مبادىء الشريعة الاسلامية السبع وكيفية تطبيقها
مقدمة
-
مبادىء الشريعة الاسلامية السبع وكيفية تطبيقها
مقدمة
هذا الاعلان الدستورى المصرى الذى ينصّ على شريعة الوهابية وليس على شريعة الاسلام
أولا :
1 ـ فى دستور المعزول مرسى كتبنا ( 16 ) مقالا منشورا هنا ـ وجمعناها فى كتاب منشور على موقعنا ( أهل القرآن ) . كان المقال الأول منها بعنوان ( دستور مرسى يبيح قتل كل مصرى ) وكانت خاتمة الكتاب والمقالات بعنوان ( ألا لعنة الله على مرسى وإخوان مرسى ودستور مرسى .!!: الحلّ هو: الجهاد حتى إلغاء مرسى ..وإخوان مرسى.. ودستور مرسى ..) وقلت فيه ( بدأنا مقالات هذا الكتاب مع اللجنة التأسيسية التى اجتمعت لكتابة هذا الدستور . ونختمها بهذا المقال يوم الاربعاء 23 يناير، قبيل يوم الجمعة 25 يناير الذى يعدّ له الثوار المصريون لاستئناف ثورتهم ضد الاخوان .) .
2 ـ وأخيرا نجحت ثورة 30 يونية فى عزل مرسى ، و توسمنا أن يأتى الاعلان الدستورى خاليا من عوار الدستور المرسوى الاخوانى ، ولكن خاب أملنا لأن أهم نقيصة فى الدستور الاخوانى السلفى جاءت فى هذا الاعلان الدستورى ، فى المادة الأولى القائلة بأن مبادىء الشريعة الاسلامية التى تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة فى مذاهب أهل السنة والجماعة المصدر الرئيسى للتشريع ، وفى المادة السابعة والتى تقول ( حرية الرأى مكفولة ، ولكل انسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول او الكتابة او التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير فى حدود القانون. وتكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية لأصحاب الشرائع السماوية ) . بهذا جمع الاعلان الدستورى الذى تمحضت عنه ثورة 30 يونية بأفظع مساوىء دستور مرسى الذى قالوا بتجميد العمل به . وبهذا أصبح الاعلان الدستورى إرهاصا سيئا لإقامة دولة وهابية تطبق الشريعة الوهابية تحت غطاء مدنى ، وكل هذا إرضاءا لحثالة من السلفيين الذين كانوا ـ ولا يزالون ـ ظهيرا للإخوان ، يجمعهم دين الوهابية الذى يناقض الاسلام وشريعة الاسلام .
3 ـ ومن هنا تأتى خطورة هذا الاعلان الدستورى الذى نقل عن دستور مرسى تلك العبارة الهلامية المتناقضة والقائلة : ( مبادىء الشريعة الاسلامية التى تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة فى مذاهب أهل السنة والجماعة المصدر الرئيسى للتشريع ). فمذاهب أهل السنة والجماعية عبارة غامضة هلامية غير محددة تخلط المذاهب الفقهية الأربعة بالتيارات الفقهية الفرعية فى داخلها وهى متنوعة حسب الفقهاء والعصور وحسب الاختلافات الفرعية والتى تبلع ملايين الأحكام الفقهية المختلفة والمتناقضة . والخلاف الهائل داخل الفقه السّنى منبعه عدم الاتفاق بينهم فيما يقولون عن : ( الأدلة الكلية والقواعد الأصولية فى الفقه السّنى ومصادرها ) ، ويزيد من هذا الخلاف قولهم ( مصادرها المعتبرة ) فحيثما كان يوجد فقهاء مجتهدون فى التشريع السنى فهناك إختلاف مبعثه أن كل إمام مجتهد يرى هذا أو ذاك مصدرا معتبرا . كان هذا فى عصور الاجتهاد الفقهى من القرن الثانى الهجرى حتى القرن الرابع تقريبا ، ولا يوجد الآن فى مجتمع السّنيين الوهابيين متخصص مجتهد فى التشريع السّنى ، هم فقط يجترّون عبارات ابن عبد الوهاب وابن تيمية وابن القيّم . ولذا فإن من وضع هذه العبارة لا يفقه معناها ولا يقوى على تأصيلها ، هم فقط جاءوا بها لافتة للزينة وليتيحوا لأنفسهم تطبيق ما يشاءون من إفتراءات التشريع الحنبلى الوهابى مما قاله ابن تيمية وابن عبد الوهاب . ثم من العبث الجمع بين النقيضين ( مبادىءالشريعة الاسلامية ) و ( مذاهب أهل السنة والجماعة ) وهذا ما سنثبته فى هذه المقالات .
3 ـ وبغض النظر عن قولهم ( مبادىء الشريعة الاسلامية التى تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة فى مذاهب أهل السنة والجماعة المصدر الرئيسى للتشريع ) ، فإن التطبيق العملى الواقعى هو الفيصل والأساس . وهذا التطبيق الوهابى السلفى لشريعتهم التى تتمسّح بالاسلام عانينا منه فى ارهاب الاخوان والجماعات التى إنبثقت منهم ، من الاغتيالات وموجات القتل والتدمير ، ثم إذا وصلوا للحكم أثبتوا فشلا ومارسوا ظلما وتسلطا فى ظل دستورهم المعيب خلال عام واحد مما إستلزم أن يهب الشعب المصرى بمظاهرات غير مسبوقة فى تاريخ البشر ، وهم الآن يقاومون ثورة الشعب المصرى عليهم بالارهاب والقتل بمبدأ ( إما أن نحكمكم وإما أن نقتلكم ). ولو أتيح لهم البقاء ثلاث سنوات أخرى لفعلوا بمصر ما فعلته طالبان فى افغانستان ومايفعله آل سعود بالسكان وما يفعله البشير بالسودان ..وكله تحت شعار تطبيق الشريعة ( الوهابية ).!!
4 ـ وهناك التفاصيل فى كتابنا المشار اليه عن دستور مرسى ، ولن نعيد ما سبق تفصيله فيه ، فأغلب من يهمهم الأمر لا يقرأون لنا ، وربما لا يقرأون أصلا فى الأصوليات ، ولكن نكتب هنا وبإيجاز وبتبسيط مبادىء الشريعة الاسلامية آملين أن تحظى بالقراءة والاهتمام .
ثانيا : مبادىء الشريعة الاسلامية فى لمحة سريعة :
1 ـ والواقع ، فإن مصطلح ( مبادىء الشريعة الاسلامية ) هو إختراع قانونى حديث ، وليس مصطلحا فقهيا أصوليا معروفا لدى فقهاء القرون الوسطى. ربما يقترب من معنى المصطلح الفقهى الاصولى ( مقاصد التشريع ) ، وربما يتداخل مع الكتابات الفقهية التراثية عن ( أصول الفقه ). ولقد إجتهد فقهاء العصور الوسطى لعصرهم ، فإخترعوا الأحاديث وأوّلوا معانى الآيات القرآنية لتتفق مع أهوائهم ، وسبكوا ملايين الأحكام الفقهية المختلفة والمتناقضة ، ومن العبث العثور فيما كتبوه عن ( مبادىء الشريعة الاسلامية ) بمفهوم عصرنا ، خصوصا ونحن نسعد بطائفة من الفقهاء الشيوخ الذين لا يقرأون ، وإذا قرأوا لا يفهمون ، وإذا فهموا فقد يموتون . ولنرجع الى القرآن الكريم ، وهو المصدر الوحيد للاسلام ، بعيدا عن ألاف الكتب الفقهية وتعقيداتها واختلافاتها وتناقضاتها ، وحين نقرأ القرآن ونتدبر آياته بمنهج علمى نتعرف بسهولة على ( مبادىء الشريعة الاسلامية ) .
2 ـ التناقض العقيدى بين دين الاسلام السماوى وتلك الأديان الأرضية للمسلمين ينبع منه التناقض بين شريعة الاسلام وشرائع المسلمين ؛ فبينما يؤكد الاسلام على أنه ( لا اله الا الله ) والايمان باليوم الآخر وفق ما جاء فى القرآن الكريم فإن أديان المسلمين الأرضية تخترع يوما للدين يزدحم بالشفاعات البشرية ولا يكون فيها رب العزة ( مالك يوم الدين ) ، وتتكاثر الآلهة لديهم بدءا بتأليه النبى محمد والصحابة الى الأئمة وألأولياء فى أديان السّنة والتصوف والتشيع . وبينما يؤكد رب العزة على الايمان بالقرآن وحده حديثا لا ايمان بغيره فإن المسلمين فى أديانهم الأرضية يؤمنون بأحاديث كتبها لهم أئمتهم المقدسون ، وعليها قامت شرائعهم الأرضية . وبينما يؤكد رب العزة على الاكتفاء بالقرآن كتابا فإن للمسلمين فى أديانهم الأرضية كتبا مقدسة فى الحديث والفقه والتشيع والتصوف . من هنا يتأسس التناقض بين مبادىء الشريعة الاسلامية الحقيقية فى القرآن الكريم وبين مبادىء شرائع المسلمين ، وخصوصا الشريعة السّنية التى تتمسك بها الوهابية المعاصرة ، وأتباعها من الاخوان والسلفيين . ـ
3 ـ وبإيجاز : فإنّ عقيدة الاسلام ( لا اله إلا الله ) ينبع منها المبدأ الأول للشريعة الاسلامية ، وهو المساواة بين البشر جميعا فى الحقوق والواجبات والمسئولية والحساب ، وينتج عن هذه المساواة المبدأ الثانى ، وهو ( فرضية الشورى الاسلامية ) أو ما نعرفه بالديمقراطية المباشرة أو الحرية السياسية وحّكم الشعب ، وتحريم الاستبداد باعتباره نوعا من التأليه للبشر يخالف ( لا اله ألا الله ). والايمان باليوم الآخر كما جاء فى القرآن الكريم يعنى المبدأ الثالث من مبادىء الشريعة الاسلامية ، وهو الحرية المطلقة فى الدين لكل فرد ( عقيدة ودعوة وشعائر ) فى هذه الدنيا ، لأن كل فرد سيكون مساءلا يوم القيامة عن إختياره الدينى أمام الله جل وعلا وحده ، وعليه يتحدد مصيره بين الخلود فى الجنة أو الخلود فى الجحيم وبالتالى فلا بد من تقرير الحرية فى الدين حتى لا تكون حُجة لأى إنسان يوم القيامة. ويرتبط هذا أيضا بعقيدة ( لا اله إلا الله ) ، لأن لله جل وعلا وحده حق الحكم بين الناس فى إختلافاتهم الدينية والعقائدية ، وبالتالى فإن من ينتزع هذا الحق من رب العزة إنّما يتقمّص دورا الاهيا لا يكون إلا لرب العزة جل وعلا ، ويجعل نفسه بقصد أو بدون قصد الاها مع الله جل وعلا . والمبدأ الرابع وهو العدل أو القسط ، هو المقصد والهدف من ارسال كل الرسالات السماوية ، والرسالة الخاتمة ( القرآن الكريم ) . والاسلام هو دين السلام ، وبالتالى فإن تشريع القتال فى الاسلام هو لتأكيد الطابع السلمى للشريعة الاسلامية ويكون السلام هو المبدأ الخامس من مبادىء الشريعة الاسلامية . واخيرا فقد أرسل الله جل وعلا خاتم النبيين بالقرآن رحمة للعالمين من الله الرحمن الرحيم . ومن هذه القيمة العليا ( الرحمة ) ينبع المبدأ السادس وهو ( حق الحياة ) أو تحريم قتل النفس البرئية ـ أو حصانة حق الحياة للنفس البريئة ، ومن الرحمة أيضا ينبع المبدأ السابع من مبادىء الشريعة الاسلامية، وهو التخفيف والتيسير ورفع الحرج فى إصدار التشريعات .
3 ـ مجال تطبيق هذه المبادىء فى الشريعة الاسلامية ليس مختصّا بمفهوم الاسلام القلبى العقيدى الذى يعنى الانقياد والاستسلام والطاعة لله جل وعلا . مجال تطبيق هذه المبادىء فى الشريعة الاسلامية هو فقط فى التعامل السلوكى الظاهرى بين الناس وداخل المجتمع . أى المبدأ الخامس من مبادىء الشريعة، وهو معنى الاسلام السلوكى ، وهو السلام . إن تعريف ( المُسلم ) فى الشريعة الاسلامية القرآنية هو كل إنسان مسالم لأن الاسلام فى معناه الظاهرى السلوكى هو السلام ، وكل فرد مسالم فهو مسلم بغض النظر عن عقيدته أو ملّته أو دينه ، لا فارق بين سّنى أو شيعى أو قبطى أويهودى أو بهائى أو مُلحد أو علمانى . المهم أن يكون مسالما ( من الاسلام ) و( مأمون الجانب ) من ( الايمان) . فالشريعة الاسلامية تتعامل فيما يخص (حقوق العباد ) أو حقوق الناس أو حقوق الانسان داخل المجتمع فى هذه الدنيا ، أما إختلاف البشر فى حق الله جل وعلا فى الايمان به وحده وعبادته وحده فهو راجع لله وحده ليحكم فيه بين الناس ـ فيما هم فيه مختلفون ـ فيما يخص ّ الدين فى يوم إسمه ( يوم الدين ) . ونحن الآن فى ( يوم الدنيا ) ولم يأت بعد ( اليوم ألاخر ) ( يوم الحساب يوم الدين ) .
4 ـ فى النهاية ، فإن مبادىء للشريعة الاسلامية هى : (1 ) المساواة ،و(2 ) الديمقراطية المباشرة أو الحرية السياسية وحّكم الشعب ، وتحريم الاستبداد ، و(3 ) الحرية المطلقة فى الدين ، و (4 ) العدل ، و( 5) السلام و( 6 ) حق الحياة ، و (7) التخفيف والتيسير ورفع الحرج فى إصدار التشريعات . وواضح أن هذه المبادىء السّبعة تتناقض مع المشهور عن التشريع السّنى الحنبلى الوهابى المعروف بتزمّته وإستبداده ومصادرته للحرية الفردية والدينية والسياسية ، وإضطهاده المرأة وغير المسلم .
5 ـ يتزايد الشعور بالماساة حين نعرف أن الشريعة السنية بمذاهبها الأربعة أشد تزمتا من الشريعة الشيعية الجعفرية ، وأنّ من بين المذاهب السنية الأربعة فإن المذهب الحنبلى هو أشد المذاهب السّنية تزمتا وتطرفا ، وأنّ داخل هذا المذهب الحنبلى المتشدد المتطرف المتزمت فإن تيار إبن تيمية هو الأشد تطرفا وتزمتا ، ثم فى عصرنا ـ عصر العولمة وحقوق الانسان والديمقراطية ـ تنبع الوهابية من تيار ابن تيمية ، لتكون أكثر تطرفا وتشددا وتزمتا من ابن تيمية نفسه..!. ويتواكب هذا مع ظهور النفط الملعون .
6 ـ ولهذا تنتشر الديمقراطية وثقافة حقوق الانسان وتصل الى مجاهل أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ، وتتحول بسرعة دول شرق أوربا من الاستبداد الشيوعى الى الديمقراطية بلا مشاكل ، بينما تنحسر أمواج الديمقراطية على شواطئنا ، وحتى حين ثار الشعب العربى على الاستبداد فى ( الربيع العربى ) فإن الوهابية وشريعتها قامت بتحويل هذا الحُلم العربى الى كابوس ، نراه فى حمامات الدم فى سوريا والعراق ، ونراه يهدد مصر الان ..
7 ـ وحتى بعد ثورة 30 يونية وسقوط دستور مرسى فقد عادت الى الاعلان الدستورى أخطر ما فى دستور مرسى لإن الثقافة الوهابية السائدة أقنعت الناس ظلما وزورا بأنها الاسلام وأن شريعتها هى شريعة الاسلام .
8 ـ ولهذا نكتب هذا الكتاب لتوضيح مبادىء الشريعة الاسلامية الحقيقية ، وكيفية تطبيقها ، آملين أن ينتبه لها القائمون على صياغة الدستور المصرى ، وليأتى الدستور القادم ليحدد مبادىء الشريعة الاسلامية بالمساواة ، والديمقراطية المباشرة أو الحرية السياسية وحّكم الشعب ، وتحريم الاستبداد ، والحرية المطلقة فى الدين ، والعدل ، والسلام ، وحق الحياة ، والتخفيف والتيسير ورفع الحرج فى إصدار التشريعات .
الفصل الأول : المبادىء السبعة للشريعة الاسلامية
الفصل الأول : المبادىء السبعة للشريعة الاسلامية
قلنا إن مبادىء الشريعة الاسلامية هى المساواة ، والديمقراطية المباشرة أو الحرية السياسية وحّكم الشعب ، وتحريم الاستبداد ، والحرية المطلقة فى الدين ، والعدل ، والسلام ، وحق الحياة ، والتخفيف والتيسير ورفع الحرج فى إصدار التشريعات. ونعرض لها بشىء من التفصيل .
المساواة : المبدأ الأول من مبادىء الشريعة الاسلامية
أولا : مبدأ المساواة بين البشر ينبع من عقيدة الاسلام ( لا اله ألا الله ):(هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ)(3)( فاطر )
1 ـ لا جدال بين طوائف المؤمنين فى أن الله جل وعلا هو وحده خالق هذا الكون بمن فيه وما فيه ، وبالتالى فهو جل وعلا وحده الاله الذى لا شريك له فى مُلكه وسيطرته ، أو بإيجاز رائع يقول جل وعلا (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ )(54)(الأعراف). فلأنه جل وعلا هو خالق كل شىء (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ )(62)(الزمر ) فهو وحده الذى لا اله إلا هو: (ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ )(62)( غافر )(ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)(102)(الانعام )( قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16)(الرعد) .
2 ـ هذه حقائق معروفة ، أتينا بها هنا لأنه يترتب عليها أنه لا يجوز لمخلوق من البشر أن يضع نفسه فوق بقية المخلوقات البشرية ، وبالتالى فلا بد أن تتفرع ( المساواة ) بين البشر من حقيقة أنه ( لا اله إلا الله ) .
ثانيا : المساواة المطلقة بين البشر والأنبياء فى الخلق والموت والمسئولية والحساب :
1 ـ من الخطأ القول بأن الأنبياء والمرسلين هم ( أفضل البشر ) وبالتالى لا يتساوون مع البشر . صحيح أن الله جل وعلا يصطفى ويختار من هم الأكثر إستعدادا لتحمل مسئولية الرسالة ولكن وحى الرسالة السماوية يؤكّد على مساواتهم مع البشر فى الخلق والموت والمسئولية والحساب .
2 ـ فهم أنفس بشرية يسرى عليهم ما يسرى على بقية ألأنفس البشرية فى الخلق والتعرض لاحتمالات الفجور والتقوى :(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) الفجر )،وهم ضمن الأنفس البشرية المُطالبين بالتقوى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) (1)النساء )وقال جل وعلا للنبى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ )(1)( الأحزاب). ثم يوم القيامة هم ضمن الأنفس البشرية حيث ستأتى كل نفس يوم الحساب تدافع وتجادل عن نفسها ثم تلقى جزاء عملها : ( يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (111)النحل ).
3 ـ أكثر من هذا فإن الحساب يوم القيامة سيكون فرديا يشمل كل البشر فردا فردا ، لافارق بين نبى مُرسل وعربيد مجرم:(إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً (95)( مريم ). وهنا منتهى المساواة. وهى مساواة مرتبطة بالعدل المطلق يوم القيامة ، حيث وزن الأعمال بالقسط : ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)( الأنبياء ).
4 ـ بل ربما تكون مسئولية الأنبياء والمرسلين أثقل من الفرد العادى ، ومن هنا يقول جل وعلا عن المساءلة يوم القيامة :( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6)(الاعراف)، أى وضع كل البشر فى كفة ، ووضع مقابلهم الرسل فى الكفة الأخرى فى إشارة الى مسئوليتهم الكبرى أكبر من الأفراد العاديين من بقية البشر .
5 ـ وبالتالى فإن الوحى الذى ينزل على فرد من البشر ويصير به نبيا رسولا لا يرفعه فوق مستوى البشر ، بل يظل به بشرا مساويا للآخرين فى التكاليف الشرعية ، بل ويزيد عنهم فى تحمل المسئولية .
ثالثا : المساواة بين خاتم النبيين وقومه فى الخلق والموت والمسئولية والحساب
1 ـ يؤمن الاخوان والسلفيون ومعظم المسلمين بأفضلية النبى محمد على بقية الأنبياء عليهم جميعا السلام ، ويرفعونه الى مستوى التقديس والتأليه بمزاعم الشفاعة والعصمة ، وقد أثبتنا تعارض ذلك مع الاسلام فى كتاب ( الأنبياء فى القرآن الكريم ) وأربعة كتب أخرى كنا قد قررناها على الطلبة فى جامعة الأزهر عام 1985،وتسبب هذا فى محنة استمرت عامين من المحاكمات ،وانتهت بتركى الأزهر ثم بالسجن عام 1987 . ومن هذا الافتراء العقيدى بتأليه النبى محمد عليه السلام ينبع عدم إيمانهم بالمساواة بين البشر ، ويشعر أئمة السنيين والاخوان والسلفيين بأنهم ( أعلى مرتبة ) من بقية الناس . وهناك فى القرآن الكريم أكثر من 150 آية تنفى شفاعة النبى وشفاعة البشر ، و150 آية تنفى عصمته البشرية ، وتجعلها بالوحى ( قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنْ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي )(50) ( سبأ )، وكان ينزل الوحى يؤنبه ويعاتبه ويصحّح له . وهناك أكثر من 30 آية تنفى القول بأنه أفضل الأنبياء وأنه سيد المرسلين أو أشرف المرسلين . وأن مرجع ذلك لرب العزة يوم الدين . لا مجال هنا للتفصيل ، ولكنها إشارة الى التناقض بين عقائد الاخوان والسلفيين السنيين وعقيدة ( لا اله إلا الله ) الاسلامية ، ومنها يتفرع الخلاف حول المساواة بين البشر ، فبينما يؤكد عليها رب العزة فى القرآن فإنها مرفوضة لدى السلفيين والاخوان.
2 ـ كان الرسول محمد عليه السلام مأمورا أن يعلن لقومه أنه بشر مثلهم ولكن يُوحى اليه : ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)( الكهف ).وعادة المشركين أن يتخيلوا أن يكون الرسول فوق مستوى البشر، لذا كانوا يسخرون من النبى محمد عليه السلام لأنه شخص من البشر مثلهم ( الأنبياء 36 )( الفرقان 41 ، 7 : 8 ). ولو بعث الله جل وعلا محمدا عليه السلام من قبره وجاء للقاهرة يعظ بالقرآن لاتهمه الأزهر والسلفيون والاخوان بإزدراء الأديان ، فطبيعة الذهنية المّشركة تأبى أن يكون الرسول بشرا ، على الأقل يطلبون أن يكون من الملائكة ، ولهذا تعجب العرب من أن يكون النبى محمد رجلا منهم ومساويا لهم فقال جل وعلا:( أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ )(2) ( يونس ). ويؤكد رب العزة على أنه بعث فى العرب الأميين رسولا منهم (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ ) (2) ( الجمعة ). ( منهم ) تكررت فى الآيتين بمعنى المساواة ، فهو رجل منهم ومثلهم ،وهو عربى (أمّى ) منهم ومثلهم .
3 ـ وكونه نبيا مرسلا لا يعطيه أفضلية يوم الدين ، بل هو مُساءل كبقية أصحابه . كان مستكبرو قريش يتأفّفون ويستنكف من المساواة بالفقراء المستضعفين المؤمنين، ويرفضون الجلوس مع النبى لأن الفقراء المؤمنين يجتمعون بالنبى . وحرصا من النبى على التقرب لأولئك الملأ المستكبر قام بطرد أصحابه الفقراء فجاءه التأنيب والتهديد من رب العزة يقول له: ( وَلا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ (52)(الانعام). يهمنا هنا قوله جل وعلا له عن أصحابه الفقراء الذين طردهم (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ )، أى لن يحمل عنهم شيئا من حسابهم يوم القيامة ، وهم لن يحملوا عنه شيئا من حسابه يوم القيامة . وهنا أروع صورة للمساواة بين النبى والفقراء من أصحابه . وإذا كان أصحاب النبى لن يغنوا عنه شيئا يوم الحساب فإن خصومه أيضا لن ينفعوه يوم الحساب إذا أطاعهم ، وقد جاء له الأمر باتباع شريعة القرآن والنهى عن إتباع شريعة أصحاب الهوى الذين لا يعلمون لأنهم لن يغنوا عنه من الله جل وعلا شيئا يوم القيامة : (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً )(19)الجاثية ). ومن أسف أن شريعة أصحاب الهوى ما لبث أن عادت بعد موته عليه السلام ، وتمت كتابتها بأثر رجعى فى العصر العباسى عبر أحاديث مزورة منسوبة للنبى بعد موته بقرنين وأكثر ..وهى أساس دين الاخوان والسلفيين .
4 ـ ويقول جل وعلا له عليه السلام عن القرآن: ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44)( الزخرف ). هنا المسئولية والمساءلة بالتساوى بينه وبين قومه . كلا ، بل تأكيد المسئولية عليه أكثر لأنه فرد واحد فى كفة ، وقومه كلهم فى كفة أخرى . وعن موته هو وأعداؤه وخصومته معهم يوم القيامة يقول جل وعلا فى خطاب مباشر للنبى : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31)( الزمر)، قال له جل وعلا فى مكة حين كان حيا يؤكّد له أنه سيموت:( إِنَّكَ مَيِّتٌ ) وقال عن خصومه ( وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) أى نفس المساواة فى استحقاق الموت للجميع على قدم المساواة ،والذى يعنى للجميع تحلل الجسد وتحوله الى جيفة ثم الى رماد ، لا فارق بين جسد النبى محمد و جسد أبى جهل . ثم سيتخاصم النبى محمد مع أولئك الاعداء وسيتخاصمون معه يوم الحساب على قدم المساواة حيث ستأتى كل نفس تجادل عن نفسها (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) أى مساواة أيضا فى التخاصم بعد المساواة فى معنى الموت. وأيضا نقول إن المسئولية على النبى أشد لأنه شخص يوضع فى كفّة مقابل مئات بل ألاف الخصوم فى الكفة الأخرى ..
5 ـ المستفاد مما سبق أن المساواة بين البشر تنبع من عقيدة أنه لا اله إلا الله ، وأن هذه المساواة تشمل صفوة البشر ، وهم الأنبياء الذين قال عنهم رب العزّة : (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)(124)( الأنعام ). وهى مساواة فى الخلق وفى العبودية للواحد القهّار، وفى التكاليف الشرعية وفى الحساب يوم القيامة . وبذلك يكون مبدأ المساواة أول مبدأ للشريعة الاسلامية ينبع من عقيدة الاسلام ( لا اله إلا الله ).
رابعا : بين المساواة وتكافؤ الفرص فى الدنيا والآخرة :
1 ـ وترتبط المساواة بتكافؤ الفرص ، يقول جل وعلا :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(13)الحجرات). فكلنا أبناء آدم وحواء متساوون من حيث النسب لأب واحد وأم واحدة، وقد جعلنا الله الخالق جل وعلا مختلفين من حيث العنصر واللون والثقافة لكى نتعارف لا لكى نتحارب . وجعلنا متساوين أيضا فى إختيار الطاعة أوالمعصية ، ومع هذه المساواة فلا يمكن أن يتساوى العاصى المجرم بالمتقى المؤمن ، وهذا ما سيحدده الله جل وعلا وحده وهو العليم الخبير يوم القيامة ، فالأكرم بيننا هو من سيكون يوم القيامة متقيا حسب عمله وإيمانه .
2 ـ وتبعا للمساواة فى التكاليف الشرعية والمساءلة عنها يأتى الجزاء لكل فرد طبقا للعمل، فمن يعمل صالحا فلنفسه ، ومن يعمل شرا فعلى نفسه:( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (46) فصلت) ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) الشورى ).
3 ـ وطبقا لتكافؤ الفرص فلا يمكن أن يتساوى الصالح بالمجرم :( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) القلم )( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28)( ص )( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) الجاثية ).(لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ (20)( الحشر).
4 ـ وحتى بين المؤمنين فهناك تفاوت حسب العمل ، كالانفاق فى سبيل الله: ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)( الحديد )، وفى القتال الدفاعى فلا يستوى القاعد بالمقاتل : (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (95)( النساء )
خامسا : بين المساواة والعدل فى تشريعات المرأة
1 ـ تتجلى المساواة بين الرجل والمرأة فى صور شتى : فكلمة ( الزوج ) فى القرآن يدل بمنتهى المساواة عن الرجل و المرأة ، و السياق هو الذى يوضح المقصود منهما إلا إذا جاء فى الآية القرآنية والسياق ما يؤكد اقتصار الخطاب على الرجل أو المرأة . وكلمة ( الوالدين ) و( آباؤكم ) تدل على الرجل والمرأة معا على قدم المساواة . وتدخل المرأة فى الخطاب القرآنى فى كلمات مثل ( النفس ) ( الناس ) ( بنى آدم ) و ( الذين آمنوا ) فالقرآن مثلا فى الصيام والصلاة والزكاة والجهاد يأمر الذين آمنوا ، ومعروف أن الأمر يشمل الجنسين. والأعذار تأتى عامة للجنسين للمريض والمسافر والأعمى والأعرج .والمقصود هنا هو المساواة الكاملة من حيث التكليف الشرعى بين الرجل والمرأة .
2 ـ يقول جل وعلا عن إرتباط المساواة بتكافؤ الفرص للذكر والأنثى:( مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40)غافر)( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً)(124)(النساء )(مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)( النحل ).
3 ـ وترتبط المساواة بالعدل . نفترض أنك دخلت مدرسة وقمت بتوزيع مبلغ علي التلاميذ كلهم بالمساواة المطلقة بين الغنى والفقير، هنا يكون الظلم مع المساواة . العدل يصاحب المساواة كما يصحبها تكافؤ الفرص ، فالزوج يدفع المهر ويقوم بمسئولية رعاية زوجته وبالتالى تكون له القوامة عليها مع ارتباط القوامة بأن يعاشرها بالمعروف حتى لو كان يكرهها ( النساء 34 ، 19). بدون ذلك لا تكون له قوامة. وللمرأة أن تشترط أن تكون العصمة بيدها ، أو أن تكون لها القوامة ، فالزواج عقد بالتراضى ، ولا بد من الوفاء بالعقود ( المائدة 1 ). وكما للرجل حق الطلاق فللمرأة حق ( الخُلع ) أو الافتداء (البقرة 229 ) . وللذكر ضعف الانثى فى الميراث فيما يخص الأبناء والاخوة فقط ، لأن الانثى ليست مُطالبة بمهر أو نفقة ، ولكن تتساوى الأم مع الأب فى التركة (النساء 7 : 12 ) ثم هناك الوصية قبل التركة للوالدين والأقربين من الورثة وغير الورثة لاقرار العدل ( البقرة 180 ). أما عن الشهادة الشفهية للمرأة فى الأسواق وكونها نصف شهادة الرجل فهذا أمر تشريعى يخضع لمقصد تشريعى أعلى وهو ضمان الدّقة فى الشهادة( البقرة 282 ). فإذا تحققت الدقة بدون ذلك فلا داعى لهذا الأمر التشريعى .
4 ـ وفى النهاية فإن كل الأوامر التشريعية فى القرآن يخضع تنفيذها للمبادىء والمقاصد التشريعية الكبرى وهى العدل ومنع الظلم ، والتيسير والتخفيف . وكل مبادىء الشريعة الاسلامية مترابطة ومتداخلة.
المبدأ الثانى من مبادىء الشريعة الاسلامية:( حُكم الشعب بالديمقراطية المباشرة وتحريم الاستبداد)
أولا : الاسلام ضد العلو فى الارض ، اى ضد الاستبداد
المساواة تتناقض مع (العلو فى الأرض ) :
قلنا إن المساواة هى المبدأ الأول من مبادىء الشريعة الاسلامية ، وتنبع من عقيدة الاسلام ( لا اله إلا الله ). تطبيق المساواة سياسيا يعنى أن كل الناس تتساوى رءوسهم فى موضوع الحكم بحيث لا يعلو فرد على الجميع يحكمهم ويستبد بأمورهم ، يقتل ويسلب ويغتصب ويظلم .
العلو فى الأرض قرين الفساد ( الايدولوجى والسلوكى )
هنا يكون هذا ( العلو السياسى ) او الاستبداد بمفهوم عصرنا مقترنا بالفساد الايدلوجى والفساد الخُلقى .وهذا الفساد يصاحب قيام الدولة وتوطيدها . فلكى يُسوّغ هذا ( العلوّ ) على الناس لا بد له من ايدلوجية تبرّره، وقدتكون أيدلوجية علمانية تتمسّح بالوطن أو القومية أو حقوق الفقراء والعدل الاجتماعى ، وقد تكون أيدلوجية دينية ، وهى الأخطر حيث يزعم كذبا أنه المُختار من الله جل وعلا ليحكم الناس . وبالايدلوجية العلمانية تأسست الدول القومية والوطنية فى اوربا ، والفاشيستية فى ايطاليا والنازية فى ألمانيا والنظم القومية العربية فى الدول العربية . وتأسست بالايدلوجية العلمانية النظم الشيوعية تحت زعم حقوق العمال . أما الايدلوجية الدينية فهى دائما تنبنى على أديان أرضية ( أو مذاهب تتمسّح بالدين السماوى ) كدولة الخلافة العباسية فى العصور الوسطى والدول الدينية الوهابية السنية فى السعودية والسودان وطالبان ونظام الاخوان . وأقام التشيع دولا فى العصور الوسطى كالدولة الفاطمية ، ثم حاليا الدولة الشيعية الايرانية . ولكى تستمر هذه الدول فى الحكم فلا بد من إتّباع سياسة القهر للخصوم تتهمهم بالخيانة للمستبد الذى يتقمص دور الوطن أو القومية ، أو تتهمهم بالكفر وإزدراء الدين ( الأرضى ) لأن الخصوم لا يؤمنون بهذا الحاكم المتأله المستبد الذى يمثّل الدين ورب العزّة بزعمهم . وتوطيد هذه الدول قد يجرّها فى حروب أهلية وحروب خارجية مع محاكم تفتيش وخراب إقتصادى ، بما يجعل الفساد هو العُملة السائدة فى تعامل المستبد داخليا وخارجيا . ويصل الفساد الى الحضيض بتأليه المستبد صراحة أو ضمنا . وهكذا كان فرعون موسى إمام كل الدول الدينية اللاحقة حتى عصرنا الراهن . ومن هنا يكون العلو فى الأرض مناقضا لعقيدة الاسلام ، وشريعة الاسلام .
( العلو ) لا يكون إلا لله تعالى فقط :
ولذا يقول المؤمن عن رب العزة " سبحانه وتعالى ". والله جل و(علا ) ينفى ما ينسبه له البشر من صفات بشرية ، لأنه جل و(علا ) يعلو ويسمو عليها ، يقول سبحانه و (تعالى ) : (وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ) ( الأنعام 100). فالعلو هو صفة الاهية لا يوصف بها إلا الخالق جل و(علا ) ، ولو فرضنا ـ جدلا ـ وجود آلهة مع الله لتنافسوا فى (العلو ) وتحاربوا ودمروا المخلوقات ، ولكن ليس للوجود سوى خالق واحد سبحانه وتعالى أن يكون له شريك ، واقرأ معنى هذا فى قوله جل و ( علا ) : (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ )( المؤمنون 91 )(قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا) ( الاسراء 42 ـ ).
( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ )(4) القصص )
فرعون (علا ) اى استعلى واستكبر ورفع نفسه فوق مستوى قومه ، وتلك أبرز خصائص المستبد ، فالأصل أن الناس سواسية ، تتساوى رءوسهم من حيث الحقوق والواجبات ، وهذا هو شرع الله جل وعلا القائم على العدل ، ولكن يدمر المستبد هذا العدل حين ( يعلو ) على قومه ، ويتميز عليهم . وهذه صفة الفرعون فى كل زمان ومكان . ولهذا يرفض الفرعون أى دعوة للهداية لأنها ستخفض قامته لتتساوى بغيره ، ولأنه سيفقد (رفعته ) و ( علوه ). دائما يكون الحق واضحا يستحوذ على تصديق كل إنسان ، حتى فرعون ، ولكن فرعون وآله وقومه وحاشيته ، مع ايمانهم بالحق فى قلوبهم فانهم يجحدونه بألسنتهم وأفعالهم ، حرصا على هذا ( العلو ) الممقوت ، لذا يقول رب العزة عن موقفهم من دعوة موسى عليه السلام : (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) ( النمل 14 ).
العلو الفرعونى فى الأرض والتأليه
وبهذا ( العلو ) قابل فرعون المتعجرف المتأله موسى ودعوة موسى ، بل تطرف فى إدعاء العلو الى درجة الزعم بأنه (الرب الأعلى ) : وأعلن هذا فى مؤتمر حاشد جمع له قومه،أو (حزبه الوطنى ) ، يقول جل وعلا (فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ) ( النازعات 23 : 24 ) ، أى لم يزعم مجرد الربوبية ، بل زعم أنه ( الرب الأعلى ) . أى إنه وضع نفسه أعلا من مكانة رب العزة جل و( علا ) ، لذا جاء فى نصح موسى لفرعون :( وَأَنْ لّا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ ) ( الدخان 19 ).
العلو الفرعونى والاسراف فى الارهاب
وبهذا الزعم بادعاء ( العلو ) أسرف فرعون وتطرف فى الاثم العقيدى وفى الاثم السلوكى أيضا بارهاب بنى اسرائيل بالتعذيب حتى يبتعدوا عن موسى الذى جاء لخلاصهم وتحريرهم من قمع فرعون وظلمه . وفعلا فبسبب الرعب من تعذيب فرعون وزبانيته ابتعد معظم قوم موسى عن موسى ، يقول جل وعلا :( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ) ويأتى التعليق الالهى يصف فرعون : (وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) ( يونس 83 ). وهنا يوصف فرعون بصفتين متلازمتين هما ( العلو والاسراف ). والاسراف هو المصطلح القرآنى لما نسميه فى ثقافتنا المعاصرة بالتطرف .وجاء وصف فرعون بالعلو والاسراف فى نفس سياق تطرفه فى تعذيب بنى اسرائيل فى قوله سبحانه وتعالى :(وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ ) ( الدخان 30 :31). ونلاحظ فى الآيات الكريمة السابقة ارتباط العلو والاسراف بارتكاب التعذيب للمستضعفين.فحتى يخضع الناس للعلو الفرعونى المزعوم لا بد لفرعون من ارهابهم بالتعذيب ، وكذلك اشتهر بالتعذيب فرعون موسى ، وسار على سنته كل فرعون بعده من خلافة عثمان الى رئاسة مبارك وصدام وغيرهم. والعجيب إن الذى يتصدى لهم ويدافع عن ضحاياهم هى منظمات حقوق الانسان الغربية التى تتمسك بالفضيلة الاسلامية (الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر ) . قارن بين تلك المنظمات النبيلة وبين ما يفعله خنازير الهيئة المسماة بالأمر بالمعروف و النهى عن المنكر فى الدين السّنى الوهابى ، الذين يرعبون المارة فى الطريق والآمنين فى بيوتهم ويتسلطون عليهم لارهاب الناس لصالح المستبدين المنحلين المترفين فى قصورهم . ويرتكبون هذا البغى باسم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. والعجب أن الفرعون المسرف هو الذى يتهم خصومه بالتطرف ، مع إنه الأشد تطرفا .
وقلنا إن مصطلح ( الاسراف ) فى القرآن الكريم يعنى التطرف فى ثقافتنا الراهنة . وقد تردد وصف فرعون بالاسراف ثلاث مرات فى سورة (غافر ) وحده ، يقول عنه (مؤمن آل فرعون )(إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ)،ويقول نفس الأمير الفرعونى المؤمن عن قومه فى معرض الدعوة:( كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ )(وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ )(غافر 28 ، 34 ، 43 ).ونلاحظ أيضا اقتران الاسراف بادمان الكذب (مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) و الارتياب والشك وسوء الظن (مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ ).وكل فرعون هو مدمن للكذب ، ويمتلىء بسوء الظن والارتياب فى كل من حوله. فهو لأنه يخدع الناس يعتقد أن الآخرين يريدون خداعه والكذب عليه بمثل ما يكذب هو .
إرتباط الفرعونية بالفساد :
ولهذا كان وصف فرعون وقومه ونظامه بالفساد (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ )( القصص 4 ) ، وتكرر هذا فى رفضهم للحق ( النمل 14 ) ،(يونس 81 )وفى رفض توبة فرعون ( يونس 91 ) ومع تحذير اللاحقين من نهايتهم ( ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) الاعراف 103 )( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)
الاخوان والسلفيون على سّنة فرعون الذى علا فى الأرض :
عقد فرعون موسى مؤتمرا أعلن فيه ملكيته لمصر وأنهارها وتندّر على موسى عليه السلام ، واستخفّ قومه فأطاعوه لأنهم كانوا مثله فاسقين ، وانتهى الأمر بإن أغرقهم الله جل وعلا جميعا ، وجعلهم الله جل وعلا سلفا ومثلا للأتين من بعدهم ( الزخرف 51 : 55 ) يقول جل وعلا :( فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ (56) الزخرف ). وعلى سّنة فرعون أو ( دأب فرعون ) أو منهج فرعون أقام أساطين الديانات الأرضية دولا دينية تحت اسم الاسلام والمسيحية . والاخوان والسلفيون على سّنة فرعون يسيرون . ومن إعجاز القرآن الكريم أن كلمة ( السلف ) أتت مرة واحدة بهذا المعنى فى القرآن الكريم عمّن يسيرون على ( دأب فرعون )، هم سلف فرعون ، وسلف الخلفاء المتألهين فى العصور الوسطى .
ثانيا : الأصل العقيدى فى الاسلام لحُكم الشعب ( الديمقراطية المباشرة )
المؤمنون حقا لا ( يعلون فى الأرض )
ولأن الحاكم المستبد بالأمر هو من يعلو على الناس أى يتسيد عليهم فإن الديمقراطية المباشرة من جذور عقيدة الإسلام التى لا يعلو فيها إلا الله تعالى وحده ، والتى يكون فيها الحاكم خادما للناس وليس مستعليا عليهم ، والتى يكون فيها المتقون هم الذين لا يريدون علوا فى الأرض ولا فسادا ، وذلك ما أشارت إليه نفس سورة القصص :(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ : القصص 83 ).وبهذه الآية الكريمة التى تصف المتقين المسلمين (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ : القصص 83 ) نعظ (الاخوان المسلمين ) إذا كانوا فعلا يريدون أن يكونوا مسلمين ، وأن يكون القرآن الكريم دستورهم والنبى محمدا عليه السلام زعيمهم وإمامهم .فخاتم المرسلين كان مأمورا بالشورى يستمد سلطته من الناس وليس من رب الناس ، مصداقا لقوله جل وعلا : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) ( آل عمران 159 )، أى من يستنكف عن الشورى ومن لا يؤمن بالمبدأ الاسلامى أن الأمة هى مصدر السلطات إنما يكون قد رفع نفسه فوق مقام النبى محمد عليه السلام. وفعلا فإن من ينكر أن الأمة هى مصدر السلطة يؤمن بالنقيض وهو أن المستبد الثيوقراطى يستمد سلطته من الله عز وجل ، أى يجعل ذلك المستبد ـ بالكذب والافتراء ـ الاها على الأرض يمارس سلطة الله تعالى على الناس، أى يجعل ذلك المستبد ( يعلو ) على الناس الى درجة أن يكون وحده المختار من بين الناس للتحكم فى الناس ولأن يتملك الناس وأموال الناس ومصائر الناس ، وهذا لا ينافى فقط العدل و القسط فى الاسلام ، ولا يناقض فقط قيمة الحرية فى الاسلام بل ينافى قبل كل شىء عقيدة الاسلام التى تقصر التأليه و التقديس على الله جل وعلا وحده ، بحيث لا يكون من حق أى فرد من البشر العلو فوق مستوى بقية البشر. وكل ذلك فى التأكيد على أن الشورى الاسلامية الحقة أو الديمقراطية المباشرة الكاملة جزء من عقيدة ( لا اله الا الله ) .ونعطى بعض التفاصيل.
الشورى أساس فى عقيدة الاسلام
1 ـ فالله جل وعلا وحده هو الذى لا يسأل عما يفعل ، وليس مسئولا أمام أحد من خلقه، وما عداه من مخلوقات هى تتعرض للمساءلة (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ )(الأنبياء 23). وعليه فالحاكم الذى يستنكف ان يسائله شعبه يكون مدعيا للألوهية كافرا بعقيدة الاسلام حيث رفع نفسه الى مستوى الله تعالى الذى لا يُسأل عما يفعل.
2 ـ ثم إن خاتم النبيين محمدا عليه وعليهم السلام قد أمره الله تعالى بأن يشاور الناس ، انه نبى يأتيه الوحى الالهى ومع ذلك فالوحى الالهى نفسه يأمره بالشورى ، وعليه فان أى حاكم مسلم يستنكف من ممارسة الشورى انما يرفع نفسه فوق مستوى خاتم النبيين ،ويدعى الألوهية، وهو بذلك يخرج عن الاسلام ويكفر به.
3 ـ القرآن الكريم ردد قصة فرعون موسى وجعله نموذجا لعقلية الحاكم المستبد الذى يصل به استبداده الى ادعاء الألوهية ويصل به فساده الى اهلاك نفسه ومملكته وجنده وقومه.وحين تتدبر القصص القرآنى عن ذلك الفرعون تجد كل ملامح العقلية الاستبدادية وانعكاسها على الملأ المحيط بالفرعون وترديدهم لما يحب أن يسمعه ، واكثر من ذلك تجد مستبدى عصرنا يرددون نفس التعبيرات ويعيشون نفس العقلية.
4 ـ وكما أن العدل أو القسط هو سبب انزال الكتب السماوية وارسال الأنبياء والرسل عليهم جميعا السلام ـ ( الحديد 25 ) فان الظالم هو خصم لدين الله تعالى وشرعه ، وعليه فالديمقراطية الاسلامية أو الشورى هى العدل السياسى فى الاسلام بينما يكون الظلم هو أساس الاستبداد المناقض للاسلام حين ينفرد شخص واحد أو أسرة أو حزب او قبيلة باحتكار السلطة والثروة دون بقية الشعب. كل ذلك يؤكد على ان الاستبداد قرين الكفر والظلم كما أن الديمقراطية الاسلامية لها جذور فى عقيدة التوحيد الاسلامية.
الشورى كالصلاة إحدى فرائض الاسلام الشرعية
الشورى فريضة اسلامية غائبة ، أقامها المسلمون فى عهد خاتم النبيين محمد عليه السلام ، ثم بدأ تجاهلها بعده بالتدريج ، الى إن تم نسيانها تماما وتحولت الى تعبير عن الاستبداد. ومن العجب ان الشورى الاسلامية كفريضة اسلامية جاء الأمر بها فى سورة مكية، اسمها الشورى،يقول جل وعلا ضمن صفات المجتمع المسلم والدولة الاسلامية:( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) الشورى) جاءت فريضة الشورى مقترنة بالصلاة وايتاء الصدقة ، لتؤكد أن فرضية الشورى مثل الصلاة ، فكما لا يصح الاستنابة فى الصلاة – اى لا يصح أن يصلى أحد عنك – فلا يصح أيضا أن ينوب عنك غيرك فى حضور مجالس الشورى - وهى جمعية عمومية فى كل قرية وحىّ تضم كل الناس ـ وبالتالى فالشورى الاسلامية هى الديمقراطية المباشرة وليست الديمقراطية النيابية والتمثيل النيابى ، أى أن الشورى الاسلامية تتفوق على أغلب الديمقراطيات الغربية النيابية . واذا كانت الصلاة فرضا عينيا على كل مسلم فى الصحة والمرض وفى الاقامة والسفر وحتى وقت الحرب فان فريضة الشورى كذلك يمارسها المسلم فى جماعة المسلمين أو المواطنين ، كما يمارسها فى بيته وعمله . من المهم هنا التأكيد على أن مصطلح المسلم هو كل مواطن مسالم بغض النظر عن عقيدته وايمانه .
نزلت فريضة الشورى فى مكة، وطبقها المسلمون فيها وقت أن كانوا أقلية مستضعفة ( الشورى – 38 -)، ثم بعدها فى المدينة كانت تؤدى علانية كفريضة اسلامية فى المسجد الذى يتحول الى مجلس عام أو جمعية عمومية تشمل كل افراد المسلمين رجالا ونساءا ،وحدث أن تخلف بعضهم فنزل القرآن يلومهم ويحذرهم من التغيب عن حضور هذه الفريضة ويتوعدهم بالعقاب اذا فعلوا.( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62) لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) النور ) وتردد فى أيات أخرى بعض ما كان يحدث فى مجالس الشورى. ( المجادلة 7 : 13).
اسس تطبيق فريضة الشورى الاسلامية
لا يمكن تطبيق الشورى الاسلامية بمعزل عن بقية القواعد الأساسية الأخرى للدولة الاسلامية ، ومنها:
1 ـ السلام :
فالاسلام فى معناه السلوكى هو السلام ، والمسلم سلوكيا هو من يسلم الناس من اعتدائه. وكل إنسان مسالم فهو مسلم بغض النظر عن عقيدته وايمانه. الاسلام فى معناه الاعتقادى هو التسليم القلبى و الطاعة لله تعالى ، وهذا ما سيحكم عليه رب العزة يوم القيامة ، وليس لأى بشر أن يتقمص دور الله تعالى فى هذه الناحية ، وإذا فعل فهو خارج عن الاسلام وعقيدته ومدع للألوهية. والشرك و الكفر فى المعنى الاعتقادى هو الاعتقاد فى غير الله تعالى أو تاليه غير الله تعالى. وذلك إعتداء على حق الله تعالى فى أن يكون وحده المعبود الذى لا اله سواه. و الشرك و الكفر فى معناه السلوكى هو الاعتداء على المسالمين بالقتل و القهر. أو هو الارهاب بمصطلح عصرنا. وبذلك فإن لنا ـ كبشر ـ أن نحدد المشرك أو الكافر حسب سلوكه العدوانى الارهابى ، دون تدخل فى عقيدته حيث أن مرجع الحكم فى العقائد لله جل وعلا يوم القيامة.
وفيما يخص موضوعنا عن الشورى فان كل المواطنين المسالمين الذين يعيشون فى إطار الدولة الاسلامية هم مجتمع الشورى فيها بغض النظرعن عقائدهم وطوائفهم، يستوى إن كانوا سنة أو شيعة أو يهودا او نصارى أو ملحدين أو مؤمنين. لا شأن لأحد بعقائدهم واختيارهم العقيدى فهم مسئولون عنه امام الله تعالى يوم القيامة. إنما الشأن فى سلوكهم السلمى فى المجتمع ، فإذا ارتكبوا جرائم على الأنفس و الممتلكات و حقوق الانسان عوقبوا بها ، وإذا كانوا ارهابيين يقتلون الآمنين المسالمين من الناس فهم خارجون عن الدولة و المجتمع ، وليسوا جزءا من نظام الشورى الاسلامية.
2 ـ الحرية المطلقة للعقيدة والفكر والتعبير عنهما .
وهنا تتحدد مهمة الدولة فى توفير الأمن الداخلى لكل افراد المجتمع ، وتوفير الأمن الخارجى للوطن ،و إقامة القسط بين الناس و توفير الحرية المطلقة للأفراد والجماعات فى العبادة والعقيدة والرأى والفكر. وهذا لا يعنى الاعتداء على الأشخاص وقذف المحصنات ، فلا بد من وضع حدود فاصلة بين هذا وذاك. وذلك مفهوم ومشروع. الهداية ليست مسئولية الدولة بل هى مسئولية فردية فمن اهتدى فانما يهتدى لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها ، ولن تستطيع أن تهدى من أحببت ، ولكن الله تعالى هو الذى يهدى من يشاء أن يهتدى من البشر. وتلك علاقة بين الانسان وربه لا شأن للدولة الاسلامية بها.
3 ـ العدل و القسط :
المهمة الكبرى للدولةالاسلامية هى إقامة القسط ، فى التعامل بين الأفراد ـ و فيما بين الجماعات ، وفى علاقتها بالدول الأخرى فى المجتمع الدولى. لا بد من توفير العدل الاقتصادى بكفالة حقوق الفقراء والمساكين و السائل والمحروم واليتيم وابن السبيل ، ولا بد من توفير العدل السياسى بان يكون كل المواطنين شركاء فى الحكم السياسى ، أى يحكمون أنفسهم بانفسهم. الظلم فى توزيع الثروة يؤدى الى الظلم فى تقسيم السلطة وقيام حكم استبدادى. و حصر السلطة فى فئة يجعل تلك الفئة متحكمة فى الثروة. فالثروة و السلطة يبحث كل منهما عن الاخر. فلا بد من وجود عدل اجتماعى ليتأكد العدل السياسى أى الشورى الاسلامية.
وهكذا لا بد أن تتضافر كل القيم معا حتى يمكن إقامة الديمقراطية الاسلامية أو الشورى الاسلامية . لا يمكن إقامة الشورى الاسلامية بضياع العدل الاجتماعى وسوء توزيع الثروة،أو بمصادرة الحرية الفكرية والدينية ، أوبالتفرقة بين المواطنين على اساس المعتقد والدين أو الجنس واللون و الذكورة والأنوثة.
4 ـ الموازنة بين العدل و الحرية:
الديمقراطية – او الشورى بالمفهوم الاسلامى – هى التى تجمع فى داخلها المعادلة السحرية التى توازن بين الحرية والعدل. فالديمقراطية الاسلامية المباشرة تعنى العدل المطلق فيما نسميه حاليا بالمشاركة السياسية فالمجتمع هو صاحب الحق المطلق فى السلطة السياسية أو هو مصدر السلطات ، وحق المجتمع هنا يتقسم بالعدل المطلق على عدد أفراد المجتمع بالمساواة المطلقة. الحاكم هنا هو ولى الأمر أى صاحب الاختصاص فى عمله الذى يجيد القيام به وهو مسئول امام المجتمع ومجرد خادم يقوم بعمله المختص به ويعاونه آخرون يطيعونه فى اطار طاعة الله تعالى ورسوله أى طالما يؤدى عمله فى حدود القانون الذى يتم تطبيقه على الجميع بلا استثناء. الديمقراطية الاسلامية المباشرة تساوى بين الأفراد جميعا بغض النظر عن الغنى والفقر ، الذكر والانثى، الملة والاعتقاد ، العنصر ، اللغة الأصل ، العرق ، الطبقة واللون...الخ. فالديمقراطية المباشرة عدالة مطلقة.وهى أيضا تؤكد على حرية المعتقد المطلقة ؛ فكما أن للفرد حريته المطلقة فى الايمان بالله تعالى أو الكفر به والتنقل بين أى دين كيف شاء وترك الايمان متى أراد وهو مسئول أمام الله تعالى فقط يوم الدين عما اختار - له أيضا حقه المطلق فى حريته السياسية بمعنى التساوى التام بين كل المواطنين ، والعدل المطلق فى المواطنة . المساس بهذا المعيار يضيع العدل ويفتح الباب لاستئثار مجموعة بالسلطة ،ثم بالثروة، ويتسلل الاستبداد والفساد فى غيبة الأكثرية من الناس مما يؤدى الى تهميشهم ثم الى العصف بحقوقهم.
الأمة مصدر السلطات فى الشورى الاسلامية
1 ـ فى ديمقراطية الاسلام تجد الأمة هى مصدر السلطات وليس الحاكم . لقد جاء النبى محمد هاربا بحياته ودينه من اضطهاد قريش فأقام له مسلمو المدينة وغيرهم له دولة ، هى أول وآخر دولة اسلامية حقيقية . قال له ربه تعالى يخاطبه وهو الحاكم لتلك الدولة (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ) ) أى بسبب رحمة من الله تعالى جعلك لينا معهم ورحيما فى التعامل معهم.فماذا اذا لم يكن لينا هينا معهم ؟ تقول الآية الكريمة (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ) فماذا اذا انفضوا من حوله ؟ سيفقد قوته، وسيفقد الحماية، وسيعانى الاضطهاد. اذن هو يستمد السلطة والقوة والنفوذ والدولة من اجتماعهم حوله ، أى أنهم مصدر السلطة له فى الدولة التى أقاموها له ، أى أنه لا يستمد سلطته من الله تعالى وأنما يستمدها من الشعب ، ولأنها سلطة الشعب فلا بد أن يستميل اصحاب السلطة اليه- أى الشعب - كى لا ينفضوا عنه . فماذا يفعل ؟ تقول الآية تضع التشريع السياسى للنبى الحاكم وكل حاكم ديمقراطى ( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) ( آل عمران 159 ) أى يعفو عنهم اذا أساءوا اليه ، ويستغفر لهم اذا أذنبوا فى حقه، ويشاورهم فى الأمر – كل أمر – لأنهم أصحاب الأمر. الأمر بالشورى جاء هنا يأمر النبى بأن يشاورهم جميعا فى أى أمر مطروح بحثه – أى يشاوركل المواطنين رجالا ونساء ، أغنياء وفقراء دون تفرقة من أى نوع أو استثناء لأى نوع - وفق الديمقراطية المباشرة التى لا مجال فيها للتمثيل النيابى أو الديمقراطية غير المباشرة.
لاحظ هنا أن الحاكم المستبد الذى يسرق سلطة الشعب ويحتكرها لنفسه لا يحتاج الى أن يكون لينا هينا مع الناس بل يمارس ما بسمى بهيبة الدولة أو هيبة النظام التى تتجلى فى تسلط ضابط البوليس مع أفراد الشعب لارهاب الناس وارعابهم وتخويفهم حتى يسكتوا عن حقوقهم المسلوبة . ولذلك يقترن الاستبداد بالتعذيب بدءا من فرعون موسى الى عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان مع بداية الخروج على تعاليم الاسلام وديمقراطيته وشفافيته وعدله ، حيث بدأ التعذيب لارهاب المعارضة ، وتعرض للتعذيب بعض كبار الصحابة – بدرجات مختلفة – ومنهم عمار بن ياسر وابن مسعود وأبو ذر وأبوالدرداء. ثم أصبح التعذيب سنة متبعة ملازمة للظلم والفساد والاستبداد من العصر الأموى وحتى عصرنا السعيد . وعليه كان لزاما التعتيم على فريضة الشورى الاسلامية ومصادرتها لصالح الاستبداد.
ليس فى الدولة الاسلامية حاكم فرد لأن الشعب هو الحاكم
1ـ ان الخطاب التشريعى فى القرآن الكريم جاء يخاطب عموم المسلمين يقول لهم مثلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ) (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ)(البقرة 178 ، 190 ) (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ)( النساء 58) .(انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) ( التوبة 41 ). وحتى مع وجود النبى بينهم فقد كان الخطاب يأتى مباشرة للمؤمنين فيما يجب أن يفعلوه باعتبارهم هم الحكام الذين يحكمون انفسهم بأنفسهم . يقول تعالى لهم عما يجب أن يفعلوه مع المنافقين المعارضين (سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) (التوبة95 ) .لم يأت التشريع القرآنى للمسلمين يخاطب حاكما فردا على الاطلاق وانما جاء يخاطب عموم المؤمنين بأوامر تشريعية عقيدية وأخلاقية وسياسية وحربية، على اعتبار انهم يحكمون أنفسهم بأنفسهم.
وهذا الخطاب للمؤمنين فى دولتهم الاسلامية الديمقراطية بتلك الأوامر يخالف رسالة النبى موسى عليه السلام التى كانت فى البداية موجهة الى شخص واحد هو الفرعون الذى كان يمثل كل المصريين ويتحدث باسمهم ، لذا توجه موسى وهارون ليس للمصريين ولكن لفرعون فقط لأنه كان يملك مصر وما عليها ومن عليها ، وعلى نسقه سار الخلفاء غير الراشدين فى العصور الوسطى ، وعلى سنتهم السيئة يسير الاخوان حاليا فى دعوتهم الى الحاكمية التى تعنى ان الخليفة يحكم باسم الله تعالى وأنه مصدر السلطة وليس مسئولا أمام الناس ، بل هو مسئول فقط أمام الله تعالى عن الرعية ، فهو الراعى والناس رعية له أو انعام يملكها ويستغلها فى الانتاج ويقتل منها ما يشاء ويستبقى من يشاء ولا معقب لقوله ولا راد لارادته، أى انه التأليه للحاكم الناطق باسم الله والذى يحكم باسمه ، لذا كانت الشورى الاسلامية جزءا من عقيدة الاسلام التى تقصر الألوهية على الله تعالى وحده دون شريك من ولى معبود أو حاكم متأله . ومن هنا أيضا توجه الخطاب القرآنى لعموم المؤمنين ولم يتوجه لشخص حاكم اذ ليس فى الدولةالاسلامية وديمقراطيتها المباشرة وجود لحاكم ، ولذلك مات خاتم النبيين عليه وعليهم السلام دون أن يعين بعده حاكما لأنه ببساطة لا وجود لحاكم فى الدولة الاسلامية بالمعنى المتعارف عليه فى النظم الجمهورية أو الملكية.
2 ـ جاءت مرة واحدة كلمة ( الحُكّام ) فى معرض الحّكم الفاسد المرتشى المنهى عنه : ( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) البقرة ) .ولكن القرآن الكريم لم يذكر مطلقا كلمة ( حاكم ) فى أى من تفصيلاته التشريعية. بل أن لفظ " يحكم " أو "حكم " جاءت بمعنى التقاضى بين الناس فى الدنيا ، وليس الحكم السياسى ، أى الحكم بين الناس وليس حكم الناس كقوله تعالى ( وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ)( النساء58 )هذا فى التقاضى أو الحكم بين الناس فى الدنيا. أما التقاضى بين الناس أو الحكم بين الناس فى الآخرة فهو لله تعالى وحده يوم الحساب حين يحكم بين الناس فى خلافاتهم العقيدية (قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ )(الزمر 46}. باختصار ، فان افعل " حكم" لم يأت فى القرآن الكريم متعديا أى بمعنى الحكم السياسى أى " يحكم الناس أو يحكم الشعب "، ولكن جاء لازما يحتاج الى ظرف أو جار ومجروربمعنى " يحكم بين الناس" ويكون هنا بمعنى القضاء والتقاضى أى يقضى بين الناس، أو " يحكم ب " أى يحكم فى القضاء بشرع الله تعالى أو شرع غيره . وفى هذا المجال جاء قوله تعالى ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)( المائدة 44 ،45 ،47 } . الاخوان المسلمون والسلفيون يستشهدون بالآيات الكريمة السابقة فى مزاعمهم السياسية ضد الاستبداد المحلى العسكرى والحزبى ، مع أن هذه الآيات الكريمة تحكم عليهم هم بالكفر والفسوق والظلم . انها تنطبق عليهم هم قبل غيرهم لأنهم الدعاة لتطبيق شريعة الفقه السنى المناقضة لما أنزل الله تعالى فى الأصول العقيدية و التشريعية . وهذا ما أثبتناه فى أبحاث عديدة لنا تناولت التناقض بين الفقه السنى والقرآن فى المصطلحات والمقاصد التشريعية والقواعد التشريعية والأحكام والتفصيلات التشريعية. الأمثلة عديدة ، ليس فقط فى تقديس النبى محمد والصحابة والأئمة والأولياء والقبور المقدسة والأسفار والكتب المقدسة وما وجدنا عليه آباءنا ، بل أيضا انكار فريضة الديمقراطية وفرض الحاكمية الاستبدادية وفى استحلال الدماء التى حرمها الله تعالى. فى شريعتهم الشيطانية يوجبون قتل المخالف لهم فى الرأى بتهمة الردة ، ويوجبون رجم الزانى وقتل تارك الصلاة وقتل المخالف للسلطان بل جعلوا من حق الخليفة قتل ثلث الرعية لاصلاح الثلثين.
أولو الأمر ، ليسوا الحكام بل الخبراء
أولو الأمر –بالمصطلح القرآنى – هم أصحاب الشأن والاختصاص ، أى الخبراء فى الأمر المطروح مناقشته حيث يتعذر على جمهور المسلمين أن يتخصصوا فى كل شىء ، لذا فان طاعتهم واجبة فى حدود تخصصهم وفى اطار طاعة المولى جل وعلا والرسول اى القرآن أو الرسالة. وجاء مصطلح أولى الأمر بهذا المعنى مرتين فقط فى القرآن الكريم { النساء 59 ، 83 } جاء التراث العباسى ليجعل أولو الأمر هم الحكام ويجعل طاعتهم مطلقة حسب تأويلهم للقرآن وتحريفهم لمعناه.
وجدير بالذكر ان تشريعات القرآن لا تزيد عن مائتى آية معظمها فى حماية الأسرة والمرأة وحماية المجتمع ، وتترك مجالا واسعا للتشريع البشرى الذى يغطى كل احتياجات المجتمع فى اطار العرف أو المعروف أو ما يتعارف الناس عليه على أساس انه القيم العليا والفضائل أو ( مبادىء الشريعة الاسلامية ) بمفهومنا . وكل تشريع يقننه المجتمع فى اطار هذه القيم العليا يكون تشريعا اسلاميا ، كما أن أى دولة تقيم حقوق الانسان ومعالم العدل وحرية الفكر والعقيدة تكون دولة اسلامية.
المبدأ الثالث من مبادىء الشريعة الاسلامية : الحرية المطلقة فى الدين
أولا : يكفى الكافر ما ينتظره من عذاب خالد يوم الدين
1 ـ فى موقعنا أهل القرآن باب للفتاوى تحت عنوان ( فاسألوا أهل الذكر ) . وجاءنى هذا السؤال ، وهو مناسب لموضوعنا، أذكره وأرد عليه:( أرجو منك ..أن تفسر سورة الحاقة. أنا من اشد المتأثرين بأسلوب فهمك للقرآن الكريم وقد أصبحت أفهم الآيات الكريمة بطريقة مختلفة عن النمط الذي تعلمناه بالمدارس. أما السبب في طلبي فقد لفت انتباهي الطريقة الرهيبة التي سيُعذّب فيها الذي لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين. أن الله رؤوف رحيم وهذا العذاب الشديد لا يستطيع عقلي استيعابه من أرحم الراحمين. ).
2 ـ إن المقابل فى الحرية الدينية المطلقة هى النعيم الخالد المُطلق أو العذاب الخالد المُطلق .وفى حياتنا الدنيا ( النسبية ) نعاقب من يخرق القانون ونكافىء المجتهد على اساس أن الحرية تستلزم المسئولية ، وهو نفس ما قاله رب العزة فى مسئولية النفس البشرية الحُرّة على افعالها : (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124) ) ( النساء )
3 ـ وفى القرآن الكريم حوالى ألف آية تقرّر الحرية الدينية المطلقة للبشر ومسئولية كل فرد عن إختياره الدينى فى الايمان أو الكفر وفى الطاعة أو العصيان ، وأن مرجع الحكم فى الدين هو لله جل وعلا وحده فى (يوم الدين ). وهناك نفس العدد من الأيات تقريبا عن العذاب أو النعيم المترتب على هذه الحرية المطلقة التى منحها ربا العزة للبشر فى مجال الدين من إعتقاد وعبادات ودعوة .
4 ـ وأحيانا يأتى تقرير الحرية الدينية مقترنة بما يترتب عليها من عذاب أخروى هائل أو نعيم فى الجنة خالد ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، ويتحمل مسئولية إختياره يوم القيامة بأن يكون فى الجحيم أو فى جنة نعيم : (وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً (29) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30) أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (31)( الكهف )
5 ـ وفى تحديد مسئولية النبى عليه السلام فى مجرد التبليغ والتذكير يأتى التنبيه والتأكيد بالعذاب الأكبر يوم القيامة لمن يمارس حريته فى الكفر وأن الله جل وعلا وحده هو الذى سيتولى حسابه وعذابه : ( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)( الغاشية )
6 ـ وبهذا فيوم القيامة فسنكون خصمين فى الدين ، خصم يؤمن بالله الواحد الذى لاشريك له ، والمستحق وحده بالتقديس ، وأنه وحده الولى والشفيع ومالك يوم الدين يعبده وحده ويقدسه وحده ويخشاه وحده ويتوسل به وحده ، وخصم آخر يجعل شركاء لله جل وعلا فى التقديس والعبادة ، يؤله البشر والقبور والحجر ، يقدس الأنبياء والرسل والأئمة والأولياء ، ويضيف لهم الشفاعات يوم الدين ، ويجعلهم متحكمين فى مصائر البشر فى الدنيا ويوم الدين ، ويأخذ من التقديس الواجب لله جل وعلا وحده فيضيفه لهم . كل خصم يعتقد أن الحق الى جانبه، ولكن هذه الخصومة الدينية لا تُبيح لخصم فى هذه الدنيا أن يكون قاضيا على خصمه الآخر ، لأن العدل يقتضى أن يكون صاحب الشأن فى الفصل والحكم بينهما هو رب العزة الذى يقضى بحكمه على هذين الخصمين اللذين يختصمان فى ذاته ، وموعد هذه الخصومة هى يوم الدين ، وليس (يوم الدنيا ). وفى يوم الدين هذا وعن الحديث عن هاذين الخصمين يخبرنا رب العزة عن أصناف العذاب وأصناف النعيم المترتب على هذه الحرية الدينية المطلقة فى هذه الدنيا . يقول جل وعلا :( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) الحج )
7 ـ : لهذا فإنّ من يُلحد فى كتاب الله هو حُرُّ فيما يفعل ومسئول أيضا عما يفعل أمام الله جل وعلا يوم القيامة ، أى لا سلطان لأحد عليه فى هذه الدنيا ، لأنّ الله جل وعلا هو الذى سيتولى حسابه يوم القيامة،ويكفيه عقابه فى النار:( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) ( فصلت )
8 ـ هوعذاب خالد وهائل ولا خروج منه ولا تخفيف فيه، لذا فإن الداعية للاسلام يجب أن يصفح عن خصومه فى الدين، فيكفيهم ما ينتظرهم من عذاب أليم:( وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85)الحجر)( وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89) الزخرف)( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) الجاثية ).
9 ـ هذا فى الاسلام الحق . أما فى أديان المسلمين الأرضية وخصوصا دين السّنة الوهابى ففيه الإكراه فى الدين بتشريع يقول إفتراءا على خاتم المرسلين ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ..) وفيه قتل المرتد وقتل الزنديق ، وقد شرحنا ذلك فى كتاب ( حد الردة ) الصادر عام 1993 ، وهو منشور هنا ، وتأثر بها التشريع المصرى فى قوانين إزدراء الدين والحسبة. وفى كل الأحوال هى عقوبات تدافع عن الدين السّنى السائد وعن طموحات أربابه الدنيوية والسياسية ، والعادة أن تلك الأديان الأرضية تحتاج الى قوانين تعطيها حصانة تقيها شرّ النقاش ، بل وتفرضها على الناس لعجزها عن المواجهة الفكرية. ولهذا فإنهم يقيمون يوما للدين قبل يوم الدين ، ويغتصبون دور الرحمن فى الحكم بين عباده ، ويقيمون لخصومهم فى الدين والمذهب والفكر محاكم تفتيش بالتناقض مع الاسلام ، وفى حرب مُعلنة لرب العزة جل وعلا .
10 ـ وقد صدر لنا فى هذا الموضوع بحث ( حرية الرأى بين الاسلام والمسلمين ) وكان مقدما للمنظمة المصرية لحقوق الانسان ، ثم أصدرته فى كتاب ضمن بحوث أخرى عام 1993 ، وهو منشور هنا . وصدر لنا أيضا كتاب ( حد الردة ) عام 1993 بعد إغتيال الراحل فرج فودة ، وهو منشور فى موقعنا ( أهل القرآن ) بالعربية والانجليزية . وقدمت بحثا للمفوضية الأمريكية العالمية للحرية الدينية بعنوان ( الحرية الدينية بين الاسلام والمتعصبين المسلمين ) وهو بالانجليزية ( Religious freedom between Islam and fanatic Muslims ). وقد تأكد فيه أن حرية الدين فى الاسلام بلا سقف أعلى ، بينما قام السنيون بتحويلها الى تعصب وإكراه فى الدين . ويقع هذا الكتاب فى حوالى 400 صفحة . وهو منشور للبيع على موقع الامازون :http://www.amazon.com/s/ref=nb_sb_noss?url=search-alias%3Daps&field-keywords=Religious+freedom+between+Islam+and+fanatic+Muslims
ثانيا : بعض تفاصيل عن الحرية المطلقة فى الدين الاسلامى
لا إكراه فى الدين:
1 ـ يكفى أن نقرا سورة الكافرون:( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ (4) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)) يعنى بصراحة نحن متناقضان مختلفان فى الدين أيها الكافرون ، ولكم دينكم ولنا ديننا . نتهمكم بالكفر ولكم انتم أن تتهمونا بالكفر. فنحن نكفر بما تؤمنون به من تقديس للبشر والحجر ، ولا نعبد البشر ولا الحجر ، وأنت تكفرون بما نؤمن به وهو الله جل وعلا الذى لا شريك معه .وانتم لا تؤمنون بالله إلا إذا كان معه شركاء (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) يوسف) ( ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12) غافر ) . إيمانك أنّك على الحق لا يعطيك الحق فى الاستعلاء على من تعتقد بكفره ، لأن الآخر يعتقد أيضا بكفرك ، وسورة الكافرون السابقة بدأت بأمر للنبى محمد نفسه عليه السلام بأن يقول هذا لكفار العرب:( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ )، وبقية الايات تنقسم بالسوية بينه وبينهم ، ولم تعطه أفضلية يستطيل بها عليهم مع أنه على الحق وهم بالباطل، النتيجة هى التعادل:( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ).
2 ـ ولقد تحمّس عليه السلام فوصل الى درجة من الاكراه فى الدين فنزل قوله جل وعلا يخاطبه بأنه جل وعلا لو شاء لخلق الناس بلا إرادة حرة وجعلهم كلهم مؤمنين ، ولكنه خلقهم أحرار المشيئة ، ولذا فلا يصح للنبى أن يُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين :( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) يونس ) . كان هذا فى مكة ، ثم نزل تشريعا فى المدينة يؤكّد أنه:( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) (256)( البقرة )
تشريع القتال لمواجهة الاكراه فى الدين أو ( الفتنة )
1 ـ الفتنة فى الدين فى المصطلح القرآنى تأتى بمعنى الاضطهاد الدينى ، نفهم هذا من قوله جل وعلا عن قريش:( وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا )(217)البقرة ) وعندما تكونت للنبى عليه السلام دولته الاسلامية نزل تشريع القتال الدفاعى أولا بالإذن بالقتال ، ومنه نفهم أن من أهدافه حصانة بيوت العبادة لكل الملل والنحل والأديان ، فالاية تقول (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الحج 4)الاية هنا تعطي حيثيات الاذن بالقتال لرد العدوان ،الاول ان اولئك المظلومين تعرضوا للقتل والقتال، والثاني انهم تعرضوا للطرد من بيوتهم ووطنهم لمجرد انهم يقولون ربنا الله ،ثم تؤكد الأية التالية انه لولا حق المظلوم في الدفاع عن نفسه لتهدمت بيوت العبادة للنصاري واليهود والمسلمين وغيرهم حيث يذكر العابدون فيها اسم الله كثيرا . والاهمية القصوي هنا في تأكيد القرآن علي حصانة بيوت العبادة لليهود والنصاري والمسلمين حيث ذكر الصوامع والبيع والصلوات ،أي كل ما يعتكف فيه الناس للعبادة من اديرة وكنائس وغيرها ثم جاء بالمساجد في النهاية وقال عن الجميع انهم يذكرون فيها اسم الله كثيرا ولم يقل طبقا لعقيدة الاسلام في الالوهية (يذكر فيها اسم الله وحده) حتي يجعل لكل بيوت العبادة لكل الملل والنحل حصانة ضدالاعتداء . والاهمية القصوى هنا ايضا ان تشريع الاذن بالقتال ليس فقط لرد الاعتداء وانما ايضا لتقرير حرية العبادة لكل انسان في بيت عبادته ،مهما كانت العقيدة والعبادة ،فلكل انسان فكرته عن الله وعقيدته في الله وهو يقيم بيوتا لعبادة الله و لابد ان تكون هذه البيوت واحة آمنة تتمتع هي ومن فيها بالامن والسلام .
2 ـ ثم نزلت تفصيلات التشريع فى قتال أولئك الذين يشنون حربا هجومية على الدولة الاسلامية: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)( البقرة )، ونزل فيها المقصد التشريعى للقتال وهو منع الفتنة فى الدين أو الاضطهاد الدينى:( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ )(193) البقرة )( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ )(39)الانفال ). بمنع الاضطهاد الدينى وتقرير الحرية المطلقة فى الدين يكون الأفراد أحرارا فى مشيئتهم الدينية يعتقدون ما يشاءون ، ومرجعهم الى الله جل وعلا يوم الدين ليحكم بينهم فيما هم فيه مختلفون . وهذا معنى أن يكون الدين لله ، أو أن يكون الدين كله لله وحده ، هو وحده صاحب التشريع فيه ، وهو وحده صاحب الحكم بين البشر فيه يوم الدين .
الهداية والضلالة مسئولية شخصية وليس مسئولية الدولة أو المجتمع :
1 ـ أى من أهتدى فلنفسه ومن ضل فعلى نفسه :( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108 ) ( يونس ) (مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) (15) ( الاسراء )( وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنْ الْمُنذِرِينَ (92) ( النمل )( إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنْ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41)( الزمر )( قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104)( الأنعام ). وبالتالى فإن وظيفة الدولة ليست هداية الناس للجنة ولكن تحقيق العدل وحماية الحرية الدينية لكل فرد فى هذه الدنيا حتى يكون مسئولا عنها يوم الدين .
2 ـ والعادة أن مشيئة الهداية أو الضلال ترتبط بالانسان إبتداءا . وتأتى مشيئة الله تؤكد ما شاءه الانسان لنفسه، إذا شاء الهداية وسعى اليها ، فتأتى له مشيئة الله جل وعلا فتهديه وتزيده هدى : ( وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً (76) مريم ) ( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ (17) محمد ) ، أما الذى ارتضى الضلال ورفض الهداية فقد زيّن له الشيطان سوء عمله فيريه سوء عمله حسنا ،يقول جل وعلا فى استحالة هداية هذا الصنف من البشر: ( أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ (8)( فاطر ) أى إن الله جل وعلا ( يُضِلُّ ) من البشر ( مَنْ يَشَاءُ ) منهم الضلال ( وَيَهْدِي) من البشر ( مَنْ يَشَاءُ ) منهم الهداية. ولذلك فلا ينبغى للنبى ان يتحسّر على من زين له الشيطان الضلال فرآه حسنا: ( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ) .
كل الاختلافات الدينية مرجعها لله جل وعلا يوم القيامة
1 ـ يقول جل وعلا يخاطب البشر جميعا يضع لهم قوانين محددة فى المسئولية الشخصية والحرية الدينية وأنّ المرجعية له جل وعلا وحده للحكم على الناس يوم الدين:( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)(الزمر ). (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)( الأنعام ).
2 ـ وكما أنه جل وعلا وحده هو عالم الغيب والشهادة وهو وحده فاطر السماوات والأرض فإنه جل وعلا وحده له الحكم بين الناس فى إختلافاتهم الدينية : ( قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46)( الزمر) ، وعليه فإن من يقيم محاكم تفتيش فى الدين إنّما يتقمص دور خالق السماوات والأرض بالإثم والعدوان . إنّ حساب الكافر عند ربه وليس فى محاكم تفتيش تفتش عن قلبه :( وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117)( المؤمنون )،
3 ، وعلى المؤمنين الاهتمام باصلاح أنفسهم من داخل الاسلام ، لا يضرهم من ضل طالما كانوا مهتدين، وفى النهاية سيحكم رب العزة يوم الدين : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)( المائدة ).
4 ـ ويجب ترك التعصب الدينى ليحلّ محلّه التنافس بين الطوائف المختلفة فى عمل الخير ، وينتظروا أن يحكم بينهم ربهم جل وعلا فيما هم فيه مختلفون :( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)( المائدة )
الدولة الاسلامية تبيح حرية الكفر لمن يشاء
للكافر بالاسلام داخل دولة الاسلام أن يمارس دينه كيفما شاء شأنه شأن المؤمن، وبالمساواة المطلقة معه ، مع إنتظار المؤمن للحكم عليه وعليهم يوم القيامة ، فهذه كانت سُنة الرسول عليه السلام المأمور بها فى القرآن بكلمة ( قل ) : (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (39) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (40) ( الزمر )(قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135) ( الأنعام )( وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) (هود)(وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121) وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (122)( هود ).
لا مصادرة فى الرأى الدينى
والله تعالى لم يستنكف أن يسجل آراء الكافرين مع أن آراءهم لا تستحق أن تكون آراءا ، إنما هي سباب وتطاول وسوء أدب ، فاليهود قالوا يد الله مغلولة ( المائدة/ 64) وقالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ( آل عمران 181) وفرعون قال إنه لا يعلم إلها للمصريين غير فرعون وأنه ربهم الأعلى (القصص/38، النازعات / 24) والجاهليون قالوا إن الله جل وعلا أمرهم بالفحشاء ( الأعراف 28 ـ ) وكان من الممكن أن يصادر الله سبحانه وتعالى هذه الأقوال فلا نعلم عنها شيئا . وبعضها قيل في عصور سحيقة قبل نزول القرآن . ولولا القرآن ما علمنا عنها شيئا . ومصادرة الكتب والمؤلفات هي الهواية المفضلة للكهنوت الديني والسياسي . وكم شهد العالم في العصور الوسطى ـ وفى عالمنا الثالث الذي لا يزال في العصور الوسطى ـ مذابح للكتب والمؤلفات والمؤلفين ، ولكن الله العزيز الحكيم سجل كل آراء خصومه حتى ما كان منها تطاولا على ذاته المقدسة ، فأصبحت من آيات القرآن التي نقرؤها ونتعبد بتلاوتها ، وطبيعي أن الله تعالى رد عليها بما يناسب المقام .
أخيرا : بناء على ما سبق نقول الآتى :
1 ـ لا تتدخل الدولة على الاطلاق فى مجال الدعوة الدينية السلمية، بل تكون مهمتها تأكيد حرية هذه الدعوة للجميع أفرادا وطوائف على قدم المساواة المطلقة . وبالتالى لا بد من إلغاء كل القوانين التى تصادر أو تُحدّ من حرية الدعوة مثل قانون ( إزدراء الأديان ) والذى يتم تطبيقه لحماية الدين السّنى الوهابى فقط بينما يتم إزدراء الدين القبطى والدين الشيعى والدين البهائى ، بل يتم إزدراء الدين الاسلامى الحقيقى بتطبيق هذا القانون على ( أهل القرآن ) وسجن بعضهم عدة سنوات عام 2001 . ولا بد من الوقوف بحسم ضد دستور الاخوان الحالى والذى يمنع التعرض للأنبياء والذى يجعل الشريعة الوهابية السنية هى مصدر التشريع طبقا للمادة :(220): ( مبادىء الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة فى مذاهب أهل السنه والجماعة ).
2 ـ حرية الدعوة الدينية السلمية للجميع تعنى واقعيا حرية المسيحى للتبشير بدينه بين المسلمين ، وحرية المسلم فى التبشير بدينه بين غير المسلمين ، وحرية السّنى الوهابى فى التبشير بدينه بين غير السنيين ، وحرية الشيعى فى التبشير بدينه بين السنيين وغير الشيعة ، وحرية الصوفى فى الدعوة للتصوف بين السنيين وغيرهم وحرية البهائى فى الدعوة لدينه بين غير البهائيين ، بل حرية الدعوة الى الالحاد ..
3 ـ حرية الدعوة الدينية السلمية هذه لا بد أن تبتعد عن الإكراه فى الدين ، هى ( عرض للدعوة) لا ( فرض للدعوة) ، أى أن الداعية يعرض على الناس دينه ولا يفرضه على الناس . فإذا لجأ الى الاكراه فى الدين فلا بد من عقابه قانونا لأنّه تعدى على حق الأخرين فى حريتهم الدينية .
4 ـ حرية التبشير تعنى حرية التكفير ، وبلاحرج . إنّ لبّ الدعوة الدينية هو التكفير للآخر ، فأنت حين تدعو الى دينك يعنى أنك تعتقد أن دينك هو الصحيح وأن غيره هو الباطل ، وأن دينك هو الحق وغيره هو الكفر ، والاسلام فى عقيدته ( لا اله إلا الله ) تبدأ بالكفر بكل إله مع الله ، للتأكيد على ألوهية الله جل وعلا وحده ، والله جل وعلا يقول : (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)( البقرة )، أى لا إكراه فى الدين ، وقد إتّضح بالقرآن الرشد وتميّز عن الغىّ،وهنا أتهام للأديان الأخرى بأنها غىّ مع تقرير أنه لا إكراه فى الدين ، ثم إن المؤمن طبقا للقرآن هو من يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ، أى يكفر أولا بالطاغوت لكى يؤمن بالله جل وعلا وحده ، وبهذا يكون هو إستمسك بالعروة الوثقى ، وبالتالى فإنه يعتبر غيره ضالّا طبقا للقرآن . ويتأكد هذا فى قوله جل وعلا : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ (19)( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (85)( آل عمران ) ، وهذا واضح فى أن من يعتنق دينا غير الاسلام الحق الذى جاء فى القرآن فهو من أهل الجحيم . من حقّى أن أدعو بهذا وأن أحكم بكفر من يعبد المسيح ومن يقدس محمدا والصحابة والأئمة والأولياء ، ومن حقى أن أعلن أن من يحج الى القبر المنسوب للنبى محمد يكون كافرا، وأن هذا القبر هو رجس من عمل الشيطان ، ولكن ليس من حقى أن أفرض رأيي هذا على أحد ، بوسعى أن أعزز رأيى بكل الحجج ، ولكن دون إكراه للغير . وأيضا من حق هذا الغير أن يكفر بالقرآن وأن يقول ما شاء فى الاسلام وفى النبى محمد عليه السلام ، سواء كانت معه حجة أو لم تكن . من حق البهائى أن يطعن فى أديان الغير ، ومن حق المسيحى أن يحكم بكفر المسلمين وكل من لا يؤمن بالمسيح الاها ومخلّصا ومنقذا . لكل إنسان الحق فى تكفير الأخرين سواء كانت معه الحجة والمنطق أو كانت حجته تدليسا وإفتراءا وتحريفا ، أو لم تكن لديه حجة على الإطلاق . وموعدنا جميعا يوم الدين أمام الرحمن جل وعلا ليحكم بيننا فيما نحن فيه مختلفون. أى إن حرية التبشير هى حرية التكفير للمخالفين ولكن دون الإكراه فى الدين . وطبعا لا يستتبع التكفير هنا إقامة ما يعرف بحدّ الردّة ، فهذا فى شريعة السنيين والشيعة ، وكان من قبل ضمن أصول الدين الكاثوليكى فى عهد سيطرة بابوات روما . هنا نتحدث عن حرية الدعوة بلا قيود ، وحرية التبشير والتكفير بأى دين بلا فرض أو إكراه .
5 ـ ينتج عن حرية التبشير والتكفير بين الدعاة من كل نحلة ودين أن تتسع مجالات الإختيار بين الناس لتكون بلا سقف أعلى . فمن يشاء الخروج عن الاسلام والدخول فى المسيحية فهذا شأنه وحسابه عند ربه ، ومن شاء التحوّل عن المسيحية والدخول فى الاسلام فلا عائق أمامه، ولا يحتاج الى شهادة رسمية من الأزهر أو خلافه لأنه ليس فى الاسلام مؤسسة دينية أو كهنوت. ومن أراد التشيع أو الانخراط فى التصوف أو إعتناق البهائية فلا يحق لأحد منعه . ومن أراد الكفر بكل الأديان أو حتى عبادة الشيطان فهذا شأنه وتلك مسئوليته ـ مثل غيره ـ أمام الواحد القهار يوم القيامة .
6 ـ ينتج عن حرية التبشير والتكفير وحرية الايمان والكفر وحرية الإختيار بين الناس فى الدين أن يتحرر الناس من الخضوع لأحطّ البشر ، وهم رجال الدين الذين يجعلون أنفسهم واسطة بين الله جل وعلا والناس ، وأحقر منهم من يستخدمون إسم الله جل وعلا فى الوصول للسلطة والثروة . هذه الحرية الدينية تؤسس الوعى السياسى بين الجماهير، كما تقوم بتطهير المجال السياسى من المتاجرة بالدين ، وتحصر المنافسة السياسية بين من هو الأقدر على خدمة الناس فى حياتهم الدنيا مع إحترامه لإختياراتهم الدينية . كما أن هذه الحرية الدينية فى التبشير والتكفير ينتج عنها حرية حقيقية فى التفكير ، بما يؤدى الى تقليص الايمان بالخرافات الدينية الغيبية ، والتشجيع على نقد تقديس البشر والحجر والسخرية من الخزعبلات الدينية الى تحولت الى مقدسات بسبب السكوت عن نقدها ونقاشها .
7 ـ معنى الخصومة هو إختلاف فى الرأى ، أى إن لكل خصم رأيه ، ويأتى الحكم النهائى من الله جل وعلا يوم القيامة . أنا أقول رأيى معززا بالحجة أقصد به الوعظ ، وأومن بأن الحكم النهائى لله جل وعلا يوم القيامة . هو فى النهاية رأيى أنسبه لنفسى وليس للاسلام، لذا أقوله معتقدا تماما أننى سأؤاخذ عليه يوم القيامة ، وسيتم حسابى عليه إن كان حقا أو باطلا . ومن حق خصمى كذلك أن يقول رأيه وأن يسفّه رأيى ، والحكم النهائى لرب العزة ليحكم بيننا فيما نحن فيه مختلفون . وهنا يكون العدل بين حقوق الخصوم . لكل منهم نفس الحق فى التعبير عن رأيه وعمّا يعتقده . وهنا أيضا تتعانق الحرية مع العدل .
8 ـ ومن عجب أن يصل الغرب اليوم الى ما قرّره القرآن من 14 قرنا فى الحرية المطلقة فى الدين بينما يكفر بها الوهابيون وأضرابهم . فى أمريكا تنتشر الدعوة الى الاسلام بلا عائق ، ويتحوّل امريكيون مسيحيون الى الاسلام بلا إعتراض أو إستنكار لأنها حرية شخصية ، بل إن بعضهم يشترى كنائس ويحولونها الى مساجد، ويجدون المساعدة من الأمريكيين المسيحيين، أقول هذا عن دراية وعلم . وفى نفس الوقت فإن المساجد الوهابية السّنية والتى تتمتع بكل حريتها فى أمريكا لا تسمح للشيعة بدخولها . وفى نفس الوقت فإنه من أكبر الكبائر أن يقوم مسيحيون بالتبشير بدينهم بين المسلمين . إنهم يفهمون الحرية الدينية من جانب واحد فقط : حرية التحول من المسيحية الى الاسلام ، وليس الردة عن الاسلام والدخول للمسيحية . بل إن المسيحى إذا دخل فى الاسلام ثم أراد الخروج عنه فعقابه القتل بتهمة الردّة . ولقد سبق لنا تفصيل ذلك كله فى مقالات : ( التسامح الاسلامى بين مصر وأمريكا ) و ( بناء الكنائس والدفاع عنها حق مقرر فى الاسلام ) و ( أيها الأفغانى المتنصر يجب إحترام حريتك فى الاختيار ) ( كل هذا الهلع من التنصير ) ( الاسلام دين السلام ).
المبدأ الرابع من مبادىء الشريعة الاسلامية : العدل والقسط
أولا : العدل والقسط مقصدا وهدفا لكل الرسالات السماوية :
1 ـ القسط هو تمام العدل، والقسط هو الهدف من إرسال الرسل والأنبياء وإنزال الكتب السماوية، يقول تعالى ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد 25) فإقامة الناس فى أى مجتمع للقسط والعدل هى إقامة لشريعة الله التى جاءت بها الرسالات السماوية فى كل عصر. ومعنى ( لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ ) أن الرسالات السماوية تحرّض الناس على ان يتعاونوا جميعا فى إقامة أو تأسيس دولة القسط ، وكلمة ( الناس ) شاملة للرجال والنساء والأغنياء والفقراء ، أى كل أفراد المجتمع ، كلهم مُطالبون بأن يقيموا دولة العدل والقسط للجميع على قدم المساواة . إن لم يحدث هذا وظلت دولة الظلم والاستبداد قائمة فإن البديل للرسالات السماوية هو ( الحديد ) الذى فيه بأس شديد ومنافع للناس، وتكلمة الاية الكريمة تشير الى وجوب الثورة المسلحة على الظلم بهدف إقامة العدل والقسط ونصر دين الله جل وعلا ، وهو الذى يعلم بالغيب أنصار العدل والقسط : ( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ). إنّ المستبد لا يتنازل عن سلطانه بالحكمة والموعظة الحسنة ، فلكى يستمر مستبدا لا بد له من قهر الناس وإرهابهم بالتعذيب ، وتحصين نفسه ونظامة بترسانة من الأسلحة وترسانة أخرى من القوانين سيئة السُّمعة . وهذه هى خبرة البشرية مع كل مستبد ، لذا يظل أساس المواجهة مع المستبد بالوعظ ونشر الوعى بين الناس بقيمة العدل والحرية كجوهر للدين السماوى ،فإن لم يستجب المستبد فالبديل هو اللجوء الى الثورة المسلحة عليه بالحديد ذى البأس الشديد . ولنقرأ الآية الكريمة كاملة : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) الحديد )
2 ـ لذا فإن إقامة القسط هى إقامة للشرع الالهى ، أو إقامة لجوهر الدين الالهى ، وهذه هى أُسُس الشريعة التى نزلت فى كل الرسالات السماوية من رسالة نوح عليه السلام الى نزول القرآن الكريم خاتم الرسالات السماوية ، وهذا ما يرفضه عُتاة المشركين الظالمين فى كل عصر ، يقول جل وعلا : ( شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) الشورى ). بإقامة العدل والقسط مع الحرية الدينية للجميع بالمساواة لا تحدث إنقسامات تهدد كيان المجتمع إذ لا سيطرة لأحد على أحد ، فالكل يأخذ حقه بالعدل فى هذه الدنيا ، والاختلاف فى الدين مرجعه لله جل وعلا ليحكم فيه يوم القيامة .
ثانيا : أنواع القسط والعدل :
فى التعامل مع الله جلّ وعلا :
فالقسط فى التعامل مع الله يكون بالإيمان به جل وعلا إلهاً واحداً لا شريك له ولا نظير، ولم يلد ولم يولد. ومن هنا فإن الإشراك بالله تعالى ظلم عظيم للمولى جل وعلا وهو وحده الخالق لكل شىء :﴿ إِنّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان 13). وهذه قضية يختلف فيها البشر، ومرجعها إلى الله تعالى يوم القيامة. وهذا من تمام العدل ، لأننا خصوم فى موضوع الالوهية والاعتقاد ، وتتجسّد هذه الخصومات فى ظهور الديانات وما يتفرع عنها من مذاهب وطوائف ، كل منها يعتقد أنه الذى يملك الحقيقة المطلقة ويتهم الآخرين بالكفر والهرطقة وإنكار الحق ، والحق عنده هو مايؤمن به فقط . ومن المتعذّر فك الاشتباك الدينى بين الخصوم المتشاكسين ، لذا فإن من الظلم أن يكون الخصم حكما وقاضيا على اقرانه من الخصوم الآخرين . ومن العدل أن يكون رب العزة جل وعلا هو الذى يحكم بين الناس فيما هم فيه مختلفون ، فهو صاحب الشأن ، وقد أعد لهذا اليوم يوما هو ( يوم الدين ).
القسط مع البيئة:
1 ـ يأتى القسط فى التعامل مع البيئة والطبيعة فى تدبر كلمة قرآنية هى الميزان، وهى تشير الى القسط . و( الميزان ) تعنى فى ثقافتنا المعاصرة التوازن الطبيعى، و(الميزان) أو (القسط ) أو ( التوازن )هو أساس خلق الكون وأساس الرسالات السماوية، وهو أيضاً أساس الحساب يوم القيامة.. وإليكم التفصيل..
2 ـ عن خلق السماوات والأرض وفق ميزان دقيق يقول تعالى ﴿وَالسّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ. أَلاّ تَطْغَوْاْ فِي الْمِيزَانِ. وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ﴾ (الرحمن 7: 9) فالسماء ـ وهى كل ما يعلونا من غلاف جوى وأجرام سماوية ـ تقوم على أساس دقيق من التوازن، وعلينا ألا نطغى على ذلك التوازن فى العالم الكونى من الغلاف الجوى أو فى ذرات الأرض وهندسة الجينات وعناصر التربة ومعادنها، وإلا فإن الطغيان على ذلك التوازن الطبيعى يفتح الباب للفساد، ويحدث هذا بين الناس إذا ضاع القسط فى التعامل فيما بينهم، لذا يقول تعالى يربط التوازن الطبيعى بالتوازن العادل فى التعامل بين البشر ﴿أَلاّ تَطْغَوْاْ فِي الْمِيزَانِ. وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ﴾.
3 ـ إن الميزان الإلهى فى خلق المادة تجده فى أوزان العناصر والذرات والمعادلات الكيماوية بنفس ما نجده فى حسابات الفلك والنجوم والكواكب، وعن طريق الحسابات الرياضية توصل أينشتين إلى نظريته فى النسبية قبل أن تتحقق بتفجير القنبلة الذرية، وعن طريق الحسابات الرياضية يتوصل علماء الفلك إلى اكتشاف بعض الأقمار والمجرات قبل أن يتعرفوا عليها بالمراصد. والله تعالى يقول عن منازل القمر ﴿وَقَدّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (يونس 5) ويقول عن التقويم القمرى والشمسى ﴿وَجَعَلَ الْلّيْلَ سَكَناً وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً﴾ (الأنعام 96) ونفس الميزان المحسوب فى المواد أشار إليه القرآن الكريم :﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ شَيْءٍ مّوْزُونٍ ﴾ ، ﴿وَإِن مّن شَيْءٍ إِلاّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مّعْلُومٍ﴾ (الحجر 19،21).
4 ـ وهذا الميزان الدقيق فى المخلوقات الحية وغير الحية يستلزم عدم المساس به حتى لا يفسد النظام فى الذرة والعناصر والخلايا والغلاف الجوى. ومن أجل ذلك فإن الله تعالى خالق هذا الكون ( الموزون ) أو ( المتوازن ) ينزل أيضاً كتاباً سماوياً فيه (الميزان) العادل الذى يهتدى به الناس فى تعاملهم مع الكون والبيئة وفى تعاملهم مع بعضهم البعض. يقول تعالى عن ذلك الكتاب السماوى الذى نزلت به الرسالات السماوية ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد 25) ففى الآية الكريمة يأتى إرتباط الكتاب السماوى بالميزان (وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ )، وذلك بهدف أن يقوم الناس بالقسط . أى بالكتاب الذى هو الميزان يعتمد الناس القسط فى تعاملهم مع الله تعالى وفى تعاملهم مع أنفسهم وفى تعاملهم مع البيئة.
5 ـ ولأن الميزان واحد فكل رسالة سماوية كانت تنزل واحدة لكل نبى ، فلكل نبى رسالة سماوية واحدة ، فلا يقال أن له ( كتاب وسُنّة ) بل هو الكتاب فقط . ولآن كل الرسالات السماوية تؤكد أنه لا اله إلا الله وتؤكد قيم القسط والعدل والحرية والرحمة فإن الله تعالى يجعل الكتب السماوية كتاباً واحداً جوهرها القسط والعدل. والله تعالى يأمرنا بالعدل والاحسان ( أى العفو وهو درجة فوق العدل ): ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) ( النحل )، ويأمر خاتم النبيين ـ عليهم جميعا السلام ـ أن يقول لأهل الكتاب الذين أتوا ليحكم بينهم : ﴿ وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ (الشورى 15) .ونزل القرآن خاتم الرسالات السماوية قبل قيام الساعة، يقول تعالى عن القرآن الذى جاء ميزاناً محفوظاً إلى قيام الساعة ﴿اللّهُ الّذِيَ أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ (الشورى 17). أى نزل القرآن (بالحق وبالميزان ). ومصطلح ( الحق ) فى القرآن الكريم يعنى رب العزة ، ويعنى الصدق ويعنى القرآن ويعنى العدل . وكما أنزل الله جل وعلا كل الكتب السماوية ووصفها بالبينات والميزان فالقرآن الكريم موصوف بالحق والميزان .
6 ـ ويوم القيامة يتم وزن الأعمال بالقسط وعلى أساس الذرة، يقول تعالى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىَ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء 47) وتوزن الأعمال فى مقابل الكتاب السماوى الذى كان الميزان الذى ينبغى أن يحتكم إليه الإنسان فى الدنيا ويقيس على أساس حياته، يقول تعالى ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـَئِكَ الّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ﴾ (الأعراف 8: 9) فآيات الكتاب هى الميزان فى الدنيا، وستكون هى الكفة فى ميزان الآخرة مقابل كتاب الأعمال لكل فرد يوم الحساب ، وكل ذلك بالقسط. القسط الذى ينبغى مراعاته فى التعامل مع الله تعالى ومع الناس ومع البيئة.
7 ـ والفساد هو عكس القسط، وإذا تحكم الفساد فى علاقات البشر فلابد أن يصل إلى البيئة، ولعل ذلك ما أشار إليه القصص القرآنى فى حديث النبى شعيب مع قومه الذين اشتهروا بخيانة الكيل والميزان، لذا اقترن خطاب شعيب لهم بالنهى عن تطفيف الكيل والميزان وعن الفساد فى الأرض (الأعراف 85، هود 85) بل أن الله تعالى يجعل حدوث الفساد فى الأرض ناشئاً عن فساد العلاقات بين الناس، يقول تعالى ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الّذِي عَمِلُواْ لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم 41) ومن المعروف أن موسم الجرد يرتبط فيه إحراق المخازن والمنشئات للتغطية على السرقات، أى تدمير البيئة بعد جرائم السرقة.
8 ـ ومن هنا كان القسط أساس الدين وأساس الشرع وأساس الخلق فى الكون، وفى النهاية هو أساس الحساب يوم القيامة. لذلك يقول تعالى يؤكد شهادته ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران 18) هنا تأكيد على أن شهادة الاسلام واحدة ( لا اله إلا الله ) هى لله الواحد الخالق وحده دون شريك معه ، ويؤكدها أن هذه الشهادة ب( لا اله إلا الله ) فقط هى قيام بالقسط يشهد به الله تعالى والملائكة وأولو العلم . ومن الظلم وإنعدام القسط أن تكون شهادة التوحيد مثناة يرتفع فيها إسم ( محمد ) متميزا دون الأنبياء وفوق رسل الله ليكون الى جانب الواحد القهار جل وعلا ويتم تفضيله على باقى الأنبياء ، فهذا يناقض القسط المنصوص عليه فى الآية الكريمة التى تكررت فيها عقيدة الايمان الاسلامية ( لا اله إلا الله ) مرتين .
القسط والعدل مع الناس :
1 ـ وليس من القسط أيضا أن تنعدم المساواة بين المسلم والمسيحى، أو أن يكون غير المسلم أهل ذمة. فذلك من تشريعات الأديان الأرضية للمسلمين، ولم يعرفه عصر النبى عليه السلام، وإنما هو مصطلح لم يعرفه القرآن، ولكن أوجدته دولة المسلمين بعد أن فتحت ممالك وشعوباً وعاملت أبناء الأمم المفتوحة على أنهم أقل مكانة من المسلمين يدفعون الجزية وفق المفاهيم السائدة فى العصور الوسطى وقتها. وهذا ينافى تشريعات القرآن القائمة أساساً على القسط والعدل.
2 ـ إنّ القسط فى التعامل مع البشر يكون بالتعامل بالعدل مع الناس جميعاً سواء كانوا من الأهل والأقارب أو كانوا من الخصوم والأعداء. ومن هنا جاءت الأوامر فى القرآن بالعدل والقسط داخل البيت، مع الزوجات أو الاكتفاء بزوجة واحدة ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً﴾ (النساء 3).ثم القسط والعدل فى التعامل مع الأقارب حتى لا تؤثر القرابة على القيام بالقسط فتقع المحاباة والظلم، لذلك يقول تعالى ضمن الوصايا العشر ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىَ﴾ (الأنعام 152) ويقول تعالى ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للّهِ وَلَوْ عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَىَ بِهِمَا فَلاَ تَتّبِعُواْ الْهَوَىَ أَن تَعْدِلُواْ﴾ (النساء 135) فالأمر الإلهى هنا للمؤمنين بأن يقوموا بالعدل والقسط، وأن يكونوا بذلك شهداء لله تعالى حتى على أنفسهم وأقاربهم إحقاقاً للعدل وابتعاد عن الهوى. فهنا القيام على القسط لوجه الله حتى لا تؤثر محاباة الأقارب عليه. ويتكرر نفس المعنى فى القيام بالقسط حتى لا يتأثر العدل والقسط بكراهية الأعداء فتحكم عليهم ظلماً، يقول تعالى ﴿يَا أَيّهَآ الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ للّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىَ أَلاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَىَ﴾ (المائدة 8) أى أن يقوموا ابتغاء مرضاة الله تعالى بالقسط فلا يؤثر فيه كراهيتهم لقوم فيحكموا عليهم ظلماً. وبالتالى فإذا كان أولئك المختلفون فى العقيدة قوماً مسالمين لم يضطهدوا المؤمنين ولم يطردوهم من ديارهم ولم يساعدوا العدو فى اضطهادهم، فإن من حقهم على المؤمنين أن يعاملوا ليس بالقسط فقط ولكن بالبر والإحسان. يقول تعالى ﴿لاّ يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرّوهُمْ وَتُقْسِطُوَاْ إِلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة 8) والواضح فى هذه الآية أنها تتحدث عن قوم من طبيعتهم الحرب والعداء إلا أنهم لم يحاربوا المؤمنين ولم يعتدوا عليهم، وقد أوجب القرآن القسط والبر فى التعامل معهم لأنهم كفوا أيديهم عن اضطهاد المؤمنين وقتالهم. وبالتالى فإن الأقباط (وهم أصلاً مسالمون امتلأ تاريخهم بالصبر على الاضطهاد وإيثار الاستشهاد على المقاومة للظلم) هم أولى الناس ببر المسلمين وعدل المسلمين، وإلا فمن يعتدى عليهم بالظلم والعدوان فقط استحق نقمة المولى عز وجل.
2 ـ ثم هناك القسط فى التعامل التجارى وفى الأسواق وفى كتابة الديون ﴿وَلْيَكْتُب بّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾.. ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (البقرة 282) وفى الكيل والميزان ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ (الأنعام 152) والقسط مع اليتامى وحقوقهم ﴿وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىَ بِالْقِسْطِ﴾ (النساء 127) والقسط فى التقاضى بين الناس ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ (النساء 58) وفى الحكم بين القوم الآخرين ﴿وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ (الشورى 15) والقسط فى الشهادة ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مّنكُمْ﴾ (الطلاق 2) والقسط فى الحكم بين دولتين متصارعتين ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوَاْ﴾ (الحجرات 9).
القسط فى السياسة :
1 ـ العدل السياسى هو بالديمقراطية المباشرة التى تؤسس المساواة بين المراطنين ، وتمنع أن ( يعلو ) أحد فوق أحد ، لأن ( العلوّ ) لا يكون إلا لله جل و ( علا ) سبحانه و ( تعالى) . ولذا فلا توجد فى الدولة الاسلامية طبقات مميزة أو مناصب سامية عُلوية يُقال لأصحابها ( صاحب السّمُوّ ) أو ( صاحب الجلالة ) أو ( صاحب الرفعة ) أو ( صاحب المعالى )أو أو ( سيادتك ) أو ( معاليك ) أو ( فخامتك ) ..الخ . هذه الألقاب تأليه للبشر وتكريس للظلم وتقنين له برفع أفراد فوق مستوى الأغلبية من الشعب بالتناقض مع شرع الله جل وعلا القائم على القسط والمساواة بين الناس . هذه المناصب العُلوية بأوصافها الضخمة تتّسق مع ثقافة الدولة الدينية وأديانها الأرضية ، فمن مخلّفات الدولة الدينية فى مصر أن يُقال عن شيخ الأزهر ( الامام الأكبر للمسلمين ) فإذا كان فلان هو الامام الأكبر للمسلمين فماذا نقول عن خاتم النبيين محمد عليه السلام ؟!، ومنها أن يقال فى دين التشيع ودولته الدينية ( آية الله، روح الله). فهل نزل عليهم منشور من رب العزة يعطيهم هذه الصفة ؟ هو إفتراء على الله جل وعلا ، وتدمير للعدل بين الناس بتمييز قوم عن قوم بالافك والبهتان .
2 ـ فى دولة الاسلام ترى أولى الأمر هم أصحاب الاختصاص والخبرة ، وهم خدم للمجتمع ويتعرضون للمساءلة والثواب والعقاب ، وهو نفس الوضع فى الدول الديمقراطية الغربية . فى دين الاسلام لا تمييز للنبى عن قومه فى المسئولية والمساءلة مع أنه يُوحى اليه . وقد كان الناس يخاطبون أنبياءهم بأسمائهم المجردة قائلين يا موسى ويا عيسى :(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى) (55) (61)( البقرة )(قَالُوا يَا مُوسَى )(22) المائدة) ( إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ) (112) المائدة ). لم يقولوا لموسى يا صاحب الجلالة ولم يقولوا لعيسى يا أية الله وروح الله أو سعادتك أو معاليك أو فخامتك أو قداستك .!!. أكثر من هذا ففى الدعاء لرب العزة نقول له جل وعلا ( أنت ):(أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) البقرة )( أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155) الاعراف)( أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) يوسف) ( لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ (87) الأنبياء )( قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ ) (41) سبأ ) . أى تدعو الخالق جل وعلا فتقول له ( أنت ) ، ولكن لو قلت لواحد من ( أصحاب الفضيلة ) أو من ( أصحاب الجلالة وأصحاب السمو ) : ( أنت ) (فأنت ) يومك أغبر ..!!
القسط فى الثروة ( العدل الاجتماعى ـ العدالة الاجتماعية ـ التكافل الاجتماعى )
الموارد فى هذه الأرض هى للبشر على قدم المساواة وطبقا لتكافؤ الفرص ، وهذا ما جاء فى القرآن الكريم عن الأرض :( وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10)( فصلت )، الإيجاز والإعجاز فى قوله جل وعلا عن الأرض (سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) فهى سواء لمن يبحث عنها ويكدّ للحصول عليها . والله جل وعلا خلق الناس متفاوتين فى المواهب والقدرات والصفات ، بما يؤثر فى إختلاف أوضاعهم الاقتصادية ، لذا فمن الاختبار الالهى أنه جل وعلا جعل البشر متفاوتين فى الرزق ( وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ )(71)( النحل ). ولعلاج هذا نزلت تشريعات الاسلام فى رعاية الفقراء والمساكين واليتامى وذوى القربى وأبناء السبيل والسائل والمحروم . وهذا جانب هائل فى التشريع القرآنى تتحقق به العدالة الاجتماعية.
ثالثا : بين العدل المطلق والعدل النسبى فى التطبيق
1 ـ العدل المطلق يتطلب المستحيل ، وهو أن يعرف القاضى سرائر الشاهد والمتهم والمحامى ..الخ . هذا لو كان القاضى متحريا للحق والعدل ، وكان القانون فى حدّ ذاته ينطق فى نصوصه بالعدل . لذا فإن العدل المطلق لا يوجد إلا يوم القيامة ونحن بين يدى الذى يعلم خائنة ألعين وما تخفى الصدور . يقول جل وعلا يصف ملمحا من ملامح هذا اليوم : ( يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17) وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ )(20)( غافر ) .
2 ـ وإذا كان تحقيق العدل المطلق مستحيلا فى هذا العالم فإن المطلوب تحقيق أكبر نسبة من العدل بقدر المُتاح من إمكانات البشر . وهذا يتطلب أولا وقبل كل شىء التقوى ، أو بتعبيرنا المعاصر ( الضمير ). يجب أن يكون الضمير حيّا ويقظا لدى القائم بالتشريع والذى يحكم فى مجلس القضاء والشاهد والمُدعى والمحامى و المتهم . يجب أن يكون منهج القسط والعدل حاضراً لدى المسلم .
3 ـ ولأن الأمر مرتبط بالتقوى والضمير فإنّ الله جل وعلا ـ الذى يعلم ما فى الصدور ـ يجعل ميزان القسط متناهى الحساسية، بمعنى أن القسط المطلوب هو بنسبة مائة فى المائة فإن تراجعت النسبة إلى 99% أصبح الحكم ظلماً، طالما دخلت فيه نسبة الواحد فى المائة من الظلم. نفهم هذا من التفرقة اللغوية والقرآنية بين كلمتين "قاسط" و"مقسط". فالقاسط هو الذى يحول الحكم لهواه ولو بنسبة 1%، والله تعالى يقول عن القاسطين ﴿وَأَمّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنّمَ حَطَباً﴾ (الجن 15) أما المقسط فهو صيغة مبالغة من القسط أى الذى يراعى القسط دائماً وأبداً. وذلك المقسط يستحق حب الله تعالى، يقول تعالى ﴿إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ﴾ وقد تكرر ذلك فى القرآن ثلاث مرات (المائدة 45، الحجرات 9، الممتحنة 8) فعلى المؤمن الذى يتقى ربه جل وعلا أن يختار لنفسه منزلته عند الله تعالى، هل يكون من المُقسطين المسلمين الحقيقيين الراشدين أم من القاسطين الظالمين ﴿وَأَنّا مِنّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـَئِكَ تَحَرّوْاْ رَشَداً. وَأَمّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنّمَ حَطَباً﴾ هل يكون ممن يحبهم الله تعالى ﴿وَأَقْسِطُوَاْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أم من الذين يكرههم الله تعالى؟
المبدأ الخامس من مبادىء الشريعة الاسلامية : السلام
المبدأ الخامس من مبادىء الشريعة الاسلامية : السلام
أولا : معنى الاسلام
الاسلام في معناه القلبي الاعتقادي هو التسليم والانقياد لله تعالي وحده . وليس لأحد من البشر ان يحاسب انسانا بشأن عقيدته ،والا كان مدعيا للالوهية.والقرآن يؤكد علي تأجيل الحكم علي الناس في اختلافاتهم العقيدية الي يوم القيامة والي الله تعالي وحده (2/ 113)(3/ 55) (10/ 93،) (16 / 124) (5/ 48 ) (39/ 3،7،46).هذا هو معني الاسلام الباطني القلبي الاعتقادي ، هو فى التعامل مع اللة تعالي استسلام وخضوع له بلغة القلوب ،وهي لغة عالمية يتفق فيها البشر جميعا، وعلي اساسها سيكون حسابهم جميعا امام الله تعالي يوم القيامة.
2 ـ اما الاسلام في التعامل الظاهري فهو السلم والسلام بين البشر مهما اختلفت عقائدهم يقول سبحانه وتعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208 ) البقرة 208 ) .أي يأمرهم الله تعالي بايثار السلم .ونتذكر هنا تحية الاسلام الا وهي السلام وان السلام من اسماء الله تعالي، كل ذلك مما يعبر عن تأكيد الاسلام علي وجهه السلمي .
3ـ والانسان الذي يحقق الاسلام السلوكى في تعامله مع الناس فيكون مسالما لا يعتدي علي احد ،ويحقق الاسلام العقيدى في تعامله مع الله تعالى فيسلم قلبه وجوارحه لله تعالي وحده ،هذا الانسان يكون مستحقا للسلام عند الله تعالي يوم القيامة، لذلك فان الله تعالي يعدهم بالسلام و الامن فى الجنة (15 / 46) والجنة هى دار السلام (6 / 127) والسلام هو تحية أهل الجنة ( 13 / 24 ) ( 10 /10 ) ( 36 / 58 )
ثانيا : مفهوم الكفر والشرك فى القرآن الكريم
1 ـ الكفر و الشرك سواء, هما قرينان فى مصطلح القرآن لذلك يأتيان مترادفين فى النسق القرآنى. ( 9 / 1 ، 2 ، 17 ) ( 40 /42 )
2 ـ الكفر فى الغة العربية يعنى التغطية, أى كفر بمعنى غطى , ومثلها أيضا " غفر" ومنه المغفر الذى يغطى الوجه فى الحرب. وكلمة "كفر" أى غطى انتقلت الى لغات أخرى منها الأنجليزية : [Cover]. الا ان الله تعالى وصف المزارعين بالكفار, فالزارع كان يطلق عليه فى اللغة العربية "كافر" لأنه " يكفر الزرع " اى يغطيه بالتراب والماء لينمو. وجاء هذا المعنى فى القرآن الكريم ( 57 / 20 ).
لقد خلق الله تعالى البشر بفطرة نقية لا تعرف تقديسا الا لله تعالى ولا تعرف غيره جل وعلا ربا والاها و معبودا ووليا وشفيعا ونصيرا ( 30 / 30 ). ثم تأتى البيئة الأجتماعية وموروثاتها الدينية فتغطى تلك الفطرة النقية بالاعتقاد فى آلهة وأولياء و شفعاء ينسبونهم الى الله تعالى زورا , ويزعمون أنها تقربهم الى الله تعالي زلفا أو أنها واسطة تشفع لديه. ذلك الغطاء او تلك التغطية هى الكفر بالمعنى الدينى . و فى نفس الوقت فان ذلك هو أيضا شرك لأنه حول الألوهية الى شركة وجعل لله تعالى شركاء فى ملكه ودينه.
وفى الواقع فان فى داخل الكفر والشرك بعض الأيمان حيث يؤِمنون بالله ايمانا ناقصا اذ يجعلون معه شركاء فى التقديس , أو يأخذون من مساحة التقديس ـ التى ينبغى أن تكون لله تعالى خالصة ـ ويعطونها لمن لا يستحقها من البشر و الحجر. وبهذا يجتمع ذلك الايمان ـ الناقص ـ بالله تعالى مع الايمان بغيره أي بتأليه البشر و الحجر , ووصف الله تعالى أن أكثرية البشر لا تؤمن بالله إلا أذا آمنت معه بغيره ، وهذا هو حال المشركين ، ( 12 / 106 ). أى أن الشرك يعنى وجود إيمان بالله لكنه إيمان ناقص حيث يؤمن بالله تعالى ويؤمن أيضا بوجود آلهة أخرى معه. وهذا الايمان الناقص فى عقيدة الشرك سيؤدى بأصحابه الى النار يوم القيامة ، وسيقال لهم وقتها أنهم كانوا إذا قيل لهم فى الدنيا آمنوا بالله وحده رفضوا ولم يؤمنوا بالله إلا إذا جعلوا معه شريكا وحولوا الالوهية الى شركة بين الله تعالى وغيره ( 40 / 12 )
والله تعالى لا يأبه بذلك الايمان القليل لأنه " كفر" أى غطى الفطرة بتقديس غير الله . والفطرة كما جاء فى القرآن الكريم تجعل الالوهية لله وحده . وقد لعن الله تعالى الكافرين بسبب إيمانهم القليل بالله ( 4 / 46.) وأكد أن أيمان الكافرين القليل لن ينفعهم يوم القيامة ( 32 /29 ).
3 ـ وفى كل الأحوال فان الشرك والكفر يعنيان معا الظلم والاعتداء. وقد وصف الله تعالى الشرك بالله بأنه ظلم عظيم (13 / 31) فأعظم الظلم أن تظلم الخالق جل وعلا وتتخذ الاها معه ، وهو خالقك ورازقك، وهذا طبعا فى العقيدة والتعامل مع الله. أما فى التعامل مع البشر فإذا تطرف أحدهم فى ظلم الناس بالقتل والقهر والاستبداد ومصادرة الحقوق الأساسية للانسان فى المعتقد والفكر ، أصبح هذا الظالم مشركا كافرا بسلوكه وتصرفه وتعامله الظالم مع الناس ، ولا شأن لنا بما فى قلبه أو بعقيدته التى يتمسح بها أو يعلنها. نحن هنا نحكم فقط على جرائمه الظاهرة من قتل للابرياء واعتداء على الآمنين وقهر للمظلومين . أما عقيدته وعقائدنا فمرجع الحكم فيها فالى الله تعالى يوم القيامة.
4 ـ وعليه فكما للاسلام معنيان (الايمان بالله وحده الاها والانقياد والاستسلام لله وحده) حسب العقيدة القلبية فى التعامل مع الله، و( الأمن والثقة والسلام )فى التعامل مع كل الناس ، فان الشرك والكفر يعنيان معا الظلم والاعتداء. الظلم لله تعالى والاعتداء على ذاته بالاعتقاد فى آلهة أخرى معه ، وتقديس غيره ، فيما يخص العقيدة ، والظلم والاعتداء على البشر بالقتل للابرياء وسلب حقوقهم وقهرهم، في التعامل مع الناس. وبينما يكون لله تعالى وحده الحكم على اختلافات البشر فى أمور العقيدة ـ من اعتقاد فيه وحده أوبالعكس مثل إتخاذ أولياء وآلهة معه أو نسبة الابن والزوجة له ـ فإنه من حق البشر الحكم على سلوكيات الأفراد وتصرفاتهم ، إن خيرا وإن شرا. إن كانت سلاما وأمنا فهو مؤمن مسلم ، وإن كانت ظلما وبغيا فهو مشرك كافر بسلوكه فقط. هنا يكون سهلا تحديدنا المسلم بأنه الذى سلم الناس من أذاه مهما كان دينه الفعلى أو الرسمى أو إعتقاده، والمشرك الكافر هو المجرم الارهابى والمستبد الظالم الذى يقهر شعبه ، او الطاغية ، من الطغيان ، وهو أفظع الظلم ، والبغى وهو الظلم الذى يجاوز الحد ويعتدى على الآخرين ظلما وعدوانا.
5 ـ لقد ارتبط الكفر والشرك فى القرآن الكريم بوصف الظلم. وتكرر وصف الظلم فى القرآن الكريم نحو مائتى مرة ، كما ربط الله تعالى بين الكفر والشرك ومصطلح الاعتداء فى مواضع كثيرة ،وقد حرّم الله تعالى البغى ووصف كبار المشركين بالبغى والطغيان .
ثالثا : السلام مبدأ فى الشريعة الاسلامية
يتداخل مبدأ السلام فى مبادىء أخرى للشريعة الاسلامية ، كالحرية والعدل والمساواة وحُرمة قتل النفس البريئة . ونعيد التاكيد على :
تفصيلات تشريع القصاص فى جريمة القتل فى ضوء معنى السلام .
يتضح القصاص فى القتال الدفاعى للمسلمين ضمنيا فى قوله جل وعلا :( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)، ويأتى صراحة فى قوله جل وعلا :( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) البقرة ). ولكن الأمر يحتاج لبعض التوضيح :
1 ـ فى دولة الاسلام فإن كل فرد مسالم هو مسلم بغض النظر عن دينه وذلك هو معنى الاسلام السلوكى الظاهرى . والكافر المشرك بالسلوك هو المعتدى الذى يستخدم دين الله جل وعلا فى قتل الأبرياء والإكراه فى الدين كما يفعل فى عصرنا الوهابيون . لذا فإن القتال والمواجهة الحربية الدفاعية هى ضد سلوك عدوانى يهاجم المسلمين المسالمين ، وأولئك المسلمون المسالمون لا يبدأون بالعدوان بل يردن العدوان ، وهم يعلمون أن الله جل وعلا لا يحب المعتدين ، لذا يقاتلون من يعتدى عليهم طبقا لشرع الله جل وعلا (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) البقرة)، وهم حين يقاتلون هذا العدو المعتدى الذى لا يحبه الله جل وعلا يدعون الله جل وعلا أن ينصرهم على هؤلاء الكافرين المعتدين : (أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)( البقرة ). أى إنّ أولئك المعتدين استحقوا وصف الكفر بسلوكهم المعتدى حسب التعامل بالسلوك وليس بالعقائد .
2 ـ وفى داخل الدولة الاسلامية أنت مؤمن حسب الظاهر طالما أنّك مؤمن ظاهريا أى مأمون الجانب ، لذا يقول جل وعلا للمؤمنين يأمرهم بالتزام طريق السلم والسلام وأن يحذروا من مكائد الشيطان التى تسوّل لهم الاعتداء وإنتهاك حقوق الغير وأهمها الحق فى الحياة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) ( البقرة ). وليست عقيدتك الكافرة حائلا دون وصفك بالمؤمن طالما أنت مأمون الجانب ، لأن حريتك فى الدين هى مسئوليتك أنت وحدك أمام الله جل وعلا ، ولا دخل لدولة الاسلام فيها .
أولئك المؤمنون المسالمون كانوا مشركين بالعقيدة لذا فإنّ الله جل وعلا دعاهم لأن يؤمنوا عقيديا بالله تعالى ورسوله وما أنزل من كتاب سماوى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136)( النساء ) هنا خطاب للذين آمنوا بسلوكهم السلمى الذى يؤثر الأمن والأمان يقول لهم:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، ولأنه إيمانهم سلوكى من الأمن والأمان وليس إيمانا قلبيا بالايمان بالله جل وعلا وحده ورسوله وكتبه فإن الله جل وعلا يدعو أولئك المؤمنين بالسلوك الى أن يؤمنوا أيضا بالعقيدة :( آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ )، ويحذرهم من عاقبة كفرهم العقيدى يوم القيامة:( وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136) . كان هذا فى أوائل ما نزل فى المدينة . ولم يعمل به ( الذين آمنوا ) بالسلوك المسالم فظلوا مشركين بالعقيدة يعبدون الأنصاب الوثنية فى المدينة وقت نزول القرآن ، فكان من أواخر ما نزل من القرآن الكريم : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)المائدة). وهنا حقيقة قرآنية خطيرة مسكوت عنها وهى أن بعض الصحابة ـ خارج نطاق المنافقين ـ ظّلوا يشربون الخمر ويدمنون القمار ويعكفون على عبادة الأنصاب أو الأضرحة الى أن قال جلّ وعلا يعظهم فى أواخر ما نزل من القرآن ، ويخاطبهم بالذين آمنوا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا )، ولا يأمر جل وعلا بهدم تلك الأضرحة والقبور المقدسة بل يأمر بإجتنابها (فَاجْتَنِبُوهُ) حتى يفلحون (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، ولا يكونون من الخاسرين يوم القيامة. ولأنّ أولئك الصحابة ـ المؤمنين حسب السلوك السلمى ـ قد أدمنوا عبادة هذا الرجس الذى هو من عمل الشيطان فإن رب العزة يحذّرهم بطريقة ليّنة:( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (91) المائدة). ونتأمّل قوله جل وعلا لهم:(فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ)؟ وهى تفيد وتؤكد أدمانهم الكفر العقيدى ، ولكن لأنهم يؤثرون السّلم والأمن والأمان فلهم حريتهم فى الدين ، وهم :(الذين آمنوا )، غاية ما هنالك أن الله جل وعلا يعظهم ويحذرهم مقدما فيقول:( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92)(المائدة ). أى ليس على النبى سوى التبليغ .
3 ـ فى دولة الاسلام الأساس هو السلام وحقن الدماء فى التعامل مع مواطنيها وفى التعامل أيضا مع العدو الخارجى ، لذا لا بد أن تكون الدولة الاسلامية المسالمة قوية حتى لا يغرى ضعفها العدو المحب للإعتداء على ان يعتدى عليها ، ولهذا كانت القاعدة التشرعية فى الإعداد للقوة هى للردع وإرهاب وتخويف المعتدين لمنع إعتدائهم: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ (60) الأنفال). والعدو الذى يتوقف عن الاعتداء بسبب الردع يكون قد حقن دمه ودم المسلمين .
4 ـ والعدو المعتدى المهاجم إذا توقف عن الاعتداء فيجب أن يتوقف المسلمون عن قتاله لأن الحرب مرتبطة بوقف العدوان:( فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) البقرة) . بل أنهم لو إنتهوا عن الاعتداء فسيغفر الله جل وعلا لهم :( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) الأنفال ).
5 ـ وإن جنح العدو المهاجم للسلام فلا بد من الاستجابة لدعوة السلام مع التوكل على الله : ( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) الأنفال ). وإن كان العرض بالسلام خداعا فلا بد من الاستجابة للسلم توكلا على الله لأنه الله جل وعلا مع من يريد السلام مخلصا متوكلا على الله جل وعلا:( وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) الأنفال ).ولا بد من تحالف كل القوى المحبة للسلام وأـن توالى بعضها ضد قوى الاعتداء والشّر لمنع الفتنة والاضطهاد الدينى وحتى لا يكون فى الأرض الفساد : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) ( الأنفال ).
6 ـ وفى حالة الإشتباك الحربى مع العدو المهاجم فلا بد من حقن دم الجندى المعادى لو إستسلم فى الميدان طوعا (وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6)( التوبة ) أى لا بد من إسماعه القرآن ليكون هذا حجة عليه يوم القيامة ثم إبلاغه مأمنه. أما من يقع فى الأسر عجزا وكرها فلا بد من حقن دمه بإطلاق سراحه مجانا أو بالإفتداء بعد الحرب:( فَإِذا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا(4)(محمد ) .
7 ـ وفى حالة الإشتباك الحربى فى ميدان المعركة فإنّ للجندى فى المعسكر المعتدى أن يحقن دمه من القتل بمجرد أن يقول كلمة السلام ، بمجرد أن يلقى كلمة السلام يحقن دمه مهما قتل من المسلمين ، فهذا شرع الله جل وعلا:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا(94)( النساء ).
هذا المؤمن المسالم بلسانه وسلوكه يحرم قتله، وليس متصورا من مؤمن أن يقتل مؤمنا إلّا على سبيل الخطأ وعدم التعمّد ، ولو وقع مؤمن فى قتل خطأ لمؤمن مسالم مثله كانت عليه كفّارة ثقيلة :( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (92) النساء ) . أمّا الذى يتعمّد قتل مؤمن مسالم فلو نجا من العقاب الدنيوى قصاصا فإن الذى ينتظره يوم القيامة الخلود فى جهنم وغضب الله جل وعلا ولعنته :(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً (93).النساء ).
المبدأ السادس من مبادىء الشريعة الاسلامية : حق الحياة وحصانة النفس البريئة
ونتوقف الان مع المبدأ الخامس : حق الحياة وحصانة النفس البريئة الذى ينبع من الاسلام دين الرحمة
أولا : الوهابية دين الغلظة والقسوة :
1 ـ الغلظة والوحشية الدموية إشتهر بها الاخوان النجديون الوهابيون الذين أقاموا لعبد العزيز آل سعود دولته الراهنة ، وتسلل عبد العزيز آل سعود الى مصر فتحولت ( الجمعية الشرعية ) من التصوف الى الوهابية ، ثم أنشأ الشيخ حامد الفقى جمعية أنصار السنة لنشر الوهابية تحت مسمى السنة والسلفية ، وكان الشيخ رشيد رضا هو اليد اليمنى لعبد العزيز آل سعود فى مصر ، وهو مهندس نشر الوهابية فى مصر بديلا عن التصوف السّنى ، وقد أنشأ جمعية شبه عسكرية للشباب باسم ( الشبان المسلمين ) ، ثم إختار أنجب شبابها وهو حسن البنا وأقام له ( الاخوان المسلمين ) لتعمل بالسياسة تحت رداء الدين مستفيدة من نشر الجمعيات الأخرى للسلفية الوهابية . ومن عام 1928 وحتى الآن نجح الاخوان وما تمخّض عنهم من حركات ارهابية فى نشر الوهابية بوجهها الدموى ، وتحول التدين المصرى الصوفى المسالم الى تدين وهابى متزمت غليظ دموى، فانتشر الارهاب والاغتيال على يد الاخوان وما تمخض عنهم من جماعات وجمعيات من الأربعينيات حتى وقتنا هذا ، حيث نرى الآن وحشية الاخوان وغلظتهم ممتزجا بنفاقهم وكذبهم ، يستأسدون على الناس فى عنفوانهم ويصطنعون البراءة فى وقت ضعفهم ، ، يذبحون الأبرياء من الاطفال والنساء والرجال ، ويقتلون غدرا ويغتالون إثما ، ويسلبون الممتلكات وينتهكون المحرمات : ( جهاد المناكحة ).
2 ـ ينطبق عليهم وصف رب العزة للمنافقين الذين كانوا يزعمون الايمان وما هم بمؤمنين ويزعمون أنهم مصلحون وهم مفسدون ، يواجهون الناس بوجه باسم مخادع وهم متآمرون:( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)( البقرة ). الاخوان أيضا على سُنّة اليهود يسيرون ، واليهود فى المصطلح القرآنى هم العصاة من بنى اسرائيل ، ولقد كانوا يتآمرون على النبى عليه السلام فى المدينة يزعمون الايمان وقلوبهم أشد قسوة من الصخر ، يخاطبهم رب العزة فيقول :( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) البقرة ) ثم يحذّر رب العزة المؤمنين منهم ومن خداعهم وألا يثقوا فيهم : ( أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) البقرة ) وإذا كانوا يفترون على الله كذبا عمدا وهم يعلمون فكيف بهم فى خداعهم للمؤمنين ؟!. لذا يقول جل وعلا يفضح تآمرهم :( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (76)( البقرة ). أى هى نفس مسيرة النفاق والخداع وسياسة الوجهين والقلوب القاسية المتحجرة . ولهذا يحذّر رب العزة المؤمنين من سُنّة المنافقين واليهود ، يقول جل وعلا بعد أن حكى ما سيحدث للمنافقين يوم القيامة :( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)( الحديد ).
3 ـ الاخوان يؤدون الصلاة ، وينطقون الفاتحة ،ويتلفظون بالبسملة (بسماللهالرحمنالرحيم) ومع ذلك فليس لهم حظّ فى الرحمة التى يجب أن يتّصف بها المؤمن. والشاهد هو تاريخهم الماضى وإجرامهم المسجل بالصوت والصورة . هذا نقيض الاسلام ، والاسلام دين الرحمة.
ثانيا : الاسلام دين الرحمة
1 ـ (الرحيم) من أشهر صفات رب العزة فى القرآن الكريم .ومن خلال سورة البقرة فقط نرى صفة (الرحيم) تأتى مقترنة بالرحمن:(وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) وبالتواب:(إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )(37) (54)( إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)( وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)وبالرءوف:(إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)وبالغفور( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)(إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182)( فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192)( وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199)(أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)(فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) البقرة ).
2 ـ ورحمة الله جل وعلا ليست للمجرمين بل هى للمحسنين :( إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ (56) الاعراف)، ومع أنها وسعت كل شىء فهى تخصّ المتقين :( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)(الأعراف) . وبهذه الرحمة التى وسعت كل شىء يغفر الله جل وعلا يوم القيامة للتائبين وينجيهم من الجحيم:( رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7)(غافر). ونزل القرآن الكريم الرسالة الخاتمة فيه الشفاء والرحمة لمن يشاء الايمان ويسلك طريق التقوى ، وفيه أيضا الخسار لمن يتلاعب بآيات القرآن ، ويستخدم دين الله مطية للوصول والثروة ويشترى بآيات الله جل وعلا ثمنا قليلا ، فالقرآن شفاء ورحة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا :( وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً (82) الاسراء).
3 ـ ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء ):
أرسل الله جل وعلا رسوله بالقرآن رحمة للعالمين فتستّر الوهابيون بالاسلام وارتكبوا تحت إسمه العظيم المجازر فأصبح اسم الاسلام إرهابا للعالمين .!. فى تشريعات القتال فى الاسلام تأكيد على الوجه السلمى للاسلام ، وكتبنا فى هذا كثيرا ، ولكن حمامات الدم فى ( الجهاد) الوهابى غطّت على كل شىء، وفاز أعداء الاسلام الوهابيون بلقب ( الاسلاميين)،وفُزنا نحن بلقب ( إنكار السّنة ) ونحن نؤمن بالسّنة الحقيقية للرسول عليه السلام وننكر أن ينسبوا له أقوالا لم يقلها ولم يعرفها تشوه الاسلام دين العدل والحرية والرحمة . والتناقض هائل حين تقرأ قوله جل وعلا ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)الأنبياء )، وأنت تنظر الى شاشات التليفزيون ومواقع اليوتوب وترى فظائع الجهاديين الوهابيين ، يقتلون الأبرياء وهم يهتفون ( الله أكبر ).! ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء )، يؤكدها رب العزة حين يحذّر من يقنط وييأس من رحمة الله جل وعلا :( قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (56) (الحجر). وحين يدعو المذنبين للتوبة مهما أسرفوا على أنفسهم ، لأن رحمته تتسع للغفران لهم لمن يتوب وهو فى حياته :( قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) الزمر )
السّنة الحقيقية للرسول هى الرحمة والرأفة
1 ـ ولأنه جل وعلا أرسل رسوله بالقرآن رحمة للعالمين فقد كان النبى عليه السلام فى حياته رحمة تسعى على قدمين . لم يكن فظّا غليظ القلب كالوهابيين بل جعله الله جل وعلا لينا سمحا طيب القلب :( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)( آل عمران ). كانت تتجلى رأفته ورحمته أكثر مع خصومه فى المدينة حين كان قائدا لدولته . كان المنافقون يؤذونه يتهمونه بأنه (أُذُن ) أى يسمع ما يقال له ، وكان عليه السلام يسمع هذا التقوّل عليه فيصفح ، الى أن نزل الوحى الالهى يدافع عنه ، ويأمره أن يرد عليهم بالحق : ( وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61) التوبة )، أمره ربه جل وعلا أن يقول لهم عن نفسه أنه سمّاع للخير ، يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين أى يثق فى المؤمنين ، وأنه رحمة للمؤمنين . وكان يستغفر لبعض المنافقين الذين يسخرون من المؤمنين الفقراء الذين يتطوعون بالقليل مما يملكون فنزل الوحى الالهى يعاتبه بأنه مهما استغفر لأؤلئك المنافقين فلن يغفر الله لهم :( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80) التوبة ). ويكفى أن الله جل وعلا وهو الرءوف الرحيم وصف خاتم النبيين بأنه عليه السلام بالمؤمنين رءوف رحيم :( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) التوبة ). وهو عليه السلام الوحيد من البشر الذى يوصف بهاتين الصفتين . 2 ـ هنا الفارق بين السنّة الحقيقية للرسول الذى كان رءوفا رحيما وبين السّنة الوهابية المؤسسة على الافتراء والكذب وسفك الدماء والغلظة والقسوة والتزمت والتشدد والتطرف . ومن السّنة القرآنية نبع المبدأ التشريعى بحصانة النفس البشرية وحق الحياة ، ومن السّنة الشيطانية الوهابية نبعت شريعة الوهابية بالقتل العام للأفراد ( قتل المرتد والزنديق وتارك الصلاة والزانى المحصن والمعارض للمستبد وفى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.) وبالقتل العام بحجة الجهاد .
ثالثا : الانتحار بين تشريع الاسلام والتشريع الوهابى
1 ـ فتح العالم المعاصر عينيه عجبا ورُعبا وهو يشهد نوعا جديدا من الارهاب ، يقوم فيه المجرم الارهابى الوهابى بتفجير نفسه ليقتل الناس عشوائيا . جريمة دنيئة بكل المقاييس يرتكبها أولئك الوهابيون على أنها جهاد فى سبيل الله ، ويقتنع الارهابى المنتحر بأنه وطبقا لأحاديثهم الضالة سيجد بمجرد موته عشرات الحور العين يفتحن أحضانهن له . هنا أسفل الحضيض فى الانتحار؛ أن تقتل نفسك عدوانا وظلما لكى تقتل الأبرياء عدوان وظلما . هنا العدوان والظلم مركّب ومتشعب .
2 ـ فى مقابل هذا الحضيض الوهابى نقرا هذا التشريع الالهى الذى يعبّر عن مبدأ الرحمة الالهية بنا : ( وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (29) النساء ) هنا نهى وتحريم للإنتحار لأن الله جل وعلا رحيم بنا. !. فماذا إذا إنتحر بعضهم عدوانا وظلما كالارهابيين الوهابيين ؟ يقول جل وعلا : ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30)النساء ). ليس من حقك أن تقتل نفسك إلا إذا كنت مضطرا متيقنا أن مصيرك القتل وأنت بين أعداء شرسين يعذبونك لتعترف . والله جل وعلا هو الذى يعرف سريرتك . إن لم تكن فى حالة ضرورة فأنت تنتحر عدوانا وظلما ومصيرك الخلود فى النار . الحضيض أن تنتحر لتقتل معك أبرياء كالجهاد الوهابى .. حضيض الحضيض هم أرباب الوهابية من الشيوخ والقادة الذين يخدعون الشباب ، ويحولونهم بالافتراء الدينى الوهابى من شباب مُقبل على الحياة الى شباب يضحى بحياته ويقتل الأبرياء .! بينما أولئك القادة مع عائلاتهم يمرحون .!
رابعا : التأكيد على تحريم قتل النفس البريئة الزكية فى التشريع الاسلامى
1 ـ المقصود بالنفس البريئة الزّكية هى التى لم ترتكب جريمة قتل تؤاخذ بها بعقوبة القصاص .
2 ـ وفى السور المكية كان التركيز على الدعوة الى ( لا اله إلا الله ) باخلاص الدين لله جل وعلا والتربية الاخلاقية السامية.ولم يتسع المجال حينئذ للتفصيلات التشريعية التى نزلت فيما بعد فى المدينة. نزل فى السور المكية الكليات التشريعية والقواعد التشريعية الأساس،بما يشبه فى عصرنا (الاعلان الدستوى ) الذى يمهد لدستور قادم يحوى التفصيلات .
2 ـ الكليات التشريعية : مثل قوله جل وعلا :( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (33)( الأعراف). هنا تحريم عام ومُجمل للفواحش (الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)،وهى تشمل الزنا ومقدماته والشذوذ ، وتحريم (وَالإِثْمَ) والإثم يشمل الخمر ، ثم جاء فى المدينة تشريع تحريم الخمر لأنها ( إِثْمٌ كَبِيرٌ )البقرة 219 )، وتحريم (وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ)، والبغى بغير الحق يشمل التعدى بالقتل والسلب والنهب والاغتصاب . ، وتحريم الشرك وإفتراء الأحاديث الكاذبة تقوّلا على الله ورسوله.
3 ـ ونزلت فى مكة القواعد التشريعية ضمن الوصايا الأخلاقية والدعوة لاخلاص العقيدة لله جل وعلا وحده : 3/ 1 :فالوصايا العشر جاءت فى ثلاث أيات فى القرآن الكريم ( الأنعام 151 : 153 ) ، فى الآية الأولى منها يقول جل وعلا ( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)الانعام ) . وهنا تحريم لقتل الأبناء بما يشمل الاجهاض لجنين ينبض بالحياة،مع قاعدة تشريعية تحرّم قتل النفس إلا بالحق :(وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ )
3/ 2 : وتكررت هذه القاعدة التشريعية (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ) فى سورة الاسراء المكية ضمن منظومة من الوصايا الايمانية العقيدية والاخلاقية تكرر وتفصّل الوصايا العشر، بدءا من قوله جل وعلا :(لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23)( الاسراء ) ، وفى ضمنها يقول رب العزّة : (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ )(33) ( الاسراء ).
3/ 3 : وتكرر هذا وتأكّد ضمن صفات عباد الرحمن السامية العالية ، وتبدأ بقوله جل وعلا :( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً (63)الفرقان ). ونلاحظ التناقض هنا بين أتباع الشيطان وعباد الرحمن .وضمن الصفات السامية عنهم يقول جل وعلا :( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ )(68) الفرقان ). ويلاحظ أن التعبير القرآنى جاء بصيغة واحدة فى تلك القاعدة القرآنية ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إِلاّ بِالحَقّ﴾، ﴿وَلاَ يَقْتُلُونَ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقّ﴾.ومعناه أن الله تعالى حرم قتل النفس، وتلك هى القاعدة الأساسية، والاستثناء الوحيد هو القصاص الذى نزل فى كلام الله الحق ، يقول تعالى عن القرآن ﴿وَبِالْحَقّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقّ نَزَلَ﴾ (الإسراء 105). فالحق هنا هو القصاص ، وهو الذى نستطيع به الاستثناء من القاعدة القائلة ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إِلاّ بِالحَقّ﴾ ، فالحق هو كلام الله تعالى الحق فى القرآن الحق الذى نزل بالحق . المستفاد مما سبق أن قاعدة (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ) تكررت فى التشريع المكى ثلاث مرات دليلا على الحرص البالغ على حق الحياة وحصانة النفس البريئة الزكية . ثم جاءت التفصيلات التشريعية فى السور المكية سواء فى القتل الجنائى أو فى القتال الدفاعى .
خامسا : التخفيف والرحمة فى تشريع القصاص فى جريمة القتل
1 ـ ليس هناك مبرر لقتل النفس إلا إذا قتلت النفس نفساً أى فى القصاص. وقاعدة ( النفس بالنفس ) نزلت فى التوراة ، وذكرها رب العزة فى سياق تحاكم بنى اسرائيل للنبى فى سورة المائدة ، وهى من أواخر ما نزل فى القرآن . يقول جل وعلا للنبى عنهم : (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ) (44) المائدة ) بعدها يقول جل وعلا عن عقوبة القصاص فى التوراة : ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (45)المائدة).
هذا هو المكتوب عليهم ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ). أما المكتوب علينا أهل القرآن فهو تحديد وتقليص للقصاص ، وإمكانية العفو عن القاتل بالدية تخفيفا من الله جل وعلا ورحمة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178)البقرة).أى فى التشريع الخاص بنا نحن المسلمين نزل تخفيف واستثناء ينجو به القاتل من القتل إذا رضى أهل القتيل بالدية ، فالتخفيف هو الأداء للدية بإحسان بعد عفو أهل القتيل أصحاب الدم. إذن فقاعدة ﴿النّفْسَ بِالنّفْسِ﴾ نزل فيها استثناء هو إعطاء الدية أى أن القاتل لا يقتل فى كل الأحوال..وذلك (تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ).
سادسا : القصاص فى تشريع القتال فى سبيل الله :
1 ـ وحتى فى القتال فى سبيل الله فإن القصاص هو القاعدة الأساسية لأن تشريع الله تعالى حياة للناس وعدل ورحمة وإحسان.والقصاص فى حد ذاته يؤكد عدم الاعتداء لأنك لا تعتدى بل تقتصّ من المعتدى الذى سبق وإعتدى عليك ، ومفهوم القرآنى للقصاص إنه عقاب بالعدل بلا تجاوز فى الانتقام . إنّ الله سبحانه وتعالى يمنع الاعتداء ويجعل القتال فى الدفاع عن الدولة فقط ضد من يهاجمها يقول تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة 190). وجاء تشريع القصاص فى القواعد الأصولية للقتال فى قوله تعالى: ﴿الشّهْرُ الْحَرَامُ بِالشّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ﴾ (البقرة 194).أى يحرم الله تعالى على المسلمين مجاوزة القصاص فى حربهم مع المعتدين فإذا قتلوا من المسلمين عشرة فيحرم على المسلمين أن يقتلوا منهم أكثر من عشرة.. وذلك هو تشريع القصاص الذى هو حياة لنا ولغيرنا.
2 ـ وإذا كان ذلك فى تشريع القتال مع العدو الذى يعتدى علينا فالأمر يكون أكثر أهمية فى التعامل مع الإنسان الذى لا يرفع سيفاً، إذ لا مبرر لقتله إلا فى حالة واحدة، وهى أن يرتكب هو جريمة قتل ويصمم أهل القتيل على القود منه أى على قتله ويرفضوا أخذ الدية.
3 ـ ومن أفظع الظلم أن نحكم بقتل نفس لسبب آخر خارج القصاص ثم ننسبه لدين الله تعالى، ودين الله تعالى يرىء من هذا الافتراء .
4 ـ وهناك تفاصيل أكثر فى أبحاث سبقت لنا ، مثل ( حد الردة ) و( الاسلام دين السلام )و ( المسكوت عنه من تاريخ عمر ) و ( إضطهاد الأقباط بعد الفتح ( الاسلامى ) ..
المبدأ السابع من مبادىء الشريعة الاسلامية : التخفيف والتيسير فى إصدار التشريعات
فى الفصل السابق عن المبدأ الخامس ( حق الحياة وحصانة النفس البريئة ) قلنا إن هذا المبدأ ينبع من ( الرحمة ) فالله جل وعلا هو الرحيم ، وهو الذى أرسل رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين ، وأن سنة النبى وطريقته فى حياته أنه كان بالمؤمنين رءوفا رحيما ورحمة تسعى على قدمين ولم يكن فظّا غليظ القلب كالوهابيين . وبهذه الرحمة نزل الـتأكيد على عدم قتل النفس البرئية وتحريم الانتحار ونزل تخفيف القصاص بدفع الدية ، ونزلت تشريعات القتال بالدفاع فقط قصاصا . المبدأ السادس عن التخفيف والتيسير فى التشريعات ينبع أيضا من الرحمة الالهية بنا . ولقد سبق تأصيل موضوع الرحمة فى الاسلام بحيث لا نحتاج الى تكراره هنا ، وندخل مباشرة فى موضوعنا عن مبدأ التيسير ورفع الحرج والعنت والمشقّة.
أولا : مبنى الدين الاسلامى وشريعته على رفع الحرج :
1 ـ يقول جل وعلا ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )(78) ( الحج ).و( الحرج ) هنا هو المشقة والعنت ، فشريعة الاسلام مؤسسة على التخفيف ، وهذه هى إرادة الله جل وعلا فى التشريع : ( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً (28) النساء )
2 ـ ومن مظاهر التخفيف ورفع الحرج أن الله جل وعلا لا يكلف نفسا إلا وسعها أى فى حدود طاقتها ، وتكرر هذا فى القرآن الكريم : وخلال الوصايا العشر ( لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا )(152)الأنعام). والمؤمنون الحقيقيون أصحاب الجنة ليسوا المتزمتين المتطرفين بل هم الملتزمون بتطبيق شرع الله جل وعلا القائم على أنه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، يقول جل وعلا عن أصحاب الجنة : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) ( الأعراف )ويقول عن صفات المتقين :( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (62)( المؤمنون ).
3 ـ ومن التخفيف عدم المؤاخذة على النسيان والخطأ غير المقصود ، وأن تتحمل النفس فى حدود طاقتها فقط : ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ )(286)البقرة ).
وبالتالى فالمؤاخذة فقط عند التعمّد :( لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225)( البقرة )( لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ )(89)( المائدة )(وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (5)) ( الاحزاب ).
4 ـ ومن التخفيف عدم المؤاخذة عند الإكراه حتى فى التلفظ بالكفر : (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106)( النحل )، ولا مؤاخذة على من يكون ضحية الاضطهاد ظلما فيلجأ للتقية بأن يوالى ظاهريا الكافرين المعتدين لينقذ حياته : (لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً )(28) ( آل عمران ) ولا مؤاخذة على الأنثى ضحية الاغتصاب : (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) النور )
5 ـ وعند الاضطرار أباح الله جل وعلا الكل من الطعام المحرم : (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) البقرة ) (فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)المائدة )
6 ـ ورفع الحرج على المُعاقين والمرضى ( لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ) (61)( النور ) (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ (17 ) ( الفتح )، وهذه الأعذار تشمل النساء والرجال معا بلا تفرقة فى السفر والحضر والعمل والجهاد والتفاعل الاجتماعى .
ثانيا : مظاهر التيسير والتخفيف فى العبادات
1 ـ الطهارة : هناك ملايين الصفحات فى كتب الفقه السّنى التى تتفرّغ لموضوع الطهارة والوضوء والغسل والتيمم والمسح على الخفين والاستنجاء ..الخ .وقد دخلت فى تفريعات شتى ومعقّدة عن نوعيات الماء وكيفية التطهر من البول والبراز والغسل والنجاسات .. وإمتلأت بالخلافات والتصورات الخيالية والمضحكة . هذا مع أن الله جل وعلا أنزل فى تشريعات الوضوء والغسل والطهارة آيتين فقط فى سورتين مدنيتين ، فى سورة النساء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً (43) ) وقد ختمت الاية بعفو الله جل وعلا وغفرانه بما يشير الى التيسير ورفع المشقة . وجاء فى سورة المائدة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)) وجاء ختم الآية بالتأكيد على رفع الحرج : ( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)( المائدة )
2 ـ الصلاة : أباح الله جل وعلا قصر الصلاة عند الخوف فى وقت الحرب أو المّطاردة من العدو المعتدى ( النساء 101 :102) وأباح الله جل وعلا الصلاة بأى كيفية عند الخوف : (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239)( البقرة ). ومنه الخوف من ضياع وقت الصلاة ، أو عندما يكون المؤمن فى سفر فى طائرة أو سيارة لا يستطيع أداء القيام والركوع والسجود ، او الذهاب الى دورة المياه ليتوضأ ، عندها يمكنه أن يتيمم بمسح يديه بأى شىء طاهر ويمر بيده على وجهه وذراعه ويصلى وهو جالس فى مكانه. المهم أن يخشع فى صلاته .
3 ـ الانفاق فى سبيل الله جل وعلا :فى الاستعداد لمعركة ( ذات العُسرة ) تحتم التبرع المالى ، والتطوع للقتال . وكان بين المؤمنين ضعاف ومرضى وفقراء ، أولئك رفع الله جل وعلا الحرج عنهم طالما كانوا بضمائرهم يتمنون الخير للمؤمنين وينصحون لهم ، بل جعلهم رب العزة ( محسنين ) طبقا لمشاعرهم النبيلة ، فقال جل وعلا :( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91)التوبة ) . وألحق رب العزة بهم الفقراء العاجزين عن وسيلة ركوب تحملهم ، وقد جاءوا للنبى عليه السلام يرجون أن يساعدهم ، ولم يكن يستطيع ، فرجعوا يبكون لحرمانهم من شرف الجهاد لسبب خارج عن إرادتهم ، فقال جل وعلا فى رفع الحرج عنهم وفى إعتبارهم محسنين :( وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ (92)) ( التوبة )
4 ـ الحج : ومعروف أن الحج ليس فريضة على الجميع بل على المستطيع فقط بماله وجسده : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ (97)( آل عمران ). ولو كان فرضا على الجميع كالصلاة لأصبح مشقة . ومن العججائب أن يحرص الفقراء والمرضى على الحج فى عصرنا ، وأن يتكبدوا رسوما هائلة لدولة تسيطر ظلما وعدوانا على البيت الحرام ، وتستغله فى ملء خزائنها ، وهى مكدسة أصلا بالبلايين .
5 ـ الصيام : جاء فى تشريع الصيام خمس آيات فى سورة البقرة ( 183 : 187 ). ذكرت الآية الأولى فرضية الصوم وسيلة للتقوى ، وأن طريقة الصوم مثلما كانت فى ملة ابراهيم ،وبعدها جاء التخفيف والتيسير بالافطار للمريض والمسافر مقابل ان يقضى الايام التى يفطرها ، والفطر لمن يجد مشقة فى الصوم مقابل أن يدفع فدية طعام مسكين . ثم نزل التخفيف بأن يقتصر الصيام من الفجر الى دخول الليل ، وقبلها كان الصيام يمتد من العشاء الى مغرب اليوم التالى . والملاحظ أن آيات تشريع الصيام تحتوى على 179 كلمة . منها 19 كلمة فقط فى فرضية الصوم ، و 160 كلمة فى الأعذار المبيحة للفطر ، وفى تخفيف وقت الصيام . وجاء ضمن الآيات التأكيد على مبدأ التيسير قوله جل وعلا :(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)( البقرة ).
ثالثا : من مظاهر التيسير والتخفيف فى تشريعات الأحوال الشخصية والمعاملات
1 ـ التراضى : فى عقد الزواج : بعد الاتفاق على الصداق ـ وهو فرض ـ فكل الشروط مفتوحة بالتراضى بين المتعاقدين : ( فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ )(24)( النساء ). وبالتراضى يُباح كل تعامل تجارى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ )(29)( النساء )
2ـ بالتراضى وبالمعروف ( أى المُتعارف على انه عدل وقسط ) تتم سائر الأحوال الشخصية فى الطلاق ، مثل رضاعة المولود ( البقرة 233 ) ومتاع المطلقة ( البقرة 236 ) وسكن المطلقة وإعاشتها ( الطلاق 6 : 7 ) وفى حرية المطلقة فى الزواج بعد الانفصال ( البقرة 232 ).
رابعا : التخفيف فى محدودية الالزام فى شريعة الاسلام :
1 ـ لا تتدخل الدولة فى علاقة الفرد بربه فى العقائد والعبادات طبقا للحرية المطلقة فى الدين . ينحصر تدخلها فى حقوق الأفراد والأحوال الشخصية بما يخص حقوق المرأة . والتعويل الأساس ليس على الضبطية القضائية بل على ضمير المسلم ، فمعظم التشريعات تكون علاقة خاصة بين المؤمن وربه ، لذلك يأتى التأكيد على الوعظ بالتقوى فى تنفيذ التشريعات كقوله جل وعلا: ( فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)الطلاق )( وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (232) ( البقرة ).
2 ـ التدخل الأساس هو فى حماية الفرد والمجتمع ،وهنا تأتى العقوبات فى القتل والزنا والشذوذ والسرقة وقطع الطريق وقذف المحصنات . وليس فى شريعة الاسلام عقوبات الرجم والردة وترك الصلاة وشرب الخمر، فهى من إفتراءات الفقه السّنّى . والتيسير فى هذه العقوبات يتجلى فى أنها ليست للانتقام بل للإصلاح ، بدليل أن التوبة الظاهرية تُسقط عقوبة الزنا والقذف ( النور : ـ 5 ) والشذوذ ( النساء 16) وتُسقط عقوبة السرقة وقطع الطريق ( المائدة 39 ، 33 : 34 ) .
3 ـ إن المقصد الأكبر هو التقوى وأن ينجو الفرد من الخلود فى النار . وكل عذاب الدنيا لكل البشر لا يعادل لحظة عذاب لفرد واحد فى الجحيم فى اليوم الآخر . وهناك أكثر من ألف آية تصف هول عذاب الآخرة ، وفى هذا تكون العقوبات هى للاصلاح وليس للأنتقام . يؤكد هذا أن هناك عذاب يوقعه الله جل وعلا بالعاصى فى الدنيا جزاء عدوانه ، فالقاعدة القرآنية تؤكد : ( مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً (123) ( النساء ). وهذا الجزاء السىء يكون عذابا فى الدنيا قبل الآخرة ( آل عمران 56 ) ( التوبة 55 ، 85 ، 74) ( السجدة 21 ). وبالتالى فالتعويل هو على عذاب الله جل وعلا للعصاة فى الدنيا والآخرة ، وأن العقوبات المنصوص عليها فى القرآن هى للاصلاح ، لذا تسقط بالتوبة . وسبق أن القاتل ينجو من القصاص لو رضى أهل القتيل بالدية .
أخيرا : التخفيف فى قلّة التشريعات المنصوص عليها فى القرآن :
1 ـ التشريعات الاسلامية الواردة فى القرآن فى حدود مائتى آية ، بما فيها من تكرار وتفصيلات ووعظ ، ومعظم تفصيلاتها ينصب على الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وما يتبع ذلك من ميراث ووصية ، وبعض المعاملات التجارية .. ثم تأتى قواعد تشريعية تحتكم الى العُرف أو المعروف أى المتعارف على أنه عدل وقسط . ، أى إنّ المجال مفتوح للناس فى سنّ قوانين تراعى مصالحهم فى أمور دنياهم وفى إطار العدل والقسط والتيسير والتخفيف .
الفصل الثاى : فى كيفية تطبيق مبادىء الشريعة الاسلامية
الفصل الثانى : فى تطبيق مبادىء الشريعة الاسلامية
( 1 ) فساد الشريعة السنية نظريا وتطبيقيا
أولا : الفساد النظرى فى الشريعة السّنية
إذا كانت مبادىء الشريعة الاسلامية تقوم على العدل والمساواة والحرية الدينية والشياسية وحق الحياة والرحمة والتيسير ، فإن الشريعة السّنية تتأسس على الظلم والفساد والتزمت والغلظة والاستبداد . بدأ تطبيقها قبل تدوينها خلال الفتوحات العربية التى تناقضت مع تشريع القتال الدفاعى فى الاسلام ، ثم ما ترتب على هذه الفتوحات من إقامة امبراطورية أموية مستبدة على النسق السائد فى العصور الوسطى بالتناقض مع مبادىء الشريعة الاسلامية فى الحرية والعدل ، وخلفتها الامبراطورية العباسية ، ولأنها امبراطوريات تتمسح باسم الاسلام شكلا فقد كان لزاما وضع تشريعات لها تبرر وتسّوغ ظلمها . وهذه الشريعة التى بدأت كتابتها فى العصر العباسى وجّهت ضرباتها للقرآن الكريم لإخضاعه لأهوائهم ، عجزوا عن تحريف نصوصه فالتفتوا الى تغيير معانيه ومفاهيمه بالتأويل والتفسير ، ويبطلون تشريعات القرآن باسطورة النسخ ، مع أن النسخ يعنى الاثبات والكتابة وليس الحذف والالغاء ، ولنا بحث لنا منشور هنا ( لا ناسخ ولا منسوخ فى القرآن الكريم )، ثم قاموا بصناعة أحاديث نسبوها للنبى بعد قرنين وأكثر من وفاته ، وتوالى وضع وأفتراء تلك الأحاديث تحت مصطلح السّنة . وتخصصت ( علوم القرآن ) للطعن فى القرآن تحت مسمى التجويد والقراءات السبع ، ووضع إختلافات فى الكتابة القرآنية تخالف الكتابة الأصلية للخط العثمانى المعتمد .
وفى كل ما سبق كتبنا ونشرنا مئات المقالات خلال ثلاثين عاما ، فى تجلية حقائق الاسلام وتوضيح التناقض بينه من جهة وبين السّنة والتشيع والتصوف من جهة اخرى . ونعطى هنا لمحة عن تلاعب الفقه السّنى بالشريعة الاسلامية الحقيقية الالهية القرآنية ، وكيف أنها قامت بتحويل الحرام الى فرض واجب وتحريم الحلال واستحلال الحرام وتدمير القواعد والكليات التشريعية القرآنية . ونعطى أمثلة :
التلاعب فى درجات التشريع فى القرآن الكريم
تدور التشريعات فى القرآن الكريم حول ثلاث درجات : الفرض المكتوب او الاوامر ، ثم النواهى أو المحرمات ، ثم ما بينهما وهو المباح ، ومنهج القرآن فى التشريعات فى هذه الدرجات ان يحدد الفروض والمحرمات ثم يترك المباح مفتوحا. وتلاعب الفقة السنى بدرجات التشريع القرآنى ، اذ اضاف اليه درجتين فى التشريع انتزعهما من المباح الحلال هما المكروه والمندوب او المسنون . فالمكروه هو مباح ينبغى تركه أو درجة اقل من الحرام, والمندوب او المسنون هو مباح ينبغى فعله وان لم يكن واجبا لأنه اقل من الفرض الواجب . وترتب على هذا التأويل والتعديل للمدار التشريعى الاسلامى القرآنى نتيجتان : (1) اضافة مصطلحات جديدة تخالف القرآن وهى المكروه والمندوب ، وعلى سبيل المثال فإن المكروه فى مصطلحات القرآن ليس مباحا اقل درجة من الحرام كما يقولون بل هو اشد انواع الحرام تجريما (الحجرات 7) (الاسراء 38 ) .(2 ) : هى التضييق من دائرة الحلال المباح وتحويل المباح الحلال الى مكروه لا ينبغى العمل به ، وهذا يعنى التدخل فى تشريع الله تعالى من حيث الدرجة ومن حيث التفصيلات.
التلاعب بقواعد التشريع الجامعة المانعة والمؤكدة :
1 – هناك قواعد تشريعية جامعه مانعه ، اى تجمع المحرمات داخل سور محدد وتمنع اخراج احد منه او اضافة احد اليه ، مثل المحرمات فى الزواج ، وقد ذكرها القرآن بالتفصيل ثم بعدها قال (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ) : النساء 24 ) اى فالنساء داخل ذلك السور الجامع المانع كلهن محرمات ، والنساء خارج هذا السور الجامع المانع كلهن حلال للزواج ، وجاء التأويل السنى ليخرق هذا السور بأن اضاف اليه بالقياس قاعدتين فقهيتين جعلهما احاديث منسوبة للنبى وهى ( يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب ) ، ( لا تنكح المرأة على عمتها او خالتها ) ، وعلى ذلك فإذا اراد رجل ان يتزوج خالته من الرضاعة فإن ذلك حلال فى تشريع القرآن الكريم وحرام فى تشريع أهل السنة ، ونفس الحال اذا اراد ان يتزوج على امرأته عمتها او خالتها يقول تعالى ذلك حلال ويقول الفقهاء من اهل السنة ذلك حرام .
2 ـ وهناك مثال اخر هو المحرمات فى الطعام التى تكررت كثيرا فى القرآن الكريم " البقرة 173" ، " المائدة 3" ، " الانعام 145" ، " النمل 115" وهى الميتة والدم ولحم الخنزير وما يقدم للأوثان . وبرغم تحذير القرآن الكريم من اضافة اى محرمات جديدة للطعام ( المائدة 87، يونس 59:60 ، النحل 116: 117، التحريم 1) الا ان اهل السنة اضافوا تحريم الكثير من الحلال ، وتمتلىء بذلك كتب الفقة .
3 – وهناك قواعد تشريعية قرآنية مؤكدة باسلوب القصر والحصر مثل قوله تعالى (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ) ( الاسراء 33، الانعام 151 ) (وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ) الفرقان 68) اى فلا يجوز القتل فى الاسلام الا بالتشريع القرآنى الحق وهو طبقا للنصوص القرآنية يأتى فى صورة القصاص ، سواء كان ذلك فى الجرائم ( البقرة 178) او فى الحروب ( البقرة 194) وجاء الفكر السنى فألغى هذه القاعدة التشريعية المحكمة الملزمة فأضاف قتل المرتد والزنديق وتارك الصلاة ورجم الزانى ، ثم توسع فى القتل ليجعل من حق الامام ان يقتل ثلث الرعية فى سبيل اصلاح الثلثين ..!!
4 – وهناك قواعد تشريعية قرآنية جاء تأكيدها فى القرآن الكريم بكل اساليب التأكيد مثل الامر بالوصية للوارث وغير الوارث فى قوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) : البقرة 180 ) فالتأكيد فى الوصية جاء بصيغ مختلفة شديدة الدلالة مثل "كتب عليكم " ، " إن ترك خيرا " ، " بالمعروف" ، " حقا "،" على المتقين" ، ثم جاءت الايات بعد ذلك تضع قواعد الوصية. وفى سورة النساء نزل الامر بالوصية ليطبق قبل توقيع الميراث (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) : النساء 11، 12) ومع ان الوالدين لهما حق فى الميراث وحق ايضا فى الوصية ، ومع ان قواعدالميراث والوصية هى حدود الله التى يحرم التعدى عليها ( النساء 13:14) الا ان الفقة السنى الغى الوصية للوارث طبقا لقاعدة فقهية جعلها حديثا نبويا يقول ( لا وصية لوارث ) وافتروا أن هذه الكذبة المخالفة للقرآن قد " نسخت الآيات المخالفة لها..
التلاعب بقواعد التشريع ومقاصده العظمى:
عموما فالاحكام في التشريعات القرآنية هي اوامر تدور في اطار قواعد تشريعية ،وهذه القواعد التشريعية لها مقاصد او اهداف ،او غايات عامة . يبدأ التشريع القرآنى بالأوامر مقترنة بقواعدها ، وقد تأتى المقاصد فى خلال الآية نفسها أو فى خلال السياق أو تأتى منفصلة. ولسنا فى مجال التفصيل لذلك ، ولكن اعطاء امثلة يعين على الفهم:-
1 ـ فى موضوع العفة والاحصان الخلقى جاءت "الأوامر " التشريعية بغض النظر المحرم للرجال والنساء معا وعدم الأقتراب من مقدمات الزنا والحشمة فى زى النساء " النور30 -31 الاسراء 32". ركز الفقه السلفى على هذه الأوامر الى درجة التطرف فتحول الخمار الذى يغطى الصدر دون الوجه والشعر الى نقاب يعبىء المراة ويعلبها فى غلاف اسود كئيب ، وهو مزايدة محرمة على حق الله تعالى فى التشريع، وتضييع لشهادة المرأة ودورها فى المجتمع المسلم وتحريم لكشف وجهها وهو حلال فى الاسلام، وأيضا ليس هذا مجاله ولكن نؤكد هنا ان هذا التطرف بفرض النقاب أضاع المقصد الأسمى من أوامر العفة والاحصان. فالمعروف أن النقاب من اهم عوامل انتشار الانحلال الخلقى حيث تتخفى فيه المرأة وتفعل ما تشاء دون أن يتعرف عليها احد. واسألوا أهل الفكر السلفى ان كنتم لا تعلمون.
2 ـ فى العبادات : هى مجرد أوامر ، واجب علينا اداؤها لبلوغ الهدف الأسمى وهو التقوى" البقرة - 183 -196 -197 ـ21" أو هى مجرد وسائل للتقوى نستطيع بها الابتعاد عن الفحشاء والمنكر" العنكبوت45" وهذا هو المعنى الحقيقى لاقامة الصلاة وايتاء الزكاة أى التزكى والسمو الخلقى بالتقوى. كل ذلك أضاعه الدين السّنى السلفى حين جعل الصلاة والزكاة والحج أهدافا بذاتها، فاذا أديت الصلاة فلا عليك ان عصيت وستقوم صلاتك بمسح ذنوبك " ودى نقرة ودى نقرة " كما يقول المثل الشعبى المصرى، واذا تبرعت لبناء مسجد ولو كمفحص قطاة تمتعت بقصر فى الجنة. واذا أديت الحج رجعت منه عاريا.. آسف ... رجعت منع كيوم ولدتك أمك ا..وأكثر من ذلك ستدخل الجنة ـ غصب عنك ـ لأنك من امة محمد مهما فعلت. يكفيك أن تقول الشهادتين ثم تعيث فى الأرض فسادا. المهم أن التأويل السلفى حول العبادات الى تدين سطحى وحول الأخلاق الى مستنقع من النفاق والكذب والتدجيل. ونحن مشهورون بين الأمم بكل ما يشين بسبب ذلك .
3 ـ فى تشريع القتال : تحول الى ارهاب وإعتداء لأن الفقه السّنى ركّز على الأمر وأهمل القاعدة والمقصد التشريعى. فالامر بالقتال "قاتلوا " "جاهدوا " "انفروا "له قاعدة تشريعية وهى ان يكون للدفاع عن النفس ورد الاعتداء بمثله او بتعبير القرآن (في سبيل الله )،ثم يكون الهدف النهائي للقتال هو تقرير الحرية الدينية ومنع الاضطهاد في الدين ،كي يختار كل انسان ما يشاء من عقيدة وهو يعيش في سلام وامان حتي يكون مسئولا عن اختياره الحُرّ يوم القيامة بدون اكراه فى الدين حتى لا تكون لأى بشر حجة امام الله تعالى يوم الدين. يقول الله تعالي ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) :البقرة ) فالامر هنا ( قَاتِلُوا )والقاعدة التشريعية هي ( فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ )، وتتكرر القاعدة التشريعية في قوله تعالي ( فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) :البقرة 194). اما المقصد او الغاية التشريعية فهي في قوله تعالي (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193):البقرة 193) أي ان منع الفتنة هي الهدف الاساس من التشريع بالقتال . والفتنة في المصطلح القرآني هي الاكراه في الدين أو الاضطهاد في الدين ،وهذا ماكان يفعله المشركون في مكة ضد المسلمين يقول تعالي (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا ):البقرة 217). وبتقرير الحرية الدينية ومنع الفتنة او الاضطهاد الديني يكون الدين كله لله تعالي يحكم فيه وحده يوم القيامة دون ان يغتصب احدهم سلطة الله في محاكم التفتيش واضطهاد المخالفين في الرأي، وذلك معني قوله تعالي (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ (39): الانفال 39 ) .
قام الفقه السّنى بالتركيز فقط على الأمر بالجهاد والقتال" قاتلوا" واهملوا القاعدة التشريعية للقتال او المسوغ الوحيد لاباحته وهو ان يكون القتال دفاعيا فقط . وترتب على هذا أن أصبح القتال ليس فى سبيل الله تعالى لاقرار الحرية الدينية ومنع الاكراه فى الدين ، وليس لمجرد الدفاع الشرعى عن النفس ، بل أصبح لتشريع العدوان على الغير وجعله ليس فقط مباحا بل واجبا شرعيا باعتباره جهادا اسلاميا. أى جعلوا الاعتداء والسلب والنهب والاسترقاق والسبى فرضا إسلاميا.
ثانيا : الفساد العملى فى تطبيق الشريعة السنية :
الشريعة السّنية التى ينادون بتطبيقها كانت مطبقة طيلة العصور الوسطى من العصر الأموى حتى العصر العثمانى ، الى أن بدأت مصر فى تحديث نظامها التشريعى والقضائى فى القرن التاسع عشر . ولا تزال هذه الشريعة السّنية مطبقة فى السعودية تنشر الظلم باسم الاسلام وهو دين العدل والرحمة . الواقع أنه ترسّخ الظلم فى العصور الوسطى تحت لافتة تطبيق الشريعة ، وفى دول المسلمين فى القرون الوسطى لم يوجد قانون محدد ومفصل ومتفق عليه يحكم به القاضى . كان أمام القاضى عشرات الآراء الفقهية المختلفة فى القضية الواحدة يختار من بينها ما يريد و يفتى بما يريد. وبهذا يتحول القاضى من مجرد ناطق بالحكم إلى مشرع يختلق الأحكام ثم يقوم باصدارها، وهذا ما كان عليه نظام القضاء فى الدولة الدينية، أى يكون القاضى مشرعا وناطقا بالحكم فى نفس الوقت. إذ يكون الجهة التى تشرّع (البرلمان) أى يختار رأيا فقهيا من عشرات الآراء الفقهية المختلفة والمتضاربة، ثم يكون (القاضي) حين يطبق ذلك التشريع على الحالة المعروضة عليه فى مجلس القضاء. وعلى فرض نزاهته و تحريه للحق فى إصدار الحكم فإن منبع الخطأ يكمن فى جمعه للسلطتين (التشريعية و القضائية). ولكن تعقد النظام القضائى فى العصور الوسطى (فى العصر المملوكى مثلا) وضع العراقيل أمام القاضي النزيه الذى يريد أن يتحرى العدل. كان التشريع القائم طبقا للمذاهب السنية الأربعة، أى قاضى قضاء شافعى وحنفى ومالكى وحنبلى، وكل منهم يتبعه (نائب للحكم) أى قاضى محلى فى كل مدينة أو كل حى، وكل قاضى محلى يحكم رسميا بمذهبه، وليس مذهبه هذا كتابا محددا تم تقنين الحالات فيه، ولكن الحكم بالمذهب الفلانى تعنى جميع الكتب الفقهية التى كتبها أرباب هذا المذهب بكل ما فيها من ثرثرة وتعارض واختلاف. أى فى النهاية يحكم القاضى بهواه، ثم ليس هناك مساءلة عليه لو أخطأ فى الحكم، لأن ولاءه للخليفة أو السلطان المستبد، وطالما رضي عنه المستبد فلا عليه مهما ظلم. وفى النهاية كان وجود القاضى النزية أمرا غير مرغوب، فصلاحية القاضى لم تكن لنزاهته وعدالته أو علمه وخلقه، ولكن كان لمدى ولائه للمستبد وطاعته له، بل أكثر من ذلك، كان الوصول لمنصب القضاء ـ فى العصر المملوكى ـ يستلزم دفع الرشوة للسلطان وأعوانه، وكان شراء المناصب شرعا رسميا أقيم من أجله (ديوان البذل والبرطلة)، وعندما يباشر القاضى وظيفته يعوض ما دفعه من رشوة بأخذ الرشاوى من الناس. هذا هو الواقع العملي لتطبيق الشريعة فى العصرين المملوكى والعثمانى..
واستفحل الظلم بوجود وظيفة المحتسب . كان المحتسب في العصر المملوكي أبرز مظهر لتطبيق الشريعة السّنية ، ويقوم المحتسب بثلاث وظائف في عصرنا الراهن فهو مفتش التموين وهو شرطة التموين وهو القاضي الذي يصدر الأحكام في قضايا التسعيرة ، وفي العصر المملوكي كان المحتسب يشرف على الأسواق ويراقب الموازين والمكاييل ويصدر التسعيرة ثم هو الذي يعاقب المنحرفين بالأسواق وبالطريقة التي يراها . أي كان قاضيا وشرطيا ومفتشا ومنفذا وسجانا في نفس الوقت . وفي سلطنة قايتباي كان الأمير المملوكي يشبك الجمالي هو محتسب القاهرة وقد تولى هذا المنصب يوم الاثنين 24 ربيع آخر سنة 873 هـ . وكان المحتسب يشبك الجمالي أعجوبة في الظلم والقسوة . فذلك المحتسب لم ينزل بنفسه للأسواق وإنما أوكل الأمر لأعوانه ، وأولئك استطاعوا أن يحوزا ثقته وبعدها فرضوا الإتاوات على التجار فتلاعب التجار بالأسعار وبالموازين كيف شاءوا، طالما يدفعون الرشاوى لأعوان المحتسب ، وفي نفس الوقت فأن الذي يرفض دفع الإتاوة يقبض عليه أولئك الأعوان ويقدمونه للمحتسب فيأمر بعقابه أشنع عقاب .. ويصف المؤرخ القاضى ابن الصيرفي ما كان يفعله المحتسب المملوكي فيقول أن أعوان المحتسب كانوا يحضرون له من لا يدفعون لهم المعلوم " فيضربهم ثلاث علقات : واحدة على مقاعده وأخرى على رجليه وثالثة على أكتافه ويشهرونه بلا طرطور بل يكشفون رأسه .. ويدورون به في القاهرة .. " .. . !! ويقول عن أحكامه " وأما أحكامه فبالبخت والنصيب وأما أخلاقه ففي غاية الشراسة حتى أنه يغضب على من قربه وجعله أميرا .. هذا مع دينه المتين ومحافظته على الصلاة والصيام ولكن عنده تعصب على الآمر الظاهر الجلي القطعي .. والله تعالى يعامله بعدله سريعا . " !! . وفي يوم الثلاثاء 16 صفر سنة 875 أنزل المحتسب يشبك عقوبة فظيعة بتاجر مسكين فقير ، فبعد أن ضربه الثلاث علقات المعهودة وبعد أن جرسه في شوارع القاهرة أمر بصلبه على حانوته بزراع واحدة وربط زراعه الأخرى إلى ظهره ولطخه بالعسل وصلبه تحت الشمس فتجمع حوله النحل والنمل والدبابير والذباب .. والسبب أن الأعوان المرتشين اتهموا التاجر المسكين بأنه يبيع أزيد من التسعيرة .هنا نتذكر ـ بكل أسى ـ أن تقنين الظلم هذا كان يتم تحت اسم شرع الله جل وعلا، وتحت الزعم بتطبيق الشريعة. ونتذكر أيضا ـ بكل أسى ـ كيف حفلت آيات القرآن الكريم، ليس فقط بالحث على العدل و القسط، ولكن أيضا بمنع وتحريم الظلم. وهذا التكرار يحوى إعجازا موجها لمن سيأتى بعد نزول القرآن، حيث يكون شاهدا على انحرافهم وتعديهم على شرع الله جل وعلا وإحلال الظلم محل العدل، ثم يكون ذلك تحت اسم الاسلام العظيم وشريعته السمحاء.!! ويجب أيضا أن نتذكر ـ بكل غضب ـ أولئك السلفيين الذين يريدون إعادتنا الى نفس الأفك، ظلما لله جل وعلا ودينه وشرعه.. وظلما لنا نحن المسلمين. وبعد قيام الدولة الحديثة فى مصر بدأ تقنين الدستور والقوانين فى مواد محددة محكمة، وانحصرت وظيفة القاضى فى أن يجتهد فى تطبيق ذلك النص على الحالة، دون أن يملك الحق فى تجاهل النص أو تغييره.ولكن يعتبر السلفيون هذا ردة عن (شرع الله)، لأنهم يعتبرون خرافات الفقه السنى واكاذيبه هى (شرع الله)، ويحكمون بكفر من لم يحكم بما أنزله الله، ويتناسون أن أئمتهم من مالك والشافعى وابن حنبل والبخارى الى ابن عبدالوهاب وسيد سابق هم الذين لا يحكمون بما أنزل الله جل وعلا، وهم الذين يفترون على الله جل وعلا كذبا.
أخيرا
هذا المقال هو تجميع من أبحاث سابقة ، منها ما كان منشورا فى التسعينيات مثل بحث ( التأويل ) ، ومنها بحث عن تطبيق الشريعة فى عصر السلطان قايتباى ، وآخر عن نظام القضاء بين الاسلام والمسلمين . المقصود أننا نكتب فى هذا الاصلاح نحذّر ونُنذر ، ودون جدوى . والآن ، وفى وقت كتابة هذه السطور قبيل فجر يوم الخميس 25 يولية 2013 يخفق القلب على مصير مصر ، فقد طلب الفريق عبد الفتاح السيسى وزير الدفاع من المصريين أن يتظاهروا يوم الجمعة ( غدا ) لتفويض الجيش والشرطة بمواجهة الاخوان وهم يقطعون الطريق ويعيثون فى الأرض فسادا إستغلالا منهم للديمقراطية وحرية التظاهر ، فاعتصموا فى ميدان رابعة العدوية وميدان النهضة بالقاهرة والجيزة ، يتحركون منها هنا وهناك لارهاب الناس . وتحركت جموعهم فى المدن الأخرى تقطع الطريق وترهب الناس ، هذا مع هجوم أتباعهم فى سيناء على الجيش المصرى ، وتهديداتهم بحرق مصر إن لم يرجع رئيسهم المعزول الفاشل محمد مرسى المتهم بالخيانة العظمى . وقد قلت من قبل إن الاخوان يؤمنون بمقولة ( إما أن نحكمكم وإما أن نقتلكم ) ، وأنهم مع المعادلة الصفرية إما أن يكونوا فى الحكم وإما أن يدمروا الوطن . هذه هى شريعتهم الحقيقية ، وهم الآن يطبقونها بالدم وبالنار وبالتدمير والارهاب . وقد حرصوا فى دستورهم على النّصّ على ( مذاهب أهل السنة والجماعة ) ، وهذا ما عرضنا له هنا فى تناقض الشريعة السّنية مع الشريعة الاسلامية من الناحية النظرية ، ويتأكد الآن أن شريعتهم تحتاج الى الارهاب لفرضها على الناس . ليس مهما عندهم أن الشعب المصرى أقام اكبر مظاهرة فى تاريخ البشرية رفضا لهم ، المهم عندهم هو إما أن يمتطوا هذا الشعب بالاكراه وإما أن يدمروه بالارهاب .
كباحث مسلم متخصص أقول إنه ينطبق عليهم العقوبة القرآنية التى يجب تطبيقها على الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا ، وأن عقوبتهم القتل أو الصلب أو تقطيع الايدى والأرجل من خلاف أو النفى ـ إن لم يتوبوا قبل المعركة . هم يقطعون الطريق ويقتلون الناس ويباشرون استحلال الزنا ( جهاد المناكحة ) ويريدون فرض شريعة تتناقض مع شرع الله جل وعلا وينسبونها لله جل وعلا ولرسوله ، وهم يستحقون بذلك الوصف بأنهم يحاربون الله ورسوله : ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34 ) ( المائدة ). هم سرطان فى الجسد المصرى يجب إستئصاله ..
والى الذين يستفظعون عقوبة الصلب والتقطيع فى الآية الكريمة أقول إن هذا هو شرع الله .ونحن نجتهد بالقول بأن الآية الكريمة تنطبق على قادة الاخوان، وبعد تطبيقها لن تقوم للأخوان قائمة. ونتحمل مسئولية هذا الرأى أمام الله جل وعلا . ونحترم حق الآخرين فى الاختلاف معنا .
( 2 )
كيفية تطبيق الشريعة الاسلامية فى لمحة سريعة
القوانين الاسلامية نوعان : نوع اورده رب العزة فى القرآن الكريم سواء فى تفصيلات تشريعية أو فى قواعد تشريعية ، ونوع متروك للبشر تشريعه يدخل فى الحلال المباح الذى يتطلب التنظيم ، وتشريعات أخرى يتطلبها صالح المجتمع ، ويجب أن يكون التشريع البشرى فيها خاضعا للمبادىء الستة للشريعة الاسلامية ولا تتعارض معها . التخفيف الأكبر فى الشريعة الاسلامية يتجلّى فى ترك الهامش الأكبر للتشريع البشرى فى ظل المبادىء الستة للشريعة الاسلامية . فعلى عكس شريعة الفقهاء التى تتدخل فى كل شىء وتختلف فى كل شىء فإن آيات التشريع المدنى فى القرآن حوالى مائتى أية بما فيها من تكرار وتفصيل وتأكيد.. ومعنى ذلك أن هناك قدرا هائلا قد تركه القرآن لاجتهاد البشر فيما يقع فيه التطور واختلاف الظروف ، وبذلك يكون تشريع القرآن صالحا لكل زمان ومكان. وتفصيل القول فى تشريعات القرآن ومواضع الاجتهاد فيها يحتاج إلى مجلد كامل، ولكن نكتفى هنا باشارات سريعة من بحث سابق لنا عن نظام القضاء بين الاسلام والمسلمين:
* فهناك تشريعات قرآنية خاصة بزمانها ومكانها ولا مجال لتطبيقها فى عصرنا، مثل حديث القرآن عن التشريعات الخاصة بالنبى وبيوته وزوجاته وعلاقاته بأصحابه.
* وهناك تشريعات قرآنية لا يمكن تطبيقها إلا إذا توفرت ظروفها. فإذا لم تتوفر ظروفها فلا حاجة بنا لتطبيقها، مثل احكام الرقيق، اذ لا ضير فى أن يذكرها القرآن، فشأن التشريع أن يذكر كل حالة، أما التطبيق فلا يكون إلا إذا وجدت حالات صالحة للتطبيق، وعلى سبيل المثال فالقانون يتحدث عن نفقة الزوجة المطلقة ولكن ذلك لا يتم تطبيقه على الأعزب الذى لم يتزوج ولم يطلق.. فإذا تزوج وطلق زوجته أصبح خاضعا بحالته تلك للقانون. وهكذا فتشريع القرآن عن الرق لا تسرى إلا فى عصر يكون فيه الاسترقاق شائعا اجتماعيا. مع ملاحظة إنه لا يمكن القضاء تماما على ظاهرة الرق، وإن تشريعات القرآن قد قصدت فى المقام الأول تحرير الرقيق.. وتلك قضية أخرى.
* وهناك الثابت والمتغير فى تشريعات الجهاد، وهو موضوع شرحه يطول، يدخل فيه التدرج فى التشريع فى العلاقات بين المسلمين المسالمين و المشركين المعتدين، وعلى المسلمين مراعاة ذلك التدرج فى التشريع أو التقنين، وأيضا فى التطبيق. وقد تحدثنا عن ذلك فى بحث (النسخ فى القرآن الكريم يعنى الاثبات والكتابة وليس الحذف والالغاء)
* وهناك تشريعات قرآنية لا تحتاج الى تقنين بشرى لأنه لا دخل لسلطة الدولة فيها لأن مناط تطبيقها موكول للفرد وتعامله مع ربه جل وعلا، ويدخل فى هذا الاطار الأخلاقى للقرآن الكريم فى تعامل الفرد مع نفسه وأسرته ومن حوله، ومنها بعض الوصايا الأخلاقية المذكورة فى السور المكية (الاسراء 22: 39) (الفرقان 63) (الأنعام151 : 153) (النحل 90: 95) وفى السور المدنية (البقرة 44: 46، 83، 109، 153، 177، 261 : 274) (النساء 36).. مجرد أمثلة..
* وهناك تشريعات قرآنية جامعة مانعة، والاجتهاد يكون فى تطبيقها كما هى دون زيادة أو نقصان، والمثال الواضح فى ذلك هو المحرمات فى الزواج (النساء 22: 24) مع ملاحظة أن تشريع الفقهاء لم يلتزم بهذا التحريم الجامع المانع، فأضاف للمحرمات فى الزواج ما أحله الله تعالى، مثل قولهم: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وقولهم: يحرم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها. فالقرآن يجيز ذلك، والفقهاء يحرمونه أى يحرمون ما أحل الله. وهناك مثال آخر للمحرمات الجامعة المانعة، كتحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، وقد فصل القرآن القول فيها وحذر من تحريم ما أحل الله، ولكن الفقهاء حرموا الكثير من الحلال بالمخالفة لتشريع القرآن. وينطبق ذلك أيضا على القواعد التشريعية الجامعة المانعة، مثل تحريم قتل النفس إلا بالحق أى بالقصاص، وقد خالف الفقهاء هذه القاعدة التشريعية فحكموا بالقتل للمرتد والزانى المحصن وأسباب أخرى كثيرة أى أحلوا ما حرم الله.أى أن الفقهاء اجتهدوا فى الحكم بغير ما أنزل الله تعالى فى تشريعاته الجامعة المانعة الملزمة، والتى لا يكون الاجتهاد فيها إلا بتطبيقها كما هي.
* وهناك تفصيلات تشريعية احتكم فيها القرآن للعرف أو المعروف، وهنا نحتاج إلى قوانين وتشريعات لتقنين ذلك العرف حسب أحوال العصر. ومثلا يقول تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ) "البقرة 233" فالتشريع البشرى يتدخل هنا فى تقنين نفقة الرضيع على أبيه بحسب العملة السائدة وظروف العصر، والقاضى يقوم بتقدير تلك النفقة على الحالة المعروضة أمامه حسب فقر الأب وغناه. ونحو ذلك قوله جل وعلا فى التعامل مع الزوجة المطلقة وحقها فى العيش فى سكن ملائم ونفقة ملائمة واجبة على الزوج (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى) (الطلاق 6). هنا نجد المعروف هو المعوّل عليه فى سن القانون بمعرفة الهيئة التشريعية، وفى تطبيقه على يد القاضى. ولقد كان خاتم المرسلين نفسه مأمورا باتباع المعروف أو العرف (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف 199). وبالتالى فان التزام العرف يكون فى جانبين: سنّ قوانين فى المباحات المسكوت عنها، وفى تطبيق الأوامر التشريعية فى القرآن الكريم.
* وقد جاءت تشريعات القرآن فى رعاية الأسرة وحقوق الإنسان أو حقوق العباد وتنمية الأخلاق وركزت على تفصيل المحرمات بينما تركت المباح الحلال مفتوحة أبوابه لأنه هو الأصل. وهذا المباح يحتاج إلى اجتهاد تشريعى فى تنظيمه فى إطار المبادىء الست للشريعة الاسلامية من العدل والمساواة والحرية الدينية والسياسية وحصانة النفس البشرية والتيسير والتخفيف فى صياغة القوانين، بما يحقق رعاية المصالح والإحسان وعدم إيقاع الضرر وحفظ حقوق العباد. وكل القوانين فى ذلك الإطار تكون تشريعا إسلاميا، وهذا حق البشر فى التشريع وفق ما أنزل الله تعالى.
وكل ما يدور فى إطار القوانين المستحدثة فى المرور والمساكن والتنظيم والإدارة والصحة والتعليم والخدمات.. إلخ.. كل ذلك فى إطار التشريع البشري المسموح به إسلاميا لأنه متروك لاجتهاد البشر فيما سكت عنه القرآن وتركه للعرف والمعروف .
*حقوق الله تعالى فى العقيدة وفى العبادات فليس لأحد أن يتدخل فيها لأن مرجع الحكم فيها لله تعالى يوم القيامة، وهى مسألة هداية يتوقف الأمر فيها على كل إنسان إذا اهتدى فلنفسه وإن ضل فعلى نفسه. أما حقوق العباد أو حقوق الإنسان فهى مسئولية المجتمع لحفظ حقوق الأفراد، ولذلك فإن العقوبات المدنية إنما تكون فيما يخص حقوق العباد فقط. حقهم فى الحياة والأموال والأعراض وحق المجتمع كله فى الأمن، وتتحدد العقوبات هنا فى جرائم الزنا والقذف والقتل وقطع الطريق والسرقة. ولسنا فى موضع التفصيل للشروط الموضوعية لتطبيق هذه العقوبات، ولكن نشير إلى أن تشريعات الفقهاء، غيرت المصطلح إلى الحدود، وكلمة الحدود تعنى الحق والشرع فى القرآن، وبعد تغيير المصطلح أضافوا عقوبات جديدة كالرجم والردة وعقوبة شرب الخمر وغيرها. وبهذا اتسع التناقض بين تشريع القرآن وتشريع الفقهاء.
نؤكد ثانيا أنه ليس للتشريع المصرح به للمسلمين أن يتدخل فى العقائد والعبادات من واجبات مفروضة ومن محرمات محظورة، وأمامه الباب واسعا في المباح المسكوت عنه وفق القيم العليا للاسلام المشار اليها، والتى تحمل مصطلح (العرف) و (المعروف).
( 3 )
تطبيق مبادىء الشريعة الاسلامية يستلزم إصلاحا تشريعيا حقيقيا
أولا :
1 ـ توقفنا مع مبادىء للشريعة الاسلامية وهى : (1 ) المساواة ،و(2 ) الديمقراطية المباشرة أو الحرية السياسية وحّكم الشعب ، وتحريم الاستبداد ، و(3 ) الحرية المطلقة فى الدين ، و (4 ) العدل ، و( 5) حق الحياة ، و (6) التخفيف والتيسير فى إصدار التشريعات .
2 ـ التطبيق الفعلى لهذه المبادىء يستلزم حزمة من الاصلاحات يحرّر مصر من الثقافة الدينية الوهابية التى تتجلّى الآن فى آلاف المُغيّبين من معتصمى الاخوان فى ميدان رابعة العدوية وميدان النهضة ، إذ تعرضوا لغسيل مخ عبر الاعلام والتعليم والمساجد ، فأصبحوا ضحايا لدين أرضى متطرف يجعلهم يحسبون أنهم يحسنون صُنعا وهم يدمرون أنفسهم ويدمرون وطنهم .
3 ـ هم لا يصلحون لتطبيق مبادىء الشريعة الاسلامية فى المساواة والديمقراطية المباشرة أو الحرية السياسية وحّكم الشعب ، وتحريم الاستبداد ، وتقرير الحرية المطلقة فى الدين لجميع المواطنين ،والعدل ، وحق الحياة ، والتخفيف والتيسير فى إصدار التشريعات. فقد تشربوا أن الاسلام هم حكر لهم دون الآخرين ، وأنهم المُختارون من رب العالمين لفرض دينهم السُّنى الوهابى على الناس أجمعين ، وأن الشورى الاسلامية تعنى أنهم هم المختارون من الله جل وعلا للتحكم فى الناس ، وأنهم هم مصدر السّلطة التى إختصّهم بها الله جل وعلا من دون الناس ، وأنهم وحدهم الذين يتمتعون بحرية الدين دون غيرهم ، وأنهم مُخولون من الله جل وعلا لإكراه الناس فى الدين وقتل من يخالفهم بتهمة حدّ الردة وبشريعتهم فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والخروج عن ( جماعة المسلمين )، وأن كل ما يرتكبونه من جرائم وظلم هو ( العدل ) ، وأن لهم وحدهم حق الحياة ولغيرهم حق الموت ، ولا بد من التضييق على الناس بتشريعات الفقهاء التى تحرّم الغناء والفن والمّتع الحلال التى أباحها الله جل وعلا ، ولا بد من إسترقاق المرأة واستعبادها وتعبئتها فى النقاب ، ونفيها داخل الحجاب أو وراء الحجاب . ثم هم مستعدون للقتال فى سبيل هذه الخرافات،ولو بقتل أنفسهم وتدمير وطنهم .
4 ـ هم تشربوا هذا الدين الوهابى الحنبلى السّنى على أنه هو الاسلام الصحيح ، وتمّ هذا التزييف والتغييب عبر أجهزة الدولة المصرية فى الأزهر والتعليم ( فى مواد ومناهج التربية الدينية والقراءة والتاريخ ) وفى المساجد والقنوات الفضائية من خلال البرامج الدينية والمسلسلات الدرامية التى تقدم تاريخا مغلوطا يمجّد السلف ، ويُحبّذ العودة لعصر السلف الصالح ، وقد أعادوه فعلا فى الثياب ولغة الحديث والتدين السطحى المظهرى والاحتراف الدينى ، وفى الخصومة مع العصر وثقافة الحداثة والمعاصرة . وهم بذلك يكفرون بصلاحية الاسلام لكل عصر ، طالما قد حصروه فى العصور الوسطى ، عصر الظلم والاستبداد والفساد والخليفة الذى يملك الأرض وما عليها ومن عليها ، وأهل الحلّ والعقد أو ( الملأ ) الذى يفتى للسلطان أو الخليفة بما يحلو له ، ويسوّغ له أن يقتل من يشاء بسيف الشرع ، وأن من حقه أن يقتل ثُلث الرعية لاصلاح الثُلثين .
5 ـ الأغلبية العظمى من المصريين المسلمين ضحايا بدرجات مختلفة لهذا الدين الوهابى ، بدليل أنهم يطلقون على أولئك الوهابيين لقب ( إسلاميين ) وأن حركتهم ( اسلامية ) ، أى يؤيدونهم فى إحتكارهم للاسلام ، ولا يؤمنون بأن الوهابية السنية تناقض الاسلام . بل إنه إذا ناقشنا بعض المعادين سياسيا للإخوان والسلفيين وأثبتنا لهم أن الاله الأعظم للسلفية الوهابية وهو البخارى يطعن فى رب العزة والرسول والاسلام والقرآن تراه يرتعب مستنكرا ، ولو جعلته يقرأ أحاديث البخارى فى هذا الشأن تراه ينقلب عليك ساخطا ، وقد تحوّل الى سلفى متشدد يتهمك بانكار السّنة . بإختصار مُزعج ومُؤلم ، فالأغلبية العظمى من المسلمين المصريين يدينون بالوهابية حتى من يزعم منهم انه علمانى . والدليل يظهر عندما تناقشهم فى تناقض السّنة البشرية مع القرآن الكريم . وهذا يعنى وجود مشكلة حقيقية تجذرت فى عقيدة المسلمين المصرين من عهد السادات حتى الان ، وعاش بها هذا الجيل ممّن هم تحت سنّ الأربعين .
6 ـ ومن هنا نفهم سكوت التيارت المدنية والعلمانية عن مناصرتنا نحن ( اهل القرآن ) وتخاذلهم عنا ونحن نعانى من طاحونة مبارك فى تعذيبنا واعتقالنا ومطاردتنا ، مع حاجة هذه التيارات لجهادنا الفكرى الاسلامى التنويرى فى مواجهة دعاة الظلامية الوهابية . تركونا نعانى الاضطهاد والسجن والتشريد لأنهم فى قرارة أنفسهم يشاركون الاخوان والسلفيين وبقية الوهابيين فى أننا كفرة ومنكرو سُنّة وأعداء للنبى عليه السلام . وحتى لو إقتنع بعضهم بأننا على حق فإنهم يفتقدون الى شجاعة الراحل العظيم فرج فودة الذى وضع يده فى أيدينا ، وكان مّمكنا أن يتغير مسار التاريخ لو لم يغتاله الوهابيون بتدبير من نظام مبارك .
7 ـ الآن ..ومصر تقف على حافة الخطر يتّضح صحّة موقفنا ، فما قلناه وما حذّرنا منه وقع . ونقول الآن إنه المشكلة ستستمر وستتفاقم بعد الهزيمة السياسية للأخوان ، وقد تحدث فظائع قادمة لو لم يتم الاصلاح الذى يجعل عموم المصريين يتفهمون مبادىء الشريعة الاسلامية الحقيقية وتناقضها مع شريعة الوهابيين السّنية المنتمية الى عصور الظلام والاستبداد والاستبعاد والفساد .
ثانيا : لا بد من إصلاح تشريعى
1 ـ بتقرير حرية الرأى المطلقة بلا قيود قانونية من أى نوع . الاستثناء الوحيد هى إتهام المحصنات فى شرفهن . وما عدا ذلك فلا مؤاخذة فيه ولا عقوبة ، وهذا بالتوازى مع حرية الاعلام الذى يلتزم بعرض كل الآراء وبحق الحصول على المعلومات ، وبالتالى فمن حقك أن تقول رأيك فى أى مسئول ، ومن حق المسئول أن يرد عليك بالمستندات وبالحجة ، فلا حصانة لأى شخص مهما بلغت مكانته . هذه هى الحرية المطلقة للرأى فى الشريعة الاسلامية والتى تتبع الحرية المطلقة فى الدين . فطالما ان الله جل وعلا ترك الحرية مطلقة للبشر فى أن يتقولوا عليه ما يشاءون فالأولى لأولى الأمر ـ أن تكون للناس نفس الحرية فى الرأى بشأنهم ، وإلا فقد وضعوا أنفسهم فوق رب العزة جل وعلا.
2 ـ وهذا يتطلب إصلاحا قانونيا يتيح الحرية المطلقة فى الرأى والفكر ، لأنّ سقوط الاخوان سياسيا لا يعنى زوال خطرهم، فالخطر الحقيقى فى الأصل وهو الوهابية ، و لا بد من مواجهتها من داخل الاسلام ، وهذا لا يتطلب فقط إصلاحا دستوريا بل إصلاحا قانونيا يجعل القوانين متفقة مع نصوص الدستور التى تحمى حرية الفكر والدين والرأى. أى لا بد من غربلة القوانين المصرية خصوصا قانون العقوبات وإزالة كل القوانين التى تعاقب صاحب الرأى بتهم ظالمة مثل إهانة القوات المسلحة والرئيس والمؤسسات القضائية ، وكل قوانين الحسبة و إزدراء الدين ، والقوانين التى تجرّم بعبارات مطاطة أى تحرك سياسى أو رأى مثل ( تكدير الرأى العام ) و ( التحبيذ على كذا وكذا ..) . إن فى قانون العقوبات المصرى ترسانة من هذه القوانين سيئة السمعة بما يكفى لسجن الشعب المصرى كله بتهم مطاطة مثل التحبيذ والترويج . ومؤخرا سمعنا ذلك المعزول مرسى يهدد المصريين بالقانون يقول بأعلى صوته :( بالقانون )، وكان يعنى قانون العقوبات الملىء بهذه العاهات .
3 ـ هذه العاهات القانونية هى سلاح أى رئيس مستبد ، وسلاح أى مؤسسة تريد أن تؤله نفسها وترفعها فوق النقد. هذه العاهات القانونية تتيح لبلطجية المحامين رفع دعاوى ظالمة لمجرد أن يشتهروا فى الصحف وللانتقام من خصومهم السياسيين ، هذه العاهات القانونية تشغل المجتمع عن الانتاج وتشغل النظام القضائى عن دوره فى تحقيق العدل ،وتُنهكه فى قضايا لا أساس لها فى الواقع . والأهم أن هذه العاهات القانونية تعيق الاصلاح . ومفكر مسلم مسالم مثلى من الممكن أن يدخل السجن بسبب تلك القوانين الفاجرة .
( 4 )
تطبيق مبادىء الشريعة الاسلامية يستلزم إصلاح الأزهر (1 )
مقدمة :
1 ـ قبل الدخول فى موضوع (إصلاح الأزهر ) أنشر هذا الحوار الصحفى الذى أجرته معى صحيفة الأهالى فى عهد رئيس تحريرها الراحل ( فيليب جلاد ) ، وكان هذا بتاريخ 5 فبراير 1992 ، تحت عنوان (حوار مع عالم اسلامى صادره الازهر ). والملاحظ أن المُحاور لم يذكر إسمه خوفا من إرهاب الأزهر والجماعات المتطرفة ، وكانت فى ذروة نشاطها يومئذ ، وكانت تحظى وقتها بتأيد خفى من الأزهر .
2 ـ ننقل الحوار كما هو لنتحسّر على حال مصر بعد هذا الحوار ب21 عاما ، ولعل هذا الحوار يحفز همة بعض المتنفذين لاصلاح الأزهر ، وهذا الحوار هو المدخل لمقالات تالية عن إصلاح الأزهر .
أولا : قالت عنّى وقتها جريدة ( الاهالى ) فى بداية الحوار : ( يصف نفسه بأنه أزهرى حتى قبل مولده. فقد ارتبطت أسرته فى محافظة الشرقية بالتفوق فى مراحل التعليم الازهرى منذ الاربعينات وحتى الثمانينات.وخلال مراحل تعليمه الازهرى حافظ على ذلك التراث العائلى فى التفوق الازهرى حتى تخرج بمرتبة الشرف فى قسم التاريخ والحضارة سنة1977 ، وعمل معيدا بالقسم إلى أن تم فصله من الجامعة وهو على وشك الحصول على درجة استاذ مساعد ، بسبب أنه اجتهد فى عمله وأصدر الكثير من المؤلفات . وبسبب دأبه فى البحث العلمى عرف الاضطهاد من كل الاشكال ومن بينها مصادرة كتبه ومؤلفاته ودخوله السجن بتهمة فكرية ملفقة . انه الدكتور احمد صبحى منصور الذى يصفه بعض المثقفين والكتاب بانه جوهرة الازهر..)
ثانيا : ثم دار الحوار الذى نشرته الجريدة بلا أدنى حذف أو تحوير :
سألته : ماهى الكتب التى صودرت لك بمعرفة المسئولين فى الأزهر ؟:
قال :هناك نوعان من المصادرة مصادرة الفكر وهى الأخطر والأشد قسوة ثم مصادرة الكتب وهى التى تحظى بالاهتمام اليوم ، وربما أكون المفكر الوحيد الذى تعرض لمصادرة فكره ومصادرة مؤلفاته معا .
سألته : كيف صودر فكرك ؟
قال :هنا لابد من توضيح أن الفكر الذى أعتنقه والذى يصادره خصوم من المشايخ يعبر فى الحقيقة عن الروح الحقيقية للأزهر وعن دور الازهر الذى ينبغى القيام به طبقا لقانون الازهر نفسه وهو " تجلية حقائق الاسلام " . وهذا هو نص القانون نفسه، اذن فهناك حقائق اسلاميةغائبة يتعين على الأزهر تجليتها وتوضيحها، وربما كان ذلك فى الماضى ضرورة ثقافية دينية ، ولكنه أصبح اليوم ضرورة سياسية أيضا بعد انتشارالتطرف الدينى وجماعاته . ولوقام المسئولون فى الأزهر بدورهم الذى يمليه عليهم القانون والذى يفرضه عليهم الوطن والاسلام لما ظهرت تلك الجماعات . فهذه الجماعات تعتمد على تراث كان ينبغى للمسئولين فى الأزهر تنقيته وتبرئة الرسول عليه السلام مما يخالف القرآن الكريم منه، ولكنهم بدلا من ذلك اضطهدونى حين تصديت لهذا الدور وأديت واجبى القانونى والوظيفى داخل الجامعة وقمت بتوضيح حقائق الاسلام،ولم يكتفوا بفصلى من الجامعة بل أدخلونى السجن بتهمة ملفقة وهى انكار السنة، مع أن ماأقوم به هو الدفاع عن السنة الحقيقية للرسول عليه السلام وتبرئته من الأقاويل التى تخالف القرآن.. واضطهادهم هذا هو اضطهاد لفكر يعتمد على أدلة قرآنية وتراثية وتاريخية ويهدف لقول الحق بالحكمة والموعظة الحسنة . وباختصار هو اضطهاد للفكر الأصيل الذى يعبر عن روح الأزهر الحقيقية التى أشعلهاالامام محمد عبده ، ثم أطفأها الجمود العقلى الذى تعززه الآن جماعات التطرف الدينى.
سألته: هل يعنى ذلك أن خصومك يغازلون التيار الدينى على أساس أنه السلطة القادمة فى الحكم ؟
قال ربما يكون بعضهم كذلك ، ولكنى أقول بوجه عام أنهم أصحاب مناصب وسلطات
وليسوا أصحاب كفاءات علمية أواجتهاد ، وليس لديهم وقت للقراءة أو البحث ، ولذلك يعتبرون المجتهد صاحب الرأى الجديد خطرا على مناصبهم ومكانتهم، وليس مهما ان كان ذلك فى صالح الاسلام أو الازهر نفسه أو الوطن، انما المهم انه خطر عليهم يفضح تقاعسهم العلمى وكسلهم الفكرى . ومن هنا يدافعون عن أنفسهم بمصادرة فكره ومؤلفاته وهذا ماحدث بالضبط معى .
سألته: نريد أمثلة لمصادرة فكرك وأمثلة أخرى للكتب التى صودرت لك .
قال حين تقدمت برسالتى للدكتوراه للمناقشة سنة 1977 وكانت عن أثر التصوف فى مصر المملوكية ظلوا يضغطون على طيلة ثلاث سنوات حتى اختصرتها إلى الثلث فقط ، وبعدها أعطونى الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى. والمهم أنهم صادروا ثلثى الرسالة .وبدأت بذلك معى أولى حلقات مصادرة الفكر ، فالمحذوف من هذه الرسالة أعدت كتابته فى عشرة مؤلفات ولكنها لاتزال مخطوطة عندى يتهددها سلاح المصادرة اذا رأت النور : وهذا ماأقصده بمصادرة الفكر . وفى أخر عام لى فى الجامعة أقوم فيه بالتدريس وهو سنة 1985أصدرت خمسة كتب أولها ( الأنبياء فى القرآن الكريم) وقد صودرت تلك الكتب وتمت احالتى للتحقيق الذى استمر سنتين إلى أن تم فصلى من الجامعة، وكنت قد أعددت تلك الكتب للنشر على الجمهور ولكن اضطررت لاحالتها للتقاعد، فهذه هى المرحلة الثانية من اضطهادهم وهى مصادرة الفكر قبل النشر. ثم أعدت سلسلة الدراسات القرآنية وبدأتها بنشر أول كتاب منها وهو( المسلم العاصى : هل يخرج من النار ليدخل الجنة ) وقد طبعته الاهرام ووزعته الاخبار ، ولكنهم أدخلونى السجن بسببه وصودر، وبالطبع فان باقى السلسلة لاتزال مخطوطة محكوم عليها بأن تظل جثثا فكرية لاترى النور لأن فكرها محكوم عليه بالمصادرة ..وحتى حين أصدرت الأخبار لى كتاب" مصر فى القرآن الكريم" فى رمضان قبل الماضى تدخل بعض المشايخ لجمعه من السوق وأشارت إلى ذلك " الاهالى" فى باب " أسرار الاسبوع " . وتحدثت أيضا جريدة الهلال تحتج على ماحدث . وهذا يعنى أن فكرى محكوم عليه بالمصادرة إذا رأى النور، بل ان خصوم فى الأزهر قدموا ضدى شكوى إلى نيابة أمن الدولة العليا لأن الأخبار نشرت لى مقالين أحذر فيهما من شركات توظيف الأموال وأفتى فيهما بأن فوائد البنوك حلال . والمقصود ارهابى بالطبع حتى لا أنشر فكرى بأى طريق.
وليس مهما ان كان ذلك فى المصلحة أم لا .. المهم مصالحهم هم ووظائفهم هم .. والنتيجة أن لدى عشرات الكتب لن ترى النور مع أهميتها فى مواجهة التطرف الدينى ..
سألته : وكيف ترى الحل؟
قال بأن يقتصر دور الأزهر على توضيح حقائق الاسلام والرد علي الخصوم فى الفكر بالفكر ، وأن تكف الدولة يد مجمع البحوث وأى سلطة أخرى عن التدخل فى الفكر بالمنع والمصادرة والارهاب . وهذه هى الروح الحقيقية للاسلام وللأزهر . وبالطبع يستلزم ذلك اعادة النظر فى كثير من القوانين التى تكبل حرية الفكر . وعندى أننا سنظل متخلفين طالما توجدهناك جريمة إسمها جريمة الرأى .. وعن طريق حرية الرأى نستطيع حل مشكلة التطرف الدينى وغيرها. وأعتقد أن تغيير بعض القوانين سيئة السمعة يعتبر تضحية بسيطة فى سبيل حماية الحاضر والمستقبل .. وإلا فان التتار قادمون .. !!
لقد تأثرت كثيرا بكلمة الفنان عادل امام التى نشرتها " الاهالى " ضد المصادرة ، وأرى أنه يفهم الاسلام أكثر من أعضاء محاكم التفتيش .. ! )
ختاما :
1 ـ انتهى الحوار الذى دار من 21 عاما ..ولكن المشكلة تفاقمت ، فقد شبّت أجيال على الفكر المتطرف المتخلف الذى يرعاه الأزهر فى مناهجه ..
2 ـ وصل الأمر الآن عند نشر هذا المقال ( صباح الخميس أول أغسطس 2013 ) أن السلطة المصرية على وشك إن تقتحم إعتصامات الآخوان والسلفيين المُطالبين بعودة رئيسهم المعزول محمد مرسى ) ، وقد حشدوا في إعتصامهم فى ميدان النهضة وميدان رابعة العدوية المئات من الأطفال والنساء ليتخذوا منهم دروعا بشرية ، فى خسّة متناهية يندى لها جبين الانسانية .
3 ـ الذى لا يعرفه الكثيرون أنّ هذه الخسّة هى تشريع سُنّى فقهى يحميه الأزهر .. إسمه ( التتّرُس )، وهو يبيح إتّخاذ بعض المسلمين ( ترسا ) أو ( درعا ) والتضحية بهم فى مقابل هزيمة العدو . هذا ( التترس ) هو الخطة الحربية التى تنفذها ( حماس ) حين تُطلق صواريخها من داخل البيوت والمستشفيات والمدارس ، ثم يختفى ( الأبطال المغاوير ) فى عُمق التكاثف السكانى فى مدينة غزة لتُجبر اسرائيل على الاختيار بين السكوت أو قتل المدنيين من أهل غزّة . هذا التترُّس هو أساس التفجيرات الانتحارية العشوائية التى يقوم بها الوهابيون فى اسرائيل والعراق وسوريا ومصر وباكستان وأفغانستان والجزائر ..الخ .. ومُنتظر أن يكون بين الضحايا مسلمون سنيون ..ولكن لا بأس فى هذا بتشريع التترّس السُّنى الفقهى الذى يسكت عنه الأزهر لأنه ضمن مناهجه التى يقوم بتعليمها . والآن يعتبر الاخوان والسلفيون أن المصريين أعداء وكفرة لأنهم خرجوا ضدهم فى مظاهرات غطّت العمران المصرى ، لذا يقومون بتطبيق شريعة التترس بالأطفال والنساء ، وهذه هى شريعتهم ، وهذا هو تطبيقها العملى بأجساد المخدوعين من أطفالنا وبناتنا ونسائنا , بينما قادة الاخوان والسلفيين وقادة حماس بين الحراسات المشددة ، والأطفال والنساء فى المقدمة ..
4 ـ هل يعلم شيوخ ألأزهر بتشريع التّترُس ؟ أم يجهلونه ؟ إذا كانوا يجهلون فالمصيبة عُظمى ، وأن كانوا يعلمون ويسكتون فالمصيبة أعظم .
5 ـ وفى كل الأحوال فلا بد من إصلاح الأزهر فى مناهجه وفى قانونه ومؤسساته ، وإلّا ستظل مصر تحمله عبئا على كاهلها يجرّها للخلف ثم الى السقوط فى الهاوية .
6 ـ الى متى نظل نؤذّن فى مالطة .؟!..
وهل سيأتى بعض أهل القرآن بعد 21 عاما أخرى وينشر هذا المقال متحسّرا وهو يقف على ما بقى من ( أطلال مصر ؟ ) ..
اللهم بلّغت ، اللهم فاشهد .!!
( 5 )
تطبيق مبادىء الشريعة الاسلامية يستلزم إصلاح الأزهر:( 2 ) لمحة تاريخية عن اصلاح الأزهر
مقدمة :
1 ـ إصلاح الأزهر من أهم الأهداف التى أعطيتها عمرى ، وناضلت من أجلها داخل جامعة الأزهر وبعد تركى الأزهر ، ولا زلت حتى الآن . وتعرضت لمحن هائلة حين كنت فى الأزهر بسبب هذا حتى أعلنتها مرتين أمام خصومى فى الأزهر : ( هذا الأزهر إما أن أغيره ، وإما أن أدمّره ). وهى عبارة قاسية ولكنها تعبّر من وجهة نظرى عن خطورة وضع الأزهر بلا إصلاح ، فالأزهر بلا إصلاح يدمّر مصر، لذا فتدميره أهون من تدمير مصر ، وإلا فإصلاحه هو السبيل الوحيد لكى يبقى وينفع . إن إصلاح الأزهر يساعد فى إصلاح مصر ، وإصلاح مصر يساعد فى إصلاح العرب والشرق الأوسط ، وإصلاح العرب والشرق الأوسط يساعد فى إصلاح مسلمى العالم ، أى حوالى بليون ونصف البليون من البشر . لماذا ؟ لأن مصر رائدة بنفسها ، وأزهرها رائد بها . وبها وبالأزهر يرتفع العرب والمسلمون أو الى القاع يهبطون . ومنذ إن سيطرت الوهابية على مصر والأزهر والجميع فى القاع هابطون !.
2 ـ والجهاد الذى قمت به ولا أزال فى إصلاح الأزهر هو حلقة من تراث إصلاحى ، سبقته الحركة الاصلاحية للإمام محمد عبده . والفارق إن الامام محمد عبده التفت الى إصلاح الأزهر وهو فى قمة نفوذه وشهرته وإمامته فى أواخر عمره ، وفى عصر سيطرت عليه الليبرالية وليس الوهابية، ومع ذلك فقد عانى الكثير،ومات وهو يلعن شيوخ الأزهر . أما أنا فقد بدأت السير على طريق الامام محمد عبده حين كنت مجرد مدرس مساعد ، شابا باحثا للدكتوراة يتحكّم فيه الشيوخ ، ولم يرهبنى تحكم القطب الصوفى عبد الحليم محمود شيخ الأزهر ، ثم لم يرهبنى فيما بعد تحكم الوهابية فى الثمانينيات ، لذا أعلنتها صريحة لهم مرتين : " هذا الأزهر إما أم أغيره ، وإما أن أدمره " .! ونعطى لمحة عن تاريخ الأزهر .
أولا : لمحة عن تاريخ الأزهر
يقول المقريزى فى ( الخطط ) عن الأزهر :( هذا الجامع أول مسجد أسس بالقاهرة والذي أنشأه القائد جوهر الكاتبالصقلي مولى الإمام أبي تميم معد الخليفة أمير المؤمنين المعز لدين الله لما اختطّالقاهرة ، وشرع في بناء هذا الجامع في يوم السبت لست بقين من جمادى الأولى سنة تسعوخمسين وثلاثمائة ، وكمل بناؤه لتسع خلون من شهر رمضان سنة إحدى وستين وثلاثمائة ). أى أنشأ الفاطميون مدينة القاهرة عاصمة لهم ، وأسّسوا الأزهر عام 972 م لنشر مذهبهم الشيعى . وبعد أن اسقط صلاح الدين الأيوبى الدولة والخلافة الفاطمية عطّل الدرسة فى الأزهر، وإستبدل به خانقاة سعيد السعداء لحرب التشيع بالتصوف السنى . ثم علا شان التصوف فى العصر المملوكى التالى للعصر الأيوبى فى مصر والشام فعادت الحياة الى الأزهر ، ولكن لم تكن له الصدارة فى العصر المملوكى فظلّ الأزهر خاملا مهمّشا ، ومعظم طلبته من الصوفية المنقطعين للعبادة بزعمهم ، بينما كانوا يمارسون الشذوذ الجنسى ، والرقص الصوفى ،وبعض العلوم الشرعية . ساعد على ذلك قلة الأوقاف المرصدة له، إذ توجّهت معظم الأوقاف للإنفاق على مؤسسات أخرى تابعة للمماليك من أمراء وسلاطين وكبار المباشرين. وكان هذا هو المعروف بالوقف الأهلى الذى يتحكّم فيه أصحابه ويستغلونه لمصلحتهم وتأمين ممتلكاتهم من المصادرة ، بجعل جزء منها للإنفاق على المؤسسات الدينية، والباقى لهم ولورثتهم من بعدهم. هذا ( الوقف الأهلى ) الذى ساد فى العصر المملوكى هو السبب فى كثرة وإزدهار المؤسسات الدينية المملوكية . أما الوقف الخيرى الذى يتبرع به المحسنون فقد كان ضئيلا ، ولكن تتعيش عليه مؤسسات مهملة مهمّشة كان منها (جامع الأزهر). وفى العصر العثمانى نضبت معظم الأوقاف المملوكية الأهلية التى كانت تابعة للسلاطين والأمراء المماليك القدامى فتوقفت معظم المؤسسات الدينية والتعليمية التى أنشاها المماليك فى عصرهم المملوكى ( 1250 ـ 1517 م )، ولم يبق الا بعض الأوقاف الخيرية المرصودة من الأفراد العاديين للأزهر فاستمر شمعة هزيلة فى ظلام العصر العثمانى متماشيا مع الجهل السائد وقتها . ثم علا صيته بسبب دوره فى قيادة المصريين فى مقاومة الحملة الفرنسية وما تلاها من تنصيب محمد على باشا واليا على مصر.
ثانيا : بداية الاصلاح فى الأزهر
1 ـ قام الوالى محمد على بتحديث مصر ليجعل منها مركز امبراطورية له ، فقضى على معالم القديم السلفى ، من الحامية العثمانية ، وأحلّ محلها جيشا حديثا باسطول ومصانع حربية وطبقة من المتعلمين الدارسين فى فرنسا ، وقضى على المماليك ، ودمّر الدولة السعودية الأولى ، وقضى على الزعامات الشعبية من الشيوخ الأزهريين ، وعجزا منه عن إصلاح الأزهر أنشأ المدارس ليخلق طبقة من الأفندية يديرون دولاب الدولة بديلا عن الشيوخ التراثيين كما كان الحال من قبل فى الدولتين المملوكية والعثمانية، وسيطر على الثروة المصرية الزراعية بالاحتكار .
2 ــ ومع أن عملية التحديث التى قادها محمد على أدّت الى تهميش الأزهر وإنشاء تعليم مدنى بعيدا عنه ، إلّا أن حركة التحديث ما لبث أن وصلت أصداؤها للأزهر متأخرة بعض الشىء .
ثالثا : دور الامام محمد عبده ( 1849- 1905)
فى مقال منشور له فى جريدة المصرى اليوم عام 2005 ، تحت عنوان :( الامام محمد عبده والاصلاح المؤجل للأزهر) يقول د. سعد الدين ابراهيم : ( هذا العام تمر مائة سنة ميلادية على وفاة الامام محمد عبده( 1849- 1905) أعظم مصلح اسلامى فى العصر الحديث. يمكن تقسيم حياة محمد عبده الى قسمين، فى الصدر الأول من حياته كان مناضلا سياسيا ضد الاستبداد السياسى والاحتلال الاجنبى ، ثم اختار فى الشطر الثاني من حياته ان يتفرغ لاصلاح الأزهر لاعتقاده أنه الطريق الحقيقى لاصلاح المسلمين. ألقى الامام محمد عبده بكل ثقله فى معركة اصلاح الأزهر فأقنع الخديوى عباس حلمى الثانى باصدار قانون انشاء مجلس ادارة الأزهر سنة1312 هجرية(1995 ميلادية) ودخل عضوا فيه ووضع قانونا لمرتبات علماء الازهر ونظاما للتدريس والامتحان ، يمنع فيه قراءة المتون والحواشى القديمة. وأصلح نظام الأورقة الأزهرية والأوضاع الصحية لطلبة الأزهر. وقد ثارالشيوخ ضد الامام محمد عبده وانضم اليهم الخديوى نفسه لأغراض سياسية فقدم الامام استقالته ومات فى نفس العام . العقبة الأساسية فى رفض الشيوخ كانت الاصلاح الفكرى الذى ينشده الامام والذى نشر ملامحه فى تفسيره وفى كتبه والتى كانت – ولا تزال – مرفوضة من الأزهريين. الأمام محمد عبده لم يأخذ بأحاديث الآحاد فى العقائد , ورفض القول بشفاعة النبى محمد وأكد على الحقيقة القرآنية التى فصلها القرآن فى أن النبى محمد لا يعلم الغيب وليس له أن يتكلم فى الغيبيات، وما يعنيه هذا من رفض كل الأحاديث المنسوبة للنبى فى غيب المستقبل فى الدنيا والآخرة، وبالتالى كانت رؤيته الناقدة للتراث واصلاح المناهج الأزهرية مرفوضة من الأزهريين.
ينقل رشيد رضا فى تاريخ الامام هذا النقاش بين الامام وأحد خصومه من الشيوخ المقلدين وهو الشيخ محمد البحيرى وكان اكثرهم ذكاءا. قال البحيرى للامام عن مناهج الازهر:" أننا نعلمهم كما تعلمنا" فقال الامام " وهذا الذى أخاف منه" فقال البحيرى: " ألم تتعلم انت فى الأزهر وقد بلغت فيه ما بلغت من مراقى العلم وصرت فيه العلم الفرد ؟" فرد الامام محمد عبده :"ان كان لى حظ من العلم الصحيح الذى تذكر فاننى لم أحصله الا بعد عشر سنين أكنس من دماغى ما علق فيه من وساخة الأزهر، وهو الى الآن لم يبلغ ما أريده له من النظافة." (تاريخ الامام (1/ 493-494). ويقول محمد عبده – طبقا لما جاء فى سيرته التى كتبها تلميذه الامام رشيد رضا- :" ان اصلاح الأزهر اعظم خدمة للاسلام فان اصلاحه اصلاح لجميع المسلمين وفساده فساد لهم.. وان أمامه عقبات وصعوبات من غفلة المشايخ ورسوخ العادات والتقاليد بينهم . ". (""تاريخ الامام محمد عبده 1/425". )
وعند احتضاره قال محمد عبده متحسرا على عناد الشيوخ:
ولست أبالى أن يقال محمد أبلّ أم اكتظت عليه المآتم
ولكن دينا قد أردت صلاحه أُحاذر أن تقضى عليه العمائم (تاريخ الامام 1/2/1026)
ثالثا : مدرسة الامام محمد عبده
لم تخمد جذوة الاصلاح التى أشعلها محمد عبده بل استمرت بعده على يد تلامذته ، وأشهرهم اثنان من شيوخ الأزهر المشهورين تنافسا فى الرياسة والسياسة ولكن اتفقا على ضرورة الاصلاح ، وهما الشيخان الظواهرى والمراغى.
فى مشيخته الأولى( 1928 – 1929 ) عزم الشيخ مصطفى المراغى على تنفيذ مذكرته الاصلاحية التى تطبق رؤية شيخه محمد عبده فى احلال الاجتهاد محل التقليد وتغيير مناهج الأزهر لتواكب العصروادخال العلوم الحديثة فى مناهجه. رفض الملك والأزهريون برنامجه الاصلاحى فقدم استقالته بعد عام ليتولى المشيخة بعده خصمه الشيخ الأحمدى الظواهرى (1929 – 1935). ومع اقتناعه بأهمية تطوير المناهج الأزهرية الا انه فضل الاصلاح الشكلى بانشاء كليات اللغة العربية والشريعة وأصول الدين ، ولم يلبث أن ثار الأزهريون عليه وأرغمته الظروف السياسية على الاستقالة ليعود الى مشيخة الأزهر خصمه العتيد الشيخ مصطفى المراغى فى ولايته الثانية التى استمرت عشرة اعوام ( 1935- 1945) وفيها نبذ المراغى مشروعه فى اصلاح المناهج واستعاض عنه باصلاحات هامشية مثل انشاء لجنة الفتوى بالازهر وتوظيف الازهريين مدرسين فى التعليم الحكومى واعطاء الطلبة الازهرين معوناتهم نقدا بدل اعطائهم خبزا كما كان معتادا قبلها. وتولى الشيخ مصطفى عبد الرازق فاهتم بارسال البعوث من الازهر للحصول على الدكتوراه، واسهم اولئك المبعوثون فى نهضة نوعية للازهر الا انها لم تقترب من " قدس الأقداس" وهى المناهج الأزهرية العتيقة .
رابعا : تطوير الأزهر فى عصر عبد الناصر
جاء عبد الناصر بتطوير هائل فى الأزهر بالقانون رقم 103 لسنة 1961 .والذى أدخل ليس فقط اللغات الاجنبية والعلوم الطبيعية ولكن أنشا كليات لها فى جامعة الأزهر من الطب والهندسة والزراعة والعلوم ..الخ. ودعا دعوة صريحة وكررها فى أن وظيفة الأزهر هى فى الاجتهاد لتجلية حقائق الاسلام والدراسة النقدية للتراث ، مما يعنى أن هناك حقائق اسلامية غائبة يجب على مناهج الأزهر ايضاحها , وان هناك اكاذيب ارتدث ثوب الحقائق وعلى الأزهر فى مناهجه كشفها ، وهى دعوة صريحة للاجتهاد وتغيير مناهج الأزهر القديمة ومؤلفاته التى ينتمى معظمها للعصر العثمانى.
خامسا : الأزهر فى عصر السادات
ويقول د. سعد الدين ابراهيم فى نفس المقال عن الأزهر فى عصر السادات، أنه شهد انتعاش الفكر السلفى ، وفيه حظى الأزهر باتساع افقى غير مسبوق ، امتدت المعاهد الأزهرية الأبتدائية والأعدادية والثانوية فى معظم القرى المصرية لتصبح تعليما موازيا للتعليم العام ، وأنشئت جامعة جديدة أزهرية فى أسيوط وعشرات الكليات الأخرى فى معظم المحافظات والأرياف ، تحول بعضها الى جامعات اقليمية أزهرية بالاضافة الى جامعة البنات فى القاهرة وكليات أخرى للبنات فى الأقاليم. كل هذا التوسع الأقليمى كان للكليات التقليدية فقط، وهى التى تدرس التراث على حاله دون نقد أو تجديد. واسهم هذا التوسع الأفقى دون اصلاح منهجى الى علو شأن مايعرف بالاسلام السياسى وسيطرته على الحياة الدينية والعقلية والثقافية مما عقد الأزمة السياسية ووضع عراقيل فى طريق الاصلاح السياسى والاصلاح الدينى الذى أضحى مطلبا حقيقيا.
ويستمر د .سعد الدين ابراهيم فيقول : ودفع ثمن هذا الاصلاح المفكر الاسلامى الأزهرى المعاصر الدكتور أحمد صبحى منصور. بعد مائة عام تقريبا من الحركة الاصلاحية للامام محمد عبده ظهر أحمد صبحى منصور فى بدايته مدرسا مساعدا فى قسم التاريخ والحضارة بكلية اللغة العربية داعيا الى فكر الامام محمد عبده فى اصلاح المناهج الأزهرية متشجعا بقانون الأزهرنفسه، فقدم رسالته للدكتوراة عن التصوف المملوكى مقتفيا أثر محمد عبده فى الرؤية النقدية للتراث الصوفى فعطل الشيوخ فى الازهرحصوله على الدكتوراة ثلاث سنوات ليرغموه على حذف ثلثى رسالته. بعد حصوله على الدكتوراه سنة 1980 قدم خمسة مؤلفات متبعا فكر محمد عبده فى نقد الفكر السلفى السنى ليحصل على درجة استاذ مساعد سنة 1985 فقدموه للمحاكمة وفصلوه من الجامعة بعد عامين وأدخلوه السجن متهما بانكار السنة. عمل الشيخ أحمد صبحى منصور بعدها داعية مستقلا للاصلاح الدينى واصلاح الأزهر، واستمعت اليه فى ندوة فى الجمعية المصرية للتنوير يتحدث عن "الأزهروالتنوير"، ومن وقتها تصاحبنا على طريق الاصلاح. فعمل معى فى مركز ابن خلدون مديرا لندوته الاسبوعية " رواق ابن خلدون" الذى ناقش منذ افتتاحه فى الثانى من يناير 1996 كل سبل الاصلاح. وتفتق عنه مشروع ابن خلدون لاصلاح التعليم العام فى مصر ليؤكد التسامح الاسلامى. وشارك فيه الدكتور منصور مع نخبة من الأساتذة العاملين فى المركز. وهو المشروع الذى حاربته قيادات الأزهر والتيار السلفى .وهو نفس المشروع الذى أصبح ضرورة ملحة بعد احداث الحادى عشر من سبتمبر. ". ويختم د. سعد الدين مقال بقوله : ( من المؤسف ان تظل دعوة الامام محمد عبده لاصلاح الأزهرممنوعة من التنفيذ حتى بعد موته بمائة عام . فهل ننتظر مائة سنة أخرى حتى يرضى بعض الشيوخ عن الاصلاح ؟ وهل نموت حسرة كما مات الامام محمد عبده ؟ )
هذا ما كتبه د. سعد الدين ابراهيم عام 2005 .
وموعدنا مع تفصيلات أخرى فى المقال التالى ..
( 6 )
تطبيق مبادىء الشريعة الاسلامية يستلزم إصلاح الأزهر:( 3 ) اصلاح الأزهر لم يتعرض للمناهج
أولا : تجربة شخصية
1 ـ دخلت التعليم الأزهرى عام 1960 ، وربما كنت أصغر طالب وقتها . كان التعليم الأزهرى يبدأ بالمرحلة الابتدائية ( 4 سنوات ) ثم المرحلة الثانوية ( 5 سنوات ) ثم جامعة الأزهر ، وتتكون من أربع كليات هى : اللغة العربية والشريعة والادارة والمعاملات وأصول الدين . تم تطبيق قانون 103 فى تطوير الأزهر ، وأنا فى السنة الثانية ( ابتدائى أزهرى ) ، فأصبح ( إعدادى الأزهر ) بدلا من ابتدائى الأزهر ، وأضيفت للمناهج الأزهرية التراثية المواد التى يتم تدريسها فى التعليم العام ( لغة انجليزية أو فرنسية ) ، تاريخ ، جغرافيا ، علوم ..الخ ، فى مرحلتى الاعدادية والثانوية ، وتقسيم المرحلة الثانوية الى أدبى وعلمى بنفس السائد فى التعليم العام . وتأهل طلبة الأزهر للدخول الى الكليات العملية التى تم إفتتاحها من الطب والهندسة والعلوم والزراعة والصيدلة ..الخ . وقضيت 9 سنوات فى المرحلتين الاعدادية والثانوية الأزهرية،و فى عام 1969 تقرر خفض الثانوى الأزهرى الى أربع سنوات بدلا من خمس ، وتم تطبيق هذا على الدفعة الآتية بعدنا . كنت فى آخر دفعة قضت 9 سنوات فى الاعدادى والثانوى الأزهرى ، وهى الدُّفعة التى جمعت بين الدراسة الأزهرية التراثية التى كانت مُتّبعة فى العقود السابقة بالاضافة الى مواد التعليم العام .
2 ـ كانت المواد الأزهرية التى درسناها تنقسم الى فرعين فى الأساس : مواد خاصة باللغة العربية ، مثل النحو والصرف والبلاغة والعروض ، ومواد شرعية كالفقه والتفسير والحديث والتجويد والتوحيد ( اى العقيدة ) والسيرة النبوية . كانت مواد اللغة العربية قوية بينما إمتلأت المواد الشرعية بالجهل والخرافة ، إذ كانت من مؤلفات العصر العثمانى . كنت أذاكرها لمجرد التفوق فيها دون إقتناع بها . كان والدى يرحمه الله جل وعلا قد ترك لى مكتبة عامرة فأكببت عليها أقرأ فى الأدب والقصص والتاريخ ، وأجد فرقا شاسعا بين ما أقرأ وبين المقرر علينا فى الأزهر، ثم كانت مناهج التعليم العام محبّبة لنفسى ،وتتناقض مع جهل المؤلفات التراثية المقررة علينا، خصوصا فى التفسير والحديث وكتاب ( الجوهرة فى التوحيد ) الذى يقول مؤلفه الذى عاش فى العصر العثمانى إن ابليس نكح نفسه وأنجب ذريته ، وإن الله ( جل وعلا ) قد أوكل بقبور الأولياء ملائكة لتقضى حاجة من يتوسل بهم ، أما فى مقررات التفسير والحديث فقد تعلمنا منها أن الشمس تدور حول الأرض ،وأن عدد الكواكب ستة بالتمام والكمال ، وأن الأرض يحملها حوت إسمه ( بهموت فمشكل ) .وفى كتاب ( الإقناع فى حلّ ألفاظ أبى شجاع ) فى الفقه السنى تعرفنا فى مرحلة المراهقة على أحطّ ما يمكن قوله ممّا أسميه بفقه النصف الأسفل فى الجنس والاستنجاء بالحجر والغسل ، إذ ركز الفقه السلفى فى ازدهاره الفكرى على منهج الاستقراء بافتراض أحكام فقهية يتصور أو يتخيل حدوثها وفق المنهج الصورى السريانى، ثم إعطائها حكما فقهيا . ثم انحدر الفقه السلفى فى العصر العثمانى الى الدخول على التصورات السخيفة المستحيلة الحدوث والتى امتلأت بها كتب الفقه فى العصر العثمانى، ودرسناها فى الأزهر : مثل " ما حكم من حمل على ظهره قربة فُساء ، هل ينقض وضوؤه أم لا؟... من جاع فى الصحراء ولم يجد الا جسد نبى من الأنبياء ، هل يجوز له الأكل منه؟ ...وما حكم من زنى بأمه فى نهار رمضان فى جوف الكعبة ؟ وماذا عليه من الأثم ؟؟ من سقط من فوق سطح على إمرأة فزنى بها يحسبها زوجته ، وما حكم من كان لقضيبه فرعان وزنى بامراة فى قبلها ودبرها فهل يقع عليه حدّ واحد أم حدّان؟؟. كل ذلك لا زلت اتذكره من الفقه التراثى الذى كان مقررا علينا فى الأزهر، وكان يخدش حياءنا حينئذ، ثم ظل مقررا على الجيل الذى أتى بعدنا بعد توسع الأزهر فى كل القرى المصرية دون اصلاح لمناهجه وفكره. ودخل فى الأزهر افواج من البنين والبنات فى تعليمه الآعدادى منهن فتيات قاصرات فى براءة الطفولة وحياء العذارى ونقاء الفطرة كان عليهن دراسة هذا الفقه القذر المتخلف. ولم يتم حذف سطوره الا بعد مقالات لى كوفئت عليها بالتكفير فى اوائل التسعينيات. فقد أطلعت د. رفعت السعيد والراحل فرج فودة على بعض الكتب المقررة فى التعليم الأزهرى . وتشجع الراحل فرج فودة فكتب مقالا فى إصلاح مناهج التعليم فى الأزهر نشرته الأحرار ، وسرعان ما اتصل شيخ الأزهر وقتها ( جاد الحق ) بحسنى مبارك ، فجاء تحذير شديد اللهجة لفرج فودة ، فكتب يرحمه الله بعدها يشير الى منعه من الكتابة فى هذا الموضوع .!. كتبت بعدها فى مقالات متفرقة أعرض فيها للمخازى المكتوبة فى مناهج الأزهر وتناقضها مع القرآن الكريم ، ونشرت هذا فى ( الأخبار ) و( الأهرام )و ( الجمهورية )و ( الأحرار ) ومجلات ( روز اليوسف ) و( حواء ) و( القاهرة ) و( سطور ) و ( الهلال ) وغيرها، فاضطر شيخ الأزهر وقتها "سيد طنطاوى" الى حذف الكثير ممّا أشرت اليه ، مع بقاء نفس المناهج . وهوجم الشيخ طنطاوى من أعضاء الإخوان فى مجلس الشعب عليه مما جعله يُقسم فى مجلس الشعب بأن ما يفعله هو لصالح الاسلام .
ثانيا : عمليات الاصلاح قبل عبد الناصر لم تقترب من مناهج الأزهر
1 ـ عملية التحديث التى قادها محمد على باشا أدّت الى تهميش الأزهر وإنشاء تعليم مدنى بعيدا عنه، ولكن تدعّم دور الأزهر لأسباب : لأنه كان معقل التصوف السّنى الذى يعتنقه المسلمون المصريون ، ولأنه إنفراد بالمجال الدينى فى الدعزة والارشاد وتوجّه الأوقاف الأهلية نحوه بمواردها. وصلت إصلاحات الخديوى إسماعيل للأزهر ، فأصدر أول قانون للأزهرعام 1872 الذى نظّم حصول الشيوخعلى شهادة العالميةأو ما يعادل درجة الدكتوراه، وحدد المواد التي يمتحن فيها الطالب بإحدى عشرة مادة دراسية تراثية، شملت المناهج التراثية . ومع إنشاء معاهد تتبع الأزهر أصدر الخديوى عباس حلمى الثانى قانون تطوير الأزهر عام 1896الذى حدد سن قبول التلاميذ بخمسة عشر عاما مع ضرورة معرفة القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم وحدد المقررات التي تُدرس بالأزهر مع إضافة طائفة جديدة من المواد ، وأنشأ هذا القانون شهادة تسمى "الأهلية" يتقدم إليها من قضى بالأزهر ثماني سنوات ويحق لحاملها شغل وظائف الإمامة والخطابة بالمساجد، وشهادة أخرى تسمى "العالمية"، ويتقدم إليها من قضى بالأزهر اثني عشر عاماً على الأقل، ويكون من حق الحاصلين عليها التدريس بالأزهر. ثم صدر المرسوم الملكي رقم 26 لسنة 1936مبشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها للقيام على حفظ الشريعة الإسلامية وأصولها وفروعها واللغة العربية وعلى نشرها, وتخريج علماء يوكل إليهم تعليم علوم الدين واللغة بالمعاهد والمدارس. وحدد المرسوم اختصاص هيئة كبار العلماء وقصر كليات الأزهر على ثلاث هي: كلية الشريعة وكلية أصول الدين وكلية اللغة العربية. كما حدد دور المعاهد الأزهرية في تزويد الطلاب بثقافة عامة في الدين واللغة، وإعدادهم لدخول كليات الأزهر دون غيرها.
2 ـ ويلاحظ هنا التأكيد على تخصص الأزهر فى نفس المناهج التراثية التى أفرزها العصر العثمانى ، عصر الظلمات . وطبقا لهذه المناهج السلفية أصبح الأزهر بكليته ومعاهده فى القاهرة والأقاليم عُمقا إحتياطيا لحركة الإخوان المسلمين الذين أحبطوا حركة الاصلاح التى أسسها محمد عبده ، لأن رشيد رضا تلميذ محمد عبده أصبح عميلا لعبد العزيز آل سعود ينشىء له الجمعيات السلفية الوهابية بقيادات مصرية، وكان آخرها(الاخوان المسلمون ) عام 1928. وقد نجح الاخوان فى التسلل الى الجيش وأسهموا فى حركة الجيش التى تزعمها عبد الناصر.
ثالثا : عبد الناصر لم يُفلح فى إصلاح مناهج الأزهر
1 ـ بعد إنفراد عبد الناصر بالحكم وإضطهاده للإخوان المسلمين حاول إصلاح الأزهر بضمّه للحكومة ، وبتأميمه للأوقاف الأهلية وضمّها للإصلاح الزراعى ، وإلغاء القضاء الشرعى وإلحاقه بالقضاء المدنى . وعموما فقد إتسمت سياسة عبد الناصر الداخلية باصلاحات لم تتم ، مثل بناء السد العالى دون معالجة آثاره الجانبية ، ومثل التعامل مع الاخوان بالقبضة الأمنية مع ترك ثقافتهم الدينية السّنية داخل الأزهر والمساجد ، ومثل إصلاح الأزهر الذى ركّز على المظهر الخارجى بإضافة المناهج الحديثة والكليات الحديثة مع الإبقاء على التخلف التراثى فى التعليم الاعدادى والثانوى وكليات الشريعة واصول الدين .
2 ـ أصدر عبد الناصر القانون رقم 103 لسنة 1961 بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التابعة له. فنص على أن الأزهر هو الهيئة العلمية الإسلامية الكبرى التي تقوم على حفظ التراث الإسلامي ودراسته وتجليته ونشره، وتحمل أمانة الرسالة الإسلامية إلى كل الشعوب، وتعمل على إظهار حقيقة الإسلام وأثره في تقدم البشر ورقي الحضارة، وكفالة الأمن والطمأنينة وراحة النفس لكل الناس ..الخ .وامتلأ القانون بالعبارات الانشائية من هذا النوع . وقد وضع القانون المشار إليه اختصاصات شيخالأزهر فنصت المادة (4) على الآتي: شيخ الأزهر الإمام الأكبر وصاحب الرأي في كل ما يتصل بالشؤون الدينية والمشتغلين بالقرآن وعلوم الإسلام، وله الرياسة والتوجيه في كل ما يتصل بالدراسات الإسلامية في الأزهر وهيئاته ".وهذه الصبغة الكهنوتية لشيخ الأزهر فى هذا القانون تتناقض مع المذكرة التوضيحية التي كتبها وزير الأزهر في ذلك الوقت سنة 1961 والتى تصف شيخ الأزهر بأنه (الأستاذ الأكبر)وليس الإمام الأكبر, فتقول المذكرة عن المجلس الأعلى للأزهر إنه الهيئة التي (يرأسها الأستاذ الأكبر شيخ الأزهر). ومن أخطر ما جاء في القانون 103لسنة 1961 هو التناقض بين بعض عباراته المستنيرة وبعض عباراته الكهنوتية وما يسببه هذا التناقض من قمع فكري ،فالعبارات المستنيرة توجب الاجتهاد وتجعله فريضة ، فجاء في المادة 2 عن دور الأزهر فى حفظ التراث الإسلامي "ودراسته وتجليته ونشره " . وتقول عن هيئة الأزهر "وتعمل على إظهار حقيقة الإسلام وأثره فى تقدم البشر ورقى الحضارة..وتعمل على رقى الآداب وتقدم العلوم والفنون " ، وفى المادة 15 تجعل مهمة مجمع البحوث مجرد الدراسة وتجديد الثقافة الإسلامية وتجريدها من الفضول والشوائب وإثارة التعصب السياسي والمذهبي وتجليتها في جوهرها الأصيل الخالص". وفى المادة 33 تجعل مهمة جامعة الأزهر "حفظ التراث الإسلامي وتجليته ونشره،وتؤدى رسالة الإسلام إلى الناس وتعمل على إظهار حقيقته .."وكل ذلك يعنى الاجتهاد .أي أن واجب الأزهري فى مجمع البحوث أو في جامعة الأزهر هو الإجتهاد في تجلية حقائق الإسلام من خلال القرآن الكريم والتراث . وهذا يعنى أن من حقائق الإسلام ما يحتاج الى تجلية وتوضيح وان في الثقافة الإسلامية شوائب وفضول وتعصب يحتاج إلى تنقيه وتجليه ليعود للإسلام فكره وجوهره الخالص الأصيل ...هذا هو الاجتهاد الذي يفرضه قانون الأزهر.. فماذا يعنى الاجتهاد؟ يعنى الخروج عن المألوف والإتيان برأي جديد من خلال المصادر الإسلامية ذاتها يخالف ما وجدنا عليه آباءنا . هذا ما يفرضه قانون الأزهر ،أو بالأدق هذا ما تفرضه العبارات المستنيرة في قانون الأزهر .
3 ـ ومن المفترض أن تكون مناهج الأزهر المتخلفة هى ساحة الاجتهاد ، يقوم المجتهدون من علماء الأزهر بفحصها وتجلية الحق من الباطل فيها ، وبهذا الاجتهاد يمكن إصلاح الأزهر من الداخل بعد تطويره من الخارج بلإضافة العلوم الحديثة والكليات الحديثة واللغات الأجنبية . ولكن ضاع هذا بنفس قانون 103 الذى إحتوى على الغام أخرى تتيح إجهاض الاجتهاد تحت مسميات مؤثرة وعبارات غامضة مثل إنكار حقائق الإسلام! . تقول المادة 30 من القانون أن عضوية مجمع البحوث الإسلامية تسقط إذا ما وقع من العضو ما يلائم صفة العضوية كالطعن في الإسلام أو إنكار ما علم منه بالضرورة أو سلك سلوكا ينقص من قدره كعالم مسلم ،وتقول المادة 72"كل فعل يزري بشرف عضو هيئة التدريس (في جامعة الأزهر )أو لا يلائم صفته كعالم مسلم ،أو يتعارض مع حقائق الإسلام أو يمس دينه أو نزاهته يكون جزاؤه العزل .." وحين قمت بالاجتهاد في تجلية حقائق الإسلام اتهموني بإنكار حقائق الإسلام مع ان كل كتاباتي التي حاكموني بسببها فى الفترة من 1985 :1987 كانت إما آية قرآنية أو تعليقا على آية قرآنية بآية قرآنية أخرى، ومع أن كل كتبي كانت توضيحا لحقائق الإسلام وتبرئة له وفقا لما يأمر به القانون .ولكن القانون نفسه أعطى سلاحا للشيوخ القاعدين عن الاجتهاد لكي يستخدموا نفوذهم ومناصبهم في معاقبة المجتهد الذى يطبق القانون .وهنا يقع التناقض فى قانون 1961 بين الأمر بالاجتهاد وإمكانية عزل الذي يطيع القانون فيجتهد ضد إرادة الشيوخ العاجزين عن الاجتهاد والمتمسكين بمناهج الأزهر المتخلفة. ولكن تبقى للقانون ميزته، وهى انه لم يتحدث مطلقا عن السنة ،فتحدث عن القرآن وعلوم الإسلام والثقافة الإسلامية ، أي التراث الإسلامي أو الفكر البشري ،وطالب بتجريده من الشوائب والتعصب..كان هذا القانون فى عهد شيخ الأزهر محمود شلتوت 1958 : 1963 ، وقد كان إماما مستنيرا مجتهدا تشهد مؤلفاته بتأثره بمدرسة الامام محمد عبده، ثم أتى عصر السادات الذى إعتبر فكر السنيين وفقههم السنى دينا تحت مصطلح السّنة . وهذه هى جريمة السادات فى حق مصر والاسلام .
رابعا : السادات أفسد الأزهر بنشر مناهجه المتخلفة على أنها الاسلام وسنّة الرسول عليه السلام
1 ـ تركّز إفساد السادات للأزهر فى اللائحة التنفيذية لقانون الأزهر 103 المشار اليه ، وفى التوسع فى نشر كليات الأزهر وجامعاته ومعاهده الاعدادية والثانوية .
2 ـ اللائحة التنفيذية لقانون الأزهر : أصدرها السادات لتمحو الجوانب الإيجابية من قانون 103 ، فهذه اللائحة حولت مجمع البحوث الى جهة تصادر الكتب وتقف لحرية الفكر بالمرصاد. فالمادة 17من اللائحة تجعل من واجبات المجمع تتبع ما ينشر عن الإسلام والتراث الإسلامى من بحوث ودراسات فى الداخل والخارج والانتفاع بما فيها من رأى صحيح أو مواجهتها بالتصحيح والرد . وهذا كلام قد يبدو في ظاهره لا غبار عليه ، ولكنه عند التنفيذ يملؤه الغبار . فالذين يفترضون في انفسهم احتكار الشأن الديني ليس منتظرا منهم إن يعترفوا برأي صحيح يقوله غيرهم ممن ليسوا شيوخا ،وإذا كان الفكر الديني مبنيا على الخلاف في الرأي فإنهم لن يجدوا في الرأي الأخر إلا خطأ محضا ، وبالتالي فإن السلطة التي في أيديهم ستحول هذا الخلاف إلي أكثر من خطأ ..تحوله إلى كفر. .لأنه وقر في قلوبهم انهم وحدهم أصحاب الحقيقة المطلقة ، ومن يخالفهم فقد خالف الإسلام .. والقانون ( اقصد اللائحة ) تعطيهم هذا الحق . وجاءت المادة 25 من القانون بأن يختص مجمع البحوث الإسلامية في نطاق الأزهر بكل ما يختص بالنشر والترجمة والتأليف ..أى قصرت دوره على الأزهر ومؤسساته ، ولا يتعدى هذا الدور حوائط الأزهر . وبدلا من أن تأتى اللائحة في العصر الساداتي توضح وتفصل عمل هذه المادة داخل الأزهر نجدها قد حولت مجمع البحوث الى إدارة للمصادرة خارج الأزهر. و المادة 40 من اللائحة تجعل إدارة البحوث والنشر والنشر بالمجمع مختصة بفحص المؤلفات والمصنفات الإسلامية أو التى تتعرض للإسلام وإبداء رأيها فيما يتعلق بنشرها أو تداولها ، وهنا يتحول مجمع البحوث الى محكمة تفتيش لكل كتاب يتعرض للشأن الإسلامي ولو فى بضعة أسطر .وهنا فيكون قانونا من حق المجمع أن يسمح بتداوله ونشره وعرضه أو أن يمنع نشره وتداوله وعرضه .ثم تقول بتتبع كل ما يكتب عن الإسلام فى الداخل والخارج والرد على كل ما يمس الإسلام فيها. وهل إذا فحص المجمع كل المؤلفات التي تتعرض للإسلام وأبدي رأيه فيها بالسماح والمصادرة هل إذا فعل ذلك سيكون لديه وقت لتتبع " كل ما يكتب عن الإسلام في الداخل والخارج" والرد على ما يمس الإسلام فيها ؟ وهل سيجد الوقت لمتابعة كل ما يكتب عن الإسلام فى كل العالم وبكل اللغات ؟ واين لشيوخ المجمع بهذه المقدرة ؟ .!
3 ـ التوسّع فى التعليم الأزهرى وجعله موازيا للتعليم العام :
فى عصر السادات تولى مشيخة الأزهر : محمد الفحام 1969 : 1973 ، وعبد الحليم محمود 1973 : 1978، ومحمد عبد الرحمن بيصار 1979 : 1982 . وكان أخطرهم عبد الحليم محمود الذى كان متعصبا برغم تصوفه ، والتصوف مشهور بالتسامح . لقد إقترح البابا شنودة تأليف كتب دينية مشتركة ليدرسها الطلبة المسلمون والمسيحيون جميعا في المدارس لتعميق الوحدة الوطنية بين المصريين ، وحاز الاقتراح القبول ولكن شيخ الأزهر وقتها عبد الحليم محمود هدد بالاستقالة لو تم قبوله. وصدر حكم المحكمة في قضية التكفير والهجرة ، ولأن الشيوخ الذين إستطلعت المحكمة رأيهم تعاطفوا مع المتهمين فقد جاء الحكم يهاجمهم وينبّه على إهمالهم واجبهم بالتتبصير بحقائق الاسلام ،وتتأسّف على أنهم لم يؤدوا رسالتهم ولم يتركوا أماكنهم لمن يستطيع تأدية الرسالة . وأسرع عبد الحليم محمود فأصدر بيانا هجوميا إمتنعت الصحف عن نشره ما عدا صحيفة الأحرار . وقد طالب فى هذا البيان برجوع قضاة الشرع ( السّنى ). ولقد جاهد عبد الحليم محمود داعيا لتطبيق الشريعة السنية مع إنه لم يكن فقيها متخصصا كالشيخ شلتوت مثلا . كتب عبد الحليم محمود الى رئيس مجلس الشعب سيد مرعى ، والى ممدوح سالمرئيس مجلس الوزراء يطالبهما بالإسراع في تطبيق الشريعة الإسلامية . وأسّس لجنة فى مجمع البحوث لتقنين الشريعة السّنية وفق المذاهب الأربعة.
لذا كانت الحاجة مُلحّة عنده لنشر مناهج الأزهر على أوسع مدى فى العمران المصرى . وعندما تولى مشيخة الأزهر كان التعليم الأزهرى الاعدادى والثانوى محدود الانتشار عاجزا عن إمداد الكليات الأزهرية العادية والحديثة بالطلاب ، لذا توسع فى التعليم الابتدائى الأزهرى والاعدادى والثانوى،وفتح باب التبرع داخليا وخارجيا لبناء المعاهد الأزهرية فى القرى والمدن المصرية ، فتم فى عهده أكبر توسع له فى تاريخ الأزهر ذى الألف عام . وفتح أبواب المعاهد الأزهرية الاعدادية والثانوية للراسبين فى التعليم العام فى الشهادات الابتدائية والاعدادية ، وبسبب كثرتهم فقد كانت تضيق الفصول بهم ، وشهدنا التدريس فى أفنية المعاهد والتلاميذ جلوسا على الأرض .وفتح أيضا للفاشلين من حملة الثانوية العامة دخول الكليات العملية الأزهرية من الطب والهندسية وغيرها شريطة أن يدخلوا سنة دراسية ( الاعداد والتوجيه ) يدرسون فيها مناهج الأزهر التراثية المتخلفة ، وبعدها ينتظمون فى تلك الكليات . ولم يكتف بذلك بل بدأ تأسيس جامعات وكليات تراثية للأزهر فى الأقاليم ، كان أبرزها جامعة الأزهر فى اسيوط والتى جاء تمويلها من الملك السعودى فيصل ، وأصبحت بؤرة للوهابية فى منطقة مصرية تعجّ بالأقباط ، ومنها خرجت الفتاوى بقتل السادات ومطاردة الأقباط .
وعلى أية حال فإن عصر السادات زرع ألغاما أمام العقل المصري ،أضيفت إلي الألغام السابقة التي زرعت في العصر الناصري ،إلا أن الغام السادات تغلفت بالدين،ووضعت إطارا دينيا للتيار السلفي الطامح للحكم كي يتهم خصومة السياسيين بالكفر بحجة إنكار تطبيق الشريعة . وقُدّر لهذه الألغام أن تنفجر ..وانفجر أولها في وجه السادات نفسه ، ثم انفجرت باقي الألغام في عصر حسنى مبارك .. ولازالت تنفجر حاليا بعد عزل الرئيس الاخوانى مرسى .
( 7 )
تطبيق مبادىء الشريعة الاسلامية يستلزم إصلاح الأزهر:( 4 )حتمية اصلاح الأزهر
أولا : إستمرار مناهج الأزهر جعلته طاردا للإجتهاد وقنبلة موقوتة
1 ـ برغم محاولات الاصلاح الخارجية إستمرت مناهج الأزهر بلا تغيير عبر القرون ، بل أقيمت من أجلها كليات متخصصة قديما وحديثا ، أبرزها (أصول الدين ) و ( الشريعة ) ثم ( الدراسات الاسلامية ). ترتب على بقاء هذه المناهج المتخلفة إنقسام الأزهريين الى أغلبية عظمى من شيوخ الجهل وأقلية ضئيلة تحاول الاجتهاد وتواجه الاضطهاد .
2 ـ الأقلية الأزهرية المستنيرة تتمثل فى بقايا مدرسة محمد عبده وانعكاساتها . وقد تراجع مستوى مدرسة محمد عبده علما وفقها وشجاعة بعد موت رائدها محمد عبده. انهمك سعد زغلول فى السياسة ، وغلب الاصلاح الإدارى والتنافس السياسى بين الشيخين المراغى والظواهرى، وضاع بينهما الاصلاح الفكرى لمناهج الأزهر ، وقد كانت لهما السلطة فى تفعيل ذلك . بعض من تأثر باجتهاد محمد عبده ترك الأزهر وتشجع بالليبرالية الفكرية خارج أسوار الأزهر ، فأظهر بعض نواحى الاجتهاد ، مثل طه حسين وأمين الخولى ومحمد أبى زهرة فى جامعة القاهرة ، وأسرع أحمد أمين بترك الأزهر ملتحقا بمدرسة القضاء الشرعى فأبدع فى مؤلفاته التى كانت نقلة نوعية فى التفكير . وهجر محمود أبو رية الأزهر فأبدع فى نقد الأحاديث بحجّة الدفاع عن السّنة . وترك خالد محمد خالد (الأزهرى ) العمل بالأزهر وهجر الاخوان المسلمين فتألق داعيا للحرية والديمقراطية . ووصلت إشعاعات مدرسة محمد عبده الى بعض الأدباء والباحثين من غير الأزهريين ، وظهر هذا فى مؤلفات قاسم أمين ومحمد حسين هيكل ومصطفى صادق الرافعى والعقاد وعبد الرحمن الشرقاوى وحسين مؤنس ومحمد احمد خلف الله .
3 ـ إختفت شعلة الاجتهاد داخل الأزهر قبل وبعد الامام محمد عبده ، ومن تحليل سيرة من تولى مشيخة الأزهر يبدو بعضهم عاريا تماما من الاجتهاد برغم تخرجه فى جامعات اوربا مثل الشيخ بيصار وعبد الحليم محمود ود . الطيب ، بينما ظهرت ملامح الاجتهاد شاحبة باهتة فى مؤلفات الشيخ شلتوت فى كتبه وفتاويه . وينفرد الشيخ جاد الحق بظاهرة جهل منقطع النظير ، فقد كان لا يعرف أن يرتجل كلمة ، يقرأ من ورقة مكتوبة ، ويخطىء فى قواعد النحو ، ويخطىء فى قراءة الآيات القرآنية المكتوبة له . وبينما إتسع المجال لبعض المجتهدين من غير الأزهريين فإن حركة الاخوان المسلمين والجماعات السلفية لم تقدم سوى عرض الفكر السّلفى ونشره كما فعل سيد قطب ومحمد قطب والشعراوى.
4 ـ وظهر تيار القرآنيين يواجه الوهابية ويبنى على فكر الامام محمد عبده بل ويتجاوزه محتكما للقرآن فى تاريخ المسلمين وتراثهم وأديانهم الأرضية ، ويواجه كل الاضطهادات، ولا يزال . وتأثر بفكر القرآنيين بعض خصومهم الأزهريين مثل الشيخ محمد الغزالى فى مؤلفاته الأخيرة عن السّنة بين اهل الفقه وأهل الحديث وعن تراثنا الفكرى، وفى بعض كتابات شيخ الأزهر السابق محمد سيد طنطاوى وفتاويه ، وفى بعض كتابات عبد المعطى بيومى . كما تأثر بأهل القرآن بعض العلمانيين ، وأبرزهم فرج فودة وجمال البنا ومصطفى محمود. وقلت فى حوار صحفى منشور هنا عن أهل القرآن: (.. ونجح أهل القرآن برغم ضعف إمكاناتهم فى إحداث تغيير نوعى فى تفكير المسلمين ، ليس فقط فى أن تشجع المترددون على مناقشة المسكوت عنه ، وليس فقط فى إنفضاض كثيرين عن معتقداتهم الوهابية ، ولكن بعض أساطين الفكر السّنى نفسه بدأ فى تغيير الخطاب ليواجه المتغيرات الجديدة التى أحدثناها ، لأنه بعد ظهور أهل القرآن لم يعد المثقف المسلم العادى يتقبل بسهولة ما كان يتقبله من قبل بلا مناقشة . قبل ظهور أهل القرآن ، كان أقصى ما تصل اليه المناقشات هو عن حديث الذبابة أو حديث اليهودى الذى سحر النبى فى ( صحيح البخارى ) دون مساس بالبخارى نفسه . الآن تجاوزالنقاش هذا ، إنتهى خلال النخبة تقديس البخارى ، ووصل التساؤل والنقد الى هل هناك (سُنة ) أصلا أم لا ، وهل تتفق الشريعة السّنية وأقوال أئمتها مع الاسلام أم تتناقض معه ، وهل يصح تقديس الصحابة الكبار أم لا ، وهل تتفق الفتوحات (الاسلامية ) مع الاسلام أم لا ، وهل بها يكون كبار الصحابة مع الاسلام أم ضد الاسلام .!!. نقلة هائلة فى التفكير ، نحن الذين قمنا بها . وعجز خصومنا عن الردّ علينا إلا بالاضطهاد الذى ساعدنا أكثر وأكثر ، فالفكر القرآنى الان أصبح منتشرا فى ربوع العالم بالعربية والانجليزية والفرنسية والايطالية والفارسية والأوردية ، والمركز العالمى للقرآن الكريم والذى أتشرف برئاسته فى أمريكا يقود هذا التيار القرآنى على مستوى العالم . وهناك مراكز أخرى وتجمعات قرآنية أخرى سارت على الطريق بعد أن قمنا بتمهيده وتعبيده وإزالة الألغام ليصبح سهلا ميسرا لمن يلحق بنا . كل هذا نجحنا فيه ، وأصبح لدينا عشرات الألوف من المثقفين القرآنيين فى ربوع العالم ، معظمهم فقراء ، لأنه لا تجتمع الثروة مع التبحر الثقافى والاستقلال الفكرى فى بلاد المسلمين . ونحن لا نملك سوى موقعنا ( اهل القرآن ) بالعربية والانجليزية ، وهناك موقع جديد لآهل القرآن ظهر حديثا بالايطالية ، ويريد كثيرون تأسيس مواقع بلغات أخرى ، ونتمنى أن تكون لنا قناة فضائية تنويرية ، ونتمنى أن تكون هناك شركة إنتاج درامى تنتج أعمالنا الدرامية فى تاريخ المسلمين ، ونتمنى أن تتعاون معنا أى قناة فضائية فى انتاج برامج على منوال برنامجنا ( فضح السلفية ) المنشور فى موقعنا وعلى اليوتوب . كل هذه أمنيات تنتظر الامكانات التى نفتقر اليها . ولكن لو تحقق جزء منها فسننقذ العرب والمسلمين من شرور قادمة .)
5 ـ فى مقابل تيار القرآنيين فى الإجتهاد الدينى فإنّ الأغلبية العظمى من الأزهريين هى ( الأغلبية الصّمّاء ) التى تجتهد فى : نفاق الحاكم والافتاء له بما يهوى مع مشاركته فى الفساد والاستبداد، وتتصدى بنفوذها لأى محاولة للاصلاح،وتجتهد فى نشر الفكر المتخلف فى الاعلام والمساجد ، وتجتهد فى إنتهاز أى فرصة لامتداد رقعة التعليم الأزهرى بمناهجه المتخلفة من الابتدائى الى الجامعة فى شتى العمران المصرى. وبجهودهم تضخمت كليات جامعة الأزهر بفروعها الاقليمية فبلغت 62 كلية يدرس بها حوالي 500 ألف طالب وطالبة يمثلون 25 % من عدد طلاب التعليم الجامعي في مصر. ومعظمها كليات تراثية ( أصول الدين واللغة العربية والشريعة ). وأتذكّر حين كنت مدرسا فى كلية اللغة العربية أشارك فى الامتحانات أن بعض الطلبة كان لا يحفظ قصار السور القرآنية، وكان بعضهم ( يغشّ ) فى الامتحان التحريرى لمادة القرآن الكريم بأن يخفى أوراق المصحف صغير الحجم فى حذائه . هؤلاء كانوا من فاشلى التعليم العام ودخلوا التعليم الأزهرى الاعدادى والثانوى ووصلوا الى الجامعة بالغش والجهل ، ثم تخرجوا فيها أكثر جهلا ، وقد عملوا بشهاداتهم الأزهرية فى التدريس والوعظ والارشاد والافتاء فى القرى والأحياء الشعبية والمدن المصرية ، ويسمع لهم الناس ويطيعون لأنهم خريجو الأزهر . بل أصبح من حق أى عربيد أن يفتى فى الاسلام طالما أطلق على الناس لحيته ورسم وشما على جبهته .
وعبر غسيل مخّ استمر اربعين عاما نجحت هذه الأغلبية الأزهرية الصّمّاء فى قمة الأزهر وفى قواعده فى تجذير ثقافة التعصب الوهابية ضد الأقباط وضد السيّاح والآثار الفرعونية وحقوق الانسان وحقوق المرأة ، واليوم (عيد الفطر ، الخميس 8 أغسطس 2013 ) تقف مصر بسببهم على مشارف حرب أهلية .
6 ـ الأنكى من ذلك هو تعطّش شيوخ الازهر للمصادرة عندما تعطيهم الدولة نفوذا . والأمثلة كثيرة فى عصر مبارك ، حيث وصل نفوذ الأزهر الى الأوج مع عودة العلاقات الرسمية بين مصر والسعودية راعية الفكر السلفي المتزمت، فأصبح لمجمع البحوث صفة الضبطية القضائية لما يراه مخالفا لتحقيق آمال الطامعين فى إقامة الدولة الدينية . واستخدام الضبطية القضائية يعني أن يكون للشيوخ نفوذ في دوائر الأمن يستخدمونهم ضد خصومهم من المفكرين ،وقد تجلي هذا في مطاردتهم لكاتب هذه السطور فى مصر فى التسعينيات . ونجح الأزهر بهذا النفوذ فى مصادرة كتب المستشار سعيد العشماوي فى معرض الكتاب وهو مشهور بوقفته الصامدة ورؤ اه المستنيرة فى مواجهة الفكر السلفي ، ولجأ الأزهر الى طريق جانبي لفرض ولايته على وزارة الثقافة الخارجة عن نفوذه ، فأصدرت لجنة الفتوى والتشريع برعاية المستشار الاخوانى طارق البشرى فتوى تعطى الأزهر ممثلا في مجمع البحوث الحق فى الاعتراض وطلب مصادرة المصنفات الفنية التي تمس العقيدة باعتبار أن الأزهر هو صاحب الحق فيما يخص الشأن الإسلامي، ووزارة الثقافة صاحبة الحق فى الترخيص . ونجح نضال التيار المدنى ـ والذى شاركت فيه ـ بابطال هذه الفتوى . و بتاريخ 7 أغسطس عام 2006 ، نشر موقع (المصريون ) المعبر عن الاخوان ، خبرا كئيبا تحت عنوان : ( وزير العدل يستعد للإعلان عنها قريبًا... "شرطة دينية" يخول إليها القيام بحملات تفتيشية على مطابع كتب السحر والشعوذة ومجهولة المصدر ) ، ويقول الخبر : ( يعتزم المستشار محمود أبو الليل إصدار قرار - بالتنسيق مع الشيخ محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر - يقضي بتشكيل "شرطة دينية" تضم مجموعة من رجال الأزهر؛ وذلك لمواجهة الانحرافات الفكرية والدينية بالكتب والمجلدات. وأوضحت مصادر أن أعضاء تلك المجموعة سيتم اختيارهم من صفوة رجال الأزهر، الذين سيناط إليهم مصادرات الكتب وتفتيش المطابع المعروف عنها طباعة الكتب الدينية؛ مثل: كتب المسيخ الدجال وكتب السحر وعلامات القيامة وتارك الصلاة وغيرها من الكتب المنتشرة على الأرصفة مجهولة المصدر. وأشارت إلى أن قرار الوزير يعطي تخويًلا لبعض العاملين بالإدارة العامة للبحوث والتأليف والترجمة بمجمع البحوث الإسلامية للقيام بالضبطية القضائية.) . الطريف هنا أن مناهج الأزهر هى الأصل والمرجعية لتلك المؤلفات ، والأولى مصادرة الأصل ، وليس إستخدام النفوذ لمصادرة ما يشاءون بزعم كذا وكذا ، فهم الخصم والحكم ، وبيدهم سلاح المصادرة ولا معقب لقرارهم .
7 ـ وواكب هذه المعارك الفكرية قيام الجناح المدني للتطرف وهم الشيوخ بتكفير الخصوم وما نتج عن هذا التكفير من قتل لفرج فودة ومحاولات قتل نجيب محفوظ وغيره، وأدى ذلك إلى ترسيخ الاعتقاد بوجود تناغم بين الأزهر وجماعات التطرف الوهابية ، إذ يتعاونون معا فى السعى لتحييد العقل المصري وتغييبه. ومن أسف أن الصحف الدينية الحكومية والمعارضة وغيرها اتحدت علي تأييد الفكر السلفي فى موقفه المتعدّى من قضايا مثل التفريق بين نصر أبو زيد وزوجته ، وتكفير نجيب محفوظ بسبب روايته ( أولاد حارتنا ) , وحبس الكاتب علاء حامد ، وإضطهاد أهل القرآن والمظاهرات ضد الرسوم المسيئة للنبى ، والحكم باعدام أصحاب الفيلم المسىء .
8 ـ وفى الوقت الذى يتقاعس فيه شيوخ الأزهر عن الاجتهاد فى تجلية حقائق الاسلام ومواجهة ثقافة الاخوان الدينية تراه صامتا عن إضطهاد الأقباط ، يكتفى رموزه بلقاءات نفاق مع ارباب الكنيسة يتبادلون فيها القبلات والأحضان ، وهى عندى ( فعل فاضح فى الطريق العام ) . وبتأثير مناهج الأزهر تأسست حركات للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قتلت شابا فى السويس ، وبينما كتبت ( الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بين الاسلام والمسلمين ) فى توضيح معالم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى الاسلام ، فإن حديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره ..) وهو دستور التطرف لا يزال يرصّع مناهج الأزهر مع أحاديث وتشريعات أخرى فى فرض الجزية على الأقباط وقتل المرتد وقتل الزنديق وتارك الصلاة ..الخ . وبها تقوم حركات الاضطهاد ضد البهائيين والقرآنيين والشيعة ، وآخرها قتل وسحل الشيخ الشيعى حسن شحاته وبعض أتباعه.
أخيرا
1 ـ وإدراكا من الاخوان والسلفيين بأن الأزهر هو العُمق الظهير لهم فقد جاء دستور مرسى يجعل الشريعة السنية مهيمنة على الدستور ويجعل للأزهر حاكمية على القوانين . وقد خصّصنا لقانون مرسى حلقات منشورة هنا فى نقده وتعريته وتأكيد مخالفته للاسلام .
2 ـ إنّ حرص الاخوان على جعل الأزهر بمناهجه المتخلفة مرجعية دينية دستورية هو تمهيد لإنشاء دولة دينية وهابية سنية فى مصر . هذا يعنى جعل الازهر بوضعه الحالى قنبلة موقوتة من حيث الحجم والنفوذ والجهل العام لاربابه، ويحتّم إصلاح الأزهر. وإلّا .. فالهلاك قادم .!!
( 8 )
تطبيق مبادىء الشريعة الاسلامية يستلزم إصلاح الأزهر:
(4) مقترح قانون لاصلاح الأزهر
أولا : أحكام عامة
1 ـ الأزهر مؤسسة مصرية مدنية تعنى باصلاح المسلمين من داخل الاسلام ، بحثا ودعوة وتعليما . مع التأكيد على أن دور الأزهر لا يتعدى الدعوة والارشاد ، دون إلزام عملا بالقاعدة الاسلامية أن من إهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها .
2 ـ مهام الأزهر الاصلاحية :
2/ 1 : تبرئة الاسلام ممّا التصق به من تهم الارهاب والتطرف والتعصب والتزمت والانغلاق ، ووضع حدّ فاصل بين الاسلام كدين الاهى يأمر وينهى وبين المسلمين كبشر لهم تاريخ بشرى وحضارة بشرية وتراث بشرى ، تتفق أو تختلف مع الاسلام وأوامره ونواهيه .
2/ 2 : نشر حقائق الاسلام فى العدل والقسط والاحسان والحرية فى الدين والرحمة والسلام والتيسير والتخفيف ، والدفاع عن حرية الفكر والرأى والسعى للرزق وحقوق الأنسان وحقوق المرأة والأقليات، والوقوف ضد الظلم والبغى والاستبداد والإكراه فى الدين وإستغلال الدين فى الحصول على مطامع دنيوية سياسية أو إقتصادية .
3 ـ فتح أبواب الأزهر للتعليم والتوظيف لكل المصريين على قدم المساواة وبعتبار الأهلية والكفاءة فقط وفى ظل شفافية كاملة .
4 ـ شيخ الأزهر بمرتبة نائب رئيس للوزراء ، ويتم ترشيحه من المجلس الأعلى للأزهر ، ويقوم رئيس الجمهورية بالتصديق على التعيين . وشيخ الأزهر هو المشرف على مؤسسات الأزهر . وهو مسئول أمام مجلس الشعب عن إدارته لمؤسسة الأزهر.
5 ـ العاملون بالأزهر يتساوون مع أقرانهم فى بقية المصالح الحكومية المشابهة .
ثانيا ـ مؤسسات الأزهر العاملة فى مجال الاصلاح الاسلامى :
(1 ) المجلس الأعلى للأزهر ، لمعاونة شيخ الأزهر ويتكون من شيخ الأزهر رئيسا ، ويعاونه رؤساء جامعة الأزهر ومراحل التعليم الازهرى ، ومجمع البحوث ، ومجلس العلاقات الخارجية والمفتى. ويجوز ضم مفكرين مسلمين للمجلس الأعلى للأزهر ..
(2 ) ضم دار الافتاء للأزهر وتوحيد جهة الفتوى ، والتأكيد على أن رأيها إستشاري غير ملزم .
(3 ) مجلس العلاقات الخارجية : يختص بتوفير فرص العمل لخريجى الأزهر خارج مصر والبعثات الطلابية الآتية للأزهر ، وتدعيم علاقات الأزهر بالمؤسسات الدينية فى العالم ، والتفاعل الايجابى مع أحداث العالم بما يوضح حقائق الاسلام ، والاسهام فى جلسات الحوار بين الأديان لنشر حقائق الاسلام خارج مصر ، وتوثيق الصلة العلمية بالمفكرين والباحثين فى الاسلاميات فى العالم من شتى الأجناس والخلفيات .
(4 ) مجمع البحوث الاسلامية ، ويتخصّص فى :
4 / 1 : وضع مناهج جديدة للتعليم الأزهرى بكل مستوياته والتى تؤكد صلاحية الاسلام لكل زمان ومكان ، والتركيز على الاجتهاد القرآنى لانتاج رؤية اسلامية تؤكد القيم الاسلامية العليا المشار اليها ، مع مواكبة عملية لعصر العلم والمخترعات ليتأهل الطالب للالتحاق بالكليات العملية الأزهرية.
4 / 2 : عقد ندوات بحثية ونشر أبحاث فى توضيح التناقض والاختلاف بين الاسلام من خلال القرآن وبين عقائد المسلمين وشرائعهم بمختلف مللها ونحلها ومذاهبها وطوائفها ، وتقديم إجتهاد عصرى للشريعة الاسلامية تؤكّد حقائق الاسلام.
4 / 3 : الاشراف على طبع المصاحف وله سلطة مصادرة أى نسخ مُحرّفة من المصحف، ويعطى توجيهاته فيما يخص تراجم القرآن الكريم .
( 5 ) معاهد التعليم الأزهرى الابتدائى والاعدادى والثانوى وجامعة الأزهر .
ثالثا : إصلاح مناهج الأزهر التعليمية :
1 ـ إلغاء كل المناهج التراثية الحالية فى التعليم الأزهرى بكل مستوياته ( الفقه ، الحديث ، التفسير ، التوحيد والعقائد ، التجويدى، وما يتعلق بها ).
2 ـ تحويل الكليات التراثية ( اصول الدين والشريعة والدراسات الاسلامية ) الى معاهد متوسطة أزهرية تتخصص فى التكنولوجيا وتعليم المهن والحرف الدقيقة .
3 ـ إنشاء كلية نوعية تتخصّص فى تاريخ المسلمين دينيا وفكريا وإجتماعيا وسياسيا وعمرانيا، ودراسة مناهج المؤرخين المسلمين ، ونوعيات المادة التاريخية والمدارس التاريخية ، وطرق البحث التاريخى .
4 ـ إنشاء كلية نوعية للملل والنحل والأديان البشرية، تتخصص فى توضيح الفارق بينها وبين الاسلام. 5 ـ تحديث كلية اللغة العربية بالمناهج الأدبية الحديثة فى العالم ، وبمادة تتناول الفجوة بين النحو العربى واللسان القرآنى . وتحديث كلية اللغات والترجمة بمواد عن ترجمات القرآن الكريم ، ومدى أتفاقها مع النصوص القرآنية ومصطلحات القرآن .
6 ـ إنشاء كلية نوعية للعلوم الانسانية والفلسفية ( إجتماع ، علم نفس ، جغرافيا ، منطق ، وفلسفة ) تقارن بين المدارس العربية والتيارت الحديثة فى هذه العلوم .
7 ـ تحديث التعليم الأزهرى قبل الجامعى بتقرير نفس المناهج فى التعليم العام مع إضافة مواد قرآنية على النحو الآتى :
7 / 1 : فى المرحلة الابتدائية : التركيز على التربية العقيدية ( لا اله إلا الله ) والأخلاقية والتعبدية ، بحفظ وشرح الآيات الخاصة بها فى سور( الاخلاص ) (البقرة) (آل عمران ) (الأنعام ) (الاسراء)( لقمان)(الفرقان)(النحل)، وتعليم وشرح العبادات الاسلامية فى ضوء التقوى وحُسن الأخلاق ونقاء الضمير .
7 / 2 : فى التعليم الاعدادى : دراسة وحفظ الآيات القرآنية التى تتناول الموضوعات التالية :( حقائق الاسلام ومبادىء الشريعة الاسلامية ). و (عقيدة الاسلام فى الايمان بالله واليوم الآخر فى كل الرسالات السماوية من خلال القصص القرآنى ، و (تأكيد الشخصية البشرية للأنبياء فى عدم الشفاعة وعدم العصمة إلا بالوحى ، وموضوع الغيب ، وعدم التفضيل بين الأنبياء . ) مع توضيح الفجوة بين الاسلام والمسلمين فى هذه الموضوعات .
7 / 3 : فى التعليم الثانوى : دراسات قرآنية منهجية ومقارنة تتناول ( مناهج القرآن فى التشريع والقصص وايراد الحقائق العلمية والغيبية ، ومقارنته بتراث المسلمين.) و ( تطبيقات الشريعة الاسلامية ، وآفاق التشريع الاسلامى المسموح به للبشر . ) و ( مادة قاعة بحث فى التدبر القرآنى والتعرف على مفاهيم القرآن واختلافها عن مصطلحات التراث. ).
8 ـ الاكتفاء بهذه المواد القرآنية بديلا عن المواد التراثية التقليدية ، أما المواد العلمية فهى تتبع اللتعليم العام .
أخيرا :
1 ـ كتاباتنا المنشورة هنا فيها كل ما يُحتاج اليه فى تحديث مناهج الأزهر .
2 ـ إن عاجلا أو آجلا فلا بد من إصلاح الأزهر ، وكلما أسرعنا كان أفضل . ..وإلا فالهلاك قادم .!!
( 9 )
تطبيق مبادىء الشريعة الاسلامية يستلزم إصلاح المساجد: (1 ) مساجد الضرار فى مصر تستوجب الاصلاح الفورى
اولا : مساجد الله كما ينبغى أن تكون :
ينبغى أن تكون المساجد لله جل وعلا وحده ، فلا يرتفع فيها بالأذان والذكر والصلاة إلا لله جل وعلا وحده ، بلا شريك ، سواء كان هذا الشريك نبيا أو وليا . وقد كانت قريش تقيم المساجد لعبادة الله جل وعلا وعبادة الأولياء ، يؤدون الصلاة لله جل وعلا مع توسلهم بالقبور الملحقة بالمساجد،فقال جل وعلا لهم :( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) الجن ). وبعث الله جل وعلا رسوله الكريم فوقف لهم فى مساجدهم ينصح ويدعو لاخلاص العقيدة والعبادة لله جل وعلا ، وأن تكون المساجد لله وحده بلا تقديس لغيره ، فكان أن تكالبوا عليه : ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (19) الجن ). فأمره ربه جل وعلا أن يعلن لهم عقيدته الايمانية: ( قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (20) الجن )، وأنه بشر لا يملك لهم نفعا ولا ضرّا ولا هداية ولا رشدا : (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً (21) الجن ) ، وأن كل مهمته أن يبلّغ الرسالة لينجو من عذاب الله جل وعلا يوم القيامة :( قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (22) إِلاَّ بَلاغاً مِنْ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً (23) ( الجن ). أى ليس من مهمته إكراه الناس على الهداية بل الدعوة للهداية ، وكل فرد مسئول عن حريته فى الاختيار .
ثانيا : مساجد الله :
واقع الأمر أن هناك نوعان من المساجد : مساجد الله جل وعلا ، ومساجد الضرار .وقد جاءت الإشارة الى النوعين فى الآيات السابقة من سورة ( الجن )؛ فالذى ينبغى أن يكون هو أن تكون المساجد لله جل وعلا وحده ، ولكن الذى حدث أن قريش قامت بتوظيف المساجد لمصالحها ، وعندما قام رسول الله يدعو الى الحق والعدل كادوا يكونون عليه لبدا . وبالتالى فإن مساجد الله هى التى يُقام فيها ذكر الله وحده ، ويتعلم فيها الناس القسط ، والقسط هو الغاية من إرسال كل الرسالات السماوية : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ )(25)(الحديد). ويقول جل وعلا يربط بين القسط وإخلاص الدين لله جل وعلا ودور مساجد الله فى هذا:( قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ )(29)(الاعراف).
ثالثا : إختلاف مساجد الضرار عن مساجد الله :
1 ـ واقع الأمر أيضا أن الملأ الغالب المتحكم فى المجتمع هو الذى يقيم مساجد الضرار تبعا لهواه وليس طاعة لله جل عُلاه ، كما جاء فى قصة أهل الكهف : ( وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (21) ) ( الكهف )
2 ـ واقع الأمر أيضا : أنّ تعمير مساجد الله ليس بالبنيان والزخارف كما يحدث الآن ، ولكنه التعمير بالتقوى وإخلاص الدين لله جل وعلا فى القلب وفى العبادة وفى العمل الصالح . وبالتالى فإن التعمير الهندسى والزخرفى لا يأبه به رب العزة ، بل يكون هذا التعمير بلا تقوى دلالة على الكفر ، لأنه آت من مال حرام ويقام بالرياء والنفاق ، ولخداع الناس باسم الله ، وتسخير إسم الرحمن فى الظلم وترسيخ الاستبداد . يقول جل وعلا يقارن بين مساجد الضرار التى يقيمها المشركون المعتدون الظالمون شاهدين على أنفسهم بالكفر (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) التوبة ). وروعة التعبير تأتى فى قوله جل وعلا: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ ) ، فلم يقل ( كُفّار قريش ـ أو مشركو العرب ) ، أى لم يحددها بالزمان والمكان والأشخاص ـ بل جعلها عامة تسرى فى كل ومان ومكان وفى كل مجتمع تسيطر فيه أقلية ظالمة مستبدة تستخدم المال السُّحت فى إقامة مساجد لتسيطر من خلالها على الأغلبية المقهورة . وتأتى روعة التعبير أيضا فى قوله جل وعلا : (أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ )، أى ليس تعمير مساجد الله بالافتراء على الله جل وعلا ، والتزييف فى دينه وإستغلال إسم الرحمن مطية لأغراض دنيوية حقيرة ، فهم فيما يفعلون من آثام وفيما يقولون من طغيان إنما يشهدون على أنفسهم بالكفر السلوكى المُثبت بأعمالهم وأقوالهم . وأكتب هذا يوم الاثنين 12 أغسطس ، والوهابيون من السلفيين والاخوان قد إنتهكوا مسجدا ، وإفتروا على الله كذبا بمنامات وأحلام يجعلون فيها النبى عليه السلام تابعا لرئيسهم المخلوع محمد مرسى ، ويجعلون رب العزة جل وعلا موظفا عندهم يغضب لغضبهم وينحاز اليهم. وهذا الافتراء منشور ومسجّل بالصوت والصورة يشهد عليهم، أو كما قال جل وعلا: ( شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ). وبالتالى فإن كل ما أنفقوه فى بناء هذه المساجد الضرار سيذهب هباءا منثورا ، أى يحبط الله جل وعلا عملهم ، فيكون بلا ثمرة فى الدنيا والآخرة ، ومصيرهم الى الخلود فى النار:( أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ). وتأتى الآية الكريمة التالية تؤكّد معنى التعمير الحقيقى لمساجد الله، وأنه بالايمان الحق والتقوى والعمل الصالح : ( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ (18)(التوبة).
3 ـ واقع الأمر أيضا أنّ تعمير مساجد الله بالبنيان والزخارف كما يحدث الآن هو التخريب وليس التعمير ، وقريش التى أنفقت أموالها فى التعمير المادى الزخرفى لمساجدها الضرار كانت تضطهد من بقى فى مكة من المؤمنين وتمنعهم من دخول مساجد الله ، فجعلوها بهذا الاضطهاد الدينى مساجد ضرار ، يقول جل وعلا : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) ( البقرة ). الروعة هنا فى تتجلّى فى : رقم الآية ( 114 ) وهى عدد سور القرآن ، وفى قوله جل وعلا : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) ، فلو راجعت فى القرآن الكريم تعبير (وَمَنْ أَظْلَمُ ) و (فَمَنْ أَظْلَمُ ) ( الانعام 21 ، 93 ، 144 ، 157 ) ( الاعراف 37 ) ( يونس 17 )( هود 18 )( الكهف 15، 57 ) ( العنكبوت 69 )( السجدة 22 ) ( الزمر 32 ) ( الصف 7 ) ستجدها تجعل من يفترى على الله جل وعلا كذبا ،ومن يكذّب بآياته القرآنية هو الأظلم من بين البشر جميعا .
4 ـ واقع الأمر أيضا أن أولئك الظالمين المفترين الكاذبين المكذّبين هم أيضا الذين يمنعون مساجد الله أن يذكر فيها إسمه وحده ، لأنهم ينفرون من ذكر الله جل وعلا وحده بلا تعظيم وتقديس للنبى محمد وغيره من الأئمة والأولياء . هم ينفرون من ذكر الله وحده فى القرآن وحده : (وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً (46)الاسراء ). والدليل الآن إن مسلمى اليوم عندما يُذكر إسم الله جل وعلا لا يقولون (سبحان الله ) والتسبيح وذكر الله جل وعلا فريضة غائبة منسية ، أضاعها المسلمون بتركيزهم على تقديس النبى محمد ورفعه الى مستوى الالوهية بل وتفضيلهم له على رب العزة جل وعلا ، بدليل إهمالهم تسبيح الله عند ذكر إسم الله ، بيتما إذا ذُكر إسم محمد إنطلقوا يقولون ( صلى الله عليه وسلم ) يجعلون الصلاة عليه تقديسا له . ولو ذكرت الله وحده بدون ذكر لإسم محمد إشمأزّت قلوبهم ، وينطبق عليهم قوله جل وعلا فى قريش وغير قريش : (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45)( الزمر ). هؤلاء هم أظلم الناس لرب الناس جل وعلا ، الذين يمنعون مساجد الله من أن يذكر فيها إسم الله وحده ، والذين يجعلونها بوقا للإفتراء على الله وتكذيب آيات الله وكتاب الله . وقلنا أن الروعة هنا فى رقم الآية ( 114 ) وهى عدد سور القرآن ، وفى ارتباط ظلمهم لله جل وعلا بالتكذيب والافتراء وتسخير مساجد الله فى ظلم الله جل وعلا . ثم تأتى الإشارة الرائعة فى أن هذا ليس تعميرا لمساجد الله بل هو على العكس ( تخريب ) لها :( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ) . هذا لأن التعمير الحقيقى لا يأتى من المشركين المعتدين : (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ (18)(التوبة).
رابعا : كل مساجد مصر هى مساجد ضرار
1ـ واقع الأمر أيضا أن كل مساجد مصر هى مساجد ضرار . ونحن أهل القرآن شهود على هذا . لقد سيطر نظام مبارك على المساجد ، ووظّف فيها السلفيين ومرتزقة الأزهر والأوقاف ، ومنعنا من بناء مساجد لنا ، وألزمنا بالصلاة فى مساجد الضرار لنسمع منكرا من القول وزورا ، وأرغمنا أن نسمع فيها تكفيرنا والسّب واللعن فينا ، وحين إعتكفنا فى بيوتنا لنصلى مع أهلنا قبضوا علينا . ولقد كتبت فى مقال عن الخزى الذى عوقب به مبارك فى الدنيا بسبب ما إرتكبه فى حقنا مستشهد بقوله جل وعلا:(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) ( البقرة ).
http://www.ahl-alquran.com/arabic/document.php?main_id=1385
2 ـ واقع الأمر أيضا أن مسجد الضرار قد يتطور دوره فى الضرر والفساد فيتحول الى وكر للتآمر الارهابى ، وهذا ما فعله منافقو المدينة فى عهد النبى عليه السلام ، يقول جل وعلا :( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) التوبة ) . الروعة هنا أيضا أن الله جل وعلا لم يقل المنافقون أو منافقو المدينة أو فلان وفلان من الناس ، بل جعلها قضية تدور مع الزمان والمكان وقابلة للحدوث فى أى مجتمه حيث يوجد ( الذين ) يتخذون مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا وأرصادا ..أى يحولون مسجد الله الى مركز سرى حربى تجسسى ، وهم يتظاهرون بالتقوى ، ولو أحيلوا للتحقيق فسيحلفون باسم الله جل وعلا كذبا ببراءتهم . إقرأ الآية الكريمة ستجد صياغتها الفريدة تجعلها تنطبق على الاخوان والسلفيين فى عصرنا :( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) التوبة ).
3 ـ هناك مساجد ضرار يكتفى أصحابها بضرارها لأنفسهم ، يمارسون فيها تقديس القبور وتقديس الأولياء والأئمة ، كما يفعل الشيعة والصوفية حين لا يكونون فى موقع السلطة . ولكن هناك مساجد ضرار متعدية معتدية تمارس الإكراه فى الدين إذا كان أصحابها فى موقع التحكم كما فى السعودية والخليج وإيران ، ويستغلها أصحابها للوصول الى الحكم كما يفعل الوهابيون فى مصر ، وعندئد تتحول هذه المساجد الى ضرر أفظع ، بأن تكون مراكز إرهابية تخريبية . وهذا هو ما نراه الآن فى العراق وباكستان وإفغانستان وتونس ..ومصر ..
4 ـ ومساجد مصر الآن بين مساجد ضرار منكفئة على عبادتها للأضرحة والقبور ، وإما مساجد ضرار سلفية وهابية متعدية أرهابية . وبتأثير السلفية إنتشر الارهاب الدينى فى مصر فى ظل الهتاف ب ( الله أكبر ) ، قتل الرعاع الهمج السلفيون حسن شحاته الشيعى ورفاقه وهم يهتفون ( الله أكبر ) ، ويقتلون الأقباط وهم يهتفون ( الله أكبر ) ، ومن قبل أخرجوا البهائيين من بيوتهم وهم يهتفون ( الله أكبر ) . والآن هم يعتصمون بمسجد رابعة العدوية يمارسون القتل والتعذيب والزنا وهم يهتفون ( الله أكبر ) ، وفى سيناء يقتلون جنود وضباط الجيش المصرى فى رمضان وهم يهتفون ( الله أكبر ) ..هذا لأنهم حوّلوا مساجد الله الى مساجد ضرار يتآمرون فيها و يخططون للارهاب ، وهم يصلون ويقولون ( الله أكبر). !! ولو سكت المصريون على هذا فستدخل مصر الى حرب أهلية دينية تتحول فيها المساجد الى مراكز حربية وأهداف عسكرية ، كما يحدث فى سوريا والعراق .
4 ـ هذه كارثة تستوجب إصلاحا حقيقيا حازما حاسما تتحول به من مساجد ضرار الى مساجد لله جل وعلا .
( 10 )
تطبيق مبادىء الشريعة الاسلامية يستلزم إصلاح المساجد:( 2 ) جهادنا ضد مساجد الضرار الصوفية
مقدمة
1 ـ من حق البشر أن يقيموا لأنفسهم مؤسسات بشرية خدمية وحكومية من مستشفيات ومدارس ومدن وشوارع وبيوت ، ومن حقهم أن يطلقوا عليها ما يشاءون من أسماء بشرية وحيوانية ونباتية ، مثل مستشفى العصفورة ومدرسة صلاح الدين ، ومدينة الزقازيق ( الزقازيق نوع من السمك ) وشارع الحوت ، وقرية أبو حريز ، وكفر العمدة .. بل قد تطلق أسرة حاكمة إسمها على دولة وشعب كالسعودية. كل هذا جائز ، ويفعله المتغلبون برضى الناس أو بغير رضاهم . الذى ليس من حق البشر هو أن يتصرف البشر فى بيوت الله جل وعلا ( المساجد ) على أنها ملكية لهم بمثل ملكيتهم للمدارس والمستشفيات والشوارع والمدن والحارات .
2 ـ الأصل أن المسجد هو بيت الله جل وعلا يبنيه المؤمنون بالله جل وعلا ليمارسوا فيه عبوديتهم لله جل وعلا بالصلاة له جل وعلا وحده وذكره جل وعلا وحده ، وتقديسه وتسبيحه جل وعلا وحده ، والتوسل به وحده ، والاستعانة به وحده . يدخله المؤمن وهو يستشعر كل هذه المعانى فى قلبه ، لأنه يدخل بيت الله أو مسجدا لله . ولأنه بيت الله فهو مسجد لله ، أى فيه يسجد المؤمنون لله جل وعلا وحده ، ولا يسجد لغيره . فكل العبادة من سجود وخشوع وركوع هى لله جل وعلا وحده فى بيوت الله ، وفى مساجد هى لله جل وعلا وحده .
3 ـ وبالتالى فالمسجد الضرار هو الذى يخالف هذا ، بأن يحمل إسم مخلوق ، بدلا من إسم الخالق جل وعلا ، أى أن يكون إسم المسجد ( مسجد الرحمن ) مثلا فيجعلون إسمه ( مسجد عمرو بن العاص ، مسجد الحسين ،مسجد رمسيس ، مسجد رابعة، مسجد السيد البدوى، مسجد مصطفى محمود ، مسجد عمر مكرم ، مسجد مرسى ابو العباس ، مسجد الشاذلية ، مسجد رشدان ..الخ )، وأن يرتفع فيها الأذان والصلاة باسماء بشر مقترنة باسم الله جل وعلا تشاركه فى التقديس الذى يجب أن يكون خالصا لله جل وعلا وحده فى بيته . الذى يحدث أن الأذان فى الصلاة لا يكون مقبولا عند أصحاب الديانات الأرضية من المسلمين إلا بذكر إسم النبى محمد مع الله جل وعلا خلافا للصيغة الاسلامية فى الأذان ، ثم تكون الصلاة لله جل وعلا فى هذا المسجد مقترنة بتقديس النبى محمد مع الله جل وعلا وبالصلاة له ( صلاة السّنة ) و( التحيّات بدلا من التشهد المذكور فى الآية 18 من سورة آل عمران ) وبالصلاة عليه كملمح من تقديسه ، والتوسل بالنبى وطلب ( جاه النبى ) وليس للنبى جاه ، إذ لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا ولا هداية ولا رشدا ، وهذا هو ما أمره به ربه جل وعلا حين دعا عليه السلام قريش لأن تكون المساجد خالصة لله جل وعلا :( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (19) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (20) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (22) إِلاَّ بَلاغاً مِنْ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً (23)( الجن ).
4 ـ والضرار نوعان : ضرار فى العقيدة يحيق بأصحابه فيوردهم مورد التهلكة بالخلود فى النار ، وهو مصير كل من يموت مشركا : ( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (72) المائدة)( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ (65)الزمر) . وبالتالى فإن المؤسف والمُضحك معا أن المُشرك الذى يدخل الضريح والقبر المقدس يعتقد أنه مستفيد ببركة صاحب القبر المقدس ، بينما هو فى الحقيقة يُهلك نفسه ، وهو بذلك مثل ذكر العنكبوت المخدوع ، إذ تهيىء له إنثى العنكبوت فراش الزوجيه ليلقّحها ،فيدخل مخدع الحب فرحا ، وبعد أن تنتهى مهمته تفترسه الأنثى . وهذا المثل ضربه رب العزة للمشركين روّاد القبور المقدسة الذين يعتقدون فيها النفع ويطلبون منها المدد فيهلكون بأفظع الضرر ، يقول جل وعلا (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) العنكبوت ). ثم هناك الضرر الأفظع ، وهو ضرر المساجد الوهابية التى تتعدى الى التحكم السياسى .
5 ـ يتطور ضرار العقيدة بعد تقديس النبى فى المساجد بإضافة الخلفاء ( الراشدين) عند السّنيين ، وأئمة الشيعة عند الشيعة ، وأولياء الصوفية عند الصوفية . وبتسيد الدين الأرضى للمساجد وإستغلالها إقتصاديا لصالح شيوخ الدين الأرضى والمستبد المستفيد من هذا الدين الأرضى يطمح بعض قادة هذا الدين الأرضى لاقامة دولة دينية على أساس هذا الدين الأرضى السائد ، وتستخدم المساجد التى تركّز دورها كمساجد ضرار ، فيتطور دورها من الضرار العقيدى الى الضرار العقيدى الارهابى الحربى بسفك الدماء ، كما يحدث الآن فى مصر وفى العراق وسوريا . وعليه نجرؤ على القول بأنّ كل مساجد المسلمين مساجد ضرار ، يتم إستخدامها ليس لعبادة الله جل وعلا وحده ، ولكن لخداع الناس وسلب أموالهم وركوب ظهورهم باسم الدين . ولكن يختلف الأمر ، فمساجد الصوفية تستهدف جمع الأموال من النذور ، وتتنافس فيما بينها فى ذلك دون الوقوع فى إكراه الغير فى الدين . أما مساجد الوهابيين الحنابلة السنيين فهى متعدية بطبعها تقوم بالإكراه فى الدين ، وتطمح للإستغلال الاقتصادى والسياسى معا . ولنا شرف النضال ضد هاذين النوعين من مساجد الضرار. ونبدا الآن بمساجد الضرار الصوفية .
أولا : البداية فى ( أبو حريز )
1 ـ وقد بدأت نضالى ضد مساجد الضرار مذ كنت فى الرابعة عشر من العمر ، معترضا على مسجد بلدنا ( أبو حريز ـ مركز كفر صقر شرقية ) وقد كان ولا يزال مسجدا صوفيا يحوى ضريحا يقدسه الناس فى البلدة وفى نواحيها ، ويقصدونه بالحج والتوسل ، ويعيش على هذا الجاه الدينى أسرة صاحب الضريح ، ومن نسل الجد الكبير تناسلت أضرحة وتأصل نفوذ كان عتيا حين كنت فى إعدادى الأزهر ، فرفعت صوتى بأن هذا الضريح رجس من عمل الشيطان ، فارتعب السامعون وتناقلوا ما قلت ، وجاءت لى التحذيرات من كبار الأزهريين فى البلد ، وقد كانوا تلاميذ والدى يرحمه الله جل وعلا . واستمر نضالى ضد هذا الاتجار بالدين ، وبسبب نشأتى فى هذه البيئة الصوفية التى تقدس البشر والحجر وتستخدم مساجد الله فى هذا الإفك والعدوان كانت رسالتى للدكتوراه عن أثر التصوف فى مصر فى العصر المملوكى الذى شهد تحكم أولياء التصوف الذين لا يزالون مشهورين حتى اليوم . وشاركت فى تأسيس أول مسجد فى بلدى أبوحريز. كنت وقتها سنيا معتدلا أسعى فى اصلاح السنيين ، فكتبت مقالا فى مجلة الهدى النبوى أحكى فيه عن المسجد الصوفى فى بلدنا ، والتى تخلو من مسجد لله جل وعلا. وإتخذ من هذا المقال أحد الأزهريين من ابناء البلد ، وكان معارا فى الخليج ، فجمع الأموال لانشاء مسجد سُنّى فى أبوحريز ، ودخل فى معركة تمخضت بعد سنوات عن تأسيس هذا المسجد السُنّى ، وعاصر هذا هجومى على السّنة بعد أن تبيّن لى بالقرآن التناقض بين السّنة والاسلام ، فأصبح هذا المسجد الإخوانى خصما لنا .
ثانيا : ـ ضد المساجد الصوفية
كتبت كثيرا عن استغلال الصوفية لمساجدهم، وممّا كتبت كان سيناريو درامى بنيته على إعلان تليفزيونى كان مشهورا وقتها فى محاربة البلهارسيا ، وفيه ينصح فلاح عاقل ( الممثل محمد رضا ) فلاحا مريضا ( عبد السلام محمد ) بأن يعطى ظهره للترعة ويبتعد عنها حتى لا تأكل البلهارسيا جسده . ولأن الفلاح يعانى من بلهارسيا دينية عقلية أشد ضررا ، فإن السيناريو الكوميدى الواقعى ركّز على دور مساجد الضرار الصوفية فى تدمير حياة الفلاح المصرى . وبالطبع لم أجد من يشترى السيناريو فقمت بتلخيصه فى مقال بعنوان ( بلهارسيا عقلية ) . ونشرته فى الأحرار فى يوم 20 مايو 1991 م . ونعيد نشره هنا :
( بلهارســــــيا عقليـــــة :
1- كثيراً ما نصحوا الأخ عبد السلام بأن يعطي ظهره للترعة حتى لا تمتص البلهارسيا ما تبقى من حيويته وكثيراً ما يعلن الأخ عبد السلام السمع و الطاعة و لكن لا غنى له عن الترعة ولا غنى للترعة و ما فيها من بلهارسيا عن جسده ! ! . والمشكلة الحقيقة أنهم يحذرون الأخ عبد السلام من نوع واحد من البلهارسيا وينسون أنه ضحية دائماً لبلهارسيا عقلية تستنزف أمواله وكرامته ودنياه وآخرته. فالأخ عبد السلام شأن كل فلاح مصري بسيط - يستحق الصدقة والزكاة بإجماع كل المذاهب الفقهية - والنحوية – أيضاً ومع ذلك فالأخ عبد السلام يقتطع من قوته الضروري ويترك أولاده جوعى لكي يقدم النذور لضريح الشيخ مهروش الواقع على مشارف القرية .
2- وبدأت الحكاية منذ عشر سنوات مع تردد الشيخ سرحان على القرية ، وكان الشيخ سرحان مشهوراً بالبركة والصلاح "والسر الباتع" خصوصاً مع الزوجات العاقرات واللاتي في خصومة دائمة مع أزواجهن ، وكانت أحدهن بعد أن تجلس في"الخلوة"مع الشيخ سرحان سرعان ما تنفك "عقدتها"وينصلح حالها. وقد أمتدت شهرة الشيخ سرحان إلى القرى المجاورة ، فكان إذا حلّ بقرية الأخ عبد السلام يتوافد الناس لرؤيته في دوار العمدة ، حيث تقام حفلات الأذكار للرجال ودقات الزار للنساء . وفي إحدى ليالي الانبساط كان الشيخ سرحان يعطي العهد للرجال والنساء فإذا به يصاب بنوبة من التجلي والصياح ، فتوقف الحفل وتعلقت به العيون وهو يرغي ويزبد ثم سكت وسقطت رأسه على صدره، فاستولى الخوف على الحاضرين, واقشعرت أجسادهم ثم فوجئوا بالشيخ سرحان يفيق من الإغماء وهو يهتف "حي.. حي السمع والطاعة يا أسيادي" ثم انخرط الشيخ سرحان في بكاءٍ أعقبته نوبة من صيحات الفرح والسرور ، وقام يعانق العمدة ورجال القرية ويعلن لهم أن (الأسياد) قد وافقوا على نقل رفات العارف بالله الشيخ "مهروش" من بلاد السودان إلى تحت شجرة الجميز التي على الطريق الزراعي في مدخل القرية. وسجد الجميع لله شكراً وعانق بعضهم بعضاً ، وانطلقوا في الظلام بقيادة الشيخ سرحان إلى تحت شجرة الجميز وتوقف الجميع بعيدا ، بينما تقدم منها الشيخ سرحان خطوة خطوة ، ثم سجد أسفلها ومد يده تحت التراب ثم هتف : مدد يا سيدي "مهروش" .!! وهتف خلفه الجميع وهم يبكون ويتواجدون !! .
وفي الصباح جاء للقرية شاب يبدو عليه الصلاح ، وكان يسأل عن عمدة القرية ، فلما التقى به قال له أنه رأى في المنام هاتفاً يدعوه للقدوم إلى هذه القرية بالذات ليشتري منها كل ما يتبرع به أهلها لبناء ضريح العارف بالله الشيخ مهروش ، وحين قال للهاتف أنه لا يملك النقود قال له الهاتف : " تشجع يا ظريف فالبركة في الرغيف . " وانه حين استيقظ من النوم وجد تحت الوسادة رغيفاً فيه ألف جنيه . وانتشرت الحكاية في القرية ووصلت إلى الشيخ سرحان عند الجميزة وسار إليه الجموع يهنئونه بأولى كرامات الشيخ مهروش ، وفوجئوا بالشيخ سرحان يبكي ، ويحكي لهم أنه رأى نفس المنام وأن الهاتف بشره بأن من يبيع لذلك الشاب الصالح شيئا في سبيل إقامة الضريح سيأخذ قطعة من الرغيف تكون له حرزا من كل سوء . والتقى الشيخ سرحان بذلك الشاب الصالح وكان لقاؤهما يوم عيد. وبالألف جنية وبالرغيف المقدس اشترى الشاب الصالح أحسن ما في القرية من مواشي ومحاصيل ، وتم بناء الضريح وبجانبه سكن سرحان للشيخ سرحان والشاب الصالح الذي نذر نفسه لخدمة الشيخ سرحان وللعناية بضريح الشيخ مهروش عليه سحائب الرحمة والرضوان .
3- ونعود إلى الأخ عبد السلام وقد كانت له بقرة وحيدة يعتز بها أكثر من اعتزازه بزوجته ويرعاها أكثر من رعايته لابنته !! ولكن بسبب حبه في أولياء الله باع بقرته الحبيبة التي تساوي ألفين من الجنيهات وأخذ في مقابلها من الشاب الصالح عشرة جنيهات لا غير مع كسرة صغيرة من الرغيف المقدس ، ولا يزال يحتفظ بها معلقة في حجاب وضعه في الزريبة الخالية إلى أن تأتي له بقرة أخرى !!. وعبد السلام يعتقد في الشيخ سرحان والشاب الصالح وفي كراماتهما ؛ فقد حدث له شخصياً أن زوجته كانت تعتريها حالات وتركبها الأسياد ، فلا تعود إلى الصواب إلا بعد أن يخلو بها الشيخ سرحان والشاب الصالح ، فتعود بعدها لعبد السلام وهىّ آخر تمام !! . وفي كل محصول بل وعندما تتوفر لديه أي نقود يسارع عبد السلام بوضعها في صندوق النذور عند ضريح الشيخ مهروش فهو يريد الستر وأن تحل عليه البركات فيرى طيف بقرته العزيزة !! وعبد السلام يحمد الله فقد أخبر الشاب الصالح زوجته أن الأسياد توسطوا عند السيدة زينب حتى يدفعوا عن عبد السلام كارثة محققة و لولاهم لكان صريع البلهارسيا !! وعبد السلام يأخذ الحكومة على قدر عقلها ويتناول دواء البلهارسيا فى الوحدة الصحية وهو يعلم تماما أنها لا تنفع ولا تضر وأن بركة مشايخنا هى التى تدفع عنه البلاء ومدد يا أسيادى !!
4- والذي لا يعرفه عبد السلام أنه ينبغي أن يعطي ظهره لأشياء كثيرة وليس للترعة وحدها ، وأن الترعة بما فيها من بلهارسيا وقواقع أطهر من ضريح الشيخ مهروش وما يحدث فيه !! والذي لا يعرفه عبد السلام أنه باعتقاده في هذه الأوهام قد خسر الدنيا والآخرة من حيث لا يدري ، وأنه وقع ضحية نصاب محترف وشريكه ، وأن أسهل الطرق للإحتيال إنما تكون من خلال التدين الفاسد حيث تسود الخرافة ويتم بيع صكوك الغفران والخيالات والأحلام للفقراء والمخدوعين . وقديماً قال ابراهيم لقومه: ( إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) العنكبوت ) .
5- ومشكلتنا نحن أن بعض مريدي الشيخ مهروش يريدون أن يحكمونا باسم الاسلام ، وهم يتصورون أن كلنا عبد السلام !! يا سلام !! ).
إنتهى المقال ، ولكن لم تنته المشكلة !.
(11 )
تطبيق مبادىء الشريعة الاسلامية يستلزم إصلاح المساجد:( 3 ) جهادنا ضد مساجد الضرار الوهابية
أولا : ضراوة النضال ضد مساجد الضرار السّنية :
1 ـ هنا يتشابك النضال فى الشارع مع النضال بالكتابة والتأليف . وينعكس هذا فى مقالات كتبتها أسجل بعض ما دار من صراع بيننا أهل القرآن من ناحية ونظام مبارك والاخوان والسلفيين من ناحية أخرى . ورد بعض هذا فى مقال ( التسامح الاسلامى بين مصر وأمريكا ) ، كما حكيت بعض الذكريات عن الصراع بين الصوفية والسنيين فى مقال ( مسجد الضرار ومسجد الضراط ). وقمت بتأصيل قرآنى تاريخى لمساجد الضرار فى تاريخ المسلمين فى سلسلة مقالات ( الحلف بالله كذبا ) تحت عنوان ( إنتشار مساجد الضرار فى بلاد المسلمين ). وقد تم جمعها فى كتاب ( تحذير المسلمين من خلط السياسة بالدين )، وتناولت الموضوع فى باب الفتاوى بموقع أهل القرآن فى سؤال عن صلاة الجمعة فى مساجد الضرار .
2 ـ مساجد الوهابية هى الأفظع بين مساجد الضرار،والدليل هو استغلالهم للمسجد المسمى برابعة فى التعذيب والزنا ( جهاد المناكحة ) و سبى أطفال الملاجىء واتخاذهم رهائن للإحتماء بهم ، وتحويل المظاهرات والاعتصامات لمعارك قتالية تتخذ من المساجد مراكز وقلاعا حربية . ومن المنتظر لو سيطروا على مصر أن تتحول مساجدهم الى مراكز حربية يتم من خلالها شنّ غارات على مساجد الصوفية والكنائس المسيحية .
3 ـ والحال الذى وصلت اليه مصر هو المحصلة المنتظرة من التوسع الهائل فى إنشاء مئات الألوف من المساجد الوهابية خلال اربعين عاما ، وقد غطّت العمران المصرى كله ، وتنوعت من زوايا ملحقة بالعمارات الى مؤسسات ضخمة تحوى المسجد والمدرسة والمستشفى والحضانة وقاعة الأفراح والمناسبات . ومع هذا التنوع فكلها تتفق فى نشر الوهابية بين المصريين .
4 ـ والواقع أن ما يسمى بالصحوة الدينية ( السّنية الوهابية ) قد إستولت على ثروات المصريين بطرق عديدة منها سلب أموالهم من خلال شركات توظيف الأموال ، وبالتركيز على أن فوائد البنوك حرام ، وقد ناضلنا ضد هذا فى مقالات أزعجت شيخ الأوزهر وقتها ( جاد الحق ) فكتب ضدنا بلاغا فى أمن الدولة العليا ، ومنع نشر بقية المقالات فى الأخبار . وقد نشرنا هذا هنا فى مقال ( معركة الربا ) . الطريقة الثانية التى سلب بها الوهابيون المصريون الثروة المصرية هى التهامهم تبرعات أهل الخير وتوجيهها الى إنشاء تلك المساجد الوهابية الارهابية ، فى وقت يعانى فيه شباب مصر من الحصول على مسكن يتزوج فيه ، وتنتشر العنوسة بين البنات. وكتبنا فى حق ( ابن السبيل ) المسكوت عنه ، وأن ابن السبيل ينطبق على السياح الزائرين ـ وهذا يعنى إكرامهم والترحيب بهم ـ كما ينطبق أكثر على من لا يجد مأوى وسكنا من الشباب الراغب فى الزواج ، وأهمية أن تتوجه أعمال البر الى توفير مساكن بسعر معقول لهم ومأوى لأطفال الشوارع . بدلا من هذا أقامت ( الصحوة الوهابية المصرية ) آلاف المساجد التى تزيد عن الحاجة ، وتكفلت بشباب مصر وأطفال مصر الضائعين بطريقة جديدة ، هى استخدامهم حطبا للحرب الأهلية القادمة ، وجثثا يصعدون عليها الى السُّلطة .
5 ـ ومن البداية حذّرت من هذا فى مقالات مستقلة عن ابن السبيل والزكاة ، وأيضا بين سطور مقالات وأبحاث ، مثلا : قلت فى منتصف التسعينيات فى بحث ( الاسناد ) وهو منشور هنا : ( استحضر عقلك ولا تعطه اجازة، وتفكر فى معنى ذلك الحديث المنسوب كذبا للنبى عليه السلام..انه يؤكد على ان كل من بنى لله مسجدا بنى الله تعالى له قصرا فى الجنة، مهما كان الشخص مؤمنا او كافرا،ومهما كان مصدر المال طيبا او خبيثا، يعنى ان السيد هتلر من حقه ان يكون له قصورفى الجنة اذا بنى بضعة مساجد، ويعنى أيضا ان كل مختلس وظالم وناهب لأموال الناس يستطيع اذا بنى ببعض أمواله الحرام مسجدا ان يدخل الجنة. ..هل يتفق ذلك مع تشريع الاسلام؟. ثم ان هذا الحديث الذى يبيع قصور الجنة لكل من يتبرع ببناء مسجد يحدد لنا منذ البداية اقل مساحة مقبولة للمسجد، يقول ((من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة)) ، اى يكون مساحة المسجد كقدر ما تتحرك به ساق القطاة حين تفحص بساقيها الارض. والقطاة هى طائر صغيرة الحجم .اى من بنى لله مسجدا ولو كانت مساحته فى مثل هذا الصغر بنى الله له قصرا فى الجنة حتى لو كان من مال حرام، ومهما كانت شخصية ذلك المتبرع ،وحتى اذا كان ذلك المسجد لا يستطيع دخوله الا النمل والصراصير الوليدة....هل يعقل ان يتكلم النبى عليه السلام بهذا الكلام؟!!. ولكن ذلك الحديث تم اسناده أو تمت نسبته للنبى عليه السلام ، ورواه ابن ماجه فى "مسنده" عن فلان عن فلان. وآمن الناس بصحة ذلك الاسناد .ومن هنا فان ذلك الحديث الكاذب هو المسئول عن اقامة 38 الف مسجد وزاوية فى القاهرة الكبرى فى العشرين سنة الماضية، وكلها تنشر ثقافة التطرف عبر احاديث مسندة او منسوبة للنبى عليه السلام زورا، وهى تخالف القرآن والسنة الصحيحة للنبى عليه السلام . وبدلا ان تتوجه أموال الصدقات لبناء مساكن للشباب والعائلات التى تسكن المقابر، فأنها توجهت لبناء مساجد ايديولوجية تزيد عن حاجة المسلمين الذين يستطيعون الصلاة فى كل مكان . ومع العلم بأن حق ابن السبيل فى تشريع الاسلام ثابت فى الزكاة الرسمية والصدقة التطوعية والفئ والغنيمة، ولا يصح الالتفات لرعاية ابناء السبيل من الاغراب الا بعد ضمان المسكن والطعام لابناء البلد ـ فكيف اذا كان ابناء البلد انفسهم لايجدون السكن بحيث ضاعت احلام الشباب فى الزواج واصبحت العنوسة ازمة مستفحلة ؟ ومع ذلك تفاقمت تلك المشكلة لان أموال الصدقات استنفذها ارباب الصحوة السلفية فى بناء عشرات الالوف من المنابر التى تؤسس لدولتهم القادمة! ومن دعائم تلك الدولة ثقافة التراث للعصور الوسطى، تلك الثقافة التى أصبحت مقدسة عبر الاسناد ،او عن طريق نسبتها زورا للنبى عليه السلام ...مهما خالفت العقل والاسلام .) أنتهى النقل من بحث الاسناد..
6 ـ وكتبت سيناريو فيلم ( سيرة الشيخ النعناعى ) عن أحد الشيوخ الذى صار من كبار الأثرياء فى القاهرة بعد رحلة طويلة فى التسول ( العلمانى ) ثم التسول ( الوهابى ) . وكالعادة لم أجد من يشترى هذا السيناريو ، فكتبت فكرته مقالا موجزا ، ونشرته جريدة الأحرار فى 15/6/1996 ، فى سلسلة ( قال الراوي) وتحت عنوان : ( تبرع يا أخي لبناء مسجد نفق شـبرا ). وأعيد نشره هنا :
ثانيا : مقال : ( تبرع يا أخي لبناء مسجد نفق شـبرا
1 ـ عرفته منذ كنت طالبا في الثانوي أركب الأتوبيس لبلدنا حيث كان يصعد هو يبيع النعناع ويترنم بلهجة متنغمة مميزة : " يا مجلي القلب يا نعناع ".. وكان يستحوذ على عطف الناس لما يرونه فيه من دلائل الفقر وفقد البصر ، ومعه عصاته في يده يتحسس بها الطريق ويصعد بها الأتوبيس .ولم أكن وحدي الذي يتابعه ويهتم بحالته ، كنت مثل كثيرين من الشباب الذي تعاطف معه ، إذ كان في أعمارنا تقريبا ، وعرفنا أنه يبيت الليل في المحطة ينام داخل الأتوبيسات . ورغبة منا في مساعدته حسبما تسمح به ظروفنا فقد أصبحنا جميعا من الذين يدمنون تعاطي النعناع !!.
2 ـ ومرت الأيام وأصبح صاحبنا بائع النعناع الضرير ذكرى من ذكريات الشباب الغض التي ترزح تحت ضغط الحياة في القاهرة ومشاكلها ، إلى أن قفز صاحبنا إلى ذاكراتي فجأة في أوائل الثمانينات . كنت أجلس في الأتوبيس وسمعت صوتا يتسلل إلى نفسي يدعو الناس للتبرع إلي بناء بيت من بيوت الله ، ورفعت رأسي فوجدت رجلا في ثياب بيضاء قصيرة ، ولا أدري لماذا أيقظ في داخلي الصوت القديم لبائع النعناع الكفيف وأنشودته المفضلة : يا مجلي القلب يا نعناع !!. والتفت إليه والتقت عينانا ، ووجدته في لحظة يشيح بوجهه عني وقد كان قريبا مني ، وأخرجت نقودا لأتبرع بها ، ولكنه تجاهل يدي الممدودة وتخطاني ، ودعوته لأعطيه النقود وهدفي أن أتعرف عليه وأفهم لماذا يتحاشاني ، وعاد لي مرغما ومد يده يأخذ النقود وركزت نظري عليه فعرفت فيه بائع النعناع القديم ، ولكنه أصبح صحيح النظر نظيف المظهر ، وابتسمت له وابتسم لي ، وقلت له هامسا : يا مجلي القلب يا نعناع .. وضحك ..ونزل من الأتوبيس مسرعا ..
3 ـ ومرت سنوات ، ودعيت لإلقاء محاضرة في أحد المساجد الفخمة ، وكان الشاب الذي جاء يدعوني حريصا على أن أتعرف على الحاج عبدالمعطي رئيس الجمعية التي أقامت المسجد وملحقاته من المستشفي والصيدلية ومعمل التحليل ، وأفاض الشاب في سرد منجزاته وإنشاءاته. قلت له حدثني عن ثقافته ومستواه العلمي ، فقال الشاب ، إنه هو الذي ينشيء بيوت الله ومثلي هو الذي ينشر فيها العلم ، واقتنعت بوجهة نظره .. وصحبني الشاب إلى المسجد الفخم ، ففوجئت به مجرد بدروم يحمل فوق كاهله خمسة أدوار للمستشفى وعياداته التخصصية ومعامل التحليل الخاصة به ، وحتى هذا البدروم اقتطعوا منه واجهاته على الشارع وأقاموا فيها محلات تجارية وصيدلية ، لم يتركوا إلا مساحة تسمح بوجود باب للمسجد !! وقلت لمرافقي الشاب إنه ليس مسجدا وملحقاته ، ولكنه مستشفي ومحلات تجارية وقد الحقوا بها هذه المصلى المتواضعة ، وهرش الشاب رأسه من الحرج وقال : لقد كنا نريد أن نجعل الدور الأول للمسجد فلم تكتمل فيه الصفوف بالقدر الكافي يوم الجمعة ، ثم اقترح الحاج عبدالمعطي رئيس الجمعية أن نُخصّص الدور الأرضي للمسجد حتى نستفيد من استغلال الشارع كله في صلاة الجمعة ؟!! وعلى ذلك جعلنا الدور الأول كله لعيادة الباطنة والجراحة . وقلت له : ما أزال مصمما على رأيي إنه مشروع استثماري والمسجد غريب عنه ملحق به لاستغلال الدين، ثم أين تذهب إيرادات هذا المشروع الاستثماري متعدد الأنشطة ؟ ويبدو أنني دخلت في الممنوع ، إذ أن الشاب الذي يرافقني نظر لي ببرود وتركني ودخل المسجد . ووقفت أمام ذلك البناء الفخم الضخم مترددا ، هل أدخله وألبي الدعوة أم أخذها من " قصيرها " وأنصرف؟!.. وغلبني الفضول فدخلت ، وكان واضحا أن هناك من كان يجلس ينتظر المحاضرة ، ولكن يبدو أن " المرشد السياحي " الذي كان معي وتركني مغاضبا قد أعطاهم فكرة عني ، لذا وجدت نظرات البرود والكراهية تحوطني . وشعرت بالارتباك وعزمت على الخروج ، ولكن تقدم مني أحدهم ورحب بي على حذر، وأفهمني بلباقة أنه لا ينبغي أن أتعدي المطلوب مني وهو إلقاء المحاضرة وحسب ، وقلت له كان ينبغي أن تكونوا على علم بمن تدعونه إلى المحاضرة ، وهل سيقبل المُنكر ويسكت عليه أم يُنكره، وفوجئت به يقول: إن هناك من هو أكبر منك علما وشهرة يأتي هنا يسعد بمقابلة الحاج رئيس الجمعية ويشيد به وفي النهاية يأخذ أجره على المحاضرة وينصرف سعيدا ..ووجدتني أثور عليه قائلا : ومن قال لكم أنني من هؤلاء الذين يأخذون أجرا على كلمة حق يقولها في ندوة أو خطبة ، وقرأت له قوله تعالى :" اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون "..وكانت ضجة ، وتقدم كثيرون يهدئون ثورتي ويعتذرون لي حتى ينتهي الموضوع على خير . وأثناء ذلك جاء أحدهم ، فوقفوا له احتراما ، وتقدم مني ودعاني لمقابلة الحاج عبد المعطي ..كنت أظنه هو الحاج عبدالمعطي فإذا هو رسول الحاج عبدالمعطي .. وصعد بنا المصعد الكهربائي إلى الدور الأخير ، حيث يعيش الحاج عبدالمعطي ويسكن ويدير إمبراطوريته ويعرف كل ما يدور فيها أولا بأول ..ودخلت مكتب الحاج عبدالمعطي فوجدته هو .. يا مجلي القلب يا نعناع .. وتبرع يا أخي لبناء مسجد نفق شبرا ..).
أخيرا :
1 ـ إنتهى المقال .. ولم تنته المشكلة . فقد إنتشرت مئات الألوف من مساجد الحاج عبد المعطى ـ أو الشيخ النعناعى ـ فى ربوع القاهرة ومصر ، وصارت مراكز لنشر ثقافة الارهاب ، ثم أصبحت مراكز لإدارة حرب الشوارع ، وإشعال حرب أهلية فى مصر .!.
2 ـ ألا يستوجب هذا إصلاحا جذريا حقيقيا للمساجد المصرية لتكون مساجد لله جل وعلا تنشر الأمن والسلم والراحة النفسية والرحمة والمودة والرأفة بدلا من نشر ثقافة الكراهية والارهاب الوهابية ؟
( 12 )
تطبيق مبادىء الشريعة الاسلامية يستلزم إصلاح المساجد:(4) مقترح إصلاح المساجد المصرية
أولا : لمحة تاريخية عن مساجد الضرار
1 ـ فى عهد النبى عليه السلام كانت خطبة الجمعة قراءة للقرآن ، ولذلك لا توجد خطبة للنبى لأى صلاة جمعة ، مع إنه عليه السلام صلى الجمعة فى المدينة أكثر من 500 مرة . الأمويون إشتهروا بتأخير الصلاة عن مواقيتها ،وسيأتى تفصيل ذلك بعون جل وعلا فى الجزء الثانى من كتاب ( الصلاة بين الاسلام والمسلمين ) ، ولكن الأخطر أن الأمويين إستخدموا الصلاة والمسجد فى تدعيم سلطتهم السياسية وفق ما إعتادته قريش فى جاهليتها . تحولت خطبة الجمعة فى العصر الأموى الى منشور سياسى يتم فيه لعن ( على بن أبى طالب) والدعاء عليه فى الخطبة ، ثم يقوم القُصّاص بالقاء درس يخلط فيه الخرافة بالأحاديث بالدعوة لبنى أمية ولعن أبى تراب ( على بن أبى طالب ) وتمجيد معاوية . ووصل لنا من هذا الهراء قولهم بأن معاوية كان من كُتّاب الوحى ، مع إن معاوية أسلم فى فتح مكة ولبث فيها مع أبيه بعيدا عن النبى الى أن مات النبى بعدها بقليل، فمتى وجد وقتا ليصحب النبى ويكتب الوحى ؟ . قام العباسيون بتدمير الدولة الأموية وإنشاء دولة دينية مكتملة الاركان فى العصر العباسى ، وفيه إصبحت المساجد ذات صبغة ايدلوجية سنية أو شيعية أو صوفية ، أى تحولت الى مساجد ضرار حقيقية . بل وتطور الصراع السّنى الشيعى فى بغداد فى العصر العباسى الثانى لتلعب فيه المساجد دورا تخريبيا ، سنعرض لملامح منه فى بحثنا عن انتهاك المسلمين للأشهر الحرم فى كتاب الحج بين الاسلام والمسلمين . وفى مصر أنشأ الفاطميون مساجد ضرار لنشر التشيع كان أشهرها ـ ولا يزال ـ الجامع الأزهر .
2 ـ وفى النهاية صارت سُنّة متعارفا عليها أن يتم إستخدام المسجد فى أغراض سياسية أو نفعية ، وقد تتطور الى جعله مركزا إرهابيا حربيا ينشر القتل والخراب . وأصبحت الدعوة للسلطان الحاكم بالنصر تقليدا للمساجد الرسمية، بينما يقيم المعارضون السريون مساجد لهم يتآمرون فيها على السلطان ، أو ينشرون فيها سرا عقائدهم إن كانت ضد الدين الأرضى السائد . وهذا ما إتبعه الشيعة فى معظم فصول تاريخهم ، حيث إحترفوا التقية ، وهذا أيضا ما فعله الصوفية فى الوقت الذى سيطر فيه الحنابلة على العصر العباسى الثانى . والمضحك أن خطباء المساجد ظلوا قرونا يدعون بالنصر للسلطان على الكفرة ، ويهتفون : " اللهم إجعل أموالهم ونساءهم غنيمة للمسلمين " ، فى الوقت الذى كان فيه الاستعمار الأوربى يحتل معظم بلاد المسلمين . أى إن دعواتهم فى مساجدهم الضرار غير مستجابة ، ولا تزال ، بدليل أنه الآن مع وجود ملايين المساجد الضرار فى بلاد المسلمين فى العالم وصلواتهم الجمعة فيها خلال قرون ، ودعائهم لله جل وعلا فى خطب الجمعة ، فلا يزال المسلمون شرّ أمّة أخرجت للناس ، لأنهم بمساجدهم الضرار يحاربون الله جل وعلا ورسوله .
3 ـ وعندما إستولى عبد العزيز آل سعود على الأحساء ( المنطقة الشرقية حيث البترول الآن ) وأهلها شيعة فإن شيوخ الوهابية أصدروا أمرا لعبد العزيز بمنع أهل الأحساء من الصلاة فى مساجدهم وإلزامهم بالحضور فى مساجد الوهابية ، ومنعهم من إقامة شعائرهم الشيعية . هذا ، وقد أنشأ عبد العزيز آل سعود مؤسس الدولة السعودية الراهنة مراكز مسلحة عُرفت بالهُجر ، وكانت مثل قرى صحراوية عسكرية يتشرب فيها شباب البدو تعاليم الوهابية ، ويتدربون على الحرب ، وكان المسجد يتوسط ميدان القرية ، وفيه الأسلحة ، وهو المركز الحربى للإعداد والتخطيط والتوجيه والحشد ، وكانت تأدية الصلاة بطابع عسكرى ، يجعل قتل الآخرين غير الوهابيين جهادا ، سواء كان من الأطفال أو النساء ، وقد إشتهر ( إخوان عبد العزيز ) بوحشية غير مسبوقة فى تاريخ المسلمين فى إستئصال المعارضين لهم وفى قتل الأبرياء من القرويين فى الشام والعراق فى هجمات ( جهادية ) قضى فيها الإخوان الوهابيون السعوديون على حوالى نصف مليون خلال عقدين من الزمان ( 1914 : 1930 ) . كانوا يقتلون بكل حماس الأطفال والنساء والفلاحين الأبرياء ، فى تاريخ مسكوت عنه . وفعلوا مثل ذلك فى تأسيس الدولة السعودية الأولى ، وإفتخر به مؤرخوهم وقتها . وهذه الوحشية فى قتل الأبرياء بزعم الجهاد مرجعها الى التربية الدينية الوهابية فى مساجد الضرار ، والتى تجعلهم يقترفون أكبر الكبائر وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا . .
4 ـ ومنذ سنوات إقتحمت الشرطة الباكستانية مسجدا لوهابيين أكثر تطرفا من التطرف الوهابى السائد فى ربوع باكستان . وهذه يؤكّد حقيقة ثابتة ، أن الوهابيين لو وصلوا للحكم فسيختلفون ويتقاتلون ، وتصير مساجدهم مراكز للقتال . حدث هذا مع عبد العزيز آل سعود مؤسس الدولة السعودية الراهنة ، فالاخوان النجديون المُشار اليهم هم الذين أسسوا له دولته ، ثم إختلفوا معه وتزعمهم فيصل الدويش وابن بجاد وضيدان بن حثيلين ، ثم إنشقوا عنه وحاربوه وقضى عليهم فى معركة السبلة 1929 / 1930 . وفى معارضتهم له وحروبهم ضده إستخدموا مساجدهم ضده يعلنون كفره ، وإستخدم هو مساجده ضدهم يؤكد كفرهم . وفى مطلع القرن الهجرى الحالى عام 1979 قام وهابى متطرف هو جهيمان العتيبى باحتلال المسجد الحرام وإتخاذ الموجودين فيه رهائن ، ولم يستطع السعوديون القضاء عليه إلا بمجزرة حول الكعبة ، سكت عنها العالم . وسنعرض لهذا بالتفصيل فى بحث قادم .
5 ـ ولو أسّس الاخوان الوهابيون لهم حُكما فى مصر فلا بد أن يحدث بينهم إنشقاق وحروب ، تلعب فيها المساجد الدور الأساس فى تحويل مصر الى حمامات دم . إنّ إنتشار الوهابية فى الشرق الأوسط جعل إستخدام مساجد الضرار سوقا رائجة ، وهى تمارس دورها الدامى حاليا فى العراق وسوريا ، ثم جاء الدور على مصر لنكتشف أن الاخوان والسلفيين قد نجحوا خلال أربعين عاما فى تأسيس مئات الألوف من المساجد ، وفى السيطرة على المساجد الشهيرة والمنشأة من قبل ، والأهم أنهم نجحوا فى تحويلها الى مراكز دعوية للوهابية ،فأصبح سهلا عليهم أن يستخدموها فى إعتصاماتهم ومراكز لحشد أنصارهم ، وللتخطيط للقتل والتعذيب والتآمر السياسى والعمل العسكرى . إنفجر كل هذا مرة واحدة فى وجه المصريين المعروف عنهم ( من قبل ) المسالمة والابتعاد عما يُسمّى بالعنف . بسبب الوهابية تغير كثير من المصريين الآن ، صار البعض يحترف البلطجة ( العلمانية ) ، وإختار البعض الآخر ( البلطجة الدينية ) بالوهابية وتحت زعم الجهاد ، ويكفى أن يعتكف عدة اشهر فى مسجد ليصبح من ( أبناء لادن ) . تخيل لو لم يقم المصريون بإسقاط حكم الاخوان ، ماذا كان سيحدث لمصر بعد أربعة أعوام ؟ .. هذه الثورة المصرية تستلزم إصلاحا ثوريا للمساجد .
ثانيا : الاصلاح الثورى للمساجد :
1 ـ وقف إنشاء أى مساجد جديدة ، فالموجود يكفى ويزيد عن الحاجة . والمطلوب الان هو إصلاح المساجد القائمة ، وتحويلها من مساجد ضرار الى مساجد للإصلاح . وهذا بالإشراف التام لوزارة الأوقاف على جميع المساجد الحكومية والأهلية فيما يخص التبرعات والشئون المالية ، وأنشطة المسجد الاقتصادية والاجتماعية ، وفى تعيين ومراقبة ومحاسبة وعزل الدعاة .
2 ـ إلزام دعاة المساجد بدورات تدريبية وإعادة تأهيل ، ومن ينجح فيها يستمر فى وظيفته ، ومن يرسب أو يرفض يتم عزله فورا .
3 ـ إلزام دعاة المساجد بخطة دعوة محددة المعالم فى خطب الجمعة والدروس الدينية . وتشرف الوزارة على تنفيذها بكل حزم ، وتعزل من لا يلتزم بها . وتركّز الدعوة الاصلاحية على القرآن الكريم وحده ، بأن تدور خطبة الجمعة على آيات قرآنية من أوامر ونواهى ووصايا وتشريعات وقصص فى مجالات العقيدة والأخلاق.ويتم تقسيمها على عدد ( 52 )خطبة للجمعة فى السنة . وعدد ( 52 ) درسا فى العام .
4 ـ تشمل مجالات الاصلاح :
4 / 1 : التعريف بلا اله إلا الله ، من حيث إخلاص الدين لله جل وعلا فى تقديسه وحده والتوسل به وحده وطلب المدد منه وحده وعبادته وحده . وأنه لا تقديس لأى مخلوق من أنبياء وصحابة وأولياء مع الله جل وعلا ، وأن الله جل وعلا هو وحده الولى والشفيع والنصير والوكيل ، وأن شهادة الاسلام واحدة ( لا إله إلا الله ) ويحرم التفريق بين الرسل ، بل الايمان بهم جميعا ، والايمان بالكتب السماوية جميعا وفق ما تأكّد وتكرّر فى مئات الآيات القرآنية .
4 / 2 : التعريف بمعنى الايمان باليوم الآخر عقيديا: بأن الله جل وعلا هو وحده مالك يوم الدين، ولا مُعقّب لحكمه، وأن يوم الدين هو العدل المطلق فلا تشفع نفس لنفس ولا تجزى نفس عن نفس. والتعريف به سلوكيا : بأن نتعلم تقوى الله جل وعلا فى حياتنا الدنيا تحسبا ليوم الحساب ، فلا نظلم ولا ننافق ولا نرائى ، ولا نستغل الدين للحصول على حُطام دنيوى زائل يترتب عليه خلودنا فى النار .
4 / 3 : التعريف بالتقوى الاسلامية ، عقيديا بإخلاص الدين لله جل وعلا وحده ، والتعامل معه جل وعلا مباشرة بلا واسطة ، وسلوكيا بحّسن الخلق مع الناس .
4 / 4 : نشر وتعليم الجانب الأخلاقى فى القرآن الكريم فى التعامل بالحُسنى مع الناس ، فى العدل والقسط والاحسان والتسامح والرحمة والسلام والتيسير والتخفيف والرأفة والكرم والشجاعة ورعاية الوالدين واليتامى والمحتاجين وابن السبيل والجيران وأولى القربى ، والدفاع عن المظلومين ، وقول كلمة الحق، والأمانة والوفاء بالعهد والوعد وحفظ الحقوق والوقوف ضد الظلم والبغى والاستبداد والإكراه فى الدين وإستغلال الدين فى الحصول على مطامع دنيوية سياسية أو إقتصادية . وأنّ الذى يقتل الأبرياء باسم الدين هو الأكثر عداءا لله جل وعلا ورسوله ولدين الاسلام ، دين السلام والعدل والحرية.
4 / 5 ـ التعريف بمفاهيم القرآن الأصلية : مثل : معنى الاسلام عقيديا ( إسلام القلب لله جل وعلا ) وهذا مؤجل الحكم عليه لله جل وعلا وحده يوم القيامة . والاسلام سلوكيا هو ( السلام ) ، فكل إنسان مسالم هو مسلم بغض النظر عن ملته ودينه وإعتقاده . المهم لنا هو أنه مسالم فى سلوكه ويسلم الناس من إذاه ، وهذا لنا الحكم عليه حسب الظاهر من السلوك . معنى الايمان عقيديا هو الايمان قلبيا بالله جل وعلا وحده ألاها لا شريك معه فى الالوهية ، ولم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد . ولله جل وعلا وحده يوم القيامة الحكم على هذا الايمان القلبى وما يتبعه من عبادات. ولا شأن لنا بهذا.ومعنى الايمان سلوكيا هو(الأمن ) ، فالمؤمن سلوكيا هو المأمون الجانب ، الذى يأتمنه الناس لأنه لا يعتدى على أحد ، ولنا الحكم على هذا السلوك الظاهرى . وعلى النقيض من ذلك يأتى معنى الكفر والشرك ، فهما معا فى الاعتقاد بمعنى إتخاذ شريك مع الله فى الالوهية . وهذه ناحية يرجع الحكم فيها لله جل وعلا يوم القيامة ، ولا شأن لنا بالتدخل فيها . الذى لنا التدخل فيه بالمنع والمواجهة والمقاومة هو الكفر والشرك بالمعنى السلوكى ، أى إستغلال دين الله فى القتل والسلب والنهب والزنا ، والظلم والاستبداد ، وفى الوصول للثروة والسلطة . وبالتالى فكل المسالمين مسلمون مهما إختلفت عقائدهم ، وكل من يستغل الدين فى الظلم والبغى هم الكافرون المشركون ، ويجب الوقوف ضد ظلمهم وبغيهم . وشرح معنى ( السّنة ) يعنى الشرع الالهى والمنهاج الالهى فى التعامل مع المشركين ، ومعنى طاعة الله ورسوله ، أى طاعة القرآن الكريم ، اى الرسالة الباقية بعد موت الرسول محمد عليه السلام . وهكذا بقية المفاهيم القرآنية ، لتخليصها من سوء الفهم التراثى لها .
4 / 6 : التنبيه فى كل خطبة على أن دور الداعية فى مساجد الله هو النصيحة والوعظ بما جاء فى كتاب الله ( القرآن الكريم )، دون إكراه فى الدين ، وأن مسئوليته تنتهى بقول كلمة الحق ، وكل إنسان مسئول عن نفسه ، إذا إهتدى فلنفسه ، وإن ضلّ فعلى نفسه .
4 / 7 : التأكيد على الحقيقة القرآنية بأن (الدين لله ) جل وعلا يحكم به على البشر جميعا يوم القيامة ، وأن ( الوطن للجميع ) على قدم المساواة .
أخيرا : أصدق الحديث : ( مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ (18) ( التوبة )
( 13 )
تطبيق مبادىء الشريعة الاسلامية يستلزم إصلاح التعليم المصرى
أولا :
1 ـ التعليم هو صناعة الانسان . يولد كل فرد من البشر صفحة بيضاء ، ثم تتم صياغتها بما يتعلمه الطفل من الأسرة والمدرسة والمجتمع ، ويمارس إختيارته بالرفض والقبول ليصبح فيما بعد مجرما ، ارهابيا ، مسالما ، مستقيما ، متفاعلا ، سلبيا ، الخ ... وفى كل الأحوال تلعب المدرسة دورا أكبر فى تنشئة الفرد فى أخطر مراحل العمر ، من الحضانة الى التعليم الثانوى .
2 ـ والتعليم نوعان : تعليم معرفى حقيقى ، وتعليم للجهل والخرافة . التعليم المعرفى الحقيقى هو السائد فى الغرب ، وهو سائد جُزئيا فى التعليم المصرى فى المواد العلمية ( الرياضيات ، العلوم الطبيعية ، الجغرافيا والفلسفة ..). تعليم الجهل والخرافة هو الأغلب فى مادة التربية الدينية ، وما يتصل بها فى مواد القراءة والتاريخ ، حيث تأتى موضوعات دينية للقراءة واللغة العربية ، وحيث يتم فى التاريخ تجاهل الحقبة القبطية المصرية ، بينما يتم تدريس التاريخ ( الاسلامى ) بصورة مغلوطة ، تُسهم فى نشر الجهل وتغييب العقل .
3 ـ الخطورة فى تعليم الجهل أنه خاضع لدين أرضى مسيطر سائد كالتشيع فى ايران والسُنة فى مصر . ولارتباطه بالدين والاعتقاد فهو يبدأ وينتهى بنفى العقل وتأكيد الانصياع والتسليم وتحريم النقاش والنقد ، ويستلزم هذا سيادة منهج التلقين والحفظ فى التعامل مع التلاميذ . وفى النهاية يتخرج الطالب وقد أصبح يحمل شهادة علمية يزداد بها جهلا ، ويتخصص بها فى نشر الجهل ، ويتمسك بجهله لأنه يحسبه دينا . وهذا الجاهل الذى يحمل شهادة علمية ( حتى لو كانت دكتوراه ) يتفوّق عليه فلّاح أُمّى لا يقرأ ولا يكتب ، إذا كان هذا الفلاح الأمّى يستعمل عقله . وفى حياتى عرفت من لا يعرف القراءة والكتابة ، ومعلوماته عن الاسلام بضع آيات من القرآن ، ولكنه ذو عقل يقظ لمّاح ، لا يستسيغ ما يسمع من شيوخ التليفزيون والمساجد ، ويستشهد عليهم ببعض القليل من الآيات التى يعرفها . وكنت أتخيل لو أن أولئك الناس أخذوا حظّهم من العلم الصحيح ، فماذا سيكون وضع مصر ؟
4 ـ لذا فإن الخطورة العظمى فى تعليم الجهل أن الدولة تنفق البلايين ليتخرج الملايين من الجهلاء فى الأزهر وفى التعليم العام ، متأثرين بمناهج التعليم فى الأزهر وفى مادة التربية الدينية وملحقاتها فى التعليم العام ، وبتأثير مماثل من المساجد والاعلام والقنوات التليفزيونية وبرامجها الدينية ومساسلاتها التاريخية . وفى النهاية ، وبعد عمل شاق إستغرق أربعين عاما تقف مصر على حافة حرب أهلية ، وتشهد مصر لأول مرة فى تاريخها التليد العتيد مئات الالوف من الشباب الاخوانى والسلفى الوهابى يستبيحون دماء إخوانهم المصريين لا فارق بين مسلم سنى أو شيعى ، ولا بين مسلم أو مسيحى ، فقد إعتبروا مصر وطنهم ( دار حرب ) واعتتبروا أخوانهم المصريين أعداءا يجب قتلهم ، والسبب بسيط هو كما قلت من قبل فى عنوان عن ثقافة الاخوان ( إما أن نحكمكم وإما أن نقتلكم ).!. سُخرية مريرة مُفجعة ، أن تنفق مصر مئات البلايين من الجنيهات خلال أربعين عاما على الأزهر والتعليم ، كى تنشر الجهل وثقافة الارهاب والتطرف والتعصب وثقافة القتل دفاعا عن الخرافات الدينية ولفرضها على المجتمع عنوة .
جهادنا فى إصلاح التعليم المصرى
1 ـ ولقد نشرت مقالا فى التسعينيات فى روز اليوسف أطالب فيه باصلاح التعليم فى مادة التربية الدينية بالذات ، وتشجع د سعد الدين ابراهيم فأسسس فى مركز ابن خلدون مشروعا لاصلاح التعليم المصرى بمنحة اروبية ، وقدمت فيه دراسة نقدية لمناهج التربية الدينية فى التعليم المصرى ، وقدمت مناهج مقترحة للتربية الدينية فى المراحل الثلاث : الابتدائى والاعدادى والثانوى ، كما كتبت لهم سيناريو درامى عن التسامح المصرى فى العصر العباسى ، وسيناريو آخر تسجيلى وثائقى عن مشاركة المصريين فى مولد السيدة العذراء فى كنيسة مسطرد بالقليوبية . وتم انتاجهما وعرضهما على كبار المثقفين المصريين فانبهروا بهما . وأسهم زملاء تربيون فى تقديم مقترحات فى مواد التاريخ والقراءة . ونوقشت هذه المقترحات علنا فى مؤتمرات حضرها تربيون وأساتذة جامعات ومفكرون وسياسيون وصحفيون ، وبعثنا بها الى الأزهر والكنيسة ومجلس الشعب والرئاسة ، ووزارة التربية والتعليم ودور الاعلام نطلب العرض والنقاش لننبّه على أهمية إصلاح التعليم المصرى . وكانت النتيجة هجوما عارما من الرئاسة ومجلس الوزراء ومجلس الشعب والصحافة الدينية والحزبية والمستقلة قاده الاخوان والسلفيون وخلاياهم النائمة فى تلك المؤسسات . ولكن هذا لم يمنع مركز ابن خلدون من تطوير المشروع بعقد جلسات تطبيقية فى اجازة منتصف العام ( 1999 ) حيث تم طرح المناهج على مدرسين فى التعليم المصرى للنقاش ، ثم قام أولئك المدرسون بتجربة تطبيقية فى تدريسه لبعض مجموعات من الطلبة من مراحل التعليم الابتدائى والاعدادى والثانوى . وفى النهاية هدأ هجوم الصحف ، وبعض من تسرّع بالهجوم بدأ يتراجع ، ويتفهّم ، بل وبعضهم أخذ يدافع عن المشروع مستدلا بما جاء فى الكتب المقترحة.
2 ـ ولكن لم ينس مبارك هذا ، خصوصا وقد إقترن مشروع إصلاح التعليم بمشروع آخر لا يقل خطورة ، وهو ( تعليم المصريين حقوقهم السياسية والانتخابية ) ، وقد سار هذا المشروع على نفس خطى مشروع التعليم فى العلنية والخروج من بين جدران مركز ابن خلدون للتفاعل المباشر مع الناس ، تحديا لجهاز أمن الدولة . لذا فإن مشروع ( تعليم المصريين حقوقهم السياسية والانتخابية ) كان يعقد مؤتمرات علنية مع الناس فى القرى والمدن والمدارس ونوادى الشباب ، مع ملاحقة مستمرة من أمن الدولة لارهابنا وارهاب الناس ، ومع ذلك لم نتوقف وكان الحضور فى إزدياد ، وأغاظ أمن الدولة أن أهل القرآن بالذات كانوا عنصرا أساسا فى المشروعين ، فقد كنت الخطيب الأساس فى المؤتمرات الجماهيرية لمشروع ( تعليم المصريين حقوقهم السياسية والانتخابية ) كما كنت الاساس فى مشروع إصلاح التعليم المصرى . وفى النهاية إتّخذ مبارك قراره باعتقال أهل القرآن و د سعد الدين ابراهيم وغلق مركز ابن خلدون ، واضطررت للهرب لأنجو بحياتى ، لأن وجودى فى السجن حيث يسيطر الاخوان والسلفيون يعنى قتلى بلا تردد .
أخيرا
1 ـ وثائق مشروع إصلاح التعليم ( خصوصا مادة التربية الدينية ) والهجوم الاعلامى والرسمى علينا لا تزال موجودة . وقد انشرها فيما بعد . ولكن ما يحدث الآن فى مصر دليل على أننا كنا ولا نزال على حق ، وأن الغباء الرسمى يجب أن يتوقف ليبدأ إصلاح فعلى فى التعليم الرسمى ليكون منزها عن التعصب والدعوة لأى دين .
2 ـ يجب إلغاء مادة التربية الدينية الحالية وأن يحل محلها مادة فى التعليم الأساسى يتربى فيها التلميذ على الأخلاق الحسنة والقيم العليا ومعرفة الدستور المصرى ( فى حالة كونه دستورا حقوقيا يدافع عن الحرية والعدل وحقوق الانسان والمواطنة) . ويجب تغيير منهج التاريخ ليركز على كل مراحل التاريخ المصرى ، وليناقش بموضوعية فتح العرب لمصر ، وإضطهاد المصريين ( الأقباط ) بعدها ، والتعريف بالحضارة الفرعونية كما ينبغى ، فمن العار أن يدرس التلاميذ فى الغرب الحضارة الفرعونية بتوسّع لا يوجد فى التعليم المصرى ، ومن العار أن تتحدث مناهج التاريخ الغربى عن الحقبة القبطية التى لا وجود لها فى التعليم المصرى ، بل من العار أن يتحدث القرآن الكريم عن مصر والمصريين ويعطى نماذج رائعة عن المصريين فى قصص يوسف وموسى ، ولا نرى إنعاكاسا لهذا فى مادة التربية الدينية التى كتبها الوهابيون الذين يحملون الجنسية المصرية ، ولا ينتمون الى مصر .
3 ـ بالتوازى مع ما سبق يجب إصلاح الأزهر ليكون مدافعا عن الحرية المطلقة فى الدين ، كما يجب الحدّ من سيطرة الكنيسة فى مصر على مسيحيى مصر . عندها يمكن تفهّم وتطبيق مبادىء الشريعة الاسلامية .
4 ـ أما لهذا الغباء من نهاية ؟!!
الخاتمة
خاتمة كتاب :( مبادىء الشريعة الاسلامية وكيفية تطبيقها )
أولا :
1 ـ فى أوائل العصر العثمانى كان الشيخ الشعرانى إمام التصوف السنى فى مصر وخارجها ، يستخدم السّنة فى خدمة التصوف ، وترك مؤلفات غزيرة ، كان أهمها ( لطائف المنن الكبرى ) الذى يفتخر فيه بكراماته وكيف أنه يطير فى السماء ويطوف بالعالم ، ويسمع تسبيح السمك ويتخاطب مع الجن ..الخ ..وكانت ثقافة العصر تصدق خرافاته ، هذا بينما كانت أوربا تسير فى الأرض تكتشف العالم الجديد وتستعمره .
2 ـ ثم جاءت حملة نابليون الى مصر ، فأحدثت هزّة أسهمت فى إيقاظ المصريين ، وبدأت أولى الصحوة ، واستغلها ( محمد على ) الضابط الطموح فى الجيش العثمانى بعد رحيل الفرنسيين فى الوصول الى حكم مصر ، ثم خطا بمصر عسكريا وصناعيا وتعليميا ، فاسقط الدولة السعودية الوهابية الأولى عام 1818 واستولى على الشام ووصل نفوذه للخليج مهددا طريق انجلترة نحو الهند ، ووصلت جيوشه الى داخل الأناضول تهدد باسقاط الدولة العثمانية، فتآمرت انجلترة وفرنسا حتى أوقفت طموح محمد على . بعد فترة جمود فى عصرعباس الأول جاء اسماعيل ليجدد تطور مصر حضاريا وسياسيا ، فتآمرت عليه انجلترة وفرنسا وتم عزله ، ثم احتلت انجلترة مصر .
3 ـ هذا التطور المذهل الذى حدث فى حوالى نصف قرن بعد خروج الحملة الفرنسية نتج عنه تطور مصرى هائل سياسيا ( أول مجلس نيابى فى عصر اسماعيل ) وحضاريا ( تحويل القاهرة من القرون الوسطى لتصبح مزدهرة كأى مدينة أوربية فيها اوبرا وضواحى حديثة وعمائر وقصور هائلة لا تزال تزدان بها القاهرة والاسكندرية ، وانشاء مدن جديدة : بورسعيد ، بور فؤاد بور توفيق .) وأقليميا بضم السودان والوصول الى الصومال ، والتوسع فى التعليم الحديث وارسال البعثات لأوربا ، والانفتاح على العالم .
4 ـ والأهم من ذلك وصول أصداء هذا التطور أخيرا الى اصلاح الأزهر الذى بدأ به الامام محمد عبده ، ولكن توقف بسبب خيانة تلميذه رشيد رضا أكبر عميل لعبد العزيزآل سعود فى مصر ، وقد استطاع رشيد رضا وحامد الفقى والسبكى ومحب الدين الخطيب نشر الفكر الوهابى فى مصر تحت اسم السلفية والسّنة ، وتتوج هذا بإقامة تنظيم الاخوان المسلمين ليعمل على الوثوب للحكم فى مصر وخارجها وإنشاء دول وهابية .
5 ـ عرفت مصر خلال الاحتلال البريطانى ليبرالية إزدهرت فى حياة حزبية ودستور رائع هو دستور 1923 وملكية دستورية ، ولكن هذه الديمقراطية الليبرالية إفتقرت الى العدالة الاجتماعية ، مما أسهم فى حرمان جيل الشباب المتعلم من أن يجد مكانا تحت الشمس ، فتحول الشباب الى السخط ، وظهرت الجمعيات السرية كمصر الفتاة و حدتو الشيوعية ولكن المستفيد الأكبر من السخط العام كان الاخوان ، فإزدادوا إنتشارا وتأثيرا . ووصلت أصداء هذا الغضب الى الجيش فقام الضباط الأحرار بانقلابهم العسكرى متمتعا بتأييد الاخوان المسلمين .
6 ـ انتهت الفترة الليبرالية الديمقراطية الدستورية بالمشروع الناصرى العروبى ، واستبدل عبد الناصر الديمقراطية الدستورية بالعدالة الاجتماعية والدور المصرى الرائد عربيا وإفريقيا ودوليا ، وسقط هذا كله بنكسة 67 ، ومن وقتها وبعد الصلح بين ناصر والسعودية ومؤتمر الخرطوم بدأت مصر تتقزّم لصالح السعودية ، ثم ضغط السعوديون فجعلوا عميلهم السادات نائبا لعبد الناصر ثم بعدها تم إغتيال عبد الناصر فى ضجيج مؤتمر القمة الذى عقده عبد الناصر لانقاذ منظمة التحرير من جيش الملك حسين ، وتولى السادات الذى دخل بمصر عصر التبعية للسعودية ، وحين بدأ يتمرد عليها عاجله الاغتيال ، وتولى مبارك الذى وعى الدرس جيدا فكان عبدا مخلصا للسعودية ، ونشر دينها الوهابى فى مصر ، فتغيرت ثقافة المصريين المُسالمة لتتشابه مع أعراب نجد فى العدوان والتزمت والنفاق الدينى والتدين السطحى . قام مبارك باضطهاد أهل القرآن وتيارهم الاصلاحى الذى يبنى على مدرسة الامام محمد عبده ، فانفردت الوهابية بالساحة المصرية بدون إزعاج . ثم فى نهاية عصر مبارك إنحصر الخيار بين التمديد لمبارك بعد الثمانين أو توريث ابنه الفاسد فقام الشباب المصرى بثورة 25 يناير2011 فأسقط مبارك ، وقام الاخوان بإختطاف الثورة كما إختطفوا الاسلام ، ثم قام المصريون بثورتهم الشعبية التالية 30 يونية 2013 ، فخلعوا الرئيس الاخوانى ، ومع الاتفاق على فشل الرئيس الاخوانى وإعتباره عارا إلا إن الاخوان يهددون مصر بالتدمير إن لم يعد .
ثانيا
1 ـ ثورة 30 يونية 2013 الحالية تعطى مصر الفرصة لكى تضع نفسها على الطريق الصحيح بعد فشل خيار القومية العربية وخيار الدولة الدينية . الخيار الصحيح هو الدولة الديمقراطية المدنية الحقوقية العلمانية الحديثة على مثال النظم السياسية فى الغرب وفى اليابان ، وهى فى نظرى كمفكر اسلامى أقرب ما يكون لنموذج الدولة الاسلامية . ومن هنا يأتى تحديد مبادىء الشريعة الاسلامية الست طالما يريدون النّص على مادة الشريعة الاسلامية . وكنت ـ ولا أزال ـ أرى أنه ينبغى النّص على المواثيق الدولة لحقوق الانسان مصدرا للتشريع ، فهى أقرب الكتابات البشرية لشريعة الاسلام . ولكن لا بأس طالما يتم تحديد مبادىء الشريعة الاسلامية الستة ، منعا لأى لبس ، وتوضيحا للمفهوم حتى لا يتم استغلاله والوثوب عليه.
2 ـ بيد أنّ خيار الدولة المدنية العلمانية الديمقراطية الحقوقية يستلزم إصلاحا تشريعيا وتعليميا وإقتصاديا وسياسيا . وقبل ذلك إصلاحا دينيا يركز على الأزهر والمساجد ليؤكد فصل الدين عن العمل السياسى مع التأكيد على حرية الدين وحرية الفكر والاعلام والابداع للجميع .
3 ـ البديل لهذا الاصلاح هو المزيد من التدهور الذى يدفع باتجاه الافلاس الاقتصادى والجوع والحرب الأهلية .. ليس لدى مصر الآن ترف التأجيل والتمهل والتردد ..فطالما يتحدد الطريق فلا بد من المُضى فيه سريعا ، وبحزم .. إن الاخوان والسلفيين يعيشون على نكبات هذا الوطن ، والاصلاح الحقيقى هو الكفيل بالقضاء سلميا علي خطرهم .. ومهما كانت قسوة الكلمة فهى لا تجرح ولا تُسيل دما . أما بقاء الوهابية بلا مناقشة من داخل الاسلام فهو الكفيل بدخول مصر الى حمامات دم يهون الى جانبها ما يحدث فى سوريا .
أخيرا
1 ـ العادة أن تكون الخاتمة هى آخر ما يكتبه الباحث ، ولكننى أكتب هذه الخاتمة قبل الانتهاء من مقالات هذا الكتاب ، أكتبه اليوم (الاثنين 29 يولية 2013 )، ولا أدرى متى يحين نشرها ، ومتى أنتهى من فصول هذا الكتاب .
2 ـ أبدأ بالخاتمة لأسجل أننى أعرف مقدما أم مقترحاتى بالإصلاح لن تجدى صدى ، ولن تجد التنفيذ ربما خلال ما تبقى لى من حياة . السبب أن الأغلبية العظمى الساحقة من المسلمين المصريين وهابيون وصوفية وشيعة وبهائيون وعلمانيون ، وهم جميعا ضدّ ما نقوله نحن أهل القرآن. العلمانيون المصريون المسلمون صنفان : صنف يكره الاسلام ، ويكره أننا نقوم بتبرئة الاسلام من شرور الوهابية ، وصنف معتدل فى علمانيته ، ولكنه يؤمن فى داخله بالسّنة أو التصوف أو التشيع ، وبالتالى فهو ضد جهادنا الفكرى فى تأكيد التناقض بين الاسلام وأديان المسلمين الأرضية من سنة وتشيع وتصوف . وأكثر منهم خصومة لنا هم المتدينون من السنة والشيعة والصوفية . وهم جميعا يرفضون شهادة الاسلام التوحيدية الواحدة ( لا اله ألا الله ) ويصممون على جعل النبى محمد شريكا لرب العزة فى الشهادة ، وفى الأذان وفى الصلاة وفى الحج لقبره ، ويجعلونه متحكما فى يوم الدين ومتمعا بالحياة الأبدية فى القبر حيث تُعرض عليه الأعمال فيراجع فيها رب العزة ..الخ هذه الخرافات التى تشكّل عقائدهم جميعا بلا خلاف حقيقى بينهم ، ولكن يختلفون فى إضافة ألهة أخرى بجانب النبى محمد ، من الصحابة والأولياء الصوفية وآل البيت ، والأئمة السنيين والشيعة والصوفية ، بحيث تتسع دائرة التأليه والتقديس للبشر ولا يبقى لرب العزة مجال بعد ان سلبوا منه جل وعلا التقديس الذى يجب ان يكون له وحده ، باعتبار أنه وحده الخالق مالك يوم الدين والذى لا معقب فى حكمه والذى لا يُشرك فى حكمه أحدا . وإذا كان هذا حال المعتدلين من السنيين والشيعة والصوفية فإن الوهابيين الأكثر تشددا هم خصومنا الأعنف ، وثقافتهم تتخلل الصفوة والقادة فى مصر بدرجات مختلفة ، وهم مع الآخرين يرفضون أى إصلاح دينى أو تعليمى أو تشريعى . يبقى الأقباط ، وهم أيضا نوعان : نوع متطرف يبغض جهادنا ضد الوهابية ، ولا يهتم بدفاعنا عنهم لأنّ جريمتنا من وجهة نظرهم أننا نبرىء الاسلام من شرور الوهابية ، وهم سعداء بما تفعله الوهابية بالاسلام ، ويريدون أن يظل الاسلام متهما بالارهاب . وهناك من متديّنى الأقباط من يكره عملنا خوفا من أن ينعكس على دينهم ، فنحن نقول بعلمانية الدين الاسلامى حيث لا واسطة ولا تأليه للبشر ، وهم يريدون أن تظل للكنيسة سطوتها وسيطرتها على الأقباط ، وأن يظل الأقباط أسرى لخرافات المعجزات أسوة بالمسلمين الصوفية .
3 ـ هؤلاء جميعا يتمسكون بالثقافة المجتمعية ، وهم يريدون أن يعبّر عنها الدستور بالتوافق بينهم . وهذا خلاف أساس بيننا وبينهم . نحن نرى أن الدستور يجب أن يمثّل القيم العليا ، التى ينبغى أن يصل اليها المجتمع . أما هم فهم يريدون للدستور أن يعكس حال المجتمع وما يسوده من قيم ، أى أن ينحطّ الدستور ليتوافق مع قيم المجتمع . وليست كل قيم المجتمع تنتمى للقيم العليا ، فهناك فى الصعيد قيمة الأخذ بالثأر ، والمجتمع المصرى لا يزال يحتفظ بقيمة النظرة الدونية للمرأة ، ولا تزال المرأة المصرية محرومة من أخذ نصيبها كاملا فى الميراث . وهناك جملة من الأعراف المصرية التى تخالف العدل والحرية ، ومفروض أن يتم علاجها بالدستور ، لا أن تكون مصدرا للدستور ومعلمنا من معالمه . ثم أن القيم المجتمعية تتغير ، بل وتغيرت بسرعة خلال نصف القرن الماضى ، فالمصريون اليوم هم غير المصريين فى الخمسينيات ، وبالتالى فهذا التغير إن كان إيجابيا أو سلبيا يؤكد أنه لا بد للدستور أن يعلو على القيم الاجتماعية ، وأن يكون منارة إصلاح لها ، بأن تكون مرجعيته القيم الانسانية العليا ، والتى تعبر عنها مبادىء الشريعة الاسلامية المنصوص عليها فى هذه الدراسة .
4 ـ إذن هناك إتفاق بين عقائد أتباع الديانات الأرضية المسلمين وهناك هذا التأثر بالوهابية بدرجات مختلفة وهناك هذا الرفض لما ينادى به أهل القرآن . المعضلة الوحيدة هى فى السياسة ، والتى تعنى الصراع على السلطة والثروة . ومن هنا نفهم تناقض المواقف السياسية محليا وإقليميا وعالميا ، فأمريكا تحارب الوهابية العسكرية فى القاعدة التى يتزعمها أيمن الظواهرى ، ولكنها تؤيد الاخوان فى مصر ، ومن ضمنهم محمد الظواهرى شقيق ايمن الظواهرى . والسعودية تعادى الاخوان فى مصر ولكن تساعد الاخوان فى سوريا والعراق . الصراع قائم فى مصر بين العمامة الاخوانية والكاب العسكرى ليس حول الاعتقادات الدينية لأنه معروف تأثر العسكر بالفكر الوهابى بدرجات مختلفة. هو صراع سياسى على السلطة والثروة يجعل مستحيلا تطبيق مبادىء الشريعة الاسلامية وما يتطلبه هذا التطبيق من إصلاح .
5 ـ يبقى السؤال : لماذ أكتب بينما أنا مقتنع باستحالة تطبيق ما أدعو اليه ؟ الجواب : أكتب إبراءا للذمة ، وخوفا من عذاب الرحمن ، لأن من يكتم الحق القرآنى ملعون ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ (159) ( البقرة ) . أكتب أملا أن تنفع هذه الكتابات جيلا قادما فى مصر وغيرها ، أكتب أملا أن أكون يوم القيامة ضمن الأشهاد على أقوامهم ، أشهد على قومى بما فعلت وبما عانيت فى سبيل توضيح بيان القرآن : (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90 )( النحل ). فإذا ضاع جهدى وجهادى فى هذه الدنيا فإننى أرجو الجزاء من رب العزة الذى لا يضيع أجر من احسن عملا .
آخر سطر :
أصدق الحديث:( إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)(هود).