( رمضان والصيام بين الاسلام والدين السنى ) دراسة أصولية تاريخية
المقدمة والفهرس
المقدمة
فى ظروف سيئة تعرض موقعنا ( أهل القرآن ) للتدمير ، وإستعدناه بصعوبة ، وقضينا وقتا فى علاج آثار التدمير فيه . وقتها كان نشر مقالات كتاب الصيام . وبسبب مأثارته فقد دارت مناقشات ، وكنت أرد على التساؤلات . ونشرت مقالات الكتاب كما هى على عجل ، فى باب المؤلفات فى الموقع . ونسيت أن أبعث به الى أخى الحبيب الاستاذ أمين رفعت الذى ينشر مؤلفاتى فى موقع خاص بكتبى . جاءته وجاءتنى أسئلة من بعض الأحبة تسال عن الكتاب . رجعت اليه فوجدته محتاجا الى إعادة تنظيم وترتيب وتنقيح . إستغرقت وقتا فى هذا ، والآن أنشره تباعا بعون الرحمن جل وعلا ، بابوابه الثلاثة وفصولها ، وقد أضفت له خاتمة عن رمضان فى هذا العام .
كل عام وأنتم بخير
الجمعة 8 مارس 2024 .
فهرس الكتاب
الباب الأول :
رمضان والصيام إسلاميا :
الفصل الأول :
عن رمضان ( جزءان )
الجزء الأول : شهر رمضان بالتقويم القمرى
المقال الأول : مقدمة
المقال الثانى : تمهيد
المقال الثالث : التقويم القمرى أساس العبادات الاسلامية،ومنها صيام رمضان
المقال الرابع
رمضان فى التاريخ الواقعى للمسلمين
الجزء الثانى :
ثم أتموا الصيام الى الليل ( الإفطار بغروب الشمس )
الفصل الثانى : ( جزءان )
الجزء الأول :
الصيام فى الاسلام :
آيات تشريع الصوم فى سورة البقرة
المقال الأول
المقال الثانى :
مزيد من التدبر
المقال الثالث
ومزيد من التدبر
المقال الرابع
نقاشات
الجزء الثانى :
ليس من تشريع الاسلام فى الصيام
المقال الأول :
التدخين ليس حراما ولا يفطر الصائم رغم أنف السنيين
المقال الثانى :
إسلاميا : لا يجوز عقاب من يفطر علنا فى رمضان
الباب الثانى :
الصيام ورمضان فى الدين السنى
الفصل الأول :
ذلك الحديث الكاذب الملعون : صوموا لرؤيته
مقدمة
التربة التاريخية التى أنبتت حديث ( صوموا لرؤيته )
أحاديث عبد الكريم (الوضاع ) فى الأسفار السنية المقدسة
لمحة تاريخية عن الفساد المترتب على حديث (صوموا لرؤيته )
( أولا : الاختلاف فى تحديد أول رمضان ونهايته ، وتفرق المسلمين بين الافطار والصوم فيه / ثانيا : الفساد فى عودة النسىء في الأشهر العربية )
الفصل الثانى
تشريعات الصيام فى الدين السنى : ( مقدمة ـ الثرثرة والتغليظ والتحليل والتحريم )
الباب الثالث :
لمحة عن رمضان فى التاريخ
الفصل الأول :
رمضان بين سطور التاريخ
المقال الأول :
غرائب وقعت في رمضان
المقال الثانى
بعض أعمال للخير فى رمضان .. زمان
المقال الثالث :
نطلب رأى الصائمين فى هذه الحكاية
المقال الرابع :
دجال يخدع السلطان
المقال الخامس
الإحتكار في رمضان
المقال السادس
السخرة فى رمضان
المقال السابع
صوم حواء فى مصر المملوكية
المقال الثامن
تجارة العملة فى رمضان المملوكى
المقال التاسع
حفل ليلة القدر فى الحرم المكى عام 479 هـ
المقال العاشر
مجاعة فى رمضان سنة 595هـ في مصر الأيوبية
المقال الحادى عشر
أوبئة حدثت في رمضان
المقال الثانى عشر
الغلاء في أسعـــار رمضان
المقال الثالث عشر
ملامح من رمضان فى عصر قايتباى
المقال الرابع عشر
ذنوب في رمضان ـ وزلزال في ذي الحجة
المقال الخامس عشر
رمضان فى العصر الفاطمي
الفصل الثانى :
يوميات رمضان : حدث فى أيام رمضان فى تاريخ المسلمين
أول رمضان :
اليوم أول رمضان 1430هـ .ماذا حدث في أول رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث يوم 2 رمضان
اليوم ثانى رمضان 1430هـ .ماذا حدث في 2 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
اليوم 3 رمضان 1430هـ .ماذا حدث في 3 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث يوم 3 رمضان
اليوم 4 رمضان 1430هـ .ماذا حدث في 4 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
اليوم 5 رمضان 1430هـ .ماذا حدث في 5 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث يوم 5 رمضان
اليوم 6 رمضان 1430هـ .ماذا حدث في 6 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث يوم 6 رمضان
اليوم 7 رمضان 1430هـ .ماذا حدث في 7 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث يوم 7 رمضان
اليوم8 رمضان 1430هـ .ماذا حدث في 8 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث في يوم 8 رمضان
اليوم 9 رمضان 1430هـ .ماذا حدث في 9 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث في يوم 9 رمضان
اليوم10 رمضان 1430هـ .ماذا حدث في 10 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث يوم 10 رمضان
اليوم 11 رمضان 1430هـ .ماذا حدث في 11 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث يوم 11 رمضان
اليوم ثانى عشر رمضان 1430هـ .ماذا حدث في 12 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث في يوم 12 رمضان
اليوم 13 رمضان 1430هـ .ماذا حدث في 13 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث يوم 13 رمضان
اليوم 14 رمضان 1430هـ .ماذا حدث في 14 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث في 14 رمضان
اليوم 15 رمضان 1430هـ .ماذا حدث في 15 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث في 15 رمضان
اليوم 16 رمضان 1430هـ .ماذا حدث في 16 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث في 16 رمضان
اليوم 17 رمضان 1430هـ .ماذا حدث في 17 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث في يوم 17 رمضان
اليوم18 رمضان 1430هـ .ماذا حدث في 18 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث في يوم 18 رمضان
اليوم 19 رمضان 1430هـ .ماذا حدث في 19 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث يوم 19 رمضان
اليوم 20 رمضان 1430 هـ
ماذا حدث يوم 20 رمضان في تاريخ أجدادنا ؟
اليوم 21 رمضان 1430 هـ
ماذا حدث يوم 21 رمضان في تاريخ أجدادنا ؟
اليوم 22 رمضان 1430 هـ
ماذا حدث يوم 22 رمضان في تاريخ أجدادنا ؟
اليوم 23 رمضان 1430 هـ
ماذا حدث في يوم 23 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
اليوم 24 رمضان 1430 هـ
ماذا حدث يوم 24 رمضان في تاريخ أجدادنا ؟
اليوم 25 رمضان 1430 هـ
ماذا حدث يوم 25 رمضان في تاريخ أجدادنا ؟
اليوم 26 رمضان 1430
ماذا حدث يوم 26 رمضان في تاريخ أجدادنا
اليوم 27 رمضان 1430 هـ
ماذا حدث يوم 27 رمضان في تاريخ أجدادنا ؟
اليوم 28 رمضان 1430 هـ
ماذا حدث يوم 28 رمضان في تاريخ أجدادنا
اليوم 29 رمضان 1430 هـ
ماذا حدث يوم 29 رمضان في تاريخ أجدادنا؟
اليوم 30 رمضان 1430 هـ
ماذا حدث يوم 30 رمضان في تاريخ أجدادنا ؟
الخاتمة
ب 1 ، ف 1 ، ج 1 : شهر رمضان بالتقويم القمرى : ( أربع مقالات )
ب 1 ، ف 1 ، ج 1 : شهر رمضان بالتقويم القمرى : ( أربع مقالات )
كتاب ( رمضان والصيام بين الاسلام والدين السنى )
الباب الأول : رمضان والصيام إسلاميا
الفصل الأول : عن رمضان ( جزءان )
الجزء الأول : شهر رمضان بالتقويم القمرى : ( أربع مقالات )
المقال الأول :
1 ـ بعد الصحوة التى اسسها أهل القرآن ، وبعد أن ألقينا أحجارا فى بركة التفكير الراكدة الآسنة تجرأ كثيرون على نقد الموروث والمتواتر ، ما كان منه صحيحا أو باطلا . وتجرأ كثيرون على البحث فى القرآن الكريم بلا إستعداد أو تأهيل فكرى ، يدخلون عليه بأهوائهم ، فمن يريد جعل الصلاة ثلاثة أو إثنتين ينتقى من الآيات ما يريد ، ومن لايعجبه تشريع عقوبة السارق يستشهد بآيات قرآنية يرد فيها مصطلح ( قطع ) بإسلوب المجاز جاهلا أن آيات التشريع تأتى بأسلوب علمى محدد لا مجاز فيه ، ومثله من يرفض تشريع ( فاضربوهن )، ومن يريد تعطيل الصيام يشكك فى التقويم القمرى ،. من هنا إستمرت ( فوازير رمضان ) أو( اساطير رمضان ) بفضل الفقهاء الجدد.
2 ـ إذ ظهرت مقولات حديثة تشكك فى التقويم القمرى والذى على أساسه يتم حساب شهر رمضان والأشهر الحُرُم وما كان يحدث من نسىء . ويصل القارىء المقتنع بهذا ــ الى الشك فى أن رمضان الذى نصومه ليس رمضان الحقيقى . هذه مقولات خاطئة تماما . ولو إفترضنا ــ جدلا ــ صحة هذه المقولات وإنه على سبيل الافتراض أن الناس صاموا شهر رجب على أنه شهر رمضان ، فالمستفاد مما سبق أن الله جل وعلا الغفور الرحيم لن يؤاخذهم ، طالما يصومون إبتغاء وجه الرحمن جل وعلا . ولكن نتوقف فى لمحة للرد على هذه المزاعم :
ثانيا :
1 ــ قبل نزول القرآن الكريم بقرون كانت الحضارات القديمة تعرف التقويم الفلكى؛ القمرى والشمسى ، من الصين شرقا الى حضارة المايا فى أمريكا الجنوبية ، وما بينهما من حضارات الهند والعراق وايران والمصريين القدماء . ولم يكن العرب قبل الاسلام بعيدين عن هذه المعرفة ، بل كانوا يؤدون على أساس التقويم القمرى فريضة الحج كل عام فى الأشهر الحُرُم الأربعة ، والله جل وعلا عندما تكلم عن فريضة الحج كأحد معالم ملة ابراهيم قال : ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) البقرة197 ) . قال جل وعلا (أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ) ، لم يذكرها جل وعلا لأنها بالنسبة لهم (أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ). كانت معلومة بالنسبة لهم ، ويتجلى هذا فى سؤالهم عن مشروعية القتال فى الشهر الحرام : (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ) البقرة 217 ).
2 ـ وفى تشريع خاص بزمانه ومكانه أعطى رب العزة مُهلة الأشهر الأربعة الحُرُم للمشركين الكافرين المعتدين على البيت الحرام بعد فتح مكة ، وكان أولئك المعتدون قد نقضوا العهود ، وهمُّوا بإخراج الرسول من مكة ، وهى تفصيلات قرآنية تشير لأحداث هائلة أهملتها سيرة ابن اسحق ، وهو أول من كتب السيرة للخليفة المهدى العباسى ، وتناقض فيما كتب مع ما جاء عن سيرة النبى والمؤمنين ومن حوله فى القرآن الكريم ، وتجاهل الكثير من الوقائع تقربا للعباسيين الذين كان جدهم ( العباس ) مشركا قائما بسقاية الحاج ، ونزل فيه قوله جل وعلا : (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) التوبة ) . يهمنا هنا الانذار الذى وجهه رب العزة جل وعلا للمشركين المعتدين ، قال جل وعلا : ( فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ)التوبة 2:(فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)التوبة 5). ونفهم منه ـ بعد تلاعب المحمديين بالأشهر الحرم ــ أن الأشهر الحرام تبدأ بإفتتاح موسم الحج فى أول شهر ذى الحجة ثم تتتابع الى نهاية الشهر الرابع : ربيع الأول . صحابة الفتوحات بزعامة ابى بكر وعمر وعثمان إستحلوا الأشهر الحرم وقاموا فيها بفتوحاتهم الظالمة المناقضة للاسلام ، وبعدها صارت سُنّة سيئة للمحمديين نسيان الأشهر الحرم وإستحلال الاقتتال فيها وفى غيرها . العرب فى الجاهلية كانوا أقل سوءا ، مع معرفتهم بالأشهر الحُرُم كان يقومون فقط بالنسىء ، يستحلون شهرا منها ويستبدلونه بشهر آخر من بقية الأشهر ، وهذا هو زيادة فى الكفر كما قال جل وعلا ( التوبة 37 ) ، ولكن نستفيد منه معرفتهم بمطالع الشهور القمرية والتقويم القمرى.
3 ـ وفى التأكيد على معرفتهم بالتقويم القمرى نذكر أن من تشريعات االقرآن الكريم ما جاء منها مرتبطا بالشهر القمرى المتعارف عليه ، مثل الايلاء ( البقرة 226 ) وعدة الأرملة ( البقرة 234 ) وعدة المطلقة ( الطلاق 4 ) وكفارة الظهار ( المجادلة 4 ) . ونفس الحال فى شهر رمضان بقوله جل وعلا : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) البقرة 185 ) . هنا خطاب لأناس يعرفون ما هو شهر رمضان وما هو الصيام .
4 ــ ولقد سألوا النبى محمدا عليه السلام عن الأهلة ( جمع هلال ) وكالعادة لم يبادر عليه السلام بالاجابة ، بل إنتظر حتى تأتى الاجابة من رب العزة ، ونزل قوله جل وعلا : ( يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ )(189) البقرة )، جاءت الاجابة بما هو معروف للعرب الذين يتبعون التقويم القمرى ويتعرفون على مقدم الشهر القمرى من رؤية الهلال فى سماء صحرائهم الصافية. جاءت الاجابة بأن ( الأهلة ) هى ( مواقيت للناس) أى فى تحديد الأشهر وفى تحديد بداية شهور ( الحج ).
5 ــ فى القرآن الكريم إشارات للتقويمين الشمسى والقمرى ، فالله جل وعلا يقول : ( فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) الانعام ). الشمس والقمر ( حسبانا ) أى بدوار القمر حول الأرض وبطواف الأرض حول الشمس يكون الحساب للشهور والسنين، بالتقويم القمرى وبالتقويم الشمسى .
هذا خطاب خوطب به العرب وقت نزول القرآن الكريم ، وهم الذين كانوا يعلمون الاهتداء بالنجوم فى أسفارهم وصحرائهم وسمائهم الصافية ، يقول جل وعلا يخاطبهم بما يعلمون فى الآية التالية : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) الانعام ) ويكرر ذلك ويؤكده (وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) النحل ). بل يقول رب العزة يخاطب خاتم النبيين عليهم جميعا السلام : (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49) الطور ) أى يأمره بالتسبيح بالليل وحين تدبر اى تختفى النجوم ، أى يخاطبه بثقافة معروفة فى عصره ، ثقافة تتعامل ـ ليس فقط مع التقويم القمرى ـ بل مع النجوم . وفى هذا السياق نقرأ قوله جل وعلا فى توقيتات فريضة التسبيح المنسية : (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130) طه ) ( فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) الروم ) (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40) ق )
فى التأكيد على أنهم كانوا ( يعلمون ) هذه الايات الالهية فيما خلق الله جل وعلا نستشهد بالمزيد :
يقول جل وعلا : ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) يونس ). هنا تفصيل ( لقوم يعلمون) أن الله جل وعلا قد ( قدّر القمر منازل) ليعلموا وليتعلموا من خلاله عدد السنين والحساب بالتقويم القمرى. ويقول جل وعلا أيضا عن منازل القمر من المحاق الى الهلال الى البدر : ( وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) يس )، والعرب هم الذين إبتدعوا أسماء لمنازل القمر تدل على علمهم الدقيق بها . كما يقول عن التقويم الشمسى والقمرى : ( الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) الرحمن ) ، ويقول رب العزة :( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً (12)الاسراء ). هذه آيات خوطب بها العرب الذين يعرفون التقويم القمرى وبه يتعاملون ويؤدون الحج والصيام . والشعر الجاهلى يتجلى فيه هذا العلم . وهناك إشارة للفارق الزمنى بين السنة القمرية والسنة الشمسية فى قوله جل وعلا : (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (25)الكهف )، أى 300 سنة بالتقويم الشمسى أو 309 بالتقويم القمرى .
4 ــ التقويم الشمسى تتبعه الفصول الأربعة . ومن رحمة الله جل وعلا أنه لو كان الصيام بالتوقيت الشمسى لظل الصيام فى الشتاء فقط أو فى الصيف فقط أو الربيع فقط أو الخريف فقط ، وبدون تغيير . التقويم القمرى يجعل رمضان يحلُّ بتتابع زمنى دقيق فى كل فصول العام ، بما يُضاف الى التيسير الذى يصاحب تشريع الاسلام وتشريع الصيام على وجه الخصوص .
5 ـ ولا يقولنّ أحد أنه حدث مثل هذا الخلل فى تحديد بداية رمضان ونهايته فى الحضارة العربية . شهر رمضان كان يمثل مناسبة هامة ، يسجلها المؤرخون ، وتقام فيها الاحتفالات ، وإستحدثوا فى نهايته عيد الفطر . أى ليس شهرا منسيا . أضف الى ذلك معرفة العرب والأمم المفتوحة بالحساب الفلكى ، ثم شهرة علماء العرب والمسلمين فى هذا المجال بحيث أخذ عنهم الغرب. وذلك موضوع يطول شرحه لو دخلنا فى إسهام المسلمين والعرب فى علم الفلك ، وهو موضوع معترف به من الغربيين ، إذ كان العلماء العرب والمسلمون منارة للعالم وقتها ، هذا قبل أن يقضى الحنابلة على تلك الحركة العلمية ، وكل ما أسهم الحنابلة فى علم الفلك خرافاتهم بأن الشمس عندما تغرب تذهب لتسجد للرحمن و.. الحديث الملعون ( صوما لرؤيته )، الذى قام بتغييب الحساب الفلكى عن تحديد بداية ونهاية شهر رمضان .
أخيرا
نعيد تأكيد ما سبق : ظهرت مقولات حديثة تشكك فى التقويم القمرى والذى على أساسه يتم حساب شهر رمضان والأشهر الحُرُم وما كان يحدث من نسىء . ويصل القارىء المقتنع بهذا ــ الى الشك فى أن رمضان الذى نصومه ليس رمضان الحقيقى . هذه مقولات خاطئة تماما . ولو إفترضنا ــ جدلا ــ صحة هذه المقولات وإنه على سبيل الافتراض أن الناس صاموا شهر رجب على أنه شهر رمضان ، فالمستفاد مما سبق أن الله جل وعلا الغفور الرحيم لن يؤاخذهم ، طالما يصومون إبتغاء وجه الرحمن جل وعلا .
كل عام وأنتم بخير .
المقال الثانى
تمهيد :
سأل د . عثمان محمد على : ( ..هناك مجموعة بدا صوتها يرتفع ،وتُنادى بصيام رمضان فى آواخر شهر سبتمبر وتكملته فى إكتوبر وتحديدا بداية من 21- سبتمبر ،على اساس ان هذا هو توقيت شهر رمضان الصحيح من وجهة نظرهم .والسؤال هنا .هل يُعتبر صيامهم صحيحا ومقبولا وبديلا عن صيام شهر رمضان المتغير فى توقيته كل عام والمتعارف عليه عند المسلمين جميعا أم لا ،وهل هو نوع من الخروج على شرع الله ومواقيته فى صيام رمضان ؟؟ ).
أولا : نبدأ بالسؤال الأهم : هل يعتبر صيامهم صحيحا ؟ ونقول :
1 ـ نفترض أن شخصا ظل ثلاثين عاما محافظا على الصلاة ، ثم إكتشف أنه كان يصلى العصر قبل موعده ، أو أنه كان يصلى فى غير أتّجاه القبلة ؟ هل صلاته باطلة ؟ أقول : لا . لأن المقصد التشريعى من الصلاة وكل العبادات هو التقوى ( البقرة 21 ) ، والمطلوب هو إقامة الصلاة بالتقوى فيما بين الصلوات الخمس ، والخشوع فى تأدية الصلوات . ومن التقوى أن تعبد الله جل وعلا كما أمر ، وليس بما تهوى . لو وقعت فى خطأ فالله جل وعلا يغفر لمن يخطىء دون تعمد ، قال لنا ربنا جل وعلا : ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) (5) الاحزاب)
2 ـ فى تطبيق هذا على الصلاة : هناك من يزعم أن الصلوات ثلاث فقط ، ويجعل هذا محور دينه رافضا بكل قوة أن تكون الصلوات خمسا . هنا تعمد فى تغيير شرع الله جل وعلا . ولو فرضنا أن هناك إختلافا قديما فى موضوع الصلاة ، فلماذا لم يسأل أحدهم النبى عن عدد الصلوات ومواقيتها ؟ وقد كانوا يسألون النبى فى أشياء كثيرة ومتكررة ، وينتظر النبى حتى ينزل الوحى بالاجابة ، وهذا ما عرضنا له بالتفصيل فى كتاب ( القرآن وكفى .. ) . المضحك أن هؤلاء صمموا على أن الصلوات ثلاث فقط ، ولو كان عدد الصلوات قضية خلافية ، فيكون من الأسلم لهم أن يزيدوا عدد الصلوات فوق الخمس ، أن يجعلوها ـ مثلا ـ عشرا . ولكنهم جعلوها ثلاثا فقط ، وبعضهم أنكر الصلوات الخمس، بل وأنكر الفرائض مكتفيا بزعمه قراءة القرآن . يوم القيامة سيكونون فى مشكلة كبرى . هنا نتذكر قوله جل وعلا :( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52) فصلت).
3 ـ نفس الحال مع صيام رمضان . لنفترض أن شخصا ظل يصوم شهر رمضان ثلاثين عاما ، ثم تبين له أنه كان يصوم الشهر الخطأ . طالما كان يلتزم التقوى فى صيامه فالله جل وعلا يقبل صيامه ، وليس عليه مؤاخذة فى خطأ لم يتعمده . ولنفترض أن الصيام فى شهر رمضان هو قضية خلافية قديمة ، فمن الأسلم له أن يسير على الرأى الغالب لأنه المتواتر ، ولأنه المتفق مع القرآن الكريم ، فالله جل وعلا ذكر شهر رمضان بالتحديد فى الأمر بالصيام فيه ، وأنه الشهر الذى نزل فيه القرآن ، وأنه الشهر الذى فيه ليلة القدر . وهو شهر ينتمى الى التقويم العربى القمرى ـ ولا خلاف فى ذلك . الخروج عن هذا وصيام شهر فى التقويم الميلادى هو تعمد فى إختراع تشريع مخالف لتشريع الرحمن . لهم أن يصوموا تطوعا فى أى شهر بأى تقويم عربى قمرى أو ميلادى أو قبطى أو بابلى ..الخ . ولكن العبادات فى الاسلام تعتمد على التقويم القمرى ..وفقط .
4 ـ هذا يدخل بنا على موضوع التواتر . وقد عرضنا له فى مقال مستقل . التواتر معمول به طالما لا يناقض القرآن الكريم . تشريع القرآن الكريم نزل فى إصلاح ملة ابراهيم التى افسدها العرب وأهل الكتاب . كان هناك تحريف . والتحريف لا يعنى شطب الدين كله أو تبديله بالكامل ، ولكن يعنى تغييرا جزئيا ، وهذا ما حدث . هناك جزء ظل متواترا لا يخالف الأصل فى ملة ابراهيم ، وهناك تحريف حدث ، وإنصبّ أساسا على إخلاص الدين لرب العزة جل وعلا بتقديس البشر والحجر وإعتبار العبادات هدفا وليس وسيلة للتقوى ، أى تضييع الصلاة بإتباع الشهوات ( مريم 58 : 60 ). نزل القرآن الكريم يأمر النبى والعرب وأهل الكتاب بإتباع ملة ابراهيم حنيفا أى بإخلاص العبادة لرب العزة جل وعلا ، كما نزل بتشريعات جديدة فى الصلاة المتواترة مثل الطهارة وصلاة الخوف ، ومثل رُخصة الافطار فى رمضان ، وتيسرات فى الحج . ودعاهم رب العزة الى الاحتكام الى القرآن الكريم فى كل المتواتر الذى وجدوا عليه آباءهم ، فرفضوا تمسكا بهذا التحريف . المفهوم هنا أن المتواتر المتفق مع القرآن الكريم والذى لا يتناقض معه هو جزء من شرع الله جل وعلا . والمؤكد أن التشريع بشىء يخالف القرآن الكريم ينطبق عليه قوله جل وعلا : (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21) الشورى )
5 ـ جهل شيوخ الكهنوت الأرضى للمحمديين كان له تأثير قاتل على بعض من إختار القرآن وحده مصدرا للتشريع . إلشيوخ أجهل البشر بالقرآن الكريم ، وشعر بعض المنتسبين للقرآنيين أنهم أكثر علما بالقرآن من أولئك الشيوخ الرعاع الجاهلين . وهؤلاء المنتسبون للقرآنيين هم ( هُواة ) ليست لديهم خلفية علمية بحثية تؤهلهم للتدبر القرآنى ، بل لديهم الرغبة فى إثبات الذات ،وفى التفوق على رعاع الشيوخ ، من هنا جنحوا الى الهوى ، يبطلون شرائع الله القرآنية كنوع من التجديد . وقعوا بهذا ضحية للشيطان الذى لا ييأس من إضلال بنى آدم ، وهو القائل عنهم (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) الاعراف ) .
6 ـ فى النهاية .. كل منا سيأتى يوم القيامة مسئولا عن عمله وإيمانه . ومن يؤمن بلقاء الله جل وعلا وباليوم الآخر عليه أن يجهّز من الآن حجّته .
ثانيا : التقاويم فى العالم حين نزل القرآن الكريم
1 ـ فى القرن السابع الميلادى وما بعده عرفت البشرية أنواعا مخنلفة من التقاويم ، منها التقويم القمرى والشمسى والمشترك بينهما ، والتقويم بالنجوم ، وتعرض بعضها للتعديل والتقويم .
2 ـ فى أقصى العالم عرفت حضارة المايا فى أمريكا التقويم ، وهذا قبل خمسة قرون من ميلاد المسيح ، وكان لهم تقويمان ، أحدهما علمانى والآخر دينى ، معتمدين على حساب النجوم . ولا يزال تقويمهم مبهرا حتى الآن .
3 ـ حول الجزيرة العربية وقبل نزول القرآن الكريم وبعده :
3 / 1 : فى وادى النيل كان للمصريين القدماء تقويمهم ضمن ملامح حضارتهم البالغة فى القدم . وهو تقويم شمسى إعتمدوا عليه فى الزراعة والحصاد وتنوع المناخ وفيضان النيل . وجرى تعديله بما يسمى بالتقويم القبطى ، إذ إعتنق المصريون المسيحية رافضين عبادة المبراطور الرومانى فإضطهدهم الامبراطور دقيلديانوس فاتخذ المصريون من بداية حكم دقيلديانوس بداية التقويم القبطى عام 284 م . وأسموه تاريخ الشهداء . لم يكن تقويما جديدا ، كان فقط التزاما بالتاريخ الفرعون المتوارث ولكن مع بداية جديدة له .
3 / 2 : فى الرافدين ظهر التقويم البابلى الذى كان يجمع بين التقويمين القمرى والشمسى ، وتبدأ فيه السنة بفصل الربيع . واستعمله الآشوريون والسوريان والاسرائيليون مع بعض تعديلات . ولا يزال أهل الشام يستعملون أسماء الأشهر البابلية ( آذار ـ تموز ، كانون ، أيلول .. الخ )
3 / 3 : التقويم الميلادى الشمسى ، وهو السائد الآن ، والذى تم تعديله ليبدأ من عام ميلاد المسيح ، وأنتشر وساد مع الامبراطوريات المسيحية الرومانية والرومية البيزنطية والأوربية .
3 / 4 : التقويم القمرى الذى أخذ به العرب منذ إعتناقهم ملة ابراهيم ، وقد أصبح التقويم الدينى لهم ، ولا يزال ، وكالعادة ، تم تعديله بأن يبدأ بالعام الذى هاجر فيه النبى محمد عليه السلام الى المدينة . فعل هذا عمر بن الخطاب ، حين أصبحت للعرب إمبراطورية بالفتوحات ، وتحتاج الى تدوين ، عمر بن الخطاب هو الذى أنشأ الدواين وأعتمد تاريخا موحدا بالهجرة وفق التقويم القمرى . والتدوين والدواوين تعنى تسجيل الأفراد ( من القبائل العربية ) وفرض (عطاء ) أو مرتب سنوى أو شهرى لهم ( وهذا يستدعى تأريخا ـ أى تقويما معتمدا موحدا ) ، التدوين والدواوين كانت تعنى أيضا تعدادا للسكان لفرض الجزية عليهم ، وبهذا تم تعداد لمصر ـ مثلا ـ وجرى فرض الجزية على الرجال القادرين على الكسب دون النساء والأطفال ورجال الدين ، كما جرى حصر الأراضى المزروعة وفرض الخراج السنوى عليها . وبالتالى أصبح التقويم العربى القمرى ليس فقط للعبادات بل أيضا لتسجيل إيرادات ومصروفات الامبراطورية منذ عصر الخلفاء ( الراشدين ) .
ثالثا : التقويم العربى القمرى فى حضارة العرب والمسلمين
1 ـ إنعكست أهمية التقويم القمرى فى الدنيا وفى الدين فى الحضارة العربية ( الاسلامية ) خصوصا فى تقدم علم الفلك ، وفى التسجيل التاريخى ( علم التاريخ ) الذى سبق به العرب بقية الأمم ، ونعنى به التاريخ الحولى ، الذى يعتمد على التأريخ للأحداث حسب العام أو الحول ، يغطّى أخبار العام بداية بأول شهر وبالأيام فيه التى تحدث فيه أحداث تاريخية ، وهكذا على مدار العام ، وما قبله وما بعده ، وقد شرحنا هذا فى باب ( دراسات تاريخية ) فى موقعنا أهل القرآن عن منهج الطبرى ، وفى كتاب ( المجتمع المصرى فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر قايتباى ) . وسنعرض لهذا فيما بعد بتفصيل .
2 ـ وكما سبق العرب العالم فى علم التاريخ فقد أصبحوا أيضا أساتذة العالم فى العصور الوسطى فى علم الفلك .
3 : قبل أن يسيطر الفقهاء الحنابلة الجاهلون الذين صاغوا جهلهم فيما يعرف بالفقه والحديث والسُّنّة تقدمت الحضارة العربية فى الطب والهندسة والكيمياء والجغرافيا والرياضيات والفلك .
4 ـ ينتمى التقويم الى علم الفلك .
فى مجال الفلك بدأ العلماء العرب والمسلمون بدراسة آخر ما توصل اليه الهنود والفرس واليونان ، ومزجوا بينها ،مع أجتهاد مقبول سادوا به العالم فى عصرهم ، فأخذت عنهم أوربا حين بدأت نهضتها ، وإستفاد به المكتشفون الأوربيون . أصبحت دمشق وبغداد أهم مركزين فى العالم لعلوم الفلك ، وفيهما أنشأ المأمون مرصدين لقياس الأجرام السماوية . ومعروف أن المأمون كان مثقفا وكان خصما للفقهاء واصحاب الحديث .
5 ــ وفى مجال الفلك برز أعلام عرب ومسلمون على مستوى العالم ، منهم :
5 / 1 : الخوارزمى : مخترع علم الجبر ، ومنسوب اليه الخوازميات فى علم الفلك ، وهو صاحب كتاب ( زيج الهند ) وفيه جداول حركة الشمس والقمر والكواكب الخمسة المعروفة في ذلك الوقت.
5 / 2 : أحمد بن عبد الله المروزى ( نسبة الى مدينة مرو ) : له كتاب ( الأبعاد والأجرام ) ، وفيه قدّر قطر القمر ب 3037 كيلومتر ، وهو يقترب من التقدير الحالى . كان هذا بين عامى 825 : 835 ميلادية .
5 / 3 : أحمد بن كثير الفرغانى ( نسبة الى فرغان ) : ترجمت أوربا كتبه الى اللاتينية ، وفيها فى عام 850 ميلادية قدّر إلتواء مسيرة الشمس ومحيط الأرض .
5 / 4 : محمد بن جابر البتانى ( ت 853 ) : كتب جداول لمدارات الشمس والقمر وحساب أول ظهور للهلال وقياس طول السنة الشمسية والسنة الفلكية وتوقع الخسوف .
5 / 5 : وفى القرن العاشر الميلادى كتب عبد الرحمن بن عمر الصوفى ( صور الكواكب الثمانية والأربعين ) وفيه حدّد رصدا للنجوم ، فى مواقعها ودرجة سطوعها وألونها ورسومها في كوكباتها، وهو أول من رصد مجرة المرأة المسلسلة ، وهو أيضا أول من رصد ما يعرف الآن باسم سحابة ماجلان الكبرى .
5 / 6 : ابن يونس : رصد أكثر من عشرة آلاف مدخل لموقع الشمس مستعملا اسطرلابا كبيرا ،وبقيت ملاحظاته عن الخسوف مستعملة لقرون.
5 / 7 : وحسب الخجندى بدقة الميل المحورى.
5 / 8 ـ على بن رضوان الفلكى المصرى رصد عام 1006 أكثر النجوم سطوعا ، وترك وصفا مفصلا للنجم المؤقت حيث قال أن الجسم أكبر بحوالي ضعفين إلى ثلاثة أضعاف من كوكب الزهرة ، وأن له ربع سطوع القمر ، وأنه منخفض في الأفق الجنوبي .
5 / 9 : ولم يأخذ البيرونى بالنظرية السائدة فى أن الأرض هى محور الكون ، وقال أن الأرض تتحرك ، وفي عام 1031 أنهى البيروني موسوعته الفلكية الموسعة ( القانون المسعودى ) أورد فيه نتائجه وجداوله الفلكية. واكتشف أن المسافة بين الأرض والشمس أكبر من تقديرات بطليموس .
أخيرا :
1 ـ هذه بعض إشارات منقوله عن تقدم علم الفلك عند المسلمين ، وقد غطّى عليها السنيون بحديث كاذب عن رمضان يقول ( صوموا لرؤيته ) ، مع أن الواضح أن صيام رمضان كان بالحساب الفلكى الذى كان معروفا وقت نزول القرآن .
2 ـ الذى يهمنا أن التقويم القمرى كان معروفا ومألوفا ومعمولا به قبل وأثناء وبعد نزول القرآن الكريم ، ولهذا جاء الحديث فى القرآن الكريم عن شهر رمضان ، ونزل فى محيط ثقافى ، وفى بيئة كانت تصوم شهر رمضان قبل نزول القرآن الكريم بإعتبار الصوم فى رمضان أحد معالم ملة ابراهيم كالصلاة والحج . .
3 ـ وللحديث بقية .
المقال الثالث
التقويم القمرى أساس العبادات الاسلامية،ومنها صيام رمضان
أولا : الحج نموذجا للعبادة فى الأشهر الحُرُم القمرية :
1 ـ يعيش الانسان مُحاطا بالزمان والمكان . ولرب العزة جل وعلا (حرم ) زمانى هو الأشهر الأربعة الحرم بالتقويم القمرى، وله جل وعلا ( حرم ) مكانى هو الكعبة البيت الحرام فى مكة . قال جل وعلا : ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97) المائدة ). هنا البيت الحرام والشهر الحرام .
2 ـ الحرم الزمانى ( الأشهر الحرم ) وضعه الله جل وعلا مع خلق السماوات والأرض ليكون ( أمنا زمانيا ) للبشر يمتنعون فيه عن سفك الدماء والظلم ، قال جل وعلا :( ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ) (36) التوبة ).
هو حرم زمانى ينبغى الامتناع فيه عن الظلم ، والعدوان الحربى ، إلا القتال الدفاعى فقط . قال جل وعلا : (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)البقرة ) . وعندما تساءل بعض الصحابة عن حكم القتال الدفاعى فى الأشهر الحرم نزل قول الله جل وعلا : (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) البقرة )، فالقتال فى الشهر الحرام جرم كبير ، ولكن الصّدّ عن سبيل الله والكفر بالله جل وعلا والصّدّ عن المسجد الحرام وإخراج المؤمنين من مكة والبيت الحرام ـ جرم أكبر . لأن الفتنة ـ أى الاضطهاد الدينى ـ أكبر من القتل .
3 ـ الحرم المكانى ( البيت الحرام ) جعله الله جل وعلا مثابة للناس وأمنا ، ومن دخله كان (أى أصبح ) آمنا (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ) 97 ) آل عمران ) . فالبيت الحرام هو أول بيت وضعه الله جل وعلا للناس جميعا : (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) آل عمران ) وهو البيت العتيق (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) الحج) ، وتشريع الأمن لا يشمل من يحج الى البيت فقط ، بل أيضا من يسير اليه وانعام الهدى التى معه والقلائد التى تميز حيوانات الهدى عن غيرها : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) المائدة )
4 ـ وكما أن الحرم الزمانى للناس كافة فكذلك البيت الحرام للناس كافة ، المقيم فى مكة أو من يقصد الحج يقطع البوادى ليصل الى البيت الحرام ، لذا يحرم صدُّ الناس عن الحج اليه أو حتى إرادة الظلم فيه : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) الحج). الترحيب هو بالمؤمنين ظاهريا الملتزمين بالأمن والأمان والسلم والسلام ، لذا يحرم دخوله على الكافرين المعتدين حاملى السلاح لأنهم ( نجس ) بما يفعلون : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28) التوبة )
5 ـ الحج الى البيت الحرام فرض على الناس كافة :( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ (97) آل عمران ) وهذا هو تشريع الرحمن للبشر جميعا . وبالحج يمتزج الحرم الزمانى بالحرم المكانى ، إذ يكون الحج الى البيت الحرام فى ألشهر الحرام ، وبهذا يكون الاحرام الذى يكتمل بأن يلتزم الحاج بألّا يرفث ولا يفسق ولا يجادل ، أى الدرجة العليا من التقوى . قال جل وعلا :(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197) البقرة )
6 ـ هذه العالمية فى الحرم الزمانى والحرم المكانى وفى فرض الحج يعنى أن التقويم القمرى يجب العمل به فى تأدية فريضة الحج مع الالتزام بحُرمة الأشهر الحُرُم حتى فى البلاد التى لا تأخذ بالتقويم القمرى . ليس هذا فقط فيما يخص فريضة الحج . بل بفريضة الصوم فى شهر رمضان القمرى . وإذا كانت للسنة تقويمات قمرية وشمسية وبهما معا فإن التقويم القمرى هو مواقيت العبادة الاسلامية ، فى الحج وأيضا فى الصيام .
ثانيا : صوم رمضان بالتقويم القمرى :
1 ـ الحج من ملة ابراهيم توارثه العرب وأهل الكتاب منذ أن قال جل وعلا : ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) الحج ).
2 ـ وأيضا فريضة الصوم فى رمضان ، قال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)البقرة ) . فى الآية الكريمة تقرير بأن الصوم كان مفروضا بنفس الطريقة من قبل وفى نفس الشهر ، ووسيلة للتقوى . ثم نزلت الآية التالية بتشريعات جديدة لم تكن معروفة من قبل فى التيسير والأعذار المبيحة للفطر : ( أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184)) وجاءت الآية التالية بتعظيم شهر رمضان ، شهر الصيام الذى نزل فيه القرآن : ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) البقرة ).
3 ـ حين يخاطب الله جل وعلا العرب والبشر ذاكرا شهر رمضان فالمعنى أنه شهر معروف فى التقويم القمرى المعروف ، وأن الصيام فيه معروف قبل نزول القرآن الكريم . يكفى أن الله جل وعلا فى كل التفصيلات عن الصوم لم يحدد معنى الصوم لأنه معروف ، ولم يشرح ماهية شهر رمضان لأنه شهر معروف ومعلوم ، بل وصف أيامه بأنها ( أياما معدودات )، أى إعتاد الناس تعداد أيام شهر رمضان يوما يوما ، وهذا هو ما يحدث حتى الآن فى شهر رمضان ، وبهذا يتميز شهر رمضان عن بقية الأشهر .
4 ـ وجاءت إشارة الى ليلة القدر فى شهر رمضان ، وهى ليلة عالمية تتكرر مرة فى شهر رمضان ، تتنزل الملائكة فيها بالروح جبريل تحمل أقدار الناس من حتميات الميلاد والموت والرزق والمصائب ، قال جل وعلا : ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5))القدر ). هذا يذكرنا بعالمية الحرم الزمانى والحرم المكانى ، وهذا أيضا بالتقويم القمرى العالمى .
ثالثا : التقويم القمرى فى بقية التشريعات الاسلامية
1 ـ واضح فى القرآن الكريم التركيز على التقويم القمرى أكثر ، فقد أشار الله جل وعلا للتقويم القمرى خصوصا فى قوله جل وعلا : ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5)يونس) . ذكر جل وعلا الشمس ، ولكن تحدث عن منازل القمر التى نتعلم منها عدد السنين والحساب . ما خلق الله جل وعلا هذا إلا بالحق.
2 ـ وعن الاهتداء بالنجوم ومعرفة التقويم الشمسى والقمرى قال جل وعلا :( فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) الانعام ) . جاءت هنا إشارة الى التقويم الشمسى مع القمرى والاسترشاد بالنجوم فى معرفة الطريق والوقت فى ظلمات الليل .
3 ـ وفى موضوع النجوم نتذكر مناخ شبه الجزيرة العربية الصحراوى بنجومه المتلألئة وسمائها الصافية ليلا ، وشمسها الحارقة نهارا ، وهذا يجعل العرب أصحاب معرفة بالنجوم يهتدون بها فى ظلمات الليل فى البر وفى البحر ، ثم هم أقرب الى تأمل القمر فى منازله ، وإتخاذه تقويما ، أكثر من غيرهم من سكان الوديان النهرية والتقلبات المناخية .
4 ـ يعزّز هذا أنهم سألوا النبى محمدا عليه السلام عن ( الأهلّة ) وسكت النبى كالعادة حتى نزل الوحى بالإجابة : ( يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ )(189) البقرة ). سألوه عن الأهلة ( جمع هلال ) أو ما نفهمه من منازل القمر ، والاجابة أنه مواقيت للناس فى شتى شئونهم وفى موعد الأشهر الحرم التى يكون فيها الحج للبيت الحرام . بالتالى فإن التقويم القمرى هو السائد والمعتمد فى العبادات .
رابعا : الخروج على التشريع الالهى :
1 ـ ما سبق هو الواجب المفروض الذى ينبغى أن يكون . ولكن الواقع يأتى بالعصيان . قريش كانت تصُدُّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام ، وشوهت بعض معالم ملة ابراهيم ، وتلاعبت بالأشهر الخُرُم بالنسىء ، فإعتبره رب العزة زيادة فى الكفر:( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37) التوبة ). هم لم يقوموا بإلغاء حُرمة الأشهر الحُرُم ، بل فقط التلاعب بها . قريش فى الفتوحات فى عصر الخلفاء إستحلوا قتل مئات الالوف فى قارات العالم الثلاث خلال الشهر الحُرُم وغيرها . وبهم تناسى الناس حُرمة الأشهر الحرم ، وحتى الآن . فهل توقفت حرب بين المسلمين مُراعاة للشهر الحرام ؟
2 ـ وقبيل موت النبى وبعد دخول النبى مكة سلميا ، قامت قريش بحركة ردّة ، نقضوا فيها العهد ، فنزلت سورة ( براءة ) تعطيهم مهلة الأشهر الحرم ليتوبوا : ( بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) التوبة )
3 ـ قريش بعد موت النبى محمد عليه السلام إرتكبت جريمة الفتوحات ، إنتهكت فيها شرع الله جل وعلا المؤسس على السلام والعدل والاحسان والحرية وعدم الاكراه فى الدين . وعلى هامش هذه الخيانة العظمى لدين الله جل وعلا طرد عمر بن الخطاب أهل الكتاب من الجزيرة العربية ، وصدّهم عن الحج الى البيت الحرام ، وبتوالى القرون تركز فى الأذهان أن الحج ليس فريضة عالمية بل خاصة بما اصبح يعرف ب ( أُمّة محمد ) .
3 ـ كما قام عمر بن الخطاب بتغيير السنة القمرية التى كان يعرفها العرب ويجعلون مواقيتهم بها قبل ولادة هذا العمر بن الخطاب بقرون . قام عمر بوضع ما أسماه بالتقويم الهجرى ، وجعل السنة تبدأ بشهر محرم ( وهو ثانى الشهور الحُرُم ) بينما المفهوم من القرآن الكريم أن السنة القمرية تبدأ بشهر ذى الحجة ، لأن السنة القمرية لقبها ( حجّة ) بكسر الحاء . وكان هذا هو المعروف بقرون قبل نزول القرآن الكريم . ونتذكر أن الرجل الصالح قال لموسى عليه السلام : (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ (27) القصص ) . لم يقل ثمانية أعوام بل ( ثمانية حجج ) ، فالحجة تعنى عاما بالتقويم القمرى . والسنة القمرية تبدأ بذى الحجة فى بلاد العرب وما حولها وقبل نزول القرآن الكريم بقرون طويلة حيث إعتاد الناس الحج الى البيت الحرام ( أول بيت وُضع للناس / البيت العتيق ) تلبية لدعوة ابراهيم ، وفي شهر ذى الحجة يكون إفتتاح موسم الحج بأشهره الحرم الأربعة التى يمكن الحج خلالها، والتى كانت معلومة للعرب وقت نزول القرآن. هذا هو المفهوم من قوله جل وعلا :(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) (197) البقرة ) وعن إبتداء السنة القمرية بذى الحجة وإفتتاح موسم الحج ب ( الحج الأكبر ) قال جل وعلا : (وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ ). تبدأ المهلة بأول ذى الحجة : الحج الأكبر، أول السنة القمرية ، وتستمر طيلة الأشهر الحرم الأربعة ( فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ )، وتنتهى بإنتهائها : (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ )(5) التوبة ) ، فالأشهر الحرم هى ذو الحجة ، محرم ، صفر ثم الرابع : ربيع الأول .
4 ـ على أن هذا التغيير فى بداية السنة القمرية لم يغير أسماء الأشهر فظلت كما هى ، وظل رمضان كما هو شهر الصيام . ولتميزه بالصيام وليلة القدر ظل شهرا متفردا فى حياة المسلمين ، وإنعكس هذا فى تاريخهم .
وللحديث بقية .
المقال الرابع
رمضان فى التاريخ الواقعى للمسلمين
مقدمة :
1 ـ الدليل الواقعى عن الصيام فى شهر رمضان العربى القمرى هو ما جاء فى التاريخ الحولى للمؤرخين العرب والمسلمين . التاريخ الحولى كان بمثابة جريدة تأتى بالأخبار من كل بلاد المسلمين مرتبة حسب الحول أو العام ، يبدأ بشهر محرم يسرد ما وقع فيه من أخبار مرتبة حسب الأيام ثم شهر صفر الى نهاية ذى الحجة . المؤرخ يسجل ليس كل الأحداث ، بل ما يصل الى علمه منها ، وهى غالبا حول الحكام والقادة ومشاهير الفقهاء واحوال الطقس ، ولا يلتفت الى الشخص العادى إلا إذا حديث له مصيبة تُجبر المؤرخ على الالتفات اليه . والعادة أن المؤرخ يتخذ من عاصمة الدولة مركز الأحداث ، فعل هذا ابن الجوزى فى العصر العباسى مع بغداد ، وفعل هذا المقريزى مع القاهرة فى الدولة المملوكية . عرضنا فى باب دراسات تاريخية لمنهج الطبرى فى التأريخ بإعتباره رائدا للمنهج الحولى ، ونشرنا فى نفس الباب مقالات عما حدث فى أيام رمضان من اليوم الأول الى يوم 30 ، مع اختلاف الزمان والمكان ، وكان بحثا شاقا رجعنا فيه الى أخبار شهر رمضان فى أشهر مصادر التاريخ الحولى ، وفى كتاب ( المجتمع المصرى فى ظل تطبيق الشريعة فى عصر السلطان قايتباى ) حللنا المادة التاريخية لتاريخ ابن الصيرفى فى كتابه ( إنباء الهصر فى أنباء العصر ) وكان مؤرخا معاصرا يكتب من واقع المشاهدة .
2 ـ العادة أن المؤرخ فى التاريخ الحولى ينقل التاريخ السابق ملخصا عن المؤرخين السابقين ، حتى إذا وصل بالتأريخ الى عصره أصبح هو العمدة الذى يعتمد عليه من يأتى بعده ، إذ هو ينقل شاهدا على عصره ، ينقل ما يراه وما يسمعه وما يصل الى علمه ، ولهذا تتسع الأجزاء الأخيرة من تاريخه ، كما حدث فى تاريخ المنتظم لابن الجوزى ، وتاريخ ابن كثير وتاريخ السلوك للمقريزى . وقد يقوم المؤرخ بالتأريخ لعصره فى كتاب خاص كما فعل ابن حجر فى تاريخه ( إنباء الغُمر بأبناء العمر ) و ابن الصيرفى فى تاريخه ( إنباء الهصر بأبناء العصر ) .
3 ـ وفى كل الأحوال فإن الحول أو الزمن هو أساس التأريخ الحولى ، وفى إطار الزمان أو الحول يتجول المؤرخ فى ( المكان ) يسجل أحداث عصره ، معبرا عن أحوال ( المسلمين ) من أقصى الشرق الى أقصى الغرب حسبما يصل اليه من أخبار .
4 ـ وفى هذا التاريخ الحولى كان لشهر رمضان وضع متميز بين بقية الأشهر ، حيث رؤية الهلال فيه ، وحيث كانت تجرى فيه ـ فى العصر المملوكى ـ حلقات ميعاد البخارى كل ليلة ، يحضرها السلطان أحيانا ، وكبار رجالات الدولة والقضاء الأربعة وكبار الفقهاء .
5 ـ بالإضافة الى ما كتبناه عن رمضان والتاريخ الحولى نقوم بجولة أخرى عن أخبار السابقين فى شهر رمضان .
أولا : رمضان فى العصر الفاطمى :
المقريزى هو أعظم مؤرخ فى العصور الوسطى ـ فى تقديرنا ، ولقد قام بتلخيص تاريخ الدولة الفاطمية فى كتابه ( إتعاظ الحنفا ..) نقلا عن مؤرخى العصر الفاطمى ، واشهرهم ( المسبحى ) . وسار المقريزى فى كتابه على المنهج الحولى . يقول عن الخليفة الحاكم بأمر الله الذى تولى 386 :
1 ـ أنه هو ( أبو علي منصور ابن العزيز بالله أبي المنصور نزار ابن المعز لدينالله أبي تميم معد . ولد في القصر بالقاهرة ليلة الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وثلثمائة في الساعة التاسعة الموافق صبيحتها الثالث عشر من شهر آب ... وسُلّم عليه بالخلافة في الجيش بعد الظهر من يوم الثلاثاء ثامن عشري شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلثمائة.وسار إلى قصره في يوم الأربعاء بسائر أهل الدولة ... فوصل إلى القصر ... ودخله قبل صلاةالمغرب ) لاحظ الدقة فى تحديد الزمن .
2 ـ فى ( سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائه) : ( وفي يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان ولد للحاكم ولد ذكر فجلس الحاكم يوم الخميس للهناء. وجرى الأمر في الفطر على السماط ليالي رمضان وفي صلاة الحاكم بالناس يوم الجمعة على ما تقدم.) تاريخ ميلاد الطفل 10 رمضان عام 393 . وكان من العادة إقامة ( سماط ) أو وليمة كبرى فى رمضان .
3 ـ فى سنة ثمان وتسعين وثلثمائة: ( واستهل رمضان فحضر (أى الخليفة الحاكم ) الأسماط مع الحاكم القائد صالح قائد القواد والقاضي مالك بن سعيد وجلس فوق القاضي عبد العزيز بن النعمان. )
4 ـ فى سنة تسع وتسعين وثلثمائة : ( وفي رمضان قرئ سجل فيه : يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون ، ولا يعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون ويفطرون . وصلاة الخمسين للذين بما جاءهم فيها يصلون وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها ولاهم عنها يدفعون ، ويخمس في التكبيرعلى الجنائز المخمسون ولا يمنع من التربيع عليها المربعون ، يؤذن بحي على خير العمل المؤذنون ولا يؤذى من بها لا يؤذنون ، لا يسب أحد من السلف ولا يحتسب على الواصف فيهم بما يصف والحالف منهم بما حلف ، لكل مسلم مجتهد في دينه اجتهاد.)
5 ـ فى سنة أربع وأربعمائة: ( وفي رمضان صلى ( الخليفة الحاكم ) بالناس في الجوامع الأربعة: جامع القاهرة والجامع خارج باب الفتوح وجامع عمرو وجامع راشدة ، وتصدق بأموال كثيرة ، ودعا فوق المنابر بنفسه لعبد الرحيم بن إلياس فقال: " اللهم استجب منى في ابن عمي وولي عهدي والخليفة من بعدي عبد الرحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدي بالله أمير المؤمنين كما استجبت من موسى في أخيه هرون." . وفي يوم الجمعة رابع رمضان ركب ولي العهد فصلى بالجامع الأنورالجديد بباب الفتوح في موكب الخلافة ، ثم صلى جمعة أخرى بجامع القاهرة ثم جمعتين بالجامع الجديد.) .
6 ـ ( وفي السنة التي قتل فيها الحاكم( 404 ) : ( أشاع أنه يريد أن ينزل في أول رمضان إلى الجامع ومعه الطعام فمن أبى الأكل قتله.)
7 ــ تولى بعده إبنه الذى تلقب ب ( الظاهرلإعزاز دين الله) . يذكر المقريزى عنه : ( أبو الحسن علي ابن الحاكم بأمر الله أبي علي منصور .. ومولده بالقصر من القاهرة على مضي ثلاث ساعات من ليلة الأربعاء عاشر شهر رمضان سنة خمس وتسعين وثلمثائة . . وبويع بالخلافة في يوم عيد الأضحى سنة إحدى عشرة وأربعمائة ، وله من العمر ست عشرة سنة وثلاثة أشهر . واتفق في هذا اليوم أن صلى للحاكم في خطبة العيد ثم بويع الظاهر بعد عودة القاضي من المصلى ، فكان بين الدعاء في الخطبة للحاكم وبين أخذ البيعة للظاهر ثلاث ساعات ، ولم يتفق مثل ذلك.) لاحظ الدقة فى تحديد الزمن . .
ويقول عن وفاة الخليفة الظاهر : ( وتوفي ببستان الدكة خارج القاهرة في ليلة الأحد النصف من شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة ، وعمره إحدى وثلاثون سنة وأحد عشر شهرا وخمسة أيام. ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام كانت فيها قصص وأنباء.)
ثانيا : رمضان فى تاريخ ( المنتظم ) لابن الجوزى .
مات ابن الجوزى عام 597 ، وبدأ تاريخه ( المنتظم ) ينقل عن الطبرى ، ومن جاء بعد الطبرى ، حتى إذا وصل الى التأريخ لعصره كان هو المرجعية لمن جاء بعده ، خصوصا وقد اصبح فى أخريات حياته أشهر القّصّاص وأكثر الفقهاء الحنابلة تأليفا وتأثيرا . وفى الأجزاء الأخيرة من تاريخه ( المنتظم ) كان يسجل أعماله ومحاضراته والتى يقول إنه كان يحضرها فى بغداد آلاف مؤلفة .
نستشهد ببعض ما قاله عن أحداث شهر رمضان :
1 ـ عام 570 : ( وفـي يـوم الخميـس خامـس عشريـن شعبـان: سلمـت اليّ المدرسة التي كانت دارًا لنظام الدين أبي نصـر بـن جهيـر ، وكانـت قـد وصلـت ملكيتهـا الـى الجهـة ( السيدة ) المسمـاة بنفشـة ، فجعلتها مدرسة ، وسلمتها إلي أبـي جعفـر ابـن الصبـاغ ، فبقـي المفتـاح معـه ايامـًا ،ثـم استعـادت منـه المفتـاح وسلمته اليّ من غير طلب كـان منـي ، وكتـب فـي كتـاب الوقـف انهـا وقـف علـى اصحـاب احمـد . وتقـدم إلىّ يوم الخميس المذكور بذكر الحرس فيها ، فحضر قاضي القضاة وحاجب الباب وفقهاء بغداد ، وخُلعت عليّ خلعـة وخرج الدعـاة بيـن يـديّ والخـدم ، ووقـف اهـل بغـداد مـن بـاب النوبـي الـى بـاب المدرسـة ، كمـا يكـون فـي العيد واكثر ، وكان على باب المدرسة الوف والزحام على الباب . فلما جلستُ لإلقاء الدرس عُـرض كتـاب الوقـف علـى قاضـي القضـاة وهـو حاضر مع الجماعة فقرىء عليهم وحكم به وانفذه. وذكرتُ بعد ذلك الدرس ، فألقيتُ يومئذ دروس كثيرة من الاصول والفروع ، وكان يومًا مشهودًا .. وتقـدم ببنـاء دكـة لنا في جامع القصر في آخر شعبان ، فانزعج لهذا جماعة من الاكابر ، وقالوا :" ما جرت عادة للحنابلة بدكة ." فبُنيت ، وجلستُ فيها يوم الجمعة ثالث رمضان. ودل بعض فقهاء أبي حنيفـة في الافطار بالأكل ، واعترضت عليه يومئذ ، وازدحم العوام حتى امتلأ صحن الجامع ، ولم يمكـن للأكثريـن وصـول الينـا . وحفظ الناس بالرجالة خوفًا من فتنة ، وما زال الزحام على حلقتنا كل جمعـة ، وكانـت ختمتنـا فـي المدرسـة ليلـة سبـع وعشريـن ، فعلـق فيهـا مـن الاضـواء ما لا يحصى ، واجتمع من الناس ألوف كثيرة فكانت ليلة مشهودة . ). ابن الجوزى يحكى هذا عن نفسه فى تاريخه ( المنتظم ).
2 ـ ( ثم دخلت احدى وسبعين وخمسمائة ) ( وفـي يـوم الجمعـة رابـع عشـر شعبـان: حُملـت الـىّ طريفـة قـد بعثت الى أمير المؤمنين من قرية قريبة مـن بغـداد ، يقـال لهـا الوقـت ، وهـي بقرتـان قـد ولدتـا برأسيـن ورقبتين واربع ايدي وبطن واحد وفرج .
وفـي رمضـان: كُتـب علـى حائـط المدرسـة التـي وقفتهـا الجهة (أى السيدة ) وسلمتها اليّ بخط القطاع في الاجر: ( وقفت هذه المدرسة الميمونة الجهة ( السيدة ) المعظمة الشريفة الرحيمة بدار الرواشني في ايام سيدنا ومولانا الامام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين على اصحاب الامام احمد بن حنبل وفوضت التدريـس بهـا الـى ناصـر السنة ابى الفرج ابن الجوزي . ) . وما زالت المجالس تحت المنظرة بباب بدر الى آخر رمضان .
وكان في آخر رمضان قبل مجلسنا هناك بيوم قد انزعج البلد ولبس السلاح فاختلفت الاراجيف فانقشع الامر ان أمير المؤمنين اصابته صفراء من الصوم ، فتكلمت تحـت المنظـرة ، فسكـن البلـد ، فحدثنـي مـن يلوذ بخدمة أمير المؤمنين قال : (حضر يومئذ الإمام عندك المجلس متحاملًا ولولا شدة حبه لك لما حضر لما كان اعتراه من الالم ) . وحدثني صاحب المخزن قال : ( كتبـت الـى أميـر المؤمنيـن فـي كلام كنـت ذكرتـه هل وقع ما ذكره فلان بالغرض فكتب أمير المؤمنين ما على ما ذكره فلان مزيد.
وفـي بكـرة الجمعـة سابـع عشريـن رمضان كسفت الشمس اول وقت الضحى وبقيت ساعة حتى تجلت. )
3 ـ ( ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة :
فمن الحوادث فيها انه تقدم اليّ بالكلام تحت منظرة الخليفة بباب بدر ، فتكلمت يوم الاحد ثاني المحرم ، وحضرأمير المؤمنيـن . ثـم تكلمـت هنـاك يـوم عاشـرراء ، فامتـلأ المكـان من وقت السحر، فطلع الفجر وليس لأحد طريـق ، فرجـع النـاس ، وامتلأت الطـرق بالنـاس أقيامـًا يتأسفون على فوت الحضور ، وقام من يتظلم في المجلس ، فبعث أمير المؤمنين في الحال من كشف ظلامته. صرفت ابنتي رابعة ليلة الاربعاء ثاني عشر المحرم الى زوجها ، وكان زفافها في دار الجهة ( السيدة ) المعظمة في ثرب الحواب ، واحضرت الجهة ( السيدة ) وذلك بعد أن جهزتها الجهة ( السيدة ) بمال كثير ..)
( وفـي يـوم الاثنيـن حادى عشـر رمضان: تقدم اليّ بالجلوس في دار ظهير الدين صاحب المخزن ، وحضـر اميـر المؤمنيـن ، واُذن للعـوام فـي الدخـول ، فتكلمـت ، وأعجبهـم حتـى قـال لـي ظهيـر الديـن : ( قد قال امير المؤمنين ما كأن هذا الرجل آدمي لما يقدر عليه من الكلام.).
ومما جرى بعد النصف من رمضان ان رجلا من التجار باع متاعا له بألف دينار وترك المال في خـان انبار، وجـاء الـى بيتـه ، وليـس معـه فـي الـدار إلاَّ مملـوك لـه اسـود قـد اشتـراه قبـل ذلـك بأيـام ، فقـام المملـوك فـي الليـل فضربـه بسكيـن فـي فـؤاده ، وأخـذ المفتـاح ، ومضـى الـى الخـان ..، فطـرق بـاب الخـان ، فقالـت " الخانيـة مـن انـت ؟ " قـال : انـا غلام فلان قـد بعـث بي لآخذ له شيئًا من الخان انبار ، فقالت : " والله مـا افتـح لـك حتـى يجـيء مولاك . " فرجـع ليأخـذ ما في البيت ، فاتفق ان حارس الدرب سمع صيحة الرجل وقت ان ضرب بالسكين ، فأمسك الغلام وبقي مولاه في الحياة يومين، فوصى بقتل الغلام بعده ، فصُلب المملوك بالرحبة بعد موت مولاه .
يوم الخميس حادي عشرين رمضان :
واخذ مملوك اخر لبعض التجار من سيده الف دينار، وهرب ، فلم يسمع له خبر. وجـاء حـرُّ شديـد بعـد نصـف رمضـان ، فكـان ذلـك في آذار ، فبقى اسبوعا على مثل حرّ حزيران أو اشد ، فأخبر المشايخ انهم ما رأوا مثل هذا في هذا الوقت . ثم عاد الزمان الى عادته. وحدثني طلحة بن مظفر العلثي الفقيه انه ولد عندهم بالعلث في رمضان مولود لستة اشهر فخرج له اربعة اضراس.
وفـي يـوم الاثنيـن خامـس عشريـن رمضـان: تقـدم بجلوسـي فـي دارصاحـب المخـزن ، فجلست ، وحضر اميـر المؤمنيـن ، واُذن للعـوام فـي الدخـول ، فتكلمـت بعـد العصـر الـى المغـرب ، وبتنـا فـي الدارتلـك الليلـة مع جماعة من الفقهاء ، فجرت مناظرات الى نصف الليل.)
4 ـ ( ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة )
( وفي بكرة السبت خامـس رمضـان: تقدم بجلوسـي فـي دار صاحـب الـنعم ، وازدحم الناس حتى غلق الباب . )
4 ـ ( ثم دخلت سنة أربع وسبعين وخمسمائة )
( فمن الحوادث فيها : أنه كان مفتتحها الثلاثاء، فتقدم إليّ بالكلام تحت منظرة باب بدر، فتكلمتُ بكرة ، وحضر أمير المؤمنيـن . )
( وتكلمـتُ يـوم السبـت مفتتـح رمضان في مدرستي بدرب دينار ، فكان الزحام خارجًا عن الحد ، حتى غلق الأبواب ، وقصصت ثلاثين طائلة ، وتاب خلق من المفسدين... وجاء رجل إلى بغداد في رمضان فذكر أنه يضـرب بالسيف والسكين فلا يعمل فيه ، ولكن ذكروا أن ذلك سيفه وسكينه خاصة وكان يقول لهم أنا مشعبذ.
وفـي ليلـة الجمعـة رابع عشرين رمضان: كبس بالكرخ على رجل يقال له أبا السعادات ابن قرايا ، كـان ينشد على الدكاكين ، ويقال إنه كان يذكر على العوني وغيره من الرفض ، فوجدوا عنده كتبًا كثيرة فيها سب الصحابة وتلقيفهم ، فأخذ فقطع لسانه بكرة الجمعة ، وقطعت يده ، ثم حط إلى الشـط ليحمـل إلـى المارستـان ، فضربـه العـوام بالآجـر فـي الطريـق ، فهـرب إلـى الشط فجعل يسبح وهم يضربونه حتى مات ، ثم أخرجوه وأحرقوه ثم رمي باقيه إلى الماء فطفا بعد أيام فقالت العامة مارضيته السمك .. ) .. حدث هذا فى رمضان ..ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم ..!!
ثالثا : فى تاريخ السلوك للمقريزى :
نختار مقتطفات من تأريخه لعام 843 ، حيث كان المقريزى شاهدا على العصر :
( شهر رمضان، أهل بيوم الجمعة:
1 ـ والقمح بثلاثمائة وثلاثين درهمًا الأردب، والبطة من الدقيق بمائة عشرة دراهم، والخيول مرتبطة على البراسيم، وقد بلغ الفدان البرسيم زيادة على ألفي درهم، وقلّ وجود اللحم من الضأن بالأسواق عدة أيام في هذا الشهر، ولم يكد يوجد السمن ولا عسل النحل، هذا مع علو النيل وطول مكثه. ..
2 ـ وفي حادي عشره: رسم بعزل معين الدين عبد اللطف بن شرف الدين أبى بكر الأشقر من كتابة السر بحلب، وأضيفت لإبن السفاح مع نظر الجيش، على مبلغ ستة آلاف دينار يقوم بحملها.
3 ـ وفي ثامن عشره: رسم لوالى القاهرة أن يستخدم مائة ماش يسعون في ركابه، وبين يديه إذا ركب، ونودي بألا يخرج أحد من المماليك السلطانية بالليل، وكانت الإشاعة بين الناس قد قويت بإختلاف أهل الدولة. ....
4 ــ وفي هذا الشهر: خُتمت قراءة صحيح البخاري بالقصر من قلعة الجبل بحضرة السلطان، وخلع على قضاة القضاة الأربع، ومشايخ العلم الحاضرين، وفرقت صُرر الدراهم في جميع من حضر، وزادت عدتهم في هذه السنة عن عدة الحاضرين عن السنين الماضية زيادة كبيره .
5 ـ وفي ثامن عشرينه: خُلع على الأمير علاء الدين على بن محمد بن الطبلاوي والي القاهرة كان ( أى الذى كان مدير أمن القاهرة ) ، وإستقر نقيب الجيش، بعد موت ناصر الدين محمد أمير طبر. ..
6. ومات الأمير قطج الناصري في يوم الإثنين ثامن عشر شهر رمضان، وهو أحد المماليك الناصرية فرج، ترقي في الخدم حتى صار من الأمراء مقدمي الألوف ثم أخرج إلى الشام ، فتنقل في إمريات بحلب ودمشق، ثم قدم القاهرة ووُعد بإمرة، فلم تطل إقامته حتى مات، وترك مالاً جزيلاً، وكان من الشح المفرط والطمع الزائد في غاية يستحي من ذكرها. ومات الأمير ناصر الدين محمد أمير طبر ونقيب الجيش، ليلة الخميس ثامن عشرين رمضان، وكان مشكوراً.)
رابعا :الجبرتى : تاريخ (عجائب الآثار )
( شهر رمضان بيوم الأحد 1236 )
( وعملت الرؤية في تلك الليلة كالعادة ، وركب فيها مشايخ الحرف والمحتسب وأثبتوا رؤية الهلال تلك الليلة بعد مضي أربع ساعات من الليل ، ولم يحصل فيه من الحوادث غير تغالي الأثمان وتعاليها بسوء فعل السوقة وإظهار رديء المأكولات وإخفاء جيدها وقد انقضى بخير.
واستهل شهر شوال بيوم الثلاثاء سنة 1236 . في ثالثه : حضرت هجانة من أراضي نجد وبصحبتهم أشخاص من كبار الوهابية مقيدون على الجمال ، وهم عمر بن عبد العزيز وأولاده وأبناء عمه ... )
أخيرا :
هل نقوم بإلغاء هذا التاريخ الحولى الذى إستمر من عصر الطبرى الى عصر الجبرتى لأنه ذكر حياة الناس فى شهر رمضان القمرى ؟ وهل نتهمهم جميعا بالغباء لأنهم لم يتبعوا التأريخ الميلادى فى صوم ( رمضان ) بينما هم اصلا لم يعرفوا التقويم الميلادى ؟
ثم أتموا الصيام الى الليل ( الإفطار بغروب الشمس )
الباب الأول : رمضان والصيام إسلاميا
الفصل الأول : عن رمضان ( جزءان )
الجزء الثانى : ( مقال واحد )
ثم أتموا الصيام الى الليل ( الإفطار بغروب الشمس )
توضيح من الدكتور أحمد لقوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ.
ابراهيم دادي 2022-04-24
عزمت بسم الله،
أعزائي رواد موقع أهل القرآن سلام الله عليكم، أعيد نشر هذا المقال الذي نشر يوم 27.08.2008 ، لأن أعداء الله تعالى الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون. ( الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ(45).الأعراف.) قد اقتحموا الموقع فافسدوا فيه الكثير من المقالات، لذا رأيت إعادة نشره رغم أننا على أيام معدودات من نهاية شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان هدى للناس. وأضيف للمقال ما يلي:
635 وحدثني عن مالك عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثم لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر 636 وحدثني عن مالك عن بن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن ثم أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود قبل أن يفطرا ثم يفطران بعد الصلاة وذلك في رمضان.
موطأ مالك ج 1 ص 289 قرص 1300 كتاب.
فإليكم المقال بما فيه من تعليق:
لم يبق لنا إلا أياما معدودات لندخل الشهر الذي هو خير من ألف شهر عند الله تعالى، فقد وصفه الخالق سبحانه واختاره على ألف شهر لأنه أنزل فيه آخر الرسائل متمثلة في أحسن الحديث كتابا ( القرآن العظيم)، فقد نزل به الروح الأمين على قلب آخر الأنبياء ليبلغه للعالمين، فيكون نورا وهدى للمتقين، فمن استمسك به وجاهد في تدبره وعمل بما فيه، فإنه يأتي آمنا يوم القيامة لا خوف عليه ولا يحزن، ويجد ما عمل من خير أو شر حاضرا ولا يظلم ربك أحدا.
وبالمناسبة أعود بكم إلى أمر أرى من الواجب علينا أن نعيد النظر والتدبر فيه ، وهو موعد الإفطار في شهر الصيام، لأن الدين الأرضي في نظري قد غير من مفهوم الآية وتصرف فيها متبعا هواه إلى تبديل الكلم عن مواضعه برواية نسبوها إلى من أنزل عليه الذكر ( محمد عليه الصلاة وأزكى السلام) وقد أمر أن يستمسك به ولا يتقول على ربه ولا يحيف عنه، فإن فعل فإن الله تعالى أنذره فقال: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ* لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ. ) (44/46) الحاقة. مع شديد الأسف نجد في كتب ما يسمى ( بالصحاح) ما يلي: لا تزال أمتي بخير ما عجلوا لإفطار وأخروا السحور؟ مسند الربيع رقم 320، و البخاري رقم 1856. ونلاحظ أن بعض المؤذنين يتسابقون في تعجيل الإفطار قبل تمام غروب الشمس، فهم بذلك يخالفون حتى التوقيت الفلكي لغروب الشمس ويعتمدون على العين المجردة لنيل السبق في الآذان كأنهم في ألعاب الأولمبية!!!
بينما يقول العليم الحكيم: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ). إلى أن يقول سبحانه: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(187) البقرة.
وأقدم بين أيدكم هذا البحث الذي أكرمنا به شيخنا حفظه الله الدكتور أحمد صبحي منصور، ندعو الله تعالى أن يجعله من الذين آمنوا وأوتوا العلم، الذين يرفعهم درجات.
يقول الدكتور أحمد صبحي منصور:
بسم الله الرحمن الرحيم
د . أحمد صبحى منصور
ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ
أولا:
يقول جل وعلا : ( أحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) ( البقرة 187 ).
نتوقف هنا مع قوله جل وعلا : (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ )
ونتساءل:
1 ـ متى يبدأ الإفطار فى يوم الصيام من رمضان ؟
إن الله جل وعلا يقول (ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ ) فما هو تحديد وقت الليل الذى نفطر فيه يوم الصيام ؟ هل هو عند غروب الشمس ؟ أم بعد غروبها بفترة حين يحل ظلام الليل ؟
2 ـ ومتى يبدأ الصوم فى نهار رمضان ؟
هل عند أذان الفجر ؟ وما هو موضوع الإمساك قبيل الفجر ؟ وما معنى قوله تعالى (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ)؟.
نعطى الإجابة المباشرة ، ثم نقوم بالتوضيح فيما بعد.
(1) : يبدأ الإفطار فى يوم صيام رمضان عند غروب الشمس ،لأنه أول الليل.
(2) :يبدأ الصيام فى يوم رمضان عند الفجر لمن يستطيع معرفة التوقيت ، وهو متاح الآن ، وعند تعذر معرفة التوقيت فيمكن التعرف عليه حين يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
(3) حكاية الإمساك هذه من مخترعات الفقه ..أى يجوز لك الأكل والشرب وغيرهما قبيل الفجر.
ثانيا:
نأتي للتوضيح:
1 ـ نضطر هنا لذكر بعض الحقائق العلمية الفلكية، وبالمناسبة فإننا نعتذر لو أخطأنا فى التعبير عن أي حقيقة علمية فى أي مقال ، وفي كل الأحوال فلا نريد سوى توجيه أنظار من يهمه الأمر إلي الآيات التى تحوي إشارات علمية ليكتبوا عنها من واقع تخصصهم العلمي. ولن نتوسع هنا فى الموضوع ،لأن الهدف الأساس لهذا المقال هو تحديد موعد الليل وموعد الفجر وفق ما جاء فى القرآن الكريم.
2 ـ من الإعجاز الكونى أن الأرض تدور حول نفسها فى نفس الوقت الذي تدور فيه حول الشمس. وذلك الدوران المزدوج ( حول نفسها وحول الشمس ) ينتج عنه تتابع الليل و النهار . والقمر يدور حول الأرض ولكنه لا يدور حول نفسه فيظل يواجه الأرض بدورانه حولها بوجه واحد أو نصف واحد بينما يظل الجانب الأخر أو النصف الأخر غير مرئي بالنسبة للأرض.
ويختلف الحال مع الأرض وعلاقتها بالشمس.
فالأرض وهي تدور حول الشمس تواجه الشمس ليس بنصف واحد كالقمر ، ولكنها تدور حول نفسها فتتسلط أشعة الشمس على الجزء من الأرض المواجه للشمس والمعرض لأشعتها ، ولأنها ـ أي الأرض ـ تدور حول نفسها بالتدريج فإن أشعة الشمس تتنقل وفق سرعة دوران الأرض حول نفسها ، أي خلال 24 ساعة يتحرك ضوء الشمس لينير نصف الأرض المواجه للشمس ،ويظل ضوء الشمس متنقلا بثبات ، وكلما تحرك أضاء منطقة من الأرض تاركا منطقة أخرى مساوية ليزحف عليها الظلام.
2 ـ وللقرآن الكريم تعبيراته الموحية التى تعبر عن هذه الحقائق الفلكية الكونية.
ونتعرض لبعضها:
*من دوران الأرض حول الشمس خلال العام تنتج الفصول الأربعة ، والاختلاف فى مقدار الليل والنهار بين الشتاء والصيف شمال وجنوب خط الاستواء. يقول تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) ( المؤمنون 80)
وكل ذلك مرتبط بخلق السماوات والأرض ، يتضح هذا من قوله تعالى :( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ ) ( آ ل عمران 190 ).
* وعن حركة الليل خلف النهار وحركة النهار خلف الليل ، حتى يحتل احدهما مكان الأخر لتظل الأوضاع تتقلب باستمرار بينهما يأتى التعبير القرآنى بأن الله تعالى يقلّب الليل و النهار (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ) (النور 44 ).
* وفى هذه الحركة يبدو النهار وهو يطارد الليل ، ويبدو الليل وهو يسعى خلف النهار كل منهما فى أثر الآخر فى حركة لا تهدأ. والتعبير القرآنى غاية في الإبداع ، إذ يصورهما في سباق وكل منهما يسعى حثيثا فى طلب الآخر ، فالليل يسعى لكى يغطي بظلمته على ضوء النهار ، والنهار يسعي بنوره ـ بنفس السرعة ـ ليكشف ظلمات الليل : يقول جل وعلا :(يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا)( الأعراف 54 )، ويقول سبحانه وتعالى:( لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ)( يس 40 ).
ولأن تعاقب الليل والنهار أثر من آثار كروية الأرض فإن القرآن الكريم يعطي إشارة لمّاحة لهذا داعيا للتفكير فى قوله تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) ( الرعد 3 ).
تعبير (مَدَّ الأَرْضَ) أجمل وأبلغ تعبير عن كروية الأرض. لأن الجسم الكروي ممتد إلى ما لا نهاية ، هذا لمن يعيش فى داخله وفى إطاره. تخيل لو أن نملة تسير على سطح بطيخة .. هل ستصل الى نهاية البطيخة ؟ ستظل تسير وتسير وسطح البطيخة ممتد أمامها لا ينتهي. ومن كروية الأرض جاء تعاقب الليل والنهار أثناء حركة (الكرة ) الأرضية ودورانها حول نفسها وحول الشمس.
ثم يأتى تعبير كروية الليل و النهار فى إشارة واضحة لتعاقب الليل و النهار على كوكب الأرض ، يقول تعالى : ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ) ( الزمر 5 ). الجديد هنا أن الآية الكريمة لا تتحدث فقط عن تكوير الليل و النهار تبعا لكروية الأرض ولكن أيضا عن النظام الكوني كله وترابطه من السماوات والأرض والشمس والقمر.
هذه الحركة المستمرة التى تجمع الزمان بالمكان ينتج عنها جزء من التداخل بين النهار والليل فى منطقة التخوم بينهما. فالنهار يزحف فى أثر الليل وهو يترك خلفه بنفس السرعة ونفس المساحة جزءا منه ليحتله الليل حيث يتحرك الليل هو الآخر خلف النهار.وبالتالى فان هذا الزحف من النهار المتواصل والمتحرك بثبات يعنى أن يبدأ أول ضوء النهار يفجر ظلمات الليل ثم تتبعه أضواء أخرى بالتدريج إلى أن تبزغ الشمس بعد أن تكون آثار أشعتها قد أنارت لها الطريق . والفجر هنا من التفجير .ونفس المعنى فى الصبح، فأول نور للصبح قبل بزوغ الشمس يفلق ظلمات الليل فى أول ضوء ، ثم تتابع الأضواء إلى أن تبزغ الشمس لطيفة ثم تعلو وتعلو إلى أن تتوسط السماء ثم تبدأ رحلة الزوال ، إلى الغروب.وبنفس الترتيب وبنفس السرعة وبنفس الحركة فإن لحظة غروب الشمس تعلن بداية الليل ولكن لا يعنى هذا أن تقضى مرة واحدة على ما يتبقى من أضواء الشمس الغائبة الغاربة، أي يظل الليل بعد الغروب يزحف بظلماته إلى أن تنقشع تماما أية آثار للضوء.
وبالتالى فدائما توجد منطقة تخوم متحركة بينهما هى فى بداية الليل من المغرب إلى قبيل العشاء، يتحرك فيها الليل للإجهاز على ما تبقى من أضواء الشمس. وبنفس القدر هناك منطقة تداخل فى بداية النهار ، حيث يهاجم النهار بأول شعاع يتفجر مضيئا الظلمات يفلق أول نور للصبح ، ثم تتراكم الأضواء والنهار معلنة عن قرب بزوغ الشمس نفسها.
التعبير المناسب أن الليل يتداخل فى النهار وأن النهار يتداخل في الليل فى حركة التسلل المستمرة بينهما والتى تتنقل فيها بالتدريج منطقة التداخل هذه لتشمل كل بقاع الكرة الأرضية ، ومن هنا تختلف المواقيت تبعا لخطوط الطول فى الكرة الأرضية ، ويختلف وقت الفجر وطلوع الشمس وغروبها من الصين إلى أمريكا مرورا بكل بقعة فى الكرة الأرضية.
للقرآن الكريم تعبيره المعجز فى هذه الحالة ، يقول تعالى :( يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ) (الحديد 6) أي يولج الله تعالى الليل فى النهار ويولج النهار فى الليل ، أي يدخل أحدهما فى الآخر حين يزحف أحدهما خلف الآخر.
ويقول تعالى : ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) ( الحج 61).
ولارتباط هذا بالنظام الكوني فإن الإشارة تأتي لذلك فى قوله جل وعلا : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ )( لقمان 29 ) ( يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ) ( فاطر 13).
3 ـ وبالتالي فهناك أوقات لليل وأوقات للنهار.
نبدأ بالنهار: قبل بزوغ الشمس هناك منطقة التخوم من الفجر أو تفجر أول ضوء ، ثم تتابع الأضواء إلى بزوغ الشمس. هذه المنطقة تتبع النهار مع وجود بقايا الليل فيها ، ولكن تلك البقايا تتضاءل إلى أن تزول . ومن رحمة الله جل وعلا أن يسّر الأمر في الصيام فجعل تحديد وقته نهارا بأن يتبين المؤمن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. أي يجعل أمامه خيطين ، وحين يحدد هذا من ذاك يكون بداية الصوم ، طالما لا يعرف تحديد وقت الفجر. ومعروف طبعا أوقات النهار الأخرى بعد طلوع الشمس من الضحى والظهيرة والعصر إلى قبيل الغروب.
في الليل : يبدأ الليل بالغروب . وبعد الغروب توجد منطقة التخوم حيث لا تزال آثار نور الشمس الغاربة الغائبة باقية ، ولكنها تخفت بالتدريج ليحل محلها الليل ، حتى يتمكن الليل من نشر ظلامه فتظهر حينئذ أنوار النجوم والكواكب متألقة بعد أن كان يحجبها ضوء الشمس.
4 ـ ومن عجب أن القرآن الكريم أشار إلى أوقات الليل.
فليس هناك أروع وأبلغ وأجمل من تصوير تسلل الليل فى قدومه ثم تسلله فى هروبه من قوله تعالى (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ) يعنى يأتى متلصصا مثل العسس أو الشرطة السرية التى تأتى تتلصص ثم تعود بنفس الكيفية وهى تتلفت فى الذهاب والإياب . وللعلم فإن ( عَسْعَسَ ) من ألفاظ الأضداد فى اللغة العربية ، أي تستخدم فى وصف الحركة عند القدوم وعند الرجوع ، ولذلك يكتمل الإعجاز في فصاحة القرآن الكريم حين نفهم (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ) بتشبيه رائع لحركته فى التسلل قادما ومغادرا.
ويتأكد أكثر حين نتأمل الآية التالية ونقرأهما معا ( وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ) ( التكوير 17 ـ 18 ). لا يستطيع بشر أن يعبر عن جمال قوله تعالى (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ )، ولكن فيما يخص موضوعنا فإن تنفس الصبح يشير إلى أن الليل إذا عسعس تنطبق على بداية الغروب عند القدوم وبداية الهروب عندما يتنفس الصبح ضوءا يزحف شيئا فشيئا مع كل زفير وشهيق للصبح.
وحركة الليل فى التسلل معسعسا مع الغروب تستمر فى نشر الظلام ، وتلك الحركة فى الظلام هي (الإسراء ) أو بالتعبير القرآنى ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْر ) ( الفجر: 4 )أي سار الليل ينشر ظلماته يغطي بها البقاع ،أو بالتعبير القرآني ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) ( الليل 1 ). ثم إذا أتم مهمته وطرد آخر ضوء واهن للشمس وحل الغسق أي الظلام فيقال حينئذ أن الليل قد سجى وأرخى ذيوله وأحكم ستارته السوداء على الناس والمكان والزمان ،أو بالتعبير القرآني ( وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى) ( الضحى 2 ).
ونلاحظ استعمال كلمة (إذا ) وهي تفيد الحركة وتجعل الليل كائنا حيا يتحرك ويتسلل وينشر ستارته الظلماء شيئا فشيئا..إلى أن تتم الحركة بأفوله وزواله ومجيء النهار فيقول تعالى :( وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ والصبح إذا أسفر) (المدثر 33 : 34 ).
كل تلك أوقات لليل.
بدايتها غروب الشمس ومجيء الليل معسعسا . وبالتالى فقوله تعالى (ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ ) تعنى مبتدأ الليل حيث توجد علامة فارقة تحدد بدء الليل وهي الغروب.
وبقية الأوقات لليل هي وصف لمراحله وآنائه كقوله تعالى : ( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا) ( الأنعام 76) فكلمة (جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ) أي غطى الليل وأظلم ،أي تشرحها الفقرة التالية من نفس الآية وهي (رَأَى كَوْكَبًا) ، فلا يمكن أن ترى كوكبا بعينك إلا إذا استحكم الظلام.
5 ـ ومن عجب أيضا أن يشير القرآن الكريم إلى آناء الليل والنهار وأوقاتهما فى مواضع متعددة ، منها:
* إقامة الصلاة ، وليس مجرد تأديتها، أي إقامتها بالمحافظة عليها بالتقوى والعمل الصالح والابتعاد عن المعصية طيلة الأوقات التي لا ننام فيها ،أو نستيقظ فيها وهي من الفجر والصبح إلى غسق الليل أي ظلام الليل ،أي من الفجر إلى العشاء : يقول تعالى : ( أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) ( الإسراء 78 )،( وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) ( هود 114).
التسبيح : كقوله تعالى : ( فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى )(طه 130).
قيام الليل : ( إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ) ( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) ( المزمل 6 ، 20 )( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ) (الزمر9).
6 ـ وفى النهاية ،فان الصيام قد ارتبط بالتيسير ومراعاة الأعذار ،لأن المهم هو مراعاة التقوى ،وهي هدف للصيام وكل العبادات.)
انتهى مقال الدكتور أحمد.
ولي تعقيب بسيط على توضيح الدكتور لدوران الشمس الذي قال فيه: فالأرض وهي تدور حول الشمس تواجه الشمس ليس بنصف واحد كالقمر ، ولكنها تدور حول نفسها فتتسلط أشعة الشمس على الجزء من الأرض المواجه للشمس والمعرض لأشعتها ، ولأنها ـ أي الأرض ـ تدور حول نفسها بالتدريج فإن أشعة الشمس تتنقل وفق سرعة دوران الأرض حول نفسها ، أي خلال 24 ساعة يتحرك ضوء الشمس لينير نصف الأرض المواجه للشمس ،ويظل ضوء الشمس متنقلا بثبات ، وكلما تحرك أضاء منطقة من الأرض تاركا منطقة أخرى مساوية ليزحف عليها الظلام. أهـ
ثم أنقل لكم أعزائي القراء ما جاء في ( صحيح البخاري) عن الشمس وغروبها وسجودها تحت العرش إلى أن يأذن الله تعالى لها أن تشرق من جديد، ولا ندري كيف يكون النصف الآخر من الكرة عندما تكون ساجدة تحت العرش منتظرة الإذن بالشروق!!! ؟؟؟.
فقد جاء في البخاري ما يلي:
1. 3027 حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس أتدري أين تذهب قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العلم.
البخاري ج 3 ص 1170 قرص 1300.
2. باب والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم 4524 حدثنا أبو نعيم حدثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر رضي الله عنه قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس فقال يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فذلك قوله تعالى والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم 4525 حدثنا الحميدي حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال ثم سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى والشمس تجري لمستقر لها قال مستقرها تحت العرش.
البخاري ج 4 ص 1806 قرص 1300.
فهل يا شيخ عبد المهدي ويا شيوخ الأزهر تعتبر لديكم هذه الروايات المتناقضة التي فيها اختلافا كثيرا عما أنزل الله من الكتاب والحكمة؟؟؟؟
هل الرسول الذي يعلم الغيب حسب أبي ذر، فأجابه لما سأله في رواية وفي أخرى لما أخبره الرسول أن الشمس عند غروبها فإنها تذهب تسجد تحت العرش حتى يؤذن لها، أقول هل الرسول (عليه الصلاة والسلام) كان لا يعلم بدوران الأرض؟؟؟
ختاما أتوجه إلى العلي القدير أن يهدينا سبله وصراطه المستقيم ويعيننا على استقبال الشهر المفضل عن ألف شهر، بتقدير المولى تعالى لا بتقدير حسابنا، لأن يوما عند ربك كألف سنة مما نعد. وهنيئا لمن أطال الله عمره فصامه إيمانا وطاعة وتسليما لله تعالى واتبع صراطه المستقيم...
والسلام على من اتبع هدى الله.
27.08.08
احمد صبحى منصور
شكرا لأخى ابراهيم تلك الاضافة المميزة التى قدمها لمقالى .. وهى تعبر عن التناقض الهائل بين حقائق القرآن و خرافات التراث المنسوبة كذبا للنبى محمد عليه السلام.
كما أشكر له أنه ذكّرنى باستكمال هذا المقال ،الذى بدأته منذ عام ثم جرفنى موضوع الاعجاز العلمى فى القرآن الكريم فتركت (ثم اتموا الصيام الى الليل ) لأكتب سلسلة من المقالات عن الاعجاز العلمى للقرآن الكريم ، ونشرت بعضها ولم ينشر الآخر ولم يكتمل معظم الحلقات.
أدعو الله جل وعلا ان يجعل رمضان لهذا العام خيرا على عباده المؤمنين ، ونجاة لعباده المستضعفين ، ونصرة لعباده المجاهدين الجهاد الاسلامى الحقيقى.
وكل عام وانتم بخير
27.08.08
يبدأ الإفطار فى يوم صيام رمضان عند غروب الشمس ،لأنه أول الليل
شخصان يسكنان في بناية من 40 طابق بالنسبة للساكن في الدور الارضي الشمس اتمت الغروب ولكن بالنسبة لمن يسكن في الطابق الاخير الشمس لم تتكتمل الغروب بعد وكذلك الحال لمن يسكن في اعلى الجبل والسهل فيكيف يجتمع النهار والليل في نفس الزمن ونفس الافق فليس اول الليل هو ذهاب ضوء الشمس من الافق وهذه العملية تستغرق 10 دقائق وهو مايذهب اليه بعض الشيعة
وشكرا لكم مع تقديري واحترامي لكم
27.08.08
شكرا لكم أخي العزيز الدكتور أحمد على التعليق، وشكرا جزيلا لكم على التوضيح. الإشكالية التي نواجهها هي استجابة المؤذنين للرواية التي تحثهم على تعجيل الفطور، فأصبح التنافس بينهم حادا لدرجة أنهم يبدؤون الآذان أحيانا قبل الغروب التام لقرص الشمس، ويخالفون في ذلك التوقيت الفلكي لغروبها ( أي يسبقونه)، هذا هو مشكل الروايات المنسوبة إلى الرسول عليه السلام المخالفة في نظري لأحسن الحديث والتي تقضي عليه، فقد جاء فيه: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) ، ولم يقل سبحانه إلى غروب الشمس.
واسمحوا لي أستاذي الكريم الدكتور أحمد أن أجيب السائل من وجهة نظري فأقول: أخي الفاضل الأستاذ ميثم التمار سألتم عن الذي يسكن الطابق العلوي (مثل ناطحات السحاب) وعن ساكني شواهق الجبال، يعني أن الشمس تغرب عن نظرهم بعد فترة من الزمن من غروبها عن ساكني السهول والطوابق الأرضية، فمن وجهة نظري أنهم ينتظرون غروب الشمس عنهم، لسبب بسيط وهو أن بداية الإمساك عندهم يكون كذلك بعد ساكني الأرض بفترة من الزمن، فلا أرى إشكالا في ذلك لأن الله تعالى يقول: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ). إلى أن يقول سبحانه: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(187) البقرة.
والسلام عليكم.
التعليقات(1)
1 تعليق بواسطة أحمد صبحي منصور في الأحد ٢٤ - أبريل - ٢٠٢٢ ١٢:٠٠ صباحاً
شكرا أخى الحبيب استاذ ابراهيم دادى ، وجزاكم الله جل وعلا خيرا تلقيت أسئلة عن موعد الافطار ، وتذكرت أن سبق نشر مقال بهذا الشأن ، وبحثت عنه فوجدته مدمرا مُشوّها غير مقروء بالمرة . طلبت من ابنى الأمير أن يصلحه فقال إنه مستحيل . الغريب أن التعليقات ظلت كما هى والتدمير كان للمقال . وطبعا هناك لا تزال آثار فى الموقع بعد استرجاعه ، فلقد وضعوا فيه ألغاما . وربما يكون هذا الموقع الواهن أكثر موقع تعرض للتدمير عدة مرات . طلبت من أخى الحبيب ابراهيم دادى العثور على المقال ، فوفّقه الله جل وعلا وعثر عليه وأعاد نشره.
ما يحدث لموقع أهل القرآن من حصار وتعقبه بالتدمير يدل على شيئين : تأثيره الشديد ـ والذى ليس فى عدد رواده وانما فى نسخ مقالاته ونشرها ، الثانى الدليل الساطع على اننا على الحق ، وأن الذين يملكون القوة الضاربة فى الاعلام يؤرقهم ضوء شمعتنا ، فيقومون بالصّد عن سبيل الله جل وعلا يبغونها عوجا . وموعدنا معهم أمام الواحد القهار. اللهم اجعلنا عليهم شهودا يوم يقوم الأشهاد..
ب 1 ف2 :
ب 1 ، ف 2 ، ج 1 )ثلاث مقالات ) آيات تشريع الصوم فى سورة البقرة
كتاب ( رمضان والصيام بين الاسلام والدين السنى ) دراسة أصولية تاريخية
الباب الأول : رمضان والصيام فى الاسلام :
الفصل الثانى : تشريع الصيام فى رمضان ( جزءان )
الجزء الأول : ( خمس مقالات )
آيات تشريع الصوم فى سورة البقرة
المقال الأول
أولا:
1 ـ كان العرب كانوا يصومون شهر رمضان طبقا لملة ابراهيم التى توارثوها جيلا بعد جيل .
وبعد نزول القرآن الكريم اعتاد المؤمنون بالقرآن صيام رمضان بنفس التوارث المعتاد ،ثم نزل تشريع الصيام في المدينة ليتحدث عن شهر شهر رمضان الذى أصبح معروفا للمسلمين بأنه شهر القرآن ، فهو الذي نزل فيه القرآن مرة واحدة على قلب النبي محمد حين كان في مكة.
أول آية في تشريع الصوم قالت : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) لم تشرح ألآية الأولى في تشريع الصوم معنى الصوم وأنه الامتناع عن الطعام والشراب واللقاء الجنسي بالزوجة – كما تفعل كتب الفقه ـ والسبب بسيط هو أن العرب كانوا يصومون رمضان، بل وكانوا يتخذون منه عادة اجتماعية للهو واللعب بدون مراعاة للتقوى كما نفعل نحن الآن ، لذا تخبر الآية الأولى في تشريع الصوم القاعدة الأولى وهى تأدية الصوم كما اعتادوه بنفس ما كان في ملة إبراهيم (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) من الامتناع عن الأكل والشرب واللقاء الجنسي، وهوالذى كانوا يفعلونه أنفسهم في مكة قبل أن ينزل التشريع القرآني بهذا التصحيح والتنقيح ، ثم تختم آية التشريع الأولى بتقرير إقامة الصوم في سلوك المؤمن عقيدة وسلوكا أي أن يكون هدف الصوم هو التقوى. (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
2 ـ بعد تقرير أن الصوم عبادة متوارثة ولا بد من مراعاة التقوى فيها تأتى الآيتان التاليتان بتقعيد تشريع جديد لم يكن موجودا من قبل، وهو فى التيسير باباحة الفطر في رمضان، ولأنه تشريع جديد فقد جاءت تفصيلاته واضحة، بل وتكررت في آيتين متتاليتين توضحان السماح بالافطار للمريض والمسافر وحتى القادر على الصوم ولكن مع قضاء الصوم (للمريض والمسافر ) أو دفع الفدية لمن يفطر وهو يطيق الصوم أى يقدر عليه بصعوبة مرهقة (البقرة 183- 185).
3 ـ وكان الصوم المعروف المتوارث وقتها قبل نزول التشريع القرآني الجديد يبدأ بعد العشاء ويستمر طيلة الليل والنهار حتى مغرب اليوم التالي ليكون الإفطار مرحلة قصيرة هي ما بين المغرب والعشاء فقط. وكانت هذه الفترة القصيرة لا تكفى إلا للطعام فحسب، ويأتي الليل فيضطر أحدهم لمباشرة زوجته بعد العشاء ، أى في وقت يجب أن يكون فيه صائما. ونزل التخفيف تشريعا جديدا مفصلا في قوله سبحانه وتعالى " أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ) أي جاء التشريع الجديد بأن مباشرة الزوجة مباح في ليلة الصيام (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ) وهنا يخبر الله سبحانه وتعالى عن وقوع بعضهم في مباشرة الزوجة في ليلة الصيام حين كان واجبا الصوم فيه، ويبشر الله سبحانه وتعالى بأنه عفا عنهم وتاب عليهم، وأنزل هذا التخفيف عليهم، لذا جاء التشريع الجديد يقول للمؤمنين (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ). يأتي هنا تفصيل التشريع الجديد لوقت الإفطار في رمضان ، حيث يباح الأكل والشرب واللقاء الجنسي بالزوجة من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر، وظهور أول تباشير الضوء حين تتمكن العين المجردة من تمييز الخيط الأبيض من الخيط الأسود . توضيح مفصل في تشريع جديد يعقبه تشريع جديد آخر يتضمن تصحيحا لتشريع قديم هو الاعتكاف في ليالي رمضان في المساجد (وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ )... البقرة 187-) إذ كانوا يعتكفون في المساجد رجالا ونساء، وكان الزوج يعتكف مع زوجته في المسجد في ليالي رمضان، وكان يحدث لقاء جنسي بينهما وقت الاعتكاف، لذا نزل التشريع الجديد يحرم ذلك اللقاء الجنسي بالزوجة أثناء الاعتكاف الرمضاني في المسجد.
4ـ ذلكم هو بيان القرآن لما يحتاج فعلا إلى بيان من تشريع جديد يعرفه الناس لأول مرة أو يوضح وجه الحق في تحريف أدخله الناس في تشريع سائد. لذا اختتمت الآية بتقرير أن ذلك هو بيان القرآن للناس لعلهم يتقون: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ]
وبالفعل فان بيان القرآن الكريم في تلك الآيات القليلة احتوى على كل ما يلزم المؤمن في تشريعات الصوم. وما أحدثه الفقهاء بعدها من ثرثرة وفتاوى وأحكام فقهية كلها هراء لا طائل من ورائه، لذا اختلفوا فيه وانشغلوا بهذا الاختلاف قرونا وكتبوا فيه آلاف الصفحات عبثا ، ومن أسباب ذلك أنهم شرّعوا لأنفسهم ما يريدون فى شكل احاديث ، ثم صدقوا أكاذيبهم ، فحجبوا عقولهم عن التفكير وعن التدبر فى القرآن الكريم فلم يفهموا فلسفة التشريع القرآنى ودرجاته.
وهم لم يكتفوا بالثرثرة، إذ ابتدعوا تشريعات ما أنزل الله تعالى بها من سلطان ، ونسبوها زورا للنبى محمد عليه السلام.
ثانيا
التشريعات الاسلامية ـ عموما ـ تقوم على درجات ثلاث : أوامر ، وقواعد ، ومقاصد أوأهداف.
والعادة ان الأوامرالتشريعية تخضع فى تطبيقها للقواعدالتشريعية ، بينما تخضع القواعد التشريعية فى التطبيق الى المقصد التشريعى وهو التقوى ،والتقوى هى الغاية الكبرى من كل العبادات والأعمال الصالحة.
ونبحث عن الأوامر و القواعد والمقاصد فى آيات تشريع الصوم ، وبتدبرها يتضح الآتى:
1 ـ جاءت الأوامر بالصوم فى قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ) (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، وجاء توضيح الأمر بالصوم فى قوله تعالى (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل ). وتنفيذ هذه الأوامر ـ بالصيام او الافطار ـ يخضع للقواعد التشريعية التى جاءت فى الايات نفسها.
2 ـ وجاءت القواعد ، وأساسها التخفيف والتيسير وليس التعسير ، فى قوله تعالى فى سياق تشريع الصيام :(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ( البقرة 185 ).
وهذه القاعدة فى التخفيف ورفع الحرج هى أساس فى قواعد الاسلام يختلف به عن الأديان الأرضية للمسلمين التى تقوم على الحظر والتضييق والتزمت والتحريم للمباح الحلال.
وفى قيام التشريع الاسلامى على التخفيف ،يقول جل وعلا عن الدين الاسلامى كله ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا ) ( الحج 78 )
ويقول (يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ) ( النساء 28 ).
ويتردد هذا فى تشريعات جزئية كالطهارة ، يقول جل وعلا :(مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ( المائدة 6 ).
ويأتى فى مراعاة أحوال ذوى الاحتياجات الخاصة من المعوقين والمرضى : (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ) ( النور 61 ) (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ) ( الفتح 17 ).
ونفس الحال فى الحج (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ( البقرة 196 ).
وفى الصلاة فى قصر الصلاة عند الخوف فى الحرب والمطاردة (النساء101 : 103 ) وعند خوف ضياع وقت الفريضة ( البقرة238 : 239 )
وفى قيام الليل (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)(المزمل 20)
وهنا فى الصوم.( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ( البقرة 185 )
لقد جاءت الرسالة الالهية الخاتمة ( القرآن الكريم ) بالتخفيف ورفع الاصر ، و(الإصر ) هو الثقيل من التكاليف التشريعية ، ولقد جاء فى آخر آية من سورة البقرة (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ) فليس فى الاسلام مؤاخذة على الخطأ أو النسيان ، لأن فى رسالته القرآنية الخاتمة رفع (الإصر ) أى التكاليف الشرعية الثقيلة التى كانت فى الرسالات السماوية الاسلامية السابقة . ومن هنا فان الله جل وعلا خاطب موسى عليه السلام فى الميقات عند جبل الطور متحدثا عن رفع الاصر عن أتباع الرسالة القرآنية الخاتمة فقال جل وعلا (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ) ( ألأعراف : 157 )
3 ـ ولأن الصوم فيه مشقة الحرمان فان التخفيف و التيسير جاء قاعدة فى أدائه ، ولذا فقد جاءت تفصيلات التخفيف والتيسير فى آيات تشريع الصوم باعتبارها تشريعا جديدا مفصلا لم يكن موجودا من قبل ، يقول تعالى :(أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ( البقرة 184 : 185 )
وهنا نستخلص قواعد التخفيف والتيسير كالآتى:
• من اصبح فى يوم من أيام رمضان مريضا أو على سفر فله أن يفطر ، ويقضى الأيام التى أفطرها بعد رمضان.
• ومن أصبح مريضا أو على سفر ولكن أراد أن يصوم دون استعمال رخصة الفطر فهو خير له.
• من كان يطيق الصوم ـ أى يقدر عليه ـ ولكن شاء الفطر فعليه أن يدفع فدية (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ). والفقه السّنى يحرّف معنى الآية الكريمة، فيقولون أن معناها أنه على الذين ( لا يطيقون ) الصيام ،أى يقولون بوجود(لا ) النافية ويزعمون أنها محذوفة. وهذا تحريف للقرآن الكريم بأن يزيد فى لغة القرآن الكريم ماليس فيها. ثم أن هذا المعنى المحرف لا يستقيم مع التيسير ، وهو القاعدة فى الصوم، ولا يستقيم مع سياق الآية قبلها حيث أباحت الفطر للمسافر والمريض ثم ألحقت به فطر من يطيق الصوم ويقدر عليه مع دفعه الفدية ، ولا يستقيم مع سياق الآية بعدها حيث يجعل الله تعالى التفضيل لمن يصوم وهو يطيق ـ اى يقدر ـ على الصيام ، كما لا يستقيم مع فهم كلمة (يطيق ) ومشتقاتها التى جاءت ثلاث مرات فى نفس سورة البقرة ، مرة بالاثبات فى موضوع الصوم :(وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ )، ومرتين بالنفى : (قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) (رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِه) ( البقرة 249 ، 286 ). أى لو كان الله تعالى يريد أن يقول (وعلى الذين لا يطيقونه فدية ) لقالها وأثبت كلمة(لا ) ، ولكنه جل وعلا قال بالاثبات وليس بالنفى ، ليفيد فى معرض التيسير أنه على من يقدرعلى الصوم ويطيق الصوم ولكن يريد الافطار فعليه تقديم فدية طعام مسكين.
• ومفهوم بعدها أنه ـ من باب أولى ـ فالذى لا يستطيع الصوم يمكنه الافطار ودفع الفدية ، فاذا تطوع المفطر فى رمضان بزيادة الفدية فهو خير له ، ولو كان يستطيع الصوم ولكن بمشقة بالغة ولكنه تطوع بقبول مشقة الصوم فهو خير له ، وفى الصوم فائدة على كل حال (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُم إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ).
• وجاء التخفيف الأخير فى تعديل مدة الافطار لتكون من بداية الليل بغروب الشمس الى أن يتبين الخيط ألأبيض من الخيط الأسود من الفجر. ( البقرة 187 ).
3 ـ تنفيذ هذه القواعد يخضع للتقوى. وهنا ندخل على المقصد من التشريع.
التقوى هنا هى ضمير الصائم الذى يمتنع عن الطعام والشراب والعلاقة الجنسية مع الزوجة ابتغاء مرضاة الله تعالى . هو بذلك يتعامل مباشرة مع ربه فيخشى الله جل وعلا بالغيب ،أى حين يكون وحيدا منفردا يتمسك بصومه حيث لا رقيب ولا حسيب عليه سوى مولاه عز وجلّ. ولذلك كانت عبادة الصيام وسيلة لتعلم التقوى ،أو على حد قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ).
وفى التقوى تجد الاجابة عن كل التساؤلات التى يسأل عنها الصائمون ،وهى البديل الأمثل الذى يستغنى به المسلم الصائم عن كل تلك الثرثرة الفقهية والخزعبلات التى حفلت بها كتب الفقه . ونعطى أمثلة:
* فالقرآن الكريم لم يحدد ماهية السفر الذى يسبب ارهاقا يتساوى مع المرض ، وترك ذلك لتقدير الضمير المؤمن.
* ولم يحدد نوع المرض الذى يستدعى الافطار. المؤمن المتقى عليه أن يأخذ رأى الطبيب المختص ـ وليس الفقيه ـ فى تحديد هل مرضه يستوجب الافطار أم أن الصوم لا يضره ؟
* وليس فى القرآن الكريم تلك الثرثرة الفقهية عن صوم أوعدم صوم الحامل والمرضعة، وحكم تقبيل الصائم لزوجته، لأن كل ذلك متروك لضمير الصائم وتقواه.
* ولم يحدد الفدية التى يدفعها المفطر غير المريض وغير المسافر، قال فقط (فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) . التحديد يخضع لتقوى المسلم ، هل يعطى طعاما فاخرا أم معتدلا ، وهل يعطى طعاما عينيا أو مالا يقوم مقام الطعام ، وما هو الواجب على الغنى والفقير ؟ كل ذلك يقدره ضمير المؤمن الذى يسعى لرضا ربه جل وعلا عليه.
وفى الأحوال السابقة جاءت إشارة لطيفة للتقوى فى قوله تعالى (فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ )، وهى تخاطب من يستطيع الصوم ويطيقه ويقدرعليه ولكن يفطر ويعطى فدية، وموجهة أيضا لمن يستطيع الصيام فى السفر والمرض ولكن يختار الافطار.
* وجاء تحديد بداية الصوم ونهايته أيضا موكولا الى ضمير المؤمن الصائم ، فالبداية من حين يتبين له ـ هو ـ الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. ويمكنه احتياطا أن يمسك عن الطعام قبلها . وحدد وقت الافطار بالليل ، والغروب هو بداية الليل ،أى يمكنك شرعا أن تفطر بمجرد غروب الشمس ، ولكن لمن أراد التيقن و التأكد أن يفطر بعدها بعدة دقائق.
* وهناك التساؤل المشهور عن سكان القطبين وبلاد اسكندنافيا ..كيف يصلون وكيق يصومون ؟
هناك لا خلاف على وجود يوم طوله 24 ساعة ، وعلى أساس هذا اليوم تسير حياة كل انسان ونومه وعمله وصحوه ويقظته وراحته و انشغاله، وليس صعبا أن تحدد بداية الفجر وبداية الليل ، ليس بالنهار الضوئى حين تستمر الشمس ظاهرة عدة أشهر ، وحيث يستمر الليل ما تبقى من العام ، ولكن بالنهار الذين يعتادون فيه العمل ، وبالليل الذى يعرفون ميقات بدئه ، وبهذا يصومون ويفطرون ، وفى تنفيذ ذلك تكون مراعاة التقوى.
* وفى كل الأحوال فالمتقى يختار لنفسه الأحوط ويعرف فى نفس الوقت ان الله جل وعلا فرض الصوم ليس مجرد الامتناع عن الطعام والشراب ومباشرة الزوج (الزوج تفيد الانثى والذكر ) ولكن ليكون الصوم مدرسة للتقوى وخشية الرحمن بالغيب ، ولذا فلا يتوقف عند التفصيلات التى لا لزوم لها . والآن يمكنه ان يعرف بالضبط موعد الغروب فى المكان الذى يعيش فيه ، ويعرف إنه لو أخطأ بحسن نية فهو مغفور له لأن الله تعالى يقول ( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم ) (الاحزاب 5 ).
وبهذا يكتفى المؤمن بتشريع الله تعالى للصوم فى القرآن ، ويعلم أنه القرآن وكفى.
أما إذا صمم على الاسترشاد بكتب الفقه السنى فسيضل ،فاذا عمل على تطبيقها فقد أضاع ما تبقى من عقله.!
المقال الثانى :
مزيد من التدبر
ونرجع مجددا لآيات الصيام لمزيد من التدبر : يقول جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) البقرة ) . :
2 ـ أرجو من القارىء الكريم أن يقوم بنفسه بالتمعن فى الايات الخمس السابقة ، وأن يقوم بعدّ كل كلماتها . عدد كلماتها 177 كلمة . جاء منها 36 كلمة فقط فى فرضية الصوم وما يتعلق بها ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ )( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) ، بينما جاءت 109 كلمة فى إباحة الفطر فى رمضان للمسافر والمريض والذى يرهقه الصيام وتطويل ساعات الفطر فى قوله جل وعلا :( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) ( وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) . أى إن التركيز فى التشريع هنا هو على التخفيف والتيسير والترخيص فى الفطر .
3 ــ وهذا كله فى إطار المقصد التشريعى لعبادة الصوم ، وهو التقوى التى يتجاهلها تشريع المحمديين . المؤمن الذى يتقى ربه يمكنه أن يستعمل تشريع التخفيف فى المرض والسفر ، على أن يقضى المسافر والمريض صيام الأيام التى أفطرها ، ثم التخفيف على من يكون الصوم شاقا له بأن يدفع فدية طعام مسكين لكل يوم يفطره ، وليس عله قضاء .
4 ـ نفهم سماحة التشريع القرآنى فى موضوع الصيام حين نتذكر ما جاء من تركيز على التخفيف فى تفصيلات التشريع والتى تكررت مرتين فى آيتى 184 ، 185 ، ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ) ( وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) مع تأكيد يقول (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ ). الله جل وعلا يريد بنا اليسر ، ولكن فقهاء الدين السنى يريدون بنا العسر . الله جل وعلا يريد أن يخفف عنا لأننا ضعفاء : (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً (28) النساء ) ولكن فقهاء الدين السنى يريدون بنا المشقة والعنت . هؤلاء فى دينهم الأرضى يتناقضون مع ما أكده رب العزة أن الله جل وعلا لا يؤاخذنا إن نسينا أو اخطأنا ، وأنه جل وعلا لا يكلفنا ما لا طاقة لنا به ، وأنه جل وعلا لا يكلف نفسا إلا وسعها .
5 ـ ونفهم تشريعات الصيام فى ضوء المقاصد العليا للتشريع الاسلامى ، وعلى رأسها التقوى ، والخطاب بالتقوى هو للفرد فى الأساس ، مع إنه يأتى للجميع. فالله جل وعلا يقول لكل فرد (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ). التقوى هى تعامل قلبى بين الفرد وربه جل وعلا ، ولا دخل لأحد آخر فى هذا . وهذا يتحقق فى الصيام ، وبالتالى فإن الذى يستعمل رخصة الإفطار فى رمضان يجب أن يكون أكثر مراعاة للتقوى أكثر من الذى يصوم فعلا ، هذا حتى لا يُساء إستعمال الرُّخص فى الافطار .
6 ـ الروعة هنا أن الله جل وعلا يجعل السفر عذرا ، دون أن يحدد مسافته أو مدته أو كيفيته . ( مع إن فقهاء التزمت تدخلوا فى هذا ) ، وجعل الله جل وعلا المرض عُذرا ، مجرد المرض ، مطلق المرض دون تحديد . وجعل الله جل وعلا المشقة من الصوم ( الذين يطيقونه ) أى يقدرون على الصوم ولكن بمشقة ـ جعل تقديرها راجعا للفرد نفسه . ترك التحديد للفرد المتقى ، هو الذى يحدد هل يستدعى سفره أو مرضه الصيام أم يستدعى الفطر ، وفى كل عليه القضاء لما أفطر من ايام، وهو الذى بيده أن يقدر هل يتحمل الصوم أم لا ، والحكم هنا لقلب الفرد المؤمن ، أى لتقواه ، لذا يقول جل وعلا مُذكّرا بتقوى القلوب : (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) ).
الروعة فى كل ما سبق أنّ رب العزة بذاته القدسية هو الذى يخاطب الفرد مباشرة ، بفرضية الصيام والتيسير فيه ، ولكن فقهاء السُّوء تدخلوا وأقحموا أنفسهم فى هذا الخطاب المباشر بين الله جل وعلا والفرد ، تدخلوا بفوازيرهم السمجة التى تحمل التشدد والتعنت والتزمت . جعلوا أنفسهم كهنوتا وواسطة بين الله جل وعلا والناس ، هذا مع إن رب العزة قال لخاتم المرسلين فى سياق تشريع الصوم : ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) البقرة )، لم يقل (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فقل لهم َإِنِّي قَرِيبٌ ) حتى لا يكون النبى واسطة بين الله والناس ، لأن معنى أنه جل وعلا قريب أنه لا حاجة الى واسطة ، فالله جل وعلا أقرب الينا من حبل الوريد فى حياتنا (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) ق ) وأقرب الينا بما لانستطيع تصوره ـ عند إحتضار أحدنا (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ (85) الواقعة ) . ولكنها عادة سيئة للكهنوت فى الأديان الأرضية أن يُباعدوا ما بين الناس ورب الناس ليتصدروا واسطة يحرمون الحلال ويستحلون الحرام وينغّصون على الناس حياتهم بفقه النّكد ، ولقد تخصّص الفقه السُّنّى بالذات فى (فقه النكد )
ثانيا: بناءا على ما سبق نقول :
1: لا حرج على من يعيش قرب القطب الشمالى أن يفطر ويدفع الفدية ، ومثله المريض المستمر مرضه ، والعامل فى حرارة الشمس ، وسائق الاتوبيس ..وكل من يجد إرهاقا فى الصوم . لا حرج على هؤلاء طالما كان متقيا مخلصا لله جل وعلا قلبه وعبادته .
2 : إن بداية الصيام جعلها الله جل وعلا تقريبية ، أى عندما يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود ( من الفجر ) أى ليس بالتحديد بالدقيقة والثانية موعد الفجر . وفى هذا التخفيف عُذر لمن لا يستطيع التأكد من طلوع الفجر ، أن يصوم مخلصا لله جل وعلا قلبه . وتمام صوم اليوم هو ( الليل ) وسبق أن كتبنا فى هذا مقالا ، والمستفاد أن الافطار هو بزوال قرص الشمس ، وهو بداية الليل الذى يزحف شيئا فشيئا الى ان تحل العتمة ، وهو موعد صلاة العشاء . قد تحدث غيوم ولا يعرف أحدهم موعد المغرب ، وقد يكون فى الطائرة أو فى مكان لا تتيسر فيه الرؤية ، وهو صائم . إن أخطأ فى تقديره فلا عليه طالما كان متقيا مخلصا لله جل وعلا قلبه وعبادته .
3 : هناك إختلافات فى تحديد بداية شهر رمضان وإنتهائه. قد يصوم أحدهم الثلاثين من شعبان على أنه أول رمضان ، وقد يفطر أول رمضان على أنه الثلاثين من شعبان ، ونفس الحال فى إنتهاء رمضان وقدوم شوال . لا حرج فى هذا كله ، طالما يصوم مخلصا لرب العزة جل وعلا قلبه محافظا على تقواه.
كل عام وأنتم بخير.
المقال الثالث
ومزيد من التدبر
يقول جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) البقرة ) . ونلاحظ الآتى :
1 ـ لم يذكر رب العزة بالتفصيل كيفية الصوم ( الامتناع عن الأكل والشرب واللقاء الجنسى ) مكتفيا بأنه مكتوب علينا بمثل ما كان مكتوبا على من كان قبلنا . وجاءت عنه إشارة فى سياق التخفيف من وقت الصيام وبالتالى بمعنى الصيام ، إذ كانوا يصومون قبل نزول القرآن بنفس الطريقة من الامتناع عن الطعام والشراب والعلاقة الجنسية بالزوجة ، وكان الصوم يستمر من بعد العشاء الى غروب الشمس لليوم التالى فنزل التخفيف ، بأن يكون الصوم من الفجر الى غروب الشمس . وبغروب الشمس يكون الليل والافطار. فى هذا السياق جاءت إباحة الأكل والشرب واللقاء الجنسى ، من غروب الشمس أى غياب قرصها الى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر .
وبالتالى فلا حاجة الى آلاف الفتاوى التراثية فى مبطلات الصوم ، فهى ثلاث فقط: اللقاء الجنسى و ( الأكل والشرب ) اللذان يصلان الى المعدة ،أما ما يصل من هواء الى الجهاز التنفسى ـ كالتدخين ـ فليس أكلا ولا شربا ، وبالتالى لا يبطل، ومنشور لنا مقالات بهذا .
كما أنه لا أصل على الاطلاق لما يُسمى ب ( الامساك ) الذى إبتدعه الفقه التراثى بمعنى الامساك عن الأكل والشرب واللقاء الجنسى قبل الفجر بوقت إختلفوا فى تحديده . هذا ( الامساك ) المزعوم ينفيه رب العزة جل وعلا بقوله ( فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ) . أى إباحة الأكل والشرب حتى يتبين كذا من كذا .!
2 ــ أرجو من القارىء الكريم أن يقوم بنفسه بالتمعن فى الايات الكريمة السابقة من سورة البقرة ( 183 : 187 ) هى خمس آيات فقط ( بإضافة آية الدعاء رقم 186 ) . هذا هو كل تشريع الصيام فى رمضان . وأرجو أن يتذكر القارىء الكريم أن هناك عشرات الألوف من الصفحات ومئات الكتب وعشرات الألوف من الفتاوى صدرت ولا تزال عن صيام رمضان . وأرجو من القارىء الكريم أن يٍسأل نفسه : هل أنزل الله جل وعلا تشريع الصيام ناقصا فتكفل الفقهاء ( الأبرار ) بتكميل هذا النقص ؟ أم أنهم فى ثرثرتهم وأساطيرهم وخرافاتهم عن صيام رمضان غفلوا عن الحقائق التى جاءت بها الآيات الخمس فى سورة البقرة ؟ !.
3 ـ ونرجو من القارىء الكريم أن يتدبر قوله جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَاذِبُونَ (105) النحل )، هنا التأكيد على أن من يختار لنفسه عدم الايمان بآيات الله لا يمكن أن يهديه الله ، خصوصا إذا كان يحترف الاضلال ،ومهما بلغ حرصك على هدايته فلن يهديه الله جل وعلا لأن ذلك الشخص ( مُضل ) ففى نفس السورة يقول جل وعلا للنبى عليه السلام نفسه : ( إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37) النحل ). ثم ينتظرهم عذاب أليم . هذا مضمون قوله جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)) . هؤلاء الذين لا يؤمنون حقيقة بآيات الله يلجأون لاستبدالها بإفتراءات يصنعونها ينسبونها لله جل وعلا بزعم أنها وحى ، وأحاديث قدسية وللرسول بزعم أنها سُنة وأحاديث نبوية ، ثم يلتفتون الى تشريع الرحمن فى القرآن فيسلطون عليه ما أسموه ب ( النسخ ) الذى يعنى عندهم إلغاء الآية القرآنية بآية قرآنية أخرى . يرتكبون هذا لأنهم ــ فى الحقيقة ـ لا يؤمنون بكتاب الله وما أنزل فيه من آيات. هذا فحوى قوله جل وعلا عنهم : ( إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَاذِبُونَ (105) النحل ). هنا إعجاز و( آية ) تنطبق على أئمة الأديان الأرضية ، خصوصا السنيين ،السابقين منهم واللاحقين ، ومن إتبعهم فى الضلال الى يوم الدين .!! لم يعجبهم تشريع رب العزة فى القرآن فيما يخصُّ الصيام فإفتروا تشريعا آخر نسبوه للنبى عليه السلام ، وجعلوه دينا بلا قاع وبلا قعر ، يأتى فقيه فيزيد ما يريد ، كما فعل ابن باز وابن عثيمين فى فتاوي سمجة يضحك منها الحزين .
أخيرا
المشكلة فى ( صيام) أو ( صوم ) رمضان تنبع من عاملين :
1 : إنه إرتبط بحياة إجتماعية استمرت قرونا جعلت لشهر رمضان طبيعة خاصة ، تتشكل على أساسها عقليات ( المحمديين ) وتؤثر على من يعايشهم من المسيحيين .وأن المعرفة برمضان والصيام فيه ليست مستمدة من القرآن الكريم بل من أساطير التراث الفقهى وأعاجيبه و ( فوازيره ) . ولذا فإن شهر رمضان هو شهر الفوازير العجيبة من الفتاوى المتكررة والوعظ المعتاد الذى يقول كثيرا ولا يقول جديدا ، ولا ينتج عنه إصلاح فى الأخلاق .
2 ــ أذكر أن أول مقال لى عن الصيام فى شهر رمضان نشرته جريدة الأخبار المصرية فى أوائل التسعينيات ، وكان فى تدبر الآية الكريمة ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) البقرة )، وُوجه المقال بإستغراب لأننى أوضحت حقيقتين ذكرتهما الآية الكريمة : إن الصيام من ملة ابراهيم وكان معروفا الصيام من قبل ، ونزل التشريع فى المدينة بالجديد فى رُخص الافطار وفى تقليل مدة الصيام ، ثم أن الصيام وسيلة للتقوى شأن كل العبادات ، وليس غاية فى حدّ ذاته . كانوا معتادين على أن يجترّ الشيوخ نفس الكلام المعتاد البعيد عن القرآن الكريم، فلما جاءهم المقال بحقيقتين من القرآن عن رمضان إستغربوا ، لأن القرآن قد إتخذوه مهجورا ، ولا يزالون .
3 ـ وجه الاستغراب كان ـ ولا يزال ـ نابعا من عاملين :
3 / 1 : تجاهل المحمديين أن خاتم النبيين محمدا عليه وعليهم السلام ـ كان متبعا لملة ابراهيم ، ومنها الصلاة والصوم والحج والزكاة المالية ، ولذلك فإن منهج القرآن الكريم فى التعرض للعبادات المتوارثة ليس بذكر تفصيلاتها المعروفة من كيفية الصلاة ومواقيتها مثلا ،ولكن بالتذكير بالخشوع فيها والمحافظة عليه لتكون وسيلة للتقوى ، ثم إذا جاء تشريع جديد فى ملة ابراهيم نزل مفصلا ، كصلاة الخوف والوضوء والاغتسال ، ورُخص الافطار فى رمضان ، وكل ذلك فى إطار التقوى و التيسير والتخفيف ورفع الحرج .
3 / 2 : إعتقادهم الخاطىء أن العبادات هدف فى حدّ ذاتها . وبالتالى فطالما تصوم جوعا فلا عليك من حرج مهما فعلت ، وطالما تصلى بحركات قيام وركوع وسجود فلا عليك مهما فجّرت من قنابل وفجرت فى سلوكك ، وطالما تتصدق وتبنى المساجد فلا عليك مهما سرقت ونهبت ، وإفعل ما تشاء وقم بالحج فسترجع كما ولدتك أُمُّك .!!. أى بالتناقض مع دين الرحمن ، ففى دين الاسلام التأكيد على أن العبادات كلها مجرد وسائل للتقوى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) البقرة ) أما فى الدين الأرضى السّنى بالذات تكون العبادات هدفا فى حدّ ذاتها ، وبالتالى تصبح وسيلة للفسوق والعصيان والظلم والطغيان . فالطاغية فى بلاد المحمديين يحرص على تصويره وهو يصلى الجمعة خاشعا وحوله اعوانه حاشية الفساد ، وعندما كنت مُجبرا على التحقيق معى كل حين فى مبنى أمن الدولة فى لاظوغلى ، كنت أشاهد الذين يقومون بالتعذيب وهم يقفون فى صفوف لصلاة للظهر أو العصر ، وأرى سجادة الصلاة فى مكتب الضابط الذى يحقق معى .! .والواقع أنّ أكثر المجرمين والارهابيين هم الأكثر تدينا بالدين السنى الذى يتركز فى المظهرية السطحية ( النفاق ) والاحتراف الدينى . المجرم العادى يعرف أنه مجرم ، وقد يتوب ، أما من يجعل الاجرام دينا وجهادا وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر ، ويعتقد أنه مبعوث العناية الالهية لارغام الناس وإكراههم فى الدين ـ فمستحيل أن يتوب ، فقد زيّن له الشيطان سوء عمله فرآه حسنا . وقد قالها رب العزة لخاتم المرسلين : (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8) فاطر )
ب 1 ، ف 2 ، ج 1 )مقالان ) آيات تشريع الصوم فى سورة البقرة
( رمضان والصيام بين الاسلام والدين السنى ) دراسة أصولية تاريخية
الباب الأول : رمضان والصيام فى الاسلام :
الفصل الثانى : تشريع الصيام فى رمضان ( جزءان )
الجزء الأول : ( خمس مقالات )
آيات تشريع الصوم فى سورة البقرة
المقال الرابع
نقاشات
أثار المقال السابق عن (الصيام فى تشريع القرآن ـ 1 ـ ) ردود أفعال صاخبة فى موقعنا (أهل القرآن ) استدعت أن اكتب هذا المقال للتوضيح.
تركز النقاش حول قوله تعالى (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ) وما قلته من أن الذى يطيق الصوم يعنى يستطيع الصوم ويقدر عليه ولكن يعانى من مشقته فله أن يفطر وأن يدفع فدية طعام مسكين ، وهو نفس ما جاء فى الاية الكريمة (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ) ، وهذا يخالف المعنى السائد وهو (من لا يطيقون الصيام فقط هم الذين لهم رخصة الفطر ودفع الفدية).وأرد بتوفيق الله جل وعلا وحمده وعونه.
أولا : معنى ( الذين يطيقونه )
المعنى التراثى
رجعت اليوم الى تفسير ابن كثير متوقعا أن يأتى بما تعلمناه فى الأزهر من خلال تفسير النسفى وغيره بأن معنى ( يطيقونه ) هو ( لا يطيقونه ) أى وجود (لا ) محذوفة . ولكن فوجئت بأن ابن كثير قد أتى بمفاجأة بين ثنايا ركام هائل فى تفسيره ، يقول (وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيّ وَالسُّدِّيّ وَعَطَاء الْخُرَاسَانِيّ مِثْله ثُمَّ بَيَّنَ حُكْم الصِّيَام عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْر فِي اِبْتِدَاء الْإِسْلَام فَقَالَ " فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر " أَيْ الْمَرِيض وَالْمُسَافِر لَا يَصُومَانِ فِي حَال الْمَرَض وَالسَّفَر لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّة عَلَيْهِمَا بَلْ يُفْطِرَانِ وَيَقْضِيَانِ بِعِدَّةِ ذَلِكَ مِنْ أَيَّام أُخَر. وَأَمَّا الصَّحِيح الْمُقِيم الَّذِي يُطِيق الصِّيَام فَقَدْ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْن الصِّيَام وَبَيْن الْإِطْعَام إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَأَطْعَمَ عَنْ كُلّ يَوْم مِسْكِينًا ، فَإِنْ أَطْعَمَ أَكْثَر مِنْ مِسْكِين عَنْ كُلّ يَوْم فَهُوَ خَيْر ، وَإِنْ صَامَ فَهُوَ أَفْضَل مِنْ الْإِطْعَام ، قَالَهُ اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَطَاوُس وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَغَيْرهمْ مِنْ السَّلَف ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ") . اى يقول إن الصحيح القادر على الصوم إن شاء صام وإن شاء أفطر ودفع الفدية . ثم أكّد بعدها أن معنى يطيقونه أى يتجشمون الصعاب فى صومه(قالَ يَقُول " وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ " أَيْ يَتَجَشَّمُونَهُ )أى هو نفس الذى قلت (يقدرون عليه ولكن بصعوبة ومشقة). .http://quran.al-islam.com/Tafseer/DispTafsser.asp?nType=1&bm=&nSeg=0&l=arb&nSora=2&nAya=184&taf=KATHEER&tashkeel=0
المعنى اللغوى:
وأتى الاستاذ محمد مهند مراد أيهم فى تعليقه بتفسير لغوى ، قال:
(اصل الفعل طاق ,وهو القدرة على التحمل مع عدم الاجهاد (أي ضمن الطاقة الطبيعية .) وبإضافة الهمزة وهي همزة التعدية وهي التي تجعل الفعل اللازم متعديا , ويتغير المعنى تغيرا جزئيا ,كفعل جهد بمعنى بذل الجهد وأما فعل أجهد بمعنى جعله يبذل جهدا مضاعفا فيكون معنى طاق أي تحمل ولكن الفعل أطاق أي جعله يتعدى الحد الطبيعي للطاقة فيرهقه الصوم وبذلك يكون المعنى: أنه على الذين يستطيعون الصوم ولكن هذه الاستطاعة تكون اكبر من الجهد الطبيعي, وبما أنها اتت بعد الترخيص للمريض والمسافر, فيكون المعنى: أن على الذين يكون الصوم أو قضاؤه بعد رمضان يحملهم فوق طاقتهم فدية طعام مسكين : ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)
المعنى ( الهندسى )
وفى تعليق آخر جاء الاستاذ محمود دويكات بشرح إستقاه من تخصصه الهندسى ، قال: (في الهندسة الانشائية عندما يتم تصميم عنصر انشائي .. عمود مثلا .. فإن المهندس يحسب كميتين: الاولى اسمها سعة العمودcapacity و الثانية قوة أو طاقة العمودstrength .. فإذا كانت سعة العمود مثلا 150 طن .. فإن قوته أو طاقته تكون أعلى (180 طن) .. يعني أن العمود إذا تم تحميله بمقدار سعته فإنه لا ينهار و لكن أي زيادة بعدها فإن أداء العنصر يكون في خطر.... أما إن تم تحميله بمقدار طاقته فأنه ينهار عندها ... الفرق بين الطاقة و السعة مقسوما على السعة هي عبارة عن معامل الامان لذلك العنصر... هذا هو الفرق بين السعة و الطاقة .. .. و هكذا نفهم قوله تعالى ( لاَيُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) بقرة/286 و قوله تعالى (رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ) بقرة/286 .... و بالتالي فإن قوله تعالى عن الذين يطيقونه أن الذين يقدرون على الصوم ولكن بمشقة بالغة قد تعرض حياتهم لخطر أو حرج . .. بمعنى أخر الذين وصل بهم الصيام الى طاقتهم و قدرتهم القصوى....و كما قال الدكتور أحمد .. يترك تقدير ذلك لتقوى الانسان)
والمعنى القرآنى:
قلت فى المقال السابق : (من كان يطيق الصوم ـ أى يقدر عليه ـ ولكن شاء الفطر فعليه أن يدفع فدية (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ). والفقه السّنى يحرّف معنى الآية الكريمة، فيقولون أن معناها أنه على الذين ( لا يطيقون ) الصيام ،أى يقولون بوجود(لا ) النافية ويزعمون أنها محذوفة. وهذا تحريف للقرآن الكريم بأن يزيد فى لغة القرآن الكريم ماليس فيها. ثم أن هذا المعنى المحرف لا يستقيم مع التيسير ، وهو القاعدة فى الصوم، ولا يستقيم مع سياق الآية قبلها حيث أباحت الفطر للمسافر والمريض ثم ألحقت به فطر من يطيق الصوم ويقدر عليه مع دفعه الفدية ، ولا يستقيم مع سياق الآية بعدها حيث يجعل الله تعالى التفضيل لمن يصوم وهو يطيق ـ اى يقدر ـ على الصيام ، كما لا يستقيم مع فهم كلمة (يطيق ) ومشتقاتها التى جاءت ثلاث مرات فى نفس سورة البقرة ، مرة بالاثبات فى موضوع الصوم :(وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ )، ومرتين بالنفى : (قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) (رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِه) ( البقرة 249 ، 286 ). أى لو كان الله تعالى يريد أن يقول (وعلى الذين لا يطيقونه فدية ) لقالها وأثبت كلمة(لا ) ، ولكنه جل وعلا قال بالاثبات وليس بالنفى ، ليفيد فى معرض التيسير أنه على من يقدرعلى الصوم ويطيق الصوم ولكن يريد الافطار فعليه تقديم فدية طعام مسكين.
• ومفهوم بعدها أنه ـ من باب أولى ـ فالذى لا يستطيع الصوم يمكنه الافطار ودفع الفدية ، فاذا تطوع المفطر فى رمضان بزيادة الفدية فهو خير له ، ولو كان يستطيع الصوم ولكن بمشقة بالغة ولكنه تطوع بقبول مشقة الصوم فهو خير له ، وفى الصوم فائدة على كل حال (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُم إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ).
وأقول أيضا:
1 ـ إن الخلاف ينحصر فى معنى (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ) هل تعنى ( الذين يطيقونه ) أو ( الذين لا يطيقونه )؟ أى هل للذى يطيق الصيام ويقدر عليه ولكن بمشقة يمكنه الفطر ودفع فدية تعويضا ؟ أم أنه مفروض عليه الصيام لأن معنى الآية أن الذى (لا ) يطيق الصوم و(لا ) يستطيعه هو فقط المباح له الفطر ، مقابل أن يدفع الفدية؟
الفيصل هنا فى قوله جل وعلا : (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) (البقرة 286 ).
فالقاعدة القرآنية الحاكمة أن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها ، وقد تكررت هذه القاعدة فى قوله تعالى ضمن الوصايا العشر التى تلخص تعاليم الاسلام (لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ) ( الأنعام 152 ) وفى قوله تعالى عن المؤمنين الفائزين بالجنة :(وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(الأعراف 42 )أى ليس مطلوبا منهم أعمالا خارقة ليدخلوا الجنة ، بل مجرد ما فى وسعهم .وبعد الحديث عن صفات المتقين اصحاب الجنة قال الله سبحانه وتعالى عن حساب الآخرة(وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)(المؤمنون 62). وفى التشريعات الجزئية كالرضاع ، نقرأ قوله تعالى (لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا ) ( البقرة 233 ) وفى تشريع نفقة الزوجة المطلقة أثناء عدتها يقول جل وعلا:(لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا )(الطلاق 7) وقوله تعالى للرسول محمد عليه السلام عن القتال (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ )(النساء 84 ) وعن الاستعداد الحربى للردع وتاكيد السلم (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) (الأنفال 60).
فما معنى قوله تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ) ؟ معناها فى نفس الآية الكريمة : (رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ). أى يستحيل فى شرع الله تعالى وجود تكليف فوق الطاقة الانسانية ، وفوق التحمل الانسانى وفوق ما يسعه الانسان.
إذن فالذى (لا يطيق الصوم ) ليس مفروضا عليه الصوم أساسا ،وليس مفروضا عليه الفدية وهو خارج الموضوع من البداية . أما الذى ( يطيق )الصوم ويقدرعليه ولكن بمشقة فله رخصة الفطر ، وعليه تقديم الفدية . ولزيادة التوضيح نقرأ قوله تعالى (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ) ثم فيما جاء فى المقال السابق عن قاعدة التخفيف والتيسير ورفع الحرج التى هى اساس فى الاسلام وتطبيق تشريعاته.
2 ـ إن للقرآن الكريم أساليب مختلفة فى التعبير ، منها الاسلوب المجازى والتصويرى فى الدعوة والحديث عن الاخرة والترغيب والترهيب ، ومنها الاسلوب التقريرى العلمى المحدد الذى لا مجال فيه للخلاف فى الرأى ، وهو الاسلوب المعتاد فى التشريعات . وفى كل الأحوال فلا يمكن أن يقول الله جل وعلا شيئا بالاثبات ويريد به عكسه وهو النفى . لا يمكن أن يقول :(وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ) وهو يقصد ( الذين لا يطيقونه ) . ومن يقم باضافة (لا ) فقد ارتكب جريمة التحريف فى كتاب الله جل وعلا.
3 ـ وفى المقال السابق جاء تحليل آيات تشريع الصوم فى رمضان من حيث درجات التشريع الثلاث ؛الأوامر و القواعد والمقاصد ، وقلنا أن الأمر التشريعى بالصوم يخضع للقواعد التشريعية فى التيسير والتخفيف ، ثم يخضع تنفيذ القواعد للتقوى وهى المقصد الأساس والهدف. وأضيف هنا أن تشريع الصوم بالذات جاء مزدانا بقواعد التيسير ،بل سجلها قاعدة صريحة فى قوله جل وعلا (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ).
بل إن تفصيل التيسير كان الأغلب فى تشريع الصوم ، فقد أغفل الله تعالى تعريف الصوم وكيف أنه كان مفروضا على السابقين لأن ذلك كان مفهوما وقت نزول القرآن الكريم فلا حاجة للتعريف به ، ولكن فى تشريع التخفيف والتيسير جاء التفصيل بحيث زادت كلماته على عدد الكلمات التى جاءت سياق الأمر التشريعى و المقصد التشريعى . ولو راجعناها لوجدنا عدد كلمات الأوامر 48 بينما عدد كلمات التيسير 83 . وهذه ظاهرة تستدعى التدبر والاعتبار. كان ممكنا أن يكتفى رب العزة بالآية الأولى فى تشريع الصوم وهى تقرر حقيقتين :أن الصيام مفروض علينا بنفس ماكان مفروضا على من كان قبلنا ، وان المقصد التشريعى من الصيام هو التقوى .. ولكن جاءت التفصيلات بعدها لتؤكد على التيسير ثم لتنصّ عليه بأن الله جل وعلا يريد بنا اليسر ولا يريد العسر. ومن معالم هذا اليسر أن من كان يطيق الصوم ـ أى يتجشم التعب فى الصوم ـ فيمكنه أن يفطر ويدفع الفدية دون أن يقضى ما أفطره كالمسافر والمريض.
ثانيا : الرد على الأسئلة
(ا)
الكاتب الاسلامى الاستاذ ابراهيم دادى كتب أسئلة ، وأنقلها هنا مع الرد على كل منها:
1. إذا كان الله تعالى قد فرض الصيام على المؤمنين لعلهم يتقون،(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ) لعلكم، (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) فكيف يترك لهم الخيرة على طاقة الصوم من عدمه؟
أقول : إن الله تعالى قد فرض الصيام على المؤمنين لعلهم يتقون،وقد ترك للمؤمن الخيرة فى الصوم أو الفطر ، وأذا كان متقيا ويتجشم صعوبة فى الصوم فيمكنه أن يفطر ويدفع الفدية ويظل متقيا. المتقون فقط هم أصحاب الجنة ، والمتقون يوم القيامة درجتان : السابقون المقربون الأعلى منزلة ، ثم الأقل منزلة وهم أصحاب اليمين . وبالنسبة لمن يطيق الصوم بصعوبة ومشقة ويصوم فهو من المتقين السابقين، ومن يطيق الصوم بمشقة ويفطر ويدفع الفدية فهو من أصحاب اليمين . وهذا بالطبع إذا حافظ كل منهما على الايمان والعمل الصالح والتزم بالتقوى طيلة حياته.
2. نجد أن المولى تعالى قد عفى وأعطى الخيرة للمريض والمسافر أن يفطر، على أن يقضي أيام فطره في أيام أخر، فهي تعتبر دينا عليه، فلماذا لم يجمع الكل على الطاقة ( الاختيارية) فيفتدي الجميع بإطعام مسكين؟ ما دام الأمر اختياريا، حسب ما يفهم من رأي الدكتور أحمد.
وأقول : يقول تعالى (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) أى من (اصبح مريضا أو على سفر) ، كان هنا بمعنى أصبح. أى جاء العذر طارئا لمن يصوم واعتاد عليه ولا يجد فيه صعوبة . عليه أن يصوم أياما أخر بعدة ما أفطر. أما الآخر الذى يتجشم المشقة فى الصوم ويطيقه بصعوبة فلا نتصور ان يفطر ثم يقضى ما أفطره ، ولكن يعوض ذلك بالفدية. وفى كل الأحوال فالاختيار قائم للجميع . يمكن من يطيق الصوم بصعوبة أن يصوم ، ويمكن للمسافر والمريض الصوم إذا كان فى وسعهما ، ويمكن للجميع التطوع بالفدية وأضعافها . وهذا ما قاله رب العزة (فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ )
3. كيف يمكن للمسكين المتقي أن يفتدي عدم الصوم بإطعام مسكين؟ هذا إذا كان الصوم اختياريا.؟.
ليس عليه دفع الفدية إذ لا يكلف الله جل وعلا نفسا إلا وسعها ، ولا يكلف نفسا إلا ما آتاها.
4. هل على الذي يطيق الصوم أي يستطيع الصوم، ولا يصوم ويفتدي ذلك بإطعام مسكين، هل يمكنه الرفث إلى نسائه إذا كان هو وزوجه اختارا فدية إطعام المسكين؟
لا تسرى عليه أحكام الصوم ، فيمكنه الرفث الى زوجه نهارا وليلا كيف شاءا.
5. هل يمكن للمطيق بفدية إطعام مسكين، وصوم بعض الأيام من رمضان؟
نعم
6. هل يمكن مثلا أن يطعم مسكينا لمدة 15 عشر يوما، ويصوم ما بقي من رمضان؟
نعم
7. ما حكم مؤمن متق له مرض مزمن، ولا يستطيع صوم شهر رمضان المفروض، ولا أن يقضيه في أيام أخر، فهل يدخل ضمن المطيق للصوم المفتدي بإطعام مسكين، أم له رخصة أخرى وما هي؟
لا يكلف الله جل وعلا نفسا إلا وسعها ، له ان يفطر لعدم الاستطاعة وليس لمجرد المرض الطارىء. وعليه أن يعطى الفدية كالمعتاد.
8. وباختصار شديد كيف كان العرب يفهمون من فعل ( يطيقونه)؟
أى يفعل مع المشقة.
9. هل ثبت تاريخيا أنه في عهد الرسول كان المؤمنون يطيقون الصيام ومع ذلك لا يصومون ويطعمون مسكينا؟
التدوين للسيرة بدأ فى العصر العباسى ،أى بعد موت النبى محمدعليه السلام بنحو قرنين من الزمان ، وركز على ما أسموه بالمغازى ، أى الغزوات ، ولم يهتم برصد الحياة الاجتماعية و الدينية ، وقد تكفلت ببعض ذلك الأحاديث التى تم اختراعها لتقنن للعصر العباسى وثقافته المختلفة والمخالفة لعصر النبوة ، لذا صيغت تلك الأحاديث لتعبر عن العراق وبقية البلاد المفتوحة وليس عن المدينة ، ولتعبر عن القرن الثانى للهجرة وما تلاه وليس زمن النبوة.
10 . يقول المولى تعالى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(180).آل عمران. فما معنى : (سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) هل يدخل في ذلك بخلهم لأنفسهم لعدم الصوم مع المقدرة واختيار الفدية؟ ).
وأقول : قوله تعالى : (سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) لا علاقة له بقوله تعالى (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ). ولقد تحدثت فى موقعنا فى إحدى الحلقات المذاعة المسموعة عن (الحميم ) ، وآلية العذاب التى تحيط ـ أى تطوق ـ أهل النار . فقوله تعالى : (سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) تشير الى هذه الدائرة الجهنمية التى ستحيط باهل النار ، وكيف تتحول أعمالهم السيئة الى نار تكون ضمن النسيج الجسدى الملتهب فيهم . وقد تكرر مرتين قوله تعالى (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) ( التوبة 49 ، العنكبوت 54 ) وقال جل وعلا فى تقرير حرية الايمان وحرية الكفر ومسئولية الانسان على اختيلاره يوم القيامة (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) ( الكهف 29 ) أى فالنار تحيط بهم وتطوقهم.
(ب)
وثارجدل حول معنى كلمة (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ).
والمعنى واضح ،فلا يعنى اياما قليلة ، ولكن يعنى أننا نعد شهر رمضان يوما بيوم حتى نكمل عدته ، أو بالتعبير القرآنى عن شهر رمضان (وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ )أى عدد أيامه إن كان الشهر كاملا (30 يوما ) أو ناقصا ( 29 ) طبق الحساب الفلكى للأشهر القمرية.
(ج)
وسؤال آخر من الاستاذ الصنعانى (كنت أريد منكم بمناسبة الصيام حكم المفطر عمداً )
للدين السنى والفقه السنى حكم هنا ما أنزل الله تعالى به من سلطان ، وسنعرض له فى مقال خاص عن الصوم فى الفقه السنى.
ولكن فى الاجابة على السؤال أقول : هنا محل التقوى وموقف كل انسان منها فى حالة الصوم . هناك من يعصى ويفطر عمدا ولا يصلى ولا يلتزم باى فريضة تعبدية. طبقا للتشريع الاسلامى فليست هناك عقوبات على حقوق الله جل وعلا من العبادات والعقائد . حق الله جل وعلا مؤجل الى الله تعالى وحده يوم القيامة حيث الخلود فى الجنة أو الخلود فى النار. ولا يصح لأى سلطة ان تتدخل فى هذا وإلا نازعت الله جل وعلا فى الوهيته وملكوته .ولا يصح لأى سلطة أن ترغم الناس على الصلاة أو الصوم أو الحج أو التبرع للصدقات . ولا يصح لأى سلطة بشرية أن تعاقب أحدا لأنه أفطر فى رمضان أو لأنه لا يصلى أو لايحج ..الخ ..وما يفعله مطوعة السعودية ضلال فى ضلال فى ضلال.
هناك من يفطر ويدفع الفدية ويراعى ربه فى عقيدته وسلوكه ويؤدى العبادات المفروضة بالحد الأدنى . هذا من المتقين (أهل اليمين ) إذا حافظ على ذلك حتى الموت...
وهناك من يصوم طبقا لما وجدنا عليه آباءنا ، أى يصوم كعادة اجتماعية ، لذا تراه يصوم ولا يصلى ،أو يصلى فى رمضان فقط ، وفى كل الأحوال فالصوم هو الهدف بالنسبة له ،اى لا يصلح شيئا فى سلوكياته إلى أن يموت كما هو ، أى هو صوم بلا تقوى.. أى مجرد جوع وعطش .إذا ظل هكذا الى أن يموت محافظا على سلوكياته السيئة وعقائدة المخالفة للاسلام من تقديس للبشر والحجر فسينطبق عليه قوله تعالى (كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ) (البقرة 167 ) أى يحبط الله جل وعلا أعماله ( الصالحة ) فلا يبقى له إلا عمله السىء و عقيدته الفاسدة فيدخل النار خالدا مخلدا ،يتحسر على ما قدم من عمل لم ينفع وما هو بخارج من النار. وتأمل قوله تعالى لخاتم الأنبياء (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ( الزمر 65 )
المقال الخامس
ضياع التقوى وتحول الصوم الى عادة اجتماعية مقدسة
1 ـ لقد تحول رمضان ـ بفعل الدين السنى ـ الى مجرد عادة اجتماعية ، ومجرد شهر للجوع والعطش دون أن يفلح هذا الصوم فى ترقية المسلمين خلقيا وقيميا ، والتقوى هى الرقى الخلقى فى التعامل مع الناس واخلاص العقيدة والعبادة لرب الناس جل وعلا. ضاعت التقوى من صيام المسلمين فانتشرت بينهم عبادة الأضرحة وتقديس البشر والحجر والانهماك على المعاصى وسوء الخلق وسفك الدماء البريئة ـ كل ذلك وهم يصومون كل رمضان خلال 14 قرنا . ويتحول شهر رمضان الآن ـ بفضل الارهاب الذى ينتسب زورا الى الاسلام ـ الى شهر دموى، يقوم الارهابيون ( الصائمون ) بقتل الأبرياء عشوائيا ،تقربا الى الله ـ جل وعلا ـ بزعمهم خلال شهر الصيام.
2 ـ الدين السنى بالذات هو المسئول عن ضياع التقوى من الصيام . وهذا يستلزم وقفة.
قلنا هناك درجات ثلاث للتشريع الاسلامى ؛الأوامر و القواعد والمقاصد ، وقلنا أن الأمر التشريعى بالصوم يخضع للقواعد التشريعية فى التيسير والتخفيف ، ثم يخضع تنفيذ القواعد للتقوى وهى المقصد الأساس والهدف . ولكن الدين السّنى تلاعب بها وأورد المسلمين مود التهلكة.
ونعطى أمثلة:
* فى القتال:
جاء تشريع القتال فى سورة البقرة (الايات 190 : 194 )، يقول تعالى فى بدايته : (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) هنا تجد الأمر التشريعى (وَقَاتِلُواْ ) يخضع للقاعدة التشريعية ، وهى أن يكون القتال فى سبيل الله جل وعلا أى أن يكون دفاعا عن النفس ،اى قتالا لمن يبدأ بقتالنا ، وليس اعتداءا على من من لم يعتد علينا ، وتأتى الآية الكريمة تربط الأمر التشريعى سريعا بالقاعدة التشريعية فتقول (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) ثم تأتى التفصيلات فى الآيات التالية ومنها ما يؤكد رد العدوان بالمثل كقوله تعالى (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ )
ثم يأتى المقصد التشريعى وهو الأعلى والحاكم فى التشريع ، وهنا فالمقصد التشريعى من القتال الدفاعى هو منع الفتنة فى الدين ، والفتنة ـ فى التعامل بين البشر ـ تعنى فى مصطلح القرآن الكريم الاكراه فى الدين ،او استعمال القوة لحمل الناس على اتباع عقيدة معينة ، يقول تعالى عن مشركى قريش (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ )( البقرة 217 ). وهذا محرم فى الاسلام (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) ( البقرة 256 ) ،لأن الهدف هو أن تتوفر الحرية الكاملة لكل انسان ليختار ما يشاء من عقائد ليكون مسئولا عن اختياره الحر يوم القيامة ، وحتى لا تكون له حجة يوم الدين . ولذلك لا بد أن يكون الدين لله تعالى يحكم فيه يوم القيامة بعد أن يكون كل انسان قد اختار بحرية ما يريد ويكون مسئولا عن اختياره. ومن هنا نفهم قوله تعالى فى المقصد التشريعى من القتال ضد المشركين الذين اعتادوا إكراه الناس فى دينهم (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ).
فإن انتهوا عن تسلطهم واعتدائهم فلا مجال لقتالهم (فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (فَإِنِ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ).
وهذا المقصد الخاص فى تشريع القتال (أى منع الفتنة فى الدين ) يؤكده المقصد العام وهو التقوى، لذا تأتى الآيات مذيلة بالتقوى فى التشريع الاسلامى ، ونجدها هنا فى قوله تعالى(فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ).
فماالذى فعله الدين السنى فى درجات التشريع الاسلامى فى القتال ؟
قام بالتركيز على الأوامر وتطرف فيها وأهمل القواعد والمقاصد.
فى موضوع القتال إقتصر على الأمر (وَقَاتِلُواْ) متناسيا قوله تعالى (فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) . وبالتالى أصبح القتال ليس فى سبيل الله ولكن فى سبيل الدنيا باحتلال بلاد الآخرين وارغامهم على دخول الدين وسلب أموالهم واغتصاب نسائهم واسترقاق ذريتهم تحت مصطلحات السبى والغنائم والجهاد ، وهذا ما فعله الصحابة فيما يسمى بالفتوحات (الاسلامية ) حيث قاموا بالاعتداء على من لم يعتد عليهم بحجة (تخييرهم) بين ثلاث (الاسلام أو الجزية أو الحرب ) هو إكراه وبلطجة وابتزاز واعتداء ، والله جل وعلا لا يحب المعتدين. ولهذا انتهت الفتوحات بالتنازع على الغنائم والفتنة الكبرى و الحروب الأهلية؛ ذلك النفق الذى دخله المسلمون ولم يخرجوا منه ، ولن يخرجوا منه الا بابتعادهم عن أديانهم الأرضية التى نشأت لتسوغ ثقافة الاعتداء والفتنة الكبرى.
إغفال قاعدة (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ) تجعل القتال فى الفتوحات العربية قتالا فى سبيل الشيطان ، حيث لا وجود لاحتمال ثالث هنا ،فإما أن تقاتل دفاعا عن النفس فيكون قتالا مشروعا وفى سبيل الله جل وعلا الذى لا يحب الظالمين والمعتدين ، وإما أن يكون للاعتداء على الغير ظلما وعدوانا ، أى فى سبيل الشيطان ، وهذا التحديد الصارم جاء فى قوله تعالى (الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ)( النساء 76 ).
وطبعا لا تسأل عن التقوى هنا .. فقد ضاع أساسها وهو القاعدة.
نفس الحال فى موضوع الحجاب للنساء.
جاء الأمر التشريعى بأنه خمار يغطى الصدر وليس الرأس والوجه والشعر (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) ( النور 31 )، جاء أمرا ضمن أوامر أخرى فى نفس الآية ، وهى تخضع كلها لقاعدة تشريعية هى التحذير من الاقتراب من الزنا ، وليس مجرد الزنا ( وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً ) ( الاسراء 32 ). والعادة أن المقصد الأسمى هو التقوى.
مالذى فعله الدين السنى فى درجات التشريع الاسلامى هنا ؟
قام بالتركيز على الخمار فاصبح ( حجابا ) مخالفا لمعنى كلمة حجاب ومشتقاتها فى القرآن الكريم والتى تعنى العازل أو الستارة ، ثم حوّله الى تدين سطحى مظهرى يغلفه الرياء والتظاهر والنفاق ، والاتهام الضمنى للأخريات بعدم التمسك بالدين. ثم بالغوا فى الحجاب فاصبح نقابا يعبىء المرأة فى كيس تنظر منه الى العالم خلال ثقب أو ثقبين . هذا التطرف فى الأمر بالخمار وتحويله الى نقاب أتاح للمرأة إذا أرادت الزنا أن تفعل ما تشاء دون أن يتعرف عليها أحد . أى أن التطرف فى الأمر أضاع القاعدة التشريعية وأضاع المقصد التشريعى.
بنفس الطريفة تعامل الدين السّنى مع تشريع الصيام
قام بالتركيز على الصيام مع إغفال للقواعد الميسرة للصوم ، ومع تجاهل كامل وتام للتقوى . لذا أصبح الصيام هدفا فى حد ذاته ، فطالما تصوم فلا عليك مهما فعلت . ولأن الصيام شديد التداخل بالحياة الاجتماعية فقد أصبح التمسك به شعيرة اجتماعية مجردة عن التقوى الاسلامية ، ينشأ عليها الطفل المسلم يتعلم الصوم ويؤديه كعادة اجتماعية يتميز بها المسلمون عن غيرهم ، ونمت الى جانبها عادات أخرى من الطعام والشراب و قضاء وقت رمضان ، وتلك العادات الاجتماعية الأخرى قامت عليها حرف ومهن وصناعات ومواسم وعيد لانقضاء شهر الصوم سموه عيد الفطر وزكاة للفطر. أى تأسس صيام آخر متخم بكل شىء عدا التقوى ، ومن الطبيعى بعدها أن ننظر بهلع عندما نعرف قواعد التيسير فى الصيام وأن منها أن الذى يقدر على الصوم ويطيقه بمشقة فله أن يفطر ويدفع فدية طعام مسكين. أصبح النظر الى تلك التيسيرات ضارا (بقدسية) الصيام نفسه الذى أضحى هو الهدف والمقصد ، فالأهم أن تصوم حتى لا تخرج عن إجماع المجتمع الصائم . وزاد من المشكلة تعنت الدين السنى فى عقوبة من يفطر (عمدا ) .. وجاء العصر المملوكى بعد العصر العباسى فأصبح تطبيق الصيام السنى عادة اجتماعية ـ ولا يزال.
ومن الأمثال الشعبية المتداولة في العصر المملوكي : (يا طالب الشر بلا أصل، تعالى للصايم بعد العصر) ( الأبشيهي .المستظرف 37. ) ومعنى ذلك أن الأصل كان الإهتمام بالصيام، إلا أنهم تحملوه مضطرين مقهورين، فكان رمضان – خاصة في نهاية اليوم فيه – مسرحاً للمشاجرات والإنفلات العصبي بحجة الصوم والحرمان – ولا يزال ذلك مرعياً حتى اليوم..
3 ـ نكرر أن الهدف من الصوم ليس مجرد الحرمان وإنما هو التقوى، فإذا لم تتحقق التقوى لصائم فلا جدوى لصيامه.وبغياب التقوى فقد تحول الصيام السنى إلى عكس ما يهدف إليه الصوم الإسلامي. فرمضان أصبح شهر الأطعمة المشتهاة في الإفطار والسحور وهو شهر تدخر له أطعمة بعينها أصبحت علماً عليه وعلما عليها،وهو شهر يسهر فيه الناس الليل مع ما حرم الله من لهو وصخب وينامون فيه النهار – أو يتكاسلون – لكى يمضي اليوم – النهار – سريعاً ليستقبلوا الليل بملذاته وامتلائه. وهو شهر المشاجرات والمنازعات لأتفه الأسباب – أو بدون أسباب ،ويجد الناس في صومهم حجة للغضب بمبرر وبدون مبرر.. فالدين السنى جعل من الصوم مجرد عادة اجتماعية تتكرر شهراً كل عام ترتبط بذكريات الأكل والسهر وموعد الأفطار والمسحراتي واستقبال الفجر عند الأضرحة، واعتمدوا في ذلك على ما يجتره الإنسان – من ذكريات طفولته في رمضان مع أبيه واخوته وتقاليدهم عند الإفطار وعند السحور وتزاور الأهل والأصحاب .. وأين التقوى في ذلك كله؟ أصبحت في رمضان مجرد سبحة تتراقص بين أصابع التدين السطحى والقلب غافل.
والنساء أكثر اهتماما برمضان – فلأنه أضحى شهر الإمتلاء – فعليهن عبء تجهيز الطعام بأصنافه وشتى مسمياته، والنساء أقدر على تذكر المظاهر الرمضانية الطفولية – ورمضان لا يعني أكثر من تلك الذكريات الاجتماعية..
4 ـ تقول إحدى الصحفيات عن ذكرياتها في رمضان – ونحن بذلك نؤكد أن رمضان أصبح لدينا فعلا مجرد مناسبة اجتماعية (تناهى إلى أذني صوت دقات الطبلة تتردد أصداؤها في الحي من بعيد، تعالت الدقات مقترنة بصوت المسحراتي المؤثر " يا عباد الله.. وحدوا الله " اضطرب قلبي بمشاعر متناقضة وأنا أذكر أن الليلة هى أولى ليالي شهر رمضان، امتلأت الحجرة المظلمة حولى بالأطياف القادمة من زمن مضى ولن يعود،زمن الطفولة والفوانيس الملونة المضاءة بالشموع، وأغنية وحوي يا وحي ترتفع بها أصواتنا الرفيعة أنا وإخوتي في صحن البيت، وياميش رمضان يملأ جيوبنا ، وصواني الكنافة والقطائف والفطائر في المطبخ ندور حولها ونمد إليها أصابعنا الصغيرة في تلصص لنلعق السكر المعقود من خلف ظهر الوالدة الطيبة،ودوي مدفع الإفطار وصوت الآذان يتردد من فوق مآذن العباسية، والسفرة معدة وصوت الوالد القوي يرتفع بالدعاء، " اللهم إني لك صمت وعلى رزقك أفطرت " وصوت الراديو وهو يتعالى بأغنية يا ألف مرحب يا رمضان ، وروائح البخور تصل إلى أنوفنا من البيوت المجاورة لسبيل أم عباس ، وضحكاتنا المكتومة ونحن – الإخوة الأربعة – نعاكس بعضنا في الخفاء، واجتماعنا بعد الإفطار حول الوالد الجالس فوق سجادة الصلاة وبين يديه المصحف يقرأ القرآن..دقات طبلة المسحراتي كانت وما تزال تملأ أذني وأنا جالسة على مقعدي محدقة في الكلام ، ومع إيقاع الطبلة الرتيب رأيت أطياف الماضي وهى تتلاشى كالدخان واحدا بعد الآخر .. فمع مضى الأيام والسنوات انسحب الوالد من الحياة ولحق به الخال .. وانكسر جمع الأحبة) ( حسن شاه . جريدة مايو عدد 19 السنة الأولى 6 / 7 / 1981. ).
أخيرا :
آه .. تذكرت .. تحول رمضان فى المعتقد الشعبى الى إله يعاقب من يفطر فيه . وكنا فى الطفولة نسمع حكايات مرعبة عن إنتقام رمضان من المفطرين ..
وكل عام وانتم بخير..
ب 1 ف2 ج 2 : التدخين ليس حراما ولا يفطر الصائم
كتاب ( رمضان والصيام بين الاسلام والدين السنى ) دراسة أصولية تاريخية
الباب الأول : رمضان والصيام فى الاسلام :
الفصل الثانى : تشريع الصيام فى رمضان
الجزء الثانى : ليس من تشريع الصيام فى الاسلام ( مقالان )
المقال الأول : التدخين ليس حراما ولا يفطر الصائم
أولا:
ليس الدخان من الطعام والشراب ، فمجرى الطعام و الشراب هو الجهاز الهضمى ( الفم ـ البلعوم ـ المرىء ـ المعدة ـ الأمعاء الدقيقة ، فالغليظة ـ فالشرج ) أما التدخين فمجاله الجهاز التنفسى ، من القصبة الهوائية الى الرئتين شهيقا وزفيرا، وبالتالى فالتدخين لا يفطر الصوم فى رمضان أو غير رمضان.
وأيضا فليس التدخين محرما لأن التحريم لا يكون إلا بنصّ قرآنى صريح . ومثلا فإن المحرمات فى الطعام محصورة ومحددة و غيرها موصوف بالطيبات ، ويحرم تحريم شيء من تلك الطيبات ، نفهم هذا من قوله تعالى (فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ) (النحل 114 : 116 ) وتكرر هذا فى آيات قرآنية مثل ( البقرة 172 ـ ) ( المائدة: 1 ، 3 ـ 87 ـ ، 96 )(الأنعام 145 ) ( يونس 59 ـ ) والمحرمات فى الشراب هى الخمر ( المائدة 90 ـ ). والتدخين ليس طعاما ولا شرابا.
ثانيا:
1 ـ لم يعرف العصر العباسى التدخين والتبغ ، لأن التدخين عرفه الأوربيون من الهنود الحمر بعد الكشوفات الجغرافية ، ونقله الأوربيون ثم انتشر فى العالم ، وعرفه المسلمون فى نهاية العصر العثمانى.
وفى العصر المملوكى إكتشف المسلمون القهوة والحشيش ، واشتهر الصوفية بادمان الحشيش وسموه ( الحشيشة ) وأطلقوا عليها (لقيمة الفكر و الذكر )، وراجت بهم القهوة ، وفى نفس الوقت اتخذ الفقهاء السنيون موقف العداء من القهوة و الحشيش ، فافتوا بتحريمهما فى إطار الصراع بين دينى السنة و التصوف مما دفع الشيخ الصوفى علم الدين ابن الصاحب لأن يقول فى قصيدته المشهورة:
فى خمار الحشيش معنى مرام
يا أهيل العقول والأفهام
حرموها من غير عقل ونقل
وحرام تحريم غير الحرام.
وقال ابن الأعمى الدمشقى:
ولا نص فى تحريمها عند مالك
ولا حدّ عند الشافعى وأحمد
ولاأثبت النعمان تنجيس عينها
فخذها بحد المشرق المهند.
وذلك موضوع شرحه يطول وسيأتى بعونه جل وعلا أوانه.
ونفس الحال تقريبا حدث مع الدخان فى نهاية العصر العثمانى ، أفتى بتحريمه الفقهاء ودافع عنه بعض محققى الصوفية.
2 ـ من الفقهاء القدامي الذين حرموا التدخين في العصر العثماني :من المذهب الحنفي محمد العيني في رسالته في تحريم التدخين، وابو الحسن البصري الحنفي وعمر بن احمد المصري الحنفي وعيسي الشهادي في الاستانة ،والامام الشربنلاني واسماعيل النابلسي وعلاء الدين الحصفكي.
ومن المذهب المالكي خالد بن احمد الجعفري ساكن مكة ،وابراهيم اللقاني شيخ المالكية بمصر ،وابو الغيث القشاش المغربي وسالم السنهوري.
ومن الفقهاء الشافعية نجم الذين الغزي الشافعي الدمشقي ،وابن علان الصديقي صاحب كتاب اعلام الاخوان بتحريم الدخان ،ومحمد حياة المدني وشهاب الدين القليوبي وسليمان البحيري واحمد عبجي مفتي حلب.
ومن الفقهاء الحنبلية سائر الفقهاء النجديين والوهابيين ،ومنهم محمد بن ناصر بن معمر وعبد الله ابن عبد الرحمن ابا بطين ،ومحمد بن ابراهيم بن محمد بن عبد الوهاب ،وعبد الرحمن بن ناصر السعدي وعبد الله بن علي الفضية ،وفي مصر احمد السنهوري البهوتي.
ومن الفقهاء المصريين الذي حرموا الدخان مصطفي الحمامي ،وفي حماة السورية محمد الحامد ،وفي حلب احمد كردي المفتي فيها ،وفي دمشق بدر الدين الحسيني وهاشم الخطيب وعلي الدقر ،وقد قاموا بحملة ضد التدخين هناك.
ومن علماء الحجاز عبد الله العصامي وتلميذه محمد بن علان وعبد الله الحداد والحسين بن ابي بكر وعبد الرحمن بن محمد الحضرمي وسعيد البلخي المدني ،وعمر البصيري ومكي بن فروح.ومن تركيا محمد الخواجا.
وأشهر من دافع عن الدخان العلامة الصوفى الشيخ عبد الغنى النابلسي في كتابه (الصلح بين الاخوان في اباحة الدخان ) وقد ردّ على من أفتى بحرمته ، وقد ذكر أن بعض علماء الدولة العثمانية افتي بنجاسة التبغ وفساد صلاة المدخن ،وانه لا يعفي عن نجاسة رائحة الدخان في الثوب والبدن وان تعذر ازالتها بخلاف الخمر ،وذلك لتعمد شرب الدخان من غير ضرورة ..وقد ترتب علي تلك الفتوي ايقاع الاضطهاد بالمدخنين وقتها.
3 ـ وعلى العادة فى الفقه السنى فقد بالغ بعضهم فى تحريم الدخان الى درجة االتجديف فى الغيب والكذب على الله تعالى ورسوله ، فبعضهم افتي بأن المدخن يحشر يوم القيامة في جهنم مع شارب الخمر اسود الوجه والغليون في عنقه يلتهب نارا ،وصنعوا في ذلك احاديث نسبوها للنبي ، ، تجعل المدخن من أصحاب الجحيم . أى إن مصانع أنتاج الحديث كانت تعمل بكل طاقتها حتى العصر العثمانى ، مع ان التدخين ظهر بعد عصر النبي بحوالي عشرة قرون ولم يكن النبي يعلم بما سيحدث بعده.
على أن الوهابيين هم أكثر من حارب التدخين وجعل حرب التدخين من أصول الدين ( السنى ) فهناك فتوى محمد ابن ناصر بن معمر الحنبلي النجدي الذي الحق التدخين بالخمر ، وقرر ان المدخن يجب معاقبته بالجلد اربعين جلدة ،وايده عبد الله بن عبد الرحمن في فتوي مشابهه ، ولا يزال التدخين من اهم وأفظع المنكرات فى المملكة السعودية.
وهذا يعطينا فكرة عن ان تحريم الدخان ارتبط احيانا بنوع من التفريعات الفقهية والاحكام الاضافية التي تتطرف في تحريم الدخان وتمتد الي متعلقات المدخنين والتدخين ،مثل القول بفساد صلاة المدخن ونجاسة ثيابه وبدنه ،واختراع احاديث للنبي تجعله من اصحاب الجحيم.
ثم فتاوي اخري تلحق التدخين بالخمور وتجعله من المسكرات .وقد بدأ هذا القول في العصر العثماني ،وممن قاله ابن العلاء الصديقي في كتابه (اعلام الاخوان بتحريم الدخان )، وكرر نفس الفتوي محمد بن ناصر بن معمر الحنبلي النجدي الذي الحق التدخين بالخمر وقرر ان المدخن يجب معاقبته بالجلد اربعين جلدة ،وايده عبد الله بن عبد الرحمن في فتوي مشابهه .وقبلهم قال خالد بن احمد الجعفري ساكن مكة انه لا تجوز امامة من يشرب الخمر ولا تجوز الصلاة خلفه ،ولا تجوز شهادته ،وبالتالي لا يجوز الاتجار بالدخان.
4 ـ وفي عصرنا الراهن تكرر الموقف من الفقهاء المعاصرين الذين حرموا الدخان واستدلوا بنفس الادلة ،وقال بعضهم بنفس التطرف في التفريعات الفقهية خصوصا مع دخول المسلمين فى المرحلة النفطية و السيطرة السعودية الوهابية ، حيث قامت دعائم الفكر الوهابي علي عدة اسس منها تحريم الدخان ،واشتهروا بذلك في تاريخ الدولة السعودية الاولي والثانية والثالثة الحالية .وفي عصرنا الحالي يفتي مفتي السعودية السابق محمد إبن ابراهيم بتحريم الدخان وعدم جواز امامة من يشرب الدخان وتحريم الاتجار به ،ويفتي عبد الرحمن الناصر السعدي بتحريم الدخان والاتجار فيه وتحريم الاعانة علي ذلك ،وعلي من يفعل ذلك ان يتوب.
ويشتم بعض الفقهاء السعوديين الفقهاء الاخرين المخالفين لهم في الرأي والذين يردون عليهم بالحجج الفقهية ، فيشتم عبد الرازق عفيفي الفقيه الذي يطالب بدليل شرعي ينص علي تحريم الدخان بالاسم ولا يقتنع بالنصوص العامة ،يقول عنه ( قصير النظر ضعيف الفكر جاهل بمصادر الشريعة استهواه الشيطان وحبب له الخبائث ) ،وقال محمد بن مانع مدير معارف السعودية في عصره ان القول باباحة التدخين (ضرب من الهذيان ،فلا يعول عليه الانسان ..فلا تغتر بأقوال المبيحين )( شعيب العباسي :السيجارة مقبرة المدخنين :166،168 ،172،194،157،180 :181 ،173 -،148 .-جريدة الاخبار 22/4/1994 ، جريدة اللواء الاسلامي 9/12/1993 ،جريدة الجمهورية 18/7/1980.)
وبالتعاون مع منظمة الصحة العالمية(WHO ) وبدعم السعودية تم عقد المؤتمر الاول في جنيف من 9 : 14 سبتمبر 1974 لتحريم الدخان ،وشارك فيه علماء من الازهر ومن السعودية ،كان ابرزهم شيخ الازهر وقتها الشيخ جاد الحق ،ود.عبد الجليل شلبي ،ود.حامد جامع ،ود.زكريا البري ،الشيخ عطية صقر ،الشيخ مصطفي محمد الحديدي الطير ،الشيخ عبد الله المشد ،ود.احمد عمر هاشم ،د. الحسيني عبد المجيد هاشم .واتخذت بحوث المؤتمر اساسا فكريا لكل الابحاث التالية في تحريم التدخين واستنكاره في العالم الاسلامي .وعقدت بعده مؤتمرات في داخل البلاد الاسلامية منها ذلك المؤتمر الذي انعقد في نوفمبر 1993 وحضره مائة فقيه اسلامي.
ومع كل هذه المؤتمرات فأنها لم تأت بجديد في الناحية الفقهية .اذ انها رددت ولاتزال تردد نفس الادلة وتتمسك بنفس العلل والاسباب.
5 ـ اشهر من حرم التدخين في عصرنا:
اشهر من حرم التدخين في العصر الحديث هو شيخ الازهر محمود شلتوت في الستينيات من القرن العشرين .وقد بني علة التحريم علي اساس الضرر قائلا :ان اضرار الدخان في الصحة والمال تقتضي حظره ،وافتي بتفريعات اخري منها تحريم زراعة الدخان وصناعته مالم تعرف له فوائد اخري ،وافتي بصحة الصلاة في حقل الدخان [الفتاوي للشيخ شلتوت 384 :385 :القاهرة 1964 ].هذا مع ان شيخ الازهر الاسبق محمود شلتوت كان يدخن ولم يقلع عن التدخين!!.
والدكتور زكريا البري استاذ الشريعة الاسلامية في جامعة القاهرة واحد اصدقاء الرئيس السادات افتي في جريدة الاخبار في 12/10/1972 بأن حكم الدخان بين الحرام والكراهة التحريمية بعد ثبوت ضرره ..والكراهة التحريمية درجة اقل من الحرام واكبر من الكراهة العادية في الاحكام الفقهية .وافتي بتفريعات اخري منها انه يباح التدرج في الاقلاع عن التدخين لمن كان يدخن معتقدا ان التدخين حلال ،ووجوب اصدار تراخيص جديدة للاتجار فيه ،ومعاونة المتاجرين في الدخان لينتقلوا الي التجارة في اشياء بديلة ،وتدبير موارد للدولة تغنيها عن جمارك الدخان.
والدكتور زكريا البري –المتخرج في جامعة الازهر ،والذي كان يرأس الشئون الدينية للحزب الوطني الحاكم في عصر السادات ،كان يدخن ،وكان صديقه الرئيس السادات مشهورا بالغليون.
وفي الثمانينيات افتي محمد عبد الله الخطيب احد علماء الازهر بتحريم الدخان ، وجاء بالادلة
المعتادة.
وفي الثمانينيات ايضا افتي الدكتور محمد الطيب النجار رئيس جامعة الازهر ووكيل الازهر السابق ان هناك تشابها بين الخمر والدخان ،وهذا التشابه يوجب تحريم الدخان ،قال ذلك في ندوة تليفزيونية في التليفزيون المصري وعارضه بعض الصحفيين فرد عليه الطيب النجار في الاخبار سنة 1983.
وفي التسعينيات اشتدت موجة تحريم الدخان بالتاثير السعودى ،وتزعمها الشيخ جاد الحق شيخ الازهر السابق الذي اعتبره هلاكا للنفس والمال واضرارا بالاخرين ،وتبعه الدكتور عمر عبد الكافي احد الدعاة المشهورين في منتصف التسعينيات ،والدكتور احد عمر هاشم الرئيس الأسبق لجامعة الازهر، ود. رمضان السيوطي استاذ الشريعة في الازهر .الذي افتي بتحريم بيع الدخان ووجوب رد ثمنه للمشتري ،ووجوب احراق الدخان دون ان يرد المشتري ثمنه للبائع مثلما يجب اراقة الخمر.
اما الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوي بالازهر فقد امر بمكافحة التدخين للوقاية والعلاج ،وجعل الوقاية بالتوعية وهي من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ،واقترح للعلاج اصدار تشريعات لمقاومة التدخين وحظر بيع السجائر لصغار السن ،وتفضيل غير المدخنين في المناصب القيادية ،وحظر التدخين في الاماكن العامة ووسائل المواصلات ،والحد من انتاج الدخان وتوزيعه ،وفرض ضرائب علي المنتجين ومنع ظهور التدخين علي شاشات السينما والتليفزيون ومنع الاعلان عن السجائر.
وافتي د.عبد الصبور شاهين بأن التدخين حرام بالنص وليس بمجرد الاجتهاد .وقال ان الخمر تدخل في انضاج التبغ ،وعليه افتي ببطلان احرام الحاج اذا دخن وهو في الحج.
وقد افتي عبد الغني تاج الدين – من علماءالازهر –بحرمة التدخين ،وافتي بأنه لا يصح ان يفطر الصائم علي سيجارة وان كان صيامه صحيحا.
اما الشيخ القرضاوي الفقيه المشهور فقد افتي بحرمة التدخين بسبب الضرر وجاء بتفريعات اخري هي : تأكيد حرمة التدخين في احوال معينة مثل تدخين الفقير ،واستيراد الدخان من بلاد الاعداء ،او كون المدخن من علماء الدين او الاطباء ،او اذا اصدر الحاكم قراره بمنع التدخين ..المدخن الراغب في الاقلاع عن التدخين ولا يستطيع يكون معذورا .تحريم الدخان اقل درجات التحريم بسبب اختلاف الفقهاء في حكمه .التدخين للمرأة اشد قبحا .دعوة اجهزة الدولة لمحاربة التدخين ومنع الاعلان عنه .وهي فتاوي لا تخلو من طرافة وتناقض.
وفي اغسطس (6/8/2000) اعلن مفتي مصر د.نصر فريد واصل في غضون حملته علي التدخين في مجلة اكتوبر ان الذي يدخن لا تقبل صلاته ولا صومه ولا زكاته ولا شهادته .والحق التدخين بالخمر والمخدرات والمعاصي ،وحكم بكفر المدخن الذي يعلم بحرمة التدخين ولا يقلع عنه ،وشبهه بمن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضه ،وجعل التدخين والخمر من الكبائر التي تجب فيها العقوبة أي مثل الزنا والسرقة ،وبذلك يكون فاسقا لا تقبل شهادته مثل الذي يرمي المحصنات وشهادته باطلة.
و مفتي مصر السابق د. نصر فريد واصل دخل في مزايدة فى التحريم مع فقهاء السعودية الحنابلة ، فقد أصدر تفريعات اخري منها تحريم اخذ الجوائز من شركات التدخين ،وتحريم صنع الحلوي علي شكل سجائر حتي لا يتعود الاطفال علي شرب السجائر ،وامتدت فتاويه الي العلاقات الزوجية والاسرية ،فمن حق الزوج في رأيه ان يطلق زوجته المدخنة التي فشلت محاولات علاجها ،ومن حق الزوجة ان تطلب الطلاق من زوجها المدمن في نفس الحالة .وان الاب والام اذا دخن احدهما امام الاولاد فقد ارتكب اثما محرما وجريمة في حق الله وحق المجتمع تستوجب لعنة الله وعذابه في الدنيا والاخرة ،والابن المدخن هو مريض يجب علاجه ،ويجب عقاب المدخن في الاماكن العامة اذا لم يسبتجب للنصح والارشاد ،والعاملون في مجالات التدخين يجب عليهم البحث عن عمل اخر حلال ،فاذا لم يتيسر لهم ذلك ولم يكن لهم دخل اخر فلا بأس .وقال اخيرا انه لا يجوز شرعا اعطاء الزكاة للمدخن لانها اعانه له علي معصيته ،والاعانه علي المعصية تكون معصية.
وهذا التطرف من جانب المفتي في التحريم والحظر جعل شيخ الازهر د.محمد سيد طنطاوي يسارع بنشر رأيه في نفس المجلة (27 /8/2000) ليخفف من وقع اراء المفتي ،اذ قال شيخ الازهر ان تدخين السجائر مكروه ،ولا يتساوي مع شرب الخمر والزنا.
6 ـ الدولة السعودية الراهنة( الثالثة ) هى السبب.
فالعقيده الوهابيه تحرم الدخان ،وحين انشأ عبد العزيز ال سعود الدوله السعوديه الثالثه (1902 1932) كان الاخوان المتشددون هم عماد قوته، وكانو يقتلون المدخنين بحيث كان البدو يدخنون سرا خوفا من الاخوان [جون حبيب :الاخون السعوديون :71،80،84 )وحين حاصر الاخوان الكويت كان من شروطهم ان يترك اهل الكويت شرب الدخان [ناصر السعيد: تاريخ آل سعود : 619:618].
ومع ذلك فحين استولى عبد العزيز على مدينة ( جدّة ) وامر بمصادرة مخازن الدخان فيها اشتكى التجار من خسائرهم الفادحه اذا احرق الدخان ،وعرف ان حصيلة جمارك الدخان تفوق عوائد البترول وقتها فسمح باستمرار استيراد الدخان [جلال كشك:السعوديون والحل الاسلامي 624:623 ].وبسبب مرونة عبد العزيز ثار عليه الاخوان عماد جيشه ،وبعد ان قضى عليهم سنة 1930 تهاوت تدريجيا محظورات الوهابيه من الموسيقى والغناء والتدخين والخمور،وتسربت خلسه الى القصور الملكيه وقصور الامراء[الياسيني :الدين والدوله السعوديه 95].
ونرفض تلك القصة التى يرويها ناصر السعيد ـ فى كتابه (تاريخ آل سعود ، ص 541 ) ونضطر لذكرها بكل اسف . يقول:
(ولدينا القصص الكثيرة وبالاسماء عن افعال ال سعود التي هي في منتهي الاباحية التي وصلت بهم ان يجعلوا من عقوبة (مدخن الدخان ) اكبر من عقوبة مرتكب الدعارة في بناتهم ،ونوادر آل سعود في ذلك كثيرة ،نختار منها قصة الاميرة المعروفة التي اغتصبت احد الشباب بعد ان اختطفته من الشارع العام ،ولما قضت شهوتها معه وجلس القرفصاء يستعيد انفاسه واخرج سيجارة بطريقه لا شعورية وبدأ يدخنها هاجمته الاميرة وانهالت في وجهه صارخة مرددة شتائمها بقولها الشهير ( اتشرب المخزي في حوينا يا خائن ؟) أي تدخن الدخان في بيتنا .والدخان هو الشئ (المخزي ) من الخزي !! وليس في اغتصاب الاميرات للمارة واختطافهن للرجال الابرياء أي (خزي ) او شئ مخزي ..المهم ان الاميرة استدعت هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وسلمت لهم الشاب بتهمة (تدخين المخزي ) ولما سألها احد اعضائها قائلا : ( ماالذي جاء بهذا الشاب الي القصر ليشرب الشئ المخزي امامك يا اميرة المؤمنين ؟ ) افادته الاميرة بقولها (انني وجدته في الشارع يسير بمفرده ،فاعجبت بشكله فاجبرته علي الركوب لاوسع به صدري باللعب عليه ، لكنه لم يحسن اللعب معي بل بقي متقرفصا وكأنه خائف مني ان اكله، مع ذلك يشرب المخزي في حوينا !) فأخذه (رجالات الدين )وسلموه الي الشيخ عمربن حسن رئيسهم ،الذي امر بتأديبه بجريمتين ارتكبهما الشاب ،الاولي :عدم احسان الشاب اللعب مع الاميرة !، والجريمة الثانية هي (تدخين المخزي في حويتها )أي تدخينه الدخان في قصرها ..هذه قصة شائعة حدثت في عام 1946 وذلك قبل ان يبدأ الامراء الآن باستيراد الدخان الامريكي ..ليصبحوا وكالاء شركاته ).انتهى..
واصبح مشهورا ادمان بعض الامراء والملوك السعوديين للخمور والسجائر ، وحين اقتحم الاخوان الجدد الحرم المكي سنة 1979 فى حركة جهيمان العتيبى ،كان ولي العهد الامير فهد يحضر مؤتمرا في تونس وبسبب انزعاجه الشديد كان يدخن بشراهه علنا امام آلات التصوير.(ملف الانتفاضه :47:اصدار منظمة الثوره الاسلاميه. ).
هذا بينما يجتهد الفقهاء السعوديون وخدمهم في تحريم الدخان.
أخيرا
1 ـ وبرغم الصخب السابق نقول إن التدخين مباح ولا يصح تحريمه طالما لم يرد نصّ قرآنى بتحريمه ، والمحرمات محددة لا يصح الاضافة اليها ، وليس هناك قياس فى التحريم لأن القياس يؤدى الى تحريم الحلال المباح ،أى الاعتداء على حق الله تعالى فى التشريع.
ونؤكد أيضا أن التدخين الذى يتخذ مجراه فى الجهاز التنفسى لا يؤثر فى الصيام ، ولا يفطر به الصائم.
2 ـ ونتساءل : ماذا لو عرف العصر العباسى الدخان لأول مرة .. ماذا كان سيفتى ويقول الأئمة مالك والشافعى والبخارى ؟
دعنا نبتسم ونتخيل ماذا كانوا سيقولون،ونكتب تخيلنا هنا للترفيه عن القارىء:
* سيكتب مؤلف الموطأ نقلا عن مالك تحت عنوان (أحاديث فى تحريم التدخين فى نهار رمضان ):
(وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنه قال : من دخن عامدا متعمدا فى نهار رمضان لم يجزئه صوم الدهر كله وإن صامه.)
(حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،أنه قال : بئس عبد السيجارة ..بئس ابن الحمارة.. بئس وانتكس وإذ شيك فلا انتقش)
( وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا، هُرَيْرَةَ فى حديث يرفعه الى .. يؤتى يوم القيامة بالمدخنين وعلى وجوههم دخان من طين فيلقى بهم فى جهنم فى وادى النيكوتين ليتجرعوا العذاب أبد الآبدين .ما تقولش آمين..)
* وسيكتب الشافعى فى (الأم ):
( وأكره للصائم أن يفطرعلى سيجارة أو أن يدخن وهو يركب الحمارة ، واحب للمدخن قبل السحور أن ينفث الدخان على اليمين ليكون من أهل اليمين ،وأكره له أن ينفث الدخان على الشمال حتى لا يكون من اليساريين و الشيوعيين أصحاب الشمال.)
وقال الشافعى:
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: ومن أفطر وهو مسافر فى رمضان فلا يجوز له التدخين إلا بعد أربعين فرسخا .. .فإن اشعل سيجارة قبل بلوغه الفرسخ الأربعين رجع من سفره الى الفرسخ الأول..وإن إضطر الرجل للتدخين كأن هددوه بسكين فأكره له أن يستعمل السجائر الأمريكية الامبريالية ، وعليه بالسجائر المصرية، برغم ما فيها من حشرات حرصا على اصلاح ميزان المدفوعات.. والضرورات تبيح المحظورات.
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: ومن أدركه الفجر وهو يدخن الجوزة أو الشيشة أو السجارة أو السيجار فأسرع فابتلع الدخان أتم صومه وعليه القضاء . فإن غلبه الدخان فنفثه فى الهواء صح صومه وليس عليه قضاء.
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: ومن ادركه الفجر وهو يدخن فاراد كتم النفس ( بفتح النون والفاء ) وكان فى وضع غير مريح فغلبه الريح فقد انتقض وضوؤه ولكن صيامه صحيح .
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: ومن أدركه الفجر وهو يجامع زوجته وهو يدخن أثناء الجماع فاسرع فنزع وأطفأ السيجارة صح صومه ، حتى لو أنزل بعدها وقت دخول الصوم ،لأنه أنزل بعد مباشرة مباحة . فإن نزع وغفل عن إطفاء السيجارة فصيامه صحيح ، فإن تعمد ألا يطفىء السيجارة بطل صومه وعليه فدية وكفارة . وقال بعض أصحابنا إن عليه تقديم الفدية قاروصة سجاير مارلبورو..
وسيكتب البخارى فى باب ( تحريم التدخين )
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ـ رضى الله عنه ـ قَالَ : قوم من امتى لا تشملهم شفاعتى ..يشربون الجوزة والشيشة ..ألا سحقا لهم .إذا لقيتموهم فالعنوهم ..قيل لأبى هريرة : هل سمعت هذا الحديث من الرسول عليه الصلاة و السلام ؟ فضحك وقال : كلا ..إنه من كيس أبى هريرة.)
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ـ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ ـ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ، أَخْبَرَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، سَمِعَ ابن عباس يقول : من اصبح جنبا بلا إحتلام وعلى سيمائه التدخين بلا احتشام فقد بطل صومه والسلام.. وده آخر كلام..)
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضى الله عنه أنه قال : إن المدخن إذا أشعل السيجارة فإن ملكا من الملائكة يقعد على يمينه ويقعد الشيطان على شماله ، فاذا عطس المدخن بادره الملك فصفعه على قفاه وقال : ذق أمراض الصدر قبل أن تذوق عذاب القبر ، بينما يربت الشيطان على قفاه ويقول : إشرب ما تشاء يا ابن اللخناء ولا تستمع للسفهاء .. قالوا يا أبا هريرة : هل سمعت الرسول يقول هذا الحديث ؟ فقال : لم اسمعه ، وإنما رويته عن ابن عمر ، وهو أحفظ منى .)
السطر الأخير:
لست.. ولن أكون بإذن الله جل وعلا.. من المدخنين...ولا أنصح مطلقا بالتدخين ..وأتمنى من المدخنين الاقلاع عن التدخين ..
التعليقات
حمد حمد
بارك الله جل وعلا بعلمك وعمرك دكتور أحمد المحترم.
من المعلوم حاليا تم السماح في بعض الدول الاوربيه وبعض الولايات المتحدة في تعاطي الماريجوانا والحشيش وفي حدود معقوله وتحت إشراف صحي فهل هذا يعتبر تدخل في الحرية الشخصيه وفي ما لم يحرمه الله سبحانه أم إنه أمر صحي وهل من الممكن يتم تنفيذه مع تدخين السجائر ، وماذا عن المخدرات بأنواعها وخطورتها أنا أعرف إنه تم التطرق لها سابقا ولكن اتمنى ضمها في هذا الكتاب المميز عن الصيام. ولدي سؤال كنت أتمنى أن لا نقول عن مايسمون أنفسهم علماء وفقهاء المسلمين أليس الأفضل أن نسميهم سفهاء أو تعساء المسلمين أو الأفضل أعداء الدين فهو مناسب جدا لهم مع خالص التقدير لكم.
أحمد صبحى منصور
جزاك الله جل وعلا خيرا استاذ حمد ،
1 ـ نحن نتكلم عن الحرام والحلال . فى الدولة الاسلامية يجوز عبر مجالسها التشريعية وضع ضوابط ـ بقرارات بالأغلبية ـ فيما فيه المصلحة والنفع ، وقد تعرضنا لهذا فى كتاب ينتظر النشر عن ( ماهية الشريعة الاسلامية ) ، فيما يخص المجالات المتاحة للدولة الاسلامية فى التشريع وضوابطها.
2 ـ هذا الكتاب تم الانتهاء منه ونشره من سنوات طويلة . ولم يكن قد ضاق صدرى ـ بهذه الدرجة من فقهاء الدين السنى ، ولم أكن قد توسعت فى استعمال وصف المحمديين . عذرا ..وشكرا . وكل عام وأنت وجميع الأحبة بخير ونعمة.
ب 1 ف2 ج 2 : الله جل وعلا وحده هو الذى سيعاقب المفطر فى رمضان وليس غيره
كتاب ( رمضان والصيام بين الاسلام والدين السنى ) دراسة أصولية تاريخية
الباب الأول : رمضان والصيام فى الاسلام :
الفصل الثانى : تشريع الصيام فى رمضان
الجزء الثانى : ليس من تشريع الصيام فى الاسلام ( مقالان )
المقال الثانى : الله جل وعلا وحده هو الذى سيعاقب المفطر فى رمضان وليس غيره
إسلاميا : لا يجوز عقاب من يفطر علنا فى رمضان
أولا : عقوبة المفطر فى رمضان بين الاسلام وأديان المحمديين الأرضية
1 ـ فى مقالات الصيام المنشورة هنا قلنا إن تشريع الصيام فى القرآن ركّز أكثر على رٌخص الافطار للمسافر والمريض ، والذى يرهقه الصيام ، وتخفيف الصيام ليكون من الفجر الى الليل بعد أن كان الصيام من قبل يمتد من العشاء الى غروب اليوم التالى . وأن الصيام ـ كشأن العبادات ـ هو وسيلة التقوى . ولكن تحول الصيام الى طقس إجتماعى لمجرد التجويع والانفلات الخلقى وقضاء النهار فى كسل وغضب ، وقضاء الليل فى مجون و سهر ، فأضحى رمضان شهر الامتلاء والمسلسلات والفوازير والوعظ السلفى بالتكفير والنكير والجهاد السلفى بالتفجير والتدمير ، وإنقطعت صلته بالتقوى . كما أصبح شهر مناسبة يتسلط فيه المتطرفون على الناس ، يعاقبون من يُفطر ، بغض النظر إذا كان يمارس رُخصة تشريعية مذكورة فى القرآن ، أم يمارس حريته الدينية التى منحها الله جل وعلا للبشر ، وهو وحده جل وعلا الذى سيحاسبهم على إيمانهم وعلى عبادتهم وعلى عملهم يوم الدين .
2 ـ إن حق الله جل وعلا فى الايمان به وحده لا شريك له وفى عبادته وحده ــ هذا الحق مرجعه الى الله جل وعلا وحده يوم الدين ليحكم فيه بين الناس فيما هم فيه مختلفون . أما حقوق البشر ( حق العباد ) فقد نزلت فيه تشريعات الاسلام لتحفظ حقوقهم وتمنع من الظلم والبغى والعدوان . ولذا ، فليس فى الاسلام ــ على الاطلاق ـ إكراه فى الدين ، فى الايمان أو الكفر ، فى إقامة العبادة أو تركها ، فى الدخول فى الاسلام أو فى الخروج منه . وليس فى فضيلة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الاسلامية تسلط على الناس . إن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو التواصى بين أفراد المجتمع كلهم بالحق والخير والصبر، وليس لفئة أن تتخصص فى هذا تأمر الناس بالبر وينسون أنفسهم ، كما أن حدود الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا تتعدى النصيحة القولية ، وإذا أصرّ الفرد على ما هو عليه فرب العزة يقول ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105) المائدة ) . وإصراره على المنكر لا يعنى التبرؤ منه بل من عمله السىء فقط ، يقول جل وعلا لخاتم المرسلين : ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) ) الشعراء ) لم يقل له أن يتبرا منهم بل من عملهم ، ولم يقل إضربهم بل مجرد البراءة من عملهم ليتحملوا هم وزره يوم الدين .
وبالتالى فإن من يتدخل فى إرغام الناس على الصلاة وتأدية العبادات ، ويعاقب بالقتل تارك الصلاة ويعاقب بالضرب و( التعزير ) من يفطر علنا فى نهار رمضان إنما يعتدى على حقّ رب العزة جل وعلا فى التشريع ، وهو جل وعلا الذى خلق البشر أحرار فى الطاعة أو العصيان وجعل للدين يوما هو يوم الدين . أما هذا المتسلط على الناس فقد نصب نفسه إلاها على الناس ، يقيم لهم يوما للحساب والعقاب قبل مجىء اليوم الآخر ، ويمارس سلطة دينية ودنيوية عليهم باسم الخالق جل وعلا إفتراءا على الخالق جل وعلا . هم أعداء لله جل وعلا الذين يرفعون أنفسهم فوق منزلة خاتم المرسلين ـ عليهم السلام . تدبر ما قاله رب العزة جل وعلا للنبى محمد عليه السلام : (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) الغاشية ) وقال له جل وعلا : (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (100) يونس ) وقال له جل وعلا : (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) القصص )
3 ــ والعادة السيئة فى أى دين أرضى أنه يملكه أربابه ورجال كهنوته، وهم يتخذون من هذا الدين الأرضى وسيلة للاستعلاء على الناس وأكل أموالهم بالباطل والتحكم فيهم . ويحتاج المستبد الى رجال الدين الأرضى يركبهم ويركب بهم الناس . وإذا كان هذا الدين الأرضى مؤسسا على العنف فالويل للناس من عسفه ، وهذا ما نراه فى شعوب يسيطر عليها الكهنوت الوهابى ، ويقوم بإكراه الناس فى الدين ، وتتخصص طوائف من كهنوتهم تطارد الناس فى الشوارع والأسواق بالإثم والبغى والعدوان المنهى عنه فى دين الله جل وعلا . ومن الطبيعى أن ينال المفطر فى هذه البلاد عقابا من أولئك الظالمين المفترين .
ثانيا : لمحة عن موقف الدين السنى الأرضى ممّن يفطر فى رمضان
1 ـ الله جل وعلا أنزل دينه على أساس التخفيف والتيسير ورفع الحرج وتشريع الرخص وقبول الأعذار كما يتجلى فى آيات التشريع فى الصيام . ولكن من يملكون الدين السنى أسسوا دينهم على التزمت والتعنت والغلو والتطرف والتعصب والتسلط .
2 ـ بدأ الأمر فى العصر العباسى بتغليظ العقوبة على من يفطر فى رمضان ، فى مزايدة ممجوجة على شرع الرحمن جل وعلا . إن الله جل وعلا يوجب على من أفطر يوما أن يقضى يوما مثله . ولكن تبارى فقهاء الدين السُّنّى الذين يملكون دينهم السُّنّى فى المزايدة على رب العزة بطريقتين :
2 / 1 ـ فرض كفارة مغلظة على من أفطر بالجماع الجنسى ، فأوجبوا عليه القضاء مع الكفارة، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا عن كل يوم أفسد صيامه بالجماع الجنسى .
2 / 2 ــ المغالاة فى عقوبة من أفطر يوما واحدا فى رمضان . منهم من قال: ( لا يجزيه القضاء ولو صام الدهر كله، لأنه أفسد صيامه متعمدا من غير عذر فلا يكفيه أن يأتي بيوم مكان )، وبعضهم قام بتحويل هذا الإفك الى حديث زعم أن أبا هريرة رواه ، يقول : ( من أفطر يوم من رمضان عمداً لم يقضه صيام الدهر وإن صامه ) ، وروى آخرون نفس المعنى بطريقة أخرى فجعلوا الحديث يقول :( من أفطر يوما من رمضان متعمدا لم يجزه صيام الدهر،حتى يلقى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه .) . وكان هناك من توسّط فقال أن من أفطر يوما من رمضان وجب عليه أن يصوم في قضائه اثني عشر يوما ، وقال آخر : يجب عليه أن يصوم شهرا، وقال آخر : يجب عليه أن يصوم ثلاثة آلاف يوم. ولا عجب.! . فهو دينهم السّنى الذى يملكونه ويملكون حق التشريع فيه . ووقتها كان الحنبلة يسيطرون على العصر العباسى الثانى ، وعلى العراق فدمروه. ولنا مقالات تؤرخ للحنبلية ( ام الوهابية ) وتدمير العراق فى العصر العباسى الثانى .
3 ــ إختلف الأمر فى العصر المملوكى حيث تسيد التصوف وما يعنيه من انفلات أخلاقى ودينى وتهاون فى العبادات ومنها الصوم ، وقد تعرضنا لهذا فى الجزء الأول والجزء الثانى من كتاب ( اثر التصوف فى الحياة الدينية فى مصر المملوكية ). لم يكن هناك وقتها التسلط الحنبلى السنى الذى دمّر العصر العباسى الثانى ، فقد جاء التصوف بعدم الاعتراض بديلا عن الأمر بالمعروف وتغيير المنكر على الطريقة الحنبلية . لذا قام الفقهاء الحنابلة بصبّ جام غضبهم على من يفطر فى رمضان بإعلان كراهية المفطر وتكفيره ، فقال ابن تيمية :( من أفطر عامداً بغير عذرٍ كان تفويته لها من الكبائر.). وقال الذهبي في الكبائر: ( أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ أَنَّهُ شَرٌّ مِنْ الزَّانِي وَمُدْمِنِ الْخَمْرِ بَلْ يَشُكُّونَ فِي إسْلَامِهِ وَيَظُنُّونَ بِهِ الزَّنْدَقَةَ وَالْإِلْحَاد. )
4 ـ وفى عصرنا البائس سيطرت الوهابية بالنفوذ الأمريكى البترودولارى ، وتخصصت الشرطة الدينية فى المملكة السعودية فى الإكراه فى الدين ومطاردة الناس الآمنين فى الشوارع والحارات والأسواق والميادين . وبالنفوذ الوهابى ظهر فقهاء يمتلكون الدين الأرضى الجديد ، ويزايدون على من سبقهم من أئمتهم فى العصرين العباسى والمملوكى فأفتوا بضرب من يفطر فى رمضان .
5 ـ قال هذا الشيخ محمد متولى الشعراوى فى كتابه الفتاوى،( الجزء الثالث ص 45 ) إذ أفتى بتعزير من يفطر جهرا فى رمضان ، وفسّر التعزير طبقا للدين السنى ـ هو التأديب بالضرب أو الشتم أو المقاطعة أو النفى . مع ملاحظة ان مصطلح التعزير فى الدين الاسلامى طبقا للقرآن الكريم هو : التكريم والإعزاز والمناصرة ، يقول جل وعلا : (وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ (12) المائدة )( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (157) الاعراف) (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (9) الفتح ) هذا ( التعزير ) فى دين الاسلام تحول معناه الى النقيض فى الدين السُّنّى دليلا على التناقض بينهما ليس فقط فى أُسُس التشريع بل أيضا فى ألفاظه ومصطلحاته ، ولمن يريد المزيد عليه بالرجوع لمقالنا عن ( التأويل )، وهو منشور هنا. .
6 ــ وسار فقهاء آخرون فى عصرنا البائس على طريقة ابن تيمية فى تحقير وتكفير من يفطر علنا ، فقالوا : ( ومن جاهر بالفطر في نهار رمضان، قاصداً أو مستهزئاً فيخشى أن يكفر بذلك، لأنه يستهزئ بركن من أركان الإسلام، ويجب على ولي الأمر منع المجاهر بالفطر، ويستحق عقوبة تعزيرية من القاضي، والعقوبة التعزيرية أية عقوبة يقدرها القاضي، وينبغي أن يكون هناك نص على حكم من أفطر في نهار رمضان بغير عذر وجاهر بالأكل أو الشرب أمام الناس.) أى تحريض للحاكم المستبد بإصدار عقوبات جديدة يكون فى يد الفقهاء الحكم بها وتنفيذها ليتسلطوا بهذا على الناس، ويشاركوا سيدهم المستبد فى سلطانه وتسلطه .
7 ــ ولقد سارت على الدين الوهابى السعودى دول أخرى ، فالكويت أصدرت القانون رقم 24 لعام 1986م بشأن المجاهرة بالإفطار في شهر رمضان الفضيل». وينص القانون في مادته الأولى على أن يعاقب بالغرامة التي لا تتجاوز مائة دينار «حوالي 350 دولارا» وبالحبس لمدة لا تتجاوز شهرا أو إحدى هاتين العقوبتين كل من جاهر بالإفطار في مكان عام في نهار رمضان، وكذلك كل من أجبر أو حرض أو ساعد على تلك المجاهرة، مع جواز إضافة عقوبة غلق المحل العام الذي استخدمه لهذا الغرض لمدة لا تتجاوز الشهرين. ولوزير الداخلية سلطة إصدار قرار بإغلاق ما يرى ضرورة إغلاقه من المحال في نهار رمضان؛ تحقيقا لأغراض هذا القانون ومعاقبة المسؤول عن إدارة المحل . ويتعرض المفطر فى رمضان للضرب المبرح فى افغانستان بدون الحاجة لقانون . وفي جزر القمر يتعرض المجاهر بالفطر لعقوبة السجن، وقررت الصومال، معاقبة المجاهرين بإفطارهم، حيث حذر اتحاد المحاكم الإسلامية في الصومال عام 2006م من المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان، واتخذ إجراءات لمعاقبة المخالفين.
8ـ وفي مصر هناك مشروع قانون طرح على مجلس الشعب منذ عدة سنوات لمعاقبة المجاهرين بالإفطار،ينص على عقاب كل من يجاهر بالإفطار في نهار رمضان بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أيام، وغرامة لا تقل عن مائة جنيه، مع الحبس شهرا لمن يفتح مطعما، أو يسهل تناول الطعام جهارا في نهار هذا الشهر. ولكن مشروع القانون لم يشاهد النور حتى اليوم. مع تأييد الشيوخ له .
وقامت حملة أمنية باعتقال المجاهرين بالإفطار في رمضان لأول مرة بمصر محاكاة للسعودية ، حدث هذا يوم الإثنين 17 رمضان 1430هـ - 07 سبتمبر 2009م. وفى محافظة أسوان ألقت الشرطة المصرية القبض على 150 مصرياً وأودعتهم السجن وحررت لهم محاضر جنحة الجهر بالافطار في نهار رمضان. وفي مدينة الغردقة على ساحل البحر الأحمر ألقت الشرطة المصرية القبض على العديد من المصريين خلال إفطارهم في نهار رمضان، وأغلق محافظ البحر الأحمر المقاهي والمطاعم في نهار رمضان علماً بأن هذه المحافظة من المحافظات السياحية. وألقت كذلك مباحث طلخا بمحافظة الدقهلية بدلتا مصر القبض على سبعة شباب يجاهرون بالافطار في نهار رمضان ويدخنون السجائر في الشارع العام، وحرّر لهم رئيس مباحث طلخا محضراً بالواقعة وتم عرضهم على النيابة التي أمرت بالافراج عنهم بكفالة 500 جنيه . كما لو أنه قد تم حلُّ كل مشاكل وأزمات مصر ، ولم يعد فى مصر سلب ولا نهب ولا فساد ولا قهر ولا تعذيب ولا فقراء جوعى يأكلون من القمامة والنفايات . أصبحت مصر فى نقاء سويسرا ، ولم يبق فى مصر سوى أزمة بعض المفطرين فى رمضان ، والذين يٌسبب إفطارهم خطرا داهما على النظام وتكديرا للأمن العام وتهديدا للسلم الاجتماعى والوحدة الوطنية ..والوحدة العربية ..!!. وعلى رأى المتنبى
وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا
ولم تتخلف الإفتاء المصرية عن هذا التخلف. اصدرت بيانا تم نشره فى 19 رمضـان 1433 هـ 7 اغسطس 2012 يتهم المجاهر بالإفطار في نهار رمضان بأنه ( مستهتر وعابث بشعيرة عامة من شعائر المسلمين»، وبينما طالبت «الإفتاء» ولي الأمر في مصر باتخاذ ما يلزم لمنع المجاهرين من الإفطار في الأماكن العامة والشوارع، وتبارى شيوخ أزهريون فى تحريض العسكر على إصدار قوانين تعاقب من يفطر فى رمضان بغير عذر ، أى تتفرغ الحومة المصرية ـ المثقلة بالمشاكل والعاجزة عن حلها أصلا ـ للقبض على المفطرين والتحقيق معهم هل إفطارهم بعذر أم لا ، وإثبات هذا العذر بالطب أو بالقرائن ، وبالتفتيش على مكنون الصدور ..
وثانيا وعلى رأى المتنبى
وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا
أخيرا
الى متى يظل أعداء الله جل وعلا يشوهون دين الله جل وعلا ويزايدون على شرع الله جل وعلا ؟
ب 2 ف1
ب 2 ف1 ج 1 / المقال 1 : التربة التاريخية التى أنبتت الحديث الملعون (صوموا لرؤيته )
كتاب ( رمضان والصيام بين الاسلام والدين السنى ) دراسة أصولية تاريخية
الباب الثانى : الصيام ورمضان فى الدين السنى
الفصل الأول : مقالان عن الحديث الملعون: ( صوموا لرؤيته.. ) الذى شوّش على التقويم الفلكى
لرمضان
المقال 1 : التربة التاريخية التى أنبتت الحديث الملعون (صوموا لرؤيته )
مقدمتان :
المقدمة الأولى :
1 ـ محققو الدين السنى قالوا بأنفسهم بان أحاديث الاحاد لا تفيد اليقين ، وتقوم على الشك ، وقال أغلبهم إن كل الأحاديث الموجودة لدينا هى أحاديث آحاد ، فكلها يعتمد على السند ، أى سلسلة من الرواة تنتهى الى النبى محمد عليه السلام. وذلك السند تم صنعه فى العصر العباسى.ونحن نقول ان ذلك السند باطل ، وأن الرسول عليه السلام برىء من قول كل تلك الأحاديث . أى كلها كاذبة من حيث السند . ولو أنصف أولئك الرواة لنسب كل منهم قوله لنفسه بدلا من أن ينسبه ظلما وزورا للرسول محمد عليه السلام.
و الحديث هو سند ومتن.ومن حيث المتن فبعض الأحاديث تقول شيئا لا بأس به ، أى لا تعارض القرآن الكريم ،أو ربما تتفق معه . هنا نقول انها كاذبة من حيث نسبتها للنبى محمد عليه السلام ، وليست جزءا من الاسلام حتى لو اتقفت مع القرآن الكريم الذى إكتمل به الاسلام . تظل الأحاديث كلها أقاويل تعبر عن ثقافة عصرها وقائلها وظروفها السياسية ، ومنها الحديث الكاذب الملعون :( صوموا لرؤيته) الذى قام بالتشويش على الحساب الفلكى فى الشهور العربية القمرية ، ومنها شهر رمضان .
2 ـ هذا الحديث منذ اختراعه وحتى الان وهو يسبب صداعا سنويا للمسلمين ، يفرقهم ويضيع صيامهم ، وتحاول الوهابية السلفية فرض هذا الحديث المتخلف على صيام المسلمين . لذا نقدم فى هذه الدراسة الأصولية التاريخية الموجزة ـ توضيحا لنشأة هذا الحديث وبعض ما سببه من مشاكل فى تاريخ المسلمين
لعل .. وعسى..
المقدمة الثانية :
الحساب الفلكى هو الأصل فى تحديد الشهور العربية:
1 ـ الثابت تاريخيا معرفة البشربالتقويم الشمسى والقمرى قبل نزول القرآن الكريم بقرون طويلة. عرف ذلك المصريون القدماء ، وعرفته حضارة الرافدين فى العراق ، بل وثبت أن الحساب الفلكى عرفته حضارات فى اقصى الشرق فى الصين وفى أقصى الغرب فى حضارة المايا المنقرضة فى امريكا قبل ان يكتشفها الأوربيون. وأقام الرومان التقويم الميلادى (الشمسى ) وفرضوه على مصر ، وللمصريين وقتها ـ وحتى الآن ـ تقويم قومى فرعونى بلغته ( القبطية ) ، ثم بعد الهجرة اقام المسلمون تقويمهم القمرى الهجرى طبقا للمتعارف عليه عندهم من ايثار التقويم القمرى.
2 ـ وعرف العرب كل هذا قبل نزول القرآن الكريم ، خصوصا قريش بعلاقاتها العالمية التى تحكمت فى تجارة الشرق والغرب بين الهند وأوربا فى رحلتى الشتاء و الصيف من اليمن الى الشام ، ولأن قريش هى التى هيمنت على شعيرة الحج ، وهو مرتبط بتحديد زمنى سنوى . وأكثر من هذا فان قريش كانت ـ بكهنوتها ـ مركز ما تبقى من ملة ابراهيم من شعائر لم تقتصر على الحج ولكن ضمت اليه صوم رمضان ، وأول آية فى صيام رمضان تشير الى معرفة العرب قبل القرآن بصيام رمضان ، ولذلك نزل تشريع الصيام بنفس ما كان مكتوبا على السابقين : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة 183) ثم جاءت فى الآيات التالية تيسيرات جديدة فى الصيام ( البقرة 184 ـ ).
3 ـ وحتى العرب فى تحريفاتهم الدينية فى ملة ابراهيم استخدموا فيها معرفتهم بالتقويم الفلكى ، فالنسىء مثلا لا بد فيه من معرفة أوائل الشهور العربية ليستبدلوا واحدا منها بالآخر ،أو ليستحلوا واحدا ويحرموا الآخر ، ويتضح هذا من قوله سبحانه وتعالى :( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) الى ان يقول سبحانه وتعالى (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ )( التوبة 36 ـ ).
4 ـ وعليه فان الآيات القرآنية التى تشير الى الحساب الفلكى كانت تشير ايضا الى معرفة به لدى العرب ، وهم أول من قرأ القرآن وتحاور وتعامل معه ، وبمعنى آخر فان العرب كانوا أول من خوطبوا بتلك الايات القرآنية التى تشير الى الحساب الفلكى وارتباطه بآلاء الله جل وعلا فى الكون من حركة الشمس والقمر والأرض ، كقوله جل وعلا :
4 / 1 :(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً )( الاسراء 12 ) .
4 / 2 : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) ( يونس 5 ) .
4 / 3 : (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ) (الرحمن 5 ) .
4 / 4 :(فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ )(الانعام 96 ).
وواضح أن الله جل وعلا اتخذ من معرفتهم بالحساب الفلكى حجة عليهم ، ليذكرهم بأنه جل وعلا هو خالق هذا الكون الذى يسبر بحساب دقيق.
5 ـ والبيئة الصحراوية بليلها الصافى كانت مما يبعث على التفكر فى الكون والتأمل فى السماء ونجومها. والسير فى الصحراء ليلا جعل العرب يعتمدون على النجوم ، وانعكس هذا فى أشعارهم ، وفيما أطلقوا على النجوم من أسماء ، بل إن الله تعالى يشير الى معرفتهم بالنجوم واستخدام هذه المعرفة فى السير ليلا فقال تعالى عنهم (وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) ( النحل 16 ). والاهتداء البدائى بالنجوم والذى عرفه العرب فى (الجاهلية ) أصبح الان مجالا من أهم مجالات الفضاء.
6 ـ وقد سأل بعض المؤمنين النبى محمدا عليه السلام عن الأهلة ، ونزل الوحى بالاجابة التى تؤكد المتعارف عليه من أن الأهلة هى مواقيت للناس والحج :(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ) (البقرة 189). وهنا تأكيد على معرفتهم بالحساب الفلكى واستعماله فى مواقيتهم وفى تحديد بداية الشهر الأربعة الحرم (أشهر الحج ). ولو كان الأمر مجرد (رؤية ) الهلال ما قال سبحانه وتعالى (هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ ) فالمواقيت عامة للناس تعنى تفصيلات التقويم اليومى ولأيام الشهر القمرى ،أى الحساب الفلكى ـ و ليس مجرد رؤية الهلال.
7 ـ وهناك اختلاف بين التقويم القمرى والتقويم الشمسى ، وقد أشار الله جل وعلا له إشارة لطيفة فى قوله سبحانه وتعالى عن نوم اهل الكهف :(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا)(الكهف 25 )، أى إنهم لبثوا 300 سنة بالتقويم الشمسى ، و309 سنة بالتقويم القمرى . وكان سائدا وقت نزول القرآن معرفة التقويمين والفروق بينهما وكيفية التحويل من هذا التقويم الى ذاك.
8 ـ نقول هذا لنؤكد على إن إشارات القرآن الكريم للحساب الفلكى لا تعنى فقط معرفة العرب بالحساب الفلكى واستعمالهم له ، ولكن ايضا قيام فرائض الاسلام التعبدية على ذلك الحساب الفلكى ، سواء كانت فريضة يومية كالصلاة أو سنوية كالصيام و الحج.
9 ـ ويلفت النظر هنا حديث القرآن الكريم عن مواعيد التسبيح التى تشى بمعرفة بالحساب الفلكى كقوله سبحانه وتعالى :
9 / 1 : ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) (الطور 48 ـ ) .
9 / 2 : (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ) (طه 130 )
10 ـ بل إن التعبير القرآنى عن وقت يقظة الانسان فى نهاره جاء مثقلا بثقافة الحساب الفلكى ، كقوله سبحانه وتعالى :
10 / 1 : (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) (الاسراء 78 ) .
10 / 2 : (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ) (هود 114 ) ففى تلك الأوقات من يقظة الانسان يجب عليه ان يراعى ربه فيه مقيما للصلاة محافظا عليها بالسلوك الحسن والتقوى. كان يمكن أن يقال مثلا ( حافظوا على الصلاة أو أقيموا الصلاة طالما لم تكن نائما ، أو طالما كنت يقظا ..)
11 ـ وبالتالى فان صيام رمضان كان يجرى طبقا للحساب الفلكى قبل وبعد نزول القرآن الكريم ، ليس مجرد الصيام بل ايضا تحديد أول يوم من رمضان . لم يكن هناك تحديد برؤية الهلال وانما بالحساب الفلكى الذى احتفل به القرآن الكريم وعرفه العرب قبل الاسلام. ثم اختلف الحال فى العصر العباسى الذى شهد صناعة ذلك الحديث الكاذب الملعون.ولو كان تحديد بدء الصيام وانتهائه برؤية الهلال لقال الله سبحانه وتعالى ذلك فى القرآن الكريم فى حديثه عن القمر و الشمس ، ولكن رأينا هذا الحديث مؤسسا على الحساب الفلكى وليس مجرد رؤية الهلال. ولو كان تحديد الصيام برؤية الهلال لذكر الله تعالى ذلك فى تشريع الصيام . ومنهج القرآن الكريم ألاّ يذكر الشىء المعروف المتعارف عليه من ملة ابراهيم ، وهذا واضح من الايات القليلة التى نزلت فى تشريع الصيام فى رمضان ،إذ أنه بعد الاشارة الى انه مكتوب عليهم بنفس الطريقة التى كانت على السابقين جاءت تفصيلات فى الجديد من تشريع الصوم تقوم على أساس التيسير ، دون أن توضح ما هو معروف للعرب مثل معنى الصيام ، وبدء شهر الصيام بالحساب الفلكى.
12 ـ وقد كان الحساب الفلكى من معالم ملة ابراهيم ، ولا ننسى أن ثقافة قوم ابراهيم الدينية كانت تحوى عبادة النجوم والكواكب مع عبادة الله جل وعلا، وأن ابراهيم عليه السلام فى بداية بحثه عن الحق ناقش مع نفسه عقم عبادة النجوم و الكواكب مع الله جل وعلا :( الانعام 75 ـ ).
13 ـ هنا يثور سؤال عن التربة التاريخية التى نبت فيها ذلك الحديث الملعون :(صوموا لرؤيته ) الذى قام بالتشويش على الحساب الفلكى ، والذى لا يزال يعمل حتى الآن ، مع إنه زيف مفترى . كان ذلك فى عصر الخليفة العباسى الثانى أبى جعفر المنصور.
التربة التاريخية التى أنبتت الحديث الملعون (صوموا لرؤيته )
أولا:
1ـ كتبنا كثيرا عن ارتبط صناعة الأحاديث الكاذبة بالصراع على السلطة منذ الفتنة الكبرى ، ثم تأكد ذلك فى الدولة الأموية ، وقدم الأمويين لنا أبا هريرة أقل الصحابة صحبة للنبي فجعلوه أكثر الصحابة رواية عن رسول الله ، وكذلك فعل العباسيون مع جدهم عبد الله بن عباس.
يقول الامام السلفى ابن القيم الجوزية أن ابن عباس لم يبلغ ما سمعه من النبي عشرين حديثا !. وهذا قول خطير من ابن القيم. والواقع أن ابن عباس لم يدرك النبي إلا وهو دون الحلم، وقد قضى طفولته في مكة في حين كان النبي يومئذ بالمدينة،ولكن شاءت الدولة العباسية أن ترفع من شأن جدها ابن عباس فأصبح أكثر الصحابة علما، وتبارى الفقهاء في نسبة الأقوال والاجتهادات إليه في الحديث والتفسير والفرق المذهبية والفقه والأحكام.وإذا كان أبو هريرة بوقا للأمويين في الحديث والقصص فإن الكهنوت العباسي قد أضاف لابن عباس وغيره كثيرا من الأحاديث التي تتحدث عن ملك بني العباس وخلافتهم التي ستظل في أيديهم إلى يوم القيامة ، بل تتحدث عن الخلفاء العباسيين بالاسم واللقب.
2 ـ وقد عقد السيوطي في كتابه " تاريخ الخلفاء" فصلا بعنوان ( فصل في الأحاديث المبشرة بخلافة بني العباس ) ، ومنها : أحاديث يرويها أبو هريرة، أن النبي قال للعباس فيكم النبوة والملك،أي أن العباسيين انتقموا من أبي هريرة بعد موته فوضعوا عليه ذلك الحديث رغم أنفه.وحديث آخر نسبوه لأبي هريرة أن النبي قال للعباس إن الله افتتح بي هذا الأمر وبذريتك يختمه " وحديث آخر " يكون من ولد العباس ملوك تكون أمراء أمتي" .ثم حديث ابن عباس يروي فيه أن أمه كانت حاملا فيه وقد أمرها النبي أن تأتي به إليه إذا ولدت ، هذا مع أن ابن عباس ولد بمكة ولم يكن بمقدور النبي وقتها أن يدخلها، وتمضي الرواية فتقول إن الأم جاءت بابنها عبد الله فأعطاه النبي الاسم وباركه وقال إنه سيكون أب الخلفاء حتى يكون منهم السفاح وحتى يكون منه المهدي ويكون منهم من يصلي بعيسى بن مريم،وهذه بشرى بأنهم سيظلون في الحكم إلى أن تقوم الساعة.وهناك حديث يرويه أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي يقول : حدثني أبي عن جدي عن ابن عباس أن النبي قال للعباس إذا سكن بنوك السواد وكان شعبهم أهل خرسان لم يزل الأمر لهم حتى يدفعوه إلى عيسى بن مريم . وحديث آخر " الخلافة في ولد عمي أخو أبي حتى يسلموها إلى المسيح ، وحديث فيه مدح الخليفة المهدي المشهور بقتل الزنادقة، يقول إن النبي محمدا دعا الله تعالى ثلاثا يقول: اللهم انصر العباس ، ثم قال ياعم أما شعرت أن المهدي من ولدك سيكون موفقا راضيا مرضيا. "ووضعوا في السفاح أول الخلفاء العباسيين حديثاً يقول "يخرج رجل من العباسيين بعد انقطاع من الزمان وظهور من الفتن يقال له السفاح فيكون إعطاؤه المال حثيثا" ، وواضح أن واضع الحديث كان حريصا على أن يصف الخليفة السفاح بالكرم لينال جزاء كثيراً.وقالوا إن ابن عباس روى عن النبي حديث "منا السفاح ومنا المنصور ومنا المهدى.." أي يفخر النبي بأولئك الخلفاء. وهناك أحاديث كثيرة عن الخليفة المهدى منها " المهدى من ولد العباس عمى " "المهدى يواطىء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبى".. وتعدى ذلك أن الخليفة بالاختيار الإلهي وأن الله يخلق الخلفاء بصورة متميزة عن باقي الخلق ، فيقول حديث منسوب إلى ابن عباس وأبى هريرة وأنس " إذا أراد الله أن يخلق خلقاً للخلافة مسح على ناصيته بيمينه".ومن الطبيعي بعد ذلك أن الاعتراض على الخليفة المنصوص على اسمه ولقبه إنما يكون اعتراضا على مشيئة الله وقراره الذي لابد من طاعته، ومن هنا تقترن الجبرية السياسية بالأحاديث التي نسبوها للنبي عليه السلام.
3 ـ وقد حرص الخلفاء العباسيون على تحصين الأحاديث بسياج من الإرهاب والتقديس حتى لا ينالها النقد واستعمال العقل ، يروي أبو معاوية الضرير أن رجلا من قريش استمع إلى حديث " احتج آدم وموسى " وذلك في مجلس الرشيد فتعجب القرشي قائلا: أين التقى موسى بآدم ؟! فغضب الرشيد من ذلك التعليق وقال : " النطع والسيف.. زنديق يطعن في حديث النبي "، وما زالوا بالرشيد حتى عفا عن الرجل من القتل. والسبب واضح فإن باب الاعتراض على الأحاديث سيجر مشاكل كثيرة للملك العباسي القائم على الكهنوت الديني. والتفاصيل فى بحث ( حد الردة ) وبحث ( حرية الفكر بين الاسلام و المسلمين).
4 ـ باختصار فان صناعة الأحاديث بدأت مع الدعوة السرية للدعوة العباسية ، وكان لها جماعات سرية تؤلف الأحاديث وتبشر بقرب ظهور المهدى المنتظر الذى سيملأ الأرض عدلا بعد أن ملأها الأمويون جورا . فلما أقيمت الدولة انتشرت صناعة الأحاديث وبدأ تدوينها ، خصوصا ما يخدم منها سياسة بنى العباس.
5 ـ وتشجع بعض مؤلفى الأحاديث للدولة العباسية على ان يؤلف أحاديث يطعن فيها فى الاسلام. وليس مستغربا ان تسكت عنهم الدولة العباسية ، فقد امتلأ ت قصور العباسيين بالملحدين من الكتبة الفرس و العرب الذين كانوا يتندرون على الاسلام والقرآن ، تعصبا منهم للفلسفة ، وكان بعضهم متخصصا فى الوضع فى الحديث . وقد عاشوا فى أمن فى رعاية الدولة العباسية ونجوا من الاتهام بالزندقة فى عصور الخلفاء المنصور و المهدى والهادى.
6 ـ وكان المنصور العباسى :
6 / 1 : أكثر جرأة فى سفك الدماء ، وقد إستقدم وإستأجر ( محمدا بن إسحاق ) ليكتب له سيرة للنبى محمد ، جعل فيها شخصية النبى على شاكلة أبى جعفر المنصور .
6 / 2 : أبو جعفر المنصور تفوّق فى سفك الدماء على أخيه الخليفة العباسى الأول (السفاح) مع ما يدل عليه لقب ( السفّاح ) الرسمى من الرعب ، وتميز ابو جعفر المنصور أيضا بنقض العهود وقتل من يعطيه الأمان . والأمثلة كثيرة ، منها عمه عبد الله بطل معركة الزاب التى هزم فيها مروان بن محمد الأموى ، و ( أبو مسلم الخراسانى ) المؤسس الحقيقى للدولة العباسية .
6 / 3 : وابو جعفر المنصور كان يقتل الرجل لمجرد كلمة يقولها ، ففى عام 141 كان الطاعون قد انتشر بالشام ثم هدأ واختفى ، فزار المنصور بيت المقدس ثم انحدر الى الرقة وخطب فيها فقال : " إحمدوا الله يا أهل الشام ، فقد رفع عنكم بولايتنا الطاعون ". فردّ عليه منصور بن جعونة : " الله أكرم من أن يجمعك علينا والطاعون "، فأمر المنصور بقتله.
6 / 4 : ولكنه فى نفس الوقت كان يتسامح مع الزنادقة ـ مهما قالوا ـ طالما يدينون له بالولاء ، ففى عصره علا شأن الرواندية ، وهم طائفة فارسية تؤمن بتناسخ الأرواح وقد أعلنوا ان ربهم الذى يطعمهم ويسقيهم هو الخليفة ابو جعفر المنصور . ولم يتعرض لهم الخليفة إلا عندما أحرجوه بطوافهم حول قصره وهم يقولون : هذا قصر ربنا . عندها اضطر لحبس بعضهم فغضب الآخرون وساروا الى الخليفة فلقيهم بلا حرس ، وهو يحسن الظن بهم باعتبار أنهم يؤلهونه ، ولكنهم أرادوا الفتك به فأنقذه معن بن زائدة . وحدث هذا فى نفس العام الذى قتل فيه المنصور ذلك الرجل فى الشام منصور بن جعونة.( المنتظم 8 : 29 : 30 )
6 / 5 : ومع تسامحه مع الزنادقة كان جبارا فى قتل ابناء عمه العلويين ، حتى من لم يشارك منهم فى ثورة محمد النفس الزكية ، قتلهم شر قتلة لمجرد أنهم أقارب الثائر عليه ، فعندما ثار محمد النفس الزكية بالمدينة كان يعيش بعض أقاربه الى جوار الخليفة المنصور ، وبمجرد أن جاءت للمنصور أنباء ثورة محمد النفس الزكية بادر بحبس ثلاثة عشر رجلا من ابناء عم محمد النفس الزكية ، وأمر بقتل بعضهم ببناء حائط عليه ، وأمر بضرب البعض الاخر بالسياط قبل قتله ( المنتظم 8 : 47 ـ ) وحبس آخرين منهم فى سجن المطبق تحت الأرض ، ولضيق المكان كان بعضهم يبول فوق البعض ، وظلوا مدفونين بالحياة فى هذه الحفرة الى أن ماتوا . وتسببت ثورة محمد النفس الزكية فى ضرب الامام مالك لمجرد فتوى ، وأكثر من هذا تسببت فتوى فى قتل الامام ابى حنيفة بالسم بعد حبس وأهانة .
7 ـ ونذكر بعض التفصيلات هنا عن ابى حنيفة الفقيه الليبرالى الحُرّ الكريم.
7 / 1 : فى حياته فى الدولة الأموية كان أبو حنيفة يناصر الثورات الشعبية العلوية ضدها ، ومنها ثورة زيد بن على زين العابدين سنة 121 وانتبهت له الدولة الأموية . وأراد الوالى على العراق ابن هبيرة أن يختبر ولاءه للأمويين لأنه لم يكن لديه دليل واضح على اشتراكه الفعلى فى ثورات العلويين، وفى ذلك الوقت كان العراق يموج بقلاقل ضد الأمويين فجمع ابن هيبرة فقهاء العراق ومنهم أبو حنيفة وأسند لكل واحد منهم عملاً ، وجعل فى يد أبو حنيفة الخاتم أو السلطة على كل الفقهاء، فلا أمر إلا بإذنه، ووافق الفقهاء على خدمة الدولة ماعدا أبو حنيفة، فهدده ابن هيبرة بالضرب والعذاب فأبى، فقال له الفقهاء: "إنا ننشدك الله أن تهلك نفسك فإنا أخوتك وكلنا كارهون لذلك الأمر" فقال أبو حنيفة: "لو أرادنى أعد له أبواب مسجد واسط لم أدخل فى ذلك، فكيف وهو يريد منى أن يكتب دم رجل يضرب عنقه وأختم أنا على ذلك الكتاب؟ فوالله لا أدخل فى ذلك أبداً...!" وأمر ابن هيبرة بضرب أبى حنيفة وحبسه، فلما يأس منه أطلق سراحه، فهرب أبو حنيفة إلى مكة، وظل فيها مختفيا إلى أن قامت الدولة العباسية، فجاء للكوفة فى خلافة أبى جعفر المنصور.وكان طبعياً أن تحتفل به الدولة العباسية لمواقفه مع ( آل البيت ) ومقاومته للدولة الأموية وكونه من ضحاياها، لذلك قربه الخليفة المنصور وكان يستشيره، إلا أن محاولة المنصور استغلال أبى حنيفة وجبروت المنصور فى التنكيل ببنى عمه العلويين عند ثورة محمد النفس الزكية سنة 145 جعل العلاقة تسوء بين الخليفة السفاك والفقيه الحُرّ ُ.فقد اتهم المنصور أبا حنيفة بأنه يثبط القواد العباسيين عن حرب محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم، وراح المنصور يخطط للإيقاع بأبى حنيفة فى نفس الوقت الذى كان أبو حنيفة يفتى بما يعتقده حقاً وهو يعرف أن الخليفة لا يريد إلا الفتاوى التى تساعده فى حكمه..
7 / 2 : كان المنصور قد اشترط على أهل الموصل أنهم إذا ثاروا عليه فإن دماءهم حلال، وثار أهل الموصل سنة 148 فجمع المنصور الفقهاء وفيهم أبو حنيفة وقال لهم: " أهل الموصل قد شرطوا ألا يخرجوا علىّ ، وهاهم قد خرجوا وحلّت لى دماؤهم . " فقال الفقهاء: " إن عفوت فأنت أهل للعفو وإن عاقبت فبما يستحقون. "، ولكن أبا حنيفة قال: " يا أمير المؤمنين ليس لك أن تشترط عليهم سفك دمائهم، أرأيت لو أن امرأة أباحت جسدها بغير عقد نكاح أيجوز لها ذلك ؟ ! " فقال الخليفة: لا. وأمر الخليفة بانصراف الفقهاء ثم قال لأبى حنيفة: " لا تُفت الناس بما هو شين على إمامك فتقوم الثورات وتبسط أيدى الخوارج." .
7 / 3 : ويلاحظ أن أولئك الفقهاء الذين نافقوا المنصور هم نفس الفقهاء الذين أبدوا استعدادهم لخدمة ابن أبى هبيرة والى العراق للأمويين من قبل ، وكان منهم ابن أبى ليلى وابن شبرمة وابن أبى هند، وكانوا أعلام الفقهاء فى العراق. ومن الطبيعى أن يحقدوا على أبى حنيفة استقلاله واستقامته لذلك استجابوا لدعوة أبى جعفر المنصور فانطلقوا يهاجمون أبى حنيفة ويتهمونه بإنكار الأحاديث، تلك الأحاديث التى اصطنعوها هم لخدمة السلطة العباسية، وتطرف ابن أبى ليلى فى النيل من أبى حنيفة حتى يقول فيه أبو حنيفة: "إن ابن أبى ليلى ليستحل منى مالا استحله من حيوان"!!. وأتت تلك الحملة ثمارها إذ هيأت الفرصة للمنصور فى اغتيال أبى حنيفة بالسم بعد أن سجنه وضربه مائة وعشرة أسواط سنة 150 هـ. ( التفاصيل فى كتابنا : حد الردة )
8ـ وأدت قسوة أبى جعفر المنصور فى عقاب العلويين الثائرين الى انهاء تام للتحالف الذى كان بين الشيعة والعباسيين . فالدعوة كانت أصلا لأبناء (على ) وليس لأبناء العباس تحت شعار (الرضى من آل محمد ) ولكن حدثت تطورات اسفرت عن انتقالها سرا الى العباسيين ، ولما ظهر علنا أن الخليفة صاحب الأمر من العباسيين نقم بعض الشيعة وتوقف بعضهم وثار البعض الاخر ، وجاءت قسوة أبى جعفر المنصور فى محاربة ذرية ( على ) من أقارب محمد النفس الزكية لتؤسس الانفصال التام بين الشيعة و العباسيين . وواكب هذا عصر التدوين ورواج الحرب الفكرية بالأحاديث.
ثانيا:
هذه هى التربة التاريخية التى نبت فيها ذلك النبات الشيطانى القائل عن هلال رمضان ( صوموا لرؤيته ).
كيف ؟
1 ـ فى عام 155 عزل الخليفة أبو جعفر المنصور ابن عمه محمد بن سليمان عن ولاية الكوفة .( أبو جعفر المنصور :اسمه عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب . وابن عمه المذكور هو : محمد بن سليمان بن على بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب )، وإذن لا بد من سبب قوى يجعل الخليفة يعزل ابن عمه . نقرأ الخبر ثم نتوقف معه بالتحليل:
2 ـ يقول الخبر:
( وفيها: عزل المنصور محمد بن سليمان بن علي عن الكوفة واستعمل مكانه عمرو بن زهير أخا المسيب بن زهير . واختلفوا في سبب عزله لمحمد بن سليمان . فقال بعضهم: إنما عزله لأمور قبيحة بلغته عنه اتهمه فيها . وقال آخرون: بل كان السبب أنه أتى في عمله على الكوفة بعبد الكريم بن أبي العوجاء وكان خال معن بن زائدة فكثر شفعاؤه إلى أبي جعفر ولم يشفع فيه إلا ظنين ، فأمر بالكتاب إلى محمد بن سليمان بالكف عنه إلى أن يأتيه رأيه فيه . فكلم ابن أبي العوجاء أبا الجبار فقال له: " إن أخرني الأمير ثلاثة أيام فله مائة ألف درهم ولك كذا وكذا ." فأعلم أبو الجبار محمدًا فقال: " أذكرتنيه والله كنت قد نسيته فإذا انصرفت من الجمعة فاذكرنيه ". فلما انصرف أذكره إياه فأمر بضرب عنقه ، فلما أيقن أنه مقتول قال:" أما والله لئن قتلتموني لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحلل فيها الحرام، ولقد فطرتكم في يوم صومكم وصومتكم في يوم فطركم "، فضربت عنقه . وورد محمد على رسول أبي جعفر بكتابه: " إياك أن تحدث في ابن أبي العوجاء شيئًا فإنك إن فعلت فعلت بك وفعلت" ، يتهدده . فقال للرسول: " هذا رأس ابن أبي العوجاء وهذا بدنه مصلوبًا بالكناسة فأخبر أمير المؤمنين ". فلما بلغ الرسول أبا جعفر رسالته تغيظ عليه وأمر بعزله ثم قال: " والله لقد هممت أن أقيده به " .
ثم أرسل إلى عيسى بن علي فأتاه فقال: " هذا عملك ، أنت أشرت بتولية هذا الغلام فوليته غلامًا جاهلًا لا علم له بنا ، يأتي يقدم على رجل فيقتله من غير أن ينتظر أمري ، وقد كتبت بعزله وبالله لأفعلن.". يتهدده ، فسكت عنه عيسى حتى سكن غضبه ثم قال: يا أمير المؤمنين إن محمدًا إنما قتل هذا الرجل على الزندقة فإن كان قتله صوابًا فهو لك وإن كان خطأ فعلى محمد ...) ( تاريخ الطبرى 8 : 47 : 48 تاريخ المنتظم 8 : 184 : 185 ).
3 ـ ملخص الخبر:
أنه جىء لوالى الكوفة بعبد الكريم بن ابى العوجاء متهما بجريمة لا نعرفها ، ولم تفصح عنها الرواية . فجاءت الرسائل الى الخليفة فى بغداد تتشفع فى المتهم ، فارسل الخليفة الى ابن عمه الوالى باطلاق سراحه فى نفس الوقت الذى عرض فيه المتهم على الوالى رشوة قدرها مائة ألف درهم إن أجّل ميعاد قتله ثلاثة أيام ،أى الى أن تأتى رسالة الخليفة باطلاق سراحه. ولكن الوالى سارع بقتله، وقبل قتله قال ابن أبى العوجاء قولته المشهورة :(أما والله لئن قتلتموني لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحلل فيها الحرام ، ولقد فطرتكم في يوم صومكم وصومتكم في يوم فطركم) وقد غضب الخليفة بسبب قتل ابن ابى العوجاء مع علمه بأن الوالى قتله دون أن يعلم بعد برسالة الخليفة التى تطلب العفو عنه . وأراد الخليفة معاقبة ابن عمه بأكثر من العزل لولا تدخل عمه عيسى بن على.
4 ـ ونلاحظ الآتى:
4 / 1 ـ إن ذلك الخليفة هو أبو جعفر المنصور الذى كان يقتل الناس بسبب كلمة أو بسبب قرابة لثائر عليه . نراه هنا يتقمص دور الخليفة عمر بن عبد العزيز فى حرصه على حقن الدماء.! فلماذا كل هذا الاهتمام بحياة ابن أبى العوجاء الذى عوقب بجريمة استحق بها الموت طبقا لتقدير الوالى العباسى والسياسة المعلنة للدولة العباسية ؟
4 / 2 ـ قوة نفوذ ابن ابى العوجاء ، ليس لأنه خال لمعن بن زائدة أحد كبار القادة العرب لبنى العباس ، لأن المنصور نفسه لم يأبه بمعن بن زائدة و غضب عليه واباح دمه فهرب معن واختفى ، ثم جاءته الفرصة ليرضى عنه الخليفة عندما انقذ الخليفة من الرواندية حين هموا بالفتك بأبى جعفر.
قوة نفوذ أبن أبى العوجاء تتضح فى الكثيرين من أتباعه ، وهم متهمون فى دينهم ،ابو بتعبير الرواية (فكثر شفعاؤه إلى أبي جعفر ولم يشفع فيه إلا ظنين ) أى أن أولئك المظنون أو المشكوك فى دينهم كانوا أصحاب حظوة لدى الخليفة ، تبعا لصاحبهم ابن أبى العوجاء ، ولو لم تكن لهم هذه الحظوة ما تجرءوا على التشفع فيه عند الخليفة السفّاك ، خصوصا وابن أبى العوجاء متهم بجريمة توجب قتله طبقا لتقدير الوالى الذى هو ابن عم الخليفة، ولو لم يكونوا واثقين من مكانته عند الخليفة ما جرءوا على ذلك ، بل لولم يكن أبن أبى العوجاء نفسه واثقا من تدخل الخليفة لحمايته ما عرض رشوة على الوالى نفسه ليؤجل قتله ثلاثة أيام الى أن تأتى رسالة الخليفة. والأكثر دلالة هو تحمس الخليفة لنجدته ، مع أنه ـ اى الخليفة ـ جبار بنى العباس وأكثرهم سفكا للدماء ، وبلغ من تحمس الخليفة لنجدته أن سارع بارسال الكتاب لانقاذه ، وكان يمكن انقاذه لولا تسرع الوالى فى قتله . واكبر دليل على مكانة ابن أبى العوجاء أن الخليفة يغضب على ابن عمه الوالى بشدة ، ويهم بعقابه بعد عزله لولا تدخل عمه عيسى بن على.
4 / 3 ـ ومع قوة نفوذه فلم يكن ابن أبى العوجاء مشهورا فى دولة أبى جعفر المنصور مما يدل على ان له عملا سريا يقوم به لصالح الخلافة العباسية ، لا يعلمه والى فى الكوفة نفسه، الذى هو ابن عم الخليفة.
ابن ابى العوجاء كان خال معن بن زائدة ، ولكن ابن أخته كان أشهر منه لأن معن كان ظاهرا كقائد حربى وكزعيم لقبائل اليمن فى عهده ، ومقصدا للشعراء يمدحونه. أما ابن أبى العوجاء فكان بنفوذه تحت السطح لم نعلم عنه شيئا إلا عندما قتله والى الكوفة فعوقب الوالى بالعزل.
4 / 4 : الجريمة التى قبض عليه الوالى بسببها كانت كبيرة استوجبت القتل ، ولكننا لا نعرفها ، ولكن المفهوم عموما أن أى صاحب نفوذ فى أى دولة استبدادية يستخدم نفوذه فى الاستطالة على الناس ، وربما كان هذا ما فعله ابن أبى العوجاء فاستوجب ان يحكم عليه الوالى بالقتل فى إطار السلطة المنوطة بالوالى العباسى دون مراجعة الخليفة، وهكذا كان يفعل الوالى الشاب فى الكوفة.
4 / 5 : وحق الوالى فى قتل من يشاء كان سنة متبعة بدأتها الدولة الأموية ـ فى العراق بالذات لأنه كان موطن المعارضة للأمويين ، لذا اشتهر الوالى زياد بن أبيه بأحكامه العرفية التى قتل بها الآلاف من اهل البصرة و الكوفة فى عهد معاوية ، ثم توسع فى القتل الوالى الحجاج بن يوسف ، وبعده خالد القسرى . وكلهم حكم العراق للأمويين . وجاءت الدولة العباسية فتفوق فيها الخليفة الأول السفاح وقواده على الأمويين فى سفك الدماء ، وتبعه المنصور وولاته فى القتل المخطط أو العشوائى ، والأدلة كثيرة ودامية..
4 / 6 : ولكن اختلف الحال مع ابن أبى العوجاء ، فهو صاحب نفوذ سرى لا يعلمه الوالى نفسه ، لذلك أخطأ الوالى عندما قتله ، ودفع الثمن عزلا من منصبه ،بل كاد أن يفقد حياته بيد الخليفة ابن عمه.
4 / 7 : ويلفت النظر هنا أن الخليفة فى ثورة غضبه على قتل ابن ابى العوجاء قال (والله لقد هممت أن أقيده به ) أى أن يقتل ابن عمه قصاصا . وهذا تصريح خطير يدل على مكانة ابن ابى العوجاء ذلك الرجل المجهول.
4 / 8 : وربما نستشف السبب فى قول الخليفة لعمه عيسى بن على يؤنبه:(هذا عملك أنت.. أشرت بتولية هذا الغلام فوليته غلامًا جاهلًا لا علم له بنا ) أى ان الوالى الشاب محمد بن سليمان لم يكن يعلم أسرار المخضرمين من أسرته مثل المنصور وأعمام المنصور أساطين الدعوة السرية قبل إقامة الدولة العباسية، ولا يعرف الجيش السرى للدعوة والذى كان ينشر الاشاعات ويخترع الأحاديث ويقوم بتجنيد الأتباع ، ومنهم ابن أبى العوجاء.لقد كان محمد بن سليمان فى العاشرة من عمره عندما أسقط أهله العباسيون الدولة الأموية ، وجرفه موكب ومظهر السلطان الجديد فلم يتعرف على الدعاة السريين الذين قامت وتقوم على أكتافهم الدولة الجديدة ؛ وعندما تولى الكوفة لم يعرف تنظيماتها السرية التى كونها أبو جعفر المنصور لتواجه الشيعة من الداخل دفاعا عن الخلافة العباسية ، لم يعرف قيمة عبد الكريم بن ابى العوجاء ، ولم يكن يعلم بأن له دورا ما مع أتباعه يلعبونه لصالح الخلافة العباسية فى الكوفة.وقد كانت الكوفة العاصمة الأولى للدعوة العباسية ثم للدولة العباسية ، فكانت موطن التشيع وبقيت فيها كثرة كاثرة من الشيعة الذين فوجئوا بأن الدعوة والخلافة لبنى العباس وليس لذرية (على بن أبى طالب) . ولأن الشيعة هم أساس الدعوة التى تم نقلها سرا للعباسيين ،ولأن الشيعة أساتذة فى التآمر والتقية فإن ثورة محمد النفس الزكية أخافت أبا جعفر المنصور من تعاون محتمل بين شيعة الكوفة ومحمد النفس الزكية الذى ثار فى مكة واخيه ابراهيم الذى ثار فى العراق . لذا لم يعد يأمن المنصورعلى وضعه بين شيعة الكوفة ، فأقام بغداد عاصمة جديدة له ، وانتقل من الكوفة الى بغداد ، وقد أقيمت مدينة بغداد عام 145 وهى نفس السنة التى ثار فيها محمد النفس الزكية.
4 / 9 : ترك المنصور الكوفة وفيها أتباعه العلنيون والسريون ليواجهوا أساطين الشيعة من ظهر منهم ومن بطن. ويمكن القول بأن الوالى السرى للكوفة بعد رحيل المنصور عنها كان ابن ابى العوجاء ، وربما استخدم ابن ابى العوجاء سلطته السرية تلك فى عمل لصالح ابى جعفر المنصور تخطى به سلطة الوالى (الظاهر ) الذى لم يكن له علم بذلك ، لذلك عاقب الوالى ابن أبى العوجاء بالقتل دون أن يعرف علاقته السرية بالخليفة فى بغداد.أى أن الوالى الشاب قتل نظيره فى خدمة الدولة العباسية فى وقت كان الخليفة المنصور أحوج ما يكون فيه الى خدمات ابن ابى العوجاء . لقد فتك الخليفة بثورة محمد النفس الزكية واهله وشيعته ، وهو يتوقع شرا من البقية المستترة من شيعة النفس الزكية الذين يكمنون له فى الكوفة مركز التشيع ، والدور الأكبر فى كشفهم وملاحقتهم هو لابن أبى العوجاء وفرقته السرية . لذا كان غضب الخليفة الكبير من ابن عمه الصغير..
5ـ لكن هل كان الخليفة ابو جعفر المنصور يعلم أن ابن أبى العوجاء قد تطرف فى مهنته أو مهمته بحيث لم يكتف بصنع أحاديث تؤيد العباسيين بل اضاف الى ذلك أحاديث تهدم الاسلام وشريعته ، أو على حد قوله :(أما والله لئن قتلتموني لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحلل فيها الحرام ولقد فطرتكم في يوم صومكم وصومتكم في يوم فطركم) ؟ .. لا أعتقد أن أبا جعفر المنصور كان يهتم بهذا لأن اهتمامه الأكبر كان فى توطيد سلطانه ، بل أعتقد أنه كان على علم بعمل ابن أبى العوجاء فى صناعة ونشر الأحاديث التى تطعن فى الاسلام ، فلو كانت هذه تهمة خطيرة فى نظر الخليفة المنصور لقتل ابن أبى العوجاء بدلا من غضبه على مقتله.
6 ـ ولقد كان للمنصور العباسى جهاز تجسس رفيع المستوى فاق المعروف فى عهده ، ولعب دورا فى إفشال ثورة محمد النفس الزكية ومتابعة الشيعة المعارضين ، وقتلهم بالزندقة. ومقدرة هذا الجهاز السرى على التجسس رويت فيها اخبار فى ثنايا أخبار ثورة محمد النفس الزكية ، ولكن الدليل الأكبر على تفوق هذا الجهاز السرى هو تلك الأسطورة التى تزعم أن مع ابى جعفر المنصور مرآة سحرية يرى فيها ما يحدث من أعدائه، يقول ابن الجوزى:( وكان عند أبى جعفر مرآة يرى بها ما فى الأرض جميعا ، يقال انها نزلت على آدم وصارت الى سليمان ابن داود ..) ويقول ان أبا جعفر المنصور استعمل تلك المرآة فى تعقب محمد النفس الزكية أثناء ثورته.(المنتظم 8 : 47 ) .المفهوم من تلك الرواية الخيالية مقدرة أبى جعفر المنصور فى العمل السرى ، ومعرفة الأخبار عن طريق شبكة من العملاء الذين نجحت بهم الدعوة للرضا من آل محمد ، ثم نجحت بهم فى اقامة وتوطيد الدولة العباسية ، ثم نجحت فى ملاحقة الشيعة الذين انقلبوا على العباسيين الذين إستأثروا بالخلافة دون أصحابها الحقيقيين من ذرية الامام (على ) .
وكان ابو جعفر هو حجر الزاوية فى الدعوة وفى اقامة الدولة . ومثله لا يخفى عليه أن واحدا من أتباعه السريين المكلفين بصناعة الأحاديث فى خدمة العباسيين قد تطرف فاخترع أحاديث تطعن فى الاسلام. ولأنها ليست جريمة عند المنصور فان المجرم ظل متمتعا بالحظوة عند الخليفة الى آخر لحظة فى حياته.
7 ـ قلنا إن الوحيد الذى لم يكن يعرف خطورة ابن أبى العوجاء كان الوالى الشاب محمد بن سليمان. لم يكن يعلم أنه عميل سرى للدولة العباسية له حصانة من القتل مهما أجرم ، ولم يكن يعلم دور ابن أبى العوجاء فى صناعة الأحاديث خدمة للعباسيين ،وأنه تعدى ذلك الى صناعة أحاديث تطعن فى شريعة الاسلام ، تحلل الحرام وتحرم الحلال.ولذلك فان ابن ابى العوجاء عندما يأس من تدخل الخليفة لانقاذه وأيقن بالموت أفشى ما كان يفعله لينفث عن حقده على الدولة التى خدمها و خدعها ، فان قتلته تلك الدولة فقد كاد لدينها (الرسمى)، فقال قبيل قتله :(أما والله لئن قتلتموني لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحلل فيها الحرام ، ولقد فطرتكم في يوم صومكم وصومتكم في يوم فطركم).
8 ـ ومن السذاجة ان نتساءل عن تلك الأحاديث التى رواها ابن أبى العوجاء . فليس منتظرا من أساطين الدعوات السرية وصانعى الاشاعات والأساطير والروايات أن يعلنوا أسماءهم فى سلاسل الرواة صراحة ، فقد كانوا يصنعون الأحاديث ويجعلون لكل منها سندا ورواة من السابقين الذين ماتوا فى العصور السابقة ثم يعطون تلك الأحاديث بأسانيدها ومتونها الى رواة مشهورين ليذيعوها بأسمائهم ولينسبوها لأنفسهم.
9 ـ كانت هناك سوق رائجة لرواية الحديث بتشجيع العباسيين ، وفيها رواة مشهورون فى ذلك الوقت مثل الأعمش و ابى نعيم الحضرمى وواهب بن عبد الله وسليمان بن ابى سليمان وداود بن هند وسلمة بن دينار وحميد بن هانىء وعاصم بن سليمان وسليمان بن طرخان و ويحيى بن سعيد الانصارى وخالد ابن يزيد وسعيد بن اياس ومجالد بن سعيد الهمدانى وهلال بن خباب وعمرو بن ميمون بن مهران واشعث ابن عبد الملك وهشام بن عروة بن الزبير بن العوام ..الخ.وبعضهم كان عميلا للدولة العباسية، تأتيه الأحاديث مصنوعة جاهزة ويأتى مع كل حديث إسناده جاهزا بأن رواه فلان عن فلان الى النبى محمد عليه السلام. فيأخذ الراوى المشهور ذلك الحديث ويزعم أنه سمعه بنفسه من فلان عن فلان بنفس السند.
وبالتالى كان أبى العوجاء وبطانته السرية يصنع متن الحديث ثم يعطيه للرواة المشهورين فى وقته والمتعاملين معه فى خدمة الدولة العباسية ، فيروون تلك الأحاديث على أنهم هم الذين سمعوها، وبالتالى تتم رواية تلك الأحاديث وسندها الفخم يخلو من اسم صانعها الحقيقى ابن أبى العوجاء ، وتروج تلك الأحاديث وتنتشر بين الناس على أنها أحاديث قالها الرسول محمد عليه السلام فيعملون بها معتقدين صدقها ، وبذلك أفلح ذلك الجندى الشيطانى المجهول عبد الكريم بن أبى العوجاء فى أن يتلاعب بالمسلمين فى عهده ـ وحتى الآن ـ من خلال تلك الأحاديث التى صنعها فأصبحت سنة مقدسة ، بحيث يجعلها الشافعى (ت 204 ) فيما بعد حاكمة على القرآن أو بتعبيرهم ( تنسخ القرآن ) . ولذك نفهم نفسية ابن أبى العوجاء وهو يقولها حاقدا متشفيا فى المسلمين قبل قتله :(أما والله لئن قتلتموني لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحلل فيها الحرام ، ولقد فطرتكم في يوم صومكم وصومتكم في يوم فطركم).
10 ـ ولا يقال إن ابن أبى العوجاء قد فضح نفسه بهذا التصريح. بالعكس . لقد كان يتحداهم ونجح فى التحدى . فالأحاديث التى صنعها تناقلها الناس فى حياته وعملوا بها ـ ولا يزالون . وكان من المستحيل العثور على واحد من تلك الأحاديث التى افتراها ، فقد اختفت بصمته وظهر مكان إسمه اسماء شهيرة تتمتع بالعدالة والصُّدقية، ثم ان تلك الأحاديث بدأت تأخذ دورها فى التدوين. وفعلا بعد مقتل ابن أبى العوجاء تم تدوين أحاديثه فى موطأ مالك ،ثم فى (الأم ) للشافعى فى القرن الثانى الهجرى ، ثم فى البخارى وصحبه فى القرن الثالث الهجرى. والآن نقرأ أحاديث ابن ابى العوجاء على ألسنة رواة آخرين . ولا تزال شريعة مقدسة معمولا بها. ومنها أحاديث ( صوموا لرؤيته ).
11 ـ ويلفت النظر أن كلمة ابن أبى العوجاء الحاقدة تنقسم الى قسمين :الأول (أما والله لئن قتلتموني لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحلل فيها الحرام ) والثانى (ولقد فطرتكم في يوم صومكم وصومتكم في يوم فطركم).
11 / 1 : القسم الأول مفهوم ، فهو خلال عمره وقبل مقتله نجح فى هذا الوقت القصير أن يؤلف أربعة آلاف حديث يقلب فيها موازين الشرع يحرم الحلال ويحلل الحرام ، هذا بالاضافة الى أحاديثه السياسية فى خدمة بنى العباس.
11 / 2 : القسم الثانى يحتاج الى وقفة ، فالرجل الداهية لم يقل ووضعت فيكم أحاديث تقول كذا ، أو تجعلكم تصومون وقت الافطار وتفطرون وقت الصيام . لو قال ذلك لأمكن بسهولة التعرف على متون تلك الأحاديث ومحوها ، ولكنه صاغ جملته بطريقة ماهرة ، فقال : (ولقد فطرتكم في يوم صومكم وصومتكم في يوم فطركم). ولم يصرح كيف فعل ذلك ، مع أنه يفخر بذلك الذى فعله بفريضة الصيام ،ولا شك أنه عاش هذا النجاح وهو يرى نفسه يتلاعب بالمسلمين يصومون فى وقت الافطار ويفطرون فى وقت رمضان. ولذلك فان نجاحه فى صناعة بضعة أحاديث قليلة تفسد صوم رمضان يساوى عنده نجاحه فى صناعة أربعة آلاف حديث أخرى فى تحريم الحلال وتحليل الحرام.
12ـ ولكن ما معنى قوله (ولقد فطرتكم في يوم صومكم وصومتكم في يوم فطركم)؟
المعنى هو أنه جعل السنيين يصومون فى فطرهم فى آخر يوم من شعبان ، ويفطرون فى وقت صيامهم آخر يوم من رمضان . بدلا من الحساب الفلكى الذى كان معمولا به فان ابن أبى العوجاء اخترع أحاديث تجعل الرؤية البصرية هى الأساس فى تحديد بدء شهر رمضان وتحديد انتهائه ، وأنهى فى الدين السنى دور الحساب الفلكى الذى كان هو الأصل .والرؤية للهلال تعنى الاختلاف فيه ؛ هذا رآه وأولئك لم يروه ، وفى أغلب الأحوال فالرؤية خادعة حتى مع افتراض صدق الشهود الذين رأوا أم لم يروا الهلال ، وبالتالى صام السنيون فى آخر شعبان على أنه أول رمضان ، وأفطروا فى آخر رمضان على أنه عيد الفطر ، بل واختلفوا فى الاعتداد بالرائى للهلال أو الشاهد على رؤيته ، وانفتح المجال للتلاعب السياسى و الهوى فى تحديد فريضة الصيام ..ولا يزال الأمر ساريا حتى الان يشهد بنجاح ابن أبى العوجاء وهو المخترع الحقيقى لحديث : ( صوموا لرؤيته ..)
13 ـ وقد نجا الشيعة ـ خصوم العباسيين ـ من هذه المكيدة. فقد ظلوا على السنة الحقيقية التى ألغاها ابن أبى العوجاء. تمسك الشيعة بما كان عليه النبى محمد عليه السلام وآل بيته من التقيد بالحساب الفلكى . بينما وقع أهل ( السنة ) ضحايا لآبن ابى العوجاء.. ولا يزالون.
14 ـ لم يكن ابن أبى العوجاء يحلم بأن تظل مفترياته سائدة مقدسة حتى اليوم تنشرها الفضائيات ويدافع عنها ملايين الفقهاء والدعاة والوعاظ من يوم مقتله حتى الآن . ولا يرجع الأمر الى عبقرية لابن أبى العوجاء بقدر ما يرجع الى غفلة أساطين الدين السّنى وتخلفهم العقلى ، فهم الذين رووا قصة ابن أبى العوجاء ، وهم الذين أوصلوها لنا ، وهم الذين تكاسلوا وغفلوا عن تدبرها ، كما غفلوا عن تتبع الأحاديث التى روجها ـ بل قاموا هم بترويجها.نتهمهم بالغفلة والتخلف أهون من انت ننعتهم بالتعمد والتبعية لعبد الكريم بن أبى العوجاء الملقب بعبد الكريم (الوضّاع ).!!
ب 2 ف1 ج 1 / المقال 2 : أحاديث عبد الكريم (الوضاع ) فى الأسفار السنية المقدسة
كتاب ( رمضان والصيام بين الاسلام والدين السنى ) دراسة أصولية تاريخية
الباب الثانى : الصيام ورمضان فى الدين السنى
الفصل الأول : ثلاث مقالات عن الحديث الملعون: ( صوموا لرؤيته.. ) الذى شوّش على التقويم الفلكى لرمضان
المقالالثانى : أحاديث عبد الكريم (الوضاع ) فى الأسفار السنية المقدسة
مقدمة:
1ـ سبق الكلام عن اعتماد الاسلام على الحساب الفلكى فى تحديد بدء وانتهاء شهر رمضان ، وغيره من العبادات المرتبطة بمواقيت كالصلاة والحج. ثم جاء التفصيل التاريخى للمسرح الذى نبت فيه حديث (صوموا لرؤيته ) وأمثاله ، وكان ذلك فى عصر الخليفة أبى جعفر المنصور ، الذى شارك فى الدعوة لتأسيس الدولة العباسية ثم شارك فى إقامتها، ثم قضى فترة حكمه (21 عاما) فى توطيدها الى أن مات سنة 158.فى هذه الفترة حدث عن طريق الخطأ قتل عبد الكريم بن أبى العوجاء الذى تخصص فى صناعة الأحاديث خدمة للعباسيين ، ولكنه كان يصنع أحاديث أخرى تطعن فى شريعة الاسلام ، وافتخر قبل مقتله قائلا : ( أما والله لئن قتلتموني لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحلل فيها الحرام، ولقد فطرتكم في يوم صومكم وصومتكم في يوم فطركم ). قد حلل المقال الأول ظروف مقتله ودلالاته ، وكلمته تلك التى قالها ، ودلالتها على أنه هو المؤلف الحقيقى لأحاديث (صوموا لرؤيته ).
الأحاديث التى صنعها ابن أبى العوجاء وانتشرت فى العصر العباسى أتيح لها ولغبرها من الأحاديث المصنوعة أن تكتب بعد موت أبى جعفر المنصور( 158 ) خلال عصر الأئمة مالك (ت 189 )والشافعى (ت 204 ) . بتولى المتوكل عام 232 دخلت الخلافة العباسية فى طور جديد ،ودخلت معها صناعة الحديث فى مرحلة كبرى لا زلنا نعيش آثارها حتى الان ، فقد أخذ التطور مجراه لازدهار أكثر حين أعلن المتوكل من الأحاديث دينا وسنة ، فظهر أئمة السّنة يبنون على ما اختلقه ابن أبى العوجاء بتشجيع رسمى من المتوكل . وبعده ظهر أئمة السنة المشهورون مثل البخارى(ت 256 ) ومسلم( ت 261 ).
وهنا نتوقف بالتحليل مع أحاديث ( صوموا لرؤيته ) فى أسفار الدين السنى المقدسة.
حديث ( صوموا لرؤيته ) فى أسفار السنة المقدسة :
أولا: جاء فى موطأ مالك رواية محمد بن الحسن الشيبانى ما يلى:
(أبواب الصيام : 1 ـ باب الصوم لرؤية الهلال والافطار لرؤيته:
346 ـ أخبرنا مالك ، حدثنا نافع وعبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال : لا تصوموا حتى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتى تروه ،فإن غمّ عليكم فأقدروا له . قال محمد (ابن الحسن الشيبانى : وبهذا نأخذ ، وهو قول أبى حنيفة). (موطأ مالك . رواية محمد بن الحسن الشيبانى . تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف . الطبعة الثانية .المكتبة العلمية . القاهرة .)
التعليق:
1ـ مالك بن انس لم يكتب الموطأ ، ولكنه كان يروي الاحاديث ويسمعها منه تلاميذه ، ثم يكتبونها ، ولذا تعددت روايات الموطأ حتي بلغت نحو عشرين نسخة مختلفه ، وأشهرها نسخة او رواية محمد بن الحسن الشيباني القاضي العباسي المتوفي سنة 189 . أي توفى بعد مالك بعشر سنين..
و منهج محمد بن الحسن الشيباني في كتابه الموطأ ان يقول (اخبرنا مالك ) ثم يذكر الرواة نقلا عن مالك ،ثم يذكر متن الحديث ثم يقول إن هذا هو رأى أبى حنيفة .وطبعا لا نعلم إن كان أبو حنيفة يرى ذلك أم لا . فهو يتكلم عن أبى حنيفة بعد موت أبى حنيفة . ولقد خالف تلميذا أبى حنيفة ( الشيبانى و أبو يوسف ) شيخهما أبا حنيفة ، وقد رأينا كيف عارض أبو حنيفة الخليفة أبا جعفر المنصور و فقهاءه فتعرض للسجن و السوط والموت بالسم ، وجاء تلميذا أبى حنيفة ( محمد بن الحسن الشيبانى و أبو يوسف ) فعملا فى خدمة الدولة العباسية التى قتلت شيخهما ، وبالتالى يحق لنا أن نشك فيما ينسبانه لاستاذهما بعد ان تنكبا طريقه ومنهجه الفقهى. ولنتذكر أن لأبى حنيفة موقفا صلبا من الأحاديث بينما يقوم تلميذه محمد بن الحسن الشيبانى برواية الموطأ عن مالك ، وهو كله أحاديث بعضها منسوب للنبى والآخر منسوب للصحابة والتابعين ، ويحرص الشيبانى على تأكيد الاتفاق بين الموطأ و رأى شيخه أبى حنيفة ،أى يجعل مالك متفقا مع ابى حنيفة وكلاهما يناقض الاخر فى المنهج والموقف من الأحاديث.
2 ـ متن الحديث متهالك ، فهو يزعم أن النبى محمدا عليه السلام كان يتحدث مع أصحابه وبينهم عبد الله ابن عمر فجاء ذكر رمضان فنهاهم عن صوم رمضان إلا بعد رؤية الهلال ونهاهم عن الافطار إلا بعد رؤيته ، فان جاء غيم من السحب منع رؤية الهلال فليقدروا له (أى بالحساب الفلكى).
لن نناقش قضية ان عبد الله بن عمر كان صبيا حين مات النبى محمد عليه السلام ،ولا يتفق هذا مع كل تلك الأحاديث التى نسبها له الرواة مثل ابن ابى العوجاء . ولكن نشير الى متن الحديث وهو يجعل تشريعا هاما للصوم يأتى عرضا فى إطار (دردشة ) مع النبى ، هذا لو كان من حق النبى أن يقوم بالتشريع أصلا ، فالرسول كان مبلغا للتشريع الالهى القرآنى فقط ، وكانوا إذا سألوه واستفتوه فكان ينتظر الوحى ليتنزل عليه بالاجابة قائلا ( يسألونك ..قل ) ، والتفاصيل فى كتابنا ( القرآن وكفى ).
3 ـ وعلى كل حال فان الفقيه العراقى محمد بن الحسن الشيبانى هو ابن للعراق الذى انتشرت فيه أحاديث ابن أبى العوجاء ، وكان سهلا على فقيه رسمى خادم للسلطة العباسية أن يكتب فى موطأ مالك ما يراه منتشرا فى العراق العباسى برعاية الدولة العباسية. وبالتالى فانه لم يذكر فى موطأ مالك تلك الفتوى التى قالها مالك فى تشجيع ثورة محمد النفس الزكية ، والتى تعرض بسببها للضرب بالسياط.
4 ـ جاءت رواية محمد بن الحسن الشيبانى هنا معتدلة ، فلم يذكر سوى حديث واحد ، وفيه إشارة الى الأخذ بالتقدير الفلكى أو الحساب الفلكى إذا جاء غيم يحجب الرؤية.
وهناك نسخة أخرى للموطأ نشرها على الانترنت موقع سلفى مشهور:
http://www.al-eman.com/hadeeth/viewchp.asp?BID=5&CID=47#s2
وفى هذه النسخة من الموطأ أربعة أحاديث عن رؤية الهلال فى رمضان ، وليس مجرد حديث واحد.
والاختلاف واضح بين النسختين دليلا على أن الجميع يكذبون على مالك ، أى كانوا يكتبون ما يشاءون ثم يقولون حدثنا مالك.
ننقل ماجاء فى النسخة ( السعودية ) لموطأ مالك عن هلال رمضان:
( كتاب الصيام 1 - باب مَا جَاءَ فِي رُؤْيَةِ الْهِلاَلِ لِلصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ
633 - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ " لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَلَ وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ " .
634 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ " الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَلَ وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ " .
635 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ " لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَلَ وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ " .
636 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْهِلاَلَ، رُئِيَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِعَشِيٍّ فَلَمْ يُفْطِرْ عُثْمَانُ حَتَّى أَمْسَى وَغَابَتِ الشَّمْسُ . قَالَ يَحْيَى سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الَّذِي يَرَى هِلاَلَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ أَنَّهُ يَصُومُ لاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ . قَالَ وَمَنْ رَأَى هِلاَلَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ لاَ يُفْطِرُ لأَنَّ النَّاسَ يَتَّهِمُونَ عَلَى أَنْ يُفْطِرَ مِنْهُمْ مَنْ لَيْسَ مَأْمُونًا وَيَقُولُ أُولَئِكَ إِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ قَدْ رَأَيْنَا الْهِلاَلَ وَمَنْ رَأَى هِلاَلَ شَوَّالٍ نَهَارًا فَلاَ يُفْطِرْ وَيُتِمُّ صِيَامَ يَوْمِهِ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ هِلاَلُ اللَّيْلَةِ الَّتِي تَأْتِي . قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ إِذَا صَامَ النَّاسُ يَوْمَ الْفِطْرِ - وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ - فَجَاءَهُمْ ثَبَتٌ أَنَّ هِلاَلَ رَمَضَانَ قَدْ رُئِيَ قَبْلَ أَنْ يَصُومُوا بِيَوْمٍ وَأَنَّ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ أَحَدٌ وَثَلاَثُونَ فَإِنَّهُمْ يُفْطِرُونَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَيَّةَ سَاعَةٍ جَاءَهُمُ الْخَبَرُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لاَ يُصَلُّونَ صَلاَةَ الْعِيدِ إِنْ كَانَ ذَلِكَ جَاءَهُمْ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ .).
التعليق:
1 ـ يلاحظ هنا اختلاف العناوين بين النسختين ؛ ففى رواية الشيبانى (أبواب الصيام : 1 ـ باب الصوم لرؤية الهلال والافطار لرؤيته : ) بينما فى النسخة السعودية ( كتاب الصيام ـ 1 - باب مَا جَاءَ فِي رُؤْيَةِ الْهِلاَلِ لِلصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ )
2 ـ أن الحديث الوحيد الذى جاء عن الهلال فى رواية الشيبانى قد جاء برقم مختلف عن نفس الحديث فى النسخة السعودية . ففى رواية الشيبانى رقم الحديث 346 ، ونفس الحديث فى النسخة الأخرى جاء برقم 633 . أى إننا هنا أمام كتابين مختلفين فى عدد الأحاديث ،وكل منهما منسوب لمالك وتحت اسم (الموطأ ).
3 ـ مع إنه حديث واحد فى المتن إلا انه مختلف فى السند ، ففى رواية الشيبانى (أخبرنا مالك ، حدثنا نافع وعبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال : لا تصوموا حتى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتى تروه ،فإن غمّ عليكم فأقدروا له ) هنا يقول الشيبانى أن مالك هو الذى قال له مباشرة أنه سمع من نافع وابن دينار عن ابن عمر، بينما يأتى السند فى النسخة الأخرى كالآتى : (حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ " لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَلَ وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ " ) أى أن الراوى لهذه النسخة من الموطأ لم يرو عن مالك ولم يسمع من مالك ، وإنما سمع من يحيى الذى سمع من مالك..
4 ـ بعدها جاءت النسخة السعودية للموطأ بثلاثة أحاديث إضافية عن رؤية الهلال ، ولم ترد تلك الأحاديث فى نسخة ورواية الشيبانى . والحديث رقم 634 فيه مصيبة كبرى إذ يزعم أن الشهر هو 29 يوما ، وهو تحديد حاسم وجازم ويستحق الشفقة ، فلم يخطر على بالهم أن الشهر القمرى قد يكون 30 يوما أيضا . والحديث رقم 635 هو تكرار للحديث الأول ولكن باسناد مختلف ، أما الحديث الأخير فليس مسندا للنبى ، ولكنه خليط من فتاوى و حكاية عن رمضان فى عصر الخليفة عثمان ، والمقصد منها هو تأكيد الزعم بوجود الرؤيا لهلال رمضان والاختلاف حولها بين صيام البعض وإفطار آخرين..
وفى كل ما سبق نرى أصابع ابن أبى العوجاء المقتول عام 155 ؛ فالأحاديث التى نشرها ابن أبى العوجاء مالبث أن وجدت طريقها للتدوين فى موطأ مالك بعد موت مالك عام 179، والشيبانى الذى مات عام 189 هو الذى كتب ما شاء من أحاديث منتشرة فى العراق فى موطأ مالك ونسبها لمالك ، وكتب آخرون نسخا من الموطأ زعم بعضهم أنه سمعها من تلميذ مالك وليس من مالك نفسه . و السلفيون فى عصرنا نشروا نسخة من الموطأ هى الأكثر تخريفا لتؤكد على حديث رؤيا الهلال ، والذى يعتبر سياسة عليا لهم فى فرض حديث (صوموا لرؤيته )على كل المسلمين ، ، دون أن يعرفوا أنهم يخدمون سيدهم عبد الكريم ابن أبى العوجاء.
ثانيا:
أحاديث ابن أبى العوجاء فى كتاب الأم للشافعى: ننقل هنا أيضا عن الموقع السلفى إياه: http://www.al-eman.com/feqh/viewchp.asp?BID=309&CID=21
ما جاء فى كتاب (الأم ) للشافعى فى نفس الموضوع:
( كتاب الصيام الصغير
باب الدخول في الصيام والخلاف عليه
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ (الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلاَلَ وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ).
[قَالَ الشَّافِعِيُّ] رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَبِهَذَا نَقُولُ، فَإِنْ لَمْ تَرَ الْعَامَّةُ هِلاَلَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَرَآهُ رَجُلٌ عَدْلٌ رَأَيْت أَنْ أَقْبَلَهُ لِلْأَثَرِ وَالِاحْتِيَاطِ.
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: أَخْبَرَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ أَنَّ رَجُلاً شَهِدَ عِنْدَ عَلِيٍّ رضي الله تعالى عنه عَلَى رُؤْيَةِ هِلاَلِ رَمَضَانَ فَصَامَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَصُومُوا، وَقَالَ: أَصُومُ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ.
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: بَعْدُ لاَ يَجُوزُ عَلَى هِلاَلِ رَمَضَانَ إلَّا شَاهِدَانِ.
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لاَ أَقْبَلُ عَلَيْهِ إلَّا شَاهِدَيْنِ، وَهَذَا الْقِيَاسُ عَلَى كُلِّ مَعِيبٍ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ جَمَاعَةٌ.
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: وَلاَ أَقْبَلُ عَلَى رُؤْيَةِ هِلاَلِ الْفِطْرِ إلَّا شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ وَأَكْثَرَ، فَإِنْ صَامَ النَّاسُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ أَكْمَلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ إلَّا أَنْ يَرَوْا الْهِلاَلَ أَوْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِرُؤْيَتِهِ فَيُفْطِرُوا، وَإِنْ غُمَّ الشَّهْرَانِ مَعًا فَصَامُوا ثَلاَثِينَ فَجَاءَتْهُمْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ شَعْبَانَ رُئِيَ قَبْلَ صَوْمِهِمْ بِيَوْمٍ قَضَوْا يَوْمًا لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ. وَإِنْ غُمَّا فَجَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُمْ صَامُوا يَوْمَ الْفِطْرِ أَفْطَرُوا أَيْ سَاعَةَ جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ قَبْلَ الزَّوَالِ صَلُّوا صَلاَةَ الْعِيدِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ لَمْ يُصَلُّوا صَلاَةَ الْعِيدِ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِنَا.
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: فَخَالَفَهُ فِي هَذَا بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ فِيهِ قَبْلَ الزَّوَالِ قَوْلَنَا وَقَالَ بَعْدَ الزَّوَالِ يَخْرُجُ بِهِمْ الْإِمَامُ مِنْ الْغَدِ وَلاَ يُصَلِّي بِهِمْ فِي يَوْمِهِمْ ذَلِكَ.).
التعليق:
1 ـ يروى الشافعى حديثا وحيدا منسوبا للنبى محمد عليه السلام ، وهو نفس الحديث المعيب الذى روته من قبل النسخة السلفية فى الموطأ ، ولكن مع اختلاف فى الصيغة والمتن.
وننقل الحديثين معا : فى الموطأ (السعودى ):
634 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ " الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَلَ وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ " . هنا يقول بالحساب الفلكى حين تحجب الغيوم القمر
وفى الأم للشافعى ( أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ (الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلاَلَ وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ). هنا إكمال شعبان ثلاثين يوما عند احتجاب القمر. وهنا أيضا يتناقض الحديث مع نفسه،إذ يقول مرة ان الشهر 29 يوما ثم يأمر باستكماله الى ثلاثين حين الغيم.
2 ـ وكما جاء الموطأ ( السعودى ) برواية عن رؤية الهلال فى عصر عثمان جاء الشافعى برؤية الهلال فى عصر (على بن أبى طالب )
3 ـ يسير الشافعى على منهج الشيبانى فى الموطأ ،إى يروى الحديث ثم يعلق عليه . فمثلا تجد فى الموطأ ( الشيبانى ) (أخبرنا مالك ، حدثنا نافع وعبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال : لا تصوموا حتى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتى تروه ،فإن غمّ عليكم فأقدروا له . قال محمد (ابن الحسن الشيبانى) : وبهذا نأخذ ، وهو قول أبى حنيفة). أى يعلق الشيبانى بأنه يأخذ بهذا الحديث.
نفس الحال مع الشافعى ( أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ (الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلاَلَ وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ). [قَالَ الشَّافِعِيُّ] رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَبِهَذَا نَقُولُ، فَإِنْ لَمْ تَرَ الْعَامَّةُ هِلاَلَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَرَآهُ رَجُلٌ عَدْلٌ رَأَيْت أَنْ أَقْبَلَهُ لِلْأَثَرِ وَالِاحْتِيَاطِ. ).
4 ـ وكما أن كتاب الموطأ لم يكتبه مالك ولكن رواه وكتبه عنه آخرون فان الشافعى أيضا لم يكتب كتاب (الأم) بنفسه ، وفى النصوص السابقة تجد ان الراوى عن الشافعى هو الربيع..
5 ـ فى حرصه على الافتاء فان الشافعى لم ينج من التناقض حتى فى تلك النصوص القليلة، فالشافعى يقبل رواية الشاهد الواحد فى رؤية الهلال طالما كان عدلا :[قَالَ الشَّافِعِيُّ] رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَبِهَذَا نَقُولُ، فَإِنْ لَمْ تَرَ الْعَامَّةُ هِلاَلَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَرَآهُ رَجُلٌ عَدْلٌ رَأَيْت أَنْ أَقْبَلَهُ لِلْأَثَرِ وَالِاحْتِيَاطِ.) وبعدها يناقض نفسه فيوجب وجود شاهدين : ([قَالَ الشَّافِعِيُّ]: بَعْدُ لاَ يَجُوزُ عَلَى هِلاَلِ رَمَضَانَ إلَّا شَاهِدَانِ.) ثم يأخذ فى الاضطراب فى الروايات التالية.
6 ـ ومن الطبيعى أنه طالما يقوم الأمر على الرؤية و الشهادة بالرؤيا أن يتفاقم الاختلاف بين الناس .. وبين الفقهاء. وطالما كان الأساس زورا فالنتائج كلها تتناقض وتختلف ، ويشب الاختلاف بين الفقهاء ، بل حتى يتناقض الفقيه مع نفسه فى نفس الصفحة.
وهنيئا لابن أبى العوجاء ما فعل بأئمة الدين السنى.
ثالثا:
أحاديث ابن أبى العوجاء فى كتاب البخارى :
http://www.al-eman.com/hadeeth/viewchp.asp?BID=13&CID=61#s12
ـ باب قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم " إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلاَلَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا " وَقَالَ صِلَةُ عَنْ عَمَّارٍ مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم.
1940 ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ـ رضى الله عنهما ـ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ " لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَلَ، وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ".
1941 ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ـ رضى الله عنهما ـ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ " الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ ".
1942 ـ حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ـ رضى الله عنهما ـ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم " الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا ". وَخَنَسَ الإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ.
1943 ـ حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ـ رضى الله عنه ـ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَوْ قَالَ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم " صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ ".
1944 ـ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ـ رضى الله عنها ـ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا غَدَا أَوْ رَاحَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لاَ تَدْخُلَ شَهْرًا. فَقَالَ " إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ".
1945 ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ـ رضى الله عنه ـ قَالَ آلَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ نِسَائِهِ، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ آلَيْتَ شَهْرًا. فَقَالَ " إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ".
التعليق :
1 ـ كرر البخارى الأحاديث السابقة مع اختلافات فى متن بعضها وفى اسنادها ، ولكنه أضاف ملمحين : الأول : الحكم بتحريم صوم يوم الشك ، وهى مجرد فتوى قالها صلة ، وقد ألصقها البخارى بحديث لتكتسب صدقية ، والثانية تتمثل فى ولع البخارى بانتهاك حرمة بيت النبى محمد عليه السلام والزج بامهات المؤمنين فى مواقف مختلفة مختلقة ، ولقد تعرضنا لهذا بالتفصيل فى كتابنا ( القرآن وكفى ) .
2 ـ ولكننا هنا نشير الى حديثين ضمن الأحاديث السبعة عن الصوم ، وقد سبق البخارى بصنعهما خصيصا لانتهاك البيت النبوى ، والحديثان يزعمان أن النبى عليه السلام آلى من نسائه ، والايلاء هو الامتناع عن النوم مع الزوجة ( جنسيا ) ، وقد زعم البخارى هذه القصة وكررها فى حديثين مختلفين لكى يؤكد على الكذبة التى تقول إن الشهر 29 يوما فحسب.
رابعا:
أحاديث ابن أبى العوجاء فى كتاب مسلم ننقلها مما جاء فى نفس الموقع السلفى:
http://www.al-eman.com/hadeeth/viewchp.asp?BID=1&CID=47#s3
( باب وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلاَلِ وَالْفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلاَلِ وَأَنَّهُ إِذَا غُمَّ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ أُكْمِلَتْ عِدَّةُ الشَّهْرِ ثَلاَثِينَ يَوْمًا .
2550 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ " لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَلَ وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ " .
2551 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رضى الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ رَمَضَانَ فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ فَقَالَ " الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا - ثُمَّ عَقَدَ إِبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ - فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلاَثِينَ " .
2552 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ وَقَالَ " فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا ثَلاَثِينَ " . نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ .
2553 - وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ وَقَالَ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَمَضَانَ فَقَالَ " الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا " . وَقَالَ " فَاقْدِرُوا لَهُ " . وَلَمْ يَقُلْ " ثَلاَثِينَ " .
2554 - وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ " .
2555 - وَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، - وَهُوَ ابْنُ عَلْقَمَةَ - عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلاَلَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ " .
2556 - حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، - رضى الله عنهما - قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ " إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ " .
2557 - وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ، حُجْرٍ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا وَقَالَ الآخَرُونَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ، دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ إِلاَّ أَنْ يُغَمَّ عَلَيْكُمْ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ ".
2558 - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، - رضى الله عنهما - يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ " الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا " . وَقَبَضَ إِبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ .
2559 - وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا حَسَنٌ الأَشْيَبُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، - رضى الله عنهما - يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ " الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ "
2560 - وَحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ " الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا عَشْرًا وَعَشْرًا وَتِسْعًا " .
2561 - وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَبَلَةَ، قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ، عُمَرَ - رضى الله عنهما - يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " الشَّهْرُ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا " . وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ بِكُلِّ أَصَابِعِهِمَا وَنَقَصَ فِي الصَّفْقَةِ الثَّالِثَةِ إِبْهَامَ الْيُمْنَى أَوِ الْيُسْرَى .
2562 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُقْبَةَ، - وَهُوَ ابْنُ حُرَيْثٍ - قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، - رضى الله عنهما - يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ " . وَطَبَّقَ شُعْبَةُ يَدَيْهِ ثَلاَثَ مِرَارٍ وَكَسَرَ الإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ . قَالَ عُقْبَةُ وَأَحْسِبُهُ قَالَ " الشَّهْرُ ثَلاَثُونَ " وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ ثَلاَثَ مِرَارٍ .
2563 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، - رضى الله عنهما - يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ " إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا - وَعَقَدَ الإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ - وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا " . يَعْنِي تَمَامَ ثَلاَثِينَ .
2564 - وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ وَلَمْ يَذْكُرْ لِلشَّهْرِ الثَّانِي ثَلاَثِينَ .
2565 - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ، اللَّهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، قَالَ سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ، - رضى الله عنهما - رَجُلاً يَقُولُ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ النِّصْفِ فَقَالَ لَهُ مَا يُدْرِيكَ أَنَّ اللَّيْلَةَ النِّصْفُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ " الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا " . وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الْعَشْرِ مَرَّتَيْنِ " وَهَكَذَا " . فِي الثَّالِثَةِ وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ كُلِّهَا وَحَبَسَ أَوْ خَنَسَ إِبْهَامَهُ " .
2566 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ، الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلاَلَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلاَثِينَ يَوْمًا " .
2567 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلاَّمٍ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ، - يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ - عَنْ مُحَمَّدٍ، - وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، - رضى الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ " صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ " .
2568 - وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، - رضى الله عنه - يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمُ الشَّهْرُ فَعُدُّوا ثَلاَثِينَ " .
2569 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ، عُمَرَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، - رضى الله عنه - قَالَ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْهِلاَلَ فَقَالَ " إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلاَثِينَ .).
التعليق:
1ـ مع أنه ذكر أكثر من عشرين حديثا ومع التكرار لنفس الأحاديث السابقة إلا إن مسلم يتناقض فى تحديد عدد أيام الشهر ، فيذكر مرة أنه 29 وأخرى أنه 30 .، وقد يأتى التناقض فى حديث واحد كقوله ( 2562 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُقْبَةَ، - وَهُوَ ابْنُ حُرَيْثٍ - قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، - رضى الله عنهما - يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ " . وَطَبَّقَ شُعْبَةُ يَدَيْهِ ثَلاَثَ مِرَارٍ وَكَسَرَ الإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ . قَالَ عُقْبَةُ وَأَحْسِبُهُ قَالَ " الشَّهْرُ ثَلاَثُونَ " وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ ثَلاَثَ مِرَارٍ . )
2 ـ بل يجعل مسلم هذا التناقض فى عناوين تالية : (باب الشَّهْرُ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ )
2572 - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَقْسَمَ أَنْ لاَ يَدْخُلَ عَلَى أَزْوَاجِهِ شَهْرًا - قَالَ الزُّهْرِيُّ - فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ لَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً أَعُدُّهُنَّ دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم - قَالَتْ بَدَأَ بِي - فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لاَ تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أَعُدُّهُنَّ فَقَالَ " إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ " .) وذكر تحت هذا العنوان ثمانية احاديث ، وفيها أطنب فى ذكر أحاديث أخرى تنتهك خصوصية النبى محمد عليه السلام مع نسائه ، وتفترى أنه آلى على نسائه شهرا ثم فاء اليهن بعد 29 يوما.
3 ـ وجاء مسلم بتفصيلات أخرى لتؤكد ما صنعه شيخه البخارى. فالبخارى أفتى بتحريم يوم الشك نقلا عن بعضهم : ( وَقَالَ صِلَةُ عَنْ عَمَّارٍ مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم.) وجاء مسلم فافترى أحاديث أخرى تؤكد هذا الزعم ، وجعل لها عنوانا يقول :
(- باب لاَ تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلاَ يَوْمَيْنِ
2570 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَلِيِّ، بْنِ مُبَارَكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " لاَ تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلاَ يَوْمَيْنِ إِلاَّ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ " .
2571 - وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ الْحَرِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، - يَعْنِي ابْنَ سَلاَّمٍ ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالاَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ، مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ .) والمهارة هنا أنه يحرم صوم يوم الشك وغيره بطريقة جديدة يمنع فيها من الصوم قبل رمضان بيوم أو يومين.
4 ـ وبنفس الطريقة ـ اى اختراع حديث فى صورة فتوى ـ قال مسلم : (باب بَيَانِ أَنَّ لِكُلِّ بَلَدٍ رُؤْيَتَهُمْ وَأَنَّهُمْ إِذَا رَأَوُا الْهِلاَلَ بِبَلَدٍ لاَ يَثْبُتُ حُكْمُهُ لِمَا بَعُدَ عَنْهُمْ ) ( باب بَيَانِ أَنَّهُ لاَ اعْتِبَارَ بِكِبَرِ الْهِلاَلِ وَصِغَرِهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ ).
أخيرا:
1ـ جاء البخارى ومسلم وقد تمهدت لهما ولغيرهما الساحة فقالا ما شاءا ونقلا عن السابقين ما أرادا.
قبل عصر البخارى ومسلم تعصب الخليفة المتوكل للسنة فاضطهد من أجلهم الآخرين من شيعة وصوفية ومعتزلة ويهود ونصارى .( المنتظم 11 : 206 ـ ، 222 ، 238 ن 265 ، 270 ، 283 .. مجرد أمثلة ..! ) باضطهاد المعتزلة ثم بالقضاء عليهم وخلو الساحة للفقهاء السنيين أفل وضاع ما تبقى من حيوية عقلية للمسلمين . تكاثر وضع المتاريس أمام حرية المسلم فى التفكير بعلو شأن الحنابلة (أصحاب الحديث ) حيث تحكموا فى الشارع العباسى فى عصر البخارى ومسلم وظل ذلك مستمرا ثلاثة قرون . ولم تمنع مكانة الطبرى وشيخوخته وإمامته للسنين من قيام الحنابلة بمحاصرته فى داره الى أن مات تحت أنقاض داره عام 310.وهذا بسبب إختلافهم معه .
2 ـ وبازدهار صناعة الأحاديث ونسبتها للنبى محمد عليه السلام ، اصبح صاحب الرأى يؤثر أن يضعه فى حديث ليحوطه بالتقديس و ليحصنه من النقد والتمحيص ، ومن الطبيعى ألا يلجأ لهذا سوى صاحب الرأى الضعيف العاجز المتهالك المحتاج الى (سند) للنبى يعتمد عليه فى بقائه . ولذا جاءت تلك الأحاديث تعكس تفاهة مخترعيها وتناقضهم ، ولكن نسبتها للنبى محمد عبر (السند ) كان يحجب العقل عن نقد ذلك الحديث.
3 ـ ومن الطبيعى أن اكثر الناس حاجة الى هذا السند و النسبة المزورة للنبى محمد عليه السلام هم أصحاب الهوى ، ممن هم على سنة ابن أبى (العوجاء) ، فهم فى سعيهم للصد عن سبيل الله جل وعلا واتخاذها (عوجا) وفى سعيهم لآيات الله جل وعلا معاجزين لابد لهم من سند دينى يرتكزون عليه ليحاربوا الاسلام باسم رسول الاسلام ، وهذا أصبح حرفة رائجة فى عصر الاستقرار والازدهار العباسى ، ثم أصبحت دينا رسميا منذ عهد المتوكل. ومن وقتها أصبح نجوم هذا الافك هم أئمة ألدين السنى ولا يزالون.
4 ـ ومن ثم أصبح انتقاد البخارى كفرا. كفرا بالدين السّنى يستوجب القتل بحد الردة أهم ملمح من ملامح الدين السّنى.
ولهذا لا يزال يعيش بيننا حديث ( صوموا لرؤيته ) ولا يزال ابن أبى العوجاء هو مصدر التشريع لدى ملايين المسلمين فى رمضان وغير رمضان.
وقديما قالها ابو الطيب المتنبى : ........... ...يا أمة ضحكت من جهلها الأمم..!!
ب 2 ف1 ج 1 / المقال 3 : لمحة تاريخية عن الفساد المترتب على حديث (صوموا لرؤيته )
كتاب ( رمضان والصيام بين الاسلام والدين السنى ) دراسة أصولية تاريخية
الباب الثانى : الصيام ورمضان فى الدين السنى
الفصل الأول : ثلاث مقالات عن الحديث الملعون: ( صوموا لرؤيته.. ) الذى شوّش على التقويم الفلكى لرمضان
المقال الثالث : لمحة تاريخية عن الفساد المترتب على حديث (صوموا لرؤيته )
من انواع الفساد المترتب على حديث رؤية الهلال:
بعد وقفة أصولية تاريخية مع حديث (صوموا لرؤيته) نأتى لنماذج من الفساد الناتج عن تطبيقه.
أولا :
الاختلاف فى تحديد أول رمضان ونهايته ، وتفرق المسلمين بين الافطار والصوم فيه:
مثال من بغداد فى عصر الخلافة العباسية :
أمير عباسى يستغل رؤية الهلال سياسيا
1 ـ حدث هذا فى وقت اقتراب هلال شوال ـ آخر رمضان عام 448 . وكان وقت خلافة القائم بأمر الله العباسى . وطبقا لحديث (صوموا لرؤيته ) فقد كان فى يد الخلافة العباسية وحدها تحديد بداية ونهاية رمضان طبقا لما يشهد به شهودها ، أو طبقا لما تقتضيه مصلحة القائمين على الدولة ، أى يصوم الناس طبقا لأوامر السلطة القائمة. وهذا ما كان وهذا ما لا يزال ، فالسلطة تؤخر أو تقدم الصيام والفطر حسبما تريد رؤية الهلال ، ومع انعدام الاعتماد على الحساب الفلكى المحدد فقد أصبح صيام الناس طبقا لأوامر الحاكم وليس طبقا لأوامر الله جل وعلا الذى خلق الشمس والقمر بحسبان ولنعلم عدد السنين والحساب.
وبالتالى ارتبط تحديد بداية ونهاية رمضان بالاختلاف ، ومنه ما كان ممتزجا بعوامل سياسية ، نفهم هذا من ذلك الخبر الذى أورده ابن الجوزى فى أحداث عام 448 .
2 ـ نقرأ الخبر ثم نعلق على ما بين السطور:
( وفي عشية يوم الثلاثاء سلخ رمضان: خرج الناس لترائي هلال شوال فلم يروه، وصلى الناس التراويـح علـى عادتهـم ، ونـووا صـوم غدهـم ، فلمـا كـان بكـرة يوم الأربعاء جاء الشريف أبو الحسين بن المهتدي المعروف: بالغريق الخطيب وقد لبس سواده وسيفه ومنطقته ووراءه المكبرون لابسين السواد على هيئته إلى جامع دار الخلافة، فرآه مغلقًا ففتحه ، ودخل وقال: " اليوم يوم العيد وقد رؤي الهلال البارحة بباب البصرة "، ورام الصلاة فيه وجمع النـاس بـه.وعـرف رئيـس الرؤسـاء الخبر فغاظه ذلك، وأِحفظه أن لم يحضر الديوان العِزيز ويطالعه بما كان وما تجدد في رؤية الهلال، فراسله واستحضره ، فامتنع وقال: " حتى أصلي وأعيّد ثـم نكفـي إلـى الديـوان" . فروجـع، وأحضـر ، وأنكـر عليـه إقدامـه علـى فتـح الجامـع وهـو مغلـق وقـد علـم أنه لا خبر للناس من هذا الأمر محقق ، وقال له: " قد كان يحبب أن تحضر الديوان العزيز وتنهي الحال ليحيط به العلم الشريف ويتقـدم فيما يوجبه ويقتضيه. " وأغلط له فيما خاطبه ، فاعتذر، وقال:" ما فعلت مما فعلته إلا ثقة بنفسي ، وبعد أن وضحت الصورة عندي، وكان قد حضرني البارحة ثمانية أنفس من جيراني أثق بقولهم فشهدوا عندي جميعًا بمشاهدة الهلال ، فقطعت بذلك وحكمـت وأفطـرت وأفطـر النـاس فـي بـاب البصرة وخرجوا اليوم قاصدين جامع المدنية، ولم أعلم أن هذا لم يشع ، فحضرت وأنكرت كون الجامع مغلقًا ، ثم جاء قوم فشهدوا برؤية الهلال". فقال رئيس الرؤساء لقاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني: " ما عندك في هذا ؟ " فقـال: " أمـا مذهـب أبي مذهب أبي حنيفة الذي هو مذهبي فلا تقبل مع مذهبي ، فلا تقبل مع صحو السماء وجواز ما يمنع من مشاهدة الهلال إلا قول العدد الكثير الذي يبلغ مائتين. وأما مذهـب الشافعـي رضـي اللـه عنـه الـذي هـو مذهـب هـذا الشريـف فإنـه يقطـع بشهادة اثنين في مثل هذا" .وطولع الخليفة بالحال فأمر بالنداء أن لا يفطر أحد ، فأمسك مـن كـان أكـل . وكـان والـد القاضـي أبـي الحسيـن قـد مضـى إلـى جامـع القطيعـة فصلـى بالنـاس وعيد وكذلك في جامع الحربية ولم يعملوا بما جرى)( المنتظم 16 : 6 عام 448).
التعليق:
1 ـ موجز الخبر أن أحد امراء العباسيين من نسل الخليفة المهتدى أعلن بدء يوم العيد وفتح الجامع الكبير فى بغداد وأقام فيه صلاة العيد ، فتحرك المسئولون فى الدولة العباسية بسرعة واستدعته وحققت معه بغلظة فتراجع . وجاء الأمر للناس بالصوم بعد أن أفطروا.
2 ـ وقتها كان المتحكم فى الخلافة العباسية والدولة العباسية هم الأتراك السلاجقة السنيون ، بينما احتفظ الخليفة العباسى بالسلطة الدينية ، وهنا تبرز أهمية التحكم فى العبادات ومنها الصوم، وهنا أيضا حاول هذا الأمير العباسى الشريف أبو الحسين بن المهتدي المعروف: بالغريق الخطيب أن يؤكد دوره على حساب ابن عمه الخليفة القائم بأمر الله. وذلك الأمير العباسى ينتمى الى الخليفة المهتدى الذى حكم حوالى عام واحد( 255 : 256 ) ثم قتله القادة الأتراك وقتها، وقد اشتهر بالتشبه بالخليفة عمر بن عبد العزيز. جاء هذا الحفيد من نسل المهتدى بعد قرنين ليحاول الظهورسياسيا مستغلا سيرة جده المهتدى ومشتغلا بالخطابة ومضيفا لنفسه ألقابا مثل (الشريف أبو الحسين بن المهتدي المعروف: بالغريق الخطيب ) ومضيفا ـ بعض الرتوش التى ذكرها ابن الجوزى : ( وقد لبس سواده وسيفه ومنطقته ووراءه المكبرون لابسين السواد على هيئته إلى جامع دار الخلافة ). هذه المظاهرة لم يغب الهدف منها على قصر الخليفة العباسى فاستدعوا الأمير فرفض ، فاغلظوا عليه فحضر ، ووجه بالغلظة فى التحقيق فاسترجع وخضع . وعادت الأمور الى نصابها وأمر الخليفة أن من أفطر فعليه أن يصوم الى نهاية اليوم . فالكهنوت العباسى هو الذى يتحكم فى الصوم يؤيده الفقه السنى و العسكر السلجوقى السنى.
3 ـ من الناحية الفقهية نرى القاضى وقتها لم يحسم الأمر بل رجع الى اختلاف المذاهب ، وفى المذهب الواحد تجد الشىء ونقيضه ، مما يعطى المتحكم فرصة لفرض رأيه ويجد رأيا فقهيا يؤيده ، ثم قد يغير رأيه بعدها متمسحا برأى فقهى آخر. وتلك طبيعة الدين الأرضى.
مثال من القاهرة فى اول عيد تشهده القاهرة بعد بنائها :
المصريون يصومون بالرؤية والفاطميون يفطرون بالحساب الفلكي:
1 ـ في 29 :30 رمضان سنة 358 هـ: كان جوهر الصقلي في مصر وقد فتحها لصالح سيده المعز لدين الله الفاطمي الذي كان لا يزال وقتها في عاصمته المهدية بالمغرب ،وأسس جوهر الصقلي مدينة القاهرة ، التي شهدت أول رمضان سنة 358 هـ.
وقتها كان غالب أهل مصر يعتنقون المذهب السني ويعتمدون على الرؤيا للهلال في تحديد أوائل الشهور العربية ،وقد وقف القاضي أبو طاهر فوق سطح الجامع العتيق ( جامع عمروبن العاص ) يلتمس رؤية الهلال يوم 29 رمضان فلم ير شيئاً ،وعندئذ اعتبر رمضان تاماً،وصام المصريون معه يوم الثلاثين منه.
أما جوهر الصقلي ومن معه من الشيعة والمغاربة والقادة الفاطميون فهم يعتمدون الحساب الفلكي في تحديد الأشهر العربية ، لذلك فقد أفطروا يوم الثلاثين من رمضان واعتبروه أول شوال وعيد الفطر، وصلى جوهر الصقلى صلاة العيد بالقاهرة عاصمته الجديدة ، وكان الخطيب في الصلاة هو علي بن الوليد الأشبيلي، ولم يصلِّ أحد من أهل مصر معهم إذ كانوا يعتبرونه آخر يوم في رمضان.
وفي اليوم التالي كان عيد الفطر عند المصريين فأفطروا وصلوا العيد، وهي المرة الأولى التي يحدث فيها الإختلاف في تحديد عيد الفطر بين طائفتين ( مسلمتين ) في مصر ، وتصادف أن يكون ذلك في أول رمضان تشهده مدينة القاهرة.
2ــ وظل تحديد الأشهر العربية مثار خلاف بين أهل السنة والشيعة في مصر، وجاء الخليفة الحاكم بأمر الله المشهور بتقلبه وعجائبه فأصدر مرسوماً في رمضان سنة 399هـ يبيح للناس أن يصوموا حسب الرؤية أو بالحساب الفلكي ولا إجبار على أحد فى ذلك. أى أنه لم يفرض على المصريين الإلتزام بالحساب الفلكى المعتمد لدى السطة الفاطمية. ولكن الخليفة الحاكم الغريب الأطوار سرعان ما تراجع عن هذا القرار فأصدر قراراً مناقضاً سنة 401هـ قبيل حلول رمضان ، وفيه يأمر بإن يكون الصوم يوم الجمعة وأن يكون عيد الفطريوم الأحد ، أى حدد بداية شهر رمضان ونهايته بالحساب الفلكي دون اعتبار للرؤية. وكان معروفاً وقتها أن من يخالف ذلك الخليفة فمصيره الهلاك.
أمثلة من رمضان فى العصر المملوكى :
وقائع تاريخية غريبة في تحديد هلال رمضان وغيره بالرؤية
وانتهت الدولة الفاطمية وعادت المنطقة كلها تخضع للدين السّنى باعتماد رؤية الهلال طريقاً وحيداً لمعرفة بداية شهر رمضان وانتهائه ,ولكن كانت تحدث بعض الوقائع والمفارقات الغريبة أوردتها كتب الحوليات التاريخية..
1 ـ ففي سنة 696هـ في أول سلطنة المنصور قلاوون المملوكي صام الناس شهر رمضان يوم الجمعة على إختلاف شديد وشك كبير فيه.
2 ـ وحدث في نابلس سنة 702هـ إختلاف بين أهل المذاهب في تحديد رمضان، فالحنابلة صاموا شهر رمضان على عادتهم بالإحتياط ، واستكمل الشافعية وغيرهم شعبان ثلاثين يوماً ثم صاموا، فلما أتم الحنابلة ثلاثين يوماً أفطروا وصلوا صلاة العيد ولكن الهلال لم يره أحد، فصام الشافعية والجمهور ذلك النهار ، وأنكر الحاكم المملوكي في الشام على والي نابلس كيف لم يجتمع الناس على يوم واحد يصومونه.
3 ـ أما أهل غرناطة بالأندلس فقد صاموا هذا الشهر (رمضان 696هـ ) ستة وعشرون يوماً لأن الغيوم تراكمت عندهم عدة أشهر قبل رمضان ،فلما كانت ليلة السابع والعشرين طلعوا المأذنة لإنارتها فإذا بالغيوم قد انقشعت وظهر الهلال. فأفطروا واعتبروا ذلك أول شوال، ولم يكونوا قد صاموا إلا ستة وعشرين يوماً..!!
4 ـ وفي ليلة الثلاثين من شعبان سنة 796هـ لم ير أحد الهلال في القاهرة ومصر مع كثرة الباحثين عن رؤية الهلال ، فاجتمع الناس على أنه آخر شعبان اليوم التالي فأكلوا إلى الظهر ، فجاء الخبر بأن الهلال رؤى في بلبيس فنودى في مصر والقاهرة بالإمساك قبيل العصر..!!
5 ـ أما ما حدث في رمضان سنة 837هـ فهو أمر عجيب ، وقد كان المقريزي شاهد عيان عليه وذكر التفاصيل في تاريخه "السلوك" . يقول أنه في يوم 29شعبان اقتضى الحساب الفلكي أن يأتي هلال شهر رمضان مع جرم الشمس في ليلة السبت فلا يمكن رؤيته ، فلما غربت الشمس حاول السلطان والمماليك والعلماء والناس رؤية الهلال من فوق القلعة والمساجد والبيوت فلم ير أحد شيئاً فانفضوا وقد أظلم الليل ، وإذا برجل يأتي لقاضي القضاة الشافعي ويشهد بأنه رأى الهلال ، فأوصله القاضى الشافعي للسلطان ، وأمام السلطان المملوكي صمم الرجل على أنه رأى الهلال الذي لم يره أحد غيره،إلا أن ذلك الرجل كان من أقارب أحد ندماء السلطان ، فبالغ ذلك نديم السلطان في الثناء على قريبه الذى يشهد برؤية الهلال، فاعتمد السلطان شهادته ،وأعلن بإن الغد هو رمضان. يقول المقريزيي" فأصبح الناس صائمين والسنتهم تلهج بالوقيعة في القضاء والشهود فتوالت الكتب من بلاد مصر والشام بانهم حاولوا رؤية الهلال ليلة السبت فلم يروه وأنهم صاموا يوم الأحد ".. وهكذا صام الناس الثلاثين من شعبان على أنه أول رمضان طبقا لتوصية نديم السلطان فى مجالس الخمر.
ويبدو ان بعضهم أراد أن يجاري ذلك الرجل ويشهد هو شهادة اخرى حول نهاية نفس الشهر بقول المقريزي " فلما كانت ليلة الإثنين التي يزعم الناس أنها أول ليلة من شوال حاولوا رؤية الهلال فلم يروه وجاء بعض نواب القضاة وزعم أنه رآه ، وأنه شهد عنده برؤيته من أثبت بشهادته أن هلال شوال غداً يوم الإثنين ، فكانت حادثة لم ندرك قبلها مثلها ، وهى أن الهلال بعد الكمال عدة ثلاثين يوماً لايراه الجم الغفير الذين يريدون رؤيته ، وقد خلت السماء من الغيم ، وجرت العادة أن يتساوى الناس في رؤيته ، وأوجب ذلك تزايد الوقيعة في القضاة وسائر الفقهاء ، حتى لقد أنشد فى بعضهم لمحمود الوراق : ــ
كنا نفر من الولاة الجائرين إلى القضاة فالآن نحن نفر من جور القضاة إلى الولاة. "
6 ـ وفي عصر قايتباى كانت المناسبات الدينية كلها للمسلمين،وكان تحديدها يتم وفقاً لرؤية الهلال ، بينما كانت أمور الزراعة والفيضان يحسبونها بالشهور القبطية. ونظراً للاعتماد على الرؤية البصرية في تحديد أول الشهور العربية فإنه كانت تحدث اختلافات طبقا لما ذكره المؤرخ القاضى ابن الصيرف فى تاريخه ( إنباء الهصر لأبناء العصر ) ، والذى يؤرخ فيه لعصر السلطان قايتباى بالشهر والحول وفق منهج الحوليات التاريخية .
وعلى سبيل المثال:
* فقد حدث يوم الخميس 27 ذى الحجة876 أن جاء المبشرون بقدوم الحجاج ووصلوا القاهرة وأخبروا أن الوقفة وقفة عيد الأضحى كانت يوم الاثنين ومتفقة بذلك مع التوقيت القاهري، وكان قد حدث اختلاف في مصر في تحديد أول شهر ذى الحجة 876 بين قائل بأن أوله الأحد وأخر يرى أنه السبت، وكان تلك قضية هامة يزيد في أهميتها ما اعتاده الأشياخ والقضاة من ذهاب لتهنئة السلطان في أول كل شهر عربي.
يقول مؤرخناً عن مطلع شهر ذى الحجة 876: ( أهل بيوم الأحد) ، ومعناه بدأ وظهر هلاله يوم الأحد، ونكمل معه ما كتبه: ( ويوافقه السادس عشر من بشنس القبطي، لأن ذا القعدة جاء تماماً، ثم ثبت بعد ذلك أن أوله السبت ، ووصل الخبر بذلك إلى المحلة في يوم الثلاثاء ثالثة بعد الظهر، وأخبر السلطان بذلك )
لم تكن هناك إذاعة لاسلكية تنشر الأخبار وقت حدوثها، لذلك علم السلطان ثالث يوم العيد أن أهل المحلة قد اعتبروا عيد الأضحى يوم السبت لا الأحد، وبالتالى فإن المسلمين في سائر الأقاليم والأقطار كانوا يختارون التوقيت في الأعياد حسبما يرون، وحسب الظروف، و كان أسهل عليهم لو اعتمدوا الحساب الفلكي الذى لا مجال فيه للخطأ.
* ونعود إلى مؤرخنا ابن الصيرفي وهو يتحدث عن صعود المشايخ لتهنئة السلطان بهلال أول الحجة وقد كان معهم، يقول فيه: ( صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر على العادة وكنت صحبتهم) أى كان المؤرخ ابن الصيرفى القاضى معهم ،( وهنوه على المصطبة المستجدة أخر الحوش السلطانى ، فطلب قاضى القضاة الحنفي من السلطان عيوناً (أى نظارة للقراءة ) شغل الفرنج (أى من صنع الأوربيين ) التى ينظر بها للكتابة كانوا أحضروا له منها بعدة، فأجابه: هذا الذى طلبته مفضضاً (أى مطلى بالفضة ) وأنت ما يجوز لك استعمال ذلك، فما ساعه إلا السكوت (أى اضطر للسكوت ) ، وكلح من الرد عليه بحضور رفقته، فليت شعرى ما الملجئ في ذلك.(أى ما الداعى لذلك ) )
أى في اجتماعهم بالسلطان طلب قاضى القضاة الحنفي محب الدين بن الشحنة أن يعطيه السلطان نظارة وكان قد جيء للسلطان ببعض النظارات من بلاد الفرنجة، وعلم بذلك ابن الشحنة فطمع في الحصول على واحدة منها، ورفض السلطان أعطاءه ما يريد وأفحمه بأن تلك النظارات قد طلوها بالفضة، ولا يجوز للقاضى أن يرتدى الذهب والفضة، فاضطر صاحبنا للسكوت ولم يستطع الإجابة، ويعلق مؤرخنا على شيخه قاضى القضاة فيقول "كلح من الرد عليه بحضور رفقته، فليت شعرى ما الملجئ له في ذلك."
* ويقول مؤرخنا عن هلال شهر ربيع الأول 876: ( اختلف في إثباته اختلافاً زائدا ، فشهد جماعة من المؤقتين ( أى أصحاب التوقيت) عند القاضى الشافعي برؤيته ليلة الأحد فما قبلهم، (أى ما قبل شهادتهم )، وصعد يوم الاثنين لتهنئة السلطان بالشهر ورفقته قضاة القضاة وكنت معهم، فلما جلسوا وهنوه بالشهر ، قال له السلطان نصره الله، الشهر من البارح، فأخذ عنه القاضى الحنفي في الجواب فقال السلطان: أنا رأيته الليلة الماضية وهو كبير، فقال القاضى المالكي: الكبر ما هو شرط وانصرفوا، ثم أنى رأيت يوم الاثنين قصة بخط القاضى الشافعي مؤرخه بثالث ربيع الأول فعلمت أن القاضى الشافعي أثبت الشهر كما قال السلطان.) أى انهم وافقوا السلطان على قوله.
ويقول ابن إياس فى تاريخه ( بدائع الزهور ) عن بدء رمضان 882 إنه اضطربت القاهرة لمرور الثلاثين من شعبان دون رؤية الهلال .فأكل غالب الناس فى اول يوم من رمضان ، فأمر القاضى الشافعى بالامساك فثار عليه العوام ، فأثبتوا رؤية الهلال قريب الظهر،(ولكن فطر غالب الناس فى ذلك اليوم) (بدائع الزهور: تاريخ ابن اياس : ج3 : 136 )
وفى رمضان 898 يقول ابن إياس ( نودى بالصوم بعد ضحوة النهار ، وقد ثبت رؤية الهلال بعد طلوع الشمس بثلاثين درجة ، وقد أكل غالب الناس فى ذلك اليوم ، ولا سيما العوام ، فثقل عليهم الامساك فى ذلك اليوم بعد الافطار).( ج3 : 296 )
* الأكثر من هذا هو النسىء ، أوالتلاعب بموضوع الرؤية لخدمة السلطان.
ثانيا ـ
الفساد فى عودة النسىء في الأشهر العربية:
1 ـ فى العصر المملوكى ساد التصوف السنى ، ويعنى أن تكون العقيدة هى فى تقديس الأولياء الصوفية والاعتقاد فى كراماتهم بينما تكون العبادات على أساس الفقه السنى ، ومنها بالطبع رؤية الهلال بديلا عن الحساب الفلكى.
وعلى هامش التصوف انتشرت عقائد أخرى مثل الاعتقاد فى (الفأل ) أو"التفاؤل والتشاؤم" . وترتيبا على قول الشاعر :( ما طار طائر وارتفع إلا كما طار وقع) ، جاء الاعتقاد بأن السلطان إذا اكتمل سعده فقد آن أوان هبوطه وانحلال أمره . وكانت الخلافة العباسية قد انتقلت للقاهرة المملوكية بعد استيلاء المغول على بغداد . وأصبح الخليفة العباسى فى القاهرة ضمن أتباع السلطان المملوكى ، وإن كان ترتيبه الرسمى قبل السلطان لأن مهمته كانت إضفاء الشرعية على من يتغلب من العسكر المملوكى ويصبح سلطانا ، أى يتأمّر الأمير الفائز الغالب ، فيعقد القضاة الأربعة أمام الخليفة العباسى مجلسا ينادى بالمتغلب المملوكى سلطانا . ويتم بعدها بقية شعائر الاعتراف السياسى به، وأهمها الدعاء له على المنابر . ويظل الدعاء له على المنابر فى صلاة الجمعة وصلاة العيدين . وطبقا للاعتقاد السائد فان السلطان يكتمل سعده إذا تم الدعاء له فى خطبتين وليس خطبة واحدة ، وهذا يحدث عندما يأتى يوم العيد فى يوم جمعة. هنا تقام الخطبة فى صلاة العيد صباحا وفى الجمعة ظهرا ، ويتم الدعاء للسلطان مرتين.
وفى عصر يتحكم فيه العسكر ويصل للسلطة الأقوى منهم كان القلق على المستقبل هو سيد الموقف ، فالسلطان الحالى يمكن إغتياله فى اى وقت ، وممكن أن يخونه أقرب(خشداشيته) أى رفاقه فى السلاح ، ولذا كان الاعتقاد فى التفاؤل و التشاؤم يؤكده القلق السياسى وتقلب الأوضاع والصراع المستمر على السلطة بين كبار الأمراء المماليك . من هنا كان أشهر مظهر للتشاؤم بالنسبة للسلطان هو إقامة خطبتين للعيد والجمعة في يوم واحد حين يأتي يوم العيد في يوم جمعة حيث يدعون له فى خطبتين فى يوم واحد ، فيكون قد بلغ أوج سعده . لم يكن السلطان يحس بالسعد بل يتشاءم من هذا اليوم إذ كان يشجع الطموحين من الأمراء على الوثوب على السلطان لأن السلطان الحالى قد وصل الى نهاية سعده وآن وقت انحداره ومجيء سلطان جديد.
ولذلك كانت العادة أن يتقرب القضاة للسلطان بمنع شهادة من يرى الهلال إذا كان ذلك يعني مجيء العيد يوم جمعة. وقد ذكر المؤرخون أحداثا من هذا النوع ،
ذكرها ابن حجر في أحداث سنة840 هـ فقال فى تاريخه (إنباء الغمر بأبناء العمر ):( وامتنع جماعة من صيام يوم الجمعة اعتمادا على من شهد ، ويتهم من اتهم الذين لم يقبلوا الشهادة المذكورة بأنهم فعلوا ذلك محاباة للسلطان لما جرت العادة من تطيرهم (أى تشاؤمهم ) بخطبتين فى يوم ) .
ونفس الحادثة فى نفس العام 840 ذكرها أبو المحاسن في تاريخه " حوادث الدهور" وذكرها السخاوي في تاريخه "التبر المسبوك".
2 ـ ونقتطف بعض أمثلة ذكرها القاضى المؤرخ ابن الصيرفي في تاريخه " إنباء الهصر"
*يقول عن ليلة الثلاثين من شهر رمضان سنة 875 هـ " توجه القضاة إلى المدرسة المنصورية قلاوون لرؤية هلال شهر شوال وتحديد أول يوم لعيد الفطر واتفقوا على أنهم لم يروا الهلال حتى لا تكون خطبتان يوم الجمعة " ويقول ابن الصيرفي يعلق على ذلك "ولم ير الهلال وهو المقصود الأعظم لئلا تكون خطبتان في يوم فيكون ذلك بزعمهم على السلطان غير مشكور. فلا قوة إلا بالله "، وعلى ذلك جعلوا هلال شوال يوم السبت وجعلوا عيد الفطر يوم السبت، وتلاعبوا بالصيام وشوال تقرباً للسلطان.!! ومع ذلك فلم يكن السلطان قايتباي يحترم أولئك القضاة !!بل حدث أن عزلهم جميعا .
* وفي عيد الأضحى 885 تكرر نفس العمل، وثبت بعدها أن أول ذى الحجة كان ينبغى أن يكون يوم الأربعاء، ولكنهم لم يفعلوا ذلك حتى لا يكون عيد الأضحى يوم الجمعة، يقول صاحبنا "وثبت شهر تاريخه بعد ستة أيام أن أوله الأربعاء، وعلى هذا يكون عيد النحر يوم الجمعة ويخطب فيه بخطبتين". وذلك ما لم يحدث بالطبع.
3 ـ ونتابع ما قاله ابن إياس فى نفس الموضوع وخلال عصر السلطان قايتباى:
* ففى عيد الأضحى 887 لم يهتم قاضى القضاة الشافعى زكريا الانصارى بهذه المسألة فغضب عليه السلطان والعوام أيضا خوفا من وقوع فتن وصراعات مسلحة ، يقول ابن إياس : (وافق عيد النحر يوم جمعة ، فحنق السلطان قايتباى من القاضى زكريا ( الأنصارى ) وأشيع عزله .. وانطلقت ألسنة العامة على القاضى زكريا وسبوه مجهرا )( بدائع الزهور : ج 3 : 198 )
* وفى شوال 899 يقول ابن إياس : (وفى شوال كان عيد الفطر بالجمعة. ولهج غالب الناس بزوال ملك السلطان عن قريب ، وما ذاك إلا أن العيد إذا جاء يوم الجمعة يخطب فى ذلك اليوم خطبتين ، ويدعى للسلطان فى ذلك اليوم على المنابر مرتين ، فيلهجون الناس بأن فيه كمال سعد للسلطان ، وهو وجه العلة فى المسألة ، وقد جاءت فى أيام الأشرف قايتباى خمسة أعياد بالجمعة ولم يضره ذلك ، ومكث فى هذه المدة الطويلة ولم يؤثر فيه ذلك شيئا ، فمن ذلك عيد فطر بالجمعة سنة ثمان وسبعين وثماتمائة ، وعيد فطر آخر بالجمعة سنة ست وتسعين وثمانمائة ، وعيد فطر آخر بالجمعة سنة تسع و تسعين وثمانمائة ، فهذه خمسة أعياد وقد مرت عليه بالجمعة ، وهو ثابت فى مملكته لم يتزحزح منذ ثلاثين سنة). (ج 3 : 303 ) أى أن ابن إياس ينكر هذا الاعتقاد بناء على أحداث تاريخية ، ولكن رأيه لم يغير هذا الاعتقاد لأنه (سائد ).
3 ـ فأثناء مرض السلطان الأشرف قايتباى الأخير بويع ابنه الناصر فى يوم السبت 26 ذى القعدة 901 ، وتوفى قايتباى فى اليوم التالى. وكانت سلطنة ابنه الناصر محمد ابى السعادات قصيرة تخللها فتن الأمراء الكبار الطامعين فى العرش . وتأثرت رؤية الهلال بهذا الصراع على السلطة خصوصا مع قدوم أول رمضان على السلطان الشاب الجديد . وحدثت نادرة فى رمضان العام التالى ، ففى أول رمضان902 وقعت فتنة بين كبار الأمراء المتطلعين على السلطة، وكان واضحا أن الذى يفوز هو الذى سيتحكم فى السلطان الوارث للعرش توطئة لعزله . ولذلك ارتعب السلطان الشاب الجديد من مجىء عيد الفطر يوم جمعة فأمر بعمل عيد الفطر فى يوم الثلاثين من رمضان بدون رؤية الهلال . يقول المؤرخ ابن اياس ( ومن النوادر الغريبة أن فى يوم التاسع و العشرين من هذا الشهر (رمضان ) أمر السلطان بأن تدق الكوسات بالقلعة ، وقال : أنا أعمل العيد فى الغد من هذا الشهر إن رأوا الهلال أو لم يروا. ؛ فلما اشيع ذلك بين الناس ركب قاضى القضاة الشافعى زين الدين زكريا وطلع الى القلعة ، فاجتمع بالسلطان وعرّفه أن العيد لا يكون إلا إذا رؤى الهلال ن فشقّ ذلك على السلطان ، وهمّ بعزل القاضى فى ذلك اليوم ؛ فلما دخل الليل لم ير الهلال فى تلك الليلة ، وجاء العيد بالجمعة. وكان الناصر ( ابن السلطان قايتباى ) تطير (أى تشاءم ) من العيد بأن يجىء يوم الجمعة ، فكان ذلك اليوم على رغم أنفه . وفى شوال لم يخرج السلطان الى صلاة العيد ، ولا طلع الأتابكى تمراز ( قائد الجيش ) الى القلعة ، ولا بقية الأمراء المقدمين ، فبعث السلطان اليهم فى بيوتهم ..) ( بدائع الزهور :ج 3 : 360)
أخيرا:
1 ـ من تلك اللمحة التاريخية يتضح أن التطبيق العملى لذلك الحديث الكاذب الملعون أفسد موعد الصيام ، وجعل الصوم علاقة بين المسلم والسلطة و ليس بين المسلم وربه جل وعلا ، وأتاح للسلطة أن تستغله سياسيا فى الصراع السياسى،بل وصل الأمر الى النسىء بالتلاعب بالشهور الخمسة (شعبان ورمضان وشوال وذى القعدة وذى الحجة) حتى لا يقلق السلطان على مستقبله. ولو كان التحديد بالحساب الفلكى ما وقع كل هذا الفساد.
2 ـ ومع أننا نعيش عصر الفضاء و الثورة العلمية والمعلوماتية والاتصالات فلا يزال ذلك الحديث سائدا وساريا ومتحكما يضيع صيام المؤمنين ويثير السخرية بالاسلام والمسلمين. وكل ذلك بسبب الصحوة السلفية التى أرجعتنا الى الوراء ونحن فى القرن الحادى والعشرين.
ب 2 ف2
ب 2 ف2 ج 1 : تشريعات الدين السنى فى الصيام ( ثلاث مقالات )
كتاب ( رمضان والصيام بين الاسلام والدين السنى ) دراسة أصولية تاريخية
الباب الثانى : تشريعات رمضان والصيام فى الدين السنى :
الفصل الثانى : تشريعات الدين السنى فى الصيام ( ثلاث مقالات )
المقال الأول :
مقدمة :
من الطبيعى أنه بعد أن غطى تشريع القرآن كل المطلوب فى تشريع الصوم فالمؤمن يكتفى بالقرآن الكريم وحده حديثا ، والذى إكتمل به الاسلام دينا . بالتالى فليس هناك مجال لإضافة تشريعات جديدة ، وما أضافه الفقه السنى ليس سوى ثرثرة لا لزوم لها ، و إختراع يخالف التشريع الاسلامى القرآنى.
ومثلا :
أولا : نماذج من الفوازير السمجة لآراذل الفقهاء
1 ـ حرموا صيام الحائض وصلاتها وقراءتها للقرآن واختلفوا فى صحة طوافها . وقد رددنا على ذلك كله بأن آية المحيض تمنع فقط اللقاء الجنسى وقت الحيض ( البقرة 221 : 222 ). وأنه لو كانت المرأة محرم صومها فى وقت الحيض فكيف يفترض رب العزة صيام شهرين متتابعين على من يقتل مؤمنا خطأ : ( النساء 92 )، فلو إفترضنا أن إمرأة قتلت مؤمنا خطأ فكيف تصوم شهرين متتابعين إذا كان ممنوعا صيامها فى الحيض ، ولا بد أن تحيض خلال الشهرين ؟
2 ـ وشرعوا عقوبات لمن يفطر باللقاء الجنسى ـ رجلا كان أم إمرأة ـ هى عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا . والفزورة المضحكة هنا : كيف تصوم المرأة شهرين متتابعين وهى عندهم محرم صومها فى الحيض ؟ ثم نفترض أن شخصا أفطر بالجماع الجنسى كل أيام رمضان ، هل يصوم ستين شهرا فى العام ؟ ولنفترض أنه ظل يفطر بهذه الطريقة فكيف يصوم ؟ نتكلم عن فقير لا يستطيع إطعام ستين مسكينا على قول الفزورة .!
3 ـ وقالوا بالاستنابة فى الصوم أسوة بما قالوه فى بقية العبادات ، يعنى أن تصوم عن أبيك أو أمك ، أو أن تحج عنهما . وهذه فزورة مضحكة ينفيها قوله جل وعلا فى الصوم (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) وفى الحج (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ) الحج ) . ( شهد ) هنا يعنى حضر بنفسه وكان موجودا بنفسه ، وليس غيره . سماجة هذه الفزورة فى الصوم عن الغير فى أن العبادات هى لتزكية الشخص نفسه ولتدعيم التقوى فى قلبه هو ، وبالتالى فمن إهتدى فلنفسه وليس لغيره ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ( الاسراء 15 ، الانعام 164 فاطر 18 ، النجم 38 ـ ) ، ومن وقع فى إثم فإنما يكسبه على نفسه ( النساء 111) أى من يصوم عن الغير ـ إذا وقع فى معصية وقت صيامه فمن يتحملها هو أم الغائب ؟ . فى هذه الفزورة السمجة وضعوا حديثا يقول : (من مات وعليه صوم صام عنه وليه)، وإفتروا أن امرأة قالت يا رسول: إن أمي ماتت وعليها صوم رمضان، أفصوم عنها؟ قال: (صومي عن أمك).
4 ــ وقلنا إن المفطرات للصوم فى الاسلام هى ثلاث فقط ( الجماع الجنسى والأكل والشرب ) . هذا التشريع القرآنى لم يُعجب شياطين الإنس فأضافوا له مبطلات أخرى فى الماضى ، وجاء شياطين الإنس فى عصرنا فأضافوا مفطرات أخرى . بعضهم مثلا يُفتى ( بالتاء لا بالسين ) بأن مبطلات الصيام هى : الحُقن والبخور والدخان وتعمد القىء والنفاس . ويلاحظ الآتى : إضافة الحقن والتدخين فى تشريع جديد لم يكن معروفا فى عصور ائمة السنة من مالك الى ابن تيمية ،وإن تشريع هذه المبطلات مُختلف فيه بينهم ، وقد تبارزوا بالأحاديث كل منهم يخترع حديثا يؤيد وجهة نظره . ففى القىء كمبطل للصوم ، ترى أحاديث تؤيده مثل حديث نسبوه لأبى هريرة : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ((مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ ))ويعارضه حديث آخر نسبوه لأبى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ – أنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : ((ثَلاَثٌ لاَ يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ الْحِجَامَةُ ، وَالْقَيْءُ ، وَالاِحْتِلاَمُ ). هنا ترى فوازير سمجة لزجة كالقىء ، جعلوها أحاديث نبوية فى دينهم الأرضى ، إفتراءا على خاتم المرسلين عليه وعليهم السلام .
أخيرا :
بعد نماذج من فوازير فقه النكد السنى نحتاج الى تلطيف الجو بذكر نادرتين :
1 ـ فى الثانوى الأزهرى كان مقررا علينا فى الفقه الشافعى كتاب ( الاقناع فى حل ألفاظ أبى شجاع ) ولا يزال مقررا . وكانت حصة الفقه هى المجال الذى اُشاغب فيه مدرس الفقه ، وفى باب الصيام وقف المدرس يقرأ من الكتاب المذكور أن من جامع قبيل الفجر فسمع أذان الفجر فنزع ( أى نزع عضوه الذكرى ) فصيامه صحيح ، حتى لو أنزل بعدها لأنه أنزل عن مباشرة ( جنسية ) . رفعت يدى أسأل ، وقلت : أنا لا أوافق على هذا لأنه كلام غير واقعى ، كيف له وهو مستمتع بالجنس أن يسمع الأذان ، المفروض أن يسمع الأقرب اليه وهو ما تقوله الزوجة ، ثم لو إفترضنا أنه سمع فهل يستطيع أن ينزع ؟ وهل لو أراد أن ينزع هل ستسمح له الزوجة ؟ كان هذا تهريجا من طالب أزهرى مراهق .
2 ـ فى نفس الكتاب ( الاقناع ) كانت هذه ( الصورة) الفقهية الخيالية تقززنى : ( من زنا بأُمّه فى جوف الكعبة فى نهار رمضان : ماا عليه من الإثم ؟ ) . هذا الفقيه المنتمى للعصر العثمانى مؤلف كتاب ( الاقناع ) مريض نفسى . وكتابه لا يزال مقررا ومفروضا على الثانوى الأزهرى بفضل شياطين الانس .
3 ـ فى أوائل التسعينيات تقريبا عام 1991 نشرت جريدة الأهرام بداية سلسلة من المقالات للمفتى وقتها ، وقد كان كالعادة جهولا . ونشر فى مبطلات الصوم مقالا نقله من تراث الفقه البذىء ، ولأنه جهول ـ كالعادة ــ فقد ذكر فى مقاله أن ( أُصبع الصديق إذا دخل فى دبر صديقه فلا يفطر ) . كان هناك إختلاف فقهى هائل فى قضية خطيرة هى دخول الأصبع فى الدبر، هل يفطر أم لا ، إختلف ــ كالعادة ــ فيها العلماء ، وكان الرأى الأرجح أن أصبع الصديق فقط إذا دخلت فى دير صديقه لا تفطر .! . المفتى الجهول ــ كالعادة ـ ذكر هذا الرأى الراجح يحسب أنه يحسن صنعا ، وأحدث مقاله فضيحة مدوية ، ترتب عليها أن منعت ( الاهرام ) نشر المزيد من مقالات المفتى الجهول ـ كالعادة ـ .! . إنتهز الفرصة الصديق الراحل الدكتور فرج فودة فكتب فى جريدة ( الأحرار ) مقالا ساحرا ساخرا يتهكم فيه بهذه الفتوى ، واذكر أنه جعل عنوانه بيتا شعريا يقول : أنا كنت واقف على الكوبرى ... حسّيت بأصبع فى دبرى .. صيامى راح .!!
إياكم والوقوف على الكوبرى ..!!
كل عام وأنتم بخير .
المقال الثانى :
ثرثرة تشريعية متخلفة لا أصل لها
نتعرض فى هذا المقال للفوارق الأساس التى أحدثها الدين السّنى فى تشريع الصوم ، وإيجازا فسنعرض لأهم ما جاء فى أهم أسفار الدين السّنى وهى موطأ مالك ، والأم للشافعى و البخارى.
وبإيجاز أيضا نقول إن الفقه السنى خالف تشريع الصوم الاسلامى فى ثلاثة ملامح : الثرثرة ، ثم إختراعات فى التغليظ تخالف منهج القرآن الكريم فى التيسير ، وأخيرا الاعتداء على حق الله جل وعلا فى التشريع فيما يخص الحلال والحرام فى الصيام.
ونتوقف معها ببعض الشرح.
أولا : الثرثرة
كانت الثرثرة موجزة فى بدايتها مع موطأ مالك ، ثم توسع فيها الشافعى ، زاد عن الشافعى من جاء بعده ، وظلت الثرثرة فى إزدياد الى حد أن تألفت كتب ضخمة فى أحكام الطهارة و الصيام والصلاة .. ثم جاء العصر المملوكى الذى قام بشرح كتب السابقين والبناء على ما فيها من ثرثرة وتخيل احكام فقهية عبثية ، ثم أصبحت حالة مرضية ( نسبة للمرض ) فى العصر العثمانى. وورثنا فى التعليم الأزهرى القديم كتبا فى الفقه تتجادل حول من ( زنا بأمه فى جوف الكعبة فى نهار رمضان .. ماذا عليه من الإثم ؟) ( ومن ابتلع بصاق الصديق هل يفطر ؟ ) و(أصبع الصديق فى دبر صديقه هل تفطر.. ) وتفاهات من هذا القبيل تستدعى تدخل المحكمة الدولية..!!
ونعرض للمحات من بدايات اللغو والثرثرة..
الثرثرة (الجنسية )
الموطأ
بدأت الثرثرة فى موطأ مالك ، ونقتطف منها مثالا ؛ ففى (باب مَا جَاءَ فِي صِيَامِ الَّذِي يُصْبِحُ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ ) نرى مالك قد جاء بأحاديث تؤكد أن ذلك لا يبطل الصوم ، منها :( وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَىِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُمَا قَالَتَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلاَمٍ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ يَصُومُ . ). وأى إنسان عادى لا يرى بأسا فى أن يبيت المؤمن على جنابة ثم يستيقظ ليصوم . فالجنابة جاءت فى الليل وقت الافطار. وهذا لا يستدعى تفصيلا .. ولكنها مجرد ثرثرة.
الأم للشافعى
والشافعى فى كتابه (الأم ) لخص الأحاديث التى ذكرها الموطأ بقوله (مَنْ احْتَلَمَ فِي رَمَضَانَ اغْتَسَلَ وَلَمْ يَقْضِ وَكَذَلِكَ مَنْ أَصَابَ أَهْلَهُ ثُمَّ طَلَعَ الْفَجْرُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَتَمَّ صَوْمَهُ. ) ثم زاد فتخيل أو تصور وضعا جنسيا وأفتى مقدما بالحكم فيه ،قال (وَإِنْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ مَجَامِعُ فَأَخْرَجَهُ مِنْ سَاعَتِهِ أَتَمَّ صَوْمَهُ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ الْجِمَاعِ إلَّا بِهَذَا، وَإِنْ ثَبَّتَ شَيْئًا آخَرَ أَوْ حَرَّكَهُ لِغَيْرِ إخْرَاجٍ وَقَدْ بَانَ لَهُ الْفَجْرُ كَفَّرَ. )
الثرثرة والتناقض
والثرثرة لا تلبث أن توقع فى التناقض ، فقد اختلفوا ـ مثلا ـ فى موضوع هل من يقبّل زوجته يفطر:
مالك:
جاء مالك فى الموطأ بالأحاديث المختلفة المتناقضة تحت عنوانين يؤكدان هذا التناقض ، هما ( :باب مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ ) ( باب مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ ).
فى الدفاع عن القبلة وأنها لا تفطر انتهك مالك حرمة بيت النبى محمد عليه السلام بأحاديث موضوعة من نوعية : ( وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، - رضى الله عنها - أَنَّهَا قَالَتْ إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ . ثُمَّ ضَحِكَتْ . ) و ( وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، كَانَا يُرَخِّصَانِ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ ).
وفى الاتجاه ( المعاكس ) حوربت القبلة فى الموطأ بأحاديث مثل ( قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لَمْ أَرَ الْقُبْلَةَ لِلصَّائِمِ تَدْعُو إِلَى خَيْرٍ .) و ((وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَنْهَى عَنِ الْقُبْلَةِ، وَالْمُبَاشَرَةِ، لِلصَّائِمِ .)
وبعضها توسط مثل ( وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، سُئِلَ عَنِ الْقُبْلَةِ، لِلصَّائِمِ فَأَرْخَصَ فِيهَا لِلشَّيْخِ وَكَرِهَهَا لِلشَّابِّ .)
الشافعى:
وجاء الشافعى فحاول التوفيق بين الآراء المتناقضة بعد أن كرر الأحاديث المختلفة ثم قال : (لَيْسَ اخْتِلاَفًا مِنْهُمْ: وَلَكِنْ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، لِئَلَّا يَشْتَهِيَ فَيُجَامِعَ، وَبِقَدْرِ مَا يَرَى مِنْ السَّائِلِ أَوْ يَظُنُّ بِهِ. )
البخارى
كرر ما سبق فى ( باب الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ ) وزاد حديثا بذيئا يقول:
1963( ـ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّهَا ـ رضى الله عنهما ـ قَالَتْ بَيْنَمَا أَنَا مَعَ، رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْخَمِيلَةِ إِذْ حِضْتُ فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَقَالَ " مَا لَكِ أَنُفِسْتِ ". قُلْتُ نَعَمْ. فَدَخَلْتُ مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ، وَكَانَتْ هِيَ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَغْتَسِلاَنِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ.)
الاحتجام:
(اى باسالة الدم اعتقادا منهم فى الشفاء بهذه الطريقة ) وهوأمر عادى لا يبطل الصوم لأنه لا يدخل فى الطعام والشراب ، ولكن التقعر الفقهى جعله مدارا للثرثرة.
الموطأ
جاء مالك بأحاديث تدل على ان بعض الصحابة كان يحتجم وبعضهم لم يكن ، كقوله تحت باب ( باب مَا جَاءَ فِي حِجَامَةِ الصَّائِمِ ( حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ - قَالَ - ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ بَعْدُ فَكَانَ إِذَا صَامَ لَمْ يَحْتَجِمْ حَتَّى يُفْطِرَ .)( وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَا يَحْتَجِمَانِ وَهُمَا صَائِمَانِ .) ( وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ لاَ يُفْطِرُ . قَالَ وَمَا رَأَيْتُهُ احْتَجَمَ قَطُّ إِلاَّ وَهُوَ صَائِمٌ .) ثم أفتى مالك فى تلك القضية الخطيرة بقوله ( قَالَ مَالِكٌ لاَ تُكْرَهُ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ إِلاَّ خَشْيَةً مِنْ أَنْ يَضْعُفَ وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَمْ تُكْرَهْ وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً احْتَجَمَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ سَلِمَ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ أَرَ عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَمْ آمُرْهُ بِالْقَضَاءِ لِذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي احْتَجَمَ فِيهِ لأَنَّ الْحِجَامَةَ إِنَّمَا تُكْرَهُ لِلصَّائِمِ لِمَوْضِعِ التَّغْرِيرِ بِالصِّيَامِ فَمَنِ احْتَجَمَ وَسَلِمَ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ حَتَّى يُمْسِيَ فَلاَ أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ .).
وحسنا أن مالك لم يسند ما قاله للنبى بل لبعض الصحابة ، فزعم أن بعضهم كان يحتجم وهو صائم والاخر لا يحتجم ..إذن هى ليست قضية و ليست مشكلة ،أى إنها من المباحات من شاء فعلها ومن شاء تركها ولا إثم على فعلها ولا ثواب على تركها ..ولكنه إدمان الثرثرة..
الأم للشافعى
جاء الشافعى فكرر ما قاله مالك مع إضافة حديث رواه ثم شكّك فيه ، يقول (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: (أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ) وَرُوِيَ عَنْهُ (أَنَّهُ احْتَجَمَ صَائِمًا). [قَالَ الشَّافِعِيُّ]: وَلاَ أَعْلَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا ثَابِتًا وَلَوْ ثَبَتَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قُلْت بِهِ فَكَانَتْ الْحُجَّةُ فِي قَوْلِهِ، وَلَوْ تَرَكَ رَجُلٌ الْحِجَامَةَ صَائِمًا لِلتَّوَقِّي كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَلَوْ احْتَجَمَ لَمْ أَرَهُ يُفْطِرُهُ.) وإذن فما الداعى لهذا (القىء ) من الكلام ، سوى أن الشافعى ( يحب ) كذا.
القىء: وبالمناسبة فقد كان (القىء ) من موضوعات الثرثرة الفقهية فى تشريع الصوم السّنى ، مع أن القىء عكس الطعام والشراب ، ولا يفطر به الصائم ، حتى لو تعمده.
الموطأ
قال كاتب الموطأ : ( وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَنِ اسْتَقَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَىْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ .) يعنى يزعم أن من تقيأ عمدا فقد أفطر ،أما من غلبه القىء فصيامه صحيح.
الأم للشافعى:
كرر الشافعى هذا الاكتشاف الباهر فقال (مَنْ تَقَيَّأَ وَهُوَ صَائِمٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَبِهَذَا أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. )
وفيمن يقضى الصيام : هل يقضى الأيام متتالية أم متفرقة. الواضح ان هذا جائز وذاك جائز .ولكن الثرثرة جعلتهم يختلفون فيها.
مالك:
جاء باحاديث مختلفة نذكر بعضا للتسلية:
678 – ( وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَقُولُ يَصُومُ قَضَاءَ رَمَضَانَ مُتَتَابِعًا مَنْ أَفْطَرَهُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ فِي سَفَرٍ .) هنا تتابع فى قضاء الصيام
(679 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا، هُرَيْرَةَ اخْتَلَفَا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُ . وَقَالَ الآخَرُ لاَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ . لاَ أَدْرِي أَيَّهُمَا قَالَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ .) هنا اختلاف هل نتابع قضاء الأيام أم نفرق بينها.
681 –( وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، يُسْأَلُ عَنْ قَضَاءِ، رَمَضَانَ فَقَالَ سَعِيدٌ أَحَبُّ إِلَىَّ أَنْ لاَ يُفَرَّقَ قَضَاءُ رَمَضَانَ وَأَنْ يُوَاتَرَ . قَالَ يَحْيَى سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِيمَنْ فَرَّقَ قَضَاءَ رَمَضَانَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِعَادَةٌ وَذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ وَأَحَبُّ ذَلِكَ إِلَىَّ أَنْ يُتَابِعَهُ . .)
تأسس على الاختلاف أن قال هذا بما (يحب ) وقال ذاك بما (يحب ) ..أى دخلنا فى مسلسل الحب و الهوى ..أى أصبح مزاج الفقيه وهواه تشريعا..!!
الأكل والشرب ناسيا الموطأ
المفاجأة هنا ان مالك يبطل صيام من ينسى ويسهو فيأكل أو يشرب وهو صائم : (قَالَ مَالِكٌ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِي رَمَضَانَ سَاهِيًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ مَا كَانَ مِنْ صِيَامٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَ يَوْمٍ مَكَانَهُ ).
وكأن مالك لم يقرأ قوله جل وعلا (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (البقرة 286 ) (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ) ( الأحزاب 5) وبالمناسبة فقلما يستشهد مالك بآية قرآنية ، ومثله الشافعى والبخارى..
الأم للشافعى
ويأتى الشافعى فيخالف مالك ، ويسند الرأى الى حديث رواه أبوهريرة ([قَالَ الشَّافِعِيُّ]: وَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا: فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ بَلَغَنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ رَفَعَهُ مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ لَيْسَ بِحَافِظٍ. ) ولا يستشهد الشافعى بالقرآن الكريم بل يروى حديثا يرفعه لأبى هريرة دون إسناد ،يقول (وَكَذَلِكَ بَلَغَنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) مع أن الشافعى قد ولد بعد موت أبى هريرة بحوالى قرن من الزمان..!
وزاد الشافعى فى ثرثرته عما قاله مالك . ولا داعى لأن ننقل تلك الثرثرة رفقا بالقارىء.
الكحل والعطور والدهان والمعاجين و( الشامبو ) واللبان وفرشاة الأسنان عند الشافعى..!! وفى ثرثرة تالية أفتى الشافعى بأن الكحل لا يفطر ، وأعلن أنه( يكره) للصائم استعمال (الدهن ) أى ما يعرف الآن بالعطور والصابون والمساحيق والدهانات ومعاجين البشرة ، وأنه أيضا (يكره) للصائم استعمال ( العلك ) أى (اللبان ) حتى لو مضغه طالما لا يبلعه عامدا ، وتفضل فأفتى بأنه (لا يكره ) السواك للصائم فى الصباح ، ولكنه ( يكره ) للصائم أن ينظف أسنانه بالعشى ، ويقول إنه لو فعل لم يفطر. وينسى الشافعى أن العشى هو الوقت بين المغرب و العشاء ،أى وقت إفطار وليس وقت صوم ، وقال ان الدواء الذى يصل الى الجوف يكون مفطرا إذا استعمله الصائم عمدا .. مع أن الأغلب فيمن يستعمل الدواء أن يتعمد ذلك.
وننقل ما قاله الشافعى فى ثرثرته تلك لمن أراد التسلية بقراءتها :( [قَالَ الشَّافِعِيُّ]: وَلاَ يُفْسِدُ الْكُحْلُ، وَإِنْ تَنَخُّمَهُ فَالنُّخَامَةُ تَجِيءُ مِنْ الرَّأْسِ بِاسْتِنْزَالٍ وَالْعَيْنُ مُتَّصِلَةٌ بِالرَّأْسِ وَلاَ يَصِلُ إلَى الرَّأْسِ وَالْجَوْفِ عِلْمِي وَلاَ أَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَ الْكُحْلَ عَلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ.
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: وَلاَ أَكْرَهُ الدُّهْنَ، وَإِنْ اسْتَنْقَعَ فِيهِ أَوْ فِي مَاءٍ فَلاَ بَأْسَ وَأَكْرَهُ الْعَلْكَ أَنَّهُ يَجْلِبُ الرِّيقَ، وَإِنْ مَضَغَهُ فَلاَ يُفْطِرُهُ وَبِذَلِكَ إنْ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَلاَ يَسْتَبْلِغُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ: لِئَلَّا يَذْهَبَ فِي رَأْسِهِ، وَإِنْ ذَهَبَ فِي رَأْسِهِ لَمْ يُفْطِرْهُ، فَإِنْ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إلَى الرَّأْسِ أَوْ الْجَوْفِ مِنْ الْمَضْمَضَةِ وَهُوَ عَامِدٌ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ فَطَّرَهُ [قَالَ الرَّبِيعُ]: وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ مَرَّةً لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ [قَالَ الرَّبِيعُ]: وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ وَذَلِكَ أَنَّهُ مَغْلُوبٌ.
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: وَلاَ أَكْرَهُ السِّوَاكَ بِالْعُودِ الرُّطَبِ وَالْيَابِسِ وَغَيْرِهِ: بُكْرَةً وَأَكْرَهُهُ بِالْعَشِيِّ لِمَا أُحِبُّ مِنْ خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ، وَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُفَطِّرْهُ وَمَا دَاوَى بِهِ قُرْحَةً مِنْ رَطْبٍ أَوْ يَابِسٍ فَخَلَصَ إلَى جَوْفِهِ فَطَّرَهُ إذَا دَاوَى وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ عَامِدٌ لِإِدْخَالِهِ فِي جَوْفِهِ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ يُفَطِّرُهُ الرَّطْبُ وَلاَ يُفَطِّرُهُ الْيَابِسُ.
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: فَإِنْ كَانَ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ إذَا وَصَلَ إلَى الْجَوْفِ: بِمَنْزِلَةِ الْمَأْكُولِ أَوْ الْمَشْرُوبِ فَالرَّطْبُ وَالْيَابِسُ مِنْ الْمَأْكُولِ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَنْزِلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سَبِيلِ الْأَكْلِ وَلاَ الشُّرْبِ بِمَنْزِلَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لاَ يُفَطِّرَانِ، فَأَمَّا أَنْ يَقُولَ يُفَطِّرُ أَحَدُهُمَا وَلاَ يُفَطِّرُ الْآخَرُ فَهَذَا خَطَأٌ.)
تعليقونلاحظ أن الشافعى يتصرف كأنه اله يشرّع لعبيده ، فيقول أكره كذا وأحب كذا .. وهو فى معظم تشريعاته لا يستشهد بالقرآن الكريم ولا يلجأ اليه . هو فقط يقوم بالتشريع معتمدا على أحاديث الموطأ ، ثم أحاديث أخرى اخترعها.
وبعد الشافعى سار اللاحقون على طريقته ، بل جعلوها من درجات التشريع فى الفقه السّنى ، فما قال عنه الشافعى إنه يكرهه أصبح له حكم ( المكروه ) أى مباح ولكن جعلوه أقرب للحرام أى مكروها، وما قال الشافعى أنه يحبه أصبح له حكم ( المستحب ) أى مباح ولكنهم جعلوه أقرب للواجب ،أى مستحبا. وعلى (عباد ) الشافعى أن يلتزموا بما يحبه الشافعى وأن يبتعدوا عما يكرهه الشافعى..!
ولكن المهم هنا أن منهجية التشريع السنى اختلفت عن منهجية التشريع الاسلامى القرآنى. فدرجات التشريع فى القرآن تتحدد ( فى الأساس ) فى ثلاث : الحرام المنهى عنه ، والفرض الواجب عمله ، وبينهما مباح لا إثم ولا ثواب فى فعله أو تركه . أضاف لها الدين السنى درجتين :المكروه و المستحب ، وقد إقتطعهما من المباح الحلال. فما يكرهه الشافعى من المباحات أصبح مكروها ، وما يستحسنه الشافعى ويحبه أصبح مستحبا.
وهذا خلاف أساس ومنهجى بين الاسلام والدين السنى .فالمكروه فى مصطلح القرآن ليس المباح الذى ينبغى الابتعاد عنه ولكنه هو أشد أنواع المحرمات التى يكرهها الله تعالى ويكرهها المؤمنون ، يقول تعالى (وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)(الحجرات 7 ) وقال تعالى عن الشرك والكفر وأكبر الكبائر : (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ) (الاسراء 38 ). وفى المقابل فان الله جل وعلا (يحب ) المتقين والمحسنين والصابرين ، و( لا يحب ) المعتدين والظالمين و الكافرين ..الخ.
ب 2 ف2 ج 2 : تشريعات الدين السنى فى الصيام ( ثلاث مقالات )
كتاب ( رمضان والصيام بين الاسلام والدين السنى ) دراسة أصولية تاريخية
الباب الثانى : تشريعات رمضان والصيام فى الدين السنى :
الفصل الثانى : تشريعات الدين السنى فى الصيام ( ثلاث مقالات )
المقال الثالث
إختراعات فى التغليظ والتحريم والتحليل
أئمة الدين السنى تلاعبوا بالمباح فجعلوا منه المكروه و المستحب،وملأوا بهذا ثرثرتهم ، ولم يكتفوا بذلك بل تلاعبوا أيضا بالحلال فجعلوه حراما ، وبالغوا فى التحريم وجعلوه جريمة مغلظة . ونأتى للتفصيل.
مالك
لم تأت فى القرآن كفّارة أو فدية لمن يفطر فى نهار رمضان عمدا ، سواء أفطر بالأكل والشرب أم أفطر بممارسة الجنس مع زوجته . وجاء مالك فارتكب الثرثرة فى الممنوع ،أى بتشريع لم ياذن به الله جل وعلا ، فكذب على الرسول محمد عليه السلام زاعما وجود كفارة لمن يفطر عمدا فى رمضان.
تحت عنوان ( باب كَفَّارَةِ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ )
يقول الراوى عن مالك:
662حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلاً، أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا . فَقَالَ لاَ أَجِدُ . فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِعَرَقِ تَمْرٍ . فَقَالَ " خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ " . فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَحَدٌ أَحْوَجَ مِنِّي . فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ " كُلْهُ " .
فى هذا (الفيلم )رواية عن رجل أفطر فى رمضان فأمره النبى بعتق رقبة أو إطعام ستين مسكينا أو صوم شهرين متتابعين فلم يستجب . فأهدى بعضهم للنبى حمولة من تمر فاعطاها للرجل ليقدمها كفارة له ، فطمع الرجل فى التمر وأخذه ، وضحك النبى بزعمهم وكافأه ..أى أن يفطر و يأخذ حمولة التمر..
الكفارة هنا حسب زعمهم عتق رقبة أو إطعام ستين مسكينا أو صوم شهرين متتابعين ،أى مثل كفارة الظهار التى جاءت فى قوله جل وعلا :(وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (المجادلة 3 : 4 ).
والمقصود هنا أن الله تعالى أوجب تلك الكفارة على من يظاهر زوجته ،أى يحرمها على نفسه ، فلو كانت هناك كفارة على من يفطر عمدا فى رمضان لكان أولى ذكر ذلك فى القرآن ضمن تفصيلات الصيام التى بيّنها رب العزة وقال فى نهايتها (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)(البقرة 187 )
ويأتى مالك بتشريع مختلف ، يقول الراوى عنه:
663 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّهُ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَضْرِبُ نَحْرَهُ وَيَنْتِفُ شَعْرَهُ وَيَقُولُ هَلَكَ الأَبْعَدُ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " وَمَا ذَاكَ " . فَقَالَ أَصَبْتُ أَهْلِي وَأَنَا صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً " . فَقَالَ لاَ . فَقَالَ " هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُهْدِيَ بَدَنَةً " . قَالَ لاَ . قَالَ " فَاجْلِسْ " . فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِعَرَقِ تَمْرٍ فَقَالَ " خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ " . فَقَالَ مَا أَحَدٌ أَحْوَجَ مِنِّي . فَقَالَ " كُلْهُ وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَ مَا أَصَبْتَ " .
هنا يختلف ( السيناريو ) عن الفيلم السابق .!! فالبطل هنا إعرابى مجهول مارس الجنس مع زوجته فى نهار رمضان ، وبعد أن نزل عنها سافر الى المدينة وهو يلطم ويشكو للنبى فيعرض عليه النبى بزعمهم ان يعتق رقبة فرفض ، فعرض عليه أن يذبح ناقة فرفض ( كيف يكون إعرابيا وليست له ناقة ؟أم هو إعرابى من عصرنا يركب المرسيدس ؟! وإذا كان يشكو ويصرخ متألما مما فعله فلماذا لا يتبرع بناقته طالما هو بهذا الايمان ؟ ). الجديد فى هذا الفيلم أن النبى لم يعرض علي الاعرابى أن يصوم ستين يوما كما حدث مع الرواية السابقة أو الفيلم السابق . بل يأمر الاعرابى بالجلوس ،الى أن تنتهى الرواية بالنهاية السعيدة ـ على طريقة الأفلام المصرية ـ حيث يهدى بعضهم للنبى (شوال أو زكيبة أو خرج تمر ) فيعطيه للاعرابى ليتصدق به كفارة له ، فيطمع الاعرابى فى التمر فيأخذه ويتنازل له النبى عن الكفارة ، ويأمره بصوم يوم مكان اليوم. وتوتة توتة .. خلصت الحدوتة..
وطالما أن القصة انتهت بهذه النهاية السعيدة والرجل أفطر فى رمضان وكوفىء على إفطاره بشوال تمر إذن فما الداعى التشريعى لتلك المسرحية الهابطة يا عم مالك ؟
الأم للشافعى .. والتغليظ مع الثرثرة
تحت عنوان ( باب الجماع في رمضان والخلاف فيه) ينقل الشافعى الروايتين السابقتين عن مالك ثم يقول [قَالَ الشَّافِعِيُّ]: فَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ يُعْتِقُ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا. ثم يدخل فى ثرثرة مملة الى ان يقول ( وَأُحِبُّ أَنْ يُكَفِّرَ مَتَى قَدَرَ وَأَنْ يَصُومَ مَعَ الْكَفَّارَةِ. ) ثم تستهويه الثرثرة ، ويطنب فى التخيلات و التصورات ، كأن يقول مثلا:
( [قَالَ الشَّافِعِيُّ]: وَإِنْ جَامَعَ يَوْمًا فَكَفَّرَ ثُمَّ جَامَعَ يَوْمًا فَكَفَّرَ وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يُكَفِّرْ فَلِكُلِّ يَوْمٍ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّ فَرْضَ كُلِّ يَوْمٍ غَيْرُ فَرْضِ الْمَاضِي.
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنْ كَفَّرَ ثُمَّ عَادَ بَعْدَ الْكَفَّارَةِ كَفَّرَ، وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى يَعُودَ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَرَمَضَانُ كُلُّهُ وَاحِدٌ.
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: فَقِيلَ لِقَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ: لَيْسَ فِي هَذَا خَبَرٌ بِمَا قُلْت وَالْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلاً مَرَّةً بِكَفَّارَةٍ، وَفِي ذَلِكَ مَا دَلَّ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَامَعَ يَوْمًا آخَرَ أُمِرَ بِكَفَّارَةٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ مَفْرُوضٌ عَلَيْهِ فَإِلَى أَيِّ شَيْءٍ ذَهَبْت؟ قَالَ: أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ جَامَعَ فِي الْحَجِّ مِرَارًا كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؟ قُلْنَا: وَأَيُّ شَيْءٍ الْحَجُّ مِنْ الصَّوْمِ؟ الْحَجُّ شَرِيعَةُ، وَالصَّوْمُ أُخْرَى، قَدْ يُبَاحُ فِي الْحَجِّ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَيَحْرُمُ فِي الصَّوْمِ وَيُبَاحُ فِي الصَّوْمِ اللُّبْسُ وَالصَّيْدُ وَالطِّيبُ وَيَحْرُمُ فِي الْحَجِّ.).
ثم تصل به الثرثرة الى درجة الفحش فى القول ، والتخيلات الجنسية الشاذة المقيتة كقوله ( وَإِنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا فَغَيَّبَهُ أَوْ بَهِيمَةً أَوْ تَلَوَّطَ أَفْسَدَ وَكَفَّرَ مَعَ الْإِثْمِ بِاَللَّهِ فِي الْمُحَرَّمِ الَّذِي أَتَى مَعَ إفْسَادِ الصَّوْمِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا كُلِّهِ لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلاَ يُعِيدُ صَوْمًا إلَّا أَنْ يُنْزِلَ فَيَقْضِيَ وَلاَ يُكَفِّرُ.
[قَالَ الشَّافِعِيُّ]: فَخَالَفَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فِي اللُّوطِيِّ وَمَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبْرِهَا فَقَالَ يَفْسُدُ وَقَالَ هَذَا جِمَاعٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَجْهِ الْجِمَاعِ الْمُبَاحِ وَوَافَقَهُ فِي الْآتِي لِلْبَهِيمَةِ قَالَ وَكُلُّ جِمَاعٍ، غَيْرُ أَنَّ فِي هَذَا مَعْصِيَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ وَجْهَيْنِ فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا يُزَادُ عَلَيْهِ زِيدَ عَلَى الْآتِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ مِنْ وَجْهَيْنِ.)
البخارى
تحت عنوان ( باب إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ ) يفترى البخارى حديثا يجعل من يفطر فى رمضان بلا عذر فلن يكفيه صيام الدهر ، وإن صامه ، ثم يسارع البخارى بالاتيان بآراء أخرى تخالف هذا الحديث وتقول إن عليه أن يقضى يوما مكانه : ( وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ " مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلاَ مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ، وَإِنْ صَامَهُ ". وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ وَحَمَّادٌ يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ ). وهذا القول الأخير يتناقض مع الفيلم الذى يوجب الكفّارة على من أفطر عمدا . وقد كرر البخارى تلك الافلام..
فالبخارى يكرر أحاديث مالك ومنها : 1969( ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ـ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ ـ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ، أَخْبَرَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، سَمِعَ عَائِشَةَ ـ رضى الله عنها ـ تَقُولُ إِنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ إِنَّهُ احْتَرَقَ. قَالَ " مَالَكَ ". قَالَ أَصَبْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ. فَأُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِمِكْتَلٍ، يُدْعَى الْعَرَقَ فَقَالَ " أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ ". قَالَ أَنَا. قَالَ " تَصَدَّقْ بِهَذَا ". ) والجديد انه كان يضع لكل رواية عنوانا ..أى عنوانا لكل فيلم..
التلاعب بالتحريم والتحليل
تحريم الواجب وتحريم الحلال وتحليل الحرام:
1 ـ تحريم صوم الحائض
تاثرا بالاسرائيليات الى تستقذر المرأة فى الحيض قام الدين السنى بتحريم صلاة وصيام وطواف المرأة الحائض . وطبقا لتشريع الاسلام فى القرآن فان الحيض يمنع اللقاء الجنسى فقط ( البقرة 222 ـ ) ولا يمنع أى نوع من أنواع العبادة.
وبالنسبة للصوم بالذات فهناك دليل آخر . فلو قامت إمرأة بقتل مؤمن خطأ فعليها كفارة ، من ضمن بنودها صيام شهرين متتابعين ( النساء 92 ). والحكم بأن تصوم المرأة القاتلة شهرين متتابعين يعنى ان الحيض لا يقطع الصوم فى رمضان أو غيره.
ولكن الدين السّنى حرّم صيام المرأة مطلقا.
الموطأ
يقول الراوى عن مالك:
(... . وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الْمَرْأَةِ تُصْبِحُ صَائِمَةً فِي رَمَضَانَ فَتَدْفَعُ دَفْعَةً مِنْ دَمٍ عَبِيطٍ فِي غَيْرِ أَوَانِ حَيْضِهَا ثُمَّ تَنْتَظِرُ حَتَّى تُمْسِيَ أَنْ تَرَى مِثْلَ ذَلِكَ فَلاَ تَرَى شَيْئًا ثُمَّ تُصْبِحُ يَوْمًا آخَرَ فَتَدْفَعُ دَفْعَةً أُخْرَى وَهِيَ دُونَ الأُولَى ثُمَّ يَنْقَطِعُ ذَلِكَ عَنْهَا قَبْلَ حَيْضَتِهَا بِأَيَّامٍ فَسُئِلَ مَالِكٌ كَيْفَ تَصْنَعُ فِي صِيَامِهَا وَصَلاَتِهَا قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ فَإِذَا رَأَتْهُ فَلْتُفْطِرْ وَلْتَقْضِ مَا أَفْطَرَتْ فَإِذَا ذَهَبَ عَنْهَا الدَّمُ فَلْتَغْتَسِلْ وَتَصُومُ . . ) ويستفاد مما قاله مالك تحريم صوم المرأة الحائض : (ذَلِكَ الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ فَإِذَا رَأَتْهُ فَلْتُفْطِرْ وَلْتَقْضِ مَا أَفْطَرَتْ فَإِذَا ذَهَبَ عَنْهَا الدَّمُ فَلْتَغْتَسِلْ وَتَصُومُ ).
الأم للشافعى
قلنا إن التقوى هى الأساس فى تقدير المؤمن متى يصوم ومتى يفطر سواء كان مريضا أو على سفر أو يطيق الصوم ويقدر عليه مع المشقة ، ويلحق بهذا صوم أو فطر الحامل والمرضع. وفى أحوال المرض والصحة يستشير الطبيب وليس الفقيه . الشافعى وجد فرصة الثرثرة فى هذه الحالات ، وبعد تفصيلات مملة عن صوم او إفطار الحامل والمرضع وغيرها أشار الى تحريم صوم الحائض فقال ( وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً نَذَرَتْ أَنْ تَصُومَ أَيَّامَ حَيْضِهَا لَمْ تَصُمْهُ وَلَمْ تَقْضِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَصُومَهَا. ) وطالما حكم بتحريم صوم الحائض فى النذر فمن باب أولى فقد حرّمه فى صيام رمضان.
البخارى
توسع البخارى فى تحريم صوم الحائض ، وتحت عنوان : ( ـ باب الْحَائِضِ تَتْرُكُ الصَّوْمَ وَالصَّلاَةَ ) كتب يقول: ( وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ إِنَّ السُّنَنَ وَوُجُوهَ الْحَقِّ لَتَأْتِي كَثِيرًا عَلَى خِلاَفِ الرَّأْىِ، فَمَا يَجِدُ الْمُسْلِمُونَ بُدًّا مِنِ اتِّبَاعِهَا، مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَائِضَ تَقْضِي الصِّيَامَ وَلاَ تَقْضِي الصَّلاَةَ. )
ويلاحظ فيما سبق أن تحريم صوم الحائض كان بآراء فقهية دون اختراع أحاديث . ولكن البخارى زاد باختراع حديث ، يقول فيه ( ـ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ حَدَّثَنِي زَيْدٌ، عَنْ عِيَاضٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ـ رضى الله عنه ـ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم " أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ، وَلَمْ تَصُمْ فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا ". ) والبخارى هنا يعلل جريمته الهائلة التى زعم فيها ان النساء ناقصات عقل ودين . جعل تلك الجريمة حديثا نبويا ثم عللها بحديث آخر هو ان من نقصان المرأة أنها لا تصوم ولا تصلى فى الحيض . أى يستدل بالكذب على الكذب.
2 ـ تحريم الصوم المباح فى عيدى الفطر و الأضحى
ليس فى الاسلام تحريم لصيام أى يوم ، ولكن الدين السّنى شرع تحريم الصوم فى العيدين الفطر والأضحى.
مالك
تحت عنوان (باب صِيَامِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى وَالدَّهْرِ )قال الموطأ ( حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، . أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الأَضْحَى . )
البخارى
صنع أحاديث إضافية مثل ( 2029 ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ قَالَ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ـ رضى الله عنه ـ فَقَالَ هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صِيَامِهِمَا يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالْيَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ. ) ( ـ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ـ رضى الله عنه ـ قَالَ نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ، وَعَنِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ. ) وتوسع البخارى باحاديث أخرى يحرم فيها الصلاة بعد العصر ويحرم سفر المرأة بدون محرم أو زوج ..الخ .
3 ـ تحليل الممنوع وهو الصيام عن الغير من القواعد الأساس فى عقيدة الاسلام أنه لا تجزى نفس عن نفس شيئا ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ، أى تحديد المسئولية الشخصية بكل حزم ، فلا يتحمل أحد وزر أحد ، ولا ينفع أحد أحدا ، وباختصار فان لكل انسان ما سعى.
الدين السنى وضع قاعدة مخالفة مؤسسة على الشفاعة ، والزعم بأن هذا يتوسط لذاك ، وأن عمل هذا ينفع لذاك. وتلك طبيعة كل دين أرضى على أية حال.
انعكست تلك العقائد المخلة المخالفة للاسلام على تشريع الدين السنى ، فراج عندهم حديث كاذب يقول (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، وعلم ينتفع به ،أو ولد صالح يدعو له )
هذا يتناقض مع قوله تعالى (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ) ( النجم: ـ 39 ـ ) فقوله تعالى (أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ) قد جاء هذا فى صحف ابراهيم وموسى قبل القرآن الكريم . وسعى الانسان هو ما يفعله بنفسه وهو حى يسعى فى الأرض بالخير أو الشر ، فان كان بالخير استحق قوله تعالى (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ) ( الاسراء 19) وإن كان سعيه بالشر انطبق عليه قوله تعالى (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ) ( الكهف 104 ).
وبعض السعى يبقى بعد موت صاحبه كمن أقام مشروعا للخير أو كازينو للقمار والفحش . هنا هو لاشأن له بعد الموت بما يستمر بعد موته ، فقد أخذ أجره فى الدنيا بما أقامه من خير أو شر ، وبالموت انغلق كتاب أعماله ، وانقطعت صلته بما ترك من مسجد للخير أو مرقص لّلهو . ما يحدث بعد موته فى ذلك المسجد من صالحات او سيئات مسئول عنها من فعلها وليس من أقام المسجد للخير ثم مات.
هذا كلام عام فى العقائد ، ولكن للعبادات فيه وضع خاص ، فالعبادات وسيلة للتقوى ،أى تزكية النفس وتطهيرها ، أى فلايمكن أن تصلى عن غيرك ،لأنه لا بد أن يصلى هو بنفسه لتتطهر نفسه ، ولا بد أن يصوم هو بنفسه لتتزكى وتتقى نفسه ، ولا بد أن يحج بنفسه لتتزود نفسه بالتقوى ،يقول تعالى فى سياق تشريع الحج (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) (البقرة 197 ) . التقوى هى الزاد الذى يدخره المؤمن ليلقى ربه متقيا بقلب سليم طاهر نقى (يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) ( الشعراء 88 ـ ) والقلب فى مصطلح القرآن هو الذات و النفس.
وعليه فان من الملامح التى يخالف الصوم السنى تشريع الصوم فى القرآن هو ذلك الافتراء السنى الذى يبيح للشخص أن يصوم عن غيره . ونعطى أمثلة:
مالك
676 – فى عهد مالك ( ت 179 ) لم تكن قد تبلورت العقائد الشركية ( نسبة للشرك والكفر ) لذا جاء هذا الحديث فى الموطأ : ( وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يُسْأَلُ هَلْ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، أَوْ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، فَيَقُولُ لاَ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلاَ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ. ) فهنا إجابة لابن عمر يؤكد فيها أن لا يصلى أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد .تجاهل الشافعى ( ت 204 ) الخوض فى هذه المسألة ، ولكن فى عهد البخارى ( ت 256 ) كان قد تم تأصيلها بما يتناقض مع الاسلام.
البخارى
تحت عنوان ( ـ باب مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ ) روى البخارى قولا نسبه للحسن البصرى ( قَالَ الْحَسَنُ إِنْ صَامَ عَنْهُ ثَلاَثُونَ رَجُلاً يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ. ) وروى أحاديث أخرى : ( ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ، حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ـ رضى الله عنها ـ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ " مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ ". تَابَعَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرٍو. وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ.) ( ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضى الله عنهما ـ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا قَالَ " نَعَمْ ـ قَالَ ـ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى ". .) ..الخ...
أخيرا: تخيلوا لو لم يوجد مع المسلمين سوى القرآن وكفى وفقط ...تخيلوا لو أصبح الدين علاقة بين الانسان وربه دون تدخل الأديان الأرضية وكهنوتها و ثرثرتها ...تخيلوا لو أن المسلمين قد ركزوا جهدهم فيما أمر الله تعالى به فى القرآن الكريم من السير فى الأرض والبحث التجريبى فى آلاء الله تعالى وما سخره لنا فى هذا الكون ..تخيلوا لو ركزوا جهدهم فى استخلاص دستور الدولة المدنية العلمانية الديمقراطية من القرآن الكريم ، وطبقوها فعاشت دولة النبى محمد عليه السلام واستمرت حتى اليوم ...تخيلوا لو لم ينشغل المسلمون بهذا القىء الفقهى ولم يحملوا على ظهورهم أسفاره غير المقدسة التى يدافعون عنها ولا يقرأونها (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(الجمعة 5 ).
أخر نكتة :
جاء فى موقع سلفى فى صيام يوم الشك : ( أقرب الأقوال فيه أنه حرام، لقول عمار بن ياسر رضي الله عنه: "من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم"، ولأن الصائم في يوم الشك متعدٍ لحدود الله عز وجل، لأن حدود الله أن لا يصام رمضان إلا برؤية هلاله، أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه» ثم إن الإنسان الذي تحت ولاية مسلمة يتبع ولايته، إذا ثبت عند ولي الأمر دخول الشهر فليصمه تبعاً للمسلمين، وإذا لم يثبت فلا يصمه.)
يوم الشك مترتب على الاختلاف فى رؤية الهلال ، وفى الدين السنى لا يقيمون وزنا للحساب الفلكى ، وهو أساس معرفة الشهور القمرية. لكن المضحك المؤسف هنا أن الصيام تحت سلطة ( ولى الأمر ) أى الحاكم المستبد ، أى يجعله إلاها ، كما يجعل عمار بن ياسر مُشرّعا يحرّم صوم يوم الشّك .
ب 3 ف 1
ب 3 / ف 1 / ج 1 : رمضان بين سطور التاريخ : الجزء الأول (أربع مقالات )
كتاب ( رمضان والصيام بين الاسلام والدين السنى ) دراسة أصولية تاريخية
الباب الثالث : لمحة عن رمضان فى التاريخ
الفصل الأول : رمضان بين سطور التاريخ : الجزء الأول ( أربع مقالات )
المقال الأول :
غرائب وقعت في رمضان
1 ـ في رمضان 787هـ حدث في القاهرة أمر غريب، ولدت إمرأة طفلة لها رأسان كاملان على صدر واحد ويدين ومن تحت السرة تنقسم إلى شكل نصفين في كل نصف ساقان كاملتان، وماتت ولم تعش .. ولو عاشت لشهد العصر المملوكي نموذجاً للتوأم السيامي قبل أن يعرف العالم أين تقع سيام .
2 ـ والحوليات التاريخية كانت تسجل الغريب من أحداث الشارع الشعبي ،كأنما كان المؤرخون يشترطون على الفرد العادي أن يأتي بالشيء المستغرب حتى يستحق شرف التسجيل مع كبار رجالات العصر. وإن لم يكن بمقدور الشخص العادي أن يفرض نفسه على صفحات التاريخ فإن غرائب الطبيعة أرغمت المؤرخين على أن يحولوا بصرهم عن السلطان وحاشيته ويلتفتوا حولهم يسجلون أخبار ثورات الطبيعة من سيول وأمطار وعواصف وأوبئة وظواهر بلا تفسير .
ونلتقط بعضها مما حدث في رمضان :
في 24رمضان 707هـ ذكر المؤرخ ابن كثير أن مطراً قوياً شديداً وقع بالشام في أيامه وذكر أن الناس كانوا مشتاقين للمطر منذ مدة ، فاستبشروا بذلك خيراً ورخصت الأسعار،ولم يتمكن الناس من الخروج للصلاة من كثرة المطر.
ونفس الحال تقريباً حدث في القاهرة في أيام المقريزي وسجله في أحداث رمضان 838هـ في سلطنة الأشرف برسباي حيث وقع مطر غزير ودلفت المياة إلى سقف البيوت وسالت المياة من جبل المقطم سيلاً عظيماً وظل الماء في الصحراء عدة أيام ،" ويقول المقريزي "وهذا مما يندر وقوعه بأرض مصر" وصدق في هذا.
ومن المطر إلى العاصفة الشديدة التي هبت على القاهرة ليلة الجمعة 5رمضان 770هـ تلك العاصفة التي أسقطت الزروع والنخيل وأعالي البيوت في القاهرة وأغرقت عدداً من السفن ، وتسبب عنها موت جماعة من الناس تحت البيوت التي تهدمت.. يقول المقريزي "وكان أمراً مهولاً عامة تلك الليلة ". "
وكل ذلك مفهوم ويحدث ولكن غير المفهوم هو تلك الواقعة الغريبة التي يذكرها المقريزي في حوادث رمضان807هـ يقول "وفي هذا الشهر ظهر في بر الجيزةعلى شاطئ النيل وفي النيل وفي مزارع القليوبية شبه نيران كأنها مشاعل وفتايل سرج تقد ، ونار تشتعل فكان يرى من ذلك عدد كبير جداً مدة ليالٍ متوالية ، ثم اختفى.". أي كانت هناك نار تظهر غامضة على شكل مشاعل ومصابيح موقدة ولهيب مشتعل وفي أعداد كبيرة لمدة ليالٍ متتابعة ثم اختفى كل ذلك . ولو حدث ذلك في عصرنا لكتبت عنه وكالات الأنباء ، ولتحدث عن ذلك المغرمون باخبار الأطباق الطائرة وأهل الكواكب الأخرى . ويظل هذا الخبر الذي حدث في رمضان 807هـ أحد الأخبار الغامضة التي رآها وسجلتها الحوليات التاريخية مثل الأجرام السماوية التي كانت تمر على مرأى العين وربما كان منها مذنب هالي ، وكانوا يطلقون عليها لفظ النجوم أو الكواكب ، ولعل المغرمين بأخبار الأطباق الطائرة يعتقدون أنها لا تختلف عن الأطباق الأخرى التي رصدتها كتب السابقين .. علم ذلك عند الله وحده.
وفي يوم الإثنين 27 رمضان 738هـ وفي سلطنة الناصر محمد بن قلاوون حدثت سلسلة من الغرائب كان اجتماعها معاً سلسلة من الغرابة في حد ذاتها : ..
يقول المقريزي " أنه في ذلك اليوم هبت ريح سوداء معتمة بناحية الغربية ــ وسط الدلتا ــ وأظلم الجو وسقطت دور كثيرة ثم سقط من السماء قطع سوداء طعمها مُرّ جاءت به الريح من نحو البحر حتى ملأت تلك القطع الطرقات ، وكان بعضها يزن قدر بيضة النعامة وبعضها أقل من ذلك ، وكان الزرع قد قارب الحصاد فلما وقعت تلك القطع الغامضة على الزرع أهلكته وأهلكت معه أغناماً كثيرة ، بل وأسقطت شجرة جميز ضخمة سقطت في نصفها احدى تلك القطع فشطرتها نصفين ، كما لو كانت منشاراً ، وسقطت إحدى تلك القطع على ظهر بقرة فشقتها نصفين ، واتلفت تلك "القنابل المجهولة" زروع ثمانية وعشرين بلداً فجمع الفلاحون زرعها وجاءوا به للسلطان الناصر محمد فأمر والي الغربية أن يكشف تلك النواحي وما حدث فيها ويسقط عنها الخراج .
وجاء الخبر من قوص بأن السماء إحمرت في شهر رمضان هذا حتى ظهرت النجوم متلونة فكانت تحمر ساعة وتسود ساعة وتبيض ساعة إلى ان طلع الفجر فجاء مطر لم يعهد مثله في تلك البلاد . وجاء الخبر أيضاً بأن أسوان شهدت ريحاً هائلة هدمت عامة البيوت وكثيراً من النخل وهبت ريح أخرى في نواحي ( قنا ) فأسقطت ألفين وخمسمائة نخلة مثمرة، وقدم بذلك محضر بيد القاضي فيها .
وجاء الخبر من منفلوط بأن الفئران تكاثرت فيها فحصدت الزرع حصداً وأتلفت جرون الغلال بحيث كان يذهب ربع الجرن في ليلة واحدة ، فصار الناس يبيتون بالمشاعل طول الليل . وهم يقتلون الفئران ثم يتولى أمر النهار طائفة أخرون لا يفترون عن قتلهم ، ثم يحمل ما قتل منه في الشباك كل يوم نحو مائة حمل . وشوهد منه عجب وهو أن جمعاً عظيما من فئران بيض خرجوا حتى ملأوا الأرض فخرج مقابلهم فئران سود واصطفوا صفين في أرض مساحتها فدانان ثم تصايحوا وحمل بعضهم على بعض واقتتلوا ساعة وانكسرت الفئران السود وتبعتهم البيض يقتلونهم حتى مزقوهم في تلك الأراضي ، وكان ذلك بمحضر عالم كبير من الناس ، فكتب بذلك إلى السلطان والأمراء فنقص خراج السلطان بناحية منفلوط ستين ألف أردب فول بسبب الفئران . هذا ما يذكره المقريزي. وهو إن كان يبالغ فيما يقول فهي غريبة ، وإن كان صادقاً فذلك أغرب .
المقال الثانى
بعض أعمال للخير فى رمضان .. زمان
أولا :
موائد الرحمن يقيمها وزير الخليفة المقتدر بالله العباسى
سنة 306 هـ أصدر الخليفة المقتدر بالله مرسوماً بتعيين حامد بن العباس وزيراً ، وكان حامد مشهوراً بالثراء وبالكرم ، وكان يتفنن في الإنفاق في رمضان، حتى أنه كان يقيم ولائم للناس في داره ويجعلها عامة لكل من أراد الدخول، وكان عدد الموائد يبلغ أحياناً أربعين مائدة ، وقد غضب على القائمين على الموائد حين رأى قشراً في مخلفات الطعام فظن أن ضيوفه يأكلون البقول دون اللحوم، وهدأ غضبه حين تأكد أن الضيوف عنده يأكلون أطيب الطعام ويحملون الفائض إلى بيوتهم .
وحدث وهو يتفقد الآكلين في تلك الموائد الرمضانية أن وقفت له امرأة وشكت له الفقر، فكتب لها ورقة بمائتي دينار ، فلما ذهبت للصراف لتصرفها استنكر الصراف كلمة دينار وذهب للوزير وعرض عليه الورقة، فضحك الوزير وقال : " والله ما كان في نفسي إلا أن أعطيها مائتي درهم ولكن شاء الله أن كتبت دينار مكان درهم، فأعطها المكتوب كما هو "!.
وفي اليوم التالي كان عند الإفطار يتفقد الضيوف على عادته فوقف له رجلاً وشكا له أنه زوج تلك المرأة وأنها أصبحت تتغطرس عليه وتطلب منه الطلاق بعد أن أعطاها الوزير مائتي دينار، وطلب الزوج من الوزير أن يجعلها تكف عنه، فضحك الوزير وأمر له بمائتي دينار وقال له : " قد صار لك الآن مثل مالها فلن تتغطرس عليك ولن تطالبك بالطلاق."
ثانيا : فى العصر المملوكى
كثيراً ما كان رمضان ينجح في إلانة القلوب المتحجرة للحكام الظلمة ، وما كان أقسى قلوب المماليك والعسكر عموما عندما يحكمون . ولكن رمضان كان ينجح أحيانا فى أن يدفع بعض المماليك إلى عمل الخير بالإفراج عن المساجين والبر بالمساكين ، ويأتي المؤرخون فيبتهجون بذلك العطف السامي والكرم النادر ويسارعون بتسجيله في الحوليات التاريخية ، مع بقية الأحداث الأخرى التي تعطينا فكرة عن الواقع الحقيقي الذي جعل ذلك الحاكم الظالم يفعل الخير .
الأمير الكبير برقوق قبيل أن يعلن نفسه سلطاناً ــ أمر بالإفراج عن المساجين بسجن الديلم وسجن الرحبة ــ وكان من بين المساجين من هو محبوس على ديون فسددها عنهم ،وكان ذلك في رمضان 874هـ ، وبعدها أعلن نفسه سلطاناً يوم الأربعاء 19رمضان 874هـ إذن كان السبب هو تهيئة الجو له ليتقبله الناس سلطاناً وينهي حكم أسرة قلاوون .
ولاقى السلطان برقوق عنتاً من إختلاف الأمراء عليه فعاد في رمضان التالي 785هـ يسدد ديون المسجونين في سجن القضاء ويوفّي عنهم ديونهم على يد الأمير جركس الخليل، وبذلك أفرج عنهم .
وحدثت محنة للأمير شيخ وهو أمير فى دمشق على الشام التابع وقتها للدولة المملوكية ــ وكان ذلك قبل أن يصير الأمير شيخ سلطاناً للدولة المملوكية. لذا بعد أن جاءه الفرج خرج من منزله بدار السعادة ماشياً إلى جامع بني أمية ، وهو حافٍ بلا حذاء متواضع لربه تعالى ، حتى دخل الجامع وتصدق باقراص محشوة بالسكر فأطعم الفقراء والقراء ــ أي الطلبة ــ وسدد ديون المحبوسين المعسرين عن السداد وذلك في ليلة 21رمضان 811هـ.
وتسلطن الأمير شيخ تحت لقب المؤيد شيخ ،وكانت لديه نزعة خير تظهر أحياناً خصوصاً في رمضان، وكانت خزانة شمايل من أسوأ السجون المملوكية ، وقد تم هدمها ، ولكن أقيم بعدها سجن ضيق قاسى فيه المساجين غماً وكرباً بسبب ضيق مساحته وكثرة عددهم ، فاختار لهم قصر الحجازية ليكون سجناً واستأجره من صاحبه بعشرة الآف درهم لمدة سنتين وأعده ليكون سجناً . ثم أهمل الموضوع ، وكان ذلك في رمضان سنة 820هـ .
أما السلطان الأشرف برسباي فقد أصابه المرض الذي مات فيه، وأثناء هذا المرض في رمضان 841هـ أصدر السلطان قراراً بالإفراج عن جميع المساجين وأمر بغلق السجون كلها وألا يسجن أحدُ ، فأغلقت السجون . ولكن ترتب على ذلك كما يقول المقريزي "انتشار اللصوص والمجرمين والمفسدين في البلاد ، وامتنع من عليه أموال أن يسددها لأصحابها لأن السلطان اطلق المحبوسين الذين كانت عليهم ديون، ومنع أن يحبس أحد بسبب ما عليه من دين ."
وفي يوم الخميس 22رمضان 875هـ أصدر الأمير الكبير يشبك ــ الرجل الثاني في عهد السلطان قايتباي ــ قراراً باطلاق سراح الفلاحين المحبوسين بسبب ما عليهم من ديون واطلاق سراح من صودرت أمواله ودخل السجن ، وبذلك القرار تم الإفراج عن مائة وسبعين مسجوناً ، ودفع الأمير يشبك ما عليهم من ديون للدولة , والسبب في ذلك الكرم المفاجئ الذي انتاب الأمير يشبك المشهور بقسوته وظلمه ،أنه كان على وشك السفر في حملة عسكرية لتأديب شاه سوار الثائر على الدولة المملوكية في العراق ،وقد قصد الأمير يشبك أن يتقرب إلى الله تعالى بهذا البر في رمضان حتى يمن الله عليه بالنصر ، وحدث أن لقي ذلك الأمير حتفه في تلك الحملة. ولا تزال القبّة التى بناها فى الميدان المسمى فى القاهرة ب " ميدان القبة ".
وأصاب الفقراء والمساكين خير كثير في رمضان من نوبات الكرم التي كانت تصيب المماليك ، فالأمير بيدرا مرض حتى أوشك على الموت وقيل أنه شرب السم ثم عوفي في رمضان سنة 691هـ فتصدق بصدقات جمة ورد أملاكاً كان قد اغتصبها من أصحابها، وأطلق كثيراً من المسجونين في سجونه وجمع الناس في 10رمضان بجامع بني أمية في دمشق وعملا حفلاً لختم القرآن وزع فيه الصدقات .
وفي الشام أيضاً كان الأمير هو (شيخ) الذي ارتبط بالشوام فترة طويلة وحدث أن جاء غلاء ضخم في رمضان 808هـ في سلطنة فرج بن برقوق حين كان شيخ نائباً للسلطان في دمشق ، فقام الأمير شيخ بجمع الفقراء وتفريقهم على الأغنياء ليقوموا باطعامهم ، واختص نفسه بعدد كبير منهم يقوم على اطعامهم بنفسه ، وحدثت مأساة في بعض الليالي إذ تكاثر الفقراء لأخذ الطعام فمات في الزحام أربعة عشرشخصاً..!! ولك أن تتخيل عدد الفقراء وقتها.
وتولى شيخ السلطنة في القاهرة ولم يشهد صلاة الجمعة في أول رمضان 819هـ بسبب مرضه ، وحتى يشفيه الله تعالى فأنه فرق مبلغاً من المال في الخانقاه التي أنشأها ــ وهي الخانقاه المؤيدية ــ وجهز عدة أبقار فذبحت في مواضع متعددة، وفرق لحمها، وكانت تلك عادة للظاهر برقوق من قبل .
وأثناء توليه السلطنة زار المؤيد شيخ الشام الذي عاش فيه أميراً سنين طويلة وتصادف أن كان ذلك يوم الجمعة 25 رمضان 820هـ فزار بيت المقدس وفرق في أهله مالاً جزيلاً وصلى الجمعة وجلس بالمسجد ، وقرأ الفقهاء صحيح البخاري ـ كتابهم المقدس ـ بين يديه ، وقام المداحون بعدهم ينشدون، فانتشى السلطان وأنعم عليهم بالأموال ، ثم ذهب الى مدينة الخليل حيث زار مشهد أو ضريح ابراهيم الخليل وتصدق هناك .. مع أن المعروف أن ذلك الضريح مزور ، أقيم للاسترزاق .
وبويع الأمير ططر سلطاناً للدولة المملوكية ، وكان وقتها في دمشق وذلك في يوم الإثنين 17رمضان 824هـ . واستبشاراً بتوليه السلطة وتقرباً للناس وقبل ان يرتحل الى القاهرة عاصمة الدولة المملوكية أصدر السلطان الجديد (الظاهر ططر ) قرارات للتخفيف عن أهل الشام ،منها أن المحتسب كان يجمع لوالي دمشق 1500 ديناراً يجمعها من الناس ظلماً فأمر ططر بإعطاء الوالي ضيعة في نظير أن يستغني عن ذلك المال الذي يجمعه له المحتسب ، وأذاع بياناً في دمشق يقول فيه : إن طلب منكم المحتسب يا أهل دمشق شيئاً فارجموه.. ونقش هذه الحادثة على حجر في المسجد الأموي .. وأثناء عودته لمصر وفي طريقه للقدس عرف أن والي القدس يأخذ ضريبة سنوية من الفلاحين قدرها أربعة آلاف دينار زيادة عما هو مقرر فأمر بتعويض الوالي عن هذه الضريبة وأبطلها ، ونقش ذلك على حجر بالمسجد الأقصى .. وفعل كل ذلك الخير في رمضان 824هـ.
وحدث ما أراده السلطان إذ استبشر الناس بولايته خيراً.
وأخيرا
ولا تزال نوبات الخير تؤثر أحيانا فى الحكام المستبدين خلال شهر رمضان .. حتى لو كان أولئك المستبدون من العسكر..وانظر الى ما يفعلونه أحيانا فى شهر رمضان بدءا من الفوازير إلى اطعام الناس لحوم الحمير .!!
المقال الثالث :
نطلب رأى الصائمين فى هذه الحكاية
هذه حادثة لا أستطيع تصديقها أو تكذيبها ، ولم تحدث فى رمضان ، ولكنها أقرب ما تكون الى رمضان بما فيها من شفافية وصوم . .
الحادثة رواها ابن الجوزى فى تاريخه ( المنتظم : ج 11 : 151 ـ ) فى احداث عام 230
وبطلتها زوجة كانت تعيش فى قرية فى منطقة خوارزم أواسط آسيا مما يطلق عليه اليوم افغانستان ، قتل الأتراك زوجها وعانت من الجوع فرأت نفسها فى منام حيث قابلت زوجها وأطعمها فى المنام ، واستيقظت ، وظلت بعدها تعيش دون جوع ، ودون أن تأكل ، ودون أن تضطر للاخراج من بول وغيره . واشتهر أمرها فى المنطقة وامتحنوا أمرها فتيقنوا من صدقها .. ننقل الرواية كما هى .. ونطلب رأى الصائمين .
يقول ابن الجوزى : ( ثم دخلت سنة ثلاثين ومائتين ... ... وظهر في هذه السنة في بعض قرى خوارزم عجب من امرأة رأت منامًا فكانت لا تأكل ولا تشرب ، وقد ذكر قصتها أبو عبد الله الحاكم في تاريخ نيسابور . أخبرنا زاهر بن طاهر قال: أخبرنا أبو بكر البيهقي أخبرنا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري قال: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول: سمعت أبا العباس عيسى بن محمد المروزي يقول:
وردت في سنة ثمان وثلاثين مدينة من مدائن خوارزم تدعى هزارسف ، فأخبرت أن بها امرأة من نساء الشهداء رأت رؤيا: كأنها أطعمت في منامها شيئًا فهي لا تأكل ولا تشرب منذ عهد عبد الله بن طاهر والي خراسان ـ وكان قد توفي قبل ذلك بثماني سنين ـ فمررت بها وحدثتني حديثها فلم أستعص عليها لحداثة سني ، ثم إني عدت إلى خوارزم في آخر سنة اثنين وخمسين ومائتين فرأيتها باقية ، ووجدت حديثها شائعًا مستفيضًا ، فطلبتها فوجدتها غائبة على عدة فراسخ ، فمضيت في أثرها ، فأدركتها بين قريتين تمشي مشية قوية ، وإذا هي امرأة نصف جيدة القامة حسنة البنية ظاهرة الدم متوردة الخدين ، فسايرتني وأنا راكب وعرضت عليها الركوب فلم تركب . وحضر مجلسي أقوام فسألتهم عنها فأحسنوا القول فيها ، وقالوا: أمرها عندنا ظاهر فليس فينا من يختلف فيها . وذكر لي بعضهم أنهم لم يعثروا منها على كذب ولا حيلة في التلبيس ، وأنه قد كان من يلي خوارزم من العمال يحضرونها ويوكلون بها من يراعيها فلا يرونها تأكل شيئًا ولا تشرب ولا يجدون لها أثر غائط ولا بول ، فيبرونها ويكسونها . فلما تواطأ أهل الناحية على تصديقها سألتها عن اسمها فقالت: رحمة بنت إبراهيم ، وذكرت أنه كان لها زوج نجار فقير يأتيه رزقه يومًا بيوم ، وأنها ولدت منه عدة أولاد ، وأن ملك الترك عبر على النهر إليهم ، وقتل من المسلمين خلقًا كثيرًا . قالت: ووضع زوجي بين يدي قتيلًا فأدركني الجزع ، وجاء الجيران يساعدونني على البكاء ، وجاء الأطفال يطلبون الخبز وليس عندي شيء، فصليت وتضرعت إلى الله تعالى أسأله الصبر وأن يجبر بهم ، فذهب بي النوم في سجودي ، فرأيت في منامي كأني في أرض خشناء ذات حجارة وشوك وأنا أهيم فيها وألزم خبري أطلب زوجي ، فناداني رجل: إلى أين أيتها الحرة ؟ قلت: أطلب زوجي. قال: خذي ذات اليمين . فأخذت ذات اليمين ، فوقفت على أرض سهلة طيبة الثرى ظاهرة العشب ، فإذا قصور وأبنية لا أحسن وصفها ، وإذا أنهار تجري على وجه الأرض من غير أخاديد ، وانتهيت إلى قوم جلوس حلقًا حلقًا ، عليهم ثياب خضر ، قد علاهم النور ، فإذا هم القوم الذين قتلوا في المعركة ، يأكلون على موائد بين أيديهم ، فجعلت أتخللهم وأتصفح وجوههم أبغي زوجي، لكنه بصرني فناداني: يا رحمة يا رحمة، فتحققت الصوت ، فإذا أنا به في مثل حالة من رأيت من الشهداء ، وجهه مثل القمر ليلة البدر وهو يأكل مع رفقة له قتلوا يومئذ معه. فقال لأصحابه: إن هذه البائسة جائعة منذ اليوم أفتأذنون لي أن أناولها شيئًا تأكله؟ فأذنوا له ، فناولني كسرة خبز ، وأنا أعلم حينئذ أنه خبز ولكن لا أدري كأي خبز هو! أشد بياضًا من الثلج واللبن وأحلى من العسل والسكر وألين من الزبد والسمن، فأكلته فلما استقر في معدتي قال: اذهبي فقد كفاك الله مؤونة الطعام والشراب ما بقيت في الدنيا ، فانتبهت من نومي وأنا شبعى ريًا لا أحتاج إلى طعام وشراب ، وما ذقته منذ ذلك اليوم إلى يومي هذا ، ولا شيئًا مما يأكله الناس .
قال أبو العباس: وكنا نأكل فتتنحى وتأخذ على أنفها تزعم أنها تتأذى برائحة الطعام ، فسألتها: هل تتغذى بشيء غير الخبز أو تشرب شيئًا غير الماء فقالت: لا . فسألتها: هل يخرج منها ريح قالت: لا . أو أذى ؟ قالت: لا . قلت: فالحيض ؟ أظنها قالت: انقطع بانقطاع الطعم .قلت: فهل تحتاجين حاجة النساء إلى الرجال؟ قالت: لا . قلت: فتنامين ؟ قالت: نعم أطيب نوم . قلت: فما ترين في منامك ؟ قالت: ما ترون . قلت: فهل يدركك اللغوب والإعياء إذا مشيت قالت: نعم . وذكرت لي أن بطنها لاصقة بظهرها ، فأمرت امرأة من نسائنا فنظرت فإذا بطنها لاصقة بظهرها ، وإذا هي قد اتخذت كيسًا فضمنته قطنًا وشدته على بطنها ليستقيم ظهرها إذا مشيت . فأجرينا ذكرها لأبي العباس أحمد بن محمد بن طلحة بن طاهر والي خوارزم فأنكر ، وأشخصها إليه ، ووكل أمه بها ، فبقيت عنده نحوًا من شهرين في بيت فلم يروها تأكل ولا تشرب ولا رأوا لها أثر من يأكل ويشرب ، فكثر تعجبه، وقال: لا تنكر لله قدرة . وبرّها وصرفها ، فلم يأت عليها إلا القليل حتى ماتت رحمها الله .) . انتهى..
ما رايكم ؟ دام فضلكم ؟ وتقبل الله جل وعلا صومكم ؟
المقال الرابع :
دجال يخدع السلطان
في يوم الخميس 17 رمضان قدم مصر الشيخ يوسف الكيماوى في سلطنة الناصر محمد بن قلاوون سنة 730هـ ، وسبقته شهرته لمصر وللسلطان . في ذلك الوقت كانت الكيمياء تعني المقدرة على تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب عن طريق الكرامات أو القوة النفسية ، أي كانت طريقة للتحايل على الناس ، ولكنها كانت تتمتع بتصديق الناس لأنها ارتبطت بالكرامات في عصر كان يعتقد في الكرامات وأساطير المعجزات والخوارق التي يدعيها محترفو المشيخة ، وكان منهم صاحبنا الشيخ يوسف الكيماوي الذي اكتسب لقبه من حرفته الكيمياء .
يقول المقريزي عن هذا الرجل أنه كان نصرانياً من الكرك ــ الأردن ــ فأسلم ، ثم مضى إلى صفد ، وقابل أميرها بهادر وأظهر له التقوى ، فاعتقد فيه الأمير بهادر وصدق دعاويه ، وأنفق عليه أمواله على أمل أن يقلب له المعادن ذهبا حقيقيا ، فلما يأس منه بعد مدة عرف حقيقته فأدخله السجن وبعدها أطلقه. وخرج يوسف الكيماوى إلى دمشق وعرض على أميرها بضاعته ، ولكن الأمير تنكز نائب السلطان في الشام وواليه على دمشق كان لديه علم بذلك الدجال فأمر بشنقه فصاح يوسف قائلاً " أنا جيت للسلطان حتى أملأ خزائنه ذهباً وفضة". وعنئذٍ خاف الأمير تنكز أن يشنقه فيتهمه أعداؤه بأنه أضاع على السلطان فرصة كان يمكن أن تنجح ، لذا اضطر إلى إرساله إلى السلطان في القاهرة مع البريد ومعه بعض الثقات من أتباعه ورسالة فيها التحذير للسلطان من ألاعيب ذلك الرجل ودهائه .
ولما وصل الشيخ يوسف للسلطان الناصر محمد استمع إليه وأصغى إليه ، وفى ذلك الوقت كان الناصر محمد واقعاً تحت تأثير التصوف ورجاله بعد أن انقلب على صديقه السابق الإمام ابن تيمية وسجنه ، وبعد أن اصطلح مع الصوفية وأنشأ لهم خانقاه سعيد السعداء ، وأعطى أذنه لأشياخ الصوفية يلقون فيها بأساطير الكرامات ، ومن هنا كان سهلاً أن ينخدع السلطان بأقاويل الشيخ يوسف الكيماوى ويعرض عن تحذيرات الأمير تنكز نائبه في الشام . وسرعان ما أخذ الشيخ يوسف وضعه كما يحلو له عند السلطان الناصر محمد فأنزله السلطان عند الأمير بكتمر الساقى ، وأجرى عليه الأموال والرواتب ، وأقام عنده الخدم يتولون أمره ، وألبسه التشريفة ، وأحضر له كل ما يريد لكى يباشر مهمته في تحضير الذهب من المعادن الرخيصة، وانتظر السلطان النتيجة . .
وفى الموعد المحدد حضر يوسف بين يدى السلطان الناصر محمد ، ليعرض عليه ما توصل إليه ، وكان في المجلس أعيان الدولة ومنهم ناظر الجيش وتاج الدين إسحاق وابن هلال الدولة والأمير بكتمر الساقى وعدد من الأمراء والشيخ ابراهيم الصائغ كبير الصاغة وعدد من الصاغة. فأوقدت النار على بوتقة قد ملئت بالنحاس والقصدير والفضة حتى ذاب الجميع فألقى عليه الشيخ يوسف شيئاً من صنعته وأوقدوا عليها النار ساعة ، ثم أفرغوا ما فيها فإذا سبيكة ذهب أجود ما يكون زنتها ألف مثقال، فأعجب السلطان ذلك كثيراً وأنعم على الشيخ يوسف بهذه السبيكة، وألبسه التشريفة للمرة الثانية وأركبه فرساً مسرجاً بالحرير وبالغ في إكرامه وحقق له ما يريد . واتصل بيوسف الكيماوى الخدم وقدموا له أشياء كثيرة فاستخف عقولهم حتى ملكها وأكل أموالهم ، ثم سبك يوسف للسلطان سبيكة ثانية من الذهب فكاد يطير به فرحاً وصار يستحضره بالليل ويحادثه فيزداد محبة فيه فأذن له أن يركب الخيول السلطانية ويمضي حيث شاء بالقاهرة ، فركب وأقبل على اللهو ، واتى إليه عدة من الناس يعطونه أموالهم ليعلمهم صناعة الكيمياء أو تحويل المعادن إلى ذهب ، وعاش أجمل أيامه، ثم سأل السلطان أن يأذن له بالعودة إلى موطنه بالأردن لإحضار نبات هناك فأركبه السلطان خيل البريد وأرسل معه الأمير طقطاي مقدم البريدية وكتب إلى نائب غزة ونائب الكرك بخدمته وقضاء جميع حوائجه من ديوان الخاص (أى ديوان السلطان) فمضى يوسف إلى الأردن واختفى وانقطع خبره . بحث السلطان عنه حتى وجدوه وقد ظهر للسلطان كذبه فأودعه في السجن .
وفي رمضان( أيضاً ) في العام التالي سنة 731هـ هرب يوسف الكيماوي من السجن ، فنودى عليه بالقاهرة ومصر ، وصدرت الأوامر على البريد لولاة الأقاليم بالقبض عليه . وفي شهر ذي الحجة 731هـ قبض عليه في مدينة أخميم بالصعيد ، وحمل مقيداً في الحديد إلى قلعة الجبل ، فوصلها في 24 ذي الحجة وسأله السلطان عن المال فقال إنه ضاع منه، فسأله السلطان عن الكيمياء فقال: كل ما كنت أفعله إنما هو خفة يد .!! فعوقب بالضرب الشديد، ثم اعتقل بخزانة شمائل . ومات ليلة الأحد 25 ذي الحجة، وطيف بجثته بالقاهرة يوم الأحد. وما أغنى عنه ماله وما كسب .. وكل عام وانتم بخير.
تنويه مع الاعتذار
بعد تركى جامعة الأزهرسنة 1987 وغلق كل ابواب الرزق فى وجهى عانيت اشد سنوات الضنك والفقر الشديد فيا بين 1989 – 1995 فالتفت الى موهبتى فى كتابة السيناريو لأتعيش منها كمورد رزق وامل يبدد الكآبة والاحباط من حولى ، فعكفت على اتمام مشروع " تحويل التراث الاسلامى الى دراما "وكان قد اكتمل لدى العلم بكل دقائق تاريخ المسلمين وتفصيلاته الدينية والعقيدية والعقلية واللغوية والحضارية .
بدأت ببحث التاريخ المجهول للشخصيات عير المعروفة فى تاريخ المسلمين كنوع من أنواع التحدى لمهنتى كباحث تاريخى ومفكر اسلامى ، ثم قمت بتحويل تلك الأبحاث الى قصص تاريخية بدأتها بالشخصيات النسائية ، وكنت املأ الفجوات التاريخية بابداعى الأدبى والفنى أى باختراع أحداث وشخصيات مستعينا بفهمى لأحداث العصر التاريخى وشخصياته وثقافته وعقلياته وعاداته فى الملبس والحديث والتصرفات الاجتماعية. ونشرت هذه السلسلة من القصص التراثية تحت عنوان " نساء بين سطور التاريخ " نشرتها مجلة "حواء" ثم مجلة " سطور " واتسعت الحلقات التالية المنشورة فى "سطور" لتشمل قصصا عن الشخصيات التاريخية المغمورة من الرجال من المستوى الثانى والثالث فى الأهمية . وقمت بعدها بتحويل العديد من تلك القصص التاريخية الى سيناريوهات كاملة تحت اسم " مشروع تحويل التراث الاسلامى الى دراما " والى الآن لم أجد من ينتجه ليخرج للنور.
من أوراقى فى مشروع تحويل التراث الى دراما ذلك الملخص التاريخى عن الشيخ يوسف الكيماوى الذى خدع السلطان المملوكى الناصر محمد . اعداد ملخص تاريخى هى المرحلة الأولى (البحثية ) ثم كانت المرحلة الثانية وهى تحويل الأحداث التاريخية الى قصة ، ثم المرحلة الأخيرة تحويلها الى سيناريو . أقول هذا حتى لا يسطو بعضهم على هذه القصة التاريخية ويحولها الى سيناريو. فلم يكن سهلا البحث بين سطور التاريخ المملوكى و مخطوطاته للعثور على هذه الحكاية الواقعية . ولذا فاننى احتفظ بحقى فى تحويلها الى عملا درامى . اقول هذا حتى لا أجد حرجا من نشر كل قصصى التاريخية على اساس احتفاظى بكل الحقوق كمؤلف . أما الكتابات الاسلامية والقرآنية فهى مباحة مجانا للنشر لكل من أراد.
التعليقات
حمد حمد
خرافة علامات ليلة القدر.
دكتور أحمد جزاك الله خيرا بالدنيا والآخره وبارك بعلمك وعمرك
في سؤال هل هناك ضواهر تم ربطها بليلة القدر كما يزعم بعض الدجالين سنويا ويصدقها الجهله و أن لها علامات اي هل هي من خرافات سابقه أم هي حديثه تلك الخرافه .
أحمد صبحى منصور.
جزاك الله جل وعلا خيرا استاذ حمد ، واقول :
لنا كتاب عن ليلة القدر هى ليلة الاسراء ، ولم نتعرض فيه لما كان يحدث فى ليلة القدر فى التاريخ . هذا حسب ما أتذكر.
ب 3 / ف 1 / ج 2 : رمضان بين سطور التاريخ : ( أربع مقالات )
كتاب ( رمضان والصيام بين الاسلام والدين السنى ) دراسة أصولية تاريخية
الباب الثالث : لمحة عن رمضان فى التاريخ
الفصل الأول : رمضان بين سطور التاريخ : الجزء الثانى : ( أربع مقالات )
المقال الخامس
الإحتكار في رمضان
لم يكن شيطان الإحتكار ومصادرة أموال الناس يهدأ فى رمضان فى العصر المملوكي . والإحتكار والمصادرة سياسة مستقرة ثابتة فى عصر العسكر المملوكي ، وكان المنتظر أن يكون لرمضان أثره فى تخفيف الظلم فى شهر الصيام ، ولكن العقلية المملوكية وجدت حلا يتيح لها أن تستمر فى تيار الظلم هو أقتران الظلم بعمل الخيرات على مذهب القائل هذه نقرة وهذه نقرة ، إذا يصادرون الأموال ويبيحون شراء المناصب والرشوة ويحتكرون التجارة ، ثم تراهم من ذلك السحت يقيمون المؤسسات الدينية وينفقون على الطلبة والعلماء ويتصدقون على الفقراء والمساكين ، وكأنهم لم يعرفوا أن الله تعالى لا يقبل من الصدقات إلا ما كان من مال حلال ، يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) ( 2/ 267") . فالله تعالى يأمرنا بالتصدق من الرزق الطيب الحلال ويحذرنا من الأنفاق من المال الخبيث الآتي عن طريق الظلم .
الظلم المملوكي فى مصر والشام
وأتخذ الظلم المملوكي من سكوت الناس وخضوعهم عاملا آخر ساعده على الانتشار ، وكان يحدث أحيانا أن يثور الناس على الظلم كما حدث فى رمضان 807 حين كثرت المصادرات والمظالم فى الشام ودمشق وقت اندلاع الخلاف بين الأمراء المماليك ، وفى ذلك الوقت فرض الأمير حسن نائب القدس على أهلها مالا فرفضوا دفعه، فتركهم حتى اجتمعوا بالمسجد الأقصى وأغلق عليهم الأبواب وألزمهم بدفع الأموال ، فأبوا ، وحدثت معركة بينهم وبينه وقتل منهم بضعة عشر رجلا ، ولكنهم تكاثروا عليه ففر منهم ، فلما بلغ الخبر الأمير شيخ نائب الشام عزله وولى غيره .
وأمير الشام وقتها – أو نائب الشام – الأمير شيخ هو الذي أصبح سلطانا فيما بعد تحت اسم المؤيد شيخ ، وكان كثير البر والصدقات ولكنه كان أيضا على شاكلة المماليك لا يخلو من الظلم ولا يرى تعارضا بين هذا وذاك .
وفي رمضان 813 أفتتحه المماليك بمصادرة الناس في دمشق ، فأخذوا من الخانات والحمامات والطواحين والحوانيت والبساتين أجرتها عن ثلاثة أشهر سوى ما أخذ قبل ذلك ، واتهموا بعض الناس بأن لديهم ودائع أودعها لديهم المماليك الشيخية من أتباع الأمير شيخ نائب الشام ، فأخذوا أولئك الناس وعاقبوهم بالضرب ليعترفوا بما لديهم من أموال مزعومة ، وفتشوا بيوتهم .
وفى نفس الوقت كانت القاهرة تئن من مظالم الأمير بكتمر جلق الذي ألزم المحتسب ابن الدميري بأن يجمع له ألفي دينار من الناس فى نظير أن يلزم الناس بشراء قمح بالسعر الذي يحدده ، وأغتصب أموالا من بعض تجار الشام بالقاهرة ، وأخذ من الأمير منقلي الأستادار ألف دينار . والمفروض بعدها أن هذا الأمير بكتمر جلق كان صائما فى رمضان ويفطر على مظالم الناس ومصادرة أموالهم.
السلطان يحتكر الفلفل فى رمضان
والسلطان الأشرف برسباي ــ الذي أقام الخانقاه الأشرفية على أنها من أعمال البر والذي فتح قبرص على أنها جهاد فى سبيل الله ـ هو نفسه الذي عانى الناس في عهده من الإحتكار وشراهته للأموال . قال عنه المقريزي الذي عاش عصره ( كان له فى الشح والبخل والطمع من الجبن والجور وسوء الظن ومقت الرعية وكثرة التلون وسرعة التقلب فى الأمور وقلة الثبات أخبار لم نسمع بمثلها. وشمل بلاد مصر والشام فى أيامه الخراب وقلة الأموال ..)
هذا السلطان لم يمنعه شهر رمضان من مصادرة الفلفل على أمل بيعه لتجار أوروبا ، وكان الفلفل الأسود والبهارات من أثمن الأشياء ، وكانت تستوردها أوروبا عبر الدولة المملوكية التى تحتكر استيرادها من الهند وأسيا . وقد قامت الكشوف الجغرافية وضمن أهدافها التخلص من إحتكار المسلمين لتلك التجارة بالوصول إلى الهند من طريق بعيد ، وبذلك أكتشفوا أمريكا ورأس الرجاء الصالح .
ونعود إلى رمضان 835 وفيه صادر السلطان الأشرف برسباى فلفل التجار وأرغمهم على أن يبيعوه له بخمسين دينارا للحمل . وكان السلطان قد أرغمهم من قبل على أن يشتروا منه الفلفل فى أول السنة بسبعين دينارا للحمل ، وأمر بأن تحتكر متاجر السلطان استيراد الفلفل الوارد من ميناء جده وغيره، وأن لا يبيعه لتجار الفرنجة القادمين للإسكندرية غيره ، وبذلك أستخدم نفوذه فى أكل أموال التجار ، يقول المقريزى ( فنزل بالتجار من ذلك بلاء كبير).!
وجدير بالذكر أن رمضان فى العام بعد التالي 837 شهد ردود فعل غاضبة على جشع السلطان ، فقد أرسل ملك الفرنجة الكتيلان خطابا شديد اللهجة للسلطان برسباي لأنه ألزم التجار الفرنجة بأن يشتروا منه الفلفل من خلال المتجر السلطانى لا من التجار العاديين مما سبب لهم خسارة وقد غضب برسباى من تلك الرسالة ومزقها .
السلطان قايتباى ينصف الإسكافية
وفى رمضان 875 كان السلطان فى مصر هو الأشرف قايتباى المشهور بين السلاطين بتدينه وكثرة تلاوته للأوراد وكثرة ظلمه أيضا . ولكن يبدو أن رمضان قد أفلح معه فى تراجعه عن الظلم ، وذلك ما حدث فى 14 رمضان ، يقول المؤرخ ابن الصيرفى الذى عاش هذه الفترة أن الضيق وصل بأهل القاهرة مداه بسبب عدة عوامل ، فأرباب الحرف من الخياطين وصناع الجوخ وغيرهم قد جمعهم الأمير الكبير يشبك من مهدى الذى يعد حملة حربية كبرى يذهب بها للعراق لتأديب شاه سوار الثائر على الدولة المملوكية هناك . وقد أحتاج ذلك الأمير لأولئك الحرفيين والصناع فى تجهيز مهمات العسكر من الكساء والملابس والخيام والآلات ، وهو ينفق في كل يوم ألف دينار على تلك التجهيزات ولكن لا يعطى أجورا للعمال الذين يخشون المطالبة بحقوقهم خوفا من ذلك الأمير العاتي المشهور بقسوته وظلمه .
ثم يعانى التجار من ضائقة مالية بسبب أخر فقد أغلقوا حوانيتهم منذ أول رمضان 875 حتى 14 رمضان بسبب انتظارهم لبيع التركة الضخمة التى خلفها الأمير الجمقدار والى الشام وكاتبه أبو بكر ، وتلك التركة الهائلة كانت متعددة الأصناف ، وكل من التجار يحرص على شراء ما تيسر منها ، ولكن البيع متوقف بسبب انشغال السلطات المملوكية بالتجهيز لحرب شاه سوار . ثم وصل الضيق الى الإسكافية وصناع الجلود وقد كانوا يتركزون فى حى الصليبة وبين القصرين بالقاهرة، وقد احتكر الوزير ابن غريب تجارة الجلود وألزم الإسكافية بأن يشتروها منه بثمن مضاعف عن السنة الماضية ، وأجبرهم على الدفع الفورى ، فأطاعه الإسكافية فى بين الصورين ودفعوا له ما يريد ، أما أسكافية الصليبة فقد رفضوا الظلم ، وتجمهروا أمام القلعة فطردهم الحراس ، فصعدوا الى أعلى الجبال يهتفون ، فسمعهم السلطان قايتباى وهو بالحوش فسأل عن خبرهم وعرف شأن الوزير معهم ، فأمر السلطان قايتباى بإنصافهم ، وكان هذا من نوادر الأحداث فى شهر رمضان 875 .
ونصل الى سؤال :
هل اختلف لصوص رمضان هذا العام عن لصوص رمضان العصر المملوكى ؟ لا أعتقد فالعسكر هم العسكر ، سواء كانوا مماليك أم من أبناء الشعب ، فالعسكر هم شر الناس حين يحكمون ،إذ يوجهون سلاحهم الى الشعب الذى من المفترض أن يدافعوا عنه ، ويستخدمون السلاح فى حكم الشعب وقهره ، ولا بد أن يتحكموا فى الثروة طالما تحكموا فى السلطة .
ومن قام بثورة يولية 1952 كانوا ضباطا من الطبقة الوسطى ، وكان أغلبهم لا يملك سوى مرتبه قبل الثورة ، فلما نجحت الثورة و حكموا مصر ما لبث أن تحولت الى جيوبهم وجيوب خدمهم واتباعهم ثروة مصر خلال نصف قرن من الزمان ، بدءا من مجوهرات أسرة محمد على التى كان تملأ عشرات الصناديق الى ثروة مصر العينية التى نهبوها تحت اسم التأميم و التمصير والقطاع العام ، ثم أعادوا نهبها تحت اسم بيع القطاع العام والخصخصة . حتى ديون مصر لم تسلم من النهب. والاحتكار المملوكى لا يقاس باحتكار الحديد وغيره مما يفعله اللصوص الذين يتحكمون الآن فى وزراء مصر ( المحروسة ).
ومنذ أكثر من عشرين عاما كتبت مقالا فى جريدة (الأحرار ) فى سلسلة قال الراوى عن أحد لصوص مصر فى العصر المملوكى ، وقلت فى آخر فقرة فيه: ( إن مصر أغنى بلد فى العالم ، كانت ولا تزال. وهذه حقيقة يعرفها اللصوص جيدا ) . وتم نشر المقال ، ولكن بعد أن حذف ـ رئيس التحرير الاستاذ وحيد غازى ـ تلك الجملة . وأختم بها هذا المقال مع سبق الاصرار والترصد : ( إن مصر أغنى بلد فى العالم ، كانت ولا تزال. وهذه حقيقة يعرفها اللصوص جيدا ).
ولا تحية لّلصوص
المقال السادس
السخرة فى رمضان
1 ـ كانت الإصلاحات المعمارية وإقامة الجسور والكباري لا تنقطع فى شهر رمضان فى العصر المملوكي .. ونأخذ على ذلك بعض الأمثلة :
* فى 27رمضان 722 يذكر المؤرخ ابن كثير أنه اكتملت عمارة الحمام الذي بناه بهاء الدين ابن عليم بزقاق الماحية من جبل قاسيون بدمشق بالقرب من مسكنه ، وقد أنتفع به أهل الناحية ومن جاورهم.
* وفى يوم الاثنين 11 رمضان 811 شرع الأمير شيخ فى تعمير عدة مواضع داخل مدينة دمشق ، وكانت قد خربتها حروب تيمورلنك ، وألزم الأمير شيخ بعض السكان بتعمير بيوتهم المهدمة وشجعهم على بدء حركة تعمير في دمشق . .
* وقام بعضهم فى رمضان 835 ببعض إصلاحات فى مكة المكرمة ،" إذ أجرى العين حتى دخلت مكة بعد ما ملأت البرك داخل باب المعلاة ، ومرت على سوق الليل إلى الصفا وأنتهت إلى باب إبراهيم ، وساحت من هناك ، فعمّ النفع بها وكثر الخير، لشدة احتياج الناس بمكة وقتها إلى الماء وقلته أحيانا وغلاء سعره ، والسبب هو عدم صيانة البئر والعناية بها ، وأنتهى ذلك بتلك الإصلاحات التي أقامها بمكة تاجر محب للخير والإنفاق فى سبيل الله تعالى، وهو سراج الدين عمر بن شمس الدين محمد بن المزلق الدمشقي".. وبذلك خلد اسمه فى التاريخ . ..
2 ـ ونحن لا نتصور أن مثل هذا التاجر المحسن قد أرغم الناس على العمل لديه سخرة فى ذلك العمل الخيري ، ولكن تسخير الناس فى الأعمال الخيرية وعمليات الإصلاح كان سياسة مملوكية ، إذا كان المماليك لا يستريحون لفكرة دفع أجور للعمال والعوام أو" الحرافيش " فى لغة العصر ،والأسهل لديهم أن يأكلوا أموال الرعية وحقوق العمال ، حتى لو كان ذلك فى شهر الخير والثواب ( شهر رمضان )
ففي رمضان 738: أنشأ الناصر محمد بن قلاوون جسرا على النيل فيما بين بولاق والزمالك حاليا ، وربما يكون موضعه الآن هو موضع كوبري أبو العلا ،وكان ذلك المكان الذي أقيم فيه جسر الناصر محمد يسمى حكر ابن الأثير ، وقد سماه المؤرخ أبو المحاسن فيما بعد جسر ابن الأثير. والسبب فى بناء هذا الجسر أن فيضان النيل وأمواجه كانت تفيض على شاطىء بولاق وتحدث أضرارا فى بيوت بولاق المطلة على النيل ، إلى درجة أنها هدمت جامع الخطيري فاحتيج إلى تجديده ، بل وأمر السلطان الناصر سكان بولاق الذين يطلون على النيل بعمل الزرابي ، والزرابي هي حوائط ومصدات للماء يقيمها أصحاب البيوت القريبة من النيل، ومنها سلالم تصل ساكني تلك البيوت بالنيل ، وأقام السكان تلك الزرابي تجاه بيوتهم ولكن ذلك لم يفد شيئا . وفي النهاية أمر السلطان بإحضار المهندسين من الصعيد والوجه البحري وركب السلطان معهم النيل فى تلك المنطقة ، وتشاوروا فى الحل ، ثم أتفقوا على حفر خليج فى الجزيرة المقابلة لبولاق – حيث توجد الزمالك الآن – ويمتلىء ذلك الخليج بماء النيل ثم يقام جسر فى وسط النيل يكون سدا يتصل بالجزيرة ، فإذا زاد النيل جرى ماؤه فى الخليج وصده السد وجعله يتراجع إلى الشط الآخر ناحية إمبابة المقابلة لبولاق . وأقتنع السلطان بالفكرة ولم يبق إلا التنفيذ . فأرسل السلطان من الغد إلى (المشد) فى كل منطقة يجمع الرجال المسخرين بلا أجرة للعمل ، وجمعهم المشدون فقطعوا الحجارة من الجبل ، وقام آخرون بالسخرة أيضا فيحملون تلك الحجارة ويملأون المراكب ، وتأتي المراكب المحملة بالحجارة فيغرقونها بحمولتها فى المنطقة المراد ردمها حيث الجسر. وعمل الجميع فى ذلك الجسر سخرة تحت يد الأميرين أقبغا عبد الواحد وبرسبغا الحاجب. وأمر السلطان والى القاهرة بتسخير عوام القاهرة أيضا فى العمل فكان المماليك يقبضون على الناس من الشوارع والأسواق والمساجد والجوامع ويأخذونهم للعمل تحت لهيب الأسواط وفى نهار رمضان ، وهرب من أستطاع وأختفى من أستطاع،
يقول المقريزي يصف تلك السخرة " ووقع الإجتهاد فى العمل ،وأشتد الاستحثاث فيه حتى أن الرجل كان يخر إلى الأرض وهو يعمل لعجزه عن الحركة فتردم عليه رفقته الرمال فيموت من ساعته ، وأتفق حدوث هذا لخلائق كثيرة جدا ، وأقبغا راكب فى الحراقة- وهى سفينة حربية – يستعجل المراكب المشحونة بالحجارة ، والسلطان ينزل إليهم ويباشرهم ويغلظ على أقبغا ويحمله على السرعة واستنهاض العمل حتى أكمل فى مدة شهرين."
وأورد المقريزي عدد المراكب التي أغرقت بحمولتها فى النيل لبناء ذلك الجسر ، وأورد حمولتها من الحجارة ، ولكن لم يكن لديه حصر بأعداد الرجال الذين ماتوا فى تلك السخرة ، ولم يكن لديه عدد لأولئك الذين خرجوا أحياء بعد هذه السخرة. ورمضان كريم .!!
3 ـ وبالمناسبة كانت للماليك حيل عجيبة فى القبض على الناس واستخدامهم فى التسخير والعمل بلا أجرة .
ففي شهر ربيع الأول سنة 877 وفي سلطنة قايتباي كان المماليك يقومون ببناء جسر على النيل عند الجيزة وكانوا كالعادة يريدون الانتهاء منه بسرعة ، وأعوزتهم اليد العاملة فلجأوا إلى حيلة خبيثة لتوفير اليد العاملة بأسهل طريق ؛كانت القاهرة المملوكية وقتها تعج بآلاف الفلاحين الهاربين من السخرة وظلم الولاة والكشّاف فى بلادهم، فأضيفت أعدادهم الى آلاف العاطلين من القاهريين . ولكي يحشدهم المماليك جميعا ليسخروهم في الحفر فإنهم جاءوا بشخص بريء وصلبوه على خشبه ودقوا المسامير فى أطرافه الأربعة، وطافوا به فى شوارع القاهرة ينادون عليه : "هذا جزاء من يقتل النفس التي حرمها الله "، فأجتمع الناس للتفرج عليه وساروا خلفه بالآلاف إلى أن انتهت المظاهرة عند موضع الحفر حيث تكامل العدد المطلوب للحفر، فقبض المماليك على الجمهور وسخّروهم في العمل.
4 ـ وقبل النهاية نذكر بكل أسى إن عصر المماليك الذى شهد أقسى أنواع الظلم هو نفس العهد الذى عاش تطبيق الشريعة ، ليس الشريعة الاسلامية ولكن شريعة الدين السنى . .
ونذكر أيضا ـ وبأسى أعظم ـ أن السخرة ظلت تسود مصر فى تنفيذ المشروعات الكبرى، وأحيانا بناء المساجد والقصور للأمراء المماليك فى الدولة المملوكية والعصر العثمانى وعصر محمد على . ثم أراد الخديوى سعيد باشا ان يطبقها فى حفر قناة السويس ولكن المهندس الفرنسى ديليسبس المشرف على المشروع اشترط فى العقد دفع أجور للعمال المصريين ، ولم نعرف هل تم تنفيذ ذلك أم ظل حروفا على الورق .
ونذكر بكل ما فى العالم من أسى أن السخرة عادت بطرق ملتوية تعتصر حيوية العمال المصريين ، فى الداخل ؛ مثل تسخير جنود المراسلة والأمن المركزى فى خدمة الضباط ، والاجحاف بحقوق العمال فى المصانع المصرية ، وتدنى أجور العاملين فى القطاع العام والحكومة ، وخصوصا فى أشرف مهنة ، وهى التعليم والتدريس.. وبالتالى لا يحق لنا أن نتعجب كثيرا من استعباد المصريين فى دول الخليج تحت مسمى ( الكفيل ).
5 ـ وفى النهاية نتذكر قوله جل وعلا (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ) ( ابراهيم 42 ـ ). وكل عام وانتم بخير..
المقال السابع
صوم حواء فى مصر المملوكية
1 ـ قبل أن نتعرض لصيام حواء فى العصر المملوكي نتوقف قليلا مع قوام حواء المملوكية . هل ينتمي إلى فصيلة غصن البان ، أم فصيلة الجميز ؟. إن الصور المرسومة للعصر المملوكي على قلتها ـ تظهر فيها بعض الفتيات النحيفات ، ولكن ذلك ليس مقياسا ، المقياس فى نوعية الأكل ، وهذا ما نعرفه مما أورده الفقيه ابن الحاج فى كتابه " المدخل " الذي ينتقد فيه مظاهر الحياة الاجتماعية فى العصر المملوكي من وجهة نظره كفقيه ناقم يحاول اصلاح عصره من وجهة نظر فقهية صوفية.ونأخذ من كتابه إشارة هامة ، إنه ينتقد الجزارين ويقول : إن بعضهم كان يغش اللحم ، فإذا كانت الذبيحة قليلة الشحم فإنه يجعل معها شحم غيرها لكي يرغب الناس فى شراء اللحم لكثرة الدهن فيه. أى أن المفهوم عند الناس فى العصر المملوكي كان رفض اللحم الأحمر ( البروتين ) ويفضل عليه الدهون واللحم الأبيض السمين .. وكان ذلك عاما فى الرجال والنساء . وبالتالي فإن القوام الأنثوي كان يميل للسمنة .. وذلك مجرد استنتاج .
2 ـ أما الدليل الحاسم فهو ما أورده ابن الحاج من معلومات غريبة عن حواء المملوكية تحت عنوان عجيب يقول " فصل فيما يتعاطاه بعض النسوة من أسباب السمن ".
يقول إن بعضهن " اتخذن عادة مذمومة ، وهى أنها قبل النوم وبعد طعام العشاء تأخذن لباب الخبز وتجعله ثريدا تضيف إليه أشياء أخرى ، ولأنها لا تستطيع ابتلاعه بعد شبعها فترغم نفسها على ابتلاعه بالماء " وربما تعود إلى تجرع نفس الوصفة بعد النوم وقبل الفجر .
ويحكى ابن الحاج أن بعضهن كن يتعاطين وصفة بلدية تجعلهن أكثر سمنة ، وهى أكل الطين والطفلة الطينية مع بعض أدوية من العطار ، حتى يقل شبعها ويكثر التهامها الطعام ويزيد وزنها وتصبح أجمل الجميلات وفق مقياس العصر المملوكي.
وقد أدى هذا الشحم الزائد إلى ظهور نماذج فريدة من المرأة المملوكية ، كان بعضهن لا تستطيع أن تتوضأ أو تغتسل لأن ذراعيها أقصر من أن تصل إلى مواضع الطهارة ،وكانت إحداهن لا تستطيع الصلاة وهى قائمة فتضطر للصلاة جالسة .
3 ـ وبالتالي كان صوم رمضان فريضة ثقيلة عليهن، لذلك استنكر ابن الحاج أن بعضهن ـ وبعضهم ـ كان يفطر فى نهار رمضان جهارا. لأن البدانة فى العصر المملوكي كانت عادة سيئة للرجل والمرأة .
وأصبح من العادات المذمومة ـ فيما يحكيه ابن الحاج ـ أن النساء البدينات يفطرن فى شهر رمضان حتى لا يفقدن بعض سمنهن ، وامتد ذلك إلى الفتيات الأبكار ، إذ كان أهلهن يرغموهن على الإفطار فى نهار رمضان " خيفة على تغير أجسامهن عن الحسن والسمنة " بتعبير ابن الحاج الذي يربط الحسن بالبدانة والسمن .
4 ـ وبعض النساء كن يحافظن على صيام رمضان ، ومع ذلك فلم يسلمن من انتقاد ابن الحاج . فبعضهن كانت إذا أتتها العادة الشهرية فى رمضان فإنها تصوم ولا تفطر ، ثم لا تقضى تلك الأيام التى كانت فيها حائض ، ويعللن ذلك بأنهن يصعب عليهن الصوم أو قضاء الصوم فى أيام الإفطار حين يأكل الناس وهن يصمن . وبعضهن فى أيام الدورة يفطرن ثلاثة أيام فقط ، ويصمن المدة الباقية حتى مع استمرار الدورة ، بل إن ابن الحاج ينتقد النساء اللائي يصمن مدة الحيض ويقضين المدة صياما أيضا ، ويراهن آثمات . ومنهن من يفطرن فى تلك الأيام ولكن يكتفين فى الإفطار بتمرة أو أقل القليل من الطعام ، أى كأنها صائمة ، وذلك تجويع وتعذيب لا مبرر له .
5 ـ ومن المفيد أن نذكر أن الفقه التراثي جرى على اعتبار الحيض من الأسباب التى توجب الإفطار فى رمضان ، ويتعين قضاؤه . إلا أن القرآن الكريم يحصر الأعذار التى تبيح الفطر فى رمضان فى شيئين فقط وهما السفر والمرض " فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " وللمريض والمسافر أن يصوم إذا استطاع لأنها مجرد رخصة ، والله تعالى يقول " فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم " .. " البقرة 184" .
إن الوضوء شرط فى الصلاة ، لذلك فإن الحيض يقطع الوضوء فقط ، ولا بد من الاغتسال والتطهر . أما الصيام وباقي فرائض الإسلام من حج وزكاة وقراءة القرآن فليست الطهارة شرطا فيها ، وعليه فإن على الحائض ـ وفقا لتشريع القرآن ـ أن تصوم .وقد نتعرض لهذا بالتفصيل فى باب التأصيل . .
6 ـ ونعود إلى ابن الحاج وانتقاده لصيام حواء فى العصر المملوكي ، وهو يستنكر قيام بعضهن بالصوم فى رمضان ولكنهن يتركن الصلوات الخمس بدون عذر شرعي ، ويقول : إن بعضهن اعتدن ترك الصلاة ويعتقدن أن الصلاة لا تجب إلا على النساء المتقدمات فى السن ، فإذا نصحتهن أحد بالصلاة تقول : أعجوزا رأيتني !! يقول ابن الحاج " فكأن الصلاة ليست بواجبة على الشابة "!.."
ولقد كان صوم رمضان فى العصر المملوكي ـ ولا يزال ـ عادة اجتماعية مرتبطة بالسهر والمواسم الدينية وإحياء الليالي فى الأضرحة ولدى الأولياء مع الأطعمة المشهرة والسحور ومدفع الإفطار ورؤية الهلال
لذلك فإن من اعتاد إهمال الصلاة نراه متمسكا بعادة الصوم فى رمضان .. وذلك ما استنكره الفقيه ابن الحاج على من يصوم ولا يصلى.
ولا يزال بعضنا يصوم ـ كعادة اجتماعية ـ بدليل أنه لا يصلى .
هل نحتاج للفقيه ابن الحاج فى عصرنا؟
كل عام وانتم بخير..
المقال الثامن
تجارة العملة فى رمضان المملوكى
أولا :
1 ـ لم تختلف النقود المملوكية عن غيرها من حيث التقسيم المعهود : الدنانير الذهب ، والدراهم الفضة والفلوس النحاس . إلا أن النقود المملوكية تختلف عن غيرها فى أنها شهدت متغيرات شتى فى العيار والوزن والحجم خصوصا في الدينار الذهبي الذي هو قاعدة النقد ، بالإضافة إلى تعويم الدينار وخضوعه للعرض والطلب ، والأخطر من ذلك هو فوضى النقد التي أحدثها جشع المماليك ورغبتهم في الربح على حساب ثبات سعر العملة ، ثم دخول المزيفين أو ( الزغلية ) إلى ميدان سك النقود ، ومع أن السلطات المملوكية كانت تقف بالمرصاد لأولئك الزغلية وتقطع أيديهم أحيانا – إلا أن بعض المماليك كان يشارك في عملية التزييف ابتغاء الربح .
2 ـ ولم يلحق التغيير فى الوزن والعيار والحجم الدينار الذهبي المملوكي وحده وإنما تعدى ذلك إلى الدرهم الفضى الذي لم يعد يدل على النقود الفضية الخالصة وإنما وصل به التغيير إلى أنه أصبح مدلولا هلاميا بين الفضة والنحاس ، ولحقته شتى الأسماء حسب اسم الذي يصدره أو حسب مكان السك أو حسب طبيعة الدرهم وحالته وقيمته . وأصبح ذلك التغير سمة أساسية فى الدراهم التى ظهرت فى الدولة المملوكية البرجية ، حيث التضخم والغلاء وجشع المماليك والاضطرابات الاقتصادية والمجاعات والأوبئة . وقد ضرب السلطان برقوق " الذى أسس دولة المماليك البرجية" الدراهم الظاهرية سنة 789 كما ضرب الأمير نوروز دراهم نوروزيه في دمشق سنة 815 وضرب السلطان شيخ الدراهم المؤيدية سنة 818 وضرب منها أجزاء أهمها النصف المؤيدي ، ثم ما لبث أن أصبح الدرهم المؤيدي نصف مؤيدي سنة 825 ، وكانت قيمة الدرهم المؤيدى 18 درهما من الفلوس ، وأصبح النصف المؤيدى يساوى تسعة من الدراهم الفلوس ، إذ أصبح هناك خلط بين الدرهم الفضة والدرهم الفلوس ، وتتغير قيمة أحدهما بالنسبة للآخر تبعا لاضطراب العملة واضطراب الحياة الاقتصادية فى ذلك الوقت . لذا أصبح من الضروري على كل من يبيع شيئا أن يحمل ميزانا لوزن النقود عند بيع العملات ، وأصبح من الألفاظ المعهودة أن يقال أن ( فلانا وزن كذا ) أى دفع كذا .. أي لجأوا للميزان حيث انعدمت الثقة فى العملة. ..
والمؤسف أن تجارة العملة فى الدراهم الفضية شهدت نوعا من التناقص بسبب غلبة الدراهم النحاسية عليها حتى أصبحت الدراهم الفضة في معرض المزايدات ، بينما امتلأت الأسواق بالدنانير والفلوس النحاسية أو الدراهم النحاسية.
3 ـ وفي الوقت الذي عانى فيه الدينار المملوكي من التغير فى الوزن والعيار والحجم مع عدم الدقة فى الصنع فان الدينار الأفرنتي كان أفضل منه فى جميع الحالات وكان سيد العملات الأجنبية فى الأسواق المملوكية ، والدينار الأفرنتي هو تلك العملة الذهبية التى قرر مجلس شيوخ البندقية إصدارها فى 31 أكتوبر سنة 1284 أي فى عهد السلطان قلاوون ، وانتشرت فى أوروبا باسم الدوكات(Ducat) بينما ، وعرفت فى الدولة المملوكية بأسماء شتى منها : البندقي ، الدنانير المشخصة لما عليها من صور ، والأفرنتى وهو أشهر أسمائها . ويشير المقريزي فى تاريخه السلوك إلى انه منذ سنه 800 هـ كثر تداول الدينار الأفرنتى وأصبح هو الدينار المطلوب فى التعامل ، مما ترتب عليه أن تسربت كميات من الذهب من الدولة المملوكية إلى البندقية لتسك منها تلك العملة الأفرنتية . وكان من الطبيعى أن تفوز الدنانير البندقية فى الأسواق المملوكية بما فيها من دقة الصنع والوزن الثابت (3.45 جراما ) والعيار المرتفع ، وذلك فى مقابل دينار مملوكى هزيل ليس له عيار ثابت أو قطر محدد ، ثم هو دائم التغير فى الوزن ، لذا كان من السهل على التجار فى سوق العملة استلام الدينار الأفرنتى بالعدد دون حاجة إلى وزن ، أما الدنانير المملوكية فكان لابد من وزنها ثم قد يضطر أحدهم إلى إضافة قطع ذهبية أخرى لعلاج النقص فيها .
4 ـ وكان من المعتاد أن تسك النقود النحاسية ( الفلوس ) لتقوم مقام ( الفكة) الصغيرة فى نفقات البيوت وشراء الخضروات وغير ذلك ، وكان الدرهم يساوى 24 فلسا فى بداية الدولة المملوكية . ثم ضرب السلطان كتبغا فلوسا خفيفة الوزن ، وزنة الفلس الواحد يساوى وزن الدرهم الفضى ، والرطل من هذه الفلوس يساوى قيمة الدرهمين من الفضة ، وبدأت بذلك حكاية الوزن فى العملات . ولم يتقبل الباعة فكرة الوزن مما جعل الدولة تضرب بعضهم لترغمهم على قبول تلك الفكرة ، ثم ضرب السلطان الناصر محمد فلوسا جديدة وقد حلت محل الفلوس الخفيفة التي أصدرها كتبغا التي تم جمعها من السوق .
ولما جاءت الدولة المملوكية البرجية أنتشر الفساد فى سك الفلوس النحاسية أسوة بمنظومة الفساد الذى استشرى فى كل شىء ، وعهد السلطان برقوق أول سلطان برجى إلى محمود الأستادار ضرب الفلوس فخلط النحاس بالحديد والرصاص ليحصل على المزيد من الربح ، وتكاثرت تلك الفلوس وسيطرت على الأسواق وطردت العملات الجيدة ، وكانت الدولة تستورد النحاس من أوروبا لتسكة عملات فلوسا ، بل وكانت ترغم الناس على بيع ما بأيديهم من العملات النحاسية السابقة والتى تحتوى على النسبة الأكبر من النحاس ، وتشتريها منهم بسعر رخيص ، ثم تدخلها دار السك فتخرج عملة جديدة أقل قيمة ولكن أعلى سعرا ويستفيد السلطان والأستادار من ذلك الفرق بينما يخسر الناس.
ثانيا :
كان ذلك هو حال العملة المملوكية . فهل كان لرمضان تأثيرة الإيجابى على مسئولى الدولة بحيث يجعلهم يرجعون للحق والعدل ؟ والجواب بالنفى . فالمماليك كانت لهم فلسفتهم الخاصة فى أستمرار الظلم مع بناء المؤسسات الدينية التي لا تزال شامخة حتى الآن وهم يرون أن ذلك يكفر عنهم مظالمهم .ومن هنا فقد أستمرت سياستهم النقدية فى رمضان أسوة بغيرة من الأشهر . ونأخذ على ذلك بعض الأمثلة :
1 ـ يذكر المقريزي أنه في يوم الأربعاء 6 رمضان 811 صدر النداء بالقاهرة ألا يتعامل أحد بالذهب وهددوا من يبيع بالذهب ، وأستدعى الأمير جمال الدين جميع التجار وكتب عليهم تعهدات بذلك فنزل بالناس ضرر عظيم – على حد قول المقريزي –لأن النقد الرابح هو الذهب وبه كان يتعامل جميع الناس ، وصدر النداء أيضا بمنع المصنوعات الذهبية والمصوغات فأستمر الحال على ذلك أياما ، ثم نودى فى 21 رمضان بأن يتعامل الناس على أن يكون كل مثقال بمائة وعشرين درهما وأن يكون الدينار المشخص ( البندقى ) بمأئة درهم ، وترتب على ذلك أن أحتفظ الناس بالذهب فأرتفعت الأسعار إرتفاعا كبيرا.
فالدولة المملوكية كانت تعانى من نقص فى الذهب بسبب إحتكار السلاطين لتجارة التوابل لأنفسهم ، وتلك قصة أخرى – مما أدى إلى ظهور نظام المقايضة فى التجارة بين المماليك والبندقية ، ولتعويض هذا النقص فى الذهب – فى الداخل كانت تلك المحاولة التى حكاها المقريزي .
2 ـ وقد تكرر ذلك يوم الخميس 15 رمضان 829 فى عصر السلطان برسباي أثناء زيادة الصراع الحربى مع القراصنة الفرنجة ، إذ نودي بمنع الناس من التعامل بالدنانير الافرنتية ولا بد من إحضارها إلى دار الضرب حتى يعاد سبكها وتهدد من يخالف ذلك ، يقول المقريزي إن الناس لم يأبهوا لهذا النداء لقلة ثبات الولاة على قرارتهم ، وكثرة القرارات.
3 ـ ونتعرف على أسعار العملات في رمضان المملوكي في سنوات مختلفة :
3 / 1 : ففي رمضان سنة 803 ( فى بداية الدولة البرجية ) يحكى المقريزي أن أحوال الناس توقفت بسبب الذهب حيث بلغ سعر الدينار البندقى الأفرنتى 39 درهما من الفلوس فى السعر الرسمى عند الصيارفة بينما هو عند الناس 38 درهما فتناقص حتى وصل 35 درهما ، أى أن الدولة كانت تجمع دنانير البندقية بأعلى سعر . وإذا وصلنا إلى رمضان 806 وجدنا سعر الدينار الأفرنتى قد وصل إلى 70 درهما ، ثم إذا قفزنا إلى 9 رمضان سنة 819 فى سلطنة المؤيد شيخ وجدنا الدينار الأفرنتى قد وصل إلى 230 درهما ، وصدر النداء بعدم الزيادة فى سعره بعد أن أكتسح الدينار البندقى إمامه الدرهم المؤيدي الذي أصدره السلطان ، وهدد السلطان من يعصى هذا النداء ، ويقول المقريزى انه كثر الغبن من انحطاط النقود وتغيرها مع ثبات السعر ، أى التضخم ، فالعملة الأجنبية يزداد سعرها كل يوم والأسعار تتضاعف والعملات المحلية تتناقص قيمتها .
3 / 2 : وكان الحال فى الفلوس النحاسية أسوأ وهى العملة السائدة فى ذلك العصر ، ففى رمضان 807 تنازع المماليك فى دمشق فكثرت بها مصادرة الأموال وغلت الأسعار بسبب كثرة التغيير فى النقود النحاسية التى كثرت وصغر حجمها ، وتأخذ الدولة الفلوس القديمة بأرخص الأسعار ويعاد ضربها مزيفة بأغلى الأسعار ، وفى ذلك الوقت بلغ سعر الدينار البندقى 70 درهما . وفى رمضان 811 كان الأمير شيخ واليا على الشام فأصدر فلوسا كل 6 منها بثمن درهم وترتب عليها كما يقول المقريزى أن شمل الضرر أهل مصر والشام . وفى 28 رمضان 826 جمع السلطان برسباى التجار والصيارفة بسبب الفلوس النحاس فقد صدر سعر جديد للفلوس النحاسية كان منخفضا عن قيمة النحاس الموجود بها فجمعها التجار من أيدي الناس وصهروها وصنعوا منها الأوانى النحاسية وفصلوا منها بقية المعادن كل منها على حدة وأستعملوها فيما تصلح له ، وبعضهم صدرها إلى الحجاز واليمن والمغرب .. وبلغ سعر القنطار من تلك الفلوس 800 درهما ، وربحوا منها كثيرا ، لذلك عزف الناس عن التعامل بها وفضلوا بيعها للتجار الذين يجمعونها بأعلى من سعرها الرسمى الذى حددته الدولة . وترتب على ذلك أن توقفت أحوال الناس ، فلما أجتمع السلطان بالتجار والصيارفة إستقر الرأي على أن تكون الفلوس المنقاة بتسعة دراهم الرطل بدلا من سبعة . وصدر النداء بعدم التعامل بغير ذلك ، ومن صدر شيئا منها للخارج عوقب
وأخيرا
هل تغير الحال فى مصر المعاصرة عن مصر المملوكية؟
أترك لكم الاجابة .
وكل عام وانتم بخير.
ب 3 / ف 1 / ج 3 : رمضان بين سطور التاريخ : ( أربع مقالات )
كتاب ( رمضان والصيام بين الاسلام والدين السنى ) دراسة أصولية تاريخية
الباب الثالث : لمحة عن رمضان فى التاريخ
الفصل الأول : رمضان بين سطور التاريخ : الجزء الثالث ( أربع مقالات )
المقال التاسع
حفل ليلة القدر فى الحرم المكى عام 479 هـ
"ليلة القدر" وختم القرآن الكريم في الحرم الشريف بمكة سنة 479 هـ
شهد ابن جبير الحفل المقام في الحرم بمكة بمناسبة ختم القرآن الكريم وسجل ذلك فى رحلته ( رحلة ابن جبير ) في أحداث سنة 479 هـ.
كانت ليلة جمعة "27رمضان"
ويعبر ابن حبير عن تأثره بحضور تلك الليلة في الحرم فيقول "كانت الليلة الغراء والختمة الزهراء ،والهيبة الموقرة الكهلاء والحالة التي تمكن عند الله في القبول والرجاء ، وأي حالة توازي شهود ختم القرآن ليلة سبع وعشرين من رمضان خلف المقام الكريم وتجاه البيت العظيم، وإنها لنعمة تتضاءل لها النعم تضاؤل سائر البقاع للحرم .
وقد بدأ الاستعداد لهذه الليلة قبل ذلك بيومين أو ثلاثة، فأقيمت إزاء حطيم أمام الشافعية خشب عظام بائنة الارتفاع موصول بين كل ثلاث منها بأذرع من الأعواد الوثيقة فاتصل منها صف كاد يمسك نصف الحرم عرضاً ووصلت بالحطيم الأول ثم عرضت بينها ألواح طوال مدت على الأذرع المذكورة ، وعلت طبقة منها طبقة أخرى حتى استكملت ثلاث طبقات ، فكانت الطبقة العليا منها خشبا مستطيلة مغروزة كلها مسامير محددة الاطراف لاصقا بعضها ببعض كظهر السهم , نصب عليها الشمع والطبقتان تحتها ألواح مثقوبة ثقبا متصلا وضعت فيها زجاجات المصابيح ذوات الأنابيب المنبعثة من أسافلها ، وتدلت من جوانب الألواح والخشب ومن جميع الأذرع المذكورة قناديل كبار وصغاروتخللها أشباه الأطباق المبسوطة من الصفر ، قد انتظم كل طبق منها ثلاث سلاسل تقلها في الهواء وخرقت كلها ثقبا ووضعت فيها الزجاجات ذوات الأنابيب من أسفل تلك الأطباق الصفرية، لا يزيد منها أنبوب عن الآخر في الحجم ، وأوقدت فيها المصابيح ، فجاءت كأنها موائد ذات أرجل كثيرة تشتعل نوراً ، ووصلت تلك بالحطيم الثاني الذي يقابل الركن الجنوبي من قبة زمزم خشب على الضفة الأولى المذكورة سابقاً واتصلت إلى الركن الجنوبي وأوقد المشعل الذي في رأس القبة وصففت شباكها شمعاً مما يقابل البيت المكرم . وحف المقام الكريم بمحراب من الأعواد المشرجية المخرمة محفوفة الأعلى بمسامير حديدة الأطراف بنفس الكيفية وقد علاها الشمع ، نصب على يمين المقام ويساره شمع كبير الجرم في أتوار "شمع دانات" تناسابها كبراً, وصفت تلك الأتوار "الشمعدانات" على الكراسي التي يصرفها السدنة مطالع عند الإيقاد ، وجلل جدار الحجر المكرم كله شمعاً في أتوار من الصفر فجاءت دائرة نور ساطع واحدقت بالحرم المشاعيل وأوقد جميع ما ذكر.
وبعد ذلك الوصف التفصيلي للتجهيزات التي تمت في الحرم بدأ ابن جبير يتحدث عن وقائع الاحتفال بليلة القدر وختم القرآن . وقد تجمع صبيان مكة وأحدقوا بشرفات الحرم ، وقد وضعت بيد كل واحد منهم كرة من الخرق المشبعة وقوداً، فوضعوها متقدة في رؤوس الشرفات ، وأخذت كل طائفة منهم ناحية من نواحيها الأربع ، وأخذت كل طائفة من الصبيان تتبارى مع الأخرى في سرعة إيقادها ، فيخيل للناظر أن النار تثب من شرفة إلى شرفة لخفاء أشخاص الصبيان وراء الضوء ، وفي أثناء عملهم يرفعون أصوات قائلين :"يا رب يا رب" على لسان واحد فيرتج الحرم لأصواتهم . فلما تكامل إيقاد الجميع يغشى الأبصار شعاع تلك الأنوار فلا تقع لمحة طرف إلا على نور تشغل حاسة البصرعند استمالة النظرة، فيتوهم المتوهم – لهول ما يعانيه من ذلك – إن تلك الليلة المباركة نزهت لشرفها عن لباس الظلماء فزينت بمصابيح السماء.!!
وتقدم قاضي الحرم فصلّى فريضة العشاء الأخيرة ثم قام وابتدأ بسورة القدر وكان أئمة الحرم في الليلة قبلها قد انتهوا في القراءة إليها، وسكت أئمة الحرم عن القراءة في تلك الليلة تعظيما لختمة المقام وحضروا متبركين بمشاهدتها .
وكان المقام المطهر قد أخرجوه ووضع في محله الكريم مصلى مستور بقبته التي يصلي الناس خلفها ، فختم القاضي بتسليمتين , وقام خطيباً مستقبل المقام والبيت العتيق ، فلم يتمكن من سماع الخطبة أحد بسبب الازدحام وضوضاء العوام . ( فلما فرغ من خطبته عاد الأئمة لإقامة التراويح وانفض الجميع ونفوسهم قد استطارت خشوعاً وأعينهم قد سالت دموعا ، وشعر الجميع بالقبول من الله وأن تلك الليلة هىّ ليلة القدر . ).!!..
المقال العاشر
مجاعة فى رمضان سنة 595هـ في مصر الأيوبية
1 ـ هذه مقالة تبعث على التألم لأنها تصف تاريخاً وقع، ولكن في التألم عبرة وعظة . ولذا نكتب التاريخ.
في هذه السنة يئس الناس من زيادة النيل فارتفعت الأسعار وانتشر القحط فهرب الفلاحون للمدن ، وهرب كثيرون إلى الشام والمغرب والحجاز واليمن وتفرقوا في البلاد ، ودخل القاهرة كثيرون اشتد بهم الجوع حتى إذا جاء رمضان سنة 595هـ كانت المجاعة على أشدها والمآسي التي تحدث بسببها لايصدقها عقل،ولولا أن فيلسوفاً حكيماً كان في القاهرة في ذ لك الوقت وقص ما شاهده وهو معروف بصدقه واتزانه ــ لولا ذلك ــ ما صدق القارئ ما كان يحدث في رمضان 595هـ وما بعده .
تصادف أن كان في القاهرة الفيلسوف الطبيب / عبد اللطيف البغدادي وشهد تلك المجاعة ،فكتب عنها وعن مشاهداته في مصر كتابه القيم "الإفادة والإعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر" وكما يدل العنوان فقد استقى الحوادث مما رأى ومما سمع فكان كتابه وثيقة حية تنبض بالصدق المُرّ والواقعية المفجعة ...
2 ـ يقول " واشتد بالفقراء الجوع حتى أكلوا الميتات والجيف والكلاب والبعر والأرواث ،ثم تعدوا ذلك إلى أن أكلوا صغار بني آدم ، فكثيرا ما يعثر عليهم ومعهم صغار مشويون أو مطبوخون ، فيأمر صاحب الشرطة بإحراق الفاعل لذلك والآكل ، ورأيت صغيراً مشوياً في قفة وقد أحضر إلى دار الوالي ومعه رجل وإمرأة زعم الناس أنهما أبواه فأمر بإحراقهما "
3 ـ ثم يأخذ عبد اللطيف البغدادي في وصف مشاهداته المروعة فيقول " ووجد في رمضان وبمصر رجل وقد جردت عظامه عن اللحم فأكل، وبقى قفصاً كما يفعل الطباخون بالغنم.. ولقد رأيت إمراة يسحبها الرعاع في السوق ظفروا معها بصغير مشوي تأكل منه ،وأهل السوق ذاهلون عنها ومقبلون على شئونهم وليس فيهم من يعجب لذلك أو ينكره ، فعاد تعجبي منهم أشد ، وما ذلك إلا لكثرة تكرره على إحساسهم حتى صار في حكم المألوف الذي لا يستحق أن يتعجب منه، ورأيت قبل ذلك بيومين صبياً نحو الرهاق مشوياً وقد أخذ به شابان أقرَا بقتله وشيِّه وأكل ْ بعضه .
4 ـ ويحكي عبد اللطيف البغدادي أقاصيص مزعجة في هذا السياق ، وكلها تدور حول فقراء جوعى من رجال ونساء وقد انتشروا في شوارع القاهرة يخطفون الصغار ويأكلونهم ، وقد أصابهم الجوع بالسعاروالجنون، وأنه إذا عوقب أحدهم بالحرق ما لبث أن يأكله الآخرون . ويقول تلك العبارة المؤلمة " ثم فشا فيهم أكل بعضهم بعضاً حتى تفانى أكثرهم ، ودخل في ذلك جماعة من المياسير والمساتير، منهم من يفعله احتياجاً ومنه من يفعله استطابة ."!!
5 ـ ثم يحكي عن الحيل التي كان يخترعها بعضهم للإيقاع بالناس وأكلهم . ويقول أن الوالي حكي له أن إمراة دعيت إلى وليمة فوجدت لحماً كثيراً فاسترابت في الأمر وسألت بنتاً صغيرة من المنزل سراً عن ذلك اللحم فقالت:إنها فلانة السمينة دخلت لتزورنا فذبحها أبي وهاهي معلقة.. فهربت السيدة إلى الوالي فهجم على المنزل ولكن هرب صاحب البيت . ويروي من الغرائب أن إحدى النسوة الأثرياء كانت حاملاً وكان جيرانها من الصعاليك فكانت تشم عندهم رائحة طبيخ فاشتهت منه كما هي عادة الحبالى فأكلت منه وأحبته وعرفت منهم أنه لحم آدمي فأدمنته وصاروا يتصيدون لها ، وغلبها السعار ، واكتشف أمرها في النهاية فحبست وأرجئ قتلها احتراماً لزوجها الغائب حتى تضع حملها.
6 ـ ويقول عبد اللطيف البغدادي أنه يحكي ما يشاهده دون قصد، وأن ما رآه أكثر مما يحكيه وأنه كثيراً ما كان يفر مما يرى من بشاعته . ويقول إن المضبوطات في بيت الوالي كانت تشتمل على كوارع ورءوس آدمية وأطراف مطبوخة في القمح وغيره، ويقول وكثيراً ما يدعي بعضهم أنه يأكل ولده او زوجه أو حفيده ولئن يأكله هو خير من أن يأكله غيره . ويقول ومما شاع أيضا نبش القبور وأكل الموتى وبيع لحمهم، وهذه البلية وجدت في جميع بلاد مصر من أسوان وقوص والفيوم والمحلة والاسكندرية ودمياط وسائر النواحي .
7 ـ وتحدث عن قطع الطريق وقتل المسافرين وعن موت الفقراء في الطرقات والجثث العائمة في النيل ، وخلو القرى والمدن من السكان ، وتحدث عن بيع الأولاد والبنات بدراهم معدودة ،حتى تباع الفتاة الحسناء بدراهم ، ويقول أنهم عرضوا عليه فتاتين مراهقتين بدينار واحد ، وأنه رأى فتاتين إحداهما بكر يُنادى عليهما باحدى عشر درهماً ، وقد سألته إمرأة ان يشتري إبنتها وكانت جميلة دون البلوغ بخمسة دراهم فقال لهم إن ذلك حرام فقالت له: خذها هدية .!! ويقول إن كثيراً من النساء والولدان أصحاب الجمال كانوا يترامون على الميسورين ليشتروهم أو يبيعوهم . ووصل بعضهم إلى إيران . وفي هذه المحنة برز بعض الفجرة الأغنياء اشتروا الأحرار الجوعى واسترقوا النساء الحرائر بأقل الأثمان ويحكي البغدادي أن بعضهم كان يفتخر بأنه اشترى خمسين بكراً أو سبعين .
8 ـ ومن الطبيعي أن القارئ قد يغضب إذا قرأ هذا التاريخ الذي وقع بأرض مصر ، ولكن لابد من معرفته لنتأكد إلى أي حد كنا في حاجة للتحكم في الفيضان حتى لا يأتى الجفاف وتحدث المجاعات التي كانت تتكرر في دورات متتابعة في تاريخ مصر القديم والوسيط . ولكن ـ وآه من لكن هذه ـ فبعد بناء السد العالى واختفاء دورة المجاعات والأوبئة التى كانت تحدث بسبب جفاف او طغيان الفيضان ، فان العسكر الذى استبد بمصر طيلة اكثر من نصف قرن قد وصل بها الان فى رمضان 1429 الى حافة المجاعة ، فالأخبار تاتى بالاقتتال حول رغيف الخبز وشهداء الكفاح من أجل الحصول على رغيف من الخبز لا يخلو من المسامير و الحشرات الميتة .. هذا فى الوقت الذى يلعب فيه أبناء المترفين بالملايين ينفقونها فى المخدرات والمجون . نحن هنا أمام كارثة يصنعها عن عمد واصرار حكام خانوا الأمانة ، ونسوا قوله جل وعلا (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ )( ابراهيم 42).
اللهم جنّب مصر الكارثة القادمة .. فيكفى ما عانته فى تاريخها القديم والمتوسط.!!..
المقال الحادى عشر
أوبئة حدثت في رمضان
مقدمة :
1 ـ كانت الأوبئة والمجاعات من المعالم الأساس في تاريخ العصور الوسطى والقديمة ، وإن كان العصر الحالى قد تمكّن من القضاء على معظم الأوبئة وحصر المجاعات في أضيق حدود فإن علينا أن نسترجع ذكريات التاريخ المؤلمة لنرى ما أنعم الله علينا من نعمة التقدم ، ولنكون أحرص على استمرار تلك الحرب المقدسة ضد الجوع والمرض لتكون الكرة الأرضية في المستقبل القريب وطناً للرخاء والشفاء .
2 ـ وكانت المجاعة تحدث في مصر على فترات دورية مرتبطة بجفاف النيل الذي لم يستطع أجدادنا السيطرة عليه، وبعد المجاعة يأتي الوباء غالباً بعد أن تمتلئ الأرض بالجثث والعفن، وقد يأتي الوباء منفرداً ، وله هو الآخر دورته الخاصة إذ ينتشر سريعاً ثم يهدأ وينكشف بعد أن يكون قد أباد مئات الألوف ، خصوصاً من الأطفال الذين لم تكن لديهم حصانة من قبل . ولم يكن رمضان بعيداً عن الأوبئة والمجاعات ، إذ كان له فيهما نصيب مثل باقي الأشهر.
2 ـ وقد أدرك المقريزي وهو طفل تلك المجاعة التي حدثت قبل شهر رمضان سنة 776هـ واستمرت إلى آخر شوال، وجاء بعدها وباء أهلك الكثيرين ممن نجوا من المجاعة, يقول المقريزي " إبتدأ الوباء في نصف جمادى الآخرة، وكثر موت الفقراء والمساكين بالجوع ، فكنت أسمع الفقير يصرخ بأعلى صوته :لله لبابة ــ أي كسرة خبز ــ قدر شحمة أذني أشمها وخذوها " فلا يزال كذلك حتى يموت ."
ويتحدث المقريزي عن الكساد الذي ساد بسبب هذه المجاعة: " هذا وقد توقفت أحوال الناس من قلة المكاسب لشدة الغلاء وعدم وجود ما يُقتات به ، وشُحّ الأغنياء وقلة رحمتهم ، ومع ذلك لم يزدد اجر العمال من البنائين والفعلة والحمالين ونحوهم من أرباب الصنائع ، بل استقرت على ما كانت عليه قبل الغلاء، فمن كان يكتسب في اليوم درهماً يقوم بحاله ويفضل له منه شيئ صار الدرهم لا يجدي شيئاً، فمات ، ومات أمثاله من الأجراء والعمال والصناعين .." أى دفع الفقراء والعمال و الحرفيون الثمن جوعا وموتا .
3 ـ ثم يتحدث المقريزي عن الغلاء فيقول " وفي شهرى رجب وشعبان اشتد الغلاء، فبلغ الأردب القمح مائة وخمسة وعشرون درهما ،ًوالأردب الشعير تسعين درهماً ،والأردب الفول ثمانين درهماً ، والبطة الدقيق زنة خمسين رطلاً بأربعة وثلاثين درهماً ، وشنع الموت في الفقراء من شدة البرد والجوع والعرى وهم يستغيثون فلا يغاثون، وأكل الناس خبز الفول والنخالة عجزاً عن خبز القمح، وبلغ الخبز الأسود كل رطل ونصف بدرهم، وكثر خطف الفقراء له ما قدروا عليه من أيدي الناس ."..!!.. والمصريون يتقاتلون اليوم ليس فى سبيل الله جل وعلا ولكن فى سبيل الخبز .. فهل تقترب مصر اليوم من هذه الحالة . نرجو من الله تعالى السلامة..!!
4 ـ ويقول المقريزي أن المساجين كانوا أشد الناس جوعاً ، وقد حدث أن أقيم بالسجن حائط من طين فأكله المساجين من شدة جوعهم!! وقد أصبحت الدواب نادرة لموتها بالجوع .
5 ـ وفي يوم 24 شعبان قررت السلطات المملوكية أن تفرق الفقراء على الأمراء والميسورين ليطعموهم فجمعوا الفقراء وفرقوهم عليهم ، كل حسب حاجته ، ثم نودي بالقاهرة بألا يتصدق أحد على حرفوش ( الحرافيش هم العوام )، وإن أى حرفوش تسول شيئاً فجزاؤه الصلب .! . وبذلك التزم كل واحد بمن معه من الفقراء [الحرافيش] فخفت الصراعات التي كانت تحدث في الشوراع ، إلا أن الوباء انتشر وزداد عدد الموتى خصوصاً في شهر رمضان مع نفاذ الأقوات حتى بلغ الموتى في القاهرة يومياً حوالي 500 . ولم يعد بوسع أحد أن يدفن كل هذا العدد فشوهدت الكلاب تأكل الجثث ، وهنا تدخلت السلطات المملوكية فأعلنت أن من أتى بميت أعطوه درهما فأتاهم الناس بالموتى ، فقامت السلطات بتغسيلهم وتكفينهم ودفنهم ، فلما أفنى الوباء الفقراء بدأ عمله في الأغنياء فازداد سعر الأدوية ، وفي نفس الوقت أصبحت الفراريج نادرة حتى كان السلطان يبعث في طلبها من الأقاليم.. وهكذا كان الفقير قبل موته يتمنى ان يشم كسرة خبز، أما الغني فقد كان يعاني في مرضه لا من الجوع بل من غلاء سعر الدواء.!
6 ـ وكان الوباء ينتقل من بلد إلى آخر ، وفي موسم الحج كان يجد الفرصة للإنتشار. وفي رمضان سنة 837هـ تناقص الوباء بمكة بعد ان أخذ دورته، وفي رمضان 839هـ ظهر الوباء بمدينة تعز في بلاد اليمن وشمل سائر نواحيها . وفي سنة 841هـ بدأ الوباء في الصعيد ودمشق وحلب في شهر رجب فأظهر أهلها التوبة على حد قول المقريزي ــ وأغلقوا حانات الخمر ومنعوا البغايا من الوقوف بالشوارع ( وكان البغاء حرفة مصرحا بها فى معظم فترات العصر المملوكى للزنا والشذوذ، وكانت الدولة تجبى منه الضرائب ) ، فتناقص الموت وخف الوباء حتى كاد يرتفع ، يقول المقريزي " وجعلوا شكر النعمة أن فتحوا الخمارات وأوقفوا البغايا والأحداث (أى الصبيان ) للفساد ، وضربوا عليهم الضرائب فأصبحوا وقد مات من الناس ثمانمائة انسان ، واستمر الوباء في ازدياد في شعبان ووصل القاهرة في رمضان.
وفي يوم الثلاثاء أول رمضان وصل عدد الموتى بالقاهرة 18فرداً ، ثم تزايد العدد حتى فشا الطاعون في القاهرة ومصر خصوصاً في الأطفال والعبيد والجواري ، ووصل إلى أطراف مصر في الواحات بينما تضاءل في الصعيد.
7 ـ هذا الغضب الالهى سببه الفساد العقيدى و السلوكى من الظلم الى انتشار الفواحش مع رفع راية الالتزام بتطبيق الشريعة ( السنية وحكم قضاة الشرع الشريف ) على حد قولهم ، فقد كان من العادة أن يقام حفل لختم البخاري في القلعة ، ويحضره السلطان وكبار العلماء والقضاة ، وفي هذا العام كان الحديث مع السلطان حول الوباء الذي يصرع الناس وكيفية الخلاص منه . وقال العلماء ان السبب في الطاعون هو انتشار الزنا وخروج المراة متبرجة فأمر السلطان برسباي بمنع خروج النساء جميعهن من بيوتهن ومن خرجت فعقوبتها القتل . فامتنعت النساء من الخروج ، وتتبع والي القاهرة من تخرج منهن وكان يضربهن ، فلم تعد إمرأة تخرج من بيتها , فثرتب على ذلك تعطل أحوال النساء الأرامل والعاملات والساعيات في الرزق ، وتعطل البيع والشراء وكسدت الأحوال فاضطرت الدولة في 27رمضان للسماح بخروج الجواري للأسواق لقضاء الحوائج ولكن لا يتنقبن،وأن تخرج العجائز لقضاء مصالحهن ، وسمح للنساء بالخروج إلى الحمامات ولكن لايقمن بها إلى الليل، يقول المقريزي فكان في ذلك نوع من الفرج.
8 ـ وجدير بالذكر أن رمضان كان دافعا في حد ذاته للتقليل من خروج المراة المملوكية للشارع بدون أزمة الوباء الذي حدث 841هـ ، ففي 28رمضان سنة 825هـ نودى بالقاهرة بمنع النساء من الخروج إلى الترب والمقابر في أيام العيد وهددن بالعقوبة إن خرجن، فامتنعت نساء كثيرة من الخروج ، وفي رمضان 835هـ كان دولات قجا والي القاهرة ( أى مدير الأمن ) مشهورا بعنفه وقسوته ، وكان يكثر من الخروج بفرسانه للتفتيش على الشوارع ، وأمر الناس بكنس الشوارع ورشها بالماء ويعاقب من لايفعل ، وهو الذي منع النساء من الخروج للترب والمقابر في أيام الجمعة..
9 ـ ونعود إلى تاريخ الأوبئة في رمضان ، ونذكر الوباء الذي حدث في رمضان سنة 843هـ في الطائف وعامة بلاد الحجاز،وهلك فيه من قبائل ثقيف وغيرهم عالم لا يحصيه إلا خالقهم بحيث صارت أنعامهم هملاً وأخذها من ظفر بها ، وامتد الوباء إلى نخلة وهي على مسيرة يوم من مكة.
* وفي رمضان 841 انتشر الطاعون في العراق ، وفي نفس الوقت انتشر الجراد الكثير بالقاهرة وضواحيها.
10 ـ وبعض الأوبئة كان يصيب المواشي ، ففي رمضان 691هـ كثر موت الجمال في الشام حتى حمل الأمراء المسافرون أثقالهم على الخيل وذلك في سلطنة الأشرف خليل.وبعدها بحوالي قرن أى فى رمضان 794هـ وقع وباء فى البقر حتى بيعت البقرة في مصر بعشرين درهماً بعد ما كانت بخمسمائة درهم ، ثم ازداد انتشار الموت فيها فأصبحت البقرة تباع بخمس دراهم، وترك الناس أكل البقر استقذاراً له وعم الوباء في البقر في مصر كلها وأفنى الجزء الأكبر منها.
11 ـ وفي أول رمضان{ يوم الأربعاء} سنة 873هـ الموافق 15 مارس 1468 م كانت بداية الطاعون في مصر والشام ومات فيه ابن صغير للسلطان قايتباي ، وانتشر المرض في هذا الشهر وما بعده ووصل سائر المدن والقرى المصرية.
12 ـ وقد تحدث بعض الأمراض الموسمية فيزداد غلاء الأدوية ، كما حدث في رمضان سنة807هـ وفيه كانت أسعار الأدوية كالآتي:بذر الرجلة من 60 إلى 80 درهماً القدح ، وقنطار الشيرخشك من 1400 : 30 ألف درهم، قتطارالترنجبين من 400 : 15 ألف درهم وهو دواء ملين وينفع مع السعال والصفراء ، ووصف طبيب دواء لمريض فبلغ ثمن الدواء 120 درهماً...
وأخيرا
واليوم فان الوباء الأساس والمرض المتوطن فى نفس المناطق هو نفس ما توارثناه من العصرين المملوكى و العباسى ،أى الفساد والاستبداد . وبينما ينعم الغرب بالديمقراطية وحقوق الانسان فان الانسان العربى والمسلم لا يزال يعانى من الظلم والقهر والتضييق فى الرزق . صحيح أن التقدم العلمى المستورد من الغرب و المساعدات التى تأتى من الغرب قد أفلحت فى الحد من خطورة الأوبئة والأمراض المتوطنة ولكن أخطر الأمراض المتوطنة وأخطر الأوبئة لا تزال تلتهم الناس ، ليس بالموت السريع المريح ولكن بالموت البطىء المؤلم المخيف ؛ مرض الاستبداد والفساد ، وهو المسئول عن خسارة المسلمين للدنيا والآخرة معا.
على هامش الاستبداد والفساد نشأت تلك الأديان الأرضية للمسلمين لتشرع الخنوع للحاكم ولتنشر ثقافة العبيد ، وبها يعانون العذاب المؤقت فى الدنيا والعذاب الخالد فى الآخرة ..فهل بعد ذلك خسران ؟.
فى الدنيا يعانى المصريون العرب والمسلمون من التلوث البيئى والتلوث الأخلاقى والتلوث العقيدى ..وقد يتجمع كل ذلك فى مولد أحد الأولياء وحول ضريحه المقدس..
ونضع كلمة ( الفساد ) مكان كلمة التلوث ، ونقرأ قوله تعالى يصف عصرنا : (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) ( الروم 41 )
ونتدبر قوله تعالى (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) ونسأل أنفسنا : هل هناك أمل فى أن نرجع لكتاب الله جل وعلا نحتكم اليه فيما وجدنا عليه آباءنا من أديان أرضية وثقافات عباسية ومملوكية وعثمانية ؟
لعل .. وعسى..!!
المقال الثانى عشر
الغلاء في أسعـــار رمضان
1 ـ في رمضان سنة 755هـ كان الرخاء كثيراً بمكة المكرمة، فثمن غرارة القمح 80درهماً، والغرارة سبع ويبات مصرية، وهىّ قريبة من (الشوال) أو الكيس المستعمل في الريف المصري الآن، وكان ثمن غرارة الشعير 50 درهماً ، إلا أن الماء كان قليلاً بحيث نزحت الآبار وانقطعت عين جدبان فأغاثهم الله تعالى بمطر عظيم .. هذا ما ينقله المقريزي عن أحوال مكة في رمضان سنة 755هـ ضمن أحداث أخرى منها رجوع إمام الزيدية اليمني عن مذهب الزيدية، وتفاصيل تلك الأخبار يوحي بأن المقريزي ينقل عن شاهد كان حاضراً في مكة في ذلك الوقت .
2 ـ والغلاء في مصر المملوكية كان مرتبطاً بفيضان النيل كما كان مرتبطاً بالسياسة الاقتصادية المملوكية، وحين يتناقص الفيضان يرتفع ترمومتر الأسعار ويبدأ التخزين في الحبوب تحسباً لمجاعة قادمة محتملة، وينقطع ورود الغلال من الصعيد، ويقوم تجار الغلال في ساحل بولاق بإخفاء ما لديهم، وتثور الإشاعات وتبلغ القلوب الحناجر، كان ذلك يحدث في رمضان وفي غير رمضان، وفي رمضان سنة 827هـ في سلطنة الأشرف برسباي حدث أن زاد النيل إصبعين، وكان قياس النيل يتم يومياً في ذلك الوقت من السنة القبطيةـ ثم قاسوه في اليوم التالي فوجدوه قد نقص، يقول المقريزي وكان يعيش ذلك الوقت " زاد النيل إصبعين ثم نقص، فأصبح الناس في قلق وطلبوا القمح ليشتروه وبدأ بعضهم في تخزينه خوف الغلاء إلا أن النيل زاد الأحد 18رمضان في الليل ونودي يوم الاثنين 19رمضان بتلك الزيادة فسُرِّ الناس ."
3 ـ وقد يأتي الفيضان بالمطلوب ولكن تأتي المشكلة من تقصير الدولة المملوكية في إصلاحات الجسور والكباري، والمماليك البرجية انهمكوا في امتصاص دم الشعب دون رعاية للمرافق النيلية، ولهذا كان يحدث الغلاء أحيانا مع وفرة المياه في الفضيان، وكان يحدث ذلك في رمضان، يقول المقريزي في حوادث يوم11 رمضان سنة 825هـ أن النيل بلغ 19 ذراعاً و6 أصابع وأن النفع عم بهذه الزيادة في الفيضان وكان منتظراً أن يعم الرخاء إلا أن الذي كان يتولى صيانة الجسور لم يعتن بها مما أدى لأن غمر ماء النيل الزراعات الصيفية وأفسدها، وضاع محصول السمسم ومحصول البطيخ، وكان زيت السيرج يستخرج من السمسم لذا ارتفعت أسعار السيرج في أسواق القاهرة يوم 28 رمضان من ذلك العام حتى وصل الرطل منه إلى 18درهماً من الفلوس لأن محصول السمسم غرق فقلَّ المحصول، يقول المقريزي "ولم يعهد مثل هذا ".
4 ـ وعموماً كان الغلاء أرحم في دولة المماليك البحرية منه في دولة المماليك البرجية، و المقريزي سجل أحوال مصر في الدولة المملوكية البحرية نقلاً عمّن سبقه من المؤرخين السابقين الذين عاشوا وقت هذه الدولة أمثال النويري وابن الفرات وبيبرس الداودار، ثم سجل أحوال الدولة المملوكية البرجية التي عاشها من مواقع المشاهدة والمعاصرة، وكان أحيانا ينقل أحوال الناس في الدولة البحرية ثم يعلق عليها بالحسرة من أحوال الناس في عصره . وكانت سنة 783هـ هي آخر سنة في الحكم الرسمي للدولة المملوكية البحرية إذ أسس السلطان برقوق الدولة المملوكية البرجية بدءاً من سنة 874هـ بعد سنوات من التحكم في ذرية بني قلاوون بوصفه الأمير الكبير.
5 ـ والمقريزي ينقل أحوال الناس في رمضان 783هـ حين ارتفعت الأسعار ثم يقارن بين هذا الغلاء وسوء الأحوال في عصره بعد ذلك بثلاثين عاماً. يقول المقريزي عن رمضان 783هـ " وكانت الأسعار قد ارتفعت في شهر رمضان حتى بلغ الأردب القمح إلى أربعين درهماً وتزايد حتى بلغ في ذي القعدة ستين درهماً وعزَّ وجوده وارتفعت أسعار الحبوب كلها، وتعذر وجود الخبز بالأسواق، واختطفه الناس من الأفران !! ويقول المقريزي : ـ أن الناس في ذلك الوقت بدءوا في الشكوى من غلاء الأسعار، ولم يكن ذلك معروفاً من قبل، إذ كانت العادة أن يستنكف المستوردون من الشكوى من الغلاء، وإذا اضطر أحدهم للشكوى حسبوها عليه عيباً، يقول المقريزي عن أحوال الناس قبل شهور من قيام الدولة المملوكية البرجية "وكثرت الشكاية في الناس جميعهم، فكانت الشكاية مما تجدد ولم يكن يعرف بل أدركنا الناس إذا شكا أحد من الناس حاله عُدَّ عليه ذلك، فصرنا وما من صغير ولا كبير إلا وهو يشكو، وتزايد أمرهم في ذلك حتى صار أمر الناس بمصر في أيام الناصر فرج (ابن برقوق) وما بعدها إلى فاقة وضعة " أي فقر ومذلة.!!
* 6 ـ وفي عصر المقريزي كان الغلاء شيئاً عادياً، بل كانت المجاعات خبراً عادياً، يقول المقريزي في رمضان 818هـ " وفي هذه السنة حدث غلاء عظيم بديار مصر."
وفي رمضان 828هـ في سلطنة الأشرف برسباي يقول المقريزي "عَزَّ وجود اللحم بالأسواق.." .
وقد يحدث نوع من الفرج فيفرح به الناس وسط ذلك الضنك كما حدث في رمضان سنة 796هـ حين زاد محصول البطيخ العبدلاوي فرخص سعره حتى بيع المائة رطل منه بدرهم !!، وقد يحدث فرج أكبر فتهبط الأسعار في القمح والغلال، ففي سنة 828هـ التي أصبح العثور على اللحم فيها عسيراً هبطت أسعار الحبوب فيقول المقريزي عن رمضان 828هـ أن سعر الغلال انحل مع بداية رمضان وأنها كثرت في الشون وفي ساحل بولاق" من غير سبب يظهر في ارتفاعها أولاً ثم في انحطاطها،إن الله على كل شيء قدير!! أي ارتفعت الأسعار ثم هبطت، وبدون سبب مفهوم، وقد عهدنا المقريزي خبيراً بالاقتصاد في تعليقاته، ولكنه يعجز عن حل هذه الفزورة، وربما كان هذا بداية فوازير رمضان.!
7 ـ وبسبب تدهور الأحوال في عصر المقريزي فإن الغلاء الذي كان يتضرر منه الناس قبل خمسين عاماً يكون رحمة ورفاهية بالنسبة للضنك الذي كان يعيشه أحفادهم في القرن التاسع.. ونتأمل ذلك الخبر، يقول المقريزي في أخبار يوم 11رمضان سنة 825هـ أن الأسعار للغلال نزلت فبلغ سعر أردب القمح 150درهماً، والشعير 85درهماً، والفول80درهماً.. كان ذلك يعد هبوطاً للأسعار، وإذا رجعنا إلى أسعار سنة 783هـ قبيل الدولة البرجية وجدنا الناس يتضررون من الغلاء لأن أردب القمح وصل أربعين درهماً ... وذلك يشبه عصرنا .. فقد كان أجدادنا في العشرينات يتضررون إذا وصل ثمن أردب القمح إلى جنيه واحد ، وإذا انخفض سعر الأردب في عصرنا إلى مائة جنية اعتبرنا ذلك رحمة ورفاهية .
8 ـ ودخلت الأسعار في دوامة الغلاء والتضخم مع تردي الأحوال في الدولة الملوكية البرجية، ونلقي عليها نظرة سريعة فيما يخص شهر رمضان بالذات : :
في رمضان سنة 825هـ كانت الأسعار كالآتي : أردب القمح 150 درهماً ، الشعير85درهماً..
وفي رمضان في سنة 831هـ، كان القمح 260درهماً، الشعير فوق200درهماً، والبطة من الدقيق 80درهماً (والبطة من الدقيق تساوي50رطلاً )
وفي رمضان 843هـ وصل القمح إلى 330 درهماً، والبطة من الدقيق إلى110درهماً . وأورد المقريزي تفصيلات أخرى عن أسعار هذا الشهر(رمضان843): فدان البرسيم أكثر من ألفي درهم، وتناقص لحم الضأن بالأسواق عدة أيام، ولم يكد يوجد السمن وعسل النحل هذا مع علو النيل، وطول مكثه، وحدث نقص في عدة زروع مثل اللفت والفجل والكزبرة. والسبب هو السياسة المملوكية وظلمها وعسفها وسوء تدبيرها.
9 ـ ثم إذا تركنا عصر المقريزي وجئنا إلى عصر قايتباي وجدنا غلاءاً باهظاً في أول رمضان 873هـ (الموافق 15مارس 1468م). ثم جاء غلاء آخر في رمضان التالي 874هـ حيث وصل ثمن أردب القمح إلى 1300درهماً، أي ارتفع ثمن أردب القمح في نصف قرن من 150 درهماً إلى 1300درهماً، وذلك من سنة 783هـ إلى سنة 874هـ، ولم يكن في طاقة الناس تحمل ذلك الغلاء في عصر قايتباي لذلك اشتكوا إلى المحتسب وهو الذي يراقب الأسواق والأوزان والتسعيرة، واشتكى المحتسب إلى السلطان فأمر قايتباي بأن ينخفض السعر إلى ألف درهم وأمر بفتح المخازن السلطانية وبيع ما فيها بسعر ألف درهم للأردب، فهرع الناس إلى مخازن السلطان واشتروا منها بهذا السعر وهم يدعون للسلطان، وترتب على ذلك انخفاض ثمن الخبز، وكان الخبز يباع وقتها بالرطل، وقد وصل ثمن الرطل إلى تسعة دراهم، وبعد انخفاض سعر القمح نزل سعره إلى ستة دراهم للرطل، وكان أردب الشعير قد بلغ 900 درهم للأردب فنزل سعره إلى أقل من 600 درهم.
وأخيرا
من قال إن الدولة المملوكية قد انتهت ؟
انتهى اسمها ولكن بقيت فلسفة الحكم العسكرى الاستبدادى قائمة .. الحكم العسكرى الذى يجثم على قلب مصر من عام 1952 وحتى الان يكرر كل فظائع المماليك من استبداد وفساد وتعذيب وقهر للشعب ، واستخدام القوة المفرطة ضد الشعب الأعزل.!
الفارق أن العسكر المماليك كانوا أجانب جىء بهم بالشراء ليكونوا جنودا ليدافعوا عن مصر الوطن والانسان فوجهوا سلاحهم ضد مصر الوطن والانسان مستبدين بالحكم ومستاثرين بالثروة ، ولكن العسكر المصرى (مصرى) ولكن بدلا من أن يترفق بأهله سامهم خسفا و ذلا وقهرا ، فاق ظلم المماليك.
والفارق أن العسكر المملوكى كانت ثقافته متسقة مع العصور الوسطى ، فالاستبداد الدينى و العسكرى كان هو السائد ، ولم يعرف العصر الوسيط وقتها معنى الديمقراطية وحقوق الانسان .. ولكن العسكر ( المصرى ) هو الذى صادر الديمقراطية و الليبرالية التى سبقت بها مصر كل العرب و المسلمين منذ أن أنشأ الخديوى اسماعيل أول مجلس نيابى فى مصر فى العقد السابع من القرن 19 ..ثم سارت مصر فى تطور ليبرالى ديمقراطى أسفر عن دستور 1923 . صادر العسكر المصريون كل هذا التطور ، ووصلوا باهلهم المصريين الى أحط درجات القهر. أين مصر الان من ديمقراطيات أفريقية وآسيوية ؟
الفارق إن المماليك العسكر أحرزوا انتصارات يحق لهم الفخر بها ، المماليك هم الذين اوقفوا الزحف المغولى فى عين جالوت ، وهم الذين دمروا الامارات الصليبية وطردوا الصليبيين من آخر معقل لهم فى عكا.. وفى عصر المقريزى غزا السلطان برسباى جزيرة قبرص وفتحها ،ووصل نفوذ مصر المملوكية الى جزر أخرى فى البحر المتوسط ، ولا ننسى أن الدولة المملوكية هى التى جعلت القاهرة عاصمة الخلافة العباسية وأهم عاصمة للمسلمين وقتها، وهى التى سيطرت على الشام واجزاء من العراق وآسيا الصغرى ، مع الحجاز ..اين هذا من هزائم العسكر المصريين فى اعوام 1956 ، و1967 ، وفى الثغرة 1973 .. إذا كان من حق المماليك الفخر بأنهم وصلوا بحدود مصر الى جنوب تركيا وغرب العراق وشمال اليمن فان من حق العسكر المصريين أن يشعروا بالخزى و العار وهم الذين أضاعوا سيناء واستعادوها منقوصة السيادة بعد حرب لم تسمن ولم تغن من جوع ..بل جاء بعدها الجوع . ..
وبمناسبة الجوع فقد كانت الأوبئة و المجاعات قدرا متكررا لا حيلة للمماليك فيه بسبب قلة أو زيادة فيضان النيل فى العصر المملوكى ، فما هو العذر الذى يتحجج به العسكر المصريون فى الجوع الذى يعانى منه المصريون الان ؟ .. انه ليس مجرد غلاء ..بل هو اقتتال على رغيف الخبز فى وطن أصبح النيل فيه خادما وديعا للزراعة ؟!..
أن كل ما سبق نشره فى موقعنا ( أهل القرآن ) من هذه الحلقات عن رمضان بين سطور التاريخ أصبح مؤلما لى ـ ليس فى إعدادها من بين سطور التاريخ ، وهو عمل بحثى متعب ومرهق ـ ولكن الألم الحقيقى حين أضطر لعقد المقارنة بين مصر الآن ومصر المملوكية .
ولكن هذه المقارنة ضرورية لنتعرف على الوهدة التى أوصلنا اليها العسكر( المصرى ) ..والتى تجعلنا نترحم على العسكر المملوكى الغريب الذى كان ارحم بالمصريين والذى رفع اسم مصر عاليا فى وقته .
ولا حول ولا قوة إلا بالله ..جل وعلا .!
ب 3 / ف 1 / ج 4 : رمضان بين سطور التاريخ : ( ثلاث مقالات )
كتاب ( رمضان والصيام بين الاسلام والدين السنى ) دراسة أصولية تاريخية
الباب الثالث : لمحة عن رمضان فى التاريخ
الفصل الأول : رمضان بين سطور التاريخ : الجزء الرابع ( ثلاث مقالات )
المقال الثالث عشر
ملامح من رمضان فى عصر قايتباى
المرجع الأساس لعصر قايتباى هو المؤرخ ابن الصيرفى الذى أرّخ له وهو يعمل قاضيا للسلطان ، بالاضافة الى اثنين من المؤرخين هما ابو المحاسن ابن تغرى بردى وابن اياس . وننقل ملامح من رمضان فى القاهرة فى عصر السلطان المملوكى قايتباى :
رمضان سنة 873 هـ
بداية الأسبوع الثالث من رمضان 873هـ يوافق 29 مارس 1468م
كان الطاعون منتشراً في أوائل شهر رمضان ثم خفت حدته بحلول الأسبوع الثالث منه . ومع نقص الطاعون فالموت لا يزال موجوداً بكثرة بين الأمراء والأعيان من المماليك
في ليلة الخميس 16 رمضان مات بالطاعون الأمير قانباي الحسني والي القاهرة المحروسة، وكان من مشاهير الظلمة ودفن في اليوم التالي ، وقال عنه المؤرخ أبو المحاسن " وأما أفعاله فسيئة ، وباشر الولاية مباشرة سيئة ، وحسابه على الله تعالى . ".
وقال عنه المؤرخ ابن الصيرفي فى كتابه ( إنباء الهصر بأبناء العصر ) " أصله من عتقاء الملك الأشرف إينال، وله الوقائع المعلومة الصادرة عنه من الظلم والأذى إلى غير ذلك . " .
رمضان سنة 875 هـ
بداية الأسبوع الثالث من رمضان 875 هـ الموافق 6 مارس سنة 1475 م
يقول المؤرخ القاضى ابن الصيرفى إنه منذ منتصف رمضان إلى نهاية هذا الأسبوع عاش الصناع (الحرفيون ) في القاهرة في ظلم شديد بسبب تعسف المماليك، فالخياطون وصناع الجوخ وأرباب الصناع سخرهم الداودار الكبير للعمل عنده في تجهيز عدة الجيوش ومستلزماتها أثناء استعداده للزحف إلى شاه سوار الثائر على الدولة المملوكية في العراق . ومع أن الداودار الكبير قرر لهم أجوراً نظير عملهم إلا أنه كان يماطلهم ولم يعطهم شيئاً . وأما التجار وأصحاب الجوانيت فإنهم من أول شهر رمضان إلى نصف الشهروهم بلا عمل بسبب انتظارهم لبيع تركة الأمير بردبك نائب الشام، وحتى الأسبوع الثالث من رمضان لم ينته البيع ، ثم إن الوزير ابن الغريب فرض على الإسكافية أن يشتروا منه جلود المدابغ بضعف ثمنها، واضطر الإسكافية في(بين الصورين) للشراء وصبروا على الظلم ، أما أساكفية حي (الصليبة) فإنهم أخذوا الجلود ووعدوا أعوان الوزيربدفع بعض الثمن، ثم أصبحوا فوقفوا أمام القلعة يستجيرون بالسلطان قايتباي ، فمنعهم خدام الحوش السلطانى فرجعوا وصعدوا إلى أعلى الجبل المقابل لحوش السلطان الذى يجلس فيه للخدمة والأحكام واستغاثوا، فسأل السلطان عن أمرهم فأخبروه بحالهم وأن الوزير ابن غريب فرض عليهم الجلود بضعف ثمنها وغرمهم، فأمر السلطان بإنصافهم وكف الوزير عنهم ، فدعوا للسلطان وانصرفوا.
رمضان سنة 876هـ
في يوم الإثنين 15 رمضان 876 عرضت كسوة الحرم الشريف بمكة على العادة بالقصر السلطاني بالقلعة، وأنعم السلطان قايتباي على القاضي برهان الدين الكركي وهو إمام المسجد السلطاني بالقلعة ، وأنعم على ابن القاضي شرف الدين الأنصار لأنه ناظر كسوة الحرم الشريف، وكان برهان الدين الكركي هو الذي باشر إعداد كسوة الكعبة، وأنعم السلطان إيضاً على بقية من باشر في إعداد الكسوة الشريفة.
وفي نفس اليوم صعد رسل السلطان العثماني لمقابلة السلطان قايتباي بالقلعة، وكان رسل السلطان العثماني في موكب حافل واستقبلهم السلطان قايتباي في أبهة زائدة، وقدموا هديتهم للسلطان فقبلها، وكانت هديتهم أربعة من المماليك وأثواب سمور وسنجاب وعشرة أقفاص فضيات . وكان مع كبير الرسل العثمانيين رسالة للسلطان قايتباي فقرأها السلطان قايتباي سراً. وكان رسل السلطان العثماني في طريقهم للحجاز. وكان الحجاز تحت السيطرة المملوكية وفي هذا اليوم كان أول شهر برمهات القبطي... وكان البرد فيه شديداً للغاية. .
المقال الرابع عشر
ذنوب في رمضان ـ وزلزال في ذي الحجة
1 ـ حدث زلزال عام في مصر في ذي الحجة يوم 23 سنة 702هـ والمقريزي يرى أن ذلك الزلزال هو عقوبة على ما حدث في رمضان الذي قبله ، فقد انتصر المماليك على غازان والتتار في الشام وجاءت البشرى للقاهرة فأقيمت الأفراح والليالي الملاح وظهرت الخمور وتبرجت النساء ، وكان لابد من العقوبة . يقول المقريزي " وفيها كانت الزلزلة العظيمة ، وذلك أنه حصل بالقاهرة ومصر في مدة نصب القلاع والزينة من الفساد في الحريم وشرب الخمور ما لايمكن وصفه من خامس شهر رمضان إلى أن قلعت ـ أى الزينة ـ في أواخر شوال ، فلما كان يوم الخميس يوم 23 ذي الحجة عند صلاة الصبح اهتزت الأرض كلها وسمع للحيطان قعقعة وللسقوف أصوات شديدة، وصار الماشي يميل والراكب يسقط حتى تخيل الناس أن السماء انطبقت على الأرض ، فخرجوا في الطرقات رجالاً ونساءاً، ومن شدة الخوف والفزع خرجت النساء مكشوفات الوجه ( لاحظ هنا أن النساء كن يلبسن النقاب ، ومع ذلك كان الفسق سائدا حتى فى رمضان ) ..واشتد الصراخ وعظم الضجيج والعويل وتساقطت الدور وتشققت الجدران وتهدمت مآذن الجوامع والمدارس، ووضع كثير من الحوامل ما في بطونهن ، وخرجت رياح عاصفة ففاض ماء النيل حتى ألقى المراكب التي كانت بالشاطئ ، وعاد الماء عنها فأصبحت على اليابس وتقطعت مراسيها ، واقتلع الريح المراكب السائرة في وسط الماء وحدفها على الشاطئ ).
ونتابع المقريزى وهو يقول : ( وضاعت للناس أموال كثيرة ، فقد خرجوا من بيوتهم مفزوعين وقد تركوا خلفهم بيوتهم بكل ما فيها وقد ذهلوا عن أموالهم، وسرعان ما دخلها اللصوص وسرقوها، وترك الناس القاهرة إلى خارجها ، ونصبوا الخيم من بولاق إلى الروضة وباتوا فيها. ولم تكد دار في القاهرة تسلم من الهدم أو الفوضى ، وسقطت المنشئات التي في أعلى البيوت، ولم تبق دار إلا وعلى بابها التراب والطوب، وبات الناس ليلة الجمعة بالجوامع والمساجد يدعون الله تعالى إلى وقت صلاة الجمعة .!! )
وعن الزلزال خارج القاهرة يقول المقريزى : (وتواترت الأخبار من الغربية بسقوط جميع دور مدينة سخا حتى لم يبق بها جدار قائم وصارت كوماً ، وأن ضيعتين بالشرقية خربتا حتى صارتا كوماً ، وقدم الخبر من الآسكندرية بان المنارة انشقت وسقط من أعلاها نحو الأربعين شرفة ، وان البحر هاج وألقى الريح العاصف أمواجه حتى وصل باب البحر، وصعد بالمراكب الأورربية على البر ، وسقط جانب كبير من السور المقام على الشط ، ومات جمع كبير من الناس ).!! ( وقدم الخبر من الوجه القبلي بأن في اليوم المذكور هبت ريح سوداء مظلمة حتى لم ير أحدٌ أحداً لمدة ساعة ، ثم ماجت الأرض وتحركت وظهر من تحتها رمل أبيض وفي بعض المواضع رمل أحمر ، وكشط الريح مواضع بين الأرض فظهر من داخل الأرض عمائر قديمة ــ فرعونية ــ كانت الرمال قد أخفتها ، وخربت مدينة قوص .) ، وقدم الخبر من البحيرة أن دمنهور لم يبق بها بيت عامر.!!
وعن خسائر الزلزال فى العمائر المملوكية الشهيرة يقول المقريزى : ( وتركت الزلزلة آثارها المدمرة على المساجد المشهورة بمصر والقاهرة مثل جامع عمرو بن العاص ، فالتزم الأمير سلار النائب بعمارته ، وخربت أكثر سواري جامع الحاكم بالقاهرة وسقطت مئذنتاه فالتزم الأمير بيبرس الجاشنكير بعمارته ، وخرب الجامع الأزهر فالتزم الأمير سيلار بعمارته أيضاً وشاركه فيه الأمير سنقر الأعسر. وخرب جامع الصالح خارج باب زويلة فعمره السلطان من ديوان الخاص وتولى عمارته الأمير علم الدين سنجر، وخربت مئذنة المدرسة المنصورية فعمرت من إيراد الوقف عليها وقاد بترميمها الأمير سيف الدين كهرداس الزراق ،وسقطت مئذنة جامع الفكاهين ، وأمر السلطان بعمار ما تهدم من سور الأسكندرية .)
وعانى أهل الشام من نفس الزلزال ، يقول المقريزى : ( وقدم البريد من صفد يخبر بأنه في يوم الزلزال سقط جانب كبير من قلعة صفد، وأن البحر من جهة عكا انحسر قدر فرسخين وانتقل عن موضعه إلى البر فظهر في موضع الماء أشياء كثيرة في قعر البحر من أصناف التجارة كانت غارقة. وتشققت جدر جامع الأموي في دمشق.)
وعن طبيعة الزلزال والهزات التالية الناتجة عنه يقول المقريزى يعكس ثقافة عصره عن الزلازل : واستمرت الزلزلة خمس درجات ( بمقياس العصر المملوكي وليس بمقياس ريختر ) إلا أن الأرض أقامت عشرين يوماً ترجف ، وهلك تحت الردم خلائق لا تحصى ، وكان الزمان صيفا فتوالى بعد ذلك رياح شديدة الحرارة عدة أيام ).)
ويقول عما حدث بعد هدوء الأرض وسكوت الزلازل : ( واشتغل الناس بالقاهرة ومصر مدة طويلة في ترميم المباني وإعادة بنائها، وارتفعت أسعار مواد البناء لكثرة الطلب عليها ، لأن القاهرة أصبحت لمن يراها كأن جيشاً أغار عليها وخرّبها. ).
ثم يعود المقريزى ليؤكد الحجة المعروفة من ان الفسق والفجور والعصيان أسباب الزلزال ، لذا أقلع الناس ( مؤقتا ) عنها ، يقول المقريزي " فكان ذلك من لطف الله تعالى بعباده، فإنهم رجعوا عن بعض ما كانوا عليه من اللهو والفساد أيام الزينة ، وفيهم من أقلع عن ذلك لكثرة ما توارد من الأخبار من بلاد الفرنج وسائر الأقطار مما كان من هذه الزلزلة ".."
وعلى هامش الزلزال ردد الناس قصصا قد تكون خيالية او صحيحة ، فأثناء ترميم الأمير بيبرس الجاشنكير للجامع الحاكمي بعد الزلزال وجدوا في ركن من المئذنة كف انسان مع ذراعه قد لف في قطن وعليه أسطر مكتوبة لم يعرف أحد قراءتها )، ( وحدث ان نبشوا دكان لبان كان قد تهدم فإذا أخشاب الدكان قد تصلبت على اللبان وهو حي وعنده جرة لبن ظل يتقوت منها عدة أيام، فأخرجوه حياً لم يمسسه سوء!!)( وفى مدينة قوص بالصعيد حدث أن رجلاً كان يحلب بقرة فارتفع ذلك الرجل في وقت الزلزلة وبيده المحلب وارتفعت معه البقرة حتى سكنت الزلزلة ثم انحط إلى مكانه من غيران يتبدد شيئ من اللبن الذي في المحلب . ) )
وفي القرون الوسطى كان التطرف سيد الموقف،إذا لاحت فرصة للإحتفال والزينة والإنحلال الخلقي تطرفوا في المعاصي، وإذا جاءتهم كارثة بعدها تطرفوا في الشعور بالذنب ، ثم إذا انتهت الكارثة عادوا إلى ما كانوا عليه من اللهو واللعب، وكان ذلك يحدث غالياً قبل كوارث المجاعات والأوبئة وبعدها.. وكم في تاريخ العصور الوسطى من محن وعبر.!!
المقال الخامس عشر
رمضان فى العصر الفاطمي
1 ـ تحول رمضان فى الخلافة الفاطمية إلى مناسبات شتى وطقوس متنوعة وحفلات متتابعة أصبح بها فريدا بين شهور العام ..
2 ـ وتبدأ الاحتفالات الفاطمية بأول يوم فى رمضان أو ما يعرف بغرة رمضان . وهناك ما كان يعرف بطبق غرة رمضان حيث يرسل الخليفة الفاطمي فى أول رمضان هدية لجميع الأمراء والموظفين والخدم ، وهذه الهدية عبارة عن طبق لكل واحد منهم وطبق لكل واحد من أولاده ونسائه ، وفى الطبق حلوى وفى وسطه صرة من الذهب ، فيعم ذلك سائر أهل الدولة ، ويقال لذلك غرة رمضان. وقبل توزيع غرة رمضان يكون ركوب الخليفة الفاطمي فى موكب يشق القاهرة ويبدأ الاستعداد لركوب الخليفة بانقضاء الأيام الأخيرة من شعبان .
3 ـ طقوس ركوب الخليفة الفاطمي:
ركوب الخليفة الفاطمي فى أول رمضان كان يعنى عند الشيعة الإسماعيلية رؤية الهلال، ومع ذلك فأن طقوس ركوب الخليفة الفاطمي فى رمضان هي نفس الطقوس الفاطمية فى ركوب الخليفة فى كل المناسبات خصوصا ركوبه فى أول العام . وكان من العادة أن تكتب منشورات رسمية إلى الولاة والعمال والنواب فى الأقاليم تصف هيئة ركوب الخليفة فى تلك المناسبات وما حدث فيها .
وقبل خروج الخليفة يتم تزيين الشوارع . ويقوم بذلك تجار القاهرة ومصر ( ويقصد بهما ما يعرف الآن بالقاهرة الكبرى) وأولئك التجار كان فى مقدمتهم الصيارفة وتجار الجواهر والقماشون والصاغة ، وكل تاجر يزين الطريق بما تقتضيه تجارته وبما يعد فى عصرنا إعلانا عن التجارة التي يمارسها ويحرص على كتابة الشعارات التي توضح أنه ينتظر البركة من مرور موكب الخليفة بجواره.
ويصطف العساكر والعبيد على الطرقات وعلى أبواب الحارات التي يجرى تجميلها وتنظيفها لمرور الموكب ، ثم يبدأ الخليفة باستدعاء الوزير ليطمئن منه على برنامج الموكب ، وبعدها يخرج الخليفة من قاعة الذهب وأمامه الوزير فيجتاز باب الذهب ، وتكون صفوف العساكر عن يمينه ويساره من القصر إلى الشارع . وحين يخرج من القصر يبدأ بباب الفتوح حيث يستقبله العساكر وهم فى أبهى زينة .
ويمشى الموكب فى الشوارع وقد علقت عليها الستائر والأعلام ، ويدخل من باب النصر ويتم توزيع الصدقات على المساكين وتفرقة الأموال على (المستورين ). ثم يعود إلى القصر فيدخله من باب الذهب الذي خرج منه ، وهنا يتلقاه المقرئون بترتيل الآيات القرآنية فى طول الدهاليز إلى أن يدخل خزانه الكسوة الخاصة بالخليفة ، وفى الخزانة يغير الخليفة ثياب الموكب بثياب غيرها ، ويتوجه بالثياب الجديدة إلى تربة آبائه ليقرأ عليهم الفاتحة ، ثم يعود إلى قصره للراحة . وفى ذلك الوقت تكون الأسمطة – أي الموائد – قد تجهزت ، بنفس الطقوس المعتادة فى تجهيز الموائد وفى حضورها وفى تفرقة الطعام ..
4 ـ سماط شهر رمضان
وكانت العادة أن تقام المآدب الرسمية لشهر رمضان فى قاعة الذهب حيث يوجد عرش الخليفة الفاطمي –أو السريرـ المصنوع من الذهب الخالص والمطعم بالجواهر .وكان لجلوسه على ذلك العرش الذهبي طقوس خاصة تخرج عن موضوعنا ، ولكن كانت قاعة الذهب هي مكان سماط الشهر الرمضاني .
وتبدأ المآدب الرسمية من يوم الرابع فى رمضان إلى السادس والعشرين منه.
ويتم دعوة الضيوف إلى هذه المآدب الرسمية باستدعاء رسمي من قصر الخلافة. ووفقا لنظام خاص ، فقاضى القضاة تأتيه الدعوة فى ليالي الجمع توقيرا له ، أما الأمراء ففي كل ليلة يأتي قوم منهم بالنوبة وبالترتيب حتى لا يحرمونهم من الإفطار مع أسرهم وأولادهم ، ويتم ذلك طبقا لاستدعاء رسمي لكل منهم حتى لا يتأخر ، والوزير يحضر كل يوم ويجلس فى صدر المجلس ، فإن تأخر أو لم يحضر لعذر طارئ حضر عنه أبنه أو أخوه ، وإن لم يحضر ناب عنه صاحب الباب أو الحاجب.
فإذا حضر الوزير أخرجوا إليه من الطعام الموجود أمام الخليفة ، ويمر الخليفة بيده على ذلك الطعام تشريفا للوزير ، وربما حمل الوزير لسحوره بعضا من السحور الخاص بالخليفة .
وكل ما هو معروف ومشهور من الطعام يوضع على تلك الموائد فى طول القاعة بحيث لا يفوت القائمون على إعداد السماط شيء من أطايب الطعام ، وسفرة الطعام مبسوطة تشمل ثلثي القاعة ، والفراشون قيام يخدمون الحاضرين ويحضرون لهم الماء المبخر فى كيزان الخزف .
وتنتهي المأدبة بعد العشاء الآخرة فيتفرق الحاضرون ، وبعضهم يأخذ معه ، ما يكفى جماعة ، ويتم توزيع ما يبقى على أهل القاهرة ، وتصل تكلفة السماط الرمضاني ثلاثة آلاف دينار فى مدة سبعة وعشرين يوما .
5 ـ سحور الخليفة :
وبعد الإفطار وسماط رمضان ، يجلس الخليفة فى الروش إلى وقت السحور والمقرئون تحته يقرأون القرآن ( يتغنون به ) ويطربون بحيث يشاهدهم الخليفة ، ثم يحضر بعدهم المؤذنون فيأخذون فى التكبير وذكر فضائل السحور ويختمون بالدعاء، ثم يأتي الوعاظ فيذكرون فضائل رمضان وينشدون مدائح للخليفة وقصائد صوفية ، ثم يقوم الجميع للرقص ويستمرون فيه إلى منتصف الليل ، فيأتي للخليفة أستاذ من القصر ومعه كشف بالإكراميات للمقرئين والمؤذنين والوعاظ ، فينظر فيه الخليفة ثم يأذن بتوزيعه عليهم ، ثم تأتى إليهم كميات ضخمة من القطائف والحلوى فيأكلون ويملئون أكمامهم ليعودوا لأولادهم بشيء منها وما يتبقى يتخطفه الفراشون والخدم.
ثم يجلس الخليفة فى سماط السحور فى نفس القاعة – قاعة الذهب – وبين يديه المائدة ، وقد عبئت بكل أنواع اللحوم من حيوان وطيور ، وفى وسط المائدة آنية ضخمة اسمها " القعبة الكبيرة" وقد ملئت بطعام خاص بالخليفة ، ويحضر جلساء الخليفة على السحور وكل منهم يأكل ما يقدر عليه ، ثم يومئ الخليفة لهم بالأذن من أكل الطعام الموجود فى " القعبة الكبيرة" فيفرق الفراشون عليهم منه ، وكل من تناول منه شيئا قام وقبَّل الأرض أمام الخليفة وأخذ منه على سبيل البركة لأولاده ، وبعدها تقدم لهم الصحون الصيني مملوءة بالقطائف فيأخذون منها كفايتهم .
وبعدها ينتقل الخليفة إلى مكان أخر اسمه الباذهنج فيجلس وأمامه العصائر وأنواع اللبن والسويق والفواكه ، ثم يكون بين يديه صينية ذهب مملوءة من السفوف ، ويحضر الجلساء ويأخذ كل منهم فى تقبيل الأرض أمام الخليفة ويسأله أن ينعم من ذلك ،فيفرق الفراشون عليهم منه فيأخذونه فى أكمامهم وينصرفون بعد السلام.
كشف المساجد:.
وفى الأيام الثلاثة الأخيرة من رمضان يقوم القضاة بكشف المساجد ، فيطوفون بمساجد القاهرة ومصر لينظروا حالها وما تحتاجه من عمارة وتنظيف ووقود للقناديل وحصير وغير ذلك ، وتبدأ مسيرة القضاة بجامع المقس ثم ببقية المساجد والجوامع ثم بالأضرحة ثم بالقرافة ، وكان يصحب القضاة كثير من الشهود والطفيلين الذين ينتهزون الفرصة بذلك لحضور السماط مع القضاة .
الختم فى آخر رمضان :.
وموعده يوم 29 رمضان ، وفيه يتم إعطاء المقرئين والمؤذنين والوعاظ أضعاف ما كانوا يأخذون فى الليالي السابقة . ويحضره الوزير وآله مع الخليفة مع جمع من المقرئين والمؤذنين والوعاظ ، وتحضر سيدات القصر أنواعا من الأطعمة والمثلجات وتوضع أمام المقرئين والمؤذنين لتشملها بركة ختم القرآن ، ثم يستفتح المقرئون القراءة بالحمد إلى خاتمة القرآن تلاوة وتطريبا ، ثم يقف الخطيب فيسمعون منه ويدعو للخليفة ، ثم يكبر المؤذنون ويهللون وينشدون القصائد ، ثم ينثر الخليفة عليهم الدنانير والدراهم ، وتقدم لهم أواني القطائف مع أنواع الحلوى ثم يخرج أستاذ من القصر ومعه كسوة التشريفة ويتم توزيعها على الخطيب وغيرة مع دراهم أخرى تفرق على المقرئين والمؤذنين والوعاظ.
وفى أواخر رمضان سنة 516 وفى خلافة الآمر الفاطمي أقام الخليفة حفلا لختم رمضان وعبىء سماط
الفطرة فى مجلس الملك بقاعة الذهب ، وكانت الحلوى أهم طعام فى السماط ، وبعدها صلى الخليفة الآمر بالناس صلاة العيد فى المصلى التي تقع بالقرب من باب النصر ، وخطب بالناس . وكان ذلك كله قد أبطله الوزير الأفضل فعاد العمل به بعد مقتل الأفضل .
اجمالى التكلفة
وبلغ المصروف على نفقات الموائد فى ليالي رمضان كلها 16436 دينارا ، بالإضافة إلى مرتبات المقرئين والمسحراتية وثمن المشروبات والحلاوة والألعاب ، وبلغت المصروفات العامة على شهر رمضان مائة ألف دينار نقدا وتشمل النفقات الإضافية والصدقات وحلوى عيد الفطر وكسوة العيد .
وكانت العادة أن تضرب الخلافة الفاطمية نقودا تذكارية تصل جملتها السنوية خمسمائة دينار وتتحول إلى عملة تذكارية صغيرة ويتحول الدينار إلى عشرين خروبة . وكلها يتم توزيعها فى مناسبات رمضان .
كل عام وأنتم ــ أحبتى ـ بكل خير وفضل من الله جل وعلا ونعمة .
ب 3 ف 2
ب 3 / ف 2 / ج 1 : يوميات شهر رمضان : حدث فى أيام رمضان فى تاريخ المسلمين
كتاب ( رمضان والصيام بين الاسلام والدين السنى ) دراسة أصولية تاريخية
الباب الثالث : لمحة عن رمضان فى التاريخ
الفصل الثانى : يوميات شهر رمضان :
حدث فى أيام رمضان فى تاريخ المسلمين : الجزء الأول .
أول رمضان :
ماذا حدث في أول رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث أول يوم فى رمضان
ــ الخميس أول رمضان سنة 830هـ : افتتاح الجامع الذي أنشأه الأمير جانيك الداودار بالقرب من جامع ابن طولون بالقاهرة وأقيمت به الجمعة ثانى رمضان ، وكان من أحسن العمائر.وذلك في سلطنة الأشرف برسباي المملوكي.
ــ الثلاثاء أول رمضان سنة 839هـ : في سلطنة الأشرف برسباي ، أصدر السلطان برسباي قراراً بأن يتولى إمارة المدينة المنورة الشريف أميان بن مانع بن على بن عطية بن منصور بن جماز بن شيحة الحسني بعد مقتل أبيه.
ــ الأحد أول رمضان سنة 874هـ : في سلطنة الأشرف قايتباي ، كان السلطان قايتباي قد جهز حملة لقتال شاه سوار الثائر على الدولة المملوكية في العراق وقد تقاعس عن الخروج في هذه الحملة أبناء المماليك المعروفون بلقب " أبناء الناس " وكانوا كالإحتياط للجيش المملوكي ويأخذون رواتب في نظير ذلك ، وحين اعتذروا عن الخروج مع الحملة قدموا فدية مالية هي رواتبهم التي يأخذونها من الدولة. وفي أول رمضان 874هـ أمر السلطان برد الفدية التي دفعها اولئك الجنود مع عدم خروجهم للحرب ، وتعجب الناس من حدوث ذلك وكيف تنازل السلطان قايتباي عن تلك الأموال الكثيرة..
ــ الخميس أول رمضان سنة 875هـ : { يوافق 27 أمشير 1186 ،21 فبراير 1471 م}
* حدث خلاف بين الفقهاء في تحديد بداية شهر رمضان ، ثم اتفقوا على أن شعبان جاء ناقصاً .
* صعد القضاة الأربعة للقلعة لتهنئة السلطان بحلول الشهر العربي وكانت تلك عادة شهرية في أول كل شهر عربي، وكان السلطان قايتباي غاضباً على قاضي القضاة الحنفي محب الدين بن الشحنة بسبب سوء مسلك ابنه عبد البر ، وتوقع الجميع أن يعنفه السلطان ولكن السلطان لم يفعل .
ــ الإثنين أول رمضان سنة 876هـ : في سلطنة قايتباي :
* جاء شعبان قبله تاماً،وأثبت القضاة الأربعة ذلك في محضر الرؤية وصعدوا للسلطان قايتباي يهنئونه بالشهر المبارك على العادة.
* وفي أول هذا الشهر أنعم السلطان بتشريفه على قاضي القضاة الشافعية بدمشق قطب الدين الخيضري،وأنعم بتشريفه مماثلة على ابنه، وكات التشريفة عبارة عن ملابس فخمة من الصوف الأبيض مزينة بالسمور ، وامر السلطان في نفس الوقت بتغريمه ثلاثين ألف دينار.!!.. والسبب أنهم اتهموا الشيخ الخيضري باختلاس ثلاثين ألف دينار،وجئ به للقاهرة وأقام في بيت الأمير أزبك قائد الجيش المملوكي ودفع للحاشية عشرة آلاف دينار، ولكن لم يفلح مسعاه، ثم انتقل إلى الإقامة في تربة السلطان وحاول استرضاء السلطان فرفض السلطان حضوره إلا بعد أن يدفع خمسين ألف دينار، وتوسط له ابن مزهر الأنصاري كاتب السر أو سكرتير السلطان الخاص، وفي النهاية رضي السلطان بان يستقبله في أول رمضان 876هـ وأنعم عليه بالتشريفة وألزمه بدفع ما اختلسه.
حدث يوم 2 رمضان
ماذا حدث في 2 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
الجمعة 2رمضان سنة 415هـ : ركب الخليفة الظاهر الفاطمي إلى صلاة الجمعة بالجامع الأزهر وعلى رأسه عمامة بيضاء بالذهب والمظلة فوق رأسه بالذهب ، وطلع معه المنبر قاضي القضاة أحمد بن أبي العوام فأرخى عليه ستر القبة التي في أعلى المنبر ، والعنبر يبخر بين يديه في المباخر الذهب والفضة ، فخطب من وراء الستر ثم كشف عنه قاضي القضاة الستر ونزل فصلى ثم عاد في موكبه إلى قصره.
الإثنين 2رمضان سنة826هـ :
*أمر السلطان برسباي باعتقال الأمير سودون الأشقر ونفيه إلى القدس ، ثم أنعم عليه بإمارة دمشق فيما بعد.
* خرج من القاهرة عدد من الأمراء سافروا للإسكندرية ودمياط ورشيد لأن الأخبار جاءت بتحرك قراصنة الفرنجة نحو السواحل المصرية.
الجمعة 2رمضان سنة 829هـ :
* خرجت الحملة التي أرسلها السلطان برسباي لغزو قبرص التي كانت محطة للقرصنة ضد السواحل المصرية والشامية، وكان قوادالحملة أربعة من الأمراء المماليك ، تغري بردي المحمودي مقدم عسكر البر ، اينال الجكمي مقدم عسكر البحر ، ثم تغري برمش ومراد خجا ، وتبعهم المجاهدون، وأقلعت الحملة من رشيد ، وفي البحر انكسرت منهم أريعة مراكب وغرق منهم نحو العشرة ، ووصل الخبر للسلطان برسباي فانزعج وهم بإبطال الحملة ، ثم أرسل الأمير جرباش حاجب الحجاب ليكشف الخبر ويقرر الحل المناسب ، فذهب إلى هناك وقرر استمرار الحملة ، وقد نجحت تلك الحملة في الإستيلاء على جزيرة قبرص وتدمير جيشها وأسر ملكها واحضاره إلى القاهرة ، وبذلك أصبحت قبرص تابعة للدولة المملوكية.
الإثنين 2رمضان سنة 842هـ :
* في سلطنة جقمق : توجه الأمير يشبك لقتال هوارة في الصعيد .
* الجمعة 2 رمضان سنة 875 هـ : في سلطنة الأشرف قايتباي :
* نودى في القاهرة بأن يتوجه المماليك السلطانية لقبض النفقة أو المصروف الشخصي حتى يذهبوا في الحملة المرسلة لتأديب شاه سوار الثائر على الدولة في العراق ، وتولى القاضي ابن جلود تجهيز كل مرتب في صرة، وتم ذلك في سرية تامة
* وكان القائد لهذه الحملة هو الداودار الكبير يشبك ، والداودار يعني اليوم رئيس الديوان الملكي وكان يشبك صاحب أكبر نفوذ في عصر قايتباي وقد ساعده في الوصول للسلطنة وتولى المناصب الهامة في الدولة، وأنشأ للسلطان قايتباي القبة المشهورة التي لا تزال إلى الآن في ميدان حدائق القبة ، وبسبب نفوذه الضخم أسند إليه قايتباي مهمة القضاء على شاه سوار الذي أرهق الدولة المملوكية في العراق ، وربما أراد قايتباي أن يتخلص من يشبك وهذا ما حدث فعلاً إذ مات ذلك الأمير الشاب في تلك الحملة ، وبدأ الإستعداد لهذه الحملة يوم الجمعة 2رمضان 875هـ باستدعاء الجنود المماليك لإستلام المرتبات والمهمات ، ثم أرسل الأمير يشبك في نفس اليوم فائض إيرادات الدولة وهو مائة ألف دينار
في نفس اليوم كان الشيخ برهان الدين البقاعي يتحدث في ندوته الأسبوعية عصر الجمعة في مسجد الظاهر بيبرس الموجود حتى اليوم في حي الظاهر ، وكان البقاعي قد أعلن كفر ابن الفارض الذي توفى قبل ذلك بنحو قرنين ونصف القرن، ولكن كان لإبن الفارض طريقة صوفية قوية وكثرة من الأتباع ، وحضر منهم يوم الجمعة 2رمضان 875هـ جماعة اعتدوا علي البقاعى في المسجد في ندوته الأسبوعية فشكاهم إلى قصروه الحاجب فاعتقلهم الحاجب، وكلف البقاعي أعوانه بتأمين المسجد وحراسته، ثم تدخل ابن مزهر الأنصاري كاتب السر ــ أو سكرتير السلطان ــ فأطلق الصوفية المعتدين من الحبس.
وجدير بالذكر أن البقاعي وضع كتابين في تكفير ابن عربي وابن الفارض ، وقد حقق الكتابين معاً الشيخ عبدالرحمن الوكيل تحت عنوان " مصرع التصوف" .
ماذا حدث في 3 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث يوم 3 رمضان
السبت 3 رمضان 875هـ : كان التجهيز في القاهرة لإرسال حملة لتأديب شاه سوار الثائر على الدولة المملوكية في العراق ، وفي هذا اليوم كان الجنود يتسلمون الكسوة والنفقة أو المرتب، وكان أغلبهم يكره الخروج للحرب .
* وحدث أثناء توزيع النفقة أن حاول أحد المصريين من غير المماليك التطوع واسمه تغري بردي المحيي بن الشحنة، واستطاع أن يستلم الكسوة أو الزي العسكري ، ثم جاء دوره في قبض النفقة أو المرتب فاكتشفوا أن إسمه ليس في الكشوف فأخرجوه من العسكر ، ولكنه عاد وألح في التطوع فطردوه، ثم توسط له بعض الناس عند السلطان قايتباي فاستحضره وامتحنه في استعمال السلاح فعجز عن شد القوس فطرده السلطان وأخذ منه الكسوة أو الزي .
* وحدث أيضا أثناء توزيع الكسوة والنفقة أن ضاعت الكسوة والنفقة من أحد الجنود فرجع للسلطان ليعطيه عوضا عنها فطرده السلطان وهدده، ثم حدث أن وجد جندي آخر النفقة والكسوة الضائعة فأخذهما وأعطاهما لصاحبها .وصمم الجندى صاحب الكسوة والنفقة على أن يأتي معه ذلك الجندي للسلطان قايتباي ويخبره بما حدث ، وأعلموا السلطان بالقضية فأنعم على الجندي الأمين بهدية وطرد الجندي الآخر الذي ضاعت منه النفقة والكسوة لأنه ليس اهلاً للحرب.
* وفي نفس اليوم اعتذر جندي للسلطان عن الإشتراك في الحرب بحجة ان عينيه تؤلمانه واختبره السلطان فعلم أنها حيلة ، فضربه السلطان وأمر بنفيه إلى طرسوس ، وتوسط له الأمراء فأعاده السلطان وأهانه وأمره بالسفر مع الجيش .
* كما سبق ( في يوم الجمعة 2رمضان) اعتدى الصوفية على الشيخ البقاعي في مسجده فشكاهم للحاجب فحبسهم، ولكن تدخل سكرتير السلطان فأخرجهم، وتشجع الصوفية في اليوم التالي (السبت 3رمضان) وذهبوا في مظاهرة إلى حاجب الحجاب الأمير تمر وكان منهم ابن القطان وابن شرف والخطيب الوزيري ، وطلبوا حضور البقاعي عند حاجب الحجاب ،وأهانوا البقاعى ولعنوه ولم يعطوه الفرصة للشكوى أمام حاجب الحجاب .
ماذا حدث في 4 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث يوم 4 رمضان
الجمعة 4رمضان سنة 405هـ : كان الخليفة بمصر هو الحاكم بأمر الله الفاطمي ، وقد ركب ولى العهد فصلى في الجامع الأنور بباب الفتوح في موكب الخلافة، وولي العهد هو الذي أصبح الخليفة الظاهر فيما بعد.
الأحد 4 رمضان سنة 415 هـ : في خلافة الظاهر الفاطمي انصرف صالح بن مرداس عن دمشق وأخلاها بعد أن كان قد تغلب عليها ، واستفاد الفاطميون من هذا الوضع.
4 رمضان سنة 827 هـ : في سلطنة الأشرف برسباي ، نفى السلطان الأميرين ارغون شاه الاستادار وناصر الدين بن أبي والي إلى دمشق بدون عمل :
4 رمضان سنة 839هـ : أرسل الأمير قرا يوسف حليف الدولة المملوكية مبعوثا إلى السلطان برسباي ، وقد استقبله برسباي يوم 4رمضان وأكرمه وأرسل خطاباً مع المبعوث.
4 رمضان سنة 876هـ : أصدر السلطان قايتباي عفواً عن الأميرين جرباش المحمدي ويشبك من سليمان شاه ، وكانا في الحبس في دمياط ، وكان جرباش المحمدي قائداً سابقاً للجيش المملوكي ، بينما كان الأمير يشبك الفقيه داودار كبيرا أو ما يعني رئيس ديوان السلطان ، وحين فاز قايتباي بالسلطنة اعتقلهما في دمياط ، ثم أصدر عفوه عنهما بعد ثلاث سنوات في رمضان سنة 876هـ عندما علم بتدهور صحتهما .
* وفي نفس اليوم 4رمضان 876هـ وصل مبعوث من السلطان العثماني إلى القاهرة وقد تم استضافته في قصر الضيافة بالقلعة قبيل صعوده للسلطان ، وقد استقبله السلطان يوم الإثنين 15 رمضان .
ماذا حدث في 5 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث يوم 5 رمضان
الإثنين 5 رمضان سنة 415 هـ : أصدر الخليفة الفاطمي الظاهر بالله قراراً بتعيين طيب الخازن والياً على بيت المال وأنعم عليه بالتشريفة وسار في موكب يركب بغلة بسرج ولجام، وأصدر قراراً آخر بتعيين ميسرة الخازن أميناً لخزانة الخاصة أو الخزانة المالية الخاصة بالخليفة ، وأنعم عليه بالتشريفة وسار في موكب يركب بغلة بسرج ولجام من ذهب .
الثلاثاء 5 رمضان سنة 702هـ : بعد أن انتصر السلطان المملوكي المنصور لاجين على التتار في موقعة شقحب دخل السلطان المنتصر دمشق بعد تحريرها يوم الثلاثاء 5 رمضان 702 هـ وبين يديه الخليفة العباسي ــ بعد أن انتقلت الخلافة العباسية للقاهرة في عهد بيبرس، وتزينت دمشق لمقدم السلطان لاجين، ونزل السلطان في القصر الأسبق .
الأربعاء 5 رمضان سنة 824 هـ : كان الأمير ططر صديقاً للشيخ جمال الدين البساطي ، وقد ظل الشيخ البساطي بلا عمل سنين ، ثم تولى الأمير ططر السلطنة ، وبايع له الأمراء وهو في دمشق، وبعد أن اجتمع له الأمر أرسل إلى القاهرة واستحضر صديقه جمال الدين البساطي وعينه محتسبا للقاهرة ، وعاد المحتسب جمال الدين البساطي إلى داره في موكب حافل .
5 رمضان سنة 836 هـ : قام السلطان برسباي بحملة لتأكيد سلطان الدولة المملوكية على أطراف الشام والعراق من الشرق والشمال، وقد وصل السلطان إلى مدينة حلب في 5 رمضان 836 هـ ،ورحل منها يريد مدينة آمد ، وقدم الخبر بذلك للقاهرة فعلقوا الزينات واستبشروا خيراً .
5 رمضان سنة 838 هـ : أصدر السلطان برسباي قرارا بإعادة الأمير محمد الصغير كاشفا للوجه القبلي عوضا عن الصاحب كريم الدين ، ولبس محمد الصغير التشريفة الخاصة بهذا المنصب .
وفي نفس اليوم أصدر السلطان برسباي قرارا بأن يتوجه الأمير قايتباي إلى منصبه نائباً للسلطان في مدينة حماة ، ولم يكن مع ذلك الأمير مال يتجهز به للسفر فاقترض نحو خمسة آلاف دينار ، يقول المقريزي وهذا ما يحكى من نوادر عن أمراء مصر ..!!
الخميس 5 رمضان سنة 874 هـ : في سلطنة قايتباي : عاد الأتابك أزبك بالجيش من حلب والأتابك هو قائد الجيش المملوكى، وكان قايتباي قد أرسل الأتابك أزبك على رأس جيش لمحاربة شاه سوار الثائر على الدولة في الشرق وقد رجع بعد الغزوة فوصل القاهرة يوم الخميس 5 رمضان 874 هـ ومعه كبار القادة ، وصعد من فوره لمقابلة السلطان وانحنى له وقبَّل الأرض بين يديه طبقاً للبروتوكول المملوكي ، وأنعم السلطان عليه بالتشريفة فارتداها ، وأنعم السلطان بالتشريفة أيضا على كبار القادة الذين كانوا معه ، واستعرض السلطان الأسرى الذين أحضروهم معهم ، ثم أمر السلطان باعتقالهم في سجن القلعة ، ثم عاد الأتابك ازبك إلى بيته في موكب عظيم ..
الإثنين 5 رمضان سنة 875هـ : كان قايتباي قد شرع في تجهيز حملة أخرى لتأديب شاه سوار ، ووزع النفقة والزي على الجنود المماليك منذ يوم السبت 3 رمضان وانتهى توزيع النفقة والكسوة عليهم يوم الإثنين 5 رمضان 875هـ .
ماذا حدث في 6 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث يوم 6 رمضان
6 رمضان سنة 364 هـ : أثناء ظهور الدولة الفاطمية في مصر والشام دخل الروم البيزنطيون بعلبك وأحرقوا ما حولها سلباً ونهباً ، ووصلت جيوشهم إلى البقاع وما حولها .
6 رمضان سنة 387 هـ : أصدر الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله قراراً باعفاء الصيادين في البحر الأحمر من دفع ما عليهم من ضرائب .
6 رمضان سنة 436 هـ : يوم الأربعاء : وفاة الوزير الفاطمي المشهور أبو القاسم الجرجائي وحين توفي ترك في بيت المال 1.7 مليون دينار بالاضافة إلى 621 ديناراً ونصف دينار وثمن دينار .. أي كان الحساب الفاطمي دقيقاً في تقييد الداخل والمنصرف ..!! وكانت تلك الأموال قد رصدها الوزير الجرجائي للنفقات، أما تركة الجرجائي الشخصية فكانت تشمل على 700 صينية من ذهب وفضة ومائة ألف مثقال من العنبر ،بالاضافة لأشياء أخرى وكان الجرجائي موصوفا بالعلم والفطنة، وحكى عنه أنه كتب تعليقات على مائة خطاب أمام الخليفة الظاهر الفاطمي فلم تتشابه إحدى تعليقاته بالأخرى في لفظ من الألفاظ ، وكان أحد الوزراء العظام في العصر الفاطمي ، واستمرت وزارته للخليفة الظاهر وابنه الخليفة المستنصر سبع عشرة سنة وثمانية أشهر وثمانية عشر يوماً ، ويحكى أن الخليفة الحاكم بأمر الله كان قد قطع يديه فلم ينصرف إلى داره وإنما عاد إلى عمله فسئل عن ذلك فقال : إن أمير المؤمنين أدّبني ولكنه لم يعزلني..!!
ماذا حدث في 7 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث يوم 7 رمضان
الثلاثاء 7 رمضان سنة 362هـ : دخول الخليفة المعز مدينة القاهرة :
كان جوهر الصقلي قد فتح مصر للفاطميين سنة 358هـ وأسس مدينة القاهرة وقصر الذهب للخليفة المعز الفاطمي الذي كان لا يزال في المهدية في المغرب ، وبعد أن أتم جوهر الصقلي بناء القاهرة وقصور الخلافة والجامع الأزهر ، جاء المعز الفاطمي إلى مصر ومعه توابيت آبائه الذين ماتوا في المغرب ومعه كل أسرته وكبار أعوانه ومعالم ملكه ، ودخل القاهرة عاصمته الجديدة يوم الثلاثاء 7 رمضان سنة 362هـ ، وبذلك أصبحت العاصمة الجديدة القاهرة هى مركز الخلافة الشيعية التي تنافس بغداد عاصمة الخلافة العباسية السنية.
دخل العالم الإسلامي بالقاهرة تاريخاً جديداً ، إذ سرعان ما صارت القاهرة الشيعية نداً لبغداد السنية ، ثم اجتذبت منها الأضواء بعد أن صارت عاصمة للمسلمين جميعاً في الدولة الأيوبية ثم في الدولة المملوكية ، ولا تزال ..!!
ويذكر أن الخليفة المعز لدين الله الفاطمي حين وصل إلى قصره الذهبى بالقاهرة خرّ لله ساجداً ثم صلى ركعتين ، وصلى خلفه كل من دخل معه..
الجمعة 7 رمضان سنة 816 هـ : في سلطنة المؤيد شيخ المملوكي ، أخرج السلطان طائفة من العسكر منهم الأمير سودون القاضي وقشقار القردمي وآقبردي المنقار ، وأشيع بين الناس ان تلك التجريدة خرجت لحرب الأعراب المتمردين إلا أن الحقيقة أنهم خرجوا لاعتقال الأمير تغري بردي في تصفية حسابات بينه وبين السلطان المؤيد شيخ ، وفي الليلة التالية ليلة السبت 8رمضان اعتقلوا الأمير دمرداش وابن أخيه قرقماش .
7 رمضان سنة 839 هـ : ـ في سلطنة الأشرف برسباي المملوكي
* تولى غرس الدين خليل بن شاهين الوزارة عوضاً عن الوزير السابق تاج الدين ابن الخطير ، والسبب أن المماليك السلطانية بالقلعة رجموا الوزير تاج الدين ابن الخطير حتى كاد أن يهلك ولذلك استقال ، فتولى مكانه غرس الدين خليل ابن شاهين الظاهري ، وهو أحد المؤرخين للعصر المملوكى و نظم الحكم فيه .
* وفي نفس اليوم 7رمضان 889هـ أجرى السلطان برسباي حركة تنقلات في أمراء المماليك بالشام ، فقد انتقل الأمير طوغان من وظيفة حاجب غزة إلى وظيفة نائب السلطان على القدس بالاضافة إلى نظر الخليل وكونه كاشفاً للرملة ونابلس بدلاً من حسن التركماني . وانتقل الأمير حسن التركماني حاجباً بحلب عوضا عن الأمير قانصوه ، وانتقل قانصوه إلى دمشق مقدم ألف (يعادل الآن رتبة لواء تقريباً ) عوضاً عن الأمير جانبك المؤيدي الذي توفي، ويبدو أن وفاته هي السبب في كل تلك الحركة التنقلية . ومعروف ان الدولية المملوكية كان سلطانها يمتد من حلب و وشمال سوريا شرقا الى برقة فى ليبيا غربا .
السبت 7 رمضان 874 هـ
كانت السطنة العثمانية لا تزال فى آسيا الصغرى ( تركيا حاليا ) ، وتجاورها تقريبا حدود الدولة المملوكية ، وبين الدولتين الكبيرتين ( المماليك و العثمانيين ) كانت تقع بعض الامارات الصغيرة ، مثل إمارة ابن قرمان .
وفى يوم السبت 7 رمضان 874 هـ وصل إلى القاهرة مبعوث ابن قرمان الذى يحكم إمارة على حدود الدولة المملوكية فى آسيا الصغرى ويحظى برعاية الدولة المملوكية .
وكان ابن قرمان يشكو السلطان العثمانى الى السلطان المملوكى فى القاهرة ،.وأرسل مبعوثه إلى السلطان قايتباى بهذه الشكوى .وقد انحنى المبعوث أمام السلطان قايتباى وقبَّل الأرض بين يديه ـ طبقا للبروتوكول المملوكى ـ وسلمه رسالة سيده ابن قرمان . وقد طيّب السلطان خاطره وأكرمه .
الأربعاء 7 رمضان سنة 875 هـ :ـ توفى الشيخ شهاب الدين أبو الطيب الأنصاري شاعر وقته والمقرئ المعروف حينئذ باسم الحجازي . وقد ولد في القاهرة سنة 790 هـ ونشأ بها وحظ القرآن والتجويد وسمع الحديث واشتغل في الفقه واتقن العربية ، وصار أحد منشدي القرآن ، وطار صيته في الأدب والشعر حتى قال عنه ابن حجر أنه " العلامة فخر المدرسين عمدة البلغاء ".
وفي آخر حياته رثى ذلك الشاعر المقرىء المنشد نفسه بقصيدة قبل أن يموت .
ماذا حدث في 8 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث في يوم 8 رمضان
الجمعة 8 رمضان سنة 258 هـ : ـ مات يار جوخ أحد القواد الكبار من الأتراك المتحكمين في الخلافة العباسية وقد صلى عليه أبو عيسى بن الخليفة المتوكل ، وحضر الصلاة عليه جعفر بن الخليفة المعتمد.
8 رمضان سنة 287 هـ : في خلافة المعتضد العباسي وأثناء صراعه مع القرامطة الذين يقودهم أبو سعيد الجنابي وردت رسالة للخليفة بأن القرامطة قد أطلقوا القائد العباسي العباس بن عمرو الذي أسروه ، وأنه قادم إلى بغداد في مركب .
الأربعاء 8 رمضان سنة 362 هـ :ـ كان ثاني يوم لوصول المعز الفاطمي لقصره في القاهرة عاصمة الفاطميين الجديدة ،وقد توافد الأشراف والقضاة والعلماء يهنئون الخليفة الفاطمي بالوصول.
الخميس 8 رمضان 817 هـ : ـ أصدر السلطان المملوكي المؤيد شيخ قراراً بتعيين الأمير الطنبغا العثماني قائداً عاماً للجيش وذلك بعد وفاة القائد السابق وهو الأمير يلبغا الناصري الذي توفي ليلة الجمعة 2 رمضان .
الثلاثاء 8 رمضان 282 هـ :
أمر السلطان المملوكى برسباى باعتقال الصاحب بدر الدين وولده بالقلعة .
8 رمضان 837 هـ :ـ في سلطنة برسباي جاء الخبر بأن قراصنة الفرنجة أخذوا خمسة مراكب للمسلمين أمام ساحل بيروت وفيها بضائع ورجال، وأرسل السلطان تجريدة حربية بحرية لتطاردهم .
الأحد 8 رمضان سنة 874هـ :ـ جلس السطان قايتباي بالحوش السلطاني بالقلعة واجتمع في خدمته أولاد الناس أى ( أولاد المماليك) ، وكانوا قد اعتذروا عن الخروج مع الحملة السائرة لحرب شاه سوار ، وردوا للسلطان مستحقاتهم المالية فأعادها لهم السلطان وعفا عنهم ..
ماذا حدث في 9 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث في يوم 9 رمضان
9 رمضان سنة 381 هـ : ـ مرض منصور ابن الخليفة العزيز بالله الفاطمي ، فتصدق الخليفة العزيز بعشرة آلاف دينار على الفقراء ليشفي الله تعالى ابنه.
9 رمضان سنة 452 هـ : ـ في خلافة المستنصر الفاطمي ، أصدر الخليفة قراراً بعزل ابن المغربي عن الوزارة وأعيد إليها أبو الفرج البابلي .
الخميس 9 رمضان سنة 559 هـ : ـ فك الحصار عن القاهرة في الحرب بين شاور وشيركوه أثناء خلافة العاضد آخر خلفاء الفاطميين ،وقد كان هناك نزاع على تولي الوزارة بين شاور وضرغام، واستطاع ضرغام أن يهزم شاور ويتولى الوزارة مكانه فهرب شاور إلى الشام وألقى بنفسه على نور الدين زنكي ليساعده في العودة للوزارة فبعث نور الدين معه بجيش يقوده شيركوه واستطاع شيركوه أن يعيده للوزارة وأن يقتل ضرغام ، ولكن سرعان ما دب الخلاف بين شيركوه وشاور وقامت بينهما الحرب ، وحاصر شيركوه القاهرة إلى أن رفع عنها الحصار يوم الخميس 9 رمضان 559 هـ . وانتهى الحال باتفاق لم يعش طويلاً ..
وفي النهاية انتصر شيركوه وقتل شاور وتولى الوزارة محله ، ثم مات شيركوه وتولى ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي الذي قضى نهائياً على الدولة الفاطمية وأسس الدولة الأيوبية .
9 رمضان سنة 825 هـ : ـ في سلطنة الظاهر ططر المملوكي أعيد الآذان بمأذنة مدرسة السلطان حسن أفخر بناء إسلامي .
9 رمضان 827 هـ :ـ في سلطنة برسباي حيث تجرأ القراصنة الفرنجة على سواحل المسلمين . أقلعت سفينتان من ساحل بولاق إلى البحر المتوسط غرباً وكان عليهما ثمانون مملوكاً وذلك لمطاردة القراصنة.
السبت 9 رمضان سنة 843 هـ : ـ سار الأمير جليان والي الشام المملوكي في موكب ووقفت له العامة تستغيث من غلاء اللحم حيث ارتفع سعر الرطل من 3درهم إلى 7 درهم ، فأمر مماليكه بضرب العوام ، وكان العوام جمعاً كبيراً فتغلبوا على المماليك ورجموهم ، وفر الأمير أمامهم إلى قصره فحاصروه ،وكادوا يحرقونه لولا تدخل القضاة والأمراء الذين هدأوا الجماهير الساخطة. وكتبوا محضراً بما حدث للسلطان جقمق، فوصل الخبر للقاهرة في 18 رمضان وغضب السلطان وعزم على قتل الثوار جميعاً ، ولكن هدأه الأمراء ، واتفق على تقوية الوالي وتهديد أهل دمشق حتى لا يفكروا ثانياً في الثورة..!!
ماذا حدث في 10 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث يوم 10 رمضان
10 رمضان سنة 362هـ : ـ في أول استقرار بمصر والقاهرة أرسل المعز الفاطمي منشوراً عاماً يقول فيه " خير الناس بعد رسول الله عليه وسلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب " وفي نفس اليوم عيّن ابن مهذب أميناً على بيت المال .
10 رمضان سنة 380 هـ : ـ يوم الجمعة :ـركب العزيز بالله الفاطمي ـ ابن المعزالفاطمي ـ إلى جامع القاهرة فخطب بالناس ، وأسس في نفس اليوم الجامع الجديد بجوار باب الفتوح ، وبدئ في بنائه.
الأربعاء 10 رمضان سنة 395 هـ : ـ أنجب الخليفة الحاكم بأمر الله طفلاً ذكراً وهذا الطفل هو الذي تولى الخلافة بعده تحت اسم الظاهر بالله . واحتفالاً بهذا المولود جلس الحاكم في اليوم التالي ليهنئه الناس ، وجعل سبوع الطفل يوم الثلاثاء التالي وعمل له الخليفة عقيقة ، وحضر الحلاق فحلق له شعره وتناول الماء من يد الخليفة وسماه الحاكم علياً وجعل كنيته أبا الحسن ، وفي نفس الوقت أمر الحاكم بأن يفرش جامع راشدة.
الإثنين 10 رمضان سنة 816 هـ : ـ أصدر السلطان المملوكي المؤيد شيخ قرارا بتعيين ابن العديم قاضياً للقضاة الحنفية عوضا عن القاضي صدر الدين بن العجمي الذي توفى ليلة السبت 8 رمضان.
الخميس 10 رمضان سنة 828 هـ : ـ أصدر السلطان المملوكي برسباي قراراً بتعيين زين الدين ابن أبي الفرج استداراً أي مشرفاً على نفقات القصور السلطانية ، وذلك بعد عزل الصاحب بدر الدين وعزله وحبسه.
10 رمضان سنة 840 هـ : ـ عقد السلطان المملوكي برسباي مجلس شورى لبحث تحرك أمير دلغادرشمال سوريا على إمارة ابن قرمان المتحالف مع الدولة المملوكية ، والسبب أن الأمير جانبك الصوفي خصم السلطان برسباي قد هرب من السجن ولحق بأمير دلغادر وشجعه على مهاجمة ابن قرمان ليكيد لغريمه السلطان برسباي ، وقد عزم برسباي على السفر للشام واستعد الأمراء لذلك ، وكتب السلطان لأمراء المماليك بالشام لنجدة ابن قرمان.
السبت 10 رمضان سنة 875 هـ : ـ وصل أمير هارب من أتباع شاه سوار الثائر على الدولة المملوكية في الشرق ،وقد وصل القاهرة واستقبله السلطان قايتباي وافطر عند السلطان بالقلعة يوم الإثنين التالي ، وأخبر السلطان أن عدوه شاه سوار في ذ ل وضعف وأن أتباعه فروا من حوله ومن بقي منهم يعيش في ضيق وخوف.
الأربعاء 10 رمضان سنة 876 هـ : ـ وصل ابن مزهر الأنصاري إلى القاهرة في ظهر ذلك اليوم قادماً من دمياط حيث ذهب ليحل بعض مشاكل القضاة هناك ،وكان ابن مزهر الأنصاري من أشهر من تولى منصب كاتب السر في القرن التاسع عشر ، وتمتع بنفوذ هائل في عصر قايتباي ، وكاتب السر يساوى السكرتير الخاص بالسلطان وموضع سره ، وقد كان لكاتب السر في ذلك الوقت صلاحيات كثيرة وتضاءلت بجانبه صلاحيات الوزير ،وكاتب السر ابن مزهر تمتع بسمعة طيبة في عصره ، وكان كثيراً ما يتوسط بين الناس والسلطان ، ويخفف من ظلم قايتباي وأعوانه ، ويصلح من أخطاء الفقهاء وسلوكياتهم ، لذا اتفق الجميع على محبته ، ولولا وقوفه مع الصوفية ضد الشيخ البقاعي لكان أفضل الناس في عصره ، وحين عاد من رحلته إلى دمياط ووصل القاهرة هرع الجميع لاستقباله ، وفي نفس اليوم صعد للسلطان قايتباى في القلعة فأكرمه السلطان وأنعم عليه بتشريفة من اللباس الفاخر وعاد إلى داره في موكب فخم كما هى العادة حينئذٍ .
ماذا حدث في 11 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث يوم 11 رمضان
الخميس 11 رمضان سنة 233 هـ : ـ أصدر الخليفة المتوكل العباسي قراراً بتولية ابنه محمد المنتصر شئون الحجاز واليمن والطائف.
11 رمضان سنة 252 هـ : ـ حدوث معركة في بغداد بين الجنود وأصحاب محمد بن عبدالله بن طاهر .
الثلاثاء 11 رمضان سنة 255 هـ : ـ بعد مقتل ابنها الخليفة المعتز اختفت قبيحة المشهورة بنفوذها وثرائها في خلافة ابنها ، ثم ظهرت واعتقلها الأمراء الأتراك وصادروا أموالها .
11 رمضان سنة 287 هـ : ـ في خلافة المعتضد العباسي وصل القائد العباسي عباس بن عمرو إلى بغداد بعد أن أطلقه القرامطة من الأسر ، ودخل على المعتضد في دار الثريا ، وذكر للخليفة ان الجنابي قائد القرامطة أطلقه ليخبر الخليفة بما رآه لدى القرامطة ، وأنهم حملوه على الإبل حتى البحر ، وصادف مركباً فركبه ، وقد أكرمه المعتضد.
11 رمضان سنة 825 هـ : ـ في سلطنة الظاهر ططر فتح باب مدرسة السلطان حسن الذي سده الظاهر برقوق وهدم درجه.
11 رمضان سنة 843 هـ : ـ أصدر السلطان المملوكي جقمق قراراً بعزل ابن الأشقر عن كتابة السر بحلب وأضيفت تلك المسئوليةلابن السفاح مع نظر الجيش أو إدارة شئون الجيش ، وتلك المناصب في مقابل أن يدفع ابن السفاح للدولة 6 آلاف دينار .
11 رمضان سنة 875 هـ : ـ في عهد قايتباي اعتقل الأمير يشبك الداودار قاضي سويقة السباعين بالقاهرة مع أعوانه واتهمهم الأمير يشبك بالتزوير في قضية وقف وحرمان امرأة من حقوقها ، وقد تراجعوا عن الحكم الذي قرروه في تلك القضية فأمر الأمير يشبك بنفي القاضي وأتباعه فتوسط لهم بعض العلماء فعفا عنهم الأمير بشرط أن يعتزلوا القضاء نهائياً .
ماذا حدث في 12 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث في يوم 12 رمضان
الإثنين 12 رمضان سنة 415 هـ : ـ الخليفة الظاهر الفاطمي أصدر قراراً بعزل محمد الجرجائي عن ديوان الشام واسناده إلى أبي طالب الغرابيلي .
الخميس 12 رمضان سنة 608 هـ : ـ تم اعتقال أبناء العاضد آخر الخلفاء الفاطميين ونقلهم إلى قلعة الجبل ، وتولى وضع القيود في أرجلهم الأمير فخر الدين الطنبا والي القاهرة ،وقد مات الخليفة العاضد الفاطمي في محرم 567هـ وكان صلاح الدين الأيوبي هو المسيطر على مقاليد الأمور في مصر ، وقد حول مصر إلى المذهب السني في هدوء أثناء أيام العاضد الأخيرة.
وبعد موت العاضد بعث ابنه داوود إلى صلاح الدين ليبايعه صلاح الدين خليفة بعد أبيه ولكن صلاح الدين امتنع عن البيعة له واعتقله مع جميع أهله في 6 شعبان 569هـ وصادر أموالهم وقصورهم، وظلوا محددة إقامتهم في قصر في حارة برجوان إلى أن تم نقلهم معتقلين في قلعة الجبل يوم الخميس 12 رمضان 608 هـ
ولله الملك وحده ..!!
الإثنين 12 رمضان سنة 817 هـ : ـ في سلطنة المؤيد شيخ المملوكي تم القبض على ثلاثة من سلطان المماليك الذين كانوا مع الأمير نوروز في صراعه الخاسر مع المؤيد شيخ ،والمماليك الثلاثة هم قجق الشعباني حاجب الحجاب ويلبغا المظفري وتمان تمر أرق اليوسفي ، وأرسلوا في الحديد إلى الإسكندرية وصحبهم الأمير صماي الحسني .
وفي نفس اليوم قرر السلطان المؤيد شيخ تعيين الشيخ جمال الدين الاقفهسي قاضياً للقضاة المالكية بمصر عوضاً عن القاضي شهاب الدين الأرموي .
السبت 12 رمضان سنة 828 هـ : ـ أفرج السلطان المملوكي الأشرف برسباي عن الصاحب بدر الدين الذي كان استاداراً ثم عزله السلطان وحبسه ، والاستادار هو الذي يتولى شئون القصور السلطانية ، وقد عاد الصاحب بدر الدين إلى داره وقد ألزمه السلطان برسباي بغرامة قدرها 30 ألف دينار وجعل ابنه رهينة في القلعة إلى أن يدفع الغرامة،وأخذ الصاحب بدر الدين يبيع أملاكه ليسدد الغرامة .
الخميس 12 رمضان سنة 874 هـ : ـ أصدر السلطان قايتباي قراراً بتعيين الزيني عبد الرحمن ابن الكويز ناظراً للخاص أو ناظراً للأملاك السلطانية الخاصة ، وذلك بعد عزل القاضي تاج الدين المقسي وهروبه خوفاً من عقوبة السلطان . وقد فرح الناس بولاية ابن الكويز وفرحوا أكثر بعزل القاضي تاج الدين المقسي بسبب ظلمه وشره .
* وفي نفس اليوم 12 رمضان 874 هـ قرر السلطان قايتباي تعيين يوسف الجمالي استادراً للسلطنة في دمشق بدلاً من الأمير دمرداش العثماني الذي قرر السلطان نقله ليكون والياً على سيس ويحل محله في دمشق يوسف الجمالى .
ماذا حدث في 13 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث يوم 13 رمضان
13 رمضان سنة 250 هـ : ـ في خلافة المستعين بالله العباسي وثب أهل حمص على الوالي العباسي فقتلوه في شهر رجب فأرسل إليهم المستعين العباسي جيشاً يقوده موسى بن بغا الكبير ، وذلك يوم 13 رمضان سنة 250 هـ . وقد حاربهم ذلك الجيش وهزمهم وقتل الكثير من أهل حمص وأحرق المدينة وأسر جماعة من أهلها .
13 رمضان سنة 255 هـ : ـ قام أهل بغداد والجنود فيها بحركة عصيان على السلطة العباسية ، وفتحوا سجن بغداد ، وأطلقوا سراح من فيه ، ووثب الجنود على القادة ، وكانت فتنة هائلة أسهب المؤرخ الطبري في شرح وقائعها ..
الخميس 13 رمضان سنة 816 هـ : ـ بعد أن هزم السلطان المملوكي المؤيد شيخ غريمه الأمير نوروز أصدر السلطان تعديلات في المناصب ليؤكد سلطانه ، فعيّن الأمير قاتباي والياً على الشام عوضاً عن غريمه الأمير نوروز ، وعيّن الأمير الطنبغا بدلاً من الأمير قايتباي الذي أصبح والياً على الشام ، وعيّن الأمير اينال الصصلاوي والياً على حلب محل الأمير طوخ ، وعيّن الأمير سودون والياً على غزة محل اينال الرجبي .
13 رمضان سنة 875 هـ : ـ وقت الفجر وصل القاهرة الأمير أزبك قائد الجيش المملوكي في عهد السلطان قايتباي قادماً من البحيرة وهو في موكب هائل تتقدمه الموسيقى والأنوار، وصعد للقلعة في الصباح ، وكان الأمير أزبك في البحيرة يحارب الثوار من الأعراب .
ب 3 / ف 2 / ج 2 : يوميات شهر رمضان : حدث فى أيام رمضان فى تاريخ المسلمين
كتاب ( رمضان والصيام بين الاسلام والدين السنى ) دراسة أصولية تاريخية
الباب الثالث : لمحة عن رمضان فى التاريخ
الفصل الثانى : يوميات شهر رمضان : حدث فى أيام رمضان فى تاريخ المسلمين : الجزء الثانى .
ماذا حدث في 14 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث في 14 رمضان
14 رمضان سنة 492 هـ : ـ في هذا العام كان توغل الصليبيين في الشام فاستولوا على أنطاكية ثم المعرة ثم جبل لبنان ثم الرملة ، وانهار أمامهم الأمراء الأتراك وقتلوا مئات الألوف من المسلمين ، وأثناء حصارهم لأنطاكية تم عقد تحالف سري بينهم وبين الأفضل الوزير الفاطمي الذي قصد أن يتخذ من الصليبيين حليفاً ضد الحكام الأتراك السنيين والخلافة العباسية ، ولكن الصليبيين بعد أن استولوا على مدن الشام الأوسط زحفوا جنوباً حيث يسيطر الفاطميون على بيت المقدس وعسقلان ، وأحس الأفضل بخطورتهم فأسرع يعد الجيش ليصدهم عن القدس ولكنهم كانوا أسرع منه في الإستيلاء على بيت المقدس وقتل عامة المسلمين فيه يوم الجمعة 22 شعبان 492 هـ ، ووصل الأفضل بجيشه متأخراً فوصل عسقلان في هذا التاريخ 14 رمضان سنة 492 هـ ، وبعث للصليبيين يوبخهم على نكث العهد ، ولكنهم ردوا رسل الأفضل وتتبعوهم أثناء عودتهم للأفضل الذي فوجئ بجيش الصلبيين يحاصره بغتة ، فانهزم وهرب إلى ميناء عسقلان وتحصن فيها، وحاصروه ، وتمكن من الهرب منها بصعوبة وعاد للقاهرة ، وكانت تجربة صعبة للوزير الأفضل ، فلم يخرج بعدها لأية حرب ، واكتفى بارسال جيوشه ، ومنها ذلك الجيش الذي وصل عسقلان في أول رمضان سنة 494هـ ، وحدثت معارك بينه وبين الصليبيين لم تسفر عن شيئ ، وأرسل الأفضل جيشاً آخر يقوده ابنه شرف المعالي مع أسطول بحري في أول رمضان 496هـ ، ولكن الخلاف بين القادة جلب لهم الهزيمة.
14 رمضان سنة 829 هـ : ـ عيّن السلطان برسباي الأمير يشبك الساقي قائداً عاماً للجيش .
14 رمضان سنة 832 هـ : ـ عيّن السلطان برسباي القاضي ابن الهيصم ناظراً للديوان المفرد وما لبث أن استقال .
ماذا حدث في 15 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث في 15 رمضان
15 رمضان سنة 362 هـ : ـ أول شهر رمضان يحضره الخليفة المعز الفاطمي بعد أن بنى له جوهر الصقلي مدينة القاهرة. وفي يوم 15 رمضان سنة 362هـ جلس الخليفة المعز لدين الله في قصره الذهبي على السرير الذهب المعمول من الذهب الخالص يستقبل الناس وذلك طبقاً للطقوس الفاطمية : الأشراف أولاً ثم الأولياء ثم الوجهاء ، وجوهر الصقلي قائم بين يدي الخليفة يقدم له الناس فرداً فرداً.
ثم ذهب جوهر وأحضر هديته للخليفة وعرضها أمام الناس وكانت أعجوبة فهى تشتمل على : 150 فرساً مسرّجة ملجمة بالذهب ومرصعة بالجوهر والعنبر ، 31 قبة بالديباج والفرش الحرير ، 9 من الإبل مزينة بالجواهر ، 33 بغلاً مسرّجة ، 130 بغلاً للنقل، 90 من الإبل النجباء ، 4 صناديق مليئة بأواني الذهب والفضة ، 100 سيف محلى بالذهب والفضة ، درجات من الفضة مخرقة فيها جوهر .
15 رمضان سنة 658 هـ : ـ الإنتصار على التتار في عين جالوت ..
* قطع التتار الفرات بعد تدمير بغداد ووصلوا حلب وأبادوا من فيها ، ثم وصلوا دمشق ، وخرج السلطان المملوكي قظز بجيشه في شعبان نحو الشام وقد سبقه الأمير بيبرس بمقدمة إلتقت بطلائع للتتار وهزمتهم عند غزة، والتقى الجيشان عند عين جالوت في 15 رمضان، وخرج كمين من الجيش المصري فأحيط بالتتار من كل جانب وخرج سيف الدين قظزوصرخ وااسلاماه .. وتقدم الصفوف بنفسه.. وانهزم التتار أمامه ، وقتل المصريين من التتار مقتلة عظيمة، وتتبعهم الناس يتخطفونهم من كل جانب.
الخميس 15 رمضان سنة 817 هـ : ـ أصدر السلطان المملوكي المؤيد شيخ قراراً بتولي الأمير سودون القاضي وظيفة حاجب الحجاب عوضاً عن الأمير قجق الذي تآمر على السلطان وانضم إلى خصمه نوروز ،وقد ظفر السلطان بذلك الأمير قجق وسجنه في الإسكندرية وعيّن سودون القاضي مكانه . كما أصدر قرارات بتعيين الأمير على قشتقار القردمي أمير مجلس ، وعلى جانبك الصوفي رأس نوبة كبير جعله أمير سلاح عوضاً عن شاهين الأقرم الذي توفى والأمير كزل العجمي أصبح أمير جندار وهو بواب السلطان عوضاً عن جرباش الكباشي الذي نفاه السلطان إلى القدس .
الإثنين 15 رمضان سنة 876 هـ : ـ وصل مبعوث من السلطان العثماني يوم 4 رمضان . وقد استقبله السلطان قايتباي يوم الإثنين 15 رمضان ، وذلك بالقصر الأبلق بالقلعة، وهو القصر المعد لاستقبال المبعوثين الأجانب ، وقد أعد السلطان قايتباي موكباً هائلاً للمبعوث العثماني والوفد المرافق له ، وقد قدموا هديتهم للسلطان وهى أربعة من المماليك وأربعة من الثياب الفاخرة من صوف السنجاب المدثر المخمل وعشرة أقفاص من الفضيات فيها عشرون قطعة ، وهدايا أخرى من الملابس الفاخرة، وقدم المبعوث ورقة صغيرة للسلطان فيها أن معه رسالة خاصة ، فأمر السلطان قايتباي بقرائتها سراً .
وفي هذا اليوم 15 رمضان 786هـ اشتد البرد للغاية وظهر أن المبعوث العثماني يريد التوجه للحجاز للحج ، وكان الحجاز تحت السيطرة المملوكية .
ماذا حدث في 16 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث في 16 رمضان
16 رمضان سنة 385 هـ : ـ أثناء تهديد الروم البيزنطيين للشام في العصر الفاطمي المزدهر نودى في القاهرة ومصر : من كان من أهل السلاح فليخرج ليأخذ الرزق الكثير ، وارسلت الدولة الفاطمية بالعساكر لحراسة النواحي البعيدة .
16 رمضان سنة 394 هـ : ـ أمر الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله بعزل القاضي الحسين بن النعمان .
قبلها ، كان ذلك القاضي قد تعرض للضرب وهو في المسجد فأمر الخليفة بتعيين حراسة له من الجند وكبار الدولة ، فكان إذ ا جلس يقومون حوله ، وإذا دخل يصلى في المسجد وقفوا صفاً خلفه ، وهو أول قاض حدث معه ذلك .
أيضا هو أول قاض كتب في السجلات عن نفسه أنه قاضي القضاة.
أصبح له نفوذ بالغ فى البلاط الفاطمى ، إذ كان له أعوان عند الخليفة يمدحونه ويبالغون في الثناء عليه أمام الخليفة الحاكم ، أستخدم ذلك القاضي نفوذه الهائل فألزم أعوانه من الكتبة والشهود بملازمة داره وخدمته دائماً .
ومكث في القضاء خمس سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوماً .
ثم عزله الخليفة الحاكم في 16 رمضان سنة 394 هـ حين تضايق من علو نفوذه واستكباره.
وفى نفس اليوم 16 رمضان سنة 394 ولى الحاكم مكانه في القضاء عبدالعزيز بن النعمان وألبسه التشريفة وقلده سيفاً محلى بالذهب وأركبه بغلة وبين يديه هدايا من الثياب ، ونزل في موكب عظيم إلى جامع عمرو .
وفيما بعد في شهر ذي الحجة سنة 395 هـ أمر الحاكم بقتل ذلك القاضي المعزول الحسين بن النعمان واحراق جثته وذلك بعد أن تأكد من خيانته في عمله .
وكان أول قاض يقتل ثم تحرق جثته..!!
أى إن هذا القاضى حاز الأولوية فى ثلاثة أشياء ..!!!
الجمعة 16 رمضان سنة 415 هـ : ـ ركب الخليفة الفاطمي الظاهر بالله إلى الجامع الأنور خارج باب الفتوح بالقاهرة . وعليه رداء أبيض محشي قصباً وثياب بيض وعمامة بيضاء مذهبة وفي يده القضيب المحلى بالجوهر وعلى رأسه مظلة مدورة ، فخطب ثم صلى وعاد .
وفي نفس اليوم جاء الخبر للخليفة الظاهربالله بأن أهل دمشق هادنوا سنان بن علوان.
وجاء كتاب آخر من حسان بن الجراح الثائر على الدولة الفاطمية بأنه على الطاعة للدولة ، وأنه يحمل عن الخليفة مشاغل الشام وأنه يقوم عن الخليفة بأمر فلسطين ويجبي الخراج وينفقه في رجاله وأن ابن عمه سنان في دمشق ، وأن يتولى حلب صالح بن دمرداش وبذلك يكفي الخليفة أمر الشام كله.
وبعد أن قرأ الخليفة تلك الرسالة أمر بطرد رسول ابن الجراج ولم يكتب له جواباً .
ماذا حدث في 17 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث في يوم 17 رمضان
17 رمضان سنة 405 هـ : ـ أصدر الخليفة الفاطمى الحاكم قراراً بتعيين ابن الفرات في منصب الوساطة بين الخليفة والرعية ، ثم قتله الخليفة الحاكم في اليوم الخامس من تولي الوظيفة .
الجمعة 17 رمضان سنة 490 هـ : ـ عادت الشام إلى التبعية للفاطميين في عهد الخليفة الفاطمى المستعلي بالله ، والسبب في ذلك أن نزاعاً شب بين رضوان بن تتش حاكم حلب وأنطاكية وأخيه دقاق بن تتش حاكم دمشق ، ودخل رضوان تحت طاعة الفاطميين ليعضد موقفه أمام أخيه حاكم دمشق ، وحدث أن حاكم بيت المقدس وهو سقمان بن أرتق رفض الإستمرار في التبعية للفاطميين وقطع الدعاء لهم في الخطبة ودعا للخليفة العباسي بعد أربعة أشهر مما دفع بالدولة الفاطمية لأن ترسل حملة يقودها الوزير الأفضل بنفسه ، واستولت على بيت المقدس في رمضان في العام التالي 491 . وكل ذلك قبيل الغزو الصليبي 492 هـ .
17 رمضان سنة 706 هـ : ـ حكم القاضي تقي الدين الحنبلي بحقن دم محمد الباجربقي ، وكان الباجربقي صوفياً ملحداً ، وصارت بعده الباجربقية مذهباً إلحادياً معروفاً .
17 رمضان سنة 830 هـ : ـ قدم زين الدين عبدالباسط ناظر الجيش من حلب للقاهرة وذلك في سلطنة برسباي ، وناظر الجيش هو القائم على نفقات الجيش وشئونه غير العسكرية الحربية ، وكان الزيني عبدالباسط منهمكاً في انشاء سور حلب فعمله على أحسن ما يكون ، وشكرت الدولة صنيعه واستقبله الأمراء بالقاهرة في حفاوة واستقبله السلطان برسباي فى القلعة وأنعم عليه بتشريفة ، وزينت له القاهرة وذهب لداره في موكب حافل .
السبت 17 رمضان 876 هـ : ـ في ليلة السبت المذكورة مات يحى بن يشبك من سليمان شاه الفقيه ، وكان فارساً شجاعاً بطلاً في فنون الحرب ، وكان له نفوذ حين تولى أبوه منصب الداودار أو رئاسة الديوان السلطاني واشتهر هذا الشاب بجودة الخط ، وكانت أمه هى آسيا بنت السلطان المؤيد شيخ ، لذا صار هو المتحكم في أوقاف جده السلطان المؤيد شيخ .وقد تزوج بنت قاضي القضاة محى الدين بن الشحنة وأنجب منها ولداً ذكراً ، وتولى الإمارة في سلطنة الظاهر خشقدم ، ثم أصابه المرض فمكث عليلاً إلى أن مات ولم يبلغ الأربعين ، وليس له نظير في )أولاد الناس( أي أبناء المماليك الذين ولدوا أحراراً . وأقيمت جنازته يوم السبت فبالغت أسرته في العويل والصراخ، وسارت أمه وزوجته وجواريه خلف جنازته، ونزل السلطان قايتباي مع كبار الأمراء وصلوا عليه مع كبار القضاة والعلماء واستنكر السلطان ما رآه من اللطم وشق الجيوب والندابات اللاتي يندبن بالدفوف والإنشاد ، ونهى السلطان عن ذلك .
وفي نفس اليوم 17 رمضان 876هـ صعد ابن مزهر الأنصاري السكرتير الخاص للسلطان ومعه هدايا تتكون من ألف ثوب للتشريفة، فأكرمه قايتباي وأهداه ثوب تشريفة ، وجعله يركب على فرس مزين بسرج من الذهب . وسار به الموكب في فخامة وركب معه كبار الموظفين..
ماذا حدث في 18 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث في يوم 18 رمضان
18 رمضان سنة 251 هـ : ـ قامت الحرب بين القائد العباسي هشام بن أبي دلف والثائر العلوي في نينوي بالعراق ، وقد قتل القائد العباسي أربعين رجلاً من جيش العلوي الثائر ، ثم افترق فدخل الكوفة فبايع أهلها للمعتز العباسي ، ودخل هشام ابن أبي دلف بغداد.
18 رمضان سنة 295 هـ : ـ في أواخر أيام الخليفة المكتفي العباسي دخل بغداد رسول من أبي معز زيادة الله بن الأغلب ـ حاكم دولة الأغالبة فيما يعرف الآن بتونس ـ وقدم المبعوث الأغلبي هدايا للخليفة المكتفى .
18 رمضان سنة 723 هـ : ـ قدمت إلى دمشق جماعة من حجاج التتار المسلمين وفيهم بنت الملك أبغا بن هولاكو وأخت الملك أرغون وعمة غازان وخربندا ،وقد أكرمتهم السلطات المملوكية بالشام وأنزلتهم بالقصر الأبلق بدمشق وأجرت عليهم النفقات إلى أوان الحج . جدير بالذكر أن المغول أسلموا بعد استقرارهم فى العراق ، وكان أول من أسلم منهم هو أحمد بن هولاكو .
السبت 18 رمضان 833 هـ : ـ استدعى السلطان برسباي كاتب السر في حلب وهو ابن السفاح ليستقر كاتباً للسر في مصر ويحل محله في حلب ابنه زين الدين عمر في مقابل أن يدفع للسلطان عشرة آلاف دينار ،وذلك بعد موت كاتب السر الشريف شهاب الدين وأخيه عماد الدين الذي تولى بعده وقد سعى للحصول على هذه الوظيفة كثيرون ولكن السلطان اختار ابن السفاح.
18 رمضان سنة 843 هـ : ـ أصدر السلطان جقمق مرسوماً بأن يستخدم والي القاهرة مائة رجل يمشون بين يديه في ركوبه في شوارع القاهرة ، ووالي القاهرة هو المختص بالأمن في العاصمة، وفي هذا اليوم 18 رمضان 843هـ نودى بالقاهرة بأن لا يخرج أحد من المماليك السلطانية بالليل لأن الاشاعات انتشرت بظهور فتن ومنازعات..
ماذا حدث في 19 رمضان فى تاريخ أجدادنا ؟
حدث يوم 19 رمضان
الإثنين 19 رمضان سنة 556 هـ : ـ
من مكائد القصور ( الفاطمية ) إغتيال الوزير القوى ابن رزيك
كان الوزير القوي في خلافة العاضد الفاطمي هو الصالح ابن رزيك الذي تزوج العاضد ابنته، وقد اغتيل ابن رزيك في 19 رمضان 556هـ .
والسبب انه كانت هناك مشاحنات بينه وبين سيدات القصر الفاطمي . وقد دبرت العمة الكبرى للخليفة مؤامرة لقتل الصالح بن رزيك وفرقت خمسين ألف دينار على الأتباع في القصر ، ولكن عرف ابن رزيك بالمؤامرة عن طريق جواسيسه في القصر ، فأفشل المؤامرة وقتل عمة الخليفة سراً .
بعدها نقل كفالة الخليفة العاضد ـ الذي كان صغيراً ـ إلى عمته الصغرى واسمها ست القصور. وفى سبيل الانتقام لمقتل أختها تآمرت ست القصور ، ونجحت مؤامرتها في اغتيال ذلك الوزير. فقد اتفقت مع زعماء السودان بالقصر ومع الناقمين على الوزير وأهمهم ابن الراعي وابن قوام الدولة رئيس حراسة الأبواب ، وفي ليلة المؤامرة جلس بعض السودان في السرداب المظلم الذي يوصل ما بين الدهليز إلى القاعة، فلما جاء الوزير كعادته للسلام على الخليفة تم إخلاء الدهليز من الناس ، فلما خرج الوزير من قاعة الذهب بعد السلام على الخليفة ودخل الدهليز استوقفه أحد المتآمرين وتحدث معه طويلاً ، وحينئذ خرج القتلة من السرداب وهجموا عليه يطعنونه بالسيوف والخناجر ، وسقط وصرخ ، فجاء بعض أتباعه وقاتلوا المتآمرين ومنهم ابن أبي الهيجاء الذي قتل وحده من السودانيين خمسين رجلاً، ثم احتملوا الوزير إلى بيته على دابة، ونظرت إليه ست القصور زعيمة المؤامرة وقالت " رُحنا والله " !! ومات الوزير في اليوم التالي.
الوزير الصالح بن رزيك كان مولده سنة 495 هـ وتولى الوزارة سبع سنين وستة أشهر ، ووصفوه بالفضل والكرم والبر بالعلماء وعدم الإعتداد بالمذهب الفاطمي. بعد مقتله تولى الوزارة ابنه المنصور وقد انتقم لأبيه بأن خنق بيده ست القصور عمة الخليفة العاضد ، وبموافقة الخليفة نفسه..!!
الإثنين 19 رمضان سنة 817 هـ : ـ عيّن السلطان المملوكي المؤيد شيخ الأمير تنبك بيق رأس نوبة عوضاً عن الأمير جانبك الصوفي الذي انتقل إلى وظيفة أمير سلاح، وعيّن الأمير أقباي الخازندار داوداراً كبيراً عوضاً عن الأمير جانبك المؤيدي الذي مات بالشام
20 رمضان
ماذا حدث يوم 20 رمضان في تاريخ أجدادنا ؟
20 رمضان 222 هـ:
فتح المسلمين مدينة بابك الخرّمي :
ادعى بابك الألوهية وتفاقم أمره في عهد المعتصم العباسي ، والتف حوله أنصاره من الخرّمية وهم طائفة أسسها مزدك الفارسي أيام كسرى أنوشران وهي تدعو للانحلال الديني والخلقي ، وكانوا يريدون الخروج عن التبعية للإسلام والدولة العباسية ، واستولى بابك على أذربيجان وأعانه ملك أرمنيا وإمبراطور البيزنطيين ، وهزم جيوش العباسيين أكثر من مرة ، ثم تلاشت قوته واستطاع القائد العباسي الأفشين أن يفتح عاصمة بابك وهي ( البذ ) في 20 رمضان 222 هـ .
وهرب بابك متنكرا ومعه أخوه . وفي النهاية اعتقله الأفشين وجئ به للخليفة المعتصم فقتله وأخاه في صفر 223 هـ .
20 رمضان 286 هـ :
أرسل الخليفة العباسي المعتضد جيشا يقوده مؤنس الخادم لمقاتلة الأعراب حول الكوفة وعين التمر ، وسار الجيش حتى بلغ نينوي فوجد الأعراب قد ارتحلوا.
السبت 20 رمضان 762 هـ :
أثناء الصراع على السلطة في القاهرة المملوكية بعد مقتل السلطان حسن وصل إلى دمشق استفسارات من السلطان ليعلم من واليها المملوكي طاعته أو عصيانه وهل يتحكم في قلعة دمشق ومدى امكاناته فيها وكيف يتصرف في الأموال السلطانية ، فأرسل الوالي أنه على الطاعة . وبعدها دخل دمشق السلطان محمد بن أمير حاج بن الناصر محمد بن قلاوون يوم الاثنين 29 رمضان .
الاثنين 20 رمضان 825 هـ :
أول جلوسه للسلطنة : جلس برسباي بدار العدل وعمل بها الخدمة السلطانية ، وفيها أحضرت رسل الفرنجة الفرنسيين له الهداية .
20 رمضان 831 هـ :
تولى الأمير قانصوه ولاية طرابلس الشام في سلطنة برسباي .
ماذا حدث يوم 21 رمضان في تاريخ أجدادنا ؟
21 رمضان 251 هـ :
في خلافة المستعين بالله العباسي قامت معركة بين ابن أبي الساج والأتراك وانتصر فيها ابن أبي الساج ، وذلك في إطار الصراع على السلطة .
الاثنين
21 رمضان 273 هـ :
وفاة ابن ماجة صاحب كتاب سنن ابن ماجة .
وله كتاب آخر في التفسير وكتاب آخر في التاريخ يبدأ فيه بالصحابة وينتهي بعصره ، وقد ولد في قزوين وارتحل إلى العراق ومصر والشام ، ومات وعمره 64 عاما .
21 رمضان 743 :
في بداية سلطنة المنصور بن محمد بن قلاوون ، اعتقل بدمشق أربعة من الأمراء المماليك في إطار الصراع على السلطة.
21 رمضان 748:
في يوم الثلاثاء : توفي الشيخ عز الدين الحنبلي بالصالحية بدمشق وهو خطيب الجامع المظفري واشتهر بتلقين الأموات ، ووصفه ابن كثير بالصلاح .
21 رمضان 825 هـ:
يوم الثلاثاء : أصدر السلطان المملوكي برسباى قرارا بتعيين الأمير أيتمش الخضري استادارا عوضا عن الأمير ارغون شاه ، والاستادار هو الذي يتولى نفقه القصور السلطانية .
21 رمضان 830 هـ :
أمر السلطان برسباى باعتقال عبد العظيم ناظر الديوان المفرد واستلمه الاستادار ليعذبه ويستخلص منه الأموال ، ثم أفرج عنه بعد أن وعد بحمل الأموال وفداء نفسه ...!! وكان هذا معتادا. العزل ومصادرة الأموال بالتعذيب ، ثم الافراج عنه وربما عودته لمنصبه .
ماذا حدث يوم 22 رمضان في تاريخ أجدادنا ؟
22 رمضان 282 هـ :
ليلة الجمعة منها ولادة جعفر بن الخليفة المعتضد العباسي وأم المولود جارية اسمها ناعم ، ولما ولدت أبنا للخليفة سماها شغب ، وذلك المولود هو الذي تولى الخلافة باسم المقتدر بالله ، وحين تولي المقتدر الخلافة كان عمره ثلاث عشرة سنة ، وكان في بيت المال 15 مليون دينار .
22 رمضان 657 هـ يوم الجمعة :
توجه جيش المغول بعد تدمير بغداد إلى الشام وعلى مقدمتهم كتبغا نوين وسنكنفور وبايجو على الميمنة ، والأمراء الآخرون على الميسرة ، بينما كان هولاكو يقود قلب الجيش .
الاثنين 22 رمضان 705 هـ
استدعى السلطان المملوكي المنصور لاجين الشيخ ابن تيمية بعد أن عقدت له المحاكمات في الشام ، فاستدعاه لمصر وودعه أهل الشام في حزن على فراقه وخوفا عليه من السلطان ، ووصل الشيخ ابن تيمية القاهرة يوم الاثنين 22 رمضان 705 هـ ، وحوكم في القلعة واعتقلوه في البرج الذي بالقلعة . من منكم يعرف السلطان المملوكى لاجين ؟ ومن منكم لا يعرف إبن تيميه ؟ فى الصراع بين صاحب السيف وصاحب القلم ينتصر صاحب السيف بسيفه مؤقتا ، ويصير مجهولا ، أما صاحب القلم فيظل بكتاباته حيا بعد موته.
22 رمضان 831 :
في سلطنة برسباى اقتربت سفينتان من القراصنة الفرنجة من الإسكندرية للإغارة عليها ، فوجد القراصنة جنود المماليك في انتظارهم ..فهربوا للبحر .
حدث في يوم 23 رمضان
رمضان 833:23
قدم مبعوث من شاه رخ بن تيمور لنك إلى السلطان برسباى ، والمبعوث لا يحمل رسالة رسمية وقد امتلأ خطابه بسورة ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) وخاطب السلطان برسباي في غلظة ، وتحمله السلطان لأنه ادعي أنه شريف ، وكان للأشراف مكانتهم الدينية ..
الاثنين 23 رمضان 874 :
جاء للسلطان قايتباي مبعوث من شاه سوار الثائر على الدولة المملوكية في الشرق ، واستقبله السلطان في 23 رمضان 874 . وكانت مع المبعوث هدايا منها عبيد وجواري وإبل مع رسالة ، ولم يأذن له السلطان بإحضار الهدايا ولم يستقبله إلا بعد مدة ، وقرئت الرسالة التي معه وفيها يطلب شاه سوار الصلح ، ولكنه يشترط أن يكون أميرا على التركمان وحلب ، مع الانعام عليه برتبة أمير مقدم ألف في مقابل أن يسلم عينتاب للسلطان.
ورفض السلطان ، وعاد المبعوث بدون هدايا أو تشريف فعلم الناس استمرار الحرب مع شاه سوار.
23 رمضان 876 :
أقام السلطان قايتباي مأدبة إفطار تكريما للمبعوث العثماني الذي وصل القاهرة في 4 رمضان ، وقد استقبله السلطان يوم 15 رمضان . وحاول الشيخ محب الدين بن الشحنة قاضى القضاة الحنفي أن يحضر تلك المأدبة ، ولكن السلطان رفض حضوره ، فردوه عند أذان المغرب. والسبب هو غضب السلطان قايتباي على القاضي ابن الشحنة بسبب ممالأته لفساد ابنه القاضي عبد البر .
ماذا حدث يوم 24 رمضان في تاريخ أجدادنا ؟
24 رمضان 717 هـ :
وفاة الشيخ ابن سلام الدمشقي ، ولد سنة 673 هـ . وبرع في التدريس والمناظرات وتولى الإفتاء بدار العدل في دمشق .
24 رمضان 743 هـ :
في سلطنة المنصور محمد بن قلاوون : انفصل قضاء حمص عن التبعية لقضاء دمشق بمرسوم سلطاني ، وتولى قضاء حمص القاضي شهاب الدين البارزي ، وفي نفس الوقت تقريبا انفصل قضاء القدس باسم القاضي شمس الدين بن سالم الذي كان يتولى فيها القضاء تابعا ثم أصبح فيها قاضيا للقضاة بعد استقلال القدس عن دمشق .
الثلاثاء 24 رمضان 829 :
قدم الشريف بركات بن حسن بن عجلان من مكة ، وقد استدعاه السلطان برسباى بعد موت أبيه فولاه إمارة مكة على أن يدفع ما تأخر على أبيه بالإضافة إلى مبلغ عشرة ألف دينار ، وألا يتعرض لما يؤخذ بجدة من جمارك على البضائع الواصلة من الهند وغيرها . وكان الحجاز تابعا للدولة المملوكية التى كانت تمتد من شمال سوريا و العراق شرقا الى برقة غربا .
24 رمضان 839 هـ :
قدم الأمير اسلماس التركماني مخاصما للأمير جانبك الصوفي الخارج عن السلطان برسباى ، فأكرمه السلطان .
24 رمضان 875 هـ :
ثم القبض على جواسيس أرسلهم شاة سوار الثائر على الدولة المملوكية فى الشرق ، وأمر السلطان قايتباي بنفيهم بعد أن اعترفوا بكل شيء. وأثناء تجهيز الحملة لتأديب شاه سوار حاول الأمير ابن قمتي كبير حراس الأمير يشبك قائد الحملة – حاول أن يسافر إلى الحجاز ويدفع ألف دينار وذلك ليتفادى السفر مع الحملة ، ورفض الأمير يشبك التصريح له بالهرب .
ماذا حدث يوم 25 رمضان في تاريخ أجدادنا ؟
الأحد 25 رمضان 415 هـ :
قرار الخليفة الفاطمي الظاهر بالله بأن يزاد لقب أمير الأمراء على ألقاب منتخب الدولة الأمير انوشتكين الدزبري ، وكانت ألقابه قبل ذلك الأمير مظفر أمير الجيوش ، عدة الإمام ، سيف الخلافة ، عضد الدولة شرف المعالي .. !!
25 رمضان 491 هـ :
استيلاء الفاطميين على بيت المقدس في خلافة المستعلي بالله :
كان يحكم بيت المقدس الأميران سقمان وايلغازي وهما من أولاد الأمير التركي ارتق وحكما القدس بعده ، وقد رفض الأمير سقمان الدخول في طاعة الفاطميين مع رضوان بن تتش حاكم حلب ، وقطع سقمان الخطبة للفاطميين وأعاد التبعية والخطابة للعباسيين ، مما جعل الوزير الأفضل يخرج بجيش في شعبان 491 هـ ليضم بيت المقدس للدولة الفاطمية ، وطلب منها تسليم القدس بدون حرب فرفضا ، فحاصرالأفضل المدينة وضرب أسوارها ، فطلب أهل البلد الأمان ووافق الأميران على الاستسلام ، فدخل الأفضل المدينة ، وأكرم الأميرين ، وملك الفاطميون القدس في 25 رمضان 491 .
ويذكر أنه بعدها رحل عن القدس إلى عسقلان فوجد فيها قبرا قديما زعم أن تحته رأس الحسين ، فحملوا ذلك ( الرأس ) إلى القاهرة حيث أقيم مشهد الحسين فى إحتفال كبير ، وصار أهم قبر مقدس للحسين فى مصر .
ماذا حدث يوم 26 رمضان في تاريخ أجدادنا
الخميس 26 رمضان 528 هـ :
كتب الخليفة الفاطمي الحافظ ولاية العهد لابنه حسن وسماه ولي عهد المؤمنين ، وكتب له سجلا قرئ على المنابر .
وكان الخليفة الحافظ قد ضاق بتحكم الوزراء ونفوذهم فأراد أن يعطي النفوذ لأولاده ، وكان سليمان أكبرهم وأحبهم إلى قلبه فعهد إليه بولاية العهد ولكنه مات بعد شهرين ، ثم عهد لابنه حيدرة فغضب لذلك ابنه حسن ووقعت الفتنة بين الجند المؤيدين لحسن والجند المؤيدين لحيدرة ، وانتصر حسن وجنوده واضطر الخليفة الظاهر إلى أن يعهد لابنه حسن بالخلافة يوم الخميس 26 رمضان 528 هـ .
وكان حسن هذا شريرا سافكا للدماء وقد جمع حوله الأوباش وصار يسيء معاملة أبيه إلى درجة أن أباه استغاث بالجند منه ، وقتل حسن بعض الأمراء من كبار الجند فانقلب الباقون عليه ، واجتمع الأعيان والجند ضده وقامت الحرب بينهم وبينه وانهزم وهرب إلى أبيه في القصر يحتمي به ، فاعتقله أبوه بالقصر ، وأرسل إلى الثائرين يعدهم أن يزيد مرتباتهم وأن ابنه لن يكون له شأن بعدها في مقابل أن يبقوا على حياته ولكنهم صمموا على قتله، وأغلظوا فى الرد على الخليفة ، فاضطر الخليفة لإكراه ابنه حسن على شرب السم فمات يوم الثلاثاء 13 جمادى الآخرة 529 هـ .
26 رمضان 708هـ :
خرج الناصر محمد بن قلاوون من مصر بحجة أنه يريد الحج في 26 رمضان ، ولكنه توجه نحو الأردن ( الكرك) وعزل نفسه من السلطنة فتولاها بيبرس الجاشنكير .
الاثنين 26 رمضان 817 هـ :
أصدر السلطان المؤيد شيخ قرارات بتعيين بدر الدين ابن المحب والي الإسكندرية استادارا ، كما أصدر قرارا بتعيين صماى الحسنى واليا على الإسكندرية محل بدر الدين بن المحب .
ماذا حدث يوم 27 رمضان في تاريخ أجدادنا ؟
27 رمضان 255 هـ :
قتل أحمد بن إسرائيل وأبى نوح في خلافة المهتدي العباسي وقت سيطرة القواد الأتراك على الخلافة العباسية :
وقد كان أحمد بن إسرائيل وأبو نوح وابن مخلد من كتاب الخلافة العباسية في خلافة المعتز ، وكان ابن إسرائيل كاتب الخلفية وكان ابن مخلد كاتب قبيحة أم الخليفة ، وقد اجتمعوا يوم الأربعاء على شراب (خمر )، ثم ركبوا يوم الخميس كل منهم في جمع عظيم إلى مقر عمله ، وحدثت مشادة بين احمد بن إسرائيل وقائد الأتراك صالح بن وصيف في حضور الخليفة المعتز ، وحقد صالح بن وصيف على ابن إسرائيل وصمم على اعتقاله ، ورجاه الخليفة المعتز أن يعفو عنه وقال : هب لي أحمد بن إسرائيل فانه كاتبي وقد رباني ، فلم يسمع له صالح .
وقبض الأتراك على الكتّاب الثلاثة ، وعذبوهم وصادروا أموالهم.
ثم بعد قتل الأتراك للخليفة المعتز تولى المهتدي الخلافة ولم يأبه لما يمكن أن يحدث للكتاب الثلاثة ، لذلك قتل القواد الأتراك أحمد بن إسرائيل وأبا نوح بعد قصة مؤلمة من العذاب وذلك في 27 رمضان 255 ، بينما اختفى الحسن بن مخلد بين سطور التاريخ ، فلم يعرف له أثر.
الثلاثاء 27 رمضان 415 هـ :
في عهد الخليفة الفاطمي الظاهر بالله ، هرب أبنا جراح ولحقا باخيهما حسان بن جراح الثائر على الدولة الفاطمية في الشام ، وحين هربا أخذ جميع ما في الدار وتركا أخا لهما مريضا ، فاعتقلته السلطات الفاطمية . ( منتهى النذالة )..!!
الأربعاء 27 رمضان 734 هـ :
قضية القاضي ابن جملة : .( من قضاة الزمن الردىء )
وقع تنافس وعداء بين القاضي ابن جملة والشيخ الظهير في دمشق ، واستغل القاضي ابن جملة سلطته القضائية ونفوذه فحكم بضرب الشيخ الظهير بين يديه وأن يطاف به في البلد على حمار. وكانوا يضربونه وهو على الحمار ضربا عنيفا ، ويقول ابن كثير : فتألم الناس له لكونه في الصيام وفي العشر الأخير من رمضان ويوم سبع وعشرون وهو شيخ كبير صائم ..
وإرضاء للرأي العام فقد عزلت السلطات المملوكية القاضي ابن جملة وسجنته.
ماذا حدث يوم 28 رمضان في تاريخ أجدادنا
الثلاثاء 28 رمضان 386 هـ :
بويع الحاكم بأمر الله الفاطمي بالخلافة بعد موت أبيه العزيز ، وحين مات أبوه كان الحاكم طفلا يلعب فوق الشجرة في دار في بلبيس ، فجاء إليه برجوان وأمره بالنزول من على الشجرة فرفض فقال له برجوان : انزل ويحك الله فينا وفيك ، وانزله ووضع على رأسه العمامة والجوهر وقبل الأرض بين يديه وقال : سلام الله عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، وخرجوا به إلى الناس فسجدوا له جميعا وفق الطقوس الفاطمية فى تأليه الخليفة ، وسلموا عليه بالخلافة . برجوان تحكم فى الخليفة الحاكم ، ثم قتله الخليفة الحاكم .
الأربعاء 28 رمضان 415 هـ :
في خلافة الظاهر بالله الفاطمي جهز الوزير الجرجرائي سماط العيد على العادة وفيه مائتا قطعة من التماثيل السكر وسبعة قصور كبار من السكر ، وشق البلد في موكب هائل بالجنود والطبالين والمغنيين .
الجمعة 28 رمضان 558 هـ :
بعد تسعة أشهر من تولي شاور الوزارة للخليفة الفاطمي العاضد ثار عليه ضرغام يوم الجمعة 28 رمضان 558 ، وحدثت بينها موقعة قتل فيها ابن لشاور وأخ له . فهرب شاور من القاهرة للشام ، ونهب ضرغام داره ودور أولاده وأتباعه .
28 رمضان 843 هـ :
تعيين ابن الطبلاوي نقيبا للجيش في سلطنة جقمق. وهو أحد كبار الظّلمة .
ماذا حدث يوم 29 رمضان في تاريخ أجدادنا؟
الأربعاء 29 رمضان 386 هـ :
بعد أن بويع الحاكم بأمر الله الفاطمي بالخلافة وهو طفل صغير دخل القاهرة في موكب حافل وبين يديه الأعلام والبنود والعساكر ونودي في البلد باستحلال دم من خالف البيعة لأمير المؤمنين الحاكم بأمر الله ..!! كل ذلك وأبوه الخليفة العزيز بالله لم يدفن بعد ..
الثلاثاء 29 رمضان 719 هـ :
أجتمع في دمشق القضاة وكبار الفقهاء عند والى الشام ( نائب السلطنة) وقرئ عليهم كتاب من السلطان الناصر محمد بن قلاوون يتضمن منع الشيخ ابن تيمية من الإفتاء في مسائل الطلاق . واتخذ المجلس قرارا بالتأكيد على ذلك .
الخميس 29 رمضان 875 هـ :
في ليلة الثلاثين من شهر رمضان 875 توجه قضاة القضاة إلى الخانقاة المنصورية قلاوون لرؤية هلال شوال ، وتخلف عنهم القاضي الحنفي ابن الشحنة لاعتكافه بسبب غضب السلطان قايتباي عليه ، كما تخلف أيضا القاضي الحنبلي بسبب مرضه .
وادعي من حضر من القضاة والعلماء أنهم لم يروا الهلال حتى لا تكون خطبتان في يوم واحد ( خطبة العيد وخطبة الجمعة ) فيكون ذلك فألا سيئا على السلطان قايتباي ، إذ كانوا يتشاءمون من مجيء العيد يوم جمعة فتكون فيه خطبة للعيد ثم خطبة للجمعة مما يعني أن السلطان القائم سيموت أو يعزل ويحل محله سلطان جديد ، ولذلك أدعوا أن الهلال لم يظهر ، وصام الناس يوم الجمعة على أنه الثلاثين من رمضان ، وجعلوا عيد الفطر يوم السبت 1 شوال 875 ، وهو يوافق 23 مارس 1470 م.
ماذا حدث يوم 30 رمضان في تاريخ أجدادنا ؟
الأحد 30 رمضان 515 هـ:
اغتيال الوزير الأفضل بن أمير الجيوش وكان عمره سبعا وخمسين سنة ، وقد اغتاله أربعة رجال أثناء إشرافه على ترتيبات الاحتفال بعيد الفطر ، وانتهزوا فرصة زجره للناس وأبعاده لهم عنه وخلو الحراس من حوله فانقضوا عليه وقتلوه ، وقد تم القبض على الجناة وقتلوهم واحرقوا جثثهم .
30 رمضان 841 هـ :
هجم سيل عظيم هائل على مدينة فاس بالمغرب فأغرق خلائق كثيرين وهدم عدة مساكن .
الخميس 30 رمضان 1213 هـ / 7 مارس 1799 م :
أثناء الحملة الفرنسية على مصر . ورد الخبر للقاهرة بأن الفرنسيين أخذوا غزة وخان يونس ، وأن إبراهيم بك قد ارتحل من هناك وأنه أرسل حريمه إلى جبل نابلس ، وقيل أنه تحارب مع الفرنسيين وانهزم أمامهم .
وفي عصر اليوم حضر مجموعة من الفرنسيين يركبون الخيل ومعهم الرايات التي كانت على قلعة العريش ، وجاءوا إلى الجامع الأزهر فاصطفوا باب الجامع وطلبوا الشيخ الشرقاوي وسلموه تلك الرايات وأمروه برفعها على منارات الأزهر وبقية الجوامع ، وضربوا عدة مدافع ابتهاجا بانتصارهم . وعند الغروب ضربوا عدة مدافع للإعلام بالعيد ، وبعد العشاء الأخيرة طاف أصحاب الشرطة ونادوا بالأمان وبخروج الناس على عادتهم لزيارة القبور والاجتماع لصلاة العيد وأن يلبسوا أحسن الثياب .
أخيرا :
1 ـ رمضان ـ شهر التقوى ـ هل خلا من الظلم وسفك الدماء فى تاريخ السابقين ؟ وهل يخلو الآن من الظلم وسفك الدماء ؟ هل نعم فيه المستضعفون الأمن والعدل ؟
2 ـ مات أكابر المجرمين الماضون ولم يتعظ أكابر المجرمين اللاحقون .
الخاتمة
خاتمة كتاب ( رمضان والصيام بين الاسلام والدين السنى ) دراسة أصولية تاريخية
مقدمة :
1 ـ تخصّص الباب الثالث من هذا الكتاب فى ( لمحة عن رمضان فى التاريخ ) خلال فصلين : الأول : عن أهم الأحداث فى شهر رمضان جمعناها من بين سطور التاريخ ، والثانى : عن يوميات شهر رمضان ، من اليوم الأول فيه الى اليوم الثلاثين خلال القرون الماضية المسجلة فى كتب الحوليات التاريخية . وفى نهاية هذا الفصل قلنا : ( رمضان ـ شهر التقوى ـ هل خلا من الظلم وسفك الدماء فى تاريخ السابقين ؟ وهل يخلو الآن من الظلم وسفك الدماء ؟ هل نعم فيه المستضعفون الأمن والعدل ؟ . مات أكابر المجرمين الماضون ولم يتعظ أكابر المجرمين اللاحقون . ).
2 ـ نعطى لمحة هنا عن رمضان هذا العام 1445 هجرية .
المحنة الكبرى :
1 ـ مذابح الفلسطينيين المستمرة من سبعة أشهر ، ولم تتوقف .ومتوقع أن تحدث مذابح أكثر عندما تهاجم إسرائيل رفح الفلسطينية والتى تكدّس فيها الهاربون من قطاع غزّة .
2 ـ حماس والجهاد يرفعون راية الاسلام دون معرفة به ، ودون معرفة بتشريعات الجهاد فى الاسلام ، والتى لا تفرض القتال الدفاعى إلا عند القدرة عليه . عند الضعف يكون الأمر الإلاهى بكفّ اليد . مخالفة هذا التشريع يعنى أن تحارب عدوا قويا يستأصلك ، كما يعنى أن تقوم بعمليات إنتقامية من المدنيين ، أو ما يُعرف بالارهاب . وهذا ما بدأته منظمة التحرير الفلسطينية بخطف الطائرات المدنية و القتل العشوائى فى الشوارع ووسائل المواصلات .
3 ـ حماس إنفصلت عن منظمة التحرير وتحكمت فى قطاع غزّة . وبسببها عانى أهل غزة من حصار ، والأسوأ ، هو أنهم إتخذوا أهل غزة دروعا بشرية لهم ، يضربون الضربة ثم يستخفون فى التكاثف السكانى فيها . ثم حفروا أنفاقا ومنها قاموا بالهجوم على مستوطنات غلاف غزة ، وخطفوا مئات من المستوطنين . وتركوا أهل غزة فى العراء تبيدهم إسرائيل . وتمكنت إسرائيل من تدمير معظم الأنفاق والقضاء على معظم مقاتلى حماس .
4 ـ قالت منظمة الأونروا بتاريخ 13 مارس 2024 إن عدد الأطفال الفلسطيين الذين قُتلوا في 4 أشهر بغزة أكبر من الذين سقطوا في 4 سنوات من الحروب حول العالم . المؤسف أن حرب روسيا فى أوكرانيا تدور من سنوات ، والضحايا المدنيين فى أوكرانيا لا شىء مقارنة بأمثالهم فى غزة ، لأن هناك ملاجىء لهم يحتمون بها من الهجوم الروسى الوحشى . وفّرت حماس والجهاد ملاجىء آمنة لهم ، وتركت الأطفال والنساء والعجائز والمستضعفين تلتهمهم إسرائيل بلا رحمة ، وبلا توقف مع تدمير غزة وغيرها وتجويع أهلها . ثم لا إنتصار لحماس والجهاد . وحتى لو حدث إنتصار مؤقت فهل يستمر مع الآلة الاسرائيلية الحربية ؟، والسلاح الذى يتوالى لإسرائيل من أمريكا والغرب ؟، والدعم الغذائى الآتى لها من بعض الأنظمة العربية ؟. وهل لو حدث إنتصار مؤقت فهل يساوى قتل عشرات الألوف من النساء والأطفال وتدمير القطاع وبُنيته التحتية . شهوة السُّلطة والحكم والتحكم لدى حماس والجهاد جعلتهم يختارون طريق الحرب ـ غير المتكافئة ـ مع إسرائيل للحصول على شرعية وتحقيق شعارهم الخيالى بالقضاء التام على إسرائيل .
5 ـ لا يعرفون أن الذى يقضى على إسرائيل فعلا ليس الحرب ، ولكنّ السلام .
هذا ما جاء فى القرآن الكريم الذى لا يؤمن به المحمديون ، وفى مقدمتهم الذين يرفعون لواء الاسلام وهم أعدى أعدائه . إن الله جل وعلا يقول عن اليهود : ( لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّفِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ) (14) الحشر ).
التعبير هنا بالفعل المضارع ، أى ليس حالة ماضوية بل تنطبق على الحاضرأيضا ، وبإسلوب القصر والحصر : ( لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ ) . الذى يجعلهم ( جميعا ) هو الخوف ، وهى عقدة كانت ولا تزال فى الشخصية اليهودية ، وهى السائدة والمتحكّمة فى المتطرفين الإسرائيليين اليوم والتى تحثُّهم على إستئصال الفلسطينيين ، وخصوصا الأطفال والنساء ليشعروا بالأمن . وفى نفس الوقت فإن هذا الخوف هو الذين يجعلهم يتخذون أسلوبا حربيا ـ كان ولا يزال ـ وهو ( التّترُّس ) والاحتماء بالقرى المحصّنة ( الكيبوتز والمستوطنات ) والأسوار العالية ( من خط بارليف الى الجدران العالية ) . وصدق الله العظيم : ( لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ ) . تراهم هكذا فتحسبهم مجتمعين متحدين على قلب رجل واحد . ولكن الواقع كما قال رب العزة جل وعلا : ( بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ) . هذا البأس الشديد بينهم وهذه القلوب ال ( شتّى ) تظهر عند إستتباب السلام . هناك مثل سائد فى إسرائيل يقول : إذا إجتمع إسرائيليان كونوا ثلاثة أحزاب ، لكل واحد حزب ، ثم حزب مشترك . الانقسامات الدينية والسياسية كثيرة فى المجتمع الاسرائيلى ، وتطُلُّ برأسها فى كل حين ، ولكن يغطيها رُعبهم من حالة الاستنفار ضدهم ، وهم يعايشون هذا بإستمرار من عام 1948 ، وحتى قبل هذا . ويغذيه أن القضية الفلسطينية تحولت الى مزاد للإستثمار السياسى بين الفلسطينيين والمستبدين العرب ، وهم قوم يقولون ما لايفعلون ، وهم لا يحاربون إلا وينهزمون . ولكن هذه المزايدة تؤجّج وهج الرُّعب لدى الاسرائيليين ، وتجعلهم يرتكبون المذابح التى يعتبرونها دفاعا عن النفس من ( جيش الدفاع الاسرائيلى ). وحاليا وبعد مغامرة حماس والجهاد فى 7 اكتوبر الماضى لا تجد إسرائيل سوى أطفال غزة ونسائها وعجائزها لتقتلهم.
6 ـ واليوم 11 أبريل 2024 قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن أكثر من 13 ألف فلسطيني في عداد المفقودين تحت الأنقاض، أو قتلى في مقابر جماعية عشوائية، أو أخفوا قسرا في سجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية. وجاء فى أخبار الأمس : ( تواصل دولة الاحتلال الصهيوني إعمال الإبادة الإجرامية لليوم الـ138 على التواصل بحق أبرياء غزة. ارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي 9 مجازر ضد العائلات في قطاع غزة راح ضحيتها 103 شهداء و142 إصابة خلال الـ24 ساعة الماضية، حيث ارتفعت حصيلة العدوان الإسرائيلي إلى 29195 شهيدا و69170 إصابة، على ما أفادت وزارة الصحة بغزة، الثلاثاء) . يوم الثلاثاء هو آخر يوم فى رمضان ..هذا هو السىء، والأسوأ قادم طالما ظل الدين السنى والشيعى سائدا يقود المواجهة ضد إسرائيل .
المستبد العربى :
1 ـ مهما بلغت وحشية إسرائيل فوحشية المستبد العربى بشعبه أقوى وأشدّ . إسرائيل تحارب عدوا لها ، إغتصبت أرضه وتخشى إنتقامه ، ولكن ما هو مبرّر المستبد العربى فى قتل شعبه وقهره وتعذيبه وإفقاره وسلب ثرواته ؟ لو حكمت إسرائيل مصر بشعبها الخانع لكانت أقل وحشية من السيسى . ولو حكمت إسرائيل السودان ما فعلت بها ما فعله بالسودان البشير ثم عبد الفتاح البرهان وميليشيات الدعم السريع . آلاف القتلى والسلب والنهب والاغتصاب والطرد والتجويع ، وقبله تقسيم السودان ، وتضييع ثرواته وهو أغنى بلد ( عربى ) بثرواته .
2 ـ المحمديون فى العالم يتجاوز عددهم بليون ونصف البليون ، ولكن الذين يمثلونهم هو عدد المستبدين الذين يمتلكون هذه الشعوب . أى إن المحمديين أقلية مقارنة بعدد سكان إسرائيل ، والتى تنتصر لأن أولئك المستبدين خدم لاسرائيل .
أخيرا
لم يعرف المحمديون إحترام شهر رمضان ، ولم يعرفوا إحترام الأشهر الحُرُم . بل تناسوها أصلا.
وتعجبون من سقمى ؟ صحتى هى العجب .