مكتبة منصور أرشيف دائم
EN / AR
الكتب 2012

المقريزى وثقافة الفتوحات فى عصرنا

الباب الأول : ( عمر بن الخطّاب ) الفصل الأول :المسكوت عنه في سيرة عمر بن الخطاب في الفكر السني

الباب الأول : ( عمر بن الخطّاب )

الفصل الأول :المسكوتعنه في سيرة عمر بن الخطاب في الفكر السني

الدولة الاسلامية لا يمكن ان تكون غازية محتلة بالقوة لبلاد الاخرين.
عدل عمر تمتع به المسلمون الاحرار فقط ، دون مواطني البلاد المفتوحة .
دولة عمر حين أشرفت علي العالم تعاملت بمنطق العالم وقتها ، منطق الجاهلية والعصور الوسطي وليس منطق الدولة الاسلامية .
كل سلبيات الامويين والعباسيين وحتي العثمانيين بدأت جذورها في دولة عمر .
عمر بن الخطاب : بيانات البطاقة الشخصية والعائلة
اللقب : الفاروق
الكنية : ابو حفص
الاسم بالكامل : عمر بن الخطاب بن عبد العزي بن رباح بن عبد الله بن قرط بن زراح بن عدي بن كعب
:

 اسماء الزوجات والابناء:
1. زينب بنت مطعون : انجبت له عبد الله وعبد الرحمن وحفصة .
2. ام كلثوم بنت جرول : انجبت زيدا الاصغر وعبيد الله .
3. ام كلثوم بنت علي بن ابي طالب وفاطمة بنت الرسول : انجبت زيدا الاكبر ورقية .
4. جميلة بنت ثابت : انجبت عاصم .
5. ام ولد ( جارية ) اسمها لهية : انجبت له عبد الرحمن الاوسط .
6. ام ولد ( جارية ) اسمها فكيهة : انجبت له زينب .
7. ام ولد ( مجهولة الاسم ) انجبت له عبد الرحمن الاصغر .
8. ام حكيم بنت الحارث . انجبت فاطمة .
9. عائكة بنت زيد بن عمر : انجبت له عياض .
تاريخ الميلاد : قبل حرب الفجار بأربع سنين ، وبعد الفيل بثلاث عشرة سنة .
تاريخ اسلامه : في السنة السادسة من النبوة ، وكان عمره ستا وعشرين سنة .
تاريخ تولية الخلافة : يوم الثلاثاء ، 22 جمادى الاخرة سنة 13 .
تاريخ موته : اغتيل صباح الاربعاء 26 ذو الحجة 23
وقيل صباح الاحد اول المحرم سنة 24 .
مدة ولايته : عشر سنين وخمسة اشهر واحدي وعشرون ليلة .
صورته الشخصية : ابيص تعلوه حمرة ، ضخم جسيم ، اعسر ايسر ، اصلع ، ثم تحول لونه الي السواد بسبب جوعه الاختياري لمواساة المسلمين العرب في مجاعة الرمادة .
اهم القضايا في سيرة عمر : المسكوت عنه في تاريخ عمر .
مقدمة : في اعتقادنا انه ليس في الاسلام ايمان بشخص ، انما الايمان بالوحي الذي يصير به النبي مرسلا . وعمر بن الخطاب شخصية تاريخية انسانية ، فيها كل ما في الانسان من ضعف وقوة ، وظلم وعدل ، الا ان التأريخ لعمر وقع بين طرفي نقيض ، فالشيعة لم يتركوا فيه منقبة حسنة ، بل ملأوا سيرته سبا وذما ، والسنة جعلوه ملاكا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، واتفق الشيعة والسنة معا علي خلق شخصية لعمر من خيالاتهم الشخصية بعيدة عن التصور الانساني ، وضاعت الشخصية الانسانية الحقيقية لعمر بين هؤلاء وهؤلاء ، ونحاول في هذه الورقة المتعجلة ان نتوقف مع اقدم روايات اهل السنة عن عمر لنخرج منها بالجانب الاخر لتكون الصورة متوازنة ، مع تأكيدنا علي ان الحقائق التاريخية حقائق نسبية يجوز فيها الصدق والكذب ، وبهذا فهي تختلف عن حقائق القرآن التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، ولأن عمر ليس من حقائق القرآن وانما هو من حقائق التاريخ ، فكل ما يقال عنه يخرج عن دائرة الايمان ويدخل في دائرة البحث التاريخي .
فتعالوا بنا الي المسكوت عنه في تاريخ عمر مما كتبه مؤرخو السنة .
1. يقول ابن سعد في الطبقات الكبري ان عمر كان يأمر الولاة بأن يوافوه في موسم الحج ، ثم يخطب في العرب المسلمين فيقول ( ايها الناس اني لم ابعث عمالي عليكم ليصيبوا من ابشاركم " أي اجسادكم" ولا من اموالكم ، وانما بعثتهم ليحجزوا بينكم وليقسموا فيئكم بينكم ، فمن فعل به غير ذلك فليقم ) فقام رجل فقال ان الوالي فلان ضربني مائة سوط ، فأمر عمر ان يضرب ذلك الوالي مائة سوط ، فتوسط عمرو بن العاص حتي ارضوا الرجلجل الشاكي بأن دفع له الوالي مائتي دينار بدلا من ان يضربه الرجل مائة سوط .( الطبقات الكبري 3/211[ .الواضح في الخبر هو ان عمر كان يتحري العدل بين العرب في الامصار المختلفة المفتوحة ، لا فارق بين جندي وقائد ، وهذا شئ جميل.
ولكن المسكوت عنه انه اذا كان الظلم يحدث بين العرب المسلمين بحيث يضرب احدهم الاخر مائة سوط ظلما ، فماذا كانوا يفعلون مع الغلابة ابناء البلاد المفتوحة ؟. اذا حاولت ان تجد الاجابة .. يقال لك : اسكت هس !!
ومشهورة قصة المصري مع ابن عمرو بن العاص ، حين تسابقا فسبقه المصري ، فاغتاظ ابن عمرو ، فضرب المصري قائلا : كيف تسبق ابن الاكرمين ، فجاء المصري الي المدينة وشكي ابن عمرو واباه ، فأمر عمر بأن يضرب المصري ابن عمرو، وقال لعمرو : ( متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا) . وقد اصبحت تلك المقولة من مآثر عمر ، واصبحت مثلا من الامثال الدالة علي المساواة والعدل .
وهذا كلام جميل ، وان لم ترد هذه القصة في اقدم المصادر التاريخية الموثقة ، ولكن مع افتراض صحتها ، فأن ذلك المصري الفارس الماهر كان من ابناء الاكابر ، لذلك لم يحتمل الاهانة وسافر علي نفقته وتحدث بالعربية شاكيا ، او ربما وجد له مترجما ووجد بأمواله من يساعده للوصول الي الخليفة في المدينة ليطلب منه حقه .. فما بالك بملايين المصريين وقتها ( كان عدد المصريين حينئذ يزيد عن عشرة ملايين [ .
المسكوت عنه هنا هو ملايين الآهات في الريف المصري الناطقة باللغة القبطية ، والتي لا تستطيع التفاهم مع عمر ، ولا تستطيع ان تصل له ، والتي لم يأبه بها احد .
فاذا حاولت ان تعرف حجم الظلم الذي تعرض له اجدادانا المصريون في الدلتا والصعيد في عصر عمر والذي تجاهله الرواة ، يقال لك : اسكت .. هس !!.
وحدثت مجاعة الرمادة في الجزيرة العربية فاستغاث عمر بوالي مصر عمرو بن العاص وكتب له يقول ( من عبد الله امير المؤمنين الي العاصي بن العاصي .. سلام عليك ..، اما بعد فتراني هالكا ومن قبلي ، وتعيش انت ومن قبلك ، فياغوثاه .. ثلاثا[.
وسرعان ما كتب له عمرو ] : لأبعثن لك بعير اولها عندك واخرها عندي [ فبعث له بالطريق البري الف بعير بالدقيق والمؤن ، وبعث له بالطريق البحري عشرين سفينة محملة بالغذاء . والمسكوت عنه هنا .. كيف تم الاسراع بجمع كل هذه الاغذية من المصريين في الدلتا والصعيد ..هل بالتبرع عن طيب خاطر .. ام بالمصادرة والضرب ؟ .. اذا حاولت ان تعرف الاجابة قيل لك .. اسكت .. هس !!
ويروي الاحنف في مناقب عمر:] : كنا جلوسا بباب عمر فمرت جارية فقالوا : سرية امير المؤمنين ( أي محظيته ) فقالت الجارية : ماهي لأمير المؤمنين بسرية وما تحل له ، انها من مال الله ، فقلنا فماذا يحل له من مال الله ؟ فما هو قدر الا ان قد بلغت ، وجاء الرسول فدعانا ، فأتيناه ، فقال ، ماذا قلتم ؟ ( فأخبروه ) فقال : انا اخبركم بما استحل منه : يحل لي حلتان ، حلة في الشتاء وحلة في القيظ ، وما احج عليه واعتمر ، وقوتي وقوت اهلي كقوت رجل من قريش ، ليس بأغناهم ولا بأفقرهم )( طبقات ابن سعد 3/ 197 .[
الواضح هنا عدل عمر في انه لا يميز نفسه عن باقي المسلمين ..
ولكن المسكوت عنه هو حكاية الجارية التي جئ بها ظلما من اهلها الاحرار في البلاد المفتوحة ، واصبحت سلعة تباع وتشتري ، او حسب قولهم وقولها ( من مال الله ) . فاذا حاولت ان تجد توضيحا قيل لك : اسكت … هس !!
ويقول ابن سعد ان عمر كان لا يأذن للسبي من الاسري من الرجال بدخول المدينة . واستأذن المغيرة بن شعبة حتي سمح عمر بأن يأتي للمدينة ابو لؤلؤة فيروز المجوسي ، وكان من سبي نهاوند ، ويقول عنه ابن سعد ( كان خبيثا ، اذا نظر الي السبي الصغار يأتي فيمسح رؤوسهم ويقول ان العرب اكلت كبدي ..) وفي النهاية قتل عمر انتقاما .
والمسكوت عنه هم هؤلاء الالوف من الصبية والاطفال او الذراري الذين سباهم العرب المسلمون من اهاليهم من ايران والرافدين ومصر ، وفرقوا بينهم وبين اهاليهم وجعلوهم رقيقا بدون ذنب جنوه هم واهاليهم .. وهل يصح هذا في عدالة الاسلام .. اذا تحدثت تطلب المزيد من المعلومات ، ولم تجد شيئا عنهم وعن آلامهم قيل لك .. اسكت .. هس!!
حسنا .. نحن لن نسكت … ولن نهس !!
 
سنبحث الموضوع المسكوت عنه .. ليس طلبا للموضوعية العلمية فقط ، ولكن لتوضيح الرؤية الاسلامية القائمة علي القسط والعدل .. ولأن من بين اولئك المظاليم اجدادنا المصريين ، ونكاد نتحسس صراخهم بين روايات تاريخنا الاسلامي ، تلك الروايات التي تدور دائما حول الحاكم وتترك المظاليم .. و اذا كان الله تعالي يتسامح مع المظلوم اذا رفع صوته جاهرا بالسب واللعن ، بل ان الله تعالي يحب ذلك ، ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول الا من ظلم : النساء 148 ) فكيف صادر اولئك المؤرخون حق اجدادنا في الصراخ .. انحيازا منهم للظالم ؟؟!!

تعالوا بنا الي بداية الموضوع :ماهو حكم الاسلام في الفتوحات الاسلامية ؟
هل الفتوحات العربية في عصر الراشدين تتفق مع تشريعات القرآن للدولة الاسلامية ؟
 
ان هذه الفتوحات كانت رد فعل لهجوم المرتدين علي المدينة في اول خلافة ابي بكر ، وقد هزمهم ، ثم طارد المرتدين الاخرين الي ان وصل الي اطراف الجزيرة العربية حيث تخوم الامبراطوريتين الفارسية والرومية . وبعد اخضاع المرتدين اراد ان يتخلص من شوكتهم الحربية بتصديرها الي الهجوم علي ممالك وولايات الامبراطوريتين ،و هكذا بدأت الفتوحات أو الغزوات ، والويل فيها للمغلوب دولة او شعبا . وكان الشعار المرفوع وقتها لتسويغ الفتوحات هو تخييرهم بين واحدة من ثلاث : اما الاسلام واما الجزية واما الحرب ، وهذا التخيير من جيش يقتحم حدود الاخرين متأهبا للهجوم عليهم لا يعني سوي اجبارهم علي الاسلام او دفع الجزية مع الذلة والعبودية او الدخول في حرب مع عسكر ( يحبون الموت كما يحب اولئك الناس الحياة ) .. وبذلك اكتسب الجهاد عند المسلمين معني جديدا يخالف معناه القرآني الذي كانت عليه دولة الاسلام في عصر النبي عليه السلام .
فالجهاد ان تضحي بالمال والنفس دفاعا عن عقيدتك وعن حرية العقيدة لك وللاخرين ، و ليس بأن تقتحم علي الاخرين بلادهم لتجبرهم علي الاسلام والا فالجزية ، والا فالحرب . ان ما كتبوه في سيرة النبي يؤكد علي الطبيعة الدفاعية للغزوات مع كثرة الاكاذيب في الروايات ، والتي تختلف عن حديث القرآن عن غزوات النبي (ص) ، ثم ان هذه الفتوحات تتناقض تماما مع القرآن في تشريعاته وقصصه .
ان تشريعات الجهاد في الاسلام تبدأ بالكلمة والموعظة القرآنية ، أي الجهاد بالقرآن ( فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا : الفرقان 52 ) ويقترن ذلك بتحمل الاذي . و الطرد ومصادرة المال والهجرة . ثم يضطر المسلمون للدفاع عن انفسهم مخافة الاستئصال ضد عدو يطاردهم حتي بعد هجرتهم ، وحتي لا تنهدم بيوت العبادة لكل المؤمنين من صوامع لليهود وبيع للنصاري وصلوات لكل صاحب عقيدة ، ومساجد للمسلمين ( الحج 40 ) وفي كل الاحوال فتشريعات القتال في الدولة الاسلامية تدور بين اوامر تشريعية تخضع لقواعد تشريعية ، فالاوامر هي ( قاتلوا ) والقواعد التشريعية هي ( في سبيل الله ) بمعني ان يكون القتال دفاعيا فقط او قتال اولئك الذين يقاتلونكم وبدون اعتداء عليهم ، يقول الله تعالي ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ، ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين ) .. ( فمن اعتدي عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم ، واتقوا الله : البقرة 190 ، 194 ) .أي ان المسلمين حين يعتدون علي من لم يعتد عليهم فانهم لم يتقوا الله .!!
وذلك العدو المعتدي اذا هزمته الدولة الاسلامية فمن حقها ان تجبره علي دفع غرامة حربية هي الجزية ، وذلك عرف مألوف في تاريخ العصور الوسطي ، وفي التاريخ الحديث والمعاصر ، ولنتذكر ما حدث لألمانيا بعد الحربين العالميتين ، وما حدث مع صدام حسين ، ومن حقها ايضا ان تحصل منه علي غنائم تركها في ميدان المعركة ، ولكن ليس من حقها ان تحتل ارضه لأن آية الجزية ( التوبة 29 ) بما فيها من اوامر انما تخضع للقواعد التشريعية والمقاصد التشريعية التي تؤكد علي القسط والعدل ، ومعني ان الدولة المعتدية تعطي الجزية بعد هزيمتها أي انها تظل قائمة علي ارضها وشعبها ومواردها دون ان يحتلها المسلمون ، بالضبط كما حدث حين دفع الروم البيزنطيون الجزية للدولة الاموية والعباسية والعكس ، في اطار الحروب وما تداولوه من نصر وهزيمة ، وكل من الدولتين كانت في موقعها وعلي حدودها .
ولكن كل ذلك كله يخالف ما جري في الفتوحات العربية في عهد عمر ، لأن عمر بعد ان اسقط الدولة الفارسية فرض علي اهلها الجزية وفرض علي ارضها الخراج ، وهؤلاء الناس ( الغلابة ) لم يحاربوا احدا ، بل ان الدولة الفارسية نفسها لم تعلن الحرب علي الدولة العربية ، ولم تقتحم الجزيرة العربية ، بل العكس هو ما حدث ، فالعرب المسلمون هم الذين اقتحموا علي الفرس دارهم ، وبعد ان هزموا الجيوش في مواقع متعددة داخل بلادها ، سلبوا كنوز الفرس في كل مدينة ، واسترقوا الذرية من النساء والاطفال فيما بينهم ، ثم بعدها فرضوا علي المساكين اهل البلاد المفتوحة جزية علي الرءوس ، ثم ضريبة علي الارض ، ولا يتفق ذلك مع تشريعات القرآن بكل تاكيد .
وما حدث في مصر كان افظع ..
فالفرس كانوا اصحاب الملك ، وكانوا احدي أقوي قوتين في العالم ، لذلك حاربوا دفاعا عن النفس ، اما المصريون فقد كان البيزنطيون يحتلون ارضهم ويضطهدونهم في دينهم ، لذلك عاونوا العرب في فتح بلادهم نكاية في الروم ، واسهب المقريزي في توضيح انواع المساعدة التي قدمها المصريون لجيش عمرو الضئيل منذ ان نزل الفرما الي ان فتحوا له ابواب الاسكندرية خلسة .. ومع ذلك كافأهم عمر وعمرو بفرض الجزية عليهم !!
لقد اتسعت الفتوحات العربية في عهد عمر فيما بين ( 14 : 23 هـ ) لتمتد فيما بين اصفهان في شرق ايران الي طرابلس ليبيا ، ففي سنة 14 كانت فتوحات دمشق وحمص وبعلبك وموضع البصرة وهي الابلة ، وفي سنة 15 تمت فتوحات الاردن وانتصر العرب علي الروم في اليرموك ، وعلي الفرس في القادسية ، وفي سنة 16 تمت فتوحات الاهواز والمدائن والانتصار في جلولاء وهزيمة الامبراطور الفارسي يزدجر وهروبه ، ثم فتوحات تكريت شمال العراق ، ثم تسلم عمر بن العاص بيت المقدس ، وتمت فتوحات قنسرين وحلب وانطاكية ومنسج وسروج وقريقساء ، وفي سنة 18 تمت فتوحات جندباسبور وجلوان و الرهاد وسميساء وحران ونصيبين والموصل والجزيرة فيما بين العراق وسوريا ،وفي سنة 19 فتوحات قيسارية ، وفي سنة 20 فتحوا مصر غربا ، وتستر في ايران ، وفي سنة 21 فتح الاسكندرية ، ثم في نهاوند في ايران ، وفتح برقة في ليبيا ، وفي سنة 22 فتح اذريبجان والدنيور وماسبذان وهمذان والري وعسكر وقومس في اواسط اسيا ، وفتح طرابلس الغرب في ليبيا .
وفي السنة التي قتل فيها عمر كان فتح كرمان وسجستان ومكران واصفهان سنة 23هـ .
وخلال هذه السنوات العشر سالت دماء مئات الالوف من الابرياء في كل تلك المناطق ظلما وعدوانا تحت اسم الاسلام والجهاد ، وتشتت مئات الالوف من العائلات والاسر فيما بين اواسط اسيا الي ليبيا ، ونهب العرب كنوز المنطقة بعد المعارك وقسموا بينهم الذرية والنساء .
ونأخذ مثالا علي احدي المعارك التافهة ، والتي سجلها الطبري في اربع صفحات وقام بتلخيصها ابن كثير في ثلاثة اسطر ، تحت عنون ( خبر سلمة بن قيس الاشجعي والاكراد : بعثه عمر علي سرية ووصاه بوصايا كثيرة ، فساروا فلقوا جمعا من المشركين فدعوهم الي احدى ثلاث خلال ، فأبوا ان يقبلوا واحدة منها ، فقاتلوهم ، فقتلوا مقاتليهم ، وسبوا ذراريهم وغنموا اموالهم ، ثم بعث سلمة رسولا الي عمر بالفتح والغنائم ) ( تاريخ ابن كثير 7/ 133 ، التفاصيل في تاريخ الطبري 4/ 186 : 190 ) لم تكن للاكراد دولة ، ولم تكن لهم علاقة بالعرب من أي نوع . وكل ما هنالك انهم فوجئوا بجيش لا يعرفون لغته يقتحم عليهم ديارهم ، فدافعوا عن وطنهم واموالهم واعراضهم ، فانهزموا ، وبعد ان قتل العرب ] مقاتليهم ) اخذوا النساء والاولاد والبنات سبيا ، واخذوا الاموال ، وكالعادة بعثوا بالخمس الي عمر ، واقتسموا فيما بينهم الاربعة اخماس من الغنائم المالية والبشرية . وتخيل نفسك تعيش في قرية ثم فوجئتم بجيش يهزم المدافعين عن القرية ، ثم يستبيح بيوت القرية ويستحل الدماء والاعراض والاموال ويصل الي بيتك ، يأخذ اموالك ، ويأخذ امك وزوجتك واختك وبناتك واولادك ، وقد يقتلك اذا قاومت ، فاذا استسلمت يفرض عليك جزية بحجة انه يحميك !! ثم يفرض ضرائب علي بيتك ، وارضك وانتاجك ، ثم تكون بعدها مواطنا من الدرجة الثانية ، وذلك تحت لافتة انك اهل ذمة النبي ، والنبي عليه السلام لم يشهد هذه الفتوحات ، ولم يكن يعلم الغيب حتي يعرف ما سيحدث بعده ويضع له تشريعا ، ناهيك ان النبي لا يملك التشريع ، وانما يتلقي التشريع ، و الا ما كان الله تعالي يقول له ( يا ايها النبي لم تحرم ما احل الله لك تبتغي مرضاة ازواجك[.
وسلب الاموال وسبي الذرية لم يكن قاصرا علي البلاد التي يختار اهلها الحرب دفاعا عن انفسهم ، فقد كان يلحق السلب والنهب بالبلاد التي تختار الصلح والجزية ، يقول ابن كثير ( وساق القعقاع الي حلوان فتسلمها ، ودخلها المسلمون ، فغنموا وسبوا واقاموا بها ، وضربوا الجزية علي من حولها بعد ما دعوا الي الاسلام فأبوا الا الجزية : تاريخ ابن كثير 7/ 71 ) أي تسلموها بدون حرب ، ولكن علي ان تدفع الجزية ، ومع ذلك فقد سلبوا وسبوا واخذوا الجزية !! . أي ان الهدف الاساسي هو السلب والنهي والاسترقاق بحرب او بدونها . وهذا يذكرنا بتلك المقولة التي نسبوها لعمر ( متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا ) ونري انها رواية كاذبة ..لأن الواقع انهم استبعدوا الاحرار
وفي تاريخ الطبري مئات الصفحات عن القتل والسلب والسبي ، نقتطف هذه الاسطر التي يحكيها احد الجنود العرب وهو " محفز" الذي شارك في موقعة جلولاء سنة 16 هـ ، في ايران ، يقول ( ودخلوا المدائن ، ولقد اصبت بها تمثالا لو قسم في بكر بن وائل لسد منهم مسدا ، عليه جوهر فأديته ) أي سلمه للجيش .. الي ان يقول ( فاذا امرأة كالغزال في حسن الشمس فأخذتها وثيابها ، فأديت الثياب ، وطلبت في الجارية حتي صارت لي ، فاتخذتها ام ولد : الطبري [4/ 26 : 27 ) ويذكر الطبري عن غنائم العرب بعد فتح المدائن ما يفوق الخيال ، من الذهب والجواهر وكنوز كسري وعرشه ، حتي كانوا يجدون بعض البيوت مليئة بالذهب والجواهر ، وجمعوا اطنانا من عطر الكافور وحسبوه ملحا فخلطوه بالطعام فأصبح شديد المرارة ( تاريخ الطبري 3/19 :20 ، تاريخ ابن كثير 7/ 66 : 67 [
ونعود اليك ونطلب منك ان تتخيل نفسك شاهدا محايدا ، تري جيشا يستبيح مدينة آمنة في وطنها لم تعتد مطلقا علي هذا الجيش الذي يعتدي عليها ، ثم الدماء هنا وهناك ، وبعدها استباحة البيوت وتجميع الاموال في كومة كبيرة ، وتجميع النساء والاطفال والفتيات في صفوف اخري ، ثم يقسم المال اخماسا ، يبعثون بالخمس الي الخليفة ، ويفرقون الاربعة اخماس بين المقاتلين ، بالعدل والقسطاس ، ثم يلتفتون الي النساء والاطفال ، فيأخذون منهم الاربعة اخماس يفرقونه علي افراد الجيش ، ثم يبعثون بالخمس الباقي منها الي المدينة مع تنفيذ وصية الخليفة عمر الي امراء الجيوش ، بألا يبعثوا الي المدينة الا بالصبية الصغار . وتخيل ما تسمعه من صرخات الامهات وعويل الاطفال حين تتشتت الاسرة الواحدة ، بين رجال قتلي امام بيوتهم حين كانوا يدافعون عن انفسهم ، وزوجة قد اخذها فلان ، واخت امتلكها علان ، وصبي صغير يبكي وقد بعثوا به الي المدينة ، واخت له استحسنها القائد فاستأثر بها لنفسه . وما تتخيله هو ما حدث فعلا وتردد بين سطور التاريخ في الفتوحات . ودين الله تعالي القائم علي القسط والعدل والسلم يأبي ذلك .
ونعود الي ابن سعد وهو يقول عن عمر ( وضع الخراج علي الاراضين ، والجزية علي جماجم اهل الذمة فيما فتح من البلدان ، ووضع علي الغني ثمانية واربعين درهما ، وعلي الوسط اربعة وعشرين درهما ، وعلي الفقير اثني عشر درهما ، وقال : لا يعوز " أي لا يرهق" رجل منهم " أي الفقراء" درهم في الشهر : الطبقات الكبرى لابن سعد 3/ 202 ) .
وتأمل نبرة الاحتقار في صياغة الخبر في قوله ( وضع الجزية علي جماجم اهل الذمة ) أي الجزية علي الرءوس كالانعام ، مع ان الجزية في شريعة القرآن الكريم هي مجرد غرامة تدفعها دولة معتدية مهزومة جزاء عدوانها ، ولا توضع الجزية علي الافراد المساكين في بلاد احتلها العرب وعاملوا اهلها بالظلم والاحتقار . ثم انهم فرضوا الجزية علي الجميع ، حتي الفقراء الذين لا يجدون قوت يومهم ، الا ان عمر يري انه ليس من الارهاق عليه ان يدفع درهما كل شهر .اما الغني والمتوسط الذي يملك ارضا او حانوتا فأنه يدفع خراجا او ضريبة بالاضافة الي الجزية .وهذا بعد ان سلب العرب ثروة البلاد المنقولة واسترقوا افضل من فيها من نساء وذرية ، وقتلوا الشباب الابي الذي حاول الدفاع عن ارضه وعرضه .
والمحصلة النهائية ان الفقراء المعدمين في البلاد المفتوحة كانت تؤخذ منهم الاموال لاثرياء العرب الذين تكدست لديهم الاموال من الغنائم والخراج والجزية . ذلك ان كل كنوز وثروات الفرس والمصريين وثروات وكنوز الروم التي تركوها في الشام ومصر ، كل ذلك سلبه العرب في الفتوحات ، واقتسموه فيما بينهم ، فأصبحوا وقتها اثرى اثرياء العالم ، ومع ذلك لم يتورعوا عن اخذ الجزية حتي من الفقراء المعدمين لتصب في جيوب اولئك الاثرياء المتخمين بالكنوز . وذلك ليس مجرد تخمين ولكنه استنتاج لما جاء في تاريخ ابن سعد عن عمر ، فأبو هريرة جاء لعمر بخمسمائة الف درهم فوزعه علي الناس ، وجاء الي عمر كل من عثمان وابن عباس فأعطاهما مالا كثيرا ، يقول ابن عباس معبرا عن كثرة ذلك المال (اما عثمان فحثا ، واما انا فجثيت لركبتي ) أي كانوا يعبئون المال بكل ما يستطيعون ، وفي موقف اخر يقول ابن عباس ( دعاني عمر بن الخطاب فأتيته فاذا بين يديه نطع عليه الذهب منثور حثا ، قال : هلم فاقسم هذا بين قومك ) وبعث عمر الي ام المؤمنين زينب بنت جحش بكومة ذهب ، فلما رأتها فزعت منها واستترت منها ، ثم القت عليها ثوبا ، وقالت لخادمتها ( اقبضي منه واذهبي به الي بني فلان ، وما زالت توزعه حتي نفذ ) ، واستمر عمر يوزع هذه الكنوز والاموال وهو يقول : لأزيدنهم ما زاد المال ، لأعدنه لهم عدا ، فأن اعياني لأكيلنه لهم كيلا ، فأن اعياني حثوته بغير حساب ) ويقول في موقف اخر ] واني لأرجو ان اكيل لهم المال بالصاع ) : ( الطبقات الكبري لابن سعد 3 / 207 ، 215 :[ 218 ) أي ان الذهب اصبح لديهم اكواما يوزعه عمر كما يوزع القمح والشعير ، بينما يأخذون الجزية والضريبة من فقراء مصر والعراق والشام وفارس ، وهم – أي الفقراء- مستحقون للزكاة اصلا في شريعة الاسلام التي تنهي عن اكتناز الذهب والفضة ، فضلا عن سلبها من اصحابها ظلما وعدوانا .
ومن الغريب ان شرع الله تعالي يوجب الزكاة علي المسلمين لتذهب للفقراء والمساكين وبقية المستحقين المذكورين في الاية 60 من سورة التوبة ، واولئك المستحقون يستحقون الصدقة بالوصف وليس بالدين او الجنسية والعنصر ، أي يكفي ان يكون فقيرا او مسكينا او غارما ليأخذ الزكاة ، سواء كان مسلما او غير مسلم ، عربيا او غير عربي ، ولكن الفتوحات العربية وسياسة عمر اوجدت تشريعا اخر كان فيه الفقراء هم الذين يدفعون الاموال لمن يكنزون الذهب و الفضة والجوهر بالسلب والنهب والظلم .
ومنذ ان جاءت الاموال لعمر انشأ الديوان حرصا منه علي توزيعها بالعدل علي العرب المسلمين سنويا ، بحيث كان لا يبقي منه شيئا للعام التالي وبدأ انشاء الديوان في محرم سنة 20هـ بتسجيل اسماء جميع العرب وفرض مرتبات لهم حسب قواعد معينة ، وتراوح المرتب السنوي لكل عربي مسلم فيما بين خمسة الاف لأهل بدر الي اثنتي عشر الف لأمهات المؤمنين ، ثم الفين الي ثلاثة الاف للباقين . وكان يفرض للوليد الرضيع العربي مائة درهم فاذا ترعرع فرض له مائتين ، وبسبب غياب الرجال في الغزو ، فقد تكاثر اللقطاء في الجزيرة العربية ، فاضطر عمر ان يفرض للقيط مائة درهم ، ويجعل رضاعته ونفقته علي بيت المال ، وكان من قبل لا يفرض للوليد حتي يفطم
، فسمع بكاء طفل عربي فسأل امه فعرف انها تريد ان تفطمه قبل الاوان ، فبكى وقال : يا بؤسا لعمر .. كم قتل من اولاد المسلمين ، وامر بأن ينادى ( لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام فأنا نفرض لكل مولود في الاسلام عطاءا [ .
وشمل عمر برعايته كل العرب ، ليصلهم المال مهما تباعدوا ، فقال ( والله لأن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو في مكانه ) والتفت بعين الرعاية الي سفلة العرب ومجرميهم ليجعل لهم حظا من هذا المال ، فقال ( لئن بقيت لأجعل عطاء لسفلة الناس الفين ) وهكذا لم يدع احدا من العرب الا فرض له مرتبا من الرضيع الي البعيد الي السافل . ( طبقات ابن سعد 3/ 212 ، 216 ، 219 [ .
هذا العدل الرائع حرمه عمر علي غير العرب من الفقراء و النساء والاطفال ، اذ كانت تتعالي صرخات اطفال السبي في المدينة بالقرب منه دون ان يشعر بهم ، وهو يعلم ان اهلهم قد تعرضوا للقتل والسبي والاسترقاق ، وان ذلك الطفل قد فرقوا بينه وبين امه كما فرقوا بين الاب وابنائه والزوجة وزوجها والاخ واخوته ، وبينهم وبين اوطانهم .
تعصب عمر للعرب والمسلمين
ان الواضح في سيرة عمر انه كان لا يري غير العرب المسلمين وغير الجزيرة العربية ، لذلك اخرج اليهود من الحجاز واخرج النصارى من نجران ، واسكن اليهود في الشام واسكن النصاري في الكوفة ،ومنع الرجال من سبي البلاد المفتوحة من دخول الجزيرة العربية ، حتي تكون الجزيرة خالصة للعرب . ثم قام بتمهيد الطريق بين مكة و المدينة واقام فيه محطات للمؤن لاستضافة المسافرين ، وحين اصيب العرب بمجاعة عام الرمادة بلغ من شفقته بهم انه امتنع عن اكل اللحم والسمن ومعاشرة زوجاته ، أي اجاع نفسه باختياره ، حتي تحول لونه الي السواد .
وهذا التطرف في العدل والشفقة بالعرب ، يقابله تطرف اخر من عمر في ظلم المساكين من ابناء البلاد المفتوحة بلا ذنب جنوه ، وكان الاولي بعدل عمر ان يتسع ليشمل كل الفقراء والجوعي ، خصوصا ضحاياه من اهل البلاد المفتوحة ، ولكن عمر - الذي ما ترك الجزيرة العربية بعد الاسلام الا مرة واحدة – لم يكن يعتبر نفسه خليفة مسئولا الا عن العرب المسلمين وحدهم ، ويتردد هذا في أقواله ، فهو القائل ( لا يسألني الله عن ركوب المسلمين البحر ابدا ) أي يخاف عليهم من ركوب البحر ، ولذلك كانت وصيته الاخيرة تقول :] اوصيكم بكتاب الله فأنكم لن تضلوا ما اتبعتموه ، و اوصيكم بالمهاجرين .. واوصيكم بالانصار ، واوصيكم بالاعراب .. فأنهم اصلكم ومادتكم .. وفي رواية ، فأنهم اصل العرب ومادة الاسلام ، واوصيكم باهل الذمة فأنهم ذمة نبيكم وارزاق عيالكم .. : طبقات ابن سعد 3/ 243 ") فالأعراب الذين وصفهم القرآن بأنهم (اشد كفرا ونفاقا [ يجعلهم عمر اصل العرب ومادة الاسلام . ويجعل اهل البلاد المفتوحة اهل ذمة للنبي عليه السلام ، مع ان النبي لم يرهم ولم يكن يعرف ماذا سيحدث معهم لأنه عليه السلام لا يعلم الغيب . ويري عمر ان وظيفة اهل الذمة هي ان يكونوا بقرة حلوبا لرزق عيال العرب ولهذا يوصي بهم ، أي كما يوصي الرجل ولده بالعناية ببقرته التي يقوم عليها رزقه .
ووصلت عناية عمر بأفراد الجيش الي درجة هائلة يحس بها من يقرأ وصاياه الي قادة الجيش ، فقد كتب الي حذيفة: ] ان اعطي الناس اعطيتهم وارزاقهم ) فكتب له حذيفة ( ان قد فعلنا وبقي شئ كثير ) فكتب له عمر ( انه فيؤهم الذي افاء الله عليهم ، ليس هو لعمر ولا لآل عمر ، اقسمه بينهم [ . ووضع عمر قواعد للتجنيد تقوم بها رعاية العرب المسلمين ، فالافضلية للتجنيد للاعزب عن المتزوج ، و للفارس عن الراجل أي المترجل . وكان يجعل لهم اجازات ، وكان ينهى ان يحمل الغازي معه ذريته الي الحرب ، أي كان يخشى علي ذرية العربية ويحتفظ بها ويحافظ عليها داخل الجزيرة العربية . وفي نفس الوقت لا يؤرقه ان تمتلئ طرقات المدينة بصبيان السبي ، وكلهم اطفال ايتام فقدوا آباءهم بالقتل او بالاسر ، أو بالاسترقاق وتباعدت بينهم وبين وطنهم واهلهم المسافات فيما بين المدينة وفارس او مصر او الشام او العراق .
وامتدت عناية عمر لتشمل نساء المقاتلين الغزاة، واثناء طوافه الليلي بالمدينة سمع امرأة تنشد شعرا:
تطاول هذا الليل تسري كواكبه وارقني ، الا ضجيع الاعبه
فسأل عنها عمر فعرف ان زوجها غائب في الغزو منذ عدة اشهر ، فكتب الي امراء الجيش الا يغيب زوج عن اهله اكثر من اربعة اشهر ، وجاءته شكوى بالبريد تتهم ( جعدة بن سليم ) بأنه يدخل علي نسائهم وهم في الغزو ، فاستدعاه ، وضربه مائة جلدة بدون اثبات او بينة ونهاه ان] يدخل علي امرأة مغيبة ) أي غاب عنها زوجها في الغزو . ونفى نصر بن حجاج بدون ذنب ، لمجرد ان امرأة عشقته ، اذ كان يمر ليلا فسمع امرأة تقول :
هل من سبيل الي خمر فأشربها ام هل سبيل الي نصر بن حجاج
فأصبح عمر فاستدعي نصر بن حجاج فرآه وسيما جميلا ، فنفاه الي البصرة خوفا علي نساء المقاتلين من جماله . واسترق عمر السمع الي نسوة يتحدثن فسمعهن يقلن ان اصبح ( اجمل ) رجال المدينة هو ابو ذئب ، فاستدعاه عمر فاذا هو اجمل الناس ، فقال له ( انت والله ذئبهن ) ونفاه الي البصرة حيث نفي ابن عمه نصر بن حجاج من قبل .
هذا مع ان اولئك الغزاة كانوا يتمتعون في البلاد المفتوحة بالسبايا الحسناوات من فارس و العرlق و الشام مصر .وما كان يحدث من انتهاك لأعراضهن تحت شعار السبي ، لا يؤرق ابدا- عمر.
انهم دائما يمدحون عمر بقوله ( لو ان دابة عثرت علي الفرات لخشيت ان يسألني الله عنها لماذا لم تمهد لها الطريق ؟ ) ويتخذون من ذلك دليلا علي اهتمام عمر بالبلاد المفتوحة بأرضها وناسها ، ويتناسون ان عمر لم يمهد طرقا في البلاد المفتوحة .واصل الرواية كما جاء في طبقات ابن سعد – اقدم مصدر تاريخي – هو قول عمر ( لو مات جمل ضياعا علي شط الفرات لخشيت ان يسألني الله عنه )( طبقات ابن سعد 3/ 220 ) ، أي ان عمر يهتم بالجمل العربي حتي ولو كان في العراق ، ومبعث ذلك اهتمامه الاساسي بالعير ، أي ابل الصدقة والغزو ، لذلك ذكر ابن سعد مقالة عمر السالفة ضمن اخبار اخرى عن عناية عمر بأبل الصدقة وابل الجهاد ، حتي انه كان يحمل علي ثلاثين الف بعير سنويا للجهاد ، وقد جعل لها اماكن محمية ، أي نزع ملكيتها لترعى فيها تلك الابل وهي مناطق الربذة والشرف . وقد احتج اعرابي ، فقال لعمر ( يا امير المؤمنين بلادنا ، قاتلنا عليها في الجاهلية ، واسلمنا عليها في الاسلام ، ثم تحمي علينا ) أي تمنع عنا نرعى فيها ، يقول الراوي ( فجعل عمر ينفخ ويفتل شاربه ) وكان يفعل ذلك اذا حمي غضبه ..أي بعد ان عمل للأعراب كل ما عمل يأتي هذا الاعرابي فيحتج عليه في امر تافه كهذا .
وكان عمر يصلح بنفسه ادوات الابل المعينة للجهاد ، يصلح براذعها واقتابها . وليته اعطى بعض هذا الاهتمام الي ابناء البلاد المفتوحة .. ليته عاملهم كما عامل حيوانات العرب

تشريع السبي باسترقاق الاحرار :
لقد نزل القرآن بحقوق الانسان ، الا ان خرق هذه الحقوق بدأ في عصر عمر الذي اعاد تشريع السبي والاسترقاق من خلال الفتوحات ، ثم جاء تراث المسلمين ليقيم تشريعا يجيز هذا وذاك ، ونقول ان الجاهلية هي التي عرفت تشريع السبي والاسترقاق ضمن ما تعارف عليه العصور الوسطي ، ثم جاء الاسلام فأبطل ذلك ، الا ان عمر بفتوحاته اعاد عادات الجاهلية حين كانت تستحل الاموال والاعراض في الغارات المتبادلة بين القبائل ، ولم يكن عيبا سبي النساء العربيات وتداولهن بين ايدي الغزاة حسب الاكثر قوة ، وكان فارس الجاهلية اثناء ظهور الاسلام هو عمرو بن معدي يكرب اشهر من سبي السبايا في الجاهلية ، ثم اسلم ثم ارتد ثم عاد الي الاسلام ، وعاد معه طليحة بن خويلد الذي ادعي النبوة في حركة الردة ثم عاد الي الاسلام ، وقد بعث عمر بطليحة بن خويلد وعمر بن معدي يكرب للمشاركة في فتوحات فارس وليمارسا نفس ما كانا يفعلان في الجاهلية ، ويذكر المسعودي في مروج الذهب ( 1/ 538 : 541 ) ان عمر بن معدي يكرب روي لعمر بن الخطاب مآثره في سبي النساء في الجاهلية وكيف لم يفلح في سبي زوجة الشاب ربيعة بن مكدم الذي غلبه في المبارزة واضطره للهرب من امامه .وبنفس العقلية توجه عمر بن معدي يكرب للفتوحات يقتل ويسلب ويسبي . وذكر ابن حجر بلاءه في الفتوحات في ( الاصابة 3/ 18 )
وبعد ان اصبح الاسترقاق والسبي والاستحلال شريعة لدي المسلمين في الفتوحات في تعاملهم في البلاد المفتوحة ، انتقل هذا داخل المسلمين في الحروب الاهلية بينهم ، حتي ان قتلة عثمان قد فكروا في سبي زوجته ، ثم توسع المسلمون في ذلك في العصور الوسطي اللاحقة بنفس ما كان يحدث بين العرب في الجاهلية قبل الاسلام ، ثم جرى تدوين التراث في العصر العباسي علي اساس تشريع ذلك السبي وتسويغه بأدلة مصنوعة . ولكن يبقى كتاب الله تعالي حكما في هذه القضية ، وبأيجاز شديد نقرر الاتي في موضوع السبي والاسترقاق :
1. لا يجوز استرقاق الاسري ، لأن الله تعالي يقول ( فشدوا الوثاق ، فأما منا بعد واما فداء ، حتي تضع الحرب اوزارها محمد 4) وفي ارض المعركة يشد وثاق الاسير وبعدها يتم باطلاق سراحه ، اما بالافتداء بالمال وتبادل الاسري واما بالمن عليه لاطلاق سراحه بدون مقابل . وان طابت نفس الاسير بما يدفعه من مال الافتداء ، فأن الله تعالي يعده بتعويض افضل وبغفران اشمل ان كان في قلبه خير ، وان خان الاسير المسلمين بعد اطلاق سراحه بدون مال ، فالله تعالي هو الذي يتولي عقابه ( الانفال 70 : 71 ) وبعد اطلاق سراحه يتحول الاسير الي ابن سبيل ، له حقه علي المسلمين في الصدقة والزكاة والرعاية ، طالما يسير في بلادهم . اذن فالاسر للمقاتلين ليس من منابع الاسترقاق في شريعة الاسلام ، خصوصا وان الله تعالي يقول ( وان احد من المشركين استجارك فأجره حتي يسمع كلام الله ثم ابلغه مأمنه : التوبة 6) أي ان المقاتل في الجيش المعتدي اذا استسلم مستجيرا من القتل فعلي المسلمين حمايته وايصاله سالما الي اهله بعد ان يسمعوه كلام الله تعالي ليكون حجة عليه ، واذا كان هذا بالنسبة للمقاتلين المعتدين ، فأنه بالتالي يحرم استرقاق المسالمين الذين لا شأن لهم بالقتال اصلا وخصوصا الذرية والنساء . الا ان العصر العباسي كي يسوغ العرف السائد في السبي والاسترقاق فقد افتري ان النبي عليه السلام قتل اسري بني قريظة و سبي ذريتهم ونساءهم ، هذا مع ان الله تعالي يقول عن معركة بني قريظة الذي نقضوا العهد وتآمروا علي المؤمنين في موقعة الاحزاب ( وانزل الذين ظاهروهم من اهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب ، فريقا تقتلون وتأسرون فريقا واورثكم ارضهم وديارهم : الاحزاب 26 : 27 ) أي في المعركة انهزموا وقتل المسلمين بعضهم واسروا البعض الاخر ، وعومل الاسري حسب الشرع ، وورث المسلمين ارضهم وديارهم بعد الاتفاق علي الجلاء ، وجلا يهود بني قريظة عن المدينة وهم اولئك الاسري والنساء والذرية ، دون قتل او سبي .
2. المصدر الوحيد لوجود الرقيق في الدولة الاسلامية هو الفئ الذي يأتي من الخارج بدون قتال ( الحشر : 6) وقد يأتي الفئ بهدية قد يكون فيها بعض الرقيق الاتي من الخارج ، كما حدث حين اهديت للنبي عليه السلام السيدة مارية القبطية فتزوجها النبي ، وذلك معني قوله تعالي للنبي ( يا ايها النبي انا احللنا لك ازواجك اللاتي اتيت اجورهن وما ملكت يمينك مما افاء الله عليك : الاحزاب 50) وملك اليمين طبقا لتشريع القرآن يوجب علي المالك ان يعقد زواجه علي من ملكت يمينه ويدفع لها الصداق اذا اراد الزواج بها .ولكن لا يلتزم بالعدل بينها وبين زوجته الحرة ( النساء 3، 25، الاحزاب 50[
3. وفي كل الاحوال فأن تشريعات القرآن تعمل علي تحرير ذلك الرقيق الوافد من الخارج بعد تجفيف منابع الرق في الداخل ، وتعمل علي حسن رعايته ، وشرح ذلك يطول ، وليس موضعه هنا ، ولكن نكتفي منه بتأكيد القرآن علي حق الرقيق في ان يتساوى مع سيده في الرزق ( النحل 71 ، الروم 28 ) لذا كان النبي يامر ان يلبس العبد مما يلبث سيده وان يأكل مما يأكل منه سيده ، أي يكونون سواء ، كما امر القرآن .
وخلافا لحث القرأن علي عتق الرقيق فأنه لم يرد في سيرة عمر مطلقا انه اعتق عبدا ، كل ما هنالك ان عمر اوصي عند موته بعتق السبي العربي ومن اسلم من السبي فقط ، قال ( انه من ادرك وفاتي من سبي العرب من مال الله فهو حر ) واوصي ( ان يعتق من كان يصلي السجدتين من رقيق الامارة ، وان احب الوالي من بعده ان يخدموه سنتين فذلك له )( ابن سعد 2/ 264 ) والواضح ان عمر يعتبر اولئك المساكين ملكا خاصا له يتصرف في حياتهم كيف يشاء ، مع انهم لا يستحقون السبي والاسترقاق اصلا .
وقبل موته كان عمر لا يعطي احدا من الرقيق حقه من الزكاة ، خلافا لتشريع القرآن في الامر بتحرير الرقيق العادي وعتقه ( النور 33، البلد 13 ) فكيف باسترقاق الاحرار وظلمهم ، وقد قال عمر ( ما علي الارض مسلم لا يملكون رقبته الا له في هذا الفئ حق ) أي ان كل مسلم حر له حق في الفئ ، اما العبد حتي لو اسلم فليس له حق في الفئ ، وقال عمر ايضا ( والله الذي لا اله الا هو ، ما من الناس احد الا له في هذا المال حق .. وما احد بأحق من احد الا عبد مملوك ..)(ابن سعد 3/ 215 ، 216 ) وحدث ان قسم عمر اموال الفئ بين اهل مكة فأعطي رجلا منهم ، فقيل له انه مملوك ، فقال : ردوه .. ردوه ، ثم قال : دعوه )(ابن سعد 3/ 218 ) أي انه في النهاية ترفق به وتركه .
وهذا الظلم الشنيع للبلاد المفتوحة نتجت عنه كوارث هي اغتيال عمر نفسه ، ثم اغتيال عثمان ودخول المسلمين في الفتنة الكبري التي لا زلنا نعيش اثارها حتي الان .
كيف ادي هذا الظلم الي اغتيال عمر ؟وكيف ادي للفتنة الكبري ؟
السبب هنا هو السبي . يقول ابن سعد ان عمر كان يكتب الي امراء الجيوش ( لا تجلبوا علينا من العلوج احدا جرت عليه المواسي ، فلما طعنه ابو لؤلؤة قال : الم اقل لكم لا تجلبوا علينا من العلوج احدا فغلبتموني )( الطبقات الكبري 2/ 253 ) أي كان يصف ابناء البلاد المفتوحة بأنهم علوج جمع علج ، وذلك احتقارا لهم ، وينهي عن احضار الشباب والرجال منهم الي المدينة خوفا من ان ينتقموا منه ، فكل من استعمل الموسى في حلاقة لحيته كان محرما عليه ان يأتي الي المدينة ، ولذلك كان يتجول حاملا الدرة يضرب بها من يشاء تأديبا وهو آمن مطمئن وسط قومه ، ورآه الهرمزان وهو اسير فارسي سابق دخل في الاسلام – رأى عمر مضطجعا في المسجد – فقال : ]هذا والله الملك الهنئ )( ابن سعد 3/ 211[
 
وبالطبع كان الهرمزان الامير الفارسي السابق الذي اخذ امانا من عمر – مع اسلامه – يحقد علي عمر . وجاءته الفرصة حين وفد الي المدينة اثنان من الموالي باذن خاص وهما جفينة وابو لؤلؤة المجوسي ، كان جفينة قد اتي بتوصية من سعد بن ابي وقاص "، وكان ابو لؤلؤة قد اتي بتوصية من سيده المغيرة بن ابي شعبة . 
وابو لؤلؤة المجوسي كان من سبي نهاوند اضاع العرب المسلمون بيته واسرته واطفاله ووطنه دون ان يقدم لهم اساءة وبعد ان فقد كل شئ جئ به اسيرا الي المغيرة بن شعبة ليعمل لديه ، ثم ارسله الي المدينة ، حيث كان يؤرقه منظر الاطفال من السبي وهم يملأون طرقات المدينة ، ولعله كان يبحث فيهم عن ملامح اطفاله واطفال عائلته ، يطوف بينهم يستمع الي بكائهم وصراخهم ويتخيل معاناتهم حين كانوا يساقون ويحشرون علي طول الطريق من بلادهم الي صحراء الجزيرة العربية حتي يصلوا الي المدينة ،وهذه المعاناة ضمن المسكوت عنه ، ويذكر ابن سعد ان ابا لؤلؤة اعتاد ان يلتقي بأطفال السبي ، وانه حين كان يراهم يبكي ويتحسس رءوسهم ويقول ( ان العرب اكلت كبدي) ثم قتل عمر انتقاما مما فعله بالسبي ، وحين اغتيل عمر قال ( ما كانت العرب لتقتلني ) وسأل من حوله ( عن ملأ منكم ومشورة كان هذا الذي اصابني ؟) فلما عرف ان قاتله لم يكن عربيا حمد الله . وتلك هي النتيجة الاولي .
النتيجة الثانية لظلم البلاد المفتوحة هي اغتيال عثمان وما تبع لك من الفتنة الكبري ، واذا كان السبي للاطفال والرجال هو السبب في قتل عمر ، فان المال الذي سلبه عمر والمسلمون من البلاد المفتوحة كان السبب في النتيجة الثانية ، وهي اغتيال عثمان والفتنة الكبري . لقد حرص عمر علي العدل في تقسيم الاموال بين العرب المسلمين ، وجمع مع العدل الحزم في تعامله مع العرب ، ولم يكن عثمان في نفس عدل عمر او حزمه . وحتي لو كان في عدل عمر او حزمه ، فأن ذلك المال الحرام كان بتكدسه لدي العرب سيوقع التنافس والاختلاف فيما بينهم ، وكان حتما سيؤدي بهم الي الاختلاف فالاقتتال . أي كان حتما مقتل عثمان بعد عمر ، ولعل ذلك ما تنبأ به ابو عبيدة بن الجراح الذي مات في طاعون عمواس قبل عمر ، اذ قال ( سترون ما اقول لكم ان بقيتم ، اما هو – أي عمر – فان ولي وال بعد عمر فأخذهم بما كان عمر يأخذهم به لم يطع له الناس بذلك ، ولم يحملوه . وان ضعف عنهم قتلوه )( ابن سعد 3/ 271 [ .
وفعلا فقد تبرم العرب بحزم عمر اذ كانوا يريدون الانطلاق بالتمتع فيما امتلكوه من خزائن الدنيا وكنوزها ، واحس عمر بذلك فكان في اواخر ايامه يدعو الله ( كبرت سني واتسعت رعيتي فأقبضني اليك [وجاء عثمان لينا هينا مع اقاربه ضعيف الشخصية ، فاتسعت عليه المشاكل وجرفته الاحداث فقتله المسلمون واقتتلوا فيما بينهم ، وكانت الاموال المكتنزة هي اساس الخلاف ،وربما نفهم من توزيعها موقع كل منهم مع الحق او مع الباطل .
وهنا نرجع الي اشهر المصادر التاريخية في الفكر السني لنتعرف علي ثروات الصحابة التي جاءت منذ من فتوحات عمر ، ثم تكاثرت بعده:
عثمان نفسه مع شدة كرمه وكثرة عطاياه كان له يوم مقتله ثلاثون الف الف درهم وخمسمائة الف درهم ومائة الف دينار ، وقد نهبها الثوار الذين قتلوه ، بالاضافة الي ما قيمته مائتا الف دينار من الاصول .
الزبير ابن العوام : كان لديه 35 الف الف درهم ومائتا الف دينار ، ويقال 51 الف الف درهم او 52 الف الف درهم ، بالاضافة الي مساكن وعقارات وخطط في الفسطاط والاسكندرية والبصرة والكوفة ، كما ترك غابة او بستانا هائلا بيع بـ الف الف وستمائة الف .
عبد الرحمن بن عوف : الذي مات سنة 32 هـ قبيل عثمان ، ترك ذهبا كانوا يقطعونه بالفئوس حتي محلت ايدي الرجال منه .
سعد ابن ابي وقاص : ترك 250 الف درهم ، ابن مسعود : توفي 32 هـ وكان من ضحايا عثمان وقد حرمه عثمان من عطائه سنتين ومع ذلك ترك 90 الف درهم .
طلحة بن عبيد الله : كان في يده خاتم من ذهب فيه ياقوته حمراء ، وكان ايراده من ارضه في العراق الف درهم يوميا او ما بين 400 الي 500 الف درهم سنويا في رواية اخري ، وترك بعد موته الفي الف درهم ومائتي الف درهم ، و مائتي الف دينار ، وترك اصولا وعقارات بثلاثين الف الف درهم .وترك مائة بهار مليئة بالذهب في كل بهار ثلاثة قناطير او اثنين من الارادب ، أي ترك 300 اردبا ذهبا او 200 قنطار ذهبا ( طبقات ابن سعد 3/ 53 ، 76 ، 77، 157 ) ( المسعودي مروج الذهب 1/ 544 : 545[.
عمرو بن العاص : ترك عند موته سبعين بهارا من الذهب ، أي 210 قنطارا او 140 اردبا من الذهب ، واثناء موته عرض هذه الاموال علي اولاده فرفضوا وقالوا : حتي تعطي كل ذي حق حقه ، أي اعتبروها سحتا ، فلما مات عمرو صادر معاوية هذا المال وقال ( نحن نأخذه بما فيه ) أي بما فيه من سحت وظلم ( خطط المقريزي 1/ 140 ، 564 )
ويذكر المسعودي في مروج الذهب ( 1/ 544 ) ان زيد بن ثابت حين مات ترك من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفئوس سوي الاموال والضياع ، ومات يعلي بن امية وخلف خمسمائة الف دينار وديونا علي الناس وعقارات تبلغ 300 الف دينار [.
وهذه مجرد امثلة لأن الثروات الاكبر لم تقترب منها الروايات التاريخية ، مثل ثروات معاوية ومروان بن الحكم لأن ثرواتهم استغلوها في اقامة ملكهم الاموي لتتسع هذه الثروات وتكون بيت المال الذي كان ملكا للخليفة الاموي نفسه . الا ان هذه الامثلة تثبت ان ما تم نهبه من اموال وثروات الامم المفتوحة قد تحول الي اطنان من ذهب لدي افراد قلائل ، فمن المنتظر ان تسهم هذه الاموال في اشعال نار الفتنة بين الصحابة الذين كانوا من قبل اصدقاء مناضلين في طريق الحق ، فانتهي بهم الامر الي العداء والاقتتال ، خصوصا وان من بين الصحابة من رفض هذا السحت وذلك الظلم ، وحاول ارجاع الامر الي ما كان عليه في عهد النبي ( ص) ونقصد به الامام علي بن ابي طالب الذي عانى في خلافته الشاقة العسيرة التي استمرت حوالى 5 سنوات ومات قتيلا سنة 40 من الهجرة ، وكانت تركته 700 درهم فقط ويقال 600 ويقال 250 درهما ، وهذا هو الفارق بين علي و بين اصحابه الذين حاربوه دفاعا عما اكتنزوا من الاموال الحرام .
ونعود الي عمر ونعتبره مسئولا عما حدث والذي مازلنا نعاني منه ، وقد دفع الثمن من حياته هو ومن اتي بعده خلال الفتنة الكبري التي انقسم بسببها المسلمون الي شيعة وخوارج وغيرهم ولا يزالون مختلفين ..
ومع ان كلمة ( لو ") ليس لها محل في التاريخ ، الا اننا في احلام اليقظة نفترض انه ( لو ) اكتفي المسلمون بعد النبي بما فعله النبي عليه السلام من ارسال الكتب للحكام المجاورين تدعوهم سلميا للاسلام وتحملهم المسئولية امام الله تعالي ، دون الفتوحات التي حملت اسم الاسلام واستهدفت حطام الدنيا واشاعت سفك الدماء وظلم الاحياء ممن تبقي من ابناء الامم المفتوحة . لو اكتفي المسلمون بذلك لدخل الناس في الاسلام – دين السلام – افواجا ، كما حدث في عهد النبي – ولنتذكر ان الاسلام انتشر بالتجارة في آسيا وافريقيا في العصور الوسطي اكثر من انتشاره بالسيف والعنف والظلم .. بل بالعكس ، ان احتلال العرب المسلمين للبلاد المفتوحة هو الذي اوجد المذهبية والفرقة بين المسلمين العرب وغير العرب ..
ونفترض في احلام اليقظة ] لو ) اخري .. ( لو ) اكتفي عمر بحرب الملوك الجبابرة المستبدين ، وبعد اسقاط عروشهم شمل اهل البلاد بعدله مثلما فعل مع العرب ، وجعل هدف حربه تخليص الشعوب من الظلم واعطاءهم حقوقهم التي كفلها الاسلام من العدل وحرية العقيدة والمساواة بين الجميع .. لو فعل ذلك لتجنب المسلمون وغيرهم فظائع كثيرة ..
نقول ( لو ) مع ان التاريخ لا يعترف بها .. لكنها واحة نلجأ اليها من قسوة تاريخنا العربي الاسلامي المكتوب منه والمسكوت عنه .. والمسكوت عنه افظع .

 ولله تعالي الامر من قبل ومن بعد.!

الباب الأول : ( عمر بن الخطّاب )الفصل الثانى : إبنان لعمر بن الخطاب ضلا الطريق

الباب الأول : ( عمر بن الخطّاب )الفصل الثانى : إبنان لعمر بن الخطاب ضلا الطريق

مقدمة

أنجب عمر بن الخطاب أولادا وبنات من عدة زوجات وجوارى ، أو (أمهات أولاد) بالتعبير التراثى. أكبر أولاده واشهرهم عبد الله بن عمر ( بطل قصتنا )وعبد الرحمن وحفصة وأمهم زينب بنت مظعون. ثم زيد الأكبر ورقية وأمهما أم كلثوم بنت علي بن أبيطالب و فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم زيدالأصغر وعبيد الله ( بطل قصتنا الآخر ) وأمهما أم كلثوم بنت جرول من خزاعة. ثم  عاصم وأمه جميلة بنت ثابت من الأنصار ، ثم عبدالرحمن الأوسط وأمه لهية أم ولد ، وعبد الرحمن الأصغر وأمه أم ولد، وفاطمة وأمها أم حكيم بنت الحارث المخزومية ، وزينب وهي أصغر ولد عمر وأمها فكيهة أم ولد . وعياض بن عمر وأمه عاتكة بنت زيد بنعمرو بن نفيل . ومن أولاد عمر جميعا أشتهر إثنان : عبد الله وعبيد الله .

ضلّ الطريق الأخوان عبد الله وعبيد الله فى تعاملهما مع الأمويين  ،مع تناقضهما فى كيفية هذا التعامل ، فقد كان تأييدا بالسيف قام به عبيد الله بن عمر متحالفا مع معاوية فى صفين ضد (على )،وكان سكوتا عند عبد الله بن عمر عن مظالم الأمويين مقابل المال والعطايا . كان عبيد الله ظالما ، وكان أخوه الأكبر عبد الله ساكتا عن الظلم ، ودفع كلاهما الثمن قتلا . وإخفاق الأخوين عبد الله وعبيد الله فى تعاملهما مع الأمويين يجعلنا نتساءل عن فشل والدهما عمر بن الخطاب فى تربية أبنائه بينما كان يطارد الناس يضربهم بالدرّة . ونبدا بالأخ الأقل شهرة (عبيد الله بن عمر بن الخطاب )

عبيد الله بن عمر :

1 ـ فى أواخر خلافة عمر بن الخطاب كانت المدينة تغصّ بالرقيق الأطفال ذكورا وإناثا من السبى الذى جىء بهم من بلادهم الأصلية بعد إنتصارات الصحابة فى الفتوحات العربية . كانت العادة تقسيم الغنائم والسبى من النساء والأطفال والأسرى الكبار أخماسا ، فيتم توزيع اربعة أخماس السبى والغنائم على جنود الجيش ، ثم يرسل الباقى الى المدينة للخليفة عمر . ومنع عمر أن يوجد فى المدينة من السبى والأسرى من بلغ منهم الشباب حتى لا ينتقموا من أهل المدينة . ولكن عرض عليه المغيرة بن أبى شعبة أن يرسل اليه رجلا من السبى هو أبو لؤلؤة المجوسى كان ماهرا فى الحدادة والصنائع ، فسمح عمر باستقدامه إستثناءا من القاعدة . وجاء أبو لؤلؤة الى المدينة فوجدها تغصّ بأطفال السبى فى معسكرات خاصة بهم بعد أن رأوا قتل عائلاتهم وتفريق أمهاتهم وأخواتهم على الجنود ، ونزعهم من أحضان الامهات ، ثم تسييرهم آلاف الأميال ليؤتى بهم رقيقا للمدينة وهم فى عمر الزهور . كانوا يبكون ويشتكون ولا يأبه بهم أحد ، جاء أبو لؤلؤة للمدينة فكان يبكى لبكائهم ، وقد كان هو نفسه من قبل من السبى . وشكى أبو لؤلؤة للخليفة عمر إجحاف مولاه المغيرة بن أبى شعبه بما فرضه عليه من ضريبة يدفعها ، فرأى عمر أن سيده المغيرة لم يظلمه فيما فرضه عليه . زاد هذا من نقمة أبى لؤلؤة ودفعه الى قتل عمر . وقبيل صلاة الفجر والخليفة عمر كان على وشك أن يؤم الناس طعنه أبو  لؤلؤة المجوسى ، وحاول بعضهم الامساك به فقتل أبو لؤلؤة وجرح بخنجره عدة منهم ، وتمكن أحدهم من الامساك به من الخلف فما كان من أبى لؤلؤة إلّا نحر نفسه بنفس الخنجر . هنا قفز عبيد الله بن عمر بن الخطاب الى سطور التاريخ حين اندفع فقتل من إعتقد أنهم شركاء أبى لؤلؤة فى الجريمة .

2 ـ تقول إحدى الروايات أن عبد الرحمن بن عوف رأى السكين الذى قتل به أبو لؤلؤة عمر فقال أنه رأها مع الهرمزان ( وهو قائد فارسى سابق تم أسره فأسلم وعاش فى المدينة ) وجفينة (وكان نصرانيا من نصارى الحيرة وكان ظئرا لسعد بن أبي وقاصأقدمه المدينة ،  وكان يعلم الكتاب بالمدينة )، وقال عبد الرحمن بن عوف لهما : ( ما تصنعان بهذهالسكين ؟ فقالا نقطع بها اللحم فإنا لا نمس اللحم ) سمع هذا عبيد الله بن عمر بن الخطاب فقال لعبد الرحمن بن عوف عن تلك السكين : ( أنترأيتها معهما ؟ قال : نعم ) فأخذ عبيد الله بن عمر سيفه ودخل على كل منهما فقتله .

3 ـ وهناك رواية أخرى عن سعيد بن المسيب تقول  ان عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق هو الذى رأى الخنجر الذى قتل به أبو لؤلؤة المجوسى عمر، وأنه قال حين قتل عمر: ( قد مررت على أبي لؤلؤة قاتل عمر ومعهجفينة والهرمزان فلما بغتّهم ثاروا ، فسقط من بينهم خنجر له رأسان ونصابه وسطه،  فانظروا ما الخنجر الذي قتل به عمر. )  فوجدوه نفس الخنجر الذي وصفه عبد الرحمن بن أبي بكر .  فانطلق عبيد الله بن عمر حين سمع ذلك من عبد الرحمن إبن أبي بكر ومعه السيف الى بيت الهرمزان ونادى عليه فلما خرج إليه الهرمزان قال له عبيد الله  : انطلق معي حتى ننظر إلى فرس لي .وتأخر عنه عبيد الله حتى إذا مضىالهرمزان بين يديه ضربه بالسيف غيلة . وقال عبيد الله : (فلما وجد حر السيف قال:  لا إله إلا الله )!. وقالعبيد الله: ( ودعوت جفينة  فلما علوته بالسيف صلّب بين عينيه) أى رسم الصليب . وتقول إحدى الروايات إن الهرمزان وجفينة كانا قد أسلما وفرض لهما عمر العطاء كبقية المسلمين . وبعد قتلهما انطلق عبيد الله فقتل ابنة صغيرة مسلمة لأبي لؤلؤة ،وأراد عبيد الله أن لا يترك سبيا بالمدينة إلا قتله ، أى يقتل كل أطفال السبى ، ولكن منعه الصحابة .

4 ـ تقول الرواية عن عبيد الله ( القاتل ) : ( فأرسل إليه عثمان فأتاه فقال ماحملك على قتل هذين الرجلين وهما في ذمتنا فأخذ عبيد الله عثمان فصرعه حتى قام الناسإليه فحجزوه عنه ) أى ردّ عبيد الله بن عمر على سؤال عثمان بالهجوم على عثمان وطرحه أرضا مما استدعى تدخل الحاضرين وأنقذوا عثمان . وتقول الرواية أن عبيد الله كان حين بعث إليه عثمان قد تقلد السيف ، فعزم عليه عبد الرحمنأن يضعه فوضعه .

5 ـ وتقول رواية سعيد بن المسيب إن عبيد الله بن عمر حين صمّم على قتل كل أطفال السبى حاججه المهاجرونالأولون ونهوه وتوعدوه فقال : ( والله لأقتلنهم وغيرهم ) ،وعرّض ببعض المهاجرين . فلميزل عمرو بن العاص به حتى دفع إليه السيف ، فلما دفع إليه السيف أتاه سعد بن أبي وقاصغاضبا بسبب مقتل جفينة ، فتصارع مع عبيد الله وأخذ كل واحد منهما برأس صاحبه يتناصيان حتى حجز بينهما الناس. ثم أقبل عثمان قبل أن يبايعله بالخلافة في تلك الليالي وتشابك وتعارك مع عبيد الله حتى حجز بينهما الناس . وقال أحدهم وقد حضر المعركة ( جعل عثمان يومئذ يناصي عبيد اللهبن عمر حتى نظرت إلى شعر رأس عبيد الله في يد عثمان ).!

فلما استخلف عثمان دعاالمهاجرين والأنصار فقال: أشيروا علي في قتل هذا الرجل الذي فتق في الدين ما فتق.  فافترق الناس الى رأيين:منهم من يشايع عثمان على قتل عبيد الله ، ومنهم من يستكثر قتل عمر بالأمس ثم قتل إبنه اليوم ، يقولون لجفينة والهرمزان أبعدهما الله لعلكم تريدون أن تتبعوا عمر ابنه.!  فكثرفي ذلك اللغط والاختلاف . ثم قال عمرو بن العاص لعثمان : يا أمير المؤمنين إن هذا الأمرقد كان قبل أن يكون لك على الناس سلطان فأعرض عنهم . وأخذ عثمان برأى عمرو ، ودفع دية الرجلين والبنت . ويقول أحدهم متعجبا (رأيت عبيد الله يومئذ وإنه يناصي عثمان وإن عثمان ليقول قاتلك الله قتلت رجلا يصليوصبية صغيرة وآخر من ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في الحق تركك .! .. فعجبتلعثمان حين ولي كيف تركه ، ولكنني عرفت أن عمرو بن العاص كان دخل في ذلك فلفته عنرأيه )

وقال آخر يصف عبيد الله بن عمر وتهوره :( ما كان عبيد الله يومئذ إلا كهيئة السبع الحرب وجعل يعترض العجمبالسيف ، حتى حبس يومئذ في السجن ،فكنت أحسب لو أن عثمان ولي سيقتله لما كنت أراه صنعبه . فقد كان هو وسعد أشد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه) ، أى كان على وشك أن يقتل السبى بالسيف لولا أن قبضوا عليه وحبسوه .

وهناك رواية تنسب لعبد الله بن عمر قوله : ( يرحم الله حفصة فإنها ممن شجع عبيد الله على قتلهم )، أى يتهم شقيقته السيدة حفصة أم المؤمنين بتحريض أخيها غير الشقيق عبيد الله على قتل الهرمزان وجفينة والطفلة بنت أبى لؤلؤة المجوسى . وانتهى الأمر بأن أطلق عثمان سراح عبيد الله بن عمر من السجن .

6 ـ وكان ( على بن أبى طالب) يرى القصاص من عبيد الله . وقد قال علي لعبيد الله بن عمر : (ما ذنب بنت أبي لؤلؤةحين قتلتها ؟ ) ، فكان رأي علي حين استشاره عثمان ورأي الأكابر من أصحاب رسول اللهعلى قتله ، لكن عمرو بن العاص كلم عثمان حتى تركه ، فكان (علي ) يقول : ( لو قدرت على عبيدالله بن عمر ولي سلطان لاقتصصت منه )، وقالوا : ( كان رأي علي أن يقتل عبيد الله بن عمر لو قدرعليه ). وبتولى علي بن أبي طالب الخلافة أراد قتل عبيد اللهبن عمر فهرب منه إلى معاوية فلم يزل عبيد الله مع معاوية فقتل بصفين.

7 ـ  وطلب معاوية من عبيد الله بن عمر أن يتجهز ليكون فى مقدمة الجيش المرسل ليحارب عليا فى صفين ، فاستعد عبيد الله ، ونصحه مولى له فقال له : فداك أبي .! إن معاوية إنما يقدمك للموت إنكان لك الظفر فهو يلي وإن قتلت استراح منك ومن ذكرك فأطعني واعتل ( أى إدّعى المرض ) فأعرض عنه عبيد الله . ورأته إمرأته ( بحرية بنت هانئ) يتجهز ، وكان قومها من شيعة (على ) فقالت له : ما لي أراك مشمرا ؟ قال : أمرني أميري أن أسيرفي الشهباء . قالت : هو والله مثل التابوت لم يحمله أحد قط إلا قتل، أنت تقتل وهو الذييريد معاوية.  قال: اسكتي والله لأكثرن القتل في قومك اليوم . فقالت : خدعكمعاوية وغرك من نفسك وثقل عليه مكانك ، قد أبرم هذا الأمر هو وعمرو بن العاص قبلاليوم فيك ، لو كنت مع علي أو جلست في بيتك كان خيرا لك ، قد فعل ذلك أخوك وهو خير منك. قال اسكتي ، وهو يتبسم ضاحكا ، لترين الأسارى من قومك حول خبائك هذا . قالت : والله لكأنيراكبة دابتي إلى قومي أطلب جسدك  أواريه ، إنك مخدوع  ... قالأقصري من العذل فليس لك عندنا طاعة . وذهب عبيد الله إلى معاوية فجعله قائد كتيبة الشهباء كمقدمة لجيشه وهماثنا عشر ألفا وضم إليه ثمانية آلاف من أهل الشام يقودهم ذو الكلاع الحميرى ، وزحف بهم عبيد الله نحو معسكر (على ) فتصدى لهم شيعة على من قبائل ربيعة ، واقتتلوا أشد القتال ، وانهزم جيش معاوية   وقتل عبيد الله وقتل ذوالكلاع . وكان الذي قتل عبيد الله هو زياد بن خصفة التيمي .

8 ـ وأراد معاوية أن يستغل قتل عبيد الله لمصلحته كما فعل من قبل مع عثمان حين تركه يقتله الثوار ثم استخدم قميصه ليؤلب الناس على ( على ) . أراد معاوية الحصول على جثة عبيد الله ليثير به الناس ، فقال معاوية لامرأة عبيد الله : لوأتيت قومك فكلمتهم في جسد عبيد الله ابن عمر.!  فركبت إليهم ومعها من يجيرها ويؤمّنها على نفسها ويحميها ، فأتتهم، فانتسبت ، أى عرفتهم بنسبها فقالوا : قد عرفناك مرحبا بك ، فما حاجتك ؟ قالت : هذا الجسد الذي قتلتموه فأذنوالي في حمله. فوثب شباب من بكر بن وائل فوضعوه على بغل وشدوه ، وأقبلت امرأته تحمله الى عسكرمعاوية فتلقاها معاوية بسرير فحمله عليه ، وحفر له وصلى عليه ودفنه،  ثم جعل يبكي ويقول:  قتل ابن الفاروق في طاعة خليفتكم حيا وميتا فترحموا عليه وإن كان الله قد رحمه ووفقهللخير .! وبينما كانت أرملة عبيد الله ( بحرية بنت هانىء )  تبكي عليه بلغها ما يقول معاوية فقالت ترد عليه : ( أما أنت فقد عجلتله يتم ولده وذهاب نفسه ثم الخوف عليه لما بعد  أعظم الأمر ) . فبلغ معاوية كلامها فقاللعمرو بن العاص : ألا ترى ما تقول هذه المرأة ؟  فقال له عمرو : ( والله لعجب لك .! ما تريد أنيقول الناس شيئا ؟ فوالله لقد قالوا في خير منك ومنا ، أفلا يقولون فيك .!! أيها الرجل إن لمتغض عما ترى كنت من نفسك في غم . )قال معاوية : (هذا والله رأيي الذي ورثت من أبي ).

9 ـ واختلف الروايات فيمن قتل عبيد اللهبن عمر؛فقائل يقول قتله رجل من ربيعة ، وقائل يقول قتله رجل من همدان ، وقائل يقول قتله عماربن ياسر،وقائل يقول قتله رجل من بني حنيفة . وهناك رواية عن سعد بن الحسن مولى الحسن بن علي قال: خرجت مع الحسن بن علي ليلة بصفين في خمسين رجلا من همدان يريد أن يأتي عليا ، وكانيومنا يوما قد عظم فيه الشر بين الفريقين ، فمررنا برجل أعور من همدان يدعى مذكورا قدشد مقود فرسه برجل رجل مقتول.  فوقف الحسن بن علي على الرجل فسلم ، ثم قال : من أنت ؟ فقالرجل من همدان ، فقال له الحسن: ما تصنع ها هنا ؟ فقال : أضللت أصحابي في هذا المكان في أولالليل فأنا أنتظر رجعتهم.  قال : ما هذا القتيل ؟ قال : لا أدري غير أنه كان شديدا علينايكشفنا كشفا شديدا وبين ذلك يقول أنا الطيب بن الطيب وإذا ضرب قال أنا بن الفاروقفقتله الله بيدي . فنزل الحسن إليه فإذا عبيد الله بن عمر وإذا سلاحه بين يدي الرجل، فأتى به عليا فنفله علي سلبه وقومه أربعة آلاف . وهناك رواية أخرى تقول إن يوم الجمعة شهد قتالا شديدا وفى غمار الحرب التقى عمار بن ياسر وعبيد الله بن عمر فقال :عبيد الله أنا الطيب بن الطيب ، فقال لهعمار بن ياسر : أنت الخبيث إبن الطيب ، فقتله عمار . وفى رواية أخرى أن عبيد الله إبن عمر قطع أذنعمار يومئذ.

10 ـ وقبل أن نترك عبيد الله بن عمر نلاحظ أننا أمام شخصية ولدت وعاشت فى نقطة تحول  شهدت ذروة الاسلام ، وبداية أفوله أيضا ، وانعكس الأفول عليه أكثر. أبوه عمر بن الخطاب ، وأخته أم المؤمنين حفصة ، وربما كان طفلا عندما مات النبى محمد عليه السلام ، ولكن عبق سيرته الطاهرة أضاعته خطيئة الفتوحات ، فلم يستفد شيئا من عصر الرسالة،بل تأثر بالوضع الجديد الذى جاءت به الفتوحات ، نظر للسبى على أنه ممتلكات له الحق فى ذبحها ليخفف من غضبه . هذا الشاب لم يعرف المبدأ الاسلامى القائل (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى )، كأنه لم يقرأه مكررا ومؤكدا فى عدة آيات .انطلق بحمية الجاهلية يقتل الأبرياء،ولو تركوه لأقام مذبحة لأطفال السبى المساكين .!.ثم يصارع وهو شاب ويصرع شيوخا فى سنّ أبيه لهم مكانتهم ( عثمان وسعد بن أبى وقّاص )، ويتناول كبار المهاجرين بلسانه . وفى النهاية يفلت من العقاب ، حتى لم يدفع الدية من ماله ، بل دفعها عنه عثمان . وكان هذا بداية الوهن فى خلافة عثمان . وبعد قتل عبيد الله نتوقف مع أخيه الأكبر عبد الله.

عبد الله بن عمر بن الخطاب

1 ـ فى إيجاز فإن حياة عبد الله بن عمر قد طالت أكثر من أخيه الأصغر فشهدت ذروة الاسلام وذروة عطائه الشخصى فى هذه الفترة ، ثم إستكان وأسلم نفسه للظلم القائم فى فترة الظلم الأموى وغياب الاسلام . بدأ عبد الله بن عمر حياته بالإسلام والتحرك الإيجابي مع أبيه عمر بن الخطاب ، ثم آثر في الفتنة الكبرى والحكم الأموي أن يعتزل السياسة مع الحرص علي الاستفادة من الحكم القائم. لقد أسلم عبد الله مع أبيه عمر بن الخطاب في مكة ولم يكن قد بلغ الحلم ، وحاول الاشتراك في معركتى بدر وأحد ولكن رده الرسول صلي عليه وسلم لصغر سنه، واشترك في المعارك حين استوي شابا ، وفي فتح مكة كان في مقدمة الجيش وهو في العشرين من عمره فأثني عليه النبي صلي الله عليه وسلم حسبما تقول الروايات . وواصل ابن عمر عطاءه الإيجابي في خلافة  أبي بكر وعمر ، وحين طعن أبو لؤلؤة المجوسي الخليفة عمر قام عمر بترشيح ستة من كبار الصحابة وعهد إليهم باختيار أحدهم وجعل معهم ابنه( عبد الله بن عمر) علي أن يكون له حق التصويت دون الترشيح، وجعل لصوته الفيصل النهائي إذا اختلفوا .. وبهذا بلغت إيجابية عبد الله بن عمر مداها ..

2 ـ  ثم بدأ ابن عمر في الاعتزال حين شعر باختلاف سياسة عثمان عن نهج عمر، ولقد أراد عثمان أن يجعله يقضي بين الناس فقال له : لا أقضي بين اثنين ولا أؤم اثنين ، ثم تطور الأمر بمقتل عثمان ودخول المسلمين في الفتنة الكبرى،وقد شارك قسم من المسلمين فيها لنصرة الحق بقيادة ( علي) ومعه عمار بن ياسر، واعتزل سعد بن أبي وقاص الفتنة نهائيا .واكتفي ابن عمر بتأييد المنتصر القائم في الحكم وهو يعلم أنه ظالم ، وكانت تلك سياسته مع الأمويين يعتزل القتال ويؤيد المنتصر ويقبل هداياه . لقد رفض ابن عمر أن يكون زعيما في الفتنة ، قال له مروان ابن الحكم :هل نبايعك فإنك سيد العرب وابن سيدهم ، فقال له ابن عمر : كيف أصنع بأهل المشرق ؟ قال تضربهم حتى يبايعوا فقال ابن عمر : والله ما أحب أن تكون لي وأقتل في سبيلها رجلا واحدا.

3 ـ اكتفي ابن عمر بمبايعة من يصل إلي الحكم ، وقد قال : ما بايعت صاحب فتنة ، ولذلك رفض مبايعة ابن الزبير، وحين غلب عبد الملك بن مروان بن الحكم واجتمع عليه الناس كتب إليه ابن عمر :" إني قد بايعت أمير المؤمنين بالسمع والطاعة.. وإن أولادي قد أقروا بذلك " بل إنه بايع يزيد بن معاوية في حين رفض البيعة له الحسين وابن الزبير وابن عباس ، وحين بايعه ابن عمر قال : إن كان خيرا رضينا وإن كان بلاء صبرنا!! وحين ثارت المدينة علي يزيد بن معاوية جمع ابن عمر أولاده وحذرهم من نكث البيعة ليزيد وقال لهم " فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسرعن أحد منكم في الثورة علي الأمويين " ورأي ابن عمر انتهاك الأمويين للمدينة وشنائعهم فيها فاستمر علي عزلته ، وكان يصلي خلف الجميع وهم دونه في المنزلة ، وكان يقول " لا أقاتل في الفتنة وأصلي وراء من غلب "!!. وقيل عنه : "إن ابن عمر كان في زمان الفتنة لا يأتي أمير إلا صلي خلفه وادي إليه زكاة أمواله " وقد قالوا له " أتصلي مع هؤلاء ومع هؤلاء وبعضهم يقتل بعضا؟ فقال : من قال حي علي الصلاة أجبته ومن قال : حي علي قتل أخيك وأخذ ماله قلت : لا" ..

4 ـ وفي نفس الوقت كان ابن عمر يقبل الأموال والهدايا من أصحاب الفتنة الظالمين، أي لم يعتزل تماما مثلما فعل سعد بن أبي وقاص ، واشتهر عنه قوله " لا أسأل أحدا شيئا ولا أرد ما رزقني الله " وقد بعث إليه عبد العزيز بن مروان بأموال فقبلها وقت أن كانوا يحاربون ابن الزبير والخوارج ، وحين أراد معاوية البيعة لابنه بعث لابن عمر بمائة ألف دينار فأخذها، ولذلك بايع يزيد وتمسك ببيعته ..

5 ـ  وقد اتبع الأمويون معه سياسة العطاء وسياسة التهديد معا ، فكان معاوية يهدده بالقتل ليخيفه ثم ينكر أنه قال ذلك حين يعلم أن ابن عمر قد أصابه الرعب ، ثم توسع الأمويون في هذه السياسة حيث تولي الحجاج بن يوسف ولاية الحجاز لعبد الملك بن مروان .. فكانت نهاية ابن عمر علي يديه . كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج ثم كان الحجاج يؤخر الصلاة عن موعدها لأنه كان يطيل في خطبة الجمعة ، إذ حوّل الأمويون خطبة الجمعة الى منشور سياسى ، فغضب ابن عمر ولم يتحمل تضييع الصلاة ، فلم يعد يصلي خلف الحجاج فاشتد عليه الحجاج وهدده قائلا : " لقد كنت هممت أن اضرب عنق ابن عمر "!! وادعي الحجاج أن ابن الزبير قد حرف القرآن ، فثار ابن عمر في وجه الحجاج وقال له : كذبت ما يستطيع ذلك ولا أنت معه، فقال له الحجاج: اسكت فإنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك، يوشك شيخ أن يؤخذ فتضرب عنقه فيجر وقد انتفخت خصيتاه ، يطوف به صبيان البقيع ".!!

6 ـ وأدرك ابن عمر في النهاية أنه قد أخطا ، فقد أدت سياسته في السكوت على الظلم إلي إستفحال وشيوع الظلم الأموي وتضيع الصلاة واتهام القرآن ، ثم أدت إلي استهانة الأمويين به. وقد دس له الحجاج رجلا طعنه في الحرم برمح مسموم في قدمه ، فسقط مريضا ، وجاءه الحجاج يقول له : لو أعلم الذي أصابك لضربت عنقه ، فقال له ابن عمر : أنت الذي أصبتني . وخرج الحجاج يتندر عليه قائلا : إن هذا يزعم أنه يريد أن نأخذ بالعهد الأول ... أي بعهد النبي عليه السلام !! وهو علي فراش الموت كان عبد الله بن عمر يقول : ما آسي من الدنيا إلا علي ثلاث:  ظمأ الهواجر ومكابدة الليل وألا أكون قاتلت هذه الفئة الباغية التي حلت بنا !! 

الخاتمة

1 ـ رسالة الاسلام الذى نزل بها القرآن وجاهد بها خاتم المرسلين كانت نقطة مضيئة وسط ظلام الجاهلية وظلام العصور الوسطى . ومالبث الظلام أن طغى شيئا فشيئا بمجرد موت النبى ، فبدأ الاسلام ينحسر من واقع الصحابة بالفتوحات والفتنة الكبرى ، وتحول الى مجرد وسيلة للإستغلال السياسى ، وهو حتى الآن يتحمل وزر المتاجرين به من الأمويين والعباسيين والفاطميين والعثمانيين الى الوهابيين والاخوان المسلمين والسلفيين. غاب الاسلام الحقيقى عن واقع المسلمين وتوارى داخل القرآن المحفوظ من لدن الرحمن ليكون حجة على الناس الى يوم القيامة.

2 ـ وربما يكون عبيد الله بن عمر القاتل أقل جرما من أبيه عمر بن الخطاب الذى إستباح قتل وسبى وسلب واسترقاق شعوب بأكملها لم تقدّم له سيئة ، وارتكب كل هذا باسم الاسلام ، والاسلام دين العدل والقسط والسلام والاحسان ورسوله أرسله رب العزة رحمة للعالمين وليس لغزو واحتلال وظلم المساكين . ولكن الأديان الأرضية التى نشأت بين المسلمين متأثرة بتلك الفتوحات تؤله الخلفاء ( الراشدين ) ..ولا تزال .. ولذلك فإن كلامنا لايعجبهم ، لأن الذى يعجبهم أن يكون الاسلام دين الغزو والقتل والسبى والسلب والاستبداد والبغى والظلم ..

هذا مع إن الله جلّ وعلا لا يحب الظالمين ولا يريد ظلما للعباد .!!

الفصل الثالث أزمة ( عمر بن الخطاب ) ومأزق من يؤمن بعمر بن الخطاب (1 من 2 )

الباب الأول : ( عمر بن الخطّاب )

 الفصل الثالث

 أزمة ( عمر بن الخطاب ) ومأزق من يؤمن بعمر بن الخطاب (1 من 2  )

مقدمة :

1 ـ فى منتصف التسعينيات كانت جريدة الدستور المصرية الأسبوعية تجربة رائدة فى الصحافة المصرية تجمع بين الجرأة السياسية والتثقيف ، وكان محرروها كتيبة من الشباب الصاعد تخرّج معظمهم من مدرسة روز اليوسف الصحفية ، يقودهم ابراهيم عيسى . وقبل قدوم شهر رمضان طلب منى ابراهيم عيسى تجهيز أربع مقالات بحثية عن الخلفاء الراشدين ، للنشر خلال الأسابيع الأربعة فى شهر رمضان . أعددت المقال الأول عن ( أبى بكر ) وأعطيته لهم معتقدا أنهم سيفردون له وحده صفحة كاملة ففوجئت بنشر المقال ومقالات أخرى ( صحفية ) عن ( ابى بكر الصديق ) إمتعضت ، وكنت قد أعددت المقال التالى عن عمر ( بعنوان المسكوت عنه من تاريخ عمر ) ، وأعطيته لابراهيم عيسى . ولم ينشره . وكنت على وشك الانتهاء من المقال الثالث بعنوان ( عثمان ..رجل قتله عصره ) ووضعت خطة المقال الرابع عن ( على ) بعنوان ( رجل رفضه عصره ). ولكن أدى خوف القائمين على الدستور من نشر مقال ( المسكوت عنه من تاريخ عمر ) الى توقفى عن كتابة مقالى ( عثمان ) و ( على ) . ثم طلبت منى مجلة ( سطور ) تأليف مقالات تاريخية ، فكتبت لهم الكثير ، وفى غمرة ترحيبهم بما أكتب عرضت عليهم مقال ( المسكوت عنه من تاريخ عمر ) فرفضوه . وأخيرا جاءت فرصة نشر هذا المقال عن  (عمر ) فى مشروع مركز ابن خلدون ( إصلاح التعليم المصرى ) وكنت مكلفا بتقديم مناهج بديلة فى مادة التربية الدينية لمراحل التعليم الابتدائى والاعدادى والثانوى ، فجعلت من الجزء الخاص بالثانوى مقالات مثل ( الاسناد فى الحديث ) و ( الاسلام دين السلام ) و ( الشفاعة )..و ( المسكوت عنه من تاريخ عمر ) . وثارت ضجة على مشروع إصلاح التعليم ، من مؤسسة الرئاسة ومجلس الوزراء ومجلس الشعب والأزهر والصحافة والاعلام ، وانتهزتها فرصة فقمت بتسريب هذه المناهج للصحافة فانكبوا عليها وعلى مؤلفها سبّا وشتما وهجوما ، وقد سعدت بهذا لأنهم أذاعوا بعض ما قلت مما أسهم فى تحريك العقول .. وصدق ظنى .. فبعد الصدمة الأولى بدأ الاقتناع تدريجيا ، وخفّ الهجوم ، بل وبدأ بعض المهاجمين يعتذر بطريقة غير مباشرة ، بنقل فقرات مطولة وعرض للمناهج بموضوعية دون إبداء رأيه .. كان هذا فى عامى 1998 : 1999 . وكنّا أول من قام بالتنبيه على خطورة دور التعليم فى إفساد عقول الشباب .وبعد هجوم 11 سبتمبر 2001 . قامت أدارة بوش بحملة لاصلاح التعليم فى مصر والسعودية ،وما لبث أن غطت عليها أحداث غزو العراق.

2 ـ بعد عدة أسابيع اضطررت للهجرة الى أمريكا ، وبعد الاستقرار بدأت نشر مقالاتى القديمة فى المواقع الاليكترونية وأبرزها ( الحوار المتمدن ) ، ثم أنشأت موقع ( أهل القرآن ) ، وأتيح لى نشر الممنوع من مقالاتى وفى مقدمتها ( المسكوت عنه من تاريخ عمر فى الفكر السّنى ) . فعوقبت بتعليقات تلعن ،وبعد ستة أعوام من نشر المقال لا تزال لعنات السّنيين تنصب تعليقا على هذا الموضوع بالذات بما يدلّ على مدى التقديس الهائل الذى يتمتع به عمر فى الدين السّنى ، وأدى مسلسل ( عمر ) الى تأكيد هذا التقديس ، الأمر الذى يجعل إصلاح عقائد الأغلبية من المسلمين مهمة صعبة..

الطريف أننى إعتمدت فى بحث تاريخ عمر على المكتوب عنه فى الطبقات الكبرى لابن سعد وتاريخ الطبرى، ومعظم الروايات التى ذكرتها معروفة ومألوفة ، يعنى لم أعتمد على مصادر شيعية أو كتابات مستشرقين . ولكننى ناقشت هذه الروايات السّنية فى ضوء القرآن الكريم طبقا لمنهجنا فى الاحتكام للقرآن الكريم فى تاريخ المسلمين وشريعتهم وعقائدهم . وهنا ظهرت الفجوة بل التناقض ، مما أفزع أولئك الذين يعبدون عمر بن الخطاب واولئك الذين يرتزقون من تقديس عمر بن الخطاب ، وتناسوا أننا نناقش روايات تراثهم السّنى وفى ضوء القرآن الكريم . هم لا يستطيعون إنكار القرآن ولا إنكار فرضية الاحتكام للقرآن كما لا يستطيعون إنكار تاريخ عمر المكتوب عندهم ، ولكنهم يستطيعون شيئا واحدا هو السّب واللعن والتكفير.  وهذا هو دائما ما يفلحون فيه .

3 ـ وبسبب إستمرارهم فى اللعن إقتصرنا على النشر فى موقعنا وفى ( الحوار المتمدن ) و أقفلنا باب التعليقات على مقالاتنا فى موقع الحوار المتمدن وأبقينا باب التعليقات مفتوحا فى موقعنا ( اهل القرآن ).. وتتوالى التعليقات حتى الان فى موقعنا على مقال ( عمر ) بالذات ، منها البذىء ، ومنها المهذب الرقيق . ولم يعد لدىّ وقت للرد على التعليقات التى تخصّ مقالاتى القديمة خصوصا تلك التى تسبّ وتلعن . ولكن تعليقا مهذبا على مقال ( عمر ) كتبته الاستاذة أريج البلخى ، وقد تكرّم د عثمان بالتحاور معها . ووعدت فى التعليق عليها بإفراد مقال خاص فى هذه القضية ، وقد طال المقال فأصبح مقالين.

4 ـ تقول الاستاذة أريج البلخى :

( أعلم تماماً أن هذا التعليق متأخر جداً بالنسبة لتاريخ كتابة المقال.. لكن أتمنى أن أجد منك جواباً على ما ساتقدم بذكره على الرغم من هذا التأخير : اقتباس : ( التأريخ لعمر وقع بين طرفي نقيض ، فالشيعة لم يتركوا فيه منقبة حسنة ، بل ملأوا سيرته سبا وذما ، والسنة جعلوه ملاكا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، واتفق الشيعة والسنة معا علي خلق شخصية لعمر من خيالاتهم الشخصية بعيدة عن التصور الانساني ، وضاعت الشخصية الانسانية الحقيقية لعمر بين هؤلاء وهؤلاء ، ) . عبارة جميلة و أعتقد أنها توضح بأن للكاتب الكريم وجهة نظر محايدة حول شخصية عمر.. لكن ألا تعتقد بأن المقال يقترب أكثر من منظور العداوة للشخصية و اتهامها بأنها حاكم ظالم؟؟.  المقال في غالبه ركز في نقد الشخصية معرض الحديث على التمييز الذي وقع منها بين المسلمين العرب و المسلمين من غيرهم أولاً، و بين المسلمين عموماً و غير المسلمين ثانياً.. و كانت نقطة السبي هي النقطة التي تناولها المقال في تسليط الضوء على الشطر "الجاهلي" إن صح التعبير من شخصية عمر . لكن لنحاول التعامل مع الأمر بواقعية أكبر من وجهة نظر مسلم عاش في تلك الفترة . لنفترض أن التاريخ انقلب على المسلمين وكان في صالح الفرس، و ذهبت الآلاف من العبيد و السبايا من العرب في ملك فارس ،هل لنا أن نضمن حقوق المسترقين المسلمين عندهم كما نضمن للرقيق منهم حقوقهم عندنا؟ ألن يكون الاسترقاق في هذا الحال مباحاً للمسلمين من باب المعاملة بالمثل؟؟

نقطة أخرى : ما الذي جعل أهالي تلك البلاد يقبلون على الإسلام بتلك الكثافة لو كانوا يعانون من الظلم الذي عرض له الدكتور؟ لماذا لم تكن الثورات اللاحقة منهم؟ لقد قلت بأن فيروز قد اغتال عمر انتقاماً - و أتفق معك في ذلك - لكن أعتقد بأنه من غير الإنصاف الاستشهاد بأحقاد رجل واحد من كل بلاد الفرس لنستنتج ظلم عمر كحاكم لهم في ذاك الوقت ..أقدر جهد أستاذي الدكتور أحمد في كتابة المقال، و تعليقي هذا لم يأت إلا بغرض النظر بأمانة لشخصية عمر كصحابي إنسان أعتقد أن الأفضلية كانت له و لمن عاصره في فهم القرآن الكريم علينا. مع الأخذ في الاعتبار أنني لا أتعصب له أو أقدسه و لكن ذلك الاحترام الذي يحتفظ به الكثير من المسلمين لشخص و تأثير عمر لم يأت من فراغ .هذا مع اعترافي بقلة علمي مقارنة بما درسه الدكتور أحمد، لكنه الحق المشروع لأينا في السؤال و البحث. اطيب التحية للكاتب.والله ولي التوفيق ). انتهى التعليق..وأقول مع الشكر الجزيل للأستاذة أريج البلخى :

أولا :

1 ـ هناك مقياسان للعظمة : العظمة التاريخية السياسية ، وهى عظمة زائفة ، ثم العظمة الحقيقية .

2 ـ بمقياس العظمة التاريخية فإن ( عمر بن الخطاب ) من أعظم الشخصيات التاريخية فى العالم ، فهو ذلك الحاكم العربى الذى أسّس للعرب امبراطورية ، وهو الذى دمّر تماما إمبراطورية الفرس الكسروية ، وهو الذى هزم فى نفس الوقت إمبراطورية البيزنطيين وإقتلع منهم مصر وسوريا وشمال العراق . ثم هو الذى نهض بالعرب البدو الصحراويين  وأهّلهم لحكم تلك البلاد النهرية ، ومهّد الطريق لفتوحات الأمويين التى وصلت بتلك الأمبراطورية العربية أقصى إتساعها من حدود الهند والصين شرقا الى جنوب فرنسا غربا.  هذا المقياس للعظمة التاريخية يشمل الكثيرين من قام بتغيير التاريخ المحلى والاقليمى والعالمى مع إختلاف الزمان والمكان . تجد هنا عظماء تاريخيين ، تختلف حول بعضهم الآراء وتتناقض من معجب مفتون الى كاره الى درجة الجنون . من أولئك العظماء بعض الفراعنة مثل مينا نارمر الذى قام بتوحيد مصر و تحتمس الثالث ورمسيس الثانى اللذين أقاما أول امبراطورية فى التاريخ ، ومنهم دارا الفارسى ويوليوس قيصر وهانيبال ( حنا بعل ) وهرقل ، وعمر بن الخطاب ومعاوية وعبد الملك بن مروان والسفاح أول خليفة عباسى وأخوه أبو جعفر المنصور وصقر قريش ( عبد الرحمن الداخل ) وصلاح الدين الأيوبى وشجرة الدّر وجانكيزخان وهولاكو وتيمورلنك واسماعيل الصفوى وسليم الأول العثمانى ومحمد الفاتح العثمانى وفريناند وايزابيلا مؤسسا إسبانيا على أنقاض الاندلس وغرناطة وابن تومرت و السلطان بيبرس المملوكى . وفى العصر الحديث نابليون بونابرت ومحمد على باشا والى مصر وبسمارك وابن سعود وابن عبد الوهاب مؤسسا الدولة السعودية الأولى وجورج واشنطون وتشرشل وهتلر وروزفلت وماوتسى تونج ولينين وستالين وعبدالعزيز آل سعود وعبد الناصر .

3 ـ هى عظمة زائفة لأنّ المعيار هنا ليس بالأخلاق والقيم العليا ، ولكن بمدى التأثير العالمى و الإقليمى والمحلى لأولئك القادة فى حياة الشعوب وتاريخها ، وقدرتهم على تغيير الواقع سياسيا وحربيا بما ينتج عنه تأسيس دولة وإقامة نظام حكم والانتصار الحربى . وليس مهما هنا إطلاقا التكلفة البشرية لهذا التغيير وعدد الضحايا الذين سقطوا كى يصبح هذا القائد زعيما عظيما . ضحايا أولئك الزعماء هم مئات الملايين وبحور بل محيطات من الدماء وأهرامات من الجماجم والأشلاء وشعوب تم استعبادها وسلب مواردها وسبى نسائها .

4 ـ وهذا البطل قد يكون معبودا مقدسا عند قوم و شيطانا ملعونا عند قوم آخرين ،( مثل هتلر وستالين وعبد الناصر).  وقد يستمر  الجدل حوله بعد موته. ولا يشترط أن يكون أعداؤه من الضحايا فقط ، بل قد يكون الضحايا وأحفاد الضحايا من المتيمين بعبادة هذا الزعيم العظيم . فلا يزال ماو تسى تونج وستالين يتمتعون بالتقديس فى الصين وروسيا برغم ما يتم الكشف عنه من فظائعهم ، ولا يزال هناك مريدون لعبد الناصر وصدام والقذافى مع تميّز كل منهم بالاستبداد والهزائم . والسبب معروف هو غسيل المخّ عن طريق الاعلام والتعليم . وهو نفس الحال مع ( عمر بن الخطاب ) فأجيال توالت عبر القرون من ضحايا الفتوحات التى قام بها عمر نشأوا وعاشوا على تقديس عمر فيما يعرف بالعالم السّنى . نسوا معاناة أسلافهم فى القرن السابع الميلادى تولّها فى تقديس ( عمر). لأن المؤثر الأكبر فى غسيل المخ  هو الدين . وهنا تبدأ أزمة ( عمر بن الخطّاب ) ومن يقدّسه .

5 ـ فقد نتج عن الفتوحات ـ  مباشرة ـ  ليس نشر الاسلام الحقيقى الذى نزل قرآنا على خاتم النبيين عليهم جميعا السلام ،  بل تأسيس دينين أرضيين تحت لواء الاسلام ، وهما التشيع الكاره لعمر و( السّنة ) التى تقدّس عمر وتفضّله أحيانا فوق النبى ، وتجعله يصحّح للنبى وتجعله ( الفاروق ) الذى يتميز به الحق من الباطل ، وأن الوحى ينزل مصدقا له . تدخل الدين الأرضى يجعل الخلاف حول الشخصية التاريخية داخلا فى ( المطلق ) لأن الشخصية التاريخية هنا تترك ساحة التاريخ البشرى الأرضى  لتصعد الى الأفق الأعلى للدين ، فتتحول الشخصية التاريخية الى إله للخيروالنور أو إله للشّروالظلام ، ويظل الخلاف ساريا وسائدا بين أصحاب هذين الدينين الأرضيين، فالتشيع يلعن (عمر ) ويجعله الاها للشر والظلام طبقا لموروثات الدين الفارسى التليد،بينما يؤمن الدين السّنى بعمر ويعتبر نقده  كفرا وخروجا عن الدين (السّنى ).

وبينما يخفت الجدل ثم ينتهى حول الشخصيات التاريخية العظيمة التى لا ترتبط بالدين مثل نابليون وهتلر وعبد الناصر وصدام وماوتسى تونج فإن الجدل حول الشخصيات التاريخية التى أرتبطت بأديان أرضية  يظل مشتعلا باستمرار الخلاف بين  تلك الأديان الأرضية ، ويتحول الخلاف الى خلاف ( مطلق ) لا مجال للتوسط أو التعقل أو المساومة. ومن هنا وصل الجدل بين السّنة والشيعة الى مرحلة الاقتتال فى القرن الأول الهجرى واستمرّ من وقتها حتى الآن يضيف مئات الألوف الى قائمة الضحايا. وسيستمر ذبح الأحفاد طالما لا يزال هناك طبقة من الدجالين من رجال الدين هنا وهناك تؤجّج الصراع وتستفيد منه، تتوضأ بدماء المزيد من الضحايا وتنهش المزيد من أشلائهم وتتكدّس المزيد من أرصدتهم المالية .!! وفى سبيل إستمرار مكانتهم فوق جماجم الضحايا وأشلائهم يهاجموننا لأننا نحتكم للقرآن الكريم لوقف سفك الدماء.  

6 ـ ولكن بالإحتكام الى القرآن الكريم تتطوّر و(تتأزّم ) ( أزمة ) عمر بن الخطّاب والمؤمنين به .

فهتلر وموسولينى وعبد الناصر وستالين وجنكيزخان وهولاكو..وغيرهم قتل ودمّر وبغى واستعبد وقهر وظلم ، ولكن لم يستخدم أحدهم  إسم الله جل وعلا ولم يستخدم دينه جل وعلا ولم يستخدم شرعه جل وعلا سبيلا يستحلّ به قتل البشر واحتلال الشعوب وسلب مواردها واسترقاق أهلها . وطالما استخدم عمر إبن الخطّاب اسم الاسلام فى فتوحاته فلا بد أن نحتكم فى شأنه الى الاسلام . وهنا نحكم عليه بمستوى العظمة الحقة التى ترجع للدين . وهنا يدخل الأمر فى نطاق المطلق حيث لا توسّط : فإما أن يكون عمر كافرا بالله جل وعلا وشرعه حين استخدم إسم الله ودينه وشرعه فى ظلم الشعوب ، وإما أن يكون عمرا مستحقا للمكانة العظمى دينيا لو كان الاسلام يؤيد ظلمه وقهره لتلك الشعوب. هذه هى أزمة عمر العظمى :إرتباطه بالاسلام فيما قام به من فتوحات أسال فيها بحورا من دماء  شعوب لم تهاجمه بل ربما لم تسمع عنه أصلا.

7 ـ  لم يرد إسم  (عمر بن الخطاب ) فى القرآن الكريم ،أى ليس جزءا من عقيدة الاسلام ،ومن ينكر وجوده لا ينتقص من إيمانه شىء ، بل من الناحية الإيمانية فإنّ من (يؤمن ) به يخرج عن دائرة الاسلام الحق .   ولكن يختلف الأمر فى ناحية ( العلم بالتاريخ )، فعمر بن الخطاب (علم ) من أعلام تاريخ المسلمين ، ومن ينكر وجوده يكون ( جاهلا ) بتاريخ المسلمين.وهو شخصية مقدسة لدى الدين السّنى والدين الصوفى ، وملعون فى الدين الشيعى ، ومن ينكر هذا يكون ( جاهلا ) بتراث السنيين والشيعة والصوفية . هنا لدينا ما كتبه أساطين الدين السّنى عن ( عمر ) ومعنا ( القرآن الكريم ) نحتكم اليه فيما فعله عمر من فتوحات وقتل وسلب ونهب وسبى . هنا تتجلّى أزمة ( عمر ) . وهنا يكون مأزق المؤمنين بعمر، ويتضح لنا أن ليس له نصيب فى العظمة الدينية الاسلامية الحقّة ، بل العكس .  

8 ـ  بل تتجلّى أزمة عمر فى أن مقياس العظمة البشرية الأخلاقية ليس له فيه نصيب .

بعيدا عن العظمة التاريخية ( الزائفة ) فإن العظمة الحقة للبشر لها جانبان : بشرى ودينى . العظمة البشرية الحقة هى فيما يقدّمه هذا الشخص من خير يستحقّ به العظمة، وباسلوب سلمى بعيد عن العنف وسفك الدماء ، بل قد يضحّى بنفسه عن طيب خاطر فى سبيل خير الناس. ترى هذا فى نماذج المصلحين أمثال غاندى ومارتن لوثر كنج ونيلسون مانديلا والشيخ محمد عبده وإستاذه جمال الدين الأفغانى ، كما تراه فى بعض الحكام مثل عمر بن عبد العزيز وأبراهام لنكولن ، وتراه حاليا فى الحاصلين على جائزة نوبل العاملين لخير البشرية. هذه العظمة البشرية السلمية الخيريّة ليس لعمر بن الخطاب فيها نصيب .  

9 ـ وأزمته أكبر فى العظمة الحقيقية الدينية التى نجدها فى الأنبياء رسل الله جلّ وعلا  وهم صفوة الخلق ، وأعظم البشر على الإطلاق . لقد عايش عمر بن الخطاب خاتم الأنبياء ، وهو عليه السلام فى قمة العظماء من البشر . ومفروض أن يتعلم منه عمر الشريعة التى كان عليه السلام يطبقها فى تعامله السلمى مع أعدائه المعتدين. فهل سار عمر على السّنة الحقيقية لخام المرسلين فى تطبيقه شرع الله جل وعلا فى الدعوة وفى القتال ؟ .. هنا أزمة عمر الحقيقية ومأزق من يؤمن بعمر ، فقد أصبح (عمر بن الخطاب ) بتوالى القرون مقدسا مهابا وجزءا من ثوابت الدين السّنى  وأحد معالم ( ما وجدوا عليه آباءهم.).

 ثانيا : ـ  التناقض هائل بين العظمة الحقيقية لخاتم المرسلين والسقطة الفظيعة لعمر بن الخطاب .

عظمته عليه السلام تتجلى فى نواح كثيرة ، يهمنا منها الآن :

1 : مع إسلوبه السلمى وصبره على الأذى فقد كان عليه السلام بكل ُنبل يحرص بشدة على هداية المعاندين المعتدين خوفا عليهم من الخلود فى النار ، حتى لقد قال له ربه جل وعلا : ( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)( يوسف )( إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ .(37) النحل ).

2 : حزنه الشديد على من يرتد من المؤمنين الى درجة أن ينزل الوحى مرات عديدة ينهاه عن هذا الحزن يقول له : ( وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ (176) آل عمران ) ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ  (41)المائدة  ). ونفس الحزن على عناد الكافرين المعتدين المتآمرين يحزن على عدم هدايتهم مع اضطهادهم له فيقول له ربّه جلّ وعلا : (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) الحجر) (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) النحل ) (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) النمل ).

بل كاد حزنه يصل به الى درجة المرض ، فيقول له ربه جل وعلا يهدئه : (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ َ (8) فاطر) (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (6) الكهف ).

 3 : لينه ورحمته بأعدائه المنافقين فى المدينة مما إستوجب اللوم ، فحين صدّق أكاذيبهم وأذن لهم بعدم الخروج للقتال الدفاعى قال له ربه جل وعلا معاتبا : (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) التوبة ).

 4: بل كان بتسامحه معهم يسمع لهم ويطيع مما إستلزم أن ينهاه ربه جل وعلا فى بداية الوحى فى مكة : (كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)( العلق )، ثم جاءه النهى مرة ثانية:( فَلا تُطِعْ الْمُكَذِّبِينَ (8)...( وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)القلم ). وتكرر النهى فى مكة بسبب تسامحه مع مجرمى قريش ومستكبريها: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (24) الانسان ) (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) طه )( فَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (52) الفرقان ). كل هذا وإضطهادهم مستمر له عليه السلام وللمستضعفين من أصحابه ، وهو يتحمل ويصبرويتسامح الى أن هاجر الى المدينة ، وهو يحمل داخله نفس صفات التسامح واللين ، ويواجه المنافقين فى المدينة والكفار خارجها بتسامح يعتبره رب العزة طاعة لهم فينهاه مجددا ومكررا عن طاعته للكافرين والمنافقين ويقول له بحزم : (أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (1) الأحزاب  ). والمؤسف أن أولئك المنافقين كانوا يؤذونه وهو القائد المطاع فى المدينة ، يقول له ربه جل وعلا ألّا يطيعهم وأن يعرض عن أذاهم :( وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (48)الأحزاب ). ويعرض عليه السلام عن إذاهم له .

5 ـ بل ينزل الوحى ينهى المؤمنين أنفسهم عن أذى النبى إذ تشجع بعضهم فكان يؤذى النبى منتهزا لينه وطيبته عليه السلام ، فقال جل وعلا ينهاهم : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً (69)  )( الأحزاب )، وكانوا يغشون داره بتبجح يؤذيه فيستحى بسمو خلقه من إحراجهم فينزل الوحى يقول لهؤلاء المتبجحين : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً (53) ( الأحزاب ).

6 ـ ومن سورة الأحزاب فى حوالى السنة الخامسة من الهجرة الى سورة التوبة وهى من أواخر ما نزل من القرآن الكريم نراه عليه السلام كما هو فى لينه وتسامحه وعطفه وسموّ خلقه . يتقوّل عليه المنافقون بالأذى والاتهامات بأنه ( أذن ) أى يسمع لمن هبّ ودبّ ، فيرد عنه رب العزة مؤكدا أنه عليه السلام رحمة للمؤمنين : (وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61) التوبة  ). كان عليه السلام لا يملك تغيير أخلاقه ، فقد جعله الله جل وعلا لينا سهلا متسامحا ، ولم يكن مثل ( عمر ) فظّا غليظ القلب ، يقول جل وعلا عن خاتم المرسلين :( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ  ) ( آل عمران 159 ).

7 : بل يصل تسامحه وشفقته بالمنافقين وخوفه عليهم من الخلود فى الدرك الأسفل من النار أن يستغفر لهم برغم ما كان يعانيه منهم من أذى . ويأتى الرد فى سورة التوبة بأنه لا فائدة من إستغفاره لهم :(اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ  (80) التوبة ). ونفس الحال ، كان يستغفر للمشركين فيأتيه العتاب واللوم بأن هذا لا ينبغى : (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) التوبة ).

8  ـ وأعظم دليل فى رحمته ورأفته عليه السلام أن الله جل وعلا وصف ذاته الالهية العلية  بأنه جلّ وعلا بالمؤمنين رءوف رحيم ، وبنفس الوصف قاله عن خاتم النبيين وفى نفس السورة ، يقول جل وعلا عن ذاته : ( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) التوبة  )، ويقول عن خاتم المرسلين : (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) التوبة ).

 9 ـ ومن هذه العظمة فى الرحمة والشفقة والرأفة نتأكّد أنه عليه السلام لم يقم مطلقا بالاعتداء الحربى على أحد ، وأنه عليه السلام إلتزم بالحرب الدفاعية بعد أن نزل له السماح بقتال الكفار المعتدين الذين تابعوا المؤمنين فى المدينة بالغارات الحربية فقال جل وعلا : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ (40)( الحج ). إلتزم عليه السلام بالتشريع الالهى الذى يجعل الاعتداء الحربى على الآخرين عداءا لله جل وعلا وأنه جل وعلا لا يحب المعتدين :( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190 ) وأن هذا القتال الدفاعى يجب أن يتوقف لو توقف المعتدى عن إعتدائه :( فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وأن هدف القتال هو لمنع الاضطهاد والفتنة فى الدين ، فلو توقف المعتدى عن عدوانه وجب توقف المؤمنين عن قتاله:(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193)البقرة ). لو خالف خاتم المرسلين هذا الأمر لتعرّض للتأنيب الشديد ، لكنه طبّق شرع الله جل وعلا لأنه أول من يطيع الله جل وعلا ، ولأن هذا التشريع هو ما يناسب أخلاقه السامية السلمية عليه السلام . ولذلك فإنه عليه السلام رأى قبيل موته الناس يدخلون فى دين الله أفواجا بعد أن إقتنعوا بعبثية عبادة الأحجار والأصنام . وقبيل موته أرسل عليه السلام خطابات سلمية تدعو الحكام والملوك للاسلام ، وتحمّلهم المسئولية عن شعوبهم . لم يرسل جيوشا وإنما رسائل بالحكمة والموعظة الحسنة .

 10 ـ تناقض الحال بعد موته بتحالف القرشيين مع بعضهم وتهميش الأنصار واستغلال قريش الاسلام لتأكيد زعامتها واستغلالها طاقة الأعراب الحربية وتصديرها للخارج حتى لا يعودوا للردة ، فكانت الفتوحات تحت راية الاسلام ، وهى تتناقض مع الاسلام . وأسفرت عن حروب أهلية وإغتيال عمر وعثمان وعلى والزبير وطلحة وعشرات الألوف من الصحابة . الأفظع تغييب الاسلام الحقيقى بعيدا عن واقع المسلمين ونفيه الى القرآن الكريم وقيام أديان أرضية للمسلمين أنتجتها الفتوحات من سنة وتشيع ثم تصوف كلها تحمل أسم الاسلام وتتناقض مع الاسلام.

أخيرا

1 ـ ( عمر ) عظيم بمقياس العظمة السياسية التاريخية الزائفة للقادة والفاتحين سفّاكى الدماء شأنه شأن جنكيزخان وهولاكو ونابليون وهتلر ورمسيس الثانى وتحتمس . ولكنه يفتقد للعظمة الانسانية الحقيقية القائمة على السمو ىالخلقى وعمل الخير بالطريق السلمى بمثل عظماء العالم قديما وحديثا .

2 ـ بالمقياس القرآنى فإن عمر بن الخطاب خصم كبير للاسلام إذ إستخدم الاسلام فى فتوحات ظالمة ، وأذا كان عظماء التاريخ من سفاّكى الدماء قد ظلموا الناس فإن ( عمر ) ومن هم على شاكلته قد ظلموا الناس وظلموا أيضا رب الناس جل وعلا .

3 ـ أولئك الذين ينقمون على الرئيس الأمريكى جورج بوش غزوه للعراق ، نقول إننا أعترضنا على غزو العراق بأعلى صوت فى مؤتمرات فى واشنطن ، وتنبأنا بهزيمة محققة للجيش الأمريكى . وهنا نقول : إن جورج بوش قد قام بتخليص العراق من طاغية أثيم ، ووضع أسس حكم ديمقراطي فى العراق ، ثم انسحب الجيش الأمريكى تاركا العراق للعراقيين يحكمون أنفسهم بأنفسهم . أى أدى المهمة وانسحب . أما عمر بن الخطاب فقد إحتل العراق وايران ومصر والشام ونهب خيراتها. فلا يقال بأنه دخل ليخلّص تلك البلاد من المستبدين ، فلم يستنجد به أحد لكى يأتى ، وعلى فرض أنه أتى لانقاذ تلك البلاد من حكامها المستبدين كان الأولى أن يعود أدراجه الى الجزيرة العربية كما فعل الأمريكيون بعد التخلص من صدام . لكن الذى حدث أن الخلفاء الراشدين والأمويين خلعوا نظما مستبدة وأقاموا أنفسهم مكانها . وهذا ظلم عظيم للناس . والأفظع هو ظلمهم لرب الناس جل وعلا إذ يرتكبون كل هذه المذابح والجرائم والسلب والنهب والاسترقاق والسبى تحت إسم الاسلام ، ثم يأتى تشريع هذا بأحاديث ضالة تبيح وتشرّع هذا الضلال كحديث ( أمرت أن أقاتل الناس حتى .. ) ويأتى الدين السّنى يشرّع بكل بجاحة وصفاقة أنه فى البلاد ( المفتوحة عنوة ) أى بالقوة والاعتداء لا يجوز لأهل البلاد الأصليين بناء كنائس جديدة .

4 ـ فارق هائل بين تشريع الاسلام فى جعل القتال الدفاعى لتقرير الحرية الدينية ولحصانة بيوت العبادة (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) ) (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) البقرة ) وبين دين  عمر بن الخطاب السنى ..

5 ـ وموعدنا أمام الله جل وعلا ليحكم بيننا فيما نحن فيه مختلفون . 

الباب الأول : ( عمر بن الخطّاب ) الفصل الرابع أزمة ( عمر بن الخطاب ) ومأزق من يؤمن بعمر بن الخطا


الباب الأول : (  عمر بن الخطّاب ) الفصل الرابع  

 أزمة ( عمر بن الخطاب ) ومأزق من يؤمن بعمر بن الخطاب (2 من 2  )

أولا :

1 ـ كمؤمن بالله جل وعلا وحده لا شريك له وبملائكته ورسله ولا أفرّق بين أحد من رسله فإن ( عمر بن الخطاب ) بالنسبة لى ليس داخلا فى عقيدتى ، هو فرد وبشر لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا . هو ( عمر بن الخطاب ) شأنه مثل عمر خورشيد وعمر فتحى وعمر عفيفى وعمر سليمان وعمر الشريف وعمر المختار .وحتى ( عمر أفندى ) .. فقط أعتبره ( عمر بن الخطاب ) ينتمى الى نوعية البشر أهانت دين الله جل وعلا ، وجعلت الاسلام متهما بالعدوان والارهاب ، فقد سار على سنّة ( عمر بن الخطّاب ) آخرون مثل عمر التلمسانى وعمر البشير ..وعمر عبد الرحمن .

2 ـ بهذه العقيدية الخالصة لله جلّ وعلا وحده فليس عمر بن الخطاب مشكلة بالنسبة لى . هو يمثّل مأزقا لمن يؤمن به . هو نفس المأزق الذى يقع فيه كل من يقدّس البشر ، ويكون أولئك البشر بتاريخهم ومؤلفاتهم خصوما لله جل وعلا ، يسرى هذا على كبار الصحابة طبقا لتاريخهم المكتوب ، كما يسرى على أئمة السّنة والتشيع والتصوف الذين يفترون على الله جل وعلا كذبا ويكذّبون بآياته طبقا للمكتوب فى مؤلفاتهم .

ثانيا : توصيف المأزق للمؤمنين بعمر بن الخطّاب :

هذا التوصيف يتجلّى فى الآتى :

 1 : إنهم ( ظاهريا ) يؤمنون بالله جل وعلا وحده لا شريك له ، ويؤمنون بالقرآن الكريم خاتم الرسالات السماوية . ولكنهم فى الحقيقة يؤمنون مع الله جل وعلا بآلهة أخرى تبدأ بالنبى محمد عليه السلام وبعض الصحابة وأئمتهم فى أديانهم الأرضية . وهم مع القرآن لا يؤمنون به إلا تابعا لدينهم الأرضى وأحاديثهم المفضلة لديهم والتى يعتبرونها وحيا تحت إسم ( السّنة ) أو ( العلم اللدنى ) أو علم الأئمة الشيعة .

 2 : هذا التناقض بين الإيمان ( الظاهرى ) بالله جل وعلا وإيمانهم الحقيقى وولائهم لأديانهم الأرضية يظل كامنا لا يظهر على السطح ولا يسبب أى مأزق . يظهر المأزق حين يتم تطبيق الفريضة الاسلامية بالاحتكام الى ىالقرآن الكريم . وهذا الاحتكام للقرآن الكريم ورد صريحا فى سياق حديث رب العزة عن الوحى  الشيطانى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً ) الى أن يقول رب العزة (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) الأنعام ).

 3 : بالاحتكام للقرآن الكريم فى شأن تلك الشخصيات التاريخية والتراثية يتأكّد هذا التناقض بين الاسلام الحقيقة وأديان المسلمين الأرضية ويشمل التناقض العقائد والتشريعات والسلوكيات ، ويستلزم من المسلم أن يحدّد موقفه فى قضية لا تحتمل إلّا رأيا واحدا ، إما أن ينضمّ الى الحق الاسلامى ويتبرأ من الباطل ويعلن كفر تلك الشخصيات المقدسة وعداءها لله جلّ وعلا ليبرىء نفسه مقدما من تأييدهم ضد رب العزّة ، وإمّا أن ينضم وينحاز الى دينه الأرضى وشخصياته المقدسة ضد رب العزة والقرآن والاسلام . ليست هناك مشكلة لمن يسلم وجهه لله جل وعلا مؤمنا باليوم الآخر مستعدا وراجيا لقاء الله سبحانه وتعالى . ولكن الذى يمتلىء قلبه بتقديس تلك الشخصيات فهو يستفظع نقدها ويستنكر معاملتها كأشخاص بشرية يجوز نقدها ، فكيف بالاحتكام فيهم للقرآن وما ينتج عنه من تكفيرهم . هنا يكون المأزق وصعوبته .

 4 : يزيد من صعوبة المأزق أننا أمام قضية فيها ظالم ومظلوم . الظالم فيها هم كبار الصحابة مثل أبى بكر وعمر، ومؤسسى الأديان الأرضية مثل مالك والشافعى والبخارى ومثل أئمة الشيعة وأئمة الصوفية . والمظلوم فيها رب العزة جل وعلا ورسوله الكريم وكتابه الحكيم ، والذى أرسله الله جل وعلا رحمة للعالمين فقام أولئك الناس بجعله دين القتل والسلب والنهب والاسترقاق والسبى . المظلوم هنا رب العزة الذى يأمر بالعدل والاحسان والذى أنزل كل الرسالات السماوية ليقوم الناس بالقسط فاستغل أولئك الظالمون دين القسط والعدل والرحمة وجعلوه دين الاستبداد والظلم والقهر والاستعباد واحتلال البلاد تحت إسم الله جل وعلا ، ومن أجل تشريع هذا الظلم جاء أئمتهم اللاحقون فإفتروا أحاديث جعلوها وحيا تشرّع هذا الكفر السلوكى وتجعله دينا ، وكتبوا سيرة لخاتم النبيين تتناقض مع ما جاء عنه فى القرآن الكريم ، بل وابتدعو اسطورة النسخ بمعنى إلغاء الشريعة الاسلامية الحقة فى القرآن ليبدلوها بشرائعهم ، ولتكون شرائعهم هى شرائع الاسلام بدلا عن شريعة الله جل وعلا فى القرآن . ثم هم يصدّون عن سبيل الله وكتابه وينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ، ويعلنون حربا شعواء على من يطالب بالاحتكام للقرآن أملا فى إصلاح سلمى للمسلمين من داخل الاسلام .

 5 : صعوبة هذا المأزق ـ أيضا ـ أنهم لا يجرأون على إعلان الكفر بآيات القرآن الكريم التى نستشهد بها ، ولا يجرأون على إعلان تكذيبهم لتراثهم وأحاديثهم التى يعتبرونها وحيا ، ولا يجرأون على إعلان تبرؤهم من أئمتهم من الصحابة وغيرهم ،ولا يجرأون على إعلان تبرؤهم أسفارهم المقدسة السّنية والشيعية والصوفية،لذا يكون المخرج من مأزقهم تكفيرنا وسبّنا.  

  6  : وبالنسبة لموضوعنا عن ( عمر بن الخطاب ) فلا يجرؤ أحد من المؤمنين بعمر بن الخطاب أن يعلن براءته من عمر إبن الخطاب ، بل لا يجرؤ على مجرد عقد المقارنة بين فتوحات عمر وتشريعات القرآن الكريم فى القتال الدفاعى ، لأن هذه المقارنة ستؤكّد كفر عمر بن الخطاب بالاسلام. بل إن عبارتنا ( كفر عمر بن الخطاب بالاسلام ) يقشعر منها بدن المؤمن بعمر ، فى الوقت الذى لا يقشعرّ بدنه حين سماع القرآن بما يؤكّد أن تقديسه القلبى لعمر فوق تقديسه للقرآن ـ هذا إن كان يقدّس القرآن فعلا.  وبالعقل المجرّد فهذا المؤمن بعمر بن الخطاب يعلم أنه بشر وإنسان وليس نبيا مرسلا ، وليس الاها ، وهو يخطىء ويصيب ، وليس مالكا ليوم الدين ، وسيؤتى به يوم القيامة للحساب شأن كل أبناء آدم . ولكن إيمانه بعمر وتقديسه لعمر يضع غمامة على عقله ..وهذا شأن كل من يقدّس البشر والحجر .

7 ـ النتيجة الحتمية والمؤلمة أن ملايين المؤمنين بعمر بن الخطّاب سينحازون لعمر بن الخطاب وسيواصلون رفضهم الى الاحتكام للقرآن الكريم بشأنه ، وللتعمية على حقيقة أنهم يظلمون رب العزة ويشايعون عمر بن الخطاب وينصرونه فى ظلمه لرب العزة فإنهم سيلجأون لطريقتهم المثلى فى الهروب ، وهى توجيه السب والشتم واللعن لنا لأننا أثرنا القضية وتكلمنا فى المسكوت عنه من تاريخ عمر وغير عمر.

8 ـ ليس مهما عندهم أن ( عمر ) قد ظلم رب العزة حين إرتكب فظائع القتل والسلب والسبى باسم رب العزّة وباسم الاسلام ، ليس مهما أن يكون عمر رائدا فى ذلك لخلفاء ( مسلمين ) ساروا على طريقه وأكّدوا الاتهام للإسلام بأنه دين الغزو والقتل والظلم والاعتداء .. المهم عندهم أن يظل ( عمر ) فى عليائه مصونا عن النقد ، وأن يظل رب العزة جل وعلا متهما بجرائم ( عمر ) ، وأن  يترسّخ فى الأذهان عبر الأجيال أنّ (عمر ) قد طبّق شرع ربّ العزة بالقتل والسبى ، وأن يترسّخ فى الأذهان عبر الأجيال أن (الله ) جل وعلا ( إله الاسلام ) هو إله الارهاب والغزو والسلب والسبى والاسترقاق والظلم .  ليس مهما أنه بالعقل السليم يتبيّن للمسلم أن هذه الجرائم التى إرتكبها عمر وغيره هى طاعة لشريعة الشيطان ، وأن الشيطان هو الذى أوحى لأوليائه بإختراع أحاديث وتشريعات تجعل الجهاد فى الاعتداء وقتل الأبرياء أفرادا وشعوبا ، وليس مهما أن يتضح إن الشيطان هوالاله الذى يتبعه المؤمنون بعمر ، لأن الله جل وعلا يأمر بالعدل والاحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)  ) ( النحل ) بينما يأمر الشيطان بالظلم والبغى والفحشاء والافتراء كذبا بغير علم على رب العزّة ، وهذا تحذير رب العزة لأبناء آدم : ( يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29)...( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (33) ( الأعراف ). كل ذلك ليس مهما . كل ذلك يهون حتى يظل عمر بن الخطّاب مقدسا فى عليائه مصونا عن النقد ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .

9 ـ إنّ عمر بن الخطّاب لا يستطيع خلق ذبابة ، ولكن المؤمنين بعم لا يقدّرون الله جل وعلا ، وهذا هو أساس القضية :(يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74)  ) ( الحج ). وسيكون مأزقهم أشد وأفظع يوم القيامة عندما يتأكدون مدى عدم تقديرهم لله جل وعلا حق قدره حين إنحازوا لعمر وغير عمر ضد ربالعزة : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِوَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً ) ( الزمر ). ظلموا رب العالمين تقديسا لعمر فياويلهم من عذاب الجحيم . فإذا إنتصرنا لرب العالمين ودافعنا عن حقّه جل وعلا وعن جلاله جلّ وعلا عوقبنا بالسب والشتم من المؤمنين بعمر . بل يتهموننا بالكفر. وهم فعلا على حق فى إتهامنا بالكفر ، فهم يؤمنون بعمر ، ونحن نفخر بأننا نكفر بعمر ، وكل أشباه عمر ..

ثالثا : من ظلم رب العالمين الى ظلم الآخر من البشر المخالف فى الدين

1 ـ  هذا هو الظلم المبين لرب العالمين أنتج ظلما للبشر غير المسلمين ،  فما إرتكبه ( عمر ) تم تشريعه دينا ليصبح جهادا مستمرا ضد المخالف فى الدين ، وطبقا لهذا التشريع فمن حق الحاكم المسلم بل من واجبه أن يغزو الأمم الأخرى وأن يحتلّ بلادهم وأن يرغمهم على دخول الاسلام ليعصموا دماءهم ، وأن يسبى ويسترق أبناءهم وان يسلب وينهب مواردهم وأن يفرض عليهم الجزية ، وأن يمنعهم من ممارسة شعائرهم الدينية ومن بناء بيوت عبادتهم . ثم ينسبون كل هذا التشريع الظالم لرب العزة بأحاديث مزورة وفتاوى سامّة .

2 ـ وقد سار الأمويون ثم العباسيون والمماليك والعثمانيون فى تطبيق هذا الشرع باعتباره ( جهادا إسلاميا ) . ودفعت أمم وشعوب تكاليف هذا الجهاد .. وأحيت الدولة السعودية بوهابيتها هذا الإفك ، وأقامت به دولتها السعودية الأولى والثانية والثالثة الراهنة ، ثم بقطار النفط السريع وبظروف محلية وإقليمية ودولية مواتية انتشرت الوهابية يين المسلمين على انها الاسلام ، وأتيح للمجرمين تطبيق شريعة الجهاد بالقتل العشوائى ليس فقط ضد غير المسلم بل ضد المسلم المخالف فى المذهب أو الدين الأرضى ، وما يرتكبه الارهابيون فى العراق وخارج العراق هو التطبيق الحقيقى لشريعة الغاب التى بدأها عملا عمر بن الخطّاب ثم تم تقنينها وتسويغها بالافتراء والكذب ، ثم إستمر تطبيقها بعدئذ من وقت عمر بن الخطاب الى وقت عمر عبد الرحمن وعمر البشير ..

رابعا : شريعة الكيل بمكيالين عند المسلمين المؤمنين بعمر وغير عمر .

1 ـ ترسب فى عقائد المسلمين أن من حقهم وحدهم غزو الآخرين وانتهاك حقوقهم وأن هذا هو التشريع الالهى الذى يتمتعون به من دون العالمين . وأنه ليس من حق الآخرين المعتدى عليهم رد الاعتداء ، بل لا بد أن يقبلوا غزو المسلمين لهم وأن يرضوا باحتلال المسلمين لبلادهم وبقهر المسلمين لشعوبهم واعتبارهم مواطنين من الدرجة السفلى ..وكما نعرف فإن هذا هو تشريع الشيطان وليس تشريع رب العزة الذى يأمر بالعدل والاحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر ، وهذا أيضا يعنى أن اله هؤلاء المسلمين ليس رب العزة الذى أنزل الكتاب والذى يتولى الصالحين ، بل إن الاههم الذى يجاهدون فى سبيله هو ابليس ، وفى سبيله يقتلون البشر الأبرياء عشوائيا من عهد ( عمر ) وحتى الآن.

2 ، ترتّب على هذه العقيدة الظالمة لله جل وعلا و للبشر مأزق أخلاقى بعد المأزق العقيدى ، وهو أن أولئك المسلمين ( ممّن يؤمنون بعمر وفتوحات عمر ومن جاء بعد عمر من غزاة معتدين ) يكيلون بمكيالين . فحين يعتدون على غيرهم يكون هذا جهادا مقدسا يتمتع بمباركة إبليس الاههم ، أما حين يهب المعتدى عليهم للدفاع واسترداد الأرض يكون هذا كفرا وظلما وعصيانا لالههم المزعوم ابليس.

3 ـ فى التدليل على هذا الكيل بمكيالين ننقل هذا المقال ،والذى سبق نشره فى موقعنا ( أهل القرآن ) فى ركن ( دراسات تاريخية ) وتحت عنوان ( مذابج مجهولة باسم الجهاد ) فى الثانى من ابريل عام 2007، وكان المقال تعليقا على خبر أورده ابن الجوزى وهو الفقيه المؤرخ المحدّث ، وهو أبرز أئمة الدين السّنى وخير من يعبّر عن تقديس عمر ، يقول فى تاريخ ( المنتظم  ) ( حوادث سنة 98 ):
( وفيها‏:‏ غزا يزيد بن المهلب جرجان وطبرستان فى مائة الف مقاتل سوى الموالى والمتطوعين.‏ وجاء فنزل بدهستان فحاصرها ومنع عنهم المواد فبعث إليه ملكهم‏:‏ إني أريد أن أصالحك على أن تؤمنني على نفسي وأهل بيتي ومالي وأدفع إليك المدينة وما فيها وأهلها‏.‏فصالحه ووفى له ودخل المدينة ، وأخذ ما كان فيها من الأموال والكنوز ومن السبي ما لا يحصى ، وقتل أربع عشر ألف تركي صبرًا، وكتب بذلك إلى سليمان بن عبد الملك. ثم خرج حتى أتى جرجان و قد كانو يصالحون أهل الكوفة على مائة ألف ومائتي ألف وثلاثمائة ألف وقد كانوا صالحوا سعيد بن العاص ثم امتنعوا وكفروا، فلم يأت بعد سعيد إليهم أحد ، ومنعوا ذلك الطريق فلم يسلكه أحد إلا على وجل وخوف منهم‏.‏ فلما أتاهم يزيد استقبلوه بالصلح فاستخلف رجلا .......‏ ثم إنهم غدروا بجنده فقتلوا منهم ونقضوا العهد فأعطى الله عهدًا لئن ظفر بهم لا يرفع عنهم السيف حتى يطحن بدمائهم ويختبز من ذلك الطحين ويأكل ، فنزل عليها سبعة أشهر لا يقدر منهم على شيء ولا يعرف لها مأتى إلا من وجه واحد ، فكانوا يخرجون فيقاتلونهم ويرجعون إلى حصنهم ، فدله رجل على طريق آخر يشرف عليهم ، فبعث معه جندًا ، ونهض هو لقتالهم ، فركبهم المسلمون فأعطوا بأيديهم ، ونزلوا على حكمه ، فسبى ذراريهم ، وقتل مقاتليهم ، وصلبهم على الشجر عن يمين الطريق ويساره ، وقاد منهم اثني عشر ألفًا إلى الوادي ، فقتلوا فيه فأجرى فيه دماءهم ، وأجرى فيه الماء وعليه أرحاء فحطن واختبز وأكل. وكتب يزيد إلى سليمان‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏أما بعد فإن الله تعالى ذكره قد فتح لأمير المؤمنين فتحًا عظيمًاوصنع للمسلمين أحسن الصنع ، فلربنا الحمد على نعمه وإحسانه ، واظهر في خلافة أمير المؤمنين على جرجان وطبرستان ، وقد أعيا ذلك سابور ذا الأكتاف وكسرى بن قباد وكسرى بن هزمز وأعيا الفاروق عمر بن الخطاب وذا النورين ومن بعدهما ، حتى فتح الله سبحانه ذلك لأمير المؤمنين كرامة الله عز وجل له وزيادة في نعمه عليه ، وقد صار عندي من خمس ما أفاء الله عز وجل على المسلمين بعد أن صار إلى كل ذي حق حقه من الفيء والغنيمة سبعة آلاف ألف . وأنا حامل هذا لأمير المؤمنين إن شاء الله‏.‏ )

 وجاء فى التعليق على هذا الخبر :
( التعليق 
هذا هو تقرير تاريخى عن الفتوحات ( الاسلامية ) فى العصر الأموى فى خلافة سليمان بن عبد الملك ، والتى كان مسرحها آسيا الوسطى فيما يعرف الان بدول الكومنولث السوفيتى القديم ومنها الان جورجيا.سكان هذه البلاد لم يعتدوا على المسلمين ـ بل إن المسلمين العرب هم الذين واصلوا الغزو و الاستيلاء على تلك البلاد و الهجوم عليهم فى عقر دارهم بالاثم والعدوان
القائد هنا هو يزيد بن المهلب وهو الذى حاصر دولة دهستان ومنع عنها الطعام فاضطر الملك الى الاستسلام والنجاة بنفسه فدخل يزيد بن المهلب المدينة واستولى على ما فيها من أموال وكنوز واسترق ما لا يحصى من أهلها ، وقتل منهم 14 الف انسان ( صبرا ) أى يلقيه فى سجن محكم بلا طعام ولا شراب الى ان يموت بعد ما نتخيله من ألم يعجز الصبر عن تحمله ، وهى من الطرق الوحشية فى القتل ، حيث أن أرحم طرق القتل هو أسرعها وليس أبطأها..وكتب القائد ( المظفر ) الى الخليفة يفتخر بما فعل.. وهاجم يزيد جرجان أو ما يعرف الان بجورجيا ، وقد كانت خاضعة للأمويين من قبل ولكنهم ثاروا على الاحتلال طالبين الحرية ، أو بتعبير الراوى ( إمتنعوا وكفروا ) فذهب يزيد لاخضاعهم بجيشه فاستقبلوه بالصلح فلما ولى عنهم بمعظم جيشه عادوا للثورة أو بتعبير الراوى ( غدروا بجنده فقتلوا منهم ونقضوا العهد ) فاقسم يزيد بن المهلب بعهد الله تعالى (عهدًا لئن ظفر بهم لا يرفع عنهم السيف حتى يطحن بدمائهم ويختبز من ذلك الطحين ويأكل ) فحاصرهم سبعة اشهر الى أن اقتحم المدينة بخيانة واحد من أهلها ، وفعل باهلها شنائع بربرية ، أو بتعبير الراوى (فسبى ذراريهم وقتل مقاتليهم وصلبهم على الشجر عن يمين الطريق ويساره ، وقاد منهم اثني عشر ألفًا إلى الوادي فقتلوا فيه فأجرى فيه دماءهم وأجرى فيه الماء ، وعليه أرحاء فحطن واختبز وأكل) أى شرب دماءهم..!! 
كل هذه الوحشية لا تقارن بجرم أكبر هو أن تنسب ذلك الى الاسلام والى الله تعالى.. 
وهذا ما فعله القائد الأموى إذ كتب الى الخليفة مفتخرا بما فعل و ينسب كل هذه الجرائم لله تعالى (وكتب يزيد إلى سليمان‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏أما بعد فإن الله تعالى ذكره قد فتح لأمير المؤمنين فتحًا عظيمًا ، وصنع للمسلمين أحسن الصنع فلربنا الحمد على نعمه وإحسانه واظهر في خلافة أمير المؤمنين على جرجان وطبرستان ). وهو فى كل ما فعل كان خادما للشيطانالشيطان أنساه أن الجهاد فى الاسلام لرد الاعتداء و الدفاع فقط وليس للهجوم على من لا يعتدى عليك. الشيطان أنساه أن الله تعالى لا يحب المعتدين (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ) ( البقرة 190 ) أكثر من هذا أن الشيطان زين له سوء عمله فرآه حسنا (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) فاطر 8 ) ُثم أضله أكثر فأقنعه أن ينسب جرائمه لله تعالى نحن هنا لا نحكم على هذا القائد فحسب بل على الخليفة الذى أرسله ـ والى من سبقه من القادة ( الفاتحين الغزاة ) سفاكى الدماء شاربى دماء الشعوب مسترقى المساكين من الذرية والنساء والأطفال ـ باسم الاسلام تخيل نفسك يحدث هذا لبلدك فاذا قمت بثورة على الطغيان وهو ما يجب عليك اعتبر الاخرون ذلك كفرا و غدرا. تخيل أن يعتبر الاخرون اغتصاب نسائك واسترقاق أهلك وقتلهم وشرب دمائهم جهادا ، وهم يعتبرون دفاعك عن شرفك وكرامتك كفرا و غدرا الى هذا الحد ينقلب الحق باطلا و الباطل حقا!! والى هذا الحد ننسب جرائمنا لله تعالى ـ ونظلم رب الناس بعد أن ظلمنا الناس وقتلنا الناس وشربنا دماء الناسواذا كتبنا هنا لانصاف الاسلام من المسلمين فان بعضهم يحتج لأنه لا يطيق أن ينتقد أحد السلف الصالح ( المجاهد ) مع أننا نستشهد بواقع تاريخنا المكتوب الذى يعد إقرارا صريحاومن عادتنا السيئة أننا نكيل بمكيالين
بل و نفعل ذلك مع الله تعالى . ندافع عن الذين ظلموا رب العزة و نسبوا له جرائمهم. واذا كتب باحث يحاول إنصاف رب العزة والاسلام مما فعله المسلمون أصبح متهما..بسيطة..لهذا الدين رب يحميه.. ويوم الدين آت . ولا مفر منه ولا مهرب. )

خامسا : إردهار ثقافة الكيل بمكيالين مع إنتشار الوهابية السّنية على حساب التنوير والعلمانية الاسلامية

1 ـ إزدرهر الارهاب تحت مسمى ( الجهاد ) ، وأصبح ضحاياه بالملايين مذ ظهور الدولة السعودية الأولى عام 1745 ..وعلا فى القرن العشرين مع تسيد الوهابية للحياة الدينية للمسلمين الّسنيين بالتحالف السعودى مع أمريكا ضد السوفييت ، ثم ظهرت القاعدة وتشعب نفوذ الاخوان المسلمين وسائر تنظيماتهم العلنية والسرية ، وإنضم آلاف الضحايا الى سجل الاجرام الوهابى . وبالتالى علا شأن عمر بن الخطاب وتزايدت قداسته ، وتجلى هذا فى الهجوم المستعرّ علينا حين كشفنا عن المستور فى سيرته طبقا للتراث السّنى نفسه . ومع تقديس عمر وظلم رب العزّة فى سبيل عمر إقترن هذا الظلم العقيدى لله جل وعلا بظلم للبشر ، ليس فقط فى استحلال قتلهم واستحلال أموالهم ونسائهم بل أيضا فى الكيل بمكيالين ، فكما يتضح من إفتخار ابن الجوزى بجرائم ومذابح القائد الأموى يزيد بن المهلب بن أبى صفرة ، وكيف يعتبر ثورة المظلومين كفرا فإن نفس الثقافة تم إحياؤها فى عصرنا . فالسلفيون يتحسّرون على ضياع الأندلس ويحلمون باستعادة اسبانيا ؛ يرون الفخر فى غزو اسبانيا واحتلال أرضها ويعتبرون ذلك حقا الاهيا للمسلمين ، وبنفس القدر يستنكرون إستعادة الأسبان لأراضيهم ووطنهم . يفتخرون بغزو عمر بن الخطاب لفلسطين ودخوله وتسلمه الكنيسة فى القدس واحتلاله فلسطين التى كان يملكها أهلها من اليهود والنصارى ، وفى نفس الوقت يستنكرون احتلال الصليبيين للقدس والشام ، ثم يستنكرون حاليا احتلال الصهاينة لفلسطين . العدل هو إستنكار الغزو والاحتلال بكل صوره واشكاله ، وإستنكار الظلم والقتل مهما كان الظالم ومهما كان الباغى المعتدى . ولكن تشرّب السلفيون الوهابيون الكيل بمكيالين ليصبح من اهم معالم دينهم . ولذا تراهم يهاجرون الى الغرب يتمتعون بحقوق الانسان وبحريتهم الدينية ، ويشترون الكنائس ليحولوها الى مساجد ، ويتمتعون بحرية التبشير بدينهم السّنى فى الغرب تحت مسمى الاسلام ، وفى نفس الوقت يستنكرون بشدّة حق  المسيحيين فى مصر والشرق الأوسط فى بناء كنائسهم ، ويعتبرون من أكبر الكبائر التبشير بالمسيحية بين المسلمين مع إفتخارهم بالتبشير بالاسلام فى الغرب .!!

2 ـ بل يتشعب الأمر فى ثقافة الكيل بمكيالين ليصل الى مجالات مفزعة ومسكوت عنها . منها :

:أن الوهابية هى المسئولة عن سقوط حوالى مليون قتيل فى الشام والعراق والجزيرة العربية فى غارات ومذابح ارتبطت بقيام الدولة السعودية الأولى والثانية والتلثة الراهنة. وهذه المذابح مسكوت عناه لأنها تعتبر جهادا سنيا حتى لو كان ضحاياه من المسلمين فى قرى ومدن العراق والشام والجزيرة العربية وخصوصا الحجاز . ما فعلته  الصهيونية فى إقامتها اسرائيل لا يقارن بأى حال بجرائم الوهابيين السعوديين من 1745 وحتى الآن ..ولكن نتذكر مذبحة دير ياسين وصابرا وشاتيلا وغيرها ولا أحد يعرف أصلا عن جرائم الوهابية فى قتل مليون مسلم برىء ، ليس لهم من حظ سوى بضعة سطور فى التاريخ . الوهابية أيضا هى المسئولة عن إنقسام الهند الى دولتى الهند وباكستان ، وهى المسئولة عن خلق دولة باكستان كأحد أكبر الخطايا فى القرن العشرين . ثم إن الوهابية هى المسئولة أيضا عن انفصال باكستان الشرقية ( البنغال : نبجلاديش ) عن باكستان الغربية ( باكستان الحالية ). ففى باكستان الغربية تحكمت سيطرة الوهابية وتعصبها بينما كان التصوف هو السائد فى باكستان الشرقية، وكانت السيطرة السياسية والعسكرية لباكستان الغربية الوهابية ، وكان جيشها هو المسيطر على باكستان الشرقية ، وقد ارتكب هذا الجيش الوهابى مذبحة مروعة لأهالى باكستان الشرقية قتل فيها أربعة ملايين من المسلمين إعتبرهم مشركين صوفيين ، وأدت هذه المذبحة الى انفصال باكستان الشرقية بمساعدة الهند ( أنديرا غاندى ). وسكت المسلمون عن هذه المذابح وتكتموا عليها مجاملة للوهابيين الباكستانيين . ولا تزال باكستان تؤدى دورها الوهابى الدموى ، فهى التى أسست طالبان وهى التى تنشر الفوضى فى أفغانستان حتى تظل أفغانستان تحت سيطرتها ، وهى التى تؤوى الارهابيين .

3 ـ لو حدث إعتداء إسرائيلى هنا أو هناك ونتج عنه بعض الضحايا فى ظل حرب عسكرية معلنة صاح الوهابيون السنيون إستنكارا . ولهم الحق فى ذلك الاستنكار طالما هو لنصرة الضعيف وضد الظالم المعتدى ، ولكن يجب أن يشمل الاستنكار كل من يعتدى ، ولا يصح أن نسكت عن ملايين الضحايا الأبرياء لأن الجانى ينتمى الينا ، ونصرخ بسبب آلاف الضحايا لأن الجاى خصم لنا .

4 ـ نفس الحال مع جرائم المستبد الشرقى ،إذ كان يتم السكوت عن جرائم صدام ضد شعب العراق من السّنة والشيعة والأكراد ، وجرائم القذافى ومبارك وجرائم السعوديين وغيرهم ضد شعوبهم والمناضلين الأحرار المسالمين ، ولكن ترتفع الصرخات ضد الغرب واسرائيل وضد أمريكا كما حدث فى موضوع التعذيب فى سجن أبى غريب فى العراق كما لو أن بلاد المسلمين واستبدادهم لا تعرف التعذيب .!!. المفروض أن نستنكر الظلم وتقف ضد الظالم مهما كان ، وأن ننحاز للعدل فى كل ومان ومكان ، وهذا هو شرع الاسلام الذى نسيناه تمسكا بثقافة الكيل بمكيالين التى توارثناها من عهد عمر .

شريعة الاسلام ضد ثقافة عمر فى ( الكيل بمكيالين )

1 ـ يأمر رب العزّة جل وعلا أن نشهد بالحق ، بغضّ النظر أن كانت هذه الشهادة بالحق ستضرّ القريب الحبيب أو كانت فى مصلحة العدو . لا بد من العدل فى الشهادة ولا بد من العدل فى القول ، أى نكيل بمكيال واحد بالقسط والعدل دون تحامل على عدو أو مجاملة لصديق أو قريب . يقول جل وعلا ضمن الوصايا العشر القرآنية : ( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) الأنعام ). ويقول جلّ وعلا فى آيتين : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (135) النساء ) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) المائدة ). والروعة فى قوله جل وعلا  ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ) , (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ) تستلزم مقالات من التدبر.

2 ـ إن أوامر الله جل وعلا فى التعامل بين البشر تقوم على درجتين : العدل ، ثم درجة أعلى من العدل وهى الاحسان أى الغفران والتنازل عن الحق . يسرى هذا فى التعامل بين الأفراد ، فالعدل أن تردّ السيئة بمثلها قصاصا ، والاحسان أن تعفو وتصفح إبتغاء مرضاة الله جل وعلا :(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) ( الشورى ). وفى كل الأحوال فإن الله جل وعلا لا يحب الظالمين ولا يحب المعتدين ، لذا من العدل أن ترد إعتداء الجيش المعتدى دفاعا عن بلدك ووطنك لأن الله جل وعلا لا يحب المعتدين : (  وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) البقرة ).أى من العدل فى شرع الله جلّ وعلا أن يهب الفرس والمصريون والسوريون بالهجوم على جيوش عمر والثورة على ذلك الاحتلال . وفعلها المصريون بثوراتهم المتتابعة مرة فى ولاية عمرو بن العاص ومرات عديدة فى الدولة الأموية فأذاقهم العرب النكال من القتل والسبى وتقطيع الأطراف وتدمير الكنائس .!! وهو مسجل فى كتاب الخطط للمقريزى ، يقوله إفتخارا .!!

3 ـ ونعود الى تشريعات رب العزة . فالقصاص هو العدل فى الجرائم العادية وفى الدفاع ضد جيش يعتدى علينا . فماذا إذا قمت برد العدوان بمثله فهاجمك العدو المعتدى ؟ هنا ليس عليك حرج وليس عليك سبيل إذا رددت العدوان الجديد بمثله ، يقول جل وعلا (وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) ( الشورى ). بل إن الله جل وعلا يعد هذا المظلوم الذى قام برد العدوان بالنصر ، يقول جل وعلا : ( ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60) ( الحج  ).

وفى كل الأحوال يظل التسامح والإحسان والصبر والغفران الدرجة العليا فى الرقى الحضارى للتشريع الاسلامى الذى لا يعرف السنيون عنه شيئا ، يقول جل وعلا :(وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (43) الشورى ) ، ويقول جلّ وعلا:

(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) ) ( النحل ).

4 ـ أرجو التدبر فى هذا التشريع الاسلامى المسكوت عنه ، وأرجو الاستضاءة به والاحتكام اليه فى نظرة السنيين الى الآخر ، وفى كيلهم بمكيالين ، وفى تقديسهم لعمر وفتوحات عمر ، والتى لا يزالون حتى الآن يصفونها بالفتوحات ( الاسلامية ) ظلما للإسلام ولرب العزة جل وعلا .

ختاما :

( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) ( الحديد )

ودائما صدق الله العظيم .!!

الباب الثانى موقف المقريزى من إضطهاد المصريين بعد الفتح العربى الفصل الأول ( عصر الراشدين والأمو

الباب الثانى موقف المقريزى من إضطهاد المصريين بعد الفتح العربى

الفصل الأول  ( عصر الراشدين والأمويين )

أولا :

1 ـ من أعظم مؤرخى مصر فى العصور الوسطى تقي الدين المقريزى (766-845هـ) الذى عاش فى القرن التاسع الهجرى ، وهو واسطة العقد فى المدرسة التاريخية المصرية فى العصر المملوكى.كتب المقريزى في التاريخ العام العربى والاسلامى والتاريخ المصرى بالإضافة إلى المؤلفات المتخصصةفي شتى نواحى الحياة والحضارة المصرية والمعارف المصرية.

 2 ـ كتاباته التاريخية تنقسم الى نوعين حسب المادة التاريخية : تاريخ ينقل فيه عن السابقين ، وهذا فى كتبه التى لخّص فيها تاريخ مصر والمسلمين قبل عصره، وهو فى هذا النقل كان يركز على الأحداث الكبرى أو المقصود تأريخها ، دون ان يقع فى إغراء التفاصيل أو الروايات المتعارضة أو المتداخلة أو الضعيفة. أى كانت له منهجية فى إختيار الرواية الصحيحة والرواية الأصلية للحدث ، وهى ميزة يدركها الباحث التاريخى فى المادة التاريخية للعصور الوسطى. فى تأريخه لعصره كان المقريزى ينقل من واقع المشاهدة والرؤيا العينية ، وكان له مراسلوه الذين يبعثون له بأخبار الشام والحجاز. فى نفس الوقت لم يعش المقريزى فى برج عاجى بعيدا عن المجتمع القاهرى فى مصر ،إذ شغل بضع وظائف كان منها وظيفة الحسبة ، أو المحتسب الذى يدور فى الأسواق ويراقب الأسعار و يراعى الأمن فى الشوارع ، وكانت وظيفة الحسبة تتضمن السلطات الثلاث مجتمعة ، فالمحتسب يفتش عن الجناة ، ويحكم عليهم ويقيم العقاب بنفسه. فهو البوليس وهو القاضى وهو أيضا الجلاد. على أن هذه الوظيفة أثرت معلومات المقريزى الاقتصادية والاجتماعية وجعلت أخبار الأسعار وأحوال الشارع المصرى وطوائف المصريين الاجتماعية وعاداتهم ومعاناتهم تحتل مكانة هامة فى صفحات موسوعته (السلوك) ، وفى الخطط المقريزية، وهو فى هذا التأريخ الاجتماعى والعمرانى سابق لعصره ، وأقول ـ بجرأة ـ على مستوى العالم ، إذ أن تقدم المدرسة التاريخية المملوكية لم تعرفه أوربا فى ذلك الوقت.

3 ـ وثمة ناحية أخرى تميز بها المقريزى فى تاريخه الذى كان فيه شاهدا على عصره ، هى تعليقاته اللاذعة ونقده الساخر وهجومه القاسى على الظلم المملوكى والظالمين من الحكام وأتباعهم من الشيوخ. وكان هذا النقد يأتى فى تعليقه على الأحداث الجارية ، أو فى ترجمته لمن مات من الظالمين. وهى جرأة تحسب له وتشكر له.واعتقد انه كان متسقا فى مواقفه الشخصية بدليل أنه لم يستمر فى وظيفة الحسبة أو غيرها بل كان أحيانا يبادر بالاستقالة، اى أن له موقف من الظلم تجلى فى حياته العملية وفى كتاباته أيضا.

4 ـ غزارة معلوماته عن الشارع المصرى وإحتكاكه بالناس وآلامهم كان تعويضا مناسبا عن نقص هام فى كتابات المقريزى التاريخية المعاصرة لوقته. لم يكن لديه علم بخبايا السياسة المملوكية الجارية فى عصره وبما كان يجرى من مؤامرات وصراعات سياسية فى القلعة مركز الحكم المملوكى ، ولم تصل اليه وثائق كان بعضها فى يد كاتب السر أو سكرتير السلطان ومدير مكتبه ومستشاره بلغة عصرنا ( هيكل كان كاتب السر لعبد الناصر ، و أسامة الباز هو كاتب السر لحسنى مبارك بمفهوم العصر المملوكى). بعض المؤرخين الذين كانوا أقل حرفية من المقريزى وأقل شهرة منه كانوا أحيانا مطلعين على بعض هذه الوثائق ورصعوا بها تاريخهم ، وبعضهم كان تأتيه الأخبار المنتقاة من كاتب السر، ترى هذا فى موسوعة صبح الأعشى للقلقشندى والمادة التاريخية التى كتبها المؤرخ المملوكى الأصل أبو المحاسن (إبن تغرى بردى ) الذى كان أبوه أمير مملوكيا مشهورا ووثيق الصلة بصانعى السياسة المملوكية وخلفيات الصراع بين مراكز القوى فى ذلك الحكم العسكرى القائم أصلا على التآمر ومكائد القصور. وحتى المؤرخ المتواضع الامكانات القاضى على بن داود الجوهرى الصيرفى ( ابن الصيرفى ) كان وثيق الصلة بكاتب السر إبن مزهر الأنصارى فى عصر السلطان قايتباى ، فنقل الكثير من خبايا الأحداث فى كتابه ( إنباء الهصر بأبناء العصر ).

5 ـ ومع هذا ، يظل المقريزى أفضلهم جميعا فى ثقافته الموسوعية وفى تنوع إنتاجه وغزارته وفى أسلوبه وفى حرفيته التاريخية وفى موقفه الأخلاقى الشجاع من الظلم وفى إنحيازه للرجل العادى الصانع الحقيقى للأحداث والمكتوى بنارها.

6 ـ ولكن تظل للمقريزى بعض سقطات تؤكد أن لكل جواد كبوة وكبوات.  وهذا طبيعى فى كل عمل إنسانى ، فكل منا يلحقه النقص ويعجز عن بلوغ الكمال. واساس الخطأ الذى وقع فيه المقريزى والذى نقع فيه جميعا هو تسلط الهوى وغلبة الأيدلوجيا والفكرة المسبقة وسيطرتها على الكاتب. وحين يصاب المؤرخ بهذا المرض ـ وهذا ما يحدث كثيرا ـ فإن الشك لا يلحق فقط بمدى تقييمه الشخصى للأحداث وتعليقه عليها ولكن أيضا فى ترجيحه للروايات ومدى موضوعيته فى إختيارها أو فى ( إنتقائها).

7 ـ كان هوى المقريزى شيعيا فاطميا، تجلى هذا صراحة فى كتابه الصغير (فضل آل البيت)،  كما تجلى صراحة وضمنا فى دفاعه بالحق والباطل عن الفاطميين بين سطور تأريخه لهم فى ( إتعاظ الحنفا بذكر الأئمة الفاطميين الخلفا ) وتحيزه واضح فى العنوان. وقد إنتقى المقريزى من تاريخ المؤرخ المصرى ( المسبحى ) ما يوافق هواه. ، وإن حاول المقريزى فى ( الخطط ) أن يكون محايدا فجاء ببعض عقائد الفاطيين الشيعية وأقر بتطرفها وغلوها. المهم أن المقريزى جانبه الصواب فى تحيزه للفاطميين فى معظم ما كتب عنهم ، وفيما تجاهله من تاريخهم. هذا فى الوقت الذى بلغ فيه القمة فى نقدة للصوفية أصحاب السلطان فى عصره ، بل ونقده المرّ للسلاطين والأمراء المماليك.

8 ـ ثمة ناحية أخرى سقط فيها المقريزى سقوطا هائلا، هى تعصبه الشديد ضد الأقباط ، فمع انه روى بأمانة بعض الظلم الذى تعرضوا له إلا أنه لم يذرف دمعة على آلامهم ، بينما كان شديد الحساسية لأى مظالم يتعرض لها المصريون المسلمون.والمقريزى هنا ابن عصره، ومن الإجحاف ان نفرض عليه ثقافة عصرنا فى حقوق المواطنة وحقوق الانسان، فهذا لم يكن معروفا فى العصور الوسطى حيث اندمجت المواطنة والجنسية فى الدين ، وكانت الأقليات الدينية فى الشرق والغرب متهمة ومضطهدة ومغبونة.ونتوقف مع إضطهاد المصريين بعد الفتح العربى الذى حمل إسم الاسلام زورا وبهتانا فى عهد عمر ومن جاء بعده . وننقل معلوماتنا من الخطط المقريزية حيث سجّل معاناة المصريين ( الأقباط ) دون أدنى تعاطف معهم ، على غير عادته فى انتقاد الظلم والظالمين ، والسبب أن المقريزى كان يعبّر عما تركّز فى عقليته من حق ( العرب المسلمين ) فى غزو غيرهم و الاستطالة عليهم .

 9 ـ نتوقف فى هذا الفصل عن النوعية الأولى من الظلم الذى أحدثه العرب الفاتحون بالمصريين من عصر عمر بن الخطاب الى نهاية الدولة الأموية . هو إضطهاد كان مبعثه الشراهة للمال وإدمان السّلب والنهب ، وقد كان عادة أصيلة فى العرب ، ولكن تمّ تقنينها لاستنزاف موارد مصر وثرائها ، وكانت مشهورة بهذا الثراء ، فشرهت نفوس الصحابة الى التهام هذه الثروة وتبعهم الأمويون . وفى سبيل إلتهام أكبر قدر من الثروة المصرية إرتكب عمر بن الخطاب ومن جاء بعده الخطيئة الكبرى بالتغيير العملى لشرع الله جل وعلا ، بداية فى الاعتداء على أمم لم تعتد على العرب المسلمين ، ثم فرض الجزية عليهم ، وإستنزاف أموالهم بالضرائب الباهظة ، أو ( الخراج ) واستعمال العسف فى تحصيلها . ونعطى التفاصيل مما قاله المقريزى فى الخطط المقريزية مع التوقف معها بالنقاش وبالتحليل.

 ثانيا :ـ فرض الجزية على المصريين بعد الفتح ظلما وعدوانا :

1 ــ الآية القرآنية الوحيدة التى تحدثت عن الجزية تقول ﴿قَاتِلُواْ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلاَ يُحَرّمُونَ مَا حَرّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقّ مِنَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتّىَ يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة 29).

وتشريعات القرآن لها درجات ثلاث، أوامر تشريعية تحكمها قواعد تشريعية تهدف إلى مقاصد تشريعية، فالأوامر التشريعية مثل (قاتلوا) أو (انفروا) تحكمها القواعد التشريعية التى تجعل أوامر القتال لا تكون إلا فى إطار الدفاع عن النفس ورد الاعتداء بمثله دون زيادة أو نقصان (البقرة 190، 194). ثم يكون الهدف النهائى للقتال فى الإسلام أو فى سبيل الله هو منع الفتنة فى الدين، والفتنة هى الاضطهاد الدينى أو إكراه الناس على تغيير عقائدهم، فالمقصد التشريعى من القتال فى سبيل الله أن تختفى الفتنة والإكراه وأن يكون الناس أحراراً فى اعتناق ما يريدون حسبما شاء الله تعالى حين خلفهم أحراراً، وجعل مرجعهم إليهم يوم القيامة ليحاسبهم على ما اختاروه بمحض إرادتهم وذلك معنى قوله تعالى فى الأمر بقتال المشركين العرب الذين يضطهدون مخالفيهم فى الدين ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ للّهِ فَإِنِ انْتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ﴾(البقرة 193). (واقرأ أيضاً آية 39 فى سورة الأنفال.)

إذن لابد أن نفهم تشريعات القرآن الكريم فى الأوامر والقواعد والمقاصد حتى نعرف أن المقصودين بالقتال فى آية ﴿قَاتِلُواْ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الاَخِرِ﴾ هم أولئك المعتدون من أهل الكتاب و لا يمكن أن تمتد الى غيرهم من المسالمين الذين لم يعتدوا على دولة المسلمين ، لأنه لا مجال فى الإسلام لاعتداء على أحد وإنما لرد الاعتداء بمثله فقط..

والآية تتحدث عن دولة أو مجتمع عدوانى انعدم فيه الإيمان بمعنى الأمن وبمعنى الاعتقاد السليم، وهو يتجاوز حدوده إلى حدود المسلمين ليعتدى عليهم وحينئذ فلابد من القتال لرد الاعتداء بمثله، وبعد تحقيق النصر وطرده إلى دياره يجب إرغامه على دفع الجزية- وليس على دخول الإسلام- وهى غرامة حربية كالشأن فى عقوبة المعتدى، والذى يأخذ به المجتمع البشرى حتى الآن فى المعاهدات التى يعقدها المنتصر مع المهزوم خصوصاً إذا كان معتدياً مثل ما حدث مع ألمانيا بعد الحربين العالميتين وما حدث مع العراق بعد غزو الكويت.

2 ـ وإذا طبقنا الآية الكريمة التى تتحدث عن فرض الجزية وجدناها تنطبق على الروم البيزنطيين، وقد ذكر التاريخ أنهم الذين بدءوا الاعتداء على الدولة الإسلامية فى عصر النبى (صلى الله عليه وسلام) وحرضوا ضدها القبائل العربية النصرانية مما أدى إلى غزوات مؤتة وتبوك. والتاريخ يذكر أن البيزنطيين كانوا يدفعون الجزية للمسلمين بعد الهزيمة، وأنه كان يحدث العكس فيدفع المسلمون الجزية للبيزنطيين كما حدث مع معاوية حين دفع لهم جزية قدرها مائة ألف دينار سنوياً أثناء انشغاله بالحرب مع (على).. وكان الروم البيزنطيين يدفعون الجزية للمسلمين فى العصر العباسى الأول، فأصبح المسلمون فى العصر العباسى الثانى يدفعون الجزية للبيزنطيين.. وهكذا تبادل الفريقان المواقع كل حسب قوته.

3 ــ وكان من المنتظر أن يدفع البيزنطيون الجزية لعمرو بن العاص بعد أن هزمهم وأجلاهم عن مصر.. ولكن حدث العكس. إذ دفعها المصريون الذين تحالفوا مع عمرو ضد البيزنطيين. حسبما نعرف من ( خطط المقريزى)، وهو يصف المصريين بأنهم (النصارى والقبط والأقباط ) تبعا لدينهم السائد وقتها.يشير المقريزى بين السطور إلى مساعدة  المصريين للعرب الفاتحين ضد الروم. ومنذ أن دخل عمرو بجيشه إلى سيناء متوجهاً إلى مصر أرسل أسقف الإسكندرية أمراً إلى المصريين بأن يعاونوا العرب ويتنبأ بزوال دولة الروم،فاستجاب له المصريون . وحين نزل عمرو على أسوار مدينة الفرما كان المصريون أعواناً له يمدونه بالمعلومات والمؤن. وهم الذين ساعدوا عمرو فى فتح الإسكندرية بعد حصارها الشديد. وظلوا شهرين يمدّون العرب بالأطعمة والمؤن ويجمعون لهم الأخبار، والقائم على حراسة أبواب الإسكندرية كان مصريا ، وهو الذى فتح أبوابها للعرب فاقتحموها.

4 ـ والمنتظر بعد هذا أن يحفظ عمرو الجميل للمصريين الذين ساعدوا جيشه الضئيل على فتح بلدهم ، ولكن كافأهم عمرو بالتى هى أسوأ . فالذى حدث أن المقوقس- الوالى الرومى- هو الذى أقنع عمرو بأن يدفع المصريون الجزية بدلاً من الروم المهزومين . وقد كان المصريون  يدفعون الجزية للروم حسب المعتاد فى العصور الوسطى ، فتعلم العرب منهم هذا القانون الجائر وطبقوه على المصريين الذين ساعدوهم على احتلال بلادهم !! فبعد حصار بابليون الذى استمر سبعة أشهر اقتحم العرب أبواب الحصن فاضطر المقوقس للتفاوض على أن يدفع المصريون الجزية للعرب دينارين عن كل رجل. لأن الروم لن يقبلوا دفع الجزية ولن يقبل العرب إلا بالجزية أو الإسلام أو الحرب ، وهكذا نجا المقوقس من غرامة الجزية التى يرفض الروم دفعها، ودفعها المصريون  الذين ساعدوا عمرو فى فتح بلادهم أملا فى العدل والتخلص من جور الروم فجاء العرب أكثر ظلما وجورا ، وأكثر خسّة إذ عاملوا المصريين الذين إستقبلوهم وساعدوهم فى الانتصار على الروم بظلم أبشع من ظلم الروم ، فلم يكتف عمرو بن العاص بفرض الجزية على المصريين بالطريقة الرومية بل أنه فرض عليهم إلى جانب الجزية القيام بضيافة العرب فى قراهم ثلاثة أيام.

5 ـ وبلغ عدد المصريين الذين دفعوا الجزية يومئذ ستة ملايين. وشرهت نفس عمرو للمزيد من الملايين ، فبعد أن رضى بدفع المصرى دينارين طمع فى أكثر ، ولم يجعل حدا أقصى معروفا لما يأخذه من المصريين ، يدلّ على ذلك أن المقريزى يذكر أن والى (إخنا) سأل عمراً تحديد مقدار الجزية الواجبة على أهل مدينة (إخنا) فقال له عمرو يشير إلى ركن الكنيسة:( لو أعطيتنى من الركن إلى السقف ما أخبرتك، إنما أنتم خزانة لنا إن كثر علينا كثرنا عليكم وإن خفف عنا خففنا عنكم )".وكان ذلك سبباً فى خروج ذلك الرجل على الطاعة، فقد هرب إلى الروم وعاد بجيش بيزنطى استعاد الإسكندرية، وأعاد عمرو فتح الإسكندرية وتخليصها من الروم بصعوبة بالغة .

6 ـ وعمرو بن العاص كان رائداً للدولة الأموية فى شراهتها فى جمع الجزية من المصريين وغيرهم، وحتى من أسلم من الأقباط المصريين كانوا لا يعفونه من دفع الجزية، والاستثناء الوحيد من خلفاء بنى أمية كان الخليفة عمر بن عبد العزيز فى حكمه القصير ، فقد رفع الجزية عمن أسلم فكتب إليه والى مصر حيان بن شريح يخبره بتناقص الجزية بهذا القرار، فكتب إليه عمر ابن عبد العزيز يؤنبه ويقول له: ضع الجزية عمن أسلم قبح الله رأيك فإن الله إنما بعث محمداً هادياً ولم يبعثه جابياً..!!

7 ــ وظلت الجزية نقطة سوداء فى تاريخ الولاة الأمويين والعباسيين يدفعها من بقى على دينه من المصريين إلى نهاية العصر المملوكى سنة 921/1517، وجاء الفتح العثمانى ففرض جزية على المصريين جميعاً مسلمين ومسيحيين، وظلت الخزانة المصرية تدفعها لتركيا بصورة عادية حتى تنبه لها عبد الناصر وألغاها..!!

ثالثا : عمرو بن العاص يسلب كنوز المصريين بالقتل والارهاب

 1 ـ وشرهت نفس عمرو لكنوز الآثار المصرية وذهبها المدفون وما يتم الكشف عنه ، يقول المقريزى أن عمراً أعلن لأهل مصر: أن من كتمنى كنزاً عنده فقدرت عليه قتلته!!. ونشر عمرو عيونه تتحسّس وتتجسّس عن من لديه كنوز فرعونية . ويذكر المقريزى أن عمرو بن العاص جاءته إخبارية بأن مصريا  من الصعيد اسمه بطرس لديه كنز فرعونى، فحبسه عمرو واستجوبه فأصر الرجل على الإنكار، وعلم عمرو بذكائه مكان الكنز فاستولى عليه وقتل المصرى وعلق رأسه على باب المسجد، ليرهب المصريين ، فارتعبوا ،ومن كان منهم عنده كنز أسرع بتسليمه إلى عمرو. ويذكر المقريزى أن عمراً اعتقل مصريا آخر اتهمه بممالاة الروم واستجوبه ، وكانت التهمة ملفقة وبهدف إبتزاز الرجل المسكين ، بدليل أن عمرو بن العاص أطلق سراح الرجل بعد أن حصل منه على أكثر من خمسين أردباً من الذهب..!!.نكرّر ( 50 إردبا من الذهب .!!)..وهذا من رجل واحد فقط ..

2 ـ ومن مجموع هذه المصادرات تضخمت ثروة عمرو الشخصية من هذا السلب والنّهب . وحين حضرته الوفاة استحضر أمواله فكانت (140) أردباً من الذهب، وقال لولديه: من يأخذ هذا المال؟ فأبى ولداه أخذه وقالا له: حتى ترد إلى كل ذى حق حقه. ومات عمرو واستولى الخليفة معاويةعلى كل تلك الأموال التى خلفها عمرو فى ميراثه وقال: نحن نأخذه بما فيه .. أى بما فيه من ظلم وسحت..!!

3 ـ ومع ذلك فإن عمرو بن العاص هو أفضل من حكم مصر وأكثرهم رفقاً بالمصريين بالمقارنة بغيره.. والثابت أنه لم يكن مسرفاً فى سفك الدماء كما فعل غيره من الولاة كما أنه كان حسن السياسة فى جباية الخراج والجزية، فلم يرهق المصريين، وكان يجمع الجزية 12 مليون دينار، فأصبح الوالى بعده عبد الله بن أبى سرح يجمعها 14 مليون دينار فى خلافة عثمان وبتوجيهاته .

رابعا : تطرف الأمويين فى إستنزاف المصريين وفى قتلهم

ظهر هذا التطرف بإقتران السلب والنهب بالقتل والتعذيب وقطع الأطراف والإذلال ، وأرهاب المصريين بتعذيب وإذلال رهبانهم وبطركهم وقياداتهم الدينية ، وهم الذين ساعدوا العرب من قبل فى فتح بلادهم وهزيمة الروم. وننقل فقرات مما ذكره المقريزى وهو يؤرخ لبطاركة مصر بعد الفتح العربى .

 1 ـ  يقول المقريزى فى الخطط عن البطرك الاسكندروس الذى استمر فى منصبه حوالى ربع قرن:( ومات سنة ست ومائة . ومرّت به شدائد صودر فيها مرّتين، أخذ منهفيهما ستة آلاف دينار، وفي أيامه أمّر عبد العزيز بن مروان فأمر بإحصاء الرهبانفأحصوا، وأخذت منهم الجزية عن كلّ راهب دينار.) هنا مصادرة للبطرك ( البابا )، وفرض للجزية على الرهبان .

2 وتعصب المقريزى يظهر فى قوله عن(المصريين):( النصارى،القبط ،الأقباط ) إذ لم يكونوا قد دخلوا فى الاسلام بعد، يقول :(ولما ولي مصر عبد الله بن عبد الملك بنمروان اشتدّ على النصارى،)أى المصريين،(واقتدى به قرّة بن شريك أيضًا في ولايته على مصر، وأنزلبالنصارى شدائد لم يبتلوا قبلها بمثلها.)هنا عبارة رهيبة لم يقم المقريزى بشرحها وتفصيلها ، ولنا أن نتخيلها فى ضوء الاضطهاد الذى عاناه المصريون فى عهد كراكلا ودقلديانوس ، أى باعتراف المقريزى تفسه فإنّ عبد الله إبن الخليفة عبد الملك بن مروان حين ولى مصر أنزل بأهلها شدائد لم يبتلوا بها من قبل حتى فى عهد فرعون موسى.!!.

3 ـ ثم يورد المقريزى بعض التفصيلات ، فيقول ( وكان عبد اللّه بن الحبحاب متولي الخراج قدزاد على القبط قيراطًا في كلّ دينار فانتقض عليه عامّة الحوف الشرقيّ من القبطفحاربهم المسلمون وقتلوا منهْم عدّة وافرة في سنة سبع ومائة.).أى إن والى الخراج هو الذى زاد الخراج أى الضرائب ـ وهو غير الجزية ـ  فثار المصريون فيما يعرف الآن بمحافظة الشرقية أو  الحوف الشرقى ، فأخمد الأمويون ثروتهم وقتلوا منهم (عدّة وافرة ) عام 107 هجرية .

4 ـ ( واشتدّ أيضًا أسامة بنزيد التنوخيّ متولي الخراج على النصارى ( أى المصريين )، وأوقع بهم ، وأخذ أموالهم ، ووسم أيدي الرهبانبحلقة حديد فيها اسم الراهب واسم ديره وتاريخه، فكل من وجده بغير وسم قطع يده. وكتبإلى الأعمال بأن من وجد من النصارى وليس معه منشور أن يؤخذ منه عشرة دنانير . ثم كبسالديارات( أى الأديرة ) وقبض على عدّة من الرهبان بغير وسم فضرب أعناق بعضهم وضرب باقيهم حتىماتوا تحت الضرب . ثم هدمت الكنائس وكسرت الصلبان ومحيت التماثيل وكسرت الأصنامبأجمعها، وكانت كثيرة ، في سنة أربع ومائة ، والخليفة يومئذٍ يزيد بن عبد الملك). ولأنّ مهمة متولّى الخراج هى سلب أموال المصريين بما يملأ خزائن الأمويين ويشبع نهنهم للمال السّحت فقد أعطى الخلفاء الأمويون متولى خراج  مصر سلطة مطلقة عسكرية وقضائية وسياسية ؛ فهو الذى يقدّر الضرائب ، وهو الذى يقوم بجمعها ، وهو الذى يعاقب بما شاء من عقوبة ذلك الذى يعجز عن دفع المطلوب منه ، أى له مطلق الحرية فى توقيع أقصى العقوبة بلا رادع ، ومعه الجيش العربى ( لا أقول الاسلامى ) يقتل به الفلاحين المصرين العاجزين عن دفع الضرائب . وواضح أن هذا الموظف السادى(أسامة بنزيد التنوخيّ متولي الخراج ) قد أستغلّ سلطته فى معاقبة الرهبان المساكين وإذلالهم بوسمهم بأن يفرض علي كل منهم وضع حلقة حديدية فى يده مدوّن فيها إسمه ومحل إقامته ، ويقطع يد من يضبط منهم بدون هذه الحلقة. ثم كان يغير على الأديرة يمارس ساديته ، فيعتقل من يشاء من الرهبان ، ومن يجده منهم لا يضع فى يده تلك الحلقة الحديدية يضرب عنقه أو يقتله تحت العذاب . ثم يهدم الكنائس ويكسر الصلبان والتماثيل ، ويحظر تنقل المصريين فى بلادهم ، فمن يسافر منهم بغير تصريح يدفع غرامة قدرها عشرة دنانير .

5 ـ ورسم الخليفة هشام بإزالة بعض الظلم ، ولكن لم ينفّذها الوالى حنظلة بن صفوان الذى  بالغ فى الضرائب وقام بإحصاء المصريين وبهائمهم إحتقارا لهم ، بل ووسم المصريين كما فعل الوالى السابق بالرهبان ، وعوقب من لا يحمل الوسم فى يده بقطع يده . يقول المقريزى :(فلما قامهشام بن عبد الملك في الخلافة كتب إلى مصر بأن يجري النصارى على عوايدهم ومابأيديهم من العهد، فقدم حنظلة بن صفوان أميرًا على مصر في ولايته الثانية فتشدّد علىالنصارى وزاد في الخراج وأحصى الناس والبهائم وجعل على كلّ نصرانيّ وسمًا صورة أسدوتتبعهم فمن وجده بغير وسم قطع يده.). 

6 ـ وبسبب هذا الظلم المتطرف نشبت ثورات الفلاحين المصريين فى الدلتا والصعيد فتم إخمادها بكل قسوة . يقول المقريزى : ( انتقض القبط ( أى ثار المصريون ) بالصعيد وحاربوا العمال ( أى جباة الضرائب )  في سنة إحدى وعشرينفحوربوا وقُتل كثير منهم) ، ( ثم خرج بجنس ( قائد مصرى  )بسمنود وحارب وقُتل في الحرب وقُتل معه قبطكثير في سنة اثنتين وثلاثين ومات).

7 ـ وبلغ الظلم مداه بالتنكيل بالبطرك القائد الروحى للمصريين وإذلاله وإهانته بين مواطنيه ، فقد إعتقله الوالى الأموى وفرض عليه غرامة لا يستطيع دفعها فإضطره الى أن يسير فى أنحاء مصر ومعه أساقفته يتسوّل منهم دفع الغرامة فما إستطاعوا سدادها كلها بسبب ما هم فيه من فقر، فعاد البطرك يائسا بائسا الى ذلك الوالى وأعطاه ما جمعه ، فأفرج عنه لأن الغرض كان إذلال البطرك ، وقد حدث ، يقول المقريزى :( وقبض عبد الملك بن موسى بن نصير أمير مصر على البطرك ميخائيلفاعتقله وألزمه بمال ، فسار بأساقفته في أعمال مصر يسأل أهلها ، فوجدهم في شدائد ، فعادإلى الفسطاط ودفع إلى عبد الملك ما حصل له ، فأفرج عنه)

8 ـ وسقطت الدولة الأموية بهزيمة الخليفة مروان بن محمد فى موقعة الزاب أمام الجيش العباسى . وفرّ الخليفة الأموى المهزوم بجيشه الى مصر ، وانتهز المصريون الفرصة فثاروا أملا فى التخلّص من الظلم الأموى ، ولكن الخليفة الأموى المهزوم استخدم جيشه فى التنكيل بالمصريين كما لو كان قد أراد أن يعوّض هزيمته بالانتقام منهم . يقول المقريزى :( ثم خالفت القبط ( أى ثار المصريون) برشيد فبعث إليهم مروان بن محمدلما قدم مصر وهزمهم ) ويقول عما فعله مروان بن محمد وتنكيله بالمصريين وبالبطرك المصرى: (فنزل به بلاء كبير من مروانوبطش به وبالنصارى ) ويقول عن فظائع ارتكبها مروان بن محمد بالقرى والمدن المصرية : ( وأحرق مصر وغلاتها ) ويقول عما فعله بالأديرة والراهبات من أسر وإغتصاب :( وأسر عدّة من النساء المترهبات ببعض الدياراتوراود واحدة منهنّ عن نفسها فاحتالت عليه ودفعته عنها بأن رغّبته في دهن معها إذاادّهن به الإنسان لا يعمل فيه السلاح، وأوثقته بأن مكنته من التجربة في نفسها فتمتحيلتها عليه، وأخرجت زيتًا ادهنت به ثم مدّت عنقها فضربها بسيفه فأطار رأسها ، فعلمأنها اختارت الموت على الزنا )، أى أن هذه الراعبة المصرية الشريفة العفيفة أقنعت ذلك الخليفة الأموى مروان بن محمد الذى يريد إغتصابها بأنّ معها دهنا يقى الرقبة من الذبح فلا يستطيع السيف أن يقطعها،ودهنت رقبتها وطلبت من أن يجرب ضرب رقبتها بالسيف ليتأكد من قولها، فضرب رقبتها بالسيف فقطعها. فعلم أنها إختارت الانتحار والقتل لتحفظ شرفها ..!! لم يعلّق المقريزى محتجّا ..هل من تعليق على هذا ..يرحمكم الله جلّ وعلا ؟!!

9 ـ ويقول المقريزى : (وما زال البطرك والنصارى في الحديد مع مروان إلى أنقُتل ببوصير فأفرج عنهم‏.‏) أى ظل مروان يحتفظ بالبطرك وزعماء المصريين أسرى معه الى أن وصل جيش العباسيين وقاتل مروان وهزمه وقتله . وأفرج العباسيون عن البطرك وصحبه .

10 ـ لم ينقشع الظلم بقيام الدولة العباسية بل إستمر مما إستوجب استمرار الفلاحين المصريين فى ثوراتهم . ولكن دخل اضطهاد المصرين فى نوعية جديدة فى العصر العباسى نتوقف معها فى الحلقة القادمة.

الباب الثانى موقف المقريزى من اضطهاد المصريين بعد الفتح العربى لمصر الفصل الثانى فى العصر العباسى

الباب الثانى موقف المقريزى من اضطهاد المصريين بعد الفتح العربى لمصر

الفصل الثانىفى العصر العباسى

 1 ـ عشنا مع معاناة المصريين من الظلم الهائل بعد الفتوحات العربية فى عصر الخلفاء الراشدين والأمويين ، ورأينا تطرف العرب فى نهب المصريين وتطرف الأمويين بالذات فى قهر المصريين وتعذيبهم وإذلالهم. لم ينقشع الظلم بقيام الدولة العباسية بل إستمر مما إستوجب استمرار الفلاحين المصريين فى ثوراتهم، يقول المقريزى:(خرج القبط بناحية سخا وأخرجوا العمال في سنة خمسين ومائةوصاروا في جمع ، فبعث إليهم يزيد بن حاتم بن قبيصة أمير مصر عسكرًا ) وانتهى الأمر بهزيمة الثوار ومعاناة شديدة للمصريين ،أو بتعبير المقريزى :(وهزموا باقيهم فاشتد البلاء على النصارى واحتاجواإلى أكل الجيف ).

2 ـ على أن العباسيين أضافوا نوعية جديدة من الاضطهاد توجّه لهدم الكنائس فإفتتح الوالى العباسى سليمان بن على عهده بهدم الكنائس المصرية التى أقامها المصريون حديثا، يقول المقريزى:(وهُدمت الكنائس المحدثة بمصر، فهدمت كنيسة مريم المجاورة لأبي شنودةبمصر، وهدمت كنائس محارس قسطنطين، فبذل النصارى لسليمان بن علي أمير مصر في تركهاخمسين ألف دينار فأبى). وبعد رحيل الوالى سليمان بن على وتولى ابن عمه موسى بن عيسى عارض الليث بن سعد والقاضى ابن لهيعة هدم الكنائس، يقول المقريزى: ( فلما ولي بعده موسى بن عيسى أذن لهم في بنائها فبنيت كلهابمشورة الليث ابن سعد وعبد الله بن لهيعة قاضي مصر، واحتجا بأنّ بناءها من عمارةالبلاد، وبأن الكنائس التي بمصر لم تبن إلا في الإسلام في زمن الصحابة والتابعين ).

3 ـ و إستمر فرض الضرائب الباهظة فنشبت ثورة مصرية عام 156 وهزمهم العباسيون كالعادة ، يقول المقريزى عن ولاية موسى بن عيسى :( وفي أيامه خرج القبط ببلهيت سنة ست وخمسين فبعث إليهم موسى بن عليّأمير مصر وهزمهم )‏.‏وانتهز الجند العباسيون فرصة الفوضى التى حدثت فى الشرق بالصراع الحربى بين الخليفة الأمين وأخيه المأمون فقاموا بنهب مدينة الاسكندرية وسكانها المصريين ، وأحرقوا بيوتهم ونهبوا الأديرة هناك فهرب معظم الرهبان خوفا ، يقول المقريزى :( وفي الفتنة بين الأمين والمأمون فانتُهبت النصارىبالإسكندرية وأحرقت لهم مواضع عديدة وأحرقت ديارات وادي هبيب ونهبت فلم يبق بها منرهبانها إلاّ نفر قليل‏.‏). وجاء الفرج للمصريين ، فقد مرضت جارية من محظيات الخليفة فى بغداد فاستدعى البطرك المصرى لعلاجها،وكان طبيبا حاذقا ، فتم شفاء الجارية على يديه فكافأه الخليفة برد بعض الكنائس اليه .

4 ـ على أن الظلم تطوّر فى خلافة المأمون بطريقة أشعلت ثورة عامة للمصريين سنة 210، وعجز الجند العباسيون عن إخمادها فأرسل لهم المأمون قائده الافشين بجيش جرّار إستطاع هزيمة الثوار، ومن وقع منهم فى الأسر أمر المأمون بقتله وسبى نسائه وأولاده وبيعهم رقيقا ، واستعمل أشد القسوة فى معاملة المصريين وقهرهم فأنهى حلمهم فى الثورة والتحرر. نتأمل ما يقوله المقريزى عن المصريين الأحرار وهو يتشفّى فيهم وما إنتهى اليه أمرهم بعد هزيمتهم الكبرى:( انتقض القبط في سنة ست عشرة ومائتين ، فأوقع بهم الإفشين حتى نزلوا على حكمأمير المؤمنين عبد اللّه المأمون ، فحكم فيهم بقتل الرجال وبيع النساء والذرية ، فبيعوا،وسبى أكثرهم.). بعدها جاء الخليفة المأمون بنفسه لمصر وتجوّل فى الريف المصرى يتفقّد أحواله فشهد معالم من الظلم ، إلّا إن رحلته أسفرت فى النهاية عن إحكام قبضة العباسيين على الريف المصرى والفلاحين المصريين ، بعد القضاء على زعاماتهم الوطنية . ويقول المقريزى يهنّىء نفسه بكسر المصريين وقهرهم من وقتها : ( ومن حينئذ ذُلت القبط في جميع أرض مصر، ولم يقدر أحد منهم بعد ذلك علىالخروج على السلطان، وغلبهم المسلمون على عامّة القرى ، فرجعوا من المحاربة إلىالمكايدة واستعمال المكر والحيلة ومكايدة المسلمين ) . أى بهزيمة الثورة المصرية وقتل زعماء الثوار الذين لا نعرف أسماءهم ، وبسبى واسترقاق نسائهم وأبنائهم وبناتهم إستكان عوام المصريين للذّل وانتهت ثوراتهم ، وتوسع العرب فى الريف المصرى يتملكونه ويسخّرون الفلاحين المصريين فى الأرض الزراعية بعد القضاء على الطبقة الحيّة الوطنية من المصريين . ومن بقى منهم حيّا لجأ الى الحيلة والمكر كى ينجو من الظلم بعد أن إستحال عليه أن يواجه الظلم بالثورة كما كان من قبل . وهذا ما يستنكره المقريزى ويستكثره على المصريين المقهورين المستضعفين أمام جبروت العباسيين فيقول : (فرجعوا من المحاربة إلىالمكايدة واستعمال المكر والحيلة ومكايدة المسلمين .). الروايات التاريخية عن الخليفة المأمون العباسى تصفه بالاستنارة وسعة الأفق والتسامح ، ولكنه هو الذى إضطهد الفقهاء السنيين بزعامة أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح ومحمد بن سعد المؤرخ بسب أنهم خالفوا رأيه فى موضوع ( خلق القرآن ). ورأينا قسوته المفرطة مع الثوار المصريين الأحرار . وفى عهده بدأ تمكّن العباسيين من الثروة المصرية الزراعية والتحكّم فيها مباشرة حيث إنساح العرب المسلمون فى الريف المصرى يتحكمون فيه .

5 ـ هذا الوضع الجديد كان مشجعا للخليفة المتوكل العباسى المشهور بتعصبه ليوقع بالمصريين المسيحيين واليهود أفظع سياسة فى التحقير والإذلال والامتهان ، تمثلت فى إرغامهم على إرتداء زىّ معين ،وحملهم أشياء محددة ومنعهم من ممارسة حقهم فى ركوب الخيل، بل والسير بطريقة معينة ، وطردهم من وظائفهم . فى هذا الوقت كانت الأغلبية الساحقة من المصريين  يرفضون الدخول فى الاسلام ، فلم يروا من المسلمين سوى القهر والظلم والقتل والسلب والنهب والسبى . يقول المقريزى دون أى إحساس بالعار:( أمر المتوكل على الله في سنة خمس وثلاثين ومائتين أهلالذمّة بلبس الطيالسة العسلية وشد الزنانير وركوب السروج بالركب الخشب،وعمل كرتينفي مؤخر السرج، وعمل رقعتين على لباس رجالهم تخالفان لون الثوب، قدر كلّ واحدة منهماأربعة أصابع ولون كلّ واحدة منهما غير لون الأخرى ) هذا بالنسبة للرجال . ( ومن خرج من نسائهم تلبس إزارًاعسليًا. ) (ومنعهم من لباس المناطق ) كالعرب، ليس هذا فقط ، بل هدم كنائس النصارى وبيع اليهود، يقول المقريزى:( وأمر بهدم بيعهم المحدثة ) وفرض ضريبة العُشر على منازلهم:( وبأخذ العشر من منازلهم ).وألزمهم بوضع صور وتماثيل للشياطين على أبواب بيوتهم:( وأنيجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب ) ومنعهم من التوظيف ومن التعليم العام:( ونهى أن يستعان بهم في أعمال السلطان،ولايعلمهم مسلم ) وحرمهم من ممارسة شعائرهم الدينية:( ونهى أن يظهروا في شعانينهم صليبًا وأن لا يشعلوا في الطريق نارًا ) وأمر بهدم قبورهم ( وأمربتسوية قبورهم مع الأرض،)، وجعل ذلك قانونا عاما فى كل الدولة العباسية:( وكتب بذلك إلى الآفاق).

ثم أصدر قوانين إضافية فى الزى وفى منعهم من ركوب الخيل:( ثم أمر في سنة تسع وثلاثين أهل الذمّةبلبس دراعتين عسليتين على الذراريع والأقبية، وبالاقتصار في مراكبهم على ركوب البغالوالحمير دون الخيل والبراذين‏.‏). تخيل تطبيق هذا على الملايين من أهل الكتاب فى مصر والشام والعراق وايران وشمال أفريقيا . هو ظلم مركب يصادر الثروة والحرية الشخصية والدينية ويفرض حصارا إقتصاديا وتحقيرا للناس لمجرد الاختلاف فى الدين. وهو أيضا ظلم لا يحرّك شعرة فى رأس المقريزى،ما أقسى قلبه.!

هذا (المتوكل ) هو الخليفة المفضّل للسنيين، فبعد موته توالت منهم المنامات تزعم صلاحه ودخوله الجنة لأتّه هو الذى جعل الأحاديث دينا تحت مصطلح ( السّنة )، وتعصّب لها فأضطهد أهل الكتاب والشيعة والصوفية والمعتزلة. هذا المتوكل إمتد تعصبه ليشمل العرب والفرس فطردهم من الجندية والوظائف واستعاض عنهم بالجند الأتراك فأصبحوا عماد الجيش وقوّاده وولاته وحرس قصره. هذا الخليفة المتوكل مع تعصبه الدينى فلم يكن متدينا بل كان ماجنا سكيرا ، يذكر المسعودى فى تاريخه أنه كان له 3 آلاف جارية محظية ، ( وطأهنّ ) جميعا مع تدلهه بغرام جاريته ( قبيحة ) أم ولده المعتز.ولقد تعصب لإبنه المعتز فأراد جعله ولى عهده بدلا من إبنه الأكبر ( المنتصر ) وجعل يهزأ بإبنه المنتصر ويضطهده فما كان من المنتصر إلا أن قتل أباه بمساعدة بعض الأتراك ، دخل بهم على أبيه المتوكل وكان يسكر مع وزيره الفتح بن خاقان ، فقتلوهما.

6 ـ القادة الترك الذين إستجلبهم المتوكل ما لبث أن تحكموا فى الخلافة والخلفاء بعد قتلهم المتوكل وابنه المنتصر وخلفاء آخرين . ومنهم من إستقل بحكم بعض أقاليم الدولة العباسية مثل أحمد بن طولون الذى أسس فى مصر الدولة الطولونية وضم اليها الشام،وأسس عاصمة له بجانب الفسطاط والعسكر هى ( القطائع ). ولم يخل ابن طولون من تعصب ضد المصريين، يقول المقريزى:(.. وقدم أحمد بن طولون مصر أميرًا عليها ، ثم قدّم اليعاقبةميخائيل ( بطركا ) فأقام خمسًا وعشرين سنة ، ومات بعدما ألزمه أحمد بن طولون‏ بحمل عشرين ألف دينار، باع فيها رباع الكنائس الموقوفة عليها، وأرضالحبش ظاهر فسطاط مصر، وباع الكنيسة بجوار المعلقة من قصر الشمع لليهود، وقرّرالديارية على كلّ نصرانيّ قيراطًا في السنة ، فقام بنصف المقرّر عليه‏.‏). أى إنّ أحمد بن طولون الذى إشتهر بالعدل ( نسبيا) مع المسلمين لم يكن عادلا مع المصريين ، ولأنّ المصريين إفتقروا وكانوا بالتعبير المصرى (على الحديدة ) لم يعد مال يمكن أن ينهبه ابن طولون فقد طمع ابن طولون فى البطرك أو البابا لأن لديه أوقاف الكنيسة ، واليه تذهب التبرعات والقرابين من المستطيع من المصريين ، لذا فرض ابن طولون على البطرك غرامة ناء البطرك بحملها ، فاضطر لبيع بعض الكنائس وبعض أوقافها ، وإضطر لفرض ضرائب على بعض الأديرة ، ومع هذا فلم يستطع البطرك دفع كل الغرامة .

7 ـ بعد طرد العرب من الجيش العباسى ومن الوظائف لم يعد لديهم عمل ، فإحترفوا السلب والنهب ، ولأنهم لا يستطيعون نهب ما يملكه ابن طولون فقد كان المصريون وكنائسهم صيدا سهلا لعصابات العرب المسلمين فى ذلك الوقت ، وهم يعرفون أن ابن طولون أو أى حاكم من الأتراك لن يهتم بحماية المصريين وكنائسهم ، يقول المقريزى:( وفي يوم الاثنين ثالث شوّالسنة ثلاثمائة أحرقت الكنيسة الكبرى المعروفة بالقيامة في الإسكندرية . وهي التي كانتهيكل زحل وكانت من بناء كلابطرة‏.)، وإمتدّ هذا الى الشام ، يقول المقريزى:( وفي يوم السبت النصف من شهر رجب سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة أحرقالمسلمون كنيسة مريم بدمشق ونهبوا ما فيها من الآلات والأواني وقيمتهما كثيرة جدًّا،  ونهبوا ديرًا للنساء بجوارها ، وشعّثوا ( أى أتلفوا وخرّبوا ) كنائس النسطورية واليعقوبية‏.‏).

8 ـ وصار المصريون لعبة يتسلى كل تركى حاكم بالتسلط عليهم ونهب أموالهم بما يتجاوز سياسة الخليفة العباسى نفسه ، يقول المقريزى :( وفي سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة قدم الوزير عليّ بن عيسى بن الجرّاحإلى مصر ، فكشف البلد ) أى تجول بنفسه فى الريف واستطلع الايراد ومساحات الأراضى الزراعية وما عليها من ضرائب.يقول المقريزى:( وألزم الأساقفة والرهبان وضعفاء النصارى بأداء الجزية فأدّوها) وبسسب ما حاق بهم من ظلم فقد ذهب وفد من المصريين الى بغداد يشكو الوزير إبن الجراح للخليفة المقتدر، فكتب بإنصافهم:(ومضى طائفة منهم إلى بغداد واستغاثوا بالمقتدر باللّه فكتب إلى مصر بأن لا يؤخذ منالأساقفة والرهبان والضعفاء جزية، وأن يجروا على العهد الذي بأيديهم‏.‏). وعن مسلمى القدس يقول المقريزى :( ثار المسلمون بالقدس سنة خمس وعشرينوثلاثمائة وحرّقوا كنيسة القيامة ونهبوها وخرّبوا منها ما قدروا عليه‏.‏). المضحك هنا هو قول المقريزى ( ثار المسلمون ) لأن المفهوم أن الثورة تكون تعبيرا عن مقاومة الظلم . ولكننا هنا نرى أن الظالمين هم الذين (ثاروا ) فحرقوا ونهبوا وخربوا كنائس المستضعفين المظلومين من أهل الكتاب.ويقول المقريزى بنفس الاسلوب : (وثار المسلمون أيضًابمدينة عسقلان وهدمواكنيسة مريم الخضراء ونهبوا ما فيها وأعانهم اليهود حتى أحرقوها ففرّ أسقف عسقلانإلى الرملة وأقام بها حتى مات ) .

9 ـ وسقطت الدولة الطولونية ، وقامت الدولة الإخشيدية فلم ينقشع الظلم ، إذ سكن الإخشيد مساكن الذين ظلموا أنفسهم، يقول المقريزى:( بعث الأمير أبو بكر محمد بن طغج الإخشيد أبا الحسين من قوّاده فيطائفة من الجند إلى مدينة تنيس،حتى ختم على كنائس الملكية ، وأحضر آلاتها إلى الفسطاط، وكانت كثيرة جدًّا فافتكّها الأسقف بخمسة آلاف دينار، باعوا فيها من وقف الكنائس .). هنا يقوم الحاكم بدور قاطع الطريق ، وبلا أدنى خجل ، فيبعث بجيش لكى يحارب كنيسة وينهبها .. وهذا ما كانت عليه سياسة العباسيين ودينهم السّنى ..

فكيف تصرف الشيعة الفاطميون مع المصريين ؟

موعدنا الحلقة التالية . 

الباب الثانى:المقريزى واضطهاد المصريين بعد الفتح العربى لمصر الفصل الثالث (فى العصر الفاطمى )

الباب الثانى:المقريزى واضطهاد المصريين بعد الفتح العربى لمصر الفصل الثالث (فى العصر الفاطمى )

 أولا  : المصريون والفاطميون:

1 ـ دخل المصريون ودخلت مصر فى تطور تاريخى هام بالفتح ( السلمى ) الذى قام به الفاطميون . فقد  أصبحت مصر دولة للخلافة الشيعية تنافس بغداد وخلافتها السّنية العباسية ، وتحولت مصر من ولاية تتبع بغداد وبدأت تأخذ موقعها الطبيعى فى المنطقة تحت شعار التشيع المناوىء للدين السّنى العباسى . كان الفاطميون شيعة يعرفون أنهم أقلية وافدة بالنسبة للعرب المستقرين فى مصر ومعهم أتباع السلطة العباسية السابقة فى مصر، وجميعهم سنيون ، وكان لا يزال لهم نفوذ إجتماعى فى مصر حتى فى وضعها الجديد السياسى والدينى . لذا إستنّ الفاطميون سياسة التحببب للمصريين بديلا عن إضطهادهم . وقتها وفى بداية العصر الفاطمى كان المصريون أقباطا منعزلين عن السلطة الحاكمة مع أنهم الأغلبية الساحقة من السكان ، وأصحاب الأرض ، ففوجىء المصريون ( الأقباط ) بالسياسة الفاطمية فى التقرب اليهم وتوظيفهم والاحتفال بأعيادهم المسيحية والقبطية والمصرية الفرعونية، بل وفتح طرق الترقى فى المناصب أمامهم لو (أسلموا على الطريقة الشيعية). ومن هنا دخل المصريون فى ( التشيع ) أفواجا .2 ـ ولا تزال بعض بصمات التشيع سارية حتى الآن فى المجتمع المصرى،على نحو ما شرحناه فى كتاب ( شخصية مصر بعد الفتح " الاسلامى" ) . ومن المضحك أن المصريين قد اخلصوا فى تشيعهم الممتزج بالجهل وقتها الى حدّ أن بعضهم فى مزايدة فى التشيع قد جعلوا من ( إسم عمر بن الخطاب ) شتيمة وسبّا ، فكانوا إذا شتموا بعضهم قالوا  (يا عمر). وظل ذلك الى عهد قريب فى البيئات الشعبية فى تشاجر النسوة ، إذ تقول إحداهن صارخة فى إحتجاج : ( نعم .. نعم .. يا عوووومر .؟!! ) . ومن المضحك المبكى أن الجهل بالاسلام تدخّل فى هذه المزايدة فى التشيع ،فبعض المصريين بالغ فى سبّ السيدة عائشة الى درجة لعنها ولعن زوجها ، وهم لا يعرفون أن زوجها هو النبى عليه السلام.وقد أدى هذا بالخليفة الحاكم الى معاقبة من قال ذلك ، بل وجعله فى سياسته المتناقضة يمنع فى بعض الأيام سبّ الصحابة خلافا للتشيع . .

ثانيا : شخصية الخليفة الفاطمى الحاكم :

1 ـ  وُلد عام 375  وتولى الخلافة طفلا عام 386 وهو فى الحادية عشر من عمره وقُتل عام 411 بعد أن حكم ربع قرن من الزمان ، كانت من أسوأ الأيام .  فى كتابه ( إتعاظ الحنفا ..) بعد تسجيل قتل الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله ينقل المقريزى بعض الملامح الشخصية الغريبة العجيبة لهذا الخليفة، يقول (وكانت سيرته من أعجب السير‏.) . ومنها سفكه الدماء : ( وكانالحاكم شديد السطوة عظيم الهيبة جريئا على سفك الدماء‏.‏)( وكان جوادا بالمال سفاكا للدماء، قتل عددا كثيرا من أماثل دولتهوغيرهم صبرا) . (   كان الحاكم أجود الخلفاء بماله، وبه تفشت حاله فيماسفكه من الدماء التي لا يحصيها إلا الله‏.‏).

2 ـ وارتبطت عن جرأته فى سفك الدماء بتصرفاته الغريبة ، يقول المقريزى : ( وقتل الحاكم ركابيا له بحربة في يده على باب جامع عمرو بن العاص وشقبطنه بيده‏.‏وعمّ بالقتل بين وزير وكاتب وقاض وطبيب وشاعر ونحوي ومغن ومختاروصاحب ستر وحمامي وطباخ وابن عم وصاحب حرب وصاحب خبر ويهودي ونصراني ، وقطّع حتى أيديالجواري في قصره‏.‏وكان في مدته القتل والغيلة ( الاغتيال ) حتى على الوزراء وأعيان الدولة ‏) (وكان المقتول ربما جُرّ في الأسواق فأوقع ذلك فتنة عظيمة..)( إستدعى الحاكم أحد الركابية السودان المصطنعة ليحضر إلىحانوت ابن الأزرق الشواء، فوقفه بين اثنين ورماه برمح ، ثم أضجعه واستدعى سكينا فذبحهبيده،ثم استدعى شاطورا ففرق بين رأسه وجسده ، ثم استدعى ماء فغسل يده بأشنان ثمركب‏.‏وحمل المقتول إلى الشرطة فأقام ليلة ثم دفن بالصحراء‏.‏ ثم بعث المؤتمن بعد ثلاثة أيام فنبشه وغسله وأنفذ إليه أكفانا كفنبها ثم أمر قاضي القضاة بالصلاة عليه وأمر ألا يتخلف أحد فحضر الشهود وأهل السوقوصلى عليه قاضي القضاة ودفن بالقرافة ، وواراه قاضي القضاة وجعل التراب تحت خده وأمرببناء قبره وتبيضه في وقته ففعل ذلك‏) وبلغ رعب الناس منه مداه، فقد : ( ووقف رجل للحاكم فصاح عليه فمات لوقته‏.‏)

3 ـ وقال عن تصرفاته الغريبة:(وكان يركب الحمار وعليه ثياب الرهبان ووراءه غلام اسمه مفلح يحملالدواة والسيف والورق في كيس معلق في كتفه وهو يمشي وراءه فإذا مرّ بسوق انهزم الناسواستتروا عنه ، ويطرق أبواب الحوانيت فلا ينظرون إليه إلا أن يكون لأحد منهم حاجةفإنه يقف عليه ويكتب العبد بين يديه ما يأمره به في رقعة إلى الوزير‏.‏) ‏.‏.( وكان الحاكم يركب حمارا يسمى القمر ويعبر به على الناس‏.‏وكان له صوفية يرقصون بين يديه ولهم عليه جار مستمر )،أى راتب مستمر

4 ـ وعن سياسته مع النساء يقول المقريزى:( ومنع النساء الخروج من البيوت فقيل إن فيهن من لا تجد من يقومبشأنها فتموت جوعا،فأمر الباعة بالتطواف في السكك وأن يبيعوهن من خلف الأبوابويناولوهن بمغارف طوال السواعد‏.‏وكان أمر ألا يكشف مغطى فسكر رجل ونام في قارعة الطريق وغطى نفسهبمنديل فصار الناس يمرون به ولا يقدر أحد أن يكشف عنه‏.‏فمر به الحاكم وهو كذلك فوقف عليه وقال له‏:‏ ما أنت فقال‏:‏ أنامغطى وقد أمر أمير المؤمنين ألا يكشف مغطى‏.‏فضحك وطرح عنده مالا وقال‏:‏ استعن بهذا على ستر أمرك‏.‏) (.ومنع النساء من الخروج إلى الطرقات ليلا ونهارا ، ومنعالأساكفة من عمل الخفاف لهن فأقمن على ذلك سبع سنين وسبعة أشهر إلى خلافةالظاهر ‏.‏)   

5 ـ وعن إدعائه الالوهية ، فقد وظّف الحاكم من يدعو لالوهيته ، وهو ( الدرزى ) منشىء الطائفة الدرزية الموجودة حتى الآن فى لبنان وفلسطين، يقول المقريزى عن الحاكم : ( وكان له سعي في إظهار كلمته، فبعث دعاته إلى خراسان وأقامفيها مذهب الشيعة واستجاب له عالم ، وكان أبو عبد الله أنوشتكين النجري الدرزي أولرجل تكلم بدعوته، ...) ( وسيّر مذهبه إلى بلاد الشام والساحل ولهممذهب في كتمان السر لا يطلعون عليه من ليس منهم‏.‏وكان الدرزي يبيح البنات والأمهات والأخوات‏.‏فقام الناس عليه بمصر وقتلوه فقتل الحاكم به سبعين رجلا‏.‏وأنفذ الدرزي إلى الحجر الأسود برجل ضربه وكسره ، ) ويقول المقريزى عن الحاكم ( وادعى الربوبية‏.‏) ( وقدم رجل يقال له يحيى اللباد ويعرف بالزوزني الأخرم فساعده على ذلك، ونشط جماعة على الخروج عن الشريعة‏.‏وركب يوما من القاهرة في خمسين رجلا من أصحابه إلى مصر ودخل الجامعبدابته وأصحابه كذلك فسلم إلى القاضي رقعة فيها‏:‏ باسم الحاكم الرحمن الرحيم ، فأنكرالقاضي ذلك وثار الناس بهم وقتلوهم وشاع هذا في الناس فلعنوه‏.‏) (  وفي السنة التي قتل فيها الحاكم أشاع أنه يريد أن ينزل فيأول رمضان إلى الجامع ومعه الطعام فمن أبى الأكل قتله‏.‏وكان دعاته إذا ركب يقولون‏:‏ السلام عليك يا واحد يا أحد ويغلونفيه الغلو المفرط‏.‏). وخاصمه بعض الشيعة المغاربة بسبب ذلك فأمر بتدريس الفقه المالكى السّنى نكاية فيهم ، يقول المقريزى : ( وبلغه أن المغاربة تلعنه فقرب الفقهاء المالكية وأمرهم بتدريس مذهبمالك بن أنس في الجامع‏.‏).

ثالثا : إضطهاد الأقباط فى عهد الخليفة الحاكم الفاطمى

1 ـ  وكان إضطهاد الأقباط المصريين إحدى تفصيلات الجنون لدى هذا الخليفة ، نرى هذا مثلا فى تسجيل أحداث عام ( خمس وتسعين وثلثمائة) : ( في سابع محرم قرئ سجل في الجوامع يأمر اليهود والنصارى بشد الزنارولبس الغيار وشعارهم بالسواد شعار الغاصبين العباسيين‏.‏وفيه فحش كثير وقدح في حق الشيخين ( أبو بكر وعمر )رضي الله عنهما‏.‏وقرئ سجل في الأطعمة بالمنع من أكل الملوخية المحببة كانت لمعاويةبن أبي سفيان والبقلة المسماة بالجرجير المنسوبة إلى عائشة رضي الله عنهاوالمتوكلية المنسوبة إلى المتوكل‏.‏وفيه المنع من عجن الخبز بالرجل والمنع من أكل ( سمك )الدلنيس والمنع منذبح البقر التي لا عاقبة لها إلا في أيام الأضاحي وما سواها من الأيام لا يذبح منهاإلا ما لا يصلح للحرث‏.‏وقرئ سجل آخر بأن يؤذن لصلاة الظهر في أول الساعة السابعة ويؤذنلصلاة العصر في أول الساعة التاسعة‏.‏وإصلاح المكاييل والموازين والنهي عن البخس فيهما والمنع من بيعالفقاع وعمله ألبتة لما يؤثر عن علي رضي الله عنه من كراهة شرب الفقاع‏.‏وضرب في الطرقات بالأجراس ونودي ألا يدخل الحمام أحد إلا بمئزر وألاتكشف امرأة وجهها في طريق ولا خلف جنازة ولا تتبرج‏.‏ولا يباع شيء من السمك بغير قشر ولا يصطاده أحد من الصيادين‏.‏وتتبعت الحمامات وقبض على جماعة وجدوا بغير مئزر فضربوا وشهروا‏.‏ وكتب في صفر على سائر المساجد وعلى الجامع العتيق من ظاهره وباطنهفي جميع جوانبه وعلى أبواب الحوانيت والحجر والمقابر والصحراء بسب السلف ولعنهمونقش ذلك ولون بالأصباغ والذهب وعمل كذلك على أبواب القياسر وأبواب الدور وأكره علىعمل ذلك‏.‏وأقبل الناس من النواحي والضياع فدخلوا في الدعوة وجعل لهم يوموللنساء يوم فكثر الازدحام ومات في الزحمة عدة‏.‏ولما دخل الحاج نالهم من العامة سب وبطش فإنهم طلبوا منهم سب السلفولعنهم فامتنعوا‏.‏ونودي في القاهرة‏:‏ لا يخرج أحد بعد المغرب إلى الطريق ولا يظهربها لبيع ولا شراء فامتثل الناس لذلك‏.‏وفي ربيع الأول تتبعت الدور ومن يعرف بعمل المسكرات وكسر من أوعيتهاشيء كثير‏.‏)

2 ـ ومن الطبيعى أن يعانى من بقى على قبطيته من المصريين جانبا من حمق هذا الخليفة الذى عمّ الجميع. وهنا نعود الى الاستشهاد بالمقريزى فى الخطط ، يقول عن معاناة البطرك زخريس اليعقوبى من حمق الخليفة الحاكم: ( وفي سنة ثلاثوتسعين وثلاثمائة قدم اليعاقبة زخريس بطركًا فأقام ثماني وعشرين سنة، منها فيالبلايا مع الحاكم بأمر الله...تسع سنين اعتقله فيهاثلاثة أشهر، وأمر به فألقي للسباع هو وسوسنة النوبي ). جاء الحاكم للخلافة وكان أعيان الأقباط مسيطرين على إدارات الدولة وكثرت أموالهم ، فحسدهم الموظفون المسلمون ، والمقريزى يعبّر عن وجهة نظر كارهى الأقباط ،يقول :( نزلبالنصارى شدائد لم يعهدوا مثلها، وذلك أن كثيرًا منهم كان قد تمكن في أعمال الدولةحتى صاروا كالوزراء وتعاظموا لاتساع أحوالهم وكثرة أموالهم فاشتدّ بأسهم وتزايدضررهم ومكايدتهم للمسلمين فأغضب الحاكم بأمر الله ذلك، وكان لا يملك نفسه إذا غضب. ) .

4 ـ ويوجز المقريزى أنواع الاضطهاد والتعذيب التى أوقعها الخليفة الحاكم بالمصريين الأقباط بقوله :( نزلبالنصارى شدائد لم يعهدوا مثلها). ثم يشرح هذه العبارة فى هذا التقرير المفزع : (فاشتدّ بأسهم وتزايدضررهم ومكايدتهم للمسلمين فأغضب الحاكم بأمر الله ذلك، وكان لا يملك نفسه إذا غضب؛فقبض على عيسى بن نسطورس النصرانيّ وهو إذ ذاك في رتبة تضاهي رتب الوزراء وضرب عنقه،  ثم قبض على فهد بن إبراهيم النصرانيّ كاتب الأستاذ برجوان وضرب عنقه ، وتشدد علىالنصارى وألزمهم بلبس ثياب الغيار وشدّ الزنار في أوساطهم ، ومنعهم من عمل الشعانينوعيد الصليب والتظاهر بما كانت عادتهم فعله في أعيادهم من الاجتماع واللهو، وقبض علىجميع ما هو محبس على الكنائس والديارات ( أى أوقاف الكنائس والأديرة ) وأدخله في الديوان وكتب إلى أعماله كلهابذلك ، وأحرق عدّة صلبان كثيرة ، ومنع النصارى من شراء العبيد والإماء ، وهدم الكنائسالتي بخط راشدة ظاهر مدينة مصر ، وأخرب كنائس المقس خارج القاهرة ، وأباح ما فيها للناسفانتهبوا منها ما يجلّ وصفه ، وهدم دير القصير وانهب العامة ما فيه ، ومنع النصارى منعمل الغطاس على شاطئ النيل بمصر، وأبطل ما كان يُعمل فيه من الاجتماع للهو ، وألزمرجال النصارى بتعليق الصلبان الخشب التي زنة كل صليب منها خمسة أرطال في أعناقهم،  ومنعهم من ركوب الخيل ، وجعل لهم أن يركبوا البغال والحمير بسروج ولجم غير محلاةبالذهب والفضة، بل تكون من جلود سود ، وضرب بالحرس في القاهرة ومصر أن لا يركب أحد منالمكارية ذمّيًا ولا يحمل نوتيّ مسلم أحدًا من أهل الذمة ، وأن تكون ثياب النصارىوعمائمهم شديدة السواد ، وركب سروجهم من خشب الجميز ، وأن يُعلق اليهود في أعناقهمخشبًا مدوّرًا زنة الخشبة منها خمسة أرطال وهي ظاهرة فوق ثيابهم . وأخذ في هدمالكنائس كلها ، وأباح ما فيها وما هو محبس عليها للناس نهبًا وإقطاعًا ، فهُدمت بأسرها، ونهب جميع أمتعتها ، وأقطع أحباسها ( أى أوقافها )، وبني في مواضعها المساجد ، وأذّن بالصلاة في كنيسةشنودة بمصر، وأحيط بكنيسة المعلقة في قصر الشمع ، وكثر الناس من رفع القصص ( أى الشكاوى ) بطلب كنائسأعمال مصر ودياراتها ، فلم يردّ قصة منها إلاّ وقد وقع عليها بإجابة رافعها لما سأل، فأخذوا أمتعة الكنائس والديارات وباعوا بأسواق مصر ما وجدوا من أواني الذهب والفضةوغير ذلك ، وتصرفوا في أحباسها . ووجد بكنيسة شنودة مال جليل ، ووجد في ( الكنيسة ) المعلقة من المصاغوثياب الديباج أمر كثير جدًّا إلى الغاية . وكتب إلى ولاة الأعمال بتمكين المسلمين منهدم الكنائس والديارات ، فعمّ الهدم فيها من سنة ثلاث وأربعمائة ، حتَى ذكر من يوثق بهفي ذلك أن الذي هدم إلى آخر سنة خمس وأربعمائة بمصر والشام وأعمالهما من الهياكلالتي بناها الروم نيف وثلاثون ألف بيعة . ونهب ما فيها من آلات الذهب والفضة وقبض علىأوقافها وكانت أوقافًا جليلة على مبان عجيبة . وألزم النصارى أن تكون الصلبان فيأعناقهم إذا دخلوا الحمام ، وألزم اليهود أن يكون في أعناقهم الأجراس إذا دخلواالحمام . ثم ألزم اليهود والنصارى بخروجهم كلهم من أرض مصر إلى بلاد الروم ، فاجتمعوابأسرهم تحت القصر من القاهرة ، واستغاثوا ولاذوا بعفو أمير المؤمنين حتى أعفوا منالنفي . وفي هذه الحوادث أسلم كثير من النصارى‏.‏) .أى تنوع هذا الاضطهاد من قتل زعماء الأقباط الى هدم وسلب الكنائس والأديرة ، وتحقير الأقباط واليهود فى موضوع الزى ، ومنعهم من ركوب الخيل ، ومن أن يتاح لهم ركوب الحمير بالأجرة أو ركوب السفن بالأجرة إذا كان صاحب الحمار ( المكارى ) مسلما ، أو كان صاحب المركب مسلما.

5 ـ وكانت نتيجة هذا الاضطهاد دخول كثيرين من الأقباط فى ( التشيع ) أو الاسلام بزعم المقريزى القائل:( وفي هذه الحوادث أسلم كثير من النصارى‏.‏).وبالتالى فقد شهد العصر الفاطمى بداية تحول معظم المصريين عن النصرانية القبطية الى أديان المسلمين الأرضية رغبة وطمعا بتشجيع الخلفاء الفاطميين المعزّ لدين الله الفاطمى وابنه العزيز بالله ، ثم أحفاد الحاكم الفاطمى، بينما دخلوا فى عهد الحاكم فى التشيع خوفا ورعبا من جنونه . بدأ المصريون بإعتناق التشيع فى العصر الفاطمى رغبة ورهبة، ثم تحولوا من التشيع الى التصوف السنى فى الدولة الأيوبية بعد أن قضى صلاح الدين الأيوبى على الدولة الفاطمية وتشيعها ، ثم تمكن التصوف السّنى من عقائد المصريين المسلمين فى العصرين المملوكى والعثمانى ، وتراجعت أمامه الديانة القبطية واللغة القبطية . وهنا دخل فى إضطهاد الأقباط المصريين عنصر جديد ، أتى ليس فقط من الحكام المستبدين بل من عوام المسلمين السّنيين ، فقد كان التعصب الدينى هو الظاهرة السائدة فى ثقافة العصور الوسطى فى أوربا وبلاد المسلمين على السواء ، وأجّج هذا التعصب الحروب الصليبية .  

6 ـ ونعيش فى الحلقة الأخيرة مع ملامح هذا التطور وتحامل المقريزى على المصريين ( الأقباط ).

الباب الثانى الفصل الرابع ( كوارث التعصب فى العصر المملوكى )

الباب الثانى   الفصل الرابع ( كوارث التعصب فى العصر المملوكى )                                                                  

 أولا :

1 ـ بعد الفتح العربى لمصر لم يعرف المصريون عن الاسلام إلّا الظلم والسلب والنهب والقتل وكل الذى أرساه عمر بن الخطّاب وعمرو بن العاص، ثم جرائم ولاة بنى أمية وبنى العباس. كان طبيعيا أن يكرهوا هذا الاسلام الذى عرفوا من خلاله كل هذا الظلم .ولكن أصحاب الدين الأرضى الشيعى الفاطمى تحبّبوا اليهم وشجعوهم بالمناصب فبدأ دخولهم فى ( التشيع ) على إنه الاسلام. ثم جاء الخليفة الفاطمى الحاكم  فعصف بهم  فدخل مصريون آخرون فى دين الخليفة الحاكم ليرضوا الخليفة الحاكم . وبالرغبة والرهبة دخلت أجيال مصرية فى الاسلام بالمفهوم الشيعى ثم بالمفهوم الصوفى السّنى بينما ظل الاسلام الحقيقى ـــ ولا يزال ـــ غريبا مجهولا للمصريين وغيرهم ، أصبح معزولا فى آيات القرآن التى جرى تأويلها وتحريف معانيها وتهميشها وتعطيلها والصّد عنها. وبداية من العصر الفاطمي دخل كثيرون من المصريين الأقباط الاسلام ؛ وبدأ يتقلّص عدد المصريين المتمسكين بدينهم الرافضين للاسلام ، وإنقسم المصريون الى أتباع لأديان أرضية مختلفة من ( مسلمين ) :سنة وتصوف و( أقباط ) : يعاقبة وملكيين.

2 ـ وفى العصور الوسطى تسيدت الأديان الأرضية والتجارة بها الشرق المسلم والغرب الأوربى المسيحى   ، فكان التعصب الدينى والمذهبى والحروب الدينية من ملامح هذه العصور الظلامية .وبهذا تسلل التعصب الى الحياة المصرية بين عوام المصريين ( المسلمين والأقباط ). صحيح إنه لم يكن بنفس الحدّة التى كان فيها التعصب خارج مصر ، وصحيح أنه كان جملة إعتراضية وحوادث إستثنائية فى تاريخ مصر طويل ، ولكنه كان موجودا وتم تسجيله فى أحداث التاريخ متأثرا بالتعصب كثقافة عامة سائدة وبالتعصّب الذى قاده الحكام ( وهم غير مصريين ) وبالتعصب الذى كان يؤجّجه فقهاء متعصبون زائرون لمصر فيرون مظاهر التسامح ونفوذ بعض أرباب الوظائف من الأقباط فيثورون ويستخدمون إسم الاسلام لحث الحاكم على إضطهاد الأقباط . بالاضافة الى تعصب قبطى مضاد مفهوم ولا يمكن تجاهله ، وكان يعبّر عن نفسه لدى القبطى إذا وصل الى سلطة تتيح له الانتقام من المسلمين فلا يتردد فى إستغلالها ، مما يثير موجة من تعصب ( المسلمين ) . وقد تكرر هذا كوارث فى العصر المملوكى .

3 ـ ولكن العامل الأساس هنا هو موقف المثقفين وقتها من فقهاء ومؤرخين . الأغلب منهم كانوا أرباب وظائف ويتنافسون مع الأقباط فى الوصول للمناصب، وقد تعلموا من الفقه السّنى والشريعة السنية فريضة التعصب ضد غير المسلم وكراهيته ، وهذا كان ينعكس على كتاباتهم كمؤرخين وكفقهاء فتنضح تعصبا ضد الأقباط واليهود المصريين يباركون إضطهادهم بل يشجعون عليه. وحتى من كان منهم متحريا للعدل كالمقريزى فقد سار على طريقة ( عمر بن الخطاب ) ، أى تحرى العدل فيما يخصّ المسلمين فقط مع إستباحة حقوق غير المسلم . ومن هنا نجد المقريزى سليط اللسان فى نقد المماليك من سلاطين وأمراء يفضح ظلمهم ويكشف فجورهم ويتعاطف مع ضحايا الظلم المسلمين،ولكنه يؤيد الظلم عندما يقع على الأقباط واليهود بل ويتشفى فيهم. والمقريزى وعمر بن الخطاب وغيرهم قد عصوا رب العزة حين أمر جل وعلا بالعدل والاحسان ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغى والظلم ، كما عصوا أمره جلّ وعلا بمراعاة العدل مع الخصوم:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) المائدة ).

من أسف أن ترفع أمريكا شعار ( العدل للجميع ) وهو الذى يتفق مع تشريعات القرآن بينما بدأ الصحابة مبكرا وبعد موت خاتم النبيين فى إحلال الظلم مكان العدل فيما يعرف بالفتوحات .هى خطيئة كبرى ولكن الأفظع أنهم جعلوها شريعة إسلامية تربى عليها خلال قرون الفقهاء والمؤرخون ومنهم المقريزى .

ثانيا: التدمير العام للكنائس المصرية عام 721

يقول المقريزى عن التدمير العام للكنائس المصرية فى وقت واحد عام 721:( ثم لماكان يوم الجمعة تاسع شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وسبعمائة هدمت كنائس أرض مصرفي ساعة واحدة ). ولم يعرف التنظيم السرى الذى قام بهذا التدمير فى كل أنحاء مصر ، وقد حققنا هذا الموضوع وكشفنا من كانوا وراءه فى كتابنا ( السيد البدوى بين الحقيقة والخرافة ) وهو منشور هنا. وفى بحث آخر منشور  عن إضطهاد الأقباط قدمنا تقريرا تاريخيا أحصى أهم أحداث هذا الاضطهاد من شتى المصادر التاريخية . ولكننا هنا نكتفى بنقل بعض ما ذكره المقريزى من كوارث إضطهاد للأقباط بعد العصر الفاطمى .

ثالثا : كارثة 658

يقول المقريزى فى الخطط :( أخذ الوزير الأسعد شرف الدين هبة الله بن صاعد الفائزيالجوالي من النصارى مضاعفة ) أى ضاعف الضرائب على النصارى ، وهذا نموذج لظلم قام به الحكّام . وقد يتحالف العوام مع السلطان فى إضطهاد النصارى ، يقول المقريزى :( وفي أيامه ثارت عوامّ دمشق وخربت كنيسة مريم بدمشق بعدإحراقها ونهب ما فيها ، وقَتل جماعة من النصارى بدمشق ونَهْب دورهم وخرابها في سنةثمان وخمسين وستمائة ، بعد وقعة عين جالوت وهزيمة المغل‏.‏فلما دخل السلطان الملك المظفر قطز إلى دمشق قرّر على النصارى بهامائة ألف وخمسين ألف درهم جمعوها من بينهم وحملوها إليه بسفارة الأمير فارس الدينأقطاي المستعرب أتابك العسكر‏.) السبب أن بعض النصارى تحالف مع المغول الغزاة كيدا للمسلمين، لذا كان منتظرا أن ينتقم منهم السلطان والعوام بعد هزيمة المغول .

رابعا : كارثة عام 682

1 ـ فى مصر حدثت كوارث بسبب التعصب من الطرفين ، ودفع الثمن الأقباط . كان الظلم المملوكى سائدا يقوم به المماليك وأعوانهم من أرباب الأعمال الادارية الديوانية والحسابية ، وتخصّص الأقباط فى الأعمال الكتابية والحسابات .وكانت العادة سكوت المسلمين عن ظلم المماليك وظلم أعوانهم الذين يتأسّون بأسيادهم المماليك فى الظلم والتجبّر على الناس. يختلف الحال لو كان ذلك الموظف قبطيا صاحب نفوذ ويتسلط به على المسلمين شأن رفاقه من الموظفين ـ هنا تحدث الكارثة . وهذا ما حدث عام 682 .

2 ـ يقول المقريزى :( وفي سنة اثنتين وثمانين وستمائة كانت واقعة النصارى. ومن خبرها أنالأمير سنجر الشجاعيّ كانت حرمته وافرة في أيام الملك المنصور قلاوون.فلما مات الملك المنصور وتسلطن من بعدهابنه الملك الأشرف خليل خدم الكتاب النصارى عند الأمراء الخاصكية ، وقوّوا نفوسهمعلى المسلمين ، وترفعوا في ملابسهم وهيآتهم ) هنا نحسّ التحامل من المقريزى على الموظفين الأقباط فى موضوع الزى وفى التكبر على عوام المسلمين ، مع أنه نفس ما يفعله كبار الموظفين المسلمين مع عوام المسلمين .ولكن أن يفعل ذلك قبطى يعتبره المقريزى ( كافرا )  فهذه كارثة،أو الطريق الى الكارثة . نستكمل الرواية مع المقريزى:( وكان منهم كاتب عند خاصكيّ يُعرف بعينالغزال).عين الغزال  هذا هو بطل هذه الكارثة .يقول المقريزى عنه:( فصدف يومًا في طريق مصر سمسار شونة مخدومه ) أى لقى فى الطريق سمسارا يعمل عند الأمير المملوكى الذى يعمل عنده عين الغزال كاتبا ، وبالطبع كان هذا السمسار تحت سلطة الكاتب عين الغزال ، وكان السمسار ( المسلم ) قد تأخّر عليه مال للأمير ، ومن وظيفة الكاتب عين الغزال التفتيش عن الحسابات وما للأمير فى ذمة السمسار وغيره. وتقابل عين الغزال مع السمسار فى عرض الطريق ، وخاف السمسار من عين الغزال، يقول المقريزى:( فنزل السمسار عن دابته وقبَّل رجلالكاتب ) ، وكان تقبيل القدمين من واجب الأدنى منزلة نحو الأعلى منزلة حسب تقاليد هذا العصر ، وكان المفترض أن يرضى عين الغزال بتقبيل السمسار رجله ، ولكن حدث العكس ، يقول المقريزى : ( فأخذ يسبّه ويهدّده على مال قد تأخر عليه من ثمن غلة الأمير ) وقابل السمسار السّب والشتم بالاعتذار ولكن بلا جدوى ، يقول المقريزى عن السمسار:( وهو يترفق لهويعتذر ) ويقول عن عين الغزال ( فلا يزيده ذلك عليه إلاّ غلظة.) بل أمر عين الغزال غلاما عبدا له باعتقال السمسار أمام أعين الناس فى الطريق:( وأمر غلامه فنزل وكتّف السمسار ومضى به).وإزدحم الناس وهم يترجّون عين الغزال أن يعفو عن السمسار، وهو يأبى، وكلما سار تكاثر الناس حوله يترجونه،يقول المقريزى ( والناستجتمع عليه حتى صار إلى صليبة جامع أحمد بن طولون ، ومعه عالم كبير ، وما منهم إلاّ منيسأله أن يخلي عن السمسار وهو يمتنع عليهم ) وفى النهاية تكاثر الجمهور وهجموا على عين الغزال وخلّصوا  السمسار:( فتكاثروا عليه وألقوه عن حماره وأطلقواالسمسار.) فاستنجد عين الغزال بسيده الأمير المملوكى أو( أستاذه) بتعبير العصر:( وكان قد قرب من بيت أستاذه ، فبعث غلامه لينجده بمن فيه ، فأتاه بطائفة منغلمان الأمير وأوجاقيته فخلصوه من الناس وشرعوا في القبض عليهم ليفتكوا بهم ). وثارت الجماهير على الجنود المماليك قائلين بأسلوب الفقهاء بأن هذا لا يحلّ : ( فصاحواعليهم : ما يحل )، ولم يستمع لهم الجند ، فذهبوا بمظاهرة أمام القلعة يستنجدون بالسلطان المملوكى الأشرف خليل:( ومرّوا مسرعين إلى أن وقفوا تحت القلعة واستغاثوا نصر الله السلطان) أى صاحوا : نصر الله السلطان، فسمعهم، وعرف منهم أصل الموضوع: (فأرسل يكشف الخبر، فعرّفوه ما كان من استطالة الكاتب النصرانيّ على السمسار وما جرىلهم.) فغضب السلطان مروّعا وأمر بقتل كل النصارى، يقول المقريزى:( فطلب عين الغزال ورسم للعامّة بإحضار النصارى إليه، وطلب الأمير بدر الدين بيدراالنائب والأمير سنجر الشجاعيّ وتقدّم إليهما بإحضار جميع النصارى بين يديه ليقتلهم) ، هكذا بكل بساطة ، قتل جميع النصارى .!!. فقام الأميران بتهدئة السلطان فاكتفى بطردهم من وظائفهم :(فما زالا به حتى استقرّ الحال على أن ينادي في القاهرة ومصر أن لا يخدم أحد منالنصارى واليهود عند أمير. ) أكثر من هذا أمر السلطان الأمراء بإرغام الكتبة الأقباط عندهم على الاسلام ، وقتل من يرفض منهم ، يقول المقريزى :( وأمر الأمراء بأجمعهم أن يعرضوا على من عندهم من الكتابالنصارى الإسلام ، فمن امتنع من الإسلام ضربت عنقه ، ومن أسلم استخدموه عندهم . ورسمللنائب بعرض جميع مباشري ديوان السلطان ويفعل فيهم ذلك).وأعلن السلطان هذه الأوامر فاختفى الأقباط الكتبة خوف الاعتقال تاركين منازلهم، فنهبها العوام المسلمون بل وسبوا واسترقوا نساءهم ، يقول المقريزى:( فنزل الطلب لهم وقد اختفوا،  فصارت العامة تسبق إلى بيوتهم وتنهبها،حتى عمّ النهب بيوت النصارى واليهود بأجمعهم، وأخرجوا نساءهم مسبيات وقتلوا جماعة بأيديهم ). وخشية الفوضى تدخل نائب السلطان بكفّ العوام عن السلب والنهب والقتل، يقول المقريزى:( فقام الأمير بيدرا النائب مع السلطانفي أمر العامّة، وتلطف به ، حتى ركب وإلى القاهرة ونادى:من نهب بيت نصراني شُنق. وقبضعلى طائفة من العامة وشهرهم بعدما ضربهم فانكفوا عن النهب ، بعدما نهبوا كنيسةالمعلقة بمصر وقتلوا منها جماعة.). ولكن صمّم السلطان الأشرف خليل على إكراه الكتبة الأقباط العاملين لديهم على دخول الاسلام ، وإلّا فالقتل ، وتم جمعهم بحضور السلطان فأمر بحفروا حفرة كبيرة لهم أمام القلعة ليحرق فيها من يرفض دخول الاسلام.يقول المقريزى:( ثم جمع النائب كثيرًا من النصارى كتاب السلطانوالأمراء، وأوقفهم بين يدي السلطان عن بعد منه ، فرسم للشجاعيّ ( أى أمر السلطان الأمير الشجاعى )  وأمير جاندار أن يأخذاعدة معهما وينزلوا إلى سوق الخيل تحت القلعة ويحفروا حفيرة كبيرة ويلقوا فيهاالكتاب الحاضرين ويضرموا عليهم الحطب نارًا ، فتقدّم الأمير بيدرا وشفع فيهم ، فأبى أنيقبل شفاعته وقال‏:‏ "ما أريد في دولتي ديوانًا نصرانيًا"، فلم يزل به حتى سمح بأن منأسلم منهم يستقر في خدمته ومن امتنع ضربت عنقه. فأخرجهم إلى دار النيابة وقال لهم‏:‏يا جماعة ما وصلت قدرتي مع السلطان في أمركم إلاّ على شرط وهو أن من اختار دينهقُتل ومن اختار الإسلام خلع عليه وباشر) أى باشر وظيفته كالمعتاد، فأسلموا رسميا .ويقول المقريزى معلّقا:( فصار الذليل منهم بإظهار الإسلام عزيزًا ، يبدي من إذلال المسلمينوالتسلط عليهم بالظلم ما كان يمنعه نصرانيته من إظهاره.)أى أصبح أولئك المسلمون الجد أكثر نفوذا وأكثر جرأة فى ظلم المسلمين المحكومين. ويقول المقريزى ( وما هو إلا كما كتب به بعضهمإلى الأمير بيدرا النائب‏:‏

 أسلمَ الكافرونَ بالسيفِ قهرًا وإذا ما خلوا فهُممُجرمونا

سلِموا مِن رواحِ مال وروحٍ فهم سالِمون لا مُسلمونا .)

5 ـ رابعا : كارثة عام 700 :

وتكررت نفس المأساة ، وبطلها وزير زائر أتى من المغرب ، ففوجىء بنفوذ الكتبة الأقباط ، فأخذ يثير عليهم المماليك حتى حدثت المأساة. ننقل الرواية عن المقريزى آملين أن يتفهم القارىء أسلوبه، يقول : ( وفي أخريات شهر رجبسنة سبعمائة قدم وزير متملك المغرب إلى القاهرة حاجًا ، وصار يركب إلى الموكبالسلطانيّ وبيوت الأمراء ، فبينما هو ذات يوم بسوق الخيل تحت القلعة إذا هو برجل راكبعلى فرس وعليه عمامة بيضاء وفرجية مصقولة وجماعة يمشون في ركابه وهم يسألونهويتضرّعون إليه ويقبلون رجليه، وهو معرض عنهم وينهرهم ويصيح بغلمانه أن يطردوهمعنه‏.‏فقال له بعضهم : "يا مولاي الشيخ بحياة ولدك النشو تنظر في حالنا " ،فلميزده ذلك إلاّ عتوًّا وتحامقًا . فرقّ المغربيّ لهم ، وهمّ بمخاطبته في أمرهم ، فقيل له:"وأنه مع ذلك نصراني" ، فغضب لذلك ،وكاد أن يبطش به ،ثم كف عنه ، وطلع إلى القلعة ، وجلس معالأمير سلار نائب السلطان والأمير بيبرس الجاشنكير، وأخذ يحادثهم بما رآه ، وهو يبكيرحمة للمسلمين بما نالهم من قسوة النصارى ، ثم وعظ الأمراء وحذرهم نقمة الله وتسليطعدوّهم عليهم ( بسبب ) من تمكين النصارى من ركوب الخيل وتسلطهم على المسلمين وإذلالهم إياهموأن الواجب إلزامهم الصَغَار ( أى التحقير ) وحملهم على العهد الذي كتبه أمير المؤمنين عمر بنالخطاب رضي اللّه عنه، فمالوا إلى قوله ، وطلبوا بطرك النصارى وكبراءهم ، وديّان اليهود(أى الحبر الأكبر )، فجمعت نصارى كنيسة المعلقة ونصارى دير البغل ونحوهم ، وحضر كبراء اليهود والنصارى ، وقدحضر القضاة الأربعة ، وناظروا النصارى واليهود . فأذعنوا إلى التزام العهد العمريّ. وألزم بطرك النصارى طائفته النصارى بلبس العمائم الزرق وشد الزنار في أوساطهمومنعهم من ركوب الخيل والبغال والتزام الصّغار ( أى التحقير )، وحرّم عليهم مخالفة ذلك أو شيء منه، وأنه بريء من النصرانية إن خالف‏.‏ثم اتبعه ديّان اليهود بأن أوقع الكلمة على من خالف من اليهود ما شرطعليه من لبس العمائم الصفر والتزام العهد العمريّ وكتب بذلك عدّة نسخ سيرت إلىالأعمال . فقام المغربيّ في هدم الكنائس ، فلم يمكنه قاضي القضاة تقيّ الدين محمد بندقيق العيد من دْلك ، وكتب خطه بأنه لا يجوز أن يهدم من الكنائس إلاّ ما استجد بناؤه،  فغلقت عدّة كنائس بالقاهرة ومصر مدّة أيام. فسعى بعض أعيان النصارى في فتح كنيسة حتىفتحها ، فثارت العامة ووقفوا للنائب والأمراء واستغاثوا بأن النصارى قد فتحوا الكنائسبغير إذن ، وفيهم جماعة تكبروا عن لبس العمائم الزرق واحتمى كثير منهم بالأمراء . فنوديفي القاهرة ومصر أن يلبس النصارى بأجمعهم العمائم الزرق ويلبس اليهود بأسرهمالعمائم الصفر ومن لم يفعل ذلك نُهب ماله وحُلّ دمه.  ومنعوا جميعًا من الخدمة فيديوان السلطان ودواوين الأمراء حتى يُسلموا ، فتسلطت الغوغاء عليهم ، وتتبعوهم ، فمنرأوه بعْير الزيّ الذي رسم به ضربوه بالنعال وصفعوا عنقه حتى يكاد يهلك ، ومن مرّ بهموقد ركب ولا يثني رجله ألقوه عن دابته وأوجعوه ضربًا،فاختفي كثير منهم.وألجأتالضرورة عدة من أعيانهم إلى إظهار الإسلام أنفة من لبس الأزرق وركوب الحمير.) ويختم المقريزى الرواية بقوله: ( وقدأكثر شعراء العصر في ذكر تغيير زيّ أهل الذمّة ، فقال علاء الدين علي بن مظفرالوداعي‏:‏

لقد ألزمَ الكُفارُ شاشاتَ ذلة تزيدُهُم من لعنةِ اللَّهِ تشويشا

فقلتُلهم ما ألبسوكُم عمائمًا ولكنهم قد ألزموكُم براطيشا

وقال شمس الدين الطيبي‏:‏

تعجبوا للنصارى واليهودِ معًا والسامريينَلما عُمموا الخرقا

كأنما باتَ بالأصباغِ منسهلًا نسرُ السماء فأضحى فوقهم زَرَقا)

وتدخل ملك برشلونة الاسبانى : ( فبعث ملك برشلونة في سنة ثلاث وسبعمائة هدية جليلة زائدة عن عادته عمّ بها جميعأرباب الوظائف من الأمراء مع ما خص به السلطان وكتب يسأل في فتح الكنائس فاتفقالرأي على فتح كنيسة حارة زويلة لليعاقبة وفتح كنيسة البندقانيين من القاهرة ..) ولم يلبث أن عاد الحال لما كان عليه ، أى عودة الكتبة الأقباط الى نفوذهم المستمد من الظلم المملوكى بما يؤدى الى حنق العوام والفقهاء فتتكرر الكارثة .

6 ـ خامسا :  كارثة عام 755 :

بعد الكارثة السابقة بنصف قرن تقريبا كان الشارع المسلم قد تشبع أكثر بالتعصّب السنى وخصوصا أن عاد الأقباط الى مناصبهم ، وتناسى الناس ( هوجة ) السلطان الأشرف خليل السابقة، ولكن بذرة التعصب الكامنة كان قد أنبتت ثمرات خبيثة أشعلت كارثة عام 755 .

يقول المقريزى :(وفي سنة خمس وخمسين وسبعمائة رسمبتحرير ما هو موقوف على الكنائس من أراضي مصر، فأناف على خمسة وعشرين ألف فدان . وسببالفحص عن ذلك كثرة تعاظم النصارى وتعدّيهم في الشرّ والإضرار بالمسلمين ،) يا ترى ما هو التعدّى فى الشّر وما هو الإضرار الذى أوقعه الأقباط بالمسلمين ؟ ، المقريزى يشرح ( جرائم الأقباط ) فيقول: ( لتمكنهم منأمراء الدولة وتفاخرهم بالملابس الجليلة والمغالاة في أثمانها والتبسط في المآكلوالمشارب وخروجهم عن الحدّ في الجرأة والسلاطة .) أى هو حسد لكبار الموظفين الأقباط ونفوذهم وثرائهم والنعيم الذى يعيشون فيه، مع أنّ هذا كله متاح لزملائهم الموظفين المسلمين وأكثر منه لدى المماليك المسلمين . ولكن نظرة الاستعلاء إمتزجت بالحقد والحسد لتمتع موظف بعينه لأنه من الأقلية القبطية المقهورة .يقول المقريزى:( إلى أن اتفق مرور بعض كتاب النصارىعلى الجامع الأزهر من القاهرة وهو راكب بخف ومهماز وبقباء إسكندريّ طُرح على رأسه،وقدامه طرّادون يمنعون الناس من مزاحمته، وخلفه عدّة عبيد بثياب سرية على أكاديشفارهة، ) ثار الحقد والحسد عند رؤية موظف قبطى يسير فى موكبه ـ شأن أمثاله من الموظفين المسلمين . ولكن هذا شقّ وصعُب على المسلمين المتعصبين ، يقول المقريزى : ( فشق ذلك على جماعة من المسلمين ، وثاروا به وأنزالوا عن فرسه ، وقصدوا قتله ، وقداجتمع عالم كبير، ثم خلوا عنه . وتحدّث جماعة مع الأمير طاز في أمر النصارى وما همعليه فوعدهم بالإنصاف منهم ، فرفعوا قصة ( شكوى ) على لسان المسلمين ، قُرئت على السلطان الملكالصالح صالح بحضرة الأمراء والقضاة وسائر أهل الدولة، تتضمن الشكوى من النصارى وأنيعقد لهم مجلس ليلتزموا بما عليهم من الشروط ، فرسم بطلب بطرك النصارى وأعيان أهلملتهم وبطلب رئيس اليهود وأعيانهم ، وحضر القضاة والأمراء بين يدي السلطان ، وقرأالقاضي علاء الدين عليّ بن فضل الله كاتب السرّ العهد الذي كتب بين المسلمين وبينأهل الذمّة ، وقد أحضروه معهم حتى فرغ منه ، فالتزم من حضر منهم بما فيه وأقرّوا به) أى أقر رؤساء النصارى واليهود ( بجرائمهم ) ولكن هذا لم يرض قادة ( المسلمين ) فعدّدوا ( جرائم النصارى واليهود ) ، يقول المقريزى : (فعدّدت لهم أفعالهم التي جاهروا بها وهم عليها وأنهم لا يرجعون عنها غير قليل ثميعودون إليها ، كما فعلوه غير مرّة فيما سلف ، فاستقرّ الحال على أن يمنعوا من المباشرةبشيء من ديوان السلطان ودواوين الأمراء ولو أظهروا الإسلام ،وأن لا يُكره أحد منهمعلى إظهار الإسلام ، ويُكتب بذلك إلى الأعمال‏.‏). هذا الظلم الذى يتضح فى هذه القرارات ضد أهل الكتاب كان بلا سبب ، ولكنه صار سببا ومبررا لظلم أشنع قام به عوام المسلمين متشجعين بتلك القرارات الظالمة ، يقول المقريزى : ( فتسلطت العامّة عليهم وتتبعوا آثارهم وأخذوهم في الطرقات وقطعوا ماعليهم من الثياب وأوجعوهم ضربًا ولم يتركوهم حتى يُسلموا ، وصاروا يضرمون لهم النارليلقوهم فيها ، فاختفوا في بيوتهم ، ولم يتجاسروا على المشي بين الناس ، فنودي بالمنع منالتعرض لأذاهم ، فأخذت العامّة في تتبع عوراتهم وما علوه من دورهم على بناء المسلمينفهدموه . واشتدّ الأمر على النصارى باختفائهم حتى أنهم فقدوا من الطرقات مدّة فلم يرمنهم ولا من اليهود أحد . فرفع المسلمون قصة قرئت في دار العدل في يوم الاثنين رابععشر شهر رجب تتضمن أن النصارى قد استجدّوا عمارات في كنائسهم ووسعوها . هذا وقد اجتمعبالقلعة عالم عظيم واستغاثوا بالسلطان من النصارى ، فرسم بركوب والي القاهرة وكشفهعلى ذلك ، فلم تتمهل العامّة ومرّت بسرعة، فخرّبت كنيسة بجوار قناطر السباع وكنيسةبطريق مصر للأسرى وكنيسة الفهادين بالجوّانية من القاهرة ودير نهيا من الجيزةوكنيسة بناحية بولاق التكروري، ونهبوا حواصل ما خرّبوه من ذلك ، وكانت كثيرة وأخذواأخشابها ورخامها ،وهجموا على كنائس مصر والقاهرة . ولم يبق إلاّ أن يخرّبوا كنيسةالبندقانيين بالقاهرة ، فركب الوالي ومنعهم منها . واشتدت العامة وعجز الحكام عن كفهم. وكان قد كُتِبَ إلى جميع أعمال مصر وبلاد الشام : أن لا يُستخدمَ يهوديّ ولا نصرانيولو أسلم ، وأنه من أسلم منهم لا يمكن من العبور إلى بيته ولا من معاشرة أهله إلاّ أنيُسلموا ، وأن يُلزم من أسلم منهم بملازمة المساجد والجوامع لشهود الصلوات الخمسوالجمع ، وأنّ من مات من أهل الذمة يتولى المسلمون قسمة تركته على ورثته، إن كان لهوارث وإلاّ فهي لبيت المال .وكان يلي ذلك البطرك . وكتب بذلك مرسوم قرئ على الأمراء ، ثمنزل به الحاجب فقرأه في يوم الجمعة سادس عشري جمادى الآخرة بجوامع القاهرة ومصر،  فكان يومًا مشهودًا‏.‏ثم أحضر في أخريات شهر رجب من كنيسة شبرا بعدما هدمت إصبع الشهيدالذي كان يُلقى في النيل حتى يزيد بزعمهم . وهو في صندوق فأحرق بين يدي السلطانبالميدان من قلعة الجبل وذرى رماده في البحر خشية من أخذ النصارى له. فقدمت الأخباربكثرة دخول النصارى من أهل الصعيد والوجه البحريّ في الإسلام وتعلمهم القرآن ، وإن أكثر كنائس الصعيد هُدمت وبُنيت مساجد ، وأنه أسلمبمدينة قليوب في يوم واحد أربعمائة وخمسون نصرانيًا ، وكذلك بعامة الأرياف مكرًا منهموخديعة ، حتى يُستخدموا في المباشرات وينكحوا المسلمات . فتم لهم مرادهم واختلطت بذلكالأنساب حتى صار أكثر الناس من أولادهم . ولا يُخفي أمرهم على من نوّر الله قلبه ، فإنهيُظهر من آثارهم القبيحة إذا تمكنوا من الإسلام وأهل ما يَعرف به الفطن سوء أصلهموقديم معاداة أسلافهم للدين وحملته‏.‏).

أخيرا

1 ـ يضيق الصدر عن التعليق . ولكن التوقف مع ما سجّله المقريزى مهم جدا ، لأن العوام إذا جرى تعبئتها بالتعصب فهو هلاك للوطن . حقيقة الأمر إننا نشهد إرهاصات فى مصر الآن لاستعادة نفس الكوارث .. فنحن لم نتوقف مع المقريزى وتعصبه عبثا أو للتسلية .. ولكن للتنبيه على خطورة ثقافة التعصب لدى مثقفين ليبراليين كالمقريزى .. تراهم يهاجمون الظلم والظالم طالما كان المظلوم مسلما ، فإن كان المظلوم غير مسلم باركوا ظلمه وشجعوا الظالمين على مزيد من الظلم له لأنّ هذا المظلوم عندهم كافر وليس على ملتهم .

2 ـ موعدنا فى الباب الثالث مع ثقافة الكيل بمكيالين لدى المثقفين المسلمين فى تعاملهم مع الأقباط من المقريزى الى عصرنا البائس .  

الباب الثالث : ثقافة المقريزى فى عصرنا: الفصل الأول : ( تأثر المقريزى بثقافة الفتوحات)

الباب الثالث : ثقافة المقريزى فى عصرنا: الفصل الأول : ( تأثر المقريزى بثقافة الفتوحات)

 تحليل موقف المقريزى من اضطهاد المصريين بعد الفتح العربى لمصر  

أولا : أنا ..والمقريزى

1 ـ عايشت المقريزى كباحث ( يبحث ) ليس فقط فى كتابات المؤرخ بل أيضا يحلل شخصيته ومواقفه من أحداث عصره التى يسجلها . أعجبتنى عقلية المقريزى وجرأته فى نقد الظالمين وأحزننى تأييده للظلم الذى عانى منه الأقباط . وفى بداياتى البحثية فى بحث الدكتوراة عن ( أثر التصوف فى العصر المملوكى ) كنت أتعامل مع كل التراث الذى أنتجه العصر المملوكى،وليس مجرد المصادر التاريخية لأبحث أثر التصوف فيه. وعرفت نماذج مختلفة لعلماء أصحاب شهرة ذائعة لا يستحقونها ، وعلماء مجهولين نابغين وتفرّد المقريزى بينهم كمؤرخ وفقيه ومثقف لولا كراهيته للأقباط.وإحترت فى فهم هذا التناقض فيه ، كيف يتحرى إنسان العدل فى معظم مواقفه دفاعا عن الضحايا المسلمين ثم يؤيد ظلم الأقباط قبل وأثناء العصر المملوكى ؟ خصوصا وأن هناك فقهاء متزمتين متعصبين كانوا على خط واحد هو تأييد الظلم المملوكى مهما كان الضحايا مسلمين أم أقباطا .

2 ـ وأدى إضطهاد شيوخ الأزهر لى لأن أتّجه للقرآن الكريم محتكما اليه أصلح نفسى أولا به ، ثم أستشهد به فى كتاباتى وفى ندواتى .واكتشفت فى التسعينيات أننى كالمقريزى فى ظلمه للأقباط .صحيح أننى فى رسالة الدكتوراة (1977 : 1980) أبرزت التعصب ضد الأقباط وما تعرضوا له من مظالم واستهجنتها ، بل وكرّرت هذا فى أول كتاب منشور لى وهو:( السيد البدوى بين الحقيقة والخرافة)عام 1982 ، وفى كتاب ( شخصية مصر بعد الفتح الاسلامى) الذى قررته على الطلبة فى جامعة الأزهر عام 1984 ، وصحيح أننى كتبت هذا بموضوعية وبتجرّد، فأثناء هذه السنوات لم أتعرف الى مصرى قبطى واحد،إذ كنت وسط المجتمع الأزهرى ومجتمعات السلفية السنية التى تعلن كراهيتها للأقباط. ولكن باستمرار البحث والمراجعة والاحتكام الى القرآن اكتشفت أننى برغم كل ما سبق فقد كنت كالمقريزى ظالما للأقباط وغيرهم ومتأثرا مثله بالثقافة السنية المناقضة للقرآن الكريم. السبب أننى كنت حتى أوائل التسعينيات منبهرا بالفتوحات(الاسلامية)، أنظر اليها كمؤرخ سياسى، ولا أحتكم فيها للاسلام الذى تحمل إسمه، والذى يرفضها. إحتكمت فى هذه الفتوحات للقرآن الكريم راجيا الهداية فاقتنعت بأنها هى أساس ردة الصحابة عن الاسلام ، وأساس كل البلاء الذى جاء بعدها من الفتنة الكبرى التى دفع ثمنها الصحابة والخلفاء الراشدون،والتى لا تزال أساس التفرق والتقاتل بين السنة والشيعة حتى الآن . وبالهدى القرآنى أعدت قراءة تاريخ الفتوحات لأكتشف المسكوت عنه،وهم الضحايا.

3 ـ وشعرت بالعار فقد إنبهرت بانتصار العرب المسلمين وسنابك خيولهم وهى تدمر الامبراطوية الفارسية وتلتهم معظم مستعمرات الامبراطورية البيزنطية، وتواصل الفتح حتى تصل الى تخوم الهند والصين شرقا وجنوب فرنسا غربا . بهذا الانبهار الطفولى لم أتسمع الى صرخات الشعوب التى داستها سنابك الخيل ، ولم أتنبه الى أنين ملايين الأطفال والنساء السبابا والضعاف وقت الفتوحات ، ولم ألتفت الى صرخاتهم بعد الفتوحات وهم تحت القهر والسلب والنهب والقتل . صحيح أن بعض صرخاتهم كانت تتبدّى بين سطور التاريخ ، بل وقد ذكرتها فى مؤلفاتى السابقة ، ولكن غفلت عن الاحتكام بشأنها الى القرآن الكريم ،لأننى كنت على ثقافة المقريزى مؤمنا بتلك الفتوحات ، وأنها نصر عظيم للاسلام ، وفى سبيلها تهون مصائر الضحايا مهما بلغ عددهم فى آسيا وأفريقيا وأوربا.

4 ـ الفارق بينى وبين المقريزى اننى تحررت من هذه الثقافة بينما ظل المقريزى مخلصا لها فى مؤلفاته . وكان حتما أن أعلن ما أومن به ، وأن أراجع الخطأ ، وهكذا أفعل دائما ، فما توارثته كأزهرى وسلفى سنى سابق كان فظيعا فى تناقضه مع القرآن الكريم ، ولا بد من إعلان ما أراه حقا وأعترف بخطأ ما كتبته من قبل متأثرا بتلك الرواسب .وهكذا فعلت مع موضوع الفتوحات التى كانت أساس كتاب ( العالم الاسلامى بين عصر الخلفاء الراشدين وعصر الخلفاء العباسيين)، وهو واحد من خمسة كتب قررتها على الطلبة فى جامعة الأزهر عام 1985،وفيه كانت الاشادة بالفتوحات وعظمة الفاتحين. قررت التكفير عن هذا الكتاب ببحث (المسكوت عنه من تاريخ عمر ) وبأبحاث أخرى منها، ما وجد طريقه للنشر هنا ومنها ما ينتظر . وعاقبت كتبى السابقة التى كتبتها متأثرا بالسنة والسلفية والعقلية الأزهرية فمنعت إعادة نشرها.

ثانيا : فتوحات المسلمين ردّة حقيقية عن الاسلام

نرجو أن نكتب بحثا متكاملا فى تجلية هذه الحقيقة . ولكن نلمح الى الحقائق التالية :

1 ـ إن هذه الفتوحات تتناقض مع العدل الذى هو سبب إرسال كل الرسالات السماوية (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ( 25 ) (الحديد ) وتتناقض مع أمر رب العزة بالعدل والاحسان ونهيه جلّ وعلا عن الفحشاء والمنكر والبغى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)( النحل ) كما تتناقض مع أوامره جل وعلا بالتزام العدل مع الخصم المعتدي  (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2). وينهى أن تكون العداوة والخصومة سببا فى تناسى العدل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)( المائدة )، وفى حالة رد الاعتداء فلا بد من مراعاة العدل ، أى ردّ الاعتداء بمثله بالعدل (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)( البقرة ).

2 ـ  أما ( الآخر )المخالف فى الدين ولكن لا يعتدى على المسلمين فهو ( مسلم ) لأنه ( مسالم ) أى مسلم ظاهريا بسلوكه وفى داخل الدولة الاسلامية له نفس الحقوق التى للمسلم المسالم بسلوكه وبعقيدته ، هذا لو كان فردا . أمّا لو كانت دولة تدين بغير الاسلام فلا بد من معاملتها بالبرّ طالما لم يعتدوا على المسلمين ولم يخرجوهم من ديارهم، أما إذا أخرجوا المسلمين من ديارهم فالنهى هو عن أن يتحالف معهم بعض المسلمين ضد جموع المسلمين الذين وقع عليهم الظلم.وفى هذا التشريع بالغ السمو يقول جل وعلا  : (لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (9) الممتحنة).

3 ـ التناقض الشديد فى الفتوحات مع تشريع الاسلام أنها فقط ليست إعتداءا ( علمانيا ) مثل إعتداءات الاستعمار الحديث وروما وفارس قديما ، ولكنه إعتداء يتمسح بإسم الله جل وعلا وشرعه ودينه فى وقت لم يكن قد مضى فيه على موت خاتم النبيين عامان.أى هو ظلم لرب الناس قبل أن يكون ظلما للناس .

ثالثا : ثقافة الفتوحات فى التعامل مع الآخر

1 ـ مغزى الفتوحات فى البداية أنه حق ( إلاهى ) للمسلمين فى غزو ( الآخر) المختلف فى الدين وأن يحتلّوا بلاده ، وأن يقتلوا رجاله وأن يسبوا ويغتصبوا نساءه وأن يسترقوا النساء والذرية وأن يسلبوا ثروة الوطن المحتل ، وأن يستنزفوا أموال المواطنين أصحاب البلاد الأصليين،وأن يقهروهم ويجعلوهم مواطنين من الدرجة السفلى فى بلادهم ،وأن الواجب على هذا (الآخر) أن يرضى بذلك ويخضع ويخنع ويركع ، فإن قاوم ودافع عن نفسه وعن وطنه وعرضه فهو كافر.

2 ـ هذا الظلم الهائل للناس ولرب الناس تم إستيعابه فى ضجيج التهليل للمنتصرين ، بل تأسّس ثم هذا الظلم تشريعا قام عليه دين السّنة بالذات، فبه أصبح ( عمر ) إلاها لا يجوز نقده عند المسلمين السنيين. وأصبح(الجهاد السّنى ) ذروة الأمر وسنامه ، وأن من مات ولم يغز ولم تحدثه نفسه بالغزو مات على الجاهلية . وبتشريع الجهاد السنى وممارسته حتى فى الحروب المحلية والأهلية بين السنة والشيعة خلال قرون طويلة تأصلت ثقافة الفتوحات أو ثقافة الجهاد ،واصبحت حاكمة فى نظرة المسلم التقليدى للآخر فى الدين ؛ يراه مستحقا للقتل والسلب والنهب والاسترقاق والسبى . هذا الآخر المختلف عنا فى الدين يجب علينا غزوه واحتلال بلاده لو استطعنا ، ولو إحتللنا بلاده أصبحت بلادنا ـ وأصبح فيها غريبا مقهورا تحت حكمنا . وهو عدوُّ لنا حتى لو أسلم ، فلو أسلم فاسلامه نفاق ومشكوك فيه وتحايل على الكيد لنا. وعلى هذا سارت عقلية التعصب لدى المسلمين ، وظهرت فى كتابات المقريزى عن المصريين .

رابعا : تأثر المقريزى بهذه الثقافة فى وصفه المصريين بالأقباط  

1 ـ المقريزى لم يقل أبدا إنهم مصريون بل أقباط ،أى هم ( الآخر) المختلف فى الدين. يقول عنهم:( إعلم أن أرض مصر لما دخلها المسلمون كانت بأجمعها مشحونة بالنصارىوهم على قسمين متباينين في أجناسهم وعقائدهم: أحدهما أهل الدولة وكلهم روم من جندصاحب القسطنطينية ملك الروم ورأيهم وديانتهم بأجمعهم ديانة الملكية وكانت عدّتهم تزيد على ثلاثمائة ألف روميّ‏.‏والقسم الآخر عامّة أهل مصر، ويقال لهم القبط ، وأنسابهم مختلطة لايكاد يتميز منهم القبطي من الحبشيّ من النوبيّ من الإسرائيليّ الأصل من غيره ، وكلهميعاقبة فمنهم كتاب المملكة ومنهم التجار والباعة ومنهم الأساقفة والقسوس ونحوهم،ومنهم أهل الفلاحة والزرع ومنهم أهل الخدمة والمهنة. وبينهم وبين الملكية أهل الدولةمن العداوة ما يمنع مناكحتهم ويوجب قتل بعضهم بعضًا . ويبلغ عددهم عشرات آلاف كثيرةجدًّا ، فإنهم في الحقيقة أهل أرض مصر أعلاها وأسفلها ). أى أن مصر عندما دخلها العرب فاتحين كان أهلها كلهم نصارى ، وينقسمون قسمين : أهل السلطة الحاكمة من الروم، وهم ينتمون الى المسيحية الملكية وعددهم حوالى 300 الفا، ثم الشعب المصرى،وهو يدين بالمسيحية اليعقوبية أوالقبطية أو على حدّ قول المقريزى ( يقال لهم الأقباط ).وهناك عداء هائل بين الروم والأقباط.والأقباط هم (أهل أرض مصر) فى الدلتا والصعيد.برغم هذا حافظ المقريزى على وصف المصريين بالأقباط ولم يقل أبدا (المصريون) .

2 ــ الغريب أن تراث العرب وصف المصريين فى هذا الوقت بالأقباط ، لم يقل المصريين أو أهل مصر، بينما وصف جند العرب من الأعراب المحتلين لمصر بأنهم (اهل مصر ) وذلك فى التأريخ للثورة على الخليفة عثمان وقتله ، وقد جاء أولئك الأعراب الثائرون على عثمان من مصر والكوفة والبصرة ، فقيل عن الأعراب القادمين من مصر الى المدينة ثائرين على الخليفة عثمان أنهم (أهل مصر). ونستشهد بفقرات مما نقله ابن الجوزى فى المنتظم عن الثورة على عثمان وقتله:(جعل أهل مصر يكتبون إلى الأمصار.)( فاجتمع المصريون والكوفيون بالمدينة فخطبهم عثمان.)( فأما أهل مصر فإنهم كانوا يشتهون عليَا وأما أهل البصرة فإنهمكانوا يشتهون طلحة وأما أهل الكوفة فإنهم كانوا يشتهون الزبير‏.‏) ( خرجوا حتى إذا كانوا من المدينة على ثلاث تقدم أناس من أهل البصرةفنزلوا ذا خُشُب وأناس من أهل الكوفة فنزلوا الأعوص وجاءهم أناس من أهل مصر، وتركواعامتهم بذي المرْوة‏.‏ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن النضر وعبد الله ابنالأصم وقالا‏:‏ لا تعجلوا حتى ندخل المدينة ‏.‏).

فالأعراب الثائرون على عثمان والذين قتلوه وأتوا من مصر هم (المصريون) وهم (أهل مصر).أما أصحاب البلد الحقيقيون فليسوا أهل مصر، هم(الأقباطـ ) ، وطبقا لثقافة الفتوحات هم ممتلكات للفاتحين ،لأنهم (الآخر) المستحق للسلب والسبى والقتل والقهر.

3 ـ هى نفس ثقافة فرعون موسى. فالله جل وعلا يقول عنه:( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)( القصص 4). أى أن فرعون حين (علا ) فى مصر فقد (علا ) فى (الأرض) فمصر موصوفة هنا ب(الأرض)، ومن يسكن مصر هم (أهلها ) سواء من المصريين أو من الاسرائيليين ، ولكن فرعون موسى لم يعترف بالاسرائيليين فاستضعفهم واضطهدهم . الاسرائيليون كانوا وقتها أقلية ضئيلة جدا ووافدة ومختلفة عن بقية المصريين، وهذا يبرر لمفسد مستبد مثل فرعون موسى أن يضطهدهم وأن يجعلهم الآخر المختلف فى الدين والعنصر والثقافة . وهذا ظلم هائل استوجب أن يوصف فرعون بأنه كان من المفسدين. ولكن العرب الصحابة كانوا أكثر ظلما من فرعون، فقد فتحوا مصر بمعونة أهلها المصريين ، فتمكن جيشهم القليل جدا من هزيمة الروم ، وكافأ العرب ــ وهم أقلية ضئيلة جدا بالنسبة لعدد المصريين ــ كافأوا الأغلبية المصريين بالقهر والسلب والنهب ، واعتبروهم ( الآخر ) واعتبروا أنفسهم ( المصريين ) أو أصحاب مصر،أما المصريون الحقيقيون فهم الأقباط أى (الاخر) المختلف فى الدين .  وكتب المقريزى يؤيد هذا الظلم ويباركه.

خامسا : المقريزى لم يتعاطف مع الضحايا المصريين بل كان يتشفى فيهم .

1 ـ فى كارثة عام 682 بعد سلسلة من القتل والهدم والسلب والنهب ،هدّد السلطان الأشرف خليل النصارى العاملين بدولته بالاحراق إن لم يسلموا فأسلموا . يقول المقريزى معلّقا على إسلامهم :( فصار الذليل منهم بإظهار الإسلام عزيزًا،يبدي من إذلال المسلمينوالتسلط عليهم بالظلم ما كان يمنعه نصرانيته من إظهاره. وما هو إلا كما كتب به بعضهمإلى الأمير بيدرا النائب‏:‏ أسلمَ الكافرونَ بالسيفِ قهرًا وإذا ما خلوا فهُممُجرمونا   سلِموا مِن رواحِ مال وروحٍ فهم سالِمون لا مُسلمونا .)

2 ـ وفى كارثة عام 700 والتى نشبت بتأثير الوزير المغربى، طورد الأقباط ولوحقوا بالقتل والاهانة من العوام،أو بتعبير المقريزى نفسه:( فتسلطت الغوغاء عليهم ، وتتبعوهم ، فمنرأوه بعْير الزيّ الذي رسم به ضربوه بالنعال وصفعوا عنقه حتى يكاد يهلك ، ومن مرّ بهموقد ركب ولا يثني رجله ألقوه عن دابته وأوجعوه ضربًا، فاختفي كثير منهم.) فاضطر بعضهم للدخول فى الاسلام ، يقول المقريزى:( وألجأتالضرورة عدة من أعيانهم إلى إظهار الإسلام أنفة من لبس الأزرق وركوب الحمير.) ويعلّق المقريزى: ( وقدأكثر شعراء العصر في ذكر تغيير زيّ أهل الذمّة ، فقال علاء الدين علي بن مظفرالوداعي‏:‏ لقد ألزمَ الكُفارُ شاشاتَ ذلة تزيدُهُم من لعنةِ اللَّهِ تشويشا فقلتُلهم ما ألبسوكُم عمائمًا    ولكنهم قد ألزموكُم براطيشا. وقال شمس الدين الطيبي‏:‏ تعجبوا للنصارى واليهودِ معًا والسامريينَلما عُمموا الخرقا   كأنما باتَ بالأصباغِ منسهلًا نسرُ السماء فأضحى فوقهم زَرَقا)

3 ـ وفى كارثة عام 755 ، التى لم يكن للأقباط واليهود فيها أى  ذنب وتعرضوا لاضطهاد أبشع من العوام فإضطر كثيرون للدخول فى الاسلام خوفا وطلبا للنجاة،يقول المقريزى:( فقدمت الأخباربكثرة دخول النصارى من أهل الصعيد والوجه البحريّ في الإسلام وتعلمهم القرآن،وإن أكثر كنائس الصعيد هُدمت وبُنيت مساجد ، وأنه أسلمبمدينة قليوب في يوم واحد أربعمائة وخمسون نصرانيًا وكذلك بعامة الأرياف ) إسلامهم لم يعجب المقريزى فعدّه:(مكرًا منهموخديعة حتى يُستخدموا في المباشرات وينكحوا المسلمات ، فتم لهم مرادهم ، واختلطت بذلكالأنساب حتى صار أكثر الناس من أولادهم . ولا يُخفي أمرهم على من نوّر الله قلبه ، فإنهيُظهر من آثارهم القبيحة إذا تمكنوا من الإسلام وأهل ما يَعرف به الفطن سوء أصلهموقديم معاداة أسلافهم للدين وحملته‏.‏).

أخيرا

1 ـ هناك نوعان من الظالمين : ظالم يقترف الظلم ، وآخر يصفّق للظالم ويهلّل له ويتشفّى فى المظلوم ، والمقريزى من هذا النوع الأخير . وهناك من ينافق المستبد الظالم ولا يأبه بضحاياه مهما كان إنتماءهم ، وهناك مؤرخ مثل المقريزى انتقد الظلم الواقع على المسلمين فقط بينما هلّل لظلم الأقباط . أى كان على ( ملّة ) عمر فى أن يقصر العدل على العرب المسلمين ويظلم غيرهم من ( الآخر ) ، هو ( عدل مخادع ) لأنه يخفى تحت بريقه ظلما لملايين الأبرياء ويحجب النظر عن معاناة ملايين المقهورين ..

2 ـ لا نكتب هذا لمجرد إعطاء معلومات تاريخية مجهولة أو مسكوت عنها. نكتبه خوفا على مصر فى حاضرها ومستقبلها ، خوفا من مغبة سيطرة ثقافة المقريزى على تيارات من المثقفين المصريين بنفس سريان ثقافة التعصب لدى عوام المصريين من مسلمين وأقباط. نكتب وعظا وتحذيرا.

هذا يحتاج تفصيلا .

الباب الثالث ثقافة المقريزى فى عصرنا الفصل الثانى : ثقافة الفتوحات، ثقافة العار، ثقافة حرق الأوطان

الباب الثالث ثقافة المقريزى فى عصرنا الفصل الثانى :ثقافة الفتوحات، ثقافة العار، ثقافة حرق الأوطان

مقدمة

1 ـ قد يكون الاصلاح بالكلمة جارحا ومؤلما ، ولكن البديل هو حمامات الدم . فأيهما الأيسر ؟

2ـ لقد تأخرت المواجهة الاصلاحية للمسلمين من داخل الاسلام 14 قرنا ، فعند طرح فكرة الفتوحات لم يوجد من الصحابة رجل رشيد يواجه أبابكر وعمر وأساطين قريش بأن تلك الفتوحات عداء هائل لرب العزة وردّة عن الاسلام وتنكب لسنة الرسول عليه السلام . وجاء العقاب سريعا بالفتنة الكبرى ، ولا يزالون المسلمون حتى الآن فى ظلماة الفتنة الكبرى يعمهون .

3 ـ تأخر العلاج بالكلمة والموعظة الحسنة 14 قرنا فوقع خلالها مئات الملايين من القتلى وآلاف من حمامات الدم والمذابح ، وتنوّع الضحايا من العرب المسلمين وغيرهم من أبناء الأمم المفتوحة المظلومة .     

4 ـ والآن وبعد 14 قرنا نفتح جرح الفتوحات محتكمين فيه للقرآن الكريم باعتباره عملا بشريا يحتمل الخطأ والصواب ويستدعى النقاش . ولكن هذا النقاش يدخل فى منطقة المطلق لأن الفتوحات تم تسويغها وتشريعها دينا لدى السنيين ، وبالتالى أصبحت عندهم ذروة الأمر وسنامه ، وأصبح الجهاد ضد الآخر فرض عين ، وأصبح عمر بن الخطاب وقادة الفتوحات آلهة لا يجوز التعرض لهم إلا بالتقديس . ويقابل ذلك الاحتكام للقرآن الكريم فتصبح الفتوحات ليست مجرد ظلم للبشر بل ظلم لرب العالمين ، أى حضيض الكفر ، وبالتالى فالقائمون بها ليسوا ألهة مقدسة بل هم  فى أسفل سافلين .

5 ـ هنا يكون الاصلاح والاحتكام للقرآن جارحا ومؤلما وقاسيا .. ولكن لا سبيل سواه للخروج من دائرة حمامات الدم المستمرة من وقت الفتوحات وقتل عثمان وعلى ومواقع الجمل وصفين ونهاوند وكربلاء والحرة وحصار الكعبة وحرقها ـ فى القرن الهجرى الأول ، الى عصرنا حيث تفجيرات العراق وأفغانستان وباكستان واليمن والجزائر ومصر وليبيا ولبنان وفلسطين والسودان والخليج العربى الفارسى ، بل حتى نيجيريا ومالى ولندن ونيويورك ومدريد .

6 ـ وخوفا من المزيد ، وخوفا من إشتعال الأوطان كلها بحروب أهلية خصوصا مع إنحسار الربيع العربى عن تحكم السلفية الوهابية ، فلا مناص من الاصلاح بالكلمة مهما كانت قاسية .. قسوة الكلمات مهما بلغت لا تساوى دقيقة معاناة يدفعها الملايين من أطفال ونساء افغانستان وباكستان العراق وسوريا الآن ..ودفعها غيرهم من قبل .ومرشح آخرون لنفس المصير.:

أولا :

1 ـ نفترض أن مصر هى التى قامت بفتح الجزيرة العربية فى القرن السابع الميلادى فتحا علمانيا غير مرتبط بتسويغات دينية ماذا سيكون الموقف ؟ سيكون إعتداءا يصعب تبريره . ولكن الفتح العربى لمصر وغيرها من البلاد المسالمة أصبحت بطولة وجهادا وتشريعا وأصبح قادته آلهة .

2 ـ ومن المضحك والمؤلم أن السعوديين لا يزالون يحتفظون بأطلال مدينة الدرعية العاصمة الأولى للدولة السعودية الأولى ، والتى دمرها الوالى محمد على باشا . ولا يزال السعوديون يعتبرون المصريين مسئولين عن هذا ، ولا يزالون يحتفظون للمصريين بحقد متأجّج لهذا السبب . هذا مع أن تدمير الدولة السعودية كان جزاءا عادلا بسبب المذابح التى ارتكبتها هذه الدولة فى نجد والحجاز والعراق والشام ، وكلها إعتداءات فظيعة وغير مبررة إلا فى التشريع السّنى المترتب على ثقافة الفتوحات والذى يبيح قتل الآخر واحتلال وطنه وسلب وسبى واسترقاق بنيه. ثم إن المصريين وقتها لم يكن لهم شأن على الإطلاق بتدمير الدرعية ودولتها السعودية ، فالذى أصدر الأمر هو السلطان العثمانى ، والذى قام بالتنفيذ هو الوالى ( العثمانى ) محمد على باشا ، وجيشه العثمانى ، ولم يكن فى ذلك الجيش جندى واحد من المصريين . بل إن المصريين حسبما يذكر الجبرتى تعاطفوا مع الأسرة السعودية التى عاشت فى القاهرة منفية بأوامر السلطان العثمانى بعد قتل آخر أمير سعودى فى الآستانة . أى لا ذنب للمصريين وقتها فيما حدث . وحتى لو كان لهم ذنب وقتها فما ذنب المصريين الآن بعد قرنين من الزمان ؟

3 ـ هنا الكيل بمكيالين . من حق العرب أحتلال مصر وغيرها ، ويحرم على غير العرب الهجوم على العرب حتى لو كان لرد الاعتداء ولتخليص المنطقة من دولة معتدية .

4 ـ هو نفس المنطق الذى يجعل مقاومة الاحتلال العربى كفرا ، وهو نفس المنطق الوهابى لدى فيصل الدويش قائد الإخوان النجديين فى عهد عبد العزيز مؤسس الدولة السعودية الثالثة الراهنة. الاخوان النجديون بزعامة فيصل الدويش هم الذين أقاموا الدولة السعودية ، وكانوا يغيرون على العراق ينهبون ويقتلون الرجال الآمنين والأطفال والنساء ، فاضطرت السلطات العراقية برعاية انجلترة أن تقيم حصنا داخل العراق ليحمى العراق من هجمات فيصل الدويش وسفّاحيه ، فاعتبر فيصل الدويش بناء هذا الحصن عملا إستفزازيا عدائيا لأنه يعوقه عن الجهاد . ودخلت أزمة حصن ( بصية ) الى التاريخ ( المسكوت عنه ) ، فقد تدخلت فيها انجلترة وأرغمت عبد العزيز على ردع رفيقه فيصل الدويش ، الذى صمّم على هدم هذا الحصن كى يمارس الآخوان القتل والسلب والنهب فى العراق بسهولة ويسر .. !!

5 ـ المفترض فى أى ( عُرف ) وأى قانون وأى تشريع وضعى بشرى أو تشريع الاهى أن من حق البشر الدفاع عن أنفسهم ضد من يهاجمهم ويدخل أراضيهم يسلب ويسفك الدماء ويغتصب النساء . ولكن الجهاد السّنى ينكر ذلك على ( الآخر ) بل يعتبرالاعتراض عليه ومناقشته كفرا لأنه يعيق فريضة الجهاد .!!

 6 ـ المفترض من أبناء البلاد المفتوحة أن تستنكر هذا ، وأن تحكى هذا التاريخ لأبنائها فى المراحل التعليمية . ولكن تجد الكيل بمكيالين هنا . فمناهج التاريخ تركّز على مساوىء الاحتلال الغربى والاستعمار الغربى مع أنه أقل وحشية من الاحتلال العربى بينما تشيد وتمجّد بالفتوحات ولا تصورها ـ إطلاقا ـ إحتلالا .

لذا لا تعجب من المصريين اليوم وهم يقدسون الصحابة الذين قهروا أسلافهم ، ولا تعجب من العراقيين الذين تناسوا المذابح التى أقامها الوهابيون السعوديون لأجدادهم من الدولة السعودية الأولى الى تأسيس الدولة السعودية الراهنة. النتيجة أن أحفاد الضحايا العراقيين أصبحوا وهابيين يقتلون إخوانهم فى الوطن تقربا للشيطان السّنى الوهابى .

ثانيا : السعودية محور الشّر فى العالم

1 ـ  هناك صورتان متناقضتان لشخصية النبى محمد عليه السلام. صورته فى القرآن الكريم ، وفيها نراه مثلا أعلى فى الرأفة والرحمة واللين والمسالمة. ثم صورته المزيفة فى السيرة المكتوبة والأحاديث السنية ، وقد جعلوه مجرم حرب سفّاكا للدماء لتبرير التشريع السّنى فى الجهاد .  وبتلك الصورة المزيفة المفتراة فى السّنة والسيرة إقتدى طغاة المسلمين فى فتوحاتهم فى ظل ثقافة العصور الوسطى القائمة على الحروب الدينية والمذهبية ومحاكم التفتيش والاستبداد والاستعباد والدول الدينية فيما بين أوربا وبلاد المسلمين .

2 ـ وتحررت اوربا من ثقافة العصور الوسطى وبدأت بالفصل بين الدين ( الأرضى ) والسياسة ، وأرست العلمانية فنهضت بينما كان المسلمون فى الجهل والتخلف يرتعون تحت سيطرة الدولة العثمانية فى ضعفها وشيخوختها ، حين كانت أوربا تطلق عليها لقب ( الرجل المريض ) وبعضها مثل روسيا تريد التهامها ولكن تريد أنجلترة الابقاء عليها لتلتهمها وحدها . فى هذا الوقت العصيب ظهر ابن عبد الوهاب مناهضا للتصوف والتشيع مبشرا بالسنة الحنبلية التيمية المتطرفة ، يتهم خصومه السنيين المعتدلين والشيعة والصوفية بالكفر ، وطبقا للتشدد السّنى يستبيح دماءهم وأموالهم ونساءهم وبلادهم . وتم عقد الاتفاق الشهير بين ابن عبد الوهاب وابن سعود ، وبمقتضاه يعطى ابن عبد الوهاب لابن سعود شرعية الجهاد ( الدم الدم الهدم الهدم ) لمن لا يعتنق الوهابية ، أى أعطاه شرعية إحتلال بالبلاد الأخرى طالما لا تدخل فى الوهابية وطاعة ابن سعود . وبهذا دخلت حروب التوسع المعتادة فى نجد منعطفا خطيرا باستغلال الاسلام وسيلة للتوسع السياسى الذى لم يقتصر على نجد بل تعداها الى الحجاز وغارات على العراق وممتلكات الدولة العثمانية فى الاحساء وغيرها . وكان ابن عبد الوهاب يرصّع رسائله التى تحث على الجهاد الوهابى بالاستشهاد بالسيرة والأحاديث ، أى بالصورة المزيفة التى رسمتها ثقافة الفتوحات للنبى عليه السلام فى السيرة والسّنة فأفلح ابن عبد الوهاب وابن سعود فى  بعث ثقافة ( الفتوحات العربية ) من مرقدها بعد قرون من خمول العرب وقيام أجناس أخرى بالفتوحات من الأيوبيين والمماليك والأتراك العثمانيين . وانتهت الدولة السعودية الأولى بالتدمير على يد الوالى محمد على باشا .

3 ـ كان لمحمد على باشا مشروع مختلف ، يقوم على إعادة بناء الدولة العثمانية تحت زعامة مصر المركزية ، أخذا بالعلمانية الأوربية وتطورها ومخترعاتها . ونجح محمد على فى القضاء على معالم التخلف ( الدولة السعودية الأولى ـ الجيش العثمانى ـ المماليك وسيطرة شيوخ الأزهر ) ، وأقام نظاما عصريا بالبعوث الى فرنسا ، والجيش المصرى المدرب ومصانع السلاح و الاسطول المصرى الحديث والتعليم المدنى وتكوين طبقة إقطاعية تقوم بدور البرجوازية الأوربية . وبدأ صراعه مع الدولة العثمانية . وتدخلت أوربا لانقاذ ( الرجل المريض ) ليس حرصا عليه ولكن حرصا على مصالحها ، فقلّمت أظافر محمد على بعد أن وصل نفوذه للخليج شرقا والأناضول شمالا والسودان جنوبا . وقنع محمد على وبنوه بحكم مصر وإستأنفت مصر مسيرتها التنويرية خصوصا فى عهد الخديوى اسماعيل الذى حاول أن يجعل مصر قطعة من أوربا ، ولكن تأمرت عليه انجلترة الى أن انتهى الأمر باحتلال مصر 1882 . ومع وجود الاحتلال حافظت مصر على مسيرتها التنويرية والليبرالية خصوصا بعد أستقلالها عن الدولة العثمانية وتحولها الى النظام الملكى ودستور 1923 . وإنتهى العصر الليبرالى المصرى بانقلاب 23 يولية عام 1952 ، والذى كان قادته من أتباع الاخوان المسلمين ، والاخوان المسلمون شجرة أنبتها فى مصر عبد العزيز آل سعود مؤسس الدول السعودية الراهنة .

4 ـ إختلف عبد الناصر مع الاخوان عند توزيع الغنائم ، فانتصر عليهم ، وطاردهم بينما أبقى دينهم الوهابى يعمل تحت الأرض . جاء السادات وتحالف مع السعودية والاخوان والسلفية أى الوهابية المتخصصة فى الدعوة ، وجاء مبارك فدعّم السلفية واضطهد الاخوان فاستفاد من سياسته السلفية والاخوان . وخلال عصر السادات ومبارك تمكن الاخوان والسلفيون من السيطرة على العقل المصرى والوعى المصرى من خلال التعليم والاعلام والمساجد والأزهر ، فنشأت أجيال قد رضعت الوهابية على أنها الاسلام . هذه الأجيال من سنّ خمس سنوات الى سن خمسين عاما لم تتعلم فى الاسلام ولا تعرف عن الاسلام سوى رأى واحد هو ثقافة السلفية ، ثقافة الفتوحات ، ثقافة العار .. أما الاسلام الحقيقى فهو بالنسبة لهم ( إنكار سنة ) و ( إزدراء للدين ) و ( كفر بواح ).

5 ـ وبوصول الاخوان والسلفية الوهابية لحكم مصر يأتى الدستور المصرى الجديد يجرّم ويحرّم التعرّض للذات الالهية وللرسول وزوجات النبى والصحابة ..أى يحرّم ويجرّم دستوريا وليس بالقانون العادى مجرد المناقشة لتاريخ الصحابة ولثقافة الفتوحات ، ويؤكّد ألوهية عمر وأبى بكر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وأبى هريرة  والمغيرة بن أبى شعبة، بل وأئمة الحديث من البخارى الى الشافعى ومالك وابن حنبل ..

6 ـ هنا ثقافة العار تتسلّح بالدستور . ولو أحببت أن ترى ضحايا ثقافة العار فافتح اليوتوب الخاص بالهجوم على السفارات الأمريكية فى القاهرة وبنى غازى وصنعاء ،وغيرها (أكتب هذا المقال يوم الخميس 13 سبتمبر 2012 ). هم ضحايا ثقافة الجهاد السنى الذين لا يرن بأسا بقتل مئات الألوف من المسلمين ، ولا يتحركون نخوة لنجدة مئات الألوف من العائلات السورية والعراقية المشردة .ولكن ينتفضون غضبا لأن أحد الموتورين عرض فيلما يبرز فيه الشخصية المفتراة المصنوعة لخاتم النبيين . ينسون أن ثقافة الفتوحات هى التى أخترعت هذه الشخصية المفتراة لخاتم النبيين ، وينسون أن ما جاء فى أحاديث البخارى وغيره يفوق هذا الفيلم فى الطعن فى خاتم النبيين .. وينسون فى النهاية أن هذا الموتور الذى أنتج الفيلم المسىء هو الآخر ضحية مثلهم من ضحايا ثقافة الفتوحات العربية التى حملت إسم الاسلام زورا وبهتانا، وإثما وعدوانا ..

الباب الثالث :الفصل الثالث :ثقافة المقريزى ثقافة الجهل المقدّس وراء الاعتداء على السفارات الأمريكية

الباب الثالث :الفصل الثالث :ثقافة المقريزى ثقافة الجهل المقدّس وراء الاعتداء على السفارات الأمريكية

 أولا : ماهية الجهل المقدس

1 ـ هناك نوعان من التعليم : أن تتعلم لتكون عالما فاهما عاقلا ..وهذا التعليم هو صناعة حقيقية للإنسان ، تجعله الدول المتقدمة ـ ومن بينها إسرائيل ـ فى أولوياتها ، لذا قارن بين مستوى العرب المتخلّف ومستوى أسرائيل العلمى والحضارى والصناعى وعدد من يحصل منهم فى داخل اسرائيل على جوائز نوبل فى العلوم والمخترعات . النوع الآخر من التعليم ، هو أن تتعلم لتكون جاهلا . أى أن تكون حاملا لشهادة علمية قد تصل الى الدكتوراة وأنت لا تعرف إلا جهلا  وخرافات .

2 ـ وهناك نوعان من الجهل . الجهل العادى لمن لا يعرف القراءة والكتابة . وهذا جهل بسيط ، لا يحرم صاحبه من أن يتعلّم ، بل وقد يستعمل عقله وذكاءه ، بل قد يتفوق بذكائه وعقله على الآخرين ، وهو بكل تأكيد افضل وأعلم ممن يتعلم الجهل . فالنوع الثانى من الجهل هو الجهل المقدس المرتبط بدين أرضى قائم على الأكاذيب والخرافات ، يتعيش على أسفار دينية عفنة متخلفة تنسب خرافاتها وأكاذيبها الى رب العزة ، فتتحوّل من إفتراءات وأكاذيب وخرافات الى دين ( أرضى ) مقدس . ويكون الإيمان بهذه الخزعبلات السّامة وتعلمها جهلا مقدّسا ، ولكن يتم نشره بين العوام على أنه الدين الحق ، فيسود الجهل ( مقدّسا ) منزها عن النقد والنقاش ، محاطا بكل تقديس وتمجيد ، فتسقط به الأمة الى زبالة التاريخ ، وتضحك من جهلها الأمم . وهذا ما يحدث للعرب ومعظم المسلمين اليوم الذين تسيطر عليهم الأديان الأرضية .

ثانيا : لمحة عن تاريخ الجهل المقدّس

1 ـ ساد فى العالم فى العصور الوسطى فأكسبها لقب ( عصور الظلام ) . كانت الكنائس فى أوربا العصور الوسطى ( المظلمة ) تنشر ( الجهل المقدس ) . وكانت مؤسسات التصوف تؤدى نفس الدور فى العصر المملوكى حيث يتعلم الطلاب الحديث والتفسير والعقائد ( التوحيد ).وما يسمّى بعلوم القرآن .وكان يتم عقد ( ميعاد البخارى ) كل شهر رمضان برعاية السلطة المملوكية ، ويتبارى ( العلماء ) فى حفظ واستظهار أحاديث البخارى بعنعناتها ومتونها وكل خرافاتها ، ويحصل الفائزون على جوائز .

4 ـ وتخلّصت أوربا من سيطرة الكنيسة والأديان الأرضية المسيحية فدخلت بنفسها وبالعالم الى عصر التنوير والحضارة والعلم والمخترعات وحقوق الانسان والديمقراطية . وكانت مصر على وشك اللحاق بأوربا والغرب فى علمانيته لولا الهجمة الوهابية والتى سيطرت على العقل المصرى حوالى نصف قرن من الزمان ، فأنتج أجيالا من الجهل المقدّس تجرى على قدمين ..وهى أجهل ممّن يمشى على أربع ..ونظرة الى المتظاهرين المهاجمين للسفارات الأمريكية والغربية تجد المثال الناطق لهذا الجهل السّام المقدّس.

ثالثا : المستفيدون بالجهل المقدس

1 ـ العاملون على نشر الجهل المقدس وأتباعه هم أول المستفيدين منهم . العاملون على نشره من القادة يتمكنون به من الوصول للحكم والاستئثار بالثورة . أتباع هذا الجهل الأقلّ شأنا يحصلون به على نفوذ إجتماعى وسياسى على مستوى القرية والحى والمدينة والمحافظة . وبينما يحتاج المثقف الى قراءة مئات الكتب ، ويحتاج الباحث والمفكر الى تفرغ تام للبحث والقراءة ، وكلما تبحّر فى علمه إزداد إحساسا بقلة ما يعلم ، فإن أساطين الجهل المقدس ودعاته ووعّاظة يكتفون بمجرد عناوين لما قاله السابقون ويتم تكراره ( إكليشيهات ) فى الخطب والندوات . أما نشطاء الجهل المقدس فلا يحتاج الأمر منهم سوى بضعة أيام يطلق فيها ( على الناس ) لحيته ويصبح شيخا ذا سطوة على المحيطين به .

2 ـ أسوأ إستغلال للجهل المقدّس تراه فى أزمة الفيلم المسىء والمظاهرات ( الجهادية ) التى هاجمت السفارات الأمريكية والغربية . قلنا من قبل إن الاخوان المسلمين أنفقوا ثمانين عاما فى التفكير والتدبير للوصول الى الحكم ، ولكن لم يفكروا فى كيفية الحكم ، ومعروف أن إصلاح مصر بعد أن خرّبها مبارك تحتاج الى عبقريات سياسية واقتصادية وبناء للبينة التحتية ومساعدات من العالم واستنهاض لكل أفراد الشعب المصرى. والاخوان والسلفيون الذين يعيشون فى الماضى هم أساس المشكلة بجهلهم المقدّس فكيف سيمكنهم حل مشاكل مصر ؟

3 ـ عمّا قليل سيضطر مرسى لرفع الأسعار وسيفلت منه زمامها ، وعمّا قليل سيظهر عجز الميزانية مهددا مصر بالافلاس . ولن تجدى القروض من الخارج لسداد هذا العجز. لقد تنازل جهل الاخوان المقدس عن وصم البنوك بالربوية أملا فى الاقتراض . ولكن مهما إستجدوا من البنوك ومهما إستجدوا من الخليج الوهابى فلن يكفى هذا لسد العجز المتراكم ، وسيتهاوى الجنيه المصرى ، ولن يصبح ذا قيمة فى ظل تضخم هائل قادم . أى هناك ثورة جوعى قادمة . وطالما لن يفلح الجهل المقدس للإخوان والسلفيين عن الحل فالبديل الذى يجيدونه هو توجيه الغضب وشحنات اليأس والإحباط بعيدا عنهم ، وجاء الفيلم المسىء فرصة لهم فاستغلوه ، ليستنزفوا غضب الناس فى هجوم على السفارة الأمريكية ، مع العلم بأن السفارة لا ذنب لها ، وأن المتهم هو مصرى قبطى مهاجر إختفى . ولكن لا بد للغضب الأحمق من حائط للمبكى يتقيأ عليه الغاضبون جهلهم المقدس .وبالتالى فإن المحبطين اليائسين فى بلاد ( المسلمين ) سيجدونها فرصة للتنفيس وتفريغ شحنة الغضب واليأس على حوائط السفارات الأمريكية ، وبرعاية حكامهم المستبدين .

4 ـ ولمجرد الابتسامة : دعنا نتخيّل أن السفارة الأمريكية أعلنت اليوم ( السبت 15 سبتمبر 2012 ) أنها ستمنح تأشيرة لأمريكا لكل راغب فى التطوّع فى الجيش الأمريكى من كل الأعمار .. ستجد جموع المتظاهرين الصارخين قد إنتظموا فى طوابير طويلة من كل الأعمار من الشباب الى الشيوخ ينامون على أبواب السفارة إنتظارا وإحتراما ..

4 ـ الأسوأ هو القادم . وهو ما نحذّر الآن منه مقدما . لتفادى ثورة الجياع القادمة وفى الانفلات الأمنى الذى يتصاعد أخشى أن يتم توجيه الغضب نحو الأقباط أو نحو إسرائيل ، كتوطئة لعودة قانون الطوارىء وحالة الطوارىء التى تحمى الحكام وعروشهم ، وتدخل مصر فى حرب أهلية من طرف واحد ، أو فى حرب أقليمية ـ ليست مستعدة لها ـ  مع إسرائيل . هذا بالطبع سيستلزم بعض المكائد التى تمهّد للكارثة ، من هجوم على جنود مصريين فى سيناء للتحرّش باسرائيل ، أو إفتعال مشاجرة مع الأقباط .. ومعظم النار يأتى من مستصغر الشّرر.

5 ـ هذا الأسوأ القادم سيحقق للسنيين تطبيق شريعتهم القائمة على تقسيم العالم الى معسكرين : معسكر المسلمين ( معسكر السلام أو دار السلام ) ومعسكر الحرب أو دار الحرب . فهذا هو ما جاء فى تراثهم الدينى ..أو فى جهلهم المقدس . بهذا قد يتم تدمير العالم .!

أخيرا : أين الحل ؟

1 ـ ليس علاج المصاب بالصداع أن تقطع رأسه لتريحه من الصداع ، ولكن أن تعطيه العلاج ليحيا صحيحا معافا . ليس علاج المسلمين بقتل المسلمين ، ولكن بتعليمهم من داخل دينهم بتوضيح التناقض بين الاسلام الحقيقى والوهابية وسنّتها حاملة الجهل المقدس . وهذا ما نفعله نحن ( أهل القرآن ) بسواعدنا العارية دون أن يلتفت الينا أحد .

2ـ نحن فى إصلاحنا للمسلمين نحتكم للقرآن الكريم .

وفى موضوع الفيلم المسىء نتساءل : وفقا للقرآن الكريم ، ماذا كان سيفعل خاتم المرسلين عليه السلام لو كان بيننا وشاهد هذا الفيلم المسىء عنه ؟

الاجابة من القرآن الكريم : إنه سيصفح عنهم منتظرا حكم الله جل وعلا عليه وعليهم يوم القيامة : (وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) ( الحجر 85) (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لّا يُؤْمِنُونَ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ  ) ( الزخرف 88 ـ ) ونحن كمؤمنين  لا بد أن نتأسى بهذه السّنة الحقيقية : (  قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ  ) ( الجاثية  14 ـ ).

كان سيرد السيئة بالحسنى بل بالأحسن (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ   ) (المؤمنون 96  ) (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ  ) ( فصلت 34 ).

كان سيقول لهم إستمروا فى عملكم وسأستمر فى عملى الى أن يحكم الله جلّ وعلا بيننا : (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ) ( الزمر 39 : 40  ) (وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ )(هود  121 : 122).

 كان سيصبر على أذاهم وسيعرض عنهم ويهجرهم هجرا جميلا (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا) ( المزمل 10 ) . هل هذا يتفق أم يتناقض مع جنود وقادة ذلك الجهل المقدّس ؟

3 ـ ولا زلنا نتساءل : وفقا للقرآن الكريم هل يجوز الهجوم على السفارة الأمريكية  بذنب جناه غيرهم ؟ . والاجابة فى القرآن الكريم هى القاعدة التشريعية التى تؤكّد على أنه لا تزر وازرة وزر أخرى : (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الانعام  164) (مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى )(الاسراء 15 )(وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى )( فاطر 18 )(إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى )( الزمر 7 ) (أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى) ( النجم 38 : 39 ).

ثم إنّ واجب حماية السفارات والقنصليات تضمنه تعهدات ومواثيق . والله جل وعلا يأمر بالوفاء بالعهود والعقود ، يقول جلّ وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ) ( المائدة 1 ) وجاء الأمر بالوفاء بالعهود تاليا للأمر بالعدل والاحسان والنهى عن الفحشاء والمنكر والبغى : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ )(النحل 90 : 91 ).

ومن صفات الأبرار الوفاء بالعهد (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ ) ( البقرة 177 ) وهى من صفات المؤمنين المفلحين (  وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ )(المؤمنون 8 )( المعارج 23  ). العجيب إن البوليس الأمريكى كان يحرس السفارة المصرية بكل حزم حين كنّا نتظاهر أمامها إحتجاجا على مبارك . فكيف سمح البوليس المصرى للغوغاء الجهلة باقتحام السفارة الأمريكية وتمزيق العلم الأمريكى ؟

4 ـ الحلّ لا نقاذ العالم من الجهل المقدّس للمسلمين أن يتعاون معنا العالم لانقاذ المسلمين من جهلهم المقدس ..