الخ يحاكى الجدل الفلسفى الذى كان قبل نزول القرآن الكريم . مقابل هذه العلوم العقلية والطبيعية كان هناك (علم) وهمى ولكن حاز على إهتمام العباسيين هو ما أصبح يعرف بالحديث والسنة ، والذى كان أساس الفقه والتفسير وما يسمى بعلوم القرآن .

ثانيا : الايدلوجية الدينية السُّنية للدولة العباسية

1 ـ  الدولة الأموية فى عمرها القصير ( حوالى 91 عاما ) ، والذى يعجّ بالفتوحات الخارجية والحروب الداخلية لم يكن لها وقت تلتقط فيه أنفاسها للتفقه فى الدين أو إستخدام دين أرضى لتوطيد سلطانها ، بل إن ثقافتها العربية البدوية ولجوءها للسيف سريعا واعتمادها على القوة العسكرية للقبائل والتعصب القبلى ـ كل ذلك همّش إتخاذها ايدلوجية دينية تواجه بها الايدلوجيات الدينية للمعارضة السياسية للخوارج والشيعة . تركزت الايدلوجية الدينية للأمويين على ما إعتادوه فى عصر النبوة فى رفضهم للاسلام بأن هذه هى ارادة الله ، أو أن ما يفعلونه هو قضاء الله وقدره ، أى ( الجبرية السياسية ) . أى كان الصراع فى الدولة الأموية بين خصمين أحدهما يملك السلاح والعتاد والسيطرة والحكم ، والآخر يملك الايدلوجيات ، وهم الموالى والشيعة بالذات ، ثم نجح ايدلوجية المزدكية للموالى والشيعة فى تجنيد مئات الألوف تحت قيادة أبى مسلم الخراسانى ، فجمع بين الايدلوجية والقوة العسكرية فانهارت بسهولة الدولة الأموية . وتأسست الدولة العباسية بايدلوجية دينية هى الحديث ، أو بالأحرى ( إختلاق وصناعة الحديث ) وبالتالى لا بد أن يكون هذا الحديث ( علما ) . فجعلته الدولة العباسية علما ليسندها بفقهائه .

2 ـ وكان أرباب الدولة العباسية من ( علماء الحديث ) . قبل أن يكون خليفة وأثناء عمله السّرى فى الدعوة ( للرضى من آل محمد ) كان الذى تسمى وتلقب فيما بعد بالخليفة أبى جعفر المنصور من طالبى ( الحديث ) ورفيقا لهم. وبهم تمت صناعة وصياغة كثير من الأحاديث التى تمهّد لقيام الدولة العباسية ، ثم كان هؤلاء ( المحدثون ) من المقربين لآبى جعفر المنصور فى خلافته . وبهذا إنفتح المجال لكل طموح من ( الموالى ) لأن يتخصّص فى ( الحديث ) ليحصل على مناصب الدولة من القضاء وغيره ويصبح صاحب نفوذ فيها . وفى مقابل هذا كانت الدولة العباسية لا تتسامح مع ( الفقيه ) الذى يعارضها فى ايدلوجيتها ، فالقتل ينتظره باسم ( حد الردة ) . ومهما بلغت مكانته فالقتل مصيره ، وهذا ما حدث لأبى حنيفة الذى إشتهر بعلمه ومكانته ونضاله ضد الأمويين ومعاناته منهم ، ومؤازرته للثائرين على الأمويين ، فصار عالى الشأن فى الدولة العباسية وكبير الفقهاء فيها . ولكن لأن لأبى حنيفة شخصيته المستقلة فقد عارض أبا جعفر المنصور ، فتعرض للضرب والسجن والقتل بالسُّم . وتعلم تلميذاه الدرس فدخلا فى خدمة العباسيين بكل خنوع ، وهما أبو الحسن الشيبانى وأبو يوسف . وكانت مكانة مالك بن أنس فى المدينة والحجاز عالية ، ولكن لأنه أيّد ثورة محمد النفس الزكية تعرض للتعذيب والاهانة فاضطر للإعتزال فى بيته الى أن مات ، بعد أن عهد للشيبانى وغيره بكتابة ( الموطّأ ) والمدونة .

3 ـ كان من حق العباسيين ( سياسيا ) أن يتصرفوا بهذه الطريقة . فهم يعرفون أن ( الحديث ) أو ما سُمّى بالسنة لم يكن علما على الاطلاق . هو إختلاق لأقوال للنبى لم يقلها ، وهم يشجعون أولئك الذين يختلقون تلك الأحاديث لأنهم كدولة دينية كهنوتية تتأسّس على ذراعين ( العسكر ) و ( رجال الدين ). وبالتالى لا بد لرجال دينها الذين يكذبون من أجلها أن يُخلصوا فى ولائهم لها .

ثالثا : إختلاق روايات السُّنة وتدوينها فى العصر العباسى

1 ـ لم يكن هذا فى الدولة الأموية التى كان نجومها من الخلفاء وزعماء القبائل فقط بينما كان ضحاياها من أئمة الموالى المتعلمين . وحتى فإن المتأخرين من الصحابة والذين أدركوا الدولة الأموية لم تستفد منهم الدولة الأموية كما ينبغى فى سبك وصناعة أحاديث مؤيدة لها . صحيح أن أبا هريرة تحالف مع الأمويين وصنع أحاديث لهم فى حربهم ضد ( على ) ولكن مات أبو هريرة عام 59 فى خلافة معاوية ، وقد قضى معظم عمره فى المدينة ، بعيدا عن التأثير فى موطن المعارضة للأمويين فى العراق . ومات أبو هريرة بعد أن ترك شهرة استمرت بعده فى عصر الرواية الشفهية ، إذ لم يهتم الأمويون بتدوين ما صنعه لهم من أحاديث . فالأمويون تجاهلوا الناحية العلمية والتدوين فقد كان إنشغالهم وتركيزهم على الحروب الداخلية والخارجية . ولقد عاش ( انس بن مالك ) فى البصرة ، وكان آخر من مات من الصحابة ، إذ مات فى خلافة سليمان بن عبد الملك عام 93 / 712 . وكان ( انس بن مالك ) حسبما يبدو من تاريخه قد أثرى وصار صاحب ضياع وقصور فى البصرة من أعطيات الأمويين ، ولكنهم لم يستفيدوا به كما ينبغى ، مع أنه تكسّب من الحديث عن النبى وقصده الناس فى عصره بشبب شهرته وأنه أخر من عاش من الصحابة بعد موت كل الصحابة ، ولزعمه أنه كان يخدم النبى .

2 ـ جاءت الدولة العباسية تحتاج الى تأسيس كهنوت دينى لها مؤسس على الأحاديث ، وكان جيل الصحابة والتابعين وتابعى التابعين قد انتهى . ولم تبق من ذكريات الصحابة والنبى والأحاديث سوى روايات شفهية يتداولها القُصّاص ، يرجع معظمها الى من مات متأخرا من الصحابة واشتهر بالقصص والرواية عن النبى ، مثل ابى هريرة وأنس بن مالك . و مشكلة أخرى أن منبع تلك الروايات الشفهية كان فى المدينة التى إنتقلت منها الأضواء الى مصر والشام والعراق وايران ، ولم يعد لديها ما تفخر به سوى ذكريات عهد النبوة ورواياتها الشفهية . لذا عهد الخليفة المهدى الى ( محمد بن اسحاق ) ليكتب سيرة للنبى محمد . كما قام مالك بن أنس بتأليف أول كتاب فقهى مبنى على الأحاديث الشائعة فى المدينة والتى ينسبها مالك للنبى محمد حينا وللصحابة والتابعين أحيانا . وبسيرة ابن اسحاق وموطأ مالك تمّ وضع أساس الدين السُّنى . هو أساس واه يقوم على الكذب والاختلاق ولكن إقيمت عليه المؤلفات اللاحقة فى السيرة والحديث والتفسير فى العصر العباسى الثانى وما تلاه .

3 ـ مالك وابن اسحاق كانا خصمين يعادى كل منهما الاخر ، وكان ( مالك ) كان منحرفا عن الدولة العباسية بينما كان ابن اسحاق عميلا للعباسيين ، وقد هاجر من المدينة حين ثارت على العباسيين فى حركة محمد النفس الزكية ، وعاش فى بغداد فى رعاية الخليفة المهدى ، بينما ظل مالك فى المدينة يضمّد جراحه الجسدية والنفسية بعد التعذيب والاهانة التى ألحقهما به العباسيون . المُشترك بين الرائدين المتخاصمين مالك وابن إسحاق هو الكذب والاختلاق فيما روياه من أحاديث ، و أن كليهما أسند معظم هذه الروايات الى ابن هشام الزهرى .

4 ـ والواقع التاريخى يؤكد أن كلا من ابن اسحاق ومالك لم ير ولم يصاحب ابن شهاب الزهرى ولم يسمع منه برغم زعمه أن كليهما يزعم الرواية عنه .  لقد مات الزهرى فى العصر الأموى عام 124 . وكان قد فارق المدينة ولحق بخدمة الأمويين ولازمهم معظم حياته  بعيدا عن المدينة التى ولد فيها محمد بن اسحاق عام 85 .ولقد ذكر فى ( تاريخ المنتظم ج 7 وفيات 124 ) فى ترجمة ابن شهاب الزهرى  إنه غادر المدينة وهو شاب والتحق ببلاط الخليفة عبد الملك بن مروان ، فأمره عبد الملك بالرجوع ليستفيد من علم التابعين من الأنصار فرجع الى المدينة طالبا ليستزيد علما ، ثم لحق بدمشق يخدم الخليفة عبد الملك الى أن مات عبد الملك عام 86 ، ثم ظل يعلم أولاده فى البلاط الأموى الى أن  مات . وهذا ما حكاه الزهرى عن نفسه .  وحين كان الزهرى فى دمشق متفرغا لخدمة عبد الملك بن مروان ( عشر سنوات قبل موت عبد الملك عام 86 ) شهدت المدينة مولد ونشأة محمد بن اسحاق عام 85 ومولد ونشأة مالك بن أنس عام 93 هجرية . فمتى وكيف التقى كل منهما بالزهرى ؟ .

5 ـ والتفاصيل فى بحث لنا قادم بعون الله جل وعلا عن سيرة ابن اسحاق وأباطيله فيها ، وكيف رسم صورة للنبى محمد عليه السلام تعطيه ملامح الخليفة العباسى فى تآمره وعشقه للسبايا وقتله الأسرى ، مما أتاح لمن جاء بعده أن يطوّر هذه الشخصية المزيفة للنبى محمد لتصبح مسوغا شرعيا فى الدين السّنى لارتكاب الكبائر بحجة أن ذلك هو ما كان يفعله النبى بزعمهم .

6 ـ مالك بن أنس فى ( الموطأ ) أعطى صورة مزيفة أخرى عن النبى ، خصوصا فى النواحى الدينية والفقهية ، فقد كان أول من ذكر حديثا فى الشفاعة ، واول من قال بكراهية دخول أهل الكتاب للمدينة و أول من رسم ملامح التقديس للمدينة وتقديس القبر المنسوب للنبى . وبلغ عدد الأحاديث التى ذكرها مالك فى ( الموطأ ) 1008 فقط ، منها الكثير المنسوب للصحابة وليس للنبى . هذا فى النسخة التى كتبها الشيبانى باملاء مالك . ثم جاء الشافعى تلميذا لمالك فأملى كتابه الضخم ( الأم ) وملأه بآلاف الأحاديث إصطنعها بأسانيد منها ما هو مأخوذ عن مالك ، ومنها ما إصطنعه من دماغه . ثم خلال ثمانين عاما تقريبا بعد موت مالك تضخم عدد الأحاديث ليصل الى مئات الألوف فى عهد البخارى الذى يقول انه انتقى أحاديثه ( حوال 3000 ) من بين 700 الف حديث متداولة ، تم نشرها بين موت مالك عام 179 وعصر البخارى .

رابعا : دخول ملايين الموالى فى دين الكذب السّنى

1 ـ المحصلة النهائية أن الدولة العباسية فى سعيها لتأسيس ايدلوجية لها شجعت الكذب على النبى وجعلت هذا الافتراء طريقا للوصول للجاه والثروة والمناصب . وبعد أن كان الموالى يعانون الاضطهاد أصبح الطريق مفتوحا أمامهم للترقى والثروة بمجرد أن يتصدّى أحدهم ليحدّث الناس أنه سمع فلانا يروى عن ا فلان عن فلان عن فلان عن الصحابى فلان أن النبى قال كذا وكذا . ثم لا يراجعه أحد فى قوله ولا يطالبه بدليل ،إذ لا يوجد دليل أصلا . بل يزدحم عليه طُلّاب ( العلم ) ليسمعوا منه ، وليتخرجوا على يديه ، ثم يكتبوا ما قاله فى عصر التدوين . ومن الطبيعى أن يتم تسجيل بعض ما تناقل من روايات شفهية حبكها مخضرمى الصحابة الذين أدركوا العصر الأموى كأبى هريرة وأنس بن مالك وعبد الله بن عمر ت 73 هجرية . ومن الطبيعى ايضا أن يتم تحريف وتغيير تلك الروايات المنقولة شفهيا . ومن الطبيعى أيضا أن تنتج ماكينة الكذب فى الأحاديث آلافا مؤلفة تنسبها لنفس أولئك الصحابة الذين لم يعرفوا شيئا عن هذا الاسناد ولم يعرفوا شيئا عن هؤلاء الرواة ولم يعرفوا شيئا عن العصر العباسى . ومن الطبيعى فى النهاية أن يتقرب رواة الأحاديث بنسبة آلاف الأحاديث الى عبد الله بن عباس جد الخلفاء العباسيين .

 2 ـ كان صعبا أمام ابناء الحرفيين ( أهل الحرف ) فى الطبقة الدنيا من المجتمع أن يتخصصوا فى ( الحكمة ) التى كانت تعنى الفلسفة والطب والعلوم الطبيعية والتى إحتكرتها عائلات معينة ، ولكن كان سهلا عليهم أن ينتسبوا الى حلقة راو للأحاديث و( يسمعوا ) منه وينقلوا عنه ، ثم يصير أحدهم أكثر شهرة وأكثر ثروة من الطبيب الفيلسوف . كل الموهبة المطلوبة هى القدرة على الكذب ، والقدرة على نشره ونسبته زورا للنبى عليه السلام . ومن هنا دخل الفقراء من الموالى فى دين السّنة أفواجا .

13 ـ ونعطى مثلا بالشيوخ الذين أخذ عنهم المؤرخ ( المحدّث ) محمد بن سعد الذى توفى قبيل العصر العباسى الثانى ،أى عام 230 هجرية . شيوخ محمد بن سعد المشهورون هم  1 محمد بن عمر الواقدي.و2 عفان بن مسلم. 3. أبو نعيم الفضل بن دكين. 4. يزيد بن هارون. 5. وكيع بن الجراح. 6. محمد بن عبد الله الأنصاري. 7. معن بن عيسى القزاز. 8. عبد الله بن نمير. 9. عبيد الله بن موسى العبسي. 10. سفيان بن عيينة. 11. سليمان بن حرب. 12. عارم بن الفضل. 13. محمد بن عبد الله الأنصاري..

أمّا من روى عنهم فهم كثيرون حوالى السبعين . منهم : أحمد بن إبراهيم الموصلي، نزيل بغداد (ت 236هـ) ، أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي (ت227هـ)  اسحاق بن سليمان الرازى :  كوفي نزل الرّي (ت199هـ) ، إسحاق بن يوسف الأزرق الواسطي (ت195هـ)،  إسماعيل بن إبراهيم الأسدي الكوفي المعروف بابن علية (ت193هـ)  ،  إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني (ت226هـ)، إسماعيل بن أبي مسعود، ، الحجّاج بن محمد المصّيصي الأعور، الترمذي الأصل، سكن بغداد ثم تحول إلى المصّيصة، (ت206هـ)  الحجاج بن منهال البصري (ت217هـ)، الحسن بن موسى الأشيب البغدادي (ت209هـ)، حفص بن عمر الحوضي البصري (ت225هـ)، حمّاد بن أسامة الكوفي (ت201هـ)، خالد بن مخلد القطواني الكوفي (ت213هـ)، روح بن عبادة البصري (ت205 أو 207هـ)، سعيد بن عامر الضُّبعي البصري (ت208هـ)، سعيد بن محمد الثقفي الكوفي، نزيل بغداد ، سعيد بن منصور المروزي، نزيل مكة (ت227هـ)   سفيان بن عيينة الكوفي، نزيل مكة (ت198هـ)، سليمان بن حرب الأزدي البصري، ثم المكي (ت224هـ)،  سليمان بن داود الطيالسي البصري (ت204هـ)،  سليمان بن عبيد الله الرقي ،سويد بن سعيد الحدثاني الأنباري (204هـ)، شبابة بن سوار المدائني، وأصله من خراسان (ت204هـ)، عارم بن الفضل البصري (ت223هـ)، عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي (ت192هـ)،عبد الله بن بكر السهمي البصري، نزيل بغداد (ت208هـ)، عبد الله بن جعفر الرقّي (ت220هـ)، عبد الله بن مسلمـة بن قعنب الحارثـي المدني، نزيل البصرة ثم مكة (ت221هـ)، عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي (ت199هـ)،عبد الرحمن بن يونس المستملي البغدادي (ت224هـ)،عبد الملك بن عمرو العقدي البصري (ت204هـ)،عبد الوهاب بن عطاء العجلي البصري، (ت204هـ)، عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي (ت213هـ)،  عفّان بن مسلم البصري (ت220هـ)، علي بن عبد الله بن جعفر المديني البصري (ت234هـ)،عمر بن سعد الحفري الكوفي (ت203هـ)، عمرو بن عاصم الكلابي البصري (ت213هـ)، عمرو بن الهيثم أبو قطن البصري (ت198هـ)،   الفضل بن دكين أبو نعيم الكوفي (ت219هـ)، الفضل بن عنبسة الخزّاز الواسطي (ت بعد 200هـ،) ، قبيصة بن عقبة الكوفي (ت215هـ)، كثير بن هشام الرقّي، نزيل بغداد (ت207هـ)،مالك بن إسماعيل الكوفي (ت217هـ)، محمد بن إسماعيل بن أبي فديك المدني (ت 200هـ)، محمد بن حميد العبدي البصري، نزيل بغداد (ت182هـ)، محمد بن عبد الله الأسدي الكوفي (ت203هـ) ، محمد بن عبد الله الأنصاري البصري (ت215هـ)، محمد بن عبيد الطنافسي الكوفي (ت204هـ)، محمد بن عمر الواقدي المدني، قاضي بغداد (ت207هـ)، محمد بن فضيل بن غزوان الكوفي (ت195هـ)، محمد بن يزيد الواسطي (ت190هـ)، المعلّى بن أسد البصري (ت218هـ)، معن بن عيسى القزاز المدني (ت198هـ)، موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري (ت223هـ)، موسى بن داود الطرسوسي، نزيل بغداد (ت217هـ)، هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي البصري (ت227هـ)، هوذة بن خليفة البصري، نزيل بغداد (ت216هـ)، وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي (ت197هـ)، الوليد بن مسلم الدمشقي (ت195هـ)، وهب بن جـرير البصري ( ت206 )،   يحيى بن سعيد الأموي الكوفي، نزيل بغداد (ت194هـ)،  يحيى بن عباد الضبعي البصري، نزيل بغداد (ت178هـ)، يحيى بن معين أبو زكريا البغدادي (ت233هـ)، يزيد بن هارون الواسطي (ت206هـ)، يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري المدني، نزيل بغداد (ت208هـ) ، يعلى بن عبيد الطنافسي الكوفي (ت209هـ)،  أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس المدني (ت202هـ)،أبو معاوية الضرير محمد بن خازم الكوفي (ت195هـ).

ولقد نقلنا هذه الأسماء لشيوخ محمد ين سعد لنضع عليها الملاحظات الآتية :

1 ـ  كان الانتساب فى العصر الأموى للقبيلة ، ولكن بدخول سكان الأمم المفتوحة فى الاسلام ظهرت نوعيتان جديدتان من الانتساب ، هما الانتساب للبلد وللحرفة. الانتساب للبلد كالحسن لبصرى والطبرى والبلاذرى والدنيورى والواسطى والغزالى ومكحول الدمشقى والمدائنى والاصفهانى والحرانى وياقوت الحموى والرازى( المفسر والطبيب ) وحميد بن جابر الشامي ( ت151هـ) وشقيق البلخي (ت153هـ) . والانتساب للحرفة مثل المبرد والزجّاج والانماطى وابن الزيات وابن الجصاص وأبو عتبة الخواص (ت 162هـ). وبالنظر الى شيوخ محمد بن سعد نجد معظمهم من الموالى المنتسبين للمكان والمنتسبين للحرفة ، ومنهم من ينتسب الى اكثر من بلد بسبب تنقله ورحلته من هنا الى هناك .

2 ـ  كتاب محمد بن سعد ( الطبقات الكبرى ) كان نوعية جديدة من التأريخ ( التأريخ للنبى وطبقات الصحابة والتابعين ). وهذه النوعية من الكتابة لم تكن من النوعيات المفضّلة للدولة العباسية ، كما إن ابن سعد نفسه ـ على خلاف شيخه الواقدى ـ لم يكن محبوبا لدى العباسيين ، ومع هذا نجد هذا العدد الضخم من شيوخه فى هذه النوعية من التأريخ ، فكيف لو كان يكتب فى موضوع مُحبّب ؟

3 ـ  أولئك الشيوخ من الموالى كانوا النابغين المشهورين ممّن دخل آباؤهم الاسلام ، وبالتأكيد فهناك ملايين غيرهم من ( الأغلبية الصامتة ) التى لم تحظ بالتسجيل التاريخى . وبالتالى فهذا مؤشر هام على دخول الموالى أفواجا فى دين السّنة فى العصر العباسى الأول ، وكونهم قادة هذا الدين الأرضى ، إستجابة لرغبة العباسيين فى خلق مجتمع من ( رجال الدين ) يؤيد ذراعهم العسكرية .

الفصل الثالث :  قبيل الصدام بين العباسيين ومتطرفى السنيين  

أولا : بين الايدلوجية الدينية والقوة العسكرية 

1 ـ  حسن الصباح ( 430 : 518 ) كان شيعيا يتبع الامامية الإثناعشرية ، ثم تحول ليتبع الامامية الإسماعيلية وأتى للقاهرة عام 471 ودولتها الفاطمية ، فشهد صراعا سياسيا حول ولاية العهد ، إنقسمت به الدعوة الفاطمية الاسماعيلية الى نزارية ومستعلية .وانضم حسن الصباح للنزارية ضد المستعلية فطرده الوزير بدر الدين الجمالى ، فعاد يعانى المطاردة ، من السلاجقة السنيين والشيعة الاثناعشرية الايرانيين والشيعة الاسماعيلية المصريين  ، فلجأ الى قلعة آلموت الحصينة ، دخلها متنكرا كرجل زاهد عابد ، رحّب به حاكم القلعة العلوى . وتمكن حسن الصباح من إقناع جنود القلعة بالتحول الى التشيع الاسماعيلى النزارى ، واستولى على القلعة وطرد منها حاكمها فى رجب 483 هجرية . نحن هنا أمام شخص واحد يملك ايدلوجية فاستطاع بهذه الايدلوجية أن يمتلك قلعة بجندها وعتادها .

2 ـ الايدلوجية تحتاج الى قوة عسكرية لتنشىء بها دولة ( ايدلوجية ) وهذا ما يحاوله ( الإخوان المسلمون ). والقوة العسكرية تحتاج الى رجال الدين ليركبوا بهم المجتمع ( وهذا ما كان يفعله مبارك فى مصر ). وتصبح هذه القوة العسكرية دولة دينية لو كانت لها ايدلوجية دينية، أى تسير على ساقين ( العسكر والكهنوت الدينى ورجال الدين ). فى الاسلام يتحتم أن تكون إقامة القسط بين الناس مرتبطة بالايمان بالله جل وعلا واليوم الآخر. لذا يكون نادرا تفعيل ايدلوجية اسلامية حقيقية ، بينما تنشأ عن الأديان الأرضية ايدلوجيات مختلفة تقيم على أساسها دولا دينية تسعى نحو السلطة والثروة وتكفر باليوم الآخر، وتروج فيها أساطير الشفاعات .

3 ـ وهناك نماذج كثيرة لدول وحركات سياسية تخريبية بدأت بالدعوة الدينية وتأسّت بها . حسن الصباح أنشأ أكبر تنظيم ارهابى فى التاريخ نشر به الرعب والتدمير . حركة الزنج قام بها ثائر نجح فى تجييش العبيد فى جنوب العراق ، وتقلّب بين ايدلوجية التشيع وأيدلوجية الخوارج . القرامطة حولوا غارات البدو الى ( جهاد ) غزوا به العراق والشام ومكة نفسها . عبد العزيز آل سعود إقتفى سُنّة القرامطة فى تجنيد شباب البدو وتلقينهم سفك الدماء بالايدلوجية الوهابية الحنبلية السّنية فأسّس بهم الدولة السعودية الحالية. أبو عبد الله الشيعى أتى لشمال افريقيا ليس معه سوى الايدلوجية الشيعية ، فنشرها بين البربر فأقام الدولة الفاطمية فى ( المهدية ) فى تونس ، ثم إنتقلت لمصر.  بل قد يصل الأمر بادّعاء النبوة . الشاعر المتنبى حمل هذا اللقب لأنه زعم النبوة فى شبابه ودعا لنفسه بين الأعراب ففشل ، ثم إختار الشعر ولكن ظل يحمل لقب ( المتنبى ) بسبب طموحه القديم . حركة الردة بعد موت النبى محمد عليه السلام إرتبطت بإدّعاء النبوة . فتوحات الصحابة قامت بتحوير الجهاد الدفاعى فى الاسلام الى إعتداء وإحتلال يوافق السائد فى ثقافة العصور الوسطى . الخوارج عارضوا الأمويين بشعار دينى هو ( لا حكم ألا لله ) .الحارث بن سريج التميمي احد زعماء بني تميم قاد ثورة ضد الأمويين فى خراسان رافعا شعار الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، واراد ان يفلح في ما فشل فيه الفقهاء الثوار من اصحاب محمد بن الاشعث ، وقد نشر الحارث ابن سريج حديثا منسوبا للنبي يقول ( يخرج رجل وراء النهر يقال له الحارث علي مقدمته رجل يقال له منصور يوطن او يمكن لآل محمد ،وجب علي كل مؤمن نصره ..)، وقد اشتهر ذلك الحديث حتي نشرته كتب السند فيما بعد ومنها مسند ابي داوود في الدولة العباسية .  ولم ينفع ابن ابي سريج اختراع ذلك الحديث الذي يدعو الناس الي نصرته، وقد انهزم ابن ابي سريج وقتل مع اهله سنة 128 ، وفشل كما فشل الخوارج والشيعة العلويون ، ثم تم تطويع التشيع ليشابه المُزدكية الفارسية ، فتم تجنيد آلاف مؤلفة من خراسان وغيرها ، وبهذا نجح أبو مسلم الخراسانى فى إسقاط الدولة الأموية وإقامة الدولة العباسية. وبعد قتل أبى مسلم الخراسانى ثار أتباعه ورفعوا شعارا دينيا فارسيا فى مواجهة العباسيين ، وارتبطت ثوراتهم بإدعاء النبوة فواجههم العباسيون بالحرب وبحد الردة . ثم أقام العباسيون طبقة من رجال دينهم السّنى لتكتمل ملامح الدولة الدينية السّنية العباسية ، بالعسكر و الكهنوت الدينى .

4 ـ وأبو جعفر المنصور فى خلافته ( 136 : 158 )  هو الذى قام بتوطيد الدولة العباسية وإرساء ملامحها الكهنوتية. هو الذى بنى  بغداد.(143 : 149 هجرية)، وهو القائل في خطبته (ايها الناس إنما أنا سلطان الله في ارضه أسوسكم بتوفيقه ورشده وخازنه علي  فيئه (ماله) أقسمه بارادته وأعطيه بأذنه .) (تاريخ الطبرى 9 / 297 )، أى أنه أول من أعلن (الحاكمية السياسية )،  أو الحاكم الذى يحكم باسم الله تعالى ويستمد سلطته من الله وليس من الناس ، ويكون مسئولا ليس أمام الناس ولكن أمام الله تعالى فقط يوم القيامة. وبهذا تحولت الدولة العباسية الى دولة كهنوتية سنية . وأسّس أبو جعفر المنصور من العوام جيشا من طلبة ( الحديث ) وبدأ فى عهده التدوين المُنظّم  فى (الحديثوالفقه والتفسير) وغيرها،وقبلهذاالعصركانالأئمةيتكلمونمنحفظهمورواياتهم الشفهية . وذكر المؤرخ ابن عساكر فى تاريخ دمشق أن أبا جعفر المنصور كانيرحلفيطلب الحديث  قبل الخلافة ، وقالالصولي :( كانالمنصورأعلمالناسبالحديثوالأنسابمشهوراًبطلبه )، وذكروا له عدة أحاديث رواها أو إخترعها . أى جعل نفسه ضمن رواة الأحاديث وطلبة ( العلم ) كى يخلق أيدلوجية تسند دولته .

5 ـ وهنا نرى القوة العسكرية العباسية تخلق لنفسها أيدلوجية دينية بمئات الألوف من الأتباع . وهذه هى الحقيقة الأولى فى علاقة القوة والايدلوجية .الايدلوجية تحتاج الى القوة العسكرية ، والقوة العسكرية الحاكمة حتى لو كانت علمانية تحتاج الى رجال دين ، أو كهنوت . وحتى لو وقفت موقفا معاديا من الدين كالشيوعية فإنها تقوم بتحويل القائد الى اله معصوم . أى تصبح نوعا من الدين الأرضى مع زعمها بأن الدين ( افيون الشعوب ).!

6 ـ الحقيقة الثانية هى أن الكهنوت الدينى إذا وصل الى مرحلة من القوة فإنه يقوم بالمزايدة على السلطان  طلبا للمشاركة فى الحكم ، خصوصا إذا وصلت الدولة الى دور الضعف وإنتهى مؤسسوها الأقوياء وورثهم سلاطين مترفون تتحكم فيهم النساء ومراكز قوى ، فيزداد إعتمادهم على الدين الأرضى وكهنوته . وهذا ما حدث فى أواخر العصر العباسى الأول ، فى الصدام بين الدولة العباسية وفقهائها السنيين ، والذى حمل شعارا دينيا هو الجدل حول ( خلق القرآن )، بينما كان الصراع سياسيا فى الأصل ، وأيضا تحت شعار دينى هو ( الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ) . كان بطل موضوع ( خلق القرآن ) هو ( أحمد بن حنبل ) بينما كان بطل حركة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو ( أحمد بن نصر الخزاعى ) . هنا تتمثل الحقيقة الثانية، وهى أن أصحاب الايدلوجية الدينية يحاولون ـ لو سنحت لهم الفرصة ـ الوثوب على السلطان .  

ثانيا : بين الحركة العلمية الحقيقية وشيوخ الكذب اللاهوتى فى العصر العباسى الأول  

1 ـ فى العصر الأموى تميزت المدينة بمدرسة الحديث الشفوية ، وكانت تدور حول ما توارثته المدينة من عصر النبوة من روايات تاريخية عاشتها فى عصر النبوة والخلفاء أبى بكر وعمر وعثمان . ثم أقاويل بعض الصحابة من آراء بسيطة فىما عرف فيما بعد بالفقه والتفسيير ، كان يتداولها التابعون فى المينة ، واشتهر سعيد بن المسيب فى العصر الأموى، فكان بعضهم يرحل اليه . وبه قامت فى المدينة (مدرسة الحديث ) تمثل المحافظة والتقليد وتعيش في استرجاع امجاد عصر النبوة والخلافة الرشيدة حين كانت المدينة العاصمة الاولي للمسلمين قبل ان تنتقل عنها الاضواء للشام والعراق . لذا إعتمدت علي ( عمل اهل المدينة ) مصدرا من مصادر التشريع ، ولأن الحياة الصحراوية تسير علي وتيرة واحدة فان التقليد يفرض نفسه . ودار هذا التقليد حول التمسك بما يرويه أهلها من ( أحاديث ).

إختلفت ظروف العراق ، فهو وارث لحضارة قديمة ، وظروفه الجغرافية والسكانية مُعقدة مُتقلبة تستدعى الاجتهاد والتطور وإختلاف الرأى. لذا ظهرت مدرسة ( الرأى ) العراقية فى العصر الأموى تقابل مدرسة الحديث فى المدينة . وفى العصر العباسى الأول أنتجت مدرسة المدينة ( مالك بن أنس ) والموطأ ، بينما أنتجت مدرسة العراق أبا حنيفة الذى جمع بين الفقه والعلوم العقلية ، وسيطر منهجه العقلى على الفقه ، فكان لا يعترف بالأحاديث وبالاسناد .

2 ـ وأحدث أبو جعفر المنصور نقلة هائلة ، فهو الذى قتل أباحنيفة ، وهو الذى جعل تلميذيه الشيبانى وأبا يوسف ضمن مدرسة الحديث فأنهى مدرسة الرأى ، وهو الذى أسّس الكهنوت السّنى ، بالتشجيع على رواية الأحاديث وإسنادها للنبى . هنا إنتقلت مدرسة الحديث من المدينة لتتمركز فى العراق ، وليقودها الأعاجم ، ويكفى أن نعرف أن مشاهير أئمة الحديث فى العصر العباسى من فارس .

ولكن بدخول الثقافات الاجنبية المترجمة الي العصر العباسي تأسست مدرسة جديدة للتجديد العقلي تأثرت بالفلسفات اللاتينية والهلينية ومدارسها في انطاكية والرها وجندياسبور-، فبرزت مدرسة المعتزلة او كما يسمون انفسهم اهل العدل والتوحيد .

وادي ظهور هذه المدرسة العقلية الي توحيد الفقهاء جميعا في اتجاه واحد ضد المعتزلة . وتعين على الدولة العباسية أن تنحاز الى الأفضل لها : هل الكهنوت الفقهى الجاهل الكاذب الذى إخترعته والذى تحتاج اليه فى تدعيم سلطتها السياسية كدولة دينية ، أم العلوم العقلية والفلسفية التى تحتاج اليها فى نهضتها وتقدمها ؟

ثالثا : الدولة العباسية فى عصرها الأول تنحاز للعلم الحقيقى والاتجاه العقلى

1 ـ  أبو جعفر المنصور باعتباره من ( اهل الحديث ) يعلم أنه ( دجل وإفتراء ) ويعلم أن اصحابه أبعد ما يكونون عن العلم ، هم مجرد ( حشوية ) كما كان يُطلق عليهم ، أى يحشون رءوسهم بأقاويل كاذبة يتعصبون لها. وقد خلقتهم الدولة كهنوتا لها ، وهنا تكون إحتمالية الشّك فيهم ، وفى إنقلابهم على الدولة أو مزايدتهم عليها ، لذلك عوقب ( أبو حنيفة) بالسجن والموت خوفا من تاثيره على قادة الجند العباسيين ، وعوقب ( مالك ) لانحيازه لثورة محمد النفس الزكية . أما عن رواد الحركة العلمية الفلسفية فقد كأنوا علماء وأطباء لا شأن لهم بالسياسة ، بل يعملون كخبراء لديها فى الطب وفى الترجمة ، ومنهم نصارى لا شأن لهم بالطموح السياسى ، علاوة على حاجة الخلفاء شخصيا لهم فى مجال الطب ، ويكفى أن الخليفة المتوكل الذى تعصب للكهنوت السُّنى وإنقلب على الحركة العلمية والفلسفية والمعتزلة واضطهد أهل الكتاب لم يستطع الاستغناء عن بختيشوع بن جبرائيل بن بختيشوع الذى كان طبيب الخليفة الواثق ، فاتخذه المتوكل طبيبه الخاص .

2 ـ وقد خدم آل بختيشوع البلاط العباسى ثلاثة قرون ،  وهم من الطائفة المسيحية العربية(السريانية) المهاجرة إلى فارس قبيل الفتح الإسلامي، هرباً من اضطهاد بيزنطة. و بدأ أبوجعفر المنصور بهذا . بعد بناء بغداد أصيب بمرض فى معدته عجز الطباء عن شفائه ـ فاستقدم  الطبيب جورجيوس بن بختيشوع من جندياسبور فنجح فى شفاء أبى جعفر المنصور فإزدادت مكانة هذا الطبيب لديه ، ووثق به أبو جعفر ـ وهذا فى حدّ ذاته أمر غريب ـ حتى لقد كان أبو جعفر المنصور يأذن له بالدخول على نسائه لعلاجهن . وقد إتّخذه المنصور صديقا ، بدليل أنه عندما مرض هذا الطبيب كان المنصور يرسل اليه رسولا كل يوم يطمئن على صحته . ثم سار المنصور ماشيا الى داره ليطمئن عليه بنفسه.وعرض عليه الاسلام وقال له : يا جرجيوس إتّق الله وأسلم وانا اضمن لك الجنة " فقال الطبيب : " رضيت حيث آبائى فى الجنة أو فى النار ". فضحك المنصور . واذن له المنصور بالرجوع الى بلده وكلف خادما بأن يصحبه ،  وأعطاه ألف دينار،مع شهرة المنصور بالبخل الشديد حتى كانوا يطلقون عليه (أبو الدوانيق).وعيّن مكانه تلميذه عيسى بن شهلافا .

واشتهر بختيشوع بن جورجيوس بالمكانة الهائلة لدى الخلفاء الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل ، وكسب بالطب ما لم يكسبه أحد ، وكان الخلفاء يستأمنونه على نسائهم . هذا ما يقوله ابن النديم ( ت 385 ) فى الفهرست . أما القفطى ( ت 646 ) فى كتابه ( إخبار العلماء بأخبار الحكماء ) ـ وهو الذى ننقل عنه هنا ـ فقد قال بأن بختيشوع هذا خلف أباه فى رعاية الماريستان فى جندياسبور ، ثم إستدعاه الخليفة المهدى لعلاج ابنه ( الهادى ) ولى العهد. وبسبب مكيدة دبرتها الخيزران عاد الى بلده ، ثم استدعاه الرشيد وجعله رئيس الأطباء فى قصره. ومن نفس الأسرة نبغ فى قصور الخلافة بختيشوع بن جبريل بن بختيشوع طبيب الواثق والمتوكل ، وبختيشوع بن يحيى طبيب المقتدر .

3 ـ ويتميز العصر العباسى بأنه قدّم للحضارة الانسانية نماذج فريدة فى التطور العلمى والفلسفى والطبى فى العصور الوسطى ، منهم الكندى ( 185 : 256 ) والحسن بن الهيثم ( 354 : 430 ) والطبيب الرازى أعظم أطباء العصور الوسطى ( 250 : 311 ) وابن سينا ( 370 : 427  ) وجابر بن حيان والفارابى و البيرونى ..الخ .

4 ـ ووقع فى غرام هذا الاتجاه العقلى العلمى الخليفة المأمون ت 218 . وهو الذى إضطهد فقهاء السّنة فى موضوع (خلق القرآن ) عام 212 ، 218 . وفى المقابل فإن المأمون هو الذى أنشأ ( بيت الحكمة ) واستقدم لادارته الخوارزمى ( ت 232 ) الذى أصبح من مشاهير العلماء فى العصور الوسطى ، وعهد إليه المأمون برسم خارطة للأرض عمل فيها أكثر 70 جغرافيا. 

وفى عصر المأمون عاش موسى بن شاكر في بغداد ، وكان من المقربين من الخليفة، وقد اهتم بالفلك والتنجيم. وعندما توفي موسى بن شاكر، ترك أولاده الثلاثة صغاراً فرعاهم المأمون، وأدخلهم  بيت الحكمة   الذي كان يحتوي على مكتبة كبيرة وعلى مرصد فلكي، إضافةً إلى القيام بترجمة الأعمال الفلسفية والعلمية من اليونانية. نشأ بنو موسى في هذا الوسط العلمي  . وقد كان أكبرهم أبو جعفر محمد عالماً بالهندسة والنجوم و"المجسطي"؛ وكان أحمد متعمقاً في صناعة الحيل (الهندسة الميكانيكية) وأجاد فيها، وتمكن من الابتكار فيه؛ أما الحسن فكان متعمقاً في الهندسة. وكتب بنو موسى في الهندسة، والمساحة، والمخروطات، والفلك، والميكانيكا، والرياضيات.  .

وامتدت عناية المأمون للترجمة فقام بتعيين ( حنين بن إسحاق العبادى ) ( ت 260 هجرية )مسئولا عن الترجمة فى بيت الحكمة وساعده ابنه اسحاق بن حنين وابن اخته حبيش بن الأعسم . ، وكان حنين يجيد  العربية والسريانية والفارسية واليونانية. قام حنين بترجمة أعمال جالينوس وابقراط وارسطو والعهد القديم من اليونانية . وكان المأمون يعطيه بعض الذهب مقابل ما يترجمه إلى العربية من الكتب. ورحل كثيرًا إلى فارس وبلاد الروم وعاصر تسعة من الخلفاء، وله العديد من الكتب والمترجمات التي تزيد عن المائة، وأصبح المرجع الأكبر للمترجمين جميعًا ورئيسًا لطب العيون، حتى أصبحت مقالاته العشرة في العين، أقدم مؤلف على الطريقة العلمية في طب العيون وأقدم كتاب مدرسي منتظم عرفه تاريخ البحث العلمي في أمراض العين.

5 ـ ووقع فى نفس الغرام بهذا الاتجاه العلمى والعقلى الخليفة هارون الواثق ( ت 237 هجرية ) وهو الذى قتل الثائر السّنى احمد بن نصر الخزاعى عام 231 . ويقول المسعودى ( ت 346 ) فى تاريخه ( مروج الذهب ) إن الخليفة الواثق سلك مسلك أبيه المعتصم وعمه المأمون ( من القول بالعدل ) أى مذهب المعتزلة ( العدل والتوحيد ). ( مروج الذهب : 2 / 375 ) . وتحت عنوان ( مجلس الواثق فى الفلسفة والطب ) ذكر المسعودى مجلس علم عقده الواثق وحضره علماء وأطباء . قال المسعودى عنه : ( وكان الواثق بالله محبا للنظر (أى الاتجاه العقلى ) مُكرما لأهله ، مبغضا للتقليد وأهله (أى الفقهاء وأهل الحديث ) ، محبا للإشراف على علوم الناس وآرائهم ممن تقدم وتأخر من الفلاسفة وغيرهم من الشرعيين ) . وفى هذا المجلس سألهم الواثق عن مصدر المعرفة بعلم الطب ، هل بالحسّ ام بالقياس أم بالسّنّة كما يذهب اليه جماعة من اهل الشريعة. وحضر المجلس ابن بختيشوع وابن ماسويه وحنين وسلمويه  . وقد قالوا ( إن الطريق الذى يُدرك به الطب هو التجربة فقط ) ، ونقل المسعودى خمس صفحات من النقاش الذى دار فى هذا المجلس ( مروج الذهب : 2 / 375 ، 384 : 388 ). جدير بالذكر ان المؤرخ المسعودى كان قريبا من عصر الواثق ، ولم يصطنع الاسناد فى رواية تاريخه ، أى لم يقل ( أخبرنى فلان عن فلان ) كما كان يفعل المؤرخون من أصحاب الحديث كالطبرى وابن الجوزى ، ومع ذلك فقد كان المسعودى أقرب للصدق والموضوعية من الطبرى وابن الجوزى . وقد تفوق ابن الجوزى فى الكذب والاختلاق على من سبقه من المؤرخين ، وجعل تصنيفه للتاريخ فى خدمة دينه السّنى الحنبلى ، فقام بتشويه سيرة الواثق ، يخترع أسانيد تتهمه بالانحلال الخلقى ، فى نفس الوقت الذى حاول أن يدافع فيه عن الخليفة الماجن ( المتوكل ) باختراع منامات تزعم إن الله جل وعلا غفر له .

6 ـ والمعتصم والد الواثق لم يكن مثقفا ، ومع ذلك فقد كان على مذهب المعتزلة كارها للكهنوت السّنى فواصل إضطهاد ابن حنيل بينما كان غاية فى التسامح مع أهل الكتاب . ولقد كان سلمويه بن بنان نصرانيا متمسكا بدينه، وقد عمل طبيبا للخليفة العباسي المعتصم ، وارتفع شأنه عنده حتي أن الورقة التي تحمل توقيع سلمويه كان الأمراء والقواد لا يستطيعون مخالفتها، وقد أمر الخليفة المعتصم بتولية إبراهيم ابن بنان شقيق سلمويه الإشراف علي خزائن الأموال للخلافة العباسية . وكان الخليفة المعتصم يقول عن طبيبه سلمويه : ( هذا عندي أكبر من قاضي القضاة لأن هذا يحكم في مالي وهذا يحكم في نفسي ، ونفسي أشرف من مالي. ) . وحين مرض سلمويه ذهب إليه المعتصم يزوره ، وبكي عنده وطلب مشورته. ولما مات سلمويه امتنع المعتصم من أكل الطعام يوم موته ، وأمر أهل القصر بحضور جنازته ، وأن يصلوا عليه بالشمع والبخور وأن يرتدوا جميعا زى النصارى بالكامل فنفذوا أوامره ، وأشرف بنفسه عليهم وهو يشاهد جنازة سلمويه . ومات المعتصم بعد موت صديقه سلمويه بعشرين شهرا . وكان موت المعتصم سنة 227 هـ. وسنرى كيف إنقلب الحال فى عهد المتوكل الذى سيطر عليه أرباب الكهنوت السّنى .!

رابعا : حنق الكهنوت السّنى من أسيادهم الخلفاء العباسيين

1 ـ لم يكن الفقهاء السنيون سعداء بهذا التكريم للنصارى والمعتزلة والمثقفين المتأثرين بالثقافات الأجنبية . والجدل بين أنصار الانفتاح والمقلدين موجود فى كل عصر ، ولكن الجدل هنا إحتدم بسبب الفجوة الهائلة بين أصحاب الحديث وأصحاب الاتجاه العقلى والعلمى . أصحاب الحديث لا علم حقيقيا لديهم ، هى مرويات يخترعونها ويختلفون فيها ، فى إسنادها وعنعناتها وفى الحكم على رواتها بالصدق والتوثيق أو بالكذب والتضعيف . وبينما تجد أصحاب الاتجاه العلمى والعقلى يعولون على المنطق والعقل والتجربة والخطأ والقياس العقلى والبرهان فإن أصحاب الكهنوت السّنى يعتبرون ما يقولون دينا بنسبته وحيا للنبى عليه السلام كى يؤكدوا لأنفسهم وغيرهم أن ما يفترونه هو صحيح ، بل هو الدين الصحيح . وبينما عاش أصحاب الاتجاه العقلى العلمى متفرغين للبحث فى تخصصاتهم وإبتكاراتهم فإن أصحاب الكهنوت السّنى أنفقوا أعمارهم فى رحلات شاقة ليسمعوا فيها من فلان وفلان أقاويل يزعم هذا الفلان أنه سمعها من فلان عن فلان عن فلان . ولكن هذه الرحلات قوّت الاتصالات بينهم ، وعزّزها أنهم أصلا من العوام الذين تكاثر دخولهم فى الدين السّنى بالذات ، ويعرف أرباب الدين السّنى  كيف يؤثرون فى أولئك العوام وكيف يسيطرون عليهم ، ثم هم يحترفون الوعظ والقصص ، أى كانوا المسيطرين على الشارع والذين يصيغون عقليات العوام من بنى جلدتهم ، ويُقنعونهم ان ما يقولونه هو الدين . وبينما إنعزل عن الشارع أرباب الاتجاه العقلى العلمى وعاشوا بالقرب من الحكام إلتصق أرباب الكهنوت السُّنى بالناس فى الأسواق والمساجد والشوارع . لذا أصبحوا بمرور الزمن نجوم عصرهم . ويذكر ابن الجوزى فى ترجمة عبد الله بن المبارك أنه جاء للعراق أستاذا معلما سنة 141 تسبقه شهرته فالتف حوله الناس التفافا عظيما، ويروى ابن الجوزى: ( قدم هارون الرشيد أمير المؤمنين الرقة ، فانصرف الناس إلي عبد الله بن المبارك ، وتقطعت النعال وارتفعت غبرة التراب من كثرة ازدحام الناس حوله ، فأشرفت زوجة للرشيد من برج قصر الخشب فلما رأت الناس قالت : ما هذا ؟ قالوا : عالم من أهل خراسان قدم  الرقة يقال له عبد الله بن المبارك ، فقالت : هذا والله الملك ، لا ملك هارون الرشيد الذي لا يجمع الناس إلا بالشرطة والأعوان ..). قد يكون فى هذه الرواية نوع من المبالغة ، ولكن فيها أيضا قدرا من الصحّة يعززه تلك الشهرة التى حظى بها ابن المبارك الفارسى فى بغداد ، بما يُعدُّ دليلا على أن أرباب الكهنوت السُّنى كانوا نجوم الشارع العباسى فى مواجهة البلاط العباسى الذى وقع فى هوى الأطباء والعلماء النصارى والمعتزلة المتأثرين بالثقافات الأجنبية .

2 ـ وطالما لم يكن الفقهاء السنيون سعداء بهذا التكريم العباسى للنصارى والمعتزلة المتأثرين بالثقافات الأجنبية فالمنتظر أن يحدث تصادم بينهم وبين سادتهم العباسيين .

3 ـ فكيف حدث ؟ . الاجابة فى الباب التالى :

الباب الثانى : أحمد بن حنبل

الباب الثانى : أحمد بن حنبل

الفصل الأول :   فتنة أحمد بن حنبل ( وموضوع خلق القرآن )

مقدمة

1 ـ ثار محمد النفس الزكية فى خلافة أبى جعفر المنصور ، فأمر المنصور بأعتقال أهل بيته عام 144 وكان منهم والد محمد النفس الزكية وأعمامه وكبار العلويين ، جىء بهم فى الحديد من المدينة الى الكوفة فى أسوأ حال ، وحبسهم فى سرداب مظلم ضيق تحت الارض يتبولون ويتغوطون حيث ينامون ويأكلون فأصابهم ورم أتى عليهم واحدا بعد الآخر . وبعد مقتل ابراهيم بن عبد الله الثائر مع اخيه محمد النفس الزكية ارسل ابو جعفر المنصور برأسه فألقيت عليهم فى السرداب ، فقال عبد الله والد ابراهيم للربيع وزير المنصور الذى حمل اليهم الراس: ( قل لصاحبك قد مضى من بؤسنا أيام ومن نعيمك أيام ، والملتقى يوم القيامة ).

2 ـ نحن نتذكر الله جل وعلا فى المحن والشدائد . وأغلبنا يكفر بالله جل وعلا وباليوم الآخر حُبّا فى الدنيا وصراعا من أجل حُطامها الزائل . أولئك العلويون صارعوا بنى عمهم العباسيين من أجل الثروة والسلطة ، وحين إنهزموا تذكروا اليوم الآخر . أبو جعفر المنصور ـ شأن أى مستبد يوطّد دولته ـ كان يقف فى القمة على ( الحافّة ) ، يخشى من أى نسمة ريح أن تُسقطه من عليائه الى الحضيض ، لذا لا بد أن يكون جبارا بلا قلب وبلا عهد . وهكذا كان فى نكثه بالعهود وقتله من يشك فى ولائه حتى من داخل بيته . 

3 ـ المستبد يكفر بالله جل وعلا وباليوم الآخر ، خصوصا إذا أقام مُلكه على ايدلوجية دينية قائمة على إختراع الأحاديث مع قسوته فى التعامل مع الفقهاء لو شكّ فيهم . وقد قال المنصور:( الملوك تحتمل كل شىء إلا إفشاء السّر والتعرض للحُرمة والقدح فى الملك ). وأصعب أنواع ( القدح فى الملك ) هو الذى يأتى من رجال الكهنوت العاملين فى خدمة الدولة حين يزايدون عليها باسم الدين .  وورث الخلفاء الأقوياء عن المنصور هذا الحرص على الاستبداد، ومنهم المأمون الذى كان يقول نفس مقالة جده المنصور: :( الملوك تحتمل كل شىء إلا إفشاء السّر والتعرض للحُرمة والقدح فى الملك ).

4 ـ ورجال الكهنوت إذا أرادوا تقوية نفوذهم فى الدولة الدينية زايدوا عليها ، وتطرفوا فى تقديس أئمتهم ليتخذوا منهم منافسا للسلطان المتأله . وبهذا يكون الدين الأرضى مجال الصراع بين السلطان ومنافسيه من داخل الكهنوت الخاضع له .

أولا : المأمون و ( خلق القرآن )

1 ـ إلا إن المأمون تميّز عن سابقيه بأنه مثقف يحب العلم والجدل والمناظرات ومجالسة العلماء والفقهاء ورواة الحديث . ليس فى تاريخه أى إشارة للجوارى والنساء عدا زواجه الاسطورى ببنت الحسن بن سهل . تركز تاريخه حول إنشطته السياسية والحربية والثقافية والعلمية وعلاقاته بالفقهاء والمثقفين ومناظراته وندواته . وقد كان يحاول التوفيق بين شخصيته كمستبد وشخصيته الأخرى كباحث ومثقف يناظر الآخرين من موقع النّدّية . لذا كان يغلّف جبروته بكلام معسول يتحدث فيه عفوه وعدله كأن يقول :( أنا والله أستلذّ العفو حتى أخاف أن لا أؤجر عليه ، ولو عرف الناس مقدار محبتى للعفو لتقربوا لى بالذنوب. ) وهو نفسه الذى قَتَل فى شهر ذى القعدة سنة 200  يحيى بن عامر بن اسماعيل لأن  يحيى قال له‏:(يا‏ أمير الكافرين ).     ( المنتظم 10 / 65 ، 86 ).

2 ـ وبين جبروته كمستبد وشخصيته المثقفة التى تجادل بالعقل والدليل تقع معضلة ( خلق القرآن ) التى ألزم بها الفقهاء والمحدثين والقضاة ، بعد رفضهم لها ، فأصبحت برفضهم شأنا سياسيا يتصل بهيبة الدولة (التى هى المستبد )، فرجال دين المأمون لا بد أن يؤمنوا بما يقول فى الدين الوضعى الأرضى للدولة، فإذا عارضوه فيها فهو ( قدح فى الملك ) لا يغتفر .  أى كان ينتظر منهم أن يصيغوا له حديثا يؤيد رأيه فى خلق القرآن ، كما إعتادوا فعله فى صياغة آرائهم وأهوائهم فى شكل أحاديث ينسبونها للنبى عليه السلام . وكان ذلك مسموحا لهم فى العبادات والمعاملات بالاضافة الى تخصصهم فى صياغة أحاديث تؤيد دولة بنى العباس . ولأنهم رفضوا أن يصيغوا أحاديث تؤيد رأى المأمون فى خلق القرآن كرأى للكهنوت العباسى . بل عارضوا رأيه جهارا فكان لا بد للمأمون من تأديبهم لأنهم بهذا ( قدحوا فى ملكه ) ونالوا من هيبته .

3 ـ  يزيد فى حنق المأمون أنه تقرّب وتحبّب الى الفقهاء والمحدثين مع علمهم بجهلهم وفساد منهجهم وعلمه أيضا بنقائصهم . وربما أراد أن ينهض بهم ثقافيا ليكونوا كالمعتزلة فى العلم بالدين بالنظر والعقل وليس مجرد حبك أحاديث وحفظ متونهم وأسانيدها. أى أن تكون الأحاديث وسبكها فى خدمة الدولة وكهنوتها ، ولكن لا تمنع أصحابها من معرفة العلوم الحقيقية ، أى لا يريد من أهل الحديث أن يظلوا على جهلهم وإنغلاقهم . يؤيد هذا أن المأمون كان عالما بالأحاديث ومن رواتها كما كان أيضا مُطّلعا على الجهود العلمية لبيت الحكمة ، ويّحكى عنه أنه كان يشرح لضيوفه الفوائد الطبية لعشرات الأطعمة فى إستضافته لهم . والمأمون هو الخليفة الوحيد الذى خصّص يوم الثلاثاء فى قصره لمقابلة الفقهاء والمناظرة فى الفقه حسبما يروى المسعودى فى ( مروج الذهب : 2 / 340 ). وكان ينصب لهم الموائد الحافللة بالطعام والحجرات الوثيرة والعطور الغالية ، ثم يناظرهم كأحدهم بلا تجبّر ، فقد كان بثقافته وذكائه وإطلاعه قادرا على الفوز فى المناظرات معهم ، وهو بجهلهم أعجز عن الردّ عليه . وكان مجلسه معهم يستمر للمغرب.   4 ـ وفى النهاية لم يحصل منهم على طائل ، ظلوا بتقليدهم وتمسكهم بما يخترعون من أحاديث تخدم أهواءهم ، وكرهوا مكانة المعتزلة ومقالاتهم ، بل ورفضوا رأى المأمون فى ( خلق القرآن ) فى عام 212 حين أظهر هذا الرأى ودعاهم اليه . لم تكن لديهم حُجّة عقلية أو قرآنية يستندون اليها ، واستمر رفضهم ستة أعوام . والرفض فى مسألة دينية تتعلق بالرحمن والقرآن لا تعرف الوسطية ، فإما أن تكون على حق وإما أن تكون على باطل وكفر وضلال . أى برفضهم ومقاومتهم لرأى الخليفة يعنى إتهامه ضمنيا بالكفر . بل وقد صرّح بعضهم بذلك فى حملتهم المُضادة ضد المأمون ودعوته الى ( خلق القرآن ) . والمأمون كان مشهورا بالحلم ، ونادرا ما يغضب ، وإذا غضب فالرد بالسيف . ولقد اوصله أولئك الى مرحلة الغضب الهائل عام 218. وقتها كان المأمون فى الرقة ، ومنها بعث كتابا الى اسحاق بن ابراهيم نائبه فى بغداد بإجبارهم على القول بخلق القرآن ، متهما من يخالفه بالكفر والضلال .

ثانيا : تحليل كتاب المأمون :

1 ـ  وفى كتابه هذا الى نائبه فى بغداد ( إسحاقبن إبراهيم) يقول المأمون : (وقدعرفأميرالمؤمنين أنالجمهورالأعظموالسوادالأكبرمنحشوةالرعيةوسفلةالعامةممنلانظرلهولارويةولا استضاءةبنورالعلموبرهانهأهلجهالةباللهوعمىعنهوضلالةعنحقيقةدينهوقصورأنيقدروا اللهحققدرهويعرفوهكنهمعرفتهويفرقوابينهوبينخلقه ) . وقد قلنا من قبل أن أولئك الفقهاء وأصحاب الحديث كانوا من العوام الذين إحترفوا مهنة الكذب على النبى ، ليصبحوا بها علماء دين. ولكن المأمون فى غمرة غضبه يصفهم بأنهم حشوة الرعية وسفلة العوام ، وأنهم بلا نظر ولا عقل ولا علم ، وأنهم ضالون جهلاء ولا يعرفون الفارق بين الخالق والمخلوق .

2 ـ ثم أوضح سبب إتهامه لهم فقال : (وذلكأنهمساووابيناللهوبينماأنزلمن القرآن،  فأطبقواعلىأنهقديملميخلقهاللهويخترعه. ).

3 ـ ثم إستشهد المأمون على أن القرآن مخلوق بآيات قرآنية فقال :( وقدقالاللهتعالى"إناجعلناهقرآناًعربياً""الزخرف : 3" فكلماجعلهاللهفقدخلقه، كماقالاللهتعالى"وجعلالظلماتوالنور"الأنعام: 1. وقال"كذلكنقصعليكمنأنباءماقدسبق" "طه: 99 " فأخبرأنهقصصلأمورأحدثهابعدها، وقال "أحكمتآياتهثمفصلت" "هود: 1" واللهمحكمكتابهومفصلهفهوخالقهومبتدعه. ).

4 ـ ووصم المأمون أولئك المحدثين بأنهم انتسبوا للسّنة والجماعة إفتراءا ، وأنهم إحتكروا لأنفسهم الحقيقة ورموا غيرهم بالكفر ، وأنهم نشروا نحلتهم بين الناس. ووصف المأمون لهم فى وقته ينطبق الآن بالضبط على أصحاب الكهنوت السنى الحنبلى الوهابى فى عصرنا .!. فالمأمون يقول عنهم :( ثمانتسبواإلى السُّنة، وأظهرواأنهمأهلالحقوالجماعة، وأنمنسواهمأهلالباطلوالكفر، فاستطالوابذلك، وغروا بهالجهال، حتىمالقوممنأهلالسمتالكاذبوالتخشعلغيراللهإلىموافقتهم، فتركواالحقإلى باطلهم، واتخذوادوناللهوليجةإلىضلالهم). وهنا نفهم سبب غضب المأمون ، فأولئك الفقهاء والمحدثون الذين غمرهم المأمون بكرمه وتواضعه معهم ردّوا الاحسان بالنكران ، بل ويتهمونه بالكفر ، ويصفون أنفسهم بأهل السنة والجماعة ، وهذه مزايدة على الدولة العباسية التى أوجدتهم . وهذا إعتبره المأمون تحديا له وكفرانا بنعمته عليه وفق عقلية المستبد فى داخله . لأنه يهدد نفوذه السياسى وايدلوجيته السنية التى يجب أن تتحرّك فى ركابه وفى موكبه ، لا أن يزايد فيها القائمون بها عليه .

5 ـ لذا كان لا بد أن يتخذ موقفا صارما منهم ، فقال فى رسالته يكفّرهم ويؤكّد كذبهم وإفتراءهم على الله جل وعلا ورسوله بأحاديث مصنوعة : (  فرأىأميرالمؤمنينأنأولئكشرالأمة ، المنقوصونمنالتوحيدحظاً،  وأوعيةالجهالة، وأعلامالكذب، ولسانإبليسالناطقفيأوليائهوالهائل علىأعدائهمنأهلدينالله، وأحقمنيُتهمفيصدقهوتُطرحشهادتهولايوثقبه.  منعميعن رشدهوحظهمنالإيمانباللهوبالتوحيدوكانعماسوىذلكأعمىوأضلسبيلا.  ولعمرأميرالمؤمنين إنأكذبالناسمنكذبعلىاللهووحيهوتخرصالباطلولميعرفاللهحقمعرفته. ) أى يتهمهم بأنهم أكذب الناس لأنهم يكذبون على الله ورسوله بالأحاديث التى يصنعونها . وبالتالى يمنع توظيفهم وقبول شهادتهم فى المحاكم .

6 ـ ثم أصدر المأمون أمره لنائبه بأن يأخذ موافقتهم فى موضوع ( خلق القرآن ) ومن يرفض منهم فليس له مكان فى الدولة قاضيا أو شاهدا، فقال : (فاجمعمن بحضرتكمنالقضاةفاقرأعليهمكتابنا، وامتحنهمفيمايقولونواكشفهمعمايعتقدونفيخلقه وإحداثه، وأعلمهمأنيغيرمستعينفيعمليولاواثقبمنلايوثقبدينه. فإذاأقروابذلكووافقوا فمرهمبنصمنبحضرتهممنالشهودومسألتهمعنعلمهمفيالقرآن.  وتركشهادةمنلميقرأنه مخلوق. واكتبإلينابمايأتيكعنقضاةأهلعملكفيمسألتهم.  والأمرلهمبمثلذلك.) .

ثالثا : ابن حنبل لم يكن من بين كبار الفقهاء وأهل الحديث فى عصر المأمون

1 ـ بعد (إمتحان ) ( أهل القضاء ) و ( الشهود ) العاملين فى سلك القضاء إلتفت المأمون الى أئمة الفقه والحديث فأمر نائبهأن يرسلهم اليه ، وحدّدهم بالاسم ، ولم يكن من بينهم أحمد بن حنبل ، وهم: (محمدبنسعدكاتبالواقدي، ويحيىبنمعين ، وأبوخيثمة، وأبومسلممستملييزيدبنهارون، وإسماعيلبنداود، وإسماعيلبنأبيمسعود،وأحمدبن إبراهيمالدورقي )، فجمعهم إسحاقبن إبراهيم وأرسلهم الى المأمون ،  فامتحنهمبخلقالقرآنفأجابوه،  فردهممنالرقةإلىبغداد . 

2 ـ و لم يرد ذكر لأحمد بن حنبل ضمن هؤلاء الأئمة . وبعد إقرار أئمة الحديث والفقه للمأمون كتب المأمون الى نائبه  بأنيحضر عوام الفقهاءوعوام أهل  الحديثويخبرهمبماأجاببههؤلاءالسبعة الكبار ليسيروا على ما وافق عليه شيوخهم ، ففعل إسحاق بن ابراهيم ذلك . وجمعهم ، فأجابهطائفةوامتنعآخرون.

3 ـ  ثم  كتبالمأمونكتاباًآخرإلىإسحاقوأمرهبإحضارمنامتنعمنهم اليه . وحين علم هؤلاء إستجاب معظمهم ورجع عن قوله متبعا رأى المأمون بخلق القرأن ، ورفض آخرون . فأرسل المأمون رسالة يهاجم فيها المعاندين المعروفين للمأمون بالاسم بالاسم ويفضح المستور من شأنهم ، وهددهم بالقتل ، ولم يذكر المأمون إسم ( أحمد بن حنبل ) . فى هذه الرسالة .

4 ـ ثم جاء ذكره للمأمون ضمن أربعة فقط رفضوا ، وهم (أحمدابنحنبل وسجادةومحمدابننوحوالقواريري)،  فأمرإسحاقبارسالهم فى الحديد الي المأمون . فأجابسجادة  القواريري. وظل ابن حنبل وابن نوح على الرفض ، فأرسلهما بالقيود الى المأمون. وفى هذه المرحلة فقط يأتى ذكر ( أحمد بن حنبل فى القضية ) . ولولا رفضه ما كان له ذكر فى التاريخ .

5 ـ وهم فى الطريق مات المأمون وتولى المعتصم الخلافة ، فأمر برد ابن حنبل وابن نوح الى سجن بغداد ، وفى طريق العودة مات محمد بن نوح عام 218 ، وظل ابن حنبل فى السجن وحده . ولم يلق المأمون .

رابعا : ابن حنبل والمأمون فى التاريخ العباسى 

1 ـ هذا ما نقلناه عن فتنة احمد بن حنبل مع المأمون طبقا لما جاء فى  تاريخ الطبري( 8/ 631 : 645 ) . وما نقله عنه ابن الجوزى فى كتابيه : ( المنتظم ) و ( مناقب الامام أحمد بن حنبل ) . ولقد عاصر الطبرى نفوذ الحنابلة فى القرن الرابع الهجرى وكان من ضحاياهم ، ونقل روايات ما حدث لابن حنبل فى عصر المأمون بعد نصف قرن تقريبا من موت ابن حنبل . وأنهى الطبرى التأريخ حتى سنة 302 ومات الطبرى سنة 310. وقد توقف الطبرى فى موضوع خلق القرآن بموت المأمون دون أن يذكر ما حدث لابن حنبل من ضرب فى حضرة الخليفة المعتصم .

2 ـ لم يهتم  المسعودى بمنهجه العقلى بفتنة أحمد بن حنبل ، ويبدو أنه لم يعتبر فتنة احمد بن حنبل  خبرا مستحقا للذكر ، فلم يرد ذكر لفتنة ابن حنبل فى تاريخ المسعودى ( مروج الذهب ) والذى أرّخ فيه للدولة العباسية حتى عام 336 هجرية،أى الى خلافة المطيع لله العباسى . ومات المسعودى عام 346 . 

3 ـ أما المؤرخ اليعقوبى الذى كتب تاريخه ( تاريخ اليعقوبى ) فى جزئين فقد كان الأقرب لعصر ابن حنبل من الطبرى والمسعودى . وقد خصّص اليعقوبى الجزء الثاني خاصاً بالتاريخ الإسلامي ، وأرّخ فيه حتى أيام المعتمد على الله العباسي، حوادث سنة 259هـ ـ وتوقف قبل  وفاته ب(33) سنة . ولأن اليعقوبى كان الأقرب الى عصر ابن حنبل فهو الأصدق فى التأريخ له . ولكن نُفاجأ باليعقوبى يقول فى تاريخه شيئا مختلفا عما قاله الطبرى . يقول : ( وسار المأمون الى دمشق سنة 218 ، وامتحن الناس فى العدل والتوحيد ( أى رأى المعتزلة بالقول فى خلق القرآن ) وكتب فى إشخاص الفقهاء من العراق وغيرها ، وأكفر من إمتنع أن يقول القرآن مخلوق . وكتب الأ تقبل شهادته . فقال كل بذلك إلا نفرا يسيرا .) . هذا هو كل ما قاله اليعقوبى عن فتنة ابن حنبل ، دون ذكر لابن حنبل فيما حدث فى عصر المأمون .  وهذا يؤكد ان ابن حنبل كان نسيا منسيا فى عصر المأمون ، ولولا تصميمه على الرفض لرأى المأمون ما عرف به أحد .

خامسا  : المعتصم وضرب ابن حنبل

1 ـ لم يرد فى تاريخ الطبرى ذكر لمحنة ابن حنبل وضربه بين يدى الخليفة المعتصم .

2 ـ  أول من ذكر ذلك ـ حسب علمنا ـ هو اليعقوبى فى تاريخه . قال :( وامتحن المعتصم أحمد بن حنبل فى خلق القرآن ، فقال أحمد : أنا رجل علمت علما ولم أعلم فيه بهذا . فأحضر له الفقهاء ، وناظره عبد الرحمن بن اسحاق وغيره فامتنع أن يقول إن القرآن مخلوق . فضُرب عدة سياط . فقال اسحاق بن ابراهيم : ولّنى يا أمير المؤمنين مناظرته . فقال : شأنك . فقال اسحاق : هذا العلم الذى علمته نزل به عليك ملك أو علمته من الرجال ؟ قال بل علمته من الرجال . قال : شيئا بعد شىء أو جملة ؟ قال : علمته شيئا بعد شىء . قال : فبقى عليك شىء لم تعلمه ؟ قال : بقى علىّ . قال : فهذا مما لم تعلمه ، وقد علمكه أمير المؤمنين . قال : فإنى أقول بقول أمير المؤمنين فى خلق القرآن . فأشهد عليه وخلع عليه ، وأطلقه الى منزله . ) . الجديد هنا أن ابن حنبل بعد تعرضه للضرب وعجزه عن ردّ الحجة وافق المعتصم على القول بخلق القرآن ، فكوفىء بالخلع عليه وبإطلاق سراحه . وهذا يخالف ما زعمه إبن الجوزى .

3 ـ فالمؤرخون الحنابلة صنعوا بعد قرون من موت ابن حنبل تاريخا مزورا لابن حنبل ، ملأوه بالأساطير والكرامات والمناقب،بل والـتأليه، وهذا ما فعله ابن الجوزى المتوفى عام  597 ، فى كتابيه:( مناقب الامام أحمد بن حنبل ) و(المنتظم ) . وننقل عنه ما يمكن قبوله عقلا وممّا يتسق مع أحداث العصر وثقافته .

4 ـ وبإيجاز فقد كلّف الخليفة المعتصم من يجادل أحمد بن حنبل ، فجادلوه بلا فائدة .وتراّف به المعتصم وترجّاه أن يقول بخلق القرآن ، ولم تكن لابن حنبل حّجة إلا قوله الذى يكرره دائما : ( اعطونى شيئا من كتاب الله أو من سنة رسول الله ) . يطلب منهم أن يستشهدوا بآية قرآنية تقول إن القرآن مخلوق أو بحديث يقول هذا . وفى النهاية يأس المعتصم منه فأمر بجلده ، فجلدوه بحضور المعتصم 80 سوطا ، وقيل 36 سوطا . ثم أمر المعتصم بتسليمه حيا لعمه ، وأشهده على أنه معافى صحيح الأعضاء .

5 ـ بعد الافراج عنه إعتزل أحمد بن حنبل فى بيته طيلة حكم المعتصم . وتولى الواثق عام 227 ، فأحيا موضوع ( خلق القرآن ) فهرب أحمد بن حنبل ، وعاش مستخفيا خمس سنوات الى أن مات الواثق عام 232 . وتولى المتوكل بعد الواثق فانحاز لأهل السنة ، ومع ذلك أمر باستدعاء ابن حنبل للتحقيق معه فى وشاية بأنه يأوى بعض الثوار العلويين ، وثبتت براءة أحمد بن حنبل . فلم يتم التحقيق معه .

6 ـ فلماذا خلق الحنابلة شخصية اسطورية لابن حنبل بعد موت ابن حنبل ؟ لماذا جعلوه الاها بعد موته ؟

انتظرونا .

الفصل الثانى :  صناعة شخصية زائفة لابن حنبل  

 أولا : تاريخ احمد بن حنبل بين الحقيقة والافتراء

1 ـ هناك شخصيات تاريخية تخلق الأحداث ، وهناك شخصيات تخلقها الأحداث وتحملها الأحداث . وابن حنبل كان شخصية عادية مسالمة من عوام المحدثين ، ولكن خلقته الأحداث وحملته فى طريقها ، ثم إستمرت بعده حيث جعلته الدعاية السنية رأسا لحركة الحنابلة التى تسيّدت الشارع العباسى بالعنف والتشدد ثلاثة قرون بعد موته عام 241  الى عصر المؤرخ ابن الجوزى المتوفى عام 597 حين حلّ التصوف دينا شعبيا مُسالما محل الدين الحنبلى المتشدد المُشاغب .

2 ـ واشاع الحنابلة روايات شفهية عن سيرة ابن حنبل تخالف شخصيته الحقيقية ، وكان ابن الجوزى المؤرخ الفقيه المحدث القصّاص الحنبلى أبرز من قام بتجميع وتدوين تلك الروايات فى كتابه ( مناقب الامام احمد بن حنبل ) ، وهو مطبوع ومنشور . بالاضافة الى رصد تاريخ ابن حنبل والحنابلة فى العصر العباسى فى تاريخه ( المنتظم ) .وقد جعل ابن الجوزى لهذه الروايات المصنوعة عن سيرة ابن حنبل إسنادا ( أى روى فلان عن فلان ) كأنه ينقل أحاديث نبوية فى دينهم السّنى . وسبقه البيهقى ت ( 384 : 458 ) فى كتابه عن مناقب أحمد بن حنبل . ولكن ابن الجوزى هو الأكثر شهرة  والأجرأ على الكذب . والعادة فى ( تاريخ المنتظم ) أن ابن الجوزى ينقل الأحداث السابقة على عصره مما كتبه الطبرى فى تاريخه . ولكنه يكتب أحداثا أخرى ماضية لم يذكرها الطبرى وغير الطبرى ، أى إنفرد ابن الجوزى بذكرها ، وعندئذ يقوم إبن الجوزى بعمل إسناد لها عن رواة عاصروها . ولأنه أول من يذكر تلك الأحداث التى حدثت قبل مولده بقرنين فلا بد أن يلحقها الشّك خصوصا وأنه غير محايد ، بل هو متعصب للحنابلة وضد المعتزلة والصوفية والشيعة . لذا يقوى الشّك في رواياته التى تتعلق بأهل الحديث  وخصومهم من المعتزلة والشيعة والصوفية .  ويتأكّد كذب ابن الجوزى حين يحكى منامات وكرامات ينسبها لأشياخه السنيين ، ويزعم فيها أن الله جل وعلا قال كذا فى هذا المنام أو أن النبى عليه السلام رؤى فى المنام فقال كذا يمدح هذا الشيخ السُّنى الحنبلى أو يذمّ هذا المعتزلى .

ثانيا : الهدف من صناعة هذه الصورة الزائفة لابن حنبل

1 ـ الحنابلة فى طموحهم السياسى فى العصر العباسى إتخذوا من هذه الشخصية المزيفة المصنوعة لإبن حنبل رمزا للكهنوت السّنى المتشدد الذى يزايد على السلطة السياسية القائمة على الدين السُّنى . وظل هذا ساريا من العصر العباسى وحتى عصرنا البائس . ومثلا فإنّ ابن تيمية قام بإحياء الحنبلية وواجه بها المماليك سياسيا فى العصر المملوكى ، ثم تبعه ابن عبدالوهاب فى أواخر العصر العثمانى ، والذى قام بتجديد الحنبلية ، وبالوهابية قامت الدولة السعودية ثلاث مرات وسقطت مرتين .

2 ـ والدولة السعودية الراهنة واجهت وتواجه حركات معارضة متشددة من داخل الوهابية ، تستخدم الوهابية نفسها فى المزايدة على الأسرة السعودية ، وتعتبر الوهابية الحنبلية هى مصدر السلطة وبالتالى فلا بد أن يكون لعلماء الكهنوت الوهابى النصيب الأكبر فى السلطة والثروة ، بينما يرى البيت السعودى أنهم مصدر السلطة ، بالضبط كما كان يعتقد البيت العباسى فى الخلافة العباسية ، فالمعارضة الوهابية فى السعودية تكرر نفس ما كان الحنابلة يفعلون ضد الدولة العباسية التى تأسست على الكهنوت السّنى .

3 ـ ويتفق الاخوان المسلمون   مع السعودية ودول الخليج فى إعتناق الوهابية ، ولكن يعتقد الاخوان أنهم الأحق بالحكم من تلك الأسرات الحاكمة فى السعودية والخليج ، لأن الاخوان يعتقدون أنهم الممثلون الحقيقيون للوهابية التى هى عندهم مصدر السلطة ، وقد أضفوا عليها إسم الاسلام زورا وبهتانا .

4 ـ كل حركات المزايدة السنية والتشدد والتزمت والتطرف والارهاب حملت إسم ابن حنبل ، بحيث صار لقب ( حنبلى ) فى الثقافة الشعبية رمزا للتزمت والانغلاق والتطرف والتعصب والارهاب . منبع هذا كله من تلك الصورة الوهمية المصنوعة لابن حنبل فى العصر العباسى والتى تخالف شخصيته الحقيقية .

5 ـ وإستمرت هذه الصورة النمطية لابن حنبل باستمرار الهدف من تصنيعها . فالهدف هو تصنيع شخصية تكون رمزا مُلهما لأصحاب الكهنوت فى تحدّى السلطة والمزايدة عليها ، فطالما أن الدولة الدينية تستمد سلطتها السياسية الزمنية من هذا الكهنوت فلا بد أن يكون لرجال الكهنوت الموقع الأعلى فى الدولة ، وإلا فلهم حق الثورة عليها . وقد أشرنا الى علاقة الدولة الدينية بكهنوتها وحاجتها الى هذا الكهنوت ، ومزايدة الكهنوت على تلك الدولة وقت ضعفها للحصول على قدرأكبر من السُّلطة والثروة .

ثالثا : ضربوا إبن حنبل فأدخلوه التاريخ ، ولو لم يضربوه ما عرفه أحد 

1 ـ عرفنا كيف أوسع المأمون قلبه وقصره للمثقفين والعلماء والفقهاء وأهل الحديث ، لأنه كان مثقفا يحب مجالسة المثقفين أكثر من مجالسة النساء والمُغنّيين ، وإستثمر المثقفون العقليون ( المعتزلة ) ميل المأمون لهم فترجموه إلى نفوذ سياسى أثار حقد الفقهاء وأهل الحديث ، والتفت المأمون يتقرب لأهل الحديث ويُفسح لهم فى قصره فحاولوا أن يستغلوا هذا فى النّيل من خصومهم المعتزلة . وعرفنا أن الكراهية كانت متبادلة بينهما ، فاطلق أهل الحديث والفقهاء على أنفسهم ( أهل السّنة ) وأطلقوا على  المعتزلة لقب ( المبتدعة ) بينما أطلق المعتزلة على انفسهم (أهل العدل والتوحيد ) وأطلقوا على أهل الحديث (الحشوية ).

2 ـ وعندما فشل أهل الحديث علميا أمام المعتزلة وأيقنوا من أن المأمون فى صف المعتزلة وقفوا فى وجه المأمون فى قضية خلق القرآن . فتحوّل الأمر الى محنة ومواجهة سياسية . واستخدم الخليفة سلطانه ، وسلّط عليهم ( محاكم التفتيش ) فأسرع شيوخ الفقهاء والقضاة وشيوخ أهل الحديث الى موافقة المأمون خوفا على مكانتهم ، ولم يبق إلا موافقة عوام الفقهاء والمحدثين ، ومنهم ابن حنبل الذى لم يكن معروفا ولا مشهورا وقتها ، ولكن لمع إسمه فجأة عندما فاجأ شيوخه والجميع بتمسكه بمخالفة الخليفة . لم يكن لديه ما يخسره ككبار الفقهاء والقضاة والمحدثين ، فصصم على رأيه ، فتعرض للضرب بالسوط ، وبهذا دخل التاريخ . ولولم يضربه المعتصم ما كان سمع به أحد . ولو مات مثل رفيقه فى ارفض ( محمد بن نوح ) لظل مجهولا بين سطور التاريخ مثل ( محمد بن نوح ) . ولكن إستمرار محاكمته وضربه بين يدى الخليفة المعتصم أوسع له مكانة فى عصره ، حيث كان العوام من أهل الحديث فى حاجة الى زعيم ، وهم الذين إمتهنوا الحديث ليصلوا به الى نصيب من السلطة والثروة ـ.

رابعا : رفض ابن حنبل أن يكون زعيما بعد شهرته لأنه لا يصلح أن يكون زعيما

1 ـ وفى حياته وبعد أن صار معروفا مشهورا خيّب ابن حنبل آمال من يريدون زعيما وإماما ، فبعد إطلاق سراحه إعتزل الناس ـ وكان يرفض حضور صلاة الجمعة والجماعة ، وأغلق عليه باب داره . وإختفى ابن حنبل حين جاء الخليفة الواثق يفتح من جديد قضية خلق القرآن وما نشأ عنها من قتل أحمد بن نصر الخزاعى ومقتله عام 231 . ثم عاد للظهور عندما شعر بالأمن بعد تحالف المتوكل مع السّنيين.

2 ـ وزادت شهرته فى عصر الخليفة المتوكل ، ولكن لم يستفد ابن حنبل من هذه السلطة والحظوة التى نالها السّنيون الناشطون فى خلافة المتوكل، فالقادة فى الكهنوت لا بد أن يكونوا خبراء فى المداهنة وفى التعامل السياسى مع السلطان ومراكز القوى داخل القصر ، وهذا ما لا يعرفه ابن حنبل ، فظلّ مع شهرته والتقدير الذى حظى به فى أواخر عمره بعيدا عن النفوذ السياسى ، لأنه كما يذكر ابن الجوزى فى مناقبه كان يؤثر العُزلة والوحدة وستر الحال ويكره الشُّهرة، وهذا هو عنوان الباب رقم 54 ( فى إيثاره العُزلة والوحدة ) وعنوان الباب 55 ( فى إيثاره خمول الذكر وستر الحال ) .

3 ـ بهذا لا يمكن أن يتأقلم مع البروتوكول العباسى ومكائده ، كما كان بضيق أفقه وتمسكه بنصوص الأحاديث التى يحفظها  لا يصلح للتعامل السياسى مع خليفة ماجن سكير كالخليفة المتوكل ، ولا يستطيع التعامل مثلا مع محظية المتوكل ( قبيحة ) أم المعتز ولىّ العهد وصاحبة النفوذ فى عصر المتوكل ، ولا يستطيع التعامل مع قادة العسكر الأتراك المتحكمين فى خلافة المتوكل ، والذين ـ فيما بعد ـ قتلوا المتوكل وهو يسكر مع صديقه الفتح بن خاقان .

خامسا  : عبد الله بن احمد بن حنبل أول من رسم شخصية مزورة لأبيه

1 ـ عبد الله بن أحمد بن حنبل هو مصدر الروايات الخرافية عن أبيه . وعبد الله هو الذى أرسى تلك الشخصية الوهمية عن أبيه بالروايات الى صنعها عنه ونشرها بين الناس فى عصره ، وتناقلها الناس بعده الى أن تم لها التدوين مع زيادات فى الكاذيب ، كالمعتاد .  عبد الله ابن أحمد بن حنبل إستثمر محنة أبيه ، فأخذ يروى عنه أقاصيص ظل الفقهاء السنيون والقّصّاص يتداولونها ويزيدون فيها ، الى ان تم تدوينها فى العصور التاريخية ضمن تاريخ ومناقب أحمد بن حنبل ، صيغ بعضها فى صورة منامات يرتفع فيها أحمد بن حنبل الى مقام التأليه . وقد حظيت هذه الخرافات بتصديق الناس حتى الان بدليل أن كتاب مناقب احمد بن حنبل لابن الجوزى لا يزال يجد من يصدقه ويطبعه وينشره  .

2 ـ وقد مات عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل عام 290 . ومن أهم الخرافات التى أذاعها وأشاعها أنه جعل أباه من  كبارعلماء الحديث ، ولم يكن ابن حنبل إلا من ضمن عوام المحدثين . ولكن تأسس على تلك الفرية أن جعلوا ابن حنبل رأسا من رءوس الحديث ، بل جعلوه صاحب مذهب فقهى ، ولم تكن له علاقة بالفقه على الاطلاق . السبب أن عبد الله بن أحمد بن حنبل كتب ( مسند أحمد )وغيره بعد موت أبيه ونسب هذه الكتب لأبيه إفتراءا وكذبا .

سادسا : ابن حنبل لم يكن ناشطا سياسيا ، ولم يؤلف كتبا فى الحديث  

  1 ـ الذى كان له علم بالروايات الحديث المنتشرة فى عصره لم يكن أحمد بن حنبل بل إبنه عبد الله . قال ابن الجوزى فى ترجمة عبد الله بن أحمد بن حنبل : ( ‏ وقال ابن المنادي‏:‏ لم يكن في الدنيا أحد أروى عن أبيه منه) ، أى إن عبد الله هو مصدر الأخبار عن أبيه ابن حنبل ، ويقول ابن الجوزى عن عبد الله بن حنبل : ( لأنه سمع ‏"‏ المسند ‏"‏ وهو ثلاثون ألفًا و ‏"‏ التفسير ‏"‏ وهو مائة وعشرون ألفًا سمع منها ثمانين والباقي إجازة وسمع ‏"‏ الناسخ والمنسوخ ‏"‏ و ‏"‏ التاريخ ‏"‏ و ‏"‏ حديث شعبة ‏"‏ و ‏"‏ المقدم والمؤخر في كتاب الله تعالى ‏"‏ و ‏"‏ جوابات القرآن ‏"‏ و‏"‏ المناسك الكبير والصغير ‏"‏ وغير ذلك من التصانيف وحديث الشيوخ ‏.‏ ) . أى إنّه هو الذى سمع من أبيه الكتب التى تمت نسبتها فيما بعد لأبيه . أى لم تكن مكتوبة ومدونة فى حياة أبيه ، بل تم تدوينها بعد موته ، فقد  كان ابن حنبل يكره تدوين وكتابة الأحاديث . وقد خصّص ابن الجوزى الباب 29 ضمن مناقب أحمد بن حنبل ليؤكّد  أنه كان ينهى عن كتابة ورواية كلامه . والعنوان يقول : ( ذكر نهيه أن يكتب كلامه أو أن يروى ). وفى أخر الباب يقول ابن الجوزى : ( وكذلك كان أحمد رضى الله عنه ينهى عن كتب كلامه ، وقدّر الله أن دُوّن ورُتّب وشاع ) . فمن الذى رتّب ودوّن وأشاع كلامه ؟ أو بمعنى أصح من الذى كتب الكتب المنسوبة لأحمد بن حنبل ونشرها وأشاعها ؟ إنه إبنه عبد الله .

2 ـ و يروى ابن الجوزى ما قيل عن عبد الله : ( ‏ وما زلنا نرى أكابر شيوخنا يشهدون له بمعرفة الرجال وعلل الحديث والأسماء والكُنى والمواظبة على طلب الحديث في العراق وغيرها ، ويذكرون عن أسلافهم الإقرار له بذلك ، حتى أن بعضهم أسرف في تقريظه إياه بالمعرفة وزيادة السماع للحديث على أبيه ‏.‏ ) ، أى إن بعضهم وصفه بأنه كان أعلم من أبيه .!!. ولكنه إختار ان يختبىء خلف إسم أبيه ليستثمر محنة أبيه فيزداد بها مكانة وثراءا. فكتب كتبا ونسبها لأبيه ، ومنها ( مسند أحمد ) الذى لم يكتبه  أحمد بن حنبل ، بل وضعه ونشره ابنه عبد الله باسم أبيه زورا وبهتانا .

3 ـ وقد حاول ابن الجوزى فى مناقب ابن حنبل التوفيق بين نهى ابن حنبل عن كتابة آرائه وأحاديثه فقال فى باب 27 ( ذكر مصنفاته ): ( كان الامام أحمد رضى الله عنه لا يرى وضع الكتب وينهى أن يكتب عنه كلامه ومسائله ، ولو رأى ذلك لكانت له تصانيف كثيرة . ولنقلت عنه كتب .) بعدها مباشرة يناقض ابن الجوزى نفسه فى نفس السطر فيقول :( فكانت تصانيفه المنقولات ( أى الحديث ) ، فصنّف المُسند ، وهو ثلاثون الف حديث ، وكان يقول لابنه عبد الله : إحتفظ بهذا المُسند فإنه سيكون للناس إماما )، أى إستأمن إبنه عبد الله على هذا المُسند الذى سيكون للناس إماما بدل القرآن الكريم .؟!! واستطرد ابن الجوزى فى تعداد الكتب الأخرى المنسوبة لابن حنبل، ثم يعود ابن الجوزى يناقض نفسه فيقول عن ابن حنبل : ( وكان ينهى الناس عن كتابة كلامه ، فنظر الله الى حُسن مقصده فنُقلت ألفاطه وحُفظت ، فقلّ أن تقع مسألة إلّا وله فيها نصُّ من الفروع والأصول . ).

4 ـ الخطورة هنا أن ابن الجوزى يجعل ربّ العزة جل وعلا واسطة بين ابن حنبل والناس ، فإذا رفض ابن حنبل تدوين علمه فإن رب العزة يتدخل ليتم نقل كلام ابن حنبل لأنّ رب العزة قد نظر الى ( حُسن مقصد ابن حنبل ) .. فمن أعلم ابن الجوزى بهذا ؟ وهل يصح أن يفترى مُسلم صحيح الايمان بهذا الافتراء الذى يُهين رب العزة ويرفع بشرا أعلى من خالق السماوات والأرض ؟ ثم أن يكون هذا التبرير السقيم من أجل قضية تافهة هى الزعم بأن تلك الكتب من تأليف ابن حنبل .

5 ـ هذا مع أن الكذب واضح والتناقض بين العبارات أوضح . وأن المؤلف الحقيقى لهذه الكتب ليس ابن حنبل بل ابنه عبد الله. يكفى هنا زعمهم بأن ابن حنبل قال لابنه عبد الله (إحتفظ بهذا المُسند فإنه سيكون للناس إماما  )، فكيف ينهى عن كتابة ما يقول ثم يأمر ابنه أن يكتب عنه ( المسند ) وأن يحتفظ به لأنّ هذا ( المسند )  سيكون للناس إماما ؟. الواضح أن عبد الله هو الذى كتب ( المسند ) ثم نسبه لأبيه ، وزوّر هذا الكلام عن أبيه . والواضح أيضا أنه ليس ابنه عبد الله فقط الذى أسند لأبيه هذه المؤلفات ، بل أسند الحنابلة الكثير من آرائهم لابن حنبل بعد موته فى مسائل فقهية كثيرة حتى قال ابن الجوزى عن تلك الآراء: ( فقلّ أن تقع مسألة إلّا وله فيها نصُّ من الفروع والأصول . ). وبهذا صار ابن حنبل إماما لمذهب فقهى منسوب اليه ( المذهب الحنبلى ) .بسبب هذا المنسوب اليه من الفقه . 

6 ـ وضمن هذا التزوير ما يرويه ابن الجوزى فى مناقب أحمد فى ( باب 9 )( بيان غزارة علمه.. ) ومنها قول أحدهم:( رأيت أحمدبن حنبل كأن الله قد جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف يقول ما شاء ويمسك عماشاء ‏.‏) أى يعلم غيب الماضى وغيب المستقبل .!! وفى ( باب 8 : ذكر حفظه وقدر ما كان يحفظ )، يروى ابن الجوزى : ( كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث ). لو صدقنا هذا التخريف فإنّ هذا الحفظ الهائل لمليون حديث وهذا العلم الهائل الذى يجمع علم الأولين والآخرين ، أى من بدء الخليقة الى قيام الساعة يستلزم من صاحبه التفرّغ التام .

7 ـ ولكن عبد الله بن حنبل لا ينسى أن يُرصّع تاريخ أبيه بالتفرّغ أيضا للعبادة ، فيقول ( ‏ وكان أبي يصلي كليوم وليلة ثلاثمائة ركعة..   وكان يقرأ في كل يوم سبعًا وكانت له ختمة فيكل سبع ليال سوى صلاة النهار، وكان ساعة يصلي ويدعو عشاء الآخرة ينام نومة خفيفة ثميقوم إلى الصباح يصلي . وحج خمس حجات ثلاث حجج ماشيًا واثنتين راكبًا ‏.‏)( المناقب باب 58 : فى ذكر تعبده )، فهل إتّسع وقته للعلم والعبادة بهذا الشكل ؟ .

8 ـ ثم إن تحصيل مليون حديث كان يستلزم الرحلة من العراق الى مصر واليمن والحجاز. وقد ذكروا رحلاته ، وتناسوا أن هذه الرحلات تستلزم مالا ، فكيف يتسق هذا مع فقره الشديد الذى تردد فى تاريخه ؟ إذ كان فقره يدفعه الى التقاط فضلات الطعام ، والى أن ينسخ الكتب بالمال :( المناقب باب 40: فى ذكر ماله ومعاشه : فصل : وكان أحمد ربما إحتاج فخرج الى اللقاط . فصل : وكان أحمد ربما إحتاج فنسخ بأجرة . )

سابعا  : ابن حنبل كان من عوام أهل الحديث المقلدين 

1 ـ الدليل على ذلك أنه كان يرى العلم محصورا فيما يراه عوام ( المسلمين ) أو أكثرية الناس . فكان يتمسك بقول منسوب لابن مسعود : ( ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوهسيئاً فهو عند الله سيء ) أى يجعل رب العزة ملتزما برأى الأغلبية من الناس ، مع أن الله جل وعلا يصف أكثرية البشر بأنها لا تؤمن ولا تعقل ولو أطاعها خاتم النبيين فسيضلونه عن سبيل الله . وبغض النظر عن الناحية الايمانية هنا ـ مع خطورتها. إلا أن هذا القول يفضح منهج ابن حنبل القائم على التقليد ومحاربة الاجتهاد ، 2 ـ ويعزّز هذا أن ابن حنبل وسائر قطيع السنيين كانوا يتهمون من يجتهد بأنه ( مبتدع ) . أى أصبح الابتداع والاجتهاد فى فهم القرآن وتدبره بالرأى ( بدعة )، وأطلقوا على المعتزلة مبتدعة .

3 ـ ولا تزال كلمة ( بدعة ) بغيضة لدينا ، ومازال بعضنا يجترُّ شعار السنيين ( كل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار ) . وبسبب حرب السنيين للإجتهاد توقف الاجتهاد عند ما كتبه أئمة الفقه والحديث فى القرن الثالث الهجرى ، ولا يزال أولئك الأئمة أئمة حتى عصرنا دون أن يوجد من يبنى على عملهم ويطوّره ، بل أصبح التقليد سيد الموقف ، بل وتحول التقليد الى جمود وتأخر ينعُم به المحمديون حتى اليوم . ولقد وصل الغرب بالاجتهاد والابتداع والاختراع والاكتشاف الى ما نحن  فيه الآن .ووصلت بنا السلفية الوهابية الحنبلية الآن فى عصر العلم والتكنولوجيا الى الاختلاف فى رضاعة الكبير والتداوى ببول الابل و النقاب و جهاد المناكحة .!.

4 ـ وحتى الآن لا تزال كتب السلفية الأكثرمبيعا ، وحتى الآن يزال السلفيون يقولون عن ( مُسند أحمد ) المنسوب زورا لأحمد بن حنبل :( وضع الإمام أحمد هذا الكتاب ليكون مرجعاً للمسلمين وإماماً وجعله مرتباً على أسماء الصحابة الذين يروون الأحاديث كما هي طريقة المسانيد، فجاء كتاباً حافلاً كبير الحجم، يبلغ عدد أحاديثه أربعين ألفاً تقريباً، تكرر منها عشرة آلاف حديث ومن أحاديثه ثلاثمائة حديث ثلاثية الإسناد (أي بين راويها وبين  النبى  ثلاثة رواة). وقد رتب كتابه على المسانيد فجعل مرويات كل صحابى في موضع واحد، وعدد  الصحابة الذين لهم مسانيد في مسند الإمام أحمد (904) صحابى .و كان ابن حنبل  يحفظ الف الف حديث عن ظهر قلب، وقد انتقى المسند من هذا العدد الهائل من محفوظه .!.).

والمجانين ..فى نعيم .!

وللحديث بقية عن ملامح الشخصية المزورة لابن حنبل .

الفصل الثالث : إبن حنبل كان من عوام أهل الحديث ولم يكن فقيها    

مقدمة

1 ـ كان عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي من رفاق أبى جعفر المنصور فى طلب (علم الحديث ).

قال‏ عن المنصور:‏ ( كنت أطلب العلم مع أبي جعفر أمير المؤمنين قبل الخلافة ، فأدخلني يومًا إلى منزله ، وقدم طعامًا ومريقة من حبوب ليس فيها لحم ، ثم قدم إلي زبيبًا ، ثم قال‏:‏ يا جارية عندك حلواء ؟ قالت‏:‏ لا . قال‏:‏ ولا التمر ؟ قالت‏:‏ ولا التمر . فاستلقى ثم تلى هذه الآية‏:‏ ‏‏ ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ )‏‏.‏ فما ولي الخلافة دخلت عليه، فقال‏:‏ يا عبد الرحمن بلغني أنك كنت تفد لبني أمية قال‏:‏ قلت‏:‏ أجل كنت أفد لهم وأفد إليهم‏.‏ قال‏:‏ فكيف رأيت سلطاني من سلطانهم ؟ قال‏:‏ قلت‏:‏ يا أمير المؤمنين والله ما رأيت من سلطانهم من الجور والظلم إلا رأيته في سلطانك . ).

هنا رفيق سابق للمنصور وصديق سابق له ، وقد قال له كلمة حق ، هى أن الظلم الذى كان فى بنى أمية أعاده العباسيون . ولقد برّر له المنصور الظلم بأنه لا يجد الأعوان فاستشهد له صديقه بمقالة عمر بن عبد العزيز ( السلطان كالسوق ) ، أى فالذى يريد أن يشترى الجواهر لن يذهب الى سوق المواشى أو سوق الخضروات ، والسلطان الورع لن يجتمع حوله النصّابون الفاجرون . وبالتالى فلا بد ان تكون حاشية السلطان الجائرة على شاكلته فى الجور ، وخصوصا إذا كان سلطانا فى دولة دينية يقيم سلطانه على كهنوت دينى ، عندها لا بد أن يكون رجال كهنوته أخبث منه لأنهم يفتون له بالظلم ويبررون له ظلمه بأحاديث مفتراة . ولذلك فإن أباجعفر المنصور لم يثق بصديقه القديم وزميله القديم فى ( طلب الحديث ) ، مع أن هذا الزميل القديم لم تكن سيرته ناصعة البياض ، فقد كان ( يفد ) أى يأتى وافدا يزور بنى أميه فى سلطانهم ، أى يعمل فى خدمتهم ويحصل على عطائهم مع علمه بظلمهم ، ثم أنه ايضا كان يطلب (علم الحديث ) أى يحترف التزوير . ولكن أبا جعفر المنصور لم ير فى صديقه القديم المؤهلات الكافية لأن يجعله ضمن رجال كهنوته ، لأن أبا جعفر يشترط فى رجال الكهنوت الطاعة التامة وعدم الانتقاد  .

ولم يكن صديق أبى جعفر المنصور الوحيد الذى خاب أمله فى العباسيين ، ففى سنة 133 ثار عليهم فى خراسان سويد ابن شيخ المهري الذى قال ‏:‏ ( ما على هذا اتبعنا آل محمد على ، أن نسفك الدماء ونعمل بغير الحق ) ، وتبعه على رأيه أكثر من ثلاثين ألفًا . وانهزم ولقى حتفه .

2 ـ وهناك صنف من رجال الكهنوت جاهزون لخدمة السلطان القائم يغيرون آراءهم تبعا لهواه مثل الأوزاعى فقيه الأمويين ، والذى أسرع بعد سقوطهم بتغيير جلده وعرض خدماته على العباسيين فاصبح من رجال كهنوتهم ، وحظى بمكانة رفيعة فى الدولتين الأموية والعباسية . هذا يذكرنا بشيوخ الأزهر فى عصرنا الذن يتبارون فى الافتاء لكل سلطان بما يهوى ، إذا أرد عبد الناصر الحرب هتفوا له ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ) وإذا أراد السادات الصلح قالوا له : ( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا . ) وإذا قال مبارك ( التوريث ) تغنوا له بالتوريث،وإذا قال ( التمديد ) رقصوا على موسيقى التمديد . وقبلهم قال أحد الإخوان المسلمين يمدح إسماعيل صدقى باشا رئيس الوزراء قبل الثورة (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ )  .!

أولا : لم يكن أبن حنبل من قادة الكهنوت السّنى فى عصره

1 ـ ولم يكن ابن حنبل يصلح لأن يكون من هذا الصنف . ليس فقط لأنه كما قلنا : ( لا يمكن أن يتأقلم مع البروتوكول العباسى ومكائده ، كما كان بضيق أفقه وتمسكه بنصوص الأحاديث التى يحفظها  لا يصلح للتعامل السياسى مع خليفة ماجن سكير كالخليفة المتوكل ، ولا يستطيع التعامل مثلا مع محظية المتوكل ( قبيحة ) أم المعتز ولىّ العهد وصاحبة النفوذ فى عصر المتوكل ، ولا يستطيع التعامل مع قادة العسكر الأتراك المتحكمين فى خلافة المتوكل ) . ولكن لأنه لم يكن من قادة أهل الحديث الذين يتخصصون فى تأليف وصناعة الأحاديث ، بل كان من عوام المحدثين ينقل عن القادة مخترعى الحديث مصدقا لهم ، وأنهم فعلا ( سمعوها من فلان عن فلان ) .

2 ـ فأهل الحديث كانوا نوعين : قادة يصنعون الأحاديث ويجعلون لها إسنادا كاذبا ، ثم عوام أهل الحديث الناشرين لهذا الافك بين الناس . اولئك القادة كانوا ممن وافقوا من قبل على القول بخلق القرآن وتجنبوا مصير ابن حنبل لأنهم كانوا أصحاب مهنة وأحرزا مكانة بهذه المهنة ، ولا بد أن يحافظوا عليها .  والفارق هائل  بين الأئمة ممن يصنع الحديث وينشره والعوام ممن يجمع الحديث مؤمنا به .

ثانيا : الدليل على أن إبن حنبل كان من عوام أهل الحديث

1 ـ أنه لم يرد له ذكر فى فتنة خلق القرآن فى الصّف الأول من القضاة وكبار المحدثين ، بل جاء ذكره مؤخرا بين عوام المحدثين ، وفوجىء الجميع برفضه وإصراره على الرفض بعد أن أسرع الكبار بالموافقة فتعرض للضرب ، وبالضرب أصبح له ذكر فى التاريخ وشهرة فى العصر فاقت فيما بعد قادة أهل الحديث .

2 ـ أنه فى التحقيق معه بحضور الخليفة المعتصم لم تكن له حُجّة إلا قول واحد يكرره أمامهم بلا تغيير : (أعطونى شيئا من كتاب الله أو من سنة رسول الله ) . يطلب منهم أن يستشهدوا بآية قرآنية تقول بالنّص إن القرآن مخلوق أو بحديث يقول هذا النّص . أى كان يمكن إقناعه بسهولة لو تطوّع أحد المعتزلة وإفترى له حديثا وجعل له إسنادا كأن يقول مثلا ( حدثنى فلان عن فلان عن فلان عن فلان ان الرسول قال : القرآن مخلوق ) .إذا قيل هذا الحديث لانتهت مشكلة ابن حنبل لأنه كان سيصدق به . فابن حنبل كان يؤمن إيمانا مطلقا بالحديث على انه سُنّة رسول الله .

3 ـ بل إنّ إبن حنبل كان يؤمن أن الاسلام لا يكفى وحده دينا ، بل لا بد أن تكون معه ( السُّنّة )، أى يبلغ إيمانه بتلك الأحاديث أكثر من إيمانه بالقرآن والاسلام . وهذا ما جاء فى مناقبه التى حكاها ابن الجوزى ومنها أنه قيل له ( أحياك الله على الاسلام ، فقال : وعلى السّنة ) ( ب 21 ص 177 ) ، ويعتبر من ينتقد الحديث زنديقا ، ويعتبر أهل الحديث أحبار رسول الله ،ويعتبر عوام المحدثين ( سُرُج الاسلام ) أى مصابيح الاسلام ، وبدونهم لا يكون للاسلام مصابيح !. وقد كانوا فى عهده يملأون الشوارع يحملون المحابر التى يكتبون بها الحديث.  ويرى أنّ من عظّمهم تعظّم فى عين رسول الله ، ومن مات على الاسلام والسّنّة مات على الخير كله . ( ب 22 ص 179 : 180 ). وفى باب 23 يذكر ابن الجوزى إعراضه عن ( أهل البدع ) ونهيه عن كلامهم وقدحه فيهم .

4 ـ إنّ الذى يخترع الأحاديث ويصنعها لا يمكن أن يؤمن بها ، لأنه ببساطة هو أول من يعرف أنها كاذبة وأنه المخترع لها والصانع لها. أمّا الذى يرويها عن مخترعها مصدقا لها فهو الذى يجعلها دينا ، بل يرتفع بها فوق الدين الحق كما كان يفعل ابن حنبل .

ثالثا : ابن حنبل لم يكن ضمن من أرسلهم المتوكل لنشر الأحاديث

1 ـ إلا إن الدليل الأكبر على ان ابن حنبل لم يكن من قادة أهل الحديث هو أن الخليفة المتوكل لم يستعن به فى نشر الحديث فى آفاق دولته ، بل أوكل المهمة للقادة المعتبرين . فبعد"> 5 ـ ونتصور أنهم بعودتهم للأضواء والنفوذ فى خلافة المتوكل كانوا يخشون من الدعاية التى حظى بها ابن حنبل والمكانة التى وصل اليها بسبب ما حدث له حين تمسّك ( بالسّنة ) بينما ( خانوها ) هم . ونتصور خشيتهم من أن يصبح ابن حنبل منافسا قويا لهم  فى العهد الجديد . وبالتالى نتصور أن يحيكوا الدسائس عند المتوكل حتى يُبعدوه عن قصر الخلافة . وهذا التوقع المنطقى حدث فعلا . فقد أتّهم ابن حنبل لدى الخليفة المتوكل بأنه يأوى أحد العلويين المطلوبين ، فأرسل المتوكل باعتقال ابن حنبل ، فحملوه اليه وفتشوا بيته فتبينت براءته ، وأفرج المتوكل عنه . وبهذا تأكّد لقادة الكهنوت السّنى أن ابن حنبل هو الذى سيؤثر الابتعاد عن الخليفة والمشاكل حسب طبيعته المعروفة .

6 ـ ونلاحظ أن آل شيبة ـ أحفاد القاضى العباسى أبى شيبة ـ  كانوا قادة أهل الحديث فى هذا الوقت . وأصلهم فارسى من ( خوست ) وكانوا أبرز من عهد اليهم المتوكل بنشر ( الٍسُّنّة ) ، ومن ضمنها بالطبع أحاديث تصب فى صالح العباسيين سياسيا ، وليس مجرد حرب المعتزلة وتأييد منهج السنيين . ومنهم ( عثمان بن أبى شيبة : ت 239  ) وهو شيخ البخارى ومسلم وأبى داود وابن ماجة وكثيرين . أما أبو بكر ابن أبى شيبة ( ت 235 ) فقد كان شيخا لابن حنبل مع انه كان من أقران ابن حنبل فى السّن والمولد. ومن تلامذته البخارى ومسلم وأبو داود ، وابن ماجه ، والنسائي و محمد بن سعد الكاتب. هذا نموذج لعائلات إحترفت الكهنوت وحقّقت به مكانة وحافظت على هذه المكانة . وليس مثل ابن حنبل الذى كان والده شخصا مجهولا من منطقة الرى الفارسية ، جاء الى بغداد بزوجته الحامل فولدت له ابنه ( أحمد بن حنبل ) فى وسط فقير من أحياء بغداد وقتئذ .

رابعا : ابن حنبل لم يكن فقيها .

1 ـ ونلاحظ ايضا أن البخارى الذى ذاع صيته فيما بعد لأسباب مختلفة لم يرد ذكره فى فتنة القول بخلق القرآن من عصر المأمون الى عصر الواثق ، ولم يحظ بالشهرة فى عصر المتوكل الذى سيطر عليه الكهنوت السّنى . وقد تميّز البخارى بسبك الحديث أى صناعته ، كما تخصص بكتابته ونشره . فتفوق على ابن حنبل الذى لم يكتب شيئا ، ولم يكن له رأى ، وحتى كتاب ( المسند ) الذى كتبه ابنه عبد الله ونسبه اليه ، هذا الكتاب لا يمتّ للفقه بأى صلة . 

2 ـ وقد تميز ( صحيح البخارى ) و ( صحيح مسلم ) على ( مُسند أحمد ) بأنهما تم تقسيمهما على حساب الموضوع ، أى أحاديث باب الطهارة ، وباب العبادات والمعاملات وهكذا . وقد سبق بهذا من دوّن ( موطأ ) مالك . فجاء تقسيم أحاديث الموطّا حسب الموضوعات . وبعده كان يجب أن يأتى ( مسند أحمد ) أكثر تطورا ، ولكنه جاء أكثر تخلفا إذ إكتفى بجمع عشوائى للأحاديث حسب الراوى الصحابى ، دون نظر لموضوع الحديث نفسه . أى مجرد جمع بلا علم وبلا فقه .

3 ـ وبمناسبة الفقه ، فهو يعنى قرآنيا ( الفهم والتعقل والاعتبار والنّظر ) و ( تفقهون ) يعنى تفهمون وتعقلون . وبالتالى فعلم ( الفقه ) ينبغى أن يعنى النظر فى آيات التشريع القرآنية واستخلاص الأحكام منها . وبدأ مالك بتجاهل القرآن الكريم فى الموطأ ، إذ قصره على الأحاديث، وكان يقسّمها حسب الموضوعات فجمع بين الأحاديث والفقه ، وكان رائدا فيهما . ثم جاء الشافعى فكان هو المؤسس الحقيقى للدين السّنّى الأرضى الوضعى . فقد أملى كتابه الضخم ( الأم ) فى سبعة أجزاء ، وسار على منهج الموطأ ، ولكن توسع فى الاسناد وفى اختراع آلاف الأحاديث ، والاستشهاد بآيات قرآنية ينتقيها ويجعلها تتفق مع هواه . وتميز الشافعى  فى ( الأم ) بالتفريع والتأصيل والشرح والتعليل . ثم وضع دستور وتقعيد وتنظير ( أصول الفقه ) فى ( الرسالة ). وكتب آخرون فى موضوعات فقهية وأصولية كالشيبانى وأبى يوسف صاحبى أبى حنيفة . وجاء ( مسند أحمد )متخلفا عن هذا كله لأنه مجرد جمع لأحاديث من أفواة من صنعها ، دون اهتمام بموضوعاتها الفقهية ، أى كان مجرد ( بروفة ) أو ( مسودة ) تحتاج الى من يقوم بتقسيم هذه الأحاديث وتفريعها حسب الموضوعات ، لأن الأحاديث لم تكن أبدا هدفا فى حد ذاتها ، ولكن لأغراض موضوعية سياسية ودينية تؤسس دين السّنة وتفريعاته العقيدية والتشريعية والتاريخية والنفسيرية ..الخ .

4 ـ ومع هذا ، فقد أصبح ابن حنبل ـ رغم أنفه ـ صاحب مذهب فقهى ، وذلك طبقا للشخصية التى صنعوها له ، وطبقا لآراء كثيرة نسبوها له زورا وبهتانا بعد موته . وبعضهم كان يزعم أنه سأله كذا وكذا ، وأنه أجاب بكذ وكذا . وقد قام ( عبد القادر أحمد عطا ) بتجميع ما يخص النساء من هذه الآراء فى كتاب أسماه ( أحكام النساء ) للإمام أحمد بن حنبل . وفيه تحريم النظر الى خُف المرأة ، والمرأة كلها عورة حتى ظفرها ، وكراهية الباروكة ، وكراهية كسب الماشطة وكراهية حفّ الوجه، و قتل تارك الصلاة وتكفيره واستتابته ، وقتل تارك الفرائض ومن يستحل الخمر : ( أحكام النساء 27 : 31 ، 33 : 47 ، 11 ، 16 ، 67 ـ ، 74 : 79 )

الباب الثالث : الحنبلية دين العوام والخلافة العباسية فى العصر العباسى الثانى

الباب الثالث : الحنبلية دين العوام والخلافة العباسية فى العصر العباسى الثانى

الفصل الأول : ( عسكرة) العوام  فى الصراع بين الأمين والمأمون  

مقدمة :

1 ـ صاحب الأيدلوجية السياسية يبحث عن قوة عسكرية تقيم له دولة ، وإذا كانت ايدلوجيته دينية بحث عن قوة عسكرية تؤمن بهذه الايدلوجية لتؤسس له دولة دينية . ونجح العباسيون فى نشر ( الُّسُّنّة ) بين السكان فإعتنقوا الإسلام باسم ( السنّة ). وأصبح للعباسيين كهنوت دينى ورجال دين من السنيين . ثم تمرّد بعضهم على الدولة العباسية بسبب خلق القرآن . ونشأت ( معارضة دينية ) قوبلت بالشّدة بسبب خطورتها السياسية ، لأنها فى النهاية ستستخدم المزايدة الدينية للحصول على مشاركة فى السلطة والثروة على حساب الخليفة العباسى الذى يحتكر السلطة والثروة . هذه المعارضة الدينية إحتاجت الى قوة عسكرية تواجه بها الجيش العسكرى المحترف للدولة، فوجدوا ضالتهم فى العوام وأرباب السوابق  فنشرت  بينهم ايدلوجيتها السّنية المتطرفة ( الحنبلية ) فتحول العوام فى العصر العباسى الثانى ( حنابلة ) تسيدوا الشارع وتحكموا فيه تزمتا وإنحلالا وأرهابا ، الى أن ضعفوا وحل محلهم دين التصوف بدءا من القرن السادس الهجرى .

2 ـ الناشطون من العوام قبل أن يتحولوا الى حنابلة كان يطلق عليهم ( العيّارون ) أى قطّاع الطرق الذين إحترفوا الاجرام والشغب ، ثم ( عسكرتهم ) الظروف السياسية فى الصراع بين الأمين والمأمون ،فإصطبغ إجرامهم وشغبهم بصبغة حربية سياسية هى الدفاع عن بغداد وقت هجوم قوات المأمون عليها وبهدف أهم هو السلب والنهب . ثم فيما بعد ، ( تحنبل ) العوام ، أى وتحولوا من ( عيارين ) الى ( حنابلة ) ، وبعد ضعفهم ( كحنابلة ) عاد الى العوام الناشطين المجرمين لقب (العيارين )، وصار للعيارين نفوذ سياسى قبيل سقوط الدولة العباسية ، ليس الآن محل بحثه .

3 ـ المهم أن جسارة وبطولات العوام والعيارين فى الدفاع عن بغداد لفتت أنظار قادة الحنابلة المعارضين ، فعملوا على إعتناقهم السنّة المتشددة . فصنعوا لهم حديث ( من رأى منكم منكرا ) ليكون لهم تشريعا فى بسط نفوذهم وتحكمهم فى الشارع ، وصاغوا لهم مصطلح ( أمة محمد ) ليكونوا قادة لأمّة محمد فى مواجهة ( أمة المسيح ) فى الداخل والخارج ، ولأن الرعاع والعوام أدمنوا الشغب والنهب والسلب والاغتصاب وفنون  الانحلال الخلقى فقد صاغوا لهم أحاديث الشفاعة التى يتشفع فيها ( محمد ) فى ( أمة محمد ) . ولأن الشيعة كانوا يعبدون الحسين ويقدسون قبر الحسين لذا تم فى عصر المتوكل هدم قصر الحسين وتأسيس قبر مقدس لابن حنبل ليحل محل قبر الحسين، وجعلوا ابن حنبل إلاها أكبر من الحسين . والعوام التى لا تعقل ولا تؤمن بالله إلا وهى مشركة تفضّل تجسيد الاله فى قبر أو صنم ملموس فأقام الحنابلة قبورا مقدسة للفقهاء حتى لأبى حنيفة ليجتذبوا أهواء العوام . وبهذا أرضى الحنابلة أهواء العوام فتحنبل العوام ، ومارسوا كل أنواع التسلط والانحلال كفريضة دينية .

4 ـ بإيجاز :  دخل العوام فى السّنة افواجا فى العصر العباسى الأول ، ثم دخلوا فى السنّة الجنبلية المتشددة أفواجا وأفواجا وأفواجا فى العصر العباسى الثانى . وإذا أردتم نماذج حيّة واقعية للحنابلة العباسيين فى عصرنا فانظروا للوهابيين والسلفيين والاخوان وكل منظمات الارهاب ما ظهر منها ومابطن . فالعالم يتقدم الى الأمام ، ونحن نتقدم للخلف ..ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم .

5 ـ  ونتتبع تحول العوام للعسكرة .  ونبدأ هنا بالمحطة الأولى وهى المعارك بين جيش المأمون وجيش الأمين حول ثم داخل مدينة بغداد . ودور الغوغاء وأرباب السوابق فيها ، أو العيارون بمصطلح العصر العباسى .

أولا : أول ظهور عسكرى للغوغاء وقطّاع الطرق ( العيارين ) فى فتنة ( المأمون والأمين )

1 ـ حجّ الرشيد عام 186 وكتب ولاية العهد لأبنائه على التوالى ( محمدالأمين، ثم عبد الله المأمون ، ثم القاسم المؤتمن ). تولى الأمين عام 193 وتفاقم الخلاف بين الأمين والمأمون فى العام التالى مباشرة ، وتطور ، فأعلن الأمين خلع أخيه المأمون من ولاية العهد وأعلن الحرب عليه ، واشتعلت بينهما الحرب. وفيها إنهزم جيش الأمين وتقهقر ، وتقدم جيش المأمون فحاصر الأمين فى العاصمة بغداد عام  197 . وعجز جيش الأمين عن الدفاع عنها وتخلى عنه معظم جيشه فدخل جيش المأمون بعض أحياء بغداد ، وهنا قام عوام بغداد بالدفاع عن مدينتهم فأتوا بالعجائب ، إذ كانوا يحاربون عُراة وبأسلحة بُدائية ، وقد أطلقوا عليهم لقب ( العُراة ) . وقد أرهق هؤلاء ( العراة )جيش المامون .

2 ـ ومعنى أنهم كانوا يحاربون ( عُراة ) أن لديهم من الشجاعة والمهارة فى القتال والخفّة فى الحركة بحيث كانوا يواجهون بأجسادهم العارية جيش المأمون المثقل بالدروع والخوذات ومختلف الأسلحة فى معارك إستمرت مدة طويلة بين كرّ وفرّ فى شوارع وأزقة بغداد وقتها . وحكى المسعودى عنهم العجائب فى فدائيتهم ومهارتهم الحربية . وقد انتصروا فى أحد المعارك وكان عددهم مائة الف. ولكن فى النهاية إنهزموا وقُتل منهم عشرة آلاف بعد أن تخلى عن الأمين جيشه وأنصاره .: وإنبهر بشجاعتهم أحد قواد جيش المأمون الخراسانيين فقال: ( ليس هؤلاء بناس ، هؤلاء شياطين )( تاريخ المسعودى 2 / 316 ، 318 ، 319 ــ ).

3 ـ وتأكيدا لهذا يحكى الطبرى:( أن قائدا من قواد أهل خراسان ممن كان مع طاهر من أهل النجدة والبأس خرج يوما إلى القتال ، فنظر إلى قوم عراة لا سلاح معهم ، فقال لأصحابه : "ما يقاتلنا إلا من أرى"،إستهانة بأمرهم واحتقارا لهم . فقيل له : " نعم هؤلاء الذين ترى هم الآفة " .فقال:" أف لكم حين تنكصون عن هؤلاء وتخيمون عنهم وأنتم في السلاح الظاهر والعدة القوة ولكم ما لكم من الشجاعة والنجدة.! وما عسى أن يبلغ كيد من أرى من هؤلاء؟  ولا سلاح معهم ولا عدة لهم ولا جنة تقيهم. ". فأوتر قوسه وتقدم ، وأبصره بعضهم فقصد نحوه ، وفي يده بارية مقيرة وتحت إبطه مخلاة فيها حجارة . فجعل الخراساني كلما رمى بسهم استتر منه العيّار ، فوقع في باريته أو قريبا منه ، فيأخذه فيجعله في موضع من باريته، قد هيأه لذلك ، وجعله شبيها بالجعبة . وجعل كلما وقع سهم أخذه، وصاح:"دانق"، إي ثمن النشابة دانق قد أحرزه. ولم يزل تلك حالة الخراساني وحال العيار حتى أنفذ الخراساني سهامه. ثم حمل على العيار ليضربه بسيفه فأخرج من مخلاته حجرا فجعله في مقلاع ورماه فما أخطأ به عينه ، ثم ثنّاه بآخر فكاد يصرعه عن فرسه لولا تحاميه .وكر راجعا وهو يقول : "ليس هؤلاء بإنس ". ! ) .( الطبرى 8 / 457 : 458 )

ثانيا : الحسن الهرش زعيم العيارين ينضم للأمين قائدا لجيشه     

1 : وقاد هذه المعارك الحسن الهرش زعيم العيارين فى العراق . ونتتبعه بين سطور تاريخ الطبرى .

2 ـ فى البداية عام 197 إنشقّ عن الخليفة الأمين أخوه القاسم ( المؤتمن ) ولحق بالمأمون فى فارس بينما حاصر جيش المأمون بغداد بقيادة طاهر. وتناوب الجيشان الضرب بالمجانيق والعرادات يقتلون بها أهل بغداد عشوائيا .

3 : مع تقدم جيش المأمون يحتل بغداد جزءا جزءا دبّ الوهن فى جيش الأمين وقادته وظهر صمود العوام فى القتال: ( فذلوا وانكسروا وإنقادوا ، وذلّت الأجناد وتواكلت عن القتال ، إلّا باعة الطريق والعُراة وأهل السجون والأوباش والرعاع والطرارين وأهل السوق .).و ( الطرارون ) هم قطاع الطرق .

4 ـ وبإباحة السلب والنهب لهم إنضم ( الهرش ) قائد العيارين وقتها ومعه الرقيق الأفارقة. يقول الطبرى:( وكان حاتم بن الصقر قد أباحهم النهب ، وخرج الهرش والأفارقة، فكان طاهر يقاتلهم لا يفتر عن ذلك ولا يملُّه ولا يني فيه ).

5 ـ وباستمرار الحرب ملّ جيش محمد الأمين ، وبدأ بعض قادة جيشه ينضمون الى طاهر بجنودهم وسلاحهم ومجانيقهم ( ليلة السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين ومائة ) واستأمن إلى طاهر أيضا رئيس الشرطة ( محمد بن عيسى ) الذى ( كان يقاتل مع الأفارقة وأهل السجون والأوباش ) . كان رئيس لاالشرطة يقاتل معهم ، ثم تركهم وخان سيده الخليفة الأمين . ومع يأس الأمين ظل العيارون والغوغاء يقاتلون بزعامة الهرش . يقول الطبرى :( وأقبلت الغواة من العيارين وباعة الطرق والأجناد فاقتتلوا ...إلى ارتفاع النهار.. ولم تكن وقعة قبلها ولا بعدها أشد على طاهر وأصحابه منها ولا أكثر قتيلا وجريحا معقورا من أصحاب طاهر من تلك الوقعة . فأكثرت الشعراء فيها القول من الشعر ، وذكر ما كان فيها من شدة الحرب . وقاتل فيها الغوغاء والرعاع ) .   

6ـ وكثّف طاهر إتّصالاته مع كبار العباسيين والقواد فى معسكر محمد الأمين لينفضوا عنه فاستجاب معظمهم ، خصوصا وقد إستحوذ طاهر على أملاكهم وضياعهم ، فأقبل الأمين على اللهو والشرب يأسا ، وأوكل الأمور الى قائده ابن نهيك و( الهرش ) زعيم العيارين ، يقول الطبرى : ( أقبل محمد على اللهو والشرب ، ووكل الأمر إلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى الهرش ) . وبقيادة الهرش للجيش التابع للأمين أصبح السلب والنهب سائدا، وضحاياه من الجميع من مسلمين وغير مسلمين ومن فقراء وأغنياء ، يقول الطبرى :( .. فكان لصوصها وفُسّاقها يسلبون من قدروا عليه من الرجال والنساء والضعفاء من أهل الملة والذمة،  فكان منهم في ذلك ما لم يبلغنا أن مثله كان في شيء من سائر بلاد الحروب . ) أى حدث من السلب والنهب ما لم يحدث من قبل فى الحروب . وطال الأمر على ذلك ، فهرب من إستطاع من معسكر الهرش والأمين الى معسكر طاهر : يقول الطبرى : ( ولما طال ذلك بالناس ، وضاقت بغداد بأهلها ، خرج عنها من كانت به قوة بعد الغرم الفادح والمضايقة الموجعة والخطر العظيم ) ، فقد كان طاهر حريصا على حفظ الأمن فى الأحياء التى يسيطر عليها فى بغداد : ( فأخذ طاهر أصحابه بخلاف ذلك،  واشتد فيه وغلظ على أهل الريب . وأمر محمد بن أبي خالد بحفظ الضعفاء والنساء وتجويزهم وتسهيل أمرهم ، فكان الرجل والمرأة إذا تخلص من أيدي أصحاب الهرش وصار الى أصحاب طاهر ذهب عنه الروع ، وأمن ، وأظهرت المرأة ما معها من ذهب وفضة أومتاع أو بزّ ( أى حرير ) . حتى قيل إن مثل أصحاب طاهر ومثل أصحاب الهرش وذويه ومثل الناس إذا تخلصوا مثل السور الذي قال الله تعالى ذكره : (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ   ) .

7 ـ ووصل سوء الحال بمحمد الأمين أن إحترف السلب والنهب مستعينا بالحسن الهرش زعيم قطّاع الطرق أو العيارين ، يذكر الطبرى : ( أن محمدا أمر زريحا غلامه بتتبع الأموال وطلبها عند اهل الودائع وغيرهم ، وأمر الهرش بطاعته،  فكان يهجم على الناس في منازلهم ويبيتهم ليلا ( أى يهجم عليهم ليلا ) ، ويأخذ بالظنة ، فجبى بذلك السبب أموالا كثيرة ، وأهلك خلقا ، فهرب الناس بعلة الحج ، وفر الأغنياء )

8 ـ  ووضح سقوط الأمين فطلب الهرش الصلح مع طاهر ، فرفض طاهر ، فظل الهرش مع الأمين الى النهاية بعد أن يأس من الصلح مع طاهر .يقول الطبرى: ( وذكر أن الهرش خرج ومعه الغوغاء والغزاة ولفيفهم حتى صار إلى جزيرة العباس وخرجت عصابة من أصحاب طاهر فاقتتلوا قتالا شديدا . ). وقبيل قتله هرب محمد الأمين يحاول النجاة بنفسه ففشل ، وكان الهرش لا يزال يقاتل : ( وثبت على قتال طاهر حاتم بن الصقر والهرش والأفارقة ) ( وخرج محمد بأمه وولده إلى مدينة أبي جعفر وتفرق عنه عامة جنده وخصيانه وجواريه في السكك والطرق لا يلوي منهم أحد على أحد . ) وفى النهاية تفرّق جيش العيارين، أو على حدّ قول الطبرى:( وتفرق الغوغاء والسفلة .).

أخيرا  : نلاحظ الآتى :

1 ـ لم يستسلم الهرش بعد مقتل الأمين وتولى المأمون الخلافة عام 198، فقد أعلن قاطع الطريق هذا الثورة على العباسيين .!!  يقول الطبرى : ( وضعت الحرب بين محمد وعبد الله ابني هارون الرشيد أوزارها ، واستوسق الناس بالمشرق والعراق والحجاز لعبد الله المأمون بالطاعة. )ثم يقول عن الهرش:(  وفيها خرج الحسن الهرش في ذي الحجة منها ، يدعو إلى الرضى من آل محمد بزعمه ، في سفلة الناس وجماعة كثيرة من الأعراب ، ..فجبى الأموال وأغار على التجار وانتهب القرى واستاق المواشي . ). أى بدأ الهرش قاطع طريق ، ثم أصبح زعيم قطاع الطرق ، أو العيارين ، ثم أصبح قائد جيش عباسى ( للأمين ) ثم أصبح ثائرا عليهم وقد إتّخذ شعارا دينيا هو نفس شعار العباسيين ( الرضى من آل محمد ) يستحل به السلب والنهب . وفى كل الأحوال فعين الهرش على المال . 

2 ـ والمال هو المقصود الأعظم ، سواء لدى الهرش أوالمأمون أو الأمين أو أى كافر بيوم الدين . يروى الطبرى أن الأمين فى أواخر أيامه ( أمر ببيع ما بقي في الخزائن التي كانت أنهبت ، فكتم ولاتها ما فيها ، لتُسرق . ( أى ليسرقوها بعد قتله ) فتضايق على محمد أمره . وفقد ما كان عنده . وطلب الناسُ الأرزاق ، فقال يوما وقد ضجر مما يرد عليه : وددت أن الله عز وجل قتل الفريقين جميعا وأراح الناس منهم،  فما منهم إلا عدو ، ممّن معنا وممّن علينا . أما هؤلاء فيريدون مالي وأما أولئك فيريدون نفسي . ) . الأمين يعتبر بيت المال ماله الخاص ، وأن أتباعه يطمعون فى سلب ماله الخاص ، بينما يريد أعداؤه سلب حياته . ويعتبر الفريقين أعداءا له . 

3 ـ الفارق بين الحسن الهرش وخلفاء بنى العباس أن الهرش كان فى البداية زعيم قطاع الطرق وصريحا فى سلبه ونهبه ، بلا إستخدام لشعار دينى  . فلما إحتكّ بالعباسيين تعلم منهم ( اصول الصنعة ) أى ( أن تسلب وتنهب باسم الدين ) فإستعار منهم شعار ( الرضى من آل محمد ) شعارهم الأصلى يستخدمه ضدهم بكل سذاجه ، ولأنّ تاريخه فى السلب والنهب حاضر وشاهد وطازج ولا يزال لزجا ، ولأن دماء ضحاياه لم تجفّ بعد ، فكان لا بد أن يفشل ، وغاب بين سطور التاريخ فلم نعثر عليه بعدها . ( الطبرى : 8 / 448 ، 451 ، 456 ، 463 ، 468 ، 474 ، 482 ، 511 ، 527 )

4 ـ الغريب أننا نجد ( ابن الهرش ) بين عوام أهل الحديث  الفقهاء الرافضين لرأى المأمون فى ( خلق القرآن ) وضمن طبقة ابن حنبل . ( الطبرى 8 / 637 ، 645 ) . ولأنه هذا الاسم ( الهرش ) نادر فنتوقع أن يكون هذا الرجل ابنا للحسن الهرش . ولو صحّ هذا فإن الابن ترك مهنة أبيه ، واحترف مهنة الكذب على الله جل وعلا ورسوله ، وهى شرُّ وأضل سبيلا .

5 ـ وفى كل الأحوال فإن ملحمة ( الهرش ) المنسية بين سطور التاريخ العباسى تعتبر مرحلة فى تحول اللصوص وقطاع الطرق العاديين من سلب الأموال و الوصول للثروة والسلطة ( علمانيا ) بلا شعار دينى الى السلب والنهب والقتل ( دينيا ) أى باستخدام الدين الأرضى السائد . أى مرحلة من مراحل تحول ( العيارين ) الى ( حنابلة ) .  

الفصل الثانى :  العوام  من العسكرة الى الحنبلة من المأمون الى قتل إبن نصر الخزاعى  

 مقدمة

1 ـ استولى جيش المأمون على بغداد وأصبح المأمون الخليفة بعد قتل أخيه الأمين عام 198 . ولكن ظل المأمون فى فارس ( مرو ) تاركا بغداد تلعق جراحها بعد التدمير والقتل التى حدثت فيها . غياب المأمون شجع على إستمرار العوام (الطرارون ، العيارون ، الخ ) فى لعب دور عسكرى وسياسى ، حمل هذا الدور أحيانا شعار ( الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ). بعد فشل زعيم قطاع الطرق الحسن الهرش إحترف بعض العوام السلب والنهب ، وإنضم اليهم جماعات من الجُند ، فتصدى لهم متدينون من ( العوام ) فظهرت حركة جديد باسم ( المطوّعة ) لها رئيسان ، أحدهما (خالد الدريوش  ) بلا هدف سياسى ، والآخر ( سهل بن سلامة ) كانت له أطماع سياسية .  وأدى سخط بنى العباس فى بغداد على المأمون الغائب فى مرو الى تشجيع أمير من البيت العباسى على الثورة ، وإتخذ من العوام عسكرا له . هذا الهرج إنتهى بقدوم المأمون بغداد ، وسيطرته على مقاليد الأمور عام  204 . 

2 ـ كان هذا مقدمة لحركة أحمد بن نصر الخزاعى ( الحنبلى ) فى عصر الواثق عام 231 . وكان قتل الواثق له نقطة فاصلة فى تحول العوام الى الحنبلية ، إستثمروا فيها خبرتهم العسكرية والسياسية ليتأهلوا بها بعد مقتل أحمد بن نصر الخزاعى لسيطرتهم على الشارع العباسى بدءا من خلافة المتوكل العباسى الذى كان خليفة حنبليا . وقد جعل قادة الحنبلية شريعة دينية لهذا التسلط  ( الذى نسميه الآن : التطرف ) وهو إختراع حديث ( من رأى منكم منكرا ) ، وللتشجيع على ضم العُصاة تم إختراع أحاديث الشفاعة التى تمارس بها جرائم السلب والنهب والاغتصاب والقتل مع ضمان الجنة ، بل أصبح العصيان فريضة دينية تحت زعم ( الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ) ثم أتاحوا للعوام الجاه الدينى على أنهم ( قادة ) ( أُمّة محمد ) النّاجية من النار والتى ستدخل الجنة مهما إرتكبت من آثام طالما تواجه وتعادى ( أمة المسيح ) وتنافس الشيعة وأهل البدع والضلال .

ونعطى بعض التفاصيل مما أورده الطبرى .

أولا : حركة المطوعة بالأمر والمعروف فى بداية خلافة المأمون ( 201 : 204 )

1 ـ فى أحداث عام 201 يقول الطبرى : ( وفي هذه السنة تجردت المطوعة للنكير على الفساق ببغداد ) وكان رئيسا المطوعة ( خالد الدريوش وسهل بن سلامة الأنصاري أبو حاتم من أهل خراسان).ويذكر الطبرى السبب، وهو ( أن فساق الحربية والشطار الذين كانوا ببغداد والكرخ آذوا الناس أذى شديدا ) أى إن الفاسقين من الحربية أى الجنود و ( الشُّطار ) أى اللصوص وقُطّاع الطرق : (أظهروا الفسق وقطع الطريق وأخذ الغلمان والنساء علانية من الطرق . فكانوا يجتمعون فيأتون الرجل فيأخذون ابنه فيذهبون به فلا يقدر أن يمتنع ، وكانوا يسألون الرجل أن يقرضهم أو يصلهم فلا يقدر أن يمتنع عليهم . وكانوا يجتمعون فيأتون القرى فيكاثرون أهلها ويأخذون ما قدروا عليه من متاع ومال وغير ذلك لا سلطان يمنعهم ولا يقدر على ذلك منهم. ) .

هذا يذكرنا بالانهيار الأمنى الذى تعانى منه مصر وبعض الدول العربية الآن ، حيث سيطرة البلطجية وفرضهم الاتاوات ، وتعاون البوليس مع البلطجية، أى ليس هناك جديد تحت الشمس ( العربية ) . يقول الطبرى كأنه يعيش فى عصرنا : ( لأن السلطان كان يعتزّ بهم ، وكانوا بطانته ، فلا يقدر أن يمنعهم من فسق يركبونه . ) . السلطان هنا يعنى السلطة القائمة ،وكانوا مجموعات متصارعة من أرباب السُّلطة العباسية وخصومهم ، وفى صراعهم كانوا محتاجين للعصابات الإجرامية ، وكانوا يقاسمونهم السلب والنهل . ولم يكن هذا غريبا ، فالخليفة الأمين كان يسلّط الهرش على الناس .

ويذكر الطبرى كيف كان أولئك البلطجية ـ بمصطلح عصرنا ـ يفرضون الإتاوات على الناس ، أو بتعبير العصر العباسى ( يخفرون ) أى يزعمون أنهم يحمون السكان مقابل دفع إتارة ، يقول الطبرى : ( وكانوا يجبون المارة في الطرق والسفن وعلى الظهر ، ويخفرون البساتين، ويقطعون الطرق علانية ، ولا أحد يعدو عليهم. وكان الناس منهم في بلاء عظيم. ) . ثم تطرفوا فهجموا على مدينة قطربل فانتهبوها علانية ، وصاروا يبيعون ما سلبوه فى بغداد علانية : ( ثم كان آخر أمرهم أنهم خرجوا إلى قطربل ، فانتهبوها علانية ، وأخذوا المتاع والذهب والفضة والغنم والبقر والحمير وغير ذلك ، وأدخلوها بغداد وجعلوا يبيعونها علانية . وجاء أهلها فاستعدوا السلطان عليهم فلم يمكنه إعداؤهم عليهم ، ولم يرد عليهم شيئا مما كان أخذ منهم .وذلك آخر شعبان . ).

2 ـ عندئذ تحرك الصلحاء المتدينون من العوام لمواجهة العُصاة من العوام : ( فلما رأى الناس ذلك وما قد أخذ منهم وما بيع من متاع الناس في أسواقهم وما قد أظهروا من الفساد في الأرض والظلم والبغي وقطع الطريق وأن السلطان لا يغير عليهم قام صلحاء كل ربض وكل درب،  فمشى بعضهم إلى بعض ، وقالوا : "إنما في الدرب الفاسق والفاسقان إلى العشرة ، وقد غلبوكم وأنتم أكثر منهم، فلو اجتمعتم حتى يكون أمركم واحدا لقمعتم هؤلاء الفساق ، وصاروا لا يفعلون ما يفعلون من إظهار الفسق بين أظهركم ". )

3 ـ وكان أول زعيم هو خالد الدريوش الذى رفع شعار الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وجمع به الناس وتصدى بهم للفُسّاق، ولكن هذا كان يستلزم الحرب ، أى حرب السّلطة المتعاونة مع أولئك الفُسّاق، لذا توقف خالد الدريوش لأنه رفض أن تتطور حركته الى الخروج على السلطان : ( فقام رجل من ناحية طريق الأنبار يقال له خالد الدريوش ، فدعا جيرانه وأهل بيته وأهل محلته على أن يعاونوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فأجابوه إلى ذلك ، وشد على من يليه من الفساق والشطار ، فمنعهم مما كانوا يصنعون،  فامتنعوا عليه ، وأرادوا قتاله. إلا أنه كان لا يرى أن يغير على السلطان شيئا . ) .

4 ـ هنا ظهر جندى خراسانى بنفس الدعوة للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، والعمل بالكتاب و(السُّنة ) يقصد بها مواجهة السلطة الحاكمة لو وقفت فى وجهه ، وقد تسلح لذلك بمصحف علّقه فى عنقه، وبايعه الناس حتى الأشراف منهم على قتال من يخالفه ، وعمل له ديوانا يكتب فيه أسماء من بايعوه :( ثم قام من بعده رجل من اهل الحربية، يقال له سهل بن سلامة الأنصاري من أهل خراسان ، يكنى أبا حاتم ، فدعا الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكروالعمل بكتاب الله جل وعز وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وعلق مصحفا في عنقه. ثم بدا بجيرانه واهل محلته ، فأمرهم ونهاهم ، فقبلوا منه . ثم دعا الناس جميعا إلى ذلك، الشريف منهم والوضيع ، بني هاشم ومن دونهم . وجعل له ديوانا يثبت فيه اسم من اتاه منهم . فبايعه على ذلك وقتال من خالفه وخالف ما دعا إليه كائنا من كان . فاتاه خلق كثير فبايعوا. ) .

وبهذه القوة منع البلطجية من أخذ الاتاوات ( الخفارات ) من الناس ، قائلا : "لا خفارة فى الاسلام ". يقول الطبرى : ( ثم إنه طاف ببغداد وأسواقها وأرباضها وطرقها ، ومنع كل من يخفر ويجبي المارة والمختلفة وقال لا خفارة في الإسلام والخفارة أنه كان يأتبي الرجل بعض أصحاب البساتين فيقول بستانك في خفري أدفع عنه أراده بسوء ولي في عنقك كل شهر كذا وكذا درهما فيعطيه ذلك شائيا وآبيا . فقوي على ذلك . )

5 ـ ودخل سهل بن سلامة فى صراع معقد مع جماعات السُّلطة المتحكمة واعوانهم من البلطجية .

6 ـ ثم تعقّد الصراع أكثر بظهور ابراهيم بن المهدى الذى أعلن خلع المأمون وبايعه عوام بغداد واطلقوا عليه لقب ( المبارك ) . واستعان ابراهيم بعوام بغداد واستولى بمساعدتهم على جنوب العراق وحتى الكوفة وسواد العراق عام 202 . وفى عام 203 خلع اهل بغداد ابراهيم بن المهدى ودعوا للمأمون ، الذى كان فى طريقه الى بغداد . واختفى ابراهيم بن المهدى بعد أن حكم بغداد حوالى عامين فى فترة إضطراب انتهت بدخول المأمون بغداد عام 204 .

7 ـ قبل أن نطوى هذه الصفحة نذكر أنه كان بين زعماء تلك الحركة شاب من أسرة ذات مكانة ، وهو أحمد بن نصر الخزاعى . ذكر الطبرى أن إبن نصر قد بايع له أهل الجانب الشرقى على الأمر بالمعروف والسمع له فى سنة إحدى ومائتين .. وأنه لم يزل ثابتا على ذلك الى ان قدم المأمون بغداد فى سنة أربع ومائتين . ثم قاد ابن نصر حركة جديدة بعدها بثلاثين عاما تقريبا ،أسفرت عن قتله .

ثانيا :  حركة احمد بن نصر الخزاعى فى خلافة الواثق عام 231

 1 ـ سبق التعرض للمأمون ومحنة ( خلق القرآن ) وإضطهاد الفقهاء وأهل الحديث ، وإستمرار ذلك فى عصر المعتصم بعد المأمون ، وتعرض ابن حنبل للضرب بسبب تصميمه على رأيه عام 219 . وبعد ضربه وإطلاق سراحه إعتزل ابن حنبل . ثم تولى الواثق عام 227، الذى جدّد إضطهاد أهل الحديث فى ( خلق القرآن ) . فإختفى ابن حنبل تماما عن الأنظار طيلة خلافة الواثق . وبالتالى لم يشهد ابن حنبل محنة أحمد بن نصر الخزاعى الذى قتله الواثق وصلب جثته عام 231 . وظل ابن حنبل بعيدا عن مسرح الأحداث الى وفاته عام 241 ، بعد عشر سنوات من مقتل ابن نصر الخزاعى .

2 ـ بدأ الأمر بكتاب الخليفة الواثق عام 231  إلىأميرالبصرةيأمرهأنيمتحنالأئمةوالمؤذنينبخلقالقرآن.  وكان من ضحايا الواثق فى خلق القرآن الفقيه نعيم بن حماد ، فقد طلبه الواثق من مصر ، فجىء به الى بغداد فى الحديد ، وامتنع عن القول بخلق القرآن ، فسجنه الواثق ، وظل فى السجن مقيدا الى ان مات فيه عام 228 . ومثله يوسف بن يحيى البويطى ، الذى حملوه الى بغداد مثقلا بالحديد لأنه رفض القول بخلق القرآن ،  وظل فى السجن الى ان مات 232 . 

3 ـ وشهد عصر الواثق قتل وصلب أحمد بن نصر عام 231 . وجاءت التفاصيل فى تاريخ الطبرى ( 9 / 135 : 139  ) وتاريخ بغداد ( 5 / 173 : 180 ) ، ثم نقل عنهما ابن الجوزى فى المنتظم .( 11 / 165 : 170 ).

ولم يكن لأحمد بن نصر تميز فى الحديث ، ولكن تميّز على قادة أهل الحديث بإنتمائه الى أسرة ذات مكانة ونفوذ ممّا شجعه على أن يكون صاحب طموح ونشاط  معارض للعباسيين تحت شعار الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . وبسبب خطورته وخطورة حركته بادر الواثق بإخماد حركته ، وعقد له محاكمة سريعة تجنب فيها الواثق التحقيق معه بالتهمة الأصلية وهى الثورة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وحصر المحاكمة فى موضوع خلق القرآن الذى لم يكن ابن نصر رأسا فيه ، ولكنها التهمة التى بها قام الواثق بقتل ابن نصر بيده ، وصلبه، وكتبت بها ورقة كانت معلقة على جثته وهو مصلوب .

 4 ـ يقول الطبرى تحت عنوان ( ذكر مقتل أحمد بن نصر الخزاعى على يد الواثق ) : ( وفى هذه السنة تحرّك ببغداد فى ربض عمرو بن عطاء ، فأخذوا على أحمد بن نصر الخزاعى البيعة ) . أى أن بعض أهل بغداد بايعوا أحمد بن نصر على الثورة ضد العباسيين . ومن التفاصيل نفهم مكانة ابن نصر ، فقد كان جده مالك بن الهيثم أحد نقباء بنى العباس ، أى من كبار مؤيديهم . ويقول ابن الجوزى عن مكانة أسرة ابن نصر الخزاعى : ( ومالك بن الهيثم كان أحد نقباء بني العباس في ابتداء دولتهم ، وسويقة نصر ببغداد تنسب إلى أبيه نصر ‏.‏ )أى ظلت سويقة نصر ببغداد حتى عصر ابن الجوزى فى القرن السادس الهجرى.

5 ـ وقد إفتقد  قادة أهل الحديث المكانة والنفوذ لأنّ معظمهم من الفقراء والعوام ، ولذا كانوا يلوذون بجاه أحمد بن نصر ضد الدولة العباسية . يقول الطبرى عن أحمد إنه كان يغشاه أهل الحديث كيحيى بن معين وابن الدورى وابن خيثمة، وقد إستمالوه الى معارضة رأى العباسيين فى خلق القرآن ، فأصبح ابن نصر مخاصما لمن يقول بخلق القرآن ، ( هذا مع منزلة أبيه فى الدولة ) كما يقول الطبرى . بل كان ابن نصر ( يبسط لسانه فيمن يقول ذلك ). ولم يأبه ابن نصر بغلظة الواثق واضطهاده من يخالف رأى المعتزلة.  وقد شتم أحمد بن نصر الخليفة الواثق علنا بين جماعة من الناس فى بيته ووصفه بالخنزير ورماه بالكفر . وشاع هذا فى بغداد . وتجمع حول ابن نصر أهل الحديث يشجعونه على مواجهة الواثق ، يقول الطبرى : ( وحملوه على الحركة لانكار القول بخلق القرآن ، وقصدوه بذلك دون غيره ، لما كان لأبيه وجده فى دولة بنى العباس من الأثر ، ولما كان له ببغداد ، وأنه كان أحد من بايع له أهل الجانب الشرقى على الأمر بالمعروف والسمع له فى سنة إحدى ومائتين ..فرجو إستجابة العامة له إذا تحرّك . ) .

6 ـ  ويروى ابن الجوزى عن شيوخه من أهل الحديث أن أمر أحمد بن نصر ( تحرّك  ببغداد في آخر أيام الواثق،  فاجتمع إليه خلق من الناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، إلى أن ملكوا بغداد . ) أى إستولوا على بغداد وقت أن كان الواثق يقيم فى مدينة ( سامرا ) بزعم ابن الجوزى . وبدأ أتباع احمد بن نصر فى الإستيلاء على بغداد يقودهم رجلان : ( يقال لأحدهما‏:‏ طالب في الجانب الغربي ، ويقال للآخر‏:‏ أبو هارون في الجانب الشرقي . وكانا موسرين . فبذلا مالًا . وعزما على الوثوب ببغداد في آخر أيام الواثق في شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائتين.) ووصلت الأخبار الى رئيس الشرطة ( إسحاق بن إبراهيم ، فأخذ جماعة، منهم فيهم أحمد بن نصر وصاحباه طالب وأبو هارون . ) وحملهم الى الخليفة الواثق فى سامراء .

7 ـ وحقّق الواثق بنفسه مع ابن نصر فى موضوع خلق القرآن بحضور ابن أبى داود رأس المعتزلة : (  فجلس لهم الواثق . وقال لأحمد بن نصر‏:‏ دع ما أخذت له . ( يعنى دع موضوع الثورة والحركة لأخذ بغداد ) ما تقول في القرآن ؟ قال‏:‏ هو كلام الله. قال‏:‏ أفمخلوق هو؟ قال‏:‏ هو كلام الله .قال‏:‏ أفترى ربك في القيامة ؟ قال‏:‏ كذا جاءت الرواية ‏.‏ قال‏:‏ ويحك يرى كما يرى ؟ أفمخلوق هو ؟ قال‏:‏ هو كلام الله.  قال‏:‏ المحدود المجسوم ويحويه مكان ويحصره الناظر؟ أنا أكفر برب هذه صفته.) وسأل الواثق الحاضرين : ( ما تقولون فيه ؟ ) فقال القاضى عبد الرحمن بن إسحاق : هو حلال الدم . وأيده جماعة من الحاضرين ، ولكن حاول ابن أبى داود إنقاذه ، فقال للواثق‏:‏ " يا أمير المؤمنين شيخ مختل لعل به عاهة أو تغير عقله، يؤخر أمره ويستتاب ." فقال الواثق‏:‏ ما أراه إلا مؤذنًا بالكفر قائمًا بما يعتقده منه‏.‏ ودعا الواثق بسيف ( الصمصامة ) ، وقال‏:‏ ( إذا قمت إليه فلا يقومن أحد معي، فإني أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد ربًا لا نعبده ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها . ) ثم أمر بالنطع فأُجلس عليه وهو مقيد ، وأمر بشد رأسه بحبل ، وأمرهم أن يمدوه ‏.‏ ومشى إليه حتى ضرب عنقه . وأمر بحمل رأسه إلى بغداد فنصبت في الجانب الشرقي أيامًا ، وفي الجانب الغربي أيامًا . وتتبع رؤساء أصحابه فوضعوا في الحبوس ‏.‏

وفي رواية أخرى‏:‏ أنّ الواثق لم يحقق معه فيما قيل عنه في الخروج عليه، لكنه قال‏:‏ ( ما تقول في القرآن وهل ترى ربك ؟ فذكر نحو ما تقدم إلى أن قال‏:‏ فدعا الواثق بسيف عمرو بن معد يكرب ، ومشى إليه وضربه ضربة وقعت على حبل العاتق ، ثم ضربه ضربة أخرى على رأسه . ثم انتضى سيما الدمشقي سيفه فضرب عنقه ، وجزّ رأسه .  ثم صلب في الحظيرة التي فيها بابك ، وفي رجليه قيود ،وعليه سراويل وقميص . وحمل رأسه إلى مدينة السلام ، فنصب في الجانب الشرقي أيامًا ، وفي الجانب الغربي أيامًا . ثم حول إلى الشرقي . وحظر على الرأس حظيرة . وضرب عليه فسطاط وأقيم عليه الحرس ‏.‏ ) وتقول الرواية ( ‏ ضربت عنق أحمد بن نصر . وهذه نسخة الرقعة معلقة في أذنه‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏:‏ هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك . دعاه عبد الله الإمام هارون الواثق بالله أمير المؤمنين إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه ، فأبى إلا المعاندة، فعجّله الله إلى ناره. ) ‏.‏

8 ـ وأدّى حُمق الخليفة الواثق وقتله ابن نصر وصلب جسده فى مكان وتعليق راسه فى مكان آخر الى زيادة شهرته ، فقد أصبح رمزا فى أعين العوام للثورة على العباسيين ، وفى إعتناق التشدّد السنى للمزايدة على الدولة العباسية السّنية . وقد ساعد على هذا أكثر وأكثر تلك الدعاية التى قام بها أهل الحديث ، وهم أرباب القصص والوعظ ، وقد إخترعوا منامات وقصصا راجت عن كرامات لرأس احمد بن نصر، خصوصا فى خلافة المتوكل الذى تولى بعد أخيه الواثق . وقد ذكر ابن الجوزى هذه الحكايات المصنوعة مُصدّقا لها بالطبع فى مناقب ابن حنبل ص 399 400 ، وذكر بعضها فى المنتظم بإسناد وعنعنة، يقول : ( أخبرنا عبد الرحمن القزاز قال‏:‏ أخبرنا الخطيب أحمد بن علي بن ثابت أخبرنا إبراهيم بن هبة الله الجرباذوقاني أخبرنا معمر بن أحمد الأصبهاني قال‏:‏ أخبرني أبو عمرو عثمان بن محمد العثماني إجازة قال‏:‏ حدثني علي بن محمد بن إبراهيم حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن خلف ) ثم يأتى موضوع الحكاية قال الراوى ‏:‏ ( كان أحمد بن نصر خلّي ( أى خليلى وصاحبى ) فلما قتل في المحنة ، وصُلب رأسه ، أُخبرت أن الرأس يقرأ القرآن ، فمضيت فبتّ بقرب من الرأس مشرفًا عليه . وكان عنده رجالة وفرسان يحفظونه . فلما هدأت العيون سمعت الرأس يقرأ‏:‏ ‏{‏آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون‏}‏ الآية . فاقشعر جلدي . ثم رأيته بعد ذلك في المنام وعليه السندس والإستبرق وعلى رأسه تاج، فقلت‏:‏ ما فعل الله بك يا أخي ؟ قال‏:‏ " غفر لي وأدخلني الجنة إلا أني كنت مغمومًا ثلاثة أيام " فقلت‏:‏ ولم  ؟ قال‏:‏ " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بي ، فلما بلغ خشبتي حوّل وجهه عني. فقلت له بعد ذلك‏:‏ يا رسول الله قُتلت على الحق أم على الباطل ؟ قال‏:‏ أنت على الحق . ولكن قتلك رجل من أهل بيتي فإذا بلغت إليك أستحي منك ‏.‏ ) . يعنى جعلوا الرسول يستحى من أحمد بن نصر .!

وفى رواية أخرى جعلوا رأس أحمد بن نصر تدور نحو القبلة ، فكلفوا رجلا يعيدها كل مرة خلاف القبلة : ( أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا الخطيب قال‏:‏ قرأت على أبي بكر البرقاني عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد المزكي أخبرنا محمد بن إسحاق السراج قال‏:‏ سمعت أبا بكر المطوعي قال‏:‏ لما جيء برأس أحمد بن نصر صلبوه على الجسر فكانت الريح تديره قبل القبلة فأقعدوا له رجلًا معه قصبة أو رمح فكان إذا دار نحو القبلة أداره إلى خلاف القبلة ‏.‏ ).

9 ، ثم أنزلوا رأسه وجمعوه بجسده ودفنوه عام 237 . وكان هذا فى خلافة المتوكل . فقد أدت دعاية أهل الحديث الى تقديس العوام للرأس المصلوب ، فصاروا يتبركون به، وكثرت أعدادهم  . وخشى المتوكل من أن يتحول هذا الرأس الى مصدر تهديد لسلطانه ، مع أنه صار حنبليا ، إلا إنه خشى من عواقب وجود  الرأس عامل تذكير بقتل ابن نصر يكون دافعا للإنتقام والثورة على الدولة العباسية ، فأمر بإنزال الرأس ودفنها ، فرفض العوام . تقول الرواية فى تاريخ الطبرى فى أحداث عام 237 : ( وفيها أمر المتوكل في يوم الفطر منها بإنزال جتة أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي ، ودفعه إلى أوليائه. ) ( ذكر أن المتوكل لما أمر بدفع جثته إلى أوليائه لدفنه فعل ذلك فدفع إليهم . وقد كان المتوكل لما أفضت إليه الخلافة نهى عن الجدال في القرآن وغيره.  ونفذت كتبه بذلك إلى الآفاق .وهمّ بإنزال أحمد بن نصر عن خشبته ، فاجتمع الغوغاء والرعاع إلى موضع تلك الخشبة ، وكثروا ، وتكلموا . فبلغ ذلك المتوكل ، فوجه إليهم نصر بن الليث ، فأخذ منهم نحوا من عشرين رجلا فضربهم وحبسهم . وترك إنزال أحمد بن نصر من خشبته لما بلغه من تكثير العامة في أمره . وبقي الذين أخذوا بسببه في الحبس حينا.  ثم أطلقوا . ) وبعدها تم دفن جثة ابن نصر . وجاءت الأخبار ( بخبر العامة وما كان من اجتماعها وتمسحها بالجنازة ، جنازة أحمد بن نصر وبخشبة رأسه . )  ( فأمر المتوكل بالكتاب إلى محمد بن عبد الله بن طاهر بمنع العامة من الاجتماع والحركة في مثل هذا وشبهه. )  .

أخيرا :

1 ـ تحول العوام الى الحنبلية فى عصر الخليفة الحنبلى المتوكل ، بل وزايدوا عليه فى موضع رأس احمد بن نصر . مع كل ما فعله المتوكل للحنابلة فى خلافته .

2 ـ صار العوام حنابلة مع غياب ابن حنبل عن مسرح الأحداث وقتها .

الفصل الثالث :  الحنبلية دين العوام

أولا :

1 ـ اساطير الشفاعة وما تعنيه من تأليه للنبى والأئمة وتأليه ابن حنبل هو القاعدة الايمانية فى الدين السُّنى الحنبلى . أقاموا على هذا الإيمان شريعة التسلط على الناس والبغى عليهم والتخكم فى عقائدهم وسلوكياتهم بحديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره  ..) وهم أهل التنفيذ وهم أيضا أهل التفسير لما هو المعروف وما هو المنكر ، فما يتفق مع أهوائهم فهو المعروف وما لا يعرفونه وما لا يفهمونه وما لا يوافقون عليه فهو المنكر ، ومفروض عليهم تغييره باليد ، وبما تحمله اليد من سلاح ، وباللسان بالدعوة وأفانين الافتراء والكذب على ورسوله . وحتى يضموا اليهم الأغلبية الصامتة فهى أيضا مفروض عليها الانكار والتغيير بالقلب ،مع أن القلب لا يستطيع إن يُحدث تغييرا . بالاضافة الى شريعة التسلط والارهاب فقد ترسخت شريعة الانحلال بالفواحش بنوعيها الطبيعى و الشّاذ . وفى رحاب العقيدة الايمانية ( الشفاعة ) وضمان دخولهم الجنة مهما إرتكبوا من إثم وعدوان وفواحش إنطلق العصر العباسى الثانى فى حمأة الرذيلة ، وبنفس الحماس الذى إنتشر فيه التزمت الحنبلى و التدين السطحى بمزاعم التقوى والتوبة والنقاب والازدحام فى مجالس الوعظ والقصص الدينى .

2 ـ هنا لا ننسى أن نوعى الكبائر من الذنوب هما الفواحش الجنسية والبغى أو الظلم . وأن المتقين هم الذين إذا فعلوا فاحشة أو وقعوا فى الظلم بادروا بالتوبة: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)آل عمران )  لأن المتقى يخاف ربه إن عصى من عذاب يوم عظيم: ،( قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) الزمر) حيث لا مجال لأُمنيات الشفاعات ، فمن يعمل سُوءا لا بد أن يُجزى به ، ولن يجد له من ينصره أو يشفع فيه أمام الواحد القهّار :( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً (123) النساء )

3 ـ كان سهلا نسيان هذا الرقى الحضارى الاسلامى فى العقيدة والسلوك طالما أتاح الدين السّنى الحنبلى للرعاع والعوام تصدر الحياة الدينية بمجرد أن يفترى أحدهم حديثا أو يدوّنه أو يتحدث به فى مجالس الوعظ . هنا نصل الى نوعية أخرى من التشريع الحنبلى وهى ( تجهيل العوام ) . بالحنبلية تم تجييش العوام للإعتداء والتسلط بزعم تغيير المنكر ، وتم الهبوط بأخلاقهم للحضيض بزعم دخولهم الجنة مهما وقعوا من فسوق وعصيان . ثم تم تعليمهم الجهل (الدينى ) والهبوط بعقلياتهم الى أحط مستوى بالاعتقاد فى المنامات وتقديس القبور وتصديق أى خُرافة تُقال ونشر الثقافة السمعية التى تُسارع بالتصديق والايمان بكل ما تسمعه الإذن دون التثبت وطلب البرهان .

ومن عجب أن يأمر رب العزة بالتثبت فى أمور الدنيا فيقول جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)الحجرات). ويأتى فاسقون بأخبار كاذبة وأحاديث كاذبة ملفقة بإسناد مُضحك يسرى عبر القرون من وقتهم حتى عصر النبوة. ثم بدلا من إعتبارهم فسقة مستحقين للإحتقار فإنهم يصبحون أئمة ، ولا يزالون ، بدليل الرُّعب الذى يرتسم على ملامح الرعاع والعوام ودعاة العوام حين ننقد آلهتهم السنية الحنبلية من البخارى الى ابن حنبل ومسلم وغيرهم .

4 ـ كان سهلا نجاح التطبيق للدين الحنبلى لأنه يُلبى أهواء العوام . من الصعب أن تبنى وأن تُصلح ، ومن السهل أن تهدم وأن تُغوى . هناك من الأميين الذين لا يقرأون ولا يكتبون ولكن لهم عقولا يستنيرون بها . قد يكون احدهم جاهلا بالقراءة والكتابة ولكنه عاقل يصونه عقله من تصديق الخرافات والأكاذيب . هذا ( الأمى ) العاقل خير ألف مرة من حاصل على شهادة أزهرية تعلم فيها (الجهل الدينى ) فيما يعرف بالأحاديث واللاهوت الدينى القائم على الخرافات والأكاذيب . وهذه لا تزال مُشكلتنا فى التعليم الدينى فى مصر لدى المحمديين والمسيحيين على السواء . مشكلة ( تعليم الجهل ) . أو الهبوط بالعقل الانسانى الى حضيض الجهل بزعم أنه (علم دينى مقدس ). وهذا ما فعله الحنابلة فى عوام العصر العباسى الثانى ، وهذا ما يفعله الآن فى عصرنا الحنابلة الوهابيون ، فالوهابيون هم حنابلة هذا العصر .

ثانيا : العوام هم جنود التطبيق الحنبلى

1 ـ  فى عصر الخليفة المأمون كان الشاعر العتابى يسير فى شوارع بغداد، فدخل السوق وهو يأكل الطعام ،وكان ذلك يخالف المروءة أو" الاتيكيت"لدى ارباب الطبقة العليا،ولذلك احتج عليه صديقه قائلا "أتأكل الطعام فى السوق ويراك الناس؟" فقال له العتابى ساخرا:"وهل اولئك ناس؟انهم بقر" ، فاحتج صديق العتابى وزمجر،فقال له العتابى:"سأريك ان كانوا ناسا أم بقرا" ثم صعد الى الربوة ونادى فى الناس"ياقوم هلموا أحدثكم عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم )،فتدافع اليه الناس واجتمعوا حوله،واقبل يحدثهم يقول:روى فلان عن فلان عن فلان ان رسول الله.(صلى الله عليه وسلم)قال.وظل يخرج من حديث الى أخر وقد تعلقت به العقول والقلوب والعيون، وسيطر على المستمعين ،اذا حرك يده يمينا تحركت رؤوسهم يمينا،واذا أومأ برأسه يسارا التفتوا يسارا ،الى أن قال لهم ...وروى غير واحد(اى أكثر من واحد)أنه صلى الله عليه وسلم قال :اذا بلغ لسان احدكم ارنبة انفه دخل الجنة) وسكت...فاذا بكل واحد من المستمعين يخرج لسانه يحاول ان يصل به الى ٍانفه،واصبح منظرهم جميعا مضحكا،فالتفت العتابى الى صديقه ساخرا وقال: ألم اقل لك انهم بقر؟ ) .

2 ـ ذكرنا هذه الحادثة فى موضوع الاسناد ، ونستشهد بها هنا للتعرف على من أسماهم الشاعر العتابى ( بقر ) وهم السوقة وأصحاب الحرف والمهن ، ومن أبنائهم من تعلم الحديث وصار يحمل مهنة والده وأسرته وهو شيخ للحديث ، وسافر من بلده الى الحواضر المشهورة فظل يحمل اسم بلده الأصلى سجستان ( السجستانى ) بخارى ( البخارى ) نبسابور ( مسلم النيسابورى ) ترمذ ( الترمذى ) طبرية ( الطبرى )..الخ . كل منهم يزعم أنه لقى فلانا من العلماء فى بعداد أو الكوفة أو البصرة أو المدينة أو اليمن أو القاهرة . ولم تكن هناك معاهد علمية تعطى شهادات. ولم يكن هناك من يتحقق من زعم فلان أنه لقى فلانا أو سمع منه . وهذا الفلان الذى يقصدونه شيخا يُملى عليهم أحاديث يزعم أنه سمعها من فلان عن فلان عبر القرون حتى النبى ، وهو فى الواقع يمليهم أحاديث من تأليفه ، وينشرها ويسجلها أولئك التلاميذ على أنها ( دين ) . هؤلاء التلاميذ هم الطبقة الأعلى من العوام ، الذين ترقوا على مستوى آبائهم من العوام الموصوفين بالبقر . أما الشيوخ مصدر تلك الأكاذيب فهم القادة للعوام ، وهم أيضا بحكم مستنواهم العلمى وتخصصهم فى الكذب لا يزالون فى طبقة العوام . فليس (الحديث ) علما على الاطلاق . هو أكاذيب وخرافات.

3 ـ ويقال فى ترجمة ( على بن عاصم ت 201 ) الذى عاصر العتابى وخلافة المأمون ، إنه كان يجتمع عنده أكثر من 30 ألفا من الطلبة ، وكان يجلس على سطح لتراه هذه الألوف المؤلفة .( تاريخ بغداد 11 / 103 ـ المنتظم 10 / 103  ) هنا تقدير لعدد الطلبة لشيخ واحد فى مدينة واحدة ، وهذا يدلنا على إنخراط مئات الألوف من الطلبة علىسماع مئات الشيوخ فى عشرات المدن ، وهذا فى عصر المأمون . وبالتالى نتخيل أضعاف أضعاف أضعاف هذا العدد فى عهد الخليقة المتوكل الذى فرض الحنبلية دينا ، وشجع ملايين العوام على الانخراط فى السنة الحنبلية ، وأن يكون لهم بها نفوذ دينى ، وقد كانوا من قبل من المهمشين الذين لا يأبه بهم أحد . وفى وضعهم الجديد كانوا يحتاجون الى رمز ينتسبون اليه وزعيم يحملون إسمه فوجدوه فى شخصية ابن حنبل بعد موت ابن حنبل .

ثالثا : جنازة ابن حنبل أكبر مظاهرة للعوام وجعلوها أكبر جنازة فى تاريخ المسلمين :

1 ـ أفرد إبن الجوزى فى مناقب ابن حنبل أبوابا تتحدث عن جنازته . فى باب 83 ( فى ذكر الجمع الذين صلّوا عليه ) قال أحدهم ( دفنا أحمد بن حنبل يوم الجمعة بعد العصر سنة إحدى وأربعين ( بعد المائة ) ، وما رأيت جمعا أكبر من ذلك ). وقال عبد الوهاب الوراق : ( ما بلغنا ان جمعا كان فى الجاهلية والاسلام مثله . حتى بلغنا أن الموضع مُسح وحُزّر على التصحيح فإذا هو نحو من ألف ألف ، وحزرنا على السور نحوا من ستين ألف إمرأة ، وفتح الناس أبواب المنازل فى الشوارع والدروب ينادون : من أراد الوضوء . وكثر ما غشترى الناس من الماء ..) . وأخبر بنان القصبانى أنه حضر جنازة أحمد بن حنبل مع من حضر (.. فكانت الصفوف من الميدان الى قنطرة باب القطيعة . وحُزّر من حضرها من الرجال ثمان مائة ألف ، ومن النساء ستون ألف إمرأة . ) . وقال موسى بن هارون ( يقال أن أحمد بن حنبل لما مات مُسحت الأمكنة المبسوطة التى وقف الناس للصلاة عليها ، فحُزّر مقادير الناس بالمساحة على التقدير ستمائة ألف وأكثر ، سوى ما كان فى الأطراف والحوالى والسطوح والمواضع المتفرقة أكثر من ألف ألف . ). وبعث الخليفة المتوكل عشرين شخصا لتقدير عدد الناس فقدروا العدد بألف ألف وثلثمائة ألف سوى من كان فى السُّفن . وفى رواية أخرى مليون ونصف المليون . وافتخر عبد الله بن أحمد بن حنبل فزعم أن أباه قال ( قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم يوم الجنائز )

2 ـ وفعلا فإن المعتزلة ( أهل البدع ) إرتعبوا من هذا العدد الذى لا مثيل له لأنه يعتبر إستفتاءا شعبيا يؤكد إنحياز الأغلبية لما اصبح يعرف بالحنابلة ، والأغلبية طبعا هى العوام الذين أتاح لهم المتوكل حرية التعبير وأتاح لهم حديث تغيير المنكر حرية التسلط . لذا يضع ابن الجوزى الباب رقم 84 بعنوان ( فى ذكر ما جرى عند حمل جنازته من مدح السُّنّة وذمّ أهل البدع ) . يقول فيه : ( صلُّوا على أحمد بن حنبل فى المصلى ، وظهر اللعن على الكرابيسى ( شيخ المعتزلة وقتها ) ..فاُمر بلزوم بيته حتى مات ).! . وقال أحدهم : ( شهدت جنازة أحمد بن حنبل وفيها بشر كثير ، والكرابيسى يُلعن لعنا كثيرا بأصوات عالية ، والمريسى أيضا ) . وكان من حُسن حظ المريسى أنه مات من قبل . ويقول عبد الوهاب الوراق : ( أظهر الناس فى جنازة أحمد بن حنبل السُّنّة والطعن على أهل البدع . فسرّ الله المسلمين بذلك على ما عندهم من المصيبة لما رأوه من العزّ وعلو الاسلام ، وكبت الله أهل البدع والزيغ والضلالة . ) نراه هنا يحترع على عادة الحنابلة الاها متحيزا للحنابلة عدوا لخصومهم ، ويخترع إسلاما لا يتسع لغير الحنابلة . ونواصل نقل ما يقول هذا الرجل : (  ولزم بعض الناس القبر ، وباتوا عنده ، وجعل النساء يأتين فأرسل السلطان أصحاب المسالح فلزمزت ذلك الموضع حتى منعوهم مخافة الفتنة ). وفى الباب رقم 85 وتحت عنوان ( فى ذكر إزدحام الناس على قبره بعد دفنه ) يقول ابن الجوزى عن أحدهم أنه حضر جنازة أحمد بن حنبل ومكث طول الاسبوع يحاول الوصول الى قبره فلم يصل بسبب إزدحام الناس عليه . ووصل اليه بعد اسبوع .

3 ـ قد يُقال أن ابن الجوزى يُبالغ على عادته فى مناقب ابن حنبل ، ولكنه هنا لا يحكى منامات أو يروى أحاديث ، بل يروى تاريخا يُمكن تصديقه فى ضوء حاجة العوام والرعاع الى رمز دينى يلتفّون حوله ، ومن الأفضل أن يكون هذا الرمز ميّتا مدفونا ليُقدسوا قبره ، وليؤلفوا حوله ما تشاؤه أهواؤهم من أساطير ومن تشريعات ومؤلفات . وكان ابن حنبل هو الشخص المناسب بعد موته . لم يكن صالحا لهذه المهمة فى حياته بسبب جُبنه وهروبه وإعتزاله خوفا من السلطان حتى بعد أن تولى الخليفة المتوكل . ولم يرد فى مناقب ابن حنبل التى كتبها ابن الجوزى وغيره أن الناس إزدحموا على بيته بعشرات الألوف كما كانوا يفعلون مع غيره لأنه ببساطة إعتكف وإعتزل ، بل وتكلم ابن الجوزى فى مناقبه عن إعتكافه وإيثاره ( خُمول الذكر ) تاركا غيره من شيوخ الحديث يتوافدون على قصر المتوكل ، ويتلقون منه العطاء ويسافرون الى الآفاق ينشرون ( السنة ) حسبما قال ابن الجوزى فى تاريخ المنتظم. ابن حنبل بعد موته أصبح الرمز المناسب ، لذا تحولت جنازته الى مظاهرة لاعلاء دين العوام الأرضى ، باعتباره دين الأغلبية أو كما يقولون عنه حتى الآن ( أهل السنة والجماعة ).

4 ـ ومن الطريف أن المؤرخ المسعودى لم يتعرض لمحنة ابن حنبل فى عصر المأمون والمعتصم ، بل إنه فى سطر واحد أشار بسرعة الى مقتل أحمد بن نصر الخزاعى فقال : ( وفى سنة إحدى وثلاثين ومائتين قتل الواثق أحمد بن نصر الخزاعى فى المحنة على القرآن ) . أى أن المسعودى لم ير فى تاريخ ابن حنبل ما يستحق التأريخ ، إلّا إن المسعودى ذكر موت ابن حنبل ورأى أن جنازة ابن حنبل خبرا يستحق التوقف معه . يقول عنها: ( وحضر جنازته خلق من الناس لم يٌر مثل ذلك اليوم ، والاجتماع فى جنازة من سلف من قبله. ). ويتكلم عن العوام الذين حضروا الجنازة مندهشا مما قالوه : (وكان للعامة فيه كلام كثير جرى بينهم بالعكس والضد فى الأمور ) فالمسعودى ـ وهو مؤرخ وجغرافى مثقف وأقرب للمعتزلة ـ يعتبر قول العوام شيئا يخالف المعقول . ويستشهد بما نادوا به فى الجنازة التى حولوها الى مظاهرة : ( منها أن رجلا منهم كان ينادى : إلعنوا الواقف عند الشبهات  )ويعلق المسعودى فيقول : ( وهذا بالضد عما جاء عن صاحب الشريعة عليه السلام ) أى يخالف السُّنة الحقيقية للرسول . ويقول المسعودى : ( وكان عظيم من عظمائهم ومقدم فيهم يقف موقفا بعد موقف أمام الجنازة وينادى بأعلى صوته : وأظلمت الدنيا لفقد محمد ..   وأظلمت الدنيا لفقد ابن حنبل ) يقول المسعودى : ( يريد أن الدنيا أظلمت عن وفاة محمد عليه السلام ، وأنها أظلمت عند موت ابن حنبل كظلمتها عند كوت الرسول صلى الله عليه وسلم )( مروج الذهب 2 / 283 ، 404 ).  المسعودى يرى كلام العوام وقادتهم من اللعن ومساواة ابن حنبل بالرسول يأتى بالضدّ للاسلام ، ومع ذلك فلم يتهمهم بالكفر ، وعبّر عن رأيه بدبلوماسية . هذا بينما نجد رواة الحنابلة ومؤرخيهم كابن الجوزى يحتكرون الدين لهم ويكفّرون خصومهم ويلعنونهم فى الوقت الذى يرفعون فيه شيخهم ابن حنبل فوق مستوى الالوهية كما سبق التعرض له . والذى لم يفطن اليه المسعودى أننا بإزاء دين أرضى جديد يعبر عن العوام . الطريف أن المسعودى يشير فى نفس الصفحة الى أشهر من مات من المعتزلة ، ويصفهم باللقب الذى إشتهروا به وهو ( اهل العدل ) فيقول : ( وفى السنة التى مات فيها ابن حنبل كانت وفاة محمد بن عبد الله بن محمد الاسكافى ، وكان من أهل النظر والبحث ومن عليه أهل العدل ) أهل العدل يعنى المعتزلة . ويقول ( وكانت وفاة جغقر بن المبشر سنة أريغ وثلاثين ومائتين ، وكان من كبار أهل العدلية وأهل الديانة من البغداديين ) يقصد المعتزلة . ويستطرد فى ذكر من مات من المعتزلة    بنفس الأسلوب . هؤلاء المعتزلة هم الموصوفون عند الحنابلة بالمبتدعة والضلال والكفر. 

الخاتمة

1 ـ نحن الآن أمام جيش من الأغلبية ( العوام )، جنوده ممن سماهم الشاعر العتابى ( البقر ) وقادتهم المباشرون ممن تعلم الجهل على أنه دين الاسلام ، والقادة الكبار هم المتخصصون فى إختراع الأكاذيب فى شكل احاديث ومنامات .

2 ـ هو تقسيم يشبه فى عصرنا ( الأمن المركزى ) فى مصر ، حيث يتم تكوين جيش الأمن المركزى من المجندين الأميين الريفيين الغوغاء الجهلاء ، ثم يقوم بقيادتهم ضباط الشرطة الذين يتلقون الأوامر من كبار القادة . تصدر الأوامر من القيادات فيبلغها الضباط للجنود بالضرب فيقوم ( البقر ) بالتنفيذ حتى لو كان سحل الفتيات وتعريتهن فى الشوارع . نفس التقسيم فى مظاهرات الاخوان والسلفيين . تصدر الأوامر من القيادة العليا ويقوم الناشطون فى الشارع بتنفيذها عبر قطيع من البقر الذين يفعلون ما يؤمرون بفعله وهم مسلوبو العقل والضمير لأنه تمت برمجة عقولهم على أن هذا هو الاسلام ، وأن خصومهم فى الفكر وفى السياسة هم أعداء الاسلام .

3  ـ تخيل أن تتسلح هذه الغوغاء وأن تنطلق لتفعيل دينها على جثث خصومهم من المثقفين ( المعتزلة ) وأهل الكتاب والشيعة . تخيل هذا القطيع وهم يمارسون الاعتداء والتسلط بحديث تغيير المنكر باليد والسلاح ، وهم تحت مظلة أحاديث الشفاعة تضمن لهم الجنة بما يفعلون وما يرتكبون . هذا ما كان يحدث فى العصر العباسى الثانى ، والذى سنعيش معه فى المقالات القادمة لنرى الحضيض الذى وصلنا به الآن حين أعادتنا الوهابية الحنبلية الى أحطّ عصور السلف .

الفصل الرابع : ( المتوكل ) أول خليفة عباسى حنبلى 

أولا : السبب فى نقمة المتوكل على المعتزلة  

1 ـ مات الخليفة الواثق فى العام التالى لمقتل أحمد بن نصر ، اى عام 232 . ويروى الطبرى أنّ الواثق مات بمرض الاستسقاء ( تاريخ الطبرى 9 / 150 ) بينما يفترى إبن الجوزى قصة طويلة عن شيوخة الحنبلية الناقمين على الواثق يزعمون فيها ان الواثق مات فجأة من وصفة طبية لعلاج الضعف الجنسى (المنتظم 11 / 186 : 188 ). وقلنا إن ابن الجوزى لم يكن أمينا فى تاريخه ، إذ أخضعه لرؤيته الحنبلية فى مدح الحنابلة وتشويه خصومهم .

2 ـ تركز النفوذ فى خلافة الواثق فى إثنين من قادة المعتزلة ، تنافسا فيما بينهما ، وهما القاضى أحمد بن أبى دواد ، والوزير محمد بن الزيات،  هذا فى الوقت الذى عانى فيه ولى العهد ( المتوكل ) من ابن الزيات فزاد حقده عليه ، وإنتقم منه سريعا . وكان المتوكل مدينا بجميل لأبن أبى داود فثبته فى مكانه ، إلا إن نفوذ الحنابلة حمل المتوكل على الايقاع بإبن أبى داود بعدها بخمس سنوات . نقول ( الحنابلة ) تعبيرا عن التيار السّنى المتشدد والذى حمل لقب الحنابلة بعد عصر المتوكل وموت ابن حنبل .

ثانيا : المتوكل يأمر بتعذيب وقتل ابن الزيات وينتقم من أعمدة دولة الواثق

1 ـ فى خلافة الواثق عمل ابن الزيات على الوقيعة بين الواثق واخيه (جعفر ) ولى العهد الذى تولى الخلافة بلقب ( المتوكل ). وأوعز إبن الزيات للواثق ان يعزل أخاه المتوكل ويولى إبنه مكانه . وراقت الفكرة للواثق ، وكان من خطط تنفيذها تحقير ولى العهد لتسقط هيبته فى البلاط ولدى الحاشية . وتولى هذا الأمر ابن الزيات بجدارة .أحاط ابن الزيات ولى العهد بالجواسيس يحصون عليه أنفاسه، منهم عمر بن فرج الرخجى . وصار بينهم كالسجين ، وحاول جعفر ( المتوكل ) أن يتصل بأخيه الخليفة الواثق فلم يفده ذلك شيئا ، فاضطر للذهاب صاغرا الى الوزير خصمه اللدود ابن الزيات ، فعامله ابن الزيات باحتقار شديد . دخل عليه يسأله أن يكلم أخاه الخليفة ان يرضى عنه،(..فلما دخل عليه مكث واقفًا بين يديه مليًا ، وابن الزيات متشاغل عنه لا ينظر اليه و لا يكلمه ، ثم أشار إليه أن اقعد فقعد ، فلمافرغ من نظره في الكتب التفت إليه كالمتهدد له، فقال له‏:‏ ما جاء بك ؟ قال‏:‏ جئت أسأل أمير المؤمنين الرضا عني ) فنظر ابن الزيات الى الحاضرين فقال (‏‏ انظروا إلى هذا .! يُغضب أخاه ويسألني أن أسترضيه‏!‏ اذهب فإنك إذا صلحت رضي عنك ) . واحتاج ولى العهد (المتوكل) الى راتبه ونفقاته فأتى عمربن فرج الرخجى مسئول الخزانة يسأله أن يختم له صكه ليقبض أرزاقه، فأخذ عمر بن فرج الرخجى الصك فرمى به إلى صحن المسجد ‏.‏  وافتخر ابن الزيات بما فعله بولى العهد ، وكتب بذلك للخليفة الواثق‏:‏( أتاني جعفر بن المعتصم يسألني أن أسأل أمير المؤمنين الرضا عنه في زي المخنثين له شعر قفا ) أى قد طال شعره حتى غطى قفاه .( ‏فكتب إليه الواثق‏:‏ ابعث إليه وأحضره. ومُر من يجز شعره ، واضرب به وجهه . ففعل ذلك ‏.‏) .

2 ـ وبادر المتوكل بالإنتقام من غريمه ابن الزيات بعد ثلاثة أشهر من توليه الخلافة . فى 7 صفر 232 أمر المتوكل بالقبض على ابن الزيات وتعذيبه حتى الموت فى ( التنُّور )، بنفس الطريقة التى كان بها ابن الزيات يعاقب ضحاياه. بدأ بالقبض عليه ومصادرة أمواله ومتاعه وجواريه وغلمانه وضياعه وضياع أهل بيته . ثم أمر بتعذيبه . تقول الرواية فى الطبرى ( وبعث إلى داره فأخذ جميع ما فيها من متاع وجوار وغلمان ودواب وأمر أحمد بن أبي خالد بقبض ضياعه وضياع أهل بيته.. ثم قُيّد فامتنع عن الطعام ، وكثر بكاؤه ، ثم سوهر ومنع من النوم بمسلة ينخس بها.  ثم أمر بتنور من حديد فيه مسامير إلى داخله ، فأدخل فيه ، وهو الذي كان صنعه ليعذب به من يطالب بأمر ‏.‏ فجعل يقول لنفسه‏:‏ يا محمد بن عبد الملك لم تقنعك النعمة والدواب الفارهة والدار النظيفة وأنت في عافية حتى طلبت الوزارة ذُق ما عملت بنفسك‏!‏ وكان لا يزيد على التشهد وذكر الله تعالى . ..وكان يقول‏:‏ الرحمة خور في الطبيعة ما رحمت شيئًا قط ‏.‏ فلما وضع في التنور قال‏:‏ ارحموني قالوا له‏:‏ وهل رحمت شيئًا قط ‏.‏ ؟ .) ومات تحت التعذيب (  مات في التنور، .. ولما مات طرح على باب، فغسل عليه وحفر له ، ولم يُعمّق . فذكر أن الكلاب نبشته ، فأكلت لحمه ) ( الطبرى 9 / 156 : 161 )

3 ـ وفى نفس العام تتبع المتوكل أعداءه أصحاب النفوذ فى دولة أخيه ، يصادرهم ويسجنهم . فى شهر رمضان من نفس العام إنتقم المتوكل من صاحب الخزانة ( عمر بن فرج الرخجى ) الذى رمى الصّك فى وجهه من قبل وكان يتجسس عليه لصالح ابن الزيات . فإعتقله ووضعه فى الحديد وصادر أمواله.( فوجد في منزله خمسة عشر ألف درهم. وقبض جواريه وفرشه . وقيد بثلاثين رطلًا من الحديد. وأحضر مولاه نصر ، فحمل ثلاثين ألف دينار . وحمل نصر من مال نفسه أربعة عشر ألف دينار ، وأصيب له في الأهواز أربعون ألف دينار ، ولأخيه محمد بن الفرج مائة ألف دينار وخمسون ألف دينار . وحمل من داره من المتاع على ستة عشر بعيرًا فرش فاخرة ، ومن الجوهر ما قيمته أربعون ألف دينار. ، وألبس جبة صوف ، وقُّيد ، وأخذ عياله . ففتشوا ، فكن مائة جارية ، ثم صولح على  عشرة آلاف ألف درهم )

وفي نفس العام غضب المتوكل على أبي الوزير أحمد بن أبي خالد ، وأمر بمحاسبته فحمل نحوًا من ستين ومائة ألف دينار وبدرتين دراهم ، وحليًا . وأخذ له من متاع مصر اثنين وستين سفطًا واثنين وثلاثين غلاما وفرشا كثيرا . وأخذ أصحابه فصالحوا على سبعين ألف دينار .

وأمر المتوكل بسليمان بن إبراهيم بن الجنيد فضرب بالأعمدة حتى أقر بتسعين ألف دينار، فوجّه معه مباركًا المغربي إلى بغداد، حتى استخرجها من منزله . وجيء به فحبس .( الطبرى 9 / 161 : 162 ).

4 ـ بعد قتل ابن الزيات وفى عام 234 أعلن المتوكل إنحيازه لمنهج أهل الحديث المتشدّد ، وهو الذى صار معروفا بعدها بالحنبلية.)، وكافأ الحنابلة الخليفة المتوكل بدعايات من المنامات شجعته على المزيد من الانحياز( للحنبلة ).

5 ـ ولم يتعرض المتوكل لابن أبى داود . إذ أنه بموت الواثق حاول كبار الجُند تولية الطفل ابن الواثق ، ولكن رفض القاضى أحمد بن أبى داود ، الذى استدعى ولى العهد ( جعفر ) وأقنعهم بأن يتولى الخلافة ، وبذلك تولى المتوكل الخلافة بتدخل أحمد بن داود ، فحفظ  المتوكل جميل أحمد بن أبى داود الى حين من الزمان . ولكن نفوذ الحنابلة جعل المتوكل يعصف بان أبى داود ، فجاءت نكبته هو وإبنه محمد عام 237 ـ

6 ـ وشهد هذا العام 237 نكبة شيخ المعتزلة ابن أبى داود وإنزال جثة أحمد بن نصر ودفنها وأطلاق المتوكل سراح كل المساجين المتهمين بعدم القول بخلق القرآن . ( المنتظم 11 / 249 : 251 ).

كما شهد عام 236 هدم قبر الحسين . يقول الطبرى : ( أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي ، وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يحرث ويبذر ويسقى موضع قبره ، وأن يمنع الناس من إتيانه . ) وهددوا الناس من المجىء للمكان ( فذكر ان عامل صاحب الشرطة نادى في الناحية من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة بعثنا به إلى المطبق . فهرب الناس ، وامتنعوا من المصير إليه . وحرث ذلك الموضع وزرع ما حواليه. ) ( الطبرى 9 / 185 ).

ثالثا : موقع المتوكل فى العصر العباسى

1 ـ  المتوكل (232 : 247 هجرية ) ( 847 ـ 861 م) وهو الذى يبدأ به العصر العباسى الثانى، ( 847 ـ 1258 م ) عصر ضعف الدولة العباسية كنظام سياسى ولكن تبدأ قوة الخلافة العباسية الروحية ، لذا إحتاجت لكهنوت دينى قوى تعزّز به ضعف الخلفاء سياسيا ، فكانت الحنبلية هى ذلك الكهنوت المناسب ، وبه سيطر الحنابلة على الشارع العباسى . وإستفاد الحنابلة من ضعف الخلفاء العباسيين وحاجتهم الى كهنوت قوى فأصبح لهم نفوذ قوى فى الشارع العباسى . وكان المتوكل بسياسته فى التعصب ( الحنبلى ) قائدا لهم . والعباسيون والحنابلة صنعوا لهم ضحايا فى الداخل يوجهون نحوهم سخط العوام ، ليتسلّى عوام الحنابلة باضطهادهم ، لذا بدأ المتوكل بإضطهاد المعتزلة والنصارى واليهود ، بل وشيوخ التصوف فى بداية ظهور دين التصوف .

ولأن الصراع الحربى كان مستعرا بين العباسيين والبيزنطيين فقد تم تكثيف الصبغة الدينية على هذا الصراع ( الدنيوى ) فأصبح بالحنبلية يعنى صراعا بين ( أمة محمد ) و ( أمة المسيح ) . وعكست هذا أحاديث الشفاعة وغيرها من أحاديث تنشر مصطلح ( امة محمد ) التى سيشفع فيها ( محمد )، مع أحاديث أخرى تشرّع إضطهاد ( أهل الكتاب ). وتركز فى الفقه السّنى تقسيم العالم الى معسكرين : معسكر الاسلام والسلام ، ومعسكر الحرب ، أو ( دار السلام ) و( دار الحرب ) ، وأصبح من مصطلحات الفقه السّنى ( الحربى ) أى الذى ينتمى الى المعسكر الآخر ، تمييزا له عن ( الذمى ) أى المسيحى أو اليهودى من السكان داخل معسكر الاسلام والسلام بزعمهم . بهذا يتميز العصر العباسى الثانى عن الأول ، وكان المتوكل هو رأس هذا العصر الثانى .

2 ـ والمتوكل أول خليفة يقتله قوّاده الأتراك ، وبعدها أصبحت عادة سيئة للقواد التراك فى التحكم فى الخلافاء العباسيين وعزلهم وقتلهم .  وهو أول خليفة يسرف فى إقتناء الجوارى،وكان أكثرهم اسرافا فى الجنس. قال عنه المسعودى فى ( مروج الذهب ) ( إنه كان له أربعة آلاف سرية ( أى عشيقة محظية مملوكة ) وطئهن كلهن ) ( تاريخ المسعودى 2 / 418 ) . هذا مع اشتهاره بتفضيل إثنتين من جواريه أولهما ( قبيحة ) اجمل نساء عصرها ـ وهى أم ابنه الخليفة المعتز ـ و ( محبوبة ) المغنية.

3 ـ و لكن تميز المتوكل بالتعصب على كل المستويات . فهو الذى تعصب للحنابلة ضد المعتزلة وهو الذى إضطهد من أجل الحنابلة أهل الكتاب ، فأرغم النصارى و اليهود على لبس زى معين للتحقير ، ومن أجل الحنابلة اضطهد الشيعة وهدم قبر الحسين ، وهو الذى سلّط الحنابلة على الجميع .

وأدمن التعصب حتى فى سياسته ، فتعصب ضد الفرس والعرب وأقصاهم من الجندية وأحل محلهم الأتراك . بل تعصب لابنه الأصغر المعتز ضد ابنه الأكبر ( المنتصر ) ولى العهد بسبب حظوة  جاريته (قبيحة) أم المعتز عنده ، فحاول نزع ولاية العهد من ابنه الأكبر ( المنتصر ) ليولى ابنه المعتز بن قبيحة، فتآمر ابنه المنتصر عليه و قتله ليلة الأربعاء الرابع من شوال عام 247 ، بمساعدة بعض القادة الأتراك ، وقتلوا معه وزيره الفتح بن خاقان ـ وكانا يشربان الخمر معا.

3 ـ وتولى الابن القاتل ( المنتصر) الخلافة ، وسرعان ما مات مسموما بيد الأتراك بعد ستة أشهر من خلافته ، عام 248 .وولى القادة الأتراك مكانه ( المستعين ) عام 248 ، وبتآمر قبيحة  أرغم القادة الأتراك المستعين على التنازل عام 252 ، وولوا الخليفة المعتز . وكانت ( قبيحة ) هى المتحكمة فى خلافة ابنها المعتز ، و قتل القادة الأتراك الخليفة المستقيل المستعين فى نفس العام ، ثم خلعوا الخليفة المعتز وقتلوه عام 255، وصادروا جواهرقبيحة ام المعتز ، وكانت تملأ سردابا ، وسجنوها ، واغتصبها القائد التركى صالح بن وصيف . وهربت الى مكة تستجير بالكعبة ..!! يقول الطبرى عن الفصل الأخير فى محنة قبيحة بعد قتل ابنها الخليفة المعتز بيد الأتراك :( ولم تزل قبيحة مقيمة إلى أن شخص الناس إلى مكة في هذه السنة فسيرت إليها مع رجاء الربابي ووحش مولى المهتدي.  فذكر عمن سمعها في طريقها وهي تدعو الله على صالح بن وصيف بصوت عال وتقول : اللهم أخز صالح بن وصيف كما هتك ستري وقتل ولدي وبدد شملي وأخذ مالي وغربني عن بلدي وركب الفاحشة مني ) .. وولى القادة الأتراك الخليفة المهتدى الذى حاول أن يسير بالعدل فقتلوه سريعا بعد خلافة لم تكمل عاما واحدا ، قتلوه عام 256 ، وهو العام الذى مات فيه البخارى .وهذا هو مصير ورثة المتوكل وضحايا سياسته فى تجنيد وتجييش الأتراك ، قتلوه وقتلوا الخلفاء من ذريته . وفى هذا العصرالفاسد المنحل تأسّس الدين السنى الحنبلى وتسيّد ، وعاش أئمة أهل السنة من البخارى ومسلم وابن حنبل وابن راهويه ..ووو,

 رابعا : ونتتبع إضطهاد المتوكل لأهل الكتب مما جاء فى تاريخ الطبرى :

 1 ـ فى عام 235  : يقول الطبرى : ( وفي هذه السنة أمر المتوكل بأخذ النصارى وأهل الذمة كلهم بلبس الطيالسة العسلية والزنانير وركوب السروج بركب الخشب، وبتصيير كرتين على مؤخر السروج وبتصيير زرين على قلانس من لبس منهم قلنسوة مخالفة لون القلنسوة التي يلبسها المسلمون ، وبتصيير رقعتين على ما ظهر من لباس مماليكهم مخالف لونهما لون الثوب الظاهر الذي عليه ، وان تكون إحدى الرقعتين بين يديه عند صدره والاخرى منهما خلف ظهره ، وتكون كل واحدة من الرقعتين قدر اربع أصابع ولونهما عسليا . ومن لبس منهم عمامة فكذلك يكون لونها لون العسلي . ومن خرج من نسائهم فبرزت فلا تبرز إلا في إزار عسلي.  وأمر بأخذ مماليكهم بلبس الزنانير ، وبمنعهم لبس المناطق. وامر بهدم بيعهم المحدثة ، وبأخذ العشر من منازلهم . وإذا كان الموضع واسعا صُّير مسجدا . وإن كان لا يصلح أن يكون مسجدا صير فضاء . وامر أن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب مسمورة تفريقا بين منازلهم وبين منازل المسلمين . ونهى ان يستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان التي يجري أحكامهم فيها على المسلمين . ونهى أن يتعلم أولادهم في كتاتيب المسلمين،  ولا يعلمهم مسلم . ونهى أن يظهروا في شعانينهم صليبا وان يشمعلوا في الطريق ، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض لئلا تشبه قبور المسلمين . ).

2 ـ  وفى عام 239 ( أمر المتوكل بأخذ أهل الذمة بلبس دراعتين عسليتين على الأقبية والدراريع في المحرم منها ثم أمره في صفر بالاقتصار في مراكبهم على ركوب البغال والحمر دون الخيل والبراذين . )

 3 ـ وفى عام 242 : ( قتل المتوكل عطاردا رجلا كان نصرانيا فأسلم فمكث مسلما سنين كثيرة ثم ارتد فاستتيب فأبى الرجوع الى الإسلام فضربت عنقه لليلتين خلتا من شوال وأحرق بباب العامة . )

4 ـ ولم ينج الطبيب الشهير بختيشوع من إضطهاد المتوكل . ففى عام  244 ( غضب المتوكل على بختيشوع ، وقبض ماله ، ونفاه إلى البحرين . )  وفى عام  245  (  ضُرب بختيشوع المتطبب مائة وخمسين مقرعة وأثقل بالحديد وحبس في المطبق في رجب. ) .

 5 ـ ونتذكر الفارق بين تكريم المتوكل للحنابلة الجهلة وعصفه بالعلماء الحقيقيين ، فقد أنّب المتوكل بعنف أحد الحنابلة لأنه إقترض عشرين ألف درهم من الطبيب بختيشوع ، وأعطى المتوكل هذا الحنبلى مائة ألف درهم مع تحذيره لو عاد يقترض من بختيشوع .( المنتظم 11 / 180 : 181 ). ثم بعدها كانت نكبة الطبيب العالم بختيشوع . .!!.

6 ـ هنا أيضا  نتذكر الفارق بين سماحة الخليفة المعتصم ( المعتزلى ) وتعصب إبنه الخليفة المتوكل ( الحنبلى ) . ولقد كان سلمويه بن بنان نصرانيا متمسكا بدينه، وقد عمل طبيبا للخليفة العباسي المعتصم ، وارتفع شأنه عنده حتي أن الورقة التي تحمل توقيع سلمويه كان الأمراء والقواد لا يستطيعون مخالفتها، وقد أمر الخليفة المعتصم بتولية إبراهيم ابن بنان شقيق سلمويه الإشراف علي خزائن الأموال للخلافة العباسية . وكان الخليفة المعتصم يقول عن طبيبه سلمويه : ( هذا عندي أكبر من قاضي القضاة لأن هذا يحكم في مالي وهذا يحكم في نفسي ، ونفسي أشرف من مالي. ) . وحين مرض سلمويه ذهب إليه المعتصم يزوره ، وبكي عنده وطلب مشورته. ولما مات سلمويه امتنع المعتصم من أكل الطعام يوم موته ، وأمر أهل القصر بحضور جنازته ، وأن يصلوا عليه بالشمع والبخور وأن يرتدوا جميعا زى النصارى بالكامل فنفذوا أوامره ،وأشرف بنفسه عليهم وهو يشاهد جنازة سلمويه . ومات المعتصم بعد موت صديقه سلمويه بعشرين شهرا . ومات المعتصم سنة 227 هـ. وتولى ابنه الواثق ، ومات الواثق فتولى المتوكل ( الحنبلى ) فإنقلب الحال .

وفى الفصول التالية سنشهد المزيد من حنبلة العوام والخلفاء .

الباب الرابع : الحنابلة وصناعة دين أرضى بالأحاديث والمنامات

الباب الرابع : الحنابلة وصناعة دين أرضى بالأحاديث والمنامات

الفصل الأول : الحنابلة وإفتراء الأحاديث فى الدفاع عن المتوكل :

أولا : أهمية إفتراء الحديث للحنابلة

1 ـ إحتاجت الحنبلية الى نشر دعوتها بإفتراء الأحاديث بكل أنواعها ، أحاديث نبوية منسوبة للنبى، و أحاديث قدسية منسوبة لله جل وعلا ، وأحاديث منامات يزعمون فيها رؤية النبى أو رؤية الله جل وعلا والحديث معه. واستخدوا هذا الأفك الدينى فى مدح الخليفة المتوكل والدفاع عنه ، وفى مدح قادتهم ، وفى الهجوم على خصومهم المعتزلة الذين تعرضوا للقضاء عليهم بفعل المتوكل . وبهذا أسس المتوكل والحنابلة دينا سُنيّا متطرفا متشددا متزمتا منحل الأخلاق متعديا ظالما. ولهذا فإن ما ارتكبه المتوكل من إضطهاد أهل الكتاب ( اليهود والنصارى ) والمعتزلة والشيعة لا يزال ساريا حتى الآن ، إذ قامت السعودية بوهابيتها بإحياء الدين الحنبلى ونشره بين المسلمين على انه الاسلام ، وحيثما يسيطرالوهابيون الحنابلة تجد معاناة الأقليات الدينية والمذهبية .

2 ـ نشر الحنابلة لدينهم الأرضى معززا بسلطة الخليفة المتوكل أدى الى دخول المزيد والمزيد من أهل الكتاب الى ( السُّنة الحنبلية ) لينجو بأنفسهم من الاضطهاد ، ومثلا ، فى سنة 204 ألزموا ( أهل الذمة بتعليم أولادهم السريانية والعبرانية ومنعوا من العربية ونادى المنادي بذلك ، فأسلم منهم خلق كثير ‏.‏). ومتى دخل أحدهم الاسلام فلا مجال للرجوع لأنّ ( حد ّ الردّة ) يقف له كالكلب العقور . وبالتالى يموت على الدين الجديد الذى إعتنقه ، ويرث أولاده وأحفاده الدين الجديد . ومن هنا تعاظم دخول السكان فى ( الاسلام ) بزعمهم ، وأدى هذا الى المزيد من التهميش والاضطهاد لأهل الكتاب . لأن هذا الاضطهاد أصبح بالأحاديث المفتراة شريعة دينية . وكان سهلا إستخدم  قادة الحنابلة الحديث فى نشر دينهم بين العوام  الذين لا يستعملون عقولهم ، فإذا قيل ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا ..) أسرعوا بالتصديق والإذعان . ولا يزال هذا ساريا حتى الآن .

3 ـ وباستخدام صناعة الحديث تم الانتصار للحنابلة على المعتزلة ، ليس فقط لأن العوام إنحازوا لأهل الحديث لأنهم وجدوا فى الحديث إستجابة لأهوائهم ولأنه يتيح لهم ان يكونوا ( علماء وفقهاء ) بمجرد السماع والحفظ وإصطناع الكذب ، ولكن أيضا لأن المعتزلة بمنهجهم العقلى الجدلى كانوا ينسبون آراءهم الى أنفسهم ـ إن خطأ وإن صوابا ـ ويعتمدون على قوة الحجة والاستدلال النظرى الذى يستوجب أن يكون الخصم على نفس الدرجة من الذكاء والمعرفة والثقافة ومتبعا نفس المنهج العقلى الاستدلالى . وبعلوّ نفوذ العوام الجهلة كان الأبغض لهم هذا المنهج ، وكان الأسهل لهم هو إتباع أئمتهم الذين كانوا يصيغون الرأى فى صورة حديث ، فإذا قال المعتزلة رأيهم بالاستدلال بالقرآن واجههم الحنبلى بحديث يقول ( قال صلى الله عليه وسلم كذا ) جاعلا رأيه دينا  لابد من الانصياع اليه بلا مناقشة ، فإمّا أن تنصاع وتؤمن ، وإمّا أن تناقش وتعارض فتكون كافرا حلال الدم .

4 ـ ولقد كان الجاحظ المتوفى عام  255 من أعلام المعتزلة ومن نجوم عصره بذكائه وتصنيفاته ، والتى لا تزال مبهرة للمثقفين حتى الآن . عاصر الجاحظ أحد جامعى القمامة وأحد منتجيها ، ولم يكن معروفا فى وقته ، ولكن سيطرة العوام وجهل العوام ما لبث أن رفع جامع القمامة هذا بعد موته الى درجة التأليه ، وجعل القمامة التى جمعها وأنتجها فوق مستوى القرآن الكريم . جامع القمامة هذا هو ( إبن برزويه ) المجوسى الأصل المشهور بالبخارى والمتوفى بعد عام واحد من وفاة الجاحظ ، عام 256 . والسبب أن البخارى كان أكثر من سجّل أساطير الشفاعة ونسبها للنبى فأصبحت دينا ، وهذه الأساطير تسوّغ العصيان وتبشّر العُصاة بالجنة مهما إرتكبوا من آثام بشفاعة ( محمد ) طالما كانوا من ( أمة محمد ) . هذا يتواءم مع أهواء العوام ومع جهل العوام ، ومع عقليتهم التى تتركّز فى نصفهم الأسفل تاركة النصف الأعلى خاويا خاليا . ومن هنا مات الفكر المعتزلى وظل الكذب الحنبلى لأنه أصبح دينا ( أرضيا ) انتشر بين العوام وهم الأغلبية الساحقة من الناس . كانوا عدة ملايين فى عصر المتوكل ، وهم الان مئات الملايين فى عصرنا ، يعيدون إنتاج الماضى العقيم فى عصر الثورة العلمية وحقوق الانسان والديمقراطية . وخلال أربعين عاما من سيطرة الوهابية الحنبلية على مصر أنتجت لنا عشرات الملايين من المهاويس المتاعيس . ودائما ، وعندما يسيطر الدين الأرضى على مجتمع بشرى فإنه يتقدم به الى الخلف .

ثانيا : السّنة دين أرضى يملكه أصحابه ويصنعه أصحابه

1 ـ وإستخدام الحنابلة صناعة الحديث جعلهم مالكى هذا الدين ومالكى التوسّع فيه حيث شاءوا ، فإذا كان الاسلام قد إكتمل بالقرآن ، فإن دينهم الأرضى لم ولن يكتمل لأن أبواب الكذب والاختلاق مفتوحة الأبواب لكل من يستطيع أن يؤلف إسنادا يزعم فيه أن سمع فلانا عن فلان فلان أن رسول الله قال ( كذا )..ويفترى ما يشاء من ( كذا ). وبهذا إستمرّ توسع الدين السّنى وتضخّمت أحاديثه ، عبر صناعة الاسناد .

2 ـ قلنا إن أهل الحديث فريقان ، إئمة تخصصوا فى إفتراء الحديث ، يصنعون له الإسناد والعنعنة ويصنعون متن الحديث ، يقولون ما يشاءون وينسبونه للرسول أو لله جل وعلا . ثم عوام أهل الحديث الذين يسمعون الحديث من أولئك الأئمة ويكتبونه وينشرونه بمتنه وإسناده . وقلنا إن احمد بن حنبل فى حقيقته كان من ( عوام أهل الحديث ) ولكن الظروف إرتفعت به لتجعله ـ رغم أنفه ـ من قادة الحديث بل وصاحب مذهب فقهى . وإنتسبت اليه الحنبلية أو الحنابلة المتشددون فنسبوا له ما لم يقله فى الحديث والفقه والمنامات والكرامات .

3 ـ والشىء المثير للإنتباه أن قادة أهل الحديث فى العصر العباسى الثانى كانوا كلهم ـ إن لم تكن الأغلبية الساحقة منهم ـ من أهل فارس . دخلوا فى السّنة باسم الاسلام مع كفرهم بحقيقة الاسلام ، إذ دخلوه بأديانهم الأرضية ، وبعثوا هذه الأديان الأرضية من مرقدها فى صورة أحاديث ومنامات ، يقفزون بها الى درجة التخاطب مع الله جل وعلا والوحى . أى دخلوا فى الاسلام وخرجوا منه فى نفس الوقت، ينطبق عليهم قوله جل وعلا: ( وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ) (61)( المائدة ).

والشىء المثير للعجب هو ذلك الفارق الشاسع بين أولئك الفرس فى العصر العباسى الثانى وعصر النبى فى المدينة . فجوة زمنية وثقافية وحضارية وجغرافية مكانية . ومع ذلك أمكن تجاوز هذه الفجوة وعبورها بأصطناع ( الاسناد ) الذى صدّقه العوام ـ ولا يزالون .

ويزول العجب عندما نعلم أن السبب هو المال والنفوذ ، أو السلطة والثروة . فأبناء الفرس الذين دخلوا فى دين السّنة أفواجا كانوا يحتاجون للثروة والسلطة والجاه بقدر ما كانت الدولة العباسية تحتاجهم كهنوتا دينيا لها فى دولتها الدينية . ففتحت لهم أبواب الرزق والمناصب ، وكانوا الأصلح لها ليس فقط لأنهم الأحوج لذلك بعد إضطهاد أجدادهم فى الدولة الأموية ، ولكن أيضا لأنهم بثقافتهم الحضارية أكثر تأهيلا ، لذا نبغ ابناء الحرفيين الفرس وابناء المدن الفارسية ، وقادوا العلم الحقيقى فى الطب والهندسة والفلسفة كما قادوا (العلم الكاذب ) فى الأحاديث بإصطناع الاسناد ونسبة أقوالهم للنبى عليه السلام .

4 ـ ولقد كان إبن المدينى الفارسى الأصل ( 161 : 234 ) اشهر شيوخ أحمد بن حنبل ، وقد جاءت ترجمته الكاملة فى ( المنتظم ) لابن الجوزى ( ج 11 / 214 : 219  ) . ومنها نعرف أن ابن المدينى هو شيخ أهل الحديث فى عصره ، سمع منه وروى عنه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ، والبخارى ، وكانا ( ابن حنبل والبخارى ) يقدسان شيخهما ابن المدينى . وكان أحمد بن حنبل ( لا يسميه وإنما يكنيه تبجيلًا له ) أى لم يكن ينطق إسمه تبجيلا له . وقال البخاري‏:‏ ( ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني )‏.‏ ويقول :" رأيت علي بن المديني مستلقيًا وأحمد بن حنبل عن يمينه ويحيى بن معين عن يساره وهو يملي عليهما ‏.‏ ".وقالوا ( كان الناس يكتبون قيامه وقعوده ولباسه وكل شيء يقول ويفعل أو نحو هذا ‏.‏ ) . وكان ابن المدينى عميلا للدولة العباسية يفترى لها الأحاديث بأجر . ولذلك وافقهم فى موضوع خلق القرآن بينما عارضهم تلميذه ابن حنبل ، فارتفع ابن حنبل وهوى ابن المدينى الى قاع النسيان . يقول ابن الجوزى عنه : (  والذي منع ابن المديني من التمام ( اى تمام المكانة بين أهل الحديث ) إجابته في خلق القرآن ،  وميله إلى ابن أبي دؤاد لأجل حطام الدنيا ، فلم يكفه أن أجاب ، فكان يعتذر للتقية ، وصار يتردد إلى ابن أبي دؤاد ، ويظهر له الموافقة ‏.‏ ). أى أجاب الدولة العباسية فى رأيها ، وظل يتردد على القاضى المعتزلى ابن أبى داود حرصا على عطاياه المالية ( أو حُطام الدنيا ) مبررا موقفه لأهل الحديث بأنها التّقية .

5 ـ وفى محنة ابن حنبل والتحقيق معه فى موضوع خلق القرآن أمام الخليفة المعتصم برز على السطح موضوع رؤية الله جل وعلا . وأهل الحديث يجيزونها بل وتمتلىء مناماتهم برؤية الله جل وعلا إفكا وظلما وعُدوانا ، بينما ينفى ذلك المعتزلة ، ولهم أدلتهم من القرآن الكريم . وردا على المعتزلة فى إنكار رؤية الله جل وعلا صنع أهل الحديث أحاديث تجيز الرؤية . ويروى ابن الجوزى فى المنتظم ، أنه فى محاكمة ابن حنبل  إتهم القاضى ابن أبى داود ( ابن حنبل ) فقال للمعتصم : (‏" يا أمير المؤمنين هذا يزعم - يعني أحمد ابن حنبل - أن الله تعالى يرى في الآخرة ،والعين لا تقع إلا على محدود والله لا يُحدّ "‏.‏ فقال المعتصم‏ لابن حنبل :‏ ما عندك في هذا؟ فقال‏ ابن حنبل :‏ يا أمير المؤمنين عندي ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏.‏ قال‏:‏ وما قال عليه السلام ؟ قال‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر غندر حدثنا شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي قال‏:‏ كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة أربع عشرة من الشهر فنظر إلى البدر فقال‏:‏ ‏"‏ أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا البدر لا تضامون في رؤيته ‏"‏ ‏). ولم يكن المعتصم مثقفا كأخيه المأمون من قبله ، لذا إرتبك حين سمع الحديث، ( فقال لأحمد بن أبي دؤاد‏:‏ ما عندك في هذا .؟ قال‏:‏ أنظر في إسناد هذا الحديث ‏.‏ ) يعنى أن ينظر ابن أبى داود فى إسناد الحديث بمنهج (الجرح والتعديل ) . وبعث ابن أبى داود فاستدعى ابن المدينى ورشاه بعشرة آلاف درهم وغيرها حتى إستجاب له ابن المدينى وقدح فى إسناد الحديث . وتمضى الرواية فتقول : ( وكان هذا في أول يوم. ثم انصرف . فوجه ابن أبي دؤاد إلى علي بن المديني ، وهو مملق لا يقدر على درهم ، فأحضره ، فما كلمه بشيء حتى وصله بعشرة آلاف درهم .وقال له‏:‏ "هذه وصلك بها أمير المؤمنين ". وأمر أن يدفع إليه جميع ما استحق من أرزاقه . وكان له رزق سنتين . ) نتوقف هنا لنشير الى أن قادة أهل الحديث ـ ومنهم ابن المدينى ـ كان لهم عطاء أو مرتب من الدولة باعتبارهم كهنوتها الذين يؤلفون لها الأحاديث . ولكن عندما خالف بعضهم رأى المامون والمعتصم فى خلق القرآن حرمتهم الدولة من هذا المرتب أو العطاء ، فانقطع عطاء ابن المدينى مدة عامين فصار فقيرا مملقا . وانتهز الفرصة القاضى ابن أبى داود وساوم ابن المدينى على أن يرد اليه عطاءه ومرتباته بأثر رجعى ويعطيه الكثير من الأموال مقابل أن ينفى حديث الذى إستشهد به ابن حنبل . وقبل أن يتكلم معه أعطاه عشرة آلاف درهم ، ودفع مستحقاته الموقوفة مدة سنتين ، مقابل كلمة من ابن المدينى يسقط بها هذا الحديث لأن ابن المدينى أحد ( صُنّاع الحديث أو أحد صُنّاع الدين السّنى ) . نعود لرواية ابن الجوزى وهو يحكى ما دار بين ابن أبى داود وابن المدينى ( فوجه ابن أبي دؤاد إلى علي بن المديني ، وهو مملق لا يقدر على درهم ، فأحضره ، فما كلمه بشيء حتى وصله بعشرة آلاف درهم .وقال له‏:‏ "هذه وصلك بها أمير المؤمنين ". وأمر أن يدفع إليه جميع ما استحق من أرزاقه . وكان له رزق سنتين . ثم قال‏:‏ " يا أبا الحسن حديث جرير بن عبد الله في الرؤية ما هو؟ "  قال‏:‏ صحيح . قال‏:‏ " فهل عندك فيه شيء" قال‏:‏ " يعفيني القاضي من هذا " ‏.‏ فقال‏:‏ " يا أبا الحسن هو حاجة الدهر".  ثم أمر له بثياب وطيب ومركب بسرجه ولجامه ، ولم يزل به حتى قال له‏:‏ " في هذا الإسناد من لا يعتمد عليه ولا على ما يرويه ، وهو قيس بن أبي حازم . إنما كان أعرابيًا بوالًا على قدميه ‏.‏" فقام ابن أبي دؤاد إلى ابن المديني فاعتنقه . فلما كان من الغد وحضروا ، قال ابن أبي دؤاد‏:‏ "يا أمير المؤمنين هذا يحتج في الرؤية بحديث جرير، وإنما رواه عنه قيس بن أبي حازم ، وهو أعرابي بوّال على عقبيه ‏.‏ ). وبهذا أسقط ابن أبى داود الحديث بشهادة ابن المدينى الذى يزعم أن قيس بن حازم كان إعرابيا يبول على قدميه ، فكيف عرف هذا وقد مات قيس هذا فى العصر الأموى عام 84 ، بينما ولد ابن المدينى عام 161 . ولم يرد فى ترجمة قيس هذا أنه كان يبول على قدميه ، فهل رآه ابن المدينى يبول على قدميه ؟ وما هى الصلة بين بوله على قدميه وصدقه أو كذبه ؟ . الطريف أن ابن الجوزى حاول الدفاع عن ابن المدينى فروى رواية بلا إسناد : (  وقد روى جماعة عن علي بن المديني أنه قال‏:‏ إنما أجبت تقية ،وخفت السيف ، وقد حبست في بيت مظلم ثمانية أشهر، وفي رجلي قيد فيه ثمانية أمنان، حتى خفت على بصري‏.‏ ). لو حدث هذا فعلا لكان قد إنتشر وتم تسجيله .

6 ـ المستفاد من هذا أننا أمام دين يملكه أصحابه ، يختلفون فيه ، ويرتزقونه به ، يصنعون له الإسناد كذبا وزورا ، ويختلقون له الموضوعات . حسب أغراضهم ، ومنها تزكية أنفسهم وقادتهم ، وتشويه وتكفير خصومهم ، بإختراع المنامات . 

ثالثا :  صناعة منامات فى الدفاع عن المتوكل

1 ـ كان المتوكل أسوا خلفاء بنى العباس ـ وربما يكون الأسوأ فيهم ، ومع ذلك فقد رفعته الدعاية السّنية الحنبلية الى منزلة أبى بكر وعمر بن عبد العزيز . فقال بعضهم : ( الخلفاء ثلاثة أبو بكر الصديق ، قاتل أهل الردة حتى استجابوا . وعمر بن عبد العزيز رد مظالم بني أمية . والمتوكل محا البدع وأظهر السنة‏.‏ ). ( محا البدعة ) يعنى قضى على المعتزلة وإستأصلهم كما فعل أبو بكر مع حركة الردة .!!

2 ـ وروى علي الجهم قال‏:‏( وجه إلي أمير المؤمنين المتوكل ، فأتيته فقال لي‏:‏ " يا علي رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقمت إليه فقال لي‏:‏ تقوم إلي وأنت خليفة. " فقلت له‏:‏ أبشر يا أمير المؤمنين أما قيامك إليه فقيامك بالسنة، وقد عدك من الخلفاء ، فسُرّ بذلك ‏.‏ ). الكذب واضح فى صياغة هذه الرواية ، ولكن المُراد منها إعتراف النبى فى المنام بالمتوكل خليفة .

3 ـ وكان المتوكل ( يقوم الليل ) شاربا للخمر متهتكا مع جوارية ( ثلاثة آلاف جارية ) وقد قتلوه وهو يمارس معصية الشراب. ومع هذا تجرّد الحنابلة للدفاع عنه بأكاذيب من نوعية أن ماء زمزم قد غارت حزنا على قتل المتوكل ليلة قتل المتوكل : ( .. أخبرني بعض الزمازمة الذين يحفظون زمزم قال‏:‏ غارت زمزم ليلة من الليالي .فأرخناها ، فجاءنا الخبر أنها الليلة التي قتل فيها المتوكل ‏.‏ ). يعنى أن زمزم جاءها الخبر بمقتل المتوكل فعرفته قبل أن يعرفه أهل مكة ، فحزنت ورفضت نبع الماء ، فتحيّر الشخص المجهول القائم على حراستها ، وكتب تاريخ الليلة التى غار فيها ماء زمزم ، ثم إتضح ـ يا عينى ـ أنها الليلة التى قتلوا فيها المتوكل وهو قائم يشرب فى المحراب .!

4 ـ وتأتى هذه الرواية الطريفة بعد مقتل المتوكل ، فأحدهم رآه فى المنام جالسا فى النور فتساءل مندهشا : اانت المتوكل ؟ قال: نعم أنا المتوكل. نقرأ الرواية بسندها : ( أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب الحافظ قال‏:‏ أخبرنا الأزهري قال‏:‏ أخبرنا عبيد الله بن محمد العكبري حدثنا أبو الفضل محمد بن أحمد النيسابوري قال‏:‏ حدثنا سعيد بن عثمان الحناط قال‏:‏ حدثنا علي بن إسماعيل قال‏:‏ رأيت جعفر المتوكل في النوم وهو في النور جالس، قلت‏:‏ المتوكل ؟ فقال‏:‏ المتوكل .! قلت‏:‏ ما فعل الله بك ؟ قال‏:‏ غفر لي ‏.‏ قلت‏:‏ بماذا ؟ قال‏:‏ بقليل من السنة أحييتها ‏.‏ ). أى غفر الله جل وعلا للمتوكل كل الكبائر التى ارتكبها من قتل وسلب للأموال وتعذيب لأنه ( أحيا قليلا من السّنة ) وبالتالى فهى دعوة موجهة الى الخلفاء الآخرين لإحياء المتبقى من السّنة ليحصلوا على الغفران مهما إرتكبوا من جرائم وآثام . وبين السطور نفهم نفسية واضعى هذا المنام ، وهى أن السّنة ماتت ثم أحيا المتوكل ( بعضها ) ولا تزال تنتظر المزيد من الإحياء والإنعاش على أيدى الخلفاء اللاحقين ، وهذا يعنى ان السّنة دين قابل للتوسع والامتداد وسيظل دائما بلا إكتمال وبلا تمام لأنه ( دين ملّاكى ) يملكه أصحابه . والمطلوب من الخلفاء تأييد قادة هذا الدين الملّاكى كى يستمر ويتوغّل وينتشر فى الفضاء .. شأن أى وباء .!

5 ـ وعلى نفس النمط تأتى هذه الرؤيا الدرامية الحزينة : ( قال أبو عبد الله‏:‏ ثم رأيت المتوكل بعدها بأشهر كأنه بين يدي الله تعالى فقلت له‏:‏ ما فعل بك ربك ؟ قال‏:‏ غفر لي ‏.‏ قلت‏:‏ بماذا ؟ قال‏:‏ بقليل من السنة تمسكت بها ‏.‏ قلت‏:‏ فما تصنع ها هنا ؟ قال‏:‏ أنتظر ابني محمدًا أخاصمه إلى الله الحليم العظيم الكريم ‏.‏) . يعنى ينتظر قتل ابنه الذى قتله ، وهو محمد الذى تلقب بالمنتصر . وواضح أن وضع هذا الحديث تم بعد قتل المنتصر ، الذى مات بالسّم سريعا بعد قتله لأبيه . أى إن المتوكل لم ينتظر طويلا ( بين يدى الله تعالى ) بزعمهم .!

6 ـ ولأن الشعر كان فائق التأثير فإن بعض المنامات صيغ فيها شعر يرثى المتوكل ومقتله الذى ( ضجّ له أهل السماوات وبكاه جميع الانس والجان) حسب زعمهم . تقول الرواية : (‏ أخبرنا أحمد بن علي الخطيب قال‏:‏ أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال‏:‏ أخبرنا محمد بن يوسف بن حمدان الهمذاني قال‏:‏ حدثنا أبو علي الحسن بن يزيد الدقاق قال‏:‏ حدثنا عبد العزيز بن محمد الحارثي حدثنا عمر بن عبد الله الأسدي قال‏:‏ سمعت أبا عبد الله أحمد بن العلاء قال‏:‏ قال لي عمرو بن شيبان الحلبي‏:‏ رأيت في الليلة التي قتل فيها المتوكل في النوم حين أخذت مضجعي ، كأن آتيًا أتاني ، فقال لي‏:‏

يا نائم الليل في أقطار جثماني    أفض دموعك يا عمرو بن شيبان

أما ترى الفتية الأرجاس ما فعلت       بالهاشمي وبالفتح بن خاقان

وافى إلى الله مظلومًا فضج له       أهل السموات من مثنى ووحدان

وسوف تأتيكم أخرى مسومة              توقعوها لها شأن من الشان

فابكوا على جعفر وابكوا خليفتكم         فقد بكاه جميع الإنس والجان

قال‏:‏ فأصبحت وإذا الناس يقولون إن جعفرًا قد قتل في هذه الليلة ‏.‏ )

( المنتظم 11 / 358 : 359 )

الفصل الثانى : الحنابلة وصناعة منامات فى مدح أنفسهم وقادتهم :  

مقدمة:

1 ـ السنيون الحنابلة إخترعوا لهم إلاها إستخدموه فى  صراعاتهم السياسية ، وزعموا أن يكلمهم فى المنام ويغفر لهم ويدخلهم الجنة بمجرد موتهم وبلا إنتظار لمجىء اليوم الآخر ويوم الحساب وخلق الجنة والنار . وإخترعوا أيضا نبيا من وحى خيالاتهم يرونه فى المنام يضعون على لسانه ما يريدون . وفى كل الأحوال فقد إخترعوا دينا أرضيا يملكونه ويملكون الاله الذى إبتدعوه والرسول النبى الذى إخترعوه . ومن يؤمن بإله كهذا وبرسول كهذا فقد كفر بالله جل وعلا ورسوله . ومن يؤمن أن ( الله جل وعلا ) هو هذا الاله الذى يتحدثون عنه فهو عدو لله جل وعلا . العدو لله جل وعلا ورسوله هو من يؤمن بأن خاتم النبيين هو فعلا ذلك الرسول الذى يأتى فى أكاذيب ومنامات أولئك الحنابلة السنيين . هم أولياء الشيطان الذين كذبوا على الله جل وعلا وسيأتون يوم القيامة وجوههم مسودة: ( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60)(الزمر) لأنهم ما قدروا الله جل وعلا حق قدره : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) الزمر) ،هم الذين إستهانوا برب العزة فإفترواعليه كذبا فاجرا، وسيأتون يوم القيامة بظلمهم وفُجرهم وقد بدت لهم سيئات أعمالهم وبدا لهم من الله جل وعلا ما لم يكونوا يحتسبون ، عندها سيتمنون لو أنّ لهم ما فى الأرض ليفتدوا به من العذاب الأليم :( وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (48)( الزمر ).

2 ـ الوهابية فرع من الحنبلية ، ومن الوهابية أتت السلفية والاخوان وما ظهر من تنظيماتهم وما بطن . إنّ وحنابلة اليوم يكررون الإفك الذى كان يمارسه حنابلة العصر العباسى . وقد توالى فى مناماتهم وأحاديثهم نفس الجُرأة على الله جل وعلا ورسوله ، وإختراع إله يستخدمونه فى صراعهم مع العسكر فى مصر ، وإختراع رسول يجعلونه أقل منزلة من رئيسهم مرسى العياط ، بل ويخترعون لهم ( جبريلهم الخاص ) الذى يتنزل لهم بما تهوى نفوسهم . هناك فيديو على الفيس بوك لمرشد الاخوان الطبيب البيطرى محمد بديع يزعم فيه أن عزل  مرسي أشد عند الله من هدم الكعبة ، وفى قول آخر له : :" كيف يجرؤ الجيش على تعذيب مهدى عاكف رضي الله عنه وهو من الشيبة.. والله يستحى من ذلك " . وفى إعتصام رابعة قال الداعية السلفي فوزي السعيد إن من يشكك في عودة الرئيس محمد مرسي لمنصبه يشكك في الله، واصفًا مرسي بأنه "هدية من الله ".  أما الشيخ أحمد عبدالهادي وهو من وعاظ جماعة الإخوان المسلمين، فقد أكّد لمعتصمى رابعة أن مرسي مؤيد برؤيا لأحد الصالحين ، قائلا  إن  بعض الصالحين في المدينة المنورة أبلغه برؤيا أن جبريل عليه السلام دخل في مسجد رابعة العدوية ليثبت المصلين، وأنه أيضا رأى مجلساً فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، والرئيس مرسي والحضور، فحان وقت الصلاة، فقدّم الناس الرسول ولكن الرسول قدّم مرسي إماما فى الصلاة .

3 ـ إنّ الشيطان لم ولن يقدم إستقالته .!!

4 ـ نعود الى تاريخ ( المنتظم ) لابن الجوزى المؤرخ الحنبلى ، وهو يورد بالإسناد والعنعنة خرافات وأكاذيب منامات تفترى على الله جل وعلا ورسوله كذبا ، ليرفع بها مقام شيوخ الحنابلة . هم ـ بالصدفة المحضة ـ من ذرية المجوس ، ولكن قفزوا فجأة الى الجنة بلا بعث ولا حشر ولا حساب . وطبقا للمنامات الحنبلية فهم الآن فى الجنة ، ومن لا يؤمن بهذا فقد كفر بالدين السُّنى الحنبلى .

 أولا : نماذج من الإفتراء بالمنامات فى أغراض متنوعة

 1 ـ إبراهيم بن طهمان أبو سعيد الخراساني ‏.‏ ت 163. ( ولد بهراة ونشأ بنيسابور.وورد بغداد وحدث بها .)، ( وكان لإبراهيم بن طهمان جراية من بيت المال فاخرة ) أى هو فارسى تخصص فى أكاذيب الحديث وجاء من بلده ( هراة ) فتم تعيينه فى بغداد ضمن الكهنوت الدينى العباسى بأجر ضخم ، أو جراية سخية من بيت المال . وكان جاهلا فى الفقه ، فقد ( سئل  يومًا مسألة في مجلس الخليفة فقال‏:‏ لا أدري ‏.‏ فقالوا له‏:‏ تأخذ في كل شهر كذا  ولا تحسن مسألة ؟ قال‏:‏ "إنما آخذه على ما أحسن ،ولو أخذت على ما لا أحسن لفني بيت المال ولا يفنى ما لا أحسن "‏.‏ فأعجب أمير المؤمنين جوابه وأمر له بجائزة فاخرة وزاد في جرايته ‏.‏ ). ونسبوا لابن حنبل قوله (  حدثني رجل من أصحاب ابن المبارك قال‏:‏ رأيت ابن المبارك في المنام ومعه شيخ مهيب فقلت‏:‏ من هذا معك قال‏:‏ أما تعرف هذا سفيان الثوري ‏.‏ قلت‏:‏ من أين أقبلتم قال‏:‏ نحن نزور كل يوم إبراهيم بن طهمان ‏.‏ قلت‏:‏ وأين تزورونه قال‏:‏ في دار الصديقين دار يحيى بن زكريا )‏.‏ ( المنتظم 8 / 266 : 267 ) . يعنى ان الأخ المحترم ابراهيم بن طهمان يعيش فى الجنة فى دار الصديقين فى بيت النبى يحيى بن زكريا . يعنى ( Room mate).!

2 ـ جرير بن عثمان ( أبو عون الرحبي الحمصي ‏.‏) ت 163 . ( اتهموه بأنه كان يتنقّص علي بن أبي طالب عليه السلام ‏.‏ ) ، لذا إخترعوا هذا المنام يزعم فيه يزيد بن هارون أنه رأى الله جل وعلا فى المنام ينهى عن كتابة الأحاديث التى يرويها جرير بن عثمان لأنه يسب عليا بن أبى طالب. يقول ابن الجوزى : ( أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال‏:‏ حدثنا محمد بن عبد الله بن أبان الهيتي قال‏:‏ أخبرنا الحسين بن عبد الله بن روح الجواليقي قال‏:‏ حدثني هارون بن رضى مولى محمد بن عبد الرحمن إسحاق القاضي قال‏:‏ حدثنا أحمد بن سنان قال‏:‏ سمعت يزيد بن هارون يقول‏:‏ رأيت رب العزة تعالى في المنام فقال لي‏:‏ يا أبا يزيد لا تكتب عن جرير بن عثمان. فقلت‏:‏ "يا رب ما علمت منه إلا خيرًا" . " فقال لي‏:‏ " يا أبا يزيد لا تكتب عنه فإنه يسب عليًا ‏.‏ " ).!. ورى منام آخر فى مجلس ابن حنبل . يكرر نفس الموضوع ، ولكن الجديد هنا أن من رأى المنام ليس يزيد بن هارون ، بل رجل مجهول بلا إسم ، وأنه رأى يزيد بن هارون بعد موته ، فسأله السؤال المعتاد : ما فعل الله بك ، والجواب المعروف هو الرحمة والمغفرة مع عتاب ..نقرأ هذه الاسطورة التى يحكيها كالعادة القصّاص القزاز ، وينقلها ابن الجوزى بالاسناد عنه : ( أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا محمد بن الحسين بن محمد الأزرق قال‏:‏ حدثنا محمد بن الحسين النقاش قال‏:‏ مسيح بن حاتم قال‏:‏ حدثنا سعيد بن شادي الواسطي قال‏:‏ كنت في مجلس أحمد بن حنبل فقال له رجل‏:‏ يا أبا عبد الله رأيت يزيد بن هارون في المنام فقلت له‏:‏ ما فعل الله بك قال‏:‏ غفر لي ورحمني وعاتبني فقلت‏:‏ غفر لك ورحمك وعاتبك فقال‏:‏ نعم قال لي‏:‏ يا يزيد بن هارون كتبت عن جرير بن عثمان قلت‏:‏ يا رب العزة ما علمت إلا خيرًا قال‏:‏ إنه كان يبغض أبا الحسن علي بن أبي طالب ‏.‏ ). ويزعم ابن الجوزى الدقة فيقول معلقا ( قال المؤلف‏:‏ وقد روينا من طريق آخر قال‏:‏ والله ما سببته قط وإني أترحم عليه ‏.‏ )( المنتظم 8 / 266 : 267 ).

3 ـ عبد الله بن الفرج أبو محمد القنطري ت 201 . يروى ابن الجوزى : (  أخبرنا القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا العتيقي قال‏:‏ حدثنا محمد بن العباس قال‏:‏ حدثنا العباس بن العباس الجوهري قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن عمرو قال‏:‏ حدثنا محمد بن بيان المكي قال‏:‏ حدثني صاعد قال‏:‏ لما مات عبد الله بن الفرج حضرت جنازته ، فلمّا واريته رأيته في الليل في النوم جالسًا على شفير قبره، ومعه صحيفة ينظر فيها فقلت له‏:‏ "ما فعل الله بك ؟ "قال‏:‏"غفر لى ولكل من شيع جنازتى ". قلت : "انا كنت معهم ؟ "قال : "هو ذا إسمك فى الصحيفة .".) ( المنتظم 10 / 102 : 103 ) .

4 ـ الإمام الشافعى ت 204. ( أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا إسماعيل ابن علي الأستراباذي قال‏:‏ سمعت طاهر بن محمد البكري يقول‏:‏ حدثنا الحسن بن حبيب الدمشقي قال‏:‏ سمعت الربيع بن سليمان يقول‏:‏ رأيت الشافعي بعد وفاته في المنام فقلت‏:‏ يا أبا عبد الله ما صنع الله بك ؟ قال‏:‏ أجلسني على كرسي من ذهب ونثر علي اللؤلؤ الرطب ‏.‏ ) معقول ؟ ولكن ما هو هذا اللؤلؤ الرطب ؟ وما درجة إختلافه عن اللؤلؤ اليابس ؟ وما هو سعره فى البورصة ؟..وفى منام آخر ( أخبرنا أبو ظفر بإسناد له عن أبي بيان الأصفهاني يقول‏:‏ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت‏:‏ يا رسول الله محمد بن إدريس الشافعي ابن عمك ،هل نفعته بشيء أو خصصته بشيء ؟ قال‏:‏ نعم سألت الله تعالى أن لا يحاسبه فقلت‏:‏ بماذا يا رسول الله؟ قال‏:‏ إنه كان يصلي عليِّ صلاة لم يصل بمثل تلك الصلاة أحد فقلت‏:‏ وما تلك الصلاة ‏؟.‏ قال‏:‏ كان يصلي علي اللهم صل على محمد كلما ذكره الذاكرون وصل على محمد كلما غفل عنه الغافلون ‏.‏ )( المنتظم 10 / 138 : 139 ). يعنى أن الشافعى لن يتعرض للحساب ، والسبب هو تلك الصيغة فى الصلاة على النبى . وهى دعوة لكل من يريد النجاة من الحساب أن يقول هذه الكلمات .

5 ـ ( أحمد بن حرب بن عبد الله بن سهل بن فيروز ‏:‏ المروزي ت 234 ). بعد سلسلة من الاسناد والعنعنة يقول  زكريا بن أبي دلويه يقول‏:‏ ( رأيت أحمد بن حرب بعد وفاته بشهر في المنام فقلت‏:‏ ما فعل بك ربك قال‏:‏ غفر لي وفوق المغفرة ‏.‏ قلت :‏ وما فوق المغفرة قال‏:‏ أكرمني بأن يستجيب دعوات المسلمين إذا توسلوا بقبري. ) ( 11 / 211 ). هنا حصل الأخ الفارسى ابن فيروز المروزى (من مرو) على الغفران، وبأن يكون قبره مُستجاب الدعاء لمن يتوسّل به.!   

6 ـ وكان سليمان بن داود  المعروف بالشاذكوني ( ت 234 ) مشهورا بالكذب فى الحديث . يقول ابن الجوزى عنه (قد طعن في الشاذكوني رحمه الله جماعة من العلماء ونسبوه إلى الكذب وقلة الدين فذهبت بتخليطه بركات علمه ‏.‏ وقال يحيى‏:‏ كان الشاذكوني يكذب ويضع الحديث وقد جربت عليه الكذب ‏.‏وقال البخاري‏:‏ هو عندي أضعف من كل ضعيف وقال النسائي‏:‏ ليس بثقة ‏.‏ ) . لاحظ أن ابن الجوزى يترحّم عليه لأن الكذب فضيلة فى دين مؤسس على الكذب، يقول : ( قد طعن في الشاذكوني رحمه الله جماعة من العلماء ونسبوه إلى الكذب وقلة الدين  ). ويبدو أنه بسبب براعته فى الكذب فقد صنعوا له منامات بعد موته بأن الله جل وعلا غفر له : ( أنبأنا إسماعيل بن أحمد قال‏:‏ سمعت أبا القاسم يوسف بن الحسن الزنجاني يقول‏:‏ سمعت أبا نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ يقول‏:‏ سمعت أبا الحسين بن قانع يقول‏:‏ سمعت إسماعيل بن طاهر البلخي يقول‏:‏ رأيت سليمان الشاذكوني في النوم فقلت‏:‏ ما فعل الله بك يا أبا أيوب فقال‏:‏ غفر الله لي ‏.‏ قلت‏:‏ بماذا قال‏:‏ كنت في طريق أصبهان أمر إليها فأخذتني مطرة وكانت معي كتب ولم أكن تحت سقف ولا شيء فانكببت على كتبي حتى أصبحت وهدأ المطر . فغفر لي الله بذلك ‏.‏ ) ( المنتظم 11 / 213 : 214 )

7 ـ  وجمع ( سريج بن يونس الفارسى المروزي ( ت 235 ) بين الملامح الصوفية والحنبلية ، هو استاذ مسلم بن الحجاج والبغوي وأبى زرعة وغيرهم .ويرون عنه كرامات، ويفترى هو فيقول ( رأيت فيما يرى النائم أن الناس وقوفبين يدي الله تعالى ، وأنا في أول صف . ونحن ننظر إلى رب العزة تعالى . فقال‏:‏ " أي شيء تريدون أن أصنع بكم "؟فسكت الناس ،فقلت أنا في نفسي‏:‏ ويحهم قد أعطاهم كل ذا من نفسه وهم سكوت ‏.‏ فقنعت رأسي بملحفتي وأبرزت عينًا وجعلت أمشي وجزت الصف الأول بخطى فقال لي‏:‏ أي شيء تريد؟ فقلت‏:‏ رحمة سر بسر. إن أردت أن تعذبنا فلم خلقتنا ؟ قال‏:‏ قد خلقتكم ولا أعذبكم أبدًا . ثم غاب في السماء ‏.‏ ) ( المنتظم   11 / 228 : 229 ). هنا إفتراء آثم على رب العزة ، وطعن فيه جل وعلا ، وهدم للدين الحق واليوم الآخر ، ولكن يتناقله الحنابلة بالفخر ويعدونه منقبة لهذا الكذّاب الأشرّ.  

8 ـ الحسن بن عيسى بن ماسرجس أبو علي النيسابوري ت عام 240  .( كان نصرانيًا فأسلم على يد ابن المبارك ‏.‏ ولما أسلم الحسن سمع من ابن المبارك ورحل في طلب العلم وقدم بغداد حاجًا، فحدث بها فسمع منه أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم وابن أبي الدنيا . وعد في مجلسه بباب الطاق اثنتا عشرة ألف محبرة‏.) أى كان عدد تلامذته الذين يكتبون أكاذيبه فى الحديث 12 ألفا،منهم ابن حنبل والبخارى ومسلم . هذا النصرانى السابق صنعوا له مناما جعلوا الاههم الذى صنعوه يغفر ليس له فقط بل لكل من حضر جنازته ولكل من (غاب عنها بعذر) ولكن صلّى وترحم عليه : ( سمعت أبا يحيى البزاز يقول‏:‏ كنت فيمن حج مع الحسن بن عيسى وقت وفاته بالثعلبية ودفن بها ، فاشتغلت بحفظ محملي وآلاتي عن حضور جنازته والصلاة عليه لغيبة عديلي عني ، فحرمت الصلاة عليه ،فأريته بعد ذلك في منامي ، فقلت له‏:‏ يا أبا علي ما فعل بك ربك ؟ قال‏:‏ غفر لي ربي قلت‏:‏ غفر لك ربك كالمستخبر ‏.‏ قال‏:‏ نعم غفر لي ربي ولكل من صلى علي ‏.‏ قلت‏:‏ فإني فاتتني الصلاة عليك لغيبة العديل عن الرحل ‏.‏ فقال‏:‏ لا تجزع فقد غفر لي ولمن صلى علي ولكل من ترحم علي ‏.‏) ( المنتظم 11  / 276 : 278 )

9 ـ قتيبة بن سعيد فارسى من بلخ  ( 150 :  240 ) كان شيخا للبخارى وغيره ( روى عنه الأئمة‏:‏ أحمد ويحيى وأبو خيثمة وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو زرعة والبخاري ومسلم بن الحجاج ) . وصنعوا له مناما جعله من العلماء : ( قال أبوه‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام بيده صحيفة فقلت‏:‏ يا رسول الله ما هذه الصحيفة ؟ قال‏:‏ فيها أسماء العلماء قلت‏:‏ ناولني أنظر فيها اسم ابني . فنظرت فإذا فيها اسمه‏.‏ ). ‏ ( المنتظم  11 / 279 ـ )

10 ـ محمد بن رافع بن أبي زيد القشيري النيسابوري شيخ عصره بخراسان ت 245  ‏.‏ ( قال الحاكم‏:‏ وقد دخلت عليه داره ،وتبركت بالصلاة في بيته ،واستندت إلى الصنوبرة التي كان يستند إليها ‏.‏ ) أى إن الحاكم المحدّث المشهور صاحب المستدرك كان يتبرك بمخلفات هذا الرجل . أكثر من ذلك : ( ورؤي في المنام فقيل له‏:‏ ما فعل الله بك قال‏:‏ بشرني بالروح والراحة )( المنتظم  11 / ـ 338 ).

11 ـ ابوزرعة ( 200 : ت 264 ) فارسى من الرى .  كان رفيقا لابن حنبل فى جمع الحديث ، ورفيقا له فى المبالغة فى الكذب ، فإذا كان ابن حنبل يزعم أنه كان يحفظ ألف ألف حديث فإن أبا زرعة تفنن فى المبالغة فى الكذب فى مقدرته على الحفظ : ( سمعت أبا زرعة يقول‏:‏ إن في بيتي ما كتبته منذ خمسين سنة ولم أطالعه منذ كتبته، وإني أعلم في أي كتاب هو وفي أي ورقة هو وفي أي صفحة هو وفي أي سطر هو. وما سمعت أذني شيئًا من العلم إلا وعاه قلبي ، وإني أمشي في سوق بغداد فأسمع من الغرف صوت المغنيات فأضع إصبعي في أذني مخافة أن يعيه قلبي ‏.‏ ) . وصدّق الناس مبالغاته لأن دينهم مؤسّس أصلا على الكذب . لذا رووا عن رجل مجهول من العراق : ( قال رجل من أهل العراق‏:‏ سمعت أحمد بن حنبل يقول‏:‏ صح من الحديث سبع مائة ألف حديث وكسر. وهذا الفتى - يعني أبا زرعة - قد حفظ ستمائة ألف ) . وقال ابن الجوزى :‏( وقال أبو بكر بن أبي شبة‏:‏ ما رأيت أحفظ من أبي زرعة ‏.‏ وقال ابن راهويه‏:‏ كل حديث لا يعرفه أبو زرعة فليس له أصل ‏.‏ ). ( سئل أبو زرعة الرازي عن رجل حلف بالطلاق أن أبا زرعة يحفظ مائتي ألف حديث هل حنث ؟ قال‏:‏ أحفظ مائتي ألف حديث كما يحفظ الإنسان ‏{‏قل هو الله أحد‏}‏ وفي الذاكرة ثلثمائة ألف حديث ‏.‏ ). بعد مباراة الكذب هذه نأتى الى كذب هذا المنام الذى يزعم : ( رأيت أبا زرعة في المنام فقلت‏:‏ يا أبا زرعة ما فعل الله بك ؟ قال‏:‏ لقيت ربي تعالى فقال لي‏:‏ يا أبا زرعة إني أوتى بالطفل فآمر به إلى الجنة ، فكيف من حفظ السنن على عبادي؟! تبوأ من الجنة حيث شئت) ( المنتظم   12 /  ـ 195 ).

12 ـ يحيى ( حيكان ) إمام نيسابور  ‏.‏ ت 267 . هنا منام يرويه أئمة الحديث ، ففى إسناده البيهقى والحاكم : ( أنبأنا زاهر بن طاهر قال‏:‏ أنبأنا أبو عثمان الصابوني وأبو بكر البيهقي قالا‏:‏ أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم قال‏:‏ سمعت الحسن بن يعقوب المعدل يقول‏:‏ سمعت أبا عمرو أحمد بن المبارك المستملي يقول‏:‏ رأيت يحيى بن محمد في المنام فقلت‏:‏ ما فعل الله بك قال‏:‏ غفر لي‏.‏ قلت‏:‏ فما فعل الخجستاني ؟ قال : هو فى تابوت من النار والمفتاح فى يدى .).( المنتظم  12 / 216 ) الخجستاني هو قاتل والد يحيى بسبب خصومة سياسية . وقد عوقب فى هذا المنام بحبسه فى تابوت من النار ، ومفتاح التابوت فى يد يحيى ( حيكان ) .

13 ـ الفتح بن شخرف ت 273 من كش الفارسية  . يروى ابن الجوزى ( قال أحمد بن حنبل‏:‏ ما أخرجت خراسان مثل فتح بن شخرف )‏.‏ ثم يخترعون مناما يخاطب فيه الاههم هذا الفتح بن شخرف : ( أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي أخبرنا أبو الفضل الزهري قال‏:‏ سمعت أبا الطيب المعلم يقول‏:‏ ( رأيت رب العزة تعالى في النوم فقال لي‏:‏ يا فتح‏!‏ احذر لا آخذك على غرة ‏.‏ قال‏:‏ فتهت في الجبال سبع سنين ‏.‏ )( المنتظم  12 / 256 ). لم يقولوا لنا متى بدأ ومتى إنتهى هذا التوهان . لأن توهانهم لم ينته .!

14 ـ أبو العباس البرتي القاضي ت 280 .( وحكى العلاء بن صاعد قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ، ودخل عليه أبو العباس ، فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فصافحه، وقّبّل بين عينيه ، وقال‏:‏ مرحبًا بالذي يعمل بسنتي وأثري ‏.‏) ( المنتظم   12 / 337 ).

15 ـ منصور بن عمار ( ت 225  )‏:‏ ( سمعت أبا بكر الصيدلاني يقول‏:‏ سمعت سليم بن منصور بن عمار يقول‏:‏ رأيت أبي منصورًا في المنام فقلت‏:‏ ما فعل بك ربك فقال‏:‏ إن الرب قربني وأدناني وقال لي‏:‏ يا شيخ السوء تدري لم غفرت لك؟ قال‏:‏ فقلت‏:‏ لا يا إلهي قال‏:‏ إنك جلست للناس مجلسًا فبكيتهم فبكى فيهم عبد من عبادي لم يبك من خشيتي قط ‏.‏فغفرت له ووهبت أهل المجلس كلهم له ووهبتك فيمن وهبت له ‏.‏) . ومنام آخر يقول ( أخبرنا محمد بن أبي القاسم أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال‏:‏ سمعت أبا بكر الرازي يقول‏:‏ سمعت أبا العباس القاضي يقول‏:‏ سمعت أبا الحسين يقول‏:‏ رأيت منصور بن عمار في المنام فقلت له ما فعل الله بك قال‏:‏ وقفت بين يديه فقال لي‏:‏ أنت الذي كنت تزهد الناس في الدنيا وترغب عنها ؟ قلت‏:‏ قد كان ذلك ، ولكن ما اتخذت مجلسًا إلا وبدأت بالثناء عليك .) ( المنتظم  11 /  109 ).

16 ـ يحيى بن يحيى ت 226  ‏.‏يروى البيهقى والحاكم هذا المنام الفاجر : ( أنبأنا أبو بكر البيهقي أنبأنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري قال‏:‏ سمعت أبا الحسن محمد بن الحسن السراج الزاهد - وكان شديد العبادة - قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ، كأنه قد أقبل إلى أن وقف على قبر يحيى ابن يحيى،  وتقدم وصف خلفه جماعة من أصحابه ، فصلى عليه . ثم التفت إلى أصحابه فقال‏:‏ هذا القبر لأمان لأهل هذه المدينة ‏.‏)(المنتظم 11 / 115).هنا دعوة لتقديس قبر يحيى بن يحيى ، وينسبون هذا للنبى .

17 ـ  يحيى بن معين المروزي من مرو (‏ ت 233 ). كان شيخا لأحمد بن حنبل وأبى  خيثمة ومحمد بن سعد والبخاري وغيرهم. قالوا إنه توفي بالمدينة وهو ذاهب إلى الحج . وزعموا( أنه خرج من المدينة فرأى في المنام قائلًا يقول‏:‏ أترغب عن جواري؟ فرجع فأقام ثلاثًا ومات . ) وصنعوا له مناما كالعادة : (

  أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي الخطيب قال‏:‏ سمعت الأزهري قال‏:‏ سمعت محمد بن الحسن الصيرفي قال‏:‏ حدثنا أبو أحمد بن المهتدي بالله قال‏:‏ حدثني الحسين بن الخصيب قال‏:‏ حدثني حبيش بن مبشر ‏.‏ قال‏:‏ رأيت يحيى بن معين في النوم فقلت‏:‏ ما فعل الله بك قال‏:‏ أدخلني عليه في داره وزوجني ثلاثمائة حورية ثم قال للملائكة‏:‏ انظروا إلى عبدي كيف تطرّى وحسُن.‏).(المنتظم 11 / 205) . يعنى أن الأخ يحيى أفندى ابن معين أدخله الاههم فى داره ، وزوجه بثلثمائة حورية من حوارى الجنة ، وباهى به الملائكة لأن الأخ المحترم يحيى بن معين عندما ذاق الحور العين (تطرّى وحسُن  )، أى كان قبلها معفّن وزبالة .!

18 ـ بشر المعروف بالحافي مروزي ولد بمرو وسكن بغداد . توفى عام 227  . هنا منام درامى مصطنع مفتعل يرويه القزاز القصّاص الراوى : ( أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرني عبد الله بن يحيى السكري أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الصواف حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال‏:‏ حدثني أبو حفص عمر ابن أخت بشر الحافي قال‏:‏ حدثتني أمي قالت‏:‏ جاء رجل إلى الباب فدقه فأجابه بشر‏:‏ من هذا قال‏:‏ أريد بشرًا فخرج إليه فقال له‏:‏ حاجتك ‏.‏ قال‏:‏ عافاك الله أنت بشر ؟ قال‏:‏ نعم . حاجتك ؟ قال‏:‏ إني رأيت رب العزة تعالى في المنام وهو يقول‏:‏ اذهب إلى بشر فقل له‏:‏ يا بشر لو سجدت على الجمر ما أديت شكري فيما قد بثثت لك - أو نشرت لك - في الناس ‏.‏ فقال له‏:‏ أنت رأيت ذلك ؟ قال‏:‏ نعم رأيته مرتين ليلتين متواليتين . فقال‏:‏ لا تخبر به أحدًا . ثم دخل وولى وجهه إلى القبلة وجعل يبكي ويضطرب ، وجعل يقول‏:‏ اللهم إن كنت شهرتني في الدنيا ونوهت باسمي ورفعتني فوق قدري على أن تفضحني في القيامة فعجل الآن عقوبتي خذ مني بمقدار ما يقوى عليه بدني‏.‏ )

ويزايد ابن الجوزى فى الكذب فيقول : (قال المصنف‏:‏ وقد جمعت كتابًا فيه فضائل بشر الحافي وأخباره ، فلهذا اقتصرت على ما ذكرت ها هنا، كراهية للإعادة والتطويل ‏.‏) ( المنتظم  11 / 124).

19 ـ وبعد ان كتب ابن الجوزى فى المنتظم صفحات عن ابن حنبل ت 241، قال أيضا إنه كتب كتابا فى مناقب ابن حنبل : ( قال المصنف‏:‏ فضائل أحمد رضي الله عنه كثيرة وإنما اقتصرنا ها هنا على هذه النبذة لأني قد جمعت فضائله في كتاب كبير جعلته مائة باب ، ثم مثل هذا التاريخ لا يحتمل أكثر مما ذكرت. والله الموفق ‏.‏)  ( المنتظم  11 / 289 )

 أخيرا :

1 ـ يقول جل وعلا :( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) الأنعام )

2 ـ ودائما : صدق الله العظيم

الفصل الثالث : الحنابلة وصناعة الأكاذيب فى تشويه أعدائهم  :

مقدمة

كما تخصص الحنابلة فى صناعة منامات فى تزكية أنفسهم فقد إستعملوا نفس الصناعة فى تشويه وتكفير وتحقير خصومهم . وكان المعتزلة أكثر ضحاياهم بسبب موضوع خلق القرآن . وصيغت حملة التشويه بمنامات وروايات ، تم نشرها عبر القُصّاص والدعاة و أرباب الحديث .وهذا الاغتيال المعنوى للمعتزلة كان مقدمة للإستئصال الذى تعرضوا له . أى أننا هنا أمام جريمة تحريض على القتل الجماعى ، تم تنفيذها فى ظل سكوت وتعتيم ، نفهم منها كيف انتهى المعتزلة وفكرهم فى العصر العباسى الثانى ليتحكم فيه جهلة الحنابلة. وحتى الآن لا يزال شيوخ الحديث فى العصر العباسى أئمة حتى الآن بينما توارى المعتزلة ومنهجهم العقلى والنقدى بين سطور التاريخ . ونعطى بعض التفاصيل عن هذا الاغتيال المعنوى الذى تعرض له بعض زعماء المعتزلة .

أولا : بشر المريسى :

1 ـ أكثر من ركزوا على تشويهه هو بشر المريسى ت 218 ، لسببين رئيسين : أن بشر المريسى كان من أهل الفقه والحديث ثم ( أرتد ) أو تركهم ليصبح من كبار المعتزلة فى عهده ، والثانى أنه هو الذى بدأ بموضوع ( خلق القرآن ) فى خلافة الرشيد ، وكان أكثر من ألّف فيه ، ثم إعتنق المأمون رأيه ، وقرّبه منه ، فكانت محنة أهل الحديث والفقهاء فإعتبروه المحرّض على محنتهم.

2 ـ ونبدأ بالشخصية التاريخية لبشر المريسى. فقد  بدأ بشر حياته فقيها ومن أهل الحديث ، ولكنه أخذ الفقه عن أبى يوسف صاحب أبى حنيفة ، المشهور بالرأى ، شأن المذهب الحنفى فى بدايته . وبالتالى تأثر بهذا الاتجاه العقلى حتى إنه بعد أن روى الحديث عن حماد بن سلمة وسفيان بن عيينة ترك الفقه والحديث بالكامل وصار معتزليا .  قال ابن النديم عنه : ( كان ديّنا ورعا متكلما )، أى موصوف بالتديّن والورع ، بل بالغ فى ورعه وتحرّزه من الشبهات حتى يُحكون عنه مبالغات : ( بلغ من ورعه أنه كان لا يطأ أهله ليلا مخافة الشبهة، و لا يتزوج إلا من هي أصغر منه بعشر سنين مخافة أن تكون رضيعته (أي إشتركت معه في الرضاعة).

3 ـ بشر المريسى هو الذى بدأ القول بخلق القرآن منذ أيام الرشيد ،و ظل يدعو إلى ذلك نحواً من أربعين سنة، و يؤلف في ذلك الكتب إلى خلافة المأمون الذى إقتنع بخلق القرآن فأصبح بشر المريسى من المقربين لدى المأمون . ولقد كتب المريسى الكثير من المؤلفات ، ذكر منها ابن النديم فى الفهرست :  كتاب فى التوحيد ، وكتاب الارجاء ، والرد على الخوارج وكتاب الاستطاعة ، والرد على الرافضة فى الإمامة ، وكتاب كفر المشبهة ، وكتاب المعرفة ، وكتاب الوعيد . وضاعت هذه الكتب بسبب سيطرة الحنابلة ، وبقى منها ما حفظته كتب الأدب والعقائد .

4 ـ ولذا تطرف أهل الحديث فى كراهية بشر المريسى ، وقاموا بنشر الأكاذيب عنه ، ومنها كتاب الدارمى ( الرد على بشر المريسى ). أو (   نقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله في التوحيد ). والدارمى الذى نقصده  هو عثمان بن سعيد السجستانى المشهور بالتعصب للحنبلية ، وصاحب  ( المسند الكبير ) ( مسند الدرامى) . وقد توفى عام 280 .  ولا نقصد الدارمى الآخر ( الدارمي السمرقندي) المتوفى عام 255  صاحب التفسير و الجامع الصحيح . ونتوقف مع بعض ما قاله ابن الجوزى عن بشر المريسى فى المنتظم ( ج  11ص 31 ـ وفيات 218 ) وهو ينقل عن( تاريخ بغداد  7 / 56 : 67 ) للخطيب البغدادى . قالوا عنه أنه ( سمع الفقه من أبي يوسف القاضي إلا أنه اشتغل بالكلام وجرد القول بخلق القرآن ، وقد روى من الحديث شيئًا يسيرًا عن حماد بن سلمة وسفيان بن عيينة ) . ثم تتوالى أكاذيبهم عنه ، فقالوا :

5 ـ ( كان شيخًا فقيرًا فقيهًا ، دميم النظر، وسخ الثياب ، يشبه اليهود ) (  أخبرنا القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي قال‏:‏أخبرنا الحسن بن محمد الخلال حدثنا يوسف بن عمر القواس حدثنا أحمد بن عيسى بن السكين قال‏:‏ سمعت أبا يعقوب إسحاق بن إبراهيم يقول‏:‏ مررت في الطريق فإذا بشر المريسي والناس عليه مجتمعون فمر يهودي فأنا سمعته يقول‏:‏ لا يفسد عليكم كتابكم كما أفسد أبوه علينا التوراة يعني‏:‏ أن أباه يهوديًا ‏.‏ ) ‏. كالعادة فهم يتهمون خصومهم بأنهم يهود الأصل . بينما يتسترون على أنفسهم وقادتهم ، وهم من أصول مجوسية ، أو من ذرية أهل الكتاب من اليهود والنصارى . ولا عيب فى أن تكون من أى ذرية ، ولا شأن لأحد بمن كان أبوه . المهم هو ماذا يفعله هو .) .

6 ـ ( أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب أخبرنا محمد بن نعيم الضبي قال‏:‏ سمعت أبا جعفر محمد بن صالح يقول‏:‏ سمعت أبا سليمان داود بن الحسين يقول‏:‏ سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول‏:‏ دخل حميد الطوسي على أمير المؤمنين وعنده بشر المريسي فقال حميد‏:‏ يا أمير المؤمنين .هذا سيد الفقهاء .! هذا قد رفع عذاب القبر ومسألة منكر ونكير والميزان والصراط . انظر : هل يقدر أن يرفع الموت ؟ ثم نظر إلى بشر وقال‏:‏ لو رفعت الموت كنت سيد الفقهاء حقًا ). أى إنهم يتندرون عليه . والكذب واضح هنا . فلم يقولوا من هو أمير المؤمنين هذا . والمفهوم أنه المأمون . ولايمكن أن يكون هو المأمون ، فهو خصمهم ، وقد كان المأمون صديقا لبشر ، ويستحيل أن يتجرأ أحدهم فيقول هذا فى حضرة المأمون . ثم إن بشر المريسى ترك الفقهاء وأهل الحديث واصبح من قادة المعتزلة الذين ينكرون أساطير الفقهاء ، فكيف يقال له (هذا سيد الفقهاء )، ( كنت سيد الفقهاء حقًا ) .؟

7 ـ ( أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرني الحسن بن محمد الخلال قال‏:‏ حدثنا محمد بن العباس الخزاز قال‏:‏ أخبرنا الحسين بن علي بن الحسين الأسدي حدثنا الفضل بن يوسف بن يعقوب بن القضباني حدثنا محمد بن يوسف العباسي قال‏:‏ وحدثني محمد بن علي بن ظبيان القاضي قال‏:‏ قال لي بشر المريسي‏:‏ القول في القرآن قول من خالفني أنه غير مخلوق ‏.‏قلت‏:‏ فارجع عنه قال‏:‏ أرجع عنه وقد قلته منذ أربعين سنة ووضعت فيه الكتب واحتججت فيه بالحجج ‏.‏ ) لأنه كان من قبل فقيها  ومن أهل الحديث فقد إفتروا إنه كان من قبل لا يؤمن بخلق القرآن . ولكنه إختار القول بخلق القرآن وكتب فيه المؤلفات ولا يريد أن يرجع عما كتبه . هنا يكذبون على خصمهم ويفترون عليه ما لم يقل . وهذا يذكرنى بمناظرة تليفزيونية بينى وبين شيخ كذّاب كان زميلا فى نفس الكلية التى كنت أعمل فيها . وقد بلغت جُرأته فى الكذب أنه كان فى المناظرة يتكلم عنى بالكذب فى حضورى زاعما أننى ذهبت الى أمريكا شهر كذا فى عام كذا لأفعل كذا . فقلت له : إنك كذّاب أشر. تكذب علىّ فى وجهى فكيف بكذبك على فى غيابى . وهددته بمقاضاته وأن معى جواز سفرى الذى يثبت أننى لم أغادر مصر منذ عام 1988 حتى وقتها . هذا يذكرنى أيضا بمزاعمهم أن امريكا إبتنت لى قصرا فى قريتى . وكان الذى يردد هذه الأكذوبة مصدقا لها هو ابن عمى الشقيق الذى يعمل استاذا فى نفس الكلية وبيته مجاور لبيتى . يردد أكاذيبهم مصدقا لها وهو يجلس معى فى بيتى المتواضع فى نفس القرية . وكلما قلت له : لماذا لا ترد عليهم؟ كان يقول : ( ولكنهم يقولون .! ) هى عقلية السماع التى تربى عليها العوام ووعّاظ العوام والتى تصدق الأكاذيب بمجرد أن يقولها شيخ من الشبوخ .

8 ـ هنا رواية عن مجهول جعلوه ثقة .ولو كان ثقة حقا لذكروا إسمه ، ولكنهم صنعوها ليقولوا فها رأيهم ‏أو حقدهم على بشر المريسى :( حدثنا الثقة من أصحابنا قال‏:‏ لما مات بشر المريسي لم يشهد جنازته من أهل العلم السنة أحد إلا عبيد الشونيزي . فلما رجع من جنازة المريسي لاموه فقال‏:‏ أنظروني حتى أخبركم ‏:‏ ما شهدت جنازة رجوت فيها من الأجر ما رجوت في هذه . قمت في الصف فقلت‏:‏ اللهم إن عبدك هذا كان لا يؤمن برؤيتك في الآخرة اللهم فاحجبه عن النظر إلى وجهك يوم ينظر إليك المؤمنون .! اللهم عبدك هذا كان لا يؤمن بعذاب القبر اللهم فعذبه اليوم في قبره عذابًا لم تعذبه أحدًا من العالمين ‏!.‏اللهم عبدك هذا كان ينكر الميزان اللهم فخفف ميزانه يوم القيامة .! اللهم عبدك هذا كان ينكر الشفاعة اللهم ولا تشفع فيه أحدًا من خلقك يوم القيامة . قال‏:‏ فسكتوا عنه وضحكوا . ). نقموا عليه أنه لا يؤمن بأساطيرهم مثل رؤية الله جل وعلا وعذاب القبر وشفاعة النبى التى تؤثر فى الميزان ، فقرووا حرمانه من الاستفادة من هذه الأساطير.

9 ـ ( الحسن بن عمرو المروزي قال‏:‏ سمعت بشر بن الحارث يقول‏:‏ جاء موت هذا الذي يقال له المريسي وأنا في السوق فلولا أنه كان موضع شهرة لكان موضع شكر وسجود . والحمد لله الذي أماته هكذا ‏.) . مات بشر موتة عادية شأن معظم البشر، ولكنهم يتشفّون فى موته . فكيف إذا مات مقتولا مصلوبا مثل زعيمهم أحمد بن نصر الخزاعى ؟ لقد سبكوا أساطير الكرامات والمنامات عن جثة ابن نصر وعندما مات بشر المريسى موتة عادية تشفوا فيه .

10 ـ ( أخبرنا القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا الحسين بن علي الطناجيري حدثنا محمد بن علي بن سويد حدثنا عثمان بن إسماعيل السكري قال‏:‏ سمعت أبي يقول‏:‏ سمعت أحمد بن الدورقي يقول‏:‏ مات رجل من جيراننا شاب فرأيته في النوم وقد شاب فقلت له‏:‏ ما قصتك قال‏:‏ دفن بشر في مقبرتنا فزفرت جهنم زفرة شاب منها كل من في المقبرة )  ‏.‏والطريف أن نفس المنام روى فى ترجمة  زبيدة ت 216 ( ام الخليفة الأمين ) ، يقول ابن الجوزى : (أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ حدثني الحسين بن محمد الخلال قال‏:‏ وجدت بخط أبي الفتح القواس حدثنا صدقة ابن هبيرة الموصلي قال‏:‏ حدثنا محمد بن عبد الله الواسطي قال‏:‏ قال عبد الله بن المبارك الزمن‏:‏ رأيت زبيدة في المنام فقلت‏:‏ ما فعل الله بك فقالت‏:‏ غفر لي بأول معول ضرب في طريق مكة قلت‏:‏ فما هذه الصفرة في وجهك قالت‏:‏ دفن بين ظهرانينا رجل يقال له بشر المريسي زفرت جهنم عليه زفرة اقشعر لها جسدي فهذه الصفرة من تلك الزفرة ‏).‏ ( المنتظم 10 / 278  ). المفهوم ان بنى العباس كانت لهم مقابر خاصة ـ وفيها تم دفن ام الرشيد الخيزران . وكان لأهل بغداد مقابرهم العامة. فهل دفنوا بشر المريسى مرتين فى مقبرتين مختلفتين ؟  أم دفنوه على مرتين ؟. ونفهم من القرآن الكريم أن جهنم لم تُخلق بعده ، سيتم خلقها يوم القيامة ليكون وقودها الناس والحجارة . فما هى هذه الجهنم التى خلقوها فى هذه الدنيا خصيصا ليعاقبوا بها أعداءهم ؟ إنه دينهم الملاكى الذى صنعوه يملكونه ، وصنعوا الاههم الخاص ونبيهم الخاص وجنتهم ونارهم ، ويستغلون كل هذه المصنوعات لمصلحتهم .

ثانيا : أبو الهذيل العلاف

1 ـ وكان أبو الهذيل العلاف المتوفى عام 235 شيخ المعتزلة فى عصره ، وأحد أذكياء العالم فى وقته كما يظهر من كتبه ومناظراته. يقول عنه ابن النديم فى الفهرست :( كان شيخ البصريّين في الاعتزال و من أكبر علمائهم وهو صاحب المقالات في مذهبهم و مجالس و مناظرات. نقل ابن المرتضى عن صاحب المصابيح أنّه كان نسيج وحده وعالم دهره ولم يتقدّمه أحد من الموافقين ولا من المخالفين.) وقالوا عنه: ( ومناظراته مع المجوس والثنويّة و غيرهم طويلة ممدودة وكان يقطع الخصم بأقلّ كلام. يقال إنّه أسلم على يده زيادة على 3000 رجل) .(  أتى إليه رجل فقال: «اُشكل عليّ أشياء من القرآن فقصدت هذا البلد فلم أجد عند أحد ممّن سألته شفاء لما أردته، فلمّا خرجت في هذا الوقت قال لي قائل: إنّ بغيتك عند هذا الرّجل فاتّق الله وأفدني، فقال أبو الهذيل : ماذا أشكل عليك؟ قال: آيات من القرآن توهمني أنّها متناقضة و آيات توهمني أنّها ملحونة. قال: فماذا أحبّ إليك، اُجيبك بالجملة أو تسألني عن آية آية؟ قال: بل تجيبني بالجملة، فقال أبو الهذيل: هل تعلم أنّ محمّداً كان من أوساط العرب و غير مطعون عليه في لغته، وأنّه كان عند قومه من أعقل العرب فلم يكن مطعوناً عليه؟ فقال: اللّهمّ نعم، قال أبو الهذيل: فهل تعلم أنّ العرب كانوا أهل جدل؟ قال: اللّهمّ نعم، قال: فهل اجتهدوا عليه بالمناقضة واللّحن؟ قال: اللّهمّ لا، قال أبو الهذيل: فتدع قولهم على علمهم باللّغة وتأخذ بقول رجل من الأوساط؟ »

2 ـ وبينما إحتفل ابن الجوزى بالجهلة والكذابين من أهل الحديث ومزاعمهم برؤية الله جل وعلا فإنه يتحامل على أبى الهذيل العلاف ، يقول فى ترجمته : ( أبو الهذيل العلاف .. وكان شيخ المعتزلة ومصنف الكتب في مذاهبهم ‏.‏..وكان فاسقًا في باب الدين. وقد روى أحاديث عن سليمان بن قرم وغياث بن إبراهيم وهما كذابان مثله .).( المنتظم 11 / 234 )

ثالثا : احمد بن أبى داود ت 240  ( المنتظم 11 / 275  )

يضطر ابن الجوزى الى ذكر محاسن ابن أبى داود ، من العلم والسخاء ، ثم يطعن فيه بسبب موضوع ( خلق القرآن . يقول عنه : ( أحمد بن أبي دؤاد ..ولي أحمد قضاء القضاة للمعتصم ثم للواثق . وكان موصوفًا بالسخاء . ( ثم يهاجمه سريعا فيقول : ( غير أنه على مذهب الجهمية ( المعتزلة )  وحمل السلطان على امتحان الناس بخلق القرآن ، لولا ما فعل من ذلك لاجتمعت الألسن على مدحه ، فإنه كان قد ضم إلى علمه الكرم الواسع . )  ويحكى عن نُبل أحمد بن أبى داود أن خصما له من ذرية عمر بن الخطاب كان ( لا يلقى ابن أبي دؤاد وحده ولا في محفل إلا لعنه ودعا عليه وابن أبي دؤاد لا يرد عليه شيئًا ) فاحتاج هذا الرجل الى الخليفة المعتصم ، وأراد أن تصل شكواه مباشرة للخليفة بعيدا عن أبن أبى داود خوفا من إنتقام ابن أبى داود منه ، فاتصل بابن الزيات ووسطه لتوصيل شكواه للمعتصم على أن يعطيها فى غيبة ابن أبى داود . فلما أعطى ابن الزيات الشكوى للمعتصم أعطاها المعتصم لابن أبى داود ليرى رأيه فيها . فأوصى ابن أبى داود بقضاء مصلحته إكراما لجده عمر بن الخطاب .   وبعدها يأتى ابن الجوزى بتكفير إبن أبى داود على لسان ابن حنبل : ( أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال‏:‏ أخبرنا الحسين بن عثمان الشيرازي قال‏:‏ أخبرنا أبو علي أحمد بن عبد الله قال‏:‏ حدثنا محمد بن الحسن بن الحسين القاضي قال‏:‏ حدثني الحسن بن منصور قال‏:‏ حدثنا الحسن بن ثواب قال‏:‏ سألت أحمد بن حنبل عمن يقول القرآن المجيد مخلوق قال‏:‏ كافر ‏.‏ قلت‏:‏ فابن أبي دؤاد قال‏:‏ كافر بالله العظيم ‏.‏ ). وعندما اصيب ابن أبى داود بالفالج ( الشلل النصفى ) تشفّى فيه الحنابلة حسب هذه الرواية : ( سمعت عبد العزيز بن علي المكي يقول‏:‏ دخلت على ابن أبي دؤاد وهو مفلوج فقلت‏:‏ إني لم آتك عائدًا وإنما جئتك لأحمد الله على أنه سجنك في جلدك ‏.‏ ). وبعد موته سبكوا هذا المنام : ( أخبرنا عبد الرحمن قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي الخطيب قال‏:‏ أخبرنا أبو الحسين بن بشران المعدل قال‏:‏ حدثنا عثمان بن أحمد قال‏:‏ حدثنا إسحاق بن إبراهيم الختلي قال‏:‏ حدثنا أبو يوسف يعقوب بن موسى بن الفيرزان ابن أخي معروف الكرخي قال‏:‏ رأيت في المنام كأني وأخًا لي نمر على نهر عيسى على الشط فبينما نحن نمشي إذ امرأة تقول‏:‏ ما تدري ما حدث الليلة أهلك الله ابن أبي دؤاد فقلت لها‏:‏ وما كان سبب هلاكه قالت‏:‏ أغضب الله فغضب الله عليه من فوق سبع سموات ‏.‏ ).

أخيرا

1 ـ حنابلة اليوم ساروا على سُنّة أسلافهم فى العصر العباسى فى تشويه سيرة خصومهم وإغتيالهم معنويا بالاشاعات والتكفير تمهيدا لاغتيال الخصوم جسديا . فعلوا هذا مع الراحل فرج فودة حين تصدى لهم بالعقل والمنطق وحين جادلهم بالفقه السّنى نفسه وهزمهم ، فأدمنوا التشنيع عليه وتكفيره الى أن قتلوه . فعلوا نفس الشىء تقريبا مع تجيب محفوظ حين أثاروا حملة صحفية مشبوهة على رواية ( أولاد حارتنا ) فى مجلة ( عقيدتى ) الرسمية التى كانت تصدر عن جريدة الجمهورية ، وطالبوه بالتوبة . وقد أحسست بالخطر المحدق بحياة نجيب محفوظ وقت إشتداد هذه الحملة ، فكتبت فى جريدة القاهرة أحذّر من مغبة هذه الحملة وخطرها على حياة نجيب محفوظ .و فعلا بعد هذه الحملة ببضعة أشهر تعرض نجيب محفوظ لمحاولة إغتيال شهيرة .

2 ـ وحنابلة عصرنا يلاحقوننى بالتشهير والتكفير والاتهامات الكاذبة من عام 1984 . قبلها كنت سنيا معتدلا ومحاربا شرسا ضد التصوف ، ويعتبروننى ( جوهرة الأزهر ). بعد أن بدأت فى نقد البخارى إنطلقت حملات التكفير والاتهامات المتنوعة . منها الاتهام بأننى أقول أن محمدا ليس خاتم النبيين ، فلما رءوا كل كتاباتى تصفه عليه السلام بأنه خاتم النبيين تركوا هذا الاتهام . اتهمونى بأننى لست أزهريا صميما وأننى حاصل على الثانوية العامة ثم التحقت بجامعة الأزهر ، فلما عرفوا أننى التحقت بالاعدادى الأزهرى طفلا عام 1960 وأننى كنت الثانى على الجمهورية فى الاعدادية الأزهرية ثم الرابع على الجمهورية فى الثانوى الأزهرى ، ثم الأول على قسم التاريخ خلال أربع سنوات حتى عُينت معيدا، تركوا هذا الاتهام . تمسكوا بأننى أحصل على تمويل أجنبى ، وشنُّوا حملة بهذا الاتهام حين كنت على شفا الجوع فى التسعينيات ، وتصادف أننى كنت وقتها أكتب فى جريدة ( الأخبار ) مدافعا عن فوائد البنوك مهاجما شركات تنظيم الأموال ، وكنت أكتب موقعا ( أحمد صبحى منصور الذى ليس له حساب فى أى بنك ). كنت فقيرا الى درجة أننى لا أستطيع فتح حساب فى بنك بينما الشيوخ الذين يهاجمون البنوك فلهم حسابات بالملايين فى البنوك . وحين تأكدوا من فقرى المدقع كتب أحدهم وهو الشيخ عبد الجليل شلبى فى عموده اليومى فى الجمهورية يقول عنى ( ولقد علمنا أن حساباته فى البنوك لم يتسلمها بعد ، والله أعلم ).!.

3 ـ ولا زالت أكاذيبهم وفتاويهم بالقتل تلاحقنى. أنا مستمر فى النجاح وهم مستمرون فى النباح . ومنذ ربع قرن كتبت معلقا على نباحهم متمنيا منه المزيد : ( إن كاتبا مثلى قليل الحيلة يحتاج الى أن تنبحه الكلاب ليلتفت الناس الى ما أكتب ) . وتحقق ما أريد . لو أنفقت الملايين ما إستطعت أن أنشر فكر أهل القرآن بقدر نجاح حمقهم فى نشر الفكر القرآنى .

4 ـ وهذا يؤكد أن حنابلة اليوم اشد غباءا من حنابلة العصر العباسى . حنابلة العصر العباسى قضوا على المعتزلة ، ولكن حنابلة اليوم وهم يملكون أكبر ثروة فى التاريخ من مئات البلايين من البترودولارات فهم أعجز من مواجهة ( اهل القرآن ) وموقعهم على الانترنت . ومع كل ما ينفقون من صدّ عن سبيل الله فمصيرهم الحسرة .

5 ـ يقول جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) الانفال )

ودائما : صدق الله العظيم .!!

الفصل الرابع : الحنابلة يجعلون ضرب ابن حنبل ضمن تراث الدين السُّنى 

  مقدمة

1 ـ نحن مع حرية الدين والفكر والرأى بلا حد أقصى وفقا لما جاء فى القرآن الكريم . ونشجب عقوبة ابن حنبل وغيره من ضحايا مصادرة الفكر والرأى . ولكننا فى نفس الوقت ضد الكيل بمكيالين . فالحنابلة الذين ملأوا الدنيا لطما وحزنا على هذه العقوبة البسيطة لابن حنبل وهى عقوبة بسيطة بمقياس عصره بينما هم الذين أبادوا المعتزلة ، وهم الذين طبقوا ( حد الردة ) وهم الذين اشاعوا قتل خصومهم بتهم من أمثال ترك الصلاة و الخروج عن الجماعة والزنا للمحصن و الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر طبقا لحديثهم الكاذب ( من رأى منكم منكرا فليغيره ) والذى سنعرض له فى مقال قادم . ونحن نستنكر اكثر إستخدام هذه العقوبة البسيطة فى تأليه ابن حنبل ورفعه فوق مستوى الأنبياء .

2 ـ دعاية الحنابلة فى تضخيم عقوبة ابن حنبل لا تفسير لها إلا فى ضوء إعتقادهم فى تأليهه . وسيتضح هذا جيدا فى المقالات التالية عن الملامح الواضحة فى تأليه الحنابلة لابن حنبل . لكن نبدأ بموضوع ضربه بالسياط فى محنة (خلق القرآن ) وننظر لها فى ثقافة عصرها وفى ثقافة عصور الاستبداد حتى عصرنا البائس حيث التعذيب هو سيد الموقف . والضحايا لا يستحقون من المؤرخين سوى المرور السريع فى بضع سطور ، فالمفهوم أنهم بشر , ولكن إختلف الحال مع عقوبة ابن حنبل البسيطة وما قيل فيها من منامات مزورة عن كلام منسوب لله جل وعلا ورسوله الكريم ، بما يقطع أنهم يؤلهون ابن حنبل فى دينهم ( الملاكى ) الذى صنعوا فيه الاها يستخدمونه فى تأليه الاههم الأول ابن حنبل ، وصنعوا نبيا من خيالاتهم يعمل أجيرا فى تقديس ابن حنبل ، وملائكة مشغولة بابن حنبل . أى إن الاههم الأكبر ليس الله بل هو ابن حنبل . هذا هو التحليل الذى يخرج به الباحث فى مناماتهم واقاويلهم . هى بالطبع كاذبة من حيث نسبتها لله جل وعلا ورسوله . ولكنها صادقة فى التعبيرعن عقائدهم ومكنون قلوبهم .

أولا : بين عقوبة ابن حنبل والعقوبات السائدة فى العصر العباسى

1 ـ صنعت الدعاية الحنبلية من ضرب إبن حنبل مأساة كبرى ، يقول ابن الجوزى : ( وفي رمضان من هذه السنة امتحن المعتصم أحمد بن حنبل فضربه بين يديه بعد أن حبسه مدة .  ). فكم عدد الأسواط التى عوقب بها ابن حنبل ؟ ، يقول ابن الجوزى (  وفي رواية أخرى‏:‏ أنه ضرب ثمانية عشر سوطًا وفي رواية‏:‏ ثمانين سوطًا ) ( المنتظم 11 / 44 عام 219 ). ويذكر ابن الجوزى فى مناقب ابن حنبل أن الطبيب الذى عالج جروح ابن حنبل بعد إطلاق سراحه أفتى بأنه رأى من ضُرب ألف سوط ، ولكنه ما رأى مثل هذه الجروح . وهذه الرواية من صُنع عبد الله بن أحمد بن حنبل ، وهو يقول أيضا إن أباه ظل يعانى من آثار ضربه الى أن مات ، أى من عام 219 الى عام 241 . هذه مبالغات يسيرة يمكن التغاضى عنها طالما لا تكذب على الله جل وعلا ورسوله .

2 ـ ولكن أين 18 سوطا أو 80 سوطا بالمقارنة بالعقوبات المتبعة فى العصر العباسى فى شأن أصحاب الفكر والرأى والخصوم المسالمين ؟ نعطى أمثلة سريعة : في سنة‏133 ‏ قتل داود بن علي العباسى كل الأمويين الذين كانوا يعيشون بمكة والمدينة بعيدا عن الفتن .  وفى فتنة محمد النفس الزكية عام 145 ضرب المنصور حفيد عثمان بن عفان ( محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان ) ألف سوط ( المسعودى 2 / 226 ). ولم يكن ضالعا فى الفتنة . وغضب أبو جعفر المنصور على الكاتب عبد الله بن المقفع فأمر الوالى بقتله عام 144 . وكان هذا الوالى خصما لابن المقفع ، فقتله شرّ قتلة :( فأمر بتنُّور فسجر حتى إذا حمي ، أمر أن تقطّع أعضاؤه فكلما قطعوا عضوًا قال‏:‏ ألقوه في النار‏.‏ فيلقونه وهو ينظر إليه ، حتى أتى على جميع جسده، ثم أطبق التنور ... واختفى أثره  ) المنتظم 8 / 57 : 58 ). وفى ‏سنة 141 خطب المنصور فى مدينة الرقة بسوريا ، وكان فيها طاعون ثم إنقشع ، فقال المنصور فى خطبته : (‏:‏ احمدوا الله يا أهل الشام فقد رفع عنكم بولايتنا الطاعون)‏.‏ فقال منصور‏ بن جعونة :‏( الله أكرم من أن يجمعك علينا والطاعون‏.‏ ) فقتله المنصور بسبب هذه الكلمة . ( المنتظم 8 / 29 ) . والمأمون المشهور بالحلم والعفو  قتل الوزير الفضل بن سهل بالسم عام 202 ، وعين عليا بن موسى الرضا وليا للعهد ثم قتله عام 203 ، وقتل ابن عائشة أحد أمراء البيت العباسى وصلبه عام 209 . وقتل عشرة ممن إعتنقوا المانوية ( تاريخ المسعودى 2 /  329 : 332 / 333 ) .  وأحرق المعتصم غناما المرتد ( الطبرى 9 / 103 ) وضرب المتوكل عام 241 عيسى بن ابى جعفر الف سوط .( الطبرى 9 / 201 ).هذا الإضافة الى القتلى ضحايا الاتهام بالزندقة فى عهد الخليفة المهدى ، ومنهم الشاعر الكهل ابن عبد القدوس والشاعر الضرير بشار بن برد وقد مات تحت ضرب السياط عام 167 وقد جاوز التسعين من عمره ..

2 ـ هى مجرد أمثلة مؤلمة ودامية، ولكن لم يتوقف ابن الجوزى عند هذه المحن إلا فى معرض تبجيل ابن حنبل ، وأنه أوذى كما أوذى العلماء من قبل . يقول فى مناقب أحمد بن حنبل ( 342 : 343 ): ( وما زال الناي يُبتلون فى الله تعالى ويصبرون ، وقد كانت الأنبياء تُقتل ، وأهل الخير فى الأمم السابقة يُقتلون ويُحرقون ويُنشر أحدهم بالمنشار وهو ثابت على دينه . ولولا كراهية التطويل لذكرت من ذلك بأسانيده ما يطول ، غير أننى أوثر الاختصار ) . هذا كلام جميل . ولكن هل قام أحد بتضخيم ما حدث لأولئك الناس كما فعل ابن الجوزى والحنابلة فى عقوبة ابن حنبل ؟ . ولكن الحنابلة قاموا بتضخيم العقوبة البسيطة لابن حنبل بجعلها جزءا من دينهم الأرضى (الملاكى ) من خلال المنامات والآراء التى ذكرها ابن الجوزى ، خصوصا فى مناقب ابن حنبل .  ثم ، إنّ إبن حنبل لم يكن يدافع عن الاسلام ضد الدولة العباسية ، بل كان يدافع عن دينه السُّنى المؤسس على أحاديث باطلة كان هو من رواتها . وكان يرى إن الاسلام وحده لا يكفى ، بل لا بد من الاسلام والسّنة معا . هى عقيدته وهو حرُّ فى إختياره العقيدى، وليس من العدل معاقبته بسبب رأيه كما أنه ليس من العدل إعتباره مدافعا بموقفه هذا عن االحق مثل أنبياء الله جل وعلا . 

ثانيا : كرامات فى ضرب ابن حنبل

1 ـ يقول ابن الجوزى تحت عنوان ( قصة ضرب الإمام أحمد رضي الله عنه : أخبرنا محمد بن أبي منصور قال‏:‏ أخبرنا أبو الحسن بن أحمد الفقيه أنبأنا عبيد الله بن أحمد أخبرنا أبو بكر أحمد بن عبيد الله الكاتب حدثنا أبو علي الحسن بن محمد بن عثمان القسري قال‏:‏ حدثني داود بن عرفة قال‏:‏ حدثنا ميمون بن الأصبع قال‏:‏ كنت ببغداد فسمعت ضجة فقلت‏:‏ ما هذا قالوا‏:‏ أحمد بن حنبل يمتحن فدخلت فلما ضرب سوطًا قال‏:‏ بسم الله فلما ضرب الثاني قال‏:‏ لا حول ولا قوة إلا بالله فلما ضرب الثالث قال‏:‏ القرآن كلام الله غير مخلوق فلما ضرب الرابع قال‏:‏ لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ، فضرب تسعًا وعشرين سوطًا . وكانت تكة أحمد حاشية ثوب فانقطعت فنزل السراويل إلى عانته فرمى أحمد بطرفه إلى السماء وحرك شفتيه فما كان بأسرع من أن بقي السراويل كأن لم تزل . فدخلت إليه بعد سبعة أيام فقلت‏:‏ يا أبا عبد الله رأيتك تحرك شفتيك فأي شيء قلت قال‏:‏ قلت‏:‏ اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش إن كنت تعرف أننى على الصواب فلا تهتك لى سرا . وفي رواية أخرى‏:‏ أنه ضرب ثمانية عشر سوطًا وفي رواية‏:‏ ثمانين سوطًا .‏ ) ( المنتظم 11 / 43 : 44 ) . هذه الاسطورة كررها ابن الجوزى ثلاث مرات فى مناقب أحمد بن حنبل ( ص 331 : 332 ). وهى كرامة ( رفع السراويل ) ، أى بدعاء ابن حنبل لم يسقط سرواله ولم تنكشف عورته عند الضرب . لكن إذا كان مستجاب الدعوة بهذا الشكل ويعرف الدعاء المستجاب فلماذا لم يستخدمه فى تحصين نفسه من الضرب أصلا ؟ لماذا لم يستخدم كراماته فى (شلّ يد من يضربه ) أو فى ( قفل فم ) المعتصم الذى كان يأمر بالضرب ؟..أو تسليط كراماته عليهم ليجعل بغداد تضحك عليهم ..مثلا يجعلهم يسيرون عُراة فى بغداد يتفرج عليهم الناس مع منادى من السماء يقول : هذه عقوبة من يتجرأ على ضرب ابن حنبل ..يعنى مثلا ..!

2 ـ ونحن نركز على ابن الجوزى ، لأنه عاصر المرحلة الأخيرة فى نفوذ المعتزلة ، قبل أن يتسيد التصوف ( السّنى ) محل الحنبلية المتشددة . ولقد واجه إبن الجوزى إنحلال نفوذ الحنابلة بالتضخيم من مناقب ابن حنبل ، فتعرض له بالتفصيل فى ( المنتظم )، وبعد أن كتب ترجمة ابن حنبل فى المنتظم قال:( فضائل أحمد رضي الله عنه كثيرة وإنما اقتصرنا ها هنا على هذه النبذة لأني قد جمعت فضائله في كتاب كبير جعلته مائة باب، ثم مثل هذا التاريخ لا يحتمل أكثر مما ذكرت والله الموفق .‏). وفى كتاب ( مناقب احمد بن حنبل ) جمع ابن الجوزى ما قيل فى مناقب ابن حنبل من تاريخ موته عام 241 الى عصر ابن الجوزى ت 597 . ومنها ما كتبه البيهقى ت 458، والحافظ الحنبلى الخطيب البغدادى فى موسوعته ( تاريخ بغداد ) والمتوفى عام 463. ويقول الخطيب البغدادى أيضا فى نهاية الترجمة لابن حنبل : ( قد ذكرنا مناقب أبى عبد الله أحمد بن حنبل مستقصاة فى كتاب أفردناه لها ، فلذلك إقتصرنا فى هذا الكتاب على ما أوردناه منها ). وجاءت ترجمة ابن حنبل فى تاريخ بغداد ج 4 / 412 : 423 رقم الترجمة 2317 . ومع إعتماد ابن الجوزى على تاريخ بغداد للخطيب فقد إختلف مع الخطيب البغدادى فى تحديد العام الذى تعرض فيه ابن حنبل للضرب. يجعله الخطيب عام 220 ويجعله ابن الجوزى عام 219 .

3 ـ والاسطورة السابقة عن ( رفع السراويل ) لم يذكرها الخطيب البغدادى مما يدل على إختراعها بعد عصر الخطيب البغدادى .وربما صنعها ابن الجوزى نفسه . وفيما يخصّ ضرب ابن حنبل يضع الخطيب البغدادى إسنادا لرواية تقول : ( كان أحمد بن حنبل بالذى قال النبى صلى الله عليه وسلم : " كائن فى أُمّتى ما كان فى بنى اسرائيل ، حتى إن المنشار ليوضع على فرق رأسه ما يصرفه ذلك عن دينه ". ولولا أحمد بن حنبل قام بهذا الشأن لكان عارا علينا الى يوم القيامة ، إن قوما سبقوا فلم يخرج منهم أحد )وجاء برواية أخرى تقول : ( لو كان احمد بن حنبل فى بنى إسرائيل كان آية . )  ( تاريخ بغداد 4 / 418 ). وصنع الخطيب البغدادى رواية أخرى بإسناد لها يزعم فيها أحدهم : ( رأيت كأن الناس قد جُمعوا الى مكة ، وكأن الحجر الأسود إنصدع فخرج منه لواء ، فقلت : ما هذا ؟ فقيل لى : أحمد بن حنبل بايع لله عزّ وجلّ ) ( تاريخ بغداد 4 / 418 ).وقد نقل ابن الجوزى هذه الاسطورة مع تغيير فى الاسناد فى كتب المناقب، مع زيادة يقول فيها ( وقيل إنه كان فى اليوم الذى ضُرب فيه .) ( ص 459 ). وهناك رواية ذكرها بإسنادها الخطيب البغدادى يزعم فيها أن شخصا غريبا دخل على ( أحمد بن حنبل ) وأصحابه وسأل عن ابن حنبل ، وقال : " جئت من البحر من مسيرة اربعمائة فرسخ ، أتاتى آت فى منامى فقال : إئت أحمد بن حنبل وسل عنه، فانك تُدلّ عليه ، وقل له : ان الله عنك راض ، وملائكة سماواته عنك راضون ، وملائكة ارضه عنك راضون ..) ( تاريخ بغداد 4 / 421 ) . أما كان من السهل أن يرى أحدهم هذا المنام وهو فى بغداد بدلا من تكليف هذا الرجل عناء ركوب البحر من 400 فرسخ ؟، يعنى أنه أتى من استراليا مثلا مثلا ليفترى هذه الأكذوبة . وقد إحتفل ابن الجوزى بهذه الاسطورة فكررها فى المناقب ست مرات ، وبصيغ مختلفة وإسناد مختلف . ( ص 459 ــ ). ويهمنا أنه فى إحدى صياغاته يفترى أن رب العزة يقول له : ( إن الله عز وجل قد باهى بضربك الملائكة )( 479 : 480 ).!  وهناك أسطورة نقلها ابن الجوزى عن الخطيب البغدادى وكررها ثلاث مرات ( المناقب 442 : 443 ) والتى يزعم فيها أحدهم أنه رأى أحمد بن حنبل فى المنام بعد موته فقال له السؤال المعتاد : ماذا فعل الله بك ؟ فقال : ( غفر لى ، ثم قال : يا أحمد ضُربت فى ؟ قلت : نعم يارب . قال : يا أحمد هذا وجهى قد أبحتك النظر اليه . ) (تاريخ بغداد 4 / 421 ) . الواضح من صياغة هذه الأكذوبة هو الترويج لاعتقاد الحنابلة فى رؤية الله ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا .

4 ـ ونمضى مع ابن الجوزى فى أساطيره عن ضرب ابن حنبل ، والتى لم يذكرها الخطيب فى تاريخ بغداد ، منها أن بعضهم يزعم أنه كان يطوف بالبيت فسمع هاتفا من خلفه يقول ( ضرب أحمد بن حنبل اليوم ) . طبعا هذا قبل ظهور السى إن إن . وقد سجل صاحينا التاريخ ، وتأكد من أن الهاتف لم يكذب عليه ( مناقب 335 ). بل وقد اعلنت جهنم غضبها فزفرت زفرة أصابت إمرأة بالشيب فى ( صدغها ) . يقول ابن الجوزى : (  حدثنى بعض من أثق به أن إمرأة رأوها فى النوم وقد شاب صدغها ، فقيل لها : ما هذا الشيب ؟ فقالت : لما ضرب أحمد بن حنبل زفرت جهنم زفرة لم يبق منا أحد الا شاب .! )(مناقب 471 ) . الراوى مجهول مع أنه موصوف بالثقة . والمرأة مجهولة ، ولا نعرف إن كانت حية أو ميتة ، وإن كانت ميتة فهل هى فى الجنة أم فى النار ، واذا كانت فى النار فهل نثق بكلامها ؟ ثم هى إمرأة لها لحية وقد شابت لحيتها ..حاجة تكسف .!

5 ـ وفى الباب رقم 96 وتحت عنوان ( فى ذكر عقوبة من آذاه )( مناقب 484 ـ  ).يفترى ابن الجوزى روايات عن خلفاء وغيرهم ، يذكر ما حدث لخصوم ابن حنبل  من موت ومرض ونكبات . وهى تحدث للجميع من الخلفاء والحنابلة وكل البشر . ولكنه يعتبرها كرامة لابن حنبل ، وإنتقاما الاهيا من خصومه . ولا ينسى أن يصيغ أساطير عن بعضهم ، يزعم أنه تعرض لابن حنبل بكلمة فعوقب بمرض فى لسانه ، وتكرّم هاتف فى المنام جاء صاحبنا ونبهه أن هذا المرض بسبب تعرضه لابن حنبل فتاب وتم شفاؤه . وهناك رجل فرح بما حدث من ضرب لابن حنبل فدخل المسجد ليصلى لله جل وعلا شكرا فانخسفت به الأرض الى صدره فاستغاث بالناس فأغاثوه . وهناك شخص آخر سىء الحظ قليل البخت فرح بما حدث من ضرب لابن حنبل فخسفت به الأرض ولم يجد من ينقذه .؟!. وآخر رمى قبر إبن حنبل بطوبة فعوقب بأن ( جفّت يده ) ، أما الرجل المأمور بضرب ابن حنبل فقد عاقبوه فى أساطيرهم، فقالوا ( مكث خمسة واربعين يوما ينبح كما تنبح الكلاب ) ( مناقب 484 ، 492 : 493 ).

ختاما

لقد ذكر رب العزة جل وعلا قتل بعض الأنبياء وقتل بعض الذين يأمرون بالقسط من الناس : ( البقرة 61 ، آل عمران 21 ، 112 المائدة 70 ). ولم يرد فى كتابه الكريم هذا التهويل ، مع أننا بصدد أنبياء تم قتلهم ظلما وعدوانا لأنهم يبشرون بكلمة الحق . أما الحنابلة فى دينهم الملاكى فقد إختلقوا لهم الاها يعمل فى خدمة الاههم ابن حنبل لمجرد أنه ضرب بأقل قدر معروف من السياط . إن رفع ابن حنبل فوق مستوى الأنبياء القتلى أبلغ دليل على تأليههم له .

الفصل الخامس : الحنابلة وصناعة التأليه لابن حنبل :

  أولا :  ـ صناعة نسب عربى له : 

1 ـ يصفه الخطيب البغدادى بأنه مروزى الأصل .وقالوا‏:‏ وقدم به أبوه من مرو الى بغداد ، وأمه حامل به ، فوضعته أمه في ببغداد عام 164 . ‏وتوفي أبوه وهو ابن ثلاث سنين، فكفلته أمه‏.‏ ثم صنع له إبنه صالح نسبا عربيا رفعه الى بكر بن وائل الى ربيعة الى نزار ثم الى الى اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام. ( وروى عن صالح بن الإمام أحمد قال‏:‏ رأى أبي هذا النسب في كتاب ليفقال‏:‏ وما تصنع به ‏؟‏ ولم ينكر النسب‏.‏ ) .ولأنه من مرو الفارسية أو ( مروزى الأصل ) فقد صنعوا حديثا يمدح مدينة مرو . ذكره ابن الجوزى فى مناقب ابن حنبل ، يقول بعد إسناده (  سيكون بعدى بعوث كثيرة ، فكونوا فى بعث خراسان ، ثم انزلوا مدينة مرو ، فإنه بناها ذو القرنين ، ودعا لها بالبركة ، ولا يضر أهلها بسوء. )( مناقب احمد بن حنبل  15 ــ ) ( تاريخ بغداد 4 / 412 ، 414 ).

2 ـ  لم يكن مستحبا تأليه شخص أعجمى فارسى قدم ابوه فقيرا من مرو ، لذا كان لابد من صناعة نسب عربى لابن حنبل بعد موت ابن حنبل ، ثم صناعة حديث فى مناقب بلده الأصلى ( مرو ). وكان متعذرا صناعة نسب قرشى له بسبب محافظة القرشيين على انسابهم حتى ذلك الوقت ، وكان مستحيلا نسبته لبنى هاشم وهم أكثر حفاظا على أنسابهم ، ومثلهم بنو العباس ، وفى أيامالمأمونأحصيتأولادالعباسفبلغواثلاثةوثلاثينألفاًمابينذكروأنثىوذلكفيسنة مائتين.( المنتظم 10 / 86 ). إى كان المتاح صناعة نسب له فى ربيعة ثم ـ على خلاف العادة ـ  رفع نسبه الى اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام . ولذا نعتبر صناعة نسب عربى لابن حنبل ضروريا فى صناعتهم له الاها للحنابلة .

ثانيا ـ صناعة أحمد بن حنبل إلاها صوفيا

1 ـ كان دين التصوف فى بدايته فى القرن الثالث الهجرى يعانى من إنكار قوى عليه من الحنابلة بالذات . ولكنه ظل ينتشر ببطء وبثبات بين العوام مع تراجع بنفس القدر لنفوذ الحنبلية السنية المتشددة ، ثم فى العصر المملوكى تم الصلح النهائى بين السّنة والتصوف بإختراع مزيج من التصوف المنافق المعتدل و السُّنة المعتدلة تحت مسمى ( التصوف السُّنى ) وقد بدأ الغزالى ت 505  بهذا فى معظم أجزاء كتابه ( الاحياء ) بينما عبّر عن التصوف المتطرف بين سطور الاحياء وأفرد له كتابه ( مشكاة الأنوار ) .

وجاء ابن الجوزى بعد عصر الغزالى ليشهد إنحسار الحنبلية ، فكتب مناقب ابن حنبل ليؤلهه بالطريقة الصوفية التى كانت تحظى بإعتقاد العوام فى عصره . لذا لا نرى فارقا بين تأليه الحنابلة فى القرن السادس لابن حنبل حسبما جاء فى المناقب التى كتبها ابن الجوزى وبين الملامح المعتادة للصوفية فى كتابة مناقب أوليائهم وآلهتهم .

2 ـ فى كل الأحوال فالجمهور المستهدف هو العوام الذين يتحدث باسمهم الحنابلة ، ويطلقون على أنفسهم ( اهل السنة والجماعة ) . فالجماعة هنا هم الأغلبية الساحقة من الناس ، والتى هى طبقا للسياق القرآنى لا تعقل ولا تبصر ولا تفقه ولا تؤمن بالله جل وعلا إلا وهى تشرك معه غيره ، ولو اطاعهم خاتم النبيين لأضلوه عن سبيل الله ، ولكنها عند السنيين ( الأمة والجماعة) والمصدرية والمرجعية الذين يتكلمون بإسمهم . هذه العوام تدمن فى كل عصر تجسيد اله أو رمز للإله تلمسه وتتبرك بقبره المقدس عندها وتقدم له النذور والقرابين ، وتتوسل به وتتشفع وتعتقد فى تصريفه فى ملك الله جل وعلا بالكرامات والمعجزات والخوارق ، ووحيه وكلام رب العزة معه . هذه هى عقلية العوام ، وهذه هى متطلباتهم فى أى اله أرضى يقصدونه بالزيارة والحج والتوسل والتبرك والتشفع .

3 ـ وركّز الحنابلة فى بدء أمرهم على صناعة الأحاديث وسماعها وتلقينها وتدوينها ، ولكن مالبث أن إنتشر التصوف ومعه دعوى ( العلم اللدنى الالهى ) بزعم أن بإمكان اى انسان مهما بلغ جهله ان يحصل على هذا الوحى بلا كتابة لحديث او اى نوع من العلم ، بل بالرياضات الروحية فتُشرق فى داخله أنوار العلم الالهى اللدنى ويخاطبه الله ( تعالى عن ذلك علوا كبيرا ) فيقول ( حدثنى قلبى عن ربى ) بلا حاجة لصناعة إسناد أو كتابة حديث أو رحلة فى طلب الحديث وبلا ( تعب القلب ) . وقرن الصوفية فى عصر ابن الجوزى دعواهم العلم اللدنى  بكسر الألواح التى يسجل الناس فيها ( الأحاديث والسنن ) ليفتحوا المجال على مصراعيه للعوام للدخول فى دين التصوف ، كما أقاموا حفلات الرقص والغناء الشعبية وجعلوه شريعة دينية باسم ( السماع ) فلم يعد السماع هو للأحاديث بل السماع للغناء والاستمتاع بالرقص ،وأحلوا الزنا والشذوذ وجعلوهما شريعة دينية تحت مسمى المؤاخاة والشاهد . ولقد هاجمهم ابن الجوزى بضراوة فى كتابه ( تلبيس ابليس )، ولكن  إضطر الحنابلة بسبب الانتشار المريع والسريع للتصوف ــ على حساب الحنبلية ـ الى تأليه ابن حنبل بنفس النمط الصوفى .

4 ـ ولم تكن ملامح هذا التأليه لابن حنبل واضحة فبل ذلك فى القرن الخامس الهجرى حسبما يظهر فى كتابة الخطيب البغدادى عن ابن حنبل . غاية ما كتبه الخطيب البغدادى فى مناقب ابن حنبل أن جعله أفضل من أبى بكر الصديق (ما قام أحد بأمر الاسلام بعد رسول الله ( ص ) مثلما قام أحمد بن حنبل " ..ولا أبو بكر الصديق.! ) وجعله رمزا للاسلام :( من سمعتموه يذكر احمد بن حنبل بسوء فاتهموه على الاسلام  ) ودعا لزيارة قبره ( كنت أزور قبر أحمد بن حنبل فتركته مدة ، فرأيت فى المنام قائلا يقول لى : لم تركت زيارة قبر إمام الٍّسُنّة ؟ ) ( تاريخ بغداد 4 / 418 ، 420 ، 423).

أما ابن الجوزى فقد صنع تأليها كاملا لابن حنبل فى كتاب مناقبه خصوصا فى: ( باب 91 المنامات التى رآها احمد ، باب 92 المنامات التى رؤي فيها احمد ، باب 93 المنامات التى رؤيت له ، باب 94 فضيلة مجاورة قبره ، باب 95 مجاورته.). ونستعرض بعضها هنا:

ثالثا : منامات ابن حنبل

1 ـ يروون له منامات يتكلم فيها مع رب العزة  كعادة الصوفية فى سبك المنامات . ولكن صاغ ابن الجوزى  وغيره المنامات ليس كهدف فى حد ذاته ولكن لكى يحمّلوها بمضامين دينهم الحنبلى لتحظى بالتصديق  بين العوام بدون الحاجة الى إستدلال عقلى من القرآن ، فيكفى العوام أن الله جل وعلا قال هذا فى المنام لأحمد بن حنبل ، أو أن النبى قال هذا فى المنام لابن حنبل . وطالما يصدّق العوام بهذه المنامات فقد أغنتهم عن الاستدلال العقلى والحجج والبراهين ، والتى هى فى نفس الوقت أكبر من عقول العوام وأبعد عن إهتماماتهم . من هذه مناماتهم التى يروجون فيها لاعتقادهم برؤية الله جل وعلا وبكفر من يقول بأن القرآن مخلوق ومنها منامات تزكى ابن حنبل وترفع مكانته وتهاجم وتلعن أعداءه .

2 ـ وهناك منامات تجمع بين هذا كله ، فيها تزكية ابن حنبل ومدحه وتقديسه ونشر الاعقادات الحنبلية أيضا . والعادة ان يقوم ابن الجوزى بتكرار هذه النوعية من المنامات بأسانيد مختلفة وأساليب وصيغ مختلفة لتتركّز فى أفئدة القارىء . ومنها هذا المنام الذى يزعم صاحبه أنه ( لما مات أحمدبن حنبل اغتممت غماً شديداً فرأيته في المنام وهو يتبختر في مشيته فقلت له‏:‏ ياأبا عبد الله ‏!‏ أي مشية هذه ‏؟‏فقال‏:‏ مشية الخدام في دار السلام‏.‏فقلت‏:‏ ما فعل الله بك ‏؟‏فقال‏:‏ أغفر لي وتوجني وألبسني نعلين من ذهب، وقال لي‏:‏ يا أحمد‏!‏ هذا بقولك القرآن كلامي،..) يعنى ان الاههم المصنوع ألبس ابن حنبل نعلين من ذهب . هذا الافتراء على رب العزة يهدف رفع مكانة ابن حنبل فوق رب العزة والترويج لمذهبهم فى رفض القول بخلق القرآن .  وفى روايات أخرى لنفس المنام يزعمون أن الله جل وعلا قال لابن حنبل ( أبحتك النظر الى وجهى )أو قوله: ( وأباحنى النظر الى وجهه ) وهذا فى الاستدلال على مذهبهم فى رؤية الله جل وعلا . وهنا يصنعون الاها خاصا بهم يستخدمونه فى الدعاية لمذهبهم وفى رفع مكانة ابن حنبل .

وفى رواية لمنام طويل يزعم صاحبه أن الله جل وعلا يحاسبه ويسأله : ماتقول فى القرآن ، فيقول : كلامك يارب العالمين فيقول من أخبرك فيقول أحمد بن حنبل ، فيُدعى ابن حنبل ويسأله الله فيقول انه روى ذلك عن فلان الراوى، فيدعى فلان الراوى الى ان يصل الأمر الى النبى ،فيقول انه عرفه من جبريل .ثم يقول جبريل صدق وصدقوا . والمنام يقول ما لا خلاف عليه بين المعتزلة والحنابلة وهو ان القرآن كلام الله، ويتجاهل أصل الخلاف : هل هو صفة من صفات الله جل وعلا أم أنه القرآن الذى جعله الله جل وعلا ذكرا محدثا وقرآنا عربيا منطوقا بلسان العرب .

3 ـ وهناك منامات تهاجم خصوم ابن حنبل وترفع مكانة ابن حنبل ، يزعم أحدهم ( أنه رأى كأنأحمد بن حنبل في حلقة بالمسجد الجامع، وأحمد بن أبي داؤد في حلقة أخرى، وكأن رسولالله صلى الله عليه وسلم واقف بين الحلقتين وهو يتلو هذه الآية‏:‏ (  فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ) (89)‏ ويشير إلى حلقة ابن أبي داؤد ( فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ )  ويشير إلى أحمد بن حنبل وأصحابه‏.‏) . وتمام الآية الكريمة تشير الى الأنبياء السابقين ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) الانعام ) فأخرجها الحنابلة عن السياق ليرفعوا مكانة ابن حنبل وليتهموا المعتزلة بالكفر ـ وليضعوا هذا على لسان النبى ، يستخدمونه كالعادة فى الدعوة لمذهبهم وفى الدفاع عن ابن حنبل ، أى يرفعون ابن حنبل فوق مقام النبى عليه السلام . وهذا تأليه لابن حنبل .

ومنام عن يوم القيامة وابن حنبل يتقدم الناس ( وهو بالحُسن ما الله به عليم ).ومنام عن احمد بن حنبل ومكتوب على (قفاه ) : (فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) والآية الكريمة تخاطب خاتم النبيين فى سياق الحديث عن الكفار من أهل الكتاب : ( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) البقرة ). ومنام آخر يجعلون فيه النبى يلعن خصوم ابن حنبل ، ويرسل التحية لابن حنبل . وفى منام لأحدهم يزعم فيه أن النبى أتى لباب بيته فأخذ بعضادتى الباب وأذّن وأقام الصلاة وقال : (  نجا الناجون وهلك الهالكون . فقلت : يارسول الله ، من الناجون ؟ قال : احمد بن حنبل وأصحابه.! )

وفى منام آخر طويل يجعلون النبى يلعن ( القدرية ) وهم القائلون بحرية الانسان ومسئوليته عن عمله وأن الله جل وعلا لا يريد الظلم ، وأن الظلم ليس قدرا الاهيا وليس فعلا الاهيا حتميا بل هو فعل بشرى يرتكبه الظالمون ويجب مقاومته . المنام يحاول تأكيد حديث مصنوع فى لعن القدرية الذين وقفوا ضد الاستبداد والكهنوت وتعرضوا لاضطهاد الآمويين والعباسيين . وقد أطلقوا عليهم وصف ( القدرية ) لقولهم ( لا قدر ، وإنما الأمر أنف ) أى ليس الظلم قدرا الاهيا لا فكاك منه ولكنه يجرى بالقهر برغم أنوف الناس ، فإذا هب الناس لمقاومته زال . . يقول صاحب المنام ( ..قلت : يا رسول الله حديث أبى الزبير عن عبد الله بن عمرو إنك قلت : يكون فى أُمّتى قذف ومسخ . قال : نعم ، وذلك فى القدرية . قلت : يا رسول الله لمن تقلد هذا الدين؟ قال : لهذا الرجل .. فإذا رجل مستلق على قفاه ، وقد مُدّ عليه ثوب أبيض ، فكشفت عن وجهه فإذا رجل جيد الجثة عظيم اللحية أحمر الخدين . فلم أعرفه . فقلت : يا رسول الله من هذا الرجل ؟ قال : أما تعرفه ؟ قلت : لا . قال : هذا أبو عبد الله أحمد بن حنبل ) .! هنا لعن للقدرية المفكرين المسلمين الأحرار وتقليد لابن حنبل بقيادة الدين ( الحنبلى الملاكى ).

4 ـ أما المنامات التى تزكّى ابن حنبل وتقدّسه فهى كثيرة ..وحقيرة .!..ولكثرتها ولحقارتها فإننا نكتفى بالاشارة لبعضها كى لا يضيق الصدر . على سبيل المثال منام عن نزول ملك من السماء ومعه سبعة تيحان ، فأول من توّجه من الدنيا احمد بن حنبل . ويستخدمون النبى فى منام يزعمون أنه قال لابن حنبل ( إذهب فأنت أمير القوم .!) وأنه قال للناس:( إتبعوه فهذا أميركم ، فاسمعوا له وأطيعوا ). أى بدلا من طاعة الله جل وعلا ورسوله الكريم فقد جعلوا الرسول نفسه يدعوهم لطاعة ابن حنبل .! . وفى منام آخر يزعم أحدهم أنه رأى النبى يمشى فى طريق وهو آخذ بيد أحمد بن حنبل وهما يمشيان بتؤدة ورفق ، وأنه حاول اللحاق بهما فلم يستطع . ثم راى فى الليلة التالية مناما مكملا ( أى منام كفيلم سينمائى عرض مستمر ) وفيه الناس مجتمعون لصلاة جامعة والمنادى ينادى على ابن حنبل ليؤم الناس فى الصلاة ، ويأتى ابن حنبل فيصلى بهم . وتكرر هذا المنام مرة أخرى بصيغة محتلفة . وفى منام رؤى بعضهم بعد وفاته فى منام فقال  إنه إنتفع بالسّنة ، وسئل عن ابن حنبل فقال : ( حالت بيننا وبينه الحُجُب .! ) ، إرتقى الى مكانة الالوهية فوق البشر بحيث حالت الحُجُب بينه وبين البشر .

ويهبط الحنابلة الى أحطّ درجات الكفر حين يزعمون أن الله جل وعلا يقول فى منام لأحدهم ( هذا أحمد بن حنبل يرد الأمة عن الضلالة...إتّبعه وإلا هلكت ) ومنام آخر للحسن الصواف يزعم : ( رأيت رب العزة فى المنام فقال لى : يا حسن من خالف ابن حنبل عُذّب ). وبالتالى فهناك سبعة منامات متفرقة جاءت بصيغ مختلفة وأسانيد مختلفة تزعم أن النبى أوصى بالاقتداء بابن حنبل والأخذ بقوله .  ومنام آخر يزعم أن الناس ستتبع فى النهاية مذهب ابن حنبل .(مناقب 434 ، 436 ـ ، 442 ـ ، 453 ، 464 ، 466 ، 467 ، 468 ، 474 ، 476  ، 445 : 451 ــ ، 465 ــ ، 470 ــ ، 493 ، 496 )

ومن الطريف أن الصوفية كانوا يحكون منامات يزعمون فيها لقاء ابليس والحديث معه ، وقد حكى ابن الجوزى فى ( المنتظم ) رواية مماثلة يرويها عن عبد الله بن أحمد بن حنبل : ( سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل قال‏:‏ لما حضرت أبي الوفاة جلست عندهوبيدي الخرقة لأشد بها لحيته فجعل يغرق ثم يفيق ثم يفتح عينيه ويقرأ بيده هكذا لابعد لا بعد ففعل هذا مرة وثانية فلما كان في الثالثة قلت له‏:‏ يا أبه‏!‏ أي شيءهذا قد لهجت به في هذا الوقت تغرق حتى نقول‏:‏ قد قضيت ثم تعود فتقول‏:‏ لا بعدفقال لي‏:‏ يا بني‏!‏ ما تدري ؟ قلت‏:‏ لا قال‏:‏ إبليس لعنه الله قائم حذائي عاض علىأنامله يقول‏:‏ يا أحمد فتني‏!‏ فأقول له‏:‏ لا بعد حتى أموت ‏.‏ ) ( المنتظم وفيات 241 ، ج 11 .)

رابعا : آلهة الصوفية مع ابن حنبل

1 ـ قام ابن الجوزى بالمزايدة على الصوفية ، فإذا كانوا يدعون الناس للتبرّك بأوليائهم فإن ابن الجوزى يزعم أن هؤلاء الأولياء المقدسين أنفسهم يذهبون لرؤية أحمد بن حنبل والتبرك به . لذا أفرد أبوابا فى كتاب المناقب لهذا الموضوع : ( باب 17 ثناء الغرباء والأولياء عليه ، باب 18 تبرك الأولياء به وزيارتهم له ( المناقب  143 : 149)

2 ـ وفى عصر ابن الجوزى لم تكن المملكة الوهمية للآلهة الصوفية قد إكتملت . فقد تم إكتمالها فى كتابات المتصوفة فى العصر المملوكى بعد ابن الجوزى بثلاثة قرون . وضمت آلهة بزعمهم تتحكم فى العالم على راسهم قطب الأقطاب أوالقطب الغوث من بين الأقطاب الأربعة والأبدال والأوتاد وأصحاب النوبة والقائمين بالحملات الذين يحملون اوجاع الناس . بالاضافة الى كائنات نصف الاهية خالدة لا تموت يزعمون لقاءها ورؤيتها ثم تختفى مثل الخضر والياس . دارت حول هذه المملكة الوهمية و( جبل قاف ) و( إسم الله الأعظم ) معظم كرامات وخرافات التصوف فى مرحلة إكتماله وسيطرته فى العصر المملوكى ، خصوصا فى كتابات عبد الوهاب الشعرانى الصوفى المصرى الذى عاصر نهاية العصر المملوكى وعقودا من العصر العثمانى . فى عصر ابن الجوزى فى القرن السادس الهجرى لم تكن قد إكتملت تلك المملكة الصوفية ، وقد إقتصرت على القول بالأبدال والأوتاد والخضر والياس . وقد تردد ذكرهم فى كتابات الغزالى فى الاحياء ، كما ذكر البخارى الخضر فى أحاديثه . وهو لا علاقة له مطلقا بالنبى العبد الصالح المذكور فى قصة موسى فى سورة الكهف .

3 ـ  وفى موضوعنا عن تقديس وتأليه ابن حنبل على الطريقة الصوفية التى انتشرت بين العوام فى عصر ابن الجوزى نرى ابن الجوزى يجعل الخضر عنصرا فى تلك المنامات التى يعيد صياغتها فى تزكية ابن حنبل والهجوم على خصومه . ومنه منام تكرر خمس مرات، ويزعم الراوى فى واحد منها ان صاحبه من ( الأبدال ) وأنه رأى الخضر فسأله عن ابن حنبل فقال ( إنه صدّيق ). أما الياس فقد زعم بعضهم أنه قابله وقد غرقت سفينته بين بحرى الهند والصين فقام الياس بانقاذه من الغرق مقابل أن يبلغ سلامه الى أحمد بن حنبل وكان مع الياس الملك الموكل بجزائر البحر . وهى بالقطع خرافة تستوى العوام ، وتجعلهم يهيمون حُبا فى ابن حنبل . ( الياس ( مناقب 143 ) الخضر( باب 16 ثناء الخضر عليه )،  ( مناقب 144 ـ  473 ـ ، 478 ـ ) .

خامسا : كرامات ابن حنبل الصوفية

منها أنه أصدر قرارا للنمل من دخول بيته فإمتنع النمل من دخول بيته !. وسال الدم من منخرى حفيده فأصدر قرارا آخر فانقطع الدم من منخار حفيده .! ووضعوا القلم الذى كان يكتب به فى نخلة عقيم فحملت النخلة .! ( ونشكرهم أنهم توقفوا عند استعمال قلمه على النخل فقط .! كانت بقت مصيبة .!) . واستغاثت به عجوز مقعدة مشلولة فقامت تمشى .وإشتكى آخر وكان يئن من الألم فشفاه ابن حنبل . ولم يبق إلّا أن يفتتح عيادة طبية . وأخمد حريقا هائلا  شبّ فى دار صالح بن احمد بن حنبل فأتى عليها كلها  سوى ثوب كان لابن حنبل كان ابنه يتبرك بالصلاة فيه . وأخمد حريقا أتى على دار قاضى القضاة إلا كتابا كان فيه شىء بخط ابن حنبل ، يعنى كان يعمل أيضا فى المطافىء فى أوقات الفراغ ويجعل الحريق يأتى على كل شىء ما عدا ما يخصّه.  ويزعم ابن الجوزى أنه غرقت بغداد كلها فى عام 554 فغرقت داره وكتبه ما عدا مجلد فيه ورقتان بخط ابن حنبل .!. ( مناقب 295 ، 296 ، 297 ، 434 ).

سادسا : بعد ابن الجوزى :

نقل المؤرخ الحنبلى ابن كثير بعض هذه الخرافات عن ابن الجوزى والبيهقى فى ( البداية والنهاية ) فى ترجمته لابن حنبل . وننقل منه بعضها :تحت عنوان : ( ذكر ما رئي له من المنامات ):يقول ابن كثير : ( وقد صح في الحديث لم يبق من النبوة إلا المبشرات‏.‏وفي رواية‏:‏ إلا الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له‏.‏) أى يؤمن إبن كثير بهذه المنامات الخرافية ، ويجعل الايمان بها قرينا للإيمان بالنبوة طبقا لهذا الحديث الفاجر الذى صنعه الحنابلة . ويروى ابن كثير ما صاغه الحنابلة فى تأليه ابن حنبل من منامات . يقول : ( وروى البيهقي، عن الحاكم، سمعت علي بن حمشاد، سمعت جعفر بن محمد بنالحسين، سمعت سلمة بن شبيب، يقول‏:‏ كنا عند أحمد بن حنبل وجاءه شيخ ومعه عكازةفسلم وجلس فقال‏:‏ من منكم أحمد بن حنبل ‏؟‏فقال أحمد‏:‏ أنا ما حاجتك ‏؟‏ فقال‏:‏ ضربت إليك من أربعمائة فرسخ أريت الخضر في المنام فقاللي‏:‏ سر إلى أحمد بن حنبل وسل عنه وقل له‏:‏ إنَّ ساكن العرش والملائكة راضون بماصبرت نفسك لله عز وجل‏.‏) ( وعن أبي عبد الله محمد بن خزيمة الإسكندراني، قال‏:‏ لما مات أحمدبن حنبل اغتممت غماً شديداً فرأيته في المنام وهو يتبختر في مشيته فقلت له‏:‏ ياأبا عبد الله ‏!‏ أي مشية هذه ‏؟‏فقال‏:‏ مشية الخدام في دار السلام‏.‏فقلت‏:‏ ما فعل الله بك ‏؟‏فقال‏:‏ أغفر لي وتوجني وألبسني نعلين من ذهب، وقال لي‏:‏ يا أحمد‏!‏ هذا بقولك القرآن كلامي، ثم قال لي‏:‏ يا أحمد ‏!‏ ادعني بتلك الدعوات التيبلغتك عن سفيان الثوري، وكنت تدعو بهن في دار الدنيا، فقلت‏:‏ يا رب كل شيء بقدرتكعلى كل شيء اغفر لي كل شيء، حتى لا تسألني عن شيء‏.‏فقال لي‏:‏ يا أحمد ‏!‏ هذه الجنة قم فادخلها‏.‏فدخلت فإذا أنا بسفيان الثوري وله جناحان أخضران يطير بهما من نخلةإلى نخلة، ومن شجرة إلى شجرة وهو يقول‏:‏ ‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِالَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِحَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 74‏]‏‏.‏قال فقلت له‏:‏ ما فعل بشر الحافي ‏؟‏فقال‏:‏ بخ بخ، ومن مثل بشر‏؟‏ تركته بين يدي الجليل وبين يديهمائدة من الطعام والجليل مقبل عليه وهو يقول‏:‏ كل يا من لم يأكل، واشرب يا من لميشرب، وانعم يا من لم ينعم‏.‏ أو كما قال‏.‏) ( وقال أبو محمد بن أبي حاتم‏:‏ عن محمد بن مسلم بن وارة، قال‏:‏ لمامات أبو زرعة رأيته في المنام فقلت له‏:‏ ما فعل الله بك ‏؟‏فقال‏:‏ قال الجبار‏:‏ ألحقوه بأبي عبد الله، وأبي عبد الله، وأبيعبد الله، مالك والشافعي وأحمد بن حنبل‏.‏) ( وقال أحمد بن خرّزاد الأنطاكي‏:‏ رأيت في المنام كأن القيامة قدقامت، وقد برز الرب جل جلاله، لفصل القضاء، وكأن منادياً ينادي من تحت العرش‏:‏أدخلوا أبا عبد الله، وأبا عبد الله، وأبا عبد الله الجنة‏.‏قال‏:‏ فقلت لملك إلى جنبي‏:‏ من هؤلاء ‏؟‏فقال‏:‏ مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل‏.‏) ( وروى أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن أيوب المقدسي قال‏:‏ رأيترسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم وهو نائم وعليه ثوب مغطى به وأحمد بن حنبلويحيى بن معين يذبان عنه‏.‏) ( وقد تقدم في ترجمة أحمد بن أبي دؤاد، عن يحيى الجلاء أنه رأى كأنأحمد بن حنبل في حلقة بالمسجد الجامع، وأحمد بن أبي داؤد في حلقة أخرى، وكأن رسولالله صلى الله عليه وسلم واقف بين الحلقتين وهو يتلو هذه الآية‏:‏ ‏{‏فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَاهَؤُلَاءِ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 89‏]‏ ويشير إلى حلقة ابن أبي داؤد ‏{‏فَقَدْ وَكَّلْنَابِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 89‏]‏ويشير إلى أحمد بن حنبل وأصحابه‏.‏).

السطر الأخير

أتمنى لو أنتجت أعمالا درامية عن الحنابلة والوهابية ..ولكن ما باليد حيلة .. 

آه يا زمن ..!!

الباب الخامس : وسائل تطبيق الشريعة الحنبلية

الباب الخامس : وسائل تطبيق الشريعة الحنبلية                                                                                                                                     

الفصل الأول : إفتراء حديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره )  

أولا : الجذور التاريخية لحديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره )

1 ـ تحدثنا سابقا عن موقعة دير الجماجم عام 83 ، حين إستدار جيش الحجاج ليحارب الحجاج ، وذلك بتأثير الفقهاء الثوار على قائد جيش الحجاج وهو عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث . يهمنا فى هذه المعركة أن احد زعماء الفقهاء وهو عبد الرحمن ابن ابي ليلى المعروف بتشيعة خطب فى الجيش يحرّض على قتال الحجاج قائلا :  ( يا معشر القراء ، ان الفرار ليس بأحد من الناس اقبح منه بكم ،اني سمعت عليا ابن ابي طالب يقول يوم لقينا اهل الشام في صفين :انه من رأي عدوانا يُعمل به ومنكرا يُدعي اليه فانكره بقلبه فقد سلم وبرىء، ومن انكره بلسانه فقد نال اجره وهو افضل من صاحبه ،ومن انكره بالسيف فذلك الذي اصاب سبيل الهدي ) .وهذا القول الذي نسبه الفقيه الثائر ابن ابي ليلة لعلي هو الأصل الذي نبع منه فيما بعد حديث ( من رأي منكم منكرا فليغيره بيده ،فان لم يستطع ،فبلسانه ،فان لم يستطع فبقلبه ،وهذا اضعف الايمان ) ، وقد نسبه الحنابلة في العصر العباسي الثانى للنبي ، بعد ان صاغه الفقيه الثائر ابن ابي ليلة في موقعة دير الجماجم سنة 83 هـ ونسبه في صيغته الاولي لعلي ابن ابي طالب . ولو كان للنبي حديث يقول (من رأي منكم منكرا) لاستشهد به علي ابن ابي طالب . هذا علي فرض ان عليا  قال فعلا يوم صفين ذلك الحديث الذي رواه عنه الفقيه الثائر ابن ابي ليلة. بل ان البحث في الاقوال المنسوبة الي (علي ) يؤكد انه لم يقل هذ الكلام ، فلم يرد في اقواله التي جمعها الشيعة أوالتي نسبها اليه السنة او ما قيل اثناء موقعة صفين ،بل ان صياغة ذلك القول المنسوب ضمن اقوال اخري نسبها الفقيه الثائر لعلي ابن ابي طالب تنطبق علي مظالم الحجاج ، وتدل علي ان الفقيه الثائر هو الذي اخترع هذا الكلام ونسبه الي علي ليحمّس الثوار .

2 ـ ثم تمّ فى عصر المتوكل العباسى إختراع حديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك اضعف الايمان ) ، وقد إستلهم واضع الحديث ذلك القول الذى نسبه الفقيه الثائر ابن أبى ليلى فى التحريض ضد الحجاج فى موقعة دير الجماجم .

ثانيا : ظروف إختراع حديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره )

1 ـ تعرضنا فيما سبق للخليفة المتوكل العباسى كأول خليفة حنبلى . وأنه هو الذى نشر الحنبلية بين العوام ضمن حملاته ضد المعتزلة والشيعة وأهل الكتاب ، بما ترتب عليه دخول الكثيرين من أهل الكتاب الى الاسلام خوفا ، وهم طبعا لم يعرفوا عن الاسلام إلا تلك الصورة الحنبلية . لقد أرسل هذا الخليفة أعيان أهل الحديث لنشر ما أسماه بالسُّنة فى الآفاق . وقلنا أن (أهل الحديث ) هم (الحنابلة ) سواء من كان منهم إستاذا وشيخا لابن حنبل أو جاء بعده . فنحن هنا نتحدث عن ( حركة دينية ايدلوجية سياسية ) لها قادة يصنعون لها الأحاديث ، ولها مئات الألوف من الناشطين وأضعاف عددهم من المناصرين من العوام الذين سيطروا على الشارع العباسى متشجعين بأساطير الشفاعة وبحديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره ) .

2 ـ يقول ابن الجوزى فى المنتظم فى احداث عام 234 : ( وفي هذه السنة‏ أظهر المتوكل السنة ونشر الحديث ..وفيها‏:‏ أشخص المتوكل الفقهاء والمحدثين. وكان فيهم مصعب الزبيري وإسحاق بن أبي إسرائيل وإبراهيم بن عبد الله الهروي وعبد الله وعثمان ابنا محمد بن أبي شيبة وكانا من حفاظ الناس ، فقسمت بينهم الجوائز وأجريت عليهم الأرزاق، وأمرهم المتوكل أن يجلسوا للناس،وأن يحدثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية وأن يحدثوا بالأحاديث في الرؤية ، ( أى رؤية الله فى يوم القيامة خلافا لرأى المعتزلة ) . وجلس أبو بكر بن أبي شيبة فى مجلس الرصافة فاجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفا .)  ‏.‏ وجلس أبو بكر بن أبي شيبة فى مجلس الرصافة فاجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفا .) ويقول ابن الجوزى أيضا : وجلس أبو بكر بن أبي شيبة فى مجلس الرصافة فاجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفا .) . نرى هنا قادة أهل الحديث المتخصصين فى صناعة وترويج الأحاديث وقد بعثهم المتوكل فى مهمة رسمية  الى الآفاق يعقدون مؤتمرات جماهيرية يحضرها العوام ينقلون ويكتبون ما يملونه عليهم هؤلاء من أحاديث صنعوها . ومن الطبيعى أن يصنعوا أحاديث تصب فى مصلحتهم السياسية وتُتيح لهم السيطرة على الشارع والتحكم فيه باعتبارهم ( الميليشيات ) التى تعمل لصالح الخليفة المتوكل ومن جاء بعده ، خصوصا وأن تعصب الخليفة المتوكل ضد العرب والفرس جعله محتاجا الى ظهير شعبى ، فجرى تحويل العوام الى أهل الحديث ليكونوا هذا الظهير الشعبى لصالح الخلافة العباسية . وبهذا تحوّل الكهنوت السّنى السابق من مجرد مطية يركبها الخليفة العباسى الى مشارك فى الحكم جزئيا بسيطرة الحنابلة على الشارع ، وكان لا بد من صبغ هذا بصبغة دينية فتم إختراع وترويج حديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره ) ليتيح لكل حنبلى صاحب نفوذ أن ( يغيّر ) كل ما يعتبره ( منكرا ) من وجهة نظره ، وأن يتم هذا التغيير بكل وسيلة مُتاحة بالسيف واليد ، وباللسان وبالقلب والوجدان ، حتى يضم الجميع للمشاركة فى التغيير والتعاون على الإثم والعدوان .

3 ـ ويقول ابن الجوزى فى الخبر السابق ( .. وجلس أبو بكر بن أبي شيبة فى مجلس الرصافة فاجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفا .) وجلس أيضا أخوه عثمان (وجلس أبو بكر بن أبي شيبة فى مجلس الرصافة فاجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفا .) .ويقول أيضا : (وجلس أبو بكر بن أبي شيبة فى مجلس الرصافة فاجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفا .). أى كان أبو بكر بن أبى شيبة من أعيان المبعوثين رسميا لنشر الأحاديث ، وحين يفترى أبن أبى شيبة حديثا لا يسأله أحد برهانا عن إسناد الحديث أو عن مضمون الحديث ، فالعادة هى التلقين والسّماع والتهليل والتكبير والتسجيل والتدوين والحفظ كالببغاوات ، لأن من يسمعونه هو ( دين ) على حدّ قول ( مسلم ) فى مقدمة ( صحيح مسلم ) . وبالتالى فأولئك الناس هم أصحاب هذا الدين وهم صانعوه وهم واضعوه . وهم يصنعونه بما يحقق مصلحتهم ومصلحة من يتعاون معهم ويتحالف معهم .

4 ـ لذا ليس مفاجأة أن يكون أبو بكر بن أبى شيبة هم الراوى الأصلى لحديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره ..) حسبما جاء فى صحيح مسلم . وحتى لا يصل التغيير الى المساس بالخلافة ويظل محصورا فى الشارع فإن ( مسلم ) وغيره يروون أحاديث تحثُّ علي طاعة ولي الامر مهما كانوا يفعلون طالما يقيمون الصلاة .

ثالثا رؤية نقدية فى رواية حديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره )  

1 ـ روي ( مسلم) هذا الحديث عن شيخه أبى بكر ابن ابي شيبة بهذا النص :(حدثنا ابو بكر ابن ابي شيبة حدثنا وكيع عن سفيان ،حدثنا محمد بن المثني حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عن شعبة ،كلاهما عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال :اول من بدأ الخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان فقام اليه رجل فقال الصلاة قبل الخطبة فقال :قد ترك ماهنالك، فقال ابوسعيد :اما هذا فقد قضي ما عليه ،سمعت رسول الله -ص- يقول من رأي منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الايمان .) ومتن الحديث يحكي قصة اعتراض علي مروان ابن الحكم حين بدأ الخطبة قبل صلاة العيد ، وقد احتج عليه رجل لأنّه غيّر في طريقة الصلاة للعيد ورد عليه ابو سعيد الخدري بحديث (من رأي منكم منكرا) .

2 ـ ( الامام مسلم ) هو ابو الحسين مسلم بن الحجاج  بن ورد بن كوشاذ القشيري النيسابوري (جده الأكبر فارسى وهو ( ورد بن كوشاذ ) ولكن له ولاء لقبيلة (قشير ) على عادة الموالى فى العصر العباسى ، وهو من نيسابور.  ( مولود عام 206 وتوفى عام261 ). أى كالعادة فمعظم أهل الحديث من الفُرس ، ولكن لهم (ولاء ) بإحدى القبائل العربية يسرى هذا على (إبن بردزويه ) البخارى المولود فى بخارى عام 194 وهو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن برزويه الجعفي . أسلم جده ( بردزويه ) على يد اليمان الجعفى فاكتسب ولاءه منه على العادة وقتئذ . فأصبح ( جعفى الولاء ) .

3 ـ يروى مسلم ( المولود عام 206 )هذا الحديث عن الراوى الأصلى وهو (أبو بكر بن شيبة ) . وقد توفي أبو بكر بن أبي شيبة يوم الخميس 8 محرم عام 235 . أى حين مات أبو بكر بن أبى شيبة كان ( مسلم ) فى التسعة والعشرين من عمره يسمع ويروى عن شيخه أبى بكر بن أبى شيبة .  وهذا معقول ومقبول. ولكن إستسهال الكذب يجعل ( مسلم ) يضيف إثنين من الرواة يزعم أنهما حدثاه بنفس الحديث ، وهما ( وكيع ) و( محمد بن جعفر ). وليس هذا معقولا ولا مقبولا ، لأن ( وكيع ) مات عام 197 ، أى مات قبل ولادة (مسلم ) بتسع سنوات، بينما مات (محمد بن جعفر)عام 193، قبل ولادة (مسلم ) بثلاثة عشر عاما.!

4 ـ لا ننتظر من عوام الحنابلة نقد السّند والعنعنة لحديث ( من رأى منكم ) فيكفى أنه يخاطب كل فرد من العوام خطابا مباشرا ويكلفه رسميا وشرعيا بالاستطالة على الناس والتخكم فى حياتهم ، أى يعطيه نفوذا شرعيا ، بينما تعطيه أساطير الشفاعة حصانة من النار وتمتعا بالجنة مهما إقترف من فواحش ومظالم . أى إن هذا الحديث قد تمت صياغته بمهارة لتجييش وتجنيد وتحفيز العوام والرعاع لإزالة ما يعتبرونه منكرا. وهذا ما فعلوه مع فى ضريح الحسين في كربلاء في العراق في خلافة المتوكل علي الله ،وظلوا بعد عهد المتوكل وحتي القرن السادس يسيطرون علي الشارع بهذا الحديث، يتدخلون في كل شئ يقدرون عليه كأنما  اختارهم الرحمن اوصياء علي الاخرين.

5 ـ ومن هنا ارتبط ( الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ) فى أذهان المحمديين باستطالة بعض القائمين بهذه الوظيفة على الناس ، وتدخلهم فى حرية الناس الدينية والشخصية فى تناقض مع دين الله جل وعلا . وليس هذا هو التناقض الوحيد ،بل هناك تناقض آخر مضحك ، فأحيانا يطلقون على هذه الوظيفة ( حسبة ) يقوم بها ( محتسب )، وحينا يقال عنهم ( مطوعة ) من التطوّع ، مع إنها ليست من التطوع والاحتساب فى شىء ، لأنها وظيفة سلطوية بأجر فى النظم التى تطبقها . بل تنفرد هذه الوظيفة بأنها تشمل سلطة الشرطة فى التحرى والاعتقال ، وسلطة القاضى فى إصدار العقوبة ، وسلطة الجلّاد فى تنفيذ الحكم . وكان تلك سلطة (المحتسب) فى العصر المملوكى ، وأعادها الوهابيون السعوديون فى عصرنا.

رابعا : رؤية نقدية قرآنية لحديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره )

ونعطى لمحة سريعة عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى الاسلام.

1 ـ وعجيب أن يتم هذا باسم الاسلام وهو دين الحرية المطلقة فى الدين عقيدة وعبادة ودعوة . ولكن من بدّلوا دين الله إستغلوا لفظ ( الأمر ) وأخذوه على أنه سلطة أمر ونهى واستعلاء واستطالة على الناس . ونسوا أن ( الأمر ) الالهى نوعان : أمر الاهى حتمى لا مردّ له ، وهو الأمر بالخلق ، لإنه إذا أراد الله جل وعلا شيئا قال له كن فيكون ، وهذا لا شأن لنا به ،بل هو يسرى علينا فى الحتميات من ميلاد وموت ورزق ومصائب . ثم هناك أمر الاهى بالتشريع ، وليس فيه إلزام الاهى للبشر ، بل هو إختبار لهم ، إن أطاعوه والتزموا به دخلوا الجنة وإن عصوه وأنكروه دخلوا النار . ويدخل ضمن الأوامر التشريعية كل العقائد والعبادات والحلال والحرام فى الاسلام ، كما يدخل فيها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الذى يتناوله ويتداوله الناس فيما بينهم.

2 ـ إن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أصيل فى دين الله جل وعلا قبل نزول القرآن : فالمؤمنون من أهل الكتاب جاء فى وصفهم :(يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ )(آل عمران 114  ). والعصاة من أهل الكتاب هم من فرّط فى تحقيق هذه الفضيلة بسبب فساد قياداتهم الدينية : (وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَوْلا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ )(المائدة 62:63).وقبل نزول القرآن تحدث رب العزة لموسى عن الرسالة الخاتمة ورسولها وأتباعه فقال:( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ ..)  ( الاعراف 157).وقصّ رب العزة مصير الذين اعتدوا فى السبت ، وكيف نجا الذين نهوا عن المنكر فقط بينما عوقب العصاة والساكتون عن وعظهم : (  وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًاشَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ) ( الاعراف 163 : 165 ).

3 ـ ثم حذّر رب العزة الصحابة فى بداية إقامتهم فى المدينة من هذا المصير من السلبية وترك فضيلة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فقال لهم : (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )(الأنفال 25).وأكّد رب العزة صفات المفلحين المؤمنين المبشرين بالجنة:( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ )(التوبة 112 )،أى من صفاتهم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ضمن فضائل أخرى . ولهذا فليست  الأفضلية للمؤمنين مطلقة ، بل هى مرتبطة بفضيلة الايمان والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر:( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) ( آل عمران 110).

4ـ ولكن تحديد المعروف يأتى مرتبطا بالعدل والاحسان وإقامة الصلاة ، كما يأتى المنكر مرتبطا بالبغى والظلم والفحشاء ووحى الشيطان . يقول جل وعلا فى إيجاز (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(النحل 90 ) . فالأمر بالمعروف يعنى المتعارف عليه من العدل والاحسان ، والمنكر المنهى عنه هو المتعارف على إنكاره مثل البغى والظلم والفواحش.والعدل هو المعاملة بالمثل : (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ) ، أما الاحسان فهو فوق العدل، أى الصفح والغفران والعطاء : ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) َ، والله جل وعلا يأمر بالعدل والاحسان :(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ )( الشورى 40).  والمعروف مرتبط بإقامة الصلاة:(يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ)( لقمان 17 ). وإقامة الصلاة لا يعنى مجرد تأدية الصلوات الخمس ، بل الخشوع أثناء الصلاة والمحافظة عليها بين أوقات تأديتها بالابتعاد عن المعاصى والتمسك بحسن الخلق، ولهذا فليس كل المؤمنين مفلحين ، فالمفلحون من المؤمنين هم من جاء وصفهم بالمحافظة على الصلاة والخشوع فيها فى قوله جل وعلا : ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (المؤمنون 1 ـ 11 ) . وكما إن إقامة الصلاة تجعل المؤمن ملتزما بالمعروف ، فهى أيضا تنهاه عن المنكر:( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ ) ( العنكبوت 45 ). وكذلك إيتاء الزكاة ، فليست مجرد إعطاء الصدقة ولكن تزكية النفس ورقيها بالقيم العليا والأخلاق الحميدة .

والمنكر يأتى مرتبطا بالشيطان ، ووحيه وأحاديثه ، ومن يتبعها  فهو متبع للفحشاء والمنكر ، مدمنا للظلم والفساد والاستبداد والاستعباد و البغى والعدوان ، يقول جل وعلا يعظ المؤمنين حتى يتزكّوا بالقيم الاسلامية العليا من العدل والاحسان والعطاء : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ) ( النور 21 ). لذا كان قوم لوط من ضحايا الشيطان حين أدمنوا الشذوذ الجنسى ، فقال لهم لوط عليه السلام : ( أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ )(العنكبوت 29) .

5 ـ ـ تطبيق فضيلة الأمر بالمعروف له ضوابطه ، وهى  : التمكين والسيطرة حتى لا يقع المؤمنون دعاة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ضحية الاضطهاد : (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ )( الحج 41). وعدم الاكراه فى الدين ، فلا يعنى التمكين الارغام والفرض والاكراه فى الدين ، بمعنى إن الذى يصمم على المنكر نتركه ولا نرغمه لأن لله جل وعلا عاقبة الأمور ، واليه جلّ وعلا مرجعنا يوم القيامة ـ فعلينا التمسك بالهداية والانتظار الى أن يحكم علينا جميعا ربنا يوم القيامة فيخبرنا بمن هو على الصواب ومن هو على الضلال:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ )( المائدة 105).هذا ينفى إزالة للمنكر باليد بل هو مجرد نصح بالقول فقط ، فاذا اصر الشخص علي رأيه فهذا شأنه طالما ان الضرر لا يمتد الي الغير ، فان امتد ضرره الي الغير اصبح جانيا مستحقا للعقوبة المناسبة لذلك الجرم ، وخرج الامر من دائرة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الي دائرة العقوبات المستحقة علي جريمة ارتكبها مجرم ،والعقوبات المنصوص عليها في الاسلام تخص السرقة ،وقطع الطريق ،والقتل ،والزنا ،وسب النساء العفيفات.

6 ـ والسّنة القرآنية التى طبّقها خاتم النبيين تؤكّد هذا.قال له ربه جل وعلا عن اصحابه المؤمنين ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ، أي كن لينا مع اصحابك وهينا ، فماذا يحدث اذا عصاه اتباعه المؤمنون ؟.هل يضربهم ؟هل يحكم بكفرهم ؟ نقول الاية التالية (فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ) ( الشعراء 215:216 ). أي فان عصوه فليس عليه إلا ان يتبرأمن عملهم المنكر.  لم يقل فان عصوك وفعلوا منكرا فعاقبهم وقم بتغيير المنكر بيدك أو بعصاك الكهربائية . بل حتي لم يقل له فان عصوك فتبرأ منهم ، ولكن تبرأ فقط من عملهم المنكر ،وليس منهم ،أى فالتطبيق للامر بالمعروف والنهي عن المنكر هو بالنصيحة القولية فان لم تنفع فالاعراض عن العاصي المؤمن والتبرؤمن عمله فقط ، وليس منه شخصيا.

7 ـ : إن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس وظيفة رسمية او شعبية لطائفة معينة تحتكر لنفسها دون الاخرين رسميا او شعبيا الامر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولكن المجتمع كله يتواصى بالحق ويتواصى بالحق وبالصبر طبقا لما جاء في سورة العصر التي تصف في ايجاز ملامح المجتمع المسلم (وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) . ولذلك فان الله تعالي يهيب بالامة المسلمة كلها ان تأخذ نفسها بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول تعالي (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  ) (آل عمران 104 ).والخطاب السابق لهذه الاية والخطاب التالي بعدها جاء عاما للأمة كلها وليس قصرا علي طائفة من الامة دون الاخرين. ولنقرأ السياق  الذى جاءت فيه تلك الآية الكريمة لنتأكّد من عمومية الأمر لكل أفراد المجتمع : يقول جل وعلا يخاطب عموم المؤمنين : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).والآية الأخيرة هنا تشير الى بنى إسرائيل في بعض عصورهم حين كانوا أمة لا تنهي عن المنكر وتستحق اللعنة علي لسان داود وعيسي ابن مريم : (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوايَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ )(المائدة 78 :79 ) لذا جاء وعظ المؤمنين فى القرآن بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يشير الى تجربة أهل الكتاب الذين تنكب بعضهم فى تطبيق هذه الفضيلة، يقول جل وعلا :(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) .وكل البشر يقعون فى الخطأ ، فليس منتظرا ان يحترف بعضهم النصيحة للباقين ويستنكف ان ينصحه احد ،والا كان ممن ينطبق عليه قوله تعالي لبنى اسرائيل :( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)( البقرة 44). وقالها جل وعلا أيضا للمؤمنين يحذرهم من الاكتفاء بالقول دون عمل للصالحات : (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ) ( الصّف  2 : 3).

النهاية

1 ـ ولنتذكر أنّ الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى الاسلام أمر قولي ونهى قولى باللسان فقط ،فاذا اصر الشخص علي رأيه فهذا شأنه طالما ان الضرر لا يمتد الي الغير ،فان امتد ضرره الي الغير اصبح جانيا مستحقا للعقوبة المناسبة لذلك الجرم وخرج الامر من دائرة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الي دائرة العقوبات المستحقة علي جريمة ارتكبها مجرم ، والعقوبات المنصوص عليها في الاسلام تخص السرقة ،وقطع الطريق ،والقتل ،والزنا ، وسب النساء العفيفات . ويتم تطبيقها على من لم يتُب .

2 ـ وأنّه قد حدث تحوير واضافة الي هذه العقوبات عندما تدخلت السياسة وقام علي اساسها انواع مختلفة من الأديان أرضية بالتزوير والتلفيق والكذب على رب العزّة جل وعلا. ونفس الحال حدث مع قضية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد كان أمرا ونهيا باللسان ثم اعراض عمن لم يلتزم تطبيقا لقوله تعالي (يا ايها الذين آمنوا عليكم انفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم ،الي الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون :المائدة 105)ثم تحول الى سلطة تتسلط على الناس وتتدخل فى حرياتهم ، بل وتقيم ثورات باسم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ،وتحول الي دين بشري توضع له الاحاديث والفتاوي.

3 ـ وأن الحنابلة هم الذين أشاعوا وطبّقوا هذا الافك جنبا الى جنب مع إفك أساطير الشفاعة ليستعلوا على الناس بالإثم والعدوان والبهتان. ولا يزال حديث ( من رأى منكم منكرا ) دستور الارهاب والتطرف حتى الآن ، كما لا تزال أحاديث الشفاعة اساس الدين الأرضى السائد ، بل إن حديث ( من رأى منكم منكرا ) لا يزال يرصّع مادة التربية الدينية فى التعليم المصرى ، ولا يزال مع أساطير الشفاعة جوهر الاعتقاد لدى شيوخ الأزهر الشريف جدا جدا جدا ..

 الفصل الثانى :المنامات                                                                                                            

 استخدم الحنابلة بعد موت ابن حنبل وسيلتهم المحببة وهى المنامات وكانت مجالس القصص والسّماع هى مؤسسات نشر المنامات والمعاهد التى يتخرج فيها العوام والرعاع ليكونوا أكثر جهلا وتعصبا . ونعطى أمثلة عن أغراض صناعة  المنامات من خلال تاريخ المنتظم لابن الجوزى :

أولا : المنامات لتزكية الحنابلة وتبشيرهم بالجنة وتحقير خصومهم 

1 ـ تزكية النفس والغير بدخول الجنة ( قال أبو بكر بن الخاضبة‏:‏ رأيت فـي المنـام كـأن القيامـة قـد قامـت ومنـاد ينـادي‏:‏ ايـن ابـن الخاضبة؟ فقيل لي‏:‏ ادخل الجنـة . فدخلـت فاستلقيـت ، فرفعـت رأسـي، فرأيـت بغلـة مسروجـة ملجومة في يد غلام فقلت‏:‏ لمن هذه؟ فقيل‏:‏ للشريف أبي الحسيـن بـن الغريـق‏.).

2 ـ الحصول على المشيخة بالمنام : جاء فى ترجمة أبى إسحـاق الشيـرازي ت 476‏:‏ أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له‏:‏ ياشيخ . فكان يفتخر بهذا ويقول‏:‏ سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم شيخًا‏.)

3 ـ الرياء ومزاعم الصلاح يعقبها منام يزعم دخول الجنة :( عبيد الله بن محمد بن نافع بن مكرم أبو العباس البستي الزاهد ت 384 .( وكان كثير التعبد بقي سبعين سنة لا يستند إلى حائط ولا إلى غيره ولا يتكئ على وسادة وحج من نيسابور حافيًا راجلًا دخل الشام والرملة وأقام ببيت المقدس أشهرًا ثم خرج إلى مصر وبلاد المغرب ثم حج من المغرب وانصرف إلى بست فتصدق ببقية أملاكه. ) هذه كلها مزاعم زعمها هذا الحنبلى المغربى فى بعداد عن نفسه .وطوفىء على هذا الراء بمنام : ( فلما مات رأى رجل في المنام رجلًا من الموتى فقال له‏:‏ من بالباب فقال‏:‏ ليس على الباب أجل من عبيد الله الزاهد . ورأت امرأة من الزاهدات أمها في المنام قد تزينت ولبست أحسن الثياب فقالت لها: ما السبب في هذا ؟ فقالت‏:‏ لنا عيد . إن عبيد الله الزاهد قدم علينا‏.)

4 ـ إعلان بالغفران وسببه : ( محمد بن علي بن محمد بن عبيد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله أبو الحسين ابن الغريق ت 465    رؤي في المنام فقال‏:‏ غُفر لي بطول تهجدي‏.)

5 ـ هو وأبوه فى الجنة : ابن السوسنجردي ت 402 .  ( وكان ثقة دينًا حسن الاعتقاد شديدًا في السنة واجتاز يومًا في الكرخ فسمع سب بعض الصحابة فجعل على نفسه أن لا يمشي في الكرخ.! ) كوفىء على كراهيته للشيعة بهذا المنام : ( أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ حدثني علي بن الحسين العكبري قال‏:‏ سمعت عبد القادر بن محمد بن يوسف يقول‏:‏ رأيت أبا الحسن الحمامي المقرئ في المنام فقلت‏:‏ ما فعل الله بك قال‏:‏ أنا في الجنة قلت‏:‏ وأبي قال‏:‏ وأبوك معنا فقلت‏:‏ وجدّنا ؟ يعني أبا الحسين السوسنجردي فقال‏:‏ في الحظيرة قلت‏:‏ حظيرة القدس قال‏:‏ نعم. أو كما قال‏.) نلاحظ هنا أن ابن الجوزى تعامل مع المنام بالتقديس مثل تعاملهم مع ( الحديث النبوى) بزعمهم ، فيقول: ( أو كما قال . )

6 ـ فى الفردوس الأعلى ( أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ حدثني علي بن الحسين ابن جداء العكبري قال‏:‏ سمعت عرس الخباز يقول‏:‏ لما دفن عثمان الباقلاوي رأيت في المنام بعض من هو مدفون في جوار قبره فقلت‏:‏ كيف فرحكم بجوارعثمان فقال‏:‏ وإن عثمان لما جيء به سمعنا قائلًا يقول‏:‏ الفردوس الأعلى. أو كما قال‏.)

‏7 ـ حوار صحفى مع منكر ونكير فى القبر فى تقديس أبى بكر وعمر ورفعهما فوق منزلة اله الحنابلة الذى صنعوه من خيالاتهم الشيطانية  : ( نبأنا محمد بن أبي طاهر البزاز عن أبي طالب العشاري أخبرنا هبة الله المقرئ أخبرنا هبة الله بن سلامة المفسر قال‏:‏ كان لنا شيخ نقرأ عليه في باب محول فمات بعض أصحابه. فرآه الشيخ في النوم فقال‏:‏ ما فعل الله بك قال‏:‏ غفر لي قال‏:‏ فما حالك مع منكر ونكير قال‏:‏ يا أستاذ لما أجلساني وقالا من ربك من نبيك؟ ألهمني الله عز وجل أن قلت لهما بحق أبي بكر وعمر دعاني . فقال‏‏ أحدهما للآخر : قد أقسم علينا بعظيم دعه فتركاني وانصرفا‏.). هنا منام حقير يجعل إله الحنابلة ـ ولا نقول رب العزة تعالى عن ذلك علوا كبيرا ـ  يتدخل ليلقّن ( أو يغشّش ) رجلا مجهولا فى اسطورة منكر ونكير فيقسم عليهما بحق أبى بكر وعمر ، فيتركاه !.

8 ـ التأكيد على أن الجنة لأهل السُّنة : (حدثني علي بن الحسين بن جداء العكبري قال‏:‏ رأيت أبا القاسم الطبري في المنام فقلت له‏:‏ ما فعل الله بك قال‏:‏ غفر لي قلت‏:‏ بماذا فكأنه قال كلمة خفية بالسنة‏.)

( ‏الحسيـن بـن أبـي زيـد أبو علي الدباغ،ت 454 وأصله من الصّغد‏.قال : ‏ رأيـت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت‏:‏ يا رسول الله ادع الله أن يحييني على الإسلام فقال‏:‏ إيه والسنة وجمع إبهامه وسبابته وحلق حلقه وقال ثلاث مرات‏:‏ والسنة والسنة والسنة‏"‏‏.)

9 ـ رسالة منامية للشيخ ابن شاذان الهدف منها الحث غلى قراءة الحديث : ( أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال‏:‏ حدثني محمد بن يحيى الكرماني قال‏:‏ كنـا يومـًا بحضـرة أبـي علـي بـن شـاذان فدخـل علينـا شـاب لا يعرفه منا أحد فسلم وقال‏:‏ أيكم أبو علي بن شاذان فأشرنا إليه فقال له‏:‏ أيها الشيخ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي‏:‏ سل عن أبي علي بن شاذان فإذا لقيته فأقرئه السلام. ثم انصـرف الشـاب فبكـى أبـو علـي وقـال‏:‏ مـا أعـرف لي عملًا أستحق به هذا اللهم إلا أن يكون صبري على قراءة الحديث علي وتكرير الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما جاء ذكره . قال‏:‏ ولم يلبث أبو علي بعد ذلك إلا شهرين أو ثلاثة حتى مات‏.)

ثانيا :  تطبيق المنامات : تأسيسا على الايمان بأكاذيب المنامات تم تطبيقها فى نواح شتى . منها :

1 ـ  إعلان الاسلام بالمنامات : أعلن الكاتب المؤرخ هلال بن إبراهيم بن هلال أبو الحسين الكاتب الصابي إسلامه عن طريق منام ( درامى أشبه بأفلام الفنتازيا )، وقد زعمه كى يقيم لنفسه حفل تكريم وفق دين عصره الذى يؤمن بأكاذيب المنامات.يقول عنه بن الجوزى:(كان أبوه المحسن صابئًا (أى من الصابئة ) فأما هو فأسلم متأخرًا ، وكان قد سمع من العلماء في حال كفره لأنه كان يطلب الأدب.)وينقل عنه سبب اسلامه، وهى دراما مثيرة.! : ( قال هلال بن المحسن‏:‏ رأيت في المنام سنة تسع وتسعين وثلثمائة رسول الله صلى الله وعليه وسلـم قد وافى إلى موضع منامي، والزمان شتاء والبرد شديد والماء جامد ، فأقامني ، فارتعدت حين رأيته فقال‏:‏‏‏" لا ترع فأني رسول الله .! " وحملني إلى بالوعة في الدار عليها دورق خزف ، وقال‏:‏ تؤضأ وضوء الصلاة‏. فأدخلت يدي في الدورق فإذا الماء جامد فكسرته، وتناولت من المـاء مـا أمررتـه علـى وجهـي وذراعـي وقدمي.  ووقف في صفّه ، وصلى وجذبني إلى جانبه . وقرأ الحمد وإذا جاء نصر الله والفتح ، وركع وسجد وأنا أفعل مثل فعلـه . وقـام ثانيـًا وقـرأ الحمـد وسورة لم أعرفها ، ثم سلّم ، وأقبل علي وقال‏:‏ "انت رجل عاقل محصل ، والله يريد بك خيرًا. فلم تـدع الإسلام الـذي قامـت عليـه الدلائل والبراهين وتقيم على ما أنت عليه؟ هات يدك وصافحني " فأعطيته يدي فقال‏:‏ "قل: أسلمت وجهي لله وأشهد أن الله الواحد الصمد الذي لم يكن له صاحبة ولا ولد وأنك يا محمد رسوله إلى عبادة بالبينات والهدى‏." فقلت ذاك ، ونهض ونهضـت . فرأيـت نفسـي قائمـًا فـي الصفـة . فصحت صياح الانزعاج والارتياع ، فانتبه أهلي وجاءوا . وسمـع أبـي فقـال‏:‏‏"‏ مالكـم ؟" فصحـت بـه ، فجـاءوا ، وأوقدنـا المصبـاح ، وقصصـت عليهـم قصتـي ، فوجمـوا إلا أبـي فإنـه تبسـم ، وقـال‏:‏" ارجـع إلى فراشك فالحديث يكون عند الصباح . "وتأملنا الدورق فإذا الجمد الذي فيه متشعث بالكسر. وتقدم والدي إلى الجماعة بكتمان ما جرى،وقال‏:‏ "يا بني هذا منام صحيح وبشرى محمودة، إلا أن إظهار هذا الأمر فجأة والانتقال من شريعة إلى شريعة يحتاج إلى مقدمة وأهبة . ولكن اعتقد ما وُصّيت به ، فأنني معتقد مثله ، وتصرف في صلاتك ودعائك على أحكامه." ثم شاع الحديث . ومضت مدة ، فرأيت رسول الله صلـى اللـه وعليـه وسلـم ثانيًا على دجلة في مشرعة باب البستان ،وقد تقدمت إليه ، وقبّلت يده، فقال‏:‏ " ما فعلت شيئًا مما وافقتني عليه وقررته معي .! "فقال‏:‏" لا وأظن أنه قد بقيت في نفسك شبهـة. تعـال‏.". وحملنـي إلـى بـاب المسجـد الذي في المشرعة ، وعليه رجل خراساني نائم على قفاه ، وجوفه كالغرارة المحشوة من الاستسقاء ، ويداه وقدماه منتفختان ، فأمرّ يده على بطنه، وقرأ عليه، فقام الرجل صحيحًا معافى . صلى الله عليك يا رسول الله فما أحسن تصديق أمرك وأعجز فعلك . وانتبهت . فلمـا كـان فـي سنـة ثلاث وأربعمائـة،رأيـت فـي بعـض الليالي كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم راكبًا على باب خيمة كنت فيها ، فانحنى على سرجه حتى أراني وجهه ، فقمت إليه ، وقبّلت ركابه، ونزل، فطرحت له مخدة ، وجلس، وقال‏:‏ "يا هذا؛ كم آمرك بما أريد فيه الخير لك، وأنت تتوقف عنه‏."!. قلت‏:‏ " يا مولاي أما أنا متصرف عليه" قال‏:‏ "بلى ،ولكن لا يغني الباطن الجميل مع الظاهر القبيح ،وأن تراعي أمرًا فمراعاتك الله أولى. قم الآن وافعل ما يجب ولا تخالـف." قلت‏:‏ " لك السمع والطاعة‏.". فانتبهت ودخلت إلى الحمام ،ومضيت إلى المشهد ، وصليت فيه وزال عنـي الشـك ، فبعـث إلـيّ فخـر الملـك فقـال‏:‏ "مـا الذي بلغني؟ " فقلت‏:‏ " هذا أمر كنت أعتقده وأكتمه حتى رأيت البارحة في النوم كذا وكذا‏." .فقال‏:‏" قد كان أصحابنا يحدثون أنك كنت تصلي بصلاتنا وتدعو بدعائنا ." وحمل إلي دست ثياب ومائتي دينار ، فرددتها ، وقلت‏:‏ " ما أحب أن أخلط بفعلي شيئًا من الدنيا ." فاستحسن ما كان مني . وعزمت أن أكتب مصحفًا فرأى بعض الشهـود رسـول اللـه صلـى اللـه عليـه سلـم فـي المنـام وهـو يقـول له‏:‏" تقول لهذا المسلم القادم: نويت أن تكتب مصحفًا فاكتبه، فبه يتم إسلامك‏." .. وحدثتنـي امـرأة تزوجتهـا بعـد إسلامـي قالـت‏:‏‏" لمـا اتصلـت بـك قيـل لـي انـك علـى دينـك الأول، فعزمت على فراقك، فرأيت في المنام رجلًا قيل انه رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ومعه جماعة قيل هم الصحابة، ورجل معه سيفان ،قيل انه علي بن أبي طالب ،وكأنك قد دخلت، فنزع "علي" أحد السيفين فقلدك إياه وقال‏:‏ ها هنا ها هنا ،وصافحك رسول الله صلى الله وعليـه وسلـم، فرفـع أميـر المؤمنيـن رأسه إلي وأنا أنظر من الغرفة فقال‏:‏ "ما ترين إلى هذا؟ هو أكرم عند الله وعند رسوله منك ومن كثير من الناس ،وما جئناك إلا لنعرفك موضعه ونعلمك أننا زوجناك به تزويجًا، فقرّي عينًا وطيبي نفسًا، فما ترين إلا خيرًا. ". فانتبهت وقد زال عني كل شك وشبهة‏.‏. ). هذا الكاتب المؤرخ أقام لنفسه بالمنامات حفل تكريم إستخدم فيه الرسول فى الدعاية لنفسه . ولو كان يعيش فى دولة الاخوان لأصبح وزيرا للإعلام .!

2 ـ تطبيق المنامات فى مزاعم التداوى والشفاء بالمنامات : فى عام 453 ( وفي سابع رمضان‏:‏ رأى إنسان زمن طويل المرض ..رسول الله صلى الله وعليه وسلـم فـي المنـام قائمـًا مـع أسطوانـة وقـد جـاءه ثلاثـة أنفـس فقالـوا له‏:‏" قم فإن رسول الله صلى الله وعليه وسلم قائم.". فقال لهم:" أنا زمن ولا يمكنني الحركة." فقالوا‏:‏ "هات يدك‏".وأقاموه ، فأصبح معافى يمشي في حوائجه ويتصرف في أموره‏.) شاعت هذه الأكذوبة المنامية عن رجل مجهول ، وصدقها الناس ، وسجلها المؤرخ ابن الجوزى على أنها حادثة تاريخية حقيقية . وبسبب الاعتقاد فى المنامات والايمان بها كان ميسورا لبعضهم أن يجعل نفسه بطلا يتبرك الناس به ومحور الأحاديث برؤية منامية ، بل ويتم تسجيل إسمه فى التاريخ مثل هذا الرجل الذى ذكره ابن الجوزى فى حوادث عام 458 وفي شعبان‏:‏( ذكر رجل من أهل سوق يحيى يقال له‏:‏ أخو جمادى ـ وكانت يده اليسرى قد خبثت وأشرف على قطعها ـ  أنه رأى النبي صلى الله ليه وسلم في منامه كأنه يصلـي فـي مسجد بدرب داود،فدنا منه وأراه يده، فمسح عليها فأصبح معافى.وانثال الناس لمشاهدتـه . وكـان يغمـس يـده فـي المـاء فيقتسمونـه.) ويقول ابن الجوزى عنه : ( وستأتـي قصتـه مستوفـاة في السنة التي مات فيها إن شاء الله تعالى‏.) . أى بمجرد أن أعلن الأخ ( أخو جمادى ) من سوق يحيى ببغداد هذه الرؤيا المنامية تقاطر اليه الناس يتبركون بيده التى زعم أن النبى لمسها وشفاها ، وأصبح شخصية تاريخية .

3 ـ تطبيق المنامات ببناء مسجد عام 379  . يقول ابن الجوزى : ( ..وفيها بنى جامع القطيعة‏.) والسبب ( قال‏:‏ حدثني هلال بن المحسن الكاتب‏:‏ أن الناس تحدثوا في سنة تسع وسبعين وثلثمائة بأن امرأة من أهل الجانب الشرقي رأت في منامها النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يخبرها بأنها تموت من غد عصرًا وأنه يصلي في مسجد بقطيعة أم جعفر من الجانب الغربي في القافلائين ووضع كفه في حائط القبلة، وأنها ذكرت هذه الرؤية عند انتباهها من نومها. فقصد الموضع ، ووجد أثر الكف وماتت المرأة في ذلك الوقت‏. وعمّر المسجد . ووسّعه أبو أحمد الموسوي بعد ذلك. وبناه وعمّره، واستأذن ( الخليفة ) الطائع لله، في أن يجعل مسجدًا تصلى فيه الجمعات ،...فأذن له في ذلك وصار جامعًا يصلي فيه الجمعات‏.). نلاحظ هنا أن الراوى الذى ينقل عنه ابن الجوزى هو هلال الصابى ابن المحسن الذى كتب دراما هائلة منامية فى قصة إسلامه ، وأن بطلة القصة إمرأة مجهولة جعلوها تموت حتى لا يتم التأكد من الموضوع ، هذا مع إنه لم يحاول أحد التشكيك فى أى منام مهما بلغ التطرف والمزايدة فى كذبه . ‏

4 ـ تطبيق المنامات رسميا بمنع الظلم . ولا تخلو مزاعم المنامات من آثار جانبية حميدة ، على فرض صحة هذه الآثار الجانبية الحميدة. فقد إستعان بها أهل بغداد للحدّ من عسف العسكر التابعين للسلطان طغرلبك السلجوقى حين سيطر على بغداد . يثول ابن الجوزى : ( ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وأربعمائة : وفـي هذه السنة‏:‏ عمّ ضرر العسكر بنزولهم في دور الناس وارتكابهم المحظورات فأمر الخليفة رئيس الرؤساء باستدعاء الكندري ( وزيـر طغرلبـك ) وأن يخاطبه في ذلك ويحذره العقوبة فإن اعتمد السلطان ما أوجبه الله تعالى وإلا فليساعدنا في النزوع عن هذه المنكرات. فكتب رئيس الرؤساء إلى الكنـدري، فحضر، فشرح له ما جرى، فمضى إلى السلطان فشرح له الحال.فقال :"إنني غير قادر علـى تهذيـب العساكـر لكثرتهم . " ثم استدعاه ( أى إن الخليفة إستدعى رئيس الرؤساء ) في بعض الليل فقال‏:‏" إني نمت في بعض الليل وقد تداخلتني الخشية لله تعالـى ممـا ذكرت لـي ، فنمـت فرأيـت شخصـًا وقـع في نفسي أنه رسول اللـه صلـى الله وعليه وسلم، وكأنه واقف عند باب الكعبة ، فسلمت عليه ، فلم يلتفت نحوي ، وقال‏:‏ " يحكمك اللـه فـي بلاده وعبـاده فلا تراقبه فيهم ولا تستحي من جلاله." ، فامض إلى الديوان وانظر ما يرسمه أمير المؤمنين لأطيع‏.‏". فأنهى رئيس الرؤساء الحال ، فخرج التوقيع متضمنًا للبشارة برؤية سيدنا رسـول الله صلى الله وعليه وسلم . فلما وصل إلى السلطان بكى . وأمر بإزالة الترك وإطلاق من وكل به‏.‏).الخليفة العباسى العاجز يلجأ الى صناعة هذا المنام ليجعل السلطان طغرلبك المتحكم فى بغداد يستجيب وينهى جنوده عن العسف بالناس . والسلطان يبكى ويستجب .!. وهذا يؤكّد شيوع الايمان بالمنامات.

ويبقى أن أهم إستخدام الحنابلة للنبى عليه السلام كان فى تزكية أنفسهم وتحقير خصومهم كما يظهر من المقارنة بين ترجمة  أبى الوليد القرشى والكاتب الشاعر صدقة الذى كان متهما بأنه قرأ كتاب ( الشفاء ) فى الفلسفة لابن سينا . قال ابن الجوزى فى تزكية أبى الوليد القرشى ت 349 ( الفقيه إمام أهل الحديث بخراسان في عصره وأزهدهم وأكثرهم اجتهادًا في العبادة . درس الفقه على مذهب أبي العباس ابن سريج وسمع من الحسن بن سفيان وغيره وصنف التصايف الحسنة‏.أخبرنا زاهر بن طاهر أنبأنا أبو عثمان الصابوني وأبو بكر البيهقي قالا‏:‏ أنبأنا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ قال‏:‏ سمعت أبا ابوليد حسان بن محمد بن أحمد القرشي يقول في مرضه الذي مات فيه‏:‏ قالت لي والدتي كنت حاملًا بك وكان للعباس بن حمزة مجلس فاستأذنت أباك أن أحضر مجلسه في أيام العشر فأذن لي فلما كان في آخر المجلس قال العباس بن حمزة‏:‏ قوموا فقاموا وقمت فأخذ العباس يدعو فقلت‏:‏ اللهم هب لي ابنًا عالمًا ثم رجعت إلى المنزل فبت يلك الليلة فرأيت فيما يرى النائم كأن رجلًا أتاني فقال‏:‏ أبشري فإن الله قد استجاب دعوتك ووهب لك ولدًا ذكرًا وجعله عالمًا ويعيش كما عاش أبوك. ). بينما يقول فى ترجمة صدقة : ( وكتـب إلـي أبـو بكـر الدلال  وكـان مـن أهـل السنـة الجيـاد قـال : رأيـت فـي مـا يـرى النائم كأني في سوق وكـأن صدقـة بـن الحسيـن الحـداد عريـان وحولـه جماعة، فتبعته ، فصعد درجة فصعدت خلفه، فقلت : يا شيخ صدقة ما فعل الله بك ؟ فقال لي : "ما غفرلي.!"  فقلت له : كذا ؟ قال: نعم . وأعاد القول مرة آخرى ، وغيّر عبارته ، قال : قلت له :"إغفر لي "قال :" ما أغفر لك "ونزل من الدرجة فقلت : "أين تسكن؟ " فقـال : "فـي بيـت فـي خـان ". فانتبهـت. فلقيـت رجـلًا ، كـان صديـق صدقـة . فحدثتـه بمـا رأيـت فقـال لـي : "إني رأيت في المنام امرأة أعرف إنها ميتة فقلت لها :رأيت صدقة ؟ قالت:"نعم .رأيته وسألته ما فعل الله بك ،قال :" قد وكّل بي كل ملك في السماء ،وقد ضايقوني حتى قد خنقوني . ) . تخيلوا حال العوام حين يقال لهم هذا الكلام الذى يعتبرونه من أسس الايمان ؟.

( عن المنامات فى المنتظم لابن الجوزى : ( ج 14/ 125 ، 138 ، 339 ، 371  ) ( ج 15 / 85 ، 87 ، 138 ، 188 ، 250 ) (ج 16 ص 3 : 4  ، 13 ، 70 ، 78 ، 99 ، 153 ، 230 )

الفصل الثالث : القصص  

 أولا : عقول العوام الحنبلية مستمعى القصص فى العصر العباسى الثانى

1 ـ نفترض عزيزى القارىء إنك حضرت خطبة جمعة فى مسجد ، وملأ الخطيب خطبته بالمنامات والأحاديث ورأيت الناس يضجون بالبكاء تأثرا بكلامه ، قد ترى هذا شيئا طبيعيا . لو حضرت فى الجمعة التالية وسمعت نفس الخطبة من نفس الخطيب ورأيت نفس الناس يضجون بالبكاء لا بد أنك ستندهش. لو حضرت الجمعة الثالثة وسمعت نفس الخطبة من نفس الخطيب ورأيت نفس الناس يضجون بالبكاء لا بد أنك ستتعجّب الى درجة الخوف  . لو حضرت الجمعة التالية وسمعت نفس الخطيب ونفس الخطبة ورأيت نفس الناس يضجون بالبكاء لا بد أنك ستولى منهم فرارا وتزداد رعبا  . لو غلبك الفضول وذهبت الى هناك فسمعت نفس الخطيب يقول نفس الخطبة ونفس الناس تضج بالبكاء فستقسم بالطلاق أنه ليس مسجدا ،  بل مستشفى للمجانين !.

 لو عرفت ـ عزيزى القارىء ـ أن هناك خطيبا مشهورا فى العصر العباسى الثانى ظل أكثر من ثلاثين عاما يقول نفس الخطبة لا يغيرها كل صلاة جمعة فى أكبر مسجد فى بغداد ، وفى كل مرة يضج الناس بالبكاء ، لا بد أنك ستتفق معى فى أن العصر العباسى الثانى قد حوّله الحنابلة الى مستشفى ضخم للأمراض العقلية . يقول ابن الجوزى فى ترجمة أحد أمراء البيت العباسى ( أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله ) المتوفى عام 418 :( خطب في جامع المنصور في سنة ست وثمانين وثلثمائة ، وكان يخطب خطبة واحدة كل جمعة لا يغيرها ، وإذا سمعها منه الناس ضجوا بالبكاء وخشعوا لصوته ‏.). هنا جماهير من العوام تتجاوب مع الخطيب بالبكاء دون فهم لما ينطق به صوت الخطيب . وتتكرر نفس الخطبة لمن لا يسمع ولا يعقل ، وتتكرر الاستجابة بالعويل والصراخ . هذا يذكرنا بحفلات التغنى بالقرآن الكريم بصوت ( مُقرىء أو مُنشد ) والعوام يهللون إعجابا . لم يسمعوا القرآن ولم يتدبروا قول الله جل وعلا ، ولكن سمعوا صوت المُغنّى . هو نفس الغياب عن الوعى فى عصرنا.

2 ـ ولكن كانت الحالة مرضا مستشريا فى العصر العباسى الثانى حيث تسيدت بالحنبلية عقلية العوام ، على فرض أن لهم عقلا . الواقع أنه لم يكن لديهم سوى عاطفة جامحة عاتية ، يتجلى خطرها حين تتسلح بأساطير الشفاعة وبحديث تغيير المنكر وتواجه بهما من تعتبرهم ( كفارا ) يجب التخلص منهم كالمعتزلة والشيعة . ثم يكون هذا الخطر ساحقا ماحقا حين يتم شحنهم يوميا خلال خطب الجمعة ومجالس القصص التى حلّت فى العصر العباسى الثانى محلّ مجالس العلم ، فأصبحت هى المدارس الشعبية التى يتعلم فيها العوام بالمنامات والأحاديث دين الحنبلية بكل ما يعنيه من إرهاب وإنحلال . وهنا نسجد إيمانا لعظمة القرآن الكريم حين ينطبق على العصر العباسى الثانى ( وعصرنا) وصف رب العزة جل وعلا للمشركين مخترعى ومتبعى الأحاديث الشيطانية: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى  إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)( الأنعام )

3 ـ لسنا هنا أمام عوام خاملين بل نشطاء ، وأحيانا مُسلحين. يقول ابن الجوزى فى حوادث عام 456 ( فمن الحوادث فيها أنه لما أفسدت الأعاريب في سواد بغداد وأطرافها حملت العوام السلاح لقتالهم وكان ذلك سببًا إلى كثرة العيارين وانتشارهم في محرم هذه السنة‏.‏). نرى هنا ابن الجوزى يصف العوام المسلحين بالعيّارين ، أو قُطّاع الطُّرق لأنهم كانوا مسلحين . هذا بينما يصفهم بالحنابلة حين كانوا يهاجمون الشيعة فى محل إقامتهم بالكرخ.

ويقول فى أحداث شهر شوال عام  329 ‏:‏( اجتمعت العامة في جامع دار السلطان وتظلمت من الديلم ونزولهم في دورهم بغير أجرة وتعديهم عليهم في معاملاتهم ، فلم يقع إنكار لذلك ، فمنعت العامة الإمام من الصلاة.) . الديلم كانوا فى بداية سيطرتهم على الخلافة العباسية وبغداد وقتها ، وكانوا شيعة لا يحبون العوام الحنابلة ولا يحبهم العوام الحنابلة . لذا تعدّى الديلم على العوام ، فاستغاث العوام بالخلافة العاجزة فلم تستطع الخلافة إنكار ما يحدث فقام العوام بمنع الامام من الصلاة فى المسجد . 

4 ـ عقلية العوام لم تقتصر على دعاتهم وفقهائهم القائمين بالقصص بل كانت تشمل أيضا  الخلفاء خصوصا من كان منهم متدينا ، لأنه كان يتدين بالحنبلية الدين الأرضى السائد ، ومنهم الخليفة ( المتّقى ) الذى تولى الخلافة عام 329 ، وحدث وقتها بلاء فاستغاث بالعوام يحضّهم على الخروج للإستسقاء بزعم رؤيا منامية رأتها إمرأة صالحة،يقول ابن الجوزى: ( ووقع الموت في المواشي والعلل في الناس وكثرت الحمى ووجع المفاصل ، ودام الغلاء حتى تكشف المتجملون ( أى إفتقر المستورون ) وهلك الفقراء ، واحتاج الناس إلى الاستسقاء، فرئي منام عجيب‏... نادى منادي المتقي بالله في الأسواق : أن أمير المؤمنين يقول لكم معشر رعيته أن امرأة صالحة رأت النبي صلى الله عليه وسلم في منامها فشكت احتباس القطر فقال لها‏:‏ قولي للناس يخرجون في يوم الثلاثاء الأدنى ويستسقون ويدعون الله فإنه يسقيهم في يومهم وأن أمير المؤمنين يأمركم معاشر المسلمين بالخروج في يوم الثلاثاء كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن تدعوا وتستسقوا بإصلاح من نياتكم وإقلاع من ذنوبكم‏. ). وبمجرد النداء تجمهرت جموع العوام يقودهم ( العلماء والفقهاء ) بتعبير العصر وقتها ، فقد كانوا القادة الشعبيين للعوام ، والذين يتحكمون فى مشاعر ( وليس عقول العوام ) من خلال مجالس القصص ، ويملأونها بالخرافات والمنامات والأحاديث الكاذبة . وكلما أوغل القصّاص فى أكاذيب الخرافات صار أكثر جاذبية وشهرة بين العوام .

‏5 ـ وبنفس القدر كان نفورهم من المناظرات العقلية والأسئلة التى تكون مُحرجة لهم حتى فى ( الحديث ) مجال تخصصهم . فى العصر العباسى الأول تعرض أبوهريرة للنقد والاتهام بالكذب دون تحرّج ، ولكن سيطرة الحنبلية وثقافة العوام حرّمت التعرض لأبى هريرة بالنقد . وصاغوا ذلك فى اساطير . روى منها ابن الجوزى هذه عبر سلسلة من العنعنات والاسناد: ( ‏أنبأنا أبو المعمر الأنصاري قال‏:‏ سمعـت أبـا القاسـم يوسـف بـن علـي الزنجانـي يقـول سمعـت شيخنـا أبـا إسحـاق بن علي ابن الفيروز اباذي يقول‏:‏ سمعت القاضي أبا الطيب يقول‏:‏ كنا في حلقة النظر بجامع المنصور فجاء شاب خراساني فسأل مسألة المصراة وطالب بالدليل فاحتج المستـدل بحديث أبي هريرة الوارد فيها فقال الشاب وكان خبيثًا‏:‏ أبو هريرة غير مقبول الحديث. قـال القاضـي‏:‏ فمـا استتـم كلامـه حتى سقطت عليه حيّة عظيمة من سقف الجامع فوثب الناس من أجلها ،وهرب الشاب من يدها ، فلم ير لها أثر‏.‏) ( المنتظم 17 / 106 عام 500 ). واضح هنا أن هذه الحيّة العظيمة تقف بالمرصاد لكل من يجرؤ على إنتقاد أبى هريرة مثل هذا الشاب الذى ( كان خبيثا ) ولا نعرف له إسما ولا وصفا غير ذلك ، ثم تنتهى الاسطورة بغيابه بلا أثر، ثم أيضا غابت أيضا بلا أثر تلك (الحيّة العظيمة ) . ولأن حنتبلة عصرنا أعادوا تقديس أبى هريرة فقد عادت نفس ( الحية العظيمة ) تقبع فى أعماق القلوب الوهابية تحمى قداسة أبى هريرة من أن يمسها نقد . العقل الواعى يسخر من هذه الاسطورة ، أما عقلية العوام فهى تهلل وتكبّر ..ولا تزال ..حتى الآن تكبّر وتهلل شأن المشركين الذين قال فيهم رب العزة جل وعلا : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (171)( البقرة ).

‏ ثانيا : أكاذيب القصاص

1 ـ كان ابن الجوزى ينقم على منافسيه من القصّاصين الوعاظ الذين كانوا أقل منه علما ولكن كانوا أكثر منه فى مضمار الكذب ، فانتقم منهم وفضحهم فى تاريخه ( المنتظم ) وشهّر بهم . يقول فى ترجمة (ابن الخفاف ت 418)( وكان غير ثقة لا شك أنه كان يركب الأحاديث ويضعها على من يرويها عنه ، ويختلق أسماء وأنسابًا عجيبة ، وعندي عنه من تلك الأباطيل أشياء . وكنت عرضت بعضها على هبة الله بن الحسن الطبري فخرق كتابي بها ، وجعل يعجب مني كيف أسمع منه . )‏. هنا أحد محترفى القصص الذى يفترى الأحاديث فى مجلسه ، وينقل عنه الناس ، وكان ابن الجوزى نفسه ممّن ينقل عنه ما وصفه بالأباطيل، وهذا أثار عجب هبة الله الطبرى حسبما يروى ابن الجوزى .

ويقول فى ترجمة ‏( أبو الفتح الخزيمي ت 514 ) إنه ( دخل بغداد سنة تسع وخمسمائة فحدث عن أبي القاسم القشيري وجماعة من نظرائه ووعظ ، وكان مليح الإيراد حلو المنطق. ) أى إنه جاء وافدا الى بغداد حيث كان يعيش ويتعيّش ابن الجوزى فكان لابن الجوزى منافسا بسبب أنه كان ( مليح الايراد حلو المنطق )، لهذا هاجمه ابن الجوزى ، يقول عنه : ( ورأيت من مجالسه أشياء قد علقت عنه فيها كلمات ولكـن أكثرها ليس بشيء، فيها أحاديث موضوعة وهذيانات فارغة يطول ذكرها‏. فكان مما قال‏:‏ إنه روى فـي الحديـث المعـروف أن رسـول اللّـه صلـى اللـه عليـه وسلـم تزوج امرأة فرأى بكشحها بياضًا فقـال‏:‏ الحقـي بأهلـك فـزاد فيـه‏:‏فهبط جبريل وقال‏:‏ العلي الأعلى يقرئك السلام ويقول لك بنقطة واحدة من العيب ترد عقد النكاح ونحن بعيوب كثير لا نفسخ عقد الإيمان مع أمتك ، لك نسوة تمسكهن لإجلك ، أمسك هذه لأجلي‏. ) ويعلّق ابن الجوزى : ( ‏قـال المصنـف‏:‏ وهـذا كـذب فاحـش علـى اللـهّ تعالى وعلى جبريل فإنه لم يوح إليه شيء من هذا ولا عوتب في فراقها ، فالعجب من نفاق مثل هذا الكاذب في بغداد ولكن على السفساف والجهال‏.)،هنا يصب ابن الجوزى نقمته على العوام المستمعين أيضا فيصفهم بالسفاسف الجهلاء .ويقول عن أقرانه من القصّاصين : (‏ وكذلك مجالس أبـي الفتـوح الغزالـي ومجالـس ابـن العبـادي ، فيهـا العجائـب والمنقولات المتخرصة والمعاني التي لا توافق الشريعة . ) ثم يوسّع ابن الجوزى دائرة الهجوم لتشمل غيره من أكثرية القصاص ، فيقول : ( وهذه المحنة تعم أكثر القصاص بل كلهم لبعدهم عن معرفة الصحيح ، ثم لاختيارهم ما ينفق على العوام كيف ما اتفق‏.) وفى العبارة الأخيرة نفهم أن أولئك القصّاص كانوا يبالغون فى الكذب والخرافات لارضاء نهم العوام وغرامهم بالخرافات واكاذيب الغيبيات .

وبعض المتهمين بالكذب برّأهم ابن الجوزى، مثل ( أبو الكرم النحوي سمع الحديث من أبي الطيب الطبري والجوهري وغيرهما‏.) قال عنه ( ..غير أن مشايخنا جرّحوه . كان شيخنا أبو الفضل ابن ناصر سيء الرأي فيـه يرميـه بالكـذب والتزوير، وكان يدعي سماع ما لم يسمعه‏.)، ويبدو هنا أن ابن الجوزى لا يوافق على هذا . ولكن ابن الجوزى يدافع بصراحة عن أحد المتهمين بالكذب ، وهو (ابن الحمامي ) الذى ( ولد فـي ربيـع الأول سنـة احـدى عشـرة وأربعمائـة، ) وقد وصفه بأنه ( كان مكثرًا صالحًا أمينًا صدوقًا متيقظًا صحيح الأصول صينًا ورعًا حسن السمت كثيـر الصلاة سمـع الكثيـر ونسخ بخطه ومتعة اللّه بما سمع حتى انتشرت عنه الرواية‏. حدثنا عنه أشياخنا وكلهم أثنوا عليه ثناءً حسنًا وشهدوا له بالصدق والأمانة مثل عبد الوهاب وابن ناصر وغيرهمـا وذكرعن المؤتمن أنه كان يرميه بالكذب وهذا شيء ما وافقه فيه أحد‏.‏) .

2 ـ وراج حال القصاصين أكثر فى مكة والمدينة ، وإسترزق بهذه المهنة كثيرون ، إحترفوا المبالغة فى الخرافات ليجتمع حولهم المزيد من المستمعين من الحجّاج وزائرى المدينة وينالوا أعطياتهم . نفهم هذا مما رواه ابن الجوزى فى ( المنتظم وفيات 348 ) وهو يصف أبا بكر الآدمي (القارئ الشاهد صاحب الألحان‏) الذى:( ‏كان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن)، ويروى إنّه إستخدم حُسن صوته ليصرف الناس عن حضور أحد القصّاصين الذى بالغ فى خرافاته فى حلقة عقدها فى مسجد المدينة. يقول أحدهم: (حججت في بعض السنين وحج في تلك السنة أبو القاسم البغوي وأبو بكر الآدمي القارئ، فلما صرنا بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم جاءني أبو القاسم البغوي فقال لي‏:‏ "يا أبا بكر ها هنا رجل ضرير قد جمع حلقة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعد يقص ويروي الكذب من الأحاديث الموضوعة والأخبار المفتعلة فإني رأيت أن تمضي بنا إليه لننكر عليه ونمنعه. " فقلت له‏:‏ " يا أبا القاسم إن كلامنا ها هنا لا يؤثر مع هذا الجمع الكثير والخلق العظيم ، ولسنا ببغداد فيُعرف لنا موضعنا . ولكن ها هنا أمر آخر هو الصواب" فاقبلت على أبي بكر الآدمي فقلت له‏:‏ "استعذ بالله واقرأ." فما هو إلا أن ابتدأ بالقراءة حتى انجفلت الحلقة ، وانفض الناس جميعًا ، فأحاطوا بنا يسمعون قراءة أبي بكر الآدمي ، وتركوا الضرير وحده فسمعته يقول لقائده‏:‏ "خذ بيدي هكذا تزول النعم‏."). هنا رجل إعتاد الاسترزاق من القصص بمسجد المدينة ، وكان يتكسب الكثير بسبب إنجذاب الناس لمبالغاته فى الكذب فى الأحاديث والقصص . وهكذا ( زالت النعم ) عن هذا الكذاب الضرير.!

3 ـ ولم تتدخل السُّلطة لردع أولئك القصاصين مهما بلغ كذبهم . كانت تتدخل فقط إذا إستخدموا القصص فى إثارة الفتن بما يهدد الأمن ، يقول ابن الجوزى فى حوادث عام 473 :(فمن الحوادث فيها‏:‏ أنـه جميـع الوعـاظ فـي جمـادى الآخـرة في الديوان أذن لهم في معاودة الجلوس ، وقد كانوا منعوا من ذلك منذ فتنة القشيرى . وتقدم إليهم أن لا يخلطوا وعظهم بذكر شيء من الأصول والمذاهب‏.).

4 ـ وللرد على أكاذيب القصاصين فى الحديث قام ابن الجوزى بتأليف كتاب عن الوضع فى الحديث . وبعد العصر العباسى إلتصق الكذب أكثر بالقصّاصين فكتب ابن تيمية ( أحاديث القصاص ) فى الأحاديث الموضوعة . وعلى سنته سار ابن القيم فى كتابه ( المنار المنيف فى الصحيح والضعيف ). ولكن كل هذا لم يُغن شيئا لأن العوام يحبون الكذب ، أو على حد قول منتجى الأفلام الهابطة فى مصر ( الجمهور عايز كده ). ودين الحنبلية السنية مؤسس على الكذب على الله جل وعلا ورسوله بالمنامات والأحاديث . والقصّاص هو المُنتج وهو أيضا الموزّع ، هو الذى ينتج الأكاذيب ، وهو الذى يزوعها وينشرها فى حفلات أو مجالس القصص ، وهو أيضا يوزع وينشر أكاذيب غيره . ونحن هنا امام مئات الألوف من القصّاصين المنتجين الموزعين الذين يقومون بسد حاجة الجمهور للأكاذيب أو التسلية التى أصبحت صناعة رائجة ينسى بها الناس واقعهم المرير .

ثالثا : البكاء عند السماع

1 ـ ليس للعوام عقول لتقتنع بالمنطق والحجة والدليل ، ولكن لها عواطف هيّاجة يسهل إثارتها بالبكاء والعويل ، لذا كان من الطرق الأخرى لاجتذاب العوام ( بالاضافة للمبالغات فى الكذب ) أن يبكى الخطيب الواعظ القصّاص فيكتسب صُدقية وإعتقادا ويزداد فى العوام تاثيرا، قيبكون معه تحت شعار:( هيا بنا نبكى .!) . ولقد كان البكاء أو التظاهر بالبكاء أهم سمات ذلك التدين السطحى المظهرى ، يرائى به العوام وقادتهم ، وأصبح من مؤهلات الواعظ القصاص فى إجتذاب المستمعين . ونعطى من ( المنتظم ) نماذج لشخصيات عاصرها ابن الجوزى من دعاة ومستمعين :

كان أبو نصر بن القاص المتوفى عام  538 ( مليح الهيئة حسن الشيبة كثير البكاء ، يحضر مجلس شيخنا أبي إلحسن الزاغواني فيبكي كثيرًا‏.‏) . وقال ابن الجوزى عن ( الأنماطي أبو البركات الحافظ ) : ( ‏وكان ذا دين ورع وكان قد نصب نفسه للحديث طول النهار وسمع الكثير من خلق كثير وكتب بيده الكثير وكان صحيح السماع ثقة ثبتًا وكنت أقرأعليه الحديث وهو يبكي فاستفدت ببكائه أكثر من استفادتي بروايتـه .! ).وقال عن تلميذه ( أبو البركات الأنباري)(ت 552 ) إنه ( وعظ الناس ، وكان يبكي من حين صعوده على المنبـر إلـى حيـن نزولـه .) (.. وكان من أهل السنة الجياد رزقـه اللـه أولادًا صالحيـن فسماهم أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا ، وكان أمارًا بالمعروف ناهيًا عن المنكـر، مستجـاب الدعوة ، له كرامات ومنامات صالحة ، رأى في بعضها رسول الله صلى الله عليه وسلـم وفـي بعضها أحمد بن حنبل.). وقال عن  أبى عبد الله السجزي الأصل الهروي ت 553 (..وسافر إلى العراق وخوزستان والبصرة ، وقدم علينا بغداد ، فروى لنا هذه المذكورات ، وكان صبورًا على القـراءة ، وكان شيخنا صالحًا على سمت السلف، كثير الذكر والتعبد والتهجد والبكاء . ).ويقول عن التاجر أبى البقاء الحرانى ت 574 : ( كان من أماثل التجار كثير الصدقة ملازمًا لمجلس الذكر كثير الخشوع والبكاء متعصبًا لأهل السنة مبالغًا في حب أصحاب أحمد بن حنبل. ) ( عمار بن سلامة أبو البقاء الحراني : كان من أماثل التجار كثير الصدقة ملازمًا لمجلس الذكر كثير الخشوع والبكاء متعصبًا لأهل السنة مبالغًا في حب أصحاب أحمد بن حنبل.)،( أبوغالب الباقلاوي ت 500: ( حدثنا عنه أشياخنا ، وهـو مـن بيـت الحديـث ، وكـان شيخـًا صالحًا كثير البكاء من خشية الله تعالى صبورًا على اسماع الحديث ) .‏ عن القصص فى المنتظم (ج 14 / 123 )، (ج 16 / 211 )،( ج 17/  3 : 4 ،  20 ، 191).

رابعا : قصّاصون من العوام المغفلين

 1 ـ إتّسع مجال القصص ليس فقط للعوام الجهلاء العاديين بل للمغفلين منهم.  وفى كتابه ( أخبار الحمقى ) عقد ابن الجوزى: ( الباب العشرون في ذكر المغفلين منالقصاص) يتندر فيه على القصاصين المشهورين فى عصره .

2 ـ يقول عن القصاص الفقيه سيفويه : ( القصاص سيفويه‏:‏ فمنهم سيفويه القاص كان يضرب به المثل فيالتغفيل‏:‏ عن محمد بن العباس بن حيويه قال‏:‏ قيل لسيفويه قد أدركت الناس فلم لمتحدث ؟ قال‏:‏ اكتبوا حدثنا شريك عن مغيرة عن إبراهيم بن عبد الله مثله سواء قالواله‏:‏ مثل إيش قال‏:‏ كذا سمعنا وكذا نحدث‏.‏

 عن ابن خلف قال‏:‏ جاء يوماً رجل من عرس فسأله سيفويه‏:‏ ما أكل ؟فأقبل يصف له فقال‏:‏ تمنيات قصاص‏.

‏من غفلات سيفويه‏:‏ وروى أبو العباس بن مشروح قال‏:‏ كان سيفويهاشترى لمنزله دقيقاً بالغداة وراح عشاء يطلب الطعام فقالوا‏:‏ لم نخبز . لم يكن عندناحطبً . قال‏:‏ كنتم تخبزونه فطيراً‏.‏

 وحكى أبو منصور الثعالبي‏:‏ أن رجلاً سأل سيفويه عن الغسلين في كتابالله تعالى فقال‏:‏ على الخبير سقطت ، سألت عنه شيخاً فقيهاً من أهل الحجاز فما كانعنده قليل ولا كثير‏.‏

وقف سيفويه راكباً على حمار في المقابر فنفر حماره عند قبر منهافقال‏:‏ ينبغي أن يكون صاحب هذا القبر بيطاراً‏.‏

وقرأ سيفويه ( ثم في سلسلة ذرعها تسعون ذراعاً ) فقيل له قد زدت عشرينفقال‏:‏ هذه خلقت لبغاء ووصيف فأما أنتم فيكفيكم شريط بدانق ونصف‏.‏

وقرأ قارىء بين يديه ‏"‏ كأنما أغشيت وقرأ القارىء‏:‏‏"‏ كأنهن الياقوت والمرجان‏"‏فقال‏:‏ هؤلاء خلاف نسائكم الفجار‏.‏

 قيل لسيفويه إن اشتهى أهل الجنة عصيدة كيف يعملون ؟ قال‏:‏ يبعث اللهلهم أنها دبس ودقيق وأرز‏.‏ويقال‏:‏ اعملوا وكلوا واعذرونا‏ .‏)

‏2 ـ ويقول عن آخرين :( وقال ابن خلف‏:‏ قال عبد العزيز القاص‏:‏ ليتأن الله لم يكن خلقني وأني الساعة أعور . فحكيت ذلك لابن غياث فقال‏:‏ بئس ما قال.!ووددت والله الذي لا إله إلا هو أن الله لم يكن خلقني ، وإني الساعة أعمى مقطوعاليدين والرجلين. ).

( القصاص أبو أحمد التمار‏:‏ وعن محمد بن خلف قال أبو أحمد التمار فيقصصه‏:‏ لقد عظم رسول الله صلى الله عليه وسلم حق الجار حتى قال فيه قولاً أستحيوالله أن أذكره‏.‏)

(  قال ابن خلف‏:‏ قص قاص بالمدينة فقال‏:‏رأى أبو هريرة على ابنته خاتم ذهب فقال‏:‏ يا بنية لا تتخمي بالذهب فإنه لهب . فبيناهو يحدثهم إذ بدت كفه فإذا فيها خاتم ذهب. فقالوا له‏:‏ تنهانا عن لبس الذهب وتلبسهفقال‏:‏ لم أكن ابنة أبي هريرة‏.‏)

(  عن محمد بن الجهم أنه قال‏:‏ سمعت الفراءيقول‏:‏ كان عندنا رجل يفسر القرآن برأيه فقيل له‏:‏‏"‏ أرأيت الذي يكذب بالدين‏"‏فقال‏:‏ رجل سوء والله .! فقيل‏:‏‏"‏ فذلك الذي يدع اليتيم‏"‏فسكت. )

( وعن عبد الرحمن بن محمدالحنفي قال‏:‏ قال أبو كعب القاص في قصصه‏:‏ كان اسم الذئب الذي أكل يوسف كذا وكذا.  فقالوا له‏:‏ فإن يوسف لم يأكله الذئب .! قال‏:‏ فهو اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف‏.‏)

(  عن العلاء بن صالح قال‏:‏ كان عبدالأعلى بن عمر قاصاً فقص يوماً ، فلما كاد مجلسه ينقضي قال‏:‏ إن ناساً يزعمون أني لاأقرأ من القرآن شيئاً ، وأني لا أقرأ منه الكثير بحمد الله. ثم قال‏:‏ بسم الله الرحمنالرحيم ‏"‏ قل هو الله أحد ‏"‏ فارتج عليه فقال‏:‏ من أحب أن يشهد خاتمة السورةفليحضرنا إلى مجلس فلان‏.‏)

(  حكى أبو محمد التميمي أن أبا الحسن السماك الواعظدخل عليهم يوماً وهم يتكلمون في أبابيل فقال‏:‏ في أي شيء أنتم؟  فقالوا‏:‏ نحن فيألف أبابيل . فقال : هل هو ترون أنه بلبل عليهم عيشهم‏!‏ )

(  جاء رجل إلى قاص وهويقرأ‏:‏‏"‏يتجرعه ولا يكاد يسيغه ‏"‏فقال‏:‏ اللهم اجعلنا ممن يتجرعه ويسيغه‏.‏)(  قال الجاحظ‏:‏ سمعت قاصاً أحمق وهو يقص حديث موسىوفرعون وهو يقول‏:‏ لما صار فرعون في وسط البحر في الطريق اليابس فقال اللهللبحر‏:‏ انطبق . فما زال حتى علاه الماء . فجعل فرعون يضرط مثل الجاموس نعوذ بالله منذلك الضراط‏.‏) ( قال‏:‏ وسمعت قاصاً بالكوفة يقول‏:‏ والله لو أن يهودياً مات وهويحب علياً ثم دخل النار ما ضره حرها‏.‏)

( قال بعض القصاص‏:‏ يا معشر الناس إنالشيطان إذا سمي على الطعام والشراب لم يقربه ، فكلوا خبز الأرز المالح ولا تُسمّوا، فيأكل معكم ، ثم اشربوا الماء وسمُّوا ، حتى تقتلوه عطشاً‏.‏).

(القصاص أبو سالم‏:‏ كان أبو سالم القاص يقص يوماً قال‏:‏ يابن آدم..يابن الزانية.. أما تستحي من الملك الجليل حتى تقدم على العمل القبيح . ) ( وسُرق باب بيت أبيسالم القاص، فجاء إلى باب المسجد قالوا‏:‏ ما تصنع ؟ قال‏:‏ اقلع هذا الباب فإنصاحبه يعلم من قلع بابي‏.‏).

(‏ سئل بعض الوعاظ‏:‏ لم لم تنصرف أشياء . فلميفهم ما قيل له.  ثم سكت ساعة فقال‏:‏ تسأل سؤال الملحدين لأن الله يقول‏:‏‏"‏ لا تسألوا عن أشياء‏"‏‏.)

(  قال بعض الأشياخ‏:‏ إنه كتب في رقعة إلى بعضالقصاص يسأله الدعاء لامرأة حامل . فقرأ الرقعة ثم قلبها ، وفي ظهرها صفة دواء قد كتبهطبيب وفيه :قنبيل وخشيرك وافتيمون ونحو هذا ، فظنها كلمات ُيسأل بها ، فدعا ، وجعل يقول‏:‏يا رب قنبيل ،يا رب خشيرك، ويا رب افتيمون ..) ‏.‏

أخيرا

فى عصرنا البائس يخرج علينا الرعاع الجهلة من دعاة الحنبلية الوهابية يقولون منكرا من القول وزورا ، وبعتبرون ما يقولون دينا ، وهو هزل مُضحك . ينشرونه على الانترنت فيثيرون السخرية ..والرثاء .

الفصل الرابع : ابن الجوزى الحنبلى شيخ القصاصين

  أولا : ابن الجوزى فى لمحة سريعة

1 ـ هو من أكثر المؤلفين إنتاجا فى تاريخ المسلمين ، وأكثرهم تنوعا فى مؤلفاته ، فهو مؤرخ وفقيه ومن أهل الحديث و ( التفسير ) و ( علوم القرآن ) وواعظ قصّاص . ولكنه إستخدم كل مواهبه وكتاباته فى خدمة دينه الحنبلى ، وفى حياته فى القرن السادس الهجرى أسفرت جهوده كواعظ وداعية وشيخ للقصّاصين على صمود دين الحنبلية فى وقت عصيب وهو يواجه التصوف وبقية المذاهب السنية ( الأحناف ، الشافعية ، المالكية ) و الأشاعرة . وبعد موته ظلت مؤلفاته تحافظ على وجود الحنبلية ، الى أن تم بعث الحركة الحنبلية قوية فى العصر المملوكى  فى مدرسة ابن تيمية فى القرن الثامن الهجرى ، وفى حركة البقاعى فى القرن التاسع الهجرى. وبعد إخمادهما تم إحياء الحنبلية فى العصر الحديث تحت إسم الوهابية ، والتى يشقى بها العالم اليوم ، ويتم بها تشويه الاسلام فى ربوع العالم كل دقيقة .

2 ـ مع كثرة مؤلفاته وتنوعها ومع تعدد وظائفه مؤرخا فقيها وواعظا ومؤلفا فإن ابن الجوزى كما قلنا قام بتوظيف هذا كله لخدمة دينه الحنبلى ، فكان فى كتاباته فى ( الفقه النظرى ) عدوا للمرأة يعبّر عن الحنبلية المتزمتة ، وفى كتابه ( أحكام النساء ) أعطى كل الحقوق للرجل والزوج ، وجعل المرأة حبيسة البيت ، ولم يعرف الأمانة العلمية فى التأريخ ، إذ ملأ تايخه ( المنتظم ) بأكاذيب وجعل لها إسنادا ، وحشى تاريخ المنتظم بالمنامات والأحاديث والكرامات لمن يتحيز لهم من الفقهاء والعُبّاد ، بينما حشى تاريخه بالتحقير لخصوم الحنابلة . وخلط تاريخه بالقصص ، إذ ينشىء أكاذيب ويوردها كأحداث تاريخية ، ويصطنع شخصيات وهمية ويؤرخ لها تحت عناوين مثل ( عابد مجهول ).

ثانيا : إبن الجوزى ينتقد القصاصين الوعاظ :

1 ـ كتب ابن الجوزى فى ( الفقه الوعظى ) كتابه ( تلبيس ابليس ) ينتقد فيه الجميع ( سوى نفسه ) . يقول فيه عن رواج صناعة القصص على حساب الفقه : ( ولما كان جمهور العوام يميلون إلى القصص كثر القصاص وقل الفقهاء ). وهى إشارة الى شيوع مجالس القصص التى تناسب حال العوام بديلا عن مجالس الفقه والمناظرات التى كانت فى العصر العباسى الأول . أى إن الحنبلية هبطت الى حضيض العوام دون أن ترتقى بالعوام ، وهى عادة سيئة لأى دين أرضى حين يتحكم فى مجتمع ما . ويقول ابن الجوزى يعلل سبب ذمّه للقصّاص : ( وإنما ذم القصاص لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القصص دون ذكر العلم المفيد. )أى ذكر الخرافات دون الأحاديث التى يعتبرها ابن الجوزى علما مفيدا .

2 ـ وعقد فصلا كاملا فى كتابه ( تلبيس إبليس ) ينتقد فيه القصّاصين والوعاظ وكيف قام ( إبليس بالتلبيس عليهم ) تحت عنوان ( ذكر تلبيسه على الوعاظ والقصاص  ) ( قال المصنف : كان الوعاظ في قديم الزمان علماء فقهاء ..ثم خست هذه الصناعة، فتعرض لها الجهال ...وتعلق بهم العوام والنساء فلم يتشاغلوا بالعلم وأقبلوا على القصص وما يعجب الجهلة وتنوعت البدع في هذا الفن. ). هنا يؤكد ما قلناه عن دور العوام الحنابلة فى شيوع القصص وفى  تخلّف مستوى القصّاصين. ثم يقول عن صناعتهم للحديث ( النبوى ) ( .... فمن ذلك أن قوما منهم كانوا يضعون أحاديث الترغيب والترهيب ، ولبّس عليهم إبليس بأننا نقصد حث الناس على الخير وكفهم عن الشر ، وهذا افتيات منهم على الشريعة لأنها عندهم على هذا الفعل ناقصة تحتاج إلى تتمة. ثم نسوا قوله (ص ) : " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار." )، ويقول عن نشرهم الانحلال الخلقى : ( ومن ذلك أنهم تلمحوا ما يزعج النفوس ويطرب القلوب فنوعوا فيه الكلام فتراهم ينشدون الأشعار الرائقة الغزلية في العشق . ولبّس عليهم إبليس بأننا نقصد الإثارة إلى محبة الله عز وجل. ومعلوم أن عامة من يحضرهم العوام الذين بواطنهم مشحونة بحب الهوى ، فيضل القاصّ ويضل. ) ، ويقول عن صناعة الرياء والتدين السطحى المظهرى بالتظاهر بالبكاء : ( ومن ذلك من يظهر من التواجد والتخاشع زيادة على ما في قلبه وكثرة الجمع توجب زيادة تعمل فتسمح النفس بفضل بكاء وخشوع فمن كان منهم كاذبا فقد خسر الآخرة ومن كان صادقا لم يسلم صدقه من رياء يخالطه . )، ويقول عن تحولها الى مجالس لهو وغناء ورقص لارضاء نزوات العوام :  (ومنهم من يتحرك الحركات التي يوقع بها على قراءة الألحان والألحان التي قد أخرجوها اليوم مشابهة للغناء فهي إلى التحريم أقرب منها إلى الكراهة، والقارىء يطرب والقاص ينشد الغزل مع تصفيق بيديه وإيقاع برجليه فتشبه السكر،  ويوجب ذلك تحريك الطباع وتهييج النفوس وصياح الرجال والنساء، وتمزيق الثياب ، لما في النفوس من دفائن الهوى . )،ويستطرد فيقول : ( ومنهم من يتكلم بالطامات والشطح الخارج عن الشرع ويستشهد بأشعار العشق وغرضه أن يكثر في مجلسه الصياح ولو على كلام فاسد.)(  وكم منهم من يزوق عبارة لا معنى تحتها وأكثر كلامهم اليوم في موسى والجبل وزليخا ويوسف ولا يكادون يذكرون الفرائض ولا ينهون عن ذنب،  فمتى يرجع صاحب الزنا ومستعمل الربا وتعرف المرأة حق زوجها وتحفظ صلاتها ؟ هيهات هؤلاء تركوا الشرع وراء ظهورهم . ولهذا نفقت سلعهم لأن الحق ثقيل والباطل خفيف. ) ( ومنهم من يحث على الزهد وقيام الليل ولا يبين للعامة المقصود فربما تاب الرجل منهم وانقطع إلى زاوية أو خرج إلى جبل فبقيت عائلته لا شيء لهم. ) ( ومنهم من يتكلم في الرجاء والطمع من غير أن يمزج ذلك بما يوجب الخوف والحذر فيزيد الناس جرأة على المعاصي، ثم يقوي ما ذكر بميله إلى الدنيا من المراكب الفاهرة والملابس الفاخرة فيفسد القلوب بقوله وفعله . ) ( وقد يكون الواعظ صادقا قاصدا للنصيحة إلا أن منهم من شرب الرئاسة في قلبه مع الزمان ، فيجب أن يُعظّم . وعلامته أنه إذا ظهر واعظ ينوب عنه أو يعينه على الخلق كره ذلك ..) . ( ومن القصاص من يخلط في مجلسه الرجال والنساء ، وترى النساء يكثرن الصياح وجدا على زعمهن ، فلا يُنكر ذلك عليهن ، جمعا للقلوب عليه . ) الى أن يقول عن عصره : (ولقد ظهر في زماننا هذا من القصاص ما لا يدخل في التلبيس لأنه أمر صريح ، من كونهم جعلوا القصص معاشا يستمنحون  به الأمراء والظلمة والآخذ من أصحاب المكوس، والتكسب به في البلدان.). 

3 ـ بعد هذا النقد المرير للقُصّاص : هل كان شيخ القصّاصين ابن الجوزى منزّها عن هذه المثالب ؟ أم كان ممّن يأمرون الناس بالبرّ وينسون أنفسهم ؟ . فيما كتبه ابن الجوزى عن نفسه نعرف الاجابة :

ثالثا : إبن الجوزى شيخ القصّاصين يقع فى نفس الأخطاء

فى السنوات الأخيرة التى سجلها ابن الجوزى فى المنتظم حرص على الـتأريخ لنفسه، ونعرض لفقرات مما قاله عن نقسه واعظا :

1 ـ فى خلافة المقتفى.  فى عام  552 ( وفـي شعبـان‏:‏ استـأذن الخليفـة ابـن جعفـر صاحـب مخـزن الإمام المقتفي أن أجلس في داره ، فأذن له ، فكنت أعظ فيها كل جمعة. )، أى كان يغظ رسميا منذ هذا العام فى ديوان الخلافة العباسية ( المخزن ).

2 ـ  فى خلافة  المستضىء ، وفى عام 570 : ( وتقدم إلي بالجلوس تحت المنظرة بباب بدر فتكلمت يوم الخميس بعد العصر خامس رجب ، وحضـر أميـر المؤمنيـن . واخذ الناس أماكنهم من بعد صلاة الفجر . ) يقول عن كثرة العوام الحاضرين : (  وكـان النـاس يقفـون يـوم مجلسي من باب بدر الى باب العيد ، كأنه العيد .‏) . هنا يحضر الخليفة بنفسه ويحتشد العوام فى الشوارع . ثم تنهال عليه الأعطيات والوظائف من السلطة الحاكمة التى وصفها من قبل فى ( تلبيس ابليس ) بالظالمين :

3 ـ وفـي 20 شعبان من نفس العام 570 تسلم ابن الجوزى الاشراف على مدرسة كانت دارًا لنظام الدين أبي نصـر بـن جهيـر . بعد وقفها على الحنابلة ، وألقى فيها ابن الجوزى درسا حضره الأعيان ،يقول عنه ( فحضر قاضي القضاة وحاجب الباب وفقهاء بغداد ، وخُلعت عليّ خلعـة ، وخرج الدعـاة بيـن يـديّ والخـدم ، ووقـف اهـل بغـداد مـن بـاب النوبـي الـى بـاب المدرسـة كمـا يكـون فـي العيد ، واكثر وكان على باب المدرسة الوف ، والزحام على الباب . فلما جلست لإلقاء الدرس عـرض كتـاب الوقـف علـى قاضـي القضـاة وهـو حاضر مع الجماعة فقرىء عليهم وحكم به وانفذه ، وذكرت بعد ذلك الدرس،  فألقيت يومئذ دروس كثيرة من الاصول والفروع . وكان يومًا مشهودًا. ) .

وجاء التطبيق ليكون نصرا للحنابلة فى وقت بدأ فيه نفوذهم ينحسر لصالح التصوف السنى . خصوصا مع بناء مكتب لهم أو ( دكـة ) يقول : ( فانزعج لهذا جماعة من الاكابر ، وقالوا ما جرت عادة للحنابلة بدك .! فبنيت ، وجلست فيها يوم الجمعة ثالث رمضان. ) ( ..وازدحم العوام حتى امتلأ صحن الجامع ، ولم يمكـن للأكثريـن وصـول الينـا ، وحفظ الناس بالرجالة خوفًا من فتنة .وما زال الزحام على حلقتنا كل جمعـة وكانـت ختمتنـا فـي المدرسـة ليلـة سبـع وعشريـن فعلـق فيهـا مـن الاضـواء ما لا يحصى واجتمع من الناس ألوف كثيرة فكانت ليلة مشهودة.)..(  ثم عقدت المجلس يوم الاربعاء سابع شوال تحت المدرسة فاجتمع الناس من الليل ، وباتوا وحزر الجمع يومئذ بخمسين ألفًا ، وكان يومًا مشهودًا‏.) 

‏4 ـ فى عام 571 فى 3 محرم : ( انه تقدم إلي بالجلوس تحت المنظرة الشريفة بباب بدر ، فتكلمت بكـرة الخميـس ثالـث المحـرم ، والخليفـة حاضر .وكان يومًا مشهودًا . ثم تقدم الي بالجلوس هنالك يوم عاشوراء، فأقبل الناس الى المجلـس مـن نصـف الليـل ، وكـان الزحـام شديدًا زائدًا على الحد ، ووقف من الناس على الطرقات ما لا يحصى . وحضر أمير المؤمنين وفقه الله‏. ) ( ‏وتقدم إلي بالجلوس ليلة رجب تحت المنظرة ، فاجتمع الناس ، فجاء مطر فمنع الحضور . فتقدم بالجلوس في اليوم الثاني ، فتكلمت ، وأمير المؤمنين حاضر . وامرنا بالبكور الى دعوة أمير المؤمنين ، فحضرنا بكرة السبت ، وحضر الوزير ابن رئيس الرؤساء وأرباب الدولـة والعلمـاء والمتصوفـة،  فأكلـوا . وانشـد ابـن شبيـب قصيـدة يمـدح فيهـا أميـر المؤمنيـن . وخـرج قاضـي القضـاة وأربـاب الدولـة بعد الأكل وخرجت معهم . وبات‏ ‏الباقون مع المتصوفة على سماع الانشاد .وفُرّق على الجماعة مال وخلع . وكان هذا رسمهم في كل رجب . ). يلاحظ وجود الصوفية الرسمى فى احتفالات الخلافة دليلا على أن الحنابلة فقدوا الانفراد بالساحة فى أواخر القرن السادس بعد قرون ثلاثة . ولكن صار للحنابلة حضور أقوى بزعامة ابن الجوزى ، فقد أصبحت له ندوة يقصّ فيها اسبوعيا بالتناوب مع القزوينى ، وقال أمير عباسى لابن الجوزى : (  والله ما احضر أنا ولا أمير المؤمنين غير مجلسك وانما تلمحنا مجلس غيرك يومًا وبعض يوم آخر‏.‏) .وأهدى له الخليفة هدية طريفة .

ويقول : ( وفي يوم الأربعاء سادس ذي الحجة صنع الوزير ابن رئيس الرؤساء دعوة وجمع فيها أرباب المناصب ، وحضر الخليفة،  فاستدعيت ، فخلعت علي خلعة . ونصب لي منبر في الدار، فتكلمت بعـد أن أكلـوا الطعـام ، والخليفـة حاضـر والوزيـر وجميـع أربـاب المناصـب وجميـع علمـاء بغـداد والفقهـاء والوعـاظ إلا النـادر . وخلـع علي خلعة . ثم تكلمت يوم عرفة ، وكان مجلسًا عظيمًا ، تاب فيه خلق كثير وقطعت شعورًا كثيرة وكان الخليفة حاضرًا‏. ) فهل تاب التائبون فعلا أم هو رياء وتظاهر ؟

5 ـ فى عام  572 : ( تقدم الي بالكلام تحت منظرة الخليفة بباب بدر فتكلمت يوم الاحد ثاني المحرم ، وحضر أمير المؤمنيـن . ثـم تكلمـت هنـاك يـوم عاشـرراء ، فامتـلأ المكـان من وقت السحر ، فطلع الفجر وليس لأحد طريـق ، فرجـع النـاس ، وامتلأت الطـرق بالنـاس أقيامـًا يتأسفون على فوت الحضور . وقام من يتظلم في المجلس فبعث أمير المؤمنين في الحال من كشف ظلامته‏.).

وفى نفس العام  ‏572 ( وفـي يـوم السبت غرة جمادى الاخرة‏:‏ عبرت الى جامع المنصور فوعظت فيه بعد العصر وعبر الناس من نهر معلى واجتمع اهل المحال فحزر الجمع مائة الف ورجعنا الى نهر معلى والناس ممتدون من باب البصرة كالشراك الى الجسر وكان يومًا مشهودًا‏.‏) (  ثـم تقـدم الـي بالجلـوس ببـاب بمـر تحـت المنظـرة يـوم الاثنين سلخ جمادى الاخرة ، فتكلمت فيه بعد العصر ، وأمير المؤمنين حاضر . وجرى مجلس مستحسن ، تاب فيه جماعة ، وقصت فيه شعور.) أى أيضا تظاهر الناس بالتوبة وقصّوت شعورهم .!!.

وألقى ابن الجوزى قصيدة ركيكة ملأها نفاقا للخليفة وتأليها له . يقول :(  وذكرت خروجه الى الكشك في قصيدة انشأتها وهي‏:‏

يـا سيـد الخلـق وعيـن الاكوان ** خليفـة الله العظيم السلطان

ظهـرت للخلـق ظهـور البرهـان ** عاشت به ارواح اهل الايقـان

زيـن بـك البـر وزينـت اوطـان ** صدت القلوب حين صاعوا الغزلان

بحلمك الوافر بل بالاحسان ** والكشك قـد حقـر قمرالايـوان

هذا على التوحيد وضع البنيان ** وذاك مبنـي لأجـل النيران

حب بني العباس اصل الايمـان ** بنى الاله ولمحم في الجثمـان

الحجـر والبيـت لهـم والأركان ** أصبحت كالروح ونحـن ابـدان

الشـرع كالعين وانت اجفان ** الجود غصـن واحـد يـا بستـان

هذا مديحي وهو قدر الامكان ** وفي ضميري ضعف هذا الاعلان

عبيدكـه لا يشترى بأثمان ** وقد ملكتم رقه بالاحسان

سميت نفسي مذ خدمت سلمان ** لكن لساني في المديـح حسـان

( وتكلمت يوم الخميس عاشر رجب بعد العصر تحـت المنظـرة ، واميـر المؤمنيـن حاضـر ، والزحـام شديد ثم تناولنا انا والقزويني كل ليلة جمعة ، فكان يوم مجلسي تغلق ابواب المكان بعد الظهر لشدة الزحام . ) ( وفـي يـوم الاثنيـن حادى عشـر رمضان‏:‏ تقدم الي بالجلوس في دار ظهير الدين صاحب المخزن ، وحضـر اميـر المؤمنيـن ، واذن للعـوام فـي الدخـول . فتكلمـت ، وأعجبهـم ، حتـى قـال لـي ظهيـر الديـن : قد قال امير المؤمنين : ما كأن هذا الرجل آدمي لما يقدر عليه من الكلام.). أى يتعجب الخليفة من وعظه.  (وفـي يـوم الاثنيـن خامـس عشريـن رمضـان‏:‏ تقـدم بجلوسـي فـي دارصاحـب المخـزن فجلست وحضر اميـر المؤمنيـن واذن للعـوام فـي الدخـول فتكلمـت بعـد العصـر الـى المغـرب وبتنـا فـي الدارتلـك الليلـة مع جماعة من الفقهاء . ) .‏

6 ـ عام 573 : (   تقدم الي بالجلوس تحت منظرة باب بدر واجتمع الخلق وتاب جماعة وحضـر اميـر المؤمنين‏.‏ثم تقدم الي بالجلوس هناك يوم عاشوراء وكان الناس يجيئون من نصف الليـل بالأضـواء فما طلع الفجرولا حد موضع قدم وغلقت الابواب ولقينا شدة من الزحام وأمير المؤمنين حاضر. ) ( وفي يوم الائنين النصف من ربيع الآخر‏:‏ تكلمت في جامع المنصور وحضر الخلق فحزروا بمائة الف وتاب ثلاثة وخمسون نفسا وقصت  شعورهم ) 

7 ـ عام  574  : ( كان مفتتحها الثلاثاء،  فتقدم إلي بالكلام تحت منظرة باب بدر ، فتكلمت بكرة ، وحضر أمير المؤمنيـن . وتكلمت هناك يوم عاشوراء ، حضر أمير المؤمنين وقلت : " ولو أني مثلت بين يدي السدة الشريفـة لقلـت : يـا أميـر المؤمنيـن كـن للـه سبحانه مع حاجتك إليه كما كان لك مع غناه عنك ، إنه لم يجعل أحدًا فوقك فلا ترض أن يكون أحد أشكر منك . " فتصدق يومئذ أمير المؤمنين عقيب المجلـس بصدقـات وأطلـق محبوسيـن. )

8 ـ التطبيق هنا هائل ، فقد كوفىء ابن الجوزى والحنابلة بتجديد القبر المقدس لالههم ابن حنبل بأمر رسمى من الخليفة ، ممّا عُدّ نصرا للحنابلة وقتها . يقول ابن الجوزى : ( وفي أوائل جمادي الأخرة تقدم أمير المؤمنين بعمل لوح ينصب على قبر الإمام أحمد بن حنبل ، فعمل ،ونقضـت الستـرة جميعهـا ، وبنيـت بآجـر مقطـوع جديـدة ، وبنـي لهـا جانبـان ، ووقـع اللـوح الجديـد ،وفـي رأسـه مكتـوب : هـذا أمـر بعملـه سيدنـا ومولانـا المستضـيء بأمـر اللـه أميـر المؤمنين . وفي وسطه‏:‏ " هذا قبر تاج السنة وحيد الأمة العالي الهمة العالم العابد الفقيه الزاهد الإمام أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رحمه اللّه ." وقد كتب تاريخ وفاته ، وآية الكرسي حول ذلك . )

وتوالت إنتصارات الحنابلة بجهود ابن الجوزى و مهارته فى الوعظ والقصص وإستحواذه على ألباب العوام . فقد صرحوا له بالقصص فى جامع المنصور أكبر جوامع بغداد : (ووعـدت بالجلـوس فـي جامـع المنصـور فتكلمت يوم الإثنين سادس عشر جمادى الأولى ، فبات في الجامع خلق كثير ، وختمت ختمات ، واجتمع للمجلس بكرة ما حزر بمائة ألف ، وتاب خلق كثير ، وقطعـت شعـور . ) .

وبذكاء شديد حوّلها ابن الجوزى الى مظاهرة حنبلية إذ توجه بالجماهير لزيارة وتقديس النُّصّب المقدس لابن حنبل . يقول : ( ثـم نزلـت فمضيـت إلـى زيـارة قبر أحمد ، فتبعني من حزر بخمسة آلاف . ) وتبع ذلك إقامة ( دكة ) أو مكتب للحنابلة فإغتم أرباب المذاهب السنية الأخرى ، يقول ابن الجوزى : ( وفي ليلة السبـت حـادي عشريـن جمـادى الأولـى‏:‏ أطلـق تتامـش إلـى داره ، وتقـدم أمير المؤمنين بعمل دكة بجامع القصـر للشيـخ ابـن المنـى الفقيـه الحنبلـي ، جلـس فيهـا يـوم الجمعـة ثانـي عشر جمادي الآخرة فماتوا أهل المذاهـب مـن عمـل مواضـع للحنابلـة ومـا كانـت العـادة قد جرت بذلك ، ).

وبدا واضحا أن هذا بسبب ابن الجوزى ومهارته فى القصص ، يقول : (وجعل الناس يقولون لي : هذا بسببك فإنه ما ارتفع هذا المذهب عند السلطان حتى مال إلى الحنابلة إلا بسماع كلامك " . فشكرت الله تعالى على ذلك . ولقد قال لي صاحب المخزن‏:‏ ما يخرج إلى شيء من عند السلطان فيه ذكرك إلا يثني عليه ؟ وقـال لـه يومـًا نجاح الخادم‏:‏ أنت تتعصب لابن الجوزي ؟ فقال : والله ما يتعصب له سيدك بقدر ما يتعصـب لـه إلا خمسيـن مـرة وما يعجبه كلام غيره . وكان يقول الوزير ابن رئيس الرؤساء ما دخلت قـط علـى الخليفـة إلاَ جـرى ذكر ابـن الجـوزي؟ ) .

ولهذا يفتخر ابن الجوزى بنفسه وبالمكافآت التى منحها له ( الظالمون ) وأفضاله على أهل ملته الحنبلية ، فيقول : ( وصـار لي خمس مدارس . وهذا شيء ما رآه الحنابلة إلا في زمنـي.! ولـي مائـة وثلاثـون مصنفـًا إلـى اليـوم وهـي فـي كـل فـن.  وقـد تـاب علـى يـدي أكثـر مـن مائـة ألف ، وقطعت أكثر من عشرين ألف طائلة . ولم ير لواعظ قط مثل مجلسي ؛ جمع الخليفة والوزير وصاحب المخزن وكبار العلماء‏.‏ ). ويستمر فيقول : (وفي يوم الثلاثاء سلخ جمادى الآخرة‏:‏ تكلمت بباب بدر وأمير المؤمنين حاضر والزحام شديد‏.‏)، ( وتكلمت يوم الخميس بعد العصر تاسع رجب تحت المنظرة وأمير المؤمنيـن حاضـر والزحـام شديـد ، والبـاب مغلـق لشـدة الزحـام )، ( وتكلمـت يـوم السبـت مفتتـح رمضان في مدرستي بدرب دينار فكان الزحام خارجًا عن الحد ، حتى غلق الأبواب ،وقُصّت ثلاثون طائلة ، وتاب خلق من المفسدين‏.‏). أى صارت عادة أن يتظاهر الناس بالتوبة كل مرة .!

ومن ذكاء ابن الجوزى أنه كان يستخدم قى وعظه معرفته بالتاريخ ومهارته فى سبك الروايات وتصديق العصر لما يقوله، فعلا نجمه، واسترجح بالقصص والوعظ بعض نفوذ الحنابلة فى مواجهة التصوف السُّنى وبقية المذاهب السنية .

( عن ابن الجوزى قصاصا مشهورا ج 18 / 33 ، 123 ــ ، 254 ، 202 : 203 ــ  ، 213 ــ ، 218 ــ  ـ )

الباب السادس : تطبيق الشريعة الحنبلية بالاضطهاد

‏   

الباب السادس :  تطبيق الشريعة الحنبلية بالاضطهاد 

 الفصل الأول : الحنابلة يستأصلون المعتزلة  

أولا : رُقى العلم ، وجهل العلم ، وتعليم الجهل

1 ـ نبدأ بهذا ونؤكد عليه بلا ملل لأنها هى المشكلة التى زرعتها الحنبلية منذ العصر العباسى الثانى ، ثم أحيتها الحنبلية الوهابية فى عصرنا الحالى ، ونشهد ثمارها السّامة المريرة فى تدمير العراق وسوريا والصومال وأفغانستان ، وفى الطريق دول الخليج والسودان ومصر وباكستان أن لم يحدث إصلاح حقيقى وعاجل . هى أزمة شباب نشأ فى مجتمعات تسيطر عليها الحنبلية الوهابية ويتعلم فيها الشباب الجهل والأكاذيب المنسوبة لله تعالى ورسوله على أنها هى الاسلام ، ويتعلمون تغيير المنكر والقتل للأبرياء على انه الجهاد ، وأن الإكراه فى الدين هو شريعة الاسلام . هذا ما أسّسته الحنبلية فى العصر العباسى الثانى ، وكان المسلمون على وشك التحرر منه لولا ظهور الوهابية وانتشارها وتسيدها . ولا سبيل للخلاص من هذا الوباء إلا باصلاح دينى تشريعى قانونى يؤسس حرية الرأى والفكر والعقيدة والدين لكل فرد ، وإصلاح تعليمى يتحقق به أفضل تصنيع للإنسان المصرى والعربى .

2 ـ التعليم هو صناعة الترقى بالإنسان .وهو صناعة باهظة التكاليف ولكن عائدها الاقتصادى والحضارى لا يمكن تقديره بثمن . لنفترض أنه فى هذه اللحظة وُلد طفلان ، احدهما فى أمريكا والآخر فى بقعة مجهولة فى غابات الأمازون . الطفلان لهما نفس القابلية للتعليم ، الأمريكى يجد دولة تنفق بسخاء على تعليمه علما حقيقيا ، وتفتح له أبواب الترقى ليصبح عالما فى الذرة أو الفضاء أو فى الجيولوجيا أو الاقتصاد أو التنمية البشرية . الآخر فى غابات الأمازون يعيش على ما إعتاده أهله ، نفس الرمح والصيد ونمط المعيشة التى تعيشها قبيلته دون تغيير عبر آلاف السنين شأن حيوانات الغابة حولهم . هذا هو الفارق بين رُقى التعليم الذى يبنى بالتراكم على الأمس ، وتتطور فيه الاختراعات كل دقيقة وبين جهل العلم فى الحضيض فى القبائل البُدائية . ولكن تظل هذه القبائل البدائية أفضل بالحضيض الذى تعيش فيه من الدرجة الأسفل ، وهى ( اسفل سافلين ) حين يسيطر دين أرضى ويفرض تعليم جهله وأكاذيبه وإفتراءته المتوارثة على أنها دين . هنا نتخيل سيدة مصرية ولدت توأما ، أرسل الأب أحدهما ليتعلم فى أمريكا منذ نعومة أظفاره ، وأرسل الآخر ليتعلم فى الأزهر الشريف جدا ويتخرج فى كلية أصول الدين قسم الحديث والتفسير مثلا . أحدهما بتفوقه يكون مثل د زويل ، وألاخر بتخلفه يكون مثل القرضاوى . هنا يتجلى الأزهر بمناهجه التراثية عبئا على مصر وقنبلة زمنية تهدد بتفجيرها ومصنعا لتعليم الجهل ونشر الجهل ـ وأشهد أنه يقوم بهذه المهمة بكل نجاح بدليل ما يقوم به طلبة الأزهر الآن ( ديسمبر 2013 ) وقد تحولوا الى عصابات تخريب وتدمير ، وهم يحسبون انهم يحسنون صُنعا . هم فى الحقيقة ضحايا لتعليم فاسد ، شأنهم شأن الأغلبية الساحقة من المصريين ( المتدينين ) الذين يؤمنون بالسُّنة على أنها الاسلام .

3 ـ نحن لا نرهق أنفسنا فى كتابة أبحاث تاريخية لمجرد إشباع الرغبة فى إكتشاف المجهول والمسكوت عنه من تاريخنا الذى لم يُقرأ بعد ، ولكن السبب الأهم هو الإصلاح لأننا نعيش فى اسوأ حال ، نكرر فيه عصور الظلام الدينى والفكرى فى ظل الوهابية الحنبلية . لذا فهذه مقدمة لفهم أثر الحنابلة الفاحش فى إجهاض الحياة العقلية للمسلمين ، عندما إستأصلوا المعتزلة فكرا ومنهجا وعندما إستأصلوهم بشرا واشخاصا . بدءوا بالاغتيال المعنوى بالتكفير والتحقير للمعتزلة فكرا واشخاصا ، وبعد الاغتيال المعنوى يأتى الاغتيال المادى بالقتل بتهمة الردة وبسلاح تغيير المنكر وبزعم الجهاد . وحتى لا ننسى فالحنابلة هم أول وأفظع من أرسى الإغتيال المعنوى وجعله طريقا للأغتيال الجسدى . وحتى لا ننسى أيضا فالوهابية الحنبلية فى عصرنا البائس تمارس نفس الاغتيال المعنوى والمادى فى التخلص من خصومها ( فرج فودة  مثلا )، وفى تدمير الطوائف الأخرى ، كشيعة سوريا والعراق والخليج . وندخل على إستئصال المعتزلة على يد الحنابلة فى العصر العباسى الثانى :

المرحلة الأولى : الاغتيال المعنوى

1 ـ نعطى دليلا بالتشنيع الذى أشاعه الحنابلة عن شيخ المعتزلة بشر المريسى المتوفى عام 218 ، من خلال روايات كاذبة ومنامات نشروها فى مجالس القصص ، وتداولوها عبر الأجيال ، الى أن سجلها فى القرن الخامس المؤرخ الحنبلى الخطيب البغدادى فى موسوعته ( تاريخ بغداد : ج 7 ص 56 : 67 ) فى ترجمته لبشر المريسى ، وقد ذكرها الخطيب البغدادى باعتبارها حقائق تاريخية يسجلها بالسند معتقدا صدقها بسبب إنتمائه الحنبلى الذى نعرفه من بداية قول الخطيب فى البداية عن بشر : ( بشر من أصحاب الرأى ، أخذ الفقه عن ابى يوسف القاضى ، إلا إنه إشتغل بالكلام ، وجرّد القول بخلق القرآن ، وخُكى عنه أقوال شنيعة ، ومذاهب مستنكرة ، أساء أهل العلم قولهم فيه بسببها ، وكفّره أكثرهم لأجلها .)، الخطيب يسمى عوام الحنابلة وشيوخهم ( أهل العلم ) فالعلم عنده هو الحديث أو صناعة ونشر أكاذيب منسوبة للنبى عليه السلام ، أما الاتجاه العلمى النقدى فهو كما كان يقال عنه (علم الكلام ) ، وعيب بشر المريسى أنه ( إشتغل بالكلام ) وأنه ( جرّد القول بخلق القرآن ) وأن أقواله شنيعة ومستنكرة سببت فى أن ( أهل العلم ) اساءوا القول فيه بسببها ، وحكموا بتكفيره . ولا يصف الخطيب بذاءة الحنابلة بالشناعة لأنه يشاركهم الرأى فى بشر المريسى . ونعرض لبعض ما ذكره الخطيب البغدادى من مزاعمهم وأتهاماتهم لبشر المريسى لنتعرف على جريمة الاغتيال المعنوى لبشر المريسى ، والذى كان ميتا قبلها بقرنين وأكثر ، وبالتالى فالهدف ليس النيل منه وقتله ، ولكن تكفير والإغتيال المعنوى للمعتزلة تمهيدا لإستئصالهم جسديا ، وهذا ما حدث بالفعل ، فى أكبر جريمة بشرية وحضارية مسكوت عنعا فى تاريخنا .

2 ـ عن تكفيره وتكفير المعتزلة تتنوع رواياتهم الكاذبة : قال أحدهم يتهمه بإنكار الالوهية : ( كلمت بشرا المريسى وأصحاب بشر فرأيت آخر كلامهم أنه ينتهى الى أن يقولوا ليس فى السماء شىء .). .!).ويزعم آخر :( سمعت هاتفا فى البحر يقول : لا اله إلا الله ، على ثمامة والمريسى لعنة الله . قال : وكان معنا فى المركب رجل من أصحاب بشر المريسى فخرّ ميتا . ) .

3 ـ  وعن الحكم بقتله وقتل أصحابه تتوالى رواياتهم : ( كنت عند ابن عيينة إذ أقبل بشر المريسى فتكلم بذلك الكلام الردىء ، فقال ابن عيينة : اقتلوه . قال ابن خلاد : فأنا فيمن ضربته بيدى.)( وكان أبو زرعة الرازي يقول‏:‏ بشر بن غياث زنديق ‏.) ( ‏وقال يزيد بن هارون‏:‏ هو كافر حلال الدم يقتل ‏.‏)( كنا عند يزيد بن هارون ، وذكروا المريسى فقال : ما يقول ؟ قالوا يقول القرآن مخلوق . فقال : هذا كافر ) ( كنا عند يزيد بن هارون وشاذ بن يحيى يناظره فى شىء من أمر المريسى ، وهو يدعو عليه ، فسمعنا يزيد وهو يقول : من قال القرآن مخلوق فهو كافر . ) ( يزيد بن هارون : حرضت أهل بغداد على قتل بشر المريسى غير مرة . ) ( اجتمع رأيى ورأى ابى النضر هاشم بن القاسم وجماعة من الفقهاء على أن المريسى كافر جاحد ، أرى أن يُستتاب ، فإن تاب وإلا ضربت عنقه .)

4 ـ وفى تحريض السلطة العباسية على قتل أتباع بشر المريسى صاغوا هذه الرواية الكاذبة ، وقد صاغوا لها إسنادا ينتهى الى محمد بن نوح الذى زعموا أنه قال: ( سمعت هارون أمير المؤمنين يقول : بلغنى أن بشر المريسى يزعم أن القرآن مخلوق ، والله علىّ إن أظفرنى به لأقتلنّه قتلة ما قتلتها أحدا قط .! ). الكذب ينضح من هذه الرواية ، فقد كان بشر المريسى فى بغداد فى متناول يد الرشيد لو أراد قتله لقتله دون أن يُقسم بهذه الطريقة:(والله علىّ إن أظفرنى به لأقتلنّه قتلة ما قتلتها أحدا قط .). وبنفس الجرأة الهائلة على الكذب يذكر ابن الجوزى فى المنتظم نفس الرواية ولكن باسناد مختلف ،يقول ابن الجوزى : ( أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا حمد بن أحمد بن أبي طاهر أخبرنا أبو بكر النجاد حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال‏:‏ حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي قال‏:‏ حدثني محمد بن نوح قال‏:‏ سمعت هارون أمير المؤمنين يقول‏:‏ بلغني أن بشر المريسي يزعم أن القرآن مخلوق لله علي إن أظفرني به لأقتلنه قتلة ما قتلها أحد قط ‏.‏). المهم هنا أن (  محمد بن نوح ) الذى يزعمون أنه سمع هارون أمير المؤمنين يقول كذا ، لم يسمع هارون الخليفة ، ولم يكن له أن يحضر مجلسا لهذا الهارون الخليفة سواء كان الخليفة هارون الرشيد أو  هارون الواثق حفيد الرشيد . موضوع ( خلق القرآن ) صار أزمة فى السنة الأخيرة من خلافة  المأمون . وقد أسفر فى النهاية على إصرار إثنين فقط على معارضة المأمون وهما ابن حنبل ورفيقه الشاب محمد بن نوح . ومات فى الطريق محمد بن نوح عام 218 . فى نفس العام الذى مات فيه بشر المريسى ، وترجم لهما ابن الجوزى فى وفيات نفس العام 218 . مات ابن نوح شابا . أى نفترض أن هذا الشاب عاش خمسا وعشرين عاما فإن مولده عام 193 ، أى ولد فى السنة التى مات فيها هارون الرشيد 193 فمتى التقى بالرشيد ؟. . وإذا كان المقصود أنه سمعه من الخليفة هارون الواثق ، فقد مات محمد بن نوح عام 218 ، وتولى هارون الواثق الخلافة عام 227 ،بعد موت ابن نوح بتسعة أعوام ، فمتى إجتمع ابن نوح بهارون الواثق ؟.!

5 ـ لم يتورعوا أيضا عن نسبة الروايات الكاذبة للشافعى فى التحريض غلى قتل مرسى .ومعلوم أن القول بخلق القرآن ظهر بعد موت الشافعى المتوفى عام 204 . والشافعى إنتقل من العراق وإستقر فى مصر من عام 199 ومات فيها قبل موضوع خلق القرآن ب15 عاما تقريبا ، وحتى لو حدث هذا الموضوع فى حياة الشافعى فقد كان وقتها فى مصر منشغلا بتملية كتابه ( الأم ) ، ولا شأن له بما يجرى فى بغداد . إلا أن الأكاذيب الحنبلية تجعل الشافعى عدوا لبشر المريسى بسبب موضوع خلق القرآن ، بل تجعل أم المريسى تحكم بكفر إبنها  بسبب خلق القرآن ، يقول أحدهم :( سمعت الشافعى يقول : دخلت بغداد فنزلت على بشر المريسى فأنزلنى فى غرفة له ، فقالت لى أمه : لم جئت الى هذا ؟ قلت أسمع منه العلم . فقالت : هذا زنديق .)، ويقول كاذب حنبلى آخر أن الشافعى قال له:( كلمتنى أم المريسى أن أكلم المريسى أن يكف عن الكلام ، فلما كلمته دعانى اليه فقال : إن هذا دين ، قال فقلت إن أمك كلمتنى أن أكلمك ). ويزعم كاذب حنبلى أن الشافعى دخل على الخليفة ( ولا نعرف من هو هذا الخليفة ) ، تقول الرواية : ( دخل الشافعى على أمير المؤمنين وعنده بشر المريسى ، فقال أمير المؤمنين للشافعى : ألا تدرى من هذا ؟ هذا بشر المريسى .! فقال له الشافعى : أدخلك الله فى أسفل سافلين مع فرعون ، وهامان وقارون . فقال المريسى : أدخلك الله أعلى عليين مع محمد وابراهيم وموسى . قال محمد بن اسحاق : فذكرت هذه الحكاية لبعض أصحابنا فقال لى : ألا تدرى أى شىء أراد المريسى بقوله ، كان منه طنزا ( أى سخرية ) لأنه يقول ليس ثمة جنة ونار . ).

6 ـ وفى مجال التحريض أيضا فهناك روايات أخرى تجعله يهودي الأصل أسلم ليدمر الاسلام .يقول حنبلى كاذب : ( مررت فى الطريق فإذا بشر المريسى والناس عليه مجتمعون، فمرّ يهودى فأنا فسمعته يقول : لا يفسد عليكم كتابكم كما أفسد أبوه علينا التوراة .! يعنى ان أباه كان يهوديا ). هنا نرى يهوديا مهموما بالاسلام والمسلمين يحذّر من خطر المريسى على الاسلام ، حتى لا يفعل بالاسلام مثلما فعل أبوه بالتوراة ، وطبعا لا نعرف بالضبط ما حدث للتوراة وقتها ، وماهو بالضبط الذى فعله والد المريسى ، ومن هو هذا ( الحبر ) اليهودى والد بشر المزعوم ، وأين هذا من نسب بشر الحقيقى الذى يذكره الخطيب نفسه فى مقدمة ترجمة بشر ،إذ يقول عنه : ( بشر بن غياث بن أبى كريمة ، أبو عبد الرحمن المريسى ، مولى زيد بن الخطاب .) . أى اسلم جده الأكبر على يد زيد بن الخطاب أخ عمر بن الخطاب، فأصبح طبقا لتقاليد العصر وقتها منتسبا له بالولاء . ولكن نفهم طبقا للرواية الكاذبة أن أباه كان من أحبار اليهود فى العصر العباسى.!. وتأتى الرواية التالية بكذبة متناقضة تجعل والد بشر المريسى يهوديا صبّاغا فى الكوفة وليس من أحبار اليهود فى العصر العباسى . ويأتى هذا ضمن قائمة من التحقير والتكفير والتفسيق تنم عن كراهية حنبلية هائلة لبشر المريسى ، يقول الكاذب الحنبلى : (  رأيت بشر المريسى ـ عليه لعنة الله ـ مرة واحدة ، شيخا قصيرا دميم المنظر ، وسخ الثياب وافر الشعر ، أشبه شىء باليهود . وكان أبوه يهوديا صباغا فى الكوفة . ثم قال : لا يرحمه الله ، وقد كان فاسقا . ).

7 ـ وفى مجال التحريض أيضا يقومون بشيطنة بشر المريسى وجعله من أتباع الشيطان ، وينسبون لابليس وحيا يقوله لهم عن بشر . وقد يكون هذا مضحكا للعقلاء فى عصرنا ، ولكنه كان مُقنعا للعوام وثقافة الحنبلية فى العصر العباسى وعصرنا . يقول حنبلى كاذب : ( رأيت ليلة جمعة ونحن فى طريق خراسان .. ابليس فى المنام ، قال : وإذا بدنه ملبس شعرا ، ورأسه الى أسفل ، ورجليه الى فوق ، وفى بدنه عيون مثل النار . قلت له : من أنت ؟ قال : أنا ابليس . قلت له : وأين تريد ؟ قال : بشر بن يحيى ، رجل عندنا بمرو يرى رأى المريسى ، وما من مدينة إلا ولى فيها خليفة . قلت : من خليفتك بالعراق ؟ قال : بشر المريسى . دعا الناس الى ما عجزت عنه ، قال : القرآن مخلوق . )، ويقول كاذب حنبلى آخر ( رأيت فى المنام إبليس رجلاه فى الأرض ورأسه فى السماء ، اسود مثل الليل ، وله عينان فى صدره ، فلما رأيته قلت : من أنت ؟ قال : هو ابليس . فجعلت اقرأ آية الكرسى . قال فقلت له : من أقدمك هذه البلاد ؟ قال : الى بشر بن يحيى ، رجل من الجهمية ( المعتزلة )، قلت : من إستخلفت بالعراق ؟ قال : ما من مدينة ولا قرية إلا ولى فيها خليفة . قلت : فمن خليفتك بالعراق ؟ فقال : بشر المريسى . دعا الناس الى أمر عجزت عنه . ) .

 ثانيا : ـ عصر الخليفة العباسى القادر بالله بين الإغتيال المعنوى وإبادة المعتزلة

 1 ـ تولى الخلافة عام  381 . وفيه راجت إشاعات الحنابلة عن المعتزلة بحيث أصبح تكفيرهم من أسس الدين السائد. وقد تأثر بهذا المؤرخ الحنبلى الخطيب البغدادى وسجلها فى ترجمته لبشر المريسى وغيره . كما تأثر بهذا المناخ الخليفة العباسى القادر بالله . وقد أدرك الخطيب البغدادى خلافة القادر بالله لأن الخطيب مات عام 436 ، ومات الخليفة القادر عام 422 . وقد ترجم له أيضا فى ( تاريخ بغداد ) وقال عنه : ( رأيت القادربالله دفعات ، وكان أبيض حسن الجسم كث اللحية طويلها يخضب. ) ومدحه الخطيب فقال عنه : ( وكان من أهل الستر والديانة وإدامة التهجد بالليل وكثرة البر والصدقات على صفة اشتهرت عنه وعرف بها عند كل أحد مع حسن المذهب وصحة الاعتقاد .) الوصف بحُسن المذهب وصحة الاعتقاد  يعنى عند الخطيب البغدادى : الالتزام بالدين الحنبلى ، وغير ذلك فهو ( البدعة ). وقد كتب القادر بالله يدافع عن مذهبه الحنبلى ، يقول عنه الخطيب: ( وكان صنف كتابًا فيه الأصول ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث ، وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز، أفكار المعتزلة والقائلين بخلق القرآن . وكان الكتاب يقرأ في كل جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي ويحضر الناس سماعه. ). وكوفىء هذا الخليفة على حنبليته يصناعة حديث يشير الى تزكيته ، ورواه الخطيب : ( لا تهلك هذه الأمة حتى يكون فيها إثنا عشر خليفة كلهم يعمل بالهدى ودين الحق ، منهم رجلان من أهل بيت النبى ، يعيش أحدهما أربعين سنة والآخر ثلاثين سنة . ) واستمرت خلافته  41 سنة وعشرة اشهر واحدى عشر يوما . ( تاريخ بغداد ج 4 ص 37 : 38 ) .

2 ـ وفي عام ‏ 408، يقول ابن الجوزى تحت عنوان :‏ ( استتاب القادر المبتدعة‏)‏: ( استتاب القادر بالله أمير المؤمنين فقهاء المعتزلة الحنفية، فأظهروا الرجوع ، وتبرأوا من الاعتزال . ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام .وأخذ خطوطهم بذلك ، وأنهم متى خالفوه حلّ بهم من النكال و"RTL"> 5 ـ وشهد نفس العام 420 حربا فكرية بمنشورات وأجتماعات رسمية فى تحريم وتجريم المعتزلة وغيرهم لاستئصالهم فى العراق . فى أحداث  18 شعبان يقول ابن الجوزى : (  جُمع الأشراف والقضاة والشهود والفقهاء في دار الخلافة ، وقرئ عليهم كتاب طويل ، عمله الخليفة القادر بالله ، يتضمن الوعظ وتفضيل مذهب السنة والطعن على المعتزلة وإيراد الأخبار الكثيرة في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة‏...) . ( وفي يوم الخميس لعشر بقين من شهر رمضان‏:‏ (جُمع الأشراف والقضاة والشهود والفقهاء والوعاظ والزهاد إلى دار الخلافة ، وقرأ عليهم أبو الحسن بن حاجب النعمان كتابًا طويلًا عمله الخليفة القادر بالله ، وذكر فيه أخبارًا من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته ، وما روي عنه في عدة أمور من الدين وشرائعه . وخرج من ذلك إلى الطعن على من يقول بخلق القرآن وتفسيقه ، وحكاية ما جرى بين عبد العزيز وبشر المريسي فيه ثم ختم القول بالوعظ والأمر .) ، وتكرر هذا فى شهر ذى القعدة :( وفي يوم الإثنين غرة ذي القعدة‏:‏ جمع القضاة والشهود والفقهاء والوعاظ والزهاد إلى دار الخلافة وقرئ عليهم كتاب طويل جدًا يتضمن ذكر أبي بكر وعمر وفضائلهما ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم والطعن على من يقول بخلق القرآن ، وأعيد فيه ما جرى بين بشر المريسي وعبد العزيز المكي في ذاك ويخرج من هذا الوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأقام الناس إلى بعد العتمة حتى استوفيت قراءته ، ثم أخذت خطوطهم في آخره بحضورهم وسماع ما سمعوه‏.‏.‏). هنا نرى تأثرهم بالروايات الى صنعها الحنابلة فى إغتيال شخصية بشر المريسى بعد قرنين من وفاته . أى أن هذه الحرب الفكرية نجحت أخيرا فى إستئصال المعتزلة .

5 ـ ومات الخليفة القادر عام 422 وتولى بعده إبنه الخليفة القائم ابن الخليفة القادر، الذى اصدر عام 433 منشورا رسميا بصياغة دين الدولة العباسية وقتها إشتهر باسم ( الإعتقاد القادرى ) . يقول ابن الجوزى : ( وفى هذه السنة‏:‏ قرئ الاعتقاد القادري في الديوان‏.‏) . ( ..أخرج الإمام القائـم بأمـر اللـه أميـر المؤمنين أبو جعفر ابن القادر بالله في سنة نيف وثلاثين وأربعمائة الاعتقاد القـادري الـذي ذكره القـادر. فقـُرئ فـي الديـوان وحضـر الزهاد والعلماء وممن حضر الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني ، فكتب خطة تحته قبل أن يكتب الفقهاء ، وكتب الفقهاء خطوطهم فيه: أن هذا اعتقاد المسلمين ومن خالفه فقد فسق وكفر . ). وجاء فيه عن القرآن :( ومن قال أنه مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر حلال الدم بعد الاستتابة منه . ).

ثالثا : بقايا المعتزلة بعد ( الاعتقاد القادرى )

1 ـ مات الخليفة القائم عام 467 ، وفى أواخر خلافته إنتهى نفوذ بنى بويه ، وتحكم الأتراك السلاجقة فى الخلافة ، وكان نظام الملك الوزير المشهور للسلاجقة واسع الأفق فتشجع فى بغداد بعض المعتزلة الساكتين فاعلنوا عن أنفسهم . وقتها كانت هناك فرقة حنبلية ارهابية فى بغداد يتزعمها أحد العوام واسمه عبد الصمد ، تقوم بتطبق تغيير المنكر بأن تطارد من تتهمه بالتشيع أو الاعتزال ، وتُجبرهم على الصلاة فى المسجد الجامع ( جامع المنصور ) الذى يسيطر عليه الحنابلة ، يقول ابن الجوزى فى أحداث عام  456 : ( وفـي يـوم الجمعـة الثانـي عشـر مـن شعبـان‏ هجـم قـوم مـن أصحـاب عبـد الصمد ،على أبي علي بن الوليد المدرس لمذهب المعتزلة فسبوه وشتموه لا متناعه من الصلاة في الجامع وتدرسيه لهذا المذهب.)  سمح نظام الملك ـ وكان أشعريا ـ بتدريس الاعتزال ، وكان قد زار بغداد . ) . فهجم عبد الصمد بأعوانه على المدرسة والمدرس لاجبارهم على الصلاة فى الجامع الحنبلى ، ولأنهم يتعلمون مذهب الاعتزال . وتشجع المدرس المعتزلى فلعنهم : ( فقال لهم‏:‏ لعن الله من لا يؤثر الصلاة ولعن الله من يمنعني منها ويخيفني فيها‏.) ويرى ابن الجوزى إن المدرس المعتزلى كان يقصد عوام الحنابلة الذين يستحلون دماء المعتزلة ، يقول عن المدرس المعتزلى : ( إيماء إليهـم وإلـى أمثالهـم من العوام ، لما يعتقدونه في أهل هذا المذهب من استحلال الدم ونسبتهم إلى الكفر. ) فهجم عليه رعاع الحنبلية فصرخ مستغيثا بأهل الحى فخاف الحنابلة فتركوه . يقول ابن الجوزى : ( وأوقعوا به وجرحوه وصاح صياحًا ، خافوا اجتماع أهل الموضع معه عليهمن فتركوه . ثم أغلق بابه . ) وقام الحنابلة بالتشنيع على المعتزلة فى الجامع الكبير فى بغداد ( جامع المنصور ) . يقول ابن الجوزى : ( واتصل اللعن للمعتزلة في جامع المنصور. وجلس أبو سعد بن أبي عمامة فلعن المعتزلة‏ . ). 

2 ـ ظهر الشيخ المعتزلى أبو يوسف القزوينى بعد خفوت مفعول الاعتقاد القادرى. وهو مولود عام 392 ، وتوفى عام 488 فى خلافة المسترشد العباسى ، أى عاش ستا وتسعين سنة ، وكان عمره 28 عاما وقت محنة المعتزلة فى خلافة القادر بالله العباسى عام 420 ، ولهذا هاجر الى مصر الفاطمية ، وظل فيها اربعين عاما ، ثم عاد الى بغداد متشجعا بالتغيير الذى أحدثه الوزير نظام الملك فى بغداد فأخذ يعلن مذهبه . يقول عنه ابن الجوزى : ( أحد شيوخ المعتزلة المجاهرين بالمذهب الدعاة . قرأ على عبد الجبار الهمذاني . ورحل إلى مصر ، وأقام بها أربعين سنة . وحصل أحمالًا من الكتب فحملها إلى بغداد. .. وفسّر القرآن فـي سبعمائـة مجلـد . ) هنا شيخ معتزلى يجاهر بأنه معتزلى  . يقول ابن الجوزى عنه :( وكان يفتخر ويقول‏:‏ "أنا معتزلي " ، وكان ذلك جهلًا منه لأنه يخاطر بدمه في مذهب لا يساوي . ) ابن الجوزى يعتبر إعلانه عن مذهبه مخاطرة بحياته فى سبيل مذهب لا يساوى .!. الطريف هى هذه الرواية التى تعكس سماحة الوزير نظام الملك وقد دخل عليه أبو يوسف القزوينى  فوجد عند شيخا حنبليا وآخر أشعريا . تقول الرواية :  (‏ دخـل أبـو يوسـف علـى نظام الملك ، وعنده أبو محمد التميمي ورجل آخر أشعري ، فقال له‏:‏ أيها الصدر قد اجتمع عندك رؤوس أهل النار‏. فقال‏:‏ كيف ؟ فقال‏:‏ أنا معتزلي وهذا مشبه وذاك أشعري ، وبعضنا يُكَفِّر بعضًا‏.) .

3 ـ كانت هذه الإنفراجة المعتزلية مرتبطة بعصر وشخص الوزير نظام الملك ، إنتهت بعد إغتياله فى رمضان عام 485 . شفاء الناس من التخلف الحنبلى إحتاج الى إستمرار لسياسة نظام الملك فى التسامح وفى إنشاء المدارس والانفناح على الإتجاهات العقلية ، نظام الملك هو الذى أنشأ المدرسة النظامية فى بغداد ، وهو الذى أعاد بعضا من حرية الفكر ، وهو الذى قام بتحجيم الحنابلة فاستحق نقمتهم . عادت الأمور الى ما كانت عليه بسبب عامل آخر هو إنتشار التصوف .  قام الحنابلة بتجهيز المناخ لانتشار التصوف ، وهو الأكثر من الحنبلية فى التعبير عن خرافات وعقليات العوام ، ولأن الحنبلية قامت بارهاب أصحاب الفكر من داخل دين السُّنة نفسه . أقاموا محنة للطبرى وللأشاعرة . نتوقف معهما فى المقال القادم .

الفصل الثانى : الحنابلة ومحنة الطبرى     

تسيد عقلية العوام الحنبلية  

1 ـ سبق الإستشهاد بما قاله ابن الجوزى فى المنتظم فى حوادث عام 408 : ( وامتثل يمين الدولة وأمين الملة أبو القاسم محمود أمر أمير المؤمنين ، واستن بسننه في أعماله التي استخلفه عليها من خراسان وغيرها في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة ، وصلبهم ، وحبسهم ، ونفاهم ، وأمر بلعنهم على منابر المسلمين ، وإيعاد كل طائفة من أهل البدع وطردهم عن ديارهم. وصار ذلك سنة في الإسلام‏.‏). وقد كان مستحيلا قتل السكان الشيعة وطوائفهم ( الرافضة والاسماعيلية ). إقتصر القتل على النشطاء منهم . وكان مستحيلا إستئصال كل المثقفين المعتزلة ومن يقاربهم من ( الجهمية والمشبهة ) لأن التقية واردة ، والتظاهر بالتوبة وارد ، كما أن العقائد لا يمكن إبادتها بقوة السلاح .إنّ الذى قضى فعلا على الفكر المعتزلى والحياة العقلية والتقدم العلمى هو تسيد العوام الحنابلة بجهلهم وفرض هذا الجهل باسم ( الٍسُّنّة ) والاسلام .

2 ـ ولكن تركزت سطوة الحنابلة أكثر فى بغداد والعراق ، فإستمر العلم الحقيقى بعض الشىء خارج العراق فى الشرق ومصر والاندلس . وكان يُنادى فى بغداد عام 279 بتحريم كتب الفلسفة ، وفي نصف رمضان عام 311  أحرق الحنبلة العوام أكواما من الكتب الفلسفية والدينية والمصاحف مما سمّاه ابن الجوزى ( أربعة أعدال من كتب الزنادقة ، فسقط منها ذهب وفضة مما كان على المصاحف ، له قدر ‏.‏). وبينما كان رعاع الحنابلة يحاصرون ابن جرير الطبرى حتى مات عام 310 ، فإن البيئة العلمية خارج بغداد ظلت يتخرج فيها ( أفراد قلائل ) من ( أفذاذ ) العلماء الذين يفخر بهم التاريخ الانسانى برغم أنف الحنابلة . على سبيل المثال ، فى شرق العراق ظهر الفارابى ت 329 والرازى الطبيب ت 311  وابن سينا ت 428 والبيرونى 440 . وفى مصر ابن الهيثم ت 430 وفى النهاية ابن النفيس ت 607.

3 ـ وتبدو سطوة الحنابلة فى أنهم جعلوا تعلم الحديث ( سماع الحديث وحفظه ) هو بداية العلم للجميع ، واساس الشهرة و الوسيلة للتوظيف، وكان هذا خلافا لما كان عليه الأمر فى العصر العباسى الأول حيث كان الرواد من غير المسلمين ، ومن كان مسلما لم تكن له مشاركة فى سماع الحديث لانشغالهم بالعلم الحقيقى وترجمة التراث الفلسفى اليونانى . ولكن نلاحظ بدءا من القرن الرابع تعلم العلماء الحقيقيين للحديث ، فابن الهيثم نشأ فى البصرة وتعلم فيها الحديث ثم إنتقل الى مصر فأبدع . ودرس ابن النفيس فى دمشق الفقه الشافعى وكتب فى التفسير ثم انتقل الى القاهرة ليبدع ، أما ابن رشد الاندلسى فقد كان قاضيا للقضاة فى إشبيلية وفقيها فى المذهب المالكى وطبيبا ، وأبرع فيلسوف فى عصره . وقد أحرق الحنابلة هناك كتبه ورموه بالالحاد ، ومات عام 595 .

4 ـ وبمرور الزمن إنعدم وجود هؤلاء (الأفراد القلائل الأفذاذ )، وإنمحى التنوير وعمّت ظلمات الحنبلية ، بل وتصدرت خرافات العوام الساحة العلمية. وبعد الخطوة العلمية الهائلة التى حققها ابن سينا والرازى وابن الهيثم والببرونى والخوارزمى ..الخ تصدّر أهل الفقه والحديث الساحة فى العلوم الطبيعية يملأونها بخرافات عقولهم العامية ، ويحصنونها بأحاديث ، بدأ ذلك البخارى بأحاديث سجود الشمس عند عرش الرحمن والتداوى ببول الإبل ، وسار على الطريق آخرون.ودرسنا هذا العفن فى مقررات التفسير والحديث فى الأزهر من أن الأرض يحملها حوت إسمه ( بهموت فمشكل )، وأن الشمس تدور حول الأرض ،وأن عدد الكواكب ستة ، بالاضافة الى رضاعة الكبير !.

5 ـ عقلية العوام هذه كانت لا تفرّق بين الرعاع وعلية القوم إذ ساوى بينهم دين الحنبلية . ونأخذ مثالا على ذلك بالوزير أبى شجاع المتوفى عام 488 ، والذى كان أبوه وزيرا ، ثم أصبح وزيرا للخليفة المقتدى العباسى ، أى نشأ فى طبقة عالية ، ولكنه تعلم الحنبلية وأخلص لها فكان فى وزارته معبرا عنها ملتصقا بالعوام الحنابلة . وقد ملأ ابن الجوزى ترجمته بالمدح والتقريظ وتعداد مناقبه ، وبين السطور نعرف صلته بالعوام وإنتماءه لهم مع انه وزير ابن وزير . يقول عنه ابن الجوزى:( وأوطـأ العـوام والصالحيـن مجلسـه ، وكـان يحضـر الفقهـاء الديوان في كل مشكل . )أى فتح للعوام مجلسه، وكان يستشير فقهاء الحنابلة فى سياسته . وفى نفس الوقت تعصب ضد (أهل الذمة )، يقول ابن الجوزى:( وألبس أهل الذمة الغيـار وتقـدم إلـى ابـن الخرقـي المحتسـب أن يـؤدب كـل مَنْ فتح دكانه يوم الجمعة ويغلقه يوم السبت من البزازين وغيرهم وقال‏:‏ هذه مشاركة لليهود في حفظ سبتهم‏.‏) وكالفقهاء الحنابلة كان موسوسا :( وكانت به وسوسة في الطهارة‏.‏). وقد تشجع العوام بسطوتهم فى غيابه فأسقطوا هيبة الدولة ممّا جعل الخليفة يغضب عليه ويأمره بالحزم معهم ، فاضطر للتصرف معهم بما يستحقون ، فانقلبوا عليه ، واتهموه بالتشيع وأصبحوا خصوما له . يقول ابن الجوزى : ( كان الوزير أبو شجاع كثير البر للخلق كثير التلطف بهم ، فقدم من الحج وقد اتفـق نفـور العـوام نفـورًا أريقـت فيهـا الدمـاء وانبسـط ، حتـى هجموا على الديوان وبطشوا بالأبواب والستور ، فخرج من الخليفة إنكار عليه ، وأمره أن يلبس أخلاق السياسة لتنحسم مادة الفساد ، فأدَّب وضرب وبطش ، فانبسطت فيه الألسنة بأنـواع التهـم ، حتـى قـال قـوم‏:‏ هـا هـو إسماعيلـي ،وهبـط عندهـم مـا تقدم من إحسانه‏.‏).وعزله نظام الملك فحاز عطف العوام :( ولما عزل الوزير أبو شجاع خرجِ إلى الجامع يوم الجمعة فانثالت عليـه العامـة تصافحه وتدعو له .. ) فأمر نظام الملك بنفيه من بغداد : ( ثم وردت كتب نظام الملك بإخراجه من بغداد فأخرج إلى بلده ، فأقام مدة ، ثم استأذن في الحج ، فأذن له فخرج‏.‏) ( .‏.‏وجاور بالمدينة ، فلما مرض مرض الموت حُمل إلى مسجـد رسـول اللّـه صلـى اللـه عليـه وسلـم فوقـف بالحضـرة وبكـى وقـال‏:‏ يـا رسول الله قال اللهّ عز وجل ‏{‏ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا اللّه واستغفر لهم الرسول لوجدوا اللّه توابًا رحيمًا‏}‏ وقد جئت معترفًا بذنوبي وجرائمي أرجو شفاعتك وبكى‏.‏ ).أى كان معتقدا فى الشفاعة حتى آخر عمره .

ثانيا : عقلية العوام وتسليح العوام

1 ـ نُعيد مقالة ابن الجوزى عن العوام فى وزارة أبى شجاع : (  كان الوزير أبو شجاع كثير البر للخلق كثير التلطف بهم ، فقدم من الحج وقد اتفـق نفـور العـوام نفـورًا أريقـت فيهـا الدمـاء وانبسـط ، حتـى هجموا على الديوان وبطشوا بالأبواب والستور ، ). ابن الجوزى كالعهد به يفتقر للأمانة التاريخية فيما يخص الحنابلة ، وهو هنا يوجز الحديث فى التخريب وسفك الدماء الذى قام به عوام الحنابلة ، والذى إمتد من الشارع الى الديوان والبلاط العباسى فسبّب غضب الخليفة ودفعه لتعنيف الوزير ، والذى كان سببا فى أن عزله نظام الملك . المستفاد هنا ليس فقط سطوة العوام الحنابلة حتى فى تعاملهم مع السُّلطة العباسية بل أيضا فى تسلحهم بما يمكّنهم من إقتحام أسوار القصور العباسية والديوان الحكومى .

2 ـ قبلها وقت سيطرة أبى طاهر جلال الدولة البويهى على الخلافة العباسية ( 416 : 435 ) وفى السنة الثانية فى خلافة القائم الذى تولى بعد موت أبيه القادر العباسى ، أراد الملك البويهى إذلال الخليفة القائم ، فنزل ببعض حاشيته فى 11 شوال عام 423  فـي يـوم الأربعـاء فى بستان قصر الخلافة ، واخذ يشرب الخمر وتعزف له الموسيقى ، يقول ابن الجوزى: ( وعرف الخليفة ذلك فشق عليه وأزعجه ) وارسل الخليفة له القاضى والحاجب برجاء الاكتفاء بالانبساط دون الخمر والزمر فرفض، واستمرت المفاوضات  وانتهت برحيل السلطان بسبب تجمهر العوام وهم مسلحون ، يقول ابن الجوزى :( واجتمع من العامـة علـى دجلـة خلـق كثيـر ، يهـزأون بالقـول ، ويخرجـون إلى الحرق، ومعهم سيوف وسكاكين مستورة .). هؤلاء العوام أعطاهم القادر بالله العباسى سلطة القضاء على المعتزلة ، فقاموا بحماية إبنه القائم . والسؤال الآن : ماذا يفعل الطبرى فى شيخوخته أمام هؤلاء العوام الحنابلة المسلحين ؟ 

3 ـ عن حالة الخلافة العباسية فى عهد بنى بويه الديالمة نقرأ ما حدث للخليفة المستكفى من إهانته وعزله وسمل عينيه ونهب داره عام 334 ، يقول ابن الجوزى : ( وفي يوم الخميس لثلاث بقين من جمادى الآخرة‏:‏ انحدر معز الدولة إلى دار الخلافة ، فسلم على الخليفة، وقبل الأرض ، وقبل يد المستكفي ، وطرح له كرسي فجلس، ثم تقدم رجلان من الديلم فمدا أيديهما إلى المستكفي وطالبا بالرزق، فلما مدا أيديهما ظن أنهما يريدان تقبيل يده ، فناولهما يده ، فجذباه فنكساه من السرير، ووضعا عمامته في عنقه ، وجراه .ونهض معز الدولة واضطرب الناس ،ودخل الديلم إلى دور الحرم ، وحُمل المستكفي راجلًا إلى دار معز الدولة ،فاعتقل بها ، وخُلع من الخلافة .ونهبت الدار حتى لم يبق بها شيء . وسُمل المستكفي. وكانت مدة خلافته سنة وأربعة أشهر ويومين. وأحضر الفضل بن المقتدر يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة ، فبويع ولُقّب المطيع لله‏.)‏. وولّوا خليفة جديدا أسموه ( المطيع ) وظل فى الخلافة حتى عام 363 . هذا الخليفة (المطيع ) كان يرتعب من الحنبلية . يروى ابن الجوزى فى سيرته عن أحدهم : ‏ ( سمعت المطيع لله يقول‏:‏ وقد أحدق به خلق كثير من الحنابلة حزروا ثلاثين ألفًا ، فأراد أن يتقرب إليهم فقال‏:‏ سمعت شيخي ابن بنت منيع يقول‏:‏ سمعت أحمد بن حنبل يقول‏:‏ إذا مات أصدقاء الرجل ذلّ‏.).!!..  

محنة الطبرى بين عقلية العوام وهمجية العوام :

1 ـ  لقد أدت شهرة الطبري إلى حقد أئمة الحنابلة السنيين عليه فتعصبوا ضده، وأثاروا عليه غوغاءهم . ومن طبيعة العوام ألّا تستريح للعلماء المجتهدين. وإذا كان لأولئك العوام سُلطة فالضحايا هم العلماء المجتهدون حتى من داخل نفس الدين والمذهب . يقول ابن كثير في تاريخه عن الطبري" كانت وفاته وقت المغرب عشية يوم الأحد ليومين بقيا من شوال من سنة عشر وثلاثمائة ، وقد جاوز الثمانين بخمس سنين،ودفن في داره ، لأن بعض عوام الحنابلة ورعاعهم منعوا دفنه نهاراً، ومن الجهلة من رماه بالإلحاد، وحاشاه من ذلك كله، بل كان أحد أئمة الإسلام علماً وعملاً بكتاب الله وسنته رسوله، وإنما تقلدوا ذلك عن أبي بكر محمد بن داود الظاهري حيث كان يتكلم فيه ويرميه بالعظائم. ) . إبن كثير كان يعرف قدر الطبرى ، وقد تأثر ابن كثير بالطبرى فى تاريخه ( البداية والنهاية ) : ( تاريخ ابن كثير ) وفى تفسيره ( تفسير ابن كثير ). وابن كثير هنا يصف الحنبلة بالعوام والرعاع وبالجهلة ، مع إنه كان حنبليا .  2ـ وربما بسبب حنبليته فإن إبن كثير أعرض عن تفصيلات محنة الطبرى التى ذكرها المؤرخ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي، الذى يذكر أن الطبري حين قدم بغداد من طبرستان تعصب عليه ابن الجصاص وابن عرفة والبياضي وأثاروا عليه عوام الحنابلة ، فسألوه في المسائل الخلافية ، ولما لم ترضهم إجابته رموه بمحابرهم ، وكانت ألوفاً ، فهرب منهم إلى داره . فردموا داره بالحجارة، حتى صارت الحجارة على باب داره كالتل العظيم، وركب نازوك صاحب الشرطة ففرق الناس عن داره بعشرات الألوف من الجنود، واضطر الطبري للاعتكاف في داره، وعمل كتابه المشهور في الاعتذار إليهم، ومات، وعثروا على ذلك الكتاب مدفوناً في التراب فأخرجوه ونسخوه بعد موته..!! ويذكر المؤرخون أن العوام منعوا دفنه علناً، فدفنوه سراً، ثم أتى الناس أفواجاً إلى قبره فيما بعد يترحمون عليه...!!  المؤسف هنا أن الطبرى فى هذه المحنة كان عمره 85 عاما ، وعومل بهذا الشكل فى شيخوخته .!

2 ـ الغريب أن الخطيب البغدادى يتجاهل تفصيلات محنة الطبرى مع أنه أوسع له فى ترجمته فى تاريخ بغداد . كل ما قاله عن محنة الطبرى قول أحدهم : (  ما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير ( الطبرى ) ، ولقد ظلمته الحنابلة .! )، وسئل أحدهم : ( هل سمعت من محمد ين جرير شيئا ؟ فقال : لا ، إنه ببغداد ، لا يُدخل عليه لأجل الحنابلة ،وكانت تمنع منه . فقال : لو سمعت منه لكان خيرا لك من جميع من سمعت من سواه .) ( تاريخ بغداد للخطيب : ( 2 / 164 ـ ).

3 ـ الأغرب هو موقف ابن الجوزى الذى إنتصر للحنابلة ضد الطبرى المظلوم ، مع أن ابن الجوزى عالة على الطبرى فى التاريخ والتفسير والحديث . ولكن تعصب ابن الجوزى للحنابلة فاق الحدّ . فى حوادث عام 309 : وفي ذي القعدة، يروى ابن الجوزى ‏:‏ ( أحضر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري دار علي بن عيسى لمناظرة الحنابلة فحضر ولم يحضروا ، فعاد إلى منزله . وكانوا قد نقموا عيه أشياء. ) ، أى نقم عليه الحنابلة رأيه فى موضوع الاستواء على العرش ( مثلا ) فحضر لمناظرتهم فتهربوا من مناظرته. لقد تحدى الطبرى أئمة الحنابلة،وبدلا من المناظرة أرسلوا له جيوشهم من الرعاع تحاصره فى بيته الى أن مات .!.وحين يأتى ابن الجوزى الى وفيات  310 ، وترجمته للطبرى، نجده قد تجاهل تفاصيل محنة الطبرى. قال عنه : ( استوطن ابن جرير بغداد إلى حين وفاته. وكان قد جمع من العلوم ما رأس به أهل عصره . وكان حافظًا للقرآن بصيرًا بالمعاني عالمًا بالسنن فقيهًا في الأحكام عالمًا باختلاف العلماء خبيرًا بأيام الناس وأخبارهم . وتصانيفه كثيرة منها‏:‏ كتاب التاريخ وكتاب التفسير وتهذيب الآثار إلا أنه لم يتمم تصنيفه ، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة ‏.) ، وبعد تفصيلات عن علمه وشعره ومؤلفانه يقفز ابن الجوزى مباشرة الى وفاته كما لو كانت وفاة عادية ، يقول : ( توفي أبو جعفر الطبري وقت المغرب من عشية الأحد ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلثمائة ، ودفن وقد أضحى النهار يوم الاثنين برحبة يعقوب في ناحية باب خراسان في حجرة بإزاء داره . وقيل‏:‏ بل دفن ليلًا ،ولم يؤذن به أحد ..‏) ثم يضطر للقول : (  أنه إنما أخفيت حاله لأن العامة اجتمعوا ومنعوا من دفنه بالنهار، وادعوا عليه الرفض ، ثم ادعوا عليه الإلحاد ‏. ) . هنا يقول ( العامة ) ولا يقول الحنابلة . ويعبر ابن الجوزى عن تعصبه الحنبلى فيهاجم الطبرى كأنه يبرر ما حدث له :( .. كتب ابن جرير في جواب هذا إلى نصر الحاجب‏:‏ " لا عصابة في الإسلام كهذه العصابة الخسيسة ". وهذا قبيح منه ، لأنه كان ينبغي أن يخاصم من خاصمه ، وأما أن يذم طائفته جميعًا وهو يدري إلى من ينتسب فغاية في القبح ‏. ) أى فطالما قال الطبرى هذا عن الحنابلة فهو يستحق ما جرى له على أيديهم .

أخيرا

ومع شهرة الطبرى فى عصرنا فإن محنة الطبرى من المسكوت عنه ، بسبب تسيد الحنبلية الوهابية .!

 

الفصل الثالث : الحنابلة وإضطهاد الأشاعرة   

مقدمة :

1 ـ  فى الدولة الدينية تتأسّس المزايدة الدينية ، والأكثر تشددا هو الذى يفوز بالمزايدة على ( المعتدلين ) أو المنافقين المتظاهرين بالاعتدال . والعادة أن الأكثر تشددا هو الأكثر جهلا ، وهو يستر جهله برفض  وحظر وتحريم ما لا يعلمه . وبالتالى فبعد التخلص من العدو الخارجى تبدأ المزايدة داخليا يقوم بها الأعلى صوتا والأكثر تزمتا وبطشا ، وفى النهاية مع ترسُّخ الجهل هو الذى يفوز ، ويهبط بالجميع من الحضيض الى أسفل سافلين .

2 ـ لا ينطبق هذا فقط على الصراعات داخل الدول الدينية بل أيضا على الجماعات الدينية ، وهذا يشمل حركة الحنابلة التى زايدت على الدولة العباسية الكهنوتية ، وإستأصلت المعتزلة ( العدو الخارجى ) ثم بدأت ( تطهيرا ) داخل الدين السّنى نفسه بجعل أعظم مؤلف سُنى وهو محمد بن جرير الطبرى عبرة لكل من تسوّل له نفسه أن يفكّر ، أو أن يعلو بفكره وإجتهاده فوق سقف العقلية العامية ، حيث كان العوام وأئمتهم هم القوة الغالبة . واجه العوام ما إعتبروه عدوا آخر فى الداخل ، وهم الأشاعرة الذين وقفوا ضد العدو الخارجى ( المعتزلة ) وشنّوا ضدهم حربا فكرية ساندت الحرب الإستئصالية الجسدية . لم يسترح العوام الحنابلة للاشاعرة السنيين وما لديهم من فكر وقدرة على التنظير والجدل ، فأصبح الأشاعرة الضحية التالية بعد المعتزلة .

أولا : أبو الحسن الأشعرى ( 260 : 331 )

1 ـ  ـ فى وقت محنة المعتزلة وتعرضهم للإضطهاد ، وبعد أن إنقرض الأئمة الكبار للمعتزلة وصار العصر كله ضدهم إنتهز الفرصة فقيه معتزلى مغمور كان تلميذا للجبائى المعتزلى فإنشق عن المعتزلة ، فبرز إسمه وأسس له شهرة ، وتبعه آخرون . لقد إنشقّ أبو الحسن الأشعرى عن المعتزلة مستغلا محنة المعتزلة وأملا فى شهرة أكبر من شيخه الجبائى المعتزلى ، الذى لم يكن شيئا مذكورا بالمقارنة للأئمة السابقين للمعتزلة . وبعد أن أدى الأشعرى مهمته قوبل بفتور من عوام الحنابلة ، ثم تحول النفور الى إضطهاد للأشاعرة أدى فى النهاية الى إستئصالهم فكريا ، ليغطى الجهل الحنبلى على الساحة .  

2 ـ  وهو (علي بن إسماعيل ) من نسل  ( بلال بن أبي بردة الأشعرى ) أحد الولاة الأمويين الظالمين ، وابوه ( أبو بردة ) القاضى الذى شهد زورا لصالح معاوية وزياد بن أبيه ضد ( حُجر بن عدى ) مما أدى لقتل ( حُجر بن عدى ) أول قتيل مظلوم بسبب حرية الرأى . والجد الأكبر هو ( ابوموسى الأشعرى ) والى العراق فى عهد عمر والذى عزله عمر ، ثم كان ممثل ( على ) فى التحكيم ، فخان ثقة ( على ) وتلاعب به ( عمرو بن العاص). لا نؤاخذ أبا الحسن الأشعرى بخطايا أجداده ، ولكن ما فعله مع المعتزلة وإنشقاقه عنهم فى محنتهم يوضح أن">  4ـ  ولقد عبّر ابن الجوزى بتعصبه الحنبلى عن موقف عوام الحنابلة من أبى الحسن الأشعرى . يقول عنه فى المنتظم فى : ( تشاغل بالكلام ،) وهذا فى الاصطلاح الحنبلى أنه أضاع وقته فى علم محرم باطل . ، ويقول ابن الجوزى : ( وكان على مذهب المعتزلة زمانًا طويلًا ، ثم عنّ له مخالفتهم . وأظهر مقالة خبطت عقائد الناس وأوجبت الفتن المتصلة . ) . أى يعتبر مذهب الشاعرة خبطا فى عقائد الناس وسببا فى الفتن . ويؤاخذه ابن الجوزى بكونه معتزليا سابقا ، وأنه وافق المعتزلة بالقول فى خلق القرآن : ( .. والمعتزلة قالوا هو مخلوق فوافق الأشعري المعتزلة في أن هذا مخلوق، وقال‏:‏ ليس هذا كلام الله إنما كلام الله صفة قائمة بذاته ما نزل ولا هو مما يسمع. ) . ويقول ابن الجوزى إن الأشعرى خاف على نفسه من الحنابلة فاستجار ببعضهم ليحميه من القتل : ( وما زال منذ أظهر هذا خائفًا على نفسه لخلافه أهل السنة، حتى أنه استجار بدار أبي الحسن التميمي حذرًا من القتل . ) وأنه بعد أن إنشق عن المعتزلة وجد من يحميه : ( ثم تبع أقوام من السلاطين مذهبه فتعصبوا له ، وكثر أتباعه حتى تركت الشافعية معتقد الشافعي رضي الله عنه ودانوا بقول الأشعري‏.‏). أى إن أتباع المذهب الشافعى إتبعوا الأشعرى وتركوا الحنابلة . وأورد ابن الجوزى قول أحدهم عن الأشعرى : ( .. ولم يزل معتزليًا أربعين سنة يناضل عن الاعتزال، ثم قال بعد ذلك: قد رجعت عن الاعتزال‏.‏.! ) وقال آخر : ( كان الأشعري تلميذ الجبائي يدرس عليه ويتعلم منه لا يفارقه أربعين سنة‏.‏) . أى لم يغفر له الحنابلة أنه كان معتزليا من قبل . و يقول ابن الجوزى عنه بما يُشبه الاحتقار:( وتوفي ببغداد..وقبره اليوم عافي الأثر لا يُلتفت إليه‏.‏).وكان الخطيب البغدادى أقل تعصبا من ابن الجوزى ، فقال عن الأشعرى : ( صاحب الكتب والتصانيف فى الرد على الملحدة وغيرهم من المعتزلة والرافضة والجهمية والخوارج وسائر أصناف المبتدعة. )( تاريخ بغداد 11 / 346 : 347 ). لم يؤاخذه الخطيب بماضيه السابق ، وإقتصر على مدحه ونضاله ممّن جعلهم ملحدين ومبتدعين . ولكن الغلبة كانت للعوام الحنابلة وشيوخ وعظهم كابن الجوزى .

ثانيا : إرهاب الأشاعرة .

1 ـ وُلد الأشعرى فى خلافة المعتمد العباسى ، ومات فى خلافة المتقى . أى عاصر قوة النفوذ الحنبلى ، والذى وصل ذروته فى خلافة القادر وابنه القائم . ثم حدث انحسار مؤقت  فى النفوذ الحنبلى مع بداية سيطرة السلاجقة ونفوذ الوزير القوى نظام الملك وإتجاهاته السنية المعتدلة والتى تلتقى مع الأشاعرة ، لذا تشجع التيار المعتزلى على الظهور فاشتبك مع الحنابلة ، وزاد فى حدة المواجهة أن بعض مناصرى الاعتزال الذين إختفوا أوتواروا عادوا للظهر فى إطار الأشعرية ، يواجهون من خلالها تخلف الحنابلة وسطوتهم . وهذا موضوع طويل يخرج عن عنوان بحثنا ، ولكن نعطى لمحة عن الصراع الحنبلى الأشعرى من خلال ما أورده ابن الجوزى فى تاريخ المنتظم.

2 ـ وفي شوال عام 469  كانت ( الفتنة بين الحنابلة والأشعرية ) ، وبدأها عبد الرحيم القشيرى المعتزلى ، وهو ابن عبد الكريم القشيرى الصوفى صاحب ( الرسالة القشيرية ) المشهورة . جاء عبد الرحيم القشيرى الى بغداد ووعظ فى المدرسة النظامية التى أسسها نظام الملك ، وشنّ هجوما على الحنابلة ، وأيده الصوفية وأبو اسحاق الشيرازى والشريف أبو جعفر فى مسجده بالرصافة، وطلبوا تأييد نظام الملك ، بما يعنى أنها خطّة مدبرة لمواجهة الحنابلة قام بها رموز الأشاعرة والصوفية والشيعة وبقايا المعتزلة . وقام عوام الحنابلة بهجوم مسلح على الشريف أبى جعفر أسفر عن قتيل ، حدثت مواجهة مسلحة ، ووصل الخبر الى الوزير نظام الملك فارسل رسالة غاضبة للوزير فى بغداد ، وخاف الخليفة المقتدى العباسى من غضب نظام الملك ، وعقد الوزير بأمر من الخليفة إجتماعا لتطيبب خاطر الشريف أبى جعفر ، حضره القشيرى والشيرازى وكبير الصوفية ، وقال القشيرى للوزير : (  أي صلح بيننا ؟ إنما يكون الصلح بيـن مختصميـن علـى ولايـة أو دنيـا أوقسمـة ميـراث أو تنازع في الملك . فأما هولاء القوم فهم يزعمون أننا كفار ونحـن نزعـم أن مـن لا يعتقـد مـا نعتقـده كافـر، فـأي صلـح بيننـا ؟ ) وقال عن الخليفة العباسى المقتدى : ( وهـذا الإمـام مفـزع المسلمين ، وقد كان جده القائم والقادر أخرجا اعتقادهما للناس وقرىء عليهم فـي دواوينهـم ). أى يذكّر بما فعله القادر بالله العباسى وإبنه القائم بالمعتزلة .وهذا يشير الى أن القشيرى كان فى حقيقته معتزليا تظاهر بأنه اشعرى لينتقم من الحنابلة . وبعد مداولات تم إحتواء الموقف المتفجّر ، ومات بعدها الشريف أبو جعفر مسموما . ويقول ابن عقيل شيخ ابن الجوزى : (  كـان النظـام ( الوزير نظام الملك )  قـد نفـذ ابـن القشيري إلى بغداد فتلقاه الحنابلة بالسب ،وكان له عرض ( أى كان يخاف على عرضه وشرفه ) فأنف من هذا ، فأخذه النظام إليه . ونفذ لهم البكري وكان ممن لا خلاق له وأخذ يسب الحنابلة ويستخـف بهـم‏.‏). أى ارسل نظام الملك بالقشيرى ليواجه خنابلة بغداد ، فقالبلوه بالسبّ والشتم فلم يحتمل ، فأمره نظام الملك بالرجوع،وأرسل الى حنابلة بغداد من يماثلهم فى القدرة على السّب وهو البكرى .

3 ـ وقد مات البكرى عام 478 وإسمه ( أبوبكر الفوركى ) . وقد قال ابن الجوزى فى ترجمته ( متحاملا عليه ) : ( وكان متكلمًا مناظرًا واعظًا..وكان يعظ في النظامية فوقعت بسببه الفتنة في المذاهب ..وكان مؤثرًا للدنيا طالبًا للجاه لا يتحاشى من لبس الحرير ... قـال شيخنـا أبـو الفضل بن ناصر‏:‏ كان داعية إلى البدعة .. ) وذكر ابن الجوزى ما فعله البكرى هذا حين خطب فى جامع المنصور ( اكبر جامع فى بغداد ) ومعه العسكر الأتراك . ) وأن نظام الملك أرسله الى بغداد عوضا عن القشيرى : ( .. وكان هذا البكري فيه حدة وطيش ، وكان النظام قد أنفذ ابن القشيري فتلقاه الحنابلة بالسب ) ( فأخـذه النظـام إليـه، وبعـث إليهـم هـذا الرجـل ، وكـان ممن لا خلاق له ، فأخذ يسب الحنابلة ويستخف بهم ، وكان معه كتاب من النظام يتضمن الإذن له في الجلوس في المدرسة ، والتكلم بمذهب الأشعرية ، فجلس في الأماكن كلها .وقال‏:‏ لابد من جامع المنصور‏. ) وهكذا خطب فى جامع المنصور تحت الحراسة ، وأخذ يسب الحنابلة فى عقر دارهم ، فحدثت مواجهة . . يقول ابن الجوزى : ( أنه لما أنفذ نظام الملك بأبي نصر ابن القشيري تكلـم بمذهب أبي الحسن فقابلوه بأسخف كلام على السن العوام ، فصبر لهم هنيئة ، ثم أنفذ البكري سفيهـًا طرقيـًا شاهد أحواله الإلحاد فحكى عن الحنابلة ما لايليق بالله سبحانه فأعزى بشتمهم . ) ويجعل ابن الجوزى موت البكرى عقوبة الاهية بسبب تهجمه على الحنابلة ، فيقول : ( فرماه الله في ذلك العضو بالخبيث فمات . ).

4 ـ وفى سنة 470 طلب أبو اسحاق الشيرازى ( الأشعرى ) من الوزير نظام الملك بأن تقف المدرسة النظامية بحزم ضد حنابلة بغداد ، فرفض نظام الملك ، وأرسل اليه رسالة مفادها بأن سياسة السلطان تستوجب الحياد بين المذاهب ( .. ونحن بتأييد السنن أولى من تشييد الفتن، ولم نتقدم ببناء هذه المدرسة إلا لصيانة أهـل العلـم والمصلحـة ، لا للاختلاف و تفريـق الكلمـة . ) وطلب نظام الملك ترك الحنابلة على معتقدهم . وسمع الحنابلة بهذا ففرحوا ، يقول ابن الجوزى :(..  فتداول هذا الكلام بين الحنابلة وسروا به وقووا معه . ). ولكن قام الأشاعرة فى المدرسة النظامية بمسيرة يقودها شيخ اسمه الاسكندرانى ، وانتهت المسيرة الى سوق الثلاثاء فى بغداد حيث أعلن الاسكندراى تكفير الحنابلة . حدث هذا فى يوم الثلاثاء الثانى من شوال عام 470 . فهاجمه الحنابلة فهرب منهم الى المدرسة النظامية مستغيثا بأهل المنطقة ليحموه من الحنابلة ، وحدثت معركة أسفرت عن قتلى . وتدخلت السُّلطة بجنودها فهزموا عوام الحنابلة وصدوا هجومهم . وتدخل القضاة وأعوانهم من ( الشهود ) لإخماد الفتنة .

5 ـ كان هذا مجرد صحوة قبل الموت للأشاعرة ، ظهرت بتشجيع نظام الملك ، وانتهت بوفاته . وحتى فى حياته فإن نظام الملك كان حريصا على إستتاب ( نظام الملك ) وكان يناصر الأشاعرة بالقدر الذى لا يتعرض فيه النظام للخطر والفتن . وبالتالى عادت سلطة الحنابلة وعوامها ، ولم يقض عليها بالتدريج سوى دين التصوف الذى سرى بين العوام وإستمالهم بعيدا عن السنة الحنبلية .

ثالثا : المزايدة داخل الحنبلية

 ومن هنا نلاحظ ظاهرتين فى تاريخ سنوات القرن السادس ، حيث كان ابن الجوزى يؤرخ الأحداث شاهدا على العصر :

  1 : الظاهرة الأولى خفوت الوجود للأشاعرة وإضطهاد ما يقى من رموزهم كما حدث لأبى الفتوح الاسفرايينى الذى تعرض لللإضطهاد عام 521 لأنه أنكر حديث البخارى: (‏ ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبـات‏. ) ، وترتب عليه منعه من الوعظ وإستتابته واتهامه بتهم كاذبة ، وطرده من بغداد ،(فنصـره قـوم مـن الأكابـر يميلـون إلـى اعتقـاده فأعـادوه ..وزادت الفتـن فـي بغـداد وتعـرض أصحـاب أبي الفتوح بمسجد ابن جردة فرجموا ورجم معهم أبو الفتوح .وكان اذا ركب يلبس الحديد ومعه السيوف المجذبة تحفظه . ثم اجتـاز بسـوق الثلاثـاء فرُجم ، ورميت عليه الميتات .). وفى النهاية منعه الخليفة المسترشد من الوعظ وتعصب ضده الوزير ‏ابن صدقة،يقول ابن الجوزى:( وكان الحنابلة يصيحون على عادتهم : هذا يوم سني حنبلي لا قشيري ولا أشعري، ويصرخون بسبّ أبى الفتوح (الاسفرايينى)، فمنعه(الخليفة )  المسترشد من الجلوس ، وأمر أن لا يقيم ببغداد. وكان ابن صدقة ( الوزير ) يميل إلى مذهب أهل السنة فنصرهم. ). ومات ابو الفتوح الاسفرايينى عام 538. وفى المقابل مال الأتراك السلاجقة للحنبلية ، وفى حوادث نفس عام 538  يذكر ابن الجوزى : (‏ قـدم مـع السلطـان فقيه كبير القدر اسمه الحسن بن أبي بكر النيسابوري وكان من أصحاب أبي حنيفة وكانت له معرفة حسنة باللغة وفهم جيد في المناظرة وجالسته مدة وسمعت مجالسه كثيرًا،  فجلس بجامع القصر وجامع المنصور، وأظهر السنة ، وكان يلعن الأشعري جهرًا علـى المنبـر،ويقـول‏:‏ كـن شافعيـًا ولا تكـن أشعريـًا وكنـت حنفيـًا ولا تكـن معتزليـًا وكـن حنبليًا ولاتكن مشبهًا..ومـدح الأئمـة الأربعة وذم الأشعري. )  وتعبير ( السّنّة ) عند ابن الجوزى يعنى الحنبلية .

  2 : الظاهرة الثانية : هى المزايدة على التشدد داخل الحنابلة أنفسهم . إذ بعد أن خلت لهم الساحة اصبحوا كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله . كان  أبو الوفاء بن عقيل أستاذا فكريا لابن الجوزى ، وربما كان هو الوحيد الذى نجا من لسان ابن الجوزى ، وكان ينقل من كتاباته النقدية معجيا ، ونرى هذا فى المنتظم وفى ( تلبيس ابليس ). ومع تفوقه فى التعصب والتزمت الحنبلى كما تشهد عليه آراؤه التى حكااها ابن الجوزى إلّا إنه إمتاز ببعض العلم فوق مستوى الرعاع الحنابلة ، ومن هنا جاءت محنته من أتباعه .يقول ابن الجوزى فى أحداث عام 461  وفـي ربيـع الآخـر‏:‏ ( جـرت فتنـة لأجـل أبـي الوفـاء بـن عقيـل . وكـان أصحابنا قد نقموا عليه تردده إلى أبـي علـي بـن الوليـد لأجـل أشيـاء كـان يقولها ، وكان في ابن عقيل فيه فطنه وذكاء فأحب الاطلاع على كل مذهب. ) بقصد الردّ عليهم طبعا ، ولكن هذا لم يعجب عوام الحنابلة وأئمتهم  . ولأن أستاذهم أبا الوفاء زار شخصا ( مشبوها ) عند الحنابلة ، أو كما يقول عنهم ابن ( الجوزى ) ( أصحابنا ) فكانت محنة أبى الوفاء بن عقيل، و فيها لم تشفع لابن عقيل زعامته أو سنّه وشيخوخته . إذ يكفى كما قال ابن الجوزى هذا الفعل الشنيع : ( وكـان أصحابنا قد نقموا عليه تردده إلى أبـي علـي بـن الوليـد لأجـل أشيـاء كـان يقولها )، وبعد اربع سنوات انتهى الأمر عام 465 ، إذ أعلن أبو الوفاء بن عقيل توبته فصالحه الحنابلة أتباعه .! يقول ابن الجوزى : ( ثم دخلت سنة خمس وستين وأربعمائة.. فمن الحوادث فيها أنه يوم الحادي عشر من محرم حضر أبو الوفاء ابن عقيل الديوان ومعه جماعـة مـن الحنابلـة واصطلحوا . ) وكتب ابن عقيل توبته : ( بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم. يقـول علـي بـن عقيـل بن محمد‏:‏ إني أب">الفصل الرابع : الحنابلة وإضطهاد أهل الكتاب  

مقدمة

1 ـ : سبقت الاشارة الى حُسن معاملة الخلفاء العباسيين لأهل الكتاب فى العصر العباسى الأول ، خصوصا المأمون والمعتصم ، وأنّ الخليفة المتوكل الذى بدأ به العصر العباسى الثانى هو الذى ارسى دين الحنابلة وبدأ نشره وتطبيق معالمه، وكان منها إضطهاد أهل الذمة وإلزامهم بلبس معين للتحقير ، مما أدى الى إسلام الكثيرين ( أو دخولهم فى الدين الحنبلى الذى يرفع شعار الاسلام ) ، هربا من الاضطهاد وأملا فى الاحنفاظ بوظائفهم ، وأصبح أولئك ومن جاء بعدهم ( حنابلة ) يمارسون إضطهاد أهل الكتاب على أنه شعيرة دينية . وقلنا إن العوام من المسلمين دخلوا فى الحنبلية افواجا ، وتبوءوا بها موقع الصدارة والتاثير ، سواء من أصبح منهم من أهل الفقه والحديث ( بمجرد تأليف وتدوين وحفظ وإستظهار الأكاذيب المنسوبة للنبى عليه السلام ) أو بقيادة الغوغاء والرعاع فى الشارع باسم الحنبلية ، حيث تضاءلت الفوارق بين قطاع الطرق ( العيارين ) وجماعات الحنابلة .

2 ـ ونعطى نماذج لما تعرض له أهل الكتاب من إضطهاد فى العصر العباسى الثانى ، من عوام الحنابلة ومن السلطة العباسية .

 أولا : فى عصر تحكم القادة الأتراك : ( 232 : 320 )

1 ـ فى خلافة المعتمد ، وفى عام 271 ( وثب العامة على النصارى ، وخربوا الدير العتيق الذي وراء نهر عيسى ، وانتهبوا كل ما كان فيه من متاع ، وقلعوا الأبواب والخشب ، وهدموا بعض حيطانه وسقوفه ، ونبشوا الموتى. ) هنا سلب ونهب إمتد الى نبش قبور الموتى . وتدخلت السلطة العباسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه : ( فصار إليهم الحسين بن إسماعيل صاحب شرطة بغداد من قبل محمد بن طاهر ، فمنعهم من هدم ما بقي منه . ..والعامة تجتمع في تلك الأيام حتى كاد يكون بينهم قتال . ثم بنى ما كانت العامة هدمته . ) هنا نرى سطوة عوام الحنابلة فى عصر تسلط القواد الأتراك على الخلفاء العباسيين .

 2ـ وأشتعل غضب الحنابلة فى العام التالى 272 عندما رأوا بعض أهل الكتاب يركبون الدواب خلافا للسُّنة الحنبلية التى أرساهل المتوكل ، فاستأنفوا هدم وسلب نفس البيعة ، يقول ابن الجوزى باسلوب التبرير : ( .. أن العامة تجمعوا في ربيع الأخر، فهدموا ما كان بني من البيعة التي ذكرنا خرابهم إياها في السنة الخالية ، وانتهبوا مالًا عظيمًا منها ، لأنهم أنكروا عليهم ركوب الدواب ‏.‏) . ابن الجوزى هنا ـ كالعهد به ـ يذكر ( أن العامة ) ولا يقول الحنابلة ..ويبرر الجريمة بأن العوام أنكروا على الضحايا ركوب الدواب ، وهو مُحرّم عليهم فى الدين السُّنى الحنبلى .

3ـ وإسترد الخليفة المعتضد العباسى بعض النفوذ واستخدمه فى فرض هيبته على القادة الأتراك ، ولكن غضب العوام الحنابلة كان فوق هيبة المعتضد المشهور بقسوته المفرطة . وحدث عام 284 أنه (  أخذ نصراني فشهد عليه أنه قد شتم النبي صلى الله عليه وسلم ) أى تم إتهامه بشهادة بعض الحنابلة بهذه التهمة فحبسوه ، وثار العوام الحنابلة يطالبون بقتله بلا محاكمة ، يقول ابن الجوزى عن هذا المتهم : ( فحُبس،) وتجمعت مظاهرات الحنابلة تطالب بقتل المتهم : ( ثم اجتمع من الغد العوام بسبب النصراني، فصاحوا بالقاسم بن عبيد الله ، وطالبوه بإقامة الحد على النصراني .) ولم تستجب لهم السلطة العباسية ، فنظّم الحنابلة مظاهرة شعبية إتّجهت مباشرة الى قصر الخلافة ، يصف ابن الجوزى وقائع ما حدث ، يقول : ( فلما كان يوم الأحد لثلاث عشرة بقيت من الشهر اجتمع أهل باب الطاق وما يليها من الأسواق ن ومضوا إلى دار السلطان ن فلقيهم أبو الحسين بن الوزير ، فصاحوا به ، فأعلمهم أنه قد أنهى خبره إلى المعتضد ، فكذّبوه ، وأسمعوه ما كره ، ووثبوا بأعوانه حتى هربوا منهم،  ومضوا إلى دار المعتضد ، فدخلوا من الباب الأول والثاني فمُنعوا ، فوثبوا على من منعهم ، فخرج إليهم من سألهم عن خبرهم فأخبروه ، فكتب به إلى المعتضد ، فأدخل إليه جماعة منهم ، وسألهم عن الخبر ، فذكر له ، فأرسل إلى يوسف القاضي ، لينظر في الأمور ، فمضى معهم الرسول إلى القاضي، فكادوا يقتلونه ويقتلون القاضي من كثرة الزحام ، حتى دخل القاضي بابًا وأغلق دونهم ‏. ) . لا يمكن أن يقوم العوام الحنابلة بهذه المظاهرات بلا قيادة وتدبير ، ولا يمكن أن يكونوا بهذه الجُرأة على المعتصد بكل هيبته وعنفوانه إلا لأنهم يقومون بالمزايدة عليه فى الدين الحنبلى ، الدين الرسمى للدولة ، والذى أصبح للعوام فيه حق المشاركة فى السُّلطة بمجرد المزايدة على السلطان . وهو درس ـ لو تعلمون ـ عظيم .!

4ـ وتعلم هذا الدرس إبن الخليفة المعتضد الذى تولى الخلافة طفلا تحت رعاية وسيطرة أمّه ( شغب ) ، وهو الخليفة المقتدر العباسى . كان أهم طبيبين له هما سنان بن ثابت وبختيشوع بن يحيى‏ ، ولكنه فى مواجهة العوام الحنابلة كان يُزايد عليهم فى التعصب ضد أهل الكتاب ، لذا أصدر عام 296 ، مرسوما منعهم من التوظيف وألزمهم بلبس زى التحقير ، يقول ابن الجوزى : ( وفي هذه السنة أمر المقتدر أن لا يستعان بأحد من اليهود والنصارى فألزموا بيوتهم وأخذوا بلبس العسلي والرقاع من خلف ومن قدام وأن تكون ركبهم خشبًا ‏.‏) . هذا ، مع أنه كان يستعين بطبيبين نصرانيين فى قصره.

ثانيا : فى عصر تحكم بنى بويه ( 334 : 447 )

1 ـ يتميز هنا عصر الخليفة القادر ( 381 : 422 ) الذى أحيا التعصب الحنبلى وإستخدمه فى القضاء على المعتزلة ومحاربة التشيع ، وكان طبيعيا أن يشمل أهل الكتاب بنقمته .  يقول ابن الجوزى فى أحداث عام  392 : ( فمن الحوادث فيها‏:‏ أن العوام ثاروا في يوم الإثنين سابع ربيع الآخر بالنصارى ، فنهبوا البيعة بقطيعة الدقيق ، وأحرقوها ، فسقطت على جماعة من المسلمين رجالًا وصبيانًا ونساء فهلكوا‏.‏.). هنا مظاهرة حنبلية قامت بنهب وإحراق ( بيعة ) أى كنيسة . وقد تجمعوا حولها بينما هرب المسيحيون للنجاة بأنفسهم من أسلحة الغوغاء . وبسبب الهرج والمرج وتقاطر الرعاع من كل حدب وصوب والتنافس فى النهب والسلب وسط الحرائق سقطت حيطان الكنيسة وسقفها ( على جماعة من المسلمين رجالًا وصبيانًا ونساء فهلكوا‏.‏.).  هذا ما يقوله ابن الجوزى ، ولو أنصف لقال إنها سقطت على جماعة من الحنابلة القائمين بالسلب والنهب رجالا ونساءا . 

2 ـ وفى خلافة القادر أيضا وفي شوال عام 403 ثارت فتنة أخرى . كان لأحد المتنفذين الأتراك وهو ( المناصح أبو الهيجاء ) كاتب مسيحى وهو أبو نصر بن اسرائيل ، وصارت له مكانة بسبب عمله مع سيده أبى الهيجاء . وقد توفيت زوجة هذا الكاتب ، فأقيم لها مشهد عزاء طبقا للتقاليد المرعية لدى الطائفة المسيحية ، وسارت الجنازة فى حراسة وحماية (غلمان ) أو جنود ومماليك أبى الهيجاء ، فإعترض عليها أحد الحنابلة ممّن ينتمى للهاشميين فاشتبك فى عراك مع من يحرس الجنازة ويحميها من غلمان المناصح أبى الهيجاء . ولأن هذا ( الغلام ) جندى عسكرى لا يعرف التفاهم ، وربما لا يعرف اللغة العربية أصلا ، فقد ضرب الشريف الحنبلى المعترض واسال دمه ، فكانت الثورة والفتنة التى دفع ثمنها المسيحيون الآخرون بلا ذنب إقترفوه . يقول ابن الجوزى يحكى الموضوع من وجهة نظره : ( توفيت بنت أبي نوح الأهوازي الطبيب زوجة أبي نصر بن إسرائيل كاتب المناصح أبي الهيجاء، فأخرجت جنازتها نهارًا ، ومعها النوائح والطبول والزمور والرهبان والصلبان والشموع )، هنا يضع ابن الجوزى بين السطور مبررات الثورة على الجنازة ، وهى أنهم أخرجوها ( نهارا ) أى كان يجب إخراجها ليلا ، كما لو كانت جريمة أو عارا يجب إخفاؤه ، ومعها ( ومعها النوائح والطبول والزمور والرهبان والصلبان والشموع ) . وبهذا يكون طبيعيا أن يعترض عليها الحنابلة ،وأن يرجم الجنازة : ( فقام رجل من الهاشميين فأنكر ذلك ، ورجم الجنازة ، ) ، أى بدأ بالهجوم ورجم الجنازة والمشيعين لها دون ان يأبه بالحراس الذين تسير الجنازة فى حمايتهم ، لذا قام جندى من الغلمان بواجبه :( فوثب أحد غلمان المناصح بالهاشمي فضربه بدبوس على رأسه فشجه، فسال دمه . ). لا شأن للنصارى بما حدث ، ولكنهم يعرفون أنهم الذين سيدفعون الثمن ، فكان لا بد أن يفروا بها خوفا على حياتهم . ولكن هذا الفرار خوفا وهلعا ليس مسموحا به ، فلا بد من الاستسلام للعقاب ، يقول ابن الجوزى : ( وهرب النصارى بالجنازة إلى بيعة دار الروم ، فتبعهم المسلمون، ونهبوا البيعة وأكثر دور النصارى المجاورة لها . ) وهرب صاحب الجنازة الى بيته فطاردوه، فهرب منهم مستخفيا الى قصر سيده التركى يحتمى به : ( وعاد ابن إسرائيل إلى داره فهجموا عليه ، فهرب منهم ، وأخرج ابن إسرائيل مستخفيًا حتى أوصل إلى دار المناصح . ) . نسى العوام الجندى أو ( الغلام ) الذى ضرب الشريف وشجّ رأسه ، وتعلقت همتهم بصاحب الجنازة يريدون تسليمه ، وإشتعلت المظاهرات ، وتصدى لها الغلمان أو الحراس المسلحون التابعون للأمير التركى ، وزايدوا علي جنود الخلافة ـ كالعادة ـ برفع المصاحف وغلق أباب المساجد ، ووصلت مظاهراتهم للخليفة القادر الحنبلى يزايدون عليه ، فزايد عليهم ، وأمر القائد التركى بتسليم النصرانى المظلوم الذى إستجار به خوف القتل ، ورفض القائد التركى ، فهدّد الخليفة القادر بمغادرة بغداد ، وقام باصلاح اليخت أو المركب الخاص به ، أو ( الطيار كما كان يُطلق عليه وقتئذ ) . وتفاقم الأمر وتدخل العسكر التركى لحفظ الأمن ، فقتلوا رجلا حنبليا فانتقم الحنابلة ـ كالعادة ـ بقتل قوم من النصارى ، ثم انتهى بتسليم النصرانى ابن اسرائيل الى دار الخلافة لتهدئة الحنابلة ، وبفرض نفس العقوبة على أهل الكتاب . يقول ابن الجوزى :( وثارت الفتنة بين العامة وغلمان المناصح ، وزادت ،ورفعت المصاحف في الأسواق ، وغلقت أبواب المساجد. وقصد الناس دار الخليفة على سبيل الاستنفار. وركب ذو النجادين أبو غالب إلى دار المناصح فأقام بها‏. ووردت رسالة الخليفة إلى المناصح بإنكار ما جرى وتعظيم الأمر فيه وبالتماس ابن إسرائيل وتسليمه . فامتنع المناصح من ذلك ، فغاظ الخليفة امتناعه ، وتقدم بإصلاح الطيار للخروج عن البلد وجمع الهاشميين إلى داره‏. واجتمعت العوام في يوم الجمعة وقصدوا دار المناصح ودفع غلمانه فقتل رجل ذكر أنه علوي ، فزادت الشناعة ، وامتنع الناس من صلاة الجمعة . وظفرت العامة بقوم من النصارى فقتلوهم ، وترددت الرسائل إلى المناصح إلى أن بذل حمل ابن إسرائيل إلى دار الخلافة ، فكف العامة عن ذلك ، وألزم أهل الذمة الغيار . ثم أفرج عن ابن إسرائيل في ذي القعدة‏.‏ ).

3 ـ وقبيل موت الخليفة القادر ، وفي يوم الجمعة لثمان بقين من ربيع الأول‏ عام 422 ، يقول ابن الجوزى عن الصراع بين الحنابلة والشيعة : ( تجددت الفتنة بين السنة والروافض واشتدت ، وكان سبب ذلك الخزلجي الصوفي الملقب بالمذكور . أظهر العزم على الغزو واستأذن السلطان فكتب له منشور من دار الخلافة ...) وينتهى الخبر بهجوم الحنابلة على الشيعة فى الكرخ . وانتهزها الحنابلة فرصة لنهب دور اليهود بزعم أنهم يساعدون الشيعة ، يقول ابن الجوزى : (  .. فنافرهم أهل الكرخ ورموهم وثارت الفتنة ومنعت الصلاة .. ونهبت دور اليهود وخانتاراتهم وطلبوا لأنه قيل عنهم أنهم أعانوا أهل الكرخ. ).

4 ـ وتولى القائم العباسى بعد أبيه القادر عام 422 ، وسار على سُنّة أبيه الحنبلية . وعن آخر رجب‏ عام 429 ، يقول ابن الجوزى إن الخليفة القائم :‏ ( جمع الأشراف والقضاة والشهود والفقهاء والوجوه إلى بيت النوبة ، واستدعى جاثليق النصاري ورأس جالوت اليهود ، وخرج توقيع الخليفة في أمر الغيار (أى لبس أهل الذمة ) وإلزام أهل الذمة إياه . وكـان فـي التوقيـع‏:‏ ‏"‏ بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم،  أمـا بعـد فإن الله تعالى بعزته التي لا تحاول وقدرته التي لا تطاول اختار الإسلام دينًا وارتضاه وشرفه وأعلاه وبعث به محمدًا واجتباه وأذل من ناواه...وقد كان الخلفاء الراشدون فرضوا على أهـل الذمـة المعاهديـن حدودًا معقودة على الاستشعار والأخبات والاستكانة والتفرد عن المسلمين ، إعظامًا للإسلام وأهله . ولما تطرق على هذه السنة الإغفال واستمر فيها الإهمال اطرحت هذه الطائفة دواعي الاحتراس وتشبهت بالمسلمين في زيهم ، فرأى أمير المؤمنين الإيعاز إلى جميع أهل الذمة بتغيير اللباس الظاهر مما يعرفون به عند المشاهدة .فليعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين ‏"‏ . فقالوا‏:‏ السمع والطاعة‏.‏).! .

5 ـ وفى عام 437 ( ونفر العامة على اليهود ، وأحرقوا الكنيسة العتيقة ونهبوا دور اليهود‏.‏ ). وفى خلافة القائم إشتهر وزيره ابن المسلمة بحنبليته المتطرفة ، وقد عرضنا له من قبل . وبتوجيهاته يقول ابن الجوزى عن المحتسب أبى منصور السيارى: (  احتسب أبو منصور بن ناصر السياري على أهل الذمة ، وألزمهم لبس الغيارات والعمائم المصبوغات ، وذلك عن أمـر السلطـان ) وتدخلت محظية الخليفة فأنقذتهم : ( فصرفـت ذلـك عنهـم خاتون ومنعت المحتسب‏.‏). وبتدبير ابن المسلمة تكوّن تنظيم شعبى حنبلى من العوام يقوده أحد العوام مجهول النسب ، معروف باسمه الأول فقط ، وهو عبد الصمد . وخطّط ابن المسلمة ليعيد أهل الكتاب الى نفس زى التحقير بالضغط على الخليفة القائم ومحظيته . نفهم هذا من خلال ما يقوله ابن الجوزى فـي أحداث شهـر رمضـان‏ 450 :‏( تجـدد للعـوام المتدينيـن المتسميـن بأصحـاب عبد الصمد إلزام أهل الذمة بلبس الغيار. ) هنا يطلق ابن الجوزى على رعاع وعوام الحنابلة التابعين لعبد الصمد إسم ( العوام المتدينين ) وهم عوام متدينون لأنهم يدينون بدين الحنبلية وتعصبها ، ومن تعصبهم الضغط على السلطة لاتخاذ إجرتءات ضد اهل الكتاب : يقول ابن الجوزى : ( تجـدد للعـوام المتدينيـن المتسميـن بأصحـاب عبد الصمد إلزام أهل الذمة بلبس الغيار.  وحضر الديوان رجل هاشمي منهم يعرف بابن سكرة ، فخاطـب رئيـس الرؤسـاء ابـن المسلمـة فـي ذكر ما عليه أهل الذمة من الانبساط . وكلّمه بكلام فيه غلطـة فأغاظـه ، فكتـب إلـى الخليفـة بذلـك، فخـرج مـا قـوى أمـر ابن سكرة . ) .

ثالثا : فى عصر تحكم السلاجقة

1 ـ كانت العادة ـ ولا تزال فى مجتمعات الحنابلة ـ بناء المساجد بالقرب من دور العبادة لأهل الكتاب ، للتشويش عليهم فى تأدية عبادتهم والتحرش بهم . كما كان من السّنة الحنبلية منع أهل الكتاب من تعلية بيوتهم فوق بيوت المسلمين . و فى عام  478 ( خرج توقيع من المقتدي بأمر الله ينقض ما علا من دور بني الحرر اليهود ، وسد أبواب لهم كانت تقابل الجامع ، وأخذ عليهم غض الصوت بقراءة التوراة في منازلهم ، وإظهار الغيار على رؤوسهم . ) 

2 ـ وواضح أنّ إلزام أهل الكتاب بلباس التحقير كان يتم نسيانه ، ويجرى التذكير به وتنشيطه حسب الظروف ، لذا إتخذه بعض الخلفاء سبيلا لابتزاز أثرياء أهل الكتاب ، نفهم هذا مما يقوله ابن الأثير فى أحداث عام 515 : ( وفيها ألزم السلطان أهل الذمة ببغداد بالغيار، فجرى فيه مراجعات انتهت إلى أن قرر عليهم للسلطان عشرين ألف دينار، وللخليفة أربعة آلاف دينار.)

3 ـ وفى عام 573  ، تعرض أهل الكتاب فى بغداد لمأساة ، بسبب يهود مدينة المدائن . فقد كان هناك مسجد حنبلى داخل حىّ اليهود ، يعلو فيه صوت الأذان والتسبيح على عادة الحنابلة فى طقوسهم المظهرية . وبسبب وجود المسجد بجانب كنيس لليهود وفى وسط تجمع سكنى لليهود كان واضحا قصد الحنابلة التحرش باليهود بتحويل الأذان والتسبيح الى وسائل إزعاج للجيران اليهود وتشويش عليهم فى صلاتهم فى كنيسهم ، فاشتكى بعضهم ، وجاء الرد غليظا من الحنابلة المسيطرين على المسجد ، فحدثت مشادة إستغلها الحنابلة فى المدائن للمجىء الى بغداد لاثارة السلطات ضد يهود المدائن . ويحكى ابن الجوزى الموضوع من وجهة نظره : ( وجاء قوم من أهل المدائن بعد العيد فشكوا من يهود بالمدائن ، وإنه كان لهم مسجد يصلي فيه الجماعة ، ويكثر فيه التأذين ، وهو إلى جانب كنيسة اليهود . فقال بعض اليهود : قد آذيتمونا بكثرة الأذان . فقـال المـؤذن : " مـا نبالـي تأذيتـم أم لا.!. فتناوشـوا ، وجـرت بينهـم خصومة استظهر فيها اليهود ، فجاء المسلمـون يستنفـرون ويستغيثـون ممـا جـرى عليهـم مـن اليهـود إلـى صاحـب المخـزن ( المسئول فى قصر الخلافة فى بغداد ) فأمر بحبس بعضهم، ثـم أطلقهـم . ) وثار الحنابلة ، وكالعادة نظموا مظاهرة يوم الجمعة تزايد فيها على الخليفة وتشوش على صلاة الجمعة فى مسجده حيث الحراسة المشددة : ( فخرجوا يوم الجمعة إلى جامع الخليفة فاستغاثوا قبل الصلاة فخفف الخطيب الخطبة والصلاة فلما فرغ قاموا يستغيثون ) وتدخل جنود الحراسة فضربوا المشاغبين الحنابلة ، فتطورت المظاهرة ودخلت فى طور التدمير لمسجد الخليفة والهتاف ضده والمظايدة عليه بنصرة الاسلام ـ كالعادة ـ ثم كالعادة هاجموا اليهود فى المنطقة ونهبوا دكاكينهم . يحكى ابن الجوزى : ( فخرج جماعة من الجند فضربوهم ومنعوهم من الإستغاثة ، فانهزموا ، فلما رأى العوام ما فُعل بهم غضبوا نصرة للإسلام ، واستغاثوا ، وتكلموا بالكلام السيئ ، وقلعـوا طوابيـق الجامـع ، وضربـوا بهـا الجنـد ، فوقـع الآجـر علـى المنبـر والشبـاك ، ثم خرجوا فنهبوا دكاكين المخلصين لأن أكثرهم يهود . ووقف حاجب الباب بيده سيف مجذوب ليرد العوام ، وحمل عليهم نائبـه ، فرجمـوه. ) ، واشتعلت بغداد ( بفتنة طائفية ) وفيها تم نهب كنائس النصارى ومزقوا التوراة ، فاختفى اليهود هلعا :( وانقلـب البلـد مـن ذلـك وجـاء قـوم إلـى الكنيسـة التـي بدار البساسيري فنهبوها ونقضوا شبابيكهـا وقطعـوا التـوراة وأخرجوها مقطعة الأوراق وما تجاسر يهودي يظهر . ). وكالعادة قام الخليفة القائم يزايد على عوام الحنابلة ، فأمر بهدم كنيس اليهود بالمدائن وتحويله الى مسجد ، ونصب بالقرب منها منصة لتعليق المصلوبين : ( وتقدم أمير المؤمنين بنقـض الكنيسـة التـي بالمدائـن ، وأمـر أن تجعل مسجدًا. ونصب بالرحبة أخشاب ليصلب عليها أقوام مـن العياريـن..‏.) .

هذا تقريبا ما قاله ابن الأثير : ( وفيها كانت فتنة ببغداد، وسببها أنه حضر قوم من مسلمي المدائن إلى بغداد، فشكوا من يهودها، وقالوا: إنا مسجد نؤذن فيه ونصلي، وهم مجاور الكنيسة، فقال لنا اليهود: قد آذيتمونا بكثرة الآذان، فقال المؤذن: ما نبالي بذلك، فاختصموا، وكانت فتنة استظهر فيها اليهود، فجاء المسلمون يشكون منهم، فأمر ابن العطار، وهو صاحب المخزن، بحبسهم، ثم أخرجوا، فقصدوا جامع القصر، واستغاثوا قبل صلاة الجمعة، فخفف الخطيب الخطبة والصلاة، فعادوا يستغيثون، فأتاهم جماعة من الجند ومنعوهم، فلما رأى العامة ما فعل بهم غضبوا نصرة للإسلام، فاستغاثوا، وقالوا أشياء قبيحة، وقلعوا طوابيق الجامع، ورجموا الجند فهربوا، ثم قصد العامة دكاكين المخلطين، لأن أكثرهم يهود، فنهبوها، وأراد حاجب الباب منعهم، فرجموه فهرب منهم، وانقلب البلد وخربوا الكنيسة التي عند دار البساسيري، وأحرقوا التوراة فاختفى اليهود، وأمر الخليفة أن تنقض الكنيسة التي بالمدائن وتجعل مسجداً ونصب بالرحبة أخشاب ليصلب عليها قوم من المفسدين، فظنها العامة نصبت تخويفاً لهم لأجل ما فعلوا، فعلقوا عليها في الليل جرذاناً ميتة، وأخرج جماعة من الحبس لصوص فصُلبوا عليها.).

أخيرا

هى نفس ملامح ما يُسمى بالفتنة الطائفية التى عرفتها مصر من عهد السادات ، وحتى الآن .

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم ..!!

الباب السابع : الحنابلة ونشر الفوضى باضطهاد الشيعة حتى تدمير بغداد

الباب السابع : الحنابلة ونشر الفوضى باضطهاد الشيعة حتى تدمير بغداد 

الفصل الأول :لمحة تاريخية سريعة

أولا : مقدمة

1 ـ لا نتحدث هنا عن الاضطهاد السياسى للشيعة ، وهو يدخل فى الصراع الحربى بين العباسيين والطالبيين من ذرية على بن أبى طالب وأتباعهم من شيعتهم . نتحدث هنا عن الاضطهاد الدينى للشيعة والذى سنّه الخليفة المتوكل ( الحنبلى ) والذى إضطهد المعتزلة والشيعة وأهل الكتاب منحازا ومتعصبا للسنيين . ونتذكر أنه قرن هذا بإجراءات ضد أهل الكتاب عام 235 ، وضد الشيعة بهدم ضريح الحسين عام 236 . الأخطر من هذا أنه حين أعلن ( السّنة ) دينا رسميا لدولته وبعث أهل الحديث لنشرها فى الافاق عام 234 ، فقد أتاح نشر التعصب الحنبلى بين العوام ، وقام ارباب الحديث بنشر أساطير الشفاعة وحديث تغيير المنكر باليد ، فأصبح للعوام ( المسلحين ) مشروعية دينية لاضطهاد المخالف لهم فى الدين وفى المذهب وفى الدرجة العلمية ، وشهدنا ما حدث على أيدى العوام وشيوخهم من إضطهاد للمعتزلة والأشاعرة وللطبرى فى أخريات حياته برغم قامته العلمية فى تاريخ الدين السّنى .

2 ـ الاضطهاد ( الدينى ) الذى تعرض له الشيعة فى حى الكرخ فى بغداد تأثر أيضا بالوضع السياسى ، فلم يظهر قبل الخليفة المتوكل ، وكانت السلطة العباسية تشارك فيه أو تحاول ضبطه أو إيقافه حرصا على ( هيبة الدولة )، كما تأثر بوجود متنفذين فى الدولة كانوا من الحنابلة ، كان على رأسهم خلفاء متعصبون كالقادر الذى تعصب ضد المعتزلة وأفناهم، وكان بنفس القدر متعصبا ضد الشيعة ، ووضعهم فى مستوى واحد ضمن ( المبتدعة والملاحدة والباطنية ). وبسبب الوضع السياسى المتقلب فإن الشيعة قد تشجعوا فى بعض الفترات التى تهاوى فيها نفوذ الحنابلة ونفوذ الخلافة العباسية ، بسبب داخلى أو خارجى ، وفى أحوال كثيرة حمل شيعة الكرخ السلاح ، وحدث تداخل بين عوام الحنابلة والعوام من قطاع الطرق المعروفين بالعيارين ، خصوصا وقت الاضطرابات وإختلال الأمن وضعف الدولة . 

3 ـ ولتوضيح أكثر نقول إن العصر العباسى الأول ( 132 : 232 ) تمتع فيه الخلفاء بالسطوة والنفوذ . ثم أصبح الخلفاء فى العصر العباسى الثانى تحت سيطرة مراكز القوى العسكرية الداخلية أو الخارجية ، وكلهم من الشرق الآسيوى ، من الأتراك أو الديالمة . وتبعا لهذه القوى المتحكمة فى بغداد والخلافة العباسية يمكن تقسيم العصر العباسى الثانى الى الفترات التالية : فترة تحكم القواد الأتراك ، من عصر الخليفة المتوكل ( 232 : 247 ) الى عصر ( القاهر ) . وقد إعتاد القواد الأتراك  قتل معظم الخلفاء طيلة الفترة التى تحكموا فيها، وتولى خلال هذه الفترة : ( المتوكل ، المنتصر ، المستعين ، المعتز ، المهتدى ، المعتمد ، المعتضد ، المكتفى ، المقتدر ، القاهر ) . الوحيد الذى نجا من نفوذ الأتراك كان المعتضد ( 279 : 289 ). يلحق بهذه الفترة عصر الأمراء الكبار ( ابن رائق و بجكم ونوزون: 322 : 333 ) ، وتولى فيها الخلفاء ( الراضى المكتفى المستكفى) . وإنهار حُكم القواد الأتراك المحليين بسيطرة السلاطين البويهيين على بغداد ، وكانوا شيعة ، واستمر تحكمهم فى بغداد والخلافة من ( 334 : 447 ) وتولى الخلافة فى هذه الفترة ( المطيع والطائع والقادر والقائم ) . وأشهر سلاطين بنى بويه كانوا معز الدولة وبختيار وعضد الدولة ..وبسبب الصراع بين السلاطين الضعاف فى الفترة الأخيرة انتشرت الفوضى وأصبح للقادر العباسى بعض النفوذ إستخدمه فى إضطهاد المعتزلة والشيعة . ثم إزداد ضعف وتنازع بنى بويه فتمكن الأتراك السلاجقة من الحلول مكانهم فى بغداد والشرق . وظلوا فى المنطقة واقتسموها ، وبضعفهم  حلّ محلهم قوادهم الذين إقتسموا شرق وغرب العراق وشماله ، وبرز منهم آل زنكى والأيوبيين . وفى بداية السلاجقة وفى طور قوتهم فى وزارة نظام الملك إختلّ نفوذ الحنابلة فى بغداد ، ثم عاد نفوذهم بعده ، الى أن أزاحهم التصوف السنى الذى أرسى دعائمه صلاح الدين الأيوبى الذى قضى على الدولة الفاطمية ، وقرن قضاءه عليها بحرب التشيع فكريا ودينيا ليس بالحنبلية ـ سيئة السُّمعة ـ بل بالتصوف السُّنى ( المعتدل ). هذه هى الأرضية التاريخية التى نفهم من خلالها الصراع بين الشيعة والحنابلة فى بغداد فى العصر العباسى الثانى .

 ثانيا : أضطهاد الشيعة فى بغداد فى عصر نفوذ القواد الأتراك المحليين

1 ـ يبدأ هذا بالخليفة المتوكل الذى قتل عيسى بن جعفر عام 241 . ‏ ضربه ألف سوط ، وامر بإلقائه فى الشمس حتى يموت ثم رميه فى دجلة وعدم تسليم جثته لأهله . السبب ‏:‏ أنه شهد عليه أكثر من سبعة عشر رجلًا أنه شتم أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة .

2 ـ واكب هذا الاضطهاد الرسمى الدعاية الحنبلية المركزة ضد خصومهم باستخدام المنامات والأحاديث ، وبرز بين أصحاب الحديث أكثرهم مهارة فى الكذب والتخريف ، إذ كان يحوز على شغبية جارفة بين العوام تتسبّب فى حسد رفاقه ، والدليل على ذلك ما يحكيه ابن الجوزى فى ترجمة غلام الخليل ت  275 ، فقد كان يتهمه رفاقه بالكذب فى الأحاديث ، فيعترف بالكذب قائلا : ( وضعناها لنرقّق بها قلوب العامة ‏.‏) واتهمه أبو داود السجستاني علانية بالكذب ، وأُطلق عليه لقب ( دجال بغداد ).  إلا إنه شهرته بين العوام أظهرت نوعية العقلية السائدة ،ففى جنازته حملوا جثته في تابوت إلى البصرة ( وغُلقت أسواق مدينة السلام ، وخرج النساء والصبيان للصلاة عليه، ودفن بالبصرة وبنيت عليه قبة .) وقبلها صلُّوا عليه فى بغداد ( وحُمل في تابوت، فأحدر إلى البصرة ، وأكثر من صلى عليه إنما صلى على شاطئ دجلة .وانحدر الناس ركبانًا ومشاة وفي الزواريق إلى كلواذى ودونها وأسفل منها ودفن بالبصرة ‏.‏)

3 ـ وبدأ تأثير الحنابلة يظهر فى عُنف العوام مع الشيعة بما يهدد هيبة الدولة، وتولى المعتضد الخلافة ، وقد أحكم سيطرته على بغداد والقادة الأتراك ، وفى عام 279 منع القصّاصين من الجلوس فى الطرقات وفى المسجد الجامع ومنع بيع كتب الجدل والفلسفة ‏.‏ وكرّر هذا فى عام 384  يقول ابن الجوزى:(أمر المعتضد العوام بترك العصبية ومنع القصاص من القعود في الجامع وفي الطرقات، ومنعت الباعة من القعود في رحابها ،ومنع أهل الحلق في الفتيا وغيرهم من القعود في المسجد، ونودي يوم الجمعة بنهي الناس عن الاجتماع على قاصٍ أو غيره ، وأنه قد برئت الذمة ممن اجتمع من الناس على مناظرة أو جدل فمن فعل ذلك أحلّ بنفسه الضرب . ).

4 ـ ولكن نلاحظ شغبا مسلحا للعوام ضد السُّلطة العباسية، ففى عام 307 هاجموا السجون وأطلقوا سراح من فيها بمدينة المنصور، وتتبع أصحاب الشرطة من أفلت فلم يفتهم منهم أحد ‏.‏ وارتفعت الأسعار بسبب جشع الوزير حامد فقام العوام بمظاهرة عام 308 إتجهت لبيت الوزير واشتبكوا مع حُرّاس القصر فقتل الحراس جماعة منهم ، فمنع العوام يوم الجمعة الإمام من الصلاة ، وهدموا المنابر ، وأخربوا مجالس الشرطة وأحرقوا الجسور، وأمر السلطان بمحاربة العوام ، فأخذوا وضربوا ، كما أزال السلطان مظالم الوزير ، فسكن الحال . وخوفا من عودة العوام للتمرد ومواجهة المظالم والفساد رؤى توجيه سخطهم وإحباطهم نحو الشيعة ، وهنا نلاحظ وقوع حرائق مجهولة تتكرر داخل حى الكرخ الشيعى وغيره فى بغداد ، والفاعل مجهول ، وبدأ هذا عام  309 ، و تكرر كثيرا بعدها . وفى هذا الحادث الذى وقع في شهر ربيع الأول 309 ( مات خلق كثير . )  

ثالثا : فى عصر بنى بويه :

1 ـ تشجع شيعة الكرخ فى بغداد بحكم بنى بويه الشيعة ، فهاجمهم عوام الحنابلة عام 338 في آخر ربيع الأول ،ونهبوا الكرخ‏ ، وتكررر هذا عام 346  في آخر المحرم‏ ، دون مراعاة للشهر الحرام . وفى عام 348  ( وفى جمادى الأولى اتصلت الفتن بين الشيعة والسنة ، وقتل بينهم خلق كثير .ووقع حريق كثير في باب الطاق‏.). واضح هنا أن الشيعة بدأوا يقومون بالدفاع عن أنفسهم ، وأن حريقا شبّ فى بيوتهم . وفى العام التالى  349  وفى يوم الخميس لثلاث خلون من شعبان ( وقعت فتنة بين السنة والشيعة في القنطرة الجديدة ، وتعطلت الجمعة من الغد في جميع المساجد الجامعة في الجانبين ، سوى مسجد براثا ، فإن الصلاة تمت فيه .) . وتشجع الشيعة أكثر عام ‏351 ، ففى شهر ربيع الآخر، كتبوا منشورات  فى الجوامع بلعن معاوية بن أبي سفيان ولعن من غصب فاطمة فدكا ( اى أبا بكر ) ومن أخرج العباس من الشورى ، أى (عمر )ومن نفى أبا ذر الغفاري ( عثمان )  ومن منع من دفن الحسن عند جده . ) . وكان هذا بمباركة السلطان البويهى ( معز الدولة. ) وقام الحنابلة بمحو المكتوب فأمر معز الدولة أن يكتب‏:‏ ( لعن الله الظالمين لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأولين والآخرين والتصريح باسم معاوية في اللعن. )‏.‏

2 ـ وبدا الشيعة عام 352 إعلان طقوسهم وفرضها فى بغداد بالحداد على الحسين يوم العاشر من المحرم ، حيث ( أغلقت الأسواق ببغداد ، وعطل البيع ، ولم يذبح القصابون، ولا طبخ الهراسون ،ولا ترك الناس أن يستقوا الماء ، ونصبت القباب في الأسواق ، وعلقت عليها المسموح .وخرجت النساء منتشرات الشعور يلطمن في الأسواق وأقيمت النائحة على الحسين عليه ). نلاحظ هنا أن الأمر شمل بغداد كلها وليس حى الكرخ الشيعى فقط . واستمر هذا فى الأعوام التالية حيث كان ابن الجوزى يضطر حزينا الى تسجيله فى حوادث شهر محرم . وننقل عنه ما كان يحدث بترتيب الأعوام : (عام 353 ، من  الحوادث فيها أنه عمل في عاشوراء مثل ما عمل في السنة الماضية من تعطيل الأسواق وإقامة النواح ، فلما أضحى النهار يومئذ وقعت فتنة عظيمة في قطيعة أم جعفر وطريق مقابر قريش بين السنة والشيعة ، ونهب الناس بعضهم بعضًا ووقعت بينهم جراحات‏.‏)( عام 354 : فمن الحوادث فيها ، أنه عمل في يوم عاشوراء ماجرت به عادة القوم من إقامة النوح وتعليق المسوح . ) وانتقم الحنابلة بأن هاجموا المسجد الشيعى فى براثا وقتلوا فيه إثنين : ( وفي ليلة الثلاثاء لعشر بقين من ربيع الآخر‏:‏ كبس مسجد براثا وقتل في قوامه نفسان‏.‏ ). ( عام 355 : عمل في عاشوراء ما جرت عادة القوم به من النوح وغيره. ) ، ( عام  356 :عمل في يوم عاشوراء ما يعمله القوم من النوح وغيره. ) (عام 357 :عمل ببغداد يوم عاشوراء ما جرت به عادة القوم من تعطيل الأسواق وتعليق المسوح والنوح وفي غدير (خم ) ما جرت به عادتهم أيضًا‏.‏) ( عام 358 : أنه جرى في يوم عاشوراء ما جرت به عادة الشيعة من تعطيل الأسواق وإقامة النوح وغير ذلك ، وكذلك فعلوا في يوم غدير (خم‏) ) (عام  359: أنه في يوم عاشوراء فعلت الشيعة ما هي عادتهم من تعطيل الأسواق وإقامة النوح واللطم‏.‏)(عام 360 : أنه في يوم عاشوراء فعلت الشيعة ماجرت به عادتهم من النوح واللطم وتعطيل الأسواق.)(361 :عمل ببغداد ما قد صار الرسم به جاريًا في كل يوم عاشوراء، من غلق الأسواق وتعطيل البيع والشراء وتعليق المسوح .)

3 ـ بدأ نفوذ بنى بويه فى الضعف مع عام 380 حيث انتهى عمل الطقوس الشيعية فى بغداد وإستشرى نفوذ العيارين ، وحدثت بينهم حروب عصابات ، ونشبت حروب مماثلة بين الشيعة فى حى الكرخ والحنابلة فى حى باب البصرة ببغداد ، وصار لكل فريق أمير ، يقول ابن الجوزى فى حوادث عام 380 : (  وفي هذه السنة زاد أمر العيارين في جانبي بغداد مدينة السلام ، ووقعت بينهم حروب ، وعظمت الفتنة ، واتصل القتال بين الكرخ و باب البصرة ، وصار في كل حرب أمير وفي كل محلة متقدم . وقتل الناس ، وأخذت الأموال ، وتواترت العملات ، واتصلت الكبسات ، وأحرق بعضهم محال بعض. ). وامتد هذا للعام التالى  381 الذى تولى فيه الخلافة الحنبلى القادر بالله، يقول ابن الجوزى : ( وفي يوم الثاني عشر من ذي الحجة ، وهو يوم الغدير، جرت فتنة بين أهل الكرخ وباب البصرة ، واستظهر أهل باب البصرة وخرقوا أعلام السلطان ، فقتل يومئذ جماعة اتهموا بفعل ذلك ، وصلبوا على القنطرة. فقامت الهيبة وارتدعوا‏.). يعنى قام الحنابلة بتحدى السلطة البويهية وخرقوا الأعلام البويهية،أى تعدى الأمر من القتال الدينى الى العصيان السياسى الحربى فتدخل البويهيون بالقتل والصلب ، فأعادوا هيبتهم . واصبح لآبى الحسن الكوكبى المعلم نفوذ فى خلافة القادر العباسى ، واستخدمه عام  382 فى ( منع أهل الكرخ وباب الطاق من النوح في عاشوراء وتعليق المسوح .) ، وتشجع الحنابلة بنفوذه فتجدد القتال فى يوم الجمعة 18  شوال ، فأخمده الحاجب أبو الفتح ، الذى ( قتل وصلب ، فسكن البلد ، وقامت الهيبة‏.). وعاد القتال فى شهر صفر فى العام التالى 384  بين الكرخ الشيعى وباب البصرة الحنبلى ، مع عودة سطوة العيارين الذين فرضوا إتاوة ، وكانوا يحرقون البيوت ويرهبون الناس ، فأرسل البويهيون جيشا طاردهم .

4 ـ الطريف أن يمتد الصراع الدينى المسلح بين السنة الحنبلة والشيعة الى التنافس حول بناء القبور المقدسة . ففى عام 386 زعم أهل البصرة في شهر المحرم ( أنهم كشفوا عن قبر عتيق، فوجدوا فيه ميتًا طريًا بثيابه وسيفه، وأنه الزبير بن العولم ، فأخرجوه، وكفنوه ، ودفنوه بالمربد بين الدربين ، وبنى عليه الأثير أبو المسك عنبر بناء ، وجعل الموضع مسجدًا ، ونقلت إليه القناديل والآلات والحصر ..وأقيم فبه قُوّام وحفظة، ووقف عليه وقوفًا . )أى بنى الحنابلة قبرا مقدسا نسبوه للزبير بن العوام يضاهئون به مشاهد الشيعة ، وحرصوا أن يكون هذا الاكتشاف فى شهر المحرم للتغطية على الطقوس الشيعية . ومقابل الاحتفال الشيعى بيوم الغدير زعم الحنابلة فى عام 389  أن اليوم الثامن من يوم الغدير كان اليوم الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم في الغار وأبو بكر معه، فعملت فيه مثل ما عملت الشيعة في يوم الغدير،) ( وقد كانت جرت عادة الشيعة في الكرخ وباب الطاق بنصب القباب وتعليق الثياب وإظهار الزينة في يوم الغدير وإشعال النيران في ليلته ونحر جمل في صبيحته. ) فقام الحنابلة بالتشويش عليهم بيوم مقابل جعلوه يوم الغار . بل وجعلوا يوما آخر مقابل عاشوراء يوم 18 محرم ، للإحتفال بمقتل مصعب بن الزبير ، وجعلوا طقوسا فيه لزيارة قبر مصعب .

5 ـ واكب هذا زيادة فى ضعف البويهيين فانهار الأمن فى بغداد وتكاثرت عصابات العيارين عام  392 وإزدادت هجماتهم في رمضان ، وانضم اليهم رؤساء من العباسيين والعلويين فأرسل السلطان البويهى بهاء الدولة قائد جشه  (عميد الجيوش ) أبا علي بن استاذ هرمز إلى العراق ليدبر أمورها ، ( فدخلها يوم الثلاثاء سابع عشر ذي الحجة ، فزينت له بغداد خوفًا منه ) فتصرف بسياسة الحجاج بن يوسف ، فأغرق فى دجلة زعماء العصابات من العباسين والعلويين والأتراك ، ومنع الطقوس الشيعية والحنبلية معا ، يقول ابن الجوزى:( فكان يقرن بين العباسي والعلوي ويغرقهما نهارًا ، وغرّق جماعة من حواشي الأتراك، ومنع السنة والشيعة من إظهار مذهب ،ونفى بعد ذلك ابن المعلم فقيه الشيعة عن البلد ، فقامت هيبته في النفوس‏.‏‏).وفى العام التالى 393 ( منع عميد الجيوش أهل الكرخ وباب الطاق في عاشوراء من النوح في المشاهد وتعليق المسوح في الأسواق فامتنعوا ، ومنع أهل باب البصرة وباب الشعير من مثل ذلك فيما نسبوه إلى مقتل مصعب بن الزبير بن العوام‏.‏). أى أنهى التنافس فى الشعائر الشيعية والحنبلية . وعاد الهدوء لبغداد . ورجع القائد البويهى . وفى عام  398  ، إنهار الأمن وهجم الحنابلة على مسجد براثا الشيعى ونهبوه ، وقبض الشرطة على بعضهم وعوقبوا بالصلب والكحل ( أى فقأ العيون بالنار ) ، وحدثت فتنة بين شيوخ الشيعة والحنابلة فى يوم الأحد عاشر رجب ، وتطورت الى قتل ثم الى قتال ، وانضم الخليفة القادر الى الحنابلة . وتعرض حى الكرخ للحرق وتوسل التجار عفو الخليفة . وبلغ الخبر إلى عميد الجيوش قائد الجيش البويهى فسار ودخل بغداد . فطرد من بغداد ( ابن المعلم ) فقيه الشيعة  وقبض على مثيرى الفتنة وعاقبهم  ، ومنع القصاص من الجلوس . وبعد إستتاب الأمور أعاد ابن المعلم لبغداد وسمح للقصّاص إلى عادتهم من الكلام بعد أن شرط عليهم ترك التعرض للفتن‏.

6 ـ كانت الدولة الفاطمية قد إنتقلت لمصر عام 358 ، وحوصر السنيون الحنابلة والعباسيون بين عدو شيعى فى الداخل يتحكم فيهم ( البويهيون ) وعدو فى الخارج يتربص بهم ( الفاطميون ). ولهذا نفهم إعلان شيعة بغداد عن طقوسهم بمباركة البويهيين برغم وجود الخليفة العباسى الحنبلى المتعصب ( القادر ) . وسرعان ما سرى النفوذ الفاطمى الى الشام مهددا العراق العباسى ، وسُلطة البويهيين . وواصل النفوذ الفاطمى تقدمه ، فأعلن ابن المقلد حاكم الموصل عام 401 تبعيته للفاطميين وانه سيقوم بالدعوة لهم، ووافقه أهل الموصل . من هنا نفهم ما حدث فى العام التالى عام 402 ، إذ تم السماح لأهل ( الكرخ وباب الطاق في عمل عاشوراء ، فعلقوا المسوح وأقاموا النياحة. ). وفي ربيع الآخر أمر القادر بالله بعمارة مسجد الكف الشيعى وترميمه ‏.‏ وفي هذا الشهر كتب في ديوان الخلافة محاضر في الطعن فى نسب الفاطميين ، ووقع عليها الأشراف والقضاء والفقهاء . وإقترن هذا بموجة من توزيع الصدقات وزيارة القبور المقدسة وإستمالة العوام والوعاظ وإطلاق سراح بعض السجناء . وأرسل الحاكم بأمر الله الفاطمى بريالة الى السلطان البويهى يدعوه الى طاعته ، فرفض .

7 ـ  وإنقشع مؤقتا الخطر الفاطمى فتعرض أهل الكرخ للإعتداء والتوبيخ  وشرطوا عليهم عام 406( أن لا يعلقوا في عاشوراء مسوحًا ولا يقيموا نوحًا‏.‏) . وفى العام التالى 407 إحترق  في شهر ربيع الأول مشهد الحسين والأروقة . واتصلت الفتنة بين الشيعة والسنة بواسط ،ونهبت محال الشيعة والزيدية بواسط ، واحترقت. وهرب وجوه الشيعة والعلويين من بغداد ‏. وفى العام التالى 408 تفاقم إضطهاد الشيعة وحدث تقاتل بينهم وبين الحنابلة . وهو نفس العام الذى فيه ( استتاب القادر المبتدعة‏.‏) على حد قول ابن الجوزى . وفى عامى 416 ‏، 417 تحكم العيارون فى بغداد ، وكانوا يصادرون أهلها جهارا ، وهرب الشرطة من بغداد ، وأتى لبغداد جنود البويهيين فقاتلوا العيارين ، وفى هذه الفوضى تم نهب حى الكرخ ، وصودر أهله ، وفرض عليهم مائة ألف دينار .

8 ـ واستمرت الفوضى فى الفترة الأخيرة من خكم البويهيين وخلافة القادر بالله العباسى الذى ظل خليفة من 381 : 422 ، واستمرت الفوضى بعده فى خلافة ابنه القائم الذى اصدر ( الاعتقاد القادرى ) ، وفى هذه الفوضى عانى الشيعة فى حى الكرخ أصناف الاضطهاد ، خصوصا فى أعوام (421 :423 )، بنفس التفاصيل تقريبا . ( كما يحدث الآن فى العراق .ّ..! ) ثم تحسّن الحال مؤقتا عام 450 . وموعدنا مع التفاصيل فى الجزء الثانى .

الفصل الثانى :

الحنابلة وإضطهاد الشيعة :نماذج للفوضى الحنبلية البغدادية فى أوخر عهد البويهيين وبداية نفوذ السلاجقة ( 421 : 447 )

مقدمة : الحنبلية كانت الدين السائد المتحكم فى بغداد والعراق وقتها . وبالحنبلية وصل العوام المسلحون الى بؤرة التأقير وصناعة الأحداث ، جنبا الى جنب مع قادتهم من الفقهاء والقضاة وأولو الأمر . وتواضع وانحطّ نفوذ ولاة الأمر ليتيح مشاركة أكبر للعوام وقادتهم . ودفع الشيعة و ( الأشاعرة ) الثمن . لقد أوصل العوام الحنابلة بغداد الى فوضى عارمة ، وقت ضعف سلطة الخلافة ، وإنعدام الفوارق بين إجرام السلطة وإجرام عصابات العيارين الذين كانوا فى موقف النّد للسلطة . وعانى الشيعة من هذا الانفلات الأمنى . فقد ظهرت قيادات فى العيارين متطرفة الأجرام شاركت فى إضطهاد الشيعة ضمن تدخل العياريين فى الصراع الشيعى الحنبلى ، وتطور الصراع الشيعى الحنبلى الى درجة إقامة إستحكامات وأسوار تحمى الأحياء الشيعية والحنبلية ، وتردد رد الفعل الشيعى بين الخنوع والمقاومة . وفى كل الأحوال فقد كان العراق وبغداد فى حالة حرب أهلية محلية مستمرة بحيث أصبحت اسلوب حياة ، يستيقظ الشخص فلا يعرف إن كان سيظل حيا أم هو آخر يوم فى حياته . هو نفس ما يحدث الآن مع اختلاف الشخصيات والأسلحة والقوى الداخلية والخارجية .

ونعطى نماذج لملامح هذه الفوضى من تاريخ المنتظم لابن الجوزى ، راجين من القارىء الكريم إسقاط ما كان يحدث وقتها على ما يحدث فى بغداد والعراق فى عصرنا ، فالمجرم واحد هو الحنبلية ، والضحية واحد هو العراق وأهله . ولكن الفوضى التى انتهى اليها العراق ( الحنبلى السنى ) هى هى :

( عام 422 ) نموذج رقم (1) :

سيطر الحنابلة من العوام والعيارين وأولو الأمر فى ظل دين حنبلى قائم على الشفاعة للبشر وتغيير المنكر باليد ، فأصبحت بغداد وقتها غابة ، نتعرف على معالمها من أخبار  عام  422 :

إذ بلغت  سطوة العيارين أنهم فى  هذا العام نقبوا قصر المملكة ووصلوا الى جناح الحريم . وطاردتهم الشرطة. وقبله بعام إضطر أهل الجانب الغربى فى بغداد للرحيل وابتاعوا خرابات وعمروها‏.‏ وفـي ليلـة الأحـد لثمـان بقيـن مـن ربيـع الآخر‏:‏ كبس قوم من الدُّعّار المسجد الجامع ببراثا ( جامع الشيعة ) وأخذوا ما فيه من حصر وسجادات وقلعوا شباكه الحديد ، وزاد الاختلاط في هذه الأيام ، وعاد القتال بين العوام ، وكثرت العملات ( أى حوادث السطو )، واجتاز سكران بالكرخ فضرب بالسيف رأس صبي فقلته ، ولم يجر في هذه الأشياء إنكار من السلطان لسقوط هيبته‏.). أى سقطت هيبة الدولة .!       وفـي جمـادى الآخـرة‏:‏  وقع القتال في أصقاع البلد من جانبيه واقتتل أهل نهر طابق وأهل القلائين وأهل الكرخ وأهـل بـاب البصـرة وفـي الجانـب الشرقـي أهـل سـوق السلاح ، وأهل سوق الثلاثاء وأهل باب الطاق والأساكفة وأهل سوق يحيى والرهادرة وأهل الفرضـة وأهـل درب سليمـان ، حتـى قطـع الجسـر ليفـرق بيـن الفريقيـن ، ودخل العيارون البلد ،وكبسوا أبا محمد النسوي في داره بدرب الزبرج ، وكثر الاستقفاء نهارًا والكبس ليلًا‏.‏)‏ أى هى حرب أهلية بغدادية  تعاون فيها الجميع على الإثم والعدوان .!. وفى أول خلافة القائم فـي يـوم الإثنين الثامن عشر من ذي الحجة‏:‏ كان الغدير وقام العيارون بالإشعال في ليلته ، ونحر جمل في صبيحته ، بعد أن جبوا الأسواق والمحال لذلك ، واشتد تبسط هذه الطائفـة وخلعـوا جلباب المراقبة وتبسطوا وضربوا وقتلوا ). أى إحتل العيارون الكرخ الشيعى ، وقاموا هم بالطقوس الشيعية على نفقة الشيعة وقتلوا وضربوا الناس .  وقام الحنابلة أيضا بطقوسهم ( وفعل أهل السنة في محالهم ما كانوا يفعلونه من تعليق الثياب والسلاح وإظهار الزينة ونصب الأعلام وإشعال النيران ليلًا في الأسواق في يوم الإثنين المقبل ، زعمًا منهم أنه في هذا اليوم اجتمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في الغار‏.‏). (  ثم إن العيارين أسعروا الناس ليلًا كبسًا لمنازلهم وأخذا لأموالهم ، ثم ظهروا وعدلوا بالكبسات عن الكرخ إلى باقي المحال ..‏.) أى شملوا بقية بغداد بعطفهم سلبا ونهبا . بينما زال سلطان الدولة :( وخرجت هذه السنة ومملكة جلال الدولة ما بين الحضرة وواسط والبطيحة وليس له من ذلك إلا الخطبـة ، فأمـا الأمـوال والأعمـال فمنقسمـة بيـن الأعـراب والأكـراد . والأطـراف منهـا فـي أيـدي المقطعين من الأتراك . والوزارة خالية من ناظر فيها‏.‏‏ )

( ابن النسوى ) نموذجا ثانيا  :

كما نتعرف على بعض ملامح لهذه الفوضى من تتبع ما كتبه ابن الجوزى فى المنتظم عن (ابن النسوى ) اشهر ( وزير داخلية وقتها ) أو بتعبير العصر ( صاحب المعونة ) . وكان يتولى المنصب ثم يعزلونه أو يهرب منه . وكان مجرما أصيلا ، وكان هو بشخصه هدفا للعيارين ، وكان بيته يتعرض لهجومهم ، وكان يفر منهم خوفا على حياته ، مع أنه بعض أعوانه كانوا من العيارين.ّ. وقد تولى منصبه لأول مرة فى  يوم الإثنين أول رجب عام 421 .

وفى العام التالى 422 ‏عمّ القتال وانتشر : ( ثـم زاد الاختلاط ببسط العوم كثيرًا وأثاروا الفتنة ، ووقع القتال في أصقاع البلد من جانبيه ، واقتتل أهل نهر طابق وأهل القلائين وأهل الكرخ وأهـل بـاب البصـرة وفـي الجانـب الشرقـي أهـل سـوق السلاح وأهل سوق الثلاثاء وأهل باب الطاق والأساكفة وأهل سوق يحيى والرهادرة وأهل الفرضـة وأهـل درب سليمـان حتـى قطـع الجسـر ليفـرق بيـن الفريقيـن . ودخل العيارون البلد . وكبسوا أبا محمد النسوي في داره بدرب الزبرج ، وكثر الاستقفاء نهارًا والكبس ليلًا‏.‏)، وقتل العيارون صاحب المعونة السابق وأحرقوا جثته . وهاجموا ابن النسوى فى بيته . وقام العيارون بمظاهرة تعلن الطاعة وتطلب عزل ابن النسوى وتهدد بإحراق البلد .فعزلوه ثم أُعيد للعمل ، فقتل أحد العيارين ونهب الدار التي استتر فيها، وهاجمه العيارون، فهرب النسوي وعادت الفتن‏.‏.)

( عام ‏423 إشتد أمر العيارين ثم ولي ابن النسوي فردعهم ردعًا تامًا‏ )

( عام 424 تعارك الحنابلة مع الشيعة وامتد القتال لأحياء أخرى ( ووقـع بيـن عوامـه مـن أهل باب الطاق وسوق يحيى قتال اتصل ، وهلك فيه جماعة ، فاجتمع الوزير وحاجب الحجاب على تدبير الأمور ، وقلد أبا محمد ابن النسوي البلد ، وضم إليه جماعة ، فطلب العيارين وشردهم . ثم قتل رفيق لابن النسوي ، فخاف واستتر ، وخـرج عـن البلـد‏. ‏فعـاد الأمـر كمـا كـان  )

( عام 425  وفي يوم السبت ثالث عشر شوال‏:‏ روسل المرتضى بإحضار العيارين إلى داره وأن يقول لهم‏:‏ من أراد منكم التوبة قبلت توبته وأقر في معيشته ، ومن أراد خدمـة السلطـان استخـدم مـع صاحب البلد ، ومن أراد الانصراف عن البلد كان آمنًا على نفسه ثلاثة أيام‏.‏ فعـرض ذلـك عليهم فقالوا‏:‏ نخرج . فخرجوا . وتجدد الاستفقاء والفساد وقلد أبو محمد ابن النسوي المعونة لسكون أهل الكرخ إليه ، ثم خاف فاستعفى ، وأظهر التوبة . )  .‏

( وفى عام  427 :‏ أحرق العيارون دار ابن النسوي . وفتحوا خانًا وأخذوا ما فيه ، وخرجوا إلى الطريق يحملون المسروقات على رؤوسهم‏.)

( وفى عام ‏ 438  إتهموا ابن النسوى بقتل الغرباء الوافدين وسلب أموالهم وإلقاء جثثهم فى الآبار ، فعزله رئيس الرؤساء أبو القاسم بن المسلمة . ).

وفى عام  443 وفي يوم الخميس لعشر بقين من ذي الحجة‏:‏ كبس العيارون أبا محمد بن النسوي و جرحوه جراحات‏.‏

وفى عام  444 أعادوه الى منصبه ثم تركه. ثم أعيد اليه عام 445 ‏، (فضرب وقتل..)  وفى عام 449 إستقال ابن النسوي من الشرطة فأعفي‏.‏ومات ابن النسوى عام 452 .

ويقول ابن الجوزى فى ترجمته إنه كان من أصحـاب الحديـث. أى من الحنابلة . وقال عنه : ( وشاع عنه أنه كان يقتل أقوامًا ويأخذ أموالهم..وشهد قوم عند أبـي الطيـب الطبـري ( القاضى ) علـى ابـن النسـوي أنـه قتـل جماعة، وأن أبا الطيب حكم بقتله ، فصانع بمال . ) .

 الصراع الحنبلى الشيعى نموذجا ثالثا :

(عام  421 أحيا الشيعة طقوسهم في ليلة عاشوراء إنتهازا لفرصة غياب الجند فهاجمهم الحنابلة ، وقتل من الفريقين وخربت عدة دكاكين . وتجدد القتال بين القلائين والدقاقين،واستمرت الفتنة ، ودخل من كان غائبًا من العيارين،  وكثر ولم يعمل الغدير ولا الغار في هذه السنة لأجل الفتنة. )

عام  422 ( وفي يوم الجمعة لثمان بقين من ربيع الأول‏:‏ تجددت الفتنة بين السنة والروافض واشتدت . ) (وفي أول ذي الحجة‏:‏ جرت فتنة وقتال شديد على القنطرتين العتيقة والجديدة ، واعترض أهل باب البصرة قومًا من القميين ( من أهل قم ) لزيارة المشهدين بالكوفة والحائر وقتلوا منهم ثلاثة نفر وجرحوا آخرين وامتنعت زيارة المشهد بمقابر قريش يومئذ. ).   .

وفى عام ‏423 تجدد القتال بين العوام وإحتل العيارون الكرخ ثم تحرر الكرخ منهم عام 423  )

(عام 424 . انتشر العيارون الحنابلة فى حى الكرخ ( وقتلـوا وتـرددوا فـي الكـرخ حامليـن السلاح‏.‏ وتبعهم أصاغر المماليك ومضت الأيام على كبس المنازل ليلًا والاستقفاء نهارًا فعظمت المحنة . )  

(432  تجـددت الفتـن ووقـع القتال بين أهل الكرخ وباب البصرة على القنطرتين واستمر ذلك وقتل في أثنائه جماعة ، وكان السبب انخراق الهيبة وقلة الأعوان‏.‏  )

( 437 وفي شوال‏:‏ حدثت فتنة بين أهل الكرخ وباب البصرة قتل جماعة فيها من الفريقين .)( وعاد القتال بين أهل الكرخ وباب البصرة ، حتى ان صاحب المعونة فارق موضعه ومضى إلى باب الأزج‏.‏)

( وفى عام 440  عاد القتال بين أهل الكرخ وباب البصرة‏.‏)

( وفى ليلة عاشوراء عام 441 أمرت السلطات أهل الكرخ أن لا ينوحوا ولا يعلقوا المسوح على ما جرت به عادتهم خوفًا من الفتنة فوعدوا وأخلفوا . وجرى بين أهل السنة والشيعة ما يزيد عن الحد من الجرح والقتل حتى عبر الأتراك وضربوا الخيم‏.). وفى هذا العام 441 فى شهر شعبان بدأ الشيعة إقامة الاسوار حول حى الكرخ لحماية أنفسهم ففعل ذلك الحنابلة فى أحيائهم . وفـي يـوم عيـد الفطـر‏:‏ ثـارت الفتنـة بيـن أهـل الكـرخ وأهـل القلائيـن فاشتـدت ووقـع بينهما جرح وقتل . ) . وتدخل ابـن النسـوي لإزالة الفتنة فقتل جماعة من المذكورين . ثم زادت الفتن بين السنة والشيعة ونقضت المحال ورميت فيها النار‏. ).

وفى عام 443  وفـي أول صفـر‏:‏( تجـددت الفتنـة بيـن السنـة والشيعـة ) بعد إتقاق صلح بينهما . والسبب أن الشيعة كتبوا بالذهب على السور وعلى الأبراج (   محمـد وعلـي خير البشر) فأنكر أهل السنة ذلك ، وأثاروا الشر وادعوا أن المكتوب : ( محمد وعلي خير البشر فمن رضي فقد شكر ومن أبى فقد كفر) فأنكر أهل الكرخ هـذه الزيـادة . وثـارت الفتنـة وآلـت إلـى أخـذ ثيـاب النـاس فـي الطرقـات .)و( محا أهل الكرخ ما كتبوه من خير البشر وجعلوا عوضه : (عليهما السلام ) ، ولم يرض الحنابلة وطالبوا بقلع الحجارة المكتوب عليها هذا الكلام ، ثم تطرف الحنابلة فطالبوا بمنع ( حـي علـى خيـر العمـل‏. ) . وتطورت الأمور الى قتال مسلح قاده أحد العيارين الحنابلة واسمه الطقطقى . وقد ارتكب جرائم فى حق أهل الكرخ ، يقول ابن الجوزى : ( وقطع الطقطقي رجلين وصلبهما على هذا الباب ، بعد أن قتل ثلاثة من قبل ، وقطـع رؤوسهـم ورمـى بهـا إلـى أهـل الكـرخ . ) واستمر الهجوم فهاجم الشيعة فقهاء الحنابلة ، واستولى الحنابلة على مسجد براثا الشيعى .

( 444 وفـي ذي القعـدة‏:‏ عـادت الفتنـة بيـن أهـل الكـرخ والقلائيـن واحترقت دكاكين وكتبوا على مساجدهم محمد وعلي خير البشـر، وأذنـوا حـي علـى خيـر العمـل . ( وفـي يـوم الخميـس لخمـس بقيـن مـن ذي القعـدة‏:‏ هاجم الحنابلة من حى القلائيـن شيعة  الكرخ ...فهلك من النساء نيف وثلاثون امرأة وستة رجال وصبيان وطرحت النار في الكرخ ليل نهار ، وعادوا في بناء الأبواب والقتال‏. ) ( وفـي يـوم الثلاثـاء سـادس عشـر ذي الحجـة جـرى بيـن أهـل الكـرخ وبـاب البصـرة قتـال، فجمـع الطقطقـي قومًا من أصحابه وكبس بهم طاق الحراني وهو من محال الكرخ ، وقتل رجلين وقطع رأسيهما وحملهما إلى القلائين فصبهما على حائط المسجد المستجد‏.‏  )

(  445 ‏:‏ عـود الفتـن بيـن السنـة والشيعـة وخـرق السياسـة.. وطرحت النار في الكرخ بالليل والنهار‏.). وبالمناسبة ففى نفس العام 445  ( أعلـن بينسابـور لعـن أبـي الحسـن الأشعـري . ).

 وفى عام  447 عادت الحروب واشتدت وامتدت ( .واتصلت الفتن بين أهل باب الطاق وسوق يحيـى اتصـالًا مسرفـًا وركـب صاحـب الشرطـة والأتراك لإطفـاء الفتنة فلم ينفع ذلك ، وانتقل القتال إلى باب البصرة وأهل الكرخ على القنطرتين‏. ووقعـت بيـن الحنابلـة والأشاعـرة فتنـة عظيمـة ، حتـى تأخـر الأشاعرة عن الجمعات ( أى صلاة الجمعة ) خوفًا من الحنابلة .).

هذا ما يقوله المؤرخ الحنبلى ابن الجوزى بنفسه ..

الفصل الثالث : الحنابلة وإضطهاد الشيعة :( ابن الجوزى الحنبلى مؤرخا فوضويا ).

 أولا : ابن الجوزى مؤرخ فاشل بين كوكبة من المؤرخين العظام

1 ـ التأريخ من العلوم التى نبغ فيها المسلمون فى العصور الوسطى ، وقد تفوقوا فى التأريخ من حيث تعدد أنواع المادة التاريخية فى التأريخ للأشخاص والمدن والأسرات الحاكمة والفقهاء والأطباء و والطوائف والتاريخ المحلى والعالمى والتاريخ الحولى حسب السنين والشهور والتاريخ الموضوعى. وتفوقوا فى المناهج التاريخية وتحليل الأحداث . ويتجلى هذا النبوغ فى تراكم الخبرة لدى المؤرخين المسلمين ، إذ كان التالى يتفوّق على من سبقه . بدأ الطبرى فى التأريخ الحولى يؤرخ للسيرة وعصر الخلفاء ينقل عن السابقين كل الروايات الشفهية المتاحة بأمانة ، الى أن وصل الى عصره فكان ينقل الأحداث شاهدا على العصر. وتوقف قبل موته بثمانى سنوات ( 302 ) فقام آخرون بتكملة تاريخه وكان أبرزهم ابن الأثير فى (الكامل ) وابن الجوزى فى (المنتظم ) ، وكالعادة يأتى اللاحق فينقل عن السابق ، ثم يؤرخ أحداث عصره ، ويتوقف قبيل موته ، ابن الجوزى توقف عند عام 574 ومات عام 597 ،وابن الأثير توقف حتى عام 628 ومات عام 630 . واستمرت مسيرة التأريخ بالنويرى ( 667 : 733 ) فى موسوعته ( نهاية الأرب ) وقد أفرد منها القسم الأخير رقم 5 للتاريخ خلال 21 مجلدا . والصفدى ( 696 : 764 ) والذهبى ( 673 : 748 ) و ابن كثير ( 700 : 774 ) ثم يتفوق ابن خلدون بتاريخه وبالمقدمة ، وتتأسس بعده المدرسة المصرية المملوكية فى القرن التاسع الهجرى بزعامة المقريزى ( 764 : 845 ) وابن حجر ( 773 : 852 ) والعينى ( 762 : 855 ) ثم ابن تغرى بردى ( 813 : 873 ) والسخاوى ( 831 : 902 ) إنتهاءا بابن إياس ( 852 : 930 ) فى العصرين المملوكى والعثمانى ، ثم الجبرتى (1167 : 1240 ) الذى شهد العصر الغثمانى والحملة الفرنسية وعصر محمد على  . تطور تراكمى هائل يتفوق فيه اللاحق على السابق من الطبرى الى المقريزى . وبرزت فيه عبقريات  النويرى والصفدى والذهبى وابن خلدون والمقريزى.

2 ـ هذا التطور الهائل غاب عنه ابن الجوزى الذى كان ضحية للحنبلية ، فقعدت به برغم كثرة مؤلفاته التى وصلت حسبما قيل الى 300 . وسقوط ابن الجوزى يتضخ بمقارنته بالطبرى الذى سبقه وابن الأثير الذى عاصره . كان الطبرى أمينا فى عرض الروايات التاريخية ، ولم يسمح لدينه السّنى بالتأثير على موضوعيته التاريخية .  كان يركّز على العراق فى العصر العباسى لأنه وقتها كان فعلا مركز الأحداث. سار على طريقته ابن الأثير فى ( الكامل ) الذى نقل عن الطبرى رواياته بدون إسناد ، مع نقد موضوعى حينا ، وإختيار رواية واحدة للحدث الواحد بعد تمحيص . كما كان أمينا موضوعيا فى توزيع إهتمامه للأماكن حسب درجة الأهمية فى صناعتها للأحداث التاريخية . فالخلافة العباسية فقدت دورها تماما بتحكم البويهيين ثم السلاجقة فى خلفائها ، وانتقل التأثير الى الشرق والى مصر وشمال افريقيا والمغرب ، والى الدول المؤثرة كالصليبيين والفاطميين والأيوبيين والمرابطين والموحدين . وقد وازن ابن الأثير فى تاريخه بحيث قلّل من أحداث بغداد فى الفترة الى أرّخ فيها معاصرا للأحداث لأن ما يجرى فيها لا يستحق الاهتمام فى المنهج الحولى التاريخى العام .

3 ـ كان ابن الأثير فى الثانية والاربعين من عمره حين مات ابن الجوزى ، وقد ترجم له سنة وفاته عام 597 فقال : ( وفي هذه السنة، في شهر رمضان، توفي أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي الحنبلي الواعظ ببغداد، وتصانيفه مشهورة، وكان كثير الوقيعة في الناس لا سيما في العلماء المخالفين لمذهبه والموافقين له. ). قلنا من تحليل كتابات ابن الجوزى إنه كان متعصبا للحنبلية ، ومن ملامح هذا النعصب ما قاله فيه ابن الأثير أنه كان كثير الوقيعة فى الناس لاسيما فى العلماء المخالفين له والموافقين له أيضا . ويذكر ابن الأثير تحامل ابن الجوزى على الفقية الشافعى السمعانى المروزى ت 563 ، يقول ( وقد ذكره أبو الفرج ابن الجوزي فقطعه.. وإنما ذنبه عند ابن الجوزي أنه شافعي، وله أسوة بغيره، فإن ابن الجوزي لم يبق على أحد إلا مكسري الحنابلة.).

4 ـ بسبب حنبليته وتخصصه فى الكذب طبقا لعمله قصّاصا ومُحدّثا فلم يكن ابن الجوزى أمينا فى تأريخه لعصره أو فيما نقله برغم ترصيع رواياته الكاذبة بالاسناد والعنعنة . وهو بهذا يعطى نموذجا للإنحياز الحنبلى والمؤرخ الحنبلى الذى يُلوّن التاريخ برؤيته الدينية المذهبية . وايضا فإن ابن الجوزى قام بالتركيز على بغداد فى الجزاء الأخيرة من تاريخه ، مع أنها لم تكن فاعلة فى الأحداث ، فالخليفة العباسى مقهور تحت سلطة البويهيين ثم السلاجقة ، ونفوذه قد لا يشمل بغداد نفسها ، ولذلك اسرف ابن الجوزى فى رصد ما يحدث فى بغداد من نشاط العوام سواء كانوا من قطاع الطرق ( العيارين ) أومن الحنابلة فى الوقت الذى كانت مصر والشام تموج بالصراع مع الصليبيين برا وبحرا . ولكن لهذا جانب إيجابى هو التأريخ الاجتماعى لبغداد ، فلولا تسجيل ابن الجوزى للصراع بين الشيعة والسنة وأحياء بغداد من الكرخ الى غيره لضاع هذا التاريخ الذى يمثل حلقات مستمرة فى المأساة العراقية التى لا تزال مسلسلا دمويا حتى اليوم . ولكن مع هذا المزية فى التأريخ الاجتماعى للمجتمع البغدادى فى القرن السادس الهجرى إلّا أن ابن الجوزى الحنبلى لم يكن أمينا فى تسجيله ، لذا أفردنا هذا للمقال لمراجعة تاريخ ابن الأثير المعاصر لابن الجوزى لتقديم الصورة كاملة ، وللتأكيد على أن دين الحنبلية لا يعرف العدل والقسط ، خلافا لقوله جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ )(135) النساء ) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) المائدة ). ويستحيل على دين يقوم على الكذب على رب الناس أن يصدق أربابه فى الكلام على الناس.  

ثانيا : نماذج لما نقله ومالم ينقله ابن الأثير عن ابن الجوزى :

1 ـ كالعادة ينقل اللاحق أحداث الماضى عن المؤرخ السابق ، وهكذا نقل ابن الأثير ( بعض ) الأحداث البغدادية الهامة فى الصراع الحنبلى الشيعى كما فعل فى أعوام  416 ، 417 ، 444 ، 445 تحت عنوان ( ذكر الفتنة بين السنة والشيعة ببغداد ) و 470  ، 478  .وعام  481 تحت عنوان ( ذكر الفتنة ببغداد ) ،  و  482 تحت عنوان: ( ذكر الفتنة ببغداد بين العامة) ، ثم عنوان  ( ذكر الفتنة بين أهل بغداد ثانية). وبعض الأخبار ذكرها ابن الأثير نقلا عن آخرين بينما لم ينقلها ابن الجوزى كما حدث عام  502  عن ( صلح السنة والشيعة ببغداد) يقول ابن الأثير  : ( في هذه السنة، في شعبان، اصطلح عامة بغداد السنة والشيعة، وكان الشر بينهم على طول الزمان، وقد اجتهد الخلفاء، والسلاطين، والشحن في إصلاح الحال، فتعذر عليهم ذلك، إلى أن أذن الله تعالى فيه، وكان بغير واسطة.) ثم يشرح ابن الأثير السبب .

ثالثا : تحامل إبن الجوزى على خصومه

1 ـ وابن الجوزى يُغلّف الخبر برأيه ، يقول فى البكرى الأشعرى وخصومته للحنابلة فى بغداد فى أحداث 475 : (وفي يوم الجمعة لخميس بقين من شوال‏:‏ عبر قاص من الأشعرية يقال له‏:‏ البكري إلى جامع المنصور ومعه الفضولي الشحنة و الأتراك والعجم بالسلاح فوعظ . وكان هذا البكري فيه حدة وطيش .) ( وكان النظام قد أنفذ ابن القشيري فتلقاه الحنابلة بالسب وكان له عرض فائق من هذا ، فأخـذه النظـام إليـه وبعـث إليهـم هـذا الرجـل وكـان ممن لا خلاق له فأخذ يسب الحنابلة ويستخف بهم وكان معه كتاب من النظام يتضمن الإذن له في الجلوس في المدرسة والتكلم بمذهب الأشعرية. فجلس في الأماكن كلها، وقال‏:‏ لابد من جامع المنصور‏.‏فقيل لنقيب النقباء فقال لا طاقة لي بأهل باب البصرة فقيل‏:‏ لابد مـن مـداراة هـذا الأمـر‏.‏....‏وكـان الحنابلـة يكتبـون إليـه العجائب فيستخف بهم في جواباتها ..  قال المصنف‏:‏ قرأت بخط ابن عقيل‏:‏ أنه لما أنفذ نظام الملك بأبي نصر ابن القشيري تكلـم بمذهب أبي الحسن فقابلوه بأسخف كلام على السن العوام فصبر لهم هنيئة ثم أنفذ البكري سفيهـًا طرقيـًا شاهد أحواله الإلحاد فحكى عن الحنابلة ما لايليق بالله سبحانه فأعزى بشتمهم وقال‏:‏ هؤلاء يقولون الله ذكر فرماه الله في ذلك العضو بالخبيث فمات‏.‏) .

بينما يذكر ابن الأثير نفس الخبر بطريقة مختلفة يقول فى أحداث نفس العام : ( ورد إلى بغداد، هذه السنة، الشريف أبو القاسم البكري، المغربي، الواعظ، وكان أشعري المذهب، وكان قد قصد نظام الملك، فأحبه ومال إليه، وسيره إلى بغداد، وأجرى عليه الجراية الوافرة، فوعظ بالمدرسة النظامية..وكان يذكر الحنابلة ويعيبهم،.. ثم إنه قصد يوماً دار قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني بنهر القلائين، فجرى بين بعض أصحابه وبين قوم من الحنابلة مشاجرة أدت إلى الفتنة، وكثر جمعه، فكبس دور بني الفراء، وأخذ كتبهم، وأخذ منها كتاب الصفات لأبي يعلى، فكان يُقرأ بين يديه وهو جالس على الكرسي للوعظ، فيشنع به عليهم، وجرى له معهم خصومات وفتن. ).

2 ـ ويقول ابن الجوزى فى شيخ المعتزلة أبى على المتكلم  المتوفى  478 : ( كان أحد رؤساء المعتزلة وأئمتهم، ولزم بيته خمسين سنة لم يقدر على أن يخرج منه من عامة بغداد. ) أى إعتكف خمسن عاما فى بيته خوفا من حنابلة بغداد ، وهذه مأساة ( تاريخية ) لم يتحرك لها قلب ابن الجوزى الذى يذكر نفس الحقيقة عنه فيقول : ( محمد بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن الوليد أبو علي المعتزلي، من الدعاة ، كان يدرس علم الاعتزال وعلم الفلسفة و المنطق فاضطره أهل السنة إلى لزم بيته خمسيـن سنـة لا يتجاسـر أن يظهـر. ولـم يكـن عنـده مـن الحديـث إلا حديث واحد لم يرو غيره ، سمعه من شيخه أبي الحسينبن البصري ولم يروا أبو الحسين غيره‏.‏وهو قوله عليه السلام‏:‏ ‏"‏ إذا لم تستحي فاصنع ماشئت ‏"‏ فكأنهما خوطبا بهذا الحديث لأنهما لم يستحييا من بدعتهما التي خالفا بها السنة‏.‏وعارضاها بها ومن فعل ذلك فما استحيا‏.‏....وقال شيخنا ابن ناصر‏:‏ كان ابن الوليد داعية إلى الاعتزال لاتحل الرواية عنه‏.‏).

 ثالثا : ابن الأثير يكتب ما تجاهله ابن الجوزى :

تجاهل ابن الجوزى الصراع الذى كان يحدث بين الحنابلة  والشافعية . ففى عام  447 ، يقول ابن الأثير ( في هذه السنة وقعت الفتنة بين الفقهاء الشافعية والحنابلة ببغداد، ومقدم الحنابلة أبو علي بن الفراء، وابن التميمي، وتبعهم من العامة الجم الغفير، وأنكروا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ومنعوا من الترجيع في الأذان، والقنوت في الفجر، ووصلوا إلى ديوان الخليفة، ولم ينفصل حال، وأتى الحنابلة إلى مسجد بباب الشعير، فنهوا إمامه عن الجهر بالبسملة، فأخرج مصحفاً وقال: أزيلوها من المصحف حتى لا أتلوها.).

رابعا : ابن الأثير شاهدا على العصر

1 ـ وبعد توقف ابن الجوزى عن التأريخ وبعد موته كان ابن الأثير هو العمدة حيث يؤرخ شاهدا على العصر . وننقل عنه بعض ما يختص بموضوعنا : عام 581 ( وفيها كان بنين أهل الكرخ ببغداد وبين أهل باب البصرة فتنة عظيمة جرح فيها كثير منهم وقتل، ثم أصلح النقيب الظاهر بينهم.).

2 ـ  وفى وفيات عام  601 يقول عن الأمير ( ركن الدين بن قلج أرسلان ) إنه كان متهما بفساد الاعتقاد؛ وإنه يعتقد أن مذهبه مذهب الفلاسفة، وكان كل من يرمى بهذا المذهب يأوي إليه، ولهذه الطائفة منه إحسان كثير، إلا أنه كان عاقلاً يحب ستر هذا المذهب لئلا ينفر الناس عنه.) ويحكى ابن الأثير : ( حكي لي أنه كان عنده إنسان، وكان يرمى بالزندقة ومذهب الفلاسفة، وهو قريب منه، فحضر يوماً عنده فقيه، فتناظرا، فأظهر شيئاً من اعتقاد الفلاسفة، فقام الفقيه إليه ولطمه وشتمه بحضرة ركن الدين، وركن الدين ساكت، وخرج الفقيه فقال لركن الدين: يجري علي مثل هذا في حضرتك ولا تنكره؟ فقال: لو تكلمت لقتلنا جميعاً، ولا يمكن إظهار ما تريده أنت؛ ففارقه.). وهذا يوضح غلبة الحنبلية وتحريمها للفلسفة باعتبارها كفرا وزندقة .

3 ـ  وفى عام  614 : ( ذكر عدة حوادث:في هذه السنة في المحرم، كانت ببغداد فتنة بين أهل المأمونية وبني أهل باب الأزج بسبب قتل سبع؛ وزاد الشر بينهم، واقتتلوا، فجرح بينهم كثير، فحضر نائب الباب وكفهم عن ذلك، فلم يقبلوا ذلك، وأسمعوه ما يكره، فأرسل من الديوان أمير من مماليك الخليفة، فرد أهل كل محلة إلى محلتهم، وسكنت الفتنة.).

 وفى عام 416  ، وتحت عنوان  ( ذكر قتل الباطنية بواسط ) والباطنية طائفة من الشيعة ، يقول  : ( في هذه السنة قتل الباطنية بواسط، وسبب كونهم بها وقتلهم أنه ورد إليها رجل يعرف بالزكم محمد بن طالب بن عصية، وأصله من القارب، من قرى واسط، وكان باطنياً ملحداً، ونزل مجاوراً لدور بني الهروي، وغشيه الناس، وكثر أتباعه.وكان ممن يغشاه رجل يعرف بحسن الصابوني، فاتفق أنه اجتاز بالسويقة، فكلمه رجل نجار في مذهبهم، فرد عليه الصابوني رداً غليظاً، فقام إليه النجار وقتله، وتسامع الناس بذلك، فوثبوا وقتلوا من وجدوا ممن ينتسب إلى هذا المذهب، وقصدوا دار ابن عصية وقد اجتمع إليه خلق من أصحابه، وأغلقوا الباب، وصعدوا إلى سطحها، ومنعوا الناس عنهم، فصعدوا إليهم من بعض الدور من على السطح، وتحصن من بقي في الدار بإغلاق الأبواب والممارق، فكسروها، ونزلوا فقتلوا من وجدوا في الدار وأحرقوا، وقتل ابن عصية، وفتح الباب، وهرب منهم جماعة فقتلوا؛ وبلغ الخبر إلى بغداد، وانحدر فخر الدين أبو البدر بن أمسينا الواسطي لإصلاح الحال، وتسكين الفتنة.).

الفصل الأخير : الحنابلة وإضطهاد الشيعة : من الفوضى الى تدمير بغداد

  أولا : إستمرار الأخبار النمطية لابن الجوزى عن إضطهاد الشيعة بواسطة الحنابلة

1 ـ قهر الشيعة ولعنهم رسميا عام  458 لأنهم مارسوا طقوسهم : ( ..أن أهل الكرخ أغلقوا دكاكينهم يوم عاشوراء وأحضروا نساء فنحن على الحسين عليه السلام على ما كانوا قديمًا يستعملونه . واتفق أنه حملت جنازة رجل من باب المحول إلى الكرخ ومعها الناحية فصلى عليها وناح الرجال بحجتها على الحسين وأنكر الخليفة على الطاهر أبي الغنائم المعمـر بـن عبيـد اللـه نقيـب الطالبيـن تمكينـه مـن ذلـك فذكر أنـه لم يعلم به إلا بعد فعله وأنه لما علم أنكره وأزاله فقيل له‏:‏ لا تفسح بعدها في شي من البدع التي كانت تستعمل‏. واجتمع في يوم الخميس رابع عشر المحرم خلق كثير من الحربية والنصرية وشارع دار الرقيق وباب البصرة والقلائين ونهر طابق بعد أن أغلقوا دكاكينهم وقصدوا دار الخلافة وبين أيديهم الدعاة والقراء وهم يلعنون أهل الكرخ واجتمعوا وازدحموا على باب الغربة وتكلموا من غبر تحفظ في القول ، فراسلهم الخليفة ببعض الخدم أننا قد أنكرنا ما أنكرتم وتقدمنا بـأن لا يقـع معاودة...‏.فانصرفوا وقبض على ابن الفاخر العلوي في آخرين ووكل بهم في الديوان ، وهرب صاحب الشرطة لأنه كان أجاز لأهل الكرخ إيقاع الفتنة ، ثم واصل أهل الكرخ التردد إلى الديوان والتنصل مما كان والاحتجاج بصاحب الشرطة وأنه أمرهـم بذلـك ، والسـؤال فـي معنـى المعتقلين فأخرج عنهم في ثامن عشر المحرم بعد أن خرج توقيع بلعن من يسب الصحابة ويظهر البدع‏.)

2 ـ قتل الشيعة وإحراق للكرخ : (465 : في شعبان‏:‏ قصد أهل المحال الكرخ فقاتلوا أهلها وأحرقوا فيها شيئًا كثيرًا ..)،، ( وفي شعبان‏:‏ ثارت فتنة بين أهل الكرخ وباب البصرة والقلائين أحرق فيها من الكرخ الصاغة وقطعة من الصف ، وقتل فيها خلق كثير‏. ) ، عام ( 466 وفي شعبان‏:‏ وقعت الفتنة بين القلائين والكرخ وجعلوا يشتمون الشحنة ( الشرطة ) ومن قلده ، فعبر إليهم وقتل منهم وأحرق أماكن‏.‏ ) ، (‏ وفي ذي الحجة عادت الفتن بين اهل الكرخ والسنة وأحرق شطر من الكرخ ومن باب البصرة .) ( 480 ذو القعدة وفـي هـذا الشهـر، وقـع القتال بين أهل الكرخ وأهل باب البصرة ...‏ ) ( عام 570 : ..وجـرت خصومـات بيـن أهـل بـاب البصـرة وأهل الكرخ قتل فيها جماعة ، واتصلت ، واصلح بينهم من الديوان ، ثم عالدا إلى الخصام ، فتولى الأمر سليمان بن شاووش ، فخافوا سطوته وكفوا.)

3 ـ نهب الشيعة :( .479 وفـي شوال‏:‏ وقعت الفتنة بين السنة و الشيعة ، وتفاقم الأمر إلى أن"> ويذكر ابن الأثير هذا فى أحداث عام 441 ، ويعطى تفاصيل الصراع ، الذى جاء ابن النسوى لاخماده فاتحد الشيعة والحنابلة معا ضد قدومه . يقول ابن الأثير : ( وفيها منع أهل الكرخ من النوح، وفعل ما جرت عادتهم بفعله يوم عاشوراء، فلم يقبلوا وفعلوا ذلك، فجرى بينهم وبين السنة فتنة عظيمة، قتل فيها وجرح كثير من الناس، ولم ينفصل الشر بينهم حتى عبر الأتراك وضربوا خيامهم عندهم، فكفوا حينئذ، ثم شرع أهل الكرخ في بناء سور على الكرخ، فلما رآهم السنة من القلائين ومن يجري مجراهم شرعوا في بناء سور على سوق القلائين، وأخرج الطائفتان في العمارة مالاً جليلاً، وجرت بينهما فتن كثيرة، وبطلت الأسواق، وزاد الشر، حتى انتقل كثير من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي فأقاموا به، وتقدم الخليفة إلى أبي محمد بن النسوي بالعبور وإصلاح الحال وكف الشر، فسمع أهل الجانب الغربي ذلك، فاجتمع السنة والشيعة على المنع منه، وأذنوا في القلائين وغيرها بحي على خير العمل، وأذنوا في الكرخ: الصلاة خير من النوم، وأظهروا الترحم على الصحابة، فبطل عبوره.)

ثالثا : الصراع يؤدى الى الكفر والردة عن الاسلام

1 ـ  دارت معركة بين الحنابلة والشيعة من ناحية والجنود الأتراك  فى الناحية الأخرى ، وكان الجند الأتراك نازلين فى حى الحنابلة ببغداد ( باب البصرة )، وحدثت منازعة بين جندى تركى وبعض الهاشميين فى 6 شوال‏ 421 ، (  فاجتمع الهاشميون إلى جامع المدينة، ورفعوا المصاحف ، واستنفروا الناس، فاجتمع لهم الفقهاء والعدد الكثير من الكرخ وغيرها، وضجوا بالاستغفار من الأتراك وسبهم ، فركب جماعة من الأتراك، فلما رأوهم قد رفعوا أوراق القرآن على القصب رفعوا بإزائهم قناة عليها صليب . وترامى الفريقان بالنشاب والآجر، وقتل من الآجر قوم .‏ ). الجند الأتراك مسلمون ، ولكنهم حين زايد عليهم الحنابلة والأشراف الهاشميون والشيعة برفع المصحف يحولونها الى حرب دينية تحداهم الجند الأتراك ( المسلمون ) برفع الصليب .!..يعنى بالمثل المصرى : طُظ فيكم .!!

‏‏ 2 ـ ويقول ابن الجوزى : ( وفي عشية الجمعة تاسع عشر صفر عام 482 ‏:‏ كبس أهل باب البصرة الكرخيين فقتلوا رجلًا وجرحوا آخر ، فأغلقت اسواق الكرخ ، ورفعت المصاحف على القصب، وما زالت الفتن تزيـد وتنقـص إلى جمادى الأولى . فقويت نارها وقتل خلق كثير ، واستولى أهل المحال على قطعة كبيرة من الكرخ فنهبوها . فنزل خمارتاش نائب الشحنة على دجلة ليكف الفتنة فلم يقدر. ) واستغاث أهل الكرخ بلا فائدة ، واستعان حنابلة باب البصرة بسبع يرهبون به أهل الكرخ . وجاء قادة الحنابلة الى الكرخ وقراءوا عليهم منشورا بإلزامهم بترك التشيع والتزام السُّنة . يقول ابن الجوزى : (  وركب حاجب الخليفة وخدمه ، والقضاة‏:‏ أبو الفرج بن السيبي ويعقوب البرزيني وأبـو منصـور ابـن الصيـاغ و الشيـوخ‏:‏ أبو الوفاء بن عقيل وأبو الخطاب وأبو جفعر بن الخرقي المحتسب ، وعبروا إلى الشحنة وقرأوا منشورًا بالكرخ من الديوان ، وفيه‏:‏ " قد حكي عنكم أمور يجب أن نأخذ علماءكم على أيدي سفهائكم ، وأن يدينوا بمذهب أهل السنة .فأذعنوا بالطاعة ....ونصب أهل الكرخ رايتين على باب السماكين وكتبوا على مساجدهم‏:‏ خير الناس بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي‏. ) وتطور الأمر الى قتال أسفر عن رفع عوام الحنابلة الصليب : ( ورفع العامـة الصلبـان علـى القصـب ، وتهجمـوا علـى الوزيـر أبـي شجـاع فـي حجرتـه من الديوان ، وكثروا من الكلام الشنيع ، ولم يصل حاجب الباب في جامع القصر إشفاقًا من العامة .)، ويقول ابن الجوزى : ( قال المصنف‏:‏ ونقل من خط أبي الوفاء بن عقيل ، قال‏:‏ عظمت الفتنة الجارية بين السنة وأهل الكرخ فقتل نحو مائتي قتيل ودامت شهورًا من سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة ، وانقهر الشحنة ( الشرطة ) واتحش السلطان ،وصار العوام يتبع بعضهم بعضًا في الطرقات والسفن فيقتل القوي الضعيف ، ويأخذ ماله . وكان الشباب قد أحدثوا الشعور والجمم وحملوا السلاح وعملوا الـدروع ورمـوا عن القسي بالنشاب والنبل . وسب أهل الكرخ الصحابة وأزواج رسول الله صلى اللـه عليـه وسلـم علـى السطـوح ،وارتفعـوا إلـى سـب النبـي صلـى الله عليه وسلم ، ولم أجد من سكان الكرخ من الفقهاء والصلحاء من غضب ولا انزعاج عن مساكنتهم. فنفر ( الخليفة ) المقتدي إمام العصر نفرة ، قبض فيها على العوام وأركب الأتراك وألبس الأجناد الأسلحة وحلق الجمم والكلالجات ، وضـرب بالسياط وحبسهم في البيوت تحت السقوف. وكان شهر آب . فكثر الكلام على السلطان وقال العوام‏:‏ هلك الدين مات السنة ونصبت البدعة، ونرى أن الله ما ينصر إلا الرافضة فنرتد عن الأسلام‏. قال ابن عقيل‏:‏ فخرجت إلى المسجد وقلت‏:‏ بلغني أن أقوامًا يتسمون بالإسلام والسنة قد غضبـوا علـى اللـه وهجـروا شريعتـه وعزموا على الارتداد وقد ارتدوا . فإن المسلمين أجمعوا على أن العزم على الكفر كفر. )

3 ـ هذا الفقيه الحنبلى المتطرف أبو الوفاء بن عُقيل الذى زايد عليه عوام الحنابلة ـ كما سبق ـ وهو الآن يزايد عليهم حين هددوا بالردة عن الاسلام . ومن ( مناقب ) هذا الفقيه المتعصب أنه حرص على قتل شخص شيعى ( باطنى أى : إسماعيلى فاطمى ) بحدّ الردة . يقول ابن الجوزى فى أحداث عام  490 : ( وفـي شـوال‏:‏ قُتـل إنسـان باطنـي علـى بـاب النوبـي ، أتـى مـن قلاعهـم بخوزستان ، وشهد عليه بمذهبه شاهدان دعاهما هو إلى مذهبه، فأفتى الفقهاء بقتله ، منهم ابن عقيل، وكان من أشدهم عليه . فقال له الباطني ‏:‏ كيف تقتلوفي وأنا أقول لا إله إلا اللّه ؟ قال ابن عقيل‏:‏ أنا اقتلك‏.‏ قال‏:‏ بأي حجـة قـال‏:‏ بقـول اللّـه عـز وجـل‏:‏( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ) . هذا الفقيه الحنبلى الأحمق يعطى نفسه هنا سُلطة رب العزة .!!

 رابعا : البساسيرى ينتقم من رئيس الرؤساء ابن المسلمة ( الحنبلى ) الذى تطرف فى أضطهاد الشيعة :

1 ـ تطرف ابن المسلمة فى إضطهاد الشيعة : كان فقيها حنبليا فأصبح وزيرا للخليفة القائم العباسى ، وتلقب برئيس الرؤساء ، واشتهر بكراهية الشيعة وكان يسعى لاستقدام الأتراك السلاجقة السنيين ليحلوا محل البويهيين ( الشيعة ) المتحكمين فى الخلافة العباسية . ونال شيعة بغداد منه ضرر كبير . ونعطى أمثلة لما حدث لهم بتدبيره . فى عام  447 تحالف الجنود مع فرقة من الحنابلة تحت شعار تغيير المنكر ، وطلبوا الإذن لهم فى التصرف ضد الشيعة فأُذن لهم بذلك . يقول ابن الأثير : ( فأجيبوا إلى ذلك، وحدث من ذلك شر كثير.). ويذكر ابن الجوزى مأساة حدثت فى العام التالى : 448 ، حيث إحتلّ متطرفو الحنابلة حى الكرخ ، وأرغموا أهله على تغيير الأذان : يقول : (  أقيـم الأذان فـي المشهـد بمقابـر قريـش ومشهد العتيقة ومساجد الكرخ‏:‏ ‏"‏ بالصلاة خيـر مـن النـوم ‏"‏ وأزيـل مـا كانـوا يستعملونـه فـي الأذان ‏"‏ حي على خير العمل ‏"‏ وقلع جميع ما كان علـى أبـواب الـدور والـدروب مـن ‏"‏ محمـد وعلـي خيـر البشـر ‏"‏ ، ودخـل إلـى الكـرخ منشـدو أهـل السنة من باب البصرة ، فأنشدوا الأشعار في مدح الصحابة، وتقدم رئيس الرؤساء ( ابن المسلمة ) إلى ابن النسوي ( رئيس الشرطة ) بقتـل أبـي عبـد اللـه بـن الجلاب شيـخ البزازيـن بباب الطاق ، لما كان يتظاهر به من الغلو في الرفض ، فقتل وصلب على باب دكانه. وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره‏.‏).وفى نفس العام  448 ، يقول : ( وفـي هـذه السنـة‏:‏ تقـدم رئيـس الرؤسـاء أبـو القاسـم علي بن الحسن ابن المسلمة بأن تنصب أعلام سود في الكرخ ، فانزعج لذلك أهلها ، وكان يجتهد في أذاهم .‏)  وفى العام التالى 449 في المحرم سلب الحنابلة عدة دكاكين من نهر الدجاج ونهر طابق والعطارين وكسروا دراباتها وأخذوا ما فيها ). ( وفي صفر هذه السنة‏:‏ كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلم الشيعة بالكرخ ، وأخذ ما وجد من دفاتره وكرسي كان يجلس عليه للكلام وأخرج ذلك إلى الكرخ ، وأضيف إليه ثلاثة مجانيق بيض كان الزوار من أهل الكرخ قديمًا يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة . فأحرق الجميع‏.).

2 ـ فى نفس الوقت كان أبو الحارث البساسيرى يتعاون سرا مع الدولة الفاطمية . والبساسيرى كان من قواد الملك الرحيم البويهى ( آخر ملوك بنى بويه فى بغداد ) وقد زاد نفوذه حتى سيطر على الخليفة القائم والملك البويهى الرحيم . وكان طبيعيا أن يزداد النفور بين البساسيرى وابن المسلمة رئيس الرؤساء الحنبلى المتعصب. وفى تطورات الصراع بين البساسيرى والسلطة البويهية عام 447 أمر رئيس الرؤساء باعتقال أهل البساسيرى فى بغداد ونهب بيوته وأملاكه .ويذكر ابن الأثير أن ابن المسلمة أثار الحنابلة والجنود الأتراك ضد البساسيرى ، وساعدهم فى الحصول على إذن من الخليفة بنهب بيت البساسيرى : ( فحضروا دار الخليفة، واستأذنوا في قصد دور البساسيري ونهبها، فأذن لهم في ذلك، فقصدوها ونهبوها وأحرقوها، ونكلوا بنسائه وأهله ونوابه، ونهبوا دوابه وجميع ما يملكه ببغداد.وأطلق رئيس الرؤساء لسانه في البساسيري وذمه، ونسبه إلى مكاتبة المستنصر، صاحب مصر، وأفسد الحال مع الخليفة إلى حد لا يرجى صلاحه، وأرسل إلى الملك الرحيم يأمره بإبعاد البساسيري، فأبعده. ).

3 ـ وأتى طغرلبك السلجوقى واحتل بغداد واعتقل الملك الرحيم البويهى وأمر بطرد البساسيرى وقطع أرزاق  الجند الأتراك التابعين للبويهيين فانضموا للبساسيرى فإزداد بهم قوة ، بينما نهب السلاجقة قرى العراق ، وأمر طغرلبك شيعة الكرخ بالأذان السُّنى ، فكاتب البساسيرى الخليفة الفاطمى المستنصر بالانضمام اليه ، وأن يتوسع باسمه فى العراق ، فأذن له . وعاد طغرلبك الى موطنه تاركا الخليفة وأعوانه فى بغداد ، فاقتحمها البساسيرى وهزم الخليفة وأعوانه ، وخطب باسم المستنصر الفاطمى فى جامع المنصور ببغداد ، وصار الأذان فى بغداد بالطريقة الشيعية ( حى على خير العمل ). ووقع فى الأسر الخليفة القائم ورئيس الرؤساء ، وقد أُعطى الأمان للخليفة بينما تسلم البساسيرى عدوه ابن المسلمة . ولما تسلمه البساسيرى قال له متهكما : مرحباً بمهلك الدول، ومخرب البلاد! فقال: العفو عند المقدرة. فقال البساسيري: فقد قدرت فما عفوت، وأنت صاحب طيلسان، وركبت الأفعال الشنيعة مع حرمي وأطفالي، فكيف أعفو أنا، وأنا صاحب سيف؟! )، وأمر البساسيرى باعتقاله ، ثم أخرجه من محبسه فى  آخر ذي الحجة، من محبسه بالحريم الطاهري مقيداً، وعليه جبة صوف، وطرطور من لبد أحمر، وفي رقبته مخنقة جلود بعير، ..وطيف به فى الكرخ ( وبصق أهل الكرخ في وجهه عند اجتيازه بهم، لأنه كان يتعصب عليهم، ) ( ثم أُعيد إلى معسكر البساسيري، وقد نُصبت له خشبة، وأُنزل عن الجمل، وأُلبس جلد ثور، وجعلت قرونه على رأسه، وجعل في فكيه كلابان من حديد، وصُلب ، فبقي يضطرب إلى آخر النهار ، ومات.) هذا بعض ما ذكره ابن الأثير ، وقد أفرد صفحات فى حركة البساسيرى . أما ابن الجوزى فيختصر ، ويقول فى أحداث عام 450 :( ثم دخل البساسيري بغداد يوم الأحد ثامن ذي القعدة ومعه الرايات المصرية..  ونهبت دار قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني ، وهلك أكثر السجلات والكتب الحكمية فبيعت على العطارين ، ونهبت دور المتعلقين بالخليفة ، ونُهب أكثر باب البصرة ( مركز الحنابلة ) بأيدي أهل الكرخ تشفيًا لأجـل المذهـب . وانصـرف الباقون عراة فجاؤوا إلى سوق المارستان وقعدوا على الطريق ومعهم النساء والأطفال. وكان البرد حينئذ شديدًا .وعاود أهل الكرخ الأذان بحي على خير العمل . وظهر فيهم السرور الكثير، وعملوا راية بيضاء ونصبوها وسط الكرخ ، وكتبوا عليها اسـم المستنصـر باللـه  ..‏.فلما كان يوم الجمعة الثالث عشر من ذي القعدة‏:‏ دعي لصاحب مصر في جامع المنصـور وزيـد فـي الـأذان حـي علـى خيـر العمـل.. .. وحمل ابن المسلمة إلى البساسيري .. فقيده، ووكل به، وضرب ضربًا كثيرًا . وقيد‏.ثم قتله .).

أخيرا : وجاء المغول ..ودمروا بغداد ..

1 ـ وظل إضطهاد الحنابلة للشيعة قائما محتدما حتى قبيل سقوط بغداد على يد هولاكو عام 656  . يقول ابن كثير فى أحداث عام 655 (وفيها‏:‏ كانت فتنة عظيمة ببغداد بين الرافضة وأهل السنة، فنهب الكرخ ودور الرافضة حتى دور قرابات الوزير ابن العلقمي، وكان ذلك من أقوى الأسباب في ممالأته للتتار‏.‏) . ويقول فى العام التالى فى تفصيلات سقوط بغداد عام 656  ( وذلك كله عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي، وذلك أنه لما كان في السنة الماضية كان بين أهل السنة والرافضة حرب عظيمة نهبت فيها الكرخ ومحلة الرافضة ، حتى نهبت دور قرابات الوزير‏.).

خاتمة الكتاب

 سؤال واحد : ـ هل نقول اليوم : وجاء الأمريكان ...؟!!