كتاب ( المجتمع المصرى فى ظل تطبيق الشريعة السّنية فى عصر السلطان قايتباى):
مقدمات للكتاب
كتاب ( المجتمع المصرى فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر السلطان قايتباى):دراسة فى كتاب ( إنباء الهصر بأبناء العصر ) للمؤرخ القاضى ابن الصيرفى .
مقدمات للكتاب
المقدمة الأولى
أولا :
1 ـ من روعة التصوير القرآنى لشخصية المشرك الكافر بالقرآن الكريم الذى يرفض الاحتكام اليه أنه ينظر اليك حين تدعوه الى الهدى ولكن لا يبصر:( وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (198)( الأعراف ) ، وتكلمه فلا يسمع كما لو كان ميتا فى قبر ، لا فائدة من الكلام معه ، لذا تكرّر قوله جلّ وعلا للنبى عليه السلام : (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81) النمل ) (فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (53) ( الروم)، ( وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) فاطر)، أى يكون المؤمن حيّا بالهدى ويكون الكافر ميتا بقلبه لا فائدة من وعظه ، ولا يستوى هذا بذاك . فى أمور الدنيا يستعمل ذكاءه وحواسه، ولكن مع القرآن الكريم الواضح الميسّر للذكر تتكاثر الأكنّة على قلبه ، وهذا ما أعلنه مشركو مكة : (حم (1) تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5) فصلت ). ولذلك فالكافرون المشركون الضالون أسوأ من الحيوانات : ( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) الفرقان )
2 ـ مشركو قريش أفضل حالا من مشركى الوهابية فى عصرنا ، على الأقل فمشركو مكة كانت لديهم فضيلة الصراحة بقولهم بأن أكنة على قلوبهم وبينهم وبين القرآن حجاب ، بل ومطالبتهم النبى محمد عليه السلام بالاتيان بقرآن آخر يتجاوب مع أهوائهم : (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ ) ويأتى الرد من رب العزّة جل وعلا بأنه النبى لا يملك هذا ، بل هو متبع للقرآن يخشى من عذاب يوم عظيم إن عصى القرآن ( قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) ولقد لبث فيهم قبل الوحى زمنا عرفوه فيه بالصدق والأمانة فكيف يجعلونه كاذبا بعد نزول الوحى عليه ؟ : (قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (16) ( يونس ). أما مشركو الوهابية فمع تكذيبهم القلبى للقرآن فقد تطرفوا فى الكفر درجة استخدام القرآن والاسلام فى طموحهم السياسى ليركبوا به ظهور الناس،فالاخوان (المسلمون) يجعلون من شعاراتهم (القرآن دستورنا) ، وحين نطالبهم بالاحتكام الى القرآن ـ وهو فريضة الاهية ـ يتهموننا بإنكار السّنة ( الوهابية ) وبإزدراء الدين ( الأرضى السّنى الحنبلى الوهابى).بل هم يطلقون على حزبهم (الحرية والعدالة) وهم أبعد الناس عن مفهوم الحرية والعدالة .
ثانيا :
1 ـ وفى شعارهم ( تطبيق الشريعة ) لم يحددوا الشريعة المراد تطبيقها حتى لا يخيفوا الناس ، وحتى لا ينفضّ عنهم الناس . ونحن نعفيهم من هذا الحرج ونجيب بالنيابة عنهم . شريعتهم المراد تطبيقها ليست هى شريعة القرآن الكريم القائمة على العدل والاحسان والحرية المطلقة فى الدين والفكر والتى تتناقض مع شريعتهم السّنية القائمة على الإكراه فى الدين وحدّ الردة واستحلال قتل المسالمين ، لذا يقطعون الطريق علينا مقدما بتشويه سمعتنا واتهامنا لمجرد دعوتنا للإحتكام للقرآن الكريم . ولكن شريعة السنيين تحوى عدة مذاهب مختلفة . فأى مذهب يريدون ؟ طبعا يقصدون المذهب الحنبلى. ولكن هناك مدارس حنبلية مختلفة ، فأى مدرسة حنبلية يريدون ؟ طبعا يقصدون مدرسة ابن تيمية . ولكن ابن تيمية عاش مضطهدا ولم يحدث أن قام بتطبيق شريعته ، فكيف نجد التطبيق العملى لمدرسة ابن تيمية ؟ نجده فى المملكة السعودية . هنا نسأل : هل فى هذه المملكة عدل ؟ وهل فيها قانون ؟ وهل لو كان فيها قانون أهو يسرى على الجميع من أمير وأجير ؟ وهل فيها نظام قضائى حقيقى ؟ أم أنها غابة يحكم فيها قضاة الأسرة السعودية على الشعب المملوك لتلك الأسرة ، وأولئك القضاة هم مجرد خدم وعبيد لولى الأمر السعودى وكل أفراد عائلته بل وكل العبيد والمماليك فى البلاط السعودى .. هذه بالضبط هى الشريعة التى يريدون تطبيقها، ولكن لا يريدون الخوض فى تفصيلاتها .
2 ـ خطتهم هى نفس مخطط سيدهم ( عبد العزيز آل سعود ) مؤسس الدولة السعودية الراهنة ، ومؤسس التنظيمات السلفية فى مصر من دعوية كأنصار السّنة ، أو حركية سياسية كالاخوان المسلمين . خطة عبد العزيز كانت التوسع خطوة خطوة ، وانتظار ما يبدو متعذرا الى الوقت الذى يصبح فيه ممكنا مع العمل على تطويع ما يبدو مستحيلا بالصبر والدهاء ليكون ممكنا . وهذا ما يفعله الاخوان ؛ لا يكشفون أوراقهم مرة واحدة بل خطوة خطوة ، وفى كل خطوة يحرزون نصرا ، والليبراليون المصريون ينحصر عملهم فى ردّ الفعل وإنتظار الصدمات و..الصفعات .!!.
3 ـ الاخوان والسلفيون وكل الأطياف الوهابية قد نجحت خلال أربعين عاما فى إقناع الجماهير بأنّ الماضى كان جنّة وارفة بسبب بركات تطبيق الشريعة ، وأن أجدادنا عاشوا أزهى عصور العدل والرخاء فى ظل تطبيق الشريعة . استخدم الوهابيون البتروليون بمهارة فائقة سلاح الدراما التراثية فى غسيل مخ الجماهير وإقناعها بالعدل ( الذى كان سائدا فى الماضى ) ويريدون إرجاعه بتطبيق الشريعة . ومنذ ربع قرن قمت بالرد على هذا الافتراء بمشروع ( تحويل التراث الى دراما ) لأظهر الحقائق المسكوت عنها من خلال دراما أمينة وجذابة ، وحتى الآن لم أجد من يشترى أعمالى ..واضطررت الى نشر بعضها فى قصص تاريخية وأبحاث تاريخية هنا .
4ـ مصر الآن تدخل منعطفا خطيرا تحت قيادة الاخوان ورئيسهم د . محمد مرسى ، بسعيهم للسيطرة على كل شىء وكتابة الدستور على هواهم ، ويؤيدهم إقتناع الأغلبية الصامتة بأنّ تطبيق الشريعة ( السّنية الوهابية ) سيأتى بالعدل والخير . وللرد على هذا سننشر هذا البحث الجديد : (المجتمع المصرى فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر السلطان قايتباى ). وفى سبيله سنؤجل استكمال الأجزاء الباقية من بحث ( الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بين الاسلام والمسلمين )، واستكمال بحوث أخرى مثل ( وعظ السلاطين ) وكتاب ( الحج بين الاسلام والمسلمين ) و الجزء التالى من ( كتاب الصلاة ). والله جل وعلا هو المستعان .
ثالثا :
1 ـ لقد عاش المسلمون أسوأ عصورهم تحت قهر الاستبداد والفساد والانحلال الخلقى منذ الدولة الأموية وخلافتها الى الدولة العثمانية وخليفتها . وفى كل تلك الدول كانت اللافتة المرفوعة هى الشرع والشريعة ، كانت الشريعة مجرد تعبير شفهى يتم تطبيقه بالظلم فى العصر الأموى ، ثم منذ العصر العباسى تمت صياغة أحكام الشريعة السّنية فى كتب الفقه السّنى النظرى بوجهات نظر مختلفة فى كل كتاب بل فى ربما فى كل صفحة. ولكن ظلّ للقاضى الحق فى أن يحكم برأيه ، أى يكون مشرّعا ينشىء القانون ، ثم فى نفس الجلسة يكون قاضيا يحكم برأيه ، ولا رقيب عليه فيما يقنّن وفيما يفتى وفيما يقضى . ولا يمكن أن يصل فى حكمه الى أسوار القصور الحاكمة بل يطبّق الشريعة السّنية على الرعية فقط وليس على السلطان أو جوارى السلطان وخصيان السلطان وأزلام السلطان . وقد أوضحنا هذا فى كتاب عن ( نظام القضاء بين الاسلام والمسلمين ) نشرناه على حلقات هنا كالعادة فى نشر كتبنا . ولكن يتبقى أن نبحث تاريخيا أحوال الناس والمجتمع فى ظل تطبيق تلك الشريعة السّنية . يعنى أن نحدد زمانا ومكانا ثم نبحث أحوال الناس الاجتماعية فى ظل تطبيق الشريعة السّنية ، لنرى هل كانوا يعيشون فى عدل وأمن أم كانوا ضحايا الظلم والقهر والاستبداد والتعذيب ..
2 ـ من البداية سيتقافز الخصوم يتهموننا بأننا سنستخدم هذا البحث التاريخى فى تشويه تطبيق الشريعة ، بأن ننتقى سلطانا غشوما وننتقى من الروايات التاريخية ما يحقق هدفنا فى التشويه والتحريف . ولن نردّ بأن أمانة البحث التاريخى هى عقيدة بالنسبة لنا ، وأننا لا ندخل فى بحوثنا القرآنية والتاريخية برأى مسبق ، يكفى أننا نستخدم المصادر التراثية الأصلية وننقل عنها وهى موجودة ومتاحة ، ونتحدى من يردّ علينا فى هذا.
هذه ردود عامة . ولكن الردّ الحقيقى هو فى مجرد عنوان هذا البحث ( المجتمع المصرى فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر السلطان قايتباى ). والعنوان الجانبى هو ( دراسة فى كتاب : إنباء الهصر بأبناء العصر ) للمؤرخ القاضى ابن الصيرفى ).
3 لن ننتقى عصر سلطان فاجر ماجن كالخليفة الرشيد والأمين والواثق والمتوكل ..الخ ..أو خليفة أحمق كالمقتدرالعباسى والناصر العباسى ..، ولن ننتقى خليفة دمويا من بنى أمية وولاتهم (كالحجاج )، أو السلاطين الذين كانوا عارا على البشرية مثل سلاطين الأيوبيين من ذرية العادل الأيوبى ، ولن ننتقى جبابرة السلاطين المماليك ، وكلهم جبابرة ـ ما عدا السلطان قايتباى ، أخفهم ظلما ، بل كان موصوفا بأنه ( سلطان عظيم شجاع فارس معدود من الفرسان، دينِّ عفيف الفرج لا يلوط ولا يزني ولا يسكر وله ورد في الليل من صلاة وقيام .). لذا نختار عصر هذا السلطان المتديّن الذى كان يقوم الليل متعبدا ويقرأ الأوراد ، ولا يقع فى الانحلال الذى كان سائدا فى عصره من زنا وشذوذ جنسى و شرب خمر . فى عصر هذا السلطان ( قايتباى ) وصل سلطانه الى تخوم آسيا الصغرى لتشمل الشام وأجزاء من العراق مع الحجاز شرقا الى برقة غربا وشمال السودان جنوبا.
4 ـ فى بدايته كان قايتباي مملوكا للخوجة محمود فأصبح لقبه ( المحمودي ) واشتراه الأشرف برسباى فأصبح لقبه ( قايتباى المحمودى الأشرفى ) . تقلّب فى المناصب الى أن أصبح أتابك الجيش او القائد العام عام 872 فى سلطنة الظاهر تمربغا . وعزل هذا السلطان وتولى مكانه فى نفس السنة 872 هجرية ، وظل يحكم مدة قياسية فى عصر الدولة المملوكية البرجية وهى 18 عاما الى أن مات عام 901 وتولى ابنه محمد بن قايتباى . اشتهر قايتباى بإقامة العمائر الدينية والحربية والتى لا تزال فخرا للعصر المملوكى بأسره ، ومنها قلعة قايتباى بمدينة الإسكندرية، وقد بدأ بناء هذه القلعة في سنة 882هـ وانتهى من بنائها سنة 884هـ. و من منشئاته : جامع تمراز، جامع أزبك بن تتش، قصر يشبك، مدرسة ومقبرة قايتباى، مدرسة قايتباى في المدينة، وكالة قايتباى بجوار الازهر، سبيل قايتباى، وكالة قايتباى باب النصر والسروجيه، قبة قايتباى،قصر ومدرسة الروضة، جامع جانم، مدرسة أبوبكر بن مزهر، جامع قجماس، مدرسة أزبك اليوسفى ، ومسجد قايتباى بمدينة الفيوم ومدرسه بقلعة الكبش . والطريف أن مسجد قايتباى مطبوع على الجنيه المصرى ، كما أن صورته محفوظة فى أوربا .
5 ـ أى إخترنا سلطانا عظيما مستقيما فى سلوكه الشخصى حازما مهابا فى الداخل والخارج ، ومهتما بالعدل الى درجة أنه كان يباشر القضاء بنفسه حين أحس بظلم وجور القضاة . فكيف كان حال المجتمع المصرى فى ظل تطبيق هذا السلطان للشريعة السّنية ؟ فمن أين نستقى تايخ عصره ؟
رابعا :
1 ـ عاش فى عصر هذا السلطان مؤرخون مشاهير منهم أبو المحاسن بن تغرى بردى والسخاوى وابن اياس والصيرفى ( على بن داود) . ولقد أخترنا منهم ابن الصيرفى فى كتابه ( إنباء الهصر بأبناء العصر ) للأسباب التالية : أن هذا المؤرخ عاش شاهدا على عصر قايتباى ، وعمل قاضيا يرى السلطان فى مطلع كل شهر، وكان وثيق الصلة بابن مزهر الأنصارى كاتب السّر للسلطان ، أى كاتم أسرار السلطان وسكرتيره الخاص والذى يقوم عنه بكتابة المراسلات للخارج والداخل. أى إن عمله كقاضى يجعله متفاعلا مع الشارع والناس ، مع صلته بالبلاط المملوكى . فهو مؤرخ ينقل أخبار عصره من مصادرها الأصلية ، خصوصا مجتمع الفقهاء والقضاة والمماليك بل والطبقات الشعبية التى كان يحتكّ بها بطبيعة عمله . لم يكن ابن الصيرفى فقيها حاد الطبع متقوقعا مثل السخاوى ، ولم يكن من أصول ارستقراطية مملوكية مثل ابن اياس وابى المحاسن ، بل كان مصريا صميما يعبر عن طبقة الموظفين المصريين من خدم السلطة العسكرية المملوكية . ولأنه موظف غير متفرّغ للكتابة فلم يكن غزير الانتاج كغيره من الفقهاء والمؤرخين ، فأهم ما تركه ( نزهة النفوس والأبدان ) الذى ينقل فيه تاريخ السابقين ، ثم هذا الكتاب ( إنباء الهصر بأبناء العصر ) الذى يسجل فيه تاريخ عصره من واقع المشاهدة والمعاين يوما بيوم . أى لن ندخل فى خضم روايات تاريخية مختلفة لمؤرخين مختلفين فى تسجيل أحوال المجتمع المصرى فى هذه الفترة ، بل نركّز على مؤرخ وحيد شاهد على العصر وثيق الصلة بموضوعنا عن تطبيق الشريعة فى عصره ، حيث كان بحكم عمله يقوم بتطبيق هذه الشريعة .
2 ـ وقد قام د . حسن حبشى بتحقيق أهم أجزاء كتاب (إنباء الهصر بأبناء العصر ) ، فقد ضاعت بعض أجزائه ، وقد غطّي الجزء المحقق من كتاب (الهصر) سبع سنوات فقط من عصر السلطان قايتباى، هى التى نعتمد عليها . وهى فترة اتسمت بقلة المصادر التاريخية التى عاصرت أحداثها مما يجعل لكتاب الهصر أهمية خاصة وهو يؤرخ لهذه السنوات باليوم والشهر،ويورد كل التفصيلات من موقع المشاهدة والمعاينة والمعاصرة والتفاعل مع الأحداث والمشاركة فيها، فقد كان ابن الصيرفي مصرياً صميماً اختلط الناس وعايشهم ومارس التجارة وعاش في الأسواق ثم اندرج في سلك الفقهاء والقضاة وخالط أرباب الحكم والجاه ومن موقعه بين الحكام والمحكومين سجل ما رآه وما عايشه فجاء تاريخه وثيقة حية لفترة غامضة من تاريخ المجتمع المصري في العصر الوسيط.
3 ـ وقد نشرنا هذا البحث فى سلاسل مقالات ، والآن نقدمها كتابا متكاملا لمن أرد العظة والعبرة ...والمعرفة ..
4 ـ هذا ما نستطيع تقديمه لمصر فى محنتها .. لعلّ وعسى .!!
المقدمة الثانية
1 ـ ليسمح لى القارئ العزيز أن نقرأ معاً تاريخ أجدادنا المصريين منذ خمسمائة عام تقريباً وأن نصطحب في هذه الجولة الشيخ المؤرخ القاضى ابن الصيرفي، وهو ابن البلد الذى واتاه الخط فدخل في زمرة الحكام وصار يدخل على السلطان، وتأرجح بين ولائه لولى نعمته السلطان قايتباى وبين معاناته من الظلم الذى عانى منه الشعب ووصل إلى أرباب الوظائف وهو منهم. وليسمح لى القارئ ونحن نقرأ معاً هذه الجولة أن أتخفف قليلاً من الأسلوب العلمى المتخصص أو المتجهم وأن أخلع رداء الباحث لأرتدي بدلاً منه رداء السائح، وليغفر لى القارئ العزيز إذا ضحكت أو سخرت أو إذا غضبت أو صرخت، فأمام تاريخ أجدادنا لا أملك فضيلة الحياد فنحن مع معاناتهم وآهاتهم على ميعاد، وأنا واثق تمام الثقة أن القارئ سيشاركني نفس الشعور وسيقاسمني الغضب والسخرية والعتب.
2 ـ في الستينيات حين كنا نعيش الأحلام والمبادئ العظام دخلت إحدى دور السينما ومعى عمتى ، وكانت يرحمها الله ترى الشاشة لأول مرة بعد عمر تعدى الستين عاماً وجلست معى مبهورة تشاهد فيلماً عن رعاة البقر لا تفهم شيئاً من أحداثه، وإن كانت تتجاوب مع المناظر التى تراها بحسها الإنساني ووجدانها الذى يمتد سبعة آلاف عام من الحضارة. ولا أنسي هذا الدرس الذى تعلمته منها، كنت أصيح بإعجاب طفولى حين طعن هندي أحمر جندياً أمريكياً أبيض، ورأيت في تلك الطعنة في ذلك المشهد السينمائى انتصاراً لكل شعوب العالم الثالث التى أرهقها الاستعمار الأبيض وفي مقدمته أمريكا الإمبريالية. وانتظرت أن تشاركنى عمتى نفس الشعور ولكنى فوجئت بها تتوقف عن متابعة الفيلم وتبكى لأول حادثة تراها على الشاشة، وتوقفت عن الصياح وسألتها عن سبب البكاء، ففوجئت بها تقول: هذا الشاب المقتول أليس له زوجة! أليس له أولاد؟ أليست له والدة تلطم خديها على شبابه؟ يا ترى ماذا سيفعل هؤلاء بعد موته بعيداً عن أهله؟.
وبدأ لى الأمر مضحكاً، ولكن دموعها صدت نفسي عن الانبهار بالفيلم، وأخذتني إلى التفكير فيما أثارته عمتى من ملاحظات عفوية. وفيما بعد أخذنى التفكير إلى قضية أعم وأرحب، فعلاً هذا الجندي الأبيض مظلوم، ومثله ذلك الهندي الأحمر الذى قتله. كل أولئك الجنود الذين ينفذون الأوامر بالقتال ويموتون في ساحة الوعي ماذا يكسبون؟ لا شيء. أن الذين يربحون هم أولئك السادة الذين يملكون القرار في مقاعدهم الوثيرة وفي حياتهم المترفة ، ثم يأتى التاريخ ولا يتذكر ذلك الجندى المسكين القتيل ولا ما تركه خلفه من أرملة وأم ثكلى وأولاد أيتام، كل ذلك يضيع، ولا يبقي من ذلك الجندي القتيل إلا مجرد رقم في عدد القتلى في المعركة، وربما يكون العدد الحقيقي للقتلى أكبر من الأرقام المعلنة، ومعناه أن ذلك الجندي يموت بلا رقم! . ثم لا يأبه به التاريخ ولا حتى بالشعب الذى أنجبه لأن التاريخ يدور دائماً حول أولئك السادة من الحكام الذين يملكون القرار ويتصرفون في مصائر الشعوب بالنيابة عنهم، ويأمرون زهرة شباب الشعوب بالموت دفاعاً عن شعارات ضخمة فيموتون، وعندما ينتصرون فإن شرف الانتصار يكون من حق الحاكم وحده، وربما يتعطف ذلك الحاكم فيقيم نصباً من حجارة لأولئك الجنود المساكين الذين أضاعوا حياتهم سدى وتركوا خلفهم قصصاً مؤلمة لآلاف العائلات ما بين أرامل وأيتام.. وربما يأتى المؤرخ ليشيد بذلك الحاكم إعجاباً لأنه وضع أكاليلاً من الزهور الصفراء أمام عدسات المصورين أمام النصب التذكاري، ولا عزاء للمساكين من اليتامي والمحرومين. ويستأنف التاريخ نفاق الحاكم المستبد وتسجيل دقائق حياته الظاهرة، و يرفع الحاكم المستبد الذى هو خائن لشعبه إلى درجة القديسين ، ويدافع عن أعوانه من الظلمة والمرتشين.
3 ـ ومنذ أن تخصصت في التاريخ وأنا لا أنسى هذا الدرس من عمتي، ودائما أبحث بين سطوره عن الأبطال المجهولين وعوام الشعب الذى يصنعون التاريخ الحقيقي ، وأرى أن مهمة الباحث التاريخي ينبغى أن تكون كذلك لتوضيح ما خفي ولتسجيل تاريخ أجدادناً الحقيقى من فلاحين وأرباب حرف وزعر وحرافيش وعوام وجنود ، فهم المصريون الحقيقيون الذين عملوا وانتجوا والسياط فوق ظهورهم، وبذلك يمكن أن نجبر النقص في أعمال المؤرخين السابقين الذين داروا حول الحكام وأهملوا المحكومين إلا قليلاً، وهى سقطة هائلة لم ينج منها مؤرخو عصرنا الراهن.
4 ـ ثم أرانى مضطر لتقديم اعتذار لعمتى، فكم كنت أتمني أن أبدأ هذا الفصل بالحديث عن أجدادنا المحكومين، لولا أن مؤرخنا الصيرفي الذى نعتمد عليه في التاريخ وضع السلطان وحاشيته نصب عينيه ومن خلال ذلك نظر أحياناً إلى عوام الشعب، ولأنه المصدر التاريخي الذى نأخذ عنه فالمنهج العلمى يقتضى مسايرته.. ثم كان الشعب نفسه يدور حول السلطان ويدعو له بالنصر مهما فعل ولا يزال.
سامحيني يا عمتي....
أولا :
وبعد ..!! لنتأهّب لنعيش فى قراءة متخصصة نقدية لكتاب ( إنباء الهصر بأبناء العصر ) للمؤرخ إبن الصيرفى لاستخلاص ما جاء فى هذا الكتاب عن أحوال المجتمع المصرى فى ظل تطبيق الشريعة السنية فى عصر السلطان قايتباى . لقد كتب ابن الصيرفى تاريخ الهصر ليعطى أحداث عصره باليوم لكل عام وحول . لم يقصد أن يسجل الأحوال الاجتماعية ، بل مجرد تسجيل الأحداث اليومية المتنوعة والتى يراها هامة تستحق التسجيل . ووظيفتنا فى هذا البحث هو إستنطاق تاريخ الهصر لنتعرف منه على حال المصريين فى ظل تطبيق الشريعة السّنية من خلال عشرات الآلاف من الأحداث التى سردها ابن الصيرفى.
ومنهجنا هنا هو الالتزام بعنوان هذا البحث ، وهذا يعنى الآتى :
1 : لن نتعرض لماهية الشريعة السّنية وأحكامها وكتب الفقه السّنى والأحاديث التى كانت مطبقة أو غير مطبقة فى هذا العصر ، فالفارق هائل بين أحكام الفقه النظرية والتطبيقات التى كان يحكم بها قضاة الشرع السّنى ، فالقاضى إذا كان مالكيا أو حنفيا أو شافعيا أو حنبليا لا يلتزم بمذهبه الفقهى إلا ظاهريا ، وكان فى الواقع يحكم بما يرتئيه وبما يراه ويحلو له إذ كان يلعب دور المشرّع الذى يخترع القانون ، ثم القاضى الذى يحكم به فى نفس الوقت ، وإذا عوتب قال مقالة القاضى المؤرخ ابن الصيرفى : ( هذا على مذهبى ) ، ولديه العذر ، إذ لم يكن هناك قانون موحد محدد بمواد وفقرات مرقّمة، بل مئات الألوف من الأحكام الفقهية المتضاربة فى المذهب الواحد،ومئات الآراء المختلفة فى القضية الواحدة. وهذه المتاهات ليست مجالنا هنا.
2 ـ لن نتعرض للنظام القضائى فى العصر المملوكى ، والذى كان سائدا فى عصر السلطان قايتباى ، ولقد عرضنا فى كتاب لنا منشور وسبق نشره فى سلاسل مقالات عن التعارض بين الاسلام والمسلمين فى نظام القضاء ، وجاءت فيه لفتة عن عصر قايتباى . التعرض للنظام القضائى فى عصر قايتباى يخرج عن موضوع الكتاب الذى يقتصر على تسجيل أحوال المجتمع فى ظل هذا التطبيق للشريعة السّنية دون الدخول فى آلية النظام القضائى ورسومه. أى بعيدا عن كل الشعارات يهمنا الخلاصة والنتيجة ، وهى أحوال الناس ، وهل تمتعوا بالعدل أم عانوا من الظلم .
3 : وفى تسجيلنا لأحوال المجتمع المصرى فى ظل تطبيق الشريعة السّنية فى عصر قايتباى سنلتزم فقط بما أورده المؤرخ القاضى ابن الصيرفى فى تاريخ ( الهصر ) ، بمعنى : أننا لن نلجأ لمؤرخين آخرين ممن سجلوا أحداث نفس العصر مثل أبى المحاسن والسخاوى و إبن إياس ، إلّا عند الضرورة ، فيما يستلزم التوضيح لحادث أورده مؤرخنا إبن الصيرفى ، وبمعنى أننا لن نفرض أمانينا على مؤرخنا إبن الصيرفى وكتابه (الهصر)، فالعادة أن المؤرخ الحولى الذى يسجل أحداث عصره بالعام والحول ، لا يستطيع أن يسجل إلّا ما يصل اليه العلم به ، أى تظل هناك آلاف الأحداث التى لايسجلها . وبالتالى لن نستخلص كل أحوال المجتمع المصرى فى هذا الوقت، ولن نسائل ابن الصيرفى لماذ أهمل هذا أو لماذا ترك ذاك . نستخلص أحوال المجتمع المصرى من خلال ما ذكره فقط . ونسكت عما سكت هو عنه .
ثانيا
وعليه فسنتعرض لأحوال المجتمع المصرى طبق ما جاء فى تاريخ ( الهصر ) فى بابين .
1 ـ يبحث الباب الأول طوائف المجتمع المصري في ظل تطبيق الشريعة السنية فى عصر السلطان قايتباى فى النواحى التالية : لمحة عن مجتمع المماليك ، وكيف كان يجدد دماءه باستمرار باستقدام مماليك جدد ، ولم يعد هذا متقيدا باستقدام مماليك من الأطفال ثم تنشئتهم وتدريبهم كما كان يحدث من قبل بل أصبح يؤتى بالرقيق من الشباب والرجال ، وأحيانا يختارون الاسترقاق على أمل الوصول للحكم فى مصر ، وهو ما كان يعرف بالمماليك الجلبان ، ثم هناك ذرية وأبناء المماليك الأحرار المولودين فى مصر ، ممن كان يطلق عليهم ( أولاد الناس ) ومنهم ابن إياس وأبو المحاسن ، وأهم الوظائف المملوكية، وأثر التقلبات السياسية فى ظهور نوعيات : (المماليك البطالون)و(الأمير الطرخان ) والسلطان المملوكى السابق المعزول . وعن المماليك وتطبيق الشريعة فى المجتمع المصرى فى عصر قايتباى ، فى موضوعات : القسوة أسلوب التعامل في مجتمع المماليك ، المماليك يضربون كبار الموظفين المصريين ، أنين الشعب من قسوة المماليك ، المحتسب المملوكي وظلمه لأهل القاهرة . وعن السلطان قايتباى فى تطبيقه العملى للشريعة السنية بعيدا عن الشعارات والنصوص الفقهية ، وشخصية قايتباى بين التدين والظلم والجشع ، ومظالمه حين كان يصادر التركات ويأكل أموال اليتامي ويصادر أموال الأحياء . وتطبيق شريعة السجن والتعذيب ، وسجن الضحية للحصول على أمواله ، وإستغلال التعذيب لاستخلاص الأموال ، وتنوع العقاب للضحية من العزل عن الوظيفة مع المصادرة والتعذيب ، وأثر التعذيب فى خوف الموظفين من مقابلة قايتباى المشهور بالورع والتقوى . ثم تفنن المماليك في التعذيب ، من التعذيب بالضرب ، وعقوبة كشف الرأس، وعقوبات الشّيّ بالنار والسلخ والتشهير ، وطريقة المماليك فى القتل بالتوسيط ، وعقوبة قطع الخصيتين . وأحوال السجون والمساجين في عصر قايتباى ، واستغلال المساجين فى التسول فى الشوارع وفرض ضريبة يومية عليهم وإلا فالعقوبة تنتظرهم ، مما يجعل بعض المساجين يفضل الانتحار أو الهرب خوف تكرار التعذيب .! ثم أحوال مجتمع أرباب الوظائف القائمين بتطبيق الشريعة فى عصر قايتباى ، وأنواع الوظائف وإغتصاب العسكر المماليك لبعض الوظائف المدنية ، وأهم الوظائف في العصر المملوكي مثل القضاء والوزارة وبقية الوظائف الديوانية ، وأحوال أرباب الوظائف مع التقلبات السياسية ومرتباتهم والأزمة الاقتصادية لأرباب الوظائف سنة 873هـ . ثم لمحة عن كبار أرباب الوظائف الديوانية فى عصر قايتباى ، مثل الوزير قاسم جغيته وموسى بن غريب الاستادار ، وكيف كان السلطان الورع يتنزه مع أرباب الوظائف الظلمة ومنهم ابن البقري . وظلم كبار الموظفين وسرقاتهم من الشعب وكيف إبتدع المصريون وسائل ساذجة لمقاومة الظلم المملوكى الذى يتخفى بالشريعة . ثم أحوال علماء الدين القائمين بتطبيق الشريعة فى عصر قايتباى ، من حيث المستوى العلمى ، وطرق الوصول للمناصب ، بالمحسوبية والصلة بالمماليك وبالرشاوى وبشراء المناصب أووراثة المناصب بغض النظرعن الكفاءة ، وتحليل مستوى قضاة الشريعة فى عصر قايتباى بين الظلم والجهل ، حيث كانت وظيفة القاضى هى الظلم وليس العدل ، مما جعل قايتباى يحتقر شيوخ القضاء ، بل قام بعزلهم جميعا وتصدى للقضاء بين الناس بنفسه .!! ثم أخوال عوام الشعب المصرى فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر قايتباى ، ونظرة المؤرخ ابن الصيرفي الظالمة لهم نفاقا للسلطان ، وموقف العوام من السلطة ، وحب العوام للسلطان قايتباى ، ورفض طوائف من العوام للظلم ، ووصول بعض العوام لمناصب عليا، وإستغلال العوام للإشاعات كتعبير سياسى. وأحوال أهل الكتاب فى ظل تطبيق الشريعة السنية فى عصر قايتباى ، من حيث المناصب ، والتعصب ضد أهل الكتاب . ثم فكرة عن الأعراب فى ظل تطبيق الشريعة السنية فى عصر قايتباى ، و بداية الصراع بين الأعراب والمماليك ، وأهم القبائل الأعرابية الثائرة في عصر قايتباى . ثم معاناة أهل الريف فى ظل تطبيق الشريعة السنية فى عصر قايتباى ، وكيف كان الريف المصري مسرح الصراع بين المماليك والأعراب ، وأحوال أهل الريف البائسة وإحتقار المماليك للفلاح المصري ، وإرهابهم له ، وبعض إصلاحات قايتباى للريف ، وكيف كان قايتباى يتنزه في الريف فيزيد من معاناة أهله ، وبعض الأعراب الذين كانوا يسرقون الريف بمباركة المماليك ، وأرباب الوظائف ونهبهم الريف وظلمهم للفلاحين ، و قضاة الظلم في الريف ، ومقاومة الفلاحين للظلم ، ودخولهم السجن ، وكيف أدى الظلم الى هروب بعض الفلاحين من الريف الى القاهرة ، بل ووصل بعضهم الى المناصب. وينتهى بهذا الباب الأول .
2 ـ يدور الباب الثانى حول أحوال الشارع المصري في ظل تطبيق الشريعة السنية فى عصر السلطان قايتباى . مع أحوال السلطان وأخباره الشخصية ، من نزهات السلطان ولعبه بالكرة ، ومرضه، واللباس الرسمى للسلطان للشتاء والصيف ، وحضور السلطان حفلات الزفاف والميلاد، وأخبار أخرى للسلطان أوردها مؤرخنا ابن الصيرفى الذى كان يسجل كل صغيرة وكبيرة يعرفها عن مولاه السلطان . ثم المظاهر الاجتماعية للمصريين فى ظل تطبيق الشريعة السنية فى عصر قايتباى ، من المنتزهات ، وطقوس الجنازات والنعي ، والجنازات للأغنياء وللفقراء ( جنازة حافلة أو جنازة بالفقيرى) والعادات فيها من الإشادة بمحاسن الميت، والمبالغة في الحزن على المتوفى وماقد يحدث لأولاد المتوفي . والفضائح الخلقية فى ظل تطبيق الشريعة السنية فى عصر السلطان قايتباى من خلال أخبار العلاقات الاجتماعية بين المماليك والشعب كعلاقات المصاهرة ، وقصص الحب والغرام المشهورة وقتها التى إستحقت أن يسجلها ابن الصيرفى ، وعلاقة بعض المماليك ببعض العوام . ومنتزهات المصريين على نهر النيل وقتها فى ظل تطبيق الشريعة والأخبار المتعلقة بالنيل ، وعيد وفاء النيل وطقوس موكب وفاء النيل و أخبار زيادة النيل ونقصانه ، وتوارث عائلة أبى الرداد لوظيفة أمين النيل لعدة قرون ، والانحلال الخلقي عند زيادة النيل ، وإنشاء سدود على النيل ، وغرام المصريين بالبناء والسكني على النيل . ثم الكوارث التى حدثت للمصريين وقتها ، وكانت معتادة فى العصور الوسطى مثل وباء الطاعون و أخبار الغلاء والأسعار ، وقد يصاحب الغلاء الطاعون مع مصائب أخرى، ويعرض لأسباب متنوعة للغلاء، وأنواع الطعام وأسعارها سنة 873هـ ، وأثر نقص النيل فى ارتفاع الأسعار، واستمرار الغلاء بسبب حمق المحتسب يشبك ، مما جعل قايتباى يفرض التسعيرة ويصلح الحال. ثم الاحتفالات الدينية فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر قايتباى ، وأخبار المناسبات الدينية ، و تحديد المناسبات برؤية الهلال ، وقيام القضاة بتأخير أو تقديم رؤية الهلال نفاقا للسلطان ومظاهر الاحتفال بعيد الفطر وعيد الأضحى ، وكيف كانت التبرعات لا تصل إلى مستحقيها، ثم طقوس الاحتفال السلطانى بالمولد النبوي السلطانى، ودوران المحمل بكسوة الكعبة.ثم تقديس البخارى المصدر الأساس للشريعة فى عصر قايتباى،من خلال ( ميعاد البخاري )،وبداية الاحتفال بميعاد البخارى ، والمشاجرات بين العلماء في ميعاد البخارى ، ومراسيم ميعاد البخارى في عصر قايتباى . ثم لمحة عن الغرائب والمعتقدات والفواجع التى كانت من ملامح المجتمع المصرى وقتها ، منها الاعتقاد فى التفاؤل والتشاؤم ، وغارات الفرنجة البحرية على الموانى المصرية.ثمصحيفة الأحوال الجنائية للمجتمع المصرى وقتها ، من تقرير بأخبار الجرائم عموما ، وبالأخص جرائم السرقة والسرقة مع القتل ،والقتل وحده، وجرائم قتل غامضة ، ومنها ما يمكن تسميته ب ( ريا وسكينة في العصر المملوكي). ثم أخبار المشايخ وصحيفتهم الجنائية ، تحت عناوين : انحرافات المشايخ وما ترتب عليها ، عقوبات تعرض لها الأشياخ ، صراعات المشايخ فيما بينهم. ثم (كائنة الشيخ البقاعي )، ذلك الحدث الذى هزّ الركود فى الربع الأخير من القرن التاسع الهجرى .. وفى النهاية خاتمة البحث . والله جل وعلا هو المستعان .
السطر الأخير
نهدى آلام المصريين فى هذا العصر للمخدوعين فى عصرنا بشعار تطبيق الشريعة ..السّنية ..
والله جلّ وعلا هو المستعان
أحمد صبحى منصور
سبرنج فيلد فيرجينيا ، الولايات المتحدة .
فى اكتوبر 2012
الفصل التمهيدى : مصر قبل عصر قايتباى بين التاريخ والمؤرخين ـــ إبن الصيرفى مؤرخا
الفصل التمهيدى : مصر قبل عصر قايتباى بين التاريخ والمؤرخين ـــ إبن الصيرفى مؤرخا
المصريين وظلم الحكام:
دخول المصريين الإسلام أفواجاً منذ العصر الفاطمي:واستمرار ظلم الحكام بعد انتشار الإسلام:
مقاومة الشعب المصري لظلم المماليك:
مؤرخو مصر قبل ابن الصيرفي:
ثانيا :إبن الصيرفى مؤرخا
ابن الصيرفي بين مؤرخى عصره المملوكي:
منهج ابن الصيرفي في كتاب الهصر:
تنوع المادة التاريخية في كتاب الهصر:
مصادر ابن الصيرفي في كتاب الهصر
أسلوبه: في كتاب الهصر
طريقته في العرض:
أولاً: مصر قبل عصر قايتباى بين التاريخ والمؤرخين: عرض سريع
1 ـ الأحوال السياسية ـ ( المصريين وظلم الحكام . دخول المصريين الإسلام أفواجاً منذ العصر الفاطمي .
استمرار ظلم الحكام بعد انتشار الإسلام . مقاومة الشعب المصري لظلم المماليك )
الأحوال السياسية:
1 ـ فتح عمرو بن العاص مصر فصارت ولاية إسلامية عربية خضعت للخلافة الراشدة ثم الخلافة الأموية ثم الخلافة العباسية في عصرها الأول. وأتيح لمصر أن تكون ولاية تتمتع بالاستقلال الذاتي في إطار الخلافة العباسية وذلك في عصر الدولتين الطولونية (254-292هـ) والأخشيدية (323-358هـ).ثم أصبحت مصر مقراً للخلافة الفاطمية الشيعية تناوىء بغداد مركز الخلافة السنية بل وتحاول نشر الفكر الشيعى والنفوذ الفاطمي في الشرق ، وذلك في العصر الفاطمى (358-567هـ). ثم استولى صلاح الدين الأيوبي على مصر وأرجعها للنفوذ الأدبي للخلافة العباسية السنية وأسس الدول الأيوبية التى اضطلعت في عصره بالجهاد ضد الصليبيين، إلا، خلفاءه تقاعسوا في الجهاد وتصارعوا فيما بينهم مما أضعف شأنهم وجعل لمماليكهم سطوة على حسابهم، وبازدياد ضعف السلاطين الأيوبيين في مصر والشام تمكن مماليكهم في مصر من إقصائهم عن الحكم وتأسيس الدولة المملوكية التي ورثت عرش الأيوبيين والعباسيين وغيرهم فيما بين (648-921هـ).
2 ـ وكان السلطان قايتباي (872-901هـ)من أبرز سلاطين المماليك خصوصاً في عصرهم الأخير.
المصريون وظلم الحكام:
1 ـ والثابت تاريخياً أن المصريين قد رحبوا بالفتح الإسلامي على أمل أن يخلصهم من ظلم الروم البيزنطيين خصوصاً وقد كان هناك نزاع دينى بين الأقباط والمذهب الرسمي للمسيحية البيزنطية. وفى الخلافة الراشدة نعم الأقباط ببعض العدل ربما لم يعرفوه فى الحكم البيزنطى ،وظلوا بعيدين عن المنازعات السياسية العربية التى أسفرت في النهاية عن قيام الدول الأموية.
2 ـ وقد اشتهر الأمويين بالقسوة والظلم والتعصب ضد غير العرب فأصابوا الأقباط بالنكال.وقد عددّ المقريزي الشدائد التى أنزلها الأمويون بالأقباط، ففي ولاية عبد العزيز بن مروان صادر البطريرك مرتين وفرض الجزية على الرهبان، ثم تولى بعده عبد الله بن عبد الملك بن مروان ولاية مصر فاشتد على النصاري ، واقتدي به فيما بعد الوالى قرة بن شريك الذى أنزل بالنصاري شدائد لم يبتلوا بها من قبل وزاد عليهم الخراج فقام الأقباط بثورة في الحوف الشرقي (شرق الدلتا) فهزمهم الأمويون وقتلوا منهم الكثيرين. ثم اشتد عليهم الوالي أسامة بن زيد التنوخي وأوقع بهم وأخذ أموالهم، ووشم أيد الرهبان- أى رسم عليها علامة- ومن وجده منهم بغير وشم أمر بقطع يده وضرب أعناق بعض الرهبان وعذب آخرين حتى ماتوا. وتبعه في طريقة الوشم الوالى حنظلة بن صفوان الذى عمم الوشم على كل الأقباط ومن وجده بغير وشم قطع يده. وثار الأقباط فيما بين 121- 132 في الصعيد وسمنود ورشيد وأخمد الأمويون ثوراتهم بقسوة، وحين قدم مروان بن محمد آخر خلفاء بنى أمية هارباً إلى مصر من العباسيين بعد هزيمته في موقعة الزاب- لم يحاول استمالة الأقباط بل اشتد في الإيقاع بهم إلى أن قتله العباسيون في أبو صير. ونتابع المقريزى وهو يروي استمرار ثورات الأقباط في الدولة العباسية وإخمادها بالعنف، وكانت أخر ثوراتهم في عهد الخليفة المأمون وقد أوقع بهم قائده الأفشين، وانتهت بذلك ثوراتهم المسلحة. يقول المقريزى "فرجعوا من المحاربة إلى المكايدة واستعمال المكر والحيلة).( خطط المقريزى 3 / 536 : 538 )
3 ـ كان الظلم أحد الرموز الأساسية في سياسة الحكام في العصور الوسطي يسرى ذلك على النظام العباسي أو الروماني أو الأموي، عدا فترات قليلة تعتبر استثناءاً مثل عصر الخلافة الرشيدة وعمر ابن عبد العزيز، والشعب المظلوم إذا عجز عن الثورة الإيجابية ركن إلى المقاومة السلبية وإلى استعمال المكر والحيلة على حد قول المقريزي. وكان اعتناق الإسلام من أساليب المصريين الأقباط للنجاة من الظلم ودفع الجزية الباهظة، وقد فطن الأمويون لذلك فألزموهم بدفع الجزية حتى لو أسلموا، وقد أنكر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز ذلك على والى مصر وكتب إليه "أن الله بعث محمداً هادياً ولم يبعثه جابياً" وتم رفع الجزية عمن أسلم من الأقباط، إلا أن الحال عاد إلى أسو ما كان عليه بعد موت عمر بن عبد العزيز. لقد كانت المجتمعات في العصور الوسطي تخضع لمنطق الدين الذي يفسره الحاكم على هواه ومن خلاله يمارس الظلم ويجد من يبرر له أفعاله، وعدا فترات قليلة تمتع فيها المصريون بالعدل فإن السمة لعامة هى استمرار الظلم مع التمسك الشكلي بالدين.
4 ـ كان اعتناق المصريين للإسلام ظاهرة فردية يقوم بها الفقراء للتخلص من دفع الجزية و يقوم بها الكتبة الأقباط في الدواوين كي تنفتح لأحدهم أبواب الترقي في المناصب، وحينئذ ينتقم لنفسه ممن ظلمه من المسلمين ويستخدم نفوذه الوظيفى فى تصفية حساباته القديمة، أو على حد قول المقريزي "فصار الذليل منهم بإظهار الإسلام عزيزًا يبدى من إذلال المسلمين والتسلط عليهم بالظلم ما كان يمنعه نصرانيته من إظهاره").(خطط المقريزى 3/546.)
دخول المصريين ( الإسلام ) أفواجا في العصر الفاطمي:
1 ـ كان الفاطميون الشيعة أصحاب دين أرضى يحظي بانكار العرب المسلمين في مصر في ذلك الوقت، وأولئك العرب الحكام وأتباعهم كانوا يعتنقون دينا أرضيا مناوئا هو السّنة . ولكن لم يكن العرب المسلمون في مصر إلا أقلية، وكانت الأغلبية من المصريين الأقباط، وقد فطن الفاطميون إلى ذلك العداء المستحكم بين العرب المسلمين وبين الأقباط المصريين، وكان من المنتظر أن يستميل الفاطميون إلى جانبهم تلك الأغلبية الصامتة فهم الأكثرية وهم أهل البلاد وهم أكثر الناس تشوقاً إلى رفع الاضطهاد عنه. وعمل الفاطميون على نشر التشيع بين المصريين على أنه الاسلام، ولم يجد المصريون وقتها فارقاً أساسياً بين العقيدة الشيعية وبين ما توارثوه من عقائدهم القديمة حيث يضاف التقديس إلى البشر من الأئمة أو الأولياء أو رجال الدين.
2 ـ وفتحت الدولة الفاطمية أبواب المناصب أمام المصريين خصوصاً إذا اعتنقوا الدعوة الشيعية فأصبح اليهودى المصري يعقوب بن كلس الرجل الثاني في الدولة الفاطمية في بداية عهدها وكان هو حكيم الدعوة الشيعية والذى قام بعبء نشرها داخل مصر وخارجها. وجذب الفاطميون المصريين لهم عن طريق الاحتفال بالأعياد الدينية الشيعية والإسلامية بل واحتفلوا بالأعياد القبطية والفرعونية . وتحت عنوان ( ذكر الأيام التى كان الخلفاء الفاطميون يتخذونها أعيادأً ومواسم تتسع بها أحوال الرعية وتكثر نعمهم) تحدث المقريزى بالتفصيل عن احتفال الفاطميين ومعهم عوام الشعب المصري وخاصته بمواسم وأعياد رأس السنة وأول العام ويوم عاشوراء وعيد النصر وليالى الوقود وشهر رمضان وعيد الفطر وعيد النحر وعيد الغدير وفتح الخليج والنوروز وميلاد المسيح والغطاس وخميس العهد وطقوس صلاة الجمعة).(خطط المقريزى 2/ 274 : 283 )
3 ـ ولا زلنا نحتفظ ببعض الطقوس الدينية الفاطمية في تلك الأعياد مثل شم النسيم والسحور والأطعمة ذات المناسبات الدينية مثل الكنافة والقطايف وعروسة المولد. إلا أن أهم ما توارثناه من العصر الفاطمي هو تقديس الأضرحة خصوصاُ ما انتسب منها لأل البيت مثل ضريح السيدة نفيسه الذى أقامه الخليفة المستنصر الفاطمي سنة 482هـ. وكانت السيدة نفيسه قد توفيت سنة 208هـ، وتم دفنها في قبر عادي فلما جاءت الدولة الفاطمية أقامت على قبرها قبة وضريحاً أحاطته بالدعاية والأساطير حتى صار أحد الموضع المعروفة عند المصريين بإجابة الدعاء على حد قول المقريزي.(نفس المرجع 3/448: 449.). وقد دخلت الدولة الفاطمية في دور الضعف ووقع على وزيرها (الأفضل) عبء تقويتها أمام الخطر الصليبي والخطر السلجوقي السنى، وكان من وسائله أن يستمل إليه المصريين بعد أن أنفضوا عن الدعوة الشيعية ، وأثناء عودته من عسقلان أعلن الأفضل عثوره على رأس الحسين وبذلك أنشئ ضريح الحسين) ( نفس المرجع 2/ 161: 162.) بعد بناء القاهرة بنحو مائتين وخمسين سنة، وكان الأفضل يخطط لتقوية الدعوة الشيعية من خلال إقامته لضريح الحسين، ولكن انتهت الدولة الفاطمية بعد إنشاء ضريح الحسين أى استمر تقديس ضريح الحسين بينما دخلت الدولة الفاطمية متحف التاريخ.
4 ـ وأنهى صلاح الدين الأيوبي الخلافة الفاطمية وحارب الدعوة الشيعية بتنمية التصوف السنى وإقامة الخوانق وبيوت الصوفية، وورثت الدولة المملوكية الاهتمام بالتصوف وأوليائه، وحل دين التصوف محل دين التشيع تحت شعار الاسلام .
5 ـ حقيقة الأمر فإنّ ما عرفه المصريون من الاسلام هو تلك الأديان الأرضية . لم يعرفوا من الاسلام حقائقه ، ولكن عرفوا الدين الأرضى الذى يقدمه لهم الحاكم العربى على أنه الاسلام ، سواء كان سنيا متعصبا طبّقه الأمويون والعباسيون فى إضطهادهم للمصريين عنصريا فى الدولة الأموية أو دينيا فى العصر العباسى ، أو كان التشيع ، حين تحبّب اليهم الفاطميون بالتشيع فاعتنق المصريون التشيع على أنه الاسلام ، ولا زلنا فى حياتنا الدينية نمارس الشعائر الفاطمية فى أعيادنا الدينية ، ثم حلّ التصوف السّنى محل التشيع ، واستجاب التشيع والتصوف للموروثات الدينية المصرية القديمة والتى تميزت بها المسيحية المصرية القبطية عن بقية المذاهب المسيحية . وحدث التماثل بين الأديان الأرضية للمصريين لدى المصريين من أقباط و( مسلمين )، لأنها كلها صدرت عن أصل واحد هو الدين الأرضى المصرى القديم ( الفرعونى ) ، وقد أوضحنا هذا فى كتاب ( شخصية مصر بعد الفتح الاسلامى ) . وهذا يفسّر لماذا دخل أجدادنا المصريون التشيع أفواجا على أنه الإسلام فى العصر الفاطمي ، ثم انقلبوا بسهولة يعتنقون التصوف فى العصرين الأيوبي والمملوكى.
6 ـ ومع زحف تلك الأديان الأرضية باسم الإسلام زحفت اللغة العربية وتوارت أمامها اللغة المصرية القديمة إلى أقصى جنوب الوادي.
استمرار ظلم الحكام بعد انتشار الإسلام:
1 ـ أصبح المسلمون المصريون أغلبية تدين بدين الحاكم ولكن لم ينقطع ظلم الحكام، لأن ظلم الحكام في العصور الوسطى كان عادة سيئة لا تتوقف على نوعية الدين الذى يدعي الحاكم التمسك به . وكان الظلم أبرز مظهر للحياة المصرية في العصر المملوكي.والمماليك كانواً خدماً عبيداً للأيوبيين ، ثم تمكنوا من الوصول إلى الحكم . وكى يعززوا مركزهم الجديد فقد استطالوا على الشعب المسكين قتلاً واضطهاداً.
2 ـ يقول المقريزى في حوادث سنة 648هـ التى شهدت قيام الدولة المملوكية البحرية (وفيها كثر ضرر المماليك البحرية بمصر، ومالوا على الناس ، وقتلوا ونهبوا الأموال وسبوا الحريم ، وبالغوا في الفساد حتى لو حكم الفرنج ما فعلوا فعلهم)((المقريزى: السلوك تحقيق د. زيادة 1/2/380، 404.)، أى لو حكم الصليبيون مصر فإنهم- فى رأي المقريزى- لن يظلموا المصريين بالقدر الذى فعله بهم المماليك المسلمون.ويقول المقريزى في ترجمة للسلطان أيبك أول سلطان مملوكى (وكان ملكاً حازماً شجاعاً سفاكاً للدماء، قتل خلقاً كثيراً، وشنق عالماً من الناس بغير ذنب ليوقع في القلوب مهابته، وأحدث مظالم ومصادرات عمل بها من بعده)( المقريزى: السلوك تحقيق د. زيادة 1/2/380، 404.).أى أن السلطان أيبك استن سنة سيئة عمل بها خلفاؤه المماليك حتى من أشتهر منهم بالعبادة والتدين مثل السلطان قايتباى صاحبنا في هذا الكتاب.
مقاومة الشعب المصري لظلم المماليك:
1 ـ على أن الشعب المصري لم يعرف الخنوع المطلق أو الاستسلام المستمر للعسف المملوكى، كان المماليك هم القوة الحربية الوحيدة التى يؤيدها جمهور من رجال الدين وعلماء الدين وعلماء السلطة يطبقون الشريعة وفقا ما يرتضيه السلطان صاحب النعمة. ولذلك كانت ثورات الشعب المصري في العصر المملوكى مظاهرات صاخبة تحتج على المماليك وعلى المشايخ والقضاه والعلماء معاً باعتبار أن القضاه ورجال الدين كانوا جزءاً من السلطة المملوكية الجائرة.
2 ـ والأمثلة كثيرة نكتفي منها بتلك اللوحة التاريخية الناطقة التى حكاها المؤرخ المملوكى الأصل المصرى النشأة أبو المحاسن (ابن تغرى بردى)، يقول ( إضطراب الناس وأبطل السلطان موكب ربيع الأول من القصر، وجلس بالحوش ، ودعا القضاة الأربعة والأمراء والأعيان. ووقف العامة أجمعون في الشارع الأعظم من باب زويلة إلى داخل القلعة، واجتاز بهم قاضى القضاة علم الدين البلقينى وهو طالع إلى القلعة فسلم على بعضهم بباب زويلة فلم يرد عليه أحد السلام ، بل انطلقت الألسن بالسب له وتوبيخه من كل جانب لكونه لا يتكلم في مصالح المسلمين ، واستمر على هذه الصورة إلى أن طلع إلى القلعة، وقد انفض المجلس بدون طائل ونودى في الحال بعدم معاملة الزغل (أى بعدم التعامل بالعملة المغشوشة التى أصدرها السلطان) فلم يسكن ما بالناس من الرهج ولهجوا بقولهم (السلطام من عكسه- أى من سوء حظه- أبطل نصفه) (أى أبطل العملة الذهبية التى أصدرها) وإذا كان نصفك إينالى لا تقف على دكانى) (أى إذا كانت العملة التى تتعامل بها قد أصدرها السلطان اينال المملوكى لا تقف على دكانى . وبعدها في العصر العثمانى كان أحفادهم يقولون (ايش من تفليسي يا برديسي....). ويستمر المؤرخ أبو المحاسن معلقاً على هذه المظاهرة الشعبية وتلك الأمثال الشعبية التى اخترعها جموع الشعب فيقول (وأشياء كثيرة من هذا ، من غير مراعاة وزن ولا قافية ، وانطلقت الألسنة بالوقيعة في السلطان وأرباب الدولة، وخاف السلطان من قيام المماليك الجلبان بالفتنة وأن تساعدهم العامة وجميع الناس فرجع عما كان قصده، وقد أفحش العامة إلى ناظر الخاص ورجموه وكادوا يقتلونه....)(( أبو المحاسن: حوادث الدهور 2/294: 296. ).
3 ـ حدثت هذه المظاهرة في سلطنة الأشرف اينال الذى توفي سنة 865هـ. وقد تولى صاحبنا السلطان قايتباى سنة 872هـ. وهؤلاء هم أجدادنا الذين لم يسكتوا على ظلم السلطان اينال فكيف كان حالهم مع السلطان قايتباى المشهور بالتدين وعمل الخير.؟..
مؤرخو مصر قبل ابن الصيرفي:
مؤرخنا المجهول ابن الصيرفى سجّل فترة غامضة فى التاريخ المصرى المملوكى ، وجاء بعد مدرسة مصرية تاريخية متميزة فى التأريخ تزعمها المقريزى . ونحتاج لمجلد كامل لاستعراض تاريخ علم التاريخ قبل عصر المؤرخ ابن الصيرفى ، ولكن نكتفى بلمحات من كتب لنا سبقت فى علم ( التاريخ والمؤرخون ) وهى مادة تاريخية متخصصة كنا ندرسها فى قسم التاريخ بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر فى أوائل الثمانينيات.
بداية التأريخ باللغة العربية وفيما يخص العرب
1 ـ قبل الفتح الإسلامى كانت هناك بين المصريين معارف ومؤلفات تاريخية وتراث شعبى باللغة القبطية . وبالفتح العربى دخلت اللغة العربية ، وتم تعريب الدواوين المصرية فى عهد الخليفة الأموى عبد الملك بن مروان ، واضطر الكتبة الأقباط المسيطرون على دواوين الدولة المصرية وإدارتها الى تعلم اللغة العربية ليحتفظوا بوظائفهم ونفوذهم داخل الحكم العربى الجديد . وبالتفاعل بين المصريين والعرب القادمين انتشرت اللغة العربية بين المصريين الذين تسموا ب( الأقباط ) نسبة للديانة القبطية المسيحية التى تمسكوا بها ورفضوا الدخول فى الاسلام . ولكن مع انتشار اللغة العربية أخذت تتوارى وتتراجع أمامها اللغة القبطية شيئا فشيئا الى الجنوب والصعيد الى أن أضحت فى العصر المملوكى متشابكة مع لغة النوبة . وتحولت تأدية العبادات القبطية الى اللغة العربية بعد أن نسى المصريون الأقباط والمسلمون لغتهم الأم وتكلموا بالعربية. ولسنا هنا بصدد التأريخ لعلم التاريخ المصرى القبطى وكيف تحوّل الى الكتابة بالعربية ، واشهر مؤرخيه ، ولكننا فى هذه العجالة السريعة نلمح لتأريخ مصر بعد الفتح العربى (الاسلامى ) والذى بدأه عرب مسلمون ، ثم تابعه بعدهم مصريون مسلمون يؤرخون لما يجرى فى مصر بعد الفتح .
2 ـ انعكس الفتح العربى ( الاسلامى ) مبكرا مؤثرا فى تكوين مدرسة تاريخية مصرية ، ليس فقط من حيث اللغة ، فأصبح بالعربية ، ولكن من حيث الموضوع ، فتميزت المدرسة التاريخية الأولى بالتأريخ للفتوحات العربية ( الاسلامية ) في مصر وأفريقيا والأندلس حيث كانت مصر معبراً للفتوحات الإسلامية في هذه المناطق ، وكان الرواة للفتوحات الإسلامية من الذين أسهموا فيها. وعرفت (بكتب الرايات) نسبة للرايات التى كانت تحملها فرق المسلمين في الفتوحات. وقد جمع ابن الحكم (187- 257هـ) روايات الفتوحات في كتابه المشهور (فتوح مصر وأخبارها).
التأريخ للدول المصرية بعد الفتح العربى ـ
دخلت المدرسة التاريخية المصرية فى تطور جديد حين تكونت في مصر دول مستقلة في العصر العباسى الثانى مما أوجد نوعاً جديداً من المؤلفات التاريخية المتخصصة فى مصر ودولها المستقلة ؛ فالمؤرخ ابن الداية ت 334 كتب في الدولة الطولونية:سيرة أحمد بن طولون، سيرة ابنه خماروية، سيرة هارون بن خماروية، أخبار غلمان ابن طولون بالإضافة إلى أخبار أطباء، أخبار المنجمين. والمؤرخ محمد بن يوسف الكندي (283-350هـ) له كتب الخطط والجند العربي والموالى وضاعت كلها ولم يبق إلا كتابه المشهور (الولاة والقضاة).والمؤرخ ابن زولاق (306-387هـ) كتب تاريخ مصر، وخطط مصر، فضائل مصر، سيرة الأخشيد، سيرة المعز لدين الله الفاطمي، سيرة جوهر الصقلى. والمؤرخ المسبحي (366-420هـ) الذى عاصر الخليفة الحاكم بأمر الله الفاطمي كتب ما يزيد على ثلاثين كتاباً أهمها التاريخ الكبير ، وهو موسوعة في التاريخ المصري. وقد اقتبس منه المقريزى وأبو المحاسن والسيوطى والسخاوى. ثم كان التأريخ للدولة الأيوبية فى مصر والشام ، الى أن تأسست الدولة المملوكية على أنقاض الأيوبيين .
تسيّد المدرسة التاريخية المملوكية فى مصر والشام
وأصبحت القاهرة أهم الحواضر (الإسلامية) منذ العصر الفاطمي ، ثم صارت عاصمة العالم (الإسلامى) بعد أن سيطرت الدولة المملوكية على أهم مناطق الشرق وانتقلت إليها الخلافة العباسية بعد هزيمة المغول، مما أدخل المدرسة التاريخية المصرية فى عصر الإزدهار ، خصوصا فى النصف الأول من القرن التاسع الهجرى ، وتزعم المدرسة التاريخية المصرية وقتها مؤرخ مصر الكبير تقي الدين المقريزى (766-845هـ). وذلك تأثرا بالوحدة السياسية التى حققها المماليك وبالمكانة السياسية التى تحتلها مصر المملوكية . وهنا نتوقف ببعض التفاصيل مع المدرسة التاريخية المصرية والشامية فى العصر المملوكى .
المدرسة التاريخية فى المشرق ( سوريا والعراق ) قبل وأثناء العصر المملوكى
1 ـ سيطرت الدولة المملوكية على مصر والشام وبعض أجزاء من العراق وشمال سوريا والحجاز . وتكونت مدرسة تاريخية فى الشام فى دمشق وحلب ( المملوكية ) كانت تركّز على الشام بسبب إقامة المؤرخ فى موطنه بالشام ورصده أحداثها ، ثم ينقل عرضا ما يحدث فى مصر . وفى الوقت الذى تخصصت فيه المدرسة التاريخية المصرية فى كتب الرايات والفتوحات فى الغرب ثم فى التأريخ للدول المصرية الطولونية والاخشيدية والفاطمية والأيوبية فإن المدرسة التاريخية فى المشرق ( سوريا والعراق ) ركزت على بغداد ودمشق من خلال التاريخ الحولى ، الذى يؤرخ بالسنة والحول متخذا من بغداد نقطة انطلاق كما فعل الطبرى فى تاريخه وجرى على نسقه ابن الجوزى فى (المنتظم ) وابن الأثير فى الكامل . وأيضا من خلال التأريخ للعواصم مثل تاريخ بغداد وتاريخ دمشق وتاريخ حلب ..بدأ هذا مبكرا فى القرن الثالث الهجرى ، واستمر الى العصر المملوكى .
2 : بسقوط بغداد ووقوع العراق تحت حكم المغول وذرية هولاكو إنفصلت مدرسة العراق التاريخية عن المدرسة التاريخية المملوكية فى مصر والشام . تميزت مدرسة الشام المملوكية بالتركيز على جعل سوريا وليس القاهرة نقطة الانطلاق فى التأريخ ..
3 ـ وخرج عن هذا المنهج من قام بالتأريخ فى الطبقات متبعا منهج ابن سعد فى الطبقات الكبرى الذى ترجم فيه للنبى عليه السلام والصحابة والتابعين وتابعيهم حتى أواخر العصر الأموى. فقد تنوعت كتب الطبقات اللاحقة لتؤرخ للفقهاء حسب مذاهبهم ، كطبقات الشافعية وطبقات الحنابلة ، وأيضا طبقات النحاة وطبقات الأطباء والحكماء والمعتزلة .. وهذه النوعية من التأريخ للأعلام لم تتقيد بالمكان ، ولكن تقيدت بمن تؤرخ له 4. وهناك من قام بالتأريخ العام للمشاهير مثل وفيات الأعيان لابن خلكان ، ومن تابعه مثل فوات الوفيات للكتبى ، والوافى بالوفيات للصفدى .
5 ـ كما تميزت هذه المدرسة باستكمال التأريخ الحولى للسابقين ، فالعادة أن ينقل المؤرخ فى التاريخ الحولى عمن سبقه كالطبرى الذى نقل الروايات الشفهية عن السيرة والعصر الأموى والسنوات السابقة على عصره فى الدولة العباسية ، ثم حين وصل الى التأريخ لعصره أصبح هو الأصل الذى ينقل شاهدا على عصره. وبعد موت الطبرى تتابعت الكتابة تكمل التأريخ بعده . واستمر هذا التأريخ الذى يستكمل ويتابع التأريخ الحولى مؤرخا بعد مؤرخ ، وكان أحيانا يكتب بعضهم تلك التكملات تحت عنوان ( الذيل على ..)، أى يقوم بالتذييل على تاريخ حولى سابق . ومن أمثلة هذا فى العصر المملوكى ( ذيل ابن العراقى ) وهو ولى الدين أبوزرعة بن عبدالرحيم بن الحسين العراقى)، وبدأ كتابه ( الذيل ) بالتأريخ من سنة مولده 762، وهو تكملة لكتاب التاريخ لوالده ، وقد قام والد العراقى بتكملة تاريخ ذيل العبر للحافظ الذهبى.
6 ـ ومنهم من قام باستكمال التأريخ دون استعمال لمصطلح الذيل مثل ( ابن قاضى شهبه) : أبوبكر أحمد بن محمد بن عمر ت851. وكتابه ( الإعلام بتاريخ أهل الإسلام فى 7 مجلدات ، وهو تراجم للأشخاص والحوادث على النسق الحولى . و(الكتبى: ابن شاكر : صلاح الدين محمد بن أحمد ت764.)فى كتابه (عيون التواريخ )، ويهتم فيه كالعادة بأخبار الشام مع إيراد الأشعار لمن يترجم لهم . ولكنّ أبرزهم تاريخ ابن كثير ( 700 ـ 774 ) الذى نقل عن السابقين من ابن سعد والطبرى فى العصر العباسى وغيرهم الى أن وصل لوقته فى العصر المملوكى فى القرن الثامن الهجرى فقام بالتأريخ لعصره .
7 ـ ويتميز النويرى (شهاب الدين أحمد بن عبدالوهاب ت 733.) بموسوعته ( نهاية الأرب) والتى جمع فيها علوم عصره ، ثم خصص الأجزاء الأخيرة فى التأريخ . واعتمد منهجا رائعا فى التأريخ الموضوعى الحوالى ، أى يتوقف مع كل دولة من حيث الموضوع من بدايتها الى نهايتها ، وبعد أن ينتهى منها يتعرض لدولة أخرى . حتى وصل الى التأريخ لعصره المملوكى ، فكان يتهرب من التاريخ المباشر لعصره خوفا وتملقا للناصر محمد بن قلاوون كما يظهر فى الجزء الأخير..
8 ـ وهناك مؤرخ أخر يحمل نفس اللقب :( النويرى) ،وهو ( محمد بن قاسم بن محمد النويرى) وكان معاصرا للنويرى المشهورى إذ مات عام 775 هجرية ، .ولكن هذا النويرى كان صوفيا ماجنا رشيق الثقافة . وتأتى أهمية كتابه:( الإلمام بالأعلام فيما جرت به الأحكام والأمور المقضية فى واقعة الإسكندرية ) بتسجيله غزو حاكم قبرص لمدينة الاسكندرية وقتله أهلها وتدميره لها، وكان هذا النويرى شاهدا على الأحداث فدونها ضمن ثرثرة جمع فيها بين التاريخ والفقه والتصوف والمعارف العامة.
9 ـ ونعطى أمثل لبعض مشاهير المدرسة الشامية المملوكية :
( الذهبى : شمس الدين بن محمد بن قايماز التركمانى ت 748) . وله ( تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام ) ولا أدل على أهميته من نقل المؤرخين اللاحقين منه وتذييلهم له ، وله فى الطبقات ( تذكرة الحفاظ ) و( دول الإسلام فى جزئين ، و ( العبر فى خبر من غبر) فى 5 أجزاء.
( الصفدى،خليل بن أيبك ت 764 ). وله:( شرح لامية العجم ) و (نكت الهيمان في نكت العميان ) وموسوعته الكبرى ( الوافى بالوفيات) و (أعيان العصر) وقد عرض فيه المؤلف لأعيان عصره مع الاهتمام بالنواحى الأدبية والأشعار.و( ابن الفرات: ناصر الدين محمد بن عبد الرحمن بن الفرات)(735 -807)، وله ( تاريخ ابن الفرات )، و ( أبو الفدا :المؤيد اسماعيل أبو الفدا من ذرية الأيوبيين فى العصر المملوكى وقد مات عام 714،وله ( تاريخ أبو الفدا ) و (ابن الوردى: زين الدين الدين عمر ت 705هـ ) وله ( تاريخ ابن الوردى: تتمة المختصر في أخبار البشر.).
التداخل بين مدرستى مصر والشام فى العصر المملوكى
كان المؤرخ الشامى يركّز على سوريا بينما كان يركّز المؤرخ المصرى على مصر. وظهرت إيجابية فى هذا المنهج عند التأريخ لحادث معين جرى فى سوريا ثم استمر سريانه ليصل الى مصر . هنا يجد الباحث تأريخا يتابع الحدث ويسير معه بالتسجيل خطوة خطوة من سوريا الى القاهرة . وعلى سبيل المثال نرى المؤرخ الشامى (ابن طولون:شمس الدين محمد بن أحمد (880-953) ، يسجل فى الشام وقائع الفتح العثمانى وصراع سليم الثانى العثمانى مع المماليك وسلطانهم الغورى ، وهزيمة الغورى وتوسع العثمانيين فى الغزو والفتح ، وذلك فى كتابه ( مفاكهة الخلان في حوادث الزمان ) المعروف بتاريخ ابن طولون . ثم إذا وصل سليم الثانى العثمانى الى مصر كان ابن إياس أبرز مؤرخ مصرى فى إنتظاره يسجل بالتفصيل وقائع سقوط الدولة المملوكية وشنق آخر سلاطينها طومان باى على باب زويلة بالقاهرة .
المدرسة المصرية المملوكية قبل عصر المقريزى: مؤرخو مصر فى القرن الثامن الهجرى
1 ـ وأهم ملامحها وجود مؤرخين مصريين من أصل مملوكى، مثل ابن أيبك الداودارى: أبوبكر بن عبد الله ، ( وابن عبد الله يعنى عدم معرفة إسم أبيه لأن أباه جىء به مملوكا) . وكان هذا المؤرخ معاصرا للناصر محمد بن قلاوون. وله تاريخ ضخم بعنوان ( كنز الدرر وجامع الغرر)، وفيه الجزء التاسع بعنوان:(الدر القاهر فى سيرة الملك الظاهر). وايضا بيبرس الداودار ، وله كتاب ( زيدة الفكرة في تاريخ الهجرة )، وجرى فيه على عادة النقل عن السابقين الى أن يصل الى التأريخ لعصره فى الجزء التاسع فيؤرخ معاصرا للأحداث ، فيما بين 656 : 709 . وهذا المؤرخ مملوك ينافق سلطانه الناصر محمد بن قلاوون إلى درجة أنه أهمل تاريخ من اغتصبوا الحكم منه أسوة بإهماله تاريخ المغول المعاصرين له . وأيضا ( ابن دقماق ، وهو:صارم الدين ابراهيم بن محمد ت 809 .) وله ( الجوهر الثمين في سير الملوك والسلاطين)، ورغم أنه مختصر إلا أنه معاصر يعبر عن عقلية العصر. وله أيضا : ( الإنتصار لواسطة عقد الأمصار.) فى 5 أجزاء.
2 ـ الملمح الثانى هو التأريخ للصعيد فيما كتبه ( الأدفوى: جعفر بن ثعلب بن جعفر ت 748 ) فى كتابه : (ـ الطالع السعيد فى أخبار نجباء الصعيد.).
المدرسة التاريخية المصرية فى النصف الأول من القرن التاسع الهجرى بزعامة المقريزى
1 ـ من أعلام هذه المدرسة المؤرخ الفقيه (ابن حجرالعسقلانى) : (شهاب الدين أحمد بن على بن محمد بن على (773-852 ).وله فى مجال التاريخ : ( رفع الأصر عن قضاة مصر )، و( إنباء الغمر بأبناء العمر) الذى يؤرخ فيه لعصره من سنة ميلاده الى قبيل وفاته، وله :ـ( الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة.) فى أربعة أجزاء ، وقام بنفسه بالتذييل عليه بعنوان ( تاريخ المائة التاسعة أو ذيل الدرر الكامنة) وهناك نسخة خطية فى دار الكتب المصرية بقلم ابن حجر نفسه ولكنها صعبة القراءة جدا تبلغ أهميتها أن المؤرخين المعاصرين نقلوا عنها . ومشهور ابن حجر بشرحه للبخارى فى كتاب ( فتح البارى ) . وعلى سنّته سار فى العصر العثمانى مؤرخ محدث آخر هو ( ابن حجر الهيثمى) : شهاب الدين بن محمد بن بدر الدين ت 974 . وله ( إتحاف إخوان الصفا بنبذ من أخبار الخلفا) . وهو تاريخ للخلفاء العباسيين بالقاهرة ينقل عن تاريخ الخلفاء للسيوطى.
2 ـ ومثل ابن حجر كان ( العينى: بدر الدين (762-855). الذى قام بشرح البخارى فى كتابه ( عمدة القارى )، وقد خدم العينى الدولة المملوكية ، ونافق السلطان الظاهر (ططر) فى ( الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر ططر) ونافق السلطان المؤيد شيخ فى تاريخه :( السيف المهند في سيرة الملك المؤيد شيخ المحمودى ). وكتب فى التاريخ الحولى : ( عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان )، وهو متوسط الجودة ، ويعاب عليه أنه فى تأريخه للسنوات الأخيرة كان مختصرا على غير العادة فى الحوليات.
3 ـ وكان المقريزى( تقى الدين أحمد بن على (766- 845 ) زعيم هذه المدرسة . كانت مؤلفات المقريزى صدى للوضع السياسي المتميز للدولة المملوكية وقتها . لذا نراه يكتب في التاريخ العام والتاريخ العالمي بالإضافة إلى المؤلفات المتخصصة في شتى نواحى الحياة والحضارة المصرية والمعارف المصرية. في التاريخ العام كتب المقريزى مؤلفاته الضخمة مثل (الخبر عن البشر)، (الدرر المضيئة في تاريخ الدولة الإسلامية)، (أمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأحوال والحفدة والمتاع). في التاريخ المصري وضع ثلاثة كتب ضخمة هى: (تاريخ مدينة الفسطاط) الذى أرخ فيه لمصر منذ الفتح العربي إلى الفتح الفاطمي ، وفى تاريخ العصر الفاطمى كتب نقلا عن المسبّحى وغيره ( اتعاظ الحنفا بذكر الأئمة الفاطميين الخلفا). ثم كتابه الأشهر (السلوك لمعرفة دول المملوك) وأرخ فيه لمصر في العصرين الأيوبي والمملوكى إلى قبيل وفاته سنة 845هـ.وكان ينقل عن المؤرخين السابقين باختصار وحرفية نادرة ، حتى إذا وصل الى عصره أصبح يؤرخ شاهدا على عصره متوسعا وشاملا فى الأجزاء الأخيرة من ( السلوك ). وفي تاريخ العمران المصرى وضع موسوعته الكبيرة (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والأثار) وهى المعروفة بخطط المقريزى وفيه أرخ للمدن المصرية ومعالمها والحياة الاجتماعية فيها. وكان رائدا فى الكتابة التاريخية الاجتماعية متأثرا باستاذه ابن خلدون ت 808هـ.، إلا إنه خلافا لابن خلدون الذى تجاهل مصر فى مقدمته وتاريخه نرى المقريزى منكبا على تاريخ مصر فى ماضيها وحاضرها سياسيا واجتماعيا وحضاريا وعمرانيا . في تاريخها البشرى وضع المقريزى كتابين للترجمة لرجال مصر هما (المقفي الكبير) ويقع فى أربع مجلدات مخطوطة،وقد جمع فيه تراجم لكل من وفد على مصر منذ الفتح أو عاش فيها. وله أيضا ( درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة)، وكان يكثر من الاشارة اليه فى كتبه الأخرى . هذا بالإضافة إلى كتبه الصغيرة التى تناولت نواحى متخصصة في النقود وتاريخ الأعراب والاقتصاد والغناء والأحوال الدينية وآل البيت والنزاع بين الأمويين والهاشميين وبنيان الكعبة ومن حج من الملوك وحلّ لغز الماء .
5 ـ وأصبح المقريزي أستاذاَ لمدرسة تاريخية جاءت بعده فى الجيل التالى فى النصف الثانى من هذا القرن . وكان من تلامذته المجهولين فيه مؤرخنا ابن الصيرفي الذى نصاحبه في كتابه (إنباء الهصر) لنتعرف على المجتمع المصري في عصر قايتباى.
6 ـ ونرجو بهذا العرض السريع أن نكون قد قدمنا لمحة عن مصر الإسلامية بين التاريخ والمؤرخين قبل عصر قايتباى وقبل المؤرخ الصيرفي. و ويبقى أن نتعرف على هذا المؤرخ المجهول المنسى ( الصيرفى ) أو ( ابن الصيرفى ) بين مشاهير المؤرخين الذين عاصرهم فى النصف الثانى من القرن التاسع الهجرى.
ثانيا :إبن الصيرفى مؤرخا
ابن الصيرفي بين مؤرخى عصره المملوكي
ابن خلدون والمؤرخون المصريون فى عهده
1 ـ فى أواخر القرن الثامن ظهرت عبقرية المؤرخ ابن خلدون فى ( مقدمة ابن خلدون ) التى أتمها وأكملها قبل قدومه لمصر ، والتى لم يكتف فيها بنقد التاريخ وإنما حاول استخلاص القوانين الإنسانية التى تحكم حركة العمران الإنسانى، وكان أول من أنشأ علم الاجتماع بالمفهوم العلمي ، ثم جاء لمصر ليعيش فيها 24 عاما قبل أن يموت فيها عام 808 ه، وفيها تكونت له مدرسة تاريخية تأثرت بمنهجه النقدى للتاريخ ، وشهد النصف الأول من القرن التاسع قلة من أعلام المؤرخين ليسوا بالطبع في مكانة ابن خلدون وإن كانوا بالقطع أفضل ممن جاء بعدهم من تلامذتهم.
2 ـ وقد كان المقريزى أبرز مؤرخي القرن التاسع، وكان تأثره واضحاً بابن خلدون، وقد برز المقريزي في مجال التاريخ أكثر من الحديث والفقه.أما ابن حجر العسقلاني (ت852) فقد توزع اهتمامه بين التاريخ والحديث والفقه وكانت نبرته في نقد وقائع التاريخ الذى يرويه أهدأ من المقريزى. وظهر في النصف الثانى من القرن التاسع مجموعة أخرى من المؤرخين تعتبر إمتداداً للمقريزى وابن حجر، كان منهم أبو المحاسن (874) والسخاوى (ت902) وابن الصيرفي (ت900).وآخرون . ونعطى فكرة سريعة عنهم .
البقاعى
هو ابراهيم بن عمر ت 885.هو فقيه سنّى ناقم على الصوفية على طريقة ابن تيمية فى القرن الثامن الهجرى . والبقاعى كان بطل ما يعرف بكائنة البقاعى التى سنعرض لها فى هذا الكتاب . اشتهر البقاعى بتكفير ابن عربى وابن الفارض فى (تنبيه الغبي فى تكفير ابن عربى، تحذير العباد من أهل العناد)، كما اشتهر بلمحاته الرائدة فيما يعرف بتفسير المناسبة ، أى المناسبة بين سور القرآن وأياته . وتتجلى اسهاماته التاريخية فى : (تاريخ البقاعى ) ولا يزال مخطوطا فى مجلد بدار الكتب المصرية، (تحت رقم 5631 .تاريخ ). ويهتم فيه البقاعى بأخبار الفقهاء والقضاة ، ويمتاز بالدقة والتفصيل للإحداث التى ينقلها من واقع المشاهدة والمشاركة. وهو يعطى بالطبع وجهة نظره وموقفه ويدافع عن نفسه في الأحداث التى كان فيها البطل : ( كائنة البقاعى وابن الفارض ). ومع دفاعه عن نفسه وهجومه على خصومه إلّا إنّ الصدق يبدو واضحا وتبدو الأحداث طبيعية ومفهومة فى ضوء سيطرة التصوف وأربابه على العصر . ولكن يعيب مخطوطة الكتاب عدم ترتيب سنوات الأحداث فيه وتعرضها للعبث من خصوم البقاعى بعد موته مما يؤكّد مصداقيته فيما كان يحكى ويفضح من رموز عصره وظلمهم. وتحقيق تاريخ البقاعى صعب لأن النسخة المخطوطة أقرب إلى أن تكون مسودة بخط المؤلف، فهى كثيرة الحواشى والتنقيح والزيادة ، وخطها ردئ ويبدو أنها كانت تكتب على فترات، مع تعرضها لطمس بعض كلماتها عن عمد . ولكن مما يساعد في قراءة الخط فيه ما ورد من مواضع متشابهة في كتابي البقاعى : تنبيه الغبي ، تحذير العباد وهما محققان. وقد اعتمد السخاوى في الضوء اللامع على تاريخ البقاعى في مواضع كثيرة جدا .
إبن إياس:( محمد بن أحمد).
وهو من مخضرمى الدولتين المملوكية والعثمانية.ولدعام855. ومشهور(تاريخ ابن اياس)أو(بدائع الزهور).بدأ ابن اياس كتابة ( بدائع الزهور) فى السنة التى مات فيها السلطان قايتباي (901 ).يقع تاريخ ابن اياس في ستة مجلدات ، الا انه يمكن تقسيمه الي قسمين كبيرين : القسم الاول الذي كان ينقل فيه ابن اياس عن المؤرخين السابقين ، وهو التاريخ الذي يعتبر ماضيا بالنسبة لابن اياس ولم يشهده ، ثم القسم الثاني ، وهو الذي كان فيه ابن اياس شاهدا علي عصره ، يكتب ما يراه وما يسمعه.وعلي اساس هذا التقسيم فان القسم الاول الذي ينقل فيه ابن اياس عن مؤلفين سابقين يقع في الاجزاء الثلاثة الاولي من تاريخ ( بدائع الزهور ) الجزء الاول في مجلدين كبيرين + الجزء الثاني الذي ينتهي منه حتي سلطنة الظاهر تمربغا الذي تولي الحكم في مصر 58 يوما فقط وتولي مكانه السلطان قايتباي سنة 872 هـ .وبدءا من سلطنة قايتباي يوم الاثنين 6/ رجب /سنة872 يبدأ الجزء الثالث من تاريخ ابن اياس ، ويبدأ معه ابن اياس فى التأريخ لعصر قايتباى ومن بعده الى عام 906، ويشترك مع ابن اياس في التأريخ لهذه الفترة مؤرخنا ابن الصيرفى والسخاوى وابو المحاسن بن تغري بردي، كل حسب السنة التى توقف فيها عن التأريخ ، وبعد موتهما يكون ابن اياس هو العمدة فى التأريخ لمصر ، حيث ظل ابن إياس يؤرّخ لمصر منفردا بعد ذلك في الجزء الرابع من سلطنة قانصوه الغوري الذي تولي يوم الاثنين اول شوال سنة 906 ، وانتهي في شوال سنة921 ، ثم فى الجزء الخامس والاخير ليؤرخ لسقوط الدولة المملوكية وتحول مصر الي ولاية عثمانية،أي إنفرد ابن اياس بالتأريخ لمصر من واقع المشاهدة والمعاينة في فترة هامة فيما بين 902 : 928 هـ أي قبل وفاته بعامين..
ولابن إياس مؤلفات تاريخية أخرى منها كان ينقل فيها عن السابقين:( مرج الزهور في وقائع الدهورر ) في قصص الانبياء ، وفيه نقل عن الثعالبى و الطبرى و ابن كثير فى قصص الأنبياء، و( نشق الازهار في عجائب الاقطار ) في جغرافية مصر والعالم وتاريخ مصر الفرعونية ، وتأثر فيه بالجزء الأول من تاريخ المسعودى ، و( نزهة الامم في العجائب والحكم ) في تاريخ العالم.و( المنتظم في بدء الدنيا وتواريخ الامم ) وينتهي فيه تاريخ المسلمين حتي سنة 355 ، وتأثر فيه بتاريخ الامام ابن الجوزي ( المنتظم في تاريخ الامم والملوك )، و( وجواهر السلوك في الخلفاء والملوك ) ويبدو فيه تأثره بالمقريزي في تاريخه ( السلوك ).و (عقد الجمان في وقائع الازمان ) في اختصار تاريخ مصر ، ويبدو فيه تأثره بكتاب المقريزي ( درر العقود ) وبتاريخ العيني( عقد الجمان ).
أبو المحاسن ابن تغرى بردى (813 :874 ) ه.
من أصل مملوكى ارستقراطى، كان ابوه الامير تغري بردي اتابكيا أي قائدا للجيش المملوكي ثم نائبا للسلطان علي الشام ، أي واليا للشام.إشتهر بكتابة "النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة" وقد حاكى فيه أستاذه المقريزى، إلّا إن أبا المحاسن فى ( النجوم الزاهرة ) بلغ به 16 جزءا ، وبدأه من الفتح العربى وسار بعده متخصصا فى التاريخ المصرى ، ينقل فيه عن السابقين ، الى أن وصل الى عصره فكان يؤرخ من واقع المشاهدة الى قبيل موته بعام واحد ، أى أتم التأريخ لمصر في النجوم الزاهرة حتي 873 هـ ومات عام عام 874، أى يحاكى استاذه المقريزى. فقد توقف المقريزى في تاريخه فى "السلوك" عند سنة 844هـ أى قبيل وفاته بعام واحد. وقام تلميذه أبو المحاسن بإكمال التأريخ لعصره فكتب "حوادث الدهور في الأيام والشهور" وجعله ذيلاً لتاريخ المقريزى في السلوك. وصدر فى باريس ( منتخبات من حوادث الدهور)، حررها وليم بيبر عام 1930 . ولأبى المحاسن أيضا كتاب ( المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى ).فى خمسة أجزاء ، وهو قصر على التراجم المختصرة لشخصيات عصره . وكان أبو المحاسن كثيراً ما يعترف بفضل المقريزي ويحاكيه في نقده العنيف لمظالم عصره وإن كان أقل مستوى من أستاذه. واشترك أبو المحاسن ومؤرخنا ابن الصيرفى فى التأريخ لنفس لعامى 972 و 973 .
السخاوى المؤرخ شمس الدين ت 902 ه
لا نقصد السخاوى الصوفى ، وهو شيخ صوفى معاصر لصاحبنا السخاوى المؤرخ المحدث ، هذا السخاوى الصوفى هو( نور الدين على بن أحمد بن عمر، المتوفى عام 900.)، وقد تخصص هذا السخاوى فى إرشاد الزائرين للقرافة المتبركين بالمقابر المقدسة ، ممن كانوا يعرفون بلقب ( مشايخ الزيارة ) . ومن واقع تخصصه كتب هذا السخاوى:( تحفة الأحباب وبغية الطلاب فى الخطط والمزارات والتراجم والبقاعات المباركات). وهو ضمن ما كان يعرف فى العصر المملوكى بكتب المزارات .
أما (السخاوى ) المؤرخ صاحبنا المقصود فهو (الحافظ شمس الدين محمد بن عبدالرحمن بن محمد أبى بكر (831 ـ 902).اشتهر فى مجالى التأريخ والحديث . وله فى التأريخ : ( الذيل على رفع الأصر ) وهو إكمال لكتاب ابن حجر العسقلانى( رفع الأصر عن قضاة مصر ) .كان مؤرخنا السخاوى مشهورا بالحدة في النقد ، ولا يقال إنه تأثر فى هذا بأستاذه المقريزى الذى نثر انتقاداته فى السلوك ، لأنّ المقريزى كان موضوعيا فى نقده ، ووجّه معظم نقده للأمراء المماليك الظالمين ، أما السخاوى فقد وجّه حدة نقده لأقرانه من الشيوخ ، خصوصا السيوطى ، وقد وصلت الخلافات بينهما الى حد تأليف كتب يطعن كل منهما فى صاحبه . والسخاوى كتلميذ للمقريزى يتابعه فى التأريخ ، وقد كتب السخاوى تاريخه "( التبر المسبوك ) ليكمل تاريخ "السلوك" للمقريزى بمثل ما فعل أبو المحاسن فى (حوادث الدهور ). على أن السخاوى وضع سفراً ضخماً وهو ( الضوء اللامع فى أعيان القرن التاسع ) ترجم فيه لأعيان القرن التاسع الهجرى من علماء ومماليك وطلبه وتجار وغيرهم. وقد رتّبه على حروف الهجاء مثلما فعل المقريزى في كتابه "المقفى الكبير" واقتبس كثيراً مما أورده المقريزى في كتابه "درر العقود" . إلا أنه يعيب السخاوى حدة طبعه في النقد وأنه جعل من كتابه الضخم "الضوء اللامع" متنفساً لتسوية الحسابات بينه وبين منافسيه من العلماء فترجم لهم من موقع الخصومة وذلك شطط لم يعرفه أستاذه المقريزى.على أن السخاوى تعلم من المقريزى اسلوبه العلمى الفصيح فى الصياغة التاريخية للأحداث . وتلك ميزة يتميز بها السخاوى عن مؤرخ معاصر له من تلامذة إبن حجر العسقلانى ونعنى به مؤرخنا "ابن الصيرفي" ، الذى نصل اليه فى النهاية .
ابن الصيرفي على بن داود بن إبراهيم الخطيب الجوهرى الصيرفى (819-900).
1 ـإكتسب لقبه (الصيرفي) من عمله مع أبيه في سوق الصيارفه وسوق الجواهر فأطلق عليه (الجوهرى) و(الصيرفي)،ولقب (ابن الصيرفي)هو الأكثر شيوعاً. وقد درس ابن الصيرفي على ثلاثة من مشاهير العلماء في وقته وهم ابن حجر وأبو زكريا الأقصرائى وابن سليمان الكافيجي. وكان ابن حجر يعطف على تلميذه ابن الصيرفي ويهتم به، وكوفئ ابن الصيرفي على اهتمام ابن حجر بن بهجوم السخاوى عليه، وقد كان السخاوى زميلاً لابن الصيرفي في التتلمذ على ابن حجر وقد ترجم السخاوى لرفيقه ابن الصيرفي في الضوء اللامع في سطور امتلأت بالكراهية والنقد على عادة السخاوى في تجريح معاصريه ومنافسيه.
2 ـ ولعل نشأة ابن الصيرفي الفقيرة واضطراره للعمل مع أبيه في سوق الصيارفة كان من أسباب تواضع مستواه في الكتابة وغلبة العامية عليه في التفكير وفي الأسلوب معاً، بل ربما كانت نشأته الفقيرة سبباً في تملقه الشديد لأعيان الدولة المملوكية الذين أخذوا بيده ليكون ضمن قضاة المذهب الحنفي في مصر وليحظى بالدخول على السلطان قايتباى ضمن وفد العلماء والقضاة في عادة التهنئة بأول كل شهر عربي.
3 ـ وأصبح ابن الصيرفي معروفا بعناية الدكتور حسن حبشى الذى قام بتحقيق كتابى الصيرفى: (نزهة النفوس) و( إنباء الهصر)" الذى أكمل فيه الصيرفى حوادث كتابه "نزهة النفوس". وتاريخ (نزهة النفوس الأبدان في تاريخ الزمان) سار فيه الصيرفى على الطريقة المتبعة في تغطية حوادث التاريخ منذ البداية إلى وقت عصر المؤلف.وقد نقل عن العينى والمقريزى دون أن يضيف.والجزء الذى حققه د. حسن حبشى يؤرخ لدولة المماليك الجراكسة.
4 ـ وتاريخ "إنباء الهصر بأبناء العصر" الذى حققه أيضاً الدكتور حسن حبشى ونشرته دار الفكر العربي، هو ما نعتمد عليه في التعرف على المجتمع المصري في عصر السلطان قايتباى . والعنوان غريب: "إنباء الهصر بأبناء العصر" وتزول الغرابة نوعاً إذا عرفنا أن ابن الصيرفي نهج نهج أستاذه ابن حجر حتى في طريقة العنوان." فابن حجر" ترجم لعصره ومعاصريه في كتاب ( إنباء الغمر بأبناء العمر) وأبن الصيرفي حاكاه في العنوان فقال: (إنباء الهصر بأبناء العصر).وليس مألوفاً اختيار كلمة (الهصر) التى لا معني لها اللهم إلا من خلال محاكاة ابن الصيرفي لشيخه والاتيان بما يفي بحق السجعة على عادة مؤلفى العصر المملوكى من الاحتفال بالسجع وتزيين عناوين الكتب به. وكما حاكى ابن الصيرفي أستاذه ابن حجر في العنوان فقد سار على منواله في طريقة التأليف، لذا نجد الشبه واضحاً بين (إنباء الغمر بأبناء العمر) و(إنباء الهصر بأبناء العصر) في النغمة الهادئة ومحاولة (ارضاء جميع الأطراف) وإن كان أسلوب ابن الصيرفي أو ثقافته لا يمكن أن ترقى إلى مستوى أستاذه بأى حال.
5 ـوالصيرفى يؤرخ فيه للاحداث المصرية التي عايشها من 873 حتي 886 ، ومات المؤرخ الصيرفي سنة 900 .وقد غطي الجزء المحقق من كتاب (الهصر) سبع سنوات فقط من عصر السلطان قايتباى.
ويبقى أن نتفحّص نقديا كتاب ( إنباء الهصر بأبناء العصر ) ونبحث منهج ابن الصيرفي وتنوع المادة التاريخية فيه ومصادر ابن الصيرفي وأسلوبه وطريقته في العرض.
منهج ابن الصيرفي في كتاب الهصر
1 ـ يقول ابن الصيرفي في كتابه (الهصر) ما يلى: (وفي هذا اليوم أضاف السلطان الملك الأشرف قايتباى- عز نصره- المنصور عثمان ابن الملك الظاهر جقمق عنده بالقلعة ضيافة ملوكية).(أنباء الهصر 64.)
هنا يورد المؤرخ ابن الصيرفي خبراً عن السلطان قايتباى وأنه استضاف ابن الظاهر جقمق وهو سلطان مملوكي سابق- وجعل له وليمة رسمية في القلعة.وهذا مثال للأخبار التاريخية نتوقف معه لنتعرف على المنتهج التاريخي.
وبالتدقيق في هذا المثل نعرف أن الحدث التاريخي له زمان وله مكان وله أبطال.. فأبطال الحدث التاريخي في المثال السابق هم السلطان قايتباى والمنصور عثمان وحاشية السلطان. ومكان الحدث التاريخي هو القلعة، والزمان الذى وقع فيه الحدث يقول عنه المؤرخ ابن الصيرفي وفي هذا اليوم وحين نرجع إلى الصفحة نتعرف على أن ذلك الحدث وقع يوم السبت العاشر من شوال سنة 873هـ. ومنهج ابن الصيرفي أنه يورد الأحداث باليوم والشهر وبالعام ، أى يتبع المنهج الحولى. لذا نقرأ أحداث شهر المحرم مرتبة حسب الأيام وبعدها يأتى شهر صفر هكذا إلى أن ينتهى العام ثم يأتي العام الثاني بمحرم ثم صفر وهكذا.
2 ـ فالمنهج الحولى في الكتابة التاريخية معناه أن يكون التأريخ للأحداث حسب الزمان وليس المكان أو الأبطال. وفي المنهج الحولى يتم ربط الأحداث كلها في إطار زمنى واحد هو الحول أو العام ،ويكون فيه المؤرخ كمن يصدر نشرة إخبارية بما حدث في هذا اليوم وما يليه، وذلك العام وما يليه وهكذا. وميزة هذه الطريقة أنها تعطينا سجلاً تفصيلياً بالأحداث اليومية والسنوية وتجعلنا نحس بإيقاع العصر ونبض الحياة فيها، كما أنّ فيها متسعاً لأحداث الشارع ومن فيه من جموع الشعب وما يحدث من عجائب وغرائب وترقي إلى اهتمام المؤرخ فيسجلها في وقتها ومكانها مع تفصيلاتها. ولكنّ عيب المنهج الحولى أنه يمزق سياق الحادثة التاريخية الواحدة التى تقع في سنوات متصلة ، فالعادة أن الحادثة التاريخية الكبيرة تقع متتالية الوقائع متتابعة الأحداث متوالية الفصول ،ولكن المؤرخ الذى يتعامل معها وفق المنهج الحولى يقطع ذلك التتابع المتسلسل ويتعامل معها كإحدى مفردات الأحداث ويفقدها حرارة التواصل ويقطع عنها ترابط الأحداث ويحرمها من إمكانية التفرد والتميز إذا كانت متفردة متميزة. والباحث الذى يسعى وراء حادث تاريخى معين عليه أن يقرأ كل حوادث العام والأعوام التالية ليستخلص موضوعه وسط أكوام الأحداث الأخرى ، ولنفترض أن باحثاً يسعى للتأريخ لحركة الزنج، تلك الثورة التى قام بها فقراء العصر العباسي والتى استمرت أحداثها الهائلة متصلة متوالية طيلة خمسة عشر سنة (255-270هـ) فعليه أن يرجع للمصدر الأساس وهو (تاريخ الطبرى) وقد كان معاصراً لهذا الحدث حيث توفي الطبري سنة 310 . ولكن الطبري في تاريخه يتبع المنهج الحولى، لذلك نراه يروى حركة الزنج في تاريخه في الجزء التاسع موزعة على ستة وثلاثين موضعاً وقد وزعها بين مئات الحوادث الأخرى الأقل أهمية ووسط أكثر من مائتين وخمسين صفحة. وبطبيعة الحال فإن أحداث الثورة لم تكن متقطعة مشتتة وإنما كانت هادرة متوالية مترابطة متتابعة.هنا يتنمى الباحث لو أن الطبري أراحه من العناء ووضع عنواناً اسمه "حركة الزنج" ثم روى تحته القصة من البداية للنهاية ، أو بمعني أخر تمني الباحث لو أن الطبري اتّبع المنهج الموضوعى.
3 ـ فالمنهج الموضوعى في إيراد الحقائق التاريخية هو ربط الحدث التاريخى بالمكان والأبطال أساساً فالحوادث التاريخية تدور من خلال تاريخ دولة في منطقة معينة أو من خلال تاريخ شخص معين ويكون الزمان هنا دائراً في إطار المكان أو الأشخاص. ومثال ذلك ما فعله الدينورى في تاريخ الدولة العباسية في كتابه "الأخبار الطوال" أو ما فعله السيوطى في "تاريخ الخلفاء".فالمؤرخ يتبع قيام الدولة وأحداثها مولياً وجهه نحوها من البداية للنهاية، ويكون السرد الزمني في إطار المكان والأبطال، وينصرف جهد المؤرخ إلى تجليه الموضوع من بدايته إلى نهايته.والمؤرخ الذى يتناول تاريخ شخص ما يبدأ ميلاده وربما بسيرة آبائه ثم يسير مع نشأته إلى أن يصل إلى قبره.إذا لدينا الأن منهجان في التاريخ (المنهج الحولى) الأفقي، (المنهج الموضوعى) الرأسي.
4 ـ وقد أثرت الأحوال السياسية على اختيار المؤرخ للمنهج الحولى أو المنهج الموضوعى. كانت الدولة العباسية تبسط سلطانها على أكثرية العالم الإسلامى وقد ورثت حكماً استمر متصلاً قبلها في الدولة الأموية وفي الخلافة الراشدة، لذا كان التاريخ لهذه الفترة المركزية يميل للمنهج الحولى. كان مركز الأحداث الهامة في المدينة ثم في الكوفة، ثم في دمشق ثم في بغداد.والمؤرخ الذى يعيش بجانب مركز السلطة بإمكانه أن يتعرف على أهم أخبار العالم في عاصمة المسلمين ثم تأتيه الأخبار من باقى الأمصار أو الولايات. وما كان أسهل عليه حينئذ أن يكتب تلك الأخبار حسب ورودها وترتيبها الزمني، أى يكتبها بالمنهج الحولى، وتاريخ الطبري هو النموذج الكلاسيكى للمنهج الحولى، تراه في تاريخه قد استغرق في أحداث بغداد والخلافة العباسية ومن خلالهما ينظر لباقى العالم.
5 ـ ثم ضعفت الدولة العباسية وقامت دول مستقلة على حسابها في مصر والغرب والشرق. وتأثر المؤرخون بالوضع الجديد فكتبوا مؤلفات في الدول الجديدة تقتصر في الحديث عنها من البداية إلى النهاية وتكتب في تاريخ مؤسسها وأبطالها ، كما فعل البلوي وابن الداية في الدولة الطولونية وسيرة الطولنيين وما كتبه ابن زولاق في سيرة الأخشيد وما كتبه ابن واصل وأبو شامة في الدولة الأيوبية. وكل ذلك يمثل المنهج الموضوعى أصدق تمثيل. ثم قامت الدولة المملوكية لترث العباسيين والأيوبيين وتقود المنطقة ، وكان لابد أن ينعكس الوضع الجديد على المنهج التاريخي، وأثمر مزجاً رائعاً بين المنهج الحولى والمنهج الموضوعى. 6 ـ وكان المقريزى أبرع من طبق ذلك المنهج الجديد. فالمقريزي في كتابه "السلوك" ارتبط أساساً بالمكان وهو مصر المملوكية والسلطة الحاكمة فيها ، أى ارتبط بالموضوع، فبدأ بمقدمات قيام الدولة ثم راح يفصل في أحداثها وأخبارها، ولكنه مع ارتباطه بالموضوع- وهو المكان والأبطال- إلا أنه أرخ للأحداث وفق ترتيبها السنوى أى اتبع المنهج الحولى داخل الموضوع. ويلاحظ أن المقريزى قد حاول تجنب عيوب المنهج الحولى حتى لا تتشتت الوقائع التاريخية لذا نراه يكثر من العناوين التاريخية المتعاقبة ويجعل الفصول قصيرة وبرز ذلك في الأجزاء الأولى من تاريخه (السلوك) حين كان ينقل عن السابقين، فلما وصل إلى التأريخ لعصره فاضت الأخبار لديه فأصبح يؤرخ باليوم وكل ما يحدث في الشارع المصري وفي القلعة مركز الحكم المملوكى، لذا نراه في استغراقه بتسجيل الأحداث ينسي وضع العناوين ويكتفي من ذلك بعنوان واحد يذكر فيه بداية تولى السلطان الحكم، ويسير مع الأحداث اليومية في إطارها الموضوعى (مصر المملوكية).
والمهم أن المقريزى ارتبط بالموضوع وهو مصر المملوكية ولكنه من خلال الموضوع أرخ بالسنين أى بالتاريخ الحولى في إطار التاريخ الموضوعى.وعلى نسق المقريزى سار ابن حجر في "إنباء الغمر بأبناء العمر" الذى أرخ فيه السنوات التى عاشها منذ مولده، وسار على نفس المنهج أبو المحاسن والسخاوى ثم ابن إياس في الأجزاء الأخيرة من تاريخه (بدائع الزهور).
وعلى نفس النسق سار مؤرخنا ابن الصيرفي في (الهصر).
7 ـ والمقريزى بدأ كتابه (السلوك) بعرض سريع للدولة الأيوبية يمهد به لمصر المملوكية وكلما اقترب من العصر الذي يعيشه وهو القرن التاسع تمهلت حركته وتكاثرت مادته التاريخية وكثرت أراؤه وتعليقاته، حتى إذا أصبح يؤرخ للأيام التى يعيشها أصبح شاهد عيان على الأحداث، وتحولت كتابته التاريخية إلى ما يشبه اليوميات التى تحكي حوادث الشارع المصري وترسم خلجاته وتنقل نبضاته.
وكذلك فعل ابن الصيرفي في (الهصر).
8 ـ وعادة فالأجزاء الأخيرة من تلك المؤلفات هى أثمن ما يكتب لأنها تنقل صورة حية للأحداث، ومن هنا تكمن أهمية ما كتبه ابن الصيرفي فى (أنباء الهصر)، في وقت مات فيه المقريزى وابن حجر والعيني، ولم يعد من أثر لعبقرية المقريزى إلا ما نراه في (الهصر) من التزام ابن الصيرفي بمنهج المقريزى العبقري الذى جمع بين المنهج الحولى والمنهج الموضوعى في تسجيل الواقع الحى للمجتمع المصري في عصر قايتباى.
تنوع المادة التاريخية في كتاب الهصر:
1 ـ ابن الصيرفي تلميذ لمن سبقه من المؤرخين المصريين، اتبع منهجهم ، وتنوعت في كتابه (الهصر) المادة التاريخية بنفس النسق الذى سار عليه المقريزى وابن حجر.
2 ـ وقد كان ابن خلدون أول من أشار في مقدمته إلى تنوع المادة التاريخية من تاريخ عالمى الى تاريخ محلى في كتب التاريخ، ويقول "ثم أن أكثر التواريخ لهؤلاء، يقصد الطبري وأمثاله- عامة المسالك والمناهج.. ومن هؤلاء من استوعب ما قبله الملة من الدول والأمم كالمسعودى ومن نحا نحوه، وجاء بعدهم من عدل عن الإطلاق إلى التقييد.. واستوعب أخبار قطره واقتصر على تاريخ دولته كما فعل أبو حيان مؤرخ الأندلس والدولة الأموية بها.( مقدمة ابن خلدون: ص5.).
3 ـ وتاريخ الطبري أبرز مثل للتاريخ العالمى، إذ بدأه ببداية الخلق وتاريخ الأنبياء والأمم السابقة، وذلك حسب المنهج الموضوعى،أى يتناول تاريخ كل قوم من البداية إلى النهاية ثم يبدأ في تاريخ قوم آخرين وهكذا، ثم إذا وصل إلى السيرة النبوية التزم بالمنهج الحولى وترتيب الحوادث حسب السنين. والسبب أن الطبري لم يجد تقويماً يؤرخ به الأمم السالفة حسب المنهج الحولى، وعندما وصل إلى تاريخ الإسلام كان التقويم الهجري في انتظاره. وقد ضم تاريخ الطبري مجمل ما يعرفه من تاريخ العالم القديم ، وهى فى منظورنا الآن أشبه بالخرافات ، ولكنها تعبير صادق عن معارف الناس وقتها ، ثم قام بالتأريخ للمسلمين نقلا عن روايات شفهية وتدوينات متفرقة وأخبار جمعها ودونها الإخباريون ، مع النقل عن ابن اسحاق والواقدى وابن سعد ، فى تاريخ السيرة وعصر الخلفاء من الردة والفتوحات الى الفتنة الكبرى ، والعصر الأموى والعصر العباسى الأول الى أن وصل الى عصره فأصبح يؤرخ من واقع المشاهدة والمعايشة ، ولكن جريا على ( التاريخ العالمى ) أو التاريخ العام . ولكن ذلك التاريخ العالمى العام كان عند الطبرى مرتكزاً في حقيقة الأمر على بغداد عاصمة الخلافة العباسية التى يراها الطبري بؤرة الأحداث، ولذا انشغل ببغداد والعراق أكثر من اهتمامه بالمناطق الأخرى. وكان التاريخ العام العالمي مناسباً لعصر الطبري وأمانيه في أن يذوب العالم الإسلامي في الخلافة العباسية وأن تظل بغداد عاصمة العالم المتحضر، إلا أن قيام الدولة المستقلة وازدهار الحواضر الإسلامية التى نافست بغداد أوجد نوعاَ آخر من المادة التاريخية وهو التاريخ المحلى.
4 ـ فإذا كان التاريخ العام العالمى يتجاوز حدود المكان الذى يعيش فيه المؤرخ وعصره وزمانه فإن التاريخ المحلى هو الذى يقصر اهتمامه على التاريخ للأقطار والدول والمدن والاشخاص، لذا ظهرت المؤلفات التاريخية في تاريخ مكة وتاريخ البصرة وتاريخ بغداد وتاريخ دمشق وتاريخ حلب وتاريخ الفسطاط والقاهرة.
5 ـ واستأثرت مصر باهتمام مؤرخيها الذين كتبوا في قضائها وخططها، أى عمائرها- كما فعل الكندي وابن زولاق والقضاعى والقفطي والأدفوى. ثم جاء القرن التاسع فبرز المقريزى بالسلوك والخطط وتاريخ الخلفاء الفاطميين عدا رسائله الصغيرة في الطواعين والقبائل العربية والنقود.
6 ـ وتواصل التاريخ المصرى- وهو تاريخ محلى- ما بين كتاب ابن عبد الحكم في الفتح العربي لمصر إلى تاريخ ابن إياس الذى رصد وسجل واستقبل الفتح العثمانى لمصر في القرن العاشر الهجري.. ثم إلى تاريخ الجبرتى وفتح نابليون لمصر أى تواصل التاريخ المصري طيلة العصور الوسطي.على أن هذا التواصل في التاريخ لمصر اتبع نفس المنهج الذى بدأه الطبري عمدة المؤرخين والمفسرين فاتخذ المؤرخون المصريون من مصر مركزاً وبؤرة للحدث كما فعل الطبري ببغداد والعراق.
7 ـ وقد تطرف المؤرخون المصريون في التركيز على المحلية المصرية إلى درجة تناقض معها اهتمامهم بما يحدث خارج مصر، فلا يذكرونه في الأغلب إلا إذا كان إنعكاساً للوضع المصري في القاهرة، أو إذا تفاعل معه بالحرب أو السلم . ولا عيب في ذلك طالما التزم المؤرخ بمفهوم التاريخ المحلى الذى يعنى قصر الاهتمام على وطنه وما يختص به، إلا أن ذلك لا ينسحب على الطبري الذى ولى وجهه شطر بغداد والخلافة العباسية مع أن تاريخه أسماه "تاريخ الرسل والملوك أو تاريخ الأمم والملوك".
8 ـ وابن الصيرفي في (الهصر) اتبع مفهوم التاريخ المحلى إذ جعل من مصر مركز الأحداث، ولديه أكثر من مبرر، فالدولة المملوكية في عصره كانت مركز الأحداث وبؤرتها وكانت جيوشها تحارب شاه سوار الذى كان تابعا لها فى شمال العراق ثم ثار عليها يطلب الاستقلال ، فانهزم وتم أسره وجىء به الى قايتباى ليلقى مصيره مسمّرا على جمل يطاف به فى شوارع القاهرة . وكان حكام الإمارات الصغيرة في آسيا الصغرى والعراق، بل والعثمانيون يرسلون سفراءهم للقاهرة طلباً لمودة السلطان قايتباى.
9 ـ وابن الصيرفي في تأريخه لوصول أولئك السفراء يجعله ضمن الأحداث الداخلية المحلية في القاهرة المملوكية، لذا لا نستنكر عليه أن جعل عنوان تاريخه "إنباء الهصر بأبناء العصر) فهو قاهرى يرى عصره وحياته ودنياه في القاهرة "أم الدنيا" ، فقد لازم أسواقها تاجراً ، وتعلم على يدى علمائها طالباً ودخل على سلطانها قاضياً. بل أن محلية ابن الصيرفي تظهر واضحة في أسلوبه العامّى وتعبيراته المصرية الدارجة، وإحساسه كمصرى بالظلم وتعبيره عنه برغم مدحه للسلطان وأعوانه. وبهذه المصرية المحلية في ابن الصيرفي يتميز عن أستاذيه المقريزى وابن حجر، بل ويتميز بها عن رفيقه ابى المحاسن المؤرخ المملوكي الأصل الذى كان لا يخفي تعاليه على عوام الشعب. كما يتميز ابن الصيرفي بهذه المحلية المصرية عن رفيقه المؤرخ المصرى السخاوى الذى أوسع في كتابه الضخم "الضوء اللامع" لكثير من التراجم لأهل الشام والعراق والحجاز ولم يقصره على مصر وإنما دار مع رجال القرن التاسع داخل مصر وخارجها، وصاغه بأسلوب فصيح. ولا نجد شبهاً لابن الصيرفي في مصريته ومحليته إلا في ابن اياس في الأسلوب والعقلية والمنهج والمادة التاريخية.
10 ـ لقد حفل "إنباء الهصر" بإشارات متفرقة لأحداث العالم الخارجي التى جاءت أنباؤها إلى مصر وسلطانها قايتباى، وسارع ابن الصيرفي بتسجيلها ضمن الأحداث التى يدونها كل يوم فيما يخص تاريخ مصر واهتمامات أبنائها بالعالم الخارجي، أى جعلها أخباراً محلية..
ومنها نتعرف على أخبار العثمانيين وعلاقاتهم بمصر المملوكية فى عهد قايتباى . من ذلك أنه يقول عن العثمانيين "وصل إلى السلطان قايتباى".. "كتاب الأمير حاجب حلب يتضمن أشياء منها أن المقر الناصرى محمد بن عثمان متملك بلاد الروم غضب على وزيره محمود باشا وقبض عليه قبضاً شنيعاً. (الهصر 27 ) فأخبار الدولة العثمانية تصل للسلطان قايتباى في القلعة عن طريق واليه في حلب، وابن الصيرفي يخلع على السلطان العثماني لقباً مصرياً مملوكياً ( المقرّ الناصرى ) مع اعترافه بأنه "متملك بلاد الروم" ، لأن العثمانيين ورثوا ملك الدولة الرومانية البيزنطية ، بعد أن فتح السلطان محمد الفاتح القسطنطينية ، ودمّر الدولة البيزنطية فكان يطلق عليهم أحيانا ( الدولة الرومية ) . وبالطبع فإن أحداً في ذلك الوقت لم يكن ليتصور أن العثمانيين سيجهزون على الدولة المملوكية فيما بعد.
وفي موضع آخر يقول "وردت الأخبار عن ابن عثمان أنه أرسل إلى رودس ثلاثمائة قطعة ويحاصرها
حصاراً عظيماً وقد ضيقّ عليهم. (الهصر 482.) ،وقد تأتى أخبار العثمانيين للسلطان قايتباى عن طريق السفراء المبعوثين من الدولة العثمانية ، فيسرع ابن الصيرفي بتسجيلها فيقول "وصل جماعة من بلاد ابن عثمان في البحر وصحبتهم عدة من الفرنج وأسرى المسلمين ظفر بهم العثمانيين عند دمياط فاقتتلوا معهم وانتصروا عليهم. (الهصر 341.)، أى ان السلطان العثمانى يرسل الى قايتباى دلائل نصره على الفرنج الذين أغاروا على ميناء دمياط وأسروا بعض رجالها فأنقذهم العثمانيون وأسروا بعض الفرنجة المهاجمين .وكانت تلك السفارة باردة طيبة للعلاقات بين الجانبين خففت من بعض التوتر الذى ينشب بين حدودهما المشتركة، لذا فإن ابن الصيرفي يذكر أن "قاصداً" أى سفيراً من "ابن عثمان" وصل إلى السلطان المملوكي وحظي بتكريمه.(الهصر 407.).
11 ـ ومن شذرات أخرى من تاريخ ابن الصيرفي نتعرف على بعض الخلفيات من التاريخ العالمي خارج الحدود المصرية المملوكية.
فقد كان سفراء حسن بك صاحب ديار بكر يتوالون على القاهرة خصوصاً أثناء حرب الدولة المملوكية مع شاه سوار العدو المشترك للفريقين، لذا كان حسن بك الطويل يحارب شاه سوار ويبشر السلطان المملوكى بانتصاراته ويعتبر نفسه ضمن أتباعه.. يقول ابن الصيرفي "ورد الخبر على السلطان.... بأن حسن بك صاحب ديار بكر هو الذى كسر حسن على بن جهان صاحب العراقين واستولى على ممالكه.." ويتزايد نفوذ حسن بك وتتزايد علاقاته الطيبة بالمماليك، يقول ابن الصيرفي "وصل رسول حسن بك.. وأخبر السلطان..... بما ملكه من البلاد والقلاع ما لم يجتمع بيد أحد من الملوك قبله مع إظهار محبته لمولانا السلطان وأنه مملوك السلطان وأنه قتل من أولاد تمرلنك عدة وأن مقصوده رضى السلطان...." وتمكن حسن بك الطويل من قتل السلطان المغولى (أبو سعيد) وبعث برأسه إلى قايتباى فأمر بدفنها. (الهصر 29، 198، 74، 75. )..
وهناك أخبار أخرى عن المنازعات بين أمراء الحجاز ومنها "وصل الخبر بنزاع بين السلطان الينبوع مع السلطان المعزول خنافر. (الهصر 29، 198، 74، 75.) .وهناك أخبار عن قبرص منها "حضر قاصد- أى سفير- نائب قبرص ومعه الجزية وقد طلب القاصد من ابن عثمان أن يكونوا تحت نظره أيضاً". ( الهصر 322.الهصر 441.) وقد سمح السلطان قايتباى بأن يكون للعثمانيين نفوذ في قبرص وذلك منتظر بعد الاتفاق الودي بين العثمانيين والدولة المملوكية واتفاقهما على مواجهة التحركات البحرية الصليبية، وقد كانت تقوم بغارات على المواني المصرية في رشيد والإسكندرية وادكو.(الهصر 442، 444، 445، 481. )
ثم هناك خبر طريف عن سفير ملك الهند الذى جاء يطلب من الخليفة العباسى بالقاهرة ومن السلطان قايتباى تقليداً له بالحكم (الهصر 362.) وكانت هذه عادة هندية.. الأمر الذى يجعلنا نعذر ابن الصيرفي في جلوسه تحت قصر السلطان قايتباى مكتفياً به في تاريخه للعصر ومتخذاً منه رمزاً للتاريخ المحلى والتاريخ العالمي في نفس الوقت. يكفيه عذراً أن سلطان الهند يرسل للقاهرة سفيرا يرجو بأن تمنحه تفويضاً له بحكم بلاده...
مصادر ابن الصيرفي في كتاب الهصر
مقدمة : المؤرخ الذى يكتب تاريخ السابقين ينقل عمن سبقه من المؤرخين، هكذا فعل المقريزى حين أرخ لمصر قبل العصر المملوكي فنقل عن المسبحى وعن ابن الفرات وابن واصل وابى شامه.أما المؤرخ الذى يسجل أحداث العصر الذى يعيشه كابن الصيرفي في الهصر فهو ينقل ما يشاهده وما يسمعه من أحداث وأقوال وما يحس به من مشاعر. والأحداث التى يسجلها المؤرخ المعاصر للحدث كثيرة، ولا يمكن أن يحيط بها كلها علماً، كيف له بجهده البشرى المحدود أن يقف بنفسه على كل كبيرة وصغيرة تحدث كل يوم في عصره على طول الامتداد الجغرافي الذى يؤرخ له ، لذا كان لابد للمؤرخ الذى ينقل أحداث عصره من وجود مصادر يستقي منها معلوماته خصوصاً ما ارتبط منها بالحكام وأعوانهم، هذا بالإضافة إلى ما يراه بنفسه وما يسمعه بأذنه.
وتتنوع مصادر ابن الصيرفي في كتابه إلى الآتي:
أولاً: مصادره العيانية ، أحداث كان ينقلها من واقع الرؤية والمشاهدة العينية:
1 ـ فابن الصيرفي كان أحياناً يحضر مع القضاة والعلماء لتهنئة السلطان بمطلع كل شهر عربي، وسجل حضوره في ثنايا تاريخه، كما أنه حضر بعض المجالس التى عقدها السلطان وسجل ما دار فيها. (الهصر 352، 357، 372، 377. ) . وهو بذلك شاهد عيان يعتبر تسجيله توثيقاً تاريخياً للمجلس ، إلا أن أسلوبه الغامض وما يشوبه أحياناً من شبهة التحامل لا يجعل الباحث يأخذ روايته مأخذ التسليم، ولابد بالطبع من إخضاعها لميزان النقد والتمحيص، ومقارنتها بروايات أخرى لو وجدت لمؤرخين معاصرين للحدث . خصوصاً وأن تلك المجالس التى حضرها ابن الصيرفي كان السلطان قايتباى قد عقدها للنظر في نزاعات القضاة والعلماء وكان منهم ابن الصيرفي وبهذه الصفة كان مطلوباً حضوره في تلك المجالس.
2 ـ وهناك أحداث نقلها ابن الصيرفي من واقع رؤيته العينية لا يملك القارئ إلا تصديقه، وبعضها لسوء الحظ- لا تمثل شيئاً هيناً كأن يقول "غرقت المعدية بجميع من فيها، ولم يطلع منهم إلا الغرقي الذين لهم أهل، وبقية الغرقي استمروا طعماً للسمك، ودخل بعض الغرقي من باب القنطرة فشاهدناهم وقد انفتحوا وانتنوا..". (الهصر 326) ، والمفجع في هذه الرواية أو المأساة التى شهدها ابن الصيرفي رأى العين أن بعض الغرقي الذين لا أهل لهم تركهم الناس- ومنهم ابن الصيرفي مشهداً وطعماً للسمك وقد "انتفخوا وانتنوا" دون أن يوارى أحدهم موتهم ويكرمهم بالدفن. وبعض ما رآه ابن الصيرفي وسجله لا يستحق عناء الكتابة إلا من وجهة نظره هو، كان يقول "وفي هذا اليوم رأيت عجيبة من مخلوقات الله، عجلاً صغيراً بيد واحدة ورجلين.( الهصر 403).
ثانياً: مصادره السمعية
وعموما فلم تكن الحوادث التى رآها بنفسه كثيرة في الكتاب، فأكثر مصادره سمعية سمعها بنفسه وسجلها، ولكثرتها يمكن تقسيمها إلى نوعين أساسيين حسب المصدر الذى سمع منه ابن الصيرفي:
1 ـ النوع الأول من مصادره السمعية : هو ما يدور في الدوائر السياسية والمكاتبات التى كانت ترد للسلطان من الخارج وتصل إلى متناول ابن الصيرفي، ويقرأها ، ويسارع بتسجيلها ، كأن يقول:( وصل للسلطان كتاب كان كتبه شاه سوار .. وصورة الكتاب- على ما بلغنى- أنه في أول لفظه هو...) أو يقول ": ( وصل هجاني من الأتابك أزبك مقدم العسكر المنصورى مضمونه على ما بلغنى بالمعني: بعد تقبيل الأرض.. إلخ".)، أو يقول: ( وفي هذه الأيام وقفت على كتاب وصل من أزبك للداودار للكبير ملخصه....: أنا نحن وصلنا إلى مدينة مرعش....).( الهصر 29، 69، 120.) . ومعناه أن بعض المكاتبات السلطانية كانت تصل لابن الصيرفي فيطلع عليها أو على مضمونها أو ملخصها . ومعناه أيضاً أن لابن الصيرفي مصدراً للأخبار عالى المكانة يمكنه من الإطلاع على تلك المكاتبات الرسمية . ويحق لابن الصيرفي حينئذ أن يقول بمنتهى الثقة. ( ورد الخبر على السلطان.... بأن درنده ملكها شاه سوار عنوة..... ولم يصل إلينا تفصيل أخذها على التحرير....)(الهصر 44.) ، أى كأنه يعد القارئ بأن الكيفية ستأتيه حينما تأتى لمسامع السلطان.
وليس صعباً أن نعثر على المصدر الذى كان يستقى منه ابن الصيرفي أخباره السياسية والرسمية، إذ أن العادة أن تلك المكاتبات السياسية الرسمية تدخل في نطاق مسئولية (كاتب السر) أو السكرتير الخاص بالسلطان بمفهوم عصرنا.ومن ثنايا تاريخ الهصر نتعرف على التقدير الزائد الذى يخص به ابن الصيرفي (ابن مزهر الأنصارى) كاتب السر السلطانى، ويمكن أن نتعرف أيضاً على مدى الحب الزائد الذى يحمله له.
فحين مرض كاتب السر يجعل ابن صيرفي ذلك ضمن أهم الأحداث الجليلة وقال : ( واتفق أن رئيس الدنيا إبن مزهر الأنصاري كاتب السر حفظه الله على المسلمين حصل له توعك.. وانقطع.. وتألم الناس لضعفه فإنه روح الوجود.!! وهرع الأكابر والأصاغر للسلام عليه، وعندى من عظم دعائى ومحبتي له ما يوازي حبى للناس الموجودين في عصره من جنسه ). وبعد أن شفي ابن مزهر من مرضه قال ابن الصيرفي: ( وزين له البلد وفرحوا بعافيته... وسيما كاتبه ومؤلفه- يقصد بنفسه- فإنه غريق فضله ونعمته، وأنشد لسان حالى في ذلك:
|
كل في حماك يهواك ولكن |
أنا وحدي بكل من في حماك |
(الهصر 208، 213.) وواضح أن ابن الصيرفي كان يحرص على أن يسبق اسم كاتب السر بنوعية خاصة من الألقاب والمناقب والصفات وأن يدون مآثره وفضائله خصوصاً وهو يتشفع للقضاة والوزراء ويتحمل في شفاعاته غضب السلطان. ومع ذلك كان ابن الصيرفي حريصاً على ألا يشير إلى كاتب السر بصريح العبارة على أنه المصدر الذى يستقي منه الأخبار، وذلك منتظر فابن مزهر هو "كاتب السر" فكيف يعرف الجميع أنه يفشى (سر) السلطان. على أنه أحياناً يلمح من طرف خفي إلى أخذه عن كاتب السر ، كأن يقول : ( وحكى لى رئيس الدنيا المقر الدينى ابن مزهر الأنصاري حفظه الله من جملة القصص التى قرأها في ذلك اليوم قصة مضمونها أن شخصاً تزوج بإمرأة وطلقها فادعت عليه أنها حامل... إلخ.)(الهصر 382، 383.). ولأن القصة هنا اجتماعية وليست سياسية فإن ابن الصيرفي لم يتحرج من إيرادها وقد أسند مصدرها السماعى إلى كاتب السر وذكره صراحة، ولكن نفهم من بين السطور تلك العلاقة الحميمة بينهما وأنهما كان يتحادثان ويتسامران وأن كاتب السر كان يحكى لابن الصيرفي قصصاً أخرى (من جملة القصص التى قرأها) وليست بالضرورة عن (شخص تزوج بامرأة وطلقها فادعت عليه أنها حامل...). وفي موضع أخر يقول ابن الصيرفي : ( أخبرنى المقر الأشرف الكريم العالى الزينى رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصاري حفظه الله على المسلمين وصرف عنه كل سوء وأعانه على ما هو بصدده- أن باسمه مرتبات على جهات المكس ما يرضى يتعاطاها..)(الهصر 393.)، وبغض النظر عن هذا الطابور الطويل من الألقاب والدعوات فإن أواصر الصداقة والود متبادلة بين الاثنين، وأن ذكاء ابن مزهر يتجلى في أنه استخدم مؤرخاً كابن الصيرفي ليشيد بذكره ويسجل مآثره في عصر عرف أهمية التاريخ والمؤرخين.
والواقع أن هناك فضيلة أخرى لابن مزهر الأنصاري لم يفطن إليها ابن الصيرفي ولم يرصع بها سلسلة مناقبه ألا وهى ذكاؤه الشديد الذى جعله يستخدم ابن الصيرفي في تخليد ذكره مقابل القليل من حطام الدنيا والضئيل من الأخبار السلطانية ومضمون بعض المكاتبات والله وحده هو الأعلم بحقيقة الصدق فيها. ومن الطبيعي أن شخصاً كابن مزهر الأنصاري يحتل وظيفة خطيرة في العصر المملوكي وهى كاتب السر لسلطان داهية مثل قايتباى لابد أن يكون على قدر هائل من الدهاء، خصوصاً وقد استمر محافظاً على منصبه وحائزاً على ثقة سلطانه العتيد، وفي وقت تساقطت رؤوس كثيرة لأرباب الوظائف الكبري. وشخص داهية كابن مزهر الأنصاري لم يكن منتظراً منه أن يطلع مؤرخاً من نوعية ابن الصيرفي إلا على تافه الأخبار التى لا خطر من إذاعتها والتي للسلطان ولكاتب السر مصلحة في نشرها، أما الأخبار الخطيرة والهامة فهي أبعد ما تكون عن علم ابن الصيرفي وغيره، وابن الصيرفي حين يسجلها فإنما يسجلها من موقع ما أشيع عنها من ثرثرة المحيطين بالقصر لذا نراه وهو يسجل هذه النوعية من الأخبار الخطيرة يعترف بجهله بحقيقة أمرها مع ابن "صديقه" كاتب السر لديه أسرارها وحقائقها. ومنها محاولات الصلح بين سفير شاه سوار عدو الدولة الثائر عليها وبين السلطان قايتباى ، يقول عنها ابن الصيرفي : ( وما علم أحد الصلح يكون على أى وجه.. ) وتكررت محاولات الصلح واشترط شاه سوار شروطاً، يقول ابن الصيرفي: ( ولما عاد القاصد- أى السفير- بغير حقه ـ أى بدون تكريم ـ علم كل أحد أن الشر باقٍ على ما هو عليه.) ،( الهصر 151، 163: 164.) فابن الصيرفي يقف في الشارع المصري كأى إنسان غيره يحكم بالملابسات والقرائن والمظاهر بينما (صديقه) كاتب السر لديه كل الأسرار والملابسات. وفي موضع أخر يقول : ( صعد قصاد- أى مبعوثو- حسن الطويل للقلعة وقدموا كتابهم فلم يعلم ما حضروا فيه لأن الكتاب قرئ سراً، ومن قائل أنه سأل في كسوة الكعبة ومن قائل أنه سأل في شاه سوار والعفو عنه... والله أعلم بحقيقة ذلك.). أى أن مؤرخنا يردد "تكهنات المراقبين السياسيين" بينما صديقه كاتب السر وهو "العليم بواطن الأمور...." لا يزوده بالحقائق ولا يسعفه بالإجابة وإنما يكتفي بإبلاغه بالتافه من الأخبار ذات الصلة ، كأن يقول : ( وقدموا هديتهم على ما بلغنى قفص ضمنه خوذة ولبس كامل وعدة أبدان سمور وسنجاب وسجادات أقصرائى فقُبلت. )،( الهصر 428.) أى فكل ما أطلعه عليه كاتب السر هو الهدايا التى قدمها الوفد للسلطان. وواضح أن أخبار المفاوضات الرسمية أبعد ما تكون عن ابن الصيرفي وحظه فيها التخمين دون التحقيق، والتوافه من الأخبار دون الهام منها.
2 ـ وقد كان لابن الصيرفي مصادر سماعية أخرى ضمن العاملين مع كاتب السر وضمن جلسائه كأن يقول : ( وقضيته على ما بلغنى بل سمعته يذكره في مجلس رئيس الدنيا وعظيمها المقر الأشرفي الكريم العالى الزينى ابن مزهر كاتب الانشاء الشريف حفظه الله على المسلمين أنه استأجر... إلخ.). (الهصر 417.)، وكان ابن الصيرفي حين ينقل أخباراً عن صديقه كاتب السر يصفه بالثقة كقوله: ( وسمعت ممن أثق بنقله أن السلطان نصره الله أرسل المحتسب لقاضى القضاة الشافعى يقول له... إلخ" ) أو يقول عن الهجوم الصليبي على رشيد : ( وبلغني ممن أثق بنقله أن السلطان لما بلغه ذلك انزعج انزعاجاً شديداً وحلف أنه لولا المهم- المشاغل- الذى هو من متعلق المملكة لكان بنفسه.)( الهصر 441: 442، 235.)
ويبدو من نوعية هذه الأخبار أن كاتب السر الداهية قد اختص بها مؤرخاً ساذجا هو ابن الصيرفى لتكون دعاية للسلطان بطريق مباشر، ويبدو أن ابن الصيرفي كان يصدق ما يوسوس به إليه صديقه كاتب السر الذى يقول عنه "وبلغنى ممن أثق بصدقه". بل وانسحبت هذه الثقة من ابن الصيرفي على آخرين ممن كانوا يعملون لدى كاتب السر كأن يقول "وأخبرنى من أثق بنقله عن رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصاري غير مرة أنه....." أو يقول "ها ما بلغنى من عدة ثقات".( الهصر 4.9، 446.) .
3 ـ وكانت لديه مصادر سماعية أخرى غير كاتب السر ومجموعته ولكنها لم تحظ عنده بالثقة الكاملة، كقوله عن الخلاف بين الأمراء المماليك في الشام "هذا ما وصل إلى خبره والعهدة على الناقل ).(الهصر 404.) إلا أن تلك المصادر السماعية الأخرى نقل عنها الكثير من الحوادث خصوصاً وقد بعدت عن مكاتبات السلطان وتحررت من محاذير كاتب السر، كأن يقول "وصلت الأخبار من الثغر السكندري أن معظم أهلها ذهبوا بموت الطاعون". ولا يجد مؤرخنا حرجاً في إسناد الخبر لصاحبه تصريحاً فيقول "قدم الأتابك أزبك... وأخبر أن الطاعون مستمر بإسكندرية وأنه انتشر ببلاد البحيرة.. وأخبر بموت جماعة من عرب غزالة ). (الهصر 31، 32.) ، والأتابك هو القائد العام للجيش.
4 ـ وقد عاصر ابن الصيرفي مؤرخاً آخر أطول منه باعاً وأشد منه ارتباطاً بمجتمع السلطة المملوكية وأحدّ لساناً في النقد وأعمق ثقافة، ونعنى به أبا المحاسن جمال الدين ابن تغرى بردى ت 874. ولم يجد ابن الصيرفي غضاضة في النقل عنه اعترافاً منه بفضله وأستاذيته ، وإن هاجمه في تاريخ الهصر في تعليقاته حين ينقل عنه وحين ترجم لحياته في السنة التى توفي فيها. وقد كثرت النقولات التى أخذها ابن الصيرفي من كتابى "النجوم الزاهرة" و "حوادث الدهور" لأبى المحاسن المذكور، إلا أن ابن الصيرفي لم يحدد أحياناً اسم الكتاب الذى ينقل عنه مكتفياً بذكر اسم المؤلف، كأن يقول عن أسطورة العثور على حصاة مكتوب عليها "اعتبروا واتقوا الله" قال الجمال يوسف ابن تغري بردى في تاريخه عندما ذكر هذه الحصاة" وأنا استغفر الله وأقول أنها مصطنعه". (الهصر 48.) ولم يذكر ابن الصيرفي أو اسم الكتاب الذى ينقل عنه، وهو "حوادث الدهور".( حوادث الدهور 3/697.)
5 ـ وكان ابن الصيرفي ينقل أحياناً عن بعض المؤرخين دون تحديد لاسم المؤرخ أو لاسم الكتاب وكان يفعل ذلك خصوصاً مع السخاوى- غريمه ومنافسه وزميله في التتلمذ على الشيخ ابن حجر- ومع ذلك أنه نقل ترجمة الأمير المملوكي شاهين غزالى مما ذكره عنه السخاوى في (الضوء اللامع).( الهصر 85: 87 الضوء اللامع 4/294. )
النوع الثاني من مصادره السماعية
1 ـ هو ما كان يتناقله الشارع المصري من إشاعات، منها ما هو خاص بالفتن السياسية التى كانت تثور بين أمراء المماليك، يقول مثلاً: "ولما نزل قرقماس المذكور إلى داره واجتمع عليه خجداشيته- أى زملاؤه ورفاقه في السلاح- فأشاع السخيفو العقول أن لابد من ركوب- أى ثورة- على السلطان" ويقول معلقاً "ويأبي الله ذلك والمسلمون ). (الهصر 50.) ، فالشائعات كانت تعليق الشارع المصري على مجريات السياسة المملوكية التى عرفت الاستقرار النسبي في عصر قايتباى. وكان ابن الصيرفي لا يستريح لهذا النوع من ( حرب الإشاعات ) التى تؤذن باختلال الأحوال وتشجيع على الفتن والاضطراب والثورة وما يعنيه ذلك من كثرة عزل السلاطين وتوليتهم ، كما حدث قبيل تولى قايتباى السلطة سنة 872، إذ حين مات السلطان خشقدم سنة 872 تقلب على عرض السلطنة في عام الاضطراب هذا إثنان من السلاطين (الظاهر يلباى والظاهر تمريغا) ثم وصل قايتباى للسلطة في نفس العام فأحكم سيطرته وظل يحكم حتى سنة 901هـ.
عاش ابن الصيرفي هذا الاستقرار في الفترة التى كان يؤرخ لها فكان يخشي من تلك الإشاعات وما قد يسفر عنها من ثورة تهدد الاستقرار خصوصاً وقد كان شاه سوار يهدد الدولة المملوكية من الخارج، لذا يقول في نفس الموضوع : ( ومن هذا الأمر الذى السلطان- نصره الله- فيه ومن الاهتمام بأمر الإسلام والمسلمين وقيامه بنصرتهم لدفع هذا العدو المخذول- أى شاه سوار- فالناسي يلهجون بوقوع فتنة من غير تصريح بركوب- أى ثورة أحد بعينه، كما هى عادة فشار العوام .). (الهصر 51.)
إلا أن الشائعات طاردت السلطان قايتباى برغم أنف ابن الصيرفي- فإذا ركب قايتباى إلى نزهة كما هى عادته وتخلف عن أعيان العسكر إلى أن يعود نجد الشائعات تتابعه، يقول ابن الصيرفي "واختلفت الأقاويل في توجهه فمن قائل أنه توجه إلى القدس ومن قائل أنه توجه إلى مكان قطع الفرنجة فيه الطريق على المسلمين، وقيل غير ذلك ، والله العليم والمالك ). (الهصر 236.) . بل أن الشائعات كانت تسبق تحركات السلطان وتحاول التنبؤ بما سيفعله، يقول ابن الصيرفي "تواتر الخبر على ألسنة العوام أن السلطان غدا تاريخه يخلع على الأمير ألماس بنيابة الشام ).( الهصر 497.) وهنا نرى ابن الصيرفي يتخذ من إشاعات العوام خبراً يستحق التسجيل مقترناً بقوله "تواتر" وهى صيغة المحدثين والفقهاء عند التصديق والتوثيق.
2 ـ والمهم أن ابن الصيرفي كان ينقل أحاسيس الشارع المصري وما يتناقله من آراء وأخبار وتكهنات حملتها الشائعات، وقد كان لها دور في هذا العصر الذى شهد استبداد الحكام وفق ما كان سائداً في العصور الوسطي، ولم يعرف الناس وقتها طريقاً أخر غير تلك الشائعات للمشاركة في التعليق على مجريات الأمور.
ولا أدل على اهتمام ابن الصيرفي- ومثله ابن إياس- بالتعبير عن الشارع المصري وتسجيل انطباعاته ومشاعره من تكرار كلمة "وشاع بين الناس" أو "أشيع كذا". بل أن ابن الصيرفي يستخدم نفس المصطلح فيما لا يصلح له كأن يقول "وفيه أشيع موت برهان الدين الحلبي ) ( الهصر 193، 295.) وموت برهان الدين هذا لم يكن إشاعة وإنما كان حقيقة ولكن التعبير غلب على ابن الصيرفي من كثرة استعماله له.
3 ـ وإنصافاً لمؤرخنا ابن الصيرفي فإنه كان أحياناً يقف من الشائعات موقف المحقق المدقق لا مجرد الناقل المصدق كأن يقول" وأشيع في هذا اليوم أن مات ببيت الصاحب ابن البقري عدة من مماليكه بالقاهرة وسألت عن ذلك من أخيه القاضى شرف الدين فأجاب: نعم مات عند أخى من المماليك ثلاثة نفر في الجمعة الماضية بالطاعون". (الهصر 32. ) ،ولم يكن الطاعون وحده هو الذى يجعله يتحقق من صحة الإشاعات بل كان يحاول التحقيق منها إذا كان ذلك بوسعه يقول في ترجمة برهان الدين الحلبي- سالف الذكر- وما أشيع عن تشيعه "كأن يرمى بأنه شيعى وأنه والعياذ بالله ما يحب السيدة عائشة وأنه في اليوم العاشر يأخذ معزة وينتف شعرها بيده ولكنه ما ظهرنا منه على ذلك".( الهصر 194.) ،وأحياناً يكون التحقيق من الإشاعة فوق طاقته فيعترف بذلك كأنه يعتذر، يقول"ووقع في هذه الأيام أمور شاعت وذاعت غير أنى لم أتحققها وإنما أنبئتها بطريق النقل" وكان منها القبض على جواسيسي سوار).(الهصر 263. )، وذلك يذكرنا بعلاقته بصديقه كاتب السر فلو كان يسمح له بالإطلاع على أسرار الدولة لعرف منه (الحكاية والرواية).
4 ـ وإحساس ابن الصيرفي بالشارع المصري الذى ينتمي إليه والذى لا يستطيع الانسلاخ عنا كان يظهر بين السطور مهما دافع عن سادته المماليك، ويظهر ذلك حين يتحدث عن معاناة الناس من الظلم والغلاء وهما مرتبطان مقترنان.. يقول في نهاية عام 876هـ ".... وانقضت هذه السنة والناس في أمر جهيد وبلاء عظيم وشتات العسكر المصري بالبلاد الحلبية... وعظم الغلاء بالديار المصرية حتى وصل الأردب القمح إلى ألف درهم.. وأما الظلم الموجود من بعض الناس فلا فائدة في ذكره، وعدم الأمن في السبل والطرقات، والحق أقول أنى لم أر فيما رأيت منذ عمرى أبشع ولا أفظع حالاً من هذه السنين الثلاث..).( الهصر 114.).وبعدها بعامين يقول "وأصبحت مصر وأهلها في ألم شديد من عدة وجوه...).( الهصر 261.).
لقد كانت لابن الصيرفي علاقاته بالسلطة المملوكية، خدمها ونافقها ولكن كانت له جذوره الممتدة في التربة المصرية فأحس بإحساس المطحونين وعبر عن آلامهم... وجاءت مصادره في تاريخ الهصر من هذين الرافدين على اتساع الفجوة بينهما، لذا نراه ينقل عن كاتب السر وأعوانه ورجال الدولة المملوكية كما ينقل إشاعات الشارع المصري وأحاسيسه ونبضاته..
النوع الثالث من مصادره السمعية ً:
1 ـ على أن هناك مصدراً آخر لابن الصيرفي لا يمكن تجاهله هو احتكاكه برجالات عصره وتعامله معهم، وقد نفعه ذلك عندما ترجم لهم فكتب عنهم كتابه العارف بمن يكتب عنهم وإن كنا بالطبع لا نغفل عامل الهوى والتحيز الذى لا ينجو منه إلا من عصم الله. وقد تنوعت علاقاتها وتعاملاته بشتى الطوائف وإن كان لم يترجم إلا للمشاهير من العلماء والمماليك وأقلية من التجار منهم ابن كرسون الذى يقول عنه "ووصل إلى عن هذا التاجر أنه كان يخرج حق الله تعالى أعنى الزكاة ).( الهصر 313.) .
2 ـ ويلاحظ أن المماليك كانوا أقل الناس تعاملاً مع ابن الصيرفي، ويبدو أنه كان يقترب منهم في حذر ويكتب عنهم بحذر أشد، ومع أنه ترجم لمشاهيرهم إلا أنه كان يختفي خلف آراء أبى المحاسن وهجومه عليهم، فإذا أراد أن يصف أحدهم بما فيه من ظلم وتجبر وفساد ذكر ما قاله عنه المؤرخ أبو المحاسن، ومن ذلك أنه – أى ابن الصيرفي ـ ترجم للأمير جكم الظاهرى فقال "وقال الجمال يوسف بن تعزى بردى المؤرخ عنه في تاريخه في الحوادث" كان من مساوئ الدهر: وفي الجملة لا تقل مات الأمير بل قل نفق الحمار" انتهى كلامه سامحه الله ). (الهصر 84.) . ويقول ابن الصيرفي في ترجمة الأمير قانم الأشرفي "وقال الجمال يوسف بن تعزي بردى المؤرخ في تاريخه: كان- أى الأمير قانم- عاديا ذا خلق سيء مع بخل وشح وتكبر وخفة وطيش عفي الله عنى وعنهما".( الهصر 89.) ، ويقول عن الأمير قانباى "وقال الجمال بن يوسف تعزي بردى المؤرخ عنه في تاريخه: وأما أفعاله فسيئة وباشر الولاية أقبح مباشرة وحسابه على الله، وانتهى كلامه "عفى الله عنهما )( الهصر 90.) ، ويقول في ترجمة الأمير ال بردي "قال الجمال يوسف بن تعزي بردى عنه في تاريخه: كان من رؤوس الفتن والظلم والعسف..." ويورد رأيا أخر لنفس المؤرخ عن نفس الأمير حين بنى مسجداً وسخّر الناس في عمارته "وقال الجمال بن يوسف بن تغرى بردي عنه : ومع هذا ظلم الظلم الزائد وعسف الناس وأبادهم بالضرب واستعمالهم بغير أجره وما عف عن ذلك ولا كف إلى أن عاجله الله وأخذه عزيز مقتدر... )( الهصر 90، 91.).
كان جمال الدين أبو المحاسن المذكر من أصل مملوكي ارستقراطي وذا نفوذ زائد فأتاح له ذلك أن يعبر بصراحة عن أمراء المماليك بل والسلطان نفسه، بينما قنع مؤرخنا المصرى الشعبي بالنقل عنه على استيحاء.
وقد اختلط ابن الصيرفي ببعض أمراء المماليك غير المشهورين بالظلم فاحتفل بهم عندما ترجم لهم وحرص على ذكر صلته بهم كما فعل في ترجمته للطواشى سرور، يقول فيه "ويدعي عفة وصيانة ورأينا منه ذلك وكان بينى وبينه صحبة" ولذلك انتقد رأى المؤرخ أبى المحاسن فيه وقال "وتعصب عليه الجمال يوسف بن تغري بردي......"). ( الهصر 85.).
3 ـ وانطلق ابن الصيرفي في ترجمته للعلماء والقضاة من واقع صلته وحريته في الحديث عنهم بلا خوف ولا وجل، ويقول في ترجمته للشيخ الشرواني "وكنت حاضراً عند الشيخ...." "وكان يودنى ويعظمنى..." "وما رأيت أنقى من ثيابه ولا أنظف منها...". (الهصر 94: 95.) . ويقول في القاضى معين الدين "وكان بينى وبينه صحبة ومودة ومداعبة وملاطفة".( الهصر 97.) . ويقول في قاضى القضاة "ابن حريز" ذاكرنى كثيراً في التاريخ ووقف على تاريخي الكبير المسمي نزهة النفوس وكتب لى عليه كتابة بليغة".. "وكان يودنى كثيراً وبينى وبينه صحبة أكيدة".( الهصر 98.) .
ويقول عن الشيخ العقيلي "رأيته وهو بصير.)(الهصر 101.) ويقول في الشيخ أبى السعادات "كان بينى وبينه وبين آله صحبة زائدة وتردد- أى زيادة ـ ويودنى كثيراً هو ووالده ).( الهصر 104.) وقال عن نور الدين الحنفي "وكنا نحضر معه دروس الفقه عند شيخنا سعد الدين الديري ) (الهصر 208. ) وأتى الشيخ الغمري- الشيخ الصوفي المشهور وقتها- من المحلة إلى القاهرة فاجتمع به أبن الصيرفي وقال في تاريخه "فاجتمعت به ورأيته رجلاً عظيماً ) ( الهصر 218.)
وبخلاف زمالته وصحبته لعلماء عصره التى برزت في ترجمته لهم من واقع الاحتكاك المباشر فإن ابن الصيرفي كان يحضر بعض المجالس الرسمية التى كان يعقدها السلطان قايتباى للنظر في أمور القضاة ومشاكلهم، وبالطبع كان يحضرها باعتباره قاضياً ثم يسجلها باعتباره مؤرخاً.
أخيرا
لقد سعى ابن الصيرفي إلى الحادثة ونقلها من واقع المشاهدة البصرية، وأتيح له الإطلاع على بعض المكاتبات السلطانية، وتعامل مع بعض المتصلين بإدارة الحكم، كما نقل ما يتردد في الشارع المصرى من إشاعات وأحاسيس ونبضات. كما تعامل مع مشاهير عصره الذين ترجم لحياتهم. ومن ذلك كله جاءت مصادره العينية والسمعية في تاريخ الهصر نبضاً حقيقياً للعصر وللمؤلف معاً مما يجعل من "إنباء الهصر" وثيقة حية للسنوات التى أرخها ابن الصيرفي.
أسلوب ابن الصيرفى فى صياغة المادة التاريخيةفي كتاب الهصر
1 ـ خصوصية ابن الصيرفي المصرية الشعبية انعكست على أسلوبه الذى طغت عليه الأخطاء اللغوية والتعبيرات السوقية الشعبية وركاكة الأسلوب وغموضه. ومحقق كتاب الهصر ( د . حسن حبشى ) تتبع الأخطاء النحوية واللغوية فيه فصححها في المتن وأثبت أصل الكلمة في الهامش بمثل ما كتبها ابن الصيرفي، وقد تعددت هذه الأخطاء بحيث لا تكاد تخلو منها صفحة في الكتاب، وعلى سبيل المثال ففي صفحة 36 نرى الأخطاء التالية : ( "أبقي لكل نفر من المماليك السلطانية ألفين درهم".) والصحيح : ألفى درهم، (بل وكانوا غالب المماليك السلطانية يأخذون عوضاً".) والصحيح ( وكان غالب )، ( وصاروا المماليك يسعفوهم )، والصحيح :( وصار المماليك )،( وإن وقف له تركمانيا أو كردياً أو بدوياً أو صغيراً أو يتيماً أو بنتاً... يكتب باسمه جاميكية".) والصحيح ( تركمانى أو كردى أو بدوى أو صغير أو يتيم أو بنت.).
والأغلب في أخطائه النحوية أنه لا يفرد الفعل في بداية الجملة الفعلية فبدل أو يقول مثلاً "كان غالب المماليك يأخذون عوضاً" يقول "كانوا غالب المماليك يأخذون..." وهذا الخطأ النحوي مرده إلى اللهجة المصرية وتعودها على معاملة الفعل في الجملة بما تعامل به الاسم من أفراد وتثنيته وجمع.
2 ـ وأحياناً يخلط ابن الصيرفي أخطاءه النحوية بأخطائه اللغوية بتعبيراته العامية لتكون مزيجاً من العامية والفصحى الرديئة كقوله عن أبى المحاسن المؤرخ "( ولقد حاضرته مرات... فكنت أمشّى معه في الحوادث فلم يمشي.... ومن حين عرف أنى اشتغلت بفن التاريخ لم أعارني كتاباً من كتبه.). (الهصر 181.) وتتكرر التعبير الشعبية في كتاب الهصر إلى درجة تحسب له ميزة يستفيد منها من يحاول دراسة اللهجة الشعبية في مصر المملوكية، يقول مثلاً عن المؤرخ جمال الدين أبى المحاسن "( وأوقفته أيضاً على تأليفي للسيرة النبوية الشريفة فكاد أن يتجنن.) (الهصر 181.) ، ويقول عن إحدي النساء( وطلقها فكادت تتجنن")(الهصر 132.) ، ويقول عن المحتسب يشبك:(مع أنّ جماعة كثيرين ممن فعل بهم ذلك عميوا أوطرشوا وأما أحكامه فالبخت والنصيب.)( الهصر 42.) ويقول عن إحدي النسوة ومشاكلها مع زوجها : ( وإنها كلما طالبته بذلك يأسى عليها") (الهصر366) ، أى يقسو عليها.
3 ـ وأحياناً يأتى ابن الصيرفي بباء قبل الفعل المضارع على عادة اللهجة المصرية كأن يقول "وغير ذلك أن غالب جميع أرباب الدولة....بيقدموا لعظيم الدولة ).( الهصر 262.) ، ويقول عن مقتل بعض الناس "وبيفصحوا عن قاتله .)(الهصر 238.).
4 ـ وقد يأتى التعبير العامى المصري شديد الخصوصية شأن الأمثلة الشعبية والتعبيرات الدارجة التى يسود استعمالها في عصر معين كقوله "وتكرر ركوب السلطان جداً وهذا من ضيق الحصيرة"). (الهصر 225.) ، والتعبير الأخير يدل على شدة الضيق ولم يعد منتشراً في عصرنا.وقد يحاول ابن الصيرفي تحسين لغته العامية ليكتب بلغة وسطى هى ما يعرف بفصحى العامية أو عامية الفصحى، وكان لا يخلو أسلوبه هذا من أخطاء لغوية كقوله "وكان يتسلط على الوزير والاستادار ... فيكتبوا له).( الهصر 300.) ، ويقول عن علاقته ببعض أصدقائه ".. حتى لما يريد يتنزه لا يفارقنى.)( الهصر 94.).
5 ـ وابن اياس كان قريناً لابن الصيرفي في استعمال الأسلوب العامي إلا أن ابن اياس امتاز عن مؤرخنا بأنه جمع بين العامية وسهولة الأسلوب فقلما كان يقع في الغموض والإلتواء كشأن ابن الصيرفي.
6 ـ والواقع أن المنتظر من صاحب الأسلوب الشعبي أن يتميز بالبساطة والسهولة في التعبير. ولعل غموض الأسلوب لدى ابن الصيرفي يرجع إلى تكلفة أحياناً ومحاولته التمسك بأهداب اللغة الفصحى التى لا يجيدها، وكأنه وقف محتاراً بين عاميته التى تشربها منذ كان يعمل في الأسواق صيرفياً وجوهرياً وبين تتلمذه على أساتذة عصره مثل الكافيجي وابن حجر العسقلانى.وقد حاول أن يوازن بين عاميته التى تعودها لسانه وقلمه وبين تأثره وإعجابه بشيخه ابن حجر خصوصاً في تاريخه "إنباء الغمر بأبناء العمر" فحاول أن يقلده في "إنباء الهصر بأبناء العصر" فوقع في العامية وفي الغموض معاً.أما ابن اياس سار على سجيته أسلوبه عامياً سهلاً بسيطاً مباشراً.
7 ـ ويزيد في مأساة ابن الصيرفي في أسلوبه الغامض أن أساتذته الذين كتبوا بالفصحى الراقية كابن حجر لم يقعوا في الغموض وجاء أسلوبهم فصيحاً بسيطاً، وجاء أقران ابن الصيرفي كالسخاوى وابى المحاسن بنفس المستوى في السهولة والفصاحة تقريباً. وعندى أنه يغتفر للمؤرخ كل شيء في كتابته عدا الكذب وغموض الأسلوب ، فكلاهما حائل دون الوصول للحقيقة التاريخية للقارئ. والأمثلة كثيرة على غموض الأسلوب في الهصر،منها قوله "وأما قضية الصندوق التى تقدمت وأن الورثة تقاسموا المال انتقض عليهم وأخذ منهم ورسم على أمين الحكم وطلب منه حساب الأيتام ولولا العناية ما حصل له خير ولا شر قليل).(الهصر 222.)، فصاحبنا يفترض أن القارئ على علم تام بالصندوق وموضوعه، مع أن القارئ المسكين لا يعرف من هو الذى "انتقص عليهم وأخذ منهم.. ورسم... وطلب...".
8 ـ والباحث التاريخى فى تاريخ الهصر قد يفقد هدوء أعصابه حنقا وغيظاً من ابن الصيرفي وهو يحكي بأسلوبه الغامض قصة طويلة كان للأسف شاهد عيان لها ، ومع ذلك فالغموض يغلف القصة ويفقدها روعة المعاصرة لأن المؤرخ وهو الذى عاصر الحدث وكتب عنه قد فشل في توصيل الحقائق للقارئ وربماً كان يفترض أن القارئ كان حاضراً معه أو كان لديه طرف علم بالموضوع لذا نراه يتحدث إلى من يفترض أنه يعلم ملابسات الحدث الذى يحكى عنه. والذى يبعث على الغيظ حقاً أن بعض تلك الأحداث التى رواها بهذا الشكل ملأ بها صفحات. كتابه وبالطبع فإننا لن نرهق القارئ بقصة طويلة من إحدى المجالس التى حكاها ابن الصيرفي.
9 ـ وإذا كان غموض أسلوبه باعثاً على الضيق فإن بعض سقطاته الأخرى في الأسلوب تفلح في رسم ابتسامة على وجه القارئ كقوله "وكان القاضى الحنفي الأمشاطى ضعف- أى مرض- بعد موته ولزم الوسادة وكان يترجى العافية فقُبض ) (الهصر 492. )، أى مات. والشاهد هنا قوله "ضعف بعد موته..." هل يمرض الإنسان بعد الموت؟
طريقة ابن الصيرفى فى عرض المادة التاريخية فى كتاب ( الهصر ):
1 ـ سار ابن الصيرفي على الطريقة التقليدية في الحوليات التاريخية، حتى لا نجد فارقاً في طريقة العرض بينه وبين المقريزى في السلوك. كان يبدأ أحداث كل عام بافتتاحية فيها توزيع المناصب الرسمية في الدولة من الخليفة العباسي الذى ليس له من الخلافة إلى الاسم والذى كان تابعا مطيعا للسلطان المملوكى الحاكم الفعلى المستبد بالأمر ، ثم السلطان- وهو قايتباى ، ثم أسماء القضاة الأربعة والأمراء المماليك حسب درجاتهم وباقى الوظائف في مصر والشام وملوك الحجاز والمشرق. وإذا كان هناك تغيير جدّ في بعض المناصب يذكره في السنة التالية وإذا لم يكن ثمة تغيير يقول، "وقضاة القضاة والأمراء والمباشرون والنواب على حالهم خلا ما ذكر في حوادث السنة الماضية فلا فائدة إلى إعادتهم وذكرهم .(الهصر 316. )، ويحرص في ذكر المناصب على تقرير الألقاب الرسمية المصاحبة لكل منصب. وبعد الافتتاحية تأتى حوادث كل شهر بالشهور العربية حسب ترتيبها ؛ محرم ثم صفر ... هكذا ..وفي داخل كل شهر يذكر الأحداث مرتبة حسب وقتها وباليوم وبالترتيب، يقول مثلاً تحت عنوان "المحرم": "أهل بالخميس وفيه –أى في أوله- صعد قضاة القضاة للقلعة لتهنئة السلطان بالشهر على العادة". واليوم الذى لا حوادث فيه لا يذكره، فاليوم الثانى من شهر المحرم السابق ليس مذكوراَ وإنما يقول بعد ذكره لحوادث أول محرم: ( وفي ثالثة الذى هو السبت خلع على عبد الكريم.. إلخ) ، (الهصر 7، 8) ويتوالى ذكر الحوادث، وهكذا باقى أيام الشهر والشهور التالية. وبعد انتهاء حوادث العام يأتى ذكر الوفيات، أو ترجمته لمن توفي في ذلك العام تحت عنوان "ذكر من بلغتنا وفاته في هذه السنة من الأعيان" ويذكرهم حسب ترتيب حروف الهجاء لا حسب الترتيب الزمني في وقت الوفاة. وبعد الوفيات يبدأ السنة التالية بالإفتتاحية ثم بالحوادث ثم بالوفيات وهكذا. وأحياناً يذكر في الحوادث بعض الوفيات الهامة ثم يعيد ما ذكره في الوفيات). (الهصر: أمثلة 197، 302، ثم 20، 305 ثم 193، 295.) ،وأحياناً يكتفي بتلك الوفيات المذكورة في الحوادث فلا يذكره ضمن الوفيات).(الهصر 276، 2 51، 230. ) .
2 ـ وسار ابن الصيرفى أيضا على الطريقة التقليدية للمؤرخ الذى يعيش عصره يسجل أحداث عصره منفعلا ومتأثرا بما يستجدّ فيها من أحداث تستحق الذكر . ففيما عدا أخبار السلطان وأرباب الحكم فإن المؤرخ لا يسجل من أخبار وأحداث المجتمع إلا ما يستحق الاهتمام ، ثم إنه ليس ممكنا أن يسجل هذا المؤرخ المعاصر كل الأحداث التى تجرى ، حتى ما كان يقع منها أمام عينيه ،هو هنا أشبه بالصحفى الذى لا يسجل أن كلبا قام بعض الاستاذ فلان، ولكنه يسجل الخبر لو كان الاستاذ فلان هو الذى قام بعض الكلب . أى لا بد للخبر أن يكون مهما وغريبا حتى يستحق التسجيل . هذه قاعدة حاكمة فى التأريخ تسرى على كل المؤرخين ، وتسرى بالتالى على مؤرخنا الصيرفى . وقد تأثر بهذا تسجيل دقائق الحياة الاجتماعية وحركة المجتمع وعاداته ، وكان يحدث أن تسود ظاهرة اجتماعية معينة فى السلوك والحياة الدينية وتظل سائدة تغلّف حياة الناس وتصبح ضمن العادات والتقاليد الى يعايشها الناس ويتنفسها المجتمع ، ويأتى المؤرخ ( الحولى ) الذى يسجل أحداث عصره بالعام والحول فلا يجد هذه العادة تستحق التسجيل لأنه عادة ولأنها ( ما وجدنا عليه آباءنا ) ولأنها ـ فى إعتقاده ـ معروفة للكافة . وبإهماله تسجيل تلك العادات والسلوكيات يرتكب خطأ فادحا لو جاء وقت وانتهت تلك العادة وانصرف عنها الناس . بهذا ضاعت حقائق تاريخية إجتماعية كثيرة سادت ثم بادت إزدهرت ثم اندثرت لأن المؤرخين رأوا أنها لا تستحق التسجيل .
3 ـ وهنا نذكر بالشكر والتقدير شيخ مؤرخى العصر المملوكى المقريزى الذى أوسع ( لبعض وليس كل ) ملامح الحياة الاجتماعية المصرية فى كتابه (الخطط) وفى تأريخه ( السلوك ) وبعض رسائله الصغيرة . ولسنا فى مقام التوسع فى هذا الموضوع فهو يستحق بحثا قائما بذاته لما سجله المقريزى من ملامح اجتماعية مصرية سادت ثم بادت وازدهرت ثم اندثرت ولم يبق منها إلا ما سجله المقريزى فى كتاباته . ونتمنى أن يتفرغ لهذا البحث أحد طلاب الدكتوراه ليوفيه حقه . وعلى أى حال ، فبهذا التميز ( المقريزى ) ينفرد (المقريزى) . ولا نتصور من مؤرخ فى مستوى ابن الصيرفى أن يصل الى هذا المستوى .
4 ـ على أن ما أهمله المؤرخون الحوليون ( المحليون ) قامت بتعويضه بعض الشىء كتابات أخرى ، لم يكن القصد منها أن تكون تأريخا لعصرها ، ولكن أوردت بعض الحقائق الاجتماعية ضمن تخصصها بدون هدف التأريخ ، ولكن الباحث التاريخى يستنطق هذه الكتابات ليستشفّ منها حقائق تاريخية اجتماعية مسكوتا عنها من جانب المؤرخين المعاصرين لها . وقد أوسعنا فى بحث هذا فى كتابنا ( البحث فى مصادر التاريخ الدينى : دراسة عملية ) والذى كان مقررا على طلبة قسم التاريخ فى جامعة الأزهر عام 1984 . وسننشره هنا بعونه جل وعلا . ولكننا فى هذه العجالة ونحن ننهى هذا الفصل التمهيدى عن هذا المؤرخ المجهول ابن الصيرفى وكتابه : ( إنباء الهصر فى أنباء العصر ). نعطى لمحة سريعة عمّا أهمله الصيرفى وهو يؤرخ للحياة اليومية المصرية تحت ظل تطبيق الشريعة فى عصر السلطان قايتباى .
5 ـ أهمل ابن الصيرفى فى تسجيله اليومى أخبار الانحلال الخلقى المتستر بالدين وبالنقاب الذى كان عادة اجتماعية دينية أتاحت للمرأة فى هذا العصر أن تمارس الانحلال الخلقى ما شاءت ( وما شاء لها الهوى ) على حد قول أبى فراس الحمدانى فى قصيدته ( أراك عصىّ الدمع ). المقريزى بعبقريته المتفردة خرج عن المألوف وسجّل لمحات فى ( الخطط ). يقول فيه عن المصريين فى ذلك العصر: ( ومن أخلاقهم الانهماك فى الشهوات والامعان فى الملاذ وكثرة الاستهتار وعدم المبالاة ، وقال لى شيخنا عبدالرحمن بن خلدون ان أهل مصر كأنما فرغوا من الحساب " . أى فرغ حسابهم فى الآخرة وضمنوا الجنة ولم يعودوا ملتزمين بأى التزام خلقى أو دينى. وسجل المقريزى تعجب شيخه ابن خلدون حين فوجىء بمظاهر الانحلال المعتاد و الطاغى فى شوارع القاهرة دون ان يستنكره أحد من علماء الشرع وقتها، فقال متعجبا عن القاهرة " ولا ينكر فيها اظهار أوانى الخمر ولا آلات الطرب..ولا تبرج النساء العواهر ولا غير ذلك مما ينكر فى بلاد المغرب).
تأثر المقريزى بتلك الملاحظة التى قالها شيخه عبد الرحمن بن خلدون فحكى بعض عجائب الانحلال الخلقى فى ( الخطط المقريزية ) وقت أن كان النقاب هو الرداء الشرعى للمرأة ، ولا سبيل لخروجها بدونه، وتحت النقاب كان فجور المرأة علنا فى الشوارع طالما لا يتعرف عليها أحد. يقول المقريزى فى الخطط : ولقد كنا نسمع ان من الناس من يقوم خلف الشاب أو المرأة عند التمشى بعد العشاء بين القصرين ، ويجامع ( أى يمارس الجنس مع المرأة أو الشذوذ الجنسى مع الشاب ) حتى يقضى وطره وهما ماشيان من غير أن يدركهما أحد لشدة الزحام واشتغال كل أحد بلهوه ..).
6 ـ وهنا ندخل على نوع آخر من الكتابة التى لم يقصد منها أن تكون تاريخا ولكن سجلت بدون قصد ملامح لحياة اجتماعية لم يهتم بتسجيل دقائقها المؤرخون المحليون مثل ابن الصيرفى .قبل مجىء ابن خلدون جاء لمصر فقيه مغربى آخر هو ( ابن الحاج العبدرى ) ( ت سنة 737 ) وكتب فيها أروع الكتب الفقهيه وهو ( المدخل ) فى ثلاثة أجزاء ، واتبع فيه ما أسميته بالفقه الوعظى, أى ان الفقيه لا يتكلم فى الفقه بالمنهج التصورى والتخيلى مثل ( من فعل كذا فحكمه كذا ) ولكن بالمنهج الواقعى ، حيث ينظر الفقيه الى ما يجرى فى الواقع ويذكره ويعلق عليه منبها على خروجه عن الشرع مستخدما لغة الوعظ والارشاد. والفقه الوعظى بهذه الطريقة سجل الكثير من خفايا الحياة الاجتماعية التى اعتاد تجاهلها المؤرخون المتخصصون. ولذلك فان كتاب ( المدخل ) فى الفقه لابن الحاج يحوى بين سطوره معلومات تاريخية ثمينة عن الحياة الاجتماعية والدينية والاقتصادية فى مصر المملوكية. ومنها مظاهر الانحلال الاخلاقى الذى كان يجرى تحت النقاب وهو الزى الرسمى والشعبى للمرأة فى العصرالمملوكى فى مصر وخارجها. وطبقا لما ذكره فى معرض الاحتجاج والوعظ فإن المرأة فى القاهرة المملوكية كانت لها حرية الخروج من بيتها كل أيام الاسبوع عدا يوم واحد ، وانها كانت تخرج من بيتها متنقبة فاذا ابتعدت عنه أسفرت عن وجهها وخالطت،اى صاحبت الرجال حيث لايعرفها أحد، فاذا عادت واقتربت من بيتها تنقبت .وأقول إنه من هذه الحال الفريدة جاء التعبير المصرى عن المرأة الفاجرة ( دايرة على حل شعرها ) أى طالما هى فى المجتمع الذى يعرفها فهى متنقبة ، فاذا خرجت من نطاقه خلعت النقاب ودارت هنا وهناك تبحث عن صيد من الرجال و حلّت شعرها لدى أول طالب لها. وكان هذا حال معظم النساء التى تحدث عنهن ابن الحاج وغيره فى العصر المملوكى، وبالنقاب كانت المراة تخرج الى الموالد والافراح والى القرافة ( أى مدافن القاهرة ) وحفلات الأذكار الموسيقية التى يختلط فيها الذكر الصوفى بالرقص والطرب وتناول الحشيش و ممارسة الفواحش العادية والشاذة. وكانت تلك مفردات الحياة الاجتماعية المملوكية ، ظاهرها التدين باقامة الموالد والأذكار وزيارة الأولياء الأحياء وأضرحة الموتى منهم وقبورهم المقدسة، وباطنها الانحلال الخلقى . وفى هذه المسرحية العبثية كان البطل الأعظم هو النقاب الذى يعلن الفضيلة ويخفى الرذيلة..
وندخل بهذا الى دور المؤسسات الدينية الصوفية فى نشر الانحلال الخلقى حيث كانوا يتخذونها وكرا للتلاقى ، والمصدر الذى يؤكد هذا هو وثائق الوقف على تلك المؤسسات التى لم تقصد التسجيل التاريخى ، ولكن بسبب شهرة إتخاذ تلك المؤسسات الدينية الصوفية وكرا للإنحلال الخلقى فقد كانت وثاق الوقف عليها تشترط تعيين خفراء لطرد راغبى المتعة الحرام منها !!!
ثم نأتى لأهم مصدر لتسجيل الحياة الاجتماعية التى أهملها المؤرخون المحليون ومنهم ابن الصيرفى . وهو كتابات الرحالة. فالرحالة يأتى يحمل ثقافته ووطنه فى داخله ، ويدخل البلد الجديد بعقل مفتوح وعين ترصد كل شىء واستعداد لتسجيل كل ما يراه مخالفا لثقافته، وهو يركز على الشارع والمجتمع وليس على السلطان. ومع أنه لا يقصد أن يكتب تأريخا لهذا البلد بل مجرد تسجيل لرحلته ، فإنّ كتابات الرحالة زاد ثمين فى التاريخ الاجتماعى يعوّض نقص تاريخ ابن الصيرفى وغيره. من الظواهر الاجتماعية فى الانحلال الخلقى فى المجتمعات الشرقية والتى نتجت عن عادة النقاب للمرأة أنه ترسب فى شعور الشرقيات أن أهم الالتزامات الخلقية هو إخفاء الوجه دون تقيد كبير بعفة الجسد أو حتى بتغطيته، وظل ذلك سائدا حتى العصر العثمانى وسجله الرحالة كارستن نيبور الذى زار مصر فى القرن الثانى عشر الهجرى وسجل ملاحظاته يقول ( ويبدو أن النساء المسلمات لايعلقن على قطعة أخرى من ملابسهن أهمية أكثر من تلك التى يعلقنها على القطعة التى يغطين بها وجوههن إذا اقترب منهن رجل ، وقد فاجأ أحد الإنجليز ذات مرة امرأة كانت تستحم فى الفرات قرب البصرة فوضعت يدها على وجهها ولم تهتم بغيره مما أتيح للغريب رؤيته.. وقد حكت لى إحدى الآنسات الأجنبيات فى القسطنطنية أنها كانت بباب حجرة الاستقبال فى الحمام وأتت صاحبة الحمام لاستقبالها وإذا برجل يظهر فجأة فما كان من المرأة التركية إلا أن أخفت وجهها بالإحرام ، والفلاحون فى مصر نادرا مايلبسون بناتهم قبل السابعة أو الثامنة من عمرهن قميصا ولكنهم يعطونهن دائما منديلا طويلا ضيقا يلففنه حول رؤوسهن ويسحبنه على وجوههن إذا اقترب منهن رجل غريب، ولقد رأيت بنفسى فى مصر بنات فلاحات أقبلن نحونا ليروننا وكن عاريات تماما ، ولكنهن غطين وجوههن قبل أن يأتين) إذن فالمهم هو تغطية الوجه وإخفاء الشخصية وتعرية الجسد!!)(رحلة كارستن نيبور إلى مصر . ترجمة مصطفى ماهر. ط 1977 ، 297 : 298 ).
بالتأكيد كان هناك الكثير من مظاهر الحياة الاجتماعية التى غفل عن تسجيلها ابن الصيرفى فى تاريخ ( الهصر ) . ولا ننتظر منه أن يكون كالمقريزى .
الباب الأول :طوائف المجتمع المصري في ظل تطبيق الشريعة السنية فى عصر السلطان قايتباى
كتاب ( المجتمع المصرى فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر السلطان قايتباى):دراسة فى كتاب ( إنباء الهصر بأبناء العصر ) للمؤرخ القاضى ابن الصيرفى .
الباب الأول :طوائف المجتمع المصري في ظل تطبيق الشريعة السنية فى عصر السلطان قايتباى
الفصل الأول : لمحة عن مجتمع المماليك فى عصر قايتباى فى ظل تطبيق الشريعة السّنية :
ألم في مؤخرة الأمير المملوكى ووباء في الصعيد:
1 ـ يقول ابن الصيرفي في أحداث النصف الأول من شهر محرم 874 "( ووصلت الأخبار من الوجه القبلى أن القمح وصل ثمنه بها إلى ستمائة درهم الأردب ، وأنه عزيز الوجود، وأن النصل- أى المرض ـ كان موجوداً في الآدميين ثم انتقل إلى البقر حتى أن البلاد جافت من ذلك، وشاع وذاع أن الأمير قانصوه.. حصل له في مخرج الغائط ألم شديد فتحوه بالفولاذ ، وهو في غاية الضرورة، وتوجه إليه الأمراء والعساكر للسلام عليه.."([1]). ) .في النص التاريخي السابق خبران، الأول عن غلاء حدث في الصعيد في محرم 874هـ وقد ارتبط هذا الغلاء بكارثة أشد هى وباء انتشر بين الناس وانتقلت عدواه إلى البقر حتى ( جافت البلاد) أى انتشرت فيها الجيف أى جثث الموتي من البشر والبقر!!. والخبر الثاني عن إصابة الأمير قنصوه الخسيف بألم في مؤخرته، وأن الأمراء والكبار زاروه وعادوه للطمأنينة عليه وعلى "مخرج الغائط".
2 ـ ويهمنا هنا أن المؤرخ ابن الصيرفي تساوى عنده الخبر الأول بالخبر الثاني، تساوي عنده موت مئات الألوف من المصريين في الصعيد الذى امتلأ بجثثهم دون أن تنال حقها في الدفن، تساوى عنده معاناة الباقين من الغلاء والمجاعة، كل ذلك تساوى عنده بألم حدث في مؤخرة أحد الأمراء المماليك، فكم تساوى هذه المؤخرة المملوكية" بالعملة الصعبة ؟! . مؤخرة الأمير قنصوه تستحق كل هذا الاهتمام من المؤرخ المصري في الوقت الذى كان الوباء والمجاعة وآلات التعذيب تعمل عملها في الشعب المصري دون أن تستحق إلا بضعة سطور تساوى أهمية هذا الشعب عند السلطان ومؤرخيه. هذا هو حظ أجدادنا من مؤرخي عصرهم.! . لا يستحقون نيل إهتمام المؤرخين إلا إذا حدثت لهم مصيبة كالمجاعة أو الوباء.!. هذه هى الضريبة التى ينبغى أن يدفعها أجدادنا لكى يكتب لهم المؤرخون نعياً من بضعة سطور. ولا عزاء للمصريين .!.
المجتمع المملوكي يجدد دماءه باستمرار:
كان المجتمع المملوكي يجدد دماءه باستمرار. فكل أمير أو سلطان مملوكي يشترى مماليك تزداد بهم قوته، وأعظم الطوائف المملوكية هم المماليك السلطانية، أى مماليك السلطان القائم في الحكم. ويتدرج المملوك بعد عتقه في الناصب حسب كفاءته وقدرته على فن التآمر إلى أن يصل إلى الصفوف الأول في الجيش فيكون أمير مائة مقدم ألف، أو يصل في الصفوف الأولى في المناصب الرسمية مثل الداودار والزمام والاستادار.
وللعصر المملوكي لغته الخاصة التى ينبغى أن يهضمها كل باحث في ذلك العصر، وله تعبيراته المميزة وألقابه التى كان يطلقها على أصحاب المناصب الهامة.
أهم الوظائف المملوكية:
ونعطي فكرة سريعة عن بعض الوظائف الهامة في مجتمع الأمراء المماليك وهى كلها تدور حول السلطان.
1 ـ فالداودار: هو الذى يبلغ الرسائل عن السلطان والذى يبلغه بالأمور والشكاوى، وهو صاحب الاستشارة والإشراف على البريد ، يعاونه في ذلك القائم على البريد السلطانى ولقبه أمير جاندار. والداودار هو الذى يقدم للسلطان المكاتبات الرسمية . ويلاحظ أن سلطات الداودار ازدادت في عصر قايتباى، وكان الداودار يشبك من مهدى هو الشخصية الثانية في الدولة بعد السلطان قايتباى ، وهو صاحب القبة التى لا تزال موجودة فى ميدان ( حدائق القبة ) وبجوارها القصر الجمهورى ( قصر القبة ) . وكان يعاونه الأمير تنبك قرا الذى تولى منصب الداودار الثاني. وقد جمع الداودار الكبير يشبك من مهدى في هذا العصر مناصب أخرى فقد تولي منصب الوزارة ومنصب الأستادارية وأناب عنه من يقوم بكليهما. وكان المؤرخ ابن الصيرفي يخلع ألقاباً كثيرة على الأمير يشبك الداودار الكبير، يقول مثلاً" خرج عظيم الدنيا ـــــ وصاحب حلها وعقدها ومشيرها ووزيرها واستادارها وداودارها الكبير وما مع ذلك دامت سعادته ــ من داره..".
2 ـ والاستادار: هو كبير موظفي القصر السلطانى والمشرف علي نفقة القصور السلطانية من مطابخ وشراب وحاشية وغلمان. والقصور السلطانية كانت تعرف بالآدر الشريفة، ولها موظف خاص لقبه زمام الآدر الشريفة يقوم بالأشراف على حياة السلطان في قصوره وهو طواشى بدرجة أمير طبلخانة ، أى أمير تدق له الطبول تحية له . وتحت يده عدة أفراد من الطواشية. والطواشية هم الخدم .
3 ـ وهناك أمير آخور، وهو رئيس الاصطبلات السلطانية والمشرف على ما فيها من خيول ومن فيها من موظفين وما يباع وما يشترى فيها . والأوشاقية هم عمال الاصطبلات السلطانية. والركاب خانة هى مخزن آلات الخيول السلطانية ، والعمال فيها هم الركابدارية والسنجقدارية والمهمزدارية . ونكتفي بهذا من عمال وخدام القصور السلطانية.
4 ـ ونأتى إلى أهم الوظائف الحربية المملوكية ونعنى بها الأتابك أو قائد الجيش المملوكى، وكان يتولاها الأمير جانبك الإينالى قلقسيز، ولكن أسره شاه سوار الثائر على الدولة المملوكية في شمال العراق، وتم تعيين الأمير أزبك من ططخ الظاهرى. والأتابك أزبك هو الذى أنشأ منطقة الأزبكية فى القاهرة وجعلها حدائق . ويعاون الأتابك كبار الأمراء في الجيش من رتبة ( مقدم ألوف )، أى أمير لمائة من المماليك وقائد لألف جندى أو : (أمير مائة مقدم ألف).
المماليك الجلبان:
1 ـ تنقسم الدولة المملوكية الى عصرين : المملوكية البحرية والمملوكية البرجية .وتبدأ القصة بالسلطان الأيوبى الصالح أيوب الذى استكثر من شراء المماليك ليستعين بهم كجيش خاص له فى حماية عرشه وفى الانتصار على المنافسين من بقية السلاطين الأيوبيين . وبسبب كثرة مماليكه فقد قام السلطان الصالح أيوب بتأسيس معسكرات خاصة بهم منفصلة عن بقية الجيش الايوبى المكون من الأحرار ومعظمهم من الأكراد وقتها . أولئك المماليك كان يتم إسترقاقهم صغارا ، ويؤتى بهم عن طريق عصابات متخصصة الى تجار الرقيق فى حلب وغيرها ، وينقلونهم الى القاهرة فيشتريهم السلطان لينشئهم على طاعته وحمايته، ويتم تعليمهم اللغة العربية والعلوم الشرعية وفنون القتال والمهارات المختلفة. كانت تلك المعسكرات فيما يعرف الآن بالجزيرة فى القاهرة ، فأطلق عليهم لقب ( المماليك البحرية ) نسبة لبحر النيل . وبتخرج المملوك يتم عتقه ويعطى وظيفه بأن يكون من المماليك السلطانية التابعين للسلطان وقصره وحرسه وشئونه السياسية والادارية ، أو يكون جنديا محاربا من المماليك البحرية . ومثلا كان عز الدين أيبك من المماليك السلطانية للسلطان الصالح أيوب بينما كان خصمه سيف الدين أقطاى وبيبرس من المماليك البحرية أى المقاتلين . وتميز المماليك البحرية بالشراسة القتالية بينما إشتهر مماليك القصر (المماليك السلطانية ) بالدهاء وفنّ المكائد والمؤامرات . ومات الصالح أيوب إثناء مواجهة حملة لويس التاسع فاستطاعت شجرة الدر والمماليك البحرية والسلطانية هزيمة وأسر لويس التاسع وحفظ ملك سيدهم الصالح أيوب لابنه توران بشاه الذى تنكر لهم فقتلوه ، وتولت السلطنة شجرة الدر ثم تزوجت أيبك ، وقتلته فقتلها مماليك أيبك ، وولوا الطفل (على ) بن أيبك السلطنة تحت رعاية قطز ، الذى مالبث أن عزل الطفل (على بن أيبك ) وتولى مكانه ، وواجه قطز التتار وهزمهم ، وفى نشوة الانتصار قتله صديقه بيبرس وتولى السلطنة مكانه . ثم بايع بيبرس لابنه السعيد بركة ليكون سلطانا بعده ، وزوّجه من بنت قلاوون الألفى أكبر الأمراء المماليك ، ولكن قلاوون ما لبث أن عزل السلطان الشاب وتولى مكانه .
2 ـ وتوسع السلطان قلاوون فى شراء المماليك ليضمن بهم إستمرار الحكم فى ذريته ، فضاقت بهم معسكرات الجزيرة فنقلهم الى جواره فى القلعة ليقيموا فى أبراجها ، فأطلق عليهم المماليك البرجية . أولئك المماليك البرجية الذين استكثر بهم قلاوون وذريته ما لبث أن تحكموا فى السلاطين الضعاف من ذرية قلاوون ، وانتهى الأمر بتولى السلطان برقوق الحكم كأول السلاطين فى الدولة المملوكية البرجية ، وهو الذى قضى على حكم ذرية السلطان قلاوون البحرى ودولته المملوكية البحرية .
3 ـ وفى الدولة المملوكية البرجية إشتهر إستقدام المماليك الشباب وليس الأطفال من الخارج خصوصا من أواسط آسيا وأوربا، حيث كان يتم فيها قنصهم وأسرهم وخطفهم ثم استحضارهم الى حلب التابعة للسلطنة المملوكية توطئة لبيعهم فى مصر. وبتوالى عشرات السنين أصبح معروفا فى تلك البلاد أن أولئك المخطوفين من أبنائها ينتهى بهم الحال ليكونوا أمراء وسلاطين فى مصر ، لذا أصبح من الشائع فى تلك المناطق الآسيوية والأوربية وحتى من بلاد المسلمين فى عصر المماليك البرجية وقوع الشباب الطموحين فى الاسترقاق بارادتهم ليؤتى بهم مماليك فى مصر المملوكية أملا فى مستقبل أفضل . بل كان بعض الأمراء المماليك بعد أن يتوطد أمره فى مصر يستقدم اهله ويضمهم الى الطبقة المملوكية ويعطيهم رتبة مملوكية، وهكذا فعل السلطان برقوق الذى استقدم أباه ، وكان هناك أولاد عمومة وأقارب من أمراء المماليك مما يدل على مجيئهم مماليك بإرادتهم . وبينما نبغ قلائل من هذه النوعية من المماليك التى يتم ( جلبهم ) كبارا فإن الأغلبية العظمى من(المماليك الجلبان ) كانوا أوغادا حقيقيين طامعين فى الثروة والسلطة بلا علم ولا خلفية ثقافية أو سياسية سوى السلب والنهب والفتن . كانوا أقرب الى قطاع الطرق وعصابات الإجرام ، فأسهموا فى نشر الفتن فى الدولة المملوكية البرجية ، فاشتهرت البرجية بكثرة عزل السلاطين ، قبل وبعد السلطان قايتباى الذى يؤرخ له مؤرخنا ابن الصيرفى .
4 ـ وقد حرص السلطان قايتباى على الاستزادة من شراء المماليك (الجلبان) ليؤكد بهم سلطانه ، لذا كان شديدا فى تأديبهم . وبتكاثر ( جلب ) الشباب من الخارج رقيقا ليكونوا مماليك حكاما فى مصر فقد فكّر بعض المصريين فى أن يكون مملوكا صاحب ثروة وسلطة ، فسافر لآسيا ليقع بارادته فى الاسترقاق ليكون ضمن المماليك ويتمتع بالنفوذ بعد عتقه . ويروى ابن الصيرفي أن السلطان قايتباى كان يضرب مملوكاً من مشترياته الذين أعتقهم . وابن الصيرفى يعلل سبب ضرب قايتباى لمملوكه لأن المملوك ( وهو فى الأصل مصرى حرّ ) تعجّل ، فبمجرد أن ترقى وتم عتقه وحصل على المال أخذه وأخذ الزى العسكرى المملوكى وخيوله وغادر المعسكر ليتزوج ، يقول مؤرخنا ابن الصيرفى : ( وسبب ذلك كونه تزوج- أى المملوك- ونزل من الطبقة (أى من الطابق الذى كان يعيش فيه فى برج القلعة ) وأخذ قماشه وخيوله وصار لا يملك غير ما عليه. ) المضحك هنا أن المملوك المزيف ( المصرى الذى تنكر وصار مملوكا ) فضح نفسه وهو يصرخ عند الضرب فأخذ يستغيث بالسيدة نفيسة على عادة المصريين وقتها ، وهذا ليس مألوفا فى المماليك الجدد القادمين لمصر من الخارج . يقول ابن الصيرفى : ( وأعجب من هذا أن السلطان غضب أعظم الغضب لكون المملوك صار يأكل الضرب ويقول: يا ستى نفيسه، فصار السلطان يقول لمقدم طبقته: هذا ما هو جلب إنما هو زقاقى، يعنى لأى شيء يضرب ولا يقول توبه خجم على عادة الأتراك؟ ثم أمر أن يسلموه لتاجره المقيم بحلب.). أى عرف قايتباى أنه ليس مجلوبا من الخارج بل هو مصرى من أزقة القاهرة ، وأرجعه للتاجر الذى جاء به من حلب. أى إن ذلك الشاب المصرى سافر لأبعد من حلب وأوقع نفسه فى الاسترقاق لكى يؤتى به الى مصر مملوكا، وأن ذلك التاجر الحلبى خدع السلطان قايتباى وباع له شاباً على أنه من الأتراك ولكنه كان مصريا ً، وظهر ذلك حين كان يضربه السلطان فصار يستغيث ويقول مثل المصريين "فى عرضك يا ستى نفيسه" أى يتوسل بالست نفيسه ولا ينطق كالأتراك صارخاً باللغة التركية قائلا : توبه خجم.. ونعيد القول بأن ذلك المملوك رضى بالاسترقاق بمحض إرادته ولمجرد التكسب لذا فإنه بمجرد أن أعتقه السلطان أسرع ونزل من المعسكر وأخذ ملابسه وخيوله ليتزوج فافتضح أمره، وعندما ضربه السلطان أخذ يتوسل بالست نفيسه، وفهم السلطان من توسله بالست نفيسه أنه مصرى أصيل ( زقاقي ) من أزقة القاهرة وحواريها([2]).
5 ـ وبالمناسبة : ففى مشروع ( تحويل التراث الى دراما ) تم تجهيز مسلسل ممتد هو ( مجالس ابن إياس ) الذى يقوم فيه ابن إياس بالتجول فى تاريخ المسلمين حاكيا نوادره وخفاياه ، مناقشا لها مع جلسائه ، كما يتم فى المجالس التعرض للقصص الحقيقية التى كانت تحدث وقتها بتاريخ اليوم والشهر والعام . وكان الاعتماد فى حكاية هذه القصص المعاصرة لابن اياس على تاريخ ابن اياس وتاريخ الهصر لابن الصيرفى وتاريخ السخاوى . ومن القصص التى تعرضت لها مجالس ابن اياس هذه القصة الدرامية المأخوذة من تلك الحادثة التى ذكرها ابن الصيرفى ، وتم تحويلها الى دراما بطلها شاب مصرى قاهرى طموح أحب فتاة من بنات الناس ( أى من ذرية المماليك من الطبقة العليا ) ولكن لم يجرؤ على التقدم لها فسافر الى خراسان وأوقع نفسه فى الاسترقاق حتى جىء به الى حلب ومنها بيع مملوكا وأصبح من المماليك السلطانية للسلطان قايتباى ، ولكن لم يستطع الانتظار فترك المعسكر ليتزوج بحبيبته ، فانكشف أمره . وهناك مئات القصص من هذا النوع جاءت بين سطور التاريخ المملوكى خصوصا تاريخ الهصر ، وتم تحويلها الى دراما فى مجالس ابن إياس. ومشروع تحويل التراث الى دراما مع أهميته القصوى فلم يجد من يتعاون معنا فى تنفيذه .
أولاد الناس
1 ـ وقد تكاثرت ذرية المماليك الذين عاشوا من قبل فى مصر وتزوجوا بها وصارت لهم عائلات من الأحرار الذين لم يمسهم الرق، وفى عصر قايتباى صاروا طبقة اجتماعية عليا يطلق عليهم ( أبناء الناس ) ، 2 ـ ويذكر مؤرخنا ابن الصيرفى فى أحداث يوم الاثنين 2 شعبان 876 أنه قبض الوالى ( وهو الآن يشبه وظيفة مدير الأمن ) على شخص من أولاد الناس وهو سكران ، وصعد به للسلطان فضربه السلطان حد الخمر ، وحلّفه أن لا يعود للسكر، .يعنى ابن ناس ويسكر!! لا يصح طبعاً.
كان قايتباى يتعامل بالضرب مع مماليكه ومع أبناء الطبقة المترفة ( أولاد الناس ) ومع ( كل الناس ) .
المماليك والتقلبات السياسية:
1 ـ عرف أمراء المماليك النعيم وعانوا من البؤس تبعاً للتقلبات السياسية. وحين يتولى السلطان كان يبادر بالتخلص من أعدائه ومنافسيه بالقتل أو بالسجن، وينشئ له حاشية جديدة، وربما تأخذه الرحمة بعد أن يتوطد أمره فيفرج عن بعض المسجونين ويكون ذلك أحياناً بشفاعة بعض الأمراء الجدد الذين كانوا رقيقاً ومماليك من قبل لأولئك الأمراء القدامي أصحاب الجاه القديم والذين غدر بهم (الزمن ) . وهكذا عرف أمراء المماليك العز بعد الذل والذل بعد العز، وأيقنوا مثل كل المصريين أن الدنيا ساقية دوارة. ولهذا يمتلىء عصر المماليك بأروع الدراما الانسانية التى قد لا يتصورها الخيال .
2 ـ ومن تاريخ الهصر نأخذ بعض الأمثلة في عصر قايتباى:
في يوم السبت 9 ذو القعدة 876 صعد الأتابكي أزبك بن ططخ الظاهرى إلى حضرة السلطان وشفع في حاشية الصاحب ابن كاتب جكم، وكانوا مسجونين من مدة خمسة شهور، استجاب السلطان وأطلقهم من السجن. وفي هذه الأيام كان المحتسب يشبك الجمالى معزولاً عن منصبه يعانى الذل، ويقول فيه المؤرخ ابن الصيرفي "والمحتسب ضعيف منقطع بداره ، وليتها القاضية ليحصل للمسلمين بل ولخلق الله قاطبة بذلك العيشة الراضية ، فإن هلاكه فيه بقاء لمهج غالب أمة محمد (ص ) فإنه شق عليهم وعلى طلبة العلم وشيوخ العلم وقضاة الشرع .! فاللهم أحكم فيه بعدلك قريباً". لقد عرف المحتسب يشبك الجمالى أياماً من العز والنفوذ ثم انتهى أمره إلى الخمول فتشفي فيه المظاليم.
وفي يوم عيد الأضحى 876 وصل القاهرة الأميران الكبيران جرباش كرد المحمدى الناصري الذى كان أتابكا في سلطنة خشقدم، ويشبك بن سليمان الذى كان داوداراً في سلطنة خشقدم وسلطنة يلباى، وكانا مسجونين في دمياط، ولكن عفا عنهما السلطان قايتباى وجئ بهما للقاهرة وصعدا بين يدى السلطان في هيئة ذليلة يصفها المؤرخ ابن الصيرفي فيقول "وصعدا من الغد بين يدى السلطان وقد لبسا طرحاً وفي أعناقهما مناديل صفا، فقبلا الأرض وباسا يد السلطان.." وشفع الأمير جرباش المذكور في الأمير جانبك كوهيه المسجون في دمياط فلم يقبل السلطان شفاعته.
كان قايتباى من قبل تابعاً للأمير جرباش كرد الأحمدي حين كان الأخير قائداً للجيش المملوكي في سلطنة خشقدم، وكان الأمير يشبك بن سلمان هو الداودار صاحب النفوذ ومرت الأيام ودارت الساقية فأصبح قايتباى سلطاناً وجئ بالأميرين من السجن ليقبلا يد قايتباى بعد أن تسلطن!! ..على رأى المصريين : دنيا غرورة!!
3 ـ هذا في الوقت الذى كان فيه الأمراء المماليك من حاشية السلطان يتقلبون في المناصب، ونأخذ بعض الأمثلة : ففي يوم الاثنين 19 ربيع الأول 877 تنازل الدوادار الكبير يشبك بن مهدي عن وظيفة الاستاداية للأمير قنصوه أمير سلاح، وصار الاستادار الأسبق ابن البقري يعمل في خدمته، وفي يوم السبت 30 محرم 886 عين الأمير قجماس أمير آخور نائباً للسلطان في الشام، ,وأقيم له احتفال ضخم في القاهرة.
4 ـ وكان بعضهم يصل إلى المناصب عن طريق الرشوة أو "البذل" فالأمير تمرباى الأشرفي سعى لوظيفة نائب السلطان في حلب عن طريق (البذل ) أى بذل الأموال. أى الرشوة ، وكان هناك ديوان للرشاوى إسمه ( ديوان البذل والبرطلة ) وعن طريقه يتم رسميا شراء المناصب ـــ بلا خجل ،وتحت شعار الشريعة السّنية وفى حمايتها ، بل بالرشوة كان يتم تعيين قضاة الشرع ( السنى ).!.
ولم يختلف الحال كثيرا فى مصر الراهنة . وقديما قال المتنبى :
وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا
المماليك البطالون، والأمير الطرخان:
1 ـ وهناك من المماليك من كان يعرف بالبطال. والبطال هو الأمير المملوكي العاطل الذى أحاله السلطان للمعاش بسبب غضبه منه أو بسبب كبر السن أو بسبب اضطراره للاختفاء أو الاعتكاف.والأمير الطرخان هو المعزول عن سلطاته غير مغضوب عليه وينال معاشاً.
2 ـ والأمير مغلباى طاز ت 873 عاش أواخر حياته بطالاً.وقد بدأ حياته خاصكيا في سلطنة المؤيد شيخ، ولما تولى الأشرف اينال جعله أميراً لعشرة، ثم تسلطن زميله فرقاه أمير طبلخانه وجعله أمير الحج، ثم صار أمير مائة ألف ودام على ذلك حتى كانت الفتنة التى خلع فيها صهره السلطان الظاهر يلباى فأحيل مغلباى طاز إلى البطالة وظل كذلك إلى أن مات 873 هـ منفياً في دمياط.
3 ـ أما الأمير لؤلؤ بن عبد الله الذى توفي في نفس العام 873 فقد لزم داره بطالاً إلى أن مات.. وقد كان لؤلؤ أميراً عالى القدر في سلطنة الأشرف اينال، فلما تولى السلطنة ابنه أحمد ابن اينال طمع هذا السلطان الشاب في جارية حسناء مغنية كانت في ملك لؤلؤ وطلبها منه ولكن لؤلؤ امتنع فغضب منه أحمد بن اينال وعزله فأصبح بطالاً.. ولما تولى خشقدم السلطنة أعاد لؤلؤ لدائرة الضوء وعينه زماماً وخازنداراً ثم عزله فاستمر بطالاً بداره إلى أن مات.
4 ـ وفي نفس العام سنة 873هـ ، توفي الأمير بيبرس الأشرفي، وكان قد اعتقله السلطان الظاهر خشقدم يوم الخميس 26 ذو الحجة 865 وحبسه في الإسكندرية مدة ثم أفرج عنه وأمره بالإقامة بالقدس بطالاً فظل هناك إلى أن مات أواخر شهر رمضان 873هـ. ومن الأمراء الذين أصابتهم البطالة جرياش ويشبك المؤيدى وطوخ الأبوبكرى.
سلطان على المعاش في عصر قايتباى:
1 ـ وأصابت البطالة بعض السلاطين وكان منهم السلطان (السابق) المنصور عثمان بن جقمق الذى عاش في سلطنة الأشرف قايتباى وأسبغ عليه قايتباى كثيراً من التكريم. ففى يوم السبت 3 شوال 873 قدم السلطان (السابق) عثمان بن جقمق من منفاه بالإسكندرية إلى القاهرة ليستأذن السلطان قايتباى في الذهاب للحج. ويصف ابن الصيرفي ذلك اللقاء بين السلطان الحالى والسلطان السابق فيقول" وطلع المنصور من فوره إلى القلعة ونزل عن فرسه من باب الدرج ودخل إلى السلطان بالدهشة واستمر السلطان جالساً على مدورته إلى أن قاربه المنصور ووصل إلى ثلثى الإيوان قام إليه ، وأراد السلطان أن يعتنقه فأهوى المنصور إلى ركبة السلطان ليقبلها والشباك في يمينه . وجلس المنصور تجاهه والمرتبة خلفه والشباك عن يساره، وتكلما ساعة فخلع عليه ( قايتباى ) كاملية مخمل أحمر بمقلب سمور وعليها فوقاني بوجهين بطراز مزركش، ولما تم لبسه ومشى إلى نحو السلطان خطوات قام له السلطان فقبل المنصور الأرض فنهاه السلطان عن ذلك بعد أن فعله، وعاد المنصور إلى منزله بعد أن عين له السلطان فرساً خاصاً أدهم بسرج ذهب وكنبوش (بردعه) زركش ركبه من باب الساقية وتوجه إلى باب الحريم ، فوقف هناك وأرسل السلام لخوند (زوجة السلطان) جهة السلطان فلما عاد عليه السلام توجه لمنزله الذى نزل فيه وهو بيت صهر زوج أخته الأتابكي أزبك بين الصورين.) . ونرى من الوصف التفصيلي السابق كيف أن المماليك كانوا يحافظون على البروتوكول في الاستقبال، ولم يمنع من ذلك أن السلطان المعزول (المنصور عثمان بن جقمق) كان له زمنه ونفوذه الذى كان فيه الأمير قايتباى يخر على وجهه ليقبل الأرض بين يديه، ولكن الساقيه دارت وجاء السلطان السابق ليركع أمام تابعه السابق، فالأيام دول، وسبحان من يعز من يشاء ويذل من يشاء.
وهذا الوضع لفت انتباه مؤرخنا ابن الصيرفي، يقول أن قايتباى أمر الأمراء والأعيان بالاحتفال بقدوم المنصور عثمان للقاهرة، فهرعوا له زمراً زمراً ، ومع هذا كله فلم يكن لحضور المنصور ودخوله القاهرة كبير أمر ، مع أنه أى المنصور عثمان كان الذى اشترى أولئك المماليك وهو الذى رقاهم ورفعهم، ويعلق ابن الصيرفي فيقول "فانظر لهذه الدنيا وفعلها بملوكها والمغرمين بها فسبحان الخالق المعطي الذى يؤتى الملك من يشاء لا إله إلى هو جل وعلا".وينتهزها ابن الصيرفي فرصة ليكيل المدح للسلطان قايتباى على أنه استضاف سلطاناً معزولاً دون أن يخشى من نفوذه وأتباعه السابقين، يقول "وفي الواقع فما رأينا سلطاناً أعظم ولا أضخم ولا أشهم ولا أفرس ولا أكثر توكلاً على الله من هذا السلطان الملك الأشرف، كونه يحضر من كان سلطاناً وابن سلطان بل أستاذه وابن أستاذه إلى القاهرة ويصعد إليه لقلعة الجبل وغالب من بالبلد من الأمراء المماليك من عتقاء أبيه ومماليكه بعد أن خلع من الملك من سابع شهر ربيع الأول من سنة 857هـ.
2 ـ وفي السبت 10 شوال 873 أقام السلطان مأدبة للمنصور عثمان نقرأ وصفها التفصيلي في تاريخ ابن الصيرفي "عمل السلطان ضيافة للمنصور عثمان بن جقمق ضيافة ملوكية. وكيفية الضيافة: أن السلطان أرسل يعرف المنصور بذلك فركب المنصور من داره صهره الأتابك أزبك من بين الصورين وصعد لباب القلة فنزل هناك عن ظهر فرسه ، ودخل ماشيا إلى الحوش السلطانى ، فجلس فيه قليلاً إلى أن طلبه السلطان وجاءه الأذن بالدخول إلى البحرة التى جددها الملك الظاهر خشقدم، فجلس قليلاً وطلبه السلطان إلى أعلى البحرة القديمة فبمجرد وقوع بصر السلطان عليه قام له وجلسا بغير مرتبة، على أن كلا منهما جلس على مقعد ، ثم حضر الفطور من الأشربة وغيرها فتناولا منه المعتاد، ثم حضر السماط الملوكي المفتخر فأكلا، ولم يحضر السماط أحد من الأمراء المقدمين الألوف غير الأمير جانبك الأمير آخور الكبير وبعض أمراء عشرات وبعض خاصكيته، ولما انتهى السماط وقدموا المشروب من السكّر وغيره رسم السلطان بكامليه مخمل أخضر سمور بمقلب سمور ليلبسها المنصور فحضرت ولبسها وقاماً واعتنقا وانصرفا، وفي الحال رسم السلطان أن المركوب الذى طلب له يركبه من باب البحيرة من الحوش السلطانى فركب كما رسم وتوجه لمنزله....". ونتعرف هنا على بعض ملامح المآدب الرسمية المملوكية، فقد بدأت بدعوة السلطان قايتباى ضيفه المنصور، ثم جاء الضيف راكباً فرسه حتى باب القلة في القلعة، ثم دخل ماشياً إلى باب الحوش السلطانى، وهناك جلس فيه قليلاً إلى أن طلبه السلطان فدخل إلى البحرة التى بالقلعة حيث ينتظره السلطان، وهناك تعانقا وجلس كل منهما على مقعد، ثم تناولا الفطور، وبعده جاء السماط المفتخر وحضره أمير آخور وبعض الأمراء في القلعة، وجاء المشروب بعد السماط، وبعده أنعم السلطان على ضيفه برداء للتشريف (كاميلية) بمخمل أخضر سمور، وبعد أن لبس الضيف التشريفة عانق السلطان وانصرف، وأمر السلطان تكريماً له أن يركب ن"RTL"> القسوة هى أسلوب التعامل في مجتمع المماليك:
1 ـــــ لنا أن نعذر ابن الصيرفي في انبهاره الشديد بسلطانه قايتباى.فالعملة السائدة في التعامل المملوكى هي الضرب، والضرب بشدة، الكبير يضرب الصغير، والمملوك الصغير يضرب الوزير والمباشرين- أى الموظفين- لأنه مملوك وهم من الشعب مهما بلغت درجة وظيفتهم، وإذا كان كبار الموظفين من الشعب يضربهم المماليك فالشعب المسكين في أسوأ حال. وإذا كان الضرب دائراً (عمال على بطال) فمن حق ابن الصيرفي أن يهلل كيفما شاء وهو يري السلطان يكرم سلطاناً سابقاً ويستقبله في القلعة ويسمح له بالتجول والاصطياد في الدلتا.
2 ــ في يوم السبت 25 ربيع الأول سنة 875 هـ أمر السلطان قايتباى بضرب أحد مماليكه ورسمه بسجنه في برج القلعة،وسبب ذلك أنه على حد قول ابن الصيرفي "أساء على الوالى ولكمه" .بسيطة.. شتم الوالى ولكمه... جرى خير..!!.. و إذا كان يلكم الوالى ويسبه فماذا كان يفعل ذلك المملوك مع الغلابة في الشارع.!!. ـ وقد يصل غضب السلطان قايتباى إلى حد أنه يضرب الداودار الثانى نفسه. ففي أول ربيع الأول 874 غضب قايتباى على الداودار الثاني تنبك قرا وضربه "صارت عيطه" على حد قول ابن الصيرفي، والسبب أن اثنين من الأمراء طلبا من السلطان إقطاعيين بلهجة خشنة لا يسمح بها بالبروتوكول المملوكي.ــ وفي يوم الخميس 13 محرم 875 أمر السلطان بتوسيط مملوك اسمه يونس، وبادر المشاعلى ــ أو عشماوى وقتها- بتوسيطه وقطعه نصفين بالسيف، وسجن رفيقه واسمه شرمنت ببرج القلعة، والسبب أنهما سكرا، ورمي يونس النشاب وهو سكران فقتل أحد المماليك في الطريق، فعاقبه قايتباى بالتوسيط وسجن رفيقه.
وكم من المماليك كان يسكر ويرمى النشاب في الطريق ويصيب أجدادنا الغلابة، ولا يهتم السلطان ومؤرخه ابن الصيرفي. ونترك السلطان ونرى ماذا كان يفعل غيره من الأمراء.
3 ـــ في أول محرم 875 ضرب الأمير اينال الأشقر غلاماً من غلمان أحد المماليك بسبب أنه سرق طائراً "أوزة" وعليقة شعير، فضربه اينال ضرباً مبرحاً ومثل به فجعل في أنفه سهماً مثقوباً وأشهره بالمدينة، يقول ابن الصيرفي معلقاً "فلا قوة إلا بالله..". والغلطة التى وقع فيها ذلك الغلام أنه سرق وانكشف أمره وحدث ذلك قبل أن يكون له نفوذ مثل الأمير اينال الأشقر.. لذلك حاكمة المجرمون الكبار..
المماليك يضربون كبار الموظفين المصريين:
1 ـ وهؤلاء المجرمون الكبار كانوا يضربون الموظفين المصريين إذا أرادوا تطبيق القانون.
وفي يوم الأحد 30 محرم 875 اشتكي موظفو الجمارك (المكس) للدوادار الكبير من مماليك الأمير تمر الحاجب لأنهم ضربوا أولئك الموظفين وشجوا رؤوسهم حين طلبوا منهم دفع الجمارك، وتأكد الدوادار من صدق أولئك الموظفين فأرسل للأمير تمر الحاجب يطلب إحضار أولئك المماليك المعتدين فرفض الحاجب، فما كان من الدودار الكبير إلا أن أرسل إليهم قوة من المماليك ومعهم قضاة فأحضروهم "على أقبح صورة" وضربوهم بالمقارع وأشهروهم في البلد "فتبهدل تمر الحاجب إلى الأرض وقويت شوكة الأمير الداودار".
وقد حدث نفس الشيء في شهر ربيع ثان سنة 874، فقد وصلت شحنة أغنام من الوجه القبلي للأمير قنصوه فأراد أخذها بدون أن يدفع المكس (الجمارك) ولكن الوزير قاسم أعاق تسليم الغنم إلا بعد دفع الجمارك، فأرسل إليه قنصوه يطلبها فامتنع قاسم، فغضب قنصوه واستعد ليركب إلى الوزير" ليبهدله ويضربه" على حد قول ابن الصيرفي، فبلغ قاسم ذلك فركب وحضر إليه ليصالحه على شيء" أى ليتفق معه اتفاقاً ودياً، فما كان من الأمير قنصوه الاينالى إلا أن ضرب الوزير ضرباً مبرحاً مؤلماً، ويقول ابن الصيرفي "ومع ذلك فلم يطلق له قاسم الغنم" وفي النهاية تدخل الداودار الكبير وحصل قانصوه على الغنم.
2 ـــ والجديد هنا أن المضروب كان الوزير وليس مجرد موظفي الجمارك. وضرب الأمراء المماليك للوزراء وكبار الموظفين لم يكن إلا حدثاً عادياً في ظل السلطة العسكرية في أى مكان وزمان، يقول ابن الصيرفي عن الأمير بردبك البجمقدار ت 875 "كان يتسلط على الوزير والاستادار والمباشرين بالضرب والسب فيكتبون له ولمن في خدمته الجوامك ( أى المرتبات المالية ) واللحم الجيد الصنف والمثمن.( أى المرتبات العينية ). وهو من الفرسان الشجعان الأبطال..".وهكذا رأينا طرفاً من شجاعته وبطولاته مع كبار الموظفين المصريين، فكيف به من الغلابة في القاهرة. ذلك البطل الشجاع كان يستخدم نفوذه في الضغط على الوزير والاستادار وكبار المباشرين والموظفين لكى يكتبوا له مرتبات زائدة أو "جوامك" ولكى يكتبوا له "جراية" خاصة من اللحم والأسلوب المفضل لديه في دولة العسكر هو الضرب والشتم وما أشدهما من وسيلة للإقناع..
وفي يوم الخميس 29 من ذى القعدة 876 حدث أن الأمير ازدمر الإبراهيمية ضرب عشرة من مماليكه ضرباً مبرحاً بالمقارع وسجنهم في سجن المقشرة الرهيب، وذلك لأنهم ضربوا داوداره وموظفيه ضرباً مبرحاً، فقد طلبوا من الدوادار جامكية أو مرتب ثلاثة شهور فرفض. ووقع نفس الحادث للأمير تمر الحاجب مع مماليكه فضربهم.
3 ــكان الضرب هو العملة السائدة بين المماليك، والدوادار الكبير كان مشهوراً في هذا المجال وكم عانى من كبار الموظفين، وحدث أن سافر للصعيد ثم رجع للقاهرة يوم الاثنين 7 محرم 874 فكان الجميع في استقباله من الأمراء والرؤساء والمباشرين، يقول ابن الصيرفي عنهم "ووجم غالبهم لقدومه" لماذا ؟لأن يده كانت ثقيلة في الضرب..وفي مجتمع الغابة هذا كان الأمير المملوكي الوديع لا أهمية له، يقول ابن الصيرفي عن الأمير قايتباى المؤيد "وكان أميراً مباركاً عديم الشر والخير، وهو كما قال مخدومنا الجمال يوسف عين المؤرخين: لا يصلح للسيف ولا للضيف".فلانه عديم الشر وعديم الخير أيضاً فكان لا يصلح لشيء لا السيف ولا للضيف، وهذا هو المقياس في دولة الغابة.
أنين الشعب من قسوة المماليك:
1 ـ والمؤسف أن الضرر والضرار كان عالى الصوت في ذلك العصر، وإن كان المؤرخون لا يسمعون ما يدور حول السلطان، أما أنات المظلومين من عوام الشعب فلم تحظ بالاهتمام. ونحن نتحسس هذه الأنات ولا نجد لها إلا لمحات بين السطور.ومنه ذلك النداء الذى نودى به في القاهرة يوم الخميس 13 محرم 875 "أن أحداً من المماليك السلطانية لا يحمل سلاحاً ولا يضرب أحداً من العوام ومن فعل ذلك وسط بلا معاودة..".وقد صدر هذا النداء شديد اللهجة أثناء التجهيز الحربي لغزوة شاه سوار الثائر على الدولة في العراق.ونفهم أن ذلك النداء شديد اللهجة لم يصدر من فراغ. وأكاد أسمع من خلاله صراخ المظلومين من أجدادي.!!
2ــ ونلمح صراخ أجدادنا المظلومين من بعض الإشارات التى تعبر عن ظلم الأمراء والمماليك، يقول ابن الصيرفي عن الأمير سنقر : "كان شديد الظلم على الخلق ، سيما لما عمّر الأشرف اينال المركب لغزو قبرص فخرب غيطان المسلمين وآذى خلق الله تعالى.. وصل إلينا خبر موته في هذا الشهر من هذه السنة واستراح وأراح الله العباد والبلاد من ظلمه وشره...". ويقول عن الأمير يشبك جن "كان غاية في الظلم والأذى والتجبر... وكان سيء الأخلاق.. إذا ضرب لا يرحم وإذا خاصم فجر وإذا غضب لا يطاق وفرح بموته كثيرون". ولما أنزلوا جثمانه إلى المقبرة كان ابن الصيرفي حاضراً، ويقول أن الدودار الكبير بكي وحزن عليه ويعلق ابن الصيرفي على بكاء الداودار الكبير فيقول "ومع ذلك فما ثم من يعتبر ولا يحسب حساب الآخرة".
والطريف أن ابن الصيرفي كان يمدح الداودار الكبير وينافقه في كتابه، ولكن لسانه زل فنطق بالحق في إشارة سريعة لظلم ذلك الأمير.
المحتسب المملوكي وظلمه لأهل القاهرة:
1 ــ وكلما اقترب الأمير المملوكي من دائرة التعامل المباشر مع الناس ازداد ظلمه للناس.. وينطبق ذلك على المحتسب يشبك الجمالى- محتسب القاهرة في عصر قايتباى. والمحتسب في الأصل وظيفة مدينة يقوم بها الفقهاء والعلماء شأنها شأن وظيفة القضاء . والمحتسب هو الذى يشرف على الأسواق والموازين والتسعيرة، وكانت له سلطات واسعة في العصر المملوكي ، فهو يفتش على الأسواق والمكاييل والموازين، وهو الذى يفرض العقوبة على المخالفين، وهو الذى يأمر بتنفيذها، أى هو الخصم والقاضى والجلاد معاً.
2 ـ وقد كان الأمير يشبك الجمالى مشهوراً بالتدين ، فعينه السلطان قايتباى أميراً للحاج، أى قائداً لقافلة الحج وذلك في يوم الخميس 25 ربيع الأول 873، ثم أضيفت له وظيفة الحسبة يوم الاثنين 24 ربيع ثان سنة 873.وكان يشبك الجمالى في ولايته للحسبة معبراً عن الطبيعة المملوكية العسكرية حتى لو كانت متدينة.
فهذا المحتسب المملوكي استكبر أن ينزل الأسواق بنفسه وأوكل المهمة لأتباعه الذين حازوا على على ثقته، فانفردوا بالأسواق يفرضون الاتاوات على التجار ومن يرفض دفع الاتاوات يحملونه إلى يشبك الجمالى المحتسب فيوقع به أشد العقوبة، هم يسرقون وهو يباشر هوايته في ضرب التجار المسكين الذين يرفضون دفع الاتاوة. يقول عنه ابن الصيرفي : ( وباشر يشبك المذكور الوظيفة المذكورة، لم يكشف البلد بنفسه ولا مرة واحدة ، ولا يعرف أحوال الرعايا والمسلمين إلا من أعوانه الذين في خدمته ، فصاروا أرباب أموال وأقمشة ودور وخيول وبغال وحمير ، وهو ماسك البقرة وغيره يحلبها ، فإنه لا يتعاطى شيئاً ، ولكن ما أحسن قول الشاعر.
ورابط الكلب العقور ببابه فأصل ما بالناس من رابط الكلب )
ويستطرد ابن الصيرفى فيقول عن يشبك المحتسب : ( وهذا في غاية الشماخة والترفع أن يقف على سوقي أو وزّان أو بيّاع ويعتبر (أى يختبر) أوزانهم وسنجهم وحوانيتهم وأمثال ذلك.. بل تحضر أعوانه له بمن لا يعطونهم المعلوم المعهود عندهم ( أى الرشوة أو الاتاوة ) فيضربهم ثلاث علقات: واحدة على مقاعده وأخرى على رجليه وأخرى على أكتافه ، ويشهرونه بلا طرطور بل يكشفون رأسه. وهو الذى أحدث كشف الرأس ، مع أن جماعة كثيرين ممن فعل بهم عميوا وطرشوا ، فإن الواحد يكون ضعيف البصر أو به نزلة ( زكام أو نزلة برد ) فيكشفون رأسه أو يدرورون به في القاهرة فلا يرجع إلا بضرّ أو مثال ذلك..."). ويقول عن أحكامه "وأما أحكامه فالبخت والنصيب ، وأما أخلاقه ففي غاية الشراسة ، حتى أنه يغضب على من قربه وجعله أميراً ويستمر على ذلك الأشهر بل والأعوام،) ويقول عن تدينه السطحى : (هذا مع دينه المتين ومحافظته على الصلاة والصيام) ويقول عن جهله فى نقاشاته مع الفقهاء : ( ولكن عنده تعصب على الأمر الظاهر الجلى القطعي وعرف غالب الفضلاء من أرباب المذاهب وغيرهم ذلك منه) ثم يدعو عليه ابن الصيرفى فيقول : ( والله يعامله بعدله سريعاً".).!
3 ـ وهذا المحتسب المملوكى المأفون قاسى منه شعب القاهرة عذاباً وغلاءاً في الأسعار.ففي يوم الثلاثاء 16 صفر 875 رفض بائع تين غلبان أن يدفع المعلوم لزبانية المحتسب فاحتملوه إلى ذلك الطاغية فضربه الثلاث علقات المعهودة ، وأشهره فى المدينة أى طيف به فى الطرقات ، ثم صلبه على باب دكانه في هيئة فظيعة، يقول ابن الصيرفي "ضرب المحتسب شخصاً من السوقية يبيع التين ثلاث علقات واحدة على مقاعده وأخرى على رجليه وواحدة على أكتافه، وأشهره بالمدينة على عادته التى يفعلها عرياناً مكشوف الرأس ، ثم رسم بصلبه بذراعه على حانوته وقررت يده الأخرى إلى ظهره، ولطخه عسلاً ، وأوقفه في الشمس ، فتسلط عليه النحل والزنبور والذباب وقاسى من العقوبة مالاً يوصف".).!! فهل كان ذلك البائع المسكين سارقاً أو قاتلاً؟ بالطبع لا، فكل ما هنالك أنه لم يستطيع دفع الاتاوة ربما لأنه لا يملكها.يقول ابن الصيرفي يعلل تلك العقوبة الهائلة "وسبب ذلك أن رسله الذين هم من جهته .. كانوا إذا طلبوا البلص- أى الرشوة- من فقير وامتنع ، ذكروا لأستاذهم عنه ما أرادوا ، وهو سريع الحدّة سريع الغضب لا يثبت في الأحكام فيطلبه ويفعل به ما ذكر.). ثم يتحدث ابن الصيرفي عن زيادة الأسعار التى كان التجار يفرضونها بعد أن يقدموا الرشوة لزبانية المحتسب : ( وإلا فكل سوقة مصر يبيع بزيادة عما يأمر به المحتسب حتى إذا نودي على الجبن بسبعة دراهم الرطل يبيعونه بثمانية بزيادة درهم، وكذا في سائر البضائع حتى اللحم". ثم يعود ابن الصيرفي يتحدث عن الثراء الفاحش لزبانية المحتسب "وأقول أن رسله الذين من جهته صار كل واحد منهم بأقمشة حرير والصوف العالى الغالى والنعال الخاصة المزينة والعبيد والجوارى الذين للخدمة والنفقات التى ينفقها كل يوم من لحوم وأعسال ودقيق وغير ذلك بعد أن كان الواحد منهم لا يملك إلا قميصاً وملوطة."؟) .!!
ثم يتحدث عن الغرامة الباهظة التى كان يفرضها المحتسب:( وكان المضروب أو المطلوب لبيت المحتسب لا يغرّم أكثر من نصف ( النصف هى العملة المملوكية وقتها ) أو نصفين بالكثير، فصار الآن يغرّم المائة والمائتين والثلاثمائة والأربعمائة والخمسمائة".).
4 ـــ وحدث خلاف بين السلطان والمحتسب يشبك بسبب تركة كان يطمع السلطان في الاستيلاء عليها فاستولى عليها قايتباى ، فاعتكف المحتسب في بيته مغاضباً، وترك الحبل على الغارب لزبانيته الذين إكتفوا بما يأخذونه من التجار وأغمضوا الطرف عن تلاعبهم بالأسعار وفي الوزن خصوصاً وزن الرغيف، فانتشر الغلاء وازدادت المعاناة.
5 ـ والسلطان قايتباى كان يعرف ظلم المحتسب ومع ذلك فلم يغضب عليه إلا عندما اختلفا حول المال، وفي النهاية فكلاهما- قايتباى ويشبك الجمالى- كان مشهورين بالتدين والصلاة والصيام والأوراد وكانا مشهورين أيضاً بالظلم.. وهذه هى الشخصية المملوكية التقليدية.
الفصل الثالث : السلطان قايتباى بين التدين والظلم والجشع.
السلطان قايتباى الرجل الورع
1 ــ والسلطان قايتباى كان مشهوراً بالتدين ومشهورا في نفس الوقت بالظلم. يقول ابن الصيرفي عن تدين السلطان قايتباى :( وفي الواقع فسلطان مصر الملك الأشرف أبو النصر قايتباى- نصره الله- سلطان عظيم شجاع فارس معدود من الفرسان، دينِّ عفيف الفرج لا يلوط ولا يزني ولا يسكر وله ورد في الليل من صلاة وقيام".).أى تميز السلطان قايتباى عن غيره من السلاطين والأمراء المماليك بأنه لا يقع فى الزنا ولا فى الشذوذ الجنسى الذى كان سائدا وقتها فى ظل حماية الشريعة السنية و سكوتها عنه . بل إنه يقوم الليل يصلّى ويقرأ الأوراد الصوفية على المعتاد وقتها .
2 ـــ ترى ماذا كان يفعل ذلك السلطان الورع بعد أن ينتهى من صلاته وقيام الليل وقراءته للأوراد ؟ لنبحث عن الإجابة من خلال ما كتبه ابن الصيرفي نفسه.
جشع السلطان قايتباى
1 ــ كان قايتباى يجبي ضرائب متنوعة، منها مكس البضائع- الجمارك، زكاة الدولة، وما كان يجبي إذا حضر مبشر بفتح حصن، وما يجبي من أهل الذمة، ما يجبي من التجار عند سفر العسكر إلى الحرب وعند وفاء النيل، ضمان القراريط من كل ما يباع من الأطيان بنسبة 2% من ثمن البيع حتى لو تكرر بيع الأطيان في الشهر الواحد، ثم ما يؤخذ من أهل الشرقية من الخيل والجمال والبقر إذا سرحوا للصيد في بركة العباسة.
2 ـ وبالإضافة إلى ذلك كان السلطان الحق في الحصول على هدايا (إجبارية) أو بتعبير عصرنا "تبرع إجبارى" وكيف يكون تبرعاً ويكون إجبارياً في نفس الوقت؟ هنا المأساة والملهاة أيضاً فى حكم العسكر قديما وحديثا حيث تستوجب السلطة سلب الثروة طوعا أو كرها. في شهر شعبان سنة 874 جاءت للسلطان تقدمه (أى هدية قدمت له) مقدارها مائتا ألف دينار .
وكان يكفي للسلطان أن يشير من طرف خفي لتنهال عليه الهدايا (الإجبارية).. ففي يوم الاثنين 22 ذى القعدة 875 كان السلطان يتنزه على ساحل بولاق وهناك سأل عن بيت ابن مزهر وهو كاتب السر، وفي الصباح التالى جهز ابن مزهر للسلطان هدية من السكر المكرر عشرة قناطير ومن الأغنام السمينة عشرين خروفاً، ولولا الرغبة والرهبة ما تكلف كاتب السر كل هذا..
3 ـ وكان السلطان يأخذ (الهدايا) لكى يطلق سراح المساجين السياسيين، ففي 7 ربيع الأول 875 أطلق السلطان سراح الأمير خاير بك الذى كان دوداراً في سلطنة الظاهر تمربغاً وذلك في مقابل عشرين ألف دينار، وكان الذى توسط في الصفقة المحتسب يشبك الجمالى وناظر الجيش.
السلطان قايتباى يصادر التركات ويأكل أموال اليتامي:
1 ـ وكان السلطان الورع يلتهم التركات ويأكل أموال اليتامي ظلماً.
عندما مات الأمير يشبك جن 875 أخذ السلطان خيوله وجماله ومماليكه ويرقة ، ( أى عتاده الحربى) وكل متاعه . يقول ابن الصيرفي "وهكذا شأن الزمان". وعندما مات الأمير بردبك البجمقدار 875 بالشام بعث السلطان الأمير قجماس ليستحوذ على تركته وتركة داوداره أبى بكر وكان قد توفي هو الآخر، ووصل الأمير قجماس للقاهرة يوم الأحد أول جماد الثاني 875 ومعه تركة الاثنين، يقول ابن الصيرفي "فبلغنى أن النقد خاصة أربعون ألف دينار خارجاً عن القماش والصوف والسنجاب والسمور والقاقل والبعلبكي وهو شيء كثير جداً، وكذلك الذهب المزركش". وفي نفس اليوم الأحد أول جماد الآخر 875 حضرت بنت خوند شقرا للسلطان لتصالح على تركة زوجها فردها السلطان إلى حيث جاءت منه، فركبت أمها خوند شقرا إلى الداودار الكبير وسألته في أمر بنتها فرضى عنها السلطان بشرط أن تدفع عشرة آلاف دينار . فامتنعت . فأمر السلطان بمصادرة كل التركة وجئ بالتركة للسلطان ليراها. ثم قرر السلطان في يوم الخميس 5 جماد الآخر اهداء كل التركة إلى الدوادار الكبير، وفي النهاية تم الصلح بينها وبين السلطان في شعبان 875 على أن تدفع للسلطان عشرين ألف دينار وتأخذ تركتها".
2 ـ وواضح أن السلطان كان يعتبر نفسه شريكاً ووارثاً في التركة على أساس أنه رئيس المماليك وسيدهم ، ولذلك كان بعضهم يتقرب للسلطان بإفشاء أسرار تركات الغير، ومن ذلك أن الأمير تغري بردى قريب السلطان كان عينا للسلطان على الدودار الكبير، وبعد موت الداودار الكبير في الشام عين السلطان قريبه تغري بردي في الاستادرية الكبرى، يقول المؤرخ ابن الصيرفي في تعليل ذلك: "وكيف لا وهو يسد الوظيفة ويطلعه على أموال أستاذه وذخائره وودائعه" أى كان يطلع السلطان على كل أموال الداودار الكبير مما سهل على السلطان أن يحصل عليها بعد موت الداودار، وكافأ تغري بردى بالوظيفة الكبري، أما ابن الداودار الكبير الذى كان طفلاً فقد ضاعت حقوقه.
3 ـ وإذا كانت للسلطان المملوكي حجة في مصادرة تركات أتباعه من المماليك فكيف نجد له حجة في سلبه لتركات أعيان المسلمين ؟.
التاجر ابن سويد ت 873 من أعيان مصر القديمة ، وكان فقيهاً تاجراً ترك مالاً كثيراً . وقد أخذ السلطان من الأولاد الورثة ستة آلاف دينار. وتوفي في نفس العام حسن بن بغداد شيخ أعراب الغربية بمحلة مرحوم وكان لديه مال جزيل، يقول ابن الصيرفي عن ورثته "وأخذ السلطان منهم ما أرضاه".
وتوفي التاجر ابن كرسون يوم السبت 6 ربيع الآخر 875 وخلف ولداً وبنتاً وزوجة ومالاً كثيراً، وكان ذلك التاجر معروفاً بالتقوي وإخراج الزكاة في موضعها، ويقول ابن الصيرفي عما حدث لتركته "واختلف الناس في أمره ، فمن قائل أن السلطان ختم على الموجود ( أى صادر التركة كلها ) ، ومن قائل أن السلطان لم يتعرض له ولكن ناظر الخاص- أى القائم على رعاية أملاك السلطان- لابد له من شيء ( أى لا بد أن ينال شيئا من التركة ) فإنه يتعلل على ورثته بأن في جهته مالاً من جهة المكوس ، ( أى عليه ضرائب من الجمارك ) ، والله أعلم.") أى لابد من سلب التركة بأى طريق. ومعناه أن زبانية السلطان كانوا يشاركونه في نهب أموال اليتامى ظلماً بعد وفاة عائلهم. وقد توفي الشيخ كمال الدين النويرى 873 وخلف من الذهب النقد تسعمائة دينار، وقد أخذ الوزير منها سبعمائة دينار خالصة غير ما أخذه مباشرو أرباب المواريث على حد قول ابن الصيرفي.
4 ـ وحين يتباطأ الوارث في دفع ما عليه للسلطان من تركته كان يتعرض للضرب والإهانة.. فالأمير قاسم إبن جانبك ماتت زوجته وتركت له بنتاً وأوصت له بأشياء ، فأخذ حصته وأخذت البنت حصتها وحملوا حصة بيت المال للسلطان. وقيل للسلطان فى ذلك أشياء فأمر السلطان بإحضار قاسم بن جانبك ومعه التركة بتمامها وكمالها، فتباطأ قاسم في الحضور فأرسل إليه السلطان الشرطة فأحضرته في الحديد. يقول ابن الصيرفي : ( فلما تمثلوا به بين يد السلطان- نصره الله- سأله عن التركة ، فأجاب جواباً نابياً خشناً ، فغضب وأمر بضربه بالمقارع، فتباطأوا في حل أزراره ، فرسم بشق أثوابه فشقوها ، وضرب مقارع ..، وسجن حتى يقوم للذخيرة ( أى لخزينة السلطان ) بما يرضى صاحبها".)
5 ــــ وكان بعضهم يتفنن في إخفاء أمواله حتى إذا مات تمتع بها الورثة بعيداً عن علم السلطان، والسلطان من ناحيته كان يلعب معهم لعبة القط والفأر فلا يتردد في اعتقال المقربين للمتوفى ليدلوه على المستور من تركته. ففي عيد الأضحى سنة 885 اعتقل السلطان شاباً صغيراً هو ابن يحيي الأنصاري وقد مات أبوه، والسبب أن أخاه الكبير ذكر للسلطان أن أباه ترك مالاً خبيئة عند ذلك الشاب، فطلبه السلطان وقرره فاعترف الشاب أنه وجد من تركة أبيه خاتماً من عاج مخروط وله فص منقور فوجد تحت الفص ورقة مكتوب فيها "ذخيرتي في مكان كذا وأنكم تعطونها أو تقسموها بين أولادي النساء والرجال إلا ولدى الكبير فإنه أخذ حصته" وذكر الشاب أنه توجه فلم يجدها في المكان الذى ذكره، فاحتد السلطان عليه وأمر باعتقاله. ثم قام الشيخ زكريا الأنصاري بالتشفع فيه عند السلطان فأمر السلطان بتحليفه فحلف الشاب أنه ما أخذ الذخيرة (التركة)، يقول ابن الصيرفي "ثم أطلقه السلطان بعد أن عدد له أموراً من كذا ، وأنه في كل ليلة يضيع خمسين ديناراً على الرحابية (مغنية مشهورة في ذلك العصر) وأمثالها والله المستعان، وأخبار الناس عند هذا السلطان معروفه مضبوطة فنسأل الله الستر والسلامة ونعوذ بالله من كلام العدا واختلافهم".
وهذا يعني أن للسلطان شرطة سرية كانت تراقب الورثة وأحوالهم وماذا كانوا قد خبأوا عن السلطان شيئاً.. وكثيراً ما يدفع الورثة الصغار الثمن حبساً بعد أن يضيع السلطان أموالهم.
وفي يوم الاثنين 8 صفر 875 هربت زوجة المباشر بالبحيرة عندما علمت بوفاة زوجها حتى لا يستولى السلطان على التركة، فأمر السلطان باعتقال ولدها الصغير الذى ليس لها سواه وعمره أقل من عشر سنوات، يقول ابن الصيرفي "ورسم عليه لأجل أخذ المال". أى كان السلطان يقوم الليل يصلى ويقرأ القرآن ويرتل الآيات التى تجعل أكل مال اليتيم كالذى يأكل النار في بطنه.. ثم يختم بسجن الأيتام إن لم يساعدوه على أكل أموالهم بالتى هى أحسن.
السلطان قايتباى يصادر أموال الأحياء:
1 ــ والسلطان الورع قايتباى كان يصادر أموال الأحياء بالإضافة إلى أموال اليتامي والأرامل..ففي يوم الأربعاء 17 رجب 876 أمر السلطان بمصادرة ممتلكات ابن زوين كاشف- أى والى ـ الغربية، يقول في ذلك مؤرخنا "وارسل السلطان إلى الغربية بالحوطة على موجود ابن زوين الكاشف بها من صامت وناطقُ أحضروه فأخذ أحسنه ورد عليه أخسه".
2 ـ وبعضهم كان يحتال لإخفاء أمواله أو النفيس منها حتى لا تضيع كلها في المصادرة إذا حصلت، وكان السلطان يلعب معهم نفس اللعبة فيحتال للحصول على كل الأموال الظاهرة والخفية، فقد أمر السلطان باعتقال عبد كان للاستادار زين الدين كما أمر باعتقال سكرتيره عبد الوهاب وباعتقال جاريته قمر، وكان السبب في اعتقال الثلاثة هو إرغامهم ليدلوا على الأموال المخبأة عند زين الدين الاستادار، وظل الجميع في السجن عدة أشهر حتى تم إطلاقهم في عيد الفطر 876.
سجن الضحية للحصول على أمواله:
1 ـ وقد ترتبط المصادرة للمال بالمصادرة للحرية، أى السجن. ففي يوم الثلاثاء 21 جماد الأول 876 أمر السلطان بالقبض على صيرفي جدة ، واسمه ابن عبد الرحمن وأمر بأن يؤخذ منه عشرون ألف دينار، والسبب في سجن الصيرفي المسكين أن السلطان أراد اقتراض عشرة آلاف دينار من إحدي السيدات كانت أماً للمحتسب وشاهين والى جده، وقد طلب السلطان من المحتسب وشاهين والى جده التوسط لدى هذه السيدة ليقترض منها العشرة آلاف، ولكن السيدة اعتذرت وأظهرت العجز والفقر، فغضب السلطان وأمر باعتقال صيرفي جده ، وطلبه في خلوة ليعرف منه أسرار ومدخرات والى جده، ولما لم يحصل منه على طائل صادر منه عشرين ألف دينار. وابن الصيرفي بعد أن ذكر الحكاية قال يدافع عن السلطان دفاعا هزيلا مضحكا : "وفي الواقع فهذا السلطان آخر الملوك العادلة فإنه خوّل المحتسب وش"RTL"> 1 ـ وقد ترتبط مصادرة الأموال بتعذيب الضحية حتى يعترف بما لديه من كنوز مخبأة. وربما كان الأمير يحيي بن عبد الرازق الاستادار ت 874 أفظع مثل للضحايا من اكابر الموظفين. فقد صودرت أمواله أكثر من مرة وتولى الاستادارية عدة مرات، وحين يعزلونه ويولون غيره فيعجز عن الوظيفة فيعيدون الأمير يحيى هذا لمنصبه . ثم يعزلونه ، وعندما يعزلونه كانوا يصادرون أمواله ويعذبونه، يقول عن مؤرخنا ابن الصيرفي "أذكر من لفظه ( أى من لسانه ومن كلماته ) أنه صودر تسع عشرة مرة ، وأحتاج حتى باع حوائج بيته وقماش خيوله بعد بيع أملاكه.. واستمر على ذلك إلى أن صادرة الملك الأشرف أبو النصر قايتباى- عز نصره- أول مرة وثانية ، وهو معذور فيه ، فإنه يدعى فقراً..". أى إنّ قايتباى صادر ذلك الشيخ الفقير بعد أن بلغ الثمانين من عمره وبعد أن استهلكته المصادرات السابقة قبل قايتباى ، ولم يترفق به قايتباى في هذا السن ولا في هذا الفقر بل أوقع عليه العذاب الشديد حتى مات تحت العذاب .! ويقول ابن الصيرفي عن حبسه وتعذيبه حين صادر قايتباى أمواله فى المرة الثانية والأخيرة : ( وفي المرة الثانية حبسه بالبرج من القلعة وطلب المال فلم يوزن- أى لم يدفع- شيئاً ، فأجرى عليه العقوبة إلى أن أشرف على التلف- أى الموت – وحمل إلى البرج المذكور فدام عليلاً يتداوى إلى أن مات في يوم الخميس ثامن شهر من شهر ربيع الأول وقد جاوز الثمانين من العمر".). ويقول ابن الصيرفي عن نهايته تحت التعذيب : ( وضرب ضرباً فظيعاً حتى طار لحم جسده عن بدنه، ونزلوا به من القلعة في تابوت وعلى رأسه طاقية كشف، وتوجهوا به إلى منزله ، فغسلوه وكفنوه ، وصلوا عليه ..).
2 ـ وابن الصيرفي يجد العذر للسلطان قايتباى في مصادرته لهذا الشيخ وتعذيبه وقتله ، فيقول "(..إلى أن صادره الملك الأشرف أبو النصر قايتباى- عز نصره- أول مرة وثانية ، وهو معذور فيه، فإنه يدعى فقراً .) أى يستحق هذا المسكين القتل بالتعذيب لأنه يزعم الفقر. ولا عذر له ، ولكن العذر كل العذر للسلطان الورع قايتباى .!!
العزل عن الوظيفة مع المصادرة والتعذيب:
1 ـ وواضح أن العزل كان يرتبط بالمصادرة لأموال المعزول مثل ارتباط المصادرة أحياناً بتعذيب الضحية.. ورأينا ذلك في قصة أو مأساة يحي بن عبد الرازق الاستادار الذى بلغ أوج الرفعة ثم نزل إلى حضيض السجن والنكال مرات متتالية. ولم يكن هو المثل الوحيد.
2 ـ في يوم السبت 13 ربيع الأول 873 غضب السلطان قايتباى على قاضى قضاة دمشق ابن الصابوني وضربه بين يديه بقاعة الدهيشة بالقلعة، لأنه لم يدفع للسلطان المال الذى طلبه منه وهو مائة ألف دينار، ولم يزل يضربه حتى أذعن، فحملوه إلى الحبس ليدبر أمره في الدفع.ـ وفي يوم الثلاثاء 14 ربيع الثاني 873 سافر القاضى ابن الصابوني إلى دمشق بعد عزله ومصادرته وحبسه بعد أن التزم للسلطان بدفع المائة ألف دينار، وسافر معه السيفي جانبك الخاصكي ليحرسه ويرافقه حتى يسدد ما التزم به.
3 ـ وفي يوم السبت15 جمادى الثانية 873 أمر السلطان باعتقال ابن العينى بالبرج في القلعة بسبب ما تأخر عليه من المال وظل محبوساً بذلك البرج إلى يوم الأربعاء 19 جمادى الثانية ، ثم أطلقه السلطان بعد أن حمل المال، فأكرمه السلطان وألبسه التشريفة ورجع لداره مكرماً معظماً.!! أى على رأى المطرب فريد الأطرش : ( مرّة يهنّينى ..ومرّة يبكّينى ..) ى
..أى على رأى
4 ـ وفي شوال 876 تولى الحافظ القطب الخيضرى قضاء القضاه بدمشق وكتابه السر بها بعد أن قاسى أهوالاً من التعذيب، وقرر عليه السلطان ثلاثين ألف دينار، فدفع بعضها والتزم بدفع الباقى، وأعاده السلطان للولاية بعد ما فرضه عليه ، وأكرمه السلطان فأنزله ضيفاً في داره التى كان بها حين كان أميراً ، وزاره السلطان في تلك الدار فوجده نائماً فما أراد أيقاظه،، وحين استيقظ وعلم بزيارة السلطان إليه وهو نائم أرسل هدية للسلطان، فلم يقبلها السلطان وأخبر أنه ما حضر إلا ليزوره . وهكذا تغير حال السلطان معه من التعذيب إلى الإكرام والحنان ، بعد أن دفع له المال. مرة أخرى أى على رأى المطرب فريد الأطرش : ( مرّة يهنّينى ..ومرّة يبكّينى ..) ى
..أى على رأى
5 ـ وقد سبق للسلطان في شهر رجب من نفس العام أن أصدر مرسوماً للشام بإعادة القاضى الحنفي إليها عوضاً عن القاضى الحلاوى المعزول عن القضاء وأمر بأن يدفع غرامة عشرة آلاف دينار فإن امتنع فلابد من إرساله مسجوناً للقعلة . فأذعن القاضى الحنفى . وأرسل السلطان بالكشف عن القطب الخيضري قاضى القضاة بدمشق وكاتب السر بها ومصادرة ما لديه، فلم يوجد لديه شيء .وعزموا على القبض عليه وإرساله للقلعة، ولكنه اختفي وحضر للقاهرة سراً، وكان من أمره أن قبض عليه السلطان ولاقي أهوالاً عاد بعدها لمنصبه مكرماً بعد أن دفع للسلطان ما أرضاه عنه .لا رضى الله عنه ولا رضى عن السلطان .!!
6 ـ جدير بالذكر أن أولئك القضاة والموظفين كانوا يتسلطون على الناس بنفوذهم ينهبون الأموال ويأخذون الرشاوى والاتاوات بعلم السلطان ، وحين يوكل اليهم مصادرة زملائهم وغيرهم كانوا يسلبون لأنفسهم جزءا من الأموال المصادرة وينهبون بعض الأشياء العينية ويخفونها عن عيون السلطان، ولكن كان كل ذلك بعلم السلطان. لذا كان يلزمهم بأن يأخذ نصيبه بطرق متعددة ، منها أن يعزل الموظف ويعيده بعد أن يدفع رشوة للسلطان ، أو أن يعزله ويصادر أمواله ، أو أن يفرض عليه غرامة . وقد يستخدم التعذيب معه ليعترف بالمخبأ من أمواله . والعادة أن يصمد القاضى أو الموظف للتعذيب فلا يعترف بكل ما لديه لأن أمواله هى سبيله للنجاة إذ يستطيع بها فيما بعد شراء نفس المنصب أو منصب آخر وتعويض ما فات بنهب الناس . وهكذا دارت طاحون التعذيب تلتهم الظالمين ، وهم بدورهم يلتهمون الشعب المسكين ، وفوقهم جميعا السلطان الورع الذى يمسك بيده اليسرى آلات التعذيب ليستزيد من المال السحت ، ويمسك بيده اليمنى شعار الشريعة السنية يحتمى بها .
خوف الموظفين من مقابلة قايتباى:
1 ـ لذا كان خوف موظفي السلطان عظيماً حين يستدعيهم للحساب، وكان خوفهم أعظم حين يعزلهم عن الوظيفة،وما يعنيه العزل من إحتمال السجن والمصادرة والتعذيب حسب السّنة السائدة . وقد هرب القاضى تاج الدين بن المقسى ناظر الأملاك السلطانية (ناظر الخاص) والسبب أن السلطان عزله، فبادر بالهرب خوفاً من المصادرة والتعذيب، وعيّن السلطان بدلاً منه ابن الكويز في يوم الخميس 12 شعبان 874.
2 ـ وفي يوم الاثنين 9 ربيع الآخر في نفس العام 874 مات القاضى المشهور فى عصره : عبد الرحيم ابن البارزي، مات خوفاً من السلطان.فقد جاء من الشام لمصر ، وأرسل هدية للسلطان فردها السلطان عليه غاضباً، وبلغه أن السلطان توعده قائلاً : ("عند من يهرب منى ؟ هذا هو وقع في القفص ). هلع المسكين مما سمع،يقول ابن الصيرفى:( واشتد مرضه بالصرع فمات.).مات خوفاًورعبا من السلطان الورع قايتباى .!!
تفنن المماليك في التعذيب:
1 ـ وعلينا أن نعذر الشيخ عبد الرحيم ابن البارزي حين مات خوفا ، فالشيخ عبد الرحيم يعى تماماً تفنن المماليك في التعذيب والعقوبات.ولعل الشيخ عبد الرحيم في أيامه الأخيرة كان يتذكر وهو يرتجف كلمة السلطان "عند من يهرب منى؟ هذا هو وقع في القفص" ولعل الشيخ عبد الرحيم كان له فهمه الخاص لعبارة السلطان "هذا هو وقع في القفص" وربما أدى تفكره في هذه العبارة إلى أن قضى نحبه..
2 ـ فالشيخ عبد الرحيم شهد ما حدث للوزير الأهناسي في ربيع الأول 873 بعد أن صادره السلطان ( وأجرى عليه العقوبة) على حدّ قول مؤرخنا ابن الصيرفى الذى أورد وصفا لما حدث لهذا الوزير ، إذ علّقه السلطان في شباك أو قفص حديد ( بأصابع يديه ، فما تحمل وأذعن ، ودفع للسلطان ألفى دينار".)
التعذيب بالضرب:
1 ـ ولا ريب أن الشيخ عبد الرحيم ابن البازري حين قدم القاهرة عرف أن يحيي بن عبد الرازق صادره السلطان للمرة الثانية وظل يعذبه حتى طار لحم جسده ومات في 18 ربيع الأول 874 وكان تذكره لمأساة يحيي بن عبد الرازق مما عجل به إلى الموت في الشهر التالى يوم 9 ربيع الآخر 874 أى أن الشيخ عبد الرحيم "أخذها من قصيرها ومات".
2 ـ وكان الضرب هو الوسيلة المثلى للتفاهم مع المتهم في أى جناية حتى لو كان بريئاً مظلوماً، ففي يوم السبت 21 صفر 886 ضربوا الشريف الأكفاني المتهم بقتل زوجته ضرباً مبرحاً نحو خمسمائة مقرعة وعصياً.. ثم أمر قايتباى بحبسه في سجن المقشرة. ولم تثبت عليه التهمة .
3 ـ وكان الضرب أحياناً يفيد، ففي يوم الاثنين 20 صفر 877 شكوا تاجراً إلى الداودار الكبير يشبك من مهدي أنه أخذ من التجار بضائع إلى أجل، وحين جاء الأجل رفض أن يدفع ما عليه بسبب ما عليه من ديون، فأمر الداودار بضربه، ولما ذاق الضرب المملوكي ( صار يصرخ ويقول: ادفع الحق..) فأمر الداودار أن يعمل أجيرا في الحفير ويدفعوا أجرته لمن له في ذمته شيء.
4 ـ وشهدنا نماذج للضرب كإحدي العقوبات فيما كان يفعله المحتسب مع التجار وفيما يفعله السلطان وبقية الأمراء مع الناس وأرباب الوظائف. ولكن لم يكن الضرب هو العقوبة الوحيدة، فالتكنولوجيا المملوكية في التعذيب كانت رهيبة..
عقوبة كشف الرأس:
1 ـ وفي العصر المملوكي كان كشف الرأس عيباً كبيراً وعارا فظيعا، وكان من العادات الاجتماعية فى العصر المملوكى أن يكشف أحدهم رأسه عند المصيبة الكبري التى لا يستطيع تحملها. لذا كان من العقوبات والإهانة الفظيعة الهائلة أن يرغم أحدهم أحدهم على كشف رأسه فيراها الناس .!!
2 ـ ونرجع للوراء مائتى عام. حين مات ابن السلطان المملوكي المنصور قلاوون ليلة الجمعة 4 شعبان 679هـ، وكان المتوفي وهو على بن قلاوون أثيراً لدي أبيه فحزن عليه حزناً شديداً، وكان من مظاهر ذلك الحزن الهائل أن رمي السلطان كلوتته- أى عمامته- من على رأسه. ونذكر النص التاريخي الذى ذكره المقريزى في هذا الشأن لنعرف دلالة كشف الرأس:( أظهر السلطان لموته جزعاً مفرطاً، وصرخ بأعلى صوته وا ولداه..!! ورمى كلوتته من رأسه للأرض، وبقي مكشوف الرأس، إلى أن دخل الأمراء إليه وهو مكشوف الرأس يصرخ وا ولداه!! فعندما عاينوه كذلك ألقوا كلوتاتهم عن رؤوسهم وبكوا ساعة، ثم أخذ الأمير طرنطاى النائب شاش ( أى عمامة ) السلطان من الأرض وناوله للأمير سنقر الأشقر فأخذه ومشى وهو مكشوف الرأس وباس الأرض وناول الشاش للسلطان ، فدفعه ، وقال: أيش أعمل بالملك بعد ولدى.! وامتنع من لبسه ، فقبّل الأمراء الأرض يسألون السلطان في لبس شاشه، ويخضعون له في السؤال ساعة، حتى أجابهم وغطي رأسه.) . أى كانت عمامة السلطان الملقاة ورأسه المكشوفة هما الدليل على الحزن الشديد.
3 ـ ونرجع إلى خمسين عاماً تقريباً قبل عصر قايتباى.. في سلطنة الأشرف برسباى، وفي يوم السبت 25 شعبان830هـ يقول المقريزى "وفيه اتفق حادث فظيع" ونتأهب بعد هذه المقدمة إلى الاستماع إلى كارثة مما كان يحدث في العصر من أوبئة ومجاعات وحرب مهلكه.. ولكن نفاجأ بشيء طريف.. يقول المقريزى "وفيه اتفق حادث فظيع وهو أن بعض المماليك السلطانية الجراكسة انكشف رأسه بين يدى السلطان ..!!".يا خبر وقع الهرم الأكبر.. وانكشف رأس الرجال الصالح..!! وبعض المسلسلات التليفزيونية عن العصر المملوكي تظهرهم مكشوفي الرأس أحياناً. وآه لو خرج المماليك من قبورهم وشاهدوا ذلك الافتراء.ما علينا...نرجع للمقريزي.. يقول "وفيه اتفق حادث فظيع وهو أن بعض المماليك السلطانية الجراكسة انكشف رأسه بين يدى السلطان فإذا هو أقرع".ملحوظة: في ذلك العصر الذى كان الناس فيه يغطون رؤوسهم لم يكن الفارق كبيراً بين الأقرع والأصلع.. هذا للعلم... ونرجع للمقريزي..يقول:( إنكشف رأسه بين يدى السلطان فإذا هو أقرع ، فسخر منه من هنالك من الجراكسة، فسأل السلطان أن يجعله كبير القرعان ويوليه عليهم ، فأجابه إلى ذلك ورسم (أى أصدر مرسوما ) أن يكتب له به مرسوم سلطانى، وخلع عليه،( أى ألبسه تشريفة ) ، فنزل وشق القاهرة بالخلعة في يوم الاثنين سابع عشرينه (27 شعبان)، وصار يأمر كل أحد أن يكشف رأسه حتى ينظر أن كان أقرع الرأس أو لا، وجعل على ذلك فرائض من المال، فعلى اليهودي مبلغ.. وعلى النصراني مبلغ وعلى المسلم مبلغ بحسب حاله ورتبته، ولم يتحاش من فعل ذلك مع أحد، حتى لقد فرض على الأمير الأقرع عشرة دنانير، وتجاوز حتى جعل الأصلع والأجلح في حكم الأقرع ليجبيه مالا . فكان هذا من شنائع القبائح وقبائح الشنائع. فلما فحش أمره نودي بالقاهرة: معاشر القرعان لكم الأمان ...)
ماذا لو عاد هذا الأمير الأقرع إلى عصرنا، وفرض رسوما على كل أقرع وأصلع؟ وما مقدار ما كان يجبيه من ضرائب.أغلب الظن أننا سنصلح ميزان المدفوعات ونسدد ديون مصر وما نهبه منها مبارك وعصابته .. ولا بأس بعدها أن ينادى بالقاهرة: معاشر القرعان لكم الأمان.
المهم أن المقريزي اعتبر كشف رؤوس الناس من شنائع القبائح وقبائح الشنائع.حلمك يا شيخ مقريزي.. ليس الأمر بهذه الشناعة.ولكنه ذوق العصر المملوكي.
4 ـ وجاء المحتسب يشبك الجمالى وجعل كشف الرأس من بنود العقوبات التى كان ينزلها بالتجار المساكين الذين لا يستطيعون دفع الرشوة لأعوانه. يقول ابن الصيرفي عنه : ( بل تحضر أعوانه له بمن لا يعطونهم المعلوم المعهود عندهم، فيضربه ثلاث علقات ، واحدة على مقاعده وأخرى على رجليه وأخرى على أكتافه، ويشهرونه بلا طرطور ، بل يكشفون رأسه . وهو الذى أحدث كشف الرأس . مع أن جماعة كثيرين ممن فعل بهم ذلك عميوا وطرشوا ، فإن الواحد يكون ضعيف البصر أو به نزلة فيكشفون رأسه ويدورون به القاهرة فلا يرجع إلا بضر،أو أمثال ذلك.).وابن الصيرفي يعتقد أن كشف الرأس جعل أولئك الضحايا المساكين يصابون بالعمي والصمم، لأنه لا يتخيل أن يسير واحد مكشوف الرأس ويرجع إلى بيته معافي وفي صحة جيدة.
5 ـ وصارت عادة سيئة أن يكون التشهير مرتبطاً بكشف رأس الضحية ليزداد إيلامه. فهذا المحتسب المتدين الظالم ضرب جماعة من التجار وأشهرهم بالقاهرة بنفس الطريقة، وحدث ذلك في المحرم 874، وأمر الداودار الكبير بتشهير شاهدي زور (ومروا بهما في شوارع القاهرة مكشوفى الرؤوس) وحدث ذلك يوم الأربعاء 7 ربيع الأول 877. وابن الصيرفي الذى عهدناه في كتابه رقيقاً في نقده للمماليك كان أكثر كراهية للمحتسب يشبك، وربما يرجع ذلك إلى ما أحدثه من كشف الرؤوس. ولنفترض أن ابن الصيرفي رجح حياً وسار في شوارع القاهرة الآن وشاهد رؤوسنا الجرداء تعكس أشعة الشمس لتنير الطريق أمام الحيارى.. ترى ماذا كان سيفعل؟ أغلب الظن أنه سيعتقد أن المحتسب يشبك صار سلطاناً على القاهرة المحروسة.!!
عقوبة الشي بالنار والسلخ والتشهير:
1 ـونقفز من كشف الرأس إلى ما هو أفظع،وهو التعذيب بالشى بالنار ( أو الشوى بالنار ) والسلخ والتشهير.
فالداودار يشبك من مهدي ظفر بأحد مشايخ الأعراب من بنى عدي فضربه بالمقارع وأمر بأن يشوى بين يديه بالنار وهو حى فصار يستغيث ولا يغاث، وأخر الأمر أطلقه ،بعد أن قيل للأمير الداودار: (لا يعذب بالنار إلى خالقها.) . وحدث ذلك يوم الخميس 14 ربيع الأول 874.
2 ـ ومن الشي بالنار إلى السلخ للأحياء.سلخ جلد الضحية وهو حىّ .!!. وكان الضحايا من زعماء الأعراب الثائرين على الدولة. في يوم الأربعاء 18 ذى الحجة 873 أمر السلطان قايتباى بسلخ ابن سعدان أحد مشايخ الأعراب من مدينة فوّة. وفي يوم الخميس 5 جمادى الآخر 875 قبض الداودار الكبير على عيسى ابن بقر أحد مشايخ الأعراب وأمر بسلخه، ثم أمر السلطان بالتشفع فيه إذا دفع عشرة آلاف دينار، وجاء البشير إلى الضحية وهم يسلخونه فوجده قد قطعوا من رأسه قطعة فقال: أنا أوزن- أى أدفع الدنانير وأنقذ نفسه.
3 ـ وأحياناً كان السلخ مرتبطاً بالتشهير، أى يطاف بالمسلوخين المساكين في شوارع القاهرة ليتفرج عليهم الناس وينادى عليهم المشاعلى هذا جزاء من يفعل كذا، وفي النهاية يتم صلبهم حتى يموتوا أمام أعين الناس. وربما جاء تخويف الأطفال من ( ابو رجل مسلوخة ) من مشهد أولئك المسلوخين وهم يطاف بهم على أعين الناس ، ومنهم أطفال . وفي يوم السبت 29 ذى الحجة 876 طافوا في شوارع القاهرة بثلاثة مسلوخين من أكابر أعراب بنى حرام ، كان قد قبض عليهم الأمير قنصوه من جوار غيط الشيخ إبراهيم المتبولى فسلخهم وجهزهم- على حد قول مؤرخنا- وبعد أن طيف بهم في القاهرة أرسلوا إلى خارجها ليصلبوا أياماً ويرتدع المفسدون من قطاع الطرق من الأعراب.
4 ـ وتفنن المماليك في جريمة السلخ، فأحيانا كانوا يسلخون الضحية المسكين ثم يحشدون جلده تبناً أو قطناً يطوفون به في الشوارع جنبا الى جنب مع الضحية المسلوخ . ففى أواخر جمادى الأول 875 وصل ابن زوين كاشف الغربية وصحبته رجل من العريان يسمى عبد القادر حمزة مسلوخاً وقد حشي جلده قطناً ومعه عدة رؤوس آدميين مقطوعة ، وصار يشهرهم فى شوارع القاهرة ، إلى أن وصل به إلى بيت الداودار الكبير، وتصادف أن الأمير تمراز الشمسي رأى الضحية المسلوخ عبد القادر حمزة فعرفه، وكان تمراز كاشفاً للغربية قبل ابن زوين ، وكان يحمى عبد القادر حمزة وصديقا له ، فعندما رآه في ذلك الحال هجم على ابن زوين وضربه.
القتل بالتوسيط:
1 ـ والجبروت المملوكى إستخدم التعذيب حتى فى تنفيذ عقوبة القتل ، فلم يكتف في القتل بقطع الرقبة وإنما ابتدع التوسيط وهو قطع الضحية نصفين. وتلك إحدى منجزات الشريعة السنية فى العصر المملوكى .وهى تعبر عن رغبة المماليك فى أن ينفردوا وحدهم بالسلب والنهب ، لذا إستعملوا أفظع طريقة فى القتل لارهاب قطّاع الطرق من الأعراب وغيرهم لأنهم ينافسون المماليك فى نهب الناس .
2 ـ وشريعة التوسيط لها طقوسها : أن يعرى المحكوم عليه بالإعدام من الثياب ثم يثبتون أطرافه بالمسامير فى خشبتين على شكل صليب ويطرح مصلوبا عليها ، ويوضع على ظهر جمل .وتسمى هذه العملية بالتسمير. وربما يطاف به في شوارع القاهرة على هذا الحال وهذا هو التشهير . ثم يأتى السياف فيضرب المحكوم عليه بقوة تحت السرة فيقسم الجسم قسمين من وسطه فتنهار أمعاؤه إلى الأرض.
3 ـ في يوم السبت 13 ذى القعدة 875 أمر السلطان بتسمير ستة أشخاص من قطاع الطرق وأن يتم توسيطهم بقليوب، فأشهروهم على الجمال تحت قيادة الأمير يشبك بن حيدر صاحب الشرطة، وطبقا لما أورده ابن الصيرفى فقد ذكر صاحب الشرطة عنهم "أنهم قتلوا رجلاً بقليوب وأخذ ماله وحرقوه بمستوقد . وأمثال ذلك من التهجم والقتل وقطع الطرق" ويستطرد مؤرخنا قائلاً "وذاك ذنب عقابه فيه، ووسطوا بقليوب أو قربها وعلقت جثثهم ليرتدع أمثالهم عن هذه الأفعال المنكرة . ) ويختم مؤرخنا بقوله ( ..رب سلّم !!.)
4 ـ وفي اليوم التالى وهو 14 من ذى القعدة 876 أمر السلطان بتسمير أربعة من العربان والمفسدين على الجمال، اثنان بالجيزة واثنان من غيرها، وأشهروهم بالبلد، ووسّطوا منهم اثنين بباب النصر بالقاهرة لقربهم من أعراب بنى حرام ووسطوا اثنين بمصر لقربهم من الجيزة.
5 ـ وحيكت أساطير عن موضوع التوسيط، يقول مؤرخنا "وبلغني أن شخصاً من العريان يسمى ابن زعازع قبض عليه الداودار الكبير لما بلغه من الجرائم والمفاسد، وأمر بتوسيطه، فضربه المشاعلى بين يديه نحو سبع عشرة مرة ، فلم يقطع فيه السيف بل ينقلب" وزعموا أنه معه حرزا يحميه من التوسيط.
6 ـ وحمل التاريخ المملوكي بعض المآسي الدرامية للمحكوم عليهم بالإعدام. قبل عصرنا بقرنين، أى في شهر جمادى الأول 680هـ يروى المقريزى أنهم قبضوا على قاطع طريق مشهور اسمه الكريدى، فسمّروه على جمل ، وأقاموا عليه أياماً يطوفون به في أسواق مصر والقاهرة ، وتعاطف معه الحارس الموكل به فقطع عنه الطعام والشراب، فلما جاع وطلب الطعام(قال له الحارس :إنما أردت أن أهون عليك لتموت سريعاً حتى تستريح مما أنت فيه، فقال له: لا تقل كذا فإن شر الحياة خير من الموت!! فناوله الطعام والشراب، فأتفق أنه شفعوا فيه ، فأطلقوه وسجنوه فعاش أياماً في السجن ثم مات). وأغلب الظن أنه مات بعد أن تسممت جراحه.
عقوبة قطع الخصيتين:
1 ـ وتفنن المماليك في التعذيب وإيقاع العقوبة ووصل إلى مناطق لا تخطر على البال.
في سنة879 أمر قايتباى بقطع خصيتى مملوك يقال له شاهين ، كان خازندار الأمير اينال الأشقر، لارتكابه جريمة خلقية، وصادفت هذه العقوبة وجود شخص يهودي خبير بالإخصاء بمصر العتيقة.
2 ـ والأتراك- ومنهم كان أكثرية المماليك- كانت لهم معرفة بهذه النوعية العجيبة من القتل والتعذيب، وبدأ ذلك قبل عصرنا بستة قرون. إذ يذكر الطبرى أن الأتراك المتغلبين على الخلافة العباسية ثاروا على الخليفة المهتدي وقتلوه، ويحكي الطبرى كيفية قتله فيقول" أمروا من عصر خصيته حتى مات" وذلك سنة 256.
3 ـ وأحيت الدولة المملوكية ذلك التقليد العجيب في القتل فمات بهذه الطريقة أول سلطان مملوكي وهو عز الدين أيبك. فقد بدأ العداء بين أيبك وزوجته السلطانة السابقة شجرة الدر، وعزم أيبك على أن يتزوج عليها إحدى الأميرات، وأعاد المياه إلى مجاريها بينه وبين زوجته الأولى أم على، مما جعل شجرة الدر تخطط لاغتياله، فبدأت تراسله وتبعث له من يصلح بينه وبينها ويحلف عليه ليعيد الحب المفقود بينه وبينها مما ألان قلبه وجاء للقاء زوجته شجرة الدر في القلعة. ولأن الأكياس البلاستيك التى كانت المرأة المصرية فى أوائل التسعينيات تعلّب فيها زوجها المفترى لم تكن قد اخترعت بعد فإن شجرة الدر خططت لقتله بالطريقة التركية. وفي ليلة الثلاثاء 24 من ربيع الأول 654 ترك المعز أيبك باب اللوق ودخل القلعة آخر النهار وبعد الهجر والخصام قضى ليلة من ليالى العمر مع زوجته الجميلة، ثم دخل الحمام ليغتسل فوجد مفاجأة سيئة. كانت شجرة الدر قد أعدت لقتله في الحمام خمسة من القتلة منهم محسن الجوجري ونصر العزيزى والمملوك سنجر، ويصف المقريزي ما حدث في الحمام فيقول"( ودخل إلى الحمام ليلاً فأغلق عليه الباب محسن الجوجرى وغلام عنده شديد القوة ، ومعهما جماعة ، وقتلوه بأن أخذ بعضهم بأنثييه وبعضهم بخناقه ، فاستغاث المعز بشجرة الدر ، فقالت: أتركوه ! ، فأغلظ لها محسن الجوجرى في القول وقال لها : متى تركناه لا يبقي علينا ولا عليك. ثم قتلوه.). إستغاث المسكين من شياطين الظلام الذين أخذوا بخناقة من هنا وهناك، فأضاعوا عليه ذكريات الحلم الجميل الذى كان يعيش في خياله.. واستيقظت السلطانة الجميلة من ذكريات اللحظات الجميلة على صوت حبيبها يستغيث بها.. وكانت في هذه اللحظة تعيش مشاعرها كامرأة عاشقة لا تزال تجتر ذكرياتها الممتعة.. وحين استغاث بها كان قلبها خالياً من الحقد والكراهية وفنون المؤامرات فأمرت بأن يكفوا عنه.ولكن القتلة لا شأن لهم بكل هذه المشاعر الجميلة، وهم يعلمون أن هذه المشاعر مهما بلغ جمالها فهي إلى نهاية، نهاية الموت لهم بعد أن يعود الزوج الولهان سلطاناً متحكماً، لذا أمر قائد القتلة بأن يجهزا على الضحية قبل أن يقتلهم، وشخط في شجرة الدر.. فكتموا أنفاسه من هنا وهناك. وبهذه الطريقة قتلت السلطانة الفاتنة زوجها أول سلطان مملوكي . وذاق السلطان أيبك قبيل موته أمتع اللحظات وأشدها عذاباً.
لا رأيتم عندكم مكروها في عزيز لديكم. والعاقبة عندكم في المسرات.. فقط.
ولا عزاء للسيدات.
الفصل الخامس : شريعة السجون فى عصر قايتباى
السجون في عصر المماليك :
1 ـ وما دمنا نتحدث عن العقوبات فلا بأس من ذكر ضحايا آخرين للمماليك، إنهم المساجين. بلهجة الفقهاء يقول المقريزى عن السجون التى كانت في عصره ( إن ما يحدث فيها لا يجوز عند أحد من المسلمين، وذلك بسبب ما يتكدس فيها من الكثيرين في موضع ضيق، فلا يتمكنون من الوضوء والصلاة ، وقد يروى بعضهم عورة بعض ، ويؤذيهم الحر في الصيف والبرد في الشتاء، وربما يحبس أحدهم السنة وأكثر ولا جريمة له ويكون أصل حبسه على ضمان )، أى يكون مسجوناً لأنه ضامن للغير فى ديون ، أى مسجون بلا جريمة ومع ذلك يظل في السجن وقد لا يحس به أحد إلى أن يموت.
2 ـ وفي عصر قايتباى ذكر ابن الصيرفي إشارات للسجون المعروفة في مصر وقتها والتى كانت مبنية قبل عصر قايتباى مثل سجن الإسكندرية وسجن الجرائم وسجن الديلم وسجن الشرع وسجن المقشرة، بالإضافة إلى سجن البرج بالقلعة.
أشهر المساجين وأشهر السجون :
1 ـ وكان نزلاء السجون من الأمراء المماليك ، كنتيجة للصراع فيما بينهم ، ووقوع بعضهم ضحايا لهذا الصراع والفتن والمؤامرات . وقد يصبح سجين سابق من الأمراء المماليك سلطانا فيما بعد ، وحدث هذا قبل عصر قايتباى ، كما حدث فى عصره ، فالملك الظاهر يلباى كان مسجوناً في عصر قايتباى في سجن الإسكندرية ومات فيه بالطاعون في ليلة الاثنين أول ربيع الأول 873.وفي سجن الجرائم أودع السلطان قايتباى جماعة من الأعراب المفسدين من الشرقية وذلك يوم السبت 5 محرم 874. وهرب من هذا السجن أحد المجرمين المشهورين يوم الجمعة 17 ربيع الأول 875، وقد تمكن المماليك من القبض عليه وأمر السلطان بكحل عينيه- أى بوضع الحديد المحمى بالنار على عينيه حتى عمى. واستطاع شيخ الأعراب ابن زامل من الهروب من ذلك السجن يوم الجمعة ربيع الثاني 876. وفي يوم الثلاثاء 17 شعبان 876 أطلق السلطان سراح حوالى أربعين مسجوناً من سجن الجرائم وسجن الشرع.
2 ـ أما سجن الديلم فقد كان مخصصاً- فيما يبدو- لمن يغضب عليه السلطان من أرباب الوظائف فقد سجن فيه السلطان القاضى ابن العيسي وسجن فيه الوزير قاسم جغيته. ومثله في ذلك برج القلعة الذى اعتقل فيه ابن العيني إلى أن أذعن ودفع للسلطان ما أراد ، وكان ذلك في 17: 19 من جمادى الثانية 873. وفي نفس البرج حبس السلطان موسى بن كاتب غريب في شعبان 873، ثم اعتقل السلطان زين الدين الاستادار في رمضان من نفس العام، وصار موسي محبوساً في برج القلعة وغريمة زين الدين الاستادار محبوساً في برج أخر يقول مؤرخنا ابن الصيرفي، وفي رمضان 874 أمر السلطان بسجن أسرى شاه سوار في برج القلعة.
سجن المقشرة : أشهر سجون العصر المملوكى
1 ـ وكانت المقشرة أشهر سجن في عصر قايتباى وفي عصر المقريزي أيضاً. والمقريزي يحدد موقع سجن القشرة بأنه بجوار باب الفتوح فيما بينه وبين الجامع الحاكمى (أى المنطقة المجاورة لباب زويلة الآن).
2 ـ وأصل تسميتها بالمقشرة أنه كان فيها القمح، وكان موضعها سجنا مشهوراً يسمى خزانة شمايل، وقد تم هدمه وأقيم مكان سجن المقشرة. وهذا السجن يضم برجاً في السور وموضع المقشرة وأضيف له الدورة المجاورة التى هدمت، وأصبحت بذلك المقشرة سجناً لأرباب الجرائم.
3 ـ ويقول عنه المقريزي" وهو من أشنع السجون وأضيقها يقاسى منه المسجونون من الغم والكرب، لا يوصف، عافانا الله من جميع بلائه .!!.
4 ـ وذكر ابن الصيرفي إشارات لما حدث في عصره في سجن المقشرة . فقد أودع فيه السلطان أسرى الفرنج الذين أسرهم أهل ادكو. وكان فى نفس السجن جمع من الفلاحين ممن ( إنكسر عليهم مال للسلطان) على حد قول ابن الصيرفى ، فسجنهم في ذلك السجن البغيض، أى سجنهم لعجزهم عن دفع الضرائب والرشاوى التى يفرضها عليهم أعوان السلطان من الكاشف ومن هم دونه. .ولأنهم مظاليم فقد اشتكي بعضهم للسلطان أملا فى عدله وإقتناعا بوضوح قضيتهم ، فأمر قايتباى بسلخ أربعة منهم بحضور الباقين فسلخوا ، وأرسلوا إلى البلاد فاشهروا بها ( ليرتدع بها أمثالهم )، على حد قول مؤرخنا ابن الصيرفي الذى يعلق على هذه المأساة قائلاً عن السلطان " فنصره الله نصراً عزيزاً". أى يدعو له بالنصر ..!!
إجبار المساجين على التسول لصالح السجّانين :
1 ـ ووصف المقريزي أحوال المساجين باختصار فقال أنه لا يوصف ما يحل بأهلها من البلاء وأنه اشتهر أمرهم أنهم يخرجونهم في الحديد حتى يشحذوا وهو يصرخون في الطرقات قائلين: الجوع.. فما يصلهم من الصدقات يأخذ معظمه السجان وأعوان الوالى، ومن لم يحصل من المساجين على صدقات بالغ السجان وزبانيته في عقوبته.
2 ـ وقبل ذلك كانت خزانة شمايل أبشع السجون، وقد هدمها السلطان شيخ المحمودى يوم الأحد 10 ربيع الأول 818، وكان والى القاهرة يفرض على السجان فيها مقداراً يومياً من المال يحمله إليه، ويحصل السجان على هذا المال من شحاذة المسجونين.واستمر ذلك في عصر السلطان قايتباى باستمرار الظلم المملوكي.
3 ـ لقد فزع بعض المماليك من قسوة الحياة في سجن الجب بالقلعة، وقبل أن يتولى السلطنة كان الأمير المملوكى شيخ المحمودى نزيلا فى سجن شمايل ، وقاسى مما فيه ، فنذر إن نجا منه وأصبح سلطانا ليهدمنه . وعندما تولى السلطنة بلقب المؤيد شيخ أوفى بنذره فهدم سجن الجب فى القلعة وسجن شمائل، ولكن قامت السجون الأخرى مثل أبراج القلعة والمقشرة بنفس الدور وأشنع. فالمستبد يحتاج الى الكثير من القصور ليتنعّم ويحتاج الى الكثير من السجون ليأمن على حياته وليرهب شعبه. والتعذيب ـــ وليس العدل ـــ هو أساس المُلك المستبد.
أحوال المساجين في عصر قايتباى.
1 ـ في يوم الأحد 11 صفر 875 أمر السلطان قايتباى بتوسيط سجين بعد أن أشهره على الجمال، وعرضه الموكلون به أمام السلطان، والسبب في توسيطه وتسميره وتشهيره أنه كان مسجوناً بالمقشرة من سنين وقد قرر عليه السجان قدراً معلوماً كل يوم فكان يخرج في الحديد ويستعطى ويحضر ما عليه للسجان كل يوم، وحدث أنه لم يحصل في ذلك اليوم على ما يوفي بالمقرر عليه فأراد الهروب خوفاً من الضرب والعصر، أى عصر قدميه بآلات التعذيب وآلات العقاب. يقول ابن الصيرفى : ( فحصل بينه وبين الجمدار مشاجرة وضربا بعضهما فأصاب الجندار ضربة فمات فقتلوا هذا به...".). أى حسبما يذكر المؤرخ ابن الصيرفي أن المسجون كان إذا لم يتسول للسجان قدراً كافياً يرضى نهمه فإنه يتعرض للضرب وعصر قدميه بآلات العذاب.
2 ـ وفي يوم الأحد 6 ذى الحجة 875 انتحر مسجون من سجن المقشرة لأنه خاف من العقوبة التى سينالها لأن ما حصل عليه من التسول كان أقل من المقرر عليه، يقول ابن الصيرفي:( ضرب شخص من الذين هم في سجن المقشرة ويسألون في الحديد صحبة الجندار،نفسه بسكين، فخرجت مصارينه في وسط السوق، وسبب ذلك أن هذا الذى قتل نفسه كان عليه مقرر في كل يوم للسجان ثلاثة أنصاف وللذى معه قدر أخر، فإن لم ينهض فيعاقب عقوبة شديدة ويجعلون رجليه في الخشب، وطال ذلك عليه فقتله نفسه، وحسابه على الله".).كان هذا هو ما ناله المسكين من عبارات التعزية من مؤرخنا القاضى ابن الصيرفى..!!
3 ـ وربما أدى انتحار ذلك المسجون المسكين إلى صحوة مؤقتة للضمير.. فقد أصدر قايتباى مرسوماً بألا يأخذ السجان من المسجون ولا من أقاربه شيئاً وأخذ عليهم التعهدات ألا يفعلوا ذلك.، وألّا يأخذ نواب القضاء والعاملين معهم شيئا من السجّانين ، إذ كان أعوان الوالى ــ وهو القائم بالقبض على المجرمين وتنفيذ أوامر الشرع السنى المملوكى ــ هم المتحكمين فى السجّانين يأخذون منهم الأموال ، والسجانون يرغمون المساجين على التسول لهم ولاعوان الوالى . وصدر ذلك المرسوم يوم الخميس 15 محرم 876، يقول مؤرخنا: ( أشهر النداء بالقاهرة أمام الوالى حسب المرسوم الشريف أن أحداً من النقباء والرؤوس النوب لا يأخذ من السجان على السجون الذى يودعه عنده شيئاً، وأن سجاناً لا يأخذ من أحد يزور السجون شيئاً ، وأن زوجة السجان لا تأخذ شيئاً في كل ليلة جمعة كما كانت عادتها، وأن يكتب عليهم قسائم بأن لا يعودا لذلك فكثرت الأدعية للسلطان.) .أى كان السجان وزوجته يستغلون المساجين وزوجاتهم وأهليهم.
4 ـ ومع صدور هذا المرسوم فإن الأمور عادت إلى ما كانت عليه، وعاد السجان يرغم المسجون على التسول لحسابه وإلا فأمامه العذاب الشديد.. وكان بعض المساجين يثور على الوضع فيقتل الجندار أو الحارس كما حدث من قبل. في يوم السبت 16 من ذى القعدة 876 ( أمر السلطان بتوسيط لص مسجون" خرج يستعطي كعادته فقتل الجمدار المرسم عليه، قيل أنه عصر بيضه فمات، فرسم بتوسيطه".). أى إنّ هذا المسجون البائس قد تم قطعه نصفين ، ولقد قلّد شجرة الدر فيما أمرت بفعله مع السلطان أيبك ــــ وربماً كان أفضل حظاً منها فإنهم قتلوا شجرة الدر ضرباً بالقباقيب الحريمي.
الهروب من السجن:
1 ـ ويبدو أن المساجين في السجن مقامات حتى في العصر المملوكى. فالسجين الثرى من مشايخ الأعراب كانت له امتيازات لا تتاح لغيره من الفقراء المساجين الذين عليهم أن يتسولوا ليرضوا جشع السجان والحراس.
2 ـ وقد استغل بعض المساجين الأثرياء تلك التسهيلات ــــ التى اشتراها بماله ــــ استغلها في الهروب، حدث ذلك يوم الجمعة 18 ربيع ثان 876. كان ابن زامل أحد مشايخ الأعراب محكوماً عليه بالإعدام ومسجوناً على ذمة الحكم في سجن الجرائم، وكان السلطان يؤجل تنفيذ إعدامه حتى يوفّي ابن زامل ما عليه من ديون لديوان السلطنة، ثم نقلوه من سجن الجرائم ، وأودعوه بقاعة المسجونين بين الصورين، بالقرب من بيت الأتابك أزبك قائد الجيش المملوكي، وهو الذى قبض عليه. وقد وثق ابن زامل علاقته بالقائمين على حراسته في قاعة السجن، وصار الحراس يخرجون به كل ليلة والحديد في عنقه لزيارة بعض أصحابه بالقاهرة حيث يأخذ منهم الأموال ويأكل أجود الطعام ثم يعطى حراسه المائة درهم والمائتي درهم. واستمر على ذلك إلى يوم هروبه ، حيث خرج كعادته وكان معه اثنان من الحراس أحدهما حارس السجن، وقد قال لحارس السجن أنت أولى بأن تأخذ كل الدراهم، وأغراه بأن يصحبه وحده ويترك زميله، وتوجه معه وهو في الحديد إلى الباطلية، وهناك في المكان الذى أراد الدخول فيه كان هناك كمين ينتظر، فضربوا الحارس حتى أغمي عليه، وفكوا وثاق ابن زامل وأركبوه فرساً وهربوا به، واستمر الحارس ملقى على الطريق إلى أن أدركوه.
عفو عن بعض المساجين:
1 ـ وخطط للسلطان قايتباى أن يقوم بعد إصلاحات مع المساجين. ففي يوم الثلاثاء 17 شعبان 876 نظر في أحوال المساجين في سجن الجرائم وسجن الشرع فأطلق من سجن الجرائم نحو أربعين شخصاً منهم شخص اسمه محمد العنبري له نحو ثلاثين سنة بالسجن، وشرط عليهم أن من وقع منهم في جريمة شنقه السلطان، يقول ابن الصيرفي "والعجيب أنه في ثانى يوم إطلاقهم قبض الوالى على شخص منهم فضربه بالمقارع" وأما المسجونون في سجن الشرع فلم يطلق السلطان أحداً منهم غير أنه رسم أن تعمل مصالحهم . ومن جملة المسجونين بالشرع رجل سجنته زوجته ، ولها في صحبته عدة سنين ، فشكر السلطان حاله فأطلقه . كما أطلق السلطان سراح جماعة من الفلاحين.
أخيرا
ونحن نستقبل عيد الفطر لعام 1433 هجرية نرجو من قايتباى مصر المعاصر السلطان محمد بن مرسى الإفراج عن الثوار الذين أحالهم العسكر للسجن بمحاكمات عسكرية ظالمة. وليتذكر السلطان محمد مرسى قايتباى أنه وصل للعرش بتضحيات هؤلاء الشباب ، وبهم قام بتقليم أظافر العسكر المماليك المعاصرين وأتباعهم من الأتابك طنطاوى الى الوزير الصاحب إبن الجنزورى .
الهوامش للفصول السابقة
- الهصر: 125.
- خطط المقريزيى 3، 64.
- الهصر :268، 269.
- الهصر 275.
- المقريزي: السلوك 3، 1، 3، 4.
- الهصر: 80.
- الهصر 304، 111.
- الهصر: 399، 455، 391.
- الهصر :507.
- الهصر 162، 398.
- الهصر: 429.
- الهصر: 440، 441.
- الهصر: 482، 511، 167.
- الهصر: 105، 91، 80، 112، 407،399.
- الهصر: 61، 67، 123، 125، 127، 289، 240، 241، 242.
- الهصر: 236، 137، 138، 193، 192،200،201،148،300،435،119، 147، 193، 234، 235، 229، 230، 314.
- الهصر: 29، 41، 42، 203، 204، 388، 211، 212.
- الهصر: 188، 161، 287، 288، 211، 212.
- الهصر: 230، 233، 234، 244، 496، 104، 82، 211، 113، 314، 195.
- الهصر: 274، 275، 496، 504، 202.
- الهصر: 389، 417، 351، 377، 378، 174، 143، 22: 23، 32: 33، 48، 423، 390، 163، 146.
- الهصر: 20، 515، 516، 473.
- المقريزي: الخطط 2، 455، 456.
- المقريزي: السلوك 4/ 2، 745، 746.
- الهصر: 42: 125، 478، 75، 233، 234، 445، 232، 233.
- السلوك: 1، 2، 404، حاشية: 1.
- الهصر: 286، 278، 427، 130.
- المقريزي: السلوك 1، 3، 689.
- تاريخ ابن اياس: 2، 150.
- تاريخ الطبري: 9، 469.
- السلوك: 1، 2، 3،4.
- خطط المقريزي: 2، 626.
- الهصر: 17، 18، 119، 214، 340، 404، 331، 338، 48: 49، 56، 162.
- خطط المقريزي: 2، 626.
- الهصر: 445، 474.
- خطط المقريزي: 2، 626، 628.
- الهصر: 202، 203، 290، 291، 321،322، 431، 340، 404.
الفصل السادس : مجتمع أرباب الوظائف القائمين بتطبيق الشريعة السّنية فى عصر قايتباى
أنواع الوظائف:
1 ـ المماليك كطبقة عسكرية أجنبية احتاجت إلى جهاز إداري ودينى يساعدهم في الحكم.. والعلم هو المؤهل الذى ينبغى توافره في أرباب هذا الجهاز، ولأن العلم في ذلك العصر والعصور الوسطي بشكل عام كان علماً دينياً، لذا كان علماء الدين أو رجال الدين هم أرباب الوظائف الإدارية والكتابية والتعليمية والقضائية في العصر المملوكي.
2 ـ ويمكن تقسيم الوظائف التى كان يليها رجال القلم إلى قسمين: دينية وديوانية، فالأولى مثل القضاء والإفتاء ووكالة بيت المال ونقابة الإشراف والحسبة ومشيخة الشيوخ ونظر الأوقاف أوالأحباس والخطابة والتدريس، أما الوظائف الديوانية فهي الوزارة ونظر الدولة ونظر الخاص ونظر الجيش.. إلخ.
3 ـ وفي عصر قايتباى ازداد حجم الطبقة المملوكية وأصبحت أسرات متشعبة يطلق عليهم ( أولاد الناس ) وقد ازداد اختلاطهم بالحياة المصرية مما أدى بالتالى إلى تغلغلهم في الوظائف غير العسكرية فتقلدوا وظيفة الحسبة التى كان يليها أشهر الشيوخ والفقهاء مثل المقريزي والعيني.
اغتصاب المماليك لبعض الوظائف المدنية:
1 ـ بل إن النظام المملوكي اغتصب بعض سلطات القضاء، وقد حدث هذا في عصر المقريزي شيخ المؤرخين في القرن التاسع الهجري، وتمثل ذلك في وظيفة (حاجب الحجاب) المملوكي الذى كان يمثل القضاء العسكري والذى يختص بالنظر في قضايا ومحاكمات العسكر المملوكي، فإذا به يغتصب سلطات من القاضي الشرعي غير العسكري. يقول المقريزي:( إن حاجب الحجاب كان يختص بالفصل في النزاعات الخاصة بالأمراء والجند ولم يكن يتدخل في الأحكام الشرعية التى كانت ترجع لقضاة الشرع، بل كان بعضهم يفر من باب الحاجب إلى باب القضاة الشرعيين يستجير بحكم الشرع فلا يطمع أحد في أخذه من باب القاضى، وكان القاضى يحمي بعضهم من أيدي الحجاب). ويقول المقريزي: ( ثم تغير ما هنالك وصار الحاجب اليوم اسماً لعدة جماعة من الأمراء ينتصبون للحكم بين الناس لا لغرض إلا لتضمين أبوابهم بما مقرر في كل يوم.. ويرتزقون من مظالم العباد.) .أى يتصدّون للسلب والنهب .
ولكن القضاء العسكرى لجنرالات مبارك و( المجلس العسكرى ) كان أكثر ظلما للمصريين من حاجب الحجّاب المملوكى ، ففى عصر سيطرة جنرالات مبارك تغول القضاء العسكرى وسجن الثوار المدنيين المسالمين الذين أتاحوا لهم فرصة السلطة ، ولم يكتف عسكر مبارك بذلك بل إرتكبوا فظائع سحل الثوار والمتظاهرين بالدبابات فى الشوارع . ونرجع للمقريزى وهو يقول عن حاجب الحجاب فى عصره : ( وصار الحاجب اليوم يحكم في كل جليل وحقير من الناس سواء كان الحكم شرعياً أو سياسياً بزعمهم ، وإن تعرض قاضى من قضاة الشرع لأخذ غريم من باب الحاجب لم يمكّن من ذلك. ) . ويقول المقريزي عن نقيب الحاجب- أو سكرتيره ومدير مكتبه بتعبير عصرنا " ( ونقيب الحاجب اليوم ومع رزالة الحاجب وسفالته وتظاهره بالمنكر بما لم يكن يعهد مثله- فإنه يأخذ الغريم من باب القاضى ويتحكم فيه من الضرب وأخذ المال بما يختار فلا ينكر ذلك أحد البته. ). وفارق هائل بين جرأة المقريزى وجهره بالحق كما يظهر فى قوله هذا وبين حقارة ابن الصيرفى ونفاقه لأسياده المماليك .
2 ـ وازداد الأمر سوءاً بعد ذلك بثلاثين عاماً تقريباً أى في عصر قايتباى ومؤرخنا الصيرفي ، بحيث أصبح قضاة الشرع السّنى أسوأ من قضاة العسكر، وبحيث كان الناس يفرون من حكم قضاة الشرع السّنى إلى حكم السياسة عند السلطان . وسنعرض لذلك في أوانه لنرى كيف أصبح ظلم المماليك أهون من ظلم قضاة الشرع فى عصر السلطان المتدين قايتباى . فهل يا ترى سيكون حال القضاء فى عصر حكم الاخوان المسلمين مثل عصر قايتياى ، أى أسوأ من حكم عسكر مبارك وعهد مبارك ؟ ..
وظيفته القضاء في العصر المملوكي:
1 ـ وما دمنا قد تعرضنا لسلطة القضاء في العصر المملوكي فلنعط عنها فكرة سريعة.
كان القضاء في العصر المملوكي نوعين: قضاء شرعى وقضاء سياسي. والقضاء الشرعى يرأسه القاضى الشافعي الذى يعين نوابا عنه في الأقاليم المصرية يقوم كل منهم بوظيفة القاضى في بلد، ويقوم القضاة الأحناف والمالكية والحنابلة بتعيين نواب عنهم أيضاً ولكن يقف القاضى الشافعي في المقدمة على رأس الهيئة القضائية الشرعية، ويختص إلى جانب ذلك بالنظر في أمر الأيتام والأوقاف وبيت المال، ثم هو خطيب الجامع الأعظم بالقلعة.وعدد نواب القضاة في الأقاليم أكثر من مائتى نائب أو قاض للحكم فى منطقته المحلية، وكل قاض منهم لقبه نائب أى ينوب عن قاضى القضاء في المنطقة التى بها المحكمة الشرعية.
2 ـ وإلى جانب قضاة الشرع هناك قضاء العسكر، وهم أربعة ، ويسافرون مع السلطان للنظر فيما يحدث في أمور بين الجند كما أنهم يجلسون بدار بدار العدل ، أو مقر القضاء الرسمى الأعلى .
3 ـ ثم هناك القضاء السياسي الذى لا علاقة له بالأحوال الشخصية، ويختص القضاء بالجنايات مثل الاعتداء أوالظلم والضرب والقتل وشئون الدواوين، ويتولى السلطان والأمراء مباشرة القضاء السياسي يعاونهم بعض القضاة، وكانوا يجلسون بالإسطبل السلطانى بالقلعة في أيام السبت والثلاثاء أول النهار ويوم الجمعة بعد الصلاة، وسار قايتباى على هذا الترتيب ، وكان يذهب إليه في موكب يعرف بموكب الإسطبل.
وكان السلطان يجلس وحوله رجال الدولة والحرس وعن يمينه القضاة وعلى يساره كاتب السر ، وذلك للنظر في المظالم، ويفصل فيها بمشورة الأمراء والقضاة بعد أن يقرأ كاتب السر القضية.
4 ـ وللأمراء المماليك سلطة قضائية في ولايتهم واقطاعاتهم، ولأتابك العسكر- أو القائد العام للجيش- سلطة قضائية بحكم منصبه. ورسوم القضايا يحصّلها القضاء من الخصوم، أى الشاكي والمشكو في حقه، وللقاضى ومن يتبعه من الموظفين نصيب من هذه الرسوم، كما أن للسلطان نصيباً منها . ويحدد السلطان المبالغ المطلوبة من القضاة.
5 ـ وفي القضايا الشرعية هناك وكلاء دار القاضى الذين يقومون بمهمة المحامى في عصرنا. ثم للقاضى كاتب وأمين ونقيب وحاجب، ويتبعهم طائفة الشهود أو العدول. والكاتب: يفحص الحجج والوثائف والوصايا ويفسر مدلولاتها.والأمين: يستحفظ على أموال اليتامي والغائبين من المستحقين.والحاجب: يستأذن لذوى الحاجات ويرفع الأمر للقاضى. والشهود أو العدول: هم الذين يشهدون في أمور التعامل بين الناس ولدى القاضى . وشهادتهم تكون رسمية معتمدة، ويمثلهم اليوم "ختم السر" أو الختم الرسمى للدولة.
الوزارة:
1 ـ والوزارة أهم وظيفة ديوانية، ولكن المماليك جعلوا نائب السلطان أهم من الوزير، ثم بتكاثر الطائفة المملوكية وتشعب سلطانها كان بعض المماليك يتولون الوزارة.
2 ـ وكانت سلطة الوزير واسعة ثم تقلص نفوذ الوزير في الدولة المملوكية البرجية حين أنشأ برقوق أول سلطان في الدولة المملوكية البرجية الديوان المفرد ليدير شئون اقطاعاته السلطانية، وكان من قبل يتبع شئون الوزير. وفي عصر المقريزي أصبح الوزير مجرد كاتب يتردد ليلاً ونهاراً إلى باب الاستادار ويسمع توجيهاته، والسلطات القديمة التى كانت للوزير أصبحت موزعة بين أربعة: كاتب السر والاستادار وناظر الخاص والوزير. فأخذ كاتب السر من الوزارة التوقيع على القصص ( أى الشكاوى ) والبت فيها ، والقضايا بالعزل والتولية . وأخذ الاستادار من الوزارة التصرف في نواحى مصر والتحدث في الدواوين السلطانية وفي كشف الأقاليم أو التفتيش على الكشّاف أو ما يعرف اليوم بالمحافظين فى الأقاليم المصريةأو ولاة النواحى، وفي كثير من أمور أرباب الوظائف. وأخذ الناظر الخاص جانباً كبيراً من الأموال الديوانية السلطانية ليصرفها في متعلقات الخزانة السلطانية . وبقي للوزير المكوس ( أى الجمارك ) ، والضرائب وبعض الدواوين ومصارف المطبخ السلطانى.
بقية الوظائف الديوانية
1 ـ (ناظر الخاص ) : يختصّ أو بتعبير العصر المملوكى : ( يتحدث بما هو خاص) بمال السلطان وإليه التحدث في الخزانة السلطانية. ومعه (كاتب الخزانة السلطانية بالقلعة ) حيث كانت مستودع أموال المملكة، وكان منصب نظر الخزانة منصباً جليلاً إلى أن استحدث ناظر الخاص فضعف منصب ناظر الخزانة وصارت تسمى الخزانة الكبري ، وهو اسم أكبر من مسماه، وصار نظر الخزانة مضافاً إلى نظر الخاص.
2 ـ ( ناظر الدولة ) كانت رتبته تلى رتبة الوزارة، فإذا غاب الوزير أو تعطلت الوزارة قام ناظر الدولة بتدبير الأمور . ويعهد إلى ( شاد الدواوين ) بتحصيل الأموال وصرفها في النفقات وفي التكليفات.
ويعاون ناظر الدولة موظفون يرأسهم ( مستوفي الصحبة ) الذى يكتب المراسيم التى يوقعها السلطان . وتحت إدارة مستوفي الصحبة موظفون كل منهم مقيد بعمل واسمه ( مستوفي ). ويتفرع من ديوان نظر الدولة دواوين المال ، وكل منها يرفع الحساب إلى ديوان نظر الدولة .
3 ـ ( الوالى ) كان في البداية يطلق على نائب السلطان، ثم صار في عصر قايتباى يطلق على من إليه نظر الكشف عن الجرائم والقبض على المجرمين، أى صار مثل مدير الأمن العام في القاهرة.
4 ـ كاتب السر: وتصل إلى منصب كاتب السر، أهم الوظائف الديوانية في عصر قايتباى، والذى تولاه ابن مزهر الأنصاري صديق مؤرخنا ابن الصيرفي. وكاتب السر يجلس في ديوان الإنشاء ، يقرأ الكتب والرسائل الواردة الى السلطان ويكتب الأجوبة عليها ثم يرسلها بعد أن يضع عليها ختم السلطنة. وهو يجلس بين يدى السلطان في دار العدل حين يقضى في المظالم، يقرأ له الشكاوى ويكتب الحكم السلطانى عليها. ثم صار إليه التحدث في مجلس السلطان عند المشورة وعند اجتماع الحكام، وله التوسط بين الأمراء والسلطان عند الاختلاف ، وإليه ترفع أمور القضاة ومشايخ العلم وكل ذلك برأى السلطان وإشارته. وكان من قبل دون مرتبة الوزير فأصبح يجلس أعلى من الوزير، ويحتاج إليه أرباب الوظائف كلهم، بل وأحياناً بعض أرباب السيوف من المماليك. ولذلك كانت ألقاب ابن مزهر الأنصاري ملفته للنظر في تاريخ الهصر، وتقريباً فإن ألقابه تلى ألقاب الداودار الكبير يشبك بن مهدي الشخصية الثانية في عصر قايتباى، يقول عنه "المقر الأشرف الكريم العالى الزينى رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصاري كاتب السر الشريف حفظه الله".
أرباب الوظائف والتقلبات السياسية:
1 ـ ومن الطبيعى أن يشهد أرباب المناصب التقلبات السياسية ما بين صعود وعز إلى حبس وعزل، ومن الطبيعي أن يشاركوا في التآمر، وأن يعرفوا العزّ والذلّ ، طبقا للشريعة السنية فى العصر المملوكى.
2 ـ والأمير يحيي بن عبد الرازق بن أبى الفرج (مقتول عام 874) أبرز بل أشهر أرباب الوظائف في القرن التاسع الهجري وقد مات تحت التعذيب والمصادرة في عصر قايتباى. وقد كان صاحب الحلّ والعقد في سلطنة الظاهر جقمق، حيث وصل إلى أوج سلطانه، وكان الأمير قايتباى يخضع له ، ثم صار إلى نكبات عديدة، وكلما نكبوه صادروا أوقافه وعقاراته، ثم إذا أعادوه أعادوها إليه. وكان في بدايته كاتباً ثم تقرب في خدمة الزينى عبد الباسط فلما تولى عبد الرحمن بن الكويز الاستادارية عينه ناظر الديوان المفرد، ثم تولى هو بنفسه الاستادارية للظاهر جقمق فعلا نفوذه وً سلطانه، وأنشأ كثيراً من المدارس والجوامع والبيوت ، بل وإقتدى بالأمراء المماليك فاشترى المماليك حتى بلغ عددهم 250 مملوكاً، وفرق الصدقات على المحتاجين، وهو الذى أنشأ أسرات من أرباب الوظائف مثل أولاد البقرى وأولاد غريب وابن جلود وغيرهم، ومع ذلك كالفئوه بالتى هى أسوأ ، إذ أسهموا في إذلاله في نهاية عمره. حيث هبط إلى الحضيض بعد سلطنه الظاهر جقمق فصودر وأهين، وأخيرا مات تحت التعذيب على يد قايتباى.
مرتبات أرباب الوظائف:
1 ـ كانت مرتباتهم شهرية تشمل المال والطعام، وكان لكبار الموظفين رواتب جارية من اللحم والتوابل وغيرها والخبز والعليق لدوابهم، والسكر والشمع والزيت والكسوة في كل سنة والأضحية في المراسم، والسكر والحلوى في شهر رمضان.
2 ـ وفي عصر المقريزي كان الوزير أكثرهم نصيباً من المرتبات والجراية العينية، وكان مرتبه في الشهر مائتين وخمسين ديناراً بالإضافة إلى مستحقاته من (الدعم) العينى، وكان مرتب القضاة والعلماء أكثر من خمسين ديناراً في كل شهر مضافاً لما بيدهم من مرتبات من المدارس والأوقاف القائمة عليها.
3 ـ ونأخذ مثالاً لإيراد أحد الأشياخ في عصر قايتباى، وهو الشيخ سراج الدين العبادي ت 877 فقد بدأ الشيخ سراج الدين فقيهاً يعلم أبناء السلطان الأشرف برسباى فعظم شأنه وترقي وأثرى وحسنت حاله، ورتب له الجامكية (المرتب) واللحم والعليق، أى الطعام له ولدابته، ثم تنقل في الوظائف وحاز الكثير منها من إمامة المدرسة الباسطية إلى مشيخة خانقاه سعيد السعداء إلى تدريس الفقه بالخانقاه الظاهرية برقوق، إلى نظر الأوقاف. وكان له في كل سنة ( خلعة ) : كامليتان بسمور إحداهما عند ختم البخارى في رمضان والأخري يوم العيد لوظيفة الأحباس. والخلعة هى زى التشريف التى يمنحها السلطان تكريما لأحدهم.
و( السمور ) هو الفراء الفاخر المستورد ، والكاملية هى الزى المملوكى الذى يشبه القفطان فوق الثياب .
4 ـ لذا كان بعضهم ينافس المماليك في الترف والأبهة والاستكثار من الجوارى والغلمان وشراء المماليك.
وفي يوم الخميس 25 شوال 875 سافر القاضى عبد البر إبن قاضى القاضاه محب الدين بن الشحنة إلى حلب لرعاية بعض مصالح والده هناك، وسافر في صحبته كثير من مماليكه وغلمانه وخدمه على أحسن هيئة ونظام، يقول ابن الصيرفي "كهيئة سفر قاضى قضاة الشام أو مباشر عظيم بمصر".
5 ـ ولنأخذ مثالاً أخرى على بعض الفقهاء الذين تشبهوا بالمماليك، وهو قاضى القضاة حسام الدين ابن حريز المالكى ت873. كان صاحب صلة بمؤرخنا ابن الصيرفي وصاحب فضل عليه، يقول عنه :( وأجرى على فضلاً جزيلاً من الضحايا ( أى الأضحيات ) في كل سنة ومن الإنعام أيضاً في شهر رمضان ومن القمح والعسل وغير ذلك رحمه الله".) . ونفهم مما قاله عنه أنه بدأ حياته الوظيفية نائبا للقضاء فى منفلوط ، أى قاضيا فيها تابعا لقاضى القضاء المالكى . ثم إستغل نفوذه هناك فى الزراعة وإستئجار الأراضى التابعة للدولة في ديوان الدولة و الديوان المفرد ، وصار له بالسرقة والاختلاس الشىء الكثير في كل سنة من متحصل الغلال والعسل والقصب ، وإستغل هذا الدخل فى تحقيق طموحه فى القاهرة ، يقول إبن الصيرفى : ( فكان يخدم السلطان والأمراء والوزراء بالأموال والخيول العظيمة) أى يرشوهم ، فتولى قضاء القضاة المالكية، ولكن وصوله للقاهرة قاضيا للقضاء المالكى لم يمنعه من إستبقاء نفوذه فى الصعيد ، بل إستغل منصبه الرفيع فى القضاء لكى يستمر فى نهب الصعيد بإعتباره أعرف به ، فكان يلتزم للسلطان بتحصيل الضرائب في الوجه القبلي، أى يقوم عن السلطان بجباية الضرائب ، ولا حساب عليه فيما ينهب من الناس طالما يرضى السلطان ويؤدى المقدار المفروض للخزانة . ثم سيطر على الوزارة في عهد الأشرف اينال. وحين تولى قايتباى السلطنة اشتكى إليه أهل الصعيد أنه وضع يده على عدة بلاد وجزر نيلية واستولى عليها، فوقعت ( وحشة ) أى جفوة بينه وبين الداودار الكبير يشبك من مهدي صاحب السلطة على الصعيد. وكان ذلك القاضى (ابن حريز) يتشبه بالمماليك في لباسه، وكان يركب أفخم الجياد ويجعل عليها الكنبوش، أو القماش الفاخر كالمماليك، ( واشترى الجوارى الحسان البيض والجوارى الأحباش الملاح )، على حد رأى ابن الصيرفي ، وكانوا عند بكثرة، وكان يبتاع العبد الواحد منهم بمائة دينار ويكسوه بمثلها ، وعندما يكثرون عنده يعتقهم وينشرهم في البلاد ليصيروا له عدة وأنصارا بولائهم له حسب المعتاد فى العرف المملوكى ، وتشبها بما كان يفعله أمراء المماليك.
أزمة اقتصادية لأرباب الوظائف سنة 873هـ:
1 ـ وشهد عام 873 أزمة اقتصادية لأرباب الوظائف. فقد أنقضى شهر صفر ولم ينفق السلطان الرواتب النقدية والعينية على المستحقين من أولاد الناس (أولاد الأسرات المملوكية التى تخدم في الجيش) والفقهاء وسائر الموظفين، ولم يأخذ مرتبه سوى المماليك السلطانية . وخاطبه أعيان الموظفين فوعد بأن يعطيهم المرتبات في شهر ربيع الأول ، وأخذ يتألم من الغلاء ونقصان النيل وما تكلفه ثورة شاه سوار من تجهيزات حربية ونفقات عسكرية حتى استنفذت أموال الخزانة السلطانية.
2 ـ وفي يوم الخميس 11 ربيع الأول أعطى مرتبات لأولاد الناس لمن ينجح في اختبار اللياقة العسكرية ويخرج مع الجيش الذى يعده لحرب شاه سوار، وأدى ذلك إلى تنازل معظمهم عن مرتبه. وفي 13 ربيع الأول يوم الأحد انتهى السلطان من موضوع أولاد الناس ومرتباتهم.
3 ـ وفي يوم الاثنين 15 ربيع الأول عيّن السلطان قايتباى للوزارة قاسم جغيته لأنه تعهد بتوفير الكثير من مرتبات أولاد الناس والمتعممين والأيتام وغيرهم. وبعدها شمّر قاسم جغيته الوزير عن ساعديه في قطع أرازق الناس ، بل ومطالبتهم بما أخذوه سابقاً بأثر رجعى ، مما أدى إلى هروب الكثيرين خوف القبض عليهم ومطالبتهم بالزيادات التى أخذوها من قبل. وعاش أرباب الوظائف أسوأ الظروف في هذه الأيام وكان منهم مؤرخنا ابن الصيرفي الذى سجل أحوالهم وحالته النفسية يقول حانقا :( على أن الناس في ألم ووصب وجهد وتعب ونصب ، فمنهم من هو مجتهد في تحصيل ما طلب منه حتى تبقي جامكيته،( أى مرتبه) ويريد وزن ( أى دفع) ذلك لأجل النفقة،ـ( أى تجهيز الحملة العسكرية لشاه سوار) ومنهم من هو مهموم لسبب قطع رواتبه من اللحم السلطانى، ومنهم وهو الأهم والأعظم، من هو خائف مما يطلب منه مما تناول في الماضى . وأما أكابر الدولة وأعاينها ومباشروها فكل منهم خائف من المصادرة ووزن المال، ومنهم من احتشم ووزن فحملوه ما يرضى به بل ما يسد به عن المسلمين ) . ثم يقول مؤرخنا حانقاً على الفقراء ممن لا مرتب لهم : ( على أن جماعة ما طرق قلبهم الهمّ والغمّ ، وهم العوام والفقراء ، فإنهم يتنزهون ويتفرجون ، فلا بارك الله فيهم، وما أقبح فعالهم".) . إى إن مؤرخنا ينقم على الفقراء عدم قطع مرتباتهم لأنه لا مرتبات لهم أصلا ..!! ويستكثر عليهم سعادتهم بالفقر.!!
4 ـ ثم ترفق السلطان بالأيتام الذين لهم مرتبات فأعلن النداء يوم السبت 20 ربيع الأول 873 أن من باسمه من الأيتام في الدولة مرتب لحم يكتب قصة، أى شكوى ، ويحضر بها إلى منزل الداودار الكبير فيصرف له مرتبه".
5 ـ وفي يوم الخميس 16 ربيع الثانى 873 عقد السلطان اجتماعاً مع القضاة والعلماء ، وحضره مؤرخنا ابن الصيرفي في قلعة الجبل لبحث موضوع المرتبات، وتحدث السلطان في الاجتماع عن ازدياد اعتمادات المرتبات من 11 ألف دينار شهرياً في عهد المؤيد شيخ إلى 18 ألفاً في عهد الأشرف برسباى ثم إلى 28 ألفاً في عهد الظاهر جقمق ثم صارت في عهده (46ألف دينار وخمسة دنانير) فصار ديوان السلطان لا يفي بالجاميكية أى المرتبات ولا بثلثها.ويقول ابن الصيرفي أن السلطان ( صار يدعو على نفسه ويتبرّم من السلطنة ويصرّح بأن يخلع نفسه منها ، وقال :عجزت عن دفع هذا المال لأربابه كل شهر ).
6 ـ ويذكر ابن الصيرفي موقفاً عظيماً لأحد القضاة في ذلك المجلس جرؤ على مواجهة السلطان بالحق، ولكن ابن الصيرفي لم يتحفنا باسم ذلك القاضى الشجاع، مما يعطى مثلا لتدخل العواطف الشخصية والعلاقات الشخصية فى تسجيل المؤرخ المعاصر لأحداث عصره ، حين يتجاهل من يكره بل وقد يتحامل عليه ظلما وعدوانا ، فى نفس الوقت الذى يرفع فيه ويمدح من لا يستحق لأنه يحبه . يقول إبن الصيرفى عن هذا المجلس السلطانى والفقيه الشجاع الذى تجاهل إسمه : ( فتكلم بعض القضاة بأن الظلم لا يجوز في ملة من الملل ، لأنه قصد بذلك السلطان، لأنه بلغه عنه أنه يريد أن يأخذ فائض أموال الأوقاف وأموال التجار، ثم أن القاضى المذكور أخذ يقول أن السلطان له النظر العام ، ينظر فيمن يستحق يبقيه في الديوان ومن لم يستحق يمحوه من الديوان".) . ثم بعد هذا الموقف الجرئ تشجع الشيخ أمين الدين الأقصرائى وتكلم واحتفل ابن الصيرفي بكلامه فقال : ( وتكلم شيخنا أمين الدين الأقصرائي بكلام ساعد فيه القاضى المذكور وعضّده" ).
7 ـ ثم يقول عن نهاية المجلس: ( وانفضّ المجلس المذكور ، وقام السلطان وجلس على الدكة بالحوش المذكور ، وجلس معه الداودار الكبير وكاتب السر وبقية المباشرين لضبط ما يقع من الجامكية واللحم والعليق والكسوة والأضحية ( أى ما يتوفر بعض الاقتطاعات والتخفيضات ) .. وقطع مرتبات جماعة كثيرة من أولاد الناس وغيرهم. والذى ظهر من الأمر في هذا اليوم أن السلطان أبقي لكل واحد من المماليك السلطانية ألفى درهم في كل شهر وقطع من له الزيادة على ذلك. ) . ( ولما فرغ السلطان من قطع مرتبات غالب أولاد الناس شقّ ذلك على كل من له مرتب وقطع ) . وفي يوم الاثنين 20 ربيع الثاني فرّق السلطان الجامكية بنفس التعديل الجديد. وأكثر من تأثر بانقطاع المرتب كانوا من الفقهاء والشيوخ فى عصر قايتباى.
الفصل السابع : حقارة أرباب الوظائف الديوانية منفذى الشريعة السنية فى عصر قايتباى.
الوزير قاسم جغيته
1 ـ كان للوزير قاسم جغيته دور مشين في ( قطع أرزاق ) أخوانه من أرباب الوظائف.. وهو أشهر من تولى الوزارة في عصر قايتباى وأبرز من يمثل حقارة الوزراء فى حكم العسكر.
2 ـ في يوم الثلاثاء 9 ربيع الأول 873 غضب السلطان على الوزير ابن الأهناسي وقبض عليه وأسلمه للداودار الكبير فطلب منه المال فاعتذر بأنه دفع كل ما لديه من أمول رشوة كى يكون وزيراً، فأجرى عليه العقوبة وعلقه في شباك حديد بأصابع يديه فدفع ألفى دينار، وأطلق السلطان سراحه، يقول ابن الصيرفي "فتوجه إلى داره وفي نفسه أنه يعود للوزر ( أى الوزارة ) ، وفي ذلك بُعد ، فإنه ظهر منه العجز فيها مراراً ، ورُشح قاسم جغيته المعزول من الوزارة بعوده للوزر". أى أن ابن الأهناسي بعد أن لاقي من التعذيب والإهانة ما لاقي كان يطمع في أن يعود للوزارة.هذه هى حقارة أولئك الوزراء. ولكن قاسم جغيته كان أستاذهم .
3 ـ في يوم الاثنين 15 ربيع الأول 873 تولّي الداودار يشبك من مهدي الوزارة ، وهو الرجل الثانى فى الدولة بعد قايتباى . يقول ابن الصيرفي إن الداودار الكبير تولى الوزارة بنفسه عوضاً عن الأهناسي ( بحكم القبض عليه ومصادرته وعزله، ولعجزه وخموله وظلمه وخسفه ورقاعته!!.) ، أى قائمة بليغة من الصفات الحميدة.!!. ولأن يشبك من مهدى تكاثرت مسئولياته و لا وقت لديه للنظر فى أعمال الوزارة التى تقلدها فقد عيّن قاسم جغيته متحدثاً باسمه عن الوزارة ، ويضاف سبب آخر يوضّح شخصية قاسم جغيته ، إذ تعهّد قاسم جغيته للأمير يشبك من مهدى أنّ يوفر من مرتبات أولاد الناس والمتعممين والأيتام وغيرهم في كل يوم كذا وكذا من المال وكذا قنطاراً من اللحم. ( ولا زال يسأل الداودار الكبير في ذلك ويلح عليه ويترامى على رجليه حتى وليها ، وفوّض له الداودار الكبير الكلام فيها) على حدّ قول مؤرخنا إبن الصيرفى.
4 ـ ويقول ابن الصيرفي عن أول أعمال قاسم جغيته: ( وفي الحال شمّر قاسم جغيته ساعده في قطع رواتب العسكر والأجناد ممن له زيادة على عادته وكلهم معه زيادة، وأما المتعممون ( أى الفقهاء والشيوخ ) فشنّع فيهم ( أى تطرّف فى قطع أرزاقهم ومرتباتهم ) وقطع ما باسمهم، وليتهم سلموا من المطالبة بما تناولوا قديماً، ووقع الترسيم ( أى الاعتقال ) على جماعات منهم وألزموا بأموال جمة ، وهرب خلق كثير من أولاد الناس والخدام وغيرهم.). وكان هذا على هوى الوزير فاسم جغيته لأنه سينال فرصة للإنتقام من خصومة ، وللسرقة ، حيث كان من المعتاد أن يسرق من يقوم بالمصادرة جزءا من المال والمنهوبات يخفيها عن أعين السلطان.
5 ـ وكان قاسم بجانب هوايته في قطع الأرزاق لا يتورع عن مصاحبة الغانيات. ولا شك أنه كان له أعداء يتحينون الفرصة للإيقاع به من هذا الطريق، وحدث في شهر ربيع الآخر 874 أن والى القاهرة، أى المختص بشئون الأمن والجرائم، قد ضبط الوزير قاسم جغيته مع امرأة عاهرة في الجزيرة بالقاهرة.
6 ـ ووصلت غنم من الوجه القبلي لحساب الأمير قنصوه الاينالى فأراد الأمير أخذها بدون أن يدفع الضرائب المقررة فماطله قاسم، وانتهى الأمر بأن ضرب الأمير المملوكى الوزير.
7 ـ وهرب أحد المباشرين أى الموظفين من الحبس حيث كان معتقلاً بسبب مال تأخر عليه للسلطان ، ووجدها قاسم فرصة للإيقاع بالشيخ أبى الحجاج القاضى الشافعي لأنه صهر ذلك الموظف الهارب من السجن، فكان أن ذهب قاسم إلى الداودار الكبير وأخبره أن المباشر هرب واختفي عنده صهره أبى الحجاج، فهجموا على دار القاضى لم يجدوا فيه أحداً، فاعتلقوا القاضى أبا الحجاج وضربوه في بيت الداودار الكبير.
8 ـ وتألب أعداء قاسم جغيته عليه، وما زالوا بالداودار الكبير حتى أغضبوه على قاسم واتهموه بالفساد هو وجماعته من المباشرين . ورآها الداودار الكبير والسلطان فرصة لابتزاز قاسم فطلب منه ومن مباشريه مائة ألف دينار، وانتهى المبلغ بعشرة آلاف دينار يدفعها قاسم عن نفسه ، وامتنع قاسم قائلاً أنه لا يستطيع أن يدفع أكثر من خمسة آلاف دينار فأمر الداودار باعتقاله.
9 ـ وبدأت قصة الإيقاع بقاسم بخصومة بدأت بينه وبينه صهر الأمير خشقدم الظاهرى، وأدت هذه الخصومة إلى قيام الأمير خشقدم الظاهرى بفضح قاسم أمام الداودار الكبير الذى جعله متحدثاً عنه في الوزارة.. فقد ذكر خشقدم الظاهرى للداودار الكبير أن قاسماً يختلس لنفسه ثلاثة أنصاف من كل أردب يصرفه من الديوان، وأن بركات بن أبى الطواحين مستوفي الدولة يتآمر معه في تزييف حساب الدولة.وهكذا طلب الداودار قاسماً وضربه وضرب شريكه ابن أبى الطواحين وطلب منه عشرة آلاف دينار ، ورفض قاسم، وعلم السلطان بالأمر فأصدر قراراً بتاريخ 26 ربيع الأول 875 بطلب قاسم وأعوانه إلى القلعة، فجئ بهم في الحديد ، وغرّمه السلطان 18 ألف دينار،( فقال ما معي إلا روحي). وتوسط ابن مزهر الأنصاري كاتب السر فأطلقه من الحديد . واتفق على أن يقوم بمحاسبته ومحاسبة غريمه إبن غريب الاستادار، وأثبت كاتب السر أن على قاسم خمسين ألف دينار للدولة . وعيَّن السلطان موسي بن غريب متكلماً في الوزارة عوضاً عن قاسم، مع قيام ابن غريب بوظيفة الاستادار. واستلم الداودار الكبير وزيره السابق قاسم فأجرى عليه العقوبة كى يستخلص منه الأموال ، فدفع قاسم تحت التعذيب خمسة آلاف دينار ، ثم أكمل العشرة يوم 10 ربيع الثاني ، وظل تحت التعذيب يتحمل الضرب دون أن يدفع المقرر عليه على أمل أن يتدخل كاتب السر لإنقاذه، وهذا ما حدث فقد توسط كاتب السر لدى الداودار الكبير ، وضمنه على أن يدفع الباقي، وصحبه كاتب السر ليكون رهينه لديه في بيته حتى يدفع ما عليه. إلا أن قاسم جغيته رد الإحسان بالسيئة ، فهرب من بيت كاتب السر، فاضطر كاتب السر لأنه يدفع عنه ما ضمنه من أجله، وما زال كاتب السر حتى وصل إلى مكان قاسم وظفر به وأودعه سجن الديلم.
10 ــ وفي يوم الثلاثاء 18 جمادى الأول 875 خلع السلطان قايتباى على قاسم جغيته في الوزارة بعد أن دفع قاسم للسلطان عشرين ألف دينار نقداً، وكان ابن مزهر هو الذى توسط في ذلك . وكان ابن غريب الاستادار القائم في الوزارة مكان قاسم، يحاول القضاء النهائى على قاسم، ولكن بعد جهد جهيد من كاتب السر أعيد قاسم للوزارة بعد أن دفع ما دفع واشترط عليه السلطان أن يقوم في مباشرته للوزارة بتقديم أربعة آلاف دينار للخزانة السلطانية.
11 ـ وفي يوم الأربعاء أول شعبان 875 غضب الداودار الكبير على الوزير قاسم بعد أن أعيد للوزارة واعتقله. وكالعادة توسط كاتب السر له وتوجه إلى بيت الداودار الكبير فلم يجده في البيت فانتظره إلى نصف الليل، ثم اجتمع به ، ولم يوافق الداودار الكبير على إطلاق قاسم.
12 ـ وفي محنة قاسم هذه تطلع صبيانه لتولى الوزارة مكانه ، وكانوا ابنى منقورة وابن البحلاق ، وكان قاسم استاذهم ويضربهم ويصادر أموالهم، وفى محنته سعى كل منهم لدى الداودار الكبير للوثوب على الوزارة . ثم أطلق الداودار الكبير سراح قاسم الوزير يوم السبت 4 شعبان، بعد أن دفع للداودار مبلغاً كبيراً من المال، واستمر قاسم معزولاً عن الوزارة ليقوم بدفع المتأخر عنه . وضمنه كالعادة ابن مزهر . ولكن هرب قاسم للمرة الثانية ليلة الاثنين 13 شعبان ولم يعرف له مكان، ويعلق ابن الصيرفي على هروب قاسم من بيت صديقه إبن مزهر كاتب السّر فيقول عن قاسم :( وإنما هو موصوف بقلة الدين وعدم الأصالة والحشمة. فإن إنساناً ( يقصد كاتب السّر ) حفظه الله خّلصه من الفتك وضمنه فما يجازيه أن يهرب ، ولا يقوم بشيء مما ضمنه فيه، فكثرت أدعية الفقراء والصلحاء للمقر الأشرف الزينى ابن مزهر حفظه الله قاسم ليخلص من ضمانه. )
13 ـ وفي ليلة 29 شوال 875 حضر قاسم جغيته الوزير الهارب إلى بيت كاتب السر الذى هرب منه، وفي صحبته الشيخ الصوفى إبراهيم المتبولى، أى تشفّع بالولى الصوفى المشهور وقتها ابراهيم المتبولى ، وتصوّف وتمسكن ، يقول ابن الصيرفى عنه : (وهو لابس جبة على هيئة الفقراء الصوفية وعلى رأسه مئزر، وسأل كاتب السر في الصبر عليه فيما دفعه عنه من أموال الضمان ، فقبل كاتب السر رجاءه.).
14 ـ ووقف قاسم جغيته للسلطان واتهم غريمه موسي بن غريب أنه اختلس عشرين ألف دينار، فلم يلتفت إليه السلطان لأن الداودار الكبير يدافع عن ابن غريب. ورد ابن غريب التحية بأحسن منها فاتهم جغيته أنه لا يزال في جهته مال للدولة فأمر السلطان باعتقال قاسم، وتظاهر قاسم بالفقر الشديد وصار يتسول من أعيان الدولة، ولم يصدّقه السلطان فأمر بإيداعه سجن الديلم، وكان ذلك في 29 جمادى الثانية 876، ثم تدخل كاتب السر فأطلقه من السجن يوم الاثنين 7 ربيع الأخر 876. ولم تنته متاعب قاسم جغيته فقد ادعى عليه بعضهم عند السلطان بأنه يختلس أموال المكس أى الجمارك ، فطلبه السلطان ، وشتمه ، وسأل الداودار الثاني أن يحقق معه في ذلك.
15 ـ وانتهى بذلك قاسم جغيته إلى لا شيء. لم يرحمه السلطان الذى استغله في امتصاص دماء الناس، وكان السلطان يتحين الفرصة لكى يوقع به العذاب، والسلطان يعلم أنه ظالم مختلس، ولكنه أى السلطان محتاج إلى هذا الصنف ليسرق له أموال الشعب ، وحين تمتد يد الوزير السارق بالسرقة لمصلحته الشخصية كانت عصا السلطان تسرع إليه فتصادر كل ما سرق وما لم يسرق. وتلك بالضبط فلسفة الشريعة السّنية للحاكم المملوكى وطريقة تعامله مع أرباب الوظائف لديه. طاحونه من الظلم، الترس الكبير فيها هو السلطان وتعاونه مجموعة من التروس تعمل لدى السلطان أما المطحون فهو الشعب المصري المسكين.
موسى بن غريب الاستادار:
1 ـ وكان أرباب الوظائف الكبري يتنافسون في خدمة العسكر المملوكى ، وفي الإيقاع ببعضهم البعض . ورأينا طرفاً من ذلك في التنافس بين قاسم جغيته الوزير موسي بن غريب الاستادار.
2 ـ وقد كان موسي بن غريب غريماً من قبل للأمير زين الدين الاستادار، وحين تولى الداودار الكبير كامل سلطاته اعتقل زين الدين الاستادار وموسى بن غريب وابن البقري.
3 ـ وفي يوم السبت 6 شعبان873 حملوا موسى بن غريب من بيته على قفص إلى القلعة وحبسوه في البرج ، ودخل شهر رمضان وقد كان زين الدين الاستادار في برج ، وغريمه موسى بن غريب في برج أخر. ثم أفرج السلطان عن موسى بن غريب يوم الأربعاء 9 محرم 874 وتوجه به القاضى شرف الدين التتائى إلى بيت الداودار الكبير ( فارتمي ابن غريب على قدمي الداودار يرجوه أن يكون نائبه في الديوان المفرد ويحصل له المال، فنال ذلك.) كما يقول ابن الصيرفى .
4 ـــ وفي أول المحرم 875 أشيع أن السلطان سيولى موسى بن غريب استاداراً وقاسم جغيته وزيراً ويحاسبهما على ما يتوفر في الديوان المفرد وديوان الدولة. وبدأت بذلك المنافسة والصراع بين قاسم وموسى بن غريب.
وكسب موسى بن غريب الجولة عن طريق توثيق صلته بالداودار الكبير أكبر شخصية في الدولة بعد قايتباى، وانتهى أمر قاسم جغيته بعد العزل والمصادرة والهرب والحبس إلى أن لبس الصوف وإزعم التنسك، في الوقت الذى توجه فيه غريمه موسى بن غريب إلى الصعيد لعمل مسح للبلاد والقرى وذلك يوم الجمعة 5 ذو القعدة 875 وصحبته الأمير جانم داودار الداودار الكبير صاحب السلطان على الصعيد، وصار موسى إبن غريب هو المتكلم في الوزارة والاستادارية بالنيابة عن الداودار الكبير ، وإلى موسى بن غريب المرجع في شئون الدولة وهو يقبض الغلال باسم الديون.وفي يوم الخميس 8 محرم 876 رجع من الصعيد وأقيم له حفل لتكريمه "وكان له زفة هائلة وأوقدوا له الشموع حتى وصل داره".
5 ــ أى وصل موسي بن غريب إلى نهاية سعده... وبهذا بدأ في إظهار ظلمه... ذلك أنه كى يستمر في منصبه فلابد من تقديم الأموال إلى سادته، ولن يكون ذلك إلا بالظلم، ومعناه أن أعداءه سيجدون الفرصة لتقديم الشكاوى فيه أو يشجعون المظلومين على أن يشكوه للسلطان، وفي النهاية بعد أن يستفيد السلطان منه إلى أخر رمق سيرضى المظلومين بعقاب ذلك الظالم، ويكسب السلطان في البداية وفي النهاية وسيتمتع بدعاء الناس له باعتباره كهف العدالة ويعين شخصاً آخر يجرب معه نفس اللعبة.وهذه هى جاذبية الشريعة السّنية للمستبد . وهكذا كانت اللعبة.. ولا تزال...
6 ـ في صفر 876 كثرت الشكاوى في ابن غريب المتكلم في الوزارة والاستادارية من ظلمه وجوره وهدده السلطان وأوعده.. على حد قول ابن الصيرفي. وفي ليلة السبت 25 جمادى الأول 876 وصل قائد الجيش المملوكي الأتابك أزبك من جهة البحيرة غرب الدلتا وكان الأعراب قد دمروها ، وكانت مهمة الأتابك أزبك تعمير وتخضير هذه المنطقة لحمايتها من غارات الأعراب . وبعد عودته أخبر السلطان أن تعمير البحيرة وتخضيرها لم يكتمل بسبب ما صنع ابن غريب في أهلها الفلاحين من الظلم.
7 ـ وفي 8 أو 9 جمادى الثانية 876 وقف للسلطان تجار سوق الأخفاف (أى الأحذية) وقدموا له شكوى في إبن غريب وهى أنه أحدث عليهم مظلمة فقد كان عليهم ضرائب في كل شهر أربعمائة درهم فجعلها عليهم ثلاثة آلاف وحصّلها منهم، فأمر السلطان ابن غريب أن يرجعهم للضريبة الأول (400 درهم) فما وافق ابن غريب وجعلها (1500 درهم) فرجعوا للسلطان فأبطل ضريبة الأحذية بالكامل.
8 ـ وفي يوم الخميس 6 رجب 876 كتب ابن الصيرفي : ( تغيّظ السلطان على الاستادار والوزير الذى هو ابن غريب وما أفاد ذلك شيئاً.). ولكن ستأتى الإفادة فيما بعد.
9 ـ فى يوم السبت 8 رجب 876 شكوا ابن غريب للسلطان أنه زاد على التجار الضرائب ، فأمر السلطان بإحضاره، فاعتذر ابن غريب بالمرض فأمر السلطان بإحضاره في قفص.وفى يوم الثلاثاء 11 رجب 876 كانت الخدمة في الاسطبل حيث يجلس السلطان للحكم بين الناس وشكوا ابن غريب ، ( فوبّخه السلطان وبهدله وأساء عليه.) هكذا قال ابن الصيرفى .وفى يوم الثلاثاء 18 رجب 876 في الموعد التالى لنفس اليوم قدم السلطان لموعد الخدمة في الاسطبل وكثرت الشكاوى في الأكابر والأصاغر، وقدمت شكاوى في حق ابن غريب بسبب ديوان الدولة والديوان المفرد.
10 ـ وفى يوم السبت 29 رجب 876 كانت الخدمة في الاسطبل. وكان يوماً رهيباً على أرباب الوظائف الإدارية. وكان حظ ابن المقسي أكثر سوءا ، يقول مؤرخنا إنّه إشتكاه ثلاثة لسوء إدارته لنظارة الخاص. ونصحه السلطان فلم ينتصح ، فثار عليه السلطان وسبّه ولعنه وأمر بضربه بين يديه ، فبطحوه بين يدي السلطان وضربوه على مقاعده ( أى مؤخرته !!) ، وكان يوماَ شديد البرودة وأمر السلطان بنزع ثيابه وضربه على اللباس ، وصار يستغيث فلا يغاث ، حتى انقطع حسّه بعد ذلك ، فقام الحاضرون من الأمراء وتشفعوا فيه للسلطان ، فازداد غضب السلطان ، وأمر باستمرار ضربه بدون ملابس، فصار عرياناً مكشوف الرأس ، وضربه الوالى وأعوانه نحو خمسين مقرعة، فشفع فيه الأتابك وبقية الأمراء.. يقول ابن الصيرفي في التعليق على هذا المجلس : ( من حضر هذا المجلس من الأكابر عُدّ كالهالك ، خصوصاً مباشرى الدولة، وأعظمهم رعباً وخوفاً شرف الدين موسي بن كاتب غريب المتكلم في الوزارة والاستادارية.). والذى لم يفهمه ابن الصيرفي أن السلطان في حاجة لأولئك الأعوان الظلمة الذين يتحملون عنه اللعنات ويتحملون أيضاً عقوبته بحجة دفاعه على المظلومين. وإلا فأولئك ينفذون أوامر السلطان، والسلطان يفرض عليهم معلوماً لابد من تأديته، ولن يستطيعوا تأديته من جيوبهم، فلابد أن يحصلوا على من ظلم الناس.
السلطان يتنزه مع أرباب الوظائف الظلمة:
وبينما يئن الناس من الظلم كان السلطان يتنزه ومعه أتباعه الظلمة.
1 ـ في يوم السبت 15 ذى الحجة 876 ركب السلطان للعب الكرة هو والأمير الكبير الداودار وأعيان المقدمين الألوف والأمير تنبك الداودار الثاني وركب معه المحتسب يشبك الجمالى، الذى شهدنا ظلمه وغباءه، وكان قد تشفع فيه الداودار الثاني وأصلح ما بينه وبين السلطان فأذن له السلطان أن يصحبه وأن يلعب معه.
2 ـ وفي يوم الثلاثاء 18 ذى الحجة 876 كان السلطان يركب للعب الكرة كعادته، وكان معه ابن غريب فضرب الداودار الكبير يشبك الكرة ضرباً شديداً فطارت الكرة وانقسمت وخرجت منها قطعة في وجه ابن غريب فجرحت وجهه وأسالت دماءه، يقول ابن الصيرفي "فبلغنى أن السلطان نصره الله ومن حضر سرّهم ذلك، وأقول يا ليتها كانت القاضية"...وقال بعضهم له أن السلطان قد سره أن تجرح الكرة وجه ابن غريب). وما ابن غريب إلا مجرد ناب من أنياب السلطان.
ابن البقري:
1 ـ ونمرّ سريعاً على مثل أخر من أرباب الوظائف وما كانوا يعانون في خدمة السلطة المملوكية. أنه الصاحب مجد الدين بن البقري ، وكان أخوه قاضياً مشهوراً وهو شرف الدين عبد الباسط ، وكان في بيته بالقاهرة عدة مماليك لخدمته ومات منهم عدّة بطاعون 873.
2 ـ وفي يوم الخميس 4شعبان 873 اعتقل الدوادار الكبير صاحبنا ابن البقري. وفي يوم السبت 20 شعبان من نفس العام قرر الداودار الكبير أن يعين ابن البقري نائباً عنه في وظيفة الاستادارية، وذلك بعدعزل الاستادار السابق زين الدين وتولى الدوادار الكبير الوظيفة. أى انتقل ابن البقري من المعتقل إلى الوظيفة الكبيرة، على نحو ما كان شائعاً في الساقية المملوكية التى تدور باستمرار ويرتفع عليها الشخص حيناً ثم تهبط به أحياناً. وهبطت الساقية بابن البقري يوم الخميس 14 ربيع الأول حين طلب الداودار الكبير منه المال المتأخر من الديوان فأمر السلطان باعتقاله.
3 ـ وفي صفر 877 كانت محنة ابن البقري الكبرى إذ إعتقله الداودار الكبير وأمر أعوانه بالذهاب مع ابن البقري إلى داره لمصادره ما فيه وإذا لم يحضر ابن البقري ما عليه فلابد من توسيطه بداره ، أى قطعه نصفين ، فوجدوا في داره ثمانمائة دينار وقماشاً وكتباً، وأمر الداودار الكبير بضربه بين يديه، فضربوه أربع علقات، وأمر الداودار بإشهاره في المدينة، ولكن توسط كاتب السر ابن مزهر الأنصاري ، وما زال بالداودار حتى منع تشهيره، ولكن ذهبوا به وهو في الحديد إلى دار الأمير قنصوه ، وصار يباشر وظيفته وهو في الحديد ، وظل هكذا إلى أن أطلقه الداودار الكبير ليلة الأحد 19 صفر ، وسلمه لأخيه القاضى شرف الدين عبد الباسط، وتوجه إلى داره ليقوم بما عليه من المال. وبعد هذه الإهانة سعى مرة ثانية ليعود إلى وظيفته بعد أن عزل منها.
4 ـ بعدها ، وفي يوم الاثنين 12 ربيع الأول 877 خلع الداودار الكبير على أن البقري خلعه التشريفة وتولي وظيفة جديدة، ( والتزم بسداد الديون المفرد وعمارة البلاد بسعى منه)، ويقول مؤرخنا ابن الصيرفي معلّقا : (وما السعى في العكس إلا خسارة ) و( العكس ) فى مصطلح هذا العصر يعنى سوء الحظ.
5 ـ وفي شهر ذى الحجة 885 كانت محاسبة ابن البقرى على ما قبضه من البلاد وما قبضه من الخزانة يقول ابن الصيرفي " وحاسبوه حساباَ فتظلم منه، وأثبتوا في جهته أشياء ، فذكر أنها في البلاد وعينّها لهم ، فلم يوافقوه، وطلبوا منه مال السنة الجديدة ، فذكر أنه صرفه ولم ينته له أمر) ويعلّق ابن الصيرفى:( وهكذا كان يفعل بمن كان قبله فُفعل به ).وقد صدق مؤرخنا وهكذا كان يفعل بمن كان قبله ففعل به. كانوا يظلمون الناس في سبيل إرضاء السلطان، ثم لا يعصمهم ذلك من غضب السلطان ونقمته عليهم على أهون الأسباب.وهكذا كانت الدائرة تدور عليهم.
المباشرون أى كبار الموظفين وسرقاتهم من الشعب:
1 ـ "المباشرون" أى الذين يباشرون التعامل مع الشعب في الريف والمدن بالنيابة عن السلطة المملوكية الغريبة عن الشعب، وهم في مباشرتهم لجباية الضرائب والمكوس وفي مباشرتهم لأراضى الدولة وأراضى السلطان كانوا يسرقون الدولة وكانوا يظلمون الناس، وبينما كانت السلطة تتهاون معهم في أغلب الأحيان فيما يختص ظلمهم للناس فإنها كانت تضرب على أيديهم بقسوة حين تحاسبهم على ما لديهم من أموال، ورأينا نماذج من ذلك.
1 ـ وبينما اهتم مؤرخنا ابن الصيرفي بما يحدث لأولئك المباشرين من تعيين وعزل ومن مصادرة وتعذيب ، فإننا لا نعرف عن أحوال الضحايا من أجدادنا في الريف وفي المدن شيئاً إلا من خلال إشارات متفرقة بين السطور.
2 ـ في ترجمة الشيخ برهان الدين الحلبى (ت875) قال ابن الصيرفي أنه عندما مات ترك من الذهب النقد تسعمائة دينار ذهباً، وقيل أخذ الوزير سبعمائة دينار خالصة غير ما أخذه مباشروه من أرباب المواريث.
ومعناه أن السلطان أمر الوزير بمصادرة جانب كبير من تركة ذلك الرجل (برهان الدين الحلبى)، والسلطان بالطبع لا يعرف حقيقة تركته، أو الجانب الذى ينبغي مصادرته، وكل ذلك يخضع لتقدير الوزير، والوزير يجدها فرصة ليسرق ما يشاء لنفسه، ويجدها أعوانه أو مباشروه فرصة ليسرقوا هم أيضاً أنفسهم.
3 ــ وقد مرّ بنا أن الشيخ عبد الرحيم إبن البارزي عاد من سفره إلى القاهرة فهدده السلطان وقال "عند من يهرب منى؟ هذا هو وقع في القفص" وأدى ذلك التهديد إلى أن مات عبد الرحيم بن البارزى من خوفه من السلطان وذلك يوم الاثنين 9 ربيع الثاني 874. وذلك الرجل الذى مات خوفاَ من قايتباى لم يكن مظلوما بل كان من الظلمة الفجرة؛ كان يخاف السلطان ولا يخاف الله، ومع أن ابن الصيرفي كان من معارفه إلا أنه ذكر ما له وما عليه يقول فيه: ( وكان رحمة الله بشوشاً متواضعاً أصيلاً عريقاً زاهراً في مأكله وملبسه ومركبه )، ثم يقول عنه:( وكان عرياً عن العلم سيء المعاملة لا سيما ما يستحلّه من السوقة برسم المأكل ). فهذا الرجل البشوش المتواضع الأصيل العريق النظيف في تعامله مع أصدقائه من العلماء وأرباب الوظائف كان على نقيض ذلك في تعامله مع الناس الآخرين، إذ كان معهم سيء المعاملة لا يتورع من أكل أموالهم ظلماً. وما ذلك إلا لأنها الشريعة السّنية التى إعتادوا تطبيقها بحكم كونهم أرباب الوظائف، تعودوا أن يظلموا الناس الغلابة، ومهما كان أحدهم متواضعاً حسن الخلق مع أبناء طبقته إلا أنه يكون بحكم المنصب ظالماً لأنه يخدم دولة قام بنيانها على الظلم ، وقامت شريعتها على أساس ظلم الناس وظلم رب الناس .
وقديماً قالوا: الناس على دين ملوكهم.
4 ـ وفي ذى الحجة 885 اعتقل السلطان قايتباى الأمير المملوكى علاء الدين بن قمتي رأس نوبة الداودار الكبير، وذلك بعد موت الداودار الكبير. وقد كان على ذلك الأمير أموال ضخمة لديوان الدولة المفرد وذلك في إقطاعية شطنوف. وكان ذلك الأمير متمتعاً بحماية سيدة الدوادار الكبير أثناء حياته وظن أنه سيستمر في ذلك بعد موت الداودار الكبير، لذا امتنع عن تقسيط ما عليه من ديون للدولة بحجة ( أن الأرض التى لديه شراقي)أى بور.فلم يقبل منه قايتباى ذلك، وأمر باعتقاله. ويعلق ابن الصيرفي على ذلك قائلاً: (وذلك بعض ما يستحقه، فإنه من الظلمة المردة المتجبرين ). وهنا نتوقف مع العبارة الأخيرة. أين كان ذلك الأمير الظالم المتجبر يمارس ظلمه وجبروته؟. والجواب: عند أجدادنا في شطنوف.والتفاصيل علمها عند الله تعالى وحده.ولهذا فإن أجدادنا لم يقولوا عبثاً ذلك المثل الشعبي: لك يوم يا ظالم.!!. وكم عرف أجدادنا من وجوه الظلم تحت شعار الشريعة السّنية . وكم مرّ بهم من ملايين الظلمة على اتساع العمران المصري في الريف والمدن، وعلى امتداد التاريخ المصري ذى السبعين قرناً من الزمان حيث كان و لا يزال المستبد يحكم مستندا الى الكهنوت الدينى ورجال الدين ، لا فارق بين فرعون موسى وفرعون المماليك ..أو فراعنة العسكر المصرى الحالى ..أو فراعنة محتمل ظهورهم بعد وصول الاخوان المسلمين لحكم مصر..
ويا أيها المصرى المظلوم.إنى أحبك.ومع سبق الإصرار والترصد.
وسائل مصرية لمقاومة الظلم المملوكي:
1 ـ ولابد من أن نتساءل.. ألم تكن هناك وسيلة لمقاومة كل ذلك الظلم.؟.! .
والجواب: كانت هناك بعض الطرق الصوفية، نقصد بعض الوسائل الصوفية للتحايل لتوصيل كلمة حقّ إلى أسماع السلطان. كان التصوف السّنى هو نوعية التدين السائد في ذك الوقت. فالتصوف يعنى من حيث الاعتقاد الإيمان بالأولياء الصوفية وكراماتهم ، ومن حيث الشريعة كان تطبيق الشريعة السنية عن طريق فقهاء وقضاة المذاهب السنية الأربعة ، وهم كانوا عماد السلطة المملوكية والراقصين فى موكب السلطان ـــــ ولا يزالون .!!. ومن خلال التصوف وجد بعضهم طريقة أو أخرى للشكوى من الظلم،، مجرد شكوى. فذلك هو أكبير تعبير يسمح به التصوف في مقاومة الظلم.
2 ـ في يوم السبت 8 جمادى الثاني 873 تطوع أحدهم بتأليف كرامة صوفية ألقاها في روع أحد المماليك السلطانية المتيمين بالتصوف والمعتقدين في كرامات أوليائه . لنقرأ الحادثة كما أوردها ابن الصيرفي : ( ذكر شخص يسمي يوسف السيفي ليشبك الصوفي أحد المماليك السلطانية أنه وجد حصاة مكتوب على شقتها الواحدة "قرب الوقت" وعلى الشق الآخر "اعتبروا واتقوا الله" ، والخط نأتئ كالعروق بغير نقط ، ولون الحصاة أسمر، وهو إلى الصغر أقرب ،والخط أعمق من لونها، ووزنها سبعة دراهم ونصف وربع درهم، وذكر يوسف المذكور أنه رآها تمشى على الأرض بالقرب من دار الضيافة من تحت القلعة، قال الجمال يوسف بن تغري بردي في تاريخه عندما ذكر هذه الحصاه :وأنا أستغفر الله وأقول أنها مصطنعة..).
فالشيخ يوسف السيفي اختار المملوك يشبك الصوفي ليحكي له هذه الأسطورة ويقنعه بأنه كرامة، واختار ذلك المملوك لاعتقاده في التصوف إلى درجة أنه منسوب للتصوف:( يشبك الصوفي )، ثم هو في نفس الوقت أحد جنود السلطان أو أحد المماليك السلطانية. وبراعة الشيخ يوسف السيفي في تأليف هذه الكرامة في أنه يدعي أن تلك الحصاة كانت تحمل تحذيراً من الظلم ودعوة للتوبة لأن القيامة قد أوشكت. ثم ـــ وهذا هو الأهم ـــ كانت تلك الحصاة تسير بهذا التحذير إلى السلطان نفسه، فقد رأها تمشى على الأرض بالقرب من دار الضيافة من تحت القلعة. ونقول : كان الأولى به أن يدعها تكمل مسيرتها للسلطان، وربما كان الأفضل أن يستدعي شهوداً على هذه الكرامة ويجمع الناس خلف تلك الحصاة التى تدب على الأرض، ويظل الجميع خلفها إلى أن تدخل على السلطان بذلك التحذير..فساعتها يكون التحذير أوقع وأشد.!! ويبدو أنّ مؤرخنا ابن الصيرفي ــ وهو رشيق الثقافة متأثر جداً بالتصوف ـــ قد صدّق تلك الأسطورة، لذا نراه يأتي بالوصف التفصيلي للحصاة والمكتوب عليها. وفي نفس الوقت فإن أبا المحاسن (جمال الدين يوسف بن تغري بردي) المؤرخ لم يصدق تلك الحكاية واعتبر أن تلك الحصاة مصنوعة واستغفر الله تعالى من ذلك الإفك. ولكنها في النهاية محاولة للشكوى من الظلم.. ولكن كنا ننتظر أكثر من ذلك.. وحدث.
3 ـ فقد خاطر أحدهم بنفسه وواجه السلطان ببعض المظالم التى تحدث في عهده، ولأنه يعرف اعتقاد السلطان والناس كلهم في المجاذيب فقد ادعي أنه مجذوب حتى تكون له حرية القول كيف يشاء، ولا بأس بعد ذلك الجذب أن يقول للسلطان قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى، ولكن انتهى به الحال إلى ( مستشفي الأمراض العقلية). يقول ابن الصيرفي في حوادث شهر ربيع الأول 877 : ( وفي هذه الأيام وقف شخص متمجنن ( أى يزعم الجنون ) تحت القلعة ومشى على الناس، ( أى صدّقه الناس)، وقيل أنه صعد السلطان وقال له، أنت سلطان عادل غير أنك عندك حب الدنيا وأسألك أن تطلق هؤلاء الذين يستعطون في الجنازير ويأخذ الوالى منهم جميع ما يحصل لهم هو أتباعه، وأربد أن أجتمع بالعلماء وأتكلم معهم ،وما أشبه ذلك من هذه المقولات، فرسم له بمبلغ فلم يقبله، وتكرر وقوفه تحت القلعة وإساءته ، فسمعه الأمير عظيم الدنيا ( أى يشبك من مهدى الداودار الكبير ) فطلبه لبيته وضربه وسجنه صحبة المجانين بالبيمارستان المنصوري ). صاحبنا لم يكن مجنوناً، وإنما ادعى الجنون، أو على حد تعبير مؤرخنا "متمجنن".وقد مشى على الناس أى راج أمره بينهم، فالعصر كان عصر التصوف، وكان لدى الناس استعداد تام للاعتقاد في أى مجذوب، وبهذه الحيلة تمكن صاحبنا من أن يحظى بالدخول على السلطان والكلام معه، وقد بدأ بمدح السلطان ونقده في نفس الوقت "أنت سلطان عادل غير أنك عندك حب الدنيا" ثم سأله في موضوع مشين في حق السلطان وقد عجز السلطان نفسه في إصلاحه رغم سهولته، وهو استخدام المساجين في التسول وفرض حصيلة يومية عليهم يؤدونها للوالى وأتباعه، وسبق لنا أن عرضنا لضحايا هذا الظلم الشنيع، ثم تطرف صاحبنا المجذوب فطلب الاجتماع بالعلماء، ولعله كان يريد تأنيبهم على سكوتهم على ذلك الظلم، وأراد السلطان أن يشترى سكوت ذلك (المجذوب) الشجاع فأمر بإعطائه مالاً ولكنه رفض فطرده، ولم ييأس صاحبنا فظل يقف تحت القلعة ينادى وانتهى أمره بأن ضربه الداودار الكبير وسجنه مع المجانين. وكل عام وأنتم بخير.!!
وابن الصيرفي باعتباره أحد القضاة والعلماء لا يعجبه ما حدث ، فهو يقول عن مثابرة ذلك الرجل الشجاع في إيصال صوت الحق للسلطان "( وتكرر وقوفه تحت القلعة وإساءته...) ، أى اعتبر الجهر بالحق إساءة.
ومع أن الله سبحانه وتعالى لا يحب الجهر بالسوء من القول إلا إذا صدر عن مظلوم ولكن كان مطلوباً من أجدادنا ـــ طبقا لشريعة السّنة ـ أن يتحملوا العذاب وأن يغنوا للجلاد ، وإلا أساءوا الأدب على الأسياد. وهذه هى وجهة نظر مؤرخنا القاضى الذى يقوم بتطبيق الشريعة ..شريعة الظلم التى تمنع المظلوم من الصراخ ، بل تمنعه من الشكوى حتى لا يزعج الظالم . هذا دين أرضى لا يستحق الاحترام .!.
4 ـ وقد نتساءل.. مع كل هذا الظلم.. ألم يفكر المصريون بثورة ترفع لواء الإسلام ، وهو فى الأصل دين العدل والقسط ؟ . وقد يتساءل آخر.. ألم تكن هناك جماعات دينية وتنظيمات سرية لاقامة حكم يرضى عنه الله.؟ والجواب بسيط ومؤلم.!! مستحيل .. فالسلطان كان أشدهم تديناً. وهو الذى يطبق الشريعة السّنية ، وأعوانه من العلماء ورجال الدين، ومنشآت العصر كلها مدارس وخوانق ومساجد وجوامع لتدريس العلوم الدينية الشريفة، والخليفة العباسى يعيش في كنف السلطان، وقضاة الشرع الشريف هم أكثر من يعبر عن تلك المسحة الدينية ، وهم قضاة ( الشرع الشريف ) بزعمهم . أى سحب السلطان البساط من تحت الذين قد يزايدون عليه بالدين..
5 ـ وندخل بذلك على الفقهاء والقضاة أرباب الوظائف الدينية بعد ان عشنا مع أرباب الوظائف الديوانية . وجميعهم أحذية السلطان المملوكى وخدمه ..!!
الفصل الثامن : جهل وحقارة الفقهاء القائمين بتطبيق الشريعة السنية فى عصر قايتباى
المستوى العلمي لعلماء الدين في عصر قايتباى:
1 ـ لو قام علماء الدين والقضاة بواجبهم نحو الإسلام والمسلمين لما كان هناك ظلم بهذا الشكل، ولما اضطر بعضهم إلى تأليف حكاية الحصاة التى تمشى، وما اضطر صاحبنا إلى إدعاء الجنون ومواجهة السلطان بالحقيقة. ولكننا إذا طالبناهم بهذا نكون قد ظلمناهم وكلفناهم مالا يطيقون. إذ يعنى هذا أننا نعتبرهم علماء حقيقيين ومفكرين ارتبطت حياتهم بالعلم وعلى أساس مكانتهم العلمية أختيروا لشغل تلك المناصب، ولأنهم علماء للإسلام يقدرون العلم حق قدره ويعرفون مسئوليتهم كان لابد أن يقولوا كلمة الحق. ولكنّ هذا كله يدخل في نطاق التمني ولا علاقة له بالواقع التاريخي لأكثرية العلماء في العصر المملوكي على وجه العموم، وللعلماء في عصر قايتباى خصوصاً. لابد أن يكونوا علماء أولاً. علماء بحق.. وذلك لم يكن متوفراً. لقد كان النوابغ منهم هو من يتمتع بلقب( الحافظ ) ،أى الذى يحفظ فى ذاكرته ما كتبه السابقون، ويستظهره في الذاكرة دون تجديد أو اجتهاد.هذا ما كان عليه أكثرهم حذقاً وأوسعم شهرة. فمقياس التفوق في ذلك العصر كان مقدار ما يحفظه صاحبنا، ومقدار ما يستحضره من حصيلة حفظه وما يستعرضه للتباهى به بين الناس وفي المجالس.ونأخذ مثلين من أهم علماء ذلك الوقت.
2 ـ يقول ابن الصيرفي في ترجمة الشيخ نجم الدين العجلونى (ت876 ):( كان رحمه الله عالماً بارعاً محققاً ، عين أعيان الشافعية بدمشق بل والقاهرة، نشأ تحت كنف والده ، فحفظ كتاب الله وجوّده بالروايات، وحفظ كتباً كثيرة في الفقه وغيره، وقدم به والده إلى مصر سنة خمسين تخميناً وسمع على عدة مشايخ.. كان آية من آيات الله، وعدة محفوظاته للكتب اثنان وعشرون كتاباً يحف"right"> طرق وصول جهلة العلماء للمناصب في عصر قايتباى :
الصلة بالمماليك:
1 ـ كان حفظ المتون والكتب في الذاكرة هو المقياس العلمى في ذلك العصر، ويستطيع الفلاح المصري إذا قرأ وعرف كيف يحفظ الكتب أن يصل إلى أرفع مكانة في سلك العلماء والقضاة، وقد حدث ذلك كثيراً، ولكن لم يكن النبوغ في الحفظ هو الوسيلة الوحيدة للوصول للمناصب. صحيح أنه أهم طريق للشهرة ولمجالسة السلطان والأمراء كما كان يفعل العجلونى والعبادي، ولكن كانت للآخرين طرق أخرى في الوصول إلى المناصب الكبري بين العلماء والقضاء.. وهذه الطرق الأخرى كانت أبعد ما تكون عن العلم.. ولكنها كانت تستر عورة الفقر في الحفظ وعورة التخلف العلمي والعقلى أيضاً. كانت خدمة المماليك وتوثيق الصلة بهم أهم تلك المؤهلات، ومتى كان أحدهم وثيق الصلة بهذا الأمير أو ذاك انفتحت له كل الأبواب في سلك العلماء، حتى لو لم يكن يعرف (الألف من كوز الدرة) حسبما يقول المثل الشعبي.
2 ـ وكان من المتعارف عليه أن يوجد شقاق ونزاع بين الصوفية والفقهاء، إذا كان الفقهاء على قدر معقول من العلم والابتكار يجعلهم يخرجون عن إطار التقليد والحفظ والبلادة العقلية، أما إذا كان الفقهاء يتنافسون في حفظ المتون واستظهارها، لذا كانت غاية هذا الصنف من الفقهاء الجهلة أن يكون ضمن مريدى التصوف، وهكذا كانت حالة الشيخ سراج الدين العبادي ( شيخ الفقهاء الشافعية على الإطلاق والذى كان أعجوبة زمانه في الحفظ والسرد، والذى كان يحضر مجالس الفقراء، أى الصوفية، ليستعرض موهبته في الحفظ امامهم ، كما يستعرضها في مجالس الوزراء والأمراء، لقد وصفه ابن الصيرفي بأنه( كان معتقداً في الفقراء والصالحين ) أى يعتقد فى ولايتهم وفى كراماتهم والخرافات التى تقال عليهم . وقد كات التصوف السّنى هو الدين الأرضى المتحكم فى العصر ، وكان الأولياء الصوفية هم آلهة العصر أحياءا وأمواتا. ولذلك كافأ الصوفية ذلك الفقيه الشافعى العبّادى فأشاعوا عنه أنه كان يجتمع "بالخضر عليه السلام" ، وحين مات دفنوه بتربة الصوفية.
3 ــ وبرعاية المماليك كانت للتصوف سطوته في ذلك العصر، وعن طريقة وصل كثير من مدعى العلم الذين لم تكن لهم مقدرة الشيخ سراج الدين العبادى في الحفظ. وكان أشهرهم في هذا المجال الشيخ كمال الدين العقيلي 873 الذى وصل بالتصوف إلى نفوذ عظيم . يقول عن نفوذه مؤرخنا ابن الصيرفي: ( حصل له بالديار المصرية عزّ وقبول زائد من أعيان ملوكها ، لاسيما جانم الأشرفي أخ السلطان الأشرف برسباى فإنه كان عنده في أوج العظمة والكمال ويرجع إليه ويصغى لقوله، وصار كلما أمره بشيء لا يخالفه، وخدمه بالجوارى الحسان والأموال الكثيرة ). أى أعطاه ذلك الأمير المملوكى الأموال والجوارى الحسان ،بل كان ذلك الأمير المملوكى يسمع ويطيع لهذا الشيخ . وسبب هذا النفوذ أن الشيخ كما الدين العقيلي كان يدعى الولاية الصوفية وعلم الغيب، وقد استغل ذلك الزعم الكاذب في تحقيق طموحه، فتلاعب بعقل الأمير جانم الأشرفي وبشّره بأنه سيلى السلطنة بعد أخيه السلطان برسباى، وابتهج الأمير بهذه البشرى وأغدق على الشيخ ما استطاع، يقول ابن الصيرفي : ( وكان بشرَّة بأنه يصير الأمير إليه أن يتسلطن، فلما خلص من السجن وولى نيابة حلب ازداد حبه له جداً وخدمة الخدمة التامة )، واستغل الشيخ كمال الدين شهرته هذه في تدعيم نفوذه لدى باقي الأمراء وأعوان السلطان، وكلهم يطمح في الصعود لأعلى وينتظر البشري، يقول عنه ابن الصيرفي : ( وكان قد اجتمع على حبه الخدام الأكابر ببيت السلطان )ـ أى كبار الأمراء المماليك فى القصر السلطانى الطامحين للسلطنة ، وكان العصر وقتها يؤمن بكرامات الصوفية ويعتقد فيهم ولا يعترض على مزاعمهم مهما بلغ كذبها .ويشير ابن الصيرفي إلى سبب نفوذه وعلو شأنه بين المماليك بأنه أذاع أنه يجتمع بأقطاب الصوفية فصدّقه ( الأتراك ) أى المماليك ، يقول إبن الصيرفى : ( وكان رحمه الله يذكر أنه يجتمع بالقطب الغوث وغيره من الأبدال فصار له اسم وسمعة عند الأتراك".). والقطب الغوث والأبدال من الأسماء والألقاب التى جعلها الصوفية في مملكتهم الوهمية التى يزعمون أنها تتصرف في أمور الدنيا.
ونرجع إلى الشيخ كمال الدين العقيلي ونتعرف على مقدار علمه بعد أن عرفنا مهارته في التحايل والنصب، يقول عنه ابن الصيرفي : ( وكان يري نفسه كبيراً ) أى صدّ نفسه فيما يزعمه عن نفسه . ( ويصف نفسه بعلوم زائدة لا يعرفها قط،) أى يزعم العلم اللدنى ، وعلومه الوهمية . ( وكان له اعتقاد كثير عظيم جداً في الصلحاء والفقراء ويعظمهم ويزورهم) أى كان وثيق الصلة بكبار الأولياء الصوفية المشهورين فى عصره ويزورهم ويعظّمهم معتقدا فى ولايتهم وكراماته ، وكان يفعل ذلك ليستغلّله فى طموحه ، يقول ابن الصيرفى : ( فلهذا طار صيته واشتهر ذكره..) ثم يقول إبن الصيرفى عن صلته بهذا الفقيه الأفّاق الجاهل : ( وكان بيننا وبينه صحبة أكيدة ومجالسة ومذاكرات . عفا الله عنه )..أى من خلال معرفة ابن الصيرفي به وصفه بالاعتقاد فى الأولياء الصوفية وأنه يزعم ( العلم اللدنى ) أو علوم لم يعرفها، وإنه أسّس شهرته ونفوذه على أساس التحايل بالتصوف.
4 ـ وعلى طريق الشيخ كمال الدين العقيلي سار آخرون..انتهزوا انشغال المماليك بثورة شاه سوار في العراق وتقربوا للمماليك بالمنامات التى تبشر بقرب القضاء عليه، وهى بشري إن تحققت صعد صاحبنا إلى عنان المناصب وإن لم تتحقق أصبحت فألاً حسناً للسلطان، وفي كلّ خير، وهو سيربح في الحالتين.وفي أوائل شهر جمادى الثانية 876 أخبر بعضهم الأتابك أزبك قائد الجيش المملوكي أن شاه سوار مقبوض عليه في هذه الأشهر وأنه انهزم، ووصلت هذه البشرى إلى السلطان فأخبر بها كاتم سره فأرّخها، أى دونها بتاريخها وانتظروا تحقيقها.. وراج أمر هذه البشري ولكن لم تتحقق، يقول ابن الصيرفي : ( ولم يصح شيء مما قالوه العوام من القبض على شاه سوار لكنه ـــ أى السلطان ــــ تفائل. ويمكن ذلك قريباً ببركة نبينا ).!!
الوصول بالرشاوى:
1 ــ وبعضهم وصل إلى المناصب بالطريق العملى، أى بالرشاوى والهدايا وتوثيق الصلة "وتفتيح المخ" وأشهرهم قاضى القضاة المالكى ابن حريز ت 873 الذى كان قاضياً بمنفلوط بالصعيد ولكن اشتغل بالزراعات واستئجار الأراضي من ديوان الدولة المفرد، ومن إيراده كان على حد قول مؤرخنا "يخدم السلطان وأمراءه ووزراه بالأموال الجمة والخيول العظيمة" وبذلك وصل إلى منصب قاضى القضاه المالكية، وبعد وصوله إلى منصبه الجديد اتسع نفوذه في الصعيد وتشبه بالمماليك في المظهر والمخبر.
2 ـ إلا أن الشيخ نور الدين البرقي 875 هو المثل الكلاسيكي لهذه النوعية من العلماء الحقيرة الذين يتعلقون بذيل السلطة ليصلوا بأى طريق. يقول ابن الصيرفي عن مستواه العلمى "كان علمه بالفقيري" أى كان فقيراً في العلم، ويقول "وعلماء مذهبه يعرفون بذلك منه، غير أنه معظّم عندهم لأجل الدنيا" أى كانوا يعرفون جهله ولكنهم يعظمونه بسبب صلته بأرباب النفوذ في الدولة. كان خادما لأمير مملوكى وموضع ثقته ، فكان ذلك الأمير يأتمنه على أموال صدقاه ليوزعها ذلك الشيخ على المحتاجين ، بل أودع ذلك الأمير عند ذلك الشيخ أموالا خبأها عنده تحسبا للزمن وتقلباته ، فاكتسب ذلك الشيخ ( الجاهل ) نفوذا بين أقرانه بسبب صلته بألمير يوسف ابن كاتب جكم . وفى هذا يقول ابن الصيرفي عن بداية نفوذه : ( كان صاحب صلة بيوسف ابن كاتب جكم ، وهو الذى صيره صاحب ثروة وأموال وتحف وكتب وغير ذلك، فإنه كان يدفع له كل نقده ألف دينار وأكثر وأقل ، ويأمره أن يتصدق فيها فيصرفها فيما يريد ، فحصّل الأموال والوظائف والكتب. وأودع عنده جملاً من الأموال على ما قيل ).ومن خلال تلك الأموال وتوزيعها بمعرفته حصل على الوظائف، يقول ابن الصيرفي : ( وكان له عند الحنفية- أى القضاة الأحناف- اسم وصيت سيما عند شيخنا أمين الدين الأقصراني، فإنه يبالغ في قضاء حوائجه وضروراته عند عظيم الدولة في عصره الصاحب جمال الدين يوسف ابن كاتب حكم" أى استغل علاقته بذلك الأمير المملوكي ليحوز نفوذاً عند قاضى القضاه الحنفي وشيوخ المذهب الحنفي. وكان يجمع مع الجهل سوء الخلق ، يقول ابن الصيرفي: ( وكان سيئ الأخلاق ، مصفرّاً نحيفاً ، شديد الغضب سريعه، ورشح لقضاء الحنفية- أى يكون قاضياً للقضاء الحنفي، فما قدّر الله ذلك .ولله الحمد .!! ). ويذكر ابن الصيرفي حادثة تؤكد سوء خلقه وتوضح نوعية أولئك العلماء الوصوليين الذى لا يتورعون عن التضحية بأصحاب الفضل عليهم إذا كان في ذلك مصلحة لهم. يقول ابن الصيرفي عنه أنّ قاضى القضاة ولى الدين السفطي هو الأصل في ترقية نور الدين البرقي وهو السبب الذى عرّفه بأكابر الدولة، وه صاحب الفضل عليه فى بدايته ، يقول موضحا : ( فإنه كان يرسله في تعلقاته وهو عنده لياقة في تأدية الرسائل وقضاء الحوائج والتواضع الزائد لأبناء الدنيا والتودد إليهم ويمشي معهم حسب مقاصدهم وأرائهم،) أى كان البرقى رقيق الحاشية متواضعا لأصحاب الجاه من المماليك حلو اللسان معهم ينافقهم ويوافقهم ويكسب مودتهم ، وفى عمله خادما لشيخه قاضى القضاة ولى الدين السفطى وفى تأديته لرسائله الى الأمراء المماليك تعرف البرقى بكبار المماليك واكتسب عطفهم ومدتهم ، وبعد صار له نفوذ واستغنى عن شيخه قاضى القضاة السفطى خان شيخه وأوقع به . يحكى ابن الصيرفى عما فعله البرقى بشيخه السفطى فى محنته : ( ومع ذلك آذاه غاية الأذى فإن الملك الظاهر جقمق رحمه الله لما غضب على السفطي وأخذ منه أمواله حلّفه أنه ما بقي يملك شيئاً ولا وديعة، وكان له تحت يد صاحب الترجمة (أى نور الدين البرقي) ودائع جمة، من جملتها عشرة آلاف دينار، وأخبر من أخبر السلطان بها فأرسل من أخذها منه وما وسع السفطي إلا الفرار ومات مقهوراً وضاعت عليه بقية ودائعه.). بدأ الشيخ نور الدين البرقي (عسكري مراسلة) للشيخ السفطي قاضى القضاة في سلطنة الظاهر جقمق، وعن طريق السفطي تعرف بالأكابر، وتودد إليهم بلياقته وتواضعه ومسايرته لما يقولون، هذا مع أنه كان مع غيرهم سيء الخلق . وكالعادة كان قضاة القضاة يختلسون الموال ، ويخبئونها عند من يثقون فيه ، وكذلك كان يفعل الأمراء وكبار الموظفين ، وعندما يعزل السلطان أحدهم يصادر أمواله ، ويحاول العثور على المخبّأ منها . وهذا ما حدث عندما غضب السلطان جقمق على قاضى القضاة السفطى فصادر أمواله الظاهرة ، وقام بتحليفه على أنه لم يخبىء شيا فحلف قاضى القضاة كذبا وزرا حسب الشائع فى شريعتهم السّنية . ولم يكن يدرى الشيخ السفطى أن خادمه الأمين وموضع سرّه وثقته سيخونه لذا أودع عنده بعض المال. وإنتهزها فرصة الشيخ البرقى ليتقرّب من السلطان فأفشى سرّ الودائع التى أودعها عنده شيخه السفطى ، وغدر بأستاذه وولى نعمته ، وبذلك ضاعت على السفطي الأموال التى خبأها للزمن، وتعين عليه أن يواجه انتقام السلطان، فاضطر للاختفاء والهرب في أيامه الأخيرة ومات مقهوراً يلعن الشيخ نور الدين البرقي قبل الأكل وبعده.. إذا كان لديه ما يأكله في أخريات عمره.
الاجتهاد في الحصول على المناصب:
1 ـ وكان أحدهم إذا مات وترك وظائف ومرتبات مختلفة تصارع على شغل تلك الوظائف والمرتبات أولئك العلماء المجتهدون في السعى لا في مدارسة العلم.. يقول ابن الصيرفي عن الشيخ برهان الدين الحلبي ت 875 أنه صار يسعى عند الأكابر فقرروا له الجوالى- أى المرتبات- ورتبوا له على الأوقاف الشافعية والحنفية، وكان باسمه تصوف- أى درس تصوف- بمدرسة جمال الدين وأخر بمدرسة بيبرس الجاشنكير وأخذ في التكلم على زاوية الشيخ نصر الله بخان الخليلي وغير ذلك، ورتب له في البخارى- أى في ميعاد البخارى- صرة بألفى درهم في كل سنة، وكان لا ينقطع عن التردد لبيوت الأكابر ويحسنون إليه.."
هذا الرجل الذى اجتهد في السعى لبيوت الأكابر حتى حصل على كل تلك الوظائف مات، وجاء آخرون يجتهدون في وراثة مناصبه، يقول ابن الصيرفي: ("وبعد موته خرّجوا وظائفه لعدة من الطلبة المجتهدين في السعي المترددين لبيوت الأكابر.).!!. من قال أن ذلك العصر خلا من الاجتهاد.؟؟..لقد (إجتهدوا في تحصيل المعاش)، ولم يكن لديهم وقت للاجتهاد في العلم الذى يأتى بوجع القلب .!!
وصار من ملامح الترجمة في تاريخ ابن الصيرفي أن يذكر مصير الوظائف بعد موت صاحبها لينالها ( المجتهدون ) فى السعى والتنافس على تلك المناصب التى تركها أصحابها بالموت أو بالعزل ، يقول عن الشيخ ابن التنسي ت 875 : ( وخرّجوا وظائفه لجماعة، فاستقر في تدريس الجمالية الخطيب الدرديري المالكي، وفي تدريس جامع ابن طولون قاضى القضاه سراج الدين إبن حريز المالكى، وأخذ مرتبه على الجوالى وصرته في البخارى عمر بن موسى اللقانى.. إلخ".).
2 ـ وبعضهم كان يدعي العفة والنزاهة فلا يتردد بنفسه على بيوت الأكابر، ولكن يبعث بمن يتوسط لديه عندهم، وتصير له منقبة ومفخرة، يقول ابن الصيرفي في حوادث الأربعاء 14 شوال 873 : ( طلب السلطان الشيخ كمال الدين أمام الكاملية وخلع عليه واستقر به في تدريس المدرسة المجاورة لضريح سيدنا الإمام الشافعي من غير سعى منه في ذلك بنفسه، غير أن العلائى بن خاص بك وجوهر المعينى الساقي وغيرهما تكلموا عند السلطان في ولاية الكمال فإنه من أعز أصحابها وجارهما ويترددون إليه ويتردد إليهما.). أى إن الشيخ كمال الدين لم يسع للوظيفة بنفسه ، مكتفيا بعلاقته بأمراء المماليك الذين توسطوا له عند السلطان فنال الوظيفة بلا سعى وبلا ( إجتهاد ).
3 ـ وبعضهم كان يشترى المنصب ويدفع الرشاوى للسلطان ومن دونه من الأمراء ليصل للمنصب، فإذا وصل عمل على أن يعوض ما دفع بالظم والسرقة (والبلص) أى الاختلاس والنهب.وقد كان البذل أو البرطلة شائعاً في العصر المملوكي في تولى المناصب الدينية والديوانية. في يوم الجمعة 12 جمادى الأولى 874 تولى تاج الدين بن الهيصم ناظراً في استيفاء الخاص بعد أن دفع ألف دينار ذهباً.وفي يوم الخميس 23 ذى الحجة 885 تولى ابن الخواجا منصب نقابة الأشراف بدمشق على عادته وكان الأشراف بدمشق قد اشتكوه للسلطان فطلبه وأحضره، من دمشق للقاهرة، واستقر في النهاية في وظيفته بعد أن دفع للسلطان ألف دينار.
4 ـ على أن الشيخ إبراهيم بن سعد الدين الحنفي ت 876 أوضح وأوضع ( من الوضاعة ) مثل على شراء المنصب، فهو من أسرة تخصصت فى منصب القضاة، وتوارثته ، فأبوه قاضى القضاة الحنفي، وأخوه كان قاضى القضاة الحنفي، وتولى أخوه منصب كاتب السر للسلطان خشقدم. وقد تقلّب إبراهيم هذا في المناصب الدينية والديوانية، من نظر الاسطبلات إلى نظر الجيش الى أن تولى القضاء تحت كنف أخيه حين كان قاضيا للقضاة . ثم طمع في تولى منصب كاتب السر الذى يتولاه أخوه الآخر، يقول عنه ابن الصيرفي : ( وكان قد تسبب في عزل أخيه وصعد للداودار والسلطان وأخبرهما أن أخاه عجز عن القضاء وأنه ذهل ووعد في كتابة السر بثمانية آلاف دينار فعجّل منها بخمسة وتأخر عليه ما بقي، فحصل لأخيه منه حصر زائد، فيقال أنه دعى عليه بالقهر فما مضى خمسة عشر يوماً حتى قهر".)، أى إنه زعم أن أخاه أصيب بالجنون والذهول وفقدان الذاكرة ، وعرض رشوة ليتولى مكان أخيه . فقهر أخاه .أخلاق أخر زمن.!!
وراثة المناصب:
1 ـ وحين مات ذلك الرجل الذى اغتصب منصب أخيه كان يحوز عدة مناصب. يقول ابن الصيرفي أنه بعد موته تكلموا مع السلطان قايتباى بالوصية على ولده محمود وأن لا يخرج عن ولده شيء من وظائفه، فسكت السلطان ولم يجب ، لأن السلطان بلغه عن ذلك الولد أن بضاعته من العلم مزجاة، على حد قول مؤرخنا- وأنه لا يصلح لمشيخه الخانقاه المؤيدية، ثم تولى المشيخة المذكورة الشيخ سيف الدين، وتولى الشيخ العنتابى مشيخة المدرسة مزداد، وورث محمود ابن الشيخ المتوفي بقية مناصبه ومرتباته بتوقيع السلطان ، ذلك أنهم كانوا يتوارثون المناصب كابراً عن كابر.)
2 ـ والشيخ نور الدين البرقي الحنفي الذى كان علمه بالفقيرى- على حد قول مؤرخنا- والذى حاز كثيراً من المناصب بنفوذه مات وخلف ولدين، يقول عنهما ابن الصيرفي "خلف ولدين.. ليس فيهما أهلية لشيء مما كان هو فيه ، مع إن علم صاحب الترجمة- أى نور الدين البرقي- بالفقيرى" ومع ذلك فقد توارث أبناه مناصبه وذلك برعاية المحتسب والشيخ أمين الدين الأقصراني وابن الجيعان والقاضى الشافعي، يقول ابن الصيرفي: ( وخرجت وظائفه باسم أولاده ، ووصّى عليهم المحتسب والشيخ أمين الدين الأقصرائى والعلمى ابن الجيعان والقاضى والشافعي ..).
3 ـ وكان توارث المناصب عادة سيئة في العصر المملوكي، يقول المقريزى "وكانوا يتوارثون هذه المرتبات إبناً عن أب ويرثها الأخر عن أخيه وابن العم عن ابن العم، بحيث أن كثيراً ممن مات وخرج شيء من مرتبه لأجنبي لما جاء قريبه وقدم قصته- أى شكواه- يذكر فيها أولويته بما كان لقريبه أعيد إليه ذلك المرتب ممن كان خرج باسمه".)
4 ـ والشيخ سراج الدين العبادي ت 877 تنازل في أواخر عمره عن مشيخه المدرسة الباسطية لولده الأصغر كمال الدين، وكتب مشيخة الظاهرية لولده الأكبر جلال الدين، أى تصرف في مناصبه كأنها ملك خاص له ، يولى عليه من يشاء، ويوصى به لمن يشاء من أولاده.
5 ـ وغدا استحقاق المنصب بالإرث أهم من حصول الغير عليه حتى لو كان أكثر علماً وفقهاً، فقد توفي الشيخ محمد إبن شيخ الكاملية الكبير وخلف أخوين أخذ احدهما درس الحديث بالمدرسة الكاملية على حد قول ابن الصيرفي (بالجاه لا بالحق) لأنه حرم الشيخ شمس الدين السخاوى من هذا النصب وهو أحق به باعتباره كان عالم عصره- بل قل أعلم عصره، في علم الحديث، ومع ذلك انتزعوا منه وظيفة الحديث بالمدرسة الكاملية لصالح أخ ابن شيخ الكاملية المتوفي، ولم يكن لذلك الأخ أى مؤهل علمى سوى قرابته لابن شيخ الكاملية.
6 ـ وكان الوارث للمنصب أحياناً شاباً جاهلاً ومع ذلك يحوز منصباً خطراً لا يصلح له، وقد تولى المقر الكاملي نظارة الجيش بعد موت أبيه الصاحب جمال الدين يوسف بن كاتب حكم، يقول ابن الصيرفي عن ذلك الابن ( وهو بلا لحية في وجهه وسنّه دون العشرين عاما )..!.وفي يوم السبت 3 محرم 873 تولى عبد الكريم بن أبى الفضل بن جلود وظيفة كتابة المماليك السلطانية ورثها عوضاً عن والده المتوفي، يقول عنه ابن الصيرفي: ("وهو يومئذ أمرد ) أى شاب مراهق ( لا نبات بعارضيه) أى لم تنبت له اللحية. وفي يوم الجمعة 7 ذى الحجة 876 ضرب الأنابكي أزبك قائد الجيش الشيخ يوسف السمين إبن أبى الفتح ناظر البيمارستان بسبب سيرته في إدارة البيمرستان،( فقد كان شاباً صغيراً بلا لحية وبلا أدب وحدثت منه وقائع استلزمت تأديبه وضربه.)..!
أخيرا
هذه هى طبيعة القائمين بتطبيق الشريعة السّنية ، وسيرتهم العلمية والوظيفية وطريقة وصولهم للمناصب.
ومن الطبيعى أن يتدهور باستمرار المستوى العلمي، وهذا ما حدث، فقد استمر التدهور العلمى إلى أن تحول إلى جمود ثم تأخر في العصر العثمانى، استيقظنا منه على ضجيج الحملة الفرنسية وبعضنا لا يزال في سبات تام حتى الآن.ومن الطبيعي أن تتأثر وظيفة القضاء بهذا التردى العلمى والسلوكى، فالقاضى الذى يصل لمنصبه بالرشوة أو بالتوارث أو بصلته بالظلمة لا يمكن أن ننتظر منه أن يحكم بالعدل. وهذا يضيف معلماً أخر من معالم الظلم الذى عانى منه أجدادنا في عصر المماليك.
ولن يختلف الحال كثيرا لو قام الاخوان المسلمون اليوم بتطبيق الشريعة السنية فى مصر .. ستجد نفس النماذج المنحطة جهلا وخلقا ، لأن الشريعة السنية لا تقوم إلّا بهذه النماذج المنحطّة من البشر . والدليل هو نظام القضاء فى الدولة السعودية .
الفصل التاسع : قضاة الشرع السّنى أعمدة الظلم فى عصر قايتباى
القاضى فى الشريعة السّنية وظيفته الظلم ويتعيّش من أخذ الرشوة
1 ـ تعرضنا للشيخ نور الدين البرقي الحنفي القاضى صاحب النفوذ الذى وصل إلى منصب القضاء عن طريق صلاته بأرباب الدولة وسعيه هنا وهناك، وكانت بضاعته من العلم مزجاة حسب تعبير الصيرفي، والسؤال الآن، كيف كان ذلك القاضى يؤدي وظيفته في القضاء والحكم بين الناس. لنترك ابن الصيرفي يتحدث عنه يقول : ( وأما بضاعة المتوفي- يقصد صاحبنا- وفي العلوم فمزجاة ، وعلماء مذهبه يعرفون ذلك ، غير أنه معظم عندهم. وخلف بنتاً متزوجة وولد ولداً، وخرب دوراً كثيرة بموته، وكان يحب خراب بيوت الناس في حياته.. وكان عارياً من العلم خادماً لأهل الدنيا ). ولنتصور ذلك القاضى الذى كان عارياً من العلم وكان محباَ لخراب بيوت الناس كيف كان يحكم؟ أبالعدل أو بالظلم؟
2 ـ إن آلية القضاء كنظام في العصر المملوكي جعلته في أغلب الأحوال مؤسسة الظلم لا لتحقيق العدل، فالقاضى يصل لمنصبه بالرشوة أو بالتوارث أو بصلته بالحكام الظلمة، ثم يأخذ الأموال من الذين يأتون إليه ليفصل بينهم، ومن هنا كان مدخل الفساد. والشيخ نور الدين البرقي سالف الذكر كان أثيراً ومحبوباَ من الشيخ أمين الدين الأقصرائى أحد مشاهير القضاة الأحناف في عصره لأنه كان- حسب قول مؤرخنا "مرصداً لقضاء حوائجه وضروراته وتعلقاته" وكان أيضاً يقف بباب قاضى القضاه ولى الدين الأسيوطى يكتب: ( ما يحتاج إليه من خرج ودخل ) وهى عبارة مهذبة من ابن الصيرفي تفيد أنه كان يتفاهم مع الذين يأتون للقاضى للتقاضى والتحاكم . وأولئك (الدلالون) كانوا يقفون بباب القاضى لأخذ الرشوة باسمه، والدخول على القاضى في مجلسه للتوصية بفلان وفلان، وكان ذلك معروفاً ومألوفاً في ذلك العصر. وكان الشيخ نور الدين البرقي أحد أولئك الدلالين الذين وصلوا لمنصب القضاء.
3 ـ وأحد أولئك الدلالين كان الشيخ شرف الدين الفيومي، يقول عنه ابن الصيرفي : ( صار يركب حماراً وهو أجهل منه، لا يعرف مسألة كاملة من مسائل العلم، بل ولا قرأ ولا فهم ولا وعى، وإنما كان في خدمة القاضى صلاح الدين ابن بركوت المكيني على باب قاضى القضاة علم الدين صالح البلقينى يخدمه ويرشيه في كل قضية تكون بالباب ، ويأخذ مثله، وصار هو عنده يدخل عليه في الخلوات والجلوات ). فالشيخ شرف الدين كان واقفاً بباب قاضى القضاة صالح البلقيني- أحد مشاهير القضاة في العصر- يخدمه ويرشيه في كل قضية تكون بالباب، ويأخذ رشوة مثلها، أى عمولة 100%، ثم كان أثيراً عند أستاذه يدخل عليه في الخلوات والجلوات، أى أوقات الخلوة والأنس والمتعة، وابن الصيرفي صرّح وشرح وأفاض هنا لأنه تحدث عن صالح البلقيني وأخذه الرشوة، ولم يكن صالح البلقيني أستاذاً له، ولكنه عندما تحدث عن شيخه أمين الدين الأقصرائى ووقوف الشيخ نور الدين البرقي ببابه يؤدي نفس المهمة فإنه أشار بإيجاز تحرجاً من أن ينسب الرشوة الصريحة لأستاذه أمين الدين الأقصرائى.
المدح بعدم أخذ الرشوة
وكان أخذ الرشوة عن طريق الدلالين عادة سيئة لجميع القضاة لم يتنزه عنها إلا من عصمه الله ببعض الورع، وحينئذ يكون ذلك من أكبر مناقبه ومحامده. يقول ابن الصيرفي يهلّل ويطنب في مدح الشيخ عز الدين الكنانى ت 876 قاضى القضاة الحنابلة: ( أجمع المسلمون كافة على عفته وتواضعه وزهده وتقلله في الدنيا ، بحيث أنه لما ولى المنصب لم يجعل على بابه نقيباً ولا رسلاً ولا نائباً من نوابه يحكم ببابه بالنوبة على عادة قضاة القضاء.. ولم يشهر عنه بل ولا قيل بل ولا ذكر عنه أنه أخذ على الأحكام شيئاً.. فإنه من حين نشأ وهو في غنية عن الناس، له ما يكفيه من إطلاقه ودروسه ومرتباته وأجرة أملاكه إلى غير ذلك ). أى أصبح من مناقب القاضى أنه لا يرتشى مثل عادة زملائه ، وأصبح من مناقب الشيخ عز الدين الكناني أنه لا يأخذ رشوة على أحكامه القضائية ، وأنه طرد الوكلاء والنواب والرسل الذين كانوا يقومون بدور الدلالين والوسائط بين القاضى والخصوم ، ويتعاونون في الاثم والعدوان والظلم. هذا مع أن الشيخ عز الدين الكنانى لم يكن محتاجاً لأكل هذا المال الحرام فقد كان له دخل من أملاكه ومن وظائفه ومرتباته.. فاكتفي بذلك كله- وهو كثير ـــــ عن أخذ الرشوة.
هذا بينما زملاؤه من القضاة وقضاة القضاة كان لديهم نفس الدخل وربما أكثر من الأملاك والوظائف والأوقاف والمرتبات.. ومع ذلك كانوا يأكلون الرشوة لأنها كانت مباحة وفق منطق عصرهم والذى كان يرفع- مع شديد الأسف ـ راية الشريعة الإسلامية.
رشوة القضاة بالشذوذ الجنسى
في أوائل ربيع الأول 877 أرسل السلطان إلى القضاة يأمرهم- حسب تعبير الصيرفي ( أن ينظفوا أبوابهم من الوكلاء ويمنعوا الصبيان الذين على أبوابهم،) ومعناه أن مجال الدلالين والسماسرة الواقفين على باب القضاة للرشاوى قد اتسع حتى دخل فيه الرشوة بالصبيان،. والمسكوت عنه هنا ـ والذى يعرفه المتخصّص فى العصر المملوكى أن الشذوذ كان سائدا ومسيطرا ، وطبقا لثقافة هذا العصر ومصطلحاته فمعنى جلوس الصبيان فى موضع ما أنه للتكسّب بالشذوذ ، وهنا يعنى إستخدام الصبيان رشوة للقاضى أو وكلائه . وربما سبب ذلك تحرجا للسلطان فأصدر قراره بذلك . وقد امتثل القضاة لذلك الأمر، فقد كانوا خير من يطيع السلطان. بورك فيهم.!! أو قل : لا بورك فيهم ..!!
بعض القضاة العدول.
ليس الشيخ عز الدين الكنانى وحده الذى تفرّد عن القضاة بعفنه عن أخذ الرشوة ، وإنما كان الشيخ ابن عبد الزين الذى شرط على القضاة التابعين له من الأحناف ( أن لا يأخذوا على الأحكام شيئاً مطلقاً، ومن أخذ شيئاً أصبح معزولاً، وكان إذا بلغه أن أحداً أخذ رشوة ركب بنفسه إليه وعزّره وعاقبه )، وقد تألم ابن الصيرفى من هذا الوضع ، وقد كان من بين هؤلاء القضاة الأحناف التابعين له، وذكر أن أولئك القضاة لم يكن لديهم دخل إلا ما يأخذونه رشوة من المتقاضين، وهم ليسوا مثل كبار القضاة من أصحاب الأوقاف والوظائف يقول: ( وفيهم من لا يملك قوت يومه فيحتاجون إلى الأخذ للضرورة ) أى يحتاجون لأخذ الرشوة مضطرين .!!" وقال ابن الصيرفي عن نفسه: ( وكنت توليت عنه ، ثم منعت نفس من الحكم بشروطه ولأمور أخر) أى عاقبه قاضى القضاة الحنفى فمنعه من الحكم بين الناس وممارسة القضاء ، وبسبب ( أمور أخر ) لم يتحفنا بذكرها . ويهاجم ابن الصيرفى رئيسه قاضى القضاة بطريق غير مباشر فيقول : ( وندم الأعيان على مساعدته،) أى ندموا على أنهم ساعدوه فى تولى منصب القضاء فلم يكونوا يعرفون أنهم ساعدوا إنسانا شريفا يمنع الرشوة . ويقول ابن الصيرفى بلهجة المظلوم : ( ويأتى من ألطاف الله تعالى ما لم يكن في البال )".إلى هذا الجانب ينقلب الحال، ويصير المعروف منكراً، والمنكر معروفا.. سبحان الله.!!
قضاة رؤساء عصابات ..!!
1 ــــ وبلغ الاستهتار مداه بين قضاة ذلك العهد، وتجلى ذلك في تحويل القاضى مسكنه إلى محكمة ويستطيل بمنصبه على الناس في الحي الذى يعيش فيه ويكون أشبه برئيس عصابة يحيط به أراذل الناس، وتتحول جلساتهم إلى محكمة يصدر فيها أحكاماً بالحبس والغرامة والضرب والتشهير والتعزيز على من يشاء. فهل هناك أسوأ من أن يترك القاضى المحكمة ويحول بيته إلى محكمة خاصة يحكم فيها بهواه وحوله أعوان السوء؟ ذلك بالضبط ما كان يحدث.
2 ـ يقول مؤرخنا عن رفيقه القاضى محيي الدين الحنفي أنه كان قد سعى عند محب الدين بن الشحنة قاضى القضاة الحنفية حتى قرره قاضياً من القضاة الحنفية، وعندما صار قاضياً مارس سلطاته بالظلم، أو على حد تعبير مؤرخنا " فصار يصول ويطول ويعزر ( أى يضرب الناس )، وعمل له سوقاً فصار نافقاً ). أى إشتهر فى أخذ الأموال وبتسلطه على الناس فقصده كل من يريد الانتقام من عدو له . ويستمر ابن الصيرفى فيقول عنه:( ولقّبه أهل مصر بكبش العجم ، حتى قال بعضهم: هو ما تأدب بالخروف الذى تقدمه في دولة الظاهر خشقدم") ولم يعطنا ابن الصيرفى تفسيرا لهذا القاضى ( الخروف ) الذى كان قبله .!.
اتخذ ذلك القاضى من الحارة التى سكن فيها فى ( رحبة الأيدمرى ) مركزاً لسلطانه وترك المحكمة التى ينبغى له أن يمارس فيها وظيفته واستعاض عنها ببيته، يقول عنه ابن الصيرفي : ( وصار ساكناً بالحارة المذكورة يضرب ويرشى ويكشف الرؤوس ويسجن ويبلغ مستنينه ذلك فلا يكلمه ببنت شفه . )، أى صار حضرة القاضى يوقع العقوبات بالناس من الضرب وكشف الرؤوس- وسبق أن عرفنا كيف كان ذلك ضرباً من الإهانة ابتدعها المحتسب يشبك- ويسجن، ثم يأخذ الرشوة، وتبلغ أفعاله إلى مستنيبه- أى قاضى القضاة الذى أنابه عنه وهو محب الدين بن الشحنة- فلا يكلمه ، مما يدلّ على أن قاضى القضاة الحنفى إبن الشحنة كان مستفيدا من الأموال التى كان يجمعها هذا القاضى زعيم العصابة . وليس هذا مستبعدا فى ضوء السمعة السيئة التى كان يحظى بها قاضى القضاة إبن الشحنة والتى تجلّت فى إحتقار السلطان قايتباى له ، ولكن لأن إبن الصيرفى كان تابعا لإبن الشحنة فلم يسهب فى وصف مساوئه .
3 ـ على أن يفعله ذلك القاضى لم يكن يدعه في ذلك العصر، بدليل أن قاضى القضاة الحنفية أصدر مرسوماً لنوابه من القضاة : ( يتضمن أنهم لا يحكمون إلا في مجالسهم ، ولا يعزرون أحداً إذا وجب عليه تعزير إلا بالباب العالى، وكم يقع هذا من الوجود ولا اعتبار له فيه ). ما سبق هو كلام مؤرخنا ابن الصيرفي عن ذلك المرسوم الذى أصدره قاضى القضاة الحنفية في محرم 876.ومعناه أن القضاة الأحناف كانوا يصدرون الأحكام في بيوتهم وليس في مقر المحكمة الرسمي، وأنهم كانوا ينفذون أحكام التعزير من الضرب والإهانة في بيوتهم وليس في المكان الرسمى المعد لذلك، أى كانوا يصدرون الحكم وينفذونه في الحال، وبالطبع كانوا يأخذون الرشوة، ومن لديه المال يستطيع أن يذهب للقاضى في بيته ويجعل القاضى يضرب له من يريد من الناس، وكل ذلك بحكم الشرع ، وصدر ذلك المرسوم ينهى عن ذلك كله. ولكن هل انتهى القضاة وأطاعوا شيخهم.؟. يقول مؤرخنا وهو أحد القضاة الأحناف في ذلك الوقت: ( وكم يقع مثل هذا في الوجود. ولا اعتبار له فيه ). يعنى ... "مفيش فايدة".
فساد الشهود
1 ـ وفي العصر المملوكي كان الشهود أحد أركان القضاء. وكان الشاهد يجلس في دكان، ويأتي له الناس ليضع شهادته وتوقيعه على المعاملات وغيرها، وتصبح شهادته مقبولة لدي المحكمة، أى يقوم بوظيفة ختم الدولة الرسمى ( ختم النسر في عصرنا)، وكانوا بالطبع يأخذون أجراً على هذه الشهادة. وفي عصر كان فيه القضاة مرتشين لا نتصور أن يكون الشهود فيه من الأولياء الصالحين.
2 ــ وفي أخريات شعبان 801 أى قبل عصر قايتباى بسبعين عاماً ، أمر السلطان برقوق بعرض وفحص الشهود الجالسين بالحوانيت للتكسب بالشهادة، ونحن هنا ننقل عن المقريزي – فكتب نقباء القضاة أسماءهم وشرع القضاة في عرضهم ليختبروا حال كل منهم ويستبقوا من عرف منهم بحسن السيرة، ويمنعوا من كان منهم مذموم الحال، فمنعوا جماعة. ويقول المقريزي :( ثم أعيدوا بالرسائل وشفاعة الأكابر فلم يتم العرض ). أى إنّ الفساد المستشرى هو الحاكم بأمره ، وهو الذى يجهض أى أمل فى الاصلاح الجزئى . ونعود الى الخبر السابق في ذلك العصر حيث كان يعيش المؤرخ العملاق ابن خلدون، وكان قد تولى القضاء ثم عزل عنه واستمر معزولاً خمس عشرة سنة، ويبدو أن السلطان برقوق أراد إصلاح النظام القضائى في عصره فأعاد ابن خلدون قاضياً للقضاة المالكية في العاشر من محرم 801، وبادر ابن خلدون في عرض الشهود " ( وأغلق عدة حوانيت استحدثت بعده ) ، ولكن عادت الأمور الى الأسوأ لأن الفساد هو الأصل .
3 ـ وتدهور الحال بعد عصر ابن خلدون، وازداد تدهوراً بعد عصر المقريزي ، حتى إذا جئنا لعصر قايتباى ومؤرخه ابن الصيرفي، وجدنا وظيفة الشهود سيئة السُّمعة يترفع عنها أولو الدين والمروءة وإذا اضطر إليها حرص من يؤرخ له على إثبات عفته، يقول ابن الصيرفي عن الشيخ أحمد بن مظفر : ( كان هو ووالده على خير كثير وصلاح دين متين.. وكان والده شاهداً بحانوت يتكسب منه مع عفته وصلاته، وأما صاحب الترجمة- أى ابنه- فكان لا يتعاطي شهادة ولا غيرها . ) ، أى كأنما تحرج ابن الصيرفي أن يذكر أن ذلك الرجل المشهور بالتدين كان يتكسب بالشهادة ، لذا حرص على إثبات عفته وصلاته، ومعناه أن الشهود جرفهم تيار الفساد أكثر من القضاة.
قضاة يخالفون شرع الله جل وعلا فى حياتهم الشخصية
وبعض القضاة لم يراع حكم الله حتى في أموره الشخصية. فالقاضى محمد بن جنة سبط البلقينى ت876 مات وقد ترك وصية مكتوبة ، وقد حرم فيها أخوية من الذكور وجعل تركته كلها لبنته وأخته بما يخالف الشرع الاسلامى فى القرآن الكريم ، يقول عنه مؤرخنا "( وخلف بنتاً وأختاً وأخوين رجلين- فحرمهما ميراثه، أعنى الذكرين، وشكوا للسلطان أمرهما وما أفادهما ذلك . وعند الله يجتمع الخصوم.). ولم يكن هذا القاضى الفاسد وحيد عصره . لذا إستحقّوا إحتقار السلطان قايتباى.
احتقار السكان قايتباى للقضاة:
1 ـ والسلطان قايتباى- كحاكم عسكرى يمثل طبقة أجنبية تحكم مصر- كان ينظر لأولئك القضاة باحتقار، مع أنهم عنده يمثلون الشرع، ومع أنه يستمد مشروعيته منهم، طبقا للشرع السّنى ،الذى يعتبر القضاة وعلماء الدين هم أهل الحل والعقد الذين يعطون للحكم المملوكي وجاهته داخل مصر وخارجها.
2 ــ وكان السلطان يعبر ( شهريا ) عن احتقاره للقضاة وعلماء الدين في أغلب بدايات الشهور العربية، إذا كان من تقاليد السلطة طبقا لتعبير مؤرخنا ابن الصيرفى ( أن يصعد )- لاحظ عبارة يصعد- (قضاة الشرع ومشايخ الإسلام ) إلى القلعة في أول كل شهر عربي لتهنئة السلطان. وابن الصيرفي كان قاضياً ضمن القضاة الأحناف، وكان يحظي بالصعود للسلطان ضمن وفد علماء الإسلام وقضاة الشرع لنفاق السلطان وتهنئته بحلول الشهر العربي الجديد. وكان ابن الصيرفي باعتباره مؤرخاً يحرص على أن يبدأ أخبار كل شهر بتسجيل صعود أولئك الأشياخ للتهنئة.وكان الرجل فيما نعتقد- صادقاً في وصف ما كان يحدث، سواء كان حاضراً وفد التهنئة أو علم بما حدث فيها خلال صديقه ابن مزهر كاتب السر السلطانى وآخرين من زملائه القضاة.
3 ـ ولو كان القضاة ومشايخ العلم على مستوى كاف من الكرامة لاستنكفوا من السعى لتهنئة السلطان كفرض مقرر كل شهر، فالسلطان هو الذى يجب أن يسعى إليهم وليسوا هم الذين ( يصعدون ) إليه، ولكننا نكلفهم شططاً إذا طالبناهم بهذا، فشريعتهم السّنية تقدّس الحاكم المستبد ، وتحرّم وتجرّم الخروج على المستبد الظالم ، ثم كيف ننتظر من هذه النوعية من القضاء الإحساس بالكرامة ، فلقد علمنا بضاعتهم من العلم وحظهم من الأهلية لبلوغ تلك المناصب، ووصولهم بالرشوة وإعتمادهم عليها فى إصدار أحكامهم القضائية . ومن هنا كان احتقار السلطان لهم وهم يسعون إلى عتبات القلعة يطلبون الإذن لتقديم التهانى.
4 ــ الطريف أنّ السلطان من ناحيته كان حريصاً على أن يظهر لهم احتقاره بطريقة واضحة مستقيمة. إذ كان أحياناً يتعمد لعب الكرة في نفس اليوم الذين يحضرون فيه ويجعلهم ينتظرونه إلى أن يفرغ من اللعب، ويقول ابن الصيرفي في مفتتح أخبار شهر ذى الحجة "في غرة ذى الحجة 875 : ( فيه صعد قضاة القضاة لتهنئة السلطان بالشهر وكان يلعب الكرة فانتظروه حتى فرغ منها، وكان هذا ختمها يعنى في اللعب" ألم يكن يستطيع تأجيل اللعب بالكرة خمس دقائق.؟؟!!
وفي يوم السبت أول ربيع الثاني 877، يقول ابن الصيرفي : ( صعد فيه قضاة القضاة لتهنئة السلطان بالشهر على العادة وكان يتقدمهم أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو العز عبد العزيز دام شرفه، فهنأه بالشهر، ثم دخل القضاة بعد أن جلسوا طويلاً بجامع الناصر ابن قلاوون ينتظرون الأذن، فإن السلطان نصره الله كان يلعب بالكرة هو والأمراء المتقدمون ، فلما فرغوا جلس بالحوض السلطانى تحت الدكة ، وكنت معهم ، فهنّوا ودعوا وانصرفوا ، ولم يتكلم أحد منه ببنت شفة" أى اهتم بالخليفة العباسى وأهمل القضاة وجعلهم ينتظرون انتهاءه من اللعب.
وفي الشهر السابق أى ربيع الأول 877 لم يحضر السلطان أوّل ربيع الأول حيث كان مسافراً يتنزّه في الشرقية، وعاد منها في يوم السبت 3 ربيع الأول. يقول ابن الصيرفي "( ثم صعد القضاة عقب وصول السلطان فشاوروا عليهم،) أى رفعوا التماسهم بمقابلة السلطان لتهنئته، ( فعادوا عليهم بالجواب بأن السلطان في الحريم فرجعوا. ) وأعادوا الكرّة يلتمسون الإذن : ( ثم ركبوا بعد العصر وصعدوا القلعة فشاوروا عليهم ، فأرسل يعلمهم أنه حضر من السفر وعنده بعض وعثاء السفر ، ولم يحصر لهم ،وأرسل يعتذر لهم بخادم من الخدام فرجعوا ولم يجتمعوا، وكان قبل طلوعهم إليه أرسل الأمير زين الدين يعقوب شاه المهمندار يعلمهم أن ينظفوا أبوابهم من الوكلاء ويمنعوا الصبيان الذين على أبوابهم فامتثلوا لذلك".)، وهكذا كانت مكانتهم عنده، يستكثر عليهم الجلوس معهم دقائق معدوده.وبدلا من أن ينزل ليتقبّل خضوعهم له يرسل لهم خادما يأمرهم أن ( ينظّفوا أبوابهم من وكلاء الرشوة ومن جلوس الصبيان على أبوابهم).
وفي أول صفر 874 يقول مؤرخنا "صعد قضاة القضاة لتهنئة السلطان بالشهر على العادة فوجدوه ركب من قلعة الجبل وتوجه إلى الخانقاه السرياقوسيه فلم يجتمعوا به وعادوا، وصعدوا من الغد إليه فهنأوه على العادة، أى لم يهتم يموعد مجيئهم، وسافر للخانقاه، وهو يعلم أنهم رهن إشارته ويترقبون عودته.
وفي الشهر التالي ربيع الأول 874 يقول مؤرخنا عن أول أيامه "فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر فوجدوه قد ركب وتوجه للقرافة، فانتظروا بالجامع الناصري حتى عاد وطلبهم فدخلوا إليه بالدهيشة وكان قد فرغ من ترخيمها وتذهيبها وتنميقها وبياضها ولما جلسوا بين يديه ، وكنت حاضراً جالساً معهم ، قال له قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة الحنفي عامله الله بلطفه الخفي" .
|
تهنى بكم كل أرض تنزلون بها |
كأنكم لبقاع الأرض أمطار |
فقال له السلطان: الله يحفظكم أو ما أشبه بذلك، ودعوا له وانصرفوا" أى تكلم القاضى الحنفي ليس في مصالح المسلمين والمظلومين ولكن لينافق السلطان بالشعر ، ولم يكترث به السلطان .
5 ـ وحين يريد السلطان استخدامهم لأمر شرعي كان يعطيهم بعض الاهتمام.
في أول محرم 873 يقول مؤرخنا": ( وفيه صعد قضاة القضاة للقلعة لتهنئة السلطان بالشهر على العادة ، وكنت في خدمة قاضى الحنفية ، وقرءوا الفاتحة ودعوا ، وأرادوا الانصراف، فأمرهم السلطان بالجلوس بحضرته هيئة عقد مجلس ، وسألهم فى مباشرة بيع مماليك الظاهر .وكان اشترى الملك الأشرف أبو النصر قايتباى . نصرة الله. كل نفر منهم بعشرة آلاف درهم وصاروا مماليكه، وقال الجمال يوسف بن تغرى بردى فى تاريخه الحوادث عند ذكر هذه الواقعة: وهذا شراء لا يعبأ به الله،). كان السلطان يريد شراء مماليك السلطان السابق خشقدم، ويريد وكيلاً شرعياً وصياً عن ورثة ذلك السلطان المتوفى، ولذا احتاج لأولئك القضاة، وهم رهن إشارته، وقد حقق السلطان بهذه الصفقة مكسباً كبيراً بثمن قليل. مما أثار امتعاض المؤرخ أبى المحاسن جمال الدين يوسف بن تغرى بردي فاعتبر الصفقة باطلة، وهو مؤرخ ارستقراطي من أصل مملوكي يفهم مجريات الأمر أكثر من مؤرخنا ابن الصيرفي.
6 ـ ولنتذكر أن أولئك القضاة كانوا يقابلون السلطان كل شهر مرة على الأقل، ولم يتكلموا في مصالح المسلمين.. ولنتذكر أن ذلك الذى ادعى الجنون كى يقابل السلطان ليقول له كلمة حق انتهى مصيره إلى الضرب والسجن، فتلك طبيعة النظام المملوكي من المماليك وخدامهم من العلماء والقضاة.
7 ــــ وكان السلطان يختص الشيخ محب الدين بن الشحنة باحتقار زائد، مع أنه أشهر فقهاء وقضاة الحنفية في عصره، وفي المقابل كان ابن الشحنة لا يملّ من نفاق السلطان، وقد شهدنا طرفاً من ذلك . ونزيد عليه ما أورده مؤرخنا ابن الصيرفى وهو من أتباع ابن الشحنة في أخبار السبت 17 ربيع الثاني 875 يقول : ( وصنع قاضى القضاة محيي الدين ابن الشحنة خطبة عظيمة في مدح السلطان وعدله وفضله ووصفه بجميع أنواع الصفات بين العسكر والأمراء ومن حضر، فلم يكترث لذلك غاية الاكتراث، وقرأها ــ أى ابن الشحنة- من لفظة، ولما فرغ من قراءتها طلبها منه القاضى نور الدين الأنبابي.. ليقرأها ويكتبها، وذكر من المبالغة والإطراء أنه يرسل بها إلى الأقطار والأمصار. ) . لم يكترث السلطان بهذا النفاق الرخيص المبالغ في المدح، ولكن اهتم بقصيدة ابن الشحنة قاض أخر منافق عرض أن يكتبها وينشرها في الأقطار والأمصار،، فماذا كانوا سيصنعون لو اهتم السلطان أكثر بابن الشحنة وخطبته الرخيصة ؟.
8 ــ ومع ذلك ففي ليلة الرابع والعشرين من رمضان 876 صعد قاضى القضاة ابن الشحنة للفطر في رمضان عند السلطان، يقول مؤرخنا : ( فلم يمكن من ذلك ورُدّ عند آذان المغرب ) أى طردوه.!!. هل كان ابن الشحنة مسكينا لا يجد طعام الإفطار في بيته؟ بالطبع لا.. ولكنه كان يريد استرضاء السلطان ونفاقه- والسلطان كان قد ملّ منه ومن نفاقه ومن فساده أيضاً. فطرده..
9 ـ والسلطان وسائر فصيلته من العسكر المماليك يعرفون أن حكمهم قائم على الظلم، ومع ذلك فقد كان يعتبر نفسه أكثر قياماً بالقسط من أولئك القضاة، ويدلنا على ذلك ما أورده مؤرخنا ابن الصيرفي في أحداث السبت 16 جمادى الأولى 875 عن وفاة بنت الخازن ، وكانت سيدة ثرية ، يقول عنها ابن الصيرفى : ( وكانت قد عمّرت وخلفت أموالاً جمة ، ولها أوقاف كثيرة من قبل أبيها، ويؤول النظر في هذه الأوقاف بعد موتها إلى قاضى القضاة الحنفي خ، ولكن أراد القاضى الشافعى الوثوب والاستيلاء لنفسه على نظر تلك الأوقاف) وما يعنيه ذلك من سرقة مؤكدة . وبلغ السلطان ذلك النزاع بين قاضى القضاة الحنفي وقاضى القضاة الشافعي ( فقال: أنا أحق من الاثنين ، ولكنى أعمل فيهم بالشرط وأحميهم من الغاصبين.). أى تولى السلطان بنفسه نظارة تلك الأوقاف ليحميها من هذين القاضيين..ووصف السلطان قاضى القضاة الشافعى وقاضى القضاة الحنفى بكونهما ( غاصبين ) ..!!.
الفصل العاشر : أحداث جعلت السلطان قايتباى يأمر بعزل كل قضاة الشرع السّنى .
بلغ إحتقار السلطان لقضاة الشرع السّنى مداه سنة 876 حين منعهم من الحكم وتولى بنفسه القضاء في سابقة خطيرة لم تحدث من قبل في تاريخ مصر بعد الفتح العربى .كان فساد القضاة قد أثار السلطان نفسه.
ولنبدأ القصة من أولها.
1 ـ في يوم الخميس 23 شعبان سنة 875 زار قاضى القضاه محب الدين بن الشحنة ومعه ابنه القاضى عبد البر شيخا مريضا يحتضر ، ليس للسؤال عليه ولكن للتحايل عليه وقت إحتضاره . الشيخ المريض المحتضر هو بدر الدين الأردبيلى . وكانت للأردبيلى (وظائف جليلة ) بمدرسة الحنفية ، وقد طمع قاضى القضاة الحنفى الشيخ محب الدين بن الشحنة في تلك الوظائف لابنه القاضى عبد البر، لذا زار الشيخ الأردبيلى فى مرض موته مع ابنه القاضى عبد البر بن الشحنة ومعهما صهره ابن النويري، وضغطوا على الرجل المريض فى وقت إحتضاره وأخذوا توقيعه على تنازله عن وظائفه في مقابل مائة دينار يدفعها ابن الشحنة، وكتبوا ذلك فى قسيمة ، وشهد به أربعة من القضاة الأحناف وأحد الشهود العدول. ( أولاد الحلال ) أعلموا السلطان بذلك وعرف أن الأردبيلى كتب توقيعه وهو يحتضر ولا يدرى شيئاً ، فاحتد السلطان وطلب الشهود والقضاة الذين حضروا ذلك العقد ، فلما جىء بهم شتمهم السلطان وقال : ( تشهدوا على شخص غايب الوجود ومصداق ذلك أنه مات من ليلته وأخرتوه إلى يوم السبت ).أى أخروا دفنه للتغطية على أخذ توقيعه قبيل موته ، يقول ابن الصيرفى عن موقف أولئك المشايخ أمام ثورة قايتباى: ( فاعتذروا عن ذلك فلم يقبل منه، وأمر باعتقالهم واعتقال الشاهد الآخر الذى هرب، وشفع فيهم كاتب السر فلم يقبل السلطان شفاعته.).وفي يوم الثلاثاء 28 شعبان شفع فيهم الداودار الكبير وركع للسلطان ولمس الأرض أمام السلطان، ثم تبعه الأمير تمر المحمودى حاجب الحجاب الذى سجد للسلطان وقبّل الأرض، ثم تبعها ابن مزهر الأنصاري كاتب السر فقبل الأرض ثم (باس) رجل السلطان فأمر السلطان بإطلاقهم. وإرتعب قاضى القضاة ابن الشحنة وابنه القاضى عبد البر من عسف السلطان بهما فأرسلا تنازلا عمّا أخذاه من الأردبيلى مع ابن مزهر كاتب السر الذى صعد به للسلطان فقال له السلطان: ( لا تدخل نفسك في هذه القضية. )، فقال له ابن مزهر: ( أنت أمرتني بذلك لأنك جعلتني كاتب السر، وكاتب السر يتكلم في هذا وفي غيره .) . وامتلأت القاهرة بشائعات عن عزل ابن الشحنة عن قضاء الحنفية وترشيح آخرين مكانه، ويعلق مؤرخنا ابن الصيرفي على هذه الواقعة فيقول بإحتجاج رقيق لأنه هنا يتكلم عن شيخه قاضى القضاة الحنفية:( وفي الواقع ، فقضاة الشرع لو عظّموا أوامر الله وحقوقه لعظّمهم ولكنهم خافوا على وظائفهم فأهانوا أنفسهم. والأمر إلى الله ! ). وبدأ بهذه الحادثة ملل السلطان من ضعة القضاة وحقارتهم وصغارهم. ولكن كتم السلطان شعوره، إذ توجه إليه ابن الشحنة مع باقى القضاة للتهنئة بأول رمضان فلم يفتح الموضوع مع ابن الشحنة. وفي يوم الأربعاء 7 رمضان صعد قضاة القضاة إلى القلعة لبدء ( ميعاد قراءة البخارى ) على عادتهم كل شهر رمضان، ولم يحضر إليهم السلطان، يقول مؤرخنا : ( فإنها من حين قرئ البخارى وإلى تاريخه ما حضر مجلسه). أى إن السلطان كره رؤيتهم فتخلّف عن حضور المناسبة ( المقدّسة ) لترتيل البخارى فى رمضان سنويا ، وكان المصدر المقدّس للشريعة السّنية فى العصر المملوكى..كما لو أن كتاب البخارى قد نزل به الوحى فى رمضان .!!
2 ـ ثم حدث قبيل منتصف رمضان أن استدعى الداودار الكبير يشبك من مهدي أحد القضاة المالكية بسويقة السباعين ومعه شهوده في قضية وقف ، واثبت تلاعبهم بالحكم واتهمهم بالتزوير، فتراجعوا عن الحكم والشهادة، فأمر بنفيهم لولاً أن بعض الكبراء تشفع فيهم عند الأمير يشبك . وبعد جهد جهيد- على حد قول مؤرخنا- أطلقهم الداودار الكبير بعد أن أشهد على القاضى وشهوده بقسامة أن لا يشهد الشهود ولا يقضى القاضى.أى عزل القاضى والشهود عزلا مؤبدا.وعلم السلطان بما حدث فازداد إحتقاره لقضاته وفقهاء شريعته.
وحين توزيع التشريفات والجوائز على العلماء بمناسبة ختم البخاري في القلعة يوم الأربعاء 28 رمضان 875 لم يحصل ابن الشحنة على عادته من التشريفة والخلع، ولكن توسط ابن مزهر وأوصل له مكافأته فيما بعد.
3 ـ وفي أوائل شوال من نفس العام حدثت مشاجرة بين القضاة والعلماء في القدس ، وارتبط هذا بفساد العلماء والقضاة وظلمهم وأكلهم السحت ممّا أدّى الى هجوم العوام على بيوت القضاة ونهب ما فيها وسبى الحريم . ووصل السلطان والداودار نبأ ما حدث فإزداد مقته للجميع.
4 ـ وحدث في نفس الوقت أن استولى قاضى الإسكندرية ابن جنيبات على تركة أحد الأموات وحرم منها ابنه المسافر، وافتضح أمره. وكان قاضى القضاة ابن الشحنة متورطاً في القضية مع القاضى الشافعي جلال الدين البكري، وقد حقق الداودار الكبير في القضية فاعتقل القاضى جلال الدين البكري وقاضى الإسكندرية ابن جنيبات، وصعد بهما الداودار الكبير للسلطان ، وفوجئ بالسلطان يكرمهما ويطلق سراحهما، ولكن الداودار الكبير أطلق سراح البكري وأمر باستمرار اعتقال ابن جنيبات، وعزل البكري نفسه عن القضاء.
5 ـ وفي 11 شوال كلف السلطان كاتب السر إبن مزهر الأنصارى بالسفر للشام ( لفحص أحوال القضاة والأوقاف، وأذن له السلطان في التكلم على المساجد والجوامع والأوقاف وعزل من أراد واستمرار من اختار من القضاة وغيرهم مطلقاً خلال القضاة للكبار )، أى أعطاه قايتباى سلطة مطلقة وحرم القضاة الأربعة الكبار من حق اختيار نوابهم من القضاة وحق عزلهم ، وأعطى ذلك لكاتب السر في جولته التفتيشية.
6 ـ وفي أوائل ذى القعدة علم السلطان أن الشيخ صلاح الدين المكينى قاضى القضاة الشافعية جعل أحد الشهود قاضياً، واسمه أبو الخير الفيومي الذى كان متزوجاً بإحدى الجواري المعتوقات، وكان متورطاً في قضية سلب لإحدى الأوقاف ضمن مجموعة من الشيوخ ، وقد استدعاهم السلطان وعرف أنهم يأكلون إيراد الوقف ولا يعطون المستحقين شيئاً ، بل ولا حتى يقيمون في شعائر الصلاة. وحقّق معهم السلطان بنفسه ، ولم يستطيعوا الدفاع عنه أنفسهم أمام السلطان . فأمر السلطان القضاة الأربعة بأن يعين كل منهم نائباً عنه للجلوس بالجامع الذى فيه الوقف وفحص مستنداته وموارده ومصروفاته ويعلمون السلطان بذلك.
7 ـ وفي أوائل محرم 876 اختلف الشيخ محيي الدين الكافيجي الحنفي مع الشيخ أمين الدين الأقصرائى الحنفي في فتوى بسبب وقف الظاهر جقمق، وكان السلطان يريد أن يعلم رأى الشرع في هذه القضية، وجرت مناظرة ولكن الأقصرائى اعتذر عن حضوره هذه المناظرة.ولم يسعهما تعريف السلطان بالرأى الشرعى.
8 ــ وفي منتصف المحرم عقد السلطان مجلساً للنظر في خصومة بين قاضى مكة المعزول عنها وهو ابن ظهيره وبين قاضى المدينة ابن الفكاهانى، وحضر المجلس الشيخ أبو البركات أخو القاضى ابن ظهيره، وقال للسلطان: يا مولانا لا تسمع فينا كلام المتعصبين" وتدنّى الحوار بينما الى قول الشيخ بركات إنه يكون بريئاً عن دين الإسلام إن كان أخوه فعل كذا وكذا، وأمر السلطان بالاستعلام من مكة والمدينة عن حقيقة الحال.
9 ـ وفي أواخر صفر اغتاظ السلطان من القاضى ابن العيسى ناظر الأوقاف وغرّمه ألف دينار بسبب خصومته مع القاضى الجوجرى الشافعي، وهبوط مستوى التخاصم، الى درجة أن أثبت أحدهم أن رفيقه قذف زوجته ، فأمر السلطان بحبس المسئ في برج القلعة ماشياً ، ثم حبسه في سجن الديلم ثم أطلقه في النهابة.
10 ـ وفي أول شهر ربيع الآخر يروى إبن الصيرفى أن ( صعد القضاة لتهنئة السلطان بالشهر على العادة وصحبهم شخص اشتكي للسلطان القاضى الشافعي بسبب خان السبيل الذى تحت نظره ، وأخبر بأن بالخان مسجداً ، وأن الجمّالين جعلوه مخزناً لمتاع الجمال وخياطة الزرابيل، وأنه حاول منعهم فتغلب عليه أعوان القاضى الشافعي ). أى إن أعوان القاضى الشافعى جعلوا المسجد مزبلة للجمال والجمّالين مع أنهم القائمون على رعاية المسجد والانفاق عليه من الأوقاف الخاصة به. أى أكلوا أوقاف المسجد وجعلوا المسجد مزبلة بأجر. وعن طريق شيوخ آخرين منافسين لقاضى القضاة الشافعى تمكن هذا الرجل من الوصول للسلطان والشكوى اليه . أى أن التنافس بين الشيوخ ودسائسهم فى بعضهم كانت من عوامل فضحهم أمام السلطان. وبالطبع نحن لا نعرف من هذا كله إلّا ما قد سجّله مؤرخنا القاضى ابن الصيرفى . ولا نعرف بالتالى مقدرا حظّه من الفساد المستشرى ، ومدى صدقه فى التأريخ وهو شاهد متفاعل مع الأحداث ..ومع الفساد.
11 ـ وفي يوم السبت 5 ربيع الآخر اعتقل السلطان قاضى القضاة المالكى سراج الدين بن حريز بسبب تركة أخيه قاضى القضاة المالكي السابق حسام الدين بن حريز، يقول مؤرخنا فى إيجاز غير مفيد: ( حصل كلام كثير أفضى آخره على الترسيم ( أى الاعتقال ) في طبقة الأمير الزمّام . والأمر إلى الله الملك العلام .) وتصرف السلطان في الموارد التى كانت باسم القاضى المتوفي حسام الدين ، واستمر أخوه سراج الدين في (الترسيم) ليوفي ما عليه للناس، ثم أطلقه من الحبس يوم السبت ربيع الآخر.ـ وتوالت أحداث مشينة أخرى : في يوم الخميس ربيع الآخر عزل السلطان الأرميوني المالكي لأنه جار في الحكم على شخص من أتباع السلطان. وفي يوم الاثنين من هذا الشهر علم السلطان بوفاة القاضى ابن حنة الذى حرم أخويه من الميراث المستحق لهما، وقد شكى أخواه للسلطان ، وقال كاتب السر للسلطان: هذه وصية ومرجعها للشرع، ومع ذلك فلم يأخذ الأخوان حقهما بالشرع.
12 ــ وفي أوائل شهر جمادى الأول 876 اشتكى للسلطان والدان من البرلس، شكيا للسلطان القاضى الذى في البرلس أنه باع ابنهما لبعض العربان، وأنهما تعرفا على ابنهما، وحقق السلطان في القضية واستدعى القاضى فادعى القاضى أن والدى الطفل باعاه له، وادعى أن لديه شهوداً على البيع وطلب منه السلطان إحضار شهوده فلم يشهد بالشهود بما يؤيد دعواه فعلم السلطان كذبه وجريمته فأمر السلطان باعتقاله.
13 ـ وفي يوم الثلاثاء 21 جمادى الأولى تجددت مشكلة وقف الظاهر جقمق على مدرسة اينال الذى تنازع في قضيتها الشيخ الأقصرائى والشيخ الكافيجي من كبار الفقهاء الأحناف، وتحدى فيها الكافيجي زميله الأقصرائي، واعتذر الأقصرائى عن حضور مجلس المناظرة أمام السلطان وذلك أوائل المحرم 876، وكان الشيخ الكافيجي قد أفتي بأن نظارة أوقاف المدرسة تكون لمحمد بن إينال وجعل له أن يخرج من يشاء من المدرسة وأن يدخل فيها من يشاء، وأفتي الأقصرائى بخلاف ذلك.
14 ــ ثم تجددت القضية يوم الثلاثاء 21 جمادى الأولى حين وقف للسلطان أولاد ابن إينال هم وأرباب الوظائف بمدرسة جدهم إينال، وقد بنى الظاهر جقمق المدرسة لجدهم إينال، وأظهر الأولاد فتاوى بخط الأقصرائى وبخط الكافيجي وبخط الشيخ قاسم الحنفي، وكلها فتاوي متعارضة، فأمر السلطان القضاة جميعاً بالحضور في المجلس السلطانى، وحضر مؤرخنا ابن الصيرفي ذلك المجلس باعتباره أحد القضاة الأحناف ووصف ما حدث في المجلس بتفصيل ولكن يعوزه الغموض وتوضيح جوانب القضية كأنه يتحدث مع قارئ ملم بأطراف الموضوع. ولكن من خلال سرده لما حدث نعرف أن السلطان قال لقاضى القضاة الشافعي :أخربت الأوقاف، مرتين يقول ابن الصيرفي "فصار الشافعي في هيئة الأموات، ثم أنه باس يد السلطان وسأله أن يخرج عنه الأوقاف ويصير معه القضاء بلا أوقاف فقال له: أنت عاجز" واحتدم الخلاف بين القضاة ولم يصلوا لحسم القضية وظهر أمام السلطان عجزهم عن إصدار فتوى محكمة واحدة، ووضح من كلام مؤرخنا أنهم تبادلوا أمام السلطان الشتائم والاتهامات بالعجز، فالشيخ الكافيجي يقول عن الشيخ قاسم الحنفي وهو يخاطب الشلطان عنه "هذا الرجل لا يعرف النحو لا اللغة ولا الأصول ولا الفقه وإنما يعرف الحيل وهو محجور عليه في الفتوى لأنه يأخذ عليها رشوة، وهذا يسمى مفتن ماجن". واستمر الجدل بينهم إلى أن تدخل فيه نواب القضاة وارتفع اللغط، يقول مؤرخنا "وصار علاء الدين المنوفي- نائب الحنفي- راكباً على كتفي الشيخ أمين الدين والشيخ قاسم وهو من خلفهما يكلم الشيخ محيي الدين بما لا يليق، ومن جملة قوله :أيشن هذا الخباط؟ وهو خلف الحلقة وينادى بأعلى صوته: يا قاضى كاتب السر اسمع لى كلمتين" وأمره السلطان السكوت فصار يقول" والله لولا أن السلطان قال لى اسكت ما سكت" يقول بان الصيرفي "هذا مع أن السلطان قال لصلاح الدين الشافعي ولغيره : أسكتوا، ومع هذا فجماعة الشيخ أمين الدين يطلقون ألسنتهم في المنوفى ويقولون له: قم يا صبي النحس عن كتف الشيخ" واستمر البحث بينهم والكل يساعدون الشيخ أمين الدين بالألفاظ الخارجة عن البحث. ويقول ابن الصيرفي "وقام السلطان من المجلس ورسم لهم أن لا يتوجهوا من المجلس حتى ينهوا القضية" ثم حضر السلطان وقد طال النزاع ولم يصلوا إلى حل، ثم أفتي القاضى المالكي باللجوء إلى حكم السلطان ليعلن بذلك أن السلطان أفقه من القضاة جميعاً بأمور الشرع.أى بعد الهرج والسّب والشتم لم يتفق الفقهاء على أمر. أى لا يصلحون إلّا للفساد . وهذا هو تطبيقهم لشريعتهم السّنية . واستمر نقاشهم بلا فائدة ، وبعد طول أخذ ورد بينهم رسم السلطان أن يشترى المدرسة من ماله ويعمل عشرة آلاف درهم في كل سنة ويوقفه عليهم عوضاً عن ما أخرجه ابن أينال لأولاده، وأنقض الأمر على ذلك ودعوا للسلطان وانصرفوا.. وأثناء إنصرافهم وتسليمهم على السلطان حدث أن لكم السلطان القاضى جلال الدين، يقول مؤرخنا" ثم سلم الجماعة كلهم حتى الجلالى فلكمه السلطان في رأسه وقال له: أنت ما تخرج زكاة" وانصرفوا". فالسلطان مع ظلمه- يأمر قاضى الشرخ بإخراج الزكاة ، ويضربه على رءوس الأشهاد. وأفلحت هذه القضية في تنبيه السلطان إلى طبيعة قضائه الدين يمثلون الشرع.فهم ليسوا منحرفين فقط ، وإنما هم أيضاً جهلة ورفاق متشاكسون.
15 ــ وفي يوم الاثنين 5 جمادى الآخر 876 صعد القاضى عبد البر بن الشحنة للسلطان ليسلم عليه بعد أن عاد من حلب، ومع أن السلطان أكرمه وسأل عن والده محب الدين بن الشحنة قاضى الأحناف إلا أن السلطان عزل القاضى الشريف الوفائى الملقب بدموع وهو وثيق الصلة بعبد البر بن الشحنة .ويقول مؤرخنا القاضى إبن الصيرفي الحنفي عن السمعة السيئة للقاضى الشريف الوفائى ( دموع ) وصديقه عبد البر ابن قاضى القضاة ابن الشحنة الحنفى "وقد تكلم الناس فيه وفي عبد البر قاطبه بما تمجه النفوس مما يصدر منهما. )، ووصلت سمعتهما السيئة للسلطان عن طيق الأمير إبن خاص ، يقول ابن الصيرفى : ( وبلغ ذلك مولانا الأعظم- أى السلطان- نصره الله ، وأنه ( أى القاضى الشريف الوفائى دموع ) يتعاطى كذا وكذا، ومنها أن العلائى سيدى على بن خاص بك أعزه الله أخبروه عن الشريف أنهم وجدوا غلمانه وشهوده عند زوجة شخص من غلمانه( أى من غلمان الأمير إبن خاص )، وأخبروه أنه ( أى ذلك القاضى الشريف الوفائى ) يجلس بين القصرين في محل الحكم وهو غائب ( أى غائب عن الوعى بسبب تعاطيه ) فطلبه وهدده ، فيمكن أنه أعلم السلطان به".).وأدى ذلك كله إلى أن يأمر السلطان بعرض القضاة ونوابهم بين يديه ليفحص أحوالهم ، وكانت فضيحة عام 876. وهى تستحق وقفة فى المقال القادم .
الفصل الحادى عشر:( فضيحة القضاء الشرعى السّنى عام 876 فى عصر قايتباى )
السلطان قايتباى يعزل كل القضاة ويقضى بين الناس بنفسه.
بعد أن وصل إحتقاره لهم للذروة : السلطان قايتباى يتفحص بنفسه أحوال القضاة:
1 ـ ونتعرف على القشّة التى قصمت ظهر البعير : ففي يوم الأربعاء 28 جمادى الآخرة أمر السلطان بمنع القضاة جميعا من الحكم بين الناس ، وأمر قضاة القضاة أن يحضروا إليه بنوابهم بين يديه ليعرضهم ، أى ليستعرضهم جميعا أمامه ويحقق معهم بنفسه . ويوضح مؤرخنا السبب وهو أن آل الشحنة لم يعجبهم عزل السلطان للشريف الوفائى دموع يقول: "فما هان عزل الشريف على بيت الشحنة فسعوا بكل الطرق من الأمير تمر الحاجب ومن الأمير تنبك الداودار الثاني ومن رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصاري فتكلموا مع السلطان مرتين أو ثلاث فما وافق على ذلك، فألحّوا عليه حتى أن الأمير تم المذكور قبّل رجل السلطان" .
وأدى هذا الضغط على السلطان إلى أثر عكسي فأعلن منع كل القضاة من الحكم ، وجمع كل القضاة برؤسائهم ليحقق معهم ، أو بتعبير ابن الصيرفى " أمر بأن ينادي في المدينة أن أحداً من القضاة لا يحكم حتى يصعد إلى السلطان. وكان هذا الأمر عاراً على جميع القضاة وقتها، ومنهم يومئذ مؤرخنا ابن الصيرفي القاضى الحنفي، ونقرأ ما كتبه في هذا الصدد يعبر عن أحاسيسه ، يقول:( وبات قضاة القضاة ونوابهم من كل مذهب بكل شر وسوء، فإن هذا عار عظيم وبهدلة زائدة وكسر قلوب لعباد الله المؤمنين ومعلوم كل ما يترتب من قوله ( ص): "هدم الكعبة حجراَ حجراً أهون عند الله من كسر قلب مؤمن " وما حصل للناس بواسطة عبد البر وصاحبه ، وكانوا سبباَ في قطع أرزاق المسلمين الذين لا يقدرون على إظهار السؤال المستحق غالبهم لتعاطى البر والصلات، والمسئول من وابل فيض دنيا الكريم الخلاق أن يحل هذه العقدة بإطلاق وأن يستمروا على حالهم ببركة المصطفي المنزَّل عليه ..والله المستعان ).هنا يتحفنا مؤرخنا بحديث بذىء منسوب للنبى عليه السلام فيه إهانة للكعبة ، لكى يهاجم قرار السلطان بطريق غير مباشر . وهو يعبّر عن الأسى الذى عمّ القضاة الذين خانوا أمانة الحكم بالعدل . هذا مع إنّ مساوئهم التى ذكرها ابن الصيرفى نفسه تشهد عليهم ، وطبقا لما ذكره هو بنفسه من مساوئهم كان عليه أن يمدح تصرف السلطان ويفرح به ، ولكن لأنه كان فاسدا مثلهم فقد غضب من القرار ، ولأنه أعجز من التصريح بغضبه فقد تحوّل الغضب الى ( أسى ) ، وقام بتصوير القضاة الفاسدين المنحلّين الظالمين ( مسلمين مستحقين لتعاطى البرّ و الصلات ) أى يجعل الرشاوى برّا وصلة .
2 ـ وبدأ عرض كل القضاة على السلطان . صعدوا للقلعة للعرض على السلطان يقودهم قضاة القضاء الثلاثة بدون قاضى القضاة الحنبلى الذى كان قد مات ولم يتم تعيين من يخلفه. وكان منهم إبن الصيرفى التابع لابن الشحنة قاضى القضاة الحنفى. يقول مؤرخنا عن ذهابهم ليوم (العرض) مجللين بالخزى: ( فيه صعد قضاة القضاة الثلاثة وهم القاضى ولى الدين الأسيوطي الشافعي والقاضى محب الدين بن الشحنة الحنفي والقاضى سراج الدين عمر بن حريز المالكي ونوابهم، وكنت منهم ــــــــ فإن القاضى عز الدين أحمد العسقلاني من حين وفاته من حادي عشر جمادي الأولي ستة تاريخه والمنصب شاغر إلى القلعة ــــــــ ليهنوا السلطان بالشهر على العادة ، وجلسوا ينتظرون السلطان بالجامع هم ونوابهم ، ليعرضوا عليه حسبما برز المرسوم الشريف. ) وكان السلطان يحكم أحكامه السياسية في الاصطبل السلطانى فلما فرغ من ذلك طلب قضاة القضاة ونوابهم، يقول مؤرخنا:( فدخلوا وكاتبه معهم)، يعنى نفسه.
3 ـ وكان بعض الفقهاءالذين ليسوا قضاة قد سبقوا القضاة في ذلك الوقت العصيب فصعدوا للحوش السلطانى وهنأوا السلطان ، ومنهم الأقصرائي وسراج الدين العبادي. وقد جلس سراج الدين العبادي مع قضاة القضاة في الجامع بالقلعة قبيل أن يصعدوا للسلطان ورأى ما فيهم من الاضطراب والوجل، فأرسلوه للسلطان كى يتوسط لهم عنده، فدخل على السلطان وقال له: ( أريد أن أتكلم بكلام على نوع الفضول إن رسم السلطان تكلمت به وهو نصح ، فقال له: تكلم، فقال: "هذه الخرقة (أى الوظيفة ) أعنى خرقة الفقهاء رفيعة ") ، وصار يحكى له عن عزة القضاة في عهد جقمق والمؤيد شيخ، وقد حكى الشيخ سراج الدين العبادي أقواله تلك لمؤرخنا وسجّلها، وقد رد السلطان قايتباى على سراج الدين العبادى فقال له: يا شيخ سراج الدين أنا ما بهدلت الشرع والقضاة وإنما أريد أن يكونوا على الأوضاع".أى يريدهم صالحين . وأدت محاولة الشيخ سراج الدين العبادي إلى زيادة حدة السلطان فصار كاتب السر يترضّاه ويهدئه.. ثم قال سراج الدين العبادى للسلطان: ( يا مولانا أن الناس من باب المدرج إلى آخر باب النصر اجتمعوا لينظر ما يُفعل بالقضاة ومن ينزل منهم مجبور ومن ينزل منهم مكسور) .يقول مؤرخنا عنه:( ودعا له وإنصرف) أى دعا للسلطان ثم إنصرف، وعبّر مؤرخنا عن إمتنانه للشيخ سراج الدين العبادى فقال:( فجازاه الله خيراً عن المسلمين" آمين.).
4 ـ وبدأ عرض القضاة كل فريق بمذهبه وقاضى قضاته . وبدأ بالقضاة الشافعية، يقول ابن الصيرفى : ( ثم بدأ كاتب السر يستدعي القضاة واحداً واحداً ويعرضه على السلطان ) إلى أن وصل إلى القاضى فتح الدين السوهاجي فبمجرد أن سمع السلطان اسمه شاط وعاط على حد قول مؤرخنا ( وقال له: أنت تعمل الحر عبداً والمسلم كافراً والحق باطلاً! وما زال كاتب السر بالسلطان يهدئه إلى أن رضى عنه ولم يعزله.).واستدعى القاضى أبوبكر الأبشيهي الشافعي وهو مؤلف كتاب (المستطرف فى كل فنّ مستظرف) وقد حنق عليه السلطان وذكر عنه أموراً ووبّخه على حد قول ابن الصيرفى . وقد إرتجل الأبشيهى بيتين يتسول بهما عطف السلطان ، يقول:
|
لا تكسرن قلوباً قد أتيت بها |
وقابلنها بحسن العفو والرحب |
|
|
وعم بالخير من قد جاء منكسرا |
وبالخصوص إذا ما كنت في رجب |
5 ـ وبعد عرض القضاة الشافعية وموافقة السلطان عليهم بوساطة ابن مزهر كاتب السر بدأ ابن مزهر استدعاء القضاة الأحناف، وقد وضح غضب السلطان عليهم ؛ فقد وبخ وهدد القاضى ابن إمام الشخونية، وحين أبصر كمال الدين الطرابلسي سبّه وشتمه وقال لقاضى القضاة الحنفية: "من عمل هذا القاضى" هذا مع أن كل قاضى يتقدم للسلطان يتم تعريف السلطان به وبمن عينه، ولكن السلطان كان يقول "من عمل هذا القاضى ؟ " ليس للاستفهام ولكن للاستنكار والاحتقار".يقول مؤرخنا "ثم طلب الطولوني السمين الذى يجلس بحانوت مجاور لبيت الشيخ خير الدين السنسي.. فحين رآه سبه وعزله صريحاً وقال للقاضى الحنفي: من عمل هذا قاضياً ؟ فقال له: خير بك الداودار" ثم طلب ابن ظهير فلما رآه قال له: أنت مباشر لص وحرامي من عملك قاضياً، ثم التفت إلى مستنيبه أى قاضى القضاة الحنفى ابن الشحنة الذى جعله نائباً، وقال له هذا صهرك، فقال له قاضى القضاة الحنفي ابن الشحنة: ( أحضر لى خط الشيخ تقي الدين الشمني على كتاب الكنز باجازته له ) ، أى إنّه كانت معه إجازة علمية من الشيخ الشمنى بأنه درس كتاب ( الكنز )، وكان الشمنى متوفيا ،أى لا يصح طلب شهادته ، لذا قال قايتباى لقاضى القضاة الحنفى مستهزئا : (تحتج علىّ بالأموات؟ ) ( فلم يزل المقر الزيني يتطلف به حتى سكت )." فالسلطان سأل ابن الشحنة عمن أوصل ذلك اللص الحرامي إلى منصب القضاة وهو صهر ابن الشحنة، فاحتج ابن الشحنة بأنه أحضر له شهادة من الشيخ تقي الدين الشمني بأنه قرأ عليه كتاب الكنز في الفقه، ولما كان تقي الدين الشمني قد مات فإنه لا يصح الاستشهاد به في هذا المجلس فقال له السلطان: تحتج على بالأموات؟ ثم تدخل كاتب السر كالعادة حتى هدأ السلطان.
6 ــ ونمضى مع مؤرخنا وهو يصف المجلس الخطير، يقول "ثم طلب ابن الردادى فقال السلطان: من عمل هذا قاضياً ؟ فقال مستنيبه (أى قاضى القضاة ) سألنى فيه أكبر الشافعية سراج الدين العبادى ) إى إحتج بتوصية الشيخ العبادى . وجاءت لحظة عرض ابن الصيرفى نفسه على السلطان ، يقول عن نفسه : ( ثم ُطلب كاتبه ( يعنى ابن الصيرفي نفسه) من فوق المصطبه ، وأوصلني المقرّ الزيني حقي ، وقال عنى للسلطان: أنى من طلبة الشيخ محيي الدين الكافيجي وأنّه سأل في ولايتي ، وأنى قرأت على علماء ومشايخ منهم شيخ الإسلام ابن حجر، فلم يتكلم ببنت شفه ) أى إن السلطان لم يقل عنه ( من عمل هذا قاضيا ) . ونحن لا نستطيع تكذيب أو تصديق هذا لأن المؤرخ هو وحده الذى إنفرد بالرواية وكان شاهدا على هذا المجلس الخطير . ولكن نعترف بابن الصيرفى كاتبا ومؤرخا ودارسا على يد إبن حجر والكافيجى، هذا علاوة على صلته بكاتب السّر إبن مزهر الأنصارى الذى قال للسلطان إنه السبب فى تعيينه قاضيا . وإبن مزهر الأنصارى هو الذى أنقذ الكثيرين من جهلة القضاة فى يوم العرض هذا . يقول ابن الصيرفى عن سيده كاتب السّر ودوره فى إنقاذ كثيرين من منحرفى القضاة وجهّالهم : ( مع أن المقرّ الزينى ) يقصد ابن مزهر كاتب السر ( ستر على قوم من الشافعية والحنفية والمالكية، فمن الحنفية الشريف الوفائى المقسي وابن القصيف وغيره، وممن طلع ولم يقف للسلطان وتعلل بأنه حصل له قولنج خير الدير الرميثي الشافعي، وكان لما عرض القاضى بدر الدين الدميرى كتكوت قال له: أنت أيضاً قاضى؟ فقال: يا مولانا السلطان لى عشرين سنة قاضى، قال: يكفاك استريح- ثم عرضوا نواب المالكية فلم يقع فيهم كلام سوى أنه سأل عن واحد أو اثنين من ولاهم، وانصرف المجلس على ذلك.." ثم توسط ابن مزهر في إعادة الشريف الوفائى والميموني فوافق على عودتهما.
نوبة عدل تهبط على السلطان:
1 ـ وانتهر الناس الفرصة فهرعوا يستغيثون بعدل السلطان الذى نزل عليه فجأة، ويشتكون له ظلم القضاة وكبار وصغار الموظفين . يقول مؤرخنا عن أحداث يوم الثلاثاء رابع شهر رجب: ( كان الموكب السلطانى وكثرت الشكاوى على الأكابر والأصاغر.).وفى نوبة العدل هذه كانت محنتهم .
2 ـ ففي يوم السبت التالى ثامن رجب:( كانت الخدمة بالاصطبل على العادة وشُكى الاستادار وناظر الخاص وأمير آخور كبير وقاضى الشافعية وابن زوين كاشف الوجه الغربي). وأخذت السلطان نوبة العدل هذه فأخذ الظلمة من أعوانه بالشدة، وارتبطت هذه الشدة أحياناً بالعطف على الفقراء، يقول مؤرخنا: ( ووقف له جماعة من الفقراء بقصص- أى شكاوى- فرسم لغالبهم بدينار ورسم لشخص مقطوع الرجلين بثلاثة دنانير، وشُكى له ــ نصره الله ــ نائب غزه فجهز له بريدياً، وشكوا له قضاة حماة فرسم بإحضارهم".) أى أمر باعتقالهما وإحضارهما له من غزة ومن حماة .
3 ــ وفي يوم الاثنين 10 رجب وقف الشيخ عثمان الحطاب المقيم بالمدرسة السيفية أمام السلطان واشتكى أن الأمير تغري بردى المحمودى اغتصب من المدرسة السيفية إيواناً وجعله إسطبلاً . ( والشيخ عثمان الحطاب كان قائماً بتجديد المدرسة المذكورة وعمارتها ، وأقام بها خلاوى للفقراء ) أى حجرات للخلوة والعبادة الصوفية حسب المعتاد وقتها من إقامة المؤسسات الصوفية ( أو التكايا ) ليعيش فيها الصوفية وكان لقبهم ( الفقراء ) عالة على المجتمع يعيشون مجانا ويتبرك الناس بدعائهم . ونعود لمؤرخنا وهو يقول عن المدرسة السيفية والقائم عليها الشيخ عثمان الحطّاب : (وكان ينفق عليهم مما يصله من تبرعات المحسنين، وكانت المدرسة المذكورة في الأصل كنيسة وليس لها كتاب وقف) أى كانت كنيسة بلا مورد لها بالوقف والانفاق عليها ، فاستولى عليها من جعلها مؤسسة صوفية . وطمع الأمير المملوكي تغرى بردي المحمودى فى قطعة أرض بجوارها فاستولى عليها بإذن من القاضى ابن حجر المؤرخ والمحدّث المشهور ثم العيني ، وهو أيضا مؤرخ ، وكان هذا قبل عصر قايتباى.ثم أذن له البساطى وعز الدين المقدسي في عهد قايتباى. ولأن السلطان قايتباى لم يعد يثق في قضاته فإنه أرسل كاتب السر والداودار الثاني تنبك قرا لينظرا هذه القضية (ويعملا ً بالشرع فيها). ولم يحسما الأمر فغضب السلطان وقال :( أنا أرسل في قضية كاتب السر والداودار والحاجب وما ينقضى لى شغل؟ أنا أتوجه بنفسي، هاتوا الفرس . ) . وتدخل بعضهم ليثني السلطان عن عزمه، ولكن نوبة العدل التى حلت علي السلطان فجأة جعلته يصمم على الذهاب بنفسه للمدرسة ليحل مشكلتها، وتوجه معه موكب من كبار المماليك، ووصلوا للمدرسة وأرسل السلطان للقضاة الثلاثة (الشافعي، الحنفي، المالكي) فجاءوا بهم على وجه السرعة ووقف العوام ينظرون إلى القضاة وهم يسرعون بهم للسلطان، يقول مؤرخنا يصف ذلك المشهد وأهل القاهرة يشمتون بالقضاة ويشتمونهم : ( ومرّوا بالقاهرة والخلق من العوام والأوباش ينظرون إليهم ويقولون فيهم ما شاءوا وصار بعضهم ينسبهم إلى خراب الأوقاف وبعضهم ينسبهم إلى بيعها.)
وحدث أخذ ورد وجدال في القضية بسبب عجز القضاة عن الاتفاق على حكم ، وأثار ذلك السلطان فقال: ( قضاة القضاة يستحسنوا ويدلسوا على ويغطوا .. قل لى كتاب الوقف عند من؟ ) . ويقول ابن الصيرفي أخيراً ( وطال الأمر على السلطان فركب ورسم للقاضى كاتب السر والأمير تمر حاجب والقضاة أن لا ينصرفوا من هذا المجلس حتى ينهوا أمره . ) وقد أعاد ابن الصيرفي رواية تلك الحادثة وجاء بتفصيلات أخري منها أن ( السلطان إحتد على ابن مزهر الأنصاري حدة مفرطة وكلمة بكلام ما سمعه منه قط، وأساء على القاضى نور الدين الأنبابي إساءة مفرطة من جملتها: يا شيخ رجلك في القبر وأنت تداجي على؟ والله أضربك بالمقارع .!!).
4 ــــ واكتسب السلطان قايتباى مكانة عالية بين جمهور العوام بسبب موقفه من فساد القضاة. وحدث يوم الاثنين 17 رجب أنه توجه إلى أبى زعبل ليفتتح سبيلاً أنشأه هناك ، وحلّ آذان المغرب فنزل وصلى إماماً بالناس بمدرسة الجناب العلمي ابن الجيعان . ودخل من باب القنطرة من بين الصورين، وأثناء مروره بالقاهرة اجتمع حوله الناس يدعون له بالبقاء والدوام.
الناس يحتكمون للسلطان في قضاياهم الشرعية:
1 ـ وانتهز المصريون نوبة العدل التى هبطت على قايتباى وعزله للقضاة فتوجهوا اليه بالشكوى ورفع المظالم . وفي يوم السبت 22 رجب كان الموكب السلطاني بالإسطبل على العادة ووقف الشاكون أصحاب الشكاوى ونودى في المدينة بأن من له دعوى على ضامن الخضر من الغياطين أو غيرهم يحضر بين يدى السلطان، فشكي ابن المقسي ناظر الخاص بأنه له في ذمته مبلغاً ثمن مشتريات لم يعطه ثمنها، فالتفت السلطان لمن حوله وصار يذكر لهم مساوئ ابن المقسي، وتدخل كاتب السر ليحل الموضوع، ولكن كان ذلك بداية المحنة التى سيلقاها ابن المقسي فيما بعد.وترك الناس التحاكم بين القضاة بعد ما حدث واتجهوا للسلطان في كل أمورهم الشرعية والسياسية الحكومية، وكانت محنة لكل أرباب المناصب، وكانت تتكرر هذه المحنة يومي السبت والثلاثاء حيث يعقد السلطان جلسته في المسطبة للحكم.
2 ــ في يوم الثلاثاء 25 رجب يقول مؤرخنا: ( كان الموكب السلطانى بالاصطبل وشُكى على جماعة، منهم الشيخ عفيف الدين الزاهد العالم المقيم بسطح جامع الحاكم بسبب الخلوة التى هو ساكن بها، فأخذ رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصار كاتب السر حفظه الله قصته ووعده أن يعمل مصلحته، فحضر إليه وأعطاه شيئاً من الحطام ( أى أعطاه رشوة ) وكتب عليه إشهاداً، وشُكي صاحبنا الزينى عبد الحفيظ الداودار من الصيادين ببحر منجا فطلبه السلطان فتكلم بين يديه بكلام متع (أى جيد) فرسم له أن يواظب طلوع القلعة ورسم له أن يتوجه إلى الأمير الداودار الثاني لينظر في أمرهم، وشكت امرأة على زوجها للسلطان أنه تزوج عليها ويضاجرها فردها رداً قبيحاً، فلا قوة إلا بالله، وكثرت الشكاة حتى أن بياع الفجل قال اشتكى السلطان.).!!.والملاحظ مما سبق أن السلطان كان يتلقى الشكاوى السياسية من ظلم أرباب الوظائف كما كان يتلقى الشكاوى الشرعية وقضايا الأحوال الشخصية كما حدث في الشكوى من الشيخ عفيف الدين المقيم بخلوة فوق جامع الحاكم، وكما حدث من تلك المرأة التى اشتكت زوجها الذى تزوج عليها ويضاجرها. والملاحظة الهامة أن كل الناس كان يقصد السلطان للشكوى في كل شيء حتى أن بياع الفجل يقول اشتكى السلطان.
3 ــ ففي يوم السبت 29 رجب شكى ثلاثة ناظر الخاص ابن المقسي، وكان أحدهم قد تكرر وقوفه للسلطان يشكو من ناظر الخاص وقد كلف السلطان كاتب السر أن يحل الموضوع ولكن كان ناظر الخاص يتهرب من إنصاف ذلك المظلوم برغم إلحاح كاتب السر. وفي هذا المجلس كانت نوبة الإنصاف والعدل قد تملكت السلطان لسوء حظ ابن المقسي، وهكذا فعندما اشتكى ذلك الرجل ابن المقسي واشتكى اثنان معه منه احتدّ السلطان وطلب ابن المقسي وسبّه ولعنه والتفت إلى كاتب السر واحتدّ عليه أيضاً، وقال له: ( أنت ما تنصحنى.! )، وأمر بضرب ابن المقسى (.. فبطحوه بين يديه وضربوه على مقاعده وكان يوماً شديد البرودة وأمر السلطان بنزع ثيابه وضربه على ملابسه الداخلية فصار يستغيث فلا يغاث حتى انقطع حسه بعد ذلك فقام الأمراء وتشفعوا فيه لدى السلطان فازداد غضب السلطان وأمر بضربه ثانياً عرياناً، فضربوه نحو خمسين مقرعه فشفع فيه الأتابك أزبك وبقية الأمراء، فأراد السلطان قطع ثيابه من فرط غضبه عليه، وصار يقول له" أنا أعدل وأنت تظلم؟ أنا أعمّر وأنت تخرّب، ثم التفت إلى كاتب السر وأمر بتعيين ابنه القاضى بدر الدين في نظارة الخاص فأخذ كاتب السر يعتذر ويهدئ السلطان ).ويقول مؤرخنا يصف هذا المشهد ورعب أعيان الدولة ( الظالمين ) خوفا من نوبة العدل التى تملّكت قايتباى : ( هذا ، مع أنه من حضر هذا المجلس من الأكابر عُد كالهالك ، خصوصاً مباشرى الدولة ، وأعظمهم رعباً وخوفاً شرف الدين بن كاتب غريب المتكلم في الوزارة والاستادارية عوضاً عن الداودار الكبير، وأما ناظر الجيش وكاتب المماليك فما نزلا إلا محمولين، وكانت ساعة نسأل الله منها السلامة.! ورسم بالترسيم ( أى السجن )على أن ابن المقسي وأودع الطشطخانة ثم نقل إلى طبقة الخازندار.).وشُكي في هذا اليوم الأمير المملوكى ابن قمتى رأس نوبة الداودار، فرسم بحضوره من أى مكان فيه، وشكى قاضى جدة أبو البركات من ظهيره من امرأة بسبب ميراث أبيها، ثم شكى ضامن الخفير، والغيطان المشهور بتقي الدين ،وهو من أسماء الأضداد، ( يعنى ابن الصيرفى أن هذا الرجل إسمه تقى الدين وهو لا يتقى الله ) فرسم السلطان لأصحاب الغيطان أن يحضروا غدا تاريخه بين يدى السلطان. ) وقرّر السلطان بعد هذا المجلس تعيين بدر الدين إبن كاتب السر ابن مزهر الانصارى في نظارة الخاص بعد عزل ابن المقسي وسجنه وضربه.
4 ــ والخطأ السياسي الذى وقع فيه ابن المقسي أنه لم يهتم بالتغيير الذى حدث في السلطان قايتباى وجعله ينقلب إلى النقيض، وقد أدرك بعد فوات الأوان أن السلطان كان جاداً في تحرى العدل بعد أن وصل مستوى القضاة والقضاة إلى الحضيض.والقاضى ابن المقسي في النهاية هو مثل كلاسيكي لكل أرباب الوظائف في عصر قايتباى ولا نجد أصدق من وصفه إلا ما قاله عنه مؤرخنا ابن الصيرفي تعليقاًُ على ما حدث له، يقول القاضى ابن الصيرفي "ولقد تأسف بعض الناس على ابن المقسي وحزنوا عليه حزناً شديداً حتى أعداؤه، وما أحسن من قال:
|
رثى له الشامت مما به |
يا ويح من يرثي له الشامت |
غير أنهم أيضاً ذكرواً أنه سيئ المعاملة جداَ، ومعلوم أن المعاملة هى الدين، وأنه إذا ابتاع شيئاً لايقول في نفسه إلا أنه ملكه،ولا يدفع ثمنه إلا لمن له جاه أو صولة أو شوكة أما الضعفاء والفقراء.. فنهاية ما عنده لهم كتابة الوصولات ، ويكتب بخطه بالصرف على كل وصل، أى وصل نحو العشر مرات ولا يصرف لهم شيئاً وغالبهم يضيع وصوله وغالبهم يتعب وغالبهم يترك والنادر من يتجوه- أى يبحث عن جاه- بأحد حتى يصل إلى بعض شيئ.). إذن نحن هنا أمام نصاب محترف يتقوى بنفوذه على أكل مال الضعفاء ويعطيهم "وصولات" غير قابلة لدفع، أو بتعبير عصرنا "شيك بلا رصيد". ومن خلال هذه المظالم أصبح ابن المقسي من كبار الأثرياء، يقول عنه القاضى ابن الصيرفي: ( وله المماليك الحسان ويركبون الخيول الخاص والسروج والذهب والأقمشة الملونة من الديباج والحرير والصوف والسمور وكذا العبيد الحبوش، وفي خدمته شخص يسمى ابن الصناج داوداره ، يلبس كل بدلة بمائة دينار، وبلغني أنه طلع للسلطان بشئ من عند أستاذه فوجد عليه مقربة بعلبكية لابسها فقال له: قل للقاضى ناظر الخاص يفصّل لنا مثل هذا ، وأمثال ذلك من إنعامه على من يجتمع عليه من ندمائه وجلسائه بالصوف والسنجاب والسمور وغير ذلك، وسمعت أن جامع المقسي الذى هو متحدث عليه قطع غالب معاليم قومته، ( أى مرتبات موظفيه) ، وأبطل ملء فسقيته وغير ذلك ، فدعوا عليه عشاء وضحى وعصراً ومغرباً .والدعاء من المظلوم في الأسحار لا يخطئ.). أى إن ابن المقسي كما كان نهما في أكل أموال الضعفاء وقطع أرزاق الموظفين في المسجد الذى يقوم برعايته كان على العكس من ذلك كريماَ في تعامله مع ندمائه وجلسائه ولذلك لا ينبغي أن نحزن لما ذاقه من الضرب والنكال.وقد استمرت محنته فأصدر السلطان أمراً يوم الأحد 8 شعبان بانتقاله من سجن الزمام إلى بيت ابن مزهر كاتب السر ليحاسبه على ما في جهته من أموال السلطان.
5 ـ وظل القضاة معزولين وظل السلطان يقوم بوظيفة القضاة إلى يوم الثلاثاء 10 شعبان حين اشتكي له شخص من رأس نوبة نقيب الجيش، واقتنع السلطان بصدق دعوى الشاكي فضرب المدعى عليه، وظهر كذب المدعى فضربه السلطان، ثم أمر الوالى أن ينادي في المدينة أن أحداً لا يشكو أحداً للسلطان حتى يقف أوّلا على القضاة والحكام فإن أنصفوه وإلا يقف له، وبذلك أعاد السلطان القضاة مسئوليتهم وجعل نفسه الدرجة الأخيرة في التقاضى.وخمدت نوبة العدل عند السلطان قايتباى ، وانتهت محنة وفضيحة قضاة الشرع السّنى ، وعادوا الى مباشرة وظيفتهم فى إقامة الظلم بين الناس .
هوامش ما سبق
- خطط المقريزي3/39: 41.
- خطط المقريزي 3/66: 67، 73، 71: 72.
- الهصر: 143: 144، 172: 173.
- خطط المقريزى: 3/68.
- الهصر 485/ 279، 98: 100.
- الهصر: 16، 21، 22، 23، 24، 26، 28، 33، :40، 43.
- الهصر: 20، 23: 24، 148، 189، 214، 216: 217، 226، 243، 245، 246، 331، 338، 382، 281.
- الهصر: 56، 60، 121، 186، 281، 285، 319، 328، 351، 362، 363، 377، 378،، 382، 387: 378، 391: 392،442.
- الهصر: 32، 56، 139، 47، 481، 493، 498، 195، 146: 147، 501.
10) 47: 48، 481: 482.
11) الهصر 420: 422، 484: 485.
12) الهصر: 485: 486، 101: 103، 362، 365، 367، 97: 100، 230: 232، 309، 194: 195، 227، 66.
13) الهصر 152، 504، 446.
14) الهصر 448، 231.
15) خطط المقريزي: 3/68.
16) الهصر: 485، 425، 5، 8، 438، 439.
17) الهصر: 307، 232، 408: 409، 450، 346، 348، 476، 493.
18) الهصر: 153: 154، 323.
19) المقريزي: السلوك 3، 2، 933.
20) الهصر: 449: 450، 463.
21) الهصر: 290، 487، 476، 126: 127، 136، 7: 8، 220، 412، 225.
22) الهصر: 148: 251، 254، 257، 260: 261، 263: 265، 268، 270، 282، 329، 331، 336، 337، 338، 341، 342، 343، 352، 358، 360.
23) الهصر: 370: 371، 371: 377، 378: 379، 379: 381، 385: 386، 378، 388، 391، 392، 394، 400: 401.
الفصل الحادى عشر : تطبيق حد السرقة على طفل جائع من العوام فى عصر قايتباى:
أحوال العوام في القاهرة والمدن فى ظل تطبيق الشريعة السنية فى عصر قايتباى
ابن الصيرفي يظلم العوام في تاريخه:
1 ـــ إهتم مؤرخنا أحياناً بطوائف الشعب في القاهرة، وكانوا يعرفون بأهل الحرف أو الزعر والحرافيش والعامة والعوام. ويستطيع الباحث أن يتبين بعض ملامح الظلم الذى عاشه العوام من خلال إشارات فى تاريخ الهصر عن ظلم المماليك وأعوانهم من أرباب الوظائف. ومع ذلك فإن مؤرخنا (القاضى) ابن الصيرفي لم يكن عادلاً في إشاراته القليلة عن العوام، مع أنه ينتمى إليهم إذ عاش في أسواق القاهرة صيرفياً قبل أن يلحق بسلك العلماء والقضاة . وليس من السهل تبرير هذا الموقف من ابن الصيرفي إذ يتنكر للشعب الذى أتى منه في سبيل مرضاة الظلمة ، وإن كان من السهل تفسير موقفه من خلال الحياة في مجتمع يتنفس الظلم تحت شعار الشريعة التى ينفذها قضاة عرفنا نوعيتهم ، ويعبّر عنهم مؤرخون على شاكلة ابن الصيرفى . وحيث يعيش الشعب تحت ارهاب سلطة عسكرية تتمسح بالدين فلا سبيل لمخرج من هذا الظلم إلّا بتغيير ثقافى يقوم على إجتهاد يظهر حقائق الدين السماوى التى تؤكد على العدل والاحسان والحرية . وبدون هذا يزداد تلوث المناخ العام دينيا وخلقيا وسياسيا ويعلو أسافل الناس ويسود الأسوأ منهم فى ( الدين وفى الدنيا )، و تنتشر الأنانية ويسعى كل إنسان لمصلحته وصيانة نفسه وولده، بل ربما يتخلى عن أقرب الناس إليه إذا دهمه طوفان الظلم، أو على حد تعبير المثل الشعبي المصري: (يا روح ما بعدك روح..) ( إن جاك الطوفان حط ابنك تحت رجليك ). وكم اشتق شعبنا المصري من معاناته الكثير من أمثاله الشعبية.
2 ــ في غلاء سنة 873 وما حدث فيه من قطع مرتبات أرباب الوظائف وكان من بينهم مؤرخنا ابن الصيرفي يقول بعد وصف معاناة أهل طبقته:( مع أن جماعة ما طرق قلبهم الهمّ والغمّ، وهم العوام والفقراء فإنهم يتنزهون ويتفرجون فلا بارك الله فيهم، ما أقبح فعالهم.!). العوام كانوا يعيشون على الكفاف تحت سياط الظلم الذى يوقعه بهم أولئك الظالمون الذين قطع ( الظالم الأكبر ) بعض مرتباتهم، وليس متوقعا منهم أن يحزنوا لما أصاب بعض الظالمين من قطع بعض مرتباتهم. ويبدو أن مؤرخنا القاضى كان يتوقع أن يلطم العوام الخدود ويشقوا الجيوب أو أن يقوموا بمظاهرة تحتجّ على ما أصاب أرباب الوظائف الظلمة من قطع مرتباتهم، ولأنهم لم يهتموا فقد صبّ مؤرخنا القاضى جام غضبه عليهم، وكان أولى به أن ينتقد السلطان الذى أصدر قرار قطع المرتبات، ولأنه لا يستطيع فقد وجد في العوام الغلابة متنفساً لثورته المكبوتة.
السارق الأكبر يطبّق قطع اليد والأطراف على الجوعى من العوام
1 ــ وقد مر بنا أن أرباب الوظائف بما فيهم القضاة كانت لهم عادة سيئة هى أكل أموال العوام بالباطل، إذا كان للعوام أموال يمكن أكلها، ويسيئون معاملتهم ويتعالون عليهم في نفس الوقت الذى يذوبون فيه رقة في تعاملهم مع أولى الحيثية وأرباب النفوذ. وقد ذكر مؤرخنا إشارات عن ذلك في حديثه عن بعض أبناء طبقته مثل ابن المقسي وابن البارزي وعبد البر بن الشحنة . ولكننا نرى من خلال كتاباته أنه كان يشارك أهل طبقته نفس النظرة للعوام ويتعالى عليهم ويستكثر عليهم التنزه على النيل بينما هو مهموم، وهو في نفس الوقت لا يطالب نفسه بما يطالبهم به من التعاطف والمشاركة الوجدانية، فما رأينا في كتاباته أسفاً وحزناً على مظلوم سجين أو صريع بيد زبانيه السلطان بل كان يذكر ذلك ببرود عجيب كما لو أن المقتول أو المسجون أو المضروب مجرد حشرات لا يؤبه بها، بل و قد يرصّع ذكر الحادثة التاريخية تلك بالدعاء للسلطان الظالم. وهو دائما يذكر إسم السلطان مقرونا بالدعاء له مهما فعل السلطان .
2 ـ يقول إبن الصيرفى في أحداث أول صفر 874": ( وفيه رسم السلطان نصره الله بشنق حرامى وهو مستحق لذلك فإنه سرق فقطعوا يده وأطلقوه فسرق ثانياً فقطعوا أرجله وأطلقوه فسرق ثالثاً فرسم فشنق ، وقطعت يد صغير سرق وهو غير مكلف). ولم يسأل مؤخنا نفسه عن حالة ذلك اللص المشنوق ، هل كان محتاجاً للسرقة أم لا، كيف كان يعيش بعد أن قطعوا يده ورجليه، وهل عضّه الجوع فاضطر للسرقة بعد أن فقد ثلاثة من أطرافه ولم تبق له إلا يد واحدة تناول بها ما يسد رمقه فجعلوه، سارقاً وشنقوه.. والذى أمر بشنقه هو الذى كان يسرق الجميع ويبيح له شرعه السّنى قتل ثلث الرعية لاصلاح حال الثلثين ، وبالتالى فمن حقه قتل الجميع إذا اضطرهم الجوع للسرقة.
3 ـ ونتوقّف مع قول إبن الصيرفى فى أحداث نفس اليوم : (وقطعت يد صغير سرق وهو غير مكلف.)!! .
لم يسأل مؤرخنا القاضى نفسه هل يجوز قطع يد صبي صغير حتى لو سرق ؟ وهل يجوز تطبيق الحدّ على غير المكلّف؟.!!. لم يسأل نفسه شيئاً، واكتفي بالدعاء للسلطان نصره الله ولم يأبه بالمخلوقات الآدمية التى تحطمها أقدام السلطان الذى نسي من أجله الشعب الذى أنجبه واحتضنه. إنّ قطع يد طفل صغير بعد إتهامه بالسرقة والدعاء للسلطان بعدها يعطى جوهر الشريعة السّنية التى تقوم على أساس العبودية للحاكم المستبد وحقه فى أن يفعل ما يشاء بالشعب ، فهو لا يسأل عما يفعل . ومن هذا الاقتناع ( لا نقول : القناعة لأن إستعمالها هنا خطأ لغوى ) ومن هذا ىالاقتناع فإن إبن الصيرفى لا يرى بأسا بقطع يد طفل صغير جائع . لا يرى بأسا فى ذلك وهو قاض ، ولا يرى بأسا فى ذلك وهو مؤرخ .
ولا عزاء للعوام ولا قيمة لهم عند المؤرخين
1 ـ لقد كانت عادة سيئة للمؤرخين فى العصور الوسطى ـ خصوصا فى الحوليات التاريخية ، أن يطوفوا حول الحاكم تمجيدا ؛ يذكرون كل أخباره ، التافه منها والهام . أما آحاد الناس من الشعب فلا نصيب له من الاهتمام . المؤرخ وقتها كان يولّى وجهه شطر الحاكم آناء الليل وأطراف النهار ، لا يلتفت الى آحاد الناس إلّا إذا وقعت له مصيبة ، عندها فقط يستحق الاهتمام وأن يأتى ذكره بين سطور التاريخ .أى كان لا بد لآحاد الناس من القتل أو الشنق أو قطع الأطراف حتى يتكرّم عليه المؤرخ بتسجيله فى التاريخ . بل حتى عندما يكتب عنه سطرا أو سطرين فالمؤرخ لا يذكر أسماء أولئك الضحايا المساكين. ونستعيد ما كتبه مؤرخنا:( وفيه رسم السلطان نصره الله بشنق حرامى وهو مستحق لذلك فإنه سرق فقطعوا يده وأطلقوه فسرق ثانياً فقطعوا أرجله وأطلقوه فسرق ثالثاً فرسم فشنق ، وقطعت يد صغير سرق وهو غير مكلف)، فلا نعرف إسم المشنوق ولا إسم الصبى الذى قطعوا يده ، ولا نعرف تفاصيل القصة ، وكيف سرق هذا ومن حكم عليه ، وممّن سرق وما هو المسروق ..
2 ـ وابن الصيرفى ليس بدعا فى هذا فى تجاهله للعوام وآحاد الناس وطوفانه حول الحاكم . كان على نفس الطريق أساتذته المؤرخون الفقهاء المحدثون ، وأهمهم ابن حجر العسقلانى . وعلى نفس السّنة تسير أجهزة الإعلام فى الدول المسنبدة حتى الآن . إنها ثقافة سائدة ترسّبت بفعل دين أرضى تحكّم وتسيّد ، وتأثر به فى العصر المملوكى ( قضاة الشرع ) الحاكمون ، بل وتأثر به العوام المظاليم أنفسهم ، إذ كانوا يحبون الظالم الأكبر قايتباى .!!
حب العوام للسلطان قايتباى:
1 ــ ومهما يكن فإن موقف مؤرخنا القاضى ابن الصيرفي المعادة للعامة يجعله وثيق الصلة بالعامة! كيف.
فابن الصيرفي الذى تنكر لأهله وشعبه وحابي الظلمة على حسابهم إنما كان يصدر في حقيقة موقفه عن نفس موقف العوام في القاهرة، إذ كانوا يحبون السلطان قايتباى ويتجمعون في الشوارع للترحيب به والهتاف باسمه. ومن ثقافة العبيد المتأصّلة أن يتحمل الظلمة من أعوان المستبد كراهية المظلومين بينما يظل السلطان الظالم الأكبر متمتعاً بحب الناس طالماً بقي في الحكم، فإذا ولى السلطان بالموت أو بالعزل انطلقت فيه الألسنة بالتجريح والسخرية، وهكذا كانوا يفعلون في العصر المملوكي. وربما لا يزالون.
2 ــ ومن العجيب أن جماهير القاهرة ومصر كانت تلاحق السلطان بالتجمهر حوله إذا شق موكبه القاهرة، ليس للفرجة والتنزه وإنما أيضاً للدعاء له. في يوم السبت 6 ربيع الأول سنة 873 ركب السلطان للنزهة في خانقاه سرياقوس وشق القاهرة إلى موضع الخانقاه، ومكانها الأن مدينة الخانكة بالقليوبية، وفي هذه المدينة سار مع السلطان نفر يسير وترجّل ومشى في شوارع المدينة حتى شق شارع الخانقاه وقد اجتمع الخلق ( وكثر الدعاء له منهم) على حد قول مؤرخنا. وفي يوم الأربعاء 18 ذى الحجة 873 عاد السلطان من جولة له في الشرقية والغربية ونزل بالمطرية وتغدى بها وركب أخر النهار وتوجه إلى الريدانية ومكانها الآن مدينة نصر، وبات بها ، ودخل القاهرة صباح الخميس، ووصف مؤرخنا هيئة الموكب السلطان وقد كان حاضراً مع القضاة الأربعة، يقول "وركب معه- أى السلطان ــ قضاة القضاة الأربعة ونوابهم ، وكنت صحبتهم ، وسار في هذا الموكب العظيم الضخم حتى دخل من باب النصر ، ففرشت له الشقق الحرير تحت رجل فرسه ، ونثر على رأسه الذهب والفضة، وكان لدخوله يوم مشهور.)، وينقل مؤرخنا رأى المؤرخ أبى المحاسن بن تغري بردى في التهوين من استقبال الناس لقايتباى ويرد عليه فيقول: ( وقال الجمال يوسف بن تغري بردى في تاريخه:" وكان الدعاء له قليلاً، وإنما غالب ازدحام الناس للفرجة" قلت: أنا شاهدت الركبة وركبت فيها مع نواب قاضى الحنفية المحب بن الشحنة ورأيت العالم يبتهلون ويدعون للسلطان بدوام البقاء والعلو والارتقاء.). ونحن نصدق رواية مؤرخنا ابن الصيرفي فهي أكثر تعبيراً عن الشعب المصري الطيب فكم صفق للطغاة وفق ثقافة العبيد المتأصلة فيه .وقد قالها من قبل عمرو بن العاص: مصر مطية راكب.
3 ــ وكان قايتباى يشعر أحياناً بالملل من احتفال الناس به وتجمعهم لرؤيته حين يرجع من احدى نزهاته الكثيرة، فقد حدث أن رجع من احدى هذه النزهات يوم الخميس 19 جمادى الآخر 875 فصعد للقلعة من الصحراء ولم يدخل البلد مع أن أهل البلد قد تجمعوا لرؤيته. يعنى بالبلدى.. (إداهم بمبة).
4 ــ وكان المصريون في الأقاليم أكثر ابتهاجاُ برؤية السلطان. في يوم الاثنين 13 شوال 876 ( ركب السلطان من القلعة وعدّى من بولاق إلى أوسيم ، حيث استضافه الأمير خشقدم الساقى ؛ (فاجتمع له الخلائق والعوالم .. واختلطالنساء بالرجال بالوالدان فلما رأوه صاحوا بالدعاء له وعجّوا وضجّوا ، وهو ينظر إليهم ، وهم حول فرسه ،ولا يمكن أحداً من ضربهم ولا إبعادهم عنه)، أى منع حرّاسه من ضرب الجماهير . وأسهب مؤرخنا في نفاق السلطان والتعجب من شجاعته أثناء روايته لهذه الحكاية مع إشارته الطفيفة إلى أن حرس السلطان اعتادوا ضرب الناس الذين يهتفون باسمه.
5 ــ بل وصل كرم هذا الشعب إلى الاحتفاء بمن يرضى عنه السلطان من أتباعه الظلمة.. في يوم الخميس 8 محرم 876 خلع السلطان على موسى بن غريب متحدثاً في الاستادارية والوزارة عوضاً عن الداودار الكبير الذى سافر إلى الشام، فأقاموا له زفّة هائلة وأوقدوا له الشموع حتى وصل لداره.ربما حتى ينسى ما تعرض له من ( بهدلة ). وتيمناً وتفاؤلاً بسفر الداودار الكبير يشبك من مهدى لحرب شاه سوار الثائر على الدولة فى شمال العراق فإن أهل القاهرة ومصر زينوا جميع الحوانيت والأزقة والدور وصنعوا تماثيل على هيئة شاه سوار وإخوانه تعبيراً عن التفاؤل بالنصر، ويقول مؤرخنا : (واستمرت حوانيت مصر وشوارعها وأزقتها مزينة بأنواع الحلل الفاخرة.. الذى لم يسبق له مثيل بحيث لم يعهد أن وقع نظير ما ذكر في عصر من الأعصار ولا دهر من الدهور ولا في محمل ولا في حضور قائد تمرلنك ولا في عود سلطان من السفر بمثل هذه الزينة والوقيد الذى بسائر المدينة".) . والوقيد يعن الإضاءة ليلا ..
طوائف العوام رفضت الظلم:
1 ــ وبعض الحرفيين من طوائف العوام وجدوا من الجرأة ما جعلهم يرفضون الظلم. يقول مؤرخنا:( وأصبحت مصر وأهلها ( يقصد ما يعرف الآن تقريبا بالقاهرة الكبرى ) في ألم شديد من عدة وجوه : وهو أن ساكفة رُمى عليهم من ديوان الدولة جلود ( أى ألزمتهم الدولة بشراء جلود ليصنعوا منها الأحذية ) وأخذوا منهم عدة زرابيل نحو كل زربول بستة أنصاف تحت ستة آلاف زربول ، وأما الخياطون والجوخيون ( صنّاع الجوخ ) وأرباب الصنائع فيهم مجتمعون في عمل احتياج عظيم الدنيا الدوادار الكبير لأجل سفره ( أى تم تسخيرهم فى إعداد الحملة الحربية المتوجهة لقتال شاه سوار بقيادة الداودار الكبير يشبك ) ومصروفه في كل يوم على ما بلغني يصل إلى ألف دينار، ولا يقطع لأحد منهم درهماً واحداً ( أى لا يعطيه ) ..، وأما التجار الذين بالحوانيت فإنهم من أول شهر رمضان (875) إلى نصف الشهر المذكور بطّالون ( أى عاطلون ) بسبب بيع تركة الكفيلى بردبك الفارسي.. وإلى الآن ما انتهى المبيع، واتفق أن الأمير شرف الدين موسي بن غريب المتكلم في الوزارة عوضاً عن قاسم ، رمى الجلود التى أخذها منه من المدابغ على الأساكفة الذين بين القصرين وعلى أهل الصليبه: الدرهم بمثله مرتين على ما بلغني ، ( أى باعه لهم قسرا بثمن مضاعف ) ، وغرموا لأعوانه وقربائه ما لا يطيقونه،( أى أرغموهم أيضا على دفع الرشوة )، فأما أساكفة بين الصورين فإنهم اخذوا الجلود ووعدوهم ببعض الثمن ، وأما أساكفة أهل الصليبة فقد أصبحوا فوقفوا للسلطان فردهم خدام الحوش السلطانى فرجعوا وصعدوا إلى أعلى الجبل المقابل لحوش السلطانى الذى يجلس فيه للخدمة والأحكام واستغاثوا، فسأل السلطان عن أمرهم فأخبروهم بحالهم، فغضب السلطان- نصره الله ــ على ابن غريب وانتهى الأمر بإنصاف الأساكفة.). والفضل لأساكفة الصليبية.. الذين لم يرضوا بالظلم وصمموا على الاحتجاج فأنصفهم السلطان.
2 ــ وتكرر نفس الموقف من تجار الأخفاف أو الأحذية في 8 أو 9 جمادى الآخر 876 ، فقد وقفوا للسلطان يشتكون الوزير لأنه استجد عليهم ضرائب جديدة، فقد كان عليهم في كل شهر أربعمائة درهم فزادها عليهم إلى ثلاثة آلاف، فأمر السلطان الوزير ابن غريب أن يرفع عنهم الزيادة ، وذهبوا لابن غريب فجعل المبلغ ألفاً وخمسمائة درهم فعادوا يستغيثون بالسلطان للمرة الثالثة فيما يحكيه مؤرخنا، فما كان من السلطان إلا ألغى ضرائب الأخفاف مطلقاً، يقول مؤرخنا "فالله ينصره ويحفظه ويخذل أعداءه .. آمين".
عوام وصلوا لمناصب عليا:
1 ــ وبالرشوة وصل بعض أصحاب الحرف من العوام لأعلى المناصب الديوانية في الدولة، وأشهرهم الوزير محمد البباوى الذى تولى الوزارة في ربيع الأول 868 في سلطنة خشقدم. وكان البباوى في الأصل جزارا ً أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وعندما تولى الوزارة استحدث ألفاظاً عامية في خطابه مع أرباب الوظائف لديه كأن يقول: اضرب بالقلم بدلاً من أن يقول اكتب، ويقول عنه مؤرخنا أنه : ( صار يتحايل على الناس ويأخذ منهم المال الجزيل بغير طريق شرعي ، ويتكلم بكلام لا يجوز شرعاً ولا عرفاً ولا عادة ولا مادة ولا طبعاً ولا مروءة، وهذا مشهور من الخلائق ).
2 ــ وفي عصر قايتباى تولى نظر الدولة أحد العوام من أتباع البباوى، وقال عنه مؤرخنا:( نظر الدولة بيد شخص عامى لحّام زفورى،( أى جزّار زفر الرائحة )، وكان مقدم الدولة في وزارة البباوى، والجنسية علة الضيم.). ولم يذكر ابن الصيرفي اسم ذلك الرجل وتبدو كراهيته له خصوصاً في عبارته الأخيرة ( والجنسية علة الضيم) التى تعكس إحساس مؤرخنا بالتعالى على البيئة الشعبية التى خيل إليه أنه انفصل عنها واعتبرها "جنسية" أخرى مع أن ابن الصيرفي هو أيضا من العوام الذى وصلوا.
إشاعات العوام:
1 ــ والعوام كانت لهم مشاركتهم في الحياة السياسية عن طريق الإشاعات التى كانوا يطلقونها والتى كان لها أحياناً تأثير إيجابي في تشجيع بعض الطموحين من المماليك على الثورة، وإثارة ( البلبلة السياسية )، وكان يحدث ذلك في فترات الاضطراب السياسي خصوصاً قبل تولى قايتباى السلطة، وتغير الوضع في عصر قايتباى الذى أمسك بزمام الأمور طيلة عهده، ومع ذلك فإن ابن الصيرفي في تعصبه لقايتباى كان يتخوّف من هذه الإشاعات. خشية على سيّده السلطان قايتباى ، ففي شهر ذى الحجة 885 توجه الأمير قجماس إلى الإسكندرية ثم حضر للقاهرة، وكان العوام قد أشاعوا أنه ذهب للإسكندرية ليعتقل المنصور عثمان بن جقمق وقانصوه الأحمدى الخسيف والمؤيد أحمد بن انيال، ولم يحدث ذلك، ويعلق ابن الصيرفي قائلاً "نعوذ بالله من كلام العامة". ويوم الخميس أواخر جمادى الثانية 873 حدث سوء تفاهم بين السلطان والأمير قرقماس الجلب واجتمع قرقماس بزملائه (خشداشيته) يقول مؤرخنا "فأشاع السخيفو العقول أنه لابد من ركوب- أى ثورة ــ على السلطان ويأبى الله ذلك والمسلمون.)
2 ــ وقد تأتى الإشاعات على هوى السلطان فيشيد بها ابن الصيرفي، فقد اشيع أنهم قبضوا على شاه سوار، ولم يحدث ذلك، يقول مؤرخنا: ( لم يصح شيء مما قالوه العوام من القبض على شاه سوار ولكن السلطان تفاءل.).
الفصل الثالث عشر : أحوال أهل الكتاب فى ظل تطبيق الشريعة السنية فى عصر قايتباى
كان السلطان المملوكى هو الذى يوافق على تعيين البطريرك، ففى أحداث يوم السبت 17 ربيع الأول 877 أن السلطان قايتباى "خلع على البطريرك النصارى الروم الملكيين على العادة عوض عن الذى هلك". ونلاحظ تعصب إبن الصيرفى ضد أهل الكتاب فى قوله عن البطريرك الراحل بقوله (عوض عن الذى هلك ). وتلك هى ثقافة العصر فى ثقافة الشريعة السّنية .
أهل الكتب في المناصب:
1 ـ وكان المجال مفتوحاً أمام أهل الكتاب من الأقباط واليهود في تولى المناصب خصوصا إذا أعلن الاسلام بلسانه . لذا كان منهم من كان يظهر إسلامه ليتقوى مركزه ، وقد يصل الى منصب القضاء ومع ذلك يظل سلوكه كما هو، وذلك ما نلحظه في سيرة القاضى علم الدين إبن الهصيم، يقول عنه مؤرخنا ابن الصيرفي "كان عرباً عن الإسلام كثير الميل إلى دين النصرانية مدمناً على السكر لا يكاد يوجد صاحياً لحظة، ولما تولى البباوى الوزر- أى الوزارة ـــ طلبه وضربه ثلاث علقات في مجلس واحد بسبب أنه لم يشهد صلاة الجمعة ). وقد مات يوم الأحد 7 ربيع الثانى 874 ودفن يوم 10 من نفس الشهر، وصلوا عليه بباب النصر، ويقول عنه ابن الصيرفي : ( ودفن بمقابر المسلمين ، والله أعلم بما هو عليه. !)، وتولى بعده ابنه القاضى تاج الدين بن الهيصم بدفع الرشوة ليشترى المنصب ، : ( واستقر في استيفاء الخاص عوضاً عن والده في نظير ألف دينار، وكان يتولى مباشرة الوظيفة ولى الذلة النصراني الكاتب المشهور.).
2 ــ وواضح أن هناك عائلات نصرانية احتكرت بعض المناصب وادعى بعضها الإسلام لمجرد الحفاظ على الشكل المطلوب، وإن كان ذلك بالطبع لم يفت على منافسيهم الآخرين كما نلحظ من نبرة ابن الصيرفي في حديثه عن القاضى ابن الهيصم. وبنفس النبرة يقول مؤرخنا عن القاضى ابن سويد الذى جمع بين التجارة والعمل والقضاء، ( وكان معدوداً من فقهاء المالكية ولديه فضيلة وينعت بمال وافر، كان مع هذا المال الجزيل ساقط المروء، مبهدلاَ في الدول كل ذلك لشح كان فيه وبخل زائد وتقتير على عياله ونفسه مع اجتهاد كبير في تحصيل المال)، ونقل مؤرخنا عن المؤرخ أبى المحاسن المملوكى قوله في ابن سويد : ( وطباعه تشبه الأقباط ، حتى قيل لى أن جد أبيه سويد باشر دين النصرانية فعند ذلك تحققت ما تشككت فيه، وعلى كل حال فهو من لا يتأسف أحد على موته.).وابن الصيرفى هنا يستشهد بالمؤرخ أبى المحاسن دون أن ينتقده أو تعترض عليه.!!
التعصب ضد أهل الكتاب:
1 ــ وتتجلّى رائحة تعصب واضحة بين السطور حين يكون أحدهم من مباشرى الدولة الظلمة، وذك مثل ابن زوين كائف الغربية وكان أحد الظلمة في عصره، وذلك شيء عادى في حد ذاته لم يكن يستوجب الإنكار الكبير، ولكن لكونه يهودياً فقد كان له شأن آخر، إذ حدث يوم الاثنين 2 شعبان 876 أن اعترض الأمير تمر الحاجب على تعيين ابن زوين كاشفاً للغربية واتهمه بالظلم والفجور، وتشجع الأمير قانى بك الجمالى وبالغ في سب ابن زوين وقال: ( من يولى هذا اليهودي هذا الكلب على المسلمين.؟!). ولو كان ابن زوين مسلماً لما حدث كل هذا الاعتراض، فلم يكن ابن زوين المشهور وحده بالظلم، بل إن المعترضين عليه كانوا من بين الظلمة، وكأنهم يريدون أن يستأثروا وحدهم بظلم المسلمين.
2 ــ ويبدو أنه كان لليهود بعض مظاهر النفوذ التى نتجت عن تجمعهم، وساعدهم هذا على مواجهة حركات التعصب، وقد حدث أن أخبروا السلطان في أول ربيع الأول 886 أن شخصاً باع جارية حبشية ليهودي ، وأوهموا السلطان إن الجارية مسلمة ، وهذا لا يجوز ، فطلبه السلطان وطلب الشهود واجتمع البائع والمشترى والشهود والجارية أمام السلطان الذى قال للبائع: أنت بعت هذه الجارية لليهودي؟ قال البائع: نعم، وقال السلطان لليهودي: وأنت اشتريت؟ فقال: نعم وقال للشهود: وأنتم أشهم ثم عليهما؟ فقالوا: نعم لأنها أرت أنها يهودية، فقال السلطان للبائع: أنا أعرف أنك جلّاب، وأطلق السلطان سراح الجميع، وانتهى الأمرعلى ذلك، لولا أن حاول وكيل السلطان ابن الصابون أن يستفيد من الموضوع بأن يبتزّ اليهودى فاستدعى اليهودي الذى اشترى الجارية وأوهمه أن القضية لم تنته وأمره بدفع المال له وللسلطان وقال له :( إعمل مصلحة السلطان بألف دينار ولى مائتى دينار وإلا...). وبلغ اليهود ذلك فاتصلوا بأولى الأمر وفضحوا ابن الصابوني وأوصلوا القصة للسلطان الذى استدعى ابن الصابوني وحقق معه فأنكر ذلك وحلف ، وأطلق اليهودى في الحال.
3 ــ وكان التعصب أشد وأوضح في داخل بعض البيئات الشعبية التى أفسدها مناخ العصر. وقد تقترن حكايات التعصب تلك بالأساطير الكرامات والخوارق، فقد روي مؤرخنا في أحداث الأربعاء 22 شوال 876 أنه : ( وقعت حادثة شنيعة غريبة قليلة الوجود والوقوع حُكى ... ) وبعد هذا الاستهلال في وصف الحكاية بالشناعة والندرة يقول مؤرخنا : ( حُكى أن شخصاً من المغاربة كان مقيماً بمسجد يعبد الله ويصلى ويؤذن ويقرأ ، كل ذلك بالمناوات من الجيزية ، على ما تواتر به النقل ، وصار له سُمعة وأبّهة ، فصار أولاد النصاري يسمعون قراءته فيسلموا ، فعزّ ذلك على أهلهم فتحيلوا على المغربي المذكور وخنقوه حتى تدلى لسانه فقطعوه وشقوا بطنه ، وقالوا له أنك تفتن أولادنا ، وحملوه ليلقوه في جُبّ ، فصاروا كلما توجهوا به إلى جُبّ يجدونه مردوماً ، إلى أن سقط في أيديهم ، وقبض عليهم الكاشف وجهّزهم إلى القاهرة ، فتسلمهم الوالى وأحضرهم بين يدى الأمير جانبك بن ططخ الفقيه أمير آخور كبير، فلم يأمر بقتلهم آنذاك حتى يعرضهم على السلطان ،وأمر بسجنهم. وكان العوام لما بلغهم ذلك تجمّعوا وتحزّبوا ورجموهم تحت القلعة إلى أن ماتوا، وقيل أن عدة النصاري ستة نفر ، فأما أحدهم لما شاهد الهول العظيم رفع إصبعيه بالتشهد إشارة إلى أنه أسلم فكفوا عنه وسجنوه، وبلغ السلطان نصره الله ذلك فتغيظ وتكلم معه الأتراك في العوام يقتلون بأيديهم ويمسكون لجام المماليك السلطانية، ويحكمون لأنفسهم ،فازداد غضب السلطان ،ورسم للوالى أن ينادى بالمدينة حسب المرسوم الشريف أن أحداً لا يحكم لنفسه ولا يقبض لجام مملوك وأمثال ذلك.). ونلاحظ أن عنصر التزيد والأساطير واضح في الرواية السابقة في وصف حال المؤذن القتيل وكراماته بعد قتله بحيث أنهم لم يجدوا مكاناَ يدفنونه فيه بعد أن قتلوه. أى إنها أساطير تم خلقها وتم نشرها، وقد شاعت ووصلت للقاهرة وصدقها العوام فيها ، فأثارت حفيظتهم ولم ينتظروا حكم القضاء، وتولوا هم إصدار الحكم وتنفيذه ولو كان الأمر مقنعاً للأمير جانبك أمير آخور الكبير لما انتظر أن يعرضهم على السلطان، وهذا ما نأخذه من رواية مؤرخنا، وهو يقول عن الأمير جانبك "فلم يأمر بقتلهم آنذاك حتى يعرضه على السلطان وأمر بسجنهم". واغتاظ السلطان وأعوانه من تصرف العوام، ليس لأنهم خرقوا ناموس العدالة الإسلامية ولكن لأنهم خرقوا ناموس السياسة المملوكية التى تجعل القتل والحكم واستعمال السلاح مقصوراً على المماليك دون الشعب فلا يصح للعوام" أن يقتلوا بأيديهم ويمسكوا لجام المماليك السلطانية" لذا نودي في المدينة أن أحداً لا يحكم بنفسه ولا يقبض لجام مملوك" وإلا فإذا كان للشعب حرية استعمال السلاح فلا حاجة إذن لوجود المماليك.. وتلك هى فلسفة الوجود المملوكي.
ولهذا السبب كانت الكراهية متبادلة بين المماليك والأعراب، وقد تنازعا فى سبيل التحكم في المصريين وكلاهما يعرف كيف يستخدم السلاح. وكم عاني أجدادنا المصريون من الفريقين المتنازعين معاً: المماليك والأعراب.
التفاصيل قادمة .
الفصل الرابع عشر : الأعـــــراب في ظل تطبيق الشريعة السنية فى عصر السلطان قايتباى
بداية الصراع بين الأعراب والمماليك:
بدأ الصراع بين المماليك والعُربان منذ بداية الدولة المملوكية، وأخمد المماليك ثورة الشريف حصن الدين ثعلب الذى قال:( نحن أصحاب البلاد )، وقال عن نفسه، ( أنا أحق بالمُلك من المماليك ) ، وقد بلغت قوة الأعراب تحت قيادة حسن الدين ثعلب اثنى عشر ألف فارس، ولكنهم انهزموا أمام قوة المماليك المنظمة، وخدع المماليك البقية التى استسلمت بعد الهزيمة فشنقوهم بعد أن أعطوهم الأمان، وتبدد شمل الأعراب بعدها كما يقول المقريزى فى تاريخ (السلوك). ثم بدءوا في التحرك بعد أن ضعفت السلطة المملوكية في أواخر القرن التاسع وغدوا أصحاب سطوة قبيل سقوط الدولة المملوكية بدءا من عصر قايتباى.ولكن عاملهم قايتباى بكل قسوة وفق شريعته السّنية التى تبيح له ما شاء من أحكام للحفاظ على ( هيبة الدولة ) .
أهم قبائل الأعراب الثائرة في عصر قايتباى:
1 ــ أعاد الأعراب ثوراتهم ضد المماليك في عصر قايتباى، وأهمهم قبائل بنى حرام وسعد وعرب بني عدى وعرب غزالة وعرب لبيد.
2 ــ وقد كان بنو حرام وبنو سعد يثيرون الشغب في البحيرة، فأرسل لهم قايتباى حملات عسكرية وعاقبهم بمنتهى العنف ، وقد انشغل قائد الجيش المملوكى (الأتابك) أزبك بحربهم طيلة عصر قايتباى. وفي يوم الثلاثاء 25 صفر 876 حضر الأتابك أزبك من إحدي غزواته في البحيرة ووصل إلى القاهرة ومعه (19) رجلاً من بنى حرام فوسّطوا (15) رجلاً منهم بباب النصر ، ووسّطوا أربعة بقنطرة الحاجب، وكان بينهم صبي دون البلوغ وقد سألوا في العفو عنه فما أجابهم السلطان. وقد انتقم أعراب بنى سعد وحرام لما حدث فأغاروا ونهبوا عدة قرى وبلاد فأرسل السلطان حملة أخرى لردعهم يتزعمها الأمير تمر حاجب الحجاب.
3 ــ وفي يوم الجمعة 18 ربيع الثاني 876 هرب أحد كبار بنى حرام من سجن الجرائم وهو ابن زامل.
4 ــ وقد وصلت غارات بنى سعد وحرام إلى أطراف القاهرة وبسطوا نفوذهم على أهل خانقاه سرياقوس ( الخانكة حاليا ) وهى تشبه القلعة ومحطة السفر والوصول للقاهرة من ناحية الشرق. وفي 5 ذى القعدة 876 اشتكى أهل الخانقاه لناظر الجوالى ابن عبد الباسط ( ما نزل بهم من عرب بنى حرام، فإنهم أخذوا من كل دار شيئاً معلوماً ومن كل حانوت كذلك ومن كل معصرة كذلك ومن كل طاحون، وجاء ما أخذوه من أهل الخانكاة نحواَ من ثلاثمائة ديناراً وستين دينار، وشاع هذا وتواتر، وصاروا في وجل فإنهم هددوا أنهم أن شكوهم للسلطان ينهبونهم ويقتلونهم.)
5 ــ وحدثت حروب بين بنى حرام وبنى سعد بن وائل، وانهزم بنو حرام وهربوا إلى ظاهر القاهرة ودخلوا الحسينية وقنطرة الحاجب، يقول مؤرخنا : ( وصاروا يشلحون المسافرين والقادمين، وامتنع المسافرون من التوجه للخانقاه وغيرها) ، فأرسل السلطان حملة لمطاردتهم وأمر الأمير قانصوه بالإقامة في الشرقية ليحول بينهم وبين تهديدهم للقاهرة والخانقاه. واعتقل الأمير قانصوه ثلاثة من كبار عرب بى حرام، وكانوا قد تسللوا إلى جوار غيط إبراهيم المتبولى الشيخ الصوفي المشهور، وقام قانصوه بسلخ أولئك الثلاثة وأشهرهم في القاهرة ومعهم أربعة آخرين وأودعهم السجن، ثم صلبهم أياماً ليرتدع بهم المفسدون على حد قول صاحب الهصر. واشترك في الثورة عرب بني عدي، وفي يوم الخميس 14 ربيع الأول 874 كان الداودار الكبير يشوى بالنار أحد مشايخ بنى عدي بعد أن ضربه بالمقارع.
6 ــ وأقام عرب غزالة بالبحيرة وقد انتشر بينهم الطاعون 873 فمات من زعمائهم ثمانون نفراً ، وأدى ذلك إلى خمود ثوراتهم بعض الشيء خصوصاً وأن السلطان أمر كاشف البحيرة بأن يقطع رأس من يقوم منه بالسلب والنهب.
7 ــ أما عرب لبيد فقد وصل الخبر 10 محرم 875 بأنهم نزلوا على البحيرة ونهبوا ما حولها. وقبلها في يوم الأربعاء 17 ربيع الثاني 874 وصل الخبر أن عربان لبيد هجموا على جيش المماليك في البحيرة فاضطر القائد المملوكي يشبك جن إلى الرجوع إلى دمنهور بعد أن قتلوا من مماليكه عدة، فلما بلغ السلطان ذلك أرسل حمله لينصروه، ( وورد الخبر أن الأعراب اقتتلوا مع الداودار الكبير وقتل من الفريقين ما الله أعلم بذلك) . وفي يوم الاثنين 15 محرم 875 سافرت حملة مملوكية يقودها الأتابك أزبك للبحيرة وصحبته كثير من الأمراء للقضاء على خطر أعراب لبيد، حيث كانوا ينهبون الأغلال. وكان أعراب لبيد قد حاصروا الأمير يشبك جن أحد المقدمين الألوف فى دمنهور ، وكان هذا الأمير قد توجه قبل هذا الشهر وصار بدمنهور ( وركب هو وأهل دمنهور الأسوار يرمون السهام والحجارة على أعراب لبيد الذين يحاصرونهم.) ، وأتت الحملة المملوكية لنجدة الأمير يشبك جن بقيادة قائد الجيش المملوكى أزبك ، وكان من الأتابك مجموعة من ألمع الأمراء المماليك مثل أزدمر الطويل وقراجا الطويل وتنبك قرا الدوادار الثاني، مع خمسمائة من المماليك السلطانية، فافترقوا فرقتين ليقبضوا على العربان.
8 ــ ونجح المماليك في إخضاع بعض الأعراب إلى حين ، وعقد محالفات مع البعض الآخر، ولكن كان تلك العلاقات تنتابها الشكوك وسوء النية من الجانبين.
ومثلا اشتهر فى عصر قايتباى الشيخ عيسى بن بقر شيخ عرب الشرقية، وقد قبض عليه الداودار لكبير يشبك من مهدى وأمر بسلخه بين يديه، وبلغ السلطان ذلك فأرسل ابن عبد الباسط يطالب ابن بقر بدفع عشرة آلاف دينار في نظير أن يفتدي نفسه من السلخ، وجاء ابن عبد الباسط فوجد الداودار الكبير قد سلخ من رأس عيسي بن بقر قطعة، ووافق عيسى على أن يدفع فأمهلوه حتى دفع ، وأطلقوا سراحه . وحدث ذلك في يوم الخميس 5 جمادى الثانية 875 أن عاد عيسى إلى عصيانه، فقبضوا عليه وجئ به بين يدى السلطان يوم الأحد 29 ذى القعدة 875 فأمر السلطان بضربه فضربوه ضرباً مبرحاً وأمر بسجنه في المقشرة. وقد كان عيسى بن بقر هذا معيناً من قبل السلطان في نواحى الشرقية ، ولكنه تمرد وأحرق منطقة قطيا وقتل جمعاً من أهلها ، ورفض الامتثال لأوامر السلطان ومقابلة الداودار الكبير، فأرسل السلطان الأمير قانصوه الجمالى الكاشف ليقبض عليه فوقع بينهما قتال ، ثم تمكن قانصوه من القبض عليه بالحيلة ، وجئ به للسلطان ليلقى جزاءه، وأمر السلطان بتعيين ابن عمه مكانه وهو بقر بن راشد فأصبح شيخاً لأعراب الشرقية ، وأمره قايتباى أن يحاسب عيسى بن بقر على ما في يده من أموال للسلطان . وتسلّم بقر بن راشد ابن عمه عيسي بعد أن أصبح أميراً على أعراب الشرقية من طرف السلطان وذلك يوم الخميس 3 ذى الحجة 875.
9 ــ وتناثرت أخبار الصراع بين الأعراب والمماليك في تاريخ لهصر، ونقتطف منه بعض الأحداث :
ففي يوم السبت 10 شوال 873 سافر الداودار الكبير إلى البحيرة لقتال الأعراب.
وفي يوم الثلاثاء أو محرم 874 دخل الوالى القاهرة وكان له أيام غائباً مع عدة من المماليك للقبض على المفسدين من الأعراب، ورجع ومعه أربعة أعراب ( ماشون في الحديد وعدة من الرماح والخيول.) .
وفي يوم السبت 5 محرم 874 جاءت للسلطان غنائم من خيول الأعراب المفسدين كانت 130 فرساً بعد أن تم توسيط أصحابها، وأرسلوا عدة منهم في الحديد، وجهزوا أربعة رؤوس آدمية مقطوعة فأشهروها بالقاهرة، وضربوا الأسرى بالمقارع وسجنوهم في سجن الجرائم.
وفي يوم الثلاثاء 8 محرم 874 وصل من عند شيخ الأعراب ( ابن عمر) من الوجه القبلي هدية للسلطان وهى مائتا فرس. وهذا الخبر دليل على وجود نوع من التحالف المؤقت بين بعض الأعراب والمماليك وهو تحالف لم يكن ليدوم.
وفي يوم السبت 19 محرم 874 أرسل الأمير برقوق تسعين رأساً من الخيول للسلطان وكان الأمير برقوق يحارب الأعراب المفسدين في الشرقية، على حد قول مؤرخنا..
وفي يوم الجمعة 7 محرم 875 بعد صلاة الجمعة وصل المبشر من الحجاز المسمى قانصوه الجمالى وهو عريان وليس معه أحد سوى هجّان واحد وذكر أن الأعراب فى صحراء الجزيرة العربية سلبوه وعرّوه، ويذكر مؤرخنا أنهم ( رجعوا به إلى خيبر وأرادوا قتله، فنهضت امرأة منهم وأظهرت أبزازها ) فأنقذته منهم ( وحضر بهذه الحالة.).!!
الريف المصري مسرح الصراع بين المماليك والأعراب:
1 ــ وكان الريف المصري هو مسرح المعارك بين المماليك والأعراب، وتنافس الفريقان على الاستئثار بالريف والتحكم في أهله، وأدى ذلك بالطبع إلى تدمير الريف والعسف بأهله.
في بداية عهد قايتباى قام الأعراب بثورات متتابعة وقد انتهزوا فرصة انشغال قايتباى بثورة شاه سوار، يقول مؤرخنا في أحداث محرم 873 ( وكثُر في هذه الأيام فساد العربان على غالب البلاد القبلية والبحرية حتى أخربوها وكذلك غالب البحيرة. وذلك لاشتغال السلطان بتجهيز العساكر وتكفيتهم بالنفقة لأجل شاه سوار)، يعنى هذا أن ثورات العريان ارتبطت بتخريب البلاد أو حسب تعبير الصيرفي: (كثُر في هذه الأيام فساد العريان على غالب البلاد القبلية والبحرية حتى أخربوها ) ، أى أنهم استولوا على غالب الريف المصري في الدلتا والصعيد، وبالتالى دمروه فى وقت غنشغال قايتباى فى القاهرة بإنفصال شاه سوار عن الدولة المملوكية فى شمال العراق .
2 ـ وهذا التخريب كان يستلزم إصلاحا ، وكان القائم على مواجهة تخريب الأعراب هو أيضا القائم على تعمير ما خرّبه الأعراب . وفي ويم الاثنين 15 ربيع الأول 873 سافر الأتابك أزبك لمواجهة العربان في البحيرة ولتعمير ما أفسدوه وما خربوه، يقول مؤرخنا : ( وفي هذا اليوم سافر الأتابك أزبك بن ططخ بالأمر السلطانى إلى البحيرة لدفع المفسدين من العربان عنها وعمل مصالح الرعية والفلاحين والمزارعين.).
3 ــ وأدت ثورات الأعراب وتخريبها الريف المصرى الى تعطيل جزئى للزراعة مما أدّى إلى قيام الغلاء الفاحش سنة 873 يقول ابن الصيرفي ( وأصل هذا الغلاء استيلاء العربان على أسفل مصر من الوجه البحري. ).ثم عاد الأتابك أزبك من البحيرة ووصل القاهرة يوم الاثنين 13 ربيع ثاني 873 بعد أن أدب الأعراب وأعاد الطمأنينة لريف البحيرة يقول مؤرخنا: ( قدم الأتابك أزبك بن ططخ من البحيرة بعد أن وطنها ووطن أهلها وعمل مصالحهم.). ثم عاد الأعراب من لبيد يخربون ريف البحيرة وقد اشتد خطرهم وسلبوا غلال الفلاحين، فسافر لهم الأتابكي أزبك في 15 محرم 875 وفي خدمته عدة كثيرة من الأمراء، يقول ابن الصيرفي ( بسبب عربان لبيد فإنهم نزلوا على أخد غلال الناس ). وجاء عام 875 وقد خضع أعراب البحيرة للقائد أزبك الذى أرسل للقاهرة بأن الأعراب أرسلوا له هديتهم دليل الخضوع للدولة ، وأنه شرط عليهم أن لا يقيموا في ريف البحيرة أكثر من عشرين يوماً ثم عليهم أن يرحلوا. وانتهت مؤقتاً مشكلة أعراب البحيرة وتخريبهم فيها. وسافر الأتابك أزبك إلى البحيرة يوم الأحد 21 ربيع ثاني 876 ( لتخضير البحيرة ) ، أى نشر الزرع الأخضر فيها بعد أن دمرها الأعراب. ثم وصل أزبك من البحيرة للقاهرة ليلة السبت 25 جمادى الأول 876 ولم يكتمل تخضير البحيرة، يقول مؤرخنا يعلل السبب: (... مما صنع فيهم ابن غريب من الظلم في العام الماضى من القياس)، أى أن الظلم المملوكي أعاق مجهودات المماليك في التعمير والتخضير والفلاحين كانوا يعيشون بين تخريب الأعراب وظلم المماليك.
4 ــ وإذا تركنا أعراب لبيد والبحيرة وجدنا إخوانهم من أعراب غزال يفعلون أموراً شنيعة من الفساد والنهب وأمثال ذلك على حد قول مؤرخنا مما دفع قايتباى لأن يأمر الكشاف، أو حكام الأقاليم بتعقبهم وقتل المفسدين منهم. وكانت الشرقية مرتعاً لفساد الأعرب من بنى سعد ووائل ، فأرسل إليهم قايتباى الأمير تمر حاج الحجاب بحملة يوم الأحد 6 من ذى الحجة 875 يقول مؤرخنا : ( لأجل ردع العربان المفسدين الذين ملأوا البلاد العباد فساداً من نهب وعري وقتل وهم سعد ووائل وأحرموا الطير يطير فبلغ خبرهم السلطان فرسم للأمير المذكور بالتوجه لردعهم وتطمين البلاد وكتب مراسيم شريفة للكشاف بالتوجه في خدمته وكذلك لمشايخ العربان. )، وواضح أن هناك مشايخ للعُربان كانوا تحت طاعة السلطان، وأن العُربان الآخرين الثائرين كانوا يمارسون قطع الطريق والنهب والقتل وتعربة المسافرين حتى أحرموا الطير يطير على حد قول صاحبنا، مما جعل أجدادنا في الشرقية يعيشون في هلع وخوف دفع السلطان لإرسال حملة لتطمين البلاد.
وسبق أن عرضنا لشيخ الأعراب في الشرقية عيسى بن بقر الذى دخل في طاعة السلطان ثم تمرد عليه وأخرب قطباً وأحرق أشجارها وقتا منها جمعاً ورفض مقابلة الداودار الكبير مما جعل السلطان يرسل له حمله تمكنت بعد قتال من أسره وتولى بقر بن راشد إمام أعراب الشرقية من لدن المماليك عوضاً عن عيسي بعد أسره وعزله وذلك بتاريخ الأحد 29 ذى القعدة 875.
5 ــ ولم يخضع أعراب الشرقية تماما للسلطة المملوكية إذ تزعمهم موسي بن عمران ( الذى خرّب البلاد وأظهر الفساد وشاع صيته بأنه غاية في قتل النفس وأخذ الأموال وعجز عن تحصيله مشايخ العرب والكشاف، فرسم السلطان بالقبض عليه وعلى شخص من مقولته يعرف بأبى طاجن وعدة من المفسدين). وتمكن الأتابك أزبك من قيادة حملة يعاونه فيها حاجب الحجاب تمر إلى الشرقية ونجحت هذه الحملة في القبض على موسي بن عمران وأبى طاجن وثلاثين رجلاً من أعوانهما، ودخل بهم القاهرة يوم الأربعاء 12 صفر 876. وفي يوم الخميس 13 صفر عرضوا على السلطان موسى بن عمران وضربوه بين يديه بالمقارع ضرباً مبرحاً، وأمر السلطان بقطع أيدى اثنين من المشاة كانوا يرمون النشاب بين يديه ، كما أمر بتوسيط شيخ يسمى الجذيمى كان متخصصا عنده فى قتل الأسرى من المسلمين.
6 ـ وبسبب موقعها فى مدخل القاهرة من ناحية الشرق وكونها محطة إستراحة للمسافرين من و إلى القاهرة فقد عانى سكان الخانقاه (سرياقوس) من تخريب الأعراب، يقول مؤرخنا:( وقد بلغنى من غير واحد أنّ عرب بنى حرام زاد فسادهم وطغيانهم بالخانقاه وأعمالها وأخذوا من الناس)،أى أسروهم ( وأخذوا من المال شيئاً كثيراً جبوه على الحوانيت والدور وفعلوا ما لا يليق، فاتفق أن عربان الخانكاة الطائعين أرسلوا طلبوا من عرب عظيم الدنيا الداودار الكبير الذين حضروا في خدمته من الوجه القبلي المعروفين بغزالة نحو من مائتى فارس ليحفظوا الخانكاة ويحاربوا بنى حرام ويحتاطوا على موجودهم )، أى طلبوا العون من الأعراب الخاضعين للداودار الكبير فى الصعيد. ويقول مؤرخنا عما يفعله بنو حرام بالمسافرين إلى الخانكاة : ( وأما غالب من يتوج إلى الخانكاة وأعمالها أو يحضر منها فيسلخونه وينهبونه ويأخذون ما معه)، أى لا يكتفون بالسلب والنهب للمسافرين الأبرياء وإنما يسلخونه أيضاً. وحضر المقر الزينى أبو بكر بن عبد الباسط من سفره بالشرقية ومرّ من الخانكاة وأراد بنو حرام الفتك به فقام من وقته ودخل الخانكاة فبات بها.
تطرف الأعراب والمماليك فى الظلم والتخريب
وواضح أن المماليك والأعراب كانوا في صراعهم الدامى يتبعون ما يعرف الآن بسياسة الأراضي المحروقة، وأخذ البرئ بذنب المذنب، مما نتج عنه ضياع الكثيرين من الأبرياء من أهل الريف ومن الأعراب أيضاً، وقد ذهب الداودار الكبير بحملة قوية لردع أعراب الصعيد وعاد للقاهرة يوم الجمعة 22 جمادى الأولى 873 ومعه أسرى من نوع مختلف: نساء الأعراب وأولادهم . يقول مؤرخنا ابن الصيرفي : ( قدم المقر الأشرف المعظّم المفخّم عظيم الدنيا ومشيرها ووزيرها وداودارها الكبير وصاحب حلها وعقدها من بلاد الصعيد وصحبته عدة من العربان ونسائهم وأولادهم نحو أربعمائة نفر ، ففرقوهم على الحبوس، فذلك ذنب عقابه فيه).
تطرف ابن الصيرفى فى الدفاع عن ظلم المماليك
ابن الصيرفي بعد أن أضاف الألقاب الضخمة على ذلك الداودار لم ير بأساً في أسر النساء والصبيان لأن عنده أن ذلك ذنب عقابه فيه. لم يكتف بذلك بل إنبرى ابن الصيرفي للرد على المؤرخ سليل الأسرة المملوكية أبو المحاسن ابن تغرى بردى والذى كان على منهج استاذه المقريزى فى إنتقاد المماليك ، وقد ذكر ابو المحاسن فى تاريخه حملة يشبك ، ولم يطلق عليه ألقاب التعظيم مثلما يفعل ابن الصيرفى ، وإنتقده . فلم يعجب ابن الصيرفى هذا الانتقاد فنقله وقام بالرد عليه بسخافة . يقول مؤرخنا الخائب إبن الصيرفى: ( وقال الجمال يوسف بن تغري بردى المؤرخ في تاريخه عند ذكر قدوم الأمير المذكور دامت نعمته وسعادته : " وصل الأمير يشبك الداودار من بلاد الصعيد بعد ما نهب أهلها وبدّد شملهم وأخرب عدة قرى من شرق بلاد الصعيد ، وأحضر معه من نسائهم وأولادهم أكثر من أربعمائة امرأة إلى ساحل بولاق في المراكب، هذا بعد أن مات منهم عدة كثيرة من الجوع والبرد ، وجعلهم في وكالة الأتابك قانم ، فاشترى لهم بعض الناس إردبي فول صحيح ورماه لهم، فأكلوا في الحال من شدة الجوع والحاجة، ثم شرع أهل الخير في الصدقة عليهم بقدر حالهم. وبواسطة تعويقهم ( أى بسبب أسرهم سبايا ) شرع أزواجهم في قطع الطريق وأخذوا بعض مراكب الغلال القادمة من بلاد الصعيد ونهبوا ما فيها ثم أحرقوا المراكب، وقيل أنهم فعلوا ذلك بعدة مراكب. وبهذا المقتضى ارتفع سعر القمح وغيره من الغلات. فما شاء الله كان . وفي الجملة فإن سفرة الداودار إلى الصعيد في هذه المدة كان فيها مصالح ومفاسد، فمن المصالح قتل ابن جامع وسلخه وجماعة أخر ونهب بنى هلبا المذكورين فإنهم كانوا أشر من كان، ومن المفاسد خراب البلاد التى كانت بنوه هلبا تأوى إليها وحضور هذه النسوة إلى القاهرة."".). ويرد مؤرخنا على مقالة أبن المحاسن مدافعا عن يشبك وتخريبه للصعيد فيقول: ( قلت: ولولاً وجود مثل هذا الملك الذى حُرمته ملأت الأقطار على رؤوس الأشهاد وسفره إلى الوجه القبلي وتمهيده وتنظيفه من المفسدين وردعهم بالقتل والنهب وأمثال ذلك لرأينا ما لا يطاق وصفه.). وابن الصيرفي ينسى في دفاعه الحار أن النسوة وأطفالهن لا ذنب لهم فيما يحدث سواء كانوا من نساء المماليك أم نساء الأعراب، وكان ينبغي على المؤرخ القاضي أن يتذكر أنه لا تزر وازرة وزر أخرى.
ولكن أبن الصيرفى يفكّر ويكتب من موقعه كقاض فى الشريعة السّنية التى تؤلّه المستبد وتنافقه وتوافقه . ومن هنا إختلف موقفه عن المؤرخ المملوكى جمال الدين أبى المحاسن إبن تغرى بردى الذى لم يكن قاضيا ، فكتب بحرية ينتقد الظلم من رؤيته كانسان ، ولم يكن مقيدا بالشرع السّنى ومقتضياته.
وأخيرا فالمؤرخ ابن الصيرفى يذكّرنا بأزمتنا مع القائمين على الاعلام الحكومى فى مصر وبلاد العرب ..!!
الفصل الخامس عشر : معاناة أهل الريف في ظل تطبيق الشريعة السنية فى عصر السلطان قايتباى
مكانة أهل الريف عند المماليك:
طبقا للشريعة السّنية فى العصر المملوكى كان الفلاح المصرى فى درجة الرقيق؛لا يستطيع مفارقة الأرض أو ما يعبر عنه بالفلاح القرارى أى المستقر في الأرض مثل الدواب، وكان الفلاح في الاقطاعات المملوكية عبداً لصاحب الإقطاع إلا أنه لم يكن يباع أو يشترى بل هو رهين الأرض هو وأولاده، ومن كان يهرب من الفلاحين من الأرض كانت السلطات تعيده إلى الفلاحه ويلزم "بشد الفلاحة" ويتعرض للعقوبة الشديدة هو من سهّل له الفرار أو آواه. وكان الفلاح يتمنى أن يهرب إلى المدن حتى يرتفع إلى درجة العوام أو حرافيش القاهرة مع المكانة المتدنية للعوام فى القاهرة ، بدليل أن الناصر محمد بن قلاوون منع أثرياء العوام القاهريين من اقتناء العبيد حتى لا يتشبهوا بالسادة من المماليك وأرباب الوظائف، فأمر حاجبه بأن ينادي بألا يباع مملوك تركي لعامي ومن كان عنده مملوك فليبيعه ومن عثر عليه بعد ذلك عنده مملوك فلا يلومّن إلا نفسه.!. كانت منزلة الفلاح أسوأ، فلم يستسغ السلطان صالح القلاوونى أن يركب الفلاحون الخيول أو يشتروها، فأمر سنة 754 بأن فلاحاً لا يركب فرساً ولا يشترى فرساً. وكانت هذه فكرة عامة عن نظرة المماليك لأجدادنا أهل الريف.
إرهاب المماليك للفلاحين:
1 ــ ومع الطبيعة المسالمة للفلاح المصرى وشهرته بالصبر على الظلم ومعايشته له بالتى هى أحسن ، ومع إدراك المماليك أنه لا خوف عليهم من ثورة الفلاح المصرى مهما إستطالوا عليه بالظلم إلّا أنّ المماليك كانوا يتفننون في إرهاب الفلاحين ليضمنوا تسخيرهم في الأرض بلا شكوى،وحتى يستمر الفلاّح فى إمداد مصر بقوتها اليومى بالعصا والتعذيب . يقول المقريزي عن الأمير أيدمر الشمسي سنة 702 الذى تولى الشرقية والغربية: ( أنه كان يعذب أهل الفساد بأنواع قبيحة من العذاب منها أنه كان يغرس خازوقاً ويجعل رأسه قائماً وبجانبه صار كبير يعلق فيه الرجل ثم يسقطه فيسقط على الخازوق فيدخل فيه الخازوق ويخرج منه، ولم يجرؤ أحد من الفلاحين بالغربية والشرقية في أيامه أن يلبس مئزراً أسود ولا يركب فرساً ولا يتقلد سيفاً ولا يحمل عصا مجلبة بحديد. ). ( أهل الفساد ) فى تعبير العصر هو الثائر على المماليك بالحقّ أم بالباطل . كان مصيره تعذيب هائل ، ويتم هذا التعذيب أمام أعين الفلاحين لارهابهم .
2 ــ حتى إذا جئنا إلى عصر قايتباى وجدنا المماليك يتنافسون مع الأعراب في إيذاء الفلاح وتدمير بلاده. ومؤرخنا المصري مولداً ونسباً المملوكي هوى وتعصباً ابن الصيرفي أشار بين سطور كتابه لبعض أحوال أجدادنا في الريف في سياق كلامه عن تحركات أسياده المماليك، ونعرض لبعض هذه الأخبار لنتحسس منها بعض أحوال أجدادنا الغلابة.
3 ــ في يوم الخميس 13 ربيع الثاني 873 عين السلطان الأمير سودون الأفرم كاشفاً للشرقية وعير الأمير تمراز الأشرفي كاشفاً للغربية.وفي يوم الخميس 21 جمادى الأول 873 سافر الأمير تمراز إلى الغربية ومعه تجريده لردع المفسدين من الأعراب وكشف أحوال الجسور، وتوجه للمحلة وأقام بها.وفي شهر جمادى الآخرة فشا الطاعون في البحيرة والغربية. أى كان قدم الأمير تمراز مبشراً بالطاعون، وربما حمله معه من القاهرة إلى أجدادنا في الوجه البحري.
4 ــ وفي شهر ذى الحجة ولى السلطان الأمير برقوق الناصري أحد مقدمي الألوف كشف الشرقية ( الكاشف يعنى المحافظ فى عصرنا ) وتوجه برقوق للشرقية وأقام له نائباً يسمى جانم، فمهّد البلاد وقمع المفسدين من الأعراب. وفي يوم السبت 5 محرم 874 أرسل برقوق الناصري كاشف الشرقية للسلطان 130 من فرسان الأعراب بعد أن وسّطهم وأرسل عدداً منهم معتقلين في الحديد. وفي يوم السبت 19 محرم 874 أرسل برقوق الناصري تسعين رأساً من الخيول العربية للسلطان فأهدى منها السلطان إحدى وعشرين للداودار الكبير، وكانت الشرقية ــ ولا تزال ــ تشتهر بالخيول العربية الأصيلة. ونظزاً لكفاءة الأمير برقوق الناصري في ولايته على الشرقية فقد رقاه السلطان ليكون والياً على الشام وصدر القرار بنيابته على الشام يوم الخميس 19 صفر 875، يقول ابن الصيرفي : ( وأعجب من هذا أنه نقل من كشف التراب بالشرقية إلى نيابة الشام.) أى إنتقل من منصب محافظ الشرقية الى منصب والى الشام .
5 ــ ونعود إلى الأمير تمراز الشمسي وهو بالمناسبة ابن أخت السلطان قايتباى لنرى مؤرخنا ابن الصيرفي يؤرخ حضوره للقاهرة يوم الاثنين 19 ربيع الثانى 875 وقد انتهى من عمارة الجسور فخلع عليه السلطان وأكرمه وأوكب له موكباً عظيماً وزاره الأعيان والأمراء.
6 ــ وبعد وصول تمراز الشمسي واستقراره في القاهرة عيّن السلطان مكانه في كشف الغربية علاء الدين ابن زوين، ويبدو أن ابن زوين أراد أن يجتهد في مطاردة الأعراب ليحظي عند السلطان كما حظى الأمير برقوق الناصري الذى كافأه السلطان على جهوده في الشرقية بتعيينه نائباً له على الشام، لذا وصل ابن زوين للقاهرة ومعه رؤوس لأعراب مقطوعه ومعه أحد كبار الأعراب وهو عبد القادر بن حمزه وقد سلخه ابن زوين وحشى جلده قطناً وأشهرهم في القاهرة في طريقه ليعرضهم على السلطان، واتفق من سوء حظه أن ذلك الشخص المسلوخ عبد القادر بن حمزه الأعرابي كان لا يزال به رمق وهو من أصدقاء الأمير تمراز الشمسي، وتصادف أن رآه تمراز الشمسي وهم يشهرونه في الشوارع فغضب الأمير تمراز وتدخل لإنقاذ صديقه المسلوخ فزاحمه بعض مماليك الدوادار الكبير ممن كانوا في الموكب فاشتد غضب تمراز وضرب المماليك بالدبوس، وكادت تحدث فتنه لولا تدخل الأمير جانبك قلقسيز.
7 ــ وصار ابن زوين يتحكم في الغربية كيف شاءت له شريعة عصره السّنية. وحدث يوم السبت 17 جمادى الآخرة 876 أن وقف جماعة من فلاحى المحلة للسلطان يشكون له من ظلم ابن زوين، يقول مؤرخنا القاضى المملوكي عنهم :( وتكلموا ما لا يليق وطُلب منهم بينة فأجابوا أن ما لهم بينة ، فضربوا على أكتافهم ،وانصرفوا.).!!. كانوا فلاحين غلابة لا يعرفون الاتيكيت في خطاب الملوك ولا يعرفون أصول النفاق في الحديث فتكلموا بصراحة عن أوجاعهم، ولم يعجب ذلك مؤرخنا فقال عنهم أنهم تكلموا بما لا يليق، وهل هناك متسع في صدر المظلوم لكى يشدو بألحان سارة أمام الظلمة ليسعدهم بما يليق.ولأنهم فلاحون قليلو الحيلة فلم يجدواً من يشهد معهم أو ينصرهم أو يعطيهم بينة، وكيف لهم أن يحصلوا على بينة وهم أميون لا يعرفون القراءة والكتابة، لذا استحقوا في النهاية أن يأخذوا طريحة على أكتافهم وينصرفوا بالسلامة.
وكل عام وأنتم بخير..
8 ــ إلا أن الشكاوى توالت من ظلم ابن زوين . وفي نوبة العدل والإنصاف التى أصابت السلطان حين برم بإنحلال قضاته وتصدى وحده للقضاء، وقتها كان ابن زوين زبوناً مستمراً في قفص الاتهام أمام السلطان.
وفي يوم الأربعاء 17 رجب 876 صادر السلطان ممتلكات ابن زوين التى نهبها من الفلاحين وغيرهم ، وأحضروها لقايتباى فأخذ ( أحسن ما فيها لنفسه ورد عليه أخس ما فيها.).وكان السبب في نكبة ابن زوين أحد أتباعه الذى ضربه ابن زوين وأهانه وأذلّه فعرف كيف يتصل بالوزير ابن غريب ويحسّن للسلطان مصادرة ممتلكات ابن زوين.
9 ــ وكان كشف الوجه القبلي تابعاً للداودار الكبير يشبك بن مهدي، وكان من ضمن ألقابه "ملك الأمراء بالوجه القبلي والوجه البحري" وكان الداودار الكبير يسافر في حملات روتينية للصعيد يقمع فيها ثورات الأعراب ويستولى لنفسه وللسلطان على خيرات الوجه القبلي ويعود بها للقاهرة. وفي يوم الاثنين 7 محرم 874 وصل الداودار الكبير من الوجه القبلي وصعد السلطان فخلع عليه . وفي يوم الثلاثاء 8 محرم 874 وصل إلى الوجه القبلي من عند ابن عمر هدية السلطان وهى 200 فرس ليعينهم السلطان قائمين على جباية الخراج.وحضر شخص من شيوخ الصوفية فى الوجه القبلي إلى الداودار الكبير وسأله في إطلاق شخص من أولاد ابن عمير كان محبوساً فأطلقه الداودار إكراماً لذلك الرجل. وسافر الداودار الكبير في حملة للصعيد يوم السبت 26 محرم 874، ووصلت الأخبار من الوجه القبلي أن القمح وصل ثمنه بها إلى 600 درهم الأردب وأنه عزيز الوجود وأن الوباء انتقل من البقر للبشر، وبدأ تحرك الداودار للسفر للصعيد يوم الثلاثاء 28 محرم 874، ووصل إلى منفلوط . ووصل الخبز بذلك يوم الجمعة 26 صفر، وأخبروا أن الحملة كابدت مشقة زائدة وغرق للدودار مركب قمح فيها 3 ألاف أردب، ثم بعث الداودار يخبر السلطان بأن الأعراب في الصعيد يرفضون تأدية الخراج وأن البلاء عمّ البلاد والعباد.ثم قدم الداودار من الصعيد فوصل القاهرة يوم الاثنين 24 شعبان 874 بعد غياب استمر سبعة شهور، وصعد السلطان فخلع عليه السلطان، وكلن له موكب عظيم، وقدّم الداودار هدية للسلطان من خبرات الصعيد الذي يعانى المجاعة. وكانت هذه الهدية 200 ألف دينار نقداً وعشرين ألف أردب شعير وغير ذلك.
وهذا أكثر مما كان يطمع فيه الأعراب.فكلا الفريقين ( المماليك والأعراب ) يتنازعون من أجل استنزاف دماء المصريين وخصوصا الفلاحين ، وكذلك كانوا يفعلون. إلا أنه ــ والحق يقال ــ فالمماليك كانوا أكثر حرصاُ من الأعراب على بناء الجسور والسدود وشق الترع، وذلك لأنهم كانوا القائمين في الحكم فعلاً، أما الأعراب فقد برعوا في التدمير والسلب والنهب.
إصلاحات قايتباى للريف:
1 ــ في يوم الثلاثاء بعد العصر 21 صفر 877 يروى مؤرخنا أنه ركب السلطان من قلعة الجبل، وتوجه للقبة ( قبة الأمير يشبك الداودار الكبير ) التى بالمطرية ( ومكانها الآن ميدان حدائق القبة ) وتوجه منها للقرين في الشرقية، وكان قد أنشأ هناك حوضاً وسبيلاً. ثم وصل الخبر للقاهرة عن السلطان أنه توجه على جسر بلبيس وأهان كاشف بلبيس وحثّه على عمارة الجسور ، وتوجه نحو شبين وغيرها ، ( لعمل مصالح الجسور والعباد وإزالة الظلم والفساد )على حد قول مؤرخنا.والأمير تغري بردى الذى تولى الاستادارية الكبري بعد موت الداودار الكبير طلع السلطان يوم الاثنين 13 ذى الحجة 885 ومعه جماعة من الفلاحين وشاوره عليهم في عمل مصالحهم فأجاب سؤاله.
2 ــ ويحق لنا حين تقرأ هذين الخبرين اليتيمين في تاريخ الهصر أن نستبشر خيراً ونتأكد من أن السلطان كان مع عسفه وطمعه يهتم بتسمين البقرة من أجل مصلحته هو لا من أجل البقرة بالطبع . فالفلاح المصري كان دودة الأرض يلتصق بترابها يعمل ويكد ثم يتحول فيها إلى شرنقة ترابية تزيد خصوبة الأرض وخيراتها ليأكلها الظلمة الوافدون.
قايتباى يتنزه في الريف ويزيد من معاناة أهله:
1 ــ وكان السلطان قايتباى مغرماً بالتنزه في الريف، وكان الريف يدفع ثمن هذه الهواية، وقد تقترن إحدى النزهات بإحدى المهام السلطانية مثل التفتيش على الجيش أو للاطمئنان على أحوال البلاد وتنمية البقرة الحلوب لامتصاص أكبر قدر من خيرها. في يوم الأحد 16 ذى القعدة 873 يقول مؤرخنا ابن الصيرفي ( ركب السلطان من قلعة الجبل وسافر لجهة البحيرة على حين غفلة ولم يعلم أحداً بنزوله ولا بسفره إلا بعد عشاء الآخرة، فعدي النيل بعد العشاء من بولاق وسافر من فوره، وصار الخلق يتبعونه أفواجاً أفواجاً وأرسالاً أرسالاً.. واستمر السلطان سابقاً بعسف وسوق وسرعة.. حتى وصل إلى النجيلة حيث أقام عظيم الدنيا يشبك بن مهدى فدخل عليه ليلاُ وهو نائم على غفلة ، فذعر الأمير يشبك المذكور لما رآه ، ثم سكن خبره ، وأقام عنده يومين ، وتوجه إلى جهة الغربية ، وقدمت له التقادم ( أى الهدايا ) فقبلها ، وأقام دون الثلاثة أيام ، ثم رجع إلى جهة الشرقية.). وبينما أسهب مؤرخنا في وصف سير السلطان في الريف فإنه أشار إشارة موجزة إلى قبوله للهدايا أو التقادم، وكانت هذه الهدايا مصادرات من عرق الفلاحين ودمائهم.
ولم يكتف مؤرخنا بهذا الإغفال المتعمد لتلك المصادرات التى يقوم بها السلطان بسيف الحياء وإنما أورد رأى المؤرخ جمال الدين أبى المحاسن وتولى الرد عليه لأنه انتقد السلطان وما فعلته رحلته تلك بالريف. يقول مؤرخنا الخائب المنافق:( وقال الجمال يوسف بن تغري بردى المؤرخ في تاريخه: ولم يظهر لسفره في هذه الأقاليم الثلاثة نتيجة بل شمل الخراب غالب قراهم من النهب والكلف ولم يفتكوا بمفسد ولا ردعوا قاطع طريق بل كان دأبه أخذ التقادم (الهدايا) والانتقال من بلد إلى آخر من غير فائدة بل الضرر الشامل، فلما علم المفسدون منه ذلك طغوا في الناس وزاد شرهم وقطعوا الطريق وأخافوا السبيل ، حتى أن بعضهم كان يفعل ذلك بقرب وطاق السلطان مع بعض حواشيه وأعوانه، وهو فيما هو فيه ، فوقع بذلك غاية الوهن في المملكة ،وقاسي الناس من ظلم العرب (الأعراب) لهم وقالوا "إذا كان السلطان ما زال ذلك عنا فمن بقي يزيله"). ويقول مؤرخنا بالرد على جمال الدين أبى المحاسن والدفاع عن السلطان: ( قلت : هذا الذى ذكره الجمال مردود من وجوه: لأن السلطان نصره الله إذا توجه بنفسه إلى بلد ضرورة أن أهل تلك البلاد من المفسدين وغيرهم يفرون منه، فإن الكاشف أو الوالي إذا قصدهم يفرون منه فضلاً عن السلطان، بل سفره طمّن البلاد والعباد نصره الله . ) ثم يقول ( وطالت إقامة السلطان نصره الله بالشرقية.)
وحلّ عيد الأضحى بالقاهرة والسلطان لا يزال في الريف، ويعبر مؤرخنا المنافق عن شعوره باللوعة بوجود السلطان بعيداً عنه فيقول : ( وكان هذا العيد أشبه الأشياء بالمآتم لما طرق الخلق من الحزن والكآبة وقبض الخاطر وافتقر بسبب هذا الغلاء خلائق من الأعيان وغيرهم لطول مكثه ( أى السلطان ) بالديار المصرية ( أى الريف) ) وذكر ابن الصيرفى رأى المؤرخ جمال الدين أبى المحاسن : ( وقال الجمال يوسف بن تغري بردي المؤرخ في تاريخه "هذا والسلطان دائر بتلك الأقاليم في هوى نفسه وأنه أخذ الأموال والتقادم من الناس حتى من كبار فلاحى البلاد ، ويتوجه بنفسه إليهم حتى يأخذ تقدمتهم، ولم يكن في سفرة السلطان هذه مصلحة من المصالح ، بل المضرة الزائدة ولاسيما على الفلاحين وأهل القري، فإنهم شملهم ضرر الأعوان والضربة لأخذ الأحطاب، وكانوا إذا لم يجدوا حطباً أخذوا أبواب البيوت ، وفعلوا ذلك بغالب الأرياف والطواحين ، وبالغوا حتى قالوا فعلوا ذلك بأبواب المساجد.).! ولم يتحرك وجدان ابن الصيرفي لهذه الأخبار التى أوردها المؤرخ أبو المحاسن المملوكي الأصل والتى استقاها من أصدقائه من داخل المجتمع المملوكي نفسه، ولم ينف ابن الصيرفي هذه الأخبار وإنما انطلق يقسم بالله كاذباً ــ وهو القاضى ــ في غمرة دفاعه المقيت عن سلطانه قايتباى يقول ردا على المؤرخ أبى المحاسن:( قلت: أقسم بالله لولا وجود هذا السلطان نصره الله في الوجود وحرمته التى ملأت الأقطار والأمصار ودوسه ابلاد وإرساله التجاريد ويقظته التامة لرأى الناس والعياذ بالله الموت عيانا".)..
ومات المؤرخ أبو المحاسن بن تغري بردي سنة 874 فحرمنا من أخباره ونقده للسلطان وانفرد مؤرخنا ابن الصيرفي بالساحة يسجل الأحداث بالطريقة التى تحلو له في دفاعه عن سيده السلطان، ومن ذلك أنه يروى نزهة للسلطان قام بها يوم الجمعة 10 ربيع الأول 875 وذكر ما استهلكه السلطان من هدايا، ولم يذكر بالطبع ما ارتبط بذلك من ضرر ونهب للفلاحين.يقول مؤرخنا : ( وكان السلطان نصره الله عزم في يوم الجمعة ـــ الذى هو العاشرـــ أن يتوجه إلى خليج الزعفران ويقيم به ثلاثة أيام للتفرج والتنزه، وجهز له المقر الأشرف الكريم العالم أمير داودار الكبير ـ دامت سعادته يشبك من مهدى ــ من الأغنام المعاليف (أى السمينة ) عشرين معلوفاً سعر سبعة دنانير الواحد ومن البداري خمسون بدرياً ومن الحلوى ثمانية قناطير ومن السكر ستة قناطير ومن الأرز والدجاج المعلوف ما قيمته مائة دينار وغير ذلك. وجهز المباشرون تقادمهم من سكر وحلوى وفاكهة وأرز ودجاج وغنم ومعاليف، وجهز أيضاَ المقر الزينى أبو بكر بن المقر المرحوم الزينى عبد الباسط عشرين معلوفاُ وفاكهة وحلوى وسكراً، فاقتضى الحال أن السلطان ركب يوم الجمعة بكرة النهار فسيرَّ ورجع إلى القلعة وبطل الفرجة.). فأرباب الوظائف وهم أرباب الظلم جهزوا للسلطان كل هذه الأطعمة من عرق الفلاح المصري الذى لم يتخيل حتى في الأحلام أن تؤخذ له صورة بجانب تلك الأكداس الشهية التى يسيل لها لعاب عدة بلاد من الفلاحين الجوعى. وعاد السلطان إلى نزهته تلك يوم الثلاثاء 14 ربيع الأول وظل فيها إلى يوم الجمعة 17 ربيع الأول حيث عاد للقلعة وصلى الجمعة بها بعد أن ذبحت له الذبائح من الأبقار المسمنة والأغنام المعاليف والحلوي والسكر والفاكهة، على حدّ قول مؤرخنا الذى يذكر ( وحتى من جملة ما صرفه عظيم الدنيا الداودار الكبير حفظه الله ألف دينار وقس على هذا المباشرين بأجمعهم، غير أن شخصاً مسجوناً بسجن الجرائم مشهوراً بالأذى والنحس كان قبض عليه من مدة فهرب من السجن ثم حصِّل ( أى قبضوا عليه) فرسم السلطان بكحل عينيه.).!.فالسلطان ذبحوا له الذبائح المسمنة مع الحلوى والسكر والفواكه وكان وقتاً سعيداً عند مؤرخنا ابن الصيرفي أن يتمتع السلطان بكل ذلك لولا أن شخصاً هرب من السجن ثم اعتقلوه وأمر السلطان بكحل عينيه بالحديد المحمى بالنار حتى فقد نظره كي لا يستطيع الهرب، ونقم مؤرخنا على ذلك السجين الهارب لأنه عكر صفو الحفل بهروبه وما كان ينبغى له أن يفعل حتى لا يتعكر مزاج السلطان ومؤرخه ( الملّاكى ) ابن الصيرفي.
الأعراب الذين يسرقون الريف بمباركة المماليك:
وكان الأعراب الثائرون على قايتباى يطمحون في التمتع مثله بخير الريف، وينكرون عليه أن يستأثر من دونه بذلك. وبعض الأعراب كان أبعد نظراً فتحالف مع السلطان وعمل في خدمته فكان يسلب الفلاحين باسم السلطان مثل باقى أرباب الوظائف والكشاف، أى حكام الأقاليم، وأولئك الأعراب الذين يسرقون الفلاحين بمباركة السلطان كان السلطان يزورهم في أماكنهم ليشاركهم الغنائم ويأخذ منهم التقادم والهدايا.
فى يوم السبت 21 شعبان 876 ركب السلطان من قلعة الجبل وتوجه إلى الجيزة لخيوله وعزم عليه ابن برقع شيخ عرب اليسار ( وصنع له مدة عظيمة) أى مأدبة ( من أغنام ودجاج وغير ذلك ).: وأين للأعراب من تربية الدجاج وإقامة المآدب السلطانية.. انه دم الفلاحين.. أجدادنا المساكين.
ونعود للشيخ القاضى المؤرخ ابن الصيرفي.يقول عن السلطان وابن برقع : ( وبات عنده وأصبح فتوجه إلى أوسيم لضيافة ابن شقير فلم يستطع للماء الذى في الطريق فرجع وعدى من أنبوبة ( أى إمبابة) ورسم للأمراء أن يرجعوا إلى أماكنهم وتوجه إلى العباسة (بالشرقية) ، فصنع له ابن شعبان ضيافة عظيمة إلى الغاية والنهاية ، واستمر مقيماً بالعباسة. ) ولو كان المؤرخ أبو المحاسن حياً لوصف لنا كيف دار أعوان أولئك الأعراب على بيوت الفلاحين يسلبون منها الأبقار والأغنام والدجاج ولزوم المأدبة السلطانية. والسلطان الورع وهو يلتهم الدجاج والأغنام وغيرها لم يفكر في خراب البيوت الذى أحدثته تلك الولائم.
أرباب الوظائف ونهبهم للريف:
وكان السلطان يعلم أن أرباب الوظائف في الريف يعيشون على ظلم الفلاحين، ولم يكن يتدخل السلطان إلا لتحقيق مصلحته في ذلك، سواء كانت مصلحة سياسية للدولة أو مصلحة شخصية للسلطان. كانت الأوقاف تسيطر على شريحة كبرى من الأطيان الزراعية، وارتبطت إدارة أراضى الأوقاف بالعسف الزائد والخراب، وقلّما كان يتدخل السلطان إلا إذا كان له في تدخله غرض، كأن يكون ناقماً على ناظر الأوقاف. وذلك ما حدث يوم الثلاثاء 26 ربيع الأول 874 حين عقد السلطان مجلساً في القلعة لمحاكمة نقيب الأشراف وأخيه لأن الأشراف شكوهما ( أنهما أخربا البلاد )الموقوفة على الأشراف . يقول مؤرخنا ( وغضب السلطان نصره الله من نقيب الأشراف وحطّ عليه ونقم عليه سوء مباشرته في بلاد الوقف وعدم التساوى بين المستحقين في النفقة. )، وتعجب ابن الصيرفي من فعل السلطان ذلك بنقيب الأشراف مع الصلة القائمة بينهما من سنين، وكان أولى بابن الصيرفي أن يسأل نفسه لماذا احتدّ السلطان كل هذه الحدّة على هذا الناظر للوقف بالذات دون غيره من نظار الوقف في سائر البلاد؟ ولماذ احتدّ السلطان على هذا الناظر للوقف مع أنه يعرفه من سنين، وسكت عن إنحراه طيلة تلك السنين ؟ . والعادة أن الذى يقترب من السلطان لابد أن يحظي حيناً بنعمته وأحياناً بنقمته. والعادة أيضا أن مباشرة أراضى الأوقاف كانت تقترن دائماً بالسرقة والظلم، والسلطان أول من يعرف ذلك، ولكنه لا يعقد المحاكمات إلا لتصفية الحسابات .وتلك من معطيات السياسة المملوكية. ويقول مؤرخنا يتعجب من فعل السلطان : واذكر قول الشاعر:
|
إذا كان هذا فعله في مُحبّه |
فياليت شعري في العدا كيف يصنع |
ونحن ننتظر الإجابة من الصيرفي..
أرباب الوظائف وظلمهم للفلاحين:
ومن أخبار يوم الاثنين 22 ذى القعدة 875 نقرأ الآتى "وركب السلطان من قلعة الجبل وأظهر أنه متوجه إلى جهة الخانكاة ثم عطف من الجبل وسار إلى أن وصل إلى حلوان وتوجه إلى طرى ( طرة ) ، ووصل إلى مصر القديمة وبولاق واستمر على طوق البحر إلى المنيه (منية السيرج) وشبرا ، فصعد من الجبل واستمر إلى أن وصل إلى القلعة، فوقف له جماعة يشكون من الحراقة التى بقليوب أن المتكلمين عليها يقبضون المسافرين من الفقهاء ويستعملونهم ويضربونهم، فرسم نصره الله بشنق من يفعل ذلك.). فالموظفون كانوا يسلبون المسافرين من الفقهاء والفقراء أى الصوفية ويضربونهم ويستعملونهم أى يستخدمونهم سخرة في قضاء حوائجهم، ولأن المجني عليهم من العلماء والصوفية فقد رفعوا صوتهم ووصلوا به للسلطان، حين تصادف مرور السلطان بهم. ولولا أن تصادف مرور السلطان بهم لظلوا تحت نير السخرة والسلب والضرب .
ولكن إذا كان أولئك الموظفون يفعلون ذلك مع العلماء والفقهاء والفقراء الصوفية وهم ذوو حيثية فى المجتمع فكيف كانوا يفعلون مع الفلاحين الغلابة الذين لا صوت لهم. وأولئك الفلاحون المساكين حتى لو كان لهم صوت فلن يصل للسلطان إلا نادراً، وأحياناً كان صوتهم يصل للسلطان فتكون عاقبتهم شديدة السوء مثلما حدث مع فلاحي المحلة الذين اشتكوا الكاشف ابن زوين فضربهم السلطان على أكتافهم ليعلمهم الأدب.
الفلاحون في السجون:
والفلاحون الذين يتكاسلون عن دفع الضريبة فمصيرهم إلى السجون وربما إلى ما هو أفظع. وحقيقة الأمر فالفلاح لا يتكاسل عن الضريبة، فأمامه زبانية الكاشف يبذلون أقصى جهدهم فى تتبع ما يمكن ان يخبئه الفلاح من محصول وغيره ، ثم هناك سياطهم وآلات التعذيب تجعله لا يفكر في التكاسل، وإنما قد يعجز عن الدفع لأسباب قد تكون خارجة عن إرادته، ولكنهم لا يرحمونه.
في يوم الخميس 22 رمضان 875 أورد مؤرخنا خبراً يقول أن الداودار الكبير أطلق من حبسه 170 من الفلاحين المصادرين، ومعناه أن الداودار الكبير كان له حبس خاص يضع فيه الفلاحين في الأقطاع التابع له إذا عجزوا عن دفع الضريبة المقررة عليهم، ونحن نعلم من تاريخ الهصر كيف كان ذلك الداودار شديد القسوة الأمر الذى يجعلنا نتحسر على المسجونين لديه في الحبس وكل جريمتهم أنهم عجزوا عن سداد الضرائب الظالمة.
على أن السلطان ( التقىّ الورع ) كان يرمى الفلاحين العاجزين عن الضريبة في سجن المقشرة أبشع السجون في عصره وأسوئها سمعة. وفي يوم الاثنين 15 ربيع الأول 877 نقرأ الآتي: "في ضرب السلطان عدة من أهل بحطيط بالمقارع .وأتهم فلاحي الذخيرة وانكسر عليهم أموال جمة ولهم ثلاث سنين بالسجن في المقشرة ..فرسم بسلخ أربعة منهم بحضور الباقين ، فسلخوا وأرسلوا إلى البلاد ، فأشهروا بها ليرتدع بها أمثالهم.) ويعلّق مؤرخنا البائس فيقول داعيا للسلطان :( فنصره الله نصراً عزيزاً.).!
فلاحون يهربون للقاهرة:
وبعض الفلاحين كان ينجح في الهرب من الأرض وعسف زبانية السلطة بها، ويأتي للقاهرة يجرب حظه، ومع ذلك فقد كان سوء حظه يوقعه بين أيدى الزبانية للمرة الثانية.
في نفس الشهر ربيع الأول 877 جاء مؤرخنا بالخبر التالي : ( وفي هذه الأيام قبضوا على جمع كثير بالقاهرة من المنسين والفلاحين والأرياف وأودعوهم الحديد، ) أى إعتقلوم بلا ذنب ( وأرسلوهم إلى المقر الأشرفي الأتابكي (أزبك) بسبب ما يعمّره من القناطر بالجيزة ) أى ليعملوا عنده فى مشروع للرّى فى منطقة الجيزة . يقول ابن الصيرفى : ( ويصرف لهم أجرتهم وافية، فإن هذا أمر مهم وفيه عمارة البلاد، وكلما زاد البحر أتلف ما صنعوه، ومقصودهم أن يؤسسوا ويبنوا على الأساس فإن الماء كلما بنوا شيئاً قلبه، وغرم السلطان على هذا البناء أموالاً عظيمة، وبلغنى أن في هذا البناء نحو ألفي رجل خارج عن مماليك المقر الأشرف الأتابكي، وفيه نحو مائتى معمار ومهندس. )، وقد إحتاجوا للمزيد من الأيدى العاملة فلم يجدوها ففكروا فى حيلة شيطانية ، يقول مؤرخنا : ( وإنهم احتاجوا مع ذلك إلى الرجال فدبروا حيلة. وسمّروا شخصاً ونادوا عليه ببولاق: هذا جزاء من يقتل النفس التى حرمها الله، فاجتمع الخلائق للتفرج عليه وصاروا خلفه فقبضوا عليه ورموهم الحديد وجهزوهم إلى العمل . فهذه من العجائب. والسلام.).!.هذا المسكين الذى سمّروه ، أى صلبوه بالمسامير على خشبة وطافوا به فى القاهرة بلا ذنب لم يستحق عبارة عزاء من مؤرخنا إبن الصيرفى ، سوى أنه قال متعجبا ( فهذه من العجائب. والسلام.).!. يا سلام ..!!
هرب(الواد عكاشة) من( بلدهم) بسبب السخرة والسلطة والمشدّ فوجد السخرة في انتظاره في القاهرة .!!
(الواد عكاشة) لم يكن يعرف أنه إذا سار في الهيصة والزيطة سينتهي به الأمر إلى الفحير والفأس والكدح والسوط على ظهره. مسكين يا جدو عكاشة.!!
ثم ذلك المسكين الذى صلبوه بالمسامير وطافوا به في البلد طعماً لاصطياد الغلابة من المنسين والفلاحين والأرياف على حد قول مؤرخنا القاهري ابن الصيرفي.. ذلك المسكين الذى سمروه على خشبة دون أن يرتكب ذنباً ما شأنه وما خبره وما ذنبه.ربما يكون أحد أجدادي أو أحد أجدادي عزيز القارئ بين أولئك الفلاحين الذين هربوا للقاهرة خوفاً من العصا والفلقة فوجدها في انتظاره عند بولاق. وربما يكون ذلك الذى سمّروه على الخشب وقتلوه بلا ذنب هو أحد أجدادى وصدق فيهم قول مؤرخنا القاضى الظالم ابن الصيرفي: ( "قبضوا علي جمع كثير بالقاهرة من المسنين والفلاحين والأرياف.)، فقد كانوا في عالم النسيان حتى وهم أحياء يعيشون بالقرب من المؤرخ ابن الصيرفي ، وأين الصيرفي مشغول عنهم وعن ألامهم بسيده السلطان قايتباى.
وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه..!!
قضاة الظلم في الريف:
1 ــ عشنا مع أولئك القضاة في القاهرة ورأينا فسادهم وجهلهم وظلمهم وهم يعيشون في الأضواء بالقرب من السلطان، فكيف بأعوانهم في الريف حيث لا رقيب ولا حسيب ولا نقطة ضوء تكشف الانحراف والفساد.
والعادة أن قاضى القضاة الفاسد في القاهرة لا يعين في الريف إلا من كان أضل منه سبيلا.. وكان عبد البر إبن محب الدين بن الشحنة هو الذى تولى قضاء الشرقية، وكان عبد البر مع أبيه من كبار مفسدى القضاء، والغريب أنه كان قاضياً حنفياً وينبغى أن يكون الذى يوليه هو والده قاضى القضاة الأحناف، ولكن الذى حدث أن الذى ولاه قضاء الشرقية كان قاضى القضاة الشافعية، وقد أرسل السلطان في شهر جمادى الثانية سنة 875 إلى قاضى القضاة الشافعية يسأله أأنت وليت عبد البر بن الشحنة قضاء الشرقية؟ فقال ما ولاه إلا أبو السعادات الذى كان قبلي. وكان التعصب بين المذاهب شديداً ولكن الفساد كان أشد منه، ولذلك تولى عبد البر ابن الشحنة الحنفي منصب القضاء الشافعي في الشرقية مع أنه مقيم بالقاهرة لا ينفك عن تدبير الدسائس وحيازة المناصب ولا يدري شيئاً عن أحوال القضاة التابعين له في الشرقية.
2 ــ وقد كان السلطان في زيارة للشرقية في شعبان 876 وأعد له قاضى العلاقمة مأدبة عظيمة ، نعرف بالطبع من أين أتى بها، وأرسل القاضى بالمأدبة إلى السلطان، فلما حضرت المأدبة للسلطان سأل عن الذى أرسلهما، فلما عرفه تذكر أن ذلك القاضى قتل اثنين فطلب حضروه، يقول مؤرخنا: ( وأعدّ قاضى العلاقمة مأدبة للسلطان عظيمة ، وأحضرها إليه ، فلما وصلت وعرف مرسلها قال: هذا القاضى الذى قتل اثنين، أطلبوه . فحضر . فلما قرب من السلطان نزل عن الفرس فسقط ميتاً".).!. فنحن هنا أمام قاض تصادف أن مرّ السلطان بمنطقته وعرف أخباره وأنه قتل اثنين فأمر بإحضاره إليه، ولا ريب أن سجل جرائم ذلك القاضى كان أشنع من مجرد قتل رجلين، بدليل أنّه مات من الرعب حين واجه السلطان. فالمجرم القاتل يجد منصبا فى الريف ، وتلك حالة قاض واحد بالمصادفة، فكيف بالآخرين في باقى الأرياف على امتداد العمران المصري والذين لم يتشرفوا بلقاء السلطان، ولم يكن لهم ذكر في حوليات التاريخ.
والله وحده هو الأعلم بمعاناة أجدادنا الفلاحين.
3 ــ وفي جمادي الأول 876 نقرأ الخبر التالي : ( واتفق في هذه الأيام أن شخصاً من قضاة الريف يعرف بقاضى البرلس باع صغيراً حراً لبعض العربان فعرفه أبواه ، وشكيا القاضى للسلطان فضربه بالمقارع ، وسأله عن القصة، فقال أن هذا الذى يدعي أنه أبوه باعه لى بشهود، فطلب منه الشهود فلم يشهدوا بشيء واستمر في الترسيم. )أى استمر فى الحبس . فهنا قاضى مجرم وكاذب سرق وإسترق طفلا وباعه لأحد العربان . وكان من الممكن أن يمرّ الأمر عاديا لولا أن والد الصبي كان ميسورا وجريئا فقد سافر للقاهرة وجاهد حتى تمكن من رؤية السلطان ، وبهذا عرفنا بالقصة من خلال تاريخ الهصر، وفي نهاية الأمر فذلك مجرد مثل ينبئ عن وجود أمثلة أكثر وأشنع وأفظع إلا أنها لم تلق حظها في التدوين.
فلاحون وصلوا للمناصب:
1 ــ وبعض الفلاحين اجتاز ضباب النسيان ووصل إلى دائرة الضوء وبلغ مناصب أجبرت ابن الصيرفي على تسجيل حياته، كان منهم الداودار أبو بكر 875 والقاضى هانى.
2 ــ أبو بكر كان فلاحاً خدم عند الأمير بردبك وتحمل قسوته وازداد ولاءاً له، وكان الأمير يطرده من خدمته مرات عديدة ثم يعود إليه، وفي إحدي مرات طرده فأصبح شديد الفقر فصار يخدم ابن القيسى الذى كان محتسباً ثم والياً ثم نقيباً للجيوش في سلطنة الأشراف اينال وصار قائماً بأمور إبن القيسى كلها. ثم عيّن الأمير بردبك والياً على حلب فأعاد أبا بكر إلى خدمته. وحدث أن بعض أتباع بردبك أرادوا قتله بالسم مرات عديد وهو ينقذه، فعرف بردبك إخلاصه فرقّاه ( وصار عنده في أوج العظمة ) على حد قول ابن الصيرفى : ( وصارت له أموال عظيمة قيل أنها بلغت 250 ألف دينار)، ومات مع مخدومه الأمير بردبك في وقت واحد عام 875.
3 ــ أما هانى فقد هرب من الريف والتحق بالجامع الأزهر طالباً ، وكان طموحا ، فصار يتردد إلى الطواشية خدم القصور ويخدمهم ، فعرف عن طريقهم الأميرة خوند فاطمة بنت الظاهر ططر ، وسأل أن يكون كاتبها فكان كذلك، يقول مؤرخنا : ( واستمر حاله ينمو ويزيد وركب الخيول ، واشتهرت له الوظائف والتواقيع ، ولبس الأقمشة ولبس الخف والمهماز، وجعل في رقبته طوقاً بعد أن كان من الفلاحين المجاورين بالجامع المذكور وفي يده دقّ أخضر شاهدته.) . والدّق الأخضر الذى يذكره مؤرخنا هو وشم إعتاد الفلاحون رسمه ليسجل إسم صاحبه . أى كان هذا الوشم ــ الذى تصعب إزالته ـ دليلا على أنه القاضى هانى كان فلاحا فى الأصل .
4 ــ ونفهم من قصّة القاضى هانى أن بعض الفلاحين كان يتعلم القراءة والكتابة ويحفظ القرآن الكريم في كتاب القرية على أيدى فقهاء الأرياف، ثم يهرب إلى القاهرة ويلتحق بالجامع الأزهر أو غيره ويكون من المجاورين، وإذا كان طموحاً مثل صاحبنا (هانى) وصل إلى معرفة بعض المماليك، ويا حبذا لو كانت سيدة مثل خوند فاطمة التى اشترت للمدعو هانى الوظائف والمرتبات والملابس والخيول، إلا أنها نسيت أن تمسح الوشم الأخضر الذى كان على يده . وقد أفلح صاحبنا ابن الصيرفي في رؤية ذلك الدق أو الوشم المدقوق على يد القاضى هانى، وربما كان ابن الصيرفي يحس بالغيرة من الأبهة التى ظهرت على ذلك الفلاح بسبب علاقته بتلك الأميرة، ونحن نعرف من خلال تاريخ الهصر اهتمام صاحبه بالتغييرات التى تظهر في الزى حين يصل بعض العوام أو الفلاحين إلى المناصب تجعلهم يودعون أيام الشقاء ولبس الزعبوط إلى الغالي والثمين من الحرير والديباج والسمور. ومن الطبيعي أن يهتم مؤرخنا القاهرى من بهذه الظواهر فهو (ابن سوق) ( يفهمها وهى طايرة ).، ألم يكن صيرفياً.
الهوامش
- الهصر: 27، 127، 19، 75، 76، 237، 419، 420، 319، 261، 362، 363، 38، 151، 6، 367، 504، 505، 50.
- الهصر: 482، 151، 152، 105، 398، 518، 519، 424.
- السلوك للمقريزي: 1/ 386، 387: 388.
د. أحمد صبحي منصور: السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة 168: 169.
- الهصر: 330، 340، 427، 443، 445، 140، 32 ، 125، 192، 195، 234، 289: 290، 64، 118، 119، 121، 125، 153، 191.
- الهصر: 9، 24، 17، 32، 195، 201، 341، 351، 125، 291، 289،: 290، 326: 327، 433، 44: 45.
- أبو المحاسن: النجوم الزاهرة 9/92.
- المقريزي: السلوك 1/3/946.
- الهصر: 41، 43، 46، 75، 119، 125، 207، 221، 232، 367، 389، 119، 121، 122، 123، 125، 126، 130، 131، 161، 473: 474، 496.
- الهصر: 71: 73، 74، 212: 214، 405، 141، 142، 287، 263، 484، 483، 235، 405، 406، 344، 197، 198، 301، 302، 132.
الباب الثانى : أخبار الشارع المصري في عصر السلطان قايتباى
كتاب ( المجتمع المصرى فى ظل تطبيق الشريعة السنية فى عصر السلطان قايتباى):دراسة فى كتاب ( إنباء الهصر بأبناء العصر ) للمؤرخ القاضى ابن الصيرفى .
الباب الثانى : أخبار الشارع المصري في عصر السلطان قايتباى
الفصل الأول : نشرة أخبار السلطان قايتباى
أخبار السلطان الشخصية :
1 ــ لم يكن ابن الصيرفي موفقاً في اختيار عنوان كتابه "أنباء الهصر في أبناء العصر" وكان أول له أن يقول "أنباء الهصر في أنباء سلطان العصر" ، فالكتاب يدور في الحقيقة حول السلطان ومن له علاقة بالسلطان، وما ورد من إشارات بين السطور لأخبار بعض العوام فمرجعه لوجود علاقة بينهم وبين السلطان أو عمال السلطان، وكأنما كان ينبغى لأحد أن يقتله السلطان أو يسلخه ليفوز بالذكر والتسجيل في تاريخ ابن الصيرفي. ومن الصعب على مؤرخ من نوعية ابن الصيرفي أن يفصل بين ما هو خاص في أخبار السلطان يدخل تحت بند الأخبار الشخصية وبين ما هو عام ورسمي يختص بسياسة الدولة، فالمؤرخ ابن الصيرفي جعل السلطان قبلته التى يطوف حولها ولا يرى غيرها، بل ولا يرى الأشياء الأخرى والأشخاص الآخرين إلا من خلال سيده السلطان.
2 ــ ونعرض لطائفة من أخبار السلطان الشخصية من وجهة نظرنا نحن، وإن كان ابن الصيرفي يجعلها كلها أخبارً سياسية هامة يعتقد أن البشر جميع لا يحلو لهم النوم في الليل إلا بعد أن يطمئنوا عليها وعلى صاحبها.
نزهات السلطان قايتباى
1 ــ وكان قايتباى مغرماً بالتنزه ، وقد أرهق مؤرخنا وهو ( يتشعلق ) بذيل فرسه يسجل نزهاته هنا وهناك ويلهث وراءه بالكتابة ، بل ويعلن أن أنفاسه انقطعت من كثرة تسجيله لتحركات السلطان في تلك النزهات.
2 ــ في شهرة ذى القعدة 873 كان السلطان مهموماً بانتصار شاه سوار على الجيش المملوكي فخرج للتنزه ليروّح عن نفسه، ونرى مؤرخنا يكتب "وعندى أن مولانا السلطان نصره الله ليس عنده أعزّ من الركوب والتنزه ، ولا يبالى بأحد ، ولا يخاف إلى الله وهو حافظه ومعينه، وسبب هذا الركوب أن السلطان في أمر عظيم بسبب هذا الخارجي الوضيع الذى ليس له ذكر في القديم ولا لآبائه ، وقد صدر منه كسر العسكر المصر والشامي وبهدلته وقتل جماعة من أعيانه. ). أى لا ينسى القاضى المؤرخ المنافق إبن الصيرفى مدح قايتباى حتى فى نزهاته ، ويكيل السّب والشتم للثائر الوطنى شاه سوار الذى أراد تحرير وطنه فى شمال العراق من ربقة السيطرة المملوكية.
3 ــ وفي نفس الشهر (ذى القعدة) فى العام التالى يقول ابن الصيرفي "وأما ركوب السلطان نصره الله فقد تزايد جداً ولا يكاد ينحصر لكثرته، وهذا دالّ على شجاعته وفطنته وصحته" أى أنه وجدها أيضا فرصة للإشادة بالسلطان وشجاعته وفطنته وصحته. وفي شهر شعبان 875 يقول: ( وتكرر ركوب السلطان وقلة العسكر في خدمته إلا العدد القليل.). وفي شهر شعبان 875 يقول: ( وقد كثر ركوب السلطان أياماً ولم أذكر ذلك ولا كتبته لكثرته.). ثم يشعر مؤرخنا بالملل من كثرة تسجيله نزهات قايتباى فيقول فى أحداث يوم الأربعاء 29 ربيع ثان 876 : ( ركب السلطان على عادته وتوجه إلى الخانكاة وقد قدمنا في غير موضع من هذا الكتاب أن نحن لسنا بصدد ركوبه فإنه تزايد جداً.).
ومع ذلك كان مؤرخنا يذكر الكثير من تنزهات السلطان إذا كان فيها إسهاب وتفصيل يستحق الذكر أو كان فيها استقبال حافل للسلطان حين رجوعه من تلك النزهة، كأن يقول عن يوم الأربعاء 12 صفر 876 "ركب السلطان وتوجه إلى القرافة وقيل إلى طرا وهرع لخدمته الأعيان والخواص والخدام حتى المغاني.).
وهى أول مرة نعرف فيها من ابن الصيرفي أن الغواني كن يستقبلن السلطان، والغواني مصطلح كان يطلقه العصر المملوكي على العاهرات البغايا وكن يدفعن للدولة ضرائب على نشاطهن.
السلطان يلعب الكرة:
1 ــ واهتم مؤرخنا بلعب السلطان الكرة مع أمرائه.
فقد كان قايتباى مفتوناً بلعب الكرة أو الصولجان، وهى كرة قدم يتبارى فيها الفرسان وهم راكبون خيولهم باللعب بالكرة . وفى إهتمامه بها كان قايتباى يهمل من أجلها وفد المشايخ والقضاة الذين يحضرون لتهنئته بأول الشهر العربي. في أول شهر ذى القعدة 874 يقول: "وكان السلطان في هذا اليوم قد لعب الصولجان التى يسمونها الكرة ولعب معه الأمراء المقدمون الألوف". وفي يوم السبت 2 ذى الحجة من نفس العام يقول: "وفي يوم السبت ثانية انتهى لعب السلطان من الكرة". وفي أول شهر ذى القعدة 875 يقول مؤرخنا "فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر على العادة ، وكنت في خدمة قاضى الحنفية ابن الشحنة ، فوجدنا السلطان يلعب بالكرة بالحوش السلطانى ، فانتظروا بالجامع الناصري قلاوون بقلعة الجبل ، إلى أن انتهى اللعب ، وطلبهم ) . أى كان لعبه بالكرة أهم من رؤية المشايخ. ولا ريب أنه كان ( عنده حق ).
2 ــ وفي رجب 875 يعطينا مؤرخنا بعض التفضيلات عن لعب الكرة .
يقول "لعب السلطان مع الأتابك أزبك فغلب بالنشاب في رهن عليه بألف دينار ، فاشترى منها مائة معلوف ( أى خروف سمين ) بستمائة دينار ومائة خروف بدارى وسكرا ودجاجاً وأوزا وفاكهة وحلوى وما أشبه ذلك، واتفقوا على أن يتوجهوا إلى القناطر العشرة ويقيموا بها أياماً يأكلون ويشربون ويتنزهون.) . أى كان لعب الكرة مرتبطاً بالمراهنة والنزهة والمداعبات. وطريقة اللعب كالآتي: ينقسم اللاعبون إلى فريقين على رأس كل فريق (باش) أحدهما السلطان والآخر أتابك العسكر، وعادة ما يكون اللعب بالكرة مرتين في الأسبوع، ويعرف هذا بموكب لعب الكرة. وتقترن هذه الرياضة بنوع من المداعبات كأن يقوم المغلوب بإعداد وليمة فاخرة، وحدث سنة 800 أن لعب السلطان برقوق الكرة مع الأتابك أيتمش البجاسى بالحوش السلطانى ، وغلبه فأظهر الأتابكى استعداده لعمل الوليمة لكن السلطان تحملها عنه ، وجاءت غاية في السعة والترف ، إذ جمع فيها المغنيين كما سمح للناس بدخول الميدان، واحتوت الوليمة على 20 ألف رطل ضانى، 200 زوج أوز، 100 دجاجة، 20 فرساً للذبح، 30 قنطاراً سكر، 200 علبة فاكهة، 200 مجمع حلوى، 30 قنطار زبيب، 60 أردب دقيقة للبوظة.).
3 ــ على أن بعض المباريات كان يحدث فيها ما يعكر الصفو.
ففي يوم الأحد 29 شوال 875 لعب السلطان قايتباى بالكرة مع الأمير جانبك حبيب فوقعت عمامة السلطان من رأسه إلى الأرض، وانكشفت رأسه، وذلك عيب كما سبق توضيحه، يقول مؤرخنا ابن الصيرفي عن حالة السلطان عندئذ " ( فاحتد السلطان وتسودن ) أى انقلب مزاجة إلى سواد.
وبعدها بأيام أى في الثاني من ذى القعدة حدث ما هو أفظع، يقول مؤرخنا : ( لعب السلطان بالكرة على العادة فتقنطر بالجواد ووقع عن ظهره وسقط شاشه عن رأسه )، ويضيف : ( إنقلب الحوش السلطانى ، ونزل جميع الأمراء عن خيولهم ، وبادروا لحمل السلطان ولم يحصل له أدني شدة ولا تشويش غير أنه احتد تسودن. )
فالسلطان المملوكي ينبغى أن يكون أٌقوى الجميع وأفرسهم، ووقوعه عن جواده، وأن يسرع الجميع إلى نجدته مما يحط بكرامته ويضع من هيبته، لذا احتد السلطان وتسودن.
4 ــ وفي يوم الاثنين 20صفر 877 لعب الأمير يشبك من مهدى الداودار الكبير الكرة والصولجان في بيته هو والأمراء المقدمون الألوف .( وأمر مماليكه بإخراج من في الدار والبوابة من الناس ، ونهرهم فلم ينتهوا ولم يخرجوا فضربهم . ومن جملة من ضرب نقيب الجيش على ظهره وأكتافه وكانت ساعة عظيمة مهولة ).
ويتضح مما سبق أن بيوت المماليك الكبار كانت تتسع لمثل هذه المباريات . والداودار الكبير المشهور بالعنف والقسوة أراد إخلاء داره ليلعب فيها مع كبار الأمراء، وطرد الباقين ممن هم أقل رتبة من الخدم والبوابين، وأولئك كانوا مشتاقين لرؤية المباراة فصمّموا على المشاهدة فنالوا الضرب وكان من المضروبين نقيب الجيش، وكانت ساعة عظيمة مهولة على حد قول مؤرخنا.
مرض السلطان:
1 ــ ولا ريب أن كان مرض السلطان من الأحداث الخطيرة عند ابن الصيرفي وعند الدولة أيضاً.لأنّ مرض السلطان تنذر بالصراع على العرش بين الأمراء الأقوياء ، ولا بد أن يستعد كل منهم للوثوب مكانه ، وهذا يعنى فترة من الاضطراب كانت تتكرر فى العصر المملوكى .
2 ــ ليلة الأحد 11محرم 876 ركب السلطان من قلعة الجبل وتوجه إلى شبين القناطر وصحبته الأتابك أزبك وبقية الأمراء . وفي الطريق وثب فرس السلطان على فرس الأمير الكبير أزبك فأسقط عمامته ، فالتفت ليأخذها فضرب فرسه ، فجاءت الضربة في ساق السلطان ، فتجلد لها وكتمها، ولكن لما وصل السلطان إلى شبين قوى عليه الألم فطلبوا له المجبرين والمزينين والمحفة، أى الأطباء والإسعاف بلغة عصرنا، ورجع السلطان إلى القلعة يوم الاثنين، ووصل خبر ما وقع للسلطان للقاهرة في حينه، يقول مؤرخنا "وكان الخبر وصل إلى القاهرة بما وقع للسلطان من الضربة التى جاءت فارتجّ البلد وأصبحوا وقد هدّوا ما كان في البلد وحوانيته وأزقته من الزينة والوقود ، وصاروا في هرج ومرج ، وأمر كاتب السر بأن ينادى في البلد "بالأمان والاطمئنان وأن أحد لا يهدم الزينة ولا الوقود "، ومن هدم سأفعل به كيت وكيت . وأرسلوا في البلاد الشامية وغيرها أن السلطان طيب بخير وسلامة خوفاً من الاختلاف بين الأمراء ووقع تآمر وفتن.)
وفي مساء الخميس 15 محرم شرب السلطان دواء ولم يمكنوا أحداً من الدخول عليه ، فبلغ ذلك ابن مزهر الأنصاري كاتب السر بعد أن صعد للقلعة ، فرجع ، وأخبروا السلطان بذلك فتغيظ لأنهم لم يستأذنوا له، وقد كان ابن مزهر الأنصاري هو السبب في إصدار قرار السلطان بمنع الوالى وأصحاب السجون من أخذ إتاوة على المساجين وإرغامهم على التسول، فذلك القرار الذى صدر يوم الخميس 15 محرم.
ولم يحضر السلطان صلاة الجمعة 16 محرم . وصعد الأمراء اليه فى القلعة ، ودخلوا بين يديه فسلموا عليه وسقاهم المشروب وعادوا لمنازلهم. ولم يطع أهل المدينة الأوامر فقاموا بهدم الزينة التى كانوا قد أعدّوها للإحتفال باستقبال السلطان . وعقد احتفال بشفاء السلطان يوم الجمعة 28 صفر، وركب السلطان من القلعة إلى الجامع وصلى الجمعة . ( وفرشت له الشقق المخمل من باب الحريم إلى باب الجامع،) يقول مؤرخنا ( واجتمع بحريم السلطان من المغاني والفرج والمدات (أى المآدب )ما يليق بهم .) ويختم الخبر بالمعتاد من النفاق : ( وفي الواقع فلله الحمد والشكر على عافية مولانا السلطان نصره الله.).
3 ــ وكان بعض أرباب المناصب إذا علم بأن السلطان أصابته وعكة خفيفة بادر بإرسال الهدايا للسلطان.
ففي يوم الأحد 26 شوال 876 استعمل السلطان دواء ، ولم يعلم بذلك أحداً ،( فبلغ ذلك المقر الأشرف الزينى ابن مزهر فجهّز له ما يليق به من حلوى وفاكهة ومشموم وغير ذلك مما لابد منه ).
وجدير بالذكر أن كاتب السر ابن مزهر أصابته وعكة عوفى منها فصعد للسلطان يخبره بشفائه . يقول مؤرخنا عنه ( وصعد الى السلطان نصره الله، فقبّل يده ، فخلع عليه كامليه سمور بمقلب سمور . )ويستمر مؤرخنا يصف ما حدث من سرور بسبب شفاء كاتب السر: ( وزيّن له البلد وفرحوا بعافيته وسلامته وكذا الدعاء له من كل أحد وأثنوا عليه بالجميل واستمروا في خدمته إلى منزله) ويقول يصف شعوره ينافق سيده إبن مزهر ( وسيماً كاتبه ومؤلفه (يقصد نفسه) فإنه غريق فضله ونعمته، وأنشد لسان حالى في ذلك:
|
كل من في حماك يهواك لكن |
أنا وحدى بكل من في حماك |
ومعناه أن الناس كانت تتفاعل مع السلطان وأحواله الشخصية ومع كبار أعوانه خصوصاً إذا لم يكونوا مشهورين بالظلم مثل كاتب السر ابن مزهر الأنصاري.
4 ــ وفي يوم الجمعة 28 صفر 886 مرض السلطان، أصابه برد، وتقرأ تعبيرات مؤرخنا وفكرة عصره عن تلك الأمراض المعتادة : ( وحصل لمولانا السلطان نصره الله هوى ، توعّك منه ، بسبب أنه نزع الفروة ، وصار بالجوخة ، فاستهوى ،وأفتصد واحتمى ، وحتم من أكل الزفر وكان قصده يوم السبت تاسع عشريه، وأصبح يوم الاثنين مستهل شهر ربيع الأول.. والسلطان نصره الله وحفظه طيب في خير وعافية فلله الحمد والمنة على ذلك.). كانوا يعتقدون إنّ كشف الرأس يجلب المرض بنزلة برد . وكان العلاج بالفصد الدموى والامتناع من أكل الطيور أو ( الزفر ).
لباس السلطان للشتاء والصيف:
1 ــ وكان مؤرخنا يسجل لبس السلطان لزى الشتاء والصيف كأحد الأخبار الرسمية الهامة.
في أول شهر جمادى الأول 873 يقول "لبس القماش الصوف المعد لبسه لفصل الشتاء وخلع على الأمراء الألوف الفوقانيات الصوف )، أى (جُبّة )يلبسونها فوق الزى . ( وخلع السلطان الفوقانى الذى هو لابسه لرأس نوبته الكبير، ثم يصير كل جمعة لمن دونه وهلم جرا إلى أن انتهى الشتاء ) . وهنا يشير مؤرخنا إلى أحد التقاليد المملوكية في ارتداء الزى، وهى أن ينعم السلطان على كبار الأمراء، الأمراء الألوف، بالفوقانيات الصوف زياً لموسم الشتاء ، ثم ينعم السلطان بجبته أو الفوقانى الذى يلبسه لرأس النوبة، أى كبير الحراس ثم ينتقل كل جمعة لمن هو دونه في الرتبة إلى أن ينتهى فصل الشتاء.
2 ــ وفي يوم الاثنين 26 شوال 873 يقول صاحبنا: ( لبس السلطان الملك الأشرف نصره الله القماش الأبيض المعد لبسه للصيف على العادة في كل سنة، من غير موكب، وهذا بخلاف عادات الملوك، فإن العادة لا يلبس السلطان ذلك إلا في يوم الجمعة عند دخوله إلى الصلاة بموكب عظيم، فلم يكترث السلطان بذلك ولا التفت إليه ، ولبس سلاريا بعلبكيا في قاعة الدهيشة ، وخرج به إلى الحوض السلطانى . ) ، أى خرج قايتباى عن التقاليد المملوكية حين ارتدي زى الصيف يوم الاثنين وبدون موكب كما هى التقاليد المرعبة.
وفي يوم الجمعة 12 جمادى الأولى 874 ( لبس السلطان القماش والصوف الملون المعد لبسه للشتاء في كل سنة عند دخوله لصلاة الجمعة . وتأخر عن العادة أكثر من عشرة أيام،) أى كان ينبغى أن يرتديه في أول جمادى الأولى كما حدث في السنة الماضية. وفي يوم الجمعة 29 جمادى الأولى 875 يقول: ( لبس السلطان الصوف الملون ، وألبسه الأمراء الألوف بعد صلاة الجمعة . وتأخر لبسه عن العادة القديمة بعشرين يوماً، أعنى عن عادة الملوك المتقدمين مثل الأشرف برسباى وقبله، وعن السنة الماضية بعشرة أيام.). وفي يوم الجمعة 15 ذى القعدة 876 ( لبس السلطان نصره الله القماش البعلبكي المعد لبسه للصيف قبل عادته بثمانية أيام، وقيل بثمانية عشر يوماً. ) ويبدو أن السلطان كان يأخذ بالتقويم القبطي في ارتداء لباس الشتاء والصيف، فكان يرتدي زى الشتاء في شهر هاتور ويرتدى زى الصيف في برموده وبشنس. وفي يوم الجمعة 27 صفر 886 الموافق 8 بشنس : ( لبس السلطان نصره الله القماش الأبيض المعد لبسه للصيف قبل صلاة الجمعة وسبق العادة بخمسة أيام، وما قارب الشيء يعطي حكمه.). صدقت يا شيخنا القاضى الفقيه : (وما قارب الشيء يعطى حكمه.) . هى عبارة فقهية يعقّب بها إبن الصيرفى عن المواعيد المختلفة لزىّ السلطان ، كأن موعد ارتداء السلطان لزى الشتاء والصيف يعتبر عيداً إسلامياً نستطلع من أجله الهلال وتختلف فيه الآراء وتصدر فيه الفتاوى.ولكنها عبادة الحاكم فى الشريعة السّنية ، يقوم بها قاضينا المؤرخ ابن الصيرفي.
حضور السلطان حفلات الزفاف والميلاد:
1 ــ وكان السلطان يحضر حفلات عقد القران والزفاف وما قد يترتب على ذلك من آثار جانبيه مثل الولادة والاحتفال بالمولود.وكان ابن الصيرفي فى تاريخ (الهصر) يرقص بين يدى السلطان في هذه الحفلات.
في يوم الجمعة 25 محرم 874 تم عقد زواج الداودار الكبير على كريمة السلطان السابق أحمد ابن الأشرف اينال ، وحضر السلطان عقد القران بالجامع الناصرى بالقلعة، وحضره قضاة القضاة وكاتب السر والأعيان، ويعلق مؤرخنا فيقول" وكان عقداً عظيماً .وكيف لا ؟!. وحُمل لهذا العقد أشياء عظيمة من سكر وحلوى وفاكهة وأغنام ومشروب وغير ذلك . والله هو الولى والمالك.). وحتى لا يتهمنا أحد بالقسوة على مؤرخنا ابن الصيرفي نأتى بالخبر من بدايته يقول: ( وفي يوم الجمعة خامس عشر عقد صاحب الحلّ والعقد ومشير الدولة ومديرها ووزيرها واستادراها وداودارها الكبير وما أضيف إلى ذلك من ملك الأمراء بالوجه القبلي والبحري وما مع ذلك أعز الله أنصاره على بنت السلطان الملك المؤيد أحمد بن الملك الأشرف إينال مولانا الأشرف أبى النصر قايتباى عز نصره.. إلخ.). كل هذه الألقاب للعريس يا ابن الصيرفى .!! ناقص يقول شويش. والعاقبة عندكم في المسرات.
2 ــ ودخل العريس يشبك بن مهدي الداودار الكبير على عروسه مسلحاً بكل هذه الألقاب المرعبة التى لا يملّ من ذكرها مؤرخنا ابن الصيرفي، وربما أتت تلك الألقاب بمفعول قوى ، إذ أنجب العريس ذو الألقاب والنياشين طفلاً يوم الثلاثاء الثاني من ذى القعدة 875 . وندع صاحبنا يصف ذلك الحادث السعيد: ( وفيه وُلد للمقر الأشرف الكريم العالي السيفي عظيم الدنيا وصاحب حلها وعقدها ووزيرها واستادراها وداودارها الكبير وما مع ذلك شيد الله به الممالك ـــ ولد.). أى ينقطع نفس القارىء فى قراءة هذه الألقاب إلى أن يصل إلى كلمة ولد. ويلتفت مؤرخنا إلى سيده قايتباى وموقفه من ذلك الحادث السعيد فيقول "فسُرّ به السلطان وخلع على الذى بشره به كاملية سمور بمقلب ). المهم : ( وأنعم له بعشرين دينار ، ورسم للمولود باقطاع وجامكية وغير ذلك ، وسمى منصوراً ) .ترى هل كان يأمر السلطان باقطاع وجامكية لأجدادنا حين كانوا يولدون على "مدار الساقية" او على "عتبة الزريبة" أم كان مكتوباً عليهم أن يعيشوا في الشقاء ويمتص دمائهم زبانية المماليك وأولادهم الذين يولدون بمعالق ذهب في أفواههم.؟!!.
ونرجع لصاحبنا وهو يصف الهدايا والاحتفالات التى أقيمت لذلك المولود السعيد : ( وعُملت له الزلابية من حلوى ثلاثة أيام مع الأسمطة، وقدم له الأكابر من كل صنف، وجهزوا ساعياً بالبشارة لوالده (كان يقود الجيش المملوكى الذى تجرد لحرب شاه سوار ، وبالمناسبة لم يرجع منها )، وقاصداً (أى ساعيا) آخر لجده لأمه الملك المؤيد أحمد بن الملك الأشرفي اينال بالإسكندرية،وهرع لخوندات والستات والرؤساء والمباشرون للسلام عليها والتقدمة لها وصنعوا لها المدات (الآدب) والأسمطة من فاخر المآكل والمشارب وأمثال ذلك.). ويا حسرة على المصريات في ذلك العصر اللائى كن ينجبن للشقاء أطفالاً يرضعون المش الغني بالدود ويشربون الماء بالطمي، حتى إذا كبروا امتص دماءهم المماليك، والبلهارسيا..
ويا أيها المصري المطحون دائماً :إننى أحبك ومع سبق الإصرار والترصد.!
أخبار أخرى للسلطان:
1 ــ ولا يترك صاحبنا المؤرخ مناسبة إلا وأشاد بالسلطان وأثبتها خبراً هاماً من أخبار الزمان.
في عيد الفطر 876 وكان يوم الأربعاء يورد من أخباره الآتي: "ووقعت للسلطان غريب تكتب من محاسنه" ولابد أن نكتم أنفاساً انتظاراً للمفاجأة، ونراه يكتب : ( وهو أن الظاهر خشقدم خلف ولداَ صغيراً عمره نحو خمس سنين صعدوا به بين يدى السلطان فطلع لابساً قماشاً وكلفته فخلع عليه متمراً، فلما رآه السلطان أمر بحمله إليه فجلس بجانبه على الكرسي.).
يا للهول. السلطان أجلس إلى جانبه طفلاً صغيراً على الكرسي، وذلك الطفل ليس من أولاد الرعاع وإنما كان أبوه سلطاناً سابقاً وتركه يتيماً، وجئ به للسلطان فتلطف به وأجلسه على جانبه.
يا للهول..كان لابد للأرض أن تتوقف على الدوران... عيب يا ابن الــ .. الصيرفي.
2 ــ وإذا كان مؤرخنا يحتفل بتلك الأخبار لذلك لا تعجب إذا وجدناه يسجل كل استقبالات السلطان للسفراء القادمين لمصر، ويصف ما استطاع إلى ذلك سبيلا كل ما يراه، وما يسمعه.. وقد احتل ذلك الكثير من الأخبار.
الهوامش
1) الهصر: 69، 165، 206، 244، 358، 327.
2) الهصر: 165، 281، 241.
3) تاريخ ابن اياس: 1/309، 2/117: 118، 145، 347.
4) الهصر: 281، 283، 473.
5) الهصر: 321، 322، 331، 425، 213، 517: 518.
6) الهصر: 43، 67، 152، 229، 431، 517.
7) الهصر: 123، 283.
8) الهصر: 416.
9) 12، 51، 52، 69، 74، 118، 162، 162، 198، 202، 362.
الفصل الثانى : بعض المظاهر الاجتماعية للمصريين فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر قايتباى
المنتزهات في عصر قايتباى:
1 ــ في الوقت الذى تعلق به مؤرخنا بالسلطان يسجل كل تحركاته ونزهاته فإنه من النادر أن نراه تحدث عن نزهات الآخرين حتى من أرباب الوظائف الذى ترجم لهم. وكان ابن الصيرفي كما سبق بيانه يلهث ويتعب من كثرة تحركات السلطان ، فيقول مثلاً في رجب 876:( وكثر ركوب السلطان ونزوله من القلعة جداً حتى أنى تركت كتابته.). وقد سبق توضيح تحركات السلطان. ولكننا هنا نركز على أماكن المنتزهات السلطانية ونخمّن أنها كانت أماكن منتزهات يستطيع الجميع الذهاب إليها.
2 ــ يقول مؤرخنا عن أخبار الأربعاء 5 جمادى الثانية 873: ( ركب السلطان من قلعة الجبل بغير قماش الخدمة في نفر من خواصه وألزمه وقصد بركة الجب (بركة الحجاج ) فوصلها ثم توجه إلى خانقاه سرياقوس (مدينة الخانكة بالقليوبية) ثم رجع إلى عين شمس الخراب ( أى منطقة الآثار المسماة الآن بالمسلة فى المطرية ) التى بها العمود المسمى بمسلة فرعون فنزل بها وأقام يومه هناك وعاد إلى القلعة في أخر النهار.)
فهنا ثلاثة أماكن للنزهة، بركة الحجاج حيث كان الحجاج يتوقفون فيها في طريقه إلى الحج، وخانقاه سرياقوس حيث أقام الناصر محمد بن قلاوون أشهر خانقاه للصوفية في العصر المملوكي وصارت محطة وصول واستقبال للقادمين إلى القاهرة، ثم المسلة التى لا تزال موجودة حتى الآن بين المطرية وعين شمس.
وكانت العادة أن يتوقف السلطان في القبة التى أقامها له الداودار الكبير يشبك ابن مهدى الرجل الثانى في عصر قايتباى، وهى لا تزال تتوسط ميدان حدائق القبه، والميدان لا يزال يحتفظ باسم القبة، قبة يشبك ابن مهدى الأمير المملوكي غليظ القلب.وربما تحرك قايتباى من المسلة إلى قبة يشبك ومنها للقلعة.( أى ركب من المسلة إلى حدائق القبه. وربما سار في مسار أتوبيس 41...!! ).
3 ــ ولأن الناس على دين ملوكهم فإننا نتوقع أن تكون الخانكة والقبة من أماكن التنزه في عصر قايتباى . يقول صاحبنا في أحداث الثلاثاء 15 ذى الحجة 885، ( صعد المباشرون والأمراء والخاصكية لخدمة السلطان على العادة بالحوش السلطانى بقلعة الجبل ، فردّهم الخدام وقالوا له: السلطان رسم أن الخدمة في هذا اليوم بطالة ( أى أجازة )، فرجعوا. وكان السلطان نصره الله طلب الحريم بين يديه إلى البحيرة ، ( أى جىء له بالحريم ) فأكل وانشرح، ثم ركب بعد ذلك وسيّر على عادته وعاد إلى القلعة، وتقدم له نصره الله أنه ، قبل هذا اليوم في أيام عيد الأضحى ، ركب وتوجه إلى القبة التى أنشأها له المقر المرحوم السيفي يشبك ابن مهدى أمير سلاح الداودار الكبير، وتوجه أيضاً إلى بولاق ، واستمر في ركبته إلى قليوب في نفر يسير، وعاد إلى القلعة، وما سمعنا ولا رأينا بأكثر من ركوب هذا السلطان ونظره في مصالح بلاده ورعيته فإنه كان لما توجه إلى قليوب كشف عن إصلاح الجسور، فالله انصره واجعل العدل شعاره ودثاره ووفقه وألهمه للحق.). أى كان قايتباى يقرن النزهة بالكشف عن ( أحوال الرعية )، أو الاطمئنان على صحة البقرة التى يمتص خيرها، ولسبب كثرة ركوب السلطان فإن مؤرخنا انشغل به عن غيره.
4 ــ ومن الواضح أن أتباع السلطان كانوا في الأغلب معه في تلك المنتزهات، وتمد لهم الولائم جميعاً عند الكُشّاف، جمع كاشف، أى حكام الأقاليم ، أو المحافظين بمصطلح عصرنا ، ومشايخ العرب الذين يخدمون الدولة كما سبق توضيحه. في رجب 875 يقول مؤرخنا : ( وفي هذه الأيام أشيع سفر مولانا السلطان إلى الفيوم وغيرها من البلاد كما فعل السنة الماضية، وكان السلطان قد توجّه إلى العكرشه قبل تاريخه ولعب مع المقر الأشرفي الأتابكي فغلب بالنشاب في رهن عليه بألف دينار، فاشترى منه مائة معلوف بستمائة دينار ومائة خروف بدارى وسكراً ودجاجاً وأوزاً وفاكهة وحلوي وما أشبه ذلك، واتفقوا على أن يتوجهوا إلى القناطر العشرة ويقيموا لها أياماً يأكلون ويشربون ويتنزهون. وتوجّه السلطان إلى الفيوم وعمل بها مدّة عظيمة من الحلوى والخرفان المشوية والشموع للوقود، وفي هذه النزهة إلى العكرشة توجه السلطان بمن معه إلى بر الجيزة ثم إلى القناطر العشرة ، وهناك استضافه أحد الكشاف واسمه صحصاح وعمل له مدة عظيمة ومن القناطر العشرة سار ماشياً حتى الأهرام.). وبذلك نتعرف على أماكن جديدة للتنزه منها الفيوم والعكارشة والقناطر العشرة والأهرام.
5 ــ ونعثر على خبر بين السطور نعرف منه أن الشيخ الصوفى أحمد بن مظفر ت 876 كان إذا أراد التنزه يتوجه إلى الأهرام بالجيزة فيقيم بها الخمسة أيام والأكثر والأقل، أما من ينتهى به الحال من المماليك إلى الزهد والانقطاع عن الناس فقد كانت نزهته المفضلة في العصر المملوكي أن يذهب إلى القرافة ويتمسح بالقبور المقدسة. يقول صاحبنا في ترجمة يونس بن جربغا ت 876 أنه إعتزل الناس أو (صار منقطعاً لا يتردد إلى لأحد إلا إلى الجمعة وزيارة القرافة في يوم الجمعة وزيارة سيدى حسين الجاكى في يوم الأربعاء كل ذلك بكرة النهار، ويعود إلى منزله.).هذا الأمير المملوكي عاش حياته بالطول والعرض فلما أفل نجمه استعاض عن المتنزهات السابقة بالقرافة ، وصار يشم عبير المدافن. وللناس فيما يعشقون مذاهب.
6 ــ والفلاح المصرى المسكين الذى كان يعيش تعسا بين المروج الخضراء لم تكن تلك النظرة القاهرية التى تستمتع بالجمال وتسعى إليه على ضفاف النيل وفي الريف المحيط بالقاهرة. كان القاهريون ولا يزالون يحولون المناسبات كلها إلى نزهة.. حتى الجنازات.
(1) الهصر: 391، 46، 47، 497، 241، 242.2)( الهصر: 450، 468.)
طقوس الجنازات
1 ــ ربما ترتبط الجنازات بالطقوس أكثر من ارتباطها بالحزن، بل ربما تكون المبالغة في الحزن من بعض طقوس الجنازات، وذلك ما يصدق على مجتمعنا المصري خصوصاً في عصر قايتباى. ومن خلال كتاب الهصر نتعرف علي طقوس الجنازة في عصر قايتباى.
النعي:
فالجنازة تبدأ بالنعي أو تعريف الناس بخبر المتوفي، ويقوم بذلك المدراء (حمع مدير) يقول مؤرخنا : ( نودي في البلد بالمدراء بوفاة القاضى برهان الدين ). وكان ذلك يوم الجمعة 9 محرم 876 . وفي يوم الثلاثاء 28 شوال 876 يقول "المدراء يخبرون بوفاة الست المصونة خوند مغل". وفي يوم الخميس 22 جمادى الأخر 876 يقول: "دار المدراء يخبرون بوفاة ولد الأتابكي أزبك.). فالمدير في عصر قايتباى كان غير (المدير) في عصرنا الراهن ..حظوظ.!!.
جنازة حافلة أو بالفقيرى:
1 ـ وبعدها يتجمع الناس للجنازة، فإذا كان من الأعيان كانت جنازته حافلة يحضرها قضاة القضاة وأعيان الموظفين والأمراء وربما السلطان نفسه، يقول مؤرخنا يصف جنازة القاضى برهان الدين (في 9 محرم 876) ( كانت له جنازة حافلة حضرها قضاة القضاة ومشايخ الإسلام وأعيان الرؤساء والمباشرون، ومشى غالبهم في الجنازة من المؤيدية (أى الخانقاة المؤيدية وكان شيخاً لها) إلى سبيل المؤمني، وركب السطان ونزل إليه حتى صلى عليه، وتقدم للصلاة عليه قاضى القضاة ولى الدين أحمد الأسيوطى الشافعي. ). وفي جنازة الأمير سيف الدين يشبك 876 : ( حضر السلطان إلى سبيل المؤمني وصلى عليه هو والأمراء الموجودون والأكابر والأعيان والقضاة ومشايخ الإسلام.).وحدث نفس الشيء في وفاة خوند مغل وخوند فاطمة بنت الظاهر ططر، بلحتى في وفاة ابن الأتابكي أزبك ، وهو طفل عمره سنتان، فقد كان من الحاضرين القضاة والمشايخ والأمراء والأعيان، يقول مؤرخنا:( وكانت له جنازة حافلة)، وكيف لا؟ وأبوه الأتابك قائد الجيش المملوكى وجده لأمه الظاهر جقمق. أى ( إبن أكابر)، أو بتعبير العصر المملوكى وعصرنا :( إبن ناس ).
2 ـ وقد يكون المتوفى سيء الحظ مغضوباً عليه قبل وفاته مثل ابن الكويز الذى كان له جنازة بالفقيرى على حد قول ابن الصيرفي.أى مغموسة بالفقر ..والفقير مُهان فى حياته وفى جنازته .
الإشادة بمحاسن الميت:
1 ـ وبعد الصلاة على المتوفي يتطوع أحدهم ويرتجل خطبة يثني فيها على المتوفي ويشيد بمحاسنه حتى لو كان من أفجر الناس، وغالباً ما يكون أرباب المناصب كذلك، ولكنهم في العادة يريدون الاستحواذ على الآخرة كما استحوذوا على الدنيا. في جنازة القاضى برهان الدين، وقف كاتب السر بعد الصلاة عليه وأثني عليه خيراً، يقول مؤرخناً يصف ما حدث: ( وشكر رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصاري كاتب السر حفظه الله على المسلمين بين يدى السلطان ، وأثنى عليه بحضور السلطان وقضاة القضاة ومشايخ الإسلام ووصفه بالعفة والديانة والنظر السديد في الأمور.). مع أن هذا القاضى المتوفى كان نموذجاً فريداً للغدر والنذالة، فقد غدر بأخيه قاضى القضاة سعد الديرى الحنفي حين كان كاتب السر للسلطان خشقدم، ولكن صاحبنا نسى أفضال أخيه عليه وصعد للسلطان يخبره بأن أخاه ذهل وعجز عن القضاء، ووعد بدفع رشوة قدرها ثمانية آلاف دينار عجّل منها بخمسة ليعزل السلطان أخاه ويوليه مكانه، وتم له ما أراد، يقول مؤرخنا:( فحصل لأخيه منه حصر زائد.). وبعد أن مات ذلك القاضى النذل تناسوا أفعاله الذميمة ووصفوه في جنازته بالعفة والديانة والنظر السديد. والمضحك أن كاتب السر كان يتحدث عنه بهذه الشهادة الزور أمام أولئك الذين يعرفونه، ومنهم مؤرخنا ابن الصيرفي الذى نستقي منه تلك المعلومات. فتلك سنتهم القائمة على الكذب والتزوير مع معرفتهم بأنه كذب وتزوير . ويزيد فى ذلك أن سنّتهم تشجع على هذه النوعية من الشهادات الزور ليس فقط فى أروقة المحاكم حيث كان يتخصّص الشهود بشهادة الزور بأجر أيضا أمام رب العزة عند موت أحدهم فيكذبون فى وصفه طبقا للسّنة الكاذبة التى تزعم حاديثها أ أحاديثها أن الثناء على الميت من أسباب دخول الجنة مهما فعل. والمثل الشعبي في العصر المملوكي يعكس هذه الثقافة حين كان يقول ساخرا : ( بعد ما راح المقبرة بقي في حنكه سكرة ). ولعل ذلك المثل البليغ قد صيغ ليعبر عن ذلك النفاق الاجتماعى.
2 ــ وأصبحت عبارة : ( وأثنوا عليه خيرا ) تأتى مرادفة لتفصيلات وقائع الجنازة، ففي وصف جنازة الأمير سيف الدين يشبك، يقول مؤرخنا: ( فحضر السلطان إلى سبيل المؤمني وصلّى عليه هو والأمراء الموجودون والأكابر والأعيان والخاصكية وقضاة القضاة ومشايخ الإسلام ، وأثنوا عليه خيراً. ).ويقول عن جنازة الشيخ أحمد بن مظفر 876 ( وممن حضر جنازته ودفنه شيخنا الشيخ أمين الدين الأقصرائي وأثنوا عليه خيراً.)، ويقول عن ابن إمام الكاملية ت876 : ( كانت له جنازة حافلة وأثنوا عليه خيراً ) ، وعن ابن الميقاتي: (كان له مشهد عظيم وأثنوا عليه ثناءاً حسناً.)، وعن ابن قمر: ( وكانت له جنازة شهدها الفضلاء والطلبة وأثنوا عليه خيراً .)، وعن شمس الدين الأمشاطي: ( وكانت جنازة حافلة مشهودة حضرها الفضلاء والعلماء والمشايخ والأعيان وكثر الثناء عليه ).وعن الشيخ سراج الدين العبادي شيخ الشافعية: ("كان له جنازة عظيمة حضرها قضاة القضاة ومشايخ العلماء والطلبة والفقهاء والمباشرون والأعيان وبعض الأمراء، وكثر الثناء عليه والترحم والذكر الجميل.). ولو صدّقنا أنّ كل أولئك كانوا يستحقّون الثناء الجميل لكان علينا أن نرفض معظم ما قاله ابن الصيرفى فى أحداث عصره وأفعال أهل عصره التى جمعت كل الجرائم والموبقات والفساد.
ومن الواضح أن المتخصّصين فى التزوير من علماء الدين والقضاة كانوا هم الذين يقومون بمهمة قول الثناء الحسن وذكر محاسن الموتي، أى يبدأ أحدهم حياته بالنفاق والزور، ثم تشيعه فى دفنه عبارات النفاق والزور.
3 ــ وكان يتم الصلاة على الميت في سبيل المؤمني أو في مصلى باب النصر، ويتم دفن الميت في تربة أسلافه.
المبالغة في الحزن على الميت:
وارتبطت الجنازات أحياناً بالمبالغة في الحزن وإستئجار النائحات ليلقين أناشيدهن الجنائزية.
يقول مؤرخنا عن جنازة الأمير سيف الدين يشبك: (تهتكت ( أى بالغت فى الحزن ) حريمه وسراريه ووالدته وسرن خلف جنازته ، وانذهل والده)، وكان فارساً شجاعاً بطلاُ في فنون الحرب ومات دون الأربعين، ولذلك كانت الفجيعة فيه شديدة، وحضر جنازته السلطان، يقول مؤرخنا عن السلطان: ( ولما أراد الإنصراف كلّم بعضهم السلطان عن والدة المتوفي إنها حضرت في أمسه إلى مدرسة المؤيد شيخ ، وفعلت ما لا يليق من اللطم والعزاء بالدفوف والأفعال المنكرة، فأمر السلطان بمنع ذلك من المدرسة المؤيدية). ويقول مؤرخنا عن جنازة خوند فاطمة بنت الظاهر ططر أن السلطان ( طلب سرعة تجهيزها ليصلّى عليها فما وافقت أمها في سرعة تجهيزها حتى تفعل الأمور الكفريات التى يرتكبها النساء في أعمال الجاهلية من اللطم على الخدود وشق الجيوب والنياحة ودعوى الجاهلية.).
أولاد المتوفي:
وإذا كان المتوفي من أرباب الوظائف وترك أولاداً فمن العادة أن يتكلم بعضهم في حق أولاد المتوفي في وراثة وظائفه، فالقاضى برهان حين مات تكلم في الجنازة الشيخ زكريا الأنصاري( ولقبه وقتها شيخ الاسلام ؟.!!) مع السلطان بالوصية على ولده محمود وسأله أن لا يخرج عنه شيء من وظائفه.
وقد يكون للمتوفي أموال كثيرة وولده غائب لم يحضر الجنازة وحينئذ يسارع أولو الأمر إلى حفظ الأموال للوارث، وذلك ما حدث في جنازة ابن عبد الباسط بن خليل ت866، يقول مؤرخنا:( وقيل أن السلطان أرسل إليه الأمير برسباى الخاذندار فحضر دفنه ، وختم على بيته وموجوده بحضرة كاتب السر الذى كان وصياً ليحفظ ولده الغائب.). وقد يقام للعزاء مآدب يحييها مشاهير القراء، يقول مؤرخنا عن ذلك المتوفي: ( وصنع له رئيس الدنيا ابن مزهر يوم وفاته أشياء ، وجهّز لعياله بكرة النهارة مدّة عظيمة ، فحضر جمع من الأكابر والأعيان، وأحضر عدة جوق من القرّاء فأحيوا عنده تلك الليلة.).
وهكذا كان أرباب الظلم ينعمون أحياناً بما يرتكبونه وبما يجمعونه، ثم تقام لهم حفلات الجنازات التى يحضرها كبار الدولة، ويكون لهم في التاريخ ذكر، ويعتقدون أنهم اشتروا الجنة كما حازوا الدنيا.
هذا بينما المظاليم أموات على ظهر الأرض كما هم أموات في باطنها. هم ملح الأرض.. وبهم تقوم الحياة وإن كانوا موتى أو كالموتى.
طوبى لكم يا أجدادي.. برغم أنف المؤرخين.
الهوامش :
1) الهصر: 134، 368، 412، 413، 426، 447، 448، 450، 452، 455، 464، 467، 486، 509، 510.
الفصل الثالث : الإنحلال الخلقى فى ظل تطبيق الشريعة السنية فى عصر السلطان قايتباى :
نبذة عن تشريع الانحلال الخلقى فى الشريعة السّنية المملوكية
1 ـ العصر المملوكى كان عصر المتناقضات . كان يرفع لواء الشريعة الاسلامية بينما يطبق شريعة مناقضة هى شريعة السّنة . كان المماليك يتزعمون ( العالم الاسلامى ) بينما كانوا يدينون بثقافة الاستبداد والتعصّب والحروب الدينية و كل ما يمتّ لثقافة العصور الوسطى حتى فى نظام الإقطاع ونظام الفروسية والسخرة وإسترقاق الفلاح و الاحتكار واستنزاف الطبقات الوسطى وتحالف رجال الدين مع السلطة السياسة واستغلال الدين فى تركيع الشعوب. ساد هذا فى اوربا وفى عالم المسلمين على السواء ، مع مناقضته لقيم الاسلام فى العدل والاحسان والحرية الدينية و السياسية .
2 ـ بل مع تسلط وتسيد التصوف ـ ومع العداء بين التصوف والسّنة فقد توارث المماليك عن أسيادهم الأيوبيين ما يعرف بالتصوف السنى الذى حصر الشريعة السنية فى ميادين العبادات والقضاء الشرعى بين الناس طبقا للمذاهب السنية الأربعة بينما إختص التصوف بالناحية العقائدية من تقديس الأولياء الصوفية أحياءا ومقبورين ، والاعتقاد فى كراماتهم ومعجزاتهم فى الدنيا وشفاعتهم فى الآخرة . وأتيح للتصوف والطرق الصوفية تسيد الحياة اليومية والعقلية والعلمية والتأثير السياسى الهائل . ولكن وقف المماليك بالمرصاد لأى تطرف صوفى فكرى يعلن الاتحاد ووحدة الوجود ، كما وقفوا بالمرصاد أيضا لأى تطرف سنّى ممّا سبّب محنة إبن تيمية . وبهذا تمّ تطبيق ( التصوف السنى ) وتجاوز التناقض بين السنة و التصوف بتهميش التطرف فى الإثنين . وتحديد مجال هذا وذاك .
3 ــ كان هذا وثيق الصلة بالحياة الدينية لأى مجتمع يسطر عليه دين أرضى يتأسّس على التدين السطحى المظهرى حيث يتسيد رجال الدين ، وتنتعش مظاهر التديّن فى اللحى والزى والعمائم والنقاب لتخفى إنحلالا خلقيا بشعا وفسادا فى السياسة وفى السياسيين والموظفين ووحشية فى تعامل السلطة مع ( الرعايا )، كل هذا مع التسابق فى تشييد المؤسسات الدينية من مساجد وجوامع وقباب وأضرحة وخوانق وزوايا وأربطة وتخصيص أوقاف هائلة لها تنفق على من يعيش فيها من مدرسين وطلبة وأطفال أيتام وصوفية متفرغين للعبادات الصوفية بينما هم يمارسون الشذوذ والانحلال الخلقى والغيبة والنميمة والتمتع بما يأتيهم من رزق وفير . وتأسيس هذه البيوت الدينية كان يأتى من المال السحت والسلب والنهب ومن تسخير الناس فى البناء تحت سياط التعذيب . ولا علاقة لهذا بالاسلام ، ولكنها الشريعة السّنية التى كانت فى خدمة التصوف .
4 ـ ولكن على أى حال ، فقد أدّى التصوف بانحلاله وإنفتاحه الى تخفيف التشدد السّنى ، لذا فشل إبن تيمية فى حركته ، وعاش العصر المملوكى يمارس الفجور متمتعا بأساس هام من أسس التصوف وهو عدم الاعتراض ، بديلا عن التدخل فى حياة الناس بالاكراه فيما يعرف لدى السنيين الحنابلة بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والذى سيطر به الحنابلة من قبل على الشارع العباسى فى القرنين الثالث والرابع الهجريين .
5 ــ فى ظل ( عدم الاعتراض ) أتيح للمجتمع المصرى أن ينطلق فى المجون كيف شاء ، فى المنتزهات وفى الموالد وحول النيل ، وشارك فى هذا الكرنفال المماليك والفقهاء والقضاة والعوام . وانتشرت فضائح كان معظم أبطالها من شيوخ الشرع السّنى ( الشريف ).
6 ـ وقام ( النقاب السّنى ) بعقد الصلح بين الانحلال والمظهر الخارجى لورع المرأة وتدينها الظاهرى. فالنقاب يعطيها مظهر الحشمة المتطرفة ويعطيها أيضا فرصة ممارسة الزنا بدون أن يتعرف عليها أحد .
هذه هى الخلفية التى نقرأ من خلالها ما سجّله مؤخنا إبن الصيرفى أحداث الشارع المصرى والحياة اليومية للمجتمع المصرى فى عصر قايتباى فى ظل تطبيق الشريعة السّنية .
إبن الصيرفى ومنهجه فى تسجيل الفضائح الخلقية
1 ــ لم يكن ابن الصيرفي من هواة تسجيل الفضائح، وإنما كان يمر عليها مرور الكرام، وهو بهذا يختلف عن ابن إياس الذى جاء بعده واحتفل بتسجيل الانحلال الخلقي الذى ساد عصره دون تحرّج . ومع ذلك فإن بعض الإشارات في كتاب الهصر تنبئ عن هذا الإنحلال الخلقي، فإذا مدح ابن الصيرفي السلطان قايتباى بأنه عفيف الفرج لا يلوط ولا يزني ولا يسكر فمعناه أن غيره شاع وقوعه في هذا الاثم، وأنّ تعفف قايتباى عنه أصبح منقبة ومكرمة تضاف له. نفس المدح قاله مؤرخنا عن الأمير طوخ الأبو بكرى ت 876:( كان عفيفاً عن الفروج والمنكرات لا يلوط ولا يزني ولا يسكر)، ومعناه أن غيره أدمن اللواط والزنا والسكر.
2 ــ وإبن إلصيرفى لم يكن فى جرأة المقريزى وتلميذه جمال الدين أبى المحاسن ابن تغرى بردى ، وكانا يصفان أمراء المماليك بجرائم الفسق والفساد، ولكن إبن الصيرفى يقول عن الأمير تانى بك المحمدي 875 ه فى لهجة حانية:( كان عفا الله عنه يظلم نفسه لانهماكه في الملذات.).!.
3 ــ وإبن الصيرفى قد يتشجع أحيانا بعلوّ صيت الأمير المملوكى المتوفى فى مجال الفسق ، فيعبّر عن رأيه بصراحة ، فيقول عن الأمير قانم نعجة ت 873 : ( كان من الأشرار الظلمة ، كثير الفسق والزنا ، وإن سكر عربد ، حتى أنه في بعض سكره عضّ أنف إنسان فأكله ، وأراح الله المسلمين منه ومن ظلمه وشؤمه وآذاه وافتراه ، وجعل الحميم مأواه.).ويقول عن الأمير طومان باى الظاهرى 874( كان ظلوماً غشوماً منهمكاً في اللذات.).
بعض حوادث الانحلال الخلقى فى تاريخ الهصر
1 ــ وأشار مؤرخنا بإيجاز إلى بعض حوادث الانحلال فقال : ( وحصل في هذا الشهر (ربيع الآخر 874) أن قاسم الوزير، نائب عظيم الدولة الداودار الكبيرــ كبسه (ضبطه )الوالى بالجزيرة ومعه امرأة فأطلقت. ). و( الوالى ) فى هذا العصر هو كمدير الأمن فى عصرنا.
2 ـ ويذكر في حوادث محرم 874 فضيحة كان بطلها أحد (الأشراف) الذى وقع في هوى امرأة جزّار فأفسدها على زوجها حتى طلقها، وبعد طلاقها تزوجها الشريف، وذهب الجزّار إلى الداودار الكبير يشكو (الشريف)، يقول مؤرخنا عن الجزّار الزوج السابق وشكواه ليشبك من مهدى : ( وأنهى إليه أن الشريف أفسد زوجته حتى طلقها وتزوجها، فأرسل في الحال له النقباء والطواشية وهجموا على المرأة في دارها وحضروا بها بين يديه هى وزوجها الشريف.). وكانت المرأة قريبة لبيت البارزى أحد البيوت المشهور وهم أصحاب صدارة في مصر والشام في ذلك الوقت ، فتشفعوا لها عند الداودار الكبير حتى صفح عنها وعن زوجها الشريف، وقيل أنه غرّمهما ألف دينار للزوج السابق.
إنحلال خلق مرتبط بالنيل
1 ــ وكان الانحلال الخليق للعوام في القاهرة مرتبطاً بأى تجمع عام على النيل أو لأى مناسبة سياسية، وحينها( يختلط الرجال والنساء والصبيان) وتحدث المفاسد، ويتم الوصال برعاية الشيطان.وتعبير(إختلاط الرجال والنساء) شاع فى العصر المملوكى ليدل على مناسبات الانحلال الخلقى فى الموالد وفى المناسبات العامة وليالى(الوقيد) أى إضاءة الشوارع ليلا ، وفى المنتزهات المزدحمة خصوصا على ضفاف النيل.
فقد زاد النيل في صفر 875 فاحتفل الناس بوفاء النيل وحدث الالتقاء المحرم بين الرجال والنساء والصبيان، ومؤرخنا يعرض لذلك على استحياء قائلا:( تحولوا قبل وفاء البحر إليه بأيام عديدة إلى الروضة والجسر والجزيرة ، وأظهروا مفاسد وقبائح لا يسعنا ذكرها.).!.لماذا يا صيرفي لا يسعك ذكرها؟ إنطق يا شيخ وأرحنا.!..وكأنّه يستجيب لرجائنا ، إذ ينطق في نفس الموضوع ببعض تفصيلات قليلة فيقول: ( وأظهروا المفاسد والقبائح والزنا واللواط والخمر والحشيش وركوب البحر بالملاهي ، وما قدمناه. ).
2ــ وحدث أن نقص النيل فأمر السلطان الوالى بالتوجه بأعوانه إلى النيل ( ليمنع الناس من اتيان هذا الفسق ونودى هناك أن أحداً لا يفعل منكراً ، ومن وجد عنده شيء من المنكر، ينكل به). كانوا يمنعون الانحلال فقط إذا خافوا نقصان النيل وحدوث مجاعة. وكان هذا من سمات العصر المملوكى ، أن يتوقف الانحلال على ضفاف النيل وغيره إذا خيف نقصان النيل لاعتقادهم إن هذا غضب الاهى على ما يرتكبونه. ثم إذا إنتهت الأزمة عادوا الى مجونهم المعتاد، وتظاهروا به فى المنتزهات وعلى النيل.وقوله:( وأظهروا المفاسد .. والزنا واللواط ) معناه أنه ما كان يحدث في الخفاء وفي البيوت أظهروه علنا على النيل.
وفي يوم الأحد 9 شوال 875 كان هناك احتفال أطلقوا من أجله النيران الملونة، وفي ليلة ( الوقيد تلك ) كان الموكب، ( واجتمع لرؤيتها الرجال والنساء والشيوخ والصغار وغالب سكان مصر)، ويقول مؤرخنا: ( وانقلبت مصر والقاهرة لآجله وتهتكوا ). أى أنه بمجرد أن تقام الاحتفالات وتظهر الأضواء يهب أهل القاهرة للفسق. ومصطلح ( التهتك ) كان يعنى الافراط فى الفسق أو فى الحزن أو فى أى مسلك ممقوت.
إنحلال خلقى جماعى ( جماعة ) لأى سبب وفى أى تجمّع وحشد
وبدون النيل تنفّس العوام والخواصّ الانحلال . في يوم الخميس 8 محرم 876 أقاموا احتفالاً بوصول حملة الداودار الكبير إلى حلب لحرب شاه سوار واستمرت الاحتفالات وصاحبتها مظاهر الانحلال الخلقى المعتاد، يقول ابن الصيرفي: ( لكن ترتب على هذا من المفاسد ما لا يحصى ، من شرب الخمر وتهتك النساء مع الرجال مع الصبيان ، وانهماك العوام والأكابر والأواسط على استمرارهم في ذلك بحيث أنه لم يقع له أمر مثل هذا، لاسيما عدم تعرض المماليك السلطانية لأحد من الخلق ببنت شفة )".كانت العادة أن يشترك المماليك السلطانية والجلبان في هذه الاحتفالات فينجم عنها اغتصاب وقتل، ولكن لم يحدث ذلك في تلك المناسبة، فأتيح للناس أن يمارسوا انحلالهم الخلقي في هدوء ( وبالتى هى أحسن ) ، وشارك فيه مع العوام الأكابر والأواسط من الرجال و النساء والصبيان، أى ذابت الفوارق بين الطبقات وأصبح الجميع جسداً واحداً يرقص في محراب إبليس طبقا لشريعتهم السّنية الابليسية .
معابد الانحلال الخلقى
1 ــ وقد سكت ابن الصيرفى عن الانحلال وطقوسه فى المناسبات الدينية كالموالد وفى بيوت العبادة كالمؤسسات الصوفية والترب و المقابر ( المقدسة ) و (الترب )حيث إعتاد الناس المبيت فيها والقباب وغيرها. وممارسة الانحلال فى ظل النقاب .
2 ـ ويبدو أنه أضطر للإشارة الى الأماكن المشهورة بالمجون والانحلال فى القاهرة والتى كانت مخصوصة لتأدية طقوس الفساد الخلقي العام الجماعى مثل الروضة والجسر والجزيرة على النيل بالإضافة إلى أرض الطبالة (العباسة الآن) وبركة الرطلى. وكانت العاهرات اللائى يدفعن ضرائب الدولة يقمن في هذه الأماكن أكثر من غيرها، وبعضهن كُنّ يتهربن من دفع الضرائب، لذا كانت تصدر الأوامر من السلطان الورع قايتباى ـــ لا بمنعهن من الفاحشة ــــ ولكن لتحصيل الضرائب منهن. ويتم هذا طبقا للتشريع السّنى وبرعاية قضاة المذاهب الأربعة والفقهاء السنيين الكبار فى هذا العصر ، ومنهم إبن حجر العسقلانى والعينى و(شيخ الاسلام ) زكريا الأنصارى والسيوطى .!! . في يوم الجمعة 4 ربيع ثان 876 يقول مؤخنا القاضى المحترم : ( بلغ السلطان نصره الله أن الخواطئ ( أى العاهرات) يفعلن المنكر بالجنينة التى هى أرض الطبالة ففحص عن ( أى سأل عمّن ) يأخذ جعلهن، ( أى يجبى منهن الضريبة ) ، ورسم بالكبس عليهم، وتوجه أعوان الوالى إلى المكان المذكور وضربوا جماعة من الأجانب وحبس شريفاً من الأشراف كان يمارس الفسق هناك وأخذ منهم الضرائب وأطلقهم، ولم يتعرضوا للخواطئ بشيء.). وبالمناسبة .. ( فالخواطىء ) كنّ يرتدين النقاب .! ولكن يتميزن بعلامات تفصح عن وظيفتهن وهن فى الشارع .
3 ــ نسينا أن نسأل مؤرخنا القاضى المحترم ابن الصيرفي عن رأيه في الدولة التى تدعى تطبيق الشريعة وتبيح الزنا وتأخذ عليه الضرائب وتسميه "ضمان المغانى".
الهوامش
- أنباء الهصر: 188، 399، 454، 215، 113، 135، 148، 124، 203، 205، 271، 319، 337.
الفصل الرابع : إبن الصيرفى القاضى يزوّج طفلة من ( بلطجى ) طبقا للشريعة السّنية
العلاقات الاجتماعية فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر السلطان قايتباى :
أخبار العلاقات الاجتماعية بين المماليك والشعب
علاقات مصاهرة:
كانت هناك صلات وعلاقات بين مجتمع الصفوة من المماليك وعلماء الدين من قضاة وأرباب وظائف ديوانية وكان أبرزها المصاهرة والتزاوج، وأبرز مثل ذلك السيدة خوند مغل ت 876 وهى أخت القاضى كمال الدين وبنت القاضى البازرى، وبيتها مشهور في مصر والشام، وقد تزوجها القاضى علم الدين بن الكويز كاتب السر، ثم تزوجها بعده الظاهر جقمق وهو أمير، فأقامت معه حتى تسلطن، وصعدت إلى القلعة واستمرت معه خوند صاحبة القاعة ورزقت منه بنتاً، واتفق ماتت محظية السلطان المسماه سورباى وكان يهواها فاتهموا خوند مغل بوضع السم لها، فهجرها السلطان، ثم طلقها فنزلت من القلعة، وذلك بعد موت السلطان بسنتين، وتزوج الأتابك أزبك بنتها، وبعد طلاقها سكنت عند بنتها في بيت الأمير أزبك.
بنت السلطان تحب أحد المشايخ:
وأتاحت وأباحت شريعة السّنة الطريق واسعا لكل أرملة طروب لكى تعيش كما تهوى خصوصا إذا كانت أميرة مملوكية . وكما يحدث في قصص ألف ليلة حين تحب بنت السلطان شخصاً من الشعب فإننا نجد هذه الدراما في حياة الأميرة المملوكية خوند فاطمة بنت السلطان الظاهر ططر، وهى أخت السلطان محمد بن ططر وزوج السلطان قايتباى برسباى، وقد ماتت سنة 874 بعد حياة حافلة بالتقلبات الدرامية، وقمنا بتحويل حياتها الى قصة تاريخية ثم حوّلنا القصة عملا دراميا . في بداية أمرها تزوجها الأشرف برسباى بعد أن سلب السلطان من أخيها، ومات عنها وجاء السلطان الظاهر جقمق فلم يتزوج بها فنزلت من القلعة ومعها جهاز بنحو مائة ألف دينار ومارست حياتها الجديدة في حرية مطلقة كأى أرملة تعيش في مجتمع المماليك المنفلت، وصار على بابها خدم وحشم وطواشيه وعدة عجائز، وكانت للعجائز في ذلك الوقت وظيفة القوادة فى الزنا، وسعى إلى خدمتها الفلاح هانى الذى هرب من قريته ليتعلم في الأزهر ثم طمع في الوصول فتعرف بخدمها، وصات له علاقة بها، يقول مؤرخنا ابن الصيرفي عنه: ( وكان آنذاك شاباً من مجاورى جامع الأزهر يتردد للطواشية فسأل أن يكون كاتبها فكان كذلك، واستمر حاله ينمو ويزيد، وركب الخيول واشترت له الوظائف والتوقيعات ، ولبس الأقمشة ولبس الخف والمهماز، وجعل في رقبته طوقاً بعد أن كان من الفلاحين المجاورين بالجامع المذكور، وفي يده دقّ ( وشم ) أخضر شاهدته). ثم دخلت خوند فاطمة في الإسراف والانفاق الزائد حتي أضاعت ما معها من جواهر وجهاز وقماش، يقول عنها ابن الصيرفي: ( وصارت خوند المذكورة تبيع من قماشها وترهن وتقترض وتبذر وتبيع الغالى والعالى بالرخيص السافل وتقترض الدرهم بمثله ( أى بالربا ) حتى ضيعت جميع ما ملكته، وصارت تقترض وتعطى، ثم صارت تقترض فلا تعطي، ثم صارت لا ترى أحداً يقرضها شيئاً. ). وفي هذه الفترة من حياتهاكانت لها علاقة بتاجر أوصلها للإفلاس وسمه ابن قضاة، يقول عنه مؤرخنا : ( فصار يعاملها ويستفيد عليها ويبتاع منها ما قيمته مثلاً الدرهم بنصفه، وصار هذا شأنها ودأبها حتى تجمدت عليها الديون الجزيلة.). وتدخل السلطان جقمق لإنقاذها فأخذ يصالح دائنيها عنها وسدد ديونها، ولكنها كانت حالة ميئوس منها فباعت حتى ثياب بدنها على حد قول مؤرخنا ، ودخلت في النهاية في التحايل والنصب على الناس.. وتزوجت بالقاضى شرف الدين التتائي الأنصاري في النهاية، وكان معه وكالة بيت المال ونظرة الكسوة في عصر قايتباى، وكان زوجها محسوداً عليها، وكانت تهواه وكان لا يهواها ،بل تزوجها ليصل عن طريقها فلما وصل زهد فيها بينما زادت هى لوعة فى غرامه ، فكان هو على حد قول مؤرخنا : ( بضدّ ذلك) أى لا يحبها ، ويعلّق ابن الصيرفى فيقول : ( وهذا من الشقاوة عملاً بقول الشاعر المجيد البليغ.
|
ومن السعادة أن تُحِبّ وأن تُحًبّ |
وأن يحبك من تحب |
|
|
ومن الشقاوة أن تحب |
فلا تحب ولا يحبك من يحب |
ويقول ابن الصيرفي "فصارت تطبخ له أحسن الأطعمة وأفخرها وتكسوه من اجل الثياب والقماش وتساعده في الأمور المهمة العظيمة حتى أنفقت عليه عينها ودينها وهو لا يميل إليها، بل تزوج عليها بخوند جهة الملك الظاهر جقمق بنت الأمير جرباش عاشق أمير مجلس، فكادت تهلك وشكته للسلطان فمن دونه فما رضى بها وقهرها، وكان هذا شأنه وشأنها.). ويقول عنهما ( وأنفقت عليه أموالاً فيما تصنعه له من المآكل المفتخرة والمشارب والمعطرة ومع ذلك فلم يفدها ذلك، وطلقها ، فكادت تتجنن، فشكته إلى الأشرف اينال لما تزوج بعدها بخوند مطلقة الملك الظاهر جقمق. وقد اضطهده الأشرف اينال وعزله وصادر أمواله ثم أعيدت له أمواله في عهد السلطان خشقدم، وبعد أن طلقها شرف الدين التتائى تدهورت أحوالها أكثر خصوصاً في سلطنة الأشرف اينال فتقربت إلى حريمه وحاولت أن تستفيد من صلتها بالسلطان وحريمه وتقوم بالوسطات والشفاعات بأجر.)، ويقول مؤرخنا : ( وزعمت أنها تقضى حوائج الناس، وصارت تتكلم عندهم للناس، وتساعد من تختار وتحمي بالقوة ، وتركب وتدور ، ولا تتأخر عن فرح ولا كره لأحد الأكابر، وكانت مشهورة باللباقة في المأكل والمشرب، وصارت مُثله في العالم من هذه الأفعال الرذيلة والأحوال التي لا يقوم عليها غيرها، وصار التجار والعوام لا يقدرون على الخلاص منها)، أى صارت في النهاية مثل زعيمة العصابة. وفي تلك المرحلة من حياتها تزوجت منصور الاستادار وأقام معها قليلاً وطلقهاً . وماتت في الستين من عمرها وتركت عليها من الديون ما شاء الله فشاع على أصحابه.وقد تضرر من العلاقة بهذه الأميرة المملوكية بعض الناس حتى صار التجار والعوام لا يقدرون على الخلاص منها وهم أولئك الذى استدانت منهم وأكلت عليهم أموالهم، بينما استفاد غيرهم من العلاقة بها مثل هانى وذلك التاجر الذى أوردها مورد الإفلاس وأزواجها الذين نعرفهم والذين لا نعرفهم.
مماليك وعوام: أراذل المماليك مع أراذل العوام
وبعض العوام كانت لهم صلات ببعض المماليك انعكست سوءاً في أخلاقهم . وأبرز مثل على ذلك اتباع المحتسب يشبك الجمالى ذلك المتدين الأحمق القاسى والذى تقرب إليه كثير من العوام وأثروا على حسابه بعد أن كسبوا ثقته، وبعد عزل يشبك عن وظيفة الحسبة قام بعض أتباعه من أولئك العوام بالكيد للمحتسب الجديد بدر الدين وهو ابن كاتب السر ابن مزهر الأنصاري. يقول مؤرخنا في أحداث الأربعاء 15 ذى الحجة 885 : ( واتفق في هذا اليوم غريبة ، وهى أن شخصاً من أراذل العوام التجار بسوق أمير الجيوش ، كان مشهوراً بالربا والنحس والأيمان الباطلة ، خرباً فجراً ، يعرف بابن الشقرة ، كان في حسبة الأمير يشبك الجمالى ، عمله ( أى عيّنه ووظفه ) محتسباً لسوق أمير الجيوش ، فضجّ منه أهل أمير الجيوش ومن ظلمه . وكان له معهم مناصف( أى أزمات ومواقف ومشاكل ) ، وكان الأمير يشبك يساعده ويؤيده، فإن الأتراك ( أى المماليك ) عادتهم إذا صدق عندهم الواحد مرة ( يؤمنون بصدقه الدائم ) ولو كذب بعدها ألف مرة ما يحملونه إلى على الصدق . فاتفق أن يشبك المذكور لما عزل عن الحسبة وتولاها القاضى بدر الدين إبن كاتب السر وامتنع من تولية مثل هذا على المسلمين فإنه يعرف أخباره ، فإنه بالقرب من منزله ( أى كان هذا الرجل يسكن بالقرب من القاضى بدر الدين ) بل وكان يبتاع من المقر البدري أصنافاً ويصبر عليه بثمنها ويغالطه في أشياء منها ويحلف عليه.). واشتكى ذلك الرجل ( إبن الشقرة ) المحتسب الجديد ( بدر الدين ) للسلطان في غيبة ( أبيه ) كاتب السر، ولكن توسط بينهما الزينى بركات نائب كاتب السر على أن يتحاسبا) .وحضر مؤرخنا ابن الصيرفي هذه القضية، ورواها بحذافيرها في كتابه ويبدوا انحيازه ضد ذلك الرجل ابن الشقيره لصالح القاضى المحتسب بدر الدين. ولكن سياق روايته يبدو متماسكاً وواقعياً، ويتفق مع طبيعة أولئك الذين كانوا يعينهم المحتسب يشبك على ظلم الأبرياء حين لا يستطيعون دفع الأتاوة لهم . والشاهد في هذه الرواية أن الذين كانوا يساعدون المماليك على ظلم الناس كانوا هم أراذل الناس، والطيور على أشكالها تقع.وجدير بالذكر أن نائب كاتب السّر هنا فى هذه الرواية هو ( الزينى بركات ) الذى أصبح كاتب السّر فيما بعد ، واصبح من مشاهير تاريخ إبن اياس . ولكنه هنا فى تاريخ ابن الصيرفى كان فى بدايته مجرد ( كومبارس ).
إبن الصيرفى القاضى يزوّج طفلة من ( غلام بلطجى ) يملكه جندى مملوكى فاسد
1 ــ وأباحت شريعة المماليك السّنية أن يكون الجندى المملوكى فوق القانون وفوق المساءلة مهما إرتكب من جرائم مع كونه أقل المماليك رتبة . وقد سكن جندى مملوكي مع غلامه البلطجى بحارة بهاء الدين قراقوش بمنزل شيخ الإسلام ابن حجر، و (الغلام) فى مصطلح العصر هو العبد المملوك خصوصا إذا كان شابا. يقول ابن الصيرفي عن ذلك الجندي وما فعله مع غلامه بتلك الحارة حيث: ( أخربها هو وهذا الغلام من كثرة ما يؤذى السوقة والباعة ، وكان يأخذ أموالهم هو وأستاذه ) ومارسوا الخطف والابتزاز وحرق الأمتعة.وكانت لهذا الجندي المملوكي وغلامه قصة مع مؤرخنا القاضى ابن الصيرفي ، إذ زوّج القاضى ابن الصيرفى طفلة فى الثانية عشرة من عمرها لغلام هذا الجندى .
2 ــ ففي يوم الخميس 28 جمادى الأولى 875 رفعت امرأة قضية لقاضى القضاة محب الدين بن الشحنة عن بنت أختها تقول فيها: (المملوكة ( تعنى نفسها ، وكان هذا وقتها هو اسلوب المكاتبات لتأكيد الخضوع والذلّة فيقول الذكر عن نفسه المملوك والأنثى المملوكة ، واحيانا يصف نفسه بالخادم أو الخادم الحقير الذى يقبّل الأرض ، أو أنه يقبّل الأرض . ونعود للرسالة نقرؤها : ) ( المملوكة قريبة فلانة البكر.. تقبّل الأرض ، وتنهى أنها فقيرة وتعبت من الشحاته وأبويها غائبين مدة تزيد على ثلاث سنوات عن القاهرة وأعمالها . وسؤالها إذن كريم لأحد السادة النواب ( أى القضاة ) بتزويجها ( أى الفتاة البكر ) ممن يرغب في تزويجها بمهر المثل والكفاءة ، صدقة ( أى تصدقا ) عليها.). وواضح أن بعض الشهود الجالسين فى حوانيت الشهادة قد كتب لها هذه الصيغة الرسمية، ورفعها إلى قاضى القضاة ابن الشحنة الحنفي، فكتب عليها القاضى نور الدين الخطيب : ( يُنظر في ذلك على الوجه الشرعى بعد اعتبار الكفاءة ، متحرياً ). أى أمر القاضى بالبحث عن زوج كفء لها على الطريقة الشرعية .
3 ــ وعهدوا الى القاضى مؤرخنا ابن الصيرفي بتزويجها، فاستوفي القاضى ابن الصيرفى الشروط الشرعية وتحرّى الأمر كما يقول ، فقامت عنده البينه أن والدها ووالدتها غائبان الغيبة الشرعية عن القاهرة وأعمالها، وزكّي لها ثلاثة نفر للزواج منها ، فتزوجت واحداً منهم، وعقد العقد ودخل بها الزوج ، وهى بنت اثنى عشرة سنة طبقا للمتعارف عليه فى الشريعة السّنية التى تجيز زواج الطفلة تنفيسا عن الكبت الجنسى أو الحمق الجنسى والمرضى للمصابين بالفقه السّنى والذى زعموا من أجله أن السيدة عائشة تزوجها النبى وهى طفلة. لعنهم الله جل وعلا فى كل كتاب. ويريد أوباش السلفية وقت كتابة هذا الكتاب ( سبتمبر 2012 ) تقنين ذلك السّفه فى الدستور المصرى وليس فقط فى القانون العادى .!!.
4 ــ المهم..نعود للقاضى السّنى ابن الصيرفى الذى قام بتزويج هذه الطفلة طبقا للشريعة السّنية ، يقول عنها:( غير أنها دميمة من جهة الهيئة، ولم أأذن في الوطء ) يعنى إنّه عقد لهذا الغلام البلطجى على تلك الطفلة بعد ان تحرّى فى الأمر كما يقول . ولم يفسّر لنا كيف لم يصل به التحرّى الى معرفة فساد هذا الغلام؟ وكيف يأتمنه على زواجه بطفله ؟ وهل يكفى أن يعطيها له زوجة ثم لا يأذن له ( بالوطء ) أو ممارسة الجنس معها ؟ وهل يضمن طاعة ذلك البلطجى لأوامره ؟ ، يقول ابن الصيرفى : ( فاتفق أنه طلقها عن شهود غيرنا بعد الدخول والوطء.) أى بعد أن دخل بالطفلة طلقها . وبالطبع لها حقوق فى النفقة والمتعة وغيرها ، وكان ينبغى أن تطالب خالتها ذلك الغلام بحقوقها ، ولكن الذى حدث هو العكس فالزوج البلطجى عسف بالطفلة حتى كتبت له خالتها إيصالا بسبعة دنانير حتى يطلق المسكينة . يقول ابن الصيرفى باسلوبه الغامض : ( وسألته خالتها في جميع حقها، وكتبت له مسطوراً بسبعة دنانير حتى طلقها. ) ويعترف ابن الصيرفى أخيرا بحقيقة ذلك الزوج كأنه عرفه لأول مرة فيقول : ( وذلك الزوج كان غلاماً لجندى مملوكي اسمه فارس من المماليك السلطانية، وهما اللذان سكنا في حارة بهاء الدين قراقوش وتسلطا على الناس فيها.).
5 ــ ونعود إلى قصتهما مع تلك الفتاة المسكينة وكيف وقف الى جانبها ( رجال حىّ بولاق الشعبى ) لاصلاح ما أفسده القاضى ابن الصيرفى
فالخالة بعد أن اضطرها الزوج إلى كتابة إيصال بسبعة دنانير في نظير الطلاق توجهت مع البنت المسكينة إلى بولاق وأخبرت أهل بولاق بالقصة ، وكيف تزوج الغلام من الفتاة وأزال بكارتها وطلقها وكتب عليها إيصالاً وغرمها . واجتمع أهل بولاق وحملوا الصغيرة وتوجهوا بها إلى الداودار الكبير يشبك فأمر بإحضار الغلام وسيده الجندي المملوكي، فحضروا في أسرع وقت، فلما وقف الزوج بين يدى الأمير يشبك قال له: أنت فعلت كذا وكذا ؟؟. فتعلثم ،وأراد الأمير الداودار الكبير ضربه ، فنهض الجندي وصاح: بأى ذنب يضرب غلامي، وهو ما فعل شيء إلا بالقاضى والشهود ؟ . فاستدعى الداودار الكبير يشبك مؤرخنا القاضى ابن الصيرفي الذى عقد العقد.
6 ــ يقول إبن الصيرفى يصف ما حدث له : ( وكانت بلغتنى المسألة ، فركبت ، فعند موافاتى لباب الأمير الداودار الكبير لم أجد الطلب قد توجه لي ، فدخلت إليه ، ووقفت بين يديه ، فقال لى : يا قاضى أنت زوجت هذا بهذه؟ فقلت: نعم . قال كيف؟ قلت: أذن له مستنيبي ( أى قاضى القضاة) في ذلك بقصة ( أى بعريضة) مشمولة بخطة، فقال لى: هذا تزوج؟ ويومئ إلى أنها صغيرة فقلت له: مذهبي ذلك ، لأن النبي ( ص ) تزوج عائشة أم المؤمنين وهى بنت تسع سنين، فقال لى: تشبّه هذه بهذه ؟ أو مثل هذا بهذا؟ فقلت : لا يا مولانا وإنما النبي (ص) مشرّع ، ونحن أمته ومتبعين سنته. فسكت عنى . والتفت إلى من حضر في مجلسه من القضاة والأمراء وقال لهم: القاضى عبأ لى هذا الجواب، ليس لى عنده شغل، مالى شغل إلا عند المملوك والغلام.). ونجا إبن الصيرفى من مؤاخذة الأمير يشبك بأنه مأمور بأمر قاضى القضاة ، وبأنه وفقا لمذهبه السّنى يجيز زواج الطفلة . فلم تنفع أمامه حجة الأمير المملوكى مع وجاهتها وعقليتها ، ولكن كيف يجدى العقل مع السّنة الشيطانية .
7 ــ وتدخل أحد القضاة الحاضرين فقال لابن الصيرفي: ( أأنت ثبت عندك بيّنه بالغيبة ؟ ) أى غيبة أبويها عن القاهرة حتى احتاجت للقاضى كى يزوّجها، وكان ابن الصيرفي قد كتب أسماء الشهود الذين يشهدون بغيبة أبويها، في عقد صداقها، فأمر الداودار الكبير بإحضارهم، فحضروا وشهدوا . وبعد حضورهم أمر الأمير يشبك بضرب الغلام ثلاثمائة عصا، وأمر بإشهاره في البلد، جزاءا ( على من يفتح البنات ) أى يفضّ بكارتهن ( هو وأستاذه ويأخذ منهم مالا يستحق.).
8 ـ يقول مؤرخنا: ( وكانوا أنهوا إلى الأمير المذكور أنه ( أى الغلام )، تسلّط على البنت وأستاذه،( أى الجندى المملوكي)، وصاروا يفعلون فيها مالا يجوز، فهربت منهما ، فغضبت خالتها .وكتب عليها مسطوراً بغير حق، وأراد الداودار أن يعاقب الجندي المملوكي ولكن تشفع فيه الحاضرون. ). ويقول مؤرخنا : ( ثم أمر أن توضع البنت على ظهره وينادى عليه فشفعوا فيه، وأمر الداودار بأن يذهبوا جميعاً إلى قاضى القضاة الحنفي ليفرض حق البنت، واتفق على أن يدفع لها الغلام أربعة دنانير وأن يبرئها من ذمته.)
9 ـ يقول إبن الصيرفى عن قضية تلك المسكينة : ( وصار لها غوغاء) أى تحمس كثيرون لقضيتها وذلك بسبب كراهيتهم في ذلك الغلام وسيده الجندي المملوكي وفسادهما المشهور عنهما في حارة قراقوش.
والقاضى المؤرخ يصف الرجال الذين كانوا يدافعون عن البنت المظلومة بأنهم ( غوغاء )...!. الى هذا الحد تنقلب المعايير لدى قاض وظيفته الظلم وليس العدل . وقد التقى مؤرخنا بذلك الغلام بعد أن ضربه الداودار، يقول: ( وكنت أظن أن هذا الغلام يموت من الضرب ، فلما أصبح وجدته ماشياً كأحد الناس الأصحاء وليس يشكو من شيء ، فتعجبت من ذلك.).!!
ونحن لنا أيضا الحق أن نتعجب من نطاعة ابن الصيرفى ..القاضى المؤرخ .!!
الهوامش
- إبن الصيرفي : الهصر: 426، 464، 168، 169، 132، 498، 500، 226، 229.
الفصل الخامس : أخبار النيل في عصر السلطان قايتباى
عيد وفاء النيل:
1 ــ تركزت حياة المصريين حول النيل في كل العصور، كان مصدر مآسيهم حين كان يزيد ويفيض طوفانا يغرق البلاد والعباد ، أو ينقص ويشحّ ، وفى الحالتين تتعطّل الزراعة ويحدث الغلاء أو المجاعة . أما حين يزيد بالمعدّل العادى فتتجمع حوله أعيادهم، حيث كان له في حياة المصريين عيد خاص هو عيد وفاء النيل. وفي عصر المماليك كان كسر النيل من الأعياد العامة التى يشترك فيها المصريين من جميع الطبقات والأديان، فينزل السلطان وجنوده في موكب زمن الفيضان ويكسر السد لتجرى المياه في الخليج والترع . وأحياناً ينيب عنه السلطان الأتابك قائد الجيش أو أميراً من مقدمي الألوف لفتح السد. أو بتعبيرهم ( كسر السّد ) أى فتح مجرى النيل ليدخل فى الترع .
2 ــ في يوم الجمعة 16 محرم 873 (12 مسرى القبطي) يقول ابن الصيرفى : ( أوفي النيل) أى إرتفع منسوبه عند المقياس ( ستة عشر ذراعاً وزاد إصبعين من الذراع السابع عشر،) ووصل العلم بذلك للسلطان قايتباى ( فأمر السلطان الأمير قرقماي الجلب الأشرفي أن يتوجه لتخليق المقياس وفتح خليج السد على العادة في كل سنة ، فتوجه وفي خدمته عدة من الأمراء والأعوان ، وفعل ما أمره السلطان به، وخلع على والى القاهرة وعرفاء المراكب العاملين في المقياس والرؤساء ومن له عادة، وصعد الى السلطان فخلع عليه).
ولم تكتمل الفرحة بزيادة النيل إذ ما لبث أن تناقص وتصادف ذلك مع إفتتاح جسر جديد ،ففى يوم الخميس 20 صفر 873 ، تم فتح جسر بنى منجا ، ( والبحر يومئذ ثمانية عشر ذراعاً واثنا عشر إصبعاً، وهو نهاية زيادة النيل في هذه السنة،) يقول مؤرخنا:( وليته ثبت بل نقص نقصاً فاحشاَ ولا يزال ينقص إلى أن انكشف،) ويقول ابن الصيرفي: ( وحصل في زيادة النيل هذه غريبة ، وهى أنّ أرباب التقويم أجمعوا أن البحر يعلو إلى أن يصل إلى زيادة عن تسعة عشر ذراعاً.. وجاء الأمر بخلاف ما قالوا.). ومعناه أن تعلق حياة المصريين بزيادة النيل ونقصه جعلهم يبحثون عن الأمن النفسي بين المنجمين وأرباب التقويم والفلك، وقد كان ينجم عن نقصان النيل كوارث سنعرض لها فيما بعد.
3 ــ وذكر ابن الصيرفي بعض الطقوس التى كانت تحدث في موكب وفاء النيل فى يوم الخميس 19 صفر 875هـ ، يقول:( وأصبح يوم الخميس تاسع عشر، فركب الأشرف المقر العالى السيفي جانبك قلقسيز أمير سلاح ، وتوجه إلى مصر ( هى الآن ما يعرف بمصر القديمة من الفسطاط وما حولها ) حسب المرسوم الشريف ، فنزل الحرّاقة ( سفينة نهرية ) وصعد المقياس، وصلّى على القاعدة المعهودة ( صلاة الاستسقاء النيلية ـ أى دعاء بارتفاع منسوب النيل حتى يظهر ذلك فى المقياس ) ، ومُدّ له المدة الهائلة ( أى أعدوا له وليمة هائلة ) من الغنم المشوى والفواكه والحلوى . وصار الخلق في البحر حول موكبه ، وهم يدعون ويبتهلون لما عندهم من الفرح والسرور، وفتح فم البحر لما وصل إلى السد، وخلع على الوالى وعلى من له عادة من أمناء النيل وغيرهم . وركب للقلعة لحضرة السلطان ، فخلع عليه فوقانيا بطراز زركش ... وركب في خدمته عدة من الخاصكية ورؤوس النوبة وتوجه إلى داره في جحفل عظيم وهوتك ( موكب ) جسيم، وقصد السلطان بذلك جبر خاطره، فإنه قاسى أهوالاً شديدة في أسر شاه سوار.). كان الأمير قلقسيز أسيراً لدى شاه سوار وقد أعاده إلى قايتباى، وأراد السلطان الترويح عنه وجبر خاطره فأرسله أميراً على موكب وفاء النيل وكسر السد، ونزل الحراقة أى السفينة المعدة لذلك وركبها إلى المقياس وصعد عليه وصلى، وأقيمت له مآدبه من الخراف المشوية والفواكه والحلوي وازدحم الناس حوله في المراكب مبتهجين، وفتح فم البحر، وخلع على الوالى وأمناء النيل وعاد للسلطان فأنعم عليه، وذهب إلى داره في موكب هائل.
أخبار زيادة النيل ونقصانه:
1 ــ وكان مؤرخنا حريصاً على تسجيل زيادة النيل ونقصانه بين ثنايا تاريخه.ويقول في أخبار الجمعة 21 صفر 876 أن النيل توقف ثلاثة أيام ثم أصبح يزيد كل يوم إصبعاً وإصبعين ، ( وحصل الخير بمعونة الله تعالى، ورسم السلطان للأتابكي أزبك أن يتوجه إلى المقياس على العادة ويفتح فم الخليج فركب في ممالكيه وأعوانه وصحبته من الأمراء.) . وفي يوم الأحد 15 ربيع الأول 876 (إنقطع سد سنيت على البحر، وانتهت زيادة النيل يوم 17 ربيع الأول إلى إصبع من تسعة عشر ذراعاً، وفيه كسر سد الأمبوبة (إمبابه) كسره الوالى وأعوانه.). ويقول في أحداث ربيع الأول 875:( ولم يزد البحر شيئاً في سابع توت القبطي الموافق لسابع ربيع الأول، فإنهم كسروا سد الأمبوبة ( إمبابة ) ونقص منها، والأمر لله تعالى يتصرف في عبادة بما يريد.). ويقول في أحداث السبت 25 ربيع الأول 875 : ( نودى على البحر بزيادة إصبعين من النقص فصار البحر الآن في عشرين إصبعاً من سبعة عشر ذراعاً، واستمر يزيد بعد ذلك الإصبع والإصبعين في كل يوم.) أى كان المنادى يطوف فى مصر والقاهرة ينادى بزيادة النيل أو نقصه كأحد الأخبار الهامة. وفي أخبار الجمعة 4 ربيع ثان 876 يقول: ( ثبت البحر هذه السنة على عشرين إصبعاً من تسعة عشر ذراعاً . ولله الحمد والمنة والفضل والشكر الجزيل لا إله غيره.). وفى أخبار ليلة 27 ربيع الأول 877 يقول: ( نزلت النقطة ووزن الطين فجاء وزنه تسعة عشر قيراطاً تنقص يسيراً.). أى مقياس الماء من القاع عند الطين الى مستوى سطح الماء .
2 ــ كانت أخبار النيل من زيادته ونقص تشغل المصريين الذين تعلقت حياتهم بالفيضان وكان أمل المصريين أن يتحرروا من هذا الأرق والقلق، وتم إنشاء السد العالى وضاع الفيضان، وضاعت معه أشياء أخرى كثيرة.
أبو الرداد أمين النيل عدة قرون:
1 ـــ وكان أمين النيل في عصر قايتباى هو أبو الرداد، وقد أتى اسمه بين سطور الهصر.
وفي عيد الأضحى 873 يقول ابن الصيرفي: ( أخذ أمين النيل أبو الرداد قاع البحر فجاءت القاعدة، أعنى الماء القديم، وما أضيف إليه من زيادة في السنة، خمسة أذرع واثنين وعشرين إصبعاً.). ويوم الأحد 4 صفر 874 يقول صاحبنا ( أخبر أمين النيل ابن أبى الرداد بوفاء النيل ستة عشرة ذراعاً وبزيادة أربع أصابع من الذراع السابع عشر ، فأمر السلطان الأمير لاجين الظاهرى أحد مقدمي الألوف بتعدية النيل وتخليق المقياس وفتح فم الخليج الذى هو عند السد ، فبادر وفعل ما أمر به على العادة في كل سنة ، وخلع عليه ،وأُركب فرساً بسرج ذهب وكنبوش زركش على عادة من تقدمه.).وفي يوم الأربعاء 20 ذى الحجة 874:( أخبر أمين النيل أن أبى الرداد القياس بيشارة النيل وأن القاعدة ستة أذرع وعشرون أصبعاً، وكانت زائدة في هذه السنة عن الماضية ذراعاً واحد زاد من الغد الذى هو الخميس خمسة أصابع.).وفي أول المحرم الخميس 876 كان البشارة بزيادة النيل ، وأخبر أمين النيل أبى الرداد بأن القاعدة ستة أذرع وثمانية أصابع، فكانت ناقصة عن العام الماضى اثنى عشر إصبعاً.)
2 ـ وقد عمل (إبن أبى الردّاد) هذا قاضياً ضمن القضاة الشافعية وذلك بواسطة كبير الفقهاء الشافعية سراج الدين العبادى، وواضح أن عمله هو قياس النيل وقياس القاعدة الطميية وتسجيل الزيادة والنقص في كل عام، وإخبار السلطان بذلك ليبعث من يقوم بكسر النيل ويقام بذلك وفاء النيل.
3 ــ وقد لفت نظرى اسم أمين النيل في عصر قايتباى (ابن أبى الرداد) وتكرار هذا الاسم في التاريخ المصري في العصور الإسلامية المختلفة، وقد تبين أنها عائلة واحدة توارثت هذا العمل منذ أن عهد المتوكل العباسى إليهم بأمانة النيل، وعزل عنها النصاري، وقد تولى أولهم أبو الرداد عبد الله بن عبد السلام بن أبى الرداد المؤدب وكان رجلاً صالحاً فاستقر في بيته قياس النيل إلى عصر القلقشندي حسبما ذكر كتاب (صبح الأعشى). ويذكر المقريزى في تاريخ الفاطميين أن جوهر الصقلي الذى بنى القاهرة خلع على ابن أبى الرداد أمين النيل. وعلى ذلك فقد توارثت هذه العائلة القيام على قياس النيل من عهد المتوكل العباسى مروراً بالعصر الفاطمي ثم الأيوبي ثم المملوكي إلى عهد قايتباى، أى بثمانية قرون كاملة، أى كان عمرهم أكبر من عمر القاهرة.
الانحلال الخلقى عند زيادة النيل:
وعرضنا لما كان يحدث عند النيل من انحلال خلقى كان يزدهر في زيادة النيل. في يوم الأحد 11 صفر 875 ، يقول إبن الصيرفى أنّه زاد النيل فهرع الناس إلى الشواطئ ( وأظهروا المفاسد والقبائح والزنا واللواط والخمر فقدر الله أن نقص البحر إصبعاً في يوم الثلاثاء 16 صفر وأشاعوا أنه أوفي وأن الستر غلق وأن السلطان إما يباشر فتح فم الخليج بنفسه أو يأمر لأحد من أمرائه ، فأصبح البحر بلا وفاء بل نقص وأنه انقطع عليه فقطع الرمل بالجيزية ، وخرج الوزير لسده ، وصحبته جماعة من أعيان أخصاء الأمير الداودار الكبير.).
إنشاء سدود على النيل:
واهتم السلطان قايتباى بإنشاء بعض السدود على النيل.
في يوم الخميس 8 محرم، كتب ابن الصيرفي : ( ركب السلطان من القلعة وسار حتى وصل إلى خليج السد فوجده لم يحفر ، فاحتدّ السلطان وغضب ورسم لعظيم الدولة، الأمير يشبك من مهدى الدودار الكبير بأن يباشر ذلك بنفسه ، فتوجه في الحال وفي خدمته خلائق من الناس ، واهتم بأمره غاية الاهتمام ، بحيث أنه عمل فيه بنفسه وأمر جماعته بالعمل فيه.). كان السلطان مشغولاً بثورات الأعراب وبالاستعداد لمواجهة شاه سوار، ولكنه لم يفقد اهتمامه بحفر ذلك السد . وأثار ذلك تعجب مؤرخنا ابن الصيرفي، يقول : ( غير أن الناس تعجبوا من السلطان لاهتمامه بهذا الجسر هذا الاهتمام العظيم . ويكفيك من عظم الاهتمام بعمل هذا الجسر المذكور أنه اختار لهذا الجسر الأمير سودون القصروهى والأمير لاجين الظاهرى وكلاهما أمير مائة مقدم ألف وصحبتهما جمع كبير من المماليك وغيرهم.).
البناء والسكنى على النيل:
1 ــ وكان النيل ـــ ولا يزال يمثل ــــ جاذبية خاصة، يقترب منه الأعيان بالبناء، وكان فرعون موسى يقيم قصره على النيل، وجاءه النيل بموسى رضيعاً في صندوق. وكانت زوجته المؤمنة تدعو الله عزّ وجلّ أن ينجيها من فرعون وعمله وأن يجعل لها بيتا فى الجنة ، تأثرا منها بالرعب من فرعون ومن تنعمها بقصرها على النيل. والنيل هو الحاضر الغائب هنا ، ففرعون إغترّ به ونادى متسائلا : أليس له ملك مصر وأنهار النيل وترعه وبحوره تجرى من تحته ، أى إستبد واستكبر بسبب سيطرته على النيل شريان الحياة فى مصر . وقد سكن على هذا النهر ، وتآمر عليه النيل فجاء له بموسى .
والفراعنة وأعوانهم كانوا يهيمون عشقا بالنيل حتى لو كانوا من المماليك الوافدين لمصر . المماليك البحرية حملوا لقب البحرية لسكناهم فى معسكرات حول ( بحر النيل ) فى الجزيرة. ومع أن المماليك البرجية أقاموا فى طوابق ( أو طباق القلعة) و ( أبراجها ) فلم يبتعدوا عن النيل . وسكن كبار أتباعهم حول النيل . وفي عصر قايتباى كان أعيان الدولة يتنافسون في البناء بالقرب من النيل. يقول مؤرخنا في ترجمة عبد الرحيم بن البارزى ت874 عميد بيت البارزى في أخر عهده : ( عمّر داراً هائلة على شاطئ النيل مجاورة لدار جده ولدار رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصاري كاتب السر. وحصل بينه وبين رئيس الدنيا ما حصل من الغوغاء لما برز على داره، ومن محاسنه أن هذه الدار التى أنشأها عديمة النظير من البناء المتقن والرخام الهائل الملون والذهب واللازورد والأبواب المطعمة وغير ذلك، وعند انتهائها سألته في التفرج فيها أنا وعيالى ، فرسم لى بذلك. وأرسل إلى ما يحتاج إليه من الميرة من غنم وأوز ودجاج ونفقة.).
هنيئا لك ولعيالك يا ابن الصيرفى .
الهوامش
- الهصر: 11، 15، 205، 260، 329، 334.
- الهصر: 221، 215، 337، 484.
- الهصر: 73، 127، 166، 316، 317، 376.
- المقريزي: اتعاظ الحففا 1/199 تحقيق د.جمال الشيال.
- الهصر: 203.
- الهصر: 9، 10.
- الهصر: 171: 172.
الفصل السادس : كوارث للمصريين فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر قايتباى
أخبار الطاعون
كان الطاعون والمجاعات من مآسى التاريخ المصري في العصور الوسطي، وكان غالباً ما يحدثان معاً، وواضح أنه كانت لهما دورة تأتى بهما في تتابع زمني خلال القرن الواحد، وكان طاعون 873 أبرز أحداث المجتمع المصري في عصر قايتباى. وفي أول صفر 873 وردت أخبار بانتشار الطاعون بالثغر الإسكندري، ويبدو أنه جاء من مصدر خارجي، وبدأ انتشاره من الإسكندرية إلى باقى أقاليم مصر ثم إلى القاهرة، وبعدها وصل للشام. ونتتبع خطوات انتشاره على النحو التالى:
1 ــ في 29 صفر 873 وصلت جثة خوند بنت الأشرف اينال من الإسكندرية إلى القاهرة، وكانت قد توجهت إلى الإسكندرية مع والدتها خوند زينب لزيارة أخيها الملك المؤيد أحمد المقيم بالإسكندرية ولحضور ختان ولده، وعندما وصلوا إلى الإسكندرية مات الولد الذى يريدون ختانه، ثم أصابها الطاعون وماتت وكانت دون الثلاثين من عمرها، ونقلوا جثتها إلى القاهرة فوصلت يوم السبت 29 صفر، ويبدو أن الوباء انتقل معها إلى القاهرة. وفي يوم الأربعاء 3 ربيع الأول وصل الخبر للسلطان بوفاة الملك الظاهر يلباى الاينالى بالطاعون وكان معتقلاً بسجن الإسكندرية، وكان قد تولى السلطنة فترة يسيرة ثم عزلوه.وفي يوم الاثنين 6 ربيع الآخر وصلت الأخبار من الإسكندرية بأن الطاعون أهلك معظم أهلها وأنه لا يزال منتشراً بها إلى تاريخه. وفي يوم الاثنين 13 ربيع الآخر عاد الأتابك أزبك من البحيرة بعد قيامه بحمله ضد الأعراب هناك، وأخبر بأن الطاعون لا يزال مستمراً بالإسكندرية وأنه انتشر بالبحيرة ووصل إلى دمنهور، وأخبر بموت جماعة من أعراب غزالة من رؤوس الشر والفساد وبلغ عددهم نحو ثمانين نفراً.
2 ــ وبسبب التنقل من البلاد الموبوءة بالطاعون إلى غيرها انتقل الطاعون من الإسكندرية إلى البحيرة ثم إلى الغربية ثم إلى القاهرة. يقول مؤرخنا في أحداث يوم السبت أول جمادى الثانية : ( وفيه فشى الطاعون بإقليم البحيرة من الوجه البحرى من أسفل مصر وبعض بلاد الغربية (أى وسط الدلتا) بل وظهر الطاعون بالبلاد المصرية (أى القاهرة وضواحيها) لكنه غير فاش ، فإنه ظهر ببعض الأماكن، وبعض الأماكن لم يظهر بها شيء، والوقت بدرى ، فإنها خامس يوم من فصل الشتاء، والأمر لله يفعل ما يريد ولا يسأل عما يفعل.). أى بدأت بوادر الطاعون في القاهرة، ولابد أن يسود الذعر في أرجائها، يقول مؤرخنا في أخبار يوم الأحد أول رجب: ( والناس في أمر مدلج من غلو الأسعار وبوادر الطعن، (أى الطاعون) ببيوت بعض الناس بالقاهرة ،غير أنه قليل. ). وكالعادة يرتبط الطاعون بالغلاء، إذ تتوقف الأنشطة الاقتصادية في القاهرة وأعمالها ويلزم الناس بيوتهم وتشتعل الأسعار.
3 ـ وبمرور أيام شهر رجب انتشر الطاعون بالقاهرة. وكان مؤرخنا ابن الصيرفي يتبع الإحصاءات الرسمية بأعداد الموتى من الطاعون. في يوم الأربعاء 18 رجب وصل عدد من يموت بالقاهرة المحروسة إلى واحد وستين نفراً.. ثم وصل يوم الجمعة 20 رجب إلى مائة نفر، ويقول مؤرخنا ( فإن المائة التى ذكروها عن القاهرة كلها جاءه عدة من يموت وصلى عليه ) ويذكر أنّ من تمت صلاة الجنازة عليه بباب النصر أكثر من خمسين نفراً ، ( فما بالك ببقية المصلات التى بالقاهرة فإن عدتها سبع عشرة مصلاة وبهذا المقتضى لا نعتمد على ضبطهم . ). وهذه لفتة تضاف إلى رصيد الدقة والتحرى من جانب ابن الصيرفي. وكان ابن الصيرفي يأخذ إحصاءاته الرسمية من ديوان المواريث الحشرية،ويرى أنه لا ينبئ عن العدد الحقيقي للأموات.
وعن أحداث الخميس 26 رجب يقول:( وضبط اسم من يموت بالتعريف بالمواريث الحشرية من الأموات فبلغت مائة نفر وسبعة أنفار، وقد قدمنا أنه لا عبرة بضبط التعريف)، ثم يقول: ( وفي هذا اليوم أخذ الطاعون في الزيادة حسبما نذكره بعد ذلك بما ضبط من الأموات بمصلى باب النصر، فإنها أكثر وارداً من جميع المصلات.)
4 ـ ثم هلّ شهر شعبان وقد فشا الطاعون بالقاهرة ومصر وبولاق.. وقد ذكر مؤرخنا بعض الإحصاءات، ففي أحداث الجمعة 5 شعبان : ( وصل عدد الأموات بمصلي باب النصر والبياطرة إلى مائتى نفر بباب النصر مائة وثلاثون، والبياطرة سبعون، وقس على هذا ما بقي من المصلات بالقاهرة وهى خمس عشرة مصلاة.). وفي يوم الثلاثاء 19 شعبان مات جماعة من العسكر المملوكي المسافر لحرب شاه سوار، ماتوا بالطاعون قبل السفر، ووصل عدد الأموات بمصلى باب النصر أكثر من 230، وبمصلى البياطرة أكثر من 130، يقول مؤرخنا وقس على ذلك باقى المصلات.). وفي يوم الأحد 21 شعبان بلغ عدد الموتى الذين صلوا عليهم بمصلى باب النصر 441، يقول مؤرخنا: ( وقس على هذا بقية المصلات التى بالقاهرة وظواهرها، والناس يقطعون ويجزمون بأن من يصلى عليه بمصلى باب النصر من الأموات يكون أكثر عشر من يموت بالقاهرة ، فعلى هذا يكون عدد من يموت بالقاهرة وظواهرها في كل يوم أربعة آلاف إنسان وأربعمائة إنسان، ومعظم الطاعون الأن بأسفل مصر من جهة الحسينية وغيرها إلى بين القصرين، ومن جامع باب زويلة الطاعون أخف مما تتقدم.) . وفي يوم السبت 27 شعبان أول فصل الربيع بلغ عدد الموتى الذين صلى عليهم بمصلى باب النصر 407، وفي مصلى البياطرة 215، ومصلى المؤمني185.وفي يوم الاثنين 29 شعبان توفي بالطاعون طفل للسلطان السابق خشقدم وكان في السادسة من عمره.
5 ــ وبسبب كثرة الموتى بالطاعون يومياً فإن عدد المساجد أو المصلات التى كانوا يغسلون فيها الموتي لم يعد كافياً، لذلك أنشأ الداودار الكبير يشبك من مهدي مغسلاً خاصاً للأموات ليستوعب تلك الأعداد الزائدة، خصوصاً من الفقراء، وانتهى العمل في هذه المغسلة في شهر شعبان 873، وقد احتفل مؤرخنا ابن الصيرفي بهذا البناء وصاحبه الداودار الكبير، يقول : ( في هذا الشهر كان الفراغ من بناء المغسل الرابع الذى يعلوه بالرملية مقابل مدرسة السلطان حسن، أنشأه عظيم الدنيا على الاطلاق المقر الأشرف الكريم العالى الملاذى مدير المملكة ومشيرها ووزيرها واستادارها وداودارها الكبير وصاحب حلها وعقدها يشبك من مهدي أعز الله أنصاره، وأنشاؤه لهذا المغسل لأجل الأموات الفقراء، والغرباء بل غيرهم كافة، فحملوا له الخلق الأموات من كل فج ، وأقام به كتاباً يضبطون الأموات، وصار يغسلهم ويكفنهم ويحملهم من ماله ليدفنهم في المقابر، فجزاه الله عن المسلمين خيراً دنيا وأخرى وأحسن صنيعه وأكثر بره وخيره، واستمر هذا الخير متواصلاً باقياً مستمراً على الدوام.)
6 ــ وفي هذه الأيام وردت الأنباء بوجود غلاء ومجاعة في الشام فكانت هذه الأخبار مع طاعون القاهرة ومصر ومن أبرز المحن خصوصاً مع التجهيزات المملوكية لحرب شاه سوار بعد أن انتصر على العسكر المملوكي قبيل ذلك، يقول مؤرخنا عن أحداث الأربعاء أول رمضان: ( عظُم الخطب والمصاب بما دهم الناس من الطاعون بالديار المصرية وظواهرها ونواحيها وقراها وذلك ، مع شدة الغلاء المفرط أيضاً بمصر والشام، غير أن البلاد الشامية كان الغلاء فيها خارجاً عن الحد، وتزايد الطاعون في هذا الشهر.)
7 ــ إلا أن حدة الطاعون قد بدأتتتوقف بعد العشرة الأوائل من رمضان، يقول ابن الصيرفي: ( وبعد العشرة الأوائل من شهر رمضان أخذ الطاعون في النقص قليلاً بقليل بعد أن كان وصل في اليوم الواحد إلى خمسة آلاف على قول المكثر وفي قوله غيره أربعة آلاف، وكان معظم من يموت فيه من جنس المماليك وأولادهم الصغار والعبيد والجوارى والغرباء. ). وهذا يعنى أنه كانت للمصريين نوع من الحصانة تزيد بكثير على ما كانت للمماليك وأولادهم الغرباء، ومرجع ذلك إلى أن المصريين اعتادوا على هذا النوع من الأوبئة كان يأتى في دورة متتابعة ويحصد منهم مئات الألوف، ومن يبقي حياً تبى له نوعية من الحصانة قد يتغلب بها على الهجمة التالية للطاعون. وفي يوم الأربعاء أول رمضان توفيت بنت لأحمد بن السلطان الأشرف برسباى، ثم ماتت أمها أيضاً، وكانت أختها لأبيها قد ماتت قبل ذلك بأيام، وبذلك انقرضت ذرية السلطان برسباى بسبب ذلك الطاعون. وفي يوم الخميس 23 رمضان ماتت بالطاعون بنت السلطان قايتباى وكانت في الرابعة من عمرها، وفي نفس اليوم توفي ولد أخر للسلطان السابق خشقدم، وكانت لهما جنازة مشتركة، ويقول مؤرخنا أنه مع نقص الطاعون فالموت موجود بكثرة بين الأمراء والأعيان من المماليك.
وبمجئ عيد الفطر يوم الخميس ظهر واضحاً أن الطاعون قد بدأ ينكشف خطره وتراجع عدد الموتى الذين يصلون عليهم بمصلى باب النصر إلى 38 شخصاً، وبمصلى المؤمني إلى 17 شخصاً، ويقول ابن الصيرفي "غير أن العلة موجودة كثيراُ والموت فاشٍ".
8 ــ ثم انتهى وباء الطاعون من مصر وانتقل إلى الشام. وفي بداية السنة التالية محرم 874 فشا الطاعون في الشام ( حتى يصير الميت ثلاثة أيام لا يجد من يحمله إلا على سلم أو باب وأمثال ذلك، وتزايد الغلاء جداً عندهم )
9 ــ وودّع ابن الصيرفي هذا العام 873 بعبارات مريرة يقول: "وانقضت هذه السنة بعد أن قاسى الناس منها شدائد وبلاءاً ومحناً وإحنا من عظم الغلاء وكثرة الطاعون وخوف السبيل والطرق" . وكان الغلاء هو المحنة الأخرى التى نتوقف معها.الهوامش
- الهصر: 12، 16، 17، 31، 32، 46، 50، 53، 55، 57، 60، 118، 79.
أخبار الغلاء.. والأسعار
الغلاء مع الطاعون ومصائب أخرى:
يقول ابن الصيرفي يودع عام 873 وانقضت هذه السنة والناس في أمر جهيد وبلاء عظيم من كثرة الفتن وشتات العسكر المصري بالبلاد الحلبية، وفقدأكثرهم في واقعة شاه سوار، ثم مات منهم طائفة بالطاعون وغيره، فإن المماليك السلطانية لما عادوا إلى الديار المصرية اعتراهم في الطريق مرض فمات من المماليك السلطانية خلائق كثيرون، وصار الموت معهم طوال الطريق إلى أن وصلوا إلى القاهرة. وأيضاً الطاعون الذى وقع بمصر ثم بالبلاد الشامية إلى الآن،) . ويقول عن عام 874 : ( وعظُم الغلاء بالديار المصرية حتى وصل أردب القمح إلى ألف درهم، ووقع الغلاء بالديار الشامية أعظم من الديار المصرية. ). أى جاء الطاعون كالعادة وقد صحب معه الغلاء، ثم أضيفت لذلك نكسة الجيش المملوكى في شمال حلب أمام شاه سوار، والمماليك نشروا جراثيم الطاعون ما بين الإسكندرية والقاهرة ومدن الشام ، وأينما يسير الطاعون فالغلاء في ركبه، كانت محنة مركبة، وما يعلم جنود ربك إلا هو.
أسباب متنوعة للغلاء:
1 ــ مع بداية الطاعون خاف المسئولون من الغلاء فحددوا تسعيرة للقمح الأردب بأربعمائة درهم، وأدت المناداة بالتسعيرة الجديدة إلى ارتفاع سعر القمح وباقى الحبوب، وخصوصاً وأن النيل توقف عن الزيادة، وبدأ الناس في تخزين القمح والمواد الغذائية، وفي ذلك يقول مؤرخنا في أحداث يوم الاثنين 10 صفر 873 : ( وفي هذا اليوم نودى بالقاهرة وظواهرها حسب المرسوم الشريف أن الأردب القمح بأربعمائة درهم ، وهددوا من باع بأكثر من ذلك، فلم يكترث أحد بهذه المناداة، وأن القمح كان وصل إلى ستمائة درهم الأردب والشعير إلى ثلاثمائة والفول إلى مائتى درهم فأصبح سعر القمح بعد المناداة إلى سبعمائة الأردب، وكذلك الشعير والفول، وسبب ذلك أن البحر كان توقف عن الزيادة من يوم الثلاثاء رابع صفر لآخر مسرى أياماً كثيرة، فقلق الناس من عدم الزيادة ، وحصل عندهم هلع وجزع ، ثم جاءت الزيادة فامتنع الناس من بيع القمح . والناس محتاجون له فزاد سعره ، ثم زاد البحر بعد ذلك ووفّي وزال نقصه ، فالحمد لله.).
2 ــ ومع ذلك ازدادت الأسعار ووصل سعر الأردب من القمح إلى تسعمائة درهم وارتفعت أسعار المأكولات بصفة عامة، ويرجع ذلك بالإضافة للطاعون وقلة الجهد المبذول في الزراعة إلى استيلاء الأعراب على الدلتا منتهزين انشغال المماليك بالاستعداد الحربي الثائر من هزيمتهم أمام شاه سوار ومعاناتهم من الطاعون، ثم إلى الهزة النفسية التى أحدثها نقصان النيل في القاهرة بعد أن فتح سد بنى منجا وامتلاء ذلك الفرع بالماء على حساب المستوى العام للنيل في القاهرة. يقول مؤرخنا في أحداث يوم الاثنين أول ربيع الأول 873 : ( .. والأسعار في نمو وزيادة ، لاسيما الحبوب ، فإن القمح وصل إلى تسعمائة درهم الأردب والشعير بستمائة درهم ، وهو عزيز الوجود ، والفول إلى أربعمائة درهم ، ولكنه موجود .وسائر ما يؤكل غلا ثمنه وعُدم.).
ويحاول مؤرخنا أن يفسر سبب ذلك الغلاء فيقول: ( وأصل هذا الغلاء استيلاء العريان على أسفل مصر من الوجه البحري ، وخسّة الزروع ، ونزول البحر بسرعة ، فإنه من يوم فتح سد بنى منجا.. نقص نقصاً فاحشاً ، ولم يلبث اليوم الواحد ، بحيث أن الناس ازدحموا على ملء الصهاريج بالصحراء وغيرها ــ كما هى العادة المألوفة ــ ازدحاماً شديداً خوفاً أن يفوتهم ذلك لنقص البحر، مع أن غالب الخلق ملأوا من خليج الزعفران لفقدهم الماء من الخلجان ، فإنه هبط هبوطاً لا يتدارك ولا يعود، ووقع الزرع بالقليوبية وغيرها على المحاريث وحرثوا والوقت في العشر الثالث من توت، والمثل الساير: من لم يزرع في بابه لم يأكل لبابه. فما بالك بزرع توته، والأمر كله لله يتصرف في العبيد بما يريد.).
3 ــ وفي يوم السبت 20 ربيع الأول 873 نودى ألا يباع القمح بأكثر من أربعمائة درهم يقول مؤرخنا "ففرح الناس بذلك ، ودعوا له ، فإن القمح وصل إلى ثمانمائة درهم بالأردب، ثم إن بعض الناس ذكر إن ذلك معاكسة لابن عمر الهواري فإنه أرسل كثيراً من القمح ليبيعه، ومع ذلك أزداد سعره، ولما نادوا عليه بأربعمائة درهم نهب الناس والعوام غالب الحوانيت بباب الشعرية وغيرها وعاد الأمر إلى ما كان عليه . ).
وفعلاً عاد الغلاء في غالب الأقوات، ويفصّل مؤرخنا الزيادات الجديدة في الأسعار في أحداث الاثنين 6 ربيع ثان873 فيقول: ( وأما الغلاء فاستمر بالديار المصرية في سائر الأقوات لأن القمح وصل إلى تسعمائة درهم الأردب والشعير إلى ثلثمائة الأردب فأكثر،ثم غلا الشعير والفول بعد ذلك إلى أن زاد الأردب على أربعمائة بحوانيت السوق والباعة، وأما الجبن الأبيض فوصل إلى عشرة دراهم الرطل،وقس هذا على سائر المأكولات. وطال هذا الغلاء ونمو السعر بمصر وضواحيها وقراها. فلله الحمد على كل حال.)
واكب هذا انتشار الطاعون من الإسكندرية للدلتا ودخوله للقاهرة، ثم ازدادت الأسعار في أول جمادى الآخرى 873 وتزايد سعر الحيوانات جداً، وكان الطاعون حينئذ يعمل عمله في الدلتا والقاهرة وبانتهاء هذا العام وصل أردب القمح إلى ألف دينار.
4 ــ وبينما انتهى الطاعون. فإن الغلاء استمر.. كأنه القدر المكتوب، ففي شهر محرم 874 وصلت الأخبار من الوجه القبلي أن القمح بلغ ثمنه إلى ستمائة درهم الأردب وأنه عزيز الوجود، وأن الوباء انتقل من البقر للبشر، وهو وباء غير الطاعون، إلا أنه مثله زاد من الغلاء، وأثر بالتالى على أسعار القمح الوارد للقاهرة فارتفع سعر الغلال فيها إلى 1200 درهم الأردب القمح أما الفول والشعير بأقل من سبعمائة، ويقول مؤرخنا : ( والحمل التبن بثلثمائة ، والرطل الخبر بسبعة دراهم.). وكانت تلك أسعار شهر ربيع الثاني 874 .
ويقول مؤرخنا في أحداث الخميس أول رجب 874 : (..هذا والغلاء موجود في سائر المأكولات لاسيما سعر الغلال فإن القمح وصل إلى ألف درهم ومائتى درهم الأردب، والشعير والفول بنحو ذلك، وقد طال هذا الغلاء بمصر والقاهرة وضواحيها نحو ثلاث سنين فلله الأمر.). أى أن الغلاء استمر من 873 : 875هـ.
وكان صعباً أن يأتى رمضان والأسعار بهذا الشكل، خصوصاً وأن الشعير والفول ازداد ثمنها تقريباً إلى سعر القمح، لذا فتح السلطان مخازنه وأنزل كميات ضخمة للاسواق فنزل السعر قليلاً، وفي ذلك يقول ابن الصيرفي في أحداث الأحد أول رمضان 874 : ( صعد المحتسب وشكي للسلطان من القمح وأنه وصل إلى ألف وثلاثمائة الأردب ، فرسم أن ينادي عليه بألف درهم ، وفتح شونته وباع بهذا السعر ، فهرع الناس وابتاعوا من السلطان فمشى الحال قليلاً ، وصار الخبز بستة دراهم الرطل، وكان وصل إلى تسعة الرطل والشعير وصل إلى تسعمائة درهم الأردب فأبيع هذا اليوم بدون الستمائة.).وبهذا يتميز (قايتباى) عن (حسنى مبارك) الذى كان يسرق وينهب ويحتكر ويهرّب الأموال للخارج ويبتهج بجوع المصريين.
أنواع الطعام وأسعارها 875هـ:
1 ــ واستمر الغلاء إلى السنة التالية 875هـ وفي أول محرم السبت 875 يورد مؤرخنا أسعار السلع الغذائية بالتفصيل، ومنه تعرف نوعيات الطعام المنتشرة وقتئذ، يقول عن بداية أول محرم لسنة 875 : ( واستهلت هذه السنة والأسعار بحالها وزيادة ، فإن القمح الطيب بتسعمائة وما دونه بثمانمائة الأردب، والدقيق كل بطة ( بطة الدقيق مكيال يساوى خمسين رطلاً ) بمائتى درهم وعشرين درهما، والشعير بثلاثمائة وثمانين درهماً الأردب، والفول بقريب ذلك، والقفة الدريس بدرهم وهو رخيص بالنسبة للعام الماضى، والتبن موجود كثير، كل حمل بخمسة أنصاف،(النصف عُملة صغيرة من الفلوس الفكة)، أو أكثر بحسب حشوه وما فيه. واللحم الضانى بعظمه بتسعة دراهم ، والرطل وبلا عظم باثني عشر درهماً، والبقرى بستة دراهم الرطل، والدجاج لا يوجد إلا نادراً عند الأكابر، أما السمين منه فعديم الوجود، وكل طائر منه بأربعة أنصاف، والفروج الواحد بلغ إلى خمسين درهماً ، وليس فيه أوقيتان من اللحم، والأوز موجود لكن بثمن زائد على ثمنه مرة واحدة، فإن ثمن الفروج المليح ستة أنصاف فوصل في هذه السنة إلى ضعف ذلك.). ثم يتحدث مؤرخنا على أسعار المواد الغذائية الأخرى فيقول عن الخبز في المخابز، وأما الخبز عند الباعة فصغير جداً، والمأوى نصف رطل ويعجز عنه أيضاً بدرهم، والرومي أقل منه بنصف أوقية ) . ونفهم من ذلك أن الخبز كان أنواعاً، وأن أصحاب المخابز انتهزوا الفرصة فانقصوا وزن الرغيف وخلطوه بالشعير، بل زادوا من نسبة الشعير، واضطر الناس لأكل الرغيف الشعير، وللضرورة أحكام. وبعد الخبز يتحدث صاحبنا عن ( الغموس).يقول: ( والجبن الحالوم باثنى عشر درهماً الرطل ، والأزرار بثمانية دراهم الرطل ، والمقلى بأحد عشر درهماً الرطل.). وهكذا عرفنا أنواع الجبن في العصر المملوكي الحالوم والأزرار والمشوى والمقلى. تُرى هل كانت ألذ من الجبن الرومي والثلاجة والاستانبولى والدمياطى.الله أعلم.!!
ويستمر في أخبار التسعيرة:( وأما العسل النحل من عند الزيات بأربعة وعشرين درهماً الرطل، والعسل الأسود باثني عشر درهماً الرطل، والسيرج بثمانية عشر درهماً الرطل، والزيت الطيب كذلك، والحار بتسعة.والأرز من عند الباعة بنصفين القدح،غير أن الفاكهة والبطيخ رخيصان، والعبدلى كذلك.).ثم يصف مؤرخنا الأحوال العامة في هذا الغلاء:( وأما الناس فصاروا ثلاثة أثلاث: الغنى افتقر والمكتسب ما يفي بنفقته، والفقير فبعد أن كان يسأل في الرغيف صار يطلب لقمة أو لبابة.).أى كسرة خبز!.وهى عبارة مختصرة موجعة.
وعادة فالذى كان يقاسى أكثر من ذلك الغلاء هو الفقير، ولم يكن يهتم بأسعار اللحوم والفواكه وأصناف الجبن والخبز والعسل والزيت، وإنما كان يهتم بمجرد كسرة، وبعد أن كان يسأل طالباً الرغيف، أصبح غاية أمله أن يحصل على كسرة، أو لبابة خبز.
وأغلب أجدادنا كانوا من أولئك الفقراء. وإذا كان ابن الصيرفي وأمثاله من أرباب الوظائف يشكون لطوب الأرض من ارتفاع الأسعار فإلى من كان يشكو الفقراء الذين كانوا لا يجدون ينفقون أو يأكلون.
إنّ الله سبحانه وتعالى ولى الصابرين.. وكم صبرتم يا أجدادنا.
نقص النيل وارتفاع الأسعار:
وفي هذه الظروف الدقيقة كانت أى إشاعة عن نقص النيل تدفع للمزيد من التدهور والغلاء وتخزين الحبوب، وحدث أن أشيع نقصان النيل فانتشرت الشائعات ، وتوقف البيع ، وبدأ تخزين الحبوب، وأمسك التجار عن توصيل الحبوب للقاهرة، لولا أن لطف الله تعالى بالناس فزاد النيل وتنفس القاهريون الصعداء. وفي ذلك يقول مؤرخنا في أحداث شهر صفر 875 : ( وكثر القيل والقال بين الخلق لعدم زيادة النيل مع أن الباقي عليه إصبع، ثم شاع أنه أوفي فلم يصح، ثم نقص، وبادر الخزانون في الغلال يخزنونها فعليهم من الله ما استحقوه. ولما بلغ ذلك أهل البلاد ( تجار الحبوب الذين يستوردونه من الريف ) مسك الجالبون بيعهم وامتنعوا مطلقاً، وبعد أن كانت المراكب على ساحل مصر وبولاق بالغة، رحلوا عنها إلى طره وما فوقها لينظروا ما يتفق، فقدر الله سبحانه من كرمه أن زاد في يومه وأوفي الستة عشر ذراعاَ وإصبعين من الذراع السابع عشر.).
استمرار الغلاء بسبب حمق المحتسب:
وانتهت أزمة الحبوب وتوافرت في الأسواق، بعد أن عادت سنابل القمح تزدهر في الحقول، ولكن استمر الغلاء في أسواق القاهرة لسبب آخر هو حمق المحتسب يشبك الجمالى.
والغلاء الذى كان في أسواق القاهرة 876، 877 تركّز في المواد الغذائية مثل الخبز والجبن واللحوم وغيرها.. والسبب هو فساد أعوان المحتسب وإفسادهم للأسواق، وقد حدثت جفوة بين السلطان والمحتسب بسبب مشكلة مالية بينهما، فاعتزل المحتسب في بيته وترك الأسواق لأعوانه المفسدين يتحكمون فيها كيف شاءوا.
وابن الصيرفي الذى كان صادقاً في تعبير عن كراهية الناس لذلك المحتسب، يصف الحال الذى عاشته أسواق القاهرة في ذى القعدة 876 يقول : ( إن البلد لها خمسة أيام في أمر مرير وهلع زائد وتشويش مفرط بسبب عدم الخبز في الحوانيت، فإن الباعة صاروا ما يحضرونه لحوانيتهم ، ويبيعونه في الأفران ، فارتاع الناس لذلك ، وكثر الزحام على الأفران، وصار له من عادة بشراء رغيف يشتري ثلاثة، وصِغُر الرغيف جداً مع سواده وفحش صنعته، كل ذلك والمحتسب ــ عزله الله عن المسلمين في أقبح صورة ـــــ مقيم بداره في شممه وغضبه على السلطان، ووكّل بذلك البلاصية، (أى الحرامية) واعوانه الذين يأكلون البرطيل (الرشوة) ببابه ، وأخربوا البلد ، حتى صار كل رسول منهم عنده القماش والبغال والعبي ( العباءات ) والصوف والمسنجب ( ملابس من فرو السنجاب ) وأمثال ذلك ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.).
كان الخبازون يحملون الخبز ليباع في الأسواق، ولكن بسبب حمق المحتسب وفساد أتباعه أتيح لهم أن يصغروا حجم الرغيف وأن يسيئوا صنعه وأن يكتفوا ببيعه في المخبز حيث يتزاحم عندهم الناس طوابير، أى أن الطوابير على الخبز قديمة العهد في القاهرة المحروسة، وهى في الأغلب لسوء الإدارة وفسادها، وكالعادة يتصرف المصريون بتخزين السلع، ومن يحتاج إلى رغيف واحد يشترى ثلاثة، كأن ابن الصيرفي يعيش عصرنا.
والمهم أن أسعار الحبوب هبطت ولكن الأزمة استمرت في الخبز ببركة المحتسب، يقول مؤرخنا: ( ومن أعجب العجائب أن هذا المحتسب من حين ولاه السلطان الحسبة ما كشف البلد بنفسه مرة، فأين هذا من ابن العجمي، ومن قاضى القضاة بدر الدين العينى، الذى ما يرضوه أن يكون طالباً عندهم، كانوا مع ذلك يركبون ويدورون بأنفسهم وينظرون في مصالح المسلمين، رحمها الله، ووصلت البطة الدقيق إلى مائة درهم بعد سبعين، وصار القمح بدينار والشعير بأحد عشر نصفاً، ولعمري هذه المصيبة التى أصابت المسلمين بولاية الحسبة الأتراك (أى المماليك ) ما كان ابتداؤها إلا في زمن المؤيد شيخ، وإلا من أين للأتراك أن يباشروا هذه الوظيفة السنية.). وابن الصيرفي يعلن نقمته على تولية المماليك لوظيفة الحسبة وهى أصلاً للفقهاء والعلماء لأنها داخلة في الوظائف الدينية.
قايتباى يفرض تسعيرة ويصلح الحال:
وظل الحال على ما هو عليه إلى العام التالى 877 . وحدث يوم السبت 3 ربيع الأول 877 أن وصل السلطان للقاهرة من رحلته في الشرقية ، فوقف له العوام بين القصرين يطلبون منه محتسباً لما نزل بهم من التجار والخبازين من تصغير وزن الخبز وزيادة ثمن اللحم النيئ والجبن وسائر السلع الغذائية، هذا مع أن ثمن الأردب من القمح كان مائتي درهم فقط، والأبقار والأغنام رخيصة جداً. ويستمر صاحبنا ابن الصيرفي يصف جشع التجار وكيف يبيعون الرخيص بالثمن الفاحش وكيف أضرّوا بحال الناس، مما جعلهم يقفون للسلطان مرة ثانية بالرميلة، فأمر السلطان الأمير قجماس أمير آخور أن يطلب الخبز وينظر في أمر المسلمين فنزل الأوجاقية وأحضروا له الخبز من الأسواق ليفحص حاله. وفي يوم الثلاثاء 6 ربيع الأول أمر السلطان بأن ينادي في القاهرة بتسعيرة جديدة، أن اللحم الضأن من المعلوف بعشرة دراهم الرطل والصغير كذلك، والمشوى باثني عشر درهماً للرطل ، والمسلوق بأحد عشر درهماً، والتبرمان بأربعة عشر درهماً الرطل، والبقرى المطبوخ بأربعة، واللحم الضانى السليخ بعظمه بسبعة دراهم الرطل، والسميط بستة دراهم، والجبن المقلى بسبعة دراهم والأبيض بخمسة والحالوم بستة والدقيق بستة البطة، والخبز الماوى تسع أواق بدرهم، والرومي ثماني أواق بدرهم. فاطمأن الناس كافة بذلك المناداة، وذلك بعد أن طلب السلطان السوقة ( أى تجار السوق)، بين يديه والطحانين، (أى أصحاب المخابز)، وهددهم بقطع الأيادى والتوسط، ثم رسم للصاحب قاسم الذى هو الآن ناظر الدولة بالتكلم في الحسبة إلى أن يختار بنفسه محتسباً.).
( وفي محرم 875 كان ثمن الرطل من اللحم الضانى بعظمه 9 دراهم فأصبح الأن سنة 877 بسبعة دراهم فقط، وكان الجبن الحالوم بإثنى عشر درهماً فأصبح بستة دراهم فقط، وكان ثمن الجبن المقلى 11 درهماً فأصبح سبع دراهم فقط . ). ونعرف من النص السابق أن الأسواق المصرية في القاهرة كانت تبيع اللحم المشوى والمسلوق من الضأن والبقر بأسعار لا تزيد كثيراً عن اللحم النيئ، فاللحم الضأن المعلوف السمين بعشرة دراهم للرطل أما إذا كان مشوياً فهو بإثنى عشر درهماً، إذا كان مسلوقاً فهو بأحد عشر درهماً، وكان اللحم البقرى النيئ سنة 875 يباع الرطل منه بستة دراهم فأصبح الرطل منه مطبوخاً يباع بأربعة فقط.
وقد ضجّ الناس من جشع التجار ووقفوا للسلطان فتحقق من الأمر ففرض التسعيرة الجديدة، وتبدو عدالتها واضحة. ثم أحضر التجار وأصحاب المخابز بين يديه وهددهم بقطع أيديهم وإعدامهم وتقطيعهم نصفين، بالتوسيط إذا لم يلتزموا بتلك التسعيرة. فالتزموا خوف التوسيط .!!..( ناس تخاف ولا تختشى !...). ثم أوكل لناظر الدولة بالقيام بوظيفة الحسبة إلى أن يعين محتسباً جديداً، وحدث فعلاً أن عين محتسباً جديداً هو القاضى بدر الدين ابن كاتب السر ابن مزهر الأنصاري.
وعموماً فقد كانت الأسعار هادئة ورخيصة في العصر المملوكي الأول حتى أواسط القرن الثامن الهجرى 750هـ فكان أردب القمح بحوالى 15 درهماً، ورطل اللحم بحوالى نصف درهم، ثم بدأ الغلاء يتحرك في الدولة البرجية المملوكية حتى إذا وصلنا إلى عصر قايتباى وجدنا أردب القمح يرتفع إلى أكثر من ألف درهم.. والسبب كثرة الطواعين ونقص الأيدى العاملة.
والفارق بين الدولة المملوكية البحرية والدولة المملوكية البرجية يذكّرنا بالفارق بين دولة العسكر فى عهد عبد الناصر ودولة العسكر فى عصر الواطى الوضيع حسنى مبارك، رأس الاستبداد والظلم والفساد. وحيث يوجد الفساد فلا راحة للعباد. والرخاء والفساد لا يجتمعان أبداً..
ولا يظلم ربك أحداً.
الهوامش
- الهصر: 114، 13، 14، 17، 28، 32، 46.
- الهصر: 125، 152، 159، 162.
- الهصر: 187، 188، 205، 206.
- الهصر: 430، 431، 476، 477.
الفصل السابع : الاحتفالات الدينية فى ظل تطبيق الشريعة السّنية فى عصر قايتباى
تحديد المناسبات برؤية الهلال:
1 ــ في العصر المملوكى كانت تحديد وتوقيت المناسبات الدينية للمسلمين يتم وفقاً لرؤية الهلال بينما كانت أمور الزراعة والفيضان يحسبونها بالشهور القبطية، ونظراً للاعتماد على الرؤية البصرية في تحديد أول الشهور العربية فإنه كانت تحدث اختلافات، وعلى سبيل المثال فقد حدث يوم الخميس 27 ذى الحجة876 أن جاء المبشرون بقدوم الحجاج ووصلوا القاهرة ، وأخبروا أن وقفة عيد الأضحى كانت يوم الاثنين ومتفقة بذلك مع التوقيت القاهري، وكان قد حدث اختلاف في مصر في تحديد أول شهر ذى الحجة 876 بين قائل بأن أوله الأحد وأخر يرى أنه السبت. وكانت قضية هامة يزيد في أهميتها ما عتاده الأشياخ والقضاة من ذهاب لتهنئة السلطان في أول كل شهر عربي. يقول مؤرخناً عن مطلع شهر ذى الحجة 876 : ( أهلّ بيوم الأحد، ومعناه بدأ ، وظهر هلاله يوم الأحد، ويوافقه السادس عشر من بشنس القبطي، لأن ذا القعدة جاء تماماً، ثم ثبت بعد ذلك أن أوّله السبت ، ووصل الخبر بذلك إلى المحلة في يوم الثلاثاء ثالثة بعد الظهر، وأخبر السلطان بذلك . ). لم تكن هناك إذاعة لاسلكية تنشر الأخبار وقت حدوثها، لذلك علم السلطان ثالث يوم العيد أن أهل المحلة قد اعتبروا عيد الأضحى يوم السبت لا الأحد، وبالتالى فإن المسلمين في سائر الأقاليم والأقطار كانوا يختارون التوقيت في الأعياد حسبما يرون، وحسب الظروف، وما كان أسهل عليهم لو اعتمدوا الحساب الفلكي الذى لا مجال فيه للخطأ.
2 ــ ونعود إلى مؤرخنا ابن الصيرفي وهو يتحدث عن صعود المشايخ لتهنئة السلطان بهلال أول الحجة، وقد كان معهم، يقول فيه : ( صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر على العادة، وكنت صحبتهم . وهنّوه على المصطبة المستجدة أخر الحوش السلطانى، فطلب قاضى القضاة الحنفي من السلطان عيوناً ( أى نظّارة للعين ) شُغل الفرنج التى يُنظر بها للكتابة ، كانوا أحضروا له منها بعدة، فأجابه: هذا الذى طلبته مفضضاً ( أى مصنوع من الفضّة ) وأنت ما يجوز لك استعمال ذلك، فما ساعة إلا السكوت، وكلح من الرد عليه بحضور رفقته، فليت شعرى ما الملجئ في ذلك.؟!! ). في اجتماعهم بالسلطان طلب قاضى القضاة الحنفي محب الدين بن الشحنة من قايتباى بكل صفاقة أن يعطيه السلطان نظّارة ، وكان قد جيء للسلطان ببعض النظارات من بلاد الفرنجة، وعلم بذلك ابن الشحنة فطمع في الحصول على واحدة منها، ورفض السلطان أعطاءه ما يريد، وأفحمه بأن تلك النظارات قد طلوها بالفضة، ولا يجوز للقاضى أن يرتدى الذهب والفضة، فاضطر صاحبنا للسكوت ولم يستطع الإجابة، ويعلق مؤرخنا على شيخه الصفيق قاضى القضاة فيقول: ( كلح من الرد عليه بحضور رفقته، فليت شعرى ما الملجئ له في ذلك.؟!).
ويقول مؤرخنا عن هلال شهر ربيع الأول 876 : ( أُختلف في إثباته إختلافاً زائدا ، فشهد جماعة من المؤقتين ( أى أصحاب التوقيت)، عند القاضى الشافعي برؤيته ليلة الأحد فما قبلهم، (أى ما قبل شهادتهم ) ، وصعد يوم الاثنين لتهنئة السلطان بالشهر ورفقته قضاة القضاة وكنت معهم، فلما جلسوا وهنّوه بالشهر قال له السلطان نصره الله : "الشهر من البارح "، فأخذ عنه القاضى الحنفي في الجواب فقال السلطان: أنا رأيته الليلة الماضية وهو كبير، فقال القاضى المالكي: الكبر ما هو شرط .وانصرفوا، ثم أنى رأيت يوم الاثنين قصة ( أى شكوى ) بخط القاضى الشافعي مؤرخة بثالث ربيع الأول ، فعلمت أن القاضى الشافعي أثبت الشهر كما قال السلطان.). فالسلطان كان ــــ ولا يزال ــــ هو المرجعية فى تحديد الشهور العربية طبقا للشريعة السّنية . يرى هلالها فقهاء السلطان كما يريد السلطان ، أى إن الشريعة السّنية أعادت النسىء الذى كان فى الجاهلية ..ولا يزال هذا سائدا فى السعودية منبع الوهابية السّنية .
النسىء السّنى في الأشهر العربية:
وبالإضافة إلى اختلافات الرؤية للهلال كانت هناك معتقدات أخرى تؤثر على تحديد أول الشعر العربي، فقد كان الاعتقاد السائد أنه إذا جاء العيد يوم الجمعة وأقيمت خطبتان في ذلك اليوم (خطبة للعيد وخطبة للجمعة) كان ذلك مؤذناً بهلاك السلطان ومجيء سلطان أخر، لذا كان القضاة يجتهدون في إخفاء رؤية الهلال إذا ترتب عليها مجيء عيد الفطر أو عيد الأضحى يوم الجمعة.
وفي ليلة الثلاثين من شهر رمضان 875 توجه القضاة إلى مدرسة المنصور قلاوون لرؤية هلال شهر شوال وتحديد أول أيام عيد الفطر، واتفقوا على أنهم لم يروا الهلال حتى لا تكون خطبتان يوم الجمعة، يقول مؤرخنا في ذلك: ( ولم يُر الهلال ، وهو المقصود الأعظم ، لئلا تكون خطبتان في يوم فيكون ذلك بزعمهم على السلطان غير مشكور. فلا قوة إلا بالله.!!). وعلى ذلك جعلوا هلال شوال يوم السبت وجعلوا عيد الفطر يوم السبت، وتلاعبوا بالصيام وشوال تقرباً للسلطان. وفي عيد الأضحى 885 تكرر نفس العمل، وثبت بعدها أن أول ذى الحجة كان ينبغى أن يكون يوم الأربعاء، ولكنهم لم يفعلوا ذلك حتى لا يكون عيد الأضحى يوم الجمعة، يقول صاحبنا : ( وثبت شهر تاريخه بعد ستة أيام أن أوله الأربعاء، وعلى هذا يكون عيد النحر يوم الجمعة ويخطب فيه بخطبتين.). وذلك ما لم يحدث بالطبع.
مظاهر الاحتفال بعيد الفطر وعيد الأضحى:
1 ــ ويصف مؤرخنا بعض مظاهر الاحتفال الرسمي بعيد الفطر 876، يقول عنه: ( أهلّ بيوم الأربعاء ، ويوافقه من أيام الشهور القبطية خمس عشر برمهات، وهذا أول يوم من الربيع. فيه صعد قضاة القضاة إلى السلطان فصلوا صلاة العيد بالإيوان الذى جدّده بالقرب من باب القصر . وكنت في خدمة قاضى القضاة الحنفي . ودخلت القصر،فحضر السلطان، وكان له موكب عظيم، الجاويشية تزعق والأوزان تضرب، والنشابه السلطانية والصنوج وأمثال ذلك، والعسكر والأمراء الأكابر خلفه ، وهم الأمير جانبك قلقسيز أمير سلاح والأمير لاجين أمير مجلس والأمير جانبك بن ططخ الفقيه أمير أخور والأمير تمر حاجب الحجاب، والأمراء أزدمر الطويل والأمير قراجا الطويل والأمير قانصوه المحمودى والأمير سودون، وبقية العسكر والأمراء يقبلون يد السلطان ، وأمير جندار وأمير داودار ثانى يمسكانهم حتى يقبلوا يد السلطان. ودخل قضاة القضاة بعد لبس خلعهم وهنّوه فقام لهم، ولم يقم لأحد من الترك (المماليك) في هذا المجلس سوى للأمير جانبك الإينالى الشرفي الشهير بقلقسيز نصف قومة. ودخل المباشرون وبقية العسكر فهنّوه وقبّلوا الأرض وباسوا يده ، وانصرفوا على ذلك . والله مالك الممالك.).وواضح مما سبق أن السلطان جعل لعيد الفطر احتفالاً موسيقياً عسكرياً، وإن لم يخل من تقديس فرضته الطقوس المملوكية وباركته الشريعة السّنية في تقبيل الأرض بين يدى السلطان، أى كانوا يسجدون سجوداَ كاملاً أمام السلطان، وقد كان ذلك يحدث دائماً وفي أثناء المناسبات الدينية وبعد أن سجدوا لله تعالى في صلاة العيد، جاءوا ليسجدوا للسلطان ويقبلوا الأرض بين يديه، وأحيط ذلك بطقوس مملوكية حربية من دق الصاجات والطبول وصراخ الجاويشية لترتجف القلوب وهى تدخل ذلك الإيوان الجديد الذى بناه السلطان.
2 ـــ وكان ذلك يحدث بالطبع في صلاة عيد الأضحى، إلا أن عيد الأضحى تميز بأنه عيد الأضحية ، حيث يقوم السلطان بذبح الأضاحي وتوزيعها على أرباب المناصب وبعض فقراء القاهرة، وكان الرؤساء والأمراء يقلدون السلطان في ذلك. وفي عيد الأضحى 873 كان السلطان في فارسكور، فلم يتم توزيع الأضاحي في القاهرة بسبب غياب السلطان ، وكان ذلك من أسباب الهم والغم في القاهرة، يقول مؤرخنا يعبر عن حزنه وحزن الآخرين: ( هذا والناس بالقاهرة في أمر مريج وقلق عظيم لعظم الغلاء ومخافة السبل والطرقات ، والمصيبة العظمي حزنهم على من مات لهم بالطاعون قبل تاريخه، والزيادة على ذلك قطع ( أى منع ) أضاحى الناس لسفر السلطان لأن المباشرون قطعوا ( منعوا ) غالب الأضحية، ولم يفرق أحد في هذه السنة من الرؤساء والأمراء شيئاً من الأضاحي اقتداءاً بغيبة لسلطان نصره الله، وكان هذا العيد أشبه شيء بالمأتم لما طرق الخلق من الحزن والكآبة وقبض الخاطر، وافتقر بسبب هذا الغلاء خلائق من الأعيان وغيرهم لطول مكثه. ). أى لأنّ السلطان بالديار المصرية أى بالأقاليم فلم يجد ابن الصيرفي في العيد إلا مأتماً لأن السلطان غائب وأضحياته ضاعت فضاعت بهجة العيد.
وفي عيد الأضحى 875 فرّق السلطان الأضحية على المستحقين من أرباب الوظائف، وخلع السلطان على ناظر الخاص الذى قام بتفرقة الأضحية، ( وشكر الناس ودعوا للسلطان بسبب ذلك.). وفي عيد الأضحى 875 سافر الأمير قانصوه الخسيف من القاهرة، ويعلق مؤرخنا على ذلك فيقول: ( كأنه هرب من تفرقة الأضحية، وفرق السلطان نصره الله، الأضحية على المماليك السلطانية وغيرهم ، فجزاه الله خيراً.). وفي عيد الأضحى 885 فرّق السلطان الأضاحي، يقول مؤرخنا : ( وذبح فيه السلطان. ونحر ذبائح عظيمة وفرّق فيه من قبله أضاحي من أول هذا الشهر بجمل من الأموال ، ولم يعط المباشرون فيه لأحد عادته كما رسم لهم. )، أى أن السلطان كان يوكل للمباشرين تفرقة الأضاحى، ويقوم المباشرون باختلاس الأضحية وحرمان المستحقين . وهى عادة مصرية سيئة.
الدعم لا يصل إلى مستحقيه:
ويقول مؤرخنا يعطي تفصيلات أكثر:( وفُرّقت أضحية السلطان ــ نصره الله ـــ في هذه السنة بحضوره في الحوش السلطانى على الخاص والعام ، من أمير المؤمنين ( الخليفة العباسى الذى كان يقيم فى القاهرة ) دام شرفه ، وقضاة القضاة ، حتى إلى اليتيم والأرملة والضعيف والفقير والفقية والعاجز والمسكين . وذلك بوصية السلطان في ذلك. ). وهذا كلام جميل يطمئننا على أن الفقراء أكلوا لحماً فى ذلك العيد، ولكن لا يلبث مؤرخنا أن يناقض نفسه فيقول : ( غير أن الفقهاء والفقراء يقاسون من ديوان الخاص من الشدائد والتعب أمراً عظيماً، وذاك أن المتكلم في هذه السنة في وظيفة الخاص وكيل السلطان علاء الدين إبن الصابوني رسم له السلطان أن لا يعوّق أحداً، فصاروا يأخذون الوصول،ثم يأخذون خط ابن الصابوني ثم يتوجهون إلى الصيرفي فلا يعطيهم إلا فلوساً. وأما أصحاب الجاه الأقوياء فيأخذون ذهباً وفضة وغنماَ، بل ويرسلون إلى بيتهم من غير مطالبة . ). كانوا يصرفون الدعم في وصل أو بطاقة يتسلمها أحدهم وعليها توقيع وكيل السلطان ابن الصابوني، ويذهب بالوصل إلى الموظف المختص بالصرف، فإذا كان صاحب الوصل فقيراً صرف له قليلاً من الفلوس، أما إذا كان من أصحاب الجاه وذوى النفوذ أخذ بذلك الوصل الذهب والفضة والغنم، بل أرسلوه إلى بيته بدون أن يحضر إلى الصرّاف.إنّها (الدولة العميقة) فى مصر!.العميقة العريقة فى فسادها وتسلّطها وتحكم كبار موظفيها فى الشعب المسكين. ومن سنّتها أن يذهب الدعم إلى غير مستحقيه.
المولد النبوي السلطانى:
وكانت الدولة المملوكية تحتفل بالمولد النبوي رسمياً. يقول ابن الصيرفي في سنة 873 حيث كانت أزمات الطاعون والغلاء : ( وفيه عمل السلطان ــ نصره الله ــ المولد النبوي الشريف ــ على من منسوب إليه أفضل الصلاة والسلام ــ بالحوش السلطانى من قلعة الجبل على العادة في كل سنة. وكان مولداً عظيماً إلى الغاية وسماطاً ملوكياً وعظمة زائدة. ). أى لم يتأثر بظروف الطاعون والغلاء وقطع النفقة عن الناس. وفي العام التالي 874 أعطي مؤرخنا بعض التفصيلات عن مولد النبي، يقول: ( وفيه عُمل المولد السلطانى بالحوش على العادة ، وصعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام، وحضر الأمراء المقدمون، وحضر غيرهم من أمراء الطبلخانات والعشرات وغيرهم، ومُدّ السماط العظيم على العادة ، وعند الفراغ من صلاة المغرب توجه قضاة القضاة والمشايخ ..وخلعت الشقق،( أى الكسوة ) على القرّاء والوعاظ. وكان مولداً عظيماً جليلاً.).
وقوله عن المولد النبوي وفيه عمل ( المولد السلطاني ) يعنى المولد النبوي الذى كان يقيمه السلطان. ذلك أن المصريين كانوا يقيمون موالد نبوية شعبية، ويتقدمهم في ذلك مشايخ الطرق والأولياء الصوفية، وكما كان المولد النبوي السلطانى في خدمة الوجاهة السلطانية كذلك كان المولد النبوي الصوفي في خدمة الدعاية للشيخ الصوفي الذي يقيمه، والوحيد الذى لم يكن له فى هذا المولد أدنى فائدة هو النبي عليه الصلاة والسلام نفسه. وأقيم المولد النبوي لسنة 875 يوم الأحد 12 ربيع الأول، يقول فيه أن ابن الصيرفي : (عُمل المولد السلطانى بالحوش على العادة فحضره القضاة الأربعة والمتقدمون الألوف بتمامهم وكمالهم لم يتأخر منهم سوى يشبك جن في البحيرة ، وحضر نائب الشام برقوق ، وجلس رأس الميسرة .ومُدّ السماط على العادة فكان أمراً عظيماً، وتوجه القضاة بعد المغرب . واستمر الأمراء المقدمون إلى أن انتهى الوعاظ على العادة.).أى كان الأمراء يحضرون المولد النبوى طبقاً لمراتبهم العسكرية. واستمر الأمراء إلى نهاية الحفل يسمعون خطب الوعاظ وإنشاء القراء من المشايخ. وسنة 876 : ( عُمل المولد النبوى) الرسمي يوم الأحد 15 ربيع الأول ( على العادة وحضر قضاة القضاة والأمراء والألوف الموجودون بالقاهرة، وهم ثمانية أنفار، خلا قراجا الطويل فإنه لم يحضر ، وكان مولداً عظيماً وسماطاً حافلاً وهيئة عظيمة..). هكذا قال صاحبنا.
وذكر ابن الصيرفي تفصيلات المولد النبوي الرسمي لسنة 877 الذى أقيم يوم الأحد ربيع الأول يقول: ( كان المولد النبوي الشريف السلطانى بقلعة الجبل على عادته ومستقر قاعدته، وحضره قضاة القضاة والأمراء والأكابر.) وبعد أن ذكر أسماء الأمراء الذى حضروا بترتيبهم ورتبهم وألقابهم، تحدث عن السماط ومد السماط على العادة" ( فكان هائلاً رائعاً في الحسن والنظافة والزهارة، فأكل السلطان وقضاة القضاة ونوابهم، وكنت معهم . والأمراء الألوف قائمون على أقدامهم خدمة للسلطان نصره الله ، ثم قام القضاة ونوابهم ، وجلس الأمراء المقدمون موضعهم .ثم انصرفوا، وقدموا المشروب أنواعاً فشربواً، أى أكل السلطان والمشايخ أولاً وتبعهم الأمراء والمماليك ثم شربوا أصناف المشروبات.). وفي هذه السنة أعلن السلطان تبرعه بستين ألف دينار ذهباً ليشترى بها وقفاً ينفق منه سنوياً على فقراء المدينة المنورة. وقد حدث يوم الجمعة 9 ربيع الأول 877 قبيل المولد النبوي أن هبت ريح شديدة من رياح الخماسين أسقطت بعض المساكن الآيلة للسقوط، وكان السلطان قد نصب خيمة المولد النبوي بالحوش السلطانى، فأسقطتها تلك الرياح، فاحتاج السلطان إلى نصب خيمة جديدة كانت أصغر من السابقة.
دوران المحمل:
1 ــ ولا نزال نحتفل بالعيدين والمولد النبوي رسمياً وشعبياً، ولكن ثمة مناسبة دينية انقرضت، وهى دوران المحمل. والمماليك هم الذين ابتدعوا تقليد سفر المحمل منذ أول عهدهم بالحكم حيث تتزين القاهرة لدوران المحمل. واحتفال دوران المحمل يتكون من فريق من الرمّاحة ( حاملى الرماح ) يرتدون الزى الأحمر ويلعبون بالرمح ، ويتقدمهم رئيسهم ، ولقبه المعلم ، ورتبته أمير مائة مقدم ألف، ومعه أربعة معاونين رتبة كل واحد منهم باش ورتبته أمير طبلخانه، ومعهم أربعون فارساً، يلعبون بالرمح أمام السلطان، ثم ينزلون ليقبلوا الأرض بين يدى السلطان . وأول من أحدث تقبيل الأرض بين يدى السلطان فى إحتفال المحمل كان قايتباى نفسه عندما كان أميراً تابعا للسلطان خشقدم، والعادة أن يعقد السلطان هذا الحفل في شهر رجب.
2 ــ وفي عهد السلطان قايتباى كان هناك احتفال بخروج المحمل مع الحجاج إلى مكة، وقد خلع السلطان بإمارة الحجاج على الأمير يشبك الجمالى، الذى تولى الحسبه فيما بعد، واستقر أمير الحاج للركب الأول وذلك يوم الخميس 25 ربيع الأول 873، وتجدد هذا التعيين يوم الخميس 28 ربيع الأول 874 مع تعيينه محتسباً للقاهرة، ثم تجددا هذا التعيين يوم الاثنين 19 ربيع الآخر 875، يقول مؤرخنا: ( خُلع على يشبك الجمالى محتسب القاهرة ، واستقر أمير المحمل على عادته . ).
3 ــ وفي سلطنة قايتباى كان ركب الحجاج يتحرك في شوال. ففي يوم الاثنين 19 شوال 873 خرج ركب الحاج يقوده يشبك الجمالى والأمير يشبك جن . وكان من الحجاج السلطان السابق عثمان بن جقمق، ثم عاد الحجاج إلى مصر يوم الاثنين 11 محرم 874 . وقد قبّل أمير الحاج الأرض أمام السلطان فخلج عليه. وخرج ركب الحاج يوم السبت 19 شوال 874 يقوده المحتسب يشبك ثم الأمير أقبردي ثم عاد الركب يوم الجمعة 21 محرم 875.
4 ــ ويذكر ابن الصيرفي بعض التفصيلات عن خروج محمل الحجاج يوم الخميس 20 شوال 875 ( خرج المحمل والقضاة في خدمته ونوابهم والفقراء، (أى الصوفية من سائر الطوائف)، وأمير الحاج يشبك الجمالى المحتسب مملوك الصاحب جمال الدين يوسف بن كاتب حكم وأميرالأول،( أى الركب الأول)، أقبردى الظاهرى.ولبسا خلعها. وتأخر طلوعهما في هذه السنة إلى بركة الجب ( بركة الحاج ) حيث اعتادوا الحجاج التحرك منها عن العادة بثلاثة أيام، وسبب ذلك خوفاً على الغلمان الذين توجهوا في خدمة عظيم الدنيا الداودار الكبير وغيره من الأمراء المجردين لقتل شاه سوار لئلا يهربوا صحبة الحجاج، وأقام الأول (أى الركب الأول) بالبركة إلى يوم الجمعة حادى عشر بعد الصلاة، فرحل إلى البويب، ورحل بعده المحمل صبيحة يوم السبت ثانى عشر، وحصل على الحجاج تشويش كبير برحيله، فإن العادة إذا رحل الأول بعد صلاة الصبح يرحل المحمل غد تاريخه بعد الظهر، فرحل هذا من الصبح الأكبر. فلا قوة إلا بالله.).
ويوم السبت 18 شوال 876 : ( دار المحمل من الرميلة ، والسلطان يشاهده من قصره ، وركب معه قضاة القضاة ما عدا المالكي، وأمير الركب الأول الجناب الشهابى أحمد بن الأتابك تنبك، وأمير المحمل برسباى استادار الصحبة، وخلع عليهما على العادة، واستقر برسباى المذكور عوضاً عن يشبك الجمال، وأحمد عوضاً عن أقبردى. واستراح الحاج بل وبيت الله منهما، أعنى من يشبك وأقبردى لسوء سيرتهما وظلمهما وكبرهما وشممهما وسوء أخلاقهما .قبحهما الله وأهلكهما.) . هكذا يقول إبن الصيرفى .
وكان يتوجه مع ركب الحجاج أحد القضاة، وفي ذلك العام كان قاضى الركب أبا الحجاج الأسيوطى.
الهوامش
- الهصر: 436، 444، 332، 265، 494.
- الهصر: 416، 74، 291، 495، 491.
- الهصر: 21، 140، 213، 334، 478، 481.
- الهصر: 29، 221، 66، 122، 142، 196، 277، 278، 422، 423.
الفصل الثامن : تقديس البخارى المصدر الأساس للشريعة السّنية فى عصر قايتباى
الاحتفال السنوى بتلاوة البخارى : ( ميعاد البخارى)
قيمة البخارى في العصر المملوكى :
1 ـ ( صحيح البخارى ) كان ــ ولا يزال ــــ الكتاب المقدس للشريعة السنية للعصر المملوكى ، والتى يريد الاخوان المسلمون والسلفيون الوهابيون تطبيقها فى مصر الآن ليستعيدوا ما كان يعانيه المصريون فى عصر قايتباى طبقا لما نذكره فى هذا الكتاب ، وهى الشريعة التى يتم تطبيقها الآن فى الدولة السعودية ، محور الشّر فى العالم المعاصر .
2 ـ ( صحيح البخارى ) هو مجرّد( صنم فكرى ) فى علاقته بتطبيق الشريعة السّنية فى العصر المملوكى الذى كان يتم بقضاة القضاة الأربعة، والذين لم يتقيّدوا بنصوص البخارى ، بل حتى لم يتقيّدوا بنصوص مذاهبهم فالحكم كان بالهوى وبالرشوة وبالفساد وبرضا السلطان وأهوائه . والقاضى يقوم بدورين : التشريع ، أى يصيغ الحكم ، والقضاء أى يقضى به . وليس للبخارى شأن فيما يحكم به . وحتى لو أرادوا التقيد بما فى البخارى فهو فى نهاية الأمر يعبّر عن ظروف عصره فى الدولة العباسية فى القرن الثالث الهجرى ، وهى ليست نفس ظروف العصر المملوكى وسلاطينه وثقافته ومفاهيمه .
3 ـ و( صحيح البخارى ) هو أيضا مجرّد صنم فكرى بالنسبة للدراسات التى أقيمت حوله فى العصر المملوكى أو عصرنا البائس . فالذين يهيمون فى البخارى تقديسا من العوام وفقهاء العوام لا يفقهون شيئا فى كتاب البخارى، هو مجرد تقديس دون علم أو عقل شأن المعتاد لدى المشركين .
4 ــ لم تكن لكتاب البخارى كل هذه القدسية فى العصر العباسى فقد تعرّض البخارى للنقد والاستدراك عليه ، وتابع أئمة الحديث التأليف بعده مخالفين له فى إثبات حديث أو نفيه. ولو كان البخارى هو القول الفصل فى الدين السّنى لما جرؤ أحد على التأليف بعده، ولكن تكاثرت مؤلفات العصر العباسى فى الحديث منفصلة عن البخارى مستقلة عنه .
5 ــ إختلف الوضع فى العصرين المملوكى والعثمانى، حيث تكاثر( المريدون ) حول صنم البخارى يطوفون حوله تقديسا وتمجيدا وشرحا وتفسيرا وترتيلا ، و تمت إضافة صنم البخارى الى أصنام صوفية أخرى حجرية من القبور المقدسة ، أو بتعبير آخر كان هناك ( صحيح البخارى أو ضريح البخارى ) جنبا الى جنب مع آلاف الأضرحة والقبور المقدسة ، وحول ضريح البخارى والأضرحة الأخرى يطوف المجاذيب والمريدون تقديسا وتبركا بطرق مختلفة ، ولكن تتفق كلها فى غياب العقل وعداء الله جلّ وعلا ورسوله عليه السلام.
6 ـ تضاءل فى العصر المملوكى الفارق بين ( العالم المحقّق ) مثل إبن حجر العسقلانى والعينى و السخاوى وبين أوباش ومجاذيب الصوفية فيما يخص تقديس البشر؛ هذا يقدّس كتابا ( صحيح البخارى ) وذاك يقدّس وليا صوفيا حيّا أو مقبورا ، والفريقان معا فقدا العقل والايمان بالاسلام وحتى بكرامة الانسان التى تجعله أفضل من الحيوان .
السبب أنّ سيطرة التصوف بدءا من القرن السابع الهجرى الثالث عشر الميلادى هبطت بمستوى الفقهاء السنيين الى مرتبة التقليد ، وجعلت السّنة تابعة للتصوف ، وفق هذا المزيج المشوّة المسمى بالتصوف السنى ، والذى يحصر السّنّة فى العبادات والتطبيق المظهرى الأحوال الشخصية للقضاة المذاهب الأربعة وتقديس أئمة الحديث ( خصوصا البخارى ) وأئمة المذاهب ، مقابل التسليم للتصوف وكراماته وأوليائه وخرافاته . هذا التسليم أوالتقليد قام بتحويل (تقدير) أئمة الحديث والفقه الى (تقديس)، برعاية التصوف ، الذى خصّ البخارى بالذات لأن كتابه تضمن بعض الأحاديث التى تعلى وتقدّس الأولياء الصوفية مثل حديث ( من عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب ) وهو الحديث الذى يسوّغ عقيدة الاتحاد الصوفية ( كنت يده التى يبطش بها ..الخ ). وإذا كان مألوفا فى هذا العصر تقديس البشر والحجر وتأليه المجانين ( المجاذيب ) فمن الأسهل تقديس الأئمة السابقين ، حيث غاب العقل فى أجازة مفتوحة مفسحا الطريق لأن تتحول الخرافات الى كرامات .
7 ــ ومن الطبيعى بعدئذ أن يقام إحتفال يستمر شهر رمضان ـ ليس لتلاوة القرآن الذى نزل فى رمضان ، ولكن لترتيل البخارى والتبارى فى حفظ واستظهار ما فيه من أحاديث بمتونها وسندها . ومثل تعاملهم مع القرآن بالتفسير فقد وضعوا فى العصر المملوكى شروحا وتفاسير للبخارى إزدادت بمرور الزمن، حيث دارت الحركة ( العلمية ) حول صحيح أو ضريح البخارى،. ويطول بنا إستعراض المؤلفات فى هذا المضمار ، ولكن نعطى أمثلة سريعة :
فالمؤرخ المحدّث الفقيه الحافظ قاضى القضاة شهاب الدين إبن حجر ( 773 : 852 ) كتب ( فتح البارى فى شرح صحيح البخارى) فى 15 جزءا ، وقد ظلّ يؤلفه 20 عاما، وله أيضا ( تغليق التعليق فى وصل معلقات البخارى.) . ومثله بدر الدين العينى 762 : 855 : كتب ( عمدة القارى فى شرح صحيح البخارى ) وأيضا استغرق العيني في تأليفه عشرين سنة.وشهاب الدين القسطلانى الذى شهد عصر قايتباى ومات بعد عامين من سقوط الدولة المملوكية ( 851 : 923 ) له كتاب :( إرشاد السارى فى شرح صحيح البخارى )، وله فى ميعاد البخارى كتاب:( تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري). والمؤرخ المحدّث الحافظ شمس الدين السّخاوى ( ت902 هـ) له:(عمدة القاري والسامع في ختم الصحيح الجامع ). وكتاب السخاوي هذا يعتبر من أهمّ المصنفات المعروفة بكتب الختم عن موضوعنا:( ميعاد البخارى) ، ومنها العناوين الآتية :( مجالس في ختم صحيح البخاري)( كتاب تحفة القارئ عند ختم صحيح البخاري)( بداية القارئ في ختم صحيح البخاري ) و( شرح ختم صحيح البخاري).أمّا بقية الكتب التى عكفت على صحيح البخارى نفسه فى العصر المملوكى فهى كارثة مؤلمة يطول حصر عددها ، ولكنّ الذى ننبّه له هنا أن كل هذا التأليف لا يعدو أن يكون تهريجا وتهجيصا، فقد تغافل الجميع فى رقصهم المحموم حول صنم البخارى عمّا جاء فيه من طعن فى رب العزة والرسول عليه السلام والقرآن ودين الاسلام. وبعض(المحققين) كانت سقطته أكبر من بقية (المغفلين)، فأولئك ( المحققون) بذلوا جهدهم فى التأويل والتلفيق والتعليل واللّف والدوران سترا لعورات البخارى وتعصبا له ضد رب العزة والرسول عليه السلام .
8 ـ والطريف أننا حين بدأنا فضح البخارى فى ندواتنا ومؤلفاتنا بعد قراءة متعمقة له فوجئنا بأن أكثر الناس تعصبا للبخارى فى ( الأزهر ) وخارجه لا يعرفون عنه شيئا ، بل المضحك أنهم أيضا فوجئوا بما نستشهد به من أحاديث البخارى التى تطعن فى الاسلام ورب العزّة جل وعلا ورسول الاسلام عليه السلام،وكان تعبيرهم عن هذه المفاجأة إضطهادا وسبّا وشتما لا يزال ينهال علينا. ومن يشاهد برنامجنا ( فضح السلفية ) الذى يستعرض فضائح وآثام البخارى يتأكّد من هذا ، ويستغرب كيف لم يلتفت الى هذه الفضائح البخارية أولئك الذين أنفقوا أعمارهم فى العصرين المملوكى عاكفين حول البخارى تقديسا وترتيلا وتأليفا. وهذا يؤكّد أن تقديس البشر والحجر يضع حجابا على العقل فيجعل الانسان يفقد التمييز ، بل يجعله فى مرتبة أقلّ من الحيوان . وصدق الله جل وعلا : (أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) ( الفرقان )
9 ــ هذه مقدمة لملمح هام من ملامح عصر قايتباى ، وهو ( ميعاد البخارى ).
ميعاد البخارى فى عصر قايتباى كما جاء فى ( إنباء الهصر ) لابن الصيرفى
1 ــ كان ميعاد البخارى أحد المناسبات الدينية في أيام قايتباى وفي المقابل لم يكن هناك ميعاد لقراءة القرآن الكريم أو احتفال بأى كيفية بختمة كما كانوا يفعلون عند ختم البخارى. ولم يكن الاهتمام بتلاوة البخارى وختمه مقصوراً على السلطة المملوكية بل تعداه إلى العلماء، وأولئك العلماء كان منهم أصحاب سلطة ونفوذ مثل الشيخ كمال الدين النويرى ت873 الذى كان يعقد ختماً للبخاري على حسابه الخاص، يقول عنه ابن الصيرفي : ( قرئ عليه صحيح البخارى في الأشهر الحرم، وكان يختم البخارى بالأزهر، ويصنع يوم الختم أموراً كثيرة من الخلع والإحسان للطلبة خارجاً عن المأكل والمشرب ، وكذلك كان يفعل بمكة.) .
2 ــ والآخرون من العلماء كان لهم ارتباط آخر بالبخارى، كان إرتباطا نفعيا ماديا يمثل لهم مورداً اقتصادياً ثابتاً يتمثل في (صُرّة البخارى) أو المنحة التى يأخذونها كل عام بسبب حضورهم ميعاد البخارى وختم البخاري، فالشيخ برهان الدين الحلبي ت875 ( رتّبوا له ( أى جعلوا له راتبا ) في الميعاد البخارى صُرّة بألف درهم في كل سنة، وكان السلطان يحسن إليه بالذهب وبإهدائه الكتب مثل كتاب البخارى). وحين مات ابن التنسي في شوال 875 توارث العلماء مناصبه وكان منها (صُرّته في البخارى )،يقول مؤرخنا:( فأخذ صُرّته في البخارى عمر بن موسى اللقانى ، وقيل أن ابن اللقاني أخذ الجوالى أى المرتبات والشيخ عباس المغربي المالكي أخذ صُرّة البخارى.). لذلك كان يقول ابن الصيرفي يعبر عن حزن العلماء في شعبان 875 :( كان القصر بطالاً من الخدمة ولم يُقرأ البخارى )، أى تعطل ميعاد البخارى وقتها فأصبح القصر السلطانى بطالاً.
3 ــ وبعض مشاهير القرن التاسع كان له ( منصب ورزق وصرة في البخارى.). فابن الحفار الواعظ ت 876 أشهر القراء والمنشدين في عصره ( كان مرصداً لإنشاد المديح في ختم البخاري عند شيخ الإسلام ابن حجر) العسقلانى . والبقاعي أحد علماء الحديث وخصم الصوفية اللدود قال عنه مؤرخنا أن القاضى ابن حجر العسقلانى رقّاه حتى جعله قارئ البخارى في القصر بقلعة الجبل بحضور السلطان في دولة الظاهر جقمق وكان يثني على قراءته وفصاحته.
بداية الاحتفال بميعاد البخارى:
1 ــ وقد بدأ الاحتفال بميعاد البخاري لأول مرة في سلطنة الأشرف شعبان، وذلك يوم الاثنين أول رمضان 775، أى قبل عصرنا بنحو قرن كامل، ويقول المقريزي في تاريخ ذلك اليوم : ( وفيه استجد السلطان عنده بالقصر من قلعة الجبل قراءة كتاب صحيح البخارى في كل يوم من أيام شهر رمضان بحضرة جماعة القضاة ومشايخ العلم تبركاً بقراءته لما نزل بالناس من الغلاء، فاستمر ذلك وتناول قراءته شهاب الدين أحمد إبن العرياني وزين الدين عبد الرحيم العراقي لمعرفتهما علم الحديث، فكان كل واحد يقرأ يوماً.). ثم حدث تطور في طقوس ميعاد البخارى، شرحها المقريزي في أحداث شهر شعبان 827هـ يقول : ( وفيه ابتدئ بقراءة صحيح البخارى بين يدى السلطان، وحضر القضاة ومشايخ العلم .) إلى أن يقول: ( وكانت العادة من أيام الأشرف شعبان أن يبدأ بقراءة البخارى أول يوم شهر رمضان.. ويختم في سابع عشرينه ويخلع على قاضى القضاة ويركب بغلة رائعة تخرج له من الاسطبل السلطانى، ولم يزل الأمر على هذا حتى تسلطن المؤيد شيخ فابتدأ القراءة من أول شهر شعبان إلى سابع عشرين من شهر رمضان، وطلب قضاة القضاة الأربع ومشايخ العلم وتحرر عدة من الطلبة يحضرون أيضاَ فكانت تحدث بينهم بحوث يسيء بعضهم فيها إساءات منكرة، فجرى السلطان الأشرف برسباى على هذا واستجد حضور المباشرين وكثر الجمع وصار المجلس جميعه صياحاً ومخاصمات يسخر منها الأمراء وأتباعهم.) . أى تحوّل الحفل الى تهريج وتهجيص يعبّر عن مضمون البخارى ، ثم ما لبث التهريج والتهجيص فى عصر الأشرف برسباى أن تحول فى عصر قايتباى الى خصام وخناقات بين ( الشيوخ والفقهاء و العلماء ).
خناقات في ميعاد البخاري:
1 ــ من أكثر من ثلاثين عاما قبل إبن الصيرفى إنتقد شيخ المؤرخين المصريين المقريزي فى تاريخ (السلوك) ما كان يحدث في ختم البخارى فيقول عن أحداث الأربعاء 23 رمضان 841 :( ختمت قراءة صحيح البخارى بين يدى السلطان بقلعة الجبل، وقد حضر قضاة القضاة الأربع وعدة من مشايخ العلم وجماعة من الطلبة كما جرت العادة من أيام المؤيد شيخ،) ويقول المقريزي منتقدا ما كان يحدث:( وهو منكر في صورة معروف ، ومعصية في زى طاعة ، وذلك أنه يتصدى للقراءة من لا عهد له بممارسة العلم ، لكنه يصحّح ما يقرأه ، فيكثر لحنه وتصحيفه وخطؤه وتحريفه، هذا ومن حضر لا ينصتون لسماعه، بل دأبهم دائماً أن يأخذوا في البحث عن مسألة يطول صياحهم فيها حتى يفضى بهم الحال إلى الإساءات التى تؤول إلى أشد العداوات وربما كفّر بعضهم بعضاً ، وصاروا ضحكة لمن عساه يحضرهم من الأمراء والمماليك.).
2 ــ إزداد الأمر سوءا فى عصر قايتباى ولكنّ مؤرخنا ابن الصيرفي لم يكن على مستوى المقريزي في ثقافته ولا في نقده وجرأته، لذا كان يشير إلى بعض المساوئ من طرف خفي، فإذا كان المقريزي قد وصف ما كان يحدث من خصومات بين المشايخ أثناء قراءة البخاري فإن مؤرخنا يشير إلى أحداث مماثلة ولكن بصورة عرضية كأن يقول عن قاضى قضاة الحنفية إبراهيم الديري ت876 ، أنّه بعد عزله كان يحضر مجلس البخارى بالقلعة بصفته شيخ الخانقاه المؤيديه ويجلس تحت قاضى الحنابلة، وأنّه بحث مرة في مجلس البخاري بالقلعة بحضور السلطان الظاهر خشقدم مسألة مع شيخ الإسلام الكافيجي فقطعه الكافيجي أى غلبه ( وقهره بحضور الجمع الغفير.). فهنا إشارة الى مشاجرة بين شيخين كبيرين ( الديرى والكافيجى )، ولكن تم التعمية علي تفصيلاتها وما دار فيها من شجار وتنابز بالألقاب حرصا من إبن الصيرفى على مكانة شيخه الكافيجى. وقد سبق لنا التعرّف على نوعية هؤلاء الفقهاء من حيث الأخلاق والعلم وإحتقار قايتباى لهم الى درجة عزل كل القضاة ، وهم من كبار الفقهاء المقدّسين للبخارى والذين يحضرون ميعاده.
مراسيم ميعاد البخاري في عصر قايتباى:
1 ــ كانت العادة أن يجتمع بالقلعة طائفة من القرّاء والفقهاء لقراءة وترتيل البخارى كل ليلة الى أن يتم ختم البخارى ، فيقام له حفل الختم في رمضان. ويبدأ برجب أو شعبان، وفي حفل الختام يخلع السلطان على القضاة والمشايخ والفقهاء والقراء، وكانت العادة أن تبدأ القراءة بالقلعة ثم يكون حفل الختم بالقصر الكبير.
2 ــ ونورد بعض ما جاء بتاريخ الهصر : في يوم الأربعاء 3 رجب 875 يقول مؤرخنا: ( كان ابتداء قراءة البخاري بقلعة الجبل عند السلطان بالقصر، وصعد قضاة القضاة والمشايخ على العادة.) . وفي يوم الأربعاء 4 شعبان 876 يقول : ( كانت الخدمة بالقصر السلطانى بقلعة الجبل وابتدئ بقراءة البخاري به.).وفي يوم الأربعاء 28 رمضان 876 قال : ( ختم البخاري بقلعة الجبل بالقصر الكبير على العادة وحضره القضاة.). وقبل ذلك بعام بالضبط: الأربعاء 28 رمضان 875 يقول : ( ختم البخارى بقلعة الجبل بحضور السلطان وكان مجلساً حافلاً بالقضاة الأربعة، خلا الحنفي لضعفه، والعلماء والفضلاء والطلبة والأمراء والرؤوس والنواب والخاصكية وأصحاب والوظائف.)
3 ــ ونعود إلى حفل ختم البخاري يوم الأربعاء 28 رمضان 876، حيث أورد ابن الصيرفي بعض التفصيلات الهامة في ذلك المجلس، ذلك أن ختم البخارى 876 شهد تعيين الشيخ سعدى قاضياَ، وأعلن ذلك إبن مزهر كاتب السر بعد أن شاور السلطان في ذلك الحفل، يقول ابن الصيرفي في أنه تشاور ابن مزهر مع السلطان في عاشر شعبان على الشيخ بدر الدين السعدي أن يكون حاكماً إلى أن يحضر ابن مفلح قاضى دمشق، ثم جاء أول ختم البخارى في 28 رمضان فأعلن السلطان ذلك التعيين في حضور الجميع.يقول مؤرخنا:( ولما حضروا الختم ، وفرقت أجزاء البخاري ، وحضر السلطان ، وقرأ القارئ الذى هو الإمام البرهان الكركي وحضره والده فجلس فوق الشيخ قاسم الحنفي تحت الشيخ تقي الدين الحصنى،والحصنى تحت الحنفي،) وهذا يعنى الترتيب الرسمى للجلوس حسب منازل القوم،(وحضر السعدي فلم يجد له مكاناً يجلس فيه من الزحمة فجلس خلف الحلقة.).وانتهى الختم بإعلان تولى السعدى لهذه الوظيفة،وكانت مفاجأة للسعدى نفسه.
4 ــ والمهم أن ختم البخارى كان مناسبة لقضاة الشرع في اجتماعهم بالسلطان، وفيه أحيانا كانت تصدر قرارات التعيين لأن البخاري هو ( قدس الأقداس ) لذلك العهد الفاسد البائس .
الهوامش
- الهصر: 102، 195، 277، 243، 464، 508.
- السلوك المقريزي: 3/1/223، 4/2/667، 4/2/1031: 1032.
- الهصر: 448، 240، 400، 413، 263: 264، 414: 415.
---------------------------------------------------
الفصل التاسع غرائب ومعتقدات وفواجعفى عصر قايتباى
معتقدات إجتماعية :
عرضنا لبعضي المعتقدات السائدة في العصر المملوكي وهى الخوف على السلطان إذا كان العيد يوم جمعة وخطب فيها خطبتان، خطبة صلاة العيد وخطبة صلاة الجمعة، ومنشأ ذلك إلى ما تعود الخطباء من الدعوة للسلطان القائم، ومجيء خطبتين في يوم واحد يشير إلى احتمال قيام سلطانين، أى قيام فتنة وذهاب السلطان والاتيان بسلطان آخر. وفي عصر عرف الصراعات السياسية المسلح كالعصر المملوكي التى كانت تعنى حروبا وفتنا وفوضى وسلبا ونهبا للبيوت والمتاجر كان لا بد أن يفتقد الناس فيه الأمن، وكان أرباب السلطان هم أكثر الناس خوفا وقلقا وافتقاداً للأمن. من هنا كانت حساسية منصب السلطنة وما يتصل بها على المستوى الرسمى والشعبى ، مما سبّب رواج الاعتقاد فى خوف السلطان وآله من حدوث خطبتين فى يوم واحد .
أكّد رواج هذه المعتقدات سيادة دين التصوف السّنى الذى جمع نوعى الجهل السّنى والصوفى ، وتحالفا معا فى تهميش دور العقل فانفتح واسعا المجال الى الايمان بخرافات الكرامات وشتّى فنون التخلّف، والتى كان الشيوخ (العلماء ) أبرز المؤمنين بها . والعادة أن المعتقدات الاجتماعية تهبط بها الحياة الدينية حين يسيطر عليها دين أرضى مثقل بالخرافات وتحكم شيوخ الجهل. ثم تأتى سيطرة الظلم والاستبداد والصراع على السلطة فيتعانق الجهل مع الخوف والقلق . وفي هذه التربة القلقة العفنة ترعرعت معتقدات ضالة ، ومنها التطير أو التشاؤم .
التشاؤم والتفاؤل :
1 ــ إبن إياس فى تاريخه ( بدائع الزهور ) كان أكثر من إبن الصيرفى فى تعبيره عن المعتقدات الشعبية بسبب إرتباطه أكثر بالشارع المصرى ، حتى يتكرر تعبيره بقول ( أشيع ) أو ( شاع ) أى كان ينقل إشاعات الشارع المصرى القاهرى ويسجلها أوّلا بأول . كما يكثر فى تعبيراته القول بالتفاؤل،أو (تفاءل الناس) ، ومنه نفهم أنّ التفاؤل كان يعنى وقتها فى أغلب الأحيان الإثنين معا أى التشاؤم والتفاؤل ، لأن إيقاع العصر القلق الحزين غلّب جانب التشاؤم وجعل الناس يتشاءمون من تعبير التشاؤم نفسه ، فاستعملوا كلمة التفاؤل لتدل على المعنين ( تشاؤما ) من النطق بكلمة التشاؤم. أمّا ابن الصيرفى المنحاز الى طبقته من المشايخ فقد تناثر فى تاريخه بعض مظاهر(التشاؤم ) فيما يخص الطبقة العليا التى يتعلّق بأهدابها.ونعطى لها أمثلة.
2 ــ كان السلطان إذا وقع من على فرسه وانكشف رأسه تطير وتشاءم لأن ذلك قد ينبيء عن سقوطه من كرسى الحكم. ففى يوم الأحد 29 شوال 875 لعب السلطان قايتباى الكرة هو والأمير جانبك حبيب، فوقعت عمامة السلطان من على رأسه إلى الأرض، ( فاحتدّ وتسودن)على حدّ قول مؤرخنا. لماذا؟ لأنه تشاءم من ذلك. وفي يوم الثلاثاء الثانى من ذى القعدة 875 ( لعب السلطان الكرة ، على عادته، فتقنطر، ووقع على ظهره وسقط شاشه ( عمامته )عن رأسه ، ونزل الأمراء عن خيولهم ، وبادرا لحمل السلطان ،ولم يحصل له أدنى شدّة ولا تشويش غير أنه احتدّ وتسودن..).. تانى.!!
3 ــ ومن هذه المعتقدات التشاؤمية أنه إذا ماتت سيدة في دار يوم السبت فإن كبير الدار يموت بعدها، وكان على هذا الاعتقاد بعض كبار الأشياخ مثل قاضى القضاة إبراهيم الديري ت 876، وقد تولّى نظارة الجيش في سلطنة الأشرف اينال، ثم تولّى كتابة السر في سطنة الظاهر جشقدم بعد أن أقنع السلطان أن أخاه كاتب السر قد عجز عن تلك الوظيفة، ودفع رشوة، وتولّى بدله ، ولكن ما لبث أن عزله السلطان عن كتابه السر بعد قليل، والسبب في عزله ذلك المعتقد المضحك، فقد ماتت السيدة والدة أحمد بن العينى وأخرجوها من الحريم السلطانى بالقلعة، وجلس الأمراء والقضاة والمباشرون ينتظرون خروجها والسير في جنازتها، وتكلم إبراهيم الديري كاتب السر مع الداودار الكبير وقتها وأسرّ إليه بتلك الحكمة الغالية؛ قال له:( إن العادة إذا خرجت ست يوم السبت من مكان أو دار يتبعها كبير ذلك المكان )، فقال له الداودار الكبير:"إذا فالسلطان يتبعها، أو يموت بعدها":، فقال له: نعم، فلما انقضت الجنازة والدفن صعد الداودار للسلطان وأخبره بتلك المقالة فاستفتي السلطان بعض الأشياخ ، فوجدوها فرصة للإيقاع بالديرى ، فأفتوا للسلطان بأن هذا الكلام لا يُعبأ به، فعزل السلطان إبراهي الديري عن كتابة السر.
معتقدات فى الكواكب ورصد لها :
1 ـ في ليلة الخميس 15 جمادي الثانية 876 يذكر ابن الصيرفي أنه ( خُسف جرم جميع القمر بعد عشاء الآخرة بأربعين درجة وقيل ثلاثين، واستمر نحواً من ثلاثين درجة، وعملوا النسوة عادتهم القديمة القبيحة من ضربهم على الأوانى النحاس وهو محمّر جميعه. ). وكانت لا تزال تلك العادة في الريف فى طفولتنا. ولعلها زالت فى عصر الانترنت.وفي يوم الأحد 16 ذى الحجة 885/17 أمشير "نزلت الشمس برج الحوت والمثل الساير يتمثلون فيه أنها تقول للبرد: موت".).
2 ــ كان العصر وقتها أسير الاعتقاد فى الكواكب ، لذا نجد مؤرخنا يهتم برصد حركات الكواكب ويسجل ذلك في تاريخه سواء كان ذلك عادياً أو غير عادي. عن ليلة الخميس 15 محرم 873 ، يقول : ( خُسف جميع جرم القمر بالقرب من عقدة الرأس، وهو في الدرجة الحادية والعشرين من برج الدلو، وابتدأ به الخسوف على مضى سبع ساعات ونصف الساعة من الليلة المذكورة، وكان انتهاؤه من ناحية الشرق للجنوب، وتم خسوفه عند انتهائه واستغرق جرمه في السواد على مضى ثمانى ساعات وثلث ساعة ودقيقة، وانجلى إنجلاء تاماً بعد شروق الشمس بأربع درجات، وكان لونه في وسط خسوفه أسود تعلوه خضرة، ثم تغير إلى لون مركب بين السواد الخضرة والصفرة.). وبرغم أن ابن الصيرفي استعمل لغة عصره وبعض مدلولاتها الحسابية تختلف عن مدلولاتها في عصرنا، إلا أنه أورد وصفاً تفصيلياً دقيقاً يعطينا الثقة في أخباره الفلكية الأخرى. يقول في ليلة السبت المذكور الذى هو رابع عشرة (14رجب) 873 : ( خُسف جميع جرم القمر، وكان ابتداء الخسوف بعد الغروب بعشرين درجة وربع درجة، ثم خذ في الإنحلال إلى ستين درجة ودقائق.).
3ــ ويذكر ابن الصيرفي ظاهرة فلكية غريبة حدثت في أول شعبان 876، يقول :( ظهر هيئة نجم من الغرب وقيل أنه صار يطلع من الشرق نصف الليل ويستمر إلى بعد الآذان وله ذنب فيه شعاع نور زائد مستطيل أطول من رمح . وتعجب الناس من ذلك وصاروا يلهجون بالأقاويل الكاذبة التى لا يعول عليها.).
هل كان ذلك النجم هو مذنب هالى؟.!. إن مذنب هالى يزور الأرض كل 76 سنة، والحادثة المذكورة يوافقها تاريخها 15 يناير 1472م، ومعناه أنها لا تنطبق على موعد زيارة هالى، والأمر متروك لعلماء الفلك. ويكفي ابن الصيرفي فخراً أنه وصف ما يراه بدقة، وهو قد سار في ذلك على نهج أستاذه المقريزي الذى إهتم برصد هذه الظواهر الفلكية في حوادث تاريخه "السلوك".
غرائب
1 ــ وجاء مؤرخنا ببعض الغرائب الأخرى: ففي يوم الجمعة 16 ربيع ثانى 875 بيع صندوق بباب الجامع الأزهر مرات عديدة وفي كل مرة يرده المشترى، وأخذه بعضهم وجعل يعبث في أدراجه فوجد فيه ركناً مخفياً فإذا به كيس به ستمائة دينار وستون دينار ذهباً، وهى حكاية غريبة ذات نهاية سعيدة. وليس مثلها كل الحكايات ، ففي شهر ذى الحجة 885 ذكر ابن الصيرفي أن شخصاً ساكناً ( بحانوت بجوار رأس سوق أمير الجيوش، وبجوار الحانوت سرداب قد نظّفوه وغطّوه ، فقام ذلك الشخص في الليل ليقضى حاجته، فسقط في السرداب فمات وذهب دمه هدراً ..ولا قوة إلا بالله .).!. ويقول : ( وهذا السرداب الحاكمي، أخبر جمال الدين يوسف بن تغري بردي في بعض مؤلفاته أن هذا السرداب سقط فيه قطار جمال محملين بالتبن وماتوا ولم يظهر لهم أثر ولا يعرف لهم خبر. ). وجامع الحاكم الفاطمى لا تزال تحوطه الأسرارمثل صاحبه الخليفة الفاطمى المعتوه ، ومن بينها وجود السراديب. والسرداب من خرافات التشيع الكبرى .
2 ــ ومن غرائب المواليد في عصر قايتباى ما حكاه ابن الصيرفي في أحداث الخميس 20 محرم 875 يقول : ( وبلغني ممّن أثق بنقله أن امرأة من مدة ستة شهور ولدت ولداً بلا يد ولا رجل ولا ساق والحكم لله والواحد الخلاق.). ويقول في أحداث يوم الخميس 27 ذى الحجة 876 : ( وضعت امرأة أربعة أولاد في بطن واحدة : اثنان ذكور واثنان إناث، ووالدهم فقير من حارة باب اللوق، فوقف بهم السلطان فلما رآهم قال لأبيهم: أنت شاطر. ورسم له بعشرة دنانير وخمسة أردب قمح على ما بلغنى من عدة خلائق، ومات منهم بعد ذلك اثنان، والله المستعان.). كأنه لابد لأحدهم أن ينجب أربعة كى يحظى بلفتة من السلطان وعشرة دنانير وخمسة أردب قمح علاوة. ولو لم يقف للسلطان ما روي ابن الصيرفي ذلك الحادث، وما كانت إحدى الغرائب.
3 ــ ومن مواليد البشر إلى مواليد الحيوان في عالم الغرائب. ويذكر ابن الصيرفي خبراً يؤمن بصدقه لأنه منسوب لأحد الأولياء الصوفية الذين كانوا يتمتعون بإعتقاد الناس وقتها وتصديقهم لكل ما يهرفون به ، ولكن لنا كل الحق في تكذيب هذا الخبر برغم أنف إبن الصيرفى . يقول في أحداث شعبان 875: ( وحدث في هذه الأيام أمور تؤذن باقتراب الساعة ، منها أن السيد الشريف الوفائي نائب قاضى الحنفية أخبرنى بحضوره أن الأمير تمر المحمودى حاجب الحجاب شاهد عنده بغلة ولدت وعاش الولد أياماً ومات بعد ذلك.). ومع ذلك فإن الساعة لم تقم بعد. رغم أنهم جعلوا البغلة تلد.
4 ــ ولكن ابن الصيرفي يذكر واقعة غريبة رآها بنفسه ولم يحكها على لسان غيره، يقول في أحداث يوم السبت 14 شعبان 876 ، ( فى هذا اليوم رأيت عجيبة من مخلوفات الله تعالى ، وهو أن شخصاً من أصحابي الأفاضل أعزّه الله ، أحضر لى في مجلس الحكم ( أى محلّ عمله فى المحكمة قاضيا يحكم بين الناس) بباب القنطرة ، عجلاً صغيراً وعدلة بيد واحدة ورجلين واليد الواحدة أغلظ من الرجلين والجبهة واليد الأخرى التى من جهة الشمال لا أثر فيها ولا كتف ولا لوح، فسبحان الخالق..). وذلك معقول.
ومن الغرائب إلى الفواجع:
1 ــ وبعضها يجمع بين الغرائب والفواجع معا، مثل غرائب المناخ التى تتسبب في كوارث وبعض المنافع.
في أخبار الأربعاء 17 ربيع ثاني 874 ( أمطرت السماء مطراً غزيراِ ، يومين وليلتين ، آخرهم يوم الخميس المصبحة عن التاسع عشر من شهر تاريخه حتى دلقت البيوت ووهى بنيانها من كثرة الهواء والمطر، وحكى غالب الناس أن لهم سنين عديدة ما رأوا مثلها، وأخبر الفلاحون وأهل البلاد أن قد حصل لهم بهذا كثير في مزارعهم وزرعوا الأراضي العلو التى ما وصل إليها البحر، وحصل لهم بها فرح وسرور، ومع هذا فالأمطار قد ملأت الأسواق والدروب ، والناس يخوضون في ذلك قريب أوساطهم، والخبز لا يوجد ، والناس يزدحمون عليه في الأفران ، وهو أسود كمكم، والرطل بسبعة ونصف فلوس، وأما الفقراء والمساكين ففي أمر عظيم، والأمر إلى الله العلى العليم يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ). كانت تلك الأمطار كارثة للقاهريين وكانت فائدة للفلاحين زرعوا بها الأراضي المرتفعة كما قالوا.. وقاسى القاهريون من أزمة الرغيف، وكان المساكين أكثرهم معاناة، وكأنما يصف ابن الصيرفي أحوالنا اليوم عندما نفاجأ كالعادة بهطول الأمطار ونشأة البرك والمستنقعات ، وتغرق القاهرة فى ( شبر ميّه )..وفي لية الأربعاء 25 شعبان 876 أمطرت السماء مطراً متراسلاً واستمر إلى ليلة الخميس 26 شعبان فعمّت البلاد ، وحصل بها نفع وبعض الضرر، وانهدم من الأماكن البيوت بسبب ذلك عدة، وامتلأت البلاد بالطين والوحل ولم يعهد مثلها إلا نادراً.). هكذا قال إبن الصيرفى.وكالعادة قد تكون مصائب قوم عند قوم فوائد، والفلاحون يستفيدون من المطر أحياناً ولكن القاهريون يسوؤهم المطر دائماً، ولا يوجد في الدنيا الشرّ المحض أوالخير المحض، فكل شيء نسبي.
2 ــ وبالإضافة للأمطار الغزيرة التى نفاجىء المصريين دائما فإن رياح الخماسين قد تأتى شديدة مزعجة تتسبب في هدم بعض الأماكن ، كما حدث يوم الجمعة 9 ربيع الأول 877، يقول ابن الصيرفي: ( ومضى من الخماسين 48 يوماً، وحصل شعث زائد وهواء مزعج جداً ، بحيث سقط منه أماكن مخلخلة، وحرقت منه دُور، ورسم السلطان بنصيب خيمة المولد النبوي بالحوش السلطانى على العادة، فلما انتهوا من نصبها انكسرت أعمدتها وسقطت من عظم الهواء والرياح التى كانت ، فاحتاج السلطان نصب خيمة جديدة صنعوها له غير أنها أصغر من تلك، ثم جاءت مع الخماسين هبة مطر شديدة يوم 13 ربيع الأول 877، ولكنها جاءت بفائدة إذ ساعدت على التخلص من أسراب الجراد.
3 ــ وحوادث الغرق في النيل كانت أبرز الفواجع، وكانت تتكرر، ولا تزال.. وربما لنفس الأسباب أن تحمل المركب فوق طاقتها فتغرق بمن فيها. في أوائل شهر ذى القعدة 876 ركب بعض التجار مركباً في النيل وكان معهم عبيدهم من السودان بالإضافة إلى أحمالهم وأثقالهم من المنسوجات والمتاع والأموال، بالإضافة إلى ذلك جميعه كان في المركب ركاب من الناس، ولأن الحمولة كانت فوق طاقة المركب فقد غرقت بهم المركب عند بيسوس، ولم ينج منهم إلا ثلاثة. وبلغ السلطان الخبر فأمر ابن غريب الاستادار أن يتوجه إلى المكان ومعه القاضى ابن الأمانة وبعض الغطاسين لانقاذ السلع، لا الجثث، يقول ابن الصيرفي "فتوجهوا وحضروا أخر النهار ولم يظفروا بطائل ولا نائل إلا قدر يسير من قماش وغيره.
وحتى الزوارق الصغيرة التى تصل بين شطى النيل كانت ــ ولا تزال ــــ تحمل أكثر من طاقتها، وينتج عن ذلك غرقها بمن فيها، كما حدث ليلة الجمعة المصبحة عن 7 صفر 876، يقول ابن الصيرفي (غرقت المعدية المتوجهة لأنبوبة، (أى امبابه) بجميع من فيها من الرجال والصبيان والدواب، ولم يطلع منهم إلا الغرقي الذى لهم أهل، وبقية الغرقي استمروا طعماً للسمك ، ودخل بعض الغرقى من باب القنطرة فشاهدناهم وقد انتفخوا وانتنوا. وكانت تلك المعدية تحمل الناس والدواب فوق طاقتها فغرقت، والغرقي الذين لهم أهل وجدوا من يستخرج جثثهم، أما الباقون فلم يأبه بهم أحد ، وتركوا جثثهم تأكلها الأسماك وقد انتفخت وانتنت، وشاهدهم الناس وقد حملهم الموج إلى امبوبه إلى باب القنطرة .)
كان مؤرخنا ابن الصيرفي وسط الجمهور الذى يتفرج على تلك الجث الآدمية، ومقر عمله قريب من ذلك المكان، ولم يحاول أحد أن يكرّم أصحاب تلك الجثث بإخراجها ودفنها، وإنما شاهدوها وتفرجوا عليها فقط، بالضبط كما كانوا يشاهدون ويتفرجون على المحكوم عليهم بالإعدام وهم يطاف بهم والمسامير تثبت أطرافهم على الخشب المحمول فوق الجمال.ففي عصور القهر والاستبداد يتبلد الاحساس وتسود نغمة "وأنا مالى" ويبحث كل إنسان عن مصلحته ويقول "إذا جاءك الطوفان فاجعل بنك تحت قدميك" وهذا ما يناقض الإسلام، وما يناقض شريعته الحقيقية التى تكرّم بنى آدم . وعندى أن الإسلام دين الله الذى جاء به كل الأنبياء هو ذروة الحضارة، وذروة التكريم للإنسان وأخطر ما يبتلى به الإنسان والإسلام أن يرفع البعض شعاراته ويطبعها تطبيقاً أعوج ليكرس الاستبداد والطغيان. ونعود إلى فواجع الغرق. في صفر 877 ( غرقت معدّية بنهر النيل فيها عدة أنفس من رجال وصبيان ونساء وغرق فيها شخص من جماعة قاضى القضاة، قطب الدين الخيضرى أعزه الله .)ـ هذا ما سجله ابن الصيرفي.
4 ــ ومن الغرق الى سقوط البيوت والدّور والمنازل . وفي يوم الاثنين 14 ربيع الآخر 876 ( سقط بيت في النيل، وغرقت امرأة وطفل، واستخرجوا المرأة ولم يعرفوا للولد أثراً .)، وفي هذه السنة 876 كثرت حوادث الغرق في النيل، يقول ابن الصيرفي: ( "وفي هذه السنة كثر غرق الناس بالبحر والخلجان حتى النسوة .! والأمر لله .!!). وسقوط المبانى فوق رؤوس الناس كانت من الفواجع التى تحدث في عصر قايتباى، وفي عصرنا أيضاً بطبيعة الحال، ولكن لم يكن السبب في عصر قايتباى هو مخالفة رخصة البناء أو الغشّ في مواد البناء أو فساد الذمم والضمائر لدي المقاولين والمهندسين والموظفين. فهذا من مناقب عصرنا الراهن. فى يوم الأربعاء 17 رجب 876 ( وقع بناء يقع موضعه في مقابل المدرسة التى بالأرباين ). هكذا يقول ابن الصيرفي، ومات تحت الهدم أربعة أنفار من المسلمين. وفي يوم 20 شوال 876 صعد نجار إلى سطح القلعة ليهدم بعض أطباق المماليك السلطانية فسبقه الهدم وسقط عليه، وكان ذلك أخر الليل، يقول مؤرخنا: ( فبات تحت الهدم ، واصبح أهله وأولاده فوقفوا للسلطان ، فرسم بمائة دينار يشتري به مكان لبيت الميت، ورسم للميت بثوب بعلبكي وثلاثة أشرفية "(الأشرفي عملة صغيرة ) لخرجته ( أى لجنازته ) ومصروفه فنصره الله، وجزاه خيراً ) وهذا هو كل ما حصل عليه أهل الميت الذى فقد حياته في خدمة السلطان وفي العمل في القلعة، هذا كل ما حصل عليه الورثة من إصابة العمل لعائلهم.
5 ــ ونختم الكوارث بكارثة الكنافة في باب اللوق.
يقول ابن الصيرفي في حوادث رجل 875 واتفق في هذه الأيام أن جماعة بباب اللوق أكلوا كنافة وكانوا نحو سبعة أنفس فمات منهم خمس أنفس والإثنان الباقيان في السياق، ( أى على وشك الموت)، ولا ريب أنهم ماتوا..) كما مات ابن الصيرفي وكما سينتهى كل ما عليه، وسبحان الحى الذى لا يموت.
غارات الفرنجة البحرية:
1 ــ وفي عام 876 أضيفت إلى الفواجع غارات الصليبيين الفرنجة البحرية على المواني المصرية.
وقد بدأ ذلك بعد منتصف شهر ذى الحجة 876، وقد قال ابن الصيرفي متألماً : (ما هذه الفتن في هذه الأيام إلا كثيرة، الفتن مرّة من بنى حرام بالشرقية، ومرة من عُربان قبلي، ومرة من المخذول شاه سوار، وهذه المرة من الفرنج، فالله يلطف ويدبر بحق محمد وآله آمين. وقد حضر وفد من أهل رشيد للسلطان وأخبروه أن خمس مراكب من الإفرنج تعرضوا لمركبين من مراكب التجار المسلمين وأخذوهم فوقع بينهم قتال شديد، إلا أن أهل رشيد أخذوا من الفرنج مركباً واحداَ، وأخذ الفرنج المركب الأخرى وما فيها من المسلمين.).ويقول ابن الصيرفي : ( وبلغني ممن أثق بنقله ) ولا ريب أنه كاتب السر ابن مزهر الأنصاري الذى أبلغ مؤرخنا بذلك، ( أن السلطان لما بلغه ذلك انزعج انزعاجاً شديداً وحلف أنه لولا لمهم أى الانشغال الذى هو به من متعلق المملكة لكان بنفسه. )، أى لكان هناك بنفسه.
2 ــ ثم ورد يوم الخميس 20 ذى الحجة 876 أن الفرنج أخذوا مراكب للمسلمين من ميناء دمياط أو ميناء الطينة، بسيناء، يقول ابن الصيرفي : ( فشقّ ذلك على كل من يسمعه من قريب أو بعيد ، والحكم لله يفعل ما يريد.). وواضح أن مؤرخنا يصف المراكب المصرية بأنها مراكب المسلمين، طالما يتعلق الأمر بالحرب ضد الأوربيين الذين يسميهم بالنصارى ، وتلك شريعة السّنة التى تقسّم العالم الى دارين : دار السلام والسلام والاسلام ، ودار الحرب والكفر. ويحتفظ الأوربيون للمسلمين بنفس الشعور . وذلك هو النبض السائد في مجتمع العصور الوسطي، حيث الحروب الدينية والمحاكمات الدينية ، وحيث يسيطر الدين الأرضى على كل شيء، وطبقا لشريعة السنيين كانت تضاف كلمة الدين للألقاب والأسماء، ففلان هو زين الدين أو عماد الدين أو صلاح الدين، ومع ذلك فالسلوك والمعتقدات أبعد تكون عن حقيقة الاسلام وسماحة الاسلام .
3 ــ وفي يوم الأربعاء 26 ذى الحجة وصلت بشري من نائب الإسكندرية المملوكي تفيد بأنه تم القبض ( على مركب من مراكب النصاري المفسدين بالبحر، وأنهم غنموهم وغرقوا المركب ، وقتلوا منهم نحو من ثلاثين نفراً وأسروا عشرة أنفار.). ثم في يوم الخميس 27 ذى الحجة بعد العصر وصل مبعوث من نائب أو حاكم الإسكندرية ومعه الأسرى الفرنج في الحديد ليعرضهم على السلطان، وحدثت مشكلة بسبب ذلك. فالذى حدث أن الذين هزموا الفرنجة وأسروهم لم يكونوا جند المماليك وإنما كانوا من أهل اتكو (ادكو) وقد جاء وفد منهم للسلطان يخبره بما حدث، بينما أرسل الأمير قجماس يعلم السلطان أنه هو الذى قبض على الفرنج وأخذ مركبهم، وزاد في رسالته للسلطان أن أهل اتكو (ادكو) قد تعدّوا ونهبوا ما في مركب الفرنج، وهذا في حد ذاته يفيد الاعتراف بأنهم الذى هاجموا الفرنج وغنموا المركب، ومع ذلك فإن السلطان وقد تأكد من أن المصريين من أهل أدكو هم الذى حاربوا الفرنج وهزموهم فإنهم كافأهم بأن أمر بسجنهم في سجن المقشرة أسوأ السجون المملوكية وأفظعها. هذا لأن فلسفة الحكم المملوكي أن وجودهم قائم على أساس أنهم القوة الوحيدة التى تحكم المصريين فلا ينبغى للمصريين أن يستعملوا السلاح أو أن يتعاملوا مع أى تدريب عسكري حتى لو كان في خدمة الدولة المملوكية أو في قتال أعداء الوطن، لأنه إذا عرف المصريين الدفاع عن أنفسهم فلا حاجة حينئذ للوجود المملوكي، ولذلك فإن قايتباى حين كافأ شجعان أدكو على هزيمتهم للفرنجة بالسجن مع نفس الأسرى الفرنج في المقشرة إنما كان يدافع عن وجوده هو وعن وجود جنس المماليك وتلك الطبقة الأجنبية العسكرية التى تحكم المصريين بقوة السلاح ولا تزيد أن يشاركها المصريين في حمل السلاح.
ومؤرخنا ابن الصيرفي ذكر الحادثة وتأسف على ما حدث لمجاهدي ادكو من المصريين ودافع في نفس الوقت عن السلطان قايتباى دفاعاً أعوج، يقول : ( وحضر أهل اتكوا وقالوا أنهم هم الذين قبضوا عليهم، ولما عرضوا الفرنج على السلطان كما قدمنا وصحبتهم أهل ادكوا، وكان قجماس عرف السلطان أن أهل اتكوا تعدّوا ونهبوا ما في المركب ، فلما وقفوا بين يدى السلطان رسم ( أى قبض ) على جماعة منهم من أكابر أهل اتكو، وأودعوا الفرنج سجن المقشرة، فما هان على غالب الناس الترسيم على أهل اتكو فإنهم مجاهدون وصلحاء وصنعوا جميلاً، غير أن مولانا السلطان نصره الله غُطي عليه في أمرهم، وأصبح يوم الأحد سلخه فطلب السلطان الفرنج المسجونين بالمقشرة فأسلم منهم ثلاثة فأطلقوا وسجنوا من تأخر بلا إسلام بالمقشرة.)
أى أطلق بعض الأسرى الذى نطقوا (بالشهادتين)، بينما ظل المجاهدون المصريون في السجن.!!
وحدث بعدها في شهر ربيع الأول 877 ( وصل إلى دمياط مركب عظيم مشحون بالبضائع وفيه عدة من المغاربة التجار فأخذه الفرنج بتمامه وكماله ولم ينتطح فيها عنزان ) على حد قول ابن الصيرفي .
من يدري؟. ربما انطفأت الروح المعنوية لأهل دمياط بعد ما حدث لأهل ادكو. فاعتمدوا على المماليك فلم يغن عنهم المماليك شيئاً..
وهذه خاتمة الفواجع.
- الهصر: 281، 283، 447، 366، 495.
- الهصر: 10، 53، 402، 219، 506، 196، 444، 248، 403.
- الهصر: 152، 153، 405، 478، 481.
- الهصر: 428، 326، 475، 338، 333،
- الهصر: 389، 423، 424، 242.
- الهصر: 441: 445، 481.
الفصل العاشر : أخبار الجرائم في ظل تطبيق الشريعة فى عصر السلطان قايتباى :
( ريّا وسكينة ) في العصر المملوكي
1 ــ سجل ابن الصيرفي أخبار الجريمة في القاهرة وضواحيها "القاهرة الكبري الآن" أو القاهرة ومصر في تعبير العصر المملوكي، وكنا نود لو أتيحت لنا الفرصة لنتعرف على أحوال المصريين جميعاً في كل مدينة وقرية، ولكننا نضطر في النهاية لاعتبار القاهرة مؤشراً حياً لأحوال المجتمع المصري كله في ذلك العصر. 2 ــ والجرائم في أى زمان ومكان سلوك بشرى لا يخلو منه أى مجتمع، وفي مجتمع كالعصر المملوكي كان الحكام وقضاة الشرع فيه أكثر الناس إجراماً وكانت جرائمهم تتحصّن بالدين السّائد لابد أن تهتز كثير من القيم والموازين، فربما كان من بين المجرمين من ثار لأجل رفع الظلم عن نفسه فاعتبره السلطان وقضاة السلطان أعتى المجرمين. وكنا نود أن يذكر إبن الصيرفي قضية كهذه ، أو حتى تبدو فيها ملامح الثورة على الظلم المملوكي، ولكننا لم نجد في كتاباته إلّا عمليات إجرامية بحته من السرقة والقتل. وقد يقال أن الأعراب كانوا يمثلون تلك النوعية من الثورة التى اعتبرها السلطان وأتباعه عصياناً وفساداً، ولكننا لا نرى في حركات الأعراب إلا صراعاً من أجل الحكم بنفس السلوك المملوكي وأسوأ، لذا كانت حركات الأعراب العسكرية خراباً للريف المصري وأدخل في باب التدمير والفساد، وربما لو كان هناك قطاع طرق في الريف المصري وغفل عنهم مؤرخنا القاهرى ابن الصيرفي فإننا نتوقع من أولئك اللصوص أن يسيروا على نسق الأعراب وفسادهم، وإيذائهم للفلاحين وتسلطهم عليهم وفرارهم أمام القوة المملوكية المنظمة القوية. ولذلك يظل عثورنا على (روبين هود) المصرى في العصر المملوكي مجرد حلم وأسطورة تماثل أسطورة أدهم الشرقاوى . وأحداث التاريخ لا مجال فيها لأحلام اليقظة والتمنيات، لذا نضطر إلى قراءة صحيفة الحالة الجنائية للقاهرة في عصر قايتباى كما هى ، بعد أن عرفنا صحيفة الأحوال الجنائية لقايتباى نفسه وطبقته العسكرية وأعوانه من الموظفين الكبار وقضاة الشّرع السّنى.
جريمة السرقة:
1 ـــ وبرغم وجود عقوبة قطع اليد للسارقِ، وبرغم التطرف في تنفيذها إلى درجة قطع الأطراف والتوسيط وقطع يد طفل صغير فإن جريمة السرقة استمرت، لأنها تستند إلى وجود خلل في المجتمع ذاته، وتشعب هذا الخلل إلى النواحى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية.والغريب أن يمارس السرقة بعض المستورين مثل ذلك الشيخ الصيرفي ابن الخليلي الذى كان يدرس في خانقاه "سعيد السعداء" المشهورة ويحصل على مرتبات وخلافه ومع ذلك اختلس القمح من الخانقاه، يقول ابن الصيرفي في حوادث يوم الأحد 16 ربيع الثاني 875 حيث قُبض على صوفي من خانقاه سعيد السعداء يعرف بابن الخليلي بسبب ( أنه فتح حاصل قمح المدرسة واختلس منه، فقام الصوفية عليه ورفعوا أمرهم لعظيم الدنيا، وداودارها. وذكروا أنهم وجدوا هذا فتح الحاصل المرصد لخبز الفقهاء، وأراد يأخذ منه فقبضنا عليه، وفي العام الماضي عجز الحاصل سبعين أردباً، وهذا الخرج الذى فيه القمح معه، فأمر بضربه بالمقارع وأشهر على حمار في الأسواق، وانتهى أمره بأن توسط أبوه له فأطلق الداودار الكبير سراحه.). أما الطفل الصغير الجائع فلم يجد من يتوسّط له فقطعوا يده .!.ذلك السارق الذى ثبتت عليه الجريمة لم يسرق لأنه جائع، فقد كان يعيش في الخانقاه يأكل من خيراتها ويأخذ المرتبات، ومع ذلك سرق سبعين أردباً وهم لم يقطعوا يده، وفي نفس الوقت الذى قطعوا فيه يد صبي فقير سرق، وقتلوا مسكيناً مقطوع اليد والرجلين لأنه اضطر للسرقة لكى يأكل. ونسترجع ما قاله ( القاضى) ابن الصيرفي في حوادث أول صفر 874:( وفيه رسم السلطان ــ نصره الله ــ بشنق حرامى ، وهو مستحق لذلك ، فإنه سرق فقطعوا يده وأطلقوه فسرق ثانياً فقطعوا أرجله وأطلقوه، فسرق ثالثاً فرسم فشنق. وقطعت يد صغير سرق وهو غير مكلف.). وهى عادة سيئة فى كل مجتمع ظالم فاسد ، إذا سرق فيهم الشيخ الشريف تركوه وإذا سرق فيها الضعيف أقاموا عليه الحد.
2 ـــ ووقعت حوادث سرقة متتابعة قام بهام الخدم والغلمان، كانوا يسرقون بيوت أسيادهم، إذ حدث يوم الخميس 29 ذى القعدة 876 أن هرب ثلاثة من مماليك الأمير قانصوه الأحمدى الخسيف ومعهم كما يقول مؤرخنا:( طرز ذهب وثلاثة حوائص وثلاثة سيوف ذهب قيمة ما أخذوه ألف دينار.) وقال عن الأمير قانصوه الخسيف:( وهو في غاية التشويش بسبب فقدهم ، وأرسل خلفهم إلى البلاد جماعات بمراسيم.). أى أرسل أوامر بالقبض عليهم . وبعدها بعدة أيام أو ثالث ذ الحجة حدث أن: (سُرق القاضى يحي الصفطي من بيته مبلغ جملته ألف دينار وسبعة وثلاثون ديناراً . )، ويقول ابن الصيرفي عن ذلك القاضى إنّه كان يكنز الذهب : ( هذا رجل له سنون عديدة يخدم ويكتب ويشهد ويوقع ويقضى،( أى يعمل فى درجات السلك القضائى ) حتى حصّل هذا المال ويفقد منه بغير رضاه، واستكثر عليه غالب الناس هذا المال، وبعضهم ما هان عليه ذلك ووقف السلطان ، وشكى له حاله ، فرسم للأمير الداودار الثاني بالتوجه إليه والنظر في أمره. وأسفر الحال أن عبده نقيب البيت وأخذ الذهب الذى ذكرنا ، وأخفاه عند جماعة من العبيد وجارية بالحسينية، فتوجهوا إليه ووجدوا المال قد عجز شيئاً يسير جداً ، فأطلقوا من كان قبضوا عليه من غلمان جيرانهم وسجنوا العبيد.).ويبدو أن السلطة المملوكية اعتقلت أيضاً غلمان الجيران وتحت قسوة (المعاملة) وصلوا للجاني الحقيقي والمسروقات، وبعدها أطلقوا الغلمان الأبرياء بعد أن عذبوهم. نفس الطريقة المصرية الخالدة.
وتعرّض للسرقة إثنان من الظلمة، يقول صاحبنا:( وسُرق أيضاً لشخصين من الظلمة، أحدهما على بن قمتي رأس نوبة الداودار الكبير، والآخر محمد ابن أزبك رأس نوبة حاجب الحجاب بيتهما، أما الأول فسُرق له أمتعة من بيته، الذى ببركة الرطلى ، ولم يوجد له فيها ذهب ولا فضة . وأما الثانى فسُرق لزوجته له أمتعة من ذهب ولؤلؤ مما جملته ألف دينار ولم يعثروا على الجناة.).وفي عام 875 ( كثُر المفسدون واللصوص وتسلطوا على بيوت المسلمين بواسطة عدم عرفان الوالى بالصناعة)، أى بسبب جهل مدير الأمن بوظيفته.
سرقة وقتل:
1 ــ وارتبطت بعض السرقات بجرائم القتل، وعوقب بعضهم بالتسمير والتوسيط. يوم الاثنين 20 شعبان 875 تم تسمير اثنين من البزادرة، أى الذين يحملون طائر الباز للصيد وتم توسيطهما بقنطرة الحاجب خارج القاهرة بعد إشهارهما والسبب أنهما قتلا شخصاً حلبياً كان يسكن بالجنينة وأخذا ماله، يقول عنهما ابن الصيرفي : (وكانا من الأشرار المفسدين ، فأزالهما الله على المسلمين.). وكالعادة لا يرى إبن الصيرفى فى مصر إلّا المسلمين . أما النّصارى فلا وجود لهم فى بؤرة شعوره.
2 ــ وفي اليوم التالي الثلاثاء 21 شعبان 875 ضربوا الشيخ زين الدين بن عبد الرحمن قريب الشيخ ابن النحال وسجنوه في المقشرة، وذلك لأنه زوّر مراسيم سلطانية وسافر بها إلى الشام يعزل بها ويولّى، فعلم السلطان بأمره، فأمر بضربه بالمقارع وحبسه، ولكن توسط له الأمير تنبك الداودار الثاني كالعادة عندما يسرق أحد الكبار.يقول مؤرخنا ابن الصيرفي عن ذلك الرجل: ( ولولا مساعدة الأمير تنبك الداودار الثاني ــــــ حفظه الله ــــ ما حصل له خير، فإن المذكور سيرته قبيحة، وسيما أنه قبض عليه لأنّه سرق سرجاً مفضضاً ببيت الوالى وخلصوه منه، بعد بذل مال) أى دفعوا له مالا (حلوان ) حتى استردوا منه المسروق. ولم يقطعوا يده.! يا حسرة عليك أيها الطفل الصغير الذين قطعوا يدك .!!.
3 ــ وكالعادة يكون التسمير والتشهير والتوسيط هو جزاء المفسدين ممن لا نصير لهم بين أصحاب السلطان. في يوم السبت 13 ذى القعدة875 ( سمّروا ستة من مفسدى القليوبية ووسّطوهم بقليوب، وقام على إشهارهم الأمير يشبك بن حيدر صاحب الشرطة، وقد ذكر عنهم أفعالاً قبيحة ..منها أنهم قتلوا رجلاً لأخذ ماله بقليوب وحرّقوه بمستوقد الحمام ، وأمثال ذلك من التهجم والقتل وقطع الطريق، وذاك ذنب عقابه فيه، ووسّطوا بقليوب أو قربها ، وعُلّقت جثثهم ليرتدع أمثالهم من هذه الأفعال المنكرة... ربّ سلم.)..!
4 ــ وحين انتشر الطاعون لم يرد ذكر لحوادث القتل، وبعد أن انقشع وباء الطاعون قام بعضهم عنه بمهمة القتل، بعد أن وجد المناخ المناسب للانحلال وما يؤدي إليه الانحلال من أثار جانبية كالتنازع وسفك الدماء.
في حوادث شهر جمادى الآخرة 875 يقول ابن الصيرفي: ( ذُبح شخص من المسلمين كان بلاناً بأرض الطبالة بالجنينة وبيفحصوا عن قاتله. )، وأرض الطبالة وهى العباسية الآن كانت بؤرة للانحلال الخلقى ووظيفة المقتول ( البلّان ) تنبئ عن صلة الانحلال الخلقى بمقتله. وفي يوم السبت 25 ربيع الأول 875 يقول ابن الصيرفي:( واتفقت حادثة غريبة هى أن رجلاً من الحجّارين بالجبل أخذ زوجته وتوجه بها إلى الجبل فذبحها في عدة مواضع في رقبتها وضربها بالسيف في عدة مواضع.. وهرب الزوج ولم يعلم له خبر ، وماتت وذهب دمها هدراً .).وفي يوم الخميس 3 ذى الحجة 875 حدث أن قُتل شخص ورُمى شاب أمرد بلا لحية بالصحراء بجوار سيدى الشيخ المقانعي، وكان له رفيقان من بلاده ، فوجداه مذبوحاً ، ولا يعلم له قاتل، هذا بعد أن وجدوا فيه عدة ضربات بالسكاكين.).وحوادث القتل السابقة مرتبطة بالانحلال الخلقي.
5 ــــ وبعض حوادث القتل الأخرى كان الانحلال الخلقي هو السبب المعلن. ففي يوم الأحد 9 رجب 876 حدث أن أحد المماليك شكى مطلقته وادعى عليهات أنها أخذت منه مالاً ، وطُلب منه البينة ، وكان يتهمها بخيانته مع غلام، واتفق معها على أن تحلف بأنه ما أخذت ذلك المال أمام ضريح الشيخ خلف بالقرب من سويقة السباعين، فلما دخلت الضريح ضربها بسكين في خاصرتها فسقطت ميته. يقول ابن الصيرفي: ( وتوجه والسكين في يده ملطخة بالدم . وذهب دمها هدراً . فلا حول ولا قوة إلا بالله. ). ولم يذكر مؤرخنا أن الجانب عوقب على جريمته ، بل ذكر أن دمها ذهب هدراً. والسبب معروف. إنه من المماليك.
6 ـــ وفي يوم الثلاثاء 27 جمادى الآخرة 876 حدثت جريمة فظيعة حكاها ابن الصيرفي بالتفصل:( وقعت حادثة غريبة بحارة بهاء الدين قراقوش وهو أن بالقرب من دار شيخنا شيخ الاسلام إبن حجر، قاعة مظلمة طويلة ، سكن فيها شخص حلبي أعزب غريب، والقاعة ملك لشخص من أولاد عرب القديم، فاستمال الحلبي بامرأة من بنات الخطا وأمها، ودفع لهما شُقة حرير وذهب، وحضر بها إليه عجوز قوادة، وعليهما أقمشة مزركشة وحرير وأساور ذهب وحلق بيلخش وفيروز ومرسلة ذهب بمسك وأمثال ذلك، فأوسعهم شراباً من الخمر، وصنع فيهم ما لا يحل ، وخنقهم وأخذ ما عليهم وهرب ،وتركهم في القاعدة المذكورة قتلى، فاستمروا نحو ثمانية أيام فشاع وذاع نتنهم، فهرع الناس إليهم فوجدوهم مخنوقين وآلات الخمر وبعضه باق، والنسوة عرايا، فركب الوالي ونائبه فدفنوهم، ورسموا على من عرفوا قتلاهم،) أى قبضوا على أبرياء كما هى العادة فى الدولة العميقة فى مصر، ومنهم مالك العقار:( وكذا قبضوا على صاحب المُلك، فأخذوا منه شيئاً من الحطام وهرب الجاني. واستفاد الوالي ما أخذه من صاحب العقار كي يطلقه. وانتهت القضية.).أى بالتهديد والابتزاز أخذ مدير الأمن مالا من صاحب العقار كى يطلقه . وهرب الجانى ..
7 ــــ وفي يوم الثلاثاء 10 شعبان 876 حدثت جريمة قتل أخرى.إشترك فى القتل جارية حسناء وغلام، وكان القتيل سيدهما من مماليك السلطان السابق الظاهرجقمق واسمه جانم، يقول ابن الصيرفي:(واتفق أمر غريب هو أن مملوكاً من المماليك الظاهرية جقمق كان ساكناً بالقاهرة بباب سر بيت الأمير تمر الحاجب...كان له جارية بيضاء وجارية سوداء وغلام شيخ وعبد أسود، ومعه مال له صورة نحو ألفي دينار وخمسمائة دينار، فاتفقوا على قتله وأخذ ماله،)،وبسبب غياب المملوك قبضوا على الغلام وسألوه عن سيده المملوك فقال لهم: ( إنه خرج من يومين وصحبته خنجر وعليه قرصنه ولم يعرف له مكان وأنه يغوى المطالب ) والمطالب هى البحث عن دفائن الكنوز والحصول عليها بالطرق السحرية، وذلك ما كانوا يعتقدون بجدواه في ذلك العصر، وسألوا الغلام عن العبد الأسود فأنكر أنه يعرف عنه شيئاً، فاستعمل الأمير تمر الحاجب الحيلة مع ذلك الغلام، فوعد بإطلاقه وقال له :(هذا الجندي المملوك له قتلى كثير من الجوارى والعبيد والأحرار، ولو قتل ما يقتل به أحد، وتودد إليه فاعترف له وأحضر له العبد الذى هربه، وأخبره بأنهم قتلوا سيدهم ودفنوه بالاسطبل، فقام الأمير تمر الحاجب ومن معه وحفروا عليه فوجدوه مدفوناً مخنوقاً، ). واعتقلواً الغلام والجارية.ــ وفي يوم السبت 25 شوال عرضوا على السلطان قايتباى الغلام والجارية الذين قتلاً سيدهماُ جانم فأمر السلطان بتسميرهما وشنقهما على باب المملوك المقتول، يقول ابن الصيرفي : ( ففُعل ذلك بعد ما أشهرا بالبلد، ولم نعهد امرأة مسمرة على جمل كهيئة هذه الجارية البيضاء، وقد أخبرت بأنها جميلة إلى الغاية ولكن بئس الجمال لما ارتكبته من قبح الفعال.).
8 ــــ وفي شهر صفر 877 وجدوا امرأة وبنتاً بكراً مقتولين في الأزبكية ولم يعلم لهما قاتل.. وذهبت دماؤهما هدراً على حد قول ابن الصيرفي.والأزبكية كانت من أماكن المجون.وكان الأمير أزبك بن ططخ هو الذى أنشأها عمرها. والأمير أزبك كان قائد الجيش المملوكي في ذلك الوقت.
9 ـــ وحدثت جرائم قتل غامضة: في 17 أو 18 ربيع الأول 874 حدث أن شخصاً من الذين يقومون بالشهادة أو "من العدول الجالسين" يتبع القاضى الحنبلى، وجدوه مقتولاً برحبة الأيدمرى وقد ألقاه القتلة في بئر، وقد قبضوا على غلام له ومملوك اتهموهما بقتله وأمر السلطان ببحث الموضوع، ولم يظهر فيه جديد. وفي يوم 28 جمادى الثانية 875 وجدوا نصرانياً مذبوحاً بطاحونة بباب البحر ولم يعرف له قاتل. وفي يوم الثلاثاء أو الأربعاء 10 أو 11 شعبان 876 وجدوا شخصاً مسلوخ الوجه مقطوع الأنف بالقرب من باب الفتوح ولم يعرف له أقارب ولا قاتل وذهب دمه هدراً. ووجدوا قتيلاً بالصحراء فاعتقلوا الخفير المسئول عن "الدرك" وضربه ضرباً مبرحاً بالمقارع وذلك يوم السبت 16 ذى القعدة 876.
10 ــــ وبعض الجرائم يسفر البحث عن العثور عن مرتكبيها.ففي يوم الأربعاء 7 ربيع الأونل 877 قبضوا على ثلاثة أنفار من الذين قتلوا القاضى أبا السعادات قاضى العباسية، وأودعوهم السجن.
11 ــــــــ والطريف أن هناك نوعاً من التشابه بين جرائم القتل في عهد قايتباى وبين ما كان يحدث قبله، فالجارية البيضاء التى قتلت سيدها المملوكي جانم بالتعاون مع غلام لنفس الجندي المملوكي، نجد شبيهاً لحكايتهما فيما حدث يوم الأربعاء 22 صفر 750 هـ. فقد شنقت جارية رومية الجنس لأنها قتلت سيدتها أم الأمير يلبغا اليحياوى، وذلك في مسكنها خارج باب النصر بالقرب من مصلى الأموات، وكانت تلك الجارية قد اتفقت مع زميلات لها من الجوارى على تنفيذ الجريمة بقصد السرقة، وقُتلت السيدة ليلاً بأن وضعت على وجهها مخدة وحبست أنفاسها حتى ماتت. وأقمن من الغد عزاءها على أنها ماتت ميتة طبيعية. يقول المقريزي: ( فمشت حيلتهم على الناس أياماً إلى أن تنافسن على قسمة المال الذى سرقته ، وتحدثن بما كان ، واعترفن على الجارية التى تولت القتل ، فأُخذت وشُنقت وهى بازارها ونقابها ، وأُخذ من الجوارى ما معهن من مال، وكان جملة كثيرة، ولم يعهد بمصر امرأة شنقت سوى هذه.).
ريا وسكينة في العصر المملوكي:
1 ــ لقد إنتشر وساد مناخ الانحلال الخلقى فى العصر المملوكى برعاية الشريعة السنية والنقاب والتدين الظاهرى ، فشجّع على هذه النوعية من القتل ، فالمرأة كانت تخرج تبحث عن المتعة الحرام فتقع فريسة للقتل ، والقوّادات يستملن الرجال للفاحشة فينتهى الرجل الباحث عن المتعة للقتل. ــوفي عصرنا اشتهرت حكاية ريّا وسكينة فى الاسكندرية ، وهى على عكس الجريمة التى وقعت في عهد قايتباى، من ذلك الحلبي الغريب الذى استمال عاهرة والعجوزة القوادة وقتلهما وسرق ما عليهما، وقد كانت ريا وسكينة تستقدمان النساء وتسرقان مصوغاتهن بعد القتل، أى يمكن القول أن ريا وسكينة قد قامتا بالرد على ذلك الحلبي الذى خدع المرأتين، فقامتا بالنيابة عنه بنفس العمل.
2 ـــــ ولكن عرف العصر المملوكي- قبل قايتباى- أخوات ريا وسكينة، في القاهرة وليس في الإسكندرية.
في أول المحرم 739 قبضوا على امرأة خنّاقة، وانتهت حياتها بالقتل بعد أن كانت تخدع النساء الباحثات عن المتعة الحرام وتقتلهن خنقاً بقصد السرقة ويقول المقريزي: ( وقد وقع في أيام المنصور قلاوون أن امرأة كانت تستميل النساء وترغّبهن حتى تمضى بهن إلى موضع توهمهنّ أن به من يعاشرهنّ بفاحشة، فإذا صارت المرأة إليها قبضها رجال قد أعدتهم وقتلوها وأخذوا ثيابها، فاشتهر بالقاهرة خبرها وعرفت بالخنّاقة فما زال بها الأمير علم الدين سنجر الخياط والى القاهرة حتى قبض عليها وسمّرها.).
ويقول: ( ووقع أيضاً في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون أن امرأة بأرض الطبالة كانت عند طائفة من البزادرية (أى من يحملون طائر الباز للتصيد به)، كانت تفعل ذلك بالنساء فقبضن عليها وسُمّروا و سُمّرت معهم، فكانت تقول وهى مسمرة يطاف بها على الجمل في القاهرة إذا رأت النساء وهن يتفرجن عليها: آه يا قحاب لو عشت لكن لافنيتكن، لكن ما عشت.).!! وأرض الطبّالة كانت من مواضع الفجور المعروفة .
ومثلها منطقة الخليج على النيل . وفي سنة 662 كثر حوادث قتل الناس بالخليج، واختفي كثير من الرجال، وكان السبب ظهور غازية المرأة الجميلة ووصيفتها العجوز القوادة التى تستجلب لها الزبائن من الرجال فيذهبون إلى غازية فيكون آخر العهد بهم. يقول المقريزى: ( كثُر في هذه السنة قتل الناس في الخليج وفُقد جماعة والتبس الأمر في ذلك، ثم ظهر بعد شهر أن امرأة جميلة يقال لها غازية كانت تخرج بزينتها ومعها عجوز، فإذا تعرّض لها أحد قالت له العجوز: لا يمكنها المسير إلى أحد ولكن من أرادها فليأت منزلها، فإذا وافي الرجل إليها خرج إليه رجال فقتلوه وأخذوا ما معه، وكانت المرأة في كل قليل تنتقل من منزل إلى منزل ، حتى سكنت خارج باب الشعرية على الخليج، فأتت العجوز إلى ماشطة مشهورة بالقاهرة واستدعتها إلى فرح، فسارت الماشطة معها بالحلى على العادة ومعها جاريتها. ودخلت الماشطة وانصرفت جاريتها، فقتل الجماعة الماشطة وأخذوا ما كان معها، وجاءت جاريتها إلى الدار تطلب مولاتها فأنكروها، فمضت إلى الوالى وعرّفته الخبر، فركب إلى الدار وهجمها ، فإذا بالصبية والعجوز فقبض عليهما وعرضهما على العذاب فأقرتها فحبسهما، واتفق أن رجلا جاءهما لتفقد أحوالهما فقبض عليه وعوقب فدلّ على رفيقه، فإذا هو صاحب أقمنه طوب فعوقب أيضاَ، فوُجد أنهم كانوا إذا قتلوا أحداً ألقوه في القمين حتى تحترق عظامه، وأظهروا من الدار حفائر قد ملئت بالقتلى . فسمّروا جميعاً، ثم أطلقت المرأة بعد يومين فأقامت قليلاً ثم ماتت، ربما بسبب ما تعرضت له من تعذيب، ثم عملت الدار التى كانوا بها مسجداً وهو المعروف بمسجد الخنّاقة.).
كانت أكثر حوادث القتل ــ ولا تزال ـــ مرتبطة بالزنا وارتكاب الفاحشة. ومسيرة الانحلال الخلقى من القتل والفواحش تزدهر لو وجدت مسوّغا دينيا ، ويكون المنبع هو ذلك الدين الأرضى وشريعته التى ساءت سبيلاً.
- الهصر: 222، 127، 435، 437، 438.
- الهصر: 238، 247، 248، 276، 287.
- الهصر: 238، 215، 290، 279، 269، 370، 401، 425، 475.
- الهصر: 149، 238، 402، 432، 482.
- المقريزي: السلوك 2/3/ 799: 800- 2/2/457- 2/3/800/1/2/531.
الفصل الحادى عشر: نشرة أخبار مشايخالشرع السّنى فى عصر قايتباى
كان ينبغى أن تكون أخبار المشايخ تالية لأخبار السلطان والمماليك حيث أنهم يتلونهم في الترتيب الاجتماعي، وكنا نود هذا، ولكن أخبار المشايخ التى رواها لنا أحدهم وهو الشيخ ابن الصيرفي تندرج في قائمة الانحرافات والجرائم، وتعرضوا بسببها إلى نقمة السلطان وأحياناً إلى عقوباته، لذا فإن المنهج العلمي يحتّم أن نضع أخبارهم بعد أخبار الجرائم التى عاشها الشارع المصري في عصر قايتباى.
وأخبار المشايخ تنقسم إلى انحرافات وصراعات.
انحرافات المشايخ وما ترتب عليها:
1 ــ وقد عرضنا لبعض هذه الانحرافات في معرض الأسباب والحوادث التى أدت إلى كراهية السلطان قايتباى للقضاة ومنعهم من القيام بوظيفتهم، حتى لقد أصابته نوبة من العدالة أسفرت عن قيامه بعقاب أعوانه من الظلمة. ومر بنا في أخبار الجرائم أن الشيخ زين الدين بن عبد الرحمن بن تقي الدين تعرض للضرب بالمقارع يوم الثلاثاء 21 شعبان 875 لأنه سافر للشام ومعه أوامر سلطانية مزورة بالعزل والتعيين وأنه سبق أن سرق سرجاً مفضضاً ولم يستردوه منه إلا بعد أن دفعوا له الأموال. وبعض الانحرافات لم يتعرض أصحابها للعقوبة، فقد كانوا في منصب الصدارة مثل قاضى القضاة الحنفي في عام 885، يقول المؤرخ القاضى الحنفي ابن الصيرفي في أخبار ذى الحجة 885 : ( شاع أن قاضى القضاة الحنفي أنه يقبل الهدايا من الأكابر كابن مزهر كاتب السر وابن الجيعان، وأنه أرسلوا له المأكل والمشارب لما حضر إلى الشام فقبلها وأكلها ولم يرد منها شيئاً، وزاد على ذلك أن الخواجا شمس الدين بن الزّمن أرسل له جاريتين فقبلهما وعمّر له المكان الذى هو ساكن فيه في الصالحية من ماله وبيضّه .. وحضر صحبته من دمشق جماعة مكلوبون على الدنيا ، فقرّر بعضهم في وظائف من مات وله ولد رجل بلحية صالح للوظائف ، بل كان يباشرهم وأبوه حىّ ، وجعل بعضهم في توقيع بابه، وولّى جماعة كان عزلهم الأمشاطي (القاضى السابق للأحناف) أحدهم عمر المناوى الذى نُسب إلى الزور مراراً في أيام قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة، وضُرب وسُجن وله أقدام وجرأة على الأمور الفاسدة، والأخر الشريف المقسى فإنه عزله بسبب ما ثبت عنده من أخذ الفلوس الكثيرة والتزوير، واستمر هو مدة ولايته معزولاَ.).
2 ــ والقاضى المرتشى يختار معاونيه ووكلاءه والذين يقفون ببابه من أرادأ الناس ، وكان من أولئك شرف الدين الفيومى، وقد ضربه الأمير بردبك البجمقدار حين كان حاجب الحجاب وجرّسه على حمار مقلوب طاف به في البلد. وضربه الأتابك أزبك مرتين، ثم ضربه قونصوه الحاج ووضع الجنزير والحديد في رقبته، ثم كتبت عليه قسامة ــ أى تعهد ــ ألا يركب بغله ولا فرساً ولا يعمل وكيلاً ولا يتكلم بين اثنين ، فأصبح أشد ما يكون فقراً وخمولاً ، إلى أن تولى عبد الرحمن بن الكويز نظارة الخاص فتقرب منه شرف الدين الفيومي هذا ، وتحسنت أحواله في عهده. يقول ابن الصيرفي عن ذلك الرجل في تلك المرحلة من حياته: ( فلما باشر عبد الرحمن بن الكويز نظارة الخاص في أيام الأشرف اينال تقرب منه بالظلم والكذب والفجور والبهتان والجرأة الزائدة وصار كأنه لم يحصل عليه شيء مما ذكر، غير أن صار يركب حماراً وهو أجهل منه، لا يعرف مسألة كاملة من مسائل العلم ، بل ولا قرأ ولا فهم ولا وعى، وإنما كان في خدمة القاضى صلاح الدين المكينى على باب قاضى القضاة علم الدين صالح البلقينى، يخدمه ويرشيه في كل قضية تكون بالباب ، ويأخذ مثله ، وصار هو عنده يدخل عليه في الخلوات والجلوات. ) وأسهب ابن الصيرفي في وصف انحرافات ذلك الرجل ، وحاول في نفس الوقت أن يظهر غضب ابن مزهر عليه ليبرئ ابن مزهر وغيره من الانغماس في إنحرافه.
3 ــ وذلك الرجل شرف الدين الفيومى نموذج للمشايخ الذين كانوا لا يأبهون بالكرامة ولا بأى عقوبة تقع عليهم من المماليك حتى لو كانت التجريس والفضيحة العامة ، كل ذلك يهون في سبيل ارضاء شهواتهم من حطام الدنيا، فكانوا يسعون للمناصب ويعودون اليها دون أن تتغير سلوكياتهم إلا للأسوأ. فكانوا أبطال أخبار الفضائح التى يتداولها الشارع المصري، ودخلوا في صفحات التاريخ التى تتسع عادة لأمثال أولئك الناس وتنسى صناع الحضارة الحقيقيين من الفلاحين والحرفيين الذين يعملون في صمت وفي شرف ولا يحصلون إلا على ما يسد الرمق.
عقوبات تعرض لها الأشياخ:
ونعرض لبعض العقوبات التى تعرض لها بعض المشايخ.
1 ــ في يوم السبت 5 ربيع الثاني 876 أحضروا القضاة المالكي ابن حريز للسلطان لأن أقاربه اشتكوه للسلطان، وحقق قايتباى معه ثم أمر باعتقاله في القلعة، واستمر معتقلاً حتى يوفّي ما عليه للناس، وفي يوم السبت 12 ربيع الثاني أطلقوه إلى منزله بعد أن أقام بالمعتقل ثمانية أيام.
وفي يوم الخميس 24 ربيع الثاني 876 عزل السلطان القاضى الأرميونى، ولكمه ثلاث لكمات فسقط القاضى مغشياً عليه، وذلك بسبب قضية حكم فيها ذلك القاضى وكان فيها ظالماً.وشارك الداودار الكبير يشبك بن مهدى في عقاب هذا الشيخ.
وفي يوم السبت 9 جمادى الأولى 875 ضرب الداودار الكبير الوكيل لمحكمة القاضى الشنسي الحنفي وأشهره بالبلد، يقول ابن الصيرفي عن السبب ( لأنه صال وجال في الأحكام )، وبعد أن ضربه قال له: ( أنا منعتك من الكلام بين الناس وأن لا تعمل وكيلاً ولا رسولاً )، ويقول ابن الصيرفي : ( وكان قبل هذا ضربه لكن عفا عنه. وانتهى أمره بأن تدخل الأمير برقوق حتى عاد لمنصبه.). وفى دولة فاسدة تجد فيها من يتوسّط ويتشفّع للمجرمين المفسدين ليعودا الى مناصبهم وليواصلوا جرائمهم .ولكن الغريب هنا أن المماليك الأشدّ ظلما وقسوة كانوا هم الذين يحاولون إصلاح شيوخ الشرع ، ويستعملون معهم إسلوب العنف بلا فائدة . فالأساس هنا هو ظلم تقوم أعمدته على شريعة فاسدة ، يمثّلها أولئك الشيوخ أنفسهم.
وفي يوم 21 جمادى الثاني 875 طلب الداودار الكبير القاضى تاج الدين الأخميمي وحقق معه في طريقه مباشرته للقضاء، وقد أنكر القاضى ثم اعترف بالخطأ فأمر الداودار الكبير باعتقاله ثم توسط الشيخ علاء الدين الحصيني حتى عفا عنه الداودار الكبير. وتكرر ذلك في رمضان 875 إذ طلب الداودار الكبير الشريف المالكي القاضى وجماعته بسويقة السباعيين بسبب وقف فارس البكتمرى، وقد اتهم الداودار ذلك القاضى وجماعته بالتزوير، وقد شفع فيهم برهان الدين الكركي بعد أن حكم الداودار بنفيهم، وأطلق القاضى والشهود بعد جهد جهيد ، ولكن بعد أن أشهد على القاضى وشهوده بقسامة أى بتعهد ألا يشهد الشهود ولا يقضى القاضى.
وفي يوم السبت 10 شوال 875 كانت قضية القضاة ابن جنيبات، قاضى الإسكندرية معروضة أمام الداودار الكبير، وقد أمر الداودار الكبير بسجنه هو والقاضى جلال الدين البكري، ونقتطف عبارات ابن الصيرفي في تلك القضية: ( أن شخصاً من أولاد التجار المبذرين ضيّع ما كان يملكه، يعرف بابن النصري ، مات أبوه بالبلاد اليمنية أو الهندية ، وخلف بهذه البلدة دوراً وأموالاً وديوناً له وعليه، وكان الولد غائباً بمكة ، فلما حضر ليأخذ تركة أبيه، وجد قاضى الإسكندرية المعروف بابن جنيبات أثبت على التركة مالاً جزيلاً لشخص وأرسل حكمه إلى القاهرة فنفّذه له الجلال البكرى الشافعي. وحضر التركة أمين الحكم إذ ذاك تاج الدين الأخميمي الشافعي . وكان قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة الحنفي عليه للمتوفى نحواً من ثلاثة آلاف دينار، وعلى المتوفي دين لشخص أكثر من ذلك ، فدفعه له بحضور الجلال البكرى وحكم له وعليه بذلك . وانفصل الحال وأخذه بيده مستنداً . فلمّا حضر الوارث طلب تركة موروثه وشكى حاله لعظيم الدنيا الداودار الكبير، ووقف له مرات، وذكر له أن القاضى ابن جنيبات قاضى الإسكندرية والقاضى جلال الدين البكري أثبت عليه ما ليس له حقيقة، وأن المحب الشحنة عليه لمورثه ثلاثة آلاف دينار وأن القاضيين المذكورين صنعوا له صورة وضيعوا ماله.).
وفي أول رجب 875 ضرب الداودار الكبير قاضى مدينة (صفد) الحنفي بسبب ما ثبت عليه من الظلم .
وأمر الداودار الثاني تنبك قرا باعتقال قاضى القضاة الشافعي نفسه، وهو كبير القضاة، بسبب قضية وقف، وقد حدث ذلك في شهر جمادى الآخر 875، وقد اشتكى مستحقو وقف المدرسة الجاولية أن قاضى القضاة الشافعي صلاح الدين المكينى "استبدل من الوقف رزقا" فاستدعاه وأغلظ عليه في القول،وقال له:( قُم في الترسيم ( الاعتقال )حتى ترد الرزق)، فقال له القاضى:( قاضى الشافعية يفعل به كذا؟ ) فردّ عليه الأمير المملوكى:(لا رحم الله الذى ولاك قاضى.!)،ويقول ابن الصيرفي معلقاً:( فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، ومع ذلك أطلقه إلى حال سبيله.).
6 ــ والأمير آخور جانبك الفقيه ضرب ظُلما القاضى عز الدين البلقيني الشافعي المشهور بشفتر وذلك في شهر جمادى الآخر 875، يقول مؤرخنا "وفي هذه الأيام ضُرب صاحبنا القاضى عز الدين ابن بهاء الدين البلقيني الشافعي المشهور بشفتر من الأمير جانبك الفقيه.. الأمير آخور الكبير علقة على مقاعده) أى مؤخرته.. ياللفضيحة.!!. ويكمل ابن الصيرفي : ( وسببها أن باسمه تصوفاً في الظاهرية برقوق )" يعنى كان له معلوم ومرتب في خانقاه الظاهر برقوق ( والصوفية لهم مدة لم يصرفوا معلوماً، والمباشرون بالوقف يصرفون لمن يختارون من الصوفية ويمنعون من يختارون، فصعد عز الدين إلى القلعة وكلّم الأمير آخور الكبير بكلام مزعج فيه نوع إساءة به ما ذكرناه، ولم ينتطح فيها عنزان.). إنّ القاضى الشيخ عز الدين شفتر خيل إليه أنه يستطيع أن يرفع صوته مطالبا بحقّه الذى أكله شيوخ آخرون هم المباشرون للوقف فكانت النتيجة أن أكل علقة على مقاعده من الأمير جانبك الفقيه.!.وشعر مؤرخنا بالمرارة فكان تعليقه على هذه الحادثة يجمع بين الاستكانة والتذمر المكتوم فيقول: ( ولم ينتطح فيها عنزان، والقتل ما يهدي وأخر الأمر الرضى ، وكل مفعول مضى، وهذه الحادثة من أقبح ما يكون في حق الفقهاء ، فلا قوة إلا بالله، اللهم انتصر له.).!.ونسى إبن الصيرفى أن كرامة الشيوخ أضاعها الشيوخ أنفسهم ، لذا من كان له منهم حق ضائع فقد ضاع كما أضاعوا العدل ، وأضاعوا معه جاههم بحيث كان من حق أى أمير مملكى أن يضربهم ويهينهم.ـ وذكر ابن الصيرفي في نفس الصفحة أن هناك بعض المشايخ الذين أثاروا حمية الأمير المملوكي جانبك الفقيه حتى جعلوه يضرب عز الدين شفتر على مقاعده، وهو الشيخ البالسي الذى كان مباشر الخانقاه الظاهرية برقوق، يقول عنه ابن الصيرفي: ( كان هو الذى تعصب على عز الدين بن بهاء الدين شفتر البلقيني عند الأمير جانبك بن ططخ الفقيهة حتى ضُرب، وقد ظهر أن الشيخ البالسي كان يختلس أموال الخانقاه، مع شركاء له...وظهر في جهته للوقف ألف دينار)، وانتهى أمره بالسجن يقول عنه ابن الصيرفي" (وقاسى أضعاف ما فعل بابن البلقيني ، ولله الحمد، وكما تدين تدان ، والجزاء من جنس العمل.)
وشارك مماليك آخرون في ضرب المشايخ. فالأمير برقوق الذى كان كاشف للشرقية ثم نائباً للشام كان يعمل عنده القاضى هاني، وقد بلغه أن هانى ( مدّ يده وبلص (أى سرق) من الخولية والمشايخ نحو خمسمائة دينار، فطلبه، وسأله عن ذلك ،فأجاب بعنف فطلب غلامه ، فأنكر ، فضربه، فأقرّ، وأحضر المال في الحال . فعند ذلك ضرب هاني المذكور وبهدله ووضعه في الحديد وطب منه ثلاثة آلاف دينار، والأمر لله الواحد القهار. ) وقد حدث ذلك في أوائل شهر صفر 874.
وفي يوم الخميس 20 محرم 875 ضرب الأمير اينال الأشقر الشيخ زين الدين الأبوتيجي ( ضربه الأمير ضرباً مبرحاً نحواً من ثلاثمائة على مقاعده ، وسبب ذلك أن امرأة ادعت على ورثة الشيخ المناوي أن بيدها مكتوباً لها بأراضى أنبوبة(امبابه) وأن المناوي (وكان قاضياً للقضاة ) وضع يده عليها بغير طريق شرعي ، فسئل عن ذلك،( أى سئل الشيخ زين الدين الأبوتيجي،) كونه وصياً على أولاده القاصرين عن درجة البلوغ ، فأنكر أنه ليس بوصي. وفي نفس الوقت حاول أن يصالح المرأة ، ودفع لها عشرة دنانير لتسكت... فصالحها على عشرة دنانير وبخل على النقباء والرؤوس بشيء من الحطام.) أى لم يقدم لهم رشوة، ( فبلّغوا الأمير اينال المذكور عن ذلك فطلبه، وقال له : "كيف أنكرت وصالحت"؟ )أى كيف ينكر حق المرأة ثم يتدخل ليصالحها ؟ . وانتهى الأمر بضربه ضرباً مبرحاً.
وفي أواخر شهر محرم 875 ( عوقب الشيخ عمر المناوى القاضى الحنفي الذى كان عزل وضرب وحبس وفعل فيها ما لا يوصف بسبب ما اشتهر عنه من الزور في مكتوب وقف واستمر معزولاً، فركب شيخناً الشيخ تقي الدين الحصنى بسببه إلى قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة وسأل في إعادته فامتنع فألح ففوض أمره إليه فأعاده.). أى هو فساد منّه فيه ..
صراعات المشايخ فيما بينهم في عصر قايتباى:
1 ــ في أواخر شهر جمادي الثاني 876 عزل السلطان القاضى الشريف الوفائى الملقب بدموع من القضاء، يقول ابن الصيرفي : ( ولذلك أسباب ، منها : أن الشيخ شمس الدين الأمشاطى الحنفي له مدة يسعى في ذلك ووجد له فرصة، وقد تكلم الناس فيه وفي عبد البرّ قاطبة بما تمجّه النفوس مما يصدر منهما، وبلغ ذلك مولانا الأعظم نصره الله وأنه يتعاطي كذا وكذا، ومنها أن العلائى سيدى علي بن خاص بك أعزه الله ، أخبروه عن الشريف ، أنهم وجدوا غلمانه وشهوده عند زوجة شخص من غلمانه، وأخبروه أنه يجلس بين القصرين في محل الحكم وهو غائب الذهن ، وطلبه وهدده، فيمكن أنه أعلم السلطان به. ).
والأسباب التى ساقها ابن الصيرفي لعزل القاضى دموع تعكس الصراع بين المشايخ، فالقاضي دموع وثيق الصلة بعبد البر ابن أبى الشحنة ووالده محب الدين قاضى قضاة لحنفية، هذا بالإضافة إلى نواح أخري من الانحلال الخلقى يشمل تعاطي المكيفات والعلاقات بالنساء وابن الصيرفي يشير دون إعطاء تفصيلات، وهذه طريقته فيما يخص السلوك المنحرف لأعيان عصره، وأن الشيخ شمس الدين الأمشاطي قد وجد في انحراف القاضى دموع فرصة الكيد له عند السلطان خصوصاً في فترة غياب عبد البر ابن أبى الشحنة في الشام وهو الحليف الأكبر للقاضى دموع.
لقد كان الصراع بين المشايخ هو الوجه الآخر لسلوكياتهم التى طغت على أخبار عصر قايتباى . وكان الصراع على المناصب أبرز تلك الخصومات، وشهدنا طرفاً منها في تدخل الشيخ شمس الدين الأمشاطي لدي السلطان ليعزل القاضى دموع.
2 ــ وفي يوم الخميس 19 صفر 875 تشاجر الشيخ القاضى أبو بكر الأبشيهي مع القاضى شهاب الدين الصوفي بسبب وظيفة الخطابة في مدرسة المغلبية طاز. وانتهى الصراع بينهما بالوقوف أمام السلطان، وتدخلت أطراف في ذلك النزاع، يقول ابن الصيرفي: ( والمؤلّب على الأبشيهي- كما بلّغني الشيخ الإمام البرهان الكركي إمام المقام الشريف نصره الله .! ) أى كان الشيخ برهان الدين الكركي إمام مسجد القلعة والذى يصلى إماماً بالسلطان منضماً للشيخ شهاب الدين الصوفي ضد الشيخ أبى بكر الأبشيهي، وربما كان الشيخ برهان الدين الكركي هو الذى أوصل القضية إلى السلطان قايتباى. ولأن مؤرخنا ابن الصيرفي من محبي الشيخ برهان الدين الكركي كما يبدو من سطور تاريخه (- كما بلّغني الشيخ الإمام البرهان الكركي إمام المقام الشريف نصره الله .! )، ومن انحيازه التام للسلطان وكل من حوله، لذا نراه بين السطور ينحاز ضد القاضي ابى بكر الأبشيهي، يقول عنه: ( أظهر الأبشيهي خفّة ، وصار يقول عن نفسه أنه عالم وله مصنفات ومؤلفات، فأهين ولم يلتفت إليه. ) ولقد كان للأبشيهي مؤلفات فعلاً تشير الى علمه وإطلاعاته ومن أهمها "المستطرف في كل مذهب مستظرف" . ويبدو أن وصول القضية إلى القلعة والسلطان حيث انحاز الكركي أمام السلطان ضد الأبشيهي قد قلب الأمور ضده فقد أهانه من هناك ولم يلتفتوا إليه، ثم تدخل كاتب السر فأنقذه، يقول ابن الصيرفي : (ولولا إغاثة الله تعالى بملاحظة رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصاري ما حصل عليه خير .!) إلا أن السلطان تأثر بالجانب الأخر وكتب لنقيب الجيش أن يأخذ تعهداً على أبى بكر الأبشيهي بألا يعمل قاضياً ولا شاهداً. وولّى الأبشيهي وجهه شطر الداودار الكبير وشكى له حاله : ( فعطف عليه وشفع فيه ورسم أن يكون على عادته ومن عارضه يكون خصماً لعظيم الدنيا الداودار الكبير.). يهمنا هنا أنّ موقف مؤرخنا إبن الصيرفى المنحاز ضد الأبشيهى وتحامله عليه يفقده نزاهته كمؤرخ ، بل ويجعلنا نعتقد بأنه كان طرفا فى صراعات الشيوح ، وهذا متوقّع ممّن يصل الى منصبه ويكون قريبا من صنّاع السياسة ، وأهمهم إبن مزهر كاتب السّر اللصيق بالسلطان قايتباى والمؤتمن على أسراره.
3 ــ وقد تقع فتنة ومعارك لأسباب تافهة تؤكّد تفاهة الشيوخ وتدنى مستواهم الخلقى والحضارى ، فقد يتشاجرون على أمر تافه مثل الجلوس على مقعد ، فتثور أزمة يتدخل فيها العوام وينهبون قصر القاضى ويأسرون حريمه، وتصل الأزمة إلى السلطان في القاهرة . وقد وقعت تلك الحادثة في القدس في عيد الفطر 875، يقول ابن الصيرفي: ( ووصل جماعة من علماء القدس الشريف وأجلّهم أبو شريف بسبب مخاصمة وقعت بينهم وبين قاضى القدس وشيخ الصلاحية المسمي غرس الدين خليل أخى أبى العباس الواعظ، واختلف في الحضور على أقوال، فقيل أن المقر الشرفي الأنصاري،( يقصد كاتب السر ابن مزهر) لما حضر عائداً من البلاد الشامية زار القدس الشريف فحضر إليه العلماء والفضلاء فجلسوا عنده، فجلس الشيخ أبو شريف عن ميمنة الأنصاري وجلس غرس الدين القاضى على ميسرته،ثم قال لأبي شريف كلاماً معناه، أن هذا المجلس الذى جلست فيه مجلسي فقم منه، فأجابه بأن هذا مباح، وكان بينهما فتنة قديمة، فانتشر الكلام، واقتضى الحالى على ما بلغني أن عوام البلد هجموا على القاضى فى بيته ، وسبوا حريمه، ونهبوا ما فيه ، وكتبوا محضراً بأفعاله الذميمة وحضروا به إلى القاهرة ، وأرسل القاضى كتاباً بصورة الحال إلى السلطان وكتاباً إلى عظيم الدنيا الداودار الكبير، وهو يدعى أنه من جهته (أى من صنائعه ) ، وعرفهما بما اتفق له مع أهل القدس، فلما وصل خصومه تمكنوا من الوقوف بين يدى السلطان وتوجهوا لبيت عظيم الدنيا الداودار الكبير ، حفظه الله ، فحال وقوع بصره عليهم أمر بإخراجهم وبهدلتهم ، وهو معذور لما بلغه، فخرجوا على أقبح وجه. ). وما ذكره ابن الصيرفي يعطي فكرة صادقة عن نوعية أولئك الأشياخ، برغم أنه يصفهم بأنهم العلماء الفضلاء.
4 ــ وقد كان ( الحافظ ) شمس الدين السخاوى المؤرخ عالم الحديث أعلم أهل عصره في الحديث في الربع الأخير من القرن التاسع، أى في عصر قايتباى، ومع ذلك فقد أضاعوا منصبه في مدرسة دار الحديث بالمدرسة الكاملية في بين القصرين بسبب مبدأ التوارث الذى يجعل الورثة يرثون المنصب دون كفاءة ويحرم منه صاحب التخصص والكفاءة حتى لو كان فى منزلة شمس الدين السخاوى. يقول ابن الصيرفي: ( وقع لصاحبنا الحافظ شمس الدين السخاوي معه،( أى مع الشيخ ابن صالح الأزهرى) المجذوب بحضورى ،( أى بحضور ابن الصيرفي) فكان أمراً عظيماً ، وهو أن الشيخ شمس الدين المذكور أخذ درس الحديث بالمدرسة الكاملية بين القصرين التى هى دار الحديث عن الشيخ كمال الدين ابن إمام الكاملية المذكور بحكم وفاته وله أولاد ثلاثة رجال من الناظر الشرعى له به، فوقف أولاد الشيخ كمال الدين ينازعون في وظيفة والدهم، ووصل أمرهم للمقر العلائى ابن خاص بك وللمحتسب ولحاجب الحجاب وللسلطان وعجزوا أن يأخذوا الوظيفة من السخاوى ،لأمور ،منها أن الحق صار له وأنه من أهل التحدث ( الحديث ) بخلافهم،( أى بخلاف أولاد الشيخ كمال الدين)، ومنعوه ثم تعصبوا عليه ثم رسم له السلطان بكتابة توقيع باستقراره في وظيفته ومنع من يعارضه، وانقطع اليأس (هنا خطأ وقصده انقطع الرجاء) من الوظيفة لأولاد الشيخ كمال الدين، واتفق حضور صاحب الترجمة (يقصد ابن صالح الأزهري المجذوب) في ختمة قريبة بجامع الغمري وحضر فيه جمع جم ومن جملتهم الشيخ السخاوى فقال له: لا تغتر بأنك أخذت الوظيفة من أولاد فلان، عُد (أى أعد لهم) وظيفتهم، وإلا فنحن بعد يومين أو ثلاثة نأخذهم لهم، فما مضى ما ذكره، حتى رسم لهم بأخذ الوظيفة بمساعدة خوند وجوهر المعينى الساقي، وما ساع الشيخ شمس الدين السخاوى إلا الامتثال وأعذر( أى اعتذر لهم ) فيها وترك حقه.).وقد ذكر السخاوى هذه القصة في تاريخه الضوء اللامع 3/85، 8/438.
5 ـــ وقد يحدث صراع بين المشايخ بسبب الأراضي الزراعية وملكيتها واستئجارها والانتفاع بها . وهناك قضية من هذا النوع حدثت يوم الثلاثاء7 شوال 876 وعرضت بحضور السلطان وحضور قضاة القضاة ونوابهم، وكان صاحبها الشيخ برهان الدين العجلوني الذى جاء من القدس بسبب هذه القضية، وقد أورد ابن الصيرفي وقائع هذا المجلس من خلال حضوره فيه . يقول عن الشيخ برهان الدين العجلونى أنه (إستأجر من وكيلين عن أميرين بالشام قطعة أرض مدة معلومة ، وحكم بها حاكم شرعى، وتوجه ليزرعها فوجدها مزروعة لغيره، فأخذ من الذين زرعوها مقاسمته على عادة البلاد الشامية، فحضر الأميران اللذان وكلا الوكيلين إلى القدس وسألا عن ابن العجلوني فاجتمعا به وطلبا منه المال الذى استأجر به الأرض، فأجابهم : أثبتوا . فحصل عندهما قهر منه فعزلا الوكيلين، فلما حضر إليه الوكيلان وطالباه بالمال قال لهما: أنتما معزولان من التوكيل، فقام عليه ناظر القدس الذى هو محمد الشامى وجماعته وحضر فخاصمهم ووصل إلى القاهرة فشكى عليه من عند الأمير قانبك الداودار الثاني، وكان جالساً في مجلسه فقال له: قم اسمع دعوى غريمك أو وكّل، (أى اتخذ وكيلاً أو محامياً ) ، فغاظ وشاط وقال: أنا رجل عالم ما أكرم ؟، فلم يلتفت لكلامه ورسم عليه، فنزل من المقعد ،وسمع للدعوى ،مع أن المذكور من أهل العلم ،غير أنه خفيف العقل أهوج، فوقف للسلطان يشكو من الداودار، ويذكر عنه أنه سفيه وأنه كذا، ويقول السلطان ما يحل له أن يوليه ناظر القدس لأنه ضيع أوقاف القدس ،ويحط على علماء مصر ، ويقول أنهم ما يعرفون شيئاً من العلم، وأن السلطان مأكله حرام ،هو وجميع من في رعيته ، وأن السوهاجي حكم عليه بدفع المال، فأخرجه عن دائرة الإسلام بحضور السلطان وغيره، فلما عقد المجلس في هذا اليوم المذكور قال السلطان لرئيس الدنيا كاتب السر: أنت تأكل من حرام، وقال القضاة أنتم ما تعرفون شيئاً، هذا قال عنكم، أى ابن العجلوني، وقال عن ناظر القدس أن ولايته ما تحل، فقال السلطان نصره الله: هو لوطي أو زاني ويشرب الخمر، فرسم بنفيه في جنزير إلى القدس، فتدخلوا عليه بسبب ذلك ، ( أى تشفعوا فيه ) حتى بطل النفي. ووقع الثناء على الدودار الثاني وأحكامه وعدله في مجلس السلطان. ). فالشيخ العجلونى أكل حق الأميرين بالشام ثم حضر للقاهرة مقبوضاً عليه، ومع ذلك هاجم السلطان والعلماء، وانتهى أمره بالنفي ولكن تدخل أولاد الحلال وأبطلوا النفي.
6 ــ وحدث نزاع بسبب عقار وأموال، كان بطله قاضى القضاة محيي الدين بن الشحنة وذلك يوم 3 محرم 875 يقول ابن الصيرفي : ( وفيه ختم على حمام قاضى القضاة الحنفي المحب بن الشحنة المجاور لمنزله، وسبب ذلك أن الحنفي اقترض من شخص من نوابه، (أى من القضاة الأحناف التابعين له .! ) يسمى محمد إبن الدهانة أربعمائة دينار ، ورهن عنده الحمام المذكور. ثم عرف ابن الدهانة الذى استدان منه ابن الشحنة، أن ابن الشحنة رهن نفس الحمام عند تاجر من قبل، فاشتكى قاضى القضاة ابن الشحنة عند الأمير تغري بردى خازندار الداودار الكبير، وله به معرفة، فأوصله إلى أستاذه الداودار الكبير، وصمم الداودار الكبير على أخذ المكان. ووجدها فرصة الشيخ سعد الدين الديري ليسعى في قضاء الحنفية، ويكيد للشيخ ابن الشحنة، وقد بذل رشوة في ذلك المنصب قدرها ثلاثة آلاف دينار.). نحن هنا لسنا أمام قضاة بل مجموعة من الأفّاقين والنصّابين المحتالين .. ولكنهم يمثّلون بكل صدق شريعتهم السّنية ، ويطبّقونها بكل إخلاص ، وبهم وبها تأكّد الظلم ..
ونعود الى القاضى مؤرخنا إبن الصيرفى الذى ننقل عنه ، فبعدها بأيام ، وفي يوم الخميس 6محرم 875 كان هناك نزاع على ورثة قاضى القضاة حسام الدين بن حريز بين أولاده وأولاد أخيه وأخيه سراج الدين، وعقد مجلس للصلح بينهم في بيت كاتب السر ابن مزهر الأنصاري وانتهى أمرهم على غير شيء.!!.
7 ــ وقد وقعت خصومات بين المشايخ بسبب النساء. ففي شهر صفر 876 وقع نزاع بين القاضى عز الدين العيسي والشيخ شمس الدين الجوجري الشافعي كعادتهما، حسبما يقول ابن الصيرفي ووقع بينه وبين الشيخ شمس الدين الجورجي مخاصمة كعادتهما ، وترافعا عليه أنه قذف زوجته وأساء عليه ، وثبت ذاك عنده فأمر بحبسه ماشياً إلى البرج بالقلعة.
وفي يوم 13 جماد الثاني 876 حدث أن قاضى القضاة الشافعية السابق أبو السعادات البلقيني شكته زوجته وبنت عمه بنت البلقينى للسلطان بإغراء أخيها الشيخ صلاح الدين البلقينى فأرسل إليه السلطان واستحضره وأخافوا أهل منزله، وعقد لهما مجلس ببيت ابن مزهر كاتب السر، وحضرته زوجة قاضى القضاة أبى السعادات(.. وسألها كاتب السر، عن شكواها، فادعت أنها استدانت له مائتى دينار وخمسين ديناراً وأنها كلما طالبته بذلك يأسى عليها ولم يدفع لها شيئاً، فرسم لها أن يحضر غداً تاريخه في بيته ويحضر الشيخ جلال الدين بن الأمانة ويقضى بينهما في ذلك على الوجه الشرعى).ويقول ابن الصيرفي معلقاً على ذلك: ( فانظر إلى إهانة القضاة والعلماء والأصلاء .!! وانظر إلى النساء وكيدهن.!! وانظر إلى حقارته ودناءة نفسه كيف أبقاها في عصمته .!! ما ذاك إلا عدم عقل، فالله المستعان..!!).
8 ــ وقد يحدث التنازع بسبب رغيف خبز وطبق طعام.
في يوم الاثنين 3 ربيع الثاني 877، قبل سفره للشام أقام الداودار الكبير مأدبة حافلة للطلبة في جامع الأزهر على أمل أن ينتصر على شاه سوار، يقول بن الصيرفي :( صنع عظيم الدنيا أمير سلاح الداودار الكبير وباش العسكر المنصور ومع ذلك ــ نجاه الله من المهالك ــــــ معروفاً عظيماً للفقراء ( أى الصوفية ) القاطنين بجامع الأزهر في كل يوم من الخبز ألفاً ومائتا رغيف وطعام يطبخ لهم في كل يوم فجزاه الله خيراً ، وتقبل منه. ثم أنه بعد سفره تخاصم أهل الجامع فيما بينهم وصاروا يرافعون بعضهم ويقولون: هذا له وظيفة، هذا له قراءة، حتى بطل ذلك. والأمر بيد الله المالك.) بينما كان يتنازع الآخرون على المناصب والعقارات والأموال فإن الطلبة في جامع الأزهر كانوا يتنازعون على الرغيف.. حتى أضاعوه.
9 ــ هو مجتمع من الزبالة .كان يقوده شيوخ من زبالة المجتمع المصرى فى عصر قايتباى.
ولكن ما لبث أن أعادت الوهابية لمصر ( عصر الزبالة ).!
أخيرا: الوهابية دين الزبالة الأرضية
1 ــ عشت عصر عبد الناصر (المستبد العلمانى) ، ولا تزال الأفلام السينمائية المنتجة فى عهده تعكس واقع الحياة الاجتماعية وقتها. كان الفساد هامشيا وممثلا فى ( الحرامى ) وهو النشّال فى الاتوبيس والمحتال فى القطارات والمرتشى فى بعض المصالح الحكومية. وكان الانحلال الخلقى هامشيا مع إن فستان الأنثى كان يرتفع أحيانا فوق الركبة ، وكانت فساتين السهرة تكشف معظم الصدر والأكتاف، وكانت المصايف تعجّ بالمايوهات من القطعة الواحدة والقطعتين . وكانت لقاءات العشّاق والمحبين علنية حول النيل وفى المنتزهات وفى دور السينما تلاحقها الدعوات لهم بالزواج والاستقرار وليس باللعنات والاستنكار. وكان القبطى المصرى يمارس دوره الدينى والسياسى والاجتماعى بحرية، ولم يكن الحضور فى المساجد والكنائس كثيفا إذ إنشغل الناس عن المسجد والكنيسة بالمشروع القومى الناصرى . كان الأزهر بمناهجه المتخلفة المنتمية للعصور الوسطى معزولا عن التأثير الهائل فى المجتمع ، وكانت كتبه الصفراء العتيقة لا تخرج عن جدران التعليم الأزهرى ، لم تكن بعد قد إنتشرت وامتدّت الى المجتمع وأصبحت أكثر بياضا وأكثر تأثيرا وإنتشارا.وكنا ونحن طلبة فى التعليم الأزهرى فى الستينيات نشعر بغربتها عن المجتمع ، ونحسّ بالعار من قراءتها. كانت نغمة التدين خافتة وشأنا شخصيا لا يتدخّل فيه أحد ، ولا يتاجر به أحد. لم يكن هناك نفاق دينى ولا تدين سطحى مسيطر ولا وجود للإنحراف الدينى سياسيا وإقتصاديا ، لذا كانت الأخلاق أكثر تطهرا والمعاملات أكثر رقيا ، والعلاقات أكثر صفاءا. كل ذلك بسبب قلة تأثير الدين الأرضى فى حياة الناس.
2 ــ تسللت الوهابية منذ عصر السادات الى أن تحكّمت فى المجتمع المصرى ، فهبطت به الى الحضيض فى الاخلاق والسلوكيات والعلاقات . ساد الفساد وأفسد العباد ، إزدهر الفساد الخلقى بإزدياد جرعة الدين الوهابى وسيطرة الكنيسة على أتباعها والتكاثر المضطرد فى عدد المساجد والكنائس فى كل حارة وشارع وقرية ، ومع تغلغل التعليم الدينى فى التعليم العام ( العلمانى ) وفى مراحل التعليم الأزهرى من الحضانة الى الابتدائى والاعدادي والثانوي والجامعات الاقليمية التى تغطى الآن قرى ومدن العمران المصرى ، وإزدهار مماثل لمدارس الأحد ومؤسسات التعليم الكنسى حيث وجد المسيحى المصرى فى كنيسته ملاذا وعوضا عن الغربة التى يعانيها فى وطنه طالما يعجز عن الهجرة من وطنه. انتشر النقاب والحجاب واللحية والجلباب ومعها الانحلال الخلقى الجنسى العادى والشّاذ و إدمان التحرش الجنسى العلنى وسوء الاخلاق والبلطجة العلمانية والسلفية ، وإنتشر مع هذا النفاق إدمان هائل يتركّز فى أن يعذّب الناس بعضهم بعضا وأن يتحرّش بعضهم بعضا ، فى الشارع وفى المصالح الحكومية وفى المؤسسات الخدمية من مدارس ومستشفيات وفى وسائل المواصلات ووسائل الاعلام. وانعكس هذا على الشوارع والطرقات والأحياء والقرى المصرية ، فالفلاح يتعمّد حرق قش الأرز ليلوّث الجوّ ، ويتعمد الناس صرف المجارى فى النيل ليلوثوا ماء الشرب ، ويتعاون الجميع فى الإثم والعدوان لترتفع جبال الزبالة فى كل مكان دليلا على سمة هذا الجيل المصرى، فهو( جيل الزبالة ) أو( جيل زبالة ). هى زبالة فى القلوب ، وزبالة فى السلوك ، وزبالة فى البيئة والطريق.هذه الزبالة هى التعبير الواضح عن تحكم الوهابية السّنية وقادتها من (الزبالة البشرية ) فى الدعوة وفى العمل السياسى .
3 ــ هذه الزبالة بإختصار هى الوهابية السّنية .
4 ـــ و... آه من مجتمع يعيش ويسير متدثرا بالزبالة الأرضية أو بالوهابية ..!!
1) الهصر: 247، 502، 503، 337: 338، 341، 342، 224، 237، 238، 260، 266: 268، 235، 238، 239، 240، 129، 169، 201.
- الهصر: 360، 207" 208، 266، 458: 460، 417: 418، 189: 190، 191، 230، 365: 366، 488.
الفصل الثانى عشر : إبن الصيرفى قاضيا ظالما ومؤرخا ظالما
إبن الصيرفى قاض ظالم
1 ـ هناك ظالم بنفسه وظالم لنفسه. الظالم بنفسه هو المجرم الآثم ، والظالم لنفسه هو الضحية المظلوم الذى رضى بالظلم فلم يقاوم ولم يهاجر من بلاد الظلم الى أرض الله الواسعة ليمارس حريته وكرامته فى المدى المتاح له من عمره .الظالم بنفسه المجرم الآثم هو ايضا نوعان :الذى يقترف الظلم بنفسه وبأعوانه،ثم الذين يدافعون عن الظالم ويهللون له ويباركون ظلمه ويؤيدونه ضد المظلومين. وقد عايشنا مسيرة الظلم المملوكى فى تطبيق السلطان قايتباى للشريعة السّنية المؤسسة على الظلم بالنقل عن مؤرخنا القاضى إبن الصيرفى، ورأينا موالاته للسلطان قايتباى ونظام حكمه كأحد أدوات هذا النظام بحكم عمله قاضيا.
2 ــ وإبن الصيرفى لم يتحدّث فى تاريخ ( إنباء الهصر بأبناء العصر ) عن نفسه وسيرة حياته بإعتباره ضمن أبناء العصر الذين يؤرّخ لهم، فمع أنه سجّل أحداث المجتمع بالتركيز على أخبار السلطان وأخبار الفقهاء والقضاة وأرباب السلطة فلم يخبرنا عن نفسه ، وهو أحد المشاركين فى أحداث العصر. كانت هناك قضايا وأحداث شارك فيها، ومجالس للحكم القضائى حكم فيها ولكنه لم يخبرنا بها،ولم نعرف موقفه منها، أى إنّ (المؤرخ ابن الصيرفى) كتم عنّا عمدا ما فعله (القاضى إبن الصيرفى).!.
وقد عرفنا مما كتبه أن تعيين القضاة وإصدارهم لأحكامهم كان قائما على الرشوة والتزوير والمحسوبية والجهل والوراثة. وبالتالى فإنّ إبن الصيرفى لم يشذّ عن هذا السياق الظالم. وبالتالى فإنه أغفل تسجيل ما كان يدور فى مجلس حكمه وتسجيل ما شارك فيه من أحداث حتى لا يفضح نفسه، أى إكتفى بتسجيل مساوىء الآخرين وكتم مساوئه ، ونشر فضائح الآخرين وأغفل فضائحه . وحتى فى القضية الوحيدة التى ذكرها عن تزويجه طفلة يتيمة من بلطجى نعرف أنه كان ظالما حين إختار أن يزوّج طفلة لهذا البلطجى المجرم ، بل أنه تحامل على أهل بولاق لأنهم إنتصروا للطفلة المظلومة ووصفهم بالغوغاء . وفى النهاية فإنّ ابن الصيرفى واحد من طبقة القضاة الذين كانت وظيفتهم الظلم . وبالتاى فقد باشر الظلم بنفسه قاضيا ، فى دولة تطبّق شريعة الظلم ، وكان هو من آلات تنفيذ هذا الظلم . أى إن إبن الصيرفى هنا هو ( ظالم بنفسه ) شأن السلطان قايتباى. وكان أيضا مواليا للظالم الأكبر قايتباى ، وهذا يسنلزم توضيحا وتأكيدا.
إبن الصيرفى مؤرخ ظالم :
1 ــ وإبن الصيرفي في تاريخه "أنباء الهصر" تنكّر لوظيفة المؤرخ الأمين، وغلبت عليه صفة القاضى المملوكي وولائه للسلطان الظالم، فانبرى يدافع عن ظلم السلطات المملوكية ويبرر أخطاءها فخان ولاءه للحقيقة التاريخية وخان انتماءه للشعب الذى أنجبه، وكان يرجو منه ومن أمثاله أن يقولوا كلمة حق وأن يرفعوا لواء القسط. لقد رأينا الصيرفي وقد جعل السلطان قايتباى كعبة يطوف حولها عابداً خاشعاً ، وهو بذلك لا يمثل القاضى المملوكي فحسب وإنما يمثل فقهاء السلطة في كل زمان ومكان، خصوصاً إذا كانت تلك السلطة دينية عسكرية تتفرغ للعسف بالناس باستخدام الفقهاء والكهنوت الدينى .ومن هذا الموقع يكون أولئك الفقهاء والعلماء شركاء للسلطة العسكرية فى ظلمها ، يبررون أخطائها ويدافعون عن ظلمها، وأهم من ذلك كله يعطونها الصفة الشرعية لكى ينتشر الظلم آمناً من كل شبهة للاعتراض والانكار إلى أن يصبح ممارسة الظلم نوعاً من أنواع التدين.
2 ــ والخط العام في آراء الصيرفي هو تبرئة السلطان قايتباى من المظالم التى وقعت في عهده وتحميل المسئولية للأعوان الذين لا يبلغون السلطان بالحقيقة. وذلك منهج معروف وشائع في التبرير لم يخترعه ابن الصيرفي ولم يكن آخر من سار فيه، إذ لا يزال مفتوحاً وممداً أمام سدنة الحكام الظلمة في كل زمان ومكان.
وقد ذكر ابن الصيرفي المظالم التى ظهرت عام 873 وازدادت وطأتها بظهور المجاعة والطاعون، وحرص في نفس الوقت على تبرئة سيده قايتباى فقال: ( والسلطان ــ نصره الله ــ ما يظن أن من ولّاه من الوزراء والاستادراية والكشاف ومشايخ الأعراب يصلون إلى هذا الحد الفظيع.). وينسي ابن الصيرفي مسئولية السلطان الكاملة، فأولئك الظلمة قد عيّنهم السلطان بعد أن دفعوا، "البذل" "والبرطلة" أى الرشوة، ولابد بعد أن اشتروا المنصب أن يستردوا من الناس أضعاف ما دفعوا، وإذا تطرف أحدهم في سلب الناس كان السلطان يصادره ويستصفي أمواله تحت التعذيب، وقد كانت له "شرطة سرية" وعيون تتبع أصحاب الثروات من أرباب الوظائف بل والتجار، وحتى إذا مات أحدهم كانوا أسرع من الورثة إلى اقتناص نصيب السلطان في التركة والويل لهم إذا أخفوا شيئاً عن السلطان، ورأينا طرفاً من ذلك، فكيف يأتى ابن الصيرفي بعد أن أورد لنا بنفسه هذه الأخبار ليدافع عن السلطان بأنه ما كان يعلم. والشاعر يقول :
|
إن كنت لا تدرى فتلك مصيبة |
وإن كنت تدرى فالمصيبة أعظم |
ولكن السلطان قايتباى كان يعلم ، وكان يتصرّف على أساس علمه حتى لو أدى تصرّفه إلى موت الضحية تحت سياط التعذيب، وابن الصيرفي نفسه ذكر أن السلطان عذّب يحيي بن أبى الفرج حتى تقطّع لحم جلده ومات، وكل ذلك حتى يعترف بما خبّأه من أموال يمكن أن يستحوذ عليها السلطان، يقول ابن الصيرفي عن ذلك الأمير التعس وما قال له : ( أذكر من لفظة أنه صودر تسع عشرة مرة.. واستمر على ذلك إلى أن صادره الملك الأشرف قايتباى أول مرة وثانية. وهو معذور فيه، فإنه يدعى فقراً .) أى فالسلطان معذور في رأي ابن الصيرفي إذا قتل ذلك الأمير السابق الذى باع كل ما يملك، فإنه يدعى فقراً والسلطان يعتقد أنه يدعى فقراً ولديه معلومات أنه لا يزال يخبئ أموالاً له ولا يريد أن يستحوذ عليها، لذا فهو معذور أن قتله تحت السياط. أى كان السلطان يعلم، وربما يعلم (أكثر مما ينبغي )، وكان يظلم ويعذّب الضحية تحت مسئوليته .ولم يكن أعوانه إلا منفذين لأوامره، ولم يكونوا إلا سوطاً لظلمه. وذكر ابن الصيرفي ما حدث لمجاهدى ادكوا حين هزموا مركباً افرنجياً واستولوا عليه وسلبهم الأمير قجماس حقوقهم، فجاءوا يستغيثون بالسلطان فاعتقلهم مع الأسرى الفرنجة وضربهم وأهانهم وحزن الناس من أجلهم، ولا يخفي الصيرفي حزنه من أجلهم ولكن لا ينسي مع ذلك الدفاع عن سيّده قايتباى فيقول: ( فما هان على غالب الناس ترسيم على أهل ادكو فإنهم مجاهدون صلحاء وصنعوا جميلاً غير أن مولانا السلطان نصره الله غُطّي عليه أمرهم.).ولا يملّ مؤرخنا من ترديد نفس الحجة وهى أن السلطان لا يعلم، فهو يتحدث عن مظالم 875 وآثارها السيئة على الناس فيقول: ( وأما الناس فصاروا ثلاث أثلاث، الغني افتقر والمكتسب ما يفي بنفقته، والفقير فبعد أن كان يسأل في الرغيف صال يطلب لُبابة... وأما غير ذلك فمن جهة: الظلم والجور والأحكام الباطلة وانتهاك حرمة الشرع وبهدلة القضاة والفقهاء وعدم نصره المظلوم، وفشا هذا الأمر وانتشر.) ثم يسارع بتبرئة سيده قايتباى ، فيقول : ( وفي الواقع فسلطان مصر الملك الأشرف أبو النصر قايتباى نصره الله، سلطان عظيم شجاع ، فارس معدود من الفرسان، ديِّن عفيف الفرج.. وله ورد في الليل من صلاة وقيام.. ولو بلغه المقربون لحضرته ما يحصل على المظلومين.. لا نصف المظلومين من الظالمين.)
3 ــ وابن الصيرفي كان من ذلك الصنف الوضيع من كلاب السلطة الذى لا يكف ولا يكتفى بالدفاع عن أسياده ، بل يهاجم في نفس الوقت الأحرار الذين يجرءون على قول كلمة حق أمام السلطان الجائر، ونعرف هذا من نقل المؤرخ ابن الصيرفي لمجلس سلطانى حضره، وكان جميع الحاضرين يأملون أن يسقط السلطان غير المستحقين للنفقة من المماليك الأثرياء بينما يريد السلطان أن يوافقه الجميع على أخذ أموال الأوقاف والتجار، ولم يجرؤ ابن الصيرفي على مواجهة السلطان بالحق، وحين تحدث أحد القضاة بالحق أمام السلطان أفصح عما يعتمل في نفوس الجميع عاقبه الصيرفي فحرمنا من معرفة اسمه وصفته حقداً منه على ذلك القاضى الشجاع، يقول ابن الصيرفي يصف ذلك المجلس: ( فتكلم بعض القضاة بأن الظلم لا يجوز في ملّة من الملل، لأنه قصد بذلك السلطان، لأنه بلغه عنه أنه يريد أن يأخذ فائض أموال الأوقاف وأموال التجار، ثم أن القاضى المذكور أخذ يقول أن السلطان له النظر العام ينظر فيمن يستحق يبقيه في الديوان، ومن لم يستحق يمحوه من الديوان، وتكلم شيخنا أمين الدين الأقصرائى بكلام ساعد فيه القاضى المذكور وعضّده..). احتفل ابن الصيرفي بشيخه الأقصرائي حين تشجّع (وعضّد القاضى المذكور) في كلمة الحق.. أما ذلك (القاضى المذكور) الذى بدأ بقول الحق فقد تحول إلى نكرة في تاريخ ابن الصيرفي الذى حفل بآلاف الأسماء والألقاب، والسبب أن القاضى المذكور الذى لا نعرف اسمه ــ مع شديد الأسف ـــ تشجع وقال كلمة حق أمام سلطان جائر في وقت جبُن فيه ابن الصيرفي.
4 ــ وابن الصيرفي عاصر مؤرخاً مشهوراً هو جمال الدين أبو المحاسن بن تغري بردى الذى كان حاداً في هجومه على قايتباى وأمرائه، وسلك في ذلك طريقة أستاذه المقريزي في تاريخ "السلوك". وقد استشهد ابن الصيرفي بفقرات طويلة من تاريخ أبى المحاسن موافقاً إياه في الجميع إلّا ما فيه انتقاد للسلطان قايتباى والداودار الكبير يشبك. عندها نجد ابن الصيرفي يتجرد دفاعاً عنهما وهجوما على المؤرخ أبى المحاسن ،مع أن ابن الصيرفي كما يظهر في أغلب ما كتب كان أقرب للهدوء والمسألة، ولكنه كان يخرج عنهما إلى العنف إذا هوجم أسياده المماليك.
5 ــ كان إبن الصيرفى تابعاً وفياً للسلطان الذى لم يأبه به ولم يعلم عنه شيئاً ذا بال. فإن ابن الصيرفي نفسه يذكر أن قايتباى حين استعرض القضاة واحداً واحداً أثناء أزمته مع القضاة استفهم عن ابن الصيرفي وسأل عمن عمله قاضياً . أى كان ابن الصيرفي في سلطنة قايتباى مجرد كومبارس ممن يدخلون عليه مع كبار القضاة الأربعة وفي خدمة قاضى الحنفية باعتباره تابعاً لابن الشحنة قاضى القضاة الحنفية ثم من جاء بعده، ولم يكن قايتباى يهتم كثيراً بمجئ قضاة القضاة ومشايخ الإسلام حسب تعبير ابن الصيرفي، لم يكن يهتم كثيراً بمجيئهم إليه يهنئونه بأول كل شهر عربي إلا إذا أراد استخدامهم لغرض من أغراضه، فكيف يهتم بأحد القضاة من الدرجة الثانية كابن الصيرفي. ومع ذلك اتخذ ابن الصيرفي من قايتباى كعبة يطوف بها ، ويخرج عن طبيعته الهادئة المسالمة ليهاجم من ينتقد ذلك السلطان مثلما فعل مع المؤرخ جمال الدين أبى المحاسن.
6 ــ حين ترجم إبن الصيرفى للمؤرخ أبى المحاسن في سنة وفاته 874 ملأ الترجمة بهجوم لاذع عليه بعد موته. ولم يكن يجرؤ على إنتقاده فى حياته حين كان خادما له ، فقد إعترف إبن الصيرفى بأنه كان خادماً للمؤرخ أبى المحاسن، يصفه فيقول عنه:(مخدومنا) . وبعد موته أخذ إبن الصيرفى يهاجم سيده ومخدومه السابق أبا المحاسن بسبب انتقاد أبى المحاسن للسلطان قايتباى في تاريخه، فكان ابن الصيرفي ينقل هجوم أبى المحاسن على قايتباى ليرد عليه.
6 ــ وننقل بعض الشواهد :.
6 /1 : في أوقات المجاعة والطاعون ترك السلطان القاهرة وذهب يتنزه في الشرقية والغربية والبحيرة حيث يتبعه عسكره أفواجاً وترد عليه الهدايا تباعاً، وبعد أن هلل ابن الصيرفي للسلطان في هذه الرحلة أورد رأى أبى المحاسن فيها، ونقل قوله عن السلطان:(ولم يظهر لسفره في هذه الأقاليم الثلاثة نتيجة،بل شمل الخراب غالب قراهم من النهب والكلف،ولم يفتكوا بمفسد ولا ردعوا قاطع طريق، بل كان دأبه أخذ التقادم،(أى الهدايا) والانتقال من بلد إلى آخر من غير فائدة، بل الضرر الشامل. فلما علم المفسدون منه ذلك طغوا في الناس وزاد شرهم وقطعوا الطريق..حتى أن بعضهم كان يفعل ذلك بقرب وطاق(أى خيمة) السلطان مع بعض حواشيه وأعوانه، وهو فيما هو فيه، فوقع بذلك غاية الوهن في المملكة، وآيس الناس من منع ظلم العرب، (أى الأعراب)، لهم وقالوا إن كان السلطان ما أزاله عنه فمن بقي يزيله.). وسارع ابن الصيرفي بالرد على أبى المحاسن يقول:( وقلت وهذا الكلام الذى ذكره الجمال مردود من وجوه، لأن السلطان نصره الله إذا توجه بنفسه إلى بلد أو قرية ضروري أن أهل تلك البلاد من المفسدين وغيرهم يفرون منه.). وذلك دفاع هزيل.
6 / 2 : إلا أن مساوئ تلك الزيارة السلطانية للدلتا امتدت للقاهرة، فأثناء غياب السلطان عن القاهرة زاد الغلاء، وانتهز أعوانه غيابه فقطعوا عن الناس ما اعتادوا من توزيع الأضحية في عيد الأضحى ويعترف ابن الصيرفي بذلك فيقول: ( وكان هذا العيد أشبه بالمآتم لما طرق الخلق من الحزن والكآبة وقبض الخاطر، وافتقر بذلك الغلاء خلائق من الأعيان، وقال الجمال يوسف بن تغري بردي المؤرخ في تاريخه:هذا والسلطان دائر بتلك الأقاليم في هوي نفسه ، وأنه أخذ الأموال والتقادم من الناس حتى من كبار فلاحى البلاد، ويتوجه بنفسه إليهم حتى يأخذ تقدمتهم، ولم يكن في سفرة السلطان هذه مصلحة من المصالح بل المضرة الزائدة ، ولا سيما على الفلاحين وأهل القري فإنهم شملهم ضرر الأعوان لأخذ الأحطاب، وكانوا إذا لم يجدوا حطباً أخذوا أبواب البيوت، وفعلوا ذلك بغالب الأرياف والطواحين، وبالغوا حتى قالوا فعلوا ذلك بأبواب المساجد، انتهى كلامه، قلت أقسم بالله لولا وجود هذا السلطان نصره الله في الوجود، وحرمته التى ملأت الأقطار والأمصار ودوسه البلاد وإرساله التجاريد، (أى الحملات) ويقظته التامة لرأى الناس والعياذ بالله، الموت عيانا.).أى أن إبن الصيرفي حين أعوزته الحجة للدفاع عن السلطان لجأ للقسم بالله، وعندى أنه حانث..
6 / 3 : ودافع ابن الصيرفي عن الداودار الكبير الرجل الثاني في الدولة، وحين قال عن السلطان قايتباى : (ولو بلغه المقربون لحضرته ما يحصل على المظلومين.. لأنصف المظلومين من الظالمين سارع بعدها فقال ليبرئ الداودار الكبير حتى لا تلحقه تهمة عدم إبلاغ قايتباى بالحقيقة ، فيقول : ( وأمّا عظيم الدنيا وصاحب حلّها وعقدها المقر الأشرف الكريم العالى السيفي أمير داودار الكبير وما مع ذلك- عظّم الله شأنه، فما عنده من يعلمه بهذه الأمور.).ولكن ينسي فيناقض نفسه حين يذكر حادثة القبض على صبي صغير برئ ليكون رهينة حتى يستحوذوا من أمه على التركة التى خلفها أبوه، ويذكر أن ذلك تم بأوامر من الداودار الكبير، يقول: ( فقبضوا لى ولده الصغير الذى ليس له سواه، وعمره أقل من عشر سنوات، ورسم عليه لأجل أخذ المال بأمر الأمير الداودار الكبير. وإلى الله المصير.). ولا ننسى تلك (الصفات الحسنى) التى أضافها الصيرفي للداودار الكبير خصوصاً بعد أن زاد نفوذه وتولى الوزارة والاستادراية واعتقل خصومه وطاردهم، يقول : ( والذى يظهر لى أن أمر هؤلاء الممسوكين جميعهم راجع إلى رأى الأمر المعظم لمكرم وعظيم الدنيا الداودار الكبير فإنه صار مدبر المملكة ومشيرها ونظامها وصاحب حلها وعقدها والمتصرف فيها.).
7 ــ ويلاحظ أنه كلما زادت سلطات الداودار وزاد طغيانه زاد إبن الصيرفي من إضافة الألقاب إليه وزاد في الدفاع عنه والهجوم على منتقديه. فالدوادار الكبير حين ضم إليه الوزارة أناب عنه "قاسم جغيته" في الوزارة ليتكلم باسمه وليتحمل عنه سخط الناس، وتنفيذاً لأوامره قطع قاسم أرزاق الناس،وأورد الصيرفي هجوم المؤرخ أبى المحاسن وقوله:( واستمر الحال على ذلك أياماً كثيرة والناس منه في وجل وخوف من تناول المرتبات الكثيرة، أما من قنع وعفّ وكفّ عن ذلك فهو في أمان من الداودار وغيره).وذنب المؤرخ أبى المحاسن أنه أوضح أن الداودار يشبك هو أساس البلاء، وليس قاسم جغيته الذى ينفذ الأوامر بقطع المرتبات. لذا يسارع الصيرفي بتجريح أبى المحاسن فيرد عليه: ( قلت: أقسم بالله لو قدر أن يرتب للجمال المذكور،(أى المؤرخ أبى المحاسن) في راتب اللحم.. زيادة على ما بيده.. لقبل ذلك.. لكنه لم يصل إلى ذلك.).
8 ــ وطريقة ابن الصيرفي هى انتقاد نائب الوزير قاسم جغيته الذى لا خطر في الهجوم عليه والذى يتعرض للعزل والسجن والضرب من أسياده المماليك، وفي نفس الوقت يقوم الصيرفي بتبرئة الداودار الكبير ويمدحه. بل أنه حين ورد خبر تولى الداودار الوزارة وتولى قاسم النيابة عنه فيها على أساس توفير المرتبات وقطع أرزاق الناس فإنه يهاجم الجميع ما عدا الداودار الكببر، يقول عن الداودار الكبير: (واستقر في الوزارة عوضاً عن الحاج محمد الأهناسى بحكم القبض عليه وعزله، ولعجزه وخموله وظلمه وخسفه ورقاعته، ولا ذا بذاك.) أى لا وجه للمقارنة بينه وبين الداودار يشبك، ثم يقول عنه: (حين جلوسه طلب قاسم جغيته المعزول عن الوزر، ( أى الوزارة ) قبل تاريخه وأمره بالتحدث على الوزر، فإنه عرّف الأمير الداودار ــــ نصره الله ـــ أنه يوفر من مرتبات أولاد الناس والمتعممين والأيتام وغيرهم في كل يوم كذا وكذا قنطاراً من اللحم، ولا زال يسأل في ذلك ويلح عليه ويترامى على رجليه حتى وليها .وفوض له الكلام فيها.).وبهذه الصورة يحاول مؤرخنا تبرئة الداودار من قطع أرزاق الناس ويلصقها بقاسم جغيته ثم يمدح الداودار لقبوله منصب الوزارة فيقول : ( ولقد زاد منصب الوزارة بهذا الذى وليه رتبة سنية وسعداً مستمراً فإنه أهل للسعادة وزيادة.).
ثم يلتفت إلى قاسم جغيته يهاجمه: ( وفي الحال شمّر قاسم جغيته ساعده في قطع رواتب العسكر والأجناد ممن له زيادة على عادته وكلهم زيادة وأما المتعممون، أى المشايخ فشنع فيهم أى بالغ في قطع أرزاقهم، بل أنه طالبهم بما أخذوه بأثر رجعي، يقول "وليتهم سلموا من المطالبة بما تناولوا قديماً، ووقع الترسيم أى الاعتقال على جماعات منهم وألزموا بأموال جمة وهرب خلق كثير.
9 ــ وطبيعي أن الاعتقال يأتى من الداودار وليس من قاسم جغيته خادم الداودار.. ثم يذكر الصيرفي معاناته أرباب الوظائف من قطع مرتباتهم فيقول "وأما أكابر الدولة وأعيانها ومباشروها فكل منهم خائف من المصادرة.. ثم لا يجد الصيرفي منقسماً أخر لغيظه إلا في الفقراء الذين لا يملكون مرتبات تقطعها عنهم السلطة، فيقول:( مع أن جماعة ما طرق قلبهم الهم والغم وهم العوام والفقراء فإنهم يتنزهون ويتفرجون فلا بارك الله فيهم، ما أقبح فعالهم.! ) وهكذا يفجر الصيرفي غيظه في أبى المحاسن وقاسم جغيته والعوام والفقراء ، وتطيش سهامه عن الداودار الكبير والسلطان قايتباى وهما أساس البلاء.
10 ــ وقد قام ذلك الداودار بغارة على الصعيد لمحاربة الأعراب ، ثم عاد للقاهرة ومعه أسرى ورهائن من الأولاد الصغار والنساء، وكانوا في حالة تعسة. وهلّل الصيرفي لقدوم الداودار يقول: ( قدم المقر الأشرف المعظم المفخم عظيم الدنيا ومشيرها ووزيرها وداودارها الكبير وصاحب حلها وعقدها ــ من بلاد الصعيد ، وصحبته عدة من العربان ونسائهم وأولادهم نحو أربعمائة نفر ، ففروقوهم على الحبوس.)( أى السجون).
ثم أورد كلام المؤرخ أبى المحاسن ( وصل الأمير يشبك الداودار من بلاد الصعيد بعد ما نهب أهلها وبدد شملها وأخرب عدة قرى من شرقي بلاد الصعيد وأحضر معه من نسائهم وأولادهم أكثر من أربعمائة امرأة إلى ساحل بولاق في المراكب، هذا بعد أن مات منهم عدة كثيرة من الجوع ولا يعرف أحد مقصود الداودار في حبس هؤلاء النسوة.). فالمؤرخ أبو المحاسن كالمعتاد يذكر إسم السلطان والداودار بلا ألقاب تعظيم وتقديس كما إعتاد ابن الصيرفى، وهنا يذكر تفصيلات الخبر المؤلمة دون أن يرهق القارئ بألقاب ومدائح الداودار، وذكر لنا أن الأسرى نساء جوعى وليسوا محاربين، وربما ليسوا أعراباً، وإنما هم من أهل الصعيد، ثم وصف مأساتهم وموت بعضهم من الجوع والبرد، وتعجب من استحضار الداودار لأولئك النسوة.. إلا أن ابن الصيرفي لم يعجبه ذلك لأن فيه إيلاما وهجوماً على سيده الداودار الكبير، لذا انبرى يدافع عنه بطريقة الخدم فيقول "قلت ولولا وجود مثل هذا الملك الذى ملأت حرمته الأقطار على رؤوس الأشهاد وسفره إلى الوجه القبلي وتمهيده وتنظيفه من المفسدين لرأينا ما لا يطاق وصفه، والحمد لله على كل حال.
11 ــ المؤرخ أبوالمحاسن ليس مصريا أصيلا مثل إبن الصيرفى.فأبوالمحاسن وفد أبوه ( تغرى بردى ) لمصر مملوكا وترقّى حتى صار أميرا ، وأنجب فيها إبنه جمال الدين أبا المحاسن.وكان أبوالمحاسن أكثر تعاطفا مع المصريين من ذلك المصرى الوضيع إبن الصيرفى .أبو المحاسن لم يستطع كتم تعاطفه الإنساني مع النساء المصريات اللاتى جئ بهن مع أولادهن إلى القاهرة جوعي ليلقي بهن في السجون بلا ذنب، أما المؤرخ المصري "الأصل" والنشأة ابن الصيرفي فيرى في أعمال الداودار تنظيفاً للصعيد ولولاه لرأى ابن الصيرفي من نساء الصعيد ما لا يطاق وصفه.!!، لذا يحمد الله أن قام الداودار بحملته التى أسفرت عن أسرهم.
أهذا يجوز يا ابن الــ...الصيرفي.؟.
السطر الأخير
نموذج إبن الصيرفى تجده فى عصرنا، فى قضاة يحكمون بالظلم وبقوانين إستثنائية ومحاكم طوارىء وعسكرية ، وفى أجهزة الاعلام الحكومية المقروءة والمسموعة والمرئية،وفى شيوخ (أمن الدولة ) وفقهاء المواكب الراقصة بالبخور بين يدى السلطان.
عليهم جميعا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .
الفصل الثالث عشر : كائنة الشيخ البقاعي
لمحة تاريخية
1 ـــ فى حربه للتشيع وبعد إسقاطه للدولة الفاطمية أغلق صلاح الدين الأيوبى الأزهر وسائر المؤسسات الشيعية ، وإستقدم صوفية أسكنهم خانقاه سعيد السعداء، ونشر التصوف السّنى ليواجه به:التشيع، والتطرف الصوفى والتطرف السّنى معا. يواجه التطرف الصوفى فى إعلان وحدة الوجود والاتحاد بالله ــ جل وعلا ــ والزعم بحلول الله ـــ جل وعلا ــ فى الولى الصوفى ، وأيضا يحارب التطرف السّنى الذى يفرض عقائده على الآخرين أو يتدخل بزعم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى شئون الناس أو فى تصرفات الحكام . بالتصوف السنى تنحصر السّنة فى مجال التقاضى فى الأحوال الشخصية والمدنية وتكريس طاعة الحاكم المستبد ، والايمان بأولياء التصوف وكراماته وغضّ الطرف عن التدخل فى حياة الناس مهما بلغ الفجور.
2 ـــ بعد الأيوبيين ورث المماليك هذا التصوف السّنى. وباعتبارهم طبقة عسكرية مجلوبة من الخارج لا شأن لها بالخلافات الدينية بين التصوف والسنة والتشيع ولا تعرف الخلافات الدقيقة بين المذاهب السنية فقد كان المناسب لها وجود فقهاء جهلة سطحيين لا يعرفون سوى الطاعة للمستبد ، لذا راج فى عهدهم تلك النوعية من الشيوخ الذين جمعوا بين الجهل والسقوط الخلقى والوضاعة والحقارة .وقام مؤرخنا إبن الصيرفى بتسجيل بعض مساوئهم دون أن يتطرّق بالطبع لمساوئه هو الشخصية أو مساوىء سادته مثل كاتب السّر أو كبار المماليك من السلطان قايتباى فمن دونه ، بل ملأ كتابه نفاقا لهم وتعظيما لشأنهم ودعاءا لهم بالنصر. لم يكونوا ملائكة قليلة الحيلة فى غابة من الشياطين. بل كانوا عتاة الإجرام المحرّكين للمشهد والمسيطرين على الساحة ، وقد كانت بهم خاملة راكدة آسنة منحطّة.
3 ــ فى بيئة الخمول هذه سار عصر قايتباى . وكان من الممكن أن يظل عصر قايتباى يسير في طريق الجمود ويعيش في سكون رتيب لولا كائنة الشيخ البقاعى التى أحدثت هزة في تلك البركة الساكنة فاهتزت لبعض الوقت ثم عادت إلى سكونها وجمودها، وظلت هكذا تشد الناس إلى حضيض التأخر إلى أن استيقظ المجتمع المصري على زلزال الحملة الفرنسية فبدأ طريق الصحوة العلمانية الحداثية. ثم عادت مؤخرا ظلمات عصر قايتباى مع الوهابية منذ عهد السادات، ووصلت الى سدّة الحكم فى مصر تهدد حاضرها ومستقبلها.
4 ــ التطرف السّنى الحنبلى سيطر على العصر العباسى ثلاثة قرون تقريبا، من القرن الثالث الى القرن السادس ، ثم أخذ التصوف فى السيطرة إلى أن تحكم وتسيّد فى العصر المملوكى. ولكن إستيقظ العصر المملوكى مرتين على محاولتى ( ردّة ) قام بها السنيون الحنابلة لفرض دينهم السنى المتشدّد والثورة ضد التصوف السّنى المعتدل .الأولى فى حركة إبن تيميه ومدرسته في القرن السابع، وفي المرة الثانية بفعل كائنة البقاعي في أواخر القرن التاسع والتى نعرض لها هنا ، وكانت أقل من سابقتها تأثيراً مما أتاح لأعدائها أن يخمدوها مبكراً ، ثم حاولوا طمس معالمها في التاريخ فظلت مجهولة إلى أن كان لنا شرف اكتشافها في رسالة علمية ومؤلفات لاحقة.
كائنة البقاعى فى المصادر التاريخية المعاصرة لها
1 ـــ مؤرخنا ابن الصيرفي عاصر كائنة البقاعي وذكر أحداثها من موقع التحامل عليه كما فعله الآخرون ، ويبدو أنه قال بعض الحق في إنصاف البقاعي حين ترجم له في السنة التى توفي فيها وهي سنة 885، ولكن هذه الترجمة ضاعت بقيتها من الكتاب، ونبّه محقق كتاب الهصر على ضياعها دون تفسير.ولكن عندى التفسير، فقد تتبعتُ كائنة الشيخ البقاعي من خلال مصادر التاريخ المعاصرة للحدث، فوجدت بعض إشارات لها في تاريخ السخاوى "الضوء اللامع" فيما ترجمه للبقاعى بالإضافة إلى ما كتبه فيما بعد ابن إياس نقلاً عن السابقين، ورأيت في تلك الكتابات تحاملاً على الرجل يحاول طمس الحقيقة التى تلمع بين السطور.
2 ـــ وعدت إلى مؤلفات البقاعي لأفاجأ بوجود تاريخ له مخطوط كتبه بخط يده لم يكتشفه أحد من قبل ، وقد عرض فيه للحركة التى قام بها وكتب ذلك من وجهة نظره بالطبع . وكانت المفاجأة الأكبر أن أعداء البقاعي بعد موته قد عبثوا بذلك المخطوط كما عبثوا بتاريخ ابن الصيرفي، فقاموا بخلط أوراق المخطوط وكشط الأسماء التى ذكرها البقاعي عن أولئك الذين تآمروا ضده، خصوصاً اسم شيخ الطريقة الصوفية الذى قاد الحملة ضد البقاعي.. واستلزم ترتيب الحوادث التى ذكرها البقاعي في تاريخه منى وقتاً، ثم قارنتها بالأحداث التى ذكرها المؤرخون الآخرون المتحاملون على البقاعي، وخرجت بترتيب للحوادث يجعلها أكثر منطقية في ضوء الفهم الصحيح للعصر المملوكي وعصر قايتباى.
ونبدأ بالتعريف بالبقاعي:
1 ــ هو إبراهيم بن عمر بن حين، يقول عنه مؤرخنا الصيرفي "الإمام العلامة المحدث البقاعي الشافعي. اشتغل كثيراً ونبغ وفضُل . وقد ولد البقاعي بقرية خربة روحاً في البقاع بسوريا، ونشأ بها ثم دخل دمشق ، وفيها جوّد القرآن ، وجوُد حفظه ، وأفرد القراءات ، واشتغل بالنحو والفقه وغيرهما من العلوم، وتتلمذ على شيوخ عصره. ). ألى أن يقول عنه ابن الصيرفي : ( ولازم شيخنا مشايخ الإسلام قاضى القضاة حافظ العصر خادم السنة والأثر الشهير نسبة الكريم بابن حجر رحمهم الله وغيرهم من العلماء المتقدمين والمتأخرين،) أى كان البقاعى زميلا لابن الصيرفى فى التتلمذ على يد إبن حجر العسقلانى . ويستمر ابن الصيرفى فى التأريخ للبقاعى فيقول : ( وصنّف وكتب ،وضبط أسماء الرجال، وخرّج في الحديث العالى والنازل، ورقّاه قاضى القضاة شهاب الدين بن حجر حتى جعله قارئ البخارى في القصر بقعلة الجبل بحضور السلطان في دولة الظاهر جقمق، وكان يثني على قراءته وفصاحته، وهو كذلك، مع الدين والخير.) ثم يسرع إبن الصيرفى فيناقض نفسه ويقول عن البقاعى (.إلا أنه سيئ الأخلاق جداً . نعوذ بالله.! ).ـ وهذه طريقة المؤرخين المتحاملين على البقاعي، يثنون عليه ثم سرعان ما يناقضون أنفسهم فيذمّونه، فبعد أن يمدح علمه ودينه ويقول عن أخلاقه: (وهو كذلك مع الدين والخير ) ثم يتذكر عداوته له فيقول مستدركاً: ( إلا أنه سيء الأخلاق جداً نعوذ بالله.). ولو لم يقم البقاعى بثورته تلك ما قيل فى حقّه هذا الذّم . لقد خرج البقاعى عن مألوف عصره ، وما وجدوا عليه آباءهم من تقديس لإبن عربى وابن الفارض ، فعوقب بالذم والشتم ، مع إعترافهم بفضله وعلمه. ( والتاريخ يعيد نفسه فى تعامل عصرنا معنا .!)
2 ــ ونعود لابن الصيرفى وهو ويقول عن مؤلفات البقاعى:( وصنّف كتاباً في مناسبات القرآن ، فقاموا عليه وأرادوا حرق الكتاب ، وتعصب عليه جماعة، وأغروا عليه الأمير تمربغا ، وكان إذ ذاك رأس نوبة كبيراً . وتعصب له جماعة وكتب لهم أسئلة بسببه وكتبوا عليها بمراده..). وبعد هذا انقطعت المخطوطة وضاع جزء من كتاب الهصر للصيرفي إلى أن بدأت أحداث شهر محرم 886 ، ونبّه علي ذلك محقق الكتاب د. حسن حبشى. ويبدو من السياق أن ابن الصيرفي كان يتحدث عن مؤامرة حكيت ضد كتاب البقاعي "مناسبات القرآن" وأن بعضهم تعصب عليه وأثار ضد السلطة المملوكية بينما استمال البقاعي له جماعة أيّدوا منهجه الجديد فيما يعرف بالتفسير. وفي الحقيقة فتلك قضية أخرى مجهولة من صراع البقاعي مع خصومه الصوفية والفقهاء المتأثرين بالتصوف ، ويجمعهم الجهل والحمق .
3 ـــ و(بالمناسبة) فكتاب:(المناسبات القرآنية) للبقاعى هو من أروع ما كُتب في بابه. وهو يبحث في المناسبة بين الآية القرآنية وما قبلها وما بعدها والمناسبات بين السور، وهو باب جديد في الاجتهاد القرآنى، ينبغى أن نقدره حق قدره إذا عرفنا أن ذلك الاجتهاد القرآنى الفريد ظهر في عصر التأخر والجمود والتقليد. وفي عصر سيطر عليه فقهاء الجهل والعار وكان مقياس النبوغ فيه هو حفظ المتون وتلخيص الشروح وشرح التلخيص لابد أن يعاني فيه المجتهد المفكر من حقد الشيوخ الكبار المقلدين الذين لا وقت لديهم للتفكير إلا في الحصول على المناصب والمرتبات والصراع والانحراف الخلقي. وبهذا نفهم لماذا ثأروا على كتاب المناسبات القرآنية للبقاعي، وتبقي التفصيلات الحقيقية التى أضاعوها من تاريخ ابن الصيرفي مجهولة لا يعلم حقيقتها إلا علام الغيوب سبحانه وتعالى.
4 ــ وكتاب البقاعي في المناسبات القرآنية لا يزال فيما نعلم محفوظاُ بمكتبة الأزهر ويقع في ستة مجلدات ضخمة، ولا يزال كنزاً يغترف منه الكثيرون المعرفة في تناسق الآيات والسور دون أن ينسبوها لصاحبها. والمؤسف أن قام السيوطي ـــــ وهو من أعداء البقاعي ــ بتلخيص كتاب البقاعي في رسالة صغيرة سماها "تناسق الدور في تناسب السور" وحتى هذا العنوان سرقه من العنوان الأصلي لكتاب البقاعي في المناسبات القرآنية وهو "نظم الدرر" فيسرقه السيوطي ويلخص الكتاب وينسبه لنفسه تحت عنوان "تناسق الدرر في تناسب السور" . ومن العجيب أن يحظي كتاب السيوطي بالنشر والحمد بينما يظل كتاب البقاعى مخطوطاً بمجلداته الست دليلاً على استمرار مؤمراة التجاهل ضد ذلك العالم السّنى المفكر المجتهد.
5 ــ وللبقاعي تاريخ سجل فيه أحداث عصره باليوم على نسق الحوليات التاريخية. وبالتالى فصّل فيه أحداث الحركة التى قام بها وأحدث هزة في عهد قايتباى الساكن الراكد وتاريخ البقاعي اسمه " الزمان بتراجم الشيوخ والأقران". ووضع البقاعي كتابين في الهجوم على الصوفية هما "تنبيه الغبى فى تكفير ابن عربي" و تحذير العباد من أهل العناد" وقد قام الشيخ عبد الرحمن الوكيل رئيس أنصار السّنة بتحقيق الكتابين وأخرجهما في كتاب واحد عنوانه" مصرع التصوف" وهذان الكتابان أجرأ ما كتب في نقد ابن عربي وابن الفارض.
ونعرف مقدار شجاعة البقاعي حين نعلم أن عصر البقاعي كان ينبض بتقديس ابن الفارض ذلك الشاعر الصوفي المصري المتوفي 632 وأنه كان لابن عربي الشيخ الأكبر للصوفية تأثير هائل على العصر المملوكي برغم أنه قد توفي سنة 638، أى قبل العصر المملوكي، وقبل عصر قايتباى بأكثر من قرنين.
ولم يكتف البقاعي بالتأليف وإخراج كتاب يؤكد فيه كفر ابن عربي وابن الفارض في عصر يدين لهما بالتقديس، وإنما قرن العمل بالعلم وحاول أن يحقق عملياً ما أثبته نظرياً ، فنزل إلى الشارع المصرى في عصر قايتباى يعلن على الملأ الشعبي والملأ الرسمي كفر ابن الفارض ويواجه بمفرده اللعنات والمكائد والحروب والمؤمرات . وتلك ما يعرف بكائنة البقاعي وابن الفارض والتى حدثت سنة 874: 875هـ. ووصل العلم بها للسلطان قايتباى .
والآن إلى وقائع كائنة البقاعي من خلال ما قاله البقاعي وخصومه.
خطوات كائنة البقاعي:
1 ــ بدأ الموضوع يوم الاثنين 14 شوال 874، إذ انتهز البقاعي فرصة تكريم السلطان لكاتب السر إبن مزهر الأنصارى فذهب لكاتب السر وهنّأه ، وطلب أن يخلو به ليسلمه رسالة تتضمن الحكم في تكفير ابن الفارض بسبب ما قاله في قصيدته التائية الكبرى من شعر فيه كفر صريح في أنه لا فارق بين الخالق والمخلوق جلّ في علاه . ويقول البقاعي: ( وفي يوم الاثنين رابع عشر الشهر ألبس السلطان القاضى كاتب السر خلعة بسبب أنه بني له صهريجاً وسبيلاً وكُتّاباً تحت الربع ، وجا في غاية الحسن ، فهنأته بذلك ، وقلت:" نحن باقون على طلب الخلوة للتعريف لما أسند إليه."، فقال نعم ، ففارقته.)
2 ــ وأورد البقاعي في تاريخه نص الرسالة التى وجهها لكاتب السر بالكامل، ولا مجال هنا لنقلها بالنص، ولكنه أورد فيها أبياتاً من ابن الفارض المشهورة تبدأ بقوله:
|
وجُل في فنون الاتحاد ولا تحُد |
إلى فئة في غيره العمر أفنت |
وفيها:
|
وإن عبد النار المجوس وما انطقت |
كما جاء في الأخبار من ألف حجتي |
|
|
فما عبدوا غيرى وما كان قصدهم |
سواى ولم يعقدوا عقد نيتي |
|
|
وإن خرَ للأحجار في البيد عاكف |
فلا تعد بالأنكار بالعصبية |
|
|
فما زاغت الأبصار في كل ملة |
وما زاغت الأفكار في كل نحلة |
ثم قال "هذا القول يكفر قائلة" واسهب في الرد على من يدافعون عنه ، وأورد أراء الذين يكفرون ابن الفارض من علماء الشرع مثل ابن حجر والقاياتي وابن الأهدل وسراج الدين البلقيني وابن حيان وابن النقاش، ثم دخل في جدل فقهي مع المدافعين عن متطرفي الصوفية عموماً مثل ابن عربي، وأورد أراء الصوفية المعتدلين في تكفيرهم، وفي النهاية طلب من كاتب السر الرد على أسئلته قائلاً "وأجيبوا على كل سؤال ذكر في هذا الاستفتاء لا تسقطوا منه سناً وصرحوا بالأمور وبينوها بياناً شافياً، ومن كان عنده علم فليقل به، ولا يمجمج فيحيد يميناً وشمالاً، ومن لم يكن عنده علم فليقل الله أعلم. )، وبذلك ألقي البقاعي بقفاز التحدى لعلماء عصره ورئيسهم ابن مزهر الأنصاري كاتب السر.
3 ــ ويبدو أن السياق أن الصوفية بدوا باستعداء السلطان على البقاعي بعد أن ألف كتابيه "تنبيه الغبي" "تحذير العباد" في تكفير ابن عربي وابن الفارض مما دفعه إلى منازلتهم في الشارع بالحجة والفكر. ويبدو أيضاً أنه كان يعلن أراءه في المسجد الذى كان يتولى إمامته. ونحن نضطر لهذه الافتراضات بسبب العبث بتاريخ البقاعي المخطوط، وضياع بعض الأحداث المدونة فيه حتى أنه في الصفحات التى عرض فيها لقضيته يبدو مفهوماً منها أنها تتحدث عن وقائع سبق ذكرها، ولا نجدها في المخطوط، فهو يقول أنه قال لكاتب السر في اجتماعه: "إن كنت تريد الحق فأرسل بهذا إلى علماء البلد ، وأولهم الذين كتبوا على سؤال عبد الرحيم ، فإن كتبوا عليه علمت أنهم على هدي من ربهم، وإلا علمت يقيناً أنهم على ضلال ". واسم عبد الرحمن مكشوط في المخطوط مع تكراره في تلك القضية، وهو شيخ الطريقة الفارضية، وبسبب تكراره في المخطوط عرفت اسمه بعد جهد جهيد. والوقائع التى ضاعت قبل ذلك الكلام نفهمها من خلال تلك الفقرة السابقة، أى أن عبد الرحيم الفارضى سبق له أن أخذ توقيع بعض الأشياخ على ورقة تفيد تبرئة ابن عربي وابن الفارض من التهم التى نسبها لهما البقاعي في كتابيه "تنبيه الغبي" "وتحذير العباد" ، وربما تفيد الحكم بالطعن في عقيدة البقاعي نفسه ، لأنه يعترض على الأولياء المقدسين، مما دفع بالبقاعي إلى كتابة رسالته المطولة التى أثبتها بالتفصيل في تاريخه والتى وزع منها نسخاً لدى آخرين، وربما يكون ذلك السبب في أنهم لم يعبثوا بتلك الرسالة ونصها فى مخطوطة تاريخ البقاعي ، على أساس أنها موجودة ومعروفة ومتداولة بين أشياخ عصره، وقد لخصنا هذه الرسالة.
4 ــ وقد استفاد البقاعي من الصراعات والخصومات والأحقاد التى تضطرم بين الأشياخ، ولعب عليها بمهارة، ومن ذلك أنه استفاد مناصرة برهان الدين الديري له، وقد كان في آخر أيامه معزولا من قضاء الحنفية إلا أنه كان كما يقول ابن الصيرفي تحدثه نفسه بالعودة إلى المناصب ، ( فكان يظهر الشمم الزائد والترفع على الأكابر وكان يدخل في جدال معهم . ) ، وجاءته الفرصة في كائنة البقاعي فانضم إليه ليشفي غليله من كاتب السر، وهو من الأكابر عند ابن الصيرفي . كما انضم إلي البقاعى قاضى قضاة الحنفية ابن الشحنة وابنه عبد البر، وكانت علاقتهما سيئة بابن مزهر كاتب السر أيضاً، ويقول البقاعي أنه كان معه قاضى الحنفية المحب بن الشحنة وولده السرى عبد البر والكمال ابن إمام الكاملية وقاضى الحنابلة المشار إليه والبرهان الديريى والبرهان اللقاني.
5 ــ وابن إياس كان معاصرا للموضوع ، ويذكر فى تاريخه أسماء من اتبع البقاعي في حركته، يقول: "كثر القيل والقال بين العلماء في القاهرة في أمر عمر بن الفارض ، وقد تعصب عليه جماعة من العلماء بسبب أبيات قالها في قصيدته التائية.. وصرحوا بفسقه بل وتكفيره ، ونسبوه إلى من يقول بالحلول والاتحاد . وكان رأس المتعصبين عليه برهان الدين البقاعي وقاضى القضاة ابن الشحنة وولده عبد البر ونور الدين المحلي وقاضى القضاة عز الدين المحلى . وتبعهم جماعة كثيرة من العلماء يقولون بفسقه.) أى إستطاع البقاعي أن يضم إليه كل هذا الرعيل من الفقهاء والقضاة ، ويحيي الصراع الذى خمد من قبل بين الفقهاء والصوفية.
6 ــ ومن مكر البقاعي أنه قبل أن يرسل رسالته إلى كاتب السر أرسل نسخة منها إلى بعض مؤيديه، ومنهم ابن الديري ليكتب عليها تأييده، وأرسل تلك الرسالة مع مبعوث خاص يقول: ( ثم أرسلتها إلى برهان ابن الديري لأنى كنت خايفا من أن لا يثبت معى، فرجوت أن يكتب فلا يقدر بعد هذا على الرجوع، فأخذها بالقبول ووعد بالكتابة، ثم تأملها فإذا هى تحتاج إلى أمر كبير فطلب الفتوحات لابن عربي، (أى كتاب الفتوحات المكية وهو أشهر كتب ابن عربي)، وغيره من كتبهم لينظره.).
7 ــ وكان الصوفية وعلى رأسهم أرباب الطريقة الفارضية يتابعون خطوات البقاعي فعلموا بما أرسله إلى البرهان بن الديرى فحاولوا خداعه والحصول منه على رسالة البقاعي التى أرسلها له، يقول البقاعي: ( فعلم الفارضيون ذلك، فقصده أحدهم ،وقال له: كاتب السر يسلم عليه ويسألك أن ترسل إليه السؤال الذى أرسله إليك البقاعي ،فكاد أن يفعل، فكان عنده الذى أرسلت السؤال معه فقال له: هذه الورقة ملكي لا يجوز له أن يدفعها إليك بغير أذنى وأنا لا آذن له، فحينئذ تشدد وامتنع من إعطاءه إياها بعد أن كاد يعطيه.). واستأذن ذلك الرجل الصوفي في نقل الرسالة وكتابتها فأذنوا له بنقلها .
8 ــ وطلب منهم البقاعي أن يردوا عليها فعجزوا ، فتوقع البقاعي أنهم طالما عجزوا عن الرد العلمى فسيلجأون للمكر والكيد واستعداء السلطة والعوام ضده، يقول في تاريخه : ( فاستأذن في كتابة السؤال فأذن فكتب ثم أوقفه عليه، فأرسلت إليه أن الأمر ينفصل بالكتابة على هذا السؤال فاكتبوا عليه (الرد) وإلا فقد عجزتم . فلم يكتب أحد منهم عليه ولا ادعي أنه يقدر على الكتابة، فعُلم من ترك الكتابة على شدة الخصومة والمشاررة ( أى المبالغة فى الشّر ) والانتقال إلى الفحش أن يغلبوا بالباطل، لأنهم يعلمون أن العامة معهم وكثير من الجند ممن يحسن له أتباعه زيارة الأموات (أى الأضرحة ) ،ويوقع في قلبه أن بيدهم الإسعاد والإشقاء، فشرعوا يشنعون علىّ وعلى من أيّد مقالتى ، وأنبثّوا في البلد ، وهم كثير ، ومعهم الجاه ، وهم أهل مكر وكذب ، لا يتوقّفون في شيء، يقولون ما لا يقبله عقل. وأصحابي قليل ، ولا جاه لهم ، وهم مقيدون بقيد الشرع ، لا يقولون إلا ماله حقيقة ، سواء كان يعجب المخاطب أو يكرهه، فكثر الشغب في ذلك وانتشر القال والقيل وعظُم الشّر.).
9 ــ وحضر زعيمهم الشيخ عبد الرحيم شيخ الطريقة الفارضية فوجد أرض المعركة صالحة له وكل العوام معه بالإضافة إلى جملة من الأشياخ الفقهاء والأمراء بالإضافة إلى كاتب السر. ففكّر في أن يقود مظاهرة ضد البقاعي، تبدأ بحفلة ذِكْر ، ثم تسير في الشوارع لتجتذب العوام ، ثم تذهب إلى بيت البقاعي، ليتيحوا للعوام أن ينبهوه ويقتلوا البقاعى ثم يذهبون فيما بعد إلى بيت ابن الشحنة، وكادوا أن يفعلوا ذلك، ثم خافوا من النتائج . يقول البقاعي : ( وجا عبد الرحيم من رزقته التى كان ذهب إلي قسمتها ، فوجد الأمور على أشد ما هى، والناس قد أطبقوا معهم ، وقد صاروا يؤذون من يعلمونه من أهل الحق أنصار الله ورسوله في الطرقات، فاتفق مع جماعة أنهم يذهبون إلى المؤيدية، (أى الخانقاة المؤيدية شيخ) بمربعات وأعلام ، ويعقدون مجلس ذكر ويدعون، أن هذه غيرة على مقام ابن الفارض ، فإذا اجتمع عليهم الناس أتوا على الشارع الأعظم على حالهم ذلك ، ووقفوا عند بيتى يذكرون ويستغيثون ليقتلنى العوام وينبهوا بيتى، ثم يذهبون إلى بيت ابن الشحنة كذلك لذلك، ثم تأملوا عاقبة الأمر فأضعفهم الله وأوهنهم فكفّوا.).
10 ــ ثم لجاوا إلى حيلة أخرى. زعموا أن البقاعي قد أعلن تكفير من يساعد خصومه وتكفير المحايدين الساكتين ، وذهبوا بهذه الإشاعات إلى الأشياخ الذين وقفوا على الحياد فأثاروهم ضد البقاعي، فضموا إلى جانبهم الشيخ زين الدين الأقصرائي فكتب لهم يؤيدهم ويحرّضهم ضد البقاعي. والطريف أن البقاعى قد ذهب إليه يستميله وهو لا يعرف بالانقلاب الذى أحدثه فيه أعداؤه، فحدث بينهما في ذلك اللقاء سوء تفاهم طريف. يقول البقاعي:( ثم رأوا أن يستكتبوا بقية الناس (يقصد المشايخ) فألحّ عليهم كاتب السر فكتبوا ). أى ضغط كاتب السر على أولئك المشايخ فكتبوا يؤيدون الصوفية.ويقول (وأشاع أتباعهم أنى ذكرت القضية في ميعادى (أى فى الندوة التى يعقدها)، وكفّرت المساعد لهم والساكت عنهم.وكان الشيخ زين الدين الأقصرائى من الساكتين فاستشاط غضباً، وكتب لهم بما أرادوا،وكتب أن السراج الهندي من علماء الحنفية عزّر(أى عاقب بالتعزير ) ابن أبى حجلة لأجل كلامه في ابن الفارض ،يعديهم، (أى يستعديهم) بذلك علىّ ، ثم قدّر الله أنى قصدته في ذلك الوقت الذى أثبتوافيه أنى كفّرته ، ولا أشعر. فلما دخلت لاقانى بوجه عبوس،وشرع يصيح :" أنت تُكفّر الناس؟ "، فأظن أنه يعنى ابن الفارض ،فأقول: "هذه أقوال العلماء أريكها بذلك"، فيقول: لا . قلت "هذا أبو حيان"، قال: "السراج الهندي أعلم منه"، قلت : هذا البلقيني وابن حجر :فقال: "حاش لله ما قالا شيئاً..". فلم أجد مساغاً لكلامه فرجعت.).
11 ــ وحاول البقاعى الاتصال بالداودار الكبير يشبك من مهدى أو حتى بالداودار الثاني تنبك قرا فلم يستطع، كان له صديق ذو صلة بالداودار الكبير وقد عده بأن يصله بالداودار الكبير، ولكنه خاف من تهديد الطلبة بالجامع الأزهر وقد كانوا صوفية ، وقد هددوا بإحراق بيته، فرجع عن تأييد البقاعي. وحاول البقاعي أن يجتمع بالداودار الكبير بنفسه فلم يستطع، ومع ذلك فقد جاءته أخبار سارة بأن بعض العلماء اجتمعوا بالداودار الكبير وأخبروه بالحق.ولكن ظل كاتب السر ابن مزهر الأنصاري يضغط على أتباعه من المشايخ لإصدار الفتاوي التى تؤيد الصوفية وأتباع ابن الفارض مما سبب في اشتعال الموقف ضد البقاعي، يقول البقاعي: ( ثم سألت بعض أصحابي ليذهب معى إلى الداودار الكبير لأريه بعض ما أعلمه من كفر تائيتهم الصريحة (يقصد قصيدة التائية لابن الفارض) لأن ذلك الصاحب كانت له وصلة، فمنعه أصحابه أن يذهب معى، وقالوا : إن أهل جامع الأزهر هددونا بأنهم يحرقون بيتنا .) وصمّم البقاعى على أن يقصد الداودار الكبير بلا واسطة. يقول : ( فلم يُقدّر الاجتماع به، وجدته مغلقاً عليه بابه ، وعند بعض الأمراء، وكان قصدي له بعد أن بلغني أن بعض من يسّره الله للخير قد اجتمع به وأخبره أن ما نحن فيه هو الحق، وحدّثه بأقوال أهل الوحدة،(أى مذهب وحدة الوجود كابن عربي وابن فارض الذين لا يرون فارقاً بين الخالق والمخلوق ) فقاله له : "لعلهم مثل النسيمية "؟ ( النسيمية كانوا طائفة صوفية ملحدة منحلة خلقياً وقتها)، فقال نعم: فقال ( أى الداودار الكبير) :" إن النسيمية يتكلمون بأشياء صعبة". وكذا قال ذلك الرجل. فشدّ بذلك قلوبنا بعض الشّد. وقصدت الداودار الثاني تنبك قرا ، فلم يقدّر به اجتماع. فرجعت إلى بيتى وأنا في غاية الكسرة.! .وكان ذلك يوم الجمعة ثاني عشر من ذى الحجة من هذا العام 874 ، وكان الأمر يتزايد كل يوم ، بل كل لحظة ، بما يظهره كاتب السر من الفتاوي في القلعة ويقرره من الكلام في ذلك، فصار البلد كله شعلة نار، القلعة وما دونها، وأرسل السلطان إلى قاضى الحنفية ابن الشحنة يعقوب شاه المهمندار وكان مغرضاً معهم، فإنه كان صديق الخطيب ابى الفضل النويرى خطيب مكة وكان معه لإرادته الدنيا.. ).
12 ــ وبعد ذلك ضاع بقية المخطوطة.!..ولا نعرف ما حدث بعدها، ثم يأتى تاريخ حسب الشهور لأحداث متفرقة. والمهم مما سبق أن كاتب السر كان يهدّد ويضغط ويصعّد الأمور ضد البقاعي، والبقاعي قد أوصدت في وجهه أبواب السلطان الداودار الكبير والداودار الثاني، وأصحابه يتخلون عنه خوفاً من تهديد طلبة الأزهر بإحراق بيوتهم، وبعض الأشياخ من الفقهاء يهمسون بالحق في أذن الداودار الكبير، والسلطان قايتباى يبعث لابن الشحنة المتحالف مع البقاعى رسولاً هو من أعداء البقاعي ولا نعرف بقية الموضوع بسبب ضياع أوراق مخطوطة تاريخ البقاعي.
13 ــ ثم تأتى أوراق أخرى في مخطوطة البقاعي تتحدث عن حربهم النفسية ضده ومخاوفه ثم محاولات بعض أصدقائه إثنائه عن أرائه وتهديده وإغرائه. ويرسم البقاعي صورة صادقة لما اعتمل لنفسه من مشاعر انتهت إلى تمسكه بالحق مهما حدث له، فنراه يخيّرهم بين ( المجادلة أوالمباهلة أوالمبارزة بالسيف.!)، ولا زال بأولئك الذين أتوا للتأثير عليه إلى أن تأثروا هم به وأصبحوا من مؤيديه. يقول البقاعى : ( صاحوا وأجلبوا وأظهروا أنهم أظفروا بى، فيرسل لى كاتب السر من يخيفني ، وأنا في غضون ذلك أسأل الله أن ينزل على السكينة ويلزمنى كلمة التقوى، فألقى الله سبحانه في قلبي من الثبات ما لا يحصر. فآخر ذلك أنه (أى كاتب السر) أرسل إلى الناصري محمد بن جمال الدين الشهابي أحمد بن السخاوي.. وهما من أصدقائى، فقالا كلاماً كثيراً منه: إنا رأينا ما لم تع وسمعنا ما لم تسمع ،والأمر عظيم ،ونحن نشير عليك أن ترجع عما أنت فيه، وقد فعلت أكثر مما يجب عليك، والقاضى (أى كاتب السر) يريد أن ينصحك ويقول أن الناس كلهم عليك، السلطان فمن دونه، وأصحابك كلهم صاروا عليك، فقلت: أنى والله قد وضعت بين عينى القتل بالسيف والضرب إلى أن أموت منه ، فرأيته أهون عندي من أن يُجهر بالكفر في بلد أنا فيه، ويقال أن الصلاة حجاب والصوم حجاب والقرآن باطل أو شرك (وهذه شطحات الصوفية من أصحاب وحدة الوجود) ويُراد خلع الشريعة المحمدية ويظهر دين على دين محمد ( ص)، فإما أن يعيننى الذين يريدون سكوتى بمال أقدر به على الانتقال من هذا البلد ، فإنه والله لو كان معى مال أتجهز به هاجرت منها ، وإما أن يختاروا منى واحدة من ثلاث بحضره السلطان والقضاة الأربعة وساير العلماء : وهى المجادلة ثم المباهلة ثم المقاتلة، فيعطينى السلطان سيفاً وترساً ويعطي أشبّهم ( أى أكثر شباباً) سيفاً وترساً ، ويخلى بيننا قُدّامه في حوش القلعة، وينظر ما يكون منى على شيخوختى ، فإن قُتلتُ كنت شهيداً ، وإن قتلت خصمى عجلت من أقتله في النار، والأمر كما قال الله تعالى: "قل هى تربصون بنا إلا إحدي الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا"، ثم قلت لهم: أنى أطلب منكما أن تسمعا لى في هذا المذهب الخبيث( أى التصوف )، فقالا:"إنهم (أى الصوفية ) يؤوّلون ما في التائية (أى قصيدة التائية لابن الفارض)، ويتناشدونها بحضرة كاتب السر ويطيبون ( أى ينشرحون ) لما ينشدونه منها"، فقلت: "إسمعا"، وقرأت لهما من كلام ابن عربي فصلاً، فكان ابن جمال الدين يذكر بعض ما سمع من تأويلاتهم فأرخى له، وأقول له اسمع، فلما تكرر على سمعه كفّره وقال بحدة مفرطة: "لعن الله من يقول هذا أو يستجيز سماعه"!، وتفرّقا وهما يكادان يتزايلان غضباً ،فحلفت أنه لابد أن يجلسا حتى يسمعا تطبيق الناس عليه، فرجعا بعد جهد وأسمعتهما ذلك ) .
14 ــ ووصلت نتائج هذا الاجتماع الى كاتب السّر، فخشى تطوّر الأمر بسبب تصميم البقاعى وفدائيته وقوة حجّته ومقدرته على إقناع الآخرين، لذا رفض كاتب السّر أن يكتب تقريرا ضد البقاعى، وقال:(لا أكتب حتى أسمع مستند البقاعي بما يقول،). أى طلب أن يجتمع بالبقاعى.ويقول البقاعى فى تاريخه:( فقلت: قولاً أن ذلك لا يكون إلا بخلوة كما قرروا له علم ما عندهم في خلوة، فمتي رأي نفسه فليرسل ويختل معى لأقرر له ما ينفعه إن شاء الله. ). وعرف الصوفية فبذلوا جهدهم حتى لا يحدث اجتماع بين البقاعي وكاتب السر مخافة أن ينجح البقاعي في إستمالة كاتب السر إليه، يقول البقاعي: ( فكأنهم سعوا في عدم إرساله إلىّ ، فإنهم يعلمون أن ما أقوله لا يسمعه مسلم إلا نفر منه أشد نفرة، ولما عملت الميعاد (أى الندوة ) في جامع الظاهرى الحسينية يوم الجمعة.. وكان في قوله تعالى في سورة التغابن: "زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا.. إلى قوله تعالى: وعلى الله فيتوكل المؤمنون"، قررت لهم أمر البعث وأمر التوحيد وقلت أن فرعون ادعى أنه الرب الأعلى فعليه لعنة الله، وثمّة طائفة تنصر مذهبه ويدعون أنهم يصلون إلى الله من طريق غير طريق نبيه محمد ( ص) وقد كذبوا وكفروا وهم أذلّ وأقلّ عددا، ووصلت هذا بما يلائمه من إحاطة رسالة النبى ( ص) ومن وعد الله بإظهار دينه على الدين كله، إلى غير ذلك من المرققات ( أى المواعظ )إلى أن ضجّ الحاضرون ، ودعوا على من يتمذهب بذلك المذهب الأخبث، ودعوا لى بالنصرة ونحو هذا، وكان مجلساً حسناً.).!
15 ــ وبسبب ثبات البقاعي بدأت المشاعر تتجه نحوه وتميل عن الصوفية، وذلك هو الشأن في دعوات الإصلاح التى تواجه العقائد الضالة، فتلك العقائد الضالة تستند إلى خرافات اكتسبت قدسية لمجرد أن القرون مرت عليها دون أن تجد من يتصدى لتنفيذها، فإذا وجدت عالماً شجاعاً يفعل ذلك ثار عليه المدافعون عن تلك الخرافات والأشياخ الذين يستفيدون منها وحاولوا إخافته بما ترسب في وجدانهم من خوف من الاعتراض على تلك الخرافات، فإذا ثبت صاحبنا على مبدئه ورأوا أنه لم تحدث له كارثة بسبب اعتراضه يبدأ الموقف يتغير لصالح، وذلك بالضبط ما حدث في كائنة البقاعي وما يمكن أن يحدث في أى حالة مماثلة.
ولذا نرى العوام في بداية الأمر كانوا ضد البقاعي حتى لقد كانوا يؤذون أتباعه في الطرقات، وحتى لقد فكر خصمه عبد الرحيم أن يقودهم في مظاهرة لتقوم بقتل البقاعي وتنهب بيته، ثم بعد أن ظل البقاعى متماسكاً صامداً يقرر رأيه في المسجد جاءوا إليه يستمعون، و( ضجّوا) يؤمّنون على دعواه على خصومه، يقول البقاعي يصف ذلك التطور لمبشر في قضيته: ( وكان مجلساً حسناً، ثم أُطلعت على أن الله تعالى أيدنى عليهم حال استفتائهم بأمور منها: أنهم استفتوا قاضى الحنابلة المعز ابن نصر الله الكناني فكتب لهم بتكفير ابن الفارض وكل من تمذهب بمذهبه، واحتج لذلك ،وذكر من قال به من العلماء، وأطال في ذلك، وأن البرهان بن العبري قال لعبد الرحيم: "والله أنى لأخاف على رقبتك أن تضرب فاستمع منى فإني ناصحك ولا تغتر بمن يغرّك"، وكذا قال لهم البرهان اللقاني .).
إذن تشجع بعض الساكتين فأفتوا فتوى البقاعي، بل وبدأ بعضهم يخوّف عبد الرحيم بعد أن كانوا يخوّفون البقاعي من قبل. وازداد أنصار البقاعي وتحول الرأي العام نحوه، يقول:( ثم عدّوا.. من معى ، ستة: قاضى الحنفية المحب بن الشحنة، وولده السرى عبد البر ، والكمال ابن إمام الكاملية، وقاضى الحنابلة المشار إليه، والبرهان اللقاني. ولما رأى الناس تطاول القضية وهم دايرون، (أى منهزمون)، ولا يظهر لهم أثر مع أى جالس في مجلس، على حال لم اجتمع بأحد، علموا أنه لا في أيديهم ، ولا قوة لهم ،فأطلق الله ألسنتهم بالثناء علىّ ، وبان العزّ.!....). وما بعد ذلك ضائع منن المخطوطة.
17 ــ كان الأولى بقاضى الحنابلة عز الدين الكناني أن يكون أول من ينكر على الصوفية تِأسياً بابن تيمية الحنبلي في القرن السابع ومدرسته من الفقهاء، ولكن الجهل الذى حاق بأولئك الفقهاء منع أكثرهم من المعرفة بالفروق بين المذاهب ، وكان الوصول الى المنصب ليس بالكفاءة ولكن بالرشوة ، ومن يصل بالرشوة لا يهمّه المذهب الذى ينتمى اليه ، المهم عنده المنصب نفسه ، لذا كان من المهتاد تحول الفقيه السّنى من مذهب الى آخر فى سبيل المنصب .
18 ــ صمود البقاعي أمام حرب التخويف والأعصاب جعلته يكسب في النهاية ولما تطاول عليه الأمر دون أن يحدث له سوء بدأ العوام يغيرون رأيهم فيه فمالوا نحوه، وتعين على أعدائه من الصوفية أن يقبلوا المجادلة معه حسبما طلب، فأصبح ذلك مشكلة عويصة لهم، فهم يدافعون عن دين لا يعرفون عنه شيئاً ويؤمنون بعقائد لا تستقيم مع العقل ولا مع الدين الحقيقي، وخصمهم البقاعي أعرف بدينهم الصوفى منهم، وأقدر على إفحامهم في الجدال مستشهدا بأقاويل ابن عربى وابن الفارض التى يقشعرّ منها قلب من لديه ذرّة من إيمان . يقول البقاعي عنهم:( عقدوا المشورة في أمرى عدة مرات، يديرون الرأى فيمن ينتدب لى في المناظرة وقت عقد المجلس، وكلما أعدوا واحداً للمناظرة قالوا : "هو فقيه فج يفوقه البقاعي بالمعقولات"( أى بعلم المنطق )، وإن ذكروا واحداً جمع النقل والعقل قالوا : "يفوقه بالتبحر في السّنة" ، وإن رأوا آخر ظنوه جامعاً لذلك قالوا : "يفوقه بالتفوق وقوة العارضة والصلابة"، فكان ذلك من أعظم المؤيدات. وازدادت قوتى وضعفت قوتهم، فسافر عبد الرحيم إلى رزقه له في الريف. وخف الهرج والمرج في ذلك.).
إبن الصيرفى والتأريخ لكائنة البقاعى
1ــ والعجيب إن كل ذلك الهرج والمرج الذى حرّك البركة الراكدة لم يذكر عنه مؤرخنا إبن الصيرفى شيئاً،مع أنه كان لصيقاً بكاتب السر ومهتماً بما يحدث في مجتمع الفقهاء والأشياخ، ولا شك إنه كان منغمساً فيما يحدث، إلا أنه على العكس من ذلك تجاهل كل ما حدث من أحداث كائنة البقاعي سنة 874، بل أنه اختصر أخبار شهور شوال وذى القعدة وذى الحجة التى حدثت فيها كائنة البقاعي في هذا العام سنة 874 فاحتلت صفحتين فقط في كتابه مع أن العادة أنه يكتب عشرات الصفحات في أحداث الشهر الواحد، وخصوصا ما يتّصل منها بسيده إبن مزهر الأنصارى كاتب السّر. فهل إنشغل إبن الصيرفى مع كاتب السر فى الكيد للبقاعى؟ هل إنشغل عن تسجيل أحداث (كائنة البقاعى) لأنه كان منشغلا بالكيد للبقاعى؟هل إستغرق فى خلق أحداث فى أرض الواقع وتشاغل بها عن تسجيلها ؟
2 ــ بدأ البقاعي يذكر أول أخبار عن كائنة البقاعي في أول محرم 875ن فهو يقول "فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئتة السلطان بالشهر العربي على العادة ولم يتكلموا في شيء من أمر ابن الفارض لا بنفي ولا إثبات. وطلع البرهان البقاعي في هذا اليوم قبل كل أحد، وجلس بالجامع وصحبته كتب كبيرة، وليس راجعاً عما قاله في كلام الشيخ ابن الفارض وتكفيره، وبلغني من عدة جماعات أنه أوصى، وعنده أن هذا الأمر ليس التكلّم فيه إلا قربة محضة، فإن قُتل قُتل شهيداً.). وواضح مما ذكره ابن الصيرفي أن الشيوخ دخلوا على السلطان يهنئونه بالشهر على العادة وقد تجنبوا الخوض في قضية البقاعي وتكفيره لابن الفارض، وفي نفس الوقت استعد البقاعي للمجادلة، وسبق الحاضرين في الحضور، واستحضر معه الكتب التى تؤيد كلامه، ولا ريب أن منها ديوان ابن الفارض وفيه التائبة الكبري بالإضافة إلى نصوص الحكم لابن عربي والفتوحات المكية له، وغيرها من مؤلفات الصوفية أو مؤلفات المنكرين عليهم، وهو مصمم على رأيه، وقد بلغ ابن الصيرفي أنه قد كتب وصيته كأنه يتوقع الموت ويستعد له، وأنه يعتقد أن الأمر بالنسبة له قرية يتقرب بها لله، وهذا ما قرره ابن الصيرفي وهو كما سنعلم خصم في هذه القضية للبقاعي.
3 ــ ونعود إلى البقاعي في تاريخه وهو يسجل بطريقة أخرى نفس ما حدث في أول محرم 875، يقول : ( واستهل عام خمس وسبعين وثمانمائة ..، وكان قد بلغنا أن السلطان يعقد المجلس بسبب ابن الفارض في أول الشهر، وأن كاتب السر سأله في تركه، أكتفاء بما أحضر إليه من الفتاوي، وأخبره إنه لم يبق من شيوخ البلد أحد إلا كتب بولاية ابن الفارض إلا من شذ فلا عبرة بهم، ولا يلتفت إلى قولهم. وقال بعض الناس للسلطان:" هؤلاء الذين كتبوا أكثرهم كتب للغرض، فبعضهم يبغض من ضلاله وبعضهم خوفاً ورجا في كاتب السر وهيبة له، فإنه كان إذا امتنع أحد من الكتابة قال له رسوله: إن لم تكتب جا القاضى إليه ولا يفارقك حتى تكتب، وبعضهم يوهمه أنه يوليه القضاء، إلى غير ذلك في التعليلات.". فحمل السلطان على التصميم على عقد المجلس. فلما أيس ( كاتب السّر ) من تركه( عقد المجلس ) سعى في تأخيره إلى بعض العشر . وطلع القضاة بكرة يوم السبت هذا لتهنئة السلطان بالعام .وحسبت أنه سيقع في المسألة كلام فيحتاج إلى حضورى، فطلعت إلى القلعة وأقمت في الجامع وحملت.. كتباً تحتاج إلى النقل منها في أشياء.. لابد منها. وكان كاتب السر قد اجتهد في نصب أسباب الأذى ..) الى أن يقول البقاعى عمّن أرادوا منعه من الصعود للقلعة:( ..وقالوا كلهم:"لا تطلع ولا تتلق الركبان وأقنع بالعافية فإنما المراد غيرك"، يعنون ابن الشحنة لتصويب كاتب السر إليه سهامه، فقلت:" أخشى أن أتخلف فيؤخذ كل واحد على انفراد، ونحن أنصار السنة فلا يتوجه علينا لأحد مقال بحق أصلاً ولا بشبهة مقبولة، فإنّا ما كفرنا ابن الفارض إلا بما أقله أنا متأولون وتابعون لمن سبقنا من سلف الأمة، وإن وقع ظلم صرف فلسنا أول من أوذى في الله.. فاستصوب أكثر الناس ذلك، ونطقت ألسنتهم بأنى محق.).
3 ــ وواضح أن سكوت القضاة أمام السلطان عن الخوض في ذلك الموضوع ــ وهو موضوع الساعة ــ إنما كان بتأثير كاتب السر، وقد سعى في تأخير عقد ذلك المجلس ما استطاع خوفاً من أن ينتصر عليه البقاعي أمام السلطان قايتباى فيهتز مركزه وتضيع مكانته. ولا شك أن مبادرة البقاعي بالمجيء مبكراً ومعه تلك الكتب قد أفزع كاتب السر، فذلك من شأنه أن يثبت للسلطان جهل خصوم البقاعى كلهم وأولهم كاتب السر. ومن أسف فإن باقي الصفحة ضائع فى تاريخ البقاعى ، وبعدها نقرأ قول البقاعى:( وأنا وحدي، وهم أهل البلد كلهم . وطار في البلد خبر الكتب التى كانت معى ، وزادوا في ذلك ، ونطقت ألسنة الخاص منهم والعام إلا ذووا الأغراض الفاسدة.).
4 ــ وانتهى الأمر إلى لا شيء إذ أن خصوم البقاعي قالوا لكاتب السر: "إن طلوع البقاعي على هذا الحال معناه أننا عنده أقل القليل ، وهذا ازدراء عظيم لا يحتمل"، فقال لهم كاتب السر: "لا أقدر أرد أحداً عن اعتقاده." يقول البقاعي معلقاً: ( فعلم الآن أن لا شيء بيده .). وانتهى الأمر رسمياً بالأغضاء عن الموضوع وعدم عقد مجلس بشأنه، ولكن ابن الصيرفي لم يسكت ولم يسكت معه بعض ذيول الصوفية، يقول ابن الصيرفي ينشر دعايته ضد البقاعي : ( وقع لى من وجه صحيح أخبرنى به الشيخ العلامة الرباني شيخ الإسلام زكريا الشافعي أبقاه الله تعالى أن الجناب العالى العلائى على بن خاص بك صهر المقام الشريف نصره الله، أنه ركب إلى جهة القرافة ورأى شخصاً أمامه عليه سمت وهيئة جميلة، فصار يحبس لجام الفرس وهو خلفه إذا وافي الرجل رجل عظيم الهيئة جداً ، فتحادثاً ، وانصرف الرجل المذكور أعنى الثاني، فسأل سيدى على من الأول: من هو هذا الرجل؟ فقال له: أنت ما تعرفه؟ ثلاث مرات، وهو يقول لا. فقال: هذا عمر بن الفارض في كل يوم يصعد من هذا المكان وهو يسعى في أن الله تعالى يكفيه فيمن تكلم فيه" وذهب الرجل فلم يعرف من أى مكان توجه والله أعلم.).هذه أسطورة حيكت لتجعل ابن الفارض يخرج من قبره ليدعو على من أنكر عليه، ومن شأنها أن تخيف أولئك الذين يقدسون الأولياء ويعتقدون في نفعهم وضررهم، وبعض من يقرؤها في عصرنا قد يتأثر بها، فكيف بهم في عصر قايتباى.
5 ــ وذكر ابن الصيرفي حادثاً وقع يوم الجمعة 2 رمضان 875 يقول " أن البرهان البقاعي عمل ميعاداً بالجامع الظاهرى بيبرس البندقدارى خارج القاهرة بالحسينية (حى الظاهر الآن) فحضر جماعة إليه قصداً (أى عمداً) من معتقدى سيدى الشيخ عمر بن الفارض نفع الله به، وأساءوا عليه على ما بلغني، فشكاهم لقصروه الحاجب فطلبهم ورسم عليهم، ثم أن البقاعي طلب جماعة من جهته وأوقفهم في عدة مواضع ومفارق ومخارص من الطرقات وبأيديهم العصى والخشب، وقرر معهم إذا مروا عليهم فيضربونهم وينكلون بهم، فبلغ ذلك رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصاري كاتب السر الشريف عظم الله شأنه فأرسل إليهم بداوداره بركات فأطلقوهم، ( أى أطلقوا أولئك الذين قبض عليهم قصروه الحاجب)، وتكاثرت الأدعية له، حفظه الله تعالى على المسلمين.) ويستمر إبن الصيرفى : ( ثم في يوم السبت ثالثة (أى 3 رمضان) أصبح البقاعي على ما أمسى ، وشكى خصومه لبيت الأمير تمر حاجب الحجاب وأعلمه بما أراد، فاجتمع الجم الغفير والخلائق أفواجا ، وحضر من العلماء والفضلاء جماعات ، منهم الشيخ بدرالدين بن القطان والشيخ تاج الدين ابن شرف والشيخ الخطيب الوزيري. وبرزوا للبقاعي وطلبوه، فحضر بين يدى الأمير المذكور، وأراد الطلوع من المقعد، فما مكّنه خصومه . ووقف من تحت المقعد .وجلس المشايخ المذكورون. وادعى على جماعة منهم ، فيهم شخص شريف، حضروا إليه إلى مسجده ليقتلوه بطبر، فقال له الشيخ بدر الدين إبن القطان: "لا تقل مسجدى فإن المساجد لله"، وترضّوا عن الشيخ عمر بن الفارض، ولعنوا وكفّروا من يكفّره، وحصل له (أى البقاعي) بهدلة ما توصف، وانفصلوا على غير طائل، ولم يحصل للبقاعي مقصوده، ولا غرضه، فإنه مخمول سيماً أنه يتعرض لجناب سيدى الأستاذ العارف بالله عمر بن الفارض )..والصيرفي يوضّح انحيازه ضد البقاعي في الفقرة الأخيرة، ويجعلنا لا نثق في صدق روايته للحادث، فلم نعرف منه أقوال البقاعي ولا رده على خصومه ، وإن كنا قد فهمنا منه أن بعضهم حاول إيذاءه وأنه استعان بأعوانه في حماية المسجد الذى يقرر فيه دعوته، وإن كاتب السر تدخل لإطلاق سراح أولئك المعتدين، وكذلك فعل أخرون حينما اشتكي البقاعي أولئك الذين حاول قتله في المسجد، وانتهى الأمر علي غير طائل حسبما يقول ابن الصيرفي. وتعرض ابن الصيرفي فيما بعد للبقاعي فترجم له في السنة التى مات فيها وحاول إنصافه، ثم ضاعت بقية الترجمة مثلما ضاعت صفحات من كائنة البقاعي في تاريخ البقاعي.
تأثير كائنة البقاعى
1 ــ وقد أثمرت حركة البقاعي هزة في تلك الحقبة الراكدة، ظهر أثرها بين القضاة، فرجع بعضهم إلى الحق فكون منهم البقاعى (جماعة أهل السنة) على حد تعبيره، يقول في تاريخه:( تخاصم شخص من جماعة أهل السنة يقال له محمد الشغرى مع جماعة من الفارضيين من سويقة صفية، فرفعوه إلى قاضى المالكية البرهان ، وأدعوا عليه أنه كفّر ابن الفارض، فأجاب بأنه قال: بأن العلماء قالوا بكفره ، فضربه القاضى بالسياط وأمر بتجريسه بالمناداة عليه في البلد :"هذا جزاء من يقع في الأولياء"، ثم توسط القاضى الشافعي لدى المالكي حتى أطلقه من الحبس، وقال الشافعي: أيفعل مع هذا هكذا ولم يقل إلا ما قاله العلماء؟، ويرفع إليهم حربي استهزأ بدين الإسلام في جامع من جوامع المسلمين ولا يفعلون به مثل ما فعلوا بهذا؟. مع أنه حصل اللوم في أمره من السلطان ومن دونه ولم يؤثر شيء من ذلك.. هذا كله والحال أن البرهان المذكور قال لغير واحد: أن له أكثر من ثلاثين سنة يعتقد كفر ابن الفارض.)
2 ــ إن آثار حركة البقاعي لم تقتصر على الصراع السياسي وإنما امتدت إلى الناحية الثقافية والعقلية في ذلك العصر الراكد الساكن، فقد نشط خصومه فيما بعد للرد عليه فكتبوه "ترياق الأفاعي في الرد على البقاعي" والسيوطي الذى لخص كتاب البقاعي في المناسبات القرآنية لم يتورع عن الهجوم على البقاعي وحركته فألف كتاب "قمع المعارض في الرد عن ابن الفارض" وبذلك حاولوا الرد على البقاعي وكتابيه "تحذير العباد" "وتنبيه الغبي".
3 ــ وكأنها كانت قطعة حجر سقطت في بركة ماء ساكنة فأحدثت تموجات على السطح ولكن إلى حين، إذ ما لبث السكون أن عاد والحجر نفسه ما لبث أن غطته القواقع والطحالب، واستمرت البركة ساكنة بقواقعها إلى أن دهمها نابليون بونابرت فهرعوا إلى مقاومته بالأوراد وصحيح البخارى.
كائنة البقاعى تفصيلة ضمن صراع الأديان الأرضية للمسلمين
1 ــ وفى النهاية نضع ( كائنة البقاعى ) فى سياقها التاريخ الأفقى أى بنظرة أفقية فى تاريخ المسلمين وصراعهم السياسى الذى كان ــ ولا يزال ــ يستخدم الدين الأرضى فى الوصول للسلطة والثروة.
2 ــ ونوجزها فى أن الأمويين والشيعة إستخدموا الأحاديث فى صراعهما السياسى ، ثم تأكّد أستخدام الأحاديث بقيام الدولة العباسية وصراعها ضد الشيعة، بينما نجح الشيعة فى إقامة ملك لهم فى الشرق على حساب الدولة العباسية ودينها السّنى فى بغداد . واستخدم الخليفة المتوكل العباسى التطرف السنى الحنبلى فى إحكام قبضته واضطهاد الشيعة فى دولته. ثم ظهر التصوف فى عهده يعانى الاضطهاد مثل التشيع ، وأصبح التصوف مجالا للإستغلال السياسى من جانب الخصمين المتحاربين: السّنة والشيعة،فظهر التصوف الشيعى والتصوف السّنى .
3 ـ أتيح للشيعة الفاطميين إستغلال (التصوف الشيعى) فى إقامة دولتهم فى شمال أفريقيا وفى تدعيمها فى مصر حتى وصل نفوذهم الى ضواحى بغداد فى لمحة من الزمن . ولكن ما لبث صلاح الدين الأيوبى أن قضى بهدوء على الدولة الفاطمية ، وإستخدم (التصوف السّنى) فى حرب التشيع وتصوفه الشيعى.
4 ــ وجاءت الدولة المملوكية تستخدم (التصوف السنى) تحارب به التشيع والتطرف السنى الحنبلى والتطرف الصوفى على السواء. وحاول الشيعة باستغلال التصوف الشيعى إسقاط الدولة الأيوبية فى فترة ضعفها ، ولكن قضى على حركتهم وصول المماليك للحكم وقهرهم للمغول وللصليبيين. وفصّلنا ذلك فى كتابنا ( السيّد البدوى بين الحقيقة والخرافة).هذا الموقف المملوكى المناوىء للتشيع شجّع على ظهور حركة للتطرف السّنى تزعمها إبن تيمية الذى إشتهر بعدائه للتشيع وللتطرف الصوفى معا. وبعد إخماد حركة إبن تيمية جاءت حركة أو كائنة البقاعى فى عصر قايتباى .
5 ــ وبعد إخماد حركة البقاعى التى تمثّل التطرف السّنى ظهر فى إيران حركة شيعية تستخدم التصوف الشيعى ، أقام بها الشاه إسماعيل الصوفى ( الصفوى ) دولته الصفوية الشيعية ، والتى تسببت فى أنهيار الدولة المملوكية بعد موت قايتباى بعشرين عاما . وأصبحت مصر ولاية عثمانية ولكن ظلّت بذور التشيع كامنة فيها برعاية التصوف الشيعى ممّا أعلى من مكانة الأزهر فى العصر العثمانى الذى شهدت بدايته فى مصر محاولة شيعية لقلب نظام الحكم قام بها الوالى العثمانى نفسه بتأثير الشاه إسماعيل الصوفى الصفوى. 6 ــ على أى حال فقد كان التشيع وتصوفه الشيعى أقوى وأعمق تأثيرا فى بيئته الأصلية فى ايران والعراق فى العصر العثمانى، فاضطهد فقيها سنّيا حنبليا متأثرا بإبن تيمية، هو ابن عبد الوهاب لأنه إنتقد التصوف والتشيع معا فى رحلته للعراق ، ففرّ هاربا عائدا الى منطقته نجد حيث تحالف مع ابن سعود. وباستغلال ( الوهابية :الدين السّنى الحنبلى التيمى ) تأسست الدولة السعودية الأولى 1745 ثم أسقطها الوالى العثمانى فى مصر (محمد على باشا) عام 1818 ، ثم أعيد إنشاؤها ثم سقطت ، ثم أعاد عبد العزيز آل سعود تأسيس الدولة السعودية الثالثة الراهنة والتى حملت إسم المملكة السعودية عام 1932. وعمل المؤسس عبد العزيز آل سعود على تحصين دولته من السقوط بنشر دينه الوهابى السّنى الحنبلى التيمى الوهابى فى مصر والهند وما بينهما ، وانتهى الأمر بتأسيس باكستان والاخوان المسلمين فى مصر وتنظيمهم الدولى، وإسهامهم فى قيام حركة الجيش فى مصر عام 1952 .
7 ـــ وبسبب علوّ نفوذ الوهابية ظهر التيار القرآنى رد فعل إيجابيا يدعو للعودة ، لا لدين أرضى يتصارع مع دين أرضى آخر فى سبيل حطام الدنيا والجاه والثروة ، ولكن يدعو للسمو بالاسلام عن حضيض التنافس السياسى، وأن نرجع للقرآن الكريم الرسالة السماوية الخاتمة التى يجب أن يحتكم اليها المسلمون وأهل الكتاب مخلصين ليهتدوا الى الصراط المستقيم فى الدنيا والآخرة ، وأن يتعرف المسلمون على حقائق الاسلام ، وأنه دين السلام والرحمة و العدل والحرية الدينية المطلقة فى الدين والفكر والعبادة والعقيدة ودين الحرية السياسية فى الديمقراطية المباشرة ، ودين العدل الاجتماعى بالتكافل الاجتماعى والعدل السياسى بالديمقراطية المباشرة ، وهو دين حقوق الانسان وتكريم الفرد البشرى بغض النظر عن الجنس (ذكر أو انثى) أو العنصر أو اللون او المستوى الاقتصادى والاجتماعى . وأهل القرآن فى دعوتهم لا يفرضون رأيهم على أحد ، ولا يفرضون أنفسهم على أحد ، ولا يطلبون من الغير أجرا ، ويتحملون ما استطاعوا الأذى. وقد تعرضوا لأربع موجات من الاعتقال ، كان أولها فى نوفمبر 1987 أى منذ ربع قرن ، حين كان كاتب هذه السطور رهين سجن طرة ومعه 62 شخصا متهمون بأنهم من (القرآنيين )، فى قضية حملت هذا الاسم ، وكان من المتهمين أساتذة جامعات ومحامون وموظفون و فلاحون وحرفيون . وتتابعت موجات الاعتقال ، وتعكسها مقالات منشورة هنا ، وكانت هذه الاعتقالات المتكررة فى نظام حسنى مبارك، وهو أحقر مستبد مصرى طيلة تاريخها المكتوب حسب علمى بالتاريخ المصرى ، وأنا متخصص فيه. كان مبارك يقدّم إعتقالنا هدية مدفوعة الأجر للدولة السعودية ، محور الشّر فى العالم وفى هذا العصر. وأسفرت إعتقالات اهل القرآن ومطاردتهم وتكميم أفواههم الى علو النفوذ السلفى ، أو الدعاة الوهابيين داخل المجتمع المصرى والمتحكمين فى أجهزة الاعلام والتعليم والأزهر والمساجد ، وقد تحالف معهم مبارك فى الوقت الذى اضطهد فيه الاخوان ، وهم أيضا سلفيون وهابيون، ولكن لهم طموحاتهم السياسية التى أقلقت الأسرة السعودية والمستبدين العرب.
8 ــ وبعلو نفوذ الوهابية عانى الشيعة من الاضطهاد فى مصر والسعودية والخليج وتم حصار التصوف ، وأوذى البهائيون والأقباط وبقية الأقليات الدينية والمذهبية . وبدأ الربيع العربى فاختطفه الاخوان والسلفيون . وأصبحت المنطقة العربية مرشحة لنضال طويل قد يصل الى حرب أهلية وإعادة رسم الخريطة .
9 ــ وفى رأينا فإنّ النجاة هى بالاصلاح من داخل الاسلام ، وفق رؤيتنا القرآنية التى تؤكد على علمانية الاسلام ، ومنع أديان المسلمين الأرضية من التحكم فى الناس سياسيا واجتماعيا ، وأن تظل محصورة داخل معابدها حتى يتطهّر التنافس السياسى من إستغلال الدين فى تحقيق مصالح شخصية أو حزبية أو طائفية.
وأخيرا :
فإن حركة البقاعى تعتبر جملة قصيرة فى هذا السياق من الصراع الدينى السياسى الممتد والمتّصل من القرن الأول الهجرى حتى الآن.
1) تاريخ البقاعي: مخطوط بدار الكتب، مجلد رقم 5631 تاريخ- ورقات رقم: 8، 9، 54، 56، 134، 135.
2) الهصر: 186، 190، 256، 257، 508، 509.
3) تاريخ ابن اياس: 2/119، 120، 121.
الخاتمة
الخاتمة
أوّلا :
وبعد ..فقد إخترنا من السلاطين المماليك أعدلهم وأكثرهم إنصافاً وتديناً وأخلاقاً، وهو السلطان قايتباى. واخترنا للحديث عنه مؤرخاً قاضياً عايش العصر وأسهم في الأحداث وكتبها من موقع المشاهدة والمعاصرة والمعاينة، وكان بذلك ممثلاً لفئة القضاة والفقهاء الذين يدخلون على السلطان مع انحداره ــ أى إبن الصيرفى ـــــ من التربية الشعبية المصرية. ومع هذا وذاك عشنا في نبض المجتمع المصري نجلّى حياته اليومية فى ظلّ التطبيق العملى للشريعة السّنية في فترة غامضة شديدة الغموض من تاريخه، وهى الربع الأخير من القرن التاسع الهجرى،التى أقفرت من عظماء المؤرخين كالمقريزى وابن حجر العسقلانى . ونحاول الآن أن نلقي نظرة عامة على فلسفة الحكم المملوكي فى تطبيقه للشريعة السّنية من خلال أكثر سلاطينه تديناً ومن خلال ما كتبه المؤرخ القاضى ابن الصيرفي.. وما ينطبق على أكثر السلاطين المماليك في العدل لابد أن ينطبق بالتالى على غيره ممن كانوا أقلّ منه تدينا وأكثر منه ظلماً وفجوراً، ثم يتبقي لنا من ذلك العصر المملوكي العبر والعظة والدروس، وتلك هى ثمرة علم التاريخ.
الدولة المملوكية دولة دينية سنية عسكرية
1 ــ المعروف أنها دولة نظام عسكري أجنبي احتكر وحده حمل السلاح والدفاع عن احتكاره للسلطة ضد الطامعين في الخارج والداخل، وعلى أساس كفاءته الحربية تمكن المماليك من انتزاع الملك من سادتهم الأيوبيين،ووطّدوا سلطانهم في مصر والشام بالقضاء التام على أكبر قوتين وهما المغول والصليبيين، ثم وأدوا حركات الأعراب القوة الداخلية الوحيدة المؤهلة لحمل السلاح، وامتدت دولة المماليك ما بين العراق إلى ليبيا، وضمت الأماكن المقدسة في الحجاز وفلسطين، وصارت ممثلة للقوة المسلحة في المنطقة،خصوصاً بعد أن انتقلت الخلافة العباسية إلى القاهرة بعد انقراض ملكها في بغداد، ورأينا كيف أن سلطان الهند يبعث إلى قايتباى يطلب منه تفويضاً ليحكم به بلاد حكماً شرعياً سنيّا .
2 ــ ولكن لا يقال أنّ الدولة المملوكية دولة (عسكرية دينية سنيّة).!.بل هى دولة (سنيّة دينية عسكرية.). لأتّها التى كانت تضم الأماكن المقدسة للمسلمين وغيرهم حيث يتم برعايتها ممارسة شعائر الحج لمكة والمدينة وفق شعائر الدين السّنى ، ولأن الخليفة العباسي ممثل الدين السّنى يسير في ركاب السلطان، ولأن المماليك قاموا بتمثيل المعسكر ( الذى حمل راية الاسلام بزعمهم ) ضد الصليبيين فى الغرب المسيحى فى تطبيق أمين لثقافة العصور الوسطى التى تقسّم العالم الى معسكرين متعاديين مختلفين فى الدين. ومنطق العصور الوسطي هو الحكم بالدين ، ونقصد بالدين هنا الدين الأرضى الذى ينتمى لوحى الشيطان واختراع الإنسان ويناقض تنزيل الرحمن. شهدت العصور الوسطى فى معسكرى المسلمين والأوربيين الحروب الدينية بينهما ومحاكم التفتيش داخل كل معسكر ، والتى كانت تضطهد المخالف فى الدين والمذهب. كما شهدت قيام البابا فروما بالتدخل السياسي والحربي في أوروبا باسم الدين والكهنوت، ولم يكن لدى المسلمين مثل ذلك الكهنوت البابوي السياسي الحربي، لذا قام السلطان المملوكي بتمثيل الدين والعسكرية معا، ولذلك لم تكن الدولة المملوكية دولة عسكرية دينية، وإنما دولة دينية عسكرية. شواهدنا كثيرة من خلال العصر المملوكي نفسه، ولكننا نقتصر منها على عصر قايتباى ومن خلال تاريخ ابن الصيرفي "أنباء الهصر".
ترتيب المناصب يؤكّد طبيعة الدولة المملوكية الدينية
1 ــ فترتيب المناصب الرسمي كان يفصح عن الطبيعة الدينية للنظام المملوكي، يقول ابن الصيرفي في أول صفحة من كتابه تاريخ سنة 873 ( أُهلت هذه السنة ، والخليفة المستنجد بالله أبو المظفر يوسف العباسي، دام شرفه ،وليس له في الخلافة إلا اسم، وهو مقيم بالحوش السلطانى من قلعة الجبل بسكن الملك المنصور عثمان بن الظاهر جقمق في حياة والده لما كان سلطاناً، ويجرى عليه من المأكل والمشرب ما يليق به كفافاً، والسلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى عزّ نصره وهو المحمودى الأشرفي ثم الظاهرى خلّد الله ملكه، وقاضى القضاة الشافعي الولى الأسيوطي، والحنفي قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة والمالكي السيد الشريف قاضى القضاة حسام الدين بن حريز المنفلوطي، والحنبلي قاضى القضاة عز الدين أحمد العسقلانى، وأتابك العسكر المنصور جانبك الاينالى الأشرفي برسباى المشهور بقلقسيز وهو مأسور عند شاه سوار ..إلخ.).
2 : فمع أن الخليفة العباسى كان معتقلاً في القلعة إلا أن ترتيبه الرسمى كان الأول قبل السلطان نفسه، والخلافة العباسية في القاهرة كانت قلادة تتحلى بها السلطة المملوكية وتتيه بها على بلاد العالم (الإسلامي) ، وتعطي السلطان شرعية التفرد والمكانة السامية بين ملوك (المسلمين). ومع ذلك لم يكن للخلفاء العباسيين فى دولة المماليك نفوذ. والسيوطي عاصر السلطان قايتباى وكان صديقا للخليفة العباسى فى القاهرة، وفى كتابه ( تاريخ الخلفاء ) أفرد جزءا للتأريخ للخلفاء العباسيين فى القاهرة . وفي حديثه عن علو شأن الخلافة العباسية في بغداد حتى مع ضعف سلطة الخليفة فى العصر العباسى الثانى قال السيوطى يتحسّر عن حال الخلفاء العباسيين في القاهرة:( وقد صار الأمر في زماننا إلى أن الخليفة يأتى السلطان يهنئه برأس الشهر، فأكثر ما يقع من السلطان في حقه أن ينزل عن مرتبته ويجلسا معاً خارج المرتبة، ثم يقوم الخليفة يذهب كأحد الناس ، ويجلس السلطان في دست مملكته. وقد حُدّثت أن السلطان الأشرف برسباى لما سافر إلى آمد لقتال العدو وصحب الخليفة معه كان الخليفة راكباً أمامه، يحجبه،( أى يعمل حاجباً أمامه)، والهيبة والعظمة للسلطان، والخليفة كأحد الأمراء الذين في خدمة السلطان.).كان الخليفة العباسى في القاهرة المملوكية هو المأذون الشرعى الذى يعقد قران السلطة الدينية السّنية السياسية على الدولة المملوكية العسكرية الأجنبية. ومن هنا كان ترتيبه يأتى في المقدمة من الناحية الاسمية، ولكن ( ليس له في الخلافة إلا الإسم.)،على حد قول ابن الصيرفي عن الخليفة المستنجد.كان مجرد رمز تكتمل به ملامح الدولة الدينية للنظام المملوكي. وبعده في الترتيب الرسمى يأتى السلطان وهو الحاكم الفعلي الذى يقود الجيش ويمثل السلطة الزمنية السياسية ويحيط عنقه بقلادات السلطة الدينية ، وكان الخليفة العباسى أحد هذه القلادات.
3 :والقلادة الثانية كانت قضاة الشرع، لذا فإن ترتيب قضاة الشرع يأتى بعد السلطان مباشرة ، ثم يليهم الأمراء المماليك حسب درجاتهم ومراتبهم.والقضاة كالخليفة يعملون في خدمة السلطان وطبقته العسكرية، ونظراً لأنهم رموز دينية في دولة دينية فقد جاء ترتيبهم بعد السلطان مباشرة وقبل الأمراء المماليك، مع أن أى أمير مملوكي كان يتحكم في القضاة كيف شاء، فالقضاء مجرد رمز، أمّا أشخاصهم فلا اعتبار لهم، ورأينا كيف كان أمراء المماليك يضربونهم..
4 : لقد كان الخليفة يمثل الدين السّنى كما كان القضاة يمثّلون الشريعة السّنية، وهما معا فى خدمة السلطان المملوكى الذى كان يتمتع بما تعطيه الشريعة السّنية من تحكّم مطلق فى الناس ، فهو الذى يحكم مستبداً وهو الذى لا يُسأل عما يفعل، ومن عداه يُسألون.ولا يزال هذا موجودا فى الدول الدينية السنية الوهابية فى الجزيرة العربية ، وفى غير الوهابية فى ( المغرب ).
تقديس السلطان المملوكى بالسجود له
1 ــ لقد كان من الطقوس الدينية، أو من المراسيم المملوكية وقواعد البروتوكول أن يسجد الناس أمام السلطان المملوكي أو أن يقبلوا الأرض بين يديه. كان الجميع يفعلون ذلك من الخليفة العباسى إلى القضاة الأربعة وسائر الأمراء. وكان التعبير المعتاد أن يقال أن فلاناً "صعد" إلى القلعة وقبّل الأرض بين يدى السلطان . وكلمة "صعد" كانت تتكرر في وصف أى زيارة يقوم بها أى شخص للسلطان لتوحي بتقديس السلطان وتأليهه، يقول ابن الصيرفي عن الأتابك أزبك قائد الجيش:( وصعد القلعة بعد عصر يومه المذكور، فقبّل الأرض.)،ويتكرر مع وصف السلطان بعبارات دينية مثل(المواقف الشريفة شرّفها الله وعظّمها ،) ففي نفس اليوم (الأحد أول رجب 873) ووصل سفير الأمير حسن بك سلطان ديار بكر فيقول ابن الصيرفي :( فصعد بين يدى المواقف الشريفة شرّفها الله وعظّمها، وقّبل الأرض.).
2 ــ وعندما جاء السلطان الأسبق المنصور عثمان بن جقمق لزيارة السلطان قايتباى وبعد انتهاء مراسيم الزيارة قام السلطان قايتباى منهيا المقابلة فقبّل السلطان السابق المنصور عثمان بن جقمق الأرض أمام قايتباى، أى سجد السلطان الأسبق للسلطان القائم بالأمر، يقول ابن الصيرفى:( فنهاه السلطان عن ذلك بعد أن فعله). فالسلطان القائم في الحكم يتمتع بمظاهر التأليه، ويعترف له بذلك الجميع حتى من كان يوماً ما ...سلطاناً.!. وقايتباى حين كان أميرا فى سلطنة السلطان المنصور عثمان بن جقمق كان يسجد له أيضا.
وحتى في الرسائل الموجهة للسلطان يقال له:( وبعد تقبيل الأرض والدعاء للسلطان. )، وهذا ما كتبه الأتابك أزبك في رسالته. وحين يتعطف السلطان على أحدهم ويرفعه فوق مرتبته يسمح له بأن يقبل يده، وفي أحداث يوم الاثنين 5 جمادى الثانية 876 : ( صعد القاضى عبد البر بن الشحنة إلى السلطان وقبّل يده فأكرمه.).
3 ــ وتقبيل الأرض بين يدي السلطان عبادة صريحة لا شك فيها، و من مظاهر التألية للسلطان المملوكي . وهى مرفوضة قطعا فى الاسلام ، وحتى فى السيرة النبوية التى كتبها إبن إسحاق ، ومن جاء بعده لم يجرؤ أحدهم أن يقول إنّ الصحابة كانوا يقبّلون الأرض أمام رسول الله عليه السلام . ناهيك عمّا جاء فى القرآن الكريم من إيذاء الصحابة المنافقين وغير المنافقين للنبى عليه السلام ، وهو الذى كان رحمة لهم ، ولم يكن فظا غليظ القلب فى التعامل معهم مع كون القائد للدولة الذى يأتيه وحى الله جلّ وعلا. بل لم تعرف الدولة الأموية هذا التقبيل للأرض أمام الخليفة . إذن هى شريعة سنية نبتت فى العصر العباسى فى تأليه الخليفة العباسى فى إطار الدولة الدينية العباسية وكهنوتها،وفيها تم تأطير وتدوين وتفصيل الشريعة السنية وتطبيقها. والمماليك الذين أُتى بهم من خارج بلاد ( المسلمين ) تعلموا هذا ، وطبّقوه ، ليس فقط لأنه ثقافة المسلمين وحدهم، ولكن لأنها ثقافة العصور الوسطى فى العالم وقتها ، والتى قامت الشريعة السّنية بتطبيقها بلا حاجة لوضع أحاديث أو لسنّ قوانين أو إصدار فتاوى.
الحاكمية وتأليه السلطان
ـويؤكد ذلك ما كان ينبض به اعتقاد القرون الوسطي فى (الحق الملكى المقدس) فى أوربا (The Divine rights of Kings)، ويعادله فى بلاد المسلمين ( الحاكمية ).ومن ملامحها إضفاء الإلهام الإلهي على السلطان واعتباره ظل الله في الأرض، وأن قراراته تأتي بإلهام من السماء. وفي المصادر المملوكية شواهد كثيرة، وفي تاريخ ابن الصيرفي بعضها، فهو يقول عن اختيار السلطان للداودار الجديد بعد موت يشبك بن مهدي الداودار الكبير: ( ولكن هذا راجع إلى رأى السلطان، وفي الحقيقة فقلوب الملوك بيد الله تعالى يقلّبها كيف يشاء كما ورد في الحديث الشريف. )، إذن وضعوا أحاديث نسبوها للنبي ( ص) تجعل السلطان يصدر قراراته عن إلهام من الله، ومعنى ذلك أنه لا مجال للاعتراض عليها أو نقدها وإلا وقع المعترض في دائرة الكفر، وهذا هو تفكير العصور الوسطى. وحتى لو أتى السلطان بالقرارات المتناقضة فتلك القرارات ينسبوها في النهاية لله، يقول القاضى ابن الصيرفي في التعليق على تولية الشيخ العدوى القضاء بدمشق ثم عزله عن القضاء بعد أربعة أيام فقط : ( وهذا الذى وقع أمر نادر عجيب من السلطان، ولكن الله يفعل مايريد ، وقلوب الملوك بيد الله تعالي يقلبها كيف يشاء.). وهكذا فكل الظلم الذى يقع فيه السلطان من السهل أن ينسبوه لله.وهذا يتفق ليس فقط مع الدين السّنى ولكن ايضا مع عقيدة الفاعل فى الدين الصوفى الذى ينسب كل أفعال البشر لله سواء كانت خيرا أو شرا.وبالتالى فأى ظلم يقع من البشر ليس من البشر بل هو عندهم من صنع الله جل وعلا عن ذلك . مع أن الله تعالى ليس بظلام للعبيد وما يريد ظلماً للعالمين، ولكنه تفكير العصور الوسطى. ولذلك كان ابن الصيرفي لا يملّ من الدعاء للسلطان بالنصر حتى فيما يرويه من أفعاله الظالمة، ولا يروى فى ذلك تناقضاً ولا تحرجاً، يقول : ( وفيه رسم السلطان ــ نصره الله ـــ بشنق رجل حرامي ، وهو مستحق لذلك ، فإنه سرق فقطعوا يده وأطلقوه فسرق ثانياً فقطعوا أرجله وأطلقوه، فسرق ثالثاً فرسم بشنقه فشنق..) فهو يقول عن السلطان ( نصره الله ) حتى لو كان ظالماً.
الكهنوت الدينى يخدم الكهنوت السلطانى
1 ــ وابن الصيرفي يمثل الطبقة التى ينتمى إليها فيما يكتب، ويعبّر عنها بصدق، وإذا كان القضاة يمثلون الشرع السّنى ،فإن ذلك الشرع السّنى وممثليه كانوا في خدمة السلطان وفي ركابه أينما سار. وكان أولئك القضاة ومشايخ الإسلام يجدّدون للسلطان عبوديتهم له في مطلع كل شهر عربي حيث يصعدون إلى القلعة ليدعو لهم وليقبّلوا الأرض بين يديه فى صلاة فيها الدعء وقراءة الفاتحة والتسليم والركوع والسجود . وهو كان يتدلل عليهم وينشغل عنهم باللعب والنزهة فيأتون له في اليوم التالى.
2 ــ والى جانب ذلك كان القضاة رهن إشارة السلطان، يصبغون أعماله بصبغة الشرع ، ويجتهدون فى تسويغها بالشرع مهما خالفت ( الشرع الاسلامى ).!. في غرة محرم 873 يقول مؤرخنا: ( وفيه صعد قضاة القضاة للقلعة لتهنئة السلطان بالشهر على العادة، وكنت في خدمة قاضى الحنفية، وقرأوا الفاتحة ودعوا وأرادوا الانصراف فأمرهم السلطان بالجلوس بحضرته ، هيئة عقد مجلس.وسألهم في مباشرة بيع مماليك الظاهر خشقدم رحمه الله، فاشترى نصره الله زيادة على خمسمائة مملوك بعد أن أقاموا وصياً عن الظاهر، واشترى الملك الأشرف أبو النصر قايتباى نصره الله كل نفر منهم بعشرة آلاف درهم،وصاروا مماليكه. وقال الجمال يوسف بن تغري بردي في تاريخه الحوادث عند ذكر هذه الواقعة: وهذا شراء لا يعبأ به الله.). فالمؤرخ جمال الدين أبو المحاسن إعتبر ذلك الشراء باطلا إسلاميا ( لا يعبأ به الله) ولكنّ كان قضاة الشرع هم الذين باشروه.
3 ــ ومن حق السلطان أو الإمام أن يقتل ثلث الرعية لاصلاح الثلثين طبقا لفتوى مشهورة فى الدين السّنى ، وقد جاء ذكرها فى العصر المملوكى، وكان من حق السلطان المملوكى ــ أو الأمير المملوكى ــ قتل من يشاء من الناحية السياسية،وهو تقليد سنّه الأمويون عمليا فى القرن الأول الهجرى ، ولا ننسى الحجّاج بن يوسف . وهذا التطبيق العلمى قام العباسيون بجهله تشريعا سنيّا ، حيث أضاف التشريع السّنى للسلطان الحاكم أن يقتل من يشاء سياسيا بحُكم الشرع ، أحيانا بحدّ الردة وقتل الزنديق ـ وأحيانا بلا سبب سوى رغبة السلطان فى قتل من يريد بسيف الشّرع ( السّنى).، وهذا ما كان مغرما به المستبدّ المتديّن بالدين الأرضى، مثل السلطان قايتباى، الذى كان يرسل أحد القضاة ومعه الأمر السلطانى مقدماً بالحكم بالإعدام على من أراد السلطان إعدامه، وكان القاضى بدر الدين الأردبيلي ت875 من أولئك القضاة يرسلهم السلطان ليحكم مقدما بمقتل من يشاء السلطان بعد وصفهم بالمفسدين ، يقول عنه ابن الصيرفي :( كان يُجهّز إلى البلاد الحلبية والشامية ليحكم بقتل المفسدين فيفعل، وتوجه مرة وحكم أيضاً بقتل جماعة بقنطرة الحاجب أن يُغزّوا بالرماح، ففُعل بهم ذلك. ) أى كان معه أيضاً طريقة تنفيذ الإعدام وهى فظيعة.. الوخز بالرماح حتى الموت. وجدير بالذكر أن ذلك القاضى قال أنه:( لا بعث ولا نشور ولا حياة بعد الموت.! )، وعقدوا له محاكمة بسبب ذلك، وكانت له قضية أخرى أنهم فيها بحيازة النبيذ، ومع ذلك فلم يكن ذلك مطعناً في كفاءته وعدالته طالما ينشط في تطبيق شريعة السلطان.
شريعة السلطان لا شأن لها بشريعة القرآن
1 ــ فالسلطان قايتباى ( نصره الله ) حسب المعتاد من كلام إبن الصيرفى كان يحلو له أن يبالغ في عقوبة السرقة فيصل بها إلى القتل، ففي يوم الخميس أول صفر 874 :( رسم السلطان نصره الله بشنق حرامي وهو مستحق لذلك فإنه سرق فقطعوا يده وأطلقوه فسرق ثانياً فقطعوا أرجله وأطلقوه فسرق ثالثاً فرسم فشنقوه فشنق.)، وفي يوم الخميس 2 ربيع الأول 875 : ( رسم السلطان بتوسيط ابن الزردكاش، سرق سرجاً فضة وغير ذلك للأتراك.. وشنق بإزائه شخص خياط كان يعاونه على الحرام والفساد ويفصّل ويخيّط له جميع ما يسرقه ويبيعه فجوزيا بذلك.). وفي يوم السبت 7 ربيع الأول 876 : ( طلع الوالي بثلاثة من الحرامية بين يدى السلطان فرسم بتوسيطهم )، وأمر السلطان بقطع يد طفل صغير: ( وقطعت يد صغير سرق وهو غير مكلف). وكان ذلك يوم الخميس أول صفر 874.
2 ــ وقد يأمر السلطان بقطع الأيدي بدون الوقوع في جريمة السرقة. في يوم الخميس 6 محرم 875: ( رسم السلطان بقطع يد إبراهيم الصيرفي المشهور بإبن فريعين بحضور السلطان، وسبب ذلك أنه سأل السلطان عنه في الجامكية هل هى مغلقة كاملة، فقال نعم .ثم تلعثم بعد ذلك، وكان السلطان قد ضربه مراراً ضرباً مبرحاً وأكد عليه أن لا يطلع بالجامكية من الاستادار إلا كاملة.، وآخر الأمر عُدم يمينه، وحزن عليه المسلمون حزناً كبيراً ، وصار منقطعاً بجامع الأزهر ، في حلق الذكر والعبادة..! )..هذا الموظف المسكين أهمل وتلعثم فقطع السلطان يده...والسلطان دائما فى كل ما يفعل ( نصره الله ) فى إعتقاد مؤرخنا إبن الصيرفى . في يوم السبت 25 شوال 876 قال:( وكان السلطان ــ نصره الله ــ لما أطلق أهل السجون والجرائم، أطلق شخصاً مقطوع اليد ، فعاد فقبضوا عليه واستمر في السجن، فشاوروا عليه ، فأمر بقطع رجله، فقطعت تحت المدرج بباب القلعة. وكذا رسم بقطع أيدى ثلاثة نفر من الغلمان تعرضوا لمملوك الأمير جانبك الفقية أمير آخور فقطعت أيديهم أيضاً بالمدرج، والله على كل شيء قدير !. ) فهنا قطع السلطان أيدى ثلاثة لم يسرقوا ، وتعليق ابن الصيرفى مرتبط بثقافة عصره ، وهو أن السلطان ملهم من الله جل وعلا فيما يحكم به حيث يحكم السلطان بالهام الاهى ، لذا يختم ابن الصيرفى رواية الواقعة بقوله : (والله على كل شيء قدير. ).!. أى هو هنا ينسب هذا الظلم لله جل وعلا .
وكان الداودار الكبير على دين السلطان، يذكر مؤرخنا أنّه: ( دخل إلى بيته فوجد مملوكاً بيده خنجر مسلول ، وهو عريان ، فقبض عليه وضربه مقارع ، ثم قطع أعضاءه الأربعة، وأرسل بذلك ، والله الولى والمالك.). أيضا هنا يقحم ابن الصيرفى رب العزّة فى هذا الظلم . فهنا دين أرضى له شريعته السّنية التى يكون مصدر التشريع الحقيقى فيها هو السلطان، وحوله قضاة شرعه ينفذون له ما يشاء، ومنهم مؤرخنا ابن الصيرفي الذى سجّل ذلك كله في تاريخه ، وهو يمتدح سلطانه ولا يري في ذلك بأساً.
دين السّنة يطبّق شريعة التعذيب ويجعلها ضمن طقوسه ا
1 ــ ـ وفي هذا العصر المملوكي كان الظلم مرتبطاً بهذا الدين الأرضى السّنى ومن أهمّ طقوسه، لذلك نجد أشدّ السلاطين ظلما هم أكثر الناس تديناً وتقوى بالمفهوم المملوكي، فالتعارض بين الظلم والدين لا يوجد إلّا فى دين الله جل وعلا الحق فقط . أمّا أديان البشر الأرضية التى يصنعونها وبها يصلون للحكم والثروة والسلطة فلا بد أن تتأسّس على الظلم والاستبداد ، وأن يكون الظلم أهم طقوس عبادتها ، وكلما إزداد أحدهم تقوى إزداد ظلما . ولهذا لم أكن أعجب وأنا فى مصر فى عصر مبارك ، حين كانوا يستدعوننى الى مقر مباحث أمن الدولة فأجد صفوفهم تكتمل وقت الصلاة بعد الجهر بالأذان ، ثم أرى سجّادة الصلاة على مكتب الضابط الذى يحقّق معى . هو لا يجد تعارضا بين وظيفته الحقيرة الظالمة ودوره فى تعذيب الأبرياء وكونه كلب حراسة لمستبد حقير ( واطى ) يسلب وينهب ويقتل . فيكفيه ان يؤدى الصلاة ليضمن الجنّة ، أى تكون تأديته المظهرية للصلاة مشجعا له على إستمراره فى الظلم ، ومبررا له فى الاستمرار فى الظلم . 2ــ وهو نفس ما كان يحدث فى العصر المملوكى وشريعته السّنية . فالسلطان قايتباى صاحب الأوراد والصلوات كان محباَ لإنشاء المساجد، ولو كان في يدك عزيزى القارئ جنيه مصري لرأيت على وجهه صورة لمسجد قايتباى ، ومع ذلك رأينا طرفاً من مظالمه التى حكاها مريده ابن الصيرفي.
3 ــ والمحتسب يشبك كان مشهوراً بالتدين والمحافظة على الصلوات والصيام مع اشتهاره بالظلم وسوء الخلق، يقول عنه ابن الصيرفي "وباشر يشبك المذكور الوظيفة المذكورة لم يكشف البلد بنفسه ولا مرة واحدة ، ولا يعرف أحوال الرعايا والمسلمين إلا من أعوانه الذين في خدمته، فصاروا أرباب أموال وأقمشة ودور وخيول وبغال وحمير، وهو ماسك البقرة يحلبها فإنه لا يتعاطي شيئاً.. وهذا في غاية الترفع أن يقف على سوقي أو وزّان أو بيّاع ويعتبر أوزانهم ، بل تحضر أعوانه له بمن لا يعطونهم المعلوم المعهود عندهم فيضربهم ثلاث علقات: واحدة على مقاعده وأخرى على رجليه وأخرى علي أكتاقه.. وأما أحكامه فبالبحت وأما أخلاقه ففي غاية الشراسة.. هذا مع دينه المتين ومحافظته على الصلاة والصيام.)
4 ــ ولذلك نرى الصفات المتناقضة في سيرة أرباب الوظائف، من أعمال البر والصدقات ثم إلى جانبها الظلم وخراب البيوت، ونقرأ في سيرة يحيي بن عبد الرازق ت874 ( أنّه عمّر الجوامع العظيمة .. وعمّر الحمامات الهائلة والدور المفتخرة العظيمة، وعمل معروفاً زائداً في الفضل من مغسل وأكفان ومواراة الميت برمسه من الحمّالين والحفّارين وغير ذلك، وصنع أيضاً صنيعاً جميلاً في الغلاء للفقراء من تفرقة خبز ودقيق وقمح لكل أحد بقدر ما يلائمه، وكان يحسن لذوى البيوت ويتفقدهم . ) وإلى هنا كلام جميل.. إلا أننا نقرأ أيضاً أنه : ( كان قد أخرب دور أمر المدركين والفلاحين والمباشرين، وقال عنه أبو المحاسن: وأما أفعاله في مباشرته فكانت بالضد أيضاً ، وهو أنه كان كثير الظلم والجور والعسف وأخذ الأموال الخبيثة ثم يعمّر من ذلك الجوامع والمساجد والأوقاف على البر ويرسل السحابة (الطائفة التى ترافق الحجّاج لرعايتهم ) إلى الحجّاج في كل سنة لأجل الفقراء والمساكين، فهذا أيضاً بالضد.). وقد اشتهر العصر المملوكي بكثرة العمائر الدينية من خوانق ورُبط، وزوايا ومساجد وتكايا وأسبله (جمع سبيل) وكان تمويل إقامتها يأتى من السحت وبأموال الظلم وبالسخرة وآهات المقهورين، ولا تزال تلك العمائر الدينية قائمة حتى الآن دليلاً على ذلك التعانق بين الظلم والدين السّنى وشاهداً على شريعة العصر المملوكي ودينه القائم على الظلم والقهر.
5 ــ وقايتباى والمحتسب ويحيي بن عبد الرازق لم يكونوا وحدهم ممثلين لتلك الشريعة الظالمة، وهنا نضطر لذكر أمثلة خارج تاريخ ابن الصيرفي. فالمؤرخ جمال الدين أبو المحاسن يقول عن الأمير المملوكي تمراز: ( كان يّظهر التدين ، وبه بطش وجبروت . وكان يعاقب العقوبة الشديدة المؤلمة على الذنب الصغير. )، أى كان التدين عنده بطشاً وجبروتاً وتطرفاً في إيقاع العقوبات. ويقول السخاوى في الأمير تمراز يلبغا السالمى أنه كان يضرب المظلوم ، ( ثم يقوم يصلّى الضحى ثمانى ركعات مع إطالة ركوعها وسجودها ولا يجسر أحد أن يترك الضرب دون فراغه من الصلاة . ). أى كان يطيل الصلاة ليطيل في تعذيب الضحية.. وكلما ازداد الضحية في صراخه كلما ازداد صاحبنا في ابتهاله..وهو نفس ما كان يفعله زبانية مبارك فى أقبية التعذيب بأمن الدولة .
6 ــ وهذه الحالة الفريدة التى تجمع بين الدين الأرضى والظلم كان لا بد أن تستوقف انتباه الشعراء فالشاعر المملوكي الحراتي يقول ساخراً:
|
قد بُلينا بأمير |
ظلم الناس وسبّح |
|
|
فهو كالجزار فينا |
يذكر الله ويذبح |
والقاضى الأيشبهي في عصر قايتباى وضع كتابه المستطرف وجمع فيه الأمثال الشعبية في عصره ومنها ما يعبر عن ذلك الظلم المملوكي، يقول المثل الشعبي : ( فم يسبّح وقلب يذبح ).!
7 ــ وقضاة الشرع السنى المملوكي كان شهوداً على ذلك الظلم الراسخ باسم الدين والذى يستمد مشروعيته من الدين السّنى الذى يؤله السلطان ويحكم بما لم ينزل الله تعالى به من القرآن.إنّ الله تعالى يرسل الرسل وينزل الكتب لكى يقوم الناس بالقسط،( الحديد 25 )وهو جل وعلا يأمر بالعدل والاحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر( النحل 90 ). ولكن الدين السّنى الأرضى وغيره يجعلون الظلم أهم طقوس عبادتهم ، ثم لا يخجلون من أن يرفعوا لواء الإسلام ليظلموا الإسلام. شريعتهم هى السّنة الأرضية وليست القرآنية فقد كان صحيح البخاري كتابهم المقدس، وكان القضاة هم أدوات الظلم باسم الشرع.وشرع الله تعالى برئ من ذلك كله.
من العصر المملوكى وشريعته السّنية الى عصرنا البائس
1 ــ ونحن هنا لا نتكلّم فقط على قايتباى والعصر المملوكى وإنّما نتكلم عموما على كل دولة دينية تستخدم دينا أرضيا لتذلّ به الناس وتقهرهم . وكل ما قيل هنا ينطبق على المملكة السعودية ومن يسير فى فلكها الشيطانى وشريعتها الوهابية الشيطانية . وهذه شهادتنا التى سنلقى الله جل وعلا بها يوم القيامة.
2 ــ لقد انتقل أبن الصيرفي وقايتباى والداودار وكل رجال العصر المملوكي إلى متحف التاريخ ولكن بقيت منهم العظة والدرس الذي ينبغي أن نتعلم منه فيعصرنا، وتلك هى ثمرة علم التاريخ. صحيح أن العصر المملوكي قد انتهى سياسياً بسقوط الدولة المملوكية أمام العثمانيين 921هـ/1517م ولكن العصر المملوكي استمر حضارياً، فهو يمثل طائفة من الأفكار والقيم والمعتقدات، أنه يمثل حالة معينة من الثقافة إن كانت لا تصلح لزمنها فهي بالقطع لا تصلح أبداً لعصرنا. ولكن بعض المصريين كان يعمل بجد واجتهاد تحت لواء ( تطبيق الشريعة ) ليستعيد العصر المملوكي وتطبيقه للشريعة. ونجح فى ذلك سياسيا. ويريد أن يكمل نجاحه السياسى بفرض شريعته السنية المملوكية دستوريا .
3 ـ وهناك فارق بين العمر والعمر الزمني.قد نرى شيخاً في الستين ولكن عقليته قد توقفت عن سن العاشرة..
وهناك من الناس من يركب سيارة فارهة ويتحلى بساعة روليكس ويلبس قماشاً صنعه الغرب فى عصرنا ، ومع ذلك فإن عقله يعيش في العصر المملوكي، ودينه الأرضى الموروث من العصر العباسي. ثم هو يعمل جاهداً لكى يستعيد العصر المملوكي سياسياً وحضارياً ويرجع بنا إلى العصور الوسطي. وفى الوقت الذى يفكّر فيه الغرب فى استعمار كوكب المرّيخ فإن هؤلاء السنين فى عصرنا يفكّرون ويعملون فى سبل تطبيق شريعة العصر المملوكى العباسية وفرضها علينا فى القرن الحادى والعشرين .
4 ــ الغرب مشغول عن المسلمين بابتكارته التى تترى كل دقيقة ، والوهابيون منشغلون بتأكيد نظريتهم فى أنّ الغرب يتآمر علينا وذلك فى سبيل تأكيد نظريتهم المنتمية للعصور الوسطى والتى تقسّم العالم الى دار السلام ودار الحرب. لو كان الغرب عدوا لنا كما يقولون لبذل كل وسعه لإرجاعنا الى جاهلية القرون الوسطى ، ولكن الذى يفعل بنا هذا هم من يتسترون بالاسلام سواء من وصل منهم للسلطة أو يحاول الوصول اليها. وفارق هائل بينهم وبين الغرب ، فبينما يبشّر الغرب بالديمقراطية وحقوق الانسان وكرامته فإن أولئك لا يعرفون سوى الإكراه فى الدين والاستبداد واحتكار السلطة والثروة والفساد والانحلال وسرقة الشعوب والتعذيب والقهر ، وكل ذلك تحت شعار الاسلام .ومن يناضل منهم للوصول الى الحكم يحترف الارهاب بالقتل العشوائى للأبرياء ويجعله جهادا إسلاميا.هذا مع ان الله جل وعلا أرسل رسوله رحمة للعالمين وليس لارهاب العالمين ، ولكنهم فى شريعتهم السّنية قلبوا الأمور وخلطوا الأوراق كى يصلوا التحكم فى السلطة والثروة . الغرب لم يفعل بنا هذا ، والغرب لم يفعل بالاسلام هذا . هم الذين فعلوا هذا بالاسلام وبالمسلمين. فى الخليج والجزيرة العربية نهبوا ثروات الشعوب هناك من البترول الذى هو حق لهذا الجيل وللاجيال القادمة حتى قيام الساعة ، وفى مصر إختطفوا أنبل ثورة شعبية سلمية ، ويخططون لتطبيق الشريعة السنية المملوكية الوهابية السعودية الوهابية . أى شريعة سنية تحقق لهم الحاكمية ، أى أن يحكم السلطان باعتياره لا ينطق عن الهوى ، وأنه ينطق بالالهام الالهى، ومن يخالفه فهو عدوّ لله جل وعلا ومستحق ليس فقط للقتل بل لدخول الجحيم ، لأنهم يتحكمون فى الدنيا والآخرة ، ولأن السلطان فى الدولة الدينية قد أوتى تفويضا إلاهيا ليمتلك الناس ويركب ظهورهم باسم الله جل وعلا. الغرب لا يريد بنا ذلك . الغرب مضطر للتعامل مع من يملك السلطة فهذه هى السياسة ، إذ كيف تتعامل أمريكا مع مصر بدون قيادة فيها ، وطالما رضى المصريون طوعا أو كرها بحكم فلان فلا مناص لدول العالم إلا بالتعامل مع هذا الفلان . ولكن الغرب يحاول التكفير عن هذا بمساعدة الناس فى أن يتعلموا أن يتحرّروا من الاستعباد ، بأن يعلمهم ثقافة الديمقراطية وحقوق الانسان ، فيأتى المستبدون والطامعون فى الوصول للحكم المستبد ويهاجمون المساعدة الغربية للمنظمات المصرية والعربية التى يموّلها الغرب ببعض الأموال . لا يستحى أولئك من أنفسهم وهم يسرقون البلايين ويهربونها للخارج ، ثم يتهمون النشطاء الذين يتلقّون مساعدات ضئيلة من الغرب تعينهم على الاستمرار فى التثقيف السياسى والحقوقى . هذا هو ما يفعله الغرب ، وذلك ما يفعله الاخوان المسلمون والسلفيون والمستبدون العسكر وغير العسكر فى بلاد المسلمين من افغانستان وباكستان الى الايران والخليج والجزيرة العربي ومصر والسودان وشمال أفريقيا والمغرب وموريتانيا ..وأخيرا ( مالى ).
5 ــ كل الأخبار السيئة فى العالم تأتى من بلاد المسلمين بسبب سيطرة أديانهم الأرضية الحقيرة عليهم . ولأننا ( أهل القرآن ) نناضل فى سبيل الاصلاح محتكمين الى القرآن فى تلك الأديان الأرضية من سنة وتشيع وتصوف ، ولأننا نثبت أن الاسلام هو دين الرحمة والسلام والعدل والاحسان والحرية المطلقة فى العقيدة فإننا نعانى ولا زلنا من ظغمة الفاسدين المستبدين ، سواء من هم فى الحكم او من يسعى للوصول منهم للحكم .
ومن أسف فإن الغوغاء معهم بسب التعليم الفاسد والاعلام الفاسد . ولكن لم ولن نفقد الأمل ..
لا نريد العودة الى عصر قايتباى والداودار الكبير وابن الشحنة وابن الصيرفى .
نريد العودة المخلصة للقرآن الكريم والى السّنة الحقيقية القرآنية التى كان عليها خاتم المرسلين .
والله جل وعلا هو المستعان ، وهو خير حافظا ، وهو أرحم الراحمين .
1) الهصر: 1.
2) السيوطي: تاريخ الخلفاء 651.
3) الهصر: 51، 62، 69، 360.
4) الهصر: 507، 514، 127.
5) الهصر: 252: 253، 127، 210، 333، 190، 425، 440.
6) الهصر: 42: 43، 174: 175.
7) حوادث الدهور: 3/598.
8) التبر المسبوك: 134.
9) المستظرف: 1/29.
10) الهصر: 37: 38، 174، 143، 445، 188، 34، 71، 74، 189، 202، 56، 24، 23: 26، 44: 45.
الفهـــرس
المقدمة:-----------------------------------------------------------------------------
الفصل التمهيدى :--------------------------------------------------------------------
أولاً: مصر قبل عصر قايتباى بين التاريخ والمؤرخين: عرض سريع------------------
الأحوال السياسية:--------------------------------------------------------------------
المصريين وظلم الحكام:--------------------------------------------------------------
1 دخول المصريين ا"> الفصل الثالث : السلطان قايتباى وتطبيق الشريعة ------------------------------------
السلطان قايتباى بين التدين والظلم والجشع:-------------------------------------------
السلطان قايتباى يصادر التركات ويأكل أموال اليتامي:--------------------------------
السلطان قايتباى يصادر أموال الأحياء:-----------------------------------------------
الفصل الرابع : شريعة السجن والتعذيب
سجن الضحية للحصول على أمواله:--------------------------------------------------
التعذيب لاستخلاص الأموال:---------------------------------------------------------
العزل عن الوظيفة مع المصادرة والتعذيب:-------------------------------------------
خوف الموظفين من مقابلة قايتباى:---------------------------------------------------
تفنن المماليك في التعذيب:-----------------------------------------------------------
التعذيب بالضرب:-------------------------------------------------------------------
عقوبة كشف الرأس:-----------------------------------------------------------------
عقوبة الشي بالنار والسلخ والتشهير:--------------------------------------------------
القتل بالتوسيط:----------------------------------------------------------------------
عقوبة قطع الخصيتين:
الفصل الخامس----------------------------------------------------------------------
السجون في عصر قايتباى:-----------------------------------------------------------
أحوال المساجين:--------------------------------------------------------------------
الهروب من السجن:------------------------------------------------------------------
عفو من بعض المساجين:------------------------------------------------------------
الهوامش:----------------------------------------------------------------------------
الفصل السادس : مجتمع أرباب الوظائف القائمين بتطبيق الشريعة السّنية فى عصر قايتباى
أنواع الوظائف:----------------------------------------------------------------------
اغتصاب المماليك لبعض الوظائف المدنية:-------------------------------------------
وظيفة القضاة في العصر المملوكي:--------------------------------------------------
الوزارة:-----------------------------------------------------------------------------
بقية الوظائف الديوانية:---------------------------------------------------------------
أرباب الوظائف والتقلبات السياسية:--------------------------------------------------
مرتبات أرباب الوظائف:-------------------------------------------------------------
أزمة اقتصادية لأرباب الوظائف سنة 873هـ:
-------------------------------------------------------------------------------------
الفصل السابع : كبار أرباب الوظائف الديوانية فى عصر قايتباى
الوزير قاسم جغيته:-----------------------------------------------------------------
موسى بن غريب الاستادار:----------------------------------------------------------
السلطان يتنزه مع أرباب الوظائف الظلمة:--------------------------------------------
ابن البقري:--------------------------------------------------------------------------
المباشرون أى كبار الموظفين وسرقاتهم من الشعب:----------------------------------
وسائل مصرية لمقاومة الظلم المملوكى:----------------------------------------------
الفصل الثامن : علماء الدين القائمون بتطبيق الشريعة فى عصر قايتباى
المستوى العلمى لعلماء الدين في عصر قايتباى:--------------------------------------
العلماء في عصر قايتباى وطرق الوصول للمناصب: الصلة بالمماليك:----------------
الوصول بالرشاوى:------------------------------------------------------------------
الاجتهاد في الحصول على المناصب:-------------------------------------------------
شراء المناصب:---------------------------------------------------------------------
وراثة المناصب:---------------------------------------------------------------------
الفصل التاسع : قضاة الشريعة فى عصر قايتباى بين الظلم والجهل
القاضى وظيفته الظلم:----------------------------------------------------------------
احتقار السلطان قايتباى للقضاة:
الفصل العاشر السلطان قايتباى يعزل كل القضاة ويقضى بين الناس بنفسه:------------
السلطان قايتباى يتفحص بنفسه أحوال القضاة:----------------------------------------
نوبة عدل تهبط على السلطان:--------------------------------------------------------
الناس يحتكمون للسلطان في قضاياهم الشرعية:---------------------------------------
الهوامش:----------------------------------------------------------------------------
الفصل الحادى عشر : عوام القاهرة فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر قايتباى :-------
ابن الصيرفي يظلم العوام في تاريخه:------------------------------------------------
حب العوام للسلطان قايتباى:----------------------------------------------------------
طوائف من العوام رفضت الظلم:-----------------------------------------------------
عوام وصلوا لمناصب عليا:----------------------------------------------------------
إشاعات العوام:----------------------------------------------------------------------
الفصل الثانى عشر : أهل الكتاب فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر قايتباى
أهل الكتاب في المناصب:-----------------------------------------------------------
التعصب ضد أهل الكتاب:
-------------------------------------------------------------------------------------
الفصل الثالث عشر: الأعراب فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر قايتباى:--------------
بداية الصراع بين الأعراب والمماليك:------------------------------------------------
أهم القبائل الأعرابية الثائرة في عصر قايتباى:
-------------------------------------------------------------------------------------
الفصل الرابع عشر : معاناة أهل الريف فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر قايتباى
الريف المصري مسرح الصراع بين المماليك والأعراب:-----------------------------
أهل الريف:--------------------------------------------------------------------------
مكانة الفلاح المصري عند المماليك:--------------------------------------------------
إرهاب المماليك للفلاحين:------------------------------------------------------------
إصلاحات قايتباى للريف:------------------------------------------------------------
قايتباى يتنزه في الريف ويزيد من معاناة أهله:----------------------------------------
الأعراب الذين يسرقون الريف بمباركة المماليك:-------------------------------------
أرباب الوظائف ونهبهم الريف:-------------------------------------------------------
أرباب الوظائف وظلمهم للفلاحين:----------------------------------------------------
الفلاحون ومقاومة الظلم:-------------------------------------------------------------
الفلاحون في السجون:----------------------------------------------------------------
فلاحون يهربون للقاهرة:-------------------------------------------------------------
قضاة الظلم في الريف:---------------------------------------------------------------
فلاحون وصلوا للمناصب:------------------------------------------------------------
الهوامش:----------------------------------------------------------------------------
الباب الثانى : أحوال الشارع المصري في ظل تطبيق الشريعة فى عصر السلطان قايتباى:
الفصل الأول : أخبار السلطان الشخصية:---------------------------------------------
نزهات السلطان:---------------------------------------------------------------------
السلطان يلعب الكرة:-----------------------------------------------------------------
مرض السلطان:---------------------------------------------------------------------
لباس السلطان للشتاء والصيف:-------------------------------------------------------
حضور السلطان حفلات الزفاف والميلاد:---------------------------------------------
أخبار أخرى للسلطان:----------------------------------------------------------------
الهوامش:----------------------------------------------------------------------------
الفصل الثانى : المظاهر الاجتماعية للمصريين فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر قايتباى
المنتزهات في عصر قايتباى:--------------------------------------------------------
طقوس الجنازات:--------------------------------------------------------------------
النعي:-------------------------------------------------------------------------------
جنازة حافلة أو جنازة بالفقيرى:-------------------------------------------------------
الإشادة بمحاسن الميت:---------------------------------------------------------------
المبالغة في الحزن على الميت:-------------------------------------------------------
أولاد المتوفي:-----------------------------------------------------------------------
الفصل الثالث : الفضائح الخلقية فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر السلطان قايتباى :
الفصل الرابع : أخبار العلاقات الاجتماعية بين المماليك والشعب:-------------------
علاقات مصاهرة:--------------------------------------------------------------------
بنت السلطان تحب أحد المشايخ:------------------------------------------------------
مماليك وعوام:-----------------------------------------------------------------------
الفصل الخامس : المصريون ونهر النيل فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر السلطان قايتباى
أخبار النيل:--------------------------------------------------------------------------
عيد وفاء النيل:----------------------------------------------------------------------
طقوس موكب وفاء النيل:------------------------------------------------------------
أخبار زيادة النيل ونقصانه:-----------------------------------------------------------
أبو الرداد أمين النيل عدة قرون:------------------------------------------------------
الانحلال الخلقي عند زيادة النيل:-----------------------------------------------------
إنشاء سدود على النيل:---------------------------------------------------------------
البناء والسكني على النيل:------------------------------------------------------------
الهوامش:----------------------------------------------------------------------------
الفصل السادس : كوارث للمصريين فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر قايتباى
أخبار الطاعون:----------------------------------------------------------------------
أخبار الغلاء والأسعار:---------------------------------------------------------------
الغلاء مع الطاعون ومصائب أخرى:-------------------------------------------------
أسباب متنوعة للغلاء:----------------------------------------------------------------
أنواع الطعام وأسعارها سنة 873هـ:--------------------------------------------------
نقص النيل وارتفاع الأسعار:--------------------------------------------------------
استمرار الغلاء بسبب حمق المحتسب:-----------------------------------------------
قايتباى يفرض التسعيرة ويصلح الحال:-----------------------------------------------
الهوامش:----------------------------------------------------------------------------
الفصل السابع : الاحتفالات الدينية فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر قايتباى
أخبار المناسبات الدينية:--------------------------------------------------------------
تحديد المناسبات برؤية الهلال:-------------------------------------------------------
النسيء في الأشهر العربية:----------------------------------------------------------
مظاهر الاحتفال بعيد الفطر وعيد الأضحى:-------------------------------------------
الدعم لا يصل إلى مستحقيه:----------------------------------------------------------
المولد النبوي السلطانى:--------------------------------------------------------------
دوران المحمل:----------------------------------------------------------------------
الهوامش:----------------------------------------------------------------------------
الفصل الثامن : تقديس البخارى المصدر الأساس للشريعة فى عصر قايتباى
ميعاد البخاري:----------------------------------------------------------------------
قيمة البخارى في عصر قايتباى:------------------------------------------------------
بداية الاحتفال بميعاد البخارى:-------------------------------------------------------
خناقات في ميعاد البخارى:-----------------------------------------------------------
مراسيم ميعاد البخارى في عصر قايتباى:---------------------------------------------
الهوامش:----------------------------------------------------------------------------
الفصل التاسع : غرائب ومعتقدات وفواجع:-------------------------------------------
معتقدات التطير أو التشاؤم:----------------------------------------------------------
غرائب:-----------------------------------------------------------------------------
الفواجع:-----------------------------------------------------------------------------
غارات الفرنجة البحرية:-------------------------------------------------------------
الفصل العاشر : أخبار الجرائم
أخبار الجرائم:-----------------------------------------------------------------------
جريمة السرقة:-----------------------------------------------------------------------
سرقة وقتل:--------------------------------------------------------------------------
القتل:--------------------------------------------------------------------------------
جرائم قتل غامضة:------------------------------------------------------------------
ريا وسكينة في العصر المملوكي:----------------------------------------------------
الفصل الحادى عشر : أخبار المشايخ:----------------------------------------------
انحرافات المشايخ وما ترتب عليها:--------------------------------------------------
عقوبات تعرض لها الأشياخ:---------------------------------------------------------
صراعات المشايخ فيما بينهم:--------------------------------------------------------
الفصل الثانى عشر : إبن الصيرفى قاضيا ظالما ومؤرخا ظالما
الفصل الثالث عشر : كائنة الشيخ البقاعي:--------------------------------------------
الخاتمة:-----------------------------------------------------------------------------