مكتبة منصور أرشيف دائم
EN / AR
الكتب 2013

دستور مرسى الاخوانى فى دراسة تحليلية أصولية تاريخية

دستور مرسى يبيح قتل كل مصرى ( 1 )

آحمد صبحي منصور في الأربعاء 12 ديسمبر 2012

مقدمة

تعرّض كثيرون لتوضيح ما فى مشروع الدستور الاخوانى من عوار ، منها تلك السلطات التى تجعل مرسى حاكما مستبدا يتحكم فى كل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية ، فله حق تعيين رؤساء الهيئات القضائية والنائب العام ورئيس الوزراء و الوزراء المحافظين وبعثات التمثيل الخارجى ورؤساء الهيئات الرقابية ، وهو الرئيس الأعلى للشرطة و الجيش ، وله حق العفو عن المحكوم عليهم دون أن يكون مسئولا أمام البرلمان . وكثيرون إنتقدوا المادة (220) ( مبادىء الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة فى مذاهب أهل السنه والجماعة ). وهى فى نظرنا تهدر كل ما جاء فى هذا الدستور من حقوق ، وهى مع المادة (4) عن الأزهر تؤسس دولة طالبان فى مصر ، إذ تهدر حكم القانون وتصادر دور المحكمة الدستورية العليا ، وتنشر الخراب فى مصر بل وتبيح قتل كل مصرى . ثم مواد أخرى تتيح للوهابيين التحكم فى التعليم وفى الأسرة المصرية والحرية الشخصية ، بل تتيح لهم قتل معارضيهم وفق مذاهب أهل السنة والجماعة . ونبدأ هنا ببعض التفاصيل :

أولا : نشر الجهل الوهابى خلال تحكم الدولة فى التعليم      

1 ـ تقول المادة (11): (تحمى الدولة الوحدة الثقافية والحضارية واللغوية للمجتمع المصرى، وتعمل على تعريب التعليم و العلوم والمعارف ) تعبير ( تحمى الدولة ) يعنى أن تقف الدولة بالمرصاد ضد التأثر بالغرب الكافر لتحمى ما يسمونه ب( الوحدة الثقافية والحضارية واللغوية للمجتمع المصرى)، وهو مفهوم هلامى مطاطى يعنى فى النهاية الثقافة الوهابية ، وهى بطبيعتها ضد الانفتاح على الغرب وضد ما يسمونه بالحداثة ، بل أكثر من ذلك يقولون بالوحدة ( اللغوية ) بما يعنى الوقوف ضد اللغات الأجنبية من الانجليزية وغيرها ، بل الوقوف ضد اللغة  النوبية المصرية ولغة أهل سيوة والأمازيغ المصريين.

و( تعمل على تعريب التعليم و العلوم والمعارف) وهنا جهل ساحق ، فالعلم يتقدم ويتطور كل دقيقة ، فهل لدى الاخوان ـ لو أرادوا ـ ملاحقة هذا التطور بالترجمة والتعريب ونحت مصطلحات عربية لكل المستجدات والمخترعات اليومية ، وهم أصلا أعداء للغرب وثقافته ؟

2 ـ يعزّز هذا الجهل الوهابى قول المادة : (54) : ( اللغة العربية مادة أساسية فى كافة مراحل التعليم المختلفة بكل المؤسسات التعليمية، والتربية الدينية والتاريخ الوطنى مادتان أساسيتان فى التعليم قبل الجامعى بكل أنواعه، وتلتزم الجامعات بتدريس القيم والأخلاق اللازمة للتخصصات المختلفة. ). الخطورة فى القول بأن (التربية الدينية والتاريخ الوطنى مادتان أساسيتان فى التعليم قبل الجامعى بكل أنواعه، وتلتزم الجامعات بتدريس القيم والأخلاق) وتفسيرها هو إلتزام الدولة بنشر الوهابية أو ( مذاهب أهل السنة والجماعة ) فى مراحل التعليم كلها قبل وفى الجامعة .

3 ـ ومن أجل هذه الإلزام تقول  المادة 58  أنه: « لكل مواطن الحق في التعليم عالي الجودة، وهو مجاني بمراحله المختلفة في كل مؤسسات الدولة التعليمية، وإلزامي فى مرحلة التعليم الأساسي، وتتخذ الدولة كافة التدابير لمد الإلزام إلى مراحل أخرى.وتُعني الدولة بالتعليم الفني، وتشجعه، وتشرف على التعليم بكل أنواعه، وتخصص له نسبة كافية من الناتج القومي.وتلتزم جميع المؤسسات التعليمية العامة والخاصة والأهلية وغيرها بخطة الدولة التعليمية وأهدافها؛ وذلك كله بما يحقق الربط بين التعليم وحاجات المجتمع والإنتاج.) فى خلال هذه الثرثرة عن مجانية التعليم ( الوهابى ) وأنه عالى الجودة تأتى عبارة خطيرة بإلزام الدولة أجهزة التعليم بخطة الدولة التعليمية وأهدافها ، أى بنشر الثقافة الوهابية ، ومنها على سبيل المثال ما جاء فى المادة (40): ( يحظر الإساءة أو التعريض بالرسل والأنبياء كافة. )، اى هنا نصّ دستورى غير مسبوق يحظر ( التعريض بالرسل والأنبياء كافة ) ، وكلمة التعريض هذه مطاطة وهلامية ، وتفسيرها الوهابى هو عدم الخروج عما تقوله الوهابية عن النبى محمد عليه السلام ، وبالتالى لو إستشهدنا بمئات الآيات من القرآن الكريم على أنه عليه السلام لا يشفع ولا يعلم الغيب ولا يملك حق التشريع بل هو مجرد رسول يبلغ الرسالة ، فإن هذا يعتبر تعريضا بالنبى ، بل يعتبر مستوجبا للقتل بتهمة الردة طبقا لمبادىء شريعتهم وأحكامها الكلية فى مذاهب أهل السنة والجماعة .!!

ثانيا : دستورهم ومصادرة الحرية الشخصية طبقا لعقيدتهم فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر:

1 ـ  تقول المادة (9) : (الأسرة أساس المجتمع ، قوامها الدين والأخلاق والوطنية . وتحرص الدولة والمجتمع على الطابع الأصيل للأسرة المصرية، وعلى تماسكها واستقرارها ، وحماية تقاليدها وقيمها الخلقية .) هنا بالرؤية الوهابية فرض أعيان الوهابية شريعتهم على الفرد فى الزى والمظهر خصوصا المرأة بنفس ما هو سائد فى السعودية ودولة طالبان طبقا لرؤيتهم فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

2 ـ يعززه ما جاء فى المادة (10): ( تلتزم الدولة والمجتمع برعاية الأخلاق والآداب العامة وحمايتها، والتمكين للتقاليد المصرية الأصيلة، ومراعاة المستوى الرفيع للتربية والقيم الدينية والوطنية والحقائق العلمية، والثقافة العربية والتراث التاريخى والحضارى للشعب، وذلك وفقا لما ينظمه القانون ) ، أى ليس موظفى الدولة فقط بل أفراد المجتمع ـ كلهم طبقا لحديث الذى وضعه الحنابلة فى العصر العباسى والقائل ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيد ..الخ ) كلهم ملتزمون برعاية الأخلاق والآداب العامة وحمايتها ومراعاة المستوى (الرفيع ) للتربية والقيم الدينية ( الوهابية ) والثقافة العربية ( البدوية ) و( التراث ) السّنى الحنبلى الوهابى ، (وذلك وفقا لما ينظمه القانون ). أى سيقوم القانون تفصيل هذا لاحقا . وبالتالى فقل السلام على السياحة وعلى الفن وعلى الأدب وعلى الابداع وعلى الترجمة ..بل قل وداعا للآثار المصرية لأنها عندهم رجس من عمل الشيطان ، بدءا من الأهرام وأبى الهول وما لا يزال تحت الأرض ورهن الاكتشاف ... الى محلات الانتيكات فى خان الخليلى .

ثالثا :رعاع الوهابية هم الذين سيطبقون هذا الدستور

1 ـ فى أوائل التسعينيات وردا على الدعوة بتطبيق الشريعة كتبت إن شريعتهم السنية كانت مطبقة فى العصور الوسطى فنشرت الاستبداد والفساد والظلم . لم يهتم أحد بهذا المنطق فقمت بتأليف كتاب ( المجتمع المصرى فى عصر السلطان قايتباى فى ظل تطبيق الشريعة السنية ) وذلك بتحليل كتاب ( إنباء الهصر بأبناء العصر) للمؤرخ القاضى ابن الصيرفى الذى كان بحكم عمله ضمن أعضاء السلطة القضائية للسلطان قايتباى المشهور بالورع . وفى كتابى هذا أوضحت مدى الظلم الذى ساد فى عصر هذا السلطان الورع ، ولكنه كان أقلّ ظلما من قضاة الشرع السّنى ، والذين استحقّوا إحتقاره ، فقد كانوا أحط الناس ، بدءا من قضاة القضاة الى القضاة العاديين الى ( الشهود ) الى بقية علماء الدين السّنى وشيوخ الصوفية . وقتها حاولت نشر الكتاب ليكون صيحة تحذير ، ولم أطلب عائدا ماديا ـ كالعادة ـ أى مجرد النشر . فلم أتمكن من نشره . ثم نشرته على حلقات هنا بعد تنقيحه بما يلائم وقتنا . وأيضا لم يلتفت أحد الى خطورته وأهميته . ثم جاء مشروع هذا الدستور الوهابى ليؤكّد نفس المخاوف ، بل وأكثر .

2 ـ فمهما بلغ فساد القضاة فى عصر قايتباى فإن الحال فى عصرنا أسوأ لسببين : إن السلطان قايتباى لم يكن من فصيلة أولئك القضاء المفسدين الفاسدين ، لذا كان يحاول إصلاحهم بل وبالضرب أحيانا ، وهنا يكون الفارق . فالسلطان الوهابى المستبد هومن نفس فصيلة أتباعه،  وهو الأكثر فسادا من قضاته وعلماء دينه . وثانيا : إن العصر المملوكى ـ وعصر قايتباى ـ كاد دينه الأرضى السائد هو ( التصوف السنّى ) ، وهو أكثر إعتدالا من الوهابية التى ظهرت بعده بقرنين ونصف القرن . الوهابية السعودية هى التى أنشأت شجرة الإخوان والسلفية فى مصر كما أوضحنا هنا من قبل . والآن وبعد أكثر من 80 عاما تصدرت الوهابية المتزمتة المشهد المصرى ، وأنشأت جيلا من المتطرفين الارهابيين لم تعرفهم مصر خلال تاريخها الممتد ، وهؤلاء الرعاع التتار على وشك حرق مصر بحرب أهلية . وهذا الدستور هو إعلان لهذه الحرب الأهلية .

2 ـ ينقسم هؤلاء المتطرفون الى قيادات (سياسية ودعوية ) وأتباع . وينقسمون الى منافقين يتكلمون بوجهين كالاخوان:( بديع ومرسى والعريان وعبد المنعم ابو الفتوح وابوالعلاماضى...الخ ) ، والى صرحاء يصرخون بالويل والثبور وعظائم الأمور. منهم دعاة غاية فى العجب .!! ترى الداعية منهم سبّابا شتّاما فظّا غليظ القلب منحطّا فى أخلاقه ، لا يتورع عن التقيؤ بأقبح الكلمات التى يخجل من التلفظ بها العوام من الناس . ثم أتباع رعاع غاية أيضا فى العجب ؛ يهتفون لمرسى إذا أصدر قرارا ، ويهتفون له إذا تراجع عن قراره ، وفى كل هتافهم يصرخون باسم الرحمن تكبيرا ، ويحملون إسم الاسم زورا . هؤلاء هم الذين سيقومون بتطبيق هذا الدستور الوهابى  فيما أوضحناه آنفا ،  فى سيطرته على التعليم وفى تطبيق شريعتهم الوهابية فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .

3 ـ  عبد العزيز آل سعود المؤسس لدولة السعودية الراهنة هو المنشىء الحقيقى للإخوان وجماعات السلفية بمصر . ولقد إستطاع تكوين دولته عن طريق عصابات مسلحة من شباب البدو الغلاظ ، قام بتعليمهم الوهابية وتدريبهم على القتال فى معسكرات صحراوية منعزلة أسماها ( الهجر ) ، وأطلق عليهم اسم ( الاخوان ) . وإشتهر هؤلاء الاخوان بالقسوة المفرطة وقتل من يستطيعون من خصومهم ، وخصومهم هم كل من يخالفهم حتى فى داخل الوهابية. وهم الذين وصل بسيوفهم ملك عبد العزيز الى الحدود الحالية لمملكته السعودية . ثم إختلف معهم عبد العزيز فحاربهم وقضى عليهم 1929 ـ 1930 ، وحكم منفردا مستبدا، وأعطى دولته أسم أسرته ( السعوية ) عام 1932 . وقبلها كان قد أنشا ( الاخوان المسلمين ) فى مصر عوضا عن ( أخوانه النجديين ) ليجعل من مصر عمقا استراتيجيا يحمى دولته من السقوط . والتفاصيل فى بحث لنا منشور هنا عن شجرة الاخوان المسلمين التى زرعها عبد العزيز آل سعود فى مصر.  

4 ـ هذه الاشارة ضرورية هنا لعقد مقارنة بين ( إخوان ) عبد العزيز ورفاقهم حاليا فى مصر بعدهم بنصف قرن . لقد إشتهر ابن بجاد أحد زعماء الاخوان فى عصر عبد العزيز بإقدامه على قتل أى أجنبى يراه فى ( نجد ) حتى لقد كان عبد الله فيلبى الانجليزى مستشار عبد العزيز يخشى من ابن بجاد ، مع أن فيلبى هذا أسلم ، وكان يصلى معهم . إبن بجاد لا يرى فى الدنيا سوى نفسه وطائفته ، وغيرهم من البشر يستحق عنده الموت . هذا هو ما تشرّبه وتعلمه فى ( الهُجر ) من رسائل ابن عبد الوهاب وابن تيمية . يتكرر هذا على الانترنت حين نرى أوباش السلفية يسب د محمد البرادعى ويتهمه بأنه عميل أمريكى . وكراهية السلفية والاخوان والوهابيين عميقة لأمريكا ، ويعبّر عنها بصراحة تنظيم القاعدة ، ويعبر عنها أوباش السلفية فى اليوتوب ، ويتناسون أن مرسى وفرقته يركعون لأمريكا واسرائيل وقد قدموا لهما كل التنازلات كى ينال الاخوان حكم مصر . والعادة أن الحاكم المستبد الذى يكرهه شعبه فى وطنه يبحث عن التأييد الخارجى ، فهكذا كان يفعل مبارك فى إنبطاحه للسعودية واسرائيل إقليميا وأمريكا دوليا. وعلى أثره سار مرسى . وأتباع مرسى من الرعاع يصفقون لمرسى مهما فعل بينما يصبون جام غضبهم على البرادعى .

ونشر اليوتوب بعضهم أثناء غرة قاموا فيها بالسلب والنهب لمعسكر الثوار المصريين فى التحرير، فعثروا على قطعة جبن نستو ، وكأنما عثر على دليل إتهام خطر فانطلق يلوّح بها وهو يصرخ:( جبنة نستو يا كفرة ..!!). هذا المعتوه لا يستعمل الجبنة النستو ، وبالتالى فهى عنده ( كفر) صنعها الكفار . وهذا يذكرنا بأخوان عبد العزيز المحاربين ، وكانوا يرون قتل الوهابيين الذين لا يرتدون العمامة الوهابية ، لأن من لا يرتدى نفس ملابسهم فهو كافر يستحق القتل حتى لو كان وهابيا مثلهم . وكانوا يرون قتل من يستعمل المخترعات الغربية من اللاسلكى الذى اعتبروه سحرا وشيطانا يسترق السمع ، ونفس الحال مع الموتوسيكل وغيره . أى إنّ ما لا يعرفونه ومالا يستعملونه فهو كفر ويستحق من يستعمله القتل ، لا فارق بين التلغراف فى عهد إخوان عبد العزيز والجبنة النيستو فى عهد مرسى .

ونشر اليوتوب أيضا صراخ بعضهم بأنهم عثروا على مسيحيين بين المتظاهرين . كأنما لا يعلمون أن المسيحيين مواطنون مصريون يتظاهرون كغيرهم طلبا لحقهم ، وأنهم كانوا من أوائل من قاموا بالثورة ، تلك الثورة المصرية الى أوصلت الاخوان والسلفيين للحكم . ولكن هؤلاء الرعاع يعبّرون بصدق عما يترسب فى شعورهم ، أنهم لا يرون الآخر المختلف معهم فى الدين أو المذهب ، ليس له وجود أصلا فى عقيدتهم ، وبالتالى فليست له حقوق . وإن عثروا عليه حيّا فمن حقهم أن يندهشوا أولا ، ثم يصرخون ثانيا ( هذا مسيحى ) ثم يقتلونه ثالثا ـ لو وصلوا الى التمكين ، وقتله هو عندهم ( إزالة للمنكر باليد ) وفق تشريع ( مذاهب أهل السنة والجماعة ).

ونشر اليوتوب دعاتهم الكبار وهم يتلفظون بالسباب الفاحش دون خجل، بل ويرمون النساء بالزنا . وسبق لأحد شيوخهم وهو أبو اسحاق الحوينى فى أواخر التسعينيات أن ردّ على مقالة للدكتور عثمان محمد على ينتقد فيها البخارى . لم يستطع أن يرد هذا الحوينى ينفى أدلة د . عثمان محمد على وقد أتى بها من أحاديث البخارى . وكل ما فعله هذا الحوينى أن ظل يسب ويلعن ويردح بأقذع الالفاظ ، ومنها أن يقول عنّا جميعا أننا أولاد زنا ..وامهاتنا زناة .!! ونفس البذاءات أتلقاها من أتباعهم مع التكفير .. وقد نشرت بعضها فى مقال خاص لتكون وثيقة تؤكد حقارة دينهم الوهابى وتناقضه مع الاسلام . الذى يهمنا هنا فى موضوعنا أن أولئك الوهابيين مبتدعى دينهم الأرضى يعتقدون أن شريعتهم فى ( الحدود ) هم الذين يطبقونها على غيرهم ، وليست للتطبيق عليهم . مثلا ؛ هم يعرفون عقوبة رمى المحصنات فى القرآن ، وهى 80 جلدة . وقد إعترفوا بها فى شريعتهم السنية . ولكن تطبيقها على الغير وليس على أنفسهم ، لذا من حقهم رمى المحصنات من النساء كما شاءوا ،ولا عقوبة عليهم . وهكذا يفعلون .

كما إن من حقهم بل من واجبهم أمر الآخرين بالمعروف ونهى الآخرين عن المنكر . ولا يملك أحد أن يأمرهم بالمعروف أو أن ينهاهم عن المنكر . وهذا ما يتم تطبيقه فى السعودية . فالقائمون فى هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يطارود الناس فى الشوارع ، ولكن يستحيل على فرد فى المملكة أن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، كما يستحيل عليهم الاقتراب من قصور الأمراء السعوديين ، كما لو أن رجال ونساء الأسرة السعودية ملائكة .!!

الحلقة القادمة عن ضحايا تطبيق هذا الدستور .

دستور مرسى : وإرهاصات تدمير الدولة المصرية بحجة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ( 2 )

1 ـ أذكر أنه بعد خروجى من السجن فى ديسمبر 1987 أن ضابط أمن الدولة الذى كان يستجوبنى سألنى عن رأيى فقلت  له : ( ما يحدث لى يذكرنى بما حدث فى موقعة الجمل بين الامام (على ) والثائرين عليه ( الزبير وطلحة والسيدة عائشة ) ، إذ قبل أن يبدأ القتال وقف رجل بين الجيشين يعظ الفريقين بالقرآن ، فجاءه سهم فقتله . فأنا ذلك الرجل الآن . أنا أدعوكم أنتم والارهابيين السنيين الى الاحتكام بالقرآن فتضعوننى فى السجن بينما يسعى المتطرفون لقتلى. وسيأتى وقت تواجهون فيه جيوش هؤلاء المتطرفين بعد أن ينجحوا فى تسميم عقول الشباب .! ).لعل هذا الضابط لا زال حيا ، وكنت أعرف أن استجوابى كان يتم تسجيله ليسمعه قادة أمن الدولة فى لاظوغلى وقتها . وكنت قبلها وفى أول كتاب نشرته عن ( السيد البدوى ) عام 1982 قد دعوت فى خاتمة الكتاب الى مناقشة الفكر السّنى حتى من خلال الفكر السّنى نفسه لانقاذ الشباب من التطرف وثقافة الارهاب الدينية  حتى لا يقوم الشباب المتدين بهذه الأحاديث بقتال الدولة ، وحدث هذا فعلا بعدها بعشر سنين . ثم أقمت ندوة اسبوعية فى مركز ابن خلدون باسم (رواق ابن خلدون ) ، واستمرت من مطلع عام 1996 الى أن تم إغلاق المركز فى يونية 2000، وكان شعار الرواق هو ( حتى لا تقفز مصر فى الظلام ) .. ومصر الآن تقفز فى الظلام . فى مؤلفاتى من كتب ومقالات تنبأت بما سيحدث وحذّرت مقدما ، منها سلسلة مقالات منشورة هنا عن الأمر بالمعروف فى الاسلام ، والتحذير من حرب أهلية قادمة . وقبلها سلسلة اخرى فى تحذير الاخوان المسلمين من خلط السياسة بالدين .

2 ـ كل هذا صراخ فى البرية .!! ومن سلاسل الصراخ فى البرية هذه المقالات التى تحذّر من دستور مرسى . ونتحدث هنا عن التدمير الذى بدأت نذره فى الدولة المصرية حتى قبل إقرار هذا الدستور.

3 ـ فى مقالنا السابق قلنا : (تقول المادة (9) : (الأسرة أساس المجتمع ، قوامها الدين والأخلاق والوطنية . وتحرص الدولة والمجتمع على الطابع الأصيل للأسرة المصرية، وعلى تماسكها واستقرارها ، وحماية تقاليدها وقيمها الخلقية .) هنا بالرؤية الوهابية فرض أعيان الوهابية شريعتهم على الفرد فى الزى والمظهر خصوصا المرأة بنفس ما هو سائد فى السعودية ودولة طالبان طبقا لرؤيتهم فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.  يعززه ما جاء فى المادة (10): ( تلتزم الدولة والمجتمع برعاية الأخلاق والآداب العامة وحمايتها، والتمكين للتقاليد المصرية الأصيلة، ومراعاة المستوى الرفيع للتربية والقيم الدينية والوطنية والحقائق العلمية، والثقافة العربية والتراث التاريخى والحضارى للشعب، وذلك وفقا لما ينظمه القانون ) ، أى ليس موظفى الدولة فقط بل أفراد المجتمع ـ كلهم طبقا لحديث الذى وضعه الحنابلة فى العصر العباسى والقائل ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيد ..الخ ) كلهم ملتزمون برعاية الأخلاق والآداب العامة وحمايتها ومراعاة المستوى (الرفيع ) للتربية والقيم الدينية ( الوهابية ) والثقافة العربية ( البدوية ) و( التراث ) السّنى الحنبلى الوهابى ، (وذلك وفقا لما ينظمه القانون ). أى سيقوم القانون تفصيل هذا لاحقا . وبالتالى فقل السلام على السياحة وعلى الفن وعلى الأدب وعلى الابداع وعلى الترجمة ..بل قل وداعا للآثار المصرية لأنها عندهم رجس من عمل الشيطان ، بدءا من الأهرام وأبى الهول وما لا يزال تحت الأرض ورهن الاكتشاف ... الى محلات الانتيكات فى خان الخليلى . ) .

وهنا نقول إنّه حتى قبل الموافقة على هذا الدستور فإن تطبيق هاتين المادتين جرى فى السويس بقتل شاب جامعى كان يسير مع خطيبته ، واستيراد ( عصا مكهربة ) لضرب المصريين ، وحصار المحكمة الدستورية العليا والحصار الحالى لمدينة الإنتاج الاعلامى ، والتهديد علنا باغتيال المعارضين.كل هذا إرهاصات بسقوط الدولة ودخول مرحلة الفوضى ، وبدء حكم طالبان فى مصر .  

ثانيا : لمحة تاريخية :

1 ـ أولئك السلفيون يسترجعون الماضى ويطبقونه عمليا ، لذا لكى نفهم حركتهم لا بد من الرجوع الى جذورهم التاريخية والدينية وتناقضها مع الاسلام ، وهذا منهجنا فى التعامل معهم .

2 ـ أعراب ( نجد ) دخلوا فى الاسلام بغضا فى قريش ، ثم كانوا أساس حركة الردة حين إستعادت قريش نفوذها بعد موت النبى عليه السلام ، ووجهتهم قريش للفتوحات تحت قيادتها ، وفى خلافة عثمان إحتكرت قريش الغنائم فثار الأعراب على عثمان وقتلوه ، وضغطوا على ( على ) وجعلوه خليفة ، وفى حرب صفين أرغموا عليا على قبول التحكيم ، فلما أنتهى التحكيم الى خداع خرجوا على ( على ) وقتلوه ورفعوا شعار ( لا حكم ألا لله ) . ويقول الملطى فى القرن الرابع الهجرى فى كتابه ( التنبيه والرد ) إنّ الخوارج كانوا يدخلون الكوفة و البصرة ثم يصرخون ( لا حكم إلّا لله ) ويقتلون الناس عشوائيا  فى الشوارع والأسواق.!

3 ـ لم تكن لأولئك الأعراب الخوارج خلفية ثقافية تمكنهم من تأطير وتقعيد شعار ( لا حكم إلّا لله ) . قام بذلك فقهاء الدولة العباسية ، حيث كان الخليفة أبو جعفر المنصور هو أول من أعلن أنه ( سلطان الله فى أرضه ) وفق مفهوم الدولة الدينية الذى يتناقض مع الاسلام ودولته الديمقراطية القائمة على الحرية الدينية والعدل . واستخدم المنصور ( علماء الحديث ) فصنعوا له أحاديث تنسب للنبى أنه أخبر بالدولة العباسية وخلفائها . وقتل المنصور أبا حنيفة لموقفه من تلك الأحاديث وتمسكه بقيم الاسلام الحقيقية ، واستمر التحالف بين الخلافة العباسية و( علماء الحديث ) الى أن حدث الشقاق بينهما فى ( فتنة خلق القرآن ) ومحاولة المأمون ثم المعتصم ثم الواثق فرض هذا الرأى على الجميع ، وماتبعه من اضطهاد الفقهاء المحافظين المخالفين للمعتزلة وتفتحهم الفكرى ، ومشهور سجن وتعذيب ابن حنبل . وترتب على هذا ثورة أولئك الفقهاء تحت شعار الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بزعامة أحمد بن نصر الخزاعى ، وقيام الخليفة الواثق بقتله . وفى هذه الظروف تم تصنيع ونشر حديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ..) . وكان صاحب النفوذ فى خلافة الواثق هو وزيره المعتزلى ( ابن الزيات ) الذى كان يحتقر ولى العهد ( أخ الخليفة ) وكان ابن الزيات يحرّض الخليفة الواثق على عزل أخيه ولى العهد ليحل ابن الخليفة محلّه . ومات الخليفة الواثق فجأة بسبب وصفة طبية خاطئة استعملها ليتقوّى جنسيا ، وتولى الخلافة ولى العهد أخ الخليفة بلقب ( المتوكل على الله ) فقتل إبن الزيات تحت التعذيب ، وأطلق سراح ابن حنبل ، وجعل ( السنّة الحنبلية ) الدين الرسمى للدولة ، وبعث بفقهائها الى الآفاق لنشرها .

4 ـ  وتأكّد بهذا نفوذ ( الحنابلة ) وسيطروا على الشارع العباسى ، واضطهدوا معارضيهم تطبيقا لحديثهم ( من رأى منكم منكرا .. ) ، وتعاونوا مع المتوكل فى إبادته للمعتزلة وفى إضطهاده للشيعة وهدم ضريح الحسين واضطهاد أوائل الصوفية ، وفى اضطهاد النصارى واليهود وإلزامهم بزىّ معين للتحقير . بل إمتد اضطهاد الحنابلة الى الزعماء المعتدلين للدين السّنى إذا خالفوهم ، ومشهور حصارهم للطبرى فى بيته شهورا ولم يصفحوا عنه وهو فى نهاية عمره ،بل هدموا عليه بيته ومنعوا دفنه . وهذا لمجرد أنه أختلف معهم فى مسألة الاستواء على العرش . وظل الحنابلة يعيثون فى الأرض فسادا أكثر من قرنين فتحول العراق الى فوضى على أيديهم ، مما دعا الحكام المتغلبين الى التحالف مع الصوفية فبدا نفوذ الحنابلة فى الانحسار ، وحل محلهم الصوفية بخرافاتهم وبعقيدة ( عدم الاعتراض ) بديلا عن ( الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر )

5 ـ وتسيد التصوف العصر المملوكى فثار الفقيه الحنبلى ابن تيميه وأسس مدرسة حنبلية أكثر تطرفا من ابن حنبل نفسه ، ولكن تمكن صوفية العصر المملوكى من وأد حركة ابن تيمية فظلّت آراؤه المتطرفة حبيسة رسائله ( رسائل ابن تيمية ) الى أن ظهر ابن عبد الوهاب فأحياها تحت إسم الوهابية . وتبنى ابن عبد الوهاب مع حليفه ابن سعود شريعة الجهاد وقتل المسلمين بحجة تغيير المنكر باليد والسيف ، وتأسست الدولة السعودية الأولى 1745 ، وتوسعت من جنوب العراق الى جنوب الحجاز ، ونشرت المذابح باسم الأمر بالمعروف والمنكر والجهاد الى أن قضى عليها الوالى محمد على باشا .

6 ـ ثم أسّس عبد العزيز آل سعود الدولة السعودية الراهنة ، وحرص عبد العزيز على تطبيق الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بالطريقة الوهابية لإحكام سيطرته على الأفراد والناس ، وكان قد قضى على معارضيه من ( الاخوان النجديين ) وكان يحكم منفردا دون معارضة منهم ، وبالتالى أسس الهيئة التى تقوم عنه بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تطارد  الناس فى الشوارع والأسواق والبيوت . وعندما سيطر عبد العزيز آل سعود على الحجاز أطلق على أهله جماعات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وقد وصف ( إحسان الله ) نائب قنصل حكومة الهند فى تقريره عام 1931 عمل هذه اللجنة فى مكة ، فقال :(..ومن الطبيعى أن يؤدى هذا العدد الكبير من العنصر غير الانسانى الذى لا يعرف التعاطف الى بث الرعب فى قلوب الناس . إن إطلاق عقال هؤلاء الوحوش يجعلهم يداومون على إقتراف كل الأعمال القاسية .. إذ ليس هناك قانون يردعهم، وبخاصة فى وقت أداء الصلوات الخمس كل يوم . عندما تروح تجسيدات الشيطان تلك تجرى بطريقة وحشية عبر الأماكن العامة وتدخل الحارات لمطاردة المخطئين الذين يحتمل أن يكونوا قد لجأوا اليها ، وعندما كانوا يكتشفونها كانوا يوسعونهم ضربا دون رحمة ، ليس هناك تفرقة بين صالح وطالح ، غنى أو فقير ، صغير أو كبير ، بل إن التلامذة الصغار لا ينجون من ذلك ، فالمطوعون يطرحونهم أرضا فى الطريق العام ، ويجلدونهم بلا أى تمييز .!)( نقلا عن كتاب الاخوان السعوديون فى عقدين 1910: 1930 تأليف جون حبيب ص 199 : 200). جدير بالذكر أن هذا الكتاب هو رسالة دكتوراة بالانجليزية قدمها الباحث جون حبيب عن الاخوان النجديين الذين أقاموا دولة عبد العزيز آل سعود ، ثم اختلفوا معه وتحاربوا فقضى عليهم . ونشرت السعودية كتابا عن هذه الرسالة مترجما بالعربية ، وتم تنقيحه بالحذف والتحريف فى الترجمة ليصلح نشره عبر الاعلام السعودى . ومن هذه الترجمة العربية نقلنا هذه السطور عن وحشية المطوعة ..ومنها إنهم كانوا يوسعون الأطفال ضربا .!!. وقد نشر اليوتوب مجموعة من الشيوخ السلفيين الملتحين يوسعون طفلا ضربا بكل قسوة وهو بينهم يصرخ مذعورا .. ونشر اليوتوب مشاهد لضربهم النساء بقسوة .. أى ما كان يفعله المطوعة من أكثر من ثمانين عاما فى دولة ابن سعود يكرره اليوم فى مصر غلمان ابن سعود .!! أى نحن نتقدم الى الخلف ..وهذا هو معنى إتّباع السلف أو الرجوع للخلف .

7 ـ لقد تمكن عبد العزيز من نشر الوهابية فى مصر ، وأسس أتباعه الاخوان المسلمين ، وجمعيات أخرى تحت شعار السّنة والسلفية ، وفى عصر مبارك حارب الاخوان سياسيا ولكن إحتضن الوهابية تقربا للسعودية ، واضطهدنا ( أهل القرآن ) تقربا للسعودية ومنعا لمناقشة الوهابية . وقد تخرّج فى معاهد السعودية معظم أولئك الدعاة السلفييين المجاهدين ، وإنفتحت أمامهم القنوات الفضائية العادية ، وإنشئت من أجلهم قنوات خاصة بهم ، واستطاعوا تسميم جيل بأكمله فى رعاية مبارك ،ففى عهد مبارك فى ثلاثين عاما و خلال التعليم الفاسد والاعلام الفاسد والأزهر و المساجد نشأ جيل من السلفية الجهاديين ينذرون بخراب مصر لإعادة تشريع السلف ( الصالح ) وتطبيقه فى مصر كما يحدث فى السعودية . وبعد عزل مبارك ظهر فجأة هذا التيار السلفى ، وسمعنا لأول مرة عن حازم ابو اسماعيل وبكار والشحات والبرهامى وبدر .الخ. قفزوا من القمقم زعماء وكانوا من قبل خدما لمبارك ومرشدين لأمن دولته ، وظلوا ضد الثورة المصرية الشعبية مع الاخوان الى أن تبين لهم إنتصار الثورة فسارعوا بركوب موجتها ، وهم الآن يدخلون بمصر الى الفوضى والحرب الأهلية تحت شعار الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .

أخيرا:

1 ـ نتساءل : كيف سيطبقون عقيدتهم فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى المجتمع المصرى ؟. فأسلافهم من الخوارج كانوا يقتلون الناس فى شوارع البصرة والكوفة وهم يهتفون ( لا حكم إلا لله ). وأسلافهم الخوارج إغتالوا ( عثمان وعلى )، وحاولوا قتل معاوية وعمرو .. وأسلافهم من الحنابلة فى العصر العباسى أفنوا المعتزلة واضطهدوا النصارى والشيعة والصوفية واضطهدوا الأئمة السنيين المعتدلين مثل الطبرى فى شيخوخته .. وسادتهم السعوديون يطلقون ( رجال الهيئة التى تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر) تعتقل من تشاء وتقرر عقوبته وتوقع العقوبة عليه ـ أى تتمتع بكل السلطات تحت شعار ( من رأى منكم منكرا ..). و هل يفترق هذا عما يفعله أتباع حازم والآخرون فى حصار مدينة الانتاج الاعلامى و المحكمة الدستورية العليا ؟ وهل يفترق عن تهديد المسيحيين وتهديد زعماء المعارضة علنا ؟ وما هو مصير القضاء المصرى المدنى ، وهو الآن منقسم على نفسه ؟ وجزء كبير منه ينتمون للوهابية وسلفيتها ؟ وهم سيجعلون خريجى كليات الشريعة والقانون أول من سيدخلون سلك النيابة والقضاء ؟ أى لا بد من أخونة القضاء ليسمح بتطبيق وهابيتهم فى الشريعة و فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .!

ثم ما هو مصير الآثار المصرية والسياحة المصرية والكنائس المصرية ؟ وكلها عندهم ( منكر ) يجب إزالته تطبيقا لشريعتهم السنية و( مذاهب أهل السنة والجماعة ) وهى تمنع بناء كنائس فى بلاد ( المسلمين ) وهو ما يحدث فى السعودية ؟

3 ـ هذه هى إرهاصات البداية . فهل نتوقع جديدا من مسلسل الفوضى فى مصر تنفيذا لعقيدتهم فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ؟ . موعدنا المقال التالى .  

دستور مرسى يبيح قتل كل مصرى بحجة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ( 3 )

أولا :

من المكر السىء فى صياغة دستور مرسى

1 ـ  إحتواؤه على كثرة كاثرة من المواد الإنشائية والوعظية كما لو كان الدستور يخاطب طفلا فى التعليم الالزامى . كما جاء مثلا فى ديباجة الدستور:(خامسا: سيادة القانون أساس الحكم فى الدولة، تضمن حرية الفرد، ومشروعية السلطة، وخضوع الدولة وغيرها من الأشخاص للقانون، والتزامها باستقلال القضاء، وألا يعلو أى صوت على قوة الحق، ليبقى القضاء المصرى شامخًا صاحب رسالة سامية فى حماية الدستور وإقامة موازين العدالة وصون الحقوق والحريات. سادسا: احترام الفرد، حجر الأساس فى بناء الوطن، وكرامته امتداد طبيعى لكرامة هذا الوطن. ولا كرامة لوطن لا تكرم فيه المرأة؛ فالنساء شقائق الرجال، وهن حصن الأمومة، ونصف المجتمع، وشريكات فى كل المكتسبات والمسئوليات الوطنية. سابعا: الوحدة الوطنية فريضة واجبة على الدولة والمجتمع، وهى قاعدة الاستقرار والتماسك الوطنى، وركيزة بناء الدولة المصرية الحديثة وانطلاقتها نحو التقدم والتنمية، ويرسخ هذه الوحدة الوطنية نشر قيم التسامح والاعتدال والوسطية وكفالة الحقوق والحريات لجميع المواطنين دون تفرقة بين أبناء الجماعة الوطنية. ثامنا: الدفاع عن الوطن شرف وواجب وطنى تحشد له الموارد البشرية والاعتمادات المالية، وللقوات المسلحة مكانة خاصة راسخة فى وجدان الشعب المصرى؛ فهى الدرع الواقى للبلاد..الخ )، وماجاء فى صلب الدستور مثل المادة (14) يهدف الاقتصاد الوطنى إلى تحقيق التنمية المطردة الشاملة، ورفع مستوى المعيشة وتحقيق الرفاه، والقضاء على الفقر والبطالة، وزيادة فرص العمل، وزيادة الإنتاج والدخل القومي. وتعمل خطة التنمية على إقامة العدالة الاجتماعية والتكافل، وضمان عدالة التوزيع، وحماية حقوق المستهلك، والمحافظة على حقوق العاملين، والمشاركة بين رأس المال والعمل فى تحمل تكاليف التنمية، والاقتسام العادل لعوائدها. ويجب ربط الأجر بالإنتاج، وتقريب الفوارق بين الدخول، وضمان حد أدنى للأجور والمعاشات يكفل حياة كريمة لكل مواطن، وحد أقصى فى أجهزة الدولة لا يستثنى منه إلا بناء على قانون. المادة (15) الزراعة مقوم أساسى للاقتصاد الوطنى، وتلتزم الدولة بحماية الرقعة الزراعية وزيادتها، وتعمل على تنمية المحاصيل والأصناف النباتية والسلالات الحيوانية والثروة السمكية وحمايتها، وتحقيق الأمن الغذائى، وتوفير متطلبات الإنتاج الزراعى وحسن إدارته وتسويقه، ودعم الصناعات الزراعية. وينظم القانون استخدام أراضى الدولة؛ بما يحقق العدالة الاجتماعية، ويحمى الفلاح والعامل الزراعى من الاستغلال. المادة (16) تلتزم الدولة بتنمية الريف والبادية، وتعمل على رفع مستوى معيشة الفلاحين وأهل البادية. المادة (17) الصناعة مقوم أساسى للاقتصاد الوطني، وتحمى الدولة الصناعات الاستراتيجية، وتَدْعُم التطور الصناعي، وتضمن توطين التقنيات الحديثة وتطبيقاتها. وترعى الدولة الصناعات الحرفية والصغيرة. ).والمادة (9) تلتزم الدولة بتوفير الأمن والطمأنينة وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين، دون تمييز.).والمادة (31) : الكرامة حق لكل إنسان، يكفل المجتمع والدولة احترامها وحمايتها.) والمادة (33) المواطنون لدى القانون سواء؛ وهم متساوون فى الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم فى ذلك. والمادة34 ( الحرية الشخصية حق طبيعى؛ وهى مصونة لا تمس. )
2 ـ الإحالة المسبقة الى القانون بعد ثرثرة إنشائية مثل المادة (8)( تكفل الدولة وسائل تحقيق العدل والمساواة والحرية، وتلتزم بتيسير سبل التراحم والتكافل الاجتماعى والتضامن بين أفراد المجتمع، وتضمن حماية الأنفس والأعراض والأموال، وتعمل على تحقيق حد الكفاية لجميع المواطنين؛ وذلك كله فى حدود القانون. )، وسيكفل ترزية القوانين بما يريده الاخوان والسلفيون .والمادة (38): ( لحياة المواطنين الخاصة حرمة، وسريتها مكفولة. ولا يجوز مصادرة المراسلات البريدية والبرقية والإلكترونية والمحادثات الهاتفية وغيرها من وسائل الاتصال؛ ولا مراقبتها، ولا الاطلاع عليها إلا فى الأحوال التى يبينها القانون، وبأمر قضائى مسبب. ) ومجلس الشعب الإخوانى سيتيح إصدرا قوانين تبيح وتتيح لعصابات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الوهابية أن تتجسّس ،وسيقوم القضاة الاخوانيون بإصدار الأوامر القضائية لهم مقدما . ونحو ذلك تقول المادة (39) : ( للمنازل حرمة. وفيما عدا حالات الخطر والاستغاثة، لا يجوز دخولها ولا تفتيشها، ولا مراقبتها إلا فى الأحوال المبينة فى القانون، وبأمر قضائى مسبب يحدد المكان والتوقيت والغرض. ويجب تنبيه من فى المنازل قبل دخولها أو تفتيشها ) ، أما حصار البيوت ومؤسسسات الدولة فلا غبار عليه . وطبقا للمادة 43 يقوم القانون الوهابى الاخوانى بكفالة حرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة للأديان السماوية؛ وليس البهائية مثلا ، (وذلك على النحو الذى ينظمه القانون.) وعلى ألّا يتعارض هذا مع المادة التالية :(44) ، وهى ( تُحظر الإساءة أو التعريض بالرسل والأنبياء كافة. ) ومع هذا تزعم المادة التالية المادة (45) أن ( حرية الفكر والرأى مكفولة. ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل النشر والتعبير. ) والتطبيق العملى سيكون على النقيض هو القتل بحد الردة وقتل الزنديق . أما المادة التالية : المادة (46) فمع أنها تزعم أنّ ( حرية الإبداع بأشكاله المختلفة حق لكل مواطن. وتنهض الدولة بالعلوم والفنون والآداب، وترعى المبدعين والمخترعين، وتحمى إبداعاتهم وابتكاراتهم، وتعمل على تطبيقها لمصلحة المجتمع.) . فإنّ المأزق فى العبارة الأخيرة الغامضة المطاطة وهى (وتعمل على تطبيقها لمصلحة المجتمع.)، فهم طبعا الذين يعرفون مصلحة المجتمع ، وهم الذين يقومون بتأديبه بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وحد الردة . أما المادة (48) فهى عجيبة ، إذ هى تثرثر عن : ( حرية الصحافة والطباعة والنشر وسائر وسائل الإعلام مكفولة. وتؤدى رسالتها بحرية واستقلال لخدمة المجتمع والتعبير عن اتجاهات الرأى العام والإسهام فى تكوينه وتوجيهه فى إطار المبادئ الأساسية للدولة والمجتمع ) أى إن حريتها واستقلالها فى حدود خدمة المجتمع ..وفى إطار المبادىء الأساسية للدولة والمجتع . أما ماهية هذه المبادىء الأساسية للدولة والمجتمع فهى عبارة مطاطة غامضة تفسيرها عند أولى الأمر من خدم الوهابية والسعودية . ولنضحك الى درجة البكاء مع المادة (68) ، وهى : ( تلتزم الدولة باتخاذ كافة التدابير التى ترسخ مساواة المرأة مع الرجل فى مجالات الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وسائر المجالات الأخرى دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية .). أى أحكام شريعتهم الوهابية هى الحاكمة عندهم وفقا لمذاهب أهل السّنة والجماعة ، وبالتالى لا يجوز للمرأة أن تسافر إلّا بولى أمر أو زوج ، وربما يصل الأمر الى حرمانها من قيادة السيارة كما يقررشيوخهم آل سعود.

 3 ـ ومن خلال الصياغات الفضفاضة والمطّاطة جاء تشريع الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بالشريعة الوهابية فى صناعة المادة (10) ( الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية. وتحرص الدولة والمجتمع على الالتزام بالطابع الأصيل للأسرة المصرية، وعلى تماسكها واستقرارها، وترسيخ قيمها الأخلاقية وحمايتها؛ وذلك على النحو الذى ينظمه القانون. ..) والمادة (11) : ترعى الدولة الأخلاق والآداب والنظام العام، والمستوى الرفيع للتربية والقيم الدينية والوطنية، والحقائق العلمية، والثقافة العربية، والتراث التاريخى والحضارى للشعب؛ وذلك وفقا لما ينظمه القانون. ) أى يحتاج الأمر لترزية القوانين الوهابية كالعادة .
4 ـ والأهم أن المواد البرّاقة الحقوقية المزعومة تقع تحت سلطة مواد دستورية حاكمة ، وبها تكون المواد الأخرى مجرد بهرج زخرفى للخداع ، فالمادة (2) التى تجعل الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع.)  تأتى تفسرها المادة (220) ( مبادىء الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة فى مذاهب أهل السنه والجماعة ) أى لهم أن يختاروا ما يروق لهم من (مذاهب أهل السنه والجماعة )، وطبقا لما هو معروف لديهم فهو رسائل ابن تيمية وابن عبد الوهاب . وبدلا من المحكمة الدستورية العليا التى تتخصص وحدها فى الحكم على مدى دستورية القوانين ( الوضعية ) يقوم بدلا منها كهنوت ( الأزهر ) الذى يحظى بمادة حاكمة فى هذا الدستور هى المادة (4) ، أى سيقوم ترزية القانون الوهابى بتمكين الأزهر من أخونة التشريع والقضاء وتعديل الدستور لمنع التناقض فى مواد هذا الدستور، أو بمعنى آخر : تقنين فكر ابن تيمية فى الحسبة والجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

ثانيا :

لمحة عمّا قال ابن تيمية فى الحسبة والجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر:

1 ـ عما يسميه بالغش والتدليس في الديانات ،وتحت هذا العنوان يقول ابن تيمية  في رسالة الحسبة التى نشرتها جريدة الجمهوية: (فأما الغش والتدليس في الديانات كمثل البدع المخالفة للكتاب والسنة واجماع سلف الامة من الاقوال والافعال مثل اظهار المكاء والتصدية في مساجد المسلمين، ومثل سب جمهور الصحابة وجمهور المسلمين، او سب ائمة المسلمين ومشايخهم وولاة امورهم المشهورين عند عموم الامة بالخير ،ومثل التكذيب بآحاديث النبي صلي الله عليه وسلم التي تلقاها اهل العلم بالقبول ،ومثل رواية الاحاديث الموضوعة المفتراه علي رسول الله صلي الله عليه وسلم، ومثل الغلو في الدين بأن ينزل البشر منزلة الاله، ومثل تجويز الخروج عن شريعة النبي صلي الله عليه وسلم .ومثل الالحاد في اسماء الله تعالي وآياته وتحريف الكلم عن مواضعه والتكذيب بقدر الله ومعارضة امره ونهيه بقضائه وقدره ، ومثل اظهار الخزعبلات السحرية والشعبذة الطبيعية وغيرها التي يضاهى بها ماللاولياء والانبياء من المعجزات والكرامات ليصد بها عن السبيل او يظن بها الخير فيمن ليس من اهله، وهذا باب واسع يطول وصفه فمن ظهر منه شئ من هذه المنكرات وجب منعه من ذلك وعقوبته عليها اذا لم يتب حتي قدر عليه بحسب ما جاءت به الشريعة من قتل او جلد اوغير ذلك ، وأما المحتسب فعليه ان يعزر من اظهر ذلك قولا او فعلا .)

هنا يتضح الآتى :

1 ـ عقوبة القتل أو الجلد ( أو غير ذلك ) على أصحاب البدع ، وهم من يجتهدون فى الفكر( الاسلامى ) بالمخالفة لابن تيمية و اجماع سلف الامة أو ( مذاهب أهل السنة والجماعة )، مثل  من يرتكب الآتى : (اظهار المكاء والتصدية في مساجد المسلمين) مثل قيام الصوفية بالذكر الصوفى ومثله طقوس الشيعة ، ( ومثل سب جمهور الصحابة وجمهور المسلمين، او سب ائمة المسلمين ومشايخهم وولاة امورهم المشهورين عند عموم الامة بالخير . ) أى إنتقاد الصحابة وعموم المسلمين وأئمة المسلمين والمستبدين من الحكام . ( ومثل التكذيب بآحاديث النبي صلي الله عليه وسلم التي تلقاها اهل العلم بالقبول ) أى إنتقاد البخارى وأئمة الحديث من مالك الى ابن تيمية فى العصر المملوكى الى الألبانى والقرضاوى فى عصرنا . ( ،ومثل رواية الاحاديث الموضوعة المفتراه علي رسول الله صلي الله عليه وسلم، ) أى إن الاستشهاد بالأحاديث التى يجيزها الشيعة والصوفية والإباضية ، ( ومثل الغلو في الدين ) وهو عنوان عريض يقبل أى تفسير ، ومنه تفسير ابن تيمية نفسه : ( بأن ينزل البشر منزلة الاله،) ومنه (  ومثل تجويز الخروج عن شريعة النبي صلي الله عليه وسلم .) أى الشريعة السنية وما يقوله ابن تيمية ثم من بعده ابن عبد الوهاب وابن باز ..الخ ..( ومثل الالحاد في اسماء الله تعالي وآياته وتحريف الكلم عن مواضعه) وهذا يعنى أى إتّجاه فكرى عقيدى فى التفكير الاسلامى يخالف السلفية كمثل مسألة خلق القرآن أو الاستواء على العرش أو المجاز فى القرآن أو رؤية الله ، من يخالفهم فهم ملحد ويقوم بتحريف الآيات ، وأيضا من يقول بحرية الارادة أو من كانوا يطلقون عليهم ( القدرية) وكان السنيون يتهمونهم بالتكذيب بقدر الله جل وعلا ، أو على حدّ قول ابن تيمية : ( والتكذيب بقدر الله ومعارضة امره ونهيه بقضائه وقدره ).ويقول أيضا : ( ومثل اظهار الخزعبلات السحرية والشعبذة الطبيعية وغيرها التي يضاهى بها ماللاولياء والانبياء من المعجزات والكرامات ليصد بها عن السبيل او يظن بها الخير فيمن ليس من اهله،). كان ابن تيمية يؤمن بكرامات الأولياء الصوفية السابقين ، وفى نفس الوقت يحكم بكفر الأولياء الصوفية فى عصره ، وهو هنا يجعلهم مشعوذين . ونعيد التذكير بأنه يحكم على أولئك جميعا بالقتل أو بالجلد أو غير ذلك ، معطيا حرية إختيار العقوبة لولى الأمر . بل يعطيه حرية إضافة أى تهم أخرى ينطبق عليها عقوبة القتل والجلد وغير ذلك، يقول : ( وهذا باب واسع يطول وصفه فمن ظهر منه شئ من هذه المنكرات وجب منعه من ذلك وعقوبته عليها اذا لم يتب حتي قدر عليه بحسب ما جاءت به الشريعة من قتل او جلد اوغير ذلك . ). ثم يعطى المحتسب حق تعزيرهم:(وأما المحتسب فعليه ان يعزّر من اظهر ذلك قولا او فعلا .)

2 ـ وحتى لا يظن أحد أن عقوبة التعزير هى هيّنة وفقا لما ساد فى بعض أقاويل الفقهاء بأنها أقل من حد شرب الخمر فإن إبن تيمية يصل بعقوبة التعزير الى القتل فى موضوعات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، يقول : (الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم الا بالعقوبات الشرعية فان الله يزغ بالسلطان ما لم يزغ بالقرآن ... ومنها عقوبات غير مقدرة قد تسمي التعزير ،وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كبر الذنوب وصغرها وبحسب حال المذنب وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته ، والتعزير اجناس فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس ،ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن، ومنه ما يكون بالضرب .وأما اكثر التعزير ففيه ثلاثة اقوال احدها عشر جلدات ،والثاني دون اقل الحدود اما تسعة وثلاثون سوطا واما تسعة وسبعون سوطا .والثالث انه لا يتقدر بذلك)  الي ان يقول ابن تيمية: ( ومن لم يندفع فساده في الارض الا بالقتل قتل، مثل المفرق لجماعة المسلمين والداعي الي البدع في الدين .. ، وفي الصحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم انه قال (اذا بويع لخليفيتين فاقتلوا الاخر منهما ) وقال (من جاءكم وامركم علي رجل واحد يريد ان يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان ) . أى قتل الداعى للبدعة فى الدين ، أى كل من يجتهد مفكرا بما يخالف السلف وما وجدوا عليه آباءهم ، بل حتى من يرفع رأسه لشيخ الطائفة أو لحسن البنا أو بديع يستعمل عقله ، عندئذ تكون جريمته تطبيق حديثهم القائل : (من جاءكم وامركم علي رجل واحد يريد ان يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان ).!

3 ـ ثم يقوم إبن تيمية بربط الامر بالمعروف بالجهاد ،  فيقول : (وكذلك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب علي كل واحد بعينه بل هو علي الكفاية كما دل عليه القرآن ) أى تتخصص طائفة بالأمر بالمعروف تأمر وتنهى غيرها ولا يجرؤ أحد على أمرها بمعروف أو نهيها عن منكر . ويقول يربطه بالجهاد: ( ولما كان الجهاد من تمام ذلك فأن الجهاد ايضا كذلك، فاذا لم يقم به من يقوم بواجبه اثم كل قادر بحسب قدرته ،اذ هو واجب علي كل انسان بحسب قدرته ،كما قال النبي صلي الله عليه وسلم (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه ، فان لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الايمان )واذا كان كذلك فمعلوم ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واتمامه بالجهاد هو من اعظم المعروف الذي امرنا به. )

ولحاجته الي السلطة كي تؤيده في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر نري ابن تيمية قد تحدث عن صلة الجهاد  بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر ويخاطب السلطة في رسالته (السياسة الشرعية في اصلاح الراعي والرعية) ويكرر ما قاله في رسالة الحسبة عن  التعزيرالي ان يقول : ( وقد يستدل علي ان المفسد متي لم ينقطع شره الا بقتله فأنه يقتل . بما رواه مسلم في صحيحه عن عرفجة الاشجعي رضي الله عنه ،قال سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : (من اتاكم وامركم جمع علي رجل واحد ،يريد ان يشق عصاكم ،أو يفرق جماعتكم فاقتلوه). نعيد عبارته (ان المفسد متي لم ينقطع شره الا بقتله فأنه يقتل ). هم الذين يحددون من هو المفسد ، وهم الذين يحددون أن هذا المفسد لا ينقطع شرّه إلّا بقتله..ثم هم الذين يحكمون بقتله ..!!

4 ــ وعن ربط الجهاد في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر يكرر ما قاله في الحسبة الي ان يقول : ( فالواجب علي ولي الامر ان يأمر بالصلوات الخمس المكتوبات جميع من يقدر علي امره ،ويعاقب التارك بإجماع المسلمين ،فان كان التاركون طائفة ممتنعة قوتلوا علي تركها بالاجماع ،وكذلك يقاتلون علي ترك الصلاة والصيام وغيرهما ،وعلي استحلال ما كان من المحرمات الظاهرة المجمع عليها ،كنكاح ذوات المحارم والفساد في الارض ،ونحو ذلك ،فكل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الاسلام الظاهرة المتواترة يجب جهادها ،حتي يكون الدين كله لله ،باتفاق كل العلماء ،وان كان التارك للصلاة واحدا فقد قيل بأنه يعاقب بالضرب والحبس حتي يصلي ،وجمهور العلماء علي انه يجب قتله اذا امتنع من الصلاة بعد الاستتابة ،فأن تاب وصلي ،والا قتل ،وهل يقتل مسلما كافرا او مسلما فاسقا ؟ فيه قولان ، واكثر السلف علي انه يقتل كافرا وهذا كله مع الاقرار بوجوبها .اما اذا جحد وجوبها ،فهو كافر باجماع المسلمين.).هنا قتال من يخالفهم من الجماعات والأفراد وقتل تارك الصلاة والمفطر فى رمضان .

5 ــ ثم يقول ابن تيمية عن جهاد غير المسلمين كالأقباط (والعقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصي الله ورسوله نوعان ،احدهما :عقوبة الطائفة الممتنعة ،كالتي لا يقدر عليها الا بقتال فاصل ،هذا هو جهاد الكفار اعداء الله ورسوله ،فكل من بلغته دعوة رسول الله صلي الله عليه وسلم ،الي دين الله الذي بعثه به ،لم يستجب له ،فإنه يجب قتاله (حتي لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ).واذا كان اصل القتال المشروع هو الجهاد ،ومقصوده هو ان يكون الدين كله لله ،وان تكون كلمة الله هي العليا ،فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين .) . ويستبيح قتل النساء والأطفال من غير المسلمين لو تكلموا : ( واما من لم يكن من اهل الممانعة او المقاتلة ،كالنساء والصبيان ،والراهب والشيخ الكبير ،والاعمي والزمن ونحوهما ،فلا يقتل عند جمهور العلماء ،الا ان يقاتل بقوله او فعله. )

6 ــ ومرة أخرى عن قتال المسلمين المختلفين عن السنيين الحنابلة يقول ابن تيمية : (إن الداعية الي البدع المخالف للكتاب والسنة ،يعاقب بما لا يعاقب به الساكت .وجاء في الحديث : (ان الخطيئة اذا اخفيت لم تضر الا صاحبها ،ولكن اذا ظهرت فلم تنكر ضرت العامة )وايما طائفة ممتنعة انتسبت الي الاسلام ،وامتنعت من بعض شرائعه الظاهرة المتواترة ،فأنه يجب جهادها باتفاق المسلمين ،حتي يكون الدين كله لله ) الى أن يقول :  ( واختلفت الفقهاء في الطائفة الممتنعة لو تركت السنة الراتبة كركعتي الفجر ،هل يجوز قتالها ؟علي قولين ،) أى أجاز بعض الفقهاء قتال من لم يقم بأداء صلاة السنة كركعتى الفجر..!!. ولكنهم لم يختلفوا على قتال من لايلتزم بالصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج،يقول ابن تيمية : ( فأما الواجبات والمحرمات الظاهرة والمستفيضة ،فيقاتل عليها بالاتفاق ،حتي يلتزموا ان يقيموا الصلوات المكتوبات الظاهرة ،ويؤدوا الزكاة ،ويصوموا شهر رمضان ،ويحجوا البيت ويلتزموا ترك المحرمات  ..).

أخيرا

هذا كله يحتاج من الاخوان والسلفيين تقنينا خلال مجلسهم النيابى ، وبذلك تتم أخونة الدستور والقانون والقضاة . وبدون ذلك بل حتى قبل أن يتم ذلك فقد سبق حازم صلاح أبو اسماعيل بعصاباته فرض الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ..

ونتوقف فى المقال القادم عن صور نتوقعها فى قتل المصريين بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تطبيقا لشرع ابن تيمية الذى عكفوا عليه ثمانين عاما يدرسونه ويتمنون تطبيقه ، وقد جاء أوان تطبيقه .

ملامح التطبيق القادم لدستور مرسى بالقتل العام بحجة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ( 4 )

مقدمة

1 ـ الدستور المعروض حاليا ليس سوى مرحلة فى مراحل الأخونة ؛ أخونة الدستور ، إذ بعد إقراره بالاستفتاء وبعد الأغلبية الاخوانية فى الشورى ومجلس الأمة أو الشعب ، سيتم تعديل بعض مواد الدستور وتفسير بعضها بقوانين يضعها ترزية الاخوان القانونيين ، حتى يتم تقنين فقه ابن تيمية وغيره لتكتمل ملامح الدولة الطالبانية فى مصر دستوريا وقانونيا ، وبحيث تصبح بقية المواد الدستورية التى تتحدث عن المساواة والحرية والعدل والحقوق مجرد زخارف لفظية فارغة خادعة وخاضعة للمواد الحاكمة التى تجعل شريعة ابن تيمية هى المصدر الرئيس للتشريع ، وتجعل الأزهر هو المنوط به الحكم على دستورية القوانين . وسيسير هذا جنبا الى جنب مع أخونة الشرطة والجيش والاعلام والأزهر والتعليم ، ومع إنشاء ميليشيات مسلحة اخوانية وسلفية تباشر الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بالشرعية القانونية والدستورية .

 2 ـ الأخطر من هذا كله أن تتم أخونة القضاء من الداخل وبدعم خارجى من مؤسسة الرئاسة ومجلس الشعب والأزهر ، وبالتالى يتم إعادة إنتاج نظام القضاء الذى ساد فى العصور الوسطى ، والذى جاءت تفاصيله العملية والواقعية فى سلسة مقالات كتابنا المنشورة هنا عن ( المجتمع المصرى فى عصر السلطان قايتباى فى ظل تطبيق الشريعة السنيّة ). أى يتحول القضاء كله الى قضاء شرعى سنّى حقيقى حتى لو ظلّ يحمل الشعار المدنى ، وهذا يستلزم تعيين خريجى كليات الشريعة والقانون فى سلك النيابة والقضاء وأن تكون لهم الأولوية فى الترقّى ، هذا مع تضخم المواد الشرعية فى كليات الحقوق ، وتهميش مواد القانون المدنى وحصار دعاته فى الوسط القضائى . وبهذا يتم الالتفاف حول إلغاء عبد الناصر للقضاء الشرعى بجعل القضاء كله شرعيا .

3 ـ الخطورة الكبرى هنا أنه سيكون القضاة من أولئك الدعاة الذين يتقيأون البذاءة والتكفير والحكم بقتل معارضيهم أو على شاكلتهم . ولأن القضاء السّنى يقوم أساسا على الشهود وكان يتم تعيينهم من قبل الدولة فى العصور الوسطى فإن أولئك الشهود فى النظام القضائى القادم سيكونون أساسا من جمهور السلفيين والإخوان ، أى من قتلة المتظاهرين المسالمين والصارخين بالويل والثبور وعظائم الامور ، والذين يجهرون بالكذب والافتراء علنا وبلا خجل ، والمتهجمين على المحكمة الدستورية العليا ومدينة اىنتاج الاعلامى وحزب الوفد ،وما سيأتى من كوارث فيما تحمله الآيام القادمة . على عاتق أولئك الغوغاء من الدعاة والقادة والأتباع سيكون تطبيق الشريعة الوهابية التيمية الحنبلية السنية .

أولا : من المرجّح نجاح الاخوان والسلفيين فى تطبيق شرعهم هذا ، ليس لأنهم هم الأقوى ولكن لأن التيار المدنى هو الأضعف .. لماذا ؟

1 ـ هذا التيار المدنى لا يزال مصمما على وصف الاخوان والسلفيين الوهابيين بأنهم ( اسلاميون ) أى يوافق من حيث المبدأ على شرعية تمثيلهم للإسلام ، وبالتالى فإن هذا التيار المدنى ليس فقط يؤيدهم فى زعمهم تمثيل الاسلام ، بل إنه أيضا يضع نفسه فى الخندق المعادى للإسلام طالما هو يعارض ( الاسلاميين ) ويعارض تطبيق الشريعة ( الاسلامية ) ، وهذا هو الذى تفهمه الأغلبية الصامتة التى تتلقى معرفتها الدينية  من المسجد والاعلام والقنوات الفضائية الدينية السنية والعادية، وحين تستمع هذه الأغلبية الصامتة الى د . محمد البرادعى أو غيره يصف الاخوان والسلفيين بالاسلاميين فلا بد ان تقتنع بأنهم فعلا إسلاميون، وأن البرادعى وجماعته كفرة لأنهم ضد التيار ( الاسلامى ) .! وقديما قالوا إنّ القول الفصل هو ( ما شهد به الأعداء.! ).

2 ـ يؤكد هذا عزوف أو خوف هذا التيار المدنى من التعاون معنا نحن ( اهل القرآن ) ونحن روّاد الجهاد السلمى ضد الاخوان والسلفيين ونحمل خبرة أكثر من ثلاثين عاما فى مواجهتهم . عملنا هو الاصلاح بالاعلان والاعلام ، فليس فى عملنا شىء سرى ، لأنك لا يمكن أن تصلح الناس سرا وعلى انفراد ، هذا هو عمل أصحاب الأجندة السياسية السرية للوثوب على السلطة كالاخوان . ومن هنا فإن كل ما نقوله ننشره على الملآ ، بل كل أمنياتنا وأحلامنا نعلنها مثل حلمنا المستحيل بأن تكون لنا قناة فضائية ، ولكن نصمم على أن نحلم به ، وعلى أن ننشره حلما على الملأ . أى حتى أحلامنا فى اليقظة نصرّح بها ونعلنها . ومن أحلامنا التى ليست مستحيلة أن يساعدنا من هم معنا فى خندق واحد ، حتى لو إختلف معنا فى الفكر والتوجه السياسى والمذهب والدين . يكفى أنه يسعى مثلنا لانقاذ مصر من التتار ، ومن حرب أهلية قادمة . وكم كتبت مناديا أرجو من يتعاون معنا فى تسويق برنامجنا ( فضح السلفية ) بل خصصت حلقة من البرنامج تدعو لذلك . بل أكتب فى مواقع الصحف على الانترنت وفى الفيس بوك أدعوهم لنشر مقالاتنا ليقرأها أهل مصر ، ونحن نعتقد أنه فى مجال الحرب الفكرية السلمية ضد الاخوان والسلفيين فنحن ( القنبلة النوويةالفكرية ) التى تهزم الخصم بالضربة القاضية دون إسالة دماء ، بل حقن دمه ودماء الآخرين ، وقلت وأقول إنه مهما كانت خطورة ما نقول ، فهو مجرد قول ، ومبرهن عليه بالقرآن الكريم وبشتى الأدلة ، وخطورته لا تقارن بما يرتكبه الخصم الآن وما سيرتكبه غدا. من هنا ندعو ونتمنى أن تنتشر مقالاتنا ودعوتنا فى الاعلام المصرى بكل أدواته ، وان يتم رفع الحصار عنا ، فقد نجح الاخوان والسلفيون فى تشويه سمعتنا وصرف الناس عنا حتى يتحكموا فى التفكير الدينى ويستمر خداعهم للناس ، وكى يظلوا هم ( الاسلاميون ) بينما هم أعدى أعداء الاسلام .ولكن هذا التيار المدنى الذى لا ليست له خلفية ثقافية ومعرفية بالاسلام يستطيع بها مواجهة الاخوان والسلفيين يخاف من التعاون معنا فى إنقاذ مصر من الاخوان .

3 ـ وهذا يدخل بنا الى العنصر التالى ، فالتيار المدنى الذى يعتبر الاخوان والسفيين ( إسلاميين ) ويتحرّج من مواجهتهم من داخل الاسلام لأنه يعتبرهم ( أرباب الاسلام ) يقع فى خطيئة أخرى ، وهى أنه يقصر هجومه على بعض ممارسات السلفيين من الدعاة والقادة والرعاع التابعين لهم ، مع التسليم بأنهم ( اسلاميون ) ، أى يوافق على المبدأ ويستنكر بعض التفصيلات . بل يهلل فرحا لو قام أحد الوهابيين السلفيين بالاعتراض ( نفاقا وخدعا ) على تلك الممارسات السلفية الفجّة . هذا التيار المدنى البائس يقع خديعة لأساطين الوهابية من الاخوان الذين يقومون بتوزيع الأدوار ، ففريق يتطرّف ويهدّد ويرعب وينادى بالقتل والقتال والجهاد ، وفريق آخر يتبرأ ويداوى ويستنكر مدعيا الاعتدال ، يفتى بالقتل ليلا ، وفى النهار يتوضأ بدم الضحايا وهو يتحدّث عن سماحة الاسلام يقرن نفسه بالاسلام خوفا من أن يصل الاستنكار الى صلب الوهابية الحنبلية السنية ، وحتى يظل التيار المدنى البائس مخدوعا بعيدا عن مناقشة الجذور العقيدية والتشريعية لإخوان والسلفيين والتى تتناقض مع الاسلام .   

4 ـ وهنا تتجلى قضية أخرى أكبر وأخطر . فقد قلنا كثيرا وكررنا الى درجة الملل أن خطورة الاخوان والسلفيين ليست فى كونهم جماعات منظمة سياسية أو دعوية ، ولكن خطورتهم الحقيقية فى قيامهم على ايدلوجية دينية تنسب نفسها الى الاسلام ، وبالتالى فلو تمت هزيمة الاخوان والسلفيين سياسيا بل حتى لو تمّ الاجهاز على الجماعات والجمعيات وظلت الايدلوجية قائمة ومتحكمة ومحمية بالقانون من ان يناقشها أحد فستنتج تلك الايدلوجية جماعات أخرى وتنظيمات أخرى تحت شعار ( الاسلام )، ربما تكون أخطر واضل سبيلا .

5 ـ بل حتى بدون الانتظار الى الغد فإن ايدلوجية الاخوان الوهابية التيمية الحنبلية المنتسبة للاسلام والتى انتشرت خلال خمسين عاما باسم الاسلام قامت بتسميم عقول معظم المسلمين ، وجعلتهم ينشأون على التسليم بأن هذه الوهابية الحنبلية هى الاسلام ، ليس هذا على مستوى الأغلبية الصامتة وحدها بل على مستوى النخبة ؛ فهناك تيار عريض منها يناصر الثقافة الوهابية السلفية ، ويوجد هذا التيار فى مفاصل الدولة وأجهزتها الأمنية والقضائية والجيش والاعلام ..الخ . هم ليسوا رسميا ضمن الاخوان والسلفيين ولكنهم مناصرون للوهابية والسلفية ، ويجيد الاخوان بكل مهارة استخدامهم .

6 ـ وهناك عامل إجتماعى إقتصادى واقعى . فى ظل الأزمة الاقتصادية وانتشار البطالة واستحالة العثور على سكن وانتشار العزوبة والعنوسة وإنعدام الأمل بين الشباب فإنه وقت الأزمات يلجأ الشباب المحبط الى الدين ، ، وأينما ولّى وجهه فلن يجد سوى الوهابية فى المسجد والقنوات الفضائية ، وإذا حقّق أمله وذهب للخليج ليعمل فسيتنفس الوهابية. ولكن كان الأسرع فى الإنضمام للإخوان والسلفيين أسافل الناس من الغوغاء والانتهازيين ، ممّن يريدون الوصول للثروة والسلطة بأيسر طريق . منهم من كان عريقا فى الإجرام و ( مسجل خطر ) عند رب  العزة طبقا لسجل جرائمه الظاهرة والخفية ، فأدرك أنه سيكسب أكثر بل وسيكون فى مأمن ، بل ويحصل على الاحترام لو إرتدى( ادوات الشّغل ) السلفية من اللحية والجلباب والزبيبة على الوجه وترديد عبارات معينة من كلمات ابن تيمية وابن عبد الوهاب مع تنغيم الصوت والمراءاة بالتدين .  حدث هذا خلال عهد مبارك ، ونراهم الآن مجرمين حقيقيين فى مظاهراتهم وإعتداءاتهم . ومن المنتظر أن يزدادوا عددا ليكونوا الفئة التى تباشر وظيفة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وترتكب ما تشاء من جرائم فى ظل الشريعة الوهابية ودستورها ونظامها القضائى الذى سيكونون أعمدته وحماته .

لكى تكون باحثا اسلاميا حقيقيا لا بد أن تتفرّغ للقراءة والبحث ، أما حين تريد أن تكون سلفيا فلا يحتاج الأمر منك سوى بضعة أسابيع تطلق فيها على الناس لحيتك وتصنع فى جبهتك زبيبتك وتصبح من ( الأبرار ) وتطلب من الناس دفع الفاتورة خضوعا لك ، فقد أصبحت ( رمزا للاسلام ). وبهذا نجح السلفيون والاخوان فى إستحمار المصريين ..!!

وإن لم تتحرك التيارات المدنية وتتعاون معنا سينجح الاخوان والسلفيون إن عاجلا أو آجلا فى تدمير مصر بتطبيق دستورهم القائم على ايدلوجية الدولة الدينية وفكرة ( الراعى والرعية ) أى حق الراعى فى قتل من يشاء من الاغنام أو الرعية ، وهو المختار من الله ـ بزعمهم لحكم الرعية ، وهو مسئول أمامه فقط فيما يفعله بأغنامه ورعيته . 

ثانيا : توقعات بتطبيقات القتل العام للمصريين بشريعة السلفية فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .

1 ـ فى البداية نرجو مراجعة سلسلة مقالات كتابنا عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى الاسلام لمعرفة الفارق بين الاسلام والتطبيق الوهابى للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .

2 ـ قبل عام تقريبا ظهرت عصابات الشيخ حازم أبو اسماعيل تفسد فى الأرض وتثبت عدم وجود دولة فى مصر ، ويكفى أن وزير الداخلية الحالى الذى تلاحقه اتهامات بقتل المتظاهرين من الثورا وبقتل السودانيين من قبل ، يقف عاجزا أما عصابات الشيخ حازم أبو اسماعيل . ( الحازميون ) وشعارهم ( لازم حازم ) هم البداية ، ونتوقع ظهور جمعيات وجماعات أخرى خصوصا وأن المادة ( 51 ) ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب حين تقول:( للمواطنين حق تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية، والأحزاب بمجرد الإخطار، وتمارس نشاطها بحرية، وتكون لها الشخصية الاعتبارية. ولا يجوز للسلطات حلها أو حل هيئاتها الإدارية إلا بحكم قضائى؛ وذلك على النحو المبين بالقانون. ). أى القانون الوهابى الذى سيتكفل ترزية القوانين بوضعه ، ليعطى الشرعية لأولاد حازم ( الحازميون ) ، بل سيشجع ظهور مئات الجمعيات الأخرى الارهابية على نفس المنوال ، وتحت اسماء شتى : كالقوّأمين والمرابطين و العاكفين والأوّابين والمتقين والمخبتين.الخ ..   وستكون لهم شرعية تطبيق الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وفق تشريع ابن تيمية وهو إمام أهل السّنة والجماعة .

3 ـ خلال عملهم الشرعى ستكون لديهم سلطة إكراه الأقباط على دخول الاسلام لأنهم بلغتهم الدعوة فرفضوها وامتنعوا، وعليه و طبقا لشرع ابن تيمية يتوجّب قتالهم ، يقول : (والعقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصي الله ورسوله نوعان ،احدهما :عقوبة الطائفة الممتنعة ،كالتي لا يقدر عليها الا بقتال فاصل ،هذا هو جهاد الكفار اعداء الله ورسوله ،فكل من بلغته دعوة رسول الله صلي الله عليه وسلم ،الي دين الله الذي بعثه به ،لم يستجب له ،فإنه يجب قتاله (حتي لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ).واذا كان اصل القتال المشروع هو الجهاد ،ومقصوده هو ان يكون الدين كله لله ،وان تكون كلمة الله هي العليا ،فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين .) . ويستبيح قتل النساء والأطفال من غير المسلمين لو تكلموا : ( واما من لم يكن من اهل الممانعة او المقاتلة ،كالنساء والصبيان ،والراهب والشيخ الكبير ،والاعمي والزمن ونحوهما ،فلا يقتل عند جمهور العلماء ،الا ان يقاتل بقوله او فعله. ) . وخوفا من حدوث مذابح كبرى وهائلة يستنكرها العالم فإن من المتوقع أن يقوم فقهاء الدين السّنى الحنبلى بتعديل يعبّر عن ( سماحتهم ) هو إبتزاز الأغنياء الأقباط بنهب أموالهم مقابل السماح لهم بالبقاء على قيد الحياة ..هذا طبعا بالاضافة الى فرض الجزية عليهم . وتشريع فرض الجزية السنى مخالف للاسلام ، وقد أوضحنا هذا فى مقالنا عن ( المسكوت عنه من تاريخ عمر بن الخطاب ).

4 ـ خلال عملهم الشرعى ستكون لديهم سلطة هدم جميع ـ أقول جميع ـ الكنائس المصرية التى تم بناؤها بعد فتح عمرو بن العاص لمصر . هؤلاء السلفيون فى عصرنا يؤمنون بمنهج أسلافهم الذين أذاقوا الأقباط النكال ، وهدموا كنائسهم وأهانوا بطاركتهم  ، والتفاصيل فى بحثنا ( إضطهاد الأقباط فى مصر ) وسلسلة المقالات البحثية : ( المقريزى وثقافة الفتوحات فى عصرنا ). هذا مع أن من مقاصد الجهاد فى شريعة الاسلام الحقيقية هى حصانة بيوت العبادة للجميع ، وتقرير وتأكيد حرية الدين ليكون لله جل وعلا خالصا له يحكم فيه بين البشر يوم الدين . راجع بحث :( الاسلام دين السلام ) و (بناء الكنائس والدفاع عنها حق مقرر فى الاسلام ). و ( كل هذا الهلع من التنصير ) ..وخوفا من إستنكارالعالم فإن من المتوقع أن يقوم فقهاء الدين السّنى الحنبلى بتعديل يعبّر عن ( سماحتهم ) هو إبتزاز الأغنياء الأقباط بنهب أموالهم مقابل السماح بالإبقاء على بعض كنائسهم .!!.

5 ـ ثم سيتم تدمير الآثار المصرية لأنها أصنام وأوثان ، وسيلحق بها القبور المرتفعة للمسلمين والأقباط ، والأضرحة المقدسة للشيعة والصوفية ، وكل ما يمتّ للسياحة بصلة. فكل هذا منكر يجب الجهاد فى سبيل إزالته باليد تحت شعار ( من رأى منكم منكرا ..)..

6 ـ أما المسلمون جميعا ـ حتى من السنيين والسلفيين ـ فتنتظرهم أيام سوداء عند تطبيق شريعة السلفية فى تطبيق الحدود .. انتظرونا فى المقال القادم .!!

بدستور مرسى يمكن تطبيق حد الردّة على د . محمد البرادعى .!! (5 )

أولا : تنويعات حول حد الردة وقتل الناس جميعا :

1 ـ نبدأ هنا من حيث إنتهينا فى المقال السابق ، وهو أنه مع ( أخونة الدستور والقوانين ) ليؤسس شريعة الحنابلة التيمية الوهابية ، ومع أخونة القضاء ليعيد إنتاج النظام القضائى السّنى فى العصور الوسطى فإنّ تطبيق الحدود سيتم بقاض شرعى وشهود رسميين من داخل الاخوان والسلفيين بكل أطيافهم . ولقد فضح الاعلام تكفيرهم للمجتمع كله، بل وهم فى داخلهم مختلفون ومتشاكسون ، ومن السهل فى أى جدل بينهم أن يسرع بعضهم الى تكفير البعض . وحين يتم تقنين حد الردة فمن السهل على صاحب السلطان أن يستخدمه ضد خصومه ويحكم بقتلهم ، ولا يستلزم الأمر سوى ( شاهدي عدل )على رأيهم ، ويأخذ القاضى بشهادتهما ويحكم بالقتل ، هكذا بكل بساطة: شاهدا عدل وقاض شرعى وقتل بحدّ الردة.وهنا إمكانية قتل الناس جميعا بما فيهم د . محمد البرادعى !.

2 ـ وفى التعليم الثانوى الأزهرى درسنا فى الفقه الشافعى ( المعتدل بالنسبة للفقه الحنبلى ) وفى كتاب ( الإقناع فى حلّ ألفاظ أبى شجاع ) تعريف ( الردّة). فالردّة هى:( قول كفر أو فعل كفر أو إعتقاد كفر ).أى من نطق كفرا أو فعل كفرا أو إعتقد كفرا فهو مرتد مباح الدم . وطبقا لمفهوم حديثهم المزعوم ( من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده ) وطبقا للتطبيق الحنبلى لهذا الحديث فى العصر العباسى فقد إستباح غوغاء الحنابلة قتل طائفة المعتزلة ، واستباحوا قتل الامام الطبرى صبرا فى داخل بيته وهدموا بيته فوقه ومنعوا دفنه لولا تدخل السلطة العباسية . هؤلاء هم (السلف الصالح ) للسلفية الوهابية اليوم ، ويسير على نهجهم أتباع حازم إبن الأمريكية؛ أى لدينا نوعان من تطبيق حد الردة على الأفراد وعلى والجماهير : قتل من يخالف الحنابلة بسيف الشرع ـ على حد تعبيرهم ـ بواسطة الحاكم ، وأيضا بواسطة القائمين بتطبيق الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لو كانت معهم السلطة.

3 ـ والتطبيق الواقعى الراهن فى عصرنا وفى ( مصرنا ) يعنى أن يأتى إثنان من الشهود أمام قاضى الشرع السّنى يتهمان د . محمد البرادعى بالردة ، فيعطيه القاضى فرصة للتوبة تتوقف حسب رأى القاضى ومزاجه ، وللقاضى أن يحكم بقتل د . البرادعى بلا إستتابة أصلا . أما عن التطبيق العام على الجمهورفهم يعلنون كفر الجميع : العلمانيين والصوفية والشيعة والبهائيين ورافضى تطبيق الشريعة ( السنية الحنبلية الوهابية ) بل وتكفير الأغلبية الصامتة الساكتة عن قول الحق ، وبالتالى لا يستلزم الأمر سوى ربط الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بالجهاد أى القتال وفق ما قاله ابن تيمية ليسهل تطبيق مفهوم الردة على الجميع ، فكل من قال كفرا أو فعل كفرا أوإعتقد كفرا هو مباح الدم لكل من يقدر على قتله.  ولا عقوبة على هذا القاتل لأن المرتد مباح الدم للجميع . وفى أقصى تقدير ومع وجود قانون مدنى فهذا القاتل للمرتد ـ كما أفتى الشيخ الغزالى فى دفاعه عن قاتل د فرج فودة ـ قد ( إفتأت على السلطة )، أى قام بتنفيذ الشرع بيده طالما أن السلطة ترفض تطبيق الشرع.

4 ـ ونقول إن تفسير ( قول كفر ) ليس مجرد أن تسبّ الدين  ـ وهى عادة سيئة منتشرة ـ أو أن تسبّ رب العزة صراحة، ولكن قول الكفر هو حسبما يراه كل فريق وكل مذهب ، فلو قلت ( إننى حرّ الارادة ) فأنت كافر من ( القدرية ) حسب الشريعة السّنية . ولو قلت إن الاستواء على العرش بالنسبة لله جل وعلا يعنى تمام تحكمه فى الملك والملكوت فأنت عند الحنابلة كافر لأنهم يؤمنون بالاستواء الحسى لله جل وعلا على العرش ، وكذا لو خالفتهم فى رؤية الله وفى الشفاعة .. أنت كافر فى كل قول تخالفهم فيه ، أى الكفر يشمل كل قول يخالف رأى الحنابلة خصوصا والسنيين عموما ، وكذلك كل ( فعل ) وكل ( إعتقاد ) . وبالتالى فمن الممكن تطبيق حد الردة بقتل المصريين المسلمين جميعا ، بل وحتى من داخل السلفيين أنفسهم لأنّه فى أى جدال بينهم يتسارعون الى التكفير ، والفائز هو صاحب السلطة والسلطان .  وتخيل المأساة لو كانت السلطة بيد أتباع حازم أو الجماعة الاسلامية أو الجهاد، وبقية التنظيمات الارهابية ، ما ظهر منها وما بطن .!

ثانيا : تطبيق قتل الناس جميعا وفق المادة 220 من دستور مرسى

1 ـ نعود الى المادة  (220) من دستور مرسى : (مبادىء الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة فى مذاهب أهل السنه والجماعة )، وهى تعطى للإخوان والسلفية حرية الإنتقاء حسب الهوى من (مذاهب أهل السنه والجماعة  ) . هكذا دون تحديد ، أى لهم أن يختاروا من 10 مليون حكم فقهى من (مذاهب أهل السنه والجماعة  ) ما تهوى أنفسهم . وهم بالطبع أجهل الناس بالفقه السّنى ومذاهبه والاختلافات القائمة فيه والتى توجد فى الكتاب الواحد بل ربما فى الصفحة الواحدة ، ولقد تعلمنا فى الأزهر تكرار عبارة ( إختلف فيها العلماء ) فى كل صفحة فى كتب الفقه التى درسناها ، لأنه فى داخل المذهب الشافعى يختلفون فى كل صغيرة وكبيرة. هذا عدا الاختلافات بين المذاهب الأربعة . ومن هنا أراحوا وإستراحوا بقولهم إنّ ( خلاف الفقهاء رحمة ) ، وما هو برحمة ، ولكنه فرصة لصاحب الهوى أن يختار ما يشاء من أقوال الفقهاء ، وهؤلاء الفقهاء بشر وليسوا آلهة ، وليست أقوالهم شرع الله جل وعلا . ولكن التضليل السّنى يجعل أقوالهم المضحكة و المتناقضة شريعة الاهية كما لو أن رب العزة قد إختار هؤلاء الفقهاء ـ وعددهم بألالاف ـ ليختلفوا فى كل شىء ، ثم يكون أختلافهم رحمة ويكون تشريعهم المختلف فيه تشريعا الاهيا .. تعالى الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا. .!!

2 ـ على أنّ واضع المادة  (220) سيئة الذّكر وسيئة السّمعة لا يريد أن يغرق فى مستنقع الخلاف المذهبى والفقهى التراثى ، فكيف له أن يُحيط علما بتلك الكتب ، وكيف له أن يحدد وينتقى منها ما يشاء ، فقد تعددت واختلفت حسب المذاهب الأربعة وفى داخل كل مذهب فى عصر الاجتهاد ( من القرن الثالث الى القرن الخامس فى العصر العباسى ) ثم تكاثرت كثرة هائلة فى عصور التقليد ،( المملوكى والعثمانى ) حيث عكف اللاحقون على شرح ما كتب السابقون ، ثم تلخيص الشرح ، ثم شرح المختصرات ، ثم تحويل المختصرات الى متون ، ثم إعادة شرح المتون ، وهكذا فى ظل تخلّف عقلى مهين صحونا منه على ضجيج حملة نابليون ، ثم  يريد السلفيون إرجاعنا اليه .

3 ـ حدث الخروج من هذا المستنقع الفقهى مع ظهور الوهابية وتجلياتها السياسية ( كالاخوان ) والجماعات الدعوية السلفية . بالتأثير السعودى الوهابى نهض فقهاء معاصرون لاستخلاص فقه معاصر من ذلك المستنقع الفقهى السّنى . وأبرز وأشهر أولئك الفقهاء : الشيخ سيد سابق فى كتابه ( فقه السّنة ) و الجزرى فى كتابه الضخم ( الفقه على المذاهب الأربعة ) وقد حرص على عرض أهم الخلافات فى المسألة الواحدة بين المذاهب ممّا سبّب تضخم كتابه ، والشيخ الوهابى ( أبو بكر الجزائرى ) الذى قام بإنتقاء ما يحلو له من مذاهب أهل السّنة والجماعة فى مجلد واحد بعنوان ( منهاج المسلم ) أى هذا هو منهاج المسلم ولا يوجد غيره .!!

4 ـ ونعتقد أن أنّ (واضع ) المادة(220) سيئة الذّكر وسيئة السّمعة قد ( وضع ) نصب عينيه كتاب ( فقه السّنة ) للشيخ سيد سابق ، فليس فيه الاستطراد فى الخلافات التراثية كما فى الكتاب الضخم ( الفقه على المذاهب الأربعة ) للجزرى الذى يثرثر بتلك الخلافات دون ترجيح بينها . كما أن كتاب ( منهاج المسلم ) لأبى بكر الجزائرى تنضح رؤيته الوهابية بطريقة تخرج عن المسحة المصرية التى يتميّز بها شيخ الإخوان سيد سابق . ثم يمتاز كتاب الشيخ سيد سابق بإعتدال مقارنة بكتاب أبى بكر الجزائرى ، ومنها أنّه يسمح أحيانا بذكر الفرق الأخرى حتى من الشيعة ، ثم إعتماده على الأحاديث مباشرة دون الإفراط  فى ترديد الأحكام الفقهية التراثية ، مما أراحه من الاسراف فى ذكر  للخلافات الفقهية ، ثم معاصرته وتحديثه للفقه السلفى بمنهج عصرى مع التمسك بالأصل لديهم وهو الأحاديث من كتب السّنة ( الصحاح ) لدى أهل السّنة والجماعة . ثم فى النهاية فالشيخ سيد سابق ( الأزهرى ) هو مفتى الاخوان المسلمين وشيخهم الأكبر ، ويكفى أن الذى كتب مقدمة كتاب ( فقه السّنة ) وأشاد به وبصاحبه هو الشيخ حسن البنّا نفسه . لذا نقول إن ماجاء فى كتاب ( فقه السنّة ) هو الدليل العملى الصالح عندهم لتطبيق مذاهب أهل السنه والجماعة وفق ما أشارت اليه المادة (220) من دستور مرسى : (مبادىء الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة فى مذاهب أهل السنه والجماعة ).

5 ـ فماذا يقوله شيخ الاخوان سيد سابق فى كتابه ( فقه السّنة ) عن حد الردة ؟

أجبنا على هذا السؤال من قبل  فى كتابنا ( حدّ الردة ) الذى صدر عام 1993 ردا على إغتيال د فرج فودة ، وشهادة الشيخ الغزالى فى محاكمة قتلة فرج فودة والذى أفتى فيها بأن فرج فودة مرتد مستحق للقتل ، وأن قاتله ليس عليه مؤاخذة ، هو فقط ( إفتأت على الحاكم ). قلنا فى كتاب ( حد الردة ) وهو منشور هنا وفى موقعنا :

( وفى العصور التى ساد فيها الكهنوت السياسى والدينة كتب الفقهاء فى استتابة المرتد، ونقل ذلك عنهم الشيخ سيد سابق فى كتابه (فقه السنة) فيقول بوجوب استتابة المرتد، ولو تكررت ردته، ويمهله فترة زمنية ، يراجع فيها نفسه ، وتُفند وساوسه وتناقش فيها أفكاره. فإن عدل عن موقفه وبرئ من كل دين يخالف دين الإسلام قبلت توبته وإلا أقيم عليه حد الردة وقُتل . ويقول (وقدر بعض العلماء هذه الفترة بثلاثة أيام،  وترك بعضهم تقدير ذلك ، مع تكرير التوجيه والنقاش حتى يغلب على الظن أنه لن يعود إلى الإسلام، وحينئذ يقام عليه الحد ، وقيل يجب قتله فى الحال ).

وقد جعلوا السبب الموجب للاتهام بالردة مائعاً غير محدد يسهل تفسيره حسب الهوى، وهو إنكار المعلوم من الدين بالضرورة. (والمعلوم من الدين بالضرورة) مصطلح فقهى متأخر غير محدد وغير متفق عليه، ولم يعرفه عصر الرسول ولا عصر الخلفاء الراشدين، ولا توجد قائمة متفق عليها بذلك المعلوم من الدين بالضرورة فى القرآن، ولا توجد تلك القائمة بالمعلوم من الدين بالضرورة فى كتابات الفقهاء أنفسهم.. والدليل على ذلك أن كل فقيه يضع من عنده أمثلة للمعلوم من الدين بالضرورة، مجرد أمثلة قابلة للزيادة والنقصان، ومجرد قائمة تعبر عن رأى ذلك الفقيه وعصره ومستواه وعقليته . ..
والشيخ سيد سابق فى كتابه (فقه السنة) أورد أمثلة للمعلوم من الدين بالضرورة يعبر فيها عن آرائه وموقفه من بعض مظاهر حياتنا السياسية، يقول فى المرتد الذى ينكر المعلوم من الدين بالضرورة والذى يستحق القتل،(.. إنه يستحل المحرّم الذى أجمع المسلمون على تحريمه ، ويحرّم الحلال الذى أجمع المسلمون على حله، أو يسب النبى ويسب الدين، ويطعن فى الكتاب والسنة، ويترك الحكم بهما، ويفضل القوانين الوضعية عليهما، أو يدعى الوحى، أو يلقى المصحف فى القاذورات أو كتب الحديث مستهيناً بهما مستخفاً بهما..إلخ ).
لم يكن من بنود المعلوم من الدين بالضرورة فى العصور السابقة وفى كتابات الفقهاء السابقين الحكم بالكتاب والسنة أو الكلام على القوانين الوضعية، لأن تطبيق الشريعة لم يكن شعاراً سياسياً فى العصرين العباسى والمملوكى، أى أن الشيخ سيد سابق جاء بمعلوم جديد من الدين بالضرورة لم يعرفه الفقهاء السابقون، لأن عصر السيد سابق يموج بحركة علمانية تتخذ موقفاً معارضا من دعوة التيار الدينى لتطبيق الشريعة، وحينئذ نفهم لماذا يهددهم الشيخ بحد الردة لأنهم عنده أنكروا معلوماً من الدين بالضرورة، وهى فى الحقيقة قائمة تزيد وتنقص حسب الأحوال وحسب رأى كل فقيه وكل عصر، وتبدأ من الإلحاد والكفر لتشمل إلقاء كتب الحديث فى القاذورات كما قال الشيخ سيد سابق ، أو إلقاء كتب الفقه أيضاً ، كما يقول مؤلف كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) الذى يضيف أن البصاق على كتب الفقه أو تطليخها به من مسوغات الاتهام بالردة وبالتالى القتل، ( حتى لو كان البصاق طاهراً .!!).يعنى أن بعض الناس الذين جعلوا من الدين مملكة خاصة بهم يريدون أن يفرضوا به رأيهم وكتبهم على الناس، وإن أعرضوا هددوهم بمحاكم التفتيش والقتل .!
وليس عجيباً بعد هذا أن يتضمن المشروع المقدم لمجلس الشعب لتطبيق الشريعة الإسلامية حد الردة، ويضع تعريف حد الردة بأنه (إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة).. ويظل ذلك المفهوم المطاط سيفاً على رقبة كل من يخالف الفقهاء، إلا أن المشروع كان كريماً مع الضحايا فأعطى ثلاثين يوماً لاستتابة المرتد قبل قتله ، أو بمعنى آخر إعلان عبوديته للفقهاء والكهنوت ، وإلا فالقتل بتهمة الردة. !..
إلا أن خطورة الاتهام بإنكار المعلوم من الدين بالضرورة لا تتوقف على مجرد إنه اتهام مطاط وليس محدداً ببنود معينة معلومة للكافة لا تقبل الزيادة والنقصان والإضافة والحذف، ليس ذلك هو وجه الخطورة الوحيد
ولكن يضاف إليه أن مفردات الاتهام نفسها قابلة أيضاً للتفسير والتأويل والمطّ حسب الهوى . فالشيخ سيد سابق يقول مثلاً أن المرتد هو الذى يطعن فى الكتاب والسنة، وذلك اتهام مطاط فى حد ذاته ففى القرآن الكريم قضايا فكرية وكلامية اختلف فيها المسلمون ولا يزالون ، مثل قضية الاستواء على العرش ورؤية الله تعالى والقضاء والقدر . وكل فريق يستشهد بما يؤيد وجه نظره من القرآن وكل فريق يمكن أن يتهم الآخر بأنه يطعن فى الكتاب.وبالنسبة لمدلول السنة فإنه أكثر غموضاً، فأئمة الحديث كل منهم جمع وصحح من الأحاديث ما اعتبره سنة الرسول، وكلهم مختلفون، ثم جاء من بعدهم فكانوا أكثر اختلافاً ، وذلك يعطى كل فريق الحجة فى أن يتهم خصومه بأنهم يطعنون فى السنة، وبالتالى يقيم لهم محاكم التفتيش، وقد امتلأ تاريخ المسلمين فى العصرين العباسى والمملوكى بمئات من محاكم التفتيش والتكفير، وانغمست فيها السلطات الحاكمة حسب توجهاتها السياسية والفكرية ، وكان الفريق المسيطر يتهم غيره بالزندقة ويحاكمه ويدينه بهذه التهمة.
بل إن تلك الخصومات الفكرية بين المسلمين جعلتهم يرون تطبيق حد الردة على الزنديق دون إعطائه فرصة المحاكمة حتى لا يتمكن من الدفاع عن نفسه وتبيين حجته، أى يحرمونه من الاستتابة!!
ويقول كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) بقتل الزنديق بعد الإطلاع عليه بلا طلب توبة منه، وهو الذى كان يسمى منافقاً فى زمن النبى ولابد من قتله وإن تاب..!!
وقد يتصور القارئ أن ذلك الزنديق كافر ملحد لا يؤمن بالله ورسله وكتبه. ، كلا.. إنه مؤمن بالله وكتبه ورسله، ولكنه مفكر صاحب رأى، إلا أن خطأه الأعظم أن آراءه تخالف آراء أصحاب السطوة من الفقهاء، وتخالف ما اعتبروه عندهم هم معلوماً من الدين بالضرورة ، لذلك يستحق عندهم القتل حتى ولو تاب، ولأنه صاحب حجة ومعه الأدلة والبراهين فإن الكهنوت الفقهى يحرمه من المحاكمة التى يتفضل بها على المرتد الكافر العادى، والسبب أن المرتد العادى ليست لديه حجة يخشى منها الكهنوت الفقهى، أما من اتهموه بالزندقة فلديه الحجة والبرهان ، ولأنهم لا يستطيعون مواجهته بالحجة فى المحاكمة فلا داعى لمحاكمته ، والأفضل قتله سريعاً..
ويقول الشيخ سيد سابق أن الزنديق هو ( الذى يعترف بالإسلام ظاهراً وباطناً )، إذن هو مؤمن بالقلب واللسان فكيف يكون زنديقاً؟ يقول الشيخ مستدركاً : "لكنه يفسر بعض ما ثبت من الدين بالضرورة بخلاف ما فسره الصحابة والتابعون وأجمعت عليه الأمة".أى هو زنديق لأنه اجتهد وجاء بآراء جديدة تخالف ما وجدنا عليه آباءنا وليس مهما إن معه الدليل، إنما المهم أن أدلته تخالف ( بزعمهم ) ما فسره الصحابة والتابعون وأجمعت عليه الأمة..ويقول الشيخ "وأن الشرع كما نصب القتل جزاءاً للارتداد ليكون مزجرة للمرتدين فكذلك نصب القتل للزندقة ليكون مزجرة للزنادقة وذبّا عن تاويل فاسد فى الدين لا يصح القول به، فكل من أنكر رؤية الله تعالى يوم القيامة أو أنكر عذاب القبر وسؤال منكر ونكير وأنكر الصراط والحساب ، سواء قال لا أثق بهؤلاء الرواة أو قال أثق بهم لكن الحديث مؤول ، ثم ذكر تأويلاً فاسداً لم يسمع من قبله ، فهو الزنديق، وقد اتفق جمهور المتأخرين من الحنفية والشافعية على قتل من يجرى هذا المجرى"..  إنها قضايا خلافية، اختلف فيها المسلمون- ولا يزالون، اختلفت المعتزلة والحنابلة حول رؤية الله وخلق القرآن واختلف الجميع فى الشفاعة وعذاب القبر وسؤال القبر، وفى القضايا الخلافية يعزز كل فريق رأيه بتأويل الآيات ووضع الأحاديث ومهاجمة أدلة وبراهين الطرف الآخر.. وهكذا كان الجدل والمناظرات الفكرية فى عصر ازدهار الحركة الفكرية للمسلمين، فلما جاء عصر الجمود والتقليد أراح الفقهاء المتأخرون أنفسهم من عناء الجدل والبحث وأقاموا جدارا أسمه (المعلوم من الدين بالضرورة) ورفعوا سلاح التكفير والاتهام بالزندقة والقتل فى وجه كل من يحاول الاجتهاد والتفكير ، ونام الفقهاء المتأخرون تحت جدار المعلوم من الدين بالضرورة ولا يزالون نائمين . ) ... إنتهى النقل من كتابنا ( حد الردة ). 

وهنا نجد الشيخ سيد سابق أكثر سماحة من أبى بكر الجزائرى وفقهاء الحنابلة الذين يؤيدون أبن تيمية فى أن الزنديق يجب قتله حال العثور عليه ، ويجب قتله بلا محاكمة ، ويجب قتله ولو تاب .. أى مقتول مقتول .. ياولدى ..!!

أخيرا : 

1 ـ د . محمد البرادعى  رمز مصرى عظيم ، وحُجّة فى القانون ، وهو رجل مسلم يفهم الاسلام على أنه دين الحرية والسلام والخير والعدل ،وأنّ الله جلّ وعلا بعث الرسول عليه السلام رحمة للعالمين ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء) أى ليس لقتل العالمين أو ارهاب العالمين. دعنا نتخيل أن د . محمد البرادعى قد قرأ لنا كتاب ( حد الردة ) و( اكذوبة حد الرجم ) و( حرية الرأى بين الاسلام والمسلمين ) و ( القرآن وكفى مصدرا للتشريع ) و ( الاسناد فى الحديث ) و ( التأويل ) وغيرها ، ولنتخيل أنه إستقى من ذلك ما نؤكده بأنه يجب أن تكون المواثيق الدولية لحقوق الانسان هى المصدر الرئيس للتشريع فى الدستور لأنها أقرب كتابة بشرية للشريعة الاسلامية القرآنية، أو على الأقل نتخيل أنه أعلن وجهة نظر قرآنية تخالف الفقه  السّنى الحنبلى الذى يجعلونه شريعة إسلامية: ماذا سيفعل به الإخوان والسلفيون لو تمكنوا من إخونة الدولة ؟ سيجعلون د محمد البرادعى منكر سنّة مثلنا، وسيقتلونه بتهمة الزندقة تطبيقا للشريعة المعتدلة للشيخ سيد سابق القائل:(وقد اتفق جمهور المتأخرين من الحنفية والشافعية على قتل من يجرى هذا المجرى ).ولن يقيموا له محاكمة ولن يقبلوا له توبة لأنّ شريعة الحنابلة تقول بأن الزنديق يجب قتله حال العثور عليه ، ويجب قتله بلا محاكمة ، ويجب قتله ولو تاب ..  

2 ـ هذا عن د . محمد البرادعى الشخصية الدولية المحترمة والحائز على ( نوبل )..أما عموم المسلمين ممّن يصلّون الفجر ويذهبون للمسجد وعموم الأقباط ،  فحدّ الردة ينتظرهم بالقتل مع سبق الاصرار والترصّد ..  انتظرونا فى المقال القادم .

دستور مرسى : وتطبيق حد الردة على صالحى المسلمين : ( 6 )

 دستور مرسى : وتطبيق حد الردة على صالحى المسلمين : ( 6)

قتل المصريين جميعا بحدّ الردة المزعوم  .. دستور الاخوان يؤسس دولة طالبان

أولا : السلفيون والاخوان أسوأ البشر ..لماذا ؟  

1 ـ أسوأ البشر هم من وصفهم رب العزة بأنهم أظلم الناس ، الذين يفترون على الله كذبا ويكذبون بآياته ، وهؤلاء تيار يسرى فى كل زمان ومكان ، ممّن يؤسسون الديانات الأرضية على أنقاض الدين الالهى ورسالاته السماوية ، بإختراع أحاديث مفتراة وجعلها وحيا الاهيا منسوبا لله ورسوله وتكذيب الرسالة السماوية . على أساس هذه الديانات الأرضية وكهنوتها تقام دول دينية ، أو نظم حكم إستبدادية تتحالف مع الكهنوت لتسيطر على الشعب باسم الدين الأرضى السائد . ينطبق هذا على تاريخ الغرب والشرق  فتأسست ديانات أرضية ذات نفوذ سياسى كالبوذية والهندوسية والارثوذكسية والكاثولوكية والبروتستانتية والتشيع والسنة والتصوف ، وما تفرع عنها من انقسامات ومذاهب وملل ونحل . وبسبب ظروف دولية واقليمية ومحلية وصلت الى صدارة المشهد المصرى حاليا الحركة الاخوانية السلفية الوهابية التيمية الحنلية السنية . ينطبق عليهم أنهم ( أظلم الناس ) كما جاء فى القرآن الكريم ،وتحقّق فيهم وصفهم بالكذب والافتراء ،فدينهم الأرضى مؤسس على الكذب والافتراء على الله ورسوله لذا نراهم يمارسون الكذب والافتراء كفضيلة دينية ، ويجهرون بالكذب علنا دون خجل ، ومهما ثارت عليهم الاحتجاجات وأحاطت بهم التهكمات فلا يرتدعون لأن الكذب والافتراء لديهم دين . وتتضح ملامح السلفيين والاخوان بدقة وصراحة فى قوله جل وعلا :(  فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17)( يونس )، ففيهم الظلم والافتراء والكذب والإجرام ، ثم الإجتراء على الله جل وعلا  حين يتحدثون باسمه جل وعلا ويحتكرون لأنفسهم دين الاسلام فيشوهون الاسلام برذائلهم ووضاعتهم وجرائمهم .

2 ـ وتتجلّى الخطورة فى موضوع إتخاذ الكذب والظلم والاجرام دينا عندما يتحكمون أولئك الظالمون المجرمون المفترون الكاذبون فى القضاء . فعلى المستوى التشريعى سيحكمون بشريعة تقوم على الافتراء وتنسب نفسها زورا وبهتانا لرب العزة جل وعلا . وعلى مستوى التطبيق والقضاء فإن القاضى والشهود الذين يحكمون بهذه الشريعة ( السنية ) هم من أرذل الناس وأظلم الناس وأكذب الناس :( لا يكذب أحدهم إلّا إذا تكلم ).!!. وسبق أن قلنا إنّ آلية التطبيق مع أخونة النظام القضائى فى مصر تستلزم وجود شهود سلفيين وهابيين يشهدون أمام القاضى السنى السلفى الوهابى .وسبق أن نشرنا هنا سلسلة مقالات عن (نظام القضاء بين الاسلام والمسلمين) فى دراسة أصولية تاريخية إتضح بها تناقض وظيفة القضاء فى تاريخ المسلمين مع شريعة الاسلام ؛ فكان وجود القاضى العادل إحدى النوادر .

3 ـ الخطورة أيضا أنهم عندما يتحكمون فى القضاء فإنهم سيتوجهون به لقتل من يشاءون من الناس ممّن لا ينتمون الى السلفية ، من الأغلبية الصامتة والصوفية والعلمانيين والأقباط والشيعة والبهائيين ، حتى من يكون على أعلى خلق قويم وفعّال للخير ولكنه لن ينجو من القتل وفقا للشريعة السلفية التى سيتم تقنينها مع أخونة الدستور ، و بالشهود والقضاة السلفيين سيتاح قتل المصريين بكل سهولة . وهؤلاء السلفيون أظهروا على الملأ كذبهم وظلمهم وإعتداءهم وفجورهم ، بقذفهم خصومهم عشوائيا بالباطل وقتلهم الأبرياء عشوائيا أوبسبق الاصرار والترصد ، فإذا كانوا يفعلون هذا قبل إخونة الدستور والتشريع والقضاء والدولة فماذا سيفعلون بعد أن يصلوا الى المرحلة النهائية ، وهى ( التمكين )و ( الحاكمية )؟

4 ـ كما لا يمكن تطبيق الديمقراطية إلا بنشر ثقافة الديمقراطية وثقافتها الليبرالية فإن التطبيق الصحيح للشريعة الاسلامية يستلزم إعدادا أخلاقيا للمجتمع ، ولهذا فإن الوحى القرآنى فى مكة لم ينزل بتفصيلات التشريع ولكن بقواعدها مثل حرمة قتل النفس البريئة ، وتركزت دعوة القرآن فى مكة على إخلاص الدين لله جلّ وعلا وتعليم الناس تقوى الله جل وعلا ، أى التربية الاخلاقية ويقظة الضمير ، ونزلت فى مكة خلاصة التربية الأخلاقية جزءا من إخلاص الدين لله جلّ وعلا، جاء هذا فى سورة الأنعام فى الوصايا العشر ( 151 : 153 ) وفى سور الاسراء (22 : 39 ) ولقمان ( 13 : 19 ) والفرقان ( 63 ـ ). ثم جاءت تفصيلات الشريعة الاسلامية وتطبيقها فى المدينة بعد إعداد أخلاقى تمت فيه صحوة الضمير ليكون الشاهد شاهدا بصدق وتجرد وليكون القاضى على مستوى الكفاءة والصدق والتجرد ، يخشى كلاهما رب العزّة قبل أن يخشى الناس ، ويضع كلاهما نصب عينيه يوم الحساب ولقاء الله جل وعلا قبل كل تصرّف يفعله وقول يقوله. أما التطبيق الصحيح للشريعة السلفية فهو الذى يعبّر عن الواقع العملى للحضيض الخلقى للسلفية ، وقد إتّضح هذا الحضيض وإنكشف فى المظاهرات والقنوات الفضائية والانترنت. وسيكون التطبيق الكارثى بعد أخونة الدستور والتشريع والقضاء .

5 ـ. ليس فى الاسلام عقوبة لشرب الخمر أو الردة أو ترك الصلاة ، وليس فى الاسلام ما يعرف بحدّ الرجم ، ولنا بحث منشور هنا عن ( أكذوبة حد الرجم ). وما عدا جريمة القتل  فإن كل العقوبات فى شريعة الاسلام ( الزنا ، السرقة ، القذف ، قطع الطريق ) يسقط تطبيقها بتوبة الجانى . وليس هذا هو الفارق الوحيد بين الشريعة الاسلامية والشريعة السلفية . ومع أن كلتيهما تعتمد على ( الشهود ) فى الإثبات فإنّ الشاهد فى شريعة الاسلام قد تمت تربيته على تقوى الله جل وعلا فى مجتمع نظيف قائم على العدل وعلى الحرية المطلقة فى الدين والرأى والفكر والحرية السياسية بالديمقراطية المباشرة ، والخوف من الله جل وعلا وليس من البشر . هذا الشاهد الذى يخشى الله جل وعلا يتعذّر وجوده فى مجتمع ( سلفى ) يحترف الكذب على الله جل وعلا ويجعل الظلم والكذب دينا يكذب فيه على الله جل وعلا ورسوله ويكذب على الناس .

6 ــ ويتّضح الفارق بين تطبيق الشريعة الاسلامية والشريعة السلفية فى تطبيق العقوبات التى تتطلب شهودا. فمن السهل على السلفيين والاخوان لو وصلوا الى  الأخونة و(التمكين ) أن يتقدّم أربعة من الشهود باتهام زوجة عفيفة محصنة بالزنا فيقيم عليها القاضى السلفى حد الرجم . وقد يقوم بعض الشهود والقضاة بإبتزاز جنسى لزوجة شريفة لانتهاك شرفها وإغتصابها بتخويفها من إقامة حد الرجم عليها ، فهم الشهود وهم القضاة . ونفس الحال مع قطع اليد ، وهى عقوبة يستحيل تقريبا تنفيذها واقعيا فى دولة الاسلام الحقيقية وفى مجتمع مسلم يقوم على العدل وكفالة الحقوق ورعاية المحتاجين . ولكن من  العادة فى نظم الحكم الاستبدادية التى تتمسح بالدين أن تقطع أيدى الجوعى بتهمة السرقة ، ويقوم كبار الحرامية بتنفيذ قطع الأيدى ، حدث هذا فى عصر السلطان قايتباى الذى امر فيه أحد القضاة بقطع يد طفل متهم بالسرقة ،وحدث هذا فى عصر النميرى فى السودان حين قطّع أيدى صبيان فقراء متهمين بالسرقة .

7 ـ وبالأخونة والتمكين سيشهد المصريون تطبيق شريعة ابن تيمية .

ثانيا : نماذج لتطبيق تشريع ابن تيمية فى قتل كل خصومه المسلمين :

1 ـ هل أنت مسلم تصلّى ؟ يفتي ابن تيمية بقتل المسلم الذي يجهر بالنية  في الصلاة حتي لو كان يعتقد ان جهره بالنية يأمره به الله تعالي ،ويفتي بقتل المسلم الذي لا يلتزم بآداء الصلاة في وقتها او يؤخر صلاة الفجر الي بعد طلوع الشمس او يؤخر صلاة الظهر والعصر الي بعد غروب الشمس ، ويفتي بقتل المسلم الذي يحضر المسجد ولا يشارك في صلاة الجماعة .  وفي كل ذلك يشترط ابن تيمية استتابة المتهم فان تاب والا قتل. ويقول ابن تيمية : ( والرجل البالغ إذا امتنع من صلاة واحدة من الصلوات الخمس، أو تركبعض فرائضها المتفق عليها، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل‏.‏ ). 

2 ـ هل أنت من المسلمين المتعبدين المفكرين أصحاب الرأى ولكن تخالف السلفيين ؟ القتل ينتظرك لأتك لست من( أهل السّنة والجماعة )،أى تواجه تهمتين يتم بهما قتلك : أنك مثل الخوارج،وأنك منافق زنديق .

ويتكرر كثيرا فى فتاوى إبن تيمية تشبيهه لخصومه فى الرأى بالخوارج واستحقاقهم القتل مهما بلغ ورعهم ، مستشهدا بحديث كاذب ينسب للنبى عليه السلام علم الغيب فى المستقبل يتنبأ مقدما بظهور الخوارج وجعلهم كفارا مهما بلغ ورعهم ويحثّ على قتلهم . يقول ابن تيمية عن خصومه ( قد يكون لهم زهد وعبادة وهمّة كما يكون للمشركين وأهل الكتاب وكما كان للخوارج المارقين الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموها فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة ).‏أى يجعل فى قتلهم أجرا يوم القيامة. ويتكرر هذا المعنى كثيرا فى فتاويه ،ومنها: (وقد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بذمهم‏.‏‏.‏ قال صلى الله عليه وسلم فيهم‏:‏ ‏(‏يَحْقِر أحدكم صلاتهمع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم،يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمِيَّة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ـوفي رواية ـ أينما لقيتموهم فاقتلوهم ـ فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند اللّه يومالقيامة، يقتلون أهل الإسلام‏‏‏.‏وهؤلاء اتفق الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ على قتالهم ) ويستدل ابن تيمية أيضا بقتل الخليفة المهدى العباسى للزنادقة ويجعله تشريعا :(..‏ فإن المهدي قتل من المنافقينالزنادقة من لا يحصي عدده إلا الله.. وكان المهدي من خيار خلفاء بني العباس وأحسنهم إيماناوعدلا وجودا فصار يتتبع المنافقين الزنادقة كذلك‏.‏) .

ونعيد التأكيد على الحقيقة الاسلامية القرآنية التى تؤكّد أن النبى عليه السلام فى حياته كان لا يعلم الغيب ولم يكن له أن يتحدث فيه ، ولم يكن يعلم ما سيجرى فى المستقبل وما سيحدث بعد موته ، ولكنّ أصحاب الديانات الأرضية من المسلمين خصوصا السنيين نسبوا له أحاديث عن غيوب اليوم الآخر كالشفاعة،وعما سيحدث بعد موته كالعشرة المبشرين بالجنة والتنبؤ بالخلفاء الراشدين والعباسيين ، وفى خضم الحروب الأهلية إخترع المتحاربون أحاديث يلعن بها بعضهم بعضا ، ومنها حديث لعن وقتل الخوارج الذى يكرّر ابن تيمية الاستشهاد به ، ويأخذ منه حجة على قتل خصومه فى الرأى ممّن ليسوا من ( أهل السّنة والجماعة )  

وعن إتّهام خصومه بالنفاق يقول : ( وأما المنافقون من هذه الأمة، الذين لا يقرون بألفاظ القرآن والسنةالمشهورة فإنهم يحرفون الكلم عن مواضعه..)( ...‏وهؤلاء كلهم كفار يجب قتلهم باتفاق أهل الإيمان .). وضمن خصومه فى الرأى من يخالفه فى قضية الاستواء على العرش ، ويرى تحريم  تزويجهم والزواج منهم وتوارثهم ، ويقول : ( أرى أنيستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا‏.‏) ، والخوارج والمعتزلة . وحكى اختلاف الفقهاء فى استتابتهم ، ويرجح قتلهم بلا استتابة ، وكرّر هذا كثيرا ، يقول مثلا : ( والزنديق‏:‏ هو المنافق، وإنما يقتله من يقتله إذا ظهر منه أنه يكتمالنفاق. ) أى يجعل سلطة الاتهام وتنفيذ القتل لكل شخص. ويقول عمّن جعلهم منافقين ضالين حتى :( ‏وإن أظهروا الإسلام، وكان في بعضهم زهادةوعبادة،) لماذا ؟ لأنهم ( يظنون أن إلى اللّه طريقا غير الإيمان بالرسول ومتابعته.) أى لا يتبعون الأحاديث التى إفتراها أهل السّنة والجماعة وجعلوها طريق الايمان الوحيد بالرسول ومتابعته . وبالتالى يحكم بكفر من لا يتبع تلك الأحاديث ، ويقول عنهم ( وهؤلاء منافقون كفار يجب قتلهم بعد قيام الحجة عليهم‏.‏).

3 ـ وهو يحكم بقتل جميع الصوفية ، كالقائلين بالاتحاد بالله جل وعلا ، يقول : (وهكذا هؤلاء الاتحادية‏:‏ فرؤوسهم هم أئمة كفر يجب قتلهم، ولا تقبلتوبة أحد منهم، إذا أخذ قبل التوبة، فإنه من أعظم الزنادقة، الذين يظهرون الإسلام،ويبطنون أعظم الكفر، ..، ويجب عقوبةكل من انتسب إليهم، أو ذب عنهم، أو أثنى عليهم، أو عظم كتبهم، أو عرف بمساعدتهمومعاونتهم، أو كره الكلام فيهم، أو أخذ يعتذر لهم بأن هذا الكلام لا يدرى ما هو،أو‏:‏ من قال‏:‏ إنه صنف هذا الكتاب، وأمثال هذه المعاذير، التي لا يقولها إلاجاهل، أو منافق، بل تجب عقوبة كل من عرف حالهم، ولم يعاون على القيام عليهم، فإنالقيام على هؤلاء من أعظم الواجبات؛ لأنهم أفسدوا العقول والأديان على خلق منالمشايخ والعلماء، والملوك والأمراء، وهم يسعون في الأرض فسادًا، ويصدون عن سبيلالله‏.‏). ويقول : (وبالجملة، فلا خلاف بين الأمة أن من قال بحلول الله في البشر، واتحاده به،وأن البشر يكون إلها، وهذا من الآلهة، فهو كافر مباح الدم ‏.‏ ). كما يحكم بقتل المستحلين للمعاصى كالزنا والشذوذ : (من يقول‏:‏ إن التلوطمباح بملك اليمين‏.‏ فهؤلاء كلهم كفار باتفاق المسلمين.) ويقول: ( والرجم شرعه الله لأهل التوراة والقرآن، وفى السنن عن النبي صلىالله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعولبه‏)‏‏.‏ ولهذا اتفق الصحابة على قتلهما جميعًا، لكن تنوعوا فى صفة القتل‏:‏ فبعضهمقال‏:‏ يرجموا‏:‏ وبعضهم قال‏:‏ يرمى من أعلى جدار فى القرية ويتبع بالحجارة،وبعضهم قال‏:‏ يحرق بالنار، ولهذا كان مذهب جمهور السلف والفقهاء أنهما يرجمانبكرين كانا أو ثيبين، حرين كانا أو مملوكين، أو كان أحدهما مملوكا للآخر، وقد اتفقالمسلمون على أن من استحلها بمملوك أو غير مملوك فهو كافر مرتد  ).  ويحكم بقتل من يسقطون التكاليف الشرعية ومن يدمن ( السّماع ) أى الغناء الصوفى. ويقول ابن تيمية:(وهذا الذي اتفق عليه الصحابة،هو متفق عليه بين أئمة الإسلام لايتنازعون في ذلك، ومن جحد وجوب بعض الواجبات الظاهرة المتواترة‏:‏ كالصلوات الخمس،وصيام شهر رمضان، وحج البيت العتيق أو جحد تحريم بعض المحرمات الظاهرة المتواترة‏:‏كالفواحش، والظلم والخمر والميسر والزنا وغير ذلك، أو جحد حل بعض المباحات الظاهرةالمتواترة‏:‏ كالخبز واللحم والنكاح ـ فهو كافر مرتد، يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وإنأضمر ذلك كان زنديقًا منافقًا ،لا يستتاب عند أكثر العلماء، بل يقتل بلا استتابة،إذا ظهر ذلك منه‏.‏). الذى يهمنا هنا هو قوله (وإنأضمر ذلك كان زنديقًا منافقًا ،لا يستتاب عند أكثر العلماء، بل يقتل بلا استتابة،إذا ظهر ذلك منه‏.‏) ، إذ يتيح الفرصة ( الشرعية ) لاتهام خصومه على أساس أنهم ( يضمرون ) أشياء محرمة ، وبناء عليه يوجب قتلهم بلا استتابة إذا ظهر منهم بعض ما يمكن تفسيره على أنه ( يضمر ) فى قلبه تلك المحرمات . وبهذا يكون قتل خصوم السلفيين والاخوان سهلا بشريعة ( أهل السنة والجماعة ) لأنّ بعض ما يظهر منهم يشى ويومىء بمكنون قلوبهم من النفاق ، وبالتالى يجب قتلهم فورا وبلا إستتابة .!!

ثالثا :  قواعد عامة فى تشريع القتل العام :  

ولسنا فى مجال التفصيل والتحليل لفتاوى إبن تيمية فلهذا موضع آخر عن ( تشريع الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى التقعيد السّنى ) فى جزء خاص من كتاب ( الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بين الاسلام والمسلمين )، والذى نتمنى إكماله ونشره لاحقا قبل مجىء الأجل المحتوم . ولكن نعطى هنا ملامح سريعة تتصل بموضوعنا عن قواعد التشريع بالقتل العام فى فتاوى ابن تيمية ، والتى سيتاح لها التطبيق تحت شعار تطبيق الحدود فى الشريعة المعبّرة عن أهل السّنة والجماعة فى دستور مرسى .

1 ـ يقول فى صياغة عامة ومطّاطة يسهل تطبيقها بالتأويل على كل خصومه وفق التفسير والتأويل السّنى :( من سب نبيًا من الأنبياء قتل باتفاق الفقهاء.).الخطورة هنا أنّ من يخالف معتقد السنيين فى الأنبياء يعتبرونه سبّا فى الأنبياء ، ومنه أى تأكيد على بشرية الأنبياء يكون سبّا فيهم ، مهما كان الدليلمن القرآن الكريم .

2 ـ ويقول ( ومن كان تكفيره لأبويه لا يندفع إلا بقتله جاز قتله ). وهنا حكم مستقبلى على أفعال لم تحدث بعد ، ولكن يستشف منها القاضى أنه يمكن حدوثها ، وأن تكفير المتهم لأبويه لا يمكن منعه إلّا بقتل الإبن عندها يجوز قتل الابن . وعلى نفس المنوال قوله : ( ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل ، مثل المفرق لجماعة المسلمين ، والداعي إلى البدع في الدين .)، أى قتل أي مسلم بدعوى انه منافق يبطن الكفر ويظهر الاسلام ،بل هو يعطى الحجة لأي فرد لكي يقتل من يشاء من المسلمين بتهمة انه منافق ودون استتابة ،يقول ابن تيمية (اما قتل من اظهر الاسلام وابطل الكفر فهو المنافق الذي يسميه الفقهاء بالزنديق فأكثر الفقهاء علي انه يقتل وان تاب ) . وقد يكون القتل على أهون سبب ، فمن ينكر السفر الى المسجد الأقصى أو الى قبر النبى فهو كافر مستحقّ للقتل:( فمن سافر إلى المسجد الحرام أو المسجد الأقصى أو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فصلى في مسجده ؛ وصلى في مسجد قباء وزار القبور كما مضت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا هو الذي عمل العمل الصالح . ومن أنكر هذا السفر فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل . )

3 ـ ومصطلحات الرسول والسّنة والشريعة المحمدية تعنى الأحاديث التى إفتراها أئمة السنيين فى العصر العباسى ، وتوارثها عصر ابن تيمية المملوكى . ومن يخرج عنها فهو كافر مباح الدم فى قاعدة تشريعية عامة يكرّرها ويؤكدها ابن تيمية فى صياغات متنوعة ، كأن يقول : ( فأما الشرع المنزل‏:‏ فهو ما ثبت عن الرسول من الكتاب والسنة، وهذاالشرع يجب على الأولين والآخرين اتباعه،)، أى ما قاله أئمة ( الحديث ) فى العصر العباسى هو الذى ثبت عن الرسول مهما كان إختلاف الأئمة مع بعضهم ومع أنفسهم وحتى فى الكتاب الواحد وللمؤلف الواحد . ومن ينكر هذا يجب قتله ، يقول :( ومنلم يلتزم هذا الشرع، أو طعن فيه أو جوز لأحد الخروج عنه، فإنه يستتاب فإن تاب وإلاقتل‏.‏) ، ويقول (  ومحمد صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى جميع الثقلين؛ إنسهم وجنهم‏.‏فمن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته، فهو كافر يجب قتله‏.‏) (ومن خالف ما ثبت فى الكتاب والسنة، فإنه يكون إما كافراً، وإمافاسقاً، وإما عاصيا، إلا أن يكون مؤمنا مجتهداً مخطئًا فيثاب على اجتهاده، ويغفر لهخطؤه، وكذلك إن كان لم يبلغه العلم الذى تقوم عليه به الحجة،   وأماإذا قامت عليه الحجة الثابتة بالكتاب والسنة فخالفها‏:‏ فإنه يعاقب بحسب ذلك، إمابالقتل، وإما بدونه‏.‏‏).

وطبعا توجد أحاديث أخرى للشيعة والصوفية نسبوها أيضا للنبى كما فعل السنيون ، وإبن تيمية كما يوجب الايمان بأحديث دينه المفتراة وحدها فإنه يوجب الكفر بالأحاديث التى إفتراها الآخرون ، وكالعادة يوجب قتل من يؤمن بتلك الأحاديث ، ويقول بلهجة قاطعة وحازمة وجامعة مانعة:( جميع هذه الأحاديث أكاذيب مختلقة، ليتبوأمفتريها مقعده من النار‏.‏لا خلاف بين جميع علماء المسلمين ـ أهل المعرفة وغيرهم ـأنها مكذوبة مخلوقة، ليس لشيء منها أصل؛ بل من اعتقد صحة مجموع هذه الأحاديث فإنهكافر؛ يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، ) . فالأحاديث هى فقط أحاديث السنيين ، والعلماء فقط هم علماء السنيين . ولا يرى غير ذلك لأنهم أهل السنة والجماعة..ومن يخرج عنهم فهو ضال وزنديق ومنافق وخارجى ومستحقّ للقتل . جدير بالذكر أن لابن تيمية رسالة فى الأحاديث الموضوعة بعنوان ( أحاديث القصّاص ) ولم يقتنع بها تلميذه إبن القيّم فكتب فى الأحاديث المنوضوعة كتابا آخر بعنوان ( المنار المنيف فى الصحيح والضعيف ). أى إنها أجتهادات مختلفة بين الشيخ وتلميذه مثل الاختلاف الذى كان بين البخارى وتلميذه مسلم فى ( الصحيحين ). ولكنهم جعلوا ذلك الافتراء دينا من يخالفه فهو زنديق ، ولأن هذا الزنديق مسلم مفكر يستطيع إقامة الحجّة عليهم من داخل كتبهم فهم يحكمون بقتله حال العثور عليه ، وقتله دون محاكمة وقتله حتى لو تاب .

4 ـ ويتوجّه ابن تيمية لخصومه الصوفية بقواعد عامة تشرّع قتلهم بالجملة ، فمن يقدّم النذور للأولياء معتقدا نفع الأولياء يجب قتله : ( ومن اعتقد أن بالنذور لها نفعاً أو أجراً ما فهو ضال جاهل  .. فهذا كافر مشرك يجب قتله وكذلك من اعتقد ذلك في غيرها كائناً من كان‏ ). ومن يتّخذ أولياء الصوفية واسطة لله جل وعلا يجب قتله إن لم يتب :( فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه، فهو كافر مشرك، يجب أنيستتاب، فإن تاب وإلا قتل‏.‏ ). ويقول فى تحريم الركوع والانحناء للشيخ الصوفى وقتل من يفعل ذلك:( بل لا يجوز الانحناء كالركوع أيضا،  .. وأما فعل ذلك تدينًا وتقربًا فهذا من أعظم المنكرات، ومن اعتقد مثلهذا قربة، وتدينًا فهو ضال مفتر، بل يبين له أن هذا ليس بدين ولا قربة، فإن أصر علىذلك استتيب، فإن تاب وإلا قتل‏.‏). وكذلك من يعتقد فى كرامة الأولياء الصوفية ( ومن قال‏:‏ إن لقول هؤلاء سرًا خفيًا وباطن حقٍ، وأنه من الحقائقالتي لا يطلع عليها إلا خواص خواص الخلق، فهو أحد رجلين‏:‏ إما أن يكون من كبارالزنادقة أهل الإلحاد والمحال، وإما أن يكون من كبار أهل الجهل والضلال‏.‏ فالزنديقيجب قتله، والجاهل يعرَّف حقيقة الأمر، فإن أصرَّ على هذا الاعتقاد الباطل بعد قيامالحجة عليه وجب قتله‏.‏)، وكذا من يؤمن بكرامة ( أهل الخطوة ) من الأولياء الصوفية الذين يستطيعون بزعمهم الحج فى طرفة عين كما ساد الاعتقاد فى العصر المملوكى ، وابن تيمية كان يؤمن بكرامات الأولياء فى عصره ولكن ينسبها الى فعل الشياطين وفى نفس الوقت يحكم بقتل صاحبها : ( ومن هؤلاء‏:‏ من يحمله الشيطان إلى عرفات فيقف مع الناس، ثم يحملهفيرده إلى مدينته تلك الليلة، ويظن هذا الجاهل أن هذا من أولياء الله، ولا يعرف أنهيجب عليه أن يتوب من هذا، وإن اعتقد أن هذا طاعة وقربة إليه، فإنه يستتاب، فإن تابوإلا قتل ). ومن يعتقد بشفاعة الأولياء الصوفية مستحق عنده للقتل:( من ادعى أن شيخًا من المشايخ يخلص مريديه يوم القيامة من العذاب،فقد ادعي أن شيخه أفضل من محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ومن قال هذا فإنهيستتاب، فإن تاب وإلا قتل. ). هذا مع إن إبن تيمية يؤمن بشفاعة النبى والأولياء الصوفية السابقين ، ولكنه ينكر ذلك على شيوخ الصوفية فى عصره ، ويجعل فوارق بين الشفاعة السنية والشفاعة الصوفية ، وكالعادة يحكم بقتل من يخالفه فى الرأى : ( والثاني‏:‏ دعاؤه وشفاعته، وهذا أيضًا نافع يتوسل به من دعا له وشفعفيه باتفاق المسلمين‏.‏ ومن أنكر التوسل به بأحد هذين المعنيين فهو كافر مرتديستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتدًا‏.‏..)( ..وأما دعاؤه وشفاعته وانتفاع المسلمين بذلك فمن أنكره فهو أيضًاكافر، لكن هذا أخفى من الأول، فمن أنكره عن جهل عُرِّف ذلك، فإن أصر على إنكاره فهومرتد‏.‏).

5 ـ ولم ينج الأطفال من تشريع ابن تيمية بالقتل العام لهم . فهو يجيز قتل الطفل إذا صال ، أى إذا هاجم وإعتدى ، أى مجرد الاعتداء من ( طفل ) يوجب قتله حتى لو لم يسفر الاعتداء عن قتل ، يقول ابن تيمية : ( وقتلالصائل جائز وإن كان صغيرًا. .. وكذلك قتل الغلامكان من باب دفع الصائل على أبويه، لعلمه بأنه كان يفتنهما عن دينهما؛ وقتل الصبيانيجوز إذا قاتلوا المسلمين، )‏...

وحتى بدون أن يكون الطفل صائلا معتديا ، يكفى أن نتوقع منه أن يكون صائلا عندما يكبر ، وبهذا التوقّع  يجوز قتله تحسبا لإجرامه الغيبى المستقبلى ، يقول ابن تيمية :( بل يجوز قتلهم لدفع الصول على الأموال ، لهذا ثبت في صحيحالبخاري أن نجدة الحروري لما سأل ابن عباس عن قتل الغلمان قال‏:‏ إن كنت تعلم منهمما علمه الخضر من الغلام فاقتلهم، وإلا فلا تقتلهم‏.‏وكذلك في الصحيحين‏:‏ أن عمر لما استأذن النبي صلى الله عليه وسلمفي قتل ابن صياد، وكان مراهقًا، لما ظنه الدجال، فقال‏:‏ ‏(‏إن يكنه فلن تسلط عليه،وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله‏)‏ فلم يقل‏:‏ إن يكنه فلا خير لك في قتله، بلقال‏:‏ ‏(‏ فلن تسلط عليه‏) ..وذلك يدل على أنه لو أمكن إعدامه قبل بلوغه لقطع فساده لم يكن ذلكمحذورًا .)

أخيرا

1 ـ لو حاولت أن تنجو من كل هذه التهم التى تلاحقك بالقتل مع سبق الاصرار والترصد ، وإعتزلت وإعتكفت وأغلقت عليك باب بيتك فسيطاردك تشريع أهل السّنة والجماعة يطرق بابك ليحكم أيضا بقتلك ، فقد سئل ابن تيمية عن ( رجل منقطع في بيته لا يخرج ولايدخل، ويصلي في بيته، ولا يشهد الجماعة، وإذا خرج إلى الجمعة يخرجمغطى الوجه، .. ، فهل يسلمله حاله ‏؟‏ أو يجب الإنكار عليه‏؟ ‏فأجاب :‏هذه الطريقة طريقة بدعية مخالفة للكتاب والسنة ولما أجمع عليهالمسلمون‏.‏ والله تعالى إنما يعبد بما شرع، لا يعبد بالبدع، فإن التعبد بترك الجمعة والجماعة ـ  بحيثيرى أن تركهما أفضل من شهودهما مطلقًا  ـ كفر، يجب أن يستتاب صاحبه منه، فإن تاب وإلاقتل‏.‏ ).

2 ـ وهذا التشريع السلفى تم تطبيقه جزئيا على (أهل القرآن ) فى عصر مبارك فى حملتين لاعتقالهم( 2000 : 2001 ) و ( 2007 )، لأنهم إعتكفوا فى بيوتهم حتى لا يحتكّ بهم السلفيون فى المساجد . فاعتقل مبارك جموعا من أهل القرآن ترضية للسلفيين،وقامت مباحث أمن الدولة بتعذيبهم .

3 ـ حدث هذا ولم يكن السلفيون والاخوان فى الحكم .. فماذا إذا وصلوا الى التمكين التام وأخونة الدولة ؟ ربما لا يكون حينئذ تعذيب، بل قتل سريع ..وربما بلا إستتابة .!!

4 ـ ابشروا ..!!

المقال القادم عن تطبيق حد الردة على الأقباط .. 

دستور مرسى : وتطبيق حد الردة على الأقباط : ( 7)

أولا : تطبيق حد الردة على الأقباط  

1 ـ يتضح عداء الوهابيين السلفيين والاخوان للأقباط  فى كل أحداث ما يسمى بالفتنة الطائفية ، وفيما يظهر فى تصريحات قادتهم ودعاتهم ، ومن خلال نشر ثقافة التعصب بين عوام المسلمين إذ أصبحوا يترصدون أى معالم لبناء كنيسة أو إصلاحها فيثورون ، وأحيانا بلا إنتظار تحريض من شيخ سلفى . بدأت ثقافة الكراهية ضد الأقباط مع بداية توغل الفكر الوهابى فى عصر السادات ، وخلال أربعين عاما تجذّرت وتسيّدت وسمّمت المناخ العام فى مصر ، وبالطبع قابلها الأقباط بتعصب مقابل . ثم ظهر إنصهار المصريين جميعا فى بوتقة الثورة ضد مبارك ، ولم يستمر هذا طويلا إذ إختطف الوهابيون الثورة ووصلوا للحكم ، وجاء دستورهم ينذر بإمكانية قتل الأقباط جميعا بشريعة السلف ، تحت شعارات حد الردة وتطبيق الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .

2 ـ على إن الظروف المحلية والاقليمية والدولية قد تجعل من المتعذّر تطبيق الشريعة السلفية فى مصر بما ينتج عنه ( تطهير دينى ) بقتل الأقباط جميعا . ولا أعتقد أن هذا القتل العام للأقباط يشغل أولوية للوهابيين المصريين خصوصا من الاخوان ، لأنّ عيون  الاخوان بالذات هى على ثروات الأقباط ، أى يهمهم سلب أموال الأقباط ، مع بقاء الأقباط تحت السيطرة يتمتع الإخوان بإذلالهم . وبالتالى يكون تطبيق حد الردة والأمر بالمعروف لابتزاز الأقباط ، وهذا بالطبع يستلزم قتل بضعة ألاف قبطى كل حين وهدم عشرات الكنائس ـ فى عصر تمكين الاخوان و(أخونة الدولة ) . وبالقتل والهدم يعيش الأقباط تحت إبتزاز مستمر بحيث لا يحتاج  الوهابيون الى تطبيق شريعتهم فى فرض الجزية على الأقباط ، لأن ضريبة البقاء على قيد الحياة ستكون أكثر فائدة للوهابيين من فرض الجزية على رءوس الأقباط .

3 ـ وصياغة المادة المشئومة فى تفسير الشريعة المراد تطبيقها بأنه من مذاهب أهل السنة والجماعة تعطى الحرية للوهابيين فى إختيار ما يناسبهم فى التعامل مع الأقباط ، كما إن لديهم من طرق الاجتهاد أو(الإحتيال ) ما يمكنهم من إبتزاز الأقباط وتطبيق حد الردّة عليهم ، خصوصا مع أخونة الدولة والتمكين .

ثانيا : كيفية تطبيق حد الردة على الأقباط

قد يرتفع حاجب الدهشة لدى القارىء ، إذ يظن أن حد الردة يطارد المسلمين فقط ولا علاقة له بالأقباط . ولكن أساطين الاخوان والسلفيين سيجعلون ذلك ممكنا لأن الفيصل فى تطبيق حد الردة على الأقباط يستلزم وجود شهود وقضاة من السلفيين ، مع أخونة الدولة بحيث تتم ملاحقة الأقباط بحد الردة . ونعطى أمثلة :

1 ـ الأخ ( حنّا ) ثرى جدا ، وقد أعلنوا موته . يذهب إثنان من الشهود ( العدول ) للقاضى السلفى يقسمان أن الأخ ( حنّا ) كان مسلما يكتم إيمانه أو إنه نطق أمامهما بالشهادتين ، أى مات مسلما . وبالتالى فإنه وفقا للشريعة السّنية عموما فإن الكافر لا يجوز له أن يرث المسلم . وبهذا تتم مصادرة ثروة الأخ ( حنّا ) وحرمان أولاده منها لتؤول الى بيت المال ( السلفى ) .

2 ـ الأخ ( حنّا ) لا يزال حيا يرزق . ومعه ثروته الطائلة . يذهب اليه الشاهدان يعرضان عليه الاسلام ، وسواء وافق أم رفض فسيذهبان الى القاضى يقسمان له أن الأخ ( حنّا ) قد نطق بالشهادتين وأصبح مسلما . بهذا يكون الأخ ( حنّا ) أمام أمر واقع ، فقد إعتمد القاضى دخوله فى الإسلام وأصبح الأخ ( حنّا ) مسلما . لو إعترض الأخ ( حنّا ) فقد أصبح مرتدا حلال الدم . وبالطبع يمكن إبتزاز الأخ ( حنّا ) لينجو من هذا المأزق بأن يدفع المعلوم .

3 ـ الأخ ( حنّا ) ليس غنيا أو فقيرا ، ولكن له زوجة فاتنة رائعة الجمال يطمع فيها السلفيون . يأتى الشاهدان الى القاضى السلفى يقسمان بأن زوجة الأخ ( حنّا ) قد نطقت أمامهما بالشهادتين ، فيحكم القاضى باسلامها ، وبالتالى لا يكون أمامها إلّا أن تذعن وتصبح مسلمة ، وهنا يتم فورا التفريق بينها وبين زوجها الأخ ( حنّا ) وتصبح حلالا يتزوجها من يشاء من السلفيين . وإمّا أن ترفض وتصمم على دينها ، وحينئذ تكون قد إرتدت بعد اسلامها ، ويتم تطبيق حد الردة عليها .

4 ـ ( أسلمة القاصرات المسيحيات ) من أبرز ( الجهاد السلفى ) وكانوا ولا يزالون يمارسونه بالتحايل خلال عصر مبارك . مع أخونة الدولة والتمكين ستكون أسلمة القاصرات المسيحيات بندا أساسيا يمكن به القضاء على المسيحية بدون مذابح هائلة وقتل عام للأقباط . وحد الردة هو السلاح الماضى فى أسلمة الأقباط . لن يكون الأمر محتاجا لشاب سلفى وسيم يخدع الفتاة القبطية بالحب والغرام ويغنّى لها أغانى عبد الحليم حافظ . يكفى إرهابها بحد الردة وإعلان اسلامها فى المحكمة ، وينتهى الأمر .

5 ـ هل تذكرون قصة السيدة ( وفاء قسطنطين )والتى قيل أنها أشهرت اسلامها وثارت فتنة سلفية لتحريرها ممّا قيل أنها فى سجون الكنيسة ؟ .ليست هى الحالة الوحيدة كما نعلم ، ولكنها تحولت الى قضية رأى عام بفعل السلفيين الذى نادوا بالجهاد العام لتحرير ( الأخت المسلمة ) .! هذا بينما تندّر دعاتهم على فتاة مسلمة محجبة ثورية من المتظاهرات إنتهك جند مبارك حرمة جسدها وقاموا بتعريتها فى ميدان التحرير.!! ..فى عصر الأخونة والتمكين سيتم إنتهاك حرمة المسلمات وضربهن فى الشوارع علنا إذا جرؤن على نقد الاخوان والسلفية ، أما بالنسبة للزوجات القبطيات فسيكون سهلا إختطاف أى زوجة قبطية والزعم بأنها مسلمة . ولن يجرؤ زوجها وكل أقباط العالم على تحريرها ..

6 ـ وهناك أمثلة كثيرة للتحايل .. وهناك جانب كبير وهائل فى الفقه السّنى يحمل إسم ( فقه الحيل ) ، كان يتم به التحايل على التشريعات الاسلامية . وسيزدهر تطبيقه على الأقباط .

ثالثا : قتل الأقباط خارج حد الردة وخارج الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر

داخل التشريع السنى مبررات كثيرة فى قتل الأقباط خارج حد الردة وخارج الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . نعطى منها أمثلة :

1 ـ هناك أحكام بالقتل يمكن تطبيقها على كل مصرى مهما كان دينه ، منها الفتوى المشهورة بحق الامام ( أى الحاكم فى الدولة الدينية ) بقتل ثلث الرعية لاصلاح الثلثين . وعموما فإن حق الامام فى القتل السياسى مكفول دون أدنى مساءلة . بل جرى تطبيقه دون تسويغ تشريعى وقبل تصنيف الفقه السّنى ، إذ كان من حق   الخليفة بل الوالى التابع له قتل من يشاء . وهذا ما كان يتم تطبيقه فى الدولة الأموية ( هل تذكرون الحجّاج بن يوسف ؟ ) والعباسية (هل تذكرون السيّاف مسرور فى عهد هارون الرشيد ؟) والمملوكية والعثمانية . وظل هذا ساريا ، ولا يزال ساريا فى الدولة السعودية فيقول أمير سعودى : ( الشرع شرعنا والسيف سيفنا ولا يجرح سيفنا لحمنا ).!! من المضحك أن الجبرتى أخذته الدهشة حين رأى الفرنسيين يعقدون محاكمة لسليمان الحلبى قاتل قائدهم كليبر ، ويقوم محام فرنسى بالدفاع عنه . والجبرتى عاش كما عاش مئات المؤرخين قبله من العصر الأموى الى العصر العثمانى وهم يرون حق الوالى فى قتل من يشاء بمجرد كلمة . وبعد خروج الفرنسيين وتحكم الوالى (محمد على ) عادت الأمور الى نصابها فكان (محمد على) يقول على من يريد قتله ( جرّوه ) فيسحبونه ليلقى فى النيل . أى إنّه بعودة حكم ( الإمام الوهابى ) فى الدولة الدينية الإخوانية وبتمكينها سيكون من حق الامام أن يقتل من يشاء بسيف الشرع . والأقباط هم أقرب الناس الى قلب الإمام بطبيعة الحال ، أو هم الأقرب الى سيف شرعه . !

2 ـ هناك قواعد تشريعية صيغت فى أحاديث تشجع على قتل الفرد غير المسلم بزعم أن القاتل المسلم لا عليه من قصاص إذا قتل غير مسلم ، وسبق البخارى بهذا الإفك فى زعمه وجود ورقة مكتوب فيها عن النبى عدة أحاديث . ولقد إحتفل ابن تيمية بحديث البخارى هذا وردده كثيرا فى فتاويه ، يقول : ( وهذا كما في الصحيح أنه قيل لعلى رضي الله عنه‏:‏ هل ترك عندكم رسولالله صلى الله عليه وسلم شيئا‏؟‏ وفي لفظ‏:‏ هل عهد إليكم رسول الله صلى الله عليهوسلم شيئا لم يعهده إلى الناس‏؟‏ فقال‏:‏ لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهمايؤتيه الله عبدا في كتابه، وما في هذه الصحيفة‏:‏ وفيها العقل، وفكاك الأسير، وألايقتل مسلم بكافر‏.‏)، أى لاقصاص على المسلم لو قتل قبطيا . والتشريع بأنّه ( لا يُقتل مسلم بكافر ) هو من أساسيات التشريع السّنى ، يتفق فى هذا الحنبلى والمعتدل . أى كما أنه من حق الامام قتل من يشاء من ( الرعية ) فإنّ من حق الفرد المسلم قتل من يشاء من الأقباط دون عقاب . على ان التشريع السّنى يتسامح ويفرض أحيانا الدية لأهل القتيل القبطى ، وهى بالمناسبة نصف دية القتيل المسلم . وهذا هو رأى ابن حنبل . والتطبيق التشريعى هنا فى عصر الأخونة والتمكين سيكون بشعا . يستطيع السلفى ( المجاهد ) قتل من يشاء من الأقباط دون عقوبة ، ولو تسامح القاضى السلفى وحكم على القاتل بدفع ( نصف الدية ) فمن السهل إبتزاز أقباط آخرين لدفع أضعاف أضعاف المطلوب ، بل يمكن إرغام أهل القتيل بالتنازل عن الدية وإلّا فحد الردة ينتظرهم .

3 ـ قتل أطفال الأقباط وارد ( ومستحب ) ، وسبق فى المقال السابق التعرض لتشريع ابن تيمية السّنى فى قتل الطفل ( الصائل ) أى المعتدى حتى لو لم ينتج عن إعتدائه قتل ،بل وقتل الطفل إذا خيف منه أن يكبر ويكون صائلا معتديا .!!. وإذا كان هذا تشريعا فى قتل الطفل المسلم فإن تطبيقه يكون أحبّ وأفضل و ( أجمل ) فى حالة الطفل القبطى . خصوصا وأن توقع الشّر المستقبلى من الأطفال الأقباط وارد ، والمثل المصرى يقول ( الباب اللى يأتى منه اريح سدّه واستريح ).!!

4 ـ ثم هل يجوز تطبيق عقوبة الرجم على المسلمين دون الأقباط ؟ لسنا هنا فى قوانين الأحوال الشخصية بل فى قانون العقوبات الذى يسرى على المصريين جميعا . وإذا كان ممكنا أن يأتى شهود أربعة من السلفيين يشهدون أمام القاضى السلفى بأنهم وجدوا فلانة مع فلان فى حالة زنا كامل ، وبالتالى يحكم القاضى عليهما بالرجم ، فإنّ من الممكن بل والمستحب أن يقال هذا على ( تريزة و دميانة ) طالما يتم تطبيقه على ( زينب وفاطمة ). ليس مهمّا هنا أن تكون ( تريزة ودميانة وزينب وفاطمة ) من الزوجات العفيفات الطاهرات الشريفات ، بل على العكس فإن طهرهن وعفتهن قد يكون هو المشجّع فى الكيد لهنّ ولأزواجهن لأننا هنا نتحدث عن أسوأ البشر وشرّ الناس ، وهم أظلم الناس وأكذب الناس كما سبق توضيحه فى المقال السابق ، ولو كان هذا الصنف المنحطّ من البشر هو الذى يحكم فإن الضحايا هم أشرف الناس وخير الناس .

5 ـ  وهنا لا ننسى أيضا تشريع ( السبى ) وهو من أسس التشريع السّنى المناقض للاسلام ، ولسنا هنا فى مجال التفصيل لهذا ، ولكن نتذكّر هنا ( ثقافة الفتوحات ) والتى كتبنا فيها من قبل سلسلة مقالات هنا تم تجميعها فى كتاب منشور على موقعنا ( اهل القرآن ).  ثقافة الفتوحات هذه هى المحرّك للعقيدة السلفية ، ومن خلالها ينظرون الى الأقباط وغير المسلمين يستحلون دماءهم وأموالهم ونساءهم . ولا يخجل الخطيب السلفى فى خطبة الجمعة من أن يجهر بالدعاء على ( أعداء الاسلام ) من نوعية قولهم : ( اللهم أنصرنا عليهم ..اللهم اجعل أموالهم ونساءهم غنيمة للمسلمين ) . والوهابيون فى تأسيس الدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة كانوا يستحلون مع السلب سبى النساء فى حربهم مع ( المسلمين ) المناوئين لهم . فإذا كان هذا السبى مباحا مع المسلمات فى الشريعة الوهابية فكيف بالقبطيات حين يحكم الوهابيون مصر بالأخونة والتمكين ؟ . أعتقد أن تشريع السبى سيتم تطبيقه بلا إعلان السبى . أى بفقه الحيل . أى استخدام الترهيب بحد الردة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وكل التشريعات التى تعطى الوهابيين سلطة التحكم . ويكون هذا مبررا لتطبيق السبى واقعيا دون الحاجة الى إعلانه وجلب الاستنكار عليهم منه . باختصار يتحول الاغتصاب الى سبى شرعى لن يقتصر على نساء الأقباط بل يشمل نساء المسلمين من غير الوهابيين أسوة بما كان يفعله وهابيو آل سعود . هذا ما ينتظر المرأة المصرية العفيفة فى ظل أخونة الدولة المصرية ..

أخيرا

وسيجرى ( السبى ) بتناغم مع (السلب )، أى سلب مال المصريين جميعا ، وهذا توفره للإخوان والسلفيين المادة 22 من دستور مرسى .

نراكم فى المقال القادم .  

دستور مرسى : وسلب ثروات المصريين بالاستحلال السّنى : ( 8)

أولا : جذور عقيدة الاستحلال السّنية

1 ـ بما يسمى بالفتوحات الاسلامية بدأ الصحابة ومبكرا بصبغ الاستحلال الجاهلى بصيغة اسلامية ، وقد سبق مرارا وتكرارا توضيح قيام الاسلام على السلام والمسالمة وفى إطار السلام نزلت تشريعات القتال لتحصره فى الدفاع فقط . ولكن قبيلة قريش بعد موت النبى وتحكمها بعده لجأت الى الفتوحات لتشغل الأعراب عن العودة للردة والتحرر من السلطة القرشية ، وبدأ تسويغ الفتوحات باستحلال غزو الأمم المجاورة التى يحرم اسلاميا العدوان عليها . وبتلك الفتوحات تمّ التطبيق العملى للإستحلال ؛ إستحلال قتل أبناء الشعوب الأخرى الذين يقاومون غزوا معتديا ، واستحلال إسترقاق رجالهم ونسائهم وذريتهم ، واستحلال إغتصاب نسائهم وبناتهم بزعم السبى ، واستحلال سلب أموال الشعوب المقهورة وفرض الجزية والخراج عليهم .كل هذا خروج عملى على تشريع الاسلام ، ولكنه كان الواقع المُعاش الذى قامت عليه وتأسست وتوطّدت (إمبراطوريات قريش العربية ) من الخلفاء الراشدين ثم الأمويين ثم العباسيين الى الفاطميين، وفى ظل هذا الواقع المعاش تأسست أديان أرضية للمسلمين من سنة وتشيع وتصوف.

2 ـ فى العصر العباسى تمّ تشريع هذا الاستحلال فى الفقه السّنى ليصبح جهادا إسلاميا بالمخالفة لتشريع القرآن ، ، وبينما ركّز التصوف والتشيع على العقائد فإن تركيز الدين السّنى ركّز على التشريع وصار رائدا فيه للشيعة والصوفية مع الاختلاف البيّن بين السّنة من ناحية والتصوف والتشيع من ناحية أخرى . ركّز التشريع السّنى فى الدين السّنى على علاج التناقض بين تشريع الاسلام والتشريع السّنى القائم على الاستحلال . وتم عقد الصلح الزائف بين النقيضين :( السّنة والاسلام ) عن طريق نسبة التشريع السّنى للاسلام واستعماله شعار الاسلام ، وتحت هذا الشعار تمّ تفريغ الاسلام من مضمونه ، فتشريعات القرآن يتم إبطالها وإلغاؤها بزعم ( النسخ ) وأن ( القرآن حمّال أوجه)، وما يقرره أئمة الدين السّنى يتم أسلمتها  عبر أحاديث ينسبونها للنبى بعد موته بقرنين وأكثر ، ومصطلحات القرآن ومفاهيمه يتم تغريبها وتجهيلها بالتأويل والتفسير وما يسمى بأسباب النزول . بهذا تم (إتّخاذ القرآن مهجورا ) فأصبح مجرد تميمة أو قصيدة للغناء أو آيات فى الوعظ لا يعمل بها أحد . الى أن ظهرنا نحن ( أهل القرآن ) ردّ فعل للطغيان السلفى الوهابى الاخوانى ، نحتكم للقرآن فى هذا الدين السّنى القائم على الاعتداء والطغيان والفساد والاستبداد والإكراه فى الدين والارهاب والتعصب واستحلال الأموال والدماء والأعراض .

ثانيا  تطبيق الاستحلال الوهابى السنى فى عصرنا الراهن :

1 ـ لن نتحدث بالتفصيل عن التاريخ الماضى للحكام المسلمين السنيين فى فرض الجزية على المسلمين ، أو فى سبى نساء المسلمين المغلوبين و سلب أموالهم وإقامة مذابح للمسلمين المنهزمين يقوم بها حكام مسلمون سنيون . وهذا العار يلطّخ تاريخ المسلمين بدءا من قتل الخليفة عثمان ونهب داره والتفكير فى سبى زوجته الى جرائم الخوارج والأمويين والعباسيين وتيمورلنك والمماليك والعثمانيين . لن نتحدث هنا عن استحلال السنيين ( الحكام ) لدماء وأموال وأعراض مسلمين آخرين . ولن نتحدث بالتفصيل عن قيام  الفقه السّنى بتشريع هذا وتسويغه إرضاء لنزوات الخلفاء الطّغاة ، نذكر فقط أن التشريع السّنى يجعل ( عدّة ) الجارية نصف عدة الحرة ليتيح إغتصابها بأسرع وقت ممكن وبدون عقد زواج .

2 ـ لن نتحدث بالتفصيل عن التاريخ الماضى ، فقد أعادت الدولة السعودية بالوهابية هذا العار فى عصرنا الحديث والمعاصر . ووصل تطبيقه الى مصر الحديثة والمعاصرة . إذ بعد فترة من الليبرالية 1860 : 1952 عرفت فيها مصر المجلس النيابى والصحافة والأخذ عن أوربا ، بدأ زحف الوهابية من خلال الاخوان المسلمين والجمعيات السلفية الى أن تمّ لهم التحكم فى العقلية المصرية خلال عهد مبارك ذى الثلاثين عاما . ونجح الاخوان والسلفيون لأنهم يتحدثون باسم الاسلام وبأحاديث جرى العُرف قرونا على أنها أحاديث نبوية ، ويطالبون بتطبيق تشريعات ليست سوى أقاويل مختلفة ومتعارضة لفقهاء ، ولكنهم يجعلونها شرع الله جل وعلا . يرفعون شعارات فضفاضة ومقدسة مثل ( الاسلام هو الحل ) و ( الرسول إمامنا والقرآن دستورنا ) و ( تطبيق الشريعة الاسلامية ) ولكنهم فى الواقع يؤمنون بالاستحلال ويقومون بتطبيقه ما استطاعوا . ووقفنا نحن ( أهل القرآن ) ضدهم فكوفئنا باضطهاد مبارك ، وبتشويه سمعتنا بتهمة ( إنكار السّنة )

ثالثا :  نماذج فى تطبيق الاستحلال الوهابى السنى فى عصرنا الراهن :

 1  ـ أقام السعوديون دولتهم فى محيط ( مسلم ) شيعى وصوفى ، فأقامت الدولة السعودية الأولى المذابح للمسلمين ونهبت أموالهم واسترقت نساءهم ، وكان مؤرخو الوهابية يفخرون بما يفعلون مع ( الكفّار ). وحين أسّس عبد العزيز آل سعود الدولة السعودية الراهنة أسرف جنوده الأعراب المعروفون بالأخوان فى القتل والسلب والنهب وفق عقيدة الاستحلال . بل كان من ضحاياهم بعض الوهابيين العرب فى المدن لأنهم كانوا لاينتمون للإخوان ( إخوان عبد العزيز آل سعود ) . وفى النهاية إستحلّ أولئك الاخوان الثورة على سيدهم ( عبد العزيز ) بعد ان حكموا بكفره . فى عنفوان قوتهم كان زعماء الإخوان وفى ظل سيطرة عبد العزيز بيتزّون شيوخ القبائل ، يسلبون أموالهم وإلّا فالحرب والقتل ، والتفاصيل فى كتاب ( الاخوان السعوديون فى عقدين ) ص 84 ـ ) تأليف جون حبيب ، وهو مترجم ومنشور برعاية الدولة السعودية.

2 ـ ونظرة ( السبى ) أو إغتصاب النساء الحرائر تحكم عقلية الوهابيين . والأمثلة كثيرة فى عهدنا . فقد ضحّى المصريون بدمائهم فى حرب اكتوبر 1973 وخرجت مصر منها على حافة الافلاس بينما أرتفعت أسعار البترول بفضل دماء المصريين من 3 دولار الى 37 دولارا للبرميل وارتفع معها سعر المحاصيل الزراعية التى  تستوردها مصر بما يفوق طاقة مصر التى خرجت من حرب اكتوبر منهكة إقتصاديا . واصبح الوضع عجيبا ، فالمنتصر يعانى الجوع والمستفيد من إنتصاره ـ بلا تعب ـ  يعانى التخمة . وعانت مصر ـ من وقتها والى الآن  ـ  من حالة غريبة ، يأتى العجوز السعودي ( يشترى ) فتاة مصرية عذراء صغيرة و فقيرة، يشتريها بثمن بخس تحت مسمى المهر ، يحملها الى بلده حيث يتعاون مع أولاده وزوجاته فى إذاقتها الهوان ، أو يتمتع بها وقت إقامته بالقاهرة ، ثم يلقى بها فى الشارع عندما يعود . يتزوج أو يشتري بثمن بخس ، ويقدم زواج سفر باسم مستعار ، ويهرب ( بكل رجولة ) ليعود بعدها باسم جديد ليقابل نفس السماسرة ليبحثوا له عن عذراء جديدة . هو نوع جديد ومبتكر من ( السبى ) يقوم به من لم ينتصر على شعب إنتصر فجنى آخرون ثمن إنتصاره وكافئوه بسبى بناته ..!

3 ـ وتحت ضغط الفقر والحاجة لجأ المصريون للعمل فى السعودية حيث يتم معاملتهم باسترقاق حقيقى تحت شعار الكفيل .! ، ويتلذّذ السعوديون بإذلال المصريين بالذات ، من إغتصاب أطفالهم ونسائهم وسجن الأبرياء منهم ، وهم فى ذلك يعتمدون على أن مبارك كان خادما مطيعا لهم. ثم أصبح الاخوان والسلفيون  نعال النفوذ السعودي فى سيره فى مصر متحكما فيها . وقلت هذا فى مقال سابق بعنوان :( خطورة أن يكون الرئيس المصرى إخوانيا )، فطالما أن شجرة الاخوان قد زرعها فى مصر آل سعود ، وطالما أن الاخوان والسلفيين يؤمنون بالوهابية السعودية ، وطالما أن أكبر دعاة السلفية فى مصر هم ممن تخرجوا فى السعودية ومن غلمان آل سعود ، وطالما أن قنواتهم الفضائية ومساجدهم وأحزابهم ومنظماتهم تنفق عليها السعودية فإن إسترقاق السعوديين للمصريين لن يقتصر على العاملين فى السعودية بل سيشمل المصريين فى الداخل مرتبطا بالسلب والنهب والسبى . وسيكون الحكام الإخوان والسلفيون هم الوسيط فى سبى المصريات يتمتعون بالوصف المصرى لمن يقوم بهذه المهنة الواطية الحقيرة ، كما سيكونون شركاء السعوديين والخليجيين فى نهب مصر بأكثر ما كان فى عهد مبارك .  

4  ـ وما أسرع السعوديين فى الاستغلال الجنسى للنساء المسلمات المشردات بسبب الحروب والمذابح  ، بدلا من النخوة والشهامة ( التى يقال بأنها طبع عربى ) تقفز لدى الوهابيين غريزة الاستحلال بالسبى فى حرب لم يشاركوا فيها ، ولكن يسارعون الى إغتنام مكاسبها بافتراس الضحايا المسلمات تطبيقا لعقيدة ( السبى) ، وبطرق الاحتيال الفقهى السنية . نجا من السبى الوهابى مسلمات ( الصومال ) لأن الوهابيين يؤمنون ( باللحم الأبيض المتوسط ). ولهذا لم تنج منه مسلمات البوسنة والهرسك، ويحدث الآن مع مسلمات العراق وسورية . ويتبرع فقيه سلفى بتسويغ الزنا بهن بأن تتزوج الفتاة رجالا كثيرين الواحد منهم تلو الآخر بلا عدّة .

5 ـ  وهذا يذكرنا بأنواع للزنا إبتدعها التشريع السلفى مؤخرا تحت مسمى الزواج ، منه أن بعض دعاة السلفية فى أمريكا يروّج للاسلام بين الأمريكيات،وأكثرهن لسن متزوجان،وحين تدخل إحداهن فى الاسلام يتعين عليها أن تتزوجه  ـ عدة أيام أو اسابيع بلا مهر ـ  ليطهّرها .!!. هذا أيضا يذكّرنا ببعض السلفيين فى مصر ، وهم بيبحون زواج المرأة أكثر من زوج فى اليوم الواحد بلا حاجة الى مدة العدة ، ويشرّع لهن بأن قراءة ( عدّة يس ) تكفى . أى تقرأ سورة ( يس ) وبذلك تنقضى عدتها .. هذا كله استحلال للسبى ولكن بلا حرب .

6 ـ ويسير السبى جنبا الى جنب مع السلب وتحت شعار الاسلام . هل تذكرون فضيحة توظيف الأموال ، ومن تورّط فيها من الدعاة ( الشعراوى و عبد الصبور شاهين وبعض شيوخ الأزهر ) والتى تم بها نهب ثروات المصريين ، وضاعت بين فساد السلطة و تحايل أرباب الدين السّنى بزعم تحريم التعامل مع البنوك وتأسيس ما يسمى بالبنوك الاسلامية .!

رابعا : الاخوان وسلب المصريين أموالهم الآن :

1 ـ المال هو المعبود الأكبر للإخوان ، وبسبب الخلافات المالية حدث أول إنقسام داخل الاخوان بسبب تمسك حسن البنا بسرية الحسابات السرية للجماعة ، وفى سبيل المال رضى حسن البنا بأخذ معونة مالية من الاحتلال البريطانى ، وفى سبيل المال حدث أول تطور فى الجماعة وهو ان يستقيل المرشد عاكف مقابل رشوة تبلغ عشرات الملايين ، ويتولى بديع . ومع أنّ المرشد عاكف هوصاحب عبارة (طظ فى مصر ) لكنه لا يقول ابدا ( طظ فى الفلوس ).

2 ـ فى مقال سابق بعنوان ( شاطر ومشطور وبينهما ..؟ ) أشرنا الى المسكوت عنه من دور المهندس خيرت الشاطر فى الضغط على سارقى مصر وناهبيها ( آل مبارك ) والذين قاموا بتهريب معظم أموالهم للخارج . هم الآن تحت يد الاخوان ، وجزء كبير من الاختلاف بين الاخوان والنائب العام السابق ( عبد المجيد محمود ) أنه لا يتعاون كما يريد الاخوان فى التفاوض مع الناهبين السابقين . ويمكن ان نستشف حرص الاخوان و( الشاطر ) على أن تؤول هذه الأموال فى الداخل والخارج الى حسابات الإخوان عن طريق النائب العام الجديد الذى ينتمى اليهم ، و( طظ فى مصر ). 

هم يعلمون بعجزهم عن إنقاذ مصر التى تحتاج الى كونستلو من خبراء الاقتصاد ليصلحوا ما خرّبه مبارك فى ثلاثين عاما ، وسيكون صعبا على هذا الكونستلو تفعيل هذا الاصلاح فى عدة سنوات ، فهل يستطيعه مرسى بأهله وعشيرته ؟ هم يعرفون ان فشلهم حتمى ، وأنهم أعجز من إدارة شركة بالطريقة الحديثة فكيف بدولة مشرفة على الافلاس ؟ لذا فالحل أمامهم هو عنوان المسرحية المصرية فى التسعينيات ( خد الفلوس واجرى ). وهم فى مرحلة ( الجرى ) القادمة يريدون تأمينا ماليا فى الداخل والخارج ، بأن تنتقل أرصدة وعقارات وممتلكات آل مبارك الى آل الاخوان فى الخارج وفى الداخل .

3 ـ وفى مقال آخر قديم أشرنا الى التحويلات المليونية بالمئات التى أمطرها الخليجيون الوهابيون على الاخوان والسلفيين ، ويتردد كلام كثير عن مشاركة ( خيرت الشاطر ) لشخصيات خليجية ليشاركوه فى نهب مصر والاستيلاء على ثرواتها بمثل ما كان يفعل مبارك .

4 ـ بالتوازى مع جهاد الاخوان فى وضع أيديهم على ثروات مبارك وآله فى الداخل والخارج يعملون أيضا على سلب ثروات المصريين العاديين ، باتباع اسلوب مبارك ب ( التسقيع ) ليس فى الأراضى ولكن فى خنق الاستثمار وشيوع الفوضى ليضطر أصحاب المصانع والعقارات الى بيعها بثمن بخس والهرب خارج مصر . بل وبدأ الآن  ومبكرا أن أصدر مرسى القانون بالقانون رقم 160 لسنة 2012والخاص بتعديل بعض أحكام قانون البنك المركزي والجهاز المركزي والجهاز المصرفي والنقد الصادر بالقانون رقم 88 لسنة2003 والذي ينص علي استبدال نصي الفقرتين الاولي والثالثة من المادة رقم 116 منالقانون رقم 88 لسنة 2003 حيث نص تعديل الفقرة الاولي علي " ادخال النقد الاجنبيللبلاد او إخراجه منها مكفول لجميع المسافرين في حدود عشرة الاف دولار امريكي او مايعادلها من العملات الاجنبية الاخري " بينما نص تعديل الفقرة الثالثة علي "يحظرادخال النقد الاجنبي او اخراجه من خلال الرسائل والطرود البريدية" علي ان ينشر فيالجريدة الرسمية وتكون له قوة القانون ويعمل به من تاريخ صدورة والمؤرخ في 19ديسمبر 2012. وصدرت التعليمات امس الخميس 27 ديسمبر للمنافذ الجمركية بالمنشور رقم 36تعليمات من رئيس مصلحة الجمارك للتنفيذ بكل دقة منعا للمسائلة القانونية ولحسن سيرالعمل وذلك بتعليمات من وزير المالية المصري.).

المستفاد من هذا القانون ألّا يستطيع أحد إدخال أو إخراج أى دولار أو عملة أجنبية من والى مصر إلّا فى حدود عشرة آلاف دولار أو ما يعادلها من العملات الأجنبية . وايضا حظر دخول أو خروج الأموال من والى مصر من خلال الرسائل والطرود البريدية ، أى تفتيش الرسائل والطرود للتأكد من عدم ارسال أموال للخارج أو مجىء أموال من الخارج .

5 ـ المفهوم من شبح الافلاس الذى يلوح فى الأفق ، ومن معرفة الجميع بتآكل الاحتياطى النقدى من الدولار وإحتمال تعويم الجنيه ليفترسه الدولار ، ومن لجوء مرسى الى الاقتراض من البنك الدولى أن مصر عطشى لمجىء الدولار من الخارج ، خصوصا تحويلات المصريين فى الخارج وهى صاحبة فضل هائل فى إنقاذ الاقتصاد المصرى المبتلى دائما بالسلب والنهب والفساد . وهذا العطش المصرى للدولار القادم من الخارج يعالجه مرسى بالعكس تماما ، وهو تحديد وتحجيم الوارد من الدولار لمصر فى حدود 10 آلاف دولار،وغلق كل المنافذ التى يمكن أن يتسرب منها ( وباء ) الدولار لمصر .

6 ـ من هذه الحكاية نفهم المقصود من هذا القانون الغريب الذى أصدره مرسى فى غيبة المجلس التشريعى. كنت مع صديق زائر جاء من مصر حديثا . هو على المعاش ، وينتمى الى طبقة الأثرياء ، له أراض زراعية وعمارة فى القاهرة وشقق بالقاهرة والاسكندرية والساحل الشمالى ، وهو مكتئب بما يحدث لمصر ولم يعد يأمن على نفسه وثرواته بها ، وأولاده استقرّ بهم الحال فى أمريكا ، وفى وحدته هو وقرينته يريد أن يأتى ليعيش مع أولاده فى أمريكا ، وأن يبيع ممتلكاته فى مصر ويشترى بها مسكنا فى أمريكا بجانب أولاده . وفعلا عرض بيع عمارته وجاء له مشترون بمبلغ 6 مليون جنيه ، إلّا أنه لسوء حظّه أمهلهم فرصة الى أن يزور أولاده فى أمريكا ثم يعود ليبيع العمارة وغيرها . وعندما زارنى فى بيتى  سمع بالقانون الجديد ..أى لو باع عقارته فلن يتمكن من تحويلها الى أمريكا دولارات . ونفس الحال مع صهره ، وهو رجل أعمال ناجح يملك مصانع ، وأدرك ان خسارته اليومية لا تمكنه من الصمود فقرر البيع والهجرة ، وجاء القانون ( الموسوى ) فجأة ليسد عليهم الطريق . قال لى صديقى ماذا يفعل ؟ قلت له :  الحل مع بلدياتك ابن مدينة المنصورة المهندس خيرت الشاطر ، إذهب اليه مستعدا لأن تبيع له عقاراتك بالسعر الذى يريده هو، وسيكتب لك شيكا بالدولارات من حساباته الجارية هنا فى البنوك الأمريكية . قال : ولكنه سيشتريها بثمن بخس .. قلت : وهذا هو السبب من إصدار قانون مرسى . قال : ولكن حزبهم إسمه : ( الحرية والعدالة ) فهل من الحرية أن يتحكموا فى ثروتى التى أسستها بعرقى وكفاحى وبالمال الحلال ؟ وهل من العدل سلب أموالى بعد أن تجاوزت السبعين عاما ؟!. قلت : هذه هى طبيعة الاخوان ، هم يقولون ( طظ فى مصر .. ولا طظ فى أموال مصر .!)، هم يرفعون شعارات برّاقة مقدسة ،  ومن خلالها يطبقون عقيدتهم فى الاستحلال ، وهم خبراء فى الخداع وفى التحايل .. وجاء دستورهم يعبّر عن هذا الاستحلال و هذا الخداع .. وما تراه الآن ليس سوى مقدمة ..

قال صديقى وماذا عن المستقبل ؟ قلت : الأخطر هو عندما يتم تطبيق المادة  (22): ( تلتزم الدولة باحياء نظام الوقف الخيري وتشجيعه. وينظم القانون الاوقاف ويحدد طريقة انشاء الوقف وادارة الموجودات الموقوفة واستثمارها وتوزيع عوائدها على مستحقيها وفقا لشروط الواقفين. ). بهذه المادة البرّاقة الحنونة الطيبة سيتمكن الاخوان من سلب الثروة المصرية ..

انتظرونا ..

دستور مرسى وسلب ثروات المصريين بالأوقاف - 9

دستور مرسى وسلب ثروات المصريين بالأوقاف:(9 / 1) الاوقاف بين الاسلام والأديان الأرضية

مقدمة

1 ـ قلنا إنّ عقيدة الاخوان هى فى الاستحلال ، وانّ المعبود الأكبر للإخوان ( المستحلّين ) هو المال ، وأنه بالتمكين وأخونة الدولة تشريعيا وقضائيا سيكون بإمكانهم تطبيق الاستحلال بالقتل السلب والنهب والسبى والاغتصاب ( بالقانون ) عبر شهودهم وقضاة شرعهم السلفى الوهابى وبالتلاعب بالألفاظ والتعبيرات ليصبح شرع الظلم والسلب والنهب والسبى تشريعا إسلاميا ، وليصبح كلام الفقهاء فى عصور الظلام شرعا الاهيا أو شريعة الله .

2 ـ ولكن ممّا يلفت النظر فى دستور مرسى هو المادة 22 الخاصة بالوقف : ( تلتزم الدولة باحياء نظام الوقف الخيري وتشجيعه. وينظم القانون الاوقاف ويحدد طريقة انشاء الوقف وادارة الموجودات الموقوفة واستثمارها وتوزيع عوائدها على مستحقيها وفقا لشروط الواقفين.) هى مادة برّاقة شأن كل الشعارات الاخوانية ، ولكنه بريق لفظى ظاهره الرحمة وباطنه العذاب. والتطبيق الاخوانى كفيل بهذا إذا إنصاع الشعب المصرى ورضى بتمكين الاخوان والسلفيين من ركوب ظهره.

3 ـ و المادة (51) ضرورية فى ( تمكين ) جمعيات الاخوان والسلفيين من الاستيلاء على الأوقاف المصرية ، فهى تقول بكل نعومة :( للمواطنين حق تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية، والأحزاب بمجرد الإخطار، وتمارس نشاطها بحرية، وتكون لها الشخصية الاعتبارية. ولا يجوز للسلطات حلها أو حل هيئاتها الإدارية إلا بحكم قضائى؛ وذلك على النحو المبين بالقانون.). التطبيق العملى أن تنتشر الجمعيات الوهابية فى مصر وتحصل على ريع الأوقاف التى سيتحكّم فيها الاخوان والسلفيين .

4 ـ وقد كانت الأوقاف من قبل فى حوزة السلاطين وفقهاء الشرع السّنى ، وجاء دستور مرسى ليعيدها الى ما كان عليه السّلف (الصالح )  فى عصور تطبيق الشريعة السنية السلفية . لا بأس بأن نذكّر هنا بسلسلة مقالاتنا عن المجتمع المصرى فى عصر السلطان قايتباى فى ظل تطبيق الشريعة السنية ، لنرى وطأة الظلم والقهر. وفى هذا العصر كانت الأوقاف تسيطر على معظم الثروة المصرية من أراض زراعية وعقارت ومساكن وقصور وحوانيت . تحكّم فيها السلاطين وقضاة شرعهم فأخربوها وأخربوا مصر بها . ويريد دستور مرسى إعادة الكرّة . وموضوع الوقف يستلزما شرحا وتأصيلا تاريخيا وأصوليا نحاول تيسيره بقد المتاح فى هذه الحلقات : والحلقة الأولى منها عن الاوقاف بين الاسلام والأديان الأرضية.

 أولا : لمحة عن الأوقاف فى تشريعات المسلمين

1 ـ أصبحت الأوقاف أبرز معالم الحياة الدينية للمسلمين خصوصا فى العصر المملوكى كما لو كانت أحد ما يسمونه بأركان الاسلام . والواقع إنها لم ترد لفظا ولا معنى فى القرآن الكريم ، ولم ترد حتى فى السيرة المكتوبة لابن إسحاق ، ووردت لأول مرة ضمن الجدل الفقهى فى اوائل العصر العباسى ، ثم إستقر تشريعها تحت مصطلح الأحباس ، ثم مصطلح ( الوقف ) فيما بعد ، وأضيفت لها مصطلحات أخرى وتقعيدات فقهية عندما إزدهرت وتعاظم تأثيرها الدينى و الاجتماعى والاقتصادى فى العصر المملوكى .

2 ـ الذى جاء فى القرآن الكريم فى هذا الموضوع هو الصدقات والانفاق فى سبيل الله والزكاة المالية ، ولنا سلسلة مقالات عن ( كتاب الزكاة ) فى القرآن الكريم ، وهو منشور هنا ، وليس فيه إشارة عن الأوقاف كتشريع قرأنى ، ولم تكن معروفة فى عصر النبوة والصحابة . ولكن بعد الفتوحات واستقرارها وبداية العصر العباسى واجه المسلمون ظاهرة الوقف التى كانت ـ ولا تزال ـ معلما من معالم الأديان الأرضية ، فقد كانت هناك أوقاف على الأديرة والكنائس والمعابد فى الشرق والغرب ، والذين دخلوا فى الاسلام من أبناء أهل الكتاب ساروا بما وجدوا عليه آباءهم ،فاستمرت مسيرة الأوقاف مع بيوت العبادة للمسلمين كالشأن بها لأهل الكتاب . ولأنه ليس للأوقاف أو ( الأحباس ) تاريخ سابق لدى الصحابة وليس له دليل واضح ناصع فى القرآن لذا عارضه أحرار الفقهاء الأوائل مثل الشعبى ( ت 104 ) وابى حنيفة ( ت 150 ) بينما إخترع له فقهاء آخرون أحاديث كأدلة شرعية له . وكان من أوائل من دافع عن الوقف الفقيه الليث بن سعد ، وهو من إئمة الفقه السّنى القائم على إصطناع الأحاديث . وجدير بالذكر أن قاضى مصر وقتها إسماعيل بن اليسع ، والذى كان مشهورا بالعفة والعدل ـ كان يعارض الوقف ، لذا خاصمه الليث بن سعد وطلب من الخليفة  العباسى المهدى عزله فعزله عام 167 .

3 ـ وفى العصر العباسى الثانى حيث سيطر الحنابلة واشتهر علماء الحديث كالبخارى وغيره إجتهد الفقهاء فى صناعة أحاديث تشرّع الوقف وتنسب للنبى عليه السلام أنه أوقف كذا وكذا ، وأن بعض الصحابة أوقف كذا وكذا كما لو أن الصحابة من مصادر التشريع . ولو كان ( عمل الصحابة ) مصدرا تشريعيا لكانت ( الفتنة الكبرى ) والحروب الأهلية من فروض التشريع فى الاسلام .!!.

4 ـ على أن أكبر دليل إخترعه الفقهاء هو ذلك الحديث المشهور : ( إذا مات إبن آدم إنقطع عمله إلّا من ثلاث : صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له ) . والصدقة الجارية هنا تشير الى الأوقاف ، ومن الأوقاف الوقف على مدارس تعليم الحديث ( أى علم ينتفع به ) ، ثم يقوم الطلبة والمدرسون بالدعاء لصاحب الوقف ..وبذلك يظل صاحب الوقف بعد موته يتلقى الحسنات .. وهذا أمر مضحك . فالميت يتم قفل كتاب اعماله بالموت ، ويتحدد مصيره ، وتأتيه الملائكة عند الاحتضار تبشره بالجنة أو بالنار (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوْا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) النحل ). ويقول جل وعلا : ( وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى (39) ( النجم ). أى ليس للإنسان إلّا سعيه وهو حىّ يرزق ، وإذا مات إنقطع سعيه . وما يتركه من مال لم يصبح ملكا له بل للورثة . ولو عمل عملا صالحا يمكن أن يستمر بعد موته كأن أقام مسجدا أو ألّف كتابا مفيدا فإنّه يأخذ أجره على ما فعل فى وقتها ويضاف الى كتاب أعماله . وهو ليس مسئولا عمّا يحدث فى المسجد بعد موته ، فلو تحوّل المسجد الى مرقص فليس عليه مؤاخذة ، بل هى على من فعل ذلك . ولو ظل كتاب الأعمال مفتوحا بحيث يضيف حسنات للمتوفى  فإنه ايضا يظل كتاب الأعمال مفتوحا ليقبل السيئات .

ثانيا :  إمكانية الاجتهاد فى تفعيل الوقف الخيرى إسلاميا

1 ـ ونحن هنا لا ننفى ( الوقف الخيرى ) على أوجه البرّ ، بل نرى أنه إجتهاد محمود فى إطار الصدقات والانفاق فى سبيل الله جل وعلا ينبغى العمل به دون الحاجة الى سبك أكاذيب ونسبتها للنبى عليه السلام .

2 ـ  لكى تكون الصدقة مقبولة عند  رب العزة فلا بد  :  

(2 / 1) ـ أن يكون مصدرها حلالا فلا يقبل الله جل وعلا صدقة من مال حرام : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)( البقرة )

( 2 / 2) ـ : أن يكون إنفاقها لوجه الله جل وعلا بلا شبهة رياء أو نفاق أو أن يصاحبها منّ وأذى (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنّاً وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَىكَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِوَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)(البقرة ).

(2/ 3 ) : لا بد أن يتم إنفاقها فى المستحقين حسبما جاء فى القرآن الكريم ، أى أن تكون فعلا فى أجه الخير التى اشار اليها رب العزة فى مصارف الصدقات الفردية والعامة .

3 ـ  والمستحقون فى الصدقات الفردية مذكورون فى قوله جل وعلا : :( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) البقرة) (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ (26) الاسراء ) (فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (38)الروم  ): أى هم الأقارب واليتامى والمساكين والأغراب أبناء السبيل . ولهم ( حقوق ). ونتأمل كلمة ( حق ) أى فرض لهم حقوقا فى أموال القادرين . ويضاف اليهم السائل والمحروم ، فللسائل أى سائل حق وللمحروم كذلك ، يقول جل وعلا : (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) المعارج )(وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)الذاريات).

4 ـ ومن خلال النصوص القرآنية يمكن تطبيق الوقف إسلاميا . فهناك من يعطى الصدقة فورية لأن ظروفه لا تسمح بغير ذلك ، مثل الموظف والأجير الذى يأخذ راتبا يوميا أو شهريا أو سنويا ، وهناك الثرى الذى يستطيع إقامة مشروع يدرّ دخلا يمكن توزيعه على المستحقين ،أو أن يودع وديعة استثمارية فى بنك ، ويوزّع ريعها على المستحقين ، أو أم يشترى عقارا أو أرضا زراعيا يوقف ريعها إبتغاء وجه الله جل وعلا،وبهذا يمكن للفرد المسلم أن يوقف صدقة جارية على الأقارب واليتامى والمساكين والأغراب أبناء السبيل ، وهنا يكون الوقف فى سبيل البر؛ يقوم به الأبرار مصداقا لقوله جل وعلا فى صفات الأبرار : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ (177) ) ( البقرة )، أى ليس البر تدينا سطحيا يرائى بالصلاة وتحرير موضع القبلة بالضبط ولكن البرّ الحقيقى هو إيمان حق خالص وإيتاء المال لمستحقيه والوفاء بالعهد والصبر والتقوى . أى مجموعة متكاملة من الأخلاق السامية والعطاء ، وهذا هو المناخ الصحّى المحيط بالوقف البرى الخيرى فى الاسلام .وهو مناخ مستحيل فى ظلّ حكم الاخوان والسلفيين.

5 ـ  والتطبيق العملى فى إعطاء السائل فى موضوع الوقف يتسع حسب مفهوم السائل . فهناك طالب يريد أن يتعلم تعليما جامعيا لا يقدر على تكلفته فى الداخل أو فى الخارج ، وهناك شاب يحتاج تدريبا حرفيا فى مهنة يرتزق منها ، وهناك شاب يريد إعانة زواج، وفتاة تريد إعانة تجهيز لجهازها ، وأرملة تريد عونا تبدأ به مشروعا لترعى نفسها . وهناك منظمات مدنية تحمى الضعفاء وتدافع عن حقوقهم وعن حقوق الانسان و تنشر الوعى بين المواطنين ، وتهب لمساعدة المحتاجين عند الكوارث والأزمات ، وتحتاج الى العون . كل ذلك يمكن أن تقوم به مؤسسات وقفية لمساعدة السائلين والمحتاجين والمحرومين ، أو حتى تقرضهم قرضا حسنا .

6 ـ وهناك إجتهاد أيضا فى الانفاق فى سبيل الله جل وعلا فى الدفاع عن الوطن ضد أى عدو يريد الاعتداء ، فيبكون الرد باعداد القوة الرادعة لردع من يفكر بالاعتداء على الدولة الاسلامية المسالمة بطبيعتها وبتنفيذها لشرع الله . السلام هنا يحتاج الى قوة ردع تحميه ، فهى قوة لتدعيم السلام ولردع المعتدى حتى لا يعتدى ، وهنا يكون التبرع واجبا ، بالمال مباشرة أو بوقف مشروع يدر دخلا لصالح القوات المسلحة التى تدافع ، ولا تعتدى ، يقول جل وعلا : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60) الانفال ). هنا يكون الوقف فى سبيل الله جل وعلا تجارة مربحة مع رب العزة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) الصف) .

7 ـ وحتى يترسّخ مفهوم الاسلام وقيم الاسلام العليا فى التسامح والحرية المطلقة فى الدين والحرص على حياة النفس وحق الحياة والعدل والتكافل الاجتماعى فإنّ من أهم وسائل الجهاد فى سبيل الله هو ذلك الجهاد السلمى بالدعوة الى حقائق الاسلام الغائبة المغيبة ، والتى غيّبتها أديان المسلمين الأرضية بحيث يحتاج إظهارها ونشرها الى جهاد سلمى حقيقى تنويرى . الوقف الاسلامى فى الجهاد فى سبيل الله ليس بالاعتداء والارهاب والقتل العشوائى بل يكون الوقف فى تعليم المسلمين القيم العليا للاسلام أخذا مباشرا عن القرآن بعد فهم مصطلحاته ، بحيث يتعلم المسلم أن الاسلام هو دين السلام والعدل المطلق والحرية الدينية المطلقة والديمقراطية وحقوق الانسان وئانه دين الرحمة والتسامح والبر والتقوى و إعلاء قيمة الضمير وحُسن التعامل مع الناس .

8 ـ هذا عن واجب الأفراد . أما دولة الاسلام ـ لو كانت قائمة ـ فعليها جمع الصدقات الفردية وتوزيعها :( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)  التوبة  ) وكذلك الفىء أو ما يفىء ويدخل الى الخزانة :(مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) ( الحشر ). وفى كل الأحوال يكون الانفاق الخيرى عطاءا مباشرا ، أو مشروعا للخير يدر ريعا يتم الانفاق منه تحت إشراف الدولة أو منظمات متخصصة وبشفافية مطلقة ، وبمعرفتها يمكن تأسيس دور للضيافة لأبناء السبيل ومؤسسات لرعاية الأيتام والارامل و أطفال الشوارع والمتفوقين علميا بتأسيس مدارس لتعليم الطلبة العلم الحديث أخذا عن الغرب أو إرسالهم بعثات تعليمية الى الغرب ليصبح المسلمون منتجى علم وليسوا مستهلكى إختراعات الغرب والشرق ، وفى إنشاء معاهد التدريب ، وبيوت الشباب للراغبين فى الزواج وجهاز العروسين بالتقسيط ..ألخ ..

9 ـ وقد عانت أوربا قرونا طوالا من تحكم الكهنوت الكنسى وإنتشار الأوقاف الكنسية وسيطرتها على ثروات الشعوب ، متحالفة مع الاستبداد السياسى ، ونفس الحال كان سائدا فى تاريخ المسلمين فى العصور الوسطى ، وخصوصا العصر المملوكى ، وهو محل تخصصنا الدقيق . ولكن نجحت أوربا بالعلمانية من التخلص من سيطرة الكنيسة ، والغرب الآن خصوصا فى أمريكا وكندا يطبّق تشريعات الاسلام ، حيث تقام مؤسسات وقفية ينفق عليها الأثرياء منها ما يتخصص فى رعاية المتفوقين من الطلبة ومنحهم منحا مالية ليستكملوا تعليمهم الحديث وليسهموا فى تقدم مجتمعهم ، ومنها ما يتخصص فى رعاية الأيتام والأرامل وأطفال الشوارع وتمويل منظمات حقوق الانسان والمجتمع المدنى ورعاية المحتاجين داخل بلدان الغرب وفى ( العالم الاسلامى ). هل ننسى هنا ( بيل جيت ) الذى تساوى عظمته العلمية العبقرية عظمته فى التبرع الخيرى خلال مؤسسته الخيرية .. وبالمناسبة هناك من المستبدين العرب وتوابعهم من هو أكثر ثراءا من بيل جيتس ، أولئك البليونيرات المسلمون يجمعون أموالهم بالسحت والسلب والنهب وينفقونها فى الصّد عن سبيل الله وفى اللهو واللعب والمجون ، بينما يجمع بيل جيت أمواله بالحلال وينفقها فى البر والخيرات. ومع هذا يعتبره الوهابيون كافرا .!!.. فمن الملعون هنا ؟

ثالثا :الوقف فى الأديان الأرضيةهو لحماية الكهنوت والاستبداد

1 ـ ليس من الوقف فى الاسلام أن تؤسس معهدا لتدريس ونشر الأكاذيب والافتراءات والتى تعبّر عن الدين الأرضى وتشوّه دين الاسلام مثل ( الحديث والسنة والتفسير و( التوحيد ) والتأويل وأكاذيب التشيع والتصوف ) على نحو ما ساد فى العصور الوسطى حين تحكمت فى المسلمين أديانهم الأرضية ، وهو ما تفعله الوهابية البترولية التى تتجوّل فى العالم بمنظمات التخريب السلفى الوهابى تنشر فيه ثقافة الموت والكراهية والاعتداء والاستحلال . وليس من الاسلام أن تجمع المال بالسحت ثم تقيم به وقفا خيريا .. أو تقيم به ( وقفا ) اهليا لتحمى أموالك الحرام من المصادرة . ليس من الاسلام ذلك الوقف الذى عرفه المسلمون بأديانهم الأرضية، والذى إزدهر فى العصر المملوكى ، وهو عصر الظلم والفساد والاستبداد ، والتدين السطحى والاحتراف الدينى واللحية والنقاب والانحلال الخلقى. وقامت الأوقاف بالانفاق على هذا السيرك . ويريد دستور مرسى أن يعيد سيرة الأوقاف المملوكية لينهب الثروة المصرية كما نهبها المماليك من قبل عن طريق الأوقاف . العصر المملوكى هو العصر المفضَل للوهابيين السلفيين والاخوان . إنه العصر الذى شهد حياة أمامهم الروحى ( ابن تيمية ) ومدرسته من ابن كثير وابن القيم الى ابن حجر .

3 ـ انتظرونا لنقدم لكم العصر المملوكى فى لمحة سريعة من خلال الأوقاف .. لتعرفوا ما ينتظر مصر من أوقاف مرسى ودستور مرسى .

دستور مرسى وسلب ثروات المصريين بالأوقاف:( 9 / 2 ) الاوقاف وملكية الاخوان لأرض مصر

أولا  : فقه الملكية بين الاسلام والتشريع السّنى

1 ـ سبق القول أنه يمكن تسكين الوقف فى التشريع الاسلامى بأن يكون صدقة جارية ناشئة عن عقار أو أرض زراعية أو مشروع يوقف بلا بيع ليكون محبوسا وموقوفا ليدرّ ريعا يوجّه للبرّ . كل ذلك فى إطار التشريع الاسلامى فى الزكاة المالية والانفاق فى سبيله جل وعلا ، أى يجب أن يأتى من مال حلال ، وأن يكون التبرع إبتغاء مرضاة الله جل وعلا بلا منّ ولا أذى ، وأن يتوجه فى الخير والبرّ أى للمستحقين أو أن يكون جهادا فى سبيله جل وعلا.

2 ـ الأصل هنا ينبع من حقيقتين : الأولى : إن الله جل وعلا هو المالك الحقيقى للثروة ، ونحن البشر مخوّلون فيها بالتصرف فى الزمن الذى نحياه فى هذا الكوكب فى الحياة الدنيا ، ثم بعدها فان الله جل وعلا هو الذى يرث الأرض ومن عليها ، واليه يكون مصيرنا يوم القيامة حيث سيكون الحساب على إختبارنا فى هذه الدنيا . من هنا نفهم قوله جل وعلا يأمرنا : ( آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) الحديد)،أى علينا أن ننفق مما جعلنا مستخلفين فيه ليكون لنا الأجر الكبير. أى إنّ من ينفق ممّا إستخلفه الله فيه من مال فإن الله جل وعلا هو الذى يتولى مكافأته :( وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39) سبأ ). أمّا الذى يبخل فإنّما يبخل على نفسه : (هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ  (38)( محمد)،أى إن الذى يبخل هو الذى يحرم نفسه من فضل الله جل وعلا . الحقيقة الثانية هى حرية البشر المطلقة فى الدين من إيمان وعبادة ، ومنه تقديم الزكاة المالية .. وهنا يكون التعامل المباشر مع رب العزّة على أساس من حرية البشر فى الاختيار ، حيث لا يوجد فى الاسلام إكراه فى الدين ، ولا إرغام فى تأدية العبادات ولا إجبار فى جمع الصدقات والنفقات فى سبيل الله ، ولهذا فإن الله جل وعلا عاقب المنافقين البخلاء بعدم قبول الزكاة المالية منهم ، فقال جل وعلا : ( وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ (54) التوبة ) . ومن حق الدولة الاسلامية القائمة على الديمقراطية المباشرة ( أو الشورى ) أن تفرض من خلال الديمقراطية ضرائب لتغطى نفقات الدولة وتلبى حاجتها . وليس هذا داخلا فى موضوع الانفاق فى سبيل الله جل وعلا والزكاة المالية والصدقات ، بل هو إلتزام بين الفرد ودولته فى إطار العقد الاجتماعى .

3 ـ من هنا يظهر التناقض بين الاسلام ودولة المسلمين ، بداية من خلافة أبى بكر الذى قاتل العرب الممتنعين عن دفع الزكاة مخالفا القرآن الكريم، حيث لا إجبار ولا إرغام ولا إكراه فى الدين وعباداته من صلاة وزكاة وصوم وحج وذكر لله جل وعلا . ولكنها قريش بإستعلائها وجبروتها الذى ظهر سريعا فى بيعة السقيفة وتهميش الأنصار ، ثم فرض السطوة على العرب الذين دخلوا فى الاسلام أفواجا فى حياة خاتم النبيين ففوجئوا بعد موته بعودة الهيمنة القرشية فثاروا واشتعلت حرب الردة ، وكان أساطين قريش الذين دخلوا فى الاسلام حديثا هم قواد الصحابة فى هذه الحرب ، وبعد انتصار قريش رأت قريش تحويل قوة الأعراب الحربية للخارج بدلا من عودتهم للثورة فكانت الفتوحات التى كانت هى الردّة الحقيقية عن الاسلام ، لأن هذه الفتوحات العربية القرشية (وما ترتب عليها من الفتنة الكبرى وتأسيس امبراطوريات قرشية )كانت هى المناخ الذى تأسست فيه أديان المسلمين الأرضية التى لا تزال سائدة حتى الآن .

4 ـ ولأن تلك الفتوحات كانت عصيانا سافرا للاسلام فكان أمام المسلمين الاختيار بين شيئين : إما التوبة والرجوع الى صحرائهم وترك البلاد المفتوحة لأهلها ، وإمّا تبرير وتسويغ وتشريع هذه الفتوحات وما ترتب عليها . وقام بهذا الدين السّنى الذى تخصص فى التشريع . وتم هذا فى العصر العباسى الذى شهد رواج صناعة الأحاديث وصناعة الفقه والتشريع الآثم الذى يتفق مع السائد فى ثقافة العصور الوسطى ، والذى يلبى حاجة الخلفاء ليكون الخليفة العباسى بنفس سطوة كسرى وهرقل . وتم التعامل مع القرآن الكريم بإلغاء تشريعاته بزعم النسخ ، وتغييب مفاهيمه بالتأويل و ( التفسير ) و ( علوم القرآن ) ، وتمت صناعة شخصية للنبى محمد عليه السلام فى السيرة وفى السّنة تناقض شخصيته فى القرآن الكريم . وصيغ حديث ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ..) ليبرر ويشرّع الاكراه فى الدين والغزو والاعتداء على البشر جميعا . وأعلن الخليفة أبو جعفر المنصور أنه سلطان الله فى أرضه ، ووضع أساس التشريع بأن الخليفة هو الراعى والناس هم الرعية التى يملكها ، وأنه الذى يملك الأرض ومن عليها . وجاء الفقه السّنى بالقعيد والتشريع لهذا الظلم . وظهر المصطلح الفقهى فى ( الأرض المفتوحة عنوة ) أى بالاعتداء والقوة وخضوع أهلها بالاكراه للفاتحين ، ومصطلح ( الأرض المفتوحة صلحا ) أى أرغمهم الفاتحون على الخضوع بمعاهدة صلح . وفى كل الأحوال فالأرض يملكها الخليفة أو ( الإمام ) بالتعبير الفقهى .

5 ـ هنا أساس التناقض بين شرع الاسلام وشرائع المسلمين فى موضوع ملكية الأرض ومواردها وثرواتها . ففى الاسلام فإن الله جل وعلا هو وحده المالك ، وهو الذى خوّلنا فى التملك ، وأمرنا بالسعى فى الأرض وجعلها لنا ذلولا لنحصل منها على رزقه جلّ وعلا :( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)الملك ). وهذا السعى للجميع وفق تكافؤ الفرص لكل سائل أى باحث عن الرزق والقوت، أى هو لجميع السائلين سواء :( وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) فصلت ) . والمجتمع يتكون من جميع أولئك الأفراد الذين يعيشون على رقعة من الأرض ، وهم بتخويل رب العزة لهم فى ثروة تلك الأرض يكون مجتمعهم بسلطته السياسية هو المسئول عن تلك الأرض وثروتها وأموالها ، وللفرد حق فى ( ماله ) إذا أحسن إستغلاله والقيام عليه ، فإذا ظهر أنه سفيه فليس له هذا الحق فى إدارة المال الذى ورثه ، بل يعود حق إدارة المال للمجتمع الذى يقوم بتنمية هذا المال وكفالة حق هذا السفيه : (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (5) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ..(6)النساء ). وبسبب إختلاف قدرات البشر فلا بد من وجود تفاوت فى الرزق ، وهنا يكون التكافل الاجتماعى بإعطاء حقوق المحتاجين والانفاق مما خولنا الله جل وعلا فيه .هذا هو الاسلام .  أما فى الشرع السّنى فالخليفة هو الذى يملك الأرض ومن عليها بحجة ( الفتح عنوة ) .

 ثانيا : بين الفتح عنوة والوقف فى التشريع السّنى

1 ـ يأتى التساؤل هنا عن صلة هذا بموضوع الوقف . فالخليفة ( أو السلطان ) لا يمكن أن يباشر الزراعة والصناعة بنفسه وجنده . هو محتاج للرعية أن تزرع وأن تنتج ، ويكتفى هو بجباية الخراج . وهو ايضا محتاج الى طبقة تعينه على الحكم من قوّاد وولاة وموظفين وقضاة وفقهاء . ولا بد لهم من مرتبات ، سواء كانت (إقطاعات ) أى ( يُقطع ) لهم مساحات من الأرض يملّكها لهم لتكون (إقطاعا أو إقطاعيات )، أو يعطيهم المرتبات . وبالتالى تتكون طبقة ( إقطاعية ) وثرية تملك بعض الأرض التى يملكها الخليفة أو السلطان . أى تشارك السلطان بعض الفتات مما يملك ، وهو يسمح بهذا لأنه محتاج الى هذه الطبقة من العسكر والكهنة والكتبة . والسلطان وأتباعه وحاشيته قد يلجأ للوقف أى حبس بعض العقارات والأراضى ليستغل ريعها فى الانفاق على مشروع يستفيد به ، وهذا سنتعرض له فى حينه . وعند التعارض بين السلطان وبعض أتباعه أصحاب الأوقاف يظهر الجدل بين الوقف والملكية التى للسلطان على أرضه التى يملكها ويحكم أهلها . فقد لا يعجب السلطان تغوّل الوقف على الأراضى الزراعية التى يعتبرها ملكا له ، وقد يخشى من طموح بعض أتباعه وكثرة الأوقاف التابعة لهم ، وقد يطمع فى مصادرة أموال بعضهم ، وبعض أوقافهم التى قد تحصّنت بالوقف لتقيه من المصادرة . هنا يثور الجدل بين الملكية التى للسلطان والأوقاف التى للآخرين .

2 ـ وحدث هذا الجدل فى العصر العباسى ، وتعرض له الفقيه القاضى الماوردى فى (الأحكام السلطانية )، وكالعادة إختلف الفقهاء، ليس فقط لأن التشريع السّنى قائم على الاختلاف والشقاق بين المذاهب الأربعة  وداخلها ، ولكن أيضا لأن الخلاف يتناول موضوعا قديما سبق ظهور هؤلاء الفقهاء، وهو ماهية الفتح (لمصر مثلا)، والى أى مدى يكون عنوة أو صلحا،وهل تضمن الصلح بين عمرو بن العاص والمقوقس تلك الخلافات الفقهية التى تفرع فيها الفقه السّنى فى العصر العباسى ؟ وقيلت آراء متعددة، منها أن الفتح عنوة يجعل الأرض غنيمة للفاتحين ، أو تكون ( وقفا ) على المسلمين بخراج يدفعه المزارعون، وقالوا إن عمر بن الخطّاب جعل الأراض ملكية عامة للمسلمين الفاتحين ، وقالوا أن للإمام ( أى الحاكم ) ولاية عامة على هذه الملكية وتلك الثروة ، ومن خلالها يكون مطلق التصرف فى ( مصالح المسلمين ) ، وطبعا دون رقيب أو مساءلة !.

3 ـ المضحك أن كل خليفة عباسى جعل نفسه وارثا للفاتحين القدامى ، أى يملك الأرض ومن عليها ، مع أنه ( وارث ) لما فتحه السابقون ،ولم يفتح شيئا (ولا حتى زجاجة كوكاكولا ).!

المضحك أكثر أن يزعم السطان المملوكى هذا أيضا، وهو الذى جىء به لمصر رقيقا ( مملوكا ) ، ثم أصبح حرا وجنديا فقائدا ثم سلطانا . وبالسلطنة يزعم أنه له حق ( الفتح عنوة ).!. فالظاهر بيبرس البندقدارى ( نسبة لسيده البندقدار الذى إشتراه من قبل صبيا ) أراد الاستيلاء على أوقاف الآخرين بحجة أن أرض مصر قد فتحها عمرو عنوة وصارت لبيت المال ، وبالتالى فمن حقه الاستيلاء على أوقاف غيره ، مع أنه ( الظاهر بيبرس ) كانت له أوقاف .! ، وتكرر نفس الفعل من برقوق حين كان الأمير الكبير المتحكم فى السلطنة عام 780 . وطبعا لا ننتظر من بيبرس أو قلاوون أن يتكلم بهذه اللغة الفقهية . هى نصائح ووساوس الفقهاء .

المضحك أكثر وأكثر أن الوهابية إستعادت فى عصرنا تلك المفاهيم الظالمة البالية . فالامام السعودى ـ أى الحاكم السعودى ، يملك ما يفتحه من أرض ، بل يملك سكان هذه الأرض . ولهذا أطلق عبد العزيز آل سعود على مملكته إسم عائلته ( السعودية ) عام 1932 .

المضحك أكثر وأكثر وأكثر أن الإخوان ( المستحلّين ) يرون لأنفسهم نفس الحق فى تملك مصر . وليس غريبا أن نسمع عن وثيقتهم فى ( إعادة فتح مصر ) ، بل ويجاهر دعاة السلفية بأن رئاسة مرسى تعنى ( دخول الاسلام لمصر ) أو ما يعنى ( فتح مصر) . بل يذرف بعضهم الدموع على ضياع ملكيتهم فى الاندلس ، ويتمنون عودتها .!!

أخيرا

1 ـ ليس هذا مضحكا .. بل هو أمر جدّى يعمل له الاخوان بكل همة ، ومن الان . والارهاصات تتجلى واضحة : فالتمكين يستلزم قوة مسلحة ، وهم يستوردون الأسلحة ويؤسسون الميليشيات المسلحة . والاصلاح الاقتصادى يستلزم روشتة باهظة ، ولكنهم يستعيضون عنه بما أسموه بالصكوك الاسلامية ، أى يعرضون مصر بمواردها وأرضها وسيادتها وكنوزها للبيع لكل من هبّ ودبّ ، وسيكونون الشركاء لأنهم ( مالكو مصر ) طبقا لمذاهب أهل السّنة والجماعة ، بحكم أنها مفتوحة عنوة .!!

2 ـ وبالتمكين وطبقا لمذاهب أهل السنة والجماعة وبثقافة الفتوحات والأرض المفتوحة عنوة سيفرضون قانون الوقف ليستولوا به على الأوقاف الموجودة وعلى غيرها من أملاك المصريين من مسلمين وأقباط ، وفقا لما ساد فى العصر المملوكى ..

3 ـ فما الذى كان يحدث فى العصر المملوكى ؟

دستور مرسى وسلب ثروات المصريين بالأوقاف:(9 / 3) الاوقاف والظلم والفساد والخراب فى مصر

أولا : إزدهار الوقف المملوكى

1 ـ دخلت الأوقاف فى تطور خطير فى العصر المملوكى إذ يعتبر قيام الدولة المملوكية حدثا فريدا إذ حكم المماليك وهم رقيق مجلوبون لمصر ما ورثوه عن سادتهم الأيوبيين . فى إحتياجهم لشرعية دينية تسوّغ هذا الانقلاب الخطير قام الظاهر بيبرس بنقل الخلافة العباسية للقاهرة بعد سقوط بغداد على يد المغول . بالاضافة الى وجود الخليفة العباسى ليعطى شرعية للسلطنة المملوكية فقد حرص المماليك على تزيين ملكهم بكهنوت دينى من فقهاء التصوف السنّى الذى يتسامح مع عقائد التصوف وتقديس أوليائه وفى نفس الوقت يحكم بالفقه السّنى وشريعته طبقا لهوى السلطان . هذا الكهنوت الدينى أستلزم التوسع فى إقامة معابد دينية تعبّر عن التصوف السّنى من مساجد وجوامع وقباب وخوانق وأربطة وزوايا وترب وقبور مقدسة ، ليس فقط لإقامة الشعائر بل أيضا للتعليم والتدريس والتفرغ للعبادة الصوفية ، وكان يقيم فيها الطلبة والمدرسون والموظفون والفقراء أى ( الصوفية ) . وهذا التوسع إحتاج بدوره الى من ينفق عليه فى تأسيس تلك المؤسسات وصرف مرتبات المقيمين فيها ، وتكفلت الأوقاف بهذا الدور .

2 ـ وهناك عامل آخر ينبع من مفتاح الشخصية المملوكية نفسها كنظام سياسى فريد فى نوعه . لم يكن المماليك كالأسرات الحاكمة العريقة : الأموية والعباسية والأيوبية ، بل كانت تحكمهم  المساواة بينهم في الأصل والنشأة وينحصرالتفاضل بينهم فى المقدرة القتالية والدهاء السياسي. فكلهم جيء به من بلاده الأصلية رقيقا لينخرط في سلك المماليك ثم ليتدرج بكفاءته السياسية والحربية حتى يصل إلى السلطنة ولا عبرة بنسبه ولا حسبه ، بل بقدرة المملوك فى الفتن والتآمر. لذا نجد بعض الغرائب؛ فالظاهر بيبرس كان في الأصل مملوكا لأحد الأمراء ، وهوالأمير البندقداري ونسب اليه فقيل بيبرس البندقداري . واعتقه سيده ثم وصل بيبرس بدهائه وقدرته ليصبح سلطانا وأصبح سيده السابق مجرد تابع صغير له في دولته . ومهارة بيبرس تتجلى في قدرته الفائقة على المؤامرات والدهاء مع نشاطه الحربي . وحين يصل مملوك ما بدهائه وحذقه في المؤامرات إلى السلطنة فأنه يواجه مؤامرات الآخرين ، وقد ينجح وقد يفشل فينتهى به الأمر الى السجن أو القتل ، وفى أغلب الأحوال تتم مصادرة أمواله، ويخسر نفسه وماله . وفى كل الأحوال يظل شبح مصادرة المال يؤرق المماليك ، سواء من وصل منهم الى السلطنة ويواجه تآمر الآخرين أو من يقوم بالتآمر ويطمح للترقى والوصول على حساب ( خشداشيته ) او رفاقه أو (دُفعته) فى التجنيد حسب المصطلح السائد الآن فى مصر.  شبح مصادرة المال كان عاملا أساسا فى الوقف ، وبه إستشرى الوقف الأهلى . كان الوقف الخيرى هو السائد فاستشرى فى العصر المملوكى الوقف الأهلى ، بل برز فى هذا العصر ثلاث نوعيات من الوقف : الوقف الخيرى المعتاد ، وهو أن يوقف الواقف عينا تدرّ ربحا على جهة خيرية مثل مارستان (مستشفى) أو ( سبيل ) لرعاية وتعليم اليتامى أو مسجد أو مدرسة . أما الوقف الأهلى فهو أن يوقف السلطان أو غيره عينا تدر ربحا ، ويكون هو المستفيد منها هو وذريته   الى أن تنقرض الذرية فيعود الوقف الى أعمال البر حسبما يحدده كتاب الوقف ، وكان لكل وقف كتاب يحدد كل التفصيلات . ثم هناك الوقف الخيرى الأهلى ، حيث يوقف الواقف المزيد من العقارات والأراضى التى يزيد ريعها على الحاجة فيتم تحويل الزائد الى حساب الواقف وذريته حسبما يحدده هو ، وبعد إنقضاء الذرية تعود لأوجه البر التى يحددها فى كتاب وقفه . بهذا الوقف الأهلى كان يتم تحصين ثروة السلطان أو الأمير المملوكى أو الموظف أو الفقيه العامل فى الدولة من المصادرة ، فلا يجوز شرعا بيع العين الموقوفة ، ولا يجوز مصادرتها أو التصرف فى ريعها خارج شروط كتاب الوقف . وكانت الأوقاف الأهلية والخيرية تحت إشراف قاضى القضاة الشافعى لأنه كان الأبرز بين قضاة المذاهب .

3 ـ لم تكن المصادرة وحدها من عوامل إنتشار الوقف المملوكى ، بل كان الاعفاء من الضرائب والخراج على الموقوفات سببا آخر . وقتها كان هناك ما يعرف بديوان (المواريث الحشرية ) الذى يستولى على التركات التى لا وارث لها ، أو التى يوجد لها وريث لا يرث كل التركة مثل البنت أو الأخت . لذا لجأ للوقف من لا وارث له أو له وارث لا يستحوذ على كل التركة . وحين يوقف ضياعه وعقارته وقفا أهليا تنجو من ( المواريث الحشرية ).

ثانيا : هذا الوقف لم يكن اسلاميا فى أغلبه

1 ـ بشيوع الوقف الأهلى بهدف ضمان الاستحواذ على الثروة فإنّ المبدأ الاسلامى فى إنفاق المال إبتغاء مرضاة الله جل وعلا لم يعد متوفرا . صحيح أنه كان لا يزال هناك الوقف الخيرى ، والذى تمت به أقامة البيمارستانات والأسبلة ( جمع سبيل ) لرعاية اليتامى ، وأوجه خير عديدة مثل تكفين الفقراء ورعاية الحجّاج والانفاق على فقراء ( الحرمين ) وإقامة المدارس . ولكن الصحيح أيضا وجود شكّ كبير وهائل فى مصدر تلك الأموال ، فلم تكن فى أغلب الأحوال نقية طاهرة لأن الوصول للسلطة والثروة فى أى حكم مستبد ظالم فاسد يجعل من المتعذر أن تكون ثريا وقادرا على الوقف بمال حلال خال من الشبهة .

2 ـ يعزّز ذلك أن فقهاء الشرع وقضاته كانوا الأكثر فسادا . وهذا ما شرحناه فى كتاب ( المجتمع المصرى فى عصر قايتباى فى ظل تطبيق الشريعة السّنية ) وهو منشور هنا . أولئك الفقهاء هم الذين إبتدعوا ( الوقف الأهلى ) لينجو صاحب المال الحرام من المصادرة ومن ضرائب المواريث الحشرية ، وهم الذين ابتدعو مزيجا من الوقف الأهلى والخيرى ليبيحوا لصاحب السلطة أن يغتصب المزيد من العقارات ويوقفها بحيث يزيد ريعها على المصاريف فتتم إضافتها الى الواقف . هؤلاء الفقها هم أيضا الذين أخترعوا ( السّم ) والترياق المضاد له . هم الذين أخترعوا للسلاطين الوقف الأهلى ، ثم هم الذين إخترعوا لهم طرق التحايل على الاستيلاء على الوقف ، بما يعرف بالاستبدال .

ثالثا : إغتصاب الأوقاف بالاستبدال

1 ـ لأنّ الظلم هو الأساس ولأن خبراء الشرع السّنى فى خدمة سلاطين وأمراء الظلم فقد شاع الاستيلاء على أملاك الغير وأوقافهم بحجة الاستبدال للأوقاف . فقد أجاز فقهاء الشرع السّنى الحق فى استبدال العين الموقوفة بعين أخرى بنفس شروط الوقف ، أى إذا أوقف شخص أرضا زراعية مساحتها مائة فدان يمكن للسلطان أن يستبدلها بمائة فدان فى الصحراء مثلا ، أو يمكنه أن يبيع المائة فدان الزراعية ويشترى بثمنها مائة فدان أخرى فى الصحراء . ولا بأس بهذا مع النصّ على تماثل هذه بتلك على الورق فى كتابة العقد . المهم وجود السلطة التى تتحكم والفقيه الذى يفتى والكاتب الذى يسجل العقد على هوى صاحب السلطة. وكان يحدث هذا غالبا مع الأوقاف الأهلية التى ورثها ذرية ضعاف. طبقا لهذا فقد استولى الأمير قوصون على وقف حمّام قتّال السبع عام 730 ، وعلى وقف الدار البيسرية عام 733 ، وكان هذا فى عصر المماليك البحرية.

2 ـ وانتشر الاستيلاء على الأوقاف بحجة الاستبدال فى عصر المماليك البرجية فتم الاستيلاء على أوقاف المماليك البحرية السابقين على يد المتسلطين فى عصر المماليك البرجية ، أو المماليك الجراكسة ، فيقول المقريزى فى الخطط عن الأوقاف فى هذا العصر إنّها ( إختلّت وتلاشت فى زماننا هذا ، وعما قليل لن يبقى لها أثر البتّة ) ( الخطط 2 / 296 ) . واشتهر السلطان برسباى بالاستيلاء على كثير من الأوقاف ، وأعاد وقفها على منشئاته ، وفعل ذلك السلطان الغورى عام 908 .

3 ـ على أن أشهر سارق لأوقاف الغير بحجة الاستبدال كان جمال الدين الاستادار ، وهو صاحب خانقاة مشهورة . تعاون جمال الدين الاستادار مع قاضى القضاة الحنفى إبن العديم ، فكان جمال الدين الاستادار إذا أعجبه وقف من الأوقاف وأراد الاستيلاء عليه أقام شاهدين يشهدان بأن هذا العقار يضرّ بالجار وبالمار ، أى يضر بالجيران وبالمارة فى الشارع . وبهذه الشهادة يحكم  قاضى القضاة ابن العديم لجمال الدين باستبدال العقار الموقوف بغيره . وبذلك استولى جمال الدين على أفخم القصور العامرة بمقابل من أراضى بور وخرائب ، يقول المؤرخ ابن حجر المعاصر لجمال الدين الاستادارعنه إنّه :(استولى على القصور العامرة بشىء من الطين من الجيزة وغيرها )( إنباء الغمر بأبناء العمر2 / 446 : 447). استولى جمال الدين الاستادار على أفخر العقارات ، وأعاد وقفها على خانقاته أو مدرسته ، ومن الأوقاف التى استولى عليها قصر بشتاك التابع للسلطان الناصر حسن بن قلاوون ، وكان أعظم مبانى القاهرة ، واستولى على قصر الحجازية وعمارة أم السطان وحمّام الخراطين . ومن كان يرفض التنازل عن الوقف من الورثة يستأجر جمال الدين الاستادار عمالا يقومون بتخريب العقار الموقوف ليرغم صاحب الوقف على قبول الاستبدال .

4 ـ ويقول المقريزى فى الخطط عن جمال الدين الاستادار والقاضى ابن العديم : ( والناس على دين ملوكهم ، فصار كل من يريد بيع أو شراء وقف سعى عند القاضى المذكور ( يعنى ابن العديم ) بجاه أو مال ( أى باستغلال النفوذ أو بالرشوة ) فيحكم له بما يريد ). ويستطرد المقريزى ( ثم تطور الأمر الى أن يشهد شاهدان بأن الوقف ضار بالجار وبالمار وأن المصلحة فى بيعه أنقاضا ، فيحكم القاضى الشافعى ببيع تلك الأنقاض .) أى دخل فى اللعبة قاضى القضاة الشافعى المهيمن على الأوقاف الخيرية و الأهلية ، وأصبح سهلا تخريب العقارات وبيعه"> 2 ـ وهناك حيل أخرى مثل : إباحة القضاة للسلطان بتعمير الوقف القديم مقابل أن يكون للواقف الأصلى جزءا منه . ومنها تأجير الوقف لأصحاب النفوذ ، وشاع هذا فى سلطنة برقوق ، ومنها الاقتراض من ريع الأوقاف كما فعل الأمير منطاش عام 791 ، أو فرض الغرامات على الوقف كما كان يفعل السلطان الكامل شعبان عام 746 .

3 ـ وقام بعض السلاطين بحلّ أوقاف السلاطين القدماء والاستيلاء عليها أو على بعضها ، فالناصر محمد ابن قلاوون استولى على أوقاف غريميه السلطان بيبرس الجاشنكير والأمير سلار ، وكانا من قبل يتحكمان فيه فلما تغلب عليهما وقتلهما استولى لنفسه على اوقافهما . والسلطان الناصر فرج بن برقوق استولى على أوقاف الطواشى فيروز الخازندار عام 814 . ثم استولى الأمير شيخ قبل توليه السلطنة على بعض أوقاف الناصر فرج بن برقوق عام 815. أى كانت أوقاف السابقين غنيمة للّاحقين ، فالسلطان برسباى استولى على بعض أوقاف الناصر صلاح الدين الأيوبى ، والسلطان عثمان بن جقمق استولى على أوقاف الاستادار الزينى ، واستولى السلطان خشقدم على أوقاف الأمير جانبك عام 868 .

4 ـ وحاول بعض السلاطين فى وقت الأزمات الحربية والاستعداد للقتال الاستيلاء على كل الأوقاف بحجة أنها فى الأصل ملك لبيت المال تبعا لنظرية أن مصر قد تم فتحها عنوة ، وقد أشرنا لهذا فى المقال السابق ، ومن السلاطين الذين حاولوا الاستيلاء على الأوقاف قطز عام 657 ، والظاهر بيبرس ثم الناصر محمد ابن قلاوون عامى 699 ، 738 والناصر فرج بن برقوق عام 803  وبرسباى فى عامى 837 ، 839 وقايتباى فى اعوام 872 ، 877 ، 894 ، 896 . والغورى عام 906

5 ـ وترتب على هذا ظاهرة فريدة أن العقار الواحد يتم الاستيلاء عليه عدة مرات فى عصور مختلفة خصوصا إذا كان عريقا فى القدم ، ومنها قيسارية القاضى الفاضل فى العصر الأيوبى التى تم الاستيلاء عليها بضع عشرة مرة الى عهد المقريزى .

خامسا

1 ـ ومن الطبيعى أن يؤدى هذا الى خراب الأوقاف ليس فقط بهدم بعض العقارات وتخريب الحوانيت و( القيساريات أى الأسواق الكبرى )، ولكن أيضا فى نهب الأوقاف الزراعية، فالذى يستولى على ما ليس له يحاول الاستفادة منه باسرع ما يمكن قبل أن يضيع منه ولا يقوم باصلاحه وإستثماره بطريقة أمثل.  

1 ـ نعيد التذكير بدور الفتوحات والفتنة الكبرى والصراع السياسى والحربى بين المسلمين فى القرن الأول الهجرى فى تأسيس دينى السّنة والتشيع. وقد تمّ تقعيدهما وتنظيرهما فى العصر العباسى الذى شهد بدوره نشأة دين التصوف متأثرا بالتشيع ومتخففا من أوزاره السياسية ومن عقيدة التبرى والتولى مكتفيا بتقديس كبارالصحابة كلهم . فى نفس الوقت كان التصوف بطرقه الصوفية متفاعلا مع الناس معبّرا عن الأغلبية الصامتة من عوام الداخلين فى الاسلام فاستمروا بالتصوف فى تقديس البشر والحجر كما كان أسلافهم ولكن تحت شعارات اسلامية . ولهذا لقى التصوف ترحيب المستبدين وكان الأسرع انتشارا من القرن الخامس الهجرى الى أن تسيّد الساحة الدينية بدءا من العصر المملوكى فى القرن السابع الهجرى.  لذا أصبح التصوف مجال الصراع السّنى الشيعى ، فظهرتصوف سنّى  وتصوف شيعى ،كلاهما يستغل التصوف وتكوين الطرق الصوفية فى تأسيس خلايا سياسية ، هذا مع التظاهر بالزهد للوصول للحكم . فعل ذلك أبوعبد الله الشيعي داعية الفاطميين الذى أسهم فى تأسيس الدولة الفاطمية فى تونس وكان أول خليفة فاطمى هناك هو عبيد الله المهدى(909-934 م). وبالتظاهر بالزهد أسّس الفقيه السّنى الحنبلى ابن تومرت  الدولة الموحدية بشعار الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وبالمناسبة، فقد وشى خصوم ابن تيميه به الى صديقه السلطان الناصر محمد بن قلاوون بأن إبن تيمية (يلهج) بذكر(إبن تومرت) أى يطمح لانشاء دولة على منواله . وأدّت هذه الوشاية الى قيام الناصر محمد بسجن صديقه ابن تيمية ، وتركه فى السجن حتى مات فيه.

2 ـ  تلك الدول أسست مدارس ومساجد وأوقفت عليها الأوقاف لنشر دعوتهم الدينية وخدمة لتحكمهم السياسى ،وليس إبتغاء وجه الله جل وعلا . وكان منها ـ ولا يزال ـ الأزهر .

أولا : الأزهر والأوقاف الى قبيل سقوط الدولة المملوكية :

 فى العصر الفاطمى:

1 ـ  من هنا نفهم حرص الفاطميين على إقامة الأوقاف لتنفق علي أيدلوجيتهم الشيعية ومؤساتها كالأزهر وجوامعهم الأخرى. تأكّد هذا فى الفصل بين ( الأحباس / الأوقاف )و(القضاء) فأسس المعز الفاطمى ديوان الأحباس ليشرف على ريع الأوقاف التى يوقفها الخليفة والأفراد ، وقاموا بتعيين ضامن لجباية ريع الأوقاف ، يدفع للدولة مالا مقدما ، ثم يقوم بعدها بجباية الريع من القائمين على الأعيان المحبوسة. وكان أول ضامن للأحباس (محمد ابن القاضى أبى الطاهر محمد ) مقابل أن يدفع للدولة مليون ونصف مليون درهم. وعمل الفاطميون على زيادة الأوقاف بإضافة المزيد من الأراضى الزراعية والعقارات للإنفاق على مساجدهم الشيعية بحيث كان لكل مسجد وقف يقوم بنفقاته ، تحت إشراف ديوان الأحباس . بل أصبح منصب متولى ديوان الأحباس يعلو منصب قاضى القضاة.

2 ـ وكان نصيب الأزهر من الأوقاف الفاطمية مميزا ، ومنه كان الانفاق على تعميره وتجديده وعلى القائمين فيه بالدعوة الشيعية وأسرارها . يقول المقريزى فى ( الخطط ) أن الأزهر ـ أول مسجد أسس بالقاهرة  ـ إكتمل بناؤه سنة 359 هجرية ، وأول جمعة جمعت فيه في شهر رمضان 361 . وكان أول وقف عليه فى خلافة العزيز بالله الفاطمى قام به فيلسوف الدعوة الفاطمية الوزير يعقوب بن كلّس الذى أنشأ دارا للدعاة بجانب الجامع الأزهر ، وجمع فيها 35 داعية من الفقهاء وجعل لهم أرزاقا. ولا جتذاب أفئدة المصريين كانت لأولئك الدعاة الشيعة  طقوس فى حضور الصلاة بالأزهر،بل أشاعوا عن الأزهر وقتها أن فيه طلسما سحريا (فلا يسكنه عصفور ولا يفرخ به وكذا سائرالطيور من الحمام واليمام وغيره).  وجعله الخليفة العزيز بالله جامعة يدرس فيها  أسرار الدعوة الشيعية الإسماعيلية للقادمين من الآفاق وفق تقسيم العالم الى ساحات وجزر كما ذكر المقريزى فى ترتيب الدعوة الفاطمية . وأوقف الحاكم بأمر الله أوقافا للإنفاق علىالجامع الأزهر وجامع المقس والجامع الحاكمي ودار العلم بالقاهرة . ثم قام المستنصر بتجديد الجامع الأزهر والزيادة فيه .  وجدّده أيضا الحافظ الفاطمي وزاد في مساحة الأروقة، وأنشأفيه ( مقصورة لطيفة تجاور الباب الغربي الذي في مقدم الجامع بداخل الرواقات عرفت بمقصورة فاطمة)،  فقد أشاعوا أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها رؤيت بهذا المكان في المنام تدعو لإقامة هذه المقصورة .

3 ـ بالاضافة الى نشر التشيع تسلل الفاطميون للمصريين بالتصوف ( الشيعى ) وبدأت الطرق الصوفية الشيعية تتسلل بين المصريين تنشر بينهم التشيع على أنه ( الاسلام ) ، ولا تزال الحياة الدينية للمسلمين تحمل هذه المؤثرات الفاطمية . وأنشأ المستنصر الفاطمى للصوفية الشيعة الخوانق فتأسست أول خانقاة للصوفية الشيعة فى مصر وهى خانقاة سعيد السعداء .

 فى العصر الأيوبى

1 ـ لم يكتف صلاح الدين الأيوبى بحرب التشيع سياسيا وحربيا بل حاربه دينيا بتشجيع التصوف السّنى ليحلّ محلّ التصوف الشيعى ،فتحولت خانقاه سعيد السعداء الى معقل لنشر التصوف السّنى ، واستورد لها صوفية سنيين، وأوقف عليها عقارات بالقاهرة وأراضى زراعية بالمنيا . واصبح شيخها يعرف بشيخ الشيوخ، أى إمام وشيخ لكل الصوفية ، واستمر نفوذها ودورها فى العصر المملوكى .

2 ـ كما قام صلاح الدين الأيوبى بملاحقة الشيعة داخل القاهرة وخارجها ، وبإغلاق وتعطيل الدراسة فى الأزهر وسائر المعاهد الشيعية ما ظهر منها وما بطن ، وظل الجامع الأزهر معطلًا من إقامة الجمعة فيه مائة عام الى أن أعيدت الخطبة في أيام الملك الظاهربيبرس على حد قول المقريزى فى الخطط .

 الأزهر والأوقاف فى العصر المملوكى

1 ـ  يعود الفضل للسلطان المملوكي  الظاهر بيبرس في إعادة الخطبة والجمعة إلى الجامع الأزهر في عام 665هـ = 1266-1267م.، كما قام بتجديده وتوسعته، وإعادة فرشه، واستعاد الأوقاف من غاصبيها. وفي عهده تم بناء أول رواق للتدريس في الجامع الأزهر  . وأوقفت عليه .  

 2 ـ وحدثت تجديدات وإضافات للجامع الأزهر تبرع بها المماليك طبقا للوقف الخيرى . فعمل الأمير بيلبك الخازندار فيه مقصورة كبيرةورتب فيها جماعة من الفقهاء لقراءة الفقه الشافعي،ورتب فيها مدرسا لقراءة الحديث والمواعظ ، ووقف على ذلك الأوقاف ، ورتببه سبعة لقراءة القرآن ورتب به مدرسًا، على حد قول المقريزى . ثم قام الأمير "علاء الدين طيبرس" نقيب الجيوش في عهد الناصر محمد قلاوون بإنشاء المدرسة الطيبرسية سنة (709هـ/ 1309م)، وألحقها بالجامع الأزهر، وقرر بها دروسًا للعلم . وتبعه فى عصر الناصر محمد بن قلاوون- الأمير علاء الدين آقبغا سنة (740هـ/ 1340م) الذى أنشأ المدرسة الأقبغاوية، وألحقها  بالأزهر . ثم أنشأ الأمير جوهر القنقبائي خازندار السلطان الأشرف برسباي مدرسة ثالثة عُرفت باسم المدرسة الجوهرية . و قام السلطان قايتباي المحمودي سنة (873هـ/ 1468م) بهدم الباب الواقع في الجهة الشمالية الغربية للجامع، وشيده من جديد ،وأقام على يمينه مئذنة.   ثم قام السلطان قانصوه الغوري ببناء المئذنة ذات الرأسين.

3 ـ وفى زلزال عام 702 سقطالجامع الأزهر،فتولى الأمير سلارعمارة الجامع الجامع الأزهر‏.‏ثم جددت عمارة الجامع الأزهر سنة 725على يد القاضي الأسعردي محتسب القاهرة ، وأعيد تجديده فى عام 761 فى ىسلطنة الناصر حسن القلاوونى بعناية  الأميرالطواشي سعد الدين الجامدار الناصري، وقد رتّب فيه مصحفًا وجعل له قارئًا وأنشأ على باب الجامع القبلي حانوتًا لتسبيل الماءالعذب في كل يوم،وعمل فوقه مكتب سبيل لإقراء أيتام المسلمين كتاب الله العزيز ورتبللفقراء( الصوفية )  المجاورين طعامًا يطبخ كل يوم ،ورتبفيه درسًا للفقهاء من الحنفية يجلس مدرسهم لإلقاء الفقه في المحراب الكبير. يقول المقريزى : (ووقف علىذلك أوقافًا جليلة باقية إلى يومنا هذا.ومؤذنو الجامع يدعون في كل جمعة وبعد كلصلاة للسلطان حسن إلى هذا الوقت الذي نحن فيه‏.‏).

3 ـ أى إنّ أوقاف البر ( الأوقاف الخيرية ) إتجهت نحو الأزهر الذى لم يكن له سلطان قائم فى الحكم ، بينما ولّت الأوقاف الأهلية وجهها شطر أصحابها من السلاطين والأمراء وأصحاب النفوذ ، تحمى ثرواتهم من المصادرة .

4 ـ وبهذا أصبح الأزهر وقتها تكية للعاطلين والهاربين ووجهة للوافدين الى مصر، يجدون فيه ما يهوون وما يشاءون ، وبينما كان صاحب الوقف الأهلى حريصا على تطبيق شروطه فى كتاب الوقف ، وعلى التفتيش على من يعينهم من مدرسى وموظفى الوقف فإنّ الأمر إختلف مع التبرع للأزهر بالصدقات من  ريع الأوقاف ، فكان العطاء فيها للبرّ بلا تدقيق فى كيفية التوزيع أو مراقبة لما يقوم به المدرسون و الصوفية المنقطعون للعبادة والدعاء لمن يتبرع لهم . ولهذا  حدثت محنة لمجاورى الأزهر عام 810 ،وقد ذكرها المقريزى فى الخطط وفى تاريخه السلوك ، وأوردها فى ضوء نقمته على الأمير المملوكى سودون حاجب الحجاب . وقتها زاد عدد المجاورين فيه من القادمين لمصر ومن الهاربين من الأرياف ، يقول المقريزى ( وبلغت عدتهم في هذه الأيام سبعمائةوخمسين رجلًا ما بين عجم وزيالعة ومن أهل ريف مصر ومغاربه،ولكل طائفة رواق يعرف بهم، فلا يزال الجامع عامرًا بتلاوة القرآن ودراسته وتلقينه والإشتغال بأنواع العلومالفقه والحديث والتفسير والنحو ومجالس الوعظ وحلق الذكر،فيجد الإنسان إذا دخل هذاالجامع من الإنس بالله والإرتياح وترويح النفس ما لايجده في غيره . وصار أربابالأموال يقصدون هذا الجامع بأنواع البر من الذهب والفضة والفلوس إعانة للمجاورينفيه على عبادة الله تعالى، وكل قليل تحمل إليهم أنواع الأطعمة والخبز والحلاوات، لاسيما في المواسم ) ولكن وشاية جاءت للأمير سودون حاجب الحجاب بأن المجاورين فى الأزهر يرتكبون الفواحش ليلا .يقول المقريزى: ( وأشاع أن أناسًا يبيتون بالجامعويفعلون فيه منكرات، وكانت العادة قد جرت بمبيت كثير من الناس في الجامع ما بين تاجروفقيه وجندي وغيرهم ، منهم من يقصد بمبيته البركة ، ومنهم من لايجد مكانًا يأويه، ومنهممن يستروح بمبيته هناك ، خصوصًا في ليالي الصيف وليالي شهر رمضان فإنه يمتلئ صحنهوأكثر رواقاته‏.‏) يقول المقريزى عن الأمير سودون : ( فلما كانت ليلة الأحد الحادي عشر من جمادي الآخرة طرق الأمير سودونالجامع بعد العشاء الآخرة والوقت صيف وقبض على جماعة وضربهم في الجامع . ( أى ضبطهم متلبسين بالطبع ، وإلا ما ستحقوا الضرب فى الجامع . ويقول المقريزى متحاملا على الأمير سودون : (وكان قد جاءمعه من الأعوان والغلمانوغوغاء العامة ومن يريد النهب جماعة ، فحلّبمن كان في الجامعأنواع البلاء،ووقع فيهم النهب،فأخذت فرشهم وعمائمهم ، وفتشت أوساطهم ، وسلبوا ما كانمربوطًا عليها من ذهب وفضة. ).

5 ـ ومع ذلك ظل الأزهر يفتح أبوابه للفاسدين والهاربين من الريف ، وكان منهم القاضى (هانى ) سيىء السمعة وقد عرضنا له فى كتابنا عن المجتمع المصرى فى عصر قايتباى . وفى عصر قايتباى إهتم الأمير يشبك الدادار الكبير بفقراء الأزهر فجعل ريع بعض أوقافه للتوزيع خبزا وطعاما مطبوخا وليس نقدا . وفي يوم الاثنين 3 ربيع الثاني 877، قبل سفره للشام أقام الداودار الكبير مأدبة حافلة للطلبة في جامع الأزهر على أمل أن ينتصر على شاه سوار، يقول ابن الصيرفي "صنع عظيم الدنيا أمير سلاح الداودار الكبير وباش العسكر المنصور ومع ذلك نجاه الله من المهالك، معروفاً عظيماً للفقراء الفاطميين بجامع الأزهر في كل يوم من الخبز ألفاً ومائتا رغيف وطعام يطبخ لهم في كل يوم فجزاه الله خيراً وتقبل منه، ثم أنه بعد سفره تخاصم أهل الجامع فيما بينهم وصاروا يرافعون بعضهم ويقولون: هذا له وظيفة، هذا له قراءة، حتى بطل ذلك والأمر بيد الله المالك.). أى بينما كان كبار الشيوخ والفقهاء والقضاة يتنافسون ويتشاجرون فى سبيل المناصب وآلاف الدنانير فإنّ صوفية الأزهر وروّاده كانوا من الرعاع الجوعى يتنافسون على الرغيف .!!.. كان هذا هو الفارق بين الأزهر وبقية المؤسسات التابعة للوقف الأهلى وحيتان العصر المملوكى .

أخيرا :

1 ـ نخلص مما سبق إن الأزهر شهد علوّ صيته حين كان مركز الدعوة الشيعية الاسماعيلية فى ( العالم الاسلامى ) وبدعات وصل نفوذ الشيعة الى ضواحى بغداد نفسها. وكانت تغدق علي الأزهر الأوقاف الخيرية الفاطمية خدمة لأهدافها السياسية ، وبنفس السبب كان تعطليه على يد صلاح الدين الأيوبى وقيام خانقاه سعيد السعداء لتؤدى دورا مناهضا للتشيع . ثم عاد الأزهر منذ سلطنة الظاهر بيبرس يجتذب اليه أوقاف المحسنين الخيرية ، حيث يلجأ اليه القليل من طلبة الفقه السنى والكثير من الرعاع محترفى الفقر أو التصوف بمصطلح العصر المملوكى ، كما جذب اليه الأزهر الكثيرين من العوام و اللاجئين والهاربين من فلاحى الريف المصرى ، وصار مكانا للسمر والسهر والفسوق استوجب قيام حملة الأمير المملوكى سودون عام 810 .

2 ـ وفى كل الأحوال فإن الأزهر كان قد فقد دوره الريادى فى العصر المملوكى الذى إشتهرت فيه خوانق وقباب وأضرحة ومدارس شغلت الاهتمام من السلاطين والمؤرخين والناس، وتنازع على رئاستها شيوخ الفقه وأساطين القضاء ، منها خانقاه سعيد السعداء ، وخانقاه سرياقوس ، وخانقاه السلطان قلاوون ، وجامع أو مدرسة الظاهر بيبرس ، و خانقاه جمال الدين الاستادار ..ظل الأزهر فى الظّل الى قبيل سقوط الدولة المملوكية ، حيث عاد اليه الشيعة أو شيوخ القزل باش ليجعلوه مركزا لاستعادة الحكم الشيعى . ثم سقط المخطط الشيعى ، ولكن نجح فقط فى أن أعاد الأزهر الى الضوء حتى عصرنا .وهذا هام جدا فى عصر الاخوان ودستور مرسى .

2 ـ كيف هذا ؟ إنتظرونا ..

دستور مرسى وسلب ثروات المصريين بالأوقاف:( 9 / 5) الاوقاف والأزهر وشيوخ القزلباش

مقدمة

1 ـ فى إطار التصوف دار الصراع السياسى بين السنيين والشيعة بالتصوف السّنى والتصوف الشيعى . واستغل الفاطميون التصوف الشيعى فى مصر . وأحيا صلاح الدين الأيوبى التصوف السنى ليحارب به التشيع وتصوفه . وعند ضعف الأيوبيين أسّس الشيعة حركة سرية كبرى تتخفّى بالتصوف ، مركزها طنطا وتصل فروعها من المغرب الى العراق لاسقاط الدول الأيوبية ، وفشلت الحركة بوصول المماليك  للحكم للماليك ويقظة الظاهر بيبرس ، مما جعل زعيم الحركة الشيعية المتخفى بالتصوف وهو ( أحمد البدوى ) يواصل تخفيه بالتصوف لينجو بحياته هو أصحابه. فشلت هذه الحركة السرية سياسيا ولكن أصبح زعماؤها أشهر الأولياء الصوفية  ومنهم الرفاعى والسيد البدوى وأبو الحسن الشاذلى وأبو العباس المرسى . وقد عرضنا لهذا بالتفصيل فى كتابنا ( السيد البدوى بين الحقيقة والخرافة ) وهو منشور هنا . بإختصار حاول الشيعة فى أواخر الحكم الأيوبى إرجاع الحكم الفاطمى الشيعى ففشلوا، وعادت خلاياهم السرية للنوم تنتظر الفرصة المناسبة.   

2 ـ ودخلت الدولة المملوكية فى دور الضعف الداخلى بسبب فساد جندها من المماليك الجلب واستيلاء الأوقاف على معظم الأراضى الزراعية واكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح وتحول التجارة العالمية اليه بدلا من البحر الأحمر . فى هذا الوقت أسّس شيعة ايران بالتصوف الشيعى الدولة الصفوية التى أخذت تتوسع غربا لتواجه قوتين سنيّتين:الدولة العثمانية فى شبابها والدولة المملوكية الهرمة المترهّلة .  وتجاورت أملاك الدول الثلاث ، وانتهى الصراع بينها بسقوط الدولة المملوكية وتحول مصر والشام والحجاز لولايات عثمانية. كان المفروض أن تتحالف الدولتان السنيتان (العثمانية والمملوكية ) ضد إسماعيل الصفوي الذى أنشأ شبكة من دعاته (القزل باش) لإقامة حكم شيعى على حساب المماليك والعثمانيين معا . ولكن تمكن إسماعيل الصفوى من الوقيعة بين الغورى وسليم العثمانى، فاجتذب السلطان الغورى إلى صفه وجعله يحارب العثمانيين على غير استعداد تام منه لحربهم وعلى غير نية حقيقية من العثمانيين لتدمير الدولة المملوكية. 

3 ـ دولة إسماعيل الصفوى قامت وتوسّعت وانتصرت ثم انهزمت واندثرت من خلال جماعة القزل باش ، هم الذين قاموا برعاية اسماعيل الصفوى فى طفولته ومحنته وهم الذين أسسوا له دولته ، وكانوا جند اسماعيل الصفوى وقادة دولته من الدعاة والسياسيين  الذين أقاموا شبكة من العملاء انتشرت من مصر الى العراق والشام وآسيا الصغرى لتعيد المجد الفارسى باسم التشيع . تسلل الشيعة القزل باش لمصر، وجعلوا جامع الأزهر قبلتهم ، وبهم عقد الغورى تحالفا سريا مع الشاه اسماعيل الصفوى ، وسار الغورى بجيش ليؤازر حليفه الصفوى فى حربه ضد السلطان سليم العثمانى فهزمه سليم العثمانى واستولى على الشام ومصر .

4 ـ أى فى القرن السابع الهجرى ونهاية الدولة الأيوبية وبداية الدولة المملوكية فشلت خطة الشيعة فى استغلال التصوف الشيعى فى إقامة دولة شيعية فى مصر فى حركة البدوى السرية ، و فى القرن العاشر الهجرى أيضا فشل الشيعة القزلباش فى نهاية الدولة المملوكية فى إقامة ملكهم الشيعى باستغلال الأزهر فسقطت مصر ولاية عثمانية . وكما أسفر فشل حركة البدوى عن تأسيس التقديس للبدوى ورفاقه كأشهر الأولياء الصوفية فإنّ فشل شيعة القزل باش فى إستعادة الخلافة الفاطمية أدى الى تقديس(الأزهر) الذى كان مركزا لهم ، جلبوا له الكثير من الأوقاف فانتعش من العصر العثمانى بينما اندثرت المؤسسات الدينية المشهورة الأخرى التى أقامها السلاطين والأمراء المماليك.

ونعطى فى هذا المقال البحثى لمحة عن دور القزل باش فى سقوط الدولة المملوكية، لأنها الجذور التى برز منها دور الأزهر بعد طول خمول .

أولا :العلاقات السيئة بين المماليك والعثمانيين :

1 ـ السبب الأول هو تجاور أملاكهما فى آسيا الصغرى، وبينما كانت تلك الولايات بعيدة عن مركز الدولة المملوكية فقد كانت المجال الحيوى للعثمانيين ، فتنازع محمد الفاتح والظاهر خشقدم حول إمارتي زى الغادر وفرغان ، وتنازع قايتباي وبايزيد الثاني بسبب على دولات. وكانت الدولة الدلغاردية واقعة في الركن الجنوبي الشرقي من الأناضول ،وتابعة للدولة المملوكية. وقد أغتيل حاكمها  الأميرسليمان بتدبير السلطان المملوكى خشقدم ، فثار إبنه الأمير شاه سوار على الدولة المملوكية ، وأيدته الدولة العثمانية . وطالت الحرب بين سوار والمماليك فى عصر قايتباى ، وقد عرضنا لذلك فى كتابنا عن المجتمع المصرى فى عصر قايتباى .وأرسل قايتباى حملته الثالثة فهزمت شاه سوار ، وجىء به للقاهرة حيث تم قتله صلبا مع كبار أتباعه  في ربيع الأول  877 .

2 ـ واستغل المماليك نزاع البيت العثمانى فآوى السلطان برسباي أميرا عثمانيا  واحتفظ به ورقة رابحة ضد عمه مراد العثماني. وبعد موت السلطان  محمد الفاتح تنازع ابناه " جم  وبايزيد على العرش. ولكن الغلبة كانت من نصيب بايزيد، ففر (جم ) إلى مصر حيث احتمى بسلطان قايتباى

 ثانيا ـ العلاقات السيئة بين الدولتين الصفوية والعثمانية :

1 ـ في عهد بايزيد العثمانى ظهرت الدولة الصفوية بزعامة الشاه اسماعيل بن حيدر. ورث الشيخ الصوفى ( حيدر ) عن أجداده طريقة صوفية قوية فخلطها بالتشيع فتكاثر أتباعه وانغمس فى السياسة وصراعاتها ، وأسس جماعة القزل باش، وأنجب اسماعيل ( الصوفى الصفوى )عام 892 ، وأدت الصراعات السياسية الى مقتل حيدر، فقام القزلباش بتهريب وحماية الطفل اسماعيل الى أن أقاموا له ملكه عام 905 . وفي أوائل عام 907 إحتلّ الشاهإسمعيل تبريز بدون مقاومة ، وأعلن  نفسه ملكاً لايران .وأقام القزل باش فى تبريز مذابح للسنيين وفقهائهم . وأمروا أن تكون الخطبة باسم الأئمةالإثني عشر الشيعة ، وأدخلوا في الأذان عبارة: أشهد أن علياً ولي الله ! . وكانوا يلازمون المساجد لمراقبة الخطباء فإذا شكّوا فى أحدهم قتلوه فى المسجد. وفي سنة908، فتح اسمعيل غربإيران، و فتح بغداد في خريفعام 914 .

2 ـ بعدها انتشرت خلايا القزلباش داخل الدولة العثمانية في الأناضول ، فأقاموا ثورة مسلحة قادها داعي دعاة الشاه الشيعي ( الشاه قول ) ضد العثمانيين، وهزم الصدر الأعظم العثمانى وقتله. بل وصل تأثير القزل باش الى البيت العثمانى نفسه ، فانضم لهم الأمير قرقد ابن السلطان بايزيد الثاني الطامع في عرش أبيه والأميران شاهنشاه ومراد ابنا الأمير احمد أخي السلطان سليم . أثار هذا الأمير سليم على أبيه بايزيد   ، وتمكن سليم من إجبار والده التنازل له عن الحكم عام  918 . وبدأ سليم حكمه بإبادة 40 ألفا  من القزل باش المعروفين فى الأناضول، ونقل الشيعة الآخرين الى أوربا العثمانية ليضمن مؤخرته في أي صراع مع الشاه. وفى معركة جالديران عام 920 انتصر سليم ، وهرب الشاه تاركا زوجته اسيرة لدى السلطان سليم .

ثالثا : علاقات الغورى والشاه اسماعيل الصفوى والعثمانيين  :

1 ـ رصدها المؤرخ ابن إياس ، وهو يطلق على الشاه اسماعيل الصفوى لقب ( الصوفى ) نسبة لطريقته الصوفية الشيعية . فقد تحرك الشاه عسكريا ضد الممتلكات المملوكية المجاورة له فى عامى 908  و 913، مما أسهم فى إذابة الجليد فى العلاقات بين المماليك والعثمانيين . وتمكن على دولات التابع للماليك من هزيمة جيش للشاه اسماعيل الصفوى، وارسل للغورى عدة رءوس من القتلى وأسيرا من الأمراء القزلباش يرتدى الزى الرسمى لهم وهو الطرطور الأحمر. وخاف الشاه اسماعيل من عقد تحالف بين الغورى والعثمانيين فأرسل وفدا يصلح العلاقات مع الغورى. ولكن ظهر للغورى نفاق الشاه اسماعيل   ، فقد ثار الشيعة فى الصعيد عام 911 ، بتأثير القزل باش ، وسعى اسماعيل الصفوى الى عقد تحالف مع بعض ملوك الافرنجة ضد المماليك ، وقبض والى الحجاز على ثلاثة من الجواسيس القزل باش. يقول ابن اياس:( قبض على جماعة من عند إسماعيل الصوفي ( الصفوى ) ومعهم ـ مكاتبات منه إلى بعض ملوك الفرنج بأن يكونوا معه عون على ـ سلطان مصر وأنهم يأتون مصر من البحر ويأتي هو من البر ).. ومما يذكر أن الفرنجة قد استولوا في هذا الشهر على طرابلس الغرب ( وقد قبض شريف مكة على ثلاثة منهم متنكرين ). وفى تلك الأثناء كان عسكر الشاه الصفوي يهاجم أطراف البيرة التابعة للمماليك ، وخرج جيش من البيرة لقتال اسماعيل الصفوى ، وكانت المفاجأة أن معظم الجيش كان من عملاء القزل باش ، فانضموا عند القتال للشاه ،وقتلوا القائد المملوكى ( أزبك خان )، وأرسل الشاه الى الغورى برأس أزبك خان مع أبيات من الشعر يفخر فيها بقوته وتشيعه وجنده، بما يؤكّد قوة أتباعه القزلباش ووصولهم الى أبعد ما يتخيله الغورى . فى نفس الوقت تسلل القزل باش الى قبائل الأعراب فى مصر، فثاروا علي الغوري أو كما يقول ابن إياس ( تحالفت سبع طوائف من العربان بأن يكونوا يدا واحدة على العصيان ). وخاف الغوري من أشباح القزل باش ، وقوى الشّك عنده فى تحركات الأشراف الشيعة المشاهير خشية ان يكون من بينهم من يوالى القزل باش ، فاخرج عنهم ( شيئا من الجهات الموقوفة عليهم )( وعقد مجلسا بالقضاة الأربعة للبحث فيمن اتهم بادعاء النسب الشريف ) منهم مخافة أن يكون بينهم من ادعى  النسب وهو جاسوس للشاه . وأرسل الشاه رسالة غاضبة للغورى فيها عبارات (يابسة ) كما يقول ابن اياس ، ورد الغوري بمثلها فى رسالة حملها رسول الغورى ، وهو الأمير المملوكى تمرباى . وقد أساء الشاه اسماعيل معاملة رسول الغورى ، أو على حدّ قول ابن إياس ( أفحش الصوفي في حق تمرباي قاصد الغوري ) . وأدت النتيجة الى هلع الغورى من الشاه ، مما جعله يرد بأن أوكب المواكب لمقابلة سفير الشاه ، أو ( وكان غليظا شديد البأس ).  وفى نفس الوقت حرص الغورى على التقرب للعثمانيين ،     بل أن الغوري توسط للصلح بين الأمير( قرقد ) الذي جاء لمصر مغاضبا لأبيه السلطان بايزيد وبالغ في إكرامه واستجاب لشفاعته في بعض الأمراء ثم عاد الأمير العثماني لبلاده شاكرا ، وتحسنت العلاقات المملوكية العثمانية ، فبعث الغوري الأموال ليشترى الأخشاب والبارود والحديد من الدولة العثمانية فرد السلطان العثماني المال وبعث بمراكب محملة بها، ووصل من لدنه قاصد يمتدح فيها الغوري ويستفسر عن وصول المراكب، وبعد ذلك بعام أرسل الغوري قاصدا لشراء مهمات أخرى فأكرمه ابن عثمان ـ وكان السلطان سليم قد تولى ، فأرسلها في مراكب موسوقة.

وبدت بوادر التحالف بين الغوري وبايزيد الثاني لمواجهة الشاه إسماعيل والقزل باش ، ويقول بايزيد في رسالة للغوري ( ... وأما قصة غلبة الفرقة الضالة القزلباشية في البلاد الشرقية فإنها بلية عامة ظهرت في تلك النواحي فدفعهم لازم بل واجب على الأداني والأقاصي ، فالمقصود من دفعهم واستيصالهم بعناية الملك العلام الموافقة والاهتمام لأنهم أهل البدع والضلالة وأصحاب الشر والشقاوة، كلهم روافض ..). وأدرك الغورى أيضا خطورة القزل باش فكتب رسالة للسلطان بايزيد الثاني رسالة يحث فيها على محاربة القزلباش وعرض عليه المساعدة وقال بوجوب محو ( فئة الصوفية والملاحدة القزلباش ) .  

رابعا : ـ الدور السّرى للقزل باش فى تحالف الغوري مع الشاه اسماعيل الصفوي  

1ـ اخفق الشاه إسماعيل في سياسته ضد الغوري ولم يجن منها إلا مزيد التقارب بين الغوري والعثمانيين . ويبدو أنه شعر بخطورة السلطان سليم بعد والده المسالم . وشعر باقتراب اللحظة الحاسمة للصراع بينه وبين السلطان الجديد المتحمس للقضاء على الخطر الشيعي  فبذل وسعه في إزالة الخلاف بينه وبين الغوري، وعقد أواصر التآلف بينهما في جو من السرية التي أتقنها دعاة الشيعة القزل باش . وتوصل احدهم إلى أن يكون نديم الغوري ، فقد قام الشريف العجمي الشنقجي بدور هام في التحالف السري بين الغوري وإسماعيل الصفوي يقول ابن إياس ( حضر إلى الأبواب الشريفة العجمي الشنقجي نديم السلطان الذي كان توجه بأفيال إلى نائب الشام ونائب حلب ( للاستعانة بها في حرب العثمانيين ). وقد أبطأ مدة طويلة حتى أشاعوا موته غير ما مرة، فظهر أن السلطان ( الغورى ) كان أرسله إلى شاه إسماعيل الصوفي في الخفية، في خبر سرّ للسلطان بينه وبين الصوفي كما أشيع بين الناس ذلك .. فلما كان يوم السبت خامس عشر ربيع الآخر خرج السلطان ... قاصد نحو البلاد الشامية والحلبية )، أى خرج الغورى بجيشه ولم يرجع ، إذ حدثت موقعة مرج دابق . خرج الغورى تنفيذا لذلك الاتفاق السري بين الغوري وإسماعيل الصفوي الذى عقده الشيخ القزلباشى، والذي لم تذكر المصادر شيئا عن بنوده. والمؤرخ الغزّى كان معاصرا مثل ابن اياس لهذه الأحداث ، وهو يقرر ما قاله ابن إياس ، يقول الغزى فى تاريخه ( الكوكاكب السائرة فى تاريخ المائة العاشرة ): ( قبل معركة مرج دابق قرّب الغوري إليه أعجميا كان ينسج المودة في الباطن بينه وبين  شاه إسماعيل حتى أخرجه من مصر لقتال سليم بحجة الإصلاح بينه وبين الصوفي ).وهكذا استطاع ذلك الرسول السري الصوفي الشيعي القزل باشى التأثير على الغوري وأن يخرجه من مأمنه إلى مقتله. وبوسائل لا نعرف عنها شيئا ..

2ـ  بعد إنتصاره على الشاه اسماعيل فى جالديران عام 920 إضطر سليم لمواجهة جيش الغورى ، وهزمه وقتله فى مرج دابق ، وبتشجيع أمراء المماليك الخونة تشجع فى الزحف نحو الشام فتساقطت أمامه دولة المماليك من الشام الى القاهرة ، وهزم السلطان الجديد طومان باى فى معركة الريدانية ، وتحولت مصر الى ولاية عثمانية .

3 ـ لم يكن سليم يطمع في الاستيلاء على الشام ومصر. كان السلطان سليم متخوفا من توغله في الشام ومصر، وحين أصيب ببعض الخسائر صاح في  خايربك ( أنت أغررتني وطمعتني في أخذ هذا الإقليم فأنظر كيف وحين تصنع وتدبر نفسك كيف تتصرف وإلا فهيا براسك ) . وحين أسر طومان باى قال له سليم : والله ما كان قصدي أذيتك ونويت الرجوع من حلب ولو أطعتني من الأول وجعلت السكة والخطبة بأسمى ما جيت لك و لا دُست أرضك ) . لم تكن لسليم أطماع حتى في ممتلكات غريمه إسماعيل الصفوي الذي كان لا يكف عن الاعتداء عليه في عقر داره، والذي كان ظهوره قلبا في استراتيجية الدولة العثمانية السنية المتجهة في فتوحها نحو أوربا المسيحية. وقد صرح سليم في رسالته  للغوري في محرم 922 بأن غرضه هو تأديب القزلباش ( كان لمجرد إظهار النواميس الإلهية والشرائع النبوية .. ولم يخطر ببالنا الشريف حقيقة طمع في المملكة أو استيلاء على الديار واكتفينا بتفريق شملهم وكسر أنوفهم ... ويعلم الله وكفى به شهيد أنه لم يخطر على البال قط طمع في أحد من سلاطين المسلمين أو في مملكته أو رغبة في إلحاق الضرر به لم يحدث ذلك لأن الشرع الشريف ينهى عنه! ) .وإذا كان هذا هو الحال مع الشاه الصفوي فكيف يطمع سليم في حين سابق ـ في الدولة المملوكية ؟. وقد بعث سليم يستميل طومان باى ويطلب طاعته ، وكرر هذه الدعوة بعد هزيمة طومان وفراره للصعيد ، وقد رضي طومان بأن يحكم باسم العثمانيين ولكن قتل بعض المماليك رسل العثمانيين ففشلت الوساطة . المستفاد من ذلك أن القزل باش هم سبب سقوط الدولة المملوكية ، وتحول مصر الى ولاية عثمانية .

خامسا : دسائس القزلباش بعد سقوط الدولة المملوكية

 فوجيء اسماعيل الصفوى بالانهيار السريع للدولة المملوكية غنيمة سهلة أمام خصمه اللدود سليم الأول . وهذا الأتساع الجديد للدولة العثمانية ـ علاوة على ما فيه من مكاسب لسليم ـ فقد سد الطريق أمام إسماعيل الصوفي للتوسع غربا ولم يعد أمامه إلا تكثيف جهود القزلباش للكيد للعثمانيين، فنشطت خلاياهم تلاحق العثمانيين وتؤرقهم بعد سقوط الدولة المملوكية . ونعطى ما توفّر لنا من أمثلة :

1 ـ فى حياة الغورى استولى السلطان سليم على إمارة دلغادر عام 921 التى كانت تابعة للدولة المملوكية، وجعل على بن شاه سوار حاكما عليها باسم العثمانيين مما أغضب السلطان الغورى لأن الوالى الجديد هو ابن شاه سوار الذى حارب السلطان قايتباى . وكان قايتباى قد أمر بصلب شاه سوار على باب زويلة.  وكان على بن سوار هذا حريصا على الثأر لأبيه شاه سوار. وبعد أسر طومان باى كان الذى تولى صلبه على باب زويله هو ذلك الأمير على بن شاه سوار. الغريب هنا أن ينجح القزل باش فى استمالة على بن شاه سوار ، وتشجيعه على الثورة ضد سليم العثمانى ، وانكشفت المؤامرة فأمر سليم باعدام علي بن شاه سوار مصرعه سنة 928 .  

2 ـ  وقام القزل باش فى دمشق بإثارة الشيعة فقاموا بمظاهرات يندبون الحسين ، توطئة لتحويل المظاهرات من شيعية عادية الى ثورة سياسية ، ولكن سارع العثمانيون بإخمادها .

3 ـ وأعتقل العثمانيون جاسوسا بدمشق من القزلباش أقر بأن الصفوى عزم على التوجه إلى آمد .

4 ـ ووصل جواسيس القزلباش الى الأمير العربى ابن حنش الشيعي المقيم في صيدا والمعروف بشدته ، وكان الأمير المملوكى جان  بردى الغزالي بعد هزيمة الغورى قد قام بتسليم دمشق لابن حنش ، ليصد عنها جيش العثمانيين ، بينما تابع هذا الأمير المملوكى سيره مع الأمراء إلى مصر . وقبل ابن حنش تحمل المسؤولية ولا سيما وقد وعده السلطان المملوكى فى القاهرة طومان باى بتوليته على الشام إذا نجح في ذلك ، بل وعينه واليا على حمص. إلا أن الأهالي اتفقوا على التسليم للعثمانيين ، فرضخ ابن حنش للأمر الواقع وأعلن تبعيته للعثمانيين . ولكنه كان يعدّ العدة للثورة على العثمانيين متحالفا مع القزلباش ، وإنكشف أمره للسلطان سليم العثمانى الذى كان قمة فى الحذر من الشيعة خصوصا المشاهير منهم ، فبادر بالأمر بعزل ابن حنش واعتقاله . وفى تاريخ ابن طولون المعاصر للفتح العثمانى لمصر والشام نشم رائحة علاقات خفية بين ابن حنش وأتباع الشاه إسماعيل الصفوى ( القزل باش ) والمماليك المهزومين الذين اختبأوا عنده . وقبل القبض عليه بادر ابن حنش بالثورة على العثمانيين .

5 ـ وأفلح القزلباش فى أن يضموا أمراء آخرين ثاروا مع ابن حنش ، منهم ابن حرفوش في سهل البقاع وابن فخر الدين المعنى الدرزي. واستفحل أمر الثورة بعد مغادرة سليم دمشق إلى حلب وانتهت الثورة بمقتل وهزيمة ابن حنش وابن حرفوش  ، وكان سليم لا يزال في حلب.

6 ـ ووصل القزلباش الى التأثير على الأمير جان بردى الغزالى الذى انضم الى العثمانيين وخان رفاقه المماليك ، بل كان جان بردى الغزالى هو الذى تولى هزيمة صديقه ابن حنش لصالح سيده السلطان سليم . ولكن استطاع القزلباش التأثير على جان بردى الغزالى نفسه وأقنعوه بالثورة على العثمانيين ، وكان القزلباش قد أخبروا جان بردى الغزالى بأن سيدهم الشاه اسماعيل الصفوى سيرسل له 12 ألف جندى لمساعدته ، وعلم بذلك السلطان سليم فاحتاطوا مقدما ، فكان مصير جان بردى الغزالى الفشل. 

7 ـ أكثر من هذا ..كان ظهير الدين الأردبيلي (أحد مشاهير العلماء السنيين فى تبريز) عميلا سريا للقزلباش ، اى كان شيعيا من القزل باش تنكر وسط المحيط السّنى فى تبريز واشتهر بينهم الى درجة أن السلطان سليم العثمانى إعتقد فى إخلاصه للسّنة ، فاصطحبه سليم وأخذه معه إلى عاصمته العثمانية ، وعيّن له كل يوم ثمانين درهما . ثم أرسله السلطان سليم مرشدا ومعلما للوالى العثمانى على مصر ، وكان أحمد باشا مملوك سليم ، وخادمه الأمين المخلص . وبوصول ظهير الدين الأردبيلى الى القاهرة فقد نجح فى إستمالة الوالى العثمانى وجعله ينقلب على سيده السلطان سليم ويثور ليحوّل مصر إلى الدولة الشيعية ، ولكن أسرع الجيش العثمانى فى مصر بقتال وقتل الوالى العثمانى الثائر ، وأفشل ثورته.

الى هذه الدرجة بلغت مهارة القزل باش . فكيف بهم فى الأزهر قبيل وبعد سقوط الدولة المملوكية ؟ كل ما سبق هى الجذور الذى نفهم منها التطور الذى جعل الأزهر مكانة مقدسة بعد طول خمول .

سادسا : ـ القزل باش والأزهر والأوقاف قبل وبعد سقوط الدولة المملوكية

1 ـ كان توافد الصوفية ( الأعاجم ) لمصر شيئا مألوفا ، واشتهروا بإعلان الإلحاد الصوفى فى الحلول والاتحاد والانحلال الخلقى . ولم تكن المؤسسات الصوفية المنشأة بالوقف الأهلى ترحب بهم ، لحرص صاحبها وواقفها على التدقيق فيمن يتم توظيفهم فى مؤسساتهم من مدرسين وصوفية . ولأن أولئك الأعاجم الوافدين كانوا سيئى السّمعة فقد نجح بعضهم فى الالتحاق ببعض المؤسسات الخاملة والتى تتعيش من الوقف الخيرى كالأزهر . وسبق الحديث عن محنة الأزهر عام 810 حيث يقول المقريزى فى الخطط وفى ( السلوك ) : ( وبلغت عدتهم في هذه الأيام سبعمائةوخمسين رجلًا ما بين عجم وزيالعة ومن أهل ريف مصر ومغاربه، ولكل طائفة رواق يعرف بهم ). أى كان ( العجم ) من أوائل من ذكرهم المقريزى ضمن القاطنين بالأزهر ، وقد قام الأمير سودون حاجب الحجاب بالهجوم على الجامع الأزهر والقبض على من ضبطهم متلبسين بالفضائح الخلقية .

2 ـ إختلفت نوعيات القادمين للإقامة فى الأزهر بعد عصر المقريزى ومع ظهور القزلباش، وفدت نوعيات محترمة من الأعاجم شجعت أصحاب الأوقاف الخيرية على العناية بهم وبذل الأوقاف لهم ، بل وتجديد الجامع الأزهر ، فقام السلطان قايتباي عام 873 بهدم الباب الواقع في الجهة الشمالية الغربية للجامع، وشيده من جديد،وأقام على يمينه مئذنة رشيقة ، وأكمل ما زاده في بناء المسجد قبيل وفاته. وبنى الغورى المئذنة ذات البرجين . وأقام الأمير يشبك مأدبة حافلة للطلبة الأزهر في يوم الاثنين 3 ربيع الثاني 877، قبل سفره للشام على أمل أن ينتصر على شاه سوار.  

3 ـ لم يعد معظم ( مجاورو الأزهر ) من شذّاذ الآفاق والهاربين من هنا وهناك بل طلبة علم تقاة من الأعاجم تميزوا بطربوش أحمر مستدير تتدلى منه (زرّ) بلون مختلف أسود أو أزرق أو أخضر ، وتغطيه عمامة صغيرة بيضاء ، وانتشرت هذه الموضة بين رواقات الأزهر وطلبة العلم فيه . لم يعرف الغورى أنه زى مشتق من عمامة أو طربوش القزلباش الأحمر . ولم يعرف الغورى أن عملاء القزلباش هم أصحاب هذا التحول الخطير فى فى نوعية القادمين من الصوفية للأزهر. ربما كان يعرف هذا أعيان الشيعة المصريين أمهر الناس فى التخفى والتقية .

4 ـ وبعد سقوط الدولة المملوكية تولى هؤلاء القزلباش فى مقرهم السرى بأروقة الأزهر مهمة العمل على أقامة الدولة الشيعية فى مصر . ولكن فشلوا كما فشل السيد البدوى من قبل ، ليس فقط ليقظة الدولة العثمانية وهى فى عنفوان قوتها ، ولكن أيضا لأن إلاه القزلباش الذى كانوا يسجدون له وهو الشاه اسماعيل الصوفى الصفوى مات فجأة عام 930 بعد عمر قصير لم يتجاوز ثمانية وثلاثين عاما .

5 ـ بفشل الحركة سياسيا أدّت الظروف الجديدة فى مصر العثمانية الى إندثار المؤسسات الضخمة وأوقافها التى كانت لها الشهرة فى العصر المملوكى ، والتى قامت بالوقف الأهلى . قلنا إن الوقف الأهلى إزدهر فى الدولة المملوكية لحماية ثروات المماليك من المصادرة، وكان بعضهم يتحايل على ذلك بالاستبدال وغيره . أختلف الحال مع النظام الجديد الذى أرساه العثمانيون فى مصر . لم يعد هناك سلطان مملوكى متحكم،ولكن أبقى العثمانيون على المماليك كقوة محلية تدير القاهرة والأقاليم المصرية لصالحها، وجعلوا السلطة موزعة بينهم وبين الوالى والديوان لإضعاف الجميع وضمان تبعيتهم للعثمانيين .  كما أدخل العثمانيون نظام الالتزام، بقيام إحد الأغنياء بدفع مبالغ مالية مقدماً للدولة مقابل تحصيله للضرائب من المواطنين أضعافا مضاعفة . وتم تطبيق نظام الالتزام على الأرض الزراعية التى اعتبرها العثمانيون ملكا لهم بحق ( الفتح ).  وأدى نظام الالتزام الى مزيد من الخراب خصوصا فى أراضى الوقف الأهلى التى كانت من قبل تابعة للسلاطين المماليك فأصبحت مؤسساتها مجرد أطلال وآثار ، ولا تزال ، بينما إزدهر الأزهر وعلماؤه أصحاب الطربوش الأحمر والزر الملون ، لأن ما بقى من الأوقاف الخيرية توجّه نحو ( الأزهر ) فإكتسب قدسية بعد طول خمول .

أخيرا : مفاجأة :

1 ـ معنى القزلباش  أى "ذوو الرؤوس الحمر". والرأس الأحمر فى الطقوس القزلباشية كان يرمز للعضو الذكرى ، أى القضيب . وكان الطرطور الأحمر المنتصب هو الرمز للقضيب !!.

2 ـ تذكروا هذا كلما رأيتم شيخا من شيوخ الأزهر يتيه تقديسا بالزى الأزهرى ، وهو لايعرف أن ذلك الطربوش المقدس يعنى ( العضو الذكرى ، أو القضيب ) . تذكروا منظر الامام الأكبر شيخ الأزهر وهو يسير متفاخرا بالزى الأزهرى المقدس وفوق رأسه رمز القزلباش ،أى القضيب ..!! و..يحيا الجهل ..!!

3 ـ الموضوع القادم عن صلة هذا بالاخوان وايران وتركيا والسعودية والخليج .. 

دستور مرسى والأوقاف:( 9 /6) الاخوان والاوقاف والأزهر وأخونة الخليج

مقدمة

1 ـ بدأنا نشر هذه السلسلة عن دستور الاخوان فى ديسمبر من العام الماضى ، مع عقد اجتماعات تأسيسية الاخوان لوضع دستورهم ، ونحن مستمرون فيها الى ما بعد إقرارهذا الدستور باستفتاء زائف . وسننشر هذه المقالات فى كتاب فيما بعد . وحتى لا يظن القارىء لهذا الكتاب أننا كتبناه تعليقا عما فعله ويفعله الاخوان، فإننا نكرّر ونؤكد أنّ مقالاتنا هذه ـ وما سبقها عن الاخوان من سنوات ـ كاشفة ، تتجوّل فى عقل الاخوان وتتنبأ مقدما بتصرفاتهم .

2 ـ تفرعت هذه المقالات لتتوقف مع الأوقاف لأن دستور الاخوان نصّ عليها بما يشى ويشير الى خطة مبيتة لسلب أموال المصريين بالأوقاف، وكان لا بد من توضيح الاوقاف اصوليا وتاريخيا لأننا نتعامل مع جماعة تريد العودة الى العصور الوسطى حيث فساد الأوقاف وازدهارها . ودستورهم نصّ أيضا على دور الأزهر فكان لزاما الربط بين الأزهر والأوقاف ، بالاضافة الى ربط سابق بين الأزهر والمادة التى تجعل شريعة أهل السّنة والجماعة هى مصدر التشريع . وندخل الآن فى هذه المقالة الكاشفة عن حلم الاخوان بأخونة الخليج توطئة لتحقيق حلمهم فى استرجاع دولة الخلافة ، ولنتذكر سقوط الخلافة العثمانية عام 1924، وتقاعس عبد العزيز آل سعود عن إستعادتها وقت أن كان ملء السمع والبصر وقد استولى على الحجاز . ويأتى الدور على الاخوان فى تحقيق هذا الحلم بعد تأسيس جماعتهم بأكثر من ثمانين عاما . وليس هذا بعيدا عن موضوعنا فى الأوقاف والأزهر . ونعطى بعض التفاصيل :

أولا : الأزهر وشيخ الأزهر الحالى

1 ـ أشرنا من قبل الى تجهيز الأزهر ليحتل مكانة المحكمة الدستورية العليا ولأن يلعب دورا سياسيا وتشريعيا . ونجد تطبيقا لهذا فى هذه الأيام ( من شهر يناير 2013 ) فى أخبار شيخ الأزهر وهو يستقبل الوزراء(حتى وزير الداخلية ) وكبار السياسيين الغربيين . هذا مع أن شيخ الأزهر الحالى ( د . الطيب ) ليس من الاخوان ، بل هو ينتمى لدين أرضى مخالف هو( التصوف )، وكان ( د . الطيب ) من قبل من غلمان جمال مبارك ولجنة السياسات وظل مخلصا لآل مبارك حتى آخر لحظة ، وكتبنا مقالا وقتها ـ وهو منشور هنا ـ يجعل العار على شيخ الأزهر الذى جعل نفسه مطية لحاكم مستبد. ولكن الاخوان يستخدمونه مؤقتا لخدمتهم،ويبهرونه بنفوذ سياسى وتغطية اعلامية ويعطونه صلاحيات سياسية لم تكن لشيخ من قبله حتى ينتفخ ويتعود على هذا الوضع ويحرص على الاستمرار فيه ، فيتمسك بطاعة الاخوان، الى أن يصبح غير صالح للإستهلاك الآدمى فيتخلصوا منه .

2 ـ وجود شيخ الأزهر هذا بالذات مهم جدا للإخوان برغم الاختلاف العقيدى بينه وبينهم . فلأنه صوفى فهو يتمتع بكراهية السلفيين واحتقارهم ، وهم لا يتورعون عن الجهر بذلك علنا ، والسلفيون فى غبائهم السياسى يحتاجون الى تربية وسيطرة ومناورات ليتمكن الإخوان من إستغلالهم والاستفادة من غبائهم بأدنى قدر من الأضرار . والاخوان اساتذة فى فنّ المناورة، واستغلال شيخ الأزهر ضد السلفيين واستغلال السلفيين ضد شيخ الأزهر من وسائل تلك المناورة .

3 ـ ثم إنّ شيخ الأزهر متهم علنا بوجود فساد فى جنبات الأزهر ، وهناك شكاوى بهذا الشكل ، ثم إنه ليست له مؤلفات علمية وليس خطيبا مفوّها بل ليس خطيبا من أساسه ، وكتب بعضهم يتهمه بأنه كلّف بعض الباحثين بأن يؤلف بعض الكتب ليضع عليها شيخ الأزهر إسمه . أى نحن أمام شخص يحتل مكانة لا يصلح لها ولا تصلح له ، فليس عالما وليس فقيها وحتى ليس واعظا ، مجرد موظف ارتفع بالفساد فى عصر جمال مبارك ليكون شيخا للأزهر فى حملة التوريث، ثم ورثه الاخوان بحالته التعسة هذه، وبهذا البؤس يمكن إستغلاله لخدمة الاخوان بالترغيب والترهيب .

4 ـ ووجود مؤسسة الأزهر فى جيب الاخوان مهم جدا جعلهم يضعون هذا النّص على ( الأزهر ) فى دستورهم ، ليس فقط لتمكين الاخوان من أخونة مصر، ولكن بهدف (أخونة) وحكم الخليج والتحكم فى بتروله وقيادة العالم ( الاسلامى ). فالاخوان ومنذ البداية أنشأوا التنظيم العالمى لهذا الغرض، و( مصر) هى مجرد البداية ، وعندما يتحدث بعض المصريين عن الانتماء لمصر الوطن بديلا عن الانتماء للعقيدة الوهابية السنية، فإن مصر لا تستحق ـ فى أحلامهم الشمولية ـ إلّا تعبير (طُظ) الذى قاله مرشدهم السابق عاكف . ولكنّ الأزهر بعراقته وبكونه أيقونة (العالم السنى والصوفى ) وسيلة خطيرة فى تحقيق أمل الاخوان فى  تحقيق ما يسمى حلم (الخلافة الاسلامية ) بمصر وأزهرها. وهذا يحتاج الى أموال وأوقاف تأتى من مصر والخليج . لذا نعيد التذكير بنصوصهم الدستورية عن الأوقاف والأزهر ومصدرية التشريع لأهل السّنة والجماعة .

5 ـ وفى المقال البحثى السابق توقفنا مع الأزهر وشيوخ القزلباش الايرانيين ، ودورهم فى إسقاط الدولة المملوكية ممّا أثّر فى تاريخ العالم وقتها.  كان هناك صراع  وقتها بين القوى الاقليمية الكبرى:( الدولة المملوكية ومقرها مصر ) والدولة الايرانية ( الشاه اسماعيل الصفوى ) والدولة العثمانية ومقرها تركيا . وأدى الى سقوط الدولة المملوكية وتبعية مصر لتركيا العثمانية . وكان دور الأزهر وأوقافه فى بؤرة هذا الصراع .  تحمّلت المشقة فى كتابة هذا المقال البحثى  لأنّه إسقاط على حال مصر الآن ، حيث يحكمها الاخوان ـ ويتعاملون بالدهاء والتقية مع ( الشاه الشيعى المعاصر فى ايران ) و (رئيس تركيا باتجاهاته الدينية العثمانية ) ثم الدولة السعودية التى تم تخليقها مؤخرا كإحدى الخطايا الكبرى للقرن العشرين. وهذا اللاعب الجديد الوهابى ( السعودية ) يحتاج وقفة توضيحية فى توضيح علاقته بالاخوان الوهابيين.

ثانيا : منبع العداء بين السعوديين الوهابيين والاخوان الوهابيين

1 ـ قلنا من قبل إنّ عبد العزيز آل سعود هو المؤسس الحقيقى للجمعيات السلفية والاخوان المسلمين فى مصر، ولكن ما لبث أن وقعت السعودية فى عداء سياسى مع ربيبتهم ( الاخوان المسلمين ). تمكن عبد العزيز من تأسيس دولته بالاخوان ( النجديين ) الذين قام بتعليمهم الوهابية،وبسيوفهم وصلت أملاكه الى الحدود الحالية ومنها الحجاز ، بعد عدة مذابح فيه إشتهر بها أولئك الاخوان . دخل إخوان عبد العزيز فى خلاف سياسى معه؛ طبقا للوهابية هم يؤمنون باستمرار الجهاد ضد الجميع : صوفية وشيعة وحتى من السنيين الذين هم ليسوا وهابيين، وتؤيدهم تعاليم ابن عبد الوهاب التى علمها لهم فقهاء عبد العزيز، لذا نقموا عليه أنه يتعامل مع المصريين (المشركين ) والانجليز (الكافرين )، بينما يضطر عبد العزيز كرجل دولة أن يتعامل مع هؤلاء المشركين والكافرين، وهو مضطر لأن يكبح جماح الاخوان خصوصا بعد عدوانهم على الكويت واستمرار غاراتهم على العراق، وهو المسئول عن مذابحهم واعتداءاتهم .

2 ـ  ليس هذا فقط كل مظاهر الخلاف بين عبد العزيز وأتباعه الاخوان النجديين . الخلاف الأصلى هو فى مصدرية الحكم ومشروعيته.عبد العزيز يرى أنه هو مصدر الحكم وأنه يسعى لاسترداد ملك أجداده مستخدما الوهابية والاخوان النجديين وغيرهم ، بينما يرى الاخوان النجديون أن الوهابية التى تشربوها هى مصدرية الحكم لهم ولعبد العزيز، وأنهم شركاؤه بالعقيدة وبالسلاح .

3 ـ كان عبد العزيز يعتمد سياسة الصبر والنّفس الطويل ، لذا صبر على متاعب الاخوان النجديين وعمل على عزلهم واستبعادهم شيئا فشيئا بعد أن فتحوا له الحجاز ، وشغلهم بمؤتمرات الصلح ومفاوضاته ، وبعد أن أصبح مسيطرا على الحج وبامكانه التواصل مع ( المشركين ) أى المسلمين الحجاج من مصر وغيرها بدأ يعمل على إنشاء فروع له فى الخارج بين المسلمين ( المشركين) لنشر الوهابية بينهم . لذا  بدأ عملاء عبد العزيز فى إنشاء الجمعيات السلفية، وكان أهمها ( الاخوان المسلمين ) عام 1928 ليستعيض بهم مقدما عن ( إخوانه ) المشاغبين النجديين ، ثم بعدها قضى على الاخوان النجديين فى موقعة السبلة 1929 / 1930 . ثم حقّق أمنيته وهى تسمية الدولة الجديدة باسم عائلته السعودية عام 1932 ليحكمها بلا منازع ،اى إنّه استغل الوهابية والاخوان النجديين لاقامة دولته واستعادة ملك آبائه ، وتوقف تاركا عملاءه الاخوان المسلمين المصريين ليواصلوا الدور خارج حدود دولته وليخدموه شريطة ألا يكون لهم دور فى مملكته حتى لا يزايدوا عليه كما فعل الإخوان النجديون.

4 ـ قدّم الاخوان ( المصريون ) أكبر خدمة للسعودية والوهابية ، هم الذين نشروها فى مصر وخارجها ، وهم الذين صاغوا فقه ابن عبد الوهاب وابن تيمية فى لغة معاصرة ميسّرة ، وهم الذين استخدموا مصر وموقعها ومكانتها فى تعزيز الوهابية ودورالسعودية . ثم جاء عصر البترول والعلاقات الدولية والاقليمية لتزيد هذا نجاحا وإزدهارا .

5 ـ ولكن هذا النجاح الاخوانى كانت له آثار جانبية شديدة الخطور على الأسرة السعودية . فقد أدى إضطهاد عبد الناصر للإخوان الى هرب الكثيرين منهم الى السعودية ليعملوا هناك فى التعليم والاعلام وغيره . هؤلاء الاخوان المصريون عاشوا الليبرالية المصرية وشهدوا فاوق ملكا مصريا ليبراليا يختلف تماما عن الحكم المطلق لآل سعود وفسادهم وجهلهم وانحلالهم . وهؤلاء الإخوان المصريون تربوا على يد إمامهم حسن البنا فى  التقية والنفاق والخداع والتحدث بأكثر من لغة وبأكثر من وجه . فطبيعة الوضع فى مصر إختلفت عنها فى نجد والجزيرة العربية،فإخوان ( نجد ) الذين ربّاهم عبد العزيز كانوا لا يعرفون المدهنة أو المراوغة ، يتكلمون بالسيف قبل اللسان وبالسيف بلا لسان ، وإما أن تكون معهم مجاهدا أولا تكون معهم فتصبح فريسة لسيوفهم . إختلف الأمر مع حسن البنا ، فالمسلمون المصريون معظمهم يمقت الوهابية ، وهو مضطر لنشرها ليصل للحكم على أكتاف هؤلاء الكارهين للوهابية ، لذا تم التعتيم التام على مصطلح الوهابية والحنبلية ، واستعملوا بدلها مصطلحى ( السلف ) و ( السنة )، وكانت تعليمات الوهابية سرية للموثوق بهم من أعضاء الجماعة. هى جماعة سياسية تسعى بالتآمر للوصول للحكم وتتبع اسلوب الاغتيالات بينما تعلن أنها جماعة دعوية مسالمة لا شأن لها بالسياسة . هذه المراوغة استعملها الاخوان المسلمون المصريون فى داخل السعودية، فأفسدوا الأمر على آل سعود.

6 ـ وتزامن هذا مع عصر سيد قطب ومؤلفاته ونهايته المأساوية فى عهد عبد الناصر. آمن كثيرون بمقولة سيد قطب فى تكفير كل المسلمين وتكفير الحكام المسلمين بما فيهم حكام السعودية والخليج الوهابيين،وآمنوا بالجهاد فى سبيل استعادة الخلافة على أنقاض حكم أولئك المستبدين المفسدين  لمواجهة الغرب فى معركة فاصلة تنبأت بها كتب السّنة . هذه ( القطبية ) أو فكر سيد قطب تم نشره فى السعودية فى وقت عصيب للسعوديين ، كانت فيه التبعية السعودية لأمريكا والغرب على أشدها وقت احتياج أمريكا للسعودية فى حربها الباردة ضد الالحاد الشيوعى .

7 ـ ثم آتت دعوة الاخوان المسلمين أكلها فى حرب الخليج التى أظهرت عجز الأسرة السعودية عن حماية دولتها برغم التسليح الهائل ببلايين الدولارات ، فظهرت المعارضة السعودية تعتنق فكر سيد قطب ، وهى التى تتوجت بابن لادن والقاعدة. فالقاعدة هى التجسيد الحىّ المفزع المنفّذ لفكر سيد قطب. وكل هذا خرج من عباءة الاخوان المسلمين شأن كل التنظيمات الارهابية ما ظهر منها وما بطن . ولهذا تعتبر الاسرة السعودية الاخوان المسلمين عدوا سياسيا برغم تبعيتهم للوهابية. هذا بينما تغدق السعودية على السلفيين الذين ينشرون الوهابية مغلفة بطاعة أولى الأمر من مبارك الى آل سعود .

ثالثا : منبع العداء بين الاخوان المسلمين الوهابيين ودول الخليج الوهابية

1 ـونؤكد مجددا أن مصدرية السلطة أساس الخلاف، يرى آل سعود أنهم مصدر السلطة ويرى الاخوان القطبيون أن الوهابية هى مصدر السلطة ، لذا يريدون إسقاط الأسرة السعودية التى استغلت الوهابية لتعود السلطة للوهابية وقادتها ودعاتها.

2 ـ وينطبق الأمر على دول الخليج التى تحكمها أسرات تنتمى فى الأصل الى منطقة نجد وتعتنق الوهابية وتضطهد الشيعة. وكما توغّل فكر سيد قطب فى السعودية وخلق معارضة داخلها فقد تغلغل أيضا داخل دول الخليج . خطر الاخوان ماثل بالذات فى الكويت التى لا تزال تحتفظ بذكريات مؤلمة من غارات فيصل الدويش ـ زعيم إخوان النجديين فى عهد عبد العزيز ـ والمذابح التى قام بها داخل الكويت. ولكن نجح الوهابيون فى ارساء الوهابية ، ورآها كويتيون ثائرون أصوليون فرصة لتحجيم استبداد الأمير فى ( دولة الكويت ) ، لذا تنتشر القطبية ( فكر سيد قطب ) بقوة فى الكويت منافسا للشيعة ونفوذ ايران المستتر هناك .  وهناك بذرة إخوانية فى الامارات أخذت فى التحرك بأوامر من الاخوان فى القاهرة . ولكن يقف لهم بالمرصاد رئيس شرطة دبى ضاحى خلفان . أما السلطة الحاكمة فى قطر فهى تجيد اللعب على الحبال، من أمريكا الى ايران ومن سعد الدين ابراهيم الى الاخوان. ومنذ إنشاء قناة الجزيرة تحاول قطر إحتواء الاخوان لتأمن شرّهم ، باستضافة القرضاوى وتقديم الدعم لاخوان مصر ومشاركتهم فى نهب مصر .

رابعا : تحييد امريكا واسرائيل بالترغيب والترهيب:

1 ـ الترغيب بتهدئة الأوضاع مؤقتا مع اسرائيل وأمريكا باستخدام حماس مع تقديم شتى التنازلات فى سيناء لتأجيل الصراع مع اسرائيل الى ما بعد الأخونة والتمكين .  

2 ـ ودور حماس مشهور فى التدريب العسكرى لميليشيات الاخوان التى ستؤسس لهم التمكين فى مصر. حماس الوهابية لا يهمها عدد الضحايا من الغارات الاسرائيلية ، بل كلما زاد عدد الضحايا زادت الاحتجاجات على اسرائيل لصالح حماس. ولهذا فإن الظاهرة الواضحة فى الصراع بين حماس واسرائيل هو محاولة اسرائيل تفادى قتل المدنيين وقتل من تعتبرهم ارهابيين من حماس فقط ، يقابل هذا حرص أكبر من قادة  حماس على إطلاق الصواريخ من وسط المبانى ثم التخفى فى عمق التكاثف السكانى الهائل فى غزة، بل فى المستشفيات وسيارات الاسعاف. أى يتخذون المرضى والنساء والأطفال دروعا بشرية يحتمون بها ، أو يتخذونهم رهائن يهددون بهم اسرائيل لارغام اسرائيل على أن تخطىء فى التصويب وتقتل المدنيين ، وبعد أن تنجح حماس فى جعل إسرائيل تقتل المدنيين وتهدم بيوتهم تقوم بتصوير الضحايا لاستجداء عطف العالم ونقمته على اسرائيل . تعبت إسرائيل وأمريكا من هذه اللعبة ، فظهر الاخوان لحلّ المشكلة مقابل تأييد الأمريكان والاسرائيليين للأخونة والتمكين فى مصر.

3 ـ وقبلها استخدم الاخوان حماس فى الهجوم على الجنود المصريين فى رمضان الماضى مما أدى الى سهولة التخلص من المجلس العسكرى، فخرج مجللا بالعار ، وجاءت وزيرة الخارجية الأمريكية تبارك هذا الانقلاب. ثم استخدم الاخوان حماس وصواريخها فى ضرب اسرائيل فردّت اسرائيل بعنفها المعروف ، وإحتدمت أزمة كبرى فهرعت أمريكا تريد الحل وتوسط الاخوان ليقبضوا الثمن من أمريكا، وجاءت مرة ثانية وزيرة الخارجية الأمريكية تبارك انفراد مرسى بكل السلطات ، وتمرير هذا الدستور الاخوانى .

4 ـ ولدى الاخوان فزّاعة أخرى يهددون بها العمق الأمريكى نفسه ، فهناك ملايين المسلمين الأمريكيين يسيطر عليهم الاخوان خلال مئات المساجد والمراكز ( الاسلامية ) والمنظمات المختلفة ، وكلها تتمتع بالتمويل من الخليج وتتمتع بالحرية وفقا للدستور الأمريكى نفسه . وهم عنصر ضغط هائل على أهبة التحرك عند اللزوم .

5 ـ بالاضافة لما سبق يستخدم الاخوان التقرب من ايران فزّاعة ضد اسرائيل وأمريكا.

خامسا : أخونة الخليج

1 ـ التقارب المؤقت مع ايران الشيعية مباح وفق البراجماتية الاخوانية مهما إحتج السلفيون بغبائهم المعهود والمحمود ، فالاخوان قادرون على توظيف هذا الغباء السلفى لصالحهم كالعادة ..

2 ـ هذا التقرب المؤقت ( المحسوب بدقّة) من ايران هو تهديد مباشر ضد السعودية ودول الخليج يساعد على سرعة الأخونة وتمكين الاخوان فى الخليج . ولو حدث تحالف مؤقت وفعلى بين مصر وايران فإن سقوط السعودية ودول الخليج أمر حتمى لأنها دول ترانزيت مؤقتة ومرحلية تقع فى مناطق النفوذ بين القوتين الاقليميتين فى ايران ومصر . وبهذه الفزاعة يمكن للاخوان فى مصر الضغط على حكام الخليج لاتمام التمكين فى مصر وخارجها .

3 ـ هناك أيضا الاستفادة من تجربة التيار الدينى الإيرانى الخومينى فى التمكين .التيار الشيعى الخومينى إختطف الثورة الايرانية الشعبية التى قام بها اليساريون ومجاهدو خلق ضد الشاه فحكم الخومينى بعد الشاه،وأدخل الثوار السجون وشتتهم .  وكذلك إختطف الاخوان الثورة المصرية وفعلوا ويفعلون وسيفعلون نفس الشىء مع الثوار المصريين . ووصل الخومينويون الى التمكين فى ايران ، وأصبح لهم الحرس الثورى والسيطرة على الجيش والاقتصاد، وهذا ما يسعى اليه الاخوان فى مصر بالتعلم من التجربة الايرانية الشيعية.

4 ـ ولكى تكتمل أدوات الضغط الخارجى ولكى يكتمل التمكين وتكتمل الأخونة فلا بد من تدعيم دور الأزهر داخليا وخارجيا، ولا بد من إرجاع أوقافه اليه، بل لا بد من إضافة أوقاف جديدة له داخل مصر وخارجها .   ويقع هذا العبء المالى على دول الخليج والسعودية منبع الوهابية . بعقيدة الاستحلال الوهابية السّنية يرى الاخوان أنهم الأحق بمئات البلايين المكتنزة داخل حسابات حكام الخليج ، ويرى الاخوان أن تلك الأسرات الحاكمة قد نهبت الكثير باستغلال الوهابية وقد آن الأوان لقادة الوهابية أن يأخذوا ( حقهم ) من البترول وعوائده ، وأن يسودوا ( العالم الاسلامى ) بدلا من ابن سعود الذى قنع بمملكته وتراخى عن تحقيق الحلم العتيد فى إقامة الدولة الاسلامية الموحدة بخلافتها التى تستعيد عظمة العثمانيين والعباسيين والأمويين .  

5 ـ فى المرحلة التالية وبعد خداع ايران بالتقرب المؤقت منها فلا بد من القضاء على دولة الشيعة فى ايران لتحقيق الزعامة المنفرد للاخوان الوهابيين للمسلمين وإقامة دولة الخلافة . أى فى النهاية سينحصر الصراع بين الاخوان الوهابيين والشيعة الإيرانيين .

6 ـ كلاهما يطمع فى بترول الخليج ، إيران الشيعية ترى أنها هى الأحق ببترول الخليج ( الفارسى ) والاخوان الوهابيون يرون أنهم الأحق ببترول الخليج ( العربى الاسلامى السّنى  ). كلاهما يريد تزعم ( العالم الاسلامى ) وكلاهما محتاج لبترول الخليج للوصول الى هذه الزعامة . الاخوان لديهم الفرصة الكبرى، فمعظم العالم ( الاسلامى ) يدين بالسنة أو بالتصوف السنى بينما يظل الشيعة أقليات متفرقة . وايران لا تبلغ مكانة مصر فى العالم (الاسلامى )، ولا يعلم المسلمون شيئا عن ( قم ) المدينة الشيعية الفارسية المقدسة، بل إن معظم الحوزات الشيعية والأماكن المقدسة للشيعة تقع فى العراق ، بينما يعرف المسلمون كلهم الأزهر ، وشيخه هو ( الامام الأكبر ) للمسلمين ، أو هكذا يقولون . الشىء الوحيد الذى تتفوق به ايران والشيعة عموما هو نصيب العُشر الذى يؤديه كل شيعى لمرجعيته الدينية . هذا لا يوجد لدى أهل السّنة . وبهذا التمويل السنوى تتأصل قوة أئمة الشيعة سياسيا . ولكى يتعادل الاخوان ( ماليا ) فلا بد من ثروة الخليج ، ولا بد من تبعية الأوقاف لهم ، ولا بد من تقوية ( أزهرهم ) بأوقافه ليحكموا من خلاله العالم الاسلامى من داخل القاهرة ( الاخوانية ).

7 ـ يعتقد الاخوان أن دول الخليج تدفع إتاوة للقاعدة كى لا تنفذ أعمالا ارهابية فى مدائن الخليج من دبى الى الدوحة وغيرها . ويطمع الاخوان فى الوقت الراهن فى حصّة مالية من صاحب العرش فى الخليج الى أن يصلوا الى مرحلة التمكين ويأخذوا العرش نفسه .

8 ـ يعتقد الاخوان بأنّ ظروف دول الخليج تساعد على سقوطها . فأغلبية السكان أجانب مسلمون وافدون يسهل حشدهم وأخونتهم ، بل إن معظم السكان الأصليين فى الخليج من الشيعة والبدون ، وهم تحت سياط الاضطهاد، والتحالف معهم ميسور ضد الأقلية الحاكمة . وأخونة هذه الأغلبيات الساكنة فى الخليج يجرى على قدم وساق ، بل تساعده بقوة أجهزة الاعلام والتعليم والمؤسسات الدينية الرسمية هناك ، حيث يتم فرض الفكر الوهابى وتتم حمايته من النقد ووقايته من شرّ النقاش . أى يتولى حكام الخليج أنفسهم نشر الوهابية والقطبية وفكر القاعدة على أن ذلك هو الاسلام ، فيقدمون للقطبية الاخوانية أكبر خدمة مجانية تساعدهم على ضم مئات الألوف من الوافدين والحانقين والحاقدين والمهمشين الى فكر الاخوان . هذه هى المرحلة الأولى عند الاخوان ، وهى مرحلة الدعوة والتربية وغسيل المخ . تليها مرحلة الأخونة والتمكين وإحتدام المواجهة بين الاخوان وحكام الخليج . وعند المواجهة سيشتعل الخليج بالنار والدماء والدمار ، فكل مدائنهم مقامة فوق فوّهة بركان يملك الاخوان مفاتيح تفجيره.

أخيرا

1 ـ هذه رحلة فى عقل الاخوان .. وقد تحققت لنا نبوءات سابقة عن الاخوان ، ونطلب من القارىء أن يراجع مقالاتنا السابقة وتواريخ نشرها ليرى تأكيدا على صدق توقعاتنا .

2 ـ ونتوقع أن ينجح الاخوان فى أخونة مصر والخليج عبر حمّانات دم قادمة تهون الى جانبها حمامات الدم التى يشعلها القطبيون الآن فى سوريا والعراق بتخطيط من الاخوان وتنظيمهم الدولى .

4 ـ هذا إذا إستمرت الغفلة ، ولم يؤخذ بنصيحتنا فى تأسيس قنوات فضائية تقيم اصلاحا دينيا سلميا ثقافيا تنويريا يواجه الوهابية من داخل الاسلام . إن لم يتم هذا فتمتعوا بالسىء فإن الأسوأ قادم .. وسريعا ..

5 ـ اللهمّ بلّغت .. اللهمّ فاشهد ...!!

دستور مرسى : وسلب ثروات المصريين بالأوقاف : ( 9 / 7) : الاوقاف والأقباط

أولا :

 1 ـ كانت الأوقاف على الأديرة وغيرها ظاهرة مصرية عندما فتح العرب مصر ، وجاء تقليدهم لها بالتدريج خلال العصور التالية الى أن أصبحت لمصر مكانتها وريادتها فى العصر الفاطمى فإزدهرت الأوقاف وأصبح لها دورها السياسى والدعوى الذى تغير من الفاطميين الى الأيوبيين والمماليك . ومن الطبيعى فى نظم حكم يسودها التعصب والظلم وتستخدم الدين فى الاستبداد والاستعباد أن ينال الأقباط ظلم ، كان منه أستحلال أوقاف الأقباط . ولسنا فى مجال التأصيل البحثى فى هذا الموضوع حتى لا نخرج عن أساس الموضوع وهو ( دستور مرسى ) ، ولكن نكتفى بأمثلة كاشفة تشى وتشير الى العقلية السلفية الاخوانية الوهابية الحالية .

2 ـ إنّ مدى إستحلال الأوقاف القبطية فى مصر يبدو مرتبطا بمدى إضطهاد الأقباط ، فهى تزيد مع زيادة إضطهادهم وتقلّ وتخف مع خفوته . ينطبق هذا على القرون الوسطى كما ينطبق على تاريخ مصر الحديث والمعاصر . وربما يتفرّغ باحث قبطى لتجلية هذا الموضوع . ولكننذكّر بمقالاتنا عن اضطهاد الأقباط وثقافة الفتوح عند المقريزى ، وهذا الاضطهاد كان ـ ولا يزال ـ البيئة التى كان سلب الأوقاف ظاهرة فيها .

3 ـ وعلى سبيل المثال فقد اشتهر الخليفة الفاطمى المجنون ( الحاكم بأمر الله ) باضطهاد الأقباط ، وكان من ملامح هذا الاضطهاد أنه استولى على أوقاف الكنائس عام 399 . وتوقف الاضطهاد أو خفت فى العصر المملوكى فى فترات واسعة فكان السلاطين المماليك يصدرون مراسيم بعدم تعرض أحد لأوقاف دير سانت كاترين ، أى تقف السلطة حاميا لأوقاف الأقباط ضد الناهبين والمعتدين من ( المسلمين ) المتعصبين . وضمن هذا توصية السلاطين المماليك برعاية الأوقاف على الكنائس المصرية والشامية ، واشتهر بذلك السلطان الظاهر بيبرس برغم احتدام الحروب الصليبية فى عهده . وسار على نهجه السلاطين قلاوون و بيبرس الجاشنكير وبرقوق . وعلى خلاف ذلك نرى موقف السلطان المملوكى صالح ابن الناصر محمد بن قلاوون فى عام 755 ، إذ يأمر بالاستيلاء على أوقاف الكنائس عندما زادت عن 25 ألف فدان ، وأمر بتوزيع الزيادة على الأمراء وبعض الفقهاء . ومع وضوح الجانب السلبى السيىء فى هذا الخبر إلّا إنه يشير الى ناحية إيجابية هى زيادة الوقف على الكنائس الى درجة أثارت الفقهاء المتعصبين فأفتوا لهذا السلطان الصبى أن يصادر الزائد منها.

4 ـ فى بحث ( إضطهاد الأقباط بعد الفتح ( الاسلامى ) قلنا عن عصر الخليفة المتوكل : (وشهد عصر الخليفة المتوكل ظاهرة جديدة هى انتصار الفكر الحنبلى المتشدد وهزيمة الفكر المعتزلى العقلانى، وقد استمال السلفيون من أصحاب ابن حنبل ورواة الأحاديث الخليفة المتوكل إليهم، وبتأثيرهم دخلت الدولة العباسية فى اضطهاد مخالفيها فى المذهب والدين، فحوكم شيوخ التصوف وطورد الشيعة وهدم ضريح الحسين فى كربلاء، وصدرت قرارات لاضطهاد اليهود والنصارى، وانتشرت الروايات والفتاوى التى تضع الإطار التشريعى لتلك الممارسات، ومنها الحديث المشهور "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده..." ذلك الحديث الزائف الذى أثبتنا كذبه فى مقالة بجريدة الأحرار والذى يعتبر الدستور العملى للتطرف حتى الآن. ويهنا أن هذه الفكرة كان لها ابلغ الأثر فى انتقال الاضطهاد للأقباط من دائرة الحكم والسياسة إلى الشارع والعوام، وساعدت الروايات والفتاوى وجهود الفقهاء والقصاصين وأهل الحديث فى شحن الأفراد العاديين بالكراهية ضد مخالفيهم فى المذهب سواء كانوا صوفية أو شيعة أو كانوا مخالفين لهم فى الدين أى من اليهود أو من النصارى.. وبالتالى تحول الاضطهاد الرسمى العنصرى للأقباط إلى اضطهاد دينى يشارك فيه المصرى المسلم ضد أخيه المصرى القبطى.. وبمرور الزمن تعاظم تأثير تلك الروايات والفتاوى وأصبحت ركائز دينية تفرق بين أبناء الشعب الواحد وتباعد بينهم وبين الدين الحق الذى نزل على خاتم الأنبياء عليهم السلام. والمؤسف أن المسلم اليوم - إذا أراد أن يتدين - يجد أمامه كتابات اولئك الأئمة فيما يعرف الآن بكتب الفقه والسنن وقد احتوت على تلك الروايات والفتاوى فيأخذها عنهم كأنها الدين الحق ويصدق نسبتها الكاذبة للنبى محمد ، مع انها – أى تلك الأحاديث – قد كتبوها ونسبوها للنبى بعد موته بأكثر من قرنين من الزمان عبر اسناد شفهى مضحك. الا أن المسلم اليوم يصدق هذه الأحاديث المفتراة ويعتقد أن النبى محمدا عليه السلام قد قالها فعلا ، وعلى أساسها يعتقد أن كراهية المخالفين فى المذهب والاعتقاد من معالم الدين حتى لو كانوا من المسالمين الصابرين. والدليل على ذلك ما نراه فى عصرنا الراهن من اضطهاد للأقباط مع علو لنفوذ التيار الحنبلى السلفى والذى استعادته الدولة السعودية عبر مذهبها الوهابى وأصبح من علاماته التطرف والتعصب والانغلاق واضطهاد المخالفين والحكم بتكفيرهم وما يترتب على التكفير من سفك للدماء واستحلال للأموال..

أعاد ذلك لعصرنا الراهن ما ساد فى عصر الخليفة المتوكل العباسى من سطوة الفقهاء المتزمتين الذين سموا أنفسهم بأهل السنة واستمرت سطوتهم فى عصر من جاء بعده من الخلفاء حتى أصبحت سياسة متبعة . ثم اعاد التطرف الوهابى والنفوذ السعودى هذا التراث حيا فى عصرنا.وليس غريباً بعدها أن نعرف أن أئمة الحديث المشهورين عاشوا تلك الفترة من ابن حنبل إلى البخارى ومسلم والحاكم وغيرهم ،وقد أصبحوا الآن فى عصرنا آلهة منزهة عن الخطأ ومن يناقشهم - معتبرا اياهم بشرا يخطئون ويصيبون – يكون مصيره الاتهام بالكفروإنكار السنة.!!

ونعود إلى التطور الجديد فى اضطهاد الأقباط فى هذه الفترة.

فى سنة 235 هجرية أصدر الخليفة المتوكل مرسوماً يهدف إلى تحقير (أهل الذمة)فى كل الامبراطورية العباسية، وذلك بإلزامهم بارتداء زى معين ومظهر معين، مع هدم الكنائس الجديدة وتحصيل الضرائب والعشور من منازلهم وأن يجعل على أبواب بيوتهم صوراً للشياطين، ونهى المرسوم عن توظيفهم وتعليمهم عند المسلمين، وتسوية قبورهم بالأرض وألا يحملوا الصليب فى أعيادهم وألا يشعلوا المصابيح فى احتفالاتهم وألا يركبوا الخيول.. وقد طبق الولاة ذلك على أقباط مصر وأصبحت سنة متبعة.

ومفهوم تلك القرارات أن يشارك الناس فى إلزام الأقباط بها، ومن هنا بدأ انغماس العوام فى اضطهاد الأقباط.. وتعلموا أن ذلك يعنى إظهار الإخلاص للإسلام، وانتقل ذلك الفهم الخاطىء لبعض الولاة المتدينين مثل أحمد بن طولون الذى استقل بمصر ذاتياً فى إطار الخلافة العباسية، وكان معروفاً بتدينه وجرأته على سفك الدماء لصالح سلطانه، ولم يكن الأقباط يشكلون خطراً على نفوذه، بل كان يستعين بهم فى دواوينه وأعماله ومع ذلك فقد قام بعمليات اضطهاد ضد الأقباط كأفراد ومنشآت دينية.. ولم تكن له فيها دوافع سياسية، مما يرجح أن دوافعه كانت دينية نتيجة تأثره بالفكر السلفى السنى السائد، وقد كان معروفاً بإخلاصه لذلك الفكر. ) انتهى النقل .

ونقول : من هنا نفهم سلوك القاضى بكّار بن قتيبة ، قاضى مصر الذى ولاّاه الخليفة المتوكل عام 246 ، وظل فى منصبه 24 عاما الى ان مات عام 270 . كان هذا القاضى ظالما متعصبا على ملة سيده الخليفة المتوكل العباسى . وكان مطلوبا منه بحكم منصبه ان يشرف على تسجيل أوقاف الأقباط ، و( أهل الذمة ). ومع أن الخليفة المتوكل قد مات فقد ظل هذا الخليفة على تعصبه وظلمه ، حين كانت مصر تحت ولاية ابن طولون ، وكانت بغداد تحت سيطرة الموفق ،ولى العهد المسيطر على أخيه الخليفة المعتمد . ولقد تغيّر مناخ التعصب شيئا بموت الخليفة المتوكل ، إلّا أن هذا القاضى الظالم المتعصب بكّار بن قتيبة لم يتغيّر . والوالى أحمد بن طولون وقتها خلط عملا صالحا وآخر سيئا فى تعامله مع الأقباط ، وتسامحه القليل شجّع أحد الأقباط على أن يتوجّه اليه ليشكو القاضى المتعصب بكّار بن قتيبة . وخاطب القبطى الوالى أحمد بن طولون فى جرأة وشجاعة وكراهية للقاضى ، فقال لابن طولون : ( إنّ هذا الذى يزعم أنه كان قاضيا جعل ريع أبى حبسا ) أى حبس القاضى أو أوقف عقارا يملكه الشاكى . فاستدعى ابن طولون القاضى فقال القاضى بغلظة : ( ثبت عندى أن أباه حبس هذا الريع ، وهو يملكه ، فأمضيت الحبس ، فجاء هذا متظلما ، فضربته ، فخرج الى بغداد ، فجاءنى بكتاب هذا الذى يزعم أنه الموفق : لا تمض أحباس النصارى ، فعرفت أنه جاهل ، فلم ألتفت اليه .! ).

ونحلّل ما سبق :  هذا القاضى يقول (ثبت عندى أن أباه حبس هذا الريع )، أى جاءه شاهدان يشهدان بهذا فاعتمد شهادتهما بأن والد القبطى قد أوقف املاكه ، فاعتمد الوقف ، أى شهد شاهدا زور أن هذا الرجل أوقف املاكه متنازلا عنها فاعتمد القاضى شهادتهما واستولى على أملاك الرجل بزعم أنه تنازل عنها لتكون أوقافا تحت تصرف القاضى ، أى إنّ القاضى سلب أملاك الرجل القبطى بشهادة زور . وواضح بين السطور أن هذا حدث بعد موت الرجل ، فاستولى القاضى على أملاكه بزعم أنه أوقف أملاكه قبل أن يموت . وفوجىء ابن المتوفى بأن تركته قد تحولت الى أوقاف وتم مصادرتها فجاء للقاضى يشكو . القاضى يعترف بظلمه فيقول ( فجاء هذا متظلما فضربته .!)، أى يعترف القاضى بأنه ضرب الذى جاءه ( متظلما ).!!. لم يسكت القبطى فسافر اللى بغداد وشكا القاضى الى  ولى العهد( الموفق ) الذى كان مسيطرا على الخلافة العباسية وعلى أخيه الخليفة المعتمد . وأرسل الموفق برسالة أو بكتاب الى القاضى يأمره الموفق بألّا يقوم بوقف أملاك النصارى ،أى لا يستولى عليها بحجة الوقف . والقاضى المتغطرس يقول عن الموفق وكتابه ( فعرفت أنه جاهل ، فلم ألتفت اليه .! ).. نفهم هنا أننا أمام قاض ظالم سارق ناهب ومتمسك بظلمه. ويبدون انها لم تكن الحالة الوحيدة ، ولكن البطل القبطى الذى تمسّك بحقّه وسافر الى بغداد وقابل الموفق هو الذى أجبر المؤرخين على أن يذكروا هذه الحادثة . ولم يكن كل الأقباط المظاليم فى شجاعة وفى قدرة وإمكانات هذا القبطى . لذا خفيت عنا آهات المظاليم الآخرين .

أخيرا

1 ـ المستفاد ممّا سبق أن شريعة السنيين فى تعصبها يكون سهلا تطبيقها بشهادة الزور ، مجرد أن يشهد شاهدان على أن فلانا القبطى قد أوقف أرضه أو ممتلكاته ، فيقوم القاضى بإمضاء شهادتهما أو أن يعتمد شهادتهما ، ويستولى على أملاكه . حدث هذا فى العصر العباسى ( عصر السّلف ) فما الذى يمنع تطبيقها فى عصر ( السلفيين ) ؟؟

2 ـ من هنا نفهم وجود مادة للوقف فى دستور مرسى .هذه المادة تقف للأقباط بالمرصاد.

دستور مرسى سيخلق طالبان وسيقضى على الاخوان: ( 10)

أولا :

عم جمعة الفرّاش :

1 ـ كان يعمل فرّاشا فى مصلحة حكومية ، يقدم القهوة للمدير د . جرجس رزق وكبار الموظفين وهو ينحنى لهم ، يستقبلهم عند المصعد بالتحية ، ويودعهم عنده بنفس التحية . لم يكن عم جمعة يستريح لتعالى المدير د . جرجس رزق بالذات وتندره به ، ويعتبر عم جمعة هذا المدير المتغطرس من مبررات الفتنة الطائفية . كان يكره د. جرجس ولكنه كان مضطرا لموافقته ومنافقته ، ويتمنى فى أحلام يقظته أن يرى فى المنام هذا المدير العام وهو يرتدى بدلة الفرّاشين ويأتى يقدم القهوة خاضعا خانعا للدكتور جمعة أحمد على المدير الجديد للمصلحة ( عم جمعة الفراش سابقا ).

2 ـ  لفت نظرعم جمعة الفرّاش أن احد البلطجية فى الحىّ الذى يسكن فيه قد أعلن توبته وأطلق لحيته وتفرّغ للعبادة فى المسجد ، واصبح مقيم الشعائر ، يؤذّن للفجر وحتى العشاء ، ويأتيه رزقه رغدا من كل إتّجاه ، وبعد أن تاب أصبح أهل الحىّ ينحنون يقبّلون يده ويستمدّون منه البركة. أعجبت الفكرة عنم جمعة وقرر أن يجرّب حظّه فى المصلحة الحكومية التى يعمل بها . استعد لذلك باطلاق لحيته وبحفظ أجزاء كاملة من القرآن وحفظ أحاديث من ( رياض الصالحين ).

3 ـ فوجىء العاملون بالمصلحة بعم جمعة الفرّاش وهو يصيح فى المصلحة يؤذّن لصلاة الظهر، هرعوا اليه فوجدوه يقيم الصلاة ، ثم يصلى منفردا. جاء مدير الشركة د. جرجس ، وانتظر حتى فرغ عم جمعة من الصلاة ، وانتهره موضحا أن هذا مكان عمل حكومى ، وليس مسجدا أو كنيسة .! بكى عم جمعة الفرّاش ، وسجد وهو مستمر فى بكائه . ثم وقف وصاح كأنما نزل عليه الوحى : ( الله أكبر ..الله أكبر )، فارتجف الجميع بما فيهم د جرجس رزق نفسه.  وتقدم عم جمعة الفرّاش من المدير وأعلن بكل قوة إنه لن يتوقف عن الأذان وقت الصلاة حتى لو رفدوه أو قتلوه . وإنّ واجبه أن يرفع الأذان فى هذه المصلحة ليعلو ذكر الله جلّ وعلا فيها ، ومن يعترض فقد كفر .!. إضطرب د . جرجس وابتلع ريقه ، وانسحب صاغرا وأعين الموظفين تلاحقه بالاستنكار وتحيط عم جمعة بالتقدير. بعدها أصبح عم جمعة إمام  الموظفين جميعا فى الصلاة ، واضطر المدير الى الاعتذار له ، وإنكمش فى مكتبه تاركا تسيير أمور المصلحة الى نائبه الاستاذ عبد المجيد الذى أصبح من مريدي عم جمعة. تم تعيين فرّاش آخر مساعدا لعم جمعة الذى تفرّغ للصلاة والأذان ، وأصبح للموظفين ساعة للتفرّغ لصلاة الظهر خلف الشيخ جمعة ، وساعة مثلها للاستعداد لصلاة العصر ، وتقلّص العمل اليومى فى المصلحة الى سويعات هزيلة يتخللها تأجيل عمل اليوم الى الغد، ولا يأتى هذا الغد.

4 ـ هذا موجز سهرة درامية أعددتها فى التسعينيات ، ولم أستطع تسويقها فى تليفزيزن صفوت الشريف وقتها. واحتفظ لنفسى بالفكرة والسيناريو حتى لا يسرقها أولاد الحلال .

5 ـ يهمنا هنا إنّ عم جمعة الفرّاش استغل عصر التدين السطحى فأخذ يزايد على المدير القبطى بالدين ، وبعد أن كانوا ينحنى لكبار الموظفين اصبحوا هم الذين ينحنون اليه ، وبخشوع أكبر .!!.

 عم ممدوح المحامى

1 ـ هو محامى سلفى معروف، ليس معروفا عنه كفاءة متميزة فى المحاماة ، ولكنه صاحب سيرة نضالية ضد مبارك ، وبعد سقوط مبارك دخل أول مجلس شعب بعده ، ولأنه مناضل قديم قبل مرسى والكتانى والشاطر رأى عم ممدوح المحامى أنّ من حقه أن يزايد على الكتّانى رئيس مجلس الشعب ، فرفع صوته بالأذان وقت عقد الجلسات ، وفهم الكتانى رئيس المجلس الاخوانى اللعبة ، وأنها مزايدة عليه شخصيا من عم ممدوح المحامى ، وأنّ عم ممدوح بلحيته وبأذانه سيكون الامام للصلاة ثم الامام للمجلس كله بدلا منه ، فأسرع الكتّانى يصرخ فى عم ممدوح المحامى يزجره وينهاه عن المزايدة عليهم ، ولسان حاله يغنى أغنية شريفة فاضل : ( على مين على مين على مين .. على مين يا سيد العارفين .. ما تروحش تبيع المية فى حارة السقايين ).

2 ـ عم ممدوح المحامى إستغل الحكم الدينى السلفى كى يزايد بالصلاة والصلاح والتقوى على الكتأنى ، وأسرع الكتّانى يصدّه . وهو الآن كما يقال يفكّر فى تاسيس حزب سلفى جديد يزايد به على الاخوان وعلى زملائه السلفيين معا. وسنسمع العجائب .!!

عم فيصل الدويش الاخوانى :

1 ـ فيصل الدويش كان زعيم الاخوان النجديين الذين ربّاهم عبد العزيز آل سعود ، وبهم تمكن عبد العزيز من تكوين دولته التى حملت فيما بعد إسم المملكة السعودية. تعلم فيصل الدويش الوهابية من شيوخها الذين عيّنهم عبد العزيز فى ( الهُجر ) أو المستوطنات التى أقامها لهم عبد العزيزلجنده ( الاخوان ) . أى إن عبد العزيز هو سيدهم وهو قائدهم وهو زعيمهم وهو إمامهم ، وله عليهم فرض الطاعة بلا مناقشة . ولكن المزايدة فى التدين طبع أصيل فى أى حكم دينى ، لذا أسرع فيصل الدويش والإخوان يزايدون على عبد العزيز ، يتهمونه بالتهاون فى أمر الدين ، ثم تطرفوا فاتهموه بموالاة أعداء الدين ، أى المصريين المشركين والانجليز الكافرين ، ثم اتهموه بالكفر ، ثم رفعوا فى وجهه السلاح وقاتلوه . وانتصرعليهم .

2 ـ الطريف إن عم فيصل الدويش وأتباعه من الاخوان لم يكونوا يفهمون فى السياسة، ولا يعترفون بمخترعات العصر مثل السيارة والتليفون والتلغراف، ولأنها لم تكن معروفة لهم ،ولم تذكرها رسائل الامام ابن عبد الوهاب ورسائل ابن تيمية ، ولم ترد فى صحيح البخارى ومسلم فاعتبروها بدعة وضلالة و سحرا من عمل الشيطان، وكانت ضمن بنود الاعتراض على سيدهم عبد العزيز فى مؤتمر( الأرطاوية ) الذى عقدوه في ديسمبر 1926 ، للمزايدة على سيدهم عبد العزيز،وأيّدهم شيوخ الوهابية . إذ وجدوها فرصة ليؤسسوا لهم نفوذا فى دولة عبد العزيز .

3 ـ فى مؤتمر( الأرطاوية ) وجهوا لسيدهم عبد العزيز آل سعود الاتهامات لآتية : 1-إرسال ولده سعود الي مصر وولده فيصل الي لندن وهما من بلاد الشرك . ، 2-دخول المحمل المصري الي مكة مسلحا .3- استخدام التليفون والسيارات والتلغرافات وهي من أعمال السحر .4- طلب تفسير لمنع التجارة مع الكويت .فان كانوا مسلمين تعاملنا معهم وان كانوا مشركين حاربناهم. 5-المكوس والضرائب في نجد والتشريعات الوضعية .6- لماذا السكوت عن شيعة الاحساء والقطيف والتغاضي عن إدخالهم في دين الجماعة (أى دين أهل السّنة والجماعة ، أى الوهابية ) .7- لماذا السماح لبادية العراق وشرق الأردن بالرعي في مراعي المسلمين .8- ( التغاضى عن ) هدم القبور.

4 ـ واستمرت مزايدات أخرى فى مؤتمرات أخرى ، وانتهى المر بالتكفير والحرب .

عم ملّا عمر الطالبانى :

1 ـ على أنقاض الحكم الشيوعى قام حكم دينى ( إخوانى ) معتدل فى أفغانستان ، وما لبث أن زايدت عليه حركة طالبان وتولت محلّه حكم أفغانستان . نشأت طالبان في ولاية قندهار الواقعة جنوب غرب أفغانستان على الحدود مع باكستان عام 1994 . كان أتباعها من يتامى الحروب فى بيشاور ، وقد تعلموا الوهابية فى المدارس التى أنشأها وهابيو باكستان بتمويل سعودى . تخرجوا فى المدارس الدينية ، فحملوا لقب ( طالبان ) أى الطلبة. شاركوا فى القتال وتكوين الحكم الدينى فى افغانستان ، ثم زايدوا عليه وبايعوا (الملاّ عمر) اميرا عليهم عام 1994 . وفى 21/2/1995 استسلم لهم الرئيس الأفغاني برهان الدين رباني .

2 ـ هنا نموذج فريد فى المزايدة الدينية من داخل الدولة الدينية ، والعادة أن يفوز من هو أكثر تشددا وتزمتا . يبدأ الحكم الدينى بحاكم معتدل يتعامل مع الواقع السياسى بسياسة الوجهين ويحاول أن  يخفى أنيابه ما استطاع ، أما المعارض المزايد دينيا فأنيابه مسنونة وظاهرة،وهو لا يجيد لغة ( النّصوص ) والفتاوى يريد تطبيقها بأنيابه ، سواء كان ذلك ممكنا أو مستحيلا . ولو وصل هذا المزايد للحكم فسيفشل بالتأكيد ، لأن العمل السياسى لا يعرف إلا المواءمة فى التعامل مع الواقع . ولو قام بفرض آرائه بالقوة سيقتل الملايين ، وسيسقط  إن عاجلا أو آجلا . وهذا ما حدث لطالبان والملا المجاهد عمر.

ثانيا : مصير عم مرسى الاخوانى

1 ـ هذه مجرد نماذج فى المزايدة الدينية ، وتعززها وتؤكدها نماذج أخرى تظهر فى الأنباء اليومية المصرية ، حيث يزايد السلفيون على الاخوان ، ويزايد السلفيون على السلفيين ، ويزايد شيوخ الوعظ على بعضهم وعلى الجميع .

2 ـ التنافس السياسى والصراع على السلطة فى النظم العلمانية يكون بالتودد للجماهير واكتساب أصواتها وتأييدها ، بالصدق أو بالخداع . أما فى مجال الدول الدول الدينية والمناخ الذى يتسيد فيه الدين الأرضى وتدينه السطحى وإحترافه الدين فإن المزايدة الحزبية والسياسية ليس بالتقرب للجماهير ولكن فى فرض فتاوى التزمت الدينى ( الأرضى ) على الجماهير ، إعلاءا للتقوى فى مفهومهم. وإذا إضطر الحاكم الدينى الى نفاق الشعب فإنّه يقع ضحية للمزايدين عليه، فيتخذون من عمله دليلا على التهاون فى الدين والتحلل منه ، فيخلعون عنه الرداء الذى وصل به للحكم ليصلوا للحكم بدلا منه .

3. يبدا الأمر باتحاد الأجنحة كلها فى النضال ، فإذا وصل فريق للحكم قام الآخر بالمزايدة عليه بالدين ، وتبدأ المزاية لفظية ودعائية وسياسية ، ثم لا يلبث أن تتحول الى إتهامات بالكفر والفسوق ، ثم يتم الاحتكام الى السلاح ، فيتقاتل الفرقاء ويفوز الأقوى. أى بعد قتل الناس يقتلون بعضهم بعضا ، وكل منهم يعطى نفسه الحقيقة المطلقة ، وينفى ـ من البداية ـ عن خصمه حق الوجود وحق الحياة . 

4 ـ هذا منتظر أن يحدث فى مصر ، والسبب ليس فقط فى طبيعة الحكم الدينى الوهابى الحنبلى السّنى فى مصر والسعودية وافغانستان ، ولكن أيضا لأن بذرة هذا الشقاق موجودة فى دستور مرسى فى المادة التى تقول : ( مبادىء الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة فى مذاهب أهل السنه والجماعة  ). هنا نصّ مبهم لا يحدد شيئا ، فما هى ( مبادىء الشريعة الإسلامية)؟ وما هى ( أدلتها الكلية )؟ وما هى ( قواعدها الأصولية)؟ وما هى( قواعدها الفقهية)؟ وما هى( مصادرها المعتبرة) ؟ وأين تلك المصادر المعتبرة وكيف ننتقيها من المصادر الغير معتبرة وغير المحترمة ، وما هو مقاس الاعتبار ؟ وأين نجد تلك المصادر المعتبرة وأين موقعها:( فى مذاهب أهل السنه والجماعة ) ؟ ثم تتعاظم المأساة حين نعلم إختلاف الفقهاء والأئمة قديما وحديثا فى كل فقرة من الفقرات السابقة .  

5 ـ وبالتالى فالمجال متاح الآن للإختلاف الفقهى والسياسى فى كل فقرة . وبالتالى أيضا فالمجال مفتوح للمزايدة ، فالسلفيون يمكن لهم معارضة الاخوان فى كل فقرة ، وسيقفون لهم بالمرصاد فى كل موقف ، بدءا من فوائد البنوك الى حد الردة ، ومن تهنئة الأقباط فى الأعياد الى إطلاق اللحية . أما الشعب الجائع والافلاس القادم فليس مهما . المهم الوصول للحكم على أشلاء مصر والمصريين .

6 ـ وفى الصراع المسلح القادم سيكون الأخوان ( المعتدلون ) أول الضحايا عندما يظهر الطالبان المصريون من عمق الصعيد ، أوعندما يأتى ( المهدى غير المنتظر ) ، وربما يصحو المصريون ليجدوا  رءوس مرسى وبديع والشاطر والكتاتنى والعريان وغير العريان معلقة على باب زويلة ..

أخيرا

موعدنا مع المقال الأخير عن الحل الذى ينقذ الاخوان من مصير طومان باى على باب زويلة .!. 

خاتمة : الحلّ هو: الجهاد حتى إلغاء مرسى ..وإخوان مرسى.. ودستور مرسى ..

أولا :

1 ـ بدأنا مقالات هذا الكتاب مع اللجنة التأسيسية التى اجتمعت لكتابة هذا الدستور . ونختمها بهذا المقال يوم الاربعاء 23 يناير، قبيل يوم الجمعة 25 يناير الذى يعدّ له الثوار المصريون لاستئناف ثورتهم ضد الاخوان . نجحت الثورة المصرية فى إسقاط مبارك، ولكن المجلس العسكرى سارع باستلام السلطة وخدع الثوار ، ثم بدلا من إقامة حكومة انتقالية للاصلاح الدستورى والتشريعى قام المجلس العسكرى بتسليم ع الاخوان الرئاسة ، فانفرد مرسى وعشيرته بكل السلطات ، وبدءوا أخونة مصر والتمكين .يوم الجمعة القادم 25 يناير هو مرحلة هامة من مراحل النضال المصرى فى طريق التحرّر. هو طريق طويل ، قد ينتهى بتمكين الاخوان لو تهاون المصريون ، وقد ينتهى بتمكين المصريين من الحصول على حريتهم وكرامتهم لو تمسكوا بالنضال الى النهاية.  هنا صراع وجود ، يقوم على المعادلة الصفرية ، إمّا مصر وإمّا الاخوان .

2 ـ فى الصراع السياسى العادى تتعدد الخيارات ، حيث يكون هناك أبيض وأسود وبينهما درجات ألوان مختلفة ، أحمر وبُنّى وأصفر وأخضر وبرتقالى وأزرق..الخ . هذه هى السياسة العادية حين يمارسها فرقاء تحت ظل المساواة لا يزعم احدهم أنه يحتكر الدين ويعلو به فوق الآخرين . فى ظل زعم الاخوان باحتكار الاسلام لأنفسهم وفوق غيرهم تكون المعادلة صراعا بين ( أبيض وغير أبيض ) أى يفوز لون واحد فقط  يحصل على 100% ويترك الصفر للباقين جميعا ، أى واحد يكون له التمكين والآخر له الاسترقاق . وهذا هو لبّ الصراع بين الثوار المصريين الممثلين لمصر والاخوان،إن نجح الاخوان فلهم التمكين وركوب المصريين ، وإن نجح الثوار بمصر فسينتهى الاخوان سياسيا الى السجون والقبور . لا منزلة بين المنزلتين ، لا وسطية ولا رأى ثالث ، إمّا 100 % وإمّا صفر % أو صفر على الشمال.  

3 ـ ولهذا بدأ الاخوان بأخونة السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية والاعلام والدستور، وضربوا الديمقراطية التى وصلوا بها فى مقتل ، وإختطفوا الثورة المصرية وأذاقوا الثوار النّكال . والاخوان بهذا قد ساروا فى طريق مسدود نهايته صفرية ، فحتى لو وصلوا الى التمكين وقهروا مصر والمصريين فلن يصفوا لهم الجوّ، بل سيظهر لهم منافسون من داخل فرقائهم السلفيين ، وسينشب  صراع محلّى بينهم سينتهى بهم الى مذابح ، يفقدون فيها الحكم والحياة معا . هذه هى تجارب التاريخ فى الدول الدينية . صفر كبير لأن المستبد الدينى لا خيار أمامه سوى الصدر أو القبر.  

4 ـ نحن هنا نبحث عن حل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ، ننقذ مصر وننقذ الاخوان والسلفيين من انفسهم ومن مذابح قادمة، وذلك بالجهاد ضد الاخوان والسلفيين الى أن يتم منع استغلال الاسلام العظيم فى الصراع السياسى وينتهى خلط السياسة بالدين . لا بد من التفاعل السياسى والمشاركة السياسية لإنهاء وجود الأغلبية الصامتة الساكنة الساكتة التى ينشط بها الاستبداد والفساد ، ولكن لا بد أن يكون هذا التفاعل أوالصراع السياسى متكافئا بعيدا عن استغلال الدين ، ليتساوى الجميع فى تكافؤ الفرص . أى لا بد من الجهاد لإلغاء مرسى ودستور مرسى وإخوان مرسى .

5 ـ هنا فرق بين الجهاد والقتال . الجهاد يشمل شتى أنواع النضال ، من اليد واللسان ،ومن اسلوب السلم والاعتصام والمظاهرات الى القتال والمقاومة المسلحة ، من الصراخ والهتاف الى حمل السلاح وسفك الدماء . لذا قلنا (الجهاد حتى إلغاء مرسى ..وإخوان مرسى.. ودستور مرسى .. ) ولم نقل ( القتال حتى إلغاء مرسى..) ، أى نبدأ بالنضال السلمى فإذا ووجه النضال السلمى بالاعتداء فلا بد من مقابلته بإعتداء مماثل ،وفق شرع الله جل وعلا:( فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)(194)البقرة). وهذا اللجوء للقتال هو ضرورة فرضها مرسى وأخوان مرسى لإصرارهم على سلب حقوق المصريين فى الحرية والكرامة ، وبسبب فرض دستور مرسى شريعة القرون الوسطى المناقضة للاسلام ، ولهذا نقول وبكل إخلاص: ( ألا لعنة الله على مرسى وإخوان مرسى ودستور مرسى .!!). فهم الذين يجبرون المصريين على سلوك درب الكفاح . لقد حقّق المصريون أملهم فى إزاحة مبارك بأقل قدر من الدماء ، ولكن جاء الاخوان فإختطفوا ثورة المصريين واستغلوها فى ركوب المصريين ، ولا يزالون مستمرين على فرض دستورهم الشائن فوق رقاب المصريين ، ولن يعطوا المصريين حقوقهم إلا بالدم .

6 ـ هذه المواجهة المسلحة لو أسفرت عن انتصار مصر فستكون نوعا من العلاج من مرض خبيث،  كعلاج المريض بالمضاد الحيوى الذى يتكون من نفس جراثيم المرض ، أو على حدّ فول الشاعر ( داونى بالتى هى الداء ). ومع هذا نقول إنّ هذا الانتصار سيكون أيضا لصالح الاخوان المنهزمين ، سينقذهم من مصير أفظع ينتظرهم لو انتصروا على المصريين ، لإنّ إنتصارهم ووصولهم للتمكين سيتلوه صراع أخر بينهم وبين السلفيين وسائر أطياف التطرف وجماعات الارهاب ، وستشب فتنّ بمذابح وشلالات دم تبدأ بالاخوان أنفسهم وتستمر بعدهم . لو إنتصر المصريون على الاخوان سيكون المصريون أرحم بالاخوان من السلفيين وبقية الارهابيين سفّاكى الدماء باسم الدين . لذا نعيد القول: ( ألا لعنة الله على مرسى وإخوان مرسى ودستور مرسى .!!) لأنهم وضعوا مصر والمصريين أمام إختيارات دامية لا مفرّ منها ، إما أن تخنع لهم مصر وتخضع وإما حمامات دم ، قد لا تُبقى ولا تذر.

7 ـ تحذيرنا للإخوان وحسنى مبارك هو عملنا المستمر خلال ربع قرن . مثلا : فى عصر مبارك نشرنا مقالا هنا بعنوان:( إصلاح الدستور المصرى لا يكفى لا بد من حكومة انتقالية لتوطيد الاصلاح الشامل ) ، قلت فى مقدمته : (اضطر الرئيس مبارك أخيرا الى الموافقة على تغيير مادتين فى الدستور ، فهل يكفى هذا فى تحقيق الاصلاح الشامل الذى نناضل من أجله منذ ربع قرن؟ ان المستخلص من هذا الاصلاح هو احلال الانتخاب محل الاستفتاء، وسيعمل ترزية القوانين – كالعادة - على تفريغ هذا التعديل الرشيق من مضمونه ليصب فى النهاية لصالح التمديد أو التوريث... باختصار ليس المطلوب فقط تغيير مادة أو مادتين من الدستور المصرى بل تغيير الدستور كله ليكون دستورا ديمقراطيا حقيقيا يليق بمصر وشعبها، والاصلاح الدستورى لا يكفى ، فلا بد له من اصلاح تشريعى كامل يضع الأرضية القانونية لاصلاح سياسى حقيقى. والاصلاح السياسى لا يكفى بدون اصلاح دينى يشد من أزره حتى لا نقفز فى الظلام ويأتى طوفان عقيم يستعيد صرخة اوربا حين هتفت " اشنقوا آخر مستبد بامعاء آخر رجل دين". نريد لمصر العزيزة اصلاحا سلميا لا مفر منه ولم يعد ممكنا تأجيله أو المماطلة والا فالانفجار قادم . العناد هنا سيؤدى للهلاك ولا يصح لعناد شخص واحد أن يهدد السفينة المصرية فى أعاصير هذه التحولات التى يشهدها العالم منذ الحادى عشر من سبتمبر2001.) إنتهى المقال المنشوربتاريخ الأحد 06 اغسطس 2006.

ثانيا : تحريضنا سابقا على الكفاح المسلّح للتحرّر من طغيان مبارك ورفضه الاصلاح سلميا :

إشتهر مبارك بالغباء والعناد ، إستسهل بغبائه وعناده أن يحكم طاغيا ليمارس هوايته فى السرقة والنهب وتعذيب خصومه ، ونحن منهم . ترتب عليه أن مفكرا مسالما مثلى إضطر أن يكتب محرّضا على الكفاح المسلّح فى مقال بعنوان: (واخيراً .. لا مفرّ من الدم ..!!)، كان ذلك بتاريخ 17 ديسمبر 2010 . وحين هرب الطاغية التونسى بن على ، كتبت مقالا بعنوان : ( نداء الى جنرالات الجيش المصرى : أليس منكم رجل رشيد ؟ )  فى يوم الجمعة 14 يناير 2011. و قلت فيه :( جاء الآن فى الساعة الواحة ظهرا بتوقيت واشنطن يوم الجمعة 14 يناير 2011، نبأ هروب طاغية تونس زين الدين بن على بعد انتفاضة الشعب التونسى البطل، بعد أن تحمل عشرات القتلى الذين سقطوا برصاص الأمن الخائن لشعبه ووطنه ..  وهرب بن على لأن الجيش التونسى أثبت شهامته ووطنيته فوقف مع الشعب ولم يشارك خونة الشرطة فى قتل الشعب ...الكل الآن يتطلع الى مصر وخيبتها فى جيشها وفى قيادات جهازها الأمنى الخونة.)، وتتابعت بعدها المقالات فى التحريض على المقاومة المسلحة ضد مبارك، منها مقال يتنبأ مقدما بسقوط مبارك ومشروع التوريث :( مبارك الطريد ..بلا توريث ولا تمديد ) في الأحد 16 يناير 2011 ) ، ومقال فى وجوب شرعية المقاومة المسلحة ضد مبارك :( يا أيها الجلاّد : مقاومة سلطاتك شرف وعزّة وجهاد ) فى يوم الإثنين 17 يناير 2011 ).ثم إندلعت الثورة المصرية بمظاهرات التحرير فكان فى نفس اليوم مقال : ( بشأن مظاهرات يوم الغضب المصرى: الثلاثاء 25 يناير 2011 ) . وثبت شيخ الأزهر يدافع عن مبارك فكتبت فى اليوم التالى :( عار عليك يا شيخ الأزهر أن تكون مطية لطاغية فاجر): الأربعاء 26 يناير 2011 ). وفى اليوم التالى دعوة لأمهات مصر بالمشاركة فى الثورة :(يا أمهات مصر : تحركن لقيادة المظاهرات : الخميس 27 يناير 2011 ).ثم تأكيد آخر عن وجوب الكفاح المسلح ضد الطغيان جهادا فى سبيل الله جل وعلا : ( النضال فى سبيل العدل هو جهاد فى سبيل الله) : في الإثنين 31 يناير 2011 ). وفى نفس اليوم مقال ( انتصرت ثورة اللوتس المصرية ) لإثنين 31 يناير 2011 .) . وظلّ مبارك متشبثا بموقعه فكتبت مقال: ( يا مبارك : إخرج منها مذءوما مدحورا ) الثلاثاء 01 فبراير 2011 ) . ووضح إنحياز قادة العسكر لسيدهم مبارك فكتبت : ( أين شرف العسكرية المصرية ؟ هل تقف مع جنرالات مبارك أم مع مصر وشعبها ؟)في السبت 05 فبراير 2011 ) . وفى النهاية تنازل مبارك فكان مقال : ( الله أكبر .. وسقط الطاغية غير المبارك ) في الجمعة 11 فبراير 2011 ). وتوالت بعدها المقالات ، مثل : ( المستبد خائن لشعبه ، وبموته يحيا شعبه ) (في الأربعاء 23 فبراير 2011 ) .

ثالثا : تحريضنا الآن على الكفاح المسلّح للتحرّر من طغيان الاخوان ورفضهم الاصلاح سلميا :

1 ـ عناد مبارك يفوقه عناد الاخوان .عناد مبارك كان عنادا علمانيا شخصيا سياسيا ، لذا رضى فى النهاية بالتنازل عن العرش . عناد الاخوان أساسه ما سبق التذكير به من المعادلة الصفرية ، إمّا تمكينهم من رقاب المصريين وإما أن يتمكن المصريون من رقابهم . لذا لم تحدث حرب أهلية فى سبيل الخلاص من مبارك ، ولكن نذر الحرب الأهلية واضحة فى مصر ، حتى مع بداية عهد الاخوان وحتى قبل وصولهم الى الأخونة والتمكين . وإذا كنا قد حرّضنا على المواجهة المسلحة ضد مبارك فهذه المواجهة باتت حتمية ليس لأننا نقول ذلك ، ولكن لأن الاخوان قد جعلوها حتمية ، فإما أن يتمكنوا بمصر والمصريين إستبداد ا وسلبا ونهبا واسترقاقا ، ويرضى المصريون بهذا خنوعا وخضوعا وركوعا لبديع ومرسى والشاطر والعريان وبقية العصابة ، وإمّا أن يهب المصريون دفاعا عن شرفهم وحريتهم وكرامتهم وثرواتهم ومقدرات بلادهم ومستقبل أولادهم . وطالما يتجهّز الاخوان وأتباعهم للحرب والقتل والقتال دفاعا عن مرسى ودستور مرسى وإخوان مرسى ووهابية مرسى فلا سبيل لأحرار مصر من الدفاع ضد عدوّ سبق له أن إعتدى وفجر وقتل وحاصر وهدّد . وحدث هذا كله فى عدة أشهر بعد أن إختطف الاخوان ثورة المصريين . أى نحن هنا أمام عدو سفّاك للدماء ، يدمن الاعتداء على الغير ويجعله فريضة دينية وفق شريعته الوهابية السلفية . وهم قد بدءوا به مبكرا ، وهم اصحاب تاريخ اسود فى سفك الدماء منذ أن ظهروا تحت زعامة حسن البنّا ، الى أن تآمروا على عبد الناصر ، ثم ردّوا جميل السادات بقتل السادات ، وأفسدوا فى الأرض قتلا وسلبا فى عهد مبارك ، ومن رفاقهم خارج مصر انتشر الارهاب من اندونيسيا وباكستان وأفغانستان والعراق وسوريا ولبنان الى الجزائر ونيجيريا وليبيا ومالى ولندن ومدريد ونيويورك ، يشوهون الاسلام العظيم بارهابهم .

2 ـ ينطبق علي الاخوان وصف ( المعتدون ) و(الذين يفتنون الناس فى الدين )بالاضطهاد والاكراه فى الدين . لقد فرض رب العزّة جل وعلا فى تشريعه قتال هؤلاء المعتدين:( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)، أى إن قاتلونا فيجب أن نقاتلهم دفاعا ، الى أن ينتهوا عن الاعتداء : ( فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) ) البقرة ). ودليل إنتهائهم عن الاعتداء أن يكفّوا عن الاكراه فى الدين ، أو الفتنة فى الدين ، أو الاضطهاد فى الدين ، أو الاكراه فى الدين ، أو فرض دينهم السّنى الوهابى بشريعتهم شريعة ( اهل السنّة والجماعة ) التى توجب قتل المرتد وتارك الصلاة والقتل بحجة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، لذا طالما يصممون على الاكراه فى الدين والفتنة فى الدين فلا بد من الاستمرار فى قتالهم ، يقول جل وعلا : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193)، أى لا بد من الاستمرار فى قتالهم حتى يكون الدين لله جل وعلا والوطن للجميع ،أى حتى يكون الدين لله جل وعلا وحده وليس لهم ، ليحكم فيه جلّ         وعلا بين البشر يوم الدين ، فإن انتهوا عن هذا الاكراه فى الدين توقف القتال معهم.أى لا بد من استمرار قتالهم حتى ينتهى دستورهم المؤسس على الوهابية أو مذاهب أهل السّنة والجماعة.ولهذا يقول جل وعلا يؤكّد هذا التشريع فى استمرار القتال لمنع الاضطهاد الدينى والاكراه فى الدين:( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) الانفال ).

3 ـ إشتهر الاخوان طيلة تاريخهم بنقض العهود والمواثيق ، وهم بذلك يكرّرون موقف أعتى الكفّار من قريش. ففى القرآن الكريم إشارات تاريخية لوقائع سكتت عنها كتب السيرة ، تشير الى أن أئمة الكفر فى قريش بعد أن دخل الاسلام مكة وبعد أن دخل الناس فى دين الله أفواجا قاموا بنقض العهد واحتلال الحرم ، فنزلت سورة براءة تعطيهم مهلة الأربعة أشهر الحرم ليتوبوا فإن لم يتووبوا فلابد من حربهم ليرجعوا عن إعتدائهم ونكثهم للعهود . يهمنا هنا أن وصف رب العزّة لأئمة الكفر القرشى ينطبق فى عصرنا على الاخوان كما لو أن هذه الآيات الكريمة نزلت فى عصرنا . ولنتأمّل مثلا كيف ينطبق على الاخوان قوله جل وعلا :  (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ (10) التوبة ) كفار قريش والاخوان معتدون ناكثون للعهود ، ونزلت الآيات الكريمة فى التحريض على قتالهم الى أن يتوبوا . وتكون علامة توبتهم ليس بالمراءاة بالصلاة والزكاة بل إقامة الصلاة سلوكا بالمسالمة وحفظ العهود والحقوق، يقول جل وعلا:( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11). فماذا إن لم يتوبوا عن الاعتداء ؟ وكيف إذا لم ينتهوا عن نكث العهد وحفظ العهود ورعاية الحقوق .؟ إذن لا بد من قتال أئمتهم فى الضلال لأنهم لا أمن ولا أمان معهم حتى ينتهوا عن الاعتداء: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (12).

4 ـ المستبد العادى يظلم الناس فقط ، فعلها كسرى وهرقل وهتلر وموبوتى وعبد الناصر وعيدى أمين . كل مستبد عادى لم يحاول تسويغ ظلمه بالتمسح بالدين ولم يستغل إسم الله جل وعلا وهو يقتل الناس عشوائيا باسم الجهاد فى سبيل الله أو حد الردة . يفعل ذلك فى عصرنا الوهابيون وحكام ايران . ويفعل ذلك الاخوان ودستورهم الآثم يجعل ذلك تشريعا . هم بذلك يظلمون رب الناس قبل أن يظلموا الناس . هم ذلك يعلنون الحرب على الله ورسوله ، فقد أرسل الله جل وعلا رسوله رحمة للعالمين ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الانبياء ) فجعلوا العالم يؤمنون بأن خاتم المرسلين هو لارهاب العالمين وليس رحمة للعالمين ، الاسلام هو دين السلام فجعلوه دين الارهاب والقتل العشوائى للأبرياء . وسيأتى خاتم المرسلين يتبرأ منهم يوم القيامة لأنهم أتّخذوا القرآن مهجورا ، ووضعوا فوقه شريعتهم السامة الدامية ، لذا فهم فعلا أعداء النبى عليه السلام : ( وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً (31) ( الفرقان ). والسؤال الآن ما هو حكم الله جل وعلا فى التعامل مع من يحارب الله ورسوله ساعيا فى الأرض فسادا بالقتل واستحلال الدماء والأموال والأعراض ونشر الارهاب ؟ يقول جل وعلا فى حكم ينطبق على الاخوان المسلمين ومن نحا نحوهم :  ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) المائدة )

5 ـ قد يقول قائل : إن الآيات الكريمة السابقة تتحدث عن دولة اسلامية تقوم بتطبيق العدل وحرية الدين والمساواة والديمقراطية المباشرة وتحفظ الحقوق لكل المواطنين بالمساواة ، وليس هذا موجودا فى مصر الآن بل هو العكس . فالذى يحدث فى مصر أن طائفة باغية إختطفت الثورة من الثوار،وبغت عليهم بالقتل والقهر، وصنعت دستورا يجعل جرائمهم شريعة معمولا بها، فماذا إذا هبّ المظلومون يطالبون بحقهم يرفعون شعار العدل والحرية والايمان ضد الاخوان وحزبهم (الحرية والعدالة ) وسينضم للإخوان بقية الأحزب السلفية بأسمائها الحسنة المخادعة ..فما هو حكم الاسلام فى الصراع بين طائفتين كلتيهما تزعم العدل والحرية والايمان ؟ ونقول : بغضّ النظر عن الشعارات فان التّصرف الباغى هو الذى يوضح حقيقة المواقف . وهنا يكون الباغى هو عدو الله جل وعلا . وهنا يكون شرع الله بأن ينضم الجميع لحرب هذا الباغى الى أن يرجع عن بغيه.يقول جل وعلا :( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) الحجرات ) . هذا ينطبق على عصرنا ومشكلتنا مع الاخوان وأشياعهم . فالمصريون ثلاث فئات : فئة باغية معتدية ترفض الانصياع للحق وهم الوهابيون من الاخوان والسلفيين وغيرهم ، وفئة مظلومة مضطرة لأن تدخل فى قتال لتدافع عن نفسها ولتسترد حقوقها . ثم فئة ساكتة ساكنة  يكتفون بالمشاهدة والجلوس . الله جل وعلا يوجب على هذه الفئة المتفرّجة السلبية أن تنهض لتتحالف مع الفئة المظلومة ضد الفئة الباغية حتى ترجع الباغية عن بغيها ، وحتى يكون المسلمون كلهم أخوة بالسلام والعدل دون تمييز لأحد على حساب أحد . هذه هى الأخوة الحقيقية القائمة على المساواة والسلام والعدل والحرية فى الدين .هنا يكون كل المصريين ( إخوة مسالمون لبعضهم ) بدلا من أن يحتكر الاخوان الاسلام ويمتطونه للوصول للسلب والنهب باسم الاسلام ، وهم أعدى أعداء الاسلام .

أخيرا :

1 ـ نعيد ما قلناه فى عهد مبارك فى عهد مرسى  مع بعض تغيير:(واخيراً .. لا مفرّ من الدم ..!!)،  ( نداء الى جنرالات الجيش المصرى : أليس منكم رجل رشيد ؟ ) ( أين شرف العسكرية المصرية ؟ هل تقف مع الاخوان أم مع مصر وشعبها ؟) ( يا مرسى : إخرج منها مذءوما مدحورا )( مرسى الطريد )( يا أيها الجلاّد : مقاومة سلطاتك شرف وعزّة وجهاد ) ( بشأن مظاهرات يوم الغضب المصرى: الجمعة 25 يناير 2013 ) ( عار عليك يا شيخ الأزهر أن تكون مطية لطاغية فاجر)(يا أمهات مصر : تحركن لقيادة المظاهرات ). ( النضال فى سبيل العدل هو جهاد فى سبيل الله). وأتمنى أن أكتب( انتصرت ثورة اللوتس المصرية )  ( الله أكبر .. وسقط الطاغية مرسى )  .

 2 ـ يقول جلّ وعلا : (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (74) وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (75) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً (76)النساء ) . خلف العمائم واللحى يتخفّى الشيطان ، فأولياء الشيطان دائما يستعملون أحاديثه الشيطانية المفتراة على الله ورسوله كما يستخدمون التدين السطحى ليركبوا ظهور الناس باسم الدين . هذه الآيات الكريمة نزلت فى قريش ولكنها تنطبق على الاخوان:( إخوان الشياطين ) وفى التحريض الالهى على قتالهم .

3 ـ ودائما صدق الله العظيم .!!