هذا الحكم المسىء للاسلام الذى يقضى باعدام المسيئين للرسول عليه السلام
مقدمة
مقدمة
1 ـ طبقا لما أوردته جريدة المصرى اليوم بتاريخ 29 نوفمبر 2012 فقد حكمت محكمة أمن الدولة بإعدام 7 متهمين فى قضية الفيلم المسىء للرسول ، والمتهمون هم موريس صادق ومرقس عزيز خليل، وعصمت زقلمة ونبيل أديب بسادة موسى، ونيقولا باسيلى وناهد متولى ونادر فريد فوزى . وقد صدر الحكم برئاسة المستشار سيف النصر سليمان، وعضوية المستشارين محمد عامر جادو، وحسن إسماعيل حسن، رئيس المحكمة، وبحضور خالد ضياء، رئيس نيابة أمن الدولة العليا، وأمانة سر عادل عبدالحميد. وطبقا لما ذكرته ( المصرى اليوم ) فإنه وعقب النطق بالقرار ( قام المحامون بالتهليل والتكبير ورددوا: الله أكبر.. الحمد لله). وهذه سابقة لا مثيل لها فى تاريخ القضاء المصرى ـ أن يتحالف الدفاع مع النيابة ضد المتهمين ، وأن يتم الحكم بالاعدام غيابيا فى قضية تندرج تحت قانون ( إذدراء الدين ). ومع إنه قانون سىء السمعة إلّا إنه العقوبة فيه مجرد السجن سنة أو أعدة سنوات ، ولا تصل الى الاعدام .
وقد أصدر المركز العالمى للقرآن الكريم هذا البيان بإستنكارالحكم بإعدام المسيئين للنبى لأنه يخالف شرع الاسلام . وتبعته عدة مقالات لتوضيح تناقض هذا الحكم القضائى مع الاسلام وشريعته السمحاء . وننشر هذا كله فى كتاب خاص . بعنوان (هذا الحكم المسىء للاسلام الذى يقضى باعدام المسيئين للرسول عليه السلام ).
أحمد صبحى منصور
30 يولية 2013
بيان المركز العالمى للقرآن الكريم بإستنكارالحكم بإعدام المسيئين للنبى لأنه يخالف شرع الاسلام
بيان المركز العالمى للقرآن الكريم بإستنكارالحكم بإعدام المسيئين للنبى لأنه يخالف شرع الاسلام
أولا :
1 ـ قضت محكمة جنايات القاهرة غيابيا يوم الأربعاء الماضى ( 28 نوفمبر 2012 ) ، بإعدام ثمانية من المسيحيين لإدانتهم في قضية فيلم (براءة المسلمين) المسيء للإسلام والنبي محمد عليه السلام . وقرَّرت المحكمة ــ برئاسة المستشار سيف النصر سليمان وبإجماع آراء القضاة ـ إحالة أوراق المتهمين إلى مفتى الديار المصرية، وتحديد جلسة 29 يناير/ كانون الثاني 2013 للنطق بالحكم بإعدام كل من : موريس صادق و مرقص عزيز خليل ، وعصمت زقلمة ، ونبيل أديب بسادة موسى ، وإليا باسيلي ، ونادر فريد فوزي نيقولا ،وهم من أقباط المهجر فى أمريكا ، وناهد محمود متولي وهى متحولة للمسيحية ( وتعيش فى استراليا ) ، ويضاف اليهم القس الأمريكى تيري جونز .
2 ـ هذا .. ويعلن المركز العالمى للقرآن الكريم إستنكاره لهذا الحكم المعيب لأنه يخالف شرع الاسلام ، ولأنه يسىء الى الدولة المصرية والقضاء المصرى . ولذا يطالب المركز بعزل القضاة الذين أصدروه ويتهمهم بتشويه صورة الدولة المصرية والإساءة للقضاء المصرى . ولأن هذا الحكم يناقض الشريعة الاسلامية الحقّة فإنّ المركز العالمى للقرآن الكريم يطالب المفتى المصرى د . على جمعة بعدم التصديق عليه حتى لا يكون عدوا لله جل وعلا ورسوله .
ثانيا :
1 ــ هذا الحكم يؤكّد ما نقوله ونكرره دائما ، وهو إنّ العدو الحقيقى ليس مجرد الاخوان والسلفيين بل هو الدين الوهابى الحنبلى السّنى الذى إستشرى بين المصريين فى أربعين عاما خلال المساجد والتعليم والاعلام ، وتسمم به أولئك القضاة ضمن أغلبية المصريين ، وهم ليسوا ضمن الاخوان والسلفيين ، ولذا فلا يكفى تحييد الاخوان والسلفيين سياسيا بل لا بد من مواجهة دينهم الوهابى الحنبلى السّنى من داخل الاسلام حتى تتخلص مصر من شرورهم ، وتتقدّم ، وتستعيد ريادتها للعرب والمسلمين . وهذا ما نقوم به وحدنا نحن ( اهل القرآن ) منذ أكثر من ربع قرن .!
2 ـ إن الاجتهاد الدينى يأتى دائما من داخل مصر ، وحتى لقد تأثر بمصر وثقافتها المعتدلة أئمة السنيين ، فالامام اليث بن سعد السّنى كان الأكثر إعتدالا بينهم فى عصره . والامام الشافعى أصبح أكثر إعتدالا عندما إستقر فى مصر تاركا العراق ، بينما أصبح ابن حنبل فى العراق بعده أكثر تزمتا ، ومنه تفرّعت فى الشام الحنبلية التيمية ( نسبة لابن تيمية ) فى العصر المملوكى ، والتى أحياها فيما بعد ابن عبد الوهاب ( الوهابية ) فى الدولة السعودية الأولى ( 1745 ـ 1818 ) وقد قضى عليها الحاكم المصرى محمد على باشا . وحين جاء ابن خلدون لمصر بعقليته الفقهية المتأثرة بالتزمّت السائد فى شمال أفريقيا فإنه أنبهر بالتسامح الدينى فى مصر فى العصر المملوكى . ومع إشتهار الفقهاء الحنابلة بالتزمت إلا أنهم كانوا فى مصر أكثر إعتدالا فى العصر المملوكى . ولذا وقف المصريون ضد أبن تيمية ورفضوه .
3 ـ وتأثرا بالعصر الليبرالى الذى سبقت به مصر دول ( الشرق ) عاد الاجتهاد الدينى فى مصر الحديثة بزعامة الامام محمد عبده ( 1849 ـ 1905 ) ، ولكن تلميذه السورى الحلبى رشيد رضا خان مبادىء شيخه الامام محمد عبده ، وتحالف مع عبد العزيز آل سعود ، ونشر الوهابية فى مصر تحت مسمى السّنة و السلفية ، وهو الذى إنشأ جماعة الاخوان المسلمين ، واختار الشاب حسن البنا لقيادتها عام 1928 . وأدت الظروف السياسية الى تمددها وانتشار السلفية الوهابية ونفوذ الاخوان المسلمين لتصل الى الحكم الآن . وتفاصيل ذلك فى كتاباتنا التى تشرح وتحذّر من الاخوان وثقافتهم الوهابية ، وهى منشورة هنا من عدة سنوات .
4 ـ ردا على تغلغل الفكر الوهابى ظهر فى مصر منذ ربع قرن أهل القرآن تيارا إسلاميا إصلاحيا ، يبنى على فكر الامام محمد عبده ، ويواجه من داخل الاسلام الوهابية وأطيافها السياسية والارهابية كالاخوان وما أنتجوه من منظمات سرية وعلنية .
5 ـ ومن أسف فإن دين الوهابية الأرضى هو الذى يسمم عقول المسلمين المصريين اليوم ، بدليل هذا الحكم القضائى المتأثر بالوهابية وتطرفها وتناقضها مع الاسلام وشريعته السمحاء المؤسسة على الحرية المطلقة فى الدين ، وبدليل وصول الاخوان والسلفيين الى موقع الصدارة فى المسرح السياسى المصرى يهددون بحرق مصر وجرها الى حرب أهلية لا تبقى ولا تذر .
6 ـ ومن اسف أيضا فإن أهل القرآن الذين يواجهون الاخوان والسلفيين والاستبداد لا يزالون يناضلون وحدهم بأذرع عارية .. وضحايا الوهابية فى مصر وخارجها لا يأبهون بتعضيد أهل القرآن .. فإلى متى يستمر هذا العار ؟؟ هل يستمر السكوت الى أن تشتعل مصر بحرب أهلية كما يحدث فى سوريا ؟
7 ـ نؤكّد ونكرّر ونحذّر بأن الانتصار السياسى على الاخوان والسلفية لا يعنى زوال خطرهم، بل سيزيد نفوذهم طالما بقي دينهم الوهابى الحنبلى السّنى محصّنا من النقاش بقانون ( إزدراء الأديان ) وغيره ، وطالما ظل هذا الدين الأرضى متغلغلا فى العقول بلا مواجهة فكرية من داخل الاسلام تثبت وتؤكد تناقضه مع الاسلام . لقد تغلغل الاخوان داخل الجيش وشاركوا فى تكوين ( الضباط الأحرار ) وساعدوا فى إنقلاب يولية 1952 ، وأرادوا السيطرة على عبد الناصر فانتصر عليهم عبد الناصر سياسيا ووضع معظمهم فى السجون وهرب الباقون الى موطنهم ( الروحى ) السعودية . قضى عليهم عبد الناصر سياسيا دون أن يواجههم فكريا ، فظلت الوهابية كامنة تسرى بهدوء طيلة عهد عبد الناصر ، فلما جاء السادات وتحالف مع السعودية خرجت الوهابية من القمقم ، وإجتاحت العقل المصرى الى أن وصل الحال الى ما نحن فيه . لو قام عبد الناصر بمواجهة فكرية مع الوهابية لأنقذ مصر نهائيا من الخطر الذى يحيق بمصر الآن . ويجب أن نتعلم من الدرس . لا بد من المواجهة الفكرية، ولا بد من تعضيد أهل القرآن،وإلا فالدمار قائم حتى لو تم عزل الاخوان والسلفيين سياسيا .
أخيرا :
سنوضح مخالفة هذا الحكم لشريعة الله جل وعلا فى القرآن الكريم فى مقالات قادمة ، بعون الله جل وعلا .
هذا الحكم القضائى الفاسد يناقض السّنة الحقيقية للرسول عليه السلام .!!
المقال الأول :هذا الحكم القضائى الفاسد يناقض السّنة الحقيقية للرسول عليه السلام .!!
هذا الحكم القضائى الفاسد يناقض السّنة الحقيقية للرسول عليه السلام .!!
|
سبق أن قامت السلطات المصرية بتجريد المحامى موريس صادق من الجنسية المصرية ، وبالرغم من الخلاف الهائل بيننا وبينه إلا إننا نشرنا هنا مقالا يستنكر هذا ، ثم أصدرنا بيانا باسم المركز العالمى للقرآن الكريم نستنكر فيه هذا الحكم القضائى باعدام المسيئين للنبى محمد عليه السلام ، لأن هذا الحكم يسىء الى الاسلام ويخالف شريعة الله جل وعلا ، ونطالب المفتى فى مصر بعدم التصديق عليه وإلّا كان عدوا لله جل وعلا ورسوله ، ونطالب بعزل القضاة الذين أصدروه لأنهم شوّهوا سمعة مصر وسمعة القضاء المصرى . وأوضحنا أن هذا الحكم الظالم يؤكد تغلغل الوهابية الحنبلية السنية المتطرفة فى عقول المصريين ، وبالتالى فإن الانتصار على الاخوان والسلفيين سياسيا لا يكفى ، لأن الأخطر منهم هو تغلغل دينهم الوهابى المعادى للاسلام بين المصريين المسلمين ، ولا بد من إثبات كفر الوهابية بالاسلام ، وهذا ما يقوم به أهل القرآن وحدهم ، دون مساعدة من ضحايا الوهابية . وختمنا البيان بوعد بتوضيح مخالفة هذا الحكم القضائى للشريعة الاسلامية الحقة والتى تناقض الشريعة السنية الوهابية . وهذا هو الجزء الأول من التوضيح ، وعنوانه : هذا الحكم القضائى الفاسد يناقض السّنة الحقيقية للرسول عليه السلام. |
أولا : معنى السّنة : هى سنّة الله جل وعلا أو شرع الله جل وعلا :
1 ـ (السّنة ) لها معنيان فى القرآن : المنهج او الطريقة في تعامل الله تعالى مع المشركين كقوله جل وعلا : (اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (43) ( فاطر ).كما ان معناها الذى يهمنا هنا الآن هو الشرع الالهى. وبالمعنيين فان السنة فى القرآن تأتى منسوبة لله ، اى سنة الله ، يقول تعالى فى تشريع خاص بالنبى عليه السلام :( مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً (38)الأحزاب 38 )وفى الاية الكريمة يتضح ان (فرض الله )يعنى ( سنة الله ) يعنى (امرا الله) ، وكلها تعنى (شريعة الله) ، أى إن السنة معناها هنا الشرع. وهذا يتفق مع المعنى اللغوى لكلمة السنة ،تقول (سنّ قانونا ) أى شرع قانونا، واذا تم سنّ القانون اصبح شريعة واجبة التنفيذ.وهذا ايضا يتفق مع المعنى الفقهى لمصطلح (السنة العملية) ، اذ تعنى السنة العملية العبادات من صلاة وزكاة وحج وصيام. وفى كل ذلك فان الله تعالى وحده هو صاحب التشريع الذى نزل فى القرآن الكريم، والنبى عليه السلام هو القدوة لنا فى تطبيق ذلك التشريع ،لذلك يقول تعالى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (21)الأحزاب )، لم يقل (كان لكم فى رسول الله سُنّة حسنة )،لان السُّنة هى سنة الله وشرعه، اما النبى عليه السلام فهو القدوة الحسنةفى تطبيق سنة الله وشرع الله.
2 ـ الا إنهم يقولون ان السنة العملية هى العبادات التى اشرنا اليها ، اما السنة القولية للنبى فهى تلك الاحاديث التى اسندوها اليه بعد موته بقرون فيما يعرف بكتب الصحاح وغيرها . وهذا يخالف القرآن الكريم لأن السنة القولية للنبى عليه السلام هى ما ورد فى القرآن فى كلمة "قل "التى يتميز بها القرآن . وقد تكررت كلمة "قل "للنبى فى القرآن (332)مرة ..وكانت الموضوعات التى ترددت فيها كلمة "قل" تشمل كل ما يحتاجه المؤمن من امور الدين ،وبعضها يؤكد ما جاء فى القرآن ايضا بدون كلمة "قل". وكان النبى عليه السلام مأمورا بأن يقول ذلك القول المنصوص عليه فى القرآن كما هو دون زيادة او نقصان ،اذ لايملك ان يتقوّل على الله تعالى شيئا فى امور الدين: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (44) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)الحاقة).ّ فالسنة القولية للنبى هى كلمة (قل) فى القرآن لأن السنة تعنى الشرع المفروض اتباعه .
3 ـ ويقولون أن تلك الاحاديث هى مصدر المعرفة بالصلاة والعبادات .وهذا خطأ فادح لأن تلك الاحاديث اقاويل ،والسنة هى طريقة تأدية للعبادة وكان معروفا تأدية العبادات ليس فقط قبل عصر البخارى، بل كانت معروفة قبل نزول القرآن ،اذ كانت هى الملامح الاساسية لملة ابراهيم التى امر الله تعالى النبى والمسلمين باتباعها حنفاء ، بل إن تلك الاحاديث التى رويت فيما بعد النبى بقرون لم تتعرض بالتفصيل لكيفية تأدية الصلاة، وأكثر من ذلك أنها تشوّه الصلاة وتشكّك فيها.
4 ـ إن الله جلّ وعلا يؤكد فى آيتين ان القرأن الكريم هو وحده الحديث الوحيد الذى ينبغى ان نؤمن به: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ) الاعراف185 ،المرسلات50)، بل يجعل الله جلّ وعلا الايمان به وحده الها لاشريك له قرينا بالايمان بحديث فى القرآن وحده دون غيره، يقول تعالى ((تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) الجاثية )، ولنتدبر قوله جل وعلا (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ) ثم يتوعّد الله جل وعلا أصحاب الأحاديث الضالة المفتراة : (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9) :الجاثية) . ، وفى الوصية الاخيرة من الوصايا العشر فى القرآن الكريم يقول تعالى عن القرآن إنّه الصراط المستقيم الذى يجب إتباعه وحده دون غيره من السّبل المعوجة مثل الأحاديث البخارية وغيرها ، يقول جلّ وعلا : (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)الانعام ). فالقرآن اتى من الله تعالى طريقا مستقيما لنتبعه وحده ،ولا نتبع الطريق والسبل الاخرى حتى لا نقع فى الاختلاف . وفى هذه الاية الكريمة تأكيد على أن القرآن هو المصدر الوحيد للاسلام، فالطريق المستقيم لايكون الا واحدا وحيدا، وحيث أن الخط المستقيم لا يتعدد فهو أقصر الطرق التى توصل بين نقطتين . اما الطرق الاخرى فتقوم على الاختلاف والظن والريب ،ومن المعلوم ان روايات الأحاديث وأسانيدها لها طرق وسبل متفرقة .ويؤكد علماء الحديث أنها كلها ظنية ،او كما يقول الله تعالى عن القرآن وغيره من الطرق والسبل : (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) :الانعام)،وهذا خطاب للنبى عليه السلام نفسه أنه اذا اطاع أكثرية البشر أضلّوه عن القرآن حيث يتبعون الظن والاوهام.
وكان النبى عليه السلام يتبع القرآن وحده:(قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي (203) الاعراف) (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (9) الاحقاف ). ويجب أن نقتدى به لأنّ نفس الأمر جاء لنا بأن نتبع القرآن وحده وليس غيره ، يقول لنا ربنا سبحانه وتعالى عن القرآن:(اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (3 :الاعراف )فهناك امر ونهى ،امر باتباع القرآن ونهى عن اتباع غيره، فهو وحده الذى لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه،وحيث كان النبى متبعا للقرآن وحده،وحيث كان خلقه القرآن، فإن السّنة الحقيقية التى كان يتبعها النبى هى القرآن و ليس غير القرآن .
5 ـ ولكنهم إخترعوا دينا أرضيا أسموه السّنة ، وزيفوا أحاديث نسبوها للنبى بعد موته عليه السلام بقرنين وأكثر ، وإحتوت هذه السّنة الكاذبة كل ما يسىء لله جل وعلا والاسلام ورسول الاسلام عليه السلام ، ومن هذا الدين الأرضى وشريعته الضالة نبتت طوائف ضالة كان آخرها الوهابية والتى قامت على أساسها دولة آل سعود ، وعبد العزيز آل سعود هو الذى زرع شجرة الاخوان المسلمين والسلفية فى مصر . وأنبتت هذه الشجرة الخبيثة جماعات الارهاب وأسّست تجارة هائلة تتلاعب بالدين لتصل به الحكم ، وقد إعتنقها ملايين المصريين حتى من خارج الاخوان والسلفيين ، ومنهم أولئك القضاة الذين تربوا خلال إعلام فاسد وتعليم فاسد ووعظ فاسد فآمنوا بأن الوهابية هى الاسلام . ومن هنا حكموا بشريعة الوهابية بقتل المسيئين للنبى عليه السلام ظنّا منهم أنهم يدافعون عن النبى وعن سنته . والحقيقة أنهم بذلك وضعوا أنفسهم فى صف العداء للاسلام وللرسول عليه السلام . فهذا الحكم القضائى الضال يخالف السّنة الحقيقية للنبى عليه السلام ..وهى القرآن الكريم . ونأتى للتوضيح .
ثانيا : السُّنة الحقيقية فى التعامل مع من يسىء للنبى عليه السلام
1 ـ مهما بلغت إساءة موريس صادق وجماعته للنبى والاسلام فلا تصل الى إساءة كفار مكة له عليه السلام. ولو تخيلنا خاتم المرسلين يعيش بيننا الآن وشاهد هذا الفيلم المسىء فلن يرد عليه وعليهم إلّا بالصفح الجميل ـ فقد كانت هذه هى سنته عليه الصلاة والسلام، وذلك هو دينه ، فقد أرسله الله جل وعلا رحمة للعالمين (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)الأنبياء)، وليس لقتل العالمين أو ارهاب العالمين كما يفعل أعداؤه من الوهابيين والاخوان والسلفيين . وإذا كان عليه السلام قد أرسله الله جل وعلا رحمة للعالمين فجاء الوهابيون والسلفيون والاخوان ينشرون الارهاب باسم الاسلام، فمن هو الذى يسىء الى الاسلام ؟ ومن هو العدو الأكبر للاسلام ؟ أهو موريس صادق وفرقته أم محمد مرسى وجماعته ؟
2 ـ كان عليه السلام إذا مرّ بهم يستهزئون به علنا قائلين : أهذا هو رسول الله ؟ أهذا الذى يتجرأ على آلهتنا ؟. وسجّل رب العزة إستهزاءهم برسوله الكريم :( وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ (36)الانبياء)( وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً (41)(الفرقان ). وهددهم بجهنم:( ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً(106)الكهف ) .
3 ـ ونفهم من تكرار الأوامر له عليه السلام بالصبر على أذاهم أنّ هذا الأذى كان فوق إحتماله ، وهو عليه السلام كان صفوة الله فى خلقه وأعظمهم خلقا وأكثرهم حلما وتسامحا . ولكن تطرفهم فى إيذائه كان فوق طاقته البشرية لذا توالت له الأوامر بالصبر ، ونقرأ منها : (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (10) ، أى أن يبتعد عنهم فى رفق ، أو أن يهجرهم باحسان هجرا جميلا . وهذا هو الصبر على الأذى المقترن بسموّ الخلق ،لأن مصير أولئك المعتدين جهنم ، يقول جلّ وعلا بعدها : (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (11) إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً (12) وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً (13(المزمل). وكان عليه السلام يحزن من إفتراءاتهم وتقوّلاتهم عليه وإتّهاماتهم له وكان يضيق من مكرهم به فيقول له ربّه جل وعلا : ( وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) النحل ) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) الانعام)، و يأمره جل وعلا بالرد عليهم بالمزيد من العبادة ليطرد من نفسه الضيق من الظلم الواقع به:( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) الحجر)،ويتكرّر الأمر له عليه السلام بالصبر لمواجهة تكرار الأذى له:( اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) ص)( فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130) طه )( فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40) ق ) بل يحذّره ربّه جل وعلا من أن يستخفّه الغضب فيتخلّى عن الصبر:( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (60)الروم ). أى أن سُنّة الرسول عليه السلام هى الصبر على الأذى المتطرّف المتكرّر ومقابلته بالعبادة وذكر الله جل وعلا وتفويض الأمر له جلّ وعلا . وليس الحكم بالاعدام ..!!
4 ـ وهذا ليس صبرا سلبيا مرتبطا بالعجز وبالحقد وتمنى الانتقام من الظالم ، بل هو صبر إيجابى يقوم على الصفح والسلام والغفران والاعراض الجميل عن المعتدى كما قال له جل وعلا فى سورة المزمل: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (10). فالهجر الجميل هنا هو نفسه( الصفح الجميل) فى قوله جلّ وعلا لخاتم المرسلين:( وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85)( الحجر)، أى فالساعة آتية بالعذاب لأولئك المعتدين فلا عليك إلا أن تصفح عنهم صفحا جميلا مقترنا بالعفو بلا حقد ولا كراهية ، فيكفى ما سيلقونه من عذاب خالد يوم القيامة . وتكرّر هذا فى قوله جل وعلا :( وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89 ) ( الزخرف ). هنا صفح مرتبط بقول السلام عليهم (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)لأنه سيأتى يوم القيامة الذى سيعلمون فيه الحق.
5 ـ وهذا تشريع لنا جميعا ، وليس خاصّا به عليه السلام ، لأن الله جل وعلا يأمرنا أن نرد على الخصم المعتدى بتحيته بالسلام عليه:( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً (63) الفرقان) ،(وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ (55)( القصص). وهذا تشريع لنا جميعا لأن الله جل وعلا يأمرنا ــ إن كنّا مؤمنين فعلا ولسنا منافقين أو سلفيين وهابيين كافرين ـ بالغفران لمن لا يؤمن بالله ولا يعمل لليوم الآخر:(قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)( الجاثية )، يأمرنا بالغفران وإنتظار الحكم علينا وعليهم يوم القيامة. الذى يناقض هذا أن يتقمّص بعضهم وظيفة ربّ العزة فيحكم على خصومه فى الدين بالاعدام .. ويزعم الاسلام .!! فمن هو الذى يسىء الى الاسلام ؟
6 ـ هذا هو السّمو الخلقى الرائع فى الردّ على المعتدى بالقول ـ وليس بالقتل ـ أما من يعتدى بالقتل فالتشريع الوضعى والشرع الالهى يجيز الدفاع عن النفس . ولكن نؤكد هنا على أن هذا السّمو الخلقى لا ينفصل عن الشريعة الاسلامية الحقة الى يكفر بها الوهابيون والإخوان والسلفيون . إن القاعدة الاسلامية هى الأمر بالعدل والاحسان:( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ(90)النحل).العدل فى الاعتداءهو القصاص ، فمن ضربك لك أن ترد عليه بمثلها أما العدل فهو أن تعفو عنه.يقول جل وعلا فى تفسير العدل والاحسان :( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) الشورى). السيئة بمثلها قصاصا هذا هو العدل . أما الاحسان فهو العفو والاصلاح إبتغاء الأجر من الله جل وعلا الذى لا يحب الظالمين . وقد كان عليه السلام مأمورا بالرّد على السيئة ليس بالحسنة بل بالتى هى أحسن ، إذ قال له ربّه جل وعلا:( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) المؤمنون). وهذه مرتبة عليا لا يصل اليها من المؤمنين إلّا ذو الحظّ العظيم من الايمان والتقوى ، لايصل اليها إلّا من تمسك فعلا بالسنّة الحقيقية لخاتم المرسلين فى سموّ الخلق ، يقول جل وعلا لنا ولكل مؤمن بالقرآن فعلا: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) ( فصلت ). أى أن نرد السيئة بالتى هى أحسن ، وبهذه الطريقة يشعر الخصم المعتدى بالحرج والعار من نفسه فيضطر الى أن يتصرّف ( كأنّه ولى حميم ).
خاتمة :
1 ـ نختم هذا المقال وقد جاءت الأنباء بأن الرئيس الاخوانى محمد مرسى قد أعلن يوم 15 ديسمبر 2012 موعدا للإستفتاء على الدستور الوهابى الذى أصدرته لجنته التأسيسية ، والذى يجعل الشريعة الوهابية المناقضة للاسلام المصدر الرئيس للتشريع فى مصر.. ويتوقّع الجميع أن ينتهى الاستفتاء ـ مثل كل الاستفتاءات ـ بما يريده الحاكم المستبد . أى سيتم فرض الشريعة الوهابية على المصريين باسم الاسلام .!!.
2 ـ هل سيظلّ أهل القرآن وحدهم يواجهون الاخوان والسلفيين والسعوديين وسائر الوهابيين ؟
3 ـ أين حُمرة الخجل ؟
هذا الحكم المسىء يناقض أهم مبادىء الشريعة الاسلامية الحقيقية :(الحرية الدينية المطلقة ):
هذا الحكم المسىء يناقض أهم مبادىء الشريعة الاسلامية الحقيقية :(الحرية الدينية المطلقة ):
مقدمة :
طبقا لما أوردته جريدة ( المصرى اليوم ) بتاريخ 29 نوفمبر 2012 فقد حكمت محكمة أمن الدولة بإعدام 7 متهمين فى قضية الفيلم المسىء للرسول ، والمتهمون هم موريس صادق ومرقس عزيز خليل، وعصمت زقلمة ونبيل أديب بسادة موسى، ونيقولا باسيلى وناهد متولى ونادر فريد فوزى . وقد صدر الحكم برئاسة المستشار سيف النصر سليمان، وعضوية المستشارين محمد عامر جادو، وحسن إسماعيل حسن، رئيس المحكمة، وبحضور خالد ضياء، رئيس نيابة أمن الدولة العليا، وأمانة سر عادل عبدالحميد. وطبقا لما ذكرته ( المصرى اليوم ) فإنه وعقب النطق بالقرار ( قام المحامون بالتهليل والتكبير ورددوا: الله أكبر.. الحمد لله). وهذه سابقة لا مثيل لها فى تاريخ القضاء المصرى ـ أن يتحالف الدفاع مع النيابة ضد المتهمين ، وأن يتم الحكم بالاعدام غيابيا فى قضية تندرج تحت قانون ( إذدراء الدين ). ومع إنه قانون سىء السمعة إلّا إنه العقوبة فيه مجرد السجن سنة أو أعدة سنوات ، ولا تصل الى الاعدام .
2 ـ وقد سبق أن قامت السلطات المصرية بتجريد المحامى موريس صادق من الجنسية المصرية ، وبالرغم من الخلاف الهائل بيننا وبينه إلا إننا نشرنا هنا مقالا يستنكر هذا ، ثم أصدرنا بيانا باسم المركز العالمى للقرآن الكريم نستنكر فيه هذا الحكم القضائى باعدام المسيئين للنبى محمد عليه السلام ، لأن هذا الحكم يسىء الى الاسلام ويخالف شريعة الله جل وعلا ، ونطالب المفتى فى مصر بعدم التصديق عليه وإلّا كان عدوا لله جل وعلا ورسوله ، ونطالب بعزل القضاة الذين أصدروه لأنهم شوّهوا سمعة مصر وسمعة القضاء المصرى . وأوضحنا أن هذا الحكم الظالم يؤكد تغلغل الوهابية الحنبلية السنية المتطرفة فى عقول المصريين ، وبالتالى فإن الانتصار على الاخوان والسلفيين سياسيا لا يكفى ، لأن الأخطر منهم هو تغلغل دينهم الوهابى المعادى للاسلام بين المصريين المسلمين ، ولا بد من إثبات كفر الوهابية بالاسلام ، وهذا ما يقوم به أهل القرآن وحدهم ، دون مساعدة من ضحايا الوهابية . ونشرنا الجزء الأول من الرد ، والذى يؤكد تناقض هذا الحكم مع السّنة الحقيقية للنبى عليه السلام.
وهذا هو المقال الثانى ، ويتناول تناقض هذا الحكم المسىء مع أهم مبادىء الشريعة الاسلامية الحقيقية التى يكفر بها الوهابيون والسلفيون والاخوان المسلمون ، وهو الحرية الدينية المطلقة للبشر فى هذه الدنيا ، وأن يكون الدين كله لله جل وعلا وحده يحكم فيه بين البشر ( يوم الدين )، وبالتالى لا يصح إسلاميا تدخل الدولة فى العلاقة بين الانسان وربه فى مجالات الاعتقاد والدعوة وإقامة الشعائر. كل هذه المجالات يجب أن تكون الحرية فيها مطلقة لكل المواطنين ، و ممنوع مطلقا فى التشريع الاسلامى تدخل أى إنسان فى هذه المجالات الدينية بالفرض أو الإكراه . ولكنّ الإكراه فى الدين أساس كل دين أرضى متحكم بكهنوته فى الناس، وهو أساس كل دولة دينية أو دولة مستبدة تستخدم دينها الأرضى فى التحكم فى رقاب الناس ، وهذا ما تفعله السعودية بشعب الجزيرة العربية ، وهذا ما يريده غلمان السعودية فى مصر بعد أن وصلوا الى سدّة الحكم ، وهذا هو أساس دستورهم الوهابى الذى يؤسس تحكم شريعتهم الوهابية فى رقاب كل المصريين .هذا مع أن الأغلبية الساحقة من المصريين ليسوا وهابيين ، فالأغلبية المصرية المسلمة تتكون من صوفية وسنيين معتدلين ويضاف اليهم الأقليات (الأقباط والشيعة والبهائيون واهل القرآن والعلمانيون ). وتلك الأغلبية ستكون ضحايا الإكراه الوهابى فى الدين. نجاتهم تكون بنشر الوعى بهذا التناقض بين الوهابية والاسلام فى المبدأ الأساس وهو الحرية الدينية المطلقة فى الدين .
أولا : مبدأ الحرية المطلقة فى الدين ومسئولية كل نفس بشرية عن إختيارها يوم القيامة .
فى تأكيد الحرية الدينية المطلقة لكل نفس بشرية ومسئوليتها يوم القيامة على إختيارها يقول جل وعلا : (وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً (29) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30) أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (31) الكهف ). وعن حرية البشر فى الايمان أو عدم الايمان بالقرآن الكريم ، يقول جل وعلا:(قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً (107):الاسراء)، وعن حرية البشر فى الالحاد فى القرآن وعلم الرحمن بذلك وتهديده لهم بعذاب يوم القيامة يقول جل وعلا: (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) فصلت) . وفى مقابل هذا تجد فى التشريع السّنى قتل المرتد وقتل الزنديق وقتل صاحب البدعة .!! ثم تجد قانون ( إزدراء الدين )..الوهابى .!!
ثانيا : قواعد تشريعية وعقيدية تؤكد مبدأ الحرية الدينية المطلقة فى الاسلام
ويترتب على هذا المبدأ الأساس قواعد تشريعية وعقيدية إسلامية تؤكّده وهى :
1 ـ أن تتحمّل كل نفس خطأها ، ولا تتحمل خطأ غيرها ، وهى قاعدة :(ألّا تزر وازرة وزر أخرى). وقد تكررت هذه القاعدة التشريعية فى القرآن الكريم ضمن لتؤكد عدم المؤاخذة بذنب الآخر، يقول جلّ وعلا ( قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)الأنعام:194 ) (مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)15)الاسراء)(إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(7)( الزمر).وهذه القاعدة التشريعية ركن أساس فى الدين الالهى، وقد جاءت فيما نزل على ابراهيم وعلى موسى عليهما السلام :( أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42) النجم) .
ولا يعمل المستبد الشرقى بهذه القاعدة فهو يعاقب أهل خصومه ويتخذهم رهائن ، بل يتعدى الأمر الى إبادة قرى بأكملها بسبب بعض أفراد فيها . وأخشى ما أخشاه أن يدفع فقراء الأقباط فى مصر فاتورة ما يفعله موريس صادق وبطرس وغيرهما . فالاخوان والسلفيون بارعون فى التسلط على الضعيف وتحميله مسئولية الغير ، حتى لو كان هذا الضعيف سلفيا ، وهذا تطبيق قاعدة أساس فى تشريعهم السنى أكّدها ابن تيمية ، وهى ( قاعدة اللتّترس ) التى تجيز قتل المسلمين نكاية فى العدو. فإذا كان هذا تشريعهم مع (إخوانهم المسلمين ) فكيف بالأقباط الفقراء المساكين؟
2 ـ ليس من مهمة الحكومات هداية الناس حيث أنّ كل فرد مسئول عن نفسه ، إن إهتدى فلنفسه وإن ضلّ فعلى نفسه:( مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا )الإسراء: 15)،( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا )الجاثية:15 )،ولذا فلا ظلم يوم القيامة : (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) فصلت:46 ) وكل نفس مؤاخذة بما كسبت بالحق كما خلق الله جل وعلا السماوات والأرض بالحق:(وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)الجاثية:22 ) والتكليف على قدر الطاقة والاستطاعة: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) البقرة:286 ).والكافر عليه كفره يوم القيامة والمؤمن يمهّد لنفسه مستقرا فى الجنة :(مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ)الروم:44 ) لذا فإن من يشكر الله جل وعلا مؤمنا به خاشعا له إنما يفعل ذلك خيرا لنفسه وستلقى نفسه ثواب ذلك فى الجنة ونجاة من النار ، ومن يكفر فإنّ الله جل وعلا غنى عنه وعن العالمين:( وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) لقمان:12)(وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) النمل:40 ).
ولأنها مسئولية شخصية ذاتية فقد قال جل وعلا لبنى إسرائيل : (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا )الإسراء:7 )، وقال نفس المعنى للصحابة :(هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ) محمد:38)(إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) الفتح:10 ).
3 ـ ليست مسئولية النبى أن يهدى أحدا: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ )البقرة:272 ) ، بل لا يستطيع أن يهدى من يحبّ من الناس لأن الهداية مسئولية كل نفس ، فمن شاء الايمان والهدى شاء الله هدايته ، ومن شاء الضلالة شاء الله ضلاله:( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)(القصص). ولأن الهداية اختيار شخصى ومسئولية شخصية فليس على النبى سوى التبليغ والإنذار بقراءة القرآن:(وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنْ الْمُنذِرِينَ)النمل:92)،وليس عليه السلام وكيلا عن أحد (إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنْ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41)الزمر)( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) يونس:108 ) (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ)الأنعام:104 ).
4 ـ ( لا إكراه فى الدين ) : ولأنها مسئولية شخصية فليس من سلطة النبى أن يتدخّل فى إختيار الناس ، لأنّ وظيفته هى مجرد التبليغ والتذكير،وهو ليس عليهم بمسيطر:( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)) ومن يختار الضلال فمرجعه لله جل وعلا يوم الدين حيث العذاب المهين:( إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) الغاشية) ، لذا تعرض النبى محمد للتأنيب حين تحمس وحاول الضغط على بعضهم ليؤمن فقال له ربّه جل وعلا يؤكّد أنه ممنوع عليه الإكراه فى الدين: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99)( يونس) وهذا يعدّ تطبيقا للقاعدة القرآنية (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغيِّ(256)( البقرة ). وحتى حين يستسلم الجندى الكافر المحارب فى جيش يعتدى على المسلمين فليس من حقهم الضغط عليه حتى يدخل فى الاسلام، بل مفروض عليهم حمايته ورعايته وإسماعه القرآن ليكون قد بلغه الحق القرآنى، ثم إرجاعه الى حيث يكون آمنا : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6)( التوبة ).!
4 : عدم ولاية القضاء البشرى فى الفصل فى الخصومات الدينية لأنّ مرجعها لله جل وعلا يوم القيامة :
4 / 1 ـ المقصود هنا الخصومات الدينية التى تنحصر فى الرأى والقول والدعوة والاعلام والاعلان. وهذا يحتاج وقفة سريعة : فالحياة الدينية للبشر قائمة على الاختلاف والانقسام ، وهذه طبيعة بشرية شاءها الخالق جل وعلا:(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) ( هود ). وهنا يكمن الاختبار فى هذه الحياة الدنيا ، لأن من يريد الهداية ويبحث عنها مخلصا فأمامه الاحتكام الى ما قاله رب العزة فى القرآن الكريم (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً (114)الأنعام ). ومن يرفض هذا فقد مارس حريته ويتحمل مسئوليته عن إختياره يوم الحساب . والعادة فى تاريخ البشر الدينى أن أتباع النبى لا يلبثون أن ينحرفوا عن الحق ، بل قد يؤلهون النبى نفسه بعد موته مناقضين للدعوة التى كان يجاهد البنى نفسه من أجلها . وبابتعادهم عن الحق متبعين للهوى فلا بد أن ينقسموا طوائف ومذاهب وفرقا ومللا ونحلا، حدث هذا بعد موت المسيح عليه السلام وبعد موت خاتم المرسلين عليهم السلام.وقد تقترن هذه الخصومات بقتل وقتال ومحاكم تفتيش وتأسيس دول دينية . وفى كل الأحوال فالجميع خصوم لبعضهم ، ولكل منهم رؤيته وعقيدته فى الله جل وعلا ، ولكن يوم القيامة ينقسمون الى قسمين فقط : أقلية تؤمن بأنه (لا اله الا الله) وتتقى رب العزّة جل وعلا ، وأكثرية تقدّس مع الله جل وعلا البشر من الأنبياء والأئمة والصحابة والأولياء ورجال الدين والكهنوت .ويقع فى هذا الشرك كل أتباع الديانات الأرضية ممّن يزعم الانتماء لموسى أو للمسيح أو لمحمد عليهم السلام . ولهذا تتكاثر الملل والنحل والطوائف وتتعدد الانقسامات من الأرثوذكسية والكاثولوكية والبروتستانتية الى السنّة والشيعة والصوفية ، وما يتفرع عنها.
4 / 2 : فى هذا يقول جل وعلا :( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) . أى يوم القيامة ستنجلى كل هذه الفرق والمذاهب والأديان والملل والنحل الى قسمين فقط حسب رؤية كل قسم وعقيدته فى الله جل وعلا ، حيث كان ـ ولا يزال الاختصام بينهم جميعا حول رب العزة : هل هو واحد أحد لا اله إلّا هو وليس معه شريك ولا شفيع ولا ولىّ ولا ابن ولا صاحبة وليس له كفوا أحد ؟ ام معه نبى يشفع وولى من البشر يتحكّم وإمام وكهنوت يجعل نفسه واسطة بين الله والناس ؟ على أساس هذا الاعتقاد أو ذاك يكون المصير بين الجنة أو النار ، يقول جل وعلا : ( فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) الحج )
4/ 3 ـ ولأن هؤلاء فى النهاية خصمان إختصموا فى ربهم فلا يصح أن يكون الخصم حكما على خصمه ، بل لا بد من إرجاع الحكم فى الخصومة الى صاحب الشأن ، وهو رب العزة الذى يختصمون بشأنه ليحكم أى الفريقين على صواب : هل هم أولئك الذين يعبدونه وحده ويذكرونه وحده ويقدسونه وحده ولا مجال لديهم فى تقديس بشر أو حجر ، أم أولئك الذين لا يؤمنون به جل وعلا إلّا إذا كان معه شريك من نبى أو ولى أو أمام أو رجل دين . وقد أخبر رب العزة مقدما بنتيجة الحكم ليعظنا وليحذّرنا من تقديس الأنبياء والرسل والأئمة والأولياء ورجال الكهنوت . وحيث أن مرجع الحكم فى الاختلافات الدينية لله جل وعلا وحده يوم الدين فليست لأى محكمة بشرية ولاية قضائية فى الأمور الدينية من عقائد وعبادات ودعوة وتبشير . كل هذه المجالات مناطق حرة للبشر ، كل منهم يختار لنفسه ما يشاء ، يعتقد ما يشاء ويعبد من يشاء وما يشاء ويدعو ويبشر بدينه ما شاء وكيف شاء ، يكفر ويؤمن ويلحد ، والحساب مؤجل الى يوم الدين .وحيث أننا كلنا خصوم فليس من العدل على الإطلاق أن يحكم الخصم على خصمه ، فالقاضى هنا لا يمكن ان يكون محايدا ، لأنه هو أيضا صاحب رأى ، وبالتالى سينحاز أما ضد المتهم أو مع المتهم ، وفى الحالتين يفتقد العدل .
4/ 4 ـ وقد أكّد رب العزة أن له وحده مرجعية الحكم بين البشر جميعا يوم القيامة ، فقال:( قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ(46)الزمر)،فلأنه جلّ وعلا وحده فاطر السماوات والأرض ولأنه جل وعلا وحده هو عالم الغيب والشهادة فهو وحده الذى يحكم بين عباده فيما هم فيه يختلفون . وبالتالى فإنهّ يكون مدعيا للألوهية ذلك الذى يعطى لنفسه الحق فى أن يحكم على خصمه ويقيم له محكمة تفتيش تستجوبه فى عقيدته ودينه وتقيم له عقابا فى الدنيا . ولخطورة هذه القضية فقد تكرر التأكيد عليها فى القرآن الكريم ، يقول رب العزة جل وعلا :( قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) الأنعام ) . فلأنّه جل وعلا هو (رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ) فإليه مرجعنا جميعا يوم القيامة ليحكم بيننا فيما نحن فيه مختلفون ،وسيخبرنا بالحق فيما نحن فيه مختلفون . وبالتالى أيضا فإنهّ يكون مدعيا للألوهية ذلك الذى يعطى لنفسه الحق فى أن يحكم على خصمه ويقيم له محكمة تفتيش تستجوبه فى عقيدته ودينه وتقيم له عقابا فى الدنيا .
ولخطورة هذه القضية فقد جاءت فيها التفصيلات على النحو التالى :
4 / 4 / 1 ـ الله جل وعلا هو الذى سيحكم يوم الدين بين بنى اسرائيل فى اختلافاتهم الدينية : ( وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمْ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93) يونس)، إختلفوا بعد نزول الرسالات السماوية والحكم بينهم مؤجل ليوم الدين،وفى نفس المعنى يقول جل وعلا (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) السجدة )( وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنْ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) الجاثية ). وعن أختلافهم فى السبت يقول جل وعلا يؤجل الحكم بينهم الى يوم القيامة : ( إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124) النحل ) . ولو شاءوا الهداية لاحتكموا الى القرآن الكريم الذى هو هدى ورحمة لمن يشاء الايمان والهدى :( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) النمل ) ، ولكن فى النهاية فالحكم بينهم مؤجل ليوم الدين :(إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) النمل )
4/ 4 / 2 : ونفس الحال فى الاختلاف بين أتباع عيسى عليه السلام الذين يعتبرونه رسولا فقط والذين إختلفوا معهم فألهوا عيسى عليه السلام ، فالحكم بين الفريقين مؤجل ليوم الدين :( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) آل عمران )
4/ 4 / 3 ـ وهناك خلاف حاد ومزمن بين اليهود والنصارى، كل منهم ينفى الآخر ويتهمه، والحكم بينهما يوم الدين:( وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) البقرة )
4/ 4 / 4 : وبنزول القرآن كفر به بعض أهل الكتاب، وآمن به بعضهم . ودعا رب العزة أهل القرآن وأهل الكتاب الى التسابق فى الخير وليس فى التعصّب والإثم والعدوان ، وأرجأ الحكم بينهما الى يوم القيامة فقال جل وعلا:( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) المائدة ).
4/4/ 5 : ونفس الحال فى الاختلاف بين المسلمين أهل القرآن وأولئك الذين يقدسون البشر والحجر والأولياء ممّن ينتسبون إسما للاسلام ، يبدأ رب العزة بتقرير جوهر الاسلام وهو إخلاص الدين لله جل وعلا وحده :( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ) ثم يشير الى من يعبد البشر ويتخذهم واسطة تقربه لله زلفى : (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى )، ويؤجل الحكم بين الفريقين الى يوم الدين :( إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3) الزمر ) . الى أن يقول رب العزة يعظ أولئك المشركين الكفرة :( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) الزمر ) .
4/ 4 / 6 : بل يصل الأمر الى تأجيل الحكم بين خاتم النبيين وخصومه الذين يجادلونه بالباطل ، فيقول له ربّه جل وعلا :( وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) الحج )، بل يقول جل وعلا له إنه(أى محمد) سيموت مثل خصومه ، وسيأتى هو وهم يوم القيامة يختصمون أمام رب العزة : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) ، وهذه الحقيقة القرآنية يكفر بها معظم المسلمين ممّن يعتقد فى حياة النبى فى قبره وبأنه يراجع أعمال المسلمين التى تعرض عليه فى قبره وأنه يستغفر لهم وانه سيأتى يشفع فيهم يوم القيامة، وقد إفتروا أحاديث ضالة فى البخارى وغيره تشرّع الحج الى الوثن المنسوب للنبى فى المدينة . ومن الإعجاز القرآنى أن رب العزة بعد أن ذكر حقيقة أن النبى سيموت وأنه سيأتى يتخاصم مع أعدائه على قدم المساواة قال جل وعلا بعدها ينبىء مقدما بأظلم الناس ممّن يفترون على الله كذبا بأحاديث ضالة تخالف القرآن:( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ(32) (الزمر). فهنيئا للإخوان والسلفية وكل أتباع الأديان الأرضية بالمثوى الذى ينتظرهم فى جهنم .
أخيرا
هذا كله فى الاختلافات التى لا تصل الى درجة العنف والقتل والاضطهاد وإخراج المخالف فى الدين من داره . عندما يصل الاختلاف الى العنف والاضطهاد والقتل ندخل فى تشريع آخر هو تحتم الهجرة على المستطيع ، والقتال الدفاعى عند الاستطاعة . وهنا يكون المقصد الأعلى من القتال هو منع الفتنة،والفتنة هى الاضطهاد الدين ، وذلك حتى يكون الدين كله لله وحده، يوم القيامة : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) الأنفال ) ، وبالتالى فإنّ من الواجب مواجهة التحكم الاخوانى السلفى بما يناسبه ، الرأى بالرأى ، والحجة بالحجة ، فإن إعتدوا فلا بد من القصاص بالمثل : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)البقرة )
ودائما .. صدق الله العظيم .برغم أنف الاخوان والسلفيين والوهابيين ..
هذا الحكم المسىء يناقض تطبيق الحرية الدينية أهم مبادىء الشريعة الاسلامية الحقيقية .:
هذا الحكم المسىء يناقض تطبيق الحرية الدينية أهم مبادىء الشريعة الاسلامية الحقيقية .:
مقدمة :
طبقا لما أوردته جريدة ( المصرى اليوم ) بتاريخ 29 نوفمبر 2012 فقد حكمت محكمة أمن الدولة بإعدام 7 متهمين فى قضية الفيلم المسىء للرسول ، والمتهمون هم موريس صادق ومرقس عزيز خليل، وعصمت زقلمة ونبيل أديب بسادة موسى، ونيقولا باسيلى وناهد متولى ونادر فريد فوزى . وقد صدر الحكم برئاسة المستشار سيف النصر سليمان، وعضوية المستشارين محمد عامر جادو، وحسن إسماعيل حسن، رئيس المحكمة، وبحضور خالد ضياء، رئيس نيابة أمن الدولة العليا، وأمانة سر عادل عبدالحميد. وطبقا لما ذكرته ( المصرى اليوم ) فإنه وعقب النطق بالقرار ( قام المحامون بالتهليل والتكبير ورددوا: الله أكبر.. الحمد لله). وهذه سابقة لا مثيل لها فى تاريخ القضاء المصرى ـ أن يتحالف الدفاع مع النيابة ضد المتهمين ، وأن يتم الحكم بالاعدام غيابيا فى قضية تندرج تحت قانون ( إذدراء الدين ). ومع إنه قانون سىء السمعة إلّا إنه العقوبة فيه مجرد السجن سنة أو أعدة سنوات ، ولا تصل الى الاعدام .
2 ـ وقد سبق أن قامت السلطات المصرية بتجريد المحامى موريس صادق من الجنسية المصرية ، وبالرغم من الخلاف الهائل بيننا وبينه إلا إننا نشرنا هنا مقالا يستنكر هذا ، ثم أصدرنا بيانا باسم المركز العالمى للقرآن الكريم نستنكر فيه هذا الحكم القضائى باعدام المسيئين للنبى محمد عليه السلام ، لأن هذا الحكم يسىء الى الاسلام ويخالف شريعة الله جل وعلا ، ونطالب المفتى فى مصر بعدم التصديق عليه وإلّا كان عدوا لله جل وعلا ورسوله ، ونطالب بعزل القضاة الذين أصدروه لأنهم شوّهوا سمعة مصر وسمعة القضاء المصرى . وأوضحنا أن هذا الحكم الظالم يؤكد تغلغل الوهابية الحنبلية السنية المتطرفة فى عقول المصريين ، وبالتالى فإن الانتصار على الاخوان والسلفيين سياسيا لا يكفى ، لأن الأخطر منهم هو تغلغل دينهم الوهابى المعادى للاسلام بين المصريين المسلمين ، ولا بد من إثبات كفر الوهابية بالاسلام ، وهذا ما يقوم به أهل القرآن وحدهم ، دون مساعدة من ضحايا الوهابية . ونشرنا الجزء الأول من الرد ، والذى يؤكد تناقض هذا الحكم مع السّنة الحقيقية للنبى عليه السلام.
وأكّد المقال الثانى الحرية الدينية كأول مبدأ من مبادى الشريعة الاسلامية وجذوره فى العقيدة الاسلامية، ويبقى هنا أن نتوقف مع التطبيق العملى للحرية الدينية المطلقة فى واقعنا الراهن لإثبات أن هذا الحكم القضائى باعدام موريس صادق وزملائه ليس سوى تطبيق للشريعة السّنية الوهابية ، قام به قضاة لا ينتمون رسميا للإخوان أو السلفيين ، ولكن رضعوا الدين السّنى الوهابى خلال التعليم والاعلام والمساجد ، وهنا تكمن الخطورة ، وهنا أيضا يجب مواجهة هذا الخطر برفع كل القيود التى تُحدّ من حرية الفكر وتمنع التعرّض لما يسمونه بالمقدسات ، أى لا بد من تطبيق الحرية الدينية المطلقة فى كل إتجاهاتها الفكرية والبحثية والدعوية والتعبدية وليس مجرد الأمور الاعتقادية ، وهذا على النحو التالى :
أولا : مبدأ الحرية المطلقة فى مجال الدعوة الدينية :
1 ـ لا تتدخل الدولة على الاطلاق فى مجال الدعوة الدينية السلمية، بل تكون مهمتها تأكيد حرية هذه الدعوة للجميع أفرادا وطوائف على قدم المساواة المطلقة . وبالتالى لا بد من إلغاء كل القوانين التى تصادر أو تُحدّ من حرية الدعوة مثل قانون ( إزدراء الأديان ) والذى يتم تطبيقه لحماية الدين السّنى الوهابى فقط بينما يتم إزدراء الدين القبطى والدين الشيعى والدين البهائى ، بل يتم إزدراء الدين الاسلامى الحقيقى بتطبيق هذا القانون على ( أهل القرآن ) وسجن بعضهم عدة سنوات عام 2001 . ولا بد من الوقوف بحسم ضد دستور الاخوان الحالى والذى يمنع التعرض للأنبياء والذى يجعل الشريعة الوهابية السنية هى مصدر التشريع طبقا للمادة :(220): ( مبادىء الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة فى مذاهب أهل السنه والجماعة ).
2 ـ حرية الدعوة الدينية السلمية للجميع تعنى واقعيا حرية المسيحى للتبشير بدينه بين المسلمين ، وحرية المسلم فى التبشير بدينه بين غير المسلمين ، وحرية السّنى الوهابى فى التبشير بدينه بين غير السنيين ، وحرية الشيعى فى التبشير بدينه بين السنيين وغير الشيعة ، وحرية الصوفى فى الدعوة للتصوف بين السنيين وغيرهم وحرية البهائى فى الدعوة لدينه بين غير البهائيين ، بل حرية الدعوة الى الالحاد ..
3 ـ حرية الدعوة الدينية السلمية هذه لا بد أن تبتعد عن الإكراه فى الدين ، هى ( عرض ) لا ( فرض ) ، أى أن الداعية يعرض على الناس دينه ولا يفرضه على الناس . فإذا لجأ الى الاكراه فى الدين فلا بد من عقابه قانونا لأنّه تعدى على حق الأخرين فى حريتهم الدينية .
4 ـ حرية التبشير تعنى حرية التكفير ، وبلاحرج . إنّ لبّ الدعوة الدينية هو التكفير للآخر ، فأنت حين تدعو الى دينك يعنى أنك تعتقد أن دينك هو الصحيح وأن غيره هو الباطل ، وأن دينك هو الحق وغيره هو الكفر ، والاسلام فى عقيدته ( لا اله إلا الله ) تبدأ بالكفر بكل إله مع الله ، للتأكيد على ألوهية الله جل وعلا وحده ، والله جل وعلا يقول : (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)( البقرة )، أى لا إكراه فى الدين ، وقد إتّضح بالقرآن الرشد وتميّز عن الغىّ،وهنا أتهام للأديان الأخرى بأنها غىّ مع تقرير أنه لا إكراه فى الدين ، ثم إن المؤمن طبقا للقرآن هو من يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ، أى يكفر أولا بالطاغوت لكى يؤمن بالله جل وعلا وحده ، وبهذا يكون هو إستمسك بالعروة الوثقى ، وبالتالى فإن غيره يعتبر ضالّا طبقا للقرآن . ويتأكد هذا فى قوله جل وعلا : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ (19)( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (85)( آل عمران ) ، وهذا واضح فى أن من يعتنق دينا غير الاسلام الحق الذى جاء فى القرآن فهو من أهل الجحيم . من حقّى أن أدعو بهذا وأن أحكم بكفر من يعبد المسيح ومن يقدس محمدا والصحابة والأئمة والأولياء ، ومن حقى أن أعلن أن من يحج الى القبر المنسوب للنبى محمد يكون كافرا، وأن هذا القبر هو رجس من عمل الشيطان ، ولكن ليس من حقى أن أفرض رأيي هذا على أحد ، بوسعى أن أعزز رأيى بكل الحجج ، ولكن دون إكراه للغير . وأيضا من حق هذا الغير أن يكفر بالقرآن وأن يقول ما شاء فى الاسلام وفى النبى محمد عليه السلام ، سواء كانت معه حجة أو لم تكن . من حق البهائى أن يطعن فى أديان الغير ، ومن حق المسيحى أن يحكم بكفر المسلمين وكل من لا يؤمن بالمسيح الاها ومخلّصا ومنقذا . لكل إنسان الحق فى تكفير الأخرين سواء كانت معه الحجة والمنطق أو كانت حجته تدليسا وإفتراءا وتحريفا ، أو لم تكن لديه حجة على الإطلاق . وموعدنا جميعا يوم الدين أمام الرحمن جل وعلا ليحكم بيننا فيما نحن فيه مختلفون. أى إن حرية التبشير هى حرية التكفير للمخالفين ولكن دون الإكراه فى الدين . وطبعا لا يستتبع التكفير هنا إقامة ما يعرف بحدّ الردّة ، فهذا فى شريعة السنيين والشيعة ، وكان من قبل ضمن أصول الدين الكاثوليكى فى عهد سيطرة بابوات روما . هنا نتحدث عن حرية الدعوة بلا قيود ، وحرية التبشير والتكفير بأى دين بلا فرض أو إكراه .
5 ـ ينتج عن حرية التبشير والتكفير بين الدعاة من كل نحلة ودين أن تتسع مجالات الإختيار بين الناس لتكون بلا سقف أعلى . فمن يشاء الخروج عن الاسلام والدخول فى المسيحية فهذا شأنه وحسابه عند ربه ، ومن شاء التحوّل عن المسيحية والدخول فى الاسلام فلا عائق أمامه، ولا يحتاج الى شهادة رسمية من الأزهر أو خلافه لأنه ليس فى الاسلام مؤسسة دينية أو كهنوت. ومن أراد التشيع أو الانخراط فى التصوف أو إعتناق البهائية فلا يحق لأحد منعه . ومن أراد الكفر بكل الأديان أو حتى عبادة الشيطان فهذا شأنه وتلك مسئوليته ـ مثل غيره ـ أمام الواحد القهار يوم القيامة .
6 ـ ينتج عن حرية التبشير والتكفير وحرية الايمان والكفر وحرية الإختيار بين الناس فى الدين أن يتحرر الناس من الخضوع لأحقر أنواع البشر ، وهم رجال الدين الذين يجعلون أنفسهم واسطة بين الله جل وعلا والناس ، وأحقر منهم من يستخدمون إسم الله جل وعلا فى الوصول للسلطة والثروة . هذه الحرية الدينية تؤسس الوعى السياسى بين الجماهير، كما تقوم بتطهير المجال السياسى من المتاجرة بالدين ، وتحصر المنافسة السياسية بين من هو الأقدر على خدمة الناس فى حياتهم الدنيا مع إحترامه لإختياراتهم الدينية . كما أن هذه الحرية الدينية فى التبشير والتكفيرينتج عنها حرية حقيقية فى التفكير ، بما يؤدى الى تقليص الايمان بالخرافات الدينية الغيبية ، والتشجيع على نقد تقديس البشر والحجر والسخرية من الخزعبلات الدينية الى تحولت الى مقدسات بسبب السكوت عن نقدها ونقاشها .
7 ـ معنى الخصومة هو إختلاف فى الرأى ، أى إن لكل خصم رأيه ، ويأتى الحكم النهائى من الله جل وعلا يوم القيامة . أنا أقول رأيى معززا بالحجة أقصد به الوعظ ، وأومن بأن الحكم النهائى لله جل وعلا يوم القيامة . هو فى النهاية رأيى أنسبه لنفسى وليس للاسلام، لذا أقوله معتقدا تماما أننى سأؤاخذ عليه يوم القيامة ، وسيتم حسابى عليه إن كان حقا أو باطلا . ومن حق خصمى كذلك أن يقول رأيه وأن يسفّه رأيى ، والحكم النهائى لرب العزة ليحكم بيننا فيما نحن فيه مختلفون . وهنا يكون العدل بين حقوق الخصوم . لكل منهم نفس الحق فى التعبير عن رأيه وعمّا يعتقده . وهنا أيضا تتعانق الحرية مع العدل .
8 ـ ولكن فى تشريعات الاسلام قيمة تعلو وتسمو عن العدل هى الاحسان . وقد تعرضنا لها من قبل فى المقال الأول من هذه السلسلة وكان عن مناقضة هذا الحكم القضائى للسنة الحقيقية للنبى محمد عليه السلام ، وكيف كان يرد على الأذى بالصفح والغفران . ونفس الحال هنا فى موضوع تطبيق الحرية الدينية السلمية، ففى مجال الدعوة والجدال يأتى التشريع الالهى بأن تكون بالحكمة والموعظة الحسنة وأن يكون الجدال بالتى هى أحسن وليس بمجرد الحسنى : ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (125)( النحل )، والحوار بالتى هى أحسن جاء تطبيقه فى قوله جل وعلا :( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)( فصلت ). وتطبيق الجدال بالتى هى أحسن مع أهل الكتاب جاء فى قوله جلّ وعلا : (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46)( العنكبوت )، أى لا جدال مع الذين ظلموا منهم بالسلوك والأذى ، ويكون التعامل معهم بالاعراض عنهم وفق قوله جل وعلا : (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55)(القصص). هنا تشريع الإعراض عن الظالمين المتعصبين من أهل الكتاب، وليس بمحاكمتهم والحكم باعدامهم. أما المعتدلون منهم فالرد عليهم بأن نقول : ( وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) ، أى نؤمن بالكتب السماوية كلها ونسلم لله جل وعلا عقيدتنا وديننا .
9 ـ ومن عجب أن يصل الغرب اليوم الى ما قرّره القرآن من 14 قرنا فى الحرية المطلقة فى الدين بينما يكفر بها الوهابيون وأضرابهم . فى أمريكا تنتشر الدعوة الى الاسلام بلا عائق ، ويتحوّل امريكيون مسيحيون الى الاسلام بلا إعتراض أو إستنكار لأنها حرية شخصية ، بل إن بعضهم يشترى كنائس ويحولونها الى مساجد، ويجدون المساعدة من الأمريكيين المسيحيين، أقول هذا عن دراية وعلم . وفى نفس الوقت فإن المساجد الوهابية السّنية والتى تتمتع بكل حريتها فى أمريكا لا تسمح للشيعة بدخولها . وفى نفس الوقت فإنه من أكبر الكبائر أن يقوم مسيحيون بالتبشير بدينهم بين المسلمين . إنهم يفهمون الحرية الدينية من جانب واحد فقط : حرية التحول من المسيحية الى الاسلام ، وليس الردة عن الاسلام والدخول للمسيحية . بل إن المسيحى إذا دخل فى الاسلام ثم أراد الخروج عنه فعقابه القتل بتهمة الردّة . ولقد سبق لنا تفصيل ذلك كله فى كتاب ( حد الردة ) ومقالات : ( التسامح الاسلامى بين مصر وأمريكا ) و ( بناء الكنائس والدفاع عنها حق مقرر فى الاسلام ) و ( أيها الأفغانى المتنصر يجب إحترام حريتك فى الاختيار ) ( كل هذا الهلع من التنصير ) ( الاسلام دين السلام ).
10ـ ولكن .. ولكن ..ولكن ..! فى التعليم الرسمى لا بد أن يكون منزها عن التعصب والدعوة لأى دين . يجب إلغاء مادة التربية الدينية وأن يحل محلها مادة فى التعليم الأساسى يتربى فيها التلميذ على الأخلاق الحسنة والقيم العليا ومعرفة الدستور المصرى ( فى حالة كونه دستورا حقوقيا يدافع عن الحرية والعدل وحقوق الانسان والمواطنة) . ويجب إصلاح الأزهر ليكون مدافعا عن الحرية المطلقة فى الدين ، كما يجب الحدّ من سيطرة الكنيسة فى مصر على مسيحيى مصر .
ثانيا : فى مجال إقامة الشعائر الدينية
1 ـ يجب إلغاء كل القوانين التى تعرقل بناء الكنائس وبيوت العبادة والأضرحة والقبور المقدسة ، لتكون حقا متاحا لكل شخص وكل طائفة بغض النظر عن توجهاتها . وأن تسرى عليها القوانين العادية شأن أى منشأة عامة أو خاصة .
2 ـ الحرية المطلقة فى ممارسة الشعائر داخل بيوت العبادة وخارجها ، مع الالتزام بحماية أصحاب هذه الشعائر ، دون تمييز لطائفة على حساب أخرى .وإذا إستدعى الأمر تنظيما فلا بد أن تسرى على الجميع على قدم المساواة ودون إخلال بالحق المطلق فى إقامة الشعائر . هذا يشمل إقامة القداسات والاحتفالات المسيحية داخل وخارج الكنائس ، ومثلها الموالد الصوفية والشيعية واليهودية و البهائية ..الخ . وبهذا .. تنصرف الدولة ومؤسساتها لإقامة دولة العدل والقانون وتوفير حياة كريمة للمواطنين فى هذه الحياة الدنيا تاركة أمر الدين لصاحب الدين ليحكم فيه بين عباده يوم الدين .
أخيرا
1 ـ ولنتذكر أنه لو شاء الله جل وعلا لأنزل مع الدين ملائكة ترغم الناس على إعتناقه فى الدنيا ، وتخيل أن يقيم الله جل وعلا نارا فى كل ميدان وكل قرية وعليها ملائكة تلقى بمن يكفر فى الجحيم حيث يراه الناس. لو شاء الله جل وعلا إكراه الناس فى الدين ما كان هناك إختبار فى هذه الدنيا ولن يكون هناك يوم للدين . ولو شاء الله لجعلنا روبوت بشرية تؤمن بالسليقة وتطيع بالغريزة ، وحينئذ لن يكون هناك إختبار فى هذه الدنيا ، ولن يكون هناك يوم للدين . ولكن الله جل وعلا شاء أن نكون أحرارا فى الايمان به أو الكفر به ، ونحن فعلا نمارس حريتنا هذه، ولهذا نحن مختلفون فى الدين ، ولهذا فإن يوم الدين هو الموعد الذى ينتظرنا جميعا فيما يخص الاختلاف فى الدين . وأى بشر يريد تأليه نفسه فى هذه الدنيا ليضطهد غيره فى الدين لا يستحق سوى الاحتقار !!.
2 ـ أكتب هذا المقال يوم الأربعاء الخامس من ديسمبر والأنباء تترى بهجوم عصابات الإخوان والسلفيين على الأحرار المصريين المعتصمين حول قصر الاتحادية مقر الرئيس الاخوانى محمد مرسى . وقد سبق وحذرنا كثيرا من خطورة الاخوان ودينهم الوهابى ، و كالعادة لم يلتفت لنا أحد . ولازلنا نحذّر منهم ومن ثقافتهم التى تشوّه الاسلام والتى تجعل الشاب المخدوع يهاجم إخوانه المصريين صارخا ( واسلاماه ) كما لو كان يحارب المغول والتتار.والحقيقة أن هؤلاء الاخوان لا يستحقون إلّا الإحتقار. وعندما اعتبرهم المصريون ممثلين عن الاسلام وحملوهم الى حكم مصر ظهروا على حقيقتهم أحقر الناس . وأؤكدها مرارا ، إنه لو إكتفى المصريوم بالانتصار على الاخوان والسلفيين سياسيا وتركوا دينهم الوهابى بدون مناقشة من داخل الاسلام فسيعود خطرهم أكبر مما كان ..وتذكروا هذا جيدا ..
3 ـ وأقولها متحملا مسئولية ما أقول أمام رب العزة يوم القيامة : إنهم الآن وبما يفعلون بمصر هم أسوأ من المنافقين الذين قال عنهم رب العزة : (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ(12)( البقرة ).
4 ـ ودائما .. صدق الله العظيم ..!!
هذا الحكم المسىء يناقض مبدأ الشريعة الاسلامية الحقيقية فى التأكيد على حق الحياة :
هذا الحكم المسىء يناقض مبدأ الشريعة الاسلامية الحقيقية فى التأكيد على حق الحياة :
هذا المقال الرابع يتوقّف مع تناقض هذا الحكم القضائى المسىء للإسلام مع مبدأ الشريعة الاسلامية الحقّة فى الحفاظ على حُرمة النفس البشرية وحق الحياة . وهذا على النحو التالى :
أولا : القاعدة الكلية فى مبدأ التأكيد على حق الحياة ، ومنع قتل النفس خارج القصاص :
1 ـ نزلت تفصيلات التشريع الاسلامى فى المدينة حيث أقام خاتم النبيين دولة اسلامية حقيقية ، وكان الوحى القرآنى يتابعها بالتشريع وتفصيلاته . ولكن فى مكة نزلت القواعد الكلية للتشريع، ومنها القاعدة الكلية فى مبدأ التأكيد على حق الحياة ، ومنع قتل النفس خارج القصاص . وهنا يلاحظ الآتى :
1/ 1 : جاءت صياغة هذه القاعدة باسلوب القصر المتبع دائما فى الأمور العقيدية ، مثل عقيدة : لا اله إلا الله : (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ) ( محمد ) و أنه لا يعلم الغيب إلا الله : (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ (65) النمل ) و ليس هناك خالق غير الله: ( هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ (3)( فاطر). على نفس النسق باسلوب القصر والحصر جاءت فى مكة القاعدة التشريعية بتحريم قتل النفس التى حرّم الله جل وعلا إلا بالحق . جاء هذا فى الوصايا العشر : ( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ (151) الانعام ) ونفس القاعدة فى سورة الاسراء:( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ (33)، وفى سورة الفرقان عن عباد الرحمن المؤمنين بالله جل وعلا وحده :( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ (69).
1/ 2 : وبجانب التأكيد على حّرمة النفس باسلوب القصر كان يتكرر التأكيد على وصف هذه النفس بأنها (النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ )، أى التى يؤكّد رب العزة مبدئيا على حرمة قتلها ، وهذا هو الأساس ، ثم يأتى الاستثناء (إِلاَّ بِالْحَقِّ ). ( الحق ) هنا مقصود به التشريع القرآنى الذى (نزل بالحق) من ناحية نسبته لله جل وعلا ، والذى ( نزل بالحق ) أى بالتشريع القرآنى الحق. يقول جل وعلا عن القرآن:( وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ (105) الاسراء ).وهذا ( الحق ) يعنى (العدل) أى القصاص بقتل النفس التى قتلت نفسا فقط ، وهذا القصاص هو أيضا لحفظ حق الحياة ، لأنه تحذير مقدما من القوع فى جريمة القتل ، فالذى يريد قتل نفس بريئة لو علم أن القصاص ينتظره فسيتراجع عن تنفيذ جريمة القتل ، وبذلك ينقذ الضحية وينقذ نفسه ، وهذا معنى قوله جل وعلا (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ (179)( البقرة ). هذه القاعدة الكلية جاءت مقدما وتكررت مقدما قبل أن يقيم خاتم النبى دولته الاسلامية . فلما أقيمت هذه الدولة أتيح لهذه القاعدة التطبيق والتفصيل فى القصاص على مستويين : جريمة(القتل) ، وفريضة(القتال )فى سبيل الله .
ثانيا : تفصيلات تشريع القصاص فى جريمة القتل :
1 ـ وصل التشريع البشرى فى قمته الحالية الى منع الاعدام فى بعض الحالات ، أى ليس محتما تطبيق قاعدة ( النفس بالنفس). وهذا ما نزل به تشريع القرآن من 14 قرنا . قاعدة أن النفس بالنفس جاءت تشريعا فى التوراة لبنى إسرائيل ، يقول جل وعلا ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (45) المائدة ): ( وَكَتَبْنَا ) أى فرض الله جل وعلا (عَلَيْهِمْ) أى بنى إسرائيل (فِيهَا ) أى فى التوراة ، لأنّ سياق الحديث هنا عن التوراة والاحتكام اليها ، فالآيات السابقة يقول فيها ربّ العزّة جل وعلا : (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ .. )َ (43) ( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ(44) المائدة ). إذن قاعدة القصاص النفس بالنفس هى تشريع لبنى إسرائيل فى التوراة ، وجاءت الاشارة اليه فى سورة المائدة ـ وهى من أواخر ما نزل فى القرآن الكريم ـ ليست للتشريع لأهل القرآن ولكن فى سياق التعليق على حادثة مذكورة فى سياق الآيات عن ( أهل الكتاب ) ، وقد جاء بعضهم للنبى يحتكم الى الشرع القرآنى فنزل قوله جل وعلا (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ .. )َ (43) ( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ (44) المائدة ). ثم ذكر ربّ العزة التشريع الخاص بهم فى التوراة :( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ(45)المائدة ).
قبلها وفى سورة البقرة كان التشريع القرآنى قد نزل بالتخفيف لأهل القرآن مختلفا عن تشريع التوراة لأهل الكتاب . ويقضى هذا التخفيف بحصر حلات القصاص فى حالات محددة عندما يتساوى القاتل مع القتيل فى الحرية والنوع ، أى الحُر بالحّرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى . وحتى فى هذه الحالات من الممكن أن ينجو القاتل من القصاص لو دفع الدية لأهل القتيل ، وفى غير هذه الحالات تأتى الدية : يقول جلّ وعلا فى تشريع لأهل القرآن وليس أهل الكتاب: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) البقرة ) : نلاحظ قوله جل وعلا لأهل القرآن ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ ). وفيما بعد قال عن ( أهل الكتاب ):( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا ). إذن نحن أمام تشريعين مختلفين ، وأن التشريع لأهل القرآن جاء فيه لهم تخفيف ورحمة ومقترنا بعذاب أليم لمن إعتدى بعد ذلك .
2 ـ هذا العذاب الأليم نزل تشريعا بعقوبة هائلة على من يحترف قتل الأبرياء معتديا ، مثل قطع الطريق : يقول جلّ وعلا باسلوب القصر :( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) ( المائدة ) . هنا القتل والصّلب وتقطيع الأطراف والنفى من الأرض على حسب الجرائم المرتكبة ، وفى حالة القبض عليهم بعد حرب معهم . وهذه العقوبات الهائلة جزاء رادع سبقت الاشارة اليه فى التخفيف فى القصاص فى قوله جل وعلا:(ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) البقرة ).
3 ـ وهذه الجريمة يصفها رب العزّة بأنها حرب لله ورسوله وأنها فساد فى الأرض ، ويستعمل رب العزّة الفعل المضارع دليل الاستمرارية: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً ) . ويأتى العقاب الهائل : ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) . أى عقاب هائل فى الدنيا بالقتل والصلب وتقطيع الأطراف والخزى فى الدنيا ، ثم الخلود فى الجحيم يوم الدين . وقد يعتبرها البعض قسوة شديدة ولكنها عدل مطلق لأننا هنا لسنا أمام قاتل عادى بل أمام طائفة تحترف قتل وسلب وترويع الأبرياء ، ليس هذا فقط بل تقوم بتسويغ وتشريع هذا أو تقوم باستحلاله ، أو تضع له تشريعا تنسبه لله جل وعلا ، ومن هنا يصفهم رب العزّة بوصفين : (الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً ). هم لا يحاربون الناس فقط بالقتل العشوائى وقطع الطريق ، ولكنهم أيضا يحاربون الله جل وعلا ورسوله أى حين يشرّعون القتل ويستحلّون قتل الناس بشرع مزور ينسبونه للوحى الالهى . هم بذلك أظلم الناس لأنهم يظلمون الناس ورب الناس ، هم فعلا المجرمون الحقيقيون الذين لا يفلحون: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17)( يونس ).
4 ـ أى نحن هنا أمام جريمة مركّبة ، تبدأ باستحلال قتل النفس بشريعة مزورة منسوبة لله جل وعلا ودينه حربا لله جل وعلا ورسوله ، ثم تطبيق هذا الاستحلال على أنه شريعة دينية . الأصل هنا ليس مجرد القتل ولكن تسويغ القتل وتشريعه حربا للتشريع الالهى الذى شدّد من قبل على:( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ).من هنا يرتبط العقاب الدنيوى الهائل ( جسديا بالقتل والصلب والتقطيع ) بعذاب نفسى هو الخزى ، ثم الخلود فى النار .
5 ـ والسياق القرآنى لهذا التشريع بدأ بأول جريمة فى تاريخ البشرية حين قتل إبن آدم أخاه . والله جل وعلا يشير الى بداية الجريمة وهى أن القاتل إستحّل و سوّغ لنفسه أن يقتل أخاه البرىء:(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ (30) المائدة)، أى فى البداية طوّعت له نفسه قتل أخيه، بعدها كان القتل، فقتل أخاه ، فحكم على نفسه بالخسران والخلود فى النار:(قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15)الزمر)(إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (45) الشورى) .
6 ـ إبن آدم القاتل لم يخترع حديثا ينسبه للوحى الالهى ولم ينشىء دينا أرضيا يستحل به قتل أخيه ، ولكنّه فقط طوّعت له نفسه قتل أخيه ، وعندها أصبح من الخاسرين . فماذا عمّن يصدرون الفتاوى التى تستحل قتل النفس البريئة التى لم تقتل نفسا ؟ الإجابة فى الآية التالية تعقيبا على القاتل ابن آدم الذى طوّعت له نفسه قتل أخيه :( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً (32) المائدة ). هذا تشريع لبنى إسرائيل يجعل جريمة الإفتاء بقتل نفس بريئة تضارع قتل الناس جميعا لأن هذه الفتوى ستنتشر تبيح لكل مجرم أن يستحل القتل ، وعندها يكون الفساد فى الأرض . أى إن الفتوى أو تشريع قتل النفس هو قتل لكل نفس وفساد فى الأرض ، وفى نفس الوقت فإنّ مواجهة هذه الفتوى السامة بفتوى صحيحة تبرّىء شرع الله من هذا الإفك هو إنقاذ للناس جميعا . فماذا عن التشريع الذى لا يبيح فقط قتل الأبرياء ولكن يجعله فريضة دينية باسم ( الجهاد )؟!! الوهابيون الارهابيون ممّن يصدرون فتاوى القتل وممّن ينفذونها ينطبق عليهم عقوبة ( الحرابة ) فى قوله جل وعلا فيهم:( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)( المائدة ).
7 ـ لقد نزل تشريع القرآن بالحرية المطلقة فى الدين فى الاعتقاد والدعوة والشعائر الدينية . طالما لا يصل الأمر الى الإكراه فى الدين وقتل النفس البريئة. لذا تمتع المنافقون بحريتهم فى الدعوة حتى لقد كانوا يخرجون فى المدينة جماعات من رجال ونساء يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف تحديا للمؤمنين الذين كانوا يفعلون العكس : (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ(67)..( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ(71)(التوبة ). ووصلت حريتهم الى إيذاء النبى والتآمر على المؤمنين وإقامة مسجد الضرار وحرب الاشاعات والتحالف السّرى مع الاعداء والتقاضى خارج نطاق الدولة التى يقيمون فيها . وكل هذا كان ينزل الوحى بإستنكاره ولكن مع الأمر بالاعراض عنهم فيكفى أنهم سيكونون فى الدرك الأسفل من النار . حريتهم فى الدين والمعرضة السياسية مطلقة بالقول والفعل طالما لا تصل الى قتل أو قتال . إذا وصل الأمر الى القتال وقتل النفس البرئية أصبح فرضا القتال الدفاعى ، قتال الجيش المعتدى الآتى من الخارج . وهذا سنعرض له فى موضوع القتال . ومواجهة الخارجين عن الشرع فى الداخل ممّن يقطعون الطريق ويستحلّون قتل النفس التى حرّم الله جل وعلا قتلها إلّا بالحق . ومن هنا قال تعالى للمؤمنين أهل القرآن عن بنى إسرائيل فى جريمة الإفتاء بقتل النفس البريئة:( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً (32)المائدة )،ثم قال فى الآية التالية عن عقوبة من يستحل قتل الأبرياء حربا لله جل وعلا ورسوله وشرعه :( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)( المائدة ).
8 ـ إن من ضمن الحرص فى التشريع الالهى على حق الحياة أن جعل الله جل وعلا له حرما مكانيا هو البيت الحرام ، ومن دخله كان آمنا ، ومن توجّه اليه كان آمنا ، وجعل أيضا حرما زمانيا هو الأشهر الأربعة الحرم شدّد فيها على منع الظلم والقتل والقتال إلا دفاعا عن النفس ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ (36) التوبة). ووصف النسىء بأنه زيادة وتطرّف فى الكفر، مع أنه كان مجرد إحلال شهر حرام بشهر آخر:(إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(37) . فماذا الارهابيين الوهابيين فى عصرنا ، وقد إحتلوا الحرم عام 1979 فى مطلع القرن الهجرى الحالى فى حركة جهيمان العتيبى ؟. ثمّ أولئك الإرهابيون الذين يستحلّون قتل الأبرياء ويجعلونه جهادا، ويستحلّون ممارسته فى رمضان وفى الأشهر الحرم؟ ثم هؤلاء الاخوان ( المسلمون ) المجرمون الذين يقتلون فى هذا الشهرالحرام (محرم 1434 ديسمبر 2012 ) المتظاهرين المصريين المسالمين المطالبين بحقهم الشرعى فى الحرية ؟ . الوهابيون الارهابيون ممّن يصدرون فتاوى القتل وممّن ينفذونها ينطبق عليهم عقوبة ( الحرابة ) فى قوله جل وعلا فيهم:( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)( المائدة ).
ثالثا : تفصيلات تشريع القصاص فى جريمة القتل :
يتضح القصاص فى القتال الدفاعى للمسلمين ضمنيا فى قوله جل وعلا :(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)، ويأتى صراحة فى قوله جل وعلا :( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) البقرة ). ولكن الأمر يحتاج لبعض التوضيح :
1 ـ فى دولة الاسلام فإن كل فرد مسالم هو مسلم بغض النظر عن دينه وذلك هو معنى الاسلام السلوكى الظاهرى . والكافر المشرك بالسلوك هو المعتدى الذى يستخدم دين الله جل وعلا فى قتل الأبرياء والإكراه فى الدين كما يفعل فى عصرنا الوهابيون . لذا فإن القتال والمواجهة الحربية الدفاعية هى ضد سلوك عدوانى يهاجم المسلمين المسالمين ، وأولئك المسلمون المسالمون لا يبدأون بالعدوان بل يردن العدوان ، وهم يعلمون أن الله جل وعلا لا يحب المعتدين ، لذا يقاتلون من يعتدى عليهم طبقا لشرع الله جل وعلا (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) البقرة)، وهم حين يقاتلون هذا العدو المعتدى الذى لا يحبه الله جل وعلا يدعون الله جل وعلا أن ينصرهم على هؤلاء الكافرين المعتدين : (أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)( البقرة ). أى إنّ أولئك المعتدين استحقوا وصف الكفر بسلوكهم المعتدى حسب التعامل بالسلوك وليس بالعقائد .
2 ـ وفى داخل الدولة الاسلامية أنت مؤمن حسب الظاهر طالما أنّك مؤمن ظاهريا أى مأمون الجانب ، لذا يقول جل وعلا للمؤمنين يأمرهم بالتزام طريق السلم والسلام وأن يحذروا من مكائد الشيطان التى تسوّل لهم الاعتداء وإنتهاك حقوق الغير وأهمها الحق فى الحياة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) ( البقرة ). وليست عقيدتك الكافرة حائلا دون وصفك بالمؤمن طالما أنت مأمون الجانب ، لأن حريتك فى الدين هى مسئوليتك أنت وحدك أمام الله جل وعلا ، ولا دخل لدولة الاسلام فيها .
أولئك المؤمنون المسالمون كانوا مشركين بالعقيدة لذا فإنّ الله جل وعلا دعاهم لأن يؤمنوا عقيديا بالله تعالى ورسوله وما أنزل من كتاب سماوى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136)( النساء ) هنا خطاب للذين آمنوا بسلوكهم السلمى الذى يؤثر الأمن والأمان يقول لهم:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، ولأنه إيمانهم سلوكى من الأمن والأمان وليس إيمانا قلبيا بالايمان بالله جل وعلا وحده ورسوله وكتبه فإن الله جل وعلا يدعو أولئك المؤمنين بالسلوك الى أن يؤمنوا أيضا بالعقيدة :( آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ )، ويحذرهم من عاقبة كفرهم العقيدى يوم القيامة:( وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136) . كان هذا فى أوائل ما نزل فى المدينة . ولم يعمل به ( الذين آمنوا ) بالسلوك المسالم فظلوا مشركين بالعقيدة يعبدون الأنصاب الوثنية فى المدينة وقت نزول القرآن ، فكان من أواخر ما نزل من القرآن الكريم : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)المائدة). وهنا حقيقة قرآنية خطيرة مسكوت عنها وهى أن بعض الصحابة ـ خارج نطاق المنافقين ـ ظّلوا يشربون الخمر ويدمنون القمار ويعكفون على عبادة الأنصاب أو الأضرحة الى أن قال جلّ وعلا يعظهم فى أواخر ما نزل من القرآن ، ويخاطبهم بالذين آمنوا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا )، ولا يأمر جل وعلا بهدم تلك الأضرحة والقبور المقدسة بل يأمر بإجتنابها (فَاجْتَنِبُوهُ) حتى يفلحون (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، ولا يكونون من الخاسرين يوم القيامة. ولأنّ أولئك الصحابة ـ المؤمنين حسب السلوك السلمى ـ قد أدمنوا عبادة هذا الرجس الذى هو من عمل الشيطان فإن رب العزة يحذّرهم بطريقة ليّنة:( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (91) المائدة). ونتأمّل قوله جل وعلا لهم:(فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ)؟ وهى تفيد وتؤكد أدمانهم الكفر العقيدى ، ولكن لأنهم يؤثرون السّلم والأمن والأمان فلهم حريتهم فى الدين ، وهم :(الذين آمنوا )، غاية ما هنالك أن الله جل وعلا يعظهم ويحذرهم مقدما فيقول:( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92)(المائدة ). أى ليس على النبى سوى التبليغ .
3 ـ فى دولة الاسلام الأساس هو السلام وحقن الدماء فى التعامل مع مواطنيها وفى التعامل أيضا مع العدو الخارجى ، لذا لا بد أن تكون الدولة الاسلامية المسالمة قوية حتى لا يغرى ضعفها العدو المحب للإعتداء على ان يعتدى عليها ، ولهذا كانت القاعدة التشرعية فى الإعداد للقوة هى للردع وإرهاب وتخويف المعتدين لمنع إعتدائهم: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ (60) الأنفال). والعدو الذى يتوقف عن الاعتداء بسبب الردع يكون قد حقن دمه ودم المسلمين .
4 ـ والعدو المعتدى المهاجم إذا توقف عن الاعتداء فيجب أن يتوقف المسلمون عن قتاله لأن الحرب مرتبطة بوقف العدوان:( فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) البقرة) . بل أنهم لو إنتهوا عن الاعتداء فسيغفر الله جل وعلا لهم :( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) الأنفال ).
5 ـ وإن جنح العدو المهاجم للسلام فلا بد من الاستجابة لدعوة السلام مع التوكل على الله : ( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) الأنفال ). وإن كان العرض بالسلام خداعا فلا بد من الاستجابة للسلم توكلا على الله لأنه الله جل وعلا مع من يريد السلام مخلصا متوكلا على الله جل وعلا:( وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) الأنفال ).ولا بد من تحالف كل القوى المحبة للسلام وأـن توالى بعضها ضد قوى الاعتداء والشّر لمنع الفتنة والاضطهاد الدينى وحتى لا يكون فى الأرض الفساد : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) ( الأنفال ).
6 ـ وفى حالة الإشتباك الحربى مع العدو المهاجم فلا بد من حقن دم الجندى المعادى لو إستسلم فى الميدان طوعا (وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6)( التوبة ) أى لا بد من إسماعه القرآن ليكون هذا حجة عليه يوم القيامة ثم إبلاغه مأمنه . أما من يقع فى الأسر عجزا وكرها فلا بد من حقن دمه بإطلاق سراحه مجانا أو بالإفتداء بعد الحرب : (فَإِذا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا(4)( محمد ).
7 ـ وفى حالة الإشتباك الحربى فى ميدان المعركة فإنّ للجندى فى المعسكر المعتدى أن يحقن دمه من القتل بمجرد أن يقول كلمة السلام ، بمجرد أن يلقى كلمة السلام يحقن دمه مهما قتل من المسلمين ، فهذا شرع الله جل وعلا:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا(94)( النساء ).
هذا المؤمن المسالم بلسانه وسلوكه يحرم قتله، وليس متصورا من مؤمن أن يقتل مؤمنا إلّا على سبيل الخطأ وعدم التعمّد ، ولو وقع مؤمن فى قتل خطأ لمؤمن مسالم مثله كانت عليه كفّارة ثقيلة :( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (92) النساء ) . أمّا الذى يتعمّد قتل مؤمن مسالم فلو نجا من العقاب الدنيوى قصاصا فإن الذى ينتظره يوم القيامة الخلود فى جهنم وغضب الله جل وعلا ولعنته :(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً (93).النساء ).
أخيرا : ما رأيكم فى الاخوان الشياطين وشريعتهم الوهابية وقتلهم لأحرار المصريين فى هذه الأيام ؟.
المقال الأخير من هذه السلسلة يتساءل : من الأكثر عداءا للإسلام : مرسى أم موريس ؟ (محمد مرسى أم موريس صادق ؟ ).
أيهما الأكثر عداءا للإسلام : مرسى أم موريس ؟
هذا الحكم المسىء للاسلام الذى يقضى باعدام المسيئين للرسول عليه السلام ( الحلقة الاخيرة ):
أيهما الأكثر عداءا للإسلام : مرسى أم موريس ؟
مقدمة : إشتهر موريس صادق بعدائه الشديد للاسلام ، واشترك فى صناعة فيلم مسىء للرسول عليه السلام فحكمت عليه محكمة مصرية بالاعدام ، وهذا بالمخالفة للشريعة الحقيقية للاسلام . وقد أكّدنا هذا فى مقالات سبقت. ونختمها بسؤال نجيب عليه : أيهما الأشد عداوة للاسلام : مرسى الرئيس الاخوانى فى مصر أم موريس صادق.؟ نحن نعتقد أن مرسى الآن ـ إن لم يتب ومات على ما هو عليه ـ هو أشد عداءا للاسلام من موريس صادق . واليكم التفصيل.
أولا : مرسى وموريس من حيث العقيدة :
1 ـ أثبتنا فى بحث سابق نشرته الأحرار أن المصريين ليسوا عربا ، وأن تعدادهم فى عهد عمرو بن العاص كان يتعدّى 15 مليون ، وأن الجند العرب الفاتحين ظلوا بمعزل عن المصريين الأقباط فى المدن والريف ، وبعد طردهم من الجندية منذ عهد الخليفة المتوكل إحترفوا السلب والنهب ، وظلوا يحافظون على حياتهم بعيدا عن المصريين يحملون للمصريين مشاعر الاستعلاء . وبالتالى لم يحدث إختلاط جنسى بالزواج على نطاق واسع بما يؤكد أن محاولات الأولياء الصوفية والشيعة للإنتساب الى النبى وكبار الصحابة هو مجرد مزاعم واهية تدخل ضمن الارتزاق الدينى . المصريون من مسلمين وأقباط هم مصريون بالجنس والأصل ، ولكنهم عرب باللسان . وبالتالى فإن محمد ( مرسى ) مصرى شأنه شأن ( موريس ) صادق . مع اختلاف ظاهرى فى الدين ،لأن مرسى وموريس يتفقان فى الواقع فى دينهما برغم أن مرسى يزعم أنه ( مسلم ) وأن دينه ( الاسلام ) . أجداد مرسى المصريون دخلوا فى التشيع ـ على أنه الاسلام ـ فى العصر الفاطمى . ثم دخلوا فى التصوف السنى واعتنقوه فى العصور الأيوبية و المملوكية والعثمانية . ثم إعتنق مرسى السنة المتشددة الحنبلية التيمية الوهابية . وفى كل هذه الأديان الأرضية كان مرسى وأجداده المصريون يقدسون البشر ( النبى محمد وبعض الصحابة والأئمة والأولياء ) وكانت لهم أسفارهم المقدسة . وهو نفس ما فعله أجداد موريس الذين عبدوا المسيح والرهبان والبطاركة واتخذوهم أربابا من دون الله جل وعلا . وهو ما يتمسك به موريس حتى الآن . أى إنّ جذور عقيدة مرسى وعقيدة موريس هى واحدة.. ترجع للديانة الفرعونية القديمة ، ولكن مع اختلاف شكلى بين قبطية موريس وسنية مرسى .
2 ـ إن الله جل وعلا يقول عن تأثير الديانات الفرعونية فى اليهود والنصارى : (وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)(التوبة ) .( عزير ) هو ( عوزير ) باللغة المصرية القديمة ، أو هو ( إوزيريس ) بالترجمة اليونانية والذى عرفناه بعد فك طلاسم حجر رشيد بأنه اله الموت فى الاسطورة الدينية الفرعونية ( أوزيريس وايزيس وحورس وست ). وتحول الى الاله ( عزير ) عند اليهود ، وتحول الى ( عزرائيل ) ملك الموت فى الدين السّنى . وهذا الثالوث (أوزيريس وايزيس وحورس ) صار أصل الديانة المسيحية لدى المصريين ( الآب والابن والروح القدس ) وحملت المسيحية المصرية وصف القبطية لأن كلمة ( قبط ) كانت تعنى الدين الفرعونى ، أى باختلاف المسيحية المصرية عن المسيحية الرومانية حملت اسم ( القبطية ) نسبة لأصلها الفرعونى القديم ، وحمل المسيحيون المصريون لقب ( قبط أو أقباط ) نسبة لدينهم المسيحى الذى يكرر الديانة المصرية الفرعونية ( قبط أو جبت ) وأطلقوا إسمها على مصر ( Egypt) . كان تأثر بنى اسرائيل بالديانة المصرية الفرعونية هائلا ، وتردد ذكر ملامحه فى القرآن من عبادة عجل أبيس الى طلبهم من موسى أن يعبدوا الآلهة المصرية بمجرد عبورهم ونجاتهم من فرعون (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) الاعراف )، وإنتقل تأثير الديانة الفرعونية الى العرب ومكة ، فصارت ( إيزيس أو عزى ) تحمل إسم ( العزّى ) وذلك ضمن ثالوث الاهى ( اللات والعزى ومناة )، فقال جلّ وعلا لهم (أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى (20) أَلَكُمْ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى (21) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى (23)( النجم ) . ويهود المدينة ظلوا يحملون التأثر بالقبطية أو الديانة الفرعونية القديمة ، وبها أصدروا فتوى لكفار قريش ممّن يعبد ( العزى ) والثالوث بأنهم أهدى من النبى والمؤمنين ، فقال رب العزة : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (51) ( النساء ) . ( الجبت ) هنا هو (القبط ) بالقاف باللهجة المصرية الريفية والتى تقع فى نطقها بين القاف والجيم . أى كانت القبطية فى أسسها العقيدية عبادة البشر والحجر مؤثرة فى العرب وغيرهم ، وبسببها صارت مصر ( منبع الديانة القبطية ) تسمى فى أوربا ( إيجبت ) وصار المصريون عند العرب يسمون ( الأقباط ).
3 ـ ونرجع الى سورة التوبة وقوله جل وعلا عن اليهود والنصارى : (وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) ونتأمّل قوله جل وعلا عن الفريقين (يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ )، أى يكررون مقال المصريين القدماء فى ديانتهم ( القبطية ) الفرعونية . وملامحها تقديس البشر ( عيسى وعزير والأحبار والرهبان ) وتقديس أسماء مخترعة ولكن صارت لها رهبة . وقد حافظ المصريون بدينهم القبطى الفرعونى حين دخلوا المسيحية على الطريقة المصرية ، فتحوّل الثالوث الفرعونى والصليب الفرعونى ( العنخ ) الى الصليب نفسه وبنفس صورة العذراء مريم التى أخترعوا أنها جاءت بولدها وطافت كل أنحاء مصر من الدلتا الى الصعيد ، وتحولت المعابد الفرعونية الى كنائس وأديرة تحمل الشعارات والمسميات المسيحية ولكن بنفس المضامين والتراث الفرعونى الأصيل. ومن أجل تمسكهم بهذا المرورث الدينى الفرعونى القبطى تحمل المصريون إضطهادا هائلا فى العصر الرومانى فى عهد كراكلا ودقلديانوس ، ثم تحملوا الاضطهاد فى العصرين الأموى و العباسى . وحين أغراهم الفاطميون بالدخول الى ( الاسلام ) على الطريقة الشيعية فإن الأغلبية المصرية لم تجد فارقا كبيرا بين القبطية والتشيع ، هى مجرد خلافات فى المسميات ، أى محمد مكان عيسى ، والقديسون الأقباط يحل محلهم ( على وبنوه وآل البيت ) . ثم حين إعتنقوا الدين السنى الصوفى تحوّل محمد مكان عيسى وتحول الصحابة والأئمة والأولياء محل الرهبان والبطاركة والقديسين. ، وحين إعتنق محمد مرسى الوهابية أضيفت الى عقيدته أسماء أخرى مقدسة مثل ابن تيمية وابن عبد الوهاب . إى إنّ ما كان سائدا فى جوهر الدين الفرعونى يتكرر ، كل ما هنالك أنهم استبدلوا الأسماء و الأشكال . تقديس الأسماء هو نفسه فى كل العصور . فى العصر الفرعونى كانت هناك رهبة وقداسة لإسم ( أمون ) و ( رع ) ، ثم أصبحت القداسة لعيسى والبطاركة ، ثم بعد الفتوحات العربية صار التقديس والرهبة لأسماء أخرى كالبخارى والسيد البدوى وابن حنبل والشافعى ..الخ ..وقديما قال يوسف عليه السلام لرفيقيه فى السجن يعلّق على عبادة المصريين لأسماء إخترعوها ثم هابوها وقدّسوها : ( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (40)( يوسف )، وهو نفس التساؤل اليوم لمن يعبد أسماء الالهة والأرباب فى المسيحية والقبطية والسنّة والتشيع والتصوّف. وفى عبادة وتقديس البشر يشترك ( مرسى ) و ( موريس ) مع إختلاف المسميات من القبطية الى الوهابية .
4 ـ ولكن الفارق الأساس هنا أن ( موريس صادق ) هو ( صادق ) فى إنتسابه لدينه القبطى الذى يقدّس البشر ، وهو يعلنه معبّرا بصدق عن عقيدته فى تأليه المسيح ، أمّا ( مرسى ) فهو كاذب فى زعمه الانتماء الى الاسلام ، لأنه ليس فى الاسلام تقديس لبشر ، ولكن مرسى بوهابيته يؤمن بشريعة الوهابية التى تناقض الاسلام ، ويقدّس النبى محمدا عليه السلام كما يقدس أئمة السنّة من البخارى والشافعى وابن حنبل الى ابن تيمية وابن عبد الوهاب ..وحسن البنا وسيد قطب . ويعتبر نقدنا لأولئك الأئمة إزدراء للدين ( السّنى ) وجريمة تستوجب فى شرعه القتل وفق ( حد الردة ). مرسى منافق كاذب فى إنتمائه للاسلام وفى استخدامه لاسم الاسلام فى الوصول للحكم . أما موريس صادق فهو متّسق مع عقيدته القبطية ودينه الأرضى . هذا من الناحية العقيدية .
ثانيا : من ناحية التعصّب السلوكى :
1 ـ ورث ( موريس ) كراهية الاسلام من خلال معاناة أجداده طيلة 14 قرنا من عهد عمرو بن العاص الى عهد مرسى بن العيّاط . لم يعرف موريس وأجداده عن الاسلام إلا ما فعله عمرو بن العاص وبقية الولاة ، وقد فصّلنا فى أضطهاد المصريين الأقباط بحثين منشورين هنا . وهذه المرارة المترسبة تفسّر هذا الحقد الهائل الذى يكنّه موريس للاسلام ، ولكن لا تبرّره، وذلك لسببين : أننا ونحن ندافع عن الأقباط نؤكد ما فى الاسلام من تسامح وأنه برىء مما فعله العرب فى مصر . وموريس يعرف أتجاهنا وفكرنا ، وقد تزاملنا فترة قصيرة فى أوائل التسعينيات فى مجال الدفاع عن حقوق الانسان فى مصر، وكان يبدى إعجابا بنضالنا ضد الاخوان والوهابيين ، ويستشهد بأقوالنا ضد زملائه المحامين من الاخوان . أى كان يعرف منهجنا ، وكان شاهدا على اضطهادنا ـ ونحن مسلمون مخلصون للاسلام ونستمد حجتنا من القرآن الكريم ، ومع هذا كانت كراهيته للاسلام أكبر من الحقائق التى كان شاهدا عليها. وثانيا لأن موريس فى تعصبه هذا يخالف ما نعرفه فى اصدقائنا من الأقباط الذين لا يصلون الى درجة تعصّبه . وأنا هنا أحكم بمعرفتى بكثير من الأصدقاء الأقباط ناضلنا معا ضد الاستبداد والتطرف. وأقول إن تعصب موريس يصل به الى مطالبته بتهجير إخوانه المصريين المسلمين الى الجزيرة العربية ـ هذا التعصب الأحمق يرفضه ويخجل منه من أعرفهم من الأقباط ، وهم كثيرون .
2 ـ موريس فيما يتمناه من تهجير المسلمين المصريين الى الجزيرة العربية يعبّر عن خيال مريض غير قابل للتحقيق ، ولكن هذا الخيال المريض موجود بالأصالة فى كل دين أرضى يصل أصحابه الى درجة الحكم والسيطرة والتمكين . إن المشركين المعتدين بالسلوك لو تحكّموا فهم دائما يطردون الأقلية التى تخالفهم فى الدين أو المذهب والملة. فعلت هذا قريش مع المؤمنين ، وفعل هذا الأسبان مع العرب والمسلمين بعد سقوط غرناطة ، وإمتلأ العالم الجديد فى الامريكيتين واستراليا بالمهاجرين بسبب الاضطهاد المسيحى المذهبى فى أوربا . وعندما وصل الاخوان الى بعض النفوذ بعد ما يعرف بثورة يولية 1952 كانوا يدقون على أبواب المسيحيين فى شبرا وغيرها يأمرونهم بالرحيل من مصر . وحين وصل الاخوان والسلفيون مؤخرا الى صدارة المشهد السياسى فى مصر أعلن كثير من دعاتهم أن البلد بلدهم ومن يعترض فليخرج منها، وجاء الاعلان مباشرا للأقباط بالرحيل . ونحن هنا نتحدث عن عشرة مليون قبطى على الأقل ، ويستحيل تهجيرهم جميعا. ولكن يختلف الحال مع أقلية ضئيلة قليلة العدد . أهل القرآن مثلا طوردوا ، وحتى لقد منعوهم من الصلاة فى بيوتهم . صحفى مغمور فى جريدة حكومية يعتنق الوهابية أراد الشهرة فتزعم حملة لطرد البهائيين ، وتحقّق أمله فى هذا الزمن الردىء ، وبدلا من دخوله السجن وتحقيره أصبح مشهورا بل زعيما ..!!. وحين يصل مرسى وجماعته الى ما يطمحون اليه من ( التمكين ) فسيكون هذا منذرا بطرد بضعة ملايين من الأقباط . مجرد عدة مذابح ويسارع الأقباط بالفرار . مرسى هنا أكثر خطورة من موريس . موريس يحلم ويتمنى وهو يعلم إستحالة تحقيق حلمه ، أما مرسى فهو يعمل فى تحقيق هذا الحلم لأن ( طرد ) الآخر المخالف فى الدين والمذهب أساس فى الوهابية .
3 ـ بغض النظر عن دعوته المنشورة فى تهجير المسلمين المصريين للصحراء العربية فإن موريس لم يرتكب سوى مجرد هذا القول . ولكن موريس لم يقتل نفسا بريئة ، ولم يقم بالهجوم على مسجد . أما مرسى فهو يمثّل دينا أرضيا يقتل الأبرياء تحت راية الجهاد ، ومعظم ضحايا الوهابية من المسلمين الصوفية والشيعة . ويبلغ ضحايا الوهابية عدة ملايين داخل وخارج ما يعرف بالعالم الاسلامى . والاخوان والسلفيون يقتلون الآن وفى شهر محرم الحرام الثوار المصريين الرافضين لاستبداد مرسى ، ومرسى مسئول عن هذا ، وحتى كتابة هذا المقال وهو ماض فى استبداده وفى فرض دستوره الوهابى على المصريين غير عابىء بثورة المصريين بالملايين فى سائر أنحاء مصر . ولو تم إقرار هذا الدستور فستصبح الوهابية ( أهل السّنة والجماعة ) هى مصدر التشريع دستوريا ، وبالتالى يصبح قتل ملايين المصريين مباحا بفتوى ( قتل ثلث الرعية لاصلاح الثلثين ) وهذا يشمل عموم الأقباط والقوى الحية من الشعب المصرى ، علاوة على قتل من يفكّر ومن ينتقد بحد الردة وقتل الزنديق ، ثم هناك رجم الزانى وقتل تارك الصلاة والقتل بالتعزير والقتل أمرا بمعروف ونهيا عن المنكر ، وقد تم تطبيق هذا التشريع الوهابى فعلا فى السويس ، ثم فتاوى ابن تيمية فى قتل من لايصلى جماعة ومن يؤخر الصلاة عن موعدها ..الخ .. ليس هذا تقوّلا عليهم ، بل كتبهم فى التشريع السنى التراثى مليئة بهذا ، ليس فقط كتب التراث بل كتب أئمتهم المجتهدين فى عصرنا البائس ، يقوله الجزرى فى كتابه ( الفقه على المذاهب الأربعة ) و ( فقه السّنة ) لشيخهم سيد سابق ـ وكتاب الشيخ الوهابى أبى بكر الجزائرى ( منهاج المسلم ). مرسى يريد فرض شريعة تناقض الاسلام تحت إسم الاسلام . فأيهما الأكثر عداءا للاسلام مرسى أم موريس ؟ لنترك موريس ونقارن بين مرسى و المجرمي العاديين واصحاب العصابات : من هو الأكثر إجراما : اهو الذى يقتل فردا أم الذى يقتل شعبا ؟ أهو الذى يقتل شخصا بدافع دنيوى ( علمانى ) أم ذلك الذى يرتكب القتل الجماعى ويعتبره دينا وشريعة وجهادا ؟
4 ـ ونرجع للقرآن الكريم . فى سورة البقرة تقسيم الاهى للبشر : منهم المؤمن التقى ومنهم الكافر الصريح ومنهم المنافق المفسد : قال جل وعلا عن المتقين (الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (5)) . وقال عن الكافرين الذين لا أمل فى توبتهم : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) ) هذا ينطبق على موريس . لو أحاط بموريس 790 مليون شخص يحاولون إقناعه بأن المسيح عبد الله ورسوله وأن الله جل وعلا واحد أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، ما إقتنع موريس ولظل مؤمنا بالوهية المسيح. ولأنه مصمم على كفره فقد ختم الله جل وعلا على قلبه ، ويستوى إن وعظته أم لم تعظه . وقال جل وعلا عن المنافقين المخادعين المفسدين :( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12). قوله تعالى ( وَمِنْ النَّاسِ ) يعنى حيثما يوجد ناس وفى أى مجتمع من البشر نجد منافقين يخادعون الناس بالدين ، وحين يصل منافق لمنصب رئيس الجمهورية فإنه يصلى أمام الكاميرا ويتحدث عن صلاته الفجر فى المسجد ويخطب الجمعة بالناس ويعظهم ويأمرهم بالبر ( وينسى نفسه )، وهو يرائى بصلاته ، وهو يكذّب بالدين الحقّ ولا يأبه بالجوعى والأيتام و يمنع ( الماعون ) أى ما يحتاجه الناس ، ولذا توعّد الله هؤلاء المرائين بالويل (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7) الماعون ) ..ألا تنطبق هذه السورة على مرسى ؟ ألا ينطبق على جماعته قوله جل وعلا :( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12).
5 ــ موريس كافر بينما مرسى منافق ، موريس يعلن صراحة كفره بالقرآن الكريم ويفخر بهذا ولا أمل فى هدايته ـ من وجهة نظرنا القرآنية . أما مرسى فيعلن أن ( القرآن دستورنا ) و ( الاسلام هو الحلّ ).. وهو فى سلوكه وفى دينه الأرضى السنى الحنبلى والوهابى عدوّ للاسلام . أى ينطبق عليه وصف النفاق ، فالمنافق هو الذى يخدع المؤمنين بإيمانه . وبهذا ينطبق عليه وعلى طائفته قوله جل وعلا عن مصير المنافقين الذين يموتون على نفاقهم دون توبة :( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ(145) ( النساء ). الميزة التى يمكن أن ينجو بها مرسى وأن يتفوق على ( موريس ) هى إحتمالية التوبة ، لا أمل فى توبة موريس ـ ولكن هناك أمل فى توبة مرسى ، وفى توبة أى منافق ، فلو تاب لنجا وأصبح ( مع المؤمنين ) وليس ( من المؤمنين )، يقول جل وعلا :( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146) النساء ). أى لا تزال هناك فرصة أمام مرسى لأن يتوب ويصلح عمله ،ويعتصم بالله ويخلص دينه لله. مرسى يستطيع التوبة بأن يستقيل من رئاسة الجمهورية لأنه فعلا لا يصلح لها ، وأن يرد المظالم ويعتذر للمظلومين الذين ظلمهم فى فترة رئاسته ، وأن يتبرأ من جماعة الاخوان المسلمين ودينهم الأرضى القائم على الظلم والعدوان وتقديس البشر ، وأن يحاول فيما تبقى له من عمر أن يكفّر عن سيئاته ما استطاع . فهل سيتوب مرسى ويصلح عمله ؟ ويعتصم بالله ويخلص دينه لله ؟ أم يظل وهابيا إخوانيا ويكتفى باصدار المزيد من إعلاناته الدستورية الورقية ليدخل بها الى الجحيم . ؟؟.
6 ــ الأيام بيننا ..أو ( الأيام بينما ).