مكتبة منصور أرشيف دائم
EN / AR
الكتب 2025

كتاب الشريعة

الفهرس

الفهرس :

مقدمة 

القسم الأول :

عن الشريعة والاجتهاد الشيطانى

الباب الأول :

 الاجتهاد الشيطانى العملى .

الفصل الأول :  لمحة  عامة عن الاجتهاد فى ( شريعة الاسلام ):  

الفصل الثانى: الاجتهاد الشيطانى العملى فى قتل المسالمين فعليا وجعله تشريعا إلاهيا: ( المنبع ) 

 الفصل الثالث  : الاجتهاد الشيطانى العملى فى قتل النساء والأطفال جهادا 

 الفصل الرابع : الاجتهاد الشيطانى العملى فى  إضطهاد أهل الكتاب  

الباب الثانى :

الاجتهاد الشيطانى النظرى 

الفصل الأول : الاجتهاد الشيطانى الفقهى النظرى فى قتل المسالمين وجعله تشريعا إلاهيا 

 الفصل الثانى : إحتكارهم الاسلام وهم ألدُّ أعدائه

  الفصل الثالث :  إستخدام الخطاب الالهى فى تكفير أهل الكتاب 

الفصل الرابع : إجتهادهم الشيطانى فى التلاعب بأسباب النزول

 الفصل الخامس : إهمال الجانب الأخلاقى فى القرآن الكريم

  الفصل السادس : التلاعب الشيطانى بالأسس التشريعية القرآنية

 الفصل السابع : التلاعب فى قواعد التشريع ومقاصده العظمى:

القسم الثانى :

الاجتهاد الاسلامى فى فهم الشريعة الاسلامية

الباب الأول :

مقدمات 

الفصل الأول : الاجتهاد الاسلامى فى التدبر القرآنى وفى الاسلام والكفر والعبادات 

 الفصل الثانى : مجال الاجتهاد    

  الفصل الثالث  : الشورى   

  الفصل الرابع  : المعروف والشريعة الاسلامية   

الفصل الخامس : حدود الاجتهاد فى الشريعة الاسلامية  ( الميراث مثالا )

الفصل السادس:  الخاص والعام:

الفصل السابع : القاعدة والاستثناء

الفصل الثامن : الحسن والأحسن

 الفصل التاسع : الحقيقى والمجاز 

الفصل العاشر : التشريع الجديد والتشريع المتوارث:

الفصل الحادى عشر : التشريع والقصص الماضى والمعاصر

القسم الثانى :

 الباب الثانى

عن (  ألفاظ التشريع الاسلامى )

 الفصل الأول :

( الأوامر والنواهى ، وقضى وأمر ، كتب ، وصّى )

الفصل الثانى :

 ألفاظ التشريع  الاسلامى : ( فرض ، حدود الله ، الاعتداء والمعتدون  )

 الفصل الثالث :

 ألفاظ التشريع  الاسلامى :( الحلال والحرام ، الاجتناب ولا تقربوا )

القسم الثانى :

الباب الثالث

الفصل الأول : 

العقوبات فى الشريعة الاسلامية

 الفصل الثانى : 

مدى الإلزام فى الشريعة الاسلامية  

القسم الثانى :

الباب الرابع : مقاصد التشريع الاسلامى

 الفصل الأول :

لمحة عن درجات التشريع الاسلامى

الفصل الثانى:

( التقوى ) هى المقصد الأصلى والأساس فى تشريع القرآن

 الفصل الثالث :

 المقاصد العامّة والفرعية

الخاتمة

مقدمة الكتاب

مقدمة الكتاب :

أولا :

تصدّعت رءوسنا بشعارات : تطبيق الشريعة الاسلامية بشتى ألسنة المحمديين وأديانهم الأرضية ، من تصوف وتشيع وسُنّة . كل منهم يعتبر شريعته هى المعبرةعن حقيقة الاسلام ، وكل منهم يحتكر الاسلام لطائفته ومذهبه وملته . وقد تجاهلوا أن :

1 ـ شريعاتهم كان يتم تطبيقها فعليا ولا يزال يتم تطبيقها . كان هذا فى دول الخلفاء الفاسقين والسلاطين الجائرين ، ولنا كتب منشورة فى التأريخ لذلك . ولا يزال هذا التطبيق ساريا فى عصرنا ، فهناك دولة الفقيه الشيعية فى إيران ، وهناك دول سنية وهابية حنبلية تطبق شريعتها . صحيح أن ولى العهد الحالى ( محمد بن سلمان ) أحدث تشريعات جديدة هلل لها فقهاؤه ( المتزمتون سابقا ) فى إلغاء التزمت وفتح الباب على مصراعيه للمجون والجنون الأخلاقى لأنه ( ولى الأمر ) وطاعته واجبة ، وهو صاحب الشريعة ، ولا يزال قُضاته يحكمون بالاعدام والسجن لإحكام قبضته . ودولته هى الأكبر فى تطبيق عقوبة الاعدام ، طبقا لما تقرّره الحنبلية الوهابية فى جعل عقوبة التعزير تصل الى القتل . أى إستبقى من الدين الوهابى ما يعزّز سلطته . ولنا كتاب عن إبن سلمان شاهدا على بداية عصره .

ثم هناك أنظمة حكم مستبدة يركب فيها الفرعون مؤسسته الدينية طبقا لمعادلة الفرعون والكاهن .  والمؤسسة الدينية مملوكة للفرعون ، وهى تركب الشعب ، وتقوم بدورها فى التهليل والرقص والتبرير لجرائم الفرعون . إذا تبجح بالحرب كلاميا رقصوا له قائلين ( وأعدوا لهم ما إستطعتم من قوة ) ، وإذا ركع للعدومستسلما خانعا رقصوا له قائلين ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) . ولنا كتاب ( شاهد على عصر السيسى ) فى أيامه الأولى ، ومقالات لاحقة .

وفى المقابل فهناك خصوم للحكام يرفعون ظلما وعدوانا راية الاسلام وشعارات  تطبيق الشريعة ، أشهرهم الإخوان المسلمون وما خرج من عباءتهم من تنظيمات ليس أولها التكفير والهجرة والناجون من النار ، وليس آخرها حماس والقاعدة وداعش ، ولنا كتاب عن( دين داعش الملعون ). وهؤلاء المطالبون بتطبيق الشريعة هم فعلا قائمون بتطبيقها بالقتل العشوائى الذى يطال فى الأغلب الأبرياء . ويُقال عنهم ( إسلاميون  ).!!

2 ـ هم مختلفون نظريا فى تحديد هذه الشريعة التى يطالبون بتطبيقها ، ففى الدين السُنّى مثلا هناك أربعة مذاهب ( المالكى والشافعى والحنفى والحنبلى ) وفى داخل كل مذهب إختلافات بين فقهائه ، وفى كل كتاب فقهى مذهبى تتكرر ــ ربما فى كل صفحة ــ كلمة ( إختلف فيها العلماء ) ، وهذا ما تعلمناه فى مادة الفقه فى التعليم الأزهرى . وبالتالى مستحيل أن تأخذ حكما فقهيا متفقا عليه يصلح لكى يكون مادة فى القانون .

وإذا تركنا الفقه وإتجهنا للمصدر الذى يستقى منه الفقه تشريعاته وجدنا الأحاديث ، والاختلافات فيها ليس بين اشهرها ( الكتب الستة  )، بل فيها كلها ، ولكن فى داخل الكتاب الواحد ، بل فى الصفحة الواحدة بل فى متن  الحديث الواحد ،و(صحيح البخارى ) أبرز مثل لهذا ، وأثبتنا ذلك فى كتب ومقالات وندوات فى قناتنا على اليوتوب . ثم إختلافات  لانهاية لها فى الحكم على الرواة ، وما إتفقوا على أن فلانا منهم عدل ثقة، أو أنه مدلس وكذاب .  وإستدعى هذا قديما أن يكتبوا مؤلفات فىالأحاديث الموضوعة، واستدعى هذا لاحقا أن يقوم الشيخ الألبانى فى عصرنا بعملية تصحيح ، ولن تكون الأخيرة ، ولا تحظى بإتّفاق الجميع ، أى هو ثوب مُمزّق ممتلىء بالرُّقع ، ولايُجدى فيه إصلاح أو تجديد ، فالدين الأرضى مؤسّس على الهوى والشقاق والخلاف ، والويل لمجتمع يتحكم فيه دين أرضى شيطانى . وفصّلنا هذا فى أبحاث لنا منشورة وندوات على اليوتوب .

ودُعاة تطبيق الشريعة يرتعبون من مناقشة أى حديث . خوفا من الاتهام ب ( إنكار السُنّة ).! . لذا إكتفوا برفع شعار ( تطبيق الشريعة ) دون تحديد أو تفصيل ، مثل شعارهم ( الاسلام هو الحل ) ، وكل منهم يرى ( إسلامه)هو الحل .

وليس مثل الاسلام دين ظلمه المنتسبون اليه .!!

ثانيا :

لانصاف الاسلام العظيم من أعدائه المتاجرين بإسمه نقدم هذا الكتاب عن الشريعة الاسلامية . ولا زلنا فى دور إعداده ، لذا فليس الوقت لكتابة فهرس تفصيلى لمحتوياته ، ولكن عموما ننوى أن نعرض للأبواب التالية :

1 ـالباب الأول :الاجتهاد  فى التشريع الاسلامى : حدود الاجتهاد ،والاجتهاد المطلوب  والاجتهاد الممنوع .

2 ـ الباب الثانى : أوامر وقواعد ومقاصد التشريع الاسلامى .

3 ـ الباب الثالث : ماهية التشريع الاسلامى .

4 ـ الباب الرابع  :كيف بدّل السنيون شريعة الاسلام لتوافق أهواءهم  .

و ما سينجلى عنه البحث فى هذا الكتاب قد يختلف فى تفصيلات كثيرة .  

أخيرا

نرجو من الله جل وعلا التوفيق ، وان يكون عملنا خالصا لوجهه الكريم .

أحمد صبحى منصور

الخميس 30 يناير 2025

فرجينيا ـ الولايات المتحدة الأمريكية .

 التعليقات

حمد حمد

  أثابك الله جل وعلا خير الثواب بالدنيا والآخره دكتور احمد المحترم وبارك بعمرك وعلمك. لاشك إن هذا الكتاب سيكون مميزا في  شرح شريعة الإسلام حسب تدبركم  للقرآن العظيم وفضح شريعة الغاب  التي قامت على  مباديء شياطين الإنس  وأحاديثهم الشيطانيه وكتب تراثهم الباليه لأجل خدمة أكابر المجرمين  الخلفاء الفاسقين  حتى يومنا هذا ، ننتظر بشوق لهذا الكتاب  مع امنياتنا لكم بالتوفيق. 

أحمد صبحى منصور

شكرا جزيلا استاذ حمد ، وجزاك الله جل وعلا خيرا، وأقول:

 أرجو من الله جل وعلا التوفيق ، ويكفى أننا نبدأ ، ونتمنى أن يبنى ابناؤنا على هذه البداية.

يحيى فوزى نشاشبى
هي بشرى

 نعم  تعتبر  بشرى  كبيرة  ،  ومطمئنة  لأولئك  الذين  يجاهدون ويطمحون  في  أن يكونوا  من  الذين  هم  أحق  بالأمن.  والله  نسأل  أو  يوفقكم  في  هذا  المشروع  الذي  سيولد  بإذن  الله  في  وقته،  ويضيف  قوة  للرهان  المصيري  العظيم.

أحمد صبحى منصور

شكرا استاذ يحيى ، وأكرمك الله جل وعلا

 نرجو  ذلك . وأن يتحقق على أيديكم أحبتى. 

مراد الخولى
Point 4 is very important Dr Mansour and I hope it wakes up many people.

تجميع القسم الأول من كتاب الشريعة الاسلامية .

تجميع القسم الأول من كتاب الشريعة الاسلامية .   

القسم الأول : عن الشريعة والاجتهاد الشيطانى

الباب الأول : الاجتهاد الشيطانى العملى .

الفصل الأول :  لمحة  عامة عن الاجتهاد فى ( شريعة الاسلام ):  

 أولا : لمجردالتذكير :

لنتعرف على شريعة الاسلام لا بد أولا من التعرف على دين الاسلام نفسه ونقيضه ( الكفروالشرك ). كتبنا فى هذا كثيرا ، ولا نملُّ من التكرار للتذكير .

قال جل وعلا عن كفار قريش :

1 ـ (  بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3)  التوبة ).

2 ـ (  مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17)  التوبة ). هنا وصفهم بالكفروالشرك معا ، طبقا للإعتداء الحربى ونقض العهود .وبهذا نتعرف عليهم .

3ـ   وآيتان فى نفس السورة  تجعل توبتهم بالاسلام الظاهرى ، أى بإلتزام الاسلام السلوكى ، وبه تكون إقامتهم الصلاة وإيتائهم الزكاة . وعندها يكونون إخوانا فى الاسلام السلوكى بمعنى السلام . قال جل وعلا :

3 /1 : ( فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5))

3 / 2 : ( لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11))

4ـ وحتى الجندى المقاتل فى الجيش المعتدى إذا إستجار فيجب إجارته وتوصيله الى مأمنه بعد إسماعه آيات من القرآن الكريم لتكون عليه حُجّة يوم القيامة . قال جل وعلا : ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6) التوبة ) ونظير هذا فى الجندى المقاتل فىالجيش المعتدى الذى نطق بكلمة السلام فيحرم قتله . قال جل وعلا فى سورة النساء : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (94) )

4 ـ وآيات كثيرة فى سورة التوبة جاء فيها تكفير المنافقين فى المدينة ، ولكنهم عاشوا متمتعين بالحرية الدينية القصوى فى إعلان الكفر وحرية التعبير وحرية المعارضة القولية والفعلية ـ دون حمل السلاح . أى كانوا مسالمين ، مسلمين سلوكيا، يتزوجون من غيرهمويتزوج منهم غيرهم . وهنا معنى الاسلام السلوكى بمعنى السلام .

5 ـ وهناك مؤمنون لم يكونوا منافقين معارضين سياسيا للدولة الاسلامية فى عهد الرسول محمد عليه السلام . ولكنهم كانوا مشركين بقلوبهم وعباداتهم ؛ يقدسون القبور ( الأنصاب ) ويشربون الخمر ويلعبون القماروعادات الجاهلية ( الأزلام ) . وأولئك نزلت الآيات ـفى أواخر ما نزل تعظهم مجرد وعظ مؤكدة ان الرسول ما عليه سوى البلاغ . نرجو تدبر قوله جل وعلا فى خطاب مباشر لأولئك المؤمنين : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ  وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92)  المائدة ).

6 ـ وفى أواخر مانزل أيضا هو عن النصر النهائى بدخول الناس فى دين الله جل وعلا أفواجا . قال جل وعلا : (  إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2)  النصر). النبى محمد عليه السلام لم ير مكنون القلوب فلم يكن يعلم الغيب ، ولكن رأى الاسلام السلوكى ودخول الناس فى السلام دين الله جل وعلا .

7 ـ  للاسلام معنيان : الاسلام السلوكى ، وبه يتم تطبيق الشريعة الاسلامية حسب السلوكيات الظاهرة ، ففى داخل الدولة الاسلامية كل المواطنين المسالمون مسلمون حسب سلوكهم  ، ومن يعتدى منهم يهتك السلام يقع عليه العقاب المنصوص عليه إن لم يتب توبة ظاهرية يرد الحقوق لأصحابها . أما علاقته بالخالق جل وعلا فمرجعها لله جل وعلا يوم الدين ، وليس من مسئولية الدولة الاسلامية هداية الناس وإدخالهم الجنة ، فهذه مسئولية شخصية ، ومن إهتدى فلنفسه ومن ضلّ فعلى نفسه قال جل وعلا : ( مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ) (15)  الاسراء ) والذى يهتدى يزيده الله جل وعلا هدى ومن يضل يزيده ضلالا . قال جل وعلا . ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) البقرة ) ، ( قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً (75) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً (76) مريم ) ، (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ (17)   محمد) .

ويأتى الجزاء يوم القيامة مترتبا على إختياره ومشيئته . قال جل وعلا (  وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً (29) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30) أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (31)  الكهف ).

والنبى محمد عليه السلام لم يستطع أن يهدى من أحب. قال له ربه جل وعلا فى خطاب مباشر : ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) القصص ) ، وليس وكيلا أو مسئولا عن أحد ، إلا مجرد التبليغ . قال جل وعلا له فى خطاب مباشر : (  فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) الغاشية ).

 وفى العلاقة بالدول فهى بحسب السلوك ، فالدولة المعتدية حربيا يجب مواجهتها بعد الاستعداد الحربى ، وتظل المواجة الدفاعية حتى يتوقف لردعها عن الاعتداء وينتهى .، فالدولة الاسلامية مسالمة وقوية أيضا قال جل وعلا : ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60) الأنفال )، وحين يعتدى عليها عدو تظل المواجة الدفاعية حتى يتوقف الاعتداء وينتهى . قال جل وعلا : (  وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) ، (  الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) البقرة) وإن جنحوا للسلم فيجب الجنوح اليه . قال جل وعلا : (  وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61)  الأنفال )

والدولة المسالمة غير المعتدية على الدولة الاسلامية يجب معاملتها بالبرّ والقسط . قال جل وعلا : ( لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (9)  الممتحنة)

8 ـ المعنى الآخر للاسلام هو التقوى والهداية  فى العلاقة بالرحمن جل وعلا . وهذا المؤمن التقى ( يجتهد ) فى تطبيق شريعة الاسلام فى التعامل مع نفسه ومع الغير ، يحاسب نفسه وينهاها عن العصيان ، ويبادر بالتوبة ، مؤمنا أن عذاب الآخرة الخالد تهون الى جانبه كل عذابات الدنيا ، وأن نعيم الجنة الخالد يستحق أن يتقى ربه ما استطاع . هذا المؤمن المتقى إذا مسّه طائف من الشيطان تذكّر ربه جل وعلا فينير الايمان قلبه . قال جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) الأعراف ). لذا هو يمشى بين الناس بنور التقوى . قال جل وعلا : ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)  الأنعام ) ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) الحديد )

ثانيا :

1 ـ كلمة الاجتهاد بمعناها الإصطلاحي من مبتكرات العصر العباسى ونحن مضطرون لاستعمالها لشيوعها على الألسنة، والاصطلاح القرآنى المماثل هو التدبر في الآيات والذي يعنى أن يظل القارئ للقرآن الكريم خلف الآية يتتبعها في القرآن الكريم فى سياق معناها المحلى بين الآيات ومعناها العام فى القرآن الكريم كله ، حتى يستوعب المراد منها.

 "والتدبر" عملية عقلية فكرية يقوم بها القارئ للقرآن الكريم المؤمن به حديثا لا حديث معه ـ  متشجعاً بآياته التى تحث على التفكر والتعقل  والنظر والعلم والتفقه.

على أن القرآن الكريم استعمل بعض المشتقات القريبة من كلمة الاجتهاد مثل " والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم" 9/79. والجهد في الآية يعنى الإمكانات المالية والمادية وقريب منه قول القرآن "وأقسموا بالله جهد أيمانهم" 24/53.

وقد يكون  الجهد مجهوداً عقلياً أما التدبر فهو تفكير عقلى علمى بحت، وذلك يجعل من أسلوب القرآن أرقى وأدق من اختراع العصر العباسى الذي لا يزال- مع الأسف- مسيطراً على تفكير المحمديين حتى الآن ، لأنهم متبعون للأديان الأرضية الشيطانية التى ترعرعت وسيطرت فى العصر العباسى وما تلاه الى أن تصدينا لها ، ولا نزال !.

2 ـ وقد قامت حركة الاجتهاد  في العصر العباسي  من خلال مدرسة الرأى في العراق التى تتوجت بالإمام أبى حنيفة وقابلتها مدرسة الحديث في المدينة التى كان علمها الإمام مالك، بينما كان الشافعي أسوأ وأضلّ سبيلا .!

ومدرسة الاجتهاد العقلي تقدم القياس النظرى فى تشريعاتها ،  وما لبثت أن تطرقت إلى اختراع فقه الحيل الذي يبيح  للناس تعطيل الشرع عندهم عن طريق الحيل الشرعية، فالذى يريد ممارسة الجنس مع زوجته فى نهار رمضان يقولون له ( سافر بها ) . وحين يسافر يجوز له الإفطار .وفي نفس الوقت تطرف الشافعى إلى القول بإن الحديث ــ الذى يقوم هو بصناعته وينسبه للرسول ــ هو الرسول الذى يجب طاعته ، أى جعل نفسه وأكاذيبه مُطاعا بالدين الذى صنعه فى كتابيه ( الرسالة ) وفى (الأم ). أكثر من ذلك فالشافعى هو الذى جعل أحاديثه التى يصنعها هى التى تنسخ- بمعنى تلغى- القرآن الكريم وتعلو عليه . ولا تزال بعض المواشى البشرية الأنيقة فى عصرنا البائس تردد هذا الكفر . أى إن ما يعرف بالفقه الشافعي هو المسئول عن هذا التطرف فى الكفر . وبهذا ساد مصطلح ( النسخ ) فى القرآن عندهم بمعنى إلغاء تشريعات القرآن الكريم وزعم تعارضها وتناقضها وتضاربها ، وهو القرآن الذى أُحكمت آياته .!. ويعرف هذا الراسخون فى العلم القرآنى المؤمنون به وحده حديثا ، قال جل وعلا : ( الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)  هود )، ( وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) الأعراف ) ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) فصلت ). ونُذكّر بأن النسخ يعنى الاثبات والكتابة وليس الحذف والالغاء . ولنا كتاب فى هذا منشور هنا ،وقد سبق نشره فى مصر من ربع قرن !.

3 ـ على أن مدرسة العراق لم تخل من أحاديث ومدرسة المدينة لم تخل من بعض الاجتهاد.. وحتى الشافعى نفسه مع تطرفه فى الكفر فقد كانت له بعض إجتهادات فى موسوعته الفقهية ( الأم ) . لكن الذى أجمعوا عليه هو انهم لم يعرفوا حدود الاجتهاد المسموح بها في القرآن مما أوقع أحكامهم وأحاديثهم في تناقض واضح مع كتاب الله.

4 ـ فما هى حدود الاجتهاد في التشريع القرآنى؟ ومتى يكون الاجتهاد مباحاً ومتى يكون اعتداء على حق الله في التشريع بقوله سبحانه وتعالى: "أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم  يأذن به الله 42/ 21". ومع نبرة التخويف والتهديد من تشريع لم يأذن به الله فإن في الآية تصريحاً بوجود تشريع يرضى عنه الله جل وعلا لإنه جاء في الحدود التى يأذن بها الله جل وعلا .

ومن أسف فإن الأئمة لم يعرفوا تلك الحدود فاجتهدوا في الممنوع وربما توقفوا حيث ينبغى الاجتهاد. نتوقف مع هذا فى الفصول التالية .  

الفصل الثانى: الاجتهاد الشيطانى العملى فى قتل المسالمين فعليا وجعله تشريعا إلاهيا: ( المنبع ) 

 أولا :

الخلفاء الفاسقون الجواسيس الذين مردوا على النفاق

1 ـ تعرضنا لماهية الاسلام السلوكى بمعنى السلام ، وماهية الاسلام القلبى الدينى بمعنى التقوى . وتعرضنا للنقيض وهو الكفر والشرك ، وتعرضنا للمؤمنين المسالمين سلوكيا مع حريتهم فى عبادة القبور ، وللمنافقين ( الصرحاء ) الذين لم يحملوا سلاحا ، ولكنهم مارسوا أقصى درجات المعارضة الدينية والسياسية ، متمتعين بالحرية الدينية والسياسية فى الدولة الاسلامية فى عهد النبى محمدعليه السلام .

2 ـ هناك نوع أخطر من المنافقين ، هم الذى ( مردوا على النفاق ) . قال جل وعلا عنهم فى أواخر ما نزل من القرآن الكريم : ( وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) التوبة ). كلمة ( مردوا ) لم تأت إلا مرة وحيدة فى القرآن الكريم ، عن هذا الصنف من المنافقين ، والمختلف عن المنافقين الصًرحاء الذين فضحوا أنفسهم بأقوالهم وأفعالهم . ومع ذلك  فقد كان هناك أمل فى توبتهم ، فقد قال جل وعلا : ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147) النساء ). أما الذين مردوا على النفاق فلا أمل فى توبتهم ، لأن الله جل وعلا أنبأ مقدما بأنه سيتم تعذيبهم مرتين فى هذه الدنيا ،ثم ينتظرهم عذاب عظيم فى الآخرة . ومفهوم أنهم سيرتكبون جُرما فظيعا ، يستحقون به هذا العذاب المزدوج فى الدنيا قبل موتهم ، وأن هذا سيقع عليهم بعد إنتهاء القرآن الكريم نزولا ، وبعد موت النبى محمد عليه السلام ، وأن إرتكابهم هذا الجرم الفظيع يعنى إنهم سيكونون فى موقع القيادة والسُلطة ، وكونهم هكذا يعنى إنهم كانوا الأقرب الى النبى محمد بالقرابة والمصاهرة ، ولهذا كتموا نفاقهم وهم الدائرة الضيقة المحيطة به  ، وكان سهلا عليهم الوثوب للسلطة بعده . وهذا ما حدث فى خلافة أبى بكر ومن تلاه ، وهى الفتوحات أفظع أنواع الكفر السلوكى والدينى ، وما تلاها واستمر معها من حروب أهلية تنازعا حول إلاههم الأعظم ( المال ) .

3 ـ الملأ من قريش هم الذين تحكموا فى التجارية العالمية بين الهند شرقا وأوربا شمالا وغربا ، من خلال اليمن جنوبا والدولة البيزنطية المسيطرة على الشام . تأتى تجارة الهند الى اليمن تحملها قوافل قريش الى الشام ، تبيعها هناك لتنتقل بحرا الى أوربا ، وتشترى قريش بضائع الغرب لتبيعها الى الهند فى اليمن لتصل بحرا الى الهند ، وهذا فى رحلتى الشتاء والصيف ، بقوافل الجمال فى الصحراء ، والتى تسير فى حماية القبائل العربية التى تتصارع فيما بينها فيما كان يُعرف ب ( أيام العرب ) ، ولكن لا يقتربون من قوافل قريش لأن الملأ القرشى أقنعهم بأن تكون أصنامهم تحت رعايتهم فى الحرم المكى . وكان عجبا أن تقتتل قبائل العرب وتعيش فى خوف وجوع بينما تنعم قريش بالأمن ورغد العيش . قال جل وعلا :

3 / 1 :( لإِيلافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) قريش ).

3 / 2 : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) العنكبوت ) .

4 ـ نزل القرآن الكريم فكان تهديدا لهم ولمصالحهم التجارية ومكانتهم السامية، إذ سيوقعهم فى عداء مع العرب . كانوا يؤمنون بأنه ( هُدى ) ولكن المشكلة أنهم لو إتّبعوا هذا الهدى ستتخطفهم العرب . إقرأ قول الله جل وعلا : ( وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57)  القصص ) . أى كان الدافع إقتصاديا بحتا فى تكذيبهم للقرآن الكريم ، أو بالتعبير القرآنى إنهم كانوا يرتزقون بهذا التكذيب للقرآن الكريم  . قال لهم جل وعلا فى خطاب مباشر : ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80)  أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) الواقعة ).

5 ـ قادة قريش كانوا من ذرية عبد مناف ،وينتمى له الأمويون المسيطرون على التجارة والهاشميون الذين يقومون برعاية البيت الحرام . وترتبط بهم بقية العائلات الكبرى القرشية من بنى مخزوم وبنى زهرة الخ . فى مواجهة التهديد الذى جاء به القرآن الكريم عقدوا إجتماعا كان الحاضر فيه هو مستقبل تجارتهم  وسطوتهم ، وكيف يتصرفون مع ( محمد ). قال جل وعلا عنهم فى خطاب مباشر للنبى محمد عليه السلام : ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) الأنفال  ). نلاحظ أن مكرهم كان موجها ضده عليه السلام ، وأن الآراء إختلفت بين : السجن ، والقتل ، والإخراج .  كان سجنه أو قتله سيوقع الخلاف بينهم ، فهو من بنى هاشم  . إذن فالحل الأسهل هو إتخاذ الوسائل لجعله يخرج مهاجرا ، وحينئذ سيخرج معه أتباعه . ولأن مكرهم تزول منه الجبال ( وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) ابراهيم ) فقد كلفوا جواسيسهم بالهجرة معه والالتصاق به . فإذا نجح فى المهجر ورثوا نجاحه ، وإستفادت به قريش فى الحفاظ على تجارتها . 

6 ـ وهذا ما حدث . بمؤامرة بيعة السقيفة قفز للسلطة أبو بكر وتبعه فى الخلافة بقية الجواسيس ، وبادر أبو بكر بحرب القبائل التى رفضت دفع إتاوة له دليلا على التبعية والخضوع .ولم يكن دفع الزكاة المالية إجبارا فى عهد النبى عليه السلام : ( التوبة 53 : 54 ).بعد هزيمتهم أقنعهم ابوبكر بقتال الروم والفرس على أنه  الجهاد فى سبيل الله . إقتنعوا ، بل إن بعض قادة المرتدين كانوا من أبطال (الفتوحات ). وبعد أن توقفت الموجة الأولى من الفتوحات إكتشف الأعراب أن قريش هى التى إلتهمت معظم الكعكة ، فكانت الثورة على فساد عثمان ، ثم الفتنة الكبرى ، وما تلاها . ولا يزال المحمديون فى نفق الفتنة الكبرى يسيرون . التفاصيل فى كتابنا (المسكوت عنه من تاريخ الخلفاء الراشدين ) .وهو منشور هنا .

ثانيا :

الفتوحات جريمة كبرى لا نظير لها :

1 ـ قتل هتلر عشرات الملايين ، وسبقه كثيرون . ولكنها حروب (علمانية ) ، لم يزعم هتلر أو الاسكندر الأكبر أو يوليوس قيصر أو جنكيزخان أنه يحارب باسم الله جل وعلا ، وأن قتله الناس وإغتصاب نسائهم وسبى ذراريهم وإحتلال أوطانهم هو فريضة إلاهية . حاليا أصبحت النازية ممقوتة ، إنتهت الى العار حتى فى بلادها . أما ما إرتكبه أبوبكر ومن تلاه فقد تأسّست عليه أديان أرضية شيطانية ، أصبح فيها الخلفاء الفاسقون كائنات إلاهية ، يكون نقدها خروجا عن الدين عندهم .

2 ـ عرف العرب فى ( الجاهلية ) غارات وحروبا ( علمانية ) . كانوا فيها يضطرون ( أحيانا ) الى( النسىء ) . أى كانوا يراعون حُرمة الأشهر الحُرُم ، فإذا إضطروا قاموا باستحلال القتال فى شهر وتأجيله الى شهر آخر . الله جل وعلا إعتبر النسىء ( زيادة فى الكفر ). قال جل وعلا : ( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37)  التوبة ). أبو بكر ( الزنديق ) بدأ الفتوحات فى شهر ( محرم ) الحرام ، ولم تتوقف أبدا الحروب مع الخارج أو فى الداخل ، بل قد تم تناسى الأشهر الحرم ، فأدخلوا فيها شهر رجب ، مع أن القرآن الكريم يشير الى أنها متتابعة ، تبدأ بإفتتاح موسم الحج ( يوم الحج الأكبر ) وتستمر متتابعة حتى شهر ربيع الأول ( سورة التوبة 1 : 5 ).

3 ـ لم يعرف العرب فى الجاهلية إنتهاك حُرمة الكعبة ، ولقد تم إحراقها فى الصراع بين ابن الزبير والأمويين ، ولم يعرف العرب هذه الوحشية التى إرتكبتها قريش وقادتها فى قتل مئات الألوف من الأبطال المدافعين عن أوطانهم فى الشرق وفى الغرب ، من حدود الصين الى جنوب فرنسا . ولم يعرف العرب فى جاهليتهم هذه الوحشية فى حروبهم الأهلية . لا فارق هنا بين وحشية الخوارج فى قتل الأطفال والنساء ،ولا وحشية الحجاج فى إدمان القتل لمجرد الشُّبهة والظن ، ولا حبسه مئات الألوف ليموتوا صبرا ، ولا قتله للأسرى بعشرات الألوف فى موقعة ( دير الجماجم ) ،. ولقد صار هذا دينا عمليا فعله مصعب إبن الزبير فى ولايته على العراق .   قال عبد الله بن عمر بن الخطاب لمصعب :‏ "أنت القاتل سبعة آلاف من أهل القبلة في غداة واحدة.! ".  فقال مصعب‏:‏ "إنهم كانوا كفرة سحرة."  فقال ابن عمر‏:‏ "والله لو قتلت عدتهم غنمًا من تراث أبيك لكان ذلك سرفًا‏.‏) .!ولنا كتاب منشور هنا عن الفتنةالكبرى الثانية . ولم يعرف العرب فى الجاهلية الطواف بالرءوس المقطوعة للقادة الكبار . بدأ هذا برأس الحسين ، ولنا كتاب عن مذبحة كربلاء ، منشور هنا .واستمر بعدها دينا عمليا مُتّبعا .

خلال عشر سنوات ( 61 : 71 )  فقط شهد  قصر الامارة بالكوفة أربع رءوس مقطوعة لمشاهير الناس وقتها : رأس الحسين ، ثم رأس عبيد الله بن زياد ، ثم رأس المختار الثقفى ، ثم رأس مصعب بن الزبير . شهد هذا كله شخص إسمه  عبد الملك بن عمير الليثي . قال ‏:‏ ( رأيت في قصر الإمارة بالكوفة رأس الحسين رضي الله عنه بين يدي عبيد الله بن زياد ، ثم رأيت رأس ابن زياد بين يدي المختار ،  ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير،  ثم رأيت رأس مصعب بين يدي عبدالملك بن مروان‏ .).

أخيرا

1 ـ الذى عرفه المحمديون ــ وهم به مستمسكون ــ هو قتل الأبرياء ، لا فارق بين أبى بكرالزنديق القرشى وأبى بكر البغدادى الداعشى . ولنا كتاب منشور هنا عن ( دين داعش الملعون ).

2ـ الذى بقى من إجتهاد الخلفاء الفاسقين وغيرهم فى قتل الأبرياء هو الاجتهاد الفقهى فى تأصيل هذا تشريعيا .

وللحديث بقية .  

الفصل الثالث  : الاجتهاد الشيطانى العملى فى قتل النساء والأطفال جهادا 

 مقدمة :

هناك مجرمون يقتلون الأبرياء  من الشيوخ والأطفال والنساء . يعلمون أن ما يفعلون إجرام ، وقد يتوبون . نحن هنا نتحدث  عن إتّخاذ قتل الشيوخ والأطفال والنساء دينا ، وجهادا بزعم أنه الاسلام .  الجريمة الكبرى هنا هى الإفتاء وتطبيقه سفكا لدماء الأبرياء . ونعطى أمثلة من المسكوت عنه فى التاريخ .

أولا : الخوارج

1 ـ فى كتابه ( التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ) قال الملطى المتوفى عام 377 هجرية 

عن الفرقة الأولى منهم وهم ( المحكمة الأولى ) إنهم كانوا يخرجون على الناس يقتلونهم عشوائيا   وقال عن الاباضية أنهم كانوا يقتلون الأطفال ويسبون الذرية .  وأعلن نافع بن الأزرق أن جهاده يشمل ( قتل الأطفال والاستعراض،) أى القتل العشوائى لمن خالفه ، (  وأن جميع المسلمين كفار مثل كفار العرب لايقبل منهم إلا الإسلام أو القتل.) .

2 ـ  وننقل بعض ما ذكره الطبرى فى تاريخه عنهم فى عام 68 هجرية : ( وكانت الأزارقة لحقت بفارس وكرمان ونواحي أصبهان . .. وأقبلت الخوارج وعليهم الزبير بن الماحوز حتى نزلوا الأهواز ...  فشنوا الغارة على أهل المدائن يقتلون الولدان والنساء والرجال ويبقرون الحبالى.  وهرب كردم فأقبلوا إلى ساباط فوضعوا أسيافهم في الناس ، فقتلوا أم ولد لربيعة بن ماجد ، وقتلوا بنانة ابنة أبي يزيد بن عاصم الأزدي ، وكانت قد قرأت القرآن وكانت من أجمل الناس فلما غشوها بالسيوف قالت : ويحكم هل سمعتم بأن الرجال كانوا يقتلون النساء ؟ ويحكم تقتلون من لا يبسط إليكم يدا ولا يريد بكم ضرا ولا يملك لنفسه نفعا ؟ أتقتلون من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين؟ .. وحملوا عليها فقتلوها ، فقالت ريطة بنت يزيد : سبحان الله أترون الله يرضى ما تصنعون تقتلون النساء والصبيان ومن لم يذنب إليكم ذنبا ؟ ثم انصرفت وحملوا عليها وبين يديها الرواع بنت إياس بن شريح الهمداني وهي ابنة أخيها لأمها فحملوا عليها فضربوها على رأسها بالسيف ويصيب ذباب السيف رأس الرواع فسقطتا جميعا إلى الأرض ... أن رجلا من السبيع كان به لمم وكان بقرية يقال لها جوبر عند الخرارة وكان يدعى سماك بن يزيد فأتت الخوارج قريته فأخذوه وأخذوا ابنته فقدموا ابنته فقتلوها . وزعم لي أبو الربيع السلولي أن اسم ابنته أم يزيد وأنها كانت تقول لهم : يا أهل الإسلام إن أبي مصاب فلا تقتلوه وأما أنا فإنما أنا جارية والله ما أتيت فاحشة قط ولا آذيت جارة لي قط ولا تطلعت ولا تشرفت قط " فقدموها ليقتلوها ، فأخذت تنادي ما ذنبي ما ذنبي ثم سقطت مغشيا عليها أو ميتة ثم قطعوها بأسيافهم .)

ثانيا : من وحشية الدولة العباسية فى بدايتها

الدولة العباسية كانت دولة دينية كهنوتية ، وكانت تستحل الدماء دينيا ، وتطبق ذلك عمليا ، وأول خليفة عباسى كان لقبه ( السفّاح ) . وقد أرسل أخاه يحيى لتأديب أهل الموصل لأنهم رفضوا الوالى المعين عليهم ، ولم يعلنوا العصيان على الدولة . جاءهم يحيى بجيش من 12 الفا ، ولم يجد مقاومة من أهل الموصل ، ودعا زعماء الموصل وكانوا 12 رجلا فقتلهم  ، فثار أهل الموصل فأعلن لهم الأمان ،وأن من دخل المسجد فهو آمن ، فتزاحموا على أبواب المسجد فقتل جنوده الناس قتلاً ذريعاً أسرفوا فيه، فقيل: إنه قتل فيه أحد عشر ألفاً ممن له خاتم وممن ليس له خاتم خلقاً كثيراً.فلما كان الليل سمع يحيى صراخ النساء اللاتي قتل رجالهن، فسأل عن ذلك الصوت فأخبر به، فقال: إذا كان الغد فاقتلوا النساء والصبيان. ففعلوا ذلك، وقتل منهم ثلاثة أيام، وكان في عسكره قائد معه أربعة آلاف زنجي، فأخذوا النساء قهراً.) أى إغتصبوهن .!  

ثالثا : ثورة الزنج فى العصر العباسى

1 ـ إحتكر الخلفاء العباسيون السُّلطة والثروة ،ومنحوا لأتباعهم الأراضى أو الإقطاعات ، ومنها ما كان محتاجا الى الاصلاح ، وحدث هذا بجهود الزنوج !وتخصص التجار في استجلاب هؤلاء الزنوج إلي جنوب العراق وحول الخليج ، وتكدست بهم هذه المنطقة حيث عملوا في استزراع الأراضي تحت ضرب السياط وسوء التغذية ، يحملون علي البغال الطبقة الملحية التي تكونت بفعل ظاهرة المد من الخليج العربي ويكشفون عن التربة الزراعية تحتها ويقومون بنقل أكوام الطبقة الملحية إلي حيث تباع ، وفي نظير هذا العمل الشاق كانوا يحصلون علي غذاء بائس من تمر وسويق ، في الوقت الذي كان فيه المترفون في بغداد بجانب الخليفة يأكلون طبق ( الجام) وهو لسان السمك ، ويبلغ ثمنه أكثر من ألف درهم!ـ لذا كانت معسكرات الزنوج وقودا لثورة الزنج التي قادها مغامر مجهول الاسم تسمى باسم علي بن محمد وقد ادعي النسب العلوي والتشيع ودعا للثورة في المنطقة بين الأعراب النجديين ، وانتقل بهم الى جنوب العراق ،بعد أن غيّر دينه من التشيع الى الخوارج ، كى يتحبب الى الزنوج ويتألف ويتودد الى قادتهم . وبين دينى التشيع والخوارج استغل سوء الأوضاع والفجوة الهائلة بين الفقراء المعدمين في جنوب العراق وحول الخليج وبين المترفين في بغداد حول قصور الخلافة العباسية.
2 ـ وقد استمرت ثورته من 225 ــ 270هـ . وتكاثر أتباعه ولم تتغلب عليه الدولة العباسية إلا بشق الأنفس ، وقد دخل بأتباعه من الزنج البصرة وأعمالها وخربوها وسبوا النساء وأحرقوا ما وجدوه ، وأعقب ذلك الوباء الذي أفني خلقا لا يحصون ، وذكر الصولي إن صاحب الزنج قتل من المسلمين نحو مليون ونصف المليون ، وأنه قتل في يوم واحد بالبصرة نحو ثلاثمائة ألف ، وقالوا أنه كان ينادي علي المرأة الهاشمية في معسكره بدرهمين وثلاثة دراهم لمن أراد شراءها، وأنه كان عند الواحد من الزنج العشر من السبايا الهاشميات يطؤهن ويستخدمهن..
 رابعا : القرامطة :

1 ـ شهد المؤرخ الطبرى فى حياته علوّ شأن القرامطة قبل موته بعشرين عاما، وقد ذكر قصة عن بعض الشباب المحدوعين بدعوتهم . وذكر عمليات الإبادة الجماعية التي ارتكبها كبير القرامطه في الشام, يقول:إن أهل دمشق صالحوه على دفع الأموال, وكذلك فعل أهل حمص, ثم سار إلى حماة ومعرة النعمان وغيرهما, فقتل أهلها وقتل النساء والأطفال, ثم سار إلى بعلبك فقتل عامة أهلها حتى لم يبق منهم إلا اليسير, ثم سار إلى سلمية فحاربه أهلها ومنعوه الدخول, ثم انخدعوا بالأمان الذي أعطاه لهم وفتحوا له أبواب المدينة," فبدأ بمن فيها من بنى هاشم وكان بها منهم جماعة, فقتلهم, ثم ثنى بأهل "سلمية" فقتلهم جميعا. ثم قتل البهائم, ثم قتل صبيان الكتاتيب, ثم خرج منها وليس بها عين تطرف, وسار فيما حوالي ذلك من القرى يقتل ويسبى ويحرق ويخيف السبيل". 

ويلاحظ أن الطبري مات سنة 310 هجريا, وقد شهد أول ظهور للقرامطة سنة 286 هجريا, واشتدت غاراتهم مما جعله ينهى تسجيله للتاريخ سريعا سنة 302 هجريا, وفى السنوات العشر الأخيرة في تأريخه لتلك الفترة كان متعجلا شأن من يعيش في أخطار تحدق به من كل جانب. أي أن فظائع القرامطة كانت المسكوت عنها في تاريخ الطبري ، وكانت من المؤثرات التى جعلت الطبرى يحجم عن تسجيل الأحداث بالتفصيل لكل عام كما كان يفعل قبل ظهورهم.
3 ـ  وقد ذكر النويرى في كتابه نهاية الأرب( جزء 25 ص : 236) أن أبا سعيد الجنابى القرمطى كان يجمع الصبيان في بيوت أعدها لهم وجعل عليهم دعاة يقومون على تنشئتهم وغسيل عقولهم وأجرى عليهم المرتبات, ورسم وجوههم بعلامات تميزهم عن غيرهم ,وجعل عليهم عرفاء ونقباء, وكان يقرن دعوته التعليمية الفكرية بتعليمهم فنون القتال وركوب الخيل, فينشئون لا يعرفون إلا دعوته دينا وإلا شخصه زعيما... 
4 ـ ويقول الملطى عن القرامطة في كتابه إن المؤمن عندهم هو من يعتقد بفكرهم وتصوراتهم عن الله والأنبياء والأئمة واليوم الآخر. ومن لا يؤمن مثلهم يعتبرونه كافرا حلال المال والدم والعرض. ويقول الملطى عنهم:"زعموا أن نساء بعضهم حلال لبعض وكذلك أولادهم, وأبدانهم متاحة من بعضهم لبعض لا تحظير بينهم ولا منع, فهذا عندهم محض الأيمان حتى لو طلب رجل منهم امرأة نفسها أومن رجل أو من غلام فامتنع عليه فهو كافر عندهم خارج عن شريعتهم,وإذا أمكن من نفسه فهو مؤمن فاضل, والمفعول به أفضل من الفاعل عندهم, حتى يقوم الواحد منهم من فوق المرأة التي لها زوج فيقول لها:طوباك يا مؤمنة".!! 

خامسا :الإخوان السعوديون الذين أسّسوا الدولة السعودية الثالثة الراهنة

1 ـ فى أوئل القرن الماضى سار عبد العزيز آل سعود على طريقة أبى سعيد الجنابى القرمطى ، إذ أنشأ من شباب الأعراب فى  ( نجد ) جيشا أسماه (الإخوان )، وكان يقوم بتجميعهم فى معسكرات وقرى مسلحة أسماها ( الهجر ) وكانوا يتعلمون فيها فنون القتال وكتب ابن عبد الوهاب وابن تيمية . وبهؤلاء (الاخوان) أسس عبد العزيز آل سعود دعائم دولته بضم كل نجد ثم الأحساء وعسير والحجاز ، وأسفر هذا عن ذبح (إخوان عبد العزيز) حوالى مليون مسلم فى الجزيرة العربية و الشام والعراق، وإغتصاب آلاف المسلمات بزعم السبى .  و بعد ضم الحجاز 1924 : 1925 إثر عدة مذابح أثارت العالم ضد الاخوان اضطر عبد العزيز الى إبعاد الاخوان عن الحجاز فثاروا عليه سياسيا، فعقد عبد العزيز عدة مؤتمرات للصلح معهم ، وفشلت فثاروا عليه عسكريا فتخلص منهم نهائيا عام 1930 ، ولكن بعد أن أقام بديلا لهم عام 1928خارج دولته ليؤازروه وينشروا دعوته فى الافاق بدون قلاقل . كان البديل فى مصر هم (الاخوان المسلمون) . وبتخلصه من معارضة الاخوان سمى الدولة باسم عائلته ( السعودية ) عام 1932. 

2 ـ تركّز جهادهم فى استحلال الدماء للجميع  ومنهم النساء والأطفال . وهذا أثار الرُعب منهم ،مما ساعد علي سهولة استيلاء عبد العزيز علي بعض المدن كما حدث في ضم مكة والمدينة وجدة . وكان الاخوان يدمرون معسكر العدو ويقتلون كل من يجدونه من البشر دون رحمة ،فاذا كان الهدف مدينة او قرية اضيف الاطفال والنساء والشيوخ الي قائمة الضحايا .ففي هجومهم علي الكويت في معركة الجهرة قتلوا النساء سنة 1920 ،ونفس الحال في هجومهم علي ثريب في شرق الاردن سنة 1924 ،وقتلوا النساء والاطفال والشيوخ عندما افتتحوا الطائف في 7/9/1921 . وسجل المراقبون الاجانب ان الاخوان لايحتفظون بالاسري وانما يذبحون كل من يقع في ايديهم، وكانت الدعوات للانضمام الي الوهابية او الاسلام تحمل التهديد لمن لا يستجيب بالاعدام .وتقول احداها (ان من ينضم الينا يأمن علي ممتلكاته واسرته ). وقيل عنهم انهم ظلوا لعدة سنوات لا يخيفون الاطفال وحدهم وانما الكبار ايضا ..وقد قتلوا جميع الرجال والنساء والاطفال في المنطقة ما بين المويلة وشرق الاردن، وقد ادت هذه الوحشية الي انشاء البريطانيين قلعة بسية التي كانت سبب المعارضة السياسية والحربية بين الاخوان وعبد العزيز .وقد اعترف اثنان من الاخوان الاحياء الي جون حبيب ،وقد قالا انهما شاركا في الغارة التي توغل فيها الاخوان داخل العراق ،وقد استغرقت المسيرة عشرة ايام، وانهما فيما بينهما قتلا حوالي الف شخص ، وكان القتال يجري ليل نهار ،وانهما لم يناما سوي ثلاث ساعات فقط في اليوم ،وكان طعامهما من التمر والخبز والقهوة ،وحفنة من التمر.

3 ـ وعندما تمردوا وهاجموا اخوانهم الوهاببين من اتباع عبد العزيز، فأنهم قتلوا الشيوخ والنساء والاطفال كما ذكر حافظ وهبة القائل تحت عنوان( الاخوان ) (اذ ذكر الاخوان علي حدود العراق او شرق الاردن او الكويت استولي الرعب علي قلوب السكان ،وهب البدو يطوون الصحراء لائذين بالبلاد القريبة منهم يحتمون بجدرانها وابراجها، فهم رسل الذعر والرعب في بلاد العرب ) ثم انطلق في التاريخ لهم الي ان قال (وقد ظهرت قوة الاخوان الحربية في هزيمة اهل الكويت هزيمة منكرة في موقعة حمض سنة 1919،ثم في حصار شيخ الكويت في الجهرة 1920 ،وفي ابادة جيش الشريف عبد الله في موقعة تربة 1919 وفي هجومهم المتكرر علي العراق والكويت وشرق الاردن .) .

أخيرا

فى هذه الشريعة الشيطانية نبتت عقيدة ( التّترس  ) ، والتى تجيز الإحتماء بالمدنيين من النساء والأطفال والشيوخ وإتخاذهم ( ترسا ) ليقتلهم العدو المهاجم  . وهى وضاعة لا حدّ لها ، فالجيش الذى مفترض فيه الدفاع عن المستضعفين هو الذى يختفى بينهم ويعرضهم للقتل . ( حماس ) الوهابية الاخوانية ـ طبّقت شريعة التّترُّس الشيطانية ، فإختبأت فى خنادقها ، تضرب وتختفى ، وتترك أهل غزة للقنابل الاسرائيلية .  ومع ذلك فلا يزال هناك من يؤمن ب ( حماس ).

أين حُمرة الخجل أيها الناس .!

الفصل الرابع : الاجتهاد الشيطانى العملى فى  إضطهاد أهل الكتاب  

  الباب الأول : عن الاجتهاد :  كتاب : ( شريعة الاسلام ):

 أولا :

 التعامل الاسلامى للنبى محمد عليه السلام مع أهل الكتاب :

 1 ـ لعن الله جل وعلا ناقضى العهد والميثاق منهم ، وبعضهم كان لا يزال يعيش فى المدينة ، ونزل الأمر للنبى بالصفح عنهم ( المائدة 13 )

 2 ـ بعضهم كان يخادع المؤمنين يأتى اليهم يعلن إسلامه وهو محتفظ بكفره( المائدة 61 ).

 3 ـ بعضهم خلط الكفر القولى والعقيدى بالكفر السلوكى أى الاعتداء الحربى . ونزل النهى للمؤمنين عن موالاتهم . ومصطلح الموالاة يكون فى الانحياز الحربى لفريق ضد فريق ، وهذا ما إرتكبه بعض المنافقين فى المدينة . بما نفهم منه حدوث إعتداءات منهم على دولة النبى محمد عليه السلام . قال جل وعلا :

3 /1 ـ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (58) المائدة )

3/2  ـ ( وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62)المائدة)

3 / 3ـ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) المائدة ).

4 ـ أولئك الكافرون المعتدون من أهل الكتاب أطلق عليهم رب العزة جل وعلا إسم (اليهود )، وقد جمعوا الكفر القلبى القولى والكفر السلوكى العدوانى الحربى . قال جل وعلا : ( وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)المائدة ).

5 ـ هؤلاء المعتدون من أهل الكتاب لم يسلم من عدوانهم أهل ملتهم ، فكانوا يحاربونهم ويخرجونهم من ديارهم ظلما وعدوانا . فقال جل وعلا فى خطاب مباشر لهم :  ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) البقرة ).

6 ـ بسبب نزعتهم الحربية العدوانية كانوا يقيمون حصونا ومتاريس وقرى محصنة وسواتر ، هذا بينما لم تكن للمدينة حصون ، مما إستلزم حفر خندق لحمايتها ، وإستلزم أن ( ينفر ) أو ( يخرج ) المؤمنون لملاقاة العدوالمعتدى قبل دخوله المدينة .هذه الحصون والتحصينات لم تغن عن اليهود شيئا ، إذ بعد إعتدائهم قذف الله جل وعلا فى قلوبهم الرعب ، فخرجوا وخربوا ديارهم بدون قتال ، أو قاتلوا وانهزموا وجلوا عن بلدهم بإختيارهم .

6 / 1 :  نتدبر قول الله جل وعلا عن هزيمة الأحزاب بالريح والرعب ثم هزيمة حلفائهم اليهود بالرعب ، فنزلوا من ( الصياصى ) أى الحصون وقاتلوا وانهزموا وجلوا . ( وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً (25) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (27) الاحزاب ).هذه الأرض التى ورثها المؤمنون بلا قتال هى عن اليهود المذكورين فى سورة الحشر.

6 / 2 : جاء فى سورة الحشر :

6 / 2 /1  : ( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ (2 ))

 6 / 2 / 2 : ( لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (14)  الحشر )

ثانيا :

إجتهاد الخلفاء الفاسقين الشيطانى العملى فى إضطهاد أهل الكتاب  

هذا موضوع طويل مؤلم . كنا أول من كتب فيه بإستفاضة من عام 1984 وما بعده . نقتصر منه على فرض الجزية ومصطلح أهل الذمة ، وما فعله عمرو بن العاص ، اشهر والى لمصر فى القرن الأول الهجرى ، والذى يمتدحونه بأنه كان رفيقا بالمصريين ( الأقباط )

  فرض الجزية :

قال جل وعلا فى أواخر ما نزل  : ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) التوبة ).ونلاحظ :

1 ـ قتال من جاء توصيفهم بعدم الايمان بالله وباليوم الآخر . ومعلوم أن القتال دفاعى فى الاسلام لرد العدوان بمثله ويتوقف الدفاع إذا توقف العدوان :( البقرة 190 :194 )( الأنفال 39 ). بالتالى فالتوصيف لهم يعنى أنهم إستحلوا الاعتداء ، ولم يجعلوه إعتداءا ( علمانيا ). وبالمناسبة فهو نفس الجريمة الكبرى للخلفاء الفاسقين فى فتوحاتهم وجهادهم الشيطانى.

2 ـ وبعد تحقيق النصر وطرده إلى دياره لا يجوز إحتلال أرضه ، فقط يجب إرغامه على دفع الجزية – وليس على دخول الإسلام – وهي غرامة حربية كالشأن في عقوبة المعتدي.

عمروبن العاص وفرض الجزية على المصريين       
 1 ـ كان من المنتظر أن يدفع البيزنطيون الجزية لعمرو بن العاص بعد أن هزمهم وأجلاهم عن مصر ، ولكن حدث العكس , إذ دفعها المصريون الذين تحالفوا مع عمرو ضد البيزنطيين , ولذلك قصة نعرفها من المقريزي . ونستشهد بالمقريزي في كتابة المشهور "الخطط". فالمقريزي يشير بين السطور إلى مساعدة الأقباط المصريين للعرب الفاتحين ضد الروم , ومنذ أن دخل عمرو بجيشه إلى سيناء متوجها إلى مصر أرسل أسقف الأقباط في الإسكندرية أمرا إلى الأقباط بأن يعاونوا العرب ويتنبأ بزوال دولة الروم , واستجاب الأقباط لتلك الأوامر , وحين نزل عمرو على أسوار مدينة الفرما كان الأقباط أعوانا له يمدونه بالمعلومات والمؤن .والأقباط هم الذين ساعدوا عمرو في فتح الإسكندرية بعد حصارها الشديد , وظلوا شهرين يمدون العرب بالأطعمة والمؤن ويجمعون لهم الأخبار , والأقباط هم الذين استمالوا القائم على حراسة أبواب الإسكندرية – وكان قبطيا – ففتح أبوابها للعرب فاقتحموها. والمنتظر بعد هذا أن يحفظ عمرو الجميل للأقباط الذين ساعدوا جيشه الضئيل على فتح بلدهم بغضا منهم في الروم البيزنطيين .  ولكن الذي حدث أن المقوقس – الوالي الرومي – هو الذي أقنع عمرو بأن يدفع الأقباط الجزية بدلا من الروم..فبعد حصار حصن بابليون الذي استمر سبعة اشهر أقتحم العرب أبواب الحصن فأضطر المقوقس للتفاوض علي أن يدفع الأقباط الجزية للعرب دينارين عن كل رجل ،لأن الروم لن يقبلوا دفع الجزية ولن يقبل العرب إلا بالجزية أو الإسلام أو الحرب , وهكذا نجا المقوقس من غرامة الجزية التي يرفض الروم دفعها , ودفعها الأقباط الذين ساعدوا عمرو في الفتوح , بل أنه فرض عليهم إلى جانب الجزية القيام بضيافة العرب في قراهم ثلاثة أيام . وعمرو بن العاص الأموي كان رائدا للدولة الأموية في شراهتها في جمع الجزية من الأقباط وغيرهم , وحتى من أ سلم من الأقباط كانوا لا يعفونه من دفع الجزية، والاستثناء الوحيد من خلفاء بني أ مية كان الخليفة عمر بن عبد العزيز في حكمه القصير الذي رفع الجزية عمن أسلم فكتب إليه والي مصر حيان بن شريح يخبره  بتناقص الجزية بهذا القرار فكتب إليه عمر بن عبد العزيز يؤنبه ويقول له : ضع الجزية  عمن أسلم قبح الله رأيك فإن الله إنما بعث محمد هاديا ولم يبعثه جابيا..!! وظلت الجزية نقطة سوداء في تاريخ الولاة الأمويين والعباسيين يدفعها من بقى على دينه من المصريين إلى نهاية العصر المملوكي سنة 921 هـ / 1517 م ، وجاء الفتح العثماني ففرض جزية على المصريين جميعا ، وظلت الخزانة المصرية تدفعها لتركيا بصورة عادية حتى تنبه لها عبد الناصر وألغاها ..!!

عمرو بن العاص يسلب كنوز المصريين بالقتل والارهاب

 1 ـ وشرهت نفس عمرو لكنوز الآثار المصرية وذهبها المدفون وما يتم الكشف عنه ، يقول المقريزى أن عمراً أعلن لأهل مصر: أن من كتمنى كنزاً عنده فقدرت عليه قتلته!!. ونشر عمرو عيونه تتحسّس وتتجسّس عن من لديه كنوز فرعونية . ويذكر المقريزى أن عمرو بن العاص جاءته إخبارية بأن مصريا  من الصعيد اسمه بطرس لديه كنز فرعونى، فحبسه عمرو واستجوبه فأصر الرجل على الإنكار، وعلم عمرو بذكائه مكان الكنز فاستولى عليه وقتل المصرى وعلق رأسه على باب المسجد، ليرهب المصريين ، فارتعبوا ،ومن كان منهم عنده كنز أسرع بتسليمه إلى عمرو. ويذكر المقريزى أن عمراً اعتقل مصريا آخر اتهمه بممالاة الروم واستجوبه ، وكانت التهمة ملفقة وبهدف إبتزاز الرجل المسكين ، بدليل أن عمرو بن العاص أطلق سراح الرجل بعد أن حصل منه على أكثر من خمسين أردباً من الذهب..!!.نكرّر ( 50 إردبا من الذهب .!!)..وهذا من رجل واحد فقط ..

2 ـ ومن مجموع هذه المصادرات تضخمت ثروة عمرو الشخصية من هذا السلب والنّهب . وحين حضرته الوفاة استحضر أمواله فكانت (140) أردباً من الذهب، وقال لولديه: من يأخذ هذا المال؟ فأبى ولداه أخذه وقالا له: حتى ترد إلى كل ذى حق حقه. ومات عمرو واستولى الخليفة معاويةعلى كل تلك الأموال التى خلفها عمرو فى ميراثه وقال: نحن نأخذه بما فيه .. أى بما فيه من ظلم وسحت..!! ومع ذلك فإن عمرو بن العاص ــ بكل جرائمه ـ كان أفضل ممّن جاء بعده .

 مصطلح أهل الذمة :

1 ـ لم يأت لفظ الذمة في القرآن الكريم إلا في موضعين في الحديث عن طبيعة مشركي العرب البدوية العدوانية , وكيف أنهم لا يراعون عهدا ولا ميثاقا ولا ذمة إذا انتصروا ( التوبة 8 ، 10 )  . وظهر مصطلح أهل الذمة بعد الفتوحات العربية ضمن مصطلح آخر هو " الموالي" ليضع توصيفا للشعوب التي إحتلها الخلفاء الفاسقون .والمعنى واحد لأهل الذمة والموالي في أنهم أتباع ورعية العرب الحاكمين , وبالتالي هم مواطنون من الدرجة الثانية أو أقل .. والدليل العملي على ذلك هو ما عاناه الموالي من أبناء العراق وإيران , وما عاناه أهل الذمة من الأقباط في العصر الأموي تحت وطأة الاضطهاد والاستعلاء .  

2 ـ وبينما دخل مصطلح " الموالي " إلى متحف التاريخ بعد أن تمتع أبناء الفرس والعراق بحقوقهم في الدولة العباسية التي أسهموا في تأسيسها , فإن مصطلح أهل الذمة بقى مستعملا وصمة عار على كل من تمسك بدينه من أبناء الشعوب غير العربية , وكان المسيحيون العرب فى الدولة الأموية بمنجاة من هذا المصطلح وأثاره الجانبية لأنهم عرب، وتعصّب الأمويون  للعرب . أما المسيحيون في الشام والعراق ومصر فقد حملوا ذلك الوصف على كاهلهم ، وقاسوا تحته أوزار الاضطهاد العنصري فى الدولة الأموية ثم الاضطهاد الديني فى الدولة العباسية وما تلاها . وتم تقنين تلك النظرة الاستعلائية المخالفة للقرآن الكريم في كتب الفقه فيما يخص التعامل مع أهل الملل الأخرى ، وأحدثوا لها كيانا تشريعيا من أحاديث مفتراه نسبوها للنبي عليه الصلاة والسلام تبيح اضطهاد أهل الكتاب والاستعلاء عليهم .

 الباب الثانى : الاجتهاد الشيطانى النظرى 

الفصل الأول : الاجتهاد الشيطانى الفقهى النظرى فى قتل المسالمين وجعله تشريعا إلاهيا 

 أولا :

1 ـ نحن أول من قام بتعريف الاسلام السلوكى بمعنى الأمن والسلام فى التعامل مع الناس والسلام القلبى بمعنى التقوى فى التعامل مع الخالق جل وعلا ، ومعنى الكفر والشرك المناقض للاسلام . أديان المحمديين الأرضية هى المسئولة عن تغييب هذه الحقائق الاسلامية القرآنية ، ومنها أن مناط تطبيق الشريعة هو فى السلوك الظاهرى ، وليس فيما تخفيه القلوب . 

2 ـ يقول جل وعلا فى ثلاث آيات متتابعات من سورة النساء :

2 / 1 : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (92). أى ليس  مٌتصوّرا أن يتعمّد مؤمن قتل مؤمن شريك له فى الاسلام السلوكى . تحديد التعمُّد هنا مرجعه للقاتل وللخالق جل وعلا الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور . وبالتالى فهنا تشريع متوقف تطبيقه على تقوى أو عدم تقوى القاتل .

2 / 2 : ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً (93) . هذا المؤمن المسالم إذا تم قتله عمدا فالجزاء خلود فى جهنم وعذاب عظيم وغضب الرحمن جل وعلا ولعنته . لاحظوا أن هذا فى قتل شخص واحد ؟ فما بالكم فى قتل الملايين فى عصور الخلفاء الفاسقين ؟ نشرنا هنا كتابا عن ( مسلسل الدماء فى تاريخ الخلفاء  )

https://ahl-alquran.com/arabic/book_main.php?main_id=147

2 / 3 : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (94). هنا تحديد المؤمن المُسالم . إنه الذى يُلقى تحية الاسلام ( السلام عليكم ) ،حتى لو كان جنديا فى جيش معتدى ثم إختار السلام .!

ثانيا :

 الأفظع من قتل المؤمن المسالم هو تسويغ وتشريع قتله . هذا يكون قتلا للناس جميعا .

1ـ أول حرب عالمية فى التاريخ حدثت بين ابنى آدم حين قتل أحدهما الآخر، ولم يكن القتيل قد ارتكب جريمة فى حياته، أى قتله القاتل بدون سبب موجب للقتل.

يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقّ إِذْ قَرّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبّلْ مِنَ الاَخَرِ قَالَ لأقْتُلَنّكَ قَالَ إِنّمَا يَتَقَبّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتّقِينَ. لَئِن بَسَطتَ إِلَيّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنّيَ أَخَافُ اللّهَ رَبّ الْعَالَمِينَ﴾ (المائدة 27، 28).

كان مفهوم القتل وإزهاق النفس معلوماً لدى الأخوين، وكان مفهوم الخطأ فى القتل للنفس البشرية معلوماً أيضاً، خصوصاً لدى الأخ الضحية الذى آثر عدم الدفاع عن نفسه لأنه يخاف الله رب العالمين وقال لأخيه ﴿إِنّيَ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النّارِ وَذَلِكَ جَزَآءُ الظّالِمِينَ﴾ (المائدة 29). ولم يكن أثم القتل وذنبه بعيداً عن عقل الأخ المعتدى، لذلك فإنه بعد أن هدد أخاه بالقتل لبث فترة متردداً ثم أصدر فتوى بأن يقتل أخاه،أو استحل قتل أخيه ، أو بتعبير القرآن ﴿فَطَوّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (المائدة 30). ولأنها أول جريمة فى التاريخ ولأن آدم أباهما كان لا يزال حياً لم يمت بعد، ولأن جثة القتيل كانت أول جثة فى تاريخ البشر فإن الله سبحانه وتعالى بعث غراباً يعلم القاتل كيف يدفن جثة أخيه القتيل ﴿فَبَعَثَ اللّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ (المائدة 31).

2 ـ إن محور القضية يتركز فى قوله سبحانه وتعالى عن القاتل ﴿فَطَوّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وبمعنى آخر، إن التركيز هنا ليس على جريمة القتل فحسب، بل على ما هو أخطر من القتل وهو الإفتاء بالقتل ظلماً،أو استحلال القتل المحرم أو تشريع القتل لنفس لا تستحق القتل. والتعبير القرآنى هنا بالغ الدلالة وهو ﴿فَطَوّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ أى أباحت وشرعت وأصدرت فتوى بقتل أخيه، وبعد ذلك التشريع جاء التنفيذ فقتله.. وبعدها كانت النتيجة ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾!! ولأن محور القضية فى التنبيه على خطورة الإفتاء بالقتل ظلماً فإن الله سبحانه وتعالى بعد أن ذكر القصة انتقل مباشرة إلى الهدف منها فقال ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَىَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ أَنّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنّمَا قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنّمَا أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً..﴾ (المائدة 32).﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ أى من أجل ما سبق فى القصة من استباحة ابن آدم قتل أخيه الذى لا يستحق القتل. ﴿كَتَبْنَا عَلَىَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ﴾ أى فرضنا فى التشريع فى التوراة. ﴿أَنّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أى من قتل نفساً لم ترتكب جريمة قتل أو قتل نفساً خارج القصاص، وذلك هو المعنى الظاهر..﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ﴾ والفساد فى الأرض هنا وصف لجريمة قتل النفس غير المستحقة للقتل، لذلك جاءت كلمة فساد مجرورة بالكسر..﴿فَكَأَنّمَا قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً﴾ 

3 ـونتساءل : كيف يكون قتل نفس واحدة مساوياً لقتل الناس جميعاً؟ أو بمعنى آخر لنفرض أن شخصاً قتل رجلاً واحداً، وأن رجلاً آخر قتل مليون رجل فهل يتساوى هذا وذلك فى مقدار الجريمة؟.بالطبع لا. إذن فالقرآن الكريم هنا لا يتحدث عن مجرد جريمة القتل، وإنما يتحدث عن الجريمة الأخطر والأفدح وهى الإفتاء بالقتل ظلماً، أو بالتعبير القرآنى الذى هو محور القصة ﴿فَطَوّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ أى فالذى يفتى بقتل نفس لم تقتل نفساً أو غير مستحقة للقتل أو قتل نفس خارج القصاص فكأنما قتل الناس جميعاً، لأنه باختصار أصدر فتوى قابلة للتنفيذ والتطبيق فى كل عصر وفى كل مكان.. أى أصدر فتوى تقتل الناس جميعاً.ذلك أن السبب الوحيد لقتل النفس هو القصاص، أو قتل القاتل قصاصاً، وذلك حكم الله، فإذا تجاوزنا حدود الله وشرع الله وحكمنا بغير ما أنزل الله فقد أصدرنا حكماً بالإعدام على الناس جميعاً، إذن فقوله تعالى مَن ﴿قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ﴾ لا تتحدث عن مجرد القتل ولكن عن جريمة أخطر وهى الإفتاء بقتل من لا يستحق القتل، ولذلك جاء الوصف بالفساد لتلك الجريمة فقال ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ﴾ ولذلك فإن تشريع القتل خارج القصاص أشد أنواع الفساد.

4 ـ ثم يوضح القرآن الكريم المقصود وإنه الإفتاء الظالم وليس مجرد القتل فيقول تعالى ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنّمَا أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً﴾ ومن الطبيعى أنه لا يمكن للقاتل أن يعيد القتيل للحياة، إذن فالمراد واضح وهو أن الجرم الأكبر هو الإفتاء بالقتل ظلماً ومن حارب الإفتاء بالقتل وأثبت إنه تشريع ما أنزل الله به من سلطان فإنه ينقذ الناس جميعاً من تلك الفتاوى المدمرة والسامة، أو كأنه أحيا الناس جميعاً. فالذى يصدر تلك الفتاوى الإجرامية يقتل الناس جميعاً، والذى يحاربها ويظهر بطلانها ينقذ من شرها الناس جميعاً.. ذلك معنى قوله تعالى ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَىَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ أَنّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنّمَا قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنّمَا أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً..﴾ (المائدة 32).

ثالثا :

الاجتهاد الفقهى فى قتل المؤمن المسالم

نماذج من فتاوى ابن تيمية :

1 ـ المعتاد أنهم أباحوا قتل المرتد وتارك الصلاة والزانى المُحصن ، وصاغوافى ذلك أحاديث . وقالوا إن التعزير هو أقل من خمسين جلدة . تطرف إبن تيمية فرفع عقوبةالتعزير الى القتل ، وتطرّف أكثر فأوجب القتل على من يخالفه فى الرأى حتى فى الأمور البسيطة  كالذى يجهر بالنية فى الصلاة والذى لا يلتزم بأدائها فى وقتها والذى لا يشارك فى صلاة الجماعة مع حضوره فى المسجد ، كل ذلك إن لم يتب . ويفتى بقتل جميع خصومه متهما إياهم بالنفاق .

2 ـ الأخطر من هذا إفتاؤه بقتل ( الزنديق ) ، وهو المسلم السُنّى المؤمن بالأحاديث ، ولكن له وجهة نظر يختلف فيها مع إبن تيمية . ومعلوم أن الاختلافات فى الأحاديث وفى الحكم على رواتها أمر شائع ، ولكن الحنبلى إبن تيمية يجعله زنديقا ، ويرجح قتله بلا استتابة ، وكرّر هذا كثيرا ، يقول مثلا : ( والزنديق‏:‏ هو المنافق، وإنما يقتله من يقتله إذا ظهر منه أنه يكتم النفاق. ) أى يجعل سلطة الاتهام وتنفيذ القتل لكل شخص. ويقول عمّن جعلهم منافقين ضالين حتى :( ‏وإن أظهروا الإسلام، وكان في بعضهم زهادة وعبادة،)ويقول : ( وهؤلاء منافقون كفار يجب قتلهم بعد قيام الحجة عليهم‏.‏). ويقول : ( وإن أضمر ذلك كان زنديقًا منافقًا ،لا يستتاب عند أكثر العلماء، بل يقتل بلا استتابة،إذا ظهر ذلك منه‏.‏). الذى يهمنا هنا هو حكمه على الضمائر  ، ويوجب قتلهم فورا وبلا إستتابة .!!

3 ـ ويحكم بقتل كل الصوفية والمعتزلة والشيعة . كما يحكم بقتل المستحلين للمعاصى كالزنا والشذوذ  ، يقول : ‏(‏من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعولبه‏)‏‏.‏ ويحكم بقتل من يسقطون التكاليف الشرعية ومن يدمن ( السّماع ) أى الغناء الصوفى.

4 ـ ولم ينج الأطفال من تشريع ابن تيمية بالقتل العام لهم . فهو يجيز قتل الطفل إذا صال ، أى إذا هاجم وإعتدى. بل يوجب قتل الطفل حين التوقع بأنه حين يكبر سيكون صائلا معتديا .! ،  ويضيق الصدر عن ذكر كل ما ذكره إبن تيمية .

رابعا :

ولكن فقهاء الإخوان ( المعتدلين ) فى عصرنا الردىء كرّروا مفتريات إبن تيمية فى هذا الفقه الدموى . 

ـ  ففى قتل المرتد جعلوا السبب هو إنكار معلوم من الدين بالضرورة. (والمعلوم من الدين بالضرورة) مصطلح فقهى متأخر غير محدد وغير متفق عليه، فلا توجد قائمة متفق عليها بذلك المعلوم من الدين بالضرورة عندهم ، وكل فقيه يضع قائمة للمعلوم من الدين بالضرورة مختلفة عن الآخر، تعبر عن هواه .

ـ قتل الزنديق : أفتوا بقتله دون إعطائه فرصة المحاكمة حتى لا يتمكن من الدفاع عن نفسه وتبيين حجته، أى يحرمونه من الاستتابة!!. ويقول كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) بقتل الزنديق بعد الإطلاع عليه بلا طلب توبة منه، وهو الذى كان يسمى منافقاً فى زمن النبى ولابد من قتله وإن تاب..!!.  هو عندهم يستحق القتل حتى ولو تاب، ولأنه صاحب حجة ومعه الأدلة والبراهين فإن الكهنوت الفقهى يحرمه من المحاكمة التى يتفضل بها على المرتد الكافر العادى، والسبب أن المرتد العادى ليست لديه حجة يخشى منها الكهنوت الفقهى، أما من اتهموه بالزندقة فلديه الحجة والبرهان ولأنهم لا يستطيعون مواجهته بالحجة فى المحاكمة فلا داعى لمحاكمته والأفضل قتله سريعاً.. يقول الشيخ سيد سابق أن الزنديق هو الذى يعترف بالإسلام ظاهراً وباطناً، إذن هو مؤمن بالقلب واللسان، فكيف يكون زنديقاً؟ يقول الشيخ مستدركاً "لكنه يفسر بعض ما ثبت من الدين بالضرورة بخلاف ما فسره الصحابة والتابعون وأجمعت عليه الأمة".أى هو زنديق لأنه اجتهد وجاء بآراء جديدة تخالف ما وجدوا عليه آباءهم  وليس مهما إن معه الدليل، إنما المهم أن أدلته تخالف أهواءهم .

أخيرا

الويل لوطن يحكمه دين أرضى شيطانى .!

 التعليقات

بن ليفانت

وجهة نظر
مقدمًا ألفت الانتباه أن المقال قد كُرر هنا وفي نفس النص (على الأقل هذا يظهر عندي).

تبعًا لما جاء في المقال "تحديد التعمُّد هنا مرجعه للقاتل وللخالق جل وعلا الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور . وبالتالى فهنا تشريع متوقف تطبيقه على تقوى أو عدم تقوى القاتل." أفهم من هذا أنه طالما يصرح أو يزعم القاتل أنه لم يقتل متعمدًا، لا يجوز تطبيق عقوبة القتل عليه "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق"، يعني أن القتل بالحق لا يمكن لي تطبيقه إلا في حالة الحرب، أو بصورة عامة عندما يعتدي أحد علي. لكن لنفترض أن أحدًا اعتدى علي بعصاة، وكان معي هراوة فضربته بها ومات صاحبنا، ثم قدمت اعتذاري وبأنني لم أكن أقصد قتله، فماذا بعد؟ وكيف يُعطى أولياء المظلوم في الآية التالية الحق بالقتل (دون اسراف)، إذا زعم القاتل إنه لم يتعمد القتل؟  
وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا ‎﴿الإسراء: ٣٣﴾هل هناك آلية مسموح بها شرعًا، غير الإقرار بالقتل المتعمد، تثبت التعمد بالقتل؟ طبعًا مع العلم بأن الآية 45 من سورة المائدة "...النفس بالنفس..." كانت قد شُرّعت لأهل الكتاب، ولو آمن هؤلاء بما جاء به القرآن، لتخلصوا من هذه العقوبات.

أحمدصبحى منصور

شكرا استاذ بن ليفانت وأقول:
آيات التشريع فى القرآن الكريم ـ فى الأغلب ـ تنتهى بالحث على التقوى . حتى فيما يخص التعامل مع الناس تكون التقوى هى الأصل.  والله جل وعلا يؤاخذنا بما تعمدت قلوبنا . ومن السهل خداع الناس والسُّلُطات بتوبة ظاهرية ، ولكنها لا تُجدى شيئا يوم القيامة. والذى يتقى الله جل وعلا يوقن أن عذاب الآخرة سيكون بالسيئات التى ارتكبها العاصى فى دنياه فتتحول الى نار. وأن تكفيرها وغفرانها ـ أى تغطيتها وتحييدها سيكون يوم الدين. وهو يوقن أن كل عذابات الدنيا لو اجتمعت على شخص واحد فليست بشىء فى لحظة عذاب فى جهنم الخالدة ، وأن كل نعيم الدنيا لو كان لشخص واحد فليس بشىءء فى خلود النعيم الأخروى. الايمان باليوم الآخر هو الحاضرالغائب فى التشريع.

الفصل الثانى : إحتكارهم الاسلام وهم ألدُّ أعدائه

  مقدمة :

1 ـ الأرضية التاريخية لتصرفات المسلمين فى القرن الأول الهجرى بعد وفاة خاتم النبيين عليه السلام كانت هى المصدر التى نبتت فيه أديانهم الأرضية والتى تتناقض بصدق مع الاسلام . كانت المشكلة الكبرى لديهم إنهم ارتكبوا ما شاءوا  تحت اسم الاسلام وشريعته. وإذن كان لا بد لهم من تبديل مصطلحات الاسلام وشريعته بالتحوير والتحريف والاضافة حتى يحققوا نوعا من المواءمة الظاهرية بين استعمالهم لاسم الاسلام وتصرفاتهم النابعة من أديانهم الأرضية المناقضة للاسلام.

2 ـ  ولأن أديان المسلمين الأرضية تحمل اسم الاسلام وتتناقض معه فى نفس الوقت فقد كان حتما أن يقوم أصحابها بتيديل وتحريف التشريعات الاسلامية الأصيلة لكى تحتل محلها تشريعاتهم الأرضية ولكى تحمل اسم الاسلام زورا وبهتانا. لذلك فان تشريعاتهم الأرضية حين تعارض القرآن الكريم فانهم يتجاهلون التشريع القرآنى أو يقررون أنه منسوخ بمعنى أنه ملغى وباطل استعماله ، وفى نفس الوقت ينسبون تشريعاتهم الأرضية للنبى محمد عبر أحاديث أو أقاويل ينسبونها له بعد موته بقرنين وأكثر من الزمان عبر ما يعرف بالاسناد  ، وبهذا الاسناد المفترى يكون حديثا نبويا ووحيا إلاهيا وجزءا من الاسلام . وبها كان يتم ادخال التشريعات الأرضية المناقضة لتشريعات الاسلام الحقيقية، بل ويتم تطبيقها فى غيبة التشريعات الاسلامية الحقيقية المناقضة لها. ومن وسائلهم أيضا ( نسخ ) بمعنى إلغاء التشريعات القرآنية ، مع إن النسخ يعنى الإثبات والكتابة . وأنهم تجاهلوا الجانب الأخلاقى فى القرآن الكريم والذى نزل معظمه فى مكة ليؤهل الناس لتطبيق شريعة الاسلام عن طريق اعدادهم خلقيا وعقيديا ، أو السمو بهم أخلاقيا ليكونوا أهلا لتطبيق تفصيلات التشريع التى نزلت فيما بعد فى المدينة ، مع التلاعب بأُسس التشريع القرآنى . وسنعرض لكل هذا .

 أولا :

ولكن الأهم هو تلاعبهم بمصطلح الاسلام والايمان والكفر والشرك  . فقد احتكروا لأنفسهم الاسلام والايمان  وأتهموا من يخالفهم بالكفر والشرك. وجعلوه مسوّغا لهم لحرب من يخالفهم فى الدين ، والذى لم يقم بالاعتداء عليهم ، شنوا عليه الحرب معتدين ، ونتج عنها إحتلال أرضه وسلب ثرواته وفرض الجزية عليه وإسترقاق ذريته وإغتصاب نسائه باسم السبى ، ومعاملة المواطنين أصحاب الأرض على أنهم ( أهل ذمّة) من الدرجة الثانية .  كل هذا ظلم فظيع ، الأفظع منه نسبه الى شرع الله جل وعلا الذى لا يريد ظلما للعباد والذى لا يحب المعتدين . أرتكب هذا الظلم الهائل الخلفاء الفاسقون من أبى بكر ومن جاء بعده ،  وجاء العصر العباسى فوضع التشريعات الفقهية لهذه الجرائم العظمى ، وزعم أنها الاسلام . إختلفوا حول الغنائم والثروات فنشبت الفتنة الكبرى بعد مقتل عثمان ، وأدت الى إنقسامهم ، وترتب على هذا الانقسام أن تحولوا الى أديان متعارضة ، واتهموا بعضهم بعضا بالكفر والشرك . وأصبح بأسهم بينهم شديدا ، وصيغت تشريعات فى قتل المخالف فى الدين حتى الأطفال والنساء والشيوخ . وحتى الآن لا يزال محتدما الصراع بين الشيعة والسنة ،    يحتكر فيه كل فريق الاسلام متهما الآخر بالكفر والشرك . وبرغم أننا سبق وقد كررنا معنى الاسلام ومعنى الكفر إلا أننا نعيد التذكير به تفصيلا ،  ليكون معيارا نستند اليه فى باقى ملامح التناقض بين شريعة الاسلام وأديان المسلمين الأرضية. إذ لا يزالون يربطون أديانهم بالاسلام ، وهم ألدُّ أعدائه . ويكفى أن الارهابيين فى عصرنا  يسميهم العالم ( إسلاميين ) .!

 ثانيا :

معنى الاسلام ومعنى الكفر والشرك والطاغوت

1-الاسلام في معناه القلبي الاعتقادي هو التسليم والانقياد لله تعالي وحده . وليس لأحد من البشر ان يحاسب انسانا بشأن عقيدته ،والا كان مدعيا للالوهية.والقرآن يؤكد علي تأجيل الحكم علي الناس في اختلافاتهم العقيدية الي يوم القيامة والي الله تعالي وحده (2/ 113)(3/ 55) (10/ 93،) (16 / 124) (5/ 48 ) (39/ 3،7،46).هذا هو معني الاسلام الباطني القلبي الاعتقادي ، هو فى التعامل مع الله تعالي استسلام وخضوع له بلغة القلوب ،وهي لغة عالمية يتفق فيها البشر جميعا، وعلي اساسها سيكون حسابهم جميعا امام الله تعالي يوم القيامة.

2 ـ اما الاسلام في التعامل الظاهري فهو السلم والسلام بين البشر مهما اختلفت عقائدهم يقول تعالي (يا ايها الذين أمنوا ادخلوا في السلم كافة )البقرة 208 .أي يأمرهم الله تعالي بايثار السلم .ونتذكر هنا تحية الاسلام الا وهي السلام وان السلام من اسماء الله تعالي، كل ذلك مما يعبر عن تأكيد الاسلام علي وجهه السلمي ويؤكد المعني الايمان بمعني الامن والامان .

3ـ والانسان الذي يحقق الاسلام السلوكى في تعامله مع الناس فيكون مسالما لا يعتدي علي احد ،ويحقق الاسلام العقيدى في تعامله مع الله تعالى فيسلم قلبه وجوارحه لله تعالي وحده ،هذا الانسان يكون مستحقا للسلام عند الله تعالي يوم القيامة،  لذلك فان الله تعالي يعدهم بالسلام و الامن فى الجنة (15 / 46) والجنة هى دار السلام  (6 / 127) والسلام هو تحية أهل الجنة ( 13 / 24 ) ( 10 /10 ) ( 36 / 58 )

مفهوم الكفر والشرك فى القرآن الكريم

1 ـ الكفر و الشرك سواء, هما قرينان فى مصطلح القرآن لذلك يأتيان مترادفين فى النسق القرآنى. ( 9 / 1 ، 2 ، 17 ) ( 40 /42 ). الكفر فى اللسان العربي يعنى التغطية, أى كفر بمعنى غطى , ومثلها أيضا " غفر" ومنه المغفر الذى يغطى الوجه فى الحرب. وكلمة "كفر" أى غطى انتقلت الى لغات أخرى منها الأنجليزية : [Cover].  

2 ـ لقد خلق الله تعالى البشر بفطرة نقية لا تعرف تقديسا الا لله تعالى ولا تعرف غيره جل وعلا ربا والاها و معبودا ووليا وشفيعا ونصيرا ( 30 / 30 ). ثم تأتى البيئة الأجتماعية وموروثاتها الدينية فتغطى تلك الفطرة النقية بالاعتقاد فى آلهة وأولياء و شفعاء ينسبونهم الى الله تعالى زورا , ويزعمون أنها  تقربهم الى الله تعالي زلفا أو أنها واسطة تشفع لديه. ذلك الغطاء او تلك التغطية هى الكفر بالمعنى الدينى . و فى نفس الوقت فان ذلك هو أيضا شرك لأنه حوّل الألوهية الى شركة وجعل لله تعالى شركاء فى ملكه ودينه.

3 ـ وفى الواقع فان فى داخل الكفر والشرك بعض الأيمان حيث يؤِمنون بالله ايمانا ناقصا اذ يجعلون معه شركاء فى التقديس ، أو يأخذون من مساحة التقديس  ـ التى ينبغى أن تكون لله تعالى خالصة ـ ويعطونها لمن لا يستحقها من البشر و الحجر. وبهذا يجتمع  ذلك الايمان ـ الناقص ـ بالله تعالى مع الايمان بغيره أي بتأليه البشر و الحجر , ووصف الله تعالى أن أكثرية البشر لا تؤمن بالله إلا أذا آمنت معه بغيره ، وهذا هو حال المشركين ، ( 12 / 106 ). أى أن الشرك يعنى وجود إيمان بالله لكنه إيمان ناقص حيث يؤمن بالله تعالى ويؤمن أيضا بوجود آلهة أخرى معه. وهذا الايمان الناقص فى عقيدة الشرك سيؤدى بأصحابه الى النار يوم القيامة ، وسيقال لهم وقتها أنهم كانوا إذا قيل لهم فى الدنيا آمنوا بالله وحده رفضوا ولم يؤمنوا بالله إلا إذا جعلوا معه شريكا وحولوا الالوهية الى شركة بين الله تعالى وغيره ( 40 / 12 ). والله تعالى لا يأبه بذلك الايمان القليل لأنه " كفر" أى غطى الفطرة بتقديس غير الله . والفطرة كما جاء فى القرآن الكريم تجعل الالوهية لله وحده . وقد لعن الله تعالى الكافرين بسبب إيمانهم القليل بالله ( 4 /  46.) وأكد أن أيمان الكافرين القليل لن ينفعهم يوم القيامة ( 32  /29 ).

4 ـ الكفر ليس هو الالحاد أى الانكار التام لوجود الخالق جل و علا  . إن الله تعالى ذكر فرعون نموذجا لاكثر البشر كفرا والحادا؛ بلغ به الحاده الى ادعاء واعلان الربوبية العليا، ووصل به تحديه لله تعالى أن يتساءل ساخرا عن الله تعالى منكرا وجوده لأنه ما علم الاها للمصريين سواه ـ يقصد نفسه.( 79/  :23   :  24) ( 28 /38) (40 / 36 ـ37). هذا الملحد الأكبر كان فى داخله يؤِمن بأن لله تعالى ملائكة  (43/  53) (7 / 127)" ولكنه انخدع بالملك والسلطان والتراث الدينى الذى يزكى طغيانه والكهنة والجند يؤازرونه فازداد طغيانا وتحدى رب العزة جل وعلا. وحين زال عنه سلطانه وجنده وكهنته وكهنوته و أدركه الغرق انكشف غطاء الوهم ورجع سريعا الى فطرته التى غطتها موروثات الشرك ,واعلن اسلامه فى الوقت الضائع حيث لا يجدى الندم ولا التوبة( 10 /  90 ـ ) و أصبح مثلا فى القرآن الكريم لكل مستبد يصل به استبداده الى الالحاد والتأله. ان اعتى الملحدين فى عصرنا لا يستطيع الغاء الفطرة فى داخله, ومهما اعلن انكاره لله جل وعلا فانه عندما يتعرض للمرض أو الغرق أو المصائب يرجع ذليلا لربه جل وعلا، وقد يعود الى عتوه بعد زوال المحنة( 10 / 22 ـ 9) ( 39 / 8 ، 49 ) ( 17 / 67 ـ ) و قد يظل في غيه الى لحظة الاحتضار . وهنا يصبح اسيرا بين يدى خالقه يصرخ حيث لا يسمعه البشر من حوله وحيث لا ينفع الندم ولا تجدى التوبة.

5 ـ وفى كل الأحوال فان الشرك والكفر يعنيان معا الظلم والاعتداء.

وقد وصف الله تعالى الشرك بالله بأنه ظلم عظيم (13  /  31) فأعظم الظلم أن تظلم الخالق جل وعلا وتتخذ الاها معه ، وهو خالقك ورازقك، وهذا طبعا فى التعامل مع الله جل وعلا . أما فى التعامل مع البشر فإذا تطرف أحدهم فى ظلم الناس بالقتل والقهر والاستبداد ومصادرة الحقوق الأساسية للانسان فى المعتقد والفكر ، أصبح هذا الظالم مشركا كافرا بسلوكه الظالم مع الناس ، ولا شأن لنا بما فى قلبه أو بعقيدته التى يتمسح بها أو يعلنها. نحن هنا نحكم فقط على جرائمه الظاهرة من قتل للابرياء واعتداء على الآمنين وقهر للمظلومين . أما عقيدته وعقائدنا فمرجع الحكم فيها فالى الله تعالى يوم القيامة.والقرآن يؤكد علي تأجيل الحكم علي الناس في اختلافاتهم العقيدية الي يوم القيامة والي الله تعالي وحده .  

6 ـ وعليه فكما للاسلام معنيان (الايمان بالله وحده الاها والانقياد والاستسلام لله وحده)  حسب العقيدة القلبية فى التعامل مع الله، و( الأمن والثقة والسلام )فى التعامل مع كل الناس ، فان الشرك والكفر يعنيان معا الظلم والاعتداء. الظلم لله تعالى والاعتداء على ذاته بالاعتقاد فى آلهة أخرى معه ، وتقديس غيره ، فيما يخص العقيدة ، والظلم والاعتداء على البشر بالقتل للابرياء وسلب حقوقهم وقهرهم، في التعامل مع الناس.  وبينما يكون لله تعالى وحده الحكم على اختلافات البشر فى أمور العقيدة ـ من اعتقاد فيه وحده أوبالعكس مثل إتخاذ أولياء وآلهة معه أو نسبة الابن والزوجة له ـ  فإنه من حق البشر الحكم على سلوكيات الأفراد وتصرفاتهم ، إن خيرا وإن شرا. إن كانت سلاما وأمنا فهو مؤمن مسلم ، وإن كانت ظلما وبغيا فهو مشرك كافر بسلوكه فقط.  

7 ـ الطاغوت أعتى الكفر والشرك والظلم

يمكن للقارىء أن يتأكد من هذا إذا راجع كلمة الطاغوت وسياقها القرآنى . هناك مجرم عادى يقتل الأبرياء كل يوم دون مبرر دينى، وهناك مستبد علمانى يقهر شعبه تحت شعار  الوطنية أو القومية دون أن يتمسح بالدين أو أن يحمل إسم الله تعالى. هذا القاتل الظالم وذلك المستبد العلمانى يوصفان بالكفر والشرك حسب إجرامهما السلوكى. ولكن بعضهم يسوّغ ظلمه للبشر واعتداءه عليهم بتشريعات وأقاويل ينسبها لله تعالى ورسوله ، ويجعل سفك الدماء وغزو المسالمين جهادا وفريضة دينية ، كما فعل الخلفاء الفاسقون فيما يسمى بالفتوحات الاسلامية  وكما يفعل حاليا الارهابيون الذين يزعمون أن إجرامهم الارهابى جهاد . هنا يكون ظلمهم لله تعالى وللناس مضاعفا. هنا يمتد طغيانهم ليشمل الله تعالى ودينه ووحيه و الناس أيضا. هذه الحالة من الطغيان المركب والمضاعف يسميه القرآن الكريم : ( الطاغوت ) اى الافك والتزييف المسىء المنسوب ظلما وعدوانا لله تعالى والذى يتمسح بدينه بالكذب والبهتان.

وفى مصطلح القرآن فإن الطاغوت هو إمام المشركين الظالمين وهو الذى اليه يرجعون وبه يتمسكون. وإذا تدبرنا السياق القرآنى الذى وردت فيه كلمة الطاغوت فى القرآن وجدناها تنطبق فى عصرنا على ما يسمى بالأحاديث المنسوبة للنبى محمد ، والتى تعرف بالسنة النبوية ،وعلى الفقه والفتاوى التى تجعل القتل جهادا والتى تقنع الشباب بالانتحار ليقتل المدنيين عشوائيا. هذا هو  التشريع الدينى الذى يحول أبشع الظلم الى عبادة ، ويجعل القتل العشوائى للمدنيين والأطفال والنساء والشيوخ جهادا يزعمون أن الله تعالى أمر به، والله تعالى لا يأمر بالظلم والفساد والاعتداء ، إنما يأمر بالعدل والاحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى.لذا فهذا الافتراء على الله تعالى لا يوجد مثله طغيان وبغى . ولأنه أفظع ظلم يقع على الله تعالى ودينه ورسوله وكتابه فقد إستعمل القرآن له وصف المبالغة فى الطغيان فجعله طاغوتا.

وبهذا الطاغوت كانت تحكم الدول الدينية المذهبية باسم الاسلام وياسم المسيحية فى العصور الوسطى فى الشرق المسلم والغرب الأوربى المسيحى ، وتحت عباءة الطاغوت  دارت الحروب الدينية والفتوحات باسم الاسلام وباسم المسيحية ، ودارت محاكم التفتيش والاضطهادات الدينية والمذهبية،وجرى استرقاق الملايين وهتك أعراضهم بمقولة السبى ، وابيدت أمم فى أطراف العالم باسم دين الله تعالى .ثم تحررت منه أوربا،وكان المسلمون على وشك التحرر منه فكريا وثقافيا بانتهاء الدولة العثمانية وسقوط خلافتها الطاغوتية لولا أن الوهابية أعادت نشر نفس الكهنوت ،وأسهمت الظروف السياسية و( البترولية) فى نشر هذا الطاغوت الوهابى ليسيطرعلى أفئدة المسلمين باسم الاسلام،وهو أعدى أعداء الاسلام.

8 ـ  والمحصلة النهائية لما سبق

ا ـ أن كل إنسان مسالم فهو مسلم حسب الظاهر من سلوكه بغض النظر عن دينه ومعتقده ، سواء كان مؤمنا بالقرآن أو مسيحيا أو من بنى اسرائيل أو بوذيا أو ملحدا. وحسب سلوكه المسالم نتعامل معه بنفس السلم ونزوجه نساءنا ونتزوج من نسائه ، ويتمتع الأولاد بحريتهم فى إختيار ما يشاءون من عقيدة أو ملة. وطبقا لتشريعات القرآن فلكل بيوت العبادة حصانة سواء كانت كنائس أو أديرة أو بيوت عبادة لأصحاب التوراة أو أى بيت يذكر الناس فيه إسم الله كثيرا أو مساجد. ومن أجل الدفاع عن كل بيوت العبادة شرع الله تعالى الجهاد  ( 22 / 40 )

ب ـ إن كل إرهابى وكل سفاك للدماء وكل قاتل ظالم وكل مستبد يقهر شعبه فهو بسلوكه كافر مشرك ظالم باغ طاغ بغض النظر عن دينه الرسمى. فإذا سوغ قتله وظلمه بتفسيرات دينية نسبها لدين الله تعالى فقد أصبح طاغوتا ، يرتكب أفظع ظلم لله تعالى والبشر. وهذا ما كان يرتكبه قادة الكنائس الأوربية والمتحالفون معهم من الحكام ، وما كان يرتكبه الخلفاء فى الامبراطوريات العربية والاسلامية فى العصور الوسطى ، وما يفعله الآن حكام الدول الدينية فيما يسمى بالعالم الاسلامى ، والثائرون عليهم من جماعات الارهاب مثل ابن لادن والظواهرى والزرقاوى .

وهؤلاء يحرم الزواج منهم ويحرم تزويجهم .  

 الفصل الثالث : إستخدام الخطاب الالهى فى تكفير أهل الكتاب 

مقدمة :

يصفون غيرهم من أهل الكتاب بالكفر، ويستخدمون الآيات القرآنية التى تتحدث فى تكفير بعض أهل الكتاب ضد جميع أهل الكتاب . ونقول :

أولا :

1 ـ هناك نوعان من الخطاب فى القرآن الكريم:

الأول هو الخطاب الالهى الخاص بالله تعالى والذى لا يجوز لنا استعماله فيما بيننا وإلا كنا قد تقمصنا دور الله تعالى. الثانى هو الخطاب المسموح لنا باستعماله.

2 ـ وقد يأتى الخطابان فى أية واحدة كقوله تعالى عن بعض بنى اسرائيل (وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ.  فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) ( 5 / 12 ـ ) خطاب الله تعالى هنا عن بنى اسرائيل حين يتحدث عن أخذه العهد عليهم وبنود ذلك العهد ، وكيف أخلفوا العهد فعاقبهم الله تعالى، وكيف أنه لا تزال منهم طائفة تتمسك بنفس السلوك فى عهد النبى. الى هنا ينتهى الخطاب الالهى. بعده يقول تعالى للنبى محمد (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) لم يقل له بأن يستعمل الخطاب الالهى ضدهم سيما وهم يتآمرون عليه طبقا لعادتهم فى نقض الميثاق الالهى. ولكن امره بالعفو والصفح والاحسان لهم.

3 ـ الخطاب الالهى

3 /1 : من الطبيعى أن يرد الله تعالى فى القرآن العزيز على الأقوال التى تخالف دين الله تعالى. هذا حق الله تعالى ليس فقط لأنه تعالى هو رب البشر وخالقهم وصاحب الدين الحق ولكن لأنه أيضاً تعامل مع البشر بمنطق العدل، فقد أعطاهم حرية الإيمان والكفر، وحرية إعلان الكفر وحرية العيب فى ذاته الإلهية العلية والتقول على الله تعالى، وفى مقابل ذلك فإن من حقه أن يصفهم بالكفر والعصيان وأن يرد على افتراءاتهم ، وينفى عن ذاته العلية اتخاذ الولد والشريك، وتلك قضايا تخصه جل وعلا، ومن حقه الرد عليها..

إلا أن عدل الله تعالى تجلى فى التعامل مع طوائف البشر. فحين يحكم بالكفر فإنه تعالى يضع حيثيات الاتهام وأسباب الوصف فيقول مثلاً ﴿لَقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ﴿لّقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ (5 / 72، 73). فالحكم من الله ليس عاماً وإنما هو خاص بمن يقول ذلك القول.

3 / 2 : وفى نفس الوقت فإن الذى يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل صالحاً من المؤمنين والاسرائيليين والنصارى والصابئين فهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، يقول تعالى: ﴿إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ هَادُواْ وَالنّصَارَىَ وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (2 / 62).ويقول تعالى: ﴿إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ هَادُواْ وَالصّابِئُونَ وَالنّصَارَىَ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (5 / 69). أى أن الله تعالى ليس منحازاً لأحد، فمن يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر ويعمل صالحا فهو من أولياء الله أصحاب الجنة، ومن يجعل لله ولداً أو يجعل إلهاً مع الله فإن الله تعالى يحكم عليه بالكفر..وذلك هو ما يخص الله تعالى، فهو صاحب الدين وهو صاحب ومالك يوم الدين وهو الذى يرد على البشر إن أحسنوا فى العقيدة أو أساءوا فيها.

4 ـ  والله تعالى يأمر بأن يكون الجدال مع أهل الكتاب بالتى هى أحسن، يقول تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوَاْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ وَقُولُوَاْ آمَنّا بِالّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـَهُنَا وَإِلَـَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (العنكبوت 46). فالجدال مع أهل الكتاب ممنوع إلا إذا كان بالتى هى أحسن. أى كان نقاشاً موضوعياً بالحجة دون إساءة، أما "الذين ظلموا" فلا جدال معهم حتى لا يتطور الأمر إلى إساءة متبادلة، والله تعالى نهى عن الجدال الذى ينتهى إلى إساءة ويقول: ﴿وَلاَ تَسُبّواْ الّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيّنّا لِكُلّ أُمّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمّ إِلَىَ رَبّهِمْ مّرْجِعُهُمْ فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام 108). وعن الظالمين- أو بمفهومنا المتعصبين- يقول تعالى للنبى محمد : ﴿وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ. اللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الحج 68، 69). أى أنه لا مجال للجدال العقيم مع المتعصب، والأفضل الإعراض عنه ، ويقول الله تعالى فى حال المؤمنين مع المتعصبين المتحفزين الظالمين ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (القصص 55).وبالمناسبة فتلك الآية الكريمة نزلت فى حال مؤمنى أهل الكتاب ونزلت مثلاً لكل مؤمن فى الحوار أو الجدال بالتى هى أحسن وتحاشى الجدل مع المتعصبين. ولذلك فإن الجدال بالتى هى أحسن هو سمة الحوار بين المؤمنين بالقرآن ومؤمنى أهل الكتاب وذلك معنى قوله تعالى ﴿وَلاَ تُجَادِلُوَاْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾.

5 ـ وحتى لا يقع المسلم فى اتهام أهل الكتاب بالكفر فإن القرآن يفرض صيغة محددة  للحوار فيقول تعالى : ﴿وَقُولُوَاْ آمَنّا بِالّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـَهُنَا وَإِلَـَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أى نؤمن معاً بالله الواحد ونؤمن بما أنزل إليكم وما أنزل إلينا، ونحن له مسلمون، ولم يقل مثلاً "وأنتم كافرون" . ولم يأت الأمر مثلاً بأن يستشهد المؤمن فى حواره مع أهل الكتاب بما قاله رب العزة عن أولئك الذين قالوا إن الله تعالى ثالث ثلاثة أو أن الله هو المسيح ابن مريم.. لأن ذلك هو قول الله تعالى ذاته فى الرد عليهم، أما نحن فما علينا إلا أن نحاور بالتى هى أحسن ونرجئ الحكم فى العقائد إلى يوم الدين يوم الحساب أمام الله تعالى..

6 ـ وقد تحدثت سورة آل عمران عن ميلاد عيسى عليه السلام وبعثته ثم قالت: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذّكْرِ الْحَكِيمِ. إِنّ مَثَلَ عِيسَىَ عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ. الْحَقّ مِن رّبّكَ فَلاَ تَكُنْ مّن الْمُمْتَرِينَ﴾ (3 / 58: 60). وبعد ذلك التوضيح عن بشرية المسيح عليه السلام ورسالته فماذا يكون موقف النبى إذا جاءه أهل الكتاب يجادلونه؟ هل يتهمهم بالكفر؟ هل يرميهم بالضلال؟ هل يتوعدهم بالجحيم؟.

تعالوا بنا نقرأ الآية التالية لنعرف الإجابة فى تلك السورة المدنية التى نزلت فى عصر قوة المسلمين وشوكتهم ﴿فَمَنْ حَآجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (آل عمران 61).أى من جادلك فى طبيعة المسيح من بعد ما جاءك فيه من العلم أى بالقرآن فادعهم إلى المباهلة، أى الاحتكام إلى الله تعالى فى الدنيا، بأن يخرج الفريقان ومعهم الأبناء والنساء ويبتهلون إلى الله تعالى أن يلعن الكاذب منهما.. لم يقل القرآن للنبى إذا جادلوك فاحكم عليهم بالضلال والكفر ودخول الجحيم.. ولكن ابتهل إلى الله لكى تكون اللعنة من نصيب الكاذب من الفريقين، ومن الطبيعى أن كل فريق يعتقد الصدق فى نفسه..أى أنه تصعيد وتأجيل للحكم إلى رب العزة لأنه وحده هو الذى يحكم بالكفر أو بالإيمان على عباده البشر، أما النبى فلا يملك أن يحكم بكفر أحد.

7 ـ والقرآن فى دعوته لأهل الكتاب يضع أسلوب الحوار الراقى الذى يجب على المسلمين اتباعه، ويقول تعالى للنبى قال تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىَ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران 64).فهذا هو الخطاب الراقى لأهل الكتاب أن ندعوهم إلى كلمة سواء نلتزم بها سوياً، أن نعبد الله وحده دون شريك وألا نتخذ كهنوتاً وأرباباً من البشر، فإن رفضوا فلا نتهمهم بالكفر ولا نتحدث بأسمهم أو باسم الله ولكن نتحدث باسمنا فقط، فنقول لهم اشهدوا إذن بأننا أسلمنا لله وحده..لم يقل: فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون وأنتم كافرون.

8 ـ والملاحظ أن خطاب الله تعالى للبشر ـ فى تكفير من يقع فى الشرك والكفر ـ لم يأت فيه أبدا للنبى كلمة ( قل ). أى أنه خطاب خاص بالله تعالى يوجهه مباشرة ـ دون واسطة ـ لمن وصف الله تعالى بما لا يليق بجلاله . أما الخطاب المسموح لنا باستعماله فقد وردت فيه كلمة ( قل ), وكل ( الأقوال ) التى أمر الله تعالى المسلمين بقولها لأهل الكتاب وغيرهم تفيض بالعدل والوعظ وحسن الخطاب بلا تكفير أو تحقير.

والخلاصة أن الله تعالى هو وحده صاحب الحق فى أن يقول عن بعض أهل الكتاب ﴿لَقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾.

وهو وحده تعالى صاحب الحق أن يقول عن أهل الكتاب ﴿لَيْسُواْ سَوَآءً مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَآءَ اللّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (آل عمران 113، 114). الله وحده هو الذى ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصّدُورُ﴾ وهو الأعلم بحقيقة الإيمان عند الأفراد والطوائف والأمم، والله تعالى يقول ﴿وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مّن بَعْضٍ﴾ (النساء 25). أما نحن البشر فإذا كنا ندعى الإيمان حقاً فيجب أن نلتزم بأوامر الله تعالى فى أن نقول للناس حسنا ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ (البقرة 83).

ثانيا :

نتائج مترتبة على تكفيرهم أهل الكتاب

ا ـ ولأننا خصوم فى العقائد فلا يصح أن يكون الخصم حكما وقاضيا على خصمه، ولكن يجب ارجاع الفصل فى الموضوع الى القاضى الأعظم جل وعلا وهو صاحب الشأن فيما اختلف الناس فيه هل هو واحد لا شريك له أم له شركاء وولد وزوجة . وموعد المحاكمة هو يوم الحساب ، وفيه سيفصل الله تعالى بين أولئك الذين اختصموا فى ربهم ( 22 / 19 ـ ). الا إن فقهاء الأديان الأرضية للمسلمين تعالوا بأنفسهم واستنكفوا أن يكونوا خصوما لمن يختلف معهم فى العقيدة والدين. أى جعلوا أنفسهم من البداية فى موقع القاضى الأعظم رب العزة جل وعلا ، واستعملوا الخطاب الخاص بالله تعالى يوجهونه ضد اهل الكتاب, وهم بذلك رفعوا أنفسهم الى مرتبة الألوهية حين استعملوا حقا لله وحده لم يعطه لخاتم الأنبياء. ومن المنتظر ممن يؤسس دينا أرضيا أن يجعل نفسه الاها مع الله تعالى إما بصراحة أو بصورة ضمنية. ولهذا فأنه يقيم يوما للقيامة فى هذه الدنيا حين يعاقب مقدما من يعتبرهم كفارا دون أن يترك لهم حرية الاختيار التى كفلها شرع الله تعالى لكل العصاة ـ وأولهم أولئك المفترون على الله تعالى كذبا ـ  اذن فالتأليه الضمنى لانفسهم هو النتيجة الأولى لاستعمالهم الخطاب الالهى فى مخاطبة المختلف معهم فى الدين.

 ب ـ ولكن النتائج الباقية لاستعمالهم خطاب الله تعالى كان ضحيتها القرآن نفسه وأهل الكتاب أيضا.

فقد تجاهلوا الآيات القرآنية التى تتحدث عن :

1 ـ تقسيم البشر جميعا الى ثلاثة أقسام حسب العمل والايمان. وأن كل انسان سيعرف موقعه فى هذا التصنيف الثلاثى ( السابقون ـ أصحاب اليمين ـ الضالون ) عند الموت ويوم القيامة. وهذا بالطبع ينطبق على أهل الكتاب وغيرهم.( 56 /1 : 46 ـ 83 : 96 )

2 ـ وتجاهلوا الآيات التى تقسم أهل الكتاب بنفس التقسيم الثلاثى وتجاهلوا الآيات التى تمدح أصحاب الطبقة العليا من مؤمنى أهل الكتاب سواء فى عهد موسى أو فى عهد عيسى أو عهد محمد ، وتأكيد القرآن أن وجود طائفة مؤمنة من هذه الطبقة أمر ثابت أى مستمر ( 5 / 59 ، 66 ) ( 3 / 110 ـ 113 ـ 199 ) ( 4 / 153 ـ ، 162 ) وتقسم المسلمين نفس التقسيم ( 35 / 32 ) وأن هذا التقسيم ينطبق على أصحاب النبى محمد الذين أحاطوا به فى المدينة ( 9 / 84 ـ ، 97 ـ ، 100 ـ 107 ـ ).

3 ـ. وللقرآن الكريم مصطلحاته الخاصة بأهل الكتاب وطوائفهم, منها (اهل الكتاب ـ الذين أوتوا الكتاب ـ الذين هادوا ـ النصارى ـ اليهود ـ بنواسرائيل ـ قوم موسى). وفيما يخص أتباع موسى قبل محمد وفى عصره فأن القرآن الكريم يستخدم مصطلحات (الذين هادوا ـ  بنواسرائيل ـ قوم موسى) فى الحديث عن النواحى الايجابية والسلبية معا. أما حين يتحدث عن الطائفة الضالة فقط منهم فانه يستعمل مصطلح (اليهود).وبمراجعة هذا المصطلح (اليهود) فى السياق القرآنى نجده يتحدث عن طائفة تخالف المتعارف عليه فى الديانة الاسرائيلية، إذ كانوا يعبدون ما يسمى بعزير يجعلونه ابن الله ـ تعالى الله عن ذلك علوا كبيراـ  أى يماثلون النصارى القائلين بالوهية المسيح والمتأثرين معا بالديانة الفرعونية القديمة حسبما أشار اليه القرآن الكريم ( 9 / 30 ـ ) وفى تأثرهم بالعبادة الفرعونية تكلم القرآن عن جذور هذه الطائفة العقيدية فى عهد موسى حين عبدوا العجل الذهبى وطلبوا من موسى عبادة اله فرعونى عندما  مروا على معبد فى سيناء ( 7 / 138 ـ ، 148 ـ ، 152 ) ( 2 /89 ـ 92 ـ ). هؤلاء اليهود كانوا على وفاق عقيدى وتحالف سياسى مع النصارى المسيحيين ـ على خلاف المتعارف عليه. والواضح أنه لا يوجد اليوم فى الديانة الاسرائيلية تلك الملامح العقيدية فى تأليه وعبادة عزير والتشابه العقيدى مع المسيحيين.

ثالثا :

1 ـ أمر عمر بن الخطاب باخلاء الجزيرة العربية من كل أهل الكتاب. وقام أولئك اليهود بعملية خداع كبرى إذ أسلموا وصاروا بما يزعمونه من العلم بالتوراة معلمين أوائل للمسلمين. وكان منهم عبد الله بن سلام ووهب بن منبه، وكان أخطرهم كعب الأحبار وابن سبأ. عبد الله بن سبأ هو الذى اخترع التشيع والذى اشعل الثورة على عثمان وساعد فى اشعال الحرب الأهلية بعد قتله، وكعب الأحبار هو أستاذ أبى هريرة أكبر رواة الحديث وكعب هو مصدر الاسرائيليات فى الفكر السنى والمخترع الأول لفكرة الشفاعة والرائد الأول فى الدين السنى، وهو الذى تآمر على قتل عمر بن الخطاب.

ومعروف تاثير ما يسمى ( بالاسرائيليات ) فى تراث السنة والتشيع.

ـ المرجح أن هؤلاء هم اليهود ـ أو النسبة الكبرى منهم ـ أسلمت لتكيد للمسلمين بعد طول عداء للاسلام والمسلمين. وجاء فقهاء الأديان الأرضية للمسلمين فيما بعد ليطلقوا مصطلح اليهود على كل أتباع التوراة متجاهلين المصطلحات الأخرى مثل (الذين هادوا ـ بنو اسرائيل ـ (أهل الكتاب ـ قوم موسى )لكى ينطبق الهجوم القرآنى على تلك الفئة الضالة التى أطلق عليها القرآن ( اليهود ) على كل الاسرائيليين والذين هادوا ، ويتم نسيان الحديث الالهى الايجابى عنهم.

الفصل الرابع : إجتهادهم الشيطانى فى التلاعب بأسباب النزول

  أنواع أسباب النزول ومنهج القرآن الكريم فى كل منها

أولا :

  منهج القرآن الكريم فى أسباب النزول فى ميدان الوعظ والاخلاق والعقائد

 1 ـ وردت هذه القصة فى كتاب (أسباب النزول) للنيسابورى. فيما يخص سورة النساء.

(  إِناأَنزَلنا إِليكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحكُمَ بَينَ الناسِ بِما أَراكَاللهُ‏}‏الآية‏.‏إلى قوله تعالى ‏{‏وَمَن يُشرِك بِاللهِ فَقَد ضَلَّ ضَلالاًبَعيداً‏}‏ أنزلت كلها في قصة واحدة‏.‏وذلك أن رجلاً من الأنصار يقال له طعمة بن أبيرق أحد بني ظفر بنالحارث سرق درعاً من جار له يقال له قتادة بن النعمان،  وكانت الدرع في جراب فيه دقيقفجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق ، ثم خبأهاعند رجل من اليهود يقال له زيد بن السمين ، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد عندهوحلف لهم‏:‏ والله ما أخذها وما له به من علم فقال أصحاب الدرع‏:‏ بلى والله قدأدلج علينا فأخذها وطلبنا أثره حتى دخل داره فرأينا أثر الدقيق فلما أن حلف تركوهواتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوه فقال‏:‏ دفعها إلي طعمة بنأبيرق وشهد له أناس من اليهود على ذلك فقالت بنو ظفر وهم قوم طعمة‏:‏ انطلقوا بناإلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكلموه في ذلك فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا‏:‏ إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبريء اليهودي فهم رسول الله صلى الله عليهوآله وسلم أن يفعل وكان هواه معهم وأن يعاقب اليهودي حتى أنزل الله تعالى ‏{‏إِنا أَنزَلناإِلَيكَ الكِتابَ بِالحَقِّ‏}‏ الآية كلها وهذا قول جماعة منالمفسرين‏.‏) انتهى .

2 ـ المقصود من كلامه أنه سرق شاب درعاً وشاع أمر السرقة وصارت فضيحة للشاب السارق، وأحس أهله بالعار فاجتمعوا ليلاً ليتداركوا الفضيحة، وانتهوا إلى قرار، خبأوا الدرع المسروق فى بيت يهودى برئ، ثم ذهبوا فى الصباح للنبى محمد يدافعون عن ابنهم (المظلوم) وتم العثور على الدرع المسروق فى بيت اليهودى واقتنع النبى ببراءة الشاب ودافع عن براءته.. وبذلك تمت تبرئة المجرم وتمت إدانة برئ مظلوم..

3 ـ ولأنها قصة إنسانية تكرر فى كل زمان ومكان، فإن القرآن نزل يوضح الحق وينصف المظلوم ويثبت جريمة السارق ويضع القواعد، ويحول الحادثة المحددة بالزمان والمكان والأشخاص إلى قضية عامة فوق الزمان والمكان، قضية البرئ المظلوم والمجرم صاحب النفوذ الذى يفلت بجريمته..

3 / 1 : وبدأت الآيات بعتاب النبى، تقول له ﴿إِنّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُنْ لّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً. وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ إِنّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رّحِيماً. وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ مَن كَانَ خَوّاناً أَثِيماً﴾ ولا شك أن أولئك الناس كانوا من الصحابة المقربين للنبى الذين كانوا يتمتعون بتقدير خاص لديه، ولكن لأنهم اجترءوا على تبرئة ابنهم المجرم واتهام إنسان (يهودى) برئ فقد جعلهم الله من الخونة الآثمين، وتلك عظمة الرقى التشريعى فى الإسلام، فالبرئ له حقوقه حتى لو لم يكن مسلما فى دولة اسلامية،ً والمجرم مستحق للاحتقار هو وأهله الذين يعاونونه حتى لو كانوا من أقرب أصحاب النبى إليه.

3 / 2 : ثم يقول تعالى يصف تآمر أولئك (الصحابة) ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىَ مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ أى أنهم كانوا يراعون الناس ولا يراعون رب الناس جل وعلا.. تآمروا ليلاً على اتهام برئ ليبرئوا ابنهم المجرم، وقد نسوا أن الله تعالى معهم يسمع نجواهم ومحيط بكل ما يعملون..

3 / 3 : ثم يتوجه العتاب للنبى ولهم فيقول تعالى ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلآءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾؟؟!! يعنى إذا كنتم تجادلون وتدافعون عنهم فى الدنيا فهل يستطيع أحد منكم أن يدافع عنهم أو يشفع فيهم يوم القيامة، وهل يستطيع أحد منكم أن يكون وكيلاً عنهم أمام الله، والاستفهام استنكارى.. يعنى أن الله تعالى قد أنزل الكتاب لتأسيس العدل وليقوم الناس بالقسط، ولكن الذى حدث أن الناس لم يكتفوا بنشر الظلم فى الدنيا بل وتصوروا يوماً للحساب فى الآخرة يقوم أيضاً على الوساطات والشفاعات حتى يستطيع الذى نجا بظلمه فى الدنيا أن ينجو أيضاً فى الآخرة.. ولذلك فإن الله تعالى بعد أن عاتبهم- ومنهم النبى- بأنهم إذا كانوا يجادلون عن الخونة فى الدنيا فلن يستطيعوا الدفاع عنهم فى الآخرة.

3 / 4 : وبعدها يضع الله تعالى القواعد التى على أساسها تتم عدالة الحساب فى الآخرة حيث لا مجال للشفاعة أو التوسط أو المحاباة، فيقول تعالى ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوَءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رّحِيماً﴾ أى أن المذنب إذا استغفر الله غفر الله له، وحينئذ لا حاجة لوسيط خارجى، عليه أن يتوب والله تعالى يتوب عليه، أى أنه مسئول عن نفسه، إن تاب فالله تعالى غفور رحيم.

3 / 5 : وتؤكد الآية التالية هذه الحقيقة ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىَ نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ أى فالمسئولية فردية ولا يغنى أحد عن أحد، والله تعالى (عليم) بكل ما يحدث فى العالم (حكيم) فى كل أحكامه وقضائه وتشريعاته.

3 / 6 : وتقول الآية التالية ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيَئَةً أَوْ إِثْماً ثُمّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مّبِيناً﴾ أى فالذى لا يكتفى بالإثم ولكن يضيف عليه أن يلصق الإثم ببرئ ليفلت هو إنما اكتسب مع الإثم بهتاناً عظيما.. فالعقاب على قدر الجناية..

3 / 7 : وفى النهاية يقول تعالى للنبى ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمّتْ طّآئِفَةٌ مّنْهُمْ أَن يُضِلّوكَ وَمَا يُضِلّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ (النساء 105: 113) أى فلولا الوحى وما نزل من الكتاب لاستطاعوا خداع النبى وتضليله، ولكن الله تعالى بفضله على النبى أخبره بما لم يكن يعلم  بتآمر أولئك الصحابة الخونة المخادعين الذين كذبوا على النبى ليبرئوا ابنهم بالباطل ويلصقوا الجريمة ببرىء ، وهم فى الحقيقة لم يخدعوا إلا أنفسهم.

4 ـ وهكذا لم يتحدث القرآن عن فلان السارق وفلان البرئ وأسرة الجانى وزمن الحادثة وتفصيلاتها، وإنما تحولت الحادثة التاريخية الى قضية عامة نراها فى كل مجتمع لتكون حجة على أصحاب النفوذ الذين يستغلون نفوذهم والواسطة أو الشفاعة فيهربون من العقوبة على جرائمهم ويضعون الأبرياء مكانهم فى السجون ، وتلك احدى أهم الرذائل التى تنتشر فى بلاد المحمديين الذين آمنوا بالشفاعات والوساطات فى الدين وفى الدنيا فخسروهما معا، ولذلك تمتلىء السجون فى بلادهم بالمظاليم حتى يقول المثل الشعبى "ياما فى الحبس مظاليم".

5 ـ والآيات تنفى أن كل الصحابة أطهار بررة، فمنهم السابقون الأطهار، ومنهم من خلط عملا صالحا وآخر سيئا ، ومنهم منافقون، ومنهم خونة متآمرون، وذلك الوصف ليس من عندنا ولا نجرؤ على قوله إلا من خلال ما قاله رب العزة فى الآيات السابقة ، استرجع معنا ما قاله تعالى عنهم فى هذا السياق :" وَلاَ تَكُنْ لّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً" ـ "وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ مَن كَانَ خَوّاناً أَثِيماً" ـ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ ـ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمّتْ طّآئِفَةٌ مّنْهُمْ أَن يُضِلّوكَ وَمَا يُضِلّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ ". ان الذى ذكر قصص الصحابة التى نخجل منها الآن هو الله تعالى الذى لا معقب لحكمه.. وعليه فإن إضفاء العدالة على كل الصحابة أمر يخالف العقل ويجافى القرآن الكريم.

6 ـ والآيات تثبت :

6 / 1 : أن النبى بشر يستطيع الآخرون خداعه وتضليله، إلا أن عصمته بالوحى، إذ يأتى الوحى يوضح له الحق ويأمره بالاستغفار من الذنب، وعن عصمة النبى بالوحى فقط يقول له ربه تعالى ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنّمَآ أَضِلّ عَلَىَ نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيّ رَبّي﴾ (سبأ 50).وإضفاء العصمة المطلقة للنبى تأليه للنبى، فالله سبحانه وتعالى هو وحده المنزه عن الخطأ، وهو الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

6 / 2 : والآيات تثبت أن النبى لن يستطيع أن يجادل عن أحد يوم القيامة أو أن يشفع فيه، فالمسئولية تقع على كل فرد، إذا تاب تاب الله عليه، وإذا عصى ولم يتب فالعقاب على قدر الجريمة.. والله تعالى يقول ﴿مَن يَعْمَلْ سُوَءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ (النساء 123). أى ولا يجد له من دون الله شفيعاً. ولذلك فإن الذين ارتكنوا فى الدنيا على شفاعة البشر فإنهم سيقولون فى النار ﴿وَمَآ أَضَلّنَآ إِلاّ الْمُجْرِمُونَ. فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ. وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾..!!

7 ـ المهم فى موضوعنا : أن القرآن الكريم تجاهل أسماء الأشخاص والزمان والمكان وكل التفصيلات ( التاريخية ) لكى يحوّل تلك الحادثة المقيدة بالزمان والمكان والأشخاص الى عبرة فوق الزمان والمكان وصالحة للعظة فى كل وقت.

8 ـ موقف أديان المسلمين منها

الذى فعله أصحاب الدين الأرضى هنا أنهم حولوا تلك القضية من العمومية الى تخصيصها  بزمان ومكان. أى مجرد قصة بطلها فلان وفلان ليتركز الانتباه على الحادثة لتكون مجرد حكاية للتسلية حتى ينقطع جوهر العظة والعبرة فيها. والأهم أن ينسى الناس التعليق المكثف الذى جاءت به الآيات على القصة والذى ينفى عصمة النبى محمد وشفاعته ووقوع بعض الصحابة فى الاثم والكذب والافتراء على النبى محمد فى حياته. كل تلك القيم الاسلامية العليا تم تجاهلها فى كتب ما يسمى بالتفسير والحديث. وانتشر مكانها أكاذيب الشفاعة وعصمة النبى وعدالة الصحابة. والدليل لى ذلك أنك لو شرحت هذه القصة وتوقفت مع اتهام القرآن الكريم لأولئك الصحابة بالخيانة لهاجمك السامعون انحيازا منهم لدينهم الأرضى ضد القرآن الكريم.

هذا ما فعله فقهاء الأديان الأرضية للمحمديين فيما يخص أسباب النزول فى موضوعات الأخلاق والعقائد. فماذا فعلوه فى أسباب النزول فيما يخص التشريع؟

ثانيا :

  منهج القرآن الكريم فى أسباب النزول فى ميدان التشريعات

فى سياق التشريعات فى القرآن لم ترد كثير من القصص، ولم تكن فيه الكثير من تفصيلات الأحداث. فالمنهج هنا مختلف عن قصص الوعظ الخلقى والعقيدى، إذ تتم الاشارة الى الحدث ليتسع المجال أكثر للتشريع مصحوبة بالأمر والنهى وألفاظ التشريع .

1 ـ ففى بداية سورة التوبة إشارات تاريخية لعدوان وقع من أئمة المشركين المعتدين الذين نقضوا العهد مع النبى محمد عليه السلام بعد فتح مكة واعطائهم مهلة أو براءة لمدة أربعة أشهر هى الأشهر الحرم. الواضح فى السياق هنا حرص السياق القرآنى على تحديد الحادثة بالزمان والمكان. فالمكان هو البيت الحرام والزمان هو أربعة أشهر للتوبة . وفى خاتمة هذا السياق جاءت أهم آية تشريعية وهى التى تمنع أولئك المشركين المعتدين من الاقتراب من البيت الحرام الذى جعله الله تعالى واحة أمن للناس يجب أن يبتعد عنها المعتدون الذين لا أمان ولا عهد لديهم. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (9 /28)  والواضح فيها أنها تتحدث عن حادثة محددة بالزمان والمكان (بعد عامهم هذا ) ( المسجد الحرام )والسياق قبلها يصف المشركين بالعدوان ونقض العهد. والمعنى أن ذلك التشريع قابل للتطبيق إذا تكررت ظروفه بنفس التفاصيل. مثلما هاجم القرامطة مثلا البيت الحرام فكان لا بد من منعهم من الاقتراب منه. ولكن الذى حدث هو منع أهل الكتاب المسالمين من الحج إذا أرادوا. وبالمناسبة فان آيات الحج فى القرآن توجب الحج على كل أتباع ملة ابراهيم وتجعل البيت الحرام لكل الناس. ولكن الدين السنى كما احتكر لنفسه الاسلام فقد احتكر أيضا البيت الحرام. والسعودية زعيمة الدين السنى والتى يقوم نظامها السياسى على أساسه تمنع المسيحيين والاسرائيليين من دخول الحجاز أصلا وليس فقط مكة. وحين يريد مسلم أوربى أو أمريكى تأدية الحج لا بد ان تختبره السفارة السعودية فى الاسلام قبل إعطائه تأشيرة الحج. وهم يستشهدون بالآية الكريمة السابقة فيعتبرون المشركين النجس هم أولئك المسالمين من أهل الكتاب.

2 ـ ويتصل بذلك ما فعلوه بآيات الولاء والبراء فى القرآن والتى كانت تتحدث عن علاقات مرحلية محدودة بالزمان والمكان وقابلة للتطبيق فقط إذا تطابقت نفس المعطيات من وجود حالة حرب تستلزم تحالف المشركين المعتدين ضد المسلمين. عندها فقط يجب عدم موالاة العدو المعتدى ضد الوطن والمواطنين. ولكن فقهاء الأديان الأرضية عمموا استعمال هذه الايات ـ خصوصا ما يخص منها اليهود والنصارى ـ وجعلوها تنطبق على المخالف فى الدين المسالم الذى لم يقم بالاعتداء على أحد. والأقليات الدينية فى مجتمعات المحمديين هم ضحايا هذا التحريف المتعمد للقرآن الكريم فى هذا الخصوص.

 أخيرا :

1 ـ إن للدين الأرضى عند المحمديين وغيرهم جذورا اجتماعية ، وسياسية ونفسية ، لانه انتاج  بشرى يتأثر بالظروف الزمنية والمكانية والشخصية لاصحابه ولكن لا ينطبق ذلك على الكتاب الإلهى الذى نزل من رب العزة جل وعلا لإصلاح اهل الارض، وليس للتأثر بأهل الارض .

2 ـ صحيح ان الوحى الالهى يتشابك مع حادثة ارضية ويقوم بالتعليق عليها ، وهذا ما يعرف بأسباب النزول ، ولكن السياق القرآنى فى هذه المواضع يقوم بتحويل الحادثة المرتبطة بالزمان والمكان والاشخاص الى حالة بشرية عامة ويجعلها عظة تدور فوق الزمان والمكان ، اى يخلصها من اسر الواقعة التاريخية ويحررها من ذلك الارتباط الزمانى والمكانى لتكون صالحة للتطبيق والعظة فى كل زمان ومكان ، وهذا هو منهج القرآن الكريم فى القصص عموما وفى التعليق على الاحداث التى جرت فى عهد النبى محمد و غيره من الأنبياء ـ عليهم السلام. القصص القرآنى لا تجد فيه ذكرا للأسماء والاشخاص او الزمان او المكان ، كى تتحول القصة من التاريخ المحدد الى التشريع والعظة وبذلك يظل النص القرآنى والتشريع القرآنى سارى المفعول  فى كل زمان ومكان .

3 ـ وصحيح ان التشريعات القرآنية جاء بعضها مرتبطا بظروفه الزمنية والمكانية  وذلك فى التشريعات الخاصة بالنبى وزوجاته وتعاملاته مع اصحابه، ولكن التشريعات العامة جاءت فى سياق يؤكد سريانها فوق الزمان والمكان وفى اطار قواعد تشريعية ملزمة ، وجاء فى سياقها الاستثناءات الخاصة بها ، والمقاصد التشريعية التى تطبق من خلالها.

ـ ولكن ذلك كله أطاح به فقهاء الأديان الأرضية للمحمديين .

  الفصل الخامس : إهمال الجانب الأخلاقى فى القرآن الكريم

  مقدمة :

1 ـ يقتضى المنهج العلمى أن نتعرف على البيئة التى نزل فيها القرآن والتى شهدت دعوة الاسلام فى مجتمع أطلقوا عليه ( الجاهلية ).

2 ـ كانت الثقافة السائدة فى البيئة الصحراوية العربية لا تعترف إلا بالقوة والعنف. وقد مارست ثقافة العنف كطريق للعيش وكسب الرزق فأصبح من قيمها الأخلاقية تمجيد النهب والسبى والاعتداء وقطع الأرحام ووأد البنات وظلم المرأة وقهر كل إنسان ضعيف مسالم. ارتبط هذا بممارسة دين أرضى كافر سيطرت به قريش على العرب من غير أهل الكتاب الذين كانوا يعيشون وقتها فى الجزيرة العربية.

3 ـ لا يمكن فى اصلاح هذا المجتمع الصحراوى العنيف الدموى الكافر أن تبدأ معه مباشرة بفرض التشريعات وتفصيلاتها. لو حدث هذا فى مجتمع نهرى مسالم ما استطاع أن يتفهم هذه التشريعات وما استطاع تطبيقها لأنه لم يأخذ فترة فى الاستعداد الأخلاقى لها. فما بالك بمجتمع صحراوى فظ غليظ القلب؟.

4 ـ الأهم من هذا أن تطبيق التشريعات القرآنية الاسلامية يعتمد أساسا وأولا وأخيرا على ضمير الانسان نفسه ، ويؤكد على حريته فى الطاعة أو المعصية. وإذن لا بد من السمو بهذا الانسان أخلاقيا حتى يمكن الاطمئنان الى وجود ضمير لديه يخشى الله تعالى قبل أن يخشى الناس. فالضمير فى ثقافتنا المعاصره أقرب الى مصطلح التقوى فى القرآن الكريم.

5 ـ وجاءت بعض تشريعات إجمالية فى السور المكية فى إطار الدعوة الأخلاقية والعقيدية ، مع تركيز الوحى القرآنى وقتها كان على الجانب العقيدى ( لا إله إلا الله ) ونبذ تقديس البشروالحجر مع الجانب الخلقى وربط بينهما برباط وثيق ليؤهل المسلمين ويعدهم ليطبقوا تفصيلات التشريع التى نزلت فيما بعد فى المدينة.

6 ـ واستعراض الجانب الأخلاقى فى السور المكية أكبر من طاقة هذا الكتاب. ولكن نوجزه فى لمحة سريعة .

الأولى : الوصايا العشر فى القرآن الكريم

 من الغريب والمستهجن فى نفس الوقت أنه بينما تكتسب الوصايا العشر شهرة لدى أهل الكتاب ـ مع تحريفها ـ فان الوصايا العشر التى ذكرها القرآن الكريم ــ على حقيقتها ـ تجاهلها المحمديون تماما  . الأغرب أن السياق القرآنى الذى جىء فيه بالوصايا العشر كان فى اطار الحوار مع أهل الكتاب. 

يقول الله تعالى فى سورة الأنعام المكية :

(قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154))

ونتوقف معها بتحليل موجز:

أولا : الوصايا العشر هى :

1 ـ عدم الوقوع فى الشرك العقيدى باتخاذ آلهة وأولياء مع الله تعالى.

2 ـ  الاحسان للوالدين.

3 ـ النهى عن قتل الأولاد بسبب الوقوع ( الفعلى ) فى الفقر .

4 ـ النهى عن الاقتراب من العلاقات الجنسية المحرمة سواء كانت علنية أوسرية.

5 ـ النهى عن قتل النفس التى لم تقع فى ارتكاب جريمة قتل.

6 ـ النهى عن أكل مال اليتيم الا بالتى هى احسن كأن تكون فى مقابل رعايته واستثمار ماله.

7 ـ توفية الكيل والميزان بالقسط والعدل.

8 ـ العدل فى القول ، أى قول الحق حتى لوكان ضارا بأقرب الناس اليك

9 ـ الوفاء بالعهد الالهى أى أداء فرائضه .

10 ـ اتباع القرآن الكريم وحده باعتباره الطرق المستقيم للهداية.

ثانيا : يلاحظ الآتى :

1 ـ  النهى عن الوقوع فى الشرك العقيدى والشرك السلوكى أيضا والذى يتضمن النهى عن القتل والظلم لليتيم . ووجود النهى عن أشياء يعنى كثرة الوقوع فيها.

2 ـ الأمر بالتمسك بأشياء مثل الاحسان للوالدين والعدل فى القول وفى البيع والشراء وتنفيذ عهد الله والتمسك بالقرآن وحده. والأمر بشىء يعنى أنهم تعودوا اهمال ذلك الشىء.

3 ـ  وبتطبيق الأوامر والابتعاد عن النواهى فقد اكتملت أركان الاسلام العقيدية والتشريعية ، إذ جاءت التشريعات الأساسية للاسلام إجمالا ضمن هذه الأوامر الأخلاقية، وأهمها الحفاظ على حق الحياة والعرض وحق اليتيم فى ماله . وكل ذلك جاء تمهيدا لتشريعات أتت فيما بعد تفصل حقوق اليتيم وعقوبة القاتل والزانى وأهمية الشهادة .

ثانيا : تفصيلات الوصايا العشر فى القرآن الكريم:

يقول تعالى فى سورة الاسراء المكية:

(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً (25) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً (28) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (30) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً (31) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (32) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً (33) وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (35) وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (36) وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (38) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (39))

ونلاحظ  :

1 ـ التاكيد على النهى عن الوقوع فى الشرك العقيدى فى البداية والنهاية.

2 ـ تفصيلات فى الاحسان للوالدين والرفق بهما عند وصولهما أو احدهما الى الشيخوخة/، وان يمتد الاحسان ـ أفقيا ـ الى ذوى القربى واليتامى والمساكين . ـ ورأسيا ـ الى الاعراض عنهم مع الاحسان اليهم إذا أساءوا.

3 ـ تكرار الوصايا السابقة مثل النهى عن قتل الأولاد ( خوف الوقوع مستقبلا فى الفقر ) أى النهى بكل طريق عن قتل الأولاد ، وكان منتشرا ،  النهى عن الزنا وعن القتل خارج القصاص ـ وعن أكل مال اليتيم . ثم الأمر بالوفاء بالعهد والعدل فى الكيل والوزن.

4 ـ المجىء بتفصيلات جديدة مثل النهى عن الاسراف ، والبخل وانتهاك حرمة وخصوصيات الغيروالتدخل فيما ليس من شأنك ـ والنهى عن الخيلاء والاستكبار والغرور.

5 ـ مع وجود التأكيد على عدم الوقوع فى الشرك العقيدى والسلوكى ومع التاكيد على حقائق التشريع التى تحفظ حق الحياة و المال فقد جاءت أيات سورةالاسراء بحق جديد من حقوق الانسان هو حق الخصوصية وألا ينتهلك أحد خصوصيات الاخرين, وهذا ما توسعت فيه فيما بعد سورة الحجرات المدنية ( 11 ـ12 )

ثالثا : وصايا سورة الفرقان المكية:

(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (67) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً (71) وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74) )

وهنا أيضا نلاحظ الآتى:

1 ـ الحديث هنا عن صفات المتقين . وهذه بالطبع صفات مطروحة أمام الجميع ليتحلى بها. كل منا مدعو لأن يكون من عباد الرحمن, وبامكانه أن يكون أيضا من أتباع الشيطان حسب اختياره وعمله.

2 ـ تاتى هنا نفس الصفات تقريبا من عدم الوقوع فى الشرك العقيدى والشرك السلوكى أى عدم القتل وعدم الوقوع فى الزنا وعدم الوقوع فى شهادة الزور أو حضور مجالس الزور, مع التأكيد على السير فى الأرض بدون خيلاء مع الاعتدال فى النفقة وعدم الاسراف. و( المرح ) هو الخيلاء والغرور والاستكبار .

3 ـ إلاّ إن الجديد هوالتاكيد على العبادة بقيام الليل والدعاء والحرص على هداية الذرية، والتاكيد على الاحسان مع المسىء والرد عليهم بالسلام والاعراض عن لغوهم . أى إن الاحسان هنا امتد ليشمل المسىء المعتدى بالقول واللغو مع الوالدين والأقارب واليتيم والمسكين.

رابعا : أوامر سورة النحل :

( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمْ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (93) وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (94) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (95))

نلاحظ  :

1 ـ أوامر بالعدل والاحسان وايتاء ذى القربى والنهى عن الفحشاء والمنكر والبغى . والأمر بالوفاء بالعهد والنهى عن النكث فى الحلف والأيمان .

2 ـ الجديد هو النهى عن استغلال الدين الالهى فى حطام دنيوى ( الآيتان  94 : 95 ). الأهمية القصوى فى الابتعاد بالدين عن التجارة ، والإبتعاد عن إستعمال إسم الله العظيم فى منافع دنيوية ، بدءا من البيع والشراء فى الاسواق الى خلط السياسة بالدين . ولنا كتاب منشور هنا عنتحذير المسلمين منخلطالسياسةبالدين .

 خامسا : وصايا لقمان :

(  وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنْ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِأَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (17) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) )

نلاحظ :

1 ـ هنا الأمر بشكر الله جل وعلا والنهى عن الاشراك به ، ثم الاحسان للوالدين ومصاحبتهما بالمعروف مع عدم طاعتهما إن أرادا منه الاشراك بالله جل وعلا ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والصبر على المصائب . ثم وصايا فى طريقة المشى والكلام . وسبقت الاشارة لبعضها  فى سورتى الفرقان والاسراء . أى إن الأوامر الاسلامية شملت كل شىء حتى المشى والصوت ، وأساسها ( لا إله إلا الله ).

2 ـ وفى كل ما سبق نرى القاسم الأعظم يتجلى فى حفظ حق الله تعالى (عدم الوقوع فى الشرك ) وحفظ حقوق البشر فى الحياة والمال والعرض والحياة الخاصة.

أخيرا :

1 ـ هذه الايات الكريمة مع عشرات غيرها كانت تؤهل المسلمين فى مكة أخلاقيا لتطبيق تفصيلات الشريعة الاسلامية التى نزلت فى المدينة .

2 ـ إرتد صحابة الفتوحات عن الاسلام وأعادوا ثقافة الجاهلية على نطاق أوسع وأبشع فى إحتلالهم البلاد المفتوحة . وعندما أنتجت الفتوحات أديانا أرضية تسوغها كان لا بد من تجاهل ذلك الجانب الأخلاقى فى السور المكية بل والسور المدنية أيضا.

3 ـ وبعد أن تجاهلت الأديان الأرضية للمسلمين الأخلاقيات الاسلامية و ( لا إله إلا الله ) التفتت الى أسس التشريع الاسلامى تتعامل معه أيضا بالتجاهل والتحريف والتلاعب.

 الفصل السادس : التلاعب الشيطانى بالأسس التشريعية القرآنية

التلاعب  فى مدار التشريعات الاسلامية :

 أولا :

1 –تدور التشريعات فى القرآن الكريم حول أربع درجات :

1/ 1 : درجة السابقين المقربين الذين لا يكتفون بعمل الفرض المكتوب ، وإنما يتطوعون بما هو أعلى . فى الصيام مثلا : التطوع بصيام زائد فى غير رمضان ، وتقديم ما هو اكبر من الفدية لمن يعجز عن الصيام ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ) (184)  البقرة ) ، وفى الزكاة المالية هناك المفروض وهو إخراج العفو أو الزائد ( وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ ) (219)  البقرة )وباعتدال ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (67) البقرة ) ، ولكن هناك ما هو أعلى وهو الفقير الذى يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (9) الحشر) والذى يقدم الصدقة من أحب ما يملك ( وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) البقرة 177 ) ويطعم الطعام من أحب ما يشتهى يؤثر على نفسه : ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (8) الانسان ). ثم قيام الليل ، وهو درجات :( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ ) (20) المزمل ) (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ) (16) السجدة ) ( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ (9)  الزمر ) ( كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) الذاريات )

1 /2 :ما دون ذلك هو الفرض المكتوب او الاوامر .

1 / 3 : ، ثم النواهى أو المحرمات .

1 / 4 : ، ثم ما بينهما وهو المباح .

2 ـ منهج القرآن فى التشريعات أن يترك المباح مفتوحا ، واذا كان هناك تشريع سابق يحرم شيئا وجاء القرآن بتحليله مجددا يأتى ذلك فى القرآن فى سياق الحلال الجديد كقوله تعالى ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ) البقرة 187) .

ثانيا :

1 ـ جاء الدين السنى فتجاهل درجة المقربين السابقين واضاف  درجتين فى التشريع انتزعهما من المباح الحلال هما المكروه والمندوب او المسنون . فالمكروه عندهم هو مباح ينبغى تركه أو درجة اقل من الحرام ،  والمندوب او المسنون هو مباح ينبغى فعله وان لم يكن واجبا لأنه اقل من الفرض الواجب .

2 – وترتب على هذا نتيجتان :

2 / 1 : اضافة مصطلحات جديدة تخالف القرآن وهى المكروه والمندوب ، وعلى سبيل المثال فإن المكروه فى مصطلحات القرآن ليس مباحا اقل درجة من الحرام كما يقولون بل هو اشد انواع الحرام تجريما قال تعالى (وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ (7)  الحجرات ) وبعد ان جاء تحريم السرقة والقتل والكفر وسائر الكبائر فى سورة الاسراء قال تعالى عنها ( كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها :  (38) الاسراء  )

2 / 2 :  التضييق من دائرة الحلال المباح وتحويل المباح الحلال الى مكروه لا ينبغى العمل به .وهذا يعنى التدخل فى تشريع الله تعالى من حيث الدرجة ومن حيث التفصيلات.

 التلاعب فى قواعد التشريع الجامعة المانعة والمؤكدة :

أحكام جامعة مانعة لا مجال للإجتهاد فيها

أئمة التشريع السُنّى لم يعرفوا تلك الحدود فاجتهدوا في الممنوع . فى أحكام جامعة مانعة لا مجال للاجتهاد فيها ، في المحرمات في النكاح والحرام في الطعام.

أولا :

المحرمات فى النكاح :

1 ـ المحرمات في الزواج جاءت في نص جامع مانع في قوله سبحانه وتعالى :

( وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً (22) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً (23) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ )(24)

  النساء ).

2 ـ ونقول :

2 / 1 : المحرمات هنا فى ( النكاح ) . ولم يأت لفظ الزواج .

( النكاح ) يعنى عقد الزواج وليس الزواج  نفسه ، وقد يكون هناك عقد زواج ثم لا يتم الزواج ، ولا يدخل العريس بمن عقد عليها ، وحينئذ لا تترتب عدّة عليها لأنه لم يدخل بها . قال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً (49) الاحزاب ). المعنى المراد هنا إن التحريم يبدأ بعقد النكاح ،أى لا يصح من المبدأ عقد القران .

2 / 2 : والمحرم نكاحهن من النساء بالنص كالآتى: (الأم) و (البنت) و (الأخت) و(العمة) و( بنت الأخ) و(بنت الأخت) و(الأم المرضعة) و( الأخت من الرضاعة) و (أم الزوجة) و( بنت الزوجة التى دخل بها زوجها) و (زوجة الابن الصلب) و( أخت الزوجة في وجود الزوجة على ذمة زوجها) ثم (المرأة المتزوجة بزوج آخر إلا إذا فسخ عقد زواجها بملك اليمين) فهنا خمس عشرة امرأة مُحرّمة عندما نضيف (زوجة الأب).

2 / 3 : وقد حرص التشريع القرآنى على بيان التفصيلات و الإستثناءات لتتضح الصورة الكاملة:

2 / 3 / 1 : فأجاز على سبيل الاستثناء أنواع الزواج الباطل الذى كان موجوداً قبل نزول الآية مثل :

2 / 3 / 2 : نكاح أرملة الأب أو طليقته: ( وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ  ) .

2 / 3 / 3 : الجمع بين الاختين : ( وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ  ) ، ومع أن تلك كانت حالات فردية معدود وقت نزول القرآن إلا أن تفصيلات القرآن أفسحت لها مجالاً للتوضيح.

2 / 4 :وأوضح التشريع القرآنى معنى الربيبة المحرمة بالتفصيل : ( وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ) .    وأوضح التشريع الاسلامى القرآنى معنى زوجة الابن المحرمة : ( وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ ). أى يكون الابن من صلب أبيه ليس بالتبني أو ابن أخيه ويتعارف الناس على أنه إبنه أو كإبنه.

2 / 5 : ، وحدد التشريع الاسلامى القرآنى المتزوجة  التي على ذمة زوجها بقوله سبحانه و تعالى: : (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ  ) . والاستثناء هنا بملك اليمين يفيد أن الزوجة التى فقدت حريتها بالسبي ينفسخ عقد زواجها السابق وبعد انتهاء عدتها يمكن لها أن تتزوج.

3 ـ وبعد أن حصر التشريع الاسلامى المحرمات فى النكاح قال: ( كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً  ) " كتاب الله عليكم" أى أن تحريم هؤلاء النسوة مكتوب ومفروض عليكم . فهنا حكم جامع مفصل بالتحريم، وبعده  قال جل وعلا : ( وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً  ) ، أى أن مما بعد المحرمات المنصوص عليهن هن حلال للنكاح بصداق وعقد ، ولسن محرمات بأى حال. ومعناه أن التشريع الاسلامى  أحاط النساء لمحرمات بسور جامع مانع ، وما بعد هذا السور فحلال للنكاح ، وبمعنى أدق فلا يجوز هنا أن نجتهد لأن ذلك يعنى ببساطة أننا سنجعل الحرام حلالاً والحلال حراماً..

4 ـ ولكن الذى حدث أن التشريع السُنّى حرّم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها قياساً على حرمة الجمع بين المرأة وأختها ، وحرموا الخالة من الرضاع والعمة من الرضاع.. الخ قياساً على تحريم الأم من الرضاع والأخت من الرضاع، ثم صاغوا أحاديث في ذلك: مثل "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" و "لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها.

4 /1 : وهنا يقع التناقض مع كتاب الله.

فإذا أراد رجل أن ينكح عمة زوجته جاز له هذا فى التشريع الاسلامى ، لأن عمة الزوجة ليست من المحرمات في نص القرآن،  ولأنها تدخل في الحلال الذى قال فيه القرآن الكريم : ( وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ )، ولكن التشريع السُنّى يجعله حراماً عليه ، وإذا أراد رجل أن يتزوج خالته من الرضاع حرمها عليها التشريع السنى ، بينما هى حلال له بدليل قوله تعالى (  وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ).

4 / 2 : وذلك يعنى بوضوح أنهم يحرمون ما أحل الله ثم ينسبون ذلك للرسول ليجعلوا هذا دينا بالافتراء والكذب .   

5 ـ لمجرد التذكير :

الآية الأخيرة فى سياق التحريم تصفع أئمة الدين السُنّى وأشباههم . قال جل وعلا : ( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) النساء ). هنا حقيقتان : إنه جل وعلا هو الذى يبيّن لنا تشريعاته بآياته البينات المُبينات، وأن سنن الذين من قبلنا هو العُرف المعروف المتعارف على أنه خير ومُباح  . والزواج يدخل فى هذا العُرف والمعروف . وسيأتى تفصيل لذلك .

ثانيا :

المحرمات فى الطعام :

1 ـ  كل الطعام حلال ما عدا الأصناف المحددة فى قوله تعالى: ( قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) الأنعام ) . فالمحرمات في الطعام في الظروف العادية هن أربع فقط (الميتة والدم ولحم الخنزير وما يقدم من طعام إلى الأوثان والأصنام (ما أهل به لغير الله).

وفي الظروف الاستثنائية يجوز للمضطر أن يأكل منها ليحفظ حياته، ولا يجوز له أن يأكل من غيرها مع تحريم الصيد في الحرم . قال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1) المائدة )    

2 ـ ونعود للأصناف الأربعة المحرمة في الطعام ونرى تفصيلاً لها في قوله سبحانه وتعالى : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)  المائدة ) "

فالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة تفصيلات لمعنى الميتة من الأنعام، ويأتى تفصيل أخر بالاستثناء في قوله سبحانه وتعالى: ( وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ  ) "  ويتبعه تفصيل : ( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوامِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) المائدة ) . ويأتى تفصيل : ( وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب  )  ليضيف  توضيحاً وبيانا لقوله سبحانه و تعالى : ( أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ  ) .

3 ـ الحلال المباح من الطعام هو الذى ذُكر إسم الله جل وعلا عليه . والحرام منه هو ما لم يّكر إسم الله عليه . هذا مفهوم من قوله سبحانه وتعالى :

3 / 1 : (   فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)  الأنعام )

3 / 2 :( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوامِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) المائدة  )

4 ـ ونتدبر قوله جل وعلا :

4 / 1 : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88) المائدة ). هنا خطاب للمؤمنين فيه نهى عن تحريم الطيبات الحلال ، وأن تحريمها إعتداء على رب العزة جل وعلا .

4 / 2 : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) البقرة ). الأمر للمؤمنين بالأكل من الطيبات وشكر الرحمن جل وعلا ، وحصر المحرمات فى أربعة فقط ، وجاء تفصيلها فى سورة المائدة ، مع توضيح العفو عند الاضطرار . ويتكرر النّص على ( لحم الخنزير ) دون بقيته ، ومع ملاحظة أن التحريم لا يشمل الإقتراب من هذه المحرمات ،فلم يأت مصطلح ( إجتنبوا ).

4 / 3 : ( فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115) وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117) النحل ).تكرار للمحرمات وعفو عند الاضطرار ، مع نهى عن التدخل فى تشريع الاسلام بتحريم الحلال ، وتهديد للذين يفترون الكذب علىالله جل وعلا بالعذاب وعدم الفلاح .

4 / 4 : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (60) يونس ). هنا تساؤل خطير لمن يتلاعبون بالتشريع الالهى الاسلامى .

5 ـ وهذا حكم إلاهى على أئمة التشريع السنى وأشباههم . إذ قاموا بتحريم العشرات من الطعام ، اختلفوا بشأنها ، وصيغت فيها أحاديث تحرمها ، وأحاديث أخرى تجعلها حلالاً. ومن ذلك الأرنب والخيل وغيرها. ثم هناك الحديث المشهور القائل "أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد والكبد والطحال.. " ويعتبرونه إضافة لتشريع القرآن في لأطعمة، والكبد والطحال أنسجة ولحوم وليست من الدماء بأى حال. والدم المحرم في القرآن هو الدم المسفوح من الحيوان الحي وذلك ما جاء في آية (145) من سورة الأنعام. والدم المختلط في لحم الحيوان المذبوح ليس حراماً، فليس هناك أى معنى من قول واضع الحديث "الكبد، الطحال" أما السمك فهو حلال إسلاميا بقوله جل وعلا : ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)  المائدة ). وهو اللحم الطرى إمتنّ الله جل وعلا به على عباده ( وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) النحل ) (  وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) فاطر  )

فى حق الحياة :

1 – وهناك قواعد تشريعية قرآنية مؤكدة باسلوب القصر والحصر مثل النهى عن قتل النفس إلا بالحق : ( الاسراء 33، الانعام 151  ، الفرقان 68) . والحق هنا فى   القصاص ، سواء كان ذلك فى الجرائم ( البقرة 178) او فى الحروب ( البقرة 194)

2 ـ وجاء الدين السنى فألغى هذه القاعدة التشريعية المحكمة الملزمة فأضاف قتل المرتد والزنديق وتارك الصلاة ورجم الزانى ، ثم توسع فى القتل ليجعل من حق الامام ان يقتل ثلث الرعية فى سبيل اصلاح الثلثين ..!!

فى وجوب الوصية للورثة

3 – قال جل وعلا :   ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) البقرة). التأكيد فى الوصية جاء بصيغ مختلفة شديدة الدلالة مثل "كتب عليكم " ، " إن ترك خيرا " ، " بالمعروف" ، " حقا "،" على المتقين" ، ثم جاءت الايات بعد ذلك تضع قواعد الوصية. وفى سورة النساء (11 ، 12 ) نزل الامر بالوصية ليطبق قبل توقيع الميراث   ومع ان الوالدين لهما حق فى الميراث وحق ايضا فى الوصية ، ومع ان قواعدالميراث والوصية هى حدود الله التى يحرم التعدى عليها ( النساء 13:14) الا ان الدين السنى الغى الوصية للوارث طبقا لقاعدة فقهية جعلها حديثا نبويا يقول ( لا وصية لوارث ) وافتروا أن هذه الكذبة المخالفة للقرآن قد " نسخت" أى بزعمهم ألغت الآيات المخالفة لها..

ان تشريع الوصية والحث عليها جاء تحقيقا للعدالة الاسلامية. فأنصبة الميراث محددة بالنصف والربع والسدس والثلث والثمن ولا يجوز تعديلها. وتطبيقها وحدها قد يحمل ظلما بين الورثة. قد يكون فيهم من يستحق الزيادة فى حصته لظروف خاصة به تستوجب ذلك، هنا تأتنى الوصية لتعالج الأمر تحت عين المجتمع ورقابته ووفقا لمسئولية المتوفى أمام الله تعالى فى توزيع الوصية حسبما جاء فى آيات الوصية ، بالوصية مثلا يمكن لك أن تعطى ابنتك نصيبا مساويا لابنك طالما كانت تستحق ويطمئن ضميرك والمجتمع لذلك.

أخيرا :

وترتب على هذا التلاعب السنى بتشريعات القرآن الكريم المحكمة والملزمة نتيجتان متلازمتان

* الاولى :-

 اضافة معانى مخالفة لمصطلحات القرآن الكريم فالنسخ فى القرآن الكريم وفى اللغة العربية يعنى الاثبات والكتابة والتدوين ، ولكنهم جعلوا النسخ عندهم يعنى الحذف والالغاء والتبديل .

*الثانية :-

جعلوا فتاويهم الفقهية واحاديثهم المنسوبة زورا الى النبى تلغى قواعد القرآن الكريم التشريعية وتبطلها ، وبالتالى جعلوها فوق القرآن الكريم الذى هو كلام رب العالمين.

الفصل السابع : التلاعب فى قواعد التشريع ومقاصده العظمى:

 مقدمة

1 ـ الاحكام في التشريعات الاسلامية هي أوامر تدور في اطار قواعد تشريعية ،وهذه القواعد التشريعية لها مقاصد او اهداف ،او غايات عامة . يبدأ التشريع القرآنى بالأوامر مقترنة بقواعدها ، وقد تأتى المقاصد فى خلال الآية نفسها أو فى خلال السياق أو تأتى منفصلة.  

ا2– على ان المحصلة النهائية لتلاعبهم بالقواعد التشريعية القرآنية امتدت لتشمل : -

 2 / 1 : عدم الاكتفاء بالقرآن الكريم مصدرا وحيدا للتشريع عندهم  ، فأضافوا اليه مصادر اخرى له ابتدعوها وجعلوها عمليا فوق القرآن مثل الاحاديث والاجماع والقياس والمصالح المرسلة وبعضها كان ستارا لالغاء النص القرآنى مثل سد الذرائع الذى استطاعوا به تحريم وجوه كثيرة من الحلال .

 2 / 2 :  كثرة وسهولة انتاج الكثير من المصطلحات الفقهية ، وبعضها كان من مصطلحات القرآن ولكن حرفوا معناها مثل الحدود التى تعنى فى القرآن الكريم الشرع والحق فجعلوها تعنى العقوبة, وقاموا بتحوير بعض المصطلحات القرآنية لتكون نقيض معناها القرآنى ، مثل النسخ ـ وقد أشرنا اليه ـ والتعزير الذى يعنى فى القرآن التقديس والمؤازرة والتأييد فجعلوه فى الفقة يعنى الاهانة والعقوبة.

 2 / 3 :  كثرة وسهولة الوضع فى الاحاديث ، وكثرة وسهولة استعمال كلمة( يسن) فى تشريع الفقهاء .  

ونعطى تفصيلا :  

أولا :

1 ـ مقاصد التشريع القرآنى نوعان :

1 / 1 / 1 : الأعلى وهو ( التقوى ) التى تمنع من الوقوع فى الخطأ ، ولو وقع فيه تاب وأناب " الأعراف 201 " آل عمران133-136 ". والتقوى تجمع الايمان الصحيح بالله تعالى واليوم الآخر مع المداومة على عمل الصالحات أى العبادات والمعاملات. ولذلك لا يدخل الجنة الا المتقون.  فى المجال التشريعى تأتى التقوى فى سياق التشريعات نفسها وتاتى أحيانا منفصلة عنها باعتبارها قيما عليا فى حد ذاتها، فالأمر بالتقوى تكرر للنبى نفسه والمؤمنين وكان أحيانا يأتى فى مطلع السور"النساءـ الأحزاب ـ الحج ". وتأتى التقوى فى سياق التشريع لتؤكد على ضرورة ربط التطبيق البشرى للتشريع الالهى باحياء الضمير والسمو بالنفس وتزكيتها وحسن العلاقة المباشرة بيى الانسان وربه الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، واذا كان يعلم ان الله تعالى يراه فلا بد له من أن يخشى الله تعالى ويسعى فى مرضاته جل وعلا. حتى لو كان بمأمن من السلطة البشرية والمراقبة البوليسية. من أجل هذا الدور السامى للتقوى فى التشريع القرآنى تجد الأمر بالتقوى يرصع آيات التشريع فيها جميعا. ونعطى مثالا واحدا: يقول تعالى فى تشريع الطلاق مؤكدا على حفظ حقوق المرأة : (  وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231)  البقرة 231) .الآية هنا انقسمت الى قسمين : الأول فى الأمر التشريعى وهو تخيير الزوج ـ الذى طلق زوجته وبلغت العدة وهى فى بيته ـ بين أن يحتفظ بالزوجة ويمسكها بشرط معاملتها بالمعروف ، وبين أن يتحول الطلاق ـ وهو فى التشريع القرآنى مجرد مهلة للمراجعة وليس انفصالا نهائيا ـ الى انفصال نهائى بأن يطلق سراحها ولكن أيضا بالمعروف ودون اضرار. وحتى لا يضمر الزوج ان يعيدها الى عصمته بقصد اذلالها يحذر التشريع القرآنى من ذلك ويجعله اعتداءا. وبعد مجىء التشريع بالأمر والنهى جاء القسم الثانى من الآية بالمقصد التشريعى مباشرة يشمل الانذار والوعظ والتحذير والتنبيه ومراعاة التقوى.

نلمح الى أن فحوى الآية السابقة قد جاء مفصلا أيضا فى افتتاحية سورة الطلاق حفظا لحقوق المرأة ولكن الدين  السلفى أضاع تشريع القرآن وحقوق المرأة وحقوق الانسان.

 1 /  1 / 2  : ومع إقتران التشريعات الاسلامية بالتقوى فلا نجد اشارة لها فى التشريع السنى فى عصر الازدهار الفكرى، لا فى فقه العبادات أو المعاملات.  ثم انحدر الفقه السنى فى عصوره المتأخرة الى التخيلات المستحيلة الحدوث، مثل " ما حكم من حمل على ظهره قربة فساء ، هل ينقض وضوؤه أم لا؟... من جاع فى الصحراء ولم يجد الا جسد نبى من الأنبياء ، هل يجوز له الأكل منه؟ ...ماحكم من زنى بأمه فى نهار رمضان فى جوف الكعبة ؟ وماذا عليه من الأثم ؟؟ ....وما حكم من كان لقضيبه فرعان وزنى بامراة فى قبلها ودبرها فهل يقع عليه حدُّ واحد أم حدّان؟؟.  كل ذلك لا زلت اتذكره من الفقه التراثى الذى كان مقررا علينا فى الأزهر وكان يخدش حياءنا حينئذ، ثم ظل مقررا على الجيل الذى اتى بعدنا بعد توسع الأزهر فى كل القرى المصرية دون اصلاح لمناهجه وفكره. ودخل فى الأزهر افواج من المراهقين فى تعليمه الإعدادى منهن فتيات قاصرات فى براءة الطفولة وحياء العذارى ونقاء الفطرة كان عليهن دراسة هذا الفقه القذر المتخلف, ولم يتم حذف سطوره الا بعد مقالات لى كوفئت عليها بالتكفير فى اوائل التسعينيات.

1 / 2 :وبعد التقوى تأتى المقاصد التشريعية الأخرى من حفظ تماسك الأسرة ورعايتها، والتخفيف ورفع الحرج والتسهيل ، والعفة الجنسية. وكل تشريعات الأسرة فى القرآن تهدف الى حفظها وتماسكها كمقصد اسمى لتلك التشريعات .

1 / 2 / 1 :ـ الدين السنى ركّز على الأوامر وترك القواعد والمقاصد. ففى موضوع الأسرة مثلا تأتى القاعدة التشريعية تؤكد على: ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19) النساء  ) " وتحت هذه القاعدة ياتى التعامل مع الزوجة التى تريد النشوز أى هدم بيتها مع تمتعها بكل الحقوق وقيام الزوج بالقوامة عليها ـ ومصطلح القوامة فى القرآن يعنى الرعاية والحفظ وتحمل مسئولية الزوجة والقيام بمتطلباتها بالمعروف ـ هنا يكون من وسائل حفظ البيت والأسرة تأديب الزوجة الناشز بالوعظ ثم بالهجر ثم بالضرب. وياتى التحذير من اساءة التطبيق فى هذا التشريع بظلم الزوجة المطيعة : ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً (34)  النساء ) . الدين  السنى تجاهل القاعدة والمقصد التشريعى وركّز فقط على "ضرب الزوجة".

ثانيا : ـ فى موضوع العفة والاحصان الخلقى :

 1 ـ  أوامر الزى للمراة هى مجرد أوامر تشريعية تخضع لقاعدة تشريعية هى العفّة الخلقية وعدم الوقوع فى جريمة الزنا وفاحشة وساء سبيلا  . ولأنها مجرد أوامر فقد جاءت معها أوامر أخرى بالغض من البصر ( للرجل والمرأة ) اى النهى عن النظرة الآثمة من الرجل للمرأة ومن المرأة للرجل على التساوى بما يفيد بأن وجه الرجل مكشوف ووجه المرأة مكشوف أيضا ، ثم تزداد الأوامر بالنسبة لزى النساء حسبما جاء فى سورة النور ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)31)).
2ـ عصيان الأوامر هو مجرد سيئة ، أما الوقوع فى الكبائر فهو جريمة كبرى . قال جل وعلا : ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (31) النساء ).

3 ـ وتطبيقا على هذا هنا فإن: (  اللمم ) هو ما ( يلُمُّ ) به أى إنسان ، وهو من السيئات الصغيرة ، ويشمل الزى الخليع بل العُرى واللمس والقبلة والعادة السرية ، وكل ما هو دون الممارسة الجنسية المعروفة التى هى ( الزنا ) . الزنا واللمم حرام ، ولكن اللمم سيئة والزنا من أكبر الكبائر . قال جل وعلا (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ) (32) النجم ). الاجتناب لكبائر الاثم والفواحش والاستثناء فى (اللمم ) . وكلاهما ( الزنا وما يقرب منه ) حرام ، ولكن يظل هناك الفارق بين السيئة وبين كبائر الإثم والفواحش.

عن جريمة النقاب :

 1 ـ  إبتدع الدين السنى النقاب ، وهو مزايدة محرمة على حق الله تعالى فى التشريع، وتضييع لشهادة المرأة ودورها فى المجتمع المسلم وتحريم لكشف وجهها وهو حلال فى الاسلام، وهذا التطرف بفرض النقاب أضاع المقصد الأسمى من أوامر العفة والاحصان. فالنقاب من اهم عوامل انتشار الانحلال الخلقى حيث تتخفى فيه المرأة وتفعل ما تشاء دون أن يتعرف عليها احد.  بالتالى : نقارن بين إمراة ترتدى المايوه البكينى ولا تقع فى الزنا وبين إمرأة ترتدى النقاب وهى زانية ، أو تعتقد أن نقابها فريضة دينية ، الاولى ترتكب سيئة ، اما الأخرى فهى واقعة فى أكبر الكبائر وهو الاعتداء على حق الله جل وعلا فى التشريع والمزايدة عليه جل وعلا فى شرعه بأن تجعل النقاب فرضا.

2 ـ  لم يرد مصطلح النقاب في تشريعات الاسلام عن زى المرأة .  جاء مصطلح ( نقب ) في القرآن الكريم بمعنى الخرق في جدار : ( الكهف 97 ) والبحث والتنقيب ( ق 36 ) ولم يكن معروفا فى عصر الرسول عليه السلام، اذ كان وجه المرأة وقتها مكشوفا معروفا ، فالله تعالى يقول للنبى : ( لايحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن) : (الأحزاب /52 )" والحسن فى الوجه.والله تعالى يقول عن مجتمع المدينة فى العصر النبوى :( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله) ( التوبة 71 ) فهنا تفاعل اجتماعى حى ونشط يقوم على الايمان والتقوى والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والتناصح بالخير. ولا نتصور حدوثه فى مجتمع النقاب والنفاق.
3 ـ هناك ارتباط بين النفاق والنقاب ـ فالنقاب رسالة موجهة للبشر تقول فيها من تتخفى خلف النقاب : انظروا ايها الناس اننى مؤمنة تقية نقية.  وهناك ارتباط بين النقاب والاستعلاء على الاخرين ، ليس فقط فى أنه رسالة لهم بالتميز عليهم ولكن أيضا لأن المتنقبة تعطى لنفسها الحق فى أن ترى الاخرين وتقتحمهم بعينيها دون أن تسمح للاخرين بأن يعرفوا هويتها ومن هى.
5 ـ الأفظع من ذلك أن النقاب استعلاء على الله تعالى وشرعه ودينه.النقاب فيه مزايدة على شرع الله تعالى ، وقد حرّم الله تعالى أن يزايد أحد على شرعه فقال : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم ) ( الحجرات 1 ) فالله جل وعلا لم يحرم كشف وجه المرأة ، فكيف يأتى بشر من الناس ويجعل الحلال حراما ؟ هل يتهم الله تعالى بالتقصيرفى التشريع ؟ هل يتهمه جل وعلا باباحة الفاحشة على أساس أن وجه المرأة عوره وسفورها فاحشة؟   أهو صاحب الدين وصاحب الشرع ام الله تعالى ؟ وهو جل وعلا صاحب الحق الوحيد فى التشريع ، وأنه ليس لأحد أن يحل ما حرم الله تعالى أو أن يحرم ما أحل الله جل وعلا.الذين يحرمون ما أحل الله تعالى يعتدون على حق الله تعالى فى التشريع ( المائدة 87 ) ويدخلون ضمن من قال عنهم ربنا الواحد القهار ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ؟ ) ( الشورى 21 ).
6ـ ان تعبئة المرأة فى النقاب ليس اهدارا فقط لكرامتها الانسانية ومحوا لشخصيتها البشرية التى تتحدد بالوجه الذى به تعرف وتتميز عن غيرها ـ ولكنه أيضا تضييع لاقامة الشريعة الاسلامية الحقيقية التى ترتكز على الشاهد والجانى والمجنى عليه. فاذا كانت المرأة جانيا أو مجنيا عليها أو شاهدا فلا يمكن التعرف عليها وهى فى النقاب.من حق أى انسان أن يرتدى ما يشاء فى ظل القوانين المرعية. ومن حق المرأة ان تتنقب فهذه حريتها الشخصية, ولكن إذا ارادت ان تقرن ذلك بالاسلام وتجعله شعارا لدين الله تعالى فقد وقعت فى عداء مع الله تعالى لأن الدين الالهى ليس ميدانا للتلاعب السياسى والفقهى وليس مجالا للتنابذ بالأزياء والجلباب والألقاب والنقاب.

ثالثا : فى العبادات :

1 ـ هى مجرد أوامر واجب علينا اداؤها لبلوغ الهدف الأسمى وهو التقوى" البقرة  - 183 -196 -197 ـ21"أو هى مجرد وسائل للتقوى نستطيع بها الابتعاد عن الفحشاء والمنكر" العنكبوت45" وهذا هو المعنى الحقيقى لاقامة الصلاة وايتاء الزكاة أى التزكى والسمو الخلقى بالتقوى.

2 ـ كل ذلك أضاعه الدين السنى حين جعل الصلاة والزكاة والحج أهدافا بذاتها، فاذا أديت الصلاة فلا عليك ان عصيت وستقوم صلاتك بمسح ذنوبك . واذا تبرعت لبناء مسجد ولو كمفحص قطاة تمتعت بقصر فى الجنة. واذا أديت الحج رجعت منه كيوم ولدتك أمك ـ أى بلا ذنوب على الاطلاق.وأكثر من ذلك ستدخل الجنة ـ رغم أنفك ـ بشفاعة محمد لأنك من امة محمد مهما فعلت. يكفيك أن تقول الشهادتين ثم تعيث فى الأرض فسادا. المهم أن الدين السنى حول العبادات الى تدين سطحى وحول الأخلاق الى مستنقع من النفاق والكذب والتدجيل. ونحن مشهورون بذلك بين الأمم .

3 ـ الأكثر من ذلك أن تتحول الصلاة المظهرية الى وسائل تشجع على إرتكاب الكبائر ، فصحابة الفتوحات وهم يقتلون ويسلبون وينهبون ويسبون الأطفال والنساء كان يؤدون الصلاة . يحسبون أنهم يحسنون صنعا . وحتى الآن فإن الارهابيين سفّكى دماء الأبرياء هم الأكثر تأدية للصلاة .

رابعا : فى تشريع القتال :

1 ـ الاسلام دين السلام فى التعامل  مع الناس . ويتجلى هذا فى تشريع القتال الدفاعى ، والتى حوّلها الدين السنى من السلام الى العنف والارهاب والعدوان لأنه ركز على الأمر وأهمل القاعدة والمقصد التشريعى.

2 ـ فالامر بالقتال "قاتلوا " "له قاعدة تشريعية وهوان يكون للدفاع عن النفس ورد الاعتداء بمثله او بتعبير القرآن (في سبيل الله )،ثم يكون الهدف النهائي للقتال هو تقرير الحرية الدينية ومنع الاضطهاد في الدين ،كي يختار كل انسان ما يشاء من عقيدة وهو يعيش في سلام وامان حتي يكون مسئولاعن اختياره الحر يوم القيامة بدون اكراه فى الدين حتى لا تكون لأى بشر حجة امام الله تعالى يوم الدين.                                                         

يقول تعالي (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين :البقرة195) فالامر هنا (قاتلوا) ، والقاعدة التشريعية هي (في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين )وتتكرر القاعدة التشريعية في قوله تعالي (فمن اعتدي عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم :البقرة 194). اما المقصد او الغاية التشريعية فهي في قوله تعالي (وقاتلوهم حتي لا تكون فتنة ويكون الدين لله :البقرة 193)أي ان منع الفتنة هي الهدف الاساسي من التشريع بالقتال . والفتنة في المصطلح القرآني هي الاكراه في الدين أوالاضطهاد في الدين ،وهذا ماكان يفعله المشركون في مكة ضد المسلمين يقول تعالي (والفتنة اكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتي يردوكم عن دينكم ان استطاعوا :البقرة 217).                                                        وبتقرير الحرية الدينية ومنع الفتنة او الاضطهاد الديني يكون الدين كله لله تعالي يحكم فيه وحده يوم القيامة دون ان يغتصب احدهم سلطة الله في محاكم التفتيش واضطهاد المخالفين في الرأي، وذلك معني قوله تعالي(وقاتلوهم حتي لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله : الانفال 39 ).                  

3 ـ  الذى حدث ان فقهاء دين السنة قاموا بتشريع لما وقع فيه الخلفاء الفاسقون فيما يُيعرف بالفتوحات الاسلامية . ركزوا فقط على الأمر بالقتال" قاتلوا" واهملوا القاعدة التشريعية للقتال او المسوغ الوحيد لاباحته وهو ان يكون القتال دفاعيا فقط . وترتب على هذا أن أصبح القتال ليس فى سبيل الله تعالى لاقرار الحرية الدينية ومنع الاكراه فى الدين ، وليس لمجرد الدفاع الشرعى عن النفس ، بل أصبح لتشريع العدوان على الغير وجعله ليس فقط مباحا بل واجبا شرعيا باعتباره جهادا اسلاميا.

أخيرا :

ليس مثل الاسلام دين أضاعه المنتسبون زورا اليه .!!

تجميع جزء أول من القسم الثانى من كتاب الشريعة الاسلامية

تجميع جزء أول من القسم الثانى من كتاب الشريعة الاسلامية 

الباب الأول : مقدمات 

الفصل الأول :

الاجتهاد الاسلامى فى التدبر القرآنى وفى الاسلام والكفر والعبادات 

مقدمة :

الكلام هنا عن الاجتهاد فى التطبيق فى الدولة الاسلامية وفى السلوك الفردى للمؤمن المتقى ، وأيضا عن إجتهاد العلماء المسلمين المؤمنين بالله جل وعلا ربّا وإلاها لا شريك معه وبالقرآن الكريم وحده حديثا .هذا يدفعنا الى :

أولا :

مؤهلات المتدبر للقرآن الكريم

لا بد أن يكون لديه :

1 ـ معرفة كافية باللسان العربى وأساليبه وما يسمى بالبلاغة ، وإختلاف اللسان القرآنى عن الذى أسموه ( اللغة العربية ) و ( النحو ) ، وإختلاف المصطلحات القرآنية عن الشائع من مصطلحات السابقين والمعاصرين .

2 ـ معرفة كافية بتاريخ المحمديين من الفتوحات العربية ، وما تأسّس عنها من أديان أرضية ، بقى منها التشيع والسنة والتصوف ، وما أنتجوه من علوم تطعن فى القرآن الكريم والاسلام مثل الحديث والتفسير والنسخ بمعنى الحذف والتأويل ..كل الأديان الأرضية الشيطانية  تتفق فى تقديس البشر من أنبياء وأولياء وأئمة وأحبار ورهبان ، وتقديس الحجر من تماثيل وقبور . هذا مع إختلاف المسميات . وبالنسبة للمحمديين فهناك إختلافات بينهم ، فالتصوف أكثر مسالمة وأفظع فى عقائده وإنحلاله ، والسنة أكثر تسلطا ، والتشيع يختلف إن كان فى موقع القوة كان كالسنة ، وإنكان فى موقع ضعف لجأ للتقية . ثم هناك إختلافات فى شرائع المحمديين يطول شرحها . ولا بد للمتدبر القرآنى الإلمام بهذا كله ، لأنهم ينسبون أنفسهم الى دين الله جل وعلا ، بما يستلزم تبرئة الاسلام من أقاويلهم وشرائعهم .

3 ـ معرفة معقولة بتاريخ الأمم السابقة وآثارهم المكتشفة لفهم أفضل للقصص القرآنى .

4 ـ معرفة معقولةبما وصل اليه العلم الحديث ومكتشفاته للوصول الى فهم أفضل للإشارات العلمية فى القرآن الكريم .

5 ـ معرفة لمنهج القرآن الكريم فى الاشارات العلمية وفى التشريع وفى القصص وفى العبادات الجديد منه والمتوارث ، وفى الحوار مع المشركين ..

ولا بد أن يتبع :

ثانيا : منهج التدبر القرآنى

لنا كتاب منشور هنا عن ( كيف نفهم القرآن الكريم ).

https://ahl-alquran.com/arabic/book_main.php?main_id=41

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=327169

1 ـ بإيجاز : هو نفس المنهج الذى يتبعه أى باحث حقيقى . لا يبدأ برأى مسبق يريد نفيه أو إثباته فينتقى ويتجاهل ويؤول الآيات القرآنية لتوافق غرضه . بل يدخل على القرآن يبتغى الهداية والمعرفة ولديه إستعداد لأن يضحى بأى فكرة  يظهر مخالفتها للقرآن الكريم . ثم عليه أن  يتتبع الايات الخاصة بالموضوع فى سياقها المحلى فى الآية وما قبلها وما بعدها وفى سياقها العام فى القرآن الكريم كله ، والآيات الشبيهة والقريبة منها . هذا بالطبع يستلزم أن يكون القرآن الكريم حاضرا بقوة فى ذاكرته . وسيظهر له إختلاف معنى بعض الكلمات  القرآنية الى درجة التناقض ، والسياق هو الفيصل . ومنه دور حروف ( الجر ) فى تغيير معنى الكلمة . ومثلا فهناك ( آمن ب ) عن الايمان العقيدى و( آمن ل ) عن الايمان السلوكى بمعنى الأمن والأمان .ومنه قوله عن النبى محمد عليه السلام( يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ )  (61) التوبة )، والفعل ( صرف ) إذا لحقه (عن ) يختلف معناه بدونها ، والأمثلة كثيرة ، منها فى سورة الأنعام فقط : ( قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16)،( وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ  )(105)).ولنا مئات المقالات فى ( القاموس القرآنى ) تثبت هذا ، بالاضافة الى ( علوم القرآن ) و ( القرآن والواقع الاجتماعى ) .

2 ـ هذا سيصل بالباحث المتدبر للرأى الحق فيما يسمى بالترادف .  الترادف فى القرآن الكريم يدخل فى البيان القرآنى والتفصيلات القرآنية التى نزلت على علم ( الأعراف 52) . ومن الترادف ما يكون ب ( واو العطف ) ( الأنبياء 48 ) ومنه ما يكون بدونها ( الحشر 22 :24 )  وهو موضوع يحتاج للكثير من الاجتهادات . ولنا كتاب أشار لبعض ذلك عن القرآن الكريم وعلم النحو .

3 ـ مهما بلغ علم الباحث المتدبر للقرآن الكريم فهو يقول رأيا قابلا للرد والتعديل ، أى ما يقوله ليس دينا بل رأى بشرى .وهو يتأكّد كلما بحث وإكتشف من جواهر القرآن أنه لا يزال على ساحل المعرفة بالقرآن الكريم الذى إتخذه المحمديون مهجورا .

ثالثا : الاجتهاد فى الأساس

1 ـ ونقصد به تحديد مفاهيم الاسلام والايمان والكفر والشرك من حيث السلوك والاعتقاد. وكتبنا فى هذا كثيرا وبلا ملل ، لأنه منذ الفتوحات العربية ساد إتهام من يُراد الهجوم عليه بالكفر ، وجعل الاعتداء والغزو والاحتلال والقتل والسبى والسلب جهادا إسلاميا بالتناقض مع تشريع القتال الدفاعى فى الاسلام . وحتى وقتنا هذا لا يزال الاعتداء على المُسالمين من الملل الأخرى ( جهادا إسلاميا ). ليس فقط فيما فعلته داعش وأخواتها، بل تأسّست دول على هذا الإفك مثل الدولة السعودية . وكتبنا فى الوهابية والسعودية الكثير . ولا يزال مجال الاجتهاد مفتوحا فى الرد على فقهاء الدم .

2 ـ ويترتب على هذا قضية التكفير للمخالف فى الدين : التكفير سائد فى الدين الإلهى وفى الأديان الأرضية . هو فى الدين الالهى وعظ سلمى ، فالقرآن الكريم ينذر من كان حيا من الناس : ( ابراهيم 52 ) ، ( يس 69 : 70  ). أما فى الأديان الشيطانية ـــ وبدرجات مختلفة ـــ يتعرض المخالف فى الدين الى الإكراه فى الدين والمحاكمات والقتل . نحن نجتهد فى توضيح حقائق الاسلام ، ونستشهد بآيات التكفير لمن يقول كذا أو يفعل كذا . نقول هذا وعظا ، وإيمانا منّا بالحرية الدينية المطلقة فى التشريع الاسلامى فنحن نحترم حق الآخر فى أن يقول لنا مثل ما نقول له ، يكفّرنا كما نكفّره ، ويدعونا لدينه كما ندعوه لديننا . أكثر من ذلك أننا لا نتبرأ من شخصه ، بل من أفعاله وأقواله :( الشعراء 214 : 215 )، فقد يتوب وينوب.

هنا يكون الاجتهاد فى تجلية حقائق الاسلام من الأساس ,

 رابعا : الاجتهاد فى العبادات .

وفيها قضايا مفتوحة للاجتهاد

إقامة الصلاة

1 ـ كانت قريش والعرب يتبعون ملة ابراهيم فيما عدا إخلاص الدين حنيفا لله جل وعلا ، لذا تكرر الأمر بإتّباع ملة ابراهيم  حنيفا . وكانت قريش تؤدى الصلاة المتوارثة بكيفيتها ومواقيتها مع طغيانها وتجارتها بالدين وصدّها عن الاسلام . أى صلواتهم كانت مجرد حركات وصفها رب العزة جل وعلا بالمُكاء والتصدية ( الأنفال 35 ). وهناك كثرة من الأسئلة التى وجهها الصحابة للنبى ــ ومنها المكررــ  وكانت تتنزل الاجابات عليها من رب العزة قرآنا، ولكن لم يكن منها إطلاقا سؤال عن كيفية ومواقيت الصلاة، لأن الصلاة متوارثة ومتواترة ومعروفة ، وليست فيها مشكلة . المشكلة كانت فى الصلاة والعبادات أنها كلها وسائل للتقوى ( البقرة  21 ، 183 ، 196 : 197 ) ، وبهذه التقوى تكون إقامة الصلاة ( العنكبوت 45 )، ولم يأت فى القرآن الكريم مطلقا ( صلُّوا ) بل كان الأمر ب ( إقامة الصلاة ) والمحافظة عليها . وبدونها تكون الصلاة دافعا للعصيان ومحرّضا عليه ، كما حدث مع صحابة الفتوحات والفتن ، إذ كانوا يؤدون الصلاة وهم يتقاتلون . ولا يزال هذا سائدا لدى الارهابيين من الوهابيين وأصنافهم. ولنا كتاب عن الصلاة الشيطانية والصلاة الاسلامية .

 منكرو الصلوات فى عصرنا

منذ أن قمنا بجهادنا فى التنوير الاسلامى إنفجرت فى وجوهنا الألغام ، ولكن قمنا بتعبيد الطريق  لمن يسير بعدنا ، فلقد تم فضح الأديان الأرضية للمحمدين ، وأصبح من الممكن الهجوم على البخارى وأمثاله ، خصوصا مع جهل الشيوخ الفاضح . أغرى هذا كثيرين بالدخول فى مجال الكتابة الدينية  دون إعداد علمى وثقافى ودون معرفة بمنهج القرآن الكريم فى العبادات .جعلوا أنفسهم قرآنيين ، فتشوهت بهم صورتنا لأنهم الأعلى صوتا , بعضهم يتمتع بجهل شديد بالقرآن الكريم لا يدانيه سوى جُرأته على الاسلام . نتكلم عن منكرى الصلوات الخمس ، ممّن يجعلها ثلاثا ، ومن ينكرها كلها زاعما الاكتفاء بقراءة القرآن الكريم ، وقد لا يقرأ القرآن الكريم . هؤلاء لم يكونوا من قبل من المُصلّين ( المدثر 43  ) وهى على قلوبهم كبيرة ثقيلة ( البقرة 45 )، ولا يستطيعون الاصطبار على تأديتها خمس مرات فى اليوم :( طه 132 ) ، فهى صلاة مفروضة موقوته حتى فى أوقات الخوف ( البقرة  238 : 239) ( النساء 101 : 102 ) . لذا جعلوا دينهم فى إنكار الصلاة . موعدنا معهم أمام الواحد القهار جل وعلا يوم الدين ( الزمر 46 ).

السنة القمرية وشهورها

1 ـ كانت العرب فى الجاهلية تؤدى الحج فى الأشهر الحُرم وكانت معلومة لديهم بهلال الشهر القمرى ،( البقرة 189 ، 197 )، كانت معروفة حتى وهم يقومون بالنسىء أى  تبديل شهر حرام بغيره ( التوبة 36 : 37 ) . وكانت بداية التقويم القمرى بإفتتاح الشهر الأول من الأشهر الحُرُم وهو شهر ذو الحجة ،والذى فيه يوم الحج الأكبر أى إفتتاح موسم الحج ، والذى يستمر أربعة أشهر متتابعة ( التوبة 1 : 5 ). ومن شهر ذى الحجة كانت كلمة ( حجج ) تعنى اعواما ( القصص  27 ).

2 ـ جاء الخليفة الفاسق عمر بن الخطاب فألغى ذلك بما أسماه التقويم الهجرى ، وجعل بدايته شهر المحرم . والفتوحات والتى قام بها سلفه أبو بكر بدأت بالأشهر الحرم واستمرت دون توقف، تنتهك حرمتها . وحتى الفتنة الكبرى والحروب الأهلية لم تتوقف فى الأشهر الحرم ، وحتى الآن .

3 ـ بالحكم الاستبدادى للخلفاء أصبح الحج مهمة رسمية ، ينحصر فى وقت محدد وبحماية جيش يحمى قوافل الحج من هجمات الأعراب . وساد من وقتها حصر الحج فى بضعة أيام ، الى جانب منع غير المحمديين من تأدية مناسك الحج ، وهو للبشر المسالمين جميعا ( البقرة  ) ( الحج 25  : 27). وبالمناسبة فالسبب أيضا هو الخليفة الفاسق عمر بن الخطاب الذى أجلا أهل الكتاب من الجزيرة العربية بمن كان فيهم من المؤمنين الصالحين الذين أثنى عليهم رب العزة جل وعلا فى القرآن الكريم .

4 ـ وصل الأمر فى دول الاستبداد للمحمديين الى التحكم فى تحديد الأشهر القمرية برؤية الهلال ، واصبح هذا وظيفة رسمية ، من أجلها تجاهلوا التقويم الفلكى الذى نبغ فيه علماء أفذاذ ( مسلمون ) فى القرون الوسطى . تحديد الشهر القمرية بالرؤية خضع للهوى والخلط ، ولنا فى هذا كتاب عن الصيام وشهر رمضان . وأسّس هذا مشكلة حالية : هل شهر رمضان المذكور فى القرآن الكريم هو نفسه الذى نصومه الآن ؟. وتدافع هذا وذاك ينفى ، وتناسوا أن الحساب الفلكى ( والمشار اليه فى القرآن الكريم ) هو الحكم والفيصل ، وأنه حتى لو كان الحساب خاطئا فيكفى أن يتعارف الناس على أن هذا الشهر هو رمضان ليكون رمضان. وفى النهاية فصوم رمضان هو كسائر العبادات وسيلة للتقوى . ولقد تحول شهر رمضان الى موسم للإكثار من الطعام والعصيان .

الصدقات والزكاة المالية

الاجتهاد هنا فى تحديد المستحقين فى الصدقات الفردية ، وفى الصدقات الرسمية فى الدولة الاسلامية . وتوقيت إخراجها ، ومقدارها . والرّد قرآنيا على خزعبلات الأديان الشيطانية . وفعلنا هذا فى كتابنا عن الزكاة .

  قراءة القرآن الكريم والذكر

تحوّل القرآن الكريم الى أنشودة يسمع فيها الناس صوت المنشد ( أو القارىء ) دون فهم للقرآن الكريم نفسه . وتحول ذكر الله جل وعلا والدعاء له الى لهو ولعب وأغانى .وفى دين التصوف يتحول الذكر الى رقص ومجون وشذوذ .  

أخيرا

المحمديون ورذائل الأمم السابقة

1 ـ رذائل الأمم السابقة المذكورة فى القصص القرآنى والتى أهلكهم الله جل وعلا بسببها يمارسها المحمديون ، ليس مجرد عصيان ، بل يجعلونه دينا . ومن شاء فليقرأ لنا كتاب ( أثر التصوف فى الانحلال الخلقى فى المجتمع المصرى المملوكى ) ، وهومنشور هنا .

2 ـ هذا يستوجب علينا الاجتهاد فى تنقية حقائق الاسلام وتبرئته من أديان المحمديين الأرضية الشيطانية .

التعليقات(2)

    Ben Levante      

 وجهة نظر

 وجهة نطر فيما جاء في مقالكم عن مؤهلات المتدبر للقرآن الكريم


لنستذكر أولًا الآيات التالية:

أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ‎﴿المؤمنون: ٦٨﴾

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ‎﴿محمد: ٢٤﴾‏

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ‎﴿النساء: ٨٢﴾

هنا تستهجن الآيات عدم تدبر الناس للقرآن وتفترض إمكانية التدبر، وهذا منذ نزول القرآن، أي قبل اختراع الحديث وتأليف المجلدات. أنا أرى أن تدبر القرآن يحتاج لمؤهلين: اللسان العربي وهذا طبعًا غير موجود عند كل إنسان، ثم العقل، هذه الطاقة التي منحها الله لكل البشر (عمومًا). المشكلة أن هذه الطاقة موضوعة في خزنة عليها أقفالها. الناس في عهذ الرسول كانوا إذا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا. الـ "مسلمون" اليوم يرددون نفس الكلام.

  آحمد صبحي منصور      

شكرا استاذ بن ليفانت وأقول:

نحن فى هذا متفقان. 
وأرى أن معظم الصحابة لم يكن لديهم الوقت الكافى للتدبر القرآنى ، والذى لم يكن مهمة النبى الرسول نفسه لأن مهمته كانت التبليغ للقرآن الكريم ، بالاضافة لكونه القائد للدولة. 

الفصل الثانى : 

مجال الاجتهاد    

  أولا :

إجتهاد التطبيق

 1 ـ حيث يوجد النص القرآنى الذي يأمر بشيء أو ينهى عن شيء فلابد من الاجتهاد في تطبيق ذلك النص. وحتى في القوانين الوضعية فإنها تتحدث عن حالة ما وتحتاج إلى القاضى لكى يطبق هذه المادة القانونية على الشخص الماثل أمامه. والقاضى يجتهد في  تطبيق نصوص القانون على القضية محل البحث ، ثم تقوم الجهة المختصة بالتطبيق وإنفاذ القانون .

2 ـ على أن كتاب الله جل وعلا لا يخاطب قاضياً فقط، وإنما يخاطب كل مؤمن وهذه إحدي الفروق الأساسية بين القرآن الكريم والقوانين الوضعية التى تتجه دائماً إلى السلطة المنوط بها تنفيذ القانون. القرآن الكريم يتجه للإنسان يأمره وينهاه ويجعل المساءلة أمام الله في أغلب أحكامه. وإذا تحقق هدف القرآن الكريم في تنمية الإحساس بالتقوي والتعامل المباشر مع الله ومحاسبة النفس قبل ان يحاسبها الله جل وعلا فقد تضاءل دور المحاكم القانونية وتناقصت المنازعات بين الناس، ولكي يتم هذا فالخطوة الأولى تبدأ من الناس إيماناً صحيحًا بالله جل وعلا دون تقديس لبشر أوحجر ، ورغبة حقيقية في الهداية وبعدها تأتى الهداية من الله عزّ وجلّ ، وهو القائل : ( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ (17) محمد )  (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ) ً (76) مريم ) ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) العنكبوت ) ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ) (9)يونس ) . وهذه هى الحالة النفسية التى ينبغى أن يكون عليها المؤمن وهو يقوم بتطبيق شرع الله جل وعلا في نفسه وأهله، وفي الآخرين إذا كان حاكماً.

ثانيا : الاجتهاد الشخصي للمؤمن:

القرآن الكريم يتوجه أساساً في الخطاب إلى شخص المسلم بطريق مباشر ويجعله حكماً على نفسه في تقدير الأمور الشرعية الخاصة به أو التى قد يكن فيها متعاملاً مع الآخرين.

1 ـ فهو في تعامله مع والديه إذا حاولا إرغامه على الكفر ينفذ قوله جل وعلا : ( وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)  العنكبوت )( وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15)  لقمان ) . فهو يصاحبهما في الدنيا معروفا، وليس من اختصاص القانون أن يرسم أبعاد هذه العلاقة بين الابن المؤمن ووالديه، فالمؤمن نفسه هو الذي يرسم هذه العلاقة وهو يعلم أن الله جل وعلا هو الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ، وهو جل وعلا وحده الذى لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء  .

2 ـ وإذا أراد التعدد في الزوجات ينظر في قوله ربه سبحانه وتعالى: ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا (3) النساء ) . لا حدّ أقصى فى تعدد الزوجات ، فالزواج أصلا بالتراضى ولا إكراه فيه ، وللزوجة المتضررة أن تفتدى نفسها من زواج لا تريده ، ولها حقوق كزوجة وكمطلقة ، وكل ذلك جاء تفصيله فى كتاب لنا منشور مقالاته هنا عن تشريعات المرأة بين الاسلام والدين السُنّى الذكورى . ولكن فيما يخصُّ موضوعنا هنا  فالتعدد جاء ليس أمرا واجب النفاذ ـ بل تشجيعا على القسط فى اليتامى ، بأن يكون هذا التعدد زواجا بأرملة لها أطفال أيتام يحتاجون لأسرة وأبّ ، ثم يكون العدل بين الزوجات ، وكل ذلك بتقدير القلب المؤمن ، ولا تستطيع السُّلطة الحاكمة ـ مثلا  ـ تقدير العدالة المنتظرة ، فهذا أمر شخصي بحت مرجعه للمؤمن.

3- وفي إعطائه للصدقة يكون له تقديره الشخصي لمستحق الصدقة . قال جل وعلا : ( وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) الذاريات ) .السائل ( المتسول ) يُفصح عن نفسه بالسؤال . أما من هو المحروم ومدى حرمانه ، وهل محتاج للطعام أو الكساء أو الدواء أو السكن او لبعض هذا أو كل هذا . المؤمن الذى يخشى ربه جل وعلا  هو الذى يقدر ذلك وينفّذه . أيضا هو الذى يحدد مقدار الصدقة فيكون معلوما لديه ، ففي إعطائه الصدقة يحدد المقدار  الذي يخرجه من ماله في سبيل الله جل وعلا ، ويكون هذا القدر حقاً معلوماً لديه في ماله لله جل وعلا القائل : (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) المعارج  ).  وهو الذى يعرف ويتعرف على الذي يسأل بتعفف ولا يسأل الناس إلحافا والذى يتخذ من السؤال حرفة،  ويعطي هذا وذاك احتراماً للأمر القرآنى بإعطاء السائل ولكن لا يساوى في العطاء بين السائل المحترف والسائل المحتاج العفيف. قال جل وعلا :  (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272) لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) البقرة ). لاحظ ( وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ).!

وكذلك يفعل في تقديره للأحق بالعطاء من بين الأقارب واليتامى وغيرهم المذكورين في قوله ربى سبحانه وتعالى: ( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) البقرة ). لاحظ : ( وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ  ).  

وفى مقدار الزكاة المالية الفردية الشخصية  يراعى التوسط في هذه النسبة كما يراعى التوسط في نفقاته والتزاماته، فمن صفات عباد الرحمن ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (67) الفرقان ). وهو الذى يحدّد ويراعى ( العفو ) أو الزائد عن نفقاته ،  قال جل وعلا : ( وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) البقرة ). فى نفقاته الشخصية والعائلية لأسرته يتوسط ، فلا يبخل ولا يسرف حسب الدخل الذى يحصل عليه . قال ربى جل وعلا : (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (29) الاسراء ).

4- يقول ربى جل وعلا : (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) الاعراف ) . الإسراف في اللباس والطعام والشراب مسألة نسبية بحسب المستوى الاقتصادي، فالفقير إذ أنفق ما معه في شراء بدلة أنيقة باهظة الثمن كان إسرافاً، بينما إذا اشتراها شخص ميسور لم يكن ذلك إسرافا بالنسبة له. والموظف من الطبقة المتوسطة ليس مفترضا له أن يستأجر تاكسيا بينما مُتاح له وسائل المواصلات العادية . وهنا نذكّر بموضوع ( العفو ) الذى سبقت الاشارة اليه .

5 ـ ما سبق ليس فوق طاقة الانسان .  فالانسان لديه الضمير أو ( الأنا العليا ) أو ( النفس اللّوّامة ) التى تنهاه عن الهوى ، وإذا إستجاب واصلح من نفسه فاز بالجنة . قال ربى جل وعلا : ( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) النازعات ) . ومهما بلغ جحود نفسه وعصيانها فهو فى قرارة نفسه ( بصير بنفسه ) .وما أروع قول ربى جل وعلا :  ( بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15) القيامة )

ثانيا : إتساع مجال التشريع البشرى المستمد من القرآن الكريم

1 ـ يلاحظ أن آيات التشريع القرآنى محدودة ومحددة ، فهي أقل من مائتى آية أى ما يعادل 1/30 من القرآن الكريم.  مع ذلك فقد اكتفي رب العزة بهذه الآيات وبها اكتمل الدين وتمت نعمة الإسلام بتمام القرآن ( المائدة 3  ) . وليس ممكنا بعد هذه الآية أن يقال أن كتب الفقهاء وتخاريفاتهم تكمل نقصاً في القرآن الكريم، فتعالى الله جل وعلا أن ينزل لنا كتاباً ناقصاً يحتاج لاجتهاد البشر في تكميله.!..ويلاحظ أن آيات التشريع القرآنى فيها الكثير من التفصيلات، وهى على قلتها فيها التكرار للتأكيد وللرد على التساؤلات.

2 ـ وذلك يعنى أن أحكام القرآن تركت هامشاً للحركة الإنسانية في الاجتهاد والتطوير، وهذا الاجتهاد فى سنّ القوانين الاسلامية لا بد أن يكون متمشيا مع مقاصد التشريع الاسلامى خصوصا العدل والقسط والتيسير ورفع الحرج وحفظ الحقوق .  

3 ـ إن القرآن الكريم بأكمله وبما فيه من دعوى لإخلاص العقيدة وقصص وأخلاق وتشريعات لا يصل في حجمه إلى أحد الكتب في فرع واحد من فروع القانون الوضعي ومع ذلك فتشريعات القرآن الكريم كافية كاملة مفصلة.. فكيف يتأتى هذا؟

والجواب بسيط، فإنه بالإضافة إلى الأحكام الجديدة التى جاء بها القرآن الكريم والتى تستلزم اجتهاداً في تطبيقها كما هي فإن في القرآن الكريم مواضع كثيرة يرجع فيها للعُرف السائد أو للمعروف المتعارف عليه على أنه الأفضل والأجدى والأصلح، بالاضافة إلى تقنين المشورة في كل ما يستدعى التشاور،وسنعرض للشورى والمعروف لاحقا .  وبذلك يتسع المجال للاجتهاد المباح وذلك هو التشريع الذى أذن الله جل وعلا به : قال جل وعلا عن التشريعات غيرالاسلامية : ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ )  (21) الشورى ).  

4 ـ ثم ، إنّ القرآن الكريم لم يأت في فراغ، ولم تبدأ دعوة الإسلام من الصفر، كان العرب يعرفون أن الله هو خالق السماوات والأرض . إقرأ الآيات الكريمة التالية و تدبر أن الخطاب فيها للنبى ( ولئن سألتهم ) وأن التاكيد من الله جل وعلا على أنهم ( ليقولن الله ) :

( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ) ( 61 ) العنكبوت )، ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 36 ) العنكبوت )،  

( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 25 ) لقمان ) ، ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 38 ) الزمر )،     

( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ( 9) الزخرف )  ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) الزخرف )

وأيضا : ( قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِالسَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ (89) المؤمنون )

وحتى كانوا في عبادتهم وتقديسهم للأولياء، فإنهم ــ مثل أكثرية المحمديين اليوم ـ يفعلون ذلك لأنها تقربهم لله زلفى" (23/84: 89، 29/61، 39/3).

والعرب كانوا يعرفون ملة إبراهيم ولكن خلطوها بتحريفات شركية لذا أمر الله رسوله باتباع ملة إبراهيم النقية (2/130، 135،   4/ 125  ، 6/161   ، 16/123).

 الفصل الثالث

: الشورى     

أولا : عن الشورى في الإسلام

1 ـ قال جل وعلا : (  لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)  الحديد ). أؤسل الله جل وعلا الرسل بالكتب الالهية ليقوم الناس ـ من رجال ونساء ـ بتحقيق القسط . إن لم يتحقق فالبديل أنزله الله جل وعلا أيضا الى كوكب الأرض ، وهو الحديد ، وهو أداة الصراع . يعنى إما إقامة القسط وإما فتن وحرب وسفك الدماء . والقسط أنواع ، ومنه القسط السياسى ، أى حق المشاركة فى السُّلطة للجميع . وهى الشورى الاسلامية ، والتى تعنى بمفهوم عصرنا الديمقراطية المباشرة ، ويشارك فيها جميع المواطنين رجالا ونساءا.

2 ـ الشورى في عقيدة الاسلام:
2 / 1 ـ الله جل وعلا هو وحده الذي لا يسال عما يفعل ، قال جل وعلا : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) الأنبياء ) ، الاستبداد هو نوع من ادعاء الالوهية ، فالمستبد لا يتصوّر أن يسائله أحد ، وهى نفسية الفرعون الذى أعلنألوهيته ، ولذا فالمستيد يعلن ألوهيته صراحة أو ضمنا . والله جل وعلا كرّر قصة فرعون فضحا لنفسية المستبد .

2 / 2 : والمستبد يرفع نفسه فوق النبي الذي كان مأمورا بالشورى ، لأنه كان يستمد سلطته من الناس ، وهو الذى كان يأتيه الوحى الالهى ، وجاء له فيه : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) آل عمران ) والشاهد هنا : ( وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) فقد جعله الله لينا هينا معهم ولم يجعله فظا غليظ القلب ، لأنه لو كان فظا غليظ القلب لانفضوا من حوله . وماذا يحدث لو انفضوا من حوله ؟ لن يكون له سلطان ولن تكون له دولة ، وما كان حاكما مطاعا ، اذا فاجتماعهم حوله هو الذي اقام له دولة وجعل له سلطة ، وقبل ذلك كان في مكة مضطهدا ، واذا انفضوا عنه عادت اليه قصة الاضطهاد والمطاردة . اذن هم مصدر السلطة له باجتماعهم حوله ،  ويكفي ان الله سبحانه وتعالى هو الذي جعله لينا هينا مع الناس حتى تجتمع عليه قلوب الناس ، وحذره من ان يكون فظا غليظ القلب حتى لا ينفضوا من حوله ، وامره ان يعفو عنهم وان يستغفر لهم وان يشاورهم في الأمر ، لأنهم شركاؤه في الأمر ولأنهم مصدر سلطته وكيان دولته واسباب عزته وقوته . وهكذا فإن امر الله تعالى له بالشورى تأكيد على استمدادية السلطة من الناس ، الذين اجتمعوا حول النبي . أى بتعبير عصرنا ( الأٌّمّة مصدر السلطات )  .

3 ـ الشورى ضمن العبادة الاسلامية:

3 / 1 : أوضح القرآن الكريم في آياته المكية صفات المجتمع الاسلامي والدولة الاسلامية قبل ان يقيم المسلمون دولتهم في المدينة . يقول جل وعلا في سورة ( الشورى ): (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) الشورى ) . والمعنى ان المجتمنع المسلم له متاع الحياة الدنيا ، وله ايضا ما عند الله تعالى من متاع الآخرة التى هى خير وأبقى . ولكى يستحق هذا المجتمع خير الدنيا والآخرة معا فلابد أن يتصف بعدة صفات هى الأيمان والتوكل على الله تعالى واجتناب الكبائر والفواحش ، والعفو عند المقدرة ، وطاعة الله تعالى والاستجابة له ، واقامة الصلاة واقامة الشورى والزكاة والعزة او الانتصار عندما يقع عليهم بغى او عدوان.وتلك الصفات يمكن تقسيمها الى صفات ايمانية وصفات اخلاقية وعبادات ، فالصفات الايمانية هى قوله تعالى " للذين آمنو وعلى ربهم يتوكلون " ، والذين استجابوا لربهم " والصفات الأخلاقية " والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش واذا ما غضبوا هم يغفرون " ، : والذين اذا اصابهم البغي هم ينتصرون " . اما العبادات فهى الصلاة والشورى والزكاة او قوله تعالى " واقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون.

3 / 2   : جاءت الشورى فريضة بين أشهر فريضتين من فرائض الاسلام وهما الصلاة والزكاة ، وهى المرة الوحيدة التى جاء فيها فاصل بين الصلاة وايتاء الزكاة معا وبالترتيب وبدون فاصل بينهما ، وهى المرة الوحيدة التى جاء فيها ذكر الشورى مع الصلاة والزكاة ليؤكد رب العزة على أنها فرض تعبدي مثل الصلاة والزكاة وبنفس الملامح .فاذا كانت الصلاة فرض عين لازما واجبا فكذلك الشورى،  واذا كانت الصلاة واجبة على كل مسلم ومسلمة وجوبا ذاتيا وشخصيا وعينيا فكذلك الشورى ، واذا كانت الصلاة واجبة في كل الأحوال في السفر والحضر وفي الصحة والمرض وفي السلم وفي الحرب فكذلك الشورى.

3 / 3 : ليس فى الشورى الاسلامية ( إستنابة ) أو انتخاب لمن يمثل الشعب وينوب عنه . وهذا هو السائد الآن فى أغلب الديمقراطيات ، وتجعل أصحاب الثروات هم الذين يحكمون ويوجهون الحكم لمصلحتهم . وتوجد إستثناءت فى دول إسكندنافيا تمارس الديمقراطية المباشرة ، وتقترب من الشورى الاسلامية ، وتجمع بين القسط السياسى ( الشورى ) والقسط الاجتماعى .

4 ـ تطبيق فريضة الشورى في دولة النبى عليه السلام

4 / 1 : لأنها فريضة كالصلاة فقد كان المسجد للصلاة والشورى . إلا إن عقد مجالس الشورى كان عندما يستلزم الأمر ، فيكون النداء بالاجتماع .وفى البداية كان بعضهم يتكاسل أو يتسلل من الاجتماع ، أو يقدم للنبى أعذارا وهمية فنزل قول الله جل وعلا : (   إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62) لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(64)) النور ). ـ وبعد هذا التهديد والوعيد عرف المسلمون قيمة الشورى فكانوا لا يتخلفون عن حضور مجالسها بدليل ان الآيات المدنية التالية فيما بعد لم يأت فيها عتاب او تهديد يخص ذلك الموضوع .

 4 /2 :  كان منافقو المدينة  اصحاب النفوذ القبلي السابق في يثرب وظلوا بعدها أثرى أهلها . ومن خلال حديث القرآن الكريم عن المنافقين نعرف كثرة أموالهم وأولادهم وضخامة اجسامهم ( التوبة 55،85،75،78 ، المنافقون 4 ) ،  وقد كرهوا ان يكون الأمر شورى ومشاعا بين جميع المسلمين ، وأن يزاحمهم ( عوام المسلمين ) فى الحديث فى مجالس الشورى ، وغاظهم أن النبى يعطيهم حقهم فى الكلام فاتهموا النبي بأنه ( أُذُن ) ، ونزلت آية قرآنية تدافع عنه ، يقول جل وعلا : (وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61) التوبة ).

 4 / 3 : الا ان ممارسة الشورى نفسها اقامت للمسلمين دورات تدريبية رفعت من مستواهم السياسي وفى نفس الوقت اظهرت استغلال المنافقين للمواقف وكيدهم وتآمرهم ، وتأكد هذا بدخول المسلمين في عمليات قتالية دفاعية ، كانت هى الفيصل في تحديد الولاء للدولة ، اذ ان المنافقين تكاسلوا عن الدفاع عن الوطن والعشيرة في مواقف فاصلة كغزوة الأحزاب بل وظهر تآمرهم مع العدو ، ونزل القرآن يحكى ذلك كله بالتفصيل مما اضطر المنافقين الى سياسة جديدة ، فبعد ان كانوا يتعاملون مع المؤمنين بالاستكبار والتعالى ، كما يظهر في السور المدنية الأولى ، اصبحوا فى أواخر ما نزل يؤكدون للمؤمنين بالايمان المغلظة والحلف الكاذب بالله انهم مؤمنون مخلصون : ( التوبة 56 : 57 ، 96 ) ، وفى البداية حاولو إلإشال مجالس الشورى بالتشويش عليها بالمشاورات السرية ، أو ( التناجى ) وجاء هذا فى سور المجادلة ( 7 : 13  )  . ولم يأت فى أواخر ما نزل فى المدينى شىء عن وجود هذا التناجى .

5 ـ آلية الشورى

5 / 1 كان  القرار للأغلبية ، ولم يكن المنافقون أغلبية ، فتضاءل دورهم إلا فى المكائد ، والتى ذكرها رب العزة جل وعلا فى القرآن الكريم مع وصفهم بالكفر، فضاعت مكانتهم . كانوا يطمعون في ان يكونوا أهل الحلّ والعقد ، ولكن لم يعرف عصر الرسول عليه السلام هذا المصطلح" أهل الحل والعقد" . بل كان فيها ( أولو الأمر )  

5 / 2 : ( أولو الأمر) الأمر ليس إعطاء أوامر ، فصاحب الأمر والنهى هو رب العزة جل وعلا فى القرآن الكريم . ( الأمر )هنا هو الشأن أو الموضوع . وأولو الأمر هم المختصون بالموضوع أو الشان المطروح للنقاش . وجاء هذا مرتين ، قال جل وعلا :    5 / 2 / 1 : ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً (83) النساء ). فالكلام هنا عن المنافقين واشاعاتهم ، والقرآن يدعو الى تبليغ الأمر الى المتخصصين أو اولى الأمر الذين هم الأقدر على الاستنباط.

5 / 2 /2 :  (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(59) ). فى قوله جل وعلا (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) فإن المُطاع واحد ، هو الله تعالى في كتابه الذى نزل على رسوله ، وبعد موت النبى فالمتخصصون كل في شأن او أمر لهم حق الطاعة في اطار طاعة الله ورسوله ، اى القرآن الكريم، واذا أفتى أولو الأمر بما يستوجب النزاع فلنحتكم الى الكتاب لأن الكتاب هو الرسالة وهو الرسول.والمهم انه في الأمور التى تستدعى التخصص فالمرجع فيها لأولى الأمر أو أولى الأختصاص ، اما في الامور العامة فهى مطروحة امام المسلمين جميعا في مجالس الشورى.

5 /3  ـ يبقى الـتأكيد على أن ( أولى الأمر ) هو وصف للمتخصّص صاحب الخبرة فى ( الأمر ) أو ( الشأن ) المطروح ، وهذا الوصف يشمل الرجل والمرأة . ويستلزم هذا أيضا التذكير بأن الشورى الاسلامية تساوى بين الرجل والمرأة فالخطاب القرآنى بالذين آمنوا هو للرجل والمرأة ، وكل الأوامر التشريعية القرآنية لهما معا ما لم يرد تخصيص لأحدهما ، وهذا كان يحدث فى الأحوال الشخصية من زواج وطلاق .. أما ما عداها من اوامر تعبدية وإجتماعية وسياسية فكانت للجميع البالغين ، خصوصا وأن الدولة الاسلامية كيان تعاقدى قانونى بين الأفراد ، جاء التعبير القرآنى عنه بالبيعة ، ونزل فى القرآن أمر عن بيعة النساء باعتبارهن جزءا من هذه الدولة :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) الممتحنة ).  

 أخيرا

بهذه الشورى يكون الاجتهاد فى سنّ قوانين إسلامية وفى تطبيقها وتطبيق التشريعات القرآنية . وخصوصا فيما يخصُّ العُرف والمعروف .

  الفصل الرابع

 : المعروف والشريعة الاسلامية       

 أولا :

1 ـ (المعروف) قيمة أخلاقية إنسانية عالمية ، هى بقية الفظرة  التى فطر الله جل وعلا الناس عليها، ومهما تكاثفت على النفس عوامل التعرية اللاأخلاقية فإن القيمة الأخلاقية للمعروف تظل متقدة في باطن الشعور، يراها الأب المدخن حين ينهى ابنه عن التدخين لأن التدخين (منكر) وغير( معروف)، ومهما شاعت الرذيلة في قوم فإن الضمير الأخلاقي لديهم لا يزال يعتبر الزنا رذيلة.

2 ـ هذا الحس الأخلاقي المتوارث فينا والذي فطرنا الله عليه أمر به القرآن الكريم فأصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عبارات القرآن المأثورة.

ثانيا :

لذلك فإن المعروف من الكلمات القرآنية الشائعة ، ومنها الموضوعات التالية :

الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر : قال جل وعلا :

1 ـ فى التناجى بين الناس : ( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (114) النساء )

2 ـ عن البشارة بالنبى محمد فى التوراة والانجيل : ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (157) الاعراف )

3 ـ فى صفات المؤمنين بالقرآن الكريم والمجتمع والدولة الاسلامية :(  وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (104)  آل عمران )، ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) (110) آل عمران ).( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (112) التوبة )، ( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ ) (41) الحج ).

4 ـ فى الفرق بين المؤمنين والمنافقين فى المدينة فى دولة الاسلام حيث حرية الدين والدعوة : ( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (67) التوبة )

( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) التوبة )

5 ـ ( قول ) المعروف . قال جل وعلا :

5 / 1 : ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (5) النساء )

5 /  2 : ( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8) النساء )

5 / 3 : ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (32) الاحزاب )

ثالثا :

مستويان للمعروف

 والمعروف له مستويان :

3 / 1 : الثابت : وهو ما (يتعارف الناس ) على أنه عدل وقسط .

3 / 2 : المتغير وفق ظروف الزمان. وهذا عند التطبيق على مستوى الدولة ومستوى الفرد . ومثلا ، فإذا كان العرب في عصر نزول القرآن الكريم قد (تعارفوا ) على أن دية القتيل ألف بعير فإن ذلك (المعروف) لديهم لا يصبح بالضرورة تقليداً لدينا إذ يمكننا أن نقدر الدية بعشرات الألوف من الجنيهات المصرية.. وإذا كان (معروفاً) في العصور الوسطى أن تقدر نفقة الزوجة في العدة بالويبة والصاع فإن المكيال المتعارف عليه في عصرنا هو الكيلو.. وفي كل الأحوال ذلك المعروف الفرعي يخضع للقيمة الأخلاقية الكبرى للمعروف الذي يتعارف عليه الناس في كل عصر على أنه الأفضل والأحسن .

3 ـ وسبقت الإشارة الى محدودية الآيات التشريعية فى القرآن  الكريم بما يعنى ترك مساحات واسعة  للتقنين ، وهنا يكون للمعروف دوره ، بما يعطى حرية الحركة للتطور الإنساني ، وتأكيد صلاحية الشريعة الاسلامية لكل زمان ومكان .

رابعا :

مجالات المعروف فى الشريعة الاسلامية

 في الزواج والأحوال الشخصية:

1 ـ الزواج (عرف) تعارف عليه بنو آدم ولا يزال الصيغة الشرعية التى يباركها دين الله مهما اختلفت الظروف الزمانية والمكانية ومهما اختلفت الصيغ والتقاليد. ومن الفقهاء من نظر للإسلام وتراث المسلمين على أنه الذى يقنن كل التشريعات والذي يلغى كل تشريعات الجاهلية، وأولئك لم يسألوا انفسهم هل كان زواج محمد بن عبد الله من خديجة قبل الوحى زواجاً صحيحاً أم باطلاً ؟، لقد تزوج محمد قبل أن يكون رسولاً بخديجة زواجاً صحيحاً شرعياً وكذلك فعل أبوه وأهله وفقا للعرف أو المعروف السائد فيما اصطلح على تسميته بالجاهلية.

2 ـ وفى تفصيلات القرآن الكريم التشريعية نلاحظ :

وصف الزواج بالمعروف فى تشريعات الأرملة وحقها فى الزواج :  

1 ـ ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (234) البقرة )

2 ـ ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ) (240) البقرة )

فى تفصيلات الأحوال الشخصية

خطبة النساء ( وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً ) (235) البقرة ). تطبيق هذا أمر شخصى ،والله جل وعلا هو الرقيب عليه .

نكاح ملك اليمين ( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ )(25) النساء ). الأجر أى الصداق والمهر ،ويكون بالمعروف المتعارف عليه وقتها .

حقوق الزوجة : ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) (228) البقرة ).

معاشرة الزوجة

( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19) النساء ).التطبيق هنا بيد الزوج ، لذا يأتى وعظه بالخير الكثير لو عاشر بالمعروف زوجة يكرهها

حقوق الزوجة المطلقة فى فترة العدة :

1 ـ ( وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا ) 231 ) البقرة ).الاحتفاظ بالزوجة لإضرارها جريمة .

2 ـ ( فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ  ) (2) الطلاق ). تعيين الشهود وظيفة القاضى .

متعة المطلقة بعد فراقها بيت الزوجية ، ويقررها القاضى بالمعروف المتعارف عليه

( لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) البقرة )

( وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) البقرة )

حق المطلقة فى الزواج بعد إنتهاء عدتها والفراق والتسريح

  ( وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ) 232 ) البقرة ).تحريم ( عضل المرأة ) أى منعها من الزواج بعد طلاقها البائن . والتراضى هو أساس عقد الزواج ،وهوبالمعروف .

 فى الرضاعة

( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ) (233) البقرة ) . الزوج  ( السابق أو الحالى أو من ينوب عنه ) عليه تكلفة الرضاعة .وهذه التكلفة يحددها القاضى على أساس دخل الزوج .وفصال الرضيع وفطامه يكون بالتراضى والتشاور. وإستئجار مرضعةلا بأس به .وذلك برعاية القاضى المختص وفق المعروف .  ونتدبر كلمة : (رزقهن)، فلا تحديد هنا لمقدار المبلغ و مقدار الحبوب أو نوعية العملة المتداولة من دينار أو دولار، وإنما قال بإيجاز وإعجاز "وعلى المولود له رزقهن" ليشمل كافة شئون المعيشة، وقوانين المجتمع تحدد حد الكفاية ومهمة القاضى تحديد وضع الزوجة ومدى احتياجها.

( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) الطلاق ). هنا تفصيلات أكثر توضح دور الدولة ، فالقاضى المختص يعقد مجلسا للتشاور فى تطبيق المعروف المتعارف عليه حسب ظروف المُطالب بدفع التكاليف .  

في الحقوق المالية:

الوصية للورثة : (  كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) البقرة ). أى أن الوصية مفروضة ومكتوبة على كل مسلم حضرته الوفاة، فعليه أن يوصى للأحياء من الوالدين والأقربين وفقاً للمتعارف عليه بحيث لا يضيع حق الورثة . وهذا فى ضوء مراقبة الدولة ، وهذا ما تشير اليه الآيتان التاليتان : ( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) البقرة)

دية القتيل : هنا دور الدولة فى التحديد وفى التنفيذ . قال جل وعلا يخاطب مجتمع المؤمنين :  ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ) (178) البقرة ) . تقدير الدية يكون بالمتعارف عليه في الكم والكيف مع تأديتها بإحسان، والمفروض أن قوانين المجتمع الجنائية هى التى تنظم ذلك.

 حقوق اليتيم الوارث . الدولة هى التى تعين الوصى على ماله الى أن يبلغ الرشد ، وهى التى تعقد له إختبارا تتأكّد فيه من رشده ، وهى التى تحاسب الوصى . كل ذلك بالمعروف. قال جل وعلا : ( وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً (6) النساء )

معاملة  الوالديين : قال جل وعلا : ( وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ) (15) لقمان ). التطبيق هنا مسئولية شخصية ، لا دخل للدولة فيها .

فى بيعة النساء للنبى محمد عليه السلام . قال له ربه جل وعلا :  ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) الممتحنة ). نلاحظ :

1 ـ دخول الدولة الاسلامية يكون بعقد ومبايعة  ، والتنفيذ مسئولية شخصية .

2 ـ الخطاب جاء ل ( النبى ) وهو شخص محمد عليه السلام فى حياته وتعاملاته ، ولم يأت بصفة ( الرسول ) الذى تكون طاعته مرتبطة بطاعة الله جل وعلا . لذا فإن طاعة النبى هنا ليست مطلقة ، بل فى حدود المعروف (  وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ).

3 ـ هذا يؤكد على حقيقيتين :

3 / 1 : لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق جل وعلا .

3 / 2 : المعروف الاسلامى ضمن الشرع الاسلامى .

 شاهد قناة ( أهل القرآن / أحمد صبحى منصور )

    حمد حمد      

المؤمنون والكافرون والمنافقون.

حفظكم الله جل وعلا وبارك بعمرك وعلمك دكتورنا المحترم. يقول الله جل وعلا عن المؤمنين إنهم أولياء بعض وكذلك الكافرين أولياء بعض. إلا المنافقين قال بعضهم من بعض. فهل لها  تدبر من قبلكم جزاكم الله خيرا. 

    آحمد صبحي منصور      

شكرا جزيلا استاذ حمد ، وجزاك الله جل وعلا خيرا، وأقول:

هنا المؤمنون والكافرون يشتركون فى صفة واحدة هى العلانية والوضوح ، أما المنافقون فهم كما وصفهم الله جل وعلا: ( مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ )  (143)  النساء ). هم لا يثقون بأحد ، بعضهم من بعض فى صفة الخداع والتلون . فى موضوع الولاء ـ يعنى أن تكون مع هذا الجانب ضد ذلك الجانب ــ  هم فيه كاذبون ، أما المؤمنون فهم يوالون بعضهم بعضا ، وهم مأمورون بذلك لأن الكافرين يوالى بعضهم بعضا ضد المؤمنين. قال جل وعلا: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) الأنفال) . 

الفصل الخامس : 

حدود الاجتهاد فى الشريعة الاسلامية  ( الميراث مثالا )

 الميراث جاءت تشريعاته فى سورة النساء :

ونتدبرها كالآتى :

أولا :

قبل توزيع الميراث

قال جل وعلا : ( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8). إعطاؤهم مرتبط بحضورهم قسمة التركة بين الورثة . وهم ( أولو القربى ) أى الأقارب الذين لا يرثون ، الأقارب الوارثون هم ( الأقربون ). واليتامى ، والمساكين ، أى أفقر الفقراء . هنا توصيف لا شأن له بالايمان أو بالعنصر أو الذكورة والأنوثة . المقدار الذى ينالونه وكيفية توزيعه يرجع للورثة .

تنفيذ الوصية وسداد الديون : تردد فى تقسيم الميراث فى آيتى 11 ، 12 من سورة النساء قوله جل وعلا : ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ )،( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ )، ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ).

تنفيذ الوصية قبل توزيع الميراث ، وقد تعرضنا له من قبل .

 سداد الديون فرض واجب . وهو من أصل التركة . نفترض أن التركة ألف جنيه ، والديون 600 جنيه تصبح التركة 400 جنيه فقط يتم توزيعها على الورثة . فماذا إذا كانت الديون ألف جنيه والتركة ألف جنيه ، هنا لا يرث الورثة شيئا . ماذا إذا كانت التركة ألف جنيه والديون (1600 ) جنيه ، هنا يكون على الورثة سداد  ( 600)  جنيه ، يدفعها الورثة بقدر حصتهم فى الميراث . نفترض أنهم ابن وبنت يرثان ( الابن ضعف البنت ) ، وهو نفس الحال فى سداد الديون ، يدفع الابن (  400 ) وتدفع البنت ( 200 ).

ميراث اليتيم

تعرضنا له من قبل من حيث تعيين وصى على أمواله ومحاسبته ، ويظل هذا حتى يبلغ اليتيم أشُدّه ، فيعقد له إختبار ، إذا ظهر رشده أصبح متصرفا فى ماله ، وإذا ثبت أنه سفيه يعود المال الى الدولة تستثمره ، ومن أرباحه يعطى ما يكفيه من مصاريف وكسوة. قال جل وعلا : ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماًوَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (5) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً(6).

يلفت النظر هنا كلمتا ( أموالكم ) فى حالة السفية : ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) و ( أموالهم ) فى حالة اليتيم الذى ثبت رشده : ( وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) ( فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ )  فالمال يؤول لمن ثبت رشده . ويا حسرة على كوكب المحمديين حيث يتحكم السفهاء فى أموال الدولة لأن المستبد يرى نفسه الدولة .

يلفت النظر أيضا قوله جل وعلا فى إعطاءمن حضر القسمة : ( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ ) . إرزقوهم منه أى من أصل التركة . أما عن مال اليتيم السفية : ( ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا ) . أرزقوهم فيها أى من خلال إستثمارها .

فى توزيع التركة  قال جل وعلا : ( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7). هنا الورثة هم الأقربون والزوجين والوالدان الأحياء . تعبير ( الأقربون ) متحرك ، فعند الكلالة أى عدم الولد يكون الأقربون هم الأخوة . وجاء ذكر الكلالة مرتين فى نفس السورة : ( وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ )، ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176).

ثم التوزيع : ( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (11) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12).

ثم ختم التشريع بقوله جل وعلا : ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14) النساء ). عقوبته الخلود فى النار من يحرم وارثا من حقه ، كثّر هذا الحق أو قلّ. هذا يعنى أنه لا اجتهاد في الأنصبة المحددة من النصف والربع والثُمن و....

  أخيرا : الاجتهاد فى (  الردّ والعول ):

 توزيع التركة ينتهى الى واحد من ثلاث : إتفاق الفروض مع الأصل الذى هى واحد صحيح ، وليست هنا مشكلة . المشكلة فى ( الرد ) وفى ( العول ) . إن زادت الفروض على الواحد الصحيح ، فهو ( العول ) ، وإن نقصت الفروض عن الواحد الصحيح ويتبقى من التركة جزء ، فهذا هو الرد . ونعطى تفصيلات:

أولا :  أن تتفق الأسهم مع الأصل ، فالأصل واحد صحيح ينقسم الى كسور ،أو أسهم ، والأسهم لأصحاب الفروض والعصبة تنتهى الى واحد صحيح.  أمثلة  :

1 ـ ( الورثة : أب + أم + بنات ) : للاب السدس ، وللأم السدس ، وللبنات الثلثان . المجموع واحد صحيح .

2 ـ :( الورثة : زوجة وأم وابن .) للزوجة الثمن ، وللأم السدس ، والباقى للابن . المجموع واحد صحيح.

3 ـ  ( الورثة : زوج + أب + اولاد وبنات ) للزوج الربع ، وللأب السدس ، والباقى للأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين.  المجموع واحد صحيح.

4 ـ الورثة اولاد وبنات ( يقتسمون كل التركة للذكر مثل حظ الأنثيين ). المجموع واحد صحيح. 

5 ـ الورثة ( أخ وحيد ) يرث التركة كلها. المجموع واحد صحيح.

ثانيا : ( الرد ) أى  أن يتبقى جزء من التركة. . أمثلة :

1 ـ ( زوجة + بنات ) للزوجة الثمن ، وللبنات الثلثان .تنقسم على 24 سهما . الزوجة 3 ، البنات 16 سهما ،  أى 19 سهما من 24 سهما ،ويبقى ما مقداره 5 على 24 .

2 ـ ( زوجة + أم ) : للزوجة الربع ، وللأم الثلث : أى 7 على 12 . ويبقى 5 على 12 .

3 ـ ( زوج + أب ) للزوج النصف ، وللأب الثلث ، أى 5 على 6 . ويبقى السدس.

4 ـ ( أب + أم ) لهما الثلثان ويبقى الثلث.

5 ـ ( بنتان فقط ) لهما الثلثان ويبقى الثلث .

6 ـ ( زوجة + بنت ) للزوجة الثمن وللبنت النصف ، أى 5 على 8 . ويبقى 3 على 8 .

7 ـ ( والدان + زوجة + بنت ) الوالدان لكل منهما السدس ، للزوجة الثمن ، وللبنت النصف . والمجموع 23 على 24 ، ويبقى واحد على 24 .

ثالثا : كيفية التصرف فى الرد ( بقية التركة )

1 ـ الأصل أن الثروة مللك للمجتمع ، وهى للفرد الوارث الذى يُحسن القيام على نصيبه، فلو ثبت انه سفيه يتم تعيين وصى على تنمية ثروته . وبالتالى فلو بقى جزء من التركة فهو يعود الى ( بيت المال ) فى بند خاص يتم الصرف منه على مستحقى الصدقة الرسمية ، طبقا لقوله جل وعلا : ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)( التوبة ). هنا توزيع الصدقات فريضة ( فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )، وهو نفس قوله جل وعلا فى "فريضة الميراث":( فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (11) (النساء) فالميراث وتوزيع الصدقات كلاهما فريضة من الله جل وعلا / وبالتالى فإن ما يفيض من فريضة الميراث يتم ( ردُّه ) الى فريضة توزيع الصدقات  . وتنفق الدولة من هذا فى إنشاء بيوت لاستضافة ابناء السبيل ، وكفالة الأيتام وأطفال الشوارع والأرامل ، ومستشفيات لعلاج غير القادرين، وفى رعاية للفقراء والمساكين بالدعم العينى فى السلع الأساسية أو بمرتبات ..الخ ..

2 ـ وتفرض بعض الدول ضريبة على التركات.والأولى أن يكون هذا فى حالة ( الرد ) أى أن يئول الباقى من الميراث الى خزينة الدولة،  للإنفاق منها على الرعاية الاجتماعية .

رابعا : العول :

عكس الرد ، أى زيادة الأنصبة ( الفروض ) عن الواحد الصحيح ، ويحدث عند إجتماع الوالدين والزوج/ الزوجة والبنات . الأمثلة :

1 ـ والدان + زوج + بنت : للوالدين الثلث ، وللزوج الربع ، وللبنت النصف . الأسهم هنا 12 ، للوالدين 4 ، وللزوج 3 ، وللبنت 6 . والمجموع يزيد على الواحد الصحيح ، أى 13 على 12 . هنا يكون الحل باعتبار الأسهم 13 . ويكون للوالدين 4 ، وللزوج 3 ، وللبنت 6 . 

2 ـ والدان + زوج + بنتان : للوالدين الثلث ، وللزوج الربع ، وللبنتين الثلثان . الأسهم 12 . للوالدين 4 ، وللزوج 3 ، وللبنتين 8 . والمجموع يزيد على الواحد الصحيح ، اى 15 على 12 . الحل بإعتبار الأسهم 15 . للوالدين 4 ، وللزوج 3 ، وللبنتين 8 .

3 ـ والدان + زوجة + بنات : للوالدين الثلث ، وللزوجة الثمن ، وللبنات الثلثان . الأسهم 24 . للوالدين 8 ، وللزوجة 3 ، وللبنات 16 . والمجموع يزيد على الواحد الصحيح  أى 27 على 24 . والحل باعتبار الأسهم 27 : للوالدين 8 ، وللزوجة 3 ، وللبنات 16 .

4 ـ والدان + زوج : للوالدين الثلثان ، وللزوج النصف . الأسهم هنا 6 ، للوالدين 4 ، وللزوج 3 . أى يزيد المجموع عن العدد الصحيح : 7 على 6 . والحل باعتبار الأسهم 7 : للوالدين 4 ، وللزوج 3 .

التعليقات(2)

     حمد حمد      

ادعوا الله تبارك وتعالى أن يبارك بعمرك وعلمك ويجزيك خير الجزاء بالدنيا والآخره دكتورنا المحترم ، حقيقة لأول مره أجد إجابه كافيه وشامله للمواريث وقسمتها الشرعية، والذي لفت نظري إن مايتبقى من الميراث تأخذه الدوله مثال رقم (٥،٤،٣). ويوزع على الفقراء والمساكين وغيرهم من المستحقين ولكن لا اعتقد إن هذا مطبق في أغلب الدول لدينا حسب ما اعرف دكتور أحمد هل في هذه الحاله ماهو الحل الأمثل للورثه خاصه وهناك خلاف حول هذا الأمر. مع خالص التقدير لكم. 

  آحمد صبحي منصور      

جزاك الله جل وعلا خيرا استاذ حمد ، واقول:

للأفراد الوثة التبرع به للفقراء والمرضى ودور رعاية الأطفال . وكم تمتلىء المستشفيات بالمحتاجين . المهم ان يكون ذلك إبتغاء مرضاة الله جل وعلا.

الفصل السادس:

 الخاص والعام:

   أولا :

تشريع خاص بالنبى محمد عليه السلام فى حياته

 هناك تشريع خاص بالنبي (عليه السلام) وزوجاته ذكره القرآن الكريم ضمن تفصيلاته التى غطت كل شيء وفق تنظيم محكم أتى عن علم . قال جل وعلا : ( وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) الاعراف ) . ومن الطبيعى أن هذه التفصيلات التشريعية الخاصة بالنبي نأخذها نحن نوعاً من التاريخ التشريعى نظراً لارتباطها بظروفها الزمانية والمكانية التى انتهت بوفاة النبي (عليه السلام).

نعرض لها :

1 ـفقد كان للنبي أن يتزوج بلا صداق وهذه خصوصية له دون المؤمنين. قال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (50) الأحزاب ) .

1 / 1 : من هذا التشريع الخاص نتعرف على تشريع عام فى قوله جل وعلا :( خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ). هنا إشارة الى وجوب دفع الصداق للزوجة الحرة والزوجة المملوكة . وجاء هذا سابقا فى سورة النساء (  وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25) . يعنى هذا أن مالك ( الجارية ) إذا أراد أن يتزوجها فبعقد وبصداق. ونتذكر أن صحابة الفتوحات إرتكبوا إسترقاق النساء والدخول بهن إغتصابا حتى فى أرض المعركة .

1 / 2 : وقوله جل وعلا : ( وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ) تنفى أكاذيب الملعون إبن إسحاق فى السيرة زعمه أن النبى سبى صفية بنت حى بن أخطب واستخلصها لنفسه ودخل بها فى أرض المعركة . وجويرية . هنا نعلم  أنه عليه السلام كانت تأتيه هدايا من الجوارى ، وهذا معنى ( وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ) . ومعلوم أن الفىء هو ما يفىء للمسلمين سلميا وبلا قتال .

2 ـ وبينما كان تحرى العدالة مطلوباً من الزوج في تعامله مع زوجاته فإن ذلك لم يكن الحال مع النبي يقولسبحانه وتعالى له : ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنْ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَين َ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً (51)الأحزاب ) .

3 ـ وفى المقابل لم يكن للنبي أن يتزوج فوق زوجاته ولم يكن له أن يبدل واحد منهن بأخرى. قال له جل وعلا : ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (52) الاحزاب ). (  وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ  ) يعنى لم يكن هناك نقاب .

تشريعات خاصة بنساء النبى :

تحريم نكاحهن :

1 ـ هن كُن أمهات المؤمنين فى حياتهن . قال جل وعلا : ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ )  (6) الاحزاب )

2 ـ ولذلك كان يحرم على المؤمنين الذين عايشوا النبي وشهدوا حياة زوجاته أن ينكحوا أمهات المؤمنين   قال جل وعلا : ( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً (53) الاحزاب ) . التحريم هنا يقع على مجرد عقد النكاح .

مضاعفة الثواب ومضاعفة العقاب  

  فالتى تعمل صالحاً منهن لها اجر مضاعف، والتى ترتكب الفاحشة لها عقاب مضاعف . قال جل وعلا :( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً (31) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً (34) الاحزاب ) .

وبعضهن لم يكُنّ على المستوى المطلوب ، وجاءت الاشارة لهذا فى سورة التحريم فى قوله جل وعلا : (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً (5) )

ونعلم أن عائشة خالفت الأمر الالهى القائل : (  وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) فخرجت من بيتها لا لتذهب الى السوق بل لتقود جيشا فى أول حرب أهلية بين الصحابة ، هى موقعة الجمل . والتى قُتل فيها عشرات الألوف ، معظمهم حول الجمل الذى كانت تركبه . عليها لعنة الله جل وعلا .!

تشريع خاص ببيوت النبى وبالتعامل مع نسائه

قال جل وعلا يخاطب المؤمنين فى عصر النبى محمد عليه السلام : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً (53)إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (54) لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (55) الاحزاب ).

نلاحظ :

1 ـ النهى يعنى أن هذا كان يحدث فنزل الوحى الالهى ينهى عنه ، وهذا يشمل حديثهم مع نساء النبى فى قوله جل وعلا : ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً (53) إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (54)  )

 2 ـ ثم جاء الإستثناء مع أمرهن بتقوى الله جل وعلا الذى هو شهيد على كل شىء : ( لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (55).

3 ـ وقد قال جل وعلا لهن : (  يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (32) الأحزاب ). أى إن كُنّ متقيات فلا يتعاملن مع الصحابة بما لا يليق بهن . لأن من الصحابة من فى قلبه مرض ، وهذا يعلمه الله جل وعلا الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور .

4 ـ ولهذا نزل الأمر بأن يكون الخطاب بينهن وبين الأغراب من خلال حجاب أو (ستارة ) قال جل وعلا : ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) وهنا إتهام مبطن لقلوبهن وقلوبهم .

الحشمة فى الزّى

قال جل وعلا للنبى محمد فى خطاب مباشر: (  يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (59)  الأحزاب ). أى أن يأمر زوجاته وبناته ونساء المؤمنين بعدم كشف سيقانهن . نستشف أن بعضهم كان يترّصّد النساء وهنا خارجات لقضاء الحاجة ، ومن تخرج غير محتشمة فهى دعوة تشجعهم على  الفسق بها . وسبق النهى لأمهات المؤمنين بالحشمة فى قوله جل وعلا : ( وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ).

عدم جهرهم بالقول فى حضرة النبى :

وحرم الله جل وعلا على المؤمنين في عصر النبي أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض وحذرهم من أن ذلك يؤدى إلى إحباط أعمالهم: . قال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)  الحجرات ) .

 ثانيا :  

الخاص والعام في تشريع القرآن:

الأطفال :

قال جل وعلا فى تشريع عام :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58) وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ  عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59)  النور ). ليس الحديث هنا عن صلاة الظهر وصلاة العشاء ، فالصلاة كانت متواترة بمواقيتها وحركاتها . ولكن عن أوقات إستئذان الأطفال ليلا وعند القليلولة .

تشريع خاص بالمرأة:

1 ـ الرجل عليه أن يدفع الصداق وأن يقوم بالانفاق على  الزوجة . المساواة بينهما فيها إجحاف بالرجل . لذا ففي الميراث تأخذ المرأة نصف الرجل ما عدا ميراث الكلالة للزوج أو الزوجة . قال جل وعلا : (  وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)  النساء ) .  

2 ـ  وللرجل القوامة على المرأة، والله هو الذى  خلق الرجل والمرأة وهو الأعلم بما خلق والأصلح في التشريع لهما، والقوامة لا تعنى التسلّط لأنه ينافى الأمر بمعاشرة الزوجة حتى لو كرهها الزوج :(  وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19) النساء ) . وهناك حدود لقوامة الرجل بما يمنع نشوز الزوجة وهدمها بيت الزوجية . قال جل وعلا : ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً (34)  النساء ) . وقدرعرضنا لهذا بالتفصيل فى كتابنا عن تشريعات المرأة . ومقالاته منشورة هنا.

3 ـ وفي الشهادة يقول سبحانه وتعالى: ( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ) ( 282 ) البقرة ) . وهذا التشريع مرتبط بالخوف من وقوع المرأة فى النسيان .  إذا لم يكن هناك خوف أو كانت الشهادة مكتوبة موثقة فهى كالرجل .  

  التعليقات(3)

    Ben Levante      

وجهة نظر

وجهة نظر في ما جاء عن شهادة الرجل والمرأة

اعتماد شهادة امرأتين بدلًا من شهادة رجل جاء في الآية 282 من سورة البقرة وفي سياق التداين، أي في المسائل المالية، والأحرى أن ندرس وضع الرجل والمرأة في المسائل المالية، فلماذا يمكن أن تضل المرأة ولا يضل الرجل. وما يلفت النظر أن هذا التفريق جاء فقط في هذه المسألة، ففي ارتكاب المرأة الفاحشة وجب وجود أربعة شهود (ما يعني امرأة أو رجل) النساء 15، وفي الوصية هناك شاهدان (المائدة 106)، في رمي المحصنات أربع شهداء (النور 4)، في رمي الأزواج بعضهم لبعض تعتبر شهادة المرأة والرجل بأربع شهادات (النور 4-9)، في مسألة الإفك أربع شهداء (النور 13)، في الآية 2 من سورة الطلاق لا يوجد عدد معين للشهود. من اللافت للنظر أن في مسألة الزنى (النور 2) لم يأت ذكر لشهود بالمرة، ما يؤكد أن المقصود هنا هو تعاطي الزنى وليس "عملية زنى واحدة"، وإثبات تعاطي الزنا (هذا يعني تكرارة) ليس بالسهولة الممكنة عبر أقوال شهود.

2       آحمد صبحي منصور      

 شكرا استاذ بن ليفانت وأقول:هذا أمر تشريعى يخضع لقاعدة تشريعية هو تحقيق العدل فى المعاملات المالية. إذا أمكن تحقيق العدل بشهادة إمرأة واحدة فلا داعى لإمرأتين . هذه وجهة نظرى . وقد كتبتها من قبل.


الفصل السابع : 

القاعدة والاستثناء   

 أولا : فى الطفولة وبلوغ الرشد

 1 ـ يبدأ التكليف للإنسان ببلوغه الحلم وحينئذٍ يعامل  معاملة الرجل . فالطفولة مرحلة استثناء مؤقت وإذا بلغ اليتيم الحلم كان له أن يدير أمواله بنفسه إذا لم يكن سفيهاً . قال جل وعلا : ( وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ )  (6) النساء  ) . وتكرر النهى عن أكل مال اليتيم وهو في مرحلة الطفولة قبل أن يبلغ التكليف والمسئولية ( وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ )(152) الانعام ) وأيضا ( 34) الاسراء ).  وفي قصة موسى مع العبد الصالح قال عن الجدار : ( وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (82) الكهف ) ، أى أنه أقام الجدار حتى يظل الكنز في مأمن إلى أن يصل اليتيمان على مرحلة الرجولة والمسئولية .

2 ـ البلوغ هو بداية مرحلة التكليف والمسئولية، وهى مرحلة أساس في حياة كل إنسان بقوله سبحانه وتعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً (5)  الحج ) ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67)  غافر )

ثانيا : المسئولية فى التكليف

 والمسئولية في التكليف تستلزم حرية الإرادة والاستطاعة وهما القاعدة وبدونهما يكون الاستثناء..

1 : أما عن الاستطاعة فإن الله جل وعلا ما جعل علينا في الدين من حرج . قال جل وعلا : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )(78) الحج ) والله جل وعلا ـــ وهو الأعلم بماخلق ــ قد شرع للنفس البشرية  ما هو في طاقتها . قال جل وعلا : ( لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا )  (233) البقرة )وأيضا ( (286) البقرة )، ( (152) َ الأنعام )( (42) الاعراف ) ( (62)المؤمنون ) . وما في وسع الإنسان يعنى ما في طاقته المالية والجسمانية وسائر إمكاناته . قال جل وعلا : ( لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا )  (7) الطلاق ).

  2 : وحرية الارادة مجالها أوسع ، واذا تكلمنا عليها فقد اسقطنا السفيه والمجنون اذ لم يبلغا مرحلة التكليف العقلى والمكلف قد يقع فى الخطأ غير المقصود الذى يقترب من النسيان ومن يقع فيه يدعو ربه قائلا " ( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ) (286) البقرة )

ثالثا : حقوق الله جل وعلا وحقوق البشر بين التعمد وغيره

  1 :  ومن الخطأ غير المقصود ما يقترب من معنى الجهالة وهى قلة السن والخبرة وطيش الشباب وذلك ما نفهمه من قوله جل وعلا :

 1 / 1 :( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (17) وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (18)  النساء ) .

  1 / 2 : ( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54) الانعام  )

   1 / 3 : ( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119) النحل   )

  2 : وفي حقوق الله جل وعلا  فإنه جل وعلا غفور رحيم لمن يخطئ عن غير عمد أو بجهالة . قال جل وعلا : ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (5) الأحزاب ) .أما في حقوق البشر فلابد من المؤاخذة، فإذا قُتل مؤمن خطأً فلن نبحث عن نية القاتل هل كان متعمداً أم بلا قصد، ولكن عليه أن يحرر رقبة مؤمنة وأن يدفع الدية، والله تعالى يعلم سريرته وإذا كان متعمداً ارتكاب الجريمة فجزاؤه الخلود في جهنم مع غضب الله ولعنته: . قال جل وعلا : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (92) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً (93) النساء ).

3 ـ والتعمد من علم القلوب الذي لا يطلع عليه إلا علام الغيوب لذا يدخل في نطاق التعامل الخاص بين العبد وربه، والله تعالى سيحاسب العبد على سريرته ، قال جل وعلا :( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (36) الاسراء ) ، :( وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ) (284) البقرة ) ..

4 ـ  وربنا جل وعلا توعّد اثنين على إرادتهما السوء مجرد الإرادة بدون فعل – فكيف بالفعل ، وهما من يريد ويحب إشاعة الفاحشة بين المؤمنين . قال جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)( 19)  النور ) ،  والذي يريد المعصية في الحرم . قال جل وعلا : (ِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) الحج )  

5 ـ والمؤمن إذا تعمد قتل الصيد في الحرم فعليه فدية. قال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (95) المائدة) .

6 ـ وإذا حنث في يمين متعمدا فعليه فدية . قال جل وعلا : ( لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ)(89) المائدة )  .  

7 ـ الاضطرار يبيح المحظور . قال جل وعلا : ( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) البقرة ) ، وأيضا ((3)  المائدة )،  (   (119) الانعام )، (   (145) الانعام )  ( (115) النحل ). وذلك لأن الاضطرار يسقط حرية الارادة.

8 ـ وكذلك الإكراه :

8 / 1 : إذا أرغم رجل جاريته على فعل الفحشاء فليس عليها عقاب بل يغفر الله لها . قال جل وعلا : ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) النور ) "

8 / 2 : وإذا أكرهوا مؤمناً على قول كفر فإن الله غفور رحيم قال جل وعلا : ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106)  النحل )".

رابعا :الاستثناءات

 شرعها الله جل وعلا عند العذر وفى الظروف القاهرة التى تنال من الاستطاعة وحرية الإرادة .

1 ـ فالأعمى والأعرج والمريض وأولو الضرر ليس عليهم حرج في الاستئذان وفي النهوض للجهاد . قال جل وعلا :( لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ )  (61) النور ) (  لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ  ) ً (17) الفتح )( لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (95) النساء ) .

2 ـ و يضاف لهم الفقراء والمستضعفون قال جل وعلا :( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ (92) التوبة )  

3 ـ   ويقول جل وعلا عن من تكاسل عن الهجرة مع قدرته ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً (99) النساء )  .

وأشياء أخرى :

1 ـ و لا بد حين تأدية صلاة الخوف من التمسك بالسلاح إلا حين الضرورة . قال جل وعلا : ( وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ) (102) النساء  )

 2 ـ  وفي الصيام يباح الفطر حين السفر وعند المرض وعند عدم الطاقة على الصيام . قال جل وعلا :(  فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ) (184) (185)البقرة ).

3 ـ وفي الحج يجوز حلق الرأس أثناء الإحرام في حالة المرض أو التضرر ضمن تسهيلات أخرى. قال جل وعلا ::( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) (196) البقرة )

4 ـ وفي الطهارة يباح التيمم عند المرض أو تعذر وجود الماء. قال جل وعلا : ( فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً (43) النساء ) ( فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) المائدة ) .

5 ـ ويمكن التخفف من قيام الليل في حالة المرض أو التعب والإرهاق في النهار بسبب السعي في الرزق أو القتال.. . قال جل وعلا : ( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ )  (20) المزمل )

6 ـ  وأثناء السفر  وعند  عدم العثور على كاتب يكتب الدين يقول جل وعلا : (  وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ) (283) البقرة ) .وقد يتطوع المسلم بعدم الاستفادة من الرخصة الممنوحة له تقرباً لله جل وعلا . ففى الآية السابقة: ( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ)  (283)  البقرة ). أى حين يأمن  الطرفان بعضهما  فلا داعى للرهان المقبوضة أو التأمين مثلاً ،

أى أن هناك خيارات في تشريع القرآن يختار بينها المؤمن الأنسب له وإذا كان حريصاً على رضى ربه

فهو مع الأحسن ..وهذا موضوع قادم .

الفصل الثامن:

 الحسن والأحسن

 أولا :

1 ـ الناس على ثلاثة  أقسام عند الاحتضار ويوم القيامة : السابقون المقربون ، وأصحاب اليمين ، وهما أهل الجنة ، قم اصحاب الشمال وهم أهل النار . قال جل وعلا فى سورة الواقعة :

1 / 1 ـ عن الاحتضار( فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)  )

1 / 2  ـ عن يوم القيامة  ( إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتْ الأَرْضُ رَجّاً (4) وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسّاً (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً (6) وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ (14) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (25) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (26) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً (36) عُرُباً أَتْرَاباً (37) لأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنْ الآخِرِينَ (40) وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (44))

2 ـ أصحاب اليمين هم الذين أذنبوا ثم تابوا وأنابوا ، وتقبّل الله جل وعلا توبتهم ، ويغفر لهم يوم الدين ، يوم الحساب . فالتوبة فى الدنيا ، والغفران فى الآخرة .

3 ـ وفى سورة التوبة تفصيل عن الكافرين فى بداية السورة ، ثم عن المنافقين الصرحاء والذين مردوا على النفاق ،، ومنهم المُرجأ أمرهم الى الله جل وعلا ، إمّا أن يتوب عليهم وإما أن يعذّبهم تبعا لعلمه جل وعلا وحكمته،  وأصناف المؤمنين فى المدينة قبيل موت النبى محمد عليه السلام ، منهم السابقون المقربون ، ومنهم أصحاب اليمين.  قال جل وعلا : ( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106)) .

3 ـإنه إختيار ومشيئة للفرد ، أن يكون من السابقين المقربين أو من أصحاب اليمين أو من المكذبين الضالين . أنت الذى تحدد موقعك يوم القيامة ، وربك جل وعلا لا يظلم أحدا ، وهو جل وعلا لا يريد ظلما للعالمين .

4 ـ نرى هذا فى الشريعة الاسلامية . مطروح فيها الحسن والأحسن ، الحسن لمن يريد أن يكون من أصحاب اليمين ،والأحسن لمن يبتغى أن يكون من السابقين المقربين .

5 ـ  منهج القرآن الكريم يقوم على التسابق في الخير ابتغاء مرضاة الله جل وعلا القائل :

5 / 1 :( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136) آل عمران)

5 / 2 : ( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) الأنبياء )

5 / 3  :( إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) المؤمنون  ).

5 / 4 : (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) الحديد ) .

5 / 5 :( كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ (26) المطففين  )

6 ـ  ولنتذكر ان القرآن الكريم موصوف بالأحسن ، وجدير بمن يستمع لأحسن الحديث أن يلتزم بأحسن الطاعات والقرآن يرشده في ذلك. قال جل وعلا :

6 / 1  : ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (18) الزمر )

6 / 2 : ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23) الزمر )

6 / 3 : ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ (3) يوسف )

6 / 4 : ( وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (33) الفرقان ) . القرآن الكريم فيه أحسن تفسيره .

ثانيا :

نعطى أمثلة قرآنية فى العبادات :

1 ـ الصوم :  يصوم إذا كان على سفر أو في مرض لا يؤثر فيه الصيام ، وقد يقدم الفدية أيضاً تطوعاً : ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) البقرة ).

2 ـ الحج  :

2 / 1 : لا يكتفي باجتناب ما حرمه الله وإنما ينشغل أيضاً بتقوى الله جل وعلا : ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197)  البقرة ).

2 / 2 : وفي مناسك الحج والعمرة يتطوع بالطواف حول الصفا والمروة . قال جل وعلا : ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) البقرة )  

3 ـ الصدقة : قد يظهرها ليتأسى به غيره ولكن الخير أن يخفيها حتى لا يجرح شعور المحتاج. قال جل وعلا : ( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)  البقرة ) .

3 ـ يقول جل وعلا لمن أسرف على نفسه ثم جاءت الفرصة للتوبة : ( قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ (59) الزمر ). فالذي يتوب بعد الإسراف في المعصية عليه أن يعوض ما سبق بالتسابق في الطاعة ، وأن يتبع الأحسن.

فى التعامل بين الناس

1 ـ يقول جل وعلا  في حالة المدين العاجز عن السداد : ( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (280)  البقرة ). فالله جل وعلا يخيّر صاحب  الدين ( الدائن ) بين شيئين أحدهما حسن وهو الانتظار إلى وقت يكون فيه المدين المعسر ميسوراً، والآخر هو التصدق عليه بالتنازل عن الدين كله أو بعضه وهذا هو الأحسن . ولو كان لمؤمن يعلم لأختار الأحسن، فهو الخير له . هذا فى تشريع يخص موضوع الربا المحرم ، وهو ربا الصدقة ، أى أن يأتيك فقير محتاج له حق فى الصدقة، فتعطيه بدل الصدقة قرضا ربويا . لنقرا الآيات الكريمة فى سياقها . قال جل وعلا : ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281) البقرة )

2 ـ   ويحرم الاقتراب من مال اليتيم إلّا بالتى هى أحسن . قال جل وعلا :( وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ) (152) الانعام ) ( الاسراء 34 ).

 4 ـ وفى الدعوة الى الاسلام وفى الجدال قال جل وعلا :

4 / 1 :( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) فصلت )

4 / 2 ـ ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) النحل )

4 / 3 : ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) العنكبوت )

5 ـ وفى الكلام وفى السلام وردّ السيئة قال جل وعلا :

5 / 1 :( وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (53) الاسراء )

5 / 2  : ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (83)البقرة )

5 / 3 : ( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا)  (86)  النساء )

5 /4 : ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ) (96) المؤمنون )

ولكن هل يلغى تشريع الأحسن التشريع الحسن ؟ بالطبع لا . لأنها خيارات أمام المؤمن.

الفصل التاسع :

 الحقيقى والمجاز 

مقدمة

هناك اسلوب مجازى فى القرآن الكريم فى الحديث ع نرب العزة جل وعلا واحوال الآخرة وفى الوعظ . وفى القرآن الكريم اسلوب علمى تقريرى ، ومنه التشريعات الاسلامية .والذى يجتهد فى معرفة التشريع الاسلامى عليه ان يعى هذا جيدا ، خصوصا وان بعض الكلمات القرآنية تأتى مجازا ، وتأتى باسلوب تقريرى علمى . ونعطى مثالا بكلمتى : ( المرض ) و (الأعمى )

 أولا : المرض

جاءفى القرآن الكريم على نوعين : المرض الحسى البدنى الجسدى ،  والمرض المعنوى بمعنى الضلال والكفر و النفاق والانحلال   .
 المرض الحسى الجسدى فى التشريع جاء ضمن الأعذار المقبولة فى تأدية العبادات:

1 :ـ الافطار فى رمضان:قال جل وعلا : (  أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (( البقرة 184 ) (وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ )( البقرة 185)

2 : فى الحج : ـ تقديم الفدية عند حلق الرأس فى حالة الاحرام بالحج أو العمرة:
( وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) ( البقرة 196 )

 3 : فى التيمم بدلا من الغسل والوضوء:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ) ( النساء 43 ) ، و ( المائدة 6 )

4 : التخفف من حمل السلاح عند قصر الصلاة وقت الخوف : (وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ ) ( النساء 102 )

 5 : عدم الخروج للجهاد : ( لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ ) ( التوبة 91 )، ( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ) ( الفتح 17 )

  6 : التخفف من قيام الليل:( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) (المزمل 20)

  7 : التخفف من الآداب الاجتماعية:( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ )( النور 61 )

 المرض المعنوى ( الضلال والكفر و الشرك )
هنا يأتى المرض مرتبطا بالقلب ، والقلب فى مصطلحات القرآن الكريم هو النفس والفؤاد والصدر، وليس تلك العضلة التى تضخ الدماء فى الأوردة و الشرايين . وبالتالى فالمرض هنا يعنى الضلال و الكفر والنفاق والرغبة فى الزنا بحيث لا يراعى ذلك الشخص حرمة البيوت التى يدخلها.
ونعطى أمثلة:
1 ـ عن المنافقين الذين يخفون الكفر و يتظاهرون بالايمان يقول جل وعلا (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ ) هذا عن تصرفاتهم فى الخداع، ومنبع هذا الخداع هو ما وقر فى قلوبهم من ضلال وكفر ، أو مرض بالتعبير القرآنى ، وبالتالى فلن يزيدهم الله تعالى إلا كفرا ومرضا ، يقول جل وعلا : ( فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً) (البقرة 10 )
2 ـ ويأتى الوصف بالمرض القلبى مرادفا للمنافقين معطوفا عليه عطف بيان ، مما يفيد التوضيح والبيان والتأكيد على أن المرض القلبى من لوازم النفاق ومن ملامح المنافقين النفسية ، يقول جل وعلا : ( إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـؤُلاء دِينُهُمْ) ( الانفال 49 ) فالمتحدثون هنا ليسوا طائفتين بل هم طائفة واحدة جمع بينهم وجود مرض الضلال فى نفوسهم وقلوبهم وعقائدهم.
3 ـ ويقول جل وعلا عن أدوار المنافقين وطوائفهم وقت محنة حصار المدينة فى غزوة الأحزاب : (لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ) ( الأحزاب 60 ). هم هنا اقتربوا من الخط الأحمر ، فكان لا بد من تحذيرهم ، فلهم حق المعارضة ولكن ليس الى درجة التآمر والتحالف مع العدو الذى يحاصر المسلمين.
4 ـ ونفس الحال حين تحالفوا مع اليهود و النصارى فى اعتداءاتهم على المسلمين ، وهنا إشارة الى وقائع حربية أهملتها ما تسمى بالسيرة النبوية ، يقول جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ .فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ )( المائدة ـ 52 ). تكرر النهى للمؤمنين عن التحالف مع العدو المعتدى على المؤمنين ، ولكن لم يطع المنافقون لأن فى قلوبهم مرضا.
5 ـ وعن موقفهم من القرآن كان الضلال أو المرض المستقر فى قلوبهم يجعلهم يسخرون من نزول القرآن وقت نزول آياته ومعرفة وهداية المسلمين بها ، ونزل قوله جل وعلا يرد عليهم : ( وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) ( التوبةـ 125 )
6 ـ وبعضهم كان يرتعب عندما يسمع بنزول آية تأمر بالقتال ، ويأتى تصويرهم فى هذه الحالة فى قوله تعالى : (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ) ( محمد 20 )
7 ـ وكانوايرفضون الاحتكام الى القرآن الكريم ، و يرفضون المجىء للرسول عليه السلام إلا إذا كان لهم الحق فى تلك المنازعات والخصومات ، يقول جل وعلا : ( أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ( النور 50 ).
8 ـ ويأتى وصف الكافرين المشركين عموما بالمرض القلبى أو قسوة القلب بحيث يخلو من مسام يدخل منها ضوء الهدى . وتأتى تلك القسوة فى القلب أو ذلك المرض فى القلب بسبب الايمان بالحديث الشيطانى المعروف الان بالسنة النبوية ،فلا يمكن أن يجتمع الايمان بالقرآن مع الايمان بتلك الأحاديث ، ولا يمكن الايمان بنقيضين ينفى أحدهما الاخر ، فتلك الأحاديث يلقيها الشيطان ليصادر أمنية النبى فى هداية الناس جميعا ، ويأذن الله تعالى بوجودها وكتابتها ونسخها فى نسخ وتدوينها فى كتب وطباعتها فتستمر فتنة واختبارا ، من يتبعها يكفر بالقرآن ويتبع سبيل الشيطان ، ويصاب قلبه بالمرض والضلال ، يقول جل وعلا عن الأحاديث الشيطانية ودورها فى تاريخ كل نبى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) ثم يقول جل وعلا عن دورها فى فتنة وضلال الناس حين تجعلهم قاسية قلوبهم مريضة بالضلال والظلم والتفرق : ( لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ) ( الحج ـ 53 )
9 ـ ويقول جل وعلا عن ( سقر ) وهو اسم لجهنم : : (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ ) ويقول عن عدد الملائكة القائمين بها : ( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) ثم يقول عن هذا العدد : (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا )( المدثر 31 ). يهمنا هنا قوله جل وعلا : (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ ) فهنا عطف بيان بالواو ن يفيد أن الكافرين هم الذين فى قلوبهم مرض.
10 ـ ويأتى المرض القلبى بمعنى شهوة الزنا حين تسيطر على قلب إنسان فيطمع فى الزنا بكل إمرأة يراها أو يتكلم معها، يقول جل وعلا : ( يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) ( الاحزاب 32 )

الشفاء المعنوى ( الهداية )
1 ـ القرآن الكريم هو وصفة الهداية الناجحة من المرض القلبى المعنوى او الضلال ، ولكن ليس كل الناس يرغبون فى هذا الدواء ، فمعظم الناس يصدّ عنه راغبا عنه وليس راغبا فيه ، ولذلك لا يستفيد منه إلا المؤمنون به ، أى فمع أنه شفاء لعموم الناس إلا إن المنتفعين بهذا الشفاء هم المؤمنون وحدهم ، إذ يكون القرآن الكريم لهم هدى للصدور ورحمة يوم القيامة . ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ) (يونس 57 )
2 ـ بل أكثر من ذلك ، فبعض الذى يرفض الشفاء القرآنى يحاول التلاعب بآياته فيزداد بهذا التلاعب مرضا على مرض ، وخسارا على خسار ، وبالتالى يكون القرآن الكريم شفاء ورحمة للمؤمنين به ، وفى نفس الوقت يكون خسارا على الذين يحرفون معانيه ويلحدون فى آياته ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا )( الاسراء 82 ) أى إن القرآن شفاء للمؤمنين وعمى على من لا يؤمن به . هذا وهذا يقرؤه ، ولكن هذا يزداد به إيمانا وذاك يزداد به عمى وضلالا : يقول جل وعلا : ( وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ) (فصلت 44 ).
ثانيا :

العمى  

  يأتى فى القرآن الكريم على حقيقته ويأتى مجازا .     

  : (العمى ) المادى بالاسلوب العلمى التقريرى يأتى فى التشريع وفى القصص.

  فى التشريع القرآنى : بالاسلوب العلمى التقريرى دون مجاز ، وقد جاء على حقيقته بمعنى العمى المادى  فى تشريع الأعذار ، فى  :

1 ـ التفاعل الاجتماعى الذى لا حرج فيه على الأعمى والأعرج والمريض : (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ) )( النور:61)

2ـ القتال : (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ) الفتح:17)

2 ـ كما جاء أيضا فى القصص،فى سورة (عبس )حيث نقرأ عن أعمى ضرير لا يرى ويريد الهداية فعبس النبى فى وجهه :(أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى)عـبـس:2).

الاستعمال المجازى للعمى ومشتقاته .

هو الأكثرية ، ويأتى بمعنى الضلال وبالتناقض مع الهدى:  كقوله جل وعلا :(وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) فصلت:17). ولأنها مواضع كثيرة فإننا نضع ملامحها فى الآتى :

1 ـ يأتى العمى بمعنى الضلال فى مقارنة بين الضال والمهتدى فالأعمى هو الضال والبصير هو المهتدى : ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ)(الأنعام:50)،( مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ)هود:24)، ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ)الرعــد:16)،(أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى ِ)الرعــد:19) (وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ)(فاطر 19 )،(وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ) غافر:58).( فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج:46).

 2 ـ ولأن العمى يأتى بمعنى الضلال والبصر يأتى بمعنى الهداية فإن أحكام الهداية ترد فى هذا السياق، بمعنى أن الانسان له حرية المشيئة والاختيار بين الهدى (البصر المجازى) وبين الضلال  (العمى المجازى ) ، لو إختار الهداية زاده الله جل وعلا هدى ، ولو إختار الضلال زاده جل وعلا ضلالا بأن يدعه للشيطان يزيده ضلالا ويزين له سوء عمله فيراه حسنا . وحتى لو قرأ القرآن وهو متمسك بضلاله فسيزداد بالقرآن ضلالا لأنه سيحاول التلاعب بآيات القرآن ينتقى ما يشاء ويتجاهل ما يشاء و يحرف المعانى تبعا لهواه . نعرض لها فى سياق الاستعمال المجازى لمصطلح العمى بمعنى الضلال ، على النحو التالى :

2/ 1 : من يريد الضلال يضله الله : يقول جل وعلا عن المنافقين الذين اختاروا الضلال وتمسكوا به : (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ ) ويقارن بينهم وبين من شاء الهداية فزاده الله جل وعلا هدى : ( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ  ). ثم جاء استعمال العمى والصمم بمعنى الضلال فقال جل وعلا : (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)( محمد: 16 ، 17 ، 23).وقال جل وعلا عن اختيارهم الضلال والخداع والاستهزاء بالمؤمنين : (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (البقرة :15).ويقول جل وعلا:(إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ)( النمل :4) ،إختاروا ألّا يؤمنوا باليوم الآخر وما يتطلبه الايمان بلقاء الله جل وعلا من إيمان خالص وعمل صالح ، ولأنهم بدءوا بالضلال فقد زيّن الله جل وعلا لهم أعمالهم فانطلقوا فى حياتهم ضالين ( يعمهون ) أى من العمى .

2/2 :معنى إضلال الله جل وعلا لهم أن يذرهم فى ضلالهم بلا هداية طالما يرفضون الهداية ،ويأتى هنا استعمال الفعل ( يعمه ) من العمى ، ويستعمل ليدل على الجمع وليس مجرد الفرد ، يقول ربنا سبحانه وتعالى :(وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)(الأنعام:110)،(مَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) (الأعراف:146).ويقول جل وعلا عن من لايؤمن بالآخرة :(فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)(يونس:11). ولو رحمهم الله جل وعلا فلن يزدادوا ألا ضلالا وطغيانا :(وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)( المؤمنون :75). وهم بضلالهم يدخلون على القرآن الكريم يتلاعبون به ويجعلونه عضين ،أى يتحول هدى القرآن الى ضلال للمشركين (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) (فصلت:44). من هنا فإن المؤمن بالقرآن عليه أن يتدبره حين يقرأ وأن ينصت اليه بتفكر حين يسمع ، وأن يتوب ويتعظ حين يوعظ بالقرآن ، وإلا صار ممن يعمهون من الصم البكم العمى الذين لا يعقلون : (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً)( الفرقان :73).

فى الآخرة يتحول الضلال المعنوى الى نار حقيقية ويتحول العمى المعنوى الى ظلام وسواد ، وهذا ما نفهمه من قوله جل وعلا:(وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) (الإسراء:72).  (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى  قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ) ( طــه:124 : 127 ).

تجميع الجزء الثانى من القسم الثانى من كتاب الشريعة الاسلامية

تجميع الجزء الثانى من القسم الثانى من كتاب الشريعة الاسلامية 

  الفصل العاشر :

التشريع الجديد والتشريع المتوارث:

أولا :

1 ـ محمد هو خاتم النبيين عليهم جميعا السلام ، والقرآن الكريم هو الكلمة النهائية في رسالات الله جل وعلا ، وهو المهيمن على الكتب الالهية التى سبقته والمصدّق لها . ولا شك أن هناك تحريفات قد حدثت وأن ضلالاً قد وقع، والشيطان قائم وهو يمارس نفس اللعبة مع كل جيل بنفس الطريق، والضلال الذى كان يقع في الزمن القديم كان يأتى رسول من الله يصححه، ثم نزل القرآن الكريم كتاباً محفوظاً إلى يوم الدين ليكون حجة على كل ضلال وبهتان مهما تخفي خلف أسماء وواجهات.

2 ـ على أن التحريف لا يعنى فساء كل الأصل النقي، وإنما هو إضافة أكاذيب للأصل وتغيير بعض النصوص، والضلال لا يعنى القضاء النهائي على كل مظهر خيرِّ والإلغاء التام لكل بذرة حق، ذلك أن سنة الصراع بين الحق والباطل- في كل عصر- تفرض ألا يتمكن أحدهما من إلغاء لآخر تماماً ولكن تظل بذرة الآخر كامنة تنتظر الوثوب، فقبل نزول القرآن الكريم كان في العرب قلة من الحنفاء يعبدون الله جل وعلا على ملة إبراهيم، وبعد أن  ظهر الإسلام ظل هناك منافقون صُرحاءومنافقون مردوا على النفاق ، وهم الخلفاء الفاسقون وصحابة الفتوحات ، والذين إرتكبوا أفظع جريمة فى الكفر العملى ، والتى نشأت عليها وترعرعت وسادت الديانات الأرضية الشيطانية ، وبها إتّخذوا القرآن الكريم مهجورا . ولكن لم يستطيعوا القضاء النهائى على القرآن الكريم . كل ما هنالك تحريفات وتلاعب بالآيات القرآنية ، يعزّزها عدم الفهم لمنهج التشريع القرآنى ، ومنه تعامل القرآن الكريم مع التشريعات الموروثة ، وهل كل ما وجدنا عليه آباءنا نتركه .

ثانيا :

1 ـ يلفت النظر أن مقالة ( ما وجدنا عليه آباءنا ) تأتى لما يخالف القرآن الكريم ، فالقرآن الكريم هو الحكم على المتوارث ، وليس العكس . كانت حجة الكافرين السابقين فى تقديس البشر والحجر أن هذا هو ما وجدوا عليه آباءهم . وتكرر هذا فى قريش والعرب ، وحتى الآن فيما يسمونه بثوابت الدين . ويتهموننا بالكفر لأننا نحطم ثوابت دينهم بالقرآن الكريم .

نكتفى بقوله جل وعلا :

1 / 1 :( بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) الزخرف ).  

1 / 2 : ( إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) الصافات).هذا عن أصحاب  الجحيم .

2 ـ ذرية ابراهيم ( أبناء إسماعيل ( العرب ) وأبناء إسرائيل ) توارثوا ملة أبيهم  إبراهيم فى العبادات ، وأخطر ما إرتكبوه فى التحريف أنهم لم يكونوا (حنفاء ) أى مخلصين فى إيمانهم بالله جل وعلا وحده لا شريك له ، بل أشركوا به غيره ومعه فى الايمان والعبادة والتقديس . لذا تكررت الأوامر بإتّباع ( ملة ابراهيم حنيفا ) .من ملة ابراهيم توارث الناس العبادات ، منذ أن دعا ربه جل وعلا : ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ) (128) البقرة ).

ثالثا :

 أحدث أئمة المحمديين أنواعا متنوعة من التحريف ، تحت عناوين التفسير والحديث وعلوم القرآن وأسباب النزول والنسخ . هذا مع وضوح البيان القرآنى . وسبق أن كتبنا فى ذلك . ولكن بقى بعض الصحيح من ملة ابراهيم المتوارثة ـ ونزلت تشريعات جديدة مفصّلة ، وتشريعات تصّحح أخطاء وقعت ولا تزال تقع . وعلى من يجتهد فى الشريعة الاسلامية أن يعى هذا .  

ونعطى أمثلة للعبادات المفروضة :

الحج :

   كانت الكعبة أول بيت وضعه الله جل وعلا للبشر ، ثم أوضح الله جل وعلا مكانها لإبراهيم وأمره أن يقيم قواعدها بمعاونة ابنه إسماعيل وأن يدعو الناس للحج إليها وأن يقم الصلاة حولها:(  البقرة  /124: 130، 3/95: 97،) ( الحج 26، 27).

 أحدثوا تحريفات متنوعة ، منها :

1 : مدة الحج ،وهى أشهر معلومات ، أى الأشهر الحرم الأربعة ، قال جل وعلا : (  الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197)  البقرة ) وتبدأ بإفتتاح موسم الحج ( يوم الحج الأكبر، وتنتهى بالشهر الرابع ( ربيع الأول )، وهذا هوالمستفاد من أوائل سورة التوبة ( 1 : 5 ) . بل إن التحريف لحق بالأشهر الحرم ، لأن أبا بكر الزنديق بدأ الفتوحات فى الأشهر الحُرُم ، وتوالت الفتوحات والحروب الأهلية دون أدنى إحترام لها ، ولا تزال حتى الآن حيث يسير المحمديون فى نفق الفتنة الكبرى ولا يزالون. وعزّز هذا أن الخليفة الفاسق عمر بن الخطاب جعل التقويم القمرى يبدأ ليس بشهر ذى الحجة ( أول الأشهر ) ولكن بشهر محرم .

2 ـ  كان العرب يحترمون الأشهر الحُرُم ، وكل ما كانوا يفعلونه هو النسىء ، وجعله رب العزة جل وعلا زيادة فى الكفر ، قال جل وعلا ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37)  التوبة ).فكيف بما فعله الخلفاءالفاسقون.؟!

 2 : إنتهكوا حرمة الكعبة، إذ صارت مسرح صراع عسكرى بين إبن الزبير والأمويين ، ثم كان سهلا أن يهاجمها القرامطة فيما بعد .

   3 ـ ساد عصيان تشريعات الله جل وعلا الذى أمر بأن يكون البيت الحرام مثابة للناس وأمنا وأن من دخله كان آمنا ، وأيضا من قصده للحج ، ومنع الكافرين المعتدين من دخوله، وتحريم الصّد عن الحج للبيت الحرام لكل المسالمين على السواء ، من كان من مكة أو قادما اليها . السبب بسيط هو أن الكافرين من الخلفاء والسلاطين هم الذين تحكموا فى البيت ، كانوا ـ ولا يزالون . وكان الأعراب يهاجمون قوافل الحج ، يسلبون ويقتلون الحُجّاج.!. راجع الآيات الكريمة التالية التى كفروا بها : ،( البقرة 125 : 126 ) ( آل عمران 97 ) (  المائدة 2 ) ( التوبة 28 )( الحج 25 )( الأنفال 34 )( الفتح 24 : 27 ). يكفى أن الله جل وعلا توعّد من يريد ( مجرد الارادة والنيّة )الإلحاد فى البيت الحرام بعذاب أليم. (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) الحج ).!

 4 :  ولا ننسى إقامة القبر الرجسى المنسوب للنبى محمد زورا وبهتانا ، وفرض الحج اليه ، وجعل المدينة حرما .  ثم إضافة ما سمُّوه بالمسجد الأقصى ، والذى أسسه عبد الملك بن مروان على أنقاض الهيكل الاسرائيلى ، لصرف الناس عن البيت الحرام الذى كان يسيطر عليه إبن الزبير ، ثم أتمّه الوليد بن عبد الملك . المسجد الأقصى الحقيقى هو طور سيناء . ولنا كتاب منشور هنا فى ذلك .

 ثم تناثرت القبور المقدسة للحسين وغيره ولأولياء التصوف . ويشدون اليها الرحال ، فيما يسمونه بالموالد ، وينحرون عندها ، كما كان العرب يفعلون فى الجاهلية وأسوأ .

   5: نزلت فى الحج تشريعات قرآنية :

5 /1 : جديدة : ( البقرة 196 : 203 ) ( المائدة 94 :98 )

5 / 2 : فى التصحيح : ( البقرة 189 )

ولنا كتاب منشور هنا عن الحج .

الصلاة   

1 ـ لم يتعرض القرآن الكريم لكيفية الصلاة . وبينما كانوا يسألون النبى عن اشياء كثيرة بل ويكررون نفس الأسئلة وتتنزل الآيات بالاجابة ( يسألونك عن ..قل ) فلم يأت سؤال مطلقا عن عدد الركعات ومواقيتها .وهو نفس ما تقع فيه الآن من معرفة كيفية الصلاة ولكن نصلى لله وللأولياء !..كانت الصلاة ـ ولا تزال ـ على المؤمنين كتابا موقوتا ( النساء 103 ).

2 ـ المشكلة الكبرى أن العبادات كلها ـ وأبرزها الصلاة ـ هى وسائل للتقوى ( البقرة 21 ، 183 ، 197). حين تكون هدفا فإنها تتحول الى وسيلة للعصيان ، كما فعل الخلفاء الفاسقون الذين حرصوا على ( تأدية الصلوات ) وهم يعتدون على من لم يهاجمهم ، ويسفكون الدماء ويسلبون الأموال ويسبون  النساء والأطفال . ولا يزال الارهابيون على نفس الدين الشيطانى يسيرون، من أبى بكر الزنديق الى أبى بكر البغدادى الداعشى.! حافظوا على كيفيتها ومواقيتها ، ولكن أضاعوها بالمعاصي والشرك الذي يحيط العمل،  لذا كان التركيز على الأمر ليس بتأدية الصلاة ولكن بالخشوع فيها وفى إقامتها والمحافظة عليها بأن تتجلى فى سلوك المؤمن ليكون تقيا مفلحا مستحقا للجنة ، قال جل وعلا : ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) المؤمنون ) .وأيضا:( العنكبوت 45)و( المعارج 22 :35 ).

3 ـ كان إذا حدث تهاون أو تفريط نزل القرآن ينبه عليه مثلما حدث حين انفضوا عن النبي وهو يصلى الجمعة فنزل التوبيخ ( الجمعة 9 : 11 )  . لم تنزل الآيات لتشرع صلاة الجمعة بل لتعلق على خطأ وقع أثناء تأدية صلاة الجمعة . كان العرب يعرفون صلاة الجمعة ولذلك سمو اليوم بيوم الجمعة لاجتماعهم فيه للصلاة.. ولم يرد في القرآن تحديد أيام الأسبوع لأنها معروفة،  وذكر القرآن الكريم يوم السبت لارتباطه باختلاف اليهود فيه، وهكذا فما هما معروف وواضح لا ينزل فيه تشريع، ولكن إذا حدث خلل في تأديته كان الوحي ينزل بتصحيحه .

4 ـ  ثم انتقل المسلمون إلى المدينة فنزل اختبار لهم هو تغيير القبلة ثم الرجوع للقبلة التى كانوا عليها وهى المسجد الحرام، ليتعلموا طاعة الآمر جل وعلا ، ولنزع القداسة والتأليه لحجارة الكعبة . وقد فصل القرآن الكريم ذلك الأمر( البقرة   142: 150)

ونزلت تفصيلات في الطهارة والتيمم والتطهر (النساء / 43، المائدة6) وفرض الله القتال على المسلمين في المدينة، وكان بعضهم يهاجر إليها في خوف، ولأن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً فكيف يؤدونها أثناء الخوف والمطاردة؟ نزلت تفصيلات ذلك في السور المدنية (النساء/79: 104) ( البقرة /238: 239).

ولنا كتاب ضخم يقارن بين الصلاة الاسلامية والصلاة الشيطانية .

( الصدقة ) الزكاة المالية وجهادا فى سبيل الله جل وعلا :

كان إسماعيل أبو العرب يعلم أولاده الصلاة مع الزكاة ( مريم 55 ). وكان العرب مشهورين بالتفاخر في الكرم فنزلت آيات تصحح الوضع بالنهى عن الاختيال والتفاخر والرياء (.النساء 38 : 39 ) وأوضح رب العزة جل وعلا مصارف الزكاة والصدقة ومقدارها وآدابها، مع تحريم ربا الصدقة والحث على حقوق الفقراء والمساكين ( البقرة 2 ، 177 ، 261 : 281 ، 215 ، 219) ( الروم 38 : 39 ) ( النساء 36) ( التوبة 60) ( الفرقان 67 )( المنافقون 10 : 11 ) ثم : (  البقرة 195 ) ( النساء 95 :96  ) ( الحديد 7 : 11 )( محمد 38 ) وعرضنا للتفاصيل فى كتاب منشورهنا عن الزكاة .  

 الصيام:

1 ـ  أول آية فى تشريع الصيام توضح إنه كان مفروضاً على السابقين وتجعل التقوى هدفا للصيام ( البقرة /183. ). كيفية الصيام هى الامتناع عن الطعام والشراب والتمتع بالزوج ، ولم يفصل القرآن الكريم في هذا لأنه معلوم وكان العرب يتوارثونه ، فلا داعي لتفصيل هم يعرفونه.

2 ـ ونزلت تشريعات جديدة :

2 / 1 : بالأعذار المبيحة للفطر . ( البقرة 184 : 185 ).

2 / 2 : وكان الصوم يمتد معظم الليل والنهار ويكون وقت الإفطار مقصوراً على الفترة ما بين بداية الليل إلى العشاء ثم يواصلون صيام إلى اليوم التالي، وكان بعضهم يفوته أن يلبي احتياجاته من الطعام والشراب والزوجة في ذلك الوقت القصير، فنزل تشريع يمد الإفطار من بداية الليل على الفجر ( البقرة /187) .

وهناك عبادات أخرى نزلت تفصيلاتها من تلاوة القرآن الكريم والانصات اليه والتسبيح والدعاء وقيام الليل .  وقد صادروها بحديث ملعون يزعم أنه ( بُنى الاسلام على خمس ) . كما أفسدوها بتحويلها الى غناء ولعب ولهو ورقص.

وأيضا كتبنا فى هذا فى موسوعة التصوف وفى قناتنا على اليوتوب .

 الفصل الحادى عشر : التشريع والقصص الماضى والمعاصر

مقدمة :

1 ـ للقرآن الكريم منهج فى القصص مختلف عن التأريخ البشرى :

1 / 1 : فلا يهتم القصص القرآنى بتحديد الزمان والمكان وتسمية كل أبطال الأحداث ، بينما لا بد من هذا فى التأريخ . السبب أن الهدف من القصص القرآنى هو العبرة والعظة ، لذا تتجرد القصة القرآنية من كل ما يربطها بالزمان والمكان لتصبح عبرة تسرى فوق الزمان والمكان .

1 / 2 : مجال التأريخ البشرى هو الماضى والحاضر فقط . وهو يسجل ما يُتاح له التسجيل ، بالنقل عن السابقين أو بالتسجيل المعاصر من شهود على العصر . ولكن الذى لا يظهر فى التأريخ المعاصر ليس الحقيقة التى جرت بالفعل ، خصوصا فى تسجيل ما يفعله الحكّام ومعارضيهم ، حيث التآمر للإحتفاظ بالسلطة أو الوصول اليها ، وفى هذا التآمر لا يطفح للعيان إلا القليل . فكيف بالتأريخ للموتى بعد عصورهم . لذا فالرواية التاريخية ــ إن صحّت بمقياس البحث التاريخى وهو مجالنا ـــ فهى حقيقة نسبية ، لأنها تحكى عن ( غيب ) لا يعلم حقيقته إلا علّام الغيوب جل وعلا . لا ينجو من هذا إلا المكتوب فى الأمثال الشعبية وكتب الرحّالة وفى وثائق لم يكن مقصودا منها التأريخ ، بل تسجيل ما يحدث . أما مجال القصص القرآنى فيشمل الماضى من خلق آدم ومن جاء بعده ، وبعض ما كان يحدث معاصرا للنزول ، ثم ما سيحدث فى المستقبل من علامات الساعة وقيامها ووقائع اليوم الآخر.  و كل هذا هو حقائق مطلقة لأن الذى يخبر بها هو عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال .

2 ـ ماذا عن القصص القرآنى والتشريع ؟ هذا هوموضوعنا .

أولا :

التشريع لا يؤخذ من القصص القرآنى عن السابقين . نعطى مثلا من :

  قصة يوسف :

 فى بدايتها إشارة عن القرآن الكريم أحسن القصص وفى نهايتها جاء الهدف من القصص وأنه العبرة . وبينهما تناثرت أحداث لا مجال فيها للتشريع ، مثل كيد إخوته له ، وسوء معاملتهم لأبيهم واتهامه بأنه فى ضلال مبين وفى ضلاله القديم . وفيها مكر يوسف باخوته ليستبقى أخاه الشقيق ، وبكاء يعقوب حتى أصابه العمى ، وفيه سجود الوالدان والأخوةـ ليوسف .  

قصة موسى

قتل الرجل المصرى ، و أمر قومه بالانتحار ( البقرة 54 )، وفى غضبه مما فعله قومه بعد رجوعه من لقاء ربه ألقى الألواح وبطشه بأخيه هارون ، وتدمير العجل الذهبى الذى صنعه السامرى . وفى قتل العبد الصالح صاحب موسى للغلام . هذا بالاضافة لايذاء قومه له ، وعصيانهم ، ومزاعم فرعون وطغيانه .

ويلفت النظر قوله جل وعلا فى التقلبات التى حدثت ليوسف ( وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (21) يوسف  ) والتقلبات التى حدثت لموسى (  إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنْ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) طه  )

ثانيا

القصص القرآنى يؤخذ منه التشريع .

وهو نوعان :

التشريع الخاص بوقته فيما يخصُّ النبى ونسائه

ومنه تحريم الجهر بالقول للنبى ( الحجرات2 : 5 ) و تحريم نكاح من تزوجها النبى وكونهن أمهات المؤمنين، ( الاحزاب 6 ، 28 : 34 ) والنكاح له بدون مهر ، وما يخص دخولهم بيوته والتعامل مع نسائه ، والأجر المضاعف لهن والعقوبات المضاعفة لهن لأنهن لسن كبقية النساء : ( الأحزاب28 : 34 ،  50 : 55 ). .

التشريع القابل للتكرار عند تأسيس دولة إسلامية مثل دولة النبى محمد فى المدينة.

مثل : 

سورة النور :

بدايتها فريدة ، بعدها أحكام تشريعية جديدة ، مثل جلد الزانية والزانى ، وتحريم الزواج بالزانية والزانى فى حالة عدم التوبة ( بما ينفى اسطورة الرجم ) وجلد من يقذف المحصنات ، والتلاعن بين الزوجين ، وعدم دخول البيوت إلا بعد الإذن ، وغض البصر للرجال والنساء ، وتشريعات الزى والزينة للنساء ، والتشجيع على نكاح غير المتزوجات والصالحين من ملك اليمين ، ومكاتبة ملك اليمين أى أن يشترى حريته ، وعدم عقوبة الأمة المملوكة عند إكراهها على ممارسة الزنا . وكل هذا بسبب حادثة الإفك ، وهى أن المدينة إمتلأت بالمهاجرين والمهاجرات ، وكان منهم فقراء وفقيرات . المؤمنون من الأنصار كانوا يؤثرون على أنفسهم مع ما بهم من فقر ، فيعطون المهاجرات الفقيرات . المنافقون أشاعوا إفكا بعلاقات جنسية محرمة ، لذا نزلت تلك التشريعات . وفى كتابنا ( القرآن وكفى ) أثبتنا أنه لا علاقة لعائشة بهذا الموضوع . وحفلت سورة النور بتشريعات إضافية عن إستئذان  الأطفال على الوالدين ، وعن الإلزام بحضور مجالس الشورى .

تشريعات أخرى :

النهى عن ( الظهار ) أى أن يحرّم الزوج الاتصال الجنسى بزوجته ، وكيفية الخروج منه ( الاحزاب 4 ، المجادلة 1 : 4 )

تحريم التبنى  ( الاحزاب 4 ، 5 ، 36: 40 ).

العلاقات المتغيرة مع الكافرين المعتدين حسب القوة والضعف :

كان النبى والمؤمنين معه تحت إضطهاد ، دفعهم للهجرة الى المدينة ، وكانت هذه الهجرة تخطيطا من أكابر قريش ، ودفعوا بجواسيسهم لتصنّع الايمان وأحاطوا بالنبى فى مكة ، ثم هاجروا معه الى المدينة ، وجرت مصاهرات بينه وبينهم . إنهم المنافقون الذين مردوا على النفاق ، والذين إرتكبوا جريمة الفتوحات .

فى مرحلة الضعف فى مكة والتعذيب كان مسموحا بتلفّظ الكفر ( النحل 106 ) وكانت الهجرة فرضا على المستطيع ، ومن يرفض الهجرة مع قدرته عليها فمصيره النار . ( النساء 97 : 100 ) ذلك إن العمر الذى يعيشه الانسان قصير ، أما الأرض فهى كروية أى واسعة ، ونحن فيها مثل نملة تسير على سطح بطيخة ، لا يمكن أن تصل الى نهايتها ، ولا يصحُّ تضييع العمر القصير تحت إضطهاد فى مكان . (  العنكبوت 56 : 57 ) ( الزمر 10 ). ووعد الله جل وعلا من يهاجر فى سبيله بثواب فى الدنيا والآخرة ( النحل : 41 : 42 ) ( الحج 58 :59 ) . ونزل تشريع قصر الصلاة عند المطاردة فى الهجرة أو فى القتال ( النساء 100 : 103 ). فى عصرنا الحديث هاجر المستضعفون من اليهود والنصارى ، فتبدلت أحوالهم فى العالم الجديد .

تابعت قريش الإغارات على المدينة . قال جل وعلا : ( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) البقرة ) حتى كان أهلها يخافون أن يتخطفهم الناس ( الأنفال 26 ) ، وكانوا وقتها مأمورين بكفّ  اليد والهروب لأن المواجهة مع عدوهم ـ وهم غير مستعدين ـ  تعنى إستئصالهم . كان لا بد من الاستعداد الحربى ( الانفال 60 : 61 ). هذا الاستعداد هو للردع وليس للهجوم والبغى . بعد تمام الاستعداد نزل الإذن بالقتال الدفاعى رفض فريق من المؤمنين هذا متمسكين بكفّ اليد . قال جل وعلا : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) (77) النساء ). ثم كانت معركة بدر، وما تلاها .

نزل الإذن بالقتال وفيه حيثيات ومبررات القتال الدفاعى : ( الحج 39 : 40 ).   ونزلت تشريعات القتال الدفاعى بالتفصيلات، أهمها أن يستمر حتى ينتهى الهجوم ، فإن إنتهى هجومهم توقف القتال الدفاعى ، وأن يكون القتال قصاصا عادلا مع الأمر بالتبرع المالى للقتال ( البقرة 190 :195) ( الانفال  38 : 40 ). ونزل تشريع توزيع الغنائم (  الانفال 41 ) وتوزيع الفىء الآتى بلا قتال (  الحشر 6 : 9 ).

على هامش تشريعات القتال نزلت تشريعات ، منها :

1 ـ كانت المدينة مفتوحة أبوابها لمن يأتى من خارجها يتعرف على الاسلام ، كان منهم أعراب كافرون يأتون للتواصل مع المنافقين فى المدينة ، حيث أقاموا مسجد الضرار وكرا للتآمر ( التوبة 107 ). كانوا يأتون يتعرفون على مناطق الضعف ، ويحصلوا على معلومات ، . إنفضح أمرهم ، وثارت تساؤلات بشأنهم فنزلت الآيات توضح أنواعهم ومتى يجب قتالهم ، وشروط قبولهم ، وهى الهجرة والإقامة فى المدينة الى جانب بقية الصحابة المنافقين ، يمارسون الحرية الدينية والسياسية بلا حمل للسلاح ( النساء 88 : 91 ).

2 ـ تحريم الفرار من ميدان المعركة والوعيد لمن يفرُّ بجهنم ( الأنفال 15 : 16 )

3 ـ كان بعضهم يعقد عهدا ثم إعتاد نقض العهد فنزل الأمر بقتالهم الى درجة أن يتعظ بهم غيرهم ، وأنه إذا خاف من قوم خيانة فليعلن هذا لهم مقدما حتى يرجعوا عن خيانتهم ( الأنفال 55 : 58 )

4 ـ دخل أهل مكة فى الاسلام ضمن الأفواج التى دخلت فيه طواعية ( سورة النصر ) ، ثم ما لبث أن نقض العهد بعض أهل مكة ، وثاروا وهمُّوا بإخراج الرسول فنزلت سورة التوبة ، وفى آياتها الأولى منحهم مهلة الأشهر الحُرُم الأربعة ليرجعوا الى المسالمة ، فإذا إنتهت الأشهر الأربعة الحُرُم ( ذو الحجة ، محرم ، صفر ، ربيع القتال ) وجب قتالهم ، هذا مع مراعاة من يتراجع منهم فى ساحة القتال ويستجير بالمؤمنين. وإن رجعوا وتابوا توبة ظاهرية بقبول الاسلام السلوكى بمعنى السلام فهم أخوة فى هذا الاسلام السلوكى . ( التوبة 1 : 15 )

5 ـ منع الكافرين المعتدين من دخول البيت الحرام ، لأن الله جل وعلا جعله مثابة للناس المسالمين وأمنا ( التوبة 28 ) (  آل عمران 97 ) ( الحج  25) ( البقرة 125 ).

6 ـ قتال أهل الكتاب المهاجمين المعتدين ، وبهزيمتهم عليهم دفع الجزية جزاءا على عدوانهم . دون إحتلال أرضهم . ( التوبة 29 )

7 ـ ثم تحريم الموالاة . أى أن توالى عدوا معتديا على وطنك وقومك .

7 / 1 : فالمؤمنون فى الداخل أولياء لبعضهم البعض ، والمؤمنون فى الخارج الرافضين للهجرة للمدينة لا موالاة لهم حتى يهاجروا ، ولا بد من أن يوالى المؤمنون بعضهم بعضا لأن الكافرين المعتدين يوالى بعضهم بعضا . ( الأنفال 72 : 75 ).

7 / 2 : وفى البداية نزلت سورة الممتحنة ( 1 :9 ) تُعيب على بعض المهاجرين مودتهم لأهاليهم الكفار فى مكة ، وتستثنى المسالمين منهم . وتشريع الفحص الأمنى للمهاجرات ، وبيعتهن ( الممتحنة 11 : 12 )

7 / 3 : ونزل التغليظ فى موضوع الموالاة بالتحذير والتهديد  من الذى يعلم غيب القلوب ( آل عمران 28 :30 ).  

7 / 4 : ذلك أن الصحابة من منافقى المدينة وقعوا فى هذه الخيانة ، بموالاة الكفار العرب ، والكفار المعتدين من أهل الكتاب ، فنزل التنديد بهم ((139) النساء 139 ) ( المجادلة14 : 22) ( التوبة 23 : 24 ) ( المائدة 51 : 58 ).

أخيرا

هذه التشريعات خالفها :

1 ـ أبو بكر الزنديق وصحابة الفتوحات والخلفاء الفاسقون ، سواء :

1 / 1 :بغزو من لم يعتد عليهم ، وسفك دماء المدافعين عن أوطانهم ، وإسترقاق الذرية وسبى النساء والأطفال ، ونهب الأموال وفرض الجزية ،ثم جعل ذلك هو الاسلام .

1 / 2 : الحروب الأهلية من الفتنة الكبرى وما تلاها صراعا من أجل الثروة والسُّلطة . ولا يزال المحمديون فى نفق الفتنة الكبرى يسيرون ، إذ أصبح الخلفاء الفاسقون آلهة فى الأديان الأرضية الشيطانية التى نبتت وترعرعت فى دول الخلافة .

2 ـ ( حماس ) وأخواتها .

التدرج فى قتال المعتدى والذى أشرنا اليه يمنع مواجهة المعتدى وأنت فى ضعفك . عليك بالبدائل من الهجرة والمُسالمة . وفى حالة إسرائيل بالذات فإن الذى يهدد بتفكيكها ليس الحرب الذى تجعلهم يتّحدون وينسون خلافاتهم ،ولكن بالسلام الذى يُظهر خلافاتهم . يكفى تدبر قوله جل وعلا فى اسلوبهم الحربى والشقاق بينهم : ( لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ) (14)  الحشر ). حماس إعتادت أن تهاجم ثم تختفى بين المدنيين تتخذهم دروعا بشرية فى حقارة منقطعة النظير.! ، ثم حفرت أنفاقا تختفى فيها تاركة الشيوخ والأطفال والنساء لقنابل إسرائيل . وفى النهاية تدمرت غزة وأهلها ، وانهزمت حماس . نبهنا كثيرا لهذا . ولا فائدة .

الفصل الثانى : ألفاظ التشريع  ( فرض ، حدود الله ، الاعتداء والمعتدون  )

أولا : ( فرض )

تأتى ( فارض ) بمعنى خارج التشريع , فى قصة موسى وذبح البقرة : ( قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرُونَ ) 68 البقرة ). فارض اى بقرة كبيرة فى السّن.

2 ـ كفر إبليس.  قال عنه جل وعلا : ( لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ( 118 ) النساء )

3 ـ بمعنى : أوجب قال جل وعلا :

3 / 1  ـ ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) القصص 85 )  

 3 / 2 ـ  ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) 197 ) البقرة )

عدا ذلك يأتى مصطلح ( فرض ) بمعنى التشريع :

وأبرزها فى تشريعات سورة النور ، وقد بدأت بقوله جل وعلا : ( سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . 1) ) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لا يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ )  (10))

 فى تشريع الصدقات . قال جل وعلا :

 ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) ( 60 ) التوبة )  

فى تشريع الميراث . قال جل وعلا :

( لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ( 7 ) النساء )

فى تسمية مهر الزوجة بالفرض. قال جل وعلا :  

1 ـ ( وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ( 24 )    

النساء )

2 ـ ( لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ) 236 ) البقرة )       ( وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ)  ) 237 ) البقرة )

بين ( فرض ل ) و ( فرض على )

فرض ل : نتدبر قوله جل وعلا :

1 ـ (   مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ )  (38)الاحزاب )

2 ـ ( قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ )  ) ( 2 ) التحريم )

فرض على : : نتدبر قوله جل وعلا :

 ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ الَّلاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ الَّلاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ )( 50 ) الاحزاب )

 بين الفرض وتعدى حدود الله جل وعلا . نتدبر قوله جل وعلا فى ختام تشريعات الميراث :  

(   تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  (13 ) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ( 14 ) النساء )

 ثانيا : حدود

تأتى فى التشريع السُّنّى بمعنى العقوبات . أمّا فى التشريع الاسلامى فتعنى التشريعات الالهية الممنوع التعدى عليها والاقتراب منها  . قال جل وعلا :

1 ـ فى تشريع الصوم : ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 187 ) البقرة فى تشريعات الطلاق. قال جل وعلا :

1 ـ ( الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(229) فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(230)البقرة )

2 ـ  ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) ( 1 ) الطلاق )

3  فى تشريع الظهار . قال جل وعلا :

 ( فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 4 ) المجادلة ).

وعن الصحابة المنافقين الذين كانوا ( يحادُّون ) أى يتعدُّون على حدود الله جل وعلا ، قال جل وعلا :

 1 ـ) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ (5) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(6)المجادلة )

(   إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ(20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(22)المجادلة ).

 ونتدبر قول الله جل وعلا عن الكافرين :

1 ـ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ( 63 ) التوبة ) 2 ـ ( الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 97 ) التوبة 

 وعن المؤمنين :( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 112 ) التوبة ).

أخيرا :

لذا يأتى وصفهم بالاعتداء والمعتدين . قال جل وعلا :

عن الذين يحاربون المسالمين ظلما وعدوانا :

1 ـ  ( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 190 ) البقرة ).

2 ـ ( كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(9) لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ(10)التوبة )

  التعدّى فى تشريع الطلاق :

1 ـ ( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 231 ) البقرة )(231) 

2 ـ  ( فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(230) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(231) البقرة )

3 ـ التعدّى فى تحريم الحلال :

3 / 1 : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 87 ) المائدة )

3 / 2 :  ( فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ(114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(115) وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117)  النحل )

4 ـ التعدّى على مقام رب العزة جل وعلا فى تشريع الميراث . قال جل وعلا :

( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ(14)النساء )

5 ـ التعدّى على مقام رب العزة جل وعلا فى تشريع الدعاء . قال جل وعلا :

( ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(55) وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ(56)الاعراف ). هذا ينطبق تماما على المحمديين الذين إتخذوا دينهم لهوا ولعبا ، وتحول الدعاء عندهم الى أناشيد وغناء ورقص ومجون . قال جل وعلا عن أصحاب النار : ( وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) الأعراف ) . والذى يؤكد أنهم المحمديون الآية التالية : ( وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)  الأعراف ).

 الفصل الثالث :

ألفاظ التشريع  ( الحلال والحرام ، الاجتناب ولا تقربوا )

  ألفاظ الحلال خارج التشريعات

1 ـ بمعنى الإقامة . قال جل وعلا :

2  البلد )    ) وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ(

الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ )35 فاطر  

2 ـ الوقوع فى كارثة : قال جل وعلا :

( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) 28 ) ابراهيم  )

( كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ) 81 طه )

( قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ(39) مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ) الزمر )

فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن

يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي ) طه 86

وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ )  ( 31 ) الرعد )

( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ( 39 ) هود )

المكان . قال جل وعلا :

وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) 196 ) البقرة)

هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ )   25 الفتح )

( لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) 33 الحج )

 التكفير والفدية . قال جل وعلا :

قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ )  التحريم 2

 العلاج : من دعاء موسى :

( ( طه 27 ) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي )

بين ألفاظ الحلال والحرام

فى تشريعات النكاح .

قال جل وعلا :

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ الَّلاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ الَّلاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ الَّلاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ) 23 ) النساء ).

ملاحظة :

الحلال هو الأصل . والحرام إستثناء .

 فى تشريعات الطعام

قال جل وعلا :

سورة يونس

( قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ) 59 )

سورة النحل

( فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ(114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (115) وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(118)النحل )

سورة الحج

( ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ) 30 الحج )

سورة البقرة

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ(168)البقرة)

سورة المائدة :

1 ـ (  أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1 )

2 ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(3)سْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(4) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ )  (5)  المائدة )

3 ـ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(87) وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ(88)المائدة )

 ملاحظات :

1 ـ الحلال هوالأصل .

2 ـ يحرم تحريم الحلال .

3 ـ المحرم من الطعام إستثناء .

عن المسجد الحرام والاشهر الحرم والصيد

قال جل وعلا

سورة المائدة

  ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ اللَّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ ) (2)

 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ(95) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(96) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(97) المائدة )

فى سورة التوبة

إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(36) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(37)التوبة

تشريعات جديدة

الغنائم

قال جل وعلا

(  فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبًا ) ٌ(69) الأنفال )

تفريعات إضافية فى الحلال والحرام

 هذا حلال وذاك حرام

أحلّ وحرّم : ( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا )     (275)البقرة )

لا يحل ( أى يحرم )

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ )(10)الممتحنة )

( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ )  (228) البقرة )

( الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(229) فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(230)البقرة )

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا ) ( 19 ) النساء )

تشريع مستجد بالحلال بعد الحرام :

(  وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ )  (50)آل عمران )

( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ) ( 187) البقرة ).

تشريع مستجد بالحرام بعد الحلال

( فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا(160)النساء ) ( كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ )  (93)آل عمران )

النهى للنبى محمد عن تحريم الحلال  

( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(1)التحريم )

الحلال والحرام فى التشريعات الخاصة بالنبى

( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ الَّلاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ الَّلاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا(50)تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا(51) لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا(52)الاحزاب )

 ثانيا

الاجتناب وعدم الاقتراب

مصطلح الاجتناب خارج التشريعات

قال جل وعلا :

( سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى(10) وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى(11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى(12)الأعلى

( فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى(16) وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى(17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى(21)الليل

تشريعات الاجتناب وعدم الاقتراب

فى الخمر والميسر والقبور المقدسة  والأحاديث الشيطانية الطاغوتية

قال جل وعلا :  

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(90) المائدة )

( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ(35)ابراهيم

 ( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ(30)الحج

( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ(17)الزمر

فى الصلاة :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ )  (43) النساء )

الظّن  السىء :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ )  (12)الحجرات

مال اليتيم   

( وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) (152) الانعام )

   (  وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ) (34)

 فى الفواحش

تحريم الفواحش وكل ما يُقرّب منها :

قال جل وعلا :

( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ(7)المؤمنون )

(  وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ(31) المعارج  )

( وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ )  (151) الانعام )

( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (32)  الاسراء )

( فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ )  (37) الشورى

ولكن القاعدة الأساس :

1 ـ من يجتنب الكبائر يكفّر الله جل وعلا عنه السيئات الصغائر . قال جل وعلا :

(إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا(31)النساء)

2 ـ هذه الصغائر من السيئات هى ( الّلم ) أى الذى تلُمُّ به كل نفس ، وهو مغفور لمن يجتنب الزنا والكبائر من من الذنوب . قال جل وعلا : ( لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى(31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ )  (32)النجم )

أخيرا

1 ـ الفرق بين الحرام العادى والإجتناب :

ليس الاجتناب مطلوبا فى الحرام العادى ، مثلا : المحرمات فى النكاح كالأم والأخت والبنت ..الخ يجب مودتهن وليس إجتنابهن . وليس واردا إجتناب المحرم فى الطعام كالميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير .

الاجتناب لا يعنى التدمير . هو مجرد الابتعاد وعدم الاقتراب . ليس فى الاسلام مصادرة للأحاديث الشيطانية الطاغوتية ولا للقبور المقدسة ( الأنصاب ) .  

2 ـ المحمديون على القبور المقدسة عاكفون بينما فى المحرمات من الطعام يجادلون .!

القسم الثانى :

 الباب الثالث

من العقوبات الى مدى الإلزام

 الفصل الأول :

العقوبات فى الشريعة الاسلامية

أولا :

 العقوبات الدنيوية والأخروية معا :

 بعضها جاء فيما يخص حق الله جل وعلا .

كقوله جل وعلا :

1 ـ (  فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ(56) آل عمران)

2 ـ ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(114)البقرة ).

وقد يكون العذاب دنيويا فقط لدفعهم للتوبة .

قال جل وعلا : ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(21) السجدة ).

ثانيا :

العقوبات الإلهية الخاصة بحقوق البشر فى الدنيا

تتنوع من أمراض وخزى وخسارة ومصائب . وهى لمن يظلم وينجو من عقاب السُّلطة ، ويتعرض لها ــ خصوصا ـ أكابر المجرمين ، الذين يمكرون للوصول الى السلطة أوالبقاء فيها ، يرتفعون ثم يسقطون ، يتعرضون لإختبار العزة والذل ، وفى أوقات العزة والسلطة لا يثقون فى أحد ، ويظلون فى شكوك وحذر وتآمر الى الموت أو السقوط . ( الأنعام 123 ) ( آل عمران 26 ) . ونرى ما يحدث لأكابر المجرمين فى كوكب المحمديين ، وهم الأكثر إجراما والأكثر نفاقا . وهم مهما يحدث حولهم ولهم فلا يتوبون ولا يتذكرون ( التوبة  126).

ثالثا :

تطبيق العقوبات الدنيوية فى الدولة الاسلامية  

1 ـ التقوى هى المقصد الأعظم من كل العبادات ( البقرة  21 ، 183 ، 189 ، 196 ، 197) ،  وأيضا هى الهدف من كل التشريعات . ويوم القيامة لن يدخل الجنة إلا المتقون ( مريم  /63 ) ( الزمر/73 ).

2 ـ ولأن التقوى هى الهدف الأعظم من التشريع الأسلامى فهى أيضا الهدف الأعظم من تطبيق العقوبات ، فهى ليست للإنتقام وإنما للإصلاح ودفع الإنسان للتوبة الظاهرية . وهى بالاسلام السلوكى الذى يعنى السلام مع الناس وأن يأمنه الناس . بالتالى تسقط العقوبة بهذه التوبة الظاهرية .

3 ـ وطبقا لما جاء فى القرآن الكريم فإن باب التوبة يظلُّ مفتوحا للإنسان طالما بقى حيا يسعى قادرا على عمل الطاعة وإرتكاب المعصية  ، والله سبحانه وتعالى يدعوه أن يتوب مهما بلغت آثامه ( الزمر/53 ) . فإذا أدركه الموت ورقد على فراش الأحتضار ضاعت فرصته فى التوبة (  النساء / 17 ، 18 ) .

4 ـ بل أن التوبة عرضها رب العزة جل وعلا على الكفار المعتدين يطلب منهم أن ينتهوا فإن انتهوا عنه غفر الله لهم ما تقدم من ذنبهم وأتاح لهم صفحة جديدة ( الانفال / 38 ، 39 ) ، ( البقرة/ 192 – 193 ) بل أن الكافرين المعتدين الذين اعتادوا نقض العهود والأعتداء على المسلمين المسالمين فى عهد النبى محمد عليه السلام قد أعطاهم الله مهلة أربعة أشهر ( التوبة 1 : 11 ) 

 5 ـ وإذا كانت التوبة توقف عقوبة المشركين المعتدين وتعطيهم فرصة لبدء عهد جديد من الصلاح الظاهرى فإن المسلم المسالم غير المحارب أولى بهذه الفرصة إذا وقع فى ما يستوجب العقوبة ومعناه أن التوبة توقف تطبيق العقوبات فى الأسلام .

6 ـ  ليس هذا إستنتاجا عقليا فقط وإنما هو قراءة للنصوص القرآنية التى جاءت فى تشريع العقوبات .

رابعا :

التوبة تُسقط العقوبة

سورة النور هى أول سورة مدنية حفلت بالتشريعات ، ومنها ما يخص العقوبات .

قال جل وعلا : ( سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (4) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ (9) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10).

نلاحظ :

1 ـ البداية الفريدة للسورة ( آية 1 )

2 ـ الجلد ـ وليس الرجم ـ عقوبة الزنا . ( آية 2 )

3 ـ عقوبات إضافية :تحريم الزواج بالزاينة وبالزانى .

4 ـ مفهوم الزانى والزانية هو الذى لا يتوب والتى لا تتوب .

5 ـ عقوبة قذف المحصنات العفيفات بدون إثبات 80 جلدة وعدم قبول شهادتهم باعتبارهم فاسقين .

6 ـ تسقط هذه العقوبات بالتوبة العلنية . كما جاء فى الآية 5.

7 ـ سورة النور مدنية . قبلها نزلت سورة الفرقان فى مكة ، وفيها صفات عباد الرحمن وهم أصحاب الجنة . ومن صفاتهم قوله جل وعلا : ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً (71) . ضمن صفاتهم أنهم إذا وقعوا فى الكبائر كالقتل والزنا فهم يتوبون ويؤمنون ويعملون الصالحات ، وبهذا تغطى أعمالهم الصالحة على ما ارتكبوه من كبائر ، وبالتالى يكتسبون وصفا جديدا ، ليس الزانى والزانية أو القاتل والقاتلة .

8 ـ عند تعذر أثبات الزنا على امرأة مشهورة بإحتراف الفاحشة فإن التشريع الأسلامى يوجب إستشهاد أربعة شهود على إحترافها الزنا ، فإذا شهدوا فإن عقوبتها سلبية هو حبسها وإمساكها فى بيت  بحيث لا يدخل إليها أحد فتضطر إلى التوبة أو الزواج ( النساء  / 15 )

9 ـ  وهناك عقوبة للشذوذ هى أقل من أن توصف بالعذاب . ففى حالة الشذوذ فإن اللذين يقعان فيه يجب إيذاؤهما قولا ، فإن تابا وأصلحا فيجب الأعراض عنهما ( النساء  / 16 )

10 ـ سورة المائدة من أواخر ما نزل فى المدينة . قال فيها جل وعلا :

10 /1 : ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39)    ). التوبة الظاهرية هنا تُسقط العقوبة فى الدنيا . وإذا كانت توبة ظاهرية قلبية فهو مستحق للغفران يوم القيامة .

10 / 2 : ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (3 3) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) . هنا عصابة تقطع الطريق ، وهو عمل موصوف بأنه حرب لله جل وعلا ورسوله ـ أى كتابه القرآن الكريم ـ وعقوبته تتدرج حسب الجرائم ، من القتل والصلب وتقطيع الأطراف ، الى النفى . إذا تابوا قبل مواجهتهم والقدرة عليهم سقطت عقوبتهم .

11 ـ فى إفتتاحية سورة التوبة ـ وهى أيضا إفتتاحية فريدة لسورة هى من أواخر ما نزل فى المدينة ، قال جل وعلا :

( بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (12) أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (13).

نلاحظ :

11 / 1 : المعيار هنا هو الاسلام السلوكى ـ بمعنى السلام ، والإيمان السلوكى بمعنى الأمن والأمان . والكفر والشرك هنا مقترنان كما فى توارد مصطلحى الكفر والشرك فى سياق الاعتداء الحربى ونقض العهد بالأمن والأمان والسلام ، حتى لقد همُّوا بإخراج الرسول ، وهم الذين بدأوا العدوان ونقض العهود .

11 / 2 : مع ذلك فإن المقاتل الذى يتوب منهم فى أرض المعركة فيجب تأمينه وإجارته وتوصيله الى مأمنه .

11 / 3 ـ والذين يتوبون عن الحرب فهم أخوة فى الاسلام السلوكى بمعنى السلام وفى الايمان السلوكى بمعنى الأمن والأمان . وهذه التوبة ــ طبقا لمعيار الاسلام السلوكى والإيمان السلوكى ـ هى إقامة للصلاة وإيتاءا للزكاة .

أخيرا

1 ـ  فى كل الأحوال فالتوبة الظاهرية تعنى إعلان الندم والاعتذار وردّ الحقوق والتعهّد بعدم العودة لارتكاب الجرائم .

2 ـ فى القصاص أو قتل القاتل المتعمد لا يستلزم بالضرورة توقيع عقوبة الأعدام فهى محصورة بشروط محددة هى التكافؤ بين القاتل والقتيل ثم يمكن حين يرضى أهل القتيل بأخذ الدية أن ينجو القاتل من الأعدام .

3 ـ من الطبيعى أن يستغل بعضهم هذا التسامح فى تشريع العقوبات  فيفلت من تطبيقها عليه وقد يستمر فى جرمه  دون أن يضبط متلبسا . هنا لن يفلت  من عقوبات رب العزة سبحانه وتعالى  فى جهنم . وعقوبات الله سبحانه وتعالى ستكون أفظع وأقوى من العقوبات المقررة فى تشريعات الأسلام التى تنفذها الدولة الأسلامية . لنتعرف على فظاعة العذاب الخالد فى جهنم نقرأ على سبيل المثال : (الكهف 29 ) محمد 15 ) ( الصافات 64 : 67 ) (الدخان 43: 50 )( ابراهيم 16 : 17 )( الحج 19 :  22 ) ( فاطر 36 : 37 ) .

4 ـ ولكن فى النهاية  نعيد التأكيد على إن العقوبات الألهية والعقوبات التى تنفذها الدولة الأسلامية ليس الهدف منها الإنتقام وإنما إعطاء فرصة للإنسان العاصى والمجرم  كى يتوب ويفتح صفحة جديدة لينجو من العقوبة العظمى يوم القيامة وهى الخلود فى النار .

 التعليقات(4)

    حمد حمد      

 مصلحون /صالحون.

جزاك الله جل وعلا خير الجزاء دكتور أحمد المحترم وبارك بعمرك وعلمك. بما أن الموضوع تطرق إلى العقوبات وخاصه العقوبات الإلهية. يقول الله جل علا (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ). فهل هذا العقاب يشمل الصالحون من القرى. وما الفرق بين الصالحون والمصلحون. ولكم من التقدير والاحترام. 

  عادل بن احمد

تحليل قرآني قيّم

تحليل ممتاز للآيات القرآنية المتعلقة بالعقوبات والتوبة. الربط بينهما وإبراز أن التوبة (بشروطها) قد تُسقط العقوبة الدنيوية هو استنتاج مهم ومثير للاهتمام، ويقدم رؤية تركز على الرحمة الإلهية

بارك الله فيك استاذي الفاضل

  آحمد صبحي منصور

 شكرا جزيلا استاذ حمد ، وجزاك الله جل وعلا خيرا، وأقول:

 1 ـ الصالحون هم الذين يعملون الصالحات عن إخلاص الدين للرحمن جل وعلا . المصلحون هم دُعاة الإصلاح ، وفى مقدمتهم الأنبياء . قال النبى شعيب عليه السلام  : ( قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) هود ) .

2 ـ تعرضت الأمم السابقة للهلاك عقابا إلاهيا . ترددت قصصهم فى سور كثيرة ، ومنها سورة ( هود ) وقد قال جل وعلا فى نهاية السورة : ( فَلَوْلا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)  هود )  . ومنها سورة الشعراء : ( وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ (208) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (209) ). 

  آحمد صبحي منصور      

 شكرا جزيلا استاذ عادل ، وأهلا بك فى موقعك أهل القرآن

ونتمنى أن تواصل عطاءك ، وأن نستفيد منه.

 الفصل الثانى : 

مدى الإلزام فى الشريعة الاسلامية    

 نعيد التذكير بما سبق تأكيده من أن :

1 ـ الحرية الدينية المطلقة فى الاسلام ، وأن الحكم فى الاختلافات الدينية بين البشرمرجعها الى الله جل وعلا يوم القيامة . يكفى قوله جل وعلا : ( قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46)   الزمر ).

2 ـ التقوى هى المقصد الأعلى لكل العبادات ولكل الأعمال الصالحة ، ولا يعلمها إلا الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور .

3 ـ الاسلام نوعان :

3 / 1 : الإسلام الدينى تعاملا مع الله جل وعلا ، إيمانا به جل وعلا وحده وإخلاص الدين والعبادة له جل وعلا وحده ،والايمان بحديثه وحده ( القرآن الكريم وفقط ) .

3 / 2 : الاسلام السلوكى فى التعامل مع الناس ، بالسلام والأمن والأمان . وهنا فقط مدار التطبيق فى الشريعة الاسلامية .

4 ـ بالتالى فهاك :

4 / 1 : حق الله جل وعلا علينا فى أن نؤمن به وحده إلاها ، وبقرآنه وحده حديثا ، وهذا مرجعية الحكم له جل وعلا فى الدين الى يوم الدين .

4 / 2 : حقوق العباد ، ومنها تطبيق العقوبات ، وقد تعرضنا لها آنفا . وهذه هى وظيفة الدولة فى الاسلام ، والتى تكون فيها الأمة مصدر السلطات ، وتكون فيها المواطنة الكاملة لكل المواطنين وبالمساواة . فهم مالكو الدولة والوطن .

5 ـ نعطى تفصيلا :

أولا :

 حرية إقامة بيوت العبادة لكل المواطنين ، من مساجد لله جل وعلا وحده ومن مساجد ضرار ، وحسينيات ومقامات وقبور مقدسه ومن معابد وثنية وكنائس وأديرة ومعابد لليهود ولكل الأفراد والطوائف .

نتذكر هنا إنّ:

1 ـ المقصد من القتال الدفاعى فى الاسلام هو :

1 /1 : منع الفتنة فى الدين أو الاضطهاد الدينى حتى يكون الدين لله جل وعلا وحده يحكم فيه يوم الدين ، قال جل وعلا : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193)  البقرة ) (  وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) الأنفال )

1 / 2  ـ حصانة بيوت العبادة للجميع . قال جل وعلا :

( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً ) (40) الحج ).

2 ـ الأمر بالاجتناب تشريعا إسلاميا يعنى بقاء تلك المعابد غير الاسلامية وعدم التعرّض لها .

لقد أوضح رب العزة جل وعلا إن تلك المعابد المقدسة هى من ( عمل الشيطان ). الشيطان لا يقوم بنفسه بتصنيع الأنصاب ، ولكنه هو الذي يوهم الناس بأن مواد البناء في الضريح مقدسة وتختلف عن أى مواد أخرى تبنى بها البيوت والمساكن والصانع، وهو الذي يوهم الناس بأن المقبور تحت الرماد لا يزال حياً ولكنه معتقل تحت الأرض يري ويحس بمن يطوفون بالضريح من فوقه، وطبعاً فلا يشكو من طول فترة اعتقاله في زنزانة انفرادية تحت الأرض ولا يتضرر من آلاف الأقدام التى تسير دائماً فق رأسه. الشيطان هو الذى يحجب العقل عن التفكير السليم ويجعل الناس يؤمنون بأن  هناك إلها محبوسا تحت الرماد يستجيب لهم ويرفع عنهم الضرر.. والشيطان هو الذي يقنع الناس بأن مملكة الأموات هى التى تتحكم في مملكة الأحياء. كل هذه المعانى وغيرها تندرج تحت قوله تعالى عن الأضرحة "من عمل الشيطان".

3 ـ فى الدولة الاسلامية فى المدينة ـ وقائدها هو النبى محمد عليه السلام ـ كان المؤمنون سلوكيا يعكفون على الأنصاب ويدمنون الخمر والميسر والأزلام . كل ما جاء هو الأمر بالاجتناب . قال جل وعلا :

3 / 1  : فى أوائل ما نزل فى المدينة : ( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30)  الحج )

3 / 2 : عصوا هذا ، فكان من أواخر ما نزل قوله جلّ وعلا فى سورة المائدة :

3 / / 2 / 1 :(  حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ )(3) المائدة )

3 / / 2 / 2 : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92) المائدة )

 نرجو فقط تدبر قوله جل وعلا : ( رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ )( فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ )

3 / 3 : هدم الأنصاب والأوثان في عقول الناس واعتقادهم نظرية صائبة . حين يتهدم ذلك الاعتقاد الخرافى من قلوب الناس تصبح هذه الأضرحة مجرد تماثيل صخرية، يتندر بها الناس على قلة عقولهم حين قدسوها. أما إذا بادر حاكم مسلم إلى تدميرها فإنها ستعود معززة بأساطير تزعم الانتقام ممّن سبق وهدمها .

4 ـ  فى الدولة الاسلامية فى المدينة ـ وقائدها هو النبى محمد عليه السلام ـ كان للمنافقين الحرية المطلقة فى إعلان الكفر وممارسة المعارضة السياسية وفى التآمر والذى وصل بهم الى إقامة مسجد الضرار . قال جل وعلا : ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمْ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110) التوبة ). نلاحظ :

4 / 1 : كان وكرا للتآمر على الدولة .

4 / 2 : أن النبى محمدا لم يكن يعلم الغيب ، ولذا كان يقيم فيه ويصلى فيه .

4 / 3 ـ إن الله جل وعلا نهاه عن ذلك ، أى أمره بإجتنابه .

4 / 4 : لم يأمر جل وعلا بهدمه ، فظلّ دليلا على كفر من أقاموه .

5 ـ حكم رب العزة جل وعلا بأن المنافقين الصُّرحاء فى الدرك الأسفل من النار ، وإستثنى من يتوب منهم ويُبدّل سلوكه ودينة مخلصا لله جل وعلا . قال جل وعلا : ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147) النساء ) . أما الذين مردوا على النفاق فقد حكم رب العزة جل وعلا مقدما عليهم بأنهم لن يتوبوا ، وتوعدهم بعذاب مرتين فى الدنيا ثم ينتظرهم عذاب عظيم فى الآخرة . قال جل وعلا فى أواخر ما نزل : ( وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) و  التوبة ). إنهم من تولوا الحكم بعد موت النبى محمد عليه السلام . إنهم الخلفاء الفاسقون وصحابة الفتوحات الشيطانية والحروب الأهلية .

ليس للدولة الاسلامية الإلزام فى العبادات وعمل الصالحات :

ليس لها إلزام أحد بالصلاة والصيام والحج وقيام الليل وذكر الله وتلاوة القرآن الكريم وعمل الصالحات ، فهذه الفرائض تعامل خاص ومباشر بين المسلم وربه.  إن جوهر العبادة هو الإخلاص وبدونه تكون تأدية العبادة مجرد حركات بدنية ساخرة.

1 ـ الصلاة :

فرضها الله جل وعلا على المؤمنين كتابا موقوتا ، وأمر بإقامتها خشوعا فى تأديتها ، وتقوى فى غير أوقاتها . قال جل وعلا :( فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً (103)   ) أى بأوقات خمس . كان المنافقون يؤدون الصلاة بدون إخلاص بل لمجرد المراءاة والنفاق فاعتبرها رب العزة خداعاً لله جل وعلا ، قال جل وعلا : ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142) النساء ).

2 ـ الصدقات والتبرع للقتال الدفاعى :

2 / 1 : يكفى تدبر وصف الله جل وعلا هذا بتعبير ( إقراض  الله قرضا حسنا ) ( البقرة 245 ، الحديد 11 ، 18 . التغابن 17 ، المزمل 20 )

رفض المنافقون هذا وذاك مع ثرائهم ، فكانت عقوبتهم هى حرمانهم من التبرع مع توعدهم بعذاب فى  الدنيا والآخرة  قال جل وعلا : (  وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ (54) فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55)التوبة ).

2 / 2 : تكاسل عنها بعض المؤمنين فنزل التهديد والتحذير . قال جل وعلا : (  هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38) محمد )( وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) البقرة )

صيام رمضان

المقصد فيه التقوى ، وبدونها يصبح صيام رمضان مناسبة اجتماعية لممارسة اللهو والمجون ، ويصبح تحديد شهررمضان بالرؤية البصرية مجالا للتلاعب والأهواء السياسية . ومنشور لنا هنا كتاب عن الصيام وفتاوى كثيرة . وبإيجاز فان تدخل الدولة فى عبادة الصيام محظور وممنوع .

الحج للبيت الحرام

هو فريضة مدين بها الناس لربهم جل وعلا طالما كانت لديهم الاستطاعة . يكفى تدبر قوله جل وعلا : (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ (97) آل عمران ). ولقد انتهك الخلفاء الفاسقون حُرمة البيت والأشهر الحُرم ، هذا مع ان الله جل وعلا توعّد الذى يريد ـ مجرّد إرادة ـ إلحادا وظلما فيه بعذاب أليم ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) الحج ) ومنشور لنا كتاب عن الحج ومافعله فيه الخلفاء الفاسقون ومن تلاهم وحتى الآن .

القتال الدفاعى فى سبيل الله جل وعلا

لا إلزام فيه ، والأوامر فيه وعظية لمن يتكاسل عنه ،كقوله جل وعلا مهددا محذرا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38) إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ) (39) التوبة ) . رفض المنافقون الخروج دفاعا عن المدينة ، فكانت عقوبتهم حرمانهم من شرف الجهاد . قال جل وعلا:( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83) التوبة )

وهكذا تنتقل سلطة الإلزام في تأدية الفرائض من الدولة إلى شخص المؤمن نفسه  

ثانيا

حقوق العباد بالاسلام السلوكى

1 ـ الدولة الاسلامية ملتزمة بهذه الحقوق ، وهى  إجراءات عقابية وإجراءات اجتماعية اقتصادية..

2 ـ تعرضنا للعقوبات من قبل وأيضا لحقوق اليتيم ومستحقى الصدقات وفى الاحوال الشخصية فى الزواج والطلاق وفى الميراث .

3 ـ وطبقا للشورى الاسلامية فللدولة أن تسنّ قوانين فى جمع الصدقات وتوزيعها على مستحقيها وفى التجنيد الاحترافى ورعاية الأسرة وتطبيق الاحوال الشخصية وفى سائر حاجات الناس كالطرق والتعامل التجارى ..الخ . وتكون هذه القوانين متسقة مع المقاصد التشريعية الاسلامية ، والتى هو موضوعنا التالى .

التعليقات(2)

    Ben Levante  

وجهة نظر

 أولًا: علاقة الانسان بالخالق هي علاقة شخصية لا دخل لثالث بها، وهذا ما جاء تحت الإسلام العقائدي – هذا نتفق عليه.

ثانيًا: علاقة الإنسان مع الإنسان، وهذا يأتي حسب رأيكم تحت مفهوم الاسلام السلوكي، أنا أعتبره الإسلام الظاهري (من يدعي الإسلام). هنا يوجد قانون أساسي يُمنع المساس به ومخالفته، وهو عدم الإعتداء (الظلم يدخل تحت مفهوم الإعتداء)، تحت مفهوم الإعتداء يدخل المساس بشؤون أوحقوق الآخر. بكلمة إخرى، لا يحق لك أن تعتدي على أحد مسالم لم يعتد عليك. دون المساس بهذا القانون، يطبق القصاص على الأفعال التي ذُكر فيها قصاص في القرآن، أما غير ذلك فمتروك للناس، وأمرهم شورى بينهم.

ثالثًا: بما يتعلق بالزنا وايتاء الفاحشة التالي: بالنسبة للآية 2 من سورة النور (الزاني والزانية)، لم يأت هنا ذكر لشهود، فذكر الشهود جاء بعد ذلك في الآية 4، ويتعلق برمي المحصنات. هنا يطرح السؤال التالي نفسه: لماذا لم تذكر الشهود؟ في رأيي، لا داعي للشهود في الحالات الواضحة الجلية. مثال ذلك أن يقر الشخص بالقيام بالعمل، يعني هنا يتعاطى الزنا – لا يوجد عاقل يعترف بالقيام بالعمل ليتلقى العقاب، وإذا كان اعترافه يتضمن توبته، يسقط العقاب أصلًا عنه. بذلك نستطيع تفهم الآية 3 من السورة (الزاني لا ينكح إلا زانية..)

رابعًا: الآيتان 15 و 16 من سورة النساء تذكران الفاحشة بشكل عام وليس الزنا بشكل خاص، والآية 15 تفتترض وجود أربعة شهود، والكلام هنا عن نساء فقط (هذا مهم جدًا، فالزنا يقتضي وجود رجل وامرأة). الزنا هو فاحشة (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ‎﴿الإسراء: ٣٢﴾)، لكن في اعتقادي ليس كل فاحشة زنا (وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا ‎﴿النساء: ٢٢﴾‏)، هنا ذكر للنكاح، والنكاح لا يعني الجماع بعد. بالنسبة للآية 16 (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا ۖ...)، فما جاء عن لوط في عدة مواقع تبين الفاحشة هنا. ثم أن كلمة الفاحشة جاءت أحيانًا بالجمع (وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)، فلماذا الجمع هنا (فواحش) إذا كانت الكلمة تعني الزنى فقط؟  

2آحمد صبحي منصور      

شكرا استاذ بن ليفانت وأقول:

1 ـ موضوع الفواحش كان فى الموضوع السابق عن العقوبات .

2 ـ الفواحش كلمة عامة ، ونفهم المقصود المحدد منها خلال السياق الذى وردت فيه . على سبيل المثال : ( وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15)  المقصود بالفاحشة هنا هو الزنا . لم يأت لفظ الزنا لأنه لا يكون إلا بإثبات عينى ، أو بالتعبيرالقرآنى ( فاحشة مبينة ) . قال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) ً (19)  النساء ) ( يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) (1)  الطلاق )(  يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ) ً (30) الأحزاب ). الآية التالية من سورة النساء ( 16 ) هى قوله جل وعلا ( وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً (16)  النساء ). الفاحشة فيها هى الشذوذ بين الذكران .

3 ـ الشهود فى سورة النور يتعلق بكل العقوبات . هذه وجهة نظرى .

القسم الثانى :

الباب الرابع : مقاصد التشريع الاسلامى

 الفصل الأول :

لمحة عن درجات التشريع الاسلامى

 أولا :

العبادات فى الإسلام وسائل وليست غاية، فالغاية من العبادات والفرائض الإسلامية هى التقوى أو تنمية الضمير وتربية الإحساس بخشية الله تعالى حتى تتجلى ثمرة العبادات فى حسن الأخلاق وحسن التعامل مع الناس. فالتقوى هى المقصد الأساسى للتشريع الإسلامى من عبادات وفرائض. وإهمال هذا المقصد التشريعى يجعل العبادات وسائل للرياء والفساد الأخلاقى والتجارة بالدين وسفك دماء الملايين .

ولتوضيح ذلك نضع هذه الحقائق القرآنية:

1- أن التشريع الإسلامى له ثلاث درجات: أوامر تشريعية تخضع لقواعد تشريعية وهى بدورها تخضع لمقاصد أو غايات أو أهداف تشريعية. أى أن المقاصد التشريعية هى التى تعلو على الأوامر التشريعية من عبادات وغيرها. ويكفى أن التقوى وهى أساس المقاصد التشريعية هى الهدف النهائى لكل العبادات، والعبادات مجرد وسائل للتقوى، يقول تعالى ﴿يَاأَيّهَا النّاسُ اعْبُدُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ وَالّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ﴾ (البقرة 21).

2 ـ والأغلب أن يأتى الأمر التشريعى مقترناً بقاعدته التشريعية، مثل قوله تعالى ﴿أقيموا الصلاة﴾، فلم يقل "صلوا" فى الأمر بالصلاة، بل أن ذلك لم يأت مطلقاً فى القرآن، وإنما جاء الأمر بالصلاة مقترناً بإقامتها والمحافظة عليها، وذلك يعنى أن الأمر بالصلاة يخضع لإقامتها والمحافظة عليها أى يخضع للقاعدة فى فرض الصلاة بأن تبتعد عن الفحشاء والمنكر، لأن ذلك معنى إقامة الصلاة، يقول سبحانه وتعالى ﴿َوأَقِمِ الصّلاَةَ إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (العنكبوت 45) لذلك فإن الذى يصلى ولا ينتهى عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له، وبعد القاعدة التشريعية (إقامة الصلاة) يكون المقصد النهائى وهو التقوى هدفاً عاماً لكل العبادات مثل الصوم ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ﴾ (البقرة 183) وفى الحج ﴿الْحَجّ أَشْهُرٌ مّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنّ الْحَجّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوّدُواْ فَإِنّ خَيْرَ الزّادِ التّقْوَىَ وَاتّقُونِ يَأُوْلِي الألْبَابِ﴾ (البقرة 197).

ثانيا :

1 ـ التشريع السُّنّى تجاهل مقاصد التشريع.. واستغرق فى تفصيلات وهمية وخيالية .

2 ـ وخطورة التجاهل لمقاصد التشريع والتركيز على الأوامر فقط أنه يوقع الناس فى الفساد الخلقى بكل أنواعه، وذلك ما أشار إليه القرآن الكريم. فالمنافقون كانوا يصلون ولا يقيمون الصلاة، ويدفعون الزكاة ولا يؤتون الزكاة. وكانوا بذلك الرياء يظنون أنهم يخدعون الله تعالى والذين آمنوا، فقال عنهم رب العزة جل وعلا ﴿إِنّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوَاْ إِلَى الصّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىَ يُرَآءُونَ النّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (النساء 142) ولذلك منع الله تعالى النبى من أن يأخذ منهم الصدقات لأنها غير مقبولة عند الله تعالى، فقال تعالى ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لّن يُتَقَبّلَ مِنكُمْ إِنّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ. وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاّ أَنّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصّلاَةَ إِلاّ وَهُمْ كُسَالَىَ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (التوبة 53: 54). ولذلك فإن رب العزة جل وعلا لا يقبل من العمل الصالح إلا ما كان منه خالصاً لوجه الله سبحانه وتعالى، وإذا كان صدقة فلا بد أن يكون من مصدر حلال يقول تعالى ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ الأرْضِ وَلاَ تَيَمّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ غَنِيّ حَمِيدٌ﴾ (البقرة 267). وبذلك فإن القرآن يقطع الطريق أمام المتاجرين بالدين الذين يجمعون المال الحرام ثم ينفقون منه جزءاً على إقامة المساجد وعلى أداء فرائض الحج لأن ذلك خداع لله سبحانه وتعالى وللمسلمين. والأولى بهم أن يتقوا الله تعالى فى عباداتهم وفى تعاملاتهم مع الناس، لأن التقوى هى المقصد الأساسى للتشريع وكل العبادات والأوامر التشريعية مجرد وسائل لها.

3 ـ والواضح أن التركيز على العبادات وبترها عن الهدف الأصلى والمقصد التشريعى يجعل من هذه العبادات رياء وفساداً. وذلك ما نعانى منه الآن، حيث ينتشر التدين الزائف ومظاهر التدين السطحى جنباً إلى جنب مع الغش والفساد والانحلال، وحيث يسود الاتجار بالدين والتمسح باسم الإسلام فى كل أنواع التجارة الاقتصادية والسياسية، وحيث تنتشر فى الأسواق الأيمان أو الأقسام الكاذبة بالله سبحانه وتعالى، وهذا ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه، أن يتدخل التدين السطحى فى التجارة فتتحول إلى أكل لأموال الناس بالباطل، يقول سبحانه وتعالى ﴿إِنّ الّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الاَخِرَةِ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران 77) ويقول سبحانه وتعالى محذراً من استخدام اسمه العظيم فى دنيا التجارة ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾.. ﴿وَلاَ تَتّخِذُوَاْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾.. ﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ (النحل 91، 94، 95). تطور الأمر من مجرد التجارة فى الأسواق الى خداع الناس بالاسلام للوصول للحكم أو الاحتفاظ به . وتأسست لدى المحمديين ثنائية الفرعون والكاهن ، وقد شرحنا هذا فى كتابنا ( تحذير المسلمين من خلط السياسة بالدين ).  

ثالثا :

1 ـ فى موضوع زى المرأة وزينتها نزلت آية سورة النور . قال جل وعلا : ( وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) . هنا أوامر للرجال والنساء بغضّ البصر . يعنى الوجه للرجال والنساء مكشوف بلا نقاب. ثم الخمار للنساء له حدود على الصدر ، ويبقى شعر الرأس مكشوفا ، فهو من  الأعضاء التى يجب مسحها فى الوضوء ( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ) المائدة 6 ). بالوجه يتعارف الناس ، ولقد كان وجه النساء معروفا مألوفا ، فقد قال جل وعلا للنبى محمد ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ )  (52) الأحزاب ). و الحُسن فى الوجه .

2 ـ وبالوجه تكون شهادة الرجل والمرأة والنشاط التجارى والسياسى ، وفى دولة المدينة كانت حرية الدين والحرية السياسية مكفولة لكل المواطنين رجالا ونساءا ، وإعتاد المنافقون والمنافقات تسيير مظاهرات تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف، قال جل وعلا :( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (67) التوبة ). وردا عليهم إعتاد المؤمنون والمؤمنات تسيير مظاهرات تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر . قال جل وعلا : (  وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) التوبة ).

3 ـ الغريب أن أسواق الجوارى فى عصور الخلفاء الفاسقين كان يتم عرض الجوارى ( الحسناوات ) شبه عاريات ، ويكون للمشترى أن يفحص من جسدها ما يشاء . هذا فى الوقت الذى تسلل فيه النقاب يغطى وجه المرأة . أى إن الأمر بالخمار على الصدر دون الوجه وشعر الرأس جرى إلغاؤه ، وحلّ محلّه النقاب مصطحبا معه الدعوة للانحلال الخلقى تستُّرا بالنقاب . ومنشور لنا كتاب عن الانحلال الخلقى فى مصر العصر المملوكى حيث تسيّد الانحلال الخلقى مصطحبا النقاب . ولا يزال هذا سائدا حتى الآن .

4 ـ المهم أن أوامر غضّ البصر والحشمة كانت مجرد أوامر تخضع لقاعدة تشريعية هى التوبة ، وهذا ما جاء فى نفس الآية من سورة النور ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ) وبعده المقصد التشريعى : ( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ). الفلاح يعنى التقوى ، والتقوى هى المقصد الأعلى .

رابعا :

1 ـ ونفس الحال فى فريضة الجهاد وتشريع القتال، فالأمر بالقتال يأتى مقيداً بأن يكون القتال فى سبيل الله جل وعلا ، بمعنى أن يكون لمجرد الدفاع عن النفس ورد الاعتداء بمثله، يقول تعالى ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ﴾.. ﴿فَمَنِ اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ﴾ (البقرة 190،194). ومع أن التقوى هى المقصد الأساسى والنهائى لكل الأوامر التشريعية والعبادات ومنها الجهاد والقتال، إلا أنه فى القتال بالذات يضاف مقصد تشريعى فرعى خاص وهو أن يكون القتال بهدف منع الفتنة أو الإكراه فى الدين، وحتى يكون الدين لله تعالى خالصاً يحاسب البشر على أساس حريتهم فى العقيدة وحتى لا تكون لهم حجة بأن هناك فى الدنيا من أكرههم أو منع حريتهم فى الاختيار، وذلك معنى قوله تعالى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ للّهِ﴾ (البقرة 193)، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ كُلّهُ لله﴾ (الأنفال 39) والفتنة فى مصطلح القرآن تعنى الاضطهاد الدينى أو الإكراه فى الدين فيما يخص التعامل بين الناس. أما معناها فيما يخص علاقة الله تعالى بالبشر فتعنى الاختبار والامتحان والابتلاء.

2 ـ الأخطر فى موضوع الجهاد، حين يتم التركيز على الأمر ﴿وقاتلوا﴾ وننسى القاعدة فِي ﴿سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَاْ﴾ وننسى المقصد التشريعى الأصلى وهو التقوى ، فإذا تم التركيز على الأمر وحده ﴿قاتلوا﴾ تحول الجهاد الإسلامى إلى إرهاب وقتل للأبرياء من الأقباط المسالمين والسياح الضيوف الزائرين. وهذا ما وقع فيه المتطرفون خريجو المدارس والجامعات، حين تعلموا التركيز على الأوامر والعبادات دون المقاصد التشريعية، فكان أن تحولوا إلى الإرهاب يقتلون النفس البريئة التى حرم الله تعالى قتلها، وهذا أفظع جريمة . يقول جل وعلا عن قتل مؤمن مسالم : ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً (93) النساء). هذا عن قتل فرد واحد فكيف بقتل الملايين عبر القرون . بل إن المقاتل فى جيش معتد إذا نطق بكلمة السلام وجب حقن دمه . قال جل وعلا فى الآية التالية ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (94)  النساء ) . وهذا المقاتل فى جيش معتد إذا إستجار فيجب إجارته وتوصيله الى مأمنه بعد إسماعه كلام الله جل وعلا القائل : ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ(6)  التوبة ).

خامسا :

على النقيض تمام حال المحمديين الآن :

1 ـ أصل الفساد فيما ارتكبه الخلفاء الفاسقون فى الفتوحات وغزو من لم يعتد عليهم ، بل بلاد وأُمم لم تسمع بالعرب من قبل . باسم الاسلام هجموا عليهم وقتلوا الأبطال المدافعين عن أوطانهم وأقوامهم ، وإسترقوا نساءهم وأطفالهم ونهبوا ثرواتهم ، واحتلوا بلادهم وفرضوا الجزية عليهم . وحين إختلفوا تحاربوا فيما يعرف بالفتنة الكبرى ، وكل فريق يزعم انه يُمثّل الاسلام ، ووصلت الاستهانة بالاسلام الى رفع المصحف فى معركة صفين على أسنّة الرماح خداعا. وتمت صياغة تشريعات لاحقة فى الأديان الشيطانية التى نبتت وترعرعت فى دول الخلفاء الفاسقين ، ومنها حديث ( أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ..).

2 ـ تربى أطفال المدارس فى الجزائر على الفقه السنى فلما شبوا وأصبحوا قادرين على القتل تحول شهر التقوى شهر الصيام عندهم إلى مناسبة لذبح الأطفال والنساء والشيوخ فى القرى الجزائرية باسم الاسلام . ثم ما ترتكبه داعش واخواتها من قتل للأبرياء على انه جهاد وعبادة . ومنشور لنا كتاب بالعربية والانجليزية عن دين داعش الملعون .

3 ـ ونرى حماس الآن تتخذ من سكان غزة دروعا بشرية ، تضرب وتختفى فى انفاقها تاركة الشيوخ والنساء والأطفال للقنابل الاسرائيلية . وما أغنت عنهم أنفاقهم شيئا .

4 ـ جهاد المحمديين هو كفر خسيس ربما يخجل منه إبليس.  

أخيرا

ليس مثل الاسلام دين ظلمه المنتسبون اليه .

الفصل الثانى:

( التقوى ) هى المقصد الأصلى والأساس فى تشريع القرآن

 1 ـ تشريعات البشر فى أحسن حالاتها تقوم على الضبطية القضائية ، والتى تعنى أن المتهم برىء حتى تثبت ادانته . ولذلك يتفنن المجرمون فى التخطيط للجريمة الكاملة التى يخرجون منها شرفاء. ولأن تشريعات البشر تقوم على قوانين صنعها البشر فإن فى إمكان البشر أنفسهم اختراق تلك القوانين والتحايل عليها والتلاعب بها لتصبح مجرد سطور على أوراق . وبذلك تضيع العدالة ويتفشى الظلم بين أحضان القانون ، هذا مع افتراض أن القانون المكتوب عادل فى حد ذاته ؛ فما بالك بوجود قوانين جائرة أو وجود مبدأ غير مكتوب يؤمن بأن البرىء متهم حتى تثبت براءته .ان العظمة الحقيقية لتشريعات الاسلام أنها تربى فى داخل الإنسان الإحساس بمسئوليته أمام الله فى الدنيا وفى الآخرة قبل أن يكون مسئولا أمام إنسان مثله .وهذا الاحساس بمسئولية الإنسان أمام ربه إسمه فى القرآن الكريم  ( التقوى) . 

2 ـ فما هو أسلوب القرآن الكريم في زرع وتنمية التقوى في قلب الإنسان؟

2 / 1 ـ يبدأ ذلك بتأكيد قيمة الإنسان نفسه في هذا الكون وقيمة الهدف من حياته في الدنيا. وليس هناكأعظم من أن يكون خلق السماوات والأرض وسيلة لوجود الإنسان واختباره في هذه الحياة. يقول سبحانه وتعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)(هود /7 ) . إن كل هذه النجوم والمجرات والبروج التى يتوه العقل في مجرد تخيلها ليست إلا مجرد مصابيح للسماء الأولي: (وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) (فصلت/ 12 )( وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ ) (5) الملك ). إذن ما هى السماوات السبع ذاتها؟ ثم أي تقدير وتعظيم لشأن الإنسان في أن تكون السماوات السبع ومصابيحها مخلوقة لمجرد أن يتم بها اختيار الإنسان في فترة حياته على الأرض وهى قصيرة ولكن لا يمكن أن تكون تافهة. لذا فالمؤمن مأمور بالتفكر في خلق السماوات والأرض لكي يدرك قيمته في هذا الكون وخطورة المسئولية التي يحملها:( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)( آل عمران  /190: 191)."

2 / 2 : وحين القيامة سيتم تدمير كل ذلك النظام الكوني ويبدأ نظام كوني جديد وفيه يكون لقاء الله جل وعلا ، حيث يواجه كل بني آدم نتيجة أعمالهم في الدنيا: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)( ابراهيم / 48) .

2 / 3 : لقد خلق الله جل وعلا للإنسان كل ما في الأرض وما في السماء: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا )( البقرة/29 )، (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)(الجاثية / 13 ). وذلك التكريم لابد أن تقابله مسئولية سيواجهها الإنسان يوم الحساب. يكفى قوله جل وعلا  لأهل النار:(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ )( المؤمنون/115 ). وهكذا فإن خلق السماوات والأرض إنما هو لأجل الإنسان وتدميرهما إنما هو لحساب الإنسان.

3 ـ فما هو السبب في خلق الإنسان نفسه؟: انها العبادة :( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) ( الذاريات /56 ). والعبادة في حد ذاتها ليست هدفاً وإنما هي وسيلة لشيء أعظم وهو التقوى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )( البقرة /21 ).والعبادة ليست مجرد الصلاة والفرائض وإنما هى جميع التكاليف من معاملات مع الله جل وعلا ومع البشر. كل أنواع العبادات هدفها الأسمى تنمية الإحساس بالتقوى.

3 / 1ـ الصلاة وذكر الله وسيلة للابتعاد عن المعاصي-  أو التقوى :( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ )( المجادلة /45 )، وطالما أن الله يعلم أفعالنا فينبغي أن نتقيه ونخشاه.

3 / 2 ـ الصيام هدفه التقوى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (  البقرة/183).

3 / 3 ـ وفي موسم الحج يراعى الحاج تقوى الله في قلبه وفي سلوكه حتى أن الله ليؤاخذه بالعقوبة إذا أراد- مجرد النية- الوقوع في المعصية:(وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)( الحج / 25 ).

3 / 3 ـ والمتقى حين يعطى الصدقة يغلب عليه ابتغاء وجه ربه الأعلى : (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى  ) ( الليل / 20 )،  وتلك هي الدرجة العليا في التقوى.

3 / 4 ـ  فى القتال الدفاعى الاسلامى لابد من التحلي بالتقوى حتى يكون الله جل وعلا معهم في دفاعهم عن أنفسهم : (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ )( البقرة /194 ).وحين يقاتلون المشركين المعتدين كافة لابد من مراعاة التقوى : (وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ  ) (التوبة /  36 ). وعند عقد معاهدة مع المشركين المعتدين لكف عدوانهم فلابد من الالتزام ببنودها طالما التزم بها المشركون ولابد مع ذلك من مراعاة التقوى : (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ )( كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ )( التوبة /4، 7.).

3 /5 ـ والتقوى هى الهدف من تشريع القصاص:(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ( البقرة /179 ) ..

3 /6 :والتقوى هى الهدف من تحريم ربا التجارة ذى الفائدة المركبة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (  3/130 : 131)..

3 /  7 ـ وفي التعامل الخاص بين الزوجين لابد من التقوى والتذكر بأننا لابد أن نلقى الله فيحاسبنا حتى على خصوصياتنا: ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (223) ( البقرة )

3 / 8 : وفى تشريعات الأحوال الشخصية تبرز التقوى وعظا . يقول الله جل وعلا : (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) ( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)( البقرة  /231: 232 ) .وهنا نلاحظ أن عبارة التشريع جاءت موجزة بينما جاء التحذير من الله واليوم الآخر مفصلاً . ونحو ذلك في أوائل سورة الطلاق :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا   )

4 ـ إن ربنا جل وعلا ينمى فينا الإحساس بالتقوى ، حين يجعلها مقياسا إلاهيا وحيدا . يقول جل وعلا للبشر جميعا :(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )( الحجرات /  13 ).فإذا كان المقياس عند البشر هو أن أكرمكم هو (أغناكم أو أقواكم) فذلك ما لا ينبغى عند المؤمن الحريص على تقوى الله والذي يعمل على أن يكون أكرم الناس عند الله جل وعلا إذا كان أتقى الناس لله جل وعلا . وقد يكون في مقياس البشر أن فلاناً هو أعظم الناس بسبب اعتبارات سياسية دنيوية بينما هو كتلة متحركة من الفساد والبغى والعدوان والطغيان وظلم الناس وظلم رب الناس حيث يكون الشرك أعظم الظلم، وهو بهذا عند الله من شر الدواب ، وهكذا ينبغى أن يكون المقياس أيضاً عند المؤمن : (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ )(  إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ ) (  الأنفال / 22، 55.).

5 ـ وهكذا يتحرى المؤمن أن يضبط إيقاع حياته وتفكيره على أسس التقوى فلا يفكر إلا في إرضاء الله جل وعلا ، ولا يتصرف إلا فيما يقربه من الله جل وعلا ، ولا يجتنب إلا ما يغضب الله جل وعلا ، وجدير به حينئذ أن يكون "الإنسان الكامل" الذي تخيلته كتابات المفكرين والفلاسفة . على أن هذا "الإنسان الكامل" ليس يوتوبياً خيالية ولكنه واقع موجود دائماً وقابل للتكرار بدليل أنه صالح لدخول الجنة التي لا يدخلها إلا المتقون.يقول الله جل وعلا :( تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً (63) مريم ) . وبعد أن قال جل وعلا : (  وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا  )   قال في المقابل : (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ) ( الزمر / 71، 73 ). لم يقل "وسيق الذين آمنوا إلى الجنة" لأن الإيمان وحده دون تقوى لا يجدي.

  ـ الخلاصة :

1ـ  خلق الله السماوات والأرض للبشر جميعاً كى يختبرهم، ثم يأتي تدمير العالم وقيام عالم جديد يتمتع فيه المتقون فقط ويخسر غيرهم.

2ـ إن المقصد الأساسي والأصلي من التشريع القرآني هو تنمية الشعور بالتقوى في نفس المؤمن،  وبالتقوى يمكن الحدّ من الظلم ، وتأمين حقوق الانسان ، وحفظ كرامته ، والسمو بأخلاقياته .

3 ـ المتقى لا يحتاج إلى قوانين كثيرة أو إلى "إسهال تشريعي" يفرز قوانين كل يوم، ولذلك فإن التشريعات القرآنية محددة وبسيطة وفيها مساحة للاجتهاد والحرية الإنسانية كى تتحرك وتتطور. بينما مجال العقوبات فيها أضيق لأن الحساب يوم القيامة رهيب والعذاب فيه فظيع وذلك ما لا يعقله إلا المتقون.

4ـ ولأن ذلك المتقى يخشى الله ويرجو اليوم الآخر فهو يدرك أن مسئوليته الشخصية الحقيقية ستكون أمام الله يوم القيامة بغض النظر عن موقعه في الدنيا حاكماً كان أم محكوما  رئيساً أم مرءوساً..

5ـ  إن الإنسان قد يتحايل على القوانين الوضعية التى سنها إنسان مثله، اما إذا تحلى الإنسان بالتقوى فلا يمكن أن يخادع الله وهو يعلم أن الله أقرب إليه من حبل الوريد يحصى عليه أنفاسه وخطرات قلبه وفلتات لسانه ، ثم يأتى يوم القيامة فتصحبه للحساب الملائكة التي كانت تسجل عليه حركاته وسكناته وكلماته : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) ( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ) ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ)( وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ) ( لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)  ) ( ق/ 16: 21  ).

 6ـ المتهم برئ أمام القانون البشرى العادل طالما لم يضبط في حالة تلبس.أما أمام الله جل وعلا فهو مجرم طالما  ارتكب الخطيئة سراً أو جهراً . الآيات كثيرة ، منها قوله جل وعلا :(أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى )(  العلق/14 )، (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ ) ( النساء / 108).والمتقون فقط هم الذين يراقبون الله ويعلمون أنه يراهم وأنه سيحاسبهم.( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (  المجادلة / 7  ).

7 ـ من التقوى ـ المقصد الأعظم والأساس ــ تنبع المقاصد الفرعية التالية .

الفصل الثالث : المقاصد العامّة والفرعية

   أولا : المقاصد العامة:

1 ـ هى : التيسير ودفع الضرر ورفع الحرج .

  وآيات القرآن الحكيم قد أثبتت أن التيسير ورفع الحرج من مقاصد التشريع ؛ يقول جل وعلا : (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)( البقرة /185) والتيسير يعنى التخفيف (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا)( النساء/28) (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ.) ( البقرة /178) .

2 ـ ومن التيسير والتخفيف مراعاة ظروف المسلمين إذا انشغلوا بالجهاد والسعى فى سبيل الرزق فيمكن لهم حينئذ أن يتخففوا فى قيام الليل . قال جل وعلا :(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ.) المزمل /20) .

ـ وحين يكون هناك حصار يمنع تأديه الحج يقول جل وعلا :(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي ) البقرة /196).

ـ ومن قرن الحج بالعمرة يقدم ما تسير له من الهدى (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ. ) البقرة /196)

3 ـ أما رفع الحرج فهو مقصد هام من مقاصد التشريع ، يقول جل وعلا : (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) الحج /78) .

ـ لذلك فان التكليف هو على قدر الطاقة . يقول جل وعلا : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا 2/286) (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) المؤمنون /62) (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ) الطلاق /7)

ـ وفى تشريع التيمم يقول جل وعلا:(مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ) المائدة /6).

ـ وفى الجهاد والإستئذان يقول جل وعلا : (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ. ) النور  /61؛ الفتح /17) ...

ـ ولا نفقة على المعسر فى الجهاد يقول جل وعلا : (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) التوبة 91) بل جعلهم محسنين ...

ـ ومنه استجلاب المنفعة الحلال التى لا حرج عليها مثل التجارة فى الحج .يقول جل وعلا : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُم.) البقرة /198) .

ـ وأن تشترى الزوجة الطلاق من زوجها (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) البقرة /229) .

ـ وأن يسترجع الرجل مطلقته فينكحها بعد التطليقة الثالثة وطلاقها من الزوج الآخر وانتهاء عدتها منه إن كان لها عدة . يقول جل وعلا : (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) البقرة /230).

 ـ أو أن يدخل المسلم بيوتا غير مسكونة بلا إستئذان. يقول جل وعلا : (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ ) النور /29)

ـ الظروف الطارئة مثل المطر أو المرض حين صلاة الخوف. يقول جل وعلا : (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ) النساء /102) .

ـ والنسيان عموما. . يقول جل وعلا : (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) البقرة  /286)  

 4 ـ ومن التيسير الإعتراف بالتراضى بين الطرفين .

ـ مثل الفطام للطفل ابن المطلقة . يقول جل وعلا : ( فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما)( البقرة /233) .

ـ ومثل أى اتفاق بالتراضى فى عقد الزواج بعد الاتفاق على موضوع الصداق المفروض شرعا للزوجة : . يقول جل وعلا : (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) النساء /24) .

ـ وتنازل الزوجة عن بعض صداقها عن طيب خاطر . يقول جل وعلا : (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) النساء /4).

 ـ بل أن تشريع القرآن يجعل من التراضى مسوغا شرعيا يبيح المحظور فى التجارة ويستثنيه من الحرمة يقول جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم ) النساء /29)

5 ـ والمشورة من سمات التراضى ويبدأ التراضى بالتشاور، وذلك ما نفهمه من قوله جل وعلا : ( فإن ارادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما )( البقرة 233) .

ـ والشورى أو التشاور من أساسيات  التشريع القرآنى : (آل عمران/159) ( الشورى  /38) .

ـ ومثل التشاور رغبة الإصلاح خصوصا فى الخلافات الزوجية. . يقول جل وعلا :  (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا:  النساء /228).

ـ ويقول جل وعلا عن الحكمين فى خلافات الزوجين (إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا:النساء /35).

 6 ـ والتراضى يعنى عدم الضرر والإضرار .

ـ ومبدأ ( لا ضرر ولا ضرار) من مقاصد الشريع القرآنى .

ـ ويقول جل وعلا فى تشريع الرضاعة (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ) (البقرة /233).

 ـ وفى تشريع الميراث :(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارّ.)(  النساء  /12).

ـ وفى تشريع الوصية عند الموت :(فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ  عَلَيْهِ ) (البقرة /182).

ـ وفى حصانة الكاتب والشهيد على العقود :( ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم ) البقرة/282.

ـ وفى تشريع الطلاق ومسكن الزوجة المطلقة أثناء العدة :(أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ:)  الطلاق /6) .

ـ وأذا اعاد زوجتة أثناء العدة وأسكنها فلم يسرحها فلا ينبغى أن يفعل ذلك بقصد الإضرار بها والإنتقام منها :(وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) البقرة : /231) .

ـ ومن الإضرار منع المرأة بعد طلاقها وتسريحها من أن تتزوج أو أن تعود إلى زوجها السابق ، و ذلك ما يعرف بالعضل وهو حرام ، يقول سبحانه وتعالى :(وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ :  البقرة /232) .

7 ـ وبذلك تكررت الأوامر بالعدل والقسط فى التعامل بين الناس :( قل أمر ربى بالقسط ) الأعراف /29) ، (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ: النساء /58) (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين : المائدة /42) ( وأمرت لأعدل بينكم : الشورى /15 ) ،والعدل حتى بين الأقارب والأعداء ( يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين:النساء /135) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ: المائدة /8) (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى: الانعام /152) .

 ـ والعدل بين الزوجات وجعل ذلك شرطا اختياريا فى حالة التعدد :( فإن خفتم الا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ايمانكم ) النساء /3) (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ: النساء /129)  

ـ وفى المعاملات المالية والشهادات :( وليكتب بينكم كاتب بالعدل) ( فأن كان الذى عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل ) البقرة /282) .

ـ وحتى فى المعاملات الدولية :(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين:  الحجرات /9)

ـ وأذا كان ذلك بين الدول الأسلامية فهو أيضا فى التعامل مع المشركين المسالمين :(لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين:   الممتحنة /8)

ـ وفى إيجاز بليغ عن قيمة العدل والقسط يقول جل وعلا :تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ: 57/25) فإقامة القسط مقصد من انزال الرسالات السماوية جميعا .

 ثانيا : المقاصد الفرعية:  

 1 ـ فى الصلاة  يقول جل وعلا : (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) :العنكبوت /45).

ويقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاة  ) البقرة /153) أذن فالصلاة وسيلة للابتعاد عن الفحشاء والمنكر ؛ وعند الأزمة فالمؤمن يستعين بالصبر وبالصلاة وليكون قريبا من مولاه العلى العظيم وهو مع الصابرين .

2 ـ وهناك مقاصد فرعية متنوعة من تشريع القتال . وهو على مراحل:

ـ الأولى : رد العدوان ؛ ويأتى التعليل والهدف أو المقصد فى ذلك التشريع وهو التعرض للظلم ووقوع العدوان والاخراج والطرد من البيوت ،يقول جل وعلا : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا الله: الحج /39؛40) ...

ـ وفى التفصيلات يبرز مقصد آخر ، وهو منع الفتنة فى الدين ،أو الاكراه فى الدين ، يقول جل وعلا : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِين: البقرة /193) (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كله لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فإن الله بما يعملون بصير: الانفال /39) .  أذن من مقاصد القتال منع المعتدين المجرمين المشركين من اضطهاد المستضعفين من المؤمنين المسالمين حتى يكون الدين كله لله يحكم فيه وحده يوم الدين ،أو يوم القيامة. وإذا إنتهى إعتداؤهم توقف القتال الدفاعى .

3 ـ فى الزكاة مقاصد شرعية كثيرة منها: التطهير والتزكية . يقول جل وعلا : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بها: التوبة /103)

 4 ـ وتشريع الوضوء : (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ) المائدة /6)  

5 ـ تحريم الرشوة  يقول جل وعلا :(وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون:2/188) فوصف الرشوة بأنها أكل للأموال بالباطل وبالأثم ، وذلك هو المراد من تحريمها .

6 ـ   تحريم الخمر والميسر يقول جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُم تفلحون إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ:5/90؛91) ويكفى فى مقصد تحريمها الإبتعاد عن الشيطان ومكائده.....

7 ـ وفى تحريم الزنا: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ) (الاسراء /32) ووصف الزنا بأنة "ساء سبيلا " أبلغ بيان فى خطورته على المجتمع.

8 ـ والأمر بغض البصر وعدم النظر المحرم للنساء :(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ: 24/30) ، فالمقصد هنا هو التزكية والتطهر والعفة الخلقية .

9 ـ وفى تشريع الأستئذان يقول جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُم تذكرون) ( فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم:) النور/27؛28) أى أن الهدف هو الخير أو هو الأزكى خلقيا....

10 ـ وقد يكون فى المقصد التشريعى اعجاز خفي يظهر فيما يعد . كما فى قوله تعالى فى بدايه سورة النور (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ: 24/1؛2) فوصف رب الغزة سورة النور بأنه قد فرض الله آيات بينات لعلنا نتذكر وبعدها جاء عقاب الزناة بأنه الجلد لا الرجم . وبسبب أن تشريع الرجم أضيف فيما بعد فإن الآية الأولى فى السورة تذكرنا بالعقاب الحقيقى للزناة فى قوله تعالى (لعلكم تذكرون . ) .

ولم نتذكّر .!!

الخاتمة

 خاتمة مختصرة لكتاب ( الشريعة )

أولا :

1 ـ قلنا إن هذا الكتاب كان  مخطوطا أتممته بعنوان ( شريعة الله وشريعة البشر )، وحين إقتحموا بيتى لاعتقالى فى نوفمبر 1987  صادروا هذا الكتاب المخطوط . وظل حُلما أن أعيد من الذاكرة تاليف هذا الكتاب. وواضح أننى كتبته بتلقائية ، فما قلته فى المقدمة تغيّر، لأن البحث هو الذى يفرض أولوياته . كما إنه لا يخلو من التكرار فى بعض الموضوعات ، ولا أعتذر عن هذا ، لأننا نكتب فى الوعظ والاصلاح ، ونحتاج الى التذكير لإيقاظ الغافلين ، لعلّ وعسى . وقد تعلمنا هذا من منهج القرآن الكريم فى الوعظ .

وبعد كل التفصيل الذى ذكرناه يتضح التناقض التام بين شريعة الاسلام وشريعة السنيين . وسبق التعرض لأجزاء من هذا الموضوع فى كتابنا عن الدولة الاسلامية ، وفى كتاب آخر ضخم لا تزال مقالاته المنشورة لم نجمعها فى كتاب بسبب ضيق الوقت وضعف الجهد ، إنه عن التناقض فى تشريعات المراة بين الاسلام والفقه السنى الذكورى. مشكلتنا فى إتمام ما لم يتم إستكماله . والله جل وعلا هو المستعان .  

2 ـ مشكلة الأحبّة الذين يقرأون لنا هو آلاف المقالات والكتب والفتاوى والفيديوهات المنشورة لنا . نعذرهم . ونرجوهم أن يساعدوا بقدر المستطاع فى نشرها فى الآفاق ، لنتشارك فى جهادنا السلمى فى التنوير وفى تبرئة الاسلام من جرائم المحمديين ، الذين يزعمون الايمان بالاسلام ، ويتخذون إسمه العظيم فى حرب الاسلام العظيم . قال جل وعلا : ( وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ) (20) المزمل ).

3  ـوكالعادة أقول : إنها وجهة نظر بحثية ، ميزتها أنها رائدة . وكأى عمل رائد تحتاج الى النقاش النقدى ، وأن تصل الى الآفاق .  

ثانيا :

نحن وأئمة المحمديين خصوم .

1 ـ وجهة نظرنا أنهم ينطبق عليهم قول ربنا جل وعلا :

1 / 1 : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7) لقمان ) .

1 / 2 : ( تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (10) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11) الجاثية  )

1 / 3 : (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) البقرة ).  ونرجو أن تنطبق علينا الآية التالية : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) البقرة ).

2 ـ خصومتنا معهم فى الله جل وعلا :

2/ 1 ـ نحن نؤمن بالله جل وعلا وحده وليا وشفيعا ومالكا ليوم الدين والذى لا يُشرك فى حكمه أحدا ، ونحن لا نقدس بشرا ولا حجرا ، ونؤمن بالرسل جميعا بلا تفرقة بينهم . ونحن نؤمن بالقرآن الكريم وحده حديثا ، وأن بيان القرآن الكريم فى داخل القرآن الكريم ، وأن القرآن الكريم هو الأحسن تفسيرا للقرآن الكريم ، وأن القرآن الكريم هو الرسالة الخاتمة للبشرية قبل قيام الساعة ، وأنه الحق المطلق ، وأن ما نكتبه هو وجهة نظر تقبل الأخذ والرّدّ والنقاش .

2 / 2 ـ هم يؤمنون بالله جل وعلا إيمانا ناقصا ، إذ يؤمنون معه بآلهة من البشر ، أبرزهم ذلك الإله الوهمى الذى أسموه محمدا ، فضّلوه على الأنبياء وأعطوه التحكم فى يوم الدين ، ويحجون للقبر الرجسى المنسوب اليه فى المدينة . ولا يكتفون بهذا فعندهم آلاف البشر المقدسين ـ على إختلاف بينهم ، من الصحابة والخلفاء والأئمة . ولا تخلو مدينة من قبر مقدس اليه يحجون وبه يتبركون وعليه يعكفون ، ثم من هذا المستنقع الرجسى إفتروا أحاديثهم وشرائعهم ، وإختلفوا فيما إفتروه ، ولا يزالون فى تفرق وشقاق ، وهو أبرز علامات الدين الأرضى الشيطانى . قال جل وعلا : ( وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) الروم )( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) الانعام  ) ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159)  الأنعام )

3 ـ فى خصومتنا معهم يضطهدوننا لأننا نحتج عليهم بالقرآن الكريم الذى يكفرون به . خصوصا قوله جل وعلا للنبى محمد عليه السلام :

3 / 1 : ( قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 14 ) قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 15 ) مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 17 ) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( 18 ) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهِ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ( 19 ) الأنعام )

3 / 2 : (  وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 105 ) وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ ( 106 ) وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 107 ) يونس )

3/ 3 : ( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ ( 19 )  الزمر )

3 / 4 : ( قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ( 9 ) الأحقاف )

3 / 5 :( أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ (43) قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(44) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ(45) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون(48)الزمر )

 3 / 6 : ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُل لَّوْ شَاء اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (16) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ  (17 )وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ )( 18 ) يونس )

3 / 7 ـ ( تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيرًا ١ ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًۭا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌۭ فِى ٱلْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ فَقَدَّرَهُۥ تَقْدِيرًۭا ٢ وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةًۭ لَّا يَخْلُقُونَ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًۭا وَلَا حَيَوٰةًۭ وَلَا نُشُورًۭا 3  ( الفرقان )

 3 / 8 : (  وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (19) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (20) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (22) إِلاَّ بَلاغاً مِنْ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً (23) الجن )

3 / 9 ـ ( وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ( 27 ) الكهف )

 4 ـ نتذكر قول ربنا جل وعلا عن هذه الخصومة : ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنْ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24)  الحج )

ودائما : صدق الله العظيم .

سبرنج فيلد/ فيرجينيا / الولايات المتحدة

فى  28 أبريل 2025