مكتبة منصور أرشيف دائم
EN / AR
الكتب 2024

( أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية ).

الفهرس

فهرس كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية

الفصل الأول : أثر التصوف في ازدهار العمارة الدينية والتعمير فى مصر المملوكية

  التصوف وحركة التعمير فى مصر المملوكية.. 

 أنواع المؤسسات الصوفية وأشهرها ..مدخل عن تعريفات المؤسسات الصوفية  :

 أهم المؤسسات الصوفية في مصر المملوكية : الخوانق ـ الزوايا ــ  الرُبــــــــــط  ــ التربــــــــــــــــــــةـ

   الأضرحة ـ الأضرحة المزورة ــ  المساجد والجوامع .

 الفصل الثانى  :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )

فى العلم :  مدخـــل :ـــ

 متصوفة العصر المملوكي والعلم و نظرتهم للعلم والعلماء : ــ

 التقييم العلمي لكبار الصوفية المملوكيين وتأثر الفقهاء علميا بالتصوف

أثر التصوف  فى تدهور المستوى العلمى فى العصر المملوكى

 أثر التصوف  فى الاتجاهات ( العلمية ) فى العصر المملوكى

فى العلوم

 أثر التصوف فى (التفسير) في العصر المملوكي :

الصوفية و الحديث : تزييف ( الحــــديـث ) فى العصر المملوكى ، تقديس البخارى فى العصر المملوكى : نقد حديث ( من عادى لى وليا .. )، طائفة من ( الأحاديث) الصوفية فى العصر المملوكي,

(الوضع في التاريخ )

فى التعليم : أثر التصوف فى الحركة التعليمية :مدخل :

  التعليم ومؤسسات الصوفية..: التعليم في الخوانق:ـــ التعليم في الجوامع :ـــ التعليم للصوفية في الجامع الأزهر :ـــ الزوايا  ـ الرباط :ــ التعليم في المشاهد والترب والقباب ( الأضرحة ):ــ  شيوخ الصوفية والتعليم المملوكى :     التدريس في المؤسسات الصوفية كمنصب : ــ الـمــيـــعــــــــــاد :  ـ الصوفية   معلمون :ـــ  المؤلفات العلمية التى تعلمها الطلبة  ــ اثر التصوف فى انحدار التعليم  .

اثر التصوف فى المكتبات  المملوكية : المكتبات فى مصر المملوكية فى المؤسسات الصوفية.  

تربية الأطفال فى المؤسسات الصوفية فى مصر المملوكية . الصوفية مؤدبو أطفال خارج المؤسسات الصوفية . اقراء الأطفال في المؤسسات الصوفية .

أثر التصوف فى الأدب المملوكي : مدخل :ــ    

أثر التصوف في النـثــر : ...

 أثر التصوف في القصة في العصر المملوكي : ..

 أثر التصوف في الشعر في العصر المملوكي :  الأغراض ـ في الأسلوب والمسار  

أثر التصوف في الموسيقى فى العصر المملوكى:  مدخل :

 شيوخ الغناء ( الطرب ) و الــعــــزف . شيوخ الفنون الموسيقية . الشيخ الموسيقار المجهول : إبن كُرّ.

 أثر التصوف فى المغنى والغناء لغير الصوفية .  ملامح للتأثر بالتصوف فى الغناء المصرى الحديث والمعاصر

 أثر التصوف في الفنون المعمارية والزخارف المملوكية : مدخل .  القــبــاب . الـزخــــــرفــــة . زخــرفــة الـكــتــب . الكتابة الفنية :  فنّ الخطّ العربى .

الفصل الثالث  : أثرالتصوف فى الحياة الاجتماعية فى مصر المملوكية

مدخــل

أولا : علاقة الصوفية بطوائف المجتمع المصرى المملوكى : بين العزلة الصوفية والاختلاط بالمجتمع :  عــــــلاقة الصوفية بالتجــــــــــــار ــ أصـحــــــاب الحـــــــــــرف :ــ  علاقتهم بالفلاحين :ــ علاقتهم بقطاع الطرق :ـــ عــلاقــــة الصــــوفــيــة بمشايخ العـــــرب .

ثانيا : بعض آثار إيجــابية لبعض المتصوفة في العصر المملوكي : الضـيــافـــة :ــ  كفالة الأرامل والعجزة :ــخـــدمـــات اجتماعية متفرقـــة :ـــ الأمــــر بالمعــــروف والنهـــي عـن المنـكـــــر :ـــالســـعـــي في المـصـــالـح :ـــالـتــســــــلــيــة :ـــ 

ثالثا : أثر التصوف في القيم الاجتماعية فى مصر المملوكية :  عدم الاعتراض والانكار ــ  من التواكل والتسول الى الخضوع والتذلل .

رابعا : أثر التصوف فى المعتقدات الاجتماعية : فى التداوى والاعتقاد فى الجان والسحر ـ   الاعتقاد فى التفاؤل والتشاؤم  . الاعتقاد فى التنجيم والاستخارة

خامسا :  أثر التصوف في العادات الاجتماعية فى مصر المملوكية : الموالد  : مولد النبى ـ موالد الأولياء .

ـ  الولائم   ــ  : زيـــارة الـقــبـــور ــ في المبالغة فى الحزن، والنوم فى المساجد وفي التسميات والألقاب ـ   في الزى وفى القهوة  .

سادسا : أثر التصوف فى التركيب الاجتماعي فى مصر المملوكية : الطرق والأولياء الصوفية   ــ طائفة المجاذيب  ـ طبقة الأشراف ـ

سابعا : الأثر الاقتصادى للتصوف فى مصر المملوكية

من التركيب الاجتماعى الى أثر التصوف الاقتصادى    

لمحة عن أثر التصوف إقتصاديا فى العصر المملوكى

الخاتمة 

الفصل الأول : أثر التصوف في ازدهار العمارة الدينية والتعمير فى مصر المملوكية

كتاب : أثر التصوف المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية

الفصل الأول : أثر التصوف في ازدهار العمارة الدينية والتعمير فى مصر المملوكية

 التصوف وحركة التعمير فى مصر المملوكية.. 

  كانت مؤسسات الصوفية تقام غالبا على اطراف المدن وبمرور الزمن يتم تعمير المكان وربما يتصل بالمدينة. وبجانب ضريح السيدة نفيسة أنشأت ام السلطان العادل الأيوبي رباطا ، ثم أنشأ الناصر محمد بن قلاوون جامعا بخطبة ، وصار الناس يتقربون اليها بالبناء حول ضريحها ، فأقيم فيها (قُبّة ) دفن فيها اول خليفة عباسي مات بالقاهرة ، وأقيمت بجواره مشاهد لجماعة من الاشراف )[2]

وأمر الشيخ المتبولي مريده محمد المنير بحفر بئر لزاويته على الطريق المهجور قبل عمارة البلد ، فأقام مدة يسقى عليها ، وبنى لزوجته خُصّا ، أى كوخا ، ثم عمرت الناس حول الخُص الى ان صارت بلدا سميت المنير... )[4]

ويقول ابوالمحاسن عن خانقاه سرياقوس : ( ولم يكن حولها العمران الا القليل ثم عمر حولها ما هو موجود الآن )[6].. والتدليل على كثرة السكان فيها أنه مات من سكانها  طاعون سنة 864 ما يزيد على مائة نفس في اليوم (لم بلغ اكثر من ثلاثمائة،و يقول المُكثر اربعمائة في اليوم )[8]

والقرافة بما فيها من قبور (الأولياء) وغيرهم من المشاهير حظيت بقدر أكبر من التعمير حتى أصبحت مدينة على حدود القاهرة ومصر تجتذب اهتمام الراحلة . يقول ابن ظهيرة من محاسن مصر "ما اشتملت عليه القرافة من مدراس وجوامع وأنواع من البر والصداقات ) [10]

ويقول ابن شاهين الظاهري ( فى القرافة الكبرى عمائر كبيرة قيل انها في العمائر قدر ثغر الإسكندرية. والقرافة الصغرى وهي اعمر واحسن هيئة تضاهي مدينة حمص ) [12] وكثر عدد السكان في القرافة وفي طاعون 833 مات بالقرافتين من السودانيين فقط نحو ثلاثة ألاف انسان ما بين رجل وامرأة وصغير وكبير بالطاعون ) [14]

وفي سنة 871 قطع الطريق على جماعة من سكان القرافة في طريق الصحراء ) [16]  وما لبثت القاهرة ان ضاقت بمن فيها فاتسعت شرقا نحو الشرقية خارج بإنشاء الكثير من المساجد والقباب ) [18]أو المعمارية [20] وكلها انصبت على التفرقة بين الخوانق والربط والزوايا وأهملت ما عداها  من ترب وقباب وغيرها . على أن المصادر المملوكية لم تفرق بين تلك المؤسسات ، لأنها جميعاً اتخذت منازل للصوفية : ففى المصادر التاريخية للعصر المملوكى نجد أن :

.الخوانق : اختلطت بالجوامع [22]والربط[24] والتربة[26] والمقابر[28] والقباب[30]

وتداخل مفهوم الربط مع الزاوية [32] والمشهد[34]

 ويقول النويري (اهتم ركن الدين بيبرس بعمارة خانقاه ورباط وتربة لدفنه )[36]وعرفت (الحومة) وهى مجموعة القبور والمساجد المتجاورة[38] (والجوسق) وهو " قبة بغير سقف وقد بنى على هيئة الكعبة " ويحوي داخله القبور الهامة[40] .

3 ــ وصار في مصر إلى أول القرن التاسع اثنتان وعشرون خانقاه[42] .

4 ــ وأهم الخوانق[44] .

5 ــ   ثم افتتح الناصر محمد خانقاته في سرياقوس 726  وحضرها أكابر الصوفية والقضاة.. وأكابر الدولة والأمراء، وفرقت على الصوفية الخلع، وقرر الأقصرائي شيخاً بها " مع جماعة قاطنين بها ليس لهم حرفة " [46] .

2 ــ  وعندما أقيمت خانقاه سرياقوس حازت على مشيخة الشيوخ من خانقاه سعيد السعداء.  وبعد وفاة المجد الأقصرائي عين الناصر محمد خادمه الركن الملطي في مشيخة الشيوخ في خانقاة سرياقوس [48] ،  وهى أقرب إلى الآداب العامة .

وورد في وثيقة تقليد الأيكي مشيخة الشيوخ لخانقاه سعيد السعداء : ( أن يكون هذا الشيخ شمس الدين شيخ المشايخ الصوفية والناظر عليهم وعلى جميع أوقافهم بالخانقاه الصلاحية المعروفة بسعيد السعداء )[50] .

الزوايــــــا  :

1ــ  الزاوية تُقام لشيخ صوفى واحد فى الأغلب ، يقيمها له السلطان أو الأمير المملوكى ، أو اتباعه أو هو بنفسه. وهى أصغر من الخانقاة ، ولكن قد تضم أنشطة تعليمية وطقوسا صوفية . وقد ابتنى السلاطين المماليك الكثير من الزوايا للمتصوفة كما فعل الظاهر بيبرس مع شيخه خضر العدوى [52] ، وعمّر الناصر محمد بن قلاوون زاوية الشيخ رجب التي تحت القلعة [54]  ، وبنوا زاوية لحسن السقا العريان[56] .

2ــ ودخل ابن بطوطة مصر في أيام الناصر محمد بن قلاوون وقال عن أمراء مصر ( إنهم يتنافسون في بناء الزوايا وكل زاوية بمصر معينة لطائفة من الفقراء[58] .  

بل حمل الأمراء التراب في بناء زاوية الشيخ أبي السعود الجارحى [60] , وعمر الأمير القبرصي زاوية شهاب الدين الحنبلي[62] القلندرية ، وأنشأ بدر الدين الأصبهاني زاوية لأتباعه في النحرارية أصبحت زاوية [64] ..

4ــ والمتصوفة المصريون أقاموا لهم زاوية خاصة بهم تقليداً للأعاجم مثل الشاب التائب[66] والوفائية الشاذلية  [68] والإبناسي[70] ..) وقد يفهم  عن بعض المراجع أن بعض صوفية العجم نزلوا بأحد الأبنية وجعلوه زاوية ، فابن أشيراك التركماني العجمي ( اتخذ لنفسه زاوية تحت القلعة وصار لزاويته فقراء يقيمون بها)[72]  ، ونزل بدر الدين الكردي بزاوية أخرى[74] ، وكان حسن العجمي[76] أخرى ، وبنيت زاوية لابن القلانس[78] .

إلا أن التعميم أمر غير وارد في عصر كالعصر المملوكي الذي شهد ازدهار بناء المؤسسات الصوفية على يد الصوفية أنفسهم ومعقيدتهم ..

 هذا ... ويصعب تصنيف الزوايا بسبب كثرتها ، حتى أن القارئ لبعض الصفحات الخاصة بها في المصادر المملوكية يتخيل الزوايا في كل مكان بمصر المملوكية[80] مثل زاوية حليمة ، المبرقعة في باب الشعرية،  وزاوية الست زينب خارج باب النصر ... وعرفت زوايا للقادمين من غير الأعاجم من الشام والمغرب[82] وهذا وضع طبيعي تفرضه العزلة الصوفية ولكن باتساع العمران اتصلت بعض الزوايا بالمدن ، والقرافة أقرب مثال لذلك  حيث احتوت على الكثير من الزوايا[84] ولن تبقى ظاهرها إلى الأبد فقد امتد العمران ليصل القاهرة بمصر ...

   وعرفت المدن الأخرى بل القرى إقامة الزوايا[86] وفرجوط[88] ومنية مرشد[90] وشبرا بسيون [92] وميت جبرين[94] وأقام جد الشعراني زاوية في بلده[96] والحسين[98] والموسكي[100] ، ورباط الآثار الذي أقامه الوزير ابن حنا ، واحتوى بعض الآثار المنسوبة للنبى عليه السلام وجُعِل فيه الطعام للوارد والصادر والجراية لخدمة الآثار النبوية[102] . واليه تُنسب منطقة ( أثر النبى ) الحالية فى القاهرة .

وجدد الأمير جانبك رباطا ً وأنزل فيه الفقراء[104] ورباط قراسنقر[106] ، وآخر للأمير ابن قزل بسطح المقطم[108] ورباط الأمير الهكاري والي الإسكندرية[110] ، واستوطن أبو الحسن القوص أخميم وبنى بها رباطاً[112] ، وبنى أبو القاسم سليمان رباطاً خارج ادفو[114] .

3 ـ ويحدث أن يدفن في الرباط شيخه أو صاحبه .

4 ــ  وأقيمت أربطة خاصة بالنساء لإيوائهن وتعليمهن مثل رباط البغدادية ورباط الست كليلة[116]

" التربــــــــــــــــــــة "

1- التربة ـ اى المقابر وأماكن دفن الموتى ، وأطلق عليها فى مصر ( القرافة ) .

وتلعب التربة - والضريح ــ دوراً هاماً في التاريخ الصوفي ، ويكفي أن التربة بمعناها التقليدي ( المقدس ) قد نشأت في تاريخ المسلمين بعناية التصوف . وبالتصوف أُقيمت زوايا صوفية داخل الترب والمقابر ، وتحولت بعض المقابر المقدسة الى أضرحة ، وأصبحت الترب أو المدافن مليئة بالناس ومقصدا للتنزه وزيارة الأولياء الأحياء والموتى ، بل أصبحت من معالم السياحة الدينية بمفهوم عصرنا ، يأتى اليها الزوار لمصر ، ومنهم رحالة كابن بطوطة وابن ظهيرة .

2- في العصر المملوكي أصبحت التربة إحدى وسائل الشهرة الصوفية فيقيم فيها أحدهم مُدّة فلا يلبث أن يعتقده الناس ، مثل يحي الصنافيري الذي أقام بالقرافة مدة يسيرة ثم توجه إلى صنافير فاشتهر حاله[118]. ونشأ عبد الله الدرويش بزاوية يوسف العجمي ثم خرج منها ( بجذبة ربانية ) ( ثم اشتهر حاله عندما أقام بباب القرافة وصار الناس يهرولون إليه من البلاد والقرى وشهد له علماء الزمان بالولاية) [120]. وكان الحيدري  القاطن بتربة زوجة طرغان – معتقداً مقصوداً بالزيارة [122].

2 ـ وتلقب بعض الصوفية بالقرافي ووصفوا بالولاية مثل المعتقد سليم القرافي [124].  

3- وبالتصوف أقام المماليك الترب لأنفسهم وللمتصوفة ، وبازدياد التصوف في البرجية ظهر فيها بناء المدافن الكبيرة [126]بجوار تربة الناصر فرج خارج باب النصر ، وقرر الناصر فرج في مشيخة تربته الشيخ صدر الدين العجمي ورتب عنده أربعين صوفياً بالخير واللحم والمعاليم [128] ، أما قايتباي فقرر في مشيخة تربة قاضى الجماعة وقرر في خطبتها الشيخ الحرفي مع ثلاثين صوفياً في أوقات الصلاة، وبنى لهم البيوت وقرر لهم الجوامك ( المرتبات ) ، وجعل بها جامعاً بخطبة وحوضاً وصهريجاً .. الخ [130].

4 ــ وشارك الأمراء في الميدان حيث كان لبعضهم تربتان كالأمير أقوش النجيبي[132] . ودفن الصوفي بيرم التركي في تربة جاني بك المشد[134] وأنشأ كافور الضرغتمشى تربته وجعل فيها خطبة وصوفية ـ وأوقف عليها ـ ( وكان يحبها حباً عظيماً ويغضب ممن يسميها تربة وكان لا يزال يزخرفها ويجدد ما تلف فيها من الزخرفة)[136] .

6 ــ وجدّد الأمير جانبك رباطا ، ثم جدّد أيضا  تربة (وجعل فيها حوشاً ومقعداً وأصطبلاً  ومطبخاً وميضأة وصهريجاً وحوضاً وكُتّاباً ( لتعليم الأطفال ) وجدد بئرها وقرر فيها شيخاً وخمسين صوفياً ومقرئين يقرأون في الخمسة أوقات ، كل جوقة ثلاثة نفر ، كل وقت، وجعل عليهم كاتب غيبة، ومادحاً ( أى منشدا للمدائح النبوية ) وخادماً للشيخ وإماماً وفراشاً وبواباً ومزملاتيا ( ساقيا للماء ) و سواقاً ورشاشاً ، وأجرى على الكل الجوامك اللائقة وكذا على الأيتام المنزلين بالكُتّاب)[138] ومسالكها والأنشطة فيها  ....

أهم المؤسسات الصوفية في مصر المملوكية : الأضرحة والأضرحة المزورة

كتاب : أثر التصوف   المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية

الفصل الأول : أثر التصوف في ازدهار العمارة الدينية والتعمير

نبــذة عن المؤسسات الصوفية في العصر المملوكي : الأضرحة والأضرحة المزورة

" الأضرحــــــــة "

1ـ أقامها الفاطميون في مصر ،وأنشأها الأيوبيون ليحولوا الأنظار عن مشاهد الشيعة[140] في العصر المملوكي الذي ورث أضرحة الفاطميين والمماليك وأضاف إليها الكثير ، حتى أصبح من الدعوات للأولياء " نور الله ضريحه"[142]  

2 ــ وكانت الأضرحة أحياناً تابعة للمؤسسة الصوفية مدرسة كانت أو جامعاً ، وقد يقام عليه قبة متصلة بالبناء ،أو تكون منفصلة قائمة بذاتها ، فمدرسة الأمير جرباش  بها قبر الشيخ أسد ، وضريح علم الدين سنجر في مدرسته الجاولية أو خانقاته ، وبخانقاه شيخون أضرحة لجماعة من الأولياء[144] طبقاً لدين التصوف فى تقديس الأولياء والإشراك بالله جل وعلا.

4 ــ بل صار الضريح الأصل والصلاة تابعة أو كعامل ثانوي.. بل ورد في تحفة الأحباب :" بنى أبو بكر محمد مسجداً أنفق عليه ماله في مغارة ابن الفارض قيل أن عمر ابن الفارض كان يجلس هناك فاتخذه أبو بكر مسجداً" [146] وصار مشهد ابن الفارض بدون حاجز عليه إلى أن أقيمت عليه قبة بأوقاف و أسمطة للزوار ورخام للمقام[148] وحُملت الأخشاب لإقامة ضريح للشاذلي[150] ، وبنيت على قبر أبي الخير الكليباتي عمارة وقبة[152] ، وجدد الناصر محمد مشهد السيدة نفيسة ووضع به المحراب على التحرير الصحيح [154] ، وقيل في ضريح زين الدين المرواني " وبناء تربته والقبة التي على ضريحه من أعاجيب البناء"[156] وأقيمت أضرحة للخدم (خدم الولي حياً أو خدم ضريحه) ويلحق بزاوية شيخه أو بضريحه[158] .

8 ــ وأقيمت القباب على غير الصوفية تعظيماً لشأنهم فالمنصور قلاوون أنشأ قبة عظيمة وجعل منها مدفناً ،ودُفن فيها ابنه الناصر محمد[160] ، وبنيت قبة دفن فيها الحاكم بأمر الله الخليفة العباسي[162] ، وجدد ابن زنبور قبة قطر الندى[164] ، وأنشأ جانبك الداودار قبتين بطرف بستانه وأنزل بهما جماعة كبيرة من صوفية الأعاجم وأجرى عليهم الرواتب الهائلة[166] ، وأوقف الأشرف خليل قلاوون عليها الأوقاف بعد فتح عكا[168]  وزارها الناصر محمد بعد عودته من الخارج ، وتوجه رسل الملك أبي سعيد لزيارة القبة المنصورية[170] .

10 ـ  واحتلت القبة مكانها (العالي ) في الأمثال الشعبية، فيُقال: ( يا شيخ يا للي في القبة ما كنتش بحبك في الدنيا حبيتك وأنت في التربة) ( بكرة تموت يا أبو جبة واعمل فوق قبرك قبة)،( افتكرنا تحت القبة شيخ ، الناس مقامات يعمل الحبة قبة )[172].

أضرحـة مزورة للأشــــراف : ــ

1 ــ يقول ابن تيمية عن مشهد أو ضريح الحسين : ـ ( ولم يُحمل رأس الحسين للقاهرة ، فقد دفنت جثته حيث قتل ، وروى البخاري في تاريخه أن رأس الحسين حمل إلى المدينة ودفن بها في البقيع عند قبر أمه فاطمة . وبعض العلماء يقول أنه حمل إلى دمشق ودفن بها.  فبين مقتل الحسين وبناء القاهرة نحو مائتين وخمسين سنة . وقد بنى الفاطميون مشهد الحسين في أواخر 550  وانقرضت دولتهم بعد هذا البناء بنحو أربعة عشرة سنة (أي جعلوا منه سنداً وقت ضعف دولتهم) (وهذا مشهد الكذب)[174] .

وأثار ضريح الحسين خيال الصوفية خارج القاهرة فهناك مشهد الحجر بمدينة بالس قرب حلب ( يقال أن رأس الحسين وضعوه عليه )[176] .. وتعددت الأضرحة حول ( رأس ) أو ( رءوس ) الحسين ، وإعتقدوا بقدسيتها وجاهها ، ولم يسأل أحدهم نفسه : إذا كانت بهذه القداسة فكيف إستطاع سيف قطعها ؟

2ــ ونعود إلى صوفية مصر لنعطى فكرة سريعة عن ( أضرحة المنامات ) . فقد رأى أحدهم في المنام فاطمة الزهراء تصلي في جامع ، فعُملت في الجامع مقصورة عرفت حتى وقت ابن دقماق بمقصورة  فاطمة الزهراء[178] وهناك مشهد لمحمد بن الحنفية بن على ، يقول كاتبا المزارات : السخاوى وابن الزيات : (وليس بصحيح فإنه لم يمت أحد من أولاد الإمام على لصلبه بمصر)[180]                   

 3 ـ  وهناك مشهدان للسيدة سكينة بنت زين العابدين[182] . هذا عدا مشاهد مزورة أخرى لأشراف أقل شهرة وربما ليس لهم وجود في التاريخ والأنساب[184].

2ـ بل اخترعوا أسماء وهمية وزعموا أنها لصحابة وأقاموا لها الأضرحة مثل مشهد زرع النوى أو خضر الصحابي وصاحب الكلوبة واليهودى الذى سحر البني "وعبد الله بن تميم الداري وتميم الداري لم يعقب" [186] وزوروا قبوراً أخرى لعلماء وخلفاء عباسيين[188] . والطريف أنهم زوروا أضرحة لأنبياء وإخوتهم وحواريين مثل روبل واليسع إخوة يوسف والنبي هارون وسام بن نوح وشمعون الصفا أحد الحواريين[190].

2ـ وقد سعى المتصوفة لإقامة الجوامع؛ فالظاهر بيبرس يقيم جامعا بإشارة شيخه خضر[192] . وأمر السلطان محمد بن قايتباي ببناء جامع الفيوم وكان القائم في ذلك الشيخ الدشطوطي ،وأرسل صحبته جماعة من البنائين والمهندسين [194]   

3- وأقام بعض المتصوفة بأنفسهم جوامع . واشتهر في ذلك ابن الزاهد الذي أقام عدة مساجد بها خطبة بالقاهرة [196] ، وعمّر الحريتي عدة جوامع في دمياط والمحلة وغيرها[198] . وأنشأ الغمري جامعاً بالقاهرة[200].

4ـ وكان المتصوفة يقيمون في الجامع كوسيلة للشهرة والاعتقاد، مثل زين الدين السطحي المقيم بسطح جامع الحاكم[202] ،وكلاهما (من المعتقدين ) أى الأولياء الذين يعتقد فيهم الناس وقتها .  وعُرف مسجد قبالة بإقامة الفقراء[204] . وانقطع ابن الحداد في مسجده المعروف بالساحل[206] ، وأقام المعتقد رشيد التكروري بجامع راشد ، وهو آخر من سكنه من  الصوفية [208]  فاكتسب اللقب ( المقدسى ) . وكان أحمد الوراق أحد المعتقدين عند العوام نزيلا في جامع الواسطي ببولاق[210] ، وكان مسجد الحلبيين يعرف بالمشهد إلى أن انقطع فيه الشيخ الجعفري وقد أقام بهذا المسجد العارف عبد العزيز الحراني وقد توفي ودفن بمقصورة هذا المسجد[212] ، وأنشأ برسباي جامعا ً أوقفه على الصوفية مع إمام وخطيب وقراء[214] . وأقام إبراهيم ابن عبد الغني جامعاً ببولاق جعل فيه شيخاً وصوفية[216] . وقد يُقام الجامع لصوفية الخانقاه أو الرباط كجامع بشتاك الناصري تجاه خانقاه[218]. 

أخيرا

بهذا تمت سيطرة التصوف على كل المؤسسات الدينية ، منها ما كان صوفيا محضا كالخوانق والزوايا والأربطة والأضرحة والقباب والترب والمشاهد ، ومنها ما كان ( علميا ) كالمدارس التى تحولت الى خوانق ، أو الخوانق التى كانت تقوم بدور المدارس . ثم إنتدت سيطرة التصوف الى المساجد و( المساجد الكبرى الجامعة : الجوامع ). ونتذكر أن الله جل وعلا يأمر أن تكون المساجد خالصة له وحده وينهى أن ندعو غيره فى مساجده ، بحيث لا يرتفع الأذان إلا باسمه ولا تقوم في المسجد الصلاة إلا بذكره . ولكن التصوف وأربابه أقاموا فى العصر المملوكى أكبر حركة تعمير للمؤسسات الدينية ، لا تزال باقية حتى الآن تمثل معظم الآثار ( الاسلامية ) فى القاهرة حتى اليوم ، مع أنها لا صلة لها بالاسلام . فكما أنه فى الاسلام يجب أن تكون المساجد لله جل وعلا وحده خالصة فإن أرباب التصوف جعلوا المساجد ـ وغيرها ـ خالصة للتصوف وأوليائه ومريديه وأنصاره من المماليك وأتباعهم ، وكانوا طبقا لدينهم ينشئونها بالمال السُّحت وبالسُّخرة والنهب والسرقة ، معتقدين أن أولياء التصوف سيشفعون لهم يوم القيامة . وقد ناقشنا ذلك فى كتبنا السابقة فى موسوعة التصوف المملوكى ، فلا جاجة للتكرار.

ولكن ــ وبكل أسف نقول ـ إنه وحتى الآن فلا يوجد مسجد خالص لله جل وعلا ، يرتفع فيه الأذان بذكر الله جل وعلا وحده ، ولا تعظيم فيه إلا لله جل وعلا وحده . فى كل مساجد المحمديين من سنة وشيعة وصوفية وأحمدية تتعدد الآلهة ، من محمد الى الخلفاء الراشدين عند السنة ، الى محمد وعلى وآل بيته عند الشيعة ، ثم الأولياء الصوفية عند الصوفية .

عار على المحمديين الذين يزعمن أنهم يؤمنون بالقرآن أن تخلو بلادهم من مسجد إسلامى حقيقى .

عار على المحمديين كفرهم بقول الله جل وعلا : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (19) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (20) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (22) إِلاَّ بَلاغاً مِنْ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً (23) الجن )

[2]ــ الدرر الكامنة 2ر 122

[4]ــ خطط المقريزي 4 / 285

[6]ــ النجوم الزاهرة 9 / 182

[8]ــ خطط المقريزي 4 / 287

[10]ــ رحلة العلوى : مخطوط 59 : 60

[12]ــ تحفة الأحباب 318 ، 37 ، 202 وانظر المقفى 3 / 162 والكواكب السيارة 106 ، شذرات الذهب 6 / 149

[14]ــ تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 355 : 356

[16]ــ حوادث الدهور 2 / 334

[18]ـ عاشور : البدوى 223 : 224 .

[20]ـ محمد أمين الأوقاف 278 : 282  رسالة دكتوراة غير منشورة .

[22]ـ رحلة ابن بطوطة 1/ 23 .

[24]ـ وثيقة وقف الامير صرغتمش .

[26]ـ الطبقات الكبرى للشعراني 2/28 .

[28]ـ النجوم الزاهرة 11/ 125 , تحفة الأحباب 62 ،148 ، 149 ، 476 ، 477 ، 162 ، 163 .

[30]ـ المنهل 3/ 104 .

[32]ـ المدخل 2/ 197 .

[34]ـ العمارة الإسلامية  سامح  99  ، 100 ، 106 ، 210.

[36]ـ الكواكب السيارة 145 ، 18 تحفة الأحباب 310  وغيرها .

[38]ـ الكواكب السيارة 246 ، 301 ، تحفة الأحباب 250 .

[40]ـ دولت . الخوانق 37 ، 39 ، 40 .

[42]ـ دولت . الخوانق 178، 179 ، 180 ، 181 ، 183 .

[44]ـ النويري . نهاية الأرب 30 / 44 ، 45 , عقد الجمان مخطوط 706 لوحة 371  الخطط  4/ 276 , النجوم الزاهرة 8/ 276 تاريخ ابن إياس 1/ 1/ 147 ط بولاق .

[46]ـ تاريخ ابن الفرات 8/ 124 .

[48]ـ السبكى  معيد النعم 162 .

[50]ـ السلوك 2/ 2/ 327 ،328 ، 353 ، 390 . خطط المقريزي 4/141 الكواكب السيارة 319 وغير ذلك .

[52]ـ الدرر الكامنة 2/ 153 .

[54]ـ التبر المسبوك 83

[56]ـ وثيقة برسباي 46 ، 47 نشر دراج ..

[58]ـ النجوم الزاهرة 11/ 119 .

[60]ـ الخطط  4/ 297 .

[62]ـ السلوك 2/ 1/ 239 ، الدرر الكامنة 2/ 135 .

[64]ـ تحفة الأحباب 164 .

[66]ـ الضوء اللامع 1/ 85 .

[68]ـ تاريخ ابن الفرات 9/ 1/ 42 .

[70]ـ محقق النجوم الزاهرة 11 /185 حاشية 1 .

[72]ـ عقد الجمان مخطوط وفيات 774 .

[74]ـ الذيل على رقع الأصر 141 .

[76]ـ ابن دقماق : الانتصار 4/ 90 .

[78]ـ أمثلة : الخطط 2/ 432 ، الهصر 194 ، السلوك 3/ 1 / 148 .

[80]ـ أنباء الغمر 2/29 ،الضوء اللامع 2/266 .

[82]ـ معيذ النعم 171 .

[84]ـ أمثلة المنهل الصافي 1/ 165، 166 ، 263 عقد الجمان وفيات 711 ، 714 ، السلوك 3/2/ 685 .

[86]ـ تحفة الأحباب 146 ، 149 .

[88]ـ الطبقات الكبرى 2/ 117 , 161 .

[90]ـ النجوم الزاهرة 11/ 193 .

[92]ـ الدرر الكامنة 4/132 .

[94]ـ  المنهل الصافي 5 / 5 .

[96]ـ أنباء الغمر 2/ 305 .

[98]ـ تاريخ ابن الوردي 2/368 .

[100]ـ الانتصار لواسطة عقد الأبصار 4/ 78، خطط المقريزى 4/88 ، 89 ، 293 ، 297 . صبح الأعشى 3/ 5 .

[102]ـ خطط المقريزى 4/293 ، 215 .

[104]ـ تحفة الأحباب 184 ، 185 .

[106]ـ تحفة الأحباب 403 ،53.

[108]ـ تذكرة التنبيه 1/267 .

[110]ـ عقد الجمان 54 / 591 .

[112]ـ الطالع السعيد 173 .

[114]ـ الطالع السعيد 96، 366 ، 239 ، 376 ، 377 ، وأيضاً السبكي طبقات الشافعية 5/ 516 ، 6/ 144 .

[116]ـ تحفة الأحباب 171 .

[118]- الضوء اللامع 1/8.

[120]- الدرر الكامنة 2/ 419 ، مناقب المنوفي مخطوط 17، 18 .

[122]- الكواكب السيارة 315 وانظر 13 م.

[124]- المنهل الصافي 1/284 .

[126]- المنهل الصافي 2/ 122 .

[128]- تاريخ ابن إياس 2/ 393 محمد مصطفى في تاريخ البقاعي مخطوط 14 .

[130] ـ النويري نهاية الأرب 28 ، 29 .

[132] ـ السلوك 3/2/ 689 .

[134] ـ تحفة الأحباب 4/ 246 .

[136] ـ المنهل الصافي 2/ 355 .

[138]ـ تحفة الأحباب 18 ، 19 ، 20 ، 33 ، 36 ،38 ، 45 ، 52 ، 165 ، 166 ، 210 ، 313 ، 438 .

[140]ـ ابن ظهيرة 192 ، 193 .

[142]  الكواكب السيارة 110 , 263 ، 308 ،تحفة الأحباب 245 ، 215 ، 327 .

        مثلاً : المنهل الصافي 1/ 93 ، 3/ 252 ، 525 ، 4/ 94 ، 197 . 

        النجوم الزاهرة 8/ 280 ، 9/295 ، 10 / 233 ، 14 / 194 .

        الطبقات الكبرى 1/ 131 ،134 ، 173 ، 2/ 3 ، 18 ، 94 ، 95 .

        الضوء اللامع 1/ 83 ، 2 / 112 ،الدرر الكامنة 2/ 132 ، 426 ، 3/ 149 .

        الطالع السعيد 79 ، 417 ، ومراجع أخرى ..

[144]ـ أمثلة الانتصار 4/ 81 : 92 .تحفة الأحباب 87 ، 88  ، 141 ، 255 ، 243 ، الطبقات الكبرى للشعراني 2/74 ، 79 ، 127 .

[146]ـ السندوبي . أبو العباس المرسى 126 .

[148]ـ شذرات الذهب 8/ 8 ،9 .

[150]ـ تذكرة التنبيه 1/ 207 .

[152]ـ الطالع السعيد 157 .

[154]ـ تحفة الأحباب 138 ، 187 .

[156]ـ تحفة الأحباب 200 ، 222 ، 246 ، 259 ،267 ، 310 ،318 ،331 ،332 ،337 ،345 ، 365 ، 369 ،395 ،424 ،428

        449 , 451 ، 466 ، 474 .

[158]ـ رحلة ابن بطوطة 1/ 21 .

[160]ـ المنهل الصافي 3/ 409 . ، تحفة الأحباب 81 ، 82 .

[162]ـ شذرات الذهب 8/ 105 ، 106 .

[164]ـ السلوك 4/ 3/ 1100 .

[166]ـ خطط المقريزي 4/ 218 ، نظر السلوك 1/3 / 716 .

[168]ـ تاريخ ابن الفرات 8/ 135 ، السلوك 1/ 3/ 764 ،777 .

[170]ـ ملاحق السلوك الملحق الأخير 1/3/1043 ، 1044 .نهاية الأرب 30 /12 :13 .

[172]ـ تحفة الأحباب 172 ، 173 ، 174 .

[174]ـ الكواكب السيارة 65 .

[176]ـ تكسير الأحجار 142 ، 143 .

[178]ـ الكواكب السيارة 37 .

[180]ـ تحفة الأحباب 319 .

[182]ـ تحفة الأحباب 53 ،94 ، 99 ، 113 ، 247 .

[184]ـ تحفة الأحباب 130، 145 ، 151 ،224، 277،281 ،282 ، 366، 367 ،442.

       الكواكب السيارة 75 ، 93 ، 96 ، 115،117 ، 118 ، 185 ، 188 ، 193 ، 277 ، 203 , 141 .

       التبر المسبوك  151 .

[186]ـ تحفة الأحباب 223 .

[188]ـ تحفة الأحباب 77 ، 414 : 415 الكواكب السيارة 185 ،282 ، 283 .

[190]ـ على مبارك الخطط التوفيقية 1/ 218 .

[192]ـ النويري نهاية الأرب 30 / 22 :23 .

[194]- الانتصار 4/ 128 ،129، خطط المقريزي 4/269  الكواكب السيارة 183 ، تحفة الأحباب 317 ،8 .

[196]- الضوء اللامع 2 / 211 ، الطبقات الكبرى للشعراني 2 /117 ، الغزي الكواكب السائرة 1 / 224 .

[198]ـشذرات الذهب 8/ 129 ، الطبقات الكبرى 2/15 الكواكب السائرة 1/ 248 .

[200]ـ تحفة الأحباب 23 .

[202]ـ تحفة الأحباب 62، 63 .

[204]ـ الانتصار 4/81 .

[206]تحفة الأحباب 376 .

[208]ـ السلوك 3/2/ 821 ، 847 .

[210]ـ تاريخ ابن الفرات 9/2/425 .

[212]ـ النويري.نهاية الأرب0 3 / 75 فتوح النصر مخطوط 2/228,السلوك 2/1/114 ،115 .

[214]ـ حجة قايتباي 62، 63 ، 66 ، تاريخ ابن إياس 2/ 117 ط بولاق .

[216]ـ التبر المسبوك 217 .

[218]ـ الانتصار 4/ 78 ، 80 .

الفصل الثانى :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية ):

 كتاب : أثر التصوف  المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية

الفصل الثانى :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية ):

( فى العلم ـ العلوم ـ التعليم ، الأدب والفنون )

  الصوفية والعلم :

نظرة الصوفية من العلم " الظاهر " ودعوتهم للعلم اللدني 

 مدخـــل :ـــ

 بازدياد التصوف لم يعد العلم شرطا في الانخراط في الطريق الصوفي ، بل كان من أسباب انتشاره عدم التقيد بالقراءة والكتابة ن بل أصبحت ( أمية الولى ) من مفاخر بعضهم . ومن بداية التصوف وقف بعض رواده موقف العداء من العلم وأهله ، ومنهم  كالشبلي القائل :

( فلو طالبوني بعلم الورق             برزت عليهم بعلم الخرق ) [2] . ولا شك أن نظرة الشافعي لهم كانت متأثرة بعداء عصره للصوفية والتصوف كمبدأ . وكان أولئك الصوفية من ناحيتهم يكرهون ( الحديث ) أهم علوم ( السّنة ) . قال أبو سعيد الكندي : ( كنت انزل رباط الصوفية وأطلب الحديث خفية بحيث لا يعلمون ، فسقطت الدواة ( دواة الحبر )  يوما منى ، فقال لي بعض الصوفية : استر عورتك )[4]...

وبهذا فإن جهد التصوف المملوكي في ناحية العلم كان سلبيا ، عطل التطور العلمى والعقلى  وحارب من أوتي مقدرة على الاجتهاد ، خصوصا وأن بعض خصومهم كابن تيمية ـ قالوا عنه أنه اجتمعت فيه شروط الاجتهاد ......

والواقع انه مع الشهرة التي تمتع كثير من علماء العصر المملوكي فقد حرموا الابداع العقلي الذي يضف إلى التراث الإنساني . كان الاجتهاد ممكنا ومطلوبا ، ولكن تم وأده بسبب سيطرة التصوف ودعوته للتقليد وحربه للاجتهاد.  ويلفت النظر ان من أوتى بعض العلم من أشياخ التصوف قبل العصر المملوكى وبعده ــ من الغزالى الى الشعرانى ــ وقفوا ضد العلم واستعمال العقل ، واستخدموا حصيلتهم العلمية في حرب المنكرين عليهم من الفقهاء ــ حماية لطريقهم الصوفي من الاعتراض . ومعروف أنه لا بد من تغييب العقل ومنع الاجتهاد العلمى والبحثى حتى يؤمن الناس بدعاوى الكرامات وتقديس الأولياء الصوفية ، وغضّ الطرف عن إنحرافاتهم السلوكية وعقائدهم فى الحلول والاتحاد ووحدة الوجود ، ومقالاتهم الفظيعة المنكرة فيما يُعرف بالشطح . وهذا هو ما حدث فى العصر المملوكى الذى  اشتد نفوذهم فيه وسيطروا على الحياة الثقافية ، فكان أن وجهوها في خدمة طريقتهم الصوفية،  فكانت تلك الردة العلمية في العصر المملوكي ، الذى جمع بين ظواهر متناقضة : وجود حركة تعليمية نشطة فى مؤسسات التصوف ، ووجود الأكثرية من (العلماء والفقهاء ) مع سيطرة التقليد العلمي وازدهار الايمان بخرافات التصوف.

متصوفة العصر المملوكي والعلم و نظرتهم للعلم والعلماء : ــ

1ــ  فى العصر العباسى الثانى إنتصر الفقهاء السنيون الذين كانوا يمثلون ( الاتجاه المحافظ ) على علماء الاتجاهات العلمية العقلية والفلسفية ، من المعتزلة والفلاسفة والحكماء من الكندى والفارابى وابن سينا والخوارزمى والبيرونى والرازى وابن الهيثم ..الخ . وتسيد الفقهاء السنيون الساحة بزعامة الحنابلة ، وهم الأشد تطرفا ، ووجدوا فى صناعة الأحاديث وسيلة للإجتهاد ، فالرأى يُقال فى شكل حديث ينسبونه للنبى عليه السلام ، ويتحصّن بهذا الاسناد من النقد . وبوأد الحركة العلمية العقلية وإبادة المعتزلة ودفن جهود العلماء الأفذاذ الذين نفخر بهم الآن (الكندى والفارابى وابن سينا والخوارزمى والبيرونى والرازى وابن الهيثم ..الخ ) لم يعد موجودا على الساحة سوى الفقهاء السنيين ، واصبح لقبهم العلماء ، أى حلوا محلّ العلماء الحقيقيين فى عصر الازدهار العلمى والعقلى فى القرون الثانى والثالث والرابع والخامس من الهجرة . ( علماء ) السّنة بزعامة الحنابلة إضطهدوا خصومهم حتى من الشيوخ السنيين ( والطبرى أشهر ضحاياهم ). ونال الصوفية والشيعة الكثير من العنت . ثم تحول الموقف لصالح التصوف والصوفية ، وقد سبق شرح هذا ، وتسيد التصوف ، وأخذ شيوخ التصوف يضطهدون المنكرين عليهم من الفقهاء الحنابلة كابن تيمية والبقاعى ، وقد عرضنا لهذا من قبل .

2 ــ وفى حمأة الصراع بين الفقهاء السنيين والمتصوفة المملوكيين إحتقر شيوخ الصوفية علوم ( السنة ) وأطلقوا عليها ( العلم الظاهر )، وأطلقوا على علومهم الوهمية الخرافية إسم  (العلم الباطن ) ، وغلفوه بادعاء الكرامات والمنامات التي ساد الاعتقاد بها في العصر حتى عرف " بالعلم اللدني" أي الذي يأتي من لدن الله بالوحي كما يزعمون .

وبهذا تغير الحال فى العصر المملوكى عنه فى العصر العباسى الثانى . الحنابلة السنيون جعلوا لهم علوما وهمية بالاسناد وصناعة الحديث ، وجعلوها علوما دينية ( التفسير والحديث النبوى والقدسى وعلوم القرآن ) وجعلوها ( وحيا الاهيا ) ، وقالوا إنها ( سُنّة ) وأن تلك السُّنّة ) وحى ، جاء بالاسناد والعنعنة . وهذا لا يتقبله عقل ، فكيف يأتى الوحى الالهى بالاسناد عن فلان عن فلان عن فلان .. وحتى يتجنب السنيون الاعتراض والتعقل حرّموا الفلسفة وعلم المنطق والعلوم الطبيعية ، كى يؤمن الناس بهذا الوحى القائم على الاسناد والعنعنة .

ثم جاء التصوف فى العصر المملوكى بعلم دينى آخر ، هو ( العلم اللدنى ) لا يحتاج الى عناء الاسناد و قولهم ( حدثنا فلان ، أخبرنى فلان عن فلان ) بل يقول الشيخ الصوفى ما يشاء ويزعم أنه من الله جل وعلا مباشر بلا واسطة ، اى وحى الاهى مباشر ، ومن يعترض عليه فهو محروم من ( الفتح عليه ). ولهذا أرسى التصوف التقليد ومنع الاعتراض ، وأوجب التسليم لكل ما يقوله الشيخ الصوفى وما يزعمه .وسيأتي اثر دعوى العلم اللدنى في نشر الجهل في العصر المملوكي .

3 ـ ونعرض لموقف شيوخ التصوف فى العصر المملوكي من العلم ( الظاهر)أى ( علوم السّنة ) ودعوتهم للعلم الباطني . 

كان جدُّ ابن عطاء السكندرى فقيها سنيا ، ثم صار حفيده ابن عطاء مريدا لآبى العباس المرسي. ولم ينس أبو العباس المرسى أن جد مريده ابن عطاء كان فقيها سنيا ، فكان  يقول عن ابن عطاء وقد استنسخ له كتابا : ( هذا الكتاب استنسخه لى ابن عطاء الله والله ما أرضى له بجلسة جدّه في العلم الظاهر ولكن بزيادة التصوف )، وقال أيضا عن جد ابن عطاء السكندرى وعن حفيده ابن عطاء :(  صبرنا على جد هذا الفقيه لأجل هذا ــ الفقيه ).

وسئل المرسي عن بعض العلماء فقال " اعرفه هنا :وأشار إلى الأرض ــ "ولا اعرفه هناك"  وأشار على السماء ) [6] ، اى إحتقارا للسائل وسؤاله .

اما احمد الزاهد فكان اذا أتاه من يريد الاشتغال بالفقه  يقول له : ( يا ولدي ما نحن معدين لذلك اذهب الى الجامع الأزهر. ) ، ( ومنع فقراءه الا من تعليم العبادات فقط ) [8]..أى يفضّل الشعرانى المريد الجاهل بالقراءة والكتابة ( الأمّى )  على مريد آخر يكون فقيها أو عالما بعلم ( الكلام ) أى العقائد السُّنيّة ، لأن الفقيه العالم بالشريعة السنية والمتكلم العالم بالعقائد السُّنيّة محرومان من الحصول على العلم اللدنى ( الفتحى ) أى الذى ينزل وحيا وفتحا لارباب التصوف بزعمهم.

4ــ وحين تتلمذ الشعراني على شيخه (الأُمّى) الخواص أمره الخواص في أول اجتماع به أن يجمع كتبه ويبيعها وينفق ثمنها احسانا ، فاستجاب لطلبه.  وكان الشعرانى قد دوّن على هوامشها الكثير من تعليقاته ، حسبما يحكى عن نفسه . وطلب الخواص منه ان يستعيض عنها بالتجرد والذكر حتى ينساها، فاستجاب له ، ثم طلب منه ان يعرض عن حضور مجالس العلم عاما بأكمله فامتثل أمره . ثم اتصل به بعد هذا العام، فقال له شيخه: " بقيت فارغا والفارغ يملأ ".!. ثم طلب منه ان يعتزل الناس وينقطع للذكر ، فأقام على ذلك بضعة أشهر ، ثم امره بالزهد فانصاع ، حتى أصبح كأنه يصعد بالهمة في الهواء " ثم محى الله العلوم النقلية من قلبه واقبلت عليه العلوم ــ الوهبية ونزل به الهاتف في 17 رجب 931 أثناء وقوفه بالفسطاط  اتجاه الروضة ، حيث تزاحمت العلوم اللدنية على أبواب قلبه وقد وسع كل باب ما بين السماء والأرض .............الخ  ) [10]  .

5ــ وحقد الأولياء الصوفية الأميون على الفقهاء السنيين ،وأظهروا الاستعلاء عليهم بما ادعو من العلم اللدني ،  فكان الخواص يقول : ( لا يسمى عالما عندنا إلا من كان علمه غير مستفاد من نقل او صور ، بأن يكون خضرى المقام) ، ويصف الفقيه فى العلم الظاهر بأنه ( حاك   لعلم غيره فقط فله أجر من حمل العلم حتى أدّاه ، لا أجر العامل ) [12] . اى بإعترافه أنه لا يستقيم مع العقل ، ولذا يحتاج الى الايمان والتسليم به دون تفكير أو نقاش .

وافتخر الشعراني بأن من المنن ترفقه بالفقهاء إذا حضروا مجلسه وهو يتكلم فى ( علوم التصوف ) ورموزه التى تستعصى على الفهم ، وأنه لا يحاول إحراج أولئك الفقهاء وإظهار جهلهم بعلوم التصوف ورموزه أمام المريدين ،  وقال : ( هذا الأدب قلّ من يفعله من الفقراء ( أى الصوفية ) بل رأيت من يقصد الفقيه اذا حضر دروسه ويقول لأصحابه : إش قولكم فيمن يبين لكم جهله بالطريق : ثم يعزم عليه " ) [14]

ويقول الخواص "  ما جعل الله العلم في قلوب العلماء ليصيروا به أربابا على الناس وإنما اعطاهم العلم لينفعوا به الناس )[16]..

وجمع الخيال بكاتب مناقب الحنفى ، فافترى رواية تصور صاحب اعظم عقلية فى العصر المملوكى ـ عبد الرحمن بن خلدون ــ وقد انبهر بعلم الشيخ الصوفى شمس الدين الحنفى فأصيب بالجذب مما سمع ، تقول الرواية أن ابن خلدون حضر ميعاد الحنفى  مترددا فتكلم الحنفى ( ودقّق وأطنب على الخواطر والأسرار حتى خرج كلامه عن الأفهام ، فصار ابن خلدون يضطرب وينتفض حتى وصل إلى محل النعال ، فلما انقضى الميعاد حملوه على الحنفى فرد عليه حاله فلما ان افاق طلب المبايعة وأن يكون من مريدي الحنفي . ).! ،وقال : ( وكان الحافظ ابن حجر يجلس بين يدي الحنفي جاثيا على ركبته ومثله البساطي والأخنائى والعيني ) [18]..

6ــ وارتبط عداء الصوفية للعلم بدعوتهم للعلم اللدني الذي يهبه الحق تعالى للعارف بلا واسطة ) [20]

ويقول الشعراني فى الدعوة الى العلم اللدنى بديلا عن ( العلم الظاهر ) : ( لو انك يا اخى سلكت على يدي شيخ من اهل الله لوصلك إلى حضرة شهود الحق تعالى فتأخذ عنه العلم بلا واسطة عن طريق الإلهام الصحيح من غير تعب ولا نصب ولا سهر ، كما أخذه الخضر. فلا علم إلا ما كان عن كشف وشهود لا عن نظر وفكر وظن وتخمين ) [22]

7ــ ولأنهم نبذوا العقل وأنكروا العلم ــ ولأن الحياة لا تعرف الفراغ فقد شغلت الخرافات  ما كان يمكن ان يشغله العلم متحصنا بالعقل ) [24] .

وروى عن احدهم قوله صعدت جبل قاف فرأيت سفينة نوح مطروحة فوقه " وقال آخر " جبل قاف امره قريب مثل جبل كاف وجبل صاد وجبل عين وهى جبال محيطة بالأرض حول كل ارض جبل بمنزلة حافظها ،وجبل قاف بهذه الأرض ، وهي أصغر الأرضين، وهو أيضا أصغر الجبال ،وهو جبل من زمردة خضراء. وقيل أن خضرة السماء من خضرته ، وحُكى أن  وليا احتاج للنار فرفع يده الى القمر فاقتبس منه جذوة ...) [26]

وكان شيخ الفارضية في القرن التاسع (يحب ابن الفارض وابن العربي على جهل ولم يكن له المام بشيء من العلم ،ولا يعرف شيئا ممّا يقولانه  ) [28]  .

وادعى الأميون من الصوفية العلم اللدني مثل ( المتبولى. ) [30] ومثله محمد وفا الذي كان ( أُمّيا ) ( وله لسان غريب في علوم القوم ) [32] فيقول عنه مثلا : ( فهذه نبذة صالحة من فتاوى شيخنا وقدوتنا ولى الله تعالى الكامل الراسخ الأمي : مترجما عن معنى بعضها لكونه رضي الله عنه كان اميا لا يقرأ ولا يكتب فلسانه يشبه لسان السرياني تارة والعبري تارة ) [34] .

وتكلم المرسي على زعمه بالعربية والعجمية وقال " اذا كمل رجل نطق بجميع اللغات وعرف جميع الألسن. وقال مره لأحدهم : سل ما شئت بالعجمية أجبك بالعربية ، أو سل ما شئت بالعربية أجبك بالعجمية " ) [36]..اى تُقال طبقا للذوق الصوفى للشيخ القائل ، وعلى المريد أن يتقبلها بالتسليم الصادق.

10 ــ وقد وجدوا في الرمز وسيلة لإخفاء الجهل. ولقد ظهرت بوادر أسلوب الرمز في عصر مبكر في التصوف[38] . وافتخر الشعرانى بأنه كان يرسل الكلام ( من غير تحجير ولا تقييد على قدر فهم الحاضرين وقلّ من الفقراء من يتفطّن لهذا .. ) . ويقول عن البكرى : ( ولا يكاد احد من الحاضرين لدرس محمد البكري يتعقل شيئا من كلامه .. من الجن والانس والملائكة وغيرهم ) [40] وكلامه لايفهمه أحد .! و كان الحنفي (اذا استغرق في الكلام وخرج عن افهام الناس يقول وهنا كلام لو أبديناه لكم لخرجتم مجانين لكن نطويه عما ليس به صلة  ) [42] وكان المتبولي أميا من أدعياء    العلم اللدني...

التقييم العلمي لكبار الصوفية المملوكيين وتأثر الفقهاء علميا بالتصوف

كتاب : أثر التصوف  المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية

الفصل الثانى  :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )

 التقييم العلمي لكبار الصوفية المملوكيين وتأثر الفقهاء علميا بالتصوف

 1ــ قيل عن احمد البدوي أنه( قرأ شيئا من الفقه الشافعي وحفظ شيئا من القرآن ) [44]. والبدوي كداعية سياسي لم يجد الوقت الكافي دارسا أو مدرسا إلا في أوقات تستره من الظاهر بيبرس كما فصّلنا فى حركته السياسية .

وآثار البدوي عبارة عن صلوات ووصايا ذكرها عبدالصمد في مناقبه وهي تدل على ثقافة رشيقة. ولعل تلك الثقافة الهابطة للبدوي جعلت من اتباعه يسندون إليه كرامات أكثر حدة في معاقبة العلماء المنكرين عليه، حيث عوقب المنكر بشوكه في حلقه أو سلب العلم والحفظ من قلبه ، وفوق ذلك تميز البدوي ــ كما قيل ــ بأنه تبول من على سطح الدار في مجموعة من العلماء أتت لمناقشته ) [46] وقال عنه الشعراني أنه ( تفقه على مذهب الشافعي ثم اقتفى اثار السادة الصوفية  ) [48]..

4ــ وكان الفرغل ــ وهو احد الأولياء الموصوفين بالتمكن في الولاية ــ لا يحفظ القرآن وجاهلا . ويتكرر  في الكرامات المسندة إليه أنه يعاقب من يعترض على جهله بمقولة ان الله لا يتخذ وليا جاهلا  ) [50]..، ونقل أتباعه الكثير من اشاراته او تفسيراته .  إلا أن الشك قائم في صحة هذا النقل ، فالشاذلي يقول : ( كتبى  اصحابي ) فهو معلم صوفى وليس بعالم .

نماذج لفقهاء تأثروا بالتصوف المملوكي بعد مرور مرحلة من حياتهم مع الفقه

1 ـ أبرزهم ابن دقيق العيد. قيل إنه كاد يصل إلى مرحلة الاجتهاد ، ثم نُسبت له كرامات ومعارف صوفية مع علمه بالعلوم الشرعية والعقلية و الدبنية) [52]. وكان ( يقود الشطحات الصوفية فتعقد له مجالس للتحقيق . ) [54].. وبعد أن كانت له مؤلفات في الفقه والتفسير والحديث والسيرة ــ وكلها مؤلفات صغيرة ــ زاد عليها مؤلفات في التصوف .

والواقع ان ابن عبدالسلام لم يكن عالما بنفس مقياس شهرته في الوعظ او حتى على المستوى العلمي الذي كان لابن دقيق العيد ، ومؤلفاته خير دليل على ذلك ، وقد حاول بعض الباحثين التشكيك في علاقته بالصوفية والتصوف ) [56] وهو يمثل طبقه من العلماء  دانوا للتصوف بلقمة العيش وفي سبيلها لم يشتركوا مع الفقهاء الاخرين في الإنكار على الصوفية ...

4 ــ ومنهم ابن خلدون شيخ خانقاه بيبرس وبه نختتم تلك العلماء . والواقع أنه لم يكن متصوفا ولا يمكن ان يكون صوفيا لأن حياته لا تسمح له بسلوك هذا الطريق  كما ان عقليته أكبر من ان تدين للتصوف في العصر المملوكي. ورغم انه اضطر للدفاع عن التصوف في مقدمته إلا أنه كان أقرب للباحث منه الى الفقيه الخاضع للتصوف . وبه تأثر تلامذته من الفقهاء والمؤرخين ، وأبرزهم المقريزى أعظم مؤرخى العصر المملوكى .

 أخيرا  ـ ونختم بالسيوطى( 849 ـ 911 )

السيوطى أحد الأعلام المشاهير،والذى يمثّل سطوة التصوف على الفقهاء فى أواخر العصر المملوكى.  ومنسوب للسيوطى حوالى 600 كتاب ، المذكور منها اقل من رُبع هذا العدد . وليس منها على الإطلاق كتاب أصيل فيه إجتهاد ، مثل إجتهاد برهان الدين البقاعى  فى كتابه (نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور ) .

السيوطى فى مؤلفاته يغلب عليه إنتحال مؤلفات الغير ونسبتها لنفسه ، وهذا ما قاله عنه خصمه المعاصر له السخاوى ، وقد كان السخاوى مع قلة مؤلفاته أفضل كثيرا من السيوطى فى مجال التأريخ والحديث . كما يغلب على السيوطى تلخيص مؤلفات الغير ، ونسبة هذا لنفسه ، وقبيل مولد السيوطى كان قد تم شرح وتلخيص التراث العباسى  ـ فى التاريخ والتفسير والحديث وما يعرف بعلوم القرآن. فجاء السيوطى يعيد شرح ما سبق شرحه وتلخيص ما سبق تلخيصه ، وتفرغ لهذا العبث ـ ولهذا السبب فإن المئات من مؤلفاته لم يهتم بها أحد ، وسقطت فى بئر النسيان ، ولم يبق من الستمائة مؤلف الا ما وقعت عليه أيدينا .

إلا إن الخطيئة الكبرى للسيوطى فى نظرنا هى جُرأته الفائقة على الكذب ، فلم يكتف بزعم أنه يرى الرسول فى المنام بل زعم أن الرسول كان يأتى اليه فى اليقظة ، ويأخذ عنه العلم . وبالتالى فقد أباح لنفسه أن يصنع الكثير من الأحاديث ، يضيفها الى كتاباته فى شروح ما كتب السابقون أو فى مؤلفاته ورسائله على إختلاف موضوعاتها . وندعو الباحثين الجادين الى التخصص فى مؤلفات السيوطى ، وبيان ما إنتحله من السابقين ومدى أمانته فى النقل ، وتوضيح مفترياته فى الأحاديث ، وتناقضه فى مؤلفاته ، وما أضافه وما أهمله . ونسجل هنا ملامح سريعة عن مؤلفات السيوطى : 

  فى شرح وتلخيص مؤلفات السابقين :

فى علوم القرآن :

كان السيوطى خصما لبرهان الدين البقاعى ( 809 : 885 )بطل ما يعرف بكائنة البقاعى وابن الفارض فى عصر قايتباى ، وقد كتب البقاعى كتابين ( تحذير العباد ) و ( تنبيه الغبى الى تكفير ابن عربى ). وقد ردّ عليه السيوطى بكتاب تافه لم يُلتفت اليه ، بعنوان ( تنبيه الغبيّ في تبرئة ابن عربي). ومع هذا الخصومة فقد إستباح السيوطى لنفسه ـ بعد موت البقاعى ـ أن يلخص كتاب البقاعى ( نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور)  وهو أول كتاب فى مناسبة الآيات والسور فى عدة مجلدات ، لم يسبق البقاعى فى هذا الاجتهاد أحد ، وهو منحى جديد فى علوم القرآن . جاء السيوطى فسرق جهد البقاعى فى كتاب صغير تافه ، ومن أسف فإن كتاب البقاعى فى علم المناسبة لم يتم طبعه ونشره حتى عام 1980 ، بينما تم نشر كتاب السيوطى .

وأخطر وأشهر كتب السيوطى هو : ( الاتقان فى علوم القرآن ) . وفارق هائل بين هذا الكتاب للسيوطى وبين ما كتبه القاضى الباقلانى ( 338 ــ 402 ) فى العصر العباسى عن إعجاز وعلوم القرآن . فى كتابه ( الاتقان فى علوم القرآن ) وجّه السيوطى سهامه للقرآن الكريم ، حيث جمع فيه حُثالة ما كُتب من قبل فى الطعن فى القرآن الكريم ومزاعم النسخ والتشكيك فى سور القرآن ، بحيث أن من يريد الطعن فى الاسلام فسيجد بُغيته فى هذا الكتاب.   كتاب ( الاتقان فى علوم القرآن ) يستلزم بحثا مستقلا لا يتسع له المجال هنا ـ يوضح نقول السيوطى من السابقين وإفتراءته على القرآن الكريم . ومع ذلك فهو أهم كتب السيوطى وأكثرها شيوعا . وللسيوطى كتاب ( اعراب القرآن ) الذى نقله من التفاسير المتخصصة فى إعراب الآيات القرآنية . ومثله :( المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب) . وتجرّأ السيوطى على إتهام الكتاب المبين القرآن العظيم بآياته البينات فوصفه بالمُبهم وجعل هذا عنوانا لكتابه (مفحمات الأقران في مبهمات القرآن). ونقل من كتاب النياسبورى ( أسباب النزول ) وغيره فى كتاب (لباب النقول في أسباب النزول  ).  ونقل عن السابقين ما قالوه فى التفسير بالمأثور فى كتابه :(الدر المنثور فى التفسير بالمأثور )

فى الحديث :

 فى شرح كتب الحديث السابقة : له :  ( الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ) ( شرح سنن ابن ماجه ) ( تدريب الراوى في شرح تقريب النواوي) . وله فى شرح موطأ مالك كتابان ( تنوير الحوالك شرح موطأ مالك) وأيضا (كشف المغطي في شرح الموطأ). وله ( عقود الزبرجد  على مسند الامام أحمد ) و ( شرح السيوطي على سنن النسائي) و ( همع الهوامع شرح جمع الجوامع ) و( مشتهى العقول في منتهى النقول ).

وتابع السابقين  فى جمع الحديث وتزييف وصناعة الأحديث، وله فيها  كتب ورسائل منها   ( لباب الحديث). وكان السخاوى خصما للسيوطى . وللسخاوى كتاب (المقاصد الحسنة فى الأحاديث المشتهرة على الألسنة ). وبعد موت السخاوى نقل السيوطى نفس الكتاب تقريبا بعنوان ( الدرر المنتثرة فى الأحاديث المشتهرة  ) . وللسيوطى أيضا نقلا عن السابقين ( اسباب ورود الحديث) . وجمع الأحاديث الموضوعة عن المهدى فى ( العرف الوردى فى اخبار المهدى ). هذا مع أن ابن القيم الجوزية أكّد فى كتابه ( المنار المنيف فى الصحيح والضعيف ) أن أحاديث المهدى موضوعة .  

وتناقض السيوطى مع نفسه ، إذ كتب : ( اللآليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة )، وفيه تابع من كتب منتقدا الأحاديث الموضوعة كابن الجوزى فى كتابه عن الموضوع من الأحاديث وابن القيم فى ( المنار المنيف )وابن تيمية فى ( أحاديث القُصّاص ). وله ايضا : ( الانتصار بالواحد القهار) في وضع الحديث . ثم يكتب دفاعا عن السُّنّة : ( مفتاح الجنة في الاعتصام بالسنة) . يعنى تراه يصنع الأحاديث ويستشهد بها ثم يكتب متتبعا الأحاديث المصنوعة التى إختلقها غيره. ومن المهم جدا عقد مقارنة بين السيوطى وأولئك السابقين لمعرفة ما نقل عنهم وما أضاف فى كتابه من أحاديث وضعها عصره .

فى الفقه :

نقل عن السابقين كتابه ( الأشباه والنظائر ) فى اصول الفقه ، وله أيضا ( الحاوى للفتاوى ) ومثلهم كتب فى ( ذم المكس ) و ( أكام العقيان في أحكام الخصيان  ).

وفى علوم اللغة والنحو

نقل عن السابقين :( المزهر فى علوم اللغة ) و ( الأشباه والنظائر فى علم النحو ) و ( عقود الجمان في علم المعاني والبيان) .

وفى التاريخ :

وصل علم التأريخ الى ذروته فى القرن التاسع الهجرى بمؤلفات المقريزى(764 ــ 845 ) وابن حجر (  773 ــ 852  ). وتابعتهم ثلة من المؤرخين عاصرهم السيوطى مثل ابى المحاسن ابن تغرى بردى( 813 ــ 874  ) و السخاوى المؤرخ المحدث ( 831 ـ 902 )  وله كتاب ضخم فى ترجمة أعيان عصره هو ( الضوء اللامع فى اعيان القرن التاسع ) بالاضافة الى كتاب ( التبر المسبوك فى ذيل السلوك ). وابن اياس ( 852 ــ 930  ) فى موسوعته التاريخية ( بدائع الزهور ) فى 11 مجلدا ، عدا مؤلفات أخرى تاريخية .

السيوطى (849 ـ 911 ) لم يؤرخ لعصره ، إقتصر على نقل ما كتبه السابقون على النحو التالى :

إشتهر التأريخ للشخصيات ( أو الطبقات) ، وبدأ هذا مبكرا ب (محمد بن سعد) ت 230 ، فى الطبقات الكبرى ، ثم تابعه آخرون فى العصرين العباسى والمملوكى لتشمل كتاباتهم طبقات العلماء والأطباء والفقهاء والصوفية وأصحاب الحديث والتفسير ..الخ . نقل السيوطى عنهم : (  طبقات الحفاظ ) عن أهل الحديث ، ( طبقات المفسرين ). و له من هذه النوعية: ( اسعاف المبطأ برجال الموطأ ).

وكتب المقريزى موسوعته الضخمة ( المقفّى ) يرصد فيها من جاء لمصر من الصحابة والتابعين ، فنقل عنه السيوطى وكتب كتابا تافها بعنوان (در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة  ). وكتب ابن الأثير ( 555 ـ 630 ) قبيل العصر المملوكى  تاريخ ( الكامل ) الذى استكمل فيه تاريخ الطبرى، وكتب أيضا  كتابا ضخما فى تاريخ الصحابة هو ( أُسد الغابة فى معرفة الصحابة ). وجاء السيوطى بعده بأربعة قرون يلخص هذا الكتاب فى (عين الإصابة في معرفة الصحابة ).

ومن كتب الحوليات التاريخية للعصر العباسى وغيره جمع السيوطى (تاريخ الخلفاء ) فى كتاب بهذا العنوان . وله أيضا فى تراجم المشاهير (نظم العقيان في أعيان الأعيان ) . ونقل بالتلخيص بعض مؤلفات المقريزى فى الخطط وغيرها فى كتاب (كوكب الروضة  ) و (حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة ). ونقل عن ابن حزم الاندلسى ( 384 ــ 456 ) من كتابه ( جمهرة أنساب العرب ) مؤلفا هزيلا أسماه (لب اللباب في تحرير الأنساب).

كتب المناقب

لم يؤلف السيوطى كتابا فى التأريخ لعصره ، وفى المقابل إهتم بكتب المناقب التى تتحرر من الالتزام التاريخى بالأمانة والصدق، بل تتخصص فى المدح والتمجيد الذى يصل الى درجة التقديس للشخصيات التاريخية ، ولا تتورع عن سبك الأحاديث وصناعة الروايات ، وهذا منحى إستشرى بسيادة التصوف فتحولت به كتب الطبقات الى كتب متخصصة فى الإفتراء بحيث لا يُعوّل عليها فى البحث التاريخى بسبب كذبها ومبالغاتها المفرطة ، وإن كانت صادقة فى التعبير عن عقلية من كتبها . وبها يمكن إلقاء المزيد على عقلية السيوطى الذى كتب الكثير من كتب المناقب وملأها بأحاديث مصنوعة وروايات موضوعة . ونستعرض أهمها :

فى مناقبه الشخصية كتب السيوطى : ( التحدث بنعمة الله -)ذكر فيه بعض علومه وترجمته.و ( ارشاد المهتدين الى نصرة المجتهدين ) ( صفة صاحب الذوق السليم ). وتقربا من السلطان قايتباى كتب ( تاريخ قايتباي ). وفى الهجوم على خصومه كتب ( القام الحجر لمن سب ابا بكر وعمر )و ( الكاوى على السخاوى ). وفى مناقب الخلفاء الراشدين كتب : ( الروض الأنيق في فضل الصديق )( الدرر في فضل عمر  )( تحفة العجلان في فضل عثمان)( القول الجلي في فضل علي ) ، وفى غيرهم : ( إحياء الميت بفضائل آل البيت )( العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية )( الأساس في مناقب بني عباس ) ( تزيين الممالك بمناقب الإمام مالك ). وفى كل ما سبق نقل عن السابقين واضاف أكاذيب من عنده .

فى التصوف :

بالاضافة الى دفاعه عن ابن عربى أشهر من أعلن عقيدة وحدة الوجود المناقضة للاسلام ـ نرى السيوطى ـ والمشهور أنه فقيه سُنّى ـ وقد وقع صريعا للتصوف وخرافاته ، يكتب فيه وفيها بحماس شديد يتناقض مع كونه سُنيا . عن الطريقة الشاذلية كتب السيوطى  :( تأييد الحقيقة العلية وتشيد الطريقة الشاذلية  ). وعن الأوراد الصوفية كتب : (عمل اليوم والليلة ) و (تحفة الأبرار بنكت الأذكار) وعن الموالد الصوفية كتب (حسن المقصد في عمل المولد ) . وأشاع الصوفية كرامات للولى الصوفى منها ( التطور ) أى تشكل الولى الصوفى وتجسده فى هيئة حيوان أو ملاك ، وكتب السيوطى يؤيد ذلك بروايات وأحاديث موضوعة فى رسالته : (القول الجلي في تطور الولي ) . وكان السيوطى ممّن يزعم رؤية النبى محمد عليه السلام فى المنام وفى اليقظة ، وقد شاع هذا فى عصر سيطرة الحنابلة وعكسه كتابات ابن الجوزى ت 597 فى أواخر العصر العباسى خصوصا فيما كتبه ابن الجوزى فى مناقب ابن حنبل  . ثم أصبحت عقيدة ثابتة فى العصر المملوكى . وكتب السيوطى فى ذلك (  إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء) ( تنوير الفلك في رؤية النبي والملك ) ( الحبائك فى أخبار الملائك )

( إبداعات) السيوطى فى التوافه 

 1 ـ  كتب السيوطى رسائل وكتبا عجيبة ملأها احاديث من إختراعه ، منها : (الأسفار عن قلم الأظفار ) ( بلوغ المآرب في قص الشارب ) و ( الفتاش على القشاش ) ( الفاشوش في أحكام قراقوش  ) ( الطرثوث في فوائد البرغوث  ) ( ما رواه السادة في الاتكاء على الوسادة  ) ( المنحة في السبحة ) ، ( أنيس الجليس  ).

2 ـ وكان يؤلف حسب الطلب ، أو تعبيرا عن موقف ما ، ولا يتحرج من الاستشهاد بأحاديث يصنعها ، كما جاء فى رسالته : ( ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين) و(بذل المجهود في خزانة محمود ( عن استعارة الكتب ) و(أسئلة السلطان قايتباي ) و( حصول الرفق بأصول الرزق  ). و( كشف الصيانة عن مسألة الاستنابة  ).

3 ـ وكانت له كتابات جنسية صريحة ، مثل ( نواضر الأيك فى معرفة النيك  ) و ( رشف الزلال من السحر الحلال  ) و (  شقائق الأترج في دقائق الغنج ) . 

السيوطى بهذا هو ضحية للتصوف . لو إستخدم طاقته العلمية فى الابتكار فى كتاب واحد لأضاف جديدا ، مثلما فعل ابن خلدون فى المقدمة . ولكن السيوطى أضاع حياته عبثا فى جمع مخلفات السابقين وتصنيع أحاديث مزورة ينسبها لخاتم المرسلين ..

أثر التصوف  فى تدهور المستوى العلمى فى العصر المملوكى

كتاب : أثر التصوف  المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية

الفصل الثانى  :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )

  أثر التصوف  فى تدهور المستوى العلمى فى العصر المملوكى

1ــ كتب بعض الباحثين رأيا طيبا في العلم في العصر المملوكي يقول (ازدهرت الحركة العلمية والأدبية في أواخر القرن الثامن الهجري واوائل القرن التاسع وحفل القرن التاسع بالأخص بعدد كبير من الأساتذة البارزين في سائر العلوم والفنون وساهم الأزهر الى  جانب المدارس الأخرى  ) [58] والغزالى الصوفي الشهير هوصاحب القول المشهور: ( ليس في الإمكان أبدع مما كان ) ، وتمسك متصوفو العصر المملوكي بتلك الكلمة لترسيخ التقليد وتحريم الاجتهاد ، فوضعوا عليها الشرح مثل محمد المغربي والسيوطي والشاذلي والشعرانى  [60] أى هى طريقة الجاهليين فيما وجدوا عليه آباءهم . وابن الحاج كوافد مغربي لمصر يتعجب لهذه الظاهرة ــ ظاهرة تقليد السابقين واتخاذها سنة مع تعطيل العقل وتقديم طريق الأشياخ عليه.

والصوفية قرنوا دعواتهم لنبذ الاجتهاد بتحصين طريقهم الصوفي من الاعتراض بشتى الطرق . يقول ابرهيم الدسوقي : ( صاحب الجهد قاصر ما لم يقرأ في لوح المعاني سر عطاء القادر ، فقد يعطي المولى من يكون قاصرا ما لم يعط أصحاب المحابر ، وليس مطلوب القوم الا هو ، ( أى الله ) فان حصلوا على ما ارادوا عرفوا بتعريفه كل شيء من غير تعب ولا نصب . ثم ان صحت له المعرفة فلا حجاب له بعد ذلك ) [62]...

والشعراني يفتخر بتصديقه للصالحين في كل ما يخبرون به وأن أنكره العقل ويبيح الاجتهاد لأهل الكشف لاطلاعهم على الأسرار الإلهية بلا نظر وتأمل. وفي نفس الوقت الذي يحرم فيه عن المريد التفكير وإطالة النظر رغبة في الفهم،  ويستخدم في ذلك المنطق المعكوس والتخويف (.... اذ ينبغي التأدب مع الله ولا نتكلم إلا بما نعلم .... ولا نخوض من غير تحقيق .) [64] . ويهدد الشعراني من يختلف مع أحد الأئمة الأربعة ، فيروى قصة عن شخص ألّف كراسة في الرد على أبي حنيفة وعرضها على الشعراني ، فطرده ، ثم وقع لذلك الشخص مكروه اعتبره الشعراني عقابا له على جرأته على أبي حنيفة ، ورفض أن يزوره في محنته ادبا بالإمام أبي حنيفة ، يقول : ( حتى لا أوالى من أساء الأدب معه ) [66] مجلس لامتحان الهروي ــ قاضي القضاة ــ وقد ادعى حفظ اثنى عشرة ألف حديث بأسانيده، وحضر السلطان المجلس مع العلماء ، وظهرت في روايات ابن حجر في ذلك المجلس العلمي ــ وكان حاضرا ــ تفاهة الأسئلة وسطحية الإجابات مما لا يتفق مع شهرة أسماء الحاضرين . [68] ..

وفي مناظرة بين ابن مغلى والسيرامى حضرها السلطان المؤيد شيخ تبارى المتناظران في الحفظ وصاح المنتصر في النهاية: ( مولانا قاضي القضاة حفظه طاح ) [70] الذي كان المقياس العلمي للعصر المملوكي ...

5 ــ وقد وضعت "الفوائد" للتمتع بدوام نعمة الحفظ . يقول الابشيهي : ( اذا أردت أن لا تنسى وكذا أردت ان ترزق الحفظ ، فقل خلف كل صلاة مكتوبة : بالله الواحد الأحد ....... الخ .. ومن فوائد سيدي الشيخ صالح بن عجيل في الحفظ : يقرأ في كل يوم عشر مرات: ففهمناها سليمان ...... الخ .. ) [72]  وذلك منتظر من ابن خلدون الذي كان نادرة لا ينتمي لعصره المملوكى.

7 ـــ ولم يكن غريبا أن يخاف أولئك ( العلماء) في العصر من تهديد الصوفية لهم بسلب العلم والقرآن ،أي سلب ما لديهم من الحفظ ، الذي هو كل محصولهم العلمى ، مما يعد دليلا على ضعف الشخصية العلمية وهبوطها العقلي الذي يعتمد أولا وأخيرا على مجرد الحفظ ، ويعتقد في قدرة الكرامات الصوفية على محو ذاكرتهم وما يحفظونه ، فتخشاهم إبقاء عليها. وترددت كرامات فى تخويف أولئك العلماء بسلب ما يحفظون ، وكان لها أبلغ الأثر فى تدعيم سٌلطة الصوفية من ناحية ، وفى هبوط المستوى العقلى والعلمى من ناحية أخرى.

8 ـ وفي الوقت الذي أصبحت فيه خرافات التصوف علما  ـــ حوربت العلوم العقلية ، فالسيوطي قد ألّف : ( الغيث المغدق في تحريم المنطق )،  وجاء شخص للشيخ الفتوحي الحنبلي قاضي القضاة يريد ذلك الشخص أن يقرأ عليه شيئا من المنطق فقال له " يا ولدي قد صار الفقه ثقيلا على قلبي ، فما بالك بعلم أفتى بعض العلماء بتحريم الاشتغال به ) [74] في الانكار على من اشتغل في الفلسفة ، وهاجم الفارابي وابن سينا  [76] . والسيوطي خير ما نتخذه مثلا للعلم المملوكي فمن عادته أن يفخر  ( بالسرعة لا بالتدقيق ) [78] . هذا ما قاله بعض الباحثين المعاصرين .

وأقول إن القارىء للسيوطى يشعر أن السيوطي بأنه لا يستعمل عقله فيما ينقله. ففي إجابته عن سؤال أين تذهب الشمس بعد الغروب قال بأنه " يبتلعها حوت وتغرب في عبن حمئة ، وقيل انها تطلع من سماء إلى سماء حتى تسجد تحت العرش وتقول يا ربي ان قوما يعصونك فيأمرها بالرجوع ، وقال اما الحرمين وغيره لا خلاف في ان الشمس تطلع عند قوم وتغرب عند آخرين والليل طويل عند قوم وقصير عند الآخرين وعند خط الاستواء يكون الليل والنهار مستويين "  ) [80] ويقول : ( يكاد العلم والأدب والفن قد انتهى فى العالم العربي بانتهاء القرن الخامس ، وربما تولد شيء في القرن السادس من الابتكار والتجديد ،أما بعد ذلك من ابتداء القرن السابع وحتى النهضة الحديثة (العصرين المملوكي والعثماني) فيكاد يكون ترديدا لما فات ، تجميعا لمتفرق او تفريقا لمتجمع" ) [82]..

والواقع انه قد ظلم العنصر الفارسي الذي أسهم فى الحياة العلمية في القرون السابقة، كما  ان هجوم التتر لم يكن مانعا من الاجتهاد العلمي ، بل أنه ألهب حماسة العلماء لتعويض ما دمر  من مؤلفات ، وكان العلماء العرب أساتذة للصليبيين ، وانتشار العصبيات لا يعوق الحركة العلمية بل قد يدفع للمنافسة بينها ، وما ذكر عن سقوط المعتزلة صحيح وان لم يعلل ذلك السقوط  بانه كان هزيمه مبكرة للإتجاه العقلى أمام الحنابلة فى العصر العباسى الثانى . وكان هذا قبل العصر المملوكى بقرنين على الأقل ,

ويقترب باحث اخر من الحقيقة حين يقول مترفقا ( ومن سمات العصر قوة التصوف ولعل ذلك من عوامل  ضعف الحركة العلمية،  فإن العلم يعتمد على العقل والفكر على حين يعود التصوف الحق على الذوق والوجدان ) [84] ..  ...

10 ــ وبعدٌ ..

فإن تاريخ العلم يختلف عن التاريخ السياسي لأمة من الأمم.  فمن الممكن أن تبدأ أُمّة بالضعف ثم تصل إلى القوة والشباب ثم تنحدر للضعف والانحلال . وهذا واضح فى مسيرة التاريخ الانسانى . إلا إن التاريخ العلمى ليس حتما أن يرتبط بهذا الخط البيضاوي البياني ، كما لا يرتبط تاريخ العلم في امة ما بقوتها السياسة، بل ربما تزداد القوة العلمية لأمة ما في عصر ضعفها بل تفككها السياسي، فالمسلمون تفرقوا دولا وأمراء في القرن الرابع الهجري وهو عصر الازدهار العلمي ، بل إن الأمة المهزومة قد تنتصر علميا على الفاتحين الجهلاء وفي التاريخ امثلة كثيرة ( أثينا مع اسبرطه والعرب مع البلاد المفتوحة والتتار مع العرب والصليبيون مع المسلمين والأتراك مع المصريين في الفتح العثماني ) .

العلم في الطريق الطبيعي ـ بدون عوائق ــ يسير في صعود وتقدم ، ويتوقف وينحسر ويذبل وينتهى إذا وُوجه بالجهل الذى يتمسح بالدين .

العلم فى أوربا ظل فى تقدم فى اليونان ( سقراط / افلاطون / ارسطو / جالينوس ..الخ ) ، وتلقّح بالحضارة الفارسية فى عهد الاسكندر الأكبر وخلفائه ، ثم قام الرومان بالبناء عليه ، ثم تحكمت الكنيسة فى العقل الأوربى فتوقفت مسيرة العلم الأوربى . العلم فى تاريخ المسلمين حمل الراية بعد اوربا بترجمة مؤلفات الاغريق وغيرهم ، والنقل عن الحضارات السابقة ـ أوربية وفارسية ـ وبنى عليها ، وظل فى تقدم إلى ان أوقفه الحنابلة باسم ( السّنة ) وأنها وحى سماوى، وجعل ( علوم السنة ) من حديث وتفسير وعقائد ( علم الكلام ) وما يسمى بعلوم القرآن ــ بديلا عن العلوم الحقيقية الفلسفية والطبيعية . ثم قضى التصوف بالتدريج على ما تبقى من ( العلوم السنية ) ، ووصل بالحياة العقلية الى الحضيض. هذا ، فى الوقت الذى بدأت فيه النهضة الأوربية بترجمة المؤلفات العربية ـ فى عصر الازدهار العلمى ـ والبناء عليها ، وإكتشاف المنهج العلمى التجريبى فى العلوم الطبيعية والذى دعا اليه القرآن الكريم ، كما إتبعوا دعوة القرآن فى السير فى الأرض ــ كل هذا بدون معرفة بالقرآن ـ ولكن وصلوا للمنهج القويم علميا لأنهم بدأوا الخطوة الأساس وهى تحجيم دور المسيحية وأربابها وتحريم تدخلها فى السياسة والتفكير وحظر تجولها فى الشارع ، وسجنها داخل أديرتها وكنائسها . بهذا إنطلقت أوربا تكتشف العالم وتستعمره ، وتكتشف البخار والقوى الكهربائية وتخترع ، ودخل بها العالم فى مسيرة علمية تتقدم الى الأمام حتى الآن ـ بعد أن تحرر العقل والفكر من تحكم المسيحية وكنيستها . ومن أسف أنه فى الوقت الذى كان فيه الشعرانى يسجل بطولاته الوهمية مع الجن وأسفاره الوهمية حول العالم ، وفى الوقت الذى عاش فيه المسلمون يفكرون فى ( جبل قاف ) وقدرة الولى الصوفى على تحريك الجبال وهزيمة الجيوش كانت أوربا تكتشف العالم الجديد ، وتجرّب إستعمال البخار قوة متحركة . وظل المصريون فى سُبات عميق الى أن أيقظتهم مدافع نابليون وهى تدكُ الأزهر ، فهرع شيوخ الأزهر يقاومون مدافع نابليون بتلاوة صحيح البخارى و ( دلائل الخيرات ) . وبعودة الحنبلية الوهابية تتحكم فى عقلية مسلمى اليوم عادت خرافات الأحاديث وعجائب الفتاوى الفقهية تصدر الساحة تحمل إسم الاسلام .

أثر التصوف  فى الاتجاهات ( العلمية ) فى العصر المملوكى

كتاب : أثر التصوف  المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية

الفصل الثانى  :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )

 أثر التصوف  فى الاتجاهات ( العلمية ) فى العصر المملوكى

 تنقسم هذه الاتجاهات إلى مؤلفات بأكملها ثم الى تفريعات داخلية . ونمثل لكل منها :ــ

1ــ وضعت مؤلفات في أصول صوفية كالولاية. وللسيوطي رسائل وكتب في تطور الولى ورؤيته النبي والملك وفضائل آل البيت وفضائل المسبحة وعمل اليوم في الأوراد [86] . واهتم المؤلفون بكتب الزوايا والمناقب وحكايات الصالحين مثل الكواكب السيارة لابن الزيات وتحفة الأحباب للسخاوي، وألف الميقاتي احد مشايخ الزوايا "غرائب الأخبار" في حكايات الصالحين وجمع كتابا فيه قبور الصالحين بالقرافتين   [88] ويذكر ان الأبشيهي فى كتابه ( المستظرف فى كل فنّ مستظرف ) تابع ابن عبد ربه في كتاب ( العقد الفريد ) وزاد عليه الابشيهى ــ متأثرا بالتصوف ــ مناقب الصالحين وكرامتهم وذكر فصلا عن التصوف والوجد [90] . وللسيوطي رسالة أخرى في حياة الأنبياء في القبور .

3 ــ وساد الاعتقاد في الاتصال بالجان وتشكلهم وتجسدهم الحسي امام الأولياء، فوضع الشبلي كتابا هاما في أحكام الجان، وتابعه الشعراني الذي فى كتابه ( الران ..)

4 ـ والشعرانى قصر كتابا آخر هو (المنن الصغرى) على الهدية وأحكامها حيث كانت النذور ــ أو القرابين ــ تنهال على المتصوفة من النساء والرجال .

5 ــ  وشارك أولياء الصوفية فى الانحلال الخلقي في العصر المملوكي ، وتلون تصوفهم بهذا اللون السيء ، وعكست بعض المؤلفات مظاهر ذلك فيما يعرف بالأدب المكشوف،  فالسيوطي له منام " رشف الحلال الزلال "ل جعل فيها عشرين إماما من أئمة المعرفة يتحدثون بالتفصيل عن ليلة زفافهم كل بأسلوب علمه. وله أيضا (دقائق الأترج فى دقائق الغنج ). وفصل تحت هذا العنوان رسالة بأكملها أسندها للحور العين ولم ير فيما ذكره عيبا.

6 ـ ونشر الصوفية الشذوذ الجنسى وجعلوه من ملامح عقيدتهم وعبادتهم ، فردّ عليهم فقهاء سنيون مثل ابن تيمية فى كتابه (التنفير من الأمرد) وقال فيه :" وأما من نظر إلى الأمر ظانا أنه ينظر الى مظاهر الجمال الإلهي وجعل ذلك طريقا إلى الله كما يفعله طوائف المدعين للمعرفة فقوله هذا اعظم كفرا من عبادة الأصنام ) [92].....

6 ـ واكتشف الصوفية الحشيش ونادي بتشريعه وأنه حلال ، فألف الزركشي رسالة في الرد على من نادى من الصوفية بحل الحشيش.

7 ــ وأشاعت دعوات المتصوفة جوا من الاتهام السريع بالكفر ، فوضع الرشيدي رسالة جمع فيها الألفاظ المكفرة على عهده.  ولابن حجر رسالة فى ( الخصال المكفرة ) [94] ، وشاعت ثقافة تزكية النفس والغير ، فانتشرت كتب المناقب حتى أن السيوطي عدّد مناقب البرغوث في رسالة ( الطرثوث في فوائد البرغوث).  وكثرة  مؤلفات السيوطي وكثرة ما جمعه وضعف شخصيته العلمية اوقعه في التناقص في المؤلفات،  فبينما وضع رسالة (ليس في الإمكان ابدع مما كان) وضع أخرى في (الرد على من جهل ان الاجتهاد فرض) وبينما جمع الحديث صحيحا وموضوعا في الجامع الكبير ألف رسالة ، فيمن يروى الموضوع من الحديث...

9ــ والتفريعات الخاصة بالتصوف والمتأثرة به أكثر من أن تستقصى، واهمها عن الكرامة وصلتها بالمعجزة  [96] والخضر وحياته،  وزيارة قبر النبي عليه السلام  [98] تأثرا بالكشف الصوفي ، وأثر جبل قاف في احداث الزلازل في الأرض  [100] تأثرا بما أشيع عن كرامات الأولياء الذين يركبون السباع . وبحث السبكي وغيره في معنى حديث (كنت نبيا وادم بين الماء والطين )من خلال العقيدة الصوفية (الحقيقة المحمدية الصوفية )  ، وألف الأزرعي كتابا في الفقه سماه (الغوث ) [102] في ترجمة ابن الديري أنه (ألف الكواكب النيرات في وصول الثواب للطاعات إلى الأموات ) اقتفى فيه أثر السروجي مع زيادات كثيرة .... والسهام المارقة في كبد الزنادقة وفتوى في هل تنام الملائكة ام لا) إلى غير ذلك من أمور يهتم بها المتصوفة والمتأثرون بهم ...

أثر دعوى العلم اللدنى الصوفية فى الزعم بعلوم وهمية

أُكذوبة العلم اللدني الصوفية تفرع عنها ادعاء الكثير من العلوم التي اختلفوا في تحديد أسمائها واتفقوا في انها من خصائص الأولياء دون غيرهم،  وكلها محض اختلاق..

فالمرسي كان يتحدث في ( العقل الأكبر والاسم الأعظم والأسماء والحروف ودوائر الأولياء واعداد الأذكار ومقامات الموقنين والملائكة المقربين ، ويوم المقادير وشان التدبير وعلم البدء وعلم المشيئة وشأن القبضة ورجال القبضة وعلوم الأفراد )......الخ  ) [104] . وزعم الدسوقي علم الدنيا والأخرة وعلم سدرة المنتهى وعلم الساعة وكلام الغيوب واللوح المحفوظ ، وعلم أسماء المنكرين عليه وعلم القدرة الأبدية ، وعلم الموت الذي يقبض به عزرائيل الأرواح، وعلم الأسماء المكتوبة على شجرة المنتهى  ، والعلم الذي تسير به الرياح والسحاب الذي ينزل به الغيث والعلم الذي يصعد به الملائكة السماء، وعلم  الاسم الأعظم ، وحفظة الاسم الذي ينزلون به الى الأرض ......) [106] وقال المتبولي (أعطيت استخراج العلوم من القرآن العظيم من فقه واصول وبيان وجدل وعروض وغير ذلك  ) [108]  

بعيدا عن تلك الخرافات الصوفية نذكر ان اهم علوم اشتهرت عند الصوفية هي الحرف والكيمياء وكيمياء الرمل .... وبهم إشتهرت  في العصر المملوكي ...وقد سبق التعرض لها فى مبحث التحايل فى الجزء الثالث عن أثر التصوف فى الانحلال الخُلُقى ، فى موضوع التحايل من كتاب ( أثر التصوف فى الحياة الدينية فى مصر المملوكية ) . فلا داعى للتكرار .

 وهكذا فإن تلك ( العلوم الصوفية ) ــ ان صح وصفها بالعلوم ــ قائمة على أن أساس الادعاء ولا يصلح ذلك أساسا لأي منهج علمي ، فهي لا تختلف عن الأنواع الخرافية من أسماء العلوم التي ذكرت في اول المبحث.

أثر التصوف فى (التفسير) في العصر المملوكي :

كتاب : أثر التصوف  المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية

الفصل الثانى  :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )

ولكن كيف شارك الصوفية في العلوم السنية القائمة فعلا..؟ أسهموا في جمودها وتأخرها من واقع النظرة العامة للعلم . ونبحث بالتفصيل الأثر الصوفي في التفسير والحديث والتاريخ كأهم مواد علمية اهتم بها الصوفية . على أن اهتمامهم اقتصر على مواضع بعينها من هذه العلوم كتفسير آيات محدده وشرح احاديث خاصة بعضها موضوع بجهدهم هذا مع ترويج بعض الأحاديث الموضوعة من غيرهم طالما تخدم دعوتهم .ونبدأ بأثرهم فى التفسير .

اثر التصوف فى ( التفسير ) في العصر المملوكي

لمحة عن ( علم التفسير قبل العصر المملوكى )

1 ــ تعهد الله سبحانه وتعالى أن يضمن حفظ قرآنه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر:9 ، وذلك حتى لا يتعرض القرآن لمثل ما تعرضت له الكتب السماوية قبله من تأويل وتحريف ــ إلا أن أصحاب الأهواء ــ  وقد عجزوا عن النيل من نصوص القرآن   ــ ركزوا همهم في التلاعب بمعانى القرآن بما يعرف بالتفسير والتأويل واخضاع المتشابه من الآيات الى مفاهيمهم ، وهو جهد تنبأ القرآن بحدوثه في قوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) آل عمران : 7 )،

2 ــ ومن البداية نعتذر مقدما من إضطرارنا لاستعمال كلمة ( التفسير ) ، ونعلن أنها تكذيب لتأكيد رب العزة بأن القرآن كتاب مبين وأن آياته مبينات ، وأن بيان القرآن فى القرآن وتفسير القرآن بالقرآن . وأن إستعمال كلمة ( التفسير ) فيه إتهام لرب العزة بأنّه ـ تعالى عن ذلك علُوا كبيرا ــ أنزل كتابا ناقصا يحتاج للبشر لاستكماله ، وأنزله غامضا يحتاج من البشر الى تفسير وتأويل ، وأنه أنزل كتابا تتناقض أحكامه ويُلغى ـ أو بزعمهم ـ ينسخ بعضها بعضا ، أو أنه أزل كتابا محليا مرتبطا بمواضع النزول مقتصرا عليها ، لا ينفع الناس الى يوم القيامة ، أنه أنزل كتابا ليكون فى الدرجة الثانية بحيث تكون أقاويل البشر فى  (السُنّة ) وأقاويل المفسرين وآراء الأئمة حكما على الآية القرآنية ، فلا يؤخذ بآية القرآنية إلا إذا كان أقاويل البشر مؤيدة لها ، شأن التلميذ الذى لا يؤخذ برأيه إلا إذا كان معه ولى أمره .!! . تعالى الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا . إنه الشطط الذى وقع فيه أئمة السنيين والشيعة والصوفية ، والذى ترتب عليه إتهام القرآن الكريم بأنه ( حمّال أوجه ) يعنى متناقض وفيه الرأى ونقيضه . ونتبرأ مقدما من هذا كله ونُنزّه عنه رب العزة وكتابه الفرقان الذى أُحكمت آياته ثم فُصّلت من لدن حكيم خبير ( هود 1 ).

3 ــ من بدايته عرف علم ( التفسير) السُّنّى ما يعرف بالاسرائيليات، واصطنع البعض (التفسير بالمأثور)، ولو كان هناك فعلا تفسير بالمأثور قاله النبى ــ حسبما يزعمون ـ لتوقف عنده ( علم التفسير ) ، ولم يجرؤ أحد على الكتابة بعد أن قال النبى القول الفصل فى التفسير . ولكن أنكر ابن حنبل نفسه التفسير بالمأثور فى قوله المشهور : ( ثلاثة لا أصل لها : التفسير والملاحم والمغازى ) . لم يقتنع أحد بصُدقية هذا التفسير بالماثور ، أو بصحة إسناده للنبى والصحابة ، فتكاثرت ( تفاسير ) القرآن فى العصر العباسى الثانى وبعده برعاية الفقهاء  السنيين ، تحمل وجهات نظر أصحابها ، وتحمل ملامح ثقافته وتخصصه وإتجاهاته ، من الطبرى فى بداية العصر العباسى الثانى الى القرطبى وابن كثير فى العصر المملوكى ، وتنوعت إتجاهاتهم ( التفسيرية ) بعضهم يغلّب فى تفسيره علوم اللغة والنحو ، وبعضهم يثرثر بالروايات وأسباب النزول ، ومعظمهم يرصّع تفسيره بالأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين الذين ماتوا دون أن يعلموا شيئا عمّا أسندوه اليهم من أقوال.

4 ــ أضحى القرآن الكريم مجالا للتلاعب السُّنّى ، خصوصا مع ما يسمى بعلوم القرآن التى تطعن فى القرآن وفى تدوينه ، ومزاعم النسخ بمعنى إلغاء الأحكام التشريعية والزعم بتناقضها وإلغاء بعضها البعض . ثم دخل الميدان الصوفية الاتحاديون يحاولون ربط عقائدهم بالقرآن بالتأويل في التفسير والوضع في الحديث ، والصوفية الآخرون كان لهم جهدهم في شرح بعض الآيات بما يخدم غرضهم، ويكفى أنهم أرسوا في الأذهان أنهم اولياء الله المقصودون بقوله تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) مع ان الولاية والتقوى والإيمان والخشوع كلها صفات عامة مطروحة أمام جميع البشر  وعليهم أن يتحلوا بها لو شاءوا الهداية ، وليس هناك من ولى دائم بسبب الصراع المستمر بين الخير والشر في نفس كل إنسان، تلك النفس التى وصفها سبحانه وتعالى بقوله ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا  فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا  قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا )الشمس : 7 : 9 ، ولأمثال أولئك يقول تعالى عمن يسبغون ما شاؤا من صفات على أنفسهم (فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى ) النجم : 32 ، ويقول (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) آل عمران : 188 ، ولو أنصفوا لنظروا في حالهم ــ وقد اتخذوا بدافع من انفسهم هم ــ ودون اختيار من الله ــ اولياء لهم، ثم لم يكتفوا بذلك بل توسلوا بهم واعتقدوا فيهم المنفعة والضرر وأضفوا عليهم التقديس والتأليه ، مع أن الولى بهذا المفهوم لا يكون إلا الله تعالى ، وسبق أن رب العزة ردّ عليهم مقدما ، في قوله تعالى (أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الشورى : 9 ، ويؤنبهم (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) الزمر : 36 ..والتفاصيل فى هذا سبقت فى كتابنا ( السيد البدوى بين الحقيقة والخرافة ) و ( أثر التصوف فى الحياة الدينية فى مصر المملوكية / الجزء الأول الخاص بالعقائد ).

ولقد سبق المستشرقون في بحث جهد الصوفية في التفسير. فيرى نيكلسون (أن القرآن في جملته لا يصلح لأن يتخذ أساسا لأي مذهب صوفي ،ومع ذلك فقد استطاع الصوفية بالتأويل شرح بعض الآيات بما يخدم غرضهم، وادعوا أن كل آية في القرآن تخفى وراءها  معنى باطنا لا يعرفه إلا الأولياء )  [110]) .

وأقول ويتجاهلون  أيضا الآيات التي تنهى عن اتخاذ الدين لهوا بمثل ما يفعلونهم في ذكرهم القائم على الرقص والغناء والموسيقى في بيوت الله كما سبق بيانه بالتفصيل فى الجزء الثانى ( كتاب العبادات)/ ( فصل الذكر ) من كتاب ( الحياة الدينية فى مصر المملوكية ) .

وقد يستنكف البعض من الاستشهاد بكلام المستشرقين (سيىء النية) مع ان الحق ينبغي اتباعه بغض النظر عن شخصية قائله .  ولذلك فإننا سنعيش مع التفسير الصوفي ولن نجد فارقا بينه وبين اقوال المستشرقين عنه.

إتجاهات ( التفسير الصوفى)   :

 ( التفسير) الرمزى :ــ

1 ـ الرمز هو الذي دخلوا به لتفسير القرآن على هواهم تحت اصطلاح الإشارات التي حدثنا عنها جلود زيهر آنفا .ويعترف شيخ الأزهر الأسبق ( الصوفى ) عبدالحليم محمود بهذا ، فيقول : (كان للصوفية في التفسير اسهامات واعترافات يسمونها إشارات) الا انه يرى ان تلك الإشارات ( لا تتعارض مع التفسير المألوف) وهو ما لا نسلم به ــ ويرى في نفس الوقت أنها ــ أي الإشارات ــ ( لا تحل محله ) [112]  ( ابن عطاء : لطائف المنن : 110 ) ، ويعني بهم المتقين من المسلمين العاديين . وواضح أنه يفضل الصوفية على غيرهم حتى من اتقياء المسلمين فيجعل الله سبحانه وتعالى يعطى قداسة للصوفية من دون الخلق واوصلهم بكرمه إلى طاعته اما غيرهم من الطائعين لله بدافع من انفسهم فقد هداهم الله ووصلوا بطاعتهم هذه الى كرم الله الذي حصل عليه الصوفية بلا عناء .وهذا يعنى وصفا لله جل وعلا بالتحيّز للصوفية ، وإتهاما له عز وجل بالظلم ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا .!

ومن السهل الرد على هذا التفسير لابن عطاء ، وذلك بتوضيح المراد من الآية بأكملها لا مجرد الاجتزاء بنهايتها ،  فالآية الكريمة هى : (شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ)( الشورى 13 )، وهى تتحدث عن وحدة العقيدة والتشريع لدى الرسل، وأن الهدف إقامة الدين وعدم التفرق فيه ، وأن ذلك من شانه ان يثقل على كاهل المشركين حين تتم دعوتهم الى الحق ، والله جل وعلا يجتبى ويختار ويصطفى من يشاء ليكونوا رسلا ، ويهدى الى الحق من يريد من البشر الهدائة ، وينيب ويؤوب ويتوب الى الله جل وعلا. فالرسل هم المقصودون بلفظ (يجتبي) بدليل ان الرسل دائما بالاختيار والاصطفاء ( ص 47 ) ( الحج 75  ) ( الانعام 124 ) ، وهداية البشر هى البداية ، ومن يشاء من البشر أن يهتدى يزده الله جل وعلا هدى ( محمد  17 ) ( مريم 76  )( العنكبوت 69 ).

التأويل الصوفى

1 ــ وبعض ( إشاراتهم ) فى ( التفسير )  استخدمت ( التأويل ) الذى إشتهر به الشيعة والمعتزلة ــ  في التلاعب بالنص القرآني ، حتى لو كان النّص القرآنى واضحا صريحا .  ففى قوله سبحانه وتعالى (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ  أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ)( الشورى 50) نرى أبا العباس المرسي يقول ( "ذكرانا " يعني علوما ، "اناثا " يعني حسنات ، "عقيما " يعني لا علم ولا حسنة) [114]فالبقرة هنا هي النفس ، وفي قصة موسى العصا وهي الدنيا ) [116].... أي من ذل نفسه يشفع .

5 ـ ولم يتورع بعضهم عن إضفاء القدسية على تفسيره كالمرسي الذي قال عن سورة التين : ( تفكرت فى معنى هذه الآية فكشف لي عن اللوح المحفوظ فإذا مكتوب فيه لقد خلقنا انسان في احسن تقويم : روحا وعقلا ، ثم رددناه أسفل سافلين : نفسا وهوى ) [118] ، أى إن عيسى عليه السلام قال لربه جل وعلا ( فلما أدخلتنى فى الدائرة الوفائية ، أى الطؤيقة الوفائية ، وصار من أتباع ( على وفا).!!

4 ـ ويحكي الشعراني عن شيخه الأمى ( الخواص ) قدرته على استخراج (240999) علما من سورة الفاتحة وحدها )..وهذا ما نقله جولد زيهر متعجبا فى كتابه ( مذاهب التفسير الاسلامى : 280 ).

ونقل الشعرانى ( تفسير) شيخه الأمى الخواص لسورة الكوثر ، ونقرأ الأعاجيب، قال : ( اذا الشمس لطفت وباسمه الباطن ظهرت ولم تظهر ولم تبطن، انك لعلى خلق عظيم ، وانقسمت بعد أن توحدت،  ثم تعددت وانعدمت بظهور المعدود. والقمر  إذا تلاها. ثم نزلت بما عنه إنفصلت ، لما به اتصلت واتحدت . والنجم اذا هوى.  ثم تنوعت بالأسماء واتحدت بالمسمى ، وظهرت في اعلى عليين الى اسفل سافلين ، ثم رجعت الى نحو ما تنزلت.  ولولا دفع الله الناس بعضهم بعض لفسدت الأرض.  وبالجبال سكن بيدها وبعدها هو فسادها . ثم تصفت وبعدت فيما وصفت به اتصفت وما اتصفت إلا لما خلقت ، واغرقت فحشرت ، وباعمالها انحشرت. ولوحوشها انتشرت . كل ميسر لما خلق له. كل يعمل على شاكلته ......) إلخ. ويستمر الخواص في هذا (التفسير ) العجيب إلى أن يصل إلى قوله تعالى( واذا السماء كشطت) فيقول : ( لا أطيق التعرض لمعناه . )

ويعلق الشعراني منبهرا : ( وهذا لسان لا اعرف له معنى على مراد قائله. وإنما ذكرته تبركاً )...( الطبقات الكبرى للشعرانى : 2 / 145 : 146  ).

5 ــ وفى ( ميعاد الحنفى ) ــ أو الندوة ( العلمية ) التى كان يعقدها الشيخ الصوفى الأمى شمس الدين الحنفى ـ كان يقول ما يرد على خاطره من تخريف ، بزعم ( التفسير ) ويجد المستمعين يصرخون به وجدا وإعجابا. وفي مناقبه قيل عنه: (ثم تكلم في علوم التفسير بكلام فيه رموز عجيبة واشارات غريبة ، ودقّق في الكلام حتى خرج عن الافهام. ).! وعبارة (حتى خرج عن الأفهام) تتردد كثيرا فى ( مناقب الحنفى ) للتأكيد على مقدرته الفذة في فروع العلم . ولم يرد في كتاب مناقبه شيء من ( تفسيره ) ، إلا أننا يمكن أن نتعرف على مقدرته في التفسير مما جاء في المناقب من شرحه  فى ندوته العلمية لقول الناس (يا فقيه . فق فاقه . يا صريم الناقه . قلت له قوم صلي . قام جرى في الطاقة) يقول كاتب المناقب وقد نقل ذلك عنه الشعراني بنصه (وجعل سيدي يتكلم في هذا المعنى بالأسرار العجيبة والإشارات والرموز والعبارات حتى أذهل العقول وخرج الكلام عن الأفهام وارتفعت الأصوات بالصراخ والصياح وكثر الضجيج ........ الخ .... حتى تعين للحاضرين أن القيامة قامت .......وقد كان من بين الحاضرين قاضي القضاة شهاب الدين العجمي وقضاة المحلة وأعيانها) [120]...( طبقات الشرنوبى : مخطوط 2 : 4 )

ومن هذا النوع من التفسير ذكر المؤرخ ابو المحاسن تفسير للشيخ (على وفا ) وهو شيخ صوفى مشهور مع كونه أميا . ( المنهل الصافى : مخطوط : 4 / 166 ).

وتعرض هذا ( التفسير ) لانتقادات متفرقة من بعض الفقهاء المؤرخين . وفى  تاريخ قاضى شهبة عن الشيخ صلاح الدين الشاذلي أنه كان (يتعرض لتفسير القرآن على طريقة بعض الجهلة فأتى بأشياء منكرة ) [122]( إنباء الغمر بأبناء العمر : مخطوط 1023 : 1024 ).ومع ذلك فإن ( التفسير) اللدني أعتبر كرامة للصوفي يعبر عنها أحدهم بقوله (فمن ذلك اليوم فتح على في فهم القرآن  ) وهذا ما ذكره ابن الزيات فى كتابه : (الكواكب السيارة فى ترتيب الزيارة: 263 ) .

وافتخر الشعراني بتسليمه للعارفين في تفسيرهم اللدني وإن خالف جمهور المفسرين (فان تفسير أهل الكشف اعلى من تفسير غيرهم لعدم تغيره في الدنيا والآخرة بخلاف تفسير أهل الفكر والفهم  )  [124] وشرح الشاذلي حديث ( من شغله ذكري عن مسألتي اعطيته أفضل ما أعطى السائلين) ويعطي الشاذلي انطباعا بان شرحه هذا يوحي إليه من الله او  الرسول ،يقول : ( سمعت الحديث الوارد عن الرسول عليه السلام : انه ليغان في قلبي ــ فأشكل علىّ معناه فرأيت الرسول وهو يقول لي يا مبارك ذاك غين الأنوار لا غين الأغيار) ومصطلح ( الأغيار ) يعنى غير الصوفية ، وهو تعبير ومصطلح جديد نبت بعد القرن الثالث الهجرى ، ولم يكن معروفا من قبل ، ولكن الشاذلى ـ بجرأة شديدة ـ يفترى ان النبى جاءه فى المنام بهذا التفسير الصوفى لحديث تم إختراعه من قبل . ويفسر آخر الحديث المشهور الذى يزعم : ( ينزل ربكم في كل ليلة الى سماء الدنيا .. ) بأن سماء الدنيا هو الرجل العارف ،  [126]..وسنتوقف معه فيما بعد .

 الصوفية وتزييف الأحاديث...

1 ــ بعد أن أوضحنا رأينا فى موضوع الحديث نبدأ بما قاله بعض من سبقنا من الباحثين ، فيرى الدكتور عبدالحليم محمود ان عوامل الوضع للحديث هى : ان بعض الناس كاذبون بطبيعتهم فكذبوا على الرسول عليه السلام، وبعضهم يسيطر عليه مذهب من المذاهب او نزعة من النزعات فيكذب على الرسول عليه السلام تأييدا لمذهبه وتأكيدا لنزعته وارضاء لهواه، وبعضهم دخل الإسلام ليكيد له، وآخرون استباحوا الكذب على رسول الله والإسلام في سبيل موعظة الآخرين وهدايتهم.  [128] وتابعهم كثيرا من المتصوفة حيث نشأ التصوف في أحضان التشيع .

2 ـ ونعود إلى الصوفية ونذكر أن بعض أئمتهم اتهم بالوضع في الحديث مثل ذي النون المصري في القرن الثالث . وقد اعترف المناوى بأسبقيته في التصوف وفي الوضع في الحديث لذا يقال عنه أنه ( اول من تكلم بمصر في ترتيب الأحوال ومقامات الأولياء وكان زاهدا ضعيف الحديث ) [130] أي أن ذا النون سمع جبريل يخاطب محمدا عليهما السلام .! والأكثر من هذا ما يذكره المؤرخ الصوفى عبد الرحمن السلمى أن ذا النون المصرى انفرد برواية ( حديث قدسي ) يزعم أنه سمعه من رب العزة رأسا ، ويظهر الانتحال في هذا الحديث  واضحا ، فيدعي ان الله يقول (من كان لي مطيعا كنت له وليا فليثق بي وليحكم علىّ ، فوعزتي لو سألني زوال الدنيا لأزلتها له ) [132] . وقبيل العصر المملوكي وصف احدهم بانه (كان متسامحا في باب الرواية متساهلا فيه إلى غاية .! ) [134] . وهذا شيء طبيعي في عصر كان العلم مجرد الجمع والنقل ، فكان مقياس الاجتهاد العلمي في الحديث هو جمع أو حفظ أكبر كمية منه ، فقيل مثلا في مجد الدين الطبري أنه اهتم بحديث النبي عليه السلام ( وجمع منه مالم يجمع لأحد ) [136] ، ومن ناحية أخرى يذكر كل ما يحفظه من احاديث يقال انها صحيحه او موضوعة في مؤلفاته الكثيرة ، ومنها رسائله التي خصّص بعضها فى إيراد الأحاديث في حادثة عرضت له او سأله أحد فيها ، وكان يخترع لها أسانيد من عنده بلا حياء أو خجل ، أي أنه استخدم الأحاديث لأغراضه الشخصية، فحين عرضت له ازمة مع قايتباي وضع رساله تنهى عن التردد للملوك،  وانكروا عليه لباس الطيلسان فألف: ( الأحاديث الحسان في فضل الطيلسان) مع أن الطيلسان لباس فارسي لم يعرف إلا بعد العصر الأموي [138] , وزعم فى كتابه ( حًسن المحاضرة ) حديثا يمدح مدينة الجيزة المصرية ، ويورد أحاديث مختلفة فى فضل مصر وفى ذمها أيضا .وفى كتابه ( اخبار الخلفاء ) أورد الأحاديث الموضوعة فى فضل الخلفاء  ، حتى خلفاء بنى العباس.!. بل ( كتب ) السيوطي أحاديث في أغراض تافهه مثل رسائله عن (الاتكاء على الوسادة ) و( أصول التهاني ) و( قلم الاظفار)  و( أخبار العقرب ) و ( قص الشارب)  و( فضل السبحة) و( الطرثوث ) فى  مناقب البرغوث. وفي النهاية أفرغ السيوطي جعبته في (الجامع الكبير) الذي أورد فيه كل ما يعرفه من حديث مشهور وموضوع ، وقد قام شيخ الأزهر الأسبق عبد الحليم محمود بنشر هذا ( الجامع الكبير ) بكل ما فيه من خبل . والسيوطي يفخر بعمله وبحفظه لمائتي ألف حديث، يقول : (ولو  وجدت أكثر لحفظته ، ولعله لا يوجد على وجه الأرض أكثر من ذلك ) [140]، أي انه (تزبب قبل أن يتحصرم)، أى صار زبيبا وهو أخضر ، أى صار (عالما ) بلا إستعداد ،  كما يصفه معاصره وخصمه المحدث الفقيه المؤرخ السخاوي ، الذى يقول أيضا عنه ( لم أزل اعرفه بالهوس) وذكر أكاذيبه وانتحاله لمؤلفات غيره ) [142] . وفى رسائل السيوطى الدليل الأكبر على تفاهته وتفاهة عصره وجرأته على تزييف الحديث ، دون إنكار عليه . ولا يزال حتى الآن ملء السمع والبصر ، بما يجعل القارىء يشعر بالدهشة لما نقوله عنه هنا .

5 ــ وبعيدا عن السيوطي نذكر صوفية وضّاعين أخرين، كالشريف الناسخ الكعبي الموصوف بالضعف بين المحدثين وبأنه (مزور كذاب سمع لنفسه وزور ) [144]..أى راعى خاطر هذا الوضّاع الكذّاب دون أن يراعى حق الرسول عليه السلام ووجوب تبرئته من الكذب عليه . وقد منعوا الشيخ الصفوري من القراءة لأنه جمع كتابا باسم ( نزهة المجالس) ملأه أحاديث موضوعة ، وقد اعلن توبته ) [146] واحتال ليضع أحاديث بالمنامات ومنها ان الرسول عليه السلام قال له في مناك بالسرياني (ومن واظب على النوم بعد صلاة الصبح ابتلاه الله تعالى بالجنب ) [148]..

تقديس البخارى فى العصر المملوكى : نقد حديث ( من عادى لى وليا .. )

كتاب : أثر التصوف  المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية

الفصل الثانى  :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )

 اثر التصوف فى العلوم : فى تزييف الحديث  

تقديس البخارى فى العصر المملوكى

1 ــ كان لميعاد البخاري أهمية قصوى فى العصر المملوكى ، حتى ان الحوليات التاريخية كانت تذكره كل سنة في موعده وحضور السلطان له. ومثلا ، في تاريخ ابن حجر ( إنباء الغمر بأبناء العمر ) والذى أرّخ فيه ابن حجر لسنوات عمره ، يقول :  ( في قراءة البخاري بالقلعة ــ  على العادة ــ حضر الهروي القاضي وقد اختلق  لنفسه اسنادا ليقرأ عليه به صحيح البخاري،  وأرسل إلى القمازى ... فتناوله منه،  وهو من اهل الفنّ ، فعرف فساده ، فاقتضى رأيه ان جامله ) [150] ولذلك (جرت عليه محن شارك فيها الفقهاء والأولياء ) (6)[152] .

وذكر ابن حجر عن "صارو " هذا قوله للسلطان  برقوق : ( لا يُلتفت لما فى البخارى ومسلم ، إذ أكثر ما فيهما كذب ). فقال له السلطان برقوق : ( يا شيخ . إنهما كانا فى زمن لو كذب فيه أحد على النبي صلى الله عليه وسلم قتلوه ) [154] .

طائفة من ( الأحاديث) الصوفية فى العصر المملوكي

كتاب : أثر التصوف  المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية

الفصل الثانى  :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )

 اثر التصوف فى العلوم : فى تزييف الحديث 

 طائفة من ( الأحاديث) الصوفية فى العصر المملوكي  :

الصوفية يضعون ( يفترون ) الأحاديث

1 ـ وقد صنف أبو شامة كتاب ( الباعث..) ذكر فيه الأحاديث النبوية الموضوعة في صلاة ليلة النصف من شعبان وقال عن الوضّاعين ( حمّلوا عباد الله بالأحاديث فوق طاقتهم )[156] ، وأورد الأبشيهي فى كتابه ( المستظرف  ..) احاديث في فضل سور القرآن  [158]. ويذكر أن صوفيا كان يروي حديثا في قراءة سورة يس صيغته طويلة مهلهلة مختلفة عن الصيغ الأخرى [160] ...

2 ـ ووضع الصوفية احاديث نبوية في فضل الصوفية مثل صلة ابن أشيم الذي يدخل الجنة بشفاعته كذا وكذا ) [162]. وهذه الشفاعات ميزة للصوفية حرموا منها الصحابة انفسهم حتى في الموضوع من الحديث.

3 ــ ومن خلال كتاب السيوطي (اللأليء المصنوعة فى الأحاديث الموضوعة ) نجد اغلبها في المناقب ثم الزهد والمواعظ والذكر والدعاء ،وتلك موضوعات التصوف . وأغلب الاحاديث الضعيفة في الجامع الكبير للسيوطي  ـــ وهو سجل للأحاديث المتداولة في العصر المملوكي ــ ترتب الثواب الجزيل على الأعمال السهلة ولاسيما الذكر باللسان . ويوجد فى (الجامع الكبير) للسيوطى حوالى مائة ألف حديث، منهما تسعون ألفا من الأحاديث الموضوعة فى العصر المملوكى فقط .

4 ــ وبعض الأحاديث النبوية السائدة فى العصر المملوكى تصرخ بأن واضعيها صوفية ،  حيث وضعت في أمور تعبر عنهم كأفضلية السراج والقناديل في المسجد [164] ، ومثله في وضوح وضع الانتحال حديث رواه فخر الدين الفارسي أحد أصحاب المنامات يقول فيها بإسناده( من ادعى مناما ليضحك الناس ويل له ويله ويل له )[166]

العلم اللدني : إفتروا هذا الحديث ونشروه وشهروه ، وهو :( من اخلص لله أربعين صباحا فجر الله ينابيع الحكمة من قبله على لسانه ) [168]

واحاديث الصلاة على النبي والحقيقة المحمدية كثيرة .ومنها (من صلى علىّ مرة لم يبقى من ذنوبه ذرة)( من شم الورد الأحمر ولم يصلّ علىّ فقد جفاني) (الورد الأحمر من عرق النبي) (أنا أكرم على الله من أن يتركني في التراب الف عام )  ، (لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك ) [170] (ان في بلاد الهند أوراق مثل آذان الخيل فكلوا منها فإن فيها منفعة) واقاويل أخرى تروي في أكل الحشيش لم يثبت منها شيء  [172]

ونشروا الاعتقاد فى جدوى التفاؤل والتشاؤم، فانتشرت أحاديث تعبر عن هذا مثل :  (من بشرني بخروج صفر بشرته بدخول الجنة)  [174]   و( حياة الحيوان )[176] حديثا يقول فيه (رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر امتي ) وكل حديث في ذكر شهر رجب وصومه وفضائل الأعمال فيه موضوع قال ابن حجر في كتابه( تبيين العجب بما ورد في فضل رجب) ، ومنها احاديث صلاة النصف من شعبان، وحديث يمدح العدس والأرز والباقلاء والباذنجان والرمان والزبيب والهندياء والكرات والجزر والجبن والهريسة والبطيخ والأزهار ،ومنها احاديث اللحوم كالنهي عن قطع اللحوم بالسكين وانه من صنع الاعاجم  ،والنهى عن الأكل من السوق ، ومنها أحاديث الابدال والاقطاب والاغنياث والنقياء والنجياء والاوتاد (طبقات الصوفية) وكلها باطلة ، وأحاديث المهدى المنتظر ) [178] وأقول لا يمكن للحسنة ان تكون سيئة، والأبرار والمقربون ليسوا طوائف دينية ، والإسلام لا يعرف التمايز بين الناس الا في الايمان والعمل الصالح ولا يعلم هذا إلا من يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور . ويتضح التشابه بين كتاب ( حديث القثصّاص ) لابن تيمية وكتاب ( المنار المنيف ) لتلميذه ابن القيم . إلا إن ابن القيم حافظ على هدوئه أغلب الوقت فى نقده لتلك الأحاديث وواضعيها من الصوفية ، ولكنه كان أحيانا يهيج غضبا كشيخه ، فحين عرض في كتابه (المنار المنيف) لحديث( حضر رسول الله مجلسا للفقراء ورقص حتى شق قميصه )  فقال : ( فلعن الله واضعه ما أجرأه على الكذب... السمج ) [180]...

(الوضع في التاريخ )

هذا موضوع يستحق بحثا مكتملا ، يخرج عن موضوعنا . وبسرعة نقول أن التاريخ عرف الكذب مع بدايته . كما أن الأحاديث السنية والصوفية والشيعية المخالفة للقرآن الكريم تعتبر تزييفا في التاريخ النبوي . على أن المناقب او سير الصوفية كانت المثل الحي على تزييف التاريخ .

وعن التصوف بالذات فإن كتب المناقب والكرامات أكبر مثل على التزييف فى تاريخ الأولياء ، وإن كانت صادقة فى التعبير عن عقائد عصرها وقائليها . وقيل في ترجمة نور  الدين الشطنوفي ت 713 انه (جمع أخبار مناقب عبد القادر الجيلي في نحو ثلاث مجلدات وكتب فيها عمن اقبل وأدبر فراج عليه حكايات كثيرة مكذوبة ) [182] . ومن المؤسف ان كتب التاريخ قد نقلت بعض مفتريات كتب المناقب : كأسطورة ابن اللبان الذي اعترض على البدوي فسلبه العلم والقرآن ، وقد نقل ابن العماد الحنبلي تلك الأسطورة عن الجواهر السنية مع ان ابن اللبان كان صوفيا ملحدا من أصحاب الدعوات المتطرفة ولم يكن فقيها  [184] وبالغ المتصوفة في سبك روايات تؤكد خضوع ططر للحنفي ) [186].

2ــ ثم بدأ دور الصوفية يتقرر في المدارس بالتدريج وبانتشار التصوف ، وتجلي ذلك فيما عرف في العصر ب(الحضور) ودعاء الصوفية الحاضرين  في المدرسة للواقف ، مع وجود طلبة اخرين غير صوفية يتعلمون بالمدرسة . وكانت المدرسة (الاقبغاوية)  اول مدرسة ورد فيها ذكر متصوفة [188]  في كل يوم للصوفية بالإضافة إلى دروس للمذاهب الأربعة).  وقد تنشأ زاوية للصوفية تجاه المدرسة ، ثم يصبح الصوفية هم الطلبة في المدراس ويصبح شيخهم هو الشيخ للمدرسة فتتخذ المدرسة بذلك الصبغة الدينية ، فيقال: ( انشأ مدرسة وبها خطبة وصوفية ) [190] وكان يقال على ذلك :( ان سنجق من عبد الله التركي أوقف مدرسة ورباطا )[192]

4 ــ وإنقلب الحال ، فكانت المدرسة تنشأ داخل الخانقاه الصوفية ، ويعني بها مكان تلقى العلم فأنشأ الأمير سودون مدرسة بخانقاه سرياقوس وجعل بها  خطبة  [194] ، أى كانت هناك مدرسة داخل تلك الخانقاة الصوفية المشهورة ، وأن أحد الصوفية سرق قمحا من مخزن تلك المدرسة الملحقة بالخانقاة ، وقال ابن الصيرفي عنهم (ان لهم مباشرة بالمدرسة بالخانقاه المذكورة)[196] . وفي هذا العصر كان الصوفية هم الطلبة والمدرسون والناس جميعا...

6 ــ وما لبث الخلط أن وقع بين المدرسة والزاوية حين أقيمت المدارس في القرافة وبني بها ضريح ويسكنها شيخ .  يقول السخاوى عن مدرسة زين العابدين الدهوطي : بها قبر الشيخ العارف بالله (ودفن بزاويته ) [198] وقيل عن جامع السلطان حسن (هذا الجامع يعرف بمدرسة السلطان حسن ) [200] وكان ذلك مبررا للخلط بينهما وبين المدرسة . واشتهرت خانقاه جمال الدين الاستادار بالتدريس حتى يقال (أن الأصح أن يقال فيها مدرسة ) [202] ولقد كان الفقه على المذاهب الأربعة مع الحديث والتجويد أهم المواد التي درست في الخوانق .

التعليم في الجوامع :ـــ

صار الجامع مؤسسة صوفية في العصر المملوكي ، فكان الصوفية يقررون في الجوامع بعد انشائها . وقد بنى السلطان الناصر محمد بن قلاوون الجامع الجديد (ورتب فيه صوفية يحضرون بعد العصر كما في الخوانق ، وهو من احسن الجوامع ) [204]

 ونشاط الصوفية والجوامع على نوعين :

1 ـ وظيفة التصوف . وهى حضور الصوفية في مواعيد معينة في الجامع : في الصباح أو بعد العصر ، وتُفرق عليهم أجزاء القرآن الكريم فيقرأ الشيخ ما تيسر وتقرأ الصوفية ويختمون القراءة مع الشيخ ثم يدعون للواقف  ) [206].

2ــ التعليم : أو ترتيب الدروس في الجوامع ) [208] . بل ان بعض الصوفية اقام الجوامع مثل ابن المنزلاوي..  [210] . ورتبت دروس الفقه على المذاهب الأربعة في الجامع المالكي الذي جدده بيبرس الجاشنكير ت 704 والجامع الأشرفي برسباي الذي قدر المعاليم ( المرتبات ) للطلبة على ان يحضروا وظيفة التصوف ) [212]

وفي حجة أو وثيقة وقف المؤيد شيخ على جامعه أعدّ مكان الدرس: ( واما الأواوين المشار إليها أعلاه فانه وقفها وجعلها معدة لإقامة الصلوات الخمسة فيها ولجلوس المدرسين وطلبتهم والصوفية فيها على العادة ) وكان مدرس الحنفية من بين الصوفية والطلبة من الصوفية : ( فيرتب من أرباب الوظائف بالجامع المذكور الآتي ذكرهم رجلا من اهل الصلاح والعلم حنفي المذهب عالما بمذهب الامام ابي حنيفة النعمان ، ويكون شيخا للصوفية ، ويكون له قدم عالى في شروط الصوفية ، ويكون حسن الهيئة حسن الاعتقاد حافظا لنقول الفقهاء واختلاف المذاهب ونصوص الامام ابي حنيفة ، عارفا بحل كتب الحنفية) (ويسهل عسيرها...) ( ويكون الرجل المذكور الموصوف بما ذكر والقائم بتدريس الحنيفية بالجامع الكبير .... ويحضر وظيفة التصوف بعد الصلاة للعصر... على العادة في الخوانق والجوامع بالديار المصرية ... ويحضر معه جماعة الصوفية .... وطلبة العلم وغيرهم المرتبون  بالجامع المذكور وظيفة التصوف ) [214]  .

2 ــ ومع ذلك استمر المماليك في اكرام المجاورين بالأزهر ، فكان الغوري ينفق فيهم في شهر رمضان الدنانير والعسل والقمح ) [216] .

3 ــ ومن الطبيعي ان يتميز المجاورون في الأزهر بين صوفية فقراء مجردين متفرغين للعبادة وطلبة صوفية ، يقول ابن الصيرفي عن الشيخ المجذوب صالح الأزهرى (المشهور بالأزهري لكثرة إقامته بجامع الأزهر ومخالطة اهله من الفقراء والطلبة ) [218] وكان فخر الدين البلبيسي امام الجامع الازهر ومعلما صوفيا ) [220] وقد سمع المقريزي ميعاد الشاب التائب بالجامع الأزهر )[222] وقد درس ابن المرحل بزاوية بجامع عمرو ) [224] ..

وفي الزوايا الصوفية وجد القراء ومؤدبو الأطفال وخزائن كتب لأن الزوايا كانت معاهد للعلم النافع في هذا العصر ) [226] واتخذ إبراهيم الأبناسي الصوفى له زاوية في المقس، وجمع فيها الطلبة على التفقه وسعى لهم في الرزق ) [228] وافتخر الشعراني بمواصلة الذكر وقراءة القرآن والحديث والفقه والتصوف في زاويته ) [230] وقد تولى مشيخة الناصري ابن الشربيني وهو احد المشتغلين بالعلم ) [232]..

التعليم في المشاهد والترب والقباب ( الأضرحة ):ــ

1 ـ وكان هناك درس علم في مشهد الحسين تولاه بعض المشهورين من العلماء مثل ابن حمويه ) [234] وشرف الدين الأرموي ) [236] وفي وثيقة برسباي عن الترب (يصرف لأربعة نفر من الحنفية المشتغلين بالعلم المشهورين بالخير ...على أن يحضروا صحبة الدرس المذكورين كل يوم بالمدرسة ، ليلقي عليهم المدرس المذكور من العلوم الشريفة من السنن او الحديث الشريف او الفقه او النحو او مجموع ذلك . على أن يسكن المدرس بالمسكن المقرر له وتسكن الطلبة بالتربة ...بحيث لا ينقطع أحد منهم إلا لمرض يعرض له أو ضرورة شرعية ) [238] وتخرج فيها الشهاب الحجازي على الكمال الدميرى ) [240] وتابع مشايخ القبة بعده.  ولقد رتب الناصر القرّاء وشيخ الحديث للاشتغال به ولإسماعه ) [242] . وممن تولى درس التفسير في القبة المنصورية النمراوي وابن لاجين الرشيدي وابن المنفلوطى ) [244]  وسراج الدين القرمي )[246] ....

  شيوخ الصوفية والتعليم المملوكى

كتاب : أثر التصوف  المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية

الفصل الثانى  :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )

شيوخ الصوفية والتعليم المملوكى

1ــ التدريس في المؤسسات الصوفية كمنصب :

1ــ وقد تولى تلك الحركة العلمية ( الدينية ) مشاهير الفقهاء ، فابن حجر درس الحديثبالشيخونية الجمالية والبيبرسية ودرس الفقه بالمؤيدية والشيخونة الصلاحية مع منصب قاضي القضاة. ولم يكن اكمل الدين البابوتي متصوفا ومع ذلك بنى له شيخونة خانقاه وقرره فباشرها أحسن  مباشرة [248] , وجمع غيره من القضاة بين أكثر من منصب ، مثل ابن جماعه وابن العماد المقدسي [250] والبلقيني .

وتقلب غيرهم في وظائف التدريس كابن الحسن القونوي ولم يكن صوفيا  [252] والسراج القرمي  [254]   . واشتهر الكثير من مشايخ الخانقاه بالعلم حسب المؤرخين لهم ، مثل بدر الدين الزركشي شيخ خاقناه كريم الدين بالقرافة وابن الصوفي  [256]   والاصبهاني ، وغيرهم  [258]...

وفي حوادث 829 (خلع على القاضي العينتابي باستقراره قضى قاضي قضاة الحنفية عوضا عن الزين ..الذي استقر في مشيخة صوفية خانقاه شيخون بعد موت قاريء الهداية) [260].. واستدعى علاء الدين القونوي شيخ خانقاه سعيد السعداء وتولى منصب قضاء القضاة بدمشق، وعين بدله مجد الدين الاقصراني شيخ خانقاه سرياقوس في مشيخة سعيد السعداء، على ان يستنيب عنه جمال الدين الحديزاني ، واستقر في مشيخة الخانقاه الركنية الشيخ الخوارزمي عوضا عن مجد الدين الزنكلوني ونقل الزنكلوني الى مشيخة الحديث بالقبة البيبرسية [262] .. وغضب على ابن حجر فأخذ (في مقاهرته حتى اخرج عنه نظر شيخونية ومشيختها ) [264] وغلب ابن الكركي على السلطان قايتباي فزادت مناصبه ، ثم تغير عليه قايتباي فجرده منها .....) [266]..

2ــ وعقدت المواعيد الصوفية في المؤسسات الصوفية حيث كانت احدى وسائل الصوفية في جذب الاتباع اليهم، وقد صار إسماعيل الامبابي يعمل ميعادا بعد موت والده ــ في كل ليلة اثنى عشر وتوجه اليه الناس في المواكب للفرجة ) [268] وكان القضاة والعلماء والفقهاء والصوفية وأرباب الدولة يحضرون ميعادا في زوايا أخرى [270] وأقيمت المواعيد في المساجد ) [272]....اى القرى، وكتب السنة وكتب التصوف فى الوعظ.

3ــ وللحصول على الشهرة أقام كثير من الصوفية المواعيد ، فالشاب التائب (صحب الفقراء وتصوف فعمل الميعاد وتكلم في التفسير ، وأقبل عليه الناس، وزاد اعتقادهم فيه ) [274] وعقد الحنفي ميعاده كل ثلاثاء ثم جعله يوم الأحد،  وتميزت مواعيده بتواجد الناس وصراخهم وضجيجهم، كما يحكى في مناقب الحنفي  )[276] . وغلب الوعظ والتفكير والتذكير وعمل المواعيد  على الشيخ الصوفي أبن العباس القدسي،  وله باع واسع في الحفظ للأحاديث والتفسير وكرامات الصالحين ) [278] الكثيرون . وكذا احمد وفا حين جلس مكان أخيه )[280]...

وعقد آخرون مواعيد غير صوفية قصدوا بها الشهرة العلمية ) [282] وانتهز بعضهم الفرصة وعقد ميعادا في الجهاد ليبالغ في أجور المجاهدون )[284]، وأخر (سمع منه خلق من المصريين ) [286] ووصف الكثيرون بانتفاع الطلبة بهم ) [288] . وأقبلت الخلائق على السمهودي طائفة أثر طائفة فكان لا يجد وقتا يأكل فيه خاليا ) [290] وقد صار اكثر الطلبة من تلاميذه )[292] ..

المؤلفات العلمية التى تعلمها الطلبة :ـــ

يمثل القرن التاسع عشر ازدهار التصوف في العصر المملوكي، وفيه تمت سيطرته على شئون التعليم ومقرراته . لذا يمكن معرفة العلوم التي درست للطلبة من خلال ما كتبه السخاوي الذي ترجم لأعلام القرن في سفره الضخم (الضوء اللامع)، ونختار من بين آلاف التراجم ترجمة لأحدهم ، وهو أبو المجد الطلخاوي، يقول فيه ( نشأ بطلخا فقرأ القرآن ومختصر أبي شجاع ، وتلقن الذكر من يوسف الزهري أحد أصحاب الغمري الكبير ، ثم قدم القاهرة وأقام بالأزهر ، فجوّد القرآن ، وحفظ المنهاج ، وألفية النحو والفقه الفرائض لابن الهائم واللمحة للعفيف في الطب. وغالب جمع الجوامع والفقه والحديث والتلخيص ، وأخذ الفرائض والحساب والميقات والهندسة والجبر والمقابلة وحل الشمس .. عن الشهاب السجيني وراجع ابن الجيعان في شيء من الفرائض والحساب والبيئة مع الرياضيات .... وأخذ الحرف عن ناصر الدين بن قرقماس والرمل عن التحريري والفقه عن العبادي والوردي)، وكان من تلامذة المخلوى في الحديث) وعن هذه العلاقة أورد السخاوي تفصيل حياته العلمية .( الضوء اللامع 3 / 115 ).

.ونبدأ هذا النص يمكن ان نخرج بالنتائج الآتية :ـــ

انه تلقى تعليمه الأولى في بلدله مقترنا بالتصوف حيث( تلقى الذكر عن يوسف الأزهري أحد أصحاب الغمرى الكبير) وإلا أدل على أهمية ذلك بالنسبة لموضوعنا هو ان تعليمه الأولى عمل على جانب التصوف شيئين هامين هما قراءة القرآن ودرس مختصر ابي شجاع في الفقه ) [294]..

وذكر السبكي كتب التصوف التي كانت تدرس في المواعيد مثل )احياء علوم الدين ورياض الصالحين والأذكار للنووى وصلاح المؤمن في الأوعية لابن الامام وشفاء الاسقام في زيارة خير الانام للسبكي وكتب ابن الجوزي في الوعظ ) [296] وابن المحرة درس بخانقاه شيخون بمال ) [298] وكان حاجى فقيه شيخ مشايخ الظاهرية (عريا عن العلم الا ان له اتصالا بالترك كدأب غيره ) [300] ودرس ناصر الدين بن الدرديري (ففخم أمره بمصاهرته ، ووجد أبوه بذلك سبيلا الى تقديمه للتدريس مع صغر سنه وخلو وجهه عن الشعر جملة ) [302] وهذا شبيه بتوريث الولاية الصوفية ، وبعد موت قاريء الهداية اعطى السلطان برسباي تداريسه معها لابنه الصغير (واستنابوا عن ذلك في الوظائف فانه كان صغيرا جدا ) [304] .

ولقد اثار بيع التداريس ثائرة بعض السلاطين ، يقول المقريزي في حوادث سنة 835 (نودى بألا ينزل احد من الفقهاء عن وظيفته أو أى شىء من الأوقاف وهدد من ينزل منهم عن وظيفة . فامتنعوا عن النزول ثم عادوا كما كانوا ، ينزل هذا عن وظيفة من الطلب في الدروس او التصوف في الخوانق أو القراءة أو المباشرة بالمال في الخوانق غير أهلها ويحرمها مستحقوها ، فان الوظائف المذكورة صارت بأيدي من هي بيده  بمنزلة الأموال المملوكة ، فيبيعها اذا شاء ويسمى بيعها نزولا عنها ويرثها من بعده  صغار . وسرى ذلك حتى في التداريس الجليلة والأفكار المعتبرة وفي ولاية القضاء والاعمال، يليه الصغير بعد موت أبيه ، ويستناب عنه ، كما يستناب في تدريس الفقه والحديث في نظر الجوامع ومشيخة التصوف..) ويعلق المقريزى فى حسرة قائلا : ( فيانفس جدّى إن دهرك هازل .!! ) [306] .

2 ـ واحتوت المكتبة على( الختمات الشريفة) أى المصاحف التى كان يتم ختمها أى تلاوتها حتى الختام ( والربعات المنسوبات بالخط ) أى تقسيم المصحف الى اربعة أجزاء لتسهيل الحفظ ، وكانت مكتوبة بالخط العثمانى الذى لا يزال مستعملا حتى الآن ، ( وكتب التفسير والحديث والفقه واللغة والطب والأدبيات والدواوين .

3 ـ وكان في رباط الآثار( مكتبة عامرة بالرباط )  [308] ،أى مورد يرتزق منه العاملون فى الرباط والمكتبة. وهناك مكتبة في الخانقاه البكتمرية ، وأيضا فى الخانقاه البرقوقية التي عمرها السلطان فرج بن برقوق ، وهو أيضا الذى أقام الجامع الأبيض بالقلعة ، وجعل به مكتبة . وقد جاء في وثيقة وقفة على هذا الجامع فيما يخصُّ المكتبة : ( وبالجانب الشرقي باب يُدخل منه الى بيت ومنافع وحقوق ، وهو مُعدُّ لوضع المصاحف والريعات الشريفة وكتب العلم )[310] . وفي وثيقة مغلطاي الجمالى: ( وأما الخزائن الكتبية التي بأيوانها الكبير ، فيُحفظُ فيها ما لعلّه يكون بهذه الخانقاه من الكتب الموقوفة والربعات الشريفة والآلات المختصة بها )[312] . وجلب سرور الحبشى كُتُبا لخانقاته وعمل لها مكتبة ، أو بتعبيرهم (خزانة للكتب ) وهى ( غير خزانة كتب الوقف ) أى غير مكتبة الخانقاة المنشأة وفقا لكتاب الوقف عليها. [314] اما بهاء النحاس فكان فى مكتبته كتب بألف دينار ، وكان يحضر السوق ليجدد مشترياته من الكتب ، وإقتنى كتبا نفيسة.

عمل الصوفية فى المكتبات من خلال وثائق الوقف

1 ـ وعمل بعض الصوفية في المكتبات التى فى مؤسسات التصوف .

2 ـ وفي وثيقة جمال الاستادار على خانقاته : ( ويرتب من الصوفية المذكورين المجردين من اهل الخير والديانة والصيانة والأمانة يكون خازنا لما بالخانقاه من الريعات والمصاحف وكتب العلم الشريف... وما لعله يتحصل من نفايس الأشياء على  العادة ... ويرتب أيضا من عدة الصوفية المذكورين أعلاه من المجردين أعلاه  ثلاثة أنفس لخدمة الريعات الشريفة بالخانقاه المذكورة على ان يحضروها وقت حصور الوظيفة ، ويفرقوا أجزاءها على الجماعة القائمين بوظيفة التصوف... ويصرف للخازن المذكور في كل شهر عشر دراهم .... وليس عليه حضور وظيفة التصوف ولا يلزم بها  ) [316] وإشترط قايتباى أن يكون خازن للكتب (من اهل الخير والديانة والأمانة ، يتولى خزن الكتب بها وحفظها وتنظيفها وتفقدها وعمل مصالحها ) [318] وقيل في ترجمة الصوفي سالم العبادي وأضيفت له خزانة المحمودية ) [320] .

مدى تطبيق تلك القواعد

1 ــ ولم يُعمل بهذا الشرط فقد كان علم الدين البلقيني وشرف الدين المناوى يستعيران الكتب من تلك الخانقاه ويخرجان بها الى منزلهما وتمكث عندهما الأيام الكثيرة , ولم يكونا من العاملين فيها .  وقد وضع السيوطي رسالة في ذلك يدافع عنهما ويقول: ( فلولا رأيا ذلك جائزا ما فعلاه ) [322]..

تربية الأطفال فى المؤسسات الصوفية فى مصر المملوكية .

كتاب : أثر التصوف  المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية

الفصل الثانى  :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )

تربية الأطفال فى المؤسسات الصوفية فى مصر المملوكية .

مدخل :

إستفاد ( بعض ) الأيتام فى بعض المدن فى مصر المملوكية ( خصوصا القاهرة )، إذ كفلتهم (بعض ) المؤسسات الصوفية بإقامة كتاتيب لهم ، بعضها كان قائما بذاته أو ملحقا بالمنشأة الصوفية أو فوق ( سبيل ) أى مخزن للماء العذب يسقى الناس . الاحسان لليتيم فرض إسلامى تكرر فى القرآن الكريم ، وهو بهذا ناحية إيجابية للتصوف المملوكى ، وكان من النتائج الايجابية التى تنتج من ظلم مستقر ومستفزّ ، فالمماليك بالمال السُّحت والسخرة أقاموا المؤسسات الصوفية تكفيرا عن ذنوبهم وحتى يشفع فيهم الأولياء الصوفية طبقا لاعتقاد العصر فى شفاعة الأولياء ، وجعلوا من مهام الصوفية فى تلك المؤسسات الدعاء لمنشىء المؤسسة الصوفية ، واستفاد (بعض) الأيتام من هذا فوجدوا الرعاية والتعليم والمرتبات . وهو على أى حال تكافل إجتماعى ربما لم يكن موجودا بنفس المستوى فى أوربا وقتها . ونعطى لمحة عن تربية الأطفال فى المؤسسات الصوفية فى مصر المملوكية .

 الصوفية مؤدبو أطفال خارج المؤسسات الصوفية

1 ــ بتعبير العصر كانت تلك الوظيفة تعنى ( التأديب ) و ( الإقراء ).  ووظيفة ( التأديب)   تشمل الى جانب التعليم العادى تعليم الآداب والسلوكيات المهذبة . كما أن وظيفة الإقراء تعنى تعليم القراءة والكتابة .

2 ــ وقد عمل بعض الصوفية معلمين خصوصيين لأولاد المماليك والأعيان ، فكان شهاب الدين الكناني احد صوفية سعيد السعداء يؤدب أولاد السلطان حسن  [324] واحضر ابن المغلى  الناصري صوفيا من الخانقاة الجاولية هو احمد السنباطي لاقراء ولده الكمال ) [326]...

3 ــ واشتغل بعضهم (مؤدبا عاما) فوصف الكثير منهم بانه اقرأ الأطفال مثل يوسف البحيري )[328] وابن قومه ) [330] ونور الدين )[332] . وتعين البرهان القلقشندي صوفيا بالخانقاة البيبرسية والخانقاة ا لجمالية. وأقرأ كثيرا من الأطفال [334] وأدب الشيخ بلال الدين الاطفال بالجملون العتيق )[336] وادب البدر الفيومي الأطفال بالمقسم .

ويبدو أن شهرة الصوفى المصرى فى تعليم وتأديب الأطفال قد جاوزت مصر ، فكان بعضهم يُبعثّ به مثل المتعارف عليه اليوم بالبعثات التعليمية ، فذُكر ان الشيخ المعتقد نور الدين المصري كان يؤدب الأطفال بحلب )[338] وانتفع الأطفال فى مدينة بلبيس بإبراهيم الفاقوسي يؤدب بها ، بحيث لم يكن بها من هو أصغر منه فى السّن إلا وقد قرأ عليه . واشتهر بينهم ان من لم يقرأ عنده ليس له اكمال القرآن بل يقال ان بعد موت ما ختم من أهلها القرآن ) [340] .

( وتكسب النحريري  من تأديب الطفال وانتفع به من لا يحصى كثرة ، واشتير إليه بالتقدم مع الحُرمة الوافرة وشدة البأس على الأطفال حتى حاولوا قتله بالسم .! ) [342] بينما أقام آخرون بذلك العمل احتسابا مثل الدميري )[344] والأوكاوى ) [346] وعلى بن شهاب جد الشعراني )[348]

واهتم الصوفية من المؤلفين في بحث تربية الأطفال فقعد ابن الحاج فصلا في تعليم الأطفال ومشيهم [350] ..

اقراء الأطفال في المؤسسات الصوفية :ــ

1 ـ وكان ( الكُتّاب ) أو مكان تعليم الأطفال تابعا أحيانا للمؤسسة الصوفية من خانقاة او تربة او زاوية وغيرها .

فالمنصور قلاوون عيّن أو ( رتّب) فقيهين يعلمان ستين صغيرا من ايتام المسلمين )[352] و وأقام الأمير يونس النوروزى مكتبا للأيتام بجانب خانقاته [354] . وأجرى الأمير جانبك الجوامك أى المرتبات على الأيتام المنزلين أى المعينين  في الكُتّاب بتربته ) [356] وجعل تاج الدين بن حنا فى تربته مكتبا للأيتام وجعل فى شروط الوقف إلزامهم وهم يكتبون القرآن في الواحهم فاذا أرادوا مسحها غسلوا الألواح وسكبوا ذلك على قبره.  وسجله في وثيقة الوقف ) [358] .

وأقام عثمان الخطاب خلاوي لتعليم الأطفال في المدرسة السيفية )[360]...

2 ــ ويجمع كثير من وثائق الوقف على أن يكون الأطفال المنزلون بالمكاتب من الأيتام الذين لم يبلغوا سنّ الحلم والذين فيهم قابلية التعليم.  بينما تشترط وثائق أخرى ان تكون الأطفال من الفقراء مع تفضيل الايتام منهم . واشترط بعضهم ان يكون الأطفال من أبناء السادة الأشراف الأيتام .

3 ـ وكان المكتب أو ( الكُتّاب ) يوجد عادة فوق ( السبيل) أى المكان المُعدّ للتزود بالماء للناس طلبا للثواب . وكان هذا الكُتّاب يوجد  في مكان متسع طلق الهواء وتدخله الشمس  ليساعد الأطفال في الاقبال على الدرس والانتباه . ونادرا ما يوجد مكتب الايتام في غير المكان , وتفرش المكاتب عادة بالحُصر ويجلس عليها الأطفال حول مؤدبهم ، كما كانت في حائط  المكتب كتيبات و(دواليب) توضع فيها المصاحف والاقلام والالواح والدوى ( جمع دواة ) . وإذا كان عدد الأطفال في مكتب الايتام كبيرا فانه كان يعين لهم الكثرة من مؤدب وعريف ، ويؤذن لكل مؤدب عدد محدد من الأطفال لكي تكون عملية التربية اجدى وانفع ) [362] .

ودارت العملية التعليمية للأطفال حول تعلم القراءة والكتابة ومباديء الدين وحفظ القرآن وبعض الحديث ، هذا الى جانب حكايات الصالحين والشعر والحساب وقواعد اللغة . وقام التعليم على قوة الحافظة والاستظهار والاعتماد على الذاكرة اللفظية . وقام الأطفال بالكتابة على الألواح أولا ثم كتابته بالحبر بعد ذلك . وهذا يتمشى مه ما تنادي به التربية الحديثة في تعليم الصغار. كما روعيت القدرات الخاصة للطفل ومدى استعداده لتقبل العلوم والمعارف. و ونصّت الكثير من وثائق الوقف على مراعاة (ما يطيقون تعليمه) وهذا يتفق مع ما يدعو اليه علم النفس التربوي من التدرج في تربية الصغار ومراعاة قدراتهم .

هذا .. وتشبه مكاتب الايتام الى حد كبير المدارس الابتدائية الراقية او المرحلة الأولى الإعدادية في مصطلح التنظيم التعليمي في العصر الحديث .  والمؤدب هو الاسم الذي تطلقه معظم وثائق المماليك على المعلم في مكاتب الايتام بينما يسمى بالفقيه في وثيقة جمال الاستادار وغيرها كوثيقة قايتباي . واشترط في المؤدب شروطا خلقية منها ان يكون خيّرا ديّنا ذا عقل امينا على الأطفال المسلمين مع سلامة العقيدة ( الصوفية ) ، واشترط لبعضها ان يكون ملمّا بمادته ومراعيا لميول و حاجات الأطفال النفسية ..الخ.  وإشترط فى مساعد المدرس أو ( العريف ) : الأهلية للتأديب ، وكان يبدأ عمله عندما ينتهي المؤدب المدرس، بأن يعين المتخلفين من الأطفال زمنيا وعقليا ، وهذا يقرر لنا حقيقة هامة هي إيمان التربية  فى هذا العصر بمبدأ الفروق الفردية الذي تنادي به التربية الحديثة في القرن العشرين . وكان (العريف ) من جملة الايتام المنزلين بالمكتب والذين انتهوا من دراستهم في المرحلة بشرط ان يظهر تفوقا ونبوغا ،  ويستمر في المكتب ولو كان بالغا . وكان الأطفال يعرضون عليه ألواحهم في غيبة الفقيه المدرس.  وتذكر وثيقة الغوري وظيفة شخص كان يعلم الأطفال الخط العربي ، وهو لون من اولان التربية الجمالية له أهمية في تربية الذوق وتكوين الإحساس الفني في ناشئى فى ذلك العصر ....

وتستعرض وثيقة جمال الاستادار كمثل على النشاط التربوي في الخوانق : تقول عن شروط المعلم : ( ويرتب الناظر أيضا من عدة الصوفية المذكورين أعلاه من غير طائفة المجردين رجلا حافظا لكتاب الله العزيز ذا عفّة وصيانة وامانة متزوجا ذا خبرة ومعرفة صالحا لتعليم ....) أي جعلت المعلم للأطفال من أفضل العاملين داخل الخانقاة. وتقول عن العلوم التي يدرسها للصبيان انها (القرآن والخط والهجاء والاستخراج )، اى الاستدلال . وعن طريقة التربية والتعليم اوجبت الوثيقة على المعلم ان ( يعلمهم المؤدب بالإحسان والتلطف والاستعطاف فيما يرغبهم به في الاشتغال ) وعن عقاب المخطيء قالت (ومن اتى منهم بما لا يليق من فعل أدّبه بفعل ما اباح الشرع الشريف، ولا يضرب الضرب المبرح ) [364]

أثر التصوف فى الأدب المملوكي : فى النثر والقصّة

كتاب : أثر التصوف  المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية

الفصل الثانى  :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )

 أثر التصوف فى الأدب المملوكي : النثر والقصّة .

مدخل :ــ انعكس تأثير التصوف المملوكي على الحياة العلمية فأثر في المستوى العلمي ومسيرة بعض العلوم ، وأضعف التأثير الإيجابي لجهود الصوفية في مجال التعليم . ولكن يبدو ان تأثير الصوفية في الأدب يميل إلى نوع من التوازن ، فالنثر الصوفي أشاع دفئا وحرارة في نفس الوقت الذي تأثرت فيه الكتابة بالجمود العلمي والعقلي فقبعت تحت سلاسل المحسنات اللفظية دون معنى جليل أو فكرة هامة. وادعاء الكرامات أمر ممقوت دينيا إلا انه رب ضارة نافعة كما يقولون فمن هذا الطريق وجدت القصة الصوفية القصيرة والطويلة وأثر التصوف في الروايات ــ الشهيرة . والشعر المملوكي أثرى بالتصوف في اغراضه من حب الهى ومديح نبوى وابتدع أغراضا جديدة أهمها دخول الصراع الفقهي الصوفي إلى ميدان الشعر وما أثاره من فريحة وتجويد لدى الفقهاء ، فأشاع ذلك كله حرارة وصدقا شعريا بين الخصوم . يقابل ذلك انعكاس الحياة العقلية والثقافية الهابطة على بعض الشعراء خاصة في أواخر العصر وانتشار التصوف فقبعوا تحت التقليد وأثر فيهم الجهل ..والى بعض التفاصيل ، مع التذكير بأننا نتعرض لرءوس موضوعات تصلح لأبحاث متعمقة فى تحديد وتفصيل وتفريع أثر التصوف فى تلك النواحى ....

أثر التصوف في النـثــر : ...

 "السجع" أهم ميزة في الأسلوب النثري للعصر المملوكي ، والسجع يعبر عن ملمح أساس فى الدين الأرضى ، وهو التدين السطحى بدون إعتبار للتقوى القلبية . ساد هذا فى الأدب منذ سيطرة الحنابلة ودينهم السُّنى فى العصر العباسى الثانى ، فأضحى الأدب والشعر ضحية الاهتمام بالمظهر ( اى المحسنات اللفظية من سجع وتورية وجناس وطباق ومقابلة ) على حساب المضمون، أى إختنق المعنى بسلاسل السجع والمحسنات اللفظية، ولم يعد مُهمّا ما يقال ، بل المهم هو السجع والتورية و الطباق والمقابلة .

على أن السجع بالذات هو الذى تميّز وساد ، حتى فى عناوين معظم المؤلفات ، ومثلا : تاريخ ابن حجر الذى يؤرخ فيه من سنة مولده جعل عنوانه ( إنباء الغمر بأبناء العمر ) وجاء تلميذه الصيرفى فكتب على منواله يؤرخ لعصره تحت عنوان ( إنباء الهصر بأبناء العصر ) ، وليس لكلمة الهصر معنى محدد ، أى جاء بها لمجرد السجع . كان هذا ساريا فى العصر العباسى الثانى ، ثم ساد وسيطر فى العصر المملوكى ، وظل حتى مطلع العصر الحديث ، ونتذكر كتاب رفاعة الطهطاوى ( تخليص الابريز فى تلخيص باريز ) . وفى أواخر العصر المملوكى صار السجع مقياس الفصاحة ، يقول السخاوى عن احد الكتاب : ( أتى بما يٌستظرف من السجعات المتوالية والكلمات المنتظمة [366] . وقد عد بعض الباحثين من خصائص الرسائل والدواوين : الإكثار على قلة المعاني والتزام السجع الطويل الفواصل والاحتفال بأنواع البديع وكثرة الحشو اللفظي والبديعي وكثرة الألقاب والأدعية ) [368] . كما يبدو أثر التصوف في افتتاح المكاتبات والمحاضر بقول الكاتب عن نفسه ( الفقير إلى الله فلان ) [370] . وتردد ذلك في كتب التاريخ الأخرى ، يقول القاضى المؤرخ العينى عن نفسه : (  والعبد الضعيف كان يتيما في تلك الأيام بمدينة عين تاب ) وكرر هذا الوصف.  [372] وفي كتب التاريخ المتأخرة في العصر كان المؤرخ يقول ــ ( أو كما قال) تعقيبا على لفظ البركة او ذكر الكرامة [374]  ، على أن الاهتمام الأكبر للقصة الصوفية كان إرهاب المنكرين بشتى الوسائل  [376]...

2ــ ومن عوامل اجادة القصة الصوفية الفراغ والخيال وحديث النفس والوجدان بالإضافة للحرمان، فأبدع اليافعي في كتابه ( روض الرياحين ) قصصا زعم حدوثها ، وهى من وحى خياله ، يصف فيها مدن الأولياء ( السحرية ) ، و يقول عن إحداها "فأقمنا بها أربعين يوما ليس لنا فيها من عمل إلا الصلاة والأكل " ) [378]  وشخصيتها التي أثرت على مجرى القصص في ذلك العصر ، الذي كان فيه للقصّاص أو الراوى الشعبى شعبية واسعة بين الناس في مجتمع سادت فيه البطالة . وكان القصّاص المصري أبرع صناعة وأرفع مكانة وأتسع خياله بعد نكبة بغداد والحروب الصليبية بقدر ما ضاق عقله وضاع علمه وأصبح أسيرا للتصوف ــ فاعتمد في السرد على الخوارق وحكاية الكرامات ومناقب الأشياخ والغيبيات والخرافات التى تشُدُّ إهتمام السامع والقارىء . لذا قيل أنه لم يتقيد بقواعد المنطق او الخُلق او الوقائع التاريخية الثانية فاصطنع اللهجة الصريحة والألفاظ القبيحة ، [380] .

3ـ وقصص (ألف ليلة وليلة ) تحتاج إلى وقفة لتبين أثر التصوف فيها. ورغم أنها كتبت بعد انتهاء العصر المملوكي أي في سنة 933 إلا أنها ذخيرة حية لحياة المجتمع المصري الذي استمر تأثيره بالتصوف على ما بعد العصر المملوكي ــ وقد تداولتها الألسن عهدا طويلا ، ومن الواضح ان جامعها مصري أخذ صيغتها النهائية من مجتمع القاهرة [382] وفي باقي الحكايات يمثل الخضر دورا هاما في انقاذ المؤمنين ويدعو غيرهم للإسلام ، وإبراهيم الخواص ـ وهو  اسم ولى صوفي ــ انقذ ابنة ملك كافر وحُجب عن العيون بالكرامة ، والحاكم يخبر وردان الجزار بالكشف الصوفي بما فعله في الغيب . هذا عدا زيارة قبور المشايخ تبركا كما فى قصة دليلة المحتالة . وظهر عبد القادر الجيلاني وبركة السيدة نفيسة في قصة علاء الدين الشامات والذي انجته تلك البركة من عدو كاد يقتله ، وفتن قاصّ الليالي بما يحض على الزهد بنوع خاص ، فأنشأ على منواله قصة طويلة تتضمن الكلام عن قماقم سيدنا سليمان ،وأضاف اليها قصة مدينة النحاس التي تتلخص في انها مواعظ سردت تقريريا في فناء الحياة الدنيا وان الزهد خير زاد في الحياة.....

4ــ وكتاب اليافعى ( روض الرياحين فى حكايات الصالحين ) هو المصدر الصوفي الذى استوحى منه مؤلف ( الف ليلة وليلة ) ، ومنه مثلا حكايات عن الجان وعلاقة الأولياء بهم ومدن الأولياء وأسفارهم وقبر سليمان وجنوده من الجن والطير وذخائره وخاتمه وبساط بلقيس وعرشها وسجن إبليس بل ووردت قصص عن هارون الرشيد وعلاقته بابنه الزاهد وعلاقته بمجذوب يسمى بهلول ) [384] ، أي قبل كتابة الليالي بأكثر من قرن ونصف، فأخذ عنه وعن غيره كاتب الليالي وقلده حتى في ايراد الاشعار في غضون حوادث القصص. تلك الأشعار التي يبدو التشابه واضحا بينهما .وندخل على الشعر .

أثر التصوف في الشعر في العصر المملوكي :

 كتاب : أثر التصوف  المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية

الفصل الثانى  :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )

أثر التصوف في الشعر في العصر المملوكي :

 1ــ الأغراض ::ــ

المدح أثر التصوف في المديح عظيم فابتكروا شعر الحب الإلهي والمدح النبوي والتشويق للأماكن المقدسة ثم مدح المريد لشيخه ، هذا بالإضافة إلى ما قام به بعض الشعراء من إنكار على الصوفية:

الحب الإلهي :ــ تطور في القرن السابع وبلغ الذروة على يد عمر بن الفارض وتابعه أخرون كابن الصباع القوصي والدريني والقسطلاني )[386] وشرح الكاساني قصدية ابن الفارض في مجلدين  )[388] ..وأعجب المماليك بالمدائح النبوية فكان السلطان قايتباي لا يلتفت لمن يمدحه بالشعر ويقول لو اشتغل بالمدح النبوي كان أعظم من هذه المسالك ) [390].

ومن الصعب حصر الشعراء المادحين للنبي عليه السلام ولكن نقسمهم إلى نوعين :ــ شعراء صوفية تخصصوا في المدائح النبوية أو أكثر شعرهم فيه ، مثل احمد بن مسعود المادح )[392] وسراج الدين التكريتي [394].،وابن عامرية  [396] وابن الزين  [398]..

وهناك قصائد صوفية ، قالها أكثرية من الشعراء المشهورين كالشاب الظريف وابن نباتة الإسرائيلي [400] .

والبوصيري أشهر المادحين. ومدائحه تنقسم على قسم نظمه قبل ان يحج وقسم بعده ، وفيه قال الهمزية والبردة التي أثبت المحققون كذب أن تتسبب في شفاء صاحبها  [402] ، وشرحها الحلبي وخمسها [404] .

ومن خلال المدائح شوّق الشعراء للأماكن المقدسة حيث ابتدأوا به الشعر النبوي [406] ومدح ابن عطاء شيخه المرسي  [408]  ، ولا يلزم ان يكون الممدوح حيا يرزق ، فالبوصيرى ــ مثلا ـ  مدح السيدة نفيسة ...

ولقد خيم الركود على العصر المملوكي بأثر التصوف وانعكس ذلك على الوصف الشعري بإغفالهم الأمور واكتفوا بوصف التافه منها [410] .. وتصدرت قصائد الغزل بالمذكر قصائد المدح  [412].

ونمثل ــ في الختام ــ بالشاب الظريف وهو شاعر عريق فى التصوف ، فأبوه هو الصوفي الشهير العفيف التلمساني . يقول الشاب الظريف يتغزل فى قاضي القضاة [414]

وردّ عليه الفقيه  الزركشي ( 745 ــ 794 ) فى كتابه ( زهر العريش فى تحريم الحشيش ) يفنّد رأيه :( [416] :

قد كان في الدنيا شيوخ صوالح   اذا دهم الناس الدواهي توسلوا

مفرج منهم في البلاد وشيخنا     أبونا أبو الحجاج ذاك المبجل

وشيخ شيوخ الأرض كان بأرضنا  ابو الحسن الصباغ ذاك المدلل

ويقول العيدروس  فى التوسل بروّاد التصوف [418]

وقال فقيه آخر ، وقد روى السخاوى هذا الشعر على انه (لأحد السادة الأوائل)(التبر المسبوك 220 : 221 ) وواضح انه فقيه حنبلى :

الضرب بالطار والتشبيب بالقصب   شيئان قد عرفا باللهو والطرب

انى لأعجب من قوم وطيشهم         وان أمرهم من اعجب العجب

إن نقروا الطار أمسوا يرقصون له  شبه القرود ألا سحقا لمرتكب

صوفية أحدثوا فى ديننا لعبا    وخالفوا الحق دين المصطفى العرب

من اقتدى بهم قد ضل مثلهم       سحقا لمذهبهم لو كان من ذهب

اهل المراقص لا تأخذ بمذهبهم  فقد تمادوا على التمويه والكذب

اُنكر عليهم إذا ما كنت مقتدرا   واضرب ظهورهم بالسوط والخشب 

 ويقارن فقيه آخر، يبّن حالهم حين سماع القرآن وحين الغناء فيقول :

تُلى الكتاب فأطرقوا لا خيفة             لكنه أطراق ساه لاهي

وأتى الغناء فكالحمير تناهقوا           والله ما رقصوا لأجل الله

دفُّ ومزمار ونغمة شادن                فمتى رأيت عبادة بملاهى

ثقل الكتاب عليهم لما رأوا                 تقييده بأوامر ونواهى

ورأوه أعظم قاطع للنفس عن       شهواتها يا ويحها المتناهى

وأتى السماع موافقا أغراضها      فلأجل ذاك غدا عظيم الجاه

ويقارن السماع بالخمر فيقول

ان لم يكن خمر الجسوم فانه   خمر العقول مماثل ومضاهى

فانظر الى النشوان عند شرابه   وانظر الى النشوان عند ملاهى

وانظر الى تمزيق ذا أثوابه         من بعد تمزيق الفؤاد اللاهى

واحكم فأى الخمرين أحق              بالتحريم والتأثيم عند الله ؟

وقال فقيه آخر يائسا ساخرا

برئنا الى الله من معشر  بهم مرض من سماع الغُنا

وكم قلت يا قوم أنتم على   شفا جرف ما به من بنا

وتكرار ذا النصح منا لهم      لنعذر منهم الى ربنا

فلما استهانوا بتنبيهنا     رجعنا الى الله فى أمرنا

فعشنا على سُنّة المصطفى  وماتوا على ( تنتنا تنتنا ) ( أى نغمة الموسيقى )

ويردد فقيه آخر يأسه منهم فيقول

فدع صاحب المزمار والدف والغنا  وما اختاره عن طاعة الله مذهبا

ودعه يعش فى غيّه وضلاله        على ( تاتنا ) يحيا ويبعث أشيبا

وفى ( تنتنا ) يوم المعاد  نجاته      الى الجنة الحمراء يدعى مقربا

وقد أورد ابن القيم الجوزية فى كتابه ( إاثة اللهفان ) قصيدة طويلة يهجو الانحرافات الصوفية فى عصره ـ ولا ينسبها لنفسه ، وواضح انه صاحبها ، ومنها : [420]

يبدو انه تأثر بأمين الدين الديسرى ت 680  الذي تهكم بأصحاب الاتحاد فأجاد :

متُّ في عشقي معشوقا انا            ففؤادي من فراقي في عنـــا

غبت عني فمتى يجمعني             انا من وجدى منى في فنـــا

أيها السامع تدرى ما الذي        قلت ؟ والله فــ أدرى انـــــــا  [422]

تنسّك معشر منهم وعُدّوا           من الزهاد والمتورعينا

وقيل لهم دعاء مستجاب           وقد ملأوا من السحت البطونا

وما أخشى على اموال مصر          سوى من معشر يتأولونا

وما أروع البيت الأخير الذى ينطبق على مصر فى كل عصر.

وفى واقعة الأمير المملوكى يلبغا السالمى مع صوفية خانقاة سعيد السعداء وقد إكتشف إنحرافاتهم وفضحهم وعاقبهم ، يقول شاعر :

يا أهل خانقاة الصلاح أراكم    ما بين شاك للزمان وشاتم

يكفيكموا ما قد أكلتم باطلا     من وقفها وقد خرجتم بالسالمى ( خطط المقريزى 4 / 274 ، تاريخ ابن الفرات 9 / 2 / 406 )

وكان النُصيبى شاعرا ظريفا ، وقد إجتمع فى مجلس مع الشيخ الصوفى الحريرى الذى حكى كرامة له انه رأى هرّة تقرأ سورة يس ، فقال النصيبى متهكما : وكان غراب يقرأ سورة السجدة فإذا جاء عند آية السجدة ّسجد وقال: سجد لك سوادى وإطمأن بك فؤادى.( الوافى بالوفيات 1 / 164 ، الطالع السعيد فى أخبار الصعيد للأدفوى : 354 )

 وقد أدخل بعضهم المذاهب الصوفية في الشعر  .

فالحقيقة المحمودية أدخلت في شعر المديح ، وأدخلوا عقائد الحلول والاتحاد في شعر ابن الفارض وغيره ، حيث عبر بعضهم عن الحب الإلهي بتعبير حسى حتى لتحسبه من شعراء التغزل فى المرأة . ويقول أحدهم [424] ..

في الأسلوب والمسار : ـــ

1 ــ لبعض الباحثين رأي طيب في الشعر الصوفي [426] .فالمنهج العلمي لا يناسبه التعميم في الأحكام ، فقد كان من الصوفية من نظم في الحب الإلهي بأسلوب علمي ولغة دارجه يقول ابن حجر عن ابن البصيص " وكان ينظم نظما عاريا من الاعراب على طريق الصوفية ) [428]   .

2 ــ وشاع التضمين الشعرى فى العصر المملوكى ، والتضمين هو أن يدخل الشاعر في أبيانه بيتاً (أو أبياناً) مشهورة، وكأنه يستشهد بها، وعادة ما يضع ما ضمن بين قوسين، كما أنه قد يضمن شعره الأمثال أو الحكم السائرة ليعطيه رونقاً وقوة..ولكن هذا التضمين فى العصر المملوكى كان يعكس التقليد فى الحياة العلمية التى صارت ترديدا لما سبق وشرحا له وتلخيصا للشرح . أى عاش العصر المملوكى عالة على التراث العباسى فى الفقه والحديث والتفسير والتصوف ..وفى الشعر ايضا ، بل كانوا يضعون ما يقتبسونه من السابقين فى شعرهم دون مراعاة للتناسق فى المعنى أو وحدة الموضوع ، لأن الذى غلب ذعليهم هو التناسق اللفظى بين شعرهم و ما يضاهيه لفظا وقافية من أقوال السابقين أو من القرآن الكريم . والتعمق فى هذا الموضوع يخرج عن المنهج ، لذا نكتفى بالاشارة الى ديوان ابن نباته ( 686 : 768 ) ونعطى أمثلة : صفحات 392 ، 425 ، 462 ، 476 ، 477 .

3 ـ وبصمات التصوف واضحة في الشعر المصري بوجه عام وقد عدّ احمد امين من خصائص الشعر المصري العناية غالبا بالجناس اللفظي والذوبان في الحب وتسلط النغمة الحزينة  )[430]

واختفى منهم على قرب مرآه     ومن شدة الظهور الخفاء 

والكرامات منهم معجزات         حازها عن نوالك الأولياء

وسلام على ضريحك تحصل به           منه قربة وعساء.

 وله :

توسل به في كل ما انت طالب فكم نلت بالتوسل مطالبا

على أننى ما زلت من بركاته   غنيا وفى نعمائه متقلبا

وله

واستمطر البركات من دعواته حيث استقل سحاب راحته الندى

وله

معنى الوجود الذى قام الوجود به   وهل بغير المعانى قامت الصور

وله

وما هو إلا كيمياء سعادة         ووصفي لتلك الكيمياء شذور

وله:

ولم تفته من الأوراد ناشئة في   ليلة قام يحييها ولا سحر

وله :

 قرن الوزارة بالولاية فهو في    حبل من التقوى ومن إحرام   

وفي ديوان الشاب الظريف يقول فى تأليه أبيه الشيخ عفيف الدين التلمسانى   [432]

لك في الأرض دعاء       سدّ آفاق السماء

يسّر الله للقياك               سرور الأولياء

وله يُحاكى أسلوب الاتحاد الصوفى ولكن بطريقته الظريفة الخفيفة :

انا في الحقيقة انتمو     وهذا اعتقادي فيكمو

فالحب منى فيّ        والاعراض منكمو عنكمو

وفى ديوان ابن نباته )[434] 

ويقول ابن كميل  )[436]

وقال آخر على سبيل المثال : )[438] .

وذكر شعراء أميون من غير الصوفية كالأمير بيبرس الفارقاني وابن الربيع الخياط وابن أسد وغيرهم [440]، وقد اتخذت قصائد المديح الصوفية مادة ينشدها المداحون في المحافل الدينية وحفلات السماع . واشتهر الشاعر المداح شهاب الدين السنهوري الضرير بأغاني مديح شهيرة جرت على ألسنة المداحين . وعلى مثال ( على وفا ) نظم عبدالغفار بن نوح شعر اللحن لينشد في حلقات الصوفية  . ومارس بعض شعراء الصوفية الانشاد بنفسه مثل حمزة الاسنوى الواعظ الذي( تغانى النظم ومدح وهو من ذوى الأصوات الطيبة ، وكلما طال غناؤه جاد صوته ) [442]...

3 ـ واشتهر صوفية آخرون بالغناء مثل ركن الدين الأربيلي شيخ رباط علاء الدين و( كان حسن الصوت ) ( تاريخ الجزرى : مخطوط : 2 / 79 )، وجمع بعضهم بين الغناء و ( الخلاعة ) مثل الشيخ زوين الصوفي الذى كان (حسن الغناء والخلاعة )، وهذا وصف المؤرخ ابن الفرات له ( تاريخ ابن الفرات : 9 / 2 /  356 ) . وبرع محمد برقوق التونسي في الغناء والانشاد ( وله شهرة طائلة)( تاريخ ابن اياس 2 / 128 ط بولاق ) ، ويصف المؤرخ ابو المحاس الشيخ الصوفى سليمان المادح، أنه كان  (ذا صوت شجي طروب يروح النفوس) [444]وكان الشيخ عارف العجمى أحد الصوفية بالخانقاة البيبرسية ( عارفا بالموسيقى وانتهت اليه الرئاسة في ذلك ) [446]، أى يستخدم موهبته الموسيقية فى التلاوة على القبور .

وقال المؤرخ السخاوى إنه : ( لم يُر بعد الشيخ حيدر وأخيه من يدانيهما في الموسيقى  )[448]، ويقول المؤرخ ابو المحاسن أنه كان لأبي عبد الله الحمصى (  يد ، في علم الموسيقى ) [450]أى ألّف قطعة موسيقية مشهورة بهذا العنوان . ويقول الصيرفى أن ابن تغرى بردي أخذ علم النعمات والموسيقى وادوار صفي الدين عبد المؤمن عن الشيخ الامام فتح الدين العجمي وعن غيره،  وذكر له ( كتاب في الرياض والموسيقى) [452] ، أى كان موسيقيا ملحنا متدينا متعبدا .! وللصوفي الشهير أبو المواهب الشاذلي مؤلف في حل سماع العود ) [454]وكان للشيخ شمس الدين البرهان ( نظم ونثر ويدري بالموسيقى وكان ينظم الشعر بالإيقاع على الضروب المختلفة يغني به المغنون ، وكان أيضا يلعب بالقانون . وقد رثى مملوكا له بشعر كثير ولحّنه ، فتداوله الناس ) [456]..

  4 ــ ومن الصوفية المطربين الواعظين من ألّف فى الموسيقى مثل ابن رحاب (المغنى الناشد المادح فريد عصره ، وكان من نوادر الزمان، ينظم الشعر ،ويلحّن الخفائف بألحان غريبة ، وكان أخر مغاني الدكة في الدخول والطرب ، ولم يجيء أحد في الدخول مثله ) [458](بعلم الموسيقى مع حُسن الصوت ) [460].

الشيخ الموسيقار المجهول : إبن كُرّ

1 ــ ونتوقف مع المؤلف الموسيقى المشهور فى عصره : ( إبن كُرّ ). كان هذا الشيخ الصوفى إمام أهل عصره في الموسيقى. ومن خلال ما ذكره عنه المؤرخان ابن حجر وأبو المحاسن ـ وقد عاصراه ـ نعرف أن إبن كُرّ ـ كان شيخا للزاوية التي بجوار المشهد الحسيني ، وشيخا لزاوية أخرى بالقرب من شاطيء الخليج . وقد قرأ فن الموسيقى على الشيخ القاضي علاء الدين التراكيشي وغيره، وتفوق ابن كُرّ على أقرانه فى علم الموسيقى ،  وصنّف فيه تصنيفا بديعا سماه (غاية المطلوب في فن الانغام والضروب) .

2 ــ يقول المؤرخ أبوالمحاسن ابن تغرى بردى : (سمغت مقدمته منه بمنزله فى الزاوية الذكور في شوال سنة 745 ، وقال: " ظهر لي خطأ جماعة من المتقدمين في هذا الفن مثل الفارابي وغيره وقد برهنت ذلك."). ويقول أبوالمحاسن عن فقهاء عصره الرافضين للموسيقى : (وعلماء عصرنا يستعيبون هذا الفن لعدم معرفتهم به ، وظنهم ان هذا الفن ليس هو غير ما يقوله العامة من الغناء والطرب . وليس هو كذلك . وإنما هو علم مستقل بذاته مشتق من العروض ، وفيه أراجيز ومصنفات نظم ونثر . وهو فن صعب إلى الغاية ، ولا يصل إليه إلا من له قوة في عصبه ، مع معقول جيد وذكاء وحُسن صوت . ومن الأراجيز في هذا العلم قول بعضهم :

 أصل الضرب على أربع انقسم وانحسب  فاصلة ومنفصلة والوتد والسبب

وأما علم النغمة فهو بحر لا قرار له . ) .

3 ــ ثم يعود المؤرخ أبو المحاسن ليقول عن الموسيقار ( إبن كُرّ) : ( وان ابن كُرّ هذا كان لا يمرّ به صوت مما ذكره أبوالفرج الاصفهاني في الأغاني إلا ويجي به ويجيده .) ومعروف أن أبا الفرج الأصفهانى ( 284 : 356 ) فى كتابه المشهور ( الأغانى ) كان يذكر الألحان للقصائد المُغنّاه المشهورة فى عصره العباسى . ونرجع الى أبى المحاسن وهو يقول عن إبن كُرّ يمدحه : ( وكان فيه شمم وعفاف ، لم يتخذ صناعة الموسيقى إسترزاقا ، بل فكاهة يروّح بها نفسه ) . أى كان مع علمه بالموسيقا هاويا لها وليس محترفا بها. ويقول عنه الفقيه قاضى القضاة المؤرخ ابن حجر: ( وقد رآه أحدهم غنّى فأضحك ثم غنى فأبكى ثم غنى فنوّم ، يقول : فرأيت بعيني ما كنت سمعت بأذني عن الفارابي . وقال أخر مر ابن كر على قوم يُغنُّون فحرك بغلته حتى مشت على إيقاعهم )[462]. والسلطان الغوري كان له ولع بالموسيقى والغناء ، وكان له نظم والحان يُتغنى بها ) [464]. وكان الماردينى نائب السلطنة (يجيد ضرب العود وقد حظى عند الناصر محمد ) [466]وكانت للأمير ناصر بن البابا (مشاركة في الموسيقى ، وفضّل مجالسة الصوفية على مجالسة الأمراء) [468]

وقد وفى النيل سنة 845  فصنف العوام غنوة :

النيل أوفى في أبيب              تعالى خش يا حبيب

يقول ابن اياس عن تلك الأغنية : ( وهو كلام مطول ولحّنوه ) [470]، هذا عدا أمثلة أخرى تدخل في الاستشهاد بمواضع لغير هذا البحث...

حفلات الغناء :

1 ــ وهذا العصر الذى إتخذ  الغناء شعيرة دينية إزدهرت الحفلات الغنائيةأو ( المغانى ) بتعبير العصر، ووجدت طريقها للتسجيل فى الحوليات التاريخية. فالمؤيد شيخ (أحضر المغاني وأرباب الالآت الى بركة النيل ، وانشرح في ذلك اليوم جدا ) على حد قول المؤرخ ابن اياس [472]. ويقول المؤرخ ابن اياس ( وهو ايضا من أصل مملوكى وقد عاصر السلطان الغورى) أن السلطان الغورى الهاوى للموسيقى كان يهتم  بأصحاب المغاني وأرباب الالآت، ويصطحبهم معه في سفراته ونزهاته [474].

4 ــ وشاركت فرق أو جوق (المغاني ) في الاحتفالات الرسمية، فى انتصار السلطان او فى توديعه أو فى إستقباله عند قدومه من السفر . وعندما دخل برقوق القاهرة بعد إنتصاره على غريمه الأمير منطاش وكان الى جانبه السلطان القلاوونى الطفل المنصور ( لاقتهما المغاني ) [476]وحين عاد السلطان المؤيد شيخ إلى مصر( قعدت المغاني صفوفا على الدكاكين تدق بالدفوف ) [478]. وكانت المغاني تزفُّ كتاب الوقف على المؤسسات الصوفية فى شوارع القاهرة ، [480]...

أخيرا : ملامح للتأثر بالتصوف فى الغناء المصرى الحديث والمعاصر

هذا يحتاج بحثا مستقلا ، ونشير اليه فى لمحة:

1 ـ لاتزال بصمات المتصوف واضحة في الغناء المصري الحديث والمعاصر . كانت مجالس الذكر الصوفى مدرسة لتخريج المغنيين ، ففيها نبغ عبده الحامولى ومحمد عثمان والشيخ سلامة حجازى و الشيخ يوسف المنيلاوى والشيخ سيد درويش. وفي القرى المصرية مئات من قراء الموالد هم في الأصل من أتباع الصوفية . وليس غريبا أن يُلقب اعلام الفن المتأخرون بالمشيخة كالشيخ صالح عبدالحي والشيخ زكريا أحمد، وفى عصرنا الشيخ إمام والشيخ سيد مكاوى. وليس غريبا أن تبدأ ام كلثوم حياتها بالإنشاد الصوفي في حلقات الذكر ، وأن يكون استاذها فى الغناء الشيخ أبو العلا ، وأن يبدأ محمد عبدالوهاب حياته صبيا مغنيا  في مسجد الشعراني..!....

2 ــ  وحقيقة والأمر أن التصوف مؤثر في الغناء المصري، إمّا  بالأصالة حيث كان المتصوفة هم اهل صناعة الغناء المصري تأليفا وتلحينا وتطريباً ، وإما بالتأثير غير المباشر حيث أوجدوا الجو الملائم لازدهار الغناء . بل كانت ولا تزال الحفلات الدينية للذكر الصوفى يصدح فيها الغناء العادى بالعاطفة الملتهبة للمحبوب ، ويرقص عليها الصوفية وهم يتخيلون إلاههم هو ذلك المحبوب طبقا لعقيدتهم فى الاتحاد والحلول ووحدة الوجود. كما نلمح مظاهر الوجد الصوفي من المستمعين فى الحفلات العادية والشعبية ،حيث التهليل وصراخ الاستحسان من الجمهور ـ مقترنا بلفظ الجلالة والدعاء والصلاة على النبي عليه السلام والعبارات الدينية الأخرى، حتى في سماع الأغاني الماجنة ..

3 ــ والأغنية المصرية المعاصرة لا تزال محملة بالتأثير الصوفى : إذ يغلب عليها الاتجاه العاطفي المبالغ فيه كما لو كان المحبوب  كائنا مقدسا ، أو ( وليا صوفيا ) ويكون المغنى ( مريدا له ) . ومع التهافت المزرى على المحبوب فإن المُحبّ لا يتحرك الى لقاء المحبوب ، بل يظل فى مكانه ينادى من يأتي له بحبيبه ، وهو دائما يظل يهتف بهذا لا يملّ ، مكتفيا بالنداء والقعود ، مثلا : هو لايذهب للمحبوب يعترف له بالحب ـ بل يجلس مكانه متكاسلا يقول ( قولوا له الحقيقة ..قولوا له بأحبه من أول دقيقة ) ، وحين يريد أن يعطى هدية للمحبوب يظل فى مكانه يطلب من الآخرين إحضار هدية للمحبوب ( يا رايحين الغورية هاتوا لحبيبى هدية ) . وحتى لو جاءه المحبوب يريد الزواج فإنه يظل قاعدا فى مكانه ينادى ( قولوا لمأذون البلد ييجى يكمل فرحنا ). وهذا التواكل من القيم الاجتماعية التى أرساها التصوف، وتعبر عنه الأغنية المصرية حتى الآن بلا خجل ولا وجل .

ولقد أشاع التصوف الشذوذ الجنسى وتعرضنا لذلك فى كتاب الانحلال الخلقى .وانعكس هذا فى التعبير عن المحبوبة الانثى بالمذكر ( يا حبيبى ـ وليس حبيبتى ) وشاع هذا فى قصائد الغناء ولا يزال ساريا ، حيث يصدح المطرب ينادى الحبيب وليس الحبيبة ـ هذا فى الأغلب طبعا.

هذا مع نغمة الحزن والسهر والسُهد بلا مبرر، والشكوى بلا طائل ، والهجر والحرمان والشوق الذى يعصف بالأبدان ، ( ثم إذا تزوج حبيبته عاملها كجارية بلا حقوق واعتبرها ناقصة عقل ودين .!!) .

الأغانى الشعبية فى الدلتا والصعيد والمقترنة بالمواويل يتسع مجالها ، ليس فقط فى الحب  ولكن أيضا فى رواية الحكايات الشعبية التراثية أو المصنوعة والتى تعبر بصدق عن العقلية الجمعية للعوام . وهى لا تتوانى فى إعطاء المواعظ والنصائح ، بالحث على الصبر والرضى بالأمر الواقع أى (المقسوم) والتخويف من غدر الأيام ومن ( العزول ) أى الخصم  الشامت و ( العويل ) أى البخيل ناكر الجميل ، والإشادة ب ( الأصيل ) أى الشهم أو ( الجدع ) .

إلّا أن الأغانى العادية التى تطارد الناس فى ( وسائل )الاعلام و( وسائل المواصلات) تركّز على الحب بين الذكر والأنثى ، وتتوارى فيها مشاعر الحب خارج هذا النطاق ؛ فقلما تجد أُغنية عن الحب الأخوى والصداقة والجيرة والأقارب والوالدين وحُب الانسانية والقيم العليا،  بل لا تجد أثرا لوصف جمال الطبيعة ومباهج الحياة ، كل ذلك يتم إختزاله فى عشق رجل لمراة أو إمرأة لرجل .

كل هذا فى رأينا يهون ولا بأس به ، أما الذى نرفضه فهو استخدام لفظ الجلالة " الله" ليس فقط فى الغناء ، ولكن أيضا كفاصلة موسيقية . هذا يعكس الأصل الدينى الصوفى الذى جعل الدين  لهوا ولعبا .

أثر التصوف في الفنون المعمارية والزخارف المملوكية

كتاب : أثر التصوف  المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية

الفصل الثانى  :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )

  أثر التصوف في الفنون المعمارية والزخارف المملوكية ...

مدخل

1 ـ ليس فى الاسلام اهتمام بالمظهر لأنه دين التقوى القلبية فى الايمان بالخالق جل وعلا وحده ، وبإخلاص العبادة له وحده . والصلاة فى الاسلام لا يشترط فيها أن تكون فى جماعة ، بل ربما تكون صلاة الجماعة فرصة للرياء كما كان يفعل المنافقون خداعا لله جل وعلا : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142) التوبة) .ولا يشترط ان تكون الصلاة فى مساجد ، بل المهم ان يكون العابدون فى ( بيوت ) يعمرونها بالتقوى (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) النور )  وأن تكون الصلاة خاشعة لرب العزة ، فالمؤمنون المفلحون هم الذين فى صلاتهم خاشعون وعليها يحافظون (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) المؤمنون). هى ( إقامة الصلاة) التى تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر (وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ   )(45)العنكبوت )، وتعمير المساجد ليس بزخرفتها ولكن بتعمير قلوب روادها بالخشوع والتقوى : ( مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ (18) أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19)التوبة ). هذا فى الاسلام القائم على تعمير القلوب والسمو بالسلوك .

2 ــ أما الدين الأرضى فهو مؤسس على الاحتراف الدينى والتدين السطحى المظهرى ، لذا ترتفع فيه المعابد سامقة عالية مزخرفة مزينة ، تبعث الرهبة فى النفوس ، ليحوز الحجر على التقديس ، وخصوصا حجر القبر المقدس أو الصنم المقدس أو الوثن المقدس .

والعمائر المملوكية الدينية لا تزال شاهدا على الفخامة حتى الآن ، وهى تشكل معظم الآثار الدينية فى القاهرة . ومن عجب أننا لا نجد من آثار المماليك قصورا لهم ، وحتى القلعة مركز الحكم ومقر السلطة ـ بناها صلاح الدين الأيويى . ولم يحرص المماليك على بناء قصور لهم بجوارها ، بل حرصوا على بناء (ترب ) أو مدافن ومقابر لهم ، وأقاموا على تلك الترب مؤسسات صوفية فخمة من الخارج مزخرفة من الداخل ، وعينوا فيها من يتفرغ فى الدعاء لهم ليدخلوا الجنة ، ووظّفوا من يقوم فيها بتدريس العلوم الشرعية من فقه وحديث وتفسير وقراءة قرآن وتعليم أيتام ليكون هذا ثمنا لدخولهم الجنة وتكفيرا عن ظلمهم البشع . وهم بذلك ممثلون حقيقيون لأتباع أى دين أرضى ( مزخرف ) ( منمق ) ، تخفى زخرفته ظلما للخالق جل وعلا وللناس أيضا . ويوم القيامة سيرون أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار: ( كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ (167) البقرة )

3 ــ ونعطى لمحة عن أثر التصوف فى الفنون المعمارية في القباب والزخارف بأنواعها حتى في غير المعمار....

 القــبــاب

1 ـ توجد القباب فى معظم معابد الأديان الأرضية ، بل تتشابه قباب بيوت العبادة للمحمديين والمسيحيين ، لذا كان سهلا تحويل كنيسة آيا صوفيا فى القسطنطينية الى مسجد محمد الفاتح بعد فتحها . ويرى الباحثون المتخصصون أن القباب كانت أهم مميزات العمارة المملوكية الذى كان العصر الذهبى للعمارة الدينية ، فهو عصر التصوف وعصر القباب أيضا.، وأُطلق على المماليك (بناة القباب) ، حيث كانت القبة إحدى ميزات ثلاث للعمارة المملوكية ، تلك العمارة التي كان يلحق بها ضريح المنشيء ، فانتشرت القباب على منشئات دينية وغير دينية وانتشر بناء المدافن الكبيرة وهى تتشابه فى تصميمها الى حد كبير [482] ، وبذل معمار العصر جهده لتشرف القباب على الطريق [484]..

3 ـ وتنوع استخدام القباب فكانت تستعمل غطاء للأضرحة خصوصا . واستخدمت القباب الصغيرة كمناور في سقف المسجد وردهات الدور لإضاءتها ، بل وسُقفت الحمامات بالقباب ، وأُستعملت لتغطية الميضات (دورات المياه) في وسط صحون المساجد المكشوفة  [486]  ليصبحا معا أهم علامتين للعمارة الدينية فى العصور الوسطى .

4 ـ وتطورت القبة  فىعصر المماليك البحرية فكانت أكبر حجما وتدل على مكان  القبلة كما في مسجد بيبرس والناصر محمد والمارداني . وشهدت دولة المماليك البرجية نهاية تطور القبة ذات المقرنصات مع زيادة عدد صفوف المقرنصات ، وصغر حجم القبة والإسراف الشديد في زخارف القبة الخارجية .

5 ــ واعتنى عصر المماليك البرجية بالأضرحة مع التسيد المطلق وقتها للتصوف وتقديس أوليائه ، فأصبح الضريح أهم أجزاء المنشأة ، وكان الضريح قبل ذلك فى دولة المماليك البحرية فى ركن غير ظاهر . أكثر من هذا ، فقد أحيا عصر المماليك البرجية الأسلوب الفاطمى الشيعى فى تشييد أبنية مستقلة للأضرحة . [488] ، تبعا للقدوم الصوفى لمصر من الشرق والغرب .

وواجهة مسجد الأمير سلار والأمير سنجر الجاولى فريدة في نوعها ، وتجاورهما مئذنة ، وتمتاز القبتان بشكلهما المضلع من الخارج .

وفي الرواقين الجانبين فى ضريح وخانقاة السلطان برقوق تجري البائكات في اتجاهين متعامدين مكونين قبابا منخفضة محمولة على مثلثات كروية .

وتشمل خانقاه برسباي بالقرافة على قبة حجرية عظيمة تظهر فيها عظمة القباب المملوكية الطراز [490]..وكان تشييد الخوانق سببا في إيجاد مظاهر معمارية متعددة كالمقعد لصاحب المنشأة ليجلس عليه عند زيارته لها. واتخذ  المقعد اشكالا واوضاعا مختلفة  [492] . وبتصغير مساحة  المنشأة في الدولة البرجية بولغ في النقش والزخرفة .[494].. وتفنن المعمار المملوكى في زخرفة الواجهات والأبواب بتتابع طبقات أو مداميك أفُقية  من أحجار مختلفة الألوان أوفي عمل تجاويف او حنايا عمودية او بالمقرنصات والولايات المحفورة في الحجر والخط الكوفي  [496]..

3 ـ وابتعدت الزخارف عن تصوير وتجسيد البشر تحاشيا لعبادة الأصنام ، بينما وقعوا فى تقديس القبور ، وهى ألعن وأضل سبيلا .!

زخــرفــة الـكــتــب

1 ــ ومن ناحية أخرى كانت العناية بزخرفة جلود المصحف والكتب . ويرى السبكي انه من الحلال تحلية المصحف بالذهب مطلقا ، واما غير المصحف فقد اتفق أنه لا يجوز تحليته بالذهب [498] . وعمل اتباع الشيخ جمال الدين الشيرازي في تجليد الكتب  [500] أي انه طوف بتلك البلاد من حماة الى مكة ومنها الى القاهرة التى استقر بها حيث تروج حرفته، وتوظف صوفيا في حانقاة سعيد السعداء .

3 ــ وانفردتمصر المملوكية بنوع معين من الجلود ، قوام زخرفته رسوم هندسية او أشكال متعددة الاضلع مجتمعة في اشكال نجمية . وقد اشتهرت صناعة التجليد عند الأقباط قبل الفتح العربى ، إلا انها تطورت واتخذت الشكل (الاسلامى ) منذ القرن السابع بابتداء ازدهار التصوف. ثم بلغ فن التجليد في مصر أرقى مراتب التقدم في القرن الثامن، ومنذ ذلك الوقت قادت القاهرة فن التجليد ، حتى لقد استقدم تيمورلنك إلى بلاطه مهرة المجلدين المصريين .

4 ــ ويمتاز تجليد الكتب العربية والمصاحف والربعات المملوكية ( أجزاء المصحف ) بتغطية جلدة الكتاب كلها بزخارف هندسية متشابكة مطبوعة بالآت محمّاة ، وكان يزيد في رونقها زخارف ذهبية مضغوطة ....

5 ـ وبلغت صناعة التجليد في مصر أوج عظمتها حقا في القرن التاسع الهجرى الذي شهد انتاج أفخر المخطوطات وأثمن المصاحف ذات الخطوط الجميلة والزخارف من الجلود الفاخرة . ويعتبر هذا القرن العصر الذهبي لصناعة تجليد الكتب والمصاحف من حيث المهارة الفنية والغنى والرشاقة التي تتضح في زخارف ورسوم الجلد التي تضم المخطوطات والمصاحف. ورأيت بنفسى بعضها فى قسم المخطوطات فى دار الكتب المصرية ـ لا تزال تحتفظ برونقها بعد مئات السنين .!

6 ــ وعنوا أيضا بباطن المجلد وألبستها مع الكعب واللسان . وقد اشتهر ذلك الابداع الفني عموما في القرن التاسع وبداية القرن العاشر . وغطت الزخارف أحيانا السطح كله بالضغط أو الدق بآلات بسيطة .

7 ــ ولا شك أن فنون العمارة المملوكية وزخارفها قد أثرت على فن التجليد لدرجة أننا نجد الأشكال الهندسية والطبيعية سواء في الحجر والحصى والخشب ــ في جلود بعض المخطوطات والمصاحف التي ترجع إلى نفس العصر . [502]..

الكتابة الفنية :ـــ( فنّ الخطّ العربى )

1 ــ كانت الكتابة الفنية إحدى عناصر الزخرفة في المعمار وتجليد الكتب . فواجهات الحوائط كان يتم زخرفتها بآيات قرآنية وأحاديث مكتوبة بخط رائع ، وكذلك الحال فى تجليد الكتب .

 2 ـ  وقد حرصوا على تدريس مادة ( الخطّ ) وأنواع الخطوط في المؤسسات الصوفية ، وإخترع الصوفية أنواعا جديدة من الخط ، أصبح منسوبا اليهم ، الى جانب الخطوط المختلفة المعروفة باسم ( النسخ ، الرقعة ، الكوفى )..الخ . وعرفت المؤسسات الصوفية وظيفة التكتيب أى تعليم هذه الخطوط المختلفة ، ومدرس الخطّ أو ( التكتيب ) كان يعلم الخط المنسوب للصوفية وغيرهم ، كما ورد في حجة جوهر اللالا . وممن تولى هذه الوظيفة في الخانقاة الأشرفية برسباي الشيخ فخر الدين موسى.  وممن اشتهر بخطه في العصر المملوكي الشيخ خطاب الدنجيهي ، وقد كتب عدة مصاحف وغيرها للسلطان قايتباي ويشبك الداودار ، وتصدر للتكتيب بالجامع الأزبكي .

3  ـ ومدرس الخط ( أو التكتيب ) كان ينال أجازة ( أو شهادة ) في الخط تسمح له بتدريس الأنواع المختلفة من الأقلام الصوفية بالخوانق وغيرهم . وكانت الاجازة أو الشهادة الدراسية ــ بوجه عام ــ  يمنحها الأساتذة لطلابهم في مادة معينة عندما يصبح الطالب قادرا على تدريسها لغيره كعنوان للإجادة . وكان الشيخ أبو الفضل بن الأعرج السنباطي كاتب وثائق الغوري (ممن تصدي للتكتيب ) فى عصره  . وجاء في وثائق وقف الغوري :( يصرف لرجل كاتب ديّن ( أى متدين ) خيّر مأمون عالم بعلم الكتابة مُجازا  بالأقلام السبعة ( انواع الخطوط السبعة ) يقرره الناظر في وظيفة التكتيب بهذا الوقف ، على أن يتردد للمكتب المذكور....فى كل أسبوع ، ويعلم الناس فنون كتابة ما يرغبون في تعليمه منه )[504]

هذا .... وقد كانت خيمة المولد النبوي التي صنعت لقايتباي من عجائب الزخرفة فى عصرها  يقول عنها ابن اياس : ( وكانت تلك الخيمة من جملة عجائب الدنيا ... وكانت كهيئة القاعد ولها أربعة أواوين وفوقهم قبه بقمريات ، والكل قماش ، وكان فيها تقاصيص غريبة وصنايع عجيبة ، لم يعمل الآن مثلها ابدا ، فكانت اذا جاءت أيام المولد يحضرون جماعة من النواتية نحو خمسمائة انسان ، حتى ينصبونها في الحوش السلطاني . وكانت ضمن شعار المملكة )... (تاريخ ابن اياس 5 / 172 تحقيق محمد مصطفى )

[2]ــ ابن الجوزي تلبيس إبليس 397 ، 343 ، 328 ، 329

[4]ــ أحمد محمود صبحي : التصوف إيجابياته وسلبياته .. عالم الفكر ص 361

[6]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 91 ، 74

[8]ــ الشعرانى آداب العبودية  15

[10]ــ الطويل : الشعرانى إمام التصوف في عصره 101

[12]ــ الشعرانى الجواهر والدرر 264

[14]ــ لطائف المنن 266 ، 374

[16]ــ فتوح النصر مخطوط 2 / 259

[18]ــ المدخل 2 / 166

[20]ــ الشعرانى الميزان الخضرية  39

[22]ـ الشعرانى ـ الجواهر والدرر   257

[24]ــ الشعرانى الطبقات الصغرى  31

[26]ــ الدرر الكامنة 4 ــ 392

[28]ــ الجواهر والدرر 286

[30]ــ طبقات الشاذلية 111

[32]ــ الشعرانى  لطائف المنن 404

[34]ــ الطبقات الكبرى للمناوى مخطوط 254

[36]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2 ــ 27 : 28

[38]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى  2 / 19

[40]ــ أخبار القرن العاشر مخطوط 198 : 199

[42]ــ لواقح الأنوار  271

[44]ــ عبد الصمد ــ الجواهر ــ 11 ، 84 ، 36

[46]ــ عبد الرؤوف سعد مقدمة الجوهرة للدسوقى

[48]ــ الطبقات الكبرى 1 ــ 172 ،  الضوء اللامع 1 ــ 332

[50]دائرة المعارف الإسلامية 13 ــ 57

[52]ــ ابن حجر رفع الأصر 351 ر 352 ، اليافعى مرآة الجنان 4 ــ 153 ، 154 ، الشعراني الطبقات الكبرى 1 ــ 15

[54]ــ راجع ثبت مؤلفات في القرعى : سلطان العلماء 27 : 29 ، على صافى حسين ابن دقيق العيد 50 : 51

[56]ــ دافع بعضهم عن العز وفسر علاقته بالشاذلى على انها صداقة وأن رقصه كان بمعنى الرقص الشائع في العصر المملوكي وأن تصوفه إشاعة سببها صلته بأشياخ الصوفية: ولكن لم ينقل عن العز إلا المدح للتصوف دون أدنى إشارة للإنكار مع ما عرف عنه  من حدة في الطبع وإنكار على الملوك .. راجع دفاع : محمد حسن عبد الله في كتابه : عز الدين بن عبد السلام ص 165 : 190

[58]ــ أبو الفيض المنوفي : جمهرة الأولياء  2 ــ 241

[60]ــ المدخل 2 ــ  102

[62]ــ لطائف المنن 293 : 294

[64]ــ لطائف المنن 100 ، 

[66]ــ النجوم الزاهرة 11 ــ 389 الذيل على رفع الإصر للسخاوى  90 ، البدر الطالع 2 / 234 ، 235

[68]ــ أنباء الغمر  2 / 80

[70]ــ ابن العماد الحنبلى : شذرات الذهب 7 ــ 51 ، 52

[72]ــ  المقدمة : 531  ، 522

[74]ــ الطبقات الصغرى للشعرانى 80

[76]ــ عبد الوهاب عزام مجالس الغورى 38

[78]ــ حمودة :  صفحات من عصر السيوطى 248

[80]ــ ضحى الإسلام 4/ 210 ، 214 ، 215

[82]ــ ظهر الإسلام 4 ــ 191 : 195

[84]ــ لمحة عامة إلى مصر 1 ــ 554

[86]ــ التبر المسبوك 401

[88]ــ على صافى حسين : ابن الصباغ القوصى 161

[90]ــ المقصد في عمل المولد 306 مخطوط مجاميع تيمور ..

[92]ــ حكم الأمرة مخطوط ورقة 40

[94]ــ في كتب المناقب وفي الطالع السعيد الأدفوى

[96]ــ عمار : الشاذلى 1 ــ 202

[98]ــ الإلمام للنويري مخطوط 1ــ 137 ، 231

[100]ــ العيدروس  النور السافر 2 : 5 مخطوط

[102]ــ الضوء اللامع 4 ــ 252

[104]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 1 / 144 ، 146

[106]ــ لواقح الأنوار 271

[108]ــ لواقح الأنوار 284

[110]ـ جولد زيهر ـ مذاهب التفسير الإسلامي 247 ، 282 ، 283

[112]ــ عبد الحليم محمود : أبوالعباس المرسى 91 : أعلام العرب 2 / 1967

[114]ــ أحمد محمود صبحى : التصوف اجابياته وسلبياته مجلد 6 عدد 2 / 350 : 354 يراجع معه عبد الحليم محمود كتابه المرسى 91 وما بعدها وكتابه عن الشاذلى 106 وما بعدها ولطائف المنن لابن عطاء 110 ، 119 ، 122 ، 125

[116]ــ أنباء الغمر 2 / 87 : 88

[118]ــ مناقب الوفائية مخطوط 100 ، 101

[122]ــ طبقات الشرنوبي مخطوط 2 :: 4

[124]ــ راجع عبد الحليم محمود : الشاذلى 101  وما بعدها، وكتابه ( أبو العباس المرسى 76 وما بعدها و103 وما بعدها

[126]ــ لطائف المنن لابن عطاء 16 وما بعدها

[128]ــ أحمد أمين فجر الإسلام 254 و 257 ، 329

[130]ــ 234

[132]ــ تلبيس إبليس 164

[134]ــ النجوم الزاهرة 13 ــ 164

[136]ــ تأيد الحقيقة العالية 5 وما بعدها

[138]ــ كوكب الروضة مخطوط 1 ، 2 ، 33 ، 34 ، 75 

[140]ــ مناقب السيوطى مخطوط ورقة 3

[142]ــ العيدروس : النور السافر فى أعيان القرن العاشر : 55

[144]ــ أنباء الغمر 2 . 309 ، 310

[146]ــ قواعد الصوفية 1 ــ 27 : 29 ، 50

[148]ــ رسائل الأحاديث الموضوعة مخطوط ورقة 424 ، رقمها بالدار 122 . مجاميع تيمورية ، آخر رسالة في المجموعة

[150]ــ السلوك 3 ــ 1 ــ 871

[152]ــ أورد السخاوى في الضوء اللامع 2 ــ 263 نقلا عن عقود المقريزى وهو كتاب مجهول

[154]ــ انباء الغمر 3 / 49

[156]ــ مؤلف مجهول : رسالة في الاحاديث الموضوعة 430 : 432 مخطوط 

[158]ــ رسالة في الأحاديث الموضوعة 425

[160]ــ روض الرياحين 86 جوهرة الدسوقى 94

[162]ــ المستظرف 2 / 237 : 238

[164]ــ تعطير الأنفاس مخطوط 215 : 216

[166]ــ الكواكب السيارة 345

[168]ــ رسالة الأحاديث 428 : 429 ، رسالة الأحاديث 430

[170]ــ اكتشفه الصوفية ونشروه اقرأه في خطط المويزي ط

[172]ــ رسالة في الأحاديث الموضوعة 427 : 520

[174]ــ مخطوط 18 ، 19 ، 20 ، 24 ، 25 ، 53 ، 64 ، 110 ، 130

[176]ــ هو صوفي كتب مناقب للصوفية بعنوان بهجة الأسرار

[178]ــ ابن تيمية : أحاديث القصاص تحقيق الصباغ من ص 67 وما بعدها 1 ..

[180]ــ ابن القيم الجوزية المنار المنيف ــ 136 ، 139

[182]ــ راجع الاستراحة المزورة في الأثر المعمارى

[184]ــ أبناء الغمر : مخطوط 1226 ، 1227 ، عقد الجان وفيات 847 ، النجوم الزاهرة 11 ، 209 ، 15 ، 500 ، راجع مناقب الحنفى 356 وما بعدها

[186]ــ خطط المقريزي : 4 / 201 : 256 ، 225 على الترتيب

[188]ــ تاريخ ابن اياس 2 / 331 تحقيق محمد مصطفى وانظر تاريخ ابن اياس  1 / 230 ، 271 ، التبر المسبوك 276 ، أبناء الغمر 3 / 175 ، 425 ، انباء الهصر 194  المنهل الصافي ، الضوء اللامع 4 / 33 ، 6 / 216 ، وتحفة الأحباب 66 مجرد امثلة

[190]ــ النجوم الزاهرة 14 / 266 تاريخ ابن اياس 1 / 221 بولاق

[192]ــ تحفة الأحباب ، تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 792 ..

[194]ــ الدرر الكامنة 3 / 23

[196]ــ أبناء الهصر 222 ، 223  ، السلوك 4 / 1 / 313 ، 3 / 2 / 946  صبح الأعشى 3 / 33 النجوم 11 / 240 المنهل 2 / 134  ، تاريخ ابن اياس 4 / 68 ، 236  نفائس المجالس 36

[198]ــ عقد الجمان مخطوطة سنة 822

[200]ــ دولت حسن كريم الخوانق 37

[202]ــ هيئة وقف الجمال الاستادار انظر الملاحق إبراهيم 46 : 47

[204]ــ خطط المقريزي 4 / 113 وانظر غيره في الخطط 4 / 140 ، 136

[206]ــ وثيقة الغوري 83 سطر 1487

[208]ــ الضوء اللامع 2 / 211

[210]ــ الضوء اللامع 2 / 211

[212]ــ نهاية الإرب النويري مخطوط 30 / 22 : 33

[214]ــ السلوك 4 / 1 / 322 ، 324

[216]ــ محمد امين : تاريخ الأوقاف 287 ، 326 ، 272

[218]ــ الدرر الكامنة 3 / 219

[220]ــ طبقات الشاذلية 124

[222]ــ الاقتصاد لابن دقماق 100 ، 101

[224]ــ المنهل الصافي 2 / 376

[226]ــ معيد النعم 146 ــ 147

[228]ــ المنهل الصافي 4 / 456 ــ 574

[230]ــ خطط المقريزي 4 / 296

[232]ــ الطالع السعيد  339  طـ 1914

[234]ــ المنهل الصافي 5 / 271

[236]ــ إنباء الغمر 3 / 548

[238]ــ خطط المقريزي 4 / 276

[240]ــ النويري نهاية الإرب 30 ــ 12  ، عقد الجان مخطوط سنة 818 لوحة 419

[242]ــ نهاية الدب ـ مخطوط 29 / 30 ابن الفرات 8 / 9 ، 10 ، وثيقة الوقف في ملاحق السلوك ص 100 ملحق رقم 9

[244]ــ السلوك 2 / 1 / 13

[246]ــ شذرات الذهب 6 / 117 ، 184

[248]ــ أبناء الغمر 1 / 98 ، الدرر الكامنة 4 / 327ر

[250]ــ شذرات الذهب 6 / 105 ، 268 ، 362 ، 5 / 353 ، تاريخ ابن الفرات 1 / 2 / 477

[252]ــ تاريخ ابن الفرات 9 / 2 / 355

[254]ــ الضوء اللامع 1 / 10 ، 11 ، وانظر 46 ، 47

[256]ــ شذرات الذهب 5 / 447 ، 6 / 115 : 117

[258]ــ تاريخ ابن الفرات 9 /2 / 438

[260]ــ تاريخ الذهبي مخطوط لوحة 18 ج 31

[262]ــ السلوك 2 / 1 / 83

[264]ــ شذرات الذهب 7 / 75

[266]ــ معيد النعم 149

[268]ــ ابن ايبك 153

[270]ــ السلوك 4 / 1 / 284

[272]ــ وثيقة مغلاطاى الجمالى

[274]ــ تذكرة النبيه تحقيق محمد امين 1 / 116

[276]ــ مناقب الحنفى 301 : 303 ، 286 : 287

[278]ــ النجوم 8 / 280

[280]ــ ذكرته الحوليات التاريخية كل سنة

[282]ــ راجع بعضها في أبناء الغمر 3 / 18 أبناء الهصر 305 النجوم الزاهرة 15 / 494 ، الخطط 4 / 268

[284]ــ الدرر الكامنة 3 / 11

[286]ــ المنهل الصافي مخطوط 3 / 143 : 144

[288]ــ النجوم 11 / 94 ، حوادث الدهور 2 / 373

[290]ــ الوافى بالوفيات 2 / 11

[292]ــ شذرات الذهب : بالترتيب 7 / 147 / 6 / 158  7 / 44 ، 6 / 149 ، 6 / 44  الضوء اللامع 1 / 7= : 20  6 / 167 ، 6 / 120 / 5 / 125 

[294]ــ الشعراني : لطائف المنن 43 / 44 ، 52 ، 55 ..

[296]ــ رفع الأصر عن قضاة مصر 33

[298]ــ شذرات الذهب 6 / 171

[300]ــ تاريخ ابن الفرات 9 / 2 / 421

[302]ــ نزهة النفوس 1 / 388

[304]ــ السلوك 4 / 2 / 730 ، 4 / 2 / 619  وانظر 661 سنة 827

[306]ــ خطط المقريزي 4 / 219

[308]ــ خطط المقريزي 4 / 296

[310]ــ وثيقة فرج ابن برقوق ، خطط المقريزي 2 / 403 ، 424 ، 402 نقلا عن المكتبة المملوكية عبد اللطيف إبراهيم

[312]ــ وثيقة مغلطاي الجمالي

[314]الضوء اللامع 4 / 245 ، 246 ، الضوء اللامع 4 / 313

[316]ــ حجة برسباي نشر دراج 4

[318]ــ عقد الجمان مخطوط سنة 793 لوحة 38 ع

[320]ــ وثيقة وقف جمال الاستادار

[322]ــ وثيقة الغوري 44 نشر عبد اللطيف

[324]ــ المنهل الصافي 5 / 279

[326]ــ الضوء اللامع 2 / 262  ، انباء الغمر 3 / 430

[328]ــ الطبقات الكبرى للمناوى مخطوط 342

[330]ــ التبر المسبوك 246 ، 192

[332]ــ الضوء اللامع 3 / 135

[334]ــ التبر المسبوك 380

[336]ــ الطبقات الكبرى للشعراني 2 / 95

[338]ــ الدرر الكامنة 4 / 232 ــ 233

[340]ــ الغزى الكواكب السائرة 1 / 282

[342]ــ مراجع ترجمة في الضوء 3 / 93 ، 1 / 10 شذرات الذهب 7 / 108 أبناء الغمر 2 / 523 ، التبر المسبوك 131 ديوان البوصيري 8

[344]ــ الطبقات الكبرى للمناوى 350

[346]ــ المغزى : الكواكي السائرة 1 / 224

[348]ــ البحر المورود 30 ، 269 ، 287

[350]ــ معيد النعم 170

[352]ــ السلوك 3 / 2 / 946

[354]ــ خطط المقريزي 4 / 283

[356]ــ الضوء اللامع 3 / 220 : 221

[358]ــ التبر المسبوك 176

[360]ــ الطبقات الكبرى 2 / 124

[362]ــ عبد اللطيف إبراهيم : رسالة الدكتوراة 146 : 147 ، الدوريات 243

[364]ــ محمد أمين الأوقاف في العصر المملوكي 349 ، 351 ، 353 ، 355

[366]ــ حوادث الدهور 2 ــ 263

[368]ــ محمد فهمى عبد اللطيف : البدوى 14

[370]ــ أبناء الغمر 3 ــ 166

[372]ــ تاريخ سلاطين المماليك نشر زيزسين 122

[374]ــ راجع نماذج في روض الرياحين 21 ، 22 ، 36 ، 37

[376]ــ عاشور: البدوى 68

[378]ــ للباحث بحث في خصائص القصة الصوفية في العصر المملوكي رأينا إهماله اختصارا ولأنه لا يدخل في صلب الموضوع ..

[380]ــ دائرة المعارف 4 ــ 376

[382]ــ  ــ ألف ليلة وليلة طــ بولاق 2 ــ 388

[384]ــ راجع 3 ، 4  من روض الرياحين

[386]ــ زغلول سلام : الأدب في العصر المملوكي 2ر 111

[388]ــ زغلول سلام 1ر 228 ، 2ر 110 ، 111

 392 ـ الصفدى : نكت الهميان 115 : 116

 :  393 : النجوم الزاهرة 12 / 116

395 ــ  البدر الطالع للشوكانى 1ر 37 / 2ر 251

397 ــ  الدرر الكامنة 1 / 264 و الضوء اللامع 2ر 262

[400]ــ   المنهل الصافي 3ر 348 ، 5ر 279 ، الدرر الكامنة 1ر 25 ، 2ر 385 ، 3ر 23  ، التبر المسبوك 22 ، 11، 111 الضوء اللامع 4ر 252 الوافى بالوفيات 1ر 266 الذيل على رفع الأصر 134

[402]ــ  نفس المرجع السابق : كيلانى

[404]ــ عقد الجمان وفيات 830 لوحة 201

[406]ــ ديوان البوصيري 201 : 212 المنهل الصافي 3ر 75 قوات الوفيات 2ر 485 : 486

408 ـ  ديوان البوصيري 38 ، 61 ، 77 ، 330 ختام الجواهر السنية 84 وما بعدها ، ديوان البوصيري 59

[408]ــ النجوم الزاهرة 11 ، 193

[410]ــ المستظرف 2ر 199 : 203 راجع الأبيات فيها وديوان ابن نباتة 115 ، 187 ، 268 ، 269 الشاب الظريف 69 ، 70 ، 76 وما بعدها ..

[412]ــ فوات والوفيات 1ر 101 : 8 : 1 ..

414 ـ ديوان الشاب الظريف 32 ، 33 ومثلها 68

[414]ــ البداية والنهاية لابن كثير 13 ر 314

[416]ــ تاريخ ابن الفرات 8ر 74

[418]ــ الصفدى : شرح لامية العجم  1 / 106

420 : السخاوى : التبر المسبوك 220 : 221

[420]ــ ديوان البهاء زهير 81 ، 111

[422]ــ ديوان  البوصيرى 103 ، الوافى بالوفيات 3/  106

[424]ــ الغزى الكواكب السائرة 1 / 284

[426]ــ الدرر الكامنة 2 / 237   

[428]ــ حمودة :  صفحات من عصر السيوطى   135

[430]ــ ديوان البوصيري 5 ، 28 ، 29 ، 37 : 39 ، 49 ، 38 ، 80 ، 88 ، 100 ، 120

[432]ــ الديوان 10 ، 111 ، 87

[434]ــ التاريخ مخطوط 2 ــ 340

[436]ــ العصر مخطوط 6 ــ 1 ــ 41 : 42

[438]ــ الشعرانى الطبقات الصغرى 15

[440]ــ الطبقات الكبرى للمناوى مخطوط 352

[442]ــ     الطبقات الكبرى للشعرانى 2ر 160

[444]ــ  عقد الجمان : مخطوط : وفيات 821 لوحة 471

[446]ــ ابن حجر : الدرر الكامنة 2 / 302

[448]ــ الدرر الكامنة 2 / 302

[450]ــ  المنهل الصافى 4 / 300

[452]ــ  الضوء اللامع 3 / 119 ، المنهل الصافى لأبى المحاسن 3 / 105

[454]ــ النجوم الزاهرة 11ر 220 ، 221

[456]ــ تاريخ الجزرى 1ر353 مخطوط

[458]ــ الضوء اللامع 2ر300

[460]ــ المنهل الصافى 1ر279 : 280 ، شذرات الذهب 7ر238

[462]ــ النجوم الزاهرة 14ر 110 ، تاريخ ابن اياس 2ر 61 ، 62 تحقيق محمد مصطفى

[464]ــ تاريخ ابن اياس 4ر 401

[466]ــ النجوم 15ر 528

[468]ــ تاريخ ابن اياس 2ر 21  تحقيق محمد مصطفى

[470]تاريخ ابن اياس 2ر 229 تحقيق محمد مصطفى

[472]ــ النجوم 11ر8

[474]ــ فتوح النصر مخطوط 7ر264

[476]ــ عيون التواريخ 2ر242

[478]تاريخ ابن اياس 2ر335 تحقيق محمد مصطفى

[480]ــ تاريخ ابن اياس 4ر230 ، 258 ، 280 ، 285

[482]ــ عمائر اينال 57

[484]ــ عمائر اينال 69

[486]ــ كريستى :  تراث الإسلام 151 : 152

[488]ــ سامح 82

[490]ــ سامح 86 ، 97 ، 99 عمائر اينال 57

[492]ــ تاريخ العمارة 2 / 326 ، عمائر اينال 59

[494]ــ لين بوك سيرة القاهرة 198

[496]ــ دولت الخوانق 188 : 207

[498]ــ المنهل الصافي مخطوط 5 / 255

[500]ــ الضوء اللامع 4 / 242

[502]ــ كريستي  تراث الإسلام 88 : 91 عبد اللطيف ابراهيم دوريات القاهرة 20 ر 86

[504]ــ تاريخ ابن اياس 5 / 172 تحقيق محمد مصطفى

الفصل الثالث : أثرالتصوف فى الحياة الاجتماعية فى مصر المملوكية

كتاب : أثر التصوف  الثقافى والمعمارى والاجتماعى فى مصر المملوكية

الفصل الثالث   : أثرالتصوف فى الحياة الاجتماعية فى مصر المملوكية

مدخــل للفصل الثالث :ــ

الحياة الاجتماعية شديدة التأثر بالنظام السياسى والدين الأرضى إذا ساد وسيطر . وقد عرضنا فى كتاب ( أثر التصوف السياسى فى الدولة المملوكية ) للعلاقة بين المجتمع والسلطة المملوكية ودور التصوف والصوفية فى هذه العلاقة . كما عرضنا فى الكتاب الخاص بأثر التصوف فى الانحلال الخلقى لذى ساد المجتمع المصرى المملوكى بتشريعات وعقائد الانحلال الخلقى . وهنا نتوقف مع تأثير التصوف فى المجتمع المصرى فى بقية النواحى الاجتماعية .

ونقول إن التصوف لم ينشىء تأثيرات إجتماعية كثيرة ، فأغلب تأثيراته كانت موجودة ، ولكنه أبرزها وأضفى عليها مسحة دينية صوفية . إن التصوف قائم على الهوى ، وما يهواه الفرد والناس والمجتمع يصبج دينا فى تشريع التصوف السائد والمسيطر . مثلا من يهوى الشذوذ او الحشيش أو الزنا .. يجعله عبادة دينية صوفية . الرضا بالظلم ونفاق الحاكم أصبح دينا . وبالتالى فإن القيم الاجتماعية فى المجتمع الزراعى من التواكل والخضوع والتقليد تكتسب تشريعا دينيا مع انها قيم إجتماعية مصرية . وهكذا العادات . ولا يخلو اى فرد أو شعب من عناصر إيجابية ، ويُتاح لها الظهور أيضا حتى مع غلبة الملامح السيئة . وبسيطرة التصوف وتسيده المجتمع المصرى فى أواخر العصر المملوكى أظهر تأثيرا جديدا فى التركيب الاجتماعى وقتها ، فأظهر طبقات وطوائف إجتماعية لم تكن معروفة من قبل . هذا مُجمل الفصل الرابع عن أثر التصوف فى المجتمع المصرى المملوكى . ونعطى المزيد من التفصيلات . ونبدأ بعلاقة الصوفية بطوائف المجتمع المصرى وقتها.

أولا :

علاقة الصوفية بطوائف المجتمع المصرى المملوكى

بين العزلة الصوفية والاختلاط بالمجتمع

1 ـ كانت العزلة مما تتميز به المتصوفة الا انهم في العصر المملوكي لم يمارسوا العزلة الكاملة عن المجتمع بحكم احتياجهم له واحتياجه لهم . وزاد اختلاطهم بعناصر المجتمع في أواخر العصر، والشعراني خير من يعبر عن هذه الفترة ، وقد وازن بين مزايا العزلة عن الناس والاختلاط بهم )[2] وان العهود اخذت عليهم بالاعتزال في البيوت وقلة الاسفار والتحرك أيام الفتن )[4] وسبق بيان أن بعضهم مارس عمل المواعيد لغير الصوفية العاملين في الخانقاة ، فورد في وثيقة خانقاه جمال الأستادار: ( على أن الشيخ المذكور يتصدر في كل سنة لإسماع الطلبة ومن تيسر حضوره من المسلمين )[6]

3 ـ  وهـذا التوازن بين عزلة الصوفية المقيدة واختلاطهم المتحفظ بالناس ساعد على تأثيرهم في المجتمع ، فالعزلة أضفت عليهم نوعا من الغموض والقدسية زاد من الاعتقاد فيهم فكان لكلامهم قدسية ولتصرفاتهم تأثير ، كما كانت العزلة مظنة للإلهام والوحي. ومن ناحية أخرى  كان الاختلاط المتجدد فرصة للتعرف عليهم والتأثر بهم.  ثم ان العزلة تعنى خفوت التعامل المباشر بين الصوفية والشعب ، والتعامل قمين بأن يُظهر الصوفي على حقيقته بشرا ضعيفا يتعرض للمرض من زكام واسهال وإمساك شأن بقية البشر ممن يعتقد فى كراماته ويتوسل به  ،فكفتهم العزلة شر هذا الاعتقاد فيهم ، خاصة وقد عاشوا عالة على الناس من حكام ومحكومين . ولهذا إستمر الصوفية حتى اليوم على العزلة غير الدائمة .

4 ــ ونعرض لعلاقة الصوفية بطوائف المجتمع من تجار وفلاحين وحرفيين وغيرهم. والشعراني مرجعنا الأساسي نظرا لكتابته الكثيرة وعمق تعايشه مع عصره الذى شهد تسيد التصوف وتشعب  وتعمق علاقة الصوفية بالناس..

عــــــلاقة الصوفية بالتجــــــــــــار

1 ـ تمثلت في طبقة التجار القوة الاقتصادية للشعب المصري في العصر المملوكي ، حتى ان التاجر كان يمثل الفتى " الأرستقراطي"  في حكايات ألف ليلة وليلة . وثراء التجار أطمع فيهم أولياء التصوف في نهاية العصر ، فتنافسوا على تحويل التجار الميسورين الى مريدين طلبا للهدايا والعطايا والنذور والنقوط .

2 ــ الا ان حرفة التجارة وما تلتزمه من حرص على جمع المال وسعة في الأفق  لدى التاجر ومعرفة لديه بطرق الخداع ــ قد فرض بعض الصعوبات في تعامل الصوفية مع التجار ، وأحسّ الشعراني بذلك وخشى أن يتطور الأمر من إنكار بعض التجار على الصوفية الى إنكار لدين التصوف نفسه والخروج التام منه ، لذا نراه يحرص على استمالة المنكرين من التجار على بعض الصوفية ويدعوهم  إلى الاعتقاد في الصوفية )[8]  . ومع ذلك فإنه يتهم التجار بطاعة الزوجات وأنهماكهم في الشهوات ، ففي حديثه عن المرأة وتحكمها فى الزوج يستشهد بالتجار فيقول : ( وان كانت تحكم عليه أي الزوج فهو تحت حكمها كما هو شأن من استرقتهم شهواتهم من التجار والمباشرين وغيرهم ، فلا يقدر احدهم على مخالفة زوجته أيضا )[10] ودعا للإكثار من الصلاة في الحرم فى تأدية فريضة الحج ، والّا يفعل ( كالتجار الذين يبيعون في الموسم القماش ، ولا يستمتع أحدهم بالطواف والصلاة في جماعة ، فيصير في النهار غافلا وبالليل نائما )[12].

4 ــ وقد فهم الشعراني نفسة التجار في عصره فحاول اجتذاب بعضهم الى صفة خاصة أولئك المنكرين.  وقد روى الشعرانى أن احد التجار كان ينكر عليه، فاستماله الشعراني بأن رفض أن يشترى منه جبة بثمن قليل ، ودفع فيها الشعراى سعرا زائدا ، فاعتقد التاجر من وقتها في أن الشعراني من الأولياء وصار مريدا له [14]. وقال السخاوى عن تاجر آخر غيره أنه نزل صوفيا في الخانقاه الجمالية واقتصر على التكسب مع التعبد والتلاوة ... )[16]ولم يمنعه التظاهر بالإشفاق عليهم من اباحته أكل الصوفية لطعامهم بدعوى امداده بالبركة الخفية .! . وما أسهل هذا الادعاء من أولياء التصوف وبه يمتصون دماء الفقراء والأثرياء . ونلمح خُبث الشعراني واستحلاله أكل الصوفية المُتخمين لطعام اولئك الفقراء الجائعين  في قوله : ( أخذ علينا العهود ألا نمد يدنا على طعام فقير او صنايعي ،  إلا إن كنا نمده بالبركة الخفية في الرزق . فإن علمنا من انفسنا عدم القدرة على ان نمده فالأولى لنا تركه ولا نلتفت إلى جبر خاطره . فإن السلامة مقدمة على الغنيمة . والفقير لقمته تقع بكُلفة ، ولا سيما ان كان ضعيف البصر عاجزا عن الصنعة ، فسلامتنا من منة ذلك الفقير أولى لنا من جبر خاطره )[18]...

علاقتهم بالفلاحين :ــ

 1ــ كانوا اغلبية السكان وأقلهم شانا وأكثرهم حرمانا إلى درجة صورها ابن الحاج الفقيه المغربي الأصل بأن الفلاح المصرى عند المماليك ( صار كالأسير الذليل الحقير وكأنه لا بال له عندهم ولا روح) )[20] وقد سبق التعرض للظلم الذي حاق بالفلاحين في بلادهم من التزامات عليه ان يدفعها للسلطة ، والجديد هنا هو تلك الزيارات التي كان يقوم بها السلاطين ونوابهم إلى القرى المصرية ينهبونها ويصادرون رزق الفلاحين )[22]

2 ـــ وبعد هذا العرض السريع للفلاح المصري في العصر نحاول أن نكشف علاقته بالصوفية من خلال كتابات الشعراني. ويؤسفنا هنا أنه مع اعترافه بسوء حال الفلاحين في عصره فإنه لم يتخذ موقفا حاسما كعادته بالنسبة لأكل الصوفية في عصره لأموالهم يقول مثلا:ــ (ولا ينبغي للشيخ ان يأكل من ضيافة فلاحي الوقف لضيق حالهم وماهم فيه من المغارم ، وليس على الشيخ لوم في ردها ، إذا جاءت فإنها خاصة به في العادة )[24] ، وان أبا العباس الحريثي سار إلى الغربية فسار معه مائة من أتباعه بسبب كرم الفلاحين هناك وكانوا  يقدمونه له ولهم من الدجاج والغنم . وحدث أن سافر مره الى البلاد الشرقية بأصحابه فأطعموه الشعير والفول الأخضر والدبس فتفرق عنه اتباعه [26]. وكان من طقوسهم عند دخول الصوفية بلدا أنهم ينخرطون في الذكر بصوت مرتفع ليتلقاهم الفلاحون ويتعاونوا  في ضيافتهم وفي إعطائهم الفتوح ( أي الهدايا) للشيخ وأصحابه وخدمه ، وعلف دوابه) . هذا ما يذكره الفقيه ابن الحاج ، الذى يسجل أيضا أن بعض الفلاحين كان يهرب من قريته عند قدوم ( الغزو الصوفى ) لعجزه عن القيام بالضيافة فلا يرحمه الصوفية بل يدخلون بيته في غيبته وينهبون ما به [28]. ومع ان الشعراني اعتبر الأكل عند الفلاحين حراما  [30]وقد أباح للمتصوفة ان يستضيفهم القادرون اذا سافروا إلى بلاد الريف [32] وقال ان العهود اخذت عليه ( الا ننكر انسابنا إلى أبينا أو أهلنا إذا رفع الله قدرنا ولو كان من أراذل الناس، كفلاح وحجام وكنّاس) ، فجعل الفلاح من أراذل الناس . ولا شك أنه يعبر عن عصره ونظرته للفلاح المصرى . وكان خليقا به أن يرتفع عن هذا لأنه أصلا من الريف المصرى وأعرف بمعاناة أهله ، ولكنه  لم يفعل ، بل ان لهجته في نصح الفلاحين يبدو فيها الاستعلاء بالمقارنة بالتجار ، فيجعل ــ مثلا من العهود عليه أن (يرغّب الفلاحين وأهل الغيط في الزرع وغرس الأشجار ، وأن يبين لتارك الصلاة من الفلاحين والعوام وسائر الجهال ما جاء فى فضل الصلاة )[34]. وهكذا لم يجد في الفلاح إلا ممثلا لأراذل الناس واجهلهم وأسوئهم . وقد شاركه في ذلك الشيخ يوسف العجمي الصوفي الذي كان يتفنن في إذلال مريده ، الأمير شيخون المشهور فكان (يأمره بأن يلبس لبس فلاح ويدخل الزاوية فيفعل )[36]. أى إن هذا المجرم أعلن توبته وتصوف ولحق بالشيخ شمس الدين بن أبى طالب فى خانقاته ، ولكنه لم يستطع كبت نوازع الاجرام فى نفسه ، فما لبث أن قتل ضيفا فى الخانقاة وسلب ماله وهرب .

3 ــ وقد كان الآخرون أكثر دهاءا ومكرا منه ، فتظاهروا بالتوبة وأخذوا بالتصوف طواعية ما كانوا يحصلون عليه بالنهب قسرا ، وكوفئوا على هذا بأن رويت أعمالهم في المناقب ، بعد أن إعتبرهم الناس أولياء ، ومنهم حسن الحماقى (الذي كان يقطع الطريق ، فتاب على يد النبي ) بزعمه ، وتصوف. وكانت الكرامات المنسوبة له كلها قتل وسلخ ، ووصفها المناوى فى مناقبه فى ( الطبقات الكبرى ) بأنها (تقشعر منها الجلود )[38] بزعمه . ومنهم عثمان الحطاب ، يقول عنه المناوى إنه كان (على زي اهل الشطارة ) أى اللصوص (  ثم أدركته العناية الإلهية فأقلع عن ذلك وسلك  طريق التصوف )[40]. ثم أصبح شيخا لطائفة تحمل إسمه . وكان بعض اتباع الطريقة الوفائية  الشاذلية من قطاع الطرق،واستعرض معهم ( على وفا )  كراماته فتابوا وتصوفوا واشتغلوا بالطريق ففتح عليهم وظهرت على أيديهم الخوارق )[42].

وحيكت روايات أخرى عن لصوص آخرين خرجوا يقطعون الطريق على أشياخ وتنتهى الرواية بتوبتهم واتباعهم للشيخ )[44]، وأن زروق الفاسي في طريقه من فاس إلى مصر أظهر كرامات مع قطاع الطريق فاتبعوه (وصاروا معه لم يتخلف منهم احد ، وصاروا خدام الزاوية الزروقية ، بل ظل نسلهم يخدمون الزاوية )[46]..

عــلاقــــة الصــــوفــيــة بمشايخ العـــــرب

  1ــ ثاروا على الحكم العسكرى المملوكى بزعامة حصن الدين ثعلب فى بداية الدولة المملوكية ، وتتابعث ثوراتهم بعدها يغيرون على أطراف العمران المصرى ، ومن حواف الصحراء التى تحيط بالوادى ، فى الدلتا والصعيد. وتعاظمت ثوراتهم فى أواخر العصر اللملوكى ( الدولة المملوكية البرجية ) ،وكانت تصل هجماتهم الى اسوار القاهرة نفسها . وهم المسئولون عن خراب العمران المصرى الذى كان يمتد من الاسكندرية الى طبرق . واضطرت الدولة المملوكية أخيرا بعدما ضعفت ــ إلى الاعتراف بهم كمراكز قوى داخل البلاد تجنبا لشرهم ، فأصبحوا قطاع طرق رسميين ينافسون أسيادهم المماليك فى سلب الفلاحين وظلمهم ، وبالتالى حلوا محل قطاع الطرق السابقين فيما يخص علاقة الصوفية بهم . وأكثر الشعراني من ذكرهم حيث قرنهم بالحكام واستعمل معهم أسلوب التهديد بالكرامات ، فادعى مثلا أن المتبولي دعى على بنى حرام فأضعف شانهم واذلهم بعد عزّ. )[48].!! .. وقد بلغ تنافس  الصوفية حول مشايخ العرب الى درجة الصراع فيما بينهم ، فيذهب أتباع شيخ صوفى إلى بعض مشايخ العرب ( يرغّبونه في الاجتماع بالقطب الغوث الفرد الجامع صاحب التصريف ، ولا يزالون به حتى يأخذ عليه العهد) ثم يحذرونه من الاجتماع بشيخ أخر ينقصون من قدره . ويقول الشعرانى أن بعض مشايخ العرب ثار على ذلك وقال :  ( أنا لا أقدر على التحجير ( اى التحكم ) ولا اطلب أن أكون شيخا ، وان كان  لهم عندي رزق فهو يصل  اليهم بلا هذا التحجير )[50] ..وكيف انقطع بمنية بنى مرشد وانفرد بزاوية هناك لا خدم له ولا صاحب ويقصده الأمراء والوزراء وتأتيه الوفود من طوائف الناس في كل يوم فيطعمهم ،وقد قصده السلطان  الناصر محمد مرات بموضعه ، وتصادف وجود ابن بطوطة عنده وجود الأمير سيف الدين يلمك مع اتباعه ضيفا على الزاوية )[52]..

2 ـ وقبله كان قطب الدين الزاهد 686 مقصدا للمساكين والفقراء الواردين للقاهرة يمد لهم سماطا ، ويبرهم ويعين كثيرا منهم على الحج )[54] . وفي القرن الثامن الصوفي  اشتهر ابن شيراك التركماني ، وكان نافذ الكلمة في مصر ، وخدم الصوفية فى زاويته الواردين اليها من الأغنياء والفقراء )[56] ).

 وعلى طريق المرشدي في الكرم مع عدم قبول المال من الآخرين سار العينتابى ت 800 في إدارة زاويته فأضاف من يرد عليها ، وأطعم كل يوم فوق المائتي نفس ، وأنفق من كدّ يمينه  وأنشأ زاويته بماله واوقف عليها اوقافا كثيرة .  ونلمح المبدأ عند ابن نبهان الذي كان زاهدا في بيت جبرين ، واشتهر بها ، وأطعم الضيوف الواردين، ولم يأخذ من احد شيئا، بل ان الأمير طشتمر(حمص اخضر) (أوقف على الزاوية أرضا فامتنع الشيخ ، فلم يزل به حتى سكت  )[58] .

4 ــ وقد ورد المصادر الصوفية إشارات لدور الزوايا في الضيافة ، فالشعراني افتخر بان الضيوف في زاويته كل يوم سبعون نفسا ، زيادة على المجاورين، وأنه زوّج من المجاورين نحو خمسين نفسا ، دفع عنهم غالب المهور ، وعمل لهم طعام العروس والعقيقة ، وحج معه غالب أكابرهم فى عدة سنين ، ولم يكلف أحدا منهم بشيء . وقال أن عدد المجاورين في زاويته ضعف عددهم في زاوية المتبولي وعثمان الخطاب ومدين . [60] وكان الوارد كثيرا على زاوية الشيخ السطيحة )[62]..وووصف ابن عبد المؤمن بانه (كان صالحا سليم الصدر ناصحا للخلق قانعا بالسير باذلا للفضل بل لقوت يومه ، مع حاجته إليه )[64] ،( لطائف المنن 475 ) وأشاد بشقيقة عبدالقادر الشعراني الذي يتبرع بغسل الموتى وتكفينهم من عنده( لواقح الانوار 256 : 257 )[66] وحكى ان الاستادار اعطى للشيخ المحلى ألف دينار فوضعها عند شخص وأرسل له المحتاجين واحدا واحدا حتى صرفها كلها عليهم ( لطائف المنن 170 )[68] .

2 ــ وبعض المؤسسات اقتصرت على كفالة الأرامل ، وأشهرها رباط البغدادية ورباط الأندلس السعدي ورباط زوجة اينال وقد اهتمت بكفالة المرأة ، مما يشير إلى تقدم اجتماعي لا شك فيه في ذلك العصر [70] أي أنه قام بمهام دينية مع وظيفته الاجتماعية ، وقد بنت ذلك الرباط بنت الظاهر بيبرس، ( وصار  كالمودع للنساء الأرامل )[72] وقيل في ترجمة شهاب الدين السويداوى ت 804 ، أنه أُصيب فى آخر عمره بالعمى ، ( فانقطع بزاوية الست زينب خارج باب النصر )[74] أي أنه لما علا سنّه آوى إلى الخانقاه حتى مات فيها ، وان أشهر الخوانق في العصر المملوكي وقبله الأيوبي (خانقاه سعيد السعداء) قدمت خدمات لأولئك المحتاجين .

وقد افتخر الشعراني بكثرة إيوائه ( الأيتام والعميان والعجزة والعرجان وسائر من به عاهه) وأنه يشفق عليهم حتى انه يتمنى لو كان المجاورين كلهم من أولئك )[76] أي ان زاويته علاوة على الضيافة قدمت خدمات إنسانية ودينية للمجاورين فيها..

خـــدمـــات اجتماعية متفرقـــة :ـــ

1 ــ قام بعضهم بخدمات اجتماعية احتسابا كالشيخ فتح الأسمر 695 الذي كان يسقى الناس في دمياط وفي الأسواق من غير ان يأخذ شيئا مع ملازمة الصلاة في المسجد مع الجماعة، وكان لا يرى الا وقت الصلاة ، واذا سلم الإمام عاد الى  انعكافه ، واستمر على ذلك الى ان توفى )[78] ...

2 ــ وقد شارك الصوفية في الاحتفالات بكسوة الكعبة التي كانت تقام سنويا بالمحمل . ويقول  المقريزي فى أحداث سنة 661 ( عملت كسوة الكعبة ــ في عهد الظاهر ــ وحملت على البغال وطيف بها القاهرة ومصر وركب معها الخواص وأرباب الدولة والقضاة والفقهاء والقراء والصوفية والخطباء وسافرت الى مكة )[80]  . وتكرر ذلك في مقتل الملك الناصر بن قايتباي سنة 904 ، فألقيت جثته على الأرض وظلت كذلك على أن حملها بعض اتباع شيخ الطالبية وواروه في جامع هناك )[82].

4 ــ وكان لهم دورهم في المصائب العامة كالطواعين وانخفاض النيل وذلك بالاستغفار والتضرع لله   ، وفي طاعون 833 أشار صوفي عجمي على السلطان برسباي باختيار أربعين شريفا اسم كل منهم محمد،  وتجمعوا في الجامع الأزهر فقرأوا القرآن وقت صلاة الجمعة ثم قاموا والناس على أرجلهم فدعوا الله تعالى ــ وقد غصّ الجامع بالناس،  فلم يزالو يدعون حتى وقت العصر، فصعدوا إلى سطح الجامع ، واذنوا جميعا ، ثم نزلوا وصلوا بالناس العصر وانفضوا [84]..

وقبلها في مجاعة سنة 777 خرج القضاة بالصوفية والناس إلى رباط الآثار النبوية وقرأوا القرآن وتضرعوا ، وكان معهم المقريزي..( السلوك : 3 / 1 / 218 : 219 )

 الأمــــر بالمعــــروف والنهـــي عـن المنـكـــــر :ـــ

1 ـ أرسى التصوف ( عدم الاعتراض ) نقيضا للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وسنعرض لذك فى موضوع ( القيم الاجتماعية ) التى نشرها التصوف فى المجتمع المصرى . وقد تمرد بعض المتصوفة السنيين على  قاعدة عدم الاعتراض وعدم الإنكار ، فقاموا  ينكرون على انحرافات عصرهم باليد وباللسان ،  وكان منهم الشيخ عبد الغفار بن نوح الذى  قال عنه الأدفوى فى ( الطالع السعيد : 171 ) :(كان فيه إنكار لكثير من المنكرات وأمر بمعروف) ، وهو المتهم في حرق الكنائس المصرية ، أى تطرف فى إنكاره الى درجة حرق الكنائس المصرية كلها ما عدا الكنيسة المعلقة إنتقاما من السلطة المملوكية التى أفشلت حركة البدوى السرية التى كانت تسع لقلب نظام الحكم وارجاع الخلافة الشيعية لمصر .  ومعروف إنتماء عبد الغفار بن نوح للتصوف الشيعى وكونه من الجماعة السرية للحركة الشيعية المتسترة بالتصوف بزعامة أحمد البدوى . وشرحنا ذلك فى كتاب ( السيد البدوى بين الحقيقة والخرافة ).   وقيل في ابن مصلح المنزلاوي ت 873 : (وكان على قدر عظيم من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ( الضوء اللامع : 2 / 211 ). وقد سبق ذكر الأمور التي قامت بها زاويته في إكرام الضيوف مما يدل على أن شخصيته كانت إيجابية في نواح كثيرة....

2 ـ   وفي القرن التاسع ذكر المؤرخ ابو المحاسن جهدا عمليا في حرب المنكرات للشيخ  سليم ابن عبد الرحمن الذي استغل مكانته لدي الأشرف برسباي استغلالا إيجابيا فكان (شديدا في أمر الله ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، وكان اذا سمع بمكان منكر جمع فقراءه وتوجه إليه بالسلاح والمطارق يدخل من غير إذن هجما ، ويكسر ما وجده من الخمور، وإن منعه احد قاتلهم بمن معه ، ومع هذا كان لا ينتهي عن ذلك مدة حياته )[86]      .

ويذكر الشعراني بالخير انه مع دعوته الكثيرة لعدم الاعتراض التي سنتعرض لها ــ لم ينس مهلة إزالة المنكر فعرض لها بالتخصيص دون التعميم كقوله (اخذت علينا العهود ان نُشدد فى إزالة المنكرات المجمع على تحريمها، اكثر من المختلف في تحريمها )[88] . وأكثر الشيخ مجد الدين الأقصري ت 740  من الشفاعات عند كريم الدين عبد الكريم حتى اضجره ، فسأله أن  يخفف من ذلك، فقال له الشيخ الأقصرى : لا يسعنى ان أرد أحدا ، ولكننى انا أسألك فان منعت منعت من منعه  الله وان اعطيته فمن فضل الله ) .  واستخدم البعض مكانته لدي أولى الأمر في قضاء حوائج الناس مثل (الأمام المعتقد ابن جامع البحيري  850) الذي ( كان شيخا جميل الطريقة مهتما بقضاء حوائج الناس ولأرباب الدولة والأكابر فيه اعتقاد كبير ومحبة )[90] (ونفع خلقا كثيرا بجاهه )[92] وكان لوالد الشعراني (توجه صادق في حوائج الناس ويشهد بينهم ويحسب ويكتب محتسبا في ذلك )[94] ونقل ذلك الغزى بحروفه )[96] ووصف القاضي سعد الدين الدرديري بأنه باشر مشيخة الخانقاه المؤيدية بعد أبيه ، فانتفع به الناس في الفتاوى والمواعيد والاشتغال مع طلاقة اللسان وكثرة البشر وامن الجانب وفرط للتواضع مع الوفاء والمهابة والديانة والصيانة )[98] .

ومع التزام بعضهم بعدم التردد للأكابر والاعتكاف مثل الشيخ بدر الدين الاصبهاني 873 ــ فإنه وصف أيضا بحسن السيرة والعفة والسخاء والتواضع وملازمة العبادة )[100] ، ولكن من حقنا أن نتشكك فى هذه الرواية لأن أبا العباس المرسي خليفة الشاذلى لم يكن يسعى للناس فى قضاء مصالحهم ، وكان يقول للسائل : أنا اطلب لك ذلك من الله تعالى ، وكان يتحايل في التهرب من لقاء الرؤساء )[102]  

الـتــســــــلــيــة :ـــ  

وقد اتخذت بعض المؤسسات الصوفية منتزها للسلاطين والأمراء مثل تربة وبيت وخانقاه سرياقوس التي اعتاد البعض الركوب إليها [104] وسبق الحديث عنها ..وقد عد الشعراني من المنن انه لا يقول للمداح الذي ينشد (اسمعنا شيئا بحضرة ذلك الأمير، الا بنية صالحة) وقال (وهذا يحصل كثير من المتمشيخين اذا زارهم الأمراء )[106] وأوصى الشعراني المريدين بالتسليم للأولياء والتصديق لهم في كل ما يخبرون به في حق الوجود )[108] واعتبره الدشطوطي أن كثرة الاعتراض( بُعدا عن حضرة الله )[110] ..

2ــ ومن المريدين التفتوا للآخرين فدعوهم لعدم الانكار علي الأولياء ،وحذروهم بالقول واللعن  والخواص دعا (لعدم الانكار على الولى )[112] ، وقال أبو عثمان (لعن الله من انكر على هذا الطريق ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلقل : لعنة الله عليه) . وحذّر أبو المواهب الشاذلي من ينكر على الأولياء بأنه (لا يفلح أبدا) ذلك ان أبا المواهب الشاذلى إشتهر بكثرة مزاعمه بأنه يرى الرسول فى المنام ، فأنكروا عليه ذلك ، فزعم أن الرسول قال له في المنام : (وعزة الله وعظمته من لم يؤمن بها أوكذّبك فيها لا يموت الا يهوديا أو نصرانيا او مجوسيا  )[114] وهكذا تطرف الشعرانى فجعل الاعتراض على الأولياء جريمة تُحبط العمل الصالح ، مثل جريمة الشرك بالله جل وعلا. كل ذلك لحماية الأولياء الصوفية ...

4ــ وارتبط ذلك بالدعوة للتقليد وتجريم مناقشة المريد لشيخه ، مع إعطاء الشيخ منزلة الله جل وعلا. يتضح هذا من قول الشعرانى : ( فإذا قال المريد لشيخه (لِمَ) لا يفلح في الطريق بإجماع المشايخ وهي إساءة أدب في حق الله ..؟ )[116] واذا كان هذا حال (الكمّل) فكيف بالآخرين .؟؟ . والشعراني يقول عن عن نفسه أنه يصدق كل ما يروى عن الصالحين( وان إحالة العقل )[118] . كان هذا فى القرن الثامن الهجرى . وفي عصر الشعراني فى القرن العاشر تم الانقلاب وصار التقليد هو السنة المتبعة المرعية حتى أنه يقول : ( يجب على الأخ ألاّ يقر اخاه على بدعه وإلا يتركه خوفا على نفسه )[120] . ومن الطريف أن احد المنكرين على ابن الفارض مات في طريق الحج ــ وهذا شيء عادي جدا ــ إلا انهم صوروا موته على انه (بسبب كلامه في ابن الفارض )[122] . وهذا القول يعكس حدة غضبهم على المعترضين ، والشعور بالتأليه . وقال الشعراني  (ما رأينا أحد قط أذى الصالحين وأنكر عليهم بغمر طريق ومات على نعت الاستقامة ) والصالحون في عرف الشعراني هم الصوفية .وإيذاؤهم هو الاعتراض عليهم .

6ــ وتطورت الدعوة لعدم الاعتراض على الأولياء الصوفية دعا الصوفية إلى عدم الاعتراض على المسلمين العاديين ، أو ( آحاد المسلمين ) فدعا الشعرانى الى عدم الاعتراض على (آحاد المسلمين أسوة بالمشايخ ،ولاحتمال أن يكون أحدهم وليا مستورا) .وليس مهما ان يكون الفرد عاصيا ، فقد افتخر الشعراني بانه لا ينكر على أي عاص ( أدبا مع الله ) ، وهذا نابع من عقيدة الصوفية فى ( وحدة الفاعل ) والتى عرضنا لها فى كتاب ( العقائد الدينية ) ووحدة الفاعل عندهم تنسب المعصية لله جل وعلا ، وليس للشخص العاصى. وبهذا يرفض الشعرانى الاعتراض على الشخص العاصى أدبا مع الله ، لأن الشعرانى يؤمن أن العصيان وقع من ( الله ) وليس من الشخص . تعالى الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا.

7 ـ ثم يتطور الأمر الى التحذير من الاعتراض على اليهود والنصاري، واحتال لذلك بدعوى انه اعترض على يهودي فأصبح مثله يهوديا (من عصر يوم الجمعة إلى ثاني يوم الظهر ) وقال إن هذا وقع  لبعض العارفين ( ومكث على الكفر سنين ...) وقال (أن أحمد الزاهد اعترض على نصراني فتحول نصرانيا (حتى ندم وانتحب فرجع الى عقيدته) ..

8 ــ وأمتدت حمايتهم الى العصاة الاخرين فدعوا إلى عدم الانكار عليهم مثل (محبي الغلمان ملاح الوجوه وعدم سوء الظن بهم ) على حد قول الشعراني الذي يفخر بأنه لا يعترض على (المخنثين لأنهم أصحاب امراض فربما ازدراهم أحد فابتلاه الله بمثل ما ابتلاهم به )

وتحذير الصوفية من الاعتراض( على آحاد المسلمين أسوة بالمشايخ ولاحتمال أحدهم وليا مستورا ) لم يكن ذلك حبا في آحاد المسلمين او رفقا باليهود والنصارى ، وإنما كان حماية لانحرافات طوائف الصوفية الذين اشتهروا في هذا المجال ، مثل الأحمدية والبرهامية الدسوقية والمطاوعة والقلندرية . ويتضح ذلك فيما يرويه الشعراني عن نفسه فقد انكر (على ما يفعله القلندرية في زاويتهم) يقول بزعمه (فإذا بشخص متربع في الهواء يقول لي: تنكر على القلندرية وأنا منهم .؟ فتركت الانكار).

وقيل في أولاد الشيخ أحمد المعلوف أنهم كانوا على غير نعت الاستقامة ) ومع ذلك أشاعوا أن انتقام البدوي حل على من ينكر عليهم [124]  وعدم الاعتراض على الولى الصوفى الذي (يأخذ من الظلمة مالا )[126] .

10 ــ وبعد ذلك يحق لنا ان نتشكك في جدية طريقة الصوفية لإزالة المنكر والتي هي (الإنكار القلبي والتوجه إلى الله تعالى في إزالته ، فتلك طريقة العارفين [128] .... فذلك الإنكار القلبي ــ حتى مع التسليم بوجوده فعلا ــ لا يتناسب مع مكانة الصوفية ونفوذهم في العصر كما لا يتناسب مع دعوتهم الجدية لعدم الاعتراض ولو بالقلب . وأجدى ان نضع في الاعتبار كثرة انحرافات طوائفهم وخشية المحققين منهم على سلامة الطريق الصوفي وتحصينه من إنكار خصومهم الفقهاء..وحقيقة إنكارهم القلبي تظهر في قول أبى المواهب الشاذلي (ان كان ولابد للمريد من إزالة المنكر فليتوجه إلى الله بقلبه )[130] .

11 ــ على أن بعض الكبار من الصوفية استخدم نفس الأساليب الصوفية للتحذير من إزالة المنكر ، كالمنامات التي يؤمن بها المريدون ، فيروي ان إبن على وفا ــ مثلا ــ قد همَّ بالإنكار على عاص فسمع هاتفا يقول له (نحن خلقناهم وشددنا أسرهم) ، أما أبوه ( على وفا ) فقد اعتبر الساعي في إزالة المنكر معترضا على الله في احكامه [132] ..

11 ــ ولم يضع جهد الصوفية عبثا ، فقد انبهر الرحالة والوافدون الى مصر من الحرية السائدة فى الشارع المصرى المملوكى ، فيقول الرحالة ابن ظهيرة أن من محاسن مصر (عدم الاعتراض على الناس فلا ينكرون هم ولا يحسدونهم بل يسلمون لكل أحد حاله ، العالم مشغول بعلمه والعابد بعبادته والعاصي بمعصيته ، وكل ذي صنعة بصنعته ، ولا يلتفت احد إلى احد ، ولا يلومه بسبب وقوعه في معصية أو نقيصة )[134]  والنّص ليس بحاجة إلى التعليق....

 من التواكل والتسول الى الخضوع والتذلل

 التــــواكــــل

1 ـ دعت القصة الصوفية للتواكل ،ونفّرت من اتخاذ الأسباب حتى في السفر في الصحراء او في الحج بجعلهم (الحج بالتجريد) أي بدون ماء وزاد ، ويأتي لهم الماء والزاد  في الطريق بالكرامات ، وربما يأتى الخضر بنفسه ـ بزعمهم . ومن أكاذيبهم قولهم أن الله حل وعلا خلق الناس واختار كل منهم صنعته وانفردت الصوفية كل منهم باختيار خدمة الله ، فسخر الله  الخلق لخدمتهم )[136] ، وهى عبارة تحتمل وجهين ، ولكن توجيهها للمريد الصوفى يؤكد معنى التواكل الصوفى وليس التوكل . ونصح الخواص الشعراني بألا يتخذ حرفه حتى لا يختار مع الله شيئا [138].

2 ـــ واشتهر الصوفية في العصر بالتواكل ، ووُصف هذا التواكل بالتوكل قلبا للحقائق ، فوصفتهم إحدى الوثائق بانهم (توكلوا عليه ، ليس لهم صناعة ولا يملكون بضاعة ، متجرهم ركعة ، ومنهلهم دمعة )[140] ..وتأمل قوله ( حتى الصوفية ). فهذا تعبير عن رؤية العصر لهم . لذا تتردد فى تراجم شيوخ الصوفية أنه لم تكن لهم  حرفة ، وأنه كفاهم الناس امر المعاش .[142]  . وكرر ذلك في كتب أخرى ، يقول في احداها للناس: ( ارادتك التجريد مع إقامة الله تعالى اياك الأسباب من الشهوة الخفية ، وارادتك الأسباب مع إقامة الله اياك في التجريد انحطاط عن الهمة العليّة  ، أرح نفسك من التدبير فما قام به غيرك لا تقم به لنفسك..اجتهادك فيما ضمن لك وتقصيرك فيما طلب منك دليل على انطماس البصيرة منك )[144]  . وحتى الآن يعكف الشاذلية وغيرهم على قراءة كتبه ومنها (التنوير في اسقطا التدبير) ، المسئول عن إشاعة التواكل والتبطل والدروشة [146] . وتصور الامثال هذا:( تجري جري الوحوش غير رزقك ما تحوش )[148]

5 ــ وقد سيطرت هذه العقيدة على العوام ، وأضرّت بالحياة الاجتماعية ، لأنها جعلت العامة تطمئن لفقرها ، وتعتبره طريق الأنبياء [150]  . إنتشر هذا مع حث الصوفية على الزهد [152]  وأسوة بالأنبياء لا بالجبابرة كقارون  [154] .

6 ــ هذا ...  وكان التسول أهم نتيجة عملية للتواكل الصوفي فمن اين يعيش المتواكل الذي لا يعمل ..؟؟. وقد عرضنا فى كتاب ( أثر التصوف فى العبادات ..) لازدهار التسول في العصر المملوكي عن طريق التصوف. فلا داعى للتكرار .    

الخضوع والخمول والتذلل :ــ

1 ــ  بالتصوف عرف العصر المملوكي الخضوع والتسليم للأولياء الصوفية والحكام ،وليس غريبا أن دعاة تقرير الظلم هم أبرز دعاة الشعب للخضوع وهم أنفسهم أرباب التقليد العلمي والخمول الاجتماعي . ويكفي اطلاق (الفقر) على صوفية العصر المملوكي وافتخارهم بهذا اللقب مع ما فى الفقر من ذلة وانكسار واحتياج للأخرين ، وتأليفهم و نشرهم حديثا يعبر عن الذلة والمسكنة هو ( اللهم أحينى مسكينا وأمتني مسكينًا واحشُرني في زُمْرَةِ المساكين) وصاغوا على منواله حديثا آخر يقول (اللهمَّ أحيني فقيرًا وأمتني فقيرًا واحشُرني في زُمْرَةِ الفقراء ) .

2 ــ إنّ عزة المسلم  الحقيقى في طاعته ربه وإيمانه به جل وعلا الاها لا شريك له ، بحيث لا يذل نفسه لسواه ، وفى نفس الوقت فهو لا يتكبر على بشر مثله ولا يتكبر على الضعاف بل يتطامن لهم ويتواضع . والإسلام دين العقل المتفتح، والمؤمن فيه  ليس امّعه يقلد الآخرين ويعيش خاملا، بل هو فعال للخير يتعاون على البر والتقوى .

إن الله جل وعلا جعل الذلة والمسكنة قرينة بغضبه على العُصاة من بنى اسرائيل وأهل الكتاب ، فقال جل وعلا:(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ)(61) البقرة ) (  ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ ) (112) آل عمران  )، بينما جعل العزة من نصيب المؤمنين مرتبطة بعزة الله جل وعلا ورسوله ، ولكن المنافقين لا يعلمون: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (8)  المنافقون ). إن الايمان بالله جل وحده إلاها لا إله غيره يعنى أن يكون الفرد عبدا للخالق وحده ، وليس عبدا لمخلوق مثله ، وهذا فى حد ذاته فخر للمؤمن وعزّ له . والوقوع فى الشرك وتقديس البشر يؤسس الوضاعة والذلة والمسكنة داخل الفرد المُصاب بهذا الدين الأرضى . ومن هذا التذلل الدينى يمتد التذلل ( الاجتماعى ) ليصبح قيمة اجتماعية بسيطرة هذا الدين الأرضى ، فالذى يركع أمام رجل الدين الأرضى لا يجد غضاضة فى سجوده للمستبد وأصحاب السلطان . وهذا ما ساد فى العصر المملوكى . وعرضنا فى كتاب( أثر التصوف السياسى فى الدولة المملوكية ) لنشر التصوف لنفاق الحاكم المملوكى والتزلف اليه والرضى بظلمه وتحريم إنتقاده مهما أسرف فى ظلمه .

3 ـ والشعراني كان أكبر داعية للرضى بالظلم المملوكى ، وهو ــ كالعهد به ــ خير من يمثل دين التصوف المملوكي. وفي كتاباته يخلط بين الدعوة للخضوع للظلمة مع الخضوع للأخرين والتسليم وما ينتج عن ذلك كله من خمول، و يحتال لذلك بالمنطق المعوج مع التحذير والتخويف، كقوله :( اخذ علينا العهود ان نعلم إخواننا طريق الخلاص إذا قام عليهم قائم يؤذيهم ، وذلك بأن نأمرهم أن يحسنوا الى من قام عليهم بالدنيا والخلق والخدمة وليس هذا من الأمور المحرمة .. فمن عقل العاقل ان يذل ويخضع ويحسن الى من يشوش عليه ، ولو لم يكن بيده إلا لقمة واحدة دفعها إليه ، وذلك لأن جوع الانسان مع هدوء السر أحسن من شبعه مع النكد ، والذي حرك النكد هو الذي بيده تسكينه، فهو أولى بالإعطاء من الحاكم الذي يريد ذلك المظلوم ان يحتمى به . ويقع للكثير من ضعفاء العقول أنهم يحرمون الخصم ويطعمون الحكام ، ولو انهم قد أعطوا الخصم بعض ما اعطوه للحاكم لربما سد باب الأذى )[156] .

4 ــ والواقع ان علامة الصوفى ــ قبل الشعراني ــ تمثلت في قدرته على تحمل الأذى من القول بالغا ما بلغ ، فى نظير بلوغه هدفه.  وقد لفت ذلك نظر ابن الحاج المغربي حيث سجل أن عادة الصوفية في الرباطات استقبال الضيف بالشتم والإيذاء ، فاذا تحمّل وتجلّد عرفوا صدق صوفيته،  فادخلوه..)[158] .. وفي نطاق دعوة الشعراني خلط بين التواكل الخمول ، وتمسح بالدين كعادته ، فجعل من أخلاق من أسماهم بالسلف الصالح  (تقديمهم السلامة على الغنيمة ، من حيث رفض الدنيا وفراغ يدهم منها، فكانوا يقدمون فراغ يدهم من الدنيا على جمعها وانفاقها في سبيل الله تعالى خوفا ان يُنعوا منها حقها )[160]..

3 ـ ويرى باحث ان الشعراني لا يميل للحض على الأعمال الإيجابية التي تستلزم جهودا في نضال البقاء ، بل اعتبر الكثير منها خروجا على الطريق كالشجاعة والاقدام ومقاومة الظلم، ويرى أن الأخلاق التي روج لها بين مريديه هي اخلاق العبيد [162] .أي انهم استجابوا لدعوة الشعراني ، وعبر عنهم وآثر الراحة لنفسه ولهم . فالقيم الايجابية ترهق الداعي لها كما ترهق عصره .

6 ـ هذا ، ونعيد التأكيد على أن تاريخ الحياة الاجتماعية لا يرتبط بالتاريخ السياسي؛  فالتاريخ السياسي مثلا للعصر المملوكي يبدأ بقيام الدولة المملوكية  سنة 648 وينتهى بسقوطها سنة 923 ، أما الحياة الاجتماعية لعصر من العصور فيمكن رصدها قبل بداية ذلك العصر وبعد نهايته،  لأن المجتمعات فى العصور الوسطى كانت أميل للتقليد وأبعد عن التطور الفجائي . وقد تبلورت الشخصية المصرية بالتصوف في العصر المملوكي بحيث كان المجتمع المصري في مصر العثمانية امتداد للعصر المملوكي ، خاصة وأن الحكم العثماني لم يكن مؤثرا في الأحوال الداخلية . والشعراني صوفى مخضرم عاصر الدولتين ، وهو مع كونه تلميذا لأشياخ التصوف المملوكي فهو شيخ المتصوفة طيلة الحكم العثماني،  بل ان الحياة المصرية ظلت متأثرة بكتابات الشعراني حتى أوائل القرن الحالي . ولا عجب حينئذ أن نلمح في كتابات كلوت بك عن مصر في عهد محمد على ــ صدى لتوجيهات الشعراني ....

رابعا 

 أثر التصوف فى المعتقدات الاجتماعية

صدرت المعتقدات الاجتماعية في مصر المملوكية عن المعتقدات الصوفية المؤثرة فى المجتمع . وفي العصر المملوكي نشأ عن ( التوسل بالأولياء ) الاستغاثة بهم عند المرض والاعتقاد في جدوى التداوي بتراب القبور المقدسة . ومن الايمان بكرامات ألأولياء إعتقد العصر بجدوى (السحر) الذى أصبح قرينا بالكرامة . وازدهر (التنجيم) في مجتمع يؤمن بمعرفة البشر أو (الأولياء) للغيب . وهو نفس ما ساد فى العصر الجاهلى تحت إسم ( الأزلام ) والذى إعتبره رب العزة مع الخمر والميسر والأنصاب أو ( الأضرحة ) رجسا من عمل الشيطان ، وأمر بإجتناب كل ذلك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (91) المائدة ) . وآمنوا بالتعامل مع (الجان) على المستوى الحسى ، بل ان الشعراني وصف نوعا من الأولياء الأحياء يعتبرون وسطا بين الولى والجان، وهم ( أصحاب  النوبة) ، وكتب السيوطي رسالة (القول الجلى في تطور الولي) عرض فيها لإمكانية تشكل الولي في أكثر من صورة ، وآمن العصر المملوكى ب (التطير) ، او : التفاؤل والتشاؤم ، و يشيع هذا  في المجتمعات التي تؤمن بالأساطير والارواح والجان وتفسر المظاهر الطبيعية العادية وفقا لتلك المعتقدات فيكون التفاؤل والتشاؤم . لذا اعتقد العصر المملوكي في جدوى(التفاؤل والتشاؤم) نوعا من التنبؤ بالغيب .

2 ـ ومع انها صدرت عن التصوف كأثر مباشر فان هناك عاملا غير مباشر اسهم بدوره في التمكين لها بين المجتمع وطوائف المجتمع ، وهو جهد التصوف في نشر الجهل والجمود كما سبق بيانه في فصل العلم والعلوم . والعلم الحقيقى ينمى الوعى والتعقل ولا يدع مجالا لنشر الخرافات الدينية .

3 ــ ولا يزال سائدا حتى الآن الاعتقاد في إمكانية الاتصال بالجان وعلاقتهم بالأولياء خاصة ، حيث توصف ربيبات الزار بأن (عليها شيخ) أي ان صورة الجان إختلطت في اعتقادهم بصورة الولى الشيخ .  والقانون يجرّم الدجالين منتحلى الطب الروحاني وأصحاب (الأعمال) السحرية ، ومع ذلك فإن لقبهم في عرف العامة هو (المشايخ)، وغالبا ما يرتدون زي الشيوخ وتروج تجارتهم في الموالد الصوفية وحول الأضرحة ، فلا يمكن ان يطلق لقب الشيخ على أولئك المحتالين المجرمين إلا بأثر التصوف الديني ، الذى لا يزال سائدا حتى بين بعض المثقفين وفى الطبقات العليا والمتوسطة فى الشعب المصرى . وكل ما سبق ناشىء عن ( الإيحاء ) ، أو الاعتقاد والتصديق .

ونعطى بعض التفاصيل :

فى التداوى

الأولياء الأطــــبــاء :ـــ

1 ــ اعتقد الناس في مقدرتهم على شفاء الناس المرضى بما لهم من تصريف وكرامات . وبهذا اشتهر بعضهم بالطب ، فكان إبراهيم الجعبري (يشارك في علم الطب )[164] ، ووصل الأمر الى أنه اشتهرت طفلة بالولاية ، وبأنها تشفى المعاقين فقصدها الناس لأنها  ( تقيم المُقعد وترد بصر الأعمى )[166] ، وفى طب الأسنان عرف بعضهم بأنه يرقى الضرس المصاب : (رقائين الضروس) ، اى إشتهروا برقى الضروس التالفة ، أو كما قيل : (لأن الإنسان كان اذا وجعه ضرسه يرقونه فيسكن الوجع )[168] وشفي أحدهم من مرض جلدي عن طريق الشيخ عمر المغربي  [170] . وزعموا أن ( رقية ) الحنفي كانت البلسم الشافى لكل من أصابها ( الطلق أوالصداع )  [172] ، الى جانب التكحل بتراب القبور المقدسة للأولياء .!!..

التراب كدواء :ــ

1 ــ أشيع بالقاهرة سنة  796 أن امرأة أصابها الرمد ، وأيس منها الأطباء فأمرت في المنام ان تتكحل برماد من سفح جبل المقطم ــ حيث مقابر الأولياء ــ وقيل أنها شفيت بذلك .. يقول المقريزي فلم يبق من الناس إلا من أخذ من الحصى الذي بالجبل واكتحل به ، وعُمل منه في الاثمد وغيره ، حتى أفنوا من ذلك ما لا يقدر )[174]، والعقيلي [176] ويبدو أن القبر الأخير اكتسب هذا  اللقب لصلته بشفاء امراض العيون . بل ان بعض الأماكن حازت شهرة في هذا المجال برعاية التصوف طبعا فقد اشتهرت بئر في مسجد الرعينى بشفاء الحمى لمن يغتسل منها)[178] كما يقولون ...

التمائم :ـــ

1 ـ  راج استعمالها في العصر المملوكي لشفاء الأمراض واتقاء اذى الحشرات كالجراد وقرص الثعابين وطرد البراغيث .

2 ـ وكانت التمائم تحوى آيات قرآنية مع كلمات وحروف وأعداد غير مفهوم العلاقة بينها ، على نسق أصحاب علم الحرف الصوفي. يقول السخاوي الصوفى صاحب ( تحفة الأحباب ) : (بمشهد زيد بن على زين العابدين عمود رخام على يمين الداخل من الأبواب، به أسطر تكتب في ورقة وتوضع على عرق النسا ، يزول بإذن الله تعالى . وهي مجربة. وهذه صورة الأسطر : 1 ح  5 ب   51 ع   155 مرابية ) [180] بل وضعت تمائم لطرد البراغيث [182] . إلا ان قصيدة البردة للبوصيري كانت أشهر التمائم المكتوبة باعتراف أبي المحاسن  [184]

3 ــ ومن أظرف التمائم تلك التي عرفت ب (حفيظة رمضان) وكانت تكتب فى آخر جمعة من رمضان والخطيب على المنبر يخطب ، وصيغتها (لا . إلاء، إلا . إلا . ولا . ؤل . يا الله. انك سميع عليم محيط به علمك . كسيعلمون . وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ). ومن الطريف ما يحكيه المؤرخ السخاوى عن شيخه المؤرخ ابن حجر ( العسقلانى ) أنه كان يخطب اخر جمعة من رمضان، في جامع عمرو ، فرأى شخصا بدكة المؤذنين يكتبها فانزعج  .[186]...

الاعتقاد في الجان

1 ــ الاعتقاد في الجان ظاهرة إنسانية عامة . وقد تردد ذكرهم في القرآن الكريم وخصصت باسمهم سورة الجن) ، ورب العزة جل وعلا يذكر إيمان بعضهم بالإسلام ( الأحقاف:29 )، وهم مخلوقات برزخية فى مستوى آخر من الوجود لا نُحسُّ به فى عالمنا المادى . وحين عصى ابليس طرده الله جل وعلا من الملأ الأعلى فصار وأصبح مع ذريته فى المستوى البرزخى للجن :( الكهف :50) .

2 ــ أما ما ينكره الإسلام فهو الاعتقاد في التعامل المادى الحسّى مع الجان على المستوى الحسي وإمكانية الاتصال بهم على نحو ما يشيع بين الناس ، مثلما أشاع الصوفية في العصر المملوكي ، لأن الله جل وعلا حكم علينا بعدم رؤيتهم مع انهم يروننا ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ) (الأعراف: 27).  

3 ــ وينكر الإسلام تلك الخرافة الصوفية التى تزعم تشكل الولى بهيئة الجن ـ أو تطور الولى وتجسده ليكون من الجن ، أو ذلك الاختلاط والتماهى بين الجن وبين الأولياء الصوفية ممن يُطلق عليهم ( أصحاب النوبة ) الذين يحرسون الأرض فى زعمهم ، على نحو ما تحدث الشعراني ، [188] ، وأنه يحرص استئذانهم كلما خرج من بيته ليكون في رعايتهم )[190]  . وهذا الاعتقاد فيهم مع الخوف منهم وعدم تحديد تام لشخصياتهم يجعلهم أقرب إلى الكائنات المجهولة أوالجان . واقرأ قول الشعراني يصف حالته حينما مر في أماكن مهجورة (.... وغفلت مرة فأحسست بنفسي أن ورائي تمساح كبير يريد ان يبتلعني ، فالتفت فاذا شخص منهم أشعث الرأس كأن عينيه جمرتان .!) ويقول: ( فلقيني واحد منهم فما كانت روحي إلا زهقت) [192] ، وخضوع بعضهم للولى كخضوعهم لسليمان [194]  ، وألف كتاب : ( كشف الحجاب والران عن وجه أسئلة الجان ) للرد على أسئلة الجن له في التوحيد  [196] ، وفي هذا المجال اشتهر الحنفي حتى ان إحدى مريداته من الجنيات ــ على زعم كتب المناقب ــ طلبت أن تتزوج من صهر الحنفي فأفتى الحنفي بعدم الزواج شرعا إلا أن العريس نزل معها (تحت الأرض) حيث قابل ملك الجان فقال الأخير : لا اعتراض على سيدي محمد (يقصد الشيخ الحنفى ) فيما قال : ثم أمر الجنية بأن تعيد حبيبها على مكانه )[198] ، واحترف بعض الصوفية استحضار الجان للمصاب بالصرع ، مثل ابن الرداد المعروف بشيخ الجن ( فكان من يعزم عليه ينصرع عمدا ليضحك الحاضرين ، وتكرر ذلك فصار يُعتقد ،وسُمّى شيخ الجن )[200] وكانت الناس تفسر الأشياء الغريبة والتي تبدو كذلك في ضوء اعتقادهم في الجان [202]..وصنعت تمائم للحفظ من الجان نسب بعضها للرسول عليه السلام [204].

6 ــ وتأثرت بعض العادات الاجتماعية بالاعتقاد في الجان ، فالنساء كن يضربن على الأواني النحاسية عند خسوف القمر لإبعاد الجن عنه( 205 ) ، ولا يزال ذلك ساريا .

7 ــ وللجان والعفاريت ذكر في الأمثال الشعبية المصرية [206].. واكتشف ابن تيمية حيل الأحمدية في دخولهم النار وفضحهم امام الحاكم  [208] وفي إحدى الفتن اشتهر الامير ( يلبغا المجنون ) بأن السهام لا تصيبه ، (واختلف الناس في امره ، فمنهم من يقول كان معه هيكل منيع ، ومنهم من يقول كان يتحوط بأدعية عظيمة ، ومنهم من يقول كان ساحرا) [210] وقال نفس الشيء عن الاتابكي ازبك بن ططح ) [212] . وهذا يخالف ما ذكره من عاصر مقتل قرقماس من المؤرخين ، وما سجلوه عن مقتله كالمقريزى فى (السلوك ) وابو المحاسن فى ( النجوم الزاهرة ) [214]... وادعى كثير من الصوفية معرفة الاسم الأعظم وكان اغلبهم من أدعياء علم الغيب او الكشف كابن زقاعة  [216] والأشمركاني  [218] وعن هذه الصلة بين التصوف المملوكي والسحر ترسخ الاعتقاد في السحر كحقيقة حتى ان فقيها قاضيا استغل قوة الاعتقاد في السحر ــ ليحكم بقتل شخص بحجة أنه ساحر حلال الدم  [220]..بهذا فسر العصر المملوكي محنة الوزير عبد الباسط مع أن تلك المحن كانت شيئا عاديا وقتها .

8ــ ومن الطبيعي أن يستهوي السحر عقول النساء في العصر المملوكي ، والحريم السلطاني على وجه الخصوص حيث مكائد النسوة لا تنتهي . فقيل ان والدة الناصر فرج زوجة السلطان برقوق قد سحرتها جارية من جواريها ، فقتلت الجارية وقتل نصراني اتهم بالتعاون معها .. )[222]  وفي هذا الجو مارست النساء السحر كصناعة للتكسب )[224] ..

9ــ واستمر الاعتقاد في السحر بعد العصر المملوكي فقال كلوت بك : ( ومسلمو مصر يعتقدون أن بإلامكان القيام بالإجراءات السحرية بحسب مبادئ الخير والشر ، وتسمى نظريتهم في الحالة الأولى بالعلم الروحاني وفي الحالة الثانية بالعلم الشيطاني  )[226]..أما في أواخر العصر فقد عمت هذه الظاهرة إلى درجة والمصريون في نهاية العصر كانوا (يتفاءلون) بأي شيء ، أى يتشاءمون من أى شىء ، ويتوقعون الشّر من أى شىء . وابن إياس اكبر من يعبر عن هذه الحقيقة حتى في الحوادث العادية [228] وتوجه السلطان للمقياس،  وزغردة النساء له في موكبه .[230]. وخسوف القمر ظاهرة عادية ، ولكن لحقها التشاؤم ، ولما خسف القمر يقول ابن إياس أنه ( "تفاءل " الناس بزوال السلطان لا سيما أن كان مريضا )[232] . ووقع السلطان شعبان من على فرسه فتطير الناس وقالوا: لا يقيم إلا قليلا )[234].. ولتلافي ذلك تقرب القضاة للسلاطين بمنع شهادة من يرى الهلال اذا كان يعنى مجىء العيد  فى يوم جمعة فيرمون الشاهد بالتزوير [236] إذ يعتبرونه (فألا) بالهزيمة ، أى تشاؤما بهزيمته وإرهاصا بها .. وحين زحف منطاش لحرب برقوق وقع من على فرسه ( فتفاءل الناس له بعدم النصرة ) [238] . وفي فتنة السلطان قرقماس مع السلطان جقمق (تفاءلوا) له بالهزيمة لأنه (كشف رأسه وهتف بنصرة الحق ، وتأكدت الطيرة عليه بسقوط درقته عن كتفه إلى الأرض  ) [240]..

6 ــ ومن الطريف أنه حين ذهب الغوري للشام للقاء السلطان سليم العثمانى في تلك الحرب التى انهزم فيها الغورى وقتل ـ توقف الغورى فى دمشق ، وذهب المؤرخ ابن طولون للقائه مع جماعة صوفية ، وأرادوا تحية الغورى فاصطحبوا معهم مجموعة من القُرّاء العميان ليقرأوا له القرآن تبركا ، يقول المؤرخ ابن طولون (... فلما وصلوا إلى قربه وجلس الأضراء ــ جمع ضرير ــ يقرأون القرآن له فأمر مماليكه فضربوهم بالعصي ، وقالوا لهم : عندنا ميت حتى تيجوا تقرون عليه ....) [242] أي ان الإنسان ينطق في حديثه بكلمة او شعر أو غير ذلك فيتحقق وقوعه ويعتبر ذلك من الكشف الصوفي أبيح للأخرين ....وعرف الناس أيام السعد وضدها فيوم رابع عشرين من الأيام السبعة المكروهة عند الناس في العصر المملوكي [244] .... وكان الناس يتركون تنظيف البيت وكنسه اذا سافر احدهم (ويقولون ان ذلك ان فُعل لا يرجع المسافر ) [246].. وقد دخلوا بنعش محمد بن جقمق من باب زويلة فتشاءم العوام بذلك )[248]..

5ــ وتعكس الأمثال الشعبية في العصر المملوكي هذا ، فتقول (أي موضع راح الحزين يلقى جنازة) (اذا كان القطن أحمر والمغسل أعور والدكة مخلعة والنعش مكسر اعلم ان الميت من اهل سقر والوادي الأحمر ) (صباح الفوال ولا صباح العطار) ( صباحك ياعور قال دي خناقة بايتة.! ) (فرحت حزينة خربت مدينة.! ) [250].. وواضح ان ( المستخير ) بالمصحف يوجّه معنى الآية على مشكلته الشخصية ، فإذا كانت عن الذين كفروا فهم أعداؤه ، وإن كانت الذين آمنوا فهم ( حضرته ) ومن معه ، وإن كانت عن الجنة فهى ( له )، وإن كانت عن النار فهى ( لهم ).

2 ــ ومن الطريف ما ذكره المؤرخان ابن حجر العسقلانى والسخاوى ان الشيخ الأبناسى رفض منصب القضاء ، والسبب أنه استخار المصحف فخرج له ( قال رب السجن احب إلى مما يدعونني إليه) فأطبق المصحف وهرب الى منية السيرج واختفى فيها اياما حتى ولوا غيره، وعاد بعدها . وقد كان صوفيا معتقدا [252] ...

التنجيم بصلاة الاستخارة  

وكان لصلاة الاستخارة هواتها المعتقدون فيها ، مع إضافة بعض التعديلات الوثنية الصوفية . المستخير هنا هو الأمير قرقماس سىء الحظ.!. كان قرقماس واليا على الشام ، وفى الفتنة التى حدثت بين الأميرين شيخ ونوروز المتحكمين فى السلطة المملوكية كان قرقماس واليا على الشام . وكان على الأمير قرقماس تحديد موقفه ؛ هل ينحاز الى الأمير شيخ الذى ولّاه الشام أم الى خصمه القوى الأمير نوروز ، أم يستقل بالشام . وتردد قرقماس   فقال له رفيقه ابن العطار (ان معي لوحا دفعه لى الشيخ نصر الجلالي ، من خاصته انه من أراد امرا يعلقه امامه في القبلة ، ثم يصلي ركعتي الاستخارة ، ويدعو ، فإذا انتهى يجد من يدفعه على إحدى جهتي اليمين او اليسار ، فأي الجهتين دفع إليهما فالخيرة )[254] . وظهر هذا الكوكب سنة 783 ... أي بعد قرن تقريبا فعد ظهوره دليلا على قتل ملك من الملوك أو ظهور الطاعون . وفسره ابن اياس فيما بعد بانقراض دولة بني قلاوون واستيلاء الجراكسة يقول عن هذا الكوكب: ( وفي الغالب يحدث عقيب ظهور هذا الكوكب الزلازل والخسوف وكثرة الأهوال )[256]

وظهر نجم عام 860 وزاد الكلام بسببه حسب تعبير المؤرخ ابن اياس  [258]..

الاعتقاد فى المنجمين

1 ــ وفي عصر كهذا تمتع المنجمون بالثقة مهما كذبهم الواقع ، وكانت النساء أكثر الطوائف اعتقادا في المنجمين ، فتسلط عليهن الدجالون باسم التنجيم ، فأمر السلطان سنة 733 باعتقال المنجمين وضربهم (لإفسادهم حال النساء) [260]  .  ومع ذلك فالثقة فيهم كانت القاعدة ، حتى ان بعضهم اشتهر بالتكسب بالتنجيم ، كابن الفألاتي الفقيه واخوته (والفألاتي هو الذي يقرأ الفأل والطالع ) [262] .. ومن الطريف أنه بلغ من اعتقاد السلطان الغوري في صدق  المنجمين أنه صدقهم حين قالوا له أن من سيلى السلطنة بعده يبدأ إسمه بحرف (س )، فاعتقد الغورى أنه الأمير ( سيباى ) نائبه على الشام ، وشكّ فيه ، وحتى يأمن شره أرغمه على أن يصهر اليه .  [264] أي انه كان يعتقد في التنجيم .

4 ـ وبسبب هذه الثقة كان المنجمون يدلون بآرائهم في الحوادث السياسية والطبيعية ويربطون بينها معتمدين على فهم الإطار العام للسياسة المملوكية القائم على الفتن خصوصا في بداية تولى السلطان للأمر وإشرافه على الموت . ومن ذلك ان الشمس كسفت في بداية ولاية جقمق فزعموا أن ذلك يدل على ( خروج الشام والصعيد عن طاعة السلطان ...) [266] ، وعاصر المؤرخون تنبؤات فاشلة للمنجمين ، وعلقوا عليها، كل منهم حسب عقليته ، يقول الفقيه المؤرخ برهان الدين البقاعي عن حادثة من هذا النوع: ( .. فكان ذلك منه تكذيبا لأهل النجوم فلعنة على من يصدقهم )[268] ، وتكرر مثل ذلك من أبي المحاسن في مواضع أخرى من كتبه  [270]..

صدق المنجمون ولو كذبوا .!!!

وسبق قول ابن أياس عن خطأ ظاهر للمنجمين (أخبر المنجمون بوقوع كسوف الشمس فلم يقع) ... فتعحب الناس من ذلك )[272] وقد قرروا مثلا بالنسبة للسلطان برسباي أن (سعده لا يحصل إلا وهو بقلعة الجبل ، وحيثما تحرك بنفسه بطل سعده ..)[274]. بما يخرج عن موضوعنا .

خامسا :

 أثر التصوف في العادات الاجتماعية فى مصر المملوكية  

 مدخل :ــ

1 ـ لكل شعب عاداته الاجتماعية الخاصة به . وتشترك الشعوب في عادات إنسانية اجتماعية تصدر إما عن نوازع دينية كإحياء الذكرى لمعان دينية او أشخاص دينيين أو عن نواح إنسانية عامة، ولكن يلحقها التخصيص وإضفاء الطابع القوي او المحلي ، كما في العادات السائدة في كل مجتمع التى تظهر فى الزى ، وتصاحب المأكل والموت والولادة .

2 ـ والشعب المصري في العصر المملوكي كانت له عاداته الاجتماعية المتعددة أبرزها ما نبحثه في هذا الفصل. ويلاحظ انه يمكن تقسيمها إلى عادات دينية اكتسبت الطابع الاجتماعي تأثرا مباشرا بالتصوف كما في عادات الموالد وزيارة القبور ، أوالتأثر غير المباشر  كما في الزي والألقاب والولائم ، وما استحدثه الصوفية وغيره كعادة شرب القهوة وغيرها .

3 ــ ومن الناحية الاجتماعية ـ وليس الدينية ـ فلم تخل بعض تلك العادات من فائدة ، ففى ( الموالد) فرقت الصدقات ومدت الموائد والولائم ، فأكل منها بعض المحرومين ( بالإضافة للمتخمين الصوفية ) ، وفي (موالد الأولياء) نشطت التجارة ونفقت السلع وحدث التعارف وربما المصاهرات ، ورُزق (المداحون )(بالنقوط) ، وتمتع الصوفية من الفقراء بعادة ( الولائم ) التي أقامها السلاطين ، واتخذ بعض أبناء السبيل من المؤسسات الدينية الصوفية مأوى ، وانتشرت عادة (النوم في الجوامع) التي لا تزال حية بيننا ، وعرف المصريون والمسلمون ثم العالم ــ القهوة وهي اكتشاف صوفي لا بأس به بالغ البعض في (اعتيادها) حتى بلغ درجة (الإدمان)...ونبدأ بالموالد التى صيرها التصوف عادة إجتماعية .

الموالد

مولد النبي عليه السلام

 1ــ كان الاحتفال بمولد النبي ظاهرة اجتماعية دينية سجلتها الحوليات المملوكية في تاريخها لشهر ربيع الأول ، وتابعتها المؤلفات التي كتبت  في سلطان معين. [276] ، ويقول السخاوى المؤرخ : ( ولا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده صلى الله عليه وسلم ، ويعملون الولائم لذلك ،  ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ، ويظهرون السرور، ويزيدون  في المبرات ، ويعنون بقراءة مولده الكريم) [278]..

2 ــ ولم يهمل سلاطين الدولة البحرية الاحتفال بالمولد النبوي فأقاموه حسب مقتضيات الأحوال السياسية ، فكان احتفالهم في حوش القلعة . وقد استمر الاحتفال بهذه المناسبة لدى السلاطين الجراكسة بصورة أوسع فكان يصنع له سرادق خاص، وتزين القاهرة . وفي عهد قايتباي مثلا يبتديء الاحتفال باليوم الأول من شهر ربيع في عامة البلاد المصرية، وتتضاعف الاحتفالات في الليلة الختامية بالزينات والولائم والمواكب والأناشيد والأدعية . ويحضر الخليفة العباسي يحفُّ به القضاة الأربعة ويتلوهم العلماء والفقهاء ثم الأمراء والقواد وكبار رجال الجيش ثم عظماء الدولة وأرباب الوظائف ثم اعيان الأمة ومشاهير التجار ثم تتوالى المواكب في صدرها مشايخ الطرق الصوفية، تحيط بهم حملة الأشاير والأعلام ويتقدمهم أصحاب الطبول والزمور ، وحولهم الأتباع والمريدون ، ينشدون الأوراد ، ثم يحضر بعد ذلك كبار الضيوف والسفراء والقُصّاد ( أى السفراء ) وتصل هذه المواكب إلى ساحة الحوش السلطاني ، فيستقبلهم مندوبو الدولة وحاشية السلطان ، ويجلس كل فريق في المكان المعد له في السرادق،  ثم يرتل القُرّاء القرآن ، ويتبعه الوعاظ يخطبون ، وبعد ذلك تمد الأسمطة ،  فإذا ما طويت فرّق السلطان العطايا والهبات ، حيث يكون جالسا بحاشيته برواقه المختار من السرادق . [280]  فيه ...

وقد نتج عن اهتمام الأولياء الصوفية بإقامة الموالد النبوية أن نسبت إليهم ، فالشيخ الصوفى يعمل مولد النبى ، ويعتاد على ذلك ، فينسب اليه هذا المولد فيقال ( مولد الشيخ فلان ).   وبالتدريج اكتسبت موالدهم صفة الاستقلال عن المولد النبوي، وان تزاحموا على عقدها في شهر ربيع الأول . ثم لقد كان للصوفية أسبابهم القوية لعقد موالد خاصة بأوليائهم على نسق الموالد النبوية.

موالد الأولياء ...

ــ كان من الطبيعي أن يصحب الانتشار الصوفي والاعتقاد في الأولياء احياء الموالد في مكان قبر الولي وإحياء ذكراه ، بصرف النظر عن رعاية اليوم الذي ولد فيه صاحب المولد بالضبط ، لأن غالبية الأولياء لم يعرف تاريخ ميلادهم بالدقة ، هذا إلى أنه كان لبعض أولئك الأولياء أكثر من مولد في السنة كالبدوي الذي كانت له ثلاثة موالد [282] . وعرف ذلك بالمولد الكبير . واما المولد الصغير فيرجع نشأته إلى قدوم الشيخ الشرنبلابي للزيارة مع أتباعه في غير وقت المولد وأقام في طنطا عدة ليال فاتخذت عادة سنوية ، وأما المولد الرجبى نسبه إلى الشيخ الرجبى أحد المشايخ الأحمدية ، وكان قد خطر له أن يجدد عمامة مقام البدوي فاستحضرها في جمع هائل على طنطا فصار ذلك عادة... )[284]..

موالد أخرى :

1 ــ كان مولد الدسوقي يتبع المولد الأحمدي وهو أقل منه ..[286] .

2 ــ وأقيمت موالد لأولياء أخرين : فكان للشيخ مدين الأشموني مولد كبير يعمل له كل سنة)[288]  . أما عمر الشناوي الأشعث من أصحاب البدوي ، ( فيعمل له مولد عظيم كل سنة قبل مولد البدوي بيومين فقط  [290].. أي أن الموالد عقدت لشخصيات توفيت قبل العصر المملوكي كالشافعي والليث (ولم يكونوا صوفية) وذى النون المصري، وهو من رواد التصوف فى القرن الثالث. ....

4 ــ بل ان قايتباي رسم بعمل مولد للسيدة نفيسة ، وحضره الخليفة العباسى والقضاة الأربعة وأعيان الناس وأمراء البلد قاطبة ،ومدّ هناك اسمطة حافلة ، وهو اول من أحدث هذا المولد بالمشهد الشريف . وذكر ابن اياس إنعقاده في السنة التالية . [292] ..

وقد حضر هذا السلطان مولد إسماعيل الأنبابي وشق البحر في مركب ومعه جماعة من العوام يغنون وكانت من الليالي المشهورة [294] ..

6 ــ وكان من مظاهر اعتقاد المماليك في ولي ما أن يقيموا له مولدا . وافتخر الشعراني بشيخه الخواص الذي رفض أن يعمل له احد من الأمراء مولدا  [296] .. ويدعو الأمراء إلى مولده افتخارا وبهاء )[298] ...

8 ــ وقد يتورع أحدهم فيقيم المولد بالقراء والفقراء والذاكرين او بقراءة البخاري تدينا ، مما يضجر السامعين ومحبي اللهو (فيتقلقون منه لكونه طوّل عليهم ولا يسكت ، حتى يشتغلوا بما يحبونه من اللهو ).

9 ـت ويقول ابن الحاج مستنكرا موالد الشيخات ، فقد كانت النساء الشيخات يعقدن موالد خاصة بهن ــ وأن كان الرجال يطلعون عليهن من الطاقات ، وتذهب النساء (متزينات للشيخة التي تدخل نفسها في تفسير القرآن وتحكي لهن قصص الأنبياء ، وتزيد وتنقص ، وليس ثمة من يردها أو يرشدها )[300]   وقد يقام المولد في المقابر فيقع الضرر على الحاضرين الأحياء (ولمن فيه من الأموات )[302] .. هذا إلى جانب أنه في الموالد العامة خاصة ــ كان يتم التعارف بين العائلات والأفراد فأدى ذلك للمصاهرات والا انطبق عليهم ذلك المثل الشعبي المشهور (طلع من المولد بلا حمص ) [304]......

2ـ ويقول الشاذلي لأصحابه (كلوا من أطيب الطعام واشربوا من ألذ الشراب وناموا على أوطأ الفراش وألبسوا أحسن الثياب )[306] .. وفي الحياة العملية عاش الولي المعتقد أبوعبد الله الكركي (وقد قارب المائة وهو متمتع حتى بالنساء )[308] .. وكان محمد بن عنان  وعلى المرصفي والسروي إذا ذهبوا للطعام عند أحد يذهبون بجماعة قليلة، بشرط اعلام صاحب الطعام قبل الذهاب وانشراح خاطره. ( ولم يطبق الآخرون ذلك ) [310] . ويكمل الشعراني طقوس الوليمة فيجعل من آدابها إعطاء الخبز حقه من الإكرام والتعظيم ، وإذا فرغوا من الأكل  يقرءون سورة قريش وسورة الإخلاص. ويذكر بعض العبارات التي تقال عند الفراغ من الأكل.)[312]  ، أي أنه يجيب  ولكن بعد تمنع . ومعنى أنه يفخر بذلك دليل على ما وصل إليه حال معاصريه من الأشياخ ممن عدوا شراهتهم كرامة . يقول الدريني ( أما ما اتفق لبعض الأولياء من انه كان يأكل الطعام الكثير الذي يكفي الجماعة الكثيرة فإنما هو من باب التصريف وإظهار الكرامة )[314] . وكان المتبولي لا يصطحب معه أحدا منهم إذا دعي إلى وليمة عند احد الولاة.)[316] . وشهرة بعض الصوفية بالسمنة جعلت أبا المواهب الشاذلي يصحح المفهوم الصوفي التقليدي للولي في عصره فيقول : ( قد غلط أكثر الناس في وصف اهل الصلاح بالنحول والتقشف فقط ، وليس الأمر كما ظنوا ، بل فيهم السمين والهزيل والمترفه) . وقد وصف البدوي بأنه ( كان غليظ الساقين عظيم البطن .)[318]، . ويقول الشعراني ( دخل كثير من إخواننا الحبوس بسبب التزويج وعمل العرس والعزومات وهم عليهم دين )[320] .. وامتد الحال إلى ..

طعام العزاء والجمع :

1 ــ (أي الخميس للمتوفي) و ( تمام الشهر ) (الأربعين) فيتكلف الناس فى إعداد تلك الولائم من تركة المتوفى ، وقد يكون له ورثة أيتام ، ولكن يتكلفون ما لا يطيقون ، يقول الشعرانى : (خوفا من عتب الناس الذين يعزون ويطلعون له التربة . وربما كان ذلك من مال الأيتام أو بعضهم ... وقد يحدث خناق بين المقرئين على الفلوس وانتهاب بعض الطعام ، وأهل الميت يسمعون ذلك) [322] . وكانت الولائم العادية تمتد ثلاث ليالي يجتمع فيها الناس على الطعام )[324]

3 ـ هذا ، ويحدث ان تقام الأسمطة بمناسبة الشفاء، يقول المقريزى عن مناسبة شفاء الأمير يلبغا اليحياوى فى عصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون  : (فعُمل سماط  لعافية الامير يلبغا اليحياوى ، فيه من الأطعمة والأشربة ما يجل وصفه ، واستدعى السلطان الناصر لحضوره جميع صوفية الخوانق والزوايا ) [326] ..

2 ــ وكانت النساء يحضرن هذه الحفلات وولائمها فتتحول الى مناسبات للرقص واللهو ، وقد وصف الفقيه ابن الحاج ما يقع بهذه الولائم من رقص ولهو وطعام مدة سبعة أيام ، يقول : ( فكل من جاءت تهنى جددن لها اللهو واللعب والرقص والاستهتار ، حتى صار الأمر بينهم كأنه شعيرة من شعاير الدين) [328] .

4 ــ ويقول أيضا : (وليس ما يتعاطون من هذه الأشياء خاصا ما بأمر النفاس ، بل هو عندهم عام في كل امر حدث به سرور ، حتى في الحاج اذا قدم ، فعلوا مثلما تقدم ذكره )

5 ــ وشأن ما سبقها من ولائم فقد كانت هذه الحفلات والولائم مرهقة ماليا بسبب حضور ( الأكابر)  لها ،. فاضطر بعضهم الى الامتناع عن عمل وليمة كختم لولده ، مع ان أصحابه واخواته يطلبونه بالختم ، وذلك يحتاج لنفقة كثيرة )[330] ــ

6 ــ وعلاوة على الغناء واللهو كان البعض يعتمد على القراء المؤذنين والفقراء الذاكرين والمداحين...)[332] .. ويفخر الشعراني أيضا بأنه يعطي النقوط لمن رزق بمولود على يد عياله سواء كان عليه دين النقوط أم لا،  ولا يشح على عياله بفلوس النقوط (لأن كله سلف ودين )[334] ..   ..

2 ـ وتعكس الامثلة الشعبية فى العصر المملوكي رائحة الطعام فى الولائم ، فتقول : (كل من دعوته بأكلك كلما نظرك جاع) )[336]..

هذا ..والعادة أن الناس هى التى تُطعم الأولياء المقدسين وتنفق عليهم ، والله جل وعلا وحده هو الولى الذى يُطعم ولا يطعم : (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (14) الانعام ). وكل الطعام المقدم للاولياء إعتقادا فيهم وتبركا بهم يحرم أكله لأنه مما أُهلّ لغير الله به ، وخصوصا إذا كان هذا الطعام من حيوان تم تقديمه نذرا وقربانا لقبر مقدس ، أو ضريح ، أو نُصُب ، يقول جل وعلا : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ  ) (3)  المائدة )

زيارة القبور كعادة اجتماعية..

مدخل

1 ـ زيارة القبور العادية عادة إنسانية إجتماعية ، وفيها يدعو الزائر الله جل وعلا ان يرحم المدفون . يختلف الأمر عن زيارة الفرد لقبر مقدس ، هنا تكون الزيارة ( حجا دينيا ) بهدف التوسل وطلب المدد ودفع الضرر ، أى ما ينبغى أن يطلبه الفرد من الله جل وعلا وحده يطلبه من القبر المقدس وصاحبه الذى تحول الى تراب لا يختلف عن التراب الذى يسير عليه هذا المأفون الساعى الى القبر يستمد منه البركة والعون.

2 ــ وحين سيطر التصوف على العصر المملوكى أصبحت زيارة القبور المقدسة عادة إجتماعية ، وليس مجرد شعيرة دينية ، ولأنها أصبحت عادة إجتماعية ولأن القرافة ( موضع القبور فى القاهرة ) وغيرها أصبحت تضم القبور المقدسة بالاضافة الى القبور العادية ،فقد أصبحت زيارة القرافة وقبورها المقدسة والعادية عادة إجتماعية فى مصر المملوكية . ومن الطبيعى أن تنشأ عن ذلك تجارة ، لها دعاية رائجة يروجها المنتفعون ، وبسبب الشهرة الدعائية فقد أصبحت معالم القرافة معالم سياحية حتى للوافدين والرحالة . ونعطى بعض التفصيلات :

الدعاية لزيارة القبور المقدسة

1 ــ سبك المنتفعون من زيارة المقابر أكاذيب يزعمون فيها أن صاحب القبر يدعو الناس لزيارة قبره ، وتأتى هذه الدعوة عن طريق المنامات ، فأولاد الصيرفي وجهوا دعوة لابن الجباس لزيارة قبورهم  )[338]..اى هى المنافسة بين سدنة وخدم القبور فى استجلاب الزبائن طمعا في النذور .

2 ــ بل يصل التخطيط مقدما للإرتزاق عند إحتضار أحدهم ، فيقال إنه قال عند الموت : ( رحم الله مسلما زار قبري وحفرتي ) أى هنا تخطيط مقدم لعمل مشروع ( بيزينيس ) لقبر صاحبنا ، وهو لم يمت بعدُ. ونجح هذا التخطيط بدليل أن الذى ذكر الخبر السابق هو المؤرخ أبو المحاسن ، أى إنه صدق الرواية وابتلعها وذكرها ضمن الأحداث التاريخية .  [340] ، ولذا فقد كان الصوفي اذا اعتزل العالم لا يتردد إلا لصلاة الجمعة وزيارة القرافة .[342] .  

4 ـ ومن الدعاية أيضا تبشير الزائرين للمقابر بالجنة  ، حتى لقد إشتهر بعضهم بلقب  (مبشر الزوار بالجنة)  كابن عنان [344]  أو ( واعظ المقبرة) [346]  أو تتحدث عن حياتهم وتصرفاتهم داخل المقبرة كما يفترى السيوطى، فى رسالته ( بشرى الكئيب بلقاء الحبيب ) . [348] ، بالاضافة الى يوم الجمعة ، وهناك زيارة بالليل كان يقوم بها مشايخ اخرون [350]  ، بمعنى استمرار الزيارة نهار  وليل الجمعة . هذا عن توقيتات الزيارة . أما عن مساراتها ، فالابتداء بزيارة المشهد النفسي ( ضريح السيدة نفيسة ) ( والزيارة النهائية ليوم الأربعاء المبارك )[352] ، أى تحول هذا الوالى الدموى الى قديس ، يُزار قبره . ويبدو أن جدول الزيارة كان أكثر تعقيدا مما نتصور ، أو يبدو أنه كانت فيه ( إجتهادات ) مختلفة ، وعدم (إجماع ) على جدول واحد ، لأنه يقال أنه ( في ليلة الجمع كان يُبتدأ بتربة العارف الصوفى عبد الله الأرزني ، ويختم بها تبركا بمن في التربة من الأولياء )[354] . ولأنها عبادة جادّة فقد جعلوا الضحك مكروها بين المقابر ( فإنه من وضع الأشياء في غير محلها ) [356] . وهذا لا يعنى إهمال القبور الأخرى، بل تُزار ـ مع حُسن النية ـ لو كانت أضرحة مزورة أو مشكوكا في أسماء أصحابها. [358] ، ومثله (قبر صاحب القنديل ) [360] وشهد ( نور)  آخر حذر صاحبه امرأة حائض وطأت قبره [362]  . وقال آخر في المنام انه غُفر له ولكل من صافح عند قبره ، فكان الزوار يتصافحون عنده واشتهر القبر بهذا [364] . وبنفس الابداع فى الكذب اشتهر ( قبر سماسرة الخير ) بإطعام الجائع [366]....

 زيارة النساء للقرافة :

1 ــ شاركت النساء بكثافة في زيارة المقابر ، ليس فقط الزيارة بل بالمبيت فى القرافة مع الأولاد والبنات ، ويخرج معهم الباعة بأصناف الطعام ، وكان لذلك مواسم دينية معينة مما أثار اهتمام الرحالة ، يقول ابن بطوطة (يخرج الناس للمبيت في القرافة بأولادهم ونسائهم ، ويطوفون على المزارات الشهيرة ، ويخرجون أيضا للمبيت بها ليلة النصف من شعبان ويخرج أهل الأسواق بصنوف المآكل) [368]  . كان النقاب هو (الحارس الأمين ) لهن فى الطريق الى القرافة ، فإذا وصلت القرافة خلعت النقاب ( وخلعت أشياء أخرى ، حيث إنتشر الانحلال الخلقى فى القرافة ، وأوضحنا ذلك فى كتاب أثر التصوف فى الانحلال الخلقى ) . وبسبب السُّمعة السيئة للقرافة فقد حرص المماليك على ترتيب خادم أمين ثقة لخدمة الحريم السلطاني عند زيارة الأضرحة والآثار الشريفة في ليل أو نهار. كما جاء فى بعض وثائق الوقف.  [370] ، لذا كان يُنادي بمنع النساء من الذهاب الى التربة ، وتُهدّد المرأة بالتغريق ويُهدد المكاري ( الذى يحملها على الحمار ) بالشنق . ولم يجد ذلك فتيلا ...)[372]  ،أى إمتدت النياحة على الموتى من البيوت والمقابر  الى الأسواق  .  ويروى الصيرفى أنه توفى لامرأة ولد فألقت نفسها خلف ولده من اعلى الدار فماتت ..! [374] . وأصبح الحزن على المتوفى يوصف بالوصف الصوفى ( وجد )، فقيل عن موت السعيد بركة ابن الظاهر بيبرس أنه ( وجد عليه الناس وجدا شديدا ، وخرجت الخوندات حاسرات ، ولم تزل امراته حزينة عليه حتى ماتت )[376] ، وهذا الموت حزنا كان تعبيرا بلاغيا فأصبح بالتصوف واقعا حقيقيا.

3 ــ وبالاضافة الى ( حفلات العزاء ) كانت العواطف تنفجر لأتفه الأسباب ، حتى من العوام الذين لا ناقة لهم ولا جمل ، يروى المؤرخ ابن حجر أن العوام فرحت بعزل القاضى الهروي وتعيين البلقيني محله ، وحين خلع علي البلقينى بالقضاء ( قامت قيامة من الصياح والعياط والدعاء للسلطان ) [378] . وانتقل هذا من الخوانق والرباطات والزوايا والتُّرب الى المساجد والجوامع ،فأصبح عاديا إتخاذها  مكانا للراحة والمبيت  . ويقول المؤرخ السخاوى أن القناديل كانت لا تنطفىء في المساجد في شهر رمضان إلا قبيل طلوع الفجر ، مراعاة للنائمين ، حتى لا يستيقظ أحدهم فيظن أن الأكل والشرب حرم ، وليس كذلك )[380] .

3 ــ واشتهر الجامع الأزهر بمبيت كثير من الناس فيه ، ما بين تاجر وفقيه وجندي وغيرهم ، منهم كان يقصد المبيت للبركة ، ومنهم من كان لا يجد مكانا يأويه ، وبعضهم (يستريح بالمبيت فيه خصوصا في زمن الصيف وأيام المواسم ، حيث يمتليء صحنه وأكثر رواقاته ) [382] ، ويجعل الشعراني من الآداب الواجب رعايتها عدم دخول المسجد بنية النوم والاستراحة [384]

5 ـ وفي الأمثال الشعبية (على قلبها الطالون )، قالها  الفقراء المغاربة الوافدون في سفينة الى مصر ، وظنوا انها ستحملهم مباشرة إلى جامع أحمد بن طولون ، حيث سمعوا بكثرة المبيت فيه [386]... 

 في التسميات والألقاب :ــ

1ــ كلمة سيد اطلقت على مشايخ الصوفية وكانت التسمية بسيدي مفضلة في الحديث عن الأولياء[388] .

3 ــ وأثر التصوف يظهر في تسميات وألقاب أخرى ، فسمى الشيخ سليمان المعتقد بالقرافي لأنه يمشي في القرافة  [390] ، والشيخ محمد بن حسين القرافي خادم جامع الأولياء بالقرافة  [392] والقاضي شمس الدين القرافي [394] ، نسبة إلى علم الحرف الصوفي ومحمد السميساطي نسبة للخانقاه السيمساطية  [396] نسبة لخانقاه سرياقوس ، وسمى عبد النبي [398] من القطب الصوفى . وهناك القاضي ابن حشيش  [400]

4 ــ والجعيدية طائفة اجتماعية ظهرت بتأثير التصوف ونسب لها الكثيرون ، فهناك ابن الجعيد [402]  والشيخ أبو هاشم الجعيد [404] .

5 ــ ولا تزال البيئات الشعبية المصرية تسمي بركة ومبروك وبركات ومبروكة وابو ابركات ، ونحوها وسموا بعض الناس أبا خطوة تأثرا بالكرامة الصوفية الشهيرة التى تجعل الولى الصوفى يصل الى أى مكان فى خطوة واحدة .  [406] . وكانت للتصوف لمساته على الزي في العصر المملوكي ...

2ــ فقد ترتب على ازدهار التصوف فيه أن أصبحت ( الخرقة ) أو ( المرقعات) ــ لباس التصوف المفضل ــ (موضة اجتماعية) للشيوخ الصوفية المترفين الميسورين للرياء والشهرة وحُبّ الظهور ، حتى أن ابن الحاج اهاب بالخياطين ان يحجموا عن خياطة (دلوق الشهرة والمرقعات التي اتخذها بعض الناس ... فتجد بعضهم يأخذ خرقة جُملة ، مختلفة الألوان ؛أبيض وأصفر وأحمر وأسود الى غير ذلك ، ويرتبونها واحدة بجنب الأخرى . وبعضهم يتغالى في تلك المرقعات فيجعلها من القماش الرفيع الفاخر ، الذي لتفصيله ثمن كثير ، فيقطعونها خرقة خرقة ، لأجل الشهرة الممنوعة في الشرع الشريف ــ فانظر رحمنا الله واياك إلى صفة هذه الرقعة أي شبه بينها وبين مرقعة عمر بن الخطاب ) [408]  وبعض المجاذيب الصوفية كان ( لا يلبس إلا الحرير على بدنه )[410] . 

4ــ وشاع في العصر المملوكي بتأثير التصوف اتخاذ الزي الطويل افتخارا ، ومخالفة للدين السُّنى وللشريعة السنية التى تأمر بتقصير الثياب ، واستمر ذلك حتى نهاية العصر ، وبولغ فى ذلك الى درجة  يدعو معها الشعراني الصوفية الى تقصير ثيابهم . [412]....

5ــ وبتأثير التصوف صار لكل طبقة اجتماعية في العصر المملوكي زيا معينا ، فهم الذين جعلوا لرجل الدين زيا معينا ، وجعلوهم طبقة اجتماعية خاصة ، وبهم صار الأشراف طبقة اجتماعية ، ومعظمهم صوفية إنتحلوا النسب للأشراف . وقد فأمر السلطان الأشرف شعبان  القلاوونى أن يجعل للسادة الأشراف في عمائمهم( شطفات خضر تميزا لهم عن غيرهم وتعظيما لقدرهم ) [414] . ويذكر الشعرانى أن من شأن الصوفي : ( ألا يقتصر على لبس الزي والهيئة وارخار العذبة وحضور الولائم ...)[416]  . وكان (لأهل الذمة ) ـ فى تعبير العصر المملوكى ــ زي خاص بهم ليعرفوا به بين المسلمين . وقد تعرض هذا الزي إلى تغيرات تأثرت بحركات التعصب التي كان يقوم بها الفقهاء الصوفية ضد أهل الكتاب ( فلبس المسيحيون عمائم زرقاء واليهود صفراء والسامراء حمراء ، وارتدى المسيحيون حزاما حول الوسط يطلق عليه زناد.)[418]  . ومع ذلك فقد تحرر بعض الصوفية من الالتزام بزي خاص ، بل ترك بعضهم زي الصوفية بالجملة ، وفقا لما ذكره المؤرخ ابن حجر  فى تاريخه ( إنباء الغمر ) [420] .

أما القاضى الهروي وهو صوفي فكان أعجوبة فى تغيير زيه تبعا لتغير وظائفه وتبعا لهواه ايضا ، ومما ذكره المقريزى عنه نعرف أنواع الزى وقتها ، فالهروى ظهر صوفيا فى البداية فى قدومه لمصر (يتزيا بزي العجم الصوفية ، فيلبس عامة عوجاء بعذبة عن يساره ، فلما ولى قاضي القضاة لبس الجبة والعمامة الكبيرة وأرخى العذبة بين كتفيه ، فلما ولى كتابه السّر البس تزيا بزي الكُتاّب وترك زي القضاة ولبس الذهب والحرير ، فلما أُعيد للقضاء أقام يمر في الشوارع بهيئة العجم ) [422]. وصارت موضة .!!.  وقد (ركب ابن ميلق الشاذلي الصوفي وهو قاضي للقضاة وعلى رأسه عمامة لها عذبة على جانب واحد مثل الصوفية ) [424] ، وصار تكبير العمامة دليلا  على علو المنصب، فحين أضمر السلطان أن يجعل العيني قاضيا أوعز  إليه ان : (كبّر عمامتك غدا واحضر بكرة) من غير أن يفصح له بشيء . [426] . وبرغم النداءات المهددة والمتكررة فلم ترعو النساء عن هذا الزي بل وصفهن ابن اياس بانهن ( أفحشن في ذلك حتى خرجوا عن الحد )[428]....

3 ــ وقبلها وفى القرن الثامن عرفت النساء موضة الثوب الضيق ، وقد اشتهرت هذه الموضة إلى درجة أثارت ابن الحاج فأنكر عليهن هذا الزي الذي( لو عمل على عود لافتن بعض الرجال في الغالب لحسن منظره ومقالته ورقة قماشه.)[430]...وهى المعروفة حاليا فى الأحياء الشعبية ب ( الملاية اللف ) التى ترتديها المرأة على قميص النوم ـ تقريبا ـ وتشدها على جسدها تغطيه وتبرز مفاتنه فى نفس الوقت . كان هذا فى السبعينيات ، وربما إختفى الآن .

5 ــ وانتشر اللواط في العصر بجهد المطاوعة والقلندرية وغيرهم . وفي هذا الجو تشبهت النساء بالمردان حتى لبسن الطواقي ... يقول المقريزي( نشأ في اهل الدولة محبة الذكران فقصد نساؤهم التشبه بالذكران ليستملن قلوب رجالهن، فاقتدى بفعلهن في ذلك عامة نساء البلد )[432]...

2ــ وذكر الشعراني ما يفيد ان القهوة  عرفت في عصر إبراهيم الدسوقي في القرن السابع وأنه حض مريديه على تعاطيها طلبا  للحكمة ،  يقول: ( يا أولاد قلبي ، عليكم بشراب القهوة القرقفية واستعمالها ، فوعزته وجلاله من صدق منكم واخلص لا يمسى إلا نبعث منه الحكمة وحصل عنده الشراب والسكر عن هذا الدار ) [434] . أى إنه خصم لهم فى موضوع القهوة .

وقال عن القهوة شاعر في القرن العاشر يتغزل فى إمرأة :

 وترشف من ريقها قهوة :  تغني عن الشهد وقطر النبات  [436] ... وصار لها ذكر في الأمثال الشعبية [438] وهرب عزالدين ابن جماعة من الاختلاط حتى انه لم يتزوج  [440] ،أي انه استعاض عن الاختلاط بالناس بالانكباب على العلم ، و(انقطع) الأخميمي (عن الناس ) [442] وفي القرن التاسع عرف بالعزلة نفر كثيرون كما في( الضوء اللامع )[444]....

2ــ والصوفية في داخل مملكتهم مارسوا نوعا اخر من التفكك بالعزلة بتأسيس الطرق الصوفية المختلفة ، مع عدم وجود فارق هام بينها إلا اذا عٌدّت الأوراد وألوان الرقع فوارق خطيرة ، يقول الشاذلي عن حزب البر (من قرأ حزبنا فله ما لنا وله ما علينا ) [446].. ويقول زكي مبارك (والألفاظ الأحمدية غير الألفاظ الشاذلية ، واذا كان ذلك لأن الأحمدية طال عهدها بصحبة الفقراء المصرية اما الشاذلية فألفاظهم في الأصل مغربية ) [448] .

3 ـ ونعرض لأهم الطرق الصوفية بإيجاز...

أهم الطرق الصوفية :ـــ

1ــ الطريقة القادرية نسبة لعبد القادر الجيلاني (ت561) ويوجد لها بمصر فرعان القادرية القاسمية والقادرية الفارضية..

2ــ الطريقة الرفاعية نسبة لأحمد الرفاعى العراقى الموطن والذى لم يزر مصر ، وكان من أعمدة التنظيم السرى الذى كان يعمل لاسترجاع الحكم الشيعى فى مصر متسترا بالتصوف ، والذى اسفر عن مجىء البدوى لمصر ـ على نحو ما شرحناه فى كتابنا ( السيد البدوى بين الحقيقة والخرافة ). وكان ممثل الرفاعى فى مصر الشيخ أبو الفتح الواسطى ت 580 . وبعد فشل التنظيم تحول الأتباع الى طريقة صوفية تشتهر بالأعمال السحرية والتعامل مع الثعابين على أنها كراماتهم التخصصية .  وكالعادة انقسمت الرفاعية الى طوائف وطرق متعددة .

3ــ الطريقة الأحمدية نسبة لأحمد البدوي الذى قاد سرا التنظيم الشيعى لاسقاط الدولة الأيوبية فى مصر ، ولكن تغلب مماليك الأيوبيين على الحكم وتثبيت أقدامهم فيه وإنتصارهم على حملة لويس التاسع والمغول والأعراب ـ وقوة شكيمتهم ـ كل ذلك أطاح بأحلام البدوى ، وأحس بالخطر يقترب منه فتظاهر بالتصوف الى النهاية وأرجأ مخططه السرى . وإضطر أتباعه ــ الذين رباهم على سطح داره والذين انتشروا دُعاة فى مصر ( السطوحية ) ــ الى تحويل نشاطهم الى التصوف العلنى فأصبحت الأحمدية السطوحية أكبر الطرق الصوفية ، بدءا من  عبدالعال تلميذ البدوى وخليفته من بعده . وانتشرت هذه الطريقة وتفرعت في مصر إلى فرعين كبيرين ، البيت الكبير ويضم الطرق المرازقة والكناسية والامبابية والمنايفة والسلامية ، ويضم البيت الصغير ــ الحلبية والشعيبية والتسيقياتية والحمودية والزاهدية . وهناك طرق أخرى كالشناوية والسطوحية والبيومية ....

4ــ الطريقة البرهامية نسبة لإبراهيم الدسوقي، رفيق أحمد البدوى فى التنظيم السرى الشيعى ، وقد تحول أتباعه الى طريقة صوفية متآخية مع الطريقة الأحمدية ، ومعاصرة لها . وعلى هامشها تكونت طرق فرعية أهمها : الشهاوية والشرنوبية والسعيدية الشرنوبية..

5ــ الطريقة الشاذلية . كان الشاذلى هو الآخر رفيقا للبدوى فى دعوته ، ولهذا إنتقل من المغرب الى مصر . وتكونت الطريقة الشاذلية فى مصر ،ومنها إلى أقطار أخرى . وتفرع منها طرق صوفية كثيرة ، منها : القاسمية ــ المدنية السلامية ــ الحندوسية ــ القاوقجية ــ العفيفية  الهاشمية و الادريسيةـ الجوهرية  ــ الوفائية ــ الحامدية ــ العزمية  ــ المحمدمية ــ الفيضية ــ الهاشمية المدينة .

6 ــ وهناك طرق أخرى كالرحيمية والخليلية . ثم ظهرت في اخر العصر الطريقة الخلوتية ..

طبقة الأولياء

توارث الولاية           

1ــ كان أبناء الولي وأحفاده يسيرون على نهجه ويرثون مكانته ونفوذه ومريديه و( الفتوحات ) أى الموارد المالية التى ترد اليه من نذور ونقوط . وبكثرة الأولياء وبمرور الزمن كثرت عائلتهم والمنتسبون إليهم فكونوا طبقة تتوارث الولاية فيما بينهما. يولد ابن الولى طفلا يتبول على نفسه ولكن يكون وليا ، وتصاحبه الولاية فى مراهقته ، وحوله مريدو أبيه يروّجون لولايته وكراماته ، وعندما يموت الأب يصير وليا مكانه ، وإذا كانوا أكثر من ولد فلا بأس ، يتوارثون ولاية أبيهم أيضا . والمريدون يشاركون فى الانتفاع بهذا الميراث ، فلهم نصيب فى المكانة ، وفى ( الفتوحات ) أيضا .

2ــ ونعطى مثلا في العصر المملوكي بذرية عبد الرحيم القنائى  الذي ينتمي نفسه إلى العصر الأيوبي ، فالحسن بن عبدالرحيم القنائي ( كان من كبار الصوفية أرباب الأحوال والكرامات [450] ، وكان جعفر بن عبدالرحيم (ت696) من كبار الصوفية ، قالوا انه ( جمع بين الشريعة والحقيقة  ) [452] ، ومثله أحمد ابن إبراهيم بن الحسن بن عبدالرحيم (ت728) [454]  .وهناك قبور للأولياء من ذية عبدالرحيم القنائي كمزارات ...)[456] ومثله ابنه جمال الدين بن احمد (ت696) ، وهناك ضريح للإمام يوسف بن محمد الذي دفن بجرجا في أعقاب القرن السابع [458] .

4 ــ ولما مات ابن الصباغ أجلس الفقراء مكانه صاحبه وزوج ابنته الشيخ القنائي ، وتخرج عليه جماعة تنسب إليهم كرامات ومكاشفات كأبي عبدالله الأسواني وأبي الطاهر المراغي وزين الدين بن شيخه ابن الصباغ  [460] ، وذكرت عنه كرامات )[462] ،

6 ـ ونفس الحال : كان لمحمد ابن الشيخ الحنفي شهرة ومحبة [464] واشتهر إبراهيم الفاوي بالكرامات وقيل عن ابنه محمد (عليه مدار البلد من بعده ) [466] . وكان الدسوقي من الأولياء وأمه بنت ولي آخر ) [468] ويقول السخاوي عن يوسف العجمي( وله ذرية باقية الى  الآن ) [470] أي أنه خالف المألوف..

ابن الولى لا يفلح

1ــ هذا مع أن الصوفية أنفسهم اعترفوا بأن ابن الولي لا يفلح غالبا ، ويقول الصوفى  محمد بن أبي جمرة معترفا بالواقع : ( ثلاثة لا يفلحون في الغالب : ابن الشيخ وزوجته وخادمه. أمّا    ابنه فإنه يفتح عينيه على تقبيل المريدين يده بالتبرك به فتكبر نفسه فلا يؤثر فيه وعظ واعظ ويتجرأ على الأكابر ...) [472] ، وقد عد الشعراني من المنن فلاح ابنه عبد الرحمن وامتثاله لأمر والده، وقال أنه :  ( قلّ ان يقع هذا من ولد فقير) ( أى ولى صوفى ). وقال الشعرانى : ( ولم يزل الفقراء يتجرعون الغصص من جهة أولادهم لما يرونه منهم من قلة سلوك طريق القوم ) [474] ، أى التعرض لانتقام زوجها الولى صاحب الكرامات ، فى زعمهم . بل امتد ذلك الحكم ليشمل بنات الشيخ ، فعد الشعراني من المنن عدم تزوجه لابنة شيخه محمد الشناوي إجلالا له ، ولما تزوج ياقوت القرشي ابنة شيخه المرسي لم يقربها حياء من أبيها ، وفارقها بالموت وهي بكر....)[476] ، وصاحب كتاب ( شفاء السائل ) اعتبرهم دون مرتبة الإنسان . [478]  .

3 ــ وكان هذا الاعتقاد من حُسن حظ المجانين والمُلتاثين عقليا ، فأرتفعوا من درجة ( المجنون ) المُحتقر الى درجة ( المجذوب ) المُعتقد . وإذا جاءته اللوثة فهى الدليل القاطع على أنه من ( أرباب الأحوال ) الذى تعتريه حالات من الجذب الالهى . ومهما قال كلاما بشعا أو كلاما غير مفهوم ، ومهما أساء من تصرف فالاعتقاد فيه يزداد لأنه من (أرباب الأحوال) .

4 ــ وإنصافا للتصوف والعصر المملوكى فإن هذا الاعتقاد فى ( المجاذيب ) كان موجودا فى العصور الوسطى فى أوربا أيضا . فإبليس هو المُعلم للجميع . ولأن العقل السليم هو صمام الأمان والايمان للإنسان فإن الشيطان حريص على تغييب هذا العقل ، سواء بالخمر والمخدرات الحسية ، أو بالأديان الأرضية التى تجعل الفرد يغيب عقله وهو يقدس بشرا مثله ، أو يقدس قبورا وأصناما يصنعها بيده ثم يعكف عليها عابدا متبتلا ، أو يجعل المجنون فاقد العقل إلاها مقدسا بزعم أنه غائب عن هذا العالم المادى حاضر فى ( الحضرة الإلهية ). وهذه الخرافة تجد من يصدقها . وبهذا اصبح عاديا فى العصر المملوكى  ان ترى المجنون فاقد العقل يسير فى الشارع فى شكل بشع ممزق الثياب ـ بل ربما بلا ثياب ، وتغلفه الحشرات ويعيش كالحيوان بين قاذورات ،وهو متمتع بالتقديس يتوسل به الناس يطلبون منه البركة والمدد . وكلما ساء حاله إزداد أتباعه .

5 ـ وهذه الحالة الفريدة من الخبل العقلى للعصر المملوكى فى تقديس المجاذيب ــ أرساها أرباب الصوفية المحققون الذين هم فى رتبة ( السالك ) الأقل درجة من رتبة المجذوب، فيرى ابن عنان أن المجاذيب يعيشون في عالم آخر، يقول : (ان من شأن المجذوب انك ترى أحدهم ماشيا وهو راكب وتراه يأكل في رمضان وهو صائم لم يفطر وتراه عاريا وهو مرتد لثيابه )[480] ..

ثانيا : الانخراط فى ( الجذب ) خداعا  

1 ــ وبسبب هذه المميزات والفضائل للمجاذيب ، وفرارا من الظلم المملوكى، ولسهوله الحصول على لقب ( مجذوب ) مقارنة بالصوفى السالك فقد إنخرط كثيرون فى سلك (الجذب) فانتشر المجاذيب فى كل مكان ، وأصبحوا يمثلون طبقة متحركة تهيم على وجهها فى المجتمع المصرى المملوكى .

2 ـ ولم يقتصر الأمر على العوام ، بل ادعى كثير من الأولياء الصوفية الجذبة المؤقتة ليحصل على إعتقاد الناس فيه ويتمتع بالتقديس الذى يتمتع به المجاذيب والمجانين الحقيقيون . ، ووصل الدشطوطى بإدعاء الجذب الى الشهرة ، وبعد أن صار وليا فى إعتقاد الناس ( عاد اليه عقله ) ليتمتع بثمار جذبته الاختيارية المؤقتة. ويصف الدشطوطي جذبته حاكيا عن نفسه (..فحصل لي جاذب إلهي وصرت اغيب اليومين والثلاثة ثم افيق اجد الناس حولي وهم يتعجبون من أمري ، ثم صرت اغيب العشرة أيام والشهر ولا آكل ولا أشرب ..... فخرجت سائحا إلى وقتي هذا  ) [482]..

3ــ ونعطى أمثلة للفقهاء ( الماكرين ) الذين آثروا أن يتظاهروا بالجذب ( رياءا و إثما وعدوانا.!! ):

3 / 1 : محمد المجذوب ( كان طالب علم وصار خطيبا في جامع ، وما لبث أن هام على وجهه مجذوبا ) [484] ، أى إنه أحتجب ليسأل الناس عن سبب احتجابه وينتظرون ظهوره ، ثم يظهر لهم فجأة ، وهو مجذوب .!!.

3 / 3 : (واشتغل الكمال الدمياطي بالعلم وكان على طريقة حسنة ، ثم انجذب ) [486] .

3 / 5 : قاضي القضاة الجلال الأنصاري انجذب بدعوى أن هاتفا دعاه للعبادة فساح في الأرض ( إلى أن أُذن له في الجلوس فبلغ المجاهدة مقام المشاهدة ) [488] وإسماعيل الصالحي  ) [490] . يعنى ينجذب إذا طارده  الدائنون ، فإذا أمن منهم عاد لطبيعته

3 / 7 ولم يقنع بعض الصوفية فاتخذوا من الجذب وسيلة للشهرة ، فيحي الصنافيري كان صوفيا ثم حدثت له جذبه ربانية فوصل إلى مقام  القطبانية وسعت له الخلق [492]  وحتى يشتهر الدشطوطي كانت هيئته كالمجاذيب ) [494] .

واتخذ كثير من الأولياء في نهاية العصر سمة المجاذيب كما يظهر في الطبقات الكبرى للشعراني ....

ثالثا : بعض مظاهر الجذب

1ــ وكان المجذوب يهذي بماله علاقة بعمله  قبل الجذب فكان( الشيخ بهاء الدين المجذوب يحفظ البهجة كأن لا تزال تسمعه يقرأ فيها..) .. وكان فرج المجذوب يقول : ( عندك رزقه فيها خراج ودجاج وفلاحون ) ، وابن البجائي يقول: ( الفاعل مرفوع والمخفوض مجرور وكان القاضي ابن عبدالكافي ( يقول في بيت الخلاء : ولا حقّ ولا استحقاق ولا دعوى ولا طلب ) [496] . ومنهم من يمشي عريانا، أو يرتدي زي الجندي ويمشي بالسلاح والسيف ، أو يلبس زي القضاة والتجار ، ويغير الألوان . وربما حمل على رأسه عمامة نحو قنطار) [498] .

3 ــ وقد يعرف أحدهم بالوقوف الطويل في مكان معين لا ينتقل منه صيفا او شتاء ، وبما امتدت المدة إلى ثلاثين سنة فبما يزعمون ، أو ينام أحدهم في كانون الطباخ ، أو يقيم في الأمكنة الخربة او البرية وحوله الحيوانات ) [500] .

وكانت لآخرين أحوال مضحكة فكان ابن مصيغير يخاصم ذباب وجهه ويتشوش من قول المؤذن (الله أكبر) فيرجمه ويقول عليك يا كلب نحن كفرنا يا مسلمين حتى تكبروا فينا ) .! . واذا مرت عليه جنازة وأهلها يبكون يمشي معهم ويقول : ( زلابية هريسة زلابية هريسة ) [502]  وكان اذا سأل أحدهم الدعاء من الشيخ نجيم قال له: ( كشك ولحم )، واذا دفع لجمال الدين الأسود نقود جديدة انشرح وقال محمدي محمدي (فيحصل للسامع انبساط ) .[504]

طبقة الأشراف فى مصر المملوكية  

 أساس الانتحال فى الانتساب الى النبى عليه السلام

1ــ لا ينفع أحدا أن يكون قريبا بالنسب الى نبى أو من ذريته ، فهناك ابن نوح ووالد ابراهيم ، وهناك أبو لهب عم خاتم النبيين ، وهناك زوجتا نوح ولوط . أولئكم جاء نصُّ القرآن الكريم عنهم بالضلال . وبعضهم مذكور بالاسم مثل آزر وأبى لهب .

إنّ كل الأنبياء بشر ، وسيفرّ كل منهم من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه فى يوم لا أنساب فيه ولا يتساءلون ، ولا يجزى فيه والد عن ولده ولا مولود عن والده ، ولا تملك نفس لنفس شيئا ، والأمر يومئذ لله مالك يوم الدين ، فلا شفاعة لبشر فى بشر ، ومن حقّت عليه كلمة العذاب لا يستطيع خاتم المرسلين إنقاذه من النار ، فهو لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا ــ شأن كل فرد من البشر ــ إلا بمشيئة الرحمن، بل سيكون شاهدا شهادة خصومة على الكافرين من أهله وقومه وأصحابه الذين صحبوه فى الزمان والمكان ، وسيأتى عليهم شهيدا يؤكد أن قومه إتخذوا القرآن مهجورا . هذا ما يؤكده رب العزة فى مئات الآيات القرآنية التى تنفى شفاعة البشر ، وتجعل الشفاعة شهادة تحملها ملائكة حفظ العمل لمن كان عمله صالحا وكان إيمانه بالله جل وعلا مخلصا خالصا ، ثم تكون هذه الشفاعة أو تقديم العمل يوم الحساب لمن أذن له الرحمن وارتضى . 

2 ـ ولكن يتأسس الدين الأرضى عموما على الشفاعات والوساطات ، وبالتالى تتاسس على الشفاعة والوساطة جماعات كهنوتية ، يتوسل بها الناس ، يقترفون الجرائم وياكلون المال السُّحت ثم يطمعون فى دخول الجنة بتقديم بعض هذا المال يشترون به صكوك الغفران وقصورا فى الجنة . وبالتالى يكون من أهم المؤهلات لهذا الكهنوت هو الزعم بالانتساب للنبى محمد عند المحمديين ، ولهذا أصبح الانتساب للنبي عليه السلام هو العقدة الخالدة عند الشيعة ثم الصوفية بالذات .

3 ـ وأصبح هذا ( نسبا شريفا ) بمعنى أن غيره من النسب العادى هو (غير شريف ).!! بمعنى أنه لا بد أن تكذب حتى تكون ( شريفا ) ، ولو تمسكت بنسبك العادى لأهلك الحقيقيين من  المصريين والايرانيين والسوريين والعراقيين ..الخ ... فأنت نسبك ( غير شريف ) حتى لو كنت ( عمر الشريف) أو ( نور الشريف) أو ( على الشريف) أو ( محمود الشريف ) أو ( كريمة الشريف ).! وبالمناسبة فإن صفوت الشريف ينتمى الى الأشراف ، هو ينتسب الى ( الأشراف ) بينما هو ( مسجل خطر ).!

الانتحال للنسب ( الشريف ) بين الشيعة والصوفية

1 ـ وانتحال النسب الشريف باب طرقه آخرون قبل صوفية العصر المملوكي ، والزعم بالمهدية ( اى أن يكون المهدى المنتظر ) لهدف سياسى ـ يقترن بزعم الأنتساب للنبى محمد عليه السلام . وهى فرية مضحكة وعادة سيئة تكررت وتتكرر فى تاريخ المحمديين تحمل معها سفك الدماء فى أغلب الأحيان .

2 ــ واشهر مدعى الانتساب للنبى هم الفاطميون الذين أقاموا الدولة والخلافة الفاطمية فى شمال أفريقيا ومصر، وأسّسوا القاهرة والأزهر(الشريف ) نسبة للسيدة (فاطمة الزهراء ) . وخصوم الفاطميين يطلقون عليهم ( بنوعبيد ) ، ومنهم الفقيه  ابن تيمية المشهور بعدائه للشيعة والصوفية ، وهو يرى أن الفاطميين : (زنادقة ملاحدة قرامطة باطنية واسماعيلية ونصيرية ) [506] ، وقيل إن دافع المقريزي لذلك أنه نفسه كان يدعي الانتساب للفاطميين ، وهذا ما يذكره المؤرخ ابو المحاسن تلميذ المقريزى، ونقله عنه ابن اياس  [508].....

تكوين طبقة الأشراف بناءا على هذا الانتحال

1 ــ وانتشر الزعم بالانتساب للنبى ، فتكونت طبقة إجتماعية من ( الأشراف ) بناءا على هذا الزعم . وصار مُباحا لكل من هبّ ودبّ أن يصبح من ( الأشراف ) بهذا الانتحال  ، ودخل فى الميدان دجالون كثيرون ، يطمع كل منهم أن يتمتع بمزايا ( الأشراف ). وأزعج هذا السيل من الأكاذيب بعض المؤرخين فانتقدوا من يعرفون من منتحلى النسب ( الشريف ).

2 ـ فابن حجر يقول عن أبن زقاعة الصوفي المحتال : (كان يدعي أنه من بني نوفل بن عبد مناف [510] وذكر المقريزى أن الأمير يخشى بك  غضب على محتال زعم انه شريف النسب فسبّه وشتمه فعوقب الأمير لأنه ( سبّ بعض من يدعى انه شريف ) [512]  . وقال المؤرخ ابن حجر أنّ الجروانى انتسب وصار شريفا، و ( كان يُطعن في نسبه  ) [514] . وهذا المنام المزعوم فى حد ذاته دليل على وجود من هم ليسوا بصحيحى النسب .! .

3 ــ لذا كان الشّكّ فى الانتساب للنبى هو السائد ، ولحق هذا الشك بمشاهير ( الأشراف ) ومنهم الشريف المكرانى ، وقد تشكّك بعضهم فى نسبة طبقا لما يقوله المؤرخ السخاوى . [516] ، وهى إشارة لطيفة فى التشكيك فى نسبه ( الشريف ) ، وكان مؤرخون آخرون أكثر صراحة ، منهم الصفدى القائل عن أبى الحسن الشاذلى : ( إنّ الشاذلي انتسب في بعض مصنفاته إلى على ابن أبي طالب . وقال شمس الدين الذهبي : هذا نسب مجهول لا يصح ،ولا يثبت ، وكان الأولى به تركه ) [518] .

4 ـ وإنفتح الباب على مصراعيه للإنتساب للنبى حتى لقد أراد يهودي يقال له أبو السعود أن يعمل له ( محضر) بانه شريف [520] . وأراد بعضهم الشهرة فتخصّص فى الطعن فى نسب المشاهير من ( الأشراف ) فذكره ابن حجر والسخاوى ، وقد قالا عن الشريف حسن بن محمد إنه كان ( عارفا بأنساب الأشراف كثير الطعن في كثير ممن يدعي الشرف ) [522] ، هذا مع  وجود ديوان قديم للأشراف يختص بالفحص عن أنسابهم وحقوقهم، وقد ذكره القلقشندى فى موسوعته ( صبح الأعشى ) [524]  وكان من يسُبُّ شريفا يُقتل حدّا بالشرع  [526] . والمقريزى تخلى عن عقله وموضوعيته فكتب رسالة في حق آل البيت الاشراف على من عداهم وجعل لهم حصانة ، وحذر من الوقوع في احد منهم مهما ارتكب من محرمات  [528] وزعموا أن صاحب صقلية النصرانى المتعصب  اطلق الأسرى من المسلمين لأنّ بينهم شريفا إكراما لهذا الشريف .[530]... نزعة استعلاء إختلطت بالانحلال ، لأن الاختلاط بالرجال وقتها كان يعنى الانحلال الخلقى .

هذا ، ومن الأمثال السائدة في العصر المملوكي : ( لا أصل شريف ولا وجه ظريف..) [532] واحترف أكثرهم التسول  [534]..

2 ــ وبالتالى كان أثرهم الاقتصادى سلبيا ، فلم يكونوا عنصرا منتجا ، بل حتى لم يقتصروا على التسول والحياة عالة على المجتمع بل كانوا عنصر شغب وفساد . وفى النهاية تم توطينهم فى مصر وصاروا جزءا من أهلها وعنصرا من نسيجها الاجتماعى والطبقى ..

 طوائف مهنية بأثر التصوف

هذه الطوائف أثرت سلبيا على الاقتصاد ، فقد تركت العمل وإحترفت البطالة و أحيانا البلطجة ، وصار لهم نفوذ فى الشارع ، وتنظيمات ورؤساء ، أرغمت الدولة على التدخل لكفّ فسادهم . وأهم هذه الطوائف :

 الجعيدية

1 ـ هم طائفة صوفية ظهرت في العصر المملوكي تحترف التسول كقيمة اجتماعية نشرها التصوف في المجتمع، حتى أصبح لقب الجعيدي علما على بعض الصوفية يطلقه على نفسه كما فعل المتبولي  [536]..وكالعادة ..ففى مصر : ( كل شىء يُنسى بعد حين ) و ( تعود ريمة الى عادتها القديمة ).

3 ــ وقد علا شأن بعض الجعيدية حتى تزعم الدهماء والعوام ( الحرافيش ) في وقته ،  فذكر ابن إياس أن الشيخ على الجعيدي ن 793 كان سلطان الحرافيش في عهده ، وكانت له عليهم (حُرمة وافرة ... فلم يخلفه بعده مثله ) [538] ...

الفقراء الطوافون

1 ــ ظهروا في نهاية العصر كمظهر لامتداد تيار التسول والتصوف فكانت طوائفهم تطوف على البيوت بزي التصوف تسأل الناس ، فعرفوا بالفقراء الطوافين ، واشتهروا بالإلحاح في السؤال مع القدرة على الكسب والتبطل .

2 ــ ومع ذلك فقد أجهد الشعراني نفسه في الدفاع عنهم، فطالب بألا ينكر عليهم احد لانهم ــ في زعمه ــ يريدون أن يحملوا عن الناس ذنوبهم وبلاءهم ، وأن العهود أخذت عليه ألا يمكّن احد من القول أنهم قادرون على الكسب لأن ذلك حجة في البخل . واعترف الشعراني أن احد الأولياء الصوفية كان منهم ( فكان يسأل ويتصنع السقوط حتى يظن من لا يعرفه أنه حشاش ) [540]  .

2 ــ وقد استمر الاعتماد عليهم بعد العصر المملوكي حيث يتقدم الجنازة طائفة من العميان في ثلاثة صفوف ينطقون بالشهادتين بطريقة خاصة...) [542] وقد عد من المنن عدم وجود أحد من الزوالق حوله . ونعرف عمل الزوالق من قول الشعرانى كأنه يشكو : ( وقلّ فقير إلا وحوله كل واحد يخلي له الإقليم.  ومن مفاسدهم انهم يُطرون ( أى يمدحون ) من يكونون حوله ويبالغون في تعظيمه ورفع مقامه على سائر فقراء بلده ، ويقبلون يده ورجله، ويقفون بين يديه كما يفعل بالأمراء ... ومن مفاسدهم  أيضا أنهم يؤذون من كان في صحبة شيخهم اذا اجتمع بغير شيخهم، وربما يضربونهم بالقباقيب والنعال ، ومنهم من يؤذي الناس بلسانهم ، ويبالغون في تعظيم شيخهم بحضرة من لا يعتقده .....  وهم في الولائم لا يميلون لسماع القرآن ، ويحبون الغناء . وربما قال أحدهم : ابطلوا القرآن واسمعونا ما يبسطنا ) [544] وقد وجدت هذه الطائفة فى البداية على نطاق ضيق، فالشيخ الكاتب أحد مشايخ الزيارة كان ( الجنيد ) أبرز رواد التصوف الأوائل يعظمه ، ومات الشيخ الكاتب بعد عام 340  [546] وتتردد أسماؤهم في كتابي المزارات (تحفة الأحباب) للسخاوي ، و(الكواكب السيارة) . وقد أورد فيه ابن الزيات بعض كراماتهم وحكاياتهم وأنهم كانوا يقومون بعملهم ليلا . وتابعه السخاوي فيما قاله  [548] ، وكما يبدو واضحا في الفصل الخاص بأثر التصوف فى  العمارة واهتمام المماليك بإنشائها ورعاية الصوفية فيها ، والوقف عليها بأرضى زراعية ومحلات تجارية وأملاكا عقارية ،كلها يتخصص ريعها فى الانفاق على تلك المؤسسات . ولم ينته حكم المماليك إلا وبلغ الأراضي الزراعية الموقوفة حوالى عشرة قراريط من 24 قيرطا ، أى حوالى نصف الأرض الزراعية  وكانت غالبية مباني القاهرة والفسطاط وقفا ، وقد كان المقريزي يشكك في صحة ملكية الأوقاف في عهده بسبب كثرتها .[550] . وانتقل الأمر من السلاطين والأمراء الى ذوى النفوذ الأقل شأنا ، فقد اشتهر جمال الدين الاستادار بذلك، وعاونه ابن العديم قاضي القضاة  وقتها ، واستولى هذا الاستادار على أوقاف كثيرة بحيلة الاستبدال ،واوقفها على خانقاته ، ومما يؤكد إصرار ابن العديم على خراب الأوقاف في مصر قوله لمن احتج عليه كثرة الاستبدال  : (إن عشت أنا والقاضي مجد الدين لا يبقى في بلدكم وقف ) [552] متأثرين بانحراف القضاة والفساد الذى شاع في العصر بتأثير التصوف...

3 ــ ولم يكن الاستبدال هو الطريق الوحيد . كانت هناك طرق أخرى  : كان الواقف يُرغم على الاشهاد على نفسه ــ في محنته ــ بأن أملاكه واوقافه من مال السلطان. وفي عهد برقوق استؤجرت الأوقاف بأقل من أجر مثلها فلجأ بعض مباشري الأوقاف إلى هدم العقارات الموقوفة بدل تعميرها ، وأحيانا كان يتم تعيين القاضي في مقابل أن يقرض السلطان من مال الأيتام الموقوف .

4 ـ وبمرور الزمن تلاشت كثير من الأوقاف ، ووضع آخرون يدهم عليها وتملكوها بحكم الواقع وتقادم السنين او بانقراض المستحقين او فقدان كتاب الوقف، مع إهمال القضاة في الإشراف على الأوقاف الموكل اليهم حفظها .[554]..

6 ـ ــ ثم أن هذه الأوقاف كانت سبب تعطل من وقف عليهم اعتمادا عليها ، فعاشوا بلا عمل عالة عليها  [556] ،  ويقول أبوالمحاسن عن إهمال القضاة للأوقاف : ( من شان القضاة عدم الالتفاف لعمارة الأوقاف والمدراس التى يكونون أنظارها . وما ادرى ما الذي يعتذرون به عن ذلك بين يدي الله عز وجل ؟.... وقد شاع ذلك في الأقطار عن قضاة زمننا، وصار غالب الناس اذا وقف على مدرسة أو رباط او زاوية أو غير ذلك يجعل النظر فيه حاجب او الداودار او الزمام ولا يجعله لمتعمم ) [558] ، والعيش الهنيء للصوفية في مصر داخل المؤسسات الصوفية يُغرى الحرفيين بترك الحرفة . بل إن بعض وثائق الوقف تتيح لتاركى الحرفة التوظيف فيها ليعيش عاطلا ، ففى وثيقة وقف مغلطاى الجمالى : ( ويرتب بها مع عشرين من الفقراء المتصفين بالخير والعيانة المتخليين عن الاكتساب ) [560].

بل كان بعض الشيوخ الصوفية يزينون لمن يجتمع بهم ترك الحرفة والانقطاع عوضا عنها بترديد اورادهم وأحزابهم وصلواتهم الصوفية . ويقول الشعرانى أن بعض الشيوخ كان (يأمر المريد ان يخلى دكانه ويعرض عن الدنيا ) [562]،

وفي الحوليات التاريخية نرى تأثر الكثيرين بدعوة الصوفية فترك الحرفة لمحبته في أهل الصلاح  [564] ، والغمري [566] .

وتسمى كثير من الصوفية بأسماء الحرف التي تركوها قبل الانخراط في التصوف مثل الحلاوي والسدار  [568] ، وقال الشيخ الحرار معللا تركه الحرفة (فلم أزل على حالتي اكب الحرير حتى قيل لي أن لم تتركه أعميناك ...)[570] ومكين الدين الأسمر ) [572] وبركات الخياط )[574] وعمر الوفائي الحائك والدميري )[576] والشيخ على القطناني )[578] أي أصبحوا عالة من الناحية الاقتصادية...

ــ وقد عاش بعض الصوفية في المؤسسات الخاصة بهم كموظفين ... والموظف لا يمكن ان يكون عنصرا منتجا خاصة إذا اتصل عمله بعمل الصوفية في الخوانق .

ونذكر هذا أن أن الصوفية بما نشروا من تواكل وخمول وبما مارسوه من وظائف في الخوانق والربط والزوايا قد غرسوا حب الوظيفة ، وهو نوع من الاستجداء الرسمي في عصرنا الحالي لا يختلف كثيرا عن التسول الصوفي .

ويقول المثل الشعبي (ان فاتك الميري اتمرغ في ترابه ) [580] وقد راجت تجارة الحمص في مولد البدوي وروى المقريزي والقلقشندي انه عد في طريق بين الفسطاط وجامع ابن طولون (أكثر من ثلثمائة وتسعين قدرا من للحمص المسلوق سوى المقاعد والحوانيت التي بها الحمص ) [582] وكان الشعراني أحيانا يقرن ذكر المولد بالتجارة فيقول مثلا عن مولد المليجي (يحصل فيه جمعة (اجتماع) كبيرة وتنفيق سلع للناس ) [584].

 وبالتصوف ومؤسساته تقدمت صناعات الرخام والمحاريب..

ة

[2]ــ لطائف المنن 344

[4]ــ وثيقة بيبرس الجاشتكير ..

[6]ــ تراجم مختلفة ترجمة القبارى في زبدة الفكر مخطوط 9 / 89 ، ترجمة نصر المنبجى في تاريخ ابن الوردى 2 / 368 ، ترجمة ابن سلطان في النجوم الزاهرة 15 / 542 ..

[8]ــ لطائف المنن 353 : 354  لواقح الأنوار 25 : 26 ، 133 ، 134 ، البحر المورود 130 ، 134 ، 72 ، 2731 ، 320

[10]ــلواقح الأنوار 105 ، 94 ، 106

[12]ــ البحر المورود 304

[14]ــ الضوء اللامع 1 / 41 : 42

[16]ــ البحر المورود 233 ، 237

[18]ــ ردع الفقراء 15

[20]ــ عبد الباسط بن خليل الروض الباسم .. مخطوط 3 / 171 حوادث 872

[22]ــ  المقريزى : إغاثة الأمة بكشف الغمة : 74 : 75

[24]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 99 : 100

[26]ــ ردع الفقراء للشعرانى صــ11  

[28]ــ لطائف المنن 176 ، المنن الصغرى مخطوط 50

[30]ــ لواقح الأنوار 193

[32]ــ لطائف المنن 6 ، 43

[34]ــ رسالة في مدعى الولاية 3 ، 6

[36]ــ الصفدى أعيان العصر 7 / 2 / 222 : 223

[38]ــ الطبقات الكبرى للمناوى مخطوط 264 ب

[40]ــ السلوك للمقريزي 1 / 2 / 572

[42]ــ الطبقات الكبرى للشوافى 2 / 116

[44]ــ النويري الإلمام مخطوط 2ر 78 : 79 ، تعطير الأنفاس 50 : 51

[46]ــ الأمثال الشعبية لتيمور 180 ، شعلان الشعب المصري 324

[48]ــ لطائف المنن للشعرانى 233 ، 236

[50]ــ رحلة ابن بطوطة : 1 : 13 ، 14 ، 16 ، 17 ، 18 ، 26

[52]الدرر الكامنة 4 / 82 ، الصفدى الوافى بالوفيات 3 / 372 : 373 ، شذرات الذهب 6 / 116

[54]ــ تذكرة النبيه 1ر 207

[56]ــ إنباء الغمر 2ر 33

[58]ــ معيد النعم : 171

[60]ــ الطبقات الكبرى 2ر 161

[62]ــ شذرات الذهب 8ر 165 : 166 ، 7ر 167 / 168 ، 1596 بالترتيب

[64]ــ لواقح الأنوار 60 ، 61

[66]ــ لطائف المنن 170

[68]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2ر 93 : 94

[70]ــ السلوك 3ر 2ر 823

[72]ــ لطائف المنن 500

[74]ــ انباء الغمر 2ر 114

[76]ــ لطائف المنن 501

[78]ــ لواقح الأنوار 70ر 71

[80]ــ النويري 29ر 51 .. مخطوط.  تاريخ ابن الفرات 8ر 101

[82]ــ ابن ايبك سيرة الناصر 79 .. زتيرشين تاريخ السلاطين المماليك 106

[84]ــ ابو المحاسن :  النجوم الزاهرة 15 / 424 ، السخاوى : التبر المسبوك 311   ..

[86]ــ الضوء اللامع 1 / 181 ..

[88]ــالطالع السعيد 377 :

 89ـ الدرر الكامنة  4 / 373

[90]ــ بيبرس الداودار زبدة الفكرة 9 / 329 ورقة (1) ..

[92]ــ الغزى : الكواكب السائرة 1 / 258

[94]ــ الطبقات الكبرى 2 / 115

[96]ــ تاريخ ابن الفرات 9 / 2 / 288

[98]ــ نفس المرجع 2 / 331

[100]ــ لطائف المنن لابن عطاء : 131

[102]ــ التفتانزانى  ابن عطاء : 49

[104]ــ انباء الغمر 3 / 36

[106]ــ النفحات الأحمدية 175

[108]ــ الشعرانى .. قواعد الصوفية 1 / 174

[110]ــ  لطائف المنن    388

[112]ــ لواقح الأنوار 102

[114]ــ لطائف المنن 396 ، 405 ، 424 ، 426

[116]ــ الجواهر والدرر 170

[118]ــ المدخل 2 / 152

[120]ــ عبد الصمد .. الجواهر : 77 ، 82 ، 83 ، 69 .. النصحية العلوية 35 وما بعدها  ـ الكواكب السيارة 225 ، 291 ، مناقب الحنفى 256 ، 257 ، 410 412 ، لطائف المنن 293 مناقب الوفائية 66 : 67 .

[122]ــ تعطير الأنفاس 203 ، 204 ، الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 9  ،

[124]ــ الجواهر والدرر 271 : 272

[126]ــ ابن تيمية : مجموعة الرسائل والمسائل 1 / 70

[128]ــ لواقح الأنوار 173 : 174 ، البحر المورود 271 ، لطائف المنن 383

[130]ــ قواعد الصوفية 1 / 164

[132]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 90

[134]ــ خطط المقريزي 1 / 79

[136]ــ المدخل 2 / 191

[138]ــ مناقب الحفنى 228

[140]ــ انباء الغمر 3 / 54 : 55

[142]ــ التنوير 62 وما بعدها

[144]ــ آداب العبودية 34 ، صحبة الأخيار 97 ..

[146]ــ السيوطى مقدمة رسالته حصول الرفق بأصول الرزق .. مخطوط ضمن مجموعة 209 تيمور بدار الكتب

[148]ــ النويري الإلمام مجلد لوحات 198 : 199 ، 285 : 288

[150]ــ شعلان .. الشعب المصرى في أمثاله العلمية 171

[152]ــ الشعراني تنبيه المغترين  127 ، 131 ، 308

[154]ــ السيوطى : بشرى الكئيب في لقاء الحبيب : خاصة من ص 3 : ص 12

[156]ــ درر الغواص : 75

[158]ــ تاج العروس 71 .. الحكم العطائية 462

[160]ــ البحر المورود 23 ، 24

[162]ــ كلوت بك : لمحة عامة 1 / 552

[164]ــ التبر المسبوك 302 وانظر المنهل الصافى 2 / 405

[166]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2 /  130

[168]ــ الكواكب السيارة 294

[170]ــ مناقب المنوفى مخطوط ورقة 20

[172]ــ الكواكب السيارة 207 ، 244 ، 245

[174]ــ الكواكب السيارة 233

[176]ــ الكواكب السيارة 197 ، تحفة الحباب 329

[178]ــ الكواكب السيارة  291

[180]ــ حياة الحيوان للدميري  2 / 213 ، 1 ــ 1874 ، 43

[182]ــ بلوغ المأرب مخطوط

[184]ــ حياة الحيوان 2 / 39 ، المستطرف 2 / 114

[186]ــ الأمثال الشعبية تيمور 212

[188]ــ """   """""   """    """"

[190]ــ الطبقات الكبرى 2 / 144

[192]ــ روض الرياحين 216

[194]ــ لطائف المنن  ـ8 22

[196]ــ الكواكب السيارة 164 ، تحفة الأحباب 394 ، التبر المسبوك 370

[198]ــ لواقح الأنوار 116 ، لطائف المنن 31

[200]ــ أحكام الجان مخطوط بالدار رقم 2412 تاريخ ص 47، 58 ، 59 ، 62 ، 64 ، 74 ، 75 ، 79 وما بعدها ..

[202]ــ الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 85 ، حياة الحيوان 1 / 214 : 215

[204]ــ المدخل 2 / 209

[206]ــ الجوبرى : المختار في كشف الأسرار 20 : 280

[208]ــ تاريخ ابن الفرات 8 / 56

[210]ــ التبر المسبوك 83

[212]ــ تاريخ ابن اياس 2 / 206

[214]ــ روض الرياحين 154

[216]ــ الكواكب السيارة  182

[218]ــ لطائف المنن 507

[220]ــ النجوم الزاهرة 15 / 331 ، تاريخ ابن اياس 2 / 219 تحقيق مصطفى

[222]ــ التبر المسبوك 209 ، تاريخ ابن اياس 2 / 263 ، 264 تحقيق مصطفى

[224]ــ حل لغز الماء . مخطوط ورقة 75 : 76

[226]ــ السلوك 4 / 3 / 1140

[228]ــ تاريخ ابن اياس 2 / 282

[230]ــ السلوك 3 / 2 / 562 ...   ابن اياس   : 1 / 2 / 382  تحقيق محمد مصطفى

[232]ــ خطط المقريزي 4 / 117 ، 118

[234]ــ النجوم الزاهرة 15 / 99 ، 16 / 125 ، السلوك 4 / 139 : 40 ، تاريخ ابن اياس : 2 / 87 ، 395

[236]ــ تاريخ ابن اياس 2 / 447 ، 4 / 314 ، 419

[238]ــ السلوك 4 / 1 / 199 ، النجوم 13 / 137 ، 141 ، أنباء الغمر 2 / 506

[240]ــ تاريخ ابن اياس 4 / 419 ، 33 ، 336

[242]ــ الإلمام للنويري مخطوط 1 / 168 ، تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 115 ، 2 / 7

[244]ــ لمحة عامة إلى مصر 2 / 91

[246]ــ حوادث الدهور 3 / 534 ، 1 / 154

[248]ــ ابن اياس 2 / 398

[250]ــ تكسير الأحجار مخطوط ورقة 156

[252]ــ نزهة النفوس مخطوط 144

[254]ــ فتوح النصر مخطوط 2 / 159

[256]ــ تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 694 : 650

[258]ــ حوادث الدهور 2 / 270

[260]ــ السلوك 4 / 2 / 918 : 919

[262]ــ المقريزي الخطط 2 / 196 : 197 

[264]ــ تاريخ ابن طولون 2 / 22

[266]ــ ابن تيمية مجموعة الرسائل والمسائل 1 / 141 ، النويري : الإلمام مخطوط 1 / 136 : 137

[268]ــ النجوم  الزاهرة 13 / 136 ،     

[270]ــ النجوم  الزاهرة 16 / 298

[272]ــ تاريخ ابن اياس  1 / 425 ، 427 ، 428 ، 619

[274]ــ قاموس العادات والتقاليد 70 ،   171

الأمثال الشعبية لتيمور 131 ، 135 ، 136 ، 213 ، 306 ، 309 ، 384 ، وما بعدها  ، 405 ، 417 ، 436 ...الخ ..

[276]ــ المدخل لابن الحاج 1 / 159

[278]ــ ابن أيبك الداود سيرة الناصر

[280]ــ مناقب الوفائية 15

[282]ــ السياسة الأسبوعية عدد 89 سنة 1927 ص 11

[284]ــ لطائف المنن للشعراني 255

[286]ــ دائرة المعارف الإسلامية 9 / 238

[288]ــ الطبقات الكبرى 2 / 172

[290]ــ البحر المورود 114

[292]ــ تاريخ ابن اياس 2 /  340  : 342 ،  :    طـ بولاق

[294]ــ النجوم الزاهرة 16 / 274 ، 283

[296]ــ لطائف المنن 562 ، 480

[298]ــ المدخل 1 / 154 ، 164

[300]ــ  لطائف المنن 481 

[302]ــ لطائف المنن  563 ، 481 ، 251

[304]ــ تلبيس إبليس 206

[306]ــ الجواهر والدرر 44 2

[308]ــ ابن عطاء ، لطائف المنن 124 ، 125

[310]ــ لطائف المنن للشعراني 195

[312]ــ لطائف المنن 282 ، 332 وتناقض بين الدعوة لإجابة الوليمة أو رفضها : المنن الصغرى مخطوط 37 ، 41 لطائف المنن 192 ، 224 ، البحر المورود 104 ، 115 ، 248 لواقح الأنوار 3 7 ، 374

[314]ــ لطائف المنن 196

[316]ــ قواعد الصوفية 1 / 128

[318]ــ لطائف المنن للشعرانى 224

[320]ــ البحر المورود 104 : 105

[322]ــ السلوك 1 / 2 / 648 : 649 ، تاريخ ابن الفرات 7 / 115

[324]ــ البحر المورود 105 : 106

[326]ــ الكواكب السائرة 1 / 14 : 15

[328]ــ المدخل 1 /   91

[330]ــ لطائف المنن 326

[332]ــ لطائف المنن 251

[334]ــ لطائف المنن 195 : 196

[336]ــ تيمور 368 ، 361

[338]ــ الكواكب السيارة  495

[340]ــ السيوطى عمل اليوم والليلة مخطوط 145 : 146

[342]ــ أنباء الغمر 2 / 274

[344]ــ الكواكب السيارة 204

[346]ــ النويري الإلمام مخطوط 1 / 226

[348]ــ تحفة الأحباب 30 ، 345

[350]ــ تحفة الأحباب 4 / 214

[352]ــ تحفة الأحباب 405

[354]ــ الكواكب السيارة 294

[356]ــ الكواكب السيارة 17 ، تحفة الأحباب

[358]ــ الكواكب السيارة 189 ، 297 ، تحفة الأحباب 413

[360]ــ """""    """"      """    """"     """

[362]ــ الكواكب السيارة 281 ، تحفة الأحباب 413

[364]ــ 143 ، 231 الكواكب السيارة

[366]ــ رحلة العلوى مخطوط ورقة 60 ب

[368]ــ المدخل 1 / 151 ، 160 ، 161

[370]ــ تحفة الأحباب 35

[372]ــ عقد الجمان حوادث سنة 822 لوحة 485

[374]ــ تاريخ مرعى الحنبلى مخطوط 92

[376]ــ حوادث الدهور 2 / 208 ، 234

[378]ــ وثيقة الزيني يحيي الأستادار

[380]ــ الطبقات الصغرى للشعراني 50 ، 51

[382]ــ الطبقات الكبرى 2 / 112

[384]ــ الطبقات الكبرى للمناوى 283 ب مخطوط

[386]ــ الشعب المصري في امثاله العامية 271 لشعلان

[388]ــ ابن اياس 4 / 80 ، 85 ، النجوم الزاهرة 15 ، 306 ، 446 ، 447 ، انباء الغمر 3 / 93 الهصر 47 ، التبرالمسبوك  268 ، الضوء اللامع 2 / 275 وغير ذلك

[390]ــ مناقب الوفائية مخطوط ورقة 86

[392]ــ قاموس العادات 322

[394]ــ تاريخ ابن الفرات 9 / 1 / 3 ، تاريخ ابن اياس 1 /  2 / 693

[396]ــ التبر المسبوك 393

[398]ــ الضوء اللامع 4 / 41

[400]ــ خطط المقريزي 29 ص 516  وما بعدها طبعة دار الشعب

[402]ــ التبر المسبوك 218

[404]ــ التبر المسبوك 266

[406]ــ تلبيس إبليس 198

[408]ــ مناقب الحنفى مخطوط في مواضع متفرقة 185 ، 189 ، 221 ، 227 ... إلخ ..

[410]ــ السيوطى : حسن المحاضرة 2 / 134

[412]ــ النجوم الزاهرة 15 / 458

[414]ــ النجوم الزاهرة 15 / 487 ، 50 ، 16 ، 6 ، 85

[416]ــ النجوم الزاهرة 15 / 14

[418]ــ القلقشندى : صبح الأعشى 4 / 42

[420]ــ الدرر الكامنة 3 / 94

[422]ــ مناقب الحنفى مخطوط 98

[424]ــ النجوم الزاهرة 15 / 134

[426]ــ نزهة النفوس 1 / 335

[428]ــ الشربينى : هز القحوف 2 / 115 طــ بولاق

[430]ــ خطط المقريزي 2 / 96

[432]ــ الغزى : الكواكب 1 / 114 ، شذرات الذهب 8 / 39 : 40 ، طبقات الشاذلية 133

[434]ــ البحر المورود 266

[436]ــ كلوت بك لمحة عامة على مصر 2 / 14

[438]ــ التبر المسبوك 24 ، حوادث الدهور 1 / 138

[440]ــ ذيل ابن العراقي مخطوط ورقة 247

[442]ــ أنباء الغمر 1 / 483

[444]ــ الأمثال الشعبية لتيمور 413 طـ 1

[446]ــ عبد الصمد : الجواهر 72

[448]ــ شعلان الشعب المصري في أمثاله 1729

[450]ــ الأدفوى : الطالع السعيد 179  ، الوافى بالوفيات 2 / 307

[452]ــ الطالع السعيد 281 ، تاريخ ابن الفرات 8 / 164 ، الوافي بالوفيات 2 / 371

[454]ــ الطالع السعيد 361 : 363

[456]ــ الطالع السعيد 79 ، حسن المحاضرة 1 / 238

[458]ــ تحفة الأحباب 391

[460]السلوك 2 / 1 / 212

[462]ــ شذرات الذهب 6 / 206 ، الدرر الكامنة 1 / 279

[464]ــ انباء الغمر 2 /  370 

[466]ــ الطالع السعيد 252

[468]ــ الطالع السعيد 27 ، 28

[470]ــ الضوء اللامع 1 / 14

[472]ــ تنبيه المغترين 16

[474]ــ لطائف المنن 288

[476]ــ المقدمة 110 ، 111

[478]ــ ابن عطاء : لطائف المنن 111

[480]ــ لطائف المنن 189 / 190 ، البحر المورود 185

[482]ــ من الصعب حصرهم في المراجع وعلى سبيل المثال نذكر المنهل الصافي 3 / 187 ، النجوم الزاهرة 11 /  138 ، 16 / 177 ، 195 ، 13/، 18 ، تاريخ ابن اياس 2 / 211 طــ بولاق ، انباء الغمر 3 / 261 ، 3 / 153 ،  1 / 59 ... إلخ

[484]ــ الدرر الكامنة 1 / 297 : 298

[486]ــ تاريخ ابن الفرات 9 / 2 /  418

[488]ــ الضوء اللامع 1 / 373

[490]ــ أنباء الغمر 2 / 117، التبر المسبوك  246 ، 247

[492]ــ النجوم 16 / 328 ، تاريخ ابن اياس 2 / 413 تحقيق محمد مصطفى

[494]ــ تاريخ ابن اياس 2 / 218 طـ بولاق ،     الضوء اللامع 4 / 247 ، روض الرياحين 203 ، الغزى الكواكب 1 / 87

[496]ــ رحلة  تافور 3 / 64 ، المدخل لابن الحاج 2 / 203 ، 206 ، الطبقات الكبرى للمناوى 388 ، الضوء اللامع 2 / 266

[498]ــ إنباء الغمر 1 / 480  الطبقات الكبرى للشعرانى 2 / 129 ، 160

[500]ــ  المنهل الصافى 4 / 94  

[502]ــ تحفة الأحباب 196 . الكواكب السيارة 74

[504]ــ الأمثال الشعبية  تيمور 179

[506]ــ رفع الأصر لابن حجر 347 : 348

[508]ــ الكواكب السيارة 299 ، 300

[510]ــ السلوك 4 / 2 / 833

[512]ــ تاريخ ابن طولون 2 / 27

[514]ــ خطط المقريزي 4 / 209

[516]ــ تاريخ الجزرى 1 / 54

[518]ــ فوات الوفيات 1 / 102

[520]ــ السلوك 3 / 1 / 206  حوادث 774 ، تاريخ ابن اياس 1  / 2 / 113 ، 114

[522]ــ تاريخ ابن اياس 4 / 260  حوادث 918

[524]ــ النجوم 11 / 120  ، تاريخ الخلفاء لابن حجر الهيئي  130  ت السلوك 3 / 1 / 199

[526]ــ تاريخ ابن اياس 2 / 271 : تحقيق محمد مصطفى

[528]ــ مذكور في حياة الحيوان للدميري 2 / 18

[530]ــ المدخل 3 / 86

[532]ــ رحلة ابن بطوطة 1 / 20

[534]ــ منها مثلا في حوادث 801 : السلوك 3 / 3 / 962 ، حوادث 803 : انباء الغمر 2 / 144 ، حوادث 821 : انباء الغمر 3 / 155 ، حوادث 844 : السلوك 4 / 3 / 1206

[536]ــ نزهة النفوس مخطوط حوادث 841 ورقة 118 ب ، النجوم الزاهرة 15 / 97 : 98 ، تاريخ ابن اياس 2 / 184 تحقيق محمد مصطفى

[538]ــ احمد أمين قاموس العادات والتقاليد  137

[540]ــ المدخل 3 / 13 ، أيضا 2 / 50 ، 51

[542]ــ تنبيه المغترين 249

[544]ــ التبر المسبوك 403

[546]ــ الكواكب السيارة 81 ، 84 ، 106 ، 127

[548]ــ عبد اللطيف إبراهيم : رسالة في الدكتوراة  124

[550]ــ كيلانى : مقدمة ديوان البوصيري

[552]ــ د محمد أمين : الأوقاف في العصر المملوكى 480 : 488 ، 469 : 477 ، 381

[554]ــ أحمد امين : قاموس العادات والتقاليد 76 ، رسالة الأوقاف 361 : 370

[556]ــ إنباء الغمر مخطوط 886 ،  887، السلوك 4 / 2 / ،  939 ، النجوم الزاهرة 15 / 57 : 58

[558]ــ المدخل 1 / 39

[560]ــ الشعرانى العهود المحمدية 65

[562]ــ الكواكب السيارة 137 ، 252 ، تحفة الأحباب 377 ، 378

[564]ــ تاريخ الجزرى مخطوط 3 / 62

[566]ــ التبر المسبوك 136 ، 85 ، مناقب الحنفى 44

[568]ــ النجوم 11 / 385 ، السلوك 3 / 2 / 685

[570]ــ إنباء الغمر 203

[572]ــ الدرر الكامنة 4 / 107

[574]ــ التبر المسبوك 136

[576]ــ ذيل الدرر الكامنة مخطوط 9203

[578]ــ لطائف المنن 339

[580]ــ النفحات الأحمدية 264

[582]ــ أمثال تيمور ورقة 389

[584]ــ التبر المسبوك 302

الخاتمة

كتاب : أثر التصوف  الثقافى والمعمارى والاجتماعى فى مصر المملوكية

  الخاتمة  

1 ـ تأثير التصوف سلبى إجمالا فى مصر المملوكية ثقافيا وإجتماعيا ، وإن إزدهرت به المنشئات المعمارية والتى لا تزال حتى الآن شاهدا على روعة المعمار المملوكى .

2 ــ ونكرر أن هذا البحث كان رائدا فى  مجاله فى بحث أثر التصوف فى مصر المملوكية،  والذى شمل شتى مناحى الحياة المملوكية من دينية وسياسية وثقافية واجتماعية ..الخ . وبالتالى فإن معظم النقاط التى تعرض لها البحث تصلح موضوعات مستقلة فى بحوث الدراسات العليا . 

3ـ وبقيت موضوعات أخرى لم يتم نشرها ، وتحتاج الى مراجعة ، منها أثر التصوف فى بعث وإسترجاع العقائد الفرعونية القديمة فى العصر المملوكى ، وتأثر التصوف المملوكى بالمسيحية ، وموضوعات متنوعة عن ( الخضر ) و ( المجاذيب ) و( العشق الصوفى ) ودراسات تحليلية لأهم المصادر الصوفية.   ولكن نتوقف الآن عن نشر المزيد من موسوعة التصوف ، لنلتفت الى أبحاث أخرى ننشرها ، نراها الآن أكثر أهمية .

4 ــ والله جل وعلا هو وحده المستعان .