مكتبة منصور أرشيف دائم
EN / AR
الكتب 2013

الشورى الاسلامية ( اصولها – تطبيقاتها فى دراسة قرآنية )

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
ملاحظة:
كتبت هذا البحث فى عام من اعوام الضنك الشديد . الشيوخ يضغطون على ( أمن الدولة لاعتقالى ) ولا يجد ( أمن الدولة ) سببا لاعتقالى لأننى أعيش منعزلا فى بيتى لا عمل لى سوى الكتابة ، وأبحث عن عمل بلا جدوى فقد أغلقوا فى وجهى سبل الرزق ، ويكتفى (أمن الدولة ) بالاستدعاءات لارهابى ولاسكات الشيوخ . الأوجع من جو القهر والارهاب هو عجز الأب عن توفير المطالب الضرورية لأولاده الذين لا ذنب لهم فيما يحدث سوى أنهم أبناؤه . الشعور بهذا العجز كان يجعلنى أحيانا أفضّل العودة للسجن ليكون السجن ذريعة تبرر العجز . كان المتطرفون وقتها يضغطون بشدة على نظام مبارك بعمليات ارهابية ما لبث أن إتسعت بعد عام 1990 ، وكان هذا الارهاب يجرى فى تناسق مع حملة دعوية يقودها الاخوان وخلاياهم النائمة فى الصحافة والاعلان عن تكفير ( الديمقراطية ) و الحديث عن مناقب الشورى الاسلامية . وكان النظام سعيدا بالهجوم على الديمقراطية ، ولم يكن من المثقفين الليبراليين من يفهم حقيقة الشورى الاسلامية الحقيقية ، كان يعرف عنها الشائع فقط وهى أنها ضد الديمقراطية الغربية . لذا كتبت عام 1990 هذا البحث لهذا السبب ، ونشرته على الانترنت فى سنوات لاحقة . كان الاستغراق فى البحث مع الاستعانة بالصبر والصلاة سبيلى للتغلب على القهر والفقر . كان القلب يطمئن حين أقرا فى الصلاة آية الكرسى ، وأعايش قوله جل وعلا فى وصف ذاته (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ) كان يطمئننى أن ( الحىّ القيوم ) جل وعلا الذى ( لا تدركه سنة ولا نوم ) يعرف بحالى ، ولن يتخلّى عنى ، فليس بين وبين أولئك الناس خصومة شخصية . هى خصومة بسبب رب العزة ودينه ، هم يريدون تشويه دينه وأنا أقف ضدهم . ولا بد أن أتحلى بالصبر والصلاة ، ولا بد أن أرد بالصمود بالبحث والتأليف فهذا هو ما سيبقى منى ، وأما جهلهم وسوء عملهم فهو ما سيبقى منهم .وعشت لأرى ثمار القهر والفقر عشرات الأبحاث منها القصير ومنها مؤلفات بأجزاء منها ما تم نشره هنا ، ومنها الذى أبدأ الآن فى نشره مستعينا بالله جل وعلا رب العالمين .
(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) البقرة ).
سبرنج فيلد ـ فيرجينيا ، الولايات المتحدة ، 29 سبتمبر 2013 .

مقدمة :
منذ قيام الدولة العباسية عرف المسلمون الحكم الثيوقراطي الاستبدادي الذي يتمسح بالدين ، ومنذ ذلك الوقت ارتبطت الدول الإسلامية بالحكم المستبد ، وتم تصنيف التراث (الإسلامي ) في أحضان دول مستبدة ، لا تعبّر عن حقائق الاسلام . بل تأسس التراث والفقه في مناخ كان لا يرى تعارضا بين الاسلام والحكم الاستبدادي . والغريب ان الاسلام – في حقيقته- مع الشورى ، كأعظم صورة ديمقراطية ، ولم تكن تلك الشورى مجرد سطور في القرآن الكريم بل كانت حياة علمية عاشها النبي مع اصحابه في مكة قبل ان يقيم له دولة ، ثم طبقها في دولته في المدينة .. ومارس المسلمون بعده في عهد الخلفاء ( الراشدين) تلك الشورى بصورة او بأخرى الى ان دخلوا في الفتنة الكبرى وانتهت الخلافة (الراشدة) وجاءت الخلافة (الأخرى) القائمة على القهر والاستبداد فدخلت الشورى الاسلامية في متحف التاريخ ، بل نقول ان التراث الذي كتبه المسلمون في عصور الاستبداد استكثروا عليها دخول متحف التاريخ ، فتجاهلوا رواية ما ينم عن تلك الحياة الديمقراطية في عصر النبي والخلفاء ، ولم يصل الينا الا بعض روايات هزيلة صاحبت بعض المعارك الحربية للرسول والمسلمين وفيها كان النبي يستشير ويخالفه اصحابه في الرأي وينفذ الرسول رأيهم. لكن يبقى القرآن الكريم هو الفيصل في الموضوع بما أورده من نظام الشورى في عهد النبي . ويبقى أن الشورى في الدولة الإسلامية الأولى هي التى ارتقت بالعرب الى مستوى الدولة المتحضرة التى ترسم خريطة جديدة في التاريخ العالمى .
والتيار الديني الذي يسعى لتكوين دولة إسلامية لا يرى في الشورى الإسلامية إلا استبداد الحاكم المتأله مع اعوانه من اهل الحل والعقد ، وفقا لمبدأ الحاكمية التى تعني ان الامام الحاكم هو الراعي والشعب هو الرعية ، وهو يحكمهم بسلطة إلهية وتفويض إلهي ، وليس مسئولا اما الشعب ، بل أمام الله .. وتلك هي مورثات الخلافة العباسية ، التي أنتجت التراث وتلك المقولات ، وكلها تخالف القرآن العظيم ، وتخالف ما كان عليه خاتم النبيين عليه السلام . ومن هنا تكون الحاجة ماسة لهذه الدراسة .. ليس فقط لأنها تلقى الضوء على الشورى الإسلامية الحقيقية التي أهملتها أبحاث التراث .. ولكن أيضا لأنها ترد على دعاة الاستبداد الديني السياسي ممن يؤيدون الاستبداد القائم آو يحلمون بإقالة حكم ديني استبدادي تحت شعارات دينية يخدعون بها جماهير المسلمين .

 

الفصل الأول : أصول الشورى في الإسلام

الفصل الأول : أصول الشورى في الإسلام
أولا – ماهية الشورى في المنظور القرآني :الشورى فى الاسلام : فنّ ممارسة السلطة والقوة
1 ـ الشورى عندنا تقابل الديمقراطية في التراث الغربي .. وقد يجادلنا البعض في هذه المقولة ، وذلك ليس مستغربا ، لأن الديمقراطية نفسها في التطبيق الغربي تختلف من دولي لأخرى ، فشتان بين ديمقراطية إنجلترا وديمقراطية فرنسا ، وبينها وبين أمريكا قمة الديمقراطية في العالم ، آو هكذا يقولون . تتعدد الديمقراطيات الغربية ، ولكنها تشترك في أسس عامة – في الأغلب- تقوم على مسئولية السلطة التنفيذية أمام ممثلي الشعب .. بما يعني خضوع الحاكم للشعب أو ممثليه .. واستمداده السلطة منه أو منهم .. أو هكذا يقولون . ولسنا في مجال المقارنة بين الشورى الإسلامية في المنظور القرآني والديمقراطية الغربية النيابية ، ولكن نتوقف مع القدر المشترك بينهما وهو المعنى الحقيقي للشورى والديمقراطية ، وهو فن ممارسة السلطة والقوة ، لأن الجهة التي يخضع لها الحاكم هي المصدر الحقيقي للسلطة والمنبع الذي يستمد منه الحاكم سلطانه .
2 ـ إن الحكم هو القوة والسلطة .. أو ممارسة القوة والسلطة .. والعلاقة بين الحاكم والشعب تحدد من هو صاحب القوة والسلطة ومدي وجود الشورى (أو الديمقراطية ) في تلك العلاقة .
• هناك الحاكم المستبد الذي يتأثر بالقوة والسلطة ، وليس لشعبه عنده وزن ، بل يعتبر نفسه وصيا على ذلك الشعب الذي لم يبلغ بعد درجة المسئولية والأهلية ، وهذا الحاكم المستبد يعتبر نفسه مصدر السلطات كلها ، فهو نفسه مجلس الشورى والمشير وهو المستشار وهو الحاكم بأمره في كل شئ ، ومن هنا تكون المشورة في نطاق سلطاته التي يمنحها لنفسه ، غاية ما هنالك انه يستشير نفسه أو يعين مجموعة من الخدم لتفكر له فيما يرضيه .. وعلى الشعب الطاعة لأنه مجرد من القوة ، فقد احتكر الحاكم القوة لنفسه .
• ولكن قد يحس الشعب ببعض الوعي ويستحوذ على بعض التأثير والقليل من القوة مما يجعل الحاكم المستبد يضطر لتقديم بعض التنازلات تتناسب مع بعض القوة التي ينتزعها الشعب لنفسه ، ولذلك تتغير مجالس الشورى ، من مجرد العبيد والخصيان الذين يتفانون في التفكير لأرضاء الملك المستبد ألي مجالس شورى لها بعض الحرية في الحركة ألي دور أكبر ، وهذا مرهون بقدرة الشعب على انتزاع حقوقه ، وهل يرضى الشعب بوجود مجالس صورية تعطى شرعية زائفة لدكتاتورية الحاكم وتغطي عورة الاستبداد ، أم تتطور هذه المجالس لتحاسب الحاكم وتقلص سلطاته .. وفي كل الأحوال فالشورى هنا هي فن ممارسة القوة .. وتلك الممارسة يتجاذبها الشعب والحاكم كل منهما بحسب ما لديه من قوة وصمود .
• وقد تكون القوة – كل القوة – للشعب ، فيفرض سلطانه على الحكومة ويعين الحاكم ويسائله ويعزله ويعين بدله ويراقبه ويحاكمه ، والحاكم هنا يعتبر نفسه موظفا في خدمة الشعب ، أجير لديه ، والشعب هنا يمارس بمشورته فن القوة .
وهكذا فلدينا ثلاثة أنواع من الشورى :
• الشورى الحقيقية للشعب القوى الذي يملك إرادته بنفسه والذي يقوم بتعيين الحاكم ويعتبره أجيرا لديه ويحاسبه ويقرأ ويعزله ويعاقبه إذا اخطأ .
• والشورى الصورية لحاكم يدعى التمسك بالديمقراطية وهو يضطر لذلك لمواجهة الانتقادات واحتمالات التمرد من بعض طوائف شعبه ، ويدور صراع ( القوة) بين الحاكم والشعب وبقدر ما للشعب من قوة وصمود ينتزع حقوقه في المشاركة والشورى.
• و أخيرا لدينا الدكتاتور الفج المطلق الذي يحكم بالقوة ويستشير نفسه أو خدمة وحاشيته والشعب مجرد قطيع وقع في أسره وتحت هيمنته وسيطرته ، حيث احتكر ذلك المستبد لنفسه القوة ومارس من خلالها الشورى .. لنفسه .
إذن فالشورى هي لعبة القوة أولا و اخيرا .. القوة بكل أشكالها ، قوة السلاح وقوة المال وقوة التأثير في الجماهير .. وقوة الجماهير نفسها أو ضعفها وقوة الحاكم أو قوة شعبه . وحيث توجد القوة تكون القدرة على المشورة ، لأن المشورة هي فن ممارسة القوة . وهذه هي ماهية الشورى في المنظور القرآني . ومن هنا كانت تنشئة المؤمنين على أتساس القوة ، وكانت المشورة نابعة من عقيدة الإسلام القائلة انه " لا اله إلا الله " .
3 ـ وقبل أن ندخل في أسلوب القرآن في تربية وتنشئة الشورى في تكوين العقل المسلم . نتوقف مع بعض الآيات القرآنية التي تؤكد علاقة الشورى أو ( الاستبداد) بالقوة مما يعنى أن الشورى هي فن ممارسة القوة .
ففرعون موسى وصل به الاستبداد ألي درجة ادعاء الألوهية والربوبية الكبرى " فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى (24) " (النازعات ) " وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (38) " القصص .وبذلك الاستبداد الذي وصل به ادعاء الألوهية كان يتعامل مع الحاشية حوله ، أو الملأ الذي يفكر فيما يرضى الفرعون ، وكانت آراء الملأ أو الحاشية تأتى طبقا لما يريده الفرعون حتى أن القرآن الكريم ينسب الأقوال الواحدة مرة لفرعون ومرة أخرى للملأ ليدل على أن الملأ أو الحاشية جزء لا يتجزأ من الفرعون ، وان فرعون حين كان يستشيرهم لا يسمع صدى صوته أو صدى صوتهم: راجع سورة الأعراف (قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) ) وسورة الشعراء : ( قَالَ لِلْمَلإٍ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) . أيضا راجع سورة الأعراف ( وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) ، وسورة غافر ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (25) وفي النهاية فان فرعون يقول لهم " ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) غافر . أي انه لا يتصرف ألا برأيه ، ورأيه هو الهدي وسبيل الرشاد ، وذلك هو نهاية المطاف في الشورى عنده .
والأرضية التي كان يستمد منها فرعون سلطته الاستبدادية أو يمارس من فوقها فن الشورى هي انفراده بكل عناصر القوة . والتاريخ الفرعوني يؤكد أن عصر الزعامة – ومنهم فرعون موسى – شهد انفراد الفرعون بالملك والحكم وقيادة الجيوش وتحول مصر ألي وحدة واحدة في قبضة الفرعون على حساب حكام المقاطعات الذين اصبحوا خدما للفرعون. والقرآن يؤكد على أن هذه المعاني قبل أن يكتشفها علم المصريات بعشرة قرون . فالقرآن يؤكد أن فرعون موسى عقد مؤتمرا حاشدا لقومه وأعلن فيهم انه وحده يملك مصر وخيرها " وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (51) الزخرف . والقرآن يؤكد النزعة الحربية لفرعون وقيادته للجيوش التي كانت أقوى جيوش ا"لأرض ، يقول تعالى عنه : (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ (39) " القصص . وكانت صفة الجندية من صفات فرعون موسى في القرآن " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) " البروج . " وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً (90) " يونس . " فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) " طه . " فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) " القصص / فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40) الذارات . أي ارتبط فرعون بالجنود وكانوا جنوده … أي يملكهم ويقودهم ، وبذلك اجتمع لفرعون ملك مصر وقوتها الحربية .
ولذلك كانت سلطته طاغية ، وكانت رهبته ما حقه ألي درجة أن موسى خاف مواجهته وطلب من الله تعالى أن يبعث معه أخاه هارون ، ولكن الخوف تملكها معا من مواجهة فرعون فأمرهما الله تعالى أن يذهب إليه ، " اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) " طه .
4 ـ ونصل ألي درجة اقل استبدادا ، حكاها القرآن في قصة ملكة سبأ . وكان استبداد هذه الملكة مستمدا من ملكيتها لكل شئ ؟ يقول القرآن عنها فى سورة النمل " إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) " . لذلك كان الملأ – أو الحاشية حولها – يدينون لها بالولاء ، وحين استشارت الملأ أكدوا لها أنها صاحبة الأمر " قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) " . النمل . كانت تطلب رأي الملأ من قادة الجيش أولى البأس الشديد لتتوثق من تأييدهم لها ، وجاءها التأكيد بالولاء المطلق لكل ما تراه .. أي كانت المشورة محصورة في الملكة والملأ حولها أما الشعب الذي يتربعون على صدره فلم يكن له من الأمر شئ .. لأن الشعب كان مملوكا للملكة. وقد تسلمت الملكة رسالة النبي سليمان نيابة عن ذلك الشعب ، مثلما كان موسى مرسلا الي فرعون وليس للشعب المصري ، لأن الشعوب في تلك العصور كانت مجرد رعية من الخراف والمواشي يملكها الحكام المستبد . ونزل القرآن لكي يحول تلك الرعية ألي بشر مسئولين أحرار . وندخل بذلك على أسلوب القرآن في تربية الفرد المسلم والأمة المسلمة على أساس الشورى . ليدخل به في عصر جديد .
ثانيا – الشورى في تربية المسلم :
1 ـ البداية في عقيدة الإسلام : إلا اله إلا الله ، والتي تعنى أن البشر كلهم عباد الله ، ولا يجوز لإنسان مهما كان أن يسمو فوق مستوى البشر ويصير إلها مع الله . لأن لا اله مع الله ولا اله إلا الله . وصلة الشورى هنا أو نظرية الشورى القائمة على إنها فن ممارسة القوة أن الله تعالى وحده هو الذي بيده ملكوت كل شئ وانه القاهر فوق عباده وان له القوة جميعا ، لذلك فهو وحده الذي لا يسأل عما يفعل وما عداه يمكن مساءلتهم ، فالقاهر فوق عبادة لا يمكن أن يسائله عباده ، ولا يمكن أن ينتظر منه عباده أن يكونوا شركاء له في ملكه وسلطانه أو أن يستشيرهم في أي أمر من أموره ، لذلك فأنه تعالى هو الفعال لما يريد وهو يأمر عباده وعليهم الطاعة والخضوع . وذلك الذي يحكم مستبدا وينتظر من الناس أن يطيعوه ويخضعوا له إنما ينتحل لنفسه صفة من صفات الله تعالى .
2ـ والله تعالى خلق البشر أحرارا في أن يطيعوا أمره أو أن يعصوا شرعه ، وفي مقابل حرية الإرادة التي يتمتع بها الإنسان فانه سيأتي أمام الله تعالى يوم الدين آو يوم الحساب ليحاسبه ربه على طاعته آو عصيانه . وهكذا فإن الخالق القاهر فوق عباده الذي بيده ملكوت كل شئ هو الذي شاء آن يكون العباد أحرارا في الطاعة والمعصية ولم يلزمهم بقهره وجبروته في الدنيا على الطاعة مكتفيا بمسئوليتهم يوم القيامة على اختيارهم في حياتهم الدنيا . وإذا كان الخالق جل وعلا لم يتدخل في حرية البشر في الطاعة والمعصية فانه من الحمق آن يخضع البشر باختيارهم لواحد منهم ادعى لنفسه ما ليس له من صفات الله ، واستولى لنفسه ما ليس له من حقوق الآخرين في الثروة والسلطة واحتكرها لنفسه دونهم وأرغمهم على طاعته من دون الله ، بل وانتزع لنفسه ما رغب عنه رب العزة وهو التحكم في حرية الناس ومصادرتها .
3 ـ ثم إن الله تعالى حين خلق الأرض وقدّر فيها الأقوات فانه جعل الأقوات آو الإمكانات المادية حقا مشاعا للجميع لجميع الخلق الساعين للرزق السائلين عنه ، يقول تعالى عن الأرض " وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) " فصلت . آي كل الإمكانات في الأرض حق لكل البشر وليست حكرا على واحد بعينه آو جيل محدد وإنما هي للبشر جميعا سواء لكل السائلين الباحثين عنها . ولكن البحث عن تلك الموارد والسعي في ذلك الرزق يتفاوت من شخص لآخر حسب الإمكانيات الجسدية والعقلية وحسب طبيعة المكان وما فيه من ثروات ، والقران يعترف بذلك التفاوت بين الناس في الرزق " وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ (71) " النحل . ولكن القرآن في نفس الوقت يضع التشريعات الاقتصادية التي تمنع تركيز الثروة في يد فئة أو شخص ، أو بتعبير القرآن " كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ (7) " الحشر . فحيث تتركز الثروة والقوة في يد فئة بعينها على حساب أخرى ينشا الترف والاستبداد ، ويأتي الحاكم المستبد والملأ الذين حوله . وبالتالي فان وجود فئة مترفة حاكمة تفرز الاستبداد يعتبر خروجا على شرع الله تعالى .
4 ـ والمؤمن يقول في صلاته يخاطب ربه ج وعلا " إياك نعبد " أى انه لا يعبد مع الله أحد ، والعبادة تعنى أيضا الخضوع والذل والدعاء . صحيح أن البشر يتصارعون حول اكبر كمية من الرزق ويتقاتلون في سبيل اكبر نصيب من الممتلكات والمتع ، ولكن ينسى الإنسان انه مهما جمع من أموال وممتلكات فأنه سيتركها للموت أو تتركه بالخسارة ، وان أمواله التي يتركها لذريته من بعده ستسهم في فسادهم وتنازعهم ، كما أنّ إمكاناته الجسدية لا تساعده على اغتراف ما يشاء من مُتع ، وحتى لو قضى حياته يغترف من المتع فأنه يفقد الإحساس بها ويستهلك جسده وحيويته سريعا ولا يبقى له مع الأرض إلا الندم والحسرة في نهاية العمر . وفي النهاية فإن الرزق الذي ضمنه الله له هو مقدار ما يأكل وما يشرب وما يغطى جسده وما يستهلكه ، وفي ذلك لا يستطيع إنسان أن يأخذ فوق طاقته . وعليه فالمؤمن يعتقد أن لكل إنسان بطاقة رزق إلهية أو ( كارت) مسجل فيه مقدار ما يستهلكه من حطام الدنيا وأموالها ، ومنذ ولادته وهو ينفق من هذه البطاقة ألي آخر ما بتنفسه من هواء في الدنيا ، وحينما يتوفى آخر مقدار مقدر له من رزقه ومن عمره وعمله .. يموت ويتوفى ، وذلك معنى الوفاة . وهكذا فالمؤمن يدرك انه إذا صار من الملأ أو حاشية السلطان أو إذا صار من أعداء السلطان فان ذلك لن يغير شيئا في كمية الرزق المسجلة في بطاقته ، وان السلطان لا يملك أن يزيد في رزقه شيئا ، ولو أعطاه السلطان الملايين مما ليس مكتوبا في بطاقة رزقه فان تلك الملايين لن تصل الى جوفه ، قد يصيبه موت او افلاس او مرض او نكبة او مصادرة لأمواله ولن يأخذ شيئا من هذه الملايين الا الوزر ، او الذنب الذي دفعه في مقابل تأييد الظالم في استبداده وظلمه . ولسان حال المؤمن يقول : اذا كان الرزق من الله وحده ، وقد حدده ربى سلفا قبل ان يخلقني فلماذا أؤيد حاكما مستبدا ظالما لن أستفيد منه في شئ في رزقي ، ولن اجنى منه الا اللعنة؟.
5 ـ وقد يهلل الناس للمستبد خوفا من الاضطهاد والابتلاء ، ولكن المؤمن يعلم ان الابتلاء يأتى من الله وحده ، وقد يكون الابتلاء للناس بالخير او بالشر " وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً (35) " الانبياء . وكشف ذلك الابتلاء يأتى ايضا من الله وحده " وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) " الانعام . ثم ان الابتلاء والمصائب والمسرات شانها شأن الرزق كلها مكتوبة ومسجلة قبل ان نولد ولا مناص من مواجهتها لأنها قدر مكتوب . يقول تعالى " قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ (51) " التوبة . اى انه من بين كل المصائب التى نتوقعها ويهددنا بها الآخرون فلن يصيبنا منها الا ما هو مكتوب علينا ، ولن نستطيع الفرار من ذلك المكتوب علينا . ولذلك فالمؤمن يتخذ موقفا محايدا وسيطا بين المصائب والمسرات التى تواجهه لأنها قدر مكتوب لا فرار منه ، ولذلك لا ينهار عند المصائب ولا يختال سرورا عند النعمة ، يقول تعالى " مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) ."الحديد . وطالما وقر في يقين المؤمن هذا فلن يخشى تهديد المستبد وحاشيته لأن المستبد يتعرض للمصائب والمسرات مثل كل انسان ، بل هو اكثر فزعا منها ، بل ان ضحايا بطشه تتحول الى كوابيس مفزعة وتحيل ليله ونهاره الى جحيم ، ويجعله اسيرا سجن الحراسة والخوف ، فكيف يخشى الناس من هو اكثر منهم خوفا وجبنا .؟؟
6 ـ الحرص على الحياة وغريزة حب البقاء غالبا ما يدفع الناس الى الصبر على الطغيان ، اذ يخشون الموت والقتل على يد الطاغية وزبانيته ، هذا مع انهم في النهاية لابد ان يموتوا ، واذا كانوا يخشون من الحكم عليهم بالاعدام ، فكل البشر محكوم عليهم بالموت والاعدام . وكل الشعوب التى استكانت للطغيان ماتوا وانتهوا الى نفس المصير الذي كانوا من أجله يخشون الطغيان ويرضون به املا في حياة لم تدم لهم ولن تدوم لغيرهم ، لأنها حياة مؤقتة نهايتها الموت . والقرآن يقول لكل من يريد لكل من يريد الفرار من الموت ان الموت لابد ان يقابله في طريق فراره " قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ (8) " الجمعة . ويقول " أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ (78) " النساء . وقد يقول قائل قائل ان من يصبر على الطغيان يخشى القتل لا الموت ، ولكن ليس هناك فارق بين القتل والموت ، فالأجل محدد بالزمان والمكان ولن يستطيع انسان ان يفلت من موعد موته ومن المكان المحدد له ان يموت فيه او يقتل فيه . وفي غزوة أحد قال بعضهم .. لو ظللنا في المدينة ما حدثت الهزيمة وما فقدنا القتلى والضحايا ، ورد عليهم القرآن " قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ (154) " آل عمران . اى ان الذي قدر الله عليه القتل سيذهب بنفسه الى المكان الذي حدده الله لمصرعه وفي نفس الوقت المحدد ، ولا يمكن ان يتخلف عن ذلك . و لا يستطيع المستبد ان يقتل احدا قبل موعد موته ، ولا تستطيع قوة في العالم ان تؤجل موعد موت احد او ان تزيد دقيقة في عمر أحد ، لأن أجل الموت اذا حلّ لا يمكن تأجيله او الفرار منه ، فذلك حكم الله " وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11) " المنافقون ." إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (4)" نوح . 7 ـ
إنّ لسان حال المؤمن يقول : اذا كان الله وحده هو النافع الضار الذي يبتلي بالخير والشر والذي بيده الموت والحياة والرزق والاعطاء والحرمان . فكيف اخشى غيره ؟ واذا كان الطاغية لا يختلف عنى في احتياجه لله تعالى وفي ان الله تعالى قادر عليه بقهره ويعطيه ويحرمه ، فكيف اخشى ذلك الطاغية ؟ وكيف اعصى الله تعالى في طاعتى وخضوعى لذلك الطاغية الذي يسلبنى حقي في شرع الله ؟ ؟. ولذلك فان المؤمن فى عقيدة الاسلام لا يمكن ان يكون سلبيا او خاضعا للاستبداد او مشاركا للمستبد في ظلمه واستبداده ، وطالما تسود عقيدة الاسلام الحقيقية فلا مجال لاستبداد او طغيان وحيث تربى المؤمن على تلك العقيدة ستجده ايجابيا في مواجهة الطغيان .
ثالثا : الشورى وايجابية السلوك عند المسلم :
1 ـ الطغيان السياسي يستند دائما الى طغيان دينى او مؤسسة تبارك ظلمه وتعطيه مشروعية دينية زائفة ، ويجنى رجال الدين المكسب تقديسا لذواتهم احياء وامواتا . و الشعب المقهور يدفن احزانه واحباطاته لدى العتبات المقدسة للأضرحة ويتوسل بالأولياء الموتى يرجوهم العون والمدد ، وتضيع اعمار الأجيال في انتظار حلم لا يتحقق ، والطغيان يزداد ويزداد معه نفوذ الهيئة الدينية وسلطانها وثرواتها ، ويزداد معها بؤس الشعب وهوانه .
هذا السكوت والخنوع والرضى بالمقسوم لا يمكن ان يوجد في مجتمع يقدس الله وحده ويخشاه وحده ويطلب منه المدد وحده ولا يستعين الا به ، فأياه تعالى يعبد ، واياه تعالى يستعين .. في ذلك المجتمع الحر لا مجال لتقديس البشر سواء كانوا حكاما في الدنيا ( اى السلاطين) او يعتبرهم ملوكا في الأخرة ( اى الأولياء والقديسين والأئمة )، وانما التقديس فيه لله وحده . وهذا الشعب الذي لا يخضع الا لله وحده لا يسمح بوجود شخص يدعى لنفسه ماليس له من حقوق الله او حقوق البشر .. وذلك الشعب يعيش حياته آمنا اذ ان مصيره في يده وليس متوقفا على نزوة فرد مستبد يستطيع ان يدمر الحاضر والمستقبل في لحظة . وكم يحفل تاريخا بأمثلة دامية لما احدثه حكم الفرد المستبد بثروة أمته البشرية والمادية ، ولو استطاع الشعب ان ينتزع حقوقه من ذلك الطاغية لتجنب الدمار والخزى والعار. ـ وما يحدث في تاريخنا المعاصر حدث قبل ذلك مع فرعون موسى النموذج الكلاسيكي لكل حاكم مستبد ، والذي ذكره القرآن اماما لكل حاكم مستبد ظالم ، ومعروف ان نتيجة استبداد فرعون وظلمه لم يدفعها فرعون وحده ، بل دفعه معه قومه وآله وجنده . وتتكرر قصة فرعون وملائه مع كل طاغية يدمر قومه لأنه لم يجد امامه من يقف في وجهه ويمنعه من العبث بكيان الشعب ومقدراته .
2 ـ والشعب المؤمن بالله تعالى – حق الايمان – يعلم ان الله تعالى أوكل المبادرة بالتغيير الى الانسان ، وجعل الارادة الالهية في احداث ذلك التغيير تالية او نتيجة للتغيير الذي يحدثه الانسان ، وهنا يكون التقدير الكامل للحرية الانسانية ، وتكون ايضا المسئولية الخطيرة الملقاة على عاتق الانسان. يقول الله تعالى يحذر من تكرار قصة فرعون وقومه " كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) ( الأنفال ). فالأية الاولى تتحدث عن مصير آل فرعون ، والآية التالية تتحدث عن اهمية العامل الانساني في التغيير ، وان الله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . ويقول تعالى مؤكد على نفس القانون الالهى " إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ (11) "الرعد . ولو قام الشعب بتغيير ما في الانفس من خضوع واستكانة وخوف وسلبية وتطاحن على الصغائر وأنانية وبحث عن المكاسب الشخصية دون نظر لمصلحة المجموع – لو تغيرت الأنفس من كل ذلك ، ولو تطهرت من كل ذلك لامتلك الشعب من اسباب القوة المعنوية التى يتحول بها الطاغية المستأسد الى قط أليف . والتراث الشعبى المصري له تاريخ طويل في الصبر على الاستبداد والخنوع له ، ومن هذه التجربة الطويلة يقول المثل الشعبى يفسر الطريقة المثلى لصناعة الفراعنة " قالوا لفرعون مين فرعنك ؟ قال مالقيتش حد يقف في طريقي.." وقد لا يوجد حاكم مستبد بالفطرة ، ولكن من المؤكد ان شعبا خاضعا مستكينا يخلق عشرات من الفراعنة ، وكلما هلك فرعون انتصب بعده فرعون ، ولا يمكن ان يتغير الحال الا اذا بدّل ذلك الشعب وغير ما بنفسه اولا ، وحينئذ تاتى ارادة الله بتنفيذ ذلك التغيير ومباركته .
3 ـ وذلك التغيير المطلوب لا يأتي الا عن طريق نهضة ثقافية فكرية او دعوة ترتفع بوعي الشعب توضح له حقوقه وترد على غسيل المخ الذي يقوم به الملأ والحاشية من خدم الحاكم المستبد . وترد على التأويلات الدينية للكهنوت الدينى الذي يخدم الاستبداد السياسي . او بمعنى آخر دعوة دينية سياسية ثقافية تهدف الى تغيير ما بأنفس الناس من سلبية وخضوع وانانية . وتلك الدعوة لن يسكت عنها المستبد وأعوانه والكهنوت الذي يخدمه ، واصحاب تلك الدعوة مرشحون لاتهامات سياسية ( الخيانة والعمالة ) واتهامات دينية ( الكفر والألحاد) وكلها تؤدي الى طريق واحد وهو القتل . ولأنها دعوة حق لا تمتلك الا الحجة والبرهان امام القوة والسلطان فالمنتظر ان تصادرها قوة السلطان المستبد بالقوة والقهر . ولكن اخمادها بالقوة وسفك الدماء لا يعنى اجتثاث جذورها لأن تجربة البشر التاريخية تثبت ان الاضطهاد هو اكبر عوامل انتشار الافكار واستمرارها ، وهكذا فكلما اسرف المستبد في مطاردة تلك الافكار القويمة وحربها واغتيال اصحابها ماديا ومعنويا انتشرت تلك الافكار وتنبه الشعب واستمع لها ، خصوصا وان الشعب الساكن الساكت يعرف التعاطف مع كل ما يكرهه الحاكم المستبد الظالم ، ويتعاظم تعاطفه مع اولئك الدعاة الابرياء المسالمين الذين يضطهدهم المستبد بالحديد والنار لمجرد كلمات يقولونها وصفحات يسطرونها . وباستمرار الاضطهاد بالحديد والنار تنتشر الدعوة السلكية أكثر وأكثر .. ويزداد انصارها .. وتتحول من الضعف الى القوة ، ومن الصبر على الأذى والأضطهاد الى المقاومة ورد الاعتداء . ويصبح التغيير امرا حتميا .. ليس تغيير الحاكم المستبد وحده .. وانما تغيير النظام المستبد برمته واستبدال نظام آخر يعبر عن الشعب وبخدم الشعب – اى نظام شورى – بالمفهوم الذي عرفه المسلمون في عصر النبي عليه السلام .
4 ـ فالنبي محمد عليه السلام ظهر في مكة حيث لم تكن فيها دولة بالمعنى المألوف ، ولكن نوع من الحكومة القبلية تقوم على البيت الحرام وتتكسب من ايرادات الحج اليه ومن الاصنام المقامة حوله ، وتكونت تلك الحكومة من اشراف قريش ، ولم يكن للضعفاء دور الا مجرد الخدمة بجانب الرقيق والعبيد ، وجاءت دعوة الاسلام فاعتبرتها قريش تهديدا لوضعها الاقتصادي والاجتماعي في مكة وفي الجزيرة العربية .. وقابلت الدعوة الجديدة بالاضطهاد ، وأدي الاضطهاد والأذى الى نشر الدعوة وتحولها الى هجرة ودولة ، ثم اصبحت الدولة الجديدة – برغم استمرار الحصار حولها – موطنا لكل الاحرار ، وانتصرت في النهاية . والقرآن الكريم صاحبت آياته الكريمة خطوات النبي في مكة وفي المدينة .. وعلى اساسه تربى المسلمون وعرفوا الشورى ضمن قيم أخرى عظيمة ، وتعلموا من القرآن السلوك الايجابي في مقاومة الظلم والاستبداد .. كما تعلموا منه عدم الاعتماد على الغير وان يكون الجهاد بهدف تقرير حرية العقيدة في الايمان وفي الكفر ، وتلك قصة اخرى تتداخل احيانا مع موضوعنا عن الشورى .
5 ـ والفلاسفة العمليون والخياليون يقولون ان وظيفة الدولة هي اقامة العدل ، والقرآن يؤكد هذه الحقيقة ، بل يجعل الهدف من ارسال الانبياء والرسل وانزال الكتب السماوية هو ان يقوم الناس بالقسط والعدل ، يقول تعالى " لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ (25) " . (الحديد ). وقيام الناس بالقسط معناه ان لا يكون هناك حكم مستبد ولا طائفة او طبقة تحتكر لنفسها الروة والسلطة .و قيام الناس بالقسط و العدل معناه سريان قاعدة العدل في التعامل مع الله تعالى فلا مجال لاتخاذ اولياء وآلهة مع الله من البشر والكهنوت السياسي والكهنوت الديني .وتسرى قاعدة العدل في التعامل السياسي والاجتماعى والاقتصادي ، وذلك في التعامل البشري يستلزم نظاما للتشاور والديمقراطية يحكم فيه الشعب نفسه بنفسه بحيث تسير الأمور على قاعدة الشفافية والصراحة والمساواة واعطاء كل ذي حق حقه . واذا تحقق هذا فان المجتمع الذي يريده القرآن قد تحقق .. وتلتقى بذلك احلام الفلاسفة والمصلحين مع الهدف من اقامة الشرع والدين .
6 ـ فكيف اذا لم يتحقق ذلك الهدف .؟ كيف اذا احتكرت طائفة الثروة والقوة والسيطرة واستبدت بالأمر وأكلت على الناس حقوقهم في الثروة وفي المشاركة السياسية ؟ وكيف اذا سيطرت تلك الفئة على مقاليد السلطة واصبح زحزحتها عن السلطة لأقامة العدل وتستلزم اللجوء للقوة والحديد والنار ؟ هل يكون مشروعا ان يلجأ المستضعفون للحديد والنار لتحقيق ميزان العدل ؟ … القرآن الكريم يقول نعم ؟؟‍‍!!.نرجع الى الاية السابقة ونكملها الى نهايتها : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) الحديد . فكما ارسل الله تعالى الرسل وكما انزل الكتاب ليكون ميزانا للقسط والعدل فكذلك انزل الحديد الذي فيه بأس شديد ومنافع للناس ، وبالحديد يستطيع من يريد العدل المفقود ان ينصر الله تعالى ورسله ويقيم شرعه . وهنا تصل ارادة التغيير الى ذروتها ، بأن يتحول تغيير ما في النفس الى تغيير الواقع واقامة العدل بدلا من الظلم ، وتأسيس حكم الشعب على اشلاء استبداد الفرد . وبعد ان كان المستبد يحاور ويشاور نفسه اصبح الشعب يستشير نفسه ويملك مصيره بيده ولا يخضع الا للخالق وحده جل وعلا ، هذا ما ينبغى ان يكون .
7 ـ ولكن الأغلب ان الثائرين على الحاكم المستبد يجيدون فن اللعب على آلام الشعب وحين يصلون به للسلطة يعيدون سيرة الاستبداد والظلم ، وينتظر الشعب ثائرين آخرين يعيطيهم ثقته ليتخلص بهم من المستبدين الجدد . وتظل مسيرة الظلم مستمرة طالما ان الشعب سائر في غفلته وسلبيته مكتفيا بالتفرج على الصراع بين القائم في الحكم والطامع في الحكم .،وطالما ظلّ الوعى الشعبي قاصرا لم يرتفع بالناس الى درجة الاحساس بالمسئولية الجماعية وضرورة التصدي لها بوضع نظام للشوري قائم على العدل وخضوع السلطة التنفيذية للشعب وتداول السلطة في اطار خدمة الشعب . وقد شهدنا في تاريخنا المعاصر قيام ثورة عسكرية ترفع شعارات اجتماعية وسيلة لتحظى باجتماع الشعب حولها ، وتحولت الثورة الى دولة مستبدة تحطمت على قلعتها السميكة كثير من الأحلام الاجتماعية والسياسية التى طالما نادت بها .. وجاء ثوار جدد يرفعون شعارات دينية سياسية جديدة ، والخطورة في اولئك الثوار انهم لا يخفون رغبتهم في العودة لتراث العصور الوسطى حيث سادت مفاهيم الحاكمية والراعي المسئول عن رعيته امام الله وحده والذي لا يسال عما يفعل ، والذي يملك الأرض ومن عليها ، واقام الجناح المدنى لاولئك الثوار دولة موازية للدولة القائمة وسيطر على الاعلام والتعليم ، واتيح له بذلك ان يصيغ المجتمع والشباب على مفاهيم العصر العباسي التى تخالف القرآن وما كان عليه النبي عليه السلام . وبذلك تم قلب الحقائق ، فأصبح الاسلام القائم على السلام عنوانا للأرهاب وسفك الدماء ، وتحولت سماحة الاسلام الى تعصب ، وابدلوا الشورى الاسلامية الى الحاكمية والاستبداد … وندخل بذلك الى موقع الشورى في عقيدة الاسلام ورسوم العبادة فيه ، ليتضح الفارق بين الاسلام الحق وذلك الزيف الذي يخدعون الناس به .
رابعا : موقع الشورى في عقيدة الاسلام ورسوم العبادة :
الشورى في عقيدة الاسلام :
1ـ اشرنا فيما سبق الى صلة الشورى بعقيدة الاسلام ، فالله تعالى هو وحده الذي لا يسال عما يفعل ، لأن الاله هو الذي لا يملك احد مساءلته ، وتلك صفة يتميز بها عن المخلوقات ، ولذلك يقول تعالى في معرض انفراده وحده بالالوهية ": (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) الأنبياء ) ، أي لو كان هناك آلهة مع الله لفسد نظام الكون ، من السموات والارض وتقول الآية التالية عن الله تعالى : ( لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) الأنبياء ) . وهنا ارتباط بين وحدانيته تعالى وانفراده وحده تعالى بأنه الفعّال لما يريد دون ان يكون مسئولا عما يفعل امام غيره ، اما اولئك الغير فهم مسئولون امام الله خالقهم في يوم الحساب . وتتعاظم مسئولية البشر بقدر ما يناط بهم من اختصاصات ، ولذلك فالانبياء – مثلا- اكبر مسئولية من الافراد العاديين ، والله تعالى يقول عن مسئولية الانبياء والبشر " فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) الاعراف ) . اى ان مسئولية الامم التى ارسل اليها الانبياء في كفة وتعادلها في كفة أخرى مسئولية الانبياء ، وهذا بالنسبة لليوم الآخر ، والدنيا يقاس حالها على حال الآخرة ، وحقوق العباد يقاس اعتبارها على حقوق الله تعالى ، بل ان الله تعالى يجعل العقوبات الدنيوية في تشريع الجرائم ، فيما يخص حقوق العباد من السرقة والزنا والقتل والقذف .
2 ـ والاستبداد هو نوع من ادعاء الالوهية ، فالشخص المستبد يرفع نفسه فوق النبي الذي كان مأمورا بالشورى .. والمستبد المتأله يبدأ بزعم انه قائد ملهم ، وينتهي به الأمر الى انه يحكم بتفويض الهى ، او بمفهوم الحاكمية او الحق الملكى المقدس الذى عرفته اوربا في العصور الوسطى وعرفه المسلمون في الخلافة العباسية . و لو كان هناك تفويض الهى بالسلطة السياسية فان النبي محمدا كان هو الأولى بذلك التفويض حين كان قائدا في المدينة . والمعروف ان الحاكم الديمقراطي يستمد سلطته من الناس الذين يملكون توليته ويملكون مساءلته ويملكون عزله . ونطرح هنا قضية مصدرية السلطة ، هل هي من الله كما يقول دعاة الاستبداد الثيوقراطي او الحاكمية ؟ او هى من الناس والشعب كما تؤكد الديمقراطية الحديثة . وبمعنى آخر ، ونحن نتحدث عن الشورى في الاسلام وفي عقيدته القائمة على انه لا اله الا الله ، هل كان النبي ( وهو صاحب الوحى السماوي ) يحكم المدينة بتفويض الاهى ويستمد سلطته السياسية من الله ؟ ام يستمد سلطته السياسية من اجتماع الناس حوله ؟ . الذي يتبادر الى الذهن انه كان يستمد سلطته السياسية من الوحى الالهى ومن التفويض الالهى لأنه كان نبيا حاكما وكان الوحى يصاحب خطواته وحركاته . وذلك الرأى يسعد أنصار الاستبداد الديني ويرونه مؤكدا لنظرية الحاكمية ، وقد يرد عليه انصار الشورى والحرية السياسية ان ذلك يعتبر خصوصية للنبي لأنه كان نبيا اولا وحاكما ثانيا ، ولأنه ليس بعد محمد عليه السلام نبي ولأنه خاتم النبيين فأن التفويض الألهى بالحكم انتهي يموته لأنه لا وحى بعد كتاب الله ولا نبي بعد خاتم النبيين . ولكننا نعرض صفحا عن هذا الرأى ، ونعود الى الآية الكريمة التى امرت النبي بالشورى ، فهى قبل ان تأمره بالشورى أكدت على التربة تنبت فيها شجرة المشورة وتثمر ، وتلك التربة هى استمرارية السلطة ومصدريتها ، هل هى من الله بالتفويض الالهى او من الناس .
والآية الكريمة تقول : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) آل عمران ) والشاهد في الآية الكريمة قوله تعالى : ( وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) فقد جعله الله لينا هينا معهم ولم يجعله فظا غليظ القلب ، لأنه لو كان فظا غليظ القلب لانفضوا من حوله . وماذا يحدث لو انفضوا من حوله ؟ لن يكون له سلطان ولن تكون له دولة ، وما كان حاكما مطاعا ، اذا فاجتماعهم حوله هو الذي اقام له دولة وجعل له سلطة ، وقبل ذلك كان في مكة مضطهدا ، واذا انفضوا عنه عادت اليه قصة الاضطهاد والمطاردة . اذن هم مصدر السلطة له باجتماعهم حوله ، وليست مصدرية السلطة بتفويض الله تعالى له ، ويكفي ان الله تعالى هو الذي جعله لينا هينا مع الناس حتى تجتمع عليه قلوب الناس ، وحذره من ان يكون فظا غليظ القلب حتى لا ينفضوا من حوله ، وامره ان يعفو عنهم وان يستغفر لهم وان يشاورهم في الأمر ، لأنهم شركاؤه في الأمر ولأنهم مصدر سلطته وكيان دولته واسباب عزته وقوته . وهكذا فإن امر الله تعالى له بالشورى تأكيد على استمدادية السلطة من الناس ، الذين اجتمعوا حول النبي ، وألف الله تعالى بين قلوبهم فأصبحو بنعمته اخوانا ، والله تعالى يمتن على النبي أنه جعله رحيما هينا بالناس حوله وأنه الف بين قلوبهم ، ولو أنفق النبي ما في الارض جميعا ما استطاع ان يؤلف بين قلوب الذين آمنوا معه : ( هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) الانفال ) . ومعناه ان العناية الالهية تركزت على الشعب الذي اقام النبي في وسطه حاكما عليه . ركزت بتأليف قلوبهم وبجعل النبي لينا معهم ، والهدف ان يكونوا مع النبى قلبا وقالبا .. والمعنى انهم مصدر السلطة ، ولأنهم لو انفضوا من حول النبي وتركوه فلن تكون له دولة .. ولن تكون له ايضا … دعوة . واذا كان هذا حال النبي وهو يحكم المدينة .. فكيف بغيره من البشر ؟ واذا كان النبى لم يدع التفويض الالهى في الحكم ، واذا كان القرآن أكد على استمداده السلطة السياسية من الناس فأى حجة لأصحاب الحكم الثيوقراطي والاستبداد الدينى والكهنوت السياسي ؟
الشورى في رسوم العبادة الاسلامية :
ظهر كما سبق ان الشورى عنصر من عناصر العقيدة الاسلامية ، فالله تعالى هو وحده الذي لا يسأل عمل يفعل ، والنبي نفسه كان مأمورا بالشورى ويستمد سلطته السياسية من الشعب ، وذلك المستبد يقتفي أثر فرعون ويسير في طريق ادعاء الألوهية . والمؤمن بالله ايمانا حقيقيا لا تشتمل عقيدته على الاعتقاد في حاكم مؤله مستبد ولا يرضى بالخضوع له . وطالما ان للشورى هذا القسط في عقيدة الاسلام فالمنتظر ان يكون لها نصيب في تشريعاته ورسوم العبادة فيه ، اى ان تكون الشورى فرضا من فرائض الاسلام ، فرضا لازما كالصلاة والزكاة . ونستغرب من هذا الكلام . هل الشورى فرض من الفروض كالصلاة والزكاة ، او فريضة اسلامية على كل انسان ؟ واذا كانت كذلك فلماذا سكت عنها الفقهاء ؟
نبدأ بالجواب عن السؤال الثانى : لقد سكت عنها الفقهاء لأن الفقه وباقى مصادر التراث ومؤلفاته – كالحديث والتفسير – قد صيغت في عصور الاستبداد السياسي – الذي لم يكن قصرا على الحكام ، بل ان الثوار على الحكام – من الشيعة وغيرهم – كانوا يؤمنون بالاستبداد بل كانت العصور الوسطى كلها تنبض بالحق الالهى للسلطان ، سواء الخليفة العباسي أو الفاطمى او امبراطور الدولة الرومانية المقدسة او ملك انجلتره او فرنسا . والاستثناء الوحيد كان في دولة الاسلام الأولى التى كان القرآن هو الكتاب الوحيد الذي يعبر عنها .
والجواب على السؤال الأول : ان القرآن الكريم في آياته المكية أوضح صفات المجتمع الاسلامي والدولة الاسلامية قبل ان يقيم المسلمون دولتهم في المدينة . يقول تعالى في سورة ( الشورى ): (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) الشورى ) . والمعنى ان المجتمنع المسلم له متاع الحياة الدنيا ، وله ايضا ما عند الله تعالى من متاع الآخرة التى هى خير وأبقى . ولكى يستحق هذا المجتمع خير الدنيا والآخرة معا فلابد أن يتصف بعدة صفات هى الأيمان والتوكل على الله تعالى واجتناب الكبائر والفواحش ، والعفو عند المقدرة ، وطاعة الله تعالى والاستجابة له ، واقامة الصلاة واقامة الشورى والزكاة والعزة او الانتصار عندما يقع عليهم بغى او عدوان .
وتلك الصفات يمكن تقسيمها الى صفات ايمانية وصفات اخلاقية وعبادات ، فالصفات الايمانية هى قوله تعالى " للذين آمنو وعلى ربهم يتوكلون " ، والذين استجابوا لربهم " والصفات الأخلاقية " والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش واذا ما غضبوا هم يغفرون " ، : والذين اذا اصابهم البغي هم ينتصرون " . اما العبادات فهى الصلاة والشورى والزكاة او قوله تعالى " واقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون " .
والمعنى ان الشورى جاءت فريضة بين أشهر فريضتين من فرائض الاسلام وهما الصلاة والزكاة ، وهى المرة الوحيدة التى جاء فيها فاصل بين الصلاة وايتاء الزكاة معا وبالترتيب وبدون فاصل بينهما ، وهى المرة الوحيدة التى جاء فيها ذكر الشورى مع الصلاة والزكاة ليؤكد رب العزة على أنها فرض تعبدي مثل الصلاة والزكاة وبنفس الملامح .
فاذا كانت الصلاة فرض عين لازما واجبا فكذلك الشورى واذا كانت الصلاة واجبة على كل مسلم ومسلمة وجوبا ذاتيا وشخصيا وعينيا فكذلك الشورى ، واذا كانت الصلاة واجبة في كل الأحوال في السفر والحضر وفي الصحة والمرض وفي السلم وفي الحرب .. فكذلك الفصل الأول : أصول الشورى في الإسلام
أولا – ماهية الشورى في المنظور القرآني :الشورى فى الاسلام : فنّ ممارسة السلطة والقوة
1 ـ الشورى عندنا تقابل الديمقراطية في التراث الغربي .. وقد يجادلنا البعض في هذه المقولة ، وذلك ليس مستغربا ، لأن الديمقراطية نفسها في التطبيق الغربي تختلف من دولي لأخرى ، فشتان بين ديمقراطية إنجلترا وديمقراطية فرنسا ، وبينها وبين أمريكا قمة الديمقراطية في العالم ، آو هكذا يقولون . تتعدد الديمقراطيات الغربية ، ولكنها تشترك في أسس عامة – في الأغلب- تقوم على مسئولية السلطة التنفيذية أمام ممثلي الشعب .. بما يعني خضوع الحاكم للشعب أو ممثليه .. واستمداده السلطة منه أو منهم .. أو هكذا يقولون . ولسنا في مجال المقارنة بين الشورى الإسلامية في المنظور القرآني والديمقراطية الغربية النيابية ، ولكن نتوقف مع القدر المشترك بينهما وهو المعنى الحقيقي للشورى والديمقراطية ، وهو فن ممارسة السلطة والقوة ، لأن الجهة التي يخضع لها الحاكم هي المصدر الحقيقي للسلطة والمنبع الذي يستمد منه الحاكم سلطانه .
2 ـ إن الحكم هو القوة والسلطة .. أو ممارسة القوة والسلطة .. والعلاقة بين الحاكم والشعب تحدد من هو صاحب القوة والسلطة ومدي وجود الشورى (أو الديمقراطية ) في تلك العلاقة .
• هناك الحاكم المستبد الذي يتأثر بالقوة والسلطة ، وليس لشعبه عنده وزن ، بل يعتبر نفسه وصيا على ذلك الشعب الذي لم يبلغ بعد درجة المسئولية والأهلية ، وهذا الحاكم المستبد يعتبر نفسه مصدر السلطات كلها ، فهو نفسه مجلس الشورى والمشير وهو المستشار وهو الحاكم بأمره في كل شئ ، ومن هنا تكون المشورة في نطاق سلطاته التي يمنحها لنفسه ، غاية ما هنالك انه يستشير نفسه أو يعين مجموعة من الخدم لتفكر له فيما يرضيه .. وعلى الشعب الطاعة لأنه مجرد من القوة ، فقد احتكر الحاكم القوة لنفسه .
• ولكن قد يحس الشعب ببعض الوعي ويستحوذ على بعض التأثير والقليل من القوة مما يجعل الحاكم المستبد يضطر لتقديم بعض التنازلات تتناسب مع بعض القوة التي ينتزعها الشعب لنفسه ، ولذلك تتغير مجالس الشورى ، من مجرد العبيد والخصيان الذين يتفانون في التفكير لأرضاء الملك المستبد ألي مجالس شورى لها بعض الحرية في الحركة ألي دور أكبر ، وهذا مرهون بقدرة الشعب على انتزاع حقوقه ، وهل يرضى الشعب بوجود مجالس صورية تعطى شرعية زائفة لدكتاتورية الحاكم وتغطي عورة الاستبداد ، أم تتطور هذه المجالس لتحاسب الحاكم وتقلص سلطاته .. وفي كل الأحوال فالشورى هنا هي فن ممارسة القوة .. وتلك الممارسة يتجاذبها الشعب والحاكم كل منهما بحسب ما لديه من قوة وصمود .
• وقد تكون القوة – كل القوة – للشعب ، فيفرض سلطانه على الحكومة ويعين الحاكم ويسائله ويعزله ويعين بدله ويراقبه ويحاكمه ، والحاكم هنا يعتبر نفسه موظفا في خدمة الشعب ، أجير لديه ، والشعب هنا يمارس بمشورته فن القوة .
وهكذا فلدينا ثلاثة أنواع من الشورى :
• الشورى الحقيقية للشعب القوى الذي يملك إرادته بنفسه والذي يقوم بتعيين الحاكم ويعتبره أجيرا لديه ويحاسبه ويقرأ ويعزله ويعاقبه إذا اخطأ .
• والشورى الصورية لحاكم يدعى التمسك بالديمقراطية وهو يضطر لذلك لمواجهة الانتقادات واحتمالات التمرد من بعض طوائف شعبه ، ويدور صراع ( القوة) بين الحاكم والشعب وبقدر ما للشعب من قوة وصمود ينتزع حقوقه في المشاركة والشورى.
• و أخيرا لدينا الدكتاتور الفج المطلق الذي يحكم بالقوة ويستشير نفسه أو خدمة وحاشيته والشعب مجرد قطيع وقع في أسره وتحت هيمنته وسيطرته ، حيث احتكر ذلك المستبد لنفسه القوة ومارس من خلالها الشورى .. لنفسه .
إذن فالشورى هي لعبة القوة أولا و اخيرا .. القوة بكل أشكالها ، قوة السلاح وقوة المال وقوة التأثير في الجماهير .. وقوة الجماهير نفسها أو ضعفها وقوة الحاكم أو قوة شعبه . وحيث توجد القوة تكون القدرة على المشورة ، لأن المشورة هي فن ممارسة القوة . وهذه هي ماهية الشورى في المنظور القرآني . ومن هنا كانت تنشئة المؤمنين على أتساس القوة ، وكانت المشورة نابعة من عقيدة الإسلام القائلة انه " لا اله إلا الله " .
3 ـ وقبل أن ندخل في أسلوب القرآن في تربية وتنشئة الشورى في تكوين العقل المسلم . نتوقف مع بعض الآيات القرآنية التي تؤكد علاقة الشورى أو ( الاستبداد) بالقوة مما يعنى أن الشورى هي فن ممارسة القوة .
ففرعون موسى وصل به الاستبداد ألي درجة ادعاء الألوهية والربوبية الكبرى " فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى (24) " (النازعات ) " وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (38) " القصص .وبذلك الاستبداد الذي وصل به ادعاء الألوهية كان يتعامل مع الحاشية حوله ، أو الملأ الذي يفكر فيما يرضى الفرعون ، وكانت آراء الملأ أو الحاشية تأتى طبقا لما يريده الفرعون حتى أن القرآن الكريم ينسب الأقوال الواحدة مرة لفرعون ومرة أخرى للملأ ليدل على أن الملأ أو الحاشية جزء لا يتجزأ من الفرعون ، وان فرعون حين كان يستشيرهم لا يسمع صدى صوته أو صدى صوتهم: راجع سورة الأعراف (قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) ) وسورة الشعراء : ( قَالَ لِلْمَلإٍ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) . أيضا راجع سورة الأعراف ( وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) ، وسورة غافر ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (25) وفي النهاية فان فرعون يقول لهم " ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) غافر . أي انه لا يتصرف ألا برأيه ، ورأيه هو الهدي وسبيل الرشاد ، وذلك هو نهاية المطاف في الشورى عنده .
والأرضية التي كان يستمد منها فرعون سلطته الاستبدادية أو يمارس من فوقها فن الشورى هي انفراده بكل عناصر القوة . والتاريخ الفرعوني يؤكد أن عصر الزعامة – ومنهم فرعون موسى – شهد انفراد الفرعون بالملك والحكم وقيادة الجيوش وتحول مصر ألي وحدة واحدة في قبضة الفرعون على حساب حكام المقاطعات الذين اصبحوا خدما للفرعون. والقرآن يؤكد على أن هذه المعاني قبل أن يكتشفها علم المصريات بعشرة قرون . فالقرآن يؤكد أن فرعون موسى عقد مؤتمرا حاشدا لقومه وأعلن فيهم انه وحده يملك مصر وخيرها " وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (51) الزخرف . والقرآن يؤكد النزعة الحربية لفرعون وقيادته للجيوش التي كانت أقوى جيوش ا"لأرض ، يقول تعالى عنه : (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ (39) " القصص . وكانت صفة الجندية من صفات فرعون موسى في القرآن " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) " البروج . " وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً (90) " يونس . " فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) " طه . " فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) " القصص / فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40) الذارات . أي ارتبط فرعون بالجنود وكانوا جنوده … أي يملكهم ويقودهم ، وبذلك اجتمع لفرعون ملك مصر وقوتها الحربية .
ولذلك كانت سلطته طاغية ، وكانت رهبته ما حقه ألي درجة أن موسى خاف مواجهته وطلب من الله تعالى أن يبعث معه أخاه هارون ، ولكن الخوف تملكها معا من مواجهة فرعون فأمرهما الله تعالى أن يذهب إليه ، " اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) " طه .
4 ـ ونصل ألي درجة اقل استبدادا ، حكاها القرآن في قصة ملكة سبأ . وكان استبداد هذه الملكة مستمدا من ملكيتها لكل شئ ؟ يقول القرآن عنها فى سورة النمل " إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) " . لذلك كان الملأ – أو الحاشية حولها – يدينون لها بالولاء ، وحين استشارت الملأ أكدوا لها أنها صاحبة الأمر " قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) " . النمل . كانت تطلب رأي الملأ من قادة الجيش أولى البأس الشديد لتتوثق من تأييدهم لها ، وجاءها التأكيد بالولاء المطلق لكل ما تراه .. أي كانت المشورة محصورة في الملكة والملأ حولها أما الشعب الذي يتربعون على صدره فلم يكن له من الأمر شئ .. لأن الشعب كان مملوكا للملكة. وقد تسلمت الملكة رسالة النبي سليمان نيابة عن ذلك الشعب ، مثلما كان موسى مرسلا الي فرعون وليس للشعب المصري ، لأن الشعوب في تلك العصور كانت مجرد رعية من الخراف والمواشي يملكها الحكام المستبد . ونزل القرآن لكي يحول تلك الرعية ألي بشر مسئولين أحرار . وندخل بذلك على أسلوب القرآن في تربية الفرد المسلم والأمة المسلمة على أساس الشورى . ليدخل به في عصر جديد .
ثانيا – الشورى في تربية المسلم :
1 ـ البداية في عقيدة الإسلام : إلا اله إلا الله ، والتي تعنى أن البشر كلهم عباد الله ، ولا يجوز لإنسان مهما كان أن يسمو فوق مستوى البشر ويصير إلها مع الله . لأن لا اله مع الله ولا اله إلا الله . وصلة الشورى هنا أو نظرية الشورى القائمة على إنها فن ممارسة القوة أن الله تعالى وحده هو الذي بيده ملكوت كل شئ وانه القاهر فوق عباده وان له القوة جميعا ، لذلك فهو وحده الذي لا يسأل عما يفعل وما عداه يمكن مساءلتهم ، فالقاهر فوق عبادة لا يمكن أن يسائله عباده ، ولا يمكن أن ينتظر منه عباده أن يكونوا شركاء له في ملكه وسلطانه أو أن يستشيرهم في أي أمر من أموره ، لذلك فأنه تعالى هو الفعال لما يريد وهو يأمر عباده وعليهم الطاعة والخضوع . وذلك الذي يحكم مستبدا وينتظر من الناس أن يطيعوه ويخضعوا له إنما ينتحل لنفسه صفة من صفات الله تعالى .
2ـ والله تعالى خلق البشر أحرارا في أن يطيعوا أمره أو أن يعصوا شرعه ، وفي مقابل حرية الإرادة التي يتمتع بها الإنسان فانه سيأتي أمام الله تعالى يوم الدين آو يوم الحساب ليحاسبه ربه على طاعته آو عصيانه . وهكذا فإن الخالق القاهر فوق عباده الذي بيده ملكوت كل شئ هو الذي شاء آن يكون العباد أحرارا في الطاعة والمعصية ولم يلزمهم بقهره وجبروته في الدنيا على الطاعة مكتفيا بمسئوليتهم يوم القيامة على اختيارهم في حياتهم الدنيا . وإذا كان الخالق جل وعلا لم يتدخل في حرية البشر في الطاعة والمعصية فانه من الحمق آن يخضع البشر باختيارهم لواحد منهم ادعى لنفسه ما ليس له من صفات الله ، واستولى لنفسه ما ليس له من حقوق الآخرين في الثروة والسلطة واحتكرها لنفسه دونهم وأرغمهم على طاعته من دون الله ، بل وانتزع لنفسه ما رغب عنه رب العزة وهو التحكم في حرية الناس ومصادرتها .
3 ـ ثم إن الله تعالى حين خلق الأرض وقدّر فيها الأقوات فانه جعل الأقوات آو الإمكانات المادية حقا مشاعا للجميع لجميع الخلق الساعين للرزق السائلين عنه ، يقول تعالى عن الأرض " وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) " فصلت . آي كل الإمكانات في الأرض حق لكل البشر وليست حكرا على واحد بعينه آو جيل محدد وإنما هي للبشر جميعا سواء لكل السائلين الباحثين عنها . ولكن البحث عن تلك الموارد والسعي في ذلك الرزق يتفاوت من شخص لآخر حسب الإمكانيات الجسدية والعقلية وحسب طبيعة المكان وما فيه من ثروات ، والقران يعترف بذلك التفاوت بين الناس في الرزق " وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ (71) " النحل . ولكن القرآن في نفس الوقت يضع التشريعات الاقتصادية التي تمنع تركيز الثروة في يد فئة أو شخص ، أو بتعبير القرآن " كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ (7) " الحشر . فحيث تتركز الثروة والقوة في يد فئة بعينها على حساب أخرى ينشا الترف والاستبداد ، ويأتي الحاكم المستبد والملأ الذين حوله . وبالتالي فان وجود فئة مترفة حاكمة تفرز الاستبداد يعتبر خروجا على شرع الله تعالى .
4 ـ والمؤمن يقول في صلاته يخاطب ربه ج وعلا " إياك نعبد " أى انه لا يعبد مع الله أحد ، والعبادة تعنى أيضا الخضوع والذل والدعاء . صحيح أن البشر يتصارعون حول اكبر كمية من الرزق ويتقاتلون في سبيل اكبر نصيب من الممتلكات والمتع ، ولكن ينسى الإنسان انه مهما جمع من أموال وممتلكات فأنه سيتركها للموت أو تتركه بالخسارة ، وان أمواله التي يتركها لذريته من بعده ستسهم في فسادهم وتنازعهم ، كما أنّ إمكاناته الجسدية لا تساعده على اغتراف ما يشاء من مُتع ، وحتى لو قضى حياته يغترف من المتع فأنه يفقد الإحساس بها ويستهلك جسده وحيويته سريعا ولا يبقى له مع الأرض إلا الندم والحسرة في نهاية العمر . وفي النهاية فإن الرزق الذي ضمنه الله له هو مقدار ما يأكل وما يشرب وما يغطى جسده وما يستهلكه ، وفي ذلك لا يستطيع إنسان أن يأخذ فوق طاقته . وعليه فالمؤمن يعتقد أن لكل إنسان بطاقة رزق إلهية أو ( كارت) مسجل فيه مقدار ما يستهلكه من حطام الدنيا وأموالها ، ومنذ ولادته وهو ينفق من هذه البطاقة ألي آخر ما بتنفسه من هواء في الدنيا ، وحينما يتوفى آخر مقدار مقدر له من رزقه ومن عمره وعمله .. يموت ويتوفى ، وذلك معنى الوفاة . وهكذا فالمؤمن يدرك انه إذا صار من الملأ أو حاشية السلطان أو إذا صار من أعداء السلطان فان ذلك لن يغير شيئا في كمية الرزق المسجلة في بطاقته ، وان السلطان لا يملك أن يزيد في رزقه شيئا ، ولو أعطاه السلطان الملايين مما ليس مكتوبا في بطاقة رزقه فان تلك الملايين لن تصل الى جوفه ، قد يصيبه موت او افلاس او مرض او نكبة او مصادرة لأمواله ولن يأخذ شيئا من هذه الملايين الا الوزر ، او الذنب الذي دفعه في مقابل تأييد الظالم في استبداده وظلمه . ولسان حال المؤمن يقول : اذا كان الرزق من الله وحده ، وقد حدده ربى سلفا قبل ان يخلقني فلماذا أؤيد حاكما مستبدا ظالما لن أستفيد منه في شئ في رزقي ، ولن اجنى منه الا اللعنة؟.
5 ـ وقد يهلل الناس للمستبد خوفا من الاضطهاد والابتلاء ، ولكن المؤمن يعلم ان الابتلاء يأتى من الله وحده ، وقد يكون الابتلاء للناس بالخير او بالشر " وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً (35) " الانبياء . وكشف ذلك الابتلاء يأتى ايضا من الله وحده " وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) " الانعام . ثم ان الابتلاء والمصائب والمسرات شانها شأن الرزق كلها مكتوبة ومسجلة قبل ان نولد ولا مناص من مواجهتها لأنها قدر مكتوب . يقول تعالى " قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ (51) " التوبة . اى انه من بين كل المصائب التى نتوقعها ويهددنا بها الآخرون فلن يصيبنا منها الا ما هو مكتوب علينا ، ولن نستطيع الفرار من ذلك المكتوب علينا . ولذلك فالمؤمن يتخذ موقفا محايدا وسيطا بين المصائب والمسرات التى تواجهه لأنها قدر مكتوب لا فرار منه ، ولذلك لا ينهار عند المصائب ولا يختال سرورا عند النعمة ، يقول تعالى " مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) ."الحديد . وطالما وقر في يقين المؤمن هذا فلن يخشى تهديد المستبد وحاشيته لأن المستبد يتعرض للمصائب والمسرات مثل كل انسان ، بل هو اكثر فزعا منها ، بل ان ضحايا بطشه تتحول الى كوابيس مفزعة وتحيل ليله ونهاره الى جحيم ، ويجعله اسيرا سجن الحراسة والخوف ، فكيف يخشى الناس من هو اكثر منهم خوفا وجبنا .؟؟
6 ـ الحرص على الحياة وغريزة حب البقاء غالبا ما يدفع الناس الى الصبر على الطغيان ، اذ يخشون الموت والقتل على يد الطاغية وزبانيته ، هذا مع انهم في النهاية لابد ان يموتوا ، واذا كانوا يخشون من الحكم عليهم بالاعدام ، فكل البشر محكوم عليهم بالموت والاعدام . وكل الشعوب التى استكانت للطغيان ماتوا وانتهوا الى نفس المصير الذي كانوا من أجله يخشون الطغيان ويرضون به املا في حياة لم تدم لهم ولن تدوم لغيرهم ، لأنها حياة مؤقتة نهايتها الموت . والقرآن يقول لكل من يريد لكل من يريد الفرار من الموت ان الموت لابد ان يقابله في طريق فراره " قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ (8) " الجمعة . ويقول " أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ (78) " النساء . وقد يقول قائل قائل ان من يصبر على الطغيان يخشى القتل لا الموت ، ولكن ليس هناك فارق بين القتل والموت ، فالأجل محدد بالزمان والمكان ولن يستطيع انسان ان يفلت من موعد موته ومن المكان المحدد له ان يموت فيه او يقتل فيه . وفي غزوة أحد قال بعضهم .. لو ظللنا في المدينة ما حدثت الهزيمة وما فقدنا القتلى والضحايا ، ورد عليهم القرآن " قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ (154) " آل عمران . اى ان الذي قدر الله عليه القتل سيذهب بنفسه الى المكان الذي حدده الله لمصرعه وفي نفس الوقت المحدد ، ولا يمكن ان يتخلف عن ذلك . و لا يستطيع المستبد ان يقتل احدا قبل موعد موته ، ولا تستطيع قوة في العالم ان تؤجل موعد موت احد او ان تزيد دقيقة في عمر أحد ، لأن أجل الموت اذا حلّ لا يمكن تأجيله او الفرار منه ، فذلك حكم الله " وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11) " المنافقون ." إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (4)" نوح . 7 ـ
إنّ لسان حال المؤمن يقول : اذا كان الله وحده هو النافع الضار الذي يبتلي بالخير والشر والذي بيده الموت والحياة والرزق والاعطاء والحرمان . فكيف اخشى غيره ؟ واذا كان الطاغية لا يختلف عنى في احتياجه لله تعالى وفي ان الله تعالى قادر عليه بقهره ويعطيه ويحرمه ، فكيف اخشى ذلك الطاغية ؟ وكيف اعصى الله تعالى في طاعتى وخضوعى لذلك الطاغية الذي يسلبنى حقي في شرع الله ؟ ؟. ولذلك فان المؤمن فى عقيدة الاسلام لا يمكن ان يكون سلبيا او خاضعا للاستبداد او مشاركا للمستبد في ظلمه واستبداده ، وطالما تسود عقيدة الاسلام الحقيقية فلا مجال لاستبداد او طغيان وحيث تربى المؤمن على تلك العقيدة ستجده ايجابيا في مواجهة الطغيان .
ثالثا : الشورى وايجابية السلوك عند المسلم :
1 ـ الطغيان السياسي يستند دائما الى طغيان دينى او مؤسسة تبارك ظلمه وتعطيه مشروعية دينية زائفة ، ويجنى رجال الدين المكسب تقديسا لذواتهم احياء وامواتا . و الشعب المقهور يدفن احزانه واحباطاته لدى العتبات المقدسة للأضرحة ويتوسل بالأولياء الموتى يرجوهم العون والمدد ، وتضيع اعمار الأجيال في انتظار حلم لا يتحقق ، والطغيان يزداد ويزداد معه نفوذ الهيئة الدينية وسلطانها وثرواتها ، ويزداد معها بؤس الشعب وهوانه .
هذا السكوت والخنوع والرضى بالمقسوم لا يمكن ان يوجد في مجتمع يقدس الله وحده ويخشاه وحده ويطلب منه المدد وحده ولا يستعين الا به ، فأياه تعالى يعبد ، واياه تعالى يستعين .. في ذلك المجتمع الحر لا مجال لتقديس البشر سواء كانوا حكاما في الدنيا ( اى السلاطين) او يعتبرهم ملوكا في الأخرة ( اى الأولياء والقديسين والأئمة )، وانما التقديس فيه لله وحده . وهذا الشعب الذي لا يخضع الا لله وحده لا يسمح بوجود شخص يدعى لنفسه ماليس له من حقوق الله او حقوق البشر .. وذلك الشعب يعيش حياته آمنا اذ ان مصيره في يده وليس متوقفا على نزوة فرد مستبد يستطيع ان يدمر الحاضر والمستقبل في لحظة . وكم يحفل تاريخا بأمثلة دامية لما احدثه حكم الفرد المستبد بثروة أمته البشرية والمادية ، ولو استطاع الشعب ان ينتزع حقوقه من ذلك الطاغية لتجنب الدمار والخزى والعار. ـ وما يحدث في تاريخنا المعاصر حدث قبل ذلك مع فرعون موسى النموذج الكلاسيكي لكل حاكم مستبد ، والذي ذكره القرآن اماما لكل حاكم مستبد ظالم ، ومعروف ان نتيجة استبداد فرعون وظلمه لم يدفعها فرعون وحده ، بل دفعه معه قومه وآله وجنده . وتتكرر قصة فرعون وملائه مع كل طاغية يدمر قومه لأنه لم يجد امامه من يقف في وجهه ويمنعه من العبث بكيان الشعب ومقدراته .
2 ـ والشعب المؤمن بالله تعالى – حق الايمان – يعلم ان الله تعالى أوكل المبادرة بالتغيير الى الانسان ، وجعل الارادة الالهية في احداث ذلك التغيير تالية او نتيجة للتغيير الذي يحدثه الانسان ، وهنا يكون التقدير الكامل للحرية الانسانية ، وتكون ايضا المسئولية الخطيرة الملقاة على عاتق الانسان. يقول الله تعالى يحذر من تكرار قصة فرعون وقومه " كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) ( الأنفال ). فالأية الاولى تتحدث عن مصير آل فرعون ، والآية التالية تتحدث عن اهمية العامل الانساني في التغيير ، وان الله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . ويقول تعالى مؤكد على نفس القانون الالهى " إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ (11) "الرعد . ولو قام الشعب بتغيير ما في الانفس من خضوع واستكانة وخوف وسلبية وتطاحن على الصغائر وأنانية وبحث عن المكاسب الشخصية دون نظر لمصلحة المجموع – لو تغيرت الأنفس من كل ذلك ، ولو تطهرت من كل ذلك لامتلك الشعب من اسباب القوة المعنوية التى يتحول بها الطاغية المستأسد الى قط أليف . والتراث الشعبى المصري له تاريخ طويل في الصبر على الاستبداد والخنوع له ، ومن هذه التجربة الطويلة يقول المثل الشعبى يفسر الطريقة المثلى لصناعة الفراعنة " قالوا لفرعون مين فرعنك ؟ قال مالقيتش حد يقف في طريقي.." وقد لا يوجد حاكم مستبد بالفطرة ، ولكن من المؤكد ان شعبا خاضعا مستكينا يخلق عشرات من الفراعنة ، وكلما هلك فرعون انتصب بعده فرعون ، ولا يمكن ان يتغير الحال الا اذا بدّل ذلك الشعب وغير ما بنفسه اولا ، وحينئذ تاتى ارادة الله بتنفيذ ذلك التغيير ومباركته .
3 ـ وذلك التغيير المطلوب لا يأتي الا عن طريق نهضة ثقافية فكرية او دعوة ترتفع بوعي الشعب توضح له حقوقه وترد على غسيل المخ الذي يقوم به الملأ والحاشية من خدم الحاكم المستبد . وترد على التأويلات الدينية للكهنوت الدينى الذي يخدم الاستبداد السياسي . او بمعنى آخر دعوة دينية سياسية ثقافية تهدف الى تغيير ما بأنفس الناس من سلبية وخضوع وانانية . وتلك الدعوة لن يسكت عنها المستبد وأعوانه والكهنوت الذي يخدمه ، واصحاب تلك الدعوة مرشحون لاتهامات سياسية ( الخيانة والعمالة ) واتهامات دينية ( الكفر والألحاد) وكلها تؤدي الى طريق واحد وهو القتل . ولأنها دعوة حق لا تمتلك الا الحجة والبرهان امام القوة والسلطان فالمنتظر ان تصادرها قوة السلطان المستبد بالقوة والقهر . ولكن اخمادها بالقوة وسفك الدماء لا يعنى اجتثاث جذورها لأن تجربة البشر التاريخية تثبت ان الاضطهاد هو اكبر عوامل انتشار الافكار واستمرارها ، وهكذا فكلما اسرف المستبد في مطاردة تلك الافكار القويمة وحربها واغتيال اصحابها ماديا ومعنويا انتشرت تلك الافكار وتنبه الشعب واستمع لها ، خصوصا وان الشعب الساكن الساكت يعرف التعاطف مع كل ما يكرهه الحاكم المستبد الظالم ، ويتعاظم تعاطفه مع اولئك الدعاة الابرياء المسالمين الذين يضطهدهم المستبد بالحديد والنار لمجرد كلمات يقولونها وصفحات يسطرونها . وباستمرار الاضطهاد بالحديد والنار تنتشر الدعوة السلكية أكثر وأكثر .. ويزداد انصارها .. وتتحول من الضعف الى القوة ، ومن الصبر على الأذى والأضطهاد الى المقاومة ورد الاعتداء . ويصبح التغيير امرا حتميا .. ليس تغيير الحاكم المستبد وحده .. وانما تغيير النظام المستبد برمته واستبدال نظام آخر يعبر عن الشعب وبخدم الشعب – اى نظام شورى – بالمفهوم الذي عرفه المسلمون في عصر النبي عليه السلام .
4 ـ فالنبي محمد عليه السلام ظهر في مكة حيث لم تكن فيها دولة بالمعنى المألوف ، ولكن نوع من الحكومة القبلية تقوم على البيت الحرام وتتكسب من ايرادات الحج اليه ومن الاصنام المقامة حوله ، وتكونت تلك الحكومة من اشراف قريش ، ولم يكن للضعفاء دور الا مجرد الخدمة بجانب الرقيق والعبيد ، وجاءت دعوة الاسلام فاعتبرتها قريش تهديدا لوضعها الاقتصادي والاجتماعي في مكة وفي الجزيرة العربية .. وقابلت الدعوة الجديدة بالاضطهاد ، وأدي الاضطهاد والأذى الى نشر الدعوة وتحولها الى هجرة ودولة ، ثم اصبحت الدولة الجديدة – برغم استمرار الحصار حولها – موطنا لكل الاحرار ، وانتصرت في النهاية . والقرآن الكريم صاحبت آياته الكريمة خطوات النبي في مكة وفي المدينة .. وعلى اساسه تربى المسلمون وعرفوا الشورى ضمن قيم أخرى عظيمة ، وتعلموا من القرآن السلوك الايجابي في مقاومة الظلم والاستبداد .. كما تعلموا منه عدم الاعتماد على الغير وان يكون الجهاد بهدف تقرير حرية العقيدة في الايمان وفي الكفر ، وتلك قصة اخرى تتداخل احيانا مع موضوعنا عن الشورى .
5 ـ والفلاسفة العمليون والخياليون يقولون ان وظيفة الدولة هي اقامة العدل ، والقرآن يؤكد هذه الحقيقة ، بل يجعل الهدف من ارسال الانبياء والرسل وانزال الكتب السماوية هو ان يقوم الناس بالقسط والعدل ، يقول تعالى " لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ (25) " . (الحديد ). وقيام الناس بالقسط معناه ان لا يكون هناك حكم مستبد ولا طائفة او طبقة تحتكر لنفسها الروة والسلطة .و قيام الناس بالقسط و العدل معناه سريان قاعدة العدل في التعامل مع الله تعالى فلا مجال لاتخاذ اولياء وآلهة مع الله من البشر والكهنوت السياسي والكهنوت الديني .وتسرى قاعدة العدل في التعامل السياسي والاجتماعى والاقتصادي ، وذلك في التعامل البشري يستلزم نظاما للتشاور والديمقراطية يحكم فيه الشعب نفسه بنفسه بحيث تسير الأمور على قاعدة الشفافية والصراحة والمساواة واعطاء كل ذي حق حقه . واذا تحقق هذا فان المجتمع الذي يريده القرآن قد تحقق .. وتلتقى بذلك احلام الفلاسفة والمصلحين مع الهدف من اقامة الشرع والدين .
6 ـ فكيف اذا لم يتحقق ذلك الهدف .؟ كيف اذا احتكرت طائفة الثروة والقوة والسيطرة واستبدت بالأمر وأكلت على الناس حقوقهم في الثروة وفي المشاركة السياسية ؟ وكيف اذا سيطرت تلك الفئة على مقاليد السلطة واصبح زحزحتها عن السلطة لأقامة العدل وتستلزم اللجوء للقوة والحديد والنار ؟ هل يكون مشروعا ان يلجأ المستضعفون للحديد والنار لتحقيق ميزان العدل ؟ … القرآن الكريم يقول نعم ؟؟‍‍!!.نرجع الى الاية السابقة ونكملها الى نهايتها : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) الحديد . فكما ارسل الله تعالى الرسل وكما انزل الكتاب ليكون ميزانا للقسط والعدل فكذلك انزل الحديد الذي فيه بأس شديد ومنافع للناس ، وبالحديد يستطيع من يريد العدل المفقود ان ينصر الله تعالى ورسله ويقيم شرعه . وهنا تصل ارادة التغيير الى ذروتها ، بأن يتحول تغيير ما في النفس الى تغيير الواقع واقامة العدل بدلا من الظلم ، وتأسيس حكم الشعب على اشلاء استبداد الفرد . وبعد ان كان المستبد يحاور ويشاور نفسه اصبح الشعب يستشير نفسه ويملك مصيره بيده ولا يخضع الا للخالق وحده جل وعلا ، هذا ما ينبغى ان يكون .
7 ـ ولكن الأغلب ان الثائرين على الحاكم المستبد يجيدون فن اللعب على آلام الشعب وحين يصلون به للسلطة يعيدون سيرة الاستبداد والظلم ، وينتظر الشعب ثائرين آخرين يعيطيهم ثقته ليتخلص بهم من المستبدين الجدد . وتظل مسيرة الظلم مستمرة طالما ان الشعب سائر في غفلته وسلبيته مكتفيا بالتفرج على الصراع بين القائم في الحكم والطامع في الحكم .،وطالما ظلّ الوعى الشعبي قاصرا لم يرتفع بالناس الى درجة الاحساس بالمسئولية الجماعية وضرورة التصدي لها بوضع نظام للشوري قائم على العدل وخضوع السلطة التنفيذية للشعب وتداول السلطة في اطار خدمة الشعب . وقد شهدنا في تاريخنا المعاصر قيام ثورة عسكرية ترفع شعارات اجتماعية وسيلة لتحظى باجتماع الشعب حولها ، وتحولت الثورة الى دولة مستبدة تحطمت على قلعتها السميكة كثير من الأحلام الاجتماعية والسياسية التى طالما نادت بها .. وجاء ثوار جدد يرفعون شعارات دينية سياسية جديدة ، والخطورة في اولئك الثوار انهم لا يخفون رغبتهم في العودة لتراث العصور الوسطى حيث سادت مفاهيم الحاكمية والراعي المسئول عن رعيته امام الله وحده والذي لا يسال عما يفعل ، والذي يملك الأرض ومن عليها ، واقام الجناح المدنى لاولئك الثوار دولة موازية للدولة القائمة وسيطر على الاعلام والتعليم ، واتيح له بذلك ان يصيغ المجتمع والشباب على مفاهيم العصر العباسي التى تخالف القرآن وما كان عليه النبي عليه السلام . وبذلك تم قلب الحقائق ، فأصبح الاسلام القائم على السلام عنوانا للأرهاب وسفك الدماء ، وتحولت سماحة الاسلام الى تعصب ، وابدلوا الشورى الاسلامية الى الحاكمية والاستبداد … وندخل بذلك الى موقع الشورى في عقيدة الاسلام ورسوم العبادة فيه ، ليتضح الفارق بين الاسلام الحق وذلك الزيف الذي يخدعون الناس به .
رابعا : موقع الشورى في عقيدة الاسلام ورسوم العبادة :
الشورى في عقيدة الاسلام :
1ـ اشرنا فيما سبق الى صلة الشورى بعقيدة الاسلام ، فالله تعالى هو وحده الذي لا يسال عما يفعل ، لأن الاله هو الذي لا يملك احد مساءلته ، وتلك صفة يتميز بها عن المخلوقات ، ولذلك يقول تعالى في معرض انفراده وحده بالالوهية ": (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) الأنبياء ) ، أي لو كان هناك آلهة مع الله لفسد نظام الكون ، من السموات والارض وتقول الآية التالية عن الله تعالى : ( لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) الأنبياء ) . وهنا ارتباط بين وحدانيته تعالى وانفراده وحده تعالى بأنه الفعّال لما يريد دون ان يكون مسئولا عما يفعل امام غيره ، اما اولئك الغير فهم مسئولون امام الله خالقهم في يوم الحساب . وتتعاظم مسئولية البشر بقدر ما يناط بهم من اختصاصات ، ولذلك فالانبياء – مثلا- اكبر مسئولية من الافراد العاديين ، والله تعالى يقول عن مسئولية الانبياء والبشر " فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) الاعراف ) . اى ان مسئولية الامم التى ارسل اليها الانبياء في كفة وتعادلها في كفة أخرى مسئولية الانبياء ، وهذا بالنسبة لليوم الآخر ، والدنيا يقاس حالها على حال الآخرة ، وحقوق العباد يقاس اعتبارها على حقوق الله تعالى ، بل ان الله تعالى يجعل العقوبات الدنيوية في تشريع الجرائم ، فيما يخص حقوق العباد من السرقة والزنا والقتل والقذف .
2 ـ والاستبداد هو نوع من ادعاء الالوهية ، فالشخص المستبد يرفع نفسه فوق النبي الذي كان مأمورا بالشورى .. والمستبد المتأله يبدأ بزعم انه قائد ملهم ، وينتهي به الأمر الى انه يحكم بتفويض الهى ، او بمفهوم الحاكمية او الحق الملكى المقدس الذى عرفته اوربا في العصور الوسطى وعرفه المسلمون في الخلافة العباسية . و لو كان هناك تفويض الهى بالسلطة السياسية فان النبي محمدا كان هو الأولى بذلك التفويض حين كان قائدا في المدينة . والمعروف ان الحاكم الديمقراطي يستمد سلطته من الناس الذين يملكون توليته ويملكون مساءلته ويملكون عزله . ونطرح هنا قضية مصدرية السلطة ، هل هي من الله كما يقول دعاة الاستبداد الثيوقراطي او الحاكمية ؟ او هى من الناس والشعب كما تؤكد الديمقراطية الحديثة . وبمعنى آخر ، ونحن نتحدث عن الشورى في الاسلام وفي عقيدته القائمة على انه لا اله الا الله ، هل كان النبي ( وهو صاحب الوحى السماوي ) يحكم المدينة بتفويض الاهى ويستمد سلطته السياسية من الله ؟ ام يستمد سلطته السياسية من اجتماع الناس حوله ؟ . الذي يتبادر الى الذهن انه كان يستمد سلطته السياسية من الوحى الالهى ومن التفويض الالهى لأنه كان نبيا حاكما وكان الوحى يصاحب خطواته وحركاته . وذلك الرأى يسعد أنصار الاستبداد الديني ويرونه مؤكدا لنظرية الحاكمية ، وقد يرد عليه انصار الشورى والحرية السياسية ان ذلك يعتبر خصوصية للنبي لأنه كان نبيا اولا وحاكما ثانيا ، ولأنه ليس بعد محمد عليه السلام نبي ولأنه خاتم النبيين فأن التفويض الألهى بالحكم انتهي يموته لأنه لا وحى بعد كتاب الله ولا نبي بعد خاتم النبيين . ولكننا نعرض صفحا عن هذا الرأى ، ونعود الى الآية الكريمة التى امرت النبي بالشورى ، فهى قبل ان تأمره بالشورى أكدت على التربة تنبت فيها شجرة المشورة وتثمر ، وتلك التربة هى استمرارية السلطة ومصدريتها ، هل هى من الله بالتفويض الالهى او من الناس .
والآية الكريمة تقول : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) آل عمران ) والشاهد في الآية الكريمة قوله تعالى : ( وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) فقد جعله الله لينا هينا معهم ولم يجعله فظا غليظ القلب ، لأنه لو كان فظا غليظ القلب لانفضوا من حوله . وماذا يحدث لو انفضوا من حوله ؟ لن يكون له سلطان ولن تكون له دولة ، وما كان حاكما مطاعا ، اذا فاجتماعهم حوله هو الذي اقام له دولة وجعل له سلطة ، وقبل ذلك كان في مكة مضطهدا ، واذا انفضوا عنه عادت اليه قصة الاضطهاد والمطاردة . اذن هم مصدر السلطة له باجتماعهم حوله ، وليست مصدرية السلطة بتفويض الله تعالى له ، ويكفي ان الله تعالى هو الذي جعله لينا هينا مع الناس حتى تجتمع عليه قلوب الناس ، وحذره من ان يكون فظا غليظ القلب حتى لا ينفضوا من حوله ، وامره ان يعفو عنهم وان يستغفر لهم وان يشاورهم في الأمر ، لأنهم شركاؤه في الأمر ولأنهم مصدر سلطته وكيان دولته واسباب عزته وقوته . وهكذا فإن امر الله تعالى له بالشورى تأكيد على استمدادية السلطة من الناس ، الذين اجتمعوا حول النبي ، وألف الله تعالى بين قلوبهم فأصبحو بنعمته اخوانا ، والله تعالى يمتن على النبي أنه جعله رحيما هينا بالناس حوله وأنه الف بين قلوبهم ، ولو أنفق النبي ما في الارض جميعا ما استطاع ان يؤلف بين قلوب الذين آمنوا معه : ( هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) الانفال ) . ومعناه ان العناية الالهية تركزت على الشعب الذي اقام النبي في وسطه حاكما عليه . ركزت بتأليف قلوبهم وبجعل النبي لينا معهم ، والهدف ان يكونوا مع النبى قلبا وقالبا .. والمعنى انهم مصدر السلطة ، ولأنهم لو انفضوا من حول النبي وتركوه فلن تكون له دولة .. ولن تكون له ايضا … دعوة . واذا كان هذا حال النبي وهو يحكم المدينة .. فكيف بغيره من البشر ؟ واذا كان النبى لم يدع التفويض الالهى في الحكم ، واذا كان القرآن أكد على استمداده السلطة السياسية من الناس فأى حجة لأصحاب الحكم الثيوقراطي والاستبداد الدينى والكهنوت السياسي ؟
الشورى في رسوم العبادة الاسلامية :
ظهر كما سبق ان الشورى عنصر من عناصر العقيدة الاسلامية ، فالله تعالى هو وحده الذي لا يسأل عمل يفعل ، والنبي نفسه كان مأمورا بالشورى ويستمد سلطته السياسية من الشعب ، وذلك المستبد يقتفي أثر فرعون ويسير في طريق ادعاء الألوهية . والمؤمن بالله ايمانا حقيقيا لا تشتمل عقيدته على الاعتقاد في حاكم مؤله مستبد ولا يرضى بالخضوع له . وطالما ان للشورى هذا القسط في عقيدة الاسلام فالمنتظر ان يكون لها نصيب في تشريعاته ورسوم العبادة فيه ، اى ان تكون الشورى فرضا من فرائض الاسلام ، فرضا لازما كالصلاة والزكاة . ونستغرب من هذا الكلام . هل الشورى فرض من الفروض كالصلاة والزكاة ، او فريضة اسلامية على كل انسان ؟ واذا كانت كذلك فلماذا سكت عنها الفقهاء ؟
نبدأ بالجواب عن السؤال الثانى : لقد سكت عنها الفقهاء لأن الفقه وباقى مصادر التراث ومؤلفاته – كالحديث والتفسير – قد صيغت في عصور الاستبداد السياسي – الذي لم يكن قصرا على الحكام ، بل ان الثوار على الحكام – من الشيعة وغيرهم – كانوا يؤمنون بالاستبداد بل كانت العصور الوسطى كلها تنبض بالحق الالهى للسلطان ، سواء الخليفة العباسي أو الفاطمى او امبراطور الدولة الرومانية المقدسة او ملك انجلتره او فرنسا . والاستثناء الوحيد كان في دولة الاسلام الأولى التى كان القرآن هو الكتاب الوحيد الذي يعبر عنها .
والجواب على السؤال الأول : ان القرآن الكريم في آياته المكية أوضح صفات المجتمع الاسلامي والدولة الاسلامية قبل ان يقيم المسلمون دولتهم في المدينة . يقول تعالى في سورة ( الشورى ): (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) الشورى ) . والمعنى ان المجتمنع المسلم له متاع الحياة الدنيا ، وله ايضا ما عند الله تعالى من متاع الآخرة التى هى خير وأبقى . ولكى يستحق هذا المجتمع خير الدنيا والآخرة معا فلابد أن يتصف بعدة صفات هى الأيمان والتوكل على الله تعالى واجتناب الكبائر والفواحش ، والعفو عند المقدرة ، وطاعة الله تعالى والاستجابة له ، واقامة الصلاة واقامة الشورى والزكاة والعزة او الانتصار عندما يقع عليهم بغى او عدوان .
وتلك الصفات يمكن تقسيمها الى صفات ايمانية وصفات اخلاقية وعبادات ، فالصفات الايمانية هى قوله تعالى " للذين آمنو وعلى ربهم يتوكلون " ، والذين استجابوا لربهم " والصفات الأخلاقية " والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش واذا ما غضبوا هم يغفرون " ، : والذين اذا اصابهم البغي هم ينتصرون " . اما العبادات فهى الصلاة والشورى والزكاة او قوله تعالى " واقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون " .
والمعنى ان الشورى جاءت فريضة بين أشهر فريضتين من فرائض الاسلام وهما الصلاة والزكاة ، وهى المرة الوحيدة التى جاء فيها فاصل بين الصلاة وايتاء الزكاة معا وبالترتيب وبدون فاصل بينهما ، وهى المرة الوحيدة التى جاء فيها ذكر الشورى مع الصلاة والزكاة ليؤكد رب العزة على أنها فرض تعبدي مثل الصلاة والزكاة وبنفس الملامح .
فاذا كانت الصلاة فرض عين لازما واجبا فكذلك الشورى واذا كانت الصلاة واجبة على كل مسلم ومسلمة وجوبا ذاتيا وشخصيا وعينيا فكذلك الشورى ، واذا كانت الصلاة واجبة في كل الأحوال في السفر والحضر وفي الصحة والمرض وفي السلم وفي الحرب .. فكذلك الشورى . ثم اذا كانت الاستنابة لا تصح في الصلاة اى لا يصح ان يصلى احد عنك .. فكذلك لا يصح في الشورى الاسلامية ان يكون فيها نظام نيابي او أهل الحل والعقد الذين يفكرون بالنيابة عن الناس وانما مجتمع المسلمين كلهم اعضاء في مجلس الشورى ، كل واحد في موقعه . ولأن الشورى في الاسلام عبادة فالمسلم عليه ان يمارسها في كل موقع ، في بيته ومصنعه ومعمله ومجتمعه ، أي يتنفس الشورى وينبض بها قلب المجتمع ، حيث لا مجال فيها لأى عذر شأن الصلاة .. فكذلك كان النبي والمسلمون يمارسون فريضة الشورى .

الشورى . ثم اذا كانت الاستنابة لا تصح في الصلاة اى لا يصح ان يصلى احد عنك .. فكذلك لا يصح في الشورى الاسلامية ان يكون فيها نظام نيابي او أهل الحل والعقد الذين يفكرون بالنيابة عن الناس وانما مجتمع المسلمين كلهم اعضاء في مجلس الشورى ، كل واحد في موقعه . ولأن الشورى في الاسلام عبادة فالمسلم عليه ان يمارسها في كل موقع ، في بيته ومصنعه ومعمله ومجتمعه ، أي يتنفس الشورى وينبض بها قلب المجتمع ، حيث لا مجال فيها لأى عذر شأن الصلاة .. فكذلك كان النبي والمسلمون يمارسون فريضة الشورى .

 

الفصل الثانى : تطبيق فريضة الشورى في عهد النبى عليه السلام

الفصل الثانى : تطبيق فريضة الشورى في عهد النبى عليه السلام
اولا – المسجد للصلاة والشورى :
1 ـ الآيات السابقة عن فريضة الشورى نزلت في مكة ، ثم أتيح لها التطبيق العملى فريضة اسلامية في المدينة . والاسم السابق للمدينة" يثرب" فلما انتقل اليها النبى والمهاجرون واقيمت فيها اول دولة اسلامية حملت اسم "المدينة " لتكون عنوانا لدولة جديدة ومجتمع مدنى متحضر ، وكانت الشورى من ابرز ملامح ذلك المجتمع المدنى المتحضر خصوصا في عصور سيطرت عليها الجهالة والاستبداد والظلم . وذلك المجتمع المدنى في " المدينة" عرف تطبيق كل الأوامر السامية التى نزل بها وحى القرآن . ولأن الشورى نزلت في مكة مقترنة بالصلاة فقد مارسها المسلمون مع النبي في المسجد باعتبارها فريضة كفريضة الصلاة تماما . والدليل على ذلك ان الصلاة والشورى معا كان لهما مكان واحد هو المسجد ، وأنه كان حين يجد أمر جديد يستلزم عقد الشورى كان المؤذن في المسجد ينادي في الناس " الصلاة جامعة " فيسرع الجميع الى المسجد ، تمام كما يحدث في الصلاة ، والفارق ان مواعيد الصلاة المنتظمة خمس مرات في اليوم ، اما عقد مجلس الشورى فكان يتم عندما يستدعى أمر يستوجب عقد المجلس فيؤذن المؤذن . وكان أعضاء مجلس الشورى هم كل أفراد المجتمع المسلم كشان الصلاة وهم يهبون سراعا الى المسجد اذا قال لهم المؤذن " حى على الصلاة " للصلاة ، أو " الصلاة جامعة " للشورى .
2 ـ وكان المنافقون يتكاسلون عن الذهاب للمسجد في أوقات الصلاة ، وكان بعض المؤمنين يتكاسلون عن الذهاب للمسجد حين يدعى الى الشورى . وقد عاب رب العزة على المنافقين تكاسلهم عن النهوض للصلاة في المسجد فقال تعالى : ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142) النساء ) . وعاب رب العزة أيضا على بعض المؤمنين حين كانوا يتكاسلون عن حضور الشورى في المسجد ، وكان ذلك في بداية عهد المؤمنين في المدينة ، وبداية توطيد الدولة المدنية فيها ، ولم يكونوا قد تعودوا تلك النظم ، ونزلت هذه الآيات في سورة النور ، وهى من أوائل ما نزل من السور المدنية ، وهى السورة التى حفلت بالتشريعات الاجتماعية والقانونية للمسلمين مثل الاستئذان والزي وعقاب جريمتي الزنا والقذف وزواج الفقراء والأرامل والنظام القضائي ، ثم الوعد لهم وقتها بالتمكين في الأرض وان يبدلهم الله بعد خوفهم امنا اذا سمعوا واستجابوا ، وفي خلال هذه التشريعات نزل قوله تعالى يعيب على بعض المؤمنين تكاسلهم عن حضور مجالس الشورى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62) لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (64)) النور ). الآيات نزلت تعيب على بعض الذين يستأذنون النبى في عدم حضور الشورى والذين يتسللون بعد حضورهم ، ومعنى ذلك ان النبي كان ينفذ الشورى قبل نزول الآيات ، وحدثت تلك التجاوزات فنزلت الآيات تصحح وتوضح ، واذا عرفنا ان سورة النور من اوائل ما نزل في المدينة فمعناه ان ممارسة الشورى بدأت مبكرة في الأيام الأولى لقيام الدولة المدنية في المدينة ، وانه كانت الشورى جذور في مجتمعات المسلمين السرية في مكة ، ومعلوم ان سورة الشورى نزلت في مكة .
3 ـ ونتابع التأمل في آيات سورة النور الخاصة بممارسة الشورى :
فالآيات تبدأ بتحديد الذي يؤمن بالله ورسوله هو الذي لا يتكاسل عن موضوع الشورى ، وتنتهى الآيات بتقرير ان لله ما فى المسوات والأرض وانه يعلم ما يفعلون . واعتبار الشورى فريضة ملزمة لكل مؤمن يظهر في الآيات من خلال عدة أمور منها: وجوب الحضور على كل مؤمن في المسجد بمجرد ان يؤذن للشورى ويعلن ان ( الصلاة جامعة ، وتشريع الأعذار في حدود ضيقة في ضوء ذلك العذر بالتغيب ، ثم يستغفر له الله لأن عذره قهره ، والتحذير من التكاسل عن الحضور بقوله تعالى ( لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً )، والتحذير من التسلل بعد الحضور، (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً ) . ثم ايراد التحذير بصورة قاسية مما يؤكد ان فريضة الشورى لازمة لا مجال فيها للتهاون والتكاسل ، يقول تعالى " ( فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .وقد كان الذين يتكاسلون عن الشورى مجرد أفراد ، وكان من الممكن ان يتجاهلهم القرآن ، ولكن لأنها فريضة على كل فرد وسيكون مسئولا فردية يوم القيامة شأن الشورة فقد نزل التوضيح وذلك التحذير. وطالما هي فرض على كل مسلم فلا يصح فيها الاستنابة ، وبالتالى فان ما يعرف بالنظام النيابي أو أهل الحل والعقد لا مجال له في الشورى الاسلامية .
ثانيا – متاعب ممارسة الشورى :
1 ـ وبعد هذا التهديد والوعيد عرف المسلمون قيمة الشورى فكانوا لا يتخلفون عن حضور مجالسها بدليل ان الآيات المدنية التالية فيما بعد لم يأت فيها عتاب او تهديد يخص ذلك الموضوع . وقد كان يحدث ان ينزل أمر فلا يتم تنفيذه كما ينبغى فتنزل آيات تنبه وتحذر ، وعلى سبيل المثال فقد نزلت آيات تحذر المؤمنين من الجلوس مع المنافقين الذين يتحدثون في الاستهزاء بالقرآن والخوض فيه ، ولم يلتزم بعض المؤمنين بتلك الأوامر فنزل قوله تعالى يذكرهم ويحذرهم : (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (140) النساء ) . لم ينزل بعد سورة النور ما يفيد ان المؤمنين تكاسلوا بعدها عن الشورى او تسللوا لواذا من مجالسها ، ولم يقع التحذير الذي قال عنه رب العزة " ( فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .
2 ـ بل ان الآيات المدنية التالية تؤكد على ان العكس هو الذي حدث . فقد مارس المؤمنون من خلال الشورى كامل حريتهم في القول والفعل السياسي . وتحمل النبى ذلك بصبر استوجب ان تنزل آيات فيما بعد تلوم المؤمنون على انهم وقعوا في المزايدة على النبي نفسه ، وانهم تناسوا آداب الخطاب معه بحيث كانوا في مجالسهم معه يرفعون اصواتهم فوق صوته ويجهرون له بالقول كشأنهم في الاسواق وفي الشوارع .فقال تعالى يحذرهم من أن تحبط وتضيع أعمالهم الصالحة بسبب ذلك : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (2) الحجرات ) وهذا نهى عن المزايدات واختيار التطرف فوق ما يريده الله ورسوله ، وهى من طبيعة الدولة الدينية التى يزايد أربابها بعضهم على بعض ، ولأن الاسلام يناقض الدولة الدينية بنظام الشورى ( الديمقراطية المباشرة ) فإن المزايدة فيه مرفوضة ، خصوصا إذا كانت مزايدة على الله جل وعلا ورسوله ، وكانت تستحق ( حبط العمل ) وهو عقاب الذى يموت مشركا .
وبعضهم في مزايداته كان يسرف في الوعود والمواقف الكلامية ، ثم اذا جاء أوان الجد تضاءل وتنصل من تصريحاته واقواله ، فقال تعالى يلومهم : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (3) الصف ) . وبعضهم اعطته الشورى حرية القول والفعل الى درجة ايذاء النبي واتهامها فقال تعالى يحذرهم من الوقوع فيما وقع فيه اليهود حين أذوا موسى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً (69) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (70) الأحزاب ) .
وبعضهم خلط بين مكان الشورى وهي المسجد وبيت النبي ، او خلط بين العام والخاص ، وبين ( محمد ) قائدا سياسيا يستشير وبين الرسول النبى محمد ) ، لذا كان بعضهم بعد ان تنتهى جلسات الشورى في المسجد يذهب الي بيوت النبي وفيها نساؤه وهي تقع بجوار المسجد فيظل يواصل الحديث فيها ، بعد ان يدخل بدون استئذان كما لو كانت جزءا من المسجد ، وكما لو كانت تؤدى نفس الدور في فريضتي الصلاة والشورى ، فاذا حل موعد الغذاء او العشاءء تناولوه مع النبي دون ان يعطوه حقه في الراحة ودون ان يراعوا خصوصياته في بيته ، بل ان بعضهم كان يتجرأ فيقتحم حجرات نساء النبي يطلب منهم طعاما او شيئا من الأوانى والأمتعة ، والنبي بما وهبه الله تعالى من حياء ولين وتسامح كان يستحى من الاعتراض على ذك الذي يحدث ويجافي الذوق والأداب ، كما أن مفهوم الشورى الذى يساوى بين النبى وغيره أطمع آخرين فى إمكانية أن يتزوج من تزوجها النبى بعد موت النبى أو بعد طلاقها من النبى ــ لو حدث ــــ ، ولذلك نزل قوله تعالى ينبه المؤمنين:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً (53) الاحزاب ) .
وهذه التوجيهات تدخل في نطاق ما يسمى بنقطة النظام، او التوجيه الأمثل للممارسة الديمقراطية ، فالمعروق ان ممارسة الشورى او الديمقراطية تستلزم الكثير من المعاناة والصبر والتحمل ، واذا كانت تلك الممارسة في القرون الوسطى ــ قرون الاستبداد ــ وإذا كانت فى مجتمع بدوي عاش قرونا من الجاهلية ، فالمشكلة اصعب .
ثالثا : المنافقون والمعارضة الحزبية :
1 ـ واذا تجاوزنا هذه التربية القبلية الجاهلية واثرها السئ في القاء المتاريس في شارع الممارسة الديمقراطية او الشورى فاننا نواجه ما هو أخطر وان كان متصلا بنفس العامل الأول الخاص بالطبيعة القبلية الجاهلية ، ونعنى به دور المنافقين في محاولة افشال العملية الديمقراطية او الشورى ، ضمن مساعيهم في الكيد للدولة الجديدة . فاولئك المنافقون كانوا من ذوى النفوذ القبلي السابق في يثرب قبل ان تتحول الى المدينة وتصبح اول دولة اسلامية . والثابت تاريخيا ان زعامة الخزرج كانت في يد عبد الله بن سبأ ، وقد كاد ان يصبح حاكما رسميا ليثرب لولا ان دخلت بالاسلام عصرا جديدا اطاح به وبأحلامه فدخل فغي الاسلام ظاهريا ودفن احقاده في قلبه ، وكان معه على نفس الوتيرة طائفة من الاغنياء واصحاب العصبيات الذين ساوى الاسلام بينهم وبين الفقراء والضعاف من الناس . ومن خلال حديث القرآن الكريم عن المنافقين نعرف كثرة أموالهم وأولادهم وضخامة اجسامهم ( التوبة 55،85،75،78 ، المنافقون 4 ) وذلك دليل علمى على مكانتهم الاجتماعية الاقتصادية . ولذلك كان الاستعلاء ابرز ما يبدو في سلوكهم نحو المسلمين بل ونحو النبي ، ويظهر من دعوة اقاربهم لهم بالرجوع الى الحق في استكبار ويتهمون المؤمنين بالسفاهة : ( " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ) (13) البقرة ) ، واذا دعوهم الى التوبة وتصحيح الخطأ امام النبى والاستغفار ، استكبروا واستنكروا : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5 )المنافقون ) . انهم قد فقدوا بالاسلام جاههم القديم ، اذ انمحت عصبية القرابة والقبلية وحل محلها الولاء لله ورسوله . ولأن ثرواتهم وقرابتهم في المدينة اجبرتهم على مسايرة الوضع الجديد واظهار الايمان الا ان الحرية السياسية التى اتاحتها الدولة الجديدة مكنتهم من ممارسة الكيد بالقول والفعل وايذاء النبي ما استطاعوا . والآيات في ذلك كثيرة ، ولكننا نتوقف مع موقف المنافقين مع قضية الشورى بالذات باعتبار انهم كانوا المعارضة الدينية والسياسية للدولة الجديدة .
2 ـ لقد كان المنافقون هم اصحاب الأمر والنهى قبل الاسلام ، ولذلك كرهوا ان يكون الأمر شورى ومشاعا بين جميع المسلمين ، ومن الطبيعي ان يكونوا ـ فى البداية ـ القادة في مجالس الشورى التى كان النبي يعقدها في المسجد ، ومن الطبيعي ايضا ان يوجهوها حسب اغراضهم ومكائدهم ، خصوصا وهم اكثر تمرّسا بالسياسة وفنون القول من عوام المسلمين الذين لم يسبق لهم الاسهام في الشورى والحياة العامة ، وتعودوا تنفيذ الأوامر وطاعتها ، بنفس ما اعتاد المنافقون من قبل اصدار الأوامر لهم والزامهم بها . ولأن النبي كان هينا لينا متسامحا ولأنه لا يستبد بالأمر وانما ينفذ قرارات مجالس الشورى ، فقد تحولت تلك القرارات الى طاعة للمنافقين واغراضهم ، لذلك نزلت سورة الأحزاب المدنية وفي اولى آية منها يقول تعالى للنبي عليه السلام : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (1 ) . ومن الطبيعي ان تكون تلك المجالس الشورية في بدايتها مظهر قوة للمنافقين جعلتهم يجرءون على ايذاء النبي في شخصه ، ربما بتسفيه رأيه والتقول عليه ، لذلك فإن سورة الاحزاب تكرر النهى للنبي ألا يطيع الكافرين وان يعرض عن ايذائهم له: (وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (48) .
3 ـ الا ان ممارسة الشورى نفسها اقامت للمسلمين دورات تدريبية رفعت من مستواهم السياسي وفى نفس الوقت اظهرت استغلال المنافقين للمواقف وكيدهم وتآمرهم ، وتأكد هذا بدخول المسلمين في عمليات قتالية دفاعية ، كانت هى الفيصل في تحديد الولاء للدولة ، اذ ان المنافقين تكاسلوا عن الدفاع عن الوطن والعشيرة في مواقف فاصلة كغزوة الأحزاب بل وظهر تآمرهم مع العدو ، ونزل القرآن يحكى ذلك كله بالتفصيل مما اضطر المنافقين الى سياسة جديدة ، فبعد ان كانوا يتعاملون مع المؤمنين بالاستكبار والتعالى ، كما يظهر في السور المدنية الأولى ، اصبحوا يؤكدون للمؤمنين بالايمان المغلظة والحلف الكاذب بالله انهم مؤمنون مخلصون ، لذلك تقول سورة التوبة مثلا ، وهى من أواخر السور المدنية عن المنافقين " :( وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57) أي يحلفون بالله انهم من المؤمنين وماهم من المؤمنين ، ولكن الحقيقة انهم يخافون "يفرقون" ولو استطاعوا الهرب الى ملاجئ ومغارات لهربوا اليها من فرط خوفهم . وفي آية اخرى فى نفس السورة يقول تعالى عنهم : (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ) (96) . ومعناه ان المعارك الحربية ارست وضعا جديدا في مجتمع المدينة السياسي إرتفع بالمؤمنين العوام المجاهدين وهبط بالملأ المنافق ، اذ ان الخلق العربي يحتقر الجبناء الذين يرضون لأنفسهم البقاء في البيوت مع المتخلفين من النساء والصبيان، او بتعبير القرآن الكريم عن المنافقين :( رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ ) (87). أى انهم بقعودهم عن القتال فقدوا اعتبارهم ومكانتهم في المجتمع ، واحتل مكانهم من هو أكثر منهم شجاعة واخلاصا وتفانيا من المسلمين الفقراء ، وبالتالى انعكس الوضع الجديد على مجالس الشورى ، فأصبح المنافقون فيها أكثر تأثيرا وأخفض صوتا . بينما علت اصوات المؤمنين من العوام ، ومنهم من كان ينقصهم التهذيب ( والبروتوكول ) حتى كانت تعلو فوق اصوات النبى وتجهر له بالقول ، كما سبقت الاشارة اليه .
4 ـ والمنافقون في تآمرهم القولى وتناجيهم بالأثم والعدوان اتهموا النبي في ذلك الوضع الجديد بأنه يعطي أذنه للمؤمنين الذين وصلت بهم الاحداث الى مرتبة التاثير والصدارة بحكم بلائهم وفاعليتهم في السلم والحرب ، ولم يدافع النبى عن نفسه ، ونزلت آية قرآنية تدافع عن النبي ، يقول تعالى : (وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61) التوبة ).قالوا عنه انه "أذن" أي يعطي أذنه الى من هب ودب ، ودافع الله تعالى عن النبى بأنه أذن خير للمؤمنين ، أي يسمع لمنا فيه خيرهم ، وهو " يؤمن للمؤمنين " أي يثق فيهم ويطمئن اليهم ، وذلك تعريض بالمنافقين الذين تعودوا ايذاء النبي بالاتهامات والافتراءات .
رابعا : الشورى والمعارك الحربية :
1 ـ كانت الشورى من ممارسة القوة لذا تحولت بقوة المسلمين في الجهاد الى شورى يتمتع بها المؤمنون دون المنافقين ، وتم ذلك بالتدريج خصوصا وان الوحى كان ينزل يوضح الطريق ويفضح المنافقين وتآمرهم ، وكان ذلك الوحى قرآنا يتلى في الصلاة وفي المسجد مما ادى في النهاية الى انعزال المنافقين وانعدام نفوذهم السياسي . وكانت ظروف الحرب مناسبات تفضح حقيقة المنافقين وتظهر عداءهم للدولة والمجتمع الذي يعيشون في اطاره ، وبتوالى انتصارات الدولة تضاءلت معارضة المنافقين وانكمشوا على انفسهم ، وبنفس القدر اصبحت لهجة القرآن عالية في تأنيبهم في أواخر السور المدنية كما غي سورة التوبة او سورة براءة .ألا ان ظروف الحرب كانت مناسبات هامة لعملية الشورى ، وقد اوردت كتب السيرة بعض الروايات ، ولكن ما ورد في القرآن أروع وأصدق .
2 ـ وفي غزوة بدر خرج النبي بطائفة قليلة ليأخذ حقوق المسلمين من تجارة لقريش ، وفوجئ الجيش القليل بأن عليه ان يواجه جيشا يفوقه ثلاث مرات . وتحكى روايات السيرة ان النبي شاور اصحابه فاندفعوا في تأييده في حماسة بالغة ، ولكن القرآن يؤكد ان طائفة منهم عارضت النبي في قرار الحرب كراهية في الحرب وجادلوا النبي في الحق الذي تبين ، وبعد ان اقتضت المصلحة والأغلبية حتمية الحرب والمواجهة كانت تلك الطائفة من المؤمنين ( كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ) الأنفال 6 ). وفيما يخص الشورى فان الآيات تشير الى حرص النبى على الشورى وانه عرض عليهم وعد الله تعالى له بالنصر اذا لم يحصل على القافلة ، ومع ذلك كان الاحتجاج والجدال في الحق الذي تبين ، ثم كان الانصياع للحق في النهاية حيث تحتم المصلحة السياسية والحرية ضرورة الصمود والتصدي والا فقد ضاع مستقبل الدولة ، والقرآن يقول في هذا الموقف : ( كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ (6) الانفال ) . اى كانت الشورى حتى ظروف الحرب الاستثنائية وقت المواجهة تسمح لهم بالجدال مع النبي – وحتى في الحق الظاهر الذى لا مراء فيه . وبعد غزوة بدر نزلت سورة الانفال تحذر من وقوع الشقاق والخلاف أثناء المعركة وألا تتحول الشورى وقت الحرب الى تنازع ، وان تكون الشورى في الطاعة الكاملة لله ورسوله ليتم الثبات في القتال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) الانفال ).
3 ـ وتناسى المؤمنون تلك الدروس التى جاءت بها سورة الانفال بعد انتصار "بدر" فكانت الهزيمة في غزوة أحد ، فبعد ان انتصر المسلمون في البداية نسوا امر النبي وتنازعوا في الغنائم فأصابتهم الهزيمة ، ونزل القرآن يحدد سبب الهزيمة بأنه التنازع وعصيان النبي وتفضيل الدنيا وغنائمها على الآخرة : ( وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) آل عمران ) . وبعد هزيمة أحد عقد النبي مجالس الشورى للتحقيق في الهزيمة وضرورة الاستفادة من الدروس ، وفي ذلك الوقت كان المنافقون يتمتعون بالنفوذ والهيبة فأتيح لهم ان يحملوا النبي مسئولية الهزيمة لأنه- كالعادة- استشار قبل الخروج لغزة أحد ، هل ينتظر جيش المشركين الى ان يأتى للمدينة ام يزحف للقائه في الطريق ، وكانت الأغلبية تؤيد الرأي الاخير وأخذ النبي برأيهم ليس فقط لأنهم الأغلبية ولكن ايضا لأنهم في معظمهم شباب متحمس يريد ان ينال شرف الانتصار الذي سبقه اليه آخرون في بدر .. لذا انطلق الرسول بالجيش الى أحد وانسحب المنافقون من الجيش بزعامة عبد الله بن أبى ، ثم كانت الهزيمة بسبب عصيان الرماة لأوامر النبي وليست لأنه نفذ الأغلبية المتحمسة وزحف بهم الى خارج المدينة ، وتناسى هذا المنافقون في المدينة ، وأخذوا يتحسرون على ضياع نفوذهم قائلين" هل لنا من الأمر شئ" ،" لو كان لنا من الأمر مشئ ما قتلنا هاهنا " ، ووصف القرآن هذه المعارضة بأنها معارضه أنانية من طائفة لا ترى الا نفسها ولا ترى الصالح العام ، او بتعبير القرآن " وطائفة قد اهمتهم انفسهم ": ( وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنْ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154) ) آل عمران ) .
والملفت للنظر ان اولئك الذين تعالت اصواتهم في مجالس الشورىة في تأنيب النبي والمؤمنين المقاتلين ، اولئك المنافقون القائلون " لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا هاهنا " تخلفوا عن القتال وقعدوا في المدينة ، وبعد الهزيمة وجدوا فرصتهم في لوم النبي ، مع انهم لو كانوا في مجتمع ديمقراطي في عصرنا وتخلفوا عن المعركة قبل الألتحام لحوكموا بتهمة الخيانة العظمى او بالهروب وقت المعركة . الا ان القرآن اكتفى بالرد عليهم بتأكيد تلك الحقيقة التى تخزيهم فقال : ( الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168 ) آل عمران) . اى أنهم قالوا وقعدوا عن القتال ، واكتفوا باللوم وهم قاعدون عن القتال، وحين طلبهم المؤمنون للقتال قبل نشوب الحرب رفضوا المشاركة في القتال دفاعا عن المدينة وأهلها ، فقال تعالى عنهم : (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) آل عمران ) . قالوا لهم " تعالوا قاتلوا في سبيل الله" اى اذا كنتم مؤمنين ، " او ادفعوا " أي دافعوا عن وطنكم وأحسابكم فقط اذا لم تكونوا مؤمنين ، الا انهم رفضوا قائلين " لو نعلم قتالا لاتبعناكم " .. والمهم انهم بعد هذا الموقف المخزي فقد كان لهم متسع في مجالس الشورى واتيح لهم ان يتهموا النبى بالباطل وان يتهموا المقاتلين معه ، ولم يرد النبي على اتهاماتهم ، لذلك نزل القرآن يدافع عن النبي ويرد عنه اتهاماهم .
وعلى أى حال ، فإن معارضة المنافقين للنبى فى مجالس الشورى فى موضوع معركة أحد يؤكد لنا أن ( المساءلة ) كانت من وظائف مجالس الشورى ، وأن هذه المساءلة كانت تتضمن مساءلة النبى نفسه كقائد ، وأن المنافقين كان لهم هذا الحق ، مع نزول القرآن بكفرهم العقيدى بالاسلام وفضح تآمرهم ضد الدولة وتحالفهم مع أعدائها . وهذه ديمقراطية لا مثيل لها فى عصرنا ، فكيف بها فى العصور الوسطى ؛ عصور الاستبداد والفساد ؟
4 ـ وفي غزوة الأحزاب حدث موقف جديد وشديد ، اذ حوصرت المدينة بأكبر جيش لم تعرفه الجزيرة العربية من قبل ، وحين وردت انباء الزحف المعادى للمدينة عقدت مجالس الشورى ، وفيها تمت البيعة والعهد على الدفاع عن المدينة ، واّلا يتخلف عن ذلك أحد . وشارك المنافقون فى هذه المجالس وتلك الالتزامات . وفي مجالس أخرى تم الاتفاق فيها على كيفية المواجهة الحربية للجيوش المعادية ، وحفر خندق يحمى المدينة . ولكن المنافقين نسوا العهد بالدفاع عن المدينة حين حوصرت المدينة فأخذوا في التسلل من مواقعهم الحربية قائلين "ان بيوتنا عورة" ، وأخذوا فى تثبيط همم المدافعين عن المدينة : (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً (13) الاحزاب ) ، لذلك قال تعالى يذكّرهم بالعهد : ( وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً (15) الاحزاب ) . والقرآن يخبر ان اولئك الجبناء عند الحرب يكاد يُغشى عليهم من الخوف ، ولكن يكونون أطول الناس ألسنة في مجالس الشورى : ( فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ) (19) الاحزاب ). أي انهم يكررون مواقفهم في الغزوة السابقة (غزوة أحد) ، وهى دعوة ضمنية لعدم الاعتداد باتهاماتهم المغرضة ، صحيح ان لهم الحق في اعلان الرأي وهم يمارسونه بلا كلل والى درجة الافتراء والاتهامات بالباطل ، ولكن من حق المجاهدين بأموالهم وأنفسهم والفاعلين بجهدهم وعرقهم ودمائهم ان يكونوا أعلى صوتا لأنهم في الوضع الجديد ادرى وأعلم وأفضل من غيرهم ، ثم هم الذين ينفذون قرارات الشورى وهم الذين يلتزمون بها ، أما الأخرون فلا عمل لهم الا الأفتراء بالباطل .
5 ـ ويذكر ابن هشام في سيرته انه لما علم الابتلاء في حصار الأحزاب ارسل النبي الى زعماء غطفان المشاركين في الحصار يدعوهم للصلح والانفصال عن الأحزاب مقابل ان يعطيهم ثلث ثمار المدينة ، ووافق زعيما غطفاء عيينه بن حصان والحارث بن عوف ، واستشار النبى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فرفضا فلم يتم عقد الصلح .وعلى فرض صحة هذه الروايات التاريخية فانها تؤكد على ان المشورة التى انتهت الى عدم تنفيذ رأى النبى ، والأحداث التالية تثبت ان هذه المشورة كانت صائبة في عدم التسليم ، وان كان الوحى لم يشر الى تلك الواقعة.
6 ـ على ان بعض مجالس الشورى كانت تأتى برأى غير صائب فينزل الوحى فينبه على الخطأ ، كما حدث في قضية أسرى بدر وماذا يفعل النبى معه ، يقول تعالى : ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) الأنفال ). ويلاحظ ان الآية وجّهت الحديث للنبي وما ينبغى عليه ان يفعل :( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ )، وبعدها توجه الخطاب للمؤمنين جميعا بالتأنيب:( تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا ) (لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) فالخطاب بالجمع أي لجموع المؤمنين ، اى ان المسئولية هنا جماعية لأنهم رأوا رأيا جماعيا عن طريق الشورى ، وتحملوا المسئولية . ويختلف الحال فى أمور النبى الخاصة والشخصية العائلية الى لا مشاورة فيها مع المؤمنين ، وهنا يأتى اللوم للنبى خاصة ، كما حدث في قوله جل وعلا له : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) التحريم )، فالكلام هنا عن أمر شخصى وقع فيه النبى واستحق التأنيب عليه .
خامسا : آلية الشورى :
1 ـ بعض الاشارات الى آلية الشورى تناثرت بين السطور السابقة ومنها ان القرار يكون للأغلبية ، وان الشورى الاسلامية لا تعرف النظام النيابي او تعبير أهل الحل والعقد .ان المنافقين لم يكونوا أغلبية عديدة ، صحيح انهم كانوا في بداية الدولة اصحاب سيطرة ونفوذ ، ولكن بمرور الزمن فقدوا ذلك حين تعلم المؤمنون المشاركة السياسية وحين تقاعس المنافقون عن القتال والجهاد ونزل القرآن يعيب عليهم تخاذلهم ومكائدهم ، وبالتالى فقدوا وجاهتهم الاجتماعية ومكانتهم السياسية وأصبحوا أقلية عددية منبوذة ، لها حق المشاركة في الشورى ولكن يتمتعون بالشك فيهم والارتياب في نواياهم . ولذلك كانت القرارات في مجالس الشورى تأتى معبرة عن الأغلبية الفاعلة المتحركة .
2 ـ الا ان المنافقين لم يسكتوا على ضياع نفوذهم ، فحولوا جهدهم الى جلسات غير رسمية يعقدونها سرا ويتناجون فيها بالأثم والعدوان والتآمر على النبي والمسلمين ، وانتشرت تلك الجلسات وانخدع بها بعض المؤمنين ، وصارت المدينة خلية نحل تدوى بالهمسات والمناجيات ، وأحس النبي بأن تلك الجلسات غير الرسمية تهدد مجلس الشورى وتغذى الاشاعات وتنشر الدسائس فنهاهم عنها ودعاهم الى ان تطرح كل الموضوعات علنا وبشفافية في مجلس الشورى التى يحضرها الجميع ، وان تتم مناقشتها بصورة علنية ، ولكن المنافقين رفضوا ، بل وشجعتهم تلك الخطوة في تحدي النبي فكانوا يدخلونا عليه يلقون اليه بالتحية في استهزاء وبغير تحية الاسلام . ولذلك نزلت آيات القرآن الكريم تفضح المنافقين ومجالسهم المشبوهة ، وتقول : (أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنْ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) المجادلة ) . فالأية تتحدث عن المنافقين الذين نهاهم النبي عن مجالس النجوى فعصوه واستمروا في مجالسهم يتناجون بالأصم والعدوان ، ثم يؤذون النبى ويحيونه بغير تحية الاسلام . ولأن المؤمنين انخدعوا بتلك المجالس واشتركوا فيها ، ولأنهم قد تعودوا سماع الرأى والرأى الآخر فأنهم لم يجدوا من الغريب ان يسمعوا في تلك المجالس السرية الهجوم على النبي ، واعطوا آذانهم لآشاعات المنافقين ، أي اصبحوا شركاءهم بالصمت وترديد الاشاعات ، لذلك قال تعالى ينهاهم لا عن حضور تلك المجالس ولكن عن تحويلها الى دسائس ومناجاة بالاثم والعدوان والكيد والتآمر ، يقول تعالى لهم : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنْ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ (10) المجادلة ) . أى ان هدف المنافقين من النجوى هو الاضرار بالمؤمنين ومصادرة نظامهم الشورىّ والالتفاف حول مجلس الشورى وتعويض افتقارهم للأغلبية فيه بالسيطرة على الرأى العام من خلال مجالسهم السرية واشاعاتهم .
3 ـ ومجرد النهى عن تلك المجالس السرية لا يكفي في اعادة المنافقين وأعوانهم الى مجالس الشورى ولكن لابد من اجراء بعض التصحيحات في مجالس الشورى نفسها ، فالمؤمنون الفاعلون الذين صعدت بهم الأحداث الى موقع الصدارة والقيادة في المجلس كانت تقع منهم بعض التجاوزات في المجالس أشرنا الى بعضها في طريقة المزايدة على النبى ورفع اصواتهم فوق صوته ، واذا كانوا يفعلون ذلك مع النبي نفسه فالمنتظر ان يكونوا اكثر حدة مع غيره ، واذا كان النبي يتسامح واذا كان بعض المؤمنين يتسامحون فان المنافقين ليسوا كذلك ، وقد اعتاد المنافقون في البداية تصدر مجالس الشورى ، وحتى اذا كانت الأغلبية قد ضاعت منهم فان الشكل المظهرى يرضيهم ، ولكن المتحمسين من المؤمنين افقدوهم هذه الصدارة ايضا ، وكان عليهم ان يدركوا ان من الأفضل سياسيا ان يتركوا تلك الصدارة الظاهرية في المجالس للمنافقين ، فالمهم هو الرفعة الحقيقية واعمال الجوارح ، لذلك كان النبي يأمر اولئك المؤمنين بأن يفسحوا الصدارة في المجلس لأولئك المتعاظمين من المنافقين ، او اذا كانوا في المقدمة فليتركوها لهم ، ولم تكن الاستجابة كاملة من المؤمنين لهذا التوجيه النبوى ، لذا نزل قوله تعالى للمؤمنين : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحْ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) المجادلة ).
وكان ذلك علاجا لتأليف قلوب المنافقين وارضائهم ، وبقى علاج آخر لاتباع المنافقين من المؤمنين ممن كانوا يحضرون مجالس النجوى والدسائس ، والعلاج بألا تكون النجوى بعيدة عن النبي ، بل تكون موجهة له ، وان تكون في الخير والطاعة وبدليل علمى ظاهرى هو تقديم صدقة لبيت المال ، صدقة تطوعية لاثبات حسن النوايا، ومن لا يجد فالله تعالى يغفر له ، ولكن عليه ان يتمسك بالصلاة والزكاة وطاعة الله ورسوله ، يقول تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13) المجادلة ). ثم تحذر الآيات التالية اولئك المؤمنين ممن كانوا تابعين للمنافقين في مجالسهم المتآمرة : ( أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (16) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17) يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْكَاذِبُونَ (18) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمْ الْخَاسِرُونَ (19) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (22) )
4 ـ لقد كان المنافقون يطمعون في ان يكونوا أهل الحلّ والعقد في الدولة وعصر الرسول في المدينة . ولكن لم يعرف عصر الرسول عليه السلام هذا المصطلح" أهل الحل والعقد" لأن الشورى حينئذ كانت فرضا لازما لكل فرد ذكرا كان أو إنثى شأن الصلاة ، وكل فرد وكل مسلم ومسلمة كان من اهل الحل والعقد . وسبق توضيح ان الشورى الاسلامية لا تعرف الاستنابة او النظام النيابي او التمثيل النيابي ، او ان يقوم بعض الناس بالتفكير نيابة عن الشعب ، فالشورى جاءت بين اقامة الصلاة والزكاة ، أي ان الشورى فرض لازم كالصلاة ، وتؤدي مثلها في المسجد ، فاذا كانت الصلاة واجبة على كل فرد فكذلك الشورى ، واذا كانت الصلاة واجبة في كل الأحوال في السفر والحضر والصحة والمرض والسلم والحرب فكذلك الشورى . واذا كانت الصلاة لا تصح فيها الاستنابة ، اى لا يصح ان يصلى أحد عنك فكذلك المشورة ، لا يصح ان يقوم أحد عنك بالشورى .
5 ــ وسبق ان توقفنا مع آيات سورة النور التى عابت على بعض المسلمين تسللهم لواذا من المسجد حين يدعى لمجلس الشورى في كل أمر جامع ، وقال تعالى لهم : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62) لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) النور ) . ولو لم تكن فريضة الشورى الزامية على كل مسلم ما نزل هذا الانذار وذلك التحذير . وهذا يعني ان مجلس الشورى ينعقد بأعضاء هم كل المسلمين ، ولا يسمح النبى بالتخلف عنه الا لعذر قهرى ، وان المسلمين اذا سمعوا النداء " بالصلاة جامعة " عرفوا ان هناك مجلسا للشورى يدعوهم فيسرعون بالنهوض للمسجد ، وما كان القرآن ليسمح بوجود " ملأ" حول النبي يتحكم في الأمور ، لسبب بسيط ان القصص القرآنى حفل بما كان يفعله الملأ من ارساء الظلم والاستبداد . ولكن قيام الحكم الأموى أكّد الأستبداد وتحكم الملأ تحت مصطلح أهل الحل والعقد . وفي العصر العباسي تم تقعيد هذا المصطلح وتأصيله دينيا بدعوى طاعة " اولى الأمر" ، وذلك يستدعى منا التوقف حول مدلول " اولى الأمر" في القرآن وصلته بالشورى .
أولو الأمر
1 ــ ان القرآن الكريم يعلى من شأن اولى الخبرة والاختصاص ، ومع ان القرآن الكريم هو القول الفصل في أمور العقيدة الا انه احتكم الى " أهل الذكر" من علماء أهل الكتاب، فقال : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (43) النحل ). بل ان القرآن امر النبى نفسه أن يسأل علماء أهل الكتاب اذا جاءه شك في القرآن ، لأن أهل الكتاب العلماء يعلمون القرآن او الكتاب كما يعرفون ابناءهم ، فقال تعالى : (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ المُمْتَرِينَ (94) يونس ) .
2 ــ واذا كان هذا في أمور العقيدة والدين فهو في أمور السياسة والدنيا اولى أو اكثر ضرورة ، وقد كان المنافقون متخصصين في ترويج الاشاعات واذاعتها خصوصا في اوقات الحرب ، او فيما يخص موضوع الأمن ، والعادة ان تنتشر تلك الاشاعات في مجتمع تحيطه الأخطار ، وكان هناك متخصصون حول النبى في موضوع التخطيط الحربى وادارة فن الصراع مع العرب المشركين حين كانت المدينة جزيرة ايمانية يحيط بها المشركون المعتدون من كل جانب ، والى جانبها تعيش قبائل اليهود وعلى مشارفها قبائل البدو الأعراب الذين هم أشد كفرا ونفاقا ، وفى داخلهم المنافقون ، ومع ذلك فان المدينة تفتح ابوابها لكل من يأتى اليها يدعى انه مسلم ، ومن الطبيعي ان احتمال التجسس قائم ، والمنافقون في الداخل "طابو خامس" مستعد للتآمر ولا يقل اليهود عنهم حماسا ، ودولة مفتوحة ديمقراطية يحيطها العدو من الداخل والخارج لا يمكن ان تصمد ( بل أن تنتصر) الا بجهاز أمنى دفاعى متيقظ ، ومن أسف اننا لا نعرف شيئا عن ذلك الجهد السري في تأمين الدولة وتأمين حياة النبي وسط كل تلك الظروف . والاشارة الوحيدة الى وجود ذلك الجهاز الأمنى المتيقظ جاءت في قوله تعالى : ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً (83) النساء ). فالكلام هنا عن المنافقين واشاعاتهم ، والقرآن يدعو الى تبليغ الأمر الى المتخصصين أو اولى الأمر الذين هم الأقدر على الاستنباط .
3 ــ وكلمة " اولى الأمر" جاءت مرتين في القرآن ، وكلمة" الأمر" فيها تعنى الشأن والموضوع ، اى اصحاب الشأن والاختصاص ، وفي الأية السابقة تعنى تحديدا المتخصصين في موضوع الأمن والخوف ، اى اصحاب الحرب وحماية الجبهة الداخلية والخارجية . وجاءت كلمة " أولى الأمر " أيضا في قوله تعالى فى نفس السورة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) ). فى قوله جل وعلا (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) فإن المُطاع واحد ، هو الله تعالى في كتابه الذى نزل على رسوله ، وبعد موت النبى فالمتخصصون كل في شأن او أمر لهم حق الطاعة في اطار طاعة الله ورسوله ، اى القرآن . وقد سبق التنبيه على دعوة القرآن لسؤال أهل الذكر ، واذا أفتى أولو الأمر او أهل الذكر بما يستوجب النزاع فلنحتكم الى الكتاب لأن الكتاب هو الرسالة وهو الرسول .
والنبى في حياته كان يحكم بالكتاب او بما أنزل الله : (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) ) " المائدة )". وأمره الله تعالى ان يقول : ( أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً ) (114 الأنعام ) . اى الاحتكام لله تعالى وحده في القرآن .. ويقول تعالى ايضا في الاحتكام الى الله عند الاختلاف والتنازع : (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) الشورى ) . وقد استشهدنا بالآيات السابقة لنؤكد ان الأحتكام للرسول يعنى فقط الاحتكام للرسالة او القرآن ولا تعنى تلك الأحاديث المفتراة التى نسبوها للنبى في عصور الاستبداد والظلم. والمهم انه في الأمور التى تستدعى التخصص فالمرجع فيها لأولى الأمر أو أولى الأختصاص ، اما في الامور العامة فهى مطروحة امام المسلمين جميعا في مجالس الشورى .
4 ـ يبقى الـتأكيد على أن ( أولى الأمر ) هو وصف للمتخصّص صاحب الخبرة فى ( الأمر ) أو ( الشأن ) المطروح ، وهذا الوصف يشمل الرجل والمرأة . ويستلزم هذا أيضا التذكير بأن الشورى الاسلامية تساوى بين الرجل والمرأة فالخطاب القرآنى بالذين آمنوا هو للرجل والمرأة ، وكل الأوامر التشريعية القرآنية لهما معا ما لم يرد تخصيص لأحدهما ، وهذا كان يحدث فى الأحوال الشخصية من زواج وطلاق .. أما ما عداها من اوامر تعبدية وإجتماعية وسياسية فكانت للجميع البالغين ، خصوصا وأن الدولة الاسلامية كيان تعاقدى قانونى بين الأفراد ، جاء التعبير القرآنى عنه بالبيعة ، ونزل فى القرآن أمر عن بيعة النساء باعتبارهن جزءا من هذه الدولة :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) الممتحنة ). وسبق هذا هجرة المرأة المسلمة وسفرها سفرا شاقا بسبب عقيدتها ، مرتين الى الحبشة ومرة أخيرة الى المدينة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10) الممتحنة ) .
سادسا : أثر نظام الشورى في تمكين المسلمين :
1 ـ في البداية نتوقف مع التحديات التى واجهها المجتمع المدنى في عصر الرسول لنتعرف على حجم الأنجاز الذى تحقق للمسلمين بالتمكين في الأرض مع عدم المساس بالحريات الأساسية للمواطنين داخل الدولة حتى لو كانوا من اعدائها المتربصين بها الدوائر . قبل الهجرة للمدينة تعرض المسلمون لإضطهاد شديد اجبرهم على الهجرة مرتين للحبشة ، ثم كانت هجرتهم النهائية للمدينة حيث أقاموا فيها دولة كانت جزيرة للحرية يتهددها الخطر الداخلى والخارجي ، على ان ذلك الخطر المحيط بالدولة المدنية لم يجعل السلطة فيها تلجأ لأجراء استثنائى واحد ضد المنافقين الذين وصلت مكائدهم ضد الدولة الى درجة التحالف السرى مع العدو في أوقات الحرب والقتال " النساء 141، الحشر 11،12" . . ولكن ذلك التحالف السرى كان في النطاق المسموح به في العمل السياسي . أما اذا تعدى ذلك الى محاولة حمل السلاح والقتال ضد الدولة هنا تتحرك الدولة للضرب على ايديهم ، بدليل ذلك التحذير القوى الذي وجهه القرآن للمنافقين حين فكروا في حمل السلاح ضد المؤمنين اثناء حصار الأحزاب للمدينة " الأحزاب 60،61 " وكان ذلك التحذير او الأنذار هو كل الأجراء الموجه للمنافقين ، مع ان الديمقراطيات الحديثة – التى نحلم بالوصول اليها – لا تتسامح مع الطابور الخامس في وقت الحروب وتسارع بالقضاء على عناصره بمجرد الاشتباه وتتهمهم بالخيانة العظمى .
2 ـ ونترك المنافقين الذين ادعوا الاسلام وعاشوا ضمن عناصر المجتمع المدنى في المدينة ، ونتوجه الى القبائل اليهودية التى عاشت على اطراف المدينة وارتبطت بها بمعاهدات ما لبثوا ان نقضوها ، وهنا نقرر ان العلاقة بين الدولة المدنية وتلك القبائل كانت في اطار التعامل بين دولتين او مجتمعين ، بدليل ان القرآن الكريم لم يرحب برغبتهم في الاحتكام للنبي وقال تعالى للرسول " وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله " المائدة 43 . اذن لهم نظامهم وشريعتهم ، وللمسلمين نظامهم وشريعتهم والعلاقة بين النظامين يحكمها العهد او المعاهدة الموقعة بينهما ، وحدث ان شاركوا المنافقين في التآمر على الدولة ، وحكى القرآن الكثير من تآمر اليهود على النبي والمؤمنين ، واكتفى القرآن بمجرد التوبيخ ، الا انه عندما وصل الأمر الى حمل السلاح والحرب ونقض العهد السلمي كان الاحتكام للسيف ، وهنا خسر اليهود الجولات الثلاث وأجلاهم النبي عن المدينة ، واتسعت رقعة الدولة المدنية بعد التخلص منهم .ونحن لا نأخذ بالروايات التاريخية عن عصر النبوة اذا تعارضت مع حقائق القرآن الكريم ، اولئك الذين يؤمنون بالروايات التاريخية يعترفون بوجود الإسرائيليات في الأحاديث والتفسير والسيرة . اى ان علماء اليهود دسّوا أكذايبهم في تلك الروايات ، ومن ابرز علماء اليهود في ذلك الشأن عبد الله بن سلام ووهب بن منبه وكعب الأحبار .. وتم تسجيل رواياتهم تسجيلا منظما في العصر العباسي الأول على يد ابن اسحق وابن هشام والواقدى وابن سعد كاتب الواقدى ، واصبح من المعلوم في السيرة النبوية ان النبى طرد يهود المدينة من بنى قينقاع وبنى النضير لأسباب واهية ، وان قتل يهود بنى قريظة لتآمرهم مع الأحزاب ، والقارئ لهذه الروايات – اذ صدقها – لابد ان يتصور الدولة المدنية للرسول دولة حربية تتوسع على حساب جيرانها وتعاملهم بالسيف والعدوان .
3 ـ وهذا يتناقض مع حقائق القرآن ، وهو يعيدنا الى التأكيد على الطبيعة السلمية و تشريع الجهاد الدفاعى في الدولة الاسلامية المدنية ، وهو موضوع يعطينا ضوءا على التحديات التى واجهت الدولة الاسلامية في عهد النبى عليه السلام ، فالمشركون واصلوا اضطهاد الدولة الاسلامية والمؤمنين بهدف فتنتهم واعادتهم الى الكفر ، وفي ذلك يقول تعالى عن ذلك الاضطهاد أو الفتنة في الدين ، وقد اعتبر القرآن أكبر من القتل ، يقول تعالى : ( وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) البقرة ) . اى انهم استمروا في اضطهاد المؤمنين بعد هجرتهم الى المدينة وتطور هذا الاضطهاد لهم بهدف ارجاعهم قسرا الى دين الآباء والأجداد . ولذلك فأن أول آية بتشريع الأذن للمسلمين بالقتال جاءت فيها حيثيات التشريع ، يقول تعالى : ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ) أي ان المشركين أخرجوهم من ديارهم بغير حق لمجرد انهم يقولون ربنا الله. وتستمر الآية الكريمة فتقول : ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الحج ) . اى انه لولا ان فرض الله الجهاد بهدف تقرير الحرية الدينية ومنع الاضطهاد في الدين لتهدمت بيوت العبادة من كنائس وبيع ومساجد . ومعناه حرص الاسلام على كل بيوت العبادة للنصارى واليهود والمسلمين على السواء ، اى ان هدف الجهاد هو تقرير الحرية الدينية لكل الناس دون اكراه الدين . ان أوامر القتال في القرآن تحكمها قاعدة تشريعية تؤكد ان القتال للدفاع ورد الاعتداء بمثله : (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194 ) البقرة ). والقواعد التشريعية للقتال لها مقصد تشريعي ، هو ان يكون هدف القتال هو ضمان الحرية الدينية ومنع الأكراه في الدين ، اى ان يكون الدين كله لله يحكم في يوم الدين بين الناس فيما هم فيه مختلفون ، يقول تعالى : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) البقرة )( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) الانفال ) . اى ان هدف القتال في الاسلام هو " حتى لا تكون فتنة " والفتنة هى الاضطهاد الدينى ، او تقرير حرية العبادة فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، والا يكون اكراه في الدين " البقرة 256، الكهف 29 . وبأيجاز فان القتال هو لتأكيد حق الانسان في حرية الاعتقاد وتأمين بيوت العبادة ..
4 ـ ومن خلال هذا الهدف الأسمى كان اقتناع المسلمين وقتها بجدوى القتال في سبيل الله ، وبنفس القدر كان حرص المشركين على ملاحقة الدولة الاسلامية الوليدة التى جاءت بمفاهيم جديدة تنذر بتقويض النظام الجاهلى السائد في العالم كله والقائم على الاستبداد واحتكار السلطة والثروة في داخل الجزيرة العربية وخارجها . وكان ضغط القوى المشركة شديدا على الدولة الاسلامية المدنية في بداية عهدها . والمنتظر في بداية توطيد الدولة ان يصادر الحاكم الحريات ليتفرغ لمواجهة الأخطار التى تحيق بالدولة والوطن .الا ان الحال اختلف مع الدولة الاسلامية المدنية حيث يعطينا القرآن الكريم مثلا فريدا ووحيدا في التاريخ الانساني ، حين ارتبط تأسيس الدولة وتوطيدها وصراعها ضد القوى الداخلية والخارجية بتأسيس المجتمع المدنى وضمان الحرية الدينية والسياسية واقامة نظام الشورى ، ومن خلال هذا الخيار الديمقراطي نجح المسلمون والنبى في الاختبار وخرجوا من حالة الضعف الداخلى الى مراحلة الانتصار على الاعداء في الداخل والخارج . وهو على كل حال ( مثل أعلى ) لكل مجتمع يتحسس طريقه نحو الديمقراطية ويحاول ان يوازن بين متاعب الديمقراطية واعاصير الأخطار الداخلية والخارجية .
5 ـ ونعود الى سورة النور اولى ما نزلت من السور في المدنية ، وهى السورة التى ارست دعائم المجتمع المدنى وعلمت العرب المسلمين اصول الاستئذان ووضعت لهم بعض التشريعات الجديدة في الزواج وصيانة الاعراض والأخلاق والزي .. وهى السورة التى نزلت فيها آياتها الأخيرة تحتج على بعض المسلمين سلبيتهم وتكاسلهم عن حضور مجالس الشورى وتحذرهم من تكرار التخلف عن حضور تلك المجالس . وقد اشرنا فيما سبق الى تلك الآيات. ويهمنا هنا ان نؤكد على ما سبق بيانه من التحذير من الوقوع في نفس الخطأ في قوله تعالى " فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة او يصيبهم عذاب أليم" ، وان ذلك العقاب الذي حذرهم الله تعالى منه لم يقع ، اى انهم التزموا منذ بداية استقرارهم في المدينة بالإيجابية في حضور مجالس الشورى فلم يقع العقاب الذي حذر الله منه . بل على العكس حدث لهم الوعد الالهى الذي جاء في نفس السورة سورة النور ، وهو الوعد الخاص بموضوعنا . يقول تعالى في وعده للمسلمين في بداية عهدهم بالمدينة : ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (55) النور ) . كانوا وقت نزول سورة النور دولة ناشئة تخاف جيرانها من اليهود والمشركين الذين يحيطون بهم من كل جانب ، ثم يخافون المنافقين الذين يعيشون في داخل الدولة ، وكان للمنافقين اتباع من ضعاف الايمان والذين في قلوبهم مرض " الأحزاب 60 . كان المؤمنون فى المدينة كما قال تعالى فيما بعد يذكّرهم بضعفهم وخوفهم من الأعداء المحيطين بهم من كل جانب : ( وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) الانفال ) .
وقت نزول سورة النور كانوا أقلية مستضعفة تخاف ان يقضى عليها اعداؤهم ويتخطفونهم فى الارض ، او بتعبير سورة النور في الوعد بتغيير أحوالهم من الخوف الى الأمن :( وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ) ، وواضح ان الوعد هنا جاء بصيغة التأكيد بالاستخلاف في الأرض وبالتمكين وبتبديل الخوف الى أمن و، كان الشرط في تحقيق الوعد :( يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ) ، أى كانت الشورى ضمن شروط الوعد ، فالشورى ذات صلة وثيقة بعقيدة الاسلام ونظام العبادة فيه ، ولذلك كان الحث على الالتزام بها بصورة شديدة في الآيات الأخيرة من سورة النور ، نفس السورة التى جاء فيها الوعد بالتمكين في الأرض ، ليكون ذلك دليلا على ان التمكين في الأرض قرين بتقوية اسس المجتمع المدنى والنظام الشورى وتحقيق لهم الوعد بصورة سريعة ، فبعد نزول سورة النور بعشر سنوات تقريبا كانوا يهزمون اعداءهم في الجزيرة العربية ونزل قوله جل وعلا فى سورة الفتح : ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (3) ).
 

الفصل الثالث : هل يمكن تطبيق الشورى في عصرنا الراهن ؟؟

الفصل الثالث : هل يمكن تطبيق الشورى في عصرنا الراهن ؟؟
1 ـ المحصلة النهائية لما سبق ان تقوية المجتمع المدنى وقيامه على اسس الشورى هى السبيل الأمثل لمواجهة الأخطار الداخلية والخارجية ، ليس بالشعار الاستبدادى المأثور القائل بأنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ، ولكن باستنهاض كل افراد الأمة واخراجهم من السلبية وتحويلهم الى مسئولين ، كل في موقعه ، وحينئذ فلن تستطيع قوة داخلية او خارجية ان تهدد ذلك المجتمع . إن الشورى الاسلامية ليست هى الديمقراطية الغربية القائمة على التمثيل النيابي وحكم النُّخبة الذى يغطي عورة الاستبداد الطبقى بالتمثيل النيابي ، فهذا يقترب من الاستبداد التراثى المعروف بأهل الحل والعقد و ( الملأ ) الفرعونى .إنّ الشورى الاسلامية هى ما يعرف الآن بالديمقراطية المباشرة ، ولكن تزيد عليها فى أنها فريضة تعبدية إسلامية لها أساس فى عقيدة الاسلام . لقد تاكد مما سبق ان الشورى الاسلامية فريضة كالصلاة ملزمة لكل فرد ولا تقبل الاعذار في المرض او السفر او الحرب او في السلام ، ولا يقبل فيها الاستنابة او ان يحضر احد بدلا عن أحد . وتأكد مما سبق ان المسلمين هذا النظام الشورى الكامل حقق المسلمون الأمن والحرية معا والانتصار على القوى المحيطة بهم . وهذه معجزة عسكرية وحضارية .. ولكن يبقى السؤال الهام .. هل يمكن تطبيق الشورى في عصرنا الراهن ؟؟
2 ـ هناك حُجّة كثرة السكان وانصراف أغلبهم الى امور معاشهم . ونردّ عليها بإنّ الشورى الاسلامية مجرد ملمح من ملامح المجتمع الاسلامي ودولته الاسلامية، يعمل باتساق مع السلام الاجتماعى والعدالة الاجتماعية والرقى الحضارى وحرية الفكر والرأى والدين ( وأن الدين لله جل وعلا وأن الوطن للجميع على قدم المساواة ) وثقافة المساءلة والشفافية واعتبار كل فرد فيه مسئولا ومشاركا في بناء المجتمع ، ومن الطبيعي ان الفرد اذا ضمن لنفسه حقوقه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها فلن يتخلف عن المشاركة في كل نواحى النشاط السياسي وغيره، ولن تكون هناك أكثرية صامتة او سلبية بمثل ما نعانى منه الآن .
4 ـ وقد يقال بأن هناك مناطق في السياسة والادارة والامور الحربية والأمنية لا يعرفها الا المتخصصون ومن الخطورة إفشاؤها لحماية البلاد ، ولابد من وجود هيئات وكودار لمباشرتها بعيدا عن الشورى التى تستلزم المشاركة الشعبية وابداء الرأى من كل فرد . وقد سبق ان اوضحنا ان الشورى الاسلامية تسمح بانفراد الخبراء المتخصصين في شئون الحرب وغيرها وان يكونوا مرجعية يؤخذ برأيهم وهم هنا " أولو الأمر" أي اصحاب الشأن او الموضوع المطروح للبحث او اصحاب التخصص فيه ، وطاعتهم في اطار المقاصد التشريعية الكلية للقرآن ، وهى العدل والتيسير والأحسان والمعروف وألا تتعارض طاعتهم مع طاعة الله حيث انه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .. وذلك هو المقصود بقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) (59) النساء ) وفيما عدا مناطق التخصص فان الشورى الاسلامية تجعل المجتمع كله بافراده جميعا هم أهل الحل والعقد ، وتقدم لهم الاقتراحات او يقدمون الاقتراحات للبت فيها والاقتراع عليها ، ويعززها رأى الخبراء أولى الأمر اذا كان هناك ما يستدعى ذلك . كما يقومون بمساءلة ( المسئول ) من أصحاب الأمر أو الشأن أو الاختصاص فى أى موقع باعتباره خادما للمجتمع .
5 ـ وقد يتعللون بأن اجراء الشورى بين كل أفراد المجتمع عملية مستحيلة اليوم ، اذ كيف يمكن توفير المكان المناسب لتجميع الملايين ، واذا كان ذلك ممكنا في المدينة في عصر النبى فهو مستحيل في عصرنا . ونعيد التأكيد هنا على ان الشورى مجرد ملمح من ملامح المجتمع المدنى الاسلامي يعمل باتساق مع الملامح الاخرى الاقتصادية والسياسية والاخلاقية والحضارية . وفيما يخص ذلك الموضوع فان من المستحيل فعلا ان تقوم الشورى الجماعية في دولة مركزية تحتكر عاصمتها كل مقاليد الأمور وتدير الأقاليم بنظام الحكم الفردى حيث تتركز فى الرئيس كل الصلاحيات ، ويعمل الجميع طبقا ( لتوجيهات السيد الرئيس ) . لا يمكن تصور ان تقام آلية الشورى الاسلامية في ذلك النظام المركزى المستبد ، وانما الذي يتناسب الشورى هو النظام المتكامل للادارة المحلية الذي يصل الى كل قرية وضاحية وحى ، فكل مجتمع صغير يدير ويباشر شئونه بنفسه ، فى جمعية عمومية تتكون من كل افراده البالغين من الذكور والاناث ، هو مجلس الشورى ، وهم الذين يعينون الوظائف الادارية من الخفراء والأمن وباقى الوظائف ، وهم الذين يحاسبونهم ويعزلونهم ، اما الشئون العامة للدولة من العلاقات الخارجية والأمن والحرب فهو مقسوم بين أهل التخصص " أهل الذكر أولو الأمر " وبين المشاركة الشعبية بالرأى اى ترسل قرية او كل ( حى ) بالرأى الذي ترتضيه في الأمور المطروحة للمشورة الجماعية فيما يخص الوطن كله .ولا ريب ان التقدم التكنولوجى في وسائل الاتصال والاعلام المرئى والمسموع والمقروء قد الغى المسافات بين الدول وليس فقط بين بلاد الوطن الواحد ، وعليه فان عصرنا الراهن هو انسب العصور للمشاركة الشعبية الكاملة ، حيث أصبح من الصعب اخفاء الحقائق عن الشعب ، وحيث اصبح من السهولة بمكان معرفة اتجاهات الرأى العام في اسرع وقت ، واذا تدخلت وسائل الاتصال الحديثة في اجراءات الشورى الكاملة لكل ابناء الوطن فسيكون ذلك سهلا وميسورا ومتاحا في نفس الوقت لكل بلد . اذن فالشورى الاسلامية التى لا تقبل التمثيل النيابي هى التى توافق عصرنا الراهن المفتوح ، عصر الفرد العادى وحقوق الانسان الذي لم يعد فيه مقبولا أن يفكر أو يتحدث شخص او جماعة بالنيابة عن الشعب .
6 ـ وقد يقال اننا نتحدث عن الشورى الاسلامية ، وليس هناك مجتمع كله من المسلمين ، فماذا عن الأخوة الاقباط وغير المسلمين من ابناء الوطن ؟ اليس ذلك تجاهلا لهم وتغريبا لهم عن وطنهم ؟ . وتقول ان الأمر يحتاج الى تأصيل للمفاهيم الحقيقية للأيمان والاسلام واستقائها من القرآن ، واذا صححنا مفاهيمنا الاسلاسية بالقرآن نجونا من التطرف والأرهاب والتخلف والاستبداد .
ان الاصل في كلمة الايمان هو (الأمن ) والى هذا يشير قوله تعالى ": (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) الانعام ) ، فالذين (آمنوا بالله ) " ( وآمن لهم الناس ) أى وثق وإطمأنّ اليهم الناس ،و لم يختلط ايمانهم بظلم لله وللناس اولئك لهم "( الأمن ) عند الله ، اى الجزاء من جنس العمل ، او ان الايمان من الأمن والأمن من الايمان . لذلك فالايمان له استعمالان في اللغة العربية والقرآن الكريم ، فكلمة "آمن بـ" أي اعتقد وكلمة "آمن لـ" بمعنى وثق واطمأن وشعر بالأمن ، ان الأغلب على كلمة الأيمان ومشتقاتها ان تأتى بمعنى الاعتقاد ومنها : (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285 البقرة ). لأن تصحيح الاعتقاد هو الهدف الأول للقرآن الكريم . ومع ذلك فان الاستعمال الثانى لكلمة الايمان بمعنى الأمن والأمان جاء كثيرا في القرآن ، حيث يتخصص معنى الأمن بالتعامل بين البشر ، ونأتى ببعض الأمثلة السريعة . في قصة نوح قال له الملأ المتكبرون : (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ (111) الشعراء ). أي كيف نؤمن لله ونثق فيك ونطمئن لك وقد اتبعك الفقراء ؟ . وفى قصة يوسف قال أخوته لأبيهم : (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) يوسف 17) . اى انت لا تثق فينا ولا تطمئن الينا . وقال اليهود " (وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ) (73) آل عمران ) . أي لا تطمئنوا الا لمن كان على دينكم ، وقال تعالى للمؤمنين عن اليهود : ( أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ) (75) البقرة ) . أي كيف تطمعون ان يثقوا فيكم ويطمئنوا لكم ؟.
ان الدين له جانبان ، جانب خاص بالعلاقة بالله تعالى وهو الايمان به وعبادته ، وجانب خاص بالتعامل مع البشر ، وهو عدم الظلم للناس ، او شيوع الأمن والأمان وأن يأمنك الناس ويثقوا فيك ويطمئنوا لك . والذين آمنوا بالقرآن في عصر محمد عليه السلام جمعوا بين الأيمان العقيدي والايمان السلوكي ، واذا كان الأيمان العقيدي قلبيا لا يعلم حقيقته الا الله تعالى فقد كان ايمانهم السلوكي بمعنى الأمن او الاعتداء ظاهرا في تصرفاتهم حيث تحملوا الاضطهاد وكفوا ايديهم ، وبعد ان هاجروا للمدينة كرهو الأمر بالقتال حين فرضه الله عليهم فقال تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216) البقرة ) . لذلك أمر الله تعالى رسوله بأن يحرضهم على القتال دفاعا عن انفسهم ، فقال تعالى : (وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (84) النساء ) . والمهم ان الايمان يعنى الأمن في التعامل مع البشر والاعتقاد والتصديق في التعامل مع الله ، ونزلت آيه تحوى المعنيين معا وتصف النبى بأنه : (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ )( التوبة 61 ). أي يؤمن بالله تعالى ويصدق به ويثق في المؤمنين ويأمن لجانبهم . وعلامة الايمان الظاهرى ان يكون الانسان مأمون الجانب لا يعتدي على أحد ، اما يخص ايمانه الباطن او عقيدته فذلك مرجعه الى الله تعالى علام الغيوب ، وسيحكم فيه يوم القيامة او يوم الدين ، حيث تأجلت الأحكام على عقائد البشر الى ذلك اليوم : (قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46 ) الزمر ). واذن فكل البشر مؤمنون طالما يعيشون مع بعض في أمن وسلام والذي يخرج عن ذلك ويقتل مؤمنا مسالما فجزاؤه غضب الله عليه ولعنه وعذاب خالد في جهنم : ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً (93) النساء ) ، وهذه الاية حكم عام ينطبق على كل من يقتل انسانا مسالما مأمون الجانب سواء كان القتيل منتسبا للأسلام او المسيحية او اليهودية او البوذية او اللادينية .. لذلك تقول الآية التالية تحدد مفهوم ذلك المؤمن الذي ينبغى الحرص على حقه في الحياة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً ) (94) النساء ) ، أي اذا كانوا في حرب فلابد ان يتبينوا حتى لا يقتلوا بريئا مؤمنا ، وعلامة الإيمان ان يلقى أو يقول كلمة ( السلام عليكم ) .!، وحينئذ يحق دمه ويصير مؤمنا في الظاهر بمجرد القاء السلام ، اما عقيدته فمرجعها الى الله تعالى يوم القيامة .
7 ـ والاسلام في التعامل مع الله تعالى هو الاستسلام القلبى والفعلى لله تعالى وحده : ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) الانعام ) اما الاسلام الظاهرى فهو السلام والمسالمة او السلم مع الناس، يقول تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً )البقرة 208 )، والحرب في الاسلام هى لرد الاعتداء فقط ، وسبق ان اشرنا الى ان الذي يلقى بالسلام فى المعركة يكون مؤمنا ينبغى حقن دمه . والحديث يطول ، ولكن نكتفى منه بتقرير حقائق القرآن فى ان الاسلام والايمان في العلاقة بالله هما التصديق والايمان والاستسلام له وحده ، وفي التعامل مع البشر هما الأمن والأمن والسلم والسلام .. والحكم على البشر فيما يخص علاقتهم بالله وعقيدتهم فيه مرجعه الله تعالى يوم القيامة . اما فيما يخص التعامل بيننا فكلنا مسلمون مسالمون مؤمنون مأمونون، وان الذي يعتدي على الناس انما يخرج عن الاسلام والايمان بمقدار إعتدائه مهما رفع من شعارات .
8 ـ وبتطبيق حقائق القرآن على اى مجتمع فكل الناس فيه آمنون مؤمنون مسلمون مسالمون بغض النظر عن عقائدهم طالما يتمسكون بالأمن والسلام ، ولا يلجأون للحرب الا للدفاع عن انفسهم ضد المعتدين من المجرمين و الغزاة . وبتطبيق هذه الحقائق القرآنية على المجتمع المصرى بالذات فان أرض مصر دار امن وسلام وأيمان واسلام ، واهلها اشهر الناس بايثار السلام والسلامة ، فهم مسلمون مؤمنون بغض النظر عن عقائدهم وتصنيفاتهم الدينية .. ان مصر هى المكان الوحيد في الأرض – بعد المسجد الحرام الذى جاء وصفه بالأمن ، وقد جاء ذلك في قصة يوسف حين استقبل اياه يعقوب وأخوته وقال لهم : (وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) يوسف ). والذي يخرج عن هذه الحقائق القرآنية فيقتل الآمنين المسالمين اى المؤمنين المسلمين من المصريين المسلمين والأقباط انما هو خارج عن دين الله تعالى ومستحق للعذاب واللعنة طبقا لمنطوق الآية(93) في سورة النساء ، سواء كان المقتول يحمل اسما اسلاميا او اسما قبطيا . وطبقا لحقائق القرآن السابقة فأهل مصر مسلمون مؤمنون ينطبق عليهم تشريع المشورة الاسلامية وليست غريبة عليهم وهم احق بها ، وكل المصريين تحت جناحها سواء ، وليس هناك أغلبية واقلية وانما هم جميعا امة واحدة تعيش في أمن وسلام في اقدم وطن واحد ، وينبغى ان يتكاتفوا جميعا ضد من يعتدي على امنهم وسلامهم تحت اى ادعاء . واذا كان بعضهم يرى ان كلمة "قبطي" تعنى"مصرى" سواء كان مسلما او مسيحيا فاننا نرى من واقع الحقائق القرآنية ان كل مصرى هو مؤمن مسلم طالما لا يرفع السلاح في وجه أخيه ، وطالما سلم الناس من أذاه ، ويكفي ان القرآن اكد في عشرات الآيات ان اختلاف العقائد والمذاهب حتى في اطار الدين الواحد مرجعه الى الله تعالى يوم القيامة ولا شأن لنا نحن بذلك " البقرة 113-يونس124-آل عمران 55- المائدة 48- الزمر 3" وتلك مجرد امثلة . بل أن حقائق القرآن تؤكد ان اختلاف العقائد يدعو الى حسن الصفح والغفران وليس للبغضاء والحقد ."الحجر 85- الزخرف 88،89" .
9 ـ وفى النهاية فان اسس المجتمع المدنى في القرآن لا تنحصر فقط في الشورى الكاملة التى يمارسها كل افراد المجتمع ، وانما تشمل الى جانب ذلك سماحة دينية وعدالة اجتماعية اقتصادية ورعاية لكل بيوت العبادة ، وحرصا على الدفاع عن كل تلك القيم الحضارية ضد أى معتد من الداخل او الخارج ، وتكاتفا بين ابناء المجتمع يصل به الى الصدارة على مستوى العالم والى درجة انعدام السلبية في الداخل . ومن الطبيعي ان المجتمع المدنى القرآنى يرفض الحكم الطبقى المستتر خلف شعارات التمثيل النيابي او الديمقراطية المنقوصة التى تعبر عن اصحاب الثروات الذين يفكرون بالنيابة عن المجتمع في الظاهر ويفكرون في مصالحهم الخاصة في الحقيقة .
10 ـ حين قام المجتمع المدنى في المدينة كانت العصور الوسطي تعتنق الاستبداد الديني السياسي ، وكانت دولة النبى بهذه المفاهيم الشورية خارجة عن ايقاع العصر السياسي والاجتماعى والاقتصادي ، لذا كان سهلا بعد ان وصل المسلمون الى الشام والعراق ومصر وفارس وورثوا كنوزهم ان يتأثروا بنبض العصر فضاعت الشورى واندثر المجتمع المدنى وحل محل الخلافة الراشدة الملك الوراثى العضوض القائم على القهر والقوة واحتكار الثروة ، وكان الخليفة الأموى يحكم بمعرفة أهل الحل والعقد من شيوخ القبائل ، ثم جاء الخليفة العباسي يحكم بمعونة ملأ جديد من كبار القادة وشيوخ بنى هاشم العباسيين وكان الملأ- أو اهل الحل والعقد – يفكرون فيما يرضى الخليفة بنفس ما كان يفعل ملأ فرعون موسى ، ثم جاءت الخلافة الفاطمية بمفهوم النص الألهى على اختيار الخليفة فأصبح الخليفة الفاطمى معصوما من الخطأ لا يحتاج الى ملأ يفكر له ، بل هو – طبقا للعقيدة الشيعية – يعلم التفسير الالهى والعلم اللدنى والغيب الالهة ، وقراراته معصومة عن الخطأ ..
11 ـ وتاريخ الخلافة –عند المسلمين لا يختلف عن تاريخ الاستبداد في القرون الوسطي ، فكل الحكام كانوا يحكمون بالحق الالهى المقدس سواء كان ذلك الحاكم خليفة عباسيا او فاطميا او امبراطورا للدولة الرومانية المقدسة او ملكا انجليزيا او فرنسيا . ثم افسحت الطبقة البرجوازية " المتوسطة" لنفسها مكانا تحت شمس اوروبا على حساب الأكليروس الأوربي " الملك والكهنة والأمراء والنبلاء".. وقادت الصراع للحصول على الدستور الذى تقضى به على استبداد النظام القديم ، وخدعت البرجوازية جماهير الفلاحين والعمال بمقولة الانتخاب والتمثيل النيابي لتكرر بها نفس مقولة أهل الحل والعقد ، ولتكون هى نفسها في موقع الصدارة بعد ازاحة النظم القديمة ، وساعدها في ذلك دخول العالم في عصر المكتشفات الجغرافية والاستعمار وعصر البخار والصناعات والتجارة العالمية ثم المخترعات والتقدم العلمي ، وفي ذلك العصر تحولت البرجوازية الى رأسمالية دولية وشركات عالمية أصبحت الآن" شركات متعددة الجنسية تحكم العالم في النظام العالمى الجديد ، بعد اضمحلال الاتحاد السوفيتي والعالم الشيوعى . وفي هذا النظام العالمى الجديد اصبحت الرأسمالية تتحكم في الثروات القومية وفي ادوات الاتصال ، أي اصبحت تسيطر على المعدة والمخ والسمع والبصر ، واصبح نظام الرأسمالية الديمقراطي النيابي هو المثل الأعلى والحلم الذى يتطلع اليه مثقفو العالم الثالث الذين يعانون من استبداد الحكم العسكرى او الحزبى او الديني . بينما تختلف النظرة الواقعية عن تلك الصورة الوردية التى ترسمها الدعاية الغربية الرأسمالية لنظامها الديمقراطي ، فهى تلهى الجماهير بتمثيلية الأنتخاب التى تأتى برئيس يعبر عن النخبة الحاكمة التى تتحكم في الثروة ، ولا يستطيع الرئيس المنتخب ديمقراطيا ان يخرح عن النص والا تمت تصفيته كما حدث لرؤساء امريكين مثل لينكولن وجون كيندي .
12 ـ ان الذي يملك الثروة هو الذي يحكم ، والفقير الذي ليس في بيته دقيق وخبز ليس لديه متسع للتفكير في الشورى او حال الأمة والمجتمع ، والقرآن الكريم كما فرض الشورى على كل مؤمن فأنه حارب قيام طبقة مترفة تتداول الثروة وتتحكم فيها ، فاحتوي القرآن على مبادئ اقتصادية تتيح توزيعا عادلا للثورة وتمنع تركزها في يد فئة قليلة وكان من مقاصد القرآن التشريعية للثروة والمال : (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ) (7) الحشر ) اى حتى لا يحتكر الاغنياء الثروة وتتكون منهم طبقة تتسبب فى إهلاك الوطن ، كما حدث من ملأ فرعون الذى كان يزعم انه يملك الأرض ومن عليها .
13 ـ ان الاستبداد السياسي لا يمكن ان يوجد مع عدالة اجتماعية ، انما يمكن ان يوجد شكل من أشكال الخداع تقوم فيه الطبقات المترفة الحاكمة بغسيل مخ الفقراء الأكثرية بأن تلهيهم بمواكب الأنتخاب والتمثيل النيابي باعتباره الطريق الأوحد للوصول للحكم او تغيير الواقع الكئيب ، وتضيع اجيال " في انتظار جودو" او المهدى المنتظر، دون جدوى ، والنتيجة ان تلجأ الطبقة المترفة الثرية للدفاع عن مكانتها وتروتها بالتحكم السياسى لأن الثروة والسلطة وجهان لعملة واحدة . لذا تقوم هذه الطبقة التى تتحكم في الاعلام والموارد بتكلفة الحملات الإنتخابية وتبيع صورة وهمية للمرشح وتنفق على غسيل مخ للجماهير حتى يصل احد المرشحين من المرشحين الذين تقدمهم الطبقات المترفة ، ويظل الحكم تديره تلك الطبقات الثرية من خلال الانتخاب والتمثيل النيابي ويمنعون كل "دخيل" من الاقتراب من دائرة الصفوة ، وحتى لو وصل من بين الكادحين شاب متحمس الى بعض تلك المجالس النيابية فسيضيع صوته بين ضجيج الأغلبية المتحكمة والمتآمرة ، واذا علا صوته وأصبح مؤثرا استطاعوا شراءه وابعاده عن قواعد الشعبية او استطاعوا تصفية ماديا او معنويا ، ويبقى الحال على ما هو عليه ، ظلم اجتماعي تستر عورته نظم سياسية خادعة ترفع لواء التمثيل النيابي ، والنتيجة اجهاض لكل أمل المطحونين في مكان تحت الشمس . ويستمر النظام الديمقراطي الحر عنوانا براقا للحالمين من مثقفي العالم الثالث . وأحوال العالم الثالث اسوأ ، فالنخبة العسكرية او الحزبية تحكم وتعمل ضدها نخبة دينية ، وكل ثورة تأتى للحكم لا تلبث ان تحوز على الثروة ويظل الفقراء كما هم في حرمانهم وسلبيتهم ، والثوار من كل اتجاه ديني او حزبى او عسكرى يتاجرون بمتاعبهم ويرفعون شعارات براقة للاستهلاك المحلى وعيونهم في الواقع على الثروة والسلطة .
14 ـ إن الاسلام القرآنى الحقيقى هو (الحل ) بديمقراطيته المباشرة وبعدله الشامل وبحريته المطلقة فى الدين. ومن أسف أن هذا الاسلام العظيم يتم إستغلاله أسوأ إستغلال فى السعى لإقامة دولة دينية تعيد فظائع العصور الوسطى فى عصرنا الراهن. وهذا الاسلام القرآنى تتم مصادرته الآن .

والله جل وعلا هو المستعان .
 

خاتمة كتاب الشورى : كيف يمكن إقامة الشورى الآن ؟

الشورى الاسلامية وتحت مسمى الديمقراطية المباشرة يتم تطبيقها الان فى بعض مناطق فى اوربا وأمريكا وكندا . أى ليست الشورى الاسلامية يوتوبيا خيالية بل ممكن تطبيقها الآن كما أمكن تطبيقها فى عصر الرسول فى المدينة و اليونان القديمة . أى إن المشكلة ليست فى الشورى ولكن فى الانسان إذا لم يقم بتغيير ما فى نفسه من ثقافة الخنوع والخضوع والسلبية الى ثقافة الحرية والعدل والايجابية فى السلوك وشجاعة المبادرة .
وفى مصر توارثنا ثقافة العبيد التى تجذّرت عبر عشرات القرون، وفيها تكلمت ثقافة العبيد هذه بكل اللغات التى تكلم بها المصريون من الهيروغلوفية والديموطيقية والقبطية واليونانية ، ثم العربية . وتحكم بها فى المصريين فراعنة مصريون وهكسوس وفرس ويونانيون ورومان وعرب ومماليك واتراك واخيرا مصريون بعد يولية 1952 ، وقد أرتكبوا فى حق المصريين ما يتفوق أحيانا على الفراعنة الأجانب والمتمصرين . ثقافة العبيد هذه هى العائق الأكبر الذى يحول دون تطبيق الشورى أو حتى الديمقراطية الناقصة (النيابية التمثيلية ) .
فى ثقافة العبيد هذه تسود عبادة الأبطال وتقديس الفرعون مهما بلغت وضاعته ، كما يُعتبر الأحرار والمصلحون المُسالمون خونة وأعداء للشعب ، ولكى يظل الفرعون مستبدا لا بد أن يخلق عدوا فى الداخل يشغل به الناس ، ويجعله فزّاعة لهم حتى يكون الخوف وإنعدام ( الأمن ) مبررا للتنازل عن الحرية . كما يخلق المستبد عدوا خارجيا يسهل إتهامه بتدبير المؤامرات ، لتكون (عُقدة المؤامرة ) شمّاعة يعلق عليها الفرعون كل أخطائه وفشله ، فكل ما يحدث من نكبات ليس سببها إستبداده وفساده وأعوانه الفسدة والفشلة من أهل الثقة ، ولكن السبب هى تآمر الأعداء فى الخارج وتعاون الخونة معهم فى الداخل .
وبهذه المنظومة الشريرة تسير مصر وغيرها من بلاد العرب والمسلمين ، حيث يصطحب الاستبداد الفساد والفشل وقهر المواطنين الذين تتعاقب فيهم الأيام والسنوات بلا أمل فى التغيير ، بل يكون البديل المنتظر فى التغيير أفظع وأبشع ، حيت يتمترس الاستبداد بالدين ، فى دولة دينية تنشر الخراب وتتحكم فى الناس فى الدنيا وتزعم تحكمها بهم فى الاخرة أيضا . وتستعمل إسم الله فى ظلم عباد الله ، والله تعالى لا يريد ظلما للعالمين .!
المعضلة الكبرى فى تطبيق الشورى الاسلامية هى تدمير هذه الثقافة البغيضة الراسخة فى المجتمع . وتدميرها لا يكون إلّا بإرادة شعبية حديدية . وهذه الارادة تحتاج الى وعى شعبى وجمعى وفردى . وهذا الوعى يخلقه إصلاح تشريعى يؤسس حرية الفكر ويمنع تجريم الفكر ، ويؤكد حرية الدين لكل فرد ، ويغلّ يد السلطة التنفيذية عن التحكم فى الاعلام وحق المعرفة ، بجانب إصلاح تعليمى حقيقى يتم به صياغة العقل على أسس معرفية تعترف بحق الاختلاف فى الرأى وتراه دليل ثراء معرفى وعقلى ، وتجعل له أخلافياته وآدابه ، ومعه إصلاح دينى يمنع أن تكون المساجد أداة للصراع السياسى وخلط الدين بالسياسة كما نشهد الان فى مصر . وهذا الاصلاح التشريعى التعليمى الدينى يحتاج هو الآخر الى إرادة شعبية حديدية . بمعنى أن البداية والنهاية هى الارادة الشعبية فى التغيير الى الأصلح أخذا من قوله تعالى ( إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم ) .
هذا الاستعداد للتغيير وممارسته يستلزم نضالا ويحتاج تضحية ووقتا ، لأنه تغيير لثقافة متجذرة يبلغ عمرها عشرات القرون . وكما يقال ( ما لا يُدرك كله ..لا يُترك كله ) ، فلا بأس من التدرج على مراحل يتم بها تقليص معالم الاستبداد شيئا فشيئا وتمكين الشعب من قوته شيئا فشيئا ، الى أن يتم تأسيس ديمقراطية نيابية تكون مقدمة للديمقراطية المياشرة ، أو الشورى الاسلامية .
هو حُلم قابل للتحقيق .. فهل نحاول ؟
أحمد صبحى منصور
المطرية ـ القاهرة ـــ مارس 1990
 

علمانية الاسلام ودولته : ملحق (1) مُضاف لكتاب الشورى لم ينشر من قبل

الاشكالية الكبرى أن الدولة الاسلامية الحقيقية تجدها أقرب الى النظم السياسية الغربية التى تتصور الاسلام عدوا لها، وأن الذى يناقض الاسلام ودولته المدنية هو نظم المسلمين السياسية الدينية كما فى السعودية وايران والحركات الساعية للحكم كالاخوان المسلمين. لذا لا بد من تحديد المفاهيم أولا ، فنحن نتحدث عن الاسلام وليس عن المسلمين. والاسلام عندنا هو القرآن الكريم فقط ، وليس المصادرالبشرية المزورة التى نسبها أئمة المسلمين لله تعالى ورسوله محمد باسم الحديث النبوى أو الحديث القدسى . الاسلام ليس له علاقة بالسنة أو النتشيع أو التصوف ، هذه كلها فرق وطوائف انتشرت بين المسلمين ، ونسبت أقوالها بالتزوير لله تعالى ورسوله عبر منامات وأحلام وعنعنات واسنادات لا تصمد للمنهج العلمى.
اذا نحن هنا نتحدث عن الاسلام كما جاء فى القرآن ، ومنهجنا فى فهم القرآن هو المنهج الموضوعى فى فهم أى كتاب بشرى؛ فنحن لا ندخل على القرآن الكريم بأفكار مسبقة نريد اثباتها بالقرآن عن طريق انتقاء ما يوافق هوانا من الآيات ، بل نقرأ كل الآيات المتصلة بالموضوع ونستخلص منها حقائق القرآن ونقبلها سواء اتفقت أو اختلفت مع السائد فى أفكارنا ومعتقداتنا ، بل نضحى بهذه الأفكار انحيازا منا للاسلام والقرآن . كما أننا لا ندخل على القرآن ونفهمه بمصطلحات التراث المختلفة فيما بينها والمختلفة عن مصطلحات القرآن. ان للقرآن الكريم مصطلحاته الخاصة التى يمكن معرفتها بمراجعة تلك المصطلحات خلال سياقها القرآنى. باختصار هذا هو منهجنا فى فهم حقائق الاسلام ، وتناقض تلك الحقائق مع معظم ما يقوله المسلمون.
 وقد درج المسلمون التراثيون على تكفير العلمانية لمجرد أنها منتج غربى. وبالرجوع للقرآن الكريم تبين لنا ان للاسلام نوعيته الخاصة من العلمانية ، يمكن أن نسميها العلمانية المؤمنة.
على ان العلمانية الغربية ليست مذهبا واحدا بل هى مذاهب واتجاهات مختلفة ، ولا يزال فيها متسع للاجتهاد والاختلاف والتجديد مع وجود حراك فكرى مستمر فى الغرب الذى يرفع شعار حرية الفكر والمعتقد ، ويمارس من خلالها كل صور النقد والنقاش للثوابت حتى ما كان منها متصلا بالعلمانية أو بالكنيسة.
حسنا . لسنا هنا فى معرض المقارنة بين علمانية الاسلام وعلمانية ـ أو علمانيات ـ الغرب . انما هدفنا هو توضيح عاجل للعلمانية الاسلامية المؤمنة كما جاءت فى القرآن الكريم . تلك العلمانية الاسلامية الى نزلت وحيا قرآنيا منذ أربعة عشر قرنا فى العصور الوسطى المظلمة ، فى عصور الاستبداد السياسى والدينى والسيطرة الكنسية فى أوربا المسيحية.
أسس العلمانية الاسلامية المؤمنة
1: الانسان هو سيد هذا العالم الدنيوى.
فالله تعالى قد خلق كل هذا العالم للانسان، ليكون ذلك اختبارا لنا فى الحياة الآخرة.( هود :7 ) .
العالم هنا يشمل السماوات والأرض وما بينهما أى الأرض بما فيها من نبات وجماد وحيوان ومن مادة وطاقة. ومابين السماوات والأرض يعنى كل الكون المادى من كواكب ونجوم و مجرات وسدوم، تبلغ المسافات بينها بلايين السنين الضوئية. وفى نفس الوقت فان تلك النجوم والمجرات ليست الا زينة لما لا نعلمه وهو السماوات .( الواقعة 75 ، 76 ) ( الصافات 6 )
خلق الله تعالى كل هذا الكون الحالى المرئى منه وغير المرئى لمجرد اختبار الانسان فى هذه الحياة الدنيا. وحين ينتهى الوقت المعين لهذا العالم ويأتى موعد حساب الانسان ( القيامة ) يقوم الله تعالى بتدمير هذا الكون بالأرض والسماوات وما بينهما، ويخلق الله تعالى بدلا منها أرضا جديدة وسماوات جديدة خالدة لا تفنى بما فيها من جنة للفائزين ونار للخاسرين.( ابراهيم 48 ). كل هذا الكون قد سخره الله تعالى للانسان ( الجاثية 12& 13 ). والتسخير يعنى ان الله تعالى أخضع هذا الكون للانسان ليستغله كيف شاء، وهو مسئول عن ادارته لهذا الكون المسخر له. وموعد المساءلة هو يوم القيامة. وحريةالانسان فى هذا الكون ومسئوليته عما يفعل تعنى "الأمانة "فى مصطلحات القرآن الكريم ( الأحزاب : 72 ) .
 الله جل وعلا جعل هذا الكون مسخرا للإنسان ، ولكن لم يسخّر الانسان لعبادة الخالق جل وعلا ، بل ترك له الحرية فى الايمان أو الكفر ، فى الطاعة أو العصيان ، ليكون مسئولا عن إختياره بعد تدمير هذا العالم ومجىء العالم الآخر أو اليوم الآخر . وهنا تتحقق علمانية الاسلام بأن يكون (الدين) لله جل وعلا وحده يحكم فيه بين الناس ( يوم الدين ) فيما هم فيه مختلفون ، والناس دائما فى الدين مختلفون ، وبالتحديد هم ( خصوم مختلفون ) يزعم كل منهم أنه على الحق فى رؤيته الدينية ، وفى رؤيته للخلق وللخالق ، وإذن يجب تأجيل الحكم للخالق ليحكم هو وحده بين أولئك الخصوم .
2 ـ لا سيد للانسان الا الله تعالى وحده :
ليس فى الاسلام اله الا الله تعالى وحده، وليست هناك واسطة بين الانسان وربه جل وعلا :( البقرة 186 ) العبادات اتصال مباشر بين الخالق والمخلوق. و" التقوى " هى قمة السلوك البشرى فى الأخلاق والعقيدة ، وهى تعنى خشية الله تعالى وحده ومراعاة أوامره فى السر والعلن، وحسن الصلة به عبر العمل الصالح والايمان الخالص. ولأنه ليست فى الاسلام واسطة بين الله تعالى والناس فانه ليست فى الاسلام مؤسسة دينية أو دولة دينية أو رجل دين أو كنيسة أو كهنوت. فى الاسلام فقط " أولى الذكر" (النحل 43 ) أو "الذين أوتوا العلم " ( المجادلة 11 ). وهو مجال مفتوح لكل انسان أن يتخصص فيه حسب ذكائه واجتهاده وتحصيله العلمى. ثم انه لا يعبر عن الاسلام وانما عن رأيه الخاص الذى يقبل النقاش والأخذ والردّ والرفض والقبول.
3 ـ المساواة بين كل البشر( ذكر وأنثى ، غنى وفقير ، ابيض وأسود ..الخ ) .
 ومعنى أن يكون الانسان عبدا للخالق وحده ان يتساوى البشر جميعا باعتبارهم عباد الله تعالى وحده ، وليست هناك مؤسسات كهنوتية تمثل الله تعالى فى الأرض وتتسلط على الناس باسم الله تعالى ، بل إن عقيدة الاسلام تمنع وجود واسطة بين الناس ورب الناس ، لذا فقد أكّد الله تعالى على المساواة التامة بين البشر فى النشأة والانتماء، فقد خلق البشر جميعا من أب واحد وأمّ واحدة ، أى هم اخوة ينتمون لنفس الأب ولنفس الأم، وقد جعلهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا لا لكى يتقاتلوا ، والتعارف يعنى المعرفة والصداقة ؛ معرفة التنوع البشرى فى الجنس والعنصر واللغة والثقافة واللسان والاستفادة منه فى اثراء الحضارة الانسانية . وهذاالتعارف بمعنى الصداقة لا يكون الا بالاتصال السلمى والعلاقات السلمية. وبعد المساواة بين البشر فى الأصل والانتماء أكّد الله تعالى على أن أفضل البشر عنده ليس بالثروة أوالجاه أو الجمال أو الشباب أو القوة والصحة أو الذكورة أو الأبيض أو الأسود أو الأعلم او الأذكى ، بل الأفضل عند الله تعالى هو الأكثر تقوى لله تعالى ( الحجرات 13 ) والتقوى تتحدّد فى الآخرة يوم الحساب ، وهى تأتى نتيجة عمل الصالحات والايمان الخالص الذى يدفع ابن آدم للتمسك بالقيم الانسانية العليا.
4 ـ التوازن بين الفرد والمجتمع
العلمانية الشيوعية تسحق الفرد لمصلحة المجموع ، ويتكشف الأمر على أن المجموع ليس سوى القائد الأعلى للحزب الذى احتكر السلطة والثروة والمجتمع. العلمانية الغربية تربى الفرد على أساس الاستقلالية والأنانية وتجعل الفرد هو اللبنة الأولى فى المجتمع وتبالغ فى ذلك الى درجة تفكك الرابطة الأسرية ، حيث أن من حقه البحث عن السعادة حتى لو كانت على حساب شقاء الآخرين .
 العلمانية الاسلامية تجعل الأسرة هى اللبنة الأولى للمجتمع ولذلك فان التفصيلات القرآنية لم تأت إلا فيما يخص الأسرة حتى تتأسس فى جو صحى ، وحتى ينشأ فى ظلها أفراد أصحّاء. ومع ذلك فإن القرآن الكريم يوازن بين الفرد والمجتمع ، فطبقا للقرآن الكريم فالانسان يولد فردا ويموت فردا ويأتى يوم القيامة للقاء ربه فردا لاينفعه ولا يضره يوم الحساب الا عمله ان كان صالحا أو فاسدا ، وفى كل الأحوال فانه ان عمل صالحا فلنفسه وإن أساء فعلى نفسه ولن ينفع الآخرين يوم القيامة ، كما أنه ليس مسئولا عن أوزار غيره ، فليس له إلا ما سعى أثناء حياته ( 6 / 94 ) ( 19 / 80 ) ( 41 / 46 ) ( 17 / 15 ) ( 35 / 18 ) ( 53 / 39 ـ )
 ولكن هذا الانسان الفرد مطالب فى الاسلام بالعمل الصالح النافع للمجتمع ، وأن يكون متقيا لله تعالى بمعنى أن يكون مخلصا فى عقيدته لله تعالى وأن يكون فاعلا بالخير للناس، إيجابيا كريما رحيما ، وأن يكون آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر ليس بمعنى التسلط ولكن بالنصيحة، وبالتالى لا بد أن يكون هو قدوة للآخرين وإلا كان من الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم ( 2 / 44) و كان من الذين يقولون ما لا يفعلون وتلك خطيئة تستوجب مقت الله تعالى ( 61 / 2 ـ3 ). وبالتالى فالفرد مع مسئوليته الشخصية أمام الله تعالى فان من ضمن مسئوليته أن يكون عنصر خير فى المحيط الذى يعيش فيه بدءا من أسرته وزوجته واولاده ووالديه وأقاربه وجيرانه و محيط عمله الى المستوى الأعم الذى يشمل كل المجتمع والانسانية.
5 ـ عدم استغلال الدين فى السياسة والمطامع الدنيوية
المتقون هم أفضل الخلق عند الله تعالى ، ولكن لا يصح للمؤمن أن يصف نفسه بالتقوى ، لأن تزكية النفس بالتقوى معصية لله تعالى ( النجم 32 ).ومعرفة من هو المتقى لن تكون الا لله تعالى يوم القيامة والحساب، حين يساق الذين كفروا الى جهنم زمرا ، ويساق الذين اتقوا الى الجنة زمرا (الزمر71 & 73 ) وحتى يأتى هذا اليوم فلا مجال لأحد أن يزايد على الناس بالتقوى ،أو ان يتظاهر بالتقوى ليخدع الناس متخذا عهدا الله تعالى وسيلة للوصول للتحكم السياسى أوأى متاع دنيوى زائل ( النحل 94 &95 )(آل عمران 77 : 80 ). خصوصا وانه ليس فى الاسلام كهنوت أو مؤسسة دينية او دولة دينية او حزب دينى أو رجال دين.
6 ـ حرية البشر المطلقة فى العقيدة والايمان والكفر
القرآن الكريم كله كتاب فى الهداية ، وحوالى الف آية من آياته تؤكد بطريق مباشر أو غير مباشر حرية الانسان المطلقة فى عقيدته ومسئوليته أمام الله تعالى فقط يوم الدين على ما اختاره من عقيدة وسلوك. ويلفت النظر تركيز آيات القرآن على العذاب ونعيم الجنة تأسيسا على تقرير مسئولية الانسان بعد اعطائه الحرية الكاملة فى الرفض والقبول. ليست فى الاسلام عقوبة جنائية فيما يخص حقوق الله تعالى، وهى الايمان به وحده وتقديسه وحده وعبادته وحده. انما العقوبة فقط فيما يخص حقوق البشر والمجتمع، فمثلا فان من انتهك حقوق الآخر فانه يعاقب عما ارتكبه . الا انه اذا سب الله تعالى فليست عليه مؤاخذة عقابية فى الدنيا ، ويكفى ما سيصير اليه حاله فى الآخرة اذا لم يتب.
6 ـ الدولة الاسلامية دولة علمانية:
 لأنها دولة الديمقراطية المباشرة التى تقوم على رعاية حقوق الانسان والموازنة بين الحرية والعدل ، والموازنة بين الفردية والتفاعل مع المجتمع، وتكفل للمواطن حقوق المواطنة بالعدل المطلق بغض النظر عن عقيدته ودينه. هى دولة الدين لله والوطن للجميع : بمعنى حرية التدين المطلقة بدون تدخل من أحد ليكون كل فرد مسئولا عن اختياره أمام الله تعالى وحده يوم الدين ، وحتى لا يجد حجة بالاضطهاد أو مصادرة الحرية. وهى دولة الوطن فيها للجميع على حد سواء وفق عدل الله تعالى المطلق.وهى دولة يكون (الآخر) فيها ليس المختلف فى الجنس أو العقيدة أو المذهب أو اللغة أو الفقير، بل (الآخر ) فيها هو المجرم الارهابى الخارج عن القانون الى أن يتوب ويعطى حق المجتمع.وهى دولة لا تكره ولا تمقت ذلك ( الآخر) المجرم المعتدى ، وانما تسعى لاصلاحه وتهذيبه، تكره فعله واجرامه دون أن تبغضه هو. بل ان عملها على اصلاحه يعنى حرصا عليه وحبا فيه باعتباره انسانا قبل كل شىء, ولذلك فانها تعطيه فرصة أخرى ليتوب . وبالتوبة ترتفع عنه العقوبة. وكل العقوبات فى الشريعة الاسلامية تسقط بالتوبة أمام عين المجتمع .
6 ـ الشريعة الاسلامية شريعة علمانية توازن بين الفرد والمجتمع
الوطن فيها هو المواطن الفرد، واذا صودرت حقوق المواطن الانسانية والثقافية والدينية ولم يستطع المقاومة تحتم عليه الهجرة الى بلد آخر اذا استطاع.( النساء 97 ـ )
الفرد فيها هو الملك المتوج فالانسان يولد فردا، ويتم تكليفه بمسئوليته الفردية ، فلا تزر وازرة وزر أخرى ، ومن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها ، ومن اهتدى فانما يهتدى لنفسه ومن ضل فانما يضل على نفسه. الفردية الشخصية هى مدار الهداية والضلال على اساس الحرية المطلقة فى الاختيار.
وفى نفس الوقت فان الفردية ترتبط بالتفاعل الايجابى بالمجتمع وفق فريضة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهى وظيفة مفروضة على الجميع من رجال ونساء وليست مرتبطة بطائفة واحدة أو طبقة معينة أو مجالا للتوظيف . وفى نفس الوقت لا تعنى الاكراه والاجبار والتدخل الرسمى فى حياة الآخرين ، بل هى هى مجرد نصح قولى وتوجيه يقوله كل شخص للآخر اذا وجده مستحقا للنصح والارشاد. والمعروف هو كل القيم العليا المتفق عليها ، والمنكر هو كل الشرور والرذائل المنهى عنها.(آل عمران ـ 104 ) (الشعراء 215 : 216 )( سورة العصر). وفى نفس الوقت فان الحرية فى الشريعة الاسلامية تسمح بوجود حرية مطلقة للجماعات التى تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف ( التوبة: 68 & 71 ).
7 ـ الشريعة الاسلامية العلمانية تعطى المجال الأكبر للتشريع البشرى .
تشريعات القرآن الكريم محدودة لا تتجاوز مائتى آية، بكل التفصيلات والتكرار فى أوامرها وقواعدها ومقاصدها. تفصيلاتها تحتكم الى العرف أو المعروف فى التطبيق . وتأتى أحيانا قواعد عامة بدون تفصيلات تحتكم للعرف فى وضع تفصيلات قانونية ومذكرات تفسيرية للتطبيق. وفى جميع الأحوال فان القيم العليا هى الغاية التشريعية أو المقصد التشريعى لتفصيلات التشريع القرآنى وقواعده. وكل قانون يراعى القيم العليا فهو قانون اسلامى فى أى زمان ومكان لأن غاية التشريع الاسلامى ومقاصده هى التيسير والتخفيف ورفع الحرج وحفظ حقوق العباد أو حقوق الانسان.
8 ـ الشريعة الاسلامية العلمانية مجالها محدود فى الزام الفرد وفى عقابه.
لأن تطبيق الشريعة الاسلامية تقوم به الدولة الاسلامية ذات الحكم الديمقراطى المباشرفان الأفراد هم الذين يحكمون أنفسهم بأنفسهم ، وما يسمى بالحاكم ليس سوى خادم للمجتمع بعقد معين ، وهو مسئول أمام المجتمع الذى يملك عزله ومحاكمته ومكافأته. ومن هنا فان الفرد شريك فى السلطة وفيما يصدر عنها من تشريعات ، وهو أولى الناس بالالتزام بما يشارك فى اصداره من قوانين تحمى حقوق الأفراد وتحفظ حق المجتمع. ومع ذلك فان الدولة لا سلطة لها فى علاقة المواطن بربه فيما يخص العبادات والعقائد ، وليس لها سلطة الالزام فى شىء سوى الجانب العقابى الذى يحفظ حقوق الفرد فى الحياة وفى السمعة والعرض والمال والكرامة. وحتى فى الجانب العقابى فان العقوبات ـ أو الحدود ـ تسقط بالتوبة التى تعنى الاعتراف بالذنب والتعهد بالكف عنه ، ورد الحقوق لأصحابها. ( البقرة 178 ) ( المائدة 33: 34& 38: 39 ) ( النور 2: 5 ) ( الفرقان 70 : 71 )
9 ـ الايمان باليوم الاخر هو الفارق الأساسى بين العلمانية الاسلامية والعلمانية الغربية
فى كل الجوانب الأخلاقية والتشريعية المأمور بها الفرد المسلم فإن خلفها الايمان باليوم الآخر الذى سيكون فيه الانسان مسئولا ومحاسبا أمام الله تعالى. وهذا هو معنى التقوى الذى يجعل المسلم ـ الحق ـ يخشى الله قبل أن يخشى الناس ، ويجعله يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه ربه ، ويجعله حتى فى سريرته قبل علانيته يتحسب لما يفعل . وبهذه العقيدة الحية فى اليوم الآخر الذى لا مكان فيه لشفاعة بشر فان تطبيق الشريعة الاسلامية الحقة يخضع أولا وأخيرا لضمير المسلم المؤمن لأنه حريص على رضى الله تعالى ويخشى إغضابه جل وعلا. وبينما تؤمن العلمانية الغربية بالضبطية القضائية ويكون فيها المتهم بريئا الى أن تثبت إدانته فان المسلم الذى يتقى ربه ويعمل لليوم الآخر يهتم بضبط نفسه وكبح جماحها فى السر والعلن. ناهيك عن دول المسلمين الاستبدادية حيث يكون فيها البرىء متهما الى أن تثبت بالتلفيق إدانته.
وبعد
هذا هو الاسلام القرآنى العلمانى ! .
وقد طبّقه خاتم النبيين محمد عليه وعليهم السلام. وكان تطبيقه مخالفا للسائد فى العصور الوسطى. ولذلك مالبث أن عاد منطق العصور الوسطى وطغى على هذه الدولة الاسلامية العلمانية وأقام مكانها نظم حكم ديكتاتورية ثيوقراطية على النسق السائد فى أوربا وقتها وأنسى مبادءها القرآنية فى طوفان أكاذيب التراث والأحاديث والسند والعنعنة والخلافات الفقهية والكلامية الفلسفية. ثم صحت أوربا والغرب وأعتمدت العلمانية والديمقراطية بعد كفاح دموى امتد بضع قرون،
كانت مصر على وشك اللحاق بهذا التطور الغربى مبتعدة عن ثقافة العبيد للعصور الوسطى ، وكادت أن تنجح لولا ظهور الدولة السعودية ببترولها و بوهابيتها التى استعادت أردأ ما فى العصور الوسطى من فكر وثقافة، ونشرتها فى مصر والعالم العربى والمسلم على أنها هى الاسلام. ووقفت موقفا معاديا للغرب وثقافته معتبرة أنه "غزو فكرى" ، مع أن الفكر السلفى الوهابى الرجعى الدموى هو الذى يغزو الغرب والمساجد الاسلامية فيه، ويسعى لتحويل الأقليات المسلمة فيه الى طالبان غربية أسوة بطالبان الأفغانية.
وقد نجحوا فى ذلك بسبب عوامل مختلفة محلية وأقليمية ودولية، وبهم أصبح الاسلام متهما بالتطرف والارهاب.
وأصبح مثيرا للدهشة أن نكتشف الآن ـ بعد خمسة عشر قرنا من الزمان ـ أن الشورى الاسلامية هى الديمقراطية المباشرة وأن الاسلام دين علمانى.!!
 

الإسلام دين الديمقراطية : ملحق (2 ) لكتاب الشورى

بسم الله الرحمن الرحيم
الشورى الفريضة الغائبة
1- هناك فرائض اسلامية غائبة صادرها المسلمون عمدا حين أقاموا لهم امبراطوريات تقلد الحكم البيزنطى والفارسى بقدر ما تناقض الاسلام وتشريعاته وقيمه الأخلاقية. الشورى الاسلامية –أو الديمقراطية المباشرة – هى احدى تلك الفروض الاسلامية الغائبة أو المغيبة عمدا.
2 ـ لنا كتاب بالانجليزية منشور على الانترنت بعنوان "جذور الديمقراطية فى الاسلام " يبحث فى ديمقراطية الاسلام وكيف تحولت الى طغيان فى تاريخ المسلمين . هذا البحث الأصولى التاريخى يؤكد التناقض بين ديمقراطية الاسلام المباشرة وكيف صادر المسلمون بالتدريج تلك الديمقراطية الى أن تحولت الى ديكتاتورية عسكرية قبلية عنصرية فى العصر الأموى ثم الى ديكتاتورية كهنوتية دينية فى العصر العباسى – وهو عصر تدوين حضارة المسلمين – فتم تثبيت معنى الشورى بمفهوم الراعى والرعية وأهل الحل والعقد لتسويغ تسلط الخليفة العباسى - ثم العثمانى – على الناس بحجة أنه يستمد سلطته السياسية من الله تعالى ،وأنه مسئول امامه فقط عن الرعية يوم القيامة ، وأنه يملك الأرض وماعليها ومن عليها ومن حقه أن يقتل ثلث الرعية لاصلاح حال الثلثين الى آخر ذلك من تشريعات تفنن فيها فقهاء العصر العباسى لارضاء فرد واحد واغضاب رب العالمين .
الشورى تنبع من عقيدة الاسلام
1 ـ الشورى – أو الديمقراطية الاسلامية المباشرة – لها جذور فى عقيدة الاسلام ( لا اله الا الله ). فالله وحده هو الذى لا يسأل عما يفعل ، وليس مسئولا أمام أحد من خلقه، وما عداه من مخلوقات هى تتعرض للمساءلة ( الأنبياء 23). وعليه فالحاكم الذى يستنكف ان يسائله شعبه يكون مدعيا للألوهية كافرا بعقيدة الاسلام حيث رفع نفسه الى مستوى الله تعالى الذى لا يسأل عما يفعل.
2 ـ ثم إنّ خاتم النبيين محمدا عليه وعليهم السلام قد أمره الله تعالى بأن يشاور الناس ، انه نبى يأتيه الوحى الالهى ومع ذلك فالوحى الالهى نفسه يأمره بالشورى ، وعليه فان أى حاكم مسلم يستنكف من ممارسة الشورى انما يرفع نفسه فوق مستوى خاتم النبيين ، أى يدعى الألوهية ، وهو بذلك يخرج عن الاسلام ويكفر به.
3 ـ والقرآن الكريم ردد قصة فرعون موسى وجعله نموذجا لعقلية الحاكم المستبد الذى يصل به استبداده الى ادعاء الألوهية ويصل به فساده الى اهلاك نفسه ومملكته وجنده وقومه – وحزبه الوطنى !! حين تتدبر القصص القرآنى عن ذلك الفرعون تجد كل ملامح العقلية الاستبدادية وانعكاسها على الملأ المحيط بالفرعون وترديدهم لما يحب أن يسمعه ، واكثر من ذلك تجد مستبدى عصرنا يرددون نفس التعبيرات ويعيشون نفس العقلية.
4 ـ كل ذلك يؤكد على ان الاستبداد قرين الكفر والظلم كما أن الديمقراطية الاسلامية لها جذور فى عقيدة التوحيد الاسلامية. وكما أن العدل أو القسط هو سبب انزال الكتب السماوية وارسال الأنبياء والرسل عليهم جميعا السلام ـ فان الظلم هو خصم لدين الله تعالى وشرعه ، وعليه فالديمقراطية الاسلامية أو الشورى هى العدل السياسى فى الاسلام بينما يكون الظلم هو أساس الاستبداد المناقض للاسلام حين ينفرد شخص واحد أو أسرة أو حزب او قبيلة باحتكار السلطة والثروة دون بقية الشعب.
الشورى الاسلامية ضمن الفرائض التعبدية كالصلاة
1- ومن العجب ان الشورى الاسلامية كفريضة اسلامية جاء الأمر بها - فى سورة اسمها الشورى - مقترنا بالصلاة وايتاء الصدقة: ( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38)الشورى) ، لتؤكد أن فرضية الشورى مثل فرضية الصلاة ، فكما لا يصح الاستنابة فى الصلاة – اى لا يصح أن يصلى أحد عنك – فلا يصح أيضا أن ينوب عنك غيرك فى حضور مجالس الشورى - وهى جمعية عمومية فى كل قرية وحى تضم كل المواطنين بغض النظر عن عقائدهم وأى وضع اجتماعى آخر .
2 ـ وبالتالى فالشورى الاسلامية هى الديمقراطية المباشرة وليست الديمقراطية النيابية والتمثيل النيابى ، أى أن الشورى الاسلامية او الديمقراطية الاسلامية تتفوق على أغلب الديمقراطيات الغربية النيابية . واذا كانت الصلاة فرضا عينيا على كل مسلم فى الصحة والمرض وفى الاقامة والسفر وحتى وقت الحرب فان فريضة الشورى كذلك يمارسها المسلم فى جماعة المسلمين أو المواطنين ، كما يمارسها فى بيته وعمله . من المهم هنا التأكيد على أن مصطلح المسلم هو كل مواطن مسالم بغض النظر عن عقيدته وايمانه .
الأمّة مصدر السلطات فى الشورى الاسلامية
1- فى ديمقراطية الاسلام تجد الأمة هى مصدر السلطات وليس الحاكم . لقد جاء النبى محمد هاربا بحياته ودينه من اضطهاد قريش فأقام له مسلمو المدينة وغيرهم له دولة ، هى أول وآخر دولة اسلامية حقيقية . قال له ربه تعالى يخاطبه وهو الحاكم لتلك الدولة : " فبما رحمة من الله لنت لهم" أى بسبب رحمة من الله تعالى جعلك لينا معهم ورحيما فى التعامل معهم.فماذا اذا لم يكن لينا هينا معهم ؟ تقول الآية الكريمة :" ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك " فماذا اذا انفضوا من حوله ؟ سيفقد قوته، وسيفقد الحماية، وسيعانى الاضطهاد. اذن هو يستمد السلطة والقوة والنفوذ والمنعة والدولة من اجتماعهم حوله ، أى أنهم مصدر السلطة له فى الدولة التى أقاموها له ، أى أنه لا يستمد سلطته من الله تعالى وأنما يستمدها من الشعب ، ولأنها سلطة الشعب فلا بد أن يستميل اصحاب السلطة اليه- أى الشعب - كى لا ينفضوا عنه . فماذا يفعل ؟ تقول الآية تضع التشريع السياسى للنبى الحاكم وكل حاكم ديمقراطى – " فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر " اى يعفو عنهم اذا أساءوا اليه ، ويستغفر لهم اذا أذنبوا فى حقه، ويشاورهم فى الأمر – كل أمر – لأنهم أصحاب الأمر.
2 ـ الأمر بالشورى جاء هنا يأمر النبى بأن يشاورهم جميعا فى أى أمر مطروح بحثه – أى يشاوركل المواطنين رجالا ونساء ، أغنياء وفقراء دون تفرقة من أى نوع أو استثناء لأى نوع - وفق الديمقراطية المباشرة التى لا مجال فيها للتمثيل النيابى أو الديمقراطية غير المباشرة.
3 ـ لاحظ هنا أن الحاكم المستبد الذى يسرق سلطة الشعب ويحتكرها لنفسه لا يحتاج الى أن يكون لينا هينا مع الناس ، بل يمارس ما بسمى بهيبة الدولة أو هيبة النظام التى تتجلى فى تسلط ضابط البوليس مع أفراد الشعب لارهاب الناس وارعابهم وتخويفهم حتى يسكتوا عن حقوقهم المسلوبة . ولذلك يقترن الاستبداد بالتعذيب بدءا من فرعون موسى الى عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان مع بداية الخروج على تعاليم الاسلام وديمقراطيته وشفافيته وعدله ، حيث بدأ التعذيب لارهاب المعارضة ، وتعرض للتعذيب بعض كبار الصحابة – بدرجات مختلفة – ومنهم عمار بن ياسر وابن مسعود وأبو ذر وأبوالدرداء. ثم أصبح التعذيب سنة متبعة ملازمة للظلم والفساد والاستبداد من العصر الأموى وحتى عصرنا السعيد . وعليه كان لزاما التعتيم على فريضة الشورى الاسلامية ومصادرتها لصالح الاستبداد.
تطبيق الشورى
1 ـ نزلت فريضة الشورى فى مكة ، وطبقها المسلمون فيها وقت أن كانوا أقلية مستضعفة ، ثم بعدها فى المدينة كانت تؤدى علانية كفريضة اسلامية فى المسجد الذى يتحول الى مجلس عام أو جمعية عمومية تشمل كل افراد المسلمين رجالا ونساءا ،وحدث أن تخلف بعضهم فنزل القرآن يلومهم ويحذرهم من التغيب عن حضور هذه الفريضة ويتوعدهم بالعقاب اذا فعلوا.( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62) لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (64) النور) وتردد فى أيات أخرى بعض ما كان يحدث فى مجالس الشورى وتآمر المنافقين الى آخر ما أوضحناه فى كتابنا سالف الذكر.
2 ـ بعد موت النبى حافظ المسلمون جزئيا فى عهد أبى بكر وعمر على انعقاد مجالس الشورى العامة فى المسجد حيث كان يتم النداء لها بتعبير " الصلاة جامعة" ثم أهملها عثمان الذى اكتفى باستشارة سكرتيره وقريبه مروان بن الحكم الذى تسبب فى مقتل عثمان واشتعال الفتنة الكبرى ومصادرة الديمقراطية الاسلامية فى الدولة الأموية.
3 ـ جاء تدوين التراث فى العصر العباسى حيث تحول الحكم من الاستبداد الأموى العسكرى القبلى – نسبة للقبيلة – الى حكم استبدادى كهنوتى فى العصر العباسى ، فكان طبيعيا اغفال كتب السيرة وما يسمى بالسنن والتفاسير الاشارة والتعليق على تلك المجالس التى كان يحضرها النبى وتتم فيها مناقشة كل امور المسلمين علانية، كما يتم فيها تطبيق آليات الشورى المباشرة.
ولى الأمر ليس حاكما للشعب بل هو خادم الشعب فى حدود تخصصه
1ـ أولو الأمر –بالمصطلح القرآنى – هم أصحاب الشأن والاختصاص ، أى الخبراء فى الأمر المطروح مناقشته حيث يتعذر على جمهور المسلمين أن يتخصصوا فى كل شىء ، لذا فان طاعتهم واجبة فى حدود تخصصهم وفى اطار طاعة المولى جل وعلا والرسول اى القرآن أو الرسالة. وجاء مصطلح أولى الأمر بهذا المعنى مرتين فقط فى القرآن الكريم {النساء 59 ، 83 } . ومعنى أنه صاحب خبرة فى الشأن المطروح فالعبرة بخبرته وتخصصه سواء كان ذكرا أو انثى ، وبغض النظر عن عقيدته وإيمانه . فدولة الاسلام الدين فيها لله جل وعلا والوطن فيها للجميع .
2 ـ جاء التراث العباسى ليجعل أولى الأمر هم الحكام ويجعل طاعتهم مطلقة حسب تأويلهم للقرآن وتحريفهم لمعناه.
الخطاب القرآنى للمؤمنين وليس لحاكم فرد
1ـ ان الخطاب التشريعى فى القرآن الكريم جاء يخاطب عموم المسلمين يقول لهم مثلا : " يأايها الذين آمنوا " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص" البقرة178} " ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " النساء 58} لم يأت يخاطب حاكما فردا على الاطلاق وانما جاء يخاطب عموم المؤمنين بأوامر تشريعية عقيدية وأخلاقية وسياسية وحربية، على اعتبار انهم يحكمون أنفسهم بأنفسهم.
2 ـ وهذا الخطاب للمؤمنين فى دولتهم الاسلامية الديمقراطية بتلك الأوامر يخالف رسالة النبى موسى عليه السلام التى كانت فى البداية موجهة الى شخص واحد هو الفرعون الذى كان يمثل كل المصريين ويتحدث باسمهم ، لذا توجه موسى وهارون ليس للمصريين ولكن لفرعون فقط لأنه كان يملك مصر وما عليها ومن عليها .
ليس فى الدولة الاسلامية ( حاكم ) لأن الشعب هو الذى يحكم نفسه بنفسه :
1 ـ أن القرآن الكريم لم يذكر كلمة حاكم فى تفصيلاته التشريعية إلا فى معرض النهى عن الرشوة والفساد فى دولة غير إسلامية : (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) البقرة ) .
2 ـ بل أن لفظ " يحكم " أو "حكم " جاءت بمعنى التقاضى وليس الحكم السياسى ، أى الحكم بين الناس وليس حكم الناس كأن يقول تعالى " واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " النساء :_58 " هذا فى التقاضى أو الحكم بين الناس فى الدنيا، أما التقاضى بين الناس أو الحكم بين الناس فى الآخرة فهو لله تعالى وحده يوم الحساب حين يحكم بين الناس فى خلافاتهم العقيدية : " قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون." الزمر 46}.
3 ـ باختصارفان ( فعل ) " حكم" لم يأت فى القرآن الكريم متعديا أى بمعنى الحكم السياسى أى " يحكم الناس أو يحكم الشعب "، ولكن جاء لازما يحتاج الى ظرف أو جار ومجروربمعنى " يحكم بين الناس" ويكون هنا بمعنى القضاء والتقاضى أى يقضى بين الناس، أو " يحكم ب " أى يحكم فى القضاء بشرع الله تعالى أو شرع غيره . وفى هذا المجال جاء قوله تعالى : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون " ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الفاسقون " المائدة 44 ،45 ،47 }
( حاكمية الاخوان ) أسوأ أنواع الاستبداد
1 ـ الاخوان المسلمون وشيعتهم السلفيون يستشهدون بالآيات الكريمة السابقة فى مزاعمهم السياسية ضد الاستبداد المحلى العسكرى والحزبى ، مع أن هذه الآيات الكريمة تحكم عليهم هم بالكفر والفسوق والظلم . انها تنطبق عليهم هم قبل غيرهم لأنهم الدعاة لتطبيق شريعة الفقه السنى المناقضة لما أنزل الله تعالى فى الأصول العقيدية و التشريعية . وهذا ما أثبتناه فى أبحاث عديدة لنا تناولت التناقض بين الفقه السنى والقرآن فى المصطلحات والمقاصد التشريعية والقواعد التشريعية والأحكام والتفصيلات التشريعية. الأمثلة عديدة ليس فقط فى تقديس النبى محمد والصحابة والأئمة والأولياء والقبور المقدسة والأسفار والكتب المقدسة وما وجدنا عليه آباءنا ، بل أيضا انكار فريضة الديمقراطية وفرض الحاكمية الاستبدادية وفى استحلال الدماء التى حرمها الله تعالى . فى شريعتهم الشيطانية يوجبون قتل المخالف لهم فى الرأى بتهمة الردة والزندقة ، ويوجبون رجم الزانى وقتل تارك الصلاة وقتل المخالف للسلطان بل جعلوا من حق الخليفة قتل ثلث الرعية لاصلاح الثلثين.
2 ـ. على دأب فرعون سار الخلفاء غير الراشدين فى العصور الوسطى ، وعلى سنتهم السيئة يسير الاخوان حاليا فى دعوتهم الى الحاكمية التى تعنى ان الخليفة يحكم باسم الله تعالى وأنه مصدر السلطة وليس مسئولا أمام الناس ، بل هو مسئول فقط أمام الله تعالى فيما فعل فى الرعية ، وهو الراعى والناس رعية له أو انعام يملكها ويستغلها فى الانتاج ويقتل منها ما يشاء ويستبقى من يشاء ولا معقب لقوله ولا راد لارادته، أى انه التأليه للحاكم الناطق باسم الله والذى يحكم باسمه ، لذا كانت الشورى الاسلامية جزءا من عقيدة الاسلام التى تقصر الألوهية على الهو تعالى وحده دون شريك من ولى معبود أو حاكم متأله . ومن هنا أيضا توجه الخطاب القرآنى لعموم المؤمنين ولم يتوجه لشخص حاكم اذ ليس فى الدولةالاسلامية وديمقراطيتها المباشرة وجود لحاكم بل يحكم الناس أنفسهم بأنفسهم وفق آلية شرحناها فى كتابنا سالف الذكر.
الجهاد فرض لإقامة القسط والشورى الاسلامية
1 ـ نأتى للسؤال الهام : اذا كانت الشورى فريضة اسلامية فماذا نفعل اذا اغتصب أحدهم الحكم واستبد به ظالما للناس مصادرا لحقوقهم بالقهر والتعذيب ؟ الاجابة هى وجوب الجهاد ضده . هنا يتحتم الجهاد السلمى أولا فان لم ينفع فالجهاد بالسلاح ليس فقط لازاحة المستبد الظالم ولكن – وهذا هو الأهم – لاقامة العدل والقسط .
2 ـ ليس المقصود هنا الجهاد على الطريقة السلفية الاخوانية – أى الوصول الى الحكم واستغلال اسم الاسلام العظيم لاقامة دولة دينية كهنوتية استبدادية معادية للاسلام كالدولة العباسية أو العثمانية أو الفاطمية أو السعودية وباستعمال الارهاب أى قتل المدنيين والأجانب – وانما يعنى الجهاد الاسلامى الحق السعى لاقامة دولة اسلامية حقيقية أى بالمفهوم المعاصر دولة مدنية علمانية ديمقراطية تحقق العدل والحرية ، ليس مهمتها ادخال الناس الجنة رغم انوفهم ولكن حماية كل حقوقهم فى هذه الدنيا على أساس المساواة والعدل المطلق بين كل المواطنين.
من أسف ان من يثور على الاستبداد ويطرد المستبد ويحل محله سرعان ما ينسى الشعارات البراقة التى كان يرفعها ويخدع بها الجماهير، لذا سرعان ما يستبد ويطغى ويفسد فى الأرض ويحتاج الأمر الى ثورة جديدة تحمل شعارات أخرى فاذا وصل الثوار الجدد للحكم سكنوا فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم وكرروا نفس الاستبداد. كانت هذه مسيرة تاريخ المسلمين فى ثوراته وانقلاباته منذ العهد بالرضا لآل محمد الذى رفعته الدعوة الشيعية العباسية – والمهدى المنتظر – الى عصرنا ؛ وهوعصر الثورات والجمهوريات التى تحولت الى شىء قبيح يحمل فى داخله عورات الاستبداد بكل ملامحه وتزيد عليه التمديد والتوريث. وهذا هو حال العرب والمسلمين اليوم. هم بين دعاة الاستبداد الدينى الكهنوتى و الاستبداد العسكرىوالحزبى القائم على القهر والظلم. والجهاد الاسلامى واجب ضد الفريقين معا سلميا فى الاساس ثم عسكريا اذا لم يكن هناك طريق آخر.
3 ـ الشورى الاسلامية تجمع فى داخلها المعادلة السحرية التى توازن بين الحرية والعدل. فالديمقراطية الاسلامية المباشرة تعنى العدل المطلق فيما نسميه حاليا بالمشاركة السياسية فالمجتمع هو صاحب الحق المطلق فى السلطة السياسية أو هو مصدر السلطات ، وحق المجتمع هنا يتقسم بالعدل المطلق على عدد أفراد المجتمع بالمساواة المطلقة. الحاكم هنا هو ولى الأمر أى صاحب الاختصاص فى عمله الذى يجيد القيام به وهو مسئول امام المجتمع ومجرد خادم يقوم بعمله المختص به ويعاونه آخرون يطيعونه فى اطار طاعة الله تعالى ورسوله أى طالما يؤدى عمله فى حدود القانون الذى يتم تطبيقه على الجميع بلا استثناء.
4 ـ جدير بالذكر ان تشريعات القرآن لا تزيد عن مائتى آية معظمها فى حماية الأسرة والمرأة وحماية المجتمع ، وتترك مجالا واسعا للتشريع البشرى الذى يغطى كل احتياجات المجتمع فى اطار العرف أو المعروف أو ما يتعارف الناس عليه على أساس انه القيم العليا والفضائل. وكل تشريع يقننه المجتمع فى اطار هذه القيم العليا يكون تشريعا اسلاميا ، كما أن أى دولة تقيم حقوق الانسان ومعالم العدل وحرية الفكر والعقيدة تكون دولة اسلامية.
5 ـ الشورى أو الديمقراطية الاسلامية المباشرة تساوى بين الأفراد جميعا بغض النظر عن الغنى والفقر ، الذكر والانثى، الملة والاعتقاد ، العنصر ، اللغة الأصل ، العرق ، الطبقة واللون...الخ. فالديمقراطية المباشرة عدالة سياسية مطلقة.وهى أيضا تؤكد على حرية المعتقد المطلقة ؛ فكما أن للفرد حريته المطلقة فى الايمان بالله تعالى أو الكفر به والتنقل بين أى دين كيف شاء وترك الايمان متى أراد وهو مسئول أمام الله تعالى فقط يوم الدين عما اختار - له أيضا حقه المطلق فى حريته السياسية بمعنى التساوى التام بين كل المواطنين ، والعدل المطلق فى المواطنة . المساس بهذا المعيار يضيع العدل ويفتح الباب لاستئثار مجموعة بالسلطة ، ثم بالثروة، ويتسلل الاستبداد والفساد فى غيبة الأكثرية من الناس مما يؤدى الى تهميشهم ثم الى العصف بحقوقهم.ولأن الديمقراطية – الشورى – فريضة اسلامية فان الجهاد فى سبيلها فريضة اسلامية طالما يهدف هذا الجهاد لازاحة الطاغوت السياسى والدينى واحلال حكم عادل ديمقراطى حقيقى
6 ـ لقد أنزل الله تعالى من السماء شيئين: الرسالات السماوية والحديد.
الحديد لا ينتمى لكوكب الارض وانما هبط اليها وتركز فيها ليؤدى مهمة نعرفها جميعا. الرسالات السماوية هبطت من السماء لاصلاح أهل الارض باقامة العدل أو القسط بينهم , وهى أيضا مهمة نعرفها جميعا. الذى نعرفه وننكره فى نفس الوقت هو الاستخدام السىء للحديد والاستغلال السىء للرسالات السماوية. الحديد فى حد ذاته معدن محايد , لا تقول انه حرام أوحلال. انما يحرم استعماله فى الظلم ويجوز استعماله فى المباح وقد يجب استعماله فى الفرض. السكين والبندقية قد تستعملها فى الصيد المباح ويكون استعمالها واجبا وضروريا عندما تدافع بها عن نفسك حين يهاجمك مجرم سفاك، ويكون حراما استعمالها فى الاعتداء على المسالمين .
الرسالات السماوية هدفها جميعا أن يقوم الناس بالقسط والعدل . ولكن سرعان ما تتحول تلك الرسالات السماوية النبيلة الى وسائل لاستعباد البشر وظلمهم . يفعل ذلك عادة شر الناس الذين يحترفون التدين ويركبون ظهور الشعوب والعوام باسم الدين وهم أعدى اعدائه.
من السهل تحديد العدو الظاهرالذى يرفع سلاحه الحديدى فى وجهك فيقتلك فعلا. ولكن من الصعب جدا ان تتعرف على العدوالخفى القريب وهو الذى يرفع فى وجهك دينا مزيفا مغشوشا يزعم انه دين الله تعالى ورسوله، وبه يرهبك أو يهددك ويرعبك ويخيفك فيقتل فيك أسمى ما فيك : آدميتك التى كرمك الله تعالى بك ، وبعد ان سلب منك شرف الآدمية يركب ظهرك ويستحل حرماتك بل ويجعلك تهتف باسمه مهللا . هذا بالضبط ما يفعله أخطر الدجالين ؛ دعاة الدولة الدينية.
7 ـ القرآن أرسى فارقا حقيقيا يوضع الفرق بين الداعية للحق والداعية للباطل حين قال : اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون" يس 21 " الأنبياء كانوا لا يأخذون أجرا على الهداية ، وهذا ما تكرر فى القرآن. والأنبياء أيضا هم اول البشر عملا بما يقولون واول الناس طاعة وتطبيقا لما يأمرون به الناس. وعلى نفس النسق يكون الداعية للحق ؛ لا ياخذ من الناس أجرا بل يجاهد بما يملك من مال ونفس يبتغى رضا الله تعالى، ويطبق على نفسه ما يقول للآخرين ويكون أول الملتزمين بما يدعو اليه . دعاة الباطل كما وصفهم القرآن الكريم يأكلون اموال الناس بالباطل ويشترون بآيات الله ثمنا قليلا ، عينهم على الأجر والمتاع الدنيوى و" تبرع يا أخى لبناء مسجد نفق شبرا" يجمعون الأموال وينهبونها ويسرقونها باسم الاسلام. أما كبارهم فالأجر الذى يسعون اليه هو ان يموت الشباب انتحارا من أجل أن يركبوا على أكتافنا باسم الاسلام باعتبار انهم وحدهم من دون العالمين هم الذين اختارهم الله تعالى لاسترقاقنا وامتلاكنا والتحكم فينا حيث تكون لهم كل الحقوق وعلينا لهم كل الواجبات !!
هل هناك ظلم للبشر أفظع من ذلك ؟
8 ـ الأفظع منه ظلمهم لله تعالى . فالله تعالى أرسل الأنبياء جميعا وأنزل كل الرسالات السماوية لتحقيق هدف واحد وهو أن يقوم الناس بالقسط : " لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط .:"الحديد 25" الا ان اعداء الله تعالى قاموا بتزييف دينه بأحاديث كاذبة وتفسيرات ضالة وتأويلات فاسدة ومصطلحات مبتدعة ليبرروا ظلمهم وسرقتهم حقوق الناس والأمم والشعوب . وبذلك فهم لم يظلموا الشعوب فقط وانما جعلوا لظلمهم مسوغا شرعيا ليستمر الظلم محتميا بمرجعية الاهية مزورة. وفى هذا كل الظلم للواحد القهار ودينه ورسالاته السماوية التى نزلت لاقرار العدل المطلق والديمقراطية المباشرة فحولها أعداء الله بالتزوير والغش الى تقنين للظلم . هم بذلك يظلمون الله تعالى أكثر من ظلمهم للبشر. ويكفى ان هناك من المسلمين وغيرهم من يبغضون الاسلام واسمه وشريعته لأنهم عاشوا مقتنعين – ولا يزالون مقتنعين – أن اولئك السلفيين الحاليين وائمتهم وتراثهم وتاريخهم هو الاسلام فأصبح الاسلام متهما بما فعله أعداؤه القدامى والمعاصرون .
لانصاف الله تعالى ولانصاف البشر شرع الله تعالى الجهاد بالحديد لاقامة العدل الاجتماعى والسياسى واقرار الحرية الدينية لاستئصال الكهنوت الذى يسلب البشر أروع ما خلقه الله تعالى فيهم – العقل الناقد الشاك المتسائل الباحث عن الحقيقة حتى لوتعارضت مع المألوف والسائد وما وجدنا عليه آباءنا – وهو نفس الكهنوت الذى يسلب من تشريعات الرحمن أروع ما فيها – حرية الانسان فى عقيدته واختياره ومسئوليته امام الخالق وحده فقط عما يختار.
التحالف بين الاستبداد السياسى والاستبداد الدينى
9 ـ وظيفة الكهنوت أن يزعم – كذبا - التوسط بين الله تعالى والبشر. وليس فى الاسلام واسطة بين الله تعالى والناس. ولأنه زعم كاذب لا سند له فى دين حق أو فى عقل سليم كان لا بد للكهنوت أن يحتمى بقوة تساعده فى الزام الناس بطاعته وتقديسه وعبادته . من ناحية أخرى فالاستبداد السياسى يحتاج الى مسوغ دينى يخدع به الجماهير، أى يحتاج الى مؤسسة كهنوتية تبرر له وتفتى من أجله وتترعرع فى ظله وتنعم معه على حساب حقوق الناس. وهكذا عاش الاستبداد والكهنوت معا فى تاريخ المسلمين والغربيين ، وبينما تقلص الكهنوت فى الغرب بعد أفول الاستبداد الغربى فان الاستبداد الشرقى العريق لا يزال يعيش معتمدا على الكهنوت الدينى فى شكل مؤسسات دينية تدعى أنها مؤسسات علمية . تميز الكهنوت الشيعى باقامة دولته الدينية التى يحكمها مباشرة وفق ما يعرف بولاية الفقيه ، وهى الحلم الذى يسعى اليه المعارضون الوهابيون للدولة السعودية امثال الفقيه والمسعرى وتلميذهم الشهير أسامة بن لادن.
المستبدون والكهنوت أعداء حقيقيون لله تعالى ، سواء كانوا فى السلطة أو يسعون اليها مسلحين بفكر الكهنوت وثقافة الارهاب والاستبداد والاستعباد ، ولذا ترى حركتهم العسكرية معبرة عنهم حين تقتل المدنيين والأبرياء مخالفة تشريعات القرآن فى جعل الحرب استثناء لا قاعدة وللدفاع وليس للهجوم ولقتال الذين يقاتلوننا وليس من لم يقم بالاعتداء علينا. هم فى جهادهم المزعوم يكررون نفس الخطيئة التى فعلها الصحابة حين قاموا بما يسمى بالفتوحات الاسلامية وقتلوا فيها مئات الألوف من الأبرياء فى آسيا وأفريقيا مقابل حطام دنيوى زائل.
جهاد اولئك المستبدين واجب اسلامى سواء كانوا فى السلطة أو يسعون اليها. الهدف الاساسى هنا ليس الوصول للسلطة طبقا لتلك العادة السيئة للثوار من العسكر وأصحاب الأيدلوجيات الدينية والقومية والسياسية ، ولكن لاعادة السلطة للشعب ، ليس لحاكم او حزب أو طائفة تزعم وتحتكر الحديث باسم الشعب ولكن للشعب بالحقيقة وليس بالمجاز.
10 ـ اذا كان تطبيق الشورى الاسلامية – أى الديمقراطية المباشرة – صعبا الآن فلا بأس من الأخذ مؤقتا بالديمقراطية النيابية التمثيلية بانتخابات حقيقية نزيهة يختار الشعب فيه ممثلين عنه ، ثم بنشر الوعى والتقدم فى الثورة المعرفية والاتصالات يصبح ميسورا لكل فرد في الشعب ان يتحدث بنفسه دون حاجة لنائب يمثله بممارسة الديمقراطية المباشرة التى جعلها الاسلام فريضة وطبقها المسلمون فى عهد النبى ثم أضاعوها – وحان وقت استرجاعها ..
 

ملحق 3 ديمقراطية الإسلام وطغيان المسلمين

لنا بحث بالانجليزية منشور الآن على موقعنا هو "الاسلام الديمقراطى و طغيان المسلمين "
http://www.ahl-alquran.com/English/show_article.php?main_id=1846
كان فى الأصل بحثا قدمته لمؤسسة الوقفية الأمريكية القومية للديمقراطية فى واشنطن قبيل الغزو الأمريكى للعراق . أثناء عملى فى هذه المؤسسة الأمريكية أستاذا زائرا ـ حذرت من تورط أمريكا فى غزو العراق بحجة نشر الديمقراطية موضحا أن نشر الديمقراطية فى عالمنا العربى والاسلامى يستوجب أولا نشر ثقافة الديمقراطية من داخل الاسلام بخطاب اسلامى مستنير ـ و كان هذا البحث نموذجا لهم يؤكد لهم ان الشورى الاسلامية تعنى الديمقراطية المباشرة التى تتفوق على الديمقراطية الغربية النيابية التمثلية المنقوصة ، وأن هذه الشورى الاسلامية أصيلة فى عقيدة الاسلام وفى فروض عباداته وفى ثقافته الخلقية ، وأنه قد تم تطبيقها الفعلى فى عهد النبى محمد وقت ظروف استثنائية من الحروب الدفاعية و الحصار ووجود (المنافقين ) حركة سرية داخل الدولة معاد ية للدولة متآمرة عليها ، ثم كيف صادر المسلمون بالتدريج تلك الديمقراطية الى أن تحولت الى ديكتاتورية عسكرية قبلية عنصرية فى العصر الأموى ثم الى ديكتاتورية كهنوتية دينية فى العصر العباسى – وهو عصر تدوين حضارة المسلمين – فتم تثبيت معنى الشورى بمفهوم الراعى والرعية وأهل الحل والعقد لتسويغ تسلط الخليفة العباسى - ثم العثمانى – على الناس بحجة أنه يستمد سلطته السياسية من الله تعالى ،وأنه مسئول امامه فقط عن الرعية يوم القيامة ، وأنه يملك الأرض وماعليها ومن عليها وفق مفاهيم القرون الوسطى التى تخالف الاسلام والتى اتبعها المسلمون وابتدعوا من أجلها ديانات أرضية تناقض الاسلام فى عقائده و تشريعاته ومنها الشورى الاسلامية.
ثم ختمت البحث بكيفية تطبيق الديمقراطية فى الشرق الأوسط سلميا .
قامت المؤسسة الأمريكية بنشر خلاصة البحث على موقعها :
http://www.ned.org/forum/fellows/presentations/MansourSummary.doc
واعتمد عليه باحثون لاحقون . وأصبح حجة على السياسة الأمريكية بعد أن تأكد لها أن الديمقراطية المباشرة أصيلة فى دين الاسلام ، وأنه يمكن الترويج لها سلميا بخطاب اسلامى مستنير وفق الكيفية المشار اليها فى البحث ، دون الحاجة الى غزو ومذابح وتدمير وطن وشعب باكمله. ولكن المحافظين الجدد كانوا قد عقدوا العزم على غزو العراق ، فتورطت امريكا ـ ولا تزال ـ وحدث ما حذرت منه خلال ديسمبر 2002 .
أقدم هذا الموجز للبحث على أمل تبرئة الاسلام العظيم مما فعله به المسلمون.

(أولا )الشورى أساس فى عقيدة الاسلام

1 ـ فالله جل وعلا وحده هو الذى لا يسأل عما يفعل ، وليس مسئولا أمام أحد من خلقه، وما عداه من مخلوقات هى تتعرض للمساءلة ( الأنبياء 23). وعليه فالحاكم الذى يستنكف ان يسائله شعبه يكون مدعيا للألوهية كافرا بعقيدة الاسلام حيث رفع نفسه الى مستوى الله تعالى الذى لا يسأل عما يفعل.
2 ـ ثم إن خاتم النبيين محمدا عليه وعليهم السلام قد أمره الله تعالى بأن يشاور الناس ، انه نبى يأتيه الوحى الالهى ومع ذلك فالوحى الالهى نفسه يأمره بالشورى ، وعليه فان أى حاكم مسلم يستنكف من ممارسة الشورى انما يرفع نفسه فوق مستوى خاتم النبيين ،أى يدعى الألوهية، وهو بذلك يخرج عن الاسلام ويكفر به.
3 ـ القرآن الكريم ردد قصة فرعون موسى وجعله نموذجا لعقلية الحاكم المستبد الذى يصل به استبداده الى ادعاء الألوهية ويصل به فساده الى اهلاك نفسه ومملكته وجنده وقومه.وحين تتدبر القصص القرآنى عن ذلك الفرعون تجد كل ملامح العقلية الاستبدادية وانعكاسها على الملأ المحيط بالفرعون وترديدهم لما يحب أن يسمعه ، واكثر من ذلك تجد مستبدى عصرنا يرددون نفس التعبيرات ويعيشون نفس العقلية.
4 ـ وكما أن العدل أو القسط هو سبب انزال الكتب السماوية وارسال الأنبياء والرسل عليهم جميعا السلام ـ فان الظلم هو خصم لدين الله تعالى وشرعه ، وعليه فالديمقراطية الاسلامية أو الشورى هى العدل السياسى فى الاسلام بينما يكون الظلم هو أساس الاستبداد المناقض للاسلام حين ينفرد شخص واحد أو أسرة أو حزب او قبيلة باحتكار السلطة والثروة دون بقية الشعب.
كل ذلك يؤكد على ان الاستبداد قرين الكفر والظلم كما أن اليمقراطية الاسلامية لها جذور فى عقيدة التوحيد الاسلامية.

(ثانيا ) الشورى إحدى فرائض الاسلام

الشورى فريضة اسلامية غائبة ، أقامها المسلمون فى عهد خاتم النبيين محمد عليه السلام ، ثم بدأ تجاهلها بعده بالتدريج ، الى إن تم نسيانها تماما و تحولت الى تعبير عن الاستبداد.
ومن العجب ان الشورى الاسلامية كفريضة اسلامية جاء الأمر بها فى سورة مكية، اسمها الشورى - مقترنا بالصلاة وايتاء الصدقة ، لتؤكد أن فرضية الشورى مثل الصلاة ، فكما لا يصح الاستنابة فى الصلاة – اى لا يصح أن يصلى أحد عنك – فلا يصح أيضا أن ينوب عنك غيرك فى حضور مجالس الشورى - وهى جمعية عمومية فى كل قرية وحى تضم كل الناس ـ وبالتالى فالشورى الاسلامية هى الديمقراطية المباشرة وليست الديمقراطية النيابية والتمثيل النيابى ، أى أن الشورى الاسلامية تتفوق على أغلب الديمقراطيات الغربية النيابية .
واذا كانت الصلاة فرضا عينيا على كل مسلم فى الصحة والمرض وفى الاقامة والسفر وحتى وقت الحرب فان فريضة الشورى كذلك يمارسها المسلم فى جماعة المسلمين أو المواطنين ، كما يمارسها فى بيته وعمله . من المهم هنا التأكيد على أن مصطلح المسلم هو كل مواطن مسالم بغض النظر عن عقيدته وايمانه .
نزلت فريضة الشورى فى مكة، وطبقها المسلمون وقت أن كانوا أقلية مستضعفة ( الشورى – 38 -)، ثم بعدها فى المدينة كانت تؤدى علانية كفريضة اسلامية فى المسجد الذى يتحول الى مجلس عام أو جمعية عمومية تشمل كل افراد المسلمين رجالا ونساءا ،وحدث أن تخلف بعضهم فنزل القرآن يلومهم ويحذرهم من التغيب عن حضور هذه الفريضة ويتوعدهم بالعقاب اذا فعلوا.( النور 62 -) وتردد فى أيات أخرى بعض ما كان يحدث فى مجالس الشورى.
بعد موت النبى محمد عليه السلام حافظ المسلمون فى عهد أبى بكر وعمر على انعقاد مجالس الشورى العامة فى المسجد حيث كان يتم النداء لها بتعبير " الصلاة جامعة" ثم أهملها عثمان الذى اكتفى باستشارة سكرتيره وقريبه مروان بن الحكم الذى تسبب فى مقتل عثمان واشتعال الفتنة الكبرى ومصادرة الديمقراطية الاسلامية فى الدولة الأموية التى حكمت بالعسف و الشدة.
جاء تدوين التراث فى العصر العباسى حيث تحولت الحكم من الاستبداد الأموى العسكرى القبلى – نسبة للقبيلة – الى حكم استبدادى كهنوتى فى العصر العباسى ، فأغفل التدوين العباسى فى كتب السيرة وما يسمى بالسنن والتفاسير الاشارة والتعليق على تلك المجالس التى كان يعقدها النبى محمد عليه السلام وتتم فيها المناقشة العلنية لكل الامور وفق آليات الشورى المباشرة .
(ثالثا ) : اسس تطبيق فريضة الشورى

لا يمكن تطبيق الشورى الاسلامية بمعزل عن بقية القواعد الأساسية الأخرى للدولة الاسلامية ، ومنها:
1 ـ السلام :
فلاسلام فى معناه السلوكى هو السلام ، والمسلم سلوكيا هو من يسلم الناس من اعتدائه. وكل إنسان مسالم فهو مسلم بغض النظر عن عقيدته وايمانه. الاسلام فى معناه الاعتقادى هو التسليم القلبى و الطاعة لله تعالى ، وهذا ما سيحكم عليه رب العزة يوم القيامة ، وليس لأى بشر أن يتقمص دور الله تعالى فى هذه الناحية ، وإذا فعل فهو خارج عن الاسلام وعقيدته ومدع للألوهية. والشرك و الكفر فى المعنى الاعتقادى هو الاعتقاد فى غير الله تعالى أو تاليه غير الله تعالى. وذلك إعتداء على حق الله تعالى فى أن يكون وحده المعبود الذى لا اله سواه. و الشرك و الكفر فى معناه السلوكى هو الاعتداء على المسالمين بالقتل و القهر. أو هو الارهاب بمصطلح عصرنا. وبذلك فإن لنا أن نحدد المشرك أو الكافر حسب سلوكه العدوانى الارهابى ، دون تدخل فى عقيدته حيث أن مرجع الحكم فى العقائد لله جل وعلا يوم القيامة.
وفيما يخص موضوعنا عن الشورى فان كل المواطنين المسالمين الذين يعيشون فى إطار الدولة الاسلامية هم مجتمع الشورى فيها بغض النظرعن عقائدهم وطوائفهم، يستوى إن كانوا سنة أو شيعة أو يهودا او نصارى أو ملحدين أو مؤمنين. لا شأن لأحد بعقائدهم واختيارهم العقيدى فهم مسئولون عنه امام الله تعالى يوم القيامة. إنما الشأن فى سلوكهم السلمى فى المجتمع ، فإذا ارتكبوا جرائم على الأنفس و الممتلكات و حقوق الانسان عوقبوا بها ، وإذا كانوا ارهابيين يقتلون الآمنين المسالمين من الناس فهم خارجون عن الدولة و المجتمع ، وليسوا جزءا من نظام الشورى الاسلامية.
2 ـ الحرية المطلقة للعقيدة والفكر والتعبير عنهما .
وهنا تتحدد مهمة الدولة فى توفير الأمن الداخلى لكل افراد المجتمع ، وتوفير الأمن الخارجى للوطن ،و إقامة القسط بين الناس و توفير الحرية المطلقة للأفراد والجماعات فى العبادة والعقيدة والرأى والفكر. وهذا لا يعنى الاعتداء على الأشخاص وقذف المحصنات ، فلا بد من وضع حدود فاصلة بين هذا وذاك. وذلك مفهوم ومشروع.
الهداية ليست مسئولية الدولة بل هى مسئولية فردية فمن اهتدى فانما يهتدى لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها ، ولن تستطيع أن تهدى من أحببت ، ولكن الله تعالى هو الذى يهدى من يشاء أن يهتدى من البشر. وتلك علاقة بين الانسان وربه لا شأن للدولة الاسلامية بها.
3 ـ العدل و القسط :
المهمة الكبرى للدولةالاسلامية هى إقامة القسط ، فى التعامل بين الأفراد ـ و فيما بين الجماعات ، وفى علاقتها بالدول الأخرى فى المجتمع الدولى.
لا بد من توفير العدل الاقتصادى بكفالة حقوق الفقراء و المساكين و السائل والمحروم واليتيم وابن السبيل ، ولا بد من توفير العدل السياسى بان يكون كل المواطنين شركاء فى الحكم السياسى ، أى يحكمون أنفسهم بانفسهم.
الظلم فى توزيع الثروة يؤدى الى الظلم فى تقسيم السلطة وقيام حكم استبدادى. و حصر السلطة فى فئة يجعل تلك الفئة متحكمة فى الثروة. فالثروة و السلطة يبحث كل منهما عن الاخر. فلا بد من وجود عدل اجتماعى ليتأكد العدل السياسى أى الشورى الاسلامية.
وهكذا لا بد أن تتضافر كل القيم معا حتى يمكن إقامة الديمقراطي الاسلامية أو الشورى الاسلامية . لا يمكن إقامة الشورى الاسلامية بضياع العدل الاجتماعى وسوء توزيع الثروة ،
أو بمصادرة الحرية الفكرية و العقيدية،أوبالتفرقة بين المواطنين على اساس المعتقد والدين أو الجنس واللون و الذكورة والأنوثة.
4 ـ الموازنة بين العدل و الحرية:
الديمقراطية – او الشورى بالمفهوم الاسلامى – هى التى تجمع فى داخلها المعادلة السحرية التى توازن بين الحرية والعدل. فالديمقراطية الاسلامية المباشرة تعنى العدل المطلق فيما نسميه حاليا بالمشاركة السياسية فالمجتمع هو صاحب الحق المطلق فى السلطة السياسية أو هو مصدر السلطات ، وحق المجتمع هنا يتقسم بالعدل المطلق على عدد أفراد المجتمع بالمساواة المطلقة. الحاكم هنا هو ولى الأمر أى صاحب الاختصاص فى عمله الذى يجيد القيام به وهو مسئول امام المجتمع ومجرد خادم يقوم بعمله المختص به ويعاونه آخرون يطيعونه فى اطار طاعة الله تعالى ورسوله أى طالما يؤدى عمله فى حدود القانون الذى يتم تطبيقه على الجميع بلا استثناء.
الديمقراطية الاسلامية المباشرة تساوى بين الأفراد جميعا بغض النظر عن الغنى والفقر ، الذكر والانثى، الملة والاعتقاد ، العنصر ، اللغة الأصل ، العرق ، الطبقة واللون...الخ. فالديمقراطية المباشرة عدالة مطلقة.وهى أيضا تؤكد على حرية المعتقد المطلقة ؛ فكما أن للفرد حريته المطلقة فى الايمان بالله تعالى أو الكفر به والتنقل بين أى دين كيف شاء وترك الايمان متى أراد وهو مسئول أمام الله تعالى فقط يوم الدين عما اختار - له أيضا حقه المطلق فى حريته السياسية بمعنى التساوى التام بين كل المواطنين ، والعدل المطلق فى المواطنة . المساس بهذا المعيار يضيع العدل ويفتح الباب لاستئثار مجموعة بالسلطة ، ثم بالثروة، ويتسلل الاستبداد والفساد فى غيبة الأكثرية من الناس مما يؤدى الى تهميشهم ثم الى العصف بحقوقهم.
(رابعا ) الأمة مصدر السلطات فى الشورى الاسلامية
1 ـ فى ديمقراطية الاسلام تجد الأمة هى مصدر السلطات وليس الحاكم . لقد جاء النبى محمد هاربا بحياته ودينه من اضطهاد قريش فأقام له مسلمو المدينة وغيرهم له دولة ، هى أول وآخر دولة اسلامية حقيقية . قال له ربه تعالى يخاطبه وهو الحاكم لتلك الدولة (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ) ) أى بسبب رحمة من الله تعالى جعلك لينا معهم ورحيما فى التعامل معهم.فماذا اذا لم يكن لينا هينا معهم ؟ تقول الآية الكريمة (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ) فماذا اذا انفضوا من حوله ؟ سيفقد قوته، وسيفقد الحماية، وسيعانى الاضطهاد. اذن هو يستمد السلطة والقوة والنفوذ والدولة من اجتماعهم حوله ، أى أنهم مصدر السلطة له فى الدولة التى أقاموها له ، أى أنه لا يستمد سلطته من الله تعالى وأنما يستمدها من الشعب ، ولأنها سلطة الشعب فلا بد أن يستميل اصحاب السلطة اليه- أى الشعب - كى لا ينفضوا عنه . فماذا يفعل ؟ تقول الآية تضع التشريع السياسى للنبى الحاكم وكل حاكم ديمقراطى ( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) ( آل عمران 159 ) أى يعفو عنهم اذا أساءوا اليه ، ويستغفر لهم اذا أذنبوا فى حقه، ويشاورهم فى الأمر – كل أمر – لأنهم أصحاب الأمر.
الأمر بالشورى جاء هنا يأمر النبى بأن يشاورهم جميعا فى أى أمر مطروح بحثه – أى يشاوركل المواطنين رجالا ونساء ، أغنياء وفقراء دون تفرقة من أى نوع أو استثناء لأى نوع - وفق الديمقراطية المباشرة التى لا مجال فيها للتمثيل النيابى أو الديمقراطية غير المباشرة.
لاحظ هنا أن الحاكم المستبد الذى يسرق سلطة الشعب ويحتكرها لنفسه لا يحتاج الى أن يكون لينا هينا مع الناس بل يمارس ما بسمى بهيبة الدولة أو هيبة النظام التى تتجلى فى تسلط ضابط البوليس مع أفراد الشعب لارهاب الناس وارعابهم وتخويفهم حتى يسكتوا عن حقوقهم المسلوبة . ولذلك يقترن الاستبداد بالتعذيب بدءا من فرعون موسى الى عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان مع بداية الخروج على تعاليم الاسلام وديمقراطيته وشفافيته وعدله ، حيث بدأ التعذيب لارهاب المعارضة ، وتعرض للتعذيب بعض كبار الصحابة – بدرجات مختلفة – ومنهم عمار بن ياسر وابن مسعود وأبو ذر وأبوالدرداء. ثم أصبح التعذيب سنة متبعة ملازمة للظلم والفساد والاستبداد من العصر الأموى وحتى عصرنا السعيد . وعليه كان لزاما التعتيم على فريضة الشورى الاسلامية ومصادرتها لصالح الاستبداد.
2ـ ان الخطاب التشريعى فى القرآن الكريم جاء يخاطب عموم المسلمين يقول لهم مثلا : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ) (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ )( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص) (البقرة ، 178 ، 190 ) (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ)( النساء 58) .(انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) ( التوبة 41). وحتى مع وجود النبى بينهم فقد كان الخطاب يأتى مباشرة للمؤمنين فيما يجب أن يفعلوه باعتبارهم هم الحكام الذين يحكمون انفسهم بأنفسهم . يقول تعالى لهم عما يجب أن يفعلوه مع المنافقين المعارضين (سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ)(التوبة95 ) . لم يأت التشريع القرآنى للمسلمين يخاطب حاكما فردا على الاطلاق وانما جاء يخاطب عموم المؤمنين بأوامر تشريعية عقيدية وأخلاقية وسياسية وحربية، على اعتبار انهم يحكمون أنفسهم بأنفسهم.
وهذا الخطاب للمؤمنين فى دولتهم الاسلامية الديمقراطية بتلك الأوامر يخالف رسالة النبى موسى عليه السلام التى كانت فى البداية موجهة الى شخص واحد هو الفرعون الذى كان يمثل كل المصريين ويتحدث باسمهم ، لذا توجه موسى وهارون ليس للمصريين ولكن لفرعون فقط لأنه كان يملك مصر وما عليها ومن عليها ، وعلى نسقه سار الخلفاء غير الراشدين فى العصور الوسطى ، وعلى سنتهم السيئة يسير الاخوان حاليا فى دعوتهم الى الحاكمية التى تعنى ان الخليفة يحكم باسم الله تعالى وأنه مصدر السلطة وليس مسئولا أمام الناس ، بل هو مسئول فقط أمام الله تعالى عن الرعية ، فهو الراعى والناس رعية له أو انعام يملكها ويستغلها فى الانتاج ويقتل منها ما يشاء ويستبقى من يشاء ولا معقب لقوله ولا راد لارادته، أى انه التأليه للحاكم الناطق باسم الله والذى يحكم باسمه ، لذا كانت الشورى الاسلامية جزءا من عقيدة الاسلام التى تقصر الألوهية على الله تعالى وحده دون شريك من ولى معبود أو حاكم متأله . ومن هنا أيضا توجه الخطاب القرآنى لعموم المؤمنين ولم يتوجه لشخص حاكم اذ ليس فى الدولةالاسلامية وديمقراطيتها المباشرة وجود لحاكم ، ولذلك مات خاتم النبيين عليه وعليهم السلام دون أن يعين بعده حاكما لأنه ببساطة لا وجود لحاكم فى الدولة الاسلامية بالمعنى المتعارف عليه فى النظم الجمهورية أو الملكية.
3 ـ أن القرآن الكريم لم يذكر مطلقا كلمة حاكم فى أى من تفصيلاته التشريعية
بل أن لفظ " يحكم " أو "حكم " جاءت بمعنى التقاضى بين الناس فى الدنيا ، وليس الحكم السياسى ، أى الحكم بين الناس وليس حكم الناس كقوله تعالى ( وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ)( النساء58 )هذا فى التقاضى أو الحكم بين الناس فى الدنيا. أما التقاضى بين الناس أو الحكم بين الناس فى الآخرة فهو لله تعالى وحده يوم الحساب حين يحكم بين الناس فى خلافاتهم العقيدية (قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ )(الزمر 46}. باختصارفان افعل " حكم" لم يأت فى القرآن الكريم متعديا أى بمعنى الحكم السياسى أى " يحكم الناس أو يحكم الشعب "، ولكن جاء لازما يحتاج الى ظرف أو جار ومجروربمعنى " يحكم بين الناس" ويكون هنا بمعنى القضاء والتقاضى أى يقضى بين الناس، أو " يحكم ب " أى يحكم فى القضاء بشرع الله تعالى أو شرع غيره . وفى هذا المجال جاء قوله تعالى ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)( المائدة 44 ،45 ،47 }
الاخوان المسلمون والسلفيون يستشهدون بالآيات الكريمة السابقة فى مزاعمهم السياسية ضد الاستبداد المحلى العسكرى والحزبى ، مع أن هذه الآيات الكريمة تحكم عليهم هم بالكفر والفسوق والظلم . انها تنطبق عليهم هم قبل غيرهم لأنهم الدعاة لتطبيق شريعة الفقه السنى المناقضة لما أنزل الله تعالى فى الأصول العقيدية و التشريعية . وهذا ما أثبتناه فى أبحاث عديدة لنا تناولت التناقض بين الفقه السنى والقرآن فى المصطلحات والمقاصد التشريعية والقواعد التشريعية والأحكام والتفصيلات التشريعية. الأمثلة عديدة ، ليس فقط فى تقديس النبى محمد والصحابة والأئمة والأولياء والقبور المقدسة والأسفار والكتب المقدسة وما وجدنا عليه آباءنا ، بل أيضا انكار فريضة الديمقراطية وفرض الحاكمية الاستبدادية وفى استحلال الدماء التى حرمها الله تعالى . فى شريعتهم الشيطانية يوجبون قتل المخالف لهم فى الرأى بتهمة الردة والزندقة ، ويوجبون رجم الزانى وقتل تارك الصلاة وقتل المخالف للسلطان بل جعلوا من حق الخليفة قتل ثلث الرعية لاصلاح الثلثين.
4 ـ ـ أولو الأمر –بالمصطلح القرآنى – هم أصحاب الشأن والاختصاص . أى الخبراء فى الأمر المطروح مناقشته حيث يتعذر على جمهور المسلمين أن يتخصصوا فى كل شىء ، لذا فان طاعتهم واجبة فى حدود تخصصهم وفى اطار طاعة المولى جل وعلا والرسول اى القرآن أو الرسالة. وجاء مصطلح أولى الأمر بهذا المعنى مرتين فقط فى القرآن الكريم { النساء 59 ، 83 } جاء التراث العباسى ليجعل أولو الأمر هم الحكام ويجعل طاعتهم مطلقة حسب تأويلهم للقرآن وتحريفهم لمعناه.
5 ـ جدير بالذكر ان تشريعات القرآن لا تزيد عن مائتى آية معظمها فى حماية الأسرة والمرأة وحماية المجتمع ، وتترك مجالا واسعا للتشريع البشرى الذى يغطى كل احتياجات المجتمع فى اطار العرف أو المعروف أو ما يتعارف الناس عليه على أساس انه القيم العليا والفضائل. وكل تشريع يقننه المجتمع فى اطار هذه القيم العليا يكون تشريعا اسلاميا ، كما أن أى دولة تقيم حقوق الانسان ومعالم العدل وحرية الفكر والعقيدة تكون دولة اسلامية.

(خامسا ) التمهيد السلمى للديمقراطية
بعد الحديث عن تطبيق النبى محمد عليه السلام للديمقراطية المباشرة أو الشورى الاسلامية ، وكيف تحولت تلك الديمقراطية الاسلامية بالتدريج الى استبداد كهنوتى وفق الثقافة السائدة فى العصور الوسطى جاءت خاتمة البحث لتضع أسس نشر الوعى الديمقراطى سلميا بين العرب والمسلمين ـ أى ثقافة الديمقراطية ـ تمهيدا لاقامة الديمقراطية سلميا بلا حروب و لا مذابح ، كما حدث فى الغرب. واستلزم هذا المطالبة بدور سلمى يتدخل به المجتمع الدولى ـ والولايات المتحدة ـ و الأمم المتحدة لحماية الذين يناضلون سلميا فى سبيل الديمقراطية وحقوق الانسان حتى لا تفترسهم أجهزة القمع فى دول الاستبداد ، وفى نفس الوقت تبذل الولايات المتحدة نفوذها لنشر ثقافة الديمقراطية و التعجيل بالاصلاح من داخل الاسلام عبر شبكة من القنوات الفضائية الناطقة بالعربية ، لتصل مباشرة الى العقل العربى والوجدان العربى لتوعيته.
هذا ملخص ما جاء فى البحث . وجرت بعده فى النهر مياه كثيرة ، ودماء أكثر ، مما يستوجب إضافة نوجهها لأولى الأمر فى البلاد العربية ـ قبل الطوفان .
أخيرا
فى إنقاذ ما يمكن إنقاذه
1 ـ نبدأ بالسؤال الهام : اذا كانت الشورى فريضة اسلامية فماذا نفعل اذا اغتصب أحدهم الحكم واستبد به ظالما للناس مصادرا لحقوقهم بالقهر والتعذيب ؟ هنا يتحتم الجهاد السلمى أولا فان لم ينفع فالجهاد بالسلاح ليس فقط لازاحة المستبد الظالم ولكن – وهذا هو الأهم – لاقامة العدل والقسط .
لقد أنزل الله تعالى من السماء شيئين: الرسالات السماوية والحديد. يقول تعالى : (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)(الحديد 25)
إن الحديد لا ينتمى لكوكب الارض وانما هبط اليها وتركز فيها ليؤدى مهمة نعرفها جميعا. الرسالات السماوية هبطت من السماء (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ )أى ليقيموا القسط بينهم، أى هى فريضة على كل الناس ، أن تتحرك لدفع الظلم وإقامة القسط حرصا على سلامة المجتمع من الداخل ومن الخارج. فان لم تتيسر إقامة القسط سلميا بالرسالات السماوية فهناك الحديد ذو الباس الشديد ، أى الحرب ـ أى الجهاد بالقتال فى سبيل إقامة القسط.
2 ـ إن الملاذ الوحيد هو الاصلاح السلمى من الداخل
* ليس المقصود هنا الجهاد على الطريقة السلفية الاخوانية – أى الوصول الى الحكم واستغلال اسم الاسلام العظيم لاقامة دولة دينية كهنوتية استبدادية معادية للاسلام كالدولة العباسية أو العثمانية أو الفاطمية أو السعودية وباستعمال الارهاب أى قتل المدنيين والأجانب – وانما يعنى الجهاد الاسلامى السعى لاقامة دولة اسلامية حقيقية أى بالمفهوم المعاصر دولة مدنية علمانية ديمقراطية تحقق العدل والحرية للجميع، ليس مهمتها ادخال الناس الجنة رغم انوفهم ولكن حماية كل حقوقهم فى هذه الدنيا على أساس المساواة والعدل المطلق بين كل المواطنين.
من أسف ان من يثور على الاستبداد ويطرد المستبد ويحل محله سرعان ما ينسى الشعارات البراقة التى كان يرفعها ويخدع بها الجماهير، لذا سرعان ما يستبد ويطغى ويفسد فى الأرض ويحتاج الأمر الى ثورة جديدة تحمل شعارات أخرى فاذا وصل الثوار الجدد للحكم سكنوا فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم وكرروا نفس الاستبداد.
ونريد ألا نعيد تكرار القصة فيكفى أنهار الدماء التى سالت ، و الأحلام التى ضاعت.
* فى نفس الوقت لا نريد المبادرة بالجهاد العسكرى لأن الحرب فى حد ذاتها مشكلة أكبر ، وفى حالنا اليوم تتحول سريعا الى حرب أهلية ويتم إقحام اسم الاسلام فيها ، وكل فريق يعتقد أنه يملك الحقيقة المطلقة، و وتتسع الساحة للتدخل الأجنبى و لايكون هناك خاسر سوى الوطن والمواطنين والاسلام.
* مع أن عصرنا الحالى ـ عصر الثورة فى الاتصالات والانترنت ـ يساعد على تنفيذ آلية الشورى الاسلامية أو الديمقراطية المباشرة ـ إلا إنه لا بد من مراعاة التدرج ، ليس فقط بالبدء بتعليم الديمقراطية وثقافتها و الوعى بها ، ولكن أيضا فى تطبيق الديمقراطية نفسها ، أى البدء بالديمقراطية المنقوصة ـأى الديمقراطية الغربية القائمة على التمثيل النيابى و الانتخاب و الترشيح . وبعده يمكن تطبيق الديمقراطية الاسلامية المباشرة.
* نظرا لأن اسم الاسلام العظيم قد تم امتهانه وربطه بالحركات الارهابية و المتطرفة فان إخوتنا من المواطنين غير المسلمين يتشككون عندما نتحدث عن ديمقراطية الاسلام، ولا شك أن لديهم الحق فى تشككهم ، فما أقوله يعتبره كثيرون غريبا عن الاسلام ، مع تسليمهم بأن الاسلام دين السلام ودين العدل و القسط ودين الحرية وحقوق الانسان. ومنعا لهذا اللبس فلا بأس من رفع شعار الديمقراطية نفسها دون إضافات دينية اسلامية ، والمطالبة بتطبيق المواثيق الدولية لحقوق الانسان ، وهى فى إعتقادى أقرب ما يكون الى تشريعات الاسلام و القرآن ، و المطالبة بتطبيقها يحقق تعاطفا مع الأمم المتحدة و يجعل النظم العربية مطالبة بتطبيق تلك المواثيق التى قامت بالتوقيع عليها.
*لا بد أن يرتبط التغيير الديمقراطى بحزمة اصلاح تشريعى و دينى و ثقافى واجتماعى و اقتصادى يعززها حرية للفكر و المعتقد ومنع للمصادرة واضطهاد المناضلين سلميا من أجل الاصلاح.
* لكى يتحقق هذا كله لا بد من أن يفهم الحكام أنه الطريق الوحيد لنجاتهم هم من الطوفان القادم الذى يهدد الجميع.
* إن الحاكم المستبد يعيش حياة بائسة من الخوف و القلق وتوقع الأسوأ ، وهو أمام الغرب ضعيف حيث لا يسانده شعبه. أى لا يكسب من الاستنبداد سوى الشقاء. ومن الأفضل له أن يبادر بالاصلاح ليقضى بقية عمره سعيدا آمنا على نفسه محاطا بحب شعبه . لن يعيش أكثر مما عاش ، ولن يتمتع باى شىء طالما ظل فى عناده تطارده كوابيس ضحاياه . وطالما فى العمر بقية فلماذا نبادر بالتوبة و الاصلاح ؟
(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ) ( الزمر 53 ـ )
 

ملحق ( 4 ) صناعة الفرعون : دراسة قرآنية


ملحق ( 4 ) صناعة الفرعون : دراسة قرآنية
سبق نشر هذا المقال فى موقعنا وفى موقع ( الحوار المتمدن )
نتحدث فى هذه الدراسة القرآنية عن فرعون موسى كمثل لكل طاغية أو لكل طامع فى أن يكون طاغية. وموجزالقصة هو فى آية واحدة هى قوله جل وعلا:( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)(القصص 4). ونتوقف مع المصطلحات القرآنية فى الأية الكريمة : .
أولا : (فرعون )
1 ـ لم يحدد القرآن الكريم اسم ذلك الفرعون لكى يجعله رمزا لكل طاغية يصل به استبداده الى التأله ثم الى الهزيمة و الخيبة هو وجنده وعسكره وملائه .
ومع الالحاح القرآنى على قصة فرعون وتناولها من نواح مختلفة و توضيح عقلية الطغاة من خلالها إلا إن المسلمين فى تاريخهم كرروا نمط الفرعون فى تاريخهم السياسى منذ أن أقاموا لهم بالقوة والعنف امبراطوريتهم ، وحتى الان .
وبينما ينعم الغرب بديمقراطية تخلص بها من الطغاة منذ قرنين واكثر ، وبينما يتهيأ العالم الثالث لاستقبال رياح الديمقراطية فان دول المسلمين ـ التى تزعم أنها تتمسك بالقرآن ـ لا تزال تئن تحت حكم الطغاة الذين جلبوا لها العار والفقر والتخلف .
2 ـ وبينما تهب حركات المعارضة فى العالم الثالث تنادى بالحرية وحقوق الانسان والعدل وحقوق المواطنة وتتمسك بالمواثيق الدولية للأمم المتحدة فان أقوى حركات المعارضة فى بلاد المسلمين هى التنظيمات الوهابية ـ وأبرزها الاخوان المسلمون ، وهى تعادى الديمقراطية وحقوق الانسان وحقوق المواطنة و المواثيق الدولية لأمم المتحدة ..
3 ـ ومع هذا التناقض مع حقائق الاسلام وقيمه العليا فى العدل والحرية و السلام و التسامح فانهم يزعمون أن ( القرآن دستورنا ).
ولم يفكر أحدهم فى قصة فرعون التى تنطبق على خلفائهم السابقين ، بل على العكس يريدون إعادة حكم الطغاة بنفس الملامح الفرعونية التى فصّلها القرآن الكريم.
4 ـ أرأيتم ما نحن فيه من بلاء؟
أرأيتم كيف يقع المسلمون ضحية بين فرعون قائم وفرعون قادم ؟
ثانيا : (علا)
1 ـ " العلو " لا يكون إلا لله تعالى فقط .
ولذا يقول المؤمن عن رب العزة " سبحانه وتعالى " .
ولذلك فإن الله جل و(علا ) ينفى ما ينسبه له البشر من صفات بشرية ، لأنه جل و(علا ) يعلو ويسمو عليها ، يقول سبحانه و (تعالى ) : (وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ) ( الأنعام 100).
فالعلو هو صفة الاهية لا يوصف بها إلا الخالق جل و(علا ) ، ولو فرضنا ـ جدلا ـ وجود آلهة مع الله لتنافسوا فى (العلو ) وتحاربوا ودمروا المخلوقات ، ولكن ليس للوجود سوى خالق واحد سبحانه وتعالى أن يكون له شريك ، واقرأ معنى هذا فى قوله جل و ( علا ) : (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ )
( المؤمنون 91 )(قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا) ( الاسراء 42 ـ ).

2 ـ ولكن فرعون (علا ) اى استعلى واستكبر ورفع نفسه فوق مستوى قومه ، وتلك أبرز خصائص المستبد ، فالأصل أن الناس سواسية ، تتساوى رءوسهم من حيث الحقوق والواجبات ، وهذا هو شرع الله جل وعلا القائم على العدل ، ولكن يدمر المستبد هذا العدل حين ( يعلو ) على قومه ، ويتميز عليهم . وهذه صفة الفرعون فى كل زمان ومكان .
3 ـ ولهذا يرفض الفرعون أى دعوة للهداية لأنها ستخفض قامته لتتساوى بغيره ، ولأنه سيفقد (رفعته ) و ( علوه ). دائما يكون الحق واضحا يستحوذ على تصديق كل إنسان ، حتى فرعون ، ولكن فرعون وآله وقومه وحاشيته ، مع ايمانهم بالحق فى قلوبهم فانهم يجحدونه بألسنتهم وأفعالهم ، حرصا على هذا ( العلو ) الممقوت ، لذا يقول رب العزة عن موقفهم من دعوة موسى عليه السلام : (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) ( النمل 14 ).
4 ـ وبهذا ( العلو ) قابل فرعون المتعجرف المتأله موسى ودعوة موسى ، بل تطرف فى إدعاء العلو الى درجة الزعم بأنه (الرب الأعلى ) : وأعلن هذا فى مؤتمر حاشد جمع له قومه،أو (حزبه الوطنى ) ، يقول جل وعلا (فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ) ( النازعات 23 : 24 ) ، أى لم يزعم مجرد الربوبية ، بل زعم أنه ( الرب الأعلى ) . أى إنه وضع نفسه أعلا من مكانة رب العزة جل و( علا ) ، لذا جاء فى نصح موسى لفرعون :( وَأَنْ لّا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ ) ( الدخان 19 ).
5 ـ وبهذا الزعم بادعاء ( العلو ) أسرف فرعون تطرف فى الاثم العقيدى وفى الاثم السلوكى أيضا بارهاب بنى اسرائيل بالتعذيب حتى يبتعدوا عن موسى الذى جاء لخلاصهم وتحريرهم من قمع فرعون وظلمه .
وفعلا فبسبب الرعب من تعذيب فرعون وزبانيته ابتعد معظم قوم موسى عن موسى ، يقول جل وعلا :( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ) ويأتى التعليق الالهى يصف فرعون : (وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) ( يونس 83 ). وهنا يوصف فرعون بصفتين متلازمتين هما ( العلو والاسراف ). والاسراف هو المصطلح القرآنى لما نسميه فى ثقافتنا المعاصرة بالتطرف .
6 ـ وجاء وصف فرعون بالعلو والاسراف فى نفس سياق تطرفه فى تعذيب بنى اسرائيل فى قوله سبحانه وتعالى :(وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ ) ( الدخان 30 :31).
ونلاحظ فى الآيات الكريمة السابقة ارتباط العلو والاسراف بارتكاب التعذيب للمستضعفين.فحتى يخضع الناس للعلو الفرعونى المزعوم لا بد لفرعون من ارهابهم بالتعذيب ، وكذلك اشتهر بالتعذيب فرعون موسى ، وسار على سنته كل فرعون بعده من خلافة عثمان الى رئاسة مبارك وصدام وغيرهم. والعجيب إن الذى يتصدى لهم ويدافع عن ضحاياهم هى منظمات حقوق الانسان الغربية التى تتمسك بالفضيلة الاسلامية (الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر ) . قارن بين تلك المنظمات النبيلة وبين ما يفعله خنازير الهيئة المسماة بالأمر بالمعروف و النهى عن المنكر فى الدين السّنى الوهابى ، الذين يرعبون المارة فى الطريق والآمنين فى بيوتهم ويتسلطون عليهم لارهاب الناس لصالح المستبدين المنحلين المترفين فى قصورهم . ويرتكبون هذا البغى باسم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
7 ـ والعجب أن الفرعون المسرف هو الذى يتهم خصومه بالتطرف ، مع إنه الأشد تطرفا . وقلنا إن مصطلح ( الاسراف ) فى القرآن الكريم يعنى التطرف فى ثقافتنا الراهنة . وقد تردد وصف فرعون بالاسراف ثلاث مرات فى سورة (غافر ) وحده ، يقول عنه (مؤمن آل فرعون )(إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ)،ويقول نفس الأمير الفرعونى المؤمن عن قومه فى معرض الدعوة:( كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ )(وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ )(غافر 28 ، 34 ، 43 ).
ونلاحظ أيضا اقتران الاسراف بادمان الكذب (مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) و الارتياب والشك وسوء الظن (مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ ).وكل فرعون هو مدمن للكذب ، ويمتلىء بسوء الظن والارتياب فى كل من حوله.
فهو لأنه يخدع الناس يعتقد أن الآخرين يريدون خداعه والكذب عليه بمثل ما يكذب هو .
8 ـ ولأن الحاكم المستبد بالأمر هو من يعلو على الناس أى يتسيد عليهم فإن الديمقراطية المباشرة من جذور عقيدة الإسلام التى لا يعلو فيها إلا الله تعالى وحده ، والتى يكون فيها الحاكم خادما للناس وليس مستعليا عليهم ، والتى يكون فيها المتقون هم الذين لا يريدون علوا فى الأرض ولا فسادا ، وذلك ما أشارت إليه نفس سورة القصص :(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ : القصص 83 ).
9 ـ وبهذه الآية الكريمة التى تصف المتقين المسلمين (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ : القصص 83 ) نعظ (الاخوان المسلمين ) إذا كانوا فعلا يريدون أن يكونوا مسلمين ، وأن يكون القرآن الكريم دستورهم والنبى محمدا عليه السلام زعيمهم وإمامهم .
فخاتم المرسلين كان مأمورا بالشورى يستمد سلطته من الناس وليس من رب الناس ، مصداقا لقوله جل وعلا : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) ( آل عمران 159 )، أى من يستنكف عن الشورى ومن لا يؤمن بالمبدأ الاسلامى أن الأمة هى مصدر السلطات إنما يكون قد رفع نفسه فوق مقام النبى محمد عليه السلام. وفعلا فإن من ينكر أن الأمة هى مصدر السلطة يؤمن بالنقيض وهو أن المستبد الثيوقراطى يستمد سلطته من الله عز وجل ، أى يجعل ذلك المستبد ـ بالكذب والافتراء ـ الاها على الأرض يمارس سلطة الله تعالى على الناس، أى يجعل ذلك المستبد ( يعلو ) على الناس الى درجة أن يكون وحده المختار من بين الناس للتحكم فى الناس ولأن يتملك الناس وأموال الناس ومصائر الناس ، وهذا لا ينافى فقط العدل و القسط فى الاسلام ، ولا يناقض فقط قيمة الحرية فى الاسلام بل ينافى قبل كل شىء عقيدة الاسلام التى تقصر التأليه و التقديس على الله جل وعلا وحده ، بحيث لا يكون من حق أى فرد من البشر العلو فوق مستوى بقية البشر.
وكل ذلك فى التأكيد على أن الشورى الاسلامية الحقة أو الديمقراطية المباشرة الكاملة جزء من عقيدة ( لا اله الا الله ) على نحو ما سبق تفصيله فى مؤلفات لنا سابقة.
وهنا ننبه ونعظ من يهمه الأمر (الاخوان المسلمون ) بإن المؤمن الذى يتقى الله تعالى هو الذى لا يريد أن يعلو على الناس ويتسيد عليهم بالمنصب أو الجاه ، ولا يريد أن ينغمس فى عمل سياسى يصل به إلى العلو على الناس أو رئاستهم بالجاه والنفوذ وارتكاب الفساد .
10 ـ هذا العلو هو قرين الفساد . وها ما يتجلى فى خصائص الفرعون . ونناقش هنا فى سياق الوعظ للاخوان المسلمين صلة العلو المنهى عنه بالفساد .
إن العلو يستلزم استعمال اساليب تتنافى وخلق المؤمن مثل الكذب والغش والخداع والتضليل والنفاق و الكلام المزدوج حتى يصل الى الحكم ، وعندها لا بد أن يحافظ عليه من الطامعين باللجوء الى الظلم والقهر واستعمال العنف و التعذيب ـ بعد أن أوهمهم بقيم وأحلام استعادة الحقوق فى المساواة والعدل . وكل ذلك فساد فى الأرض لأن أساسه الكذب والافتراء .
وأسوأ أنواع الكذب والخداع فى السياسة ليس الكذب ( العلمانى ) الذى يمارسه خبراء ومحترفو العمل السياسى ، ولكنه الخلط بين الاسلام و الطموح السياسى ـ أى أن يتخذ بعضهم من اسم الله جل وعلا ودينه وسيلة ـ ولا نقول مطية ـ حاش لله جل وعلا ـ للوصول الى تحقيق حلمه بالوصول للسلطة و الثروة ، يزعم أن ( القرآن دستورنا ) وهو يكذّب بالقرآن كله لو تعارضت آية منه مع حديث من أحاديث دينه الأرضى ، و لا يرى فى القرآن إلا مجرد شعار يرفعه ـ دون أن يفهمه ودون أن يتعقله ودون أن يدرسه ودون أن يؤمن به .
هذا هو أسوأ أنواع العلو السياسى أو ( الطموح السياسى )المرتبط بالفساد لأنه الذى يصل بصاحبه سريعا من الاستبداد العادى العلمانى الى إدعاء الالوهية ليسير على سنّة فرعون .
والبداية تتمثل فى ذلك الذى يخلط الدين بالسياسة محتكرا لنفسه دين الله جل وعلا (الاسلام ) ليكونوا وحدهم ( المسلمون ) أو ( الاخوان المسلمون ). وتأتى المرحلة الثانية وهى الزعم أنهم المتحدثون باسم الله تعالى فى الأرض ، وأنهم المختارون من الله جل وعلا لحكم الناس ليكون الناس رعية مملوكة لهم باسم الله ـ كذبا وبهتانا. وهذا ما تقوم عليه (التربية ) عند الاخوان المسلمين ـ أى غسيل مخ الناس بالتحكم فى التعليم و الأزهر والاعلام والثقافة ليقنعوا الناس أن دينهم السّنى الوهابى هو الاسلام ، وأن من يناقشه هو مرتد خارج عن الاسلام ـ فطالما خرج عليهم وأنكر أحقيتهم بتجسد دور الله تعالى فقد كفر عندهم بالله جل وعلا.
وذلك هو ( العلو ) الممقوت الكافر الذى يحاول به صاحبه أن ( يعلو ) فوق مستوى البشر فيضع نفسه فى مقام الالوهية ، حتى لو لم يكن يدرى مغزى ما يفعل .
هذا ( العلو ) الممقوت هو سقوط فى الحضيض لن يدركه أصحابه إلا يوم القيامة وهم يرون أنفسهم فى الدرك الأسفل من النار ، وتلك منزلة المنافقين : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)(النساء 145 ) ومنزلة دعاة الإفك و البهتان والكذب على الرحمن، والله جل وعلا يصف تعذيبهم فى جهنم فيقول : (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاء الْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ)( الدخان 43 ـ )
هذا الكذب على الله جل وعلا يترفع عنه المؤمنون بالله تعالى واليوم الآخر لأنهم حريصون على النجاح فى الآخرة و ليس العلو فى الدنيا على حساب الآخرة .
ثالثا : كيف علا فرعون ؟
1 ـ بالقوة أو بالعسكر.
الأصل أن يكون العسكر لحماية الشعب ، فهم أبناء الشعب الذين ينفق عليهم الشعب ليدافعوا عنه. ولكن العسكر يقومون بالعكس إذ بدلا من قيامهم بالدفاع عن الشعب يكونون اساس قهر الشعب لتأمين سطوة الفرعون، بهم يعلو فرعون فى الأرض ، وهذا العلو يعنى ان تكون أقدامه وأقدام عسكره فوق رءوس الشعب دافع الضرائب .
2 ـ ولقد كانت دولة الرعامسة التى ينتمى اليها فرعون موسى دولة عسكرية.
ومن إعجاز القرآن الكريم التاريخى أن يقرن فرعون موسى بالجنود والقوة الحربية (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ) ( البروج 17 ـ ) فالآية هنا تجعل فرعون جنديا ضمن جيشه الذى هو نسخة منه. لذلك فان جنده كانوا صورة من طغيانه من البداية فاستكبروا وطغوا معه بطغيانه واتبعوه فى مطاردته لبنى اسرائيل فانتهوا معه الى جوف البحر :(وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ)( القصص : 39 ) أى ان فرعون وجنده استكبروا فى أرض مصر ظلما وعدوانا ، وهل هناك أظلم وأجبن من جيش تكون مهمته هى حماية الشعب فيخون هذه الأمانة موجها سلاحه نحو الشعب الذى أنجبه ويقوم بالانفاق عليه ؟؟
3 ـ ومن خلال طغيانهم نظروا الى (الرعية ) بعين الشك والارتياب ،إذ كانوا ـ شأن كل طاغية ظالم يتوقع ويخشى من اشباح ضحاياه ، وكان أبرز ضحاياهم بنى اسرائيل .
بنو اسرائيل هم ذرية اسرائيل أو نبى الله يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم . وقد جاء يعقوب وبنوه الإحدى عشر تلبية لدعوة ابنه يوسف حين كان يوسف عزيز مصر أثناء حكم الهكسوس . وهذا ما تخصصت فيه سورة يوسف .
أى كان ليعقوب ـ أو اسرائيل ـ 12 رجلا ـ تكاثروا فى مصر فتكونت منهم 12 قبيلة.
وجاء احمس الأول فقضى على حكم الهكسوس و مهد لاقامة أول امبراطورية مصرية قديمة توسعت فى شرق سيناء ، وبلغت اوج قوتها فى عصر الرعامسة الذين حولوا مصر من النظام الاقطاعى الى نظام حكم عسكرى مركزى تتجمع السلطات فيه فى يد الفرعون القائد الأعلى للعسكر و القائد الأعلى للشرطة و القضاة ولكل شىء فى مصر ( لاحظ أن فرعون مصرى الحالى هو القائد الأعلى لكل شىء ). وتاسست عبادة الفرعون المتأله ، ولكن كان يؤرقه أن بنى يعقوب أو بنى اسرائيل لم تتأصل فيهم عبادة الفرعون لكونهم ذرية الأنبياء ابراهيم واسحق ويعقوب و يوسف والأسباط الذين توارثوا الوصية بأنه لا اله الا الله (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَـهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) ( البقرة 132 ـ ). ولأن سلطة الفرعون تعتمد أساسا على التسليم المطلق له وباستغلال الدين لاخضاع الناس لسلطة الفرعون المستبد فان أى شك دينى فيه يضع ويحوى بذور التمرد السياسى ، لهذا كان لا بد من الشك والريبة فى بنى اسرائيل خصوصا وانهم كانوا فى العهد (البائد ) موالين للهكسوس .ولهذا استعمل الفرعون اقسى الاضطهاد مع بنى اسرائيل إذ كان يقتل أبناءهم ويستبقى نساءهم للخدمة .
وشاء الله تعالى ان يستعمل فرعون نفسه ليقوم على رعاية موسى ليكون موسى محققا لما كان يخشى منه فرعون وهامان و جندهما ، يقول تعالى عن المظلومين من بنى اسرائيل : (ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) ( القصص 6 ). وهنا نرى ارتباط فرعون بالعسكر أو الجند ، فهامان هنا هو رئيس الجند(ونري فرعون وهامان وجنودهما) وهو أيضا رئيس الوزراء ايضا الذى يطلب منه الفرعون بناء صرح عال يصل الى السماء ليستطيع فرعون ان يرى (إله موسى ) : (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ) ( غافر 36 ـ )أى أن حركة فرعون فى الطغيان ارتبطت بجنده وعسكره وبهذا العسكر علا فى الأرض .
وما مصير علوه وطغيانه ؟
ولأن فرعون قام بتجريد الشعب من القوة و احتكرها لنفسه ووجهها نحو الشعب المسكين فان هذا الشعب المسكين لا يستطيع مواجهة الفرعون وعسكره وبالتالى فليس لهذا الشعب المسكين من ملجأ سوى الله جل وعلا لينتقم له من الفرعون وعسكره وجنده . ولذلك فان عسكر فرعون قد صحبه الى النهاية غرقا فى البحر الأحمر (فاتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم ) ( ط 78 ) (فاخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم ) ( الذاريات 40 ) (فاخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين )( القصص : 40).لاحظ هنا ارتباط فرعون بجنده من البداية الى النهاية فى قاع البحر الأحمر .
الطاغية فرعون استكبر ان يهرب بنواسرائيل من التعذيب . ان المنطق يفرض عليه أنه طالما يكرههم فليتركهم يرحلون أو يقوم هو بنفيهم ، لكن عقلية الطغيان تجعل الطاغية يعتقد أن له التحكم فى قلوب الرعية الخانعة فلا تحب الا باذنه و لا تؤمن الا بعد موافقته ، ففرعون هذا هو الذى نقم على السحرة (أتباعه ) أنهم آمنوا بموسى قبل أن يأخذوا الاذن من الفرعون (قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ) ( الاعراف 123 ـ ) أى تخيل ان ايمانهم بدون إذنه يعنى مؤامرة تحاك ضده فامر بصلبهم و قطع ايديهم وارجلهم . لذا استكبر فلرعون هرب بنى اسرائيل من عذابه ، فقام بمطاردتهم لاهلاكهم عالما بأنه لا يطارد فقط بنى اسرائيل بل يطارد اثنين من أنبياء الله جل وعلا هما هاروم موسى عليهما السلام.
لذا كان لا بد من التدخل الالهى فقال تعالى لموسى (واترك البحر رهوا انهم جند مغرقون ) (الدخان 24 ). وأيضا ليس الحديث هنا عن فرعون بل عما يمثله فرعون وهو حكم العسكر ، أو الجند (انهم جند مغرقون )
هؤلاء الجند وأولئك العسكر كانوا يتحكمون فى الثروة المصرية (ولا يزالون ) ولذلك فانهم بعد غرقهم تركوا خلفهم تلك الثروة الزراعية من أطيان وحدائق وقصور و ثروات ، تقول الايات التالية عن ثرواتهم التى خلفوها فورثها بنو اسرائيل : (وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ) (الدخان 24 ـ )
وهنا إشارة تاريخية لحقبة مجهولة من التاريخ المصرى تفيد أنه بعد أن غرق فرعون وجنده وبعد أن سقط نظام حكمه عاد بنو اسرائيل وتمتعوا بالثروة التى خلفها نظام الحكم (البائد ) ، فى سورة الاعراف يقول تعالى أن بنى اسرائيل شكوا لموسى الاضطهاد الذى انزله بهم فرعون قبل وبعد مجىء موسى فاخبرهم موسى بوعد الله جل وعلا لهم بأن يرثوا ملك فرعون بعد هلاكه : (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) ( الاعراف 128 ـ )
وهذا ما حدث فعلا حين بلغ فرعون الدرجة الكبرى من الظلم و التحدى لله جل وعلا فاستحق مع جنده انتقام العزيز الجبار : (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ ) وتقول الاية التالية عن بنى اسرائيل وقد رجعوا ليرثوا ارض مصر وكنوزها ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ) (الاعراف 136 ـ ) الحديث هنا عن جند فرعون بأنهم (قوم فرعون ) الذين ابتلعهم معه البحر الأحمر. قوم فرعون هنا هم جند فرعون و ليسوا اهل مصر الفلاحين الغلابة المقهورين الذين أذلهم فرعون بجنده وعسكره.
تحرر أهل مصر أو شعب مصر بغرق فرعون وآله وقومه وجنده ، وهناك إشارة خفية الى قيام الاسرائيليين والمصريين بنهب قصور فرعون وتدميرها عن آخرها (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ). وهى ايضا إشارة الى أن التغيير فى مصر ـ صاحبة أقدم ديكتاتورية فى التاريخ ـ يأتى دائما من السماء ، أى موت الفرعون المستبد .. وهذا ما ينتظره المصريون اليوم ويحلمون به صباح مساء .!!
وفى تفصيل آخر عن نهاية فرعون وجنده يقول تعالى : (وجاوزنا ببني اسرائيل البحر فاتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا ) أى بعد أن إجتاز موسى ببنى اسرائيل البحر الأحمر لحقهم فرعون بعسكره وجنده باغيا معتديا فانطبق عليهم البحر ، عندها أدرك فرعون نهايته الحتمية ، فاستيقظت فى داخله الفطرة التى غطاها عناده وكفره وطغيانه فهتف يعترف بأنه لا اله الا الله وانه من المسلمين أى الذين أسلموا لله جل وعلا و خضعوا له :( حتى اذا ادركه الغرق قال امنت انه لا اله الا الذي امنت به بنو اسرائيل وانا من المسلمين ) ( يونس 90 ) ولأنه اسلام عند الاحتضار بعد تاريخ طويل من الطغيان فان الله تعالى رفض توبته (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ) (يونس 91 ـ )

رابعا : ( وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا)
1 ـ تحدثنا عن قوله تعالى (إن فرعون علا فى الأرض ) موضحين أن فرعون علا بعسكره وجنده على الشعب المصرى فاستحق العقاب الالهى. ولكن هل كان استعمال الفرعون للقوة العسكرية عشوائيا أم بسياسة مخططة ومحكمة؟..الاجابة فى نفس الاية فى قوله تعالى (وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا) . وهنا نتوقف فى صناعة الفرعون مع قوله جلّ وعلا :( وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا)
2 ـ وهناك إشارة غاية فى الاعجاز عن النظام الطبقى فى مصر فى عهد فرعون موسى ؛ فالعادة أن يقال (الملأ )عن الطبقة العليا المسيطرة المترفة التى تعادى الأنبياء ، ولكن وردت تلك الكلمة بصيغة الجمع لتدل على فرعون وملائه وملأ الملأ ، يقول تعالى (َفَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ) ( يونس 83 ) ثم بعد الملأ يأتى الشعب ، وفى الحضيض يأتى من قرر الفرعون إستضعافهم ، وكانوا فى هذا الوقت بنى إسرائيل .
3 ـ ونعود الى الفرعون ، فلكى يصل إلى العلو والسيطرة على الناس لابد من قهرهم أى لابد من إستعمال سبل الفساد والإفساد وهذا ما فعله " فرعون " حين " علا " فى الأرض .
أى أنه " علا " فى (الأرض) التى هى مصر بإستخدام طرق معينة أشارت إليها الأية الكريمة " وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا " أى قام بإتباع سياسة " فرق تسد " أى تقسيم المصريين إلى فرق وطوائف وطبقات ، دينية ومذهبية وعرقية . فالمفروض أن كل من يعيش فى مصر وعلى أرضها هم أهلها.
وكونهم جميعا " أهل " مصر يفيد المساواة بينهم جميعا،ولكن الفرعون لابد أن يضع التفرقة بين أهل مصر ، فيقسمهم ، ويجعل أعوانه هم الملأ ، ويضع ترتيبا هرميا لهذا الملأ .
4 ـ والمستفاد من الأية الكريمة أن الله تعالى جعل بنى إسرائيل من أهل مصر حين قال" وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ " فتلك الطائفة المستضعفة هم من أهل مصر ،وعليه فإن الجنسية المصرية – طبقا للقرآن الكريم – يجب أن تكون حقا لكل من عاش فى أرض مصر سواء إنتمى إليها بالجنس أو العرق أو الدين أو كان مختلفا عن معظم أهلها .... الفيصل هو أن يعيش على أرض مصر ليكون مصريا .... وهكذا يرفض رب العزة فى تلك الأية الكريمة أى تفرقة بين البشر الذين يعيشون فى مصر منذ مجىء أسرة يوسف عليه السلام ومعهم أبوه يعقوب عليه السلام ، فتناسل أبناء يعقوب أو ( إسرائيل ) الأثنا عشر وصاروا أثنا عشر قبيلة ، أصبحوا أبناء إسرائيل واختلفت عقائدهم وعوائدهم عن بقية المصريين ، فاستحقوا غضب فرعون وفقا للمعايير التى لديه ، وبالتالى كانوا ضحية مثاليه له فى سياسته فى التفرقة بين أبناء الوطن الواحد . وهنا درس يجب أن نفهمه من شريعة القرآن العظيم فى أن المساواة التامة والكاملة هى أساس المواطنة ، وأن المواطنة تتحقق بمجرد العيش فى وطن واحد، وأن التفرقة بين أبناء الوطن الواحد ضد شريعة الله – سبحانه وتعالى – وتؤسس للإستبداد السياسى والدينى.
5 ـ ونعود للأية الكريمة " إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ " ، " يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ " أى إستضعف طائفة من أهل مصر هم بنوإسرائيل ( المصريون ) . ونتوقف مع مصطلح " يستضعف " ." الألف والسين والتاء " إذا جاءت فى أول الفعل الماضى أفادت طلب الشىء ، تقول " إستقتل " أى قاتل بشجاعة طلبا للقتل ،و" استمات " أى قاتل بشجاعة طلبا للموت ،" إستكتب " أى طلب أن يكتبوا له .... وهكذا حين يقال "إستضعف " أى طلب ضعفهم ، أى اتخذ من الوسائل ما يجعلهم ضعافا . وفى داخل كلمة " إستضعف " تكثيف لسياسات إتبعها فرعون مع تلك الطائفة المصرية " بنو إسرائيل " من الإرهاب والقهر والتخويف وتلك هى سياسة كل فرعون مستبد إذ يلجأ إلى توقيع أقصى العقوبة وجعلها علنية يشهدها الجميع كى يرعب الجميع ، وفى قصة فرعون موسى نجده قد هدد السحرة بتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف ثم يعلقهم مصلوبين على جذور النخل ليجعلهم عبرة " قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ :الأعراف 123-124 " ، " قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى : طه 71 " .إذن هو إستخدام القوة المفرطة لإحداث رعب داخل النفوس يجعل البشر يختارون الإستسلام والخنوع والرضى بالذل ، أى بإختصار هو " القهر " ، وهذا ما فعله فرعون ببنى إسرائيل ، أنه قهرهم ...
6 ـ وبالتالى فإن مقاومة القهر تبدأ بالنفس ، أى أن يقهر الأنسان القهر بداخله ويتقبل فكرة الموت ويسعى إليه ثابتا مؤمنا بأن الموت حتمى لا مفر من مواجهته ، وأن كل إنسان لابد من أن يموت فى الموعد المحدد له سلفا وفى المكان المقرر له من قبل خلق الكون . وحين يستميت الأنسان أو " يستقتل " أى يطلب الموت والقتل ولا يخاف منهما لا يمكن أن يخضع لحاكم مستبد ، فإذا كانت تلك هى العقيدة السائدة لدى أى شعب فلا يمكن أن " يعلو " عليه حاكم ، بل تكون الحكومة هى التى تخاف من الشعب ، أما إذا حدث العكس وارتعب الشعب من السلطة فإن تلك السلطة تتغول على حساب الشعب وتمتطية وتقهره ، حتى لو كانت من أبناء الشعب نفسه .
7 ـ ولأن العلاج يبدأ من النفس ، ولأن المرض هو فى النفس فإن الله تعالى يجعل إرادة التغيير مرتبطة بالإنسان نفسه ، فإذا أراد الشعب أن يتحرر فلابد من أن يقهر الخوف فى داخله ، وبالتالى تأتى إرادة الله تعالى تاليه ومؤكدة لإرادة الشعب " إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ : ( الرعد 11 ) " .
8 ـ وعليه فإن ثمة صراع غير مرئى يجرى بين الحاكم الفرعون والشعب ، لأن الشعب إذا قام بتغيير نفسيته من الخوف والخنوع إلى الشجاعة والمواجهة فإنه لابد من أن يقهر الحاكم ويحوله إلى خادم له كما يحدث مع الشعوب القوية الديمقراطية الأبية .ومن هنا يحرص الحاكم المستبد الفرعون على مطاردة الأفكار التى تنتج وعيا بالحقوق ، والتى تشجع الشعب على أن " يغير " الخنوع إلى شجاعة وإقدام واستهانه بالموت فى سبيل حياة كريمة .وإذا نجح الشعب فى هذا الإختبار فإنه لن يكون هناك فرعون ليعلو فوق الشعب ويستضعف الشعب ، بل سيكون مجرد خادم لهم بأجرة ومدة محددة ويتعرض خلالها للمسائلة والتحقيق والعزل حسب درجة طاعته للشعب .
9 ـ ولأن فرعون قد إستحوذ على القوة والأغلبية فقد أصبح سهلا عليه أن يستضعف طائفة من أهل مصر ( بنو إسرائيل ) فاستخدم معهم ما يعرف الأن فى قانون الإستبداد الشرقى الحديث بـ " هيبة الدولة " وهيبة الدولة تتحقق بالتعذيب ، فالتعذيب هو أساس الملك الإستبدادى تماما كما أن العدل هو أساس الحكم الديمقراطى ... وبالتعذيب يتم تحويل المواطنين إلى دواب يركبها فرعون وملأه وجنده . وطبقا لهيبة فرعون الذى هو الدولة فقد قام بإستضعاف بنوإسرائيل بأن يذبح أبنائهم الذكور ويسبى نسائهم ..
10 ـ والذى ينساه فرعون وكل فرعون أنه يصنع بنفسه نهايته المأساوية ولذلك فإن فرعون موسى هو بنفسه الذى قام بتربية موسى ، وموسى هو الذى قضى على فرعون وملكه وأنقذ بنى إسرائيل .يقول تعالى عن موسى وهو طفل فى المهد ملقى فى النيل " فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ : القصص 8 " . لقد تخصصت سورة القصص بتفاصيل قصة موسى وفرعون ، وجعلتهما معا عنوان القصة منذ البداية ، فال تعالى " نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ : ( القصص 3 ) "ثم قال تعالى بعدها " إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ ......" .أى هو درس لقوم يؤمنون . والقوم المؤمنون عليهم أن يعرفوا مغزى القصة ، قصة فرعون التى تكررت فى أكثر من عشرين سورة قرآنية . ولكن المفجع أن المسلمين لم يفهموا معنى القصة حتى الأن ، إذ لا يزالون يعيشون تحت حكم الفراعنه المستبدين حتى الأن .
والسبب أنهم - المسلمون – لم يغيروا ما بأنفسهم من خنوع وخوف وذل وجبن ..
وقديما قال الشاعر
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت بإيلام.....

خامسا :
( صناعة الاستضعاف ). ( يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ )(القصص 4)
نعيد التركيز على صناعة الاستضعاف لأنها الأساس فى صناعة الفرعون :
1 ـ فالسين والتاء فى أول الفعل تفيد الطلب ، ( إستضعف فلانا ) أى طلب أن يكون هذا الفلان ضعيفا ، ومثله قوله جل وعلا (وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) الأنفال ) : ( إستنصر ) أى طلب النصرة . ومثله ( إستمع ) أى طلب السمع ، كقوله جل وعلا :( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (18)( الزمر )(وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) ( الاحقاف ).
2 ـ كان لا بد للفرعون أن يستضعف بنى إسرائيل ، أى أن يتخذ وسائل لاضعافهم ليتحكم فيهم بالقتل والسبى ، ليجعلهم عبرة للآخرين . وبهذا الإستضعاف لطائفة من أهل مصر ( يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ ) يؤسّس سياسة ( فرّق تسد ) أى وصم طائفة من الشعب بأنهم عدو للشعب ، وتوجيه الغضب نحوهم ، وأتهامهم بالتآمر ونشر الرعب والخوف منهم ، وبالتالى يستسلم باقى الشعب لحماية الفرعون ، ويضحّون بحريتهم مقابل الأمن الذى يجلبه لهم الحاكم المستبد ، وفى نفس الوقت فإن التعذيب الهائل الذى يوقعه الفرعون المستبد بتلك الطائفة ينال كل من يتعاون معهم او يتعاطف معهم من بقية الشعب ، وهذا التعذيب ينتشر ليخيف ويرهب بقية الشعب ، ويصبح كل فرد مرعوبا من أن يطوله الاتهام بالخيانة ، ويتعرض للأغتقال والتعذيب . وبهذا يتحول إستضعاف طائفة من الشعب الى إستضعاف الشعب كله ، وبالتالى أيضا يستأثر الفرعون بكل القوة والثروة . ويصبح المستبد وحده . وهذا ما فعله هتلر ، إذ بدأ بإضطهاد اليهود ، وانتهى الى تدمير الشعب الألمانى .
3 ـ إن الحكم الاستبدادى هو الانفراد بالقوة والسلطة بحيث لا يكون لشعبه عند المستبدوزن ، بل يعتبر نفسه وصيا على ذلك الشعب الذي لم يبلغ بعد درجة المسئولية والأهلية، وهذا الحاكم المستبد يعتبر نفسه مصدر السلطات كلها ، فهو نفسه مجلس الشورىوالمشير وهو المستشار وهو الحاكم بأمره في كل شئ ، ومن هنا تكون المشورة في نطاقسلطاته التي يمنحها لنفسه ، غاية ما هنالك انه يستشير نفسه أو يعين مجموعة من الخدملتفكر له فيما يرضيه .. وعلى الشعب الطاعة لأنه مجرد من القوة ، فقد احتكر الحاكمالقوة لنفسه. وهنا تتم صناعة الفرعون ، أى الدكتاتور الفج المطلق الذي يحكم بالقوة ويستشير نفسه أو خدمةوحاشيته ، والشعب مجرد قطيع وقع في أسره وتحت هيمنته وسيطرته ، حيث احتكر ذلك المستبدلنفسه القوة ومارس من خلالها الشورى .. لنفسه.
4 ـ وفرعون موسى وصل به الاستبداد ألي درجة ادعاء الألوهية والربوبيةالكبرى " فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى (24) " (النازعات ) " وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (38) " القصص .وبذلك الاستبداد الذي وصل به ادعاء الألوهية كان يتعامل مع الحاشية حوله ، أو الملأ الذي يفكر فيما يرضى الفرعون ،وكانت آراء الملأ أو الحاشية تأتى طبقا لما يريده الفرعون حتى أن القرآن الكريمينسب الأقوال الواحدة مرة لفرعون ومرة أخرى للملأ ليدل على أن الملأ أو الحاشية جزءلا يتجزأ من الفرعون ، وان فرعون حين كان يستشيرهم لا يسمع صدى صوته أو صدى صوتهم: راجع سورة الأعراف (قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) ) وسورة الشعراء : ( قَالَ لِلْمَلإٍ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) . أيضا راجع سورة الأعراف ( وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) ، وسورة غافر ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (25) وفي النهاية فان فرعون يقول لهم " ما أريكمإلا ما أرى وما أهديكمإلا سبيل الرشاد " قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) غافر . أي انه لا يتصرف ألا برأيه ، ورأيه هو الهدي وسبيلالرشاد ، وذلك هو نهاية المطاف في الشورى عنده .
5 ـ والأرضية التي كان يستمد منهافرعون سلطته الاستبدادية هي انفراده بكل عناصر القوة. والتاريخ الفرعوني يؤكد أن عصر الزعامة– ومنهم فرعون موسى– شهد انفرادالفرعون بالملك والحكم وقيادة الجيوش وتحول مصر ألي وحدة واحدة في قبضة الفرعون علىحساب حكام المقاطعات الذين اصبحوا خدما للفرعون.
6 ـ والقرآن يؤكد على أن هذه المعاني قبل أن يكتشفها علم المصرياتبعشرة قرون . فالقرآن يؤكد أن فرعون موسى عقد مؤتمرا حاشدا لقومه وأعلن فيهم انهوحده يملك مصر وخيرها " وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (51) الزخرف . والقرآن يؤكد النزعة الحربية لفرعون وقيادته للجيوش التي كانتأقوى جيوش ا"لأرض ، يقول تعالى عنه : (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ (39) " القصص ).
وكانت صفة الجندية من صفات فرعون موسى في القرآن " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) " البروج . " وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً (90) " يونس . " فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) " طه . " فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) " القصص / فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40) الذارات . أيارتبط فرعون بالجنود وكانوا جنوده… أي يملكهم ويقودهم .
7 ـ وبذلك اجتمع لفرعون ملك مصروقوتها الحربية.ولذلك كانت سلطته طاغية ، وكانت رهبته ما حقه ألي درجة أن موسىخاف مواجهته وطلب من الله تعالى أن يبعث معه أخاه هارون ، ولكن الخوف تملكها معا منمواجهة فرعون فأمرهما الله تعالى أن يذهب إليه ، " اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) " طه .)

سادسا : ( إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)
إن فرعون قد (علا ) بعسكره وجنده على الشعب المصرى ، وجعل أهلها شيعا . إذ أتّبع سياسة ( فرّق تسد ) وبها إستضعف طائفة من المصريين . وصنع نظاما من الفساد ، فالفساد قرين الاستبداد . إن صناعة الاستبداد تؤسس على الفساد . فالعدل يناقض الاستبداد والفساد معا.
1 ـ ووصف الفرعون بالفساد يأتى فى بداية القصة : (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) الاعراف ) .
(وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) (النمل )( نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (4) ) (القصص )
2 ـ كما يأتى وصفه بالفساد فى نهاية القصة ، إذ أنه وهو يغرق قد أعلن إسلامه : ( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ (90) فقيل له :( أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (91) (يونس ). سمع وقت الاحتضار أنه لا فائدة من إعلانه الاسلام فى الوقت الضائع ، فقد ختم حياته بالعصيان والفساد .
3 ـ وما بين البداية والنهاية جرى وصف فرعون بالفساد : قال هذا له موسى :( فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) (يونس 81 ).
3 ـ ولقد تمكّن الفساد من عقلية الفرعون ، بحيث تم قلب الحقائق لديه تماما ، إذ يتهم موسى وقومه بالفساد ، ويريد قتل أبنائهم وإستحياء نسائهم ، ولا يرى فيما يفعله فسادا بل صلاحا ، الملأ يزين له هذا الفساد على انه الإصلاح، وهذا قلب فظيع للحقائق : (وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) (الاعراف )، (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (25) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ (26) (غافر ). ولذلك فإن الفرعون المستبد يرى الصواب المطلق فيما يقول، وعليهم تنفيذ رأيه فهو لا يهديهم إلا سبيل الرشاد :( قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) ( غافر ). وانتهى به وبهم الأمر فى قاع البحر الأحمر . وهى نهاية كل فرعون : أن يدمر نفسه وجنده وقومه .

سابعا : الفرعون والاسراف :
الاسراف هنا هو التطرف فى الاستبداد والفساد والعصيان . وهذا الاسراف يستلزم بدوره :
1 ـ الكذب : فالفرعون يحترف الكذب ليغطى على تطرفه فى الفساد والاستبداد ، أى لا بد له من جهاز إعلامى محترف للكذب ، وهذه عادة فرعونية إستمرت بعد فرعون موسى ، ونجدها فى فراعين العالم فى عصرنا الحديث ، من ستالين وهتلر وصدام وحتى الاخوان والوهابيين . عن ارتباط الكذب بالاسراف يقول مؤمن آل فرعون يصف آل فرعون باستحالة هدايتهم :( إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) (غافر 28 ).
2 ـ عدم الثقة بالآخرين : فالذى يحترف الكذب لا يمكن أن يثق بالآخرين ، إذ يظل يرتاب بهم بسبب إسرافه فى الشرور ، ولهذا يستحيل أيضا هدايتهم وإصلاحهم ، وهذا ما قاله أيضا مؤمن آل فرعون لقومه : ( كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ )( غافر 34 ).
3 ـ ولا بد أن يظل الفرعون محافظا على مكانته ممسكا بالسلطة بيديه ( عاليا فى الأرض ) ، وهذا يستلزم الاسراف فى ارهاب الشعب ، بما يجعل الناس تخشى من إعلان تأييدهم للمصلحين خوف السجن والاعتقال والتعذيب . وهذا ما أسّسه فرعون موسى ، بحيث أرعب معظم بنى إسرائيل وجعلهم يبتعدون عن موسى ، ويصدقون أكاذيب فرعون عنه ، يقول جل وعلا : ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ) ( يونس 83 ). وجاء نفس الوصف لفرعون ( إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ ) ( الدخان 30 ـ 31 ). وفى كل الأحوال فإن المسرفين من الفراعين هم أصحاب النار ، وهذا ما ختم به مؤمن آل فرعون نصيحته لقومه ، إذ قال لهم :(..وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ) ( غافر 43 ).
أخيرا
1 ـ كل ما سبق ينطبق على الاخوان المسلمين ، وسائر أخوانهم من الوهابيين ، سواء من يتحكم فيهم بالسلطة أو يسعى اليها . يقول جل وعلا عن نهاية فرعون وآله وقومه وجنده الذين إستخفّ بهم:( فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ (56)( الزخرف ) يقول جل وعلا : (فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ ) . ففرعون هو السلف الحقيقى للسلفيين . وفرعون وقومه هم الأئمة لكل الطغاة الآتين بعده : ـ يقول جل وعلا عن فرعون وقومه : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ (41) القصص ).
2 ـ ولقد كرّر رب العزة للمسلمين قصة فرعون . ولم يكن هذا القصص للتسلية ومجرد التأريخ ، ولكن لكى يعتبر المسلمون وغير المسلمين . ونعيد قراءة بعض الآيات القرآنية :
يقول جل وعلا : (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103)الاعراف ) يقول جل وعلا : (فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ). فهل نظرنا وتعقّلنا ؟.
ويقول جل وعلا (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)(النمل ) يقول جل وعلا : ( فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) فهل نظرنا وتعقّلنا ؟.
ويقول جل وعلا عن فرعون ( وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) القصص ). يقول جل وعلا : ( فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) فهل نظرنا وتعقّلنا ؟
3 ـ لماذا لم نتعقّل ونتعظ من سيرة فرعون مع كثرة تكرارها فى القرآن الكريم ؟ ولماذ نعيد صناع وأنتاج الفرعون من عصر الخلفاء حتى اليوم ؟ . لأننا غافلون . يقول جل وعلا ( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ (90) أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) ) (يونس ) يقول جل وعلا : (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ) ، أى جعله للناس آية وعظة وعبرة،ولكن المسلمين غافلون:( وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ).
ولأننا لا نخشى الله جل وعلا . يقول جل وعلا (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26) ( النازعات ) يقول جل وعلا : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى )، ونحن نخشى المستبد البشر ولا نخشى من الله جل وعلا خالق الكون ..والبشر .!
ولهذا إتّخذنا القرآن مهجورا ، وأسّسنا ديانات أرضية برعاية الاستبداد الفرعونى ، وعشنا فى جحيم تلك الديانات الأرضية ونظمها السياسية المستبدة . وتخلصت اوربا والغرب من التبعية لدياناتها الأرضية وحصرت المسيحية فى الكنائس ، وإنطلقت فى الكشوف الجغرافية والاكتشافات والاختراعات العلمية ، ونحن لا زلنا نتناقش ونتقاتل حول بيعة السقيفة وصراع (على ) و( ابى بكروعمر وعثمان ومعاوية ) . الغرب يخترع ويكتشف جديدا داخل نواة الذّرة وأعماق الفضاء ، والجينات داخل الخلية الحية ، وكل يوم هناك إختراع مذهل فى وسائل الاتصالات ..ونحن منهمكون فى رضاعة الكبير والتداوى ببول البعير وصناعة القتل والتفجير .
4 ـ: من قصة فرعون هل يمكن إصلاح الدين الأرضى من داخله ؟ وهل يمكن إصلاح نظام فرعونى من داخله ؟ الاجابة : إن الله جل وعلا لا يصلح عمل المفسدين . الاصلاح هنا بالبتر ، فلا يجتمع الفساد مع الاصلاح . وقد قالها موسى عليه السلام لفرعون وقومه:( إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) (يونس ).
ودائما : صدق الله العظيم .