مكتبة منصور أرشيف دائم
EN / AR
الكتب 2023

أثر التصوف فى الانحلال الخلقى فى المجتمع المصرى المملوكى

التمهيد

التمهيد

1ـالإسلام إيمان وعمل صالح ، إيمان خالص بالله تعالى وحده إلاها، وإيمان حقيقى بالكتب السماوية والأنبياء ، وعمل صالح يشمل العبادات والأخلاق الحميدة، والإيمان وحده لايكفى ، كما أن العمل الصالح وحده لايغنى ، لابد من اقتران الإيمان الحقيقى بالعمل الصالح ، والتقوى هى ثمرة الإيمان الحقيقى ، كما أنها هى الميزان الحقيقى للعمل الصالح ، فالتقوى هى مزيج من الحب والرهبة والخوف من الله تعالى وحده، والمتقى هو الذى يسارع فى مرضاة الله تعالى فى الطاعة، وفى اجتناب المحرمات والرذائل. لذلك فالأخلاق الحميدة أشد ارتباطا بالإسلام ، والقرآن يعبر عن ذلك بكلمة " استقم" ومشتقاتها.. كما يعبر عن أخلاق المشركين بالإعوجاج والفساد. لأن الفساد هو ثمرة الشرك ..

2ــ والتصوف حين أرسى عبادة وتقديس البشر والحجر والهوى كان لابد أن يعكس ذلك على الأخلاق والسلوكيات لتصبح انحلالا خلقيا، يجد له مشروعية فى الإفتراء، وذلك كله كى يستمر البشر فى عصيانهم دون رادع أو تأنيب للضمير

 3ــ والقرآن يؤكد على أن الفجورجزء من تكوين النفس البشرية بالإضافة للتقوى ، ولكن شريعة الله فى القرآن تحاول السمو بالإنسان ليصل إلى الاستقامة فى السلوك والعقيدة، وللقرآن منهج أخلاقى متكامل ليس هذا أوان تفصيله، ولكن ننبه هنا إلى أن للتصوف منهجا آخر فى الانحلال الخلقى مستمد من عقيدته وتشريعاته، وحملته وصايا الأشياخ وتم تطبيق هذا المنهج ، فأثمر فسادا فى الأخلاق أصبح ظاهرة اجتماعية فى مصر وغيرها حيث ساد التصوف وتحكم .

ـ وأثر التصوف فى الانحلال الخلقى له جانبان، الأول أنه جعل الانحلال لغة العصر ، والثانى أنه قام بتحويل الإنحلال إلى شريعة دينية وفضيلة خلقية ، وإذا كان عصرنا يستغرب ذلك ويستفظعه فذلك راجع إلى أن آثار التصوف قد تراجعت .. وربما يتذكر بعض المعمرين بعض الملامح التى كانت لاتزال موجودة، وكلها من آثار الانحلال الخلقى فى العصر المملوكى التى سادت المجتمع المصرى منذ عدة قرون ، وآن أن ندرسها لنتعظ ونعتبر ، وننصف الإسلام من بعض المسلمين.

i. الفصل الأول: جذور الإنحلال الخلقى الجسدى وتشريعه فى عقيدة التصوف وتاريخ الصوفية.

الفصل الأول: جذور الإنحلال الخلقى الجسدى وتشريعه فى عقيدة التصوف وتاريخالصوفية.

أولا : جذور الإنحلال الخلقى فى عقيدة الصوفية:

      ــ  وحدة الوجود وأثرها فى نشر الإنحلال الخلقى.

      ــ  نكاح المحرمات .

      -  وحدة الفاعل

      ــ  سقوط التكاليف الإسلامية .

      ــ  الولى الصوفى لاتؤثر معصيته فى ولايته .

      ــ  التخويف من الاعتراض على الولى العاصى .

ثانيا  : الصوفية ونشر الإنحلال الخلقى وتشريعه :

      ــ الصوفية والعوام .

      ــ  حفلات السماع الصوفية.

      ــ تعبيرات جديدة للانحلال الخلقى .

      ــ  اعتراف بمسئولية التصوف عن الانحلال الخلقى .

      ــ  الدعوة للعصيان .

أولا : جذور الانحلال الخلقى فى

عقيدة التصوف

       عقيدة التصوف فى وحدة الوجود هى الأساس فى الإنحلال الخلقى للصوفية وأساس انتشاره فى المجتمعات التى سيطروا عليها . وتؤثر هذه العقيدة فى نشر الإنحلال الخلقى من زوايا مختلفة ..

وحدة الوجود :

      فعقيدة وحدة الوجود ترى أن الكون جزء من الله وأن البشر بالذات هم أبرز مظهر يتجلى فيه الإله فى هذا العالم ، وفى ذلك يقول ابن عربى الشيخ الصوفى الأكبر (لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى أن يرى أعيانها، وإن شئت قلت أن يرى عينه فى كون جامع يحصر الأمر كله .. يكون له كالمرآه .. فكان آدم عين جلاء تلك المرآه وروح تلك الصورة .. فظهر جميع مافى الصورة الإلهية من الأسماء فى هذه النشأة الإنسانية .. فأوجد فى هذا المختصر الشريف الذى هو الإنسان الكامل جميع الأسماء الإلهية)[1] . إذ يرى ابن عربى أن آدم هو امتداد لله وأنه جمع كل الصفات الإلهية فيه .

      ثم تحدث عن خلق حواء بعد آدم فيرى أنها أيضا جزء من الله ( .. ثم اشتق له شخصا على صورته سماه امرأته ، فظهرت بصورته ، فحنَ إليها حنين الشىء إلى نفسه ، وحنَت إليه حنين الشىء إلى وطنه)[2] .

      ثم يرى ابن عربى فى النكاح الجنسى بين الذكر والأنثى اتحادا بالله على اعتبار أن الرجل والمرأة جزء إلهى ثم بالإتصال بينهما يعودان إلى نفس النشأة الإلهية ، وأن الصوفى الحق هو الذى يعايش هذا الإحساس بالإتحاد بالله حين يمارس الجنس ، أما غير الصوفى فينهمك فى الصورة وينسى الأصل، يقول ( ولما أحب الرجل المرأة طلب الوصلة .. فلم يكن فى صورة النشأة العنصرية أعظم وصلة من النكاح ، ولهذا تعمُ الشهوة الأجزاء كلها، ولذلك أمر بالإغتسال منه ، فعمت الطهارة كما عم الفناء فيها عند حصول الشهوة، فإن الحق ــ يقصد الله تعالى ــ غيورعلى عبده أن يعتقد أنه يلتذ بغيره، فطهَره بالغسل، فيرجع بالنظر إليه فيمن فنى منه )[3]. أى ابن عربى يؤول الغسل بعد الجنابة بأن الله أوجبه لأنه يغار من الرجل إذا اعتقد أنه يلتذ بغيره ليعرف الرجل فيمن التذ به ، هل بالمرأة ، أم بالإله !!.. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا !!

       ثم يتحدث ابن عربى عن أنواع الشهود الإلهى وقت الجماع الجنسى او كيفية الاتحاد الإلهى فى الرجل والمرأة لحظةالشهوة الجنسية ، يقول:  ( فإذا شاهد الرجل الحق فى المرأة كان شهوده فى منفعل ، وإذا شاهده فى نفسه من حيث ظهور المرأة عنه شاهده فى فاعل) ثم يصل بعد استطراد، إلى أن الإله  يتجلى أكثر فىالمرأة عند الجماع لأنها محل الشهوة، يقول ( فشهوده للحق فى المرأة أتم وأكمل شهود الحق فيهن، إذ لم يشاهد الحق مجردا عن المواد أبدا ، فإذا كان الأمر من هذا الوجه ممتنعا ، ولم تكن الشهادة إلا فى مادة فشهود الحق فى النساء أعظم الشهود)[4]. فابن عربى يرى أنه لايمكن مشاهدة الله إلا فى المادة الحسية، ويفسر الجماع الجنسى على هذا الأساس ، فيقول ( وأعظم الوصلة النكاح ، وهو نظير التوجه الإرادى على من خلقه على صورته ليخلفه ، فيرى صورته بل نفسه ، فسوَاه وعدَله ونفخ فيه من روحه الذى هو نفسه ، فظاهره خلق ، وباطنه حق)[5] . وواضح أن ابن عربى يعتمد على الأحاديث الكاذبة التى تمثل عقائد التصوف ، مثل( أن الله خلق آدم على صورته) ، وهو موجود فى البخارى ، وأصله زيف أدخله اليهود فى سفر التكوين المضاف للتوراة ، ثم نسبوا ذلك الحديث فيما بعد للرسول محمد ، ويعتمد ابن عربى أيضا على تأويله للروح بالنفس البشرية ، مع أن كلمة الروح لم تأت فى القرآن إلا وصفا لجبريل ومايتعلق به ، ثم ينتهى ابن عربى إلى اعتبار الإنسان الهيا ، ظاهره خلق أى مخلوق وباطنه حق يعنى الله تعالى ، وعليه فالجماع بين الرجل والمرأة هو رجوع بهما إلى النشأة الإلهية ، ومن يفهم الجماع على هذا الأساس فقد عرف الحق وعرف أنه لايلتذ بالمرأة وإنما يلتذ بالإله الذى فى داخل المرأة يقول ابن عربى فى ذلك :ـ

        ( فمن أحب النساء على هذا الحد فهو حب إلهى ، ومن أحبهن على جهة الشهوة الطبيعية خاصة، نقصه علم هذه الشهوة ، فكان صورة بلا روح عنده ، وإن كانت تلك الصورة فى نفس الأمر ذات روح ولكنها غير مشهودة لمن جاء لامرأته أو لأنثى حيث كان، لمجرد الإلتذاذ لكن لايدرى لمن ، فجهل من نفسه مايجهل الغير منه ، مالم يسمه هو بلسانه حتى يعلمه، كما قال بعضهم:

           صح عند الناس إنى عاشق            غير أن لم يعرف عشقى لمن

كذلك هذا، إذا أحب الإلتذاذ، فأحب المحل الذى يكون فيه، وهو المرأة ولكن غاب عنه روح المسألة، فلو علمها لعلم بمن إلتذ ، وكان كاملا [6] ). وهذا هو مقياس الإنسان الكامل عندهم .

ومن السهل بعد هذا الانحراف الهائل فى العقيدة ان ينحرف السلوك ويباح الزنى، طالما أن الجماع الجنسى بأى طريق هوالوسيلة للتحقق بالحق وشهود الإله فى المرأة، وواضح من النص السابق أن ابن عربى لايفرق بين جماع الرجل لزوجته أو لأى أنثى، فهويقول(ولكنها غير مشهودة لمن جاء لامرأته أو لأنثى، حيث كان لمجرد الإلتذاذ ...).

     وقدهلك ابن عربى قبيل العصر المملوكى، ولكن عقيدته التى استقاها من الغزالى والرواد الصوفية الأوائل ظلت مسيطرة على العصر المملوكى ، رددها عبدالكريم الجيلى فى القرن التاسع فىكتابه (الإنسان الكامل) ورضعها الشعرانى أكبر الصوفية المخضرمين للعصرين المملوكى والعثمانى. فالشعرانى استشهد بأقاويل ابن عربى فى عبادة المرأة عند الجماع،واعتبارها أبرزمجال للشهود الإلهى لحظة الجماع ، واستشهد بقوله أن أعظم الملائكة قوة مخلوق من أنفاس النساء ــ وهو ترديد ساذج لعبادة الجاهليين للملائكة على أنها بنات الله ــ وردد قوله أن من جملة قوة النساء أنها استدعت أعظم ملوك الدنيا إلى هيئة السجود حال الوقاع ــ أى الإتصال الجنسى ، وهو بذلك يضفى على حركات الجماع سمات العبادة من السجود والركوع والقيام ، وأن من جملة قوتها أنها قدرت على إخفاء محبتها للوقاع من كون شهوتها تزيدعلى شهوة الرجل بسبعين ضعفا،ولانعرف من أين استمدهذا التقدير، ومن قوتها أيضا استخدامها الرجل فى حوائجها وتحصيل شهواتها وتقبيلها،وهذه الأمورلاتكون إلا لمن حقت له السيادة على ذلك الخادم أى الذكر، ثم يجتهد الشعرانى فى الربط بين الحق تعالى وبين جماع المرأة ويأتى بمعان جديدة لم ترد فى كتاب الفصوص لابن عربى، كقوله ( شرع الشارع الاستخارة للعبد فى السفر والتزوج والمشاركة وغير ذلك ، مما لذته دون لذة الجماع ، وحجابه دون حجاب الجماع ) وطبيعى أن دليله فى مشروعية الاستخارة مستقى من الأحاديث الكاذبة ، وليس القرآن إذ فى القرآن توكل على الله بعد التفكير والإعداد ، ولكن الشعرانى بعد هذه المقولة يرتب عليها عقيدته الصوفية فى اعتبار الجماع شهودا لله فى المرأة فيقول( ولاينبغى لعبد أن يقدم على فعل شىء يخاف أن يحجبه عن شهوده لربه عز وجل كالجماع) ثم يجعل من الله تعالى مشاركا إيجابيا للعبد فى لذة الجماع، فيقول( ومن علامة كون الحق جل وعلا يحب من

عبده الجماع أن يدوم انتشار فرجه ، أو ينتشر إن كان له فيه ارتخاء، إحسانا للظن بالله) [7]. ويفتخر الشعرانى

بتجربته قائلا( ومما  أنعم الله تبارك وتعالى به على .. حضورى مع الحق تبارك وتعالى فى حال اجتماعى

بزوجتى كما أحضر معه تبارك وتعالى فى صلاتى على حد سواء فى أصل الحضور .. بجامع أن كل منهما

عبادة مأمور بها).                                                                                                  

       فالشعرانى يزاوج بين الجماع والصلاة وبين المرأة والإله، ثم يقول ( وماشرع الحق جميع المأمورات الشرعية إلا ليحضر العبد مع ربه حال فعلها ،إنما لم يصرح الشارع لنا بالأمر بالحضور بالجماع اكتفاء بما أمرنا به من التسمية عنده، فإن ذكر اسمه تعالى وسيلة للحضور معه تعالى) فهو يتحدث عن شهود الإله فى المرأة حال الجماع، ويدلل بالأمربذكر اسم الله، عند الجماع وذلك افتراء لاسند له .

       ويستند الشعرانى لأقوال اشياخه ، يقول ( وكان سيدى المرصفى يقول: لايتحقق لعارف قط وجه العبودية ذوقا فى شىء من العبادات كما تحقق فى حال الجماع أبدا، فإنه يشهد نفسه مقهورا تحت حكم شهوة طبيعية، حتى لايقدر على دفع حكمها عليه ولايكاد يتذكر شيئا آخر غير ماهو فيه ، ولذلك كان من شأن القطب الغوث الإكثار من النكاح ، لما يجده فيه من التحقق بالعبودية . فإياك والإعتراض على من يكثر من الجماع فربما يكون سبب كثرة جماعه الحكمة التى ذكرناها، وقد رأيت شخصا يدعى القطبية يدخل الحمام فى النهار ثلاث مرات،فازدادت فيه اعتقادا وتعظيما) وبغض النظر عما فى كلام الشعرانى من مآخذ تستدعى الضحك والسخرية إلا أن رائحة الجد تظهر فى كلامه، إذ يجعل من الجماع الجنسى أهم مظهر للعبادة الصوفية ، وأهم مناسبة لشهود الإله، وأهم معلم من معالم التفوق الصوفى، وكلما ازداد أحدهم فى ممارسته الجنسية بغض النظر عن كونها حلالا أو حراما كلما ازدادت درجته الصوفية .

       ولأنه عبادة كان لابد من اختراع طقوس تأديتها، والشعرانى تحدث عن طقوسه فى ممارسة الجنس مع زوجته فيقول ( ومما أنعم الله تبارك وتعالى به على كثرة شفقتى على ذريتى من قبل أن تحمل بهم أمهم ، وذلك أنى لا أجامع أمهم قط وأنا غافل عن الله تبارك وتعالى، ولا أجامعها وأنا غضبان ،ولا أنا مقبل على الدنيا، ولا أنا مخاصم أمهم لحظ نفس ،ولا وأنا حسود أو متكبر)[8] . أى يمارس الجنس كأنه فى عبادة صوفية.

       ودارت اصطلاحات الصوفية حول هذا المعنى مثل (المحق) ( والمحبة الأصلية) ( النكاح السارى فى جميع الذرارى) ( مجمع الأهواء) وهو( حضرة الجمال المطلق ، فإنه لايتعلق هوى إلا برشحة من الجمال ، ولذلك قيل :

                    نقل فؤادك حيث شئت من الهوى          ماالحب إلا للحبيب الأول

        وقال الشيبانى :

                   كل الجمال غدا لوجهك مجملا          لكنه فى العالمين مفصلا[9].

نكاح المحرمات :

      فالصوفية يعتقدون أن كل وجه جميل إنما هو مظهر لجمال الله ، لذا فالعقيدة الصوفية لاتحرم الزنى وشيخهم ابن عربى(كان لايحرم فرجا)[10] ، وبعض الصوفية أعلنها صراحة ولم يبال باعتراض الناس بل تعدى إلى استحلال المحارم مثل الأم والبنت والأخت ، وأبرز مثل ذلك هو الشيخ عفيف الدين التلمسانى تلميذ ابن عربى، الذى كان( لايحرم فرجا وأن عنده ما ثمَ ولاغير ــ أى لايوجد سوى الله فالله هو الكون ، وأن العبد إنما يشهد السوى ــ أى غير الله ــ إذا كان محجوبا ، فإذا انكشف حجابه ورأى أن ماثمًَ غيره ــ أى ماهنالك غير الله ــ تبين له الأمر ، ولهذا كان يقول : نكاح الأم والبنت والأجنبية واحد وإنما هؤلاء المحجوبون ــ أى غير الصوفية ــ قالوا حرام علينا ، فقلنا حرام عليكم)[11]

      وتوافد صوفية المشرق لمصر المملوكية واتسموا بصراحتهم فى إعلان عقائدهم بوضوح ، ولأنهم فقراء مهاجرون ملأوا طرقات القاهرة فقد استنكر الناس أفعالهم ، وقال عنهم المقريزى( ينتحلون مذاهب الإلحاد ، ويصرحون بتعطيل الصانع تعالى ، وينكرون شرائع الأنبياء ، ويجهرون بإباحة المحرمات)[12]. أى إباحة الزنى بالمحرمات فى الزواج كالأم والبنت .

       ويبدو أنه كان من بين أولئك الوافدين من صوفية المشرق أتباع لطائفة الحروفية أو النسيمية، وقد أعلنوا إباحة المحرمات من النساء ، وقد قتل زعيمهم التبريزى(ت سنة820 هـ)وقيل فيه ( قتل الشيخ نسيم الدين التبريزى نزيل حلب وهو شيخ الحروفية، وقد قرر نسيم الدين أن الشرائع أباطيل لاحقائق ، وأنه لا إله ،( وقد وصل فى ضلاله إلى أن وطأ ابنته واتخذها كالزوجات إلى أن أولدها ولدا). وقد سكن حلب وكثر أتباعه وشاعت بدعته فأمر السلطان بقتله)[13]، إذا فقد  انتشرت طوائف النسيمية الذين أعلنوا وطبقوا ماقاله فلاسفة التصوف كابن عربى وعفيف الدين التلمسانى، بل أن أتباع النسيمى تكاثروا بعد موته ووصلوا إلى مصر ضمن التوافد الصوفى إلى القاهرة عاصمة الدولة المملوكية المسيطرة على أهم مراكز العالم الإسلامى، فبعد مقتل النسيمى بثمانية عشر عاما، يقول ابن حجر فى حوادث سنة   838 (حضر للسلطان شريف من الشام بأوراق فيما يتعلق بالنسيمى وشيخه فضل الله وأن بالشام ومصر جماعة على عقيدته وأنه تصدى لتتبعهم) [14].

      وهكذا فقد أتاح التصوف نشر الإنحلال الخلقى مع المحارم كالأم والبنت ، ومن الطبيعى أن ينتشر أكثر الإنحلال الخلقى الطبيعى مع النساء الأجنبيات ، بل أن يمارس علىأنه نوع من التدينٍ ، طالما أن له جذورا دينية ، ولعل ابن تيمية هو الذى فطن إلى ذلك بسبب صراعه مع الصوفية وأعوانهم المعتقدين فيهم والذين تأثروا بهم، يقول ابن تيمية فى قوله تعالى عن ابليس (إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) (وفى هذا الوصف نصيب كبير لكثير من المنتسبين إلى القبلة من الصوفية والعباد والأمراء والأجناد والمتفلسفة والمتكلمين والعامة وغيرهم، يستحلون من الفواحش ماحرم الله ورسوله ظانين أن الله أباحه، أو تقليدا لأسلافهم ، وأصله العشق الذى يبغضه الله ، فكثير منهم يجعله دينا ويرى أنه يتقرب به إلى الله إما لزعمه أنه يزكى نفسه ، ويهذبها، وإما لزعمه أنه يجمع بذلك قلبه على أدمى ثم ينقله إلى عبادة الله وحده ، وإما لزعمه أن الصور الجميلة مظاهرالحق ومشاهده، ويسميها مظاهر الجمال الأحدى ، وإما لاعتقاده حلول الرب فيها واتحاده بها ، ولذا تجد بين نساك هؤلاء وفقرائهم وامرائهم وأصحابهم توافقا وتآلفا على إتخاذ أنداد من دون الله يحبونهم كحب الله ، إما تدينا وإما شهوة، وإما جمعا بين الأمرين ، ولهذا يتآلفون ويجتمعون على السماع الشيطانى الذى يهيج الحب المشترك فيهيج من كل قلب مافيه من الحب)[15]

       وواضح فى ذلك النص أن كثيرين تأثروا بمقالة الصوفية من الأمراء والأجناد والفلاسفة والمتكلمين والعامة ، وماأسهل انتشار دعوات الإنحلال خصوصا إذا صبغت بالدين ، وكان الصوفية هم الأولياء والمعلمون فى العصر والأئمة فى التطبيق، ويقرر ابن تيمية أنهم جعلوا الإنحلال الخلقى دينا يتقربون به لله ، وأورد حججهم مثل تزكية النفس أو إتخاذ المعشوق واسطة تقربهم لله ، أو أن الصور الجميلة مظاهر يتجلى فيها الله ، وهو نفس مايقرره ابن عربى وغيره فى كتبهم التى كانت منتشرة فى العصر تحظى بالإهتمام والرعاية ، ثم ذكر ابن تيمية أنهم كانوا يمارسون الإنحلال فى صورة جماعية فى السماع الصوفى، أو حفلات الذكر التى يحضرها النساء والصبيان ، وقد جمَلوهم بالألوان والأصباغ، حتى تهيج الشهوات ، ويستدلون بالصنعة على الصانع فى زعمهم ، وقد كان ذلك عادة لهم حتى قبل العصر المملوكى ، فيقول عنهم ابن الجوزى فى القرن السادس (ويصحبون المردان فى السماعات يجملونهم فى الجموع فى ضوء الشموع، ويخالطون النسوة الأجانب، ينصبون لذلك حجة ألبساهن الخرقة)[16]. أى أدخالهن فى الطريق الصوفى. ومخالطة النساء أو الاختلاط بالنساء هو اصطلاح الفقهاء الذى يعبر عن الزنا.

       " وحدة الفاعل" ثم من مظاهر عقيدة الوجود أن الله هو الفاعل لكل حركة، باعتبار أنه موجود فى داخل كل إنسان ، أو مايعبر عنهم الصوفية بقولهم وحدة الفاعل . يقول الغزالى ( وحاصلة أن يتكشف لك أن لا فاعل إلا الله تعالى ، وأن كل موجود من خلق  ورزق وعطاء ومنع وحياة وموت وغنى وفقر إلى غير ذلك مما ينطق عليه اسم، فالمتفرد بإبداعه واختراعه هو الله لاشريك له فيه ، وإذا انكشف لك هذا لم تنظر إلى غيره ، فإنه الفاعل على إنفراد دون غيره، وماسواه مسخرون له لا استقلال لهم بتحريك ذرة فى ملكوت السماوات والأرض)[17]

       والغزالى يخلط عامدا بين قدرة الله واختبار العبد ليؤكد صلة عقيدته الصوفية فى وحدة الفاعل بالإسلام ، والواقع القرآنى يؤكد علىأن الله هو خالق كل شىء( ذلكم الله ربكم لا إله إلاهو خالق كل شىء..الأنعام 102 )، والله هو الذى سمح للبشر بمساحة من الاختيار فترك الحرية للإنسان فى التفكير والمشيئة وترك له الحرية فى العمل  فقال( أعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير ..فصلت 40 ) ، وترك له الحرية فى الإيمان أو الكفر فقال( وقل: الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .. الكهف 29)، والآيات السابقة ختمت بتقرير مسئولية البشر أمام الله حيث سيحاسبهم يوم القيامة على هذه الحرية التى سمح لهم بها ، بل على أساس هذه الحرية تمتع الصوفية مثلا بحريته فى الكفر والعصيان وكتب الغزالى وأمثاله مايخالف آيات الله التى حاول التلاعب بها لتتفق مع عقيدته .

       وقد فصل الغزالى القول فى تقرير وحدة الفاعل وربط أفعال البشر بقضاء الله وقدره ليثبت أن لامسئولية على العصاة فيقول مثلا ( ولاينبغى أن تقول هذا فعلى .. بل هو الذى صرف داعيتك لتخصيص الفعل المكروه بالشخص المكروه والفعل المحبوب بالشخص المحبوب)[18]. فالغزالى هنا ينسب الفعل المكروه لله خلافا للقرآن الذى ينسب العمل الصالح لهداية الله والعمل السىء لابتعاد النفس عن هدى الله ، يقول الله تعالى للرسول

( ماأصابك من حسنة فمن الله ،وماأصابك من سيئة فمن نفسك ، وأرسلناك للناس رسولا .. النساء 79 )، والهداية تبدأ من النفس البشرية باختيارهم ثم يزيدها الله هدى ( والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم : محمد 17 )، ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وأن الله لمع المحسنين: العنكبوت 69)، إلا أن الغزالى جعل البشر مجرمهم وصالحهم أوراقا يحركها الله بلا إرادة منهم ، يقول( والعلماء يعلمون أنهم محركون، إلا أنهم لايعرفون كيفية التحريك ، وهم الأكثرون إلا العارفون ، والعلماء الراسخون فإنهم أدركوا بحدة أبصارهم خيوطا دقيقة عنكبوتية بل أدق منها بكثير معلقة بين السماء متشبثة الأطراف بأهل الأرض .. ثم شاهدوا رءوس تلك الخيوط فى مناطات لها هى معلقة بها،وشاهدوا لتلك المناطات مقابض هى فى أيدى الملائكة المحركين للسموات وشاهدوا أيضا ملائكة السماوات مصروفة إلى حملة العرش ينتظرون منهم ماينزل عليهم من الأمر من حضرة الربوبية، كى لايعصوا الله ماأمرهم ويفعلون مايؤمرون)[19]. وصارت وحدة الفاعل من مصطلحات الصوفية تعرف بالعبودية ومحو عين العبد، أى( إسقاط إضافة الوجود إلى الأعيان ، فإن الأعيان شئون ذاتية ظهرت فى الحضرة الواحدة، أى الله، إلا أن وجود الحق ظهرفيها مع كونها ممكنات معدومة لها آثار فى الوجود الظاهر بها) ( والوجود ليس إلا عين الحق تعالى، والإضافة ليست لها وجود فى الخارج ، والأفعال والتاثيرات ليست إلا تابعة للوجود، إذ المعدوم لايؤثر، فلا فاعل ولا موجود إلا الله تعالى ، فهو العابد باعتبار تعينه وتقيده بصورة العبد.. وهو المعبود باعتبار إطلاقه)[20] أى وصفوا الله بأنه العابد وأنه المعبود، ووصفوا الإنسان بأنه العابد والمعبود تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

       والخطورة الأخلاقية فى (وحدة الفاعل) أن الصوفية يبرئون المجرم من جريمته وينسبون الجريمة لله باعتبار أنه الفاعل وحده ،أما المجرم من البشر فلا إرادة له فيما يرتكب ، ولأن كل الأ فعال من الله،وقد جعل الغزالى من هذه المقالة أساسا فى ( التوحيد الصوفى) فيقول: ولست أعنى بالتوحيد أن يقول بلسانه لا إله إلا الله .. فلا ينفع القول بلسانه ، وإنما ينفع الصدق فى التوحيد ، وكمال التوحيد أن لايرى الأمور كلها إلا من الله ، وعلامته أن لايغضب على أحد من الخلق بما يجرى عليه ، إذ لايرى الوسائط ، وإنما يرى مسبب الأسباب)[21]. فمن كمال التوحيد عندهم ألا يغضب المظلوم من ظالمه ، بل ينسب الإثم لله لا للبشر ،  وصار من اصطلاحاتهم(الموت الأسود) وهو (احتمال الأذى من الخلق .. لكون يراه من محبوبه)[22]. أى من الله ، تعالى عن ذلك علو كبيرا ..

        ويساوى الصوفية على هذا بين الحسنة والسيئة، وبين الصالحين والعصاة ، والمؤمنين والكفرة، فكل هذه الأعمال من الله لا من البشر، فيقول أبو سليمان الدارانى( ليس أعمال الخلق بالذى يسخطه ولا بالذى يرضيه ، وإنما رضى عن قوم فاستعملهم بعمل أهل الرضا، وسخط على قوم فاستعملهم بعمل أهل السخط)[23].وأعطى الصوفية ذلك المعنى اصطلاحا هو ( جمع الجمع) ( وهو تصريف الحق جميع الخلق ، فجمع الكل فى التقليب والتصريف من حيث أنه منشىء ذواتهم ومجرى صفاتهم ، ثم فرقهم فى التنويع ، فريقا أسعدهم وفريقا أبعدهم وأشقاهم وفريقا  أضلهم وعماهم )[24]. ولذلك دافع ابن عربى عن المشركين من الأمم السابقة من قوم نوح وقوم عاد ، وفرعون .

         ولكن لايمكن أن تستوى الحسنة مع السيئة( ولاتستوى الحسنة ولا السيئة .. فصلت 34 ) كما لايمكن أن يتساوى الفاجر بالصالح( أفنجعل المسلمين كالمجرمين ؟ مالكم؟ كيف تحكمون؟ أم لكم كتاب فيه تدرسون أن لكم فيه لما تخيرون؟ .. القلم ــ 35).

            ومادام التصوف يساوى العصيان بالصلاح وينسب الفعل السىء لله لا للبشر ومادامت النفوس تميل للرذائل فالعصيان أقرب للهوى ، والصوفى باختياره للعصيان إنما يختار ماقضى به الله فى زعمهم، وقد اقترب بعضهم من هذا المعنى حين قال ( مادام العبد يتعرف فيقال لا تختر شيئا ولاتختر ولاتكن مع اختيارك ، فإذا عرف وصار عارفا ــ أى تصوف ــ فيقال له إن شئت اختر وإن شئت لاتختر ، وأنك إن اخترت فباختيارنا اخترت ..)[25]. فالصوفى أوالعارف له أن يختار مايشاء واختياره هو اختيار الله ، ولأنه عارف صوفى فهو يعلم الغيب ويتمتع بالعلم اللدنى كما ادعى الجنيد نفسه [26].

         والصوفى الذى يدعى علم الغيب بزعمهم يستطيع أن يعلم المستقبل وماقدره الله له من معاصى ، وبذلك إذا وقع فى معصية مثلا فلأنه عرف من علمه اللدنى أن وقوعه فى المعصية قدر لافكاك منه . والجنيد سيد الطائفة وزعيم الصوفية المعتدلين القائل( العارف من نطق عن سرك وهو ساكت) هو نفسه الجنيد الذى سئل

( أيزنى العارف ) فأطرق مليَا ثم قال( وكان أمر الله قدرا مقدورا)[27]. فالجنيد الذى كان يستتر بالفقه ويقرر التصوف سرا ويدعى التزامه بالإسلام وقع فى حيرة حين سئل سؤالا مباشرا عن إمكانية وقوع الصوفى فى الزنا، فأطرق مليَا ثم استشهد بقوله تعالى( وكان أمر الله قدرا مقدورا) ويلمح بذلك إلى معرفة الصوفى بالغيب ، وأنه إذا عرف المقدر عليه فلا يستطيع منه فكاكا.

           أما الغزالى الذى يتقضى أثر الجنيد فى التمسح بالإسلام فقد حاول أن يقرر نفس العقيدة من خلال أسطورة سبكها يقول فيها ( كان آصف بن برخيا من المسرفين وكانت معصيته فى الجوارح فقد روى أن الله تعالى أوحى إلى سليمان عليه السلام : يارأس العابدين .. إلى كم يعصينى ابن خالتك آصف وأنا أحلم عليه مرة بعد مرة ، فوعزتى وجلالى لإن أخذته عصفة من عصفاتى عليه لتركته مثلة لمن بعده ..فلما دخل آصف على سليمان أخبره بما أوحى الله تعالى به ، فخرج حتى علا كثيبا من رمل ثم رفع رأسه ، وقال إلهى وسيدى أنت أنت وأنا أنا ، فكيف أتوب إن لم تتب على ؟ وكيف استعصم ؟ إن لم تعصمنى لأعودن، فأوحى الله تعالىإليه صدقت ياآصف أنت أنت وأنا أنا، أنا استقبل التوبة وقد تبت عليك وأنا التواب الرحيم)[28].. وفى النص الذى اخترعه الغزالى افتراء على الله بأنه يوحى إلى عاصى بزعمه ،وفيه تفضيل لذلك العاصى على الله ، لأن الله غضب على العاصى لعصيانه وهدده بأن يجعله عبرة لمن بعده ، ولكن بعد ماتكلم العاصى مع الله يفترى الغزالى أن الله قال له( صدقت ياآصف) أى كما لو أن الله ــ تعالى عن ذلك ــ أخطأ فى الحكم الأول ، ثم اعتذر للعاصى حين أدرك عقيدة الصوفية فى أنه الفاعل الوحيد للعصيان والتوبة معا .

          وربما لم يتنبه الغزالى لهذه السقطة الهائلة حين جعل الله كأنه يعتذر لبشر ،لأن غرض الغزالى حين ألف هذه الأسطورة هو تقرير عقيدة وحدة الفاعل الصوفية ونسبها لله افتراء كى تكتسب مشروعية، وبها فلا مسئولية على البشر إن عصوا ، فإن شاء الله تاب عليهم وإن شاء تركهم فى عصيانهم ..

         والغزالى الذى يشجع على الإنحلال الخلقى إلى درجة الإفتراء السابق على الله هو نفسه الغزالى الذى إضطر للإنكار على صوفية عصره حين طبقوا تعاليم الغزالى فأثاروا عليهم الناس  ، وخشى الغزالى من أن يمتد إنكار الناس على الصوفية العصاة إلى إنكار على دين التصوف ، فهب يقطع الطريق على الفقهاء الأعداء التقليديين للصوفية ،فأخذ يهاجم بنفسه منحلى الصوفية وادعاءاتهم ، مع أن أقوالهم لاتختلف عما يقرره هو فى نفس كتابه الأحياء ، فيقول عن صوفية عصره(طائفة وقعت فى الإباحة ــ أى إباحة المحرمات وليس مجرد ارتكابها ــ وطووا بساط الشرع ، ورفضوا الأحكام ، وسووا بين الحلال والحرام)، وهو نفس مايحاول الغزالى إثباته بالأساطير المفتراه ،ثم يورد أقوالهم ( فبعضهم يزعم أن الله مستغن عن عملى فلم أتعب نفسى ، وبعضهم يقول قد كلف الله تطهير القلوب عن الشهوات وعن حب الدنيا وذلك محال ، فقد كلفوا مالم يكن ، وإنما يغتر به من لم يكن يجرب ، وأما نحن فقد جربنا وأدركنا أن ذلك محال ، وبعضهم يقول الأعمال بالجوارح لاوزن لها ، وإنما النظر إلى القلوب ، وقلوبنا والهة بحب الله وواصلة إلى معرفة الله ،وإنما نخوض فى الدنيا بأبداننا وقلوبنا عاكفة فى الحضرة الربوبية ، فنحن مع الشهوات بالظواهر لا بالقلوب ، ويزعمون أنهم قد ترقوا عن رتبة العوام واستغنوا عن تهذيب النفس بالأعمال البدنية ، وأن الشهوات لاتصدهم عن طريق الله لقوتهم فيها، ويرفعون أنفسهم على درجة الأنبياء .. إذ كانت تصدهم عن طريق الله خطيئة واحدة ) ثم يقول الغزالى فى النهاية ( وأضاف غرورأهل الإباحة من المتشبهين بالصوفية ــ لا تحصى)[29] . وفى الجملة الأخيرةالسبب الذى من أجله هاجمهم الغزالى ، فقد أنكر صلتهم بالصوفية وجعلهم متشبهين بالصوفية، وحرمهم من شرف الإنتماء لأمثاله حتى لايعطى فرصة لخصومه الفقهاء .

        وقبل الغزالى كان الصوفية يمارسون نفس الانحلال الذى كان فى عصر الغزالى، وفقا لعقيدة التصوف فى وحدة الوجود ووحدة الفاعل ، فأضطر القشيرى ليكتب رسالته فى الإنكار عليهم يقول فى مقدمتها[30]: (رفضواالتمييز بين الحلال والحرام) وهو ما يماثل قول الغزالى أنهم وقعوا فى إباحة المحرمات ( واستخفوا بأداء العبادات ، واستهانوا بالصوم والصلاة) أى أسقطوا التكاليف الإسلامية ( وركضوا فى ميدان الغفلات ، وركنوا إلى إتباع الشهوات وقلة المبالاة بتعاطى المحظورات ، والارتفاق بما يأخذونه من السوق والنسوان) أى وقعوا فى الإنحلال الخلقى ( ثم لم يرضوا بما تعاطوا من سوء هذه الأفعال ، حتى أشاروا إلى أعلا الحقائق والأحوال ، وأدعوا أنهم تحرروا عن رق الأغلال وتحققوا بحقائق الوصال) أى إدعوا الإتحاد بالله وتحرروا عن رق الجسد وتحققوا بالله وأصبحوا جزءا من الله ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا ( وتحققوا بحقائق الوصال ، وأنهم قائمون بالحق تجرى عليهم أحكامه وهم محو ، وليس لله عليهم فيما يؤثرونه أو يزرونه عتب ولا لوم) أى وحدة الفاعل فالله ــ بزعمهم ــ هو الذى يتصرف فيهم ، وقد انمحت ذواتهم فلا عتب ولا لوم عليهم فيما يقعون فيه من آثام ( وأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية ، واختطفوا عنهم بالكلية ، وزالت عنهم أحكام البشرية) أى كاشفهم الله بأسراره وبالعلم اللدنى الإلهى ، وتحققت أرواحهم بالله فلم يعودوا كالبشر لتجرى عليهم أحكام البشر ( وبقوا بعد فنائهم عنهم بأنوار الصمدية) أى بقت أجسادهم على الأرض بعد أن فنت أرواحهم وتحققت بالله ، وذلك يشابه قول الغزالى السابق عن معاصريه أنهم يخوضون فى الدنيا بأجسادهم وقلوبهم عاكفة فى الحضرة الربوبية ، فهم مع الشهوات بالظواهر لا بالقلوب ، لذا فلا موجب للوم عليهم( وبقوا بعد فنائهم بأنوار الصمدية ، والقائل غيرهم إذا نطقوا والنائب عنهم سواهم فيما تصرفوا) أى أن الفاعل هو الله لا هم .. ثم يقول القشيرى ( ولما طال الإبتلاء فيما نحن فيه من الزمان بما لوحت بعضه من هذه القصة ، وماكنت لأبسط هذه الغاية لسان الإنكار غيره على هذه الطريقةأن يذكر أهلها ..إذ البلوى فى هذه الديار بالمخالفين لهذه الطريقة والمنكرين عليها شديدة) فهو هنا يعلل السبب فى إنكاره على الصوفية وهو خوفه على الطريقة الصوفية من الفقهاء أعدائه ، ثم قال (ولما أبى الوقت إلا استصعابا ،وأكثر أهل العصر بهذه الديار إلا تماديا فيما اعتادوه واغترارا بما ارتادوه ، أشفقت على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر على هذه الجملة بنى قواعده، وعلى هذا  النحوسارسلفه ، فعلقت هذه الرسالة إليكم) أى تمادى الصوفية فى انحلالهم الذى اعتادوه فخشى القشيرى أن يحسب الناس أن التصوف هو ذلك الانحراف الخلقى والعقيدى الذى يمارسه صوفية عصره فكتب رسالته القشيرية . ومع ذلك فإنه لم يستطع فى هذه الرسالة إلا أن يقرر نفس العقائد الصوفية وستأتى نصوص فى ذلك كما سبق إيراد بعضها ،وبعد القشيرى جاء الغزالى يكرر نفس الإتهام لصوفية عصره ، يقول مثلا ( رأى بعضهم أن الله مستغن عن عبادة العباد لاينقصه عصيان عاص ولاتزيده عبادة متعبد ، فعادوا للشهوات وسلكوا مسلك الإباحة وطووا بساط الشرع والأحكام ، وزعموا أن ذلك من صفاء توحيدهم حيث اعتقدوا أن الله مستغن عن عبادة العباد)[31].

         وأصبحت عادة الصوفية أن يتهم كبار الصوفية وفقهاؤهم أوباش الصوفية الآخرين المعاصرين لهم مثل مافعل القشيرى والغزالى .. فالشعرانى فى آواخر العصر المملوكى يتهم معاصريه من أوباش الصوفية الذين أعلنوا عقائدهم بصراحة ولم يتمتعوا باعتقاد الشعرانى ، لذا رماهم على لسان شيخه الخواص بأنهم( زنادقة ، وهم أنجس الطوائف ، لأنهم لايرون حسابا ولا عقابا ولا جنة ولا نارا ولا حلالا ولا حراما ولا آخرة، ولا لهم دين يرجعون إليه ، ولامعتقد يجتمعون عليه ، وهم أنجس الطوائف)[32]. هذا مع أن الشعرانى يدافع باستماتة عن ابن عربى ، ويلخص كلامه ويتابع آراءه ويكتب فى سلوك أشياخه ما يخجل أعتى الفسقة ، وسيأتى تفصيل ذلك.

  سقوط التكاليف

 ويتصل بمقالة ( وحدة الفاعل) إدعاء الصوفية ( سقوط التكاليف الإسلامية) من صلاة وصيام وغيرها ويلحق بها سقوط الالتزام الأخلاقى من ابتعاد عن الآثام ، فالصوفية الذين أسقطوا العبادات الأسلامية هم أنفسهم الذين مارسوا الإنحلال الخلقى ، ومر بنا قول القشيرى فى معاصريه( استخفوا بأداء العبادات واستهانوا بالصوم والصلاة وركضوا فى ميدان الغفلات وركنوا إلى إتباع الشهوات .. إلخ )

      والقشيرى الذى أنكر على صوفية عصره ذلك هو نفسه الذى يلمح بين السطور فى رسالته إلى تقرير أشياخه السابقين لسقوط التكاليف الإسلامية على الصوفى الواصل، غاية ماهناك أنه لايرى فى أوباش الصوفية فى عصره من يستحق أن يكون صوفيا عارفا واصلا.. والقشيرى أتى باقوال الصوفية المعتدلين فى نظره ــ  أو المنافقين فى رأينا ــ وهم الذين تجنبوا صراحة الحلاج وتحاشوا مصيره ، فعبروا عن عقائد التصوف بعبارات غامضة أوملتوية أو رمزية .ٍ

       فالجنيد يرمز إلى إسقاط التكاليف بقوله( العبودية ترك الأشغال) إلى ترك الاشتغال بالفرائض الإسلامية

( والاشتغال بالشغل الذى هو أصل الفارغة) أى دعوى الإتحاد بالله وحلوله ــ وهو الأصل ــ فى الأجساد الفارغة . أو يقول ( لاتصل إلى صريح الحرية وعليك من حقيقة عبوديته بقية ) أى لاتصل إلى الحرية أى إسقاط التكليف وعناء العبودية طالما بقيت فى مشاعرك بقية تؤمن بالفرائض وتحرص عليها،,(وقال بشر الحافى : من أراد أن يذوق طعم الحرية ويستريح من العبودية فليطهر السريرة بينه وبين الله) أى يدعى الإتحاد بالله ويزيل الحجاب فى قلبه ويتحقق بالحق ، وحينئذ تتطهر سريرته ويستريح من العبودية ويتمتع بالحرية الإلهية وتسقط عنه الفرائض، ثم يقول القشيرى( وقال الحسين بن منصور : إذا استوفى العبد مقامات العبودية كلها يصير حرا من تعب العبودية ..) فالقشيرى ينقل رأيا عن الحلاج ويتحاشى ذكر لقبه المشهور ويكتفى بإسمه ( الحسين بن منصور) ويرى الحلاج أن العبد إذا استوفى مقامات العبودية، أى أكمل ادعاءه بالإتحاد يتمكن من طرح العبودية عنه، ويصير حرا فلا يتعب نفسه من تكاليف العبودية .

        والحلاج كان يستعجل رفاقه فى استيفاء مقامات العبودية والوصول إلى اليقين فى التأويل الصوفى ، وهو اسقاط التكاليف طبقا لتأويلهم لقوله تعالى( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)*. بمعنى الفناء فى التوحيد فمن " تحقق" فقد سقطت عنه العبادة ولذلك قال الحلاج للخواص ( أفنيت عمرك فى عمران باطنك فاين الفناء فى التوحيد) أى أضعت عمرك فى تعمير باطنك بالطاعات والبعد عن المعاصى ، فاين الوقت اللازم لإعلان الإتحاد بالله وإدعاء الألوهية وإسقاط تكاليف العبودية ..

         بل اعتبر الصوفية الخوف من الله حجابا يعوق إعلان الإتحاد بالله ، فيروى القشيرى عن الواسطى قوله( الخوف حجاب بين الله تعالى وبين العبد) ( وإذا ظهر الحق على السرائر ــ أى حل فى البشر ــ لايبقى فيها فضله لرجاء ولا لخوف)[33]

         وينسى القشيرى أن الأنبياء كانوا أخوف الناس من عذاب الله( قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم : الأنعام15) وأن الإنسان إذا خاف من ربه ارتدع عن المعاصى، أما  إذا أعلن أن الخوف حجاب يجب إزالته ليتمتع بالقرب من الله فقد تشجع على المعصية .

       ثم جاء الغزالى بعد القشيرى فتوسع فى إسقاط التكاليف الإسلامية( الأحياء جـ 4 /299، 367 ،368 )..

         وإسقاط الإلتزام من طاعات وأخلاق أدى إلى نتيجتين أصبحتا معا من قواعد دين التصوف الأخلاقية ، وهما أن الولى لاتؤثر فيه معاصيه، وأنه ينبغى على المريد ألا يعترض على شيخه إذا وقع فى معصية، ووضح فى موقف الغزالى والقشيرى أنهما طبقا هاتين القاعدتين فى تعاملهما مع عقائد الأشياخ السابقين فأوردهما، وفى نفس الوقت هاجما معاصريهم من أوباش الصوفية .

  الولى الصوفى لاتؤثر معصيته فى ولايته :

فالقشيرى يقول تحت عنوان( فهل يكون الولى معصوما) أن الولى يكون محفوظا حتى لايصر على الذنوب إن حصلت هنات أو آفات أو زلات فلا يمتنع ذلك فى وصفهم ، ولقد قيل للجنيد : العارف يزنى ياأبا القاسم؟ فاطرق مليَا ثم رفع راسه وقال : وكان أمر الله قدرا مقدورا) والتمعن فى النص يبرز أن القشيرى يستعمل أسلوب الفقهاء والمتكلمين ويتلاعب بالألفاظ فلم يصف الأولياء بالعصمة التى شاع اسنادها للأنبياء، ولو ساوى بين الولى والنبى فى العصمة لما كان صوفيا معتدلا، لذا ترك لفظ العصمة من الوقوع فى الذنب، وأسند معنى آخر مساويا له وهو الحفظ من الوقوع فى الذنب ، ولأنه يعلم أن كبار الصوفية منحلون خلقيا، فقد عدل من الصياغة لتكون الحفظ من الإصرار على الذنوب، ومعناه أن يقع الأشياخ الصوفية فى الذنب ولايصممون عليها، ثم جعل كبار الذنوب كالزنا مجرد هنات أو زلات أى صغائر، واستشهد بمقالة الجنيد عن زنا العارف

( وكان أمر الله قدرا مقدورا).

          بل إن القشيرى فى موضع آخر يدافع عن إنحلال الأشياخ فى شذوذهم الجنسى مع الصبيان ويعتبره من الصغائر والهنات، يقول( ومن أصعب الآفات فى هذه الطريقة صحبة الأحداث) فجعل الشذوذ مجرد آفة وإن كانت صعبة، ثم خفف من وصف هذه الفاحشة بقوله عنها(صحبة الأحداث) ثم يقول فيما بعد( وماقالوه من وسائس القائلين بالشاهد) أى اعتبار الصبى الجميل شاهدا على جماله الله ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا

( وإيراد حكايات عن بعض الشيوخ لما كان الأولى بهم إسبال الستر عن هناتهم) فوصف ذلك الشذوذ بأنه (هنات) ودعا للسكوت عنها.

          والمهم أن يظل الأشياخ الصوفية أولياء وعارفين وإن وقعوا فى كبائر الذنوب كالزنا والشذوذ الجنسى. وأتى الغزالى فحاول أن يؤكد نفس الفكرة بطريقته الفريدة وهى اختراع الأحاديث، فقام بنفسه باختراع حديث نسبه للرسول يقول فيه( إذا أحب الله تعالى عبدا لم يضره ذنب) ثم ذكر قولا آخر أشد نسبه لزيد بن أسلم يقول فيه( إن الله ليحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول إعمل ماشئت فقد غفرت لك)،والغزالى لو أنصف لاستشهد بالقرآن بدل من أن يتحدث عن الله فى شأن من شئون الله ويأتى بكلام البشر، ولكنه يعرف أن القرآن كلام الله الحق ينفى هذه المقالة، بل يؤكد العكس وهو أن المؤمن الحق يقدم الطاعة وهو يخشى ألا يقبلها الله، ويظل بين الرجاء والخوف( إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ، والذين هم بآيات ربهم يؤمنون، والذين هم بربهم لا يشركون، والذين يؤتون ماأتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون .. المؤمنون 57 : 60)

            والفارق بين إفتراء الغزالى والحق القرآنى أن الغزالى فى عقيدته يؤمن بأن الصوفى إله ،والآلهة الصوفية فى زعمهم لاتؤثر فيهم أعمالهم لأنهم لايسألون عما يفعلون ، ولقد صاغ الغزالى لذلك المعنى أسطورة تقول( كان إبراهيم بن أدهم فى سياحته على الجبل فسمع قائلا يقول:

      كل شىء منك مغفور سوى الإعراض عنا      وقد وهبنا لك مافات فهب مافات منا

       فاضطرب وغشى عليه فلم يفق يوما وليلة وطرأت عليه أحوال ثم قال سمعت النداء من الجبل: ياإبراهيم كن عبدا، فكنت عبدا وإسترحت )[34].

        فإبراهيم بن أدهم فى هذه الأسطورة سمع هاتفا أو وحيا إلهيا يقرر أن الله يغفر له كل شىء من الذنوب سوى الإعراض عن الله ــ وهو مايعنى فى رموز التصوف الإلتفات للخلق وعدم شهود الحق فيهم . ثم يستمر

الهاتف المزعوم ليقرر أن الله غفر لإبراهيم بن أدهم وبقى على إبراهيم بن أدهم أن يغفر لله (قد وهبنا لك مافات فهب لنا مافات منا) وهنا مساواة بين الله والصوفى ومعاملة على قدم المساواة يؤكدها التعليق الذى جاء بعدها، فقد غش على إبراهيم بن أدهم ــ أو بالتعبير الصوفى فنى عن نفسه ــ وطرأت عليه أحوال ــ أى حلت الألوهية فيه ، ثم أفاق ورجع إلىبشريته حين قال له الله ــ كن عبدا ــ فكان عبدا أى رجع إلى بشريته بعد أن كان إلها طبقا لعقيدته الصوفية فى الإتحاد والحلول ..

       وفى العصر المملوكى كان( الاحياء) و(الرسالة القشيرية) دستورا للصوفية يرتلونهما ويستشهدون بهما ويعقدون المجالس فى التدبر فيهما، والشعرانى أبرزصوفية القرن العاشر تأثرا بالقشيرى فى هذاا الشأن، يقول(من كان لله وليا فى علم الله لاتتغير ولايته، وإن وقع فى المعصية بادر للتوبة فورا، فلا يكون ذلك قادحا فى ولايته ولامزيلا لها .. لأن الحقائق الوضعية لا تقدح فيها النقائص الكسبية) وردد الشعرانى هذا المصطلح

 ( أن الحقائق الوضعية يعنى الولاية الإلهية (لا تقدح فيها النقائص الكسبية) أى الذنوب، وحاول أن يشرح هذاالتعبير بالحكايات الأسطورية فيحكى أن واحدا من الأولياء أصحاب التصريف زار أخا له ، وفىغيبة صاحب البيت قبل الولى جارية صاحب البيت ، ومع ذلك أظهر ذلك الولى بعض الكرامات ، فتحيرت الجارية فى أمره ،فقال لها  سيدها: "أن الخصائص الوهبية لايشينها النقائص الكسبية، وتقبيله لك من الصغائر، والتوبة تجب ما قبلها من الصغائر والكبائر، والعصمة شرط فى النبوة لا فى الولاية ).

         فالشعرانى منح الأولياء الكرامات ليغطى انحلالهم وجعلهم فى نفس الوقت مستريحين من الالتزام الخلقى، فلا بأس عليهم إذا وقعوا فى أى ذنب طالما أن الحقائق الوضعية لاتؤثر فيها النقائص الكسبية ، ثم يروى الشعرانى أسطورة أخرى عن ولى آخر صاحب كرامات ـ ولابد أن يكون صاحب كرامات  فى الأسطورة ليثبت أن تصريفه فى ملك الله مستمر حتى لو وقع فى أشد الذنوب ــ وتقول الأسطورة أن ذلك الولى نام عند أبى العباس المرسى فزنى بجارية المرسى تلك الليلة ثم اغتسل وخرج يمشى على الماء فى بحر الأسكندرية حتى غاب عنهم ، فقال أبو العباس المرسى لسائل مندهش من ذلك : هذا عطاؤه وذلك قضاؤه)[35]. فالكرامات عطاؤه ووقوعه فى الزنا قضاؤه الذى لا مفر منه من الوقوع فيه ، وهو باعتباره وليا صاحب كرامات لابد أنه عرف بأنه مقدر عليه أن يزنى بجارية أبى العباس المرسى ، وذلك مايذكرنا بالرسالة القشيرية ومقالة الجنيد عن العارف الزانى ( وكان أمر الله قدرا مقدورا).

           ويجتهد الشعرانى فى هذا المجال ويقرر ( أن أحدا من الخواص لاينزل عن مقامه العلى بارتكابه زلة من الزلات)[36].  ولكى يؤكد هذه المقالة يفترى أسطورة كرامة من السهل أن تنتشر وأن يصدقها الناس فى عصره ويترسب مضمونها فى عقولهم ، فيحكى عن الشيخ يوسف الحريثى ( لما حججت سهرت ليلة فى الحرم خلف المقام وكانت ليلة مقمرة فلما راق الليل دخل جماعة يخفق النور عليهم فطافوا وصلوا خلف المقام ، وجلسوا يسيرا فجاءهم شخص وقال : يعيش رأسكم فى الشيخ على ، فقالوا رحمه الله ، من يكون فى موضعه؟ فقالوا: حسن الخلبوص بناحية زفتى بالغربية فقال :أناديه ، فقالوا ياحسن، فإذا هو واقف على رءوسهم عليه ثوب معصفر ووجهه مدهون بالدقيق وعلى كتفه سوط، فقالوا  له كن موضع الشيخ على ، فقال على العين والرأس ،فذهب ، ولما رجعت إلى بلادى قصدته بالزيارة فى خان بنات الخطا، فوجدت واحدة راكبة على عنقه ويدها ورجلها مخضوبتان بالحناء وهى تصفعه فى عنقه وهو يقول لها .. برفق فإن عيناى موجوعتان ، فأول ماأقبلت عليه قال لى مبادرا.. يافلان زغلت عينك وغرك القمرماهو أنا ، فعرفته أنه هو ، وأمرنى عدم إشاعة ذلك )[37]

         فتلك الأسطورة المضحكة تتحدث عن الأولياء اصحاب النوبة أى الذين يتناوبون حكم الأرض ولكل منهم( دركه) ، وقد مات الشيخ على وخلا ( دركه )  فقررت لجنة توزيع (الدرك) تعيين الشيخ حسن الخلبوص ، ولقبه يعنى(مدمن الزنا) فى اللهجة المصرية ، وفى لمح البرق كان(الخلبوص) قد انتقل من زفتى غربية إلى مكة وقبل التعيين، وذهب الراوى لزيارة الشيخ حسن الخلبوص فى محل إقامته ففوجىء بالشيخ الخلبوص يمارس مهمته التى يتستر وراءها وهى حمل إحدى المومسات على ظهره وهى تصفعه على قفاه والشيخ الخلبوص الذى يقيم فى خان بنات الخطا يرجو أن تترفق به حين تضربه على قفاه حتى لاتضر عينيه، وتنتهى الأسطورة بالشيخ حسن الخلبوص وهو يتعرف على الراوى ويأمره بعدم إشاعة حقيقة كونه إلها أو وليا صوفيا من أصحاب النوبة او أصحاب الدرك. والهدف من الأسطورة واضح ين السطور ، إن الولى لاتؤثر فيه معصية ولو كان على مستوى الشيخ حسن الخلبوص يقيم فى دار  المومسات ، وتتسلى المومسات بصفعه على قفاه، وهو يحملهن على ظهره ، فالشيخ حسن يتستر بهذه الصفة ويخفى عن الناس كونه وليا خطيرا من المتصرفين فى الكرة الأرضية وقد قسمت عليهم أركانها، والمؤسف فإن الذين اخترعوا هذه الأساطير عن أصحاب النوبة لم يكونوا يعرفون أمريكا والعالم الجديد فظلت تلك النواحى التى اكتشفها الأوربيون محرومة من عناية الصوفية وخرافاتها .

          ويرى الشاذلى ( إن الولى يكون مستورا إما بالأسباب وإما بالعزة والسطوة والقهر ، على حسب مايتجلى الحق تعالى لقلبه)( وإما بنواحى أخرى كالخمول أو المزاحمة على حب الدنيا أو غيرها)[38] . فأضيفت أسباب كثيرة يمكن للولى الصوفى أن يمارس بها المعصية بدعوى أنه يتستر على الخلق بهذه الصفات .

          وتستر الولى بإظهار المعصية مقالة اشتهر بها القلندرية، وهم من أشهر طوائف العصر المملوكى، وقد بدأ انحلالهم الخلقى تحت عناوين عدم الإهتمام باعتراض الناس ، يقول المقريزى عن بدايتهم فى مصر( القلندرية طائفة تنتسب إلى الصوفية وتارة تسمى نفسها ملامتية ، وحقيقة القلندرية أنهم قوم طرحوا التقيد بآداب المجالسات والمخاطبات، وقلت أعمالهم من الصوم والصلاة والفرائض ولم يبالوا بتناول شىء من اللذات المباحة .. والفرق بين الملامتى  والقلندرىأن الملامتى يعمل فى كتم العبادات والقلندرى يعمل فى تخريب العادات)[39].

          ولم يجد المقريزى مطعنا فى ظاهر القلندرية أو الملامتية فى عهده، ولو وجد فيهم مطعنا لهاجمهم كما هاجم بقية الصوفية فى عصره . وسرعان ماتحول شعار الملامتية أو القلندرية إلى ستار للتظاهر بالعصيان على أساس عدم التقيد بالآداب فى المخاطبات والأفعال ، ويبدو ذلك من دراسة النص الذى يترجم فيه الشعرانى لأحد شيوخه من الملامتية وهو الشيخ على أبوخودة ، ونحن ننقل النص بحذافيره مع تقديم الاعتذار الكافى عما يحويه لكى ينطق النص بوضوح عن سلوك الأولياء فى عصر الشعرانى وتقدير العصر وتقديسه لهم بالغا مابلغ عصيانهم يقول الشعرانى فى ترجمة الشيخ( على أبوخودة) ( كان رضى الله عنه من أرباب الأحوال ومن الملامتية، وكان رضى الله عنه يتعاطى أسباب الإنكار عليه قصدا، فإذا أنكر عليه أحد عطبه.. وكان رضى الله عنه يهوى العبيد السود والحبش لم يزل عنده نحو العشرة .. وكان رضى الله عنه إذا راى امرأة أو أمرد راوده عن نفسه وحسس على مقعدته سواء أكان ابن وزير ولو كان بحضرة والده أو غيره ولايلتفت إلى الناس ولا عليه من أحد،واجتمعت به مرات عديدة وقال لى مرة إحذرك أن(تن(؟) ك ك) أمك فقلت لعبد من عبيده مامعنى كلام الشيخ؟ قال يحذرك أن يدخل حب الدنيا فى قلبك لأن الدنيا هى أمك ) [40].

         ولانستطيع الإفاضة فى التعليق على ذلك النص الذى يوضح سلوك الأولياء الصوفية والحرية المطلقة التى يتمتعون بها ، ولكن نركز على أن الشيخ أباخودة كان يتستر  وراء شعار الملامتية فيمارس الفاحشة علنا، أو بتعبير الشعرانى( كان رضى الله عنه يتعاطى أسباب الإنكار عليه قصدا) أو قوله( ولايلتفت إلى الناس ولا عليه من أحد) وبعد ذلك يجد الشيخ أبوخودة من يشيع عنه الكرامات التى تخوف الآخرين من الاعتراض عليه بحيث يشيعون أن من أنكر عليه عاقبه الشيخ أو بتعير الشعرانى( فإذا أنكر عليه أحد عطبه) أى أهلكه.

         والشعرانى نفسه ردد فى كتبه التخويف من الأولياء ومن الاعتراض عليهم يقول( لاتقربوا من الأولياء إلا بالإذن ولوباسطوكم ، فإن قلوبهم مملوكة ، أنفسهم مفقودة، وعقولهم غير معقولة، فيمقتون على أقل من القليل، وينفذ الله مرادهم فيكم، وأما المجاذيب فسلموا عليهم بترك السلام عليهم، ولاتسألوهم الدعاء فربما دعوا عليكم، وكشفوا عوراتكم)[41].

         وندخل بذلك على تخويف الناس من الاعتراض على الولى، ونجد أن أول من أرسى هذه القاعدة فى تاريخ التصوف هو حمدون القصار رائد الملامتية(ت271 ) والذى نشرها فى نيسابور، وترجم له القشيرى فى رسالته ضمن أعيان الصوفية مع الجنيد ، وذكر مقالته التى صارت فيما بعد عنوانا لطريقته وشعارا للملامتة والصوفية فى عدم الاعتراض وهى : )إذا رأيت سكرانا فتمايل لئلا تبغى عليه فتبتلى بمثل ذلك)[42]. والقشيرى عقد فصلا كاملا فى رسالته بعنوان( باب حفظ قلوب المشايخ وترك الخلاف عليهم) ملآه بالحكايات التى تحذر من الاعتراض على الأشياخ، واستدل باقوال الأشياخ فى هذا الشأن، ومنها( من صحب شيخا من الشيوخ ثم اعترض عليه بقلبه نقض عهد الصحبة، ووجبت عليه التوبة)[43]. وهى مساواة للشيخ بالله فى اعتقاد الصوفية.

         ومن الرسالة القشيرية صاغ صوفية العصر المملوكى قوانين عدم الاعتراض على الشيوخ ولو فىالباطن، فإحدى مقامات الطريق عدم الاعتراض على المشايخ مع التسليم لهم، والمريد الصادق يترك الإعتراض على شيخه ولو فى الباطن فى غيبة أو حضور ، فكثرة الاعتراض (بعد عن حضرة الله)[44].

        ثم التفتوا للآخرين يحذرونهم من الإنكار على معاصى الأولياء( خوف الهلاك أو المقت)[45]. ومن الطبيعى أن يستجيب المريدون لهذه الأوامر فالعصر كله تقريبا مريدون للأولياء الصوفية ومعتقدون فى كراماتهم وتصريفهم فى ملك الله .

         أذا أصبح عدم الاعتراض أساسا أخلاقيا فى التاريخ الصوفى وفى العصور التى سيطروا عليها، بحيث كان فى مقدور الشيخ أن يجهر بانحلاله على قارعة الطريق وهو آمن من مجرد الاعتراض عليه من الناس، لأنهم يؤمنون بكراماته وتصريفه المزعوم فى الخلق، ونستشهد بنص آخر يؤكد هذه الحقيقة التاريخية، وكالعادة نقدم الاعتذار الكافى عن إثبات النص بلفظه، يقول الشعرانى فى ترجمته لشيخه على وحيش( ومنهم سيدى على وحيش من مجاذيب النحارية، كان رضى الله عنه من أعيان المجاذيب أرباب الأحوال وكان يأتى مصر والمحلة وغيرها من البلاد، وله كرامات وخوارق، واجتمعت به يوما بين القصرين.. وأخبرنى الشيخ محمد الطنيحى رحمه الله تعالى فقال .. كان الشيخ وحيش رضى الله عنه يقيم عندنا فى المحلة فى خان بنات الخطا، وكان كل من خرج يقول له.. قف حتى أشفع فيك عند الله قبل أن تخرج، فيشفع فيه ، وكان يحبس بعضهم اليوم واليومين ولايمكنه أن يخرج حتى يجاب فى شفاعته، وقال يوما لبنات الخطا.. اخرجوا فإن الخان رايح يطبق عليكم، فما سمع إلا واحدة ، فخرجت ووقع على الباقى فمتن كلهن وكان إذا رأى شيخ بلد أو غيره ينزله من على الحمارة، ويقول له أمسك لى رأسها حتى أفعل فيها، فإن أبى شيخ البلد تسمرفى الأرض لايستطيع أن يمشى خطوة، وإن سمع حصل له خجل عظيم والناس يمرون عليه، وكان له أحوال غريبة وقد أخبرت عنه سيدى محمد بن عنان رضى الله فقال .. هؤلاء يخيلون للناس هذه الأفعال وليس لها حقيقة)[46]

          فالصوفى يجد التأويل لانحلاله من أقرانه الفقراء الفقهاء الصوفية، ويجد الخوف من العامة من تصريفه الإلهى المزعوم فيهم إذا تجرأ أحد وأنكر عليهم ، ومؤرخو الصوفية كالشعرانى لايتحرجون من إثبات ذلك كله لأنهم يكتبون فى عصر يؤمن بكرامات التصوف وحصانة رجاله من أى اعتراض، بل يبدو تمجيدهم لأولئك الأشياخ بين ثنايا السطور، فكلما ازداد انحراف الشيخ خلقيا زادت نسبة الكرامات إليه وزاد الإعتقاد فى حظوته عند ربه، دلاله عليه ــ فى اعتقاد الناس، وبالتالى زاد خوفهم منه ، وهكذا فكتابات الشعرانى تعبر عن حقيقة اعتقاد الناس فيهم إلى درجة جعلته يجد المصدقين لكل ادعاءاته عن كراماته وكراماتهم، واستغل ذلك فى التخويف من الاعتراض عليهم ، فيقول عن نفسه إنه أنكر ( على مايفعله القلندرية فى زاويتهم)

( فإذا بشخص متربع فى الهواء يقول لى: تنكر على القلندرية وأنا منهم، فتركت  الإنكار)[47]

         وإذا كان عدم الاعتراض مظهرا أساسيا من مظاهر العقيدة الصوفية فإنهم نشروه فى العصر المملوكى حين سيطروا عليه فأصبح من سمات المصريين حسبما يذكر المؤرخ المصرى المقريزى( الانهماك فىالشهوات والإمعان من الملذات وكثرة الاستهتار .. والفقير المجرد ــ أى الصوفى فيها مستريح من جهة رخص  الخبز وكثرته، ووجود السماعات والفرج فى ظواهرها ودواخلها، وقلة الاعتراض عليه فيما تذهب  إليه نفسه، يحكم فيها كيف يشاء من رقص فى السوق أو تجريد ــ أى عرى ــ أو سكرمن حشيشة أو غيرها أو صحبة مردان ــ أى شذوذ ــ وماأشبه بخلاف غيرها من بلاد المغرب ، ولاينكرفيها إظهار أوانى الخمر ولا آلات الطرب ذات الأوتار ولاتبرج النساء العواهر ولا غير ذلك مما ينكر ببلاد المغرب )[48] .

          وبلاد المغرب جاء منها زائر لمصر وهو ابن ظهيرة فاندهش من حال المصريين فى عصرنا المملوكى من( عدم اعتراضهم على الناس فلا ينكرون عليهم ولايحسدونهم ، بل يسلمون لكل أحد حاله، العالم مشغول بعلمه والعابد عبادته والعاصى بمعصيته)[49]

          وإذا كان عدم الاعتراض مظهرا أخلاقيا لدين التصوف نشر الإنحلال الخلقى فى الشارع المصرى كما سيأتى تفصيله فيما بعد ــ فإن الشرع الإسلامى الحقيقى يتميز بفضيلة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فالله تعالى يصف الدولة الإسلامية بأنها التى تقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر

( الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر .. الحج 41 ).

       ووصف المجتمع المسلم بنفس الوصف ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة .. التوبة71 ) .

والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى القرآن الكريم يعنى التناصح والتواصى بالأخلاق الحسنة .

  وفى المقابل وصف الله مجتمع المنافقين بأنهم( والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف .. التوبة 67 ) . ولعنهم( لعن الذين كفروا من بنى اسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ، كانوا لايتناهون عن  منكر فعلوه لبئس ماكانوا يفعلون..المائدة78 )

ثانيا: الصوفية ونشر الانحلال

الخلقى وتشريعه

الصوفية والعوام :

      أكثرية البشر على هذا الكوكب الأرضى ضالون مضلون وقد حذر الله تعالى النبى منهم فقال له( وإن تطع أكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيل الله : الأنعام 116). والأقلية من البشر هى التى تؤمن الإيمان الحقيقى وتتحكم فى غرائز الجسد وتتقى الله تعالى ،ومن معانى التقوى عدم الإصرار على المعصية (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ؟ ولم يصروا على مافعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الأنهار .. آل عمران 135 )، فالتقوى لاتعنى عدم الوقوع مطلقا فى الذنب وإنما تعنى التوبة منه وعدم الرجوع إليه والانهماك فى الطاعة حتى لايبقى وقت للمعصية . والتقوى الإسلامية على هذا تتطلب إرادة حديدية وحربا مستمرة مع مكائد الشيطان ، وفى النهاية فلن ينجح فى هذا الإختبار إلا الأقلية من البشر التى تقرن الإيمان بالعمل الصالح (إلا الذين آمنوا وعملو الصالحات وقليل ماهم : ص24).

        وإذا كانت الأكثرية من البشرضالة مضلة فلأنها تسىء استخدام الحرية التى منحها الله لهم وترسب فى اختبار الحياة الدنيا وتستسهل الوقوع فى الذنوب خصوصا إذا وجدت دعاة للعصيان ، فما أسهل سريان دعوات الانحلال إذا صبغت بالدين وصار رواد الانحلال الخلقى أشياخا ذوى صبغة دينية يدعون للانحلال علنا ويجعلونه أساسا من أسس التدين على نحو ماسبق من صلة الانحلال الخلقى بعقيدة التصوف . ودين الله يهدف لتزكية هذه الأكثرية الضالة من البشر والسمو بأخلاقها أما تدين البشر ــوالتصوف بالذات ــ فهو يتطلع للانتشار بين هذه الأكثرية الضالة ومغازلة غرائزها وإرضاء نزواتها تعطيهم المشروعية الدينية لما هم منهمكون فيه من انحلال خلقى ، وخطورة ذلك فى أن العاص العادى إذا وقع فى الذنب فإمكانية توبته قائمة طالما يعرف أنه اقترف معصية ، أما إذا وجد من يبرر له معصيته بل يصبغها بالدين ويجعلها وسائل للتقرب لله ــ على نحو ماسيأتى ــ فإنه لن يستمر فى انحلاله فقط ، بل سينشر ذلك الانحلال ويجاهد فى سبيله باعتباره دينا .

        ويفسرذلك سرعة انتشار التصوف بين العامة وتحوله إلى طرق صوفية تغلغل بين طوائف الشعب الذى انخرطت جموعه فى التصوف وأعلنوا مقالات الأشياخ بما سبب الحرج الكبير لهم، فهب القشيرى والغزالى فى القرن الخامس يهاجمان أولئك العامةمن المتصوفة (العمليين) ويحاولون دون جدوى تبرئة التصوف النظرى من صراحة أولئك الرعاع . يقول الغزالى عنهم (طائفة ادعت علم المعرفة ومشاهدة الحق ومجاوزة المقامات والأحوال الملازمة فى عين الشهود والوصول إلى القرب ، ولايعرف هذه الأمور إلا بالأسامى والألفاظ ، لأنهم تلقفوا من ألفاظ الطامات كلمات فهو يرددها، ويظن أن ذلك من علم الأولين والآخرين .. حتى أن الفلاح ليترك فلاحته والحائك يترك حياكته فيلازمهم أياما معدودة ، ويتلقف منهم تلك الكلمات المزيفة فيرددها كأنه يتكلم عن الوحى ويخبر عن الأسرار ويستحقر بذلك جميع العُبَاد والعلماء ، فيقول فى العُبَاد أنهم أُجراء متعبون ،ويقول فى العلماء أنهم بالحديث عن الله محجو بون )[50]. فأولئك الفلاحون  والحائكون تركوا الحرفة والتحقوا بجماعات التصوف يرددون عباراتهم عن الإتحاد بالله والحلول ، ولايعرفون منها إلا مجرد التعبيرات ثم يحتقرون القائمين بالعبادة والمنهمكين بالعلم ، فاعتبروا العباد قد أتعبوا أنفسهم بالعبادة وأن العلماء قد حجبهم العلم عن معرفة الله .

        وأولئك الفلاحون والحائكون وغيرهم من جموع العامة وإن أعوزهم فهم ألفاظ التصوف الفلسفى ،فهم أقدر على تطبيقها عملا حين وقعوا حسب كلام الغزالى فى إباحة المحرمات( طائفة وقعت فى الإباحة ، وطووا بساط الشرع ، ورفضوا الأحكام ، وسووا بين الحلال والحرام)[51] .

        وقبل الغزالى فى نفس القرن الخامس كان القشيرى يتهم معاصريه بالكفر والفسق وسبق بيان ذلك ، ولكن يهمنا أن القشيرى أشار لانتشار هذا الفسق بين جموع العوام قبيل عصر الغزالى مما اضطر القشيرى لكتابة رسالته إليهم ليحمى التصوف من إنكار الفقهاء يقول( ولما طال الابتلاء فيما نحن فيه من الزمان بما لوحت بعضه من هذه القصة ..) أى أن القشيرى لم يقصص علينا تفصيلات انحلالهم الخلقى إلا مضطرا ، ثم يقول

( ولما أبى الوقت إلا استصعابا وأكثر أهل العصر بهذه الديار إلا تماديا فيما اعتادوه واغترارا بما فعلوه أشفقت على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر على هذه الجملة بنى قواعده وعلى هذا النحو سار سلفه فعلقت هذه الرسالة إليكم ) أى أن كل جهده فى النصح ضاع، فاضطر لكتابة رسالته ليدافع عن دينه الصوفى .

 حفلات السماع الصوفية:

       وفى القرن السادس فى عصر ابن الجوزى ألف كتابه ( تلبيس إبليس) فى الإنكار على انحراف الطوائف فى عصره ، وخص الصوفية بالقسم الأكبر منه ، يقول فيه عنهم ( إتخذوا مناخ البطالة وهى الأربطة فانقطعوا إليها عن الجماعات فى المساجد ، فلا هى مساجد ولاهى خانات ، وصمدوا فيها للبطالة عن  أعمال المعاش ، وبدنوا أنفسهم بدن البهائم للأكل والشرب والرقص والغناء).

       وكان القشيرى قد إتهم معاصريه الصوفية بالتسول فى الأسواق ومن أصحاب السلطان(وقلة المبالاة بتعاطى المحظورات والإرتفاق بما يأخذونه من السوقة والنسوان وأصحاب السلطان) مما يعنى وجود التفاعل بين الصوفية وطوائف المجتمع من تجار ونساء وحكام فى الأسواق والقصور، ثم جاء ابن الجوزى فى القرن السادس يتحدث عن بناء الأربطة للصوفية حيث يقيمون فيها بدون عمل إلا  الأكل والشرب والغناء والرقص والكسل عن صلاة الجماعة ، إلا أن معيشتهم فى الأربطة واحتجابهم عن الصلاة لم يكن مانعا من اختلاطهم بطوائف المجتمع ونشرهم الانحلال الخلقى بين طبقاته بالطريقة الصوفية المبتكرة ، وهى إقامة السماع الصوفى أو حفلات الذكر ثم اختراع الأزياء المزركشة وصباغة الوجوه أو(المكياج) ، وقصدوا بذلك كله التأثير على النساء لاجتذابهن للطريق الصوفى ، يقول ابن الجوزى ( وعولوا على الترقيع المعتمد به التحسين تلميعا والمشاوذ بألوان مخصوصة أوقع فى نفوس العوام والنسوة من تلميع السلاقطون بألوان الحرير ، واستمالوا النسوة والمردان ( الشباب) بتصنيع الصور والملابس، فما دخلوا بيتا فيه نسوة فخرجوا إلا على فساد قلوب النسوة على أزواجهن ، ثم يقبلون الطعام والنفقات من الظلمة والفجار وغاصبى الأموال .. ويستصحبون المردان فى السماعات يجملونهم فى الجموع مع ضوء الشموع ، ويخالطون النسوة الأجانب ينصبون لذلك حجة الباسهن الخرقة) ( والناس يقولون إذا أحب الله خراب بيت تاجر عاشر الصوفية ، لأن الصوفية أجازوا لبس النساء الخرقة من الرجال الأجانب ، فإذا حضروا السماع والطرب فربما جرى فى خلال ذلك مغازلات واستخلاء بعض الأشخاص ببعض ، فسارت الدعوة عرسا للشخصين فلا يخرج إلا وقد تعلق قلب شخص بشخص ، وتتغير المرأة على زوجها، فإن طابت نفس الزوج سمى بالديوث ، وإن حبسها طلبت الفرقة إلى من تلبس منه المرقعة والاختلاط بمن لايضيق الخناق ولايحجر على الطباع، ويقال تابت فلانة وألبسها الشيخ الخرقة ، وصارت من بناته)[52].

        إذا تسلط الصوفية فى عصر ابن الجوزى على الحرائر فى بيوتهن ، فأغروا الزوجة علىهجر زوجها إن لم يرض بوجودها منحرفة فى داخل بيته، والإغراء فى الخارج أشد، ففى رحاب الصوفية تتنقل بين الرجال كيف تشاء دون تحجير بل ويقال أنها تابت وتصوفت وأصبحت بنتا للشيخ الصوفى، وتلك المظاهر التى أشار إليها ابن الجوزى فى القرن السادس لم تلبث أن انتشرت بانتشار التصوف وانحلاله منذ القرن السابع الهجرى وما تلاه فى العصر المملوكى، وسيأتى تفصيل ذلك فى أوانه .

تعبيرات جديدة للانحلال الخلقى :                       

       ولكننا نذكَر بأن الصوفية على عادة كل اتباع دين جديد يخترعون الأسماء الجديدة لمظاهر تدينهم فيسمون عقيدتهم فى وحدة الوجود( بالتوحيد) وإدعاء الألوهية بأنه ( التحقق بالحق) وإضفاء الألوهية على الكائنات بأنه

( مشاهدة الحق فى الخلق) إلى غير ذلك فاستحدثوا مسميات لكل مايشتهونه من رذائل، ومنذ بدء التصوف كان هناك من لايهوى انحلال الصوفية مع الصبيان مثل الواسطى ت320 القائل عن شذوذهم الجنسى (إذا أراد الله بعبد هو أن ألقاه إلى هؤلاء الأنتان والجيف) يقول القشيرى معلقا (يريد به صحبة الأحداث ) ولم يرض الواسطى عن قيام رفاقه المنحرفين خلقيا باختراع مسميات جديدة لرذائلهم التى اعتادوها قبل التصوف ثم أجازوها فى إطار التصوف تحت شعارات جديدة ، فيقول الواسطى عنهم(جعلوا سوء أدبهم "إخلاصا" وشره نفوسهم " انبساطا" ودناوة الهمم"جلادة")[53]. هذا بينما نجده فى عقيدته صوفيا اتحاديا يؤمن بأن الخوف والرجاء من سوء الأدب مع الله)[54] شأن المقالات الصوفية الأخرى التى عرضنا لها ..

       ونظيره ماقاله ابوالعباس الدينورى فى عقيدته الصوفية الاتحادية(أدنى الذكر أن تنسى مادونه ، ونهاية الذكر أن يغيب الذاكر فى الذكر عن الذكر)[55]. ومع هذه العقيدة الصوفية الصريحة فإن أبا العباس الدينورى لم يرض عن انحلال رفاقه الخلقى وإدخال إنحلالهم ضمن اصطلاحات جديدة للتصوف ، فقال فيهم ( نقضوا أركان التصوف وهدموا سبيلها، وغيروا معانيها بأسامى أحدثوها ، سمٌوا الطمع(زيادة) وسوء الأدب (إخلاصا) والخروج عن الحق (شطحا) والتلذذ بالذموم (طيبة) وإتباع الهوى (إبتلاء) والرجوع إلى الدنيا(وصلا) وسوء الخلق(صوله) والبخل(جلادة) والسؤال ــ أى التسول (عملا) وبذاءة اللسان (ملامة) ــ أى ملامتية ــ وماكان هذا طريق القوم)[56]. أى ماكان هذا إبتداء التصوف .

       لقد بدأ التصوف عقيدة مخالفة للإسلام فاخترع اصطلاحات جديدة تستر وراءها، وكان من رواده ممن إهتم بالعقيدة ولم يجرفه تيار الرذيلة ، فاستنكر أن يقوم المنحرفون خلقيا الذين إنضموا للتصوف باستحداث مصطلحات جديدة توافق غرائزهم ، وأولئك تناسوا فى غمرة إنكارهم على صوفية العامة ومشرعيهم أن تدين البشر يستمد اصطلاحاته من البشر ، وأن كل الصوفية سواء فى اختراع مظاهر التصوف ورسومه ومصطلحاته، لذا كان تدين البشر دائما مسرحا للاختلاف ، ولكل شيخ صوفى مثلا اجتهاداته ونزواته والهاماته ومريدوه ومصطلحاته .

       ثم بدخول  التصوف دور الانتشار بين أوساط العامة وغرائزهم كان لابد أن يتوالى اختراع الاصطلاحات الجديدة لتفى بحاجة الغرائز للصوفية الجدد، فكان تعبير(صحبة الأحداث) عن الشذوذ الجنسى ، وتعبير (الشاهد) عن الصبى الجميل، ويقال عن المرأة التى تهجر زوجها إلى صحبة الصوفية(تابت فلانة وألبسها الشيخ الخرقة وصارت من بناته) على حد قول ابن الجوزى فيما سبق ، وأخفت هذه المصطلحات الجديدة عورة الرذائل الصوفية وصبغتها بتدين التصوف وطقوسه مهما أنكر بعض المتزمتين وقد تناقص وجود المتزمتين فيما بعد حتى إذا جاء القرن السادس وجدنا ابن الجوزى يقول عن صوفية عصره( ويسلمون أنفسهم إلى شيوخهم فإن قبل أمرد قيل رحمة ، وإن خلا بأجنبية قيل بنته وقد لبست الخرقة ) ثم يعلق على اصطلاحاتهم  التشريعية فيقول

( وإنما هم زنادقة جمعوا بين مرادع العمال مرقعات صوف ، وبين أعمال الخلعاء الملاحدة من أكل وشرب ورقص وسماع وإهمال لأحكام الشرع ، ولم تتجاسر الزنادقة أن ترفض الشريعة حتى جاءت المتصوفة، فجاءوا بوضع أهل الخلاعة ، فأول ماوضعوا أسماء وقالوا حقيقة وشريعة .. وأهلكوا بهذه الخرافات قلوب الأغمار ، وأنفقت عليهم لأجلها الأموال)[57].

        وفىالنص السابق مظاهرلبعض أسباب انتشار الإنحلال الصوفى من استهواء العامة والحكام الظلمة بالغرائز وتسويغها باصطلاحات جديدة ، ويلاحظ أن الفقيه غير الصوفى ابن الجوزى هو الذى احتل مكان القشيرى والغزالى فى الإنكار على الصوفية ووصل إلى الهجوم على التصوف نفسه أحيانا ، أى أن الساحة الصوفية خلت من وجود فقيه صوفى فى القرن السادس، وأن الصوفية وقتها أسلموا أنفسهم لأشياخهم  المنحلين خلقيا، أو بتعبير ابن الجوزى ( ويسلمون أنفسهم إلى شيوخهم) وقاموا هم بتاويل عصيان الأشياخ ، فإن وقع فى الشذوذ قالوا رحمة، وإن (زنا) قالوا(بنته) ، ثم اشتد الأمر بكثرة انخراط العامة وتأييد الحكام الظلمة الذين أقاموا للصوفية الرباطات وأعطوهم الأموال. 

        لقد ارتبطت بداية التصوف بتشريع الفساد الخلقى ، وحتى من أنكر من الصوفية على إخوانه ذلك الفساد استعمل اصطلاحات صوفية مخففة كقول يوسف بن الحسين (رأيت آفات الصوفية فى صحبة الأحداث ومعاشرة الأضاد ، ورفق النسوان ).[58] وبعد انتشار التصوف وقلة المؤولين والمدافعين كالقشيرى والغزالى اتسع المجال لبعض الصرحاء كاليعمرى فى القرن التاسع، قد نقل المقريزى رأيه فى صوفية عصره ونسجل هذاالرأى مع الاعتذار يقول: صارت الصوفية كما قال الشيخ فتح الدين اليعمرى :

       ماشروط الصوفى فى عصـرنا سوى سـتة بــغير زيادة

       وهى(ن(؟)ك) العلوق والسكر والسـطلة والغنا والقــيادة

       وإذا ماهـذى وامــدى اتــحادا وحلـولا من جـهله وأعـاده

       واتى المنكرات عقلا وشرعا فهو شيخ الشيوخ والسجادة.

       ويعلق المقريزى (ثم يتلاشى الآن حال الصوفية ومشايخها حتى صاروا يعدون من سقط المتاع لاينسبون إلى علم ولا ديانة وإلى الله المشتكى..)[59]. وأولئك الصوفية فى عصر المقريزى هم أغلية المشاهيرفى العصر المملوكى . والشعر الذى استشهد به المقريزى مع ركاكته وبذاءته يلخص معالم الفساد الخلقى فى العصر المملوكى .وقد أصبحت تلك لوازم الشخصية الصوفية بعد انتشار التصوف فى المجتمع الذى اصطبغ بتلك الصبغة الصوفية كما سيظهر فيما بعد.

اعتراف بمسئولية التصوف عن الانحلال:

       إن مسئولية التصوف عن نشر انحلاله الخلقى فى المجتمعات التى سيطر عليها أمر مقرر يتفق مع طبائع الأشياء ، فالشأن فى العقائد الدينية المنحرفة أن يتكاثر أتباعها من العامة والحكام الظلمة أدعياء العلم وهم فى نهاية الأمر يمثلون أغلبية البشر.

       ومع وضوح الأمر فإن مصادر الصوفية نفسها تعترف بمسئولية التصوف فى نشر الانحلال ،فالغزالى فى القرن الخامس يقول عن طوائف الصوفية  فى عصره (إنهم لايجتنبون المعاصى الظاهرة فضلا عن الباطنة) أى يعلنون المعصية( وهم بذلك يظنون بأنفسهم الخير) وذلك طبيعى طالما صبغوا انحلالهم بالدين ، فلم يعد العصيان عيبا ثم يقول ( وشر هؤلاء مما يتعدى إلى الخلق فيهلك من يقتدى بهم) أى يعترف هنا بأن الصوفية قدوة فى الانحلال ، ثم يقول ( ومن لايقتدى به تفسد عقيدته فى أهل التصوف كافة)[60].ولأجل ذلك هاجم الغزالى صوفية عصره أملا فى أن يؤمن الناس به باعتباره وليا صوفيا ولاتفسد عقيدتهم فى أهل التصوف كافة .

       وبعد الغزالى بخمسة قرون يرى الخواص نفس الرأى يقول( ينبغى الإبتداء بتحذير الفقهاء والفقراء ، لأن هاتين الطائفتين هم القدوة للناس فى كل زمان ومكان، فإن انعوجوا انعوج أتباعهم وراهم)[61]. ولقد كان الفقراء والفقهاء عامة أهل التصوف فى ذلك الوقت وقد ( انعوجوا) حسبما يأتى ذكره( فانعوج) الناس خلفهم.

الدعوة للعصيان :

      وشارك مفكروا التصوف فى تلك القدوة بآراءهم  التى دعوا فيها للعصيان، طبقا لعقائد التصوف التى لاتفرق بين الحسنة والسيئة وطبقا لمقولة وحدة الفاعل والتى أوضحناها.

      فالجنيد رائد الاعتدال يقول فى التوبة ( هى نسيان ذنبك)[62]. وإذا نسى الإنسان ذنبه فلابد أن يقع فيه مرارا وكل مرة يتوب ثم ينسى وهكذا حتى إذا  جاء يوم الحساب أخبرهم الله بالسيئات التى نسوها طبقا للتعليمات التى وضعها الجنيد، يقول تعالى( يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه .. المجادلة 6 ).

       وقد حاول الطوسى صاحب كتاب اللمع الذى أورد مقالة الجنيد السابقة أن يؤول معناها فقال معلقا( بأنه أجاب عن توبة المتحققين فهم لايذكرون ذنوبهم لما غلب على قلوبهم من عظمة الله تعالى ودوام ذكره)[63]

       وبقدر ماحاول الطوسى أن يبتعد بالجنيد عن الدعوة للمعصية بنسيان الذنب فإنه اقترب من تقرير عقيدة الصوفية فى الاتحاد بالله وحلول الحق فى قلب العارف بحيث ينسى ماعداه ولو كان ذنبا.

      والقشيرى تخلص من المأزق الذى وقع فيه الطوسى فحاول أن يقرر نفس الفكرة فى الدعوة للمعصية عن طريق المنامات فيروى أن القاضى يحيى بن أكثم وكان قاضيا فى عهد المأمون مشهورا بالشذوذ الجنسى

( رؤى فى المنام فقيل له مافعل الله بك؟ قال غفر لى إلا أنه وبخنى ، ثم قال لى يحيى خلطت علىَ فى دار الدنيا ، فقلت أى رب اتكلت على حديث: إنك قلت أنى لأستحى أن أعذب ذا  شيبة بالنار فقال قد عفوت عنك)[64]. فالقشيرى اختار قاضيا مشهورا بالشذوذ ليتناسب حاله مع الأشياخ الصوفية وأصدر قرارا بالعفو الإلهى عنه فى هذا المنام الذى صيغ بعد موت يحيى بن أكثم بأكثر من قرنين،  والهدف واضح هو تشجيع الأشياخ الصوفية على الشذوذ الجنسى طالما قد شابت رءوسهم ، فالعفو جاهز أمامهم .

       وكما تطوع القشيرى بطمأنة رجال الشذوذ الكبار فإنه تفضل أيضا بطمأنة المخنثين حتى تستمر مسيرة الشذوذ، فيروى أسطورة أخرى يقول صاحبها( رأيت جنازة يحملها ثلاثة من الرجال وامرأة ، فأخذت مكان المرأة وذهبنا إلى المقبرة فصلينا عليها ودفناها، وقلت للمرأة: من كان هذا منك؟ فقالت ابنى ، فقلت أولم يكن لكم جيران ؟ قالت نعم ولكنهم صغروا أمره، فقلت وأين كان هذا؟ قالت كان مخنثا، فنمت فى تلك الليلة ، وكأنه أتانى آت كأنه القمر ليلة البدر وعليه ثياب فجعل يتشكر لى فقلت من أنت ..؟ فقال أنا المخنث الذى دفنتموه اليوم رحمنى الله عز وجل باحتقار الناس إياى)[65]. فذلك المنام المزعوم لايكتفى بتوفير الجنة للمخنثين فى الآخرة، ولكنه يحذر من الاعتراض عليهم أو احتقارهم حتى تستمر مسيرة الشذوذ.

       ثم يضفى القشيرى بركاته على الزناة فيفترى أسطورة ينسبها لنبى الله عيسى، يقول( قيل خرج عيسى ومعه رجل صالح من صالحى بنى اسرائيل، فتبعهما رجل خاطىء مشهور بالفسق ، فقعد منتبذا عنهما منكسرا، فدعا الله وقال: اللهم اغفر لى ودعا الرجل الصالح وقال اللهم لاتجمع غدا بينى وبين ذلك العاصى ، فأوحى الله إلى عيسى: أنى قد استجبت دعاءهما جميعا رددت ذلك الصالح ، وغفرت لذلك المجرم )[66]

       وهكذا أضاع الغزالى مستقبل رجل صالح بسبب كلمة، وأعطى الجنة لفاسق بسبب كلمة، ووصف الله تعالى بالظلم وافترى على الله وعلى رسوله عيسى.. وكل ذلك ليطمئن العصاة من الصوفية ، ويغيظ الطائعين من العُبَاد، الذين ينكرون على الصوفية انحلالهم .

      والشاذلى فى العصر المملوكى كان يقول( ماطلبت من الله حاجة إلا قدمت إساءتى أمامى)[67]

      وهى كلمة قد تحتمل معنيين، إما أنه يعترف بالذنب أمام الله حين يطلب الحاجة وذلك يعنى أنه يخالف شيخه الجنيد فى نسيان الذنب ، وإما أنه يقدم إساءته أمام الله بمعنى أنه يقع فى المعصية قبل ذلك،وذلك المعنى الذى يتفق مع دعوة الشاذلى للمعصية، حين يخاطب الناس فيقول( من أحب ألا يعصى الله تعالى فى مملكته فقد أحب ألا تظهر مغفرته ورحمته ولايكون لنبيه شفاعة)[68]. فهو هنا يهدد من لايعصى بإغضاب الله والرسول.

      ويتمسح الصوفية بنسبة الشفاعة للرسول ويشجعون الناس على الانحلال الخلقى اعتمادا عليها، ثم ينسبون الشفاعة لأنفسهم ضمن كراماتهم المزعومة فى الدنيا والآخرة ويشجعون الناس على العصيان طبقا لذلك أيضا ، وقد مر بنا ماكان يفعله الشيخ على وحيش المقيم فى بيت الدعارة ، والذى كان يصمم على عدم خروج أحد من الزناة إلا بعد أن يشفع فيه ، ويعلن انه قد قبلت شفاعته عند الله ، وربما يحبس بعضهم اليوم والإثنين حتى تقبل شفاعته على حد مايزعمون فى الأسطورة .

       والقشيرى يشارك فى ذلك عن طريق المنامات ،فيدعى ان صوفيا شفع فى شاب خليع أراد الناس طرده من البلد لفسقه ثم يموت الشاب فى الأسطورة ، وقد أوصى أمه أن تتشفع فيه ، فوقفت على قبره تتشفع فيه فسمعت الشاب من القبر يقول( انصرفى ياأماه فقد أقبلت على ربى الكريم )[69].

       وفى العصر المملوكى كان مولد البدوى أكبر تجمع بشرى فى مصر ــ ولايزال ــ ويعتمد ذلك التجمع البشرى على أسطورة البدوى تأليه فى عقيدة المصريين . ويمثل هذا المولد مناسبة هامة للانحلال الخلقى منذ العصر المملوكى وحتى الآن . ويرتكز هذا الانحلال الخلقى على أساس عقيدى ، هو شفاعة البدوى فيمن يعصى فى مولده وينسبون للبدوى قوله( وعزة الربوبية ماعصى أحد فى مولدى إلا وتاب وحسنت توبته، وإذا كنت ارعىالوحوش والسمك فى البحار أفيعجزنى الله عن حماية من يحضر مولدى ؟ ) [70] وفى ذلك يقول أحدهم عن رواد المولد الأحمدى فى طنطا:

          وأعجب شىء أن من كان عاصيا        بمولده يعنى به ويرفق [71].

         وطالما كان العاصى فى مولد البدوى محوطا بعناية البدوى وشفاعته فلا عليه مهما فعل . وإذا تركنا الطريقة الأحمدية الشاذلية، رأينا ابن عياد الشاذلى يفترى مناما(رؤيت امرأة من بنات الخطا) فى الأسكندرية فى حالة حسنة بعد موتها فسئلت عن ذلك فقالت ( مات أبوالحسن الشاذلى ودفن فى حميثرة  فغفر الله لكل من دفن من المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها من أجله ، فكنت أنا ممن غفر الله له بحرمةالشيخ  إكراما له)[72]

 وعليه فلابد أن البرقيات توالت فى المنامات من جميع الأموات من الهند والصين والمغرب تشكر أبا الحسن الشاذلى للمغفرة التى تمتعوا بها لمجرد أنهم (دُفعة)الشاذلى فى الموت . وبقى على الدفعات التالية من الموتى أن تنتظر موت ولى آخر من الشاذلية ، ولهم أن يستمروا فى الانحلال الخلقى فيما بقى لهم من عمر ويظفروا فى النهاية بشفاعة ذلك الولى الشاذلى طبقا لمقولة على وفا الشاذلى( وعزة الرب المعبود قيل لى : ياعلى وحقك على ــ وهو القسم العظيم ــ ما أحبك أحد إلا أحببته ، ولو عمل ماعمل ، ولا أبغضك أحد إلا أبغضته ، ولو عمل ماعمل)[73]. وفى ذلك النص تجديد الإفتراء الصوفى على الله ، فهم يجعلون الله تعالى يقسم لعلى وفا بحقه عند الله     

( وهو القسم) الذى لو تعلمون( عظيم) بأن الذى يحب على وفا يحظى بحب الله له ولو كان أعتى الفجار، وأن الذى يبغض على وفا يبغضه الله ولو كان أتقى الأبرار ، إذن لاعبرة بالمعصية أو الطاعة وإنما العبرة هى حب على وفا، ولاشىء فى الإسلام سوى ذلك العلى وفا ولا تثريب على العصاة طالما رضى عنهم على وفا.

       وهكذا تعلم العصاة الاستمرار فى المعصية تحوطهم بركات الأشياخ وشفاعتهم ولسان حالهم يقول كما يورد الشعرانى نفسه ( فيقولون مادام شيخنا يعيش لا نحمل هما. وفى الآخرة يأخذ بيدنا، وقد يكون شيخهم قد سبق فى علم الله أنه فحمة من فحم جهنم، فوقع استنادهم على عدم)[74]

      وبعد لقد شرع الصوفية الفساد وصبغوه بالصبغة الدينية بحيث لم يعد مستوجبا للإنكار وصدقهم المجتمع المملوكى مما جعل ابن القيم يقول متعجبا( ومن أبلغ كيد الشيطان وسخريته بالمفتونين بالصورأنه يمنى أحدهم إنه إنما يححب ذلك الأمرد أو تلك المرأة الأجنبية لله تعالى لا للفاحشة ، ويأمره بمؤاخاته) ويتحدث عن تشريع التعاون على الفاحشة ( وقد يبلغ الجهل بكثير من هؤلاء إلى أن يعتقد أن التعاون على الفاحشة تعاون على الخير والبر، وأن الجالب محسن إلى العاشق جدير بالثواب وأنه ساع فى دوائه وشفائه وتفريج كرب العشق عنه، وإنه من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة[75]

وتلك جناية التصوف على العامة التى هدف الإسلام للرقى بهم ، فجاء التصوف يشرع لهم الانحلال ويجعله دينا..


  [1]ابن عربى، فصوص الحكم بشرح القاشانى ط البابى الحلبى : 14، 8  ،252 ، 271 ، 272  

[2] نفس المرجع

[3]نفس المرجع

[4]نفس المرجع

[5]نفس المرجع

[6]نفس المرجع

[7]الشعرانى : المنن الصغرى مخطوط 98 ، 111 ، لطائف المنن 32 ط دار الفكر

[8]  الشعرانى : المنن الصغرى مخطوط 98 ، 111 ، لطائف المنن 32 ط دار الفكر

[9]القاشانى اصطلاحات الصوفية تحقيق كمال جعفر مركز تحقيق التراث : 81 ، 78 ، 97 ، 87  ,

[10]ابن تيمية مجموعة الرسائل والمسائل 4/76 البقاعى : تنيه الغبى 178 ، 182 .

[11] شذرات الذهب جـ 5/ 412

[12]السلوك 4/3 /1206

[13]ـ انباء الغمر ج3/136،548

[14]ـ نفس المرجع ونفس الصفحة

[15]ـ ابن القيم : إغاثة اللهفان ج2/156.

[16]ـ ابن الجوزى: تلبيس إبليس 36.

[17]ـ الإحياء جـ 4/213.

[18]ـ ـالإحياء جـ 4 / 102، 332، 340.

[19]ـ الإحياء جـ 4/ 84 ، 85 .

[20]ـ اصطلاحات الصوفية 80.

[21]الإحياء جـ 4/26.

[22]ـ  اصطلاحات الصوفية 93.

[23]ـ الطوسى: اللمع: تحقيق عبدالحليم محمود 59.

[24]ـ  اصطلاحات الصوفية 61.

[25]ـ   ا للمع 61.

[26]ـ الرسالة القشيرية 31، 32، 277.

[27]ـ الرسالة القشيرية 31، 32، 277.

[28]ــ الإحياء جـ 4/293 ، جـ 3/345.

[29]ـ نفس المرجع

[30]ـ الرسالة القشيرية 4.

[31]ـ ـ الإحياء جـ 3/199.  

[32]ـ   لطائف المنن 423 ط قديمة .

(*)اليقين فى الآية معناه الموت

[33]ـ الرسالة القشيرية 156، 171، 130، 101، 103 .

[34]ـ الرسالة القشيرية 276،277 ،320.

[35]ـ الإحياء جـ 4/280، 287، 288.

[36]ـ لطائف المنن 523، 416.

[37]ـ الجواهر الدرر 238.

[38]ـ ـ لواقح الأنوار 98.

[39]ـ الطبقات الكبرى للشعرانى1/7.

[40]ـ خطط المقريزى جـ 3/ 431.

[41]الطبقات الكبرى للشعرانى جـ 2 / 122 صبيح .

[42]ـ درر الغواص 82، الطقات الكبرى جـ 2/151.

[43]ـ الرسالة القشيرية 31، 258.

[44]ـ الشعرانى البحر المورود 319، لطائف المنن 212،388، قواعد الصوفية جـ1 /174.

[45]ـ لواقح الأنوا رللشعرانى 102.

[46]ـ الطبقات الكبرى جـ 2/135 ط صبيح.

[47]ـ لطائف المنن 192، 315 ط قديمة

[48]ـ خط المقريزى جـ2 / 55.

[49]ابن ظهيرة محاسن مصر والقاهرة 204.

[50]ـ الإحياء جـ3/ 345.

[51]ـ الأحياء جـ 3 / 345 .

[52]ـ. تلبيس إبليس 360، 363.

[53]ـالرسالة القشيرية 41 ، 50 .

[54]ـالرسالة القشيرية 41 ، 50 .

[55]ـالرسالة القشيرية 41 ، 50 .

[56]. ـالرسالة القشيرية 41 ، 50 .

[57]تلبيس ابليس 360 ، 361 ، 37

[58]تلبيس ابليس 360 ، 361 ، 37

[59]خطط المقريزى جـ 3 / 401 ط التحرير .

[60]. الاحياء جـ 3 / 334

[61].الشعرانى إرشاد المغفلين 133 .

[62]الطوسى : اللمع 68 .

[63]الطوسى : اللمع 68.

[64]. الرسالة القشيرية 110 ، 109 ، 104

[65] . الرسالة القشيرية 110 ، 109 ، 104

[66]الرسالة القشيرية 110 ، 109 ، 104 .

[67]ابن عطاء لطائف المنن 113 .

[68]الطبقات الكبرى للشعرانى 2 /5

[69]الرسالة القشيرية 109 .

[70]عبدالصمد الأحمدى : الجواهر السنية 69 ، 120 ، 71  .

[71]عبدالصمد الأحمدى : الجواهر السنية 69 ، 120 ، 71  

[72]المفاخر العلية 38 .

[73]المناقب الوفائية 5 . مخطوط

[74]البحر المورود 175

[75]إغاثة اللهفان تحقيق حامد الفقى جــ 2 / 141 ، 142 . 

الفصل الثانى : مفرادات الانحلال الخلقى الجسدى عند الصوفية .

الفصل الثانى : مفرادات الانحلال الخلقى الجسدى عند الصوفية.

ـ التصوف والزنا :

ـ  عبادة الجنس وتأليه المرأة، طقوس الزنا ، وعظ النساء وآداب الجماع، شيخات من العاهرات ، الوعظ الصوفى فى الأرياف وللأميرات ، اعتراف النساء للشيخ فى الخلوة ، المؤاخاة ، مقدمات الزنا فى

       طقوس التصوف ،  الإيقاع بالنساء ، بعض الأشياخ الزناة، صوفية قوادون .

ــ  الشذوذ الجنسى والتصوف :

  ــ الشذوذ أصل عقيدة التصوف : عقيدة الشاهد ، تطبيق الشذوذ وفق عقيدة الشاهد ، فقه الشذوذ الجنسى عند الصوفية ، من الصوفية المشهورين بالشذوذ.

ـ التصوف والحشيش :

ـ الصوفية واكتشاف الحشيش ، ضرورة الحشيش للصوفية ، تشريع الحشيش ، أشهر الصوفية  

      الحشاشين فى المصادر التاريخية ، الصوفية موزعوا الحشيش  فى المصادر الصوفية .

مفردات الانحلال الخلقى الجسدى

عند الصوفية

ـ التصوف والزنا :

عبادة الجنس وتأليه المرأة :

       1 ـ لم يكن منتظرا من جموع العامة أن تتفهم الاصطلاحات الصوفية الفلسفية الداعية للزنى، فكيف لأحدهم أن يفهم قول ابن عربى عن مراحل الشهود فى لحظة الجماع( إذا شاهد الرجل الحق فى المرأة كان شهودا فى منفعل ، وإذا شاهده فى نفسه من حيث ظهور المرأة عنه شاهده فى فاعل ،وإذا شاهده فى نفسه من غير استحضار صورة ماكان شهودا  فى منفعل عن الحق بلا واسطة .. فشهود الحق فى النساء أعظم الشهود وأكمله)، ولم يكن منتظرا من فلاسفة الصوفية أن يطالبوا العامة بالصعود إلى برج التصوف الفلسفى ، ولكن ابن عربى لحاجته إلى التغلغل بين العامة نزل إلى مستواهم فألف طريقته الصوفية ( الطريقة الأكبرية) وكتب فلسفته عن تأليه المرأة وعبادة الجنس شعرا سهلا يمكن تداوله والتغنى به ، خصوصا وقد ركز فيه على أساطير الحب المشهورة مثل قيس وليلى وجميل وبثينة وكثير وعزة ، ومع شهرة هذا القصص بالعفة والعذرية إلا أن شهرته بين طبقات المجتمع واتصاله بالعواطف الإنسانية حفز الصوفية لاستغلاله ليكون موصلا لفلسفتهم الاتحادية فى موضوع العشق والجنس .

         والشعر يتيح الشهرة للآراء التى يحملها ، خصوصا فى البيئات العربية ، لذا أغرم الصوفية به فاستخدموه فى تقريب عقائدهم للأغيار أى غير الصوفية ، ثم أضفوا  اللمسة الصوفية الاتحادية على الجماع والمرأة .

     وفى دراسة سريعة لتائية ابن عربى: يقول عن حلول الله حتى فى الحيوانات :

      وفى الحيوان ، الكل أبرز ظاهرا           من الفيل حتى انتهى للبعوضة

         ويكرر أقواله عن خلق آدم وحواء فيقول متحدثا عن الله تعالى :

           فأظهـر إنسـانا تسـمى بآدم           وأسكن فى الجنات أرفع جنـة

           وأبـرز حــــواء بحكــم إرادتــــى          ليحصل تأنيسا وذهب وحشـتى

           فأعطـيُتها بعـض الصـــفات فشــرفت           بأن رجعت مستودعا نشر طينتى

           وأظـــهر  منى العالم  الأنسى كلـــــه          إلى النقل من بعد الظهور بقوتى

      ثم يفترى أن الله هو الذى يحل فى الرجل والمرأة حين تبدأ الملامسة بينهما .

ومالمست فى الكون كفا للامس           سواها فلا تحجبك عنها بخمسة

     ثم يقول :

        وما مدرك فى الكــون إلا جمــالهـا      ولا مـــدرك إلا جمــــال بثـــينة

       وليـس جـمـيل من بثــينة غـيرهـا      فــــلا تنسـب يومــــا إلى الثنـوية

       فيرى أن الله هو الجمال الحقيقى فى الأشياء وفى الكون وفى النساء العاشقات وعشاقهن ، مثل جميل وبثينة، ويتهم بالثنوية من يفصل بين الخالق والمخلوق ولا يؤمن بوحدة الوجود، والثنوية هى عبادة إلهين، وإلى هذا الحد تبلغ مغالطة ابن عربى ، ثم يقول داعيا العشاق للانحلال:

فيامعشر العشاق موتوا صبابة              ففى مثل هذا منيتى بمنيَتى

       ثم يكرر دعوته لشهود الله فى المرأة عند الجماع الجنسى فيقول :

ومن نظر العشاق بالنقد إنما                  رأى حالهم لكن بعين سقيمة [1]

      وعلى النسق كان إبراهيم الدسوقى يقول :

تجلى لى المحبوب فى كل وجهة             فشاهدته فى كل معنى وصورة

    وبعد أن يتحدث عن وحدة الوجود والحلول والاتحاد ، يقول عن عبادة المرأة والجنس

       بذاتى تقوم الذوات فى كـــل ذروة             أجدد فيـها حلـة بعـد حلـة

       فـليلى وهنـد والربــاب وزيـنب              وعلوى وسلمى بعدها وبثينة

      عبـارات أسمـاء بغـير حقيقـــــة           ومالوحوا بالقصد إلا لصورتى[2]

   وكان ابن الفارض أشهرهم خصوصا فى تائيته المعروفة بنظم السلوك والتى إهتم الصوفية بترتيلها وشرحها، يقول:

         وصرح بإطـلاق الجمـال ولاتقل               بتـقييده ميـلا لزخرف وزينــة

         فـكل مليـح حسنه من جمالهـا                معار له ، بل حسن كل مليــتحة

         بها قيس لبنى هام، بل كل عاشق               كمجنون ليـلى أو كثـير عــزة

         ومـاذاك إلا أن بدت بمظاهــر                فظنوا سواها ، وهـى فيها تجـلت

         ففى النشأة الأولى تـراءت لآدم                بمظهر حوَا قبل حكم الأمومـــة

         فهـام بها كيما يكـون بها أبـا               ويظهــر بالزوجين حكــم البنوة

         وكان ابتداء حب المظاهربعضها                 لبعض ولاضد يصــد ببغضـــه

         ومابرحت تبـدو وتخفـى لعلـة               على حسـب الأوقـات فى كل حقبة

         وتظـهر للعشاق فـى كل مظهر                من اللبس فى أشكال حسـن بديعـة

         ففى مرة لبنى وأخرى بثينــة                 وآونة أدعى بعـزة عــــــزة

         ولسنا سواها ولا كن غيرهــا                 وما إن لها فى حسنـها من شريكة

         كذلك بحكم الاتحاد  بحســنها                  كما لى بدت فى  غيـرها وتـزيت

        بدوت لها فى كل صب متيـــم                 بــأى بديــع حســنه وبأيـة

        وماالقـوم غيرى فى هواها وإنما                ظـهرت لهم للبـس فى كل هيـئة

        ففى مرة قيسا وأخرى كثيــــرا             وآونـة أبـدو جميـــل بثينــة

        تجليـت فيهم ظـاهرا أو احـتجبت              باطنا بهم فأعجب لكشـف بصـيرة

         فكل فتـى حـب أنا هو، وهى حب              كل فتى، والكل أسمـاء لبســـة

        أســــام بها كنت المسمى حقيقة            وكنت لى البادى بنفس تخفــــت

          ومازلــــت إياها وإياى لم تزل              ولا فرق بل ذاتـى لذاتـى أحبـت[3]

         أى أنه يجعل الله ( تعالى)  يحل فى ذات العاشق والمعشوق معا فهو ( أى الله تعالى يحل فى كل عاشقين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

        ومات ابن الفارض فى مصر قبل العصر المملوكى ، ولكن العصر احتفظ له بتقديس هائل تمثل فى إقامة أضرحة على ذكراه ، وطريقة صوفية حملت إسمه، واضطهاد للمنكرين عليه كما حدث مع البقاعى فى أواخر القرن التاسع ، ولايزال لابن الفارض  قدسيته فى قلوب المصريين ولقبه حتى الآن هو (سلطان العاشقين) الذى استحقه بسبب تائيته تلك ، وأشعاره الأخرى التى دارت حول مايعرف بالعشق الإلهى .

           2 ـ وفلسفة العشق الإلهى تحدث عنها الغزالى فى الاحياء ، ثم عبدالكريم الجيلى فى كتابه(الإنسان الكامل)[4] . والجيلى أحد فلاسفة  التصوف القلائل فى القرن الثامن.                                                                                                                 

          ولسنا فى معرض التفصيل لفلسفة العشق الإلهى عند الصوفية ولكننا نلمح إليه من خلال عبادة الجنس وتأليه المرأةعند الصوفية باعتباره مدخلا للزنا عندهم .

         ويلفت النظر أن الشعر كان أهم مظهر حمل فلسفة العشق الإلهى ، ليس لسهولة الشعر وإمكانية حفظه واستظهاره وانشاده أو التراقص به فحسب ، ولكن أيضا لما يتيحه الشعر من ضرورات للشاعر يستطيع الصوفى أن يتخفى وراء هذه الضرورات ويقول مايقول باعتباره شاعرا طفح به الوجد الإلهى ، ولن يجد إنكارا بل  سيجد متعاطفين ومؤيدين ، كما أن الشعر يستطيع أن يتغلغل فى الوجدان الشعبى أيسر وأسهل والتصوف قائم على الوجدان ومناقض للعقل ، ومن أجل ذلك انتشرت أشعار ابن الفارض وعاش حياته مصونا من الإنكار عليه ، واستمر شعره ومكانته بعد موته ، بينما حورب ابن عربى فى حياته وبعد موته وهدم قبره أكثر من مرة لأن أغلب انتاجه مصنفات لايقرؤها إلا الخاصة ، وأغلبهم فقهاء خصوم للصوفية .

         وفكرة " العشق الإلهى  " تحقق غرضا هاما للصوفية هو إزالة الفوارق بين الخالق والمخلوق وتحقيق المساواة بينهما لتحقيق الوحدة فى الوجود، ولذلك اختاروا عن عمد لفظ العشق ، والعشق لايكون إلا لما(ينكح) أى لما يوصف باللقاء الجنسى ، وذلك ماذكره ابن الجوزى فى الرد عليهم : ( فإن العشق عند أهل اللغة لايكون إلا لما ينكح) ويضيف ( إن صفات الله عز وجل منقولة فهو يحب ولا يقال يعشق)[5]. أى أن صفات الله ينبغى أن ننقلها من القرآن ، وفى القرآن إن الله يحب وليس فيه إضافة وصف العشق لله تعالى ، لأن العشق من صفات البشر ، وتعالى الله أن يوصف بصفة بشرية .

         والذى لم يفهمه ابن الجوزى أن التصوف تدين جديد له مصطلحاته الخاصة وعقائده الخاصة ووحيه وطقوسه ، وإذا كان القرآن يؤكد على تنزيه الله بتكرار( سبحانه وتعالى عما يصفون) فى مناسبات التعليق على أقاويل المشركين فإن الصوفية يؤكدون على محو الفوارق بين الخالق والمخلوق ، ومن وسائلهم ( العشق الإلهى) وفى ذلك يقول السرى السقطى ثانى رائد للتصوف بعد معروف الكرخى ( مكتوب فى بعض الكتب التى أنزل الله تعالى : إذا كان الغالب على عبدى ذكرى عشقنى وعشقته)[6]. فهو مساواة بين العبد والرب وعشق متبادل بينهما، ثم المصدر الذى استقى منه السرى السقطى ذلك الإفتراء هو ( بعض الكتب التى أنزل الله ) أو وحى شيطانى مفترى كالعادة فى تدين البشر الذى يسمح بالوحى الإلهى كذبا .

          والعشق يعنى الإلتقاء الجنسى ، لذا ترددت فى أشعار العشق الإلهى الصوفى عبارات حسية ، بل أن مقامات العشق الإلهى عن الغزالى فىالإحياء كلها مراحل العلاقة البشرية بين الرجل والمرأة ، وقد جعلها عناوين فى كتابه . وبداية العشق فى تاريخ التصوف مرتبط بتاريخ عقائده ، فحين بدأ التصوف على إستحياء خوف الإنكار كانت رابعة العدوية ( شهيدة العشق الإلهى) تقول كأنها تخاطب حبيبها من البشر .

أحبك حبين حب الهوى               وحبا لأنك أهل لذاك ...

         ثم بدأ القول بالحلول والاتحاد أى الوحدة الجزئية فكانوا يقولون ( أن الله اصطفى أجساما حل فيها ، بمعنى الربوبية وأزال عنها معانى البشرية ، ومنهم من قال بالنظر إلى الشواهد المستحسنات) ( ومنهم من قال حال فى المستحسنات، وقال أنا أعشق الله عزوجل وهو يعشقنى ، وقال القاضى أبويعلى: ذهبت الحلولية إلى أن الله يعشق )[7].

        وهذه الأقوال الصوفية التى ذكرها ابن الجوزى عن رواد التصوف لم تلبث أن تطورت مع تطور العقيدة الصوفية فى الإحياء للغزالى ، وقد ألمح كثيرا إلى وحدة الوجود حسبما ذكرنا، وكان لابد أن يلمح إلى الصلة بين الجنس وبين الإتحاد الصوفى بالله ، وهى الناحية التى ركز عليها ابن عربى فيما بعد ونظمها ابن الفارض شعرا .

       فالغزالى يقول ( فإن وجدت الصفة التى بها المعشوق ووجد العلم بصورة المشتاق إليه كان الأمر ظاهرا، وإن لم يوجد العلم بالمشتاق وجدت الصفة المشوقة حركت قلبك الصفة واشتعلت نارها أورث ذلك دهشة وحيرة لامحالة ، ولو نشأ آدمى وحده بحيث لم ير صورة النساء ، ولا عرف صورة الوقاع ثم راهق الحلم لكان يحس من نفسه بنار الشهوة ولكن لا يدرى أنه يشتاق إلى الوقاع لأنه ليس يدرى صورة الوقاع ولايعرف صورة النساء. فذلك فى نفس الآدمى مناسبة فى العالم الأعلى واللذات التى وعد بها فى سدرة المنتهى والفراديس العلى ، إلا أنه لم يتخيل من هذه الأمور إلا الصفات والأسماء كالذى سمع لفظ الوقاع واسم النساء ولم يشاهد صورة امرأة فقط ...)[8].

        فالغزالى يقترب ويناور من النقطة التى صرح بها ابن عربى فيما بعد فى جعل النكاح المظهر الأسمى للآتحاد الصوفى بالإله ، ويحاول الغزالى الإقتراب بطريق آخر هو إضفاء الصبغة الدينية على عملية الجماع عند الصوفية فيقول( كان بعض الصالحين يكثر النكاح حتى لايكاد يخلو من اثنتين أو ثلاث ، وأنكر بعض الناس على الصوفية أنهم ينكحون كثيرا .. وكان الجنيد يقول أحتاج الجماع كما أحتاج القوت) ثم لايكتفى وإنما يمارس هوايته فى تأليف الأحاديث النبوية فيروى حديث للنبى يقول( شكوت إلى جبريل ضعفى فى الوقاع فدلنى على الهريسة )[9]

        ثم جاء ابن عربى  فنسج على منوال الغزالى وتوسع فأحل النساء جميعا ، وسار أتباعه على منواله كما سبق بيانه . وإن كان الجماع يمثل هذه النقطة الفاصلة فى العقيدة الصوفية وإذا كان للمرأة ذلك المركز الهائل فلابد أن تكون هناك طقوس دينية للزنا فى عصرنا المملوكى .. وذلك ماكان ..

طقوس الزنا:

       1ــ جاء فى تلبيس إبليس مايلى ( وبإسناد عن أبى القاسم بن على بن المحسن التنوخى ، عن أبيه قال : أخبرنى جماعة من أهل العلم أن بشيراز رجل يعرف بابن خفيف البغدادى شيخ الصوفية هناك ، يجتمعون إليه ويتكلم عن الخطرات والوساوس ، ويحضر حلقته ألوف من الناس ، وأنه فاره فهم حاذق ، فاستغوى الضعفاء من الناس إلى هذا المذهب ، قال فمات رجل منهم من أصحابه وخلف زوجة صوفية ، فاجتمع النساء الصوفيات وهن خلق كثير ، ولم يختلط بمأتمهن غيرهن ، فلما فرغوا من دفنه دخل ابن خفيف وخواص أصحابه وهم عدد كثير إلى الدار وأخذ يعزى المرأة بكلام الصوفية إلى أن قالت : قد تعزيت فقال لها : هاهنا غير ؟ فقالت لاغير ، قال فما معنى إلزام النفوس آفات الغموم وتعذيبها بعذاب الهموم ؟ ولأى معنى نترك الإمتزاج لتلتقى الأنوار وتصفوا الأرواح ويقع الإخلافات وتنزل البركات ؟ قال، فقلن النساء إذا شئت، فاختلط جماعة الرجال بجماعة النساء طول ليلتهم ، فلما كان سحر خرجوا ، قال الحسن( الراوى): هاهنا غير : أى هنا غير موافق المذهب ، فقالت لاغير : أى ليس مخالف ، وقوله نترك الإمتزاج كناية عن الممازجة فى الوطء ، وقوله لتلتقى الأنوار، عندهم أن فى كل جسم نورا إلاهيا ، وقوله الإخلافات أى يكون لكن خلف ممن مات أو غاب من أزواجكن . قال المحسن وهذا عندى عظيم ولولا أن جماعة يخبرونى يبعدون عن الكذب ماحكيته ، لعظمه عندى واستبعاد مثله أن يجرى فى دار الإسلام ، قال وبلغنى أن هذا ومثله شاع حتى بلغ عضد الدولة فقبض على جماعة منهم وضربهم بالسياط وشرد جموعهم، فكفوا.." [10]. فذلك الصوفى المنظر الفيلسوف الذى يتكلم عن الخطرات والوساوس فى ندوات تضم الآلاف مالبث أن خلط التصوف النظرى بالتصوف العملى، خصوصا وقد انضم إليه الكثيرون من العامة من الرجال والنساء ، وأصبحت لهم لغة خاصة يتفاهمون بها، رأينا نموذجا منها حين مارسوا ـ جماعة ـ طقوس الزنا وفق دينهم الذى يدعون إليه ، وقد شاع خبرهم وانضم إليهم الكثيرون، ولولا أن حاكما حازما هو عضد الدولة اعتقلهم وشرد جموعهم لانتشرت هذه الطقوس إلى بقية البلاد . وفيما بعد لم يكن هناك حاكم على مستوى عضد الدولة اعتقلهم وشرد جموعهم لانتشرت هذه الطقوس إلى هذه البلاد وفيما بعد لم يكن هناك حاكم على مستوى عضد الدولة ، بل كانوا من مؤيدى التصوف ، خصوصا وأن الصوفية يجيدون قيادة العامة ويباركون ظلم الحكام ونفاقهم ، فانتشرت مؤاخاة الصوفية للنساء فى مجتمع يميل فيه أغلبية العامة والمحكومين إلى ممارسة الرذيلة ، ويتطلع إلى إضفاء الشرعية عليها ، يقول ابن الجوزى عن المؤاخاة الصوفية للنساء( وبلغنا أن جماعة منهم أنهم يؤاخون النساء ، ويخلون بهن ، ثم يدَعون السلامة )( ويقول ومن الصوفية قوم أباحوا الفروج بادعاء الأخوة، فيقول أحدهم للمرأة تؤاخينى على ترك الاعتراض فيما بيننا ) [11].

        2ــ إذن بدأت طقوس الزنا فى تدين التصوف تأخذ طريقها للإنتشار .. فارتبطت الخلوة بالنساء بمؤاخاتهم ودعاوى البعض السلامة من الوقوع فى الفحش ، ثم صراحة البعض الآخر فى اختراع عقد للمؤاخاة فى صورة عهد ومبايعة بينه وبين المرأة أساسه أن يتمتع بها دون أى التزام نحوها أو منغصات نسائية مثل الغيرة ، فلا يعترض عليها إذا رآها مع غيره ولاتعترض عليه إذا رأته مع غيرها ..

         3ــ  حتى إذا تسيد التصوف عصرنا المملوكى بدأ الصوفية يمارسون طقوس الزنا من خلوة ومؤاخاة دون اهتمام باعتراض بعض المنكرين من فقهاء التصوف كابن الحاج والشعرانى ، وأولئك يشغلهم الحفاظ على سمعة التصوف من أى إنكار عليه خصوصا بعد حملة ابن تيمية ومدرسته . ولكن كان الزنا ضرورة لبعضهم كى يحقق  عقيدة الاتحاد التى رأينا طرفا منها فى كلام ابن خفيف البغدادى مع النساء فى ممارسة الجنس الجماعى والتى حكاها ابن الجوزى.  

وعظ النساء وآداب الجماع :

         1ــ  وقد عم الإعتقاد فى التصوف رجال العصر المملوكى ونساءه ، وصار الأشياخ مقصد الألوف المؤلفة ، يحج إليهم المريدون رجالا ونساء من شتى الطبقات الإجتماعية ، مما أتاح لطقوس الزنا أن ترفع لافتة التعليم والوعظ للنساء ضمن لافتات أخرى .

          وفى بداية القرن التاسع اشتهر الشيخ أحمد الزاهد بتخصصه فى وعظ النساء ، وقد بدأ فى صبغ وعظه لهن بالصبغة الملائمة فكان يعلمهن ( حقوق الزوج وآداب الجماع) على حد قول الشعرانى ، وامتلأت حلقاته بجموع النساء وحدثت مشاكل بينه وبين الفقهاء فى عصره بسبب ذلك ، ولأسباب أخرى تتمثل فى اهتمامه بإقامة زوايا أخرى ليوسع نشاطه، وبسبب هذه الشهرة فقد أوسعت له الحوليات التاريخية مكانا ضمن المشاهير[12].إذن بدأ الشيخ أحمد الزاهد حملة لتعليم النساء فى زاويته آداب الجماع ، وقد أسلفنا مايعنيه مدلول الجماع فى عقيدة الصوفية ، ولقد كان أحمد الزاهد صوفيا متمسكا بالأصول التراثية للتصوف ـ كما يبدو فى ترجمته فى طبقات الشعرانى ــ فكان كارها للفقه والفقهاء ملتزما بالتقية والمداراة فى مجتمع العصر المملوكى الذى يدين للصوفية ويخضع لهم ، وبسبب شهرته فى التقية سُمى بجنيد القوم، ولم يكن فى عصره مايستوجب التقية والمداراة إلا مايخص طقوس الزنا وآداب الجماع فى المفهوم الصوفى ..

          والشعرانى كان ضمن الذين تأثروا بأحمد الزاهد وطريقته فى تعليم النساء ، فتراه يفتخر بأنه ( كُسر قفص طبعه) أىلم يعد يخجل( حتى صار لايستحى من تعليم النساء الأجانب آداب الجماع ) [13]. ثم ازداد اتصال الأشياخ الصوفية بالنساء حتى ( كانوا يقرؤهن البخارى والقرآن فى الموالد )[14] ضمن الحفلات التى يختلط فيها الرجال والنساء.

         ويقول الشعرانى محذرا ( إياك أن تمكن جاريتك أن يأخذ أحد من فقراء الأحمدية أوالبرهامية عليها العهد .. فإن كثيرا من الفقراء يعتقدون أنه صار والدها يجوز له النظر إليها) ثم يقول ( وقد حصل ذلك لبعض إخواننا ورأى صاحبه يفعل الفاحشة فى زوجته)[15]. والذى يهمنا الآن  من هذا النص أن الفقراء الأحمدية والبرهامية اشتهروا بنشر المؤاخاة وإعطاء العهود للنساء بالمفهوم الصوفى الذى يعنىممارسة الزنا .

        والشعرانى الذى يعطى هذه الصورة عن الصوفية الأحمدية ـ أتباع البدوى ـ والبرهامية أتباع الدسوقى هو نفسه الذى يتحدث عن جهود الشيخ محمد الشناوى فى إعطاء العهود للنساء ومحمد الشناوى هو أحد الأشياخ المشهورين فى الطرق الأحمدية. يقول فى ترجمته ( أنه لقن النساء الذكر .. ورتب لهن المجالس فى البلاد ، وكان يقول يافلانة اذكرى أهل حارتك ويافلانة اذكرى بأخواتك )[16]. ولم تقتصر مجهوداته على الريف بل وصلت للطبقة العليا فكان يلقن ابنة الخليفة العباسى بالقاهرة وجواريها الذكر[17]. فالشعرانى يعترض ويحذر من الشيوخ المعاصرين له ويتهمهم بالزنا ، بينما يتحدث ببراءة عن شيوخه ، مع أن الجميع يمارسون نفس الطقوس تحت نفس الشعارات .

شيخات من العاهرات :

         1ـ ولاشك أن تلميذات محمد الشناوى فى الأقاليم كان منهن من أصبحت (شيخة) فيما بعد ،فقد انتشر التمشيخ بين النساء بالمفهوم الصوفى ، وقد أثارت هذه الظاهرة إنكار الفقيه الصوفى ابن الحاج ، وقد أتى من المغرب للقاهرة ليجد فيها فنونا من الإنحراف الصوفى أوسع لها فى كتاب المدخل ، وذكر بعضها بصراحة دون تمسح بالمسميات والشعارات التى برع فيها الصوفية المصريون حتى من فقهاء التصوف كالشعرانى. فابن الحاج ينكر " ما أحدثوه من اعتقاد بعض النسوة وزيارتهن" أى اعتقاد الرجال فى ولاية بعض النسوة وتوافدهم عليهن بحجة التبرك ، ثم يقول " وبعض الشيخات تلبس الصوف لمن ثابت على يدها ودخلت طريقها " وهو يستخدم مصطلح التوبة الصوفى ويذكرنا بمقالة ابن الجوزى عن استخدام نفس المصطلح فيمن تهجر بيتها وتلحق بالصوفية ( فيقال تابت فلانة وألبسها الشيخ الخرقة ).

           ثم يضع ابن الحاج يده على ظاهرة خطيرة فى أولئك الشيخات الصوفيات فى القرن الثامن حين قال متعجبا ( إن العجيب أنهن لايمضين إلى موضع لعمل الذكر فيه إلا بعد دفع الرسم المقرر لضامنة المغانى)[18]. وضامنة المغانى هى التى تتولى جمع الضرائب من المومسات وتسلمها للدولة ، إذن فأولئك الشيخات مسجلات ضمن المومسات فى العصر المملوكى يدفعن الرسوم( لضامنات المغانى) ،فأولئك الضامنات يعلمن بحقيقة الذكر المزعوم ، ولاريب أن هذا الصنف من بائعات الهوى وجد فى التصوف مشروعيته الدينية والإمكانية الكبرى للإنتشار والإزدهار . والدولة المملوكية كانت تسمح بالبغاء وتخول " ضامنة المغانى" جمع الضرائب من العاهرات ، وتعجب ابن الحاج من وجود العاهرات الشيخات .

          2ـ ونعود إلى الشيخ محمد الشناوى وقد زرع محافظة الغربية وغيرها بالشيخات يرتب لهن المجالس حسبما يذكر الشعرانى ــ ولابد أن تأخذ إحداهن التصريح بإقامة الحفلات من ضامنة المغانى ، ثم يكثر التوافد عليهن أو زيارتهن أو بتعبير ابن الحاج ( ما أحدثوه من اعتقاد بعض النسوة وزيارتهن ) ثم يكثر انخراط المحترفات من النساء فى العمل لدى الشيخة أو بتعبير ابن الحاج ( وبعض الشيخات تلبس الصوف لمن تابت على يدها ودخلت طريقها ) أى كانت العاهرة ــ الشيخة ــ  تستقطب النساء للعمل تحت مصطلحات التصوف ، من" لبس الصوف" " والتوبة" " ودخول الطريق" ثم تقيم حفلات الذكر الجماعى ( أو الجنس الجماعى) ، وتكون بمأمن طالما دفعت حق الدولة من الضرائب إلى " ضامنة المغانى" وبذلك لايحدث لهم ماحدث لابن خفيف البغدادى وجماعته ، حين طاردهم السلطان عضد الدولة ، فيما حكاه ابن الجوزى آنفا . والمهم أن هذه الحفلات الماجنة كانت تدور فى حلقات مغلقة ولكن منتشرة ، وتحت حماية الدولة ومصطلحات التصوف ، وتحت ستار أشد ، وهو النقاب الذى كان الزى الرسمى للمرأة المملوكية ، وهو الذى يحجب شخصية المرأة ويعينها على التخفى والاستمرار فى الانحلال .

الوعظ الصوفى فى الأرياف وللأميرات:

        وإذا كان الشيخ محمد الشناوى يأتى من الأقاليم ــ الغربية وطنطا بالذات ــ للقاهرة ليعلم جوارى الخليفة العباسى وابنته طريقة الذكر الصوفى، فإن بعض الأشياخ الصوفية فى القاهرة كان يرسل مندوبين من لدنه إلى الأقاليم والغربية أيضا بالذات ليرد نفس الجميل مع النساء ، فقد ورد فى مناقب الحنفى أن أحد مريديه وهو الشيخ أبوطاقية كان لاينظر إلى امرأة أجنبية ولايأخذ العهد إلا على الرجال والشبان ، وقد دخل ذات مرة على شيخه شمس الدين الحنفى فى بيته فأمر الشيخ الحنفى ( إمراة أجنبية أن تلف رجليه فى الملاءة وتجعل إحداهما على ركبتها وتكبسها ) ثم أذن لأبى طاقية فى الدخول، فأنكر  أبوطاقية الوضع الذى رأى عليه شيخه شمس الدين الحنفى فى بيته مع هذه المرأة، فقال له الشيخ ( يا يوسف ما فى هذا الباب من هذا الباب  إلا أنا وأنت ، وقد أذنت لك أن تدعو النساء الأجانب إلى الله تعالى ، تدعو الرجال ولاتدعو النساء ؟ وهن أجهل من الرجال وأسوأ حالا منهم ؟ فكأنك مافعلت شيئا ؟ أخرج يا يوسف وادع الرجال والنساء إلى الله تعالى فيكثر ثوابك) فخرج يوسف فلما وصل إلى قطور( وصار يدعو الرجال والنساء إلى الله تعالى،  فكان أكثر مايدعو النساء الأجانب ويحثهم على طاعة الله .. ( حتى انتفع به نساء كثيرة ، وصاروا يأتمرون بأمره وينتهون بنهيه ) حتى إذا سافر إلى القاهرة ليزور سيده الحنفى( يشترى لهن المساويك والسبح ، فإذا رجع إلى البلاد فرَق ذلك عليهن)[19]. فالشيخ أبوطاقية ذهب مبعوثا من شيخه الحنفى ليبشر بطريقته ــ أو بتعبيرهم ليدعو النساء إلى الله تعالى، وقد تعلم على يد شيخه أسس تلك الدعوة حين رأى امرأة أجنبية تكبس ساق شيخه وتضعها فوق ركبتها . ونجح أبوطاقية فى بعثته فتوثقت صلته بنساء الأقاليم ، وكان يأتى فى مهمات رسمية لهن يشترى لهن المسابح والمساويك .

         وحتى لانظلم الحنفى وأبا طاقية فإن مناقب الحنفى وهى المصدر الأساسى للتأريخ له يظهر نوعية العلاقة التى تربط الحنفى بالنساء ، والتى تحدد طريقة دعوته لله مع النساء ، ففى مناقب الحنفى أن نساء الأمراء كن يجتمعن بالحنفى ( على هيئات حسنة وجمال عظيم ) " وقد دخلت امرأة عليه فى أحد هذه الإجتماعات فأنكرت ما رأت " وتقول الأسطورة أن الحنفى أمر المرأة أن تعيد النظر إلى أولئك النسوة فرأت وجوههن عظاما بلا  جلد ولا لحم ورؤيتهن شنيعة فأغمى عليها واستغفرت الله تعالى فقال لها الحنفى ( والله ياستيت ما أنظر النساء الأجانب إلا كما نظرت إليهن فى هذه الساعة فلا تظنى بى إلا خيرا .. ياستيت إن لك فى بدنك علامات ، علامة تحت أبطك الأيمن ، وعلامة تحت فخذك الأيسر ، وعلامة فى صدرك ، وهن كذا وكذا ، وجعل يصف لها العلامات التى فى بدنها تحت ثيابها ، فقالت ياسيدى صدقت، والله إن زوجى لم يعلم بهن إلى الآن وأنا أستغفر الله وأتوب إليه مما وقع منى ).

         وعهدنا فى هذه الكرامات أنها تصاغ لكى تستر عيبا شائنا فى مسلك صوفية العصر المملوكى ، وبالنسبة للحنفى بالذات فقد صيغت هذه الكرامة بحذافيرها أكثر من مرة [20]. لكى تستر ما اشتهر به الحنفى من علاقات نسائية متعددة .وبعض الكرامات تشى بالعلاقات الخاصة جدا بين الحنفى والنساء المريدات ومنها أن زوجة أحد مريديه تضررت من غيابه الطويل واشتكت للحنفى ، فقال لها ( تعالى وقومى خلف ظهرى) فنادى زوجها بإسمه فسمعت المرأة صوت زوجها يجيب الشيخ فاطمأنت ، وأنه كانت امرأة من نساء الأمراء تأتى إلى بيت الحنفى فى يوم الميعاد ــ على ملأ الناس ــ ( وكان يظهر لها المودة والمحبة )[21]

          وشمس الدين الحنفى مجرد شيخ صوفى تميز عن آلاف الأشياخ المعاصرين له بأن مريده كتب مناقبه فى كتاب ( السر الصفى) وحاول أن يدافع عن شيخه بتأ ليف الكرامات ، وهناك آلاف الأشياخ الذين كانوا يفوقون الحنفى فى الشهرة والمريدين والصلة بالنساء ، ولكن لم يتيسر لأحدهم أن يكتب عنه المريدون بمثل ماكتب مريد الحنفى عن الحنفى . إذن ماخفى كان أعظم ، والأغلب أن الإنحراف يجرى فى الخلفاء .

        وعليه ، كانت صلة الصوفية بالنساء وثيقة على مستوى طبقة العامة وطبقة الأميرات، وفى الخلوة كان بإمكان الشيخ أن يتمتع بخلوته بهن وأن يتمتعن بخلوتهن معه ، إلى الحد الذى احتاج فيه الصوفية إلى صياغة كرامات تبرر هذا الوضع مستغلة تصديق الناس للكرامات والإيمان بها .

اعتراف النساء للشيخ فى الخلوة :

        1ــ  ومما ساعد على " تعميق " الصلة بين الأشياخ والمريدات ما اعتاده العصر من الاعتراف للشيخ الصوفى بالذنوب ــ وفق النظام المسيحى ، وكانت النساء" يعترفن سرا" للأشياخ بما تستحى إحداهن من قوله للزوج المسكين ، وقد أسلفنا أن حدود الوعظ الصوفى للنساء قد تلاشت بحيث اخترع الصوفية علما جديدا يدرسونه للنساء وهو آداب الجماع ، وماسبق قوله عن عقائد التصوف وحفلات الجنس الجماعى يوحى بأن آداب الجماع لم يكن علما نظريا شفويا ولكن ربما كان يمتد إلى التفعيل الواقعى ، بكل ما توحى به طقوس التصوف من أسرار وخلوة وعلاقات تحتية مما يجعل من تعليم " آداب الجماع" مصطلحا صوفيا آخر ، يعنى الممارسة الجماعية للجنس ، والشعرانى اعترف بقيامه بتدريس هذا الفن الجديد ، وقد سبق لنا إيراد بعض آراء الشعرانى فى إضفاء اللمحة الصوفية العقيدية على عملية الجماع فلابد أن ذلك كان من بنود وعظه لهن ، إذا التفت فى خلوته لمجرد التدريس فحسب ، ولكن طبيعة المرأة عموما والمرأة الشرقية خصوصا تؤكد على أنها تخجل من الخوض فى الموضوعات الجنسية مع الغرباء ، إذ لابد من علاقة خاصة جدا ترتفع فيها( الكلفة) بين الرجل والمرأة لينطلق الحديث بدون قيود أو انقطاع ..

  وهكذا .. فإذا كان الأمر قد تطلب من الشعرانى أن " يكسر قفص طبعه حتى صار لايستحى من تعليم النساء الأجانب آداب الجماع " فلابد أن يتطلب الأمر من النساء الأجانب أيضا أن " ينكسر قفص طبعهن" حتى يتجاوبن مع الشعرانى وحديثه الشيق عن آداب الجماع وطرق الجماع .. والشعرانى مهما تستر بالفقه فهو كما سبق بيانه تلميذ مخلص لابن عربى الذى لايحرم فرجا ، والذي يرى فى الزنا طريقا لتحققه بالإله عندهم .

         ونعود إلى اعتراف النساء للأشياخ باعتباره مظهرا من مظاهر  العلاقة الخاصة التى تفوق علاقة المرأة وزوجها ونقرأ مايقول الشعرانى ( أخبرتنى امرأة متديٍنة مصلية ، وقالت إنى أكره الخروج للسوق لأنى أنظر إلى الأشكال الحسنة فتميل إليها نفسى ، فأرجع لا أقدر أنظر إلى وجه زوجى ، وقد دخلت مرة سوق الوراقين فرأيت شابا فأخذ بجوامع قلبى ، فرجعت فوالله مارأيت زوجى فى عينى إلا كالعقرب أو كالغول أو كالعفريت أو كالبقرة ، وكما أن الرجل إذا رأى المرأة الحسناء مالت إليها نفسه فكذلك المرأة إذا رأت الشاب الأمرد الجميل تروح نفسها إليه ضرورة ، ورأيت مرة إنسانا من الطاق وزوجى عندى ، وصرت أنظر إلي حسن شكل ذلك الإنسان وحسن لحيته ووجهه وعيونه ، وأنظر إلى زوجى إلى تشعيث شعر لحيته ، وكبر أسنانه ، وأنفه ، وعمش عينيه ، وخشونة جلده وملبسه ، وفظاظته ، وتغيير رائحة فمه وإبطه ، وقبح كلامه ، فما كنت إلا فتنت بذلك الإنسان ، ثم تبت إلى الله تعالى عن الخروج لا لحمام ولا لزيارة ولا لغيرها .. ) [22]

         فهذه المرأة المتدينة المصلية ( التائبة ) كسر  قفص طبعها مع الشعرانى ، فاعترفت له فى خلوة بأدق أحاسيس المرأة نحو زوجها والرجال الآخرين ، وهى قد تابت بحيث  تصف له مشاعرها بهذه الصراحة المذهلة ، ولكنها لاتعد عيبا خروجها من البيت إلى زيارة رجل غريب هو الشعرانى وحديثها معه بهذه الصراحة عن غرامياتها المتعددة وذلك يعطى معنى اصطلاح التوبة لديهم ، وهو أن تسلم المرأة نفسها ولسانها وأشياء أخرى لشيخها الصوفى ، كالمريد مع شيخه ، فلا تخفى عنه شيئا .

         2ــ لقد كانت خلوة الصوفى بأى امرأة مرادفة لتمام الحرية فى القول والفعل بحيث تصبح الخلوة مجرد اصطلاح للزنا، وإذا صح القول بأن اجتماع رجل عادى بامرأة  قد يعنى أن الشيطان ثالثهما ، فإن دراسة نصوص الصوفية تظهر بأن الصوفى إذا خلا بامرأة فلا حاجة لوجود الشيطان بينهما ، إذ يكتفى الشيطان بوجود الصوفى ، وينصرف مسرورا ، ونكتفى بالاستشهاد بنص للشعرانى نقدمه مع الاعتذار الكافى ــ كالعادة ــ لنلمس إلى أى حد كان يتصرف الشيخ الصوفى على سجيته إذا خلا بامرأة ، يقول الشعرانى فىترجمة شيخه عبدالقادر السبكى ( وكان يتكلم بالكلام الذى يستحى منه عُرفا ، وخطب مرة عروسا فرآها ، فأعجبته ، فتعرى لها بحضرة أبيها ، وقال انظرى أنت الأخرى حتى لاتقولى بعد ذلك بدنه خشن أو فيه برص أو غير ذلك ..ثم مسك ذكره وقال انظرى هل يكفيكى هذا ؟ وإلا فربما تقولى هذا ذكره كبير لا أحتمله ، أو يكون صغيرا لايكفيك فتقلقى منى وتطلبى زوجا أكبر آلة منى) [23].

          ومهما اختلفنا فى تقييم موقف الشيخ عبدالقادر السبكى فلا ينبغى إهمال ذلك الفتح الجديد فى حقوق العروس قبل الزواج وفق التشريع الصوفى !!

          لقد تصرف الشيخ عبدالقادر السبكى بتلقائيه وعفوية حين جمعه أول لقاء مع عروسه ، ونحسبه قد تعامل معها وفق ماتعود مع الأخريات فى الخلوة ، وإذا استغرب قارىء اليوم هذا الكلام فلأنه لايعيش العصر المملوكى ولايعايش الصوفية فيه ،وإلا فلماذا جرؤ الشعرانى على مدح شيخه بمثل هذا الكلام ؟ ولماذا شاع هذا الخبر عن الشيخ عبدالقادر السبكى وتناقله الناس عنه إلا إذا كان منقبه تستوجب الفخر والاعتزاز لا الغضب والإشمئزاز، لقد كان الشيخ عبدالقادر السبكى مشهورا بالولاية إلى درجة افتخار الشعرانى به ، وترجمته له فى ( الطبقات الكبرى)، وكان له مريدون ، وربما كان بعضهن من النساء ويخلو بهن بحكم العادة ، وعرفنا طريقته الفصيحة فى التعامل مع النساء . وكيف أن تلك الطريقة الواضحة ذكرها الشعرانى فى ترجمته على أنها من مناقبه .

المؤاخاة:

          1ــ لقد انفتح الصوفية علىنساء العصر المملوكى وفق مدلول المؤاخاة وإعطاء العهد للمرأة ، ويكون الاجتماع المغلق بين الشيخ وبناته فى الطريق ، وقد بدأت المؤاخاة تأخذ طابعا مميزا لبعض الطوائف الصوفية دون بعضها ، وذلك فى القرن الثامن ، فرأينا الفقيه الصوفى ابن الحاج يقول فى ذلك مستنكرا( آخى بعضهم بين الرجال والنساء من غير نكير ولا  استخفاء ، ثم لم يقتصروا على ذلك ، بل كانت بعض النساء تعيش مع بعض الرجال ، ويزعمون أنها أخته مع الشيخ ، وقد آخته فلا تحتجب عليه ، إذ أنها صارت من ذوى المحارم علىزعمهم ) [24].

         إذن بدأت المؤاخاة فى بعض الطرق الصوفية تأخذ دور العلانية ( من غير نكير ولا استخفاء) وبالمؤاخاة كانت بعض النساء يعشن مع إخوانهن الرجال فى الطريق الصوفى فى القرن الثامن ، وذلك تحت مصطلح الأخوة فى الطريق ، وأصبح ذلك علنا . وسرعان ما انتشرت المؤاخاة ، فقال عنها الفقيه أبوالفتح المقدسى الرجائى فى القرن التاسع ( وقد فشا فى هذا الزمان مؤاخاة الفقراء للنسوان ويدخل إليها وتدخل عليه ويختلى بها ويزنى بها ) ثم يستطرد فى تلك العلاقة بين الأخ الصوفى وأخته فى الطريق ، فيقول ( وكثير منهم يزعمون أن المرأة تصير عندهم بمنزلة أخته يدخل عليها متىشاء بإذن زوجها وبغير إذنه ، ويختلى بها ، ويتعانقان بالظهور والصدور ومما لاينبغى ذكره ، ويقولون هذه محبة الفقراء ، فيزنى الرجل بالمراة وهى أيضا تزنى به ، ويقولون نحن أبعد الناس عن الزنا والفواحش)[25]

       وطالما يمارسون فى الخلوة محبة الفقراء فهم يمارسون دينا لاشأن له بالزنا والفواحش ، لأن الدين الجديد جعلها أخته فى الشيخ ، وجعل لأخيها عشيقها نفس حقوق الزوج الجنسية ، ثم وضعوا مصطلحا جديدا للزنا وهو محبة الفقراء ، وفى مجال المؤاخاة اشتهرت الطرق الأحمدية والبرهامية (إبراهيم الدسوقى)والقادرية (عبدالقادر الجيلانى)، وكان أخذ المرأة العهد على شيخ فى إحدى هذه الطرق معناه أن يتقاطر على المراة أتباع الطريقة أوأخوتها فى الطريق خصوصا فى غيبة زوجها، وفى ذلك يقول الشعرانى( الفقراء الأحمدية والبرهامية والقادرية يأخذون العهد على المراة ، ثم يصيرون يدخلون عليها فى غيبة زوجها)[26]. ومن الطبيعى أن يمارسوا معها " محبة الفقراء" أى حفلات الجنس الجماعى ، وذلك برعاية الشيخ التابع للطرق الأحمدية أو البرهامية أو القادرية .هذا مانفهمه من قول الشعرانى عن رفاقه من الشيوخ فى القرن العاشر ، بعد أن عرفنا ما قاله الشيخ أبو الفتح المقدسى الرجائى عن شيوخ القرن التاسع ، وبعد أن عرفنا ماقاله ابن الحاج عن شيوخ القرن الثامن . وقد كان ابن الحاج وأبوالفتح المقدسى الرجائى أكثرصراحة من الشعرانى.

             والشعرانى كالعهد به يستعمل الألفاظ المخففة ، وفى موضع آخر يتحدث الشعرانىعن حفلات السمر التى كان أولئك الصوفية يقيمونها فيقول ( كان مشايخ السمرات من الأحمدية وغيرهم يجتمعون مع النساءعلى البساط من غير احتجاب ، فيقولون  للمرأة الكبيرة ياأمى أو يا أختى ولمن دونها يابنتى)، ولأن الشعرانى يعرف ماتخفيه هذه المصطلحات فقد قال أنه ينبغى تنبيههم على تحريم ذلك ، ويناقض نفسه فيفتخر بكراهيته للخلوة بالمرأة الأجنبية خوفا من الميل إليها[27]. وينسى أنهن كن يعترفن له سرا وأنه كان يعلمهن آداب الجماع .

          2ــ وموقف الشعرانى من معاصريه من أشياخ تلك الطوائف هو موقف الخصومة والمنافسة لذا هو يرميهم بالخلوة بالنساء ويحاول أن يبرىء نفسه من ذلك ثم يذكر الأشياخ السابقين لهذه الطوائف فى معرض التقديس والتمجيد ورأينا ماقاله عن الشيخ محمد الشناوى وجهوده مع النساء ويتناسى الشعرانى أن أولئك الأشياخ فى القرن العاشر فىعصره يسيرون على الطريقة التى أرساها الشيخ محمد الشناوى من قبل ، وترسب فى الضمير الشعبى أن يقال " البساط أحمدى" فى التعبيرعن الإنفتاح فى القول وفى الفعل وكان ذلك سببا فى شهرة الأحمدية وكثرة مريديها ، وقد فزع الشعرانى من كثرة الداخلين فى هذه الطرق طمعا فى شيوع الرذيلة ومايعنيه ذلك بالنسبة لشيخ مشهور كالشعرانى كتقلص شهرته وتناقص مريديه من الرجال والنساء على السواء ، فهب يحذر من الإنضمام لتلك الطرق متمسحا بالشرف والفضيلة ،فيقول " إياك أن تمكن جارتك أن يأخذ أحد من الفقراء الأحمدية أو البرهامية عليها العهد إلا مع المحافظة على آداب الشريعة ، فإن كثيرا من الفقراء يعتقد أنه صار والدها يجوز له النظر إليها ، وترى هى كذلك أنها صارت ابنته ولها أن تظهر وجهها له ، وكل ذلك خروج عن الشريعة ، وربما جعل إبليس ذلك مقدمات الزنا .. وقد حدث مثل ذلك لبعض إخواننا ورأى صاحبه يفعل الفاحشة فى زوجته ) [28].

           والشعرانى يستخدم أسلوب الفقهاء فى المحترزات والاستثناءات ، فهو يجيز  العهد بشرط المحافظة على آداب الشريعة ، كما لو كانت الشريعة الإسلامية تجيز أساسا إعطاء العهد الصوفى ، ثم يهاجم أفعال الصوفية الأحمدية والبرهامية وهو واثق أنهم لن يدافعوا عن أنفسهم ولن ينكروا التهمة، لأنها أصبحت عندهم تقليدا صوفيا يحمل مصطلحات جديدة .

           3ــ على أن نساء الأشياخ الصوفية مارسن نفس الحرية ، ولم يكن ذلك كالعادة مما يستوجب إنكارا طالما وقع فى بيوت الأشياخ ، ولذلك فالشعرانى يذكر فى معرض التمجيد بأن زوجة الشيخ عثمان البريمى كانت تخرج سافرة الوجه على الشيخ عثمان الحطابى، وكذلك زوجة الآخر مع الآخر ، ويأتى كل واحد منهما إلى دار الاخر( فيختلى بزوجة الآخر، وتخرج له مايأكل ومايشرب فى غيبة الآخر)[29] . أى أن الخلوة ومافيها من انفتاح وصل إلى بيت الشيخ .

مقدمات الزنا فى طقوص التصوف :

           1ــ ومقدمات الزنا من النظرواللمس كان لها دورها فى طقوس الزنا، وكثير من الصوفية أصحاب المؤاخاة يعتقد أنه طالما أعطى العهد للمرأة يجوز له النظر إليها ، ويجوز لها أن تنظر له وتظهر وجهها بدون نقاب كما سبق ذكره من كلام الشعرانى ، الذى افتخر بكثرة حمايته لنفسه من النظر للنساء الأجانب والمردان ، ويرتدى عباءة الفقه فيقول أن بعض الفقراء زعم أن رؤية الأجانب من نساء مريديه لاتضره ، ويرى الشعرانى أن ذلك ( من رقة الدين)[30] .

        2ــ واللمس أهم ركن فى مبايعة النساء وإعطائهن العهد، وقبل العصر المملوكى ، كان ابن عربى يقول فى التائية :

ومالمست فى الكون كفا للامس                  سواها فلا تحجبك عنها بخمسة

           أى يرى أن اللامس والملموس هو الإله عندهم ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وهو يطلب من اللامس أن يفهم ذلك ولاتحجبه عن الفهم أصابعه الخمس . أى أن لمس المرأة له أهمية بالغة فى العقيدة الصوفية .

واتخذ الصوفية من لمس المرأة عادة فى الرقية ، فالنساء أكثر البشرية ميلا للخرافات وتصديقا لها، ومن الطبيعى إذا أصابها مرض أن تطلب الشفاء على (يد) شيخ صوفى يرقيها بالتعاويذ ، وعن هذا الطريق توافدت الكثيرات من النساء خارج نطاق ( المؤاخاة)..

         وكان الشعرانى من المقصودين بالاعتقاد فى عصره ، وكان يكتب التعاويذ حتى لليهود والنصارى وافتخر بذلك ، وقد نافسه أشياخ كثيرون فى هذا المجال ، فارتدى كعادته عباءة الفقه وانطلق يفتى لهم محذرا ومرشدا ، يقول ( وليحذر الشيخ إذا ظهرت بركته وشاع ذكره وصار الرجال والنساء يتبركون به ، أن يضع يده على بدن أجنبية حال رقيته لها من مرض أو عين ونحو ذلك ، لاسيما من صار من أهل القرن العاشر الذين يقعون فى شهوات الدنيا كما يقع الذباب فى العسل )[31] . أى كان صوفية القرن العاشر يقعون فى لمس النساء وماهو أبعد من ذلك ، كما يقع الذباب فى العسل .

           وحقق الشعرانى غرضه ، فقد جعل من نفسه الناصح لغيره ، فبرأ نفسه فى الوقت الذى اتهم فيه صوفية عصره كلهم بالفجور ، واتخاذ رقية المرأة طريقة لانتهاك حرمتها .

           وكرر الشعرانى حكاية الشيخ أبى بكر الحديدى الذى رأى الشيخ محمد العدل( يحسس على بطن امرأة أجنبية لمرض كان بها، فصاح عليه وديناه ومحمداه الله أكبر عليك ياعدل ، فقال والله ماقصدتها بشهوة ، فقال له ما أنت معصوم ، نحن ما نعرف إلا ظاهر السُنة)[32] . وتكرار هذا المعنى فى " الطبقات الكبرى ولطائف المنن ولواقح الأنوار " يحمل إلى جانب الفخر بوجود شيخ صوفى عفيف هو أبوبكر الحديدى ــ إتهاما من الشعرانى لمعاصريه ( الذين يقعون فى الشهوات كما يقع الذباب فى العسل ).

            والشعرانى كالعهد به متسامح إذا كان بعض الأشياخ السابقين متورطا ، ويدافع عنه بطريق خفى إذا أمكنه ، فالشيخ الشويمى يدخل بيت شيخه مدين يحسس بيده على النساء ، فكن يشكين للشيخ مدين فيقول : حصل لكم الخير فلا تتشوشوا)[33]. أى جرى خير ، والمهم أن بيت الشيخ مدين ممتلئا بالنساء مما شجع الشيخ الشويمى على أن ينهمك فى ملامستهن بطريقة أجبرتهن على الشكوى منه للشيخ مدين ، فلم ينهر الشيخ الشويمى ، وإنما اكتفى بلمسه حانية لهن ويقول : حصل لكم الخير فلا تتشوشوا .

         ومن هذا النوع المدمن للملامسة كان الشيخ على أبوخودة ، الذى أسهب الشعرانى فى مناقبه وكراماته ، ومنها قوله عنه( وكان رضى الله عنه إذا رأى امرأة أو أمرد راوده على نفسه ، وحسس على مقعدته بيده سواء أكان ابن أمير أو ابن وزير ولو كان بحضرة والده أو غيره)[34]. أى ولسان حاله يقول ( حصل الله لكم الخير فلا تتشوشوا)!!.

الإيقاع بالنساء :

        وبعض الصوفية كان يتحايل علىالإيقاع بالنساء عن طريق إعطاء التصريح للشاب الوسيم بإعطاء العهد للنساء ، ويتم ( اختلاط ) أولئك الشباب بالنسوة ، ويتم إيقاعهن ، وفى النهاية يصلن للشيخ الصوفى الكبير ، وقد بدأ ذلك فى القرن الثامن ، وأنكره الفقيه الصوفى ابن الحاج فقال ( بعض مدعى المشيخة يعطى الإجازة للشبان المردان ، ولهم صور حسان ، فيتسلطون سبب ذلك الكشف على حريم المسلمين فى بعض الأحيان والأماكن ، بسبب الاختلاط بهم من أجل الإجازات التى بأيديهم )[35].

           وفى عصر الشعرانى توسع الصوفية فى اسناد شتى الكرامات لأنفسهم ، وبالتالى اتسع مجال التحايل على الفسق بالنساء ولو برضى الأزواج ، ويتمثل ذلك فى إيهام الزوج بأنه فى بيته كنزا مخفيا ولايعلم سر ذلك الكنز إلا الشيخ ، ويقتنع الزوج المسكين ويقبل راضيا طلبات الشيخ ، وقد يكون منه الفسق بالزوجة ، يقول الشعرانى عن المطالب أو الكنوز( وبعضهم يقول للرجل عندك فى بيتك مطلب مايفتح إلا أن تخلى أجنبيا بامرأتك سبعة أيام وأكثر ، وينام ويصبح معها، ويخدمهما بنفسه ، ويطعمهما أطيب الطعام ، حتى يأتى لهما بالخمر ، وبعضهم يقول لايفتح إلا أن مكنتنى من زوجتك على باب المطلب ، ونحو ذلك) ، ويفتخر الشعرانى كالعادة بنفسه وأنه أخذت عليه العهود ألا يفعل مايفعله الأشياخ الآخرون من تعلم السحر أو الكهانة أو التنجيم بالرمل والحصى ونحو ذلك[36]. أى كانت تلك الطرق كلها من وسائل التحايل على النساء .

بعض الأشياخ الزناه  :

          وقد اعترفت بعض المصادر الصوفية بوقوع بعض الأولياء فى الزنا ، وإن حاولت أن تخفف الإتهام، مثل ماذكره عبدالصمد الأحمدى من أن أبناء الشيخ أحمد المعلوف كانوا( على غير نعت الإستقامة) ولم يمنع ذلك من اتصافهم بالكرامات[37] بطبيعةالحال فالكرامات تستر عورة الأشياخ المنحرفين ، كما رأينا فى مناقب الحنفى وعلاقاته بنساء الأمراء .

          أما المصادر التاريخية خصوصا فىأوائل العصر المملوكى فقد تناولت الموضوع بصور محايدة ويتجلى ذلك فى التأريخ للشيخ خضر العدوى الذى كان شيخا للظاهر بيبرس ولكن سيرة خضر العدوى الشخصية تظهره فاسقا لامثيل له فى عصره ، يذكرنا بالراهب راسبوتين فى روسيا القيصرية .

        ويقول النويرى صاحب نهاية الأرب وهو معاصر للشيخ خضر ، إن الشيخ خضر  بدأ حياته يخدم بعض الأكابر فى الجزيرة فى العراق فأمر بخصيه لأنه أفسد بعض جوارىالدور فهرب خضر إلى حلب وخدم عند الأمير ابن قراطابا فأحبل جارية ، فطلبه الأمير فهرب إلى دمشق ، وأقام بمغارة فى زاويته بجبل المزة ، ثم اشتهر شيخا صوفيا واعتقده الظاهر بيبرس ، وبنى له زوايا ، فكان الشيخ خضر يجعل فى كل زاوية منها( فقراء يحملون له أرباب الجرائم من اللصوص وغيرهم ويتعاطون الفسق) أى حوَ ل زاويته لوكر  للجرائم والزنا .

        ويتباهى الشيخ خضر بفجوره علنا، يقول النويرى ــ ونحن نعتذر مقدما عن النقل ــ ( وكان يكتب إلى صاحب حماة وغيرها من الأمراء : " خضر(ن (؟)ك) الحمارة "وكتب بذلك إلى قاضى القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز ورقة ، فأغضى عنها ،ثم أخرى كذلك فلما وصلت له الورقة الثالثة أحضر رسوله ، وقال  قل له والله لئن وصل إلى ورقة بعد هذه فيها  مثل هذا أحضرته لمجلس الحكم وقابلته بما يستحقه بمقتضى ماكتب بخطه ، فامتنع بعد ذلك من مكاتبته .[38]

       وانتقل خضر إلى القاهرة فأنشأ له علاقات بنساء المماليك ، وكان ذلك السبب المعلن لمحاكمته وانتهاء علاقته بالظاهر بيبرس ، يقول ابن كثير عنه ( الشيخ خضر العدوى إفتتن ببعض بنات الأمراء ، وكن لايحتجبن منه ، فوقع فى الفتنة، فلما وقع ماوقع فيه حوقق عند السلطان بيسرى وقلاوون والفارس أقطاى إلاتابك ، فاعترف لهم ، فهم الظاهر بيبرس بقتله )[39].

      والطريف أن الشعرانى حين نقل ترجمة الشيخ خضر العدوى فى مفتتح الجزء الثانى من طبقاته أغفل الجزء الخاص بحياته الخلقية ، وحين اضطر للكلام عن سبب محاكمته أمام الظاهر بيبرس قال ( وكان السلطان ينزل لزيارته ويحادثه بأسراره ويستصحبه فى أسفاره ، فرمى أولاد الحلال بينه وبينه  فنقم عليه وحبسه) [40]. إذن أولاد الحلال هم السبب فى نكبة الشيخ البرىء خضر العدوى !!

          وبعض المؤرخين فى نهاية العصر المملوكى كان متأثرا بالتصوف إلى درجة جعلته لا يصرح كالنويرى وابن كثير وإنما يرمز بالإشارة ، فابن اياس يتحدث عن مقتل الشيخ عبدالكريم (ق862) وكان خليفة البدوى فى طنطا يقول عنه,ولايعلم من قتله ، وكان غير مشكور فى سيرته)، وُلىخلافة البدوى مدة طويلة ، فلما مات وُلى ( صبى) من أقاربه اسمه عبدالمجيد)[41].أى يلمح ابن اياس إلىأن ذلك الصبى هو ابن غير شرعى للشيخ عبدالكريم .

          والشيخ عبدالكريم المقتول غير المشكور السيرة لايمكن أن يحل محله إلا من كان إبنا له حسب الطقوس الصوفية ، أما عبدالصمد الأحمدى كاتب سيرة البدوى فقد تجاهل تماما ذكر خلافةعبدالمجيد[42]. وفى أمثال العصر المملوكى المتأثرة بذلك الانحلال للشيوخ " هش يادبانة ، أنا حبلة من مولانا"[43] وقريب منه المثل الشعبى الحديث ( ضلالى وعامل امام ، والله حرام..)[44]

صوفية قوادون:

          وقد سبق الاستشهاد بقول ابن الحاج ( بعض مدعى المشيخة يعطى الاجازة للشبان المردان ، ولهم صور حسان ، فيتسلطون بسبب ذلك الكشف على حريم المسلمين ) ومعناه أن بعض الصوفية عمل فى مجال الدعارة فيوقع بالنساء لحساب الأشياخ مستغلا جماله وشبابه .

          وقد أضفى الصوفية على هذا النشاط اللاخلقى صبغة التدين كالعهد بهم ، فجعلوه تعاونا على البر والتقوى فى دينهم ، مما جعل ابن القيم يقول فى القرن الثامن ( وقد يبلغ الجهل بكثير من هؤلاء إلى أن يعتقد أن التعاون على الفاحشة تعاون على الخير والبر، وأن الجالب محسن إلى العاشق ، جدير بالثواب ، وأنه ساع فى دوائه وشفائه ، وتفريج كرب العشق عنه ، ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة )[45] . وعلى نفس طريقة ابن القيم كتب المؤرخ المفسر ابن كثيرفى ترجمة الشيخ ابراهيم الموله ت 172 ( كان يجمع النساء والرجال حوله فى الأماكن النجسة ) [46]. أى تخصص فى تجميع النساء والرجال حوله .

          وقبيل العصر المملوكى قيل فى ترجمة الشيخة المهتار أن امرأة مغنية مشهورة بالفجور جاءته فقام بتزويجها لأحد مريديه ، وأقام وليمة العرس على نفقته ، وجمع الفقراء الصوفية فى الحفل( وكان للمرأة صاحب من أمراء الدولة فأرسل بزجاجتين من الخمر )[47].

          إذن فنشاط الصوفية فى مجال القوادة أصيل قبل العصر المملوكى، وبعده ازداد هذا النشاط بازدياد التصوف فى أواخرالعصر المملوكى ، ووقع على عاتق الشعرانى تبرير هذا الفعل الشائن الذى يقع فيه أشياخه ، وقد وجد ضالته فى استغلال مهارته فى سبك الكرامات لتستر عورة أولئك الأولياء .

        وقد سبق إيراد بعض الأمثلة فالشيخ على وحيش الذى يقيم فى بيت للدعارة ــ أوخان لبنات الخطا ــ كان كل عمله هو التشفع فى الرواد ، وأسند له الكرامات التى تخوف من الاعتراض عليه[48] . وفعل  مثل ذلك مع الشيخ حسن الخلبوص المقيم فى بيت آخر للدعارة وجعله ، يتحكم فى الكرة الأرضية [49]. وقال عن صوفى آخر يعلل اتجاهه لهذا النشاط ــ وهو الشيخ زون بهار ( أنه كان يصعق فى حب الله تعالى فتضع الحوامل مافى بطنها من صعقته ، فحول الله تعالى ذلك إلى حب امرأة من البغايا) أى أن ذلك التحول الخطير الذى حدث للشيخ زون بهار لم يكن له يد فيه وأن الله تعالى هو المسئول عنه ــ وفقا لعقيدة التصوف فى وحدة الفاعل ،ومن الطبيعى أن الحوامل فى مصر وخارجها قد شعرن بالطمأنينة بعد أن كف الشيخ زون بهار عن صعقته ، وقد تحول بنشاطه إلى البغى التى أحبها، ويستمرالشعرانى فيقول عن الشيخ بعد أن أحب تلك المرأة ( فجاء إلى الصوفية ورمى لهم الخرقة ، وقال لا أحب أن أكذب فى الطريق ، إن واردى تحول إلى حب فلانة ، ثم صار يحمل لها العود ويركبها ويمشى فى خدمتها ، إلى أن تحول الوارد إلى محبة الحق تعالى بعد عشرة شهور ، فجاء للصوفية ، وقال ألبسونى الخرقة إن واردى رجع عن محبة فلانة ، وهكذا يضع الشعرانى تلك المرأة الخاطئة فى مقابل الله تعالى ، ويجعل الشيخ زون بهار حائرا بين محبة الله ومحبتها ، ويسند التحول من هنا إلى هناك إلى تصريف الله تعالى فى قلب الشيخ زون بهار . و من الطبيعى وقد رجع الشيخ إلى الصوفية أن تتوب المرأة ومطلوب منا أن نصدق توبتها فيقول( فبلغها ذلك فتابت ولزمت خدمته إلى أن ماتت)[50].

        وطبعا لابد أن يفرح الصوفية بانخراطها فى سلك التصوف أو بتوبتها ، وقد عرفنا معنى التوبة للمرأة فى طقوس التصوف .

         وكان بعض الأولياء يعمل مكاريا أى حمارا تخصص فى حمل النساء العاهرات إلى المكان المقصود ، وكان الناس يسبونه وعلى حد قول الشعرانى ( يصفونه بالتعريص)، ويدافع عنه الشعرانى فيقول ( أنه كان لايركب امرأة قط من بنات الخطا وتعود إلى الزنا أبدا) وقد صرح الشيخ للشعرانى أنه وصل إلى هذه المنزلة باحتمال الأذى[51] .. وإذا كان هذا الشيخ له هذه الكرامات التخصصية مع العاهرات فلماذا لم تظهر نتائجه؟ وبعيدا عن هذه الكرامات المضحكة التى تحاول دون جدوى تبرير علاقات الأولياء الصوفية بالعاهرات نذكَر الشعرانى وغيره بالمثل القائل( قال ياربى دخلنا بيت الظالمين وطلعنا سالمين ، قال وايش دخلك وايش طلعك) [52]    

الشذوذ الجنسى والتصوف

الشذوذ أصل فى عقيدة التصوف ( عقيدة الشاهد):

          1ــ يؤمن الصوفية بأن البشر امتداد للخالق جل وعلا ، والنفس البشرية تميل للحسن فى كل شىء ، ونفوس الصوفية خلطت بين عقيدتهم وإعجابهم بالجمال فاعتبروه شاهدا على الجمال الإلهى ،وبذلك برزت فى عقائد التصوف مصطلحات (الشهود) و(الشاهد) و(صبيح الوجه) .

          فيقولون عن " صبيح الوجه" هو( المتحقق بحقيقة الإسم الجواد ومظهريته .. وإنما سمى صبيح الوجه لقوله عليه السلام أطلبوا الحوائج عند صباح الوجوه) فالمتحقق بحقيقة الإسم والذى يظهر فيه الإسم الإلهى معناه حلول الإله فيه ، فيظهر فيه الجمال الإلهى بزعمهم ، ولذلك افتروا حديثا نبويا ليجعل له أصلا فى الإسلام .

         ويقولون عن الشاهد ( مايحضر القلب من أثر المشاهدة ، وهو الذى يشهد له بصحبة كونه مختصا من مشاهدة مشهوده أما علم لدنى لم يكن له فكان ، أو وجد أو حال ، أو تجل ، أو شهود ) ، فالصوفى حين يرى شابا جميلا فيرى عن طريق علمه اللدنى حقيقة الأمر فى ذلك الشاب الذى أصبح شاهدا على تجلى الحق فيه بزعمهم ( والشهود) رؤية الحق بالحق[53] . ومعناه أن الله ــ تعالى عن ذلك الإفتراء ــ هو الذى يجعلهم يشهدونه فى المظاهر البشرية .

          2ــ والقشيرى فى رسالته يقول تحت مصطلح الشاهد ( كثيرا مايجرى فى كلامهم لفظ الشاهد ) ، ويريدون بلفظ الشاهد مايكون حاضرا قلب الإنسان ، وهو ماكان الغالب عليه ذكره ، حتى كأنه يراه ويبصره وإن كان غائبا عنه ، فكل مايستولى على قلب صاحبه فهو يشاهده) فالصوفى الذى يؤمن وحدة الوجود وأن الخلق هم مظاهر الإلهية فى حقيقتها دائما يحضر هذا المعنى فى قلبه ، ويغلب على ذكره ، فيراه ويبصره فى الأشياء  المادية من بشر وحجر. ثم يقترب القشيرى من هدفه حين يقول ( ومن حصل له مع مخلوق تعلق بالقلب يقال أنه شاهده ، يعنى أنه حاضر قلبه ، فإن المحبة توجب دوام ذكر المحبوب واستيلائه عليه) يعنى أن الصوفى إذا أحب شخصا جميلا يقول أنه شاهده يعنى استحضر فى قلبه الأصل الإلهى لذلك الجمال ..

          ثم نرى القشيرى وقد أرهقته المحاورة والمداورة فانطلق يشرح المعنى الحقيقى للفظ الشاهد وينسبه للآخرين ، ثم يحاول إغراق المعنى بالمعميات الصوفية والإصطلاحات الفلسفية ، يقول القشيرى فى النهاية

( وبعضهم تكلف فى مراعاة هذا الإشتقاق ، فقال إنما سمى الشاهد من الشهادة ، فكأنه إذا طالع شخصا يوصف بالجمال فإن كانت بشريته ساقطة عنه ولم يشغله شهود ذلك الشخص عما هو به من الحال ولا أثرت فيه صحبته بوجه فهو شاهد له على نفسه ، ومن أثَر فيه ذلك فهو شاهد عليه فى بقاء نفسه وقيامه بأحكام بشريته ، إما شاهدا له أو شاهدا عليه ، وعلى هذا أجمل قوله (ص) رأيت ربى ليلة المعراج فى أحسن صورة أى أحسن صورة رأيتها تلك الليلة) .[54]

           فالصوفى إذا كان فى لحظة وجد إلهى ــ أى يزعم أنه متحد بالله ــ ورأى شابا جميلا فلم يتأثر بالمظهر البشرى لذلك الشاب الجميل فقد أصبح ذلك الجميل شاهدا للصوفى على فناء نفسه أو اتحاده المزعوم بالله ، أما إذا تأثر بالصورة البشرية للأمرد الجميل فلا يزال الصوفى قائما بصورته البشرية ولم يتحقق بالحق وأصبح الأمرد شاهدا عليه فى بقاء نفسه وبشريته ، فهو شاهد عليه فى بقاء نفسه وقيامه بأحكام بشريته ، إذن فالأمرد يحتل مكانة هامة فى العقيدة الصوفية فهو للصوفى إما شاهد له أو شاهد عليه ..

          ثم يستشهد القشيرى على تشريع هذا الإفك حديث مفترى هو ( رأيت ربى ليلة المعراج فى أحسن صورة) وهناك روايات أخرى أبشع منها( رأيت ربى على صورة شاب أمرد) وهى تحقق هدف الصوفية فى عبادة الشذوذ.

         ويقول الغزالى عن بعض الطوائف ( أنهم يعتقدون أن لهم ربا ، وأنه أجمل الأشياء ، فإذا رأوا إنسانا فى غاية الجمال أو شجرا أو فرسا أو غير ذلك سجدوا وقالوا إنه ربنا )[55] .  وتحاشى الغزالى أن يصفهم بالتصوف مع أن الصوفية فى عصر الغزالى كانوا يرددون نفس الأقوال منها ( إن الله اصطفى أجساما حل فيها بمعنى الربوبية ، وأزال عنها معانى البشرية ) ولذلك قالوا ( بالنظر إلى الشواهد المستحسنات) وأن الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا ( يحل فى المستحسنات )[56] .

         3 ــ إذن فالصوفية قبل الغزالى وفى عصره كانوا يقولون بالشاهد على جمال الله ــ تعالى عما يقولون ــ ولكن الغزالى تحاشى الاقتراب من ذلك الموضوع إلا بضرب الأمثلة التى تجعل الأمرد الجميل يحتل نفس مكانة الإله فى عقيدته ، ففى نفس حديث الغزالى عن الرضا والحب يروى هذه القصة ( قال سعيد بن يحيى : رأيت بالبصرة فى خان عطاء بن مسلم شابا وفى يده مدية ، وهو ينادى بأعلى صوته والناس حوله وهو يقول :

            يوم الفــراق من القيامـة أطول                والموت من ألم التفرق أجمل

           قالوا الرحيل فقلت لست براحــل                 لكـن مهجتى التى تتـرحـل

       ثم بقر بالمدية بطنه وخر ميتا ، فسألت عنه وعن أمره فقيل لى أنه كان يهوى فتى لبعض الملوك حجب عنه يوما واحدا[57]. وطبعا لن نعرف اسم ذلك الملك ولا ذلك الأمرد ابنه ، لأن القصة خيالية قصد بها الغزالى أن يقرب للناس عقيدة الشاهد . فذلك الذى انتحر علانية فى البصرة لم يرزق بمؤرخ يكتب قصة حياته فى عصر كان يموج بالمؤرخين ، ولكن الغزالى رسم هذه الصورة المفجعة ليؤثر بها فى عاطفة الناس حول رجل انتحر وهو يقول شعرا يفيض حبا وعشقا ، وسبب الإنتحار أن معشوقه الفتى غاب عنه يوما واحدا ، والغزالى يختار لفظ ( حجب عنه يوما واحدا) والحجاب هو مصطلح الصوفية فى الحديث عن الاتحاد والتحقق بالحق والفناء فى الله تعالى علوا  كبيرا ، ثم إن القصة بأكملها يضربها الغزالى مثلا عن حب الله ..

            وفى نفس الصفحة وفى نفس الموضوع يروى الغزالى أسطورة أخرى عن رجل ضُرب بالسوط ألف سوط ، ولم يتكلم لأنه عاشق ولأن معشوقه كان ينظر إليه ، يقول الراوى فقلت له ( فلو نظرت إلى المعشوق الأكبر ، قال فزعق زعقة ثم خر ميتا) فالله تعالىعند الغزالى هو "المعشوق الأكبر" وسبق أن أوضحنا أن المعشوق فى اللغة اسم ( لما ينكح) ولن نتهم الغزالى بالجهل باللغة ومعانى الألفاظ ، ولكننا نتهمه بالتصوف وكفى ، وفى تلك الأسطورة التى رواها اتضح أن الرجل الذى تحمل ألف سوط كان صوفيا ، وكان يتعشق الأمرد ويتحمل الألف سوط لأنه مستغرق بنظرة معشوقه إليه ، حتى إذا ذكَره الراوى " بالمعشوق الأكبر " زعق زعقة ومات أو فنى عن نفسه فى مصطلح الصوفية ، وهذه هى الصورة المثالية لحب الله عن الغزالى .

           ويضرب الغزالى مثلا آخر يجعل فيه من الحب الشاذ للصبيان دليلا على الحب الإلهى ( وقيل لبعض المحبين وكان قد بذل نفسه وماله حتى لم يبق له شىء : ماكان سبب حالك هذه فى المحبة ؟ قال سمعت يوما محبا وقد خلا بمحبوبه وهو يقول له : أنا والله أحبك بقلبى كله وأنت معرض عنى بوجهك كله ، فقال له المحبوب : إن كنت تحبنى فايش تنفق على : قال : ياسيدى أملكك ماأملك ثم أنفق عليك روحى حتى تهلك ) .

        ويروى الغزالى قصة عن الجنيد رائد النفاق الصوفى "قال الجنيد : رأيت رجلا متعلقا بكم صبى وهو يتضرع إليه ويظهر له المحبة ، فالتفت إليه الصبى وقال : إلى متى هذا النفاق الذى تظهره لى ؟ فقال :قد علم الله إنى صادق فيما أورده حتى لو قلت لى مُت لمت ، فقال إن كنت صادقا فمُت ، قال فتنحى الرجل وغمض عينيه ، فوجد ميتا )[58]

         فذلك الرجل بجلالة قدره يتعلق بكم الصبى ، ولايستحى من أن يتضرع له فى صورة العبادة ، والصبى المعشوق ينهره ويتهمه بالنفاق ، فيجعل الرجل من الله شهيدا على هذه العلاقة الشاذة بينهما ، ثم تنتهى الأسطورة كالعادة بموت العاشق الولهان ، ويلاحظ أن الغزالى أضفى السمة الدينية على هذه العلاقة الشاذة فرسم صورة الرجل فى القصة كأنه يركع بين يدى الصبى ، وجعله يتضرع أى حركات الصلاة وخشوعها ، ثم لاينسى أن يضع على لسان الصبى الإتهام للعاشق بالنفاق بمدلوله المعروف ، ولو كان الانحراف عاديا لاستعمل الراوى وصف الخيانة التى قد تحدث بين العشاق العاديين ، ثم يتجرأ الغزالى ويجعل الله شهيدا على ذلك الفسق الدينى ، أى لايكتفى بتقريره وتشريعه وإنما يصبغ عليه جانب الدين ، ثم تنتهى القصة بموت البطل العاشق لتأكيد معنى الفناء فى المعبود وفق المصطلح الصوفى ، وطبعا فموت العاشق بإرادة الله الذى يرضى عن ذلك بزعمهم ، وبذلك يصل الغزالى بهذه الأساطير التى تناثرت فى الاحياء إلى تقرير عقيدة الشاهد فى عقل القارىء دون أن يضطر لشرح المصطلحات كما فعل القشيرى . على أن الغزالى حاكى القشيرى فى ضرب تلك الأمثال ، فالقشيرى ضرب على نفس الوتر حين تحدث عن حب الله ، وضرب المثل بالحب الشاذ بين رجل وصبى فيقول ( ادعى رجل الاستهلاك فى محبة شخص ، فقال له الشاب كيف هذا وهذا أخى أحسن منى وجها وأتم جمالا ، فرفع الرجل رأسه يلتفت ، وكانا على سطح ، فألقاه من السطح ، وقال هذا أجر من يدعى هوانا وينظر إلى سوانا )[59].

         وذلك المثل ضربه القشيرى فى المحبة ، وقد استعمل الألفاظ الصوفية فى المحبة الإلهية كالاستهلاك أو مايعنى الفناء فى المحبوب ، ويجعل عقوبة الموت لمن يشهد غير المحبوب أو ينظر لغيره وفق مصطلحاته ، والمهم أنه اعتبر المعشوق الجميل من البشر ممثلا له ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

وعن الصبر يضرب القشيرى مثلا آخر ( قيل رؤى حدث ــ أى صبى ــ يضرب وجه شيخ بنعله ، فقيل له ألا تستحى ؟ تضرب حر وجه شيخ مثل هذا ؟ فقال جرمه عظيم ، فقيل : وماذاك فقال : هذا الشيخ يدعى أنه يهوانى ومنذ ثلاث مارآنى )[60]. فذلك الشيخ العاشق يستحق أن يضربه الصبى على وجهه بالنعال لأنه صبر على عدم رؤيته لمعشوقه ثلاثة أيام ، ونحن نرى أن من ألف هذا المثل الشائن يستحق نفس العقوبة قبل الأكل وبعده..

         4 ــ وحتى يستسيغ الناس فكرة الشاهد شاع حديث أطلبوا الخير عن صباح الوجوه فى كتب الصوفية وخصوصا الإحياء ، وقد قال عنه الحافظ العراقى ( روى عن عدة طرق كلها ضعيفة)[61].أى رواه الصوفية بعدة طرق وروايات حتى يجعلوا له اسنادا بأى طريقة ، وقد صيغت أحاديث أخرى بهذا المعنى منها ( ثلاثة تزيد فى البصر : النظرة إلى الخضرة والماء الجارى والوجه الحسن ) وترتب على هذا الحديث انتشار الانحلال الخلقى على ضفاف النيل برعاية المتصوفة خصوصا وقد شاع ذلك الحديث فى ذلك العصر وحديث (النظر إلى الوجه الحسن يجلو البصر) ، وعليم بالوجوه الملاح والحدق السود ، فإن الله يستحى أن يعذب مليحا بالنار) وفى ذلك الحديث دعوة فاجرة للشذوذ والافتراء على الله ، ( والنظر إلى الوجه الجميل عبادة) وذلك الحديث يذكرنا بعبادة المردان التى أرساها الغزالى والقشيرى من خلال الأساطير السابقة ، ( من أتاه الله وجها حسنا فهو من صفوة الله فى خلقه) أى صار صوفيا لأنهم جعلوا أنفسهم صفوة الخلق ــ ويقول ابن القيم بعد أن عد هذه الأحاديث ( وكل حديث فيه ذكر حسان الوجوه أو الثناء عليهم أو الأمر بالنظر إليهم أو التماس الحوائج منهم أو أن النار لاتمسهم فكذب مختلق وإفك مفترى)[62].

           وضاعت صيحات ابن تيمية فى كتابه ( أحاديث القصاص) ومثله ابن القيم فى ( المنار المنيف فى الصحيح والضعيف) لأن أحاديث الشذوذ الجنسى ازداد انتشارها فى العصر المملوكى وبعده، حتى كان يفتتح بها فى المؤلفات فى العصر العثمانى ، فيذكر الجبرتى أن الشيخ مصطفى اللقيمى كتب فى مقدمة مقامة أنشأها

( القائل وقوله الحق يهدى إلى طريق الرشاد : أطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه)[63].

          بل إن حديث ( رأيت ربى فى صورة شاب أمرد) صيغ وانتشر بعد عصر ابن تيمية وابن القيم ، وإلا كانا قد هاجماه فى كتبهما ، وقد احتفل الصوفية ذلك الحديث الذى يؤكد لهم عقيدة الشاهد فيقول عنه الشعرانى فى القرن العاشر( أن حديث رأيت ربى فى صورة شاب أمرد ( لو قال ولىٌ هذا لكفَره العقل ، بخلاف ماجاء به الرسول) [64] .

تطبيق الشذوذ وفق عقيدة الشاهد:

          1ــ والقشيرى يعترف بأن الأشياخ قبله طبقوا عقيدة الشاهد سلوكا شاذا مع الصبيان، ويخفف من وقع المعنى حين يستعمل المصطلح الصوفى وهو ( صحبة الأحداث) ويعترف بأن ( من أصعب الآفات فى هذه الطريقة صحبة الأحداث)[65].ويقترح علاجا لمن أدمن هذا الفسق أو غيره بالرحيل يقول ( وإذا ابتلى مريد بجاه أو معلوم أو صحبة حدث أو ميل لامرأة وليس هناك شيخ يدله على حاله .. فعند ذلك حلُ له السفر والتحول عن ذلك الموضع ليشوش على نفسه تلك الحالة)[66] . ثم يقول فىآفة صحبة الأحداث ( من ابتلاه الله بشىء من ذلك فبإجماع الشيوخ ذلك عبد أهانه الله عز وجل وخذله ، وأصعب من ذلك تهوين ذلك على القلب حتى يعد ذلك يسيرا، ويروى عن أحد الأشياخ فى قوله صحبت ثلاثين شيخا كانوا يعدون من الأبدال ، كلهم  أوصونى عند فراقى إياهم وقالوا لى: اتق معاشرة الأحداث ومخالطتهم) وهذا القول يذكرنا بالمثل الشعبى : إسأل مجرب.

          ثم يلمح القشيرى إلى الأصل العقيدى فى معاشرة الأحداث وهو اتخاذ الأشياخ له شاهدا بالمفهوم الصوفى فيقول متحرجا( ومن ارتقى فى هذا الباب عن حالة الفسق ، وأشار أن ذلك من بلاء الأرواح وأنه لايضر)، أى اكتفى بالنظرواللمس ليحقق شهوده الصوفى الروحى ( وماقالوه عن وساوس القائلين بالشاهد، وإيراد حكايات عن بعض الشيوخ ، لما كان الأولى منهم إسبال الستر عن هناتهم الصادرة منهم ، فذلك نظير الشرك وقرين الكفر)أى يعترف أن القول بالشاهد شرك وكفر ، ويتمنى لو أسدل الستار عن أقاويل الأشياخ وحكاياتهم فى هذا الشأن ، ويناقض نفسه فيعتبر ذلك هنات أوسيئات صغيرة طالما تتعلق  بالأشياخ.

           ثم يتوجه للمريدين للمرة الثانية ( فليحذرالمريد من مجالسة الأحداث ومخالطتهم ، فإن اليسير منه فتح باب الخذلان)[67]. والذى يهمنا أن كثرة التحذير من معاشرة الصبيان تدل على كثرة وقوع الفسق بهم واشتهار الصوفية بهذا، بل قد يكون أكثر الناصحين هو نفسه أكثر المدمنين ، فالشيخ يوسف بن الحسين  يقول ( رأيت آفات الصوفية فى صحبة الأحداث ومعاشرة الأضداد ورفق النسوان )[68]. وفى نفس الوقت يعترف بأنه لم يستطع الإقلاع عن إدمان الشذوذ فيقول مقالته الشهيرة ( عاهدت ربى ألا أصحب حدثا مائة مرة ففسخنا علىقوام القدود وغنج العيون)[69].

        3 ــ وإذا كان هذا حال الأشياخ فى بداية التصوف وفىرسالة القشيرى الداعية للاعتدال والإصلاح ، فإن انتشار التصوف فى عصرنا المملوكى أظهر طوائف الصوفية المتخصصة فى هذا المجال مثل طريقة المطاوعة ، يقول عنهم السخاوى المؤرخ ( المطاوعة وهم جمع كثير يبيحون النظر إلى الأمرد الجميل بحيث أنهم يشترونه من أهله بمبلغ  كبير .. ويأذنون فى اختلاء الأجنبى به، فمنهم من يدسه تحت كسائه، ومنهم من يدسه معه فى ثوبه، ويشرحه الأجنبى فيجعل صدرالأمرد على صدره ويهزه فيركض قلبه كما يركض الطائر الحمام ) ولاتعليق لنا على ذلك سوى أنهم كانوا يمارسون طقوسا دينية فى اعتقادهم وذلك مما قاله السخاوى نفسه عنهم ، يقول  ( ويعتقدون إن ذلك قربة يتقرب بها لله)[70]

         وعن طريقة المطاوعة أيضا يقول أبوالفتح المقدسى فى كتابه ( حكم الأمرد) (طريقة المطاوعة صحبتهم الأحداث)أى أن طريقهم الصوفى، أو تدينهم( صحبة الأحداث) ثم يتحدث عن طقوس عبادتهم فيقول( ويجلسونهم خلف ظهورهم ويسمونهم البدوات ، ويفتخرون بذلك ولايسحبون إلا الأمرد الجميل ، ولايربى الحدث إلا الفقير الصادق العارف بربه ).

        ويتحدث أبو الفتح عن الشعارات التىيرفعها المطاوعة فى بدايتهم حين يربون الصبيان عندهم ( ولهذا يصيره عنده بمنزلة ولده ، بل أعز لذة اجتنابهم المكروهات  والمحرمات ، فيجعلونهم  خلف ظهورهم حتى لاينظرون وجوههم ولايمسونهم ولاينامون معهم .. فإذا رأوا فى الأمرد خيرا ورشادا خبأوه وكتموا عنه المحبة ولايعلم بها حتى يكمل عقله ) ( فكل ماكانت لديه هذه الأوصاف المذكورة جاز له أن يربى الأمرد وإلا فهو من المخالفين )، ولكن هذه الشعارات المرفوعة فى بداية المطاوعة لم تكن إلا ستارا لممارسة الشذوذ ، وأبو الفتح نفسه اعترف بذلك فيقول عن المطاوعة المعاصرين له وقد لمس طقوسهم ( خصوصا مطاوعة أهل هذا الزمان ، فإنهم ينامون مع المردان ، ويجلسون معهم ويأمرونهم بتكبيسهم،وتحسيسهم، ويعانقونهم بالصدوروالظهور ، وغيرذلك عكس المتقدمين ،وأقبح من ذلك معانقة البدايات ـ أى المردان فىاصطلاحهم ــ بالظهوروالصدور ،لأن أحدهم يجد بذلك لذة وراحة عظيمة ، ويسمونها راحة الفقراء ، ويزعم أن ذلك حسنة لله تعالى ) وذلك يذكرنا بكلامه عن المؤاخاة مع النساء.

          ثم يقول عن الوظائف الأخرى للبداوات ( ومن وظيفة البدوات بالنهار خدمة الفقراء وتفلية ثيابهم ، وغسلها ، وحمل الأباريق وغير ذلك ، مع غض أبصارهم ، وإطراق رءوسهم ، وخفض أصواتهم بترخيم ، وطلب الدعاء من الفقراء).[71] أى حولوهم إلى إناث .

         وقد انتشر هذا الوباء الصوفى بين أغلبية الفقراء الصوفية حتى يقول أبوالفتح( من آفات هذا الزمان صحبة المردان ، خصوصا فى فقراء هذا العصر زاعمين أن صحبتهم طريق إلى الرحمن ) [72].

       وقيل فى الشيخ الجمال العجمى أنه ( كان بصحبته عشرة مردان من جماعته فى غاية الحسن قل أن يرى مثلهم ، وليس من طريقته الذكر ولا كثرة الصلاة والعبادة ، بل الفكر، وقد سئل عن هؤلاء المردان ،فقال يحصل بالنظر إليهم شوق وذوق).[73] أى كانت عبادته فى الشذوذ فقط . وكان ذلك فى القرن التاسع ــ عصر المطاوعةــ ولكن الداء كان منتشرا من قبل ، فيقول ابن الحاج فى القرن الثامن أن الصوفية كانوا(  يستحضرون المردان فى مجالسهم للنظر فى وجوههم ، وربما زينوهم بالحلى والمصبغات من الثياب ، ويزعمون أن القصد من ذلك الاستدلال بالصنعة على الصانع)[74].أى تطبيق عقيدة الشاهد ..

          وقبل العصرالمملوكى وفى القرن السادس كان الصوفية يفعلون نفس الشىء، يقول عنهم ابن الجوزى ( ويستصحبون المردان فى السماعات ، يجملونهم فى الجموع مع ضوء الشموع)[75].

          3 ــ وعليه فلا نتهم ابن تيمية بالتجنى عليهم حين كتبت رسالته ( التنفير من الأمرد) ليحارب هذا الوباء الصوفى ويرد على دعاويهم بأسلوب الفقهاء يقول وقول القايل أن النظر إلى وجه الأمرد عبادة حرام ، ومعلوم أن جعل هذا النظر المحرم عبادة هو بمنزلة من جعل الفواحش عبادة ، بل من جعل مثل هذا النظر عبادة فإنه كافر مرتد ، يجب أن يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ، وهو بمنزلة من جعل إعانة طالب الفاحشة عبادة أو جعل تناول يسيرالخمر عبادة أو جعل السكر من الحشيش عبادة ، أو غيرها عبادة ، فمن جعل المعاونة على الفاحشة عبادة أوغيرها عبادة فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل ..).[76]

          ثم يأخذ فى تفصيل آراء الصوفية والرد عليها( وأما من نظر إلى الأمرد ظانا أنه ينظر إلى مظاهر الجمال الإلهى، وجعل ذلك طريقا إلى الله كما يفعله طوائف المدعين للمعرفة ، فقول هذا أعظم كفرا من قول عبُاد الأصنام. ومن كفر قوم لوط ، هؤلاء شر من الزنادقة المرتدين الذين يجب قتالهم بإجماع كل أمة ، فإن عبُاد الأصنام قالوا إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ، وهم يجعلون الله سبحانه وتعالى موجودا فى نفس الأجسام وحالا فيهم ، أما أولئك فيقولون بوحدة الوجود ثم يجعلون المردان مظاهر الجمال ، فيقررون هذا الشرك الأعظم طريقا للوصول إلى استحلال الفواحش ، بل إلى استحلال كل محرم) وابن تيمية بهذا وضع يده على الأساس العقيدى للانحلال الصوفى . ثم يستطرد بضرب الأمثلة ( كما قيل للتلمسانى إذا كان قولكم بأن الوجود واحد هو الحق فما الفرق بين أمى وأختى وبنتى حتى يكون هذا حلالا وهذا حراما؟ فقال الجميع عندنا سواء ، ولكن هؤلاء المحجوبين قالوا حرام ، فقلنا حرام عليكم ، ويقول أحدهم إنما أنظر إلى صفات خالقى وأشهدها فى هذه الصورة ، والكفر فى هذا القول أبين من أن يخفى على من يؤمن بالله ورسوله ، ولو قال مثل هذا الكلام فى نبى كريم لكان كافرا، فكيف إذا قاله فى صبى أمرد، فقبح الله طائفة يكون معبودها من جنس موطوئها)[77]. وصدق ابن تيمية ( قبح الله طائفة يكون معبودها من جنس موطوئها).

فقه الشذوذ الجنسى عند الصوفية :

          1 ــ كما كان الفقهاء كابن تيمية يصدرون الفتاوى النارية ضد انحلال التصوف وأصحابه ، فإن فقهاء التصوف قاموا بدورهم فى تشريع الشذوذ وبيان أحكامه ، وتلمس الأدلة لمشروعيته وإقناع باقى الناس بمشروعية مايقولون . ويذكر ابن الجوزى قبل العصر المملوكى أن الصوفى ابن طاهر أباح العصيان ، وصنف كتابا فى جواز النظر إلى المردان [78]. وعلى طريقة ابن الجوزى ألف ابن القيم فى العصر المملوكى كتابه ( إغاثة اللهفان) هاجم فيه بعض أنواع الفساد الصوفى ومنه تشريعهم للشذوذ ..

          يقول " ثم هم بعد هذا الضلال وألغى أربعةأقسام : ـ قوم يعتقدون أن هذا لله وهذا كثير فى طوائف العامة والمنتسبين إلى الفقر والتصوف وكثير من الأتراك" أى أن الصوفية نجحوا فى نشر عقيدة الشاهد فى طوائف الأتراك أو المماليك الحكام ( وقوم يعلمون فى الباطن أن هذا ليس لله وإنما يظهرون أنه لله خداعا ومكرا وتسترا) أى تستروا بالتصوف فى ممارسة الانحلال ( القسم الثالث مقصدهم الفاحشة الكبرى) ثم يتحدث عن ظاهرة خطيرة هى الزواج بالأمرد ، يقول ( ثم قد يشتد بينهما الاتصال حتى يسمونه زواجا، ويقول تزوج فلان بفلان كما يفعله المستهزئون بآيات الله تعالى ودينه من مُجان الفساق ، ويقرهم الحاضرون على ذلك ، ويضحكون منه ويعجبهم مثل ذلك النكاح والمزاح) ( وقد آل الأمر بكثير من هؤلاء إلى ترجيح وطء المردان علىنكاح النسوان ، وقالوا هو أسلم من الحبل والولادة ومئونة النكاح والشكوى إلى القاضى وفرض النفقة والحبس على الحقوق ، وربما قال بعضهم أن جماع النساء يأخذ من القوة أكثر مما يأخذ جماع الصبيان لأن .. إلخ) . ونكتفى بهذا من أقواله ..

         2 ــ ويتحدث عن تشريع الصوفية الأحاديث يتقربون بها لاستمالة كثير من المردان يقول( وربما يقول بعض زنادقة هؤلاء" الأمرد حبيب الله والملتحى عدو الله " وربما اعتقد كثير من المردان أن هذا صحيح ، وأنه المراد بقوله إذا أحب الله الصبى نادى جبريل إنى أحب فلانا فأحبه .. الحديث ، وأنه توضع له المحبة فى الأرض فيعجبه أن يُحب ويفتخر بذلك بين الناس ، ويعجبه أن يقال هو معشوق ، أو حظوة البلد، وأن الناس يتغايرون على محبته ، ونحو ذلك)

        وكما وضعوا الأحاديث لاستمالة المردان قام أولئك( الفقهاء) بتصنيف المردان إلى ثلاثة أقسام ، يقول ابن القيم ( وقسمت هذه الطائفة المفعول إلى ثلاثة أقسام ، مؤاجر ومملوك ومعشوق خاص ، فالأول بإزاء البغايا المؤجرات أنفسهن ، الثانى بإزاء الأمة والسرية ، والثالث بإزاء الزوجة أو الأجنبية المعشوقة)، وبعضهم حاول إيجاد مصدر تشريعى بتأويل القرآن ، يقول ابن القيم ( ونظير هذا الظن الكاذب .. ظن كثير من الجهلة أن الفاحشة بالمملوك كالمباحة أو مباحة ، أو أنها أيسر من ارتكابها مع الحر، وتأولت هذه الفرقة القرآن فى ذلك ، وأدخلت المملوك فى قوله تعالى ( إلا على أزواجهم أو ماملكت أيمانهم).. ومن تأول هذه الآية على وطء الذكران من المماليك فهو كافر بإتفاق الأمة ، قال شيخنا ابن تيمية ومن هؤلاء من يتأول قوله تعالى (ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ) على ذلك ، وقد سألنىبعض الناس عن هذه الآية ، وكان ممن يقرأ القرآن ، فظن أن معناها فى إباحة ذكران العبيد المؤمنين ، ومنهم من يجعله مسألة نزاع يبيحه بعض العلماء ويحرمه بعضهم ، ويقول اختلافهم شبهة ، وهذا كذب وجهل ، فإنه ليس فى فرق الأمة من يبيح ذلك .. وإنما يبيحه زنادقة العالم )

         3 ــ وواضح من كلام ابن القيم أن فتاوى التصوف فى إباحة الشذوذ قد انتشرت وبدأ الأمر كما لو كان نزاعا بين فقهاء ، فأصبح ذلك فى حد ذاته مسوغا لاستحلاله ، على أساس أن اختلاف الفقهاء فى أمر هو رحمة أو على أقل تقدير هو شبهة .

         وتسلل فقهاء التصوف إلىإباحة الشذوذ بطريق آخر ، هو الضرورة ، ونشروا هذه الفتاوى بين طلاب المتعة الشاذة واقتنع بعضهم ، والبعض الآخر حاول أن يتأكد من ابن القيم ،يقول( ومنهم من يقول هو مباح للضرورة . مثل أن يبقى الرجل أربعين يوما لايجامع ، إلى أمثال هذه الأمور التى خاطبنى فيها وسألنى عنها طوائف من الجند والعامة والفقراء).

        وبعضهم حرم الاغتصاب فقط ، يقول ابن القيم( ومنهم من يرى أن التحريم إنما إكراه الصبى على فعل الفاحشة ، فإذا كان مختارا راضيا لم يكن بذلك بأس ، فكأن المحرم  من ذلك إنما هو الظلم والعدوان بإكراه المفعول به ، قال شيخنا : وحكى من أثق به أن بعض هؤلاء أخذ على الفاحشة ، فُحكم عليه بالحد، فقال هو والله ارتضىذلك وماأكرهته وماغصبته ، فكيف أعاقب ؟).

         ثم يقول ( ومن هؤلاء من يعتقد أن العشق إذا بلغ بالعاشق إلى حد يخاف معه التلف أبيح له وطء معشوقه للضرورة .. ومن أخف هؤلاء جرما من يرتكب ذلك معتقدا تحريمه، وأنه إذا قضى حاجته ، فإذا استغفر الله فكأن ماكان لم يكن)[79].

ونمسك عن التعليق، وقد نقلنا من كلام ابن القيم مايستسيغه ذوق عصرنا ،ونشفعه باعتذار عن اضطرارنا لإثبات ماسبق ..

من الصوفية المشهورين بالشذوذ :

         1 ــ تحدثنا عن الشذوذ عقيديا وتشريعيا فى تدين التصوف ، وبقى أن نتعرف عليه سلوكيا فى تاريخ الأشياخ ، لقد كانت شهرة الصوفية فى هذا المجال مما لايحتاج إلى عناء فى إثباته ، وصار عادة عند بعض الفقهاء أن يقسم الصوفية أنواعا فى سلوكهم مع الأحداث ، وسبق ايراد ماذكره ابن القيم فى كتابه إغاثة اللهفان وقبله كان ابن الجوزى يقول المتصوفة فى صحبة الأحداث على سبعة أقسام :القسم الأول أصحاب الحلول زعموا أن الحق تعالى اصطفى أجساما حل فيها بمعنى الربوبية ، ومنهم من قال أنه حالُ فى المستحسنات ، ومنهم من قال أنهم يرون الله فى الدنيا فى صفة الآدمى.. القسم الثانى قوم يتشبهون بالصوفية فى ملبسهم ويقصدون الفسق .. وقسم ثالث قوم يستبيحون النظر إلى المستحسن .. وحكى أمرد أن صوفيا قال له :يابنى لله فيك إقبال والتفات حيث جعل حاجتى إليك ، وحكى أن جماعة من الصوفية دخلوا على أحمد الغزالى وعنده أمرد، وهو خال به وبينهما ورد ، وهو ينظر إلى الورد تارة وإلى الأمرد تارة ، فلما جلسوا قال بعضهم: لعلنا كدرنا فقال : أى والله فتصايح الجميع على سبيل التواجد، وكتب إلى أبى الحسين بن يوسف فى رقعة : إنك تحب غلامك التركى ، فقرأ الرقعة ثم استدعى غلامه فقبله بين عينيه وقال : هذا جواب الرقعة .. وبعضهم يزين وجه الأمرد بالمصبغات والحلى)[80].

            إذن اشتهر الصوفية بهذا الشذوذ قبل العصرالمملوكى ، ووصلت شهرتهم إلى الآفاق بعد أن انتشر التصوف وانتشر معه هذا الوباء ، مما يدل عليه هذه الحكاية الطريفة ، فقد رفض شيخ الخانقاه السيمصانية تنزيل رجل من البادية بالخانقاه ، رغم توسط الوزير ( توبة بن على) بالشام فى عهد السلطان لاجين ، وكانت حجة شيخ الخانقاه أن الأعرابى ليس بصوفي، فغضب الوزير وسأل البدوى أمام شيخ الخانقاه : ماتعرف تأكل أرز مفلفل؟ قال: بلى والله ، قال ماتعرف ترقص فى السماع ؟ قال بلى والله ، قال ماتعرف تلوط بالمردان ؟ قال: بلى والله ، قال له الوزير : صوفى أنت طول عمرك[81]..

          2 ــ ونعرض لإشارة سريعة لبعض الصوفيةالمشهورين فى هذا المجال وقد ذكرتهم الحوليات التاريخية ، فالشيخ عفيف الدين التلمسانى تلميذ ابن عربى ، والذى كان لايحرم فرجا،أنجب ابنه محمدا الملقب بالشاب الظريف ، وهو شاعر مشهور فى القرن السابع (ت 688 )، قيل فيه ( كان مع أبيه على حال نسأل الله السلامة منها ومن كل شر ، وكانت فيه لعب وعشرة وانخلاع ومجون) وقد ولد حين كان والده بخانقاه سعيد السعداء.[82]

           وفى القرن التاسع أيضا قيل فى الشيخ تقى الدين السروجى(ت 693) أنه كان يحب الغلمان ويكره النساء ، ولايأكل من طعام لمسته امرأة ،وقد دفن فى قبرغلام كان يهواه ، وذلك بإذن والد الغلام)[83]

         وتكررت نفس القصة فى مطلع القرن التاسع فحكى المقريزى فى السلوك أنه كان لبعض الأمراء صاحب من فقراء العجم ، وكان له أيضا ولد صغير كيس، فكان الفقير يحب ذلك الصغير ، ويكثر أن يقول: لو مات هذاالصغير لمت من الأسف عليه ، فقدر أنه مات ذلك الصغير ،فمات الفقير فصاروا بالجنازتين ودفنا متجاورين.[84]

          وفى القرن الثامن اشتهر الشيخ بهاء الدين الكارزونى ت774 بكونه أعجوبة زمانه فى جذب المردان إليه وانقطاعهم عن أهلهم وإقامتهم عنده ، وأنه كان لايحضر عنده أحد منهم ثم يستطيع أحد من أهله أن يستعيده ، ومنهم البشتكى الشاعر المشهور ، وكان من أجمل أهل عصره ، وقد ذكر الشاعر البشتكى لابن حجر أنه اجتمع بالشيخ الكارزونى فلم يتمكن بعد ذلك من مفارقته ، ولما مات الشيخ ( خرج اللاحد من قبره ، وكان أمرد جميل الصورة للغاية ، فاشتغل الناس بالنظر إليه ، وعجبوا من استمرار ملازمة هذا الشاب للشيخ حتى دفنه)[85]. وقيل فى الشيخ ضياء العجمىأنه(كان مغرما بمشاهدة المردان، لاينفك عن هوى واحد يتهتك فيه ويخرج عن طور العقل ، وكان يمشى وفى يده حزمة من الرياحين فمن لقيه من المرد أدناها من فمه فيشممها إياه ، فإن التمس منه ذو لحية ذلك قلبها وضربه على أنفه)[86]. وحين تصوف نظام الدين التفتازانى (ت822) غلب عليه الهزل والمجون ،وكان عريض الدعوى ولم يتزوج قط ، وكان متهما بالولدان، وكان يأخذ الصغير فيربيه أحسن تربية فإذا كبر وبلغ حد التزويج زوجه)[87]وكان الشيخ العلامة البخارى العجمى ( ت841)  (يهيم بمليح وقد داعبه بعض اللطفاء فى ذلك) وكان مقيما بالخانقاه الشيخونية.[88]

           3 ــ وقد أوردنا النصوص التاريخية دون تعليق عليها فقد بلغ السأم مداه .. أما المصادر الصوفية فالعهد بها أن ترصع تاريخ الشيخ الشاذ بالكرامات ، وذلك مابرع فيه الشعرانى وقد رأينا أمثلة لذلك فى تاريخه للشيخ على أبوخودة .. ونعطى مثالا آخر هو ترجمته لشيخه المشهور إبراهيم المتبولى الذى لايزال ضريحه بالقاهرة مقصودا حتى الآن .. يقول عنه ( كان من أصحاب الدوائر الكبرى فى الولاية ، ولم يكن له شيخ إلا رسول الله ) ( وكان رضى الله عنه مبتلى بإنكار عليه كونه لايتزوج ،وكان رضى الله عنه يقول : مافى ظهرى الأولاد حتى أتزوج ، ومكث الثمانين سنة حتى مات لم يغتسل قط من جنابة لأنه لم يحتلم قط ، وكان إذا جاءه الشاب وشهوته ثائرة عليه يقول له : تطلب مدة وإلا دائما، فإن قال أريد مدة حتى أقدر على التزويج ، يقول له خذ هذا الخيط فشد به وسطك ، فما دام معك لايتحرك لك شهوة ،وإن قال أريد عدم تحرك الشهوة طول عمرى ، يمسح على ظهره ، فلا تتحرك له شهوة ولاينتشر إلى أن يموت) " ونام عنده جماعة من فقهاء الأزهر فى بركة الحاج فوجدوا عنده مملوكين أمردين من أولاد الأمراء ينامان معه فى الخلوة ، فأنكروا عليه ، ثم رفعوا أمره إلى الشرع بالصالحية ، فأرسل القاضى ورأءه فحضر ، فدخل الصالحية ، فقال مالكم ؟ فقال القاضى: هؤلاء يدعون عليك أنك تختلى بالشباب وهذا حرام فى الشرع !!، فقال ماهو إلا هكذا ، وقبض على لحيته بأسنانه ، وصاح فيهم ، فخرجوا صائحين فلم يُعرف لهم خبر بعد ذلك الوقت ، ثم جاء الخبرأنهم أُسروا وتنصروا فى بلاد الإفرنج، فشفعوا فيهم عند الشيخ فلم يقبل شفاعتهم ، ثم انقطع خبرهم ، ورماه أهل بيت من متبول باللواط مع ولدهم ،فقال هتك الله زراريهم ، فمن ذلك اليوم صار أولادهم مخانيت وبناتهم زناة إلى يومنا هذا " ، (ورماه واحد أيضا بفاحشة، فقال له سوَد الله نصف وجهك ، فصار له خد أسود ، وكذلك ذريته إلى وقتنا هذا) ( وعشق رجل أمرد، فهرب الأمرد منه إلى سيدى إبراهيم، فوضعه فى خلوته، فبلغ ذلك الرجل فغير هيأته فى صفة فقير، وجاء إلى سيدى إبراهيم ليطلب الطريق فأدخله مع ذلك الأمرد ، فأنكر بعض الناس على سيدى إبراهيم، فلما كان الغد خرج الفقير وقال ياسيدى أنا تائب إلى الله تعالى ،فقال لماذا ، فقال ياسيدى وضعت يدى على الشاب فأخذتنى الحمى حتى لم أستطع أن أجلس إلى الصباح ، وقد تبت إلى الله تعالى ..)[89]

           لقد توزعت تلك الكرامات " التخصصية" للمتبولى وسط كم هائل من الكرامات الأخرى بلغ نحو ثلاث صفحات ، تراوحت بين إحياء الموتى وقتل الإحياء، وكل ذلك للتخويف من الاعتراض عليه كى ينعم برذائله فى زاويته التى غدت مقصدا لأرباب هذا الشذوذ كما ورد فى آخر كراماته .

          وبعض تلك الكرامات كانت تصل المتبولى بالبدوى الولى الصوفى المشهور ، فكلاهما أحيا الأموات وأمات الأحياء وأرهب المنكرين عليه خصوصا الفقهاء والحكام ، وكلاهما كان يتبسط مع الشباب المردان من أتباعه ، وكلاهما ظل عزبا لايتزوج حتى موته فى حوالى الثمانين ، والمتبولى اعترف بتبعيته للبدوى حتى فى أساطير الكرامات ، فهناك امرأة طلبت من المتبولى أن يسترجع لها ابنها الأسير من عند الإفرنج ــ مع أنه لم تكن هناك حروب صليبية فى زمن المتبولى ــ فقال المتبولى " بسم الله ، فدعا ثم قال هاهو ولدك فوقع بصرها عليه ، فلما اجتمعت بولدها ذهبنا ، فقال : اشهدوا بأن لله رجالا فى هذا العصر يجيب سؤالهم فىالحال).[90]وهى نفس أساطير الكرامات التى تخصص فيها البدوى والتى استمد لقبه منها( مجيب الأسرى) ، وعليه كان المتبولى يصف نفسه بقوله(أنا أحمدى) نسبة للبدوى ، ويقول لا تكبروا خبزى على خبز أخى أحمد البدوى ، وكان سما ناقعا علىالولاه ، فإذا تشوش من أمير أو وزير مات لوقته)[91]. وهذا التشابه المتعمد فى أساطير الكرامات لدى الاثنين يصل بنا إلىتشابه الإتهام الذى كان متسلطا عليهما ، والذى حاولت الكرامات المفتراه أن تستره. 

           ونعود إلى الكرامات التى شاع انتسابها للبدوى فى عصر المتبولى ،والتى كتبها عبدالصمد الأحمدى فيما بعد فى العصرالعثمانى ، فمن ألقاب البدوى ( فحل الرجال أبو الفقراء والأطفال )، وكان البدوى حين مر على عبدالعال اتبعه عبدالعال (لايستطيع أن يمنع نفسه عن أتباعه) وقيل للبدوى ( فإن جميع الأولياء نظروا فىتواريخ الرجال ، فما رأوا كفؤا لهذا الأمر إلا أنت يافحل الرجال ) وحين حاولت فاطمة بنت برى إغراءه بجمالها ( قال أحمد البدوى : فقلت فى خاطرى يافاطمة هذا شىء لايشغلنى ولايخطر ببالى) أما الذى يشغل فحل الرجال فهو تحقيق الهدف الذى أمره به الهاتف فى المنام ( استيقظ من منامك يانائم .. وسر إلى طندتا فإنك تقيم بها وتعطى وتربى بها أطفالا ) وقد أعلن البدوى سلطانه على كل الشباب :

أنا أحمد البدوى غوث لاخفا           أنا كل شبان البلاد رعيتى

         أما كيف كان فحل الرجال الذى لايشتهى النساء يربى الأطفال والشباب ؟ وكيف كان يقضى وقته معهم؟ ذلك مانفهمه من خلال هذه القصة التى كانت متداولة شفهيا فى العصر المملوكى ، حتى كتبها عبدالصمد فى الجواهر السنية ( ومما وقع لسيدى أحمد البدوى رضى الله تعالىعنه، أنه قال لأصحابه يوما من الأيام من يقدر منكم يحملنىعلى ظهره ، ويثور بى حتى يستوىقائما؟ فقال سيدى عبدالمتعال : أنا ياسيدى ، فقام إليه سيدى عبدالمتعال ، فركب ظهره فهم أن يقوم به فلم يقدر على ذلك ، حتى كأن على ظهره جبلا عظيما ، وكان سيدى أحمد البدوى رضى الله تعالى عنه رفيع البشرة ممشوق اللحم نحيف البدن ، وكل واحد من الجماعة أعتى وأشد وأجسم منه ، فقام سيدى عبدالمجيد فقال أنا أحملك ياسيدى وأثور بك، ثم برك له ، وركب على ظهره ، فهم أن يثور به ، فلم يستطع أن ينهض به ولايتحرك ، فنزل الشيخ عن ظهره وقبل يده وجلس متأدبا إلى أخيه وقام بعده سيدى محمد قمر الدولة ، وركب على ظهره أيضا فلم يستطع النهوض ، وكان ذلك الوقت  وقت مباسطة)[92].

          وربما فهمت أم عبدالمتعال ماينتظر ابنها من شيخه فحل الرجال ، تقول الرواية (وخرجت مع ولدها إلى سيدى أحمد ، ورأت ولدها يتبعه ،لايستطيع أن يمنع نفسه عن اتَباعه، فقال يابدوى الشوم علينا)[93]

          وربما نقرأ هذه النصوص مع حسن النية ، ولكن كيف يجتمع حسن النية مع تاريخ التصوف الطويل فى صحبة الأحداث وعقيدة الشاهد، ثم مع شخصيةالبدوى فحل الرجال الذى لم يتزوج طيلة حياته مكتفيا بتربية الأطفال ومباسطته معهم حين يحملونه على ظهورهم ؟

         4 ــ وقد تحدث ابن القيم عن ظاهرة التزاوج الشاذ بين الصوفى وأحدهم .( ثم قد يشتد بينهما الاتصال حتى يسمونه زواجا ، ويقول تزوج فلان بفلان كما يفعله المستهزئون بآيات الله تعالى ودينه من مُجان الفساق ، ويقرهم الحاضرون على ذلك ، ويضحكون منه ، ويعجبهم مثل ذلك النكاح والمزاح) ، وحدث فى سنة 911 أن حاول أحد الصوفية أن يسجل زواجه بأمرد تسجيلا رسميا ، فاكتشف أمره ، يقول الغزى عن الشيخ محمد بن سلامة أنه شيخ عارف صوفى ضرب بالمقارع إلى أن مات سنة 911، لأنه تزوج بامرأة خنثى واضح ودخل بها[94]. أما ابن طولون فقد أتى بحقيقة الموضوع الذى من أجله قتل ذلك الصوفى ضربا ، يقول( وقع بمصر أمر عجيب ، هو أن شابا متصوفا متمصلحا اسمه محمد بن سلامة النابلسى أشهر نفسه بالتمصلح ، صحب بعض المردان ، فلما قرب شهر رمضان أتى به فى زى بنت إلى بعض مراكز الشهود فى مصر ، وطلب أن يعقد نكاحه عليها، فأجيب إلى ذلك ، ثم نم بعد أيام عليه بعض الجيران ، فخاف الشهود ، فأعلموا الأمير طرباى رأس نوبة النوب فطلبه ، وتفقد أمره فوجده صبيا فى زى بنت ، فادعى أنه خنثى ،فكشف عليه النساء فلم يروه إلا ذكرا ــ فضرب وأشهر على ثور وبعث للمقشرة إلى أن مات )[95].

          5 ــ وفى النهاية كان من طوائف الصوفية من تخصص  فى طريقة معينة فى الشذوذ فى حفلات السماع ، وقد خصص لهم الجويرى فصلا بعنوان ( فى كشف أسرار الذين يدبون على المردان) قال فى مقدمته " إعلم إن أكثر هذه الطائفة مايتسمون بالفقراء ويحضرون السماعات .. الخ)[96]. ونكتفى بهذا لأن ذوق عصرنا لايتحمل ماأدمنه العصر المملوكى من انحلال وشذوذ ، وسجله كأنه أمر عادى، بل لأنه كان أمرا عاديا فعلا .. عندهم ..

التصوف والحشيش

الصوفية واكتشاف الحشيش :

          ارتبط اكتشاف الحشيش بالصوفية الحيدرية أتباع الشيخ حيدر الذى نسبت إليه الحشيشة ، وتحت عنوان " ذكر حشيشة الفقراء " يذكر المقريزى أن مكتشف الحشيش هو الشيخ حيدر ، وأنها شاعت فى خراسان ثم باقى البلاد عن طريق أتباعه والصوفية الآخرين ، وقيل أن أهل خراسان نسبوا اكتشافها للشيخ حيدر لاشتهار أصحابه بها.[97]

          ويذكر صاحب "أحكام الحشيش" أن الحشيشة كانت تسمى بالحيدرية وبالقلندرية، وكان ظهورها على يد الشيخ حيدر فى سنة 505 تقريبا ولهذا سميت حيدرية ، وقيل ظهرت على يد الشيخ أحمد الشارجى القلندرى ولهذا سميت قلندرية " ولم يتكلم فيها الأئمة الأربعة وغيرهم لأنها لم تكن فى زمنهم ( وإنما انتشرت منذ المائة السادسة والسابعة)[98] . أى مع انتشار التصوف .

         وفى القرن السادس كان ابن الجوزى يتحدث عن إدمان الصوفية فى عصره للحشيش باعتباره شيئا جديدا غير معروف ، يقول( وقد أبدلوا إزالة العقل بالخمربشىء سموه الحشيش المعجون).[99]

ضرورة الحشيش للصوفية :

        وكلمة ابن الجوزى تشير إلى ضرورة الحشيش للصوفية ، فالتصوف تدين يعادى العقل ويعمل على إخضاعه ليصدق أساطير الأشياخ ولايتمرد عليهم بالاعتراض أو النقد ، ومن سمات الحشيش أنه مخدر ينقل صاحبه إلى جنة وهمية ، تتداخل فيها الحقائق مع الخيالات والواقع مع الوهم ، وتختلط فيه حالة الإنسان بين اليقظة والمنام ، إلى جانب الاسترخاء والتواكل والانسجام وحياة اللحظة ومتعة الوقت ، مما جعل مخدر الحشيش وسيلة صوفية للتعامل مع الحياة والعقل الإنسانى.

        وقد سألت بنفسى أحد المثقفين المدمنين للحشيش عن شعوره وقت تناوله فأجاب عن تجربته الشخصية بأنها( تثاقل الأنفاس ، دوخة خفيفة ، اهتزاز النظرات ، شعور تام بالإنسجام والراحة نسيان للواقع الشعور بسمو الذات ، الصفاء الذهنى وقتها والحضور والجرأة ، جفاف الحلق الإحساس بطول الوقت والمسافة ، التثاقل دون أى مجهود ، الكسل التام لمدة 48 ساعة)، وقد حرصت على نقل أفكاره كما هى على مايبدو فيها من بعض التناقض ، وعدم الترتيب واختلاط الأعراض الجسدية بالنفسية والعصبية .

         ومايريده التصوف من دنيا الحشيش هو الشعور التام بالإنسجام والراحة ونسيان الواقع وسمو الذات والتثاقل والكسل .

         وقد نقل أحمد أمين تجربة " حشاش آخر" فقال شعرت كأن جدران الكون انبسطت حولى ، وصدرت منه أصوات مطربة أزالت مافى نفسى من هم وخوف ، وفتح أمامى فردوس النعيم وخضت فى بحرمن البهجة والسرور وطفح الحب على نفسى[100]. وهذه هى الصورة المثلى التى يتمناها الصوفى.

        وابن دانيال فى بابته( طيف الخيال)يقول على لسان أحد أبطال شخوصه عن الحشيش فى بداية العصر المملوكى ( الذين عرفوا سر الحشيش لأنهم ذاقوا بها لذة الكسل وهربوا من تعب العمل ، وزعموا أنها تفعل فى معدة الممعود فعل القرص فى الجلود .. فأكلوها فى الأسواق والمشاهد وهاموا فى طلب الرقص والمشاهد[101]. وواضح أنهم صوفية ، فالسمات كلها صوفية من الكسل والبطالة والمزاعم والرقص والمشاهد.

تشريع الحشيش:

          الحشيش اكتشاف صوفى فى عصر أغلق فيه باب الإجتهاد وسيطر فيه الصوفية فلابد أن يقوموا بتشريعه ، خصوصا وقد توقف كثير من الفقهاء ــ فى البداية ــ عن الإجتهاد بشأنه مما أتاح له فرصة الإنتشار ، يقول الزركشى فى القرن التاسع وقد ألف رسالة فى تحريم الحشيش ( وبعد فهذه فصول فى الكلام على الحشيشة ، اقتضى الحال إلى شرحها لعموم البلوى كثيرا من السفلة بها، وتوقف كثير من الناس فى حكمها[102].ومعنى ذلك أن المجال ظل مفتوحا للصوفية حتى القرن التاسع لكى يصدروا الفتاوى بتشريع الحشيش دون أن يردعليهم أحد الفقهاء ، قبل أن يؤلف الزركشى رسالته ( أحكام الحشيش ) فى الرد عليهم .

         ومنذ البداية اشتهر بعض الأشياخ بأنه كان يفتى بأكل الحشيش[103].ثم ألف الشيخ علم الدين بن الصاحب قصيدته يقول :

               فـى خمـار الحشيش مـعنى مرامـى             ياأهيــل العقــول والأفهــام

              حـرمـوها مـن غــير عـقل ونـقل            وحـرام تـحريم غيـر الحـرام[104]

          فهو يهاجم مقدما من يحرمها لأنه يفتقر الدليل العقلى والنقلى ، ويفتى بأن من الحرام أن تحرم الحلال ، وعلى نفس النسق يقول ابن الأعمى الدمشقى :

              ولانص فى تحريمها عند مالك              ولاحد عند الشافعى وأحمد

              ولا أثبت النعمان تنجيس عينها              فخذها بحد المشرق المهند

وفى بداية قصيدته يقول ينسب الحشيش إلى لقبه المشهور ومكتشفه :

دع الخمر واشرب من مدامة حيدر           معنبرة خضراء مثل الزبرجد[105]

أشهر الصوفية الحشاشين فى المصادر التاريخية :

       وقبيل العصر المملوكى كان ابن عربى متهما بأكل الحشيش [106]، إلا أن أشهر مدمن كان فى القرن السابع هو الشيخ علم الدين ابن الصاحب وهو القائل فيها :

              يانفس مــــيلى إلى التـصـابى                فـاللــهو منه الفـــتى يعــــيش

              ولاتمــلـى مـن  سـكـر يـوم                إن أعــوز الخـمــر فالحشـــيش

       وقد كان ابن الصاحب فقيرا صوفيا مجردا قيل فيه ( أتلفه أكل الحشيش ) [107]، وقيل فى الشيخ محمد بن محمود الصوفى ت 822 أنه كان متهما بحشيشة الفقراء[108]، وفى نفس القرن التاسع كان الشيخ بكير الحنفى ت 847 قد ركب هواه واشتغل بما يزيل العقل يقول عنه السخاوى ( حتى بلغنى أنه كان يجتمع مع اليهود على مالا يرضى الله ، وآل أمره إلى أن باع كتبه وغيرها بحيث أصبح فقيرا ،وألجأه الفقر والتهتك إلى أن سافر إلى بلاد الروم )[109]

        وأصبح الحشيش من مفردات الانحلال الخلقى ومستلزمات الدين الصوفى ، فيقول بعض الصوفية

( ونعتذر عن إثبات النص كما هو )

                 لو قـال لى خـــالقى تمنى              قلت له ســـــائلا بصـــــدق

                 أريـد فى صــبح كل يــوم              فُـــتـوح خــيــر يأتى بـرزق

                  كفُ حــشـيش ورطل لحم              ومن خــبــز (ن(؟) ك) علــق

        الصوفية موزعو الحشيش فى المصادر الصوفية :    

         كانت الكرامات كالعادة هى طريقة الصوفية فى ستر انحلالهم الخلقى ،ومنه تناول الحشيش وبيعه ، ويبدو ذلك فى ترجمة الشريف المجذوب فى طبقات الشعرانى ، يقول فيه ( وكان له كشف ومثاقلات للناس الذين ينكرون عليه ، وكان رضى الله عنه يأكل فى نهار رمضان ويقول أنا معتوق أعتقنى ربى ، وكان كل من أنكر عليه يعطيه فى الحال .. وكان رضى الله عنه يتظاهر ببيع الحشيش فوجدوها يوما حلاوة )[110].

        وهكذا تحول بيع الشريف المجذوب للحشيش إلى مجرد تظاهر، وتحول الحشيش على يده إلى حلاوة، أى (أنه كان يغش فى الصنف ).

         ويكرر الشعرانى نفس الأسطورة ونفس التعليل فى ترجمته للشيخ أبوبكر الدقدوسى ( وكان له صاحب) من الأولياء يصنع الحشيش بباب اللوق ، ( فكان الشيخ رضى الله عنه يرسل له أصحاب الحوائج فيقضيها لهم) أى كان ذلك الحشاش من أصحاب التصريف والحملات ( قال سيدى عثمان رضى الله عنه فسألته يوما عن ذلك ، وقلت المعصية تخالف طريق الولاية ،فقال ياولد ليس هذا من أهل المعاصى ، إنما هو جالس يتوب الناس فى صورة بيع الحشيش ، فكل من اشترى منه لايعود يبلعها أبدا) [111].

         وحتى يرهب الشعرانى الفقهاء فى عصره من الاعترا ض على الأولياء الصوفية مدمنى الحشيش فقد اخترع هذه الحكاية يقول( روى عن شيخ الإسلام صالح البلقينى أن والده الشيخ سراج الدين مر باب اللوق فوجد هناك زحمة ، فسأل عنها ،فقالوا شخص من أولياء الله يبيع الحشيش ، فقال لو خرج الدَجال حينئذ فى مصر لاعتقدوه من شدة جهلهم ، كيف يكون شخص حشاش من أولياء الله ، إنما هو من الحرافيش ثم ولى، فسلب الشيخ جميع مامعه حتى الفاتحة ، فتنكرت عليه أحواله ، وصارت الفتاوى تأتى إليه فلا يعرف شيئا ، ونسى ما قال فى حق الحشاش ، فمكث كذلك فى مدرسته بحارة بهاء الدين ثلاثة أيام ، فدخل عليه فقير فشكى إليه حاله ، فقال هذا من الحشاش الذى أنكرت عليه ، فإن الفقراء أجلسوه هناك يتوب الناس عن أكل الحشيش ، فلا يأخذها أحد من يده ويعود إلى أكلها أبدا حتى يموت ، فأرسل إليه يرد عليك حالك ، فأرسل إليه فبمجرد ماأقبل الرسول أنشده الشيخ شعرا ، وقال لو كنا عصاة نبيع الحشيش ماأقدرنا الله على سلب شيخ الإسلام ، ثم قال له سلم على شيخ الإسلام، وقل له أعمل أربعة خراف معاليف شواء وأربعمائة رغيف وتعالى اجلس عندى ، وكل من بعته قطعة حشيش زن له  رطلا واعطه رغيفا ، فشق ذلك على شيخ الإسلام ، فما زال به أصحابه ، حتى فعل ذلك، وصار يزن لكل واحد الرطل ويعطه الرغيف والشيخ يبتسم ، ويقول نحن نحليهم فى الباطن وأنت تحليهم فى الظاهر ، إلى أن فرغ الخرفان ، ثم قال له اذهب إلى الديك الذى فوق سطح مدرستك فاذبحه وكل قلبه يرد عليك علمك ، فبالله عليك كيف تتكبر على المسلمين بعلم حمله الديك فى قلبه ، فمن ذلك اليوم ماأنكر الشيخ البلقينى على أحد من أرباب الأحوال ) [112].

            وفى هذه الأسطورة المضحكة لم يتفضل علينا الشعرانى بإسم ذلك الشيخ الصوفى الحشاش الذى سلب علم شيخ الإسلام ووضعه فى قلب ديك ، ولم يكن سراج الدين البلقينى من الخفاء بيحث يحدث له هذا الحادث الخطير المضحك دون أن يكتب ذلك فى مؤلفاته الكثيرة ، أو يكتب ذلك عنه أحد رفاقه وهم كثيرون فى عصره . ولكن الشعرانى بموهبته الفائقة فى الاختراع كسىهذه الحكاية كثيرا من التشويق والترهيب بحيث يجعل القارىء فى عصره يصدق أن وليا صوفيا مجهولا يتاجر فى الحشيش يرغم شيخ الإسلام البلقينى فى القرن التاسع على أن يجلس على " دكة" إلى جانبه وهو يبيع الحشيش ،والمهم فى هذه الأساطير التى اخترعها الشعرانى أن القرن العاشر شهد تحول الكثيرين من الأولياء الصوفية من مجرد مدمنى حشيش إلى موزعين وتجار ينشرون ذلك الوباء فى المجتمع الذى ابتلى بهم ، فهم الذين اكتشفوا الحشيش ثم هم الذين أدمنوه ثم هم الذين نشروه وتاجروا فيه ووقع على الشعرانى عبء الدفاع عن ذلك باختراع الكرامات وتخويف المعترضين بها ، بل أنه يفتخر بعدم تنغيصه لكل من صحبه من الحشاشين فى بلع الحشيشة وعدم زجره له( بعنف ، بل بلطف)[113]. وكان سهلا أن ينجح الشعرانى فى عصر يؤمن بالتصوف وكرامات أوليائه مهما اقترفوا من آثام ، وعلى هذا يقول الغزى فى ترجمة الشيخ بركات المصرى ت 915( أنه كان يُرىالناس إنه يأكل الحشيش) [114]. أى أن الغزى المؤرخ الذى كان معاصرا للشعرانى قد اقتنع بهذه الأساطير .


[1] ـ تائية ابن عربى . مخطوط مكتبة الأزهر 166. أباظة 35، 38 ، 39

[2] ـ الطبقات الكبرى للشعرانى ج2 / 158 ط صبح .

[3] ـ ديوان ابن الفارض 50، 51 مكتبة القاهرة 1979.

[4] ـ الجيلى (الإنسان الكامل) ج1 /17، 18، 23، 24، 28، 31، 41، 45، 49، 51، 54، 55، 56، 57،/ج2/ 18، 31، 42، 59، 61،

      68، 74، 77، 80.

[5] ـ تلبيس إبليس 165.

[6][6] ـ الرسالة القشيرية 176.

[7] ـ تلبيس إبليس 165.

[8] ـ الإحياء ج2 /260 ، 26.

[9] ـ الإحياء ج2/260، 26

[10] ـ تلبيس إبليس 358 .

[11] ـ نفس المرجع 356.

[12] ـ العينى . عقد الجمان وفيات 819، ابن حجر . إنباء الغمر ج3/105. السخاوى الضوء اللامع ج2/12 ، الشعرانى الطبقات الكبرى

      ج2/75ط صبيح ، لواقح الأنوار 27 .

[13] ـ لطائف المنن للشعرانى 436 ط قديمة .

[14] ـ لواقح الأنوار 309.

[15] ـ لواقح الأنوار 309

[16] ـ الطقات الكبرى للشعرانى ج2/115  ط . قديمة,

[17] ـ  الطبقات الكبرى للشعرانى ج2/115 ط. قديمة .

[18] ـ المدخل جـ2 /11، 12.

[19] ـ مناقب الحنفى . مخطوط 321، 380 ، 422 ، 424، 479: 482، 309.

[20] ـ مناقب الحنفى. مخطوط 321، 380، 422، 424، 479: 482، 309.

[21] ـ مناقب الحنفى . مخطوط 321، 380، 422، 424، 479: 482، 309.

[22] ـ لواقح الأنوار 288، 289.

[23] ـ الطبقات الكبرى ج2/166 صيح .

[24]ـ المدخل ج2/204 .

[25]  ـ المقدسى الرجائى. العقد الفريد فى حكم الأمرد .مخطوط ورقة 51، 52.

[26] ـ لواقح الأنوار 323.

[27] ـ لطائف المنن للشعرانى 321 ط قديمة.

[28]ـ لواقح الأنوار 180، 360..

[29] ـ لواقح الأنوار 180، 360.

[30]ـلطائف المنن 273: 274.ط دار الفكر، البحر المورود 342.

[31] ـ لطائف المنن 273: 274ط دار الفكر، البحر المورود 342.

[32] ـ الطبقات الكبرى جـ2/119 صبيح، لطائف المنن 321ط قديمة ، لواقح الأنوار 360..

[33] ـ الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/92 ط قديمة

[34] ـ نفس المرجع جـ2/122ط صبيح.

[35] ـ المدخل جـ2/205..

[36] ـ لواقح الأنوار375، 376..

[37] ـ الجواهر السنية 26..

[38] ـ النويرى نهاية الأرب مخطوط 28/119: 121.

[39] ـ تاريخ ابن كثيرج13/278.

[40] ـ الطبقات الكبرى2/2.

[41] ـ تاريخ ابن اياس ج2/61 ط بولاق

[42] ـ. الجواهر السنية 25.

[43] ـ الأبشيهى المستظرف ج1/39،تيمور الأمثال الشعبية 221.

[44] ـ الأبشيهى المستظرف ج1/39، تيمور المثال الشعبية221.

[45]ـ  إغاثة اللهفان ج2/142

[46]  ـ تاريخ ابن كثير ج14/119.

[47]  ـ.المناوى الطبقات الكبرى. مخطوط رقم300

[48] ـ الطبقاتالكبرى للشعرانى ج2 /  130ط صيح

[49] ـ  لواقح الأنوار 98.

[50] ـ الطبقات الكبرى للشعرانى ج2/139.

[51] ـ لواقح الأنوار 101.

[52] ـ تيمور . الأمثال الشعبية 389.

[53] ـ اصطلاحات ا لصوفية للقاشانى 138، 139، 153.

[54]ـ الرسالة القشيرية 74، 75.

[55] ـ مشكاة الأنوار 88، تحقيق أبو العلا عفيفى ، الهيئة العامة للكتاب 1964.

[56] ـ تلبيس إبليس 165.

[57]ـ الإحياء ج4 / 289، 286، 300.

[58] ـ الإحياء ج4/289، 282، 300.

[59]ـ الرسالة القشيرية 253، 146.

[60]ـ الرسالة القشيرية 253، 146

[61]ـ .الأحياء ج4/ 92.

[62] ـ المنار المنيف123، 124.

[63] ـ عجائب الآثارج2 /144.

[64] ـ الشعرانى . كشف الران 35.

[65] ـ رسالة القشيرى 320، 321، 37.

[66] ـ رسالة القشيرى 320، 321، 37

[67] ـ رسالة القشيرى 320، 321، 37.

[68] ـ رسالة القشيرى 320، 321، 37

[69] ـ تلبيس إبليس 260.

[70] ـ السخاوى . التبر المسبوك 103، 104.

[71] ـ أبو الفتح المقدسى الرجائى : حكم الأمرد 49، 50، 51، 40.

[72] ـ أبو الفتح المقدسى الرجائى : حكم الأمرد 49، 50، 51، 40.

[73]ـ تاريخ البقاعى . مخطوط : ورقة 136 ب .

[74] ـ المدخل ج2 /161 .

[75] ـ تلبيس إبليس 360.

[76] ـ ابن تيمية . التنفير من الأمرد 247، 255، 256.

[77] ابن تيمية . التنفير من الأمرد 247، 255، 256.

[78] ـ تلبيس إبليس 160.

[79]ـ. إغاثة اللهفان ج2/143: 147

[80] ـ تلبيس إبليس 256

[81]ـ. الصفدى : فوات الوفيات ج 1 /185، 196

[82]ـ. تاريخ ابن الفرات ج 8 /85.

[83] ـ فوات الوفيات ج1/466: 467.

[84] ـ.ا لسلوك 4/1/43.

[85]ـا بن حجر : أنباء الغمر ج 1/50، الدرر الكامنة ج4/108.

[86] ـ الشوكانى ـ البدر الطالع ج1/300، 301.

[87] ـ ـإنباء الغمر ج3 /209.

[88] ـ تاريخ ابن اياس ج 2 /181: 182.

[89]ـ الطبقات الكبرى ج2/77: 80.

[90] ـ الطبقات الكبرى ج 2/77: 80.

[91] ـ الطبقات الكبرى ج2/77: 80.

[92] ـ الجواهر السنية 4، 50، 53، 54، 55، 24، 99، 42.

[93] ـ الجواهر السنية 4، 50، 53، 54، 55، 24، 99، 42.

[94] ـ الغزى الكواكب السائرة ج1 /51.

[95] ـ تاريخ ابن طولون ج1 /297 :298.

[96] ـ الجويرى : المختار  فى كشف الإسرار 137.

[97] ـ الخطط ج 2/ 516، 518.

[98] ـ الزركشى أحكام الحشيش مخطوط 154.

[99] ـ تلبيس إبليس 362.

[100] ـ قاموس العادات والتقاليد170.

[101]ـ ابن دانيال طيف الخيال 149 تحقيق ابراهيم حمادة.

[102] ـ أحكام الحشيش 154.

[103] ـ شذرات الذهب ج 7/40 .

[104] ـ النجوم الزاهرة ج 7 /380.

[105] ـ الخطط ج 2 /517: 518

[106] ـ  البقاعى تنبيه الغبى 182

[107]ـ الصفدى عيون التواريخ . مخطوط ج 3/ 8. النجوم الزاهرة ج 7 / 380.

[108] ـ السلوك 4 /1 /514 .

[109] ـ السخاوى التبر المسبوك 78.

[110] ـ الطبقات الكبرى ج 2 / 135.

[111] ـالطبقات الكبرى ج 2 /96.

[112] ـ لواقح الأنوار 100، 101.

[113] ـ لطائف المنن 466 ط قديمة .

[114] ـ الكواكب السائرة ج 1 /167.

الفصل الثالث : انحلال المجتمع المصرى المملوكى بتأثير التصوف .

الفصل الثالث : انحلال المجتمع المصرى المملوكى بتأثير التصوف .

ــ انحلال القضاء والعلماء الفقهاء

ــ القضاء وظيفيا ، القضاء خلقيا .

ـ انحلال المماليك :

ــ السلاطين ، الأمراء ، جمال المملوك طريقة للوصول للمناصب ، المدح بقلة الوقوع فى الفواحش ،  

الشذوذ عامل فى الفتن السياسية .

ــ  صورة المجتمع المملوكى المنحل خلقيا :

ــ صورة القاهرة المملوكية ، أهل الكتاب فى الميدان ، ضمان المغانى ، المخنثون ، انحلال النساء من غير المحترفات ، القوادات ، رسوم الولاية وحقوق القينات ،إدمان الحشيش ، من أنواع الشذوذ ، بؤر الانحلال : أرض الطبالة ، بركة الرطلى ، دور العبادة فى بؤر الانحلال الخلقى ، أماكن دينية للانحلال الخلقى: الزوايا ،الأضرحة ، الخوانق الصوفية، الجوامع المشهورة تبادل الأدوار بين بيوت العبادة وأوكار الانحلال.

ــ مواسم دينية للانحلال الخلقى :

ــ الموالد : مولد البدوى ، مولد الأنبابى ، موالد أخرى ، دوران المحمل ، الأعياد الإسلامية ، الأعياد القبطية، الانحلال بدون مناسبات ، الانحلال الخلقى والأزمات .

انحلال المجتمع المصرى المملوكى

بتأثير التصوف

" انحلال القضاة والعلماء الفقهاء "

القضاة وظيفيا:

          1 ــ القضاة فى أى عصر هم ضمير المجتمع وحراس الفضيلة والعدل فيه أو هذا ماينبغى أن يكون ، وإذا لحق التلوث بمجتمع القضاة والعلماء فمعناه أن الوباء قد أفنى الباقين .

          والقضاة فى عصرنا المملوكى كانوا يؤمنون بالتصوف ، بل كانوا الحراس له ضد العلماء المتمردين على شطحات الصوفية ، وقد عانى ابن تيمية وصحبه الكثير من قضاة عصرهم ، فهم كانوا حراس العقيدة الغالبة والدين المسيطر ، والعقيدة كانت عقيدة التصوف ، والتدين كان تدين الصوفية ، ومن الطبيعى بعدها أن يكون القضاة الصف التالى مباشرة للأولياء الصوفية ، وإذا طبق الصوفية انحلالهم الخلقى دينا وسلوكا فالقضاة هم أول الناس اقتداء بهم .

           ومن ناحية أخرى لم يعد المجال متاحا أمام الفقيه النابغ الذى لا تأخذه فى الحق لومة لائم ، فقد أخفق هذا النموذج بانهزام ابن تيمية العالم المجتهد الذى قضى حياته بين حبس ونفى واضطهاد ومؤامرات ، وفى نفس الوقت فإن التصوف ــ وهو التدين المسيطرــ يعطى النموذج للقاضى المناسب للحاكم والمحكوم ، إذ هو فقيه متواضع العلم خانع للسلطة يأتمر بأمرها ، ويستريح الجميع من قلائل ابن تيمية وأشباهه ، والحاكم المملوكى يجد فى التصوف وقضاته مايريد ، فهو حاكم يتمسح بالإسلام ويريد فى نفس الوقت أن يمارس غرائزه الجسدية وأن يظلم الرعية ويدخل الجنة ، والتصوف يقدم له هذه العملة الصعبة ، فهو يرفع شعار الإسلام ويمارس كل مانهى عنه الإسلام ، ويطبق الشريعة بهذه النوعية ، وكان من القضاة الصوفية أولئك الذين يحرمون ماحرمه الحاكم ولو أحله الله ويحلون مايريده السلطان ولو أغضب الله .. والإفاضة فى هذا الموضوع يخرج عن موضوعنا .

           2 ــ ومقاييس اختيار القاضى المملوكى لم يكن منها مطلقا عدالة القاضى وأمانته وعلمه ونزاهته ، بل على العكس كان اختيار القضاة يتم بالرشوة وتوارث المنصب ، وإذا تولى القاضى بالرشوة فلابد أن يطمع فى استرداد مادفع من أموال ، ولن يكون ذلك إلا على حساب العدالة . يقول المقريزى فى حوداث 830(خلع على ابن حجى واستقر فى قضاء القضاة بدمشق عوضا عن أبيه ،وهو شاب صغير لم يستتر عذاريه بالشعر ( أى لم تنبت لحيته) لكن قام بمال كبير ، فلم يلتفت مع ذلك لحداثة سنه ولا لكونه ماقرأ ولا درى ، وقديما قيل :

تعـد ذنوبـه والذنـب  جمُ             ولكن للغنـى رب غفـور [1] .

            فهذا الطفل أصبح قاضيا للقضاة فى مصر وورث منصب أبيه بالرشوة ، ولم تكن تلك هى الحالة الوحيدة التى ذكرها المقريزى ، فقد سبقتها حالة مماثلة سنة 825، والمقريزى كان قاضيا وهى شهادة منه على عصره ، ومثله العينى قاضى القضاة ، وهو يقول عن زميله قاضى القضاة جمال الدين يوسف الحنفى ( أنه حصل جملة من الوظائف) أى بالرشوة ( وأعطى السلطان وظائفه جميعها لابنه الصغير)[2]. وكان ذلك سنة 829 أى كان أمرا عاديا يتكرر دون إنكار من داخل النظام الحاكم ، ولكن جاء الإنكار من خارج السلطنة ، ففى حوادث سنة 838 هجرية أن السلطان شاه رخ ( أنكر على السلطان برسباى أخذ الرشوة من القضاة)[3]..

            لقد أصبح القضاء من جملة المناصب التى  يتقلب فيها شيوخ الخوانق الصوفية الرسميون ، وربما يحصل أحدهم على عدة مناصب من بينها القضاء والتدريس والتصوف والمؤسسات الصوفية ، وفى حوادث 823 تعيين الشيخ البساطى شيخ الخانقاه الناصرية فرج قاضيا للقضاة المالكية [4]. وكان القاضى ابن الديرى ت 867 شيخا للخانقاه المؤيدية للتصوف والتدريس[5]. أى كانت الدولة المملوكية تبيع المناصب للراغبين، ومنها منصب القضاء ، وتحدث حركة تنقلات ، أويرث المنصب ابن القاضى المتوفى إذا دفع ابنه الرشوة بغض النظر عن مقدار علمه أو عمره أو كفاءته .

            3 ــ ومن الطبيعى أن يفرز ذلك النظام طائفة من القضاة الجهلة والأميين، فيحكىأبو المحاسن عن القاضى ابن السفاح ت 835  أمورا تظهره مخبولا جاهلا [6].ويقول المقريزى عن قاضى القضاة الهروى أنه ( ظهر نقصه وعجزه مع طمع شديد وجهل بما أسند إليه بحيث كان لايحسن قراءة الشكاوى ولا الكتابات الواردة إليه فتولى عن ذلك نائبه)[7]. وقيل فى القاضى ابن الكويز ت 816 أنه( كان عاريا من العلم يكثر الصمت بين الفقهاء خوفا  من اللحن فى كلامه ، وكان لايحفظ من القرآن إلا القليل) [8].

             4 ــ وماأسهل أن يتخاصم أولئك القضاة ويدعى بعضهم على بعض ، فيذكر ابن حجر أن بعضهم ادعى على شمس الدين الرازى الحنفى بأنه وقع فى حق النبى (ص) ، ثم ادعى عليه قاض آخر أنه قال له : أنت يهودى ، وحوكم وقامت عليه البينة فعُزر وحقن دمه[9]، وتكرر نفس الموضوع فى عصر الغورى سنة 619 ( وقع أحد نواب الحنفية فى حق النبى (ص) بكلمات ، فبلغ السلطان ، وعندما طلع السلطان للتهنئة بالشهر أمرهم بإحضار ابن الرومى الحنفى وقد اختفى)[10]. أى كان من السهل أن يقع أولئك القضاة فى سب الرسول (ص).

           وجاء فى حوادث 786 ( وقع بين القضاة فى حلب فتنة عظيمة ، وقذفوا أعراض بعضهم بعضا بالفسوق ، فعزلهم السلطان برقوق )[11]  

         5 ــ  ومن الجهل وسوء الأدب الذى يصل إلى درجة سب النبى ( ص) نصل لظاهرة غريبة فى قضاة العصر المملوكى، فتاريخ القضاة كان يتميز قبل العصر المملوكى بذلك التعصب للمذهب ، حتى كان لابد من تعيين قضاة أربعة للمذاهب، وقد ورث العصر المملوكى هذا التقليد ، إلا أن القضاة فيه لم يكن بهم ذلك التعصب المقيت لأحد المذاهب بسبب جهلهم بالفروق والخلافات المذهبية ، وبسبب رغبتهم فى التكسب بأى طريق وعلى أى مذهب ، لذا كان من السهل أن يتحول القاضى عن مذهبه إلى مذهب آخر تبعا لمصلحته الشخصية ، ففى حوادث 768 أن الأمير يلبغا تعصب فى أواخر دولته للمذهب الحنفى فتركه كثير من القضاة والفقهاء الشافعية مذهبهم إلى المذهب الحنفى [12]. والقاضى شهاب الدين الأذرعى المالكى كان شافعى المذهب ثم انتقل إلى مذهب مالك لأجل الوظيفة ، ولكنه لم يهنأ بمنصبه فقد قتله نائب طرابلس التى ولى قضاءها سنة 802، ومثله أيضا القاضى شمس الدين البحاصى الحنفى الذى كان شافعيا ثم انتقل إلى مذهب أبى حنيفة لأجل القضاء وكان خاليا من العلم ، وقتله أيضا نائب طرابلس سنة 802 [13]. وتحول القاضى ابن الشحنة ت830 من الحنفى إلى المالكى بعد الفتنة العظمى حسبما يقول ابن حجر [14]. وفى سنة 802 قال أبوالمحاسن عن القاضى شمس الدين الصلتى (ت803) أنه عمل مالكيا ثم شافعيا ولم تحمد سيرته فى مباشرته القضاء ، ويعلق أبوالمحاسن عليه( وكيف تحمد سيرته وهو ينتقل فى كل قليل إلى مذهب من أجل المناصب ، فلو كان يرجع إلى دين مافعل ذلك ، ومن لم يحذر على دينه يفعل مايشاء)، ثم يستمر أبوالمحاسن ( قلت ــ والشىء بالشىء يذكرــ وهوإننىاجتمعت ذات مرة بالقاضى كمال الدين ابن البارزى كاتب السر الشريف فدفع إلى كتابا من بعض أهل غزة ممن هو فى هذه المقالة ، فوجدت الكتاب يتضمن السعى فى بعض وظائف غزة وهويقول فيه : يامولانا المملوك ــ يقصد نفسه ــ منذ عزل من الوظيفة الفلانية خاطره مكسور والمسئول من صدقات المخدوم أن يوليه قضاء الشافعية بغزة، فإن لم يكن فقضاء الحنفية ، فإن لم يكن فقضاء المالكية ، وإلا فقضاء الحنابلة ، فكتبت علىحاشيته الكتاب بخطى " فإن لم يكن فمشا على ملك الأمراء"[15].

          ومن الغريب أن أحدهم كان يلحق باسمه مذهبه الفقهى حتى لو لم يتقلد منصب القضاء ، فيقال فلان الشافعى أو الحنفى ،ويصير مذهب الحنفى أو الشافعى أو المالكى عنوانا على إسمه وشخصه ، ومع ذلك فقد كانوا سرعان مايتنازلون عن هذه الصفة فى سبيل المبدأ الأساسى وهو المنفعة الدنيوية .

         6 ــ وقد يكون أحدهم متمتعا بحب الناس واعتقادهم فى صلاحه وولايته حتى إذا تولى القضاء ظهر على حقيقته وعانى الناس من شره وجهله ، فالقاضى الصوفى ابن بنت ميلق الشاذلى ت 797 قاضى القضاء بمصر( كان فى بداية أمره يعظ الناس ولهم فيه محبة واعتقاد ، ثم سئل بالقضاء فوليه ، فلم تشكر ولايته ولا سيرته وعزل ، ووزن ــ أى دفع ــ مالا كثيرا أخذه ظلما )[16].

        وكان السلطان برسباى يعتقد فى صلاح القاضى الأرموى المالكى( ت 836) فلم يعزله عن القضاء ( ولم يسمع فيه كلاما لأحد ، مع شهرته بسوء السيرة ومزيد الجهل والتجاهر بالرشوة ، حتى حصل من ذلك مالا جزيلا)[17] .وكان قاضى القضاه السنباطى ت 868 مشهورا بالفضيلة مع لين الجانب وتدين قبل أن يتولى القضاء وعندما تولى المنصب ( لم تشكرسيرته فى القضاة)[18]

         لقد كانت عقيدة العصر زائفة تحمل شعار الإسلام وتمارس نقيضه وهو التصوف، والفقهاء الصوفية هم أبرز من يعبر عن هذا النفاق وإظهار عكس مافى القلب ، وكان منصب القضاة هو المحك العملى لتنفيذ التدين الواقعى ، وهكذا فعندما يتولى القضاء أحد أولئك الذين يتمتعون بالشهرة والصلاح حتى يظهر للناس معدنهم الحقيقى ، وقد اشتهر زكريا الأنصارى بتزعم الفقهاء فى الربع الأخير من القرن التاسع وحمل لقب شيخ الإسلام ، ولكنه كان فى عقيدته مريدا صوفيا ، وعرضنا لدوره فى كائنة البقاعى مع ابن الفارض ، ويهمنا منه هنا أنه تولى القضاء للسلطان قايتباى سنة 886 وقد كان على صلة وثيقة بالسخاوى المؤرخ ، يقول عنه فى الضوء اللامع ( وبيننا أنسة زائدة ، ومحبة من الجانبين تامة) ومع ذلك فإن السخاوى يقول عن ولايته للقضاء ( كانت ولايته على المستحقين نقمة ، وجهالته فى تصرفاته على المستحقين المسلمين غمة ، بحيث عادت محبة الناس فيه عداوة ، وزادت الرغبة إلى الله بزواله عقب الصلاة والتلاوة) ( ولو التفت لجهة المستحقين لانكف عنه بيقين ولكن حب الدنيا رأس كل خطيئة )[19].

         وزكريا الأنصارى اعترف فيما بعد للشعرانى فقال ( توليتى للقضاء صيرتنى وراء الناس ، مع أنى كنت مستورا أيام السلطان قايتباى) وحاول الشعرانى أن ينافقه ويسرى عنه ( فقلت له ياسيدى أنى سمعت بعض الأولياء يقول : كانت ولاية الشيخ للقضاء سترا لحاله كما شاع عند الناس من زهده وورعه ومكاشفاته فقال : الحمد لله خففت عنى ياولدى) [20].

           تلك كانت لمحة سريعة عن طبيعة قضاة العصر المملوكى فى الجانب العلمى الوظيفى ، فأين كانوا فى الجانب الخلقى ؟   

القضاة خلقيا: تمتع قضاة العصر بمفردات الانحلال الخلقى كلها وفق تشريع التصوف الذى به يدينون .

           1 ــ فقد كان لهم مشاركة فى الشذوذ الجنسى سجلتها عليهم المصادر التاريخية ، يقول ابن طولون فى حوادث سنة 886 ( وفى هذه الأيام أشيع بدمشق عن قاضيين من الأربعة إشاعة فاحشة ، ولعلها تكون كذبا فلا حول ولا قوة إلا بالله)[21].وحضر إلى المحتسب ابن سليمان أحد نواب القاضى ابن خير ، وقد قبض عليه جمع كبير من الناس متلبسا مع صبى صغير يفعل به الفاحشة نهارا، فضربه المحتسب وحبسه [22].

          وفى سنة 825 حدثت فضيحة فى ( الوسط القضائى) أثبتها ابن حجر ـ فقد ادعى على شيخ شمس الدين بن عبدالمعطى الكوم ريشى الحنفى أنه قذف الشيخ شمس الدين محمد بن حسن الحنفى بالبغاء ، وأنه هو الفاعل به وإن ذلك كان بواسطة الشيخ شهاب الدين الكوم ريشى أحد قراء الكتب ، وكانت الدعوة عليه عند قاضى القضاة الحنفى زين الدين الأقفهسى ، وكان الذى قام عليه بالدعوة شهاب الدين بن عبدالله أحد نواب القاضى الحنفى ،وقد قال له الأمير برسباى: أنت الذى كان أخى فلان يتعشقك وغرم عليك مالا كثيرا، وأمر بالتوكيل به وعزله من نيابة القضاء فاعتقل ثم شفع فيه،فأطلقوه وأعيد للقضاء[23]. أى عاد قاضيا مع هذا السجل الحافل بالشذوذ السلبى .

وذلك القاضى شمس الدين بن عبدالمعطى الكوم ريشى كان أبوه أيضا يعمل قاضيا حنفيا ، وهو الشيخ زين الدين عبدالمعطى الحنفى ( ت 810) وقد أتوا إليه بشاب متهما باغتصاب صبى صغير ، وكان ذلك القاضى وقتها يعمل فى الإشراف على بناءعمارة للأمير أقباى الحاجب ، فما كان من ذلك القاضى إلا أن أمر فى الحال العمال الذين فى العمارة بأن يفسقوا بالشاب المتهم قصاصا بزعمه [24]، وذلك تجديد فى التفكير الصوفى ، ثم جاء ابنه القاضى شمس الدين يدعى على زميله أنه اغتصبه ، وحقيقة هى ذرية بعضها من بعض ، والمضحك أن أولئك الذين كانوا منوطين بتطبيق الشريعة كانوا يحملون أسماء دينية مثل شمس الدين وشهاب الدين ، وكانت أعمالهم عكس مايأمر به الدين الذى يحملون اسمه ، وينفذون شرعه ، إلا أن الآخر وهو التصوف يعتبر الشذوذ من طقوسه الدينية ، وذلك لم يكن عيبا أو لم يعد عيبا .

            2 ــ وبعضهم وقع فى جملة انحرافات خلقية ومالية ، ففى سنة 803 ولى السلطان برقوق الشيخ يوسف المالطى قضاء الحنفية ، يقول عنه ابن حجر ( فباشرها مباشرة عجيبة ، فإنه قرب الفساق ، واستكثر من استبدال الألقاب ، وقتل مسلما بنصرانى ، ولما مات الكلستانى استقر بعده فى تدريس الصرغتمشية ، ووقع فى ولايته أمور منكرة منها ما قدم من الأنجاس فى الاستبدال ، واشتهر أنه كان يفتى بأكل الحشيش ، ووجوه من الحيل فى أكل الربا وأنه كان يقول : من نظر فى كتاب البخارى تزندق )[25].

           وننقل من المقريزى كلمات فى ترجمته لبعض قضاة عصره ( القاضى ابن حجى: قاضى قضاة دمشق وكاتب السر فى مصر ت 830 : كان يسير غيرسيرة القضاة وُيرمى بعظائم ، ولم يوصف بدين قط ) ( الشيخ بدر الدين البردينى ت 831 قاض شافعى بالقاهرة : لم يوصف بعلم ، ولا دين ، ومستراح منه) ( قاضى القضاه المالكى بمصر شهاب الدين أحمد ت 836 : لم يشتهر بعلم ولا دين )[26] .

          وقيل نحو ذلك على بعض المشهورين من قضاة القضاء فابن خلكان ( كان يهوى بعض أولاد الملوك ، واتهم بحب الصبيان، وأكل الحشيش )[27]. وقيل فى الهروى ( جرت منه أمورفاحشة، السكوت عنها أجمل) [28]

         وقيل فى سراج الدين البلقينى ( كان له ذكاء مفرط ، لكنه سىء المزاج ، مستغرقا فى اللهو واللذات التى تميل إليها النفوس ، ممتعا بالجاه والمال ، مثابرا على بلوغ الآمال [29]. وقيل فى ترجمة الشيخ ابن النقيب قاضى القضاة الشافعى ( كان غير مشكور السيرة، رث الهيئة ، يزدريه كل من يراه ، وقال فيه شاعر :

             ياأيهــا الناس قـفـوا واسـمـعـوا            صــفــات قـاضــينا التى تطرب

             يلـوط ، يزنـى، ينتشـى، يرتشـــى            ينمُ ، يقضـى بالهــوى ، يكــذب [30]

ولولا أن شأن القضاة قد هان على الناس ماجرؤ شاعر على مثل هذا القول .

        3 ــ وفى هذا الجو الفاسد كان بعض القضاة لايخجل من المجاهرة بالمعصية ، فيقال عن قاضى القضاة ابن الأدمى ( كان لايحترز عن الحرام ، ويتهم باستعمال المنكر من الأشربة وغيرها)[31] . وتولى الشيخ السفطى القضاء ( فظهرت منه أمور مستقبحة مما لايعبر عنها ، وضج منه الفقهاء) ( وقد عزله السلطان وقد ثبت لديه قبح فعاله ، وإظهار معايبه ، وكان يتباهى فى قبح الأفعال فى تلك الأيام جدا)[32] .

        وقال السخاوى عن الشيخ بكير أنه افتقر وباع كتبه بسبب تعاطى المغيبات ، ومع ذلك ساعده الأمير ططر ( حتى استقر فى قضاء الحنفية فى حلب ، وكان عريا عن الفقه ، يفتى بغير علم ، وربما أفحش فى الخطأ) ، وقال السخاوى عن شهاب الدين الكتانى قاضى القضاة الحنبلى ت 850 ( كان مدمنا المجاهرة بالفسق) [33].

         4 ــ وأحيانا كان فساد القضاء أشد من فساد باقى طوائف المجتمع ، فيحدث أن  يضج الرأىالعام من انحلال القضاة الخلقى ، وتلك ظاهرة غريبة وفريدة فى تاريخ القضاء على مستوى العالم ، حسبما نعلم يقول المقريزى فى حوادث 825( أخذ الناس فى تتبع عورات القضاة والفقهاء لميل ولاة الشوكة إلى معرفة ذلك ، فإن الأحدوثة عنهم قبحت والمقالة فيهم شنعت .

وكنــا نستـطب إذا مرضنـــا            فجاء الداء من قبل الطبيب [34]  

          وقال المقريزى عنهم فى العام التالى 826 ( ساءت قالة العامة فيهم ، وأكثروا من التشنيع بما يغرمه المتداعيان فى أبوابهم ، حتى اتضعت نواب القضاة فى أعين الكافة ، وانحطت أقدارهم عند أهل الدولة ، وجهروا بالسوء من القول فيهم )[35]. ويقول أبو المحاسن فى حوادث 828 أن السلطان برسباى عين تاج الدين الخطيرى الأسلمانى بالقضاء ،وكان قريب عهد بالإسلام ، وله قدم فى دين النصرانية ، فصار لقبه القاضى ،وقد احتج أبو المحاسن على ذلك ثم قال معلقا ( وقد عيب هذا على مصر قديما وحديثا ، فقال بعضهم : قاضيها مسلمانى ، وشيخها نصرانى ، وحجها غوانى ، قلت فإن كانت ألفاظ هذه الحكاية خالية من البلاغة فهى قريبة مما نحن فيه )[36]

          وفى سنة 871 قال السلطان قايتباى للمحتسب يصف الفقهاء القضاة( فإن الفقهاء لادين لهم ، وهم أنجس الناس ، إن تولوا شيئا اخربوه ، وإن حكموا فى أمر جازفوا فيه وإن أفتوا فى شىء لهم فيه غرض أفتوا بالباطل ، ولا أعلم طائفة شرا منهم)[37]. وقد صدق قايتباى فى وصفه لأشياخ عصره .. وعصرنا المملوكى.

         ويقول العينى عن قاضى القضاة ابن الصالحى (ت806) كان عاريا من العلوم ومن الفقه أيضا ، بلغ المنصب بجاه الخليفة وبالبذل ـ أى الرشوة ـ ولقد كانت القضاة من قبله مايرضون به بالنيابة فضلا عن القضاء المستقل ، ولكن هذا الزمان لايقدم إلا غير أهله) وينقل الصيرفى هذا القول عن شيخه العينى ثم يقول معلقا( فلعمرى إذا كان هذا من مدة ستين عاما وشيخنا يذكرك ذلك ، فما حالنا هذا الزمان المنطوى على أمور لانحتاج إلى تفصيلها فى هذا المحل ، ولقد اأجاد من قال:

 زمـــــاننـا كـــــــأهله                وأهــلـه كــمـــــا تــرى

وســــيــــرنا كـســـيرهم               وســـــــيرهم إلــــى ورا

     وأصدق من ذلك كلام الصادق المصدوق (ص) كل عام ترذلون [38].أى أن الصيرفى يتحدث عن سوء الأحوال فى قضاة عصره، ولكن يزال كلام السلطان قايتباى أبلغ تعبيرا( إن الفقهاء لادين لهم وهم أنجس ..)

         وازداد فساد القضاة بمرور الزمن ، وفى عصر الغورى اهتز ( الوسط القضائى) بفضيحة نسائية تماثل تلك التى حدثت قبلها بقرن من الزمان تقريبا ، فقد كان القاضى الحنفى غرس الدين خليل متزوجا بامرأة حسناء ولكن عشقها الشيخ المشالى القاضى الشافعى ، فنَم عليهما ابن أخت القاضى نور الدين الدمياطى ، وكان يهوى المرأة هو الآخر ، فأعلم زوجها ، فضبط الزوجة وعشيقها ، يقول ابن اياس ( وهما تحت اللحاف متعانقين) وعوقبا بالضرب والتشهير ، وفى أعقاب الحادثة أرسل السلطان الغورى للقضاه الأربعة ووبخهم ( بالكلام القبيح) وقال لهم ( والله افتخرتم ياقضاة الشرع ،نوابكم شىء يشرب الخمر ، وشىء يزنى ، وشىء يبيع الأوقاف ) وضغط الغورى على مجلس القضاة فحكم برجم الشيخ المشالى والمرأة ، إلا أن المشالى رجع عن إقراره بالزنا فاختلف القضاه فى الحكم وطردهم السلطان ، واشتد غضبه على القاضى ابن الشحنة الحنفى ، لأنه وافق السلطان أولا على الرجم ثم رجع فوافق القضاه على اسقاط الرجم ، وعزل السلطان القضاة الأربعة ، فأقامت السلطنة شاغرة من القضاء خمسة أيام لم يعقد فيها نكاح وأغلق الشهود دكاكينهم وتعطلت الأحوال ، وأمر السلطان واليه على القاهرة بالقبض على أى فقيه يجده سكرانا ، وجعل له مكافاة على ذلك ، ومنع من دخول أحد من المباشرين عليه وهو لابس عمامة من بغضه فى الفقهاء ، ثم شفع الأمراء فى القضاة الأربعة فازداد حنق السلطان ، وأمر السلطان بشنق الشيخ المشالى والمراة [39].

           5 ــ وفى هذا المستوى المتدنى لقضاة العصر كان نادرا مانجد قاضيا على مستوى لائق، وكان إذا وجد فيهم من يستحق المدح فكان يمدح بعدم وقوعه فىخطايا  القضاة الآخرين ، فالمؤرخ أبوالمحاسن يمدح القاضى ابن التنسى المالكى ت 853 بأنه ( كان بريا عما يرمى به قضاة السوء)ويمدح بدر الدين البغدادى ت 857( بالعفة عما يرمى به قضاة السوء)[40] والمقريزى يمدح البلقينى ت 824(بالنزاهة عما يرمى به قضاة السوء ) [41]. أى كانت القاعدة والأصل أن القضاة هم قضاة سوء.

          6 ــ وفى حين تكالب القضاة على الوظائف فقد تفرد الشيخ برهان الدين بن جماعة بإعلان عزل نفسه من القضاء الشافعى ــ مجددا وحده سيرة القضاة العظام فى العصر الإسلامى الزاهر ، ففى حوادث سنة 779 ( وعزل برهان الدين ابن جماعة نفسه عن القضاء الشافعى لما رأى تغيرأحوال أرباب الدولة بالأمورالفاحشة، وسافر لبيت المقدس) وقد سبق لهذا القاضى أن سعى فى إبطال ضمان المغانى[42] .أو إباحة البغاء رسميا، وموقف ابن جماعة أكبر اتهام لعصره ورفاقه فى القرن الثامن ، وازدادت الأمور سوءا بعد ذلك ..

         وحدثت نادرة غريبة وهى أن الشيخ عبادة (ت846) رفض تولى منصب القضاء ، وعلق المؤرخ أبو المحاسن على هذا الحدث بقوله ( وهذا شىء لم يقع لغيره فى عصرنا هذا ، فإننا لانعلم من سئل بالقضاة ، وامتنع غيره ، وأما سواه فهم على أقسام: قسم يتنزه عن الولاية ويظهر ذلك حيلة حتى يشاع عنه ذلك ، فإذا طلب بعد ذلك يأخذ فى التمنع ، وفى ضمن تمنعه يشترط على السلطان شروطا يعلم هو وكل أحد أنها لاتتم له ، وإنما لايقصد ذكرها إلا نوعا من الإجابة ، لكونه امتنع أولا فلا يمكنه القبول إلا بهذه الدورة ، فلم يكن بمجرد ذكره للشروط إلا وقد صار فى الحال قاضيا ، ووقع ذلك  لجماعة كبيرة فى عصرنا ، وقسم آخر هم الذين يسعون فى الولاية سعيا زائدا ويبذلون الأموال ويتضرعون لأرباب الدولة ويخضعون لهم ، وهيهات ، هل يسمح لهم بذلك أم لا)[43].

          7 ــ والصيرفى المؤرخ القاضى ألف كتابه ( إنباء الهصر فى أنباء العصر ) يسجل فيه تاريخ الحياة المصرية مابين(873 ــ 886 ) ، وهى فترة شهدت غياب المؤرخين الكبار بالموت كالمقريزى وابن حجر والعينى ، وقد كانوا نمطا من المؤرخين الفقهاء أصحاب الرأى ، وقد حاول الصيرفى فى (الهصر) أن يحذو حذوهم ، فأورد صورة لعصره فى هذه الفترة من واقع معاصرته للأحداث ومشاركته فيها بحكم كونه قاضيا يشارك فى تهنئة السلطان بحلول أول كل شهر عربى ، ومتصلا بمجتمع القضاة وخفاياه ، إذن فهو شاهد على عصره والوسط القضائى الذى عايشه ، والصورة التى نقلها الصيرفى  عن زملاء المهنة تلخص الأوضاع السابقة وتعكس سخط المؤرخ على أحوال علماءالعصر وقضاته ، وقد سبق أن نقلنا تعليقا له فى ذلك الشأن .

        وبدراسة سريعة لأحوال القضاة من خلال ( تاريخ الهصر) يتضح لنا الآتى:

         بعض القضاة كان يحكم بغير ما أنزل الله ، فالقاضى ابن جنة (خلف ثلاثة أخوة امرأة ورجلين ، وحرم أخويه المذكورين ) وخصص للأخت دارا ،أى لم ينفذ حكم الله فى المواريث ، يقول الصيرفى معلقا( والله يجمع بينهم ويحكم فيهم بعدله) ونزاع القضاة فيما بينهم مستمر على أهون الأسباب ، وقد يصل إلى قذف الزوجات ، كما حدث بين ابن العيسى وشمس الدين الجوهرى ، والفساد المالى منتشر بينهم ، فقاضى الإسكندرية حاول التحايل لأخذ تركة أحد التجار الأثرياء فاشتكى ابنه الوارث ، وتنازع القضاة حول الأوقاف إذا مات القائم عليها ، فقد توفيت بنت الخازن وكانت عمرت أوقافا كثيرة ( ويؤول النظر بعدها إلىالقاضى الحنفى ، وأراد القاضى الشافعى الوثوب والتكلم فى الأوقاف فبلغ السلطان ذلك فقال : أنا أحق من الإثنين ولكنى أعمل فيهم بالشروط وأحميهم من الغاصبين ) فالسلطان اعتبر قضاته غاصبين، وتدخل لحماية الأوقاف منهم ، والشيخ محيى الدين الحنفى سعى عند قاضى الحنفية محب الدين الشحنة حتى قرره قاضيا، يقول عنه الصيرفى ( فصار يصول ويطول ويعزر ، وعمل له سوقا فصار نافقا ، ولقبه أهل مصر بكبش العجم ، وسكن القاضى المذكور فى حارة واجتمع عليه أرباب المصالح والمفاسد فصار ينفذ أغراضهم (  وسكن بالحارة يضرب ويرشى ويكشف الرءوس ويسجن)،وحاول ابن الشحنة قاضى القضاة حمايته ، ولكن تدخل السلطان فأصدر ابن الشحنة مرسوما بألا يحكم قضاته فى بيوتهم ، ولايعزرون أحدا إذا وجب عليه تعزير إلا بالباب العالى أى فى المحكمة الرسمية ، ويعلق الصيرفى على ذلك بقوله( وكم يقع مثل هذا فى الوجود وإلا اعتبار له فيه ) أى أن القضاة لم ينفذوا الأوامر.

            وبعضهم جمع بين الفساد المالى والفساد الخلقى ، مثل القاضى هانى الذى ( مد يده وبلص أى سرق ــ من الخولية والمشايخ نحو خمسمائة دينار). وكان فى بدايته فلاحا أتى للأزهر وجاور فيه ثم لزم باب خونه فاطمة بنت الظاهر ططر وكانت مشهورة بفسادها فجعلته كاتبا لها وبنفوذها ( استمر حاله ينمو ويزيد) إلى أن تولى القضاء فظهر فساده .

         وبعضهم جمع أنواع الفساد كلها من عقيدة وسلوك ، فالقاضى ابن الهيصم ( كان عريا عن الإسلام ، كثيرا الميل إلى دين النصرانية ، مدمنا على السكر ، لايكاد يوجد صاحيا لحظة) وضربه الوزير ثلاث علقات ،لأنه لم يشهد صلاة الجمعة ،إذن يستحق ميدالية الشرف فى الوسط القضائى وقتها.

        وبعضهم تميز بالنذالة ، فقاضى القضاة الشافعى أبو السعادات البلقينى شكته زوجته أنها استدانت له مائتى دينار وأنها كلما طالبته بالسداد ( يأسى عليها ولا يدفع لها شيئا).فصارت قضية تدخلت فيها السلطة المملوكية ، ويعلق الصيرفى على ذلك( فانظر إلى إهانة القضاة والعلماء والأصلاء ، وانظر إلى النساء وكيدهن ،وانظر إلى حقارته ودناءة نفسه) يقصد القاضى زوجها.

         وواضح أن النذالة ظهرت فيما يخص المال ، إذ سيطر على هذه النوعية من القضاة عبادة المال إلى درجة تثير الاشمئزاز ، وبرزت النذالة فى صراعهم حول المناصب ، وما تعنيه من مخصصات مالية ، وقد وصل الصراع بينهم إلى درجة لاتوصف ، من ذلك أن القاضى نور الدين البرقى ــ وكان أبوه قاضيا أيضا ــ كان من أتباع قاضى القضاة السفطى فأودع السفطى عنده أمانه عشرة آلاف دينار ، وحدث أن الظاهر جقمق غضب على السفطى واستولى على أمواله كلها ماعدا تلك الأمانة التى حفظها عند البرقى (للزمن)، ولكن البرقى بادر بتسليم تلك الأمانة للسلطان كى يحظى عنده ، ومات السفطى فى نكبته مقهورا مما فعله تلميذه معه.

           ومن ذلك مافعله قاضى القضاة الحنفى ابن الشحنة وولده عبدالبر ، إذ قاما بزيارة الشيخ الأردبيلى وهو يحتضر على فراش الموت ، وكانت له وظائف كثيرة فاستكتبوه وهو يموت تنازلا عن وظائفه ، ووصل الخبر للسلطان فغضب واعتقلهم وشتمهم قائلا( تشهدوا على شخص غايب عن الوجود، ومصداق ذلك أنه مات من ليلته وأخرتوه إلى يوم السبت ) وتوسط كاتب السر بشأنهم للسلطان ، ويعلق الصيرفى على مافعله ابن الشحنة يقول ( قضاة الشرع لو عظموا أوامر الله وحقوقه لعظمهم ، ولكنهم خافوا على وظائفهم ، فأهانوا أنفسهم ، والأمر لله ) وبالمناسبة فالصيرفى كان من قضاة التابعين لابن الشحنة .

           والقاضى برهان الديرى كان قاضيا للقضاة مثل أبيه وكان أخوه كذلك وقد دفع رشوة خمسة آلاف ليتولى كتابة السر ، ثم تسبب فى عزل أخيه عن القضاء ، إذ صعد للداودار والسلطان وأخبرها أن أخاه عجز عن القضاء وأنه ذهل ، ووعد برشوة ثمانية آلاف دينار إن عزلوا أخاه وتولى منصبه بدلا منه( فحصل لأخيه منه حصر زائد).

           وبسبب هذا الإنحدار الخلقى والإنسانى فى أولئك القضاه فقد هان أمرهم على الحكام المماليك وعلى العوام ، وقد حكى ابن الصيرفى قضية طويلة وأحدثت بعض المشاكل واحتد فيهاا لسلطان على القضاة ووبخهم مما دعا بعض العلماء إلى التشفع فيهم للسلطان ، فقال له قايتباى ( أنا مابهدلت الشرع والقضاء وإنما أريد أن يكونوا على الأوضاع ) وقال له ذلك العالم ( يامولانا السلطان إن الناس من باب المدرج إلى آخر باب النصر اجتمعوا لينظروا مايفعل  بالقضاة ، ومن ينزل منهم مجبور ، ومن ينزل منهم مكسور ) أى توسل للسلطان بغضب العامة ، ولكن العامة كانوا يكرهون القضاة أيضا ، ذلك أن السلطان وقد انعدمت ثقته فى أولئك القضاة قام بنفسه بالحكم بين الناس واستدعى القضاة إليه فجاءوا ومروا بالقاهرة ، يقول الصيرفى ( والخلق والعوام والأوباش ينظرون إليهم ، ويقولون ماشاءوا، وصار بعضهم ينسبهم إلى خراب الأوقاف ، وبعضهم ينسبهم إلى بيعها) وأمل الناس خيرا فى عدل السلطان بعد أن يئسوا من العدل على يد العلماء والقضاء ، لذا انهالت الشكاوى على السلطان حين تصدر للقضاء ، يقول الصيرفى ( وكثرت الشكاوى حتى أن بياع الفجل : اشتكى للسلطان ) . وبعدها قام السلطان باستعراض القضاة ونوابهم وناقش رؤساء القضاة .

            وقد أورد الصيرفى جانبا من مناقشات السلطان مع القضاة وكان الصيرفى حاضرا ، وقد كان السلطان حين يعرض عليه القضاة النواب يقول مستنكرا( من عمل هذا قاضى) وفى إحدى المناقشات اشتد غضبه وقال ( قضاة القضاة يدلسوا علىَ ويغطوا؟).

          وهوان القضاة على الحكام ظهر فى نوعية التعامل معهم حين يخطئون ، فقاضى القضاة الشافعى صلاح الدين المكينى استبدل بعض الأوقاف ( فأغلظ له الداودار الثانى) وهى عقوبة خفيفة لاتقارن بما فعله السلطان مع ابن الصابونى قاضى قضاة دمشق حين أمر بضربه بين يديه، وحدث أن قاضى البرلس باع ولدا صغيرا حرا لبعض العربان فعرفه أبواه وشكيا للسلطان فأمر السلطان بضرب القاضى بالمقارع . وهان أمرهم على الأمراء المماليك فعاقبوهم لأتفه الأسباب ، فالأمير جانبك ضرب القاضى عز الدين البلقينى ( علقة علىمقاعده .. ( أى مؤخرته) لأنه كلمه بكلام مزعج ) ، ويعلق الصيرفى ( ولم ينتطح فيها عنزان ، والقتل مايهدى ، وآخر الأمر الرضى وكل مفعول مضى ، وهذه الحادثة من أقبح مايكون فى حق الفقهاء ، فلا قوة إلا بالله)[44].

             إن هذه النوعية من القضاء هم صوفية الفقهاء أو الفقهاء الذين خضعوا للتصوف خصوصا فى أواخر العصر المملوكى ،وفى عصر البقاعى كان أولئك القضاة الفقهاء أشد الناس خصومة للبقاعى حين هاجم ابن الفارض فى عصر الصيرفى  وكان الصيرفى من المتحاملين علىالبقاعى فى تاريخه . والفساد يبدأ بالعقيدة .

           8 ــ والصيرفى متأثر بشيخه المقريزى الذى ملأ( السلوك) بنقمته على أحوال عصره ، يقول المقريزى فى حوادث 820( وأهل هذا الشهر ــ ربيع الآخر ــ وفى جميع أرض مصر .. من أنواع الظلم مالا يمكن وصفه بقلم ولا حكايته بقول ، من كثرته وشناعته . فجملته أن الحكام بالقاهرة وأعمالها مابين محتسب ووالى وحجاب وقضاة ونائب الغيبة والأمير فخر الدين الاستادار ، فالمحتسب بالقاهرة والمحتسب بمصر يأكل مايكسبه الباعة .. يجبى منهم بضرائب مقررة لمحتسبى القاهرة ومصر وأعوانهما ، فيصرفون مايصير إليهم من هذا السحت فى ملاذهم المنهى عنها، ويؤديان منه مااستداناه من المال الذى دفع رشوة عند ولاياتهما . ويؤخران منه بقية لمهاداة أتباع السلطان ليكونوا عونا لهما فى بقائهما، وأما القضاة فإن نوابهم يبلغ عددهم نحو المائتين مامنهم إلا من لايحتشم من أخذ الرشوة على الحكم ، مع مايأتون ــ هم وكُتَابهم وأعوانهم ــ من المنكرات بما لم يسمع بمثله فيما سلف ، وينفقون مايجمعونه من ذلك فيما تهوى أنفسهم ،ولايغرم أحد منهم شيئا للسلطنة ، بل يتوفر عليهم فلا يتخولون فى مال الله بغير حق ويحسبون أنهم على شىء ، بل يصرحون بأنهم أهل الله وخاصته افتراء على الله سبحانه) [45]. فالقضاه يظلمون ويفسقون ويأكلون الأموال بالسحت ويعتبرون أنفسهم مع ذلك ( أهل الله وخاصته ، افتراء على الله سبحانه) ، وهنا يشير المقريزى إلى المؤثر الصوفى الذى جعل القضاة ينهمكون فى الانحلال دون أمل فى التوبة .

             وإذا كان هذا حال القضاة والعلماء وهم القدوة فى الدين والأئمة فى الصلاة والسلوك فالطبقة العسكرية الحاكمة لا أمل فيها .

انحلال المماليك:

             كان المماليك اكثر طائفة تأثرت بالتدين السائد، خصوصا وقد جاءوا من بلادهم أطفالا سرعان ماتعودوا وتطبعوا بطابع المجتمع الذى عملوا فى خدمته صغارا ثم حكموه كبارا . إن المماليك حين اعتنقوا الإسلام أفرادا وأطفالا إنما اعتنقوا الإسلام إسما ورسما أما المضمون فالتصوف وعقائده وأخلاقه .

           والمماليك سواء كانوا سلاطين أم أمراء وقعوا فريسة للإنحلال خصوصا الشذوذ الجنسى الذى جعله التصوف تدينا ، وساعده عليه تحول المعسكرات التى تجمع صغار المماليك إلى أوكار لممارسة الشذوذ ، وهو نفس الدور الذى كان مؤسسات التصوف تلعبه .

السلاطين :

         1 ــ لم تبخل الحوليات التاريخيةالتى كتبت فى عهد السلطة المملوكية بالإشارة إلى انحلال السلاطين وشذوذهم الجنسى ، فيصف المقريزى السلطان فرج بن برقوق ( ت 815) ( بالتجاهر بالفسوق من شرب الخمر واتيان الفواحش والتجرؤ العظيم على الله جلت قدرته ، والتلفظ من الاستخفاف بالله تعالى ورسله ماتكاد الألسنة تنطق بحكايته لقبح شناعته)[46]. أى جمع بين شطحات التصوف وانحلاله الخلقى .

          2 ــ وقد يقلع السلطان عن الفسوق إذا مرض وعجز ، وذلك ماحدث للسلطان المؤيد شيخ (ت 822)[47].

         وبعضهم كان يتمادى فى التدين الصوفى فيتمادى فىالانحلال الخلقى فالظاهر ططر(ت824) كان مريدا للشيخ شمس الدين الحنفى وكان مشهورا فىنفس الوقت ( بمحبة الشباب)[48].

          3 ــ والسلطان برقوق أبرز مثل لهذا الجمع بين التدين الصوفى والشذوذ الجنسى والفساد السياسى ، فقد أوصى برقوق عند موته أن تعمر له تربة تحت الجبل ويوقف عليها الأوقاف ، وأن يدفن فى لحد تحت أقدام مجموعة من الأولياء الصوفية ليتشفعوا فيه ، وهم علاء الدين السيرامى وأمين الدين الخلووتى وعبدالله الجبرتى وعبدالكريم الجبرتى، وطبقا لتعاليم التصوف أوصى بتوزيع الصدقات ووعد بإبطال المظالم والكف عن أخذ الرشوة [49]. ومع ذلك فإن شهرة برقوق فى الشذوذ الجنسى أثرت على عصره والناس على دين ملوكهم سواء كانوا صوفية أو سلاطين يقول أبو المحاسن عنهم ( اشتهر فى أيامه اتيان الذكور ، من اشتهاره بتقريب المماليك الحسان لعمل الفاحشة فيهم) [50]. ووصلت شهرة السلاطين المماليك فى الشذوذ إلى خارج الدولة ، فالسلطان غازان التترى سأل الأمير حسام الدين المجيرى ( كيف تركت امراؤكم النساء واستخدموا المردان؟)[51]

الأمراء المماليك:

           1 ــ وكان المؤرخون أكثر صراحة فى وصف كبار الأمراء المماليك بالفسق ، وفى هذا المجال برز المقريزى بحدة ألفاظه فيقول عن الأمير قنباك( كان من سيئات الزمان جهلا وظلما وفسقا) ويقول عن الأمير ابن الطبلاوى وموته( أراح به الناس من ظلمه وفسقه وعتوه)[52]

          وفى نظرة سريعة لبعض صفحات السلوك نرى الآتى ( .. الأمير يشبك اليوسفى (ت824) (من شرار خلق الله لما عليه من الفجور والجرأة على الفسق) والأمير آق قجا (ت 824) كاشف الوجه القبلى فى عهد ططر وبرسباى ( افتض مائة بكر غصبا) الأمير ابن الرملى (ت 826) ناظر الدولة( من ظلمة الكتاب الأقباط وفساقهم) الأمير تيبك ميلق (ت 826) ( كان ظالما سخيفا ماجنا متجاهرا) الأمير سودون الأقىت827  ( كان عيبا كله) ،( لشدة بخله وكثرة فسقه وظلمه) ، الأمير تغرى بردى ت 827(ماهو إلا الظلم والفسق)، الأمير إينال الطوروزى ت828 (كان ظالما فاسقا) ، الأمير تاج الدين القازانى ت 839 والى القاهرة ( لم يعف عن حرام ولم يكف عن الإثم) ( ولقد كان عارا على جميع بنى آدم) الأمير سودون ت841( كان مصرا على مالا تبيحه الشريعة من شهواته الخسيسة) الأمير طوخ نازى ت843( من شرار خلق الله فسقا وظلما وطمعا)[53].

            ومن خلال تنويع المقريزى فى وصفهم بالفسق والظلم نتعرف على تجاهرهم بذلك إلى درجة أصبحت لازمة من لوازم السلطة ، وحتى من خدم السلطة من الأقباط اتصف بنفس الملامح كالأمير ابن الرملى.

           2 ــ وبعض الأمراء كبعض السلاطين خلط انحلاله الخلقى بانحلاله العقيدى ، ورأينا الناصر فرج يخلط الشطح بالفسق ، ومثله كان خادمه الأمير سيف الدين بلاط (ت 815) وصفه أبوالمحاسن فقال ( كان فاسقا زنديقا يرمى بعظائم فى دينه وكان يقول للناصر فرج .. أنت استاذى وأبى وربى ونبيى ، أنا لا أعرف أحدا غيرك ، وكان يسخر ممن يصلى ويضحك عليه )[54].

          ومثله الأمير شاهين الأفرم ( كان مشهورا بقلة الدين ، بل كان بعض الناس يتهمونه فى إسلامه ) مع إدمانه الخمر واللواط[55]. والأمير يشبك الموساوى ت 814 ( كان يتجاهر باللواط )[56]

         3 ــ وفى دراسة سريعة لتاريخ الهصر للصيرفى نرى هذه النوعية من الأمراء كالآتى : الأمير قانم نعجة (ت873) ( كان من الأشرار الظلمة ، كثير الفسق والزنا ، وإن سكر عربد) وخوند فاطمة بنت  الظاهر ططر لها علاقات متعددة وخلطت ذلك بالتحايل على أموال الناس ، الأمير طومان باى الظاهرى ت 874 ( كان ظلوما غشوما منهمكا فى اللذات ) الأمير تانى بك المحمدى ت872 ( كان يظلم نفسه كثيرا لانهماكه فى الملذات ) ثم الوزير قاسم ( ضبطه الوالى بالجزيرة ومعه امرأة ) [57].وكالعادة خلط بعضهم بين طريقه الصوفى وطريقه فى الانحلال  مثل الأمير بتمس الياجاسى الجركسى ( كان يحب الفقراء ويجالسهم ،ولكنه كان له ميل زائد فى الذكور)[58].

          4 ــ وواضح أن معرفة المماليك بالشذوذ كانت تبدأ مع بداية تعليمهم فنون الحرب يقول ابن كثير ( رسم السطان الناصر محمد بالمنع  من رمى البندق ، وألا تباع قسيها ولا تعمل ، وذلك لإفساد رماة البندق أولاد الناس ــ يقصد أولاد الأمراء المماليك وصغارهم وأن الغالب على من تعاناه ــ أى احترفه ــ اللواط والفسق وقلة الدين ، ونودى بذلك فى البلاد المصرية والشامية ) [59]. وكان ذلك سنة 733 والنماذج السابقة كانت بعد ذلك بأكثر من قرن .

جمال المملوك طريقة للوصول للمناصب:

           1 ــ وفى مجتمع تسيطر عليه آفة الشذوذ الجنسى ويتسارع أربابه على التجاهر بذلك يكون من المألوف اعتبار الجمال فى الذكور أهم طريقة للوصول إلى المناصب ، وقد عرضنا للسلطان برقوق واتهامه بحب الذكور، ولذلك يقول ابن حجر عن الأمير شيخ الخاصكى ت 801( كان جميل الصورة جدا ، فكان من أخص مماليك الظاهر برقوق به ) [60]. وعنه أيضا يقول السخاوى ( كان أجمل مماليك الظاهر برقوق وأقربهم إلى خدمته وأخصهم به ، وكان بارع الجمال فائق الحسن منهمكا فىالملذات )[61].

          ويقول المقريزى عن الأمير طنبرق أن السلطان المظفر حاجى( شغف به وأنعم عليه بإمرة مائة) وابن الأشرف خليل كان ( يهوى طغجى الأشرفى أحد مماليكه ، فقدمه وخوله وأنعم عليه بمال كثير ) وقال عن الناصر محمد ابن قلاوون أنه ربى طقتمر الدمشقى صغيرا ( وشغف بحبه شغفا زائدا ، فأمَره سنة 710 وأنشأ  له دارا جليلة )[62] .وأن الأمير سكربيه ت 824 ( أصبح من خواص السلطان المؤيد لجمال صورته )[63].

            ويقول أبوالمحاسن عن الأمير تغرى برمش ت 840 أنه كان يجلس عند بعض الخياطين تحت القلعة ثم أعجب به الأمير قرا سنقر لجمال صورته فتدرج فى المناصب [64]. وقال عن الأمير على باى ( كان خصيصا عند استاذه الملك الأشرف إلى الغاية لجمال صورته )[65].

           ويقول السخاوى عن يلخجا بن رامش ت 850 ( كان مفرط الجمال ، فأخذه السلطان الناصر فرج فجعله " خاصكى" ثم ساقيا واختص به جدا)[66] ويقول عن الأمير شاهين غزالى ( كان من خدام نائب قلعة دمشق ، فرآه جرباش المحمدى فأعجبه جمال صورته ، وأعلم الظاهر جقمق بذلك ، فراسل بطلبه فأرسله له سيده مع تقدمه ( هدية) وحينئذ أعتقه الظاهر وجعله خازنا ثم ساقيا، إلى أن عمله الظاهر خشقدم راس نوبة الجمدارية)[67]

          وعن نفس الأمير شاهين غزالى قول الصيرفى ( كان من خدام نائب قلعة دمشق ، فرآه الأمير كرد الناصرى فابتهج به ، وأعجبه جماله وحسن صوته وشكالته وقامته وهيفه وصار ذلك فى نفسه ، فلما عاد إلى القاهرة أعلم الملك الظاهر جقمق به ، فطلبه من سيده ، فأرسله مع تقدمه معه ، وكان صاحب هذه الدرجة أى شاهين غزالى من أجمل أبناء جنسه وجها وقدا ويدا وأعذبهم لفظا ، وبالجملة فإنه عديم النظير سيما على مايقال إذا انشرح وانبسط ، وكان منهمكا فى اللذات النفسية ، ويحب السماع الحسن ، وقد هام فيه الشعراء ومدحوه وقالوا شاهين غزالى ، فصار لايعرف إلا بذلك وترنموا فيه وكان فى الواقع كل من رآه يكاد لايفارقه لحسن مداعبته وكان يعاشر ابن رمضان ويحب البسط ولايفارقه )[68]. أما ابن اياس فقد أورد قول الشاعر فيه :

أيها العشاق اصغوا واسمعوا حسن مقالى       كل عاشق له غزال وأنا شاهين غزالى[69]   

          2 ــ وأثبتنا النصوص كما هى ولاداعى للتعليق ، ولكى نقرر أن الوباء شمل غير المماليك ، إذ أصبح الجمال فى الذكور وسيلة للوصول لدى غير المماليك ، فيقول العينىفى ترجمة جمال الدين التنسى ت 808 ( كان شابا جميلا خدم بعض الأمراء فتعصب له وولاه القضاء ، فقام جماعة من بينهم الجلال البلقينى على أهل الدولة وتحدثوا فيه لكونه لايليق فعُزل)[70]. أى كان الجمال من مصوغات تعيين القضاة أيضا .

          ويقول ابن حجر فى ترجمة الشيخ فتح الدين الحنفى ( كان بارع الجمال  فانتزعه برقوق .. وصار من أخص المماليك عنده وأسكنه عنده فاشتهر حينئذ وشاع ذكره)[71] أى تداخلت الفوارق بين المماليك والفقهاء طالما اشتركوا فى الجمال الذى أصبح  طريقا للوصول .

         3 ــويقول المقريزى فى حوادث سنة 735 وفيها كثر شغف السلطان ــالناصر محمد ــ بمملوكه الطنبغا الماردينى شغفا زائدا فأحب أن ينشىء له جامع)[72]. وتم انشاء ذلك الجامع تذكارا لهذه العلاقة الآثمة ، ولايزال جامع الطنبغا الماردينى قائما فى القاهرة حتى الآن شاهدا على هذه النوعية من التدين الصوفى .

          4 ــ وفى الوقت الذى استمرأ فيه الأغلبية هذا الإنحراف نجد الصورة الأخرى فى قلة من الأمراء الذين استهواهم فكر ابن تيمية مثل الأمير بران ت 757، والأمير جنكلى ت 746 الذى كان يميل إلى ابن تيمية ويتعصب له ، ولم يكن له ميل إلى المردان [73]. أى تميز بين أقرانه بعدم الميل للشذوذ الجنسى.

المدح بقلة الوقوع فى الفواحش :

1 ــ كان وجود الصوفى العفيف الطاهر نادرة من النوادر تستحق التسجيل ، نفهم ذلك مما قيل فى ترجمة الشيخ حيدر الرفاعى ( كان خيرا عما ترمى به أوباش الأعاجم ــ أى الصوفية المشارقة ــوكان قد اجتمع فيه خصال حميدة قلَ أن تكون فى أبناء جنسه ، من اقتدائه بالسنة ومحبته للصحابة وعدم ميله إلى لقيمة الفقراء ــ أى الحشيش ــ والمرد من الشباب [74].

2 ــ ونفس الحال مع المماليك كان أحدهم يمدح بأنه ( قليل الفسق) كما قيل فى ترجمة أقبغا شيطان [75] أو أن ( غير مشهور بارتكاب الفواحش ) [76].أو أنه لايمارس كل الفواحش بل بعضها ، فقد مُدح السلطان اينال ت 865 باشتهاره بحب الملاح من الصبيان إلا أنه كان يعف عن تعاطى المنكرات والمسكرات [77].أو يقال فى السلطان قايتباى علىسبيل الفخر( أنه كان لايلوط)[78]. وكما لوكان من الواجب المعتاد والمألوف أحدهم أن يقع فىالشذوذ ، بل يصل الأمر ببعضهم إلى أن يقسم بأغلظ الأيمان بأنه ( قط ما زنا فى عمره ولاط ولا ليط فيه)[79] وطبعا ذلك استثناء يحتاج إلى تأكيد وأقسام مغلظة وربما إلى شهود أيضا !!

3 ــ ثم كانت هناك قلة لم يشتهر عنها الوقوع فى الفواحش فوصفت ( بالتنزه عن القاذورات المحرمة كالخمر واللواط والزنا) مثل ابن الكويز وتنبق البجاسى ويلبغا الناصرى[80]. والزردكاش[81].أما الآخرون فقد أحدث انحلالهم الخلقى ضجة وصخبا فاستحقوا الخلود بين سطور التاريخ .

الشذوذ عاملا فى الفتن السياسية :

1 ــ وكما كان الشذوذ عاملا من عوامل الوصول للسلطة والنفوذ فإنه بالتالى كان من عوامل الفتن السياسية فى الدوائر الحاكمة من المماليك والقضاه والولاة .

          ففى سنة 737 اعتقل السلطان الناصر محمد الخليفة العباسى فى القاهرة وحبسه لمدة سنة ونصف السنة ، وذلك لأن الخليفة توصل إلى الإيقاع بحمدان، وهو أمرد حسن الوجه من حظايا السلطان ، فهجر حمدان السلطان وأقام عند الخليفة ،وتردد الأمراءعاشق حمدان إلى الخليفة فى مجلسه ، وأهملوا خدمة السلطان ( فاشتد غضب السلطان فضرب حمدان وضرب الواسطة بينهما ، واعتقل الخليفة وأولاده بالقلعة، ثم نفاهم إلى قوص)[82].

2 ــ وبعض الأمراء كان مرشحا للسلطنة إلا أن فتنته الشاذة أطاحت بآماله فى وقت حرج، كما حدث للأمير عز الدين الأفرم الذى كان مرشحا للسلطنة بعد مقتل طغجى وكرجى اللذين قتلا السلطان لاجين، وقد عين الأمراء الأمير سيلار بعد أن تخلوا عن فكرة تعيين  عز الدين الأفرم ،والسبب أن الأمير الأفرم لم يضبط أعصابه إذ( كان يهوى مملوكا من مماليك طغجى يقال له تستاى ، فلما قتل طغجى تغيب تستاى مدة وهو يتطلبه حتى أحضر إليه ، وهو جالس بشباك النيابة مع الأمراء ، فعندما عاينه لم يتمالك نفسه، فقام وأخذ بشعره وجذبه إلى خلوة ، والأمراء تنظر إليه ، فإشتد الإنكار عليه ، وأعرضوا عنه إلى سيلار ، ورتبوه بمجلس فى رتبة النيابة )[83].وقد كان ذلك فى عصر الدولة البحرية قبل أن يسود وباء الشذوذ وحيث كان هناك بعض الإنكار عليه

3 ــ وفى سلطنة الناصر محمد استخدم وزيره القبطى ( النشو) الاتهام بالشذوذ الجنسى وسيل لكيد خصومه ، وتمكن بذلك من عزل ضياء الدين من حسبة القاهرة. واستعمل خصوم (النشو) معه نفس الوسيلة فألقوا ورقة تتهم صهر النشو بأنه تعشق شابا تركيا اسمه عمير الذى كان معشوقا من قبل للأمير الماس ،وأن أقارب النشو أولعوا بهذا الشاب وأنفقوا أموالهم عليه ، وحقق السلطان مع النشو فأنكر ، فاعتقل الشاب وعوقب ، فأقر على كثيرين من الأعيان منهم أخو النشو فخشى الحاجب الذى يتولى تعذيبه على الناس من الفضيحة ، فقال للسلطان هذا الكذاب ماترك أحدا فى المدينة حتى اعترف عليه ، فنفى السلطان الشاب وأباه إلى غزة .

          وقد هجم ولى الدولة أخو النشو مع بعض أخوته على مملوك للأمير الطنبغا القاسمى واغتصبوه فضبطهم الطنبغا ، فما كان من النشو إلا أن اتهم الطنبغا بالشذوذ عند السلطان وتسبب فى نفيه للشام ، وفى هذه الأيام 738 عزل قاضى القضاه جلال الدين القزوينى لإتهام ابنه بكثرة اللهو والشراب وأخذ الرشوة ليعين القضاة ونحوهم بنفوذ أبيه ، واشتهر ذلك الإبن بسماع الغناء ومعاشرة الأحداث من أولاد الأكابر ومماليك الأمراء وتجاهر بالمنكرات فأخرجه السلطان للشام ثم أعاده حين توسط أبوه له ، إلا أن الإبن عاد لأقبح مما كان فيه فنفى ثانية ، وأعاده أبوه أيضا ليعود لنفس سلوكه ، واتهموه بأنه لا يولى القضاة إلا بعد أن يجتمع بأولادهم وبعد أن يرتشى منهم ( وصنع الشاعر الغزى فى ذلك قصيدة شنيعة)[84]. ولا داعى لذكرها..

4 ــ وقامت بعض الثورات والفتن بسبب ( تعرض المماليك لأولاد الناس فى بلادهم)، فالأمير شيخ الصفوى ت 801 قامت عليه ثورة فى القدس بسبب ( تعرضه لأبنائهم ، وإكثاره من الفساد )[85]. والأمير جانبك ( فسدت عليه أهل قبرص بسبب فسقه بأولادهم) وانتهى الأمر بقتله وفشل حملته على قبرص [86].

صورة المجتمع المملوكى

المنحل خلقيا

صورة القاهرة المملوكية :

          القاهرة كانت ــ ولاتزال ــ الوجه المعبر للمنطقة ، فيها مركز الحكم والفكر واهتمامات المؤرخين، وعلى وجهها تنعكس الأحوال الصحية والمرضية للعصر التاريخى الذى تحياه المنطقة .

         1 ــ وفى عصرنا المملوكى يقول الشاعر القاهرى الخفيف الظل البهاء زهير[87]

         تســــابقنــا إلى اللهــــو          ووافـــــينا بتــبكيـــر

         وفــــينا رب مـــحـــراب          وفــــــينا رب مــاخـور

         ومن قـــوم مــســـاتيــر          ومن قـــوم مــسـاخـــير

          والشاعر هنا يعطى صورة للمجتمع المملوكى القاهرى إذ يستيقظ الناس فيه مبكرين يتسابقون إلى اللهو لافرق بين عربى ولا عجمى إلا فى الدرجة فى التبكير، كلهم يتسابقون إلىاللهو منهم رجال الدين( رب محراب ) ومنهم رجال الفساد (رب ماخور ) وفيهم أهل الطبقات الراقية ( ومن قوم مساتير) والعوام ( ومن قوم مساخير).

2 ــوليس الشاعر مبالغا فى شىء وإنما ينقل ماكان يحدث فى الشارع المصرى ورددته المصادر التاريخية ،والمقريزى يقول عن القاهرة ( والفقير المجرد فيها مستريح من جهة رخص الخبز وكثرته ، ووجود السماعات والفُرج فى ظواهرها ودواخلها ، وقلةالاعتراض عليه فيما تذهب إليه نفسه يحكم فيها كيف شاء ، من رقص فى السوق، أو تجريد ، أو سكر من حشيشة أو غيرها ، أو صحبة مردان ، وما أشبه ذلك ، بخلاف غيرها من بلاد المغرب)  .

          فشوارع القاهرة مليئة بأماكن اللهو والحفلات ، والصوفى يتمتع بحريته ، يرقص كيف يشاء ويدخن الحشيش ويشرب الخمر كما يحلو له ، أو يمارس الشذوذ مع المردان ،إذا أراد ، ولا اعتراض عليه فيما يفعل ، والمقريزى ينقل وجهة نظر شيخه ابن خلدون حين أتى للقاهرة من المغرب وصدمه واقع القاهرة المنحل وقارنه بما يحدث فى المغرب .

          ثم يقول ( ولا ينُكر فيها إظهار أوانى الخمر ولا آلات الطرب ذوات الأوتار ، ولاتبرج النساء العواهر ، ولا غير ذلك مما ينكر فى بلاد المغرب) أى كانت القاهرة عاصمة للفن ، و"العواهر" وكل شىء فيها ظاهر للعيان.

         ثم يقول ( وقد دخلت فى الخليج الذى بين القاهرة ومصر .. فرأيت فيه من العجائب .. وربما وقع قتل فيه بسبب السكر ، وهو ضيق ، عليه فى الجهتين مناظر ، كثيرة العمارة بعالم الطرب والتهكم والمخالفة) . أى زار بعض أماكن الفساد وتعجب مما فيها من مشاجرات ومنازل للهو والمرح .

          ثم يقول عن المصريين فى عهده ( ومن أخلاقهم الإنهماك فى الشهوات والإمعان فى الملاذ وكثرة الاستهتار وعدم المبالاه ، قال لى شيخنا عبدالرحمن بن خلدون : أهل مصر كأنما فرغوا من الحساب ) ، وابن خلدون بحاسته النافذة يشير إلى الأساس الدينى الذى جعل المصريين ينهمكون فى المعاصى أكثر من غيرهم من بلاد المغرب . وهو اطمئنانهم على مستقبلهم فى الآخرة وأمنهم من الحساب والسبب واضح هو أن التصوف أرسى فى عقيدتهم أن الأولياء يفعون فى العصاة ــ والنبى أيضا ، إذن لا عليهم مهما بلغ انحلالهم الخلقى .                                    

ويقول المقريزى " ولقد كنا نسمع أن من الناس من يقوم خلف الشاب أو المرأة عند التمشى بعد العشاء بين القصرين ويجامع حتى يقضى وطره ، وهما ماشيان من غير أن يدركهما أحد لشدة الزحام واشتغال كل أحد بلهوه"[88].

         والمقريزى فى تلك اللوحة التاريخية الرائعة يرسم صورة للشارع المصرى فى عصره مليئة ، بالحركة والانحلال والصخب ومشيرا دون أن يدرى إلى الأسس العقيدية لتلك الحركة ، من التصوف وانعكاساته من عدم الاعتراض وعدم الخوف من الله تعالى مع الاعتقاد فى الشفاعة للعصاة .

         3 ــ وبازدياد سيطرة التصوف زاد الانحلال وعمَ . وبعد قرنين من الزمان يقول الشعرانى يصف عصره ( ونحن فى زمان وعد الشارع فيه بظهور المعاصى والفتن وكثرة الزنا واللواط والقتل وشرب الخمر وغير ذلك )[89]. ويأبى الشعرانى أن يتخلى عن عقيدته الصوفية وهى أساس البلاء ــ حين يتحدث متحسرا عن شيوع مفردات العصيان من الزنا واللواط والقتل والخمر ( ونحن فى زمان وعد الشارع فيه بظهور المعاصى) أى يعبر عن عقيدة وحدة الفاعل الصوفية التى تجعل المعاصى قضاء إلاهيا لامفرمنه ، ولا مسئولية على البشر من ارتكابه .

          وفى موضع آخر ينصح الشعرانى الحكام المعزولين بالتوبة ثم يقول ( وكثيرا ماتزول النعمة عن بعضهم بالذنوب التى كان يستهان بها لكثرة وقوعها كشرب الخمر والزنا واللواط والتعاون عند الحكام وإخراج الصلوات عن أوقاتها)[90].ومعناه أن الناس تعودوا العصيان حين أكثروا الوقوع فيه واعتادوه .

       إذن اتفقت الصورة عن الشارع المصرى المملوكى حين نقلها شاعر ومؤرخ وشيخ صوفى ، كل منهم عاش فى وقت مختلف فى العصرالمملوكى.

أهل الكتاب فى الميدان :

         ولم يتخلف أهل الكتاب عن التسابق إلى اللهو ، خصوصا فى الأعياد القبطية كعيد الشهيد والنيروز وشم النسيم ، إذ عرف العصر المملوكى إذابة الفوارق بين جميع الطوائف الدينية والاجتماعية فى ممارسة الانحلال.

         على أن بعضهم لم يكتف بممارسةالانحلال داخل طائفته ، وإنما انفتح على المسلمين يمارس الزنا واللواط بنساء المسلمين وأولادهم ، وبعضهم ضبط فى حالة تلبس فكان مصيره القتل ، وحين قتل استحق الخلود فى سطور الحوليات التاريخية ، ففى حوادث سنة 734( وجد بالقاهرة يهودى مع امرأة من بنات الترك ــ أى المماليك ــ فرجم اليهودى إلى أن مات وصودر ماله ، وحبست المرأة)[91]. وفى حوادث سنة 820 يقول المقريزى( أُمسك بالقاهرة نصرانى قد زنا بمسلمة، فرجم خارج باب الشعرية ، وأحرق العامة النصرانى ودفنت المرأة)[92].ويقول ابن حجر فى نفس الحادثة ( زنا نصرانى بمسلمة فرجم وأحرق النصرانى ، ودفنت المرأة)[93]. وفى حوادث سنة836 يقول ابن حجر ( ضربت رقبة نصرانى كان قد أسلم خوفا من الوالى لأنه ظفر به مع امرأة مسلمة ، ثم ارتد فقتل ، وأحرقت جثته)[94].ويقول الصيرفى فى نفس الحادث ( نصرانى وجده رجل مع زوجته فاحتمى عن القتل بإظهار الإسلام بلسانه، وبعد مدة ارتد ، فحكم بقتله)[95].. وواضح أن العقاب للكتابى كان أسرع وأشد ، أما المرأة فكان يخلى سبيلها أحيانا ، ويختلف الحال حين يكون الكتابى صاحب نفوذ وليس من العامة ، وقد سبق إيراد مافعله أقارب النشو الوزير النصرانى القوى فى عصر الناصر محمد ، وفى عهد الأشرف برسباى شكا أهل دمياط من ابن الملاح لأنه ( يتجاهر باللواط ، ويستخدم من كان جميل الصورة من أهل البلد) ويبالغ فى إظهار الفاحشة ( حتى أنه ربما قام بحضرة الناس فخلا به الشاب منهم بحيث لايواريه إلا جدار المخدع أو شبهه ، ثم يخرجان على الهيئة الدالة على المراد ، وكثر ذلك منه ، وأنف جماعة من الناس ومنعوا أولادهم من الخدمة عنده ، وهو يفسدهم بكثرة العطية ومعاقرة الخمر والغناء ، مع ماهو فيه من الجاه العريض ، حتى كان والى البلد يقف فى خدمته .. فقعد له مجلس بحضرة السلطان فأنكر ، فقامت عليه البينة ، فبادر وأسلم ونجا من العقوبة ).[96]

        وكان بمقدور الكتابى أن يمارس الرذيلة دون عقاب مع المحترفات ، وأغلبهن مسلمات ، وكانت الدولة المملوكية تأخذ عليهن الضرائب وذلك مايعرف ب( ضمان المغانى).

ضمان المغانى:

        1 ــ يقول عنه ابن أياس فى حوادث 778 ( أبطله الأشرف شعبان ، وكان قد بطل فى الزمان القديم وأعاده وزراء السوء لكثرة مايتحصل منه من المال الجزيل ، وهو عبارة عن مال كبير مقرر على المغانى من رجال ونساء ، فكان لاتقدر المرأة من المغانى تضرب بدف فى عرس أو ختان أو نحو ذلك إلا بإطلاق ــ أى تصريح ــ وعلى كل إطلاق مال مقرر للديوان المفرد ، وكان على كل مغنية مال مقرر تحمله إلى الضامنة ، وكان فى كل ليلة يدور على بيوت المغانى من جهة الضامنة لمعرفة من باتت منهن خارج بيتها، وكان مقررا على النساء البغايا ضرائب مقررة ، وكان ببلاد الصعيد والوجه البحرى حارات للمغانى والبغايات ، وكان هناك يظهر التجاهر بالزنا وشرب الخمر مايشنع ذكره ، حتى لو مر على تلك الحارات رجل من الغرباء من غير أن يقصد الزنا ، فتنقض عليه بغية من تلك البغايا التى فى الحارة وتلزمه غصبا بالزنا ، أو يفتدى نفسه بمبلغ حتى يخلص من يدها من الفعل القبيح إن فعل وإن لم يفعل ، وتقوم بما تأخذ منه من المبلغ مما عليها من الضريبة المقررة عليها فى كل يوم ) [97]                                                                         

          وواضح أن الدولة كانت تشجع الانحلال بفرض هذه الضريبة التى تدفع البغايا لاغتصاب الرجال ، ولم تفرق الدولة بين محترفات الغناء(المغانى) ومحترفات الدعارة (البغايا) فألزمت الجميع بدفع الضريبة رجالا ونساء بغايا ومغنيات ، ومعناه أن الفن كان من مظاهر الانحلال الخلقى وقتها حتى أن المغنية إذا باتت خارج بيتها دفعت الضريبة سواء غنت أو فجرت فلا فرق.

          2 ــ وصار وجود العاهرات فى الشارع المصرى أمرا مألوفا، يقول المقريزى عن القاهرة ( ولاينكر فيها إظهار أوانى الخمر ولا آلات الطرب .. ولا تبرج النساء العواهر)[98]. وعن الصعيد يذكر كاتب مناقب الفرغل أن بعضهم مر على البغايا( وهن مزينات مكشوفات الوجوه) أى تميزت العاهرات بكشف الوجه ، بينما تنقبت الأخريات[99] ، وقد سبق أن بيوت الدعارة قد تمتع بعضها ببركات المشايخ الصوفية مثل الشيخ وحيش الذى كان يتشفع فى الزناة ، والشيخ حسن الخلبوص الذى كان يحمل العاهرات فوق ظهره.

          وفى حوادث سنة 876  يقول الصيرفى أن السلطان قايتباى بلغه ( أن الخواطىء ــ أى العاهرات ــ يفعلن المنكر بالجنينة التى هى من أرض الطبالة ــ العباسية الآن ــ ففحص عن من يأخذ جعلهم ــ أى يفرض الضريبة عليهم ورسم بالكبس عليهم)[100]. ويقول البقاعى فى نفس الموضوع ( طلع ناس من العامة وشكوا من دويدار والى القاهرة ، وكان قد أقام ثلاثين امرأة للفسوق فى ناحية الجنينة وأرض الطبالة ، وقرر على كل امرأة منهن نصفا من الفضة كل يوم ، فظهر للسلطان صدقهم)[101]. وواضح أن الإنكار هنا سببه أن الوالى هو الذى كان يأخذ الضريبة لنفسه دون السلطان.

          3 ــ وقد أبطل ضمان المغانى عدة مرات ، أبطله الظاهر بيبرس سنة 656هـ حين أراق الخمور( ومنع النساء الخواطىء من التعرض للبغاء من جميع القاهرة ومصر وسائر الأعمال المصرية ...) ( وحبست النساء حتى يتزوجن) ثم أبطله الناصر محمد سنة 715  ثم أبطله برقوق من بعض المناطق[102]. وكان ضمان المغانى يعود دائما ، أو حسبما يقول ابن أياس ( وكان قد أبطل فى الزمان القديم وأعاده وزراء السوء لكثرة مايتحصل منه من المال الغزير ).

        ويقول المقريزى فى حوادث سنة 827( وفيه تُُتُبعت البغايا ، وألزمن بالزواج ، وألا يزاد فى مهورهن عن أربعمائة درهم من الفلوس ، ونودى بذلك فلم يتم منه شىء)[103].ومن الطبيعى ألا يتم شىء مع وجود تلك النداءات والتسهيلات ، فلم يتزوجن ولم يقلعن عن الفحشاء لأن وجودهن ضرورة فى مجتمع يدين بالتصوف الذى شاهدنا جذور الانحلال الخلقى تشكل أساسا فى عقيدته وفى شريعته وفىنظام حمكه الفعلى.

         4 ــ وظلت مصر تتميز بفرض ضريبة البغاء حتى أواخرالعصر العثمانى ، يقول كلوت بك عن العاهرات ( كان وجودهن فى الديار العثمانية نادرا جدا ، ولكن مصر ــ التى خالفت ممالك الشرق فى أكثر من حال من أحوالها العامة ولاسيما فى ارتخاء حبل الأخلاق ــ تجاوزت الحد، فلم تقتصر على قبول العهارة وإجازتها، بل كانت تجبى من العاهرات مبلغا جسيما يدفع سنويا لخزانة حكومتها ، وكانت طائفة العاهرات فيها إلى حد قريب منا طائفة معروفة ذات رؤساء يهيمون عليها ، وأنظمة خاصة تسير على منهاجها)[104].

المخنثون المصابون بالشذوذ الجنسى:

          1 ــ وقد شملت ضريبة المغانى النساء العاهرات والمخنثين وابن أياس يقول عن ضمان المغانى ( وهو عبارة عن مال كبير مقرر على المغانى من الرجال والنساء) ومن أنواعه مايعرف " بشد الزعماء" وهو ضريبة يقول عنها المقريزى ( مقرر على كل جارية أو عبد حين نزولهم بالخانات لعمل الفاحشة ، فتؤخذ من كل ذكر وأنثى مقدار معين)[105].ومعناه أن الخانات حفلت بالمخنثين والبغايا لطلاب المتعة الحرام بنوعيها السوى والشاذ، وكان أولئك من الجوارى والعبيد لمن لايستطيع أن يشترى جارية أو مملوكا خاصا به، وأما السادة فلهم بالطبع قطعانهم الخاصة ، وفيما بين السادة المكتفين بمماليكهم والعوام المترددين على الخانات فقد كثر الترافق بين أصحاب الشذوذ ، يقول المقدسى الرجائى ( وأما زماننا فقد كثر فيه الفساد ، واكتفت الرجال بالمردان )[106].

2 ــ وبانتشار هذا الإثم لم يعد عيبا أوعارا بل صارت له آدابه خصوصا وقد أضفى عليه التصوف المسحة الدينية ، يقول ابن القيم( ولما سهل الأمر فى نفوس كثير من الناس صار كثير من المماليك يمتدح بأنه لايعرف غير سيده ، وأنه لم يطأه سواه كما تمتدح المرأة بأنها لاتعرف غير سيدها وزوجها ، وكذلك كثير من المردان يمتدح بأنه لا يعرف غير خليله وصديقه أو مؤاخيه ، أو معلمه ، وكذلك كثير من الفاعلين يمتدح بأنه عفيف عما سوى خدنه الذى هو قرينه وعشيره كالزوجة أو عما سوى مملوكه الذى هو كسريته أى مثل سريته ، أى مملوكته) [107]

3 ــ وتكاثر المخنثون من أصحاب الشذوذ السلبى ، وبعضهم وصل بذلك إلى بعض المناصب ، فذكرته المصادر التاريخية وذكرت ماقيل فيه من شعر ماجن ، مثل أمين الدين الغيطى ت 844 هـ الذى( كان عشيرا للرؤساء والأعيان ، لايبرحون من منادمته ساعة واحدة) وقد اشتهر بذلك فقيل فيه أبيات بذيئة ، أخفها ماذكره ابن أياس :

                      قيل أن الأمين أضحــى رفيعا          قلت كفـوا فليس هـذا حقيـقة

                      كـيف يبــدى تكبــرا لأناس        وأقل العــبـيـد يعلو فـوقـه

      وبعضهم أصبح شيخا صوفيا فقال فيه ابن النقيب الشاعر ونعتذر عن اضطرارنا للنقل :

رُب علــق صـــار شيخـا يـــدعى دينـا وعفة

قال لـى من ليس يدربـــه ولا يعـــرف وصفــه     

ذا لــــه حـــال وكشـف ذالــه حــج ووقفه

قلـت له كـم بينى وبـين الشيخ قبل الكـشف كـشفه[108]

وقال فى آخر :

علـق ترهـب خـــده وتصـوفا       ورأى وأبعـد فـيه قلبى واشتـفا[109]

ويقول الشاب الظريف فى أحد القضاة المخنثين :

                    صـدودك هل له أمـد قــريب          ووصلك هل يكـون ولا رقـــيب

                    قضــاة الحسن ماصنعى بطرف         تمنى مــثله  الرشــــأ الرتيب

                    رمى فـأصــاب قلبى باجتهـاد        صـدقتم كـل مجــهد مصـــيب  [110]

         4 ــ وحذر الصوفية من الاعتراض على المخنثين ، يقول الشعرانى أن من المنن عليه عدم اعتراضه على المخنثين ( لأنهم أصحاب أمراض ، فربما ازدراهم أحد ، فابتلاه الله بمثل ما ابتلاهم به)[111]. أى أنه كالعادة جعل الله مسئولا عن وجود هذه الطائفة .

         5 ــ وسبب وجود هذه الطائفة فقد كتب بعضهم ساخرا ( والمصريون يتنافسون فيه ــ أى الشذوذ السلبى ــ ويتفاخرون به ، ويعتبرونه منقبة سامية ومرتبة علية ، وإذا إدعاه مدع ، ممن لا يعتزى إلى مجد شريف ولا ينتمى إلى منصب منيف دفعوه عنه وأنفوا له منه ، وقالوا بأى أبويه استحق هذه المنزلة ، أم بأى رياسة وصل إلى هذه المرتبة ، وإذا وصفوا إنسانا برقة الحال قالوا : فلان يبوس ملتفتا)[112]. وقد اخترنا أخف النصوص .

انحلال النساء من غير المحترفات :

         وفى عصرنا المملوكى تضاءل الفارق بين المرأة العادية والمرأة المحترفة ، فطالما فسد الرجال فلابد أن تفسد النساء لأن الانحلال الخلقى عملة واحدة لها وجهان متلازمان .

        1 ــ وقد ساعد على كثرة انحلال المرأة هو خروجها من البيت ترتدى النقاب مطموسة الشخصية تبحث عن الانحلال ، وكان خروجها من البيت عادة دائمة للبحث عن المتعة إلى درجة أن السلطة المملوكية تدخلت تحاول ــ دون جدوى ــ منع النساء من الخروج ، وفى حوادث  سنة 793هـ  (أشهر النداء بالقاهرة بمنع النساء من الخروج ، وعدم اجتماعهن مع الرجال فى مركب للفرجة ، وعدم ذهابهن للقرافة يوم العيد ، أى مكارى أركب امرأة وُسط بلا معاودة )[113]. أى هددوا المكارية ، أى الحمَارين بالتوسيط ، أى القطع نصفين إذا أركب أحدهم امرأة على حماره . وكل ذلك لحصر الانحلال داخل البيوت فقط.

          وفى حوادث سنة 835 منع والى القاهرة دولات خجا خروج النساء والمُرد من بعد العشاء ، وشق ذلك عليهن حتى قالت بعضهن( راحت دولة عمر وجت دولة خجا) ، والمقصود أن دولة عمر بن الخطاب ذهبت ، ولكن جاءت دولة الأمير خجا ، أى أن النساء يسخرن من ذلك الأمير . يقول الصيرفى ( وحرموا علقا أو قحبة تخرج من العشاء)[114]

        وفى العام التالى تولى منكلى الحسبة فىالقاهرة فى سلطنة المؤيد شيخ، فشدد على النسوة فى عدم الخروج ، وألفن فيه أغنية تقول :

         لاتمـــسـك طـــرفـــى            مـــنـكــلـى خـــلفــــى

        علـقــتــو مـــايتـــين            قلَ مـــــايعـــــــــفى[115]

         أى سخرت النساء منه بتأليف الأغانى التى تعبر عما كان يحدث فى الشوارع والأزقة ، وفى سنة 841 إثر الطاعون ، اتبع السلطان برسباى نصيحة بعض العلماء، ومنع خروج النساء من بيوتهن ، وتهدد من خرجت من دارها بالقتل[116]. وتكرر ذلك سنة 844 [117] .وفى سنة 848 حين حاول المحتسب يار على إلزام النساء بيوتهن تأسيا بمن كان قبله ، ولكن دون جدوى ، فيقول السخاوى فى ذلك ( وياليتها كانت القاضية إذ خروج النساء من قبله كان أعم ، والله يعلم المفسد من المصلح) [118].

        لقد تعودت المرأة المصرية الخروج إلى حيث أماكن التجمهر والخلاعة ، كما لاحظ الجوبرى فى كتابه فى كشف الأسرار[119].

        2 ــ ويقول ابن الحاج عن نساء عصره ( فهن يخرجن فى الغالب فى الأيام والليالى الشريفة كليالى الجمعة سيما المقمرة منها ، ويقمن فيها يوم الجمعة ويرجعن يوم السبت ، هذا بالإضافة إلى يوم عاشوراء والعيدين وليلة النصف من شعبان ، ثم أضفن يوم الأثنين لزيارة الحسين ، ويوم الأربعاء لزيارة الست نفيسة ، ويوم الأحد لحضور سوق مصر ، فلم يتركن الإقامة فى البيت فىالغالب إلا يوما واحدا وهويوم الثلاثاء . وفى القرافة تختلط الرجال بالنساء فى سماع الواعظ أو الواعظة فى الغناء والسماع ، فإذا وصلن البلد تنقبن واستترن ،وصار ذلك عادة تستتر المرأة فى البلد ولا تستتر فى القبور أو الطريق إليها)[120].إذن هو خروج يومى من البيت ويقترن بالمبيت خارج المنزل عند الأضرحة الصوفية وفى المناسبات الدينية وذلك يتضمن الاختلاط بالرجال ، أى سهولة الوقوع فى الفاحشة ، ولذلك كانت تحرص الدولة على تحريم خروجهن .

        وطالما اصطبغ خروجهن بالصبغة الدينية فى مواسم وأماكن دينية فلا يمكن منع هذه العادة ، ويقول ابن الحاج أنهن فى القرافة كن يختلطن بالرجال أى أصبحت القرافة كما يذكر السخاوى الصوفى ( مجمعا للنسوان ومحلا للعب)[121] . وذلك للنساء المتنقبات غير المحترفات .

        3 ــ وكانت النساء يذهبن للحمامات أيضا ، وقد عدَ المقريزى بعض الحمامات الخاصة بالنساء ، وبعضها يفتح للرجال أول النهار وللنساء فى آخر النهار[122].وعن طريق الحمامات كانت تلتقى النساء ويتناقلن آخر الأنباء ، وتقوم القوادات بمهمتهن خير قيام ، وفى بابة أومسرحية ( طيف الخيال) لابن دانيال شخصية القوادة أم رشيد الخاطبة ، التى ( كانت تخرج بالليل خاطبة ، لأنها تعرف كل حرة وعاهرة ، وكل مليحة بمصر والقاهرة ، ولأنهن يخرجن من الحمامات متنكرات فى ملاحف الخدامات ، وتعيرهن الثياب والحلى بلا أجرة ، أقود من مقود)[123].فابن دانيال يذكرأنهن كن يخرجن من الحمام متنكرات فى زى الخدم ، وتصحبهن القوادة إلى الموعد المتفق عليه ، وهنا هو دور الحمام والتلاقى فيه . بين المرأة والقوادة ، وحيث تجهز القوادة بثياب التنكر للمرأة وتحدد لها مكان وزمان اللقاء المحرم.

         وكانت النساء يخرجن أيضا لمناسبات الأعراس والختان والموالد ،وكانت الدولة تعلم أن اجتماع النساء مع الرجال فى هذه المناسبات معناه الانحلال ، ولذلك فرضت عليها ضريبة المغانى ، وقد سبق إيراد قول ابن أياس عنه( وهو عبارة عن مال كبير مقرر على المغانى من رجال ونساء، فكان لاتقدر امرأة من المغانى تضرب بدف فى عرس أو ختان أو نحو ذلك إلا بإطلاق) ، أى ضريبة ،ونفس الضريبة كانت تدفعها المرأة صاحبة العرس يقول المقريزى(كان على النساء إذا تنفسن أو أعرسن أو خضبت امرأة يدها بالحناء ، أو أراد أحد أن يعمل فرحا لابد من مال بتقرير تأخذه الضامنة )[124]. أى أن الدولة تعترف بأن أى تجمع فيه نساء يعنى الانحلال ، فتفرض عليه ضريبة المغانى.

        4 ــ والصوفية كانوا زينة المجالس فى مناسبات الأفراح ، وفى  العصر الذى كتب فيه ابن أياس أن المغنية لاتضرب بدف فى عرس أو ختان إلا بعد أن تدفع ضريبة المغانى ــ كتب الشعرانى فى نفس الوقت يعيب على شيوخ عصره حضور هذه المناسبات التى كانت مرتعا للفسق ، يقول( ويقبح على من شابت لحيته من العلماء والصالحين وصار قدوة للناس أن يحضر مع الأطفال والفساق فى مواضع لهوهم)[125]. ولكن أولئك الذين( شابت لحيتهم) من شيوخ الفسق من المتعذر عليهم أن يتوبوا عنه ، خصوصا إذا اعتبروه تدينا، ولذلك فإن صيحة الشعرانى ذهبت سدى لأن حضور الأولياء الصوفية هذه المناسبات كان مدعاة للتفاخر والإسراف فى إعداد الطعام وتوافد الرجال والنساء والصبيان ، مما يعنى بالتالى كثرة الانحلال ، يقول الشعرانى( دخل كثير من إخواننا الحبوس بسب التزويج وعمل الأعراس والعزومات وهم عليهن دين)[126]. أى بسبب الإسراف والسبب يكمن طبعا فى حضور الأولياء المشهورين ، يقول الشعرانى معلقا( حتى صار الناس يتخاصمون فى أن زفة فلان أكبر من زفة فلان)[127]. والشيوخ ومريدوهم هم الذين يجعلون للزفة " قيمة".

        5 ــ ولاننسى أن الشيخات اللائى كن يقمن حفلات الذكر الصوفى كن يدفعن ضريبة المغانى شأن العاهرات ، أى أن الدولة كانت تعرف أن تلك السماعات الصوفية كانت ستارا للفسق يذهب إليها النساء( متزينات) حسبما يحكى ابن الحاج ، وفى تلك الحفلات كانت المرأة تخرج عن كل التزام بدعوى الجذب والوجد حين الذكر أو الرقص الصوفى ، يقول ابن الحاج ( ويأخذهن الحال بزعمهن ، وتقوم المرأة وتقعد وتصيح بصوت ندى، وتظهر منها عورات ولو كانت فى بيتها لمُنعت ، فكيف بها فى الجامع بحضرة الرجال ؟ فنشأ عن ذلك مفاسد جملة ) أى أن بعض السماعات الصوفية أقيمت فى الجوامع وحضرها النساء مع الرجال ، وأتيح فيها للنساء الرقص والغناء والصراخ تحت شعار الجذب، ومع وجود النقاب على الوجه، فقد كان من المتاح أن تنكشف جزءا من جسدها، ولاتهتم طالما تكفل النقاب بإخفاء شخصيتها ، ثم يضاف لذلك دور المنشد الصوفى فى إغواء النساء ، يقول ابن الحاج ( وبعض المغنيين كان يبالغ فىأسباب الفتنة ، فيتقلد العنبر بين ثيابه لتشم رائحته ، ويجعل على رأسه فوطة من حرير لها حواش عريضة ملونة يصففها على جبهته ،ولهم فى استجلاب الفتن بمثل هذا أمور يطول ذكرها ..ثم يقول يصف أثر المنشدين فى غواية النساء (فإن ذلك يحرك عليهن ساكنا لما ورد أن الغناء رقية الزنا، وهن ناقصات عقل ودين ، سيما إذا انضاف كون المغنى شابا حسن الصورة والصوت ، ويسلك سلك المغنيات فى تكسيرهم وسوء تقلباتهم ، مع ماهو عليه من الزينة بلباس من الحرير والرفيع )أى كان المنشد يتبذل فى إغواء النساء بالمظهر والحركة والصوت . وكانت النساء يرقصن مع الرجال ومع المردان يقول ابن الحاج ( يرقص بعضهم مع بعض رجالا ونساءا وشبانا) خصوصا فى ليلة 27 رجب[128]. أى أن هذه الكيفية عرفت أيضا الرقص المشترك بين الرجال والنساء والمخنثين.

القوادات :

       وفى هذا الجو الإباحى كان للقوادة دورها ، وفى حوادث سنة716 أنه كان لأحد الأمراء المماليك دار تسمى دار الزعيم ،وله ناس يدورون على جوارى الناس وعبيدهم يفسدونهم ويهربون ، فإذا هربت الجارية أو العبد يأتون إلى دار الزعيم عند باب زويلة[129]. ولايستطيع أحد استعادة الجارية أو المخنث الهارب.

وفى حوادث سنة 874 أنه كانت إحدى العاهرات تسمى نفسها بإسم إحدى الأميرات ( وتدور للفساد على العام والخاص) فلما سمعت بها الأميرة شكتها للسلطان ، وأنها أتلفت إسمها ، فطلبها السلطان ، فأحضرها هى وأخاها والعجوز التى كانت تقود عليها، والمكارية الذين كانوا يركبونها)[130]. وسبق أن كان للقوادات دور مع بقية النساء وأنهن كن يتحايلن على الفسق بالتخفى بزى الخادمات ، ودور القوادات يتضح أكثر فى قصص ألف ليلة وليلة المستوحاة من المجتمع المملوكى.

       والمرأة المملوكية كانت تتمتع بحرية مطلقة فى الإنحراف إذا شاءت طالما أدت حق الدولة فى ضمان المغانى ( فلو خرجت أجلٌ امرأة فى مصر تريد البغاء حتى نزلت إسمها عند الضامنة وقامت بما يلزمها ، لما قدر أقدر أهل مصر على منعها من عمل الفاحشة [131] .على حد قول المقريزى، أى أن الدولة تحرض المرأة على الفسق وتحميها إذا انحرفت.

رسوم الولاية وحقوق القينات :

       وحرصت الدولةالمملوكية على تتبع بيوت الانحراف التى لاتدفع ضريبة ، فاخترعت لذلك(رسوم الولاية) يقول عنها المقريزى( وكانت جهة تعلق بالولاة والمقدمين ، فيجيبها ــ من الجباية ــ المذكورين من عرفاء الأسواق وبيوت الفواحش ، ولهذه الجهة ضامن ، وتحت يده عدة صبيان ،وعليها جند مستقطعون وأمراء وغيرهم ، وكانت تشتمل على ظلم شنيع وفساد قبيح وهتك قوم مستورين وهجم بيوت أكثر الناس )[132] . أى هجمت السلطة المملوكية علىبيوت أكثر الناس والقوم المستورين التى تمارس فيها الرذيلة بعيدا عن إذن السلطة وضرائبها  وكان أولئك( العرفاء) يعرفون بيوت الأعيان المستورين فيهجمون عليها ويكشفون خفاياها .

         وكما كانت هناك ضريبة لبيوت الأكابر المستورين هى رسوم الولاية ، كانت هناك ضريبة أخرى على بيوت العامة اسمها حقوق القينات ( وهو عبارة عما يجمع من الفواحش والمنكرات ، فيجيبه مهتار الطشت خانه السلطانية من أوباش الناس )[133]. أى تساوى المصريون من عوام ومستورين وأقباط ومسلمين أمام عادة الرذيلة.

        ولازلنا مع المقريزى الذى يؤكد هذه الحقيقة عن المصريين من قومه ، حين يقول ( وأما أخلاقهم فالغالب عليها اتباع الشهوات والانهماك فى الملذات .. ورجالهم يتخذون نساء كثيرات ، وكذلك نساؤهم يتخذون عدة رجال ، وهم منهمكون فى الجماع ، ورجالهم كثيرو النسل ، ونساؤهم سريعات الحمل) ثم يقول ( ومن أخلاق أهل مصر  قلة الغيرة .. أخبرنى الأمير الفاضل ناصر الدين الكركى أنه منذ سكن مصر يجد فى نفسه رياضة فى أخلاقه ، وترخصا لأهله ، ولينا ورقة طبع من قلة الغيرة )[134] . أى أنه تطبع بأخلاق  المصريين فى العصر المملوكى الصوفى وذهبت حميته.. وفيما بعد وصف بباحث مصرى المرأة المصرية بأنه ( أكثر شبقا من جميع النساء)[135].

إدمان الحشيش:

         1 ــ عمل الصوفية على نشر الحشيش بين طوائف المجتمع ، فألفوا لذلك أحاديث نسبوها للرسول منها( أن فى بلاد الهند أوراقا مثل آذان الخيل فكلوا منها فإن فيها منفعة)[136]. وانتشر الحشيش بين الناس يحمل صفته الصوفية ( لقيمة الفقراء) ( حشيشة الفقراء) ( لقيمة الفكر والذكر ).

2 ــ ويعزو المقريزى انتشار الحشيش فى مصر إلى مجىء أحمد بن أويس سلطان بغداد إلى مصر فارا من تيمور لنك ، وقد كان مدمنا للحشيش فانتشر إدمانه فى القاهرة ، كما أن بعض صوفية الأعاجم( صنع الحشيشة بعسل خلط فيها عدة أجزاء مختلفة كعرق اللقاح ونحوه ،وسماها العقدة ، وباعها بخفية فشاع أكلها ، وفشا فى كثيرمن الناس عدة أعوام ، فلما كان سنة 815 شنع التجاهر بالشجرة الملعونة ، فظهر أمرها واشتهر أكلها وارتفع الاحتشام من الكلام بها حتى لقد كادت أن تكون من تحف المترفين ، وبهذا غلبت السفالة على الأخلاق وارتفع ستر الحياء والحشمة من بين الناس ، وجهروا بالسوء من القول تفاخروا بالمعايب)[137].

         وقبل ذلك نحو قرنين من الزمان (أبطل السلطان بيبرس ضمان الحشيشة وأمر بتأديب أهلها )[138]

         وروىالمقريزى أن نائب السلطنة بمصر وقتها وهو عزل الدين الحلى تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة بطلها مدمن حشيش[139]. ومعناه أن المصريين عرفوا إدمان الحشيش منذ القرن السابع أى ببداية العصر المملوكى ، وأن ذلك عم بمرور الزمن طيلة العصرين المملوكى والعثمانى، حتى يقول كلوت بك فيما بعد عنه( يأكله المصريون ويشربونه ويدخنونه فى القهاوى العامة وفى حوانيت خاصة به تسمى المحاشش)،( والمصريون أميل للحشاشين من غيرهم)[140].ويقول المثل الشعبى الحديث ( مايقطعش بالحشاشين ، يفرغ العنب بيجى التين) أى لايخلو الحشاشون من عناية تحف بهم فإذا انقضى أوان العنب ظهر التين [141].

          3 ـ ويقول المقريزى عن طريقة استعماله ( ورأيت الفقراء ــ أى الصوفية ــ يستعملونها على أنحاء شتى ، فمنهم من يطبخ الورق طبخا بليغا ويدعكه باليد دعكا جيدا حتى يتعجن ويعمل منه أقراصا ، ومنهم من يجففه قليلا ثم يجمعه ويفركه باليد ويخلط به قليلا من سمسم مقشور وسكر ويستفه ويطيل مضغه ، فإنهم يطربون عليه ويفرحون كثيرا ، وربما أسكرهم)[142]. وهى نفس طريقة الاستعمال التى حافظ عليها المصريون حتى القرن الحالى حسبما يذكر أحمد أمين فى ( قاموس العادات المصرية)[143].

         4 ــ ويقول المقريزى عن أماكن إدمان الحشيش ( وكان قد تتبع الأمير سودون الشيخونى الموضع المعروف بالجنينة من أرض الطبالة ــ أى العباسية الآن ــ وباب اللوق وحكر واصل ببولاق وأتلف هنالك من هذه الشجرة الملعونة، وقبض على من كان يبتلعها من أطراف الناس ورذائلهم ، وعاقب على فعلها بقلع الأضراس فقلع أضراس كثير من العامة فى نحو سنة ثمانين وسبعمائة)[144].

          وورد فى كتابات الشعرانى أن الأولياء الصوفية المتهمين ببيعها كانوا موجودين فى باب اللوق. إذن اشتهرت باب اللوق بإدمان الحشيش حتى يقول المثل الشعبى فى العصر المملوكى ( ذكروا مصر بالقاهرة ، قامت باب اللوق بحشاشيها)[145].

        5 ــ وفى القرن التاسع ــ عصر تسيد التصوف وإدمان الحشيش ــ وقع كثير من المماليك فى شراك الحشيش ، فالسلطان المؤيد شيخ ت824 وصف بالميل (إلى شرب الراح واستعمال الأشياء المخدرة وأكل الحشيش المستقطر)[146]. وقيل عن الأمير ابنسيفا الشويكى ت839( كانت عيناه من الحشيش كأنهما جمرتان)[147].وقال أبو المحاسن عن الأمير جانبك التاجى ت868 ( كان يستعمل لقيمة الفقراء الخضراء)[148].أى الحشيش حسبما سماه الصوفية ونشروه.

         6 ــ ويتحدث المقريزى عن أثر إدمان الحشيش فى معاصريه فيقول ( فما بُلى الناس بأفسد من هذه الشجرة الملعونةلأخلاقهم ، وقال بعضهم اعتبرتها فوجدتها تورث السفالة والرذالة ، وكذلك جربنا فى طول عمرنا من عناها ، فإنه ينحط فى سائر أخلاقه إلى مالا يكاد أن يبقى له من الإنسانية شىء البتة) ويقول عن أثرها فى المجتمع حين انتشرت (وفى سنة 815 شنع التجاهر بالشجرة الملعونة، فظهر أمرها واشتهر أكلها وارتفع الاحتشام من الكلام بها، حتى لقد كادت أن تكون من تحف المترفين ، وبهذا غلبت السفالة على الأخلاق وارتفع ستر الحياء والحشمة من بين الناس وجهروا بالسوء من القول وتفاخروا بالمعايب )[149]. وأحد الصوفية الحشاشين يعبر بصدق عن أثر الحشيشة الذى أشار إليه المقريزى فيقول . ونعتذر مقدما عن النقل :

            لو قــــال لى خــــالقـى تمــنى          قلت لــه ســـــائلا بصـــدق

            أريــد فـى صـــــبح كل يـــوم          فتــوح خــــيــر ياتــى برزق

            كف حـــشـــيش ورطــل لحم          ومن خـبـــــز و(ن(؟) ك) علق  [150]

        فخلط الكفر بالانحلال الخلقى .

      7 ــ وكانت أماكن الحشيش هى بؤر الانحلال الخلقى فى العصر المملوكى ، وكانت صلة الحشيش بالشذوذ الجنسى وثيقة جدا كما يبدو فى الشعر ، وأهونه مايقوله أحدهم :

            ومـهـفهف بادى النفار عهدته          لا التــقـية  قط  غـيـر مـعـبس

           فـرأيتــه بعض الليالى ضاحكا           سهل  العـريكة ريضـا  فى المجلـس

           فـقضــيت منه مآربى وشكرته          إذا صـــارمن بعــد التنـافر مؤنسى

           فــأجابــنى لاتشـكرن خلائقى        واشـكر شفيعك فهـو خمر المفلــس

           فحشيشة الأفراح تشفع  عنـدنا            للعاشـــقين ببــــسطها للأنفـس

           وإذا هممت بصيد ظبى نافـــر           فأجهد بأن  يرعى  حشيش القنبـــس

          واشكر عصابة حيدر إذا ظهــروا           لـذوى الخلاعة مذهب المتخمـــس

        وحيدر هو الشيخ الصوفى الذى اكتشف الحشيش ، ويقول شاعر آخر :

          دع الخمر وأشرب من مـدامة  حيدر          مـعـنبرة خضراء مثل الزبرجــد

          يــعاطيكها ظــبى من الترك أغيد          يميس على غصن  من ألبان  أملد[151]

الخمـــر:

         ومع انتشار الحشيش فلم يؤثر ذلك على سوق الخمر إذ أن مسرح الانحلال اتسع لكل الأصناف ، وكانت مناسبات الانحلال وسنعرض له ــ فرصة للجمع بين الحشيش والخمر والزنا والشذوذ . وبعض الصوفية اشتهر بالخمر ففى مناقب الشاذلى أنه كان له ولد سكير يحظى بحماية والده الشيخ[152]. وابن المرحل الذى كان يناظر ابن تيمية ضبط مع جماعة يشربون الخمر[153]. والشيخ أبوبكرالزقاق ( الرائد الصوفى) سمى بالزقاق لأنه كان يبيع الخمر[154]. وكان أحد الصوفية فى الخانقاه البيبرسية مسرفا على نفسه مجاهرا بالمعاصى وانتهى أمره بالغرق وهو ثمل سنة 852 [155].

         وكان من شعائر المملكة فى عصر السلطان برقوق ــ المتحمس للتصوف ــ شرب القمز ( وهو سكر ، وهو من شعائر المملكة ، يجتمع الأمراء فى شربه فى الميدان تحت القلعة فى كل يوم أحد ويوم أربعاء ، وكل أحد منهم فى منزلته)[156].

        وكانت قصائد الخمريات الصوفية تنشد فى مجالس الأنس والخمر ، خصوصا قصائد ابن الفارض مما دعا بعض الصوفية من محبى ابن الفارض إلى اختراع اسطورة لتهديد أولئك المنشدين ، حرصا على قدسية ابن الفارض من جهة وحتى ولا تعطى فرصة لإثارة الانكار على شعر ابن الفارض كما حدث من البقاعى من جهة أخرى . وتقول تلك الأسطورة أن مداحا أنشد خمرية ابن الفارض فى مجلس خمر ( فحول الله تعالى بوله وغائطه إلى أنفه وفمه حتى مات )[157]. وهو تجديد مقزز فى التفكير الصوفى فى اختراع الكرامات .

من أنواع الشذوذ :

          وفى العصر المملوكى ــ عصر التحرر من كل شىء والغلو فى الانحلال ــ لم يكتف فيه الناس بممارسة نوع واحد من الشذوذ ــ وهو وطء الذكران ــ وإنما تعدوه إلى مالا يخطر على بال عاقل .

         1 ــ وقد أفاض الصفدى فى شرح أنواع الشذوذ الجنسى فى عصره من السحق والبدال والجلد وأتى بمالا يستطاع ذكره[158]. وفى ( بابة طيف الخيال) لابن دانيال كتب قصيدة من خمسة وسبعين بيتا تحوى كل الأنواع البهيمية العجيبة من الشذوذ الذى مارسه مع الكلاب والجمال والأطفال والنساء وكل دواب الأرض ماعدا العقرب والزنبور.[159]

        2 ــ وقد اشتهر الكاتب القبطى ابن مماتى فى الدولة الأيوبية بكتابه ( الفاشوش) الذى سخر فيه من شخصية الأمير قراقوش باختراع حكايات يشنع فيها عليه ، وفى القرن العاشركتب السيوطى ملخصا لكتاب الفاشوش أضاف إليه حكايتين ليستا فى الأصل استوحاهما مما شاع فى العصر المملوكى من انحراف شاذ ،منها أن أحدهم ضبطوه مع حمارة فأمر قراقوش بأن تعاقب الحمارة أيضا ، والحكاية الأخرى أن امرأة اشتكت إليه أن زوجها( يأتيها من خلف فقال: جزاه الله خيرا ، ثم ألبسه خلعة وطاف به فى شوارع المدينة ، ينادى عليه هذا جزاء رجل قنع بثقب زوجته عن أولاد الناس ) ( فمات الرجل من الخجل).[160]

        3 ــ والشذوذ مع الحيوانات ــ والذى أشار إليه السيوطى ــ مارسه بعض الأولياء على قارعة الطريق مثل الشيخ على وحيش الذى ( كان إذا رأى شيخ بلد أو غيره ينزله من على الحمارة ويقول له أمسك لى رأسها حتى أفعل فيها ، فإن  أبى شيخ البلد تسمر فى الأرض لايستطيع أن يمشى خطوة ، وإن سمع حصل له خجل عظيم ، والناس يمرون عليه )[161]

        والشعرانى يروى هذه الحكاية لكى يحول شذوذ الشيخ وحيش إلى كرامة ، بمثل ما رواه عن الشبلى وهو أحد رواد التصوف فى القرن الثالث ، وقد دخل خرابة فوجد فيها حمارة ( فراوده الشيطان عليها، فلما أحس الشبلى بذلك صاح وقال يامسلمون يامسلمون الحقونى واخرجوا عنى هذه الحمارة فإنى أعرف ضعف نفسى عن سلوك طريق الصيانة )[162].

         فالشبلى كان ضعيفا أمام الحمارة لم يستطع منع نفسه عنها فإستغاث بالمسلمين أما الشيخ وحيش بعد الشبلى بسبعة قرون فقد أعطى نفسه ماتريد على قارعة الطريق.

        4 ــ وانتشر بالتصوف ( صحبة الأحداث) و( الشذوذ مع النساء) ، والغزالى فى القرن الخامس يجعل من آداب الجماع ( ألا يأتى زوجته فى غير المأتى فهو أشد تحريما من اتيان الحائض)[163]. إلا أن فقهاء التصوف بعد الغزالى حاولوا إضفاء الشرعية على هذا الشذوذ ،مما حدا بابن الحاج فى القرن الخامس لأن يقول  ( وليحذر أن يفعل مع زوجته أو جاريته هذا الفعل القبيح الشنيع الذى أحدثه بعض السفهاء وهو أتيان المرأة فى دبرها .. وليتهم اقتصروا على ذلك لكنهم نسبوا ذلك للجواز ) واستدل ابن الحاج بكثير من الروايات التى تحرم ذلك[164]. وكان ابن القيم أشد الناس هجوما على أولئك الذين أجازوا ذلك الشذوذ ونسبوه إلى مذهب مالك ، وقد رد عليهم ابن القيم[165].فى كتابه( إغاثة اللهفان).

         5 ــ وفى داخل مجتمع النساء انتشر نوع آخر من الشذوذ وهو السحاق الذى يقابل اللواط ، وقد أورد الصفدى عدة روايات عنه نستحى من ذكرها ، وأهون منه ماذكره ابن دانيال على لسان الخاطبة أم رشيد فى بابه طيف الخيال تقول : ( ياولدى عندى صبية كأنها الشمس المضيئة ، إلا أنها نفرت من زوجها الأول من ألم الإفتضاض وداوتها القوابل بدواء ماض . وكانت بسلامتها قد ألفت السحاق وتعودت به من دار معلمتها أم اسحق ، والعهد هى معذورة إذ نفرت من البعل ، وألقت النعل على النعل )[166]. على أن السحاق لم يخترعه الصوفية أو العصر المملوكى ، وإنما كان معروفا فى مجتمع العراق فى العصر العباسى من قبل ، خصوصا بين قطعان الجوارى فى القصور ، وتفصيل ذلك يخرج عن موضوعنا .

بؤر الانحلال:

        اختاروا أروع الأماكن لممارسة الانحلال الخلقى ، يقول السخاوى عن النيل ( وأعلم أن النيل من النعم العظام والآيات الجسام اللائق مقابلتها بالشكر والخضوع والذكر ،لابما يفعل من الركوب فى الشخاتير ( أى المراكب) والتجاهر بالمناكير ، بحيث زيد فى ذلك على العهد وفاق على العد ولله در المظفر بيبرس (الجاشنكير) حيث منع من الركوب فى الخليج للنزهة بل لمن تكون له حاجة ، لما ينشأ عن ذلك من الفساد وليته دام ، كما رام ما أبطله أيضا من موسم عيد الشهيد حيث كان يحدث فيه الفسق والفجوروالمجاهرة بالمعاصى أمر عظيم )[167].

         وكان يحدث دائما أن يحاول بعضهم القضاء على الانحلال الخلقى فى هذه الأماكن ولكن سرعان ماتعود الأمور إلى ماكانت عليه ، ففى حوادث سنة 782 قيل للأمير بركة ( قد كثر الفسق والمعاصى فى الخلجان وبركة الرطلى وقد خرجوا فى ذلك على الحد) فأمر بركة بوضع سلاسل الحديد على أفواه القناطر لتمنع المراكب[168]. وفى سنة832 تتبع الأمير قرقماس صاحب الحجاب( مواضع الفساد فأراق الخمر وحرق الحشيشة المغيرة للعقل ، وهدم مواضع ، ومنع من الإجتماع فى مواضع الفساد)[169]. ونتوقف مع أهم تلك المواضع:

بولاق:

        انحسر النيل بعد سنة 570 فأظهر جزيرة الفيل وتقلص المياه عن سور القاهرة الذى ينتهى إلى المقس وصارت هناك رمال وجزائر كان يمر فيها النيل وقت الفيضان فقط ، ثم بدأت العمارة فى هذه المنطقة بتشجيع الناصر محمد سنة 713 فصار ساحل النيل حتى منية السيرج منتظما بالعمائر، وتنافس الناس فى الإقبال على اللذات والإنهماك فى المسرات ( مما لايمكن وصفه ولايتأتى شرحه) ثم حدث لها الخراب بعد سنة 806 فأصبحت على حد قول المقريزى ( كيمانا موحشة وخرائب مقفرة ، كأن لم تكن مغنى صبابات وموطن أفراح وملعب أتراب ومرتع غزلان، تفتن النساك هناك ، وتعيد الحليم سفيها)[170]

        ويقول ابن اياس ( كان الفسق قد كثر ببولاق جدا حتى خرج الناس على الحد ، وقد أصابها حريق فتلاشى أمرها)[171]. واستعادت بولاق مكانتها فى عالم المجون بعد سنوات من موت المقريزى ، ففى حوادث سنة 865( خرج الناس عن الحد فى الفتك والقصف بسبب الفرجة فى بولاق ، ونصبوا هناك الخيام حتى سددوا رؤية البحر يقيمون فى الرمل ليلا من نساء ورجال ، وهم فى غاية التزخرف ، فهجم عليهم المنسر على حين غفلة ونهبوهم فى منتصف الليل)[172]

         وفى نفس العام حين توقف النيل وخشيت السلطة المملوكية ( غضب الله) فاعتقلوا كثيرا من الفساق فى بولاق وجرسوهم ( ومن جملتهم ابن قاض القضاة القاياتى ، فشُهر مع غيره)[173]

       ومن آثار بولاق حتى عصرنا الراهن ( روض الفرج) وذكرياته الماجنة.

       إذن لم تفلح الحرائق ولا غارات اللصوص أو هجمات السلطة المملوكية أو حتى توقف النيل من استمرار مسيرة الانحلال الخلقى فى بولاق النيل.

أرض الطبالة :

      وإلى جانب بولاق من ناحية الشرق تقع أرض الطبالة ( العباسية الآن ) .وسميت كذلك لأن الخليفة الفاطمى المستنصر كان قد أقطعها لإحدى المغنيات التى أشادت بالفاطميين وهى تدق له الطبلة ، فسميت ( أرض الطبالة ).

       والمقريزى يقول عنها ( كانت من أحسن منتزهات القاهرة) ويمر النيل إلى جانبها الغربى ، وكانت رؤيتها من العجائب بما فيها من مناظر وبساتين ، ثم خربت فى غلاء سنة 696 فى سلطنة كتبغا ، ثم بدأ الناس فى عمارتها ثانيا سنة 711، وازداد عمرانها بعد حفر الخليج الناصرى سنة 725 ومروره إلى جانبها ، ثم أصابها الغلاء بالخراب سنة 777 وبقى منها فى عهد المقريزى مايعرف بالجنينة( تصغير جنة) يقول عنها المقريزى ( من أخبث بقاع الأرض ، يعمل فيها بمعاصى الله عزوجل ،وتعرف ببيع الحشيشة التى يبتلعها أراذل الناس ، وقد فشت هذه الشجرة الخبيثة فى وقتنا هذا فشوا زائدا، وولع بها أهل الخلاعة والسخف ولوعا كثيرا ، وتظاهروا بها من غير احتشام بعد ما أدركنا تُعد من أرذل الخبائث وأقبح القاذروات وماشىء فى الحقيقة أفسد بطبائع البشر منها، ولاشتهارها فى وقتنا هذا عند الخاص والعام بمصر والشام والعراق تعين ذكرها والله أعلم)[174]

        إذن اشتهرت أرض الطبالة بتخصصها فى عصر المقريزى فى إدمان حشيشة الفقراء، ثم نافستها ( بركة الرطلى) فى كل شىء.

بركة الرطلى:

      يقول عنها المقريزى ( هذه البركة من جملة أرض الطبالة) فقد ترتب على حفر الخليج الناصرى أن اتصل النيل ببركة الطوابين فامتلأت وسميت ببركة الرطلى نسبة إلى رجل يصنع الأرطال الحديد كان يعيش فى زاوية إلى جانبها ، وأقيم جسر بين البركة والخليج الناصرى وأقيمت البيوت على الجسر ، وصارت المراكب تعبر للبركة آتية من الخليج وهى تحمل أرباب الخلاعة والمجون ، يقول المقريزى ( وصارت المراكب تعبر إليها من الخليج الناصرى .. فتمر هنالك ، وللناس أحوال من اللهو يقصر عنه الوصف ، وتظاهر الناس فى المراكب بأنواع المنكرات من شرب المسكرات وتبرج النساء الفاجرات واختلاطهن بالرجال من غير إنكار ، فإذا نضب ماء النيل زرعت هذه البركة بالقرط وغيره ، فيجتمع فيها من الناس يومى الأحد والجمعة عالم لايحصى لهم عدد).

       وقد تعرضت البركة للمحن فى المجاعات ولكن بقيت تؤدى دورها فىعصر المقريزى يقول( وأدركت بهذه البركة من بعد سبعين وسبعمائة إلى سنة ثمانمائة أوقاتا انكفت فيها عمن كان بها أيدى الغير.. ثم لما تكدر جو المسرات وتقلص ظل الرفاهية من سنة ست وثمانمائة تلاشى أمرها، وفيها إلى الآن بقية صبابة ومعالم أنس)[175]

       ثم عادت لبركة الرطلى شهرتها بعد موت المقريزى فأعيد السماح للناس بالسكن فيها وفتح الجسر وعادت ليالى بركة الرطلى كما كانت ، حتى أن الوزير العبادى لكى يوفرالأموال للسلطان خشقدم اصنطع طريقة جديدة للمصادرة سنة 868 هى أن يصادرالسكارى من الرؤساء فى بركة الرطلى ، فهجاه الناس هجاءا فاحشا[176]. ثم تمت شهرة بركة الرطلى فى نهاية العصر المملوكى حين زرع الحشيش فيها سنة 915، يقول ابن اياس ( ومن النوادر اللطيفة أن بركة الرطلى زرعت فى هذه السنة حشيشا وهذا لم يتفق قط ، وكان الذى زرع الحشيشة كمال الدين بن قوسان ،وقد استأجر أرض بركة الرطلى فكان كل من دخل إليها يبتهج بذلك ، ولاسيما أصحاب الكتبة من الحشاشين فجاءت إليها الناس أفواجا يتفرجون على ذلك الحشيش ، وقد وضع من أهله محله ، حتىعد ذلك من النوادر الغريبة ، وفيه يقول بعض الشعراء:

            تناهت بركـــة الرطلى حـسنا          وصارت جنة فـيها عروش

            وقد زرعوا الشوانق فى ثراهــا         يبدو نسيمها طلع الحشيش[177]

        والنص لايحتاج إلى تعليق ..                                              

        وبالتطور الجديد فى بركة الرطلى سكنها كثيرون من رجال الدولة والقضاة وأنفقوا أموالهم على الفسق والإدمان مما حدا بالسلطان الغورى للتدخل حرصا على الأموال ففى حوادث سنة 917 أى بعد زرع الحشيش بعامين فقط ـ قام الغورى بمنع جماعة من المباشرين من أن يسكنوا بركة الرطلى ( وضيق عليهم فى ذلك) وقال لهم( أنتم تضيعوا مالى فى بركة الرطلى فلا يسكن أحد منكم بها ، فلم يسكن أحد من المباشرين فى هذه السنة حتى ولا القضاة ، فكانت بركة الرطلى فى هذه السنة فى غاية الإهمال وقلة البهجة)[178]. أى طالما هجرها الأعيان والقضاة...

         ولم يستمر ذلك شهورا ، فقد عين السلطان الغورى الزينى بركات محتسبا ، وكان ساكنا ببركة الرطلى ، وحدث أن السلطان غضب عليه واعتقله ثم أفرج عنه ، فأقامت له بركة الرطلى مهرجانا ، ويقول ابن إياس عن الزينى بركات بعد الأفراج عنه ( وكان ساكنا ببركة الرطلى فزينت له بيوتها وزغردت له النساء ولاقته الطبول والزمور ومغانى النساء)، وأصبح لبركة الرطلى نفوذ بوجود المحتسب الزينى بركات ونفوذه الزائد ، وقدمرض السلطان الغورى وعندما عوفى أمر الزينى بركات سكان بركة الرطلى بالإحتفال بشفاء السلطان ، وقامت المغانى بالدور خير قيام فانطلقت " الزغاريدوالطبول والزمور فى المراكب " ثلاث جمع متوالية ، وصار يقع بالبركة من القصف والفرجة مالايحصى وصفه ولاسيما وصار أمر سلطانى .. وصار يقع فى البركة كل ليلة أمور غريبة من سماع .. وأشياء حافلة .."[179]

        وظلت بركة الرطلى تؤدى دورها حتى قيام الثورة المصرية سنة 1952م

دور العبادة فى بؤر الانحراف الخلقى:

         وقد يبدو أثر التصوف فى ذكر الانحلال الخلقى على النيل غير الواضح . هذا إذا تجاهلنا الصبغة الدينية فى الانحلال الخلقى فى عقيدة التصوف . إلا أن حركة الحياة على النيل فى العصر المملوكى عبرت عن فلسفة التصوف فى الجمع بين العصيان والتدين دون تعارض .ففى بؤر الانحلال على شاطىء النيل أقيمت دور العبادة كما أن مؤسسات التصوف من زوايا وأضرحة ومساجد مورس فيها الانحلال .

         وقد اشتهرت باب اللوق ببيع الحشيش وتعاطيه وفى باب اللوق أقيمت زاوية اليونسية من الفقراء الأعاجم الذين نشروا الحشيش ، كما اشتهر فيها جامع الطباخ[180].

        وحين انحسر النيل وأظهر ساحل بولاق وأصبح مسرحا للانحلال لايمكن وصفه ولا يتأتى شرحه كما يقول المقريزى فإن العمران اتسع للمساجد ودور العبادة كما اتسع للعصيان وعبادة الشيطان ، ففى بولاق جامع الخطيرى ، وكان مكانه قبل ذلك دارا للفسق عرفت ( بدار الفاسقين لكثرة مايجرى فيها من أنواع المحرمات ) ، ثم هدمت وأقيم مكانها جامع الخطيرى فلم ( يزل هذا الجامع مجمعا يقصده سائر الناس للتنزه فيه على الناس ويرغب كل أحد فى السكنى بجواره) وسماه منشئه باسم( جامع التوبة) ثم هدم بعد ذلك المسجد ، وأطلق اسم ( جامع التوبة) على مسجد آخر بجوار باب البرقية فى خط بين السورين ( كان موضعه مساكن أهل الفساد).

         وفى بولاق أيضا جامع الأسيوطى ( بطرف جزيرة الفيل فى بولاق) وأنشىء حين عمرت بولاق ، وأنشأ ابن صارم شيخ بولاق جامع " ابن صارم" وأنشأت الست مسكة جامعا لها على الخليج الكبير ، بالإضافة إلى جامع الباسطى ورباط داود بن إبراهيم وزاوية إبراهيم ابن الصائغ التى تطل على بركة الفيل وكان شيخها( عز الدين العجمى ت 723 يعرف بصناعة الموسيقى وله نغمة لذيذة وصوت مطرب وغناء جيد)

         وعلى مقياس النيل أقيمت زوايا كزاوية ابن منظور وزاوية القصرى والأساسىوالركراكى وجامع أحمد الزاهد الذى كان مشهورا بتخصصه فى وعظ النساء.

         وعلى الخليج الذىيصل مابين النيل ببولاق وأرض الطبالة أقيمت مؤسسات صوفية للعباد كان أشهرها زاوية أبى السعود بن أبى العشائرعلى حافة الخليج خارج القنطرة وإلى جانبها زاوية الحمصى ثم زاوية الجاكى وزاوية الظاهرىثم خانقاه ابن غراب .. ثم إذا اقتربنا من أرض الطبالة وجدنا جامع الكيمختى المعروف بجامع الجنينة (على شاطىء الخليج من جملة أرض الطبالة ) ثم إذا توقفنا عند بركةالرطلى عاصمة الانحلال الخلقى رأينا المقريزى يقول عنها ( وفيها عدة أسواق وحمام وجوامع تقام بها الجمعة وأقبل الناس على التنزه بها أيام النيل والربيع وكثرت الرغبات فيها) ، ويتحدث ضمن الجوامع عن جامع بركة الرطلى ويربط بين بداية تعميرها وإنشاء جامعها الصوفى بضريحه المقصود بالزيارة يقول ( لما عمرت بركة الرطلى أنشىء هذا الجامع وفيه قبة تحتها قبر يزار وهو قبر الشيخ خليل بن عبد ربه) وكان الذى تولى عمارة هذا الجامع أحد الوزراء الظلمة الذى (أخذ الأموال بأنواع الظلم ) على حد قول المقريزى.

            أى اقترن الانحلال الخلقى بالظلم وتقديس الأولياء ، ثم يقول المقريزى عن جامع بركة الرطلى ( وهذا الجامع عامر بعمارة ماحوله) وهى إشارة لطيفة تربط عمران الجامع باستمرار تواجد الناس فى بركة الرطلى وما حولها من انحلال خلقى ، وذكر المقريزى جامعا آخر فى بركة الرطلى هو جامع صاروخا[181]. وبعد عصر المقريزى يذكر ابن إياس أن الولى الصوفى الدشطوطى أنشأ له جامعا فى أرض الطبالة ، وأن السلطة المملوكية عملت بإشارته وفتحت الخليج ليصل بالبركة وتسير فيها المراكب[182].

         لقد كان انشاء المؤسسات الدينية أكبر دليل على الأنغماس فى الانحلال الخلقى ليس فقط للتكفير عن الذنوب والتماس شفاعات الأولياء ولكن لأسباب صوفية أخرى يعبر عنها المقريزى حين يذكر ضمن حوادث سنة 735 ( وفيها كثر شغف السلطان ( الناصر محمد) بمملوكه الطنبغا الماردينى شغفا زائدا فأحب أن ينشىء له جامعا)[183]. فبالتصوف لم يعد الشذوذ الجنسى معصية بل أصبحت المكافأة عله إقامة مسجد.

أماكن دينية للانحلال الخلقى:

          وكما انتقل التصوف بمؤسساته إلى أماكن اللهو على النيل انتقل الانحلال إلى مؤسساته التىانتشرت فى ربوع العمران المصرى .

الزوايا :

        وقد تجمع الصوفية فى الزوايا التى أقامتها له الدولة أوتلك التى أنشأوها بأنفسهم ليتمتعوا بحريتهم فى ممارسة عقائدهم ، ومنهم من جعل تلك الزوايا مستعمرات للانحلال الخلقى وقصر علىذلك طريقة الصوفى كما كان المطاوعة يفعلون فى زواياهم وقد عرضنا لهم وحاول الصوفية الآخرون الدفاع عنهم والتخويف من الاعتراض عليهم كما يحكى الشعرانى حين أنكر بقلبه ( على مايفعله القلندرية فى زاويتهم) فيزعم " فإذا بشخص متربع فى الهواء يقول لى تنكر على القلندرية وأنا منهم"[184].

         وحتى فى الزوايا التىأقامها لهم رجال الدولة فإن رجال الدولة أنفسهم كانوا يعرفون مايجرى فى تلك الزوايا، وسبق أن ذكرنا أن الوزير توبة بن على غضب علىأحد مشايخ الخوانق حين رفض إلحاق أعرابى بالخانقاه برغم توسط الوزير فسأل الوزير الأعرابى بضع أسئلة أمام الشيخ كان من بينها ( ماتعرف ماتلوط بالمردان؟) فقال العرابى : بلى فقال له الوزير: صوفى أنت طول عمرك)[185]. أى أن شهرة الزوايا الصوفيةفى اللواط كانت مسموعة .

         وقد حاولت الكرامات الصوفية أن تستر ماكان يحدث فى الزوايا الصوفية من شذوذ جنسى ،من ذلك ماترويه أسطورة كرامات طويلة عن أحدهم أنه دخل دارا صوفية فيها أربعمائة شاب كلهم من سن خمس عشرة سنة ثم صاروا يجتمعون فى السماعات ثم بعد تفصيلات طويلة ومعجزات تنتهى القصة بقوله

( فإذا البلد قد أرجف بأخذ الفقراء وكان السبب فى ذلك أن الشيخ قد نهى أصحابه أن يجتمعوا على تلك الصورة ، وكان ذلك بسبب مخالفتهم الشيخ)[186].

          وفى القرن التاسع اشتهرت زاوية الشيخ المتبولى بأنها وكر للشذوذ خصوصا وأن المتبولى كان مبتلى بالإنكار عليه فى هذه الناحية كما يذكر الشعرانى فى ترجمته ، وقد ترجم المؤرخ السخاوى للمتبولى وقال عنه:( أكثر ماأنكر عليه اختلاط المردان من أتباعهم بغيرهم سيما وكان البرهان العجلونى يتوجه للإقامة هناك برسم إقراء الطلبة ( أى بحجة تعليم الطلبة) .. والله أعلم بهذا كله )[187].وكان البرهان العجلونى متهما بالشذوذ.

         وحاول الشعرانى ــ بتأليف الكرامات ــ الدفاع عن شيخه المتبولى حين يذكر أن جماعة من فقهاء الأزهر أقاموا عنده فى الزاوية فوجدوا عند الشيخ مملوكين من المردان ينامان مع الشيخ فى الخلوة ، وأن رجلا عشق أمرد فهرب الأمرد إلى إبراهيم المتبولى فوضعه فى خلوته فبلغ ذلك الرجل فغير هيئته وادعىالتصوف والتحق بالزاوية عند المتبولى فأدخله  مع ذلك الأمرد[188].

          وكان من عادة المخنثين من الصوفية المقيمين فى الزوايا أن يتزينوا كالنساء مما دعا بعض الأشياخ من غير المدمنين لهذا اللون من الانحلال أن ينكر ذلك ، فكان أبو الحسن بن الصايغ يقول( لاينبغى للمريد إذا كان جميل الوجه لا لحية له أن يجلس قط مع الرجال إلا فى حلقة الشيخ ، ولايكتحل بالكحل الأسود ولا يتطيب ولا يلبس اللباس الفاخرة ، وإنما الأدب أن يلبس الثياب الخشنة والمرقعات لاسيما إن أقام فى الزاوية ) وفى نفس الوقت كان يحذر الآخرين فيقول ( إياكم والتساهل بالنظر لشىء من الصور الجميلة فإن كل نظرة تورث فى القلب حسرة وظلمة )[189].

         وضاعت نصائح ابن الصايغ ، فبعده بثلاثة قرون كان محمد الشناوى يقول( لاينبغى للمريد أن يجالس الأمرد الجميل ولايسكن هو وإياه فى خلوة واحدة ما أمكن ، فليحذر العاقل من مجالسة الأحداث إلا فى حلقة الذكر أو الدرس بحضرة الشيخ أو الأخوان الصالحين مثلا ، لكن مع غض البصر )[190]. ومعناه أنهم كانوا يعايشون المردان صباح مساء فى الخلاوى ، وأنهم كانوا يعاملونهم كالنساء بحيث يعتبرون النظر إليهم شهوة ينبغى التحرز منها ، حتى أن ابن عنان حين أراد أن يمدح شيخه مازن قال كلاما عجبا:

         (خدمت الشيخ نحو عشر سنين فطلعت لحيتى وكملت ولم يشعر بذلك حتى أخبره الناس بذلك فنظر إلى وجهى من ذلك الوقت )[191]. ولايمكن أن نصدق أن الشيخ مازن وضع وجهه فى الأرض عشر سنين حتى لايرى وجه خادمه ابن عنان ولكن المبالغة فى مدح عفة الشيخ بهذا الأسلوب فيه اتهام واضح للأشياخ الآخرين الذين تنظر أعينهم إلى المريدين المردان ، ولايعقل أن يكتفوا بمجرد النظر إليهم بشهوة وهم يساكنونهم فى الزوايا وطوع أمرهم ويعتبرهم الأشياخ " شواهد" على الإله عندهم .

        ورأى شمس الدين الحنفى ــ كما يروى الشعرانى ــ ( شابين أمردين ينامان فى خلوة فلم يفش عليهما أمرا ، وصار يحكى الحكايات المناسبة للتنفير عن مثل ذلك)[192]. ولم تكن للحنفى شهرة للشذوذ السلبى . مع أن ذلك وصل لزاويته .

         واشتهر أبو العباس الغمرى ـ 905 بأنه ( لايمكن أحدا صغيرا يمزح مع كبير، ورأى مرة صبيا يغمز رجلا كبيرا فأخرجهما من الجامع ورمى حوائجهما، وكان لايمكن أمرد يؤذن فى جامعه أبدا حتى يلتحى ) [193].ويبدو أن الغمرى كان ينكر مااعتاده الناس فى مؤسسات التصوف بدليل أنه تشدد فى منع مااعتاده الناس حتىالصبيان الذين تجرأوا على الشيوخ بمثل ماحكاه الشعرانى .

          والشعرانى يفتخر بما فعله أبو العباس الغمرى ويفلسف الموضوع من وجهة نظره فيقول( كان محمد الغمرى من أشد الفقراء فى عصره غيرة على جناب الفقراء ، وكان قد جعل للأطفال الذين هم دون البلوغ مقصورة يقرءون فيها، لايدخل عليهم فيها غير الفقيه والعريف ، وجعل للرجال رباطا لايدخله غيرهم ، وجعل الشبان البالغين مكانا لايدخله غيرهم ، وكان لايمكن أحدا منهم ينام مع أخيه فى خلوة ، ويقول احفظوا قلوب العامة عن اللوث فى عرض الفقراء قياسا على حالهم)[194]

         إذن قام الغمرى بعملية " فصل عنصرى "بين المريدين فى زاويته ، فجعل الصبيان فى مستعمرة والشباب فى أخرى والرجال فى ثالثة ، ولم يمكن أحدا من اقتحام خلوة الآخرين وذلك حتى يواجه الفضائح الصوفية التى انتشرت عن أفاعيل الصوفية فى الزوايا ولسان حاله كما يفلسف الشعرانى يقول( احفظوا قلوب العامة عن اللوث فى عرض الفقراء قياسا على حالهم ) وكلمة ( قياسا على حالهم ) فيها الاعتراف الكامل بأن حال الفقراء الصوفية فى عصر الشعرانى كان الشذوذ فى الزوايا.

        والشعرانى يفتخر على صوفية عصره بأنه لم يقع فى اللواط ، ويفتخر بأنه صحب جماعة من الأشياخ ممن لايشك أحد فيهم من جهة المال أو العيال يقول(فلو ترك أحدهم عند عياله فى محل خلوة لايخطر بباله قط أنه يراودهم عن أنفسهم ، ومع ذلك فلايمكنهم قط من الجلوس مع عياله إلا بحضرته ، صيانة لهم عن التهمة وصيانة لعياله عن لوث أهل الفساد بهم ، قياسا على أنفسهم)[195]

        فالشعرانى مع اعتقاده فى عفة أشياخه إلا أنه لايوافق على ترك عياله عند واحد منهم ، ويحتج بأن ذلك صيانة للأشياخ وللأولاد معا، ونحن لانوافق الشعرانى فى هذا التعليل ،ونتفهم رفضه لترك أطفاله مع أشياخه خصوصا من كان منهم على طريقة شيخه إبراهيم المتبولى .

       وبعض الصوفية الذين تحرزوا على أطفالهم كالشعرانى لم يكتفوا بالتحرز من الأشياخ الآخرين وإنما فتشوا الحمامات التى كانت تطفح بالشذوذ الجنسى ، فيقول الشعرانى عن الشيخ أبى الفضل بن أبى الوفا أنه كان إذا طلب عياله الحمام ينزلهم بالليل فى زورق من الروضة إلى مصر العتيقة ، ويجدف بهم وحده ، ثم يطلع بهم إلى الحمام ، فيدخله قبلهم ويفتش جميع أركانه من المستوقد إلى السطوح ثم يخرج من يكون هناك ، ويغلق باب الحمام ويجلس على بابه[196]. وهذه الحمامات كانت معدة للرجال فحسب ، ولكن شيوع الانحلال الشاذ جعل الأشياخ الصوفية الذين ينكرون هذا اللون يتخوفون علىأولادهم إلى هذا الحد.

الأضرحة:

          وكان غالبا مايدفن الشيخ فى زاويته ، ويصبح ضريح الشيخ وكرا للانحلال ، وتنبه بعض الصوفية إلى أن تعود الناس على الفسق فى أركان الأضرحة مما يذهب بقدسيتها ،ولذا اخترعوا أساطير تحذر من يرتكب ذلك الفعل من غضب الولى المدفون ،فالشعرانى يحكى أن شخصا أراد أن يفعل الفاحشة فى أمرد فى مقبرة الشيخ أبى الحسن بن أبى الصائغ فصاح الشيخ من داخل القبر : أما تستحىمن الله يافقير[197].أى أنهم اعترفوا من خلال هذه الأسطورة أن الواقع فى الفاحشة فقير صوفى .

         ويقول عن عبدالعال تلميذ البدوى " وماشهدته من كراماته رضى الله تعالى عنه فى سنة سبع وأربعين وتسعمائة أن شخصا راود امرأة عن نفسها فى قبة سيدى عبدالمتعال فسمره ويبس أعضاءه فصاح حتى كاد يموت ، فأخبرونى به فمضيت إلى ضريحه وأمرت بعض الفقراء أن يسأل سيدى عبدالمتعال فى الصفح عنه ، فقرأ الفاتحة ودعا الله تعالى فانتشرت أعضاؤه وتاب إلى الله تعالى من ذلك ، وصارمن الفقراء الملاح )[198]. أى أصبح من ( الفقراء الملاح) بعد أن تاب عنه عبدالمتعال فانتشرت أعضاؤه ، وحين راود المرأة لم يكن وقتها من ( الفقراء الملاح).

          ويروى السبكى عن بعضهم أنه زار وهو صبى أمرد قبر أحد الأشياخ فوجد هناك فقيرا قلندريا فتوارى منه .[199] أى كان وجود صبى أمرد فى تربة مما يشجع على الانحراف ومما يدفع الصبى للفرار إذا رأى صوفيا هناك ، فالصوفى كانت هوايته معروفة وهويته معروفة .

        وهناك أكثر من دليل على إتخاذ الأضرحة وكرا للانحلال ففى وثيقة وقف السلطان حسن جاء مايلى:

 ( يرتب عشرة من الخدم الأدب الثقات الأمنا، يقيمون بالقبة المذكورة لحفظها وصيانتها ممن يتطرق إليها من أهل التهم والفساد ، على جارى عادة أمثالهم فى مثل ذلك)[200].

         أى أن أهل التهم والفساد اعتادوا إتخاذ القباب والأضرحة أوكارا للانحلال الخلقى مما  اضطر أصحاب الأوقاف إلى تعيين حراس لمنع ذلك.

        والشعرانى هو الذى حكى الأساطير التى تجعل الولى المدفون فى الضريح يستيقظ فجأة صارخا فيمن يفسق فى الضريح والشعرانى هو الذى حكى عن نفسه فقال ( ولما دخلت بزوجتى فاطمة أم عبدالرحمن وهى بكر مكثت خمسة شهورلم اقرب منها، فجاءنى ــ أى البدوى فى المنام ــ وأخذنى وهى معى وفرش لى فرشا فوق ركن القبة على يسار الداخل وطبخ لى حلوى ودعا الأحياء والأموات إليه وقال: أزل بكارتها هنا ، فكان الأمر تلك الليلة)[201]. وواضح أن الشعرانى كأى رجل يواجه هذه المشكلة خمسة شهور قد جرب كل الوسائل ليثبت رجولته أمام زوجته البكر ، فكان أنجح وسيلة أن يتم الفتح عليه فى قبة البدوى أشهر الأولياء الصوفية ، وبما لمولده وضريحه من ايحاء جنسى وتاريخ طويل فى تلاقى العشاق ، ونجحت هذه الطريقة فصاغها الشعرانى كرامة للبدوى ، ودليلا لنا على أن الموالد والأضرحة فى التفكير الصوفى لها مدلولها الجنسى الذى يجعل الشعرانى ( الكهف الصمدانى) يلجأ إليه فى حل مشكلته الجنسية مع زوجته البكر.

           وأسلفنا أن النساء كن يذهبن لزيارة المقابر والمشاهد أغلب أيام الأسبوع فى عصر ابن الحاج[202]. وأن الرجل كان يصطحب زوجته وأولاده فى زيارةالقرافة حيث يبيتون ، يقول ابن بطوطة ( يخرج الناس للمبيت فى القرافة بأولادهم ونسائهم ويطوفون على المزارات الشهيرة ، ويخرجون أيضا للمبيت بها ليلة النصف من شعبان )[203].  وارتبط هذا المبيت بقصص شنيعة من الانحلال الخلقى فى طرقات القرافة وانحناءاتها ، وظل ذلك الانحلال مرتبطا بالقرافة وزيارتها حتى عصرنا الحديث حتى ألغتها الحكومة ، يقول أحمد أمين عن القرافة ( وكان الناس عادة يبيتون فيها ، وكانت تحدث فظائع من هذا المبيت ، ولذلك منعته الحكومة )[204].

الخوانق :

         وبعض الخوانق الصوفية تغير فيها شرط الواقف لما لبث أن لحقها الانحلال ، يقول المقريزى عن خانقاه بيبرس الجاشنكير ــ أروع الخوانق فى عصره ــ ( وقد أدركتها ولا يمكن بوابها غير أهلها من العبور إليها والصلاة فيها ، لما لها فى النفوس من المهابة ، ويمنع الناس من دخولها حتى الفقهاء والأجناد ، وكان لاينزل بها أمرد ، وفيها جماعة من أهل العلم والخير ، وقد ذهب ماهنالك ، فنزل بها اليوم عدة من الصغار ومن الأساكفة وغيرهم من العامة ، إلا أن أوقافها عامرة وأرزاقها دارة بحسب نقود مصر)[205]. أى كان شرط الوقف ألا يدخلها الغرباء والمردان ، فتغير ذلك ، والسبب مفهوم.    

المساجد:                    

         إذن حوَل التصوف البيوت الدينية إلى أوكار للانحراف ،ولم يكتف بذلك بل وصل الانحلال للمساجد المشهورة المنشأة قبل العصر المملوكى ، فالتصوف قد أرهق الناس فى العصر بإنحرافه والناس هم رواد المساجد وبيوت العبادة سواء أنشئت فى العصر المملوكى أم قبله ، والنسوة بما تمتعن به من حرية الخروج كن يغشين الجوامع كلها حتى فى صلاة الجمعة ، وكان وجودهن داعيا للعصيان ، وفى حوادث سنة 863 فى يوم الجمعة ثانى عشر رمضان نهبت العبيد والمماليك الأجلاب النسوة اللآئى حضرن صلاة الجمعة بجامع عمروا ( وأفحشوا فى ذلك إلى الغاية ، وكل مفعول جائز) حسبما يقول أبوالمحاسن[206].

         أما جامع الحاكم قد حوله النساء والصبيان إلى مباءة للانحلال ، فإهتم السلطان جقمق بعمارته يقول المقريزى ( وكانت أحوال الجامع بمرورالنساء والصبيان وغيرهم ملعبة ، فمنع من دخول النساء الجامع ، وألزم بوابيه ألا يمكنوا امرأة ولا صغيرا من الجلوس فيه ولا المرورمنه ، وكان هذا الجامع قد فسدت أحواله ). وقبل ذلك بإثنين وعشرين عاما يقول المقريزى فى حوادث سنة 822 أن محتسب القاهرة صدر الدين العجمى منع النساء من عبور الجامع الحاكمى والمرور فيه وتطهير المسجد من قبائح كانت به بين النساء والرجال زمن لعب الصبيان فيه[207]. ويقول ابن حجر فى نفس الموضوع أن المحتسب ( طهر جامع الحاكم من قبائح كانت تقع من النساء والرجال والشباب والصبيان[208].

         وبالتصوف تحولت مؤسسات العبادة إلى أماكن للمبيت والنوم بمثل ماتعوده الصوفية فى الخوانق والربط والزوايا ، فاعتاد الناس النوم فى الجوامع المشهورة مثل جامع الحاكم ، وكان ذلك مدعاة للانحراف كما سبق ، ويقول المقريزى عن الأزهر ( وكانت العادة أيضا قد جرت بمبيت كثير من الناس فى هذا الجامع ما بين تاجر وفقيه وجندى وغيرهم ، ومنهم من يقصد بمبيته البركة ، ومن الناس من لايجد مكانا يأويه ، ومنهم من يستروح بالمبيت فيه خصوصا فى زمن الصيف وأيام المواسم فإنه يمتلىء صحنه وأكثر رواقاته)[209].

         ويقول المقريزى فى حوادث سنة 818 ( طرق الأمير سودون القاضى الجامع الأزهر بعد الفراغ من صلاة عشاء الآخرة ومعه كثير من مماليكه وأعوانه ، فنهبوا شيئا كثيرا من ثياب الناس وفرشهم ، ومنع الناس من المبيت به ، وكان قد وشى إليه بأن كثيرا ممن ينام به تصدرمنه منكرات قبيحة) ولم يعجب المقريزى ماحدث فقال( فكان أمرا من الشناعة لم يسمع بأقبح منه ، سيما والناس يتظاهرون بأنواع المحرمات القبيحة تظاهر من يتبجح بما يعمل ويفتخر بما يبدى )[210]. ولكن المنكر فى الشارع لايبرر حدوث منكر آخر فى المساجد ، ويبدو أن العلاقة لم تكن على مايرام بين المقريزى والأمير سودون.

         أما ابن حجر فيقول عن نفس الموضوع بأن سودون القاضى بلغه أنه حدث بالجامع الأزهر فساد بمبيت الناس فيه فأمر بعدم مبيت الناس  فيه ، فلم يرتدعوا فطرقهم ونهب أعوانه الموجودين فامتنعوا بعد ذلك من المبيت فيه[211].

         أما أبوالمحاسن فكان أصرح فى التعبير فيقول عن طلبة الرواق فى الأزهر( وتغيرت خواطر الخاص والعام عليهم وانطلقت الألسن بسبهم وذكر مساوئهم ومايفعلونه من القبائح[212].

تبادل الأدوار بين بيوت العبادة وأوكار الانحلال:

          وقدسبق أن الجامع الخطيرى فى بولاق كان قبلا دار للفسق ومثله جامع التوبة فى خط بين السورين ، ومعناه أن المساجد كانت تتبادل الأدوار مع بيوت الفسق ــ ولم تكن تلك الحالتان الوحيدتين فقط فقد تردد فى المصادر التاريخية حالات أخرى ، فالمارستان المؤيدى فىالقلعة حولوه إلى جامع ، وقد تحول المارستان قبل أن يتحول إلى جامع ــ إلى حانة خمارة برسم شرب المسكرات وضرب الطنابير وعمل الفواحش ومع ذلك تربط به الخيول .. فطهره الله من تلك الأرجاس وجعله محل عبادة)[213].

         وبعدها بنحو نصف قرن تحولت زاوية التاج إلى موضع (سماه العوام المخلوعة فصار مأوى للحشاشين والفسقه)[214]. ويقول الشعرانى فى ترجمة عثمان الحطاب أنه حاول توسيع زاويته هناك( ربع  فيه بنات الخطأ فطلع للسلطان وقال يامولانا هذا الربع كان مسجدا وهدموه وجعلوه ربعا ، فصدق قوله ورسم بهدم الربع وتمكين الشيخ من جعله فى الزاوية ، فأرشوا بعض القضاة فطلع للسلطان فقال السلطان له ثبت عندى قول الشيخ ، فهدمه فظهر المحراب والعمودان ونزل السلطان فرآه بعينيه)[215]. أى كان مسجدا فتحول إلى " ربع لبنات الخطا" ثم رجع إلى زاوية صوفية مرة أخرى .

مواسم دينية للانحلال الخلقى :

          بالتصوف أصبح للانحلال الخلقى مواسم دينية كما كان له أماكن دينية .

الموالد:                                                

       وأصبحت الموالد الصوفية أهم المواسم الدينية للانحلال الخلقى ، وكانت موالد البدوى الثلاثة أهم مناسبات للانحلال الخلقى إلى درجة أن الكرامات الصوفية تكفلت بالدفاع عما يحدث فى المولد الأحمدى من انحلال . وفى مناقب البدوى أسطورة تقول أن شخصا أنكر على مايحدث فى مولد البدوى فعاقبه البدوى بأن سلب إيمانه فأصبح كافرا ، فاستغاث الشخص بالبدوى فرد عليه إيمانه أى جعله مؤمنا ثانية ، ثم سأله عما ينكره فى المولد فقال ( اختلاط الرجال بالنساء) فقال البدوى( ذلك واقع فى الطواف ولم يمنع منه أحد) ثم قال ( وعزة الربوبية ماعصى أحد فى مولدى إلا وتاب وحسنت توبته ، وإذا كنت أرعى الوحوش والسمك فى البحار أفيعجزنى الله عن حماية من يحضر مولدى؟)[216] .

        ودافع كاتب مناقب البدوى عن البدوى فى الإتهام القائل كيف لايتصرف بكراماته ( فى دفع أصحاب المعاصى عن حضور مولده) فكان من جملة الردود أنه ( قد يكون من عناية ربه أنه من حضر مولده بمعصية يتوب الله عليه ولو بعد حين)[217]. وهى دعوة لتكرار الانحلال وتكرار التوبة طالما استمر مولد البدوى . وذلك مايحدث حتى الآن .

       ويقول السخاوى فى القرن التاسع عن المولد الأحمدى ( كانت تتخذ فيه أماكن تعد للفساد فى تلك الأيام ، لكثرة الجموع)[218]. وعندما تولى السلطنة الظاهر جقمق كان ( شديدا على من يفعل المنكرات فكسدت فى حاله أرباب الملاهى والمسكرات )[219]. فأمر سنة 851 ( بإبطال مولد البدوى لما يقع فيه من المفاسد) على حد قول ابن إياس الذى يذكر أن الفقراء الأحمدية شق عليهم ذلك ووقفوا للسلطان أكثر من مرة فسمح لهم بإعادته فى العام التالى .

         ويصف ابن إياس السلطان جقمق بأنه كان عفيفا عن الزنا واللواط يكره من يشرب الخمر ومن يزنى[220].

ولقد كان المولد الأحمدى ضرورة شعبية لممارسة الانحلال الخلقى لايستطيع الناس فىعصرنا المملوكى الإستغناء عنه، لذلك فإنه فى سنة 851 يقول السخاوى ( عندما أبطل جقمق مولد البدوى عمل شخص يسمى رمضان بناحية محل البرج بالقرب من المحلة الكبرى المولد، ووقع فساد كبير على العادة)[221]. إذا كانت الموالد "حاجة" طبيعية يضطر الناس لإفرازها فى مناسبتها ، وبمجرد أن أعلن ذلك الشخص رمضان أنه سيقيم المولد فى المحلة الكبرى حتى توافد عليه الناس " ووقع فساد كبير علىالعادة".

          وكان إسماعيل الإمبابى من أهم أتباع البدوى فى إمبابة ، ويقال عنه " صار يعمل المولد البدوى فى كل سنة ، فيأتيه الناس من الأقطار ، وترحل إليه من الأطراف ، وتخرج بياض أهل مصر والقاهرة إليه وتضرب بزاويته الخيم ، ويعقد سوق ، ويجتمع من النسوان والشباب خلق كبير)[222]. إذن فالمنتظر أن يحدث فساد كبير من هذا الجمع الكبير .

        وتناقلت المصادر التاريخية ماحدث فى مولد الإنبابى سنة 790 يقول ابن الفرات عنه فى ذلك العام ( حصل فيه من الفساد مالا يحصى من كثرة النساء والفساق ، حتى أشيع أنهم وجدوا فى ثانى يوم فى المزارع مائة وخمسين فارغة من جرار الخمر ) ( وفتحت بنات بكور)[223]. أى بنات أبكار فقدن عذريتهن.

       ويقول المقريزى عن هذا المولد فى ذلك العام ( فى هذه الليلة عمل الشيخ المعتقد إسماعيل بن يوسف الأنبابى المولد على عادته فى زاويته بناحية انبوبة ( إمبابة) من الجيزة تجاه بولاق ، فكان فيه من الفساد مالا يوصف ، إلا أنه وجد فى الخمر فى المزارع مائة وخمسون جرة فارغة من جرار الخمر التى شربت تلك الليلة فى الخيم ، سوى ماحكى عن الزنا واللياطة ، فجاءت ريح كادت تقتلع الأرض بمن عليها ، وامتنع الناس من ركوب النيل وتأخروا هناك )[224].

         ويقول أبو المحاسن يحكى ذكريات تلك الليلة ( فذكروأنه عمل المولد على عادته فى شهر ربيع الأول سنة 790 فهرع الناس لحضور المجتمع حتى غص الفضاء بكثرة العالم، وتنوعوا تلك الليلة فى الفسوق لكثرة اختلاط النسوان والمردان بأهل الخلاعة ، فتواتر الخبر أنه وجد فى صبيحة تلك الليلة من جراء الخمر التى شربت بالليل فوق الخمسين فارغة ملقاة حول الزاوية فى المزارع ، وافتضت فى تلك الليلة عدة أبكار ، وأوقدت شموع بمال كثير ، فبعث الله يوم الأحد بكرة صباح المولد قاصفا من الريح كدرت على من كان هناك وسفت فى وجوههم التراب واقتلعت الخيم ، ولم يقدر أحد على ركوب البحر ، ولم يعد يعمل مولد بعدها خصوصا وأن الشيخ مات فى آخر شعبان من سنة  790 [225] .

         ويقول ابن حجر بعد أن ذكر نفس التفصيلات ( وقد انقطع إسماعيل بزاويته ، ثم صار يعمل عنده المولد كما يعمل بطنتدا ، ويحصل فيه من المفاسد والقبايح مالا يعبر عنه)[226]. ويردد الصيرفى ماذكره المقريزى وأبوالمحاسن.

          واستمرمولد الإنبابى يؤدى دوره فى الانحلال حتى أواخر العصر المملوكى ، إذ كان ابن اياس يذكر مايحدث فيه فيقول عنه فى حوادث سنة 913 ( كان ببولاق ليلة حافلة بسبب وقت سيدى إسماعيل الإمبابى رحمة الله عليه ، فضربت فىتلك الجزيرة التى تجاه بولاق نحو خمسمائة خيمة وصنعوا سوقا بدكاكين ، وخرج الناس فىالفتك والفرجة عن الحد، وأقاموا هناك ليالى متوالية، وموجب ذلك أن كان الرخاء والأمن موجودين ).

          وفى حوادث السنة التالية 914 يقول عن نفس المولد( كانت ليلة سيدى إسماعيل الإمبابى ونصبت الخيام فى الجزيرة التى تجاه بولاق ، وخرج الناس فى تلك الليلة عن الحد فى القصف والفرجة ، وكانت ليلة حافلة)، وفى العام التالى يقول ( فى ليلة سيدى إسماعيل الإمبابى كانت ليلة حافلة ، وضربت فى الجزيرة نحو خمسمائة خيمة ، وخرج الناس فى القصف والفرجة عن الحد).

          وفى العام التالى 917 يقول ( كانت ليلة من الليالى المشهورة فى القصف والفرجة، وخرج الناس فيها عن الحد)[227]. وهكذا فى السنوات التالية يكتفى أن ابن إياس بوصف الفسق فى مولد الإنبابى بأن الناس خرجوا فيها عن الحد ، ولو كان ابن إياس علىنفس مستوى المؤرخين السابقين لأتى بتفصيلات الانحلال فى تلك الليلة .. إلا أنه اهتم أساسا بحالة الأمن فيقول مثلا عن ليلة 913 ( واقاموا هناك ليالى متوالية وموجب ذلك أن كان الرخاء والأمن موجودين) ثم يقارن بمولد آخر لم يحظ العصاة فيه بنفس الأمن فيقول ( وفى عقيب ذلك عمل مولد الشيخ سويدان المجذوب فى مدرسة ابن الزمن التى ببولاق عند الرصيف فكان له مولد حافل وضربت هناك الخيام الكثيرة عند المدرسة لكن حدث هناك حريقة أتت على مركبة ومعصرة ).

         ويقول عن ليلة الإمبابى سنة 917 ( وضربت نحوا من خمسمائة خيمة فى الجزيرة وصنعوا هناك سوقا بدكاكين مبنية ، وكانت ليلة هادية من الفتن والشرور )[228]

         ومعنى ذلك أن العصر المملوكى فى نهايته تعود على الانحلال الخلقى ، فلم يهتم مؤرخه ابن إياس إلا بإستقرار حالة الأمن فى الموالد حتى يمارس العصاة انحلالهم فى المولد فى هدوء واطمئنان .

       والشعرانى ــ وكان معاصرا لابن إياس ــ افتخر على بقية الصوفية بحفظ زوجاته من حضور الأعراس والموالد

( التى لاينضبط أصحابها على القوانين الشرعية ، بل يخلطونها بعدة محرمات كضرب الآلات والمحيطين الذين يحكون الحكايات السخريات ،مع اختلاط الرجال بالنساء ومع عدم التورَع من كل الفريقين عن الوقوع فيما لاينبغى ، وهذ الأمر قد كثر وقوعه فى الأعراس والموالد)[229]. والشعرانى يحاول تجميل الصورة قدر مايستطيع.

         واستمرت نفس الصورة المنحلة للموالد إلى عصر الجبرتى بعد الشعرانى بقرنين فيقول ( أقيم ضريح للشيخ عبدالوهاب بن عبد السلام ، وصيروه مزارا عظيما يقصد للزيارة وتختلط به الرجال والنساء ، ثم أنهم ابتدعوا له مولدا وعيدا ، وكل سنة يدعون إليه الناس من البلاد القبلية والبحرية ، فينصبون خياما كثيرة وحدادين وصواوين ومطابخ وقهاوى ، ويجتمع العالم الأكبر من اختلاط الناس وخواصهم وعوامهم وفلاحى الأرياف وأرباب الملاهى والملاعيب والغوازى والبغايا والقرادين والحواة ، فيملأون الصحراء والبساتين، فيطأون القبور ويوقدون عليها النيران ويضعون عليها القاذروات ويبولون ويتغوطون ويزنون ويلوطون ، ويلعبون ويرقصون  ويضربون بالطبول والزمور ليلا ونهارا ، ويستمر ذلك نحوعشرة أيام أو أكثر ، ويجتمع لذلك الفقهاء والعلماء وينصبون لهم خياما، ويقتدى بهم الأكابر من الأمراء والتجار والعامة من غير إنكار ، بل ويعتقدون أن ذلك قربة وعبادة ، ولو لم يكن كذلك لأنكره العلماء ، فضلا عن كونهم يفعلونه ، فالله يتولى هدايتنا جميعا)[230].

دوران المحمل:

       ورث المماليك عن الفاطميين عادة الإحتفال السنوى بدوران المحمل ، فيطوف الجمل يحمل كسوة الكعبة وقافلة تحمل الصدقات ومخصصات ( الحرمين) ، وينتظر الناس فى القاهرة دوران المحمل قبله بثلاثةأيام ، وتمتلىء الطرقات والشرفات بالناس ، وحتى عصر قريب يقول أحمد أمين : ( ويتبرك المصريون بالمحمل) ( والناس عادة يتبركون بالمحمل ويتمسحون بالكسوة ويقبلون شراشيبها، ومن استطاع ذلك كان له الفخر حتى كأنه قبل يد النبى (ص)[231]).

         والتصوف الذى حول المحمل إلى نصب مقدس يتبرك الناس بتقبيله هو الذى جعل من الإحتفال بدوران المحمل مناسبة سنوية للانحلال الخلقى حين يتزاحم الرجال والنساء والصبيان أياما بسبب المحمل .

         والحوليات التاريخية للعصر المملوكى كانت تذكر دوران المحمل مشفوعا بما يحدث فيه من انحلال خلقى ففى حوادث سنة825 يقول المقريزى عن دوران المحمل ( زينت القاهرة لإدارة المحمل على العادة  فمنع المحتسب النساء من الجلوس على حوانيت الباعة وتشدد فى ذلك فإمتثلن، وكانت العادة أن تجلس النساء صدرا من النهار ويبتن بالحوانيت حتى ينظرن المحمل من الغد ، فيختلطن بالرجال فى مدة يومين وليلة وتقع أمور غير مرضية ، فعد منعهن من جميل ماصنع ، لكنه لم يتم ، وعدن فيما بعد كما كُن ، لإهمال أمرهن )[232] .

         ويذكر المقريزى عن دوران المحمل سنة 841 أنه خطف مماليك السلطان النساء والصبيان للفساد ، ورسم بعد ذلك بمنع المماليك من النزول للقاهرة لأنهم صاروا ينزلون فى طوائف فى أماكن اجتماع العامة ويتفننون فى العبث والفساد، من أخذ عمائم الرجال واغتصاب النساء والصبيان وتناول معايش الباعة ( فلم يتم منعهم)[233]. أى أن عادة المحمل جرأت المماليك السلطانية على الإسهام فى الانحلال الخلقى ، وصارت عادة للجند المماليك ــ خصوصا الأجلاب ــ أن يهجموا على النساء فى أى وقت يقول ابن إياس أن مماليك يلبغا( صاروا يهجمون على النساء فى الحمامات ، ويخطفون الصبيان المردان فى الأسواق [234].       

         ويقول ابن حجر فى حوادث سنة 831 أن الشيخ علاء الدين البخارى التمس من السلطان أن يبطل إدارة المحمل حسما لمادة الفساد التى جرت به العادة عند إدارته فى الليل والنهر من ارتكاب المنكرات والتجاهر بالمعاصى[235].

          ويذكر الصيرفى وقائع دوران المحمل سنة832  نقلا عن المقريزى أما أبو المحاسن فقد عاصر دوران المحمل سنة 841 فأورد ماحدث فيه من خطف للنساء والصبيان [236].

       واستمرمت عادة المحمل تحمل سنويا عناصر الفساد فيقول ابن إياس عنه فىسنة 861( أدير المحمل على العادة ،ولكن حصل فيه المماليك الجلبان غاية الضرر فى حق الناس من خطف النساء والصبيان وعمائم الناس ) وتكرر ذلك فى السنوات اللاحقة[237]

الأعياد الإسلامية :

       لقد كان دوران المحمل عادة دينية أحدثها الفاطميون فما لبث التصوف أن ترك عليها بصماته الانحلالية ، وبالمثل حوَل التصوف من الأعياد الإسلامية مناسبات للانحلال ففى رمضان شهرالتقوى اعتاد العصرالمملوكى أن يحول لياليه إلى سهر صاخب ولم ينس البعض نهار رمضان ، ففى سنة 909 فى رمضان قبض الوالى على أربعة أنفار من العوام وجدهم (فى بستان ومعهم امرأة،وهم يأكلون ملوحة بالنهار،وقيل أنهم كانوا سكارى )[238].

         وفى عيد الفطر سنة 801 يقول المقريزى (اقبل الناس فى يوم العيد ومابعده على أنواع من اللهو فى القرافة والترب خارج القاهرة وبخرطوم الجزيرة الذى انحسر عنها ماء النيل ببولاق ، فمر لهم فيه مسرات وتفننوا فى أنواع اللذات ، وكأنما كانوا يودعون الأمن والراحات[239].

        إن ماء النيل عندما انحسر أمام بولاق وأظهر الجزيرة ــ أو مايعرف الآن بالجزيرة والزمالك ــ فقد تحولت تلك الجزيرة الرائعة إلى مناطق للهو حتى فى المناسبات الإسلامية .

الأعياد القبطية:

         والعصر المملوكى لم يعرف التعصب الدينى فى ممارسة اللذات فى المناسبات الدينية المختلفة فاحتفل الناس بالمناسبات الصوفية مع الإسلامية ومع القبطية.

        وأشهر الأعياد القبطية التى كان المصريون جميعهم من مسلمين وأقباط ــ يحتفلون بها هو عيد الشهيد ، يقول عنه المقريزى ( ومما كان يعمل بمصر عيد الشهيد ، وكان من أنزه فرج مصر ــ ويخرج عامة أهل القاهرة ومصر على إختلاف طبقاتهم وينصبون الخيم على شطوط النيل وفى الجزائر ، ولا يبقى مغن ولا مغنية ولا صاحب لهو ولا رب ملعوب ولا  بغى ولا مخنث ولا ماجن ولا خليع ولا فاتك ولا فاسق إلا ويخرج لهذا العيد، فيجتمع عالم عظيم لايحصيهم إلا خالقهم ، وتصرف أموال لاتنحصر ، ويتجاهر هناك بما لا يحتمل من المعاصى والفسوق ، وتثور فتن وتقتل أناس ، ويباع من الخمر خاصة فى ذلك اليوم بما ينيف على مائة ألف درهم فضة عنها خمسة آلاف دينار ذهب ، وباع نصرانى فى يوم بمائتى عشر ألف درهم فضة من الخمر، وكان اجتماع الناس لعيد الشهيد دائما بناحية شبرا من ضواحى القاهرة ) وقد أبطل الأمير بيبرس الجاشنكير ذلك العيد فى سلطنة الناصر محمد بن قلاوون ، وأعاده الناصر محمد فيما بعد، ونترك المقريزى يحكى ظروف إعادة الإحتفال بذلك العيد القبطى يقول (فبطل العيد من تلك السنة (702) ولم يزل منقطعا إلى سنة 738 وعمر الناصر محمد بن قلاوون الجسر فى بحر النيل .. فطلب الأمير يلبغا اليحياوى والأمير الطنبغا الماردينى من السلطان أن يخرجا إلى الصيد ويغيبا مدة فلم تطب نفسه بذلك لشدة غرامه بهما وتهتكه فى محبتهما ، وأراد صرفهما عن السفر فقال لهما : نحن نعيد عمل عيد الشهيد فيكون تفرجكما عليه أنزه من خروجكما إلى الصيد ــ وكان قد قرب أوان وقت عيد الشهيد ــ فرضيا منه بذلك ، وأشيع فى الإقليم إعادة عمل عيد الشهيد ، فلما كان اليوم الذى كانت فيه العادة بعمله ركب الأمراء النيل فى الشخاتير ، واجتمع الناس من كل جهة ، وبرز أرباب الغناء وأصحاب اللهو والخلاعة ، فركبوا النيل وتجاهروا بما كانت عادتهم المجاهرة به من أنواع المنكرات ، وتوسع الأمراء فى تنوع الأطعمة والحلاوات وغيرها توسعا خرجوا فيه عن الحد فى الكثرة البالغة ، وعم الناس منهم مالا يمكن وصفه لكثرته واستمروا على ذلك ثلاثة أيام) ، أى أن السبب فى إعادة الإحتفال بعيد الشهيد هو أن السلطان كان مغرما باثنين من الأمراء ، وأراد استبقاءهما إلى جانبه ، فأعاد الإحتفال بعيد الشهيد ومايحدث فيه من الفواحش[240].والناس على دين ملوكهم .. وشيوخهم ..

         وفى عيد النوروز كانوا ــ على حد قول ابن إياس ( يتجاهرون فى ذلك اليوم بشرب الخمور وكثرة الفسوق فى أماكن المفترجات حتى يخرجون فى ذلك عن الحد ، وربما كان يقتل فى ذلك اليوم جماعة ممن يعربدون على بعضهم فى السكر ، ولاينكر ذلك بين الناس) وقد أبطل برقوق ماكان يعمل فى يوم النوروز وقبض الوالى ( على من يفعل ذلك فى  أماكن المفترجات ، وضربوا بالمقارع ، وقطعت أيدى بعضهم ونصبت المشانق تهديدا ، فأسكت الناس عما كانوا يفعلون فى ذلك اليوم ، وصاروا يفعلون بعض شىء من ذلك فى أماكن المفترجات فى الخلجان والبرك أو نحو ذلك )[241]

         وفى عيد وفاء النيل ــ وهو من التراث الفرعونى ــ كان الناس يجتمعون ، وعلى حد قول الصيرفى :

( وأظهروا مفاسد وقبائح لايسعنا ذكرها)، وكان ذلك سنة 875، وقد ذكر الصيرفى بعض رءوس الموضوعات فيما حدث فى ذلك اليوم يقول ( فهرع الناس إلى الأماكن المقدم ذكرها ، وهى الروضة والجسر والجزيرة وغير ذلك ، وأظهروا المفاسد والقبائح والزنا واللواط والخمر والحشيش وركوب البحر بالملاهى)[242]. ويقول ابن إياس عن نفس المناسبة سنة 918 أن والى القاهرة كان طيلة الليل يدور فى مركب وينادى فى الناس بالأمان والإطمئنان ( وأن لا أحد يشوش على أحد ، ولامملوك يعبث على امرأة ) فكل ماكان يهتم به الناس فى عصر ابن إياس هو الأمان أثناء العصيان ، ولكن قلما يكون أمان ، يقول ابن إياس: ( ولكن عبث المماليك فى الطرقات على الناس .. وقتل مملوك امرأة )[243]

الانحلال بدون مناسبات:

         والواضح أن أى تجمع بشرى فى أى مناسبة دينية كان يعنى الانحلال الخلقى أو بالتعبير الماثور كان ( يختلط الرجال بالنساء) وكانت شهوة الناس مفتوحة لممارسة الانحلال فى أى مناسبة بسبب وبدون سبب، فالمهم أن يحدث تجمع فيختلط الرجال بالنساء ويتم الانحلال بمجرد الإجتماع.

       ففى سنة 800 انتصر برقوق على الأمير ايتمش فى لعب الكرة فأقام سماطا ولم يمنع أحدا من الدخول فى الميدان فتكاثر الناس فى الميدان ، وبعد أن طلع السلطان إلى القلعة نهب العامة المآكل والمشارب ، يقول ابن إياس ( وكان يوما فى غاية الشناعة أبيحت فيه المسكرات وتجاهر الناس من الفحش والمعاصى بما لم يعهد مثله)[244].

        ويقول السخاوى فى حوادث سنة 848 أنه ظهر للسلطان ( عدم تمكنه من إزالة الفساد بالكلية فرأى حسم مادته) وذلك بإبطال زينة الحوانيت فإنها السبب فى جلوس الناس فيها لكثرة مايوجد فيها من الشموع ويجتمع فيها من أهل الفساد ، فإذا ترك هذا وأمر السلطان من تعاطى إدارة المحمل من غير تقدم أعلام الناس بذلك حصل الجمع بين المصلحتين )[245].وطبعا لم يحدث ذلك ، والمهم أنه كان الناس على استعداد فورى إذا أضيئت الشموع إذ سرعان مايجتمعون وسرعان مايحدث الإنحلال .

         وفى سنة 854 ظهر عبد أسود هرع له الخلق " لاشتهاره عندهم بالولاية ، ولم يعهد مفترج يجتمع فيه الناس مثل هذا الجمع ، ونشأ عنه من المفاسد ما الله به عليم ، وأعلم السلطان بالمناكير التى تحصل بسبب الإجتماع هناك فأمر بالقبض عليه)[246].

         وفى حوادث سنة 859 أقيم احتفال بمناسبة شفاء ( خوند) أى أميرة مملوكية وكان فيه من الطبل فتجمع الناس فازدحموا فى الطرقات ( وصارت كأيام دوران المحمل بل أعظم) ( وأما االنسوة فكن أضعاف الرجال ، ودام ذلك من أول النهار إلى بعد عشاء الآخرة ، ووقعت فىتلك الليلة من القبائح والمفاسد والأمور الشنيعة مالا يزيد عليه ، وعيب عليهم ذلك فلم يلتفت أحد لما قيل ، وأنشد لسان الحال .

               من راقـب النــاس مــات غما         وفاز باللــذة الجســـور[247]

        وفى سنة 875 أقيم الموكب السلطانى وضرب البندق أى الرصاص ، فاجتمع ( النساء والرجال والشيوخ والصغار وغالب سكان مصر ، وانقلبت مصر والقاهرة لأجله ، وتهتكوا) أى وقعوا فى الانحلال[248].

        وفى العام التالى 876 يقول البقاعى باختصار ( فى محرم زينت القاهرة وحصل لذلك فسق كثير)[249]. ويأتى الصيرفى بتفصيلات الأنباء فقد زينت مصر لاستقبال الداودار وسهرالناس لذلك ( لكن ترتب علىهذا من المفاسد مالايحصى ولايحصر من شرب الخمور وتهتك النساء مع الرجال والصبيان ، وانهماك العوام والأكابر والأواسط ، على استمرارهم فى ذلك ، بحيث أنه لم يقع له  أمر مثل هذا ، سيما عدم تعرض المماليك السلطانيةلأحد من الخلق )[250]. وهى لوحة تاريخية مختصرة تصور الجميع فى حالة انحلال لمجرد خروجهم من البيوت .

         لقد عرف العصر المملوكى عبادة الانحلال فى أى مناسبة وبدون مناسبة ، وشارك الجميع فيه من عوام وخواص وعلماء ومماليك ورجال ونساء وأطفال ، ولم يكن يتوب الناس من هذه الحياة إلا عند الأزمات القاتلة كالطاعون والمجاعات التى كانت تحدث بسبب انخفاض مستوى النيل أو زيادته إلى حد الإغراق .

الانحلال الخلقى والأزمات:

         عاش العصر المملوكى هزات قلقة بسبب المجاعات والأوبئة التى كانت تتكرر كل عدة سنوات وفيها كان المماليك والعلماء يفيقون من حياة الانحلال ويطاردون مظاهر الفسق ويرغمون الناس على التوبة أملا فى انكشاف الأزمة ، وبعد عودة الاطمئنان يعودون إلى سابق العهد كأن شيئا لم يكن .

        والبقاعى يقول أن الرأى السائد أن الطواعين والمجاعات كانت تأتى ( بسبب المبالغين فى الفسق فيهلك بقية الناس لأجلهم)[251].  

        وفى طاعون سنة 841 سأل السلطان برسباى العلماء عنده عن الذنوب التى إذا ارتكبها الناس عاقبهم الله بالطاعون ، فقالوا إن الزنا إذا فشا فى الناس ظهر فيهم الطاعون ، وأن النساء يتزين ويمشين فى الطرقات ليلا ونهارا وفى الأسواق ، فأشار بعضهم بمنع النساء من المشى فى الأسواق ونازعه آخر فقال لايمنع إلا المتبرجات أى العاهرات ونودى فى القاهرة بمنع النساء جميعا من الخروج وأن من تخرج من بيتها مصيرها القتل[252]. ثم عاد الأمر إلى ماكان عليه بعد انتهاء الأزمة .

         وكانت العادة أن يشتد المماليك فى مطاردة المنحرفين والمنحرفات فى الطاعون والمجاعات ، ففى طاعون سنة 791 أمر يلبغا الناصرى بإراقة الخمور فكسر منها خمسة آلاف جرة تحت القلعة ، وكبست الحارات التى يباع فيها الخمر ، وفى كسر جرار الخمر يقول بدر الدين بن القاضى سراج الدين البلقينى :

               كــســر الجـــرة عمـــدا          وســقى الأرض شــــــرابا

               صــحت والإســلام دينـــى           ليــــتنى كــــنت ترابــا[253].

           ويقول المقريزى فىحوادث سنة 802  أن النيل توقفت زيادته ، فركب عدة من الأمراء وكبسوا أماكن اجتماع الناس للفرجة ونهوا عن عمل الفواحش[254]. وفى طاعون سنة 819 ركب الأمير سودون حاجب الحجاب إلى شاطىء النيل وأحرق ماكان هناك من الأخصاص ( وطرد الناس ومنعهم من الاجتماع فإنهم كانوا قد أظهروا المنكرات من الخمور ونحوها من المسكرات واختلاط النساء بالرجال من غير استتار)[255]. أى أن الاستتار مباح ويقول ابن حجر فى نفس الموضوع أن سودون أحرق الأخصاص التى على النيل وطهرها مما فيها ( من المناكر كالزنا وشرب الخمر واللواط وكانوا يتجاهرون بذلك)[256]. فالتجاهر فقط هو الممنوع.

        وفى طاعون سنة 822 تتبع المحتسب أماكن الفساد بنفسه فأراق آلافا من جرار الخمر ( وكسرها، ومنع النساء من النياحة فى الأسواق على الأموات ، ومنع التظاهر بالحشيش ، وكف البغايا عن الوقوف لطلب الفاحشة فى الأسواق ومواضع الريب )[257]

         وفى طاعون سنة 831 ( أمر السلطان وشدد بإراقة الخمر وحرق الحشيشة ، وأكثر ذلك كان بدمياط ، وكان فى القاهرة وغيرها من الأعمال على ذلك ضمان وعليه اقطاعات ، فبطل ذلك ولله الحمد ،ثم أعيد قليلا بدسائس أهل الظلم والمكر حتى عاد كما كان بعد مدة قريبة[258].

        وفى سنة 832 ( قام صاحب الحجاب قياما تاما فى إراقة الخمور وحرق  الحشيش ، وهدم مواضع الحانات وبيوت الفسق وكسر من أوانى الخمور نحوا من عشرة آلاف جرة حتى صار بركة خمر تجرى فى الرملة ، وقد قال القائل فى المعنى.

               الخــــمــــر قـــــد بددوه           فى الأرض طولا وعرضــــا

               مـــا كنت أرضى بهــــــــذا           ياليـــــــتنى كنت أرضـا

        ( ومنع السلطان من الأعراس والزفف) خوفا عليهم من فساد مماليكه الذين كانوا يخطفون النساء والمردان من الطرقات )[259].

        وفى العام التالى 833 أمر السلطان بالإقلاع عن المعاصى ومنع النساء من الخروج إلى الترب[260] .وفى سنة 839 حينما تناقصت الغلال صار الوالى يكسر جرار الخمر ( وحجر على الحشيش ومنع الخواطىء من عمل الفواحش)، وفى سنة 841 فى الطاعون (كبست حارات زويلة والجوانية والعطوف وقنطرة سنقر والحكر والكوم ، وهجم على بيوت اليهود والنصارى ، وكسر مالديهم من الخمور، وحجر على بنات الخطا ومنعهن من عمل الفاحشة ، وكتب عليهم قسامة بالزواج)[261].

        وفى سنة 866 لم يزد النيل أياما فتزايد سعر الغلال ورسم السلطان خشقدم بكف الناس عن المعاصى ، فركب الوالى إلى بولاق واعتقل المتفرجين ونزل الجزيرة فقبض على جماعة من الرجال والنساء ، وشهرهم ، وكان من جملتهم أحد أولاد قاضى القضاه ابن القاياتى[262].

        وفى سنة 870 تناقض النيل فأغار الوالى ( تمر) على المتفرجين فى الروضة وأحرق الخيام هناك[263].وفى سنة 875 نقص النيل فأمر السلطان قايتباى بالمناداة فى الروضة ( بأن أحدا لايفعل منكرا ، ومن وجد عنده شىء من المنكر ينكَلُ به)[264]. وعندما هبط النيل سنة 879 أمر حاجب الحجاب( فكبس الفسقة ، وأوقع بهم وفرق جمعهم وكانوا حول النيل)[265]. وفى طاعون سنة 910 ( رسم السلطان بكبس بيوت النصارى وتكسير جرار الخمر عندهم وإحراق أماكن الحشيشة.. وأظهر العدل وأبطل المشاهرة على الحسبة)[266]. وفى سنة 915 نادى السلطان ( بألا  يتجاهر الناس بالمعاصى ، وأن يواظبوا على الصلوات الخمس فى الجوامع) ( فسمعوا من أذن وخرج من أخرى)[267]. وفى سنة917 تأخر وفاء النيل فأشيع ين الناس أن السبب فى ذلك هو الفسق الذى كثر فى الروضة( فرسم السلطان بكبسها فتوجهوا وكبسوا على الناس الذين بالخيام)[268].        وبسبب طاعون 919 أمر السلطان ( بمنع بيع النبيذ والحشيش والبوزة ، ومنع النساء الخواطىء من عمل الفاحشة، واستمرت المناداة بذلك ثلاثة ايام متوالية ، وأبطلت المظالم) وانكشف الطاعون فأعاد السلطان المظالم[269].

         وبعض السلاطين كانت لهم أسبابهم الخاصة والمختلفة فىمطاردة أسباب الفسوق فالأشرف شعبان مرض سنة 775 فالتمسوا منه ابطال المظالم حتى يشفى ،وهى ضمان المغانى وضمان القراريط ، فلما عوفى ذكروه بوعده فأبطلهما ( وكان يتحصل منهما مال جزيل)[270]. وتوجه السلطان فرج بن برقوق لحرب تيمور لنك سنة 803 وكان يتخوف منه، فشرع فى إراقة الخمور وكسر جرارها، حتى قيل أن جملة ماكسر منها يقارب خمسين ألف جرة[271].

         وبعضهم لم يكن له ميل للا نحلال الخلقى مثل الأميرين بيبرس الجاشنكير وسلار عندما تحكما فى السلطنة والسلطان الناصر محمد ، فمنعا المراكب من عبور الخليج الحاكمى خارج القاهرة ( لكثرة ماكان يحصل من الفساد والتظاهر بالمنكرات وتبرج النساء فى المراكب وجلوسهن مع الرجال مكشوفات الوجوه بكوافى الذهب على رؤوسهن، وتعاطيهن الخمر، وكانت تثور الفتن بسبب ذلك وتقتل القتلى العديدة،فلم يدخل الخليج إلا مركب فيها متجر ، وأما مراكب النزهة فامتنعت ، وعدُوا ذلك من أحسن الأفعال)[272].

          وبعدها بعامين أى سنة 709 كان بيبرس الجاشنكير سلطانا بعد أن هرب الناصر محمد إلى الكرك، فاشتد بيبرس الجاشنكير فى مقاومة مظاهر الانحلال،  يقول عنه المقريزى( فى أيامه كبست أماكن الريب والفواحش بالقاهرة ومصر، وأريقت الخمور ، وضرب أناس كثيرون فى ذلك بالمقارع ، وتتبع أماكن الفساد وبالغ فى إزالته ، ولم يراع فى ذلك أحدا من الكتاب ولا من الأمراء ، فخف المنكر وخفى الفساد)[273]. وفى أعقاب ذلك حدث توقف فى الفيضان وانتشر وباء وارتفعت الأسعار واضطربت أمور بيبرس الجاشنكير ، خصوصا وانه فى حملته التطهيرية الأخلاقية أنزل بالناس بلاء شديدا ( وافتضح كثير من المستورين) وهو يكبس بيوتهم بحثا عن الفواحش ( وتعدى الأمر دور الأمراء)[274] أى أن الانحلال شمل الميسورين والمستورين والأمراء والكبار ، أى لم تكن حركة حرب الفساد الخلقى بسبب  الخوف من الطاعون وتوقف النيل.

         وقبله كان الظاهر بيبرس المشهور بالجهاد والجدية قد أمر بإراقة الخمور وإبطال المفسدات واستتابة الخواطىء والمخنثين وتشدد فى الأمر ، يقول المقريزى عنه 670 ( أهلت والسلطان متشدد فى إراقة الخمور وإزالة المنكرات )[275].

         وفيما عدا ذلك كان السلاطين كسائر الناس فى عصرهم فى ممارسة الانحلال ، ولم يكن منتظرا أن يكونا قدوة فى الخير ، والسبكى يحتج على الأمراء المماليك عندما ينكرون على الشيوخ العصاه فيقول( ومن قبائح كثير من الأمراء أنهم لايوقرون أهل العلم ولا يعرفون لهم حقوقهم ، وينكرون عليهم ماهم مرتكبون أضعافه ، وما أقبح الأمير إذا كان مرتكبا معصية ووجد فقيها يقال عنه مثلها أن ينتقصه ويعيبه ، وماله لاينظر إلى نفسه) ويستشهد السبكىى بأن فقيرا اقتيد إلى بعض الأمراء لأنه سكران فأخذ الأمير يجلده والأمير هذا سكران[276]!!

         وفى غيرالأزمات اعتاد العصرعلى تنفس الانحلال الخلقى خصوصا إذا أضيئت الشموع فى الأسواق ليلا، يقول المقريزى عن سوق السلاح(إذا أقبل الليل اشعلت السرج من الجانبين ،وأخذ الناس فى التمشى بينهما على سبيل الاسترواح والتنزه، فيمر هنالك من الخلاعات والمجون مالا يعبر عنه بوصف)[277]

          وأدمن الناس مع الانحلال الإعلان  عن التوبة الوقتية ثم نسنيانها سريعا ، وفى مناقب الحنفى أنه قال فى ميعاده بأعلى صوته( أعلم أن الذى اشبك الكلب مع الكلبة قادر على أن يشبك الزانى مع الزانية فى حال زنا) وصدق الجمهور كلامه وخاف كل منهم على نفسه فأعلن الجميع التوبة فى حالة عاطفية وجدانية ، يقول كاتب المناقب( فارتفع صياحهم وضجيجهم ووجدهم ، فتكلم معهم فى التوبة حتى عادوا إلى أحوالهم ، وخرجوا من المجلس يقول بعضهم لبعض : ما أظن أن أحدا خرج من مجلس سيدى إلا وقد تاب من الزنا)[278].أى أن كلهم زناه، وخافوا على أنفسهم ان يحدث لهم مايحدث بين الكلب والكلبة، ثم كان من الطبيعى ان ينسوا ذلك كله ، لأن شفاعة الحنفى وغيره حسب اعتقادهم تشجعهم على الرجوع للانحلال الخلقى ، فالسلوكيات المنحلة تصدر دائما عن عقائد مختلة، ولو كانت عقائدهم خالصة لله تعالى بدون وسائط وأولياء وشفاعات لتطهرت أخلاقهم من العصيان والفواحش ومن مصطلحات القرآن العظيمة  التقوى ومشتقاتها ، والتقوى ليس مجرد الخوف من الله ولكنه الخوف الممتزج بالحب والتقديس والرجاء ، والمتقى هو الذى يتعامل مع الله تعالى مباشرة فى صلاته وعبادته وفى قلبه وعقيدته ، وفى سلوكياته وتعاملاته مع البشر ، ولذلك لايتخذ مع الله وليا، لأن الله تعالى هو وحده الولى المستحق للتقديس، ولايتوجه بعبادته ودعائه لغير الله تعالى ، وفى تعامله مع البشر وفى اخلاقه وسلوكياته يخشى الله تعالى وحده، وحتى إذا وقع فى المعصية سارع بتذكر الله تعالى واستغفر وتاب وأناب ، وهكذا تقترن التقوى باخلاص العقيدة وسمو الأخلاق، كما يقترن فساد العقيدة بانحطاط الأخلاق.


[1] ـ السلوك 4/2/751، 619.

[2] ـ عقد الجمان وفيات 829، لوحة 198.

[3] ـ النجوم 15 /59.

[4] ـ النجوم 14 /95.

[5] ـ الضوء اللامع 4 /249.

[6] ـ النجوم 15/ 174 : 175.

[7]ـ السلوك 4 /2

[8] ـ تاريخ ابن اياس 2 / 8.

[9] ـ إنباء الغمر 3/401.

[10] ـ تاريخ ابن اياس 4/180 :181.

[11] ـ تاريخ ابن اياس 1/2/349

[12] ـ تاريخ ابن اياس 1 / 2 / 52  .

[13] ـ نزهة النفوس لابن الصيرفى 2/68.

[14] ـ إنباء الغمر 3/389.

[15] ـ النجوم 13 / 39: 40.

[16] ـ نزهة النفوس 1/419 .

[17] ـ الضوء اللامع 1/ 369: 370.

[18] ـ  النجوم 16: 187.

[19] ـ الضوء اللامع3/237، 238

[20] ـالطبقات الصغرى :41.

[21] ـ تاريخ ابن طولون 1/39.

[22] ـ إنباء الغمر 3 /242.

[23] ـ إنباء الغمر 3/268: 269.

[24] ـ نفس المرجع 2/387 ، ذيل الدرر الكامنة 222 مخطوط .

[25] ـ نفس المرجع 2 / 196 ، 197.

[26] ـ السلوك 4 / 2 / 76، 788، 899.

[27] ـ  فوات الوفيات 1 /101.

[28] ـ تاريخ ابن اياس 2 /24 تحقيق محمد مصطفى .

[29] ـ نزهة النفوس 1 / 279.

[30] ـ تاريخ ابن اياس 4/92

[31] ـا العينى عقد الجمان ورقة 387.

[32] ـ تاريخ ابن اياس 2/ 258.

[33] ـ التبر المسبوك 78، 170.

[34] ـ السلوك 4/ 2/ 616 ،638.

[35] ـ السلوك 4/2/616، 638.

[36] ـ  النجوم 14 /274: 275.

[37] ـ  تاريخ البقاعى 12ب .

[38] ـ نزهة النفوس والأبدان 2/190.

[39] ـ تاريخ ابن اياس 4 / 340 ، 345، 18 ، 349.

[40] ـ النجوم الزاهرة 15/538، 16/ 164.

[41] ـ السلوك  4 /2/ 600.

[42] ـ  تاريخ ابن اياس 1/2/ 216.

[43] ـ النجوم 15 /492 : 493.

[44] ـ إنباء الهصر تحقيق حسن حبشى 1970

       351، 331، 266، 225، 153، 323، 129، 132، 151، 365، 366، 232، 248، 446، 374: 391، 235، 22 ، 344،

       238 على الترتيب .

[45] ـ السلوك 4 /1/ 388: 389.

[46] ـ  السلوك 4/1/227

[47] ـ إنباء الغمر 3/ 196: 197.

[48] ـ النجوم الزاهرة 14/209.

[49] ـ  السلوك 3/2/936: 937، 773. النجوم الزاهرة 11/317.

[50] ـ النجوم الزاهرة 11/ 291: 292.

[51] ـ تاريخ زيتر استين 102.

[52] ـ ا لسلوك 4/1/201.

[53] ـ السلوك 3/2/ 570، 592،650، 651، 674، 701، 729، 983.، 4/3/1067، 1196.

[54] ـ النجوم الزاهرة 14/ 111.

[55] ـالضوء اللامع 4/292 ، نزهة النفوس 2/346.

[56] ـ إنباء الغمر 2/490.

[57] ـ إنباء الهصر 113، 131، 133، ع135، 148، 215.

[58] ـ الضوء اللامع2 /324.

[59] ـ تاريخ ابن كثير  14/161.

[60] ـ ابن حجر  ذيل الدرر الكامنة  مخطوط :9.

[61] ـ الضوء اللامع 3/305.

[62] ـ المقريزى : المقفى : مخطوط 2/7، 12.

[63] ـ السلوك 4/2/ 597.

[64] ـ النجوم الزاهرة 15 /471، 548.

[65] ـ النجوم الزاهرة 15/471، 548.

[66]ـ التبر المسبوك 168.

[67] ـ الضوء اللامع 4/294.

[68] ـ إنباء الهصر 85: 87.

[69] ـ تاريخ ابن اياس 3/24.

[70] ـ عقد الجمان . مخطوط ورقة 229، وفيات 808.

[71] ـ إنباء الغمر3/29.

[72] ـ السلوك 2/815.

[73] ـ.ا لدرر الكامنة2/6، 76.

[74] ـ. أبوالمحاسن : المنهل الصافى. مخطوط 3/105.

[75] ـ.إنباء الغمر 2/179، نزهة النفوس 2/434.

[76] ـ  السلوك 4/2/842.

[77] ـ النجوم الزاهرة 16/159.

[78] ـ إنباء  الهصر 188.

[79] ـالعينى .عقد الجمان وفيات 809.

[80] ـ السلوك 4/2/652، 673،4/1/295.

[81] ـ الهصر 454.

[82] ـ فتوح النصر . مخطوط 2/270. السلوك 2 / 2 /416.

[83] ـالسلوك 1/3/869.

[84] ـ السلوك 2/2/440: 441، 444، 386: 387.

[85] ـ الضوء اللامع 3/308، تاريخ ابن اياس 1/2/508.

[86] ـالنجوم الزاهرة 16/275 ــ 276 ، 333 ، 286.

[87] ـ ديوان البهاء زهير : 47.

[88] ـ خطط المقريزى ج2/55، ج1/90، ج2/338.

[89] ـ الشعرانى. لطائف المنن 271، 287 ط قديمة.

[90] ـالشعرانى لطائف المنن271، 287ط قديمة

[91] ـ تاريخ الجزرى. مخطوط ج2/292.

[92] ـ السلوك ج4/1/415.

[93] ـ إنباء الغمر ج3/141

[94] ـ نفس المرجع ج3/836.

[95] ـ نزهة النفوس . مخطوط 146ب

[96] ـإنباء الغمرج3/399، 400.

[97] ـتاريخ ابن اياس ج1/2/166 :167.

[98] ـ خطط المقريزى ج2/55.

[99] ـ مناقب الفرغل  26.

[100]ـ إنباء الهصر 337

[101] ـ تاريخ البقاعى مخطوط 98، 90.

[102] ـ خطط المقريزى ج1/197، 198 السلوك ج3 / 2/ 945. الجوهر الثمين لابن دقماق 149، نزهة النفوس ج1/211.

[103] ـ.ـ السلوك ج4/ 2/ 666

[104] ـ لمحة عامة إلى مصر ج1 /627.

[105] ـ الخطط ج1/ 164.

[106] ـ المقدسى الرجائى. حكم الأمرد 44.

[107] ـ إغاثةاللهفان ج2/ 146.

[108] ـ تاريخ ابن أياس ج2/ 2/225 :226.

[109] ـ عيون التواريخ . مخطوط ج2/384 :386.

[110] ـ ديوان الشاب الظريف 32، 33.

[111] ـلطائف المنن 468.

[112] ـ الصفدى . شرح لامية العجم ج2/281 :282.

[113] ـ نزهة النفوس ج1/334، ج2/236 :237

[114] ـ نزهة النفوس 1/334، ج2/236 237.

[115] ـ ابوالمحاسن : المنهل الصافى ج5/403.

[116] ـ السلوك ج4/2/1032

[117] ـ نفس المرجع ج4/2/1032.

[118] ـ التبر المسبوك 87.

[119] ـ المختا ر 35.

[120] ـ المدخل ج1/151، 160، 161.

[121] ـ تحفة الأحباب 35.

[122] ـ خطط المقريزى ج2/431 :432.

[123] ـ طيف الخيال لابن دانيال 161 تحقيق إبراهيم حمادة.

[124] ـ خطط المقريزى ج1/198

[125] ـ البحر المورود 104 :105 .

[126] ـ لواقح الأنوار 134 :135.

[127] ـ البحر المورود 104 : 105.

[128] ـ المدخل ج1/152، 155، 158، 157، 135، ج2/11، 12، 104.

[129] ـ تاريخ ابن الداودار ج2/290.

[130] ـ تاريخ البقاعى مخطوط ورقة 59 ب.

[131] ـ خطط المقريزى ج1/198، 163، 164، 88، 98، 90.

[132] ـ خطط المقريزى ج1/198، 163، 164، 88، 98، 90.                       

[133] ـ خطط المقريزى ج1/ 198، 163، 164، 88، 98، 90.

[134] ـ خطط المقريزى ج1/ 198ن 163، 164،88، 98، 90.

[135] ـ أحمد أمين قاموس العادات والتقاليد المصرية 88.

[136] ـ رسالة الصنعانى فى الأحاديث الموضوعة : مخطوط 122 مجاميع تيمور 427ب.

[137] ـ خطط المقريزى ج2/521.

[138] ـ النويرى . نهاية الارب ج28/39.

[139] ـ السلوك ج1/2/55.

[140] ـ لمحة عامة إلى مصر ج2/18، 19.

[141] ـ الأمثال الشعبية لتيمور 367.

[142] ـ خطط المقريزى جـ 2/520.

[143] ـ قاموس العادات 170.

[144] ـ خطط المقريزى جـ2/ 521.

[145] ـ الأبشيهى : المستظرف 35.

[146] ـ تاريخ ابن اياس جـ2/61 :62.

[147] ـ نزهة النفوس . مخطوط 162.

[148] ـ النجوم الزاهرة جـ16/332.

[149] ـ خطط المقريزى جـ2/520، 521.

[150] ـ شرح لامية العجم للصفدى جـ2/138.

[151] ـ خطط المقريزى جـ2/517، 518.

[152] ـ تعطير الأنفاس 77.

[153] ـ البدر الطالع جـ2/235.

[154] ـ تحفة الأحباب جـ4/206

[155] ـ. التبر المسبوك 227

[156] ـ.تاريخ ابن اياس جـ1/2 /393

[157] ـ. البحر المورود 230.

[158] ـ. شرح لامية العجم: 358 : 359.

[159] ـ طيف الخيال : 173 تحقيق إبراهيم حمادة

[160] ـ. السيوطى : الفاشوش 471.

[161] ـ. الطبقات الكبرى للشعرانى جـ 2/135، 91 ط صبيح

[162] ـ الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/ 135،  91 ط صبيح

[163] ـ. الاحياء جـ 2/46.

[164] ـ المدخل جـ 2/ 37.

[165] ـ إغاثة اللهفان جـ 2/144

[166] ـ ـطيف الخياال 163

[167]. التبر المسبوك 12.

[168] ـ تاريخ ابن اياس جـ1/2/242.

[169] ـ السلوك جـ 4/2/790.

[170] ـ. خطط المقريزى جـ 2/ 524: 527

[171] ـ.تاريخ ابن اياس جـ2/347،373،374،394.

[172] ـ تاريخ ابن اياس جـ2/394، 374، 373، 347.

[173] ـ تاريخ ابن اياس جـ2/394، 374ـ 373ـ 347.

[174] ـ خطط المقريزى جـ2/514 : 516، 581.

[175] ـ خطط المقريزى جـ 2/ 514: 516، 581.

[176] ـ تاريخ ابن اياس جـ 2/ 264، 265، 416

[177] ـ.تاريخ ابن اياس جـ 4/156، 234، 274، 333، 334.

[178] ـ تاريخ ان اياس ـجـ ـ4/ 156، 234، 274، 333، 334. 

[179] ـ تاريخ ابن اياس  جـ4 /156، 234، 274، 333، 334.

[180] ـ خطط المقريزى جـ3/230، 430، 224 :251، 423: 434، 516.

[181] ـ خطط المقريزى جـ3/230ـ 430، 224: 251، 423: 434، 516.

[182] ـ تاريخ ابن اياس جـ4/97.

[183] ـ السلوك جـ2/835

[184] ـ. لطائف المنن 192، 315 ط قديمة

[185] ـ الصفدى . فوات الوفيات جـ 1/285، 296.

[186] ـ الكواكب السيارة 152.

[187] ـ الضوء اللامع جـ1/85 : 86 .

[188]ـ الطبقات الكبرى جـ2/77 : 80.

[189] ـ الطبقات الكبرى للشعرانى جـ1/137، قواعد الصوفية جـ1/146، 147.

[190] ـ قواعد الصوفية جـ1/75.

[191] ـ قواعد الصوفيةجـ1/75.

[192] ـ الطبقات الكبرى جـ2/91

[193] ـ الطبقات الكبرى جـ2/110

[194] ـ.لطائف المنن 427، 415، 416 ط قديمة.

[195] ـ لطائف المنن 427، 415، 416 ط قديمة.

[196] ـ لواقح الأنوار 259.

[197] ـ. الطبقات الكبرى جـ2/140

[198] ـ. الجواهر السنية . عبدالصمد الأحمدى 224.

[199] ـ السبكى . طبقات الشافعية جـ5/63.

[200] ـ وثيقة وقف السلطان حسن : الأوقاف 881 نقلا عن محمد أمين الأوقاف

[201] ـ الطبقات الكبرى جـ1/161

[202] ـ المدخل جـ1/151، 160، 161.

[203] ـ. رحلة ابن بطوطة جـ1/21.

[204] ـ قاموس العادات والتقاليد 322.

[205]. الخطط جـ3/406

[206] ـ النجوم الزاهرة جـ16/132

[207] ـ. السلوك جـ4/1223  / ، جـ 4/1/511

[208] ـ.إنباء الغمر جـ3/202

[209] ـ السلوك جـ 4/1/320، 324.

[210] ـ السلوك جـ 4/1/320، 324

[211] ـ إنباء الغمر جـ1/74.

[212] ـ حوادث الدهور جـ2/193.

[213] ـ السلوك جـ 4 /2/ 610

[214] ـ حوادث الدهور جـ 2/217.

[215] ـ الطبقات الكبرى جـ2/97

[216] ـ. عبدالصمد. الجواهر 69، 66

[217] ـ عبدالصمد . الجواهر 69، 66.

[218] ـ. التبر المسبوك 176.

[219] ـ أبوالمحاسن : المنهل الصافى . مخطوط جـ2/736  ،737

[220] ـ. تاريخ ابن اياس ج2/258

[221] ـ. التبر المسبوك177

[222] ـ. المنهل الصافى مخطوط ج1/556

[223] ـ. تاريخ ابن الفرات ج9/1/27، 42 : 43

[224] ـ. السلوك ج3/2/576

[225] ـ. المنهل الصافى ج1/556: 557

[226] ـ. إنباء الغمر جـ1/351 :357.

[227] ـ. نزهة النفوس جـ1/169

[228] ـ تاريخ ابن اياس جـ 4/114، 132، 152، 214، 375

[229] ـ لطائف المنن 334 ط قديمة

[230] ـ. تاريخ الجبرتى جـ 2/142.

[231] ـ قاموس العادات والتقاليد 48، 360.

[232] ـ. السلوك ج4/2/614 ، 800، 1026، 1027

[233] ـ السلوك ج4/2/614 ، 800، 1026، 1027

[234] ـ. ـ تاريخ ابن اياس ج1/2/67

[235] ـ. نزهة النفوس 832 مخطوط

[236] ـ النجوم الزاهرة ج15/90

[237] ـ..تاريخ ابن اياس ج2/339، 340، 428، 447.

[238] ـ تاريخ ابن اياس ج4/62

[239] ـ السلوك ج3/2/935.

[240] ـ الخطط ج1/125:126

[241] ـ.تاريخ ابن اياس ج1/2/363: 364،  365.

[242] ـ إنباء الهصر 203. .

[243] ـ تاريخ ابن اياس ج4/277 .

[244] ـ نفس المرجع ج1/2/501: 502 .

[245] ـ التبر المسبوك 95، 96، 302 .

[246] ـ التبر المسبوك 95، 96، 302.

[247] ـ حوادث الدهور ج2/288 .

[248] ـ إنباء الهصر 271.

[249] ـ تاريخ البقاعى85. محطوط.

[250] ـ إنباء الهصر319

[251] ـ تاريخ البقاعى7

[252] ـ السلوك ج4/2/1032، النجوم الزاهرة ج15/93

[253] ـ تاريخ ابن اياس ج1/2/410، 411

[254]ـ السلوك ج3/3/1021، ج4/1/357: 358

[255] ـ السلوك ج3/3/1021، ج4/1/357: 358

[256]ـ إنباء الغمر ج3/93.

[257] ـ السلوك ج4/1/486، إنباء الغمر ج3/192

[258] ـ إنباء الغمر ج3/399

[259] ـتاريخ ابن اياس ج2/119، 122، 125.

[260] ــ إنباء الغمر ج3/437، 439.

[261] ـ تاريخ ابنن اياس <2/163، 184.

[262] ـ حوادث الدهور ج3/424 .

[263] ـ تاريخ ابن اياس ج2/440.

[264] ـ إنباء الهصر 205.

[265] ـ تاريخ البقاعى 141ب. محطوط.

[266] ـ تاريخ ابن اياس ج4/76: 77، 161، 231، 303: 304.

[267] ـ تاريخ ابن اياس جـ4/76: 77، 161، 231، 303: 304

[268] ـ تاريخ ابن اياس جـ4/76: 77، 161، 231، 303: 304

[269] ـ تاريخ ابن اياس جـ4/76: 77، 161، 231، 303: 304

[270] ـ تاريخ ابن اياس جـ1/2/122: 123 .

[271] ـ نزهة النفوس جـ2/95 السلوك ح3/3/1030.

[272] ـ السلوك جـ2/1/29.

[273] ـ خطط المقريزى جـ3/406.

[274] ـ السلوك 2/1/53:55.

[275] ـ السلوك ج1/2/597 .

[276] ـ السبكى . معيد النعم 60، 61 .

[277] ـ خطط المقريزى ج2/463.

[278] ـ مناقب الحنفى 159، 160، 161.

• الفصل الرابع: انعكاسات الانحلال الخلقى الجسدى فى المجتمع المملوكى

الفصل الرابع: انعكاسات الانحلال الخلقى الجسدى فى المجتمع المملوكى

ــ الفحش فى الكلام :

  ــ الأولياء ، المماليك ، فى الشعر ، العامة، وبعد العصر المملوكى .

ــ فى الجرائم والقتل :

  ــ  فى أماكن المجون ومناسباته ، بنات الخطا ،بسبب الخيانة الزوجية ، بسبب تعرض المماليك للنساء غير     المحترفات ، مقتل الشيخ عبدالكريم شيخ مقام البدوى، هواية السلطان ابن قايتباى ،قتل الأطفال بعد اغتصابهم ، مشاجرة وقتل بسبب طفل.

ــ فى الرقص الشرقى :

   ــ ارتباط الرقص الشرقى بالانحلال الخلقى .

   ــ  ارتباط الرقص الشرقىبالتصوف.

   ــ وصف الرقص الشرقى فى العصر المملوكى.

   ــ رقص المردان .

   ــ بعد العصر المملوكى.

ــ فى الزى :

  ــ  الزى والتصوف ، الحجاب والنقاب والانحلال ،الحجاب والموضة ، زى البغايا ، زى المرأة والشذوذ.

انعكاسات للانحلال الخلقى

          لم يكن لهذا الكم الهائل من الانحلال من الزنا وأنواع الشذوذ والخمر والحشيش ــ أن تكون مجردة من التأثيرفى نواح مختلفة فى السلوكيات المنحلة فى اللفظ والنطق وفى الجرائم وفى اتجاه الفن وأنواع الزى .

الفحش فى الكلام :

          إدمان الفاحشة جعلها تعايش اللسان فى العصر المملوكى نطقا وكلاما، فتعود الناس على الفحش فى الكلام ، ولم يعد عيبا يتحرج أحد منه .

الأولياء والعلماء :

          والأولياء الصوفية ــ قدوة العصر ــ كانوا أول من جرأ الناس على الفحش فى الكلام تبعا لانهماكهم فى الفاحشة فالشيخ علاء الدين بن موسى شيخ التصوف الأشرفية برسباى( كانت به جرأة بلسانه على مالا يليق ، وفحش فى مخاطبته عند البحث معه)[1]. وكان الشيخ أبو نافع من أعيان الصوفية فى القرن التاسع قال عنه السخاوى ( شيخ مسن من صوفية البيبرسية ، كان كثير المماجنة والدعابة ،غير متحرز فى ألفاظه وحكاياته . سمعت من ذلك جملة بباب البيبرسية [2]. ويقول السخاوى عن البدر المناوى( لم ينفك عن ملازمة المزاح والكلمات اليابسة)[3]. ووصف البقاعى زعيم الطريقة الفارضية فى عهده بأن ( له وقاحة زائدة، واجتراء على الجلوس فوق من هو أفضل منه ، وأنه لايستحى من شىء.[4]

         وعلى نفس الوتيرة كان الفقهاء والقضاة وقد رأينا طرفا من ذلك . ويقول ابن حجر فى شمس الدين القبارى الحنبلى وكان من قدماء الحنابلة ومشايخهم أنه ( كان يبتذل ويتكلم بكلام العامة) وقد أنكر عليه ابن حجر أكثرة من مرة [5].

        وفى عصر الشعرانى كان المجاذيب طائفة كبيرة متميزة يتمتعون باعتقاد الناس فيهم مهما فعلوا ومهما قالوا، ويقول الشعرانى فى ترجمة الشيخ عبدالقادر السبكى ( كان لايصبر على معاشرته إلا أكابر الفقراء) أى أن كبار الصوفية أنفسهم لا يستطيعون تحمله( وكان يتكلم بالكلام الذى يستحى منه عرفا)[6].ويمكن أن نتخيل مقدار الفحش إذا أدركنا أن عصر الشعرانىحفل بكل تطرف فى السلوك والأقوال ، ومع ذلك فإن العرف فى ذلك العصر كان يستحى من كلام عبدالقادر السبكى.

المماليك :

        والمماليك كانوا على نفس المستوى من الفحش خصوصا مايبعث منه على التندر ، فيروى أن الشاعر الدمشقى يوسف ابن لؤلؤ جاءه مملوك من مماليك الناصر فقال له ( أعندك خاتم علىقدر أصبعى ؟ فقال له بل عندى أصبع على قدر خاتمك) فبلغت الواقعة للناصر فلم يغضب لهذا الفحش مع مملوكه بل استظرفه ، وكان ذلك سبب اتصال الشاعر به [7].

         ووصف السلطان المؤيد شيخ (ت824) بأنه(كان فاحشا سبابا) [8]. وفى سنة 849 سقطت منارة المدرسة الفخرية وأصابت الكثيرين فاغتاظ السلطان جقمق وطلب الناظر على المدرسة وشتمه بأقبح الألفاظ[9]. ويقول أبو المحاسن فى نفس الموضوع أن السلطان استدعى ناظر الوقف ونائب الشافعى ورسم بتوسيطه، بعد أن سبه ولعنه ، ثم التفت السلطان إلى القاضى الشافعى ( فخاطبه بمخاطبات منكية يستحى من ذكرها وعزله)[10].

        ويبدو أن إفحاش السلاطين فى القول كان عادة تعود الناس عليها منهم ، لذا وصف االمؤرخ أبوالمحاسن السلطان الأشرف إينال ت 865 بأنه ( كان غير سباب ولا فحاش فى لفظه)[11]. هذا بينما وصف أبوالمحاسن طائفة من الأمراء المماليك بالأفحاش فى اللفظ مثل سيف الدين فخرى بردى[12]

         وبعض المماليك خلط تصوفه وحبه الصوفية بعادته فى الإفحاش فى اللفظ لأنه لا تعرض بين الجانبين مثل الأمير ايمتش الخضرى 846 الذى كان قارئا للقرآن محبا فى قرائه الذين يتغنون به فى المؤسسات الصوفية ( مع شر فيه وبذاءة لسان)[13]. وكان تغرى بردى بكلمش ت846 قد عمر مدرسة فيها صوفية (مع سبه وفحش لفظه)[14].

            ولم يتخلف القضاه عن الر كب فكان عز الدين البكرى فحاشا ( لم يسلم الناس من لسانه)[15]. والوزير البباوى 866( كان به قلة أدب وفحش فى ألفاظه فى مخاطبة الرؤساء والأعيان)[16]. وأتت البذاءة المفحشة ــ أحيانا ــ بمصائب سياسية ،فالأمير بردبك العجمى كان نائبا على حماة فافحش القول لأهلها فنفرت قلوبهم عنه فقاتلهم ، فغضب السلطان عليه ، فخرج عليه ، ثم انتهى به الأمر بالاستسلام للسلطان فاعتقله بالاسكندرية[17].

فى الشعر :

        وأبرز مظاهر الإفحاش اللفظى كان فى الشعر المملوكى خصوصا ماكان منه ساخرا هاجيا ،فالبوصيرى الشاعر الصوفى المشهور يقول عنه المقريزى ( كان ممقوتا لإطلاقه لسانه فى الناس بكل قبيح)[18]. وفى مجال السخرية والهزل اشتهر الكثير من الشعراء مثل الأسعردى(ت656) وقد روى الصفدى له أبياتا خارجة مكشوفة نستحى من ذ كرها ويقول عنه ( له ديوان شعر مشهور ، وقد أفرد هزلياته وسمى ذلك سلافة الزرجون فى الخلاعة والمجون)[19]

        وبعض القضاة وجد مجاله فىالشعر يتنفس به فحشا، فالسراج البلقينى 805( كان يتعانى نظم الشعر فيأتى بما يستحى منه، وقال البدر البشتكى أن الشيطان وجد طرقه عند البلقينى مسدودة فحسن له نظم الشعر )[20].

        وتكاثرت هذه النوعية من الشعر والشعراء فى القرن التاسع ، فيقول أبوالمحاسن أن الشيخ الحلاوى كان يضرب بلحيته المثل فى الطول ، وفيها قال الدجوى قصيدة أنشدها لأبى المحاسن وقال عنها المؤرخ ( اضربت عن ذكرها لفحش ألفاظها)[21] ومع ذلك فإن أبا المحاسن أنشد شعرا فظيعا لشاعر البلاليق أبوالفياح السعدى[22].لانستطيع ذكره ، وكان فى الشذوذ الجنسى ، ويظهر إلىأى حد كان ذلك الوباء منتشرا وعاديا لايستوجب الإمتعاض.

         وواضح أن الانحلال الخلقى الذى ادمنه العصر المملوكى جعل الناس يعتادون التعبير عنه بالألفاظ الصريحة الفاحشة ، وتكاثر ذلك فى المصادر التاريخية والصوفية وقد أرغمنا ذلك على الاستشهاد ببعضها من الذى ورد فى مصنفات أعلام المؤرخين والصوفية مثل المقريزى والشعرانى وغيرهما ، وكنا نقدم الإعتذار عنها، ولازلنا.

          وأشد منه أفحاشا ما كان شعرا ماجنا فى الجنس والشذوذ ، وقد أورد الصفدى بعضه فى شرح لامية العجم[23].ولانستطيع الإتيان بشىء منه ، وأفظع منه ماأورده ابن دانيال فى مسرحياته الثلاثة (طيف الخيال ، وعجيب وغريب ، والمتيم والضائع المتيم) ، ففى الأولى تناثرت بعض الكلمات العامية مع كلمات أخرى فاحشة بذيئة وغيرها عريانة متهتكة أوصافا لخواطر جنسية شاذة وغير شاذة ، وفيها يأخذ الأمير وصال فى تذكر لياليه الجنسية الصاخبة ويصفها بدقة فى كلمات فاحشة ، وفى الثانية يأتى غريب بأبيات فاحشة تتعرض للشذوذ والدعارة الشاذة فى الفاظ صريحة سوقية جارحة للذوق والحس الخلقى ولايمكن إثبات بعضها أو التلميح إليها أوإبدال بعض حروفها ، وفى الثالثة تتطور العلاقة بين المتيم والمتيم الضائع إلىمواقف غزلية منحطة قذرة شكلا ومضمومنا مما يثير الإشمئزاز والغثيان[24] وقد كانت المسرحيات أو ( البابات) تلقى على مسامع الناس ويقبلون على مشاهدتها وقراءاتها وبذلك اكتسبت شهرة حتى عصرنا واكتسب صاحبها ابن دانيال نفس الشهرة. وتسربت مؤلفات الفحش يكتبها علماء مشهورون مثلما فعل السيوطى فى كتابه " رشف الحلال الزلال" والكتاب الآخر عن " دقائق الغنج" وغيرهما.

العامة وبعد العصر المملوكى:

 وورث المصريون بعد العصر المملوكى ذلك الفحش فى الكلام ضمن ما ورثوه من انحلال خلقى ، خصوصا والعوام فى العصر المملوكى مارسوا الفحش فى الكلام بأعلى صوت يقول عنهم السخاوى وقد تظاهروا وقت الغلاء ( اجتمع منهم خلق من داخل باب زويلة إلى تحت القلعة ، واكثروا الاستغاثة والصياح والشنعة مع السب واللعن والتهديد والتصريح بالعيب الذى ليس له مزيد من غير إفصاح بمراد ولا  إيضاح بشىء مستقر فى الفؤاد، لكثرة غوغائهم ولغطهم ودعائهم إلى أن اجتاز بهم المحتسب .. فأخذوه بتلك الألسنة وأوسعوه من الإساءة المعلنة ولم يتحاشوا عن القذف بالتصريح والإيماء .. إلى أن طلع القلعة بعد أن ملأ من السوء سمعه)[25]. والتطور الذى أدخله التصوف فى العصر المملوكى هو أنه أضفى على فحش العامة سمة الشرعية فكان الأولياء الصوفية يمارسونه دون تحرج ثم كان المماليك ،وعليه فلا حرج على العامة إذا صاحوا به فى وجه الحكام . والعامة هم العامة ، حافظوا على ذلك التقليد بعد العصر المملوكى ، يقول كلوت بك عن المصريين العوام ( وفى أحاديثهم الماجنة قلما يحرصون على الآداب أو يتصونون عن القبائح ، إذ يعبرون بفاحش القول عن الآراء التى يجفل من الإنصات إليها السمع الكريم ، ونادرا ما تجد بين النساء حتى الفضليات منهن من يتحاشين تلويث كلامهن بالألفاظ القذرة ذات المعانى المعيبة)[26]. وفى عصرنا الحديث قال أحمد أمين عن المصريين وسبابهم( وبعض أنواع السباب فاحش يخجل منها المثقف)[27]

فى الجرائم والقتل :

فى أماكن المجون ومناسباته:

        1 ــ كانت أماكن المجون ومناسباته كثيرا ماتكون ظروفا مهيأة لارتكاب جرائم القتل . ويذكر المقريزى قوله عن هذه الأماكن ( وقد دخلت الخليج الذى بين القاهرة ومصر ..فرأيت فيه من العجائب وربما وقع قتل فيه بسبب السكر ، وهو ضيق، عليه فى الجهتين مناظر كثيرة العمارة فيه بعالم الطرب والتهكم والمخالفة)[28]. ورأينا ماكان يحدث لأهل الكتاب إذا ضبط أحدهم يزنى بمسلمة ، وكان يحدث اقتتال بين الجند والعبيد فى مناسبة دوران المحمل حين يحاول الجنود اغتصاب النساء والصبيان . ويقول المقريزى عن عيد الشهيد( ويخرج عامة أهل القاهرة ومصر .. ولايبقى مغن ولامغنية ولاصاحب لهو ولا رب ملعون ولا بغى ولا مخنث ولا ماجن ولا خليع ولا فاتك ولا فاسق إلا ويخرج لهذا العيد ، فيجتمع عالم عظيم لايحصيهم إلا خالقهم ، وتصرف أموال لاتنحصر ، ويتجاهر هناك بما لايحتمل من المعاصى والفسوق ، وتثور فتن ويقتل ناس)[29]. وفى عيد النوروز يقول ابن إياس " يتجاهرون فى ذلك اليوم بشرب الخمور وكثرة الفسوق فى أماكن المفترجات حتى يخرجون فى ذلك عن الحد، وربما كان يقتل فى ذلك جماعة ممن يعربدون على بعضهم فى السكر ، ولاينكر ذلك بين الناس"[30].

        وقد ذكرت المصادر التاريخية بعض النماذج الفردية لهذه الجرائم المرتبطة بالانحلال الخلقى من زنا وشذوذ.

*بنات الخطا:

       فوجود بنات الخطا(البغايا) ومايجمعنه من أموال جعلهن فرصة سهلة للقتل وهن ينتقلن من يد إلى يد ويرتدين افخر الثياب والمصوغات . ففى سنة 857 يقول أبو المحاسن أن السلطان وسط ثلاثة بعد أن أمر بتسميرهم على الجمال منهم يلبان الزينى عبدالباسط الذى ( كان يطلب المرأة الجميلة من الخواطىء فيفعل فيها، ثم يقتلها ويأخذ ماعليها، ويستعين بالذين وسطا معه)[31]. وفى نفس الموضوع يقول ابن اياس ( وسط مملوك يقال له يلبان واثنان من اصحابه ، لأنهم كانوا يحضرون عندهم بنات الخطا فإذا بتن عندهم يقتلونهن ويأخذون ماعليهن من القماش)[32]. وفى سنة 876 استمال رجل امرأة من بنات الخطا ومعها أمها وأمرأة عجوز قوادة وأخذهن إلى قاعة مظلمة بالقرب من بيت الشيخ الفقيه ابن حجر ، وبعد ذلك قتلهن وأخذ حليهن وهرب، وعثر على النسوة عرايا مخنوقات وإلى جانبهن آلات الخمر [33] .

         وقبل ذلك فى أوائل العصر المملوكى سنة 622 حدث العكس يقول المقريزى ( وكثر فى هذه السنة قتل الناس فى الخليج وفقد جماعة ،والتبس الأمر فى ذلك ، ثم ظهر بعد شهر ان امرأة جميلة يقال لها غازية كانت تخرج بزينتها ومعها عجوز، فإذا تعرض لها أحد قالت له العجوز لايمكنها المسير إلى أحد ولكن من أرادها فليأت منزلنا) ( فإذا وافى الرجل إليها خرج إليه رجال فقتلوه وأخذوا مامعه) واكتشف أن رفاقها فى الجريمة كانوا إذا قتلوا أحدا القوه فى قمين لإحراق الطوب حتى تحترق عظامه، وأظهروا من الدار خفائرقد ملئت بالقتلى، يقول المقريزى( ثم عملت الدار التى كانوا بها مسجدا وهو المعروف بمسجد الخناقة)[34]

        وكانت تحدث فتن بسب المحترفات فيذكر ابن اياس أن فتنة حدثت بين أنصباى حاجب الحجاب والأمير نوروز سنة 914 والسبب أن هناك محلا لبنات الخطأ بالقرب من بيت نوروز( يعملون الفاحشة) قصد إليه أعوان انصباى ليكبسه فثارت عليه غلمان نوروز وضربوا منهم جماعة ومنعوهم فسار إليهم انصباى بنفسه وضرب النسوة وأشهرن فى القاهرة فاشتكى نوروز للسلطان ( فحط عليه السلطان)[35]. ويذكر ابن اياس أن الوالى قبض على امرأة قبيحة السيرة تجمع عندها بنات الخطا( وكانت تسكن الأزبكية ، فهربت إلى قليوب ، فأرسل السلطان من قبض عليها ثم أمر بتغريقها فيقال أنها أفدت نفسها بخمسمائة دينار ورسم بنفيها)[36].

*بسبب الخيانة الزوجية:

        وكما سبق فلم يكن الانحلال الخلقى مقصورا على (بنات الخطا) وإنما امتد إلى النساء الأخريات خصوصا المتزوجات فكان يحدث قتل بسبب الخيانات الزوجية ، وذكرت المصادر التاريخية طرفا من ذلك ، فقد حدث أن زوجة هى بنت أمير عشقت عبدا أسود واحتالت فى ادخاله البيت متنكرا فى زى احدى الخواندات فعاش فى البيت ثم اتفقت مع عشيقها على قتل الزوج فضرب العشيق الزوج بسكين إلا أن الضربة لم تقتله ، فاستغاث الزوج، وأمسك بالعبد فاعترف تحت التعذيب وقتل ، أما الزوجة فحلفت لزوجها أنها وصديقتها باتتا معا تلك الليلة وماعلمتا بقصة ذلك العبد أصلا فصدقها زوجها واستمر معها[37]. وكان من أسباب نكبة الأمير ابن الطبلاوى أن خوند بنت صرف كانت زوجة للسلطان فرج بن برقوق وقد طلقها، فاتصلتت بابن الطبلاوى وتحقق من ذلك السلطان فقتلهما[38]

          ويذكر ابن حجر أن زوجة بزازعشقت عبدا أسود واتفقت معه على قتل زوجها فأخفق ونجا الزوج[39]. وهى نفس القصة السابقة عن الزوجة بنت الأمير وعبدها الأسود وقد أصبحت الجرائم ( الأخلاقية) ظاهرة فى الربع الأخير من القرن التاسع فيذكر الصيرفى حوادث متتابعة ، منها أن رجلا أخذ زوجته إلىالجبل فقتلها ، ووجدت امرأة وبنت مقتولتين فى الأزبكية ولم يعلم لهما قاتل ولا وارث ، وقتل أحدهم زوجته لأنه كان يتهمها بغلام،( وذبح شخص كان بلاَنَا بأرض الطبالة بالجنينة وبيفحصوا عن قاتله)[40]

        وفى تاريخ البقاعى يذكر حادثتين سنة 874 يقول ( قتل أحد نواب ـ أى قضاة ـ الحنفية ورميت جثته فى بئر وكان القاتل جنديا يحب امراة فاتهم الفقيه فى تغييرها عليه)[41]. ويحكى أن امراة من الحسينية كانت زوجة ( لبعض المشهورين قد خرجت على طاعته فعجز عن ضبطها وانهمكت فىلهوها ، فقتلها بمعونة ثلاثة، ومثل بها) ويذكر فى حوادث سنة 880 أن شخصا من القاهرة قتل أمه واخته وابنى اخته( لأنهم استحسنوا عليه زوجته فجلبوا لها أجنبيا )وقد وسطه السلطان[42]

*بسبب تعرض المماليك للنساء غير المحترفات:

       وكانت تحدث فتن قتل بسبب تعرض الحكام والمماليك للنساء من غير المحترفات ففى سنة 795 شكى الفلاحون للسلطان من الأمير ابن أقبعا آص( لأنه يأخذ نساءهم وأولادهم ويفجر بهم، وحاققوه فى وجهه على ذلك ، فضرب بالمقارع)[43]. وفى دمياط اختلف الحال فقد قتل أهلها الوالى السراخورى لأنه( كان كثير الظلم والفسق والتسلط على نساء الناس وأولادهم) وذلك ماأورده كبارالمؤرخين العينى[44]. وابن حجر[45]. والمقريزى[46]   .

        ويذكر ابن اياس أن ثلاثة من المماليك اغتصوا  بعض النسوة فى طريق المقس فهربت منهن واحدة واشتكت للوالى ،فقبض عليهم ، فأمر السلطان الغورى بضرب المماليك حتى أشرفوا على الهلاك وسجنهم ، وعوض النسوة بالمال فى نظير ماحدث لهن( فعد ذلك من النوادر الغريبة)[47].

 *مقتل الشيخ عبدالكريم شيخ مقام البدوى:

        ومن الحوادث الغامضة مقتل الشيخ عبدالكريم شيخ مقام البدوى  وذلك بالقاهرة سنة 862 يقول ابن اياس( مات عبدالكريم خليفة البدوى قتيلا ولايعلم قاتله، وكان غير مشكور فى سيرته ، ولى خلافة البدوى مدة طويلة ، فلما مات ولى بعده صبى من أقاربه اسمه عبدالمجيد)[48].

         ويقول أبوالمحاسن فى مقتل عبدالكريم ( توفى الشيخ عبدالكريم شيخ مقام البدوى بظاهر القاهرة ، قيل أنه تردى من سطح وهو ثمل، ومنهم من قيل دس عليه شيخ العرب حسن بن بغداد من قتله، وأنا أقول قتله سر الشيخ أحمد البدوى لانهماكه على المعاصى وسوء سيرته فأراح الله الشيخ أحمد البدوى منه ولله الحمد،وتولى عوضه شيخ المقام صبى من أقاربه دون البلوغ)[49]

          وفى موضع آخر يقول أبوالمحاسن ( وكان عبدالكريم غير لائق للمشيخة وروى القاضى شمس الدين الطنتدانى أنه رأى فى منامه الشيخ البدوى يقول من داخل القبر: لاتدعوا هذا الصبى يجىإلى عندى اقتلوه . وكان عبدالكريم هذا قد حضر إلى القاهرة : فلم تمض بعد ذلك إلا أيام يسيرة وقتل ،  ولما قتل أمسك السلطان جماعة ممن كان عبدالكريم هذا نزل عندهم وضربهم بالمقارع فلم يعترف أحد بقتله)[50]. والمقامات الصوفية تشير بأصبع الإتهام إلى أنها مؤامرة نفذها صوفية الأحمدية ، وواضح أنهم استفادوا فى مؤامراتهم بما أشيع عن عبدالكريم من انحلال خلقى .

*هواية السلطان ابن قيتباى:

         وقد اشتهر السلطان الناصر محمد بن قايتباى هواية غريبة لم يسمع بها وتقشعر لها الأبدان فقيل فيه( شرع فى مخالطة الأوباش وارتكاب الفواحش ، وتحكى عنه أمور قبيحة منها أنه سمع بامرأة حسناء هجم عليها وقطع رأس فرجها ونظمه فى سلك أعده لذلك ، وقد زفت إليه جارية فربطها وسلخها، ولم يستطع أحد انقاذها منه)[51].

* قتل الأطفال بعد اغتصابهم:

3  ــ وفى مجال الشذوذ الجنسى حدثت جرائم فظيعة كان ضحاياها من الأطفال الصغار الأبرياء ففى سنة 917 يعد ابن إياس من الوقاع المضحكة أن فلاحا فى طاحونة فعل الفاحشة بابن صاحب الطاحونة ، وكان طفلا فى السادسة ، فمات الصبى، وعوقب الجانى بالموت على الخازوق، والمؤسف أن ابن أياس وهو يعبر عن ذوق عصره يعد هذه الجريمة واقعة مضحكة وحتى نتعرف على ذوق العصر الذى انحط إلى الحضيض فإننا مضطرون ــ مع الأسف ــ للإتيان بألفاظ ابن إياس  وتعبيراته يقول عن الصبى الضحية ( فما طاق الصبى من ذلك، وانغرز من ثلاثة مواضع فى دبره ،فمات بعد مضى ثلاثة أيام) ثم يأتى ابن إياس بشعر ماجن خليع ساخر معلقا على هذه الحادثة ( وفى مثل هذه الواقعة يقول المعمار):

            صــغير نام على وجـهـه       وقال حكمك قلت لا فــائدة

   هل أدخل العامـود ياســيدى       فقــال لاتنخرم القاعدة[52].

        ومعنى قوله ( وفى مثل هذه الواقعة يقول المعمار..) أن الاعتداء على الأطفال الصغار كان أمرا مألوفا فى ذلك الوقت وأن ذلك لم يكن عيبا بل كان يتندر به فى الشعر ، وأن المصادر التاريخية لم تكن تذكر وقائع من هذا النوع إلا حينما يموت الطفل وينتشر الخبر. والعادة أن الشذوذ يبدأ بالتعامل مع الأطفال ويكونون ضحاياه.

        وابن إياس ذكر جريمة أخرى من نفس النوع بعد الجريمة السابقة بثلاث سنوات تؤكد اعتياد العصر على جريمة الاعتداء على الأطفال الصغار، فيذكر أن خياطا فعل الفاحشة بصبى فى العاشرة فاستغاث الصبى ، فذبحه الخياط ورماه فى بئر، فلما اكتشف أمره قبض عليه واعترف ، فأمر السلطان الغورى بشنقه فى المكان الذى قتل فيه الصبى ( وأن تقطع محاشمه وتعلق فى عنقه وهو مشنوق ففعلوا به ذلك)[53].

         أى أن الاجراءات القاسية فى القتل مثل الخازوق لم تفلح فى منع استمرار هذه الجريمة فبعد صبى الطاحونة تكررت الفعلة مع صبى آخر.

        وقبل ذلك فى سنة 794  قبض السلطان برقوق على ستة من المماليك عند خانقاه سرياقوس وحملهم فى الحديد إلى القاهرة لأنهم ( أمسكوا صبيا فعلوا فيه الفاحشة حتى مات)[54]. وفى تعبير المقريزى ( من أجل أنهم ارتكبوا الفاحشة بصبى حتى مات)[55].

        وفى أحيان كثيرة كان الجانى لايعرف وبالتالى يفلت من العقاب ففى سنة 875 قتل شخص رومى أمرد فى الصحراء بجوار ضريح الشيخ المقانعى ( ولايعلم له قاتل)[56] . وتلك مجرد نماذج حدثت فى القاهرة ، فذكرتها المصادر التاريخية ، ,وماخفى أعظم .. وأفظع..

*مشاجرة وقتل بسبب طفل:

            وأحيانا كان ينجو المفعول به وتقع الجرائم بسببه كما حدث سنة 834 حين جرت مشاجرة بين شخص وبين مملوك له فاغتاله بسكين ( وذلك بسبب صبى تغايرا عليه )[57]. وذلك ما يذكره ابن حجر ، وقد ذكر فى حوادث سنة 825 أن صوفيا  ( جب أى قطع ) مذاكيره بسبب أمرد كان يعشقه ولايقدر عليه ، فاتفق أنه أمكنه من نفسه فلم ينتشر ذكره فقطعه ، فحمل إلى المارستان فمات )[58].

         وفى سنة 915 هرب صبى أمرد من طائفة من المماليك والتجأ إلى بيت الأمير إينال باى فأحرق المماليك بيت إينال باى[59].

         *مشاجرة وقتل بسبب طفل:

        وقد تظهر حوادث القتل فى الحوليات التاريخية متتابعة ، منها ما يكون بسب الانحلال الخلقى ومنها ما يكون سبب تافه ففى ذى القعدة سنة 913 نجد الحوادث التالية فى عدة صفحات من تاريخ ابن إياس : أنه تحاسد جماعة من عبيد السلطان فقتلوا واحدا منهم مقربا للسلطان فوسط منهم أربعة وهرب جماعة ، ووجدت امرأة مقطوعة نصفين كل نصف منها مرمى فى حارة ولايعلم من فعل بها ذلك ، وغمز على فران أنه قتل صبيا كان عنده ورماه فى الفرن ، وقتل بعض الغلمان بائع لبن لأجل شقفة لبن لم يبعها له اللبان يقول ابن إياس ( فوسط السلطان الغلام الذى قتل اللبان فراح هذان الرجلان لأجل شقفة لبن فلا  حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم)[60].

       وفى سنة 915 قتل بركات ــ وهو فراش الأمير طومان باىــ (صبيا من صبيانه جميل الصورة صغيرا) فدفعه السلطان إلى القاضى المالكى ليحكم عليه فحبسه القاضى ــ عندما عرف أنه فراش الأمير طومان باى ــ حتى تقام عليه البينة ، وبعدها بقليل قتل ساعى الدودار أيضا قتيلا مسنا شيخا فدفعوه للقاضى أيضا فأطلقوا سراحه ولم يأت أحد يشهد عليه بأنه قتل وكان قتله بالنهار بعد العصر ، ويقول ابن إياس معلقا( وراح أمر القتيلين علىأقاربهما وأولادهما والأمر لله تعالى)[61].

         وهكذا كان القتل يحدث بأى سبب ،وذلك ما يذكرنا بأحداث ذكرها ابن حجر متتابعة فى صفحة واحدة لسنة 836 فى شهر رمضان ،فقد تخاصم رجلان على نصف فضة فخنق أحدهما الآخر ، وتخاصم اثنان من المسحرين ( المسحراتية) فضرب أحدهما الآخر فسقط ميتا ،وطلق أعجمى ــ صوفى زوجته ثم ندم فتتبعها فى زقاق فضربها بسكين فماتت[62]

فى الرقص الشرقى:

ارتباط الرقص الشرقى بالانحلال الخلقى:

         1 ـ كان ارتباط الفن ـ من غناء ورقص ـ بالانحلال الخلقى شديدا فى العصر المملوكى ، ونسترجع ماقاله المقريزى عن الانحلال الخلقى عند الخليج ( وقد دخلت الخليج الذى بين القاهرة ومصر.. فرأيت من العجائب وربما وقع قتل فيه بسبب السكر ، وهو ضيق، عليه فى الجهتين مناظر كثيرة العمارة بعالم الطرب والتهكم والمخالفة )[63]. أى اشتملت أماكن المجون على( الطرب والتهكم) ويقول عن عيد الشهيد ( ويخرج عامة أهل القاهرة ومصر .. ولايبقى مغن ولامغنية ولاصاحب لهو ولا  ملعوب ولا بغى ولا مخنث ولا ماجن ولا خليع ولا فاتك ولا فاسق إلا ويخرج لهذا العيد، فيجتمع عالم عظيم لايحصيهم إلا خالقهم وتصرف أموال لاتنحصر)[64]. فذلك الجمهور الهائل ينفق أمواله فى شرب الخمر والاستماع إلى الطرب والاستمتاع بالراقصات ويمارس الزنا والشذوذ.

         وفى بركة الرطلى المشهورة بالانحلال الخلقى  اشتهرت المغانى وحين افرج السلطان عن الزينى بركات وكان من سكان بركة الرطلى أقامت له البركة حفلا بهيجا فزغردت له النساء( ولاقته الطبول والزمور ومغانى النساء)[65] . وكان ذلك يتكرر كثيرا كما فى تاريخ ابن إياس [66]. كما أسلفنا أن المغانى كن يدفعن ضمان المغانى أسوة بالعاهرات ، وأن هذه الضريبة كانت الشيخات يدفعنها أيضا حين يقمن حفلات الذكر.

ارتباط الرقص الشرقى بالتصوف:

         ومن ناحية أخرى كان ارتباط التصوف بالغناء والرقص عضويا، فالسماع الصوفى يعنى إقامة حفلات الذكر الصوفى من غناء ووجد ورقص، وابن الحاج يصف المغنى فى السماع الصوفى فكأننا نرى مغنيا معاصرا يقول ( والمغنى يبتدىء فى الغناء بالهيبة والوقار وحسن السمت فينصت له الناس ، فإذا دب معه الطرب حرك رأسه قليلا، ثم إذا تمكن منه الطرب ذهب حياؤه ووقاره فيقوم ويرقص وينادى ويبكى ويتباكى ويتخشع ويدخل ويخرج ويبسط يده ويرفع رأسه نحو السماء ، وكأنه جاءه المدد ويخرج الزبد من فمه، وربما خرق بعض ثيابه وعبث بلحيته ، ويزعم أنه سلب عقله )[67] .أى بنفس مايفعله مجانين الغناء الغربى الآن.

         إذن فالمغنى الصوفى فى السماع يخلط الغناء بالرقص بالوجد، وكما وصف ابن الحاج طريقة الغناء الصوفى يقول فى طريقة الرقص الصوفى( والرقص بضرب الأرض بالأقدام أو بالأكمام عند سماع الأصوات الحسان من المرد والنسوان ، وضرب الطار والشبابة،ويسجد الفقير للشيخ حين قيامه للرقص وبعده كعادة فى السماع)[68]. أى أنهم اتخذوا السماع تدينا ففى حضرة الشيخ يسجدون له قبل الرقص وبعده.. ثم يقوم النساء والشباب الجميل بالرقص فيدخل الصوفية فى حمأة الرقص المجنون.

         وفى موضع آخر يقول ابن الحاج أن الغالب على الصوفية حضور السماع والرقص فيه حتى كان ذلك من شروط السلوك عندهم( وبعضهم يدعى أنه ُيتح عليهم فى حال رقصهم وتأخذهم الأحوال) أى تزيد درجته فى تدينه الصوفى كلما ازداد فى الرقص ( وبعضهم يتعاطى السماع فى المسجد ويرقصون فيه وكذلك يفعلونه فى الربط والمدارس)[69].أى لأنه تدين فلابد أن يمارس فى البيوت الدينية.

         وكانت النساء يحضرن حفلات السماع الصوفى مما آثار عليهم ابن الحاج فقال عن حفلات السماع( قلَ أن تسلم من حضور النساء فى المواضع المشرفة على الحفل من سطح أو غيره ، مع سماعهن للأشعار المهيجة للفتنة والشهوات والملذوذات ، فإن ذلك يحرك عليهن ساكنا لما ورد أن الغناء رقية الزنا، وهن ناقصات عقل ودين سيما إذا انضاف إليه كون المغنى شابا حسن الصورة والصوت ويسلك مسلك المغنيات فى تكسيرهن وسوء تقلباتهن مع ماهو عليه من الزينة بلباس الحرير والرفيع )[70] .

          إذا كانت السماعات وسيلة للإيقاع بالنساء خصوصا وأن بعضهم كما يقول ابن الحاج ( حتموا بأن يكون المغنى شابا نظيف الصورة حسن الكسوة والهيئة أو أحدا من الجماعة الذين يتصنعون فى رقصهم بل يخطبونهم للحضور ، فمن لم يحضر منهم ربما عادوه ووجدوا فى أنفسهم عليه)[71] . وتواجد النساء فى تلك الحفلات التى يحضرها الرجال حتى لو كان السماع للكتب لا للغناء والرقص فيقول ابن الحاج ( يجتمع الناس فى المسجد لسماع الكتب فيه ، ثم تأتى النساء أيضا لسماعها فيقعد الرجال بمكان والنساء بمقابلتهم،  وبعض النساء يأخذهن الحال علىما يزعمن فتقوم المرأة وتقعد وتصيح بصوت ندى وتظهر منها عورات ، ولو كانت فى بيتها لمنعت ، فكيف بها فى الجامع بحضرة الرجال ،فنشأ عن هذا مفاسد جملة )[72] . وإذا كان الولى امرأة فالنساء الحاضرات عندها يرقصن جماعة ( ويرفعن عقيرتهن بالقراءة والذكر، ويقمن يرقصن ويبكين ، وتأخذهن الأحوال على زعمهن)[73].

         والمرأة إذا ذهبت للرقص فى الموالد خرجت ( فى أحسن الثياب والطيب والزينة والحلى ويكون ذلك بحضور شيخة)[74]. وأحيانا كن يذهبن للسماعات المشتركة مع الرجال ، وهنا تكون الزينة على أشدها خصوصا وأنهن كن يرقصن مع الرجال ، يقول ابن الحاج( يرقص بعضهم مع بعض نساء ورجالا وشبانا)[75].

          وملخص ماسبق أن السماع الصوفى كان مظهرا جمع فى داخله الرقص مع الغناء مع الانحلال الخلقى ، وقد انعكس ذلك على نوعية الرقص الذى تؤديه النساء فكان أكثر تعبيرا عن الغرائز الجنسية ، ولايزال الرقص الشرقى الذى توارثناه من العصر المملوكى يحمل هذه السمة الجنسية الفاضحة حتى الآن ـ فى مجتمع يعلن انتماءه للإسلام ـ بينما تستنكف منه مجتمعات أوربا ( الكافرة المنحلة) كما يقال .

وصف الرقص الشرقى فى العصر المملوكى :

         ولم يرد ـ حسب علمنا ـ فى المصادر التاريخية نص يصف الرقص الشرقى فى العصر المملوكى وقد أسعفنا الشعر بذلك[76] . يقول الفارقى يصف إحدى الراقصات.

          لله راقصـــة تمـيص كـأنهــا          ظل القضيب إذا تمايل مــزهرا

           تزهو وترجع  كالخيال فلا تــرى           حـركـاتهـا إلا كطارقة الكـرى

           لانت معـاطفهــا فكيف تلفتـت          وتلفتت لايســـتطاع بأن تـرى

         فالشاعر يصور الحركات السريعة للراقصة حين تتثنى وتتراجع  وتتلفت وتنفلت شأن راقصات هز البطن الآن. ويقول صفى الدين الحلى يصف راقصات من نفس الفصيلة:

              والراقصات وقدشدت مآزرهــا           على الخصور كأوساط  الزنـابير

              يخفى الردى ســقمهـا عنـا            عـقـد البنـود وشـدات الزنابير

              فــيفــضــحــهــــا            مواروغصن من الكثبان  معطور

              إذا انثين باعطاف يجـاذبهــا             فى لج بحر بماء الحسن مسجور

              رأيت أمواج أرداف قد التطـمت            مقســومة بين تأنيث وتذكيـر

              من كل مائسة الأعطاف من مرح           صبح تغلغل فيه قلب ديجـــور

         فهنا يصور الشاعر الراقصات بنفس احوالهن اليوم من شد الوسط والانثناء  بالأعطاف وهز الأعجاز والأرداف، وارتداء الراقصة لزى الغلمان ، واستخدامهن الصنوج الخشبية السمراء لذا عبر عنها وهى فى كفها البيضاء ، وكأن قطعة من الليل تغلغلت فى قلب الصبح..واستعمال الصنوج لايزال إلى الآن من أهم مظاهر الرقص الشرقى والرقص الصوفى أيضا فى الموالد، حين يقوم به الشباب الصغير..

         ويقول الحلى أيضا:

              ترعى الضروب بأيديها وأرجلها            وتحفظ الأصل من نقص وتغيير

              وتعرب الرقص من لحن فتلحقه              مايلحق النحو من حذف وتقدير

          فالراقصات ــ كن فى العصرالمملوكى يضبطن حركة الأيدى والأرجل على اللحن والموسيقى ، وذلك الالتزام بالايقاع لازال مرعيا حتى الآن لدى ربات المهنة فى الرقص الشرقى.

* رقص المردان:

         وكان المردان يقومون بالرقص ، وقد شهدنا ابن الحاج يقول( يرقص بعضهم مع بعض نساء ورجالا وشبانا) وقد أفتى ابن تيمية بمنع ( الأمرد من الرقص بين الرجال مما فيه فتنة للناس والنظر إليه لذلك)[77]. وضاعت صيحة ابن تيمية فى الفضاء لأن الانحلال الخلقى هو أساس الرقص والسماع الصوفى.

          ويقول صفى الدين الحلى فى أمرد يرقص :

         جـــاء وفى قــده اعتــدال           مــهــفـهـف مــاله عديل

         قد خفقت لطفه الشمــــــال         وثقلت جفنـــه الشـــمــول

         ثم انثنى رقصـــــا بعـــد          خف به اللطــــف والنحــول

*بعد العصر المملوكى : واستمر الرقص الشرقى بنوعيه رقص النساء ورقص المردان .

         ويقول كلوت بك يقارن بين الرقص الأوربى والرقص الشرقى ( الصوفى) ( الرقص فى أوربا رياضة عملية تتلخص فى أداء أشواط من الحركات موقعة إيقاعا متناسقا، وتحريك الساقين تحريكا تراعى فيه الإقتران والتوفيق على وجه الدقة والضبط ، أما فى مصر فما هو إلا تتابع أوضاع وتعاقب حركات يلتوى فيها الجسم تارة وينعطف تارة أخرى يرمى بذلك إلى غرض واحد هو استثارة كوامن الشوق إلى اللذة الجنسية ، والغرائز فى مصر من حيث ارتباطها بالآداب النفسية أكثر انفعالا بعوامل الفساد منها فى سائر الأقطار العثمانية ، والرقص مسموح به للغوازى اللائى لايقصرن فى عرض حركاتهن الشهوية على المنازل الخاصة، بل يتجاوزنها إلى الطرقات والميادين العامة على ملأ من الجمهور، ومنذ سنوات قليلة صدرت أوامر الشرطة فى مصر بمنع تلك الراقصات من التجوال فى طرقات القاهرة والإسكندرية) ( وتتعود الفتيات فى المنازل على آداء حركات العوالم ورقصهن، ومع أن هذه الحركات فى غاية القبح وسوء الأدب فإن الأهالى لايستقبحونها).

         والسبب طبعا فى أن التصوف المنحل قد عود العين المصرية على ذلك الرقص الفاحش فلم تعد تراه عيبا. وعن الرقص الشرقى المصرى يقول احمد أمين ( الرقص المصرى أو البلدى أكثر تحريكا للشهوة .. وهو على العموم رقص فظيع لما تثيره حركات المرأة من الشهوة ، والمصريون إذا نظروا إلى هذا الرقص لايخجلون منه ولايستحيون ، ويعدونه من وسائل الفرح والابتهاج ، وهو منتشر فى البيوت فتتعلم بعض الفتيات الرقص ثم يرقصن وحدهم مع صواحبهن من غير أن يكون معهن زوج أو أب أو أخ).

          ثم يتحدث أحمد أمين عن صلة ذلك الرقص بالجنس الصريح فيقول( وفى المحلات العامة بعد أن يرقصن يجلسن مع الرجال أو على حجورهن ويناغشنهن، ويبلغ بعضهم بالرقص إلى أنواع الفجور ، وهن يلبسن ألبسة خاصة كثيرا ماتحلى بالترتر ليلمع فى ضوء الليل ، وتتميز ملابسهن بأنها تظهر جسم المرأة على حقيقته.. وهن فى العادة يحتفظن بثبات السيقان وتحريك الوسط أو الأرداف ، وأحيانا يحركن أذرعهن على شكل دائرة ، وهناك نوع من الرقص يسمى ( رقص النحلة) فتزعم الراقصةأن هناك نحلة دخلت ملابسها، وتتحرك حركات كأنها باحثة عن النحلة، وهى ليست إلا فى مخيلتها، فإذا لم تجدها خلعت ملابسها شيئا فشيئا بدعوى أنها تبحث عن النحلة حتى تتعرى تماما ولا يسترها إلا ستار بسيط، والنساء حولها يصفقن ويقلن النحل ياهو).

        وبعد هذا التوضيح للانحلال الخلقى فى الرقص الشرقى يقول أحمد أمين ( ومن الرقص رقصة تسمى رقصة الصلاة ، فتبدأ كبيرة الراقصات بأن تقول الصلوات ، وتزعم الراقصة أنها تصلى وتتشبه بالمصلين والمصليات ، وهى إذ ترقص تقول بصلى بصلى صبح بصلى ظهر بصلى عصر والنبى بصلى ياخويا بصلى إلى أن تنتهى الرقصة).

         أى لم يسكت الشيطان حتى حول الانحلال الخلقى إلى السخرية من الصلاة التى أسقطها الصوفية واعتبروها حجابا يمنع الوصول إلى نهاية الطريق الصوفى ـ ثم يقول أحمد أمين ( وفى عهد محمد على كانت الغوازى يرقصن فى الشوارع فيثرن شهوات المارة ، فصدر أمر بمنعهن من الرقص فى الشوارع ، فحبا فى الرقص كان يرقص بدلهن الخولات ، وهم طائفة من الرجال فقدوا رجولتهم وتأنثوا فى كلامهم وحركاتهم ، فكان البلوى أفظع والمنظر أسمج)[78].

         وعن أولئك المردان يقول كلوت بك ونعتذر عن صراحته ( فى مصر طائفة من الرجال تحترف الرقص وتعرف باسم الخولات، وهم يتزينون عادة بزى النساء، والخول المصرى إذا رقص لايترك فى نفس من يشاهده إلا التقزز والاستنكار، وحينئذ فما يعتبره الناقدون غير ملائم للأدب فى رقص العوالم يصير ممقوتا ومخجلا فى رقص الخولات ومنذ أن صدرت الأوامر بمنع رقص الغوازى على قوارع الطريق ازداد عدد أولئك الراقصين المخنثين زيادة يندى منها جبين الإنسانية ، وإنى لأرجو من الحكومة المصرية أن تعجل باقتلاع جذور هذا الخزى الذى يدنس أرض مصر)[79] .

         ولم يعرف كلوت بك أن جذور ذلك دينية ترجع للتصوف.

فى الزى:

*الزى والتصوف :

       للتصوف اهتمام زائد بالزى عموما حتى أن من شعائر الدخول فى دين التصوف ( لبس الخرقة) فأصبحت الخرقة علامة التصوف .وأصبح لكل طريقة خرقتها المميزة التى يعرف بها أتباع الطريقة عن غيرهم.

     وحين جنح التصوف فى بدايته للانحلال الخلقى والايقاع بالنساء كان الزى الصوفى الملون من وسائله ، ويقول ابن الجوزى فى القرن السادس(وعولوا على الترقع المعتمد به التحسين تلميعا والمشاوذ بألوان مخصوصة أوقع فى نفوس العوام والنسوة من تلميع السلاقطون بألوان الحرير ، واستمالوا النسوة والمردان بتصنع الصور واللباس، فما دخلوا بيتا فيه نسوة فخرجوا إلا فساد قلوب النسوة على أزواجهن).. (ويستصحبون المردان فى السماعات يجملونهم فى الجموع مع ضوء الشموع، ويخالطون النسوة الأجانب يتصنعون لذلك حجة الباسهن الخرقة)[80].

        وعندما تسيد التصوف العصر المملوكى أصبح الزى زينة أساسية من مظاهر الانحلال الخلقى خصوصا ماكان منه متصلا بالتصوف اتصالا مباشرا. فالمغنى فى السماع الصوفى يجب أن يكون حسن الوجه حسن الزى حسن الحركات ليوقع بالنساء الحاضرات( وهن ناقصات عقل ودين، سيما إذا انضاف إليه كون المغنى شابا حسن الصورة والصوت ويسلك مسلك المغنيات فى تكسيرهن وسوء تقلباتهن، مع ماهو عليه من الزينة بلباس الحرير والرفيع).

         لذا حتموا أن يكون المغنى ( شابا نظيف الصورة حسن الكسوة والهيئة) والمرأة إذا ذهبت للسماع خرجت(فىأحسن الثياب والطيب والزينة والحلى )[81]

        وفى مواسم الانحلال العادية كان الزى مظهرا أساسيا ففى حوادث 865( خرج الناس عن الحد فىالفتك والقصف بسبب الفرجة فى بولاق ، ونصبوا هناك الخيام حتى سدوا رؤية البحر، يقيمون فى الرمل ليلا ونهارا من نساء ورجال وهم فى غاية التزخرف)[82]. وفى الخليج كانت النساء يركبن المراكب مع الرجال ( مكشوفات الوجه بكوافى الذهب على رؤوسهن)[83]

* النقاب والانحلال:

          2 ــ وحين انتشر التصوف وتسيد كان الناس قد تعودوا من قبل إلزام المرأة بالنقاب وألا تكشف وجهها. حتى أصبح كشف المرأة وجهها حدثا خطيرا لايحدث إلا فى الطوارىء ففى زلزال 886( ترك النساء منازلهن وهن سافرات الوجوه) [84]. أو حين تزول الحواجز بين المرأة والرجل كما لو كانا زوجين يكون التعبير عن ذلك (باختلاط النساء بالرجال) أو( كشفت له عن وجهها) فكانت زوجة الشيخ عثمان البريمى تخرج سافرة الوجه على الشيخ عثمان الحطاب وكذلك زوجة الآخر مع الآخر ويأتى كل واحد منهما إلى دارالآخر( فيختلى بزوجة الآخر وتخرج له ما يأكل وما يشرب فى غيبة الآخر)[85]. ومن ذلك ماكانت النسوة يفعلنه حين يتأهبن للذهاب للقرافة بما تعنيه القرافة من حرية فى الاختلاط بالرجال ، يقول ابن الحاج عن هيئة النساء حين يخرجن للقرافة( وفى القرافة تختلط النساء بالرجال فى سماع الواعظ او الواعظة فى الغناء والسماع،فإذا وصلن البلد تنقبن واستترن، وصار ذلك عادة تستتر المرأة فى البلد ولا تستتر فى القبور أو الطريق إليها) [86]. ويقال عن النساء فىهذا الحال أنهن ( تبرجن)ولم يكن ذلك منكورا حين تكون المرأة المتبرجة من العاهرات الواقفات على قارعة الطريق يعلن عن انفسه:  ( ولاينكر فيها إظهار أوانى الخمر ولا آلات الطرب ذوات الأوتار ولاتبرج النساء العواهر[87]   . فالعاهرة تكون ( مكشوفة الوجه) فى العادة.

        وفى مناسبات الانحلال الخلقى من الذهاب للقرافة أو للنزهة فى النيل كان الفارق ينمحى بين العاهرات المحترفات والنسوة الأخريات فى كشف الوجه والتصرف مع الرجال بحرية ،وفى النيل كانت المراكب تخرج ( ويحصل) فيها من الفساد والتظاهر بالمنكرات وتبرج النساء فى المراكب وجلوسهن مع الرجال مكشوفات الوجوه بكوافى الذهب على رؤسهن وتعاطيهن الخمر)[88] . وقد أبطل بيبرس الجاشنكير هذه العادة.

         وإلزام المرأة بالنقاب ليس من الإسلام فى شىء فوجه المرأة ليس عورة ، إذ كانت المرأة المسلمة فى عصر الرسول مكشوفة الوجه وقد قال تعالى للرسول ( لايحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن.. الأحزاب52) والحسن فى الوجه الذى كان سافرا. والحجاب الذى ورد فى قوله تعالى عن أمهات المؤمنين ( وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب .. الأحزاب 53) ذلك الحجاب مقصود به الساتر الذى يحول بين الداخلين لبيت النبى وبين أمهات المؤمنين . ولم يرد فى آيتى زى النساء(النور 31،الأحزاب 59)، مايفيد تغطية الوجه وإنما تغطية ماعدا الوجه .. وعليه فإن النقاب مزايدة على شرع الله وتشريع ماأنزل الله به من سلطان .

        إلا أن تراث المسلمين الفكرى قد أوجب النقاب على وجه المرأة ، وارتبط ذلك بدخولها عصر الانحراف الخلقى من حرائر وجوارى .. إذ أن عفة المرأة لاترتبط بقطعة قماش تغطى بها وجهها وإنما ترتبط ببعقيدة صحيحة وتقوى لله وسلوك إسلامى صحيح ، وقد ازدادت كثافة النقاب مع ازدياد ابتعاد عقيدة المسلمين عن القرآن النص الوحيد المعبر عن الإسلام الحقيقى.

         على أن وجود النقاب فى عصر التصوف إنما يرمز إلى التمسك المظهرى بالتدين والاكتفاء بالمظهر دون المضمون . بل تحت شعار النقاب انتشر الانحلال ، بل كان النقاب أكبر مشجع على الانحلال إذ أخفى شخصية المرأة  وأتاح لها حرية التنقل هنا وهناك دون أن يتعرف عليها أحد.

         وهكذا أصبح ـ النقاب ـ مجرد مظهر تختفى تحته أجساد أدمنت الانحلال ، بل أن الحجاب أو تغطية الوجه ـ أتاح فى الماضى ـ ويتيح فى الحاضر ـ للمرأة أن تمارس  انحرافها كما تشاء فطالما سارت محجبة فى الشارع ودخلت أى مكان فلن تعرف شخصيتها، وذلك ماهو شائع فى بيئات لاتزال تحافظ على النقاب دون تربية إسلامية صحيحة .

       وفى العصر المملوكى كانت النساء يخرجن من الحمامات متنكرات فى ملاحف الخدامات وقد جهزت القوادات لهن الثياب والحلى [89]. وبعد انتهاء المهمة يعدن للبيت وهن يرتدين النقاب الذى خرجن به وكأن شيئا لم يكن.

      وهكذا ترسب فى شعور الشرقيات أن أهم الالتزامات الخلقية هو إخفاء الوجه دون تقيد كبير بعفة الجسد أو حتى بتغطيته، وظل ذلك سائدا حتى العصر العثمانى ، فقد زار كارستن نيبور مصر فى القرن الثانى عشر الهجرى وسجل ملاحظاته يقول ( ويبدو أن النساء المسلمات لايعلقن على قطعة أخرى من ملابسهن أهمية أكثر من تلك التى يعلقنها على القطعة التى يغطين بها وجوههن إذا اقترب منهن رجل ، وقد فاجأ أحد الإنجليز ذات مرة امرأة كانت تستحم فى الفرات قرب البصرة فوضعت يدها على وجهها ولم تهتم بغيره مما أتيح للغريب رؤيته.. وقد حكت لى إحدى الآنسات الأجنبيات فى القسطنطنية أنها كانت بباب حجرة الاستقبال فى الحمام وأتت صاحبة الحمام لاستقبالها وإذا برجل يظهر فجأة فما كان من المرأة التركية إلا أن أخفت وجهها بالإحرام ، والفلاحون فى مصر نادرا مايلبسون بناتهم قبل السابعة أو الثامنة من عمرهن قميصا ولكنهم يعطونهن دائما منديلا طويلا ضيقا يلففنه حول رؤوسهن ويسحبنه على وجوههن إذا اقترب منهن رجل غريب، ولقد رأيت بنفسى فى مصر بنات فلاحات أقبلن نحونا ليروننا وكن عاريات تماما ، ولكنهن غطين وجوههن قبل أن يأتين)[90]. إذن فالمهم هو تغطية الوجه وإخفاء الشخصية وتعرية الجسد!!

*النقاب والموضـــة:

         3 ــ وذلك النقاب الذى حرصت عليه المرأة المملوكية لم يمنعها من الإسراف فى تغيير شكل الزى الخارجى( حسب الموضة) أى كانت امرأة متحررة بكل ماتعنيه الكلمة ، وخروجها المستمر للشارع وأماكن اللهو والعبادة الصوفية كان يعنى الحرص على زينتها واتباعها ( الموضة) ، وكان تطرف المرأة المملوكية فى اختراع هذه( الموضات) غالبا مايواجه بإنكار من السلطة المملوكية خصوصا فى أوقات الأزمات كالشأن فى الإنكار على كل مظاهر الانحلال الخلقى.

          ففى سنة 751  انتشرت موضة الأزياء الواسعة بين النساء يقول المقريزى( كانت النساء قد أسرفن فى عمل القمصان والبغالطيق حتى يفضل من القميص كثير على الأرض وسعة الكم ثلاثة أذرع وتسميته البهطلة، وكان يغرم على القميص ألف درهم وأكثر ، وبلغ إزار المرأة إلى ألف درهم، وبلغ الخف والسرموزة خمسمائة درهم وما دونهما إلى مائة درهم ، فأمر الوزير منجك بقطع أكمام النساء وأخرق بهن ، وأمر الوالى بتتبع ذلك ونودى بمنع النساء من عمل ذلك ، وقبض على جماعة منهن ، وركب على سور القاهرة صور نساء عليهن تلك القمصان بهيئة نساء قد قتلن عقوبة على ذلك ، فانكففن عن لبسها ومنع الأساكفة من عمل الأخفاف الثمينة)[91].

         وفى سنة 793 انتشرت موضة أخرى هى الأكمام الواسعة( حتى أن الواحدة منهن تفصل القميص من اثنين وتسعين ذراعا من البندقى الذى عرضه ثلاثة أذرع ونصف ، وتشمر أكمامها فيصير جميع بدنها من الداخل مرئيا) على حد قول الصيرفى[92] . ويقول المقريزى( نودى بالقاهرة أن لاتلبس امرأة قميصا واسعا لاتزيد على تفصيل من أربعة عشر ذراعا ، وكان النساء قد بالغن فى سعة القمصان حتى كان يفصل القميص الواحد من اثنين وتسعين ذراعا من البندقى الذى عرضه ثلاثة أذرع ونصف فيكون مساحة القميص زيادة على ثلاثمائة وعشرين ذراعا. وفحش هذا حتى تشبه عوام النساء فى اللبس بنساء الملوك والأعيان)[93]. أى انتشرت الموضة لتشمل كل المستويات . ونزل الأمير كمشبغا نائب الغيبة بجماعته إلى الأسواق والشوارع ( وقطعوا أكمام النساء الواسعة فامتنع النساء من يومئذ أن يمشين بقمصان واسعة مدة نيابة الأمير كمشبغا ، ثم عدن إلى ذلك بعد عودة السلطان)[94] . ويقول العينى عن القمصان التى حيكت طبقا لأوامر كمشبغا( ومن ذلك اليوم أخرج النساء قمصان ضيقة للأكمام وسموها قميص كمشبغا إلى الآن)[95] أى عاشت  هذه الموضة من سنة 793 إلى منتصف القرن التاسع ، بينما عادت الأكمام الطويلة سريعا حتى أنه فى العام التالى سنة 794 نادى نائب الغيبة ( بألا تخرج امرأة من بيتها ولايذهب أحد إلى أماكن المتنزهات وألا تلبس امرأة قميصا بأكمام كبار  وكان قد أفحشن فى ذلك حتى خرجن عن الحد)[96].

           ومن سمات الموضة  أنها تتغير حسب الهوى ففى القرن الثامن عرفت النسوة الزى الضيق الملتصق بالجسد مما أثار الفقيه الصوفى ابن الحاج على ذلك(الإزار الرفيع الذى لو عمل على عود لأفتن بعض الرجال فى الغالب لحسن منظره وصقالته ورقة قماشه) [97] . وخصوصا تلك الملابس القصيرة جدا والضيقة المحبوكة على الجسد وكانت تلبس أساسا للخروج للقرافة وتخلع بداخل البيت [98].

        وفى عصر ابن الحاج انتشرت موضة الشاش ( وهو شىء اقترحته النساء على رؤسهن مثل سنم الجمل ، طوله نحو ذراع وارتفاعه نحو ربع ذراع ، ويرخونه على ظهورهن ويزخرفنه بالذهب واللؤلؤ، وبالغن فىذلك غاية المبالغة، وكانت هذه بدعة سيئة من النساء)[99]. وقد أحدثت النساء هذه البدعة على حد قول المقريزى سنة780 ولأنها تشبه البخت كما جاء فى حديث يعتبر ذلك من علامات القيامة فإن الإشاعة انتشرت فى القاهرة سنة 787 بأن الرسول جاء فى المنام لإحدى النساء ينهاها عن لبس الشاش فلم تنته فجاءها مرة ثانية يقول( قد نهيتك عن لبس الشاش فلم تسمعى ولبستيه، ماتموتى إلا نصرانية) وماتت على النصرانية حسب الأسطورة ، يقول المقريزى معلقا ( نعوذ بالله من سوء عاقبة القضاء)[100]. أى أن السلطة المملوكية حين تهاونت فى مقاومة موضة " الشاش" هب الفقهاء لتخويف النساء بهذه المنامات .

         وكما يحدث فى عصرنا من تأثر الموضة بالأحداث الهامة كان مثله فى العصر المملوكى ، فقد وجد عمودان من الصوان فى آثار قصر الزمرد الفاطمى فأمر السلطان بسحبهما إلى عمارته ( وكان لهما يوم مشهود قال فيه الشعراء عدة مقاطيع واقترحوا بالاسكندرية قماشا للنساء من الحرير سموه جر العمود)[101].

زى البغايا:

        وكان لبعض البغايا زى خاص يعرفن به حين يقفن فى الأسواق ، يقول المقريزى ( وأدركت سوق الشماعين من الجانبين معمور بالحوانيت .. وكان يجلس به فى الليل بغايا يقال لهن زعيرات الشماعين لهن سيماء يعرفن بها  وزى يتميزن به ، وهو لبس الملاءات والطرح وفى أرجلهن سراويل من أديم أحمر )[102]. ومن الطبيعى ألا تتقيد بقية العاهرات بزى بغايا الشماعين ، وفى مناقب الفرغل مر بعضهم ( على النساء الفاجرات وهن مزينات مكشوفات الوجوه..) [103]. وهناك فرق بين بغايا سوق الشماعين بالقاهرة وبغايا أبوتيج فى الصعيد.

*زى المرأة والشذوذ:

        4 ــ وأدى انتشار الشذوذ الجنسى إلى تشبه النساء بزى الصبيان وكان الظاهر بيبرس جادا فى محاربة كل انحلال لذا نودى بالقاهرة ومصر ، (إن امرأة لاتعمم بعمامة ولاتتزيا بزى الرجال ومن فعلت بعد ذلك بثلاثة أيام سلبت ماعليها من كسوة)[104] . وكان ذلك سنة 662  وكالعادة استمرت النساء فى عادتهن بعد فترة توقف وكان اختراع موضة الشاش، وهو أشبه شىء بعمامة الرجال ـ عودة لذلك التشبه بالرجال ـ وبعد انقراض موضة الشاش عادت موضة العصائب المقنزعة ففى سنة 876 أمر السلطان قايتباى ( بألا يلبس النساء عصائب مقنزعة ولاسراقوس)[105].

         ثم اخترع زى جديد للرجال يقترب من مظهر النسوة اللائى يحاولن من جانبهن التشبه بالرجال ، وذلك الصلح الجديد بين الرجال والنساء تمثل فى الطواقى التى اخترعت فى الدولة الشركسية وأقيمت لها حوانيت يقول عنها المقريزى ( معدة لبيع الكوافى والطواقى التى تلبسها الصبيان والبنات) أى أن الذكور والإناث لبسوا هذه الطواقى ثم مالبث أن لبسها رجال الدولة يقول المقريزى(وقد كثر لبس رجال الدولة من الأمراء والمماليك والأجناد ومن يتشبه بهم للطواقى فى الدولة الشركسية ،وصاروا يلبسون الطاقية على رؤوسهم بغير عمامة ويمرون كذلك فى الشوارع والأسواق والجوامع والمواكب لايرون بذلك بأسا بعد ماكان نزع العمامة عن الرأس عارا وفضيحة) ثم يتحدث عن زخرفة تلك الطاقية لتكتسب المظهر الأنثوى( ونوعوا هذه الطواقى مابين أخضر وأحمر وأزرق وغيره من الألوان ، وكانت ترتفع نحو سدس ذراع ، ويعمل أعلاها مدورا مسطحا . فحدث فى أيام الناصر فرج منها شىء عرف بالطواقى الجركسية ، يكون ارتفاع عصابة الطاقية منها نحو ثلثى ذراع وأعلاها مدور مغيب، وبالغوا فى تبطين الطاقية بالورق والكثيرة فيما بين البطانة المباشرة للرأس والوجه الظاهر للناس ، وجعلوا من أسفل العصابة المذكورة زيقا من فرو القرص الأسود يقال له القدنس فى عرض نحو ثمن ذراع ، يصير دائرا بجبهة الرجل وأعلى عنقه، وهم على استعمال هذا الزى إلى اليوم، وهو اسمج ماعانوه).

         ويعلل المقريزى انتشار ذلك الزى فيقول ( ويشبه الرجال فى لبس ذلك النساء، لمعنيين أحدهما أنه فشا فى أهل الدولة محبة الذكران فقصد نساؤهم التشبه بالذكران ليستملن قلوب رجالهن ،فاقتدى  بفعلهن فى ذلك عامة نساء البلد، وثانيهما ماحدث بالناس من الفقر ونزل بهم من الفاقه فاضطر حال نساء أهل مصر إلى ترك ما أدركنا عليه النساء من لبس الذهب والحرير وغيره وتواصين علىلبسها)[106].

        فالمقريزى يشير إلى أن النساء والرجال لبسوا معا تلك الطواقى، ويعلل ارتداء النسوة لها بانتشار الشذوذ الجنسى فى أهل الدولة ،وينسى أن التصوف هو الأصل فى ذلك فهو الدين الحقيقى لأهل الدولة وشعبها.


[1]ـ السلوك ج4/3/1062

[2]ـ الضوء اللامع ج1/306، ج3/17

[3]ـ تاريخ البقاعى 152 أ.

[4]ـ تاريخ البقاعى 152 أ.

[5]ـ إنباء الغمر ج3/322.

[6]ـ الطبقات الكبرى ج2/166.

[7]ـ المنهل الصافى ج5/592.

[8]ـ النجوم الزاهرة ج4/110

[9]ـ التبر المسبوك 115.

[10]ـ حوادث الدهور جـ1/16، جـ3/561.

[11]ـ حوادث الدهور جـ1/16، ج3/561

[12]النجوم الزاهرة جـ 15 / 497 .

[13]التبر المسبوك 49، 55 .

[14]التبر المسبوك 49، 55 .

[15]التبر المسبوك 49، 55 .

[16]حوادث الدهور جـ3 /580 .

[17]التبر المسبوك 94 .

[18]المقفى مخطوط لوجة رقم 250  رقم المخطوط 5372 بدار الكتب .

[19]ـ الصفدى. العميان 255، 256.

[20]ـ البدر الطالع ج1/507.

[21]ـ النجوم الزاهرة ج15/208.

[22]ـ المنهل الصافى ج4/122.

[23]شرح لامية العجم جـ2/ 3:5 ،212 /227 .

[24]ـ طيف الخيال لابن دانيال . تحقيق ابراهيم حمادة 149 ، 156 ، 189 ، 244 .

[25]التبر المسبوك 260 .

[26]لمحة عامة إلى مصر جـ 1/ 557 ،597 .

[27]قاموس العادات والتقاليد 227 .

[28]خطط المقريزى جـ 2/ 55 .

[29]خطط المقريزى جـ1 / 125 : 126.

[30]تاريخ ابن إياس جـ /2 /363 :364 .

[31]حوادث الدهور جـ 2 / 182 ، 183 .

[32]تاريخ ابن إياس جـ 2 / 311  تحقيق محمد مصطفى

[33]إنباء الهصر 369 .

[34]السلوك جـ1 /2 / 531 .

[35]تاريخ ابن إياس جـ 4 / 148 ، 161

[36]تاريخ ابن إياس جـ 4 / 148 ، 161

[37]دررالفرايد جـ / 298 ، 299 .

[38]نزهة النفوس جـ 2 /301

[39]إنباء الغمر جـ 3 / 500

[40]انباء الهصر 215 / ، 379 ، 475 ، 238 .

[41]تاريخ البقاعى 16 ، 6 ب ، 148 .

[42]تاريخ البقاعى ، 6 ب ، 148

[43]السلوك ج ـ 3 / 2 / 874 : 875

[44]عقد الجمان لوحة 452 ، 820 .

[45]ابناء الغمر جـ3 / 144

[46]السلوك جـ 4 / 1 / 429 .

[47]تاريخ ابن إياس جـ 4 / 187 ، 188 .

[48]تاريخ ابن إياس جـ / 344 .

[49]النجوم الزاهرة جـ 16 / 191 ، حوادث الدهور جـ 2 / 379 .

[50]النجوم الزاهرة جـ 16 / 191 ، حوادث الدهور جـ 2 / 379

[51]اخبار القرن العاشر 36 .

[52]ـ تاريخ ابن أياس جـ 4 /237 ، 378                          

[53]-  تاريخ ابن أياس جـ 4 /237 ،378

[54]الصيرفى . نزهة النفوس جـ 1/35

[55]- السلوك جـ 3/2 /773

[56]   إنباء  الهصر 290.

[57] إنباء الغمر جـ 8/230، جـ7/458. ط الهند

[58] إنباء الغمر جـ 8/230، جـ7/458. ط الهند

[59] تاريخ ابن اياس جـ 4/156.

[60]  تاريخ ابن اياس جـ 4/130 : 139، 168 .

[61]ـ تاريخ ابن إياس جـ 4/130: 139 ، 168

[62]ـ إنباء الغمر ج 3/500.

[63]ـ خطط المقريزى جـ 2/55.

[64]ـ  خطط المقريزى جـ1 /125

[65]ـ تاريخ ابن إياس جـ4 / 274 ، 333 : 334.

[66]ـ تاريخ ابن إياس جـ4 / 274 ، 333 : 334.

[67]ـ المدخل جـ1/ 155.

[68]ـالمدخل جـ2/ 151 : 152 .

[69]ـالمدخل جـ2 / 151 ، 154 .

[70]ـ نفس المرجع جـ2/ 165.

[71]ـ نفس المرجع جـ 1/ 155.

[72]ـ نفس المرجع جـ2/ 50 ، 11:12 .

[73]ـ نفس المرجع جـ2/ 50 ، 11:12 .

[74]ـ نفس المرجع جـ1/ 158 .

[75]ـنفس المرجع جـ2/ 204 .

[76]ـ الشعر من كتاب الأدب فى العصر المملوكى محمد زغلول سلام : جـ1/ 289 : 290 .

[77]ـ التنفير من الأمرد 251

[78]ـ أحمد أمين . قاموس العادات 210 : 212  .                   

[79]ـ كلوت بك . لمحة عامة إلى مصر جـ 2 / 127 ، 135 .

[80]ـ تلبس ابليس 360 .

[81]ـ ابن الحاج . المدخل جـ 2 / 165 ، جـ 1 / 155 ، 158 .

[82]ـ تاريخ ابن اياس جـ 2 / 373 : 374  .

[83]ـ السلوك جـ 2/1 / 29 .

[84]ـ تاريخ ابن اياس جـ 3 / 173 .

[85]ـ لواقح الأنوار للشعرانى 180 ، 360 .

[86]ـ المدخل جـ1 / 151 ، 160 : 161

[87]ـ خطط المقريزى جـ2 / 55 .

[88]ـ السلوك جـ 2 / 1 / 29 .

[89]ـطيف الخيال 161 .

[90]ـ رحلة كارسن نيبور إلى مصر . ترجمة مصطفىماهر ط 1977 ، 297 : 298

[91]ـ خطط المقريزى جـ3 / 243 .

[92]ـ نزهة النفوس جـ1 / 335 .

[93]ـ. السلوك ج3/2/750 : 751.

[94]ـ السلوك ج3/2/750 : 751.

[95]ـ عقد الجمان لوحة 436 سنة 793.

[96]ـ تاريخ ابن اياس ج1/2/448 :449

[97]ـ. المدخل جـ 2 / 25 ، جـ 1 / 200 ، 201 .

[98]ـ المدخل جـ 2 / 25 ، جـ 1 / 200 ، 201 .

[99]ـ تاريخ ابن اياس ج1/2/362.

[100]. السلوك ج3/2/534 : 535

[101]تاريخ ابن اياس ج1/2/154.

[102]ـ. خطط المقريزى ج2/462.

[103]ـ مناقب الفرغل مخطوط :26

[104]ـ السلوك جـ 1 / 2 / 503 .

[105]ـ أنباء الهصر 388

[106]ـ خطط المقريزى جـ 2 / 476 : 477 

• الفصل الخامس : الصوفية وأكل أموال الناس بالباطل .

الفصل الخامس : الصوفية وأكل أموال الناس بالباطل .

   ــ بين الانحلال الخلقى والانحراف المالى.

   ــ التنافس الصوفى.

   ــ التنافس على الدنيا والنصب على الناس .

   ــ التحايل .

   ــ الشعوذة الصوفية والتحايل المالى ، التحايل والعلم اللدنى ، علوم وهمية للتحايل، علم الحرف.

   ــ المطالب .

   ــ الكيمياء

   ــ الزغل( تزييف الذهب)

   ــ الكيمياء والسحر .

   ــ تشريع الرشوة .     

             الصوفية وأكل أموال الناس بالباطل

بين الانحلال الخلقى والانحراف المالى :

          يقول الجويرىعمن أسماهم الدرجة الثالثة من المشايخ " وأعلم أن هذه الدرجة لم يتعلق بها إلا كل من يأكل الدنيا بالدين ويدخل الشبهة علىقلوب المسلمين .. وأعلم أن كل واحد من أهل هذه الطائفة ظاهره صديق وباطنه زنديق ، يستحلون المحارم ويجهلون المعالم ، فمنهم المباحية الذين يبيحون مؤاخاة النساء واللعب مع المردان ويبيحون السماعات ويخلون بالنسوان ،ويعقدون طرق مقنعة للمرأة إن كان أمرها يؤول إلى الصلاح وينحل عنها كل أمر صعب تنحل لها هذه المقنعة ، ثم يقول انقضى هذه المقنعة فتنقضها فلا تجد فيها عقدة، فيقولون الآن قد رضى الله عنك وخلص عنك كل أمر عسير، ومنهم من يظهر فى جسد المرأة شيئا من الكتابة من تحت قماشها فيقول قد ظهر لى فيك علامة على العضو الفلانى وهذا إشارة من عند الله يتضمن كذا وكذا فاكشفى عن هذا العضو تجديه مكتوبا كما ذكرت فإذا كشفت بانت لها الكتابة فيقول ما شاء أن يقول ثم يقول وجب لنا الشكران، ويفعلون من هذا النوع أشياء يطول شرحها"[1].

            وهذه الدرجة الثالثة فى تقسيم الجويرى تضم كل الصوفية فى عصره الذين يمارسون المؤاخاة ويعقدون حفلات السماع ويتخذون من علاقتهم بالمرأة وسيلة للانحلال الخلقى والتحايل المالى عليها ، خصوصا والمرأة ـ فى طبيعتها ـ تميل إلى تصديق الخرافات ، وهكذا استحلوا جسدها ومالها ، ولايزال أولئك الأشياخ وأعمالهم السحرية يتحايلون على النساء ـ بل والرجال ـ فى الريف والمدن والأحياء الشعبية والأحياء الراقية ، طالما أن الاعتقاد فى التصوف لايزال موجودا برغم تفاوت المستويات الأقتصادية والثقافية.

           وهكذا استتبع الانحلال الخلقى الذى قاده الصوفية انحرافا ماليا كانوا هم أيضا الأئمة فيه ، هذا مع أن المنطق العقلى لايتصور ذلك السلوك منهم ، فالصوفية عاشوا عالة على الناس وانهالت عليهمم النذور دون أى عمل أو التزام من ضرائب ونحوها فلم يكونوا محتاجين للتحايل على الناس لسلب أموالهم لأن الناس يقدمون لهم ذلك المال طواعية وهم يركعون لهم ويقبلون أيديهم ويتمنون رضاهم.

         ولكن انتشار التصوف وكثرة أوليائه وتنافسهم فيما بينهم وتكالبهم على الدنيا أوقعهم فى صراع حول المريدين لانتزاع أكبر قدر من المال..

التنافس بين الصوفية :

         التصوف تدين بشرى ، أصحابه هم المشرعون فيه والشيخ هو المشرع لطائفته ، والبشرمن طبيعتهم الاختلاف خصوصا فى دين أساسه الوجد والهوى والعاطفة، وحركته نحو الانتفاع الذاتى للشيخ، لذلك احتدم الصراع بين الصوفية فى عصر انتشار التصوف وخفوت الإنكار على أوليائه.

         وفى القرن الثامن أنكر ابن الحاج علىصوفية عصره أن أحدهم يأخذ العهد علىالمريدين أن ينتمى لفلان من المشايخ دون غيره " حتى كأن الطريق إلى الله تعالى على عدد المشايخ فينتسبون إليهم كما ينتسب أهل المذاهب إلى مذاهبهم، وحصل بسبب ماتقدم بينهم تعصبات وشنآن كثير حتى صاروا أحزابا ، ووقع بعضهم فى حق غيرشيخه الذى ينتمى إليه " وأدى ذلك إلى انتقاص المريد للأشياخ الآخرين، يقول ابن الحاج " منهم من إذا اعتقد فى شيخ بعينه نقص غيره، ويهجر بعضهم بعضا لعدم تسليم كل واحد منهما لصاحبه "[2].

        وبعدها بقرنين تفاقم الصراع بين الشياخ الصوفية إلى درجة مطالبة المريد بألا يشرك بشيخه كما سبق توضيحه فى مبحث علاقة المريد بشيخه ، والشعرانى هو المصدر الأساسى للتنافس الصوفى فى القرن العاشر ، فقد تكاثر الأشياخ وتعاظمت دعاواهم فى الولاية حتى ادعى أكثرهم القطبانية وهى أعظم درجة فى تدين التصوف .  والشعرانى أنكر عليهم ، كأن يقول " صار غالب الفقراء يطلب كل واحد أن يكون جيمع فقراء بلده تلامذته"[3]. بل ألف رسالة خاصة فى " ردع الفقراء عن ادعاء الولاية الكبرى" يقول فيها " كل واحد يحب أن ينفرد بالصيت والاعتقاد من الخلق ، وأن لا ينظر الناس إلى شيخ سواه ، وإذا مات شيخ من هؤلاء تصير جماعته يتنازعون فى المشيخة بعده، ويكرهون بعضهم بالطبع كأنهم على دين خلاف دينهم.. فلذا ترى الشيخ من هؤلاء إذا بلغه عن شخص من أقرانه أنه حصل له قبول تام واجتمعت القلوب على محبته وعظموه ينقبض ويصير على وجهه كآبة لاتخفى "[4].

          والشعرانى أورد مظاهر الصراع بين أشياخ عصره الذى وصل إلى درجة أن " الكثير منهم يموت فلا يحضر أحد من أقرانهم جنازته " وجعل من هذه التفصيلات المخزية لمنافسيه الصوفية حجة له عليهم فيفتخر بكونه يترفع عن ذلك مع أن أسلوبه يظهر أنه لايفترق عنهم فى شىء سوى أنه أكبر علما وفقها ومكرا.

          فالشعرانى يفتخر بمحبته لكل منتسب للصوفية فلا يكره أحدا منهم ويقول " وهذا الخلق قليل فى غالب عصرى ، فنرى أحدهم يكره من يراه من جماعة أحد الأشياخ غير شيخه ، كأنه فى دين غير دينه، ويود ألا يظهر لغير شيخه اسم فى البلد " ويفتخر الشعرانى بعدم تعرضه لأحد من " الأخوان " أن يتقيد على صحبته ولا يصلى الجمعة إلا عنده، أى يسمح لهم بصحبة الأشياخ الآخرين والصلاة عندهم ، ويفتخر بأنه يفرح بكل شيخ برز فى حارته والتقط منه أصحابه الذين كانوا حوله ، بل أنه إذا جاءه أحد يطلب الطريق أرسله إلى غيره ، ولاسيما إذا كان ذلك المريد من الأكابر والأغنياء والأمراء ويقول " وما رأيت أحدا من أقرانى فعل معى مثل ذلك أبدا ، مع قلة معرفتى بالطريق "، ويقول " وهذا أمر لم أجد له فى مصر فاعلا غيرى إلا القليل " وافتخر بأنه يمدح الآخرين من أقرانه عند الأمير أو الكبير حتى يحسن اعتقاده فيهم ، وربما يتركه ذلك الأمير ويصحبهم فيفرح بذلك ، ويقول " وهذا الخلق عزيز فى فقراء " عصره ، بل أن بعضهم وقع فى حق الشعرانى عندهم[5]. بل يجعل من العهود التى أخذت عليه أن يفرح بكل شيخ برز فى بلده وانقلب إليه جميع أصحابه حتى إن لم يبق حوله مريد واحد، ويقول " ومتى تكدرنا من ذلك الذى برز وضاق صدرنا منه فهو دليل حبنا للرياسة".

         ومنطق التصوف يجعل القارىء يتشكك فى ادعاءات الشعرانى تلك وأنها موجهة للآخرين كى يصدقوه ويؤمنوا به وينصبوه قطبا أعظم لهم باعتباره الأكثر علما وفقها ومثالية ، ولكن الشعرانى يفصح بين السطور عن حقيقته الصوفية ، وأنه لايختلف عن الآخرين فى التكالب على المريدين وأموالهم ، فهو يقول إن العهود قد أخذت عليه بمنع مريديه " من زيارة أحد من أقراننا إذا علمنا أن فتحهم لايكون إلا على أيدينا"[6]. أى أنه يتحايل بالأسلوب الصوفى وادعاء العلم الغيبى ، فطالما علم بأن ذلك المريد لن يكون فتحه إلا على يديه فحسب إذن وجب عليه أن يمنعه من زيارة الأشياخ الآخرين ، وطبيعى أنه يمكن له أن يتنازل عن المريدين الفقراء لأن " فتحهم" لن يكون على يديه ويتمسك بالأثرياء تبعا لذات الحجة.

         ويروى الشعرانى عن أخيه أفضل الدين "لاتفرح لتعليم أصحابك العلوم والفضائل حتى تنظر ثمرتها ، فربما تعلموا منك ثم جادلوك بما تعلموه منك وصاروا أكبر أعدائك فكان عدم اكتسابهم تلك الفضائل أولى"[7]   والفضائل المقصودة هى تعليمات الصوفية لأن الفضائل الخلقية الحقيقة لاتثمر جدالا ولا عداء.

         ويروى الشعرانى أنه سأل شيخه الخواص هل يصحب أحدا من الشيخ ليأخذ عنه الأدب " فقال لاتفعل ذلك فى حياتى أبدا ، وأما بعد موتى فإن وجدت أحدا مخصوصا بالبلاء من الكُمَل فاصحبه"[8]. ولايعقل أن يكون الخواص الأمى هو المعلم الوحيد الذى تعلم الشعرانى على يديه الأدب ، والمعقول أن تكون هذه الرواية من الشعرانى موجهة لمريديه حتى لايصحبوا غيره فى حياته ، أما بعد موته فليبحثوا عن مثله إذا كان . ولقد صحب الشعرانى شيوخا آخرين تعلم منهم حين كان مريدا للخواص.

         ويتناسى الشعرانى أن أشياخه قبله عاشوا فى تنافس ، وهو إذ يرويه بنفسه لايستشعر إنكارا كشأنه حين ينكر على معاصريه ، بل يحاول أن يخفيه بين دخان الكرامات المزعومة وعبارات الإعجاب والتقديس . فيذكر أن الشيخ أحمد السطيحة حضر مجلس سماع فى دسوق فطعنه فقير أعجمى " فقال يارب خذ لى بحقى، فأصبح العجمى مشنوقا على حائط لايدرى من شنقه"[9]. ويحكى الشعرانى عن علاقته بالشريف المجذوب فيقول " وأرسل لى مرة رغيفا مع إنسان وقال له قل له يأكل هذا الرغيف، وطوى فيه مرض سبعة وخمسين يوما، فلما أكله القاصد فمرض سبعة وخمسين يوما ، فقال للقاصد لاتخف إن شاء الله تعالى اصطاده مرة أخرى، فلم يقدر له ذلك" [10].

          وأحيانا يضطر الشعرانى لذكر صراع أشياخه ويتجاهل الإنكار عليهم ، فيقول أن الشيخ مدين بعد أن مات طلب محمد ابن أخته الشياخة بعده فى الزاوية فخرج له الشيخ الشويمى بالعصا وقال له " إن لم ترجع يامحمد وإلا استلفتك من ربك "[11]. ويقول فى ترجمة أبى المواهب الشاذلى الذى احتكر الأضواء فى محيط الشاذلية الوفائية " وكان أولاد أبى الوفاء لايقيمون له وزنا لأنه حاكى دوواينهم وصار كلامه ينشد فى الموالد والاجتماعات والمساجد على رءوس العلماء والصالحين فيتمايلون طربا من حلاوته، وما خلا جسد من حسد، وكان هو معهم فى غاية الأدب والرقة والخدمة وأمسكوه مرة وهو داخل يزور السادات ، فضربوه حتى ادموا رأسه ، وهو يبتسم ويقول أنتم أسيادى وأنا عبدكم"[12]. فالشعرانى يحاول هنا تلطيف جو الصراع بين أبى المواهب والوفائية الشاذلية .

         وأحياناً يورد صراعه مع صوفية عصره ويستعمل تعبيراً مطلفا ًمثل المعارضة ، فيحكى أن فقيرأً جاء إلى زاويته قاصداً "معارضته" ومكث فى الزاوية بدون علم الشعرانى ثلاثة أيام، فأخبر الشيخ حسن الريحانى الشعرانى ثم أخرجه من الزاوية وضربه بعصاه ،فصادف ذلك الفقير الشيخ حسن الريحانىبعد مدة "فطعنه بسكين فى فخذه ،وقال:أنا طعنتك لكونك عارضتنى فى عبد الوهاب[13]. أى أن المعارضة تعنى الضرب بالعصا والسكين. والشعرانى لم يبتدع الصراع بين الأشياخ ولم يبتدع محاولة تخفيفه بالكرامات والمصطلحات، فقد كان ذلك موجوداً قبله ، ففى تحفة الأحباب يروى السخاوى عن أحدهم قوله "ولم أزل فى خدمة الشيخ حتى قيل لى:إن لم تتركه أعميناك"[14].

التنافس على الدنيا والنصب على الناس :

          بانتشار التصوف وتكاثر عدد الأشياخ وصراعهم حول الشهرة صار لكل منهم " نقيب" وهو أشبه بالمتعهد أو وكيل الأعمال.وظيفته نشر صيت الشيخ خصوصاً عند أصحاب الجاه،يقول الشعرانى " صار النقباء يمدحون شيخهم عند الأمراء وكبراء البلاد ونحوهم ممن يتوهمون حوله البر "[15] .أى الأموال .

     وافتخر الشعرانى على عادته أنه لم "يزاحم أحداً على تدريس علم أو وظيفة "ويفتخر أيضاًبعدم مبادرته للإنكار على من رآه يسعى على وظائف إخوانه "[16]. والمزاحمة على الوظائف والصراع حولها كان شيمة العلماء فى العصر – وأغلبهم فى القرن العاشر – صوفية .

        أما الأشياخ الصوفية الذين لا حظ لهم فى العلم فقد وجدوا مجالهم فى ادعاءات الكرامات وعن طريقها " نصبوا" على الناس وأكلوا أموالهم بالباطل وصدق الله العظيم " ياأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله .. التوبة 34"

النصب على الناس:

        يقول الشعرانى " كثر النصب في أهل هذا الزمان، فصار أحدهم يوقف النقيب مثلاً ينصب له عند الأمراء أو مشايخ العرب ،ثم إذا أتاه به يختص به ولا يعطى النقيب الذى نصب وتعب شيئاً [17]. إذن فتعبير

" النصب" ليس من عندنا وإنما قاله الشعرانى ليصف أشياخ عصره النصابين الذين ينصبون ليس على الأمراء ومشايخ الغرب فقط وإنما ينصبون أيضا على النقيب أو الذى يأتى بهم فيحرمه الشيخ من عمولته فى النصب.

         ويقول الشعرانى " منهم من يقبل المال على اسم الفقراء ويسمَى لصاحب المال أسماء خلائق على غير مسمى ، ويوهمه أنه يفرق المال عليهم"[18]. ويعد الشعرانى طرقا أخرى لنصب الصوفى يذكرها مفتخرا بعدم وقوعها منه كما يفعل أشياخ الصوفية من استجلاب حضور الأمراء عنده" كما يفعل النصابون فيغمز أحدهم نقيبه أن يقول له إذا جلس عنده أمير : إن الباشا أرسل لكم السلام مع شخص من جماعته ويقول لكم لاتخلوه من نظركم فإنه فى بركتكم ، فيسمع ذلك الأمير فيحكى ذلك للأمراء فيترددون عليه "، ويحكى الشعرانى أن أحدهم رأى فى خلوته شخصا فادعى أنه الرسول(ص) جاء يزوره " وبعضهم يدعى أن الخضر يزوره ، وينزل شخصا من طاقة فى سقف البيت فإذا قرب من الأرض أمر الحاضرين بالقيام إليه والتبرك به ثم يغمز الذى أنزله أن يرفعه" "وبعضهم كان لايحمل الحملة إلا بفلوس وثياب " فجاءتهه زوجة أمير فقالت إن الأمير يريد أن يتزوج عليها لأنها لاتلد وطلبت منه أن يسأل الله أن يعطيها ولدا ، فقال لها: هاتى مامعك من الفتوح ، فأعطته أسورة كانت فى يدها فقال لها " هذه ما تكفى حلاوة الصبى وإن لم تعط أختها لى جاءت أنثى بعون الله تعالى " فأعطته الأسورة الثانية فقال لها تأتى بولد وفى يده اليمنى أصبع زائدة ". ويحكى الشعرانى أنه قضى حاجة لأحدهم ورفض  أن يأخذ منه مالا، ثم حدث أن مرض ولد لذلك الشخص فجاءه أحد الصوفية وطلب منه خمسين دينارا على أن يشفى ابنه فأعطاه المبلغ ثم أصبح الولد ميتا فى اليوم التالى ، فطلب الرجل ماله من الصوفى فلم يعطه له، وقد نصب هذا الصوفى بنفس الطريقة على أحد الكبار بنفس الطريقة[19].

          والشعرانى الذى شهدناه يحتج على " النصابين" من الصوفية نراه فى كتابه " البحر المورود" يكثر من استعمال لفظ " الصيد" للفقراء الصوفية ، وكلمة " الصيد" لاتختلف عن كلمة " النصب" فيقول مثلا  " ينبغى للشيخ إذا رأى نفسه قد صار قليل الصيد للفقراء أن يعلمهم بسبب توقف الرزق " ويقول " وصار شيخ الفقراء لايقدر يصطاد لهم رغيفا إلا بألف حيلة" ويقول" وقد صارت الزوايا الآن مصيدة للدنيا"[20].

        ثم يستعمل الشعرانى بنفسه لفظ النصب ويدعو له، فيقول " ينبغى للشيخ إذا لم يعلم فى جماعته الصدق فى طلب طريق الله تعالى أن ينصب لهم حتى يقوى يقينهم وأجره على الله ، وصورة نصبه أن يقول عندى فقراء صالحون يعنى صالحون للجنة أو النار ، ومقصودى أحد من أهل الخير يبرهم بشىء من الخبز أوشىء من العسل ، ثم إذا جاء ذلك المحسن يوما إلى زاويتهم فيأمرهم بالإشتغال بالذكر والقرآن حتى يداوم عليهم ذلك البر وإلا تحول باطنه، وقال: فى سبيل الله حسنتى لهؤلاء ياليتنى أعطيتها لغيرهم"[21]. والشعرانى هنا يضفى المشروعية على " النصب" حين يمارسه ، فى نفس الوقت الذى ينقم فيه على الآخرين من الأشياخ المنافسين له احتيالهم ونصبهم ..

        على أن النصب قديم فى تاريخ التصوف ففى بداية العصر المملوكى فى مرض الصالح بن قلاوون

 ت 786 بعث السلطان قلاوون للشيخ محمد المرجانى يدعوه فأبى أن يجتمع به ، فحمل إليه مع الطواشى خمسة آلاف درهم ليعمل بها وقتا للفقراء " حتى يطلبوا ولد السلطان من الله تعالى " فقال له : سلم على السلطان وقول له متى رأيت فقيرا يطلب أحدا من الله ، فإن فرغ أجله فوالله ماينفعه أحد وإن كانت فيه بقية فهو يعيش ورد المال. وطلع الشيخ عمر خليفة الشيخ أبى السعود إلى السلطان وقد دعاه ليدعو للصالح فقال لله أنت رجل بخيل مايهون عليك شىء ولوخرجت للفقراء عن شىء له صورة لعملوا له وقتا وتوسلوا إلى الله أن يهبهم ولدك لكان يتعافى، فأعطاه السلطان خمسة آلاف درهم عمل بها سماعا ثم عاد إلى السلطان وقال له طيب خاطرك ، الفقراءكلهم سألوا الله فى ولدك وقد وهبه الله لهم ، فلم يكن غير قليل حتى مات الصالح ، فقال السلطان : ياشيخ عمر أنت قلت أن الفقراء طلبوا ولدى من الله ووهبه لهم ، فقال له على الفور : نعم الفقراء طلبوه ووهبهم إياه ألا يدخل جهنم ويدخله الجنة ، فسكت السلطان[22].

التحايل:

          وبعض النصب يبلغ درجة التحايل الذى يعاقب عليه القانون مثل خيانة الأمانة ، ففى سنة 794 عزل برقوق شيخ الخانقاه أصلم الأصفهانى وسلمه لشاد الدواوين على حمل مائتى ألف درهم ، لأن برقوق حين أختل أمره بثورة الأمير يلبغا الناصرى ومسيرته للقاهرة همَ بالهرب، وأعطى أصلم خمسة آلاف دينار وواعده أن ينزل إليه ويختفى عنده فلم يف له أصلم بذلك وتغيب عنه ، واضطر برقوق للإختفاء عند غيره ، فلما عاد إلى الملك طلب منه الخمسة آلاف دينارعلى لسان الداودار فرفض أصلم وقال:" تصدقت بها على الفقراء ،فلما ألح عليه الدوادار قال: أعلم السلطان أنى سأجمع الفقراء من الزوايا والربط وألزمهم بإعادة ماتصدقت به عليهم، وأقول لهم إن السلطان قد رجع فى صدقته فإنه لم يدفع هذا المال لى إلا لأتصدق به ،لا أنه وديعة عندى " ولم يستطع السلطان الرد فسكت ولكنه أسرها فى نفسه وصبر حتى نمى إلى علمه أن تاجرا ترك عند أصلم فى الخانقاه عدة أحمال هربها من المكوس، فأمر بطلبه من الخانقاه وعزله وصادره[23].

         وتزايدت قصص الاحتيال بكثرة الأشياخ وسيطرة التصوف المطلقة منذ القرن التاسع . وكان ضحايا الأشياخ هم الأثرياء المعتقدون فى الأولياء ، ويذكر أبوالمحاسن فى ترجمة الأمير الطيبرسى بن عبدالله إنه كان سليم الباطن محبا للفقراء ، جاءه يوما بعض الفقراء وقال له اشتريت لك جارية ما دخل هذا الأقليم مثلها بخمسة عشر ألف درهم، فوزن له الثمن ، فقال وأزيد ثلاثة آلاف درهم لكسوتها فاعطاه، ثم جاءه الفقير بعد ذلك وقال له " قد زوجتها لك بواحد من رجال الغيب ، فما أنكر ذلك"[24].

         ووقع قايتباى ضحية لمحتال صوفى آخر عرف أن السلطان يعتقد فى الشيخ الدشطوطى، وأن الدشطوطى يتردد إلى مكان معين بالقرافة بعد العشاء، فنزل السلطان إلى ذلك الشخص وكان جالسا وقد أخفى وجهه فأخذ السلطان يقبل رجليه ويقول يا سيدى احمل حملتى مع ابن عثمان ، فاخذ ذلك الشخص يتمنع عليه ويقول له : أنت ما ترجع عن ظلم العباد ، فطال المجلس بينهما ثم أعطاه السلطان كيسا فيه ألف دينار ، ثم ركب ومضى وهو يعتقد أنه الدشطوطى ثم بعد أيام " انكشفت هذه الواقعة وظهر أنها مفتعلة"[25].

        ويروى الشعرانى نفس الواقعة يقول " وكان السلطان قايتباى يمرغ وجهه على أقدامه" أىالدشطوطى " ومن مناقبه أنهم زوروا عليه برجل كان يشبهه فأجلسوه فى تربة مهجورة فى القرافة ليلا، وراحوا للسلطان وقالوا له أن سيدى عبدالقادر الدشطوطى يطلبك بالقرافة فنزل إليه وصار يقبل أقدامه ، فقال الرجل المزور الفقراء يحتاجون لعشرة آلاف دينار فقال السلطان بسم الله فمضى ثم أرسلها له"[26].

         وذكر الشعرانىقصصا كثيرة عن تحايل الأشياخ فى عصره منها أن الشيخ السنهورى الضرير جمع خمسة وعشرين دينارا " على نية التزويج فبلغ ذلك شخصا من المشايخ اسمه الشيخ حسن النطاح كان من شأنه أن له مثل ركبة العنز موضع السجود وله شعرة مضفورة .. ويذكر الله معنا فى كل مجلس حتى يصير له رغاء كرغاء البعير من الهيام ، فأتى هذا الشيخ إلى السنهورى وقال له يأخى أعجبنى خيرك ودينك ولى بنت عظيمة الجمال ماأحببت أن يأخذها أحد غيرك ، وأعطونى فيها ثلاثين دينار، وأنا أرضى منك بعشرين دينار فأتى بهم الضرير له فى صرة، وقال : تحضر عبدالوهاب ( الشعرانى) معنا، فقال أما ترضى أن يكون الله شاهدا لك فقال الضرير نعم، فأخذهم وراحوا إلىتاريخه"[27].

         وأودع أحدهم عند بعض الأولياء ( ألف نصف) وعندما طالبه بها أنكر، وهمَ أصحاب الشيخ بتكفيره، ويقول الشعرانى معلقا" إياك  ياأخى أن تعطى شخصا فى هذا الزمان وديعة بلا شهود"[28]. وبعضهم كان يستدين ويستغل نفوذه فى أكل المال الباطل ، فبعض الأشياخ استدان " حتى صار عليه مال عظيم فاجتمع عليه أرباب الديون وارادوا  حبسه" ، فقام المريدون على أصحاب الديون وقالوا" كيف تحبسون ولد سيدى الشيخ" فلم يصل لأصحاب الديون شىء حتى وقت الشعرانى.[29]

         وبعضهم وصل من الإحتيال إلى السرقة الصريحة مثل علاء الدين الرومى شيخ الخانقاه الأشرفية ، يقول عنه ابن حجر " صرف علاء الدين الرومى عن مشيخة الأشرفية لأن شخصا من الصوفية مات وخلف مالا جزيلا فاحتاط عليه ، ونقل  عنه أمور فاحشة"[30].

        وحاولت الكرامات أن تموه على وقوع بعض الأشياخ فى السرقة وضبطهم متلبسين فهناك أسطورة عن صوفى اتهم بسرقة درة وضبطت معه، وانتهت الأسطورة بأن دعا الله ـ وكان الجميع فى البحر ـ فطلع البحر كله حيتانا تمتلىء أفواها بالدرر، ثم ألقى بنفسه فى اليم [31].وأسطورة أخرى عن صوفى نام إلى جانب دكان فسرق الدكان وتنتهى الحكاية بمقالة الصوفي: إن من عباد الله من يقول لهذا الطين صر ذهبا فيصير ذهبا، وحين قال ذلك صارالطين الذى إلى جانبه ذهبا، فقال له عد كما كنت"[32].

         وبعضهم سرق وقتل مثل شعبان بن شيخ الخانقاه البكتمرية الذى خدع امرأة فخنقها ودفنها فىتربة وأخذ ثيابها ، وكانت لها قيمة"[33].

         ثم أتاح التصوف مجالات أخرى للتحاي ليجمعها مفهوم الشعوذة.

" الشعوذة الصوفية والتحايل المالى"

قبل العصر المملوكى:

        يقول الغزالى عن طوائف المشعوذين فى عصره أو" المكدين"" إنهم افتقروا إلى حيلة فى استخراج الأموال وتمهيد العذر لأنفسهم فى البطالة ، فاحتالوا للتعلل بالعجز، إما بالحقيقة كجماعة يعمون أولادهم وأنفسهم بالحيلة ليعذروا بالعمى فيعطون، وإما بالتعامى والتفالج والتجانن والتمارض ، وإظهار ذلك بأنواع من الحيل مع بيان أن تلك محنة أصابت من غير استحقاق ليكون ذلك سبب الرحمة".

        " وجماعة يلتمسون أقوالا وأفعالا يتعجب الناس منها حتى تنبسط قلوبهم عند مشاهدتها فيسخو برفع اليد عن قليل من المال فى حال التعجب ثم فالندم بعد زوال التعجب ولاينفع الندم، وذلك قد يكون بالتمسخر والمحاكاة والشعبذة والأفعال المضحكة،وقد يكون بالأشعار الغريبة والكلام المنثور المسجع مع حسن الصوت والشعر الموزون أشد تأثيرا فىالنفس لاسيما إذا كان فيه تعصب يتعلق بالمذاهب كأشعار مناقب الصحابة وفضائل أهل البيت أو الذى يحرك داعية العشق من أهل المجانة كصنعة الطبالين فى الأسواق ، وصنعة بما يشبه العوض وليس بعوض كبيع التعويذات والحشيش الذى يخيل بائعة أنها أدوية فيخدع بذلك الصبيان والجهال، وكأصحاب القرعة والفأل من المنجمين ، ويدخل فى هذا الجنس الوعاظ والمكدون على رءوس المنابر إذا لم يكن وراءهم طائل.. وكان غرضهم استمالة قلوب العوام وأخذ أموالهم بأنواع الكدية، وأنواعها تزيد ألف نوع وألفين ، وكل ذلك استنباط بدقيق الفكرة لأجل المعيشة"[34].

         ويتجاهل الغزالى أثر التصوف فى أولئك الذين أنكر عليهم، فهم متسولون وقد سبق الربط بين التصوف والتسول ، ثم هم يستخدمون أساليب التصوف من التجانن ـ أو الجذب الصوفى ـ وأشعار المدح للصحابة آل البيت ، مع العشق ـ وصلته بالتصوف عضوية ـ ثم بيع الحشيش ـ أو لقيمة الفقراء الخضراء، ثم التنجيم ـ وهو نوع من الكشف الصوفى وفى النهاية الوعاظ الصوفية على رءوس المنابر.

        ثم يعترف الغزالى بأن أولئك الصوفية ـ الذين ينكر عليهم الغزالى نسبتهم للتصوف ـ يتخذون من المساجد مجالا لنشاطهم فينكر عليهم التحلُق أو" الحلق يوم الجمعة لبيع الأدوية والأطعمة والتعويذات ، وكقيام السؤال ـ المتسولين ـ وقراءتهم للقرآن وإنشادهم للأشعار ومايجرى مجراه، فهذه الأشياء منها ماهو محرم لكونه تلبيسا وكذبا كالكذابين من طرقية الأطباء وكأهل الشعبذة والتلبيسات ، وكذا أرباب التعويذات فى الأغلب يتوصلون إلى بيعها بتلبيسات على الصبيان والسوادية ، فهذا حرام فى المسجد وخارج المسجد"[35].

         وبازياد التصوف تخصص من الصوفية طائفة فى مجال الشعوذة وهم" بنوساسان" يقول عنهم الجويرى فى العصر المملوكى " أصحاب المكر والدهاء والحيل ولهم جسارة علىكل مايفعلونه، ولهم ألف باب وباب ، فمنهم الفقراء والمدرعون وأصحاب القرود والدبب.. إلخ"[36].

التحايل والعلم اللدنى:

         وادعاء العلم اللدنى ومشتقاته هو الأساس فى ممارسةالصوفية للشعوذة فى عصر الغزالى ومابعده ، وإذا راجعنا أقاويل الصوفية المشهورين فى عصرنا المملوكى أيقنا أنهم لايختلفون عن باقى المشعوذين فالدسوقى يقول"إذا كمل العارف فى مقام العرفان أورثه الله علما بلا واسطة، وأخذ العلوم المكتوبة فى ألواح المعانى ففهم رموزها وعرف كنوزها وفك طلسماتها وعلم اسمها ورسمها ، وأطلعه الله تعالى على العلوم المودوعة فى النقط، ولو لا خوف الإنكار لنطقوا بما يبهر العقول ، وكذلك لهم إشارات العبارات عبارات معجمة وألسن مختلفة، وكذلك لهم فى معانى الحروف والقطع والوصل والهمز والشكل والنصب والرفع مالا يحصر ولايطلع عليه إلاَ هم، وكذلك لهم الإطلاع على ماهو مكتوب علىأوراق الشجر والماء والهواء ومافى البر والبحر وماهو مكتوب على صفحة قبة خيمة السماء، ومافى جباه الأنس والجن مما يقع لهم فى الدنيا والآخرة ، وكذلك له الإطلاع على ماهو مكتوب بلا كتابة من جميع مافوق الفوق وماتحت التحت "[37].

          وكان أبوالعباس المرسى " يتحدث فى العقل الأكبر، والاسم الأعظم وشعبة الأربع، والأسماء والحروف ودوائر الأولياء ، وامداد الأذكار ، ومقامات الموقنين، والأملاك المقربين عند العرش، وعلوم الأسرار ، وامداد الإنكار ، ويوم المقادير، وشأن التدير ، وعلم البدء، وعلم المشيئة ، وشأن القبضة ، ورجال القبضة ، وعلوم الأفراد ، وماسيكون يوم القيامة من أفعال الله مع عباده..إلخ[38]. وكان يقول" لولا ضعف العقول لأخبرت بما يكون غدا، وكان يمسك بذقنه ويقول لو علم علماء العراق والشام ماتحت هذه الشعرات لأتوها ولو سعيا على وجوههم[39].  وادعى أفضل الدين الشعرانى أنه استخرج من سورة الفاتحة مائتى ألف علم ونيفا وأربعين ألف علم"[40]. وابراهيم المتبولى كان صوفيا أميا ومع ذلك يدعى " أعطيت استخراج العلوم من القرآن العظيم من فقه وأصول ومعان وبيان وجدل وعروض وغيرذلك ، فلو جلس إلى مصنف نظيف القلب من الأدناس خال من الحسد لبينت له مادة كل علم وأوضحت له ذلك حتى لايبقى عنده فى ذلك شك"[41]. ويقول المتبولى أيضا" لايكمل الرجل عندنا حتى يعلم حكمة كل حرف تكرر فى القرآن ، ويخرج منه سائرالأحكام الشرعية إذا شاء"[42].

         ولو تخيلنا الدسوقى أو المرسى أو الشعرانى أو المتبولى ـ واقفا فى مجتمع يعلن هذه الادعاءات لما اختلف وضعه عن باقى المشعوذين . ولكن أولئك من مشاهير الأولياء ولا يزالون، مما يعنى أن الشعوذة بالعلم اللدنى تعتبر أصلا من أصول التصوف، وعن طريق هذه الشعوذة اكتسب أولئك الأشياخ الشهرة والأموال بالنذور والقرابين.

علوم وهمية للتحايل:

          لقد ادعى بعضهم علوما وهمية لاوجود لها إلا فى مخيلته ، واخترع لها العناوين مثلما فعل الدسوقى والمرسى، وآخرون ادعوا علوما محددة وثيقة الصلة بادعاء العلم اللدنى مثل علم الحرف والسيمياء والاسم الأعظم والمطالب والرمل، هذا بالإضافة للكيماء وهى بدورها وثيقة الصلة بادعاء الكرامات .. واتخذ بعضهم من ادعاء هذه العلوم وسيلة للتحايل وأكل أموال الناس بالباطل..

       وقد وصف الكثيرون بمعرفة تلك العلوم مجتمعة، فقيل عن الشيخ أمين الرهان الطيب ت743 أنه كان عالما بالكيمياء " إلى غير هذا مما كان مغرى به من الروحانيات واعتقاد مايقال من المخاطبات النجومية"[43]. وكان شيخ الطريقة ابن الشاهد المنجم ت 801" عارفا بحل الزيج متقنا لفقه عمله فى كتابة التقاويم، وكان يعرف الضرب بالرمل وغير ذلك من الأمور الغيبية مع سلامة فيه وملازمة لبيته"[44]. أى مع اتصافه بالصفات الحسنة كان يدعى علم الحرف ويضرب الرمل وعلم الغيب ، وبسبب معرفة احدهم بالرمل وغيره ـ كما يقال عن ابن الميقاتى ت 801 ـ قربه الظاهر برقوق وجعله شيخ طريقة[45].

        أما ابن زقاعة (724ـ 816) فقد كان مشهورا ـ فى اعتقاد عصره ـ بكونه "إماما بارعا متفننا فى علوم كثيرة ، ولاسيما معرفة النبات والأعشاب والرياضة والتصوف" مع علم الحرف ومعرفةالاسم الأعظم والنجوم والكيمياء[46]. وحين تجرد ابن بهادر ت816 للتصوف وتعلم علم الحرف أقام بمنزله فقصده الناس لتعلم علم الحرف على يديه. 

 باطنيا بترتيب مراتب الفيض فى الأفلاطونية الحديثة والتى أصبحت فيما بعد أهم أصل فى نظرية الإشراق الصوفية أو العلم اللدنى. وقد تكونت الطائفة الحروفية أو النسيمية على هذا الأساس وعرضنا لأفكارهم الانحلالية ، ويبدو أثر علم الحرف فى محاولات الصوفية تحريف الآيات القرآنية حيث تبدأ بعض أحزابهم ببعض الحروف القرآنية كما فى حزب البحر للشاذلى وفيه تردد فواتح ببعض السورمثل حم حم حم حم.. طس حم عسق .. إلخ.

        وقد ظل علم الحرف تقليدا صوفيا معمولا به حتى أوائل هذا القرن يقول أحمد أمين " يزعمون أن لكل حرف سرا وأن أسرار القرآن كلها وضعت فى سورة الفاتحة وأن سر الفاتحة وضع فى البسملة وأن أسرار البسملة وضعت فى حرف الباء وهكذا. وكل حرف له خواص وله أعداد ومن ذلك حروف الجمل وتقابل أبجد هوز. إلخ فالألف بواحد والباء باثنين ويقولون إن بعض هذه الحروف نارى والآخر ترابى وهوائى ومائى، والأعداد للحروف كالأجساد للإنسان وللحروف قوة فى باطن العلويات ،ولها هوة فى باطن السفليات ، وبعضهم يجعل للحروف طبائع فبعضها حار وهى أ، و، ن، م، ع  وبعضها يابسة وهى س ف ب ج وبعضها رطبة وبعضها باردة ، وللحروف اتصالات بالبروج معقدة تسبب العداوة والبغضاء والسعادة والشقاء، ولهم فى ذلك حساب طويل وكتب خاصة"[47].

        ووضعت تطبيقات علم الحرف فيما كتبه أحمد أمين آنفا، وذلك ماكان معمولا به فى العصر المملوكى كمحاولة لمعرفة الغيب فشاع استخدام الحروف وأعدادها، فالسلطان الظاهر تمربغا المملوكى الرومى الأصل ت879 كان يتوهم طول مدته فى الحكم وأن الأمر عاد إلى الروم، وأخذ ذلك من قوله تعالى" سيغلبون ، فى بضع سنين " حيث كانت الباء باثنتين والعين بسبعين والضاد ثمانمأة ، بل زعم ان طالبا شاميا أخبره أنه سمع بسلطنته بمدينة غزة وأنه أخبر بدمشق بمشاهدة درهم عتيق مسكوك باسم الظاهر تمربغا" ويعلق السخاوى قائلا: فالله أعلم[48]. أى أن السخاوى يعتقد فى ذلك.

         وقال شيخ الرباط بالخانقاه البيبرسية "كان أول خروج تيمور لنك فى سنة عذاب، يشيرإلى أن أول ظهوره سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، لأن العين بسبعين والذال المعجمة بسبعمائة والألف والباء بثلاثة، وعد ابن حجر هذه المقالة من لطائف شيخ الرباط[49] ، مع أن الظلم والتجبر كان صفة مشتركة لكل السلاطين فى ذلك الوقت ، وقالوا عن السلطان العزيز يوسف بن برسباى " كانت مدته أربعة وتسعين يوما، ومن الاتفاق الغريب أن عدة حروف عزيز بالجمل أربعة وتسعين[50] ، مع أن مدة سلطنته فيها شك كبير.

         وقال ابن اياس عن انقراض الدولة القلاوونية " وقد صح ما أخبر به أرباب الملاحم" ووفق بين تاريخ انقراض الدولة وأبيات من الشعر قيلت فى ذلك بعد قيام الدولة البرجية[51]. ومعناه أن أصحاب علم الحرف كانوا يحاولون إثبات دعواهم بشتى الطرق.

          ومن مشاهير الأولياء الصوفية المعتقدين أصحاب علم الحرف كان شرف الدين الأخميمى[52]. ت648، وأبوذر[53]. ت780 الذى قدم القاهرة وكان يعرف علم الحرف ويدرس كتب ابن عربى فاعتقده الناس، ومثله شهاب الدين أبوالعباس الذى كان معاصرا له وقد قدم مصر وأقام بها مدة ، وتردد إليه الناس " وكان ينسب إلى علم الحرف وكان عنده التصوف كما ينبغى"[54].ثم هناك آخرون مثلهم مثل السبى[55]. ونصر العجمى[56]. وأبوبكر الجبرتى العابد[57]، وإلىعلم الحرف نسب الشيخ محمد بن على "الحرفى" ت806 الذى كان من خواص الملك الظاهر[58].

        وكان علم الحرف من ضمن العلوم التى درسها زكريا الأنصارى ، أخذه عن ابن قرقماس الحنفى[59]. وقال الشاعر ابن نباته:

             عندى غلام بعلم الحرف مشتغل       وأى حرف إلى الفحشاء منحرف

             أحكى الأنام لدال فى تفاجعــه       وانفق الناس من ميم على ألف [60]

         وبعضهم ساعدته الظروف فوصل بعلم الحرف إلى الشهرة لدى الحكام ومنهم ابن زقاعة ت 816 الذى" كان عارفا بالأوفاق ومايتعلق بعلم الحرف ، مشاركا فى القراءات والنجوم وطرف من الكيمياء، وقد عظمه الظاهر ـ برقوق ـ جدا بحيث كان لايسافر إلا فى الوقت الذى يحدده له"[61]. " والناس فيه فريقان فريق على أنه ولى ويحكى عنه خوارق وفريق يزعمون أنه مشعبذ "  وظهر تحايله لدى السلطان برقوق فأعرض عنه ثم مالبث أن علا نفوذه لدى ابنه السلطان الناصر فرج حتى كان لايخرج إلى السفر إلا بعد أن يأخذ له الطالع" إلا أن السلطان التالى المؤيد شيخ نقم عليه وأهانه ثم أعرض عنه فترك القاهرة وعاد إلى موطنه فى غزة[62].

          وقال المقريزى عن الشيخ الزعيفرينى ت830" كان يزعم معرفة الحرف ويستخرج من القرآن مايريد معرفته من الأخبار بالمغيبات"[63]. أى أن المقريزى لايصدقه ويعتبره محتالا وذلك ماقاله عنه السخاوى المؤرخ " كان يزعم أنه يعلم علم الحرف ويستخرج من القرآن مايعلم به علم المغيبات ، وخدع بذلك طائفة من الأمراء فىالأيام الناصرية وغيرهم من الأكابر"[64] والخداع معناه الحصول على أموال كثيرة ، يقول عنه ابن حجر" كان يتكلم فى علم الحرف ويخبر عن المغيبات ، لذلك مال إليه جماعة من الأكابر وأثرى" [65]. أى تحايل بعلم الحرف على أكل أموال الناس بالباطل فأثرى.

          وقال ابن حجر عن الشيخ جلال الدين الرويانى ت 833 " تجرد ، وبرع فى علم الحكمة والتصوف وقدم القاهرة مجردا، واتصل بأمراء الدولة وراج عليهم لما ينسب إليه من معرفة الحرف وعمل الأوفاق، وله عدة تصانيف فى علوم الحرف والتصوف منها: غنية الطالب فيما اشتمل عليه الوهم من المطالب، وأعلام الشهود بحقائق الوجود" وتحدث ابن حجر عن وسيلته فى الشهرة " وكان مفضالا  مطعاما للفقراء فهرعوا إليه ولازموه، وقام بأمرهم فصيرهم سوقه التى ينفق عليها وينفق بها" واستخدم فى ذلك الغرباء الذين جمعهم حوله ينفق بها واستخلص بسبب ذلك الأموال من الأمراء وغيرهم حتى كان كثير من الأمراء يفرد له من اقطاعه أرضا يصيرها رزقه، ثم يسعى هو حتى يشتريها"[66].

        وبعضهم لم يكن فى براعة جلال الدين الرويانى مثل الشيخ أصلم شيخ خانقاه سرياقوس أعظم الخوانق فى العصر وشيخها هو شيخ الشيوخ ، وقد ادعى معرفة علم الحرف[67]. وتحايل على السلطان برقوق فعزله وصادره " كما سبق بيانه ، وقد عارض بعض الفقهاء علم الحرف فيقول عنه الذهبى " إن الدخول فىعلم الحرف ينافى طريق السلف وهو فى شق وماجاء به الرسول فى شق، وهو فى حرمة الله تعالى بقوله: وأن تقولوا علىالله مالا تعلمون، وقال النبى( ص) إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، وعلم الحرف نسبه الكهانة والنجوم ،بل هو شر منه، فنسأل الله أن يحفظ علينا إيماننا"[68]

السيمياء :

         من تطبيقات علم الحرف ، وتخصصت كما يقول السبكى فى إحداث المرض أو المحبة أو البغض أو التفريق بين زوجين على وجه الحقيقة أو تكون تخييلا لا حقيقة له ، ويفرق بينهما وبين الشعبذة فى أن الأخيرة مبنية  على خفة اليد والأخذ بالبصر[69]. ورأينا اتصاف الكثيرين بعلم السيمياء ، ومن ذلك مايقال عن الهرماس الصوفىأنه" كان يعرف أشياء من السيمياء"[70]

المطالب :

         وهى عبارة عن طلب استخراج الكنوز المدفونة فى باطن الأرض من آثار الفراعنة ، وطالما أن العصر المملوكى يعتقد فى علم الصوفية بالغيب فمن المنتظر أن يكون " علم المطالب" من ممارسات الصوفية وطرقهم فى التحايل.

       وقبل العصرالمملوكى زارمصر المؤرخ الطبيب عبداللطيف البغدادى وقال عن آثارها " ومازالت الملوك تراعى بقاء هذه الآثار وتمنع من البعث فيها والعبث بها وإن كانوا أعداء لأربابها.. وأما فى زمننا هذا فترك الناس سدى وسرحوا هملا وفوضت إليهم شئونهم ، فتحركوا بسبب أهوائهم وجروا نحو ظنونهم واطماعهم ..فلما رأوا آثارها هائلة راعهم منظرها وظنوا ظن السوء .. وكان جُل انصراف ظنونهم إلى معشوقهم . وهو الدينار.. فهم يحسبون كل علم يلوح لهم أنه علم على مطلب وكل شىء منظورفى جبل أنه يفضى إلى كنز وكل صنم عظيم أنه حاصل لمال تحت قدميه.. فصاروا يعملون الحيلة فى تخريبه ويبالغون فى تهديمه ، ويفسدون صور الأصنام افساد من يرجو عندها المال .. وينقبون الأحجار نقب من لايتمارى أنها صناديق مقفلة على ذخائر .. ومن كان من هؤلاء له مال أضاعه فى ذلك . ومن كان فقيرا قصد بعض المياسير وقوى طمعه وقرب أمله بإيمان يحلفها له وعلوم يزعم أنه استأثر بها دونه وعلامات يدعى أنه شاهدها"[71].

        وقد وضح فى هذا النص ماعاينه عبداللطيف البغدادى من تدمير للآثار الفرعونية بحثا عن الكنوز والمطالب ، وكيف أضاعوا الأموال فى ذلك البحث المحموم ، والسلطة الأيوبية لم تتدخل فى الأمر وتركتهم وشأنهم ، وأن بعض الفقراء ـ أى الصوفية ـ كانوا يخدعون الأثرياء ويطعمونهم بتمويل عمليات البحث ويدعون بالعلم اللدنى معرفتهم بالكنوز.

        وقد كثر عددهم فى عصر ابن خلدون فقال عنهم " كثير من صغار العقول يحرصون على استخراج الأموال من تحت الأرض ويبتغون الكسب من ذلك، ويعتقدون أن أموال الأمم السابقة مختزنة كلها تحت الأرض .. مختوم عليها كلها بطلاسم سحر لايفضُ خاتمها ذلك إلا من عثر على علمه واستحضر مايحله من البخور والدماء والقربان" أى أنهم بعد أن عجزوا عن الوصول للكنوز الفرعونية التى أجاد أصحابها إخفاءها وجدوا المخرج فىالإدعاءات الصوفية فى الطلاسم والبخور والدماء والقرابين، أى استرجاع بعض الممارسات الفرعونية . وبذلك ازداد ارتباط المطالب بالتصوف والتحايل . وبانتشار التصوف ازداد عددهم ، يقول ابن خلدون " ووجدوا لهم سوقا رائجة فى مصر حيث قبور القبط منذ آلاف السنين مظنة لوجود توابيت الذهب فيها، لذلك عنى أهل مصر بالبحث عن المطالب حتى أنهم حين ضربت المكوس علىالأصناف آخر الدولة ضربت علىأهل المطالب وصدرت ضريبة على من يشتغل بذلك من الحمقى والمتهوسين، فوجد بذلك المتعاطون من أهل الأطماع الذريعة إلىالكشف عنه والتذرع باستخراجه ، وماحصلوا على الخيبة فى جميع مساعيهم"[72].

         والدلجى ــ من تلاميذ ابن خلدون ـ يبحث إمكانية العثور على المطالب بالطرق الصوفيةفيقول " وأما المطالب فلا بحث فى إمكان أن يجد الشخص دفينا جاهليا أو أسلاميا على الاتفاق والصدف،إنما البحث فى أن تحت الأرض مساكن وعمارات مبنية ، وفيها كنوز وأموال عظيمة ، وعليها موانع وطلسمات ، ولتلك الموانع طرق تزول بها ، وعلى تلك المطالب علامات وامارات يتوصل بها إلى أمكنتها ويستدل عليها بها ، فهذا من مخارق المحتالين[73].

          وقد أشارت الحوليات التاريخية إلى بعض ماذكره البغدادى وابن خلدون والدلجى . فيذكر ابن حجر أن بكتوت القرمانى ت749 كان " مغرى بالمطالب والكيمياء مع كثرة أمواله"[74]. وحين سافر الغورى سنة 918 للتنزه عند الأهرامات أشاعوا أنه ذهب بسبب مطلب"[75]ورويت حكاية عن بعضهم مضمونها العثور على كنز ذهبى بجوار الأهرام[76]. وبعضهم أضاع أمواله فى المطالب دون جدوى مثل الشيخ شمس الدين الصالحى ت843  الذى " كان مولعا بالمطالب ينفق عليها مع التقتير على نفسه"[77] . وابن قاسم العاجلى 835 الذى "غلب عليه حب المطالب فمات ولم يظفر بطائل"[78]. ومثله أبو البقاء الشيبانى ت835[79].

          وفى القرن العاشر حين أيقن البعض من عبثية الحصول على المطالب بالطرق الصوفية قال مقالة الشعرانى " الفقراء الصادقون فى غنية عن عمل الكيمياء وفتح المطالب"[80]. إلا أن الأغلبية كانوا يقعون فريسة لتحايل الصوفية من مدعى فتح المطالب وفك الطلسمات السحرية، وكانوا يقدمون لأولئك المحتالين مايريدون حتى الطعام والشراب والزنا بالزوجات كما ذكر الشعرانى.

           واحتل جامع الحاكم مرتبة هامة فى عقيدة الباحثين عن المطالب ، ربما لنسبته إلى الحاكم بأمر الله الفاطمى الذى ادعى الإلوهية وأحاطت الأسرار بنشأته وحياته ومقتله وآمن بعضهم برجعته بعد موته ، وكان من حوادث سنة 841 أن بعضهم أقنع السلطان برسباى بأن إحدى الدعامات فى جامع الحاكم مملوءة ذهبا، وركب السلطان إلى الجامع فعلم عجزه عن ذلك وقال " أن الذى نأخذه من الدعامة يصرف على عمارة مانهدمه ولا ينوبنا غير تعب السر"[81].

         وفى سنة 857 أمر السلطان بهدم مكان مبنى على يمين محراب  جامع الحاكم لأن شخصا قال للسلطان: عندى مايدل على أن بالموضع الفلانى صندوق بللور فيه أوراق تدل على خبيئة بالجامع المذكور ، يقول أبو المحاسن " فأمر السلطان بهدمه فى حضرة الشخص المذكور فلم يجدوا إلا التعب وانتشار القالة"[82].

         وفى سنة 871 أخبر مغربى جيران جامع الحاكم أن به كنزا عظيما وعلامة ذلك أن يجدوا بعد الحفر قبة كبيرة ، وذكر أنهم وجدوا القبة وتحتها مايشبه القاعة [83].

        وفى سنة 914 يذكر ابن إياس أن بواب جامع الحاكم طلع للسلطان وذكر له أنه رأى فى المنام قائلا يقول له: قل للسلطان أن فى جامع الحاكم فى بعض دعائمه دعامة تحتها دنانير ذهب لاينحصر عددها، فمال السلطان لكلامه وأرسل خاير بك الخازندار والمحتسب والمهندسين وسألوا البواب فقال لا أعلم الدعامة التى تحتها الذهب فقال المهندسون مايظهر ذلك حتى نهدم جميع الدعائم التى هنا، فاجتمع الناس وكثر القيل والقال ولم يوافق السلطان على هدم الجامع[84].

         وفيما عدا جامع الحاكم  ذكر ابن إياس أنه احتال تاجر اسمه اببن القماح على صاحب قيسارية وأوهمه أن ببئرها كنزا واستطاع بذلك أن يسرق القيسارية [85] .. ومعناه أن التحايل فى المطالب لم يعد قصرا على الصوفية.

        ولايزال التحايل بالمطالب مستمرا على فترات متقطعة فلا تزال المطالب تعيش فى الضمير الشعبى لارتباطها الدينى بالتصوف وكونها حلما يداعب خيال الناس، ويأتى المثل الشعبى فى عصرنا يقول فى حصيلة المطالب" كل  مطلب وعليه مهلك " ويقول فيمن نزلت عليه ثروة لايستحقها " كلب أجرب وانفتح له مطلب"[86].

        وإلى جانب العلم اللدنى كان اشتهار الصوفية بالكرامات . وعن طريقها كان التحايل على الناس بالكيمياء.

الكيمياء( ادعاء قلب الأشياء ذهبا):

 التصوف يحول الكيمياء إلى خرافة:

        يتردد فى الكرامات الصوفية ادعاء قلب الأعيان ذهبا، وقبل التصوف كان الحلم المشهور يراود الجميع بإمكانية تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب، وعن هذا الطريق سارت الكيمياء حتى اكتسبت ذلك المفهوم ، ولما تعذر الوصول إلى هذه النتيجة أمل الباحثون إلى الوصول إلى إمكانية التحقيق عن طريق القوة النفسية أو مايعرف بالكرامة فى عصور التصوف.

        يقول ابن خلدون عن الكيمياء " علم ينظر فى المادة التى يتم بها كون الذهب والفضة بالصناعة". ويشرح العمل الذى يوصل إلى ذلك " فيتصفحون المكونات كلها بعد معرفة أمزجتها وقواها لعلهم يعثرون على المادة المستعدة لذلك حتى من الفضلات الحيوانية .. فضلاعن المعادن ". ثم يشرح الأعمال التى تخرج بها تلك المادة من القوة إلىالفعل مثل حل الأجسام إلى أجزائها الطبيعية بالتصعيد والتقطير. وفى زعمهم أنه يخرج بهذه الصناعات كلها جسم طبيعى يسمونه الأكسير، وأنه يلقى على الجسم المعدنى المستعد لقبول صورة الذهب أو الفضة .. بعد أن يحمى بالنار فيعود ذهب إبريزا، وكلامهم فى الكيمياء الغاز ورموز" أى قائم على غير أساس.

         وفى فصل بعنوان " فى إنكار ثمرة الكيمياء واستحالة وجودها وماينشأ من المفاسد عن انتحالها" يقول ابن خلدون" واعلم أن كثيرا من العاجزين عن معاشهم تحملهم المطامع على انتحال هذه الصنائع ، ويرون أنه أحد مذاهب المعاش ووجوهه وأن اقتناء المال منها أيسر وأسهل على مبتغيه" "وتحقيق الأمر فى ذلك أن الكيمياء إن صح وجودها فليست من باب الصنائع الطبيعية ولا تتم بأمر صناعى ، وليس كلامهم فيها من منحى الطبيعيات، إنما هو منحى كلامهم فى الأمورالسحرية وسائر الخوارق وماكان ذلك للحلاج وغيره .. ومن طلب  الكيمياء .. ضيع ماله وعمله لأنه تدبير عقيم واقع مما وراء الطبائع والصنائع كالمشى على الماء وامتطاء الهواء ونحو ذلك من كرامات الأولياء الخارقة للعادة والكيمياء ربما يؤتاها الصالح وغيره فيكون عملها سحريا"[87].

        فابن خلدون بفكره الثاقب نفى عن الكيمياء فى عصره صفة العلم وألصقها إما بكرامات الأولياء التى يؤمن بها أوبالسحر، وتلميذه الدلجى يتابعه فى رأيه فيقول " أما الكيمياء فلا بحث فى إمكانها على يد ولى من قبيل الكرامات وخرق العادات ولا فى الوصول إلى تصحيح صيغها ظاهرا على وجه التلبيس والغش كما يفعله الفساق، وإنما البحث فى تصيير النحاس ذهبا حقيقة على طريقة صناعية مطردة ، فهذا مما لا أعتقد صحته، وقد صنف الشيخ تقى الدين ابن تيمية رسالة فى إنكارها ، وكذلك ابن القيم الجوزية كما حكاه هو عن نفسه فى كتابه المسمى مفتاح دار السعادة"[88].

       ومن الطبيعى أن يقف العقليون هذا الموقف من الكيمياء طالما ارتبطت بالتصوف والخرافة، وفى الرسالة التى أشار إليها الدلجى يقول ابن تيمية " فصار كثير من الناس لايعلمون ماللسحرة والكهان ومايفعله الشياطين من العجائب، وظنوا أنها لاتكون إلا لرجل صالح فصار من ظهرت له هذه نظن أنها كرامة ، فيقوى قله بأن طريقه هى طريقة الأولياء"[89]. وابن تيمية يظن أن الكيمياء يمكن أن تؤتى ثمرة ويجعلها إحدى الخوارق التى يؤمن العصر بإمكانية وقوعها على يد الولى الصوفى أو السحرة والكهان.

       واليافعى يتحسب لذلك الخلط بين السحر والكرامة فيقول "فإن قال قائل: تشبه الكرامات بالسحر، فالجواب ماأجاب به المشايخ العارفون العلماء المحققون فى الفرق بينهما إن السحر يظهر على أيدى الفساق والزنادقة والكفار .. أما الأولياء فهم الذين بلغوا .. الدرجة العليا، فافترقا:  ثم إن كثيرا من المنكرين لورأوا الأولياء والصالحين يطيرون على الهواء لقالوا هذا سحر أو قالوا هؤلاء شياطين فواعجبا كيف ينسب السحر وفعل الشياطين إلى الأولياء؟[90].

         والشعرانى حاول أن ينزه طريقة الصوفى من الكيمياء وماشاع حولها حين تكاثر ممنتحلوها فى القرن العاشر، فروى أن أخاه افضل الدين الشعرانى أمره بعدم الإصغاء " إلى كلام من يزعم من فسقة المتصوفة أنه يعرف علم الكيمياء فإنه كافر" وأمره بأن يزجر أصحابه الذين يشتغلون بالكيمياء وقال له" كيمياء الفقراء هو أن يعطيهم الله تعالى حرف كن"[91]. يعنى يقول للنحاس مثلا كن ذهبا فيكون ذهبا بدون تعب.

        ولا أدل على ارتباط الكيمياء بالتصوف من أن أشهر علماء الكيمياء العرب وهو جابر بن حيان وصف بالصوفى، وكان من أوائل من تسمى بذلك ، كما أن عثمان بن سويد الأخميمى الصوفى كان من تلامذة جابر بن حيان، وكان فى نفس الوقت وثيق الصلة بذى النون المصرى الصوفى الرائد، وكان ذا النون المصرى من ناحية أخرى فى طبقة جابر بن حيان فى صناعة الكيمياء[92].

الصوفية وادعاء الكيمياء:

          والشاذلى حكى عن نفسه " لما كانت فى ابتداء أمرى أطلب الكيمياء واسأل الله فيها قيل لى: الكيمياء فى بولك اجعل فيه ماشئت يعود كما شئت فحميت فأسا ثم طفيته فى بولى فعاد ذهبا"[93]. وهى طريقة عجيبة فى الإدعاء ، ولكنها تتكرر فى المصادر الصوفية عن الشاذلى فيقول فى موضع آخر " كنت أطلب الكيمياء فقيل لى الكيمياء فى بولك"[94].

          وتلميذه أبو العباس المرسى لم يجد بعد كلمة الشاذلى وبوله إلا أن يقول " ماذا أصنع بالكيمياء ؟ والله لقد صحبت أقواما يعبر أحدهم على الشجرة اليابسة فيشير إليها فتثمر رمانا للوقت،فمن صحب هؤلاء الرجال ماذا يصنع بالكيمياء"[95].

         وبعضهم لم يكتف بالتسابق فى ادعاء الكرامات الكيميائية وإنما طرق مجالا جديدا فاشاع ـ أحمد الزاهد ـ عن نفسه أنه تعلم الكيمياء فصنع منها خمسة قناطير ذهبا ثم نظر إليها وقال أف للدنيا ثم رماها فى سراب جامعة[96]، وصدقه الناس لأنه (ولى) فلقبوه بالزاهد.

          لذلك كان الولى الصوفى إذا اشتهر بالولاية أو بعلم الكيمياء يتوافد عليه المريدون أملا فى  تعلم الكيمياء ومايعنيه ذلك من احلام ذهبية ،  فالشاذلى يقول " صحبنى إنسان : فقلت له ياولدى ماحاجتك ولم صحبتنى ؟ قال ياسيدى قيل لى إنك تعلم الكيمياء فصحبتك لأتعلم منك"[97].

         وجاء رجل إلى شمس الدين الحنفى ليعلمه الكيمياء لأنه" فقير ذو عيال"[98]، واتهم بدر الدين النورى بعمل الكيمياء" فخدمه لذلك جمع من الأمراء  منهم تغرى بردى رجاء أن يتعلموا منه"[99].

         وحكى الشعرانى أنه ادعى لأحد الأولياء أنه يعرف علم الكيمياء فصار يخدمه وتبعه على أن يعلمه إياها وبعد مدة قال له الشعرانى: هيهات كيف أعلمك شيئا يشغلك عن الله تعالى" فما زال يقسم عليه فلا يجيبه، ثم قال له الشعرانى: ياشيخ محمد إن شهرتك فى الزهد وأنت تحب الدنيا"[100]. وافتخر الشعرانى بانه لاينصب على الناس ويوهمهم بانه يعرف علم الكيمياء ليجتذبهم إلى طريقته ويرشدهم إلى طريق القوم " كما عليه جماعة ممن برزوا فى هذا الزمان من فقراء العجم ، وقد أتلف هذا الباب خلائق لايحصون  وصار أصحابه يجلبون أولاد المباشرين والتجار والعلماء إلى أشياخهم ويقولون شيخنا يقلب العيان ويجعل الرصاص ذهبا، فيتركون الإشتغال بالعلم أو التجارة التى بها قوام معاشهم ويصيرأحدهم يجعل له عذبه وجبة بيضاء"[101]

         وتصوف كثيرون واشتهر بالكيمياء مثل ابن عبدالرحمن المطرى ت822[102] ، وكان ابن الجابى خطيبا واعظا مشهورا يقصده الناس لسماع خطبته من حسن صوته " وكان مهووسا بعلم الكيمياء، بل كان الفقيه المشهور ابن دقيق العيد أيضا" مهووسا بعلم الكيمياء معتقدا صحتها"[103] .

إضاعة الأموال على الكيمياء:

         وبعض أولئك المهووسين بالكيمياء أضاعواعليها أموالهم وأعمارهم كما يقول ابن خلدون، ومنهم منصور الجفانى الذى" كان أكثرمايحصله يصرفه فى عمل الكيمياء"[104]. وكان الشيخ الطيبرسى ت 800 إماما يجامع الطيبرسى" وفتن بصناعة الكيمياء" فأفنى  عمره وماله ولم يحصل على طائل"[105]. وانشغل ابن الأبله ت886 فى الكيمياء" فكان ينفد مايحصله من كد يمينه.. بحيث يصيرمملقا وربما ليم على ذلك وهو لاينكف"[106]. وقال الشعرانى " بلغنى إن جماعة من الفقراء وطلبة العلم باعوا كتبهم وامتعتهم فى طلب علم الكيمياء وفتح المطالب وكان عاقبتهم الحرمان"[107]. وكان على الاسكندرانى ت802 اشهرهم جميعا قالت عنه المصادر التاريخية " أفنى عمره فى الكيمياء تصعيدا وتقطيرا ولم يصعد معه شىء"[108].

         وذلك يعنى أنهم مارسوا الكيمياء والعملية بالتصعيد والتقطير للحصول على الذهب دون جدوى ، أى لم يكتف بادعاء الكرامات وغيرها، وفى طرق الكيمياء كتب شرف الدين المقدسىت712 كاتب الإنشاء تخميسا لشذور الذهب فى صنعةالكيمياء[109]. ولكن بعض الصوفية أفتوا ببعض الوصفات ضمن ادعاءات الكرامات الكيمياوية الذهبية ، ففى كرامة للشيخ الفرغل كان يعلم فيها بعضهم الأكسير الذى " إذا وضع درهم منه على مادته درهم من النحاس الأحمر يصير ذهبا والرصاص يصير فضة"[110] . وكان الشيخ المحلى إذا أتاه فقير يستعين به فى شىء من الدنيا يقول له : هات ماتقدر عليه من الرصاص فإذا جاء به يقول له ذوبه بالبنار فإذا أذابه ياخذ الشيخ باصبعه شيئا يسيرا من التراب ثم يقول عليه بسم الله ويحركه فإذا هو ذهب[111]. وماأسهلها طريقة وما أنظفها بالمقارنة بطريقة الشاذلى المشهورة .. وكلها بالطبع خرافات .

الاعتقاد فى الكيمياء:

            وكان اعتقاد الناس فى جدوى الكيمياء راسخا مهما قال ابن خلدون والدلجي ومهما رأوا أنه لا فائدة منها،وذلك لارتباط التصوف بها،إذا كان الناس على استعداد للتصديق بأى كرامة أو بأى خبر عن نجاح عملية كيمياء، بل أنهم كانوا ينسبون هبوط ثروة على شخص ما بأنه يعرف الكيمياء،إذ أن الخواجا ابن القبيش البرلسي حين شرع في بناء زاويته قال أعداؤه أن هذا المصروف العظيم إنما هو من الكيمياء "[112]

   ومات التاجر الثري ناصر الدين الكارمى ت776 وخلف مالاً كثيراً فقال عنه  أبو المحاسن " خاف أموالاً كثيرة من المتجر والكيمياء،بحيث أنه لم يكن أحد من أهل عصره أكثر مالاً منه "[113]

     وعاش الصوفي ابن سلطان طويلاً في أرغد عيش فاتهمه بعض الناس بمعرفة الكيمياء أو طرف منها خصوصاً وأنه لم يكن يقبل من أحد شيئاً إلا نادراً حسبما يحكي أبو المحاسن[114] ، وبعض الصوفية ادعى أنه كان ينفق من الغيب من كوة في بيته أو من تحت البساط يمد يده فيخرج المال ــ كما جاء في مناقب المنوفي ــ فاتهموه بعمل الكيمياء، فشق ذلك على بعضهم وقالوا له : يقولون عنك أنك تعمل بالكيمياء فلم يتأثر بذلك بل قال : نعم نحن نعمل بالكيمياء وهى تقوى الله..[115] وقيل في ترجمة محمد التوزي ت930، كانوا يقولون أنه يعرف الكيمياء وكان يعلم انهم لا يعظمونه إلا لذلك[116]

التحايل بالكيمياء:

     واتخذت الكيمياء وسيلة للتحايل على البسطاء من الناس وأكل أموالهم بحجة تحويل الأشياء لذهب أو فضة، وفي حوادث سنة 872 ورد أن أحمد المكناسى أتلف مال بعضهم بالكيمياء " وعمل له قرصاً ادعى أنه فضة فضربه الداودار الكبير وجرسه" وحدث ذلك أيضاً مع ابن حمادة  ، [117] وطبيعي أن المصادر التاريخية لم تذكر بين سطورها إلا من ظهر أمره وتعرض لعقوبة الضرب والتشهير .

     وبعضهم لم يكتف بالتحايل على البسطاء وإنما خدع السلاطين فأوسعت له المصادر التاريخية صفحاتها مثل يوسف الكيماوى ت 731 الذى اشتهر بالكيمياء ،فطلبه الناصر محمد وأحضر له الأدوات فأخرج له سبيكة جيدة عن طريق الحيلة ، فانخدع به الناصر وقربه، إلا أن الخدعة انكشفت ففر وانتهت حياته مسمراً على جمل [118]

     وتكررت الحادثة سنة 852 في سلطنة جقمق ، فالشريف الأعجمى أسد الكيماوى " تغير عليه السلطان جقمق" لكونه أتلف عليه مالاً كثيراً ولم يظهر لما ادعاه أثر، وكان قد نصب على التاجر ابن الشمسى حتى أخذ منه جملة من المال بايهامه بالكيمياء وتنازعا أمام السلطان فصدقه السلطان ونصره على التاجر وقربه، واستغل الكيماوى هذه الصلة بالسلطان فأغراه بنفي التاجر ، وكان أسد الكيماوى أيام صحبته للتاجر قد أغراه بطلاق زوجته لأنها كانت تحذره منه وتقول له إذا كان يعرف الكيمياء فلما يحتاج إليك وإلى غيرك.وعندما لم يظهر أثر لمحاولات أسد أمر السلطان بسجنه بالمقشرة وتغير السلطان على المحتسب يار على العجمى وعزله وقبض عليه لكونه كان الواسطة بينه وبين الكيماوى وأنه الذي أشاد به عنده.[119]

الاتهام بالكيمياء:       

     لذا كانت ممارسة الكيمياء اتهاماً في بعض الأحيان فيقال " اتهم الشاذلى عند السلطان بأنه كيميائى"[120]. واتهم الشيخ حسين أبو على بعمل الكيمياء[121]، من الزاوية ، وكان بعض الصوفية يأمر بإخراج من يتهم بعمل الكيمياء من الزاوية،وذلك ما فعله المنوفي. والشعراني هو القائل " أخذ علينا العهود ألا نمكن أحداً من إخواننا بأن يشتغل بعلم جابر الملقب بالكيمياء ، ويجب إخراج من يفعل ذلك من الزاوية لئلا يفسد حال الفقراء"[122]

         وانتهى العصر المملوكى ولم تنتهى مؤثرات التصوف ومنها الكيمياء فيقول كلوت بك " وفي مصر جمع غفيرمن  المشتغلين بالكيمياء يضيعون أموال السذج والبلهاء في البحث عن الحجر الفلسفي الذي يحول المعادن إلى  ، ويعتقدون أنهم سينجحون في ذلك إذا استطاعوا أن يقضوا سبعة أيام بلياليها من غير نوم مطلقاً" [123] وهذا هو التجديد الذى جاء به التصوف في العصر العثمانى.

         وكان الزغل أهم نتائج الكيمياء. وهو محاولة واقعية لغش العملات الذهبية.

الزُغل( تزييف الذهب):

        يقول العينى فى حوادث سنة 813 " دخل الزغل فى الذهب كثيرا" [124] وكانت السلطة المملوكية تطارد المزيفين  للذهب ففى سنة 827 " أمسك رجل من الصوفية بالمؤيدية، وجدت عنده آلات الزغل فأمر السلطان بقطع يده ، فشفع فيه فأخرج ، وضرب ضرباً مبرحا، وسجن" .[125] أى كان من الصوفية من عمل في تزييف العملة الذهبية.

     وبعض الوزراء اتهم بالزغل مثل ناصر الدين الشيميى ت 834 وقد تولى الوزارة للناصر فرج ثم عزل وصودر سنة 804 " بسبب أنه ظهر عنده من يعمل بالزغل ويخرجه على الناس " [126] أى انتشر الأمر بانتشار التصوف فأصبح بعض الوزراء مزيفاً للدنانير.

الصوفية والزغل:

     دس المحتسب يار على العجمى أدوات الزغل في بيت غريمه قوام الدين العجمى واتهمه عند جقمق بالزغل فضرب وحبس ، وكان السلطان قد وثق بقوام الدين وجعله شيخاً للشيوخ في خانقاه سرياقوس [127] وتكاثر الزغلية سنة 862 فنودى بتسعير الذهب والفضة " وصار السلطان يقطع أيدي الزغلية أو يوسطهم فارتعبوا وأصلحت أحوال المعاملة بعد جهد كبير، وكان اينال يوسط كل من يقع تحت يده من الزغلية فأصلح معاملة النقد فى أيامه"[128]، ويذكر أبوالمحاسن فى حوادث نفس السنة 862 أن السلطان وسط ثلاثة من الزغلية ، وكان أيضا قد وسط خمسة منهم ، لأن الزغلية تسببوا فى اضطراب النقد واختلال قيمة الدينار الذهبى فتهدد الأمن فى البلاد[129] .

        وهدأت الأمور قليلا إلا أن نشاط الزغلية عاد، واعتقل الشيخ الصوفى إسماعيل النبتيتى سنة 889 متهما بعمل الكيمياء ، يقول السخاوى " وجرت له حادثة بسببها تألم لها الخيرون وذوا لظن خير به"[130].

         وفى سنة 911 اتهم الشيخ سنطبانى بضرب الزغل " وكان يدعى التصوف، وكان مقيما بالمدرسة السنقرية تجاه سعيد السعداء، فوشى به عند السلطان أنه يضرب الدراهم والدنانير الزغل، فقبض عليه فوجد عنده عدة ضرب الزغل، وكان عنده جماعة يفعلون ذلك " فأمر السلطان بقطع ايديهم ، وشفع فى سنطباى فنفاه السلطان للقدس [131]  ويذكر الغزى نفس الحادثة وأن ما ضبط عند سنطباى كان خمسين رطلا مصريا وأنهم  ضربوا بحضرة السلطان وأن الذى شفع فى سنطباى هو الأمير قرقماس أتابك العسكر، وابن الغورى زجر سنطباى وقال له : إنك تدعى أنك الصوفى المسلك وأنت زوكارى شيطان زغلى ، أخرج من مملكتى[132].

       وفى حوادث سنة915 أنه هرب الشيخ جمال الدين الزغلى من المقشرة " وكان التزم بدار الضرب، وقرر عليه السلطان فى كل شهر مالا له صورة، فاتلف سائر المعاملة من الذهب والفضة وظهر بها الزغل كالشمس حتى ضج من ذلك سائر الناس والأمراء.. فقبض عليه السلطان وسجنه فهرب " ثم قبض عليه وشنق ومعه خمسة كانوا يعملون معه، وبعدها شنق زغلى آخر على باب زويلة، ثم قبض على الأمير بردوار الأتابكى وعاقبه الوالى حتى مات لأنه "وشى به عند السلطان أنه يعانى صنعة الزغل وقد اشتهر بذلك بين الناس[133].

        وتأثر العصر المملوكى بالإفساد الذى مارسه الزغلية وجاء المثل الشعبى المملوكى يقول" ماتنقدوهم كلهم زغلية [134]. واستمر الزغل بعد العصر المملوكى وحمل المثل الشعبى ذلك فيقال " زبون العتمة فلوسه زغل"[135]. والعتمه هى الظلام.

الكيمياء والسحر:

        ارتبطت الكيمياء بالسحر حتى أن ابن النديم فى الفهرست عدَ جابر بن حيان كبير السحرة فى هذه الملة، وفسر كيمياء جابر بقوله: لأن إحالة الأجسام النوعية فى صورة اخرى إنما يكون بالقوة النفسية لا بالصناعة العملية فهو من قبيل السحر[136].

      وقال ابن خلدون فى الكيمياء " والكيمياء ربما يؤتاها الصالح وغيره فيكون عملها سحريا[137]. أى يعبر عن الرأى السائد وهو أن الخوارق إذا ظهرت على يد ولى صوفى فهى كرامة وإذا ظهرت على يد غيره فهى سحر، وأدى ذلك الارتباط بين الكرامة والسحر والكيمياء إلى انتشار الاعتقاد فى السحرو اتخاذه وسيلة للتحايل عن طريق الإيهام بقيام أعمال سحرية والاتصال بالجان.

        وكانت بعض الغرائب تفسر فى ضوء السحر فيقول ابن الفرات أن ابن البرهان كانت تقع له عجائب فيظن بعضهم أن له رئيا من الجن يخبره [138]. وفى إحدى الفتن كانت السهام تطيش حول المير يلبغا المجنون، فيقول أبو المحاسن " واختلف الناس فى أمره فمنهم من يقول كان معه هيكل مننيع،ومنهم من يقول كان يتحوط بأدعية عظيمة ومنهم من يقول كان ساحرأ[139].

       وفى سلطنة جقمق اختفى السلطان المعزول العزيز بن برسباى ليثيرها فتنة، وكالعادة فتشوا البيوت واخذوا المظلوم بذنب الظالم، وكان من المظلومين امرأة مسكينة "تزعم أن لها تابعا من الجن يخبرها بما يكون فتتكسب بذلك من النساء وجهلة الرجال مايقيم أودها، وذلك انه وشى بها"فى الفتنة فاعتقلت[140]. أى كان الناس يذهبون إلى محتالين يزعمون السحروالاتصال بالجان.

        وكان السحر وسيلة هامة فى مكائد النسوة لأنهن بالطبع أميل لتصديق الخرافات ولم تسجل المصادر التاريخية إلا أخبار المشهورات من النساء، ففى سنة 802 ادعت والدة الناصر فرج أن إحدى جواريها سحرتها وماتت الجارية ومعها نصرانى تحت العذاب[141]. وفى سنة 852 طلق السلطان جقمق زوجته خوند الكبرى مغل لأنه اتهمها بأنها سحرت جاريته المحبوبة سورباى الجركسية[142].

       إذن كانت السلطة المملوكية تعتقد بجدوى السحر وكان عنصرا فى المؤامرات السياسية ، ففى حوادث سنة 843 اتهام الزينى عبدالباسط بأن معه الإسم الأعظم أو أنه يسحر السلطان لأنه كلما أراد عقوبته صرف عن ذلك، وفتشوه فوجدوا فى ثيابه أوراقا فيها أدعية ونحوها[143].

         وقيل فى سبب موت محمد بن جقمق ت 874 أنه سحر فمرض من ذلك السحر ومات[144]، واتهموا يحيى بن الأتابكى أزبك أنه قتل والده بالسحرعن طريق شخصين[145]. كان عاقبتهما القتل .

        ولأن الشائع أن الساحر يجب أن يقتل فقد وقع أحدهم فى جريمة قتل ولكى يبرىء نفسه ادعى أن القتيل كان ساحرا وأن العلماء أفتوا بقتل السحرة[146].

       والمقريزى مع عقليته الناضجة فقد كان يعتقد بجدوى السحر وقال أنه بوسع المرأة أن تمنع سقوط المطر إذا تجردت من ثيابها ورفعت رجليها وباعدت مابينهما وهى نائمة بشرط أن تكون حائضا[147].

       وكان طبيعيا أن يزداد الاعتقاد فى السحر فى بيئة تؤمن بالتصوف، ولذلك انتشرت التمائم ومنها فائدة لوجع الرأس " جربت مرارا وهى أن يكتب الصورة الآتية ويكتب حولها اسم أحمد البدوى وسيدى إبراهيم الدسوقى وسيدى محمد الحنفى ثم توضع الورقة على محل الوجع"[148].

       واستمر الاعتقاد فى جدوى السحر فى العصر العثمانى ،يقول كلوت بك " ومسلمو مصر يعتقدون أن بالإمكان القيام بالإجراءات السحرية بحسب مبادئ الخير أو الشر، وتسمى نظريتهم فى الحالة الأولى بالعلم الروحانى وفى الحالة الثانية بالعلم الشيطانى، فالسحر الروحانى .. يعمل بقصد محمود لأنه يعتمد فيه على الوسائل غير المنافية للدين[149]. والتصوف هو الذى جعل " مسلمى مصر "يعتقدون فى السحرالذى يقول عنه القرآن الكريم" ولايفلح الساحر حيث أتى.. طه 69"، والبيئة الشعبية لاتزال تعتقد فى السحر فيقول المثل الشعبى معبرا" روحى ياساحرة لانايبك دنيا ولا آخرة"[150].

         وحتى الآن لايزال الناس معتقدين فى الأعمال السحرية ومنتحليها الذين يوصفون بالمشيخة ويطاردهم القانون بتهمة الاحتيال، وبالتصوف أصبح أولئك المحتالون أشياخا يرتدون العمامة ويتمتعون باعتقاد المثقفين من المصريين.وفى جريدة الأخبار فى 11/11/1978 عنوان يقول" اعترافات دجال لماذا يقبضون علىَ  ومعظم زبائنى من المثقفين ؟" وهو تساؤل فى محله،والإجابة عليه بالرجوع إلى تصوف العصر المملوكى وأشياخه الذين خلطوا الشعوذة والسحر بالدين ، ونقرأ ماقاله الشعرانى عن نفسه مفتخرا " ومما أنعم الله تبارك وتعالى به على اعتقاد كثير من الأنس والجن واليهود فى الصُلاح وإجابة الدعاة.. " " وإذا علمت ذلك فمن جملة اعتقاد المسلمين فى أننى أعطى أحدهم القشة من الأرض إذا طلب منى الدعاء لمريضه أو كتابة ورقة وأقول له بخَر المرض بها فيفعل  فيحصل له الشفاء.. فأعرف أنه لولا شدة اعتقاد احدهم ماشفى الله تعالى مريضه بدخان تلك القشة، فإن الأمور تجرى بها المقاديرالإلهية سرعة وبطئا بحسب قوة الاعتقاد وضعفه.. ووقائعى فى ذلك كثيرة وشهيرة ومن جملة اعتقاد اليهود والنصارى أنهم يطلبون منى كتابة الحروز لأولادهم ومرضاهم فأعطى أحدهم القشة فيبخر بها مريضه فيحصل له الشفاء فأتعجب فى اعتقادهم مع اختلاف الدين وكثيرا ماأقول لهم: لم لاتسألون رهبانكم وعلماءكم فيقولون أنت أعظم عندنا من البترك ومن جميع أهل ديننا[151].

        وطالما تعلق الأمر بكتابة الحروز والأعمال السحرية والاعتقاد فيها فلا فارق بين مسلم ويهودى ومسيحى ، كلهم يعتقد فى الأولياء الصوفية وشهرتهم الفائقة ، والأمر كله مبنى على الاعتقاد أو الإيحاء.

     تشريع الرشوة

       1 ـ وهى من إفرازات التصوف فى العصر المملوكى..وإذا كان المتصوفة قد برعوا فى التسول فإن ارباب الوظائف ـ وهم إما متصوفة او أتباع لهم ـ قد سموا تسولهم رشوة. وكانوا راشين ومرتشين معا..

        يقول مؤرخ محدث: " ليس هناك أعجب من أن تقررحكومة البلاد الشرعية الرشوة وتنشىء لها ديوانا خاصا يعرف بديوان البذل أو البرطيل، على عهد السلطان الصالح إسماعيل ابن الناصر محمد عام توليه العرش سنة 743"،وبارك رجال الدين إقرار قانون الرشوة ومارسوه ممارسة شرعية فسعى القاضى الغزى عند القاضى الخيضرى فى نيابة قضاء دمشق مقابل تسعمائة دينار، دفع منها شيئا وكتب حجة بالباقى فهل هناك من فساد أفظع من أن تكون الرشوة مسجلة بحجة وعقد ـ كعقد الزواج أو البيع ـ ويوقع عليها قاضى؟" [152]. وهو بالطبع تساؤل وجيه فىعصرنا، ولكنه كان عاديا فى العصرالمملوكى.

القضاة مرتشون :

        2 ـ والواقع أن القضاة كانوا ـ كالعهد بهم ـ سباقين فى كل مجال للفساد ونقتطف ببعض وقائعهم فى الرشوة من كتابات المؤرخين فى العصر عنهم :فقيل عن الصوفى شمس الدين الشاذلى المحتسب" كان جاهلا عاميا غاية فى الجهل وكان خرد فوشيا فى الإسكندرية ثم صار بلانا فى الحمامات ثم ولى حسبة القاهرة بواسطة الأمير بيبرس الداودار لأنه كان يخدمه ويتقرب إليه بالمال وغيره من الأمور المنكرة"[153]. أى تدرج من أسفل إلى أعلى بالرشوة وقيل عن الشيخ السبكى " كثر النكير عليه من أخذ الرشوة[154].

       وكان السفطى صوفيا متسولا وحين عين قاضيا للقضاة فاستمر فى تسوله بل وسع من نطاق التسول يقول أبوالمحاسن فى ذلك:ومع ذلك " فالبلص عمال والشحاذة فى كل يوم من الأمير الكبير إلى مقدم الجبلية " زعيم العرب"[155] ، وقال " خلع على الشيخ على المحتسب خلعة الاستمرار لأن شخصا من الأوباش سعى فى الحسبة بثلاثة آلاف دينار وسزل السلطان لتوليته، فتكلم معه بعض أرباب الدولة باستمرار المذكور على بذل ألفين[156]. ويقول السخاوى عن القاضى عز الدين البكرى " تحكى عنه فى أكل الرشوة العجائب". وفى سنة 850 خلع على المحب بن الشحنة بالاستمرار على مابيده من قضاء بلده وكتابة سرها ونظر جيشها بل وأضيف إليه النظر على قلعة " حلب" والجامع النورى بحلب كل ذلك بعد أن حمل من الأموال الجزيلة والهدايا الجليلة مايطول شرحه.. ووقال العينى: ولم يتفق قط مثل هذا فى حلب ولكن بالرشا يصل المرء فى هذه الأزمان إلى مايشاء، وقال السخاوى عن القاضى جمال الدين الدمامينى: طالت مدته فى القضاء إلى أكثر من ثلاثن عاما وصار وجها ضخم الرياسة مع نقص بضاعته فى العلم والدين، لكن لكثرة بذله ومزيد سخائه، وقد أفنى مالا كثيرا فى قيام صورته فى المنصب ودفع من يعارضه حتى أنه كان يستدين ثم يحصل له إرث أو أمر من الأمور التى تحصل تحت يده بها مال من أى جهة ساغت أم لم تسغ ، فلا يلبث أن يستدين أيضا، وكان يخدم الناس كثيرا خصوصا الظلمة"[157]. ويقدم النص السابق صورة القاضى المملوكى ( من نقص فى علمه ودينه ورشوته للظلمةوطاعته لهم من أخذه الرشوة من المتقاضين وأكل الحرام) فهو راش للظلمة مرتش من المظلومين قليل فى العلم والدين.

المماليك مرتشون:

         3 ـ ومن الطبيعى أن يبتهج المماليك بهذا الصنف من البشر فجعلوا من الرشوة عملا قانونيا رسميا كإحدى مظاهر الظلم التى أرسى المتصوفة قواعدها مع المماليك وشاعت الرشوة وانتشرت آثارها السيئة فى العصر متفاعلة ومتأثرة بالمظاهر الأخرى للتصوف . ويصف أبو المحاسن الأمير وبردبك الداودار بأنه كانت له محبة واعتقاد فى الفقراء وأرباب الصلاح، وكان يحب جمع المال وله فى الأخذ والبلص والبرطيل فنون مشهورة[158]. وقيل عن الأميرين بركة وبرقوق أنهما " يأخذان البراطيل والرشوة على ولاية الوظائف التى تسعى فيها الأنذال والأرذال من أوباش الناس الذين هم غير أهلها، فمن يومئذ تلاشى أحوال الديار المصرية والشامية حتى قيل: برقوق وبركة ضربا على الدنيا شبكة"[159].وكان ذلك بعد إنشاء ديوان البذل وبظهور ثقل الصوفية السياسى فى بداية ظهور الدولة الجركسية.. ويقول مستشرق عن السلطان خشقدم وعصره واصفا الرشوة فى الدولة الجركسية حين عم التصوف: تفوق خشقدم فى انتزاع الرشوات الفادحة ممن كانوا يتطلعون إلى شراء الوظائف العامة ، قد كلفت ولاية دمشق الطامع فيها خمسة وأربعين ألف دينار، على حين بيعت وظيفة أخرى لشخص بعشرة آلاف ، أما وزراء الدولة فكانوا يعزلون كلما تمكن من يريدون عزله من إشباع مطامع الأمير، أما زيارات هذا السلطان الداهية لرعاياه فكانت تكلف من يتشرفون بها كثيرا من المال، وقد ساد الفساد جميع البلاد فى حكم الشراكسة ، ولم يكن للعدل وزن فى سير الأمور حتى أن شيخ الإسلام كان يختلس أموال الودائع"[160].والمؤسف أن كلام ذلك المستشرق واقعى.

الرشوة وسيلة للوصول:

        4 ـ وجعل التصوف من الرشوة وسيلة للوصول فقيل عن الأمير علاء الدين الطبلاوى كان عمه تاجرا فورثه وسعى بالمال حتى تولى شد المرستان وتقلب فى الوظائف[161]. حتى صار أميرا، وبالرشوة تولى غير الصالح مصالح المسلمين فقيل عن القاضى جمال الدين بن الكركى " كان من النصارى فتظاهر بالإسلام واستقر بالمال فى كتابة السر فكانت ولايته أقبح حادثة[162] . وبالرشوة تولى الوزارة البباوى لسعة ماله وكان جزارا أميا جاهلا وضيعا وهو بالتعبير العصرى" معلم" بكسر الميم ، ويصفه ابوالمحاسن وهو مؤرخ ارستقراطى بعدم الدراية فى الكلام العرفى والاصطلاح حتى أنه إذا اراد أن يقول لأحد الكتبة أكتب قال: أضرب بالقلم ، وقال عن ولايته الوزارة: وهى(الوزارة) إلى الآن أرفع الوظائف قدرا فى سائر بلاد الله.. إلا الديار المصرية فإنه انحط بها قدرها ووليها من الأوباش وصغار الكتبة جماعة من أوائل القرن التاسع إلى يومنا هذا، فالذى وليها فى عصرنا هذا ممن لايصلح لولايتها ابن النجار وعلى بن الأهناس البردار وأبوه الحاج محمد ويونس بن جربغا.. وغيرهم من هذه المقولة ، ومع هذا كله بلاء أعظم من بلاء، وأعظم الكل ولاية البباوى هذه ، فإن كل واحد ممن ذكرنا من الذين ولوا كان لكل واحد ميزة فى نفسه .. إلا البباوى هذا فإنه لم يتقدم له نوع من أنواع الرئاسة ، ومع هذه ه المساوىء باشر بظلم وعسف وعدم حشمة وقلة أدب مع الأكابر والأعيان وساءت سيرته وكثر الدعاء عليه .." [163] وبعد البباوى تولى الوزارة قاسم صيرفى اللحم " وقلع لبس العوام والسوقة"واعتبر أبوالمحاسن ذلك عارا كبيرا على مصر[164].

     وعن الصلة بين التصوف والرشوة يقول المثل الشعبى: ارشوا تشفوا، البرطيل شيخ كبير[165]. وطالما أصبحت الرشوة شيخا فقد اكتسبت مشروعية فى الضمير الشعبى.

      ويقول مؤرخ يحدث عن إشارة الرشوة: ولعل هذا كان أصل المثل الدارج القائل : إطعم الفم تختشى العين"[166].

       5 ــ ولابد أن يتاثر الجمهور بهذا السيل من الانحرافات الأخلاقية المتنوعة التى اكتسبت مشروعية اجتماعية يقول السخاوى فى حوادث 847 " كثر التطفيف فى الموازين والغش فى البضائع وفشى ذلك فى الناس فشوا منكرا وتزايد ، وطمع السوقة كثيرهم لما جعلوا عليهم من الرواتب الشهرية والجُمعية، والفساد فى ازدياد ولا قوة إلا بالله[167]..

       فقد انتقل فساد الأئمة والملوك إلى الناس فى الشوارع والأسواق وأصبح عرفا اجتماعيا يحظى بمشروعية الصمت والاعتياد، سوى بعض استنكار بين السطور ..


[1] ـ الجويرى المختار فى كشف الأسرار 20: 21

[2] ـ المدخل جـ 2/208، 211.

[3] البحر الموررود 210 .

[4] ردع الفقراء 10 .

[5] ـ لطائف المنن 203، 492، 278، 255، 199 : 201.

[6] ـ البحر الموررود 160 ،305 ،336 .

[7] ـ البحر الموررود 160 ،305 ،336.

[8] درر الغواص 53.

[9] الطبقات الكبرى جـ2 / 122 ، 135 ، 95 ، 62

[10] ـ الطبقات الكبرى جـ2 / 122 ، 135 ، 95 ، 62

[11] الطبقات الكبرى جـ2 / 122 ، 135 ، 95 ، 62

[12] ـ الطبقات الكبرى جـ2 / 122 ، 135 ، 95 ، 62

[13] لطائف المنن 147 : 148 .

[14] - تحفة الأحباب290 .

[15] - ردع الفقراء 15 .

[16] ـ لطائف المنن89 ،218 .

[17] ـ تنبيه المغترين 92.

[18] ـ لطائف المنن 128، 380، 381، 400، 173.

[19] ـ لطائف المنن 128، 380، 381، 400، 173.

[20] ـالبحر المورود 346 ،354 ،334 .

[21] ــالبحر المورود 346 ،354 ،334 .

[22] ـ السلوك جـ1/3/744: 745.

[23] ـ السلوك جـ3/2/770: 771

[24] ـ المنهل الصافى ج2/668.

[25] ـ تاريخ ابن اياس جـ2/256.

[26] ـ ـالطبقات الكبرى ج2/125.

[27] ـ لواقح الأنوار 217.

[28] ـ لطائف المنن 344

[29] لطائف المنن 344

[30] ـ. إنباء الغمر جـ3/365

[31] ـ الكواكب السيارة 234، 224.

[32] ـ إنباء الغمر جـ2/ 103 ، الضوء اللمع جـ4/305 .

[33] ـ إنباء الغمر جـ2/ 103 ، الضوء اللمع جـ4/305 .

[34] إحياء علوم الدين جـ3 / 197 : 198 ، جـ2 / 295 .

[35] ـ إحياء علوم الدين جـ3 / 197 : 198 ، جـ2 / 295.

[36] الجويرى : المختار فى كشف الأسرار 44.

[37] ـ الطبقات الكبرى للشعرانى ج1: ترجمة الدسوقى.

[38] ـ ابن عطاء. لطائف المنن71.

[39] ـ طبقات الشاذلى للكوهن62.

[40] ـ. لواقح الأنوار للشعرانى284.

[41] ـ لطائف المنن 55.

[42] ـ لواقح الأنوار 271 .

[43] الصفدى. الوافى بالوفيات وفيات 743.

[44] ـ ابن حجر.ذيل الدرر الكامنة 10، 11.

[45] ـ  إنباء الغمر جـ2/77.

[46] ـ عقد الجمان ورقة 387 وفيات 816 (المنهل الصافى 152 : 153 ).

[47] ـ قاموس العادات والتقاليد  166 .

[48] ـالضوء اللامع جـ 3 /41 .

[49] ـإنباء الغمر جـ 2 / 111.

[50] ـ السلوك جـ 4 / 3 / 185 .

[51] ـتاريخ ابن إياس جـ 1 / 2 / 311  .

[52] ـ الوافى بالوفيات جـ 2 / 353 .

[53] ـ إنباء الغمر جـ 1 / 181

[54] ـعقد الجمان : 243وفيات 780 .

[55] ـ إنباء الغمر جـ 1 / 183

[56] ـالنجوم الزاهرة جـ 15 / 165 : 166.

[57] ـإنباء الغمر جـ 3 / 148.

[58] ـالسلوك جـ 3 / 3 / 1129.النجوم جـ 13 / 37 .

[59]ـ الضوء اللامع جـ 3 / 235.

[60] ـ ديوان ابن نباته 333

[61] ـإنباء الغمر جـ 3 / 17 .

[62] ـ تحفة الأحباب 43 : 44.

[63] ـالسلوك جـ 4 / 2 / 759.

[64] ـالضوء اللامع جـ 2 / 250.

[65] ـ إنباء الغمر جـ3 /387 .

[66]ـ نفس المرجع جـ 3/ 451 . .

[67] ـابن حجر : ذيل الدرر الكامنة 17 ، إنباء الغمر جـ 2 / 113 ، والمنهل الصافى جـ / 85 ، ونزهة النفوس جـ 2 / 68 : 69.

[68] ـتاريخ الذهبى. مخطوط . مجلد 31 ، 40 : 41 .

[69] ـالسبكى . معيد النعم 155.

[70] ـالدررالكامنةجـ 4/33.

[71] ـالإ فادة والاعتبار فى المشاهدة والحوادث والمعاينة بأرض مصر لعبداللطيف البغدادى نشرته مطبعة المجلة الجديدة تحت عنوان عبداللطيف البغدادى فى مصر 47 : 48 .

[72] ـ ابن خلدون . المقدمة 384 ، 385 ، 386 ، 388

[73] ـالفلاكة والمفلوكون : 30 ، 31.

[74] ـ الدرر الكامنة جـ 2 / 23 .

[75] ـ. تاريخ ابن اياس ج4/293

[76] ـ. ـ التبر المسبوك 173: 174

[77]. إنباء الغمر مخطوط 1124 .

[78] ـ. إنباء الغمر ج3/485 ـ

[79] ـ. الضوء اللامع ج3/172

[80]ـ ـ البحر المورود 40

[81]. النجوم الزاهرة ج15: 91، نزهة النفوس  ج3/402

[82]. ـ . حوادث الدهور ج2/197

[83] ـ تاريخ البقاعى 12 أ مخطوط

[84] ـ تاريخ ابن اياس ج4/ 147: 148 .

[85]. نفس المرجع ج1/2/299 ـ

[86] ـ الأمثال الشعبية تيمور 324،328 .

[87]. ـ المقدمة 504، 524، 530

[88] ـ الفلاكة والمفلوكون 29 .

[89] ـ مجموعة الرسائل والمسائل ج1/70.

[90] ـ روض الرياحين 18، 19. ـ.

[91] ـلطائف المنن 76، 73

[92] ـ. ابن ا لنديم الفهرست 498، 500، 505

[93]. ابن عياد الشاذلى : المفاخرالعلية 11

[94] تعطير الأنفاس 31

[95]. ـ تعطير الأنفاس 226،ابن عطاء .لطائف المنن 59

[96] ـ. الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/ 7.

[97] ـ ابن عطاء التنوير 82 .

[98].. الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/89  

[99]ـ الطبقات الكبرى للمناوى 385   

[100] ـ لطائف المنن 75 ، 85 .

[101] ــ لطائف المنن  75، 85.

[102]. ـ إنباء الغمر جـ3/204

[103] ـ. العينى . عقد الجمان ورقة 269، وفيات 701

[104]ـ  الجزرى : الذيل جـ 2 / 365 .

[105] ـإنباء الغمر جـ2/30

[106]. ـ الضوء اللامع جـ1/183.

[107]ـ  ـلطائف المنن 75

[108] ـذيل الدرر الكامنة مخطوط 26 . تاريخ قاضى شهبة جـ 2 / 167 . إنباء الغمر جـ 2 / 123.

  [109]ـ الصفدى . أعيان العصر جـ 7 / 1 / 32 .

[110] ـ مناقب الفرغل 28 : 29 .

[111]- الطبقات الكبرى للشعرانى جـ 2 / 99 .

[112]- نفس المرجع جـ 2 / 80 .

[113] - النجوم الزاهرة جـ 11 / 132 . .

[114]-نفس المرجع جـ 15 / 542 : 543.

[115]- مناقب المنوفى 27، 32.

[116]- الغزى.الكواكب السائرة جـ1 / 94 .

[117]- تاريخ البقاعى 41 ب

[118]- العيني.عقد الجمان حوادث 730 ورقة 16، 17 ، 18 ، التنويرى : نهاية الأرب ج31 / 105 ، الدرر الكامنة ج4 / 455.

[119]- أبو المحاسن: حوادث الدهور ج1 / 33 ، 39 ، 40 السخاوى : التبر المسبوك 211 ،212 .   

[120]- تعطير الأنفاس 48.

[121]-الطبقات الكبرى .

[122]ـ البحر المورود 154 .

[123]ـلمحة عامة إلى مصر جـ 2 / 97.

[124]ـ عقد الجمان . مخطوط مصدر لوحة 323. حوادث سنة 813 .  

[125]إنباء الغمر جـ3 / 326 .

[126]-نفس المرجع 468 .

[127]التبر المسبوك 309 .

[128] ـتاريخ ابن إياس جـ 2 / 344 .

[129]حوادث الدهور ج2/313 .

[130] ـالضوء اللامع جـ /301 .

[131] ـتاريخ ابن إياس جـ 4 / 88

[132]. الكواكب السائرة جـ 1 / 211 : 212

[133] ـ تاريخ ابن اياس ج4/153، 158، 160، 163.

[134] ـ الأبشيهى. المستظرف 37.

[135] ـ تيمور. الأمثال الشعبية 247.

[136] ـ الفهرست 497.

[137] ـ المقدمة 530.

[138] ـ تاريخ ابن الفرات ج8/56

[139] ـحوادث الدهور ج2/174.

[140] ـ السلوك ج4/3/1130

[141] ـ نزهة النفوس ج2/69.

[142] ـ التبر المسبوك 209، تاريخ ابن اياس ج2/263.

[143] ـ النجوم الزاهر ج15/331.

[144] ــ التبر المسبوك 83.

[145] ـ تاريخ ابن اياس ج2/355.

[146] ـ إنباء الغمر ج3/457.

[147] ـ المقريزى حل لغز الماء 75، 76 مخطوط.

[148] ـ شمة : مسرة العين 10ب,

[149] ـلمحة عامة إلى مصر ج2/96.

[150] ـ تيمور الأمثال الشعبية 246.

[151] ـ لطائف المنن 272:274.

[152] ـ نظير سعداوى :27، 30. صور ومظالم من عصر المماليك.

[153] ـ العينى . عقد الجمان. مخطوط مصور وفيات 810 لوحة 276.

[154] ـ المقريزى. المقفى. مخطوط ج4/25.

[155] ـأو المحاسن: النجوم ج15/375.

[156] ـ أبو المحاسن : حوادث الدهور ج2/196.

[157] ـ السخاوى : التبر المسبوك 55، 145، 27.

[158] ـ أبوالمحاسن . حوادث الدهور ج3/579.

[159] ـ تاريخ ابن اياس ج1/2/220 تحقيق محمد مصطفى.

[160] ـ لين بول .سيرة القاهرة205.

[161] ـ تاريخ قاضى شهبة مخطوط ج2/167.

[162] ـ السخاوى: التبر المسبوك 422.

[163]ـ أبوالمحاسن:  النجوم الزاهرة جـ16/292، 341، حوادث الدهور جـ3/580

[164]ـ أبوالمحاسن: النجوم الزاهرة جـ16/292 ، 341، حوادث الدهور جـ3/580

[165]ـ الأمثال الشعبية لتيمور :20،139. شعلان: الشعب المصرى فى أمثاله العامية 62.

[166] ـ نظير سعداوى : صور ومظالم :30.

[167] ـ السخاوى  :التبر المسبوك77.

• الفصل السادس : التصوف ونشر المساوىءالاجتماعية.

الفصل السادس : التصوف ونشر المساوىءالاجتماعية.

الكذب :

      ـ          بين التصوف والكذب، أكاذيب المنامات والكرامات ، حكايات الصالحين.

القذارة :

 ــ        القذارة فى طقوس التصوف ، تشريع القذارة فى المصادر التاريخية، وفى ولاية العهد، الذباب،  الوضوء الصوفى ، قذارة الزى والمظهر، القمل والتصوف ، معايشة القاذروات، قذارة البيوت والشوارع ، وفى الأزهـــر.

البذاءة :

    ــ بين التصوف والبذاءة ، الشطح، عدم الاحتشام، البذاءة فى رسوم التصوف ومؤسساته، القضاة والبذاءة.

الغيبة والنميمة:

    ــ بين التصوف والغيبة والنميمة ، دور المؤسسات الصوفية ،شيوخ الصوفية فى مجال الغيبة والنميمة

"المساوىء الاجتماعية"

     كانت الحياة الأجتماعية أكثراستجابة للتصوف وتعبيرا عنه بالقدر الذى كان فيه التصوف نفسه تعبيرا عن غرائزالمجتمع واهوائه. وبين هذا التفاعل بين المجتمع والتصوف انتشرت قيم اجتماعية هابطة اعتادها الناس ولم يروها عيبا، ولاتزال آثارها ماثلة فى تصرفات المجتمعات الشرقية المسلمة حتى الآن من الكذب والقذارة والبذاءة.

"الكذب"

بين التصوف والكذب :

       افترى أولئك الصوفية على الله كذبا حين ادعوا أنهم وحدهم من دون الناس أولياء الله وخاصته،وحين زكوا أنفسهم ، وبذلك استحقوا قول الله تعالى" ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكى من يشاء ولايظلمون فتيلا، انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا.. النساء49 :50).

      ثم ازداد افتراء أولئك الصوفية حين ادعوا لأنفسهم مستلزمات الألوهية من علم الله وتحكمه فى الكون واتحادهم بالله وحلوله فيهم ورتبوا على ذلك حقوقا لهم على الناس فصدقوهم وقصدوهم بالعبادة والتقديس.

      وتدين يقوم على الكذب على الله ويحظى بتقديس الناس لابد أن تتحول فيه الأكاذيب إلى فضائل طالما دارت على ألسنة الصوفية أو حول الأولياء، وعلى ذلك استشرت دعاوى الكرامات حتى أصبح التصديق بها معلوما من الدين بالضرورة والاعتراض عليها مؤذنا بالأذى والإنكار.

         ولسنا فى مجال التوقف مع مظاهر الكذب الدينى فى تدين التصوف فقد ناقشنا عقائد التصوف ورسومه من قبل ولكننا نتتبع آثار ذلك الكذب الدينى فى الكرامات والمنامات والأحاديث المفتراه فى نشر رذيلة الكذب وجعلها ظاهرة اجتماعية سيئة.

        فالكذب العادى لاينجو منه بشر ، بل قد يمكن القول أن الإنسان قد يعرف الكذب مع بداية معرفته نطق الكلمات ، ولكن يظل الكذب رذيلة ولايتخذ له مسميات أخرى من الكرامات والمنامات إلا فى عصور التصوف والدجل الدينى.

      وتاريخ التصوف هو تاريخ " الكذب الدينى" بادعاء المنامات والأساطير العاطفية والحديث مع الله والملائكة،والصفحات الأولى التى كتبت عن دين التصوف ملئت بمثل ذلك وحتى من ادعى التصوف المعتدل وأنكر على الآخرين أكاذيبهم ودعاويهم فإنه وقع فيما وقعوا فيه ، فالقشيرى يروى عن ابن خفيف أحد معتدلى الصوفية قوله عن نفسه ، ربما كنت أقرأ فى إبتداء أمرى فى ركعة واحدة عشرة آلاف مرة قل هو الله أحد، وربما كنت أقرأ فى ركعة واحدة القرآن كله، وربما كنت أصلى من الغداة إلى العصر ألف ركعة[1].

       بل إن القشيرى الذى استكثر على أجلاف الصوفية فى عصره دعاويهم عن الاتحاد والشهود هو نفسه القائل" لايصح لأحد منازلة مقام إلا بشهود إقامة الله تعالى إياه بذلك المقام ليصح بناء أمره على قاعدة صحيحة"[2]. أى أنه لإدعاء الصوفية فى الحلول والشهود قاعدة تتيح لأحدهم أن يدعى مايدعى ولايطالب ببينة أو دليل.

        والغزالى فى " الاحياء" أتى بطائفة من الاساطير والمبالغات لم يكن ليجرؤ على ذكرها لولا أن العصر يتحملها ويقبلها، من ذلك قوله " روى أنه كان فى بنى إسرائيل رجل يتعبد فى صومعته فمكث كذلك زمانا طويلا، فأشرف ذات يوم فإذا بإمرأة فأفتتن بها وهمَ فأخرج رجله لينزل إليها، فأدركه الله بسابقة فقال ماهذا الذى أريد أن أصنع؟ فرجعت إليه نفسه وعصمه الله تعالى، فلما أراد أن يعيد رجله إلى الصومعة ، قال هيهات رجل خرجت تريد أن تعصى الله تعود معى فى صومعتى؟ لايكون والله ذلك أبدا ، فتركها معلقة فى الصومعة تصيبها الأمطار والرياح والثلج والشمس حتى تقطعت وسقطت ، فشكر الله له ذلك"[3]. فكيف نصدق أن انسانا يترك رجله معلقة فىالهواء إلى أن تنقطع وتسقط؟

      " والاحياء" محشو بأكاذيب منها ماصيغ أحاديث نبوية وقدسية ومنها ماكتب أقاصيص لايصدقها عقل طفل صغير مثل القصة السابقة عن الراهب الإسرائيلى وقدمه العاصية، ومثل هذه القصة التى يرويها عن بعضهم "دخلت على فتح الموصلى فرأيته قد مد كفيه يبكى حتى رأيت الدموع تنحدر من بين أصابعه، فدنوت منه فإذا دموعه قد خالطها صفرة ، فقلت ولماذا بالله يافتح بكيت الدم؟ قال : لولا أنك أحلفتنى بالله ما أخبرتك نعم بكيت دما. فقلت له: على ماذا بكيت الدموع؟ فقال على تخلفى عن واجب حق الله تعالى ، وبكيت الدم على الدموع لئلا يكون ماصحت لى الدموع، قال فرأيته عند موته فى المنام فقلت : ماصنع الله بك قال غفر لى فقلت له فما صنع فى دموعك ،قال قربنى ربى عز وجل وقال لى يافتح الدمع على ماذا قلت يارب على تخلفى عن واجب حقك قال والدم على ماذا قال على دموعى أن لاتصح لى فقال لى يافتح ما أردت بهذا كله وعزتى وجلالى لقد صعد حافظاك أربعين سنة بصحيفتك مافيها خطيئة؟[4].

       وبازدياد التصوف ازدادت جرعة الأكاذيب الدينية وملئت بها كتب المناقب التى أفردت فى تقديس الأشياخ الصوفية وتعداد مناقبهم ونشر كراماتهم ، وتمتعت كالعادة بتصديق الناس حتى أن بعض الحوليات التاريخية اقتبست منها الكثير من هذه الأكاذيب ورددتها معتقدة بصحتها خصوصا فى عصر الدولة البرجية .

        ولم تكن كتب المناقب على كثرتها لتفى بإشباع شهية الصوفية فى اختلاق الأكاذيب وإنما دارت المجالسات والندوات حول أقاصيص الكرامات الصوفية وحكايات الصالحين، مما  دعا الفقيه الصوفى ابن الحاج فى القرن الثامن للإنكار على هذه الظاهرة فيقول " كثير من الناس يدعى الدين والصلاح وأنه من أهل الوصول ويأتى بحكايات من تقدم من الأكابر ويطرز بها كلامه ، وهو مع ذلك يشير إلى نفسه بلسان حاله وأن منها عنده طرفا، وبعضهم يزعم أنه حصل له من ذلك الأمر حاصل، ومنهم من له القدرة على تصنيف الحكايات والمراءى التى يختلقها من تلقاء نفسه ، ولاسيما ما ابتلى به بعضهم من دعواه رؤيا النبىعليه السلام فى المنام، وأنه أقبل عليه وخاطبه وأمره ونهاه، بل بعضهم يدعى رؤيته عليه السلام وهو فى اليقظة، وهذا باب ضيق، وقل من يقع له ذلك إلا من كان على صفة عزيز وجودها فى هذا الزمان، بل عدمت غالبا،مع أننا لاننكر من يقع له هذا من الأكابر الذين حفظهم الله تعالى فى ظواهرهم وبواطنهم.. ومنهم من يشير إلى نفسه بالكرامات وخرق العادات وهو عرى عنها بالاتصاف بضدها"[5]. وابن الحاج ـ مثل فقهاء التصوف ــ يقرر المبدء ويستكثره على صوفية عصره، فلا يراهم مستحقين لدعوى رؤية النبى مناما أو يقظة ويجعلها شرفا لأشياخه، وكان شيخه محمد بن أبى حميرة ممن يدعى رؤية الرسول يقظة، وعقدوا له مجلسا للمحاكمة بسبب ذلك [6].

       ومما قاله ابن الحاج يظهر أن الأشياخ الصوفية فى القرن الثامن كانوا يعقدون مجالس لقص أساطير الكرامات والمنامات ، ويحول الشيخ المجلس فى النهاية إلى حفل تكريم لنفسه،ثم كانت تلك الأكاذيب التى يرويها الشيخ عن نفسه تجد آذانا مصغية لا عقولا منتقدة مستنكرة.

       وبعد ابن الحاج وفى القرن العاشر حيث تعاظمت سيطرة التصوف وجدنا الشعرانى لايكتفى بحكاية الأكاذيب عن أشياخه وإنما يؤلفها عن نفسه فى معرض التفاخر حيث أفرد كتابا ضخما هو لطائف المنن يقول فى كل فقرة "  ومما من الله تعالى به على أن..." ومن ثنايا السطور تتكاثر الأكاذيب التى كانت تحظى بالتصديق فىعصره وإن كانت الصحوة العقلية الآن تستفظع أكاذيبه أو لا تستسيغ بلعها..

       يقول مثلا " ومما أنعم الله تبارك وتعالى به على مساعدتى لأصحاب النوبة فى سائرأقطار الأرض فى حفظ إدراكهم من برارى وقفار ومدائن وبحار وقرى وجبال ، فأطوف بقلبى علىجميع أقطار الأرض فى نحو ثلاث درج .. وصورة طوافى كل ليلة على مصر وجميع أقاليم الأرض أننى أشير بأصبعى إلى أزقة جميع المدائن والقرى والبرارى والبحار وأنا أقول الله الله الله ، فأبدأ بمصر العتيقة ثم بالقاهرة ثم بقراها حتى أصل

 إ لى مدينة غزة ثم إلى القدس ثم إلى الشام ثم إلى حلب ثم إلى بلاد العجم ثم إلى البلاد التركية ثم إلى بلاد الروم ، ثم اعدى من البحر المحيط إلى بلاد المغرب فأطوف عليها بلدا بلدا حتى أجىء إلى الإسكندرية ، ثم أعطف منها إلى دمياط ثم منها إلى أقصى الصعيد ثم إلى بلاد الرجر وهى اقطاع جدى الخامس، ثم أعطف إلى بلاد التكرور وبلاد السقوط ، ومنها إلى بلاد النجاشى ثم إلى أقصى بلاد الحبشة وهى سفر عشر سنين ثم منها إلى بلاد الهند ثم إلى بلاد السند، ثم إلى بلاد الصين ثم ارجع إلى بلاد اليمن ثم إلى مكة ، ثم اخرج من باب العلى إلى الدرب الحجازى إلى بدر ثم إلى الصفراء، ثم إلى مدينة النبى صلى الله عليه وسلم ، فاستأذنه عند باب السورة ثم أدخل حتى أقف بين يديه صلى الله عليه وسلم فأصلى وأسلم عليه وعلى صاحبيه وأزور من فى البقيع .. وما أرجع إلى دارى بمصر إلا وأنا ألهث من شدة التعب كأنى كنت حاملا جبلا عظيما، ولا أعلم أحدا سبقنى إلى مثل هذا الطواف ، وكان إبتداء حصول هذا المقام لى فى سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة فرأيت نفسى فى محفة طائرة ، فطافت بى سائر أقطار الأرض فى لحظة وكانت تطوف بى على قبورالمشايخ من فوق أضرحتهم ، إلا ضريح سيدى أحمد البدوى وضريح سيدى إبراهيم الدسوقى .. فإن المحفة نزلت بى من تحت عتبة كل من أحدهما ومرت من تحت قبره ، ولم أعرف إلى الآن الحكمة فى تخصيص هذين الشيخين بذلك"[7]!!

             والشعرانى حين يفترى هذه الأكاذيب المضحكة كان يتيقن أن عصره لن يقابلها بالسخرية بل بالتصديق وزيادة الإعتقاد في كراماته وولايته،وذلك يؤكد الصلة الوثيقة بين الكذب والولاية الصوفية، كلما ازداد أحدهم جرأة في الكذب ومهارة فيه كلما انتشر سيطه وازداد أتباعه،والشعرانى حتى الآن – وبعد وفاته بنحو خمس قرون- لا يزال أستاذاً مقدساً عند الصوفية " وكهفهم الصمدانى وقطبهم الربانى".

     ومن ناحية أخرى فإن ذلك يعنى أن التصوف كرًس في عقائد الناس الإيمان بأكاذيب الصوفية بالغاً ما بلغت ،وفي عصر الشعرانى خفت صوت العقل وعلا صوت الخرافة ومع ذلك فإن الشعرانى يحاول أن يجتس العقل من جذوره فيقول داعياً إلى تصديق أكاذيبه" ومما أنعم الله تبارك وتعالى به على تصديقى للصالحين في كل ما يخبرون به من الأمور التى تحيلها العقول عادة، ولم أزل أصدقهم في ذلك من حين كنت صغيراً، وكل شيئ لم أتعقله جعلته من جملة العلم الذى لم أعرفه، ولا أكذب إلا ما خالف النصوص الصريحة أو خرق إجماع المسلمين ، وأجمع أهل الكشف – أى الصوفية- على أنه إذا أنكر شيئاً أخبره به أهل الكشف حرم ذلك الأمر الذى أنكره،ولو بلغ الغاية في السلوك فلا يعطى ذلك الأمر عقوبة له على إنكاره وتكذيبه أولياء الله تعالى،الذين هم آياته في الأرض وبهم يرزق الناس وبهم يمطرون وبهم يدفع الله البلاء عن عباده، وقد جلس عندى مرة الأخ الصالح الشيخ أبو العباس الحريثى بين المغرب والعشاء في رمضان فقرأ بعد المغرب إلى مغيب الشفق الأحمر القرآن خمس مرات وأنا أسمعه ، فلما دخلت أنا وإياه على سيدى على المرصفى حكيت له ذلك فقال قد وقع لى أنى قرأت القرآن في يوم وليلة ثلثمائة وستين ألف درجة كل درجة ألف ختمة ، هذا بلفظه انتهى، ومما وقع لى أننى أحرمت بصلاة الصبح خلف الشيخ عمر الإمام بالزاوية فافتتح سورة المزمل فسبق لسانى فقرأت القرآن من أول سورة البقرة ولحقته في قراءة الركعة الأولى قبل أن يركع فأنصتُ له حتى ركع، هذا أمر شهدته من نفسى وآمنت بأنه كرامة لى من الله تعالى، فإن الإيمان بكرامات الأولياء واجب حق ويجب على الولى أن يؤمن بكرامات نفسه كما يؤمن بكرامات غيره[8] .

أكاذيب المنامات والكرامات :

     وبالتصوف انتشرت أكاذيب المنامات فمن قتل مظلوماً رؤيت له منامات صالحة [9]. ومن اشتهر بالصلاح أو التصوف قيلت له منامات عن وقت مولده، وتكاثر الأمر حتى أصبح مثار السخرية،يقول السخاوى معلقًأ على حادثة من هذا النوع " ولم يعدم متهكماً عليه في هذا المنام حسداً وافتراءاً على عادة البطالين" [10]. وأبو المحاسن احتج بدوره على أصحاب المنامات الكاذبة [11]. وقال ابن حجر في ترجمة الشهاب الباعونى ت 816 " كان لا يعاب إلا بالإعجاب والمزيد من الكلام  والمنامات [12]. ومما يدل على أكاذيب المنامات انتشرت من الصوفية إلى غيرهم وأثارت نوعاً من الإحتجاج والسخرية لعدم تمتع أصحابها بإحترام كافٍٍ .

      أما الكرامات فقد كانت خصوصية يدعيها الأولياء الصوفية وأسهم العصر المملوكى في روايتها سرداً وتزايداً واعتقاداً، بل لقد أصبحت رواية أكاذيب الكرامات نوعا من الشعائر الدينية، وذلك ما نفهمه من الربط بين وصف أحدهم بالصلاح والتدين مع وصفه أيضاً بسرد " حكايات الصالحين" .

     يقول السخاوى في ترجمة عباس السندبسطى ت 888 " كان كثير العبادة تالياً للقرآن ذاكراً لنبذة من حكايات الصالحين ونحوها معتقداً بين كثير من العامة والخاصة" [13].

     فصاحبنا كان تالياً للقرآن ذاكراً الأكاذيب والكرامات متمتعاً باعتقاد الناس فيه بسبب ذلك . وقيل في ترجمة الشيخ محمد المغربى الشاذلى ت 911 أن الغالب عليه كان " الإطراق " " وعدم الإطالة في الكلام" أما إذا تعلق الأمر بحكايات الصالحين عندئذ يكون " بارعا في استحضار حكايات الصالحين ونقلها مسارعاً" [14].

     والمريدون على وجه الخصوص كانوا أسرع الناس في نشر أساطير أشياخهم ، فالبدر القطى ت 878 " كان يكثر من حكايات كرامات شيخه يوسف الصفى " [15]. ويقول الدسوقى " مطالعة حكايات الأولياء جند من جنود الله " [16] ، أى شعيرة دينية ، والصوفى إذا وجد مريدين اتسع أمامه المجال للأكاذيب طالما بقى فيه رمق حتى لو كان على فراش الموت، كما قيل عن تاج الدين الذاكر أنه أخبر أصحابه ليلة وفاته أن له سبعاً وعشرين سنة ما وضع جنبه إلى الأرض [17]. أى ظل واقفاً أو جالساً إلى أن حضره الموت.

     أما إذا لم يتمتع الصوفي بالشهرة اللازمة فلا حظَ له في أكاذيبه وكراماته إلا السخرية فيقول الأدفوى عن الصوفي ابن سليمان " وكانت له ادعاءات مضحكة : مثل حصر دخان المعصرة كم يجئ من قنطار، والأردب السمسم يعرفه كم حبة ، وأنه تبول في النيل فزاد ، وأنه طلع إلى بربارة ادفو وكسر التتار " [18].

حكايات الصالحين:

     على أن تدين التصوف ألهب خيال الناس في اختراع شتى الحكايات والنوادر،وكان يمكن أن تظل في إطار الأقاصيص لولا أن القاص كان يدعى حدوثها لنفسه ويجعل من نفسه البطل أو الراوى الذى شهد وقوع الحادثة بحذافيرها ، فقيل في النصيبى القوصى ت 707 " كانت له قدرة على ارتجال الحكاية المطولة" [19]. وكان ابن المبارك الأثارى ت 806 " كثير النوادر والحكايات العجيبة أعجوبة في وضعها " [20]. وكان بدر الدين العجمى ت 873 " حلو النادرة حسن المحاضرة والمفاكهة والمذاكرة .. وكان يروى لمن يحضر عنده ويذاكره عن أعاجيب، ما اطلَع عليه في البر والبحر والأسفار بالجملة والتفصيل " [21]. أما الشيخ الفنارى ت 903 فقد كان يغلب عليه الصمت " إلا إذا ذكر صحبة مع السلطان فعند ذلك يورد الحكايات العجيبة واللطائف الغريبة " [22]. وقال العيني عن ابن زقاعة الصوفي " كان أعجوبة في استحضار الحكايات والمجريات " [23]. أى ما جرى من أمور وحكايات.

     ويقول الصيرفى في حوادث سنة 875 " وحدث في هذه الأيام أمور تؤذن باقتراب الساعة ، منها أن السيد الشريف الوفائى – نائب قاضى الحنفية – أخبرنى بحضوره أن الأمير تمر المحمودى حاجب الحجاب شاهد عنده بغلة ولدت وعاش الولد أياماً ومات بعد ذلك " [24].

     أى أن مؤرخاً قاضياً مثل الصيرفى صدق هذه الأسطورة واعتبرها إيذاناً بقيام الساعة ، ويذكر ابن العراقى أن الشيخ ابن القارئ ت 776 كان يعلل صممه بأنه سمع عذاب القبر وهو صغير ويبدو من أسلوبه أنه كان يصدق هذه الأكذوبة [25]. على أن بعض الأكاذيب لم تحظ بالتصديق ووصفوا أصحابها بما يستحقون إذا اتسعوا في الدعاوى فيقول أبو المحاسن عن سودون القرمانى 863 " كان مهملاً مسرفاً على نفسه وعنده فشار كبير ومجازفات في كلامه " [26]. بل وصف بعضهم بالكذاب واشتهر به مثل الخالدى [27].

     وبانتشار التصوف قدم كثيرون إلى مصر من صوفية المشرق والمغرب وكانت لبعضهم حصيلته الوافرة من الحكايات التى لا ضابط عليه في روايتها خصوصاً وأن المبالغة محمودة في عرف الصوفية الباحثين عن الشهرة والقادمين من أجلها ، يقول ابن حجر في ترجمة الشيخ ابن سيرين الحنفى ت 809 نزيل القاهرة " حدث وخطب بالظاهرية البرقوقية وكان يحدث عن الهند بعجائب والله أعلم بصحتها " [28]

    ويذكر ابن الحجر الهيثمى أنه قدم إلى مصر رجل هندى "يزعم أن عمره مائتا سنة وخمسون سنة على ما يدعيه ،بل شواهد الحال تقطع بكذبه"[29].

     ونختم هذا المبحث بنصوص ثلاثة تربط بين التصوف والكذب.

   أولها: من فقيه صوفى مشهور هو السيوطىالقائل أن من ادعى التجريد ثم أخذ يذكر الأسباب فهو مدع كذاب [30] .وبداية الطريق الصوفى لكل شيخ هو التجرد ،وكلهم ذكر الأسباب وعاش بها ، فكلهم كذابين عند السيوطى .

وثانيها:  ما كانت تنص عليه وثائق الوقف على المؤسسات الصوفية " ألا يكون معروفاً بكثرة الكذب والإفتراء على الناس "[31]. أى كانت تشترط ألا يزيد حظه كثيراًمن الكذب والإفتراء ..

وثالثها: ما ذكره السخاوى فى ترجمة ابن المغيربى ت 846 "كان لا يتوقى منه يمين يحلفها فيما لا قيمة له مع إظهار تحرى الصدق والديانة البالغة ويتوسع فى المأكل والملابس من غير مادة ، ويشكو الضيق"[32]. أى يبالغ فى الأيمان على التوافه مع التظاهر بالتدين والصدق ، وانعكس ذلك التناقض فكان مسرفاً فى المأكل والمظهر متبرماً من ضيق الأحوال ، والمعنى الواضح فى النص أنه تعود الكذب فى لسانه وسلوكه ودينه .وتلك جناية التصوف على العصر ..أن جعل الكذب شعيرة دينية .

     ومن الطبيعى وقد أصبح الكذب فضيلة أن ينتشر شهود الزور يقول أبو المحاسن فى حوادث سنة 870 أنه كان من الممكن شراء الشهادات الزور علناً وتحت سمع وبصر القضاة[33] . وفى حوادث سنة 872 " كثر الاطلاع على شهود الزور فضرب منهم جماعة وجرس أحدهم على ثور [34] وفى فتنة البقاعى انبث الصوفية فى البلد وهم كثير ومعهم الجاه وهم أهل مكر وكيد وكذب لا يتوقفون فى شئ ويقولون ما لا يقبله عقل [35]  . ومع أنها مقالة البقاعى عدو الصوفية ، إلا أن شواهد الأحوال تقطع بصدق رأيه فيهم .   

   "القــذارة"

        1 ــ الإسلام دين الطهارة المعنوية فى العقيدة والسلوك، ودين الطهارة الحسية بمعنى نظافة المظهر والجسد ، وكان فرض الوضوء جمعا للطهارة الحسية مع الطهارة المعنوية يقول تعالى للمسلمين فى المدينة "ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ، وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين، وإن كنتم جُنبا فاطهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ، مايريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون.. المائدة 6"" ياأيها الذين آمنوا لاتقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ماتقولون ، ولاجنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا ، وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أولامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ، إن الله كان عفوا غفورا .. النساء 43".

         فالآيتان بينتا أسلوب الطهارة للصلاة من الحدث الأصغر والأكبر بالماء أو بالتراب النظيف عند تعذر وجود الماء أو استعماله،وتردد في الآيتين الحث على الطهارة الحسية " وإن كنتم جنباً فاطهروا " " ولكن يريد ليطهركم " بل أن الإسلام حرصاً منه على الطهارة حرم الإتصال بالزوجة الحائض " ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ،فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطهرن ،فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ، إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين.. البقرة 222" .

       وجعل الإسلام من الماء الوسيلة الأساسية للطهارة " وينزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به،ويذهب عنكم رجز الشيطان ،وليربط على قلوبكم..الأنفال 11" " و أنزلنا من السماء ماء طهوراً.. الفرقان48 ".

       والمساجد بيوت الصلاة هى نفسها بيوت التطهر والنظافة أى تجمع بين الطهارة المعنوية والطهارة الحسية ، يقول تعالى" لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين .. التوبة 108" ، ونزلت آيات الوضوء والطهارة في المدينة، وكان العرب قبلها يصلون دون طهارة ، وفي الفترة المكية نزل للرسول في بدايات الوحى " يا أيها المدثر،قم فأنذر،وربك فكبر،وثيابك فطهر .. " .

       وإذا كان المثل الأعلى للمسلم أن يكون من الرجال الذين يحبون أن يطهروا والله يحب المطهرين فإن المثل الأعلى للتصوف هو المجذوب بأسماله البالية وعورته الظاهرة ورائحته المزعجة والحشرات التى ترتع على جسده كما كان معهوداً في مصر إلى عهد قريب.

       وعلى قدر عناية الإسلام بالطهارة اعتنى تدين التصوف بالقذارة وجعلها من رسومه الدينية منذ بدأ التصوف في القرن الثالث الهجرى.

القذارة في طقوس التصوف:

اشتهر رواد التصوف الأوائل بقذارة المظهر،يحكى القشيرى في رسالته أن زيتونة كانت تخدم أبا الحسن النورى وأبا حمزة والجنيد، وفي يوم بارد حملت للنورى طعامه من خبز ولبن وكان النورى يقلب فحم الموقد بيده فأخذ يأكل واللبن يسيل على يديه مختلطاً بسواد الفحم ، فقالت الخادمة – في نفسها– حسبما تحكى القصة " ما أقذر أولياءك  يا رب ما فيهم أحد نظيف "  وتنهى الحكاية         باتهام الخادمة ظلماً بالسرقة وتدخل النورى لإنقاذها ولا ينسى أن ينبها إلى أن ذلك عقوبة لها لأنها اعترضت على قذارته" وقال لها لا تقولين بعدها ما أقذر أولياءك ، فقالت تبت إلى الله " [36]. أى أن الصوفية منذ البداية ألفوا كرامات لتدافع عن اتهامهم بالقذارة .

     ثم انتشر التصوف منذ عصر الغزالى لأنه يعنى اتباع الهوى في كل شئ والراحة من كل شئ ومنها العناية بالنظافة والطهارة وبه تم قلب الموازين فبعد أن كانت طريقة الإسلام هى طهارة الباطن و الظاهر أصبحت سنة التصوف قذارة المظهر والمخبر،بل أصبح في عصر الغزالى من مظاهر الرياء بالصلاح والتقوى أن يتقذر الإنسان في شكله وهيئته فالغزالى يعد من مظاهر الرياء الديني بالهيئة والزى قوله " أما الهيئة فتشعيث شعر الرأس وحلق الشارب.. وغلظ الثياب ولبس الصوف وتشميرها. وترك تنظيف الثوب وتركه مخرقًاً ، كل ذلك يرائى به ليظهر من نفسه أنه يتبع للسنة فيه ومقتد فيه بعباد الله الصالحين" فأتباع السنة والإقتداء بعباد الله الصالحين معناه عند الغزالى والتصوف تشعيث شعر الرأس وقذارة الثوب وتغليظه وتمزيقه.

     ثم يقول الغزالى عن أولئك المرائين بالقذارة الصوفية " فمنهم من يطلب المنزلة عند أهل الصلاح بإظهار الزهد ،فيلبس الثياب الممزقة الوسخة القصيرة الغليظة ليرائى بغلظتها ووسخها وقصرها وتخريقها أنه غير   مكترث بالدنيا " .

     وأراد بعض المترفين الدخول في دين التصوف ولكن – على حد قول الغزالى – " شق عليهم الإقتداء بهم في بذاءة الثياب والرضا بالدون، فأرادوا أن يتظاهروا بالتصوف ولم يجدوا بداً من التزين بهم ، فتركوا الحرير والأبريسم وطلبوا المرقعات النفيسة والفوط الرقيقة والسجادات المصبغة ولبسوا من الثياب ما هو أرفع قيمة من الحرير والأبريسم ، وظن أحدهم مع ذلك أنه متصوف بمجرد لون الثوب وكونه مرقعاً" [37].

     ويروى الغزالى أنه قيل للحسن البصرى " لم لا تغسل ثيابك؟ قال: الأمر أعجل من ذلك" وقيل لداوود الطائى " أو سرحت لحيتك؟ قال إنى إذن لفارغ " [38].

تشريع القذارة :

        وحتى ينشر الصوفية قذارتهم لتصبح سلوكاً عاماً بين المسلمين ينسيهم عادة الإسلام في الطهارة والنظافة فإن الصوفية لجأوا للأحاديث الموضوعة أو تحريف معانى القرآن، فالحسن البصرى الذى كان لا يغسل ثيابه تأول قوله تعالى" وثيابك فطهر" بأن معناها " وخلقك فحسن" فحسبما يروى القشيرى [39]. أما الغزالى الذى أتخم الإحياء بالأحاديث الباطلة فقد أورد منها في الدعوة للقذارة حديث " إن الله يحب المتبذل الذى لا يبالى ما لبس " والعراقى في تخريجه لهذا الحديث قال عنه " لم أجد له أصلاً" أى لم يكن مكتوباً إلا في الإحياء أى اخترعه الغزالى . بل أن الغزالى حرّف حديث أنس " إن الرسول كان يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته حتى كأن ثوبه ثوب زيات" فجعله الغزالى يؤدى عكس المعنى تماماً فرواه " كان قميص رسول الله كأنه قميص زيات" وروى حديثاً آخر ينطبق على الصوفية وهو " يقول في أمتى قوم شعث رؤسهم دنسة ثيابهم لو أقسموا على الله لأبرهم"[40] .

        وهناك حديث مزور آخر مشهور حتى الآن يحوى نفس المعنى ونفس اللفظ وهو " رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرَه " فيجعل الصوفي الأشعث الأغبر صاحب دلال وسطوة على الله حتى لو قال لله افعل كذا لأبر الله قسمه، ولابد أن يكون أشعث أغبر حتى تكتمل في الحديث القذارة الحسية والقذارة المعنوية، لو كان يقيم الصلاة ما أصبح أشعث أغبر .

       وروج الصوفية لأحاديث كثيرة في القذارة ، منها أن الرسول كان يباشر نساءه في المحيض وأن عائشة كانت تقول أن النبى كان يتكئ في حجرها وهى حائض ويقرأ القرآن ، وأن الناس كانوا يتبركون ببقايا غسل الرسول ونخامته . وأن النبى دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجه منه ومجَ (بصق) فيه ثم قال لأصحابه اشربوا منه ، وأن النبى أمر أناساً من عكل أو عرينة يعيشون في المدينة بأن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها، وكل هذه الأحاديث موجودة في البخارى في كتاب الطهارة وغيره، وكل هذه الأحاديث الصوفية لا تزال تحظى حتى الآن بتقديس عبّاد السنة وصحيح البخارى تعبيراً عن التأثر بالصوفية،ودليلاً على تأثر السلفية والحنابلة بالتصوف الذى يهاجمون أولياءه.

في ولاية العهد الصوفي:

       وبالتصوف سادت شهرة البخاري وكتابه في العصر المملوكى حتى كانت له تعقد المواعيد وتختم قراءته في كل عام، ولذلك لم يكن مستغرباً أن تعبر القذارة عن نفسها في طقوس التصوف ترديداً للأحاديث التى ذكرها البخارى. فمن مراسيم ولاية العهد من البدوى لعبد العال أن جعله البدوى يمص دملاً في ذراعه قد ملئ قيحاً وصديداً حتى يمتزج الدم بالدم، وتقول أسطورة أن البدوى تقايأ وشرب قمر الدولة ما تقايأه البدوى فجعله قمر أصحابه وبعثه إلىّ نفياً خوفاً عليه من عبد العال ، ولكن عبد العال علم فحاول أن يدرك قمر الدولة ليغتصب منه شربه من قيئ البدوى [41] .

       وعهد الرفاعى للواسطى لأن الواسطى وقف يوضئه وحين تنخم شيخه تناولها الواسطى وازدردها وابتلعها وكافأه الرفاعى بأن كشف له عما بالمشرق والمغرب وصارت كالقصعة بين عينيه [42].

       ولما حضرت الوفاة تاج الدين النخال الشاذلى ت 824 استدعى ابنته وقال لها أن أخاه تفل في فمه عندما كان يحتضر، وقال " لما حضرته الوفاة استدعانى إليه وقال لى افتح فمك يا أخى ففتحت فمى فتفل لى فيه، فأعطانى الله تعالى خير الدنيا والآخرة‘ وأنتِ يا عائشة افتحى فمك ففتحت فمها فتفل لها فيه ، وقال لها هذه التفلة ما هى لكِ ، هى زخيرة عندكِ "[43] . أى تستطيع أن تنقلها  لغيرها، لأن البركة في (التفلة) .

الذباب :

      وكان من طقوس التصوف في بدايته أن يتكاثر الذباب على وجه العارف الصوفي ، يحكى القشيري في رسالته عن بعضهم " رأيت فقيراً يجود بنفسه غريباً ، والذباب على وجهه فجلست أذب الذباب عن وجهه ، ففتح عينيه وقال من هذا،أنا من كذا سنة في طلب وقت يصفو لى فلم يبقى إلا الآن. جئت أنت توقع نفسك فيه؟ مر عفاك الله " [44] . فصاحبنا عاش هادئا ً في ملكوت التصوف والذباب يتكاثر على وجهه حتى استيقظ من أحلامه الصوفية على من يذب الذباب عنه فاحتج عليه.

       وبذلك احتل الذباب مكانته السامية على وجه الصوفي لذا يقول الشعرانى في نهاية العصر المملوكى " العارف يجب ألا يدفع عن وجهه الذباب وإلا فقد طلب النعيم المعجل له في الدنيا" [45] .

       وهنا نتذكر حديث البخارى عن الذبابة وتغميسها في الإناء إذا وقعت فيه .

       وإذا كان الغزالى قد احتج على أولئك المرائين الذين يتصنعون القذارة تشبهاً بالأولياء الصوفية ، وهم أقل من أن يكونوا في مستواهم في القذارة ، فإن العصر المملوكى – عصر تسيد التصوف – لم يكتف بالإستنكار وإنما أتى بسلوك إيجابى عبر عنه الشيخ أبو الحمائل السروى حين جاءه الشيخ على الحديدى يطلب الطريق فرآه متلفتاً لنظافة ثيابه فقال له " إن كنت تطلب الطريق فاجعل ثيابك ممسحة لأيدى الفقراء، فكان كل من أكل سمكاً أو زفراً يمسح في ثوبه يده مدة سنة وسبعة شهور ،حتى صارت ثيابه كثياب الزبالين أو السماكين " فلما رأى ثيابه لقنه الذكر وأخذ منه الطريق [46] .

الوضوء الصوفي :

       وإذا كان الوضوء الإسلامى يهدف إلى تطهير المسلم من القاذورات فإن للصوفية وضوءهم الذى يهدف إلى التجمل بهذه القاذورات .خصوصاً وقد أهملوا الوضوء الإسلامى والصلاة طبقاً لعقيدتهم في إسقاط التكاليف الإسلامية كما سبق بيانه .

         والبول كان من أهم عناصر الوضوء الصوفي في مقابل الماء الطهور في الوضوء الإسلامى  وفي بداية التصوف يحكى الرائد الصوفي إبراهيم بن أدهم طبقاً لما جاء فى الرسالة القشيرية " ما سررت لشئ كسرورى أنى كنت يوماً جالساً فجاء رجل  وبال على "[47]. وفى القرن السابع الذى شهد منتصفه بداية العصر المملوكى كان الشيخ يوسف القمينى الموله ت 657 " يتنجس ببوله ويمشى حافياً ويأوى إلى قمين حمام ولا يصلى " فوضؤه التنجس بالبول ومسجده الذى يأوى إليه هو الحمام، إلا أنه لا يصلى ، ويعلق الذهبى قائلاً "وقد كثر هذا فى عصرنا والله المستعان "[48] . إذن كثر ذلك منذ بداية العصر المملوكى ، وطبيعى أن يسود ذلك بسيادة التصوف بمرور الزمن .

        والبدوى أشهر الصوفية عاش فى القرن السابع ولم يكن يصلى – كما أسلفنا فى موضعه- ولكن كان يتحاور ببوله إذا أعيته الحجه ، فمن ذلك أنه تبول وهو على السطح على طائفة من العلماء أتوا إليه للمحاورة وهى قصة مشهورة عن البدوى" إن الشيخ النحوى كان كثير الإنكار عليه ، فراح إلى طندتا هو وجماعة من أصحابه الطلبة فجلسوا تحت حائط السطح الذى هو عليه ،فطلً عليهم الشيخ أحمد البدوى وبال عليهم فقالوا ما هذا البول على طلبة العلم ؟ فقال ما يؤكل لحمه فبوله طاهر ، رضى الله تعالى عنه ونفعنا به"[49] .!!

        وتوسع البدوى فى التعبير عن رأيه ببوله حتى وصل ببوله إلى المسجد وقت صلاة الجمعة والناس قيام للصلاة حين الآذان ، يروى أبوالمحاسن " قال أحدهم بسنده ألزمنى الأمير ناصر الدين محمد بن جنكلى بن البابا بالمسير معه لزيارة الشيخ أحمد البدوى بناحية طندتا، فوافيناه يوم الجمعة، فإذا به رجل طوال عليه ثوب جوخ غال وعمامته صوف رفيع، والناس تأتيه أفواجا منهم من يقول ياسيدى خاطرك مع بقرى ، ومنهم من يقول زرعى، إلى أن حان وقت صلاة الجمعة فنزلنا معه إلى الجامع بطندتا، وجلسنا فى انتظارالصلاة فلما فرغ الخطيب من خطبة الجمعة وأقيمت الصلاة وضع الشيخ أحمد رأسه فى طوقه بعد ماقام قائما وكشف عن عورته بحضرة الناس، وبال على ثيابه وعلى حصير المسجد واستمر ورأسه فى طوق ثوبه وهو جالس حتى انقضت الصلاة ولم يصل"[50].

       وبعد القرن السابع ابتكرالصوفية تنويعات فى وضوئهم، خصوصا مع كثرة المجاذيب وتفننهم فى كل غريب وقذر، ونأتى بمقتطفات سريعة نعتذر عنها ونمسك عن التعليق عليها، يقول العينى فى ترجمة الشيخ أبى بكر البجائى المغربى " كان لايتوضأ، ويتغوط فى مجلسه"[51]. ويقول الشعرانى فى ترجمة الشيخ إبراهيم العريان "كان يخرج الريح بحضرة الأكابر ثم يقول هذه ضرطة فلان، ويحلف على ذلك فيخجل ذلك الكبير منه"[52].ويقول الشعرانى فى ترجمة الشيخ بركات الخياط " أخبرنى الشيخ عبد الواحد.. أحد جماعة سيدى أبو السعود الجارحى.. قال مدحته للشيخ جمال الدين الصائغ مفتى الجامع الأزهر وجماعة، فقالوا امضوا بنا نزوره، وكان يوم جمعه، فسلم المؤذن على المنارة فقالوا له نصلى الجمعة، فقال مالى عادة بذلك، فأنكروا عليه، فقال نصلى اليوم لأجلكم، فخرج إلى جامع الماردانى ، فوجد فى الطريق مسقاة الكلاب فتطهر منها ،ثم وقع فى مشخة حمير ففارقوه وصاروا يوبخون الشيخ عبدالواحد الذى جاء بهم إلى هذا الرجل[53]. وقال عن الشيخ مدين الأشمونى "كان يوما يتوضأ فى البالوعة التى فى رباط الزاوية[54]. وقال عن بعضهم أنه " تضمخ يوم الجمعة بغائط كلب فى جميع بدنه[55].

        وفى هذا العصر كان المجذوب الذى يصلى ويتطهر نادرة، يقول أبوالمحاسن عن المجذوب عمر البياتى " كانت جذبته غير مطبقة لأنه كان لايُخلُ بالمكتوبة ، بل يغتسل فى الغالب لكل صلاة"[56].

       وكان من عوامل انتشار القذارة ما أشاعه التصوف من انحلال خلقى وشذوذ، وفى طيف الخيال قصص عن العشق المحرم والأحاديث الخرافية الملوثة بنجاسات البول والبراز[57]. تعكس ذلك التردى الخلقى فى العصر المملوكى.

قذارة الزى والمظهر:

          والعرى كان أهم مظهر للقذارة تفنن فيه المجاذيب أمثال الشيخ خليل[58]. وشعبان المجذوب، يقول فيه الشعرانى " وكان رضى الله عنه عريانا لايلبس إلا قطعة جلد أو بساط أو حصير أو لباد يغطى قُبله ودبره فقط، وكانت الخلائق تعتقده، ويعدون رؤيته عيدا"[59]. والشيخ نصر المجذوب " كان يركب الفيل بمصر أيام الغورى وكان ملامتيا عريانا"[60].

        وفى القرن الثامن كان الشيخ عبدالله أيبك الموله ت 729" لايكلم أحدا ولايستر عورته وحين مات فجأة شيعته خلائق من الناس[61]، وواضح أن الناس كانوا يعتقدون صلاح أولئك المجاذيب ويربطون بين قذارة مظهرهم وولايتهم طبقا لدين التصوف القائم على القذارة وابن الحاج الفقيه الصوفى ـ الحائر بين الإسلام والتصوف ـ أنكر ذلك الوضع فقال " بعضهم يظهر للناس الزهد فى الدنيا وترك المبالاة بها حتى أنه ليجلس مكشوف العورة، وليس العجب منهم ، بل العجب ممن يعتقدهم مع ماهم فيه من مخالفةالشرع"[62].

        وبعضهم إذا ارتدى ثيابا حافظ على قذارة المظهر فالشيخ سويدان المجذوب ت919 " كان مكشوف الرأس أبدا وله شعر طويل ملبد كث اللحية ، وكان أكثر كلامه إشارات لايفهمها عنه إلا الفقراء الصادقون"[63].

        وكان الشيخ أبوالفضل الأحمدى يقول " والله أنى لاستحى من لبس الثوب النظيف على ذاتى  هذه القذرة"[64]. وهو يتحدث هنا عن نفسه. وذكر الشعرانى بعض مظاهر القذارة للمجاذيب ، فالشيخ عبيد البلقينى " حصل له جذب فى أول عمره فمكث نحو الخمس عشرة سنة بلباس جلده مكشوف الرأس والبدن، لايلتفت إلى تدبير بدنه حتى صار الدود يتساقط من تحت قلنسوته من محل الزيق، ولم يزل أثره ظاهرا فى ناحية قفاه رضى الله عنه"[65].وبركات الخياط كان يقول لزبائنه " هات معك فوطة وإلا يتسخ قماشك من ثيابى"[66]. والشيخ أبو لحاف " كان حافيا مكشوف الرأس ملتحفا بملاءة حمراء وبيده عصا غليظة"[67]. والشيخ سليمان الحانوتى" كانت ثيابه تارة رثة وتارة كثياب القضاة والتجار ولونه تارة تجده أحمر القرمزى وتارة أصفر متحولا"[68]. والشيخ عامر المجذوب " كان عامة نهاره وليله واقفا على كوم عال ومع طوق حجر طاحون يحركه بين رجليه وهما مفرقتان، وكانت له عمامة نحو قنطار لايستطيع أحد أن يضعها على رأسه من ثقلها يجمعها من شراميط الكيمان"[69]. ويحكى الشعرانى عن الشيخ أبى الفضل الأحمدى " كنا إذا خرجنا لمثل أهرام الجيزة أو غيرها من المتنزهات يحمل نعال الجماعة كلهم على عنقه ومن أبى أقسم عليه بالله تعالى حتى يمكنه من حمل نعله "[70].وكان من كرامات شعبان المجذوب أنه " إذا رأى الهلال عرف جميع مافيه مكتوبا علىالعباد، وكان إذا إطلع على موت البهائم يلبس صبيحة تلك الليلة جلد البهائم البقر أو الغنم، أو تسخير الجمال لجهة السلطنة يلبس الشيف الليف فيقع الأمر كما نوُه به"[71].

        والصوفية الأعاجم القادمون لمصر من الشرق اشتهروا بقذارة المظهر أكثر حتى أنه يقال في ترجمة المجذوب على الدميري ت 924 " كان مكشوف الرأس ملتفاً في بزه بحيث أن من يراه يظنه أعجمياً" [72]. ويقال في ترجمة الفقيه ابن جماعة ت 819 " كان يعاب بالتزيين بزى العجم من طول الشارب وعدم السواك"[73]. أى أن التأثر بالقذارة الصوفية وصل للفقهاء المشاهير ، ومثل ابن جماعة الشيخ برهان الدين العثمانى ت 852 يقول فيه أبو المحاسن " عُدّ من الفضلاء إلا أنه كان دنس الثياب غير ضوي الهيئة" [74].

     وبعض المجاذيب لم يكتف بقذارته الذاتية وإنما أضاف إليها الرتوش مثل أن يصحب معه كلاباً تفوقه في القذارة، فالشيخ مسعود المجذوب كان له كلب قدر الحمار لم يزل واضعاً بوزه على كتفه " ولقب بعضهم بالكليباتى نسبة لكلابه مثل الشيخ أبو الخير الكليباتى ، وقد أشاعوا أن الكلاب التى كانت تسير معه من الجن، يقول عنه الشعرانى ،" وكان أغلب أوقاته واضعاً وجهه في حلق الخلاء في ميضأة جامع الحاكم ويدخل الجامع بالكلاب.. وكان رجلاً قصيراً في يده عصا فيها حلق وشخاشيخ " [75].

     وبعد العصر المملوكى يقول كلوت بك عن المجاذيب " ويعرف المجاذيب بقذارة أبدانهم وما يتشحون به من أطمار بالية " [76].

      ومن مظاهر قذارة الصوفية أن بعضهم كان يظل يرتدى الزى دون أن يغسله،ويظل هكذا حتى يذوب فيقوم الآخرون بتجريده منه ويبدلونه له بغيره . فالبدوى كان إذا لبس ثوباً أو عمامة لا يخلعها لغسل ولا لغيره حتى تذوب فيبدلونها له بغيرها " [77]. والشيخ المتوفى " كان الغالب إذا توسخ ما عليه لا يكون له ما يبدله به وكانت أخته إذا توسخت ثيابه تنزع ثيابه لغسلها وإلا فهو ما كان يفكر في ذلك " [78]. وكان الشيخ الدميري مكشوف الرأس ملفوفاً في بردة كلما تنقطع يبدلونها له بأخرى ،وأقام على هذه الحالة نحو عشرين سنة " [79]. ومثله الشيخ عمر المجذوب " كان إذا لبس القميص لا ينزعه حتى يذوب " [80]. والشيخ المعتزل الذى كان الأكابر تتردد إليه"وكان يلبس العمامة أو الثوب لايخلعها حتى تذوب "[81] .

القمل والتصوف:

     بسبب القذارة كان للقمل دوراً في تاريخ التصوف والصوفية ، يقول الرائد الصوفي ابراهيم بن أدهم" ما سررت في إسلامى إلا ثلاث مرات كنت في سفينة وفيها رجل مضحاك كان يقول : كنا نأخذ العلج في بلاد الترك هكذا وكان يأخذ بشعر رأسي ويهزنى فيسرنى ذلك لأنه لم يكن في تلك السفينة أحقر في عينه منى ، والأخرى كنت عليلاً في مسجد فدخل المؤذن وقال أخرج فلم أطق فأخذ برجلى وجرنى إلى خارج المسجد ، والثالثة كنت بالشام وعلىّ فرو فنظرت فيه فلم أميز بين شعره وبين القمل لكثرته ، وسرنى ذلك" [82].

     ولأهمية القمل في حياة الصوفية فقد اخترعوا له الأحاديث ، وتطوع الغزالى بهذه المهمة فيفترى أن نبياً من الأنبياء – لا نعرف  اسمه – " شكا إلى ربه الجوع والفقر والقمل عشر سنين فما أجيب إلى ذلك ثم أوحى إليه : لم تشكر ؟ هكذا كان بدؤك عندى في أم الكتاب قبل أن أخلق السموات والأرض وهكذا سبق لك منى وهكذا قضيت عليك قبل أن أخلق الدنيا أفتريد أن أعيد خلق الدنيا من أجلك؟ أم تريد أن أبدل ما قدرته عليك فيكون ما تحب فوق ما أحب  ويكون ما تريد فوق ما أريد  ؟ وعزتى وجلالى لإن تلجلج هذا في صدرك مرة أخرى أمحونك من ديوان النبوة" [83]. فالغزالى يفترى هذه الحكاية ويكذب على الله لكى يضخم من موضوع الإعتراض على القمل والفقر، ولايكتفى الغزالى بذلك بل يفترى حديثاً عن خاتم المرسلين هو"لقد كان الأنبياء قبلى يبتلى أحدهم بالفقر فلا يلبس العباءة، وإن كان أحدهم ليبتلى بالقمل حتى يقتله القمل وكان ذلك أحب إليهم من العطاء إليكم " [84] .

     والقمل كان يوجع جسد الصوفية فاحتاجوا إلى وظيفة دينية هي تفلية الفقراء، وكالعادة اصطنعوا لها حديثاً يرويه القشيري " قيل أوحى الله تعالىإلى موسى أتريد أن تكون لك يوم القيامة مثل حسنات الناس أجمعين ؟ قال نعم ، قال : عُد المريض وكن لثياب الفقراء فالياً، فجعل موسى على نفسه في كل شهر سبعة أيام يطوف على الفقراء يفلي ثيابهم " [85].

        وفقراء المطاوعة في العصر المملوكى جعلوا من وظيفة البدوات تفلية ثياب الفقراء – كما سبق بيانه في موضعه – ويقول الشعرانى أن من آداب العبودية" أن يجالس الفقراء أصحاب القمل ويفلي ثيابهم " .[86]

      وقبل العصر المملوكى كان السهروردى المقتول " دنئ الهمة زرى الخلقة ، دنس الثياب ، وسخ البدن لا يغسل له ثوباً ولا جسماً ولا يداً، ولا يقص ظفراً ولا شعراً، وكان القمل يتناثر على وجهه ويسعى على ثيابه ، وكان من رآه يهرب منه [87].

       أما القمل المملوكى الصوفى فقد كان له شأن. فالبدوى الذي كان يحتفظ بملابسه إلى أن تذوب على جسده كان من أهم مخلفاته التى لا تزال موجودة حتى الآن" المهراش" الذى يتعامل به مع القمل .

      ويقول العينى في حوادث سنة 792 "وتسلط على الفقراء ـ أى الصوفية ـ قمل عظيم [88] . والصوفي يحاول أن يوظف القمل السارح على جسده في أساطير الكرامات فالشيخ شمس الدين الحنفي دعا الله في مرض موته أن يبتليه الله بالقمل – كما لو كان محروماً منه قبل ذلك – ويقول الشعرانى معلقاً " وحصل له ذلك قبل موته فتزايد عليه القمل حتى صار يمشى على فراشه" ويعلل الشعرانى هذه الأمنية المزعومة " وإنما يتمنى ذلك ليكون له أسوة حسنة بالأنبياء الذين ماتوا بالجوع والقمل " [89]. أى أنه افترى على أنبياء الله بهذه التهمة القذرة .

       ولأن القمل يعايش الصوفية إلى هذا الحد الذى جعلهم يلصقونه بالأنبياء ظلماً وافتراءاً فإن بعضهم وجد فيه مجالاً للتخصص في الكرامات ، فالشيخ ابن عنان" كان إذا غضب على أحد قال للقمل رح إليه، فيمتلئ قملاً ويعجز عن تنقيته ولا يكاد ينام ، فيمضى إليه ويقول : ما رأيت إلا تعمل شيخ القمل ، فيأخذه بيده ويرميه في الهواء " [90] .فينقشع القمل عنه .

     وظل القمل عادة سيئة مصرية تعبر عن القذارة الصوفية التى انتشرت في المجتمع حتى بعد العصر المملوكى وما أروع قول كلوت بك " وبالرغم من أن الدين الإسلامى قد فرض النظافة فإن الأغنياء كالفقراء كثيراً ما تحوى ثيابهم القمل ولا يخجلهم وجوده ولا يعنون بإبادته وتطهير أجسامهم منه، بل يقتصرون بما جبلوا عليه من الدعة والخمول على إمساكه بأطراف الأنامل وطرحه على الأرض بعيداً عنهم ، ولدى أرباب اليسار أداة خاصة من الخشب في شكل المغرفة يحكون بها ظهورهم ليخففوا عن أنفسهم آلام وخزها ولسعها "[91].

     وهكذا أتى إنصاف الإسلام من هذه القذارة على يد مؤرخ أجنبي هو كلوت بك ، وأوضح دون أن يدرى دور التصوف في نشر هذه القذارة بين الأغنياء والفقراء الذين استكانوا للقمل في كسل وخمول ، وكل ما هنالك أن بعض الأغنياء كان يحتفظ بالمهراش الشعار الرسمى للبدوى أشهر الأولياء الصوفية .

معايشة القاذورات :

    وطالما عايش الصوفية القاذورات على أجسامهم دون تحرج – كما رأينا في القمل – فإن من السهل عليهم التعود على معايشة القاذورات إلى جانبهم في الشوارع والمساكن ، ولا تزال الموالد حتى الآن المناسبات المتجددة في الجمع بين الجماهير وقاذوراتها في مكان واحد.

     والمجاذيب الصوفية كان لهم دور الريادة في معايشة القاذورات والنجاسات ، والتف الناس حولهم منبهرين بشهرتهم وولايتهم ، ومنذ القرن الثامن بدأ تواجد المجاذيب بجانب القاذورات والتفاف الناس حولهم ، فالشيخ سليمان التركمانى ت 713 " كان شخصاً صالحاً مولّهاً أى مجذوب – وللناس فيه اعتقاد حسن زائد، وكان يجلس عند باب البريد وعليه عباءة نجسة ووسخ بين يده ، وهو ساكن قليل الكلام، وكان يأكل في شهر رمضان ولا يصوم ولايصلى " [92].

     ويذكر ابن كثير قصة الشيخ ابراهيم المولَه ت 725 الذى كان يخالط القاذورات ويجمع الرجال والنساء عنده حولها [93] . والشيخ عبد الله أيبك ت 729 "كان لا يتقى النجاسات ولا يستر عورته " [94].

      وفي القرن التاسع انتشرت هذه الظاهرة وسمى الموله بالمجذوب واتسعت شهرة المجاذيب وسعى الناس لرؤيتهم ، والمؤرخ الارستقراطى أبو المحاسن كان يسعى لزيارة الشيخ المجذوب محمد المغربى ت 859 ، ولكن يبقى بعيداً عنه خوفاً مما كان حوله من النجاسات [95] .

       ثم أصبح أغلب الصوفية مجاذيب في القرن العاشر ، فاتسعت دائرة القاذورات وتفننوا في الإلتصاق بها فالشيخ أبو الخير الكليباتى ت 912 " كان يجلس بالكلاب في جامع الأزهر وكان يجلس في الخلاء في ميضأة جامع الحاكم الأيام المتتابعة لا يرفع رأسه " أى يظل ناظراً إلى الفضلات البشرية في الميضأة ، ويقول العيدروس عنه" وقد تغوط في طبق وقدمه لأصحابه على أنه عسل نحل " [96].

     والشيخ بركات المصرى المجذوب ت 915 وصفوه بأنه كان يحب الإقامة في الأخلية ، وكان أكثر إقامته بميضأة الكاملية بمصر أو بميضأة الحجازية" [97].أى كان معبده هناك لذا وصف بوصف تشريف صوفى هو "الشيخ المستفرق في محل إقامته في بيوت الأخلية " [98]، والشيخ حسن المجذوب " كان يقعد بجانب قعاوى الكلاب" [99] .

     وبعضهم التزم بدكانه وعز عليه أن يحرم نفسه من الإقامة في بيوت الأخلية وقعاوى الكلاب فأتى بالقاذورات إلى دكانه مثل الشيخ بركات الخياط ، يقول عنه الشعرانى" وكان رضى الله عنه يقول لمن يخيط له هات معك فوطة وإلا يتسخ قماشك من ثيابى وكان دكانه منتناً قذراً لأن كل كلب وجده ميتاً أو قطاً أو خروفاً يأتى به فيضعه داخل الدكان فكان لا يستطيع أحد أن يجلس عنده " [100] .

     وبركات الشيخ بركات لا تزال موجودة فيه ، والشارع المصري الذى يحتفظ بجثث الحيوانات النافقة التى تظل مكانها حتى تندثر وتنتهى وتنشر المرض والروائح الكريهة ولا تجد من يتطوع بدفنها إلا بإلقائها في النيل لتزيد من تلوثه ..

قذارة البيوت والشوارع:

         إذا تقذر البشر تقذرت بالتالى بيوتهم وشوارعهم. وقد قال من دخل بيت الشيخ طاهر المدلجى ت 685 "رأينا بيتاً لم يكنس قط وتحته حصير رثة سوداء "[101]. والشيخ المنوفى لم يره أحد يكنس بيته أو ينفضه ، وكان لا يأبه بنظافة ما يأكله، وكان ذلك بعض ما جاء في مناقبه [102].

     وكانت الشوارع في أسوأ حالات القذارة، وحاولت السلطات دفع الناس لتنظيفها دون جدوى ، ففي المحرم سنة 846   يذكر السخاوى أن السلطان جقمق أمر بإصلاح الطرق وتنظيفها وبيوتها ، يقول السخاوي معلقاً "فأساءو التصرف في ذلك فإنه ألزم كل من له حانوت أو بيت بإصلاح ما أمامه وأوجع كثيراً منهم بالضرب المؤلم وتهدد من لم يفعل ، فبادر إلى ذلك من ضرب أو حضر الضرب أو سمع الوعيد وتأخر عنه من غاب .. فلزم من ذلك أن الطرقات كلها صارت موعرة لقطع بعضها دون بعض ، وقاسى الناس من ذلك شدة شديدة خصوصاً من يمشى بالليل وهو ضعيف البصر ، ثم بطل ذلك في اليوم التالى ،وبقى الضرر يسببه إلى أن تساوت الأرض"[103].

     أى كعادة المصريين هوجة تحدث ثم ينسى الأمر وكل شيئ فيها ينسى بعد حين . ويقول الصيرفى أن والى القاهرة أمر السوقة وأهل الطرقات بكنس الشوارع وتنظيفها ورشها بالماء وعاقبه على ذلك فامتثلوا ثم عاد الأمر بعد حين لما كان عليه[104]. لأن الخطأ في البشر وليس في الشوارع ..

      وحتى الآن فإن آثار القذارة لا تظهر في الشوارع صارخة إلا وقت الأمطار ، ومع قلة الأمطار كمية وأياماً فإنها توقع المصريين في حيرة ، وليس ذلك وليد اليوم وإنما كان في عصرنا المملوكى ففي حوادث سنة 874 "أمطرت القاهرة مطراً غزيراً جعل أزقتها مثل الخلجان واستمر الناس في آثار ذلك أياماً دون أن ينزحوا المياه أو أن يسووا الطرقات"[105].

الأزهر:

 والعصر المملوكى تعبير حضارى لا يرتبط بفترة زمنية ،ففي العصر المملوكى تسيد التصوف بكل تلك  المؤثرات لتصبح  علماً عليه ، وبقاؤها بقاء للعصر حتى مع إنهيار السلطة المملوكية بالفتح العثمانى سنة921.

     ومن آثار العصر المملوكى القذرة ما ألمحنا إليه في سلوك الناس وتصرفاتهم وعقائدهم ، وإذا كان للعصر المملوكى سمة معينة من السلوك والعقائد فإن بعض المناطق في عصرنا – يتفاوت حظها من سلوكيات العصر المملوكى وعقائده .

     والأزهر بما اتسم به من محافظة على التقاليد وبعادة الأسلاف احتفظ – ولا يزال – بمؤثرات العصر المملوكى في عقيدته وسلوكياته ، ويكفى أن مناهجه التقليدية مؤلفة في العصر العثمانى ربيب العصر المملوكى والأكثر منه تخلفاً وجموداً.

     لذا كان حظ الأزهر والأزهريين من القذارة وافراً، ويقول أحمد أمين عنه في بداية القرن الحالى "المجاورون في الأزهر قل أن يتعهدوا بيوتهم بالتنظيف ، ومن الأمثال التى كانت منتشرة بين الأزهريين قولهم " العلم زبال" يعنون به أن العلم لا يلائم المظاهر وإنما يذهب إلى القذرين الذين يشبهون في قذارتهم الزبالين، وشاع بين القاهريين أن من الأزهر ينتشر الجرب"  ومعناه أن الأزهر حافظ على القذارة الصوفية المملوكية ضمن ما حافظ عليه من جمود وتصوف وسلوكيات، وبينما بدأت القاهرة في الصحوة الحديثة تنظف وجهها ظل الأزهر قابعاً قذارته فأشاعوا أنه سبب نشر الجرب ، وتكرر ذلك في موضع آخر من كتاب أحمد أمين يقول "وقد كان شائعاً عند القاهريين أن منشأ مرض الجرب هو الجامع الأزهر لكثرة ما فيه من الأتربة والقمل والبق[106]".

     وكان الأزهرى التقليدي معروفاً بمظهره الذي لا يتفق مع النظام والنظافة، والتصوف هو المسئول على ذلك، لذلك ارتبطت محاولات تطوير الأزهر وإيقاظه بالهجوم على التصوف والصوفية في داخله ‘ وظل التصوف مسيطراً على مستعمرات أخرى غير الأزهر ومنها المساجد التى كان معظمها في أوائل القرن الحالى يضم ضريحا أو أكثر، والضريح هو المثل المعبر عن قذارة العقيدة ويكفى أن القرآن الكريم جعل من الأضرحة والأنصاب " رجس من عمل الشيطان" " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون.. المائدة 90" "فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور..الحج 30"، وجعل من المشركين نجساً بفتح الجيم أى عين النجاسة" يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا .. التوبة 28"

        وارتبط رجس العقيدة ونجسها بنجاسة المؤسسات الصوفية وظل ذلك موجودا حتى أوائل القرن الحالى، يقول أحمد أمين فى قصة حياته وهو طفل " وحدثت مرة أن أخذنى والدى إلى المسجد بجوار بيتنا ليصلى ولم يكن بالمسجد غيرنا، وذهب إلى الميضأة ليتوضأ، والميضأةحوض ماء نحو ثلاثة فى ثلاثة ، يملأ  بالماء من حين لآخر وفى العادة يملأ من بئر بجانبه، كبت عليه بكرة وعلق فيها حبل فى طرفيه دلوان ينزل أحدهما فارغا ويصعد الآخر ملآن. ومن أراد أن يتوضأ من الميضأة جمع الماء بين كفيه وغسل وجهه ويديه إلخ. ثم يعود الماء إلى الميضأة بعد الغسل كما أخذ، وكانت هذه الميضأة مصدر بلاء كبير فقد يتوضأ المريض بمرض معد كالرمد ونحوه فيتلوث الماء ويعدى الصحيح، هذا إلى قذارته ، فالمتوضىء يغسل وجهه بعد أن غسل من قبله رجليه ، ولكن الإعتقاد الدينى يغطى كل هذه العيوب والأخطار ، فلما دخل القاهرة نظام جرى الماء فى الأنابيب والحنفيات لم تعد حاجة إلى الميضأة، ولذلك كان مما أخذ على الشيخ محمد عبده وعيب عليه أن أبطل ميضأة الأزهر وأحل محلها الحنفيات ، وهكذا يألف الناس القديم الضار ويكرهون الجديد النافع ويدخلون فى الدين ماليس فى الدين"[107].

        إذا كان من أسباب ثورة الأزهريين على الشيخ محمد عبده أنه حرمهم من الميضأة التى اكتسبت بقذارتها مظهرا دينيا ويقول أحمد أمين عن النظافة عند المصريين " ومما يؤسف له أن النظافة لم تنل من المصريين العناية الكاملة.. وقد رتبت الأمم الشرقية فى النظافة فكان الأتراك أولا ثم اللبنانيون والسوريون ثم المصريون ثم الإيرانيون ثم الهنود"[108]. وهذا الترتيب يتناسب مع انتشار التصوف وتأثر تلك الدول به.

"البـــذاءة"

       1 ـ الإسلام دين الإحسان فى القول والعمل " وقولوا للناس حسنا.. البقرة 83" والمسلم لايكتفى بالإعراض عن البذاءة بل يعرض عن أصحابها " وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما.. الفرقان63" " وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لانبتغى الجاهلين .. القصص 55".

بين التصوف والبذاءة :

       أما التصوف فقد بدأ بالبذاءة مع الله تعالى فيما عرف بالشطح أو إعلان الصوفى عقيدته فى الله افتراء على الله وجرأة عليه ، وبغض النظر عن الشطح وهو من لوازم التصوف فإن أهون مظاهر التصوف فيها إساءة لله تعالى، من ذلك ادعاؤهم أن الله تعالى اختارهم وحدهم من دون البشر جميعا لولايته وحكَمهم فى ملكه وفضلهم على ذاته بدون أى مبرر فكأنهم وصفوا الله تعالى بالظلم والضعف والجهل، تعالى الله عما يصفون، وأى صوفى معاصر إذا دافع عن افتراءات الصوفية فقد أوقع نفسه فى اتهام الله تعالى وسبه، ولذلك أمر القرآن بعدم جدال المشركين لأنهم فى دفاعهم عن عقيدتهم الضالة يقعون فى سب الله تعالى دون أن يدروا، يقول تعالى" ولاتسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم..الأنعام108".

        2 ـ وبعد سب الله تعالى بالشطح أجترأ الصوفية على البذاءة فى حق الناس، بدأوا بالدين والعقيدة وانتهوا بالسلوك ، والشيخ نصر المجذوب ت922 " كان يشتم السلطان  فمن دونه ويحتمله الناس"[109]. ويشتم من كلَمه ويستر حاله"[110].

         بل كانت الجرأة على السلطان دليلا على الولاية حتى لو كان صاحبها غير مستحق  لها فى عرف الناس، والجرأة هنا مقصود بها البذاءة، أو الشطح فى حق السلطات وفى حوادث سنة 854" اشتهر عبد أسود بالولاية، وذلك لأنه عارض الإستادار وأفحش فى خطابه ، ولم يستطع الإستادار مسكه فتحاكى العوام عنه مايدل عندهم على الصلاح على أنحاء مختلفة ، وفشا أمره جدا"[111].

        3 ـ وبدأت البذاءة ببداية التصوف تحت اسم عدم الاحتشام وترك التكلف يقول الجنيد"صحبت أربع طبقات كل طبقة ثلاثون رجلا.. فما تآخى اثنان فىالله واحتشم أحدهما من صاحبه " وجعل الغزالى من حق الصحبة " التخفيف وترك التكلف والتكليف" ويقول" وتمام التخفيف طى بساط التكليف حتى لايستحى منه فيما لايستحى من نفسه ، وقال بعض الصوفية لاتعاشر من الناس إلا من لاتزيد عنه ببر ولاتنقص عنه بإثم يكون ذلك لك وعليك وأنت عنده سواء، وقال بعضهم: كن مع أبناء الدنيا بالأدب ومع أبناء الآخرة بالعلم ، ومع العارفين كيف شئت"[112].

        4 ـ والصوفية كانوا فى بداية الأمر من أصحاب الحرف وأبناء الطبقات الشعبية التى يختلط لديها مفهوم الصراحة بالبذاءة، وأغلبيتهم كانوا أميين لم يلتزموا بفلسفة الغزالى التى تخفف من مفهوم البذاءة، لذا كان لأوباش الصوفية منذ بدأ التصوف فلاسفتهم الذين توسعوا فى مفهوم البذاءة ضمن ماتوسعوا فيه فى كل ما تهواه نفوسهم.

        وكان من الطبيعى أن ينقم مثقفو الصوفية على أولئك الأوباش صراحتهم واستعمالهم مصطلحات شأن الكبار والتوسع فيها ، يقول الواسطى فيهم " نقضوا أركان التصوف وهدموا سبيلها وغيروا معانيها بأسامى أحدثوها، سموا الطمع زيادة وسوء الأدب أخلاصا " أى أصبحت البذاءة أخلاصا، يقول الواسطى " جعلوا سوء أدبهم إخلاصا وشره نفوسهم انبساطا"[113].

البذاءة فى رسوم التصوف ومؤسساته الدينية:

         وحين انتشر التصوف فى العصر المملوكى وتكاثرت طوائفهم كان من بينها طائفة القلندرية وكان من رسومهم مايعبر عن البذاءة وهى " طرح التقيد بآداب المجالسات والمخاطبات "[114].

        وحين أقيمت لهم فى العصر المملوكى المؤسسات الصوفية أصبح من طقوسهم الدينية استقبال الضيف ـ لا بالإكرام ـ ولكن بالشتم والسب والإهانة ، وبعد موشح الإساءة للضيف يأمرونه عند إرادة دخول الرباط ـ على حسب قول ابن الحاج ـ أن يقف على الباب ثم يخرج إليه من فى الرباط فيوذونه بالشتم، ويقلون الأدب عليه ويخرقون حرمته ويكسرون الإبريق الذى معه ويفعلون ذلك به مرة بعد أخرى حتى يأسون من غضبه، ويعللون ذلك بأن يقفوا على حسن خلقه وحمله للأذى، ثم يخرج إليه الخادم فيأخذ السجادة عن كتفه وهو ساكت لايسلم أحدهما على الآخر ويدخل الخادم والوارد يتبعه".

       وداخل المؤسسة الصوفية كانوا يتشاتمون وانتقل ذلك منهم للناس، يقول ابن الحاج " وقد جاوزوا الحد فى ذلك، يشتم بعضهم بعضا دون أجنبى بينهم يكفهم ، ولو نبههم أحد على مافيه من شدة القبح المجمع على منعه فمنهم من يسخر منه ويقول إن هذا بسط لا حقيقة ، وكل هذا سببه السريان من الخاصة إلى العامة". ويقول عن عادة شتمهم الضيف إن ذلك سرى إلى عامة المسلمين لتعلقهم بالمتصوفة واعتقاهم فيهم فاقتدوا بهم " فنجد كثيرا من الناس فى هذا الزمان يقعد الرجل والأولاد كل واحد منهم يشتم صاحبه ويشتمون الأباء والأجداد ويلعنون أنفسهم والوالدان ينظران إليهم"[115]

       ومن الطبيعى بعدها أن تكون المؤسسات الصوفية معاهد للبذاءة ونشرها بين الناس، يقول السخاوى فى ترجمة أحد صوفية الخانقاه البرسيه " كان مسرفا على نفسه مجاهرا بالمعاصى شاهدته مرة وهو غائب العقل يسىء الأدب على شيخنا بحضرته مرة بعد أخرى فما وسعه إلا أن قام من المجلس وتركه"[116].

          وبعض مؤسسى الخوانق حاول أن يسمو بمستوى خانقاته فجمال الدين الاستادار جعل من شروط السكنى فى خانقاته ألا يكون الصوفى معروفا بالسلاطة والإفتراء على الناس "[117]. ومن الصعب العثورعلى هذا الصنف من الصوفية طالما أن دينهم قائم على ارضاء هوى الأنفس فى كل ماتريد.

        5 ـ وبعض الصوفية تعرض للمساءلة بسبب بذاءته ، مثل أبى الخير  الذى استقبل أحد الأشراف بقوله: أهلا بالكلب ابن الكلب وكرر ذلك ثلاثا " وكونه شريفا حسب تقاليد العصر فقد ادعىالشريف عليه[118].  ونفى الشيخ ابن العطار أحد أعيان الصوفية فى الشيخوتية بسبب بذاءته فى حق الأشياخ[119].

          وحتى فى الوعظ كان بعض الصوفية لايستطيع التحكم فى لسانه مثل الشيخ الجعبرى الذى كان " يشتم فى الوعظ"[120].

         وفى خصومة الصوفية مع الفقهاء كان السب أهم أسلحتهم فى الجدال ، يقول ابن تيمية عنهم " انقلبوا فينا بالسب القبيح والشتم"[121]. ويقول البقاعى " فعُلم من تركهم الكتابة على شدة الخصومة والمشاورة والانتقال إلى الفحش أن المراد أن يغلبوا بالباطل"[122].

        وفى المجادلات فيما بينهم كان اللسان ينزع دائما للبذاءة حتى أن الشعرانى عد من المنن إقامته" العذر باطنا للإخوان إذا أخرجوا أخلاقهم الرديئة على بعضهم ، فكان لا يبادر  لعتاب أحد منهم " إذا خرج فى سوء  الخلق عن الحد "[123].

        ويذكر أبو المحاسن أن الولىالصوفى محمد السنارى ت 855 " أفحش فى الجواب للوالى حين أراد أخذ بعض أتباعه بسبب تهمة" [124].

القضاة والبذاءة :

          وامتد وباء البذاءة للقضاة وهم صوفية بالدين وأعداء الفقهاء المنكرين على الصوفية، والسخاوى يذكر فى ترجمة الشيخ عبدالباسط بن النقرى أنه كان يصرح بالإنكار على بذاءة الفقهاء ولكن يحكى عنه السخاوى حكايتين تمتلئان  بالسب القبيح ، أما القاضى عبدالبر بن الشحنة وهو شيخ الحديث والتصوف فى الشيخونية فقال عنه السخاوى" لم يضبط لسانه من الوقيعة فى الأكابر ولم يسلم من آذاه أحد"[125].

         ويقول أبوالمحاسن فىترجمة " الإمام المحقق الفقه " المحلى الشافعىت 864 وكان فى طباعه حدة مع عدم التكلف، بحيث أن كان من لايعرفه يظنه من جملة العوام[126].

       وقاضى القضاة السفطى ت 854 كان نموذجا حيا لتأثر القضاة بالتصوف يقول عنه أبوالمحاسن " كان ذا أوراد هائلة وصلاه وخشوع وصوم وعبادة مع بذاءة لسان وفحش فى لفظه" فذلك القاضى الصوفى لم ير تعارضا بين أوراده وصلاته وبين بذاءته وفحشه . وفى موضع آخر يتحدث عنه أبو المحاسن فيقول معبرا عن ذلك التناقض فى شخصيةقاضى القضاة السفطى "أظهرفى ولايته من شراسة الخلق وحدة المزاج والبطش وبذاءة اللسان أمور يستقبح ذكرها، هذا مع التعبد والاجتهاد فى العبادة ليلا ونهارا من تلاوة القرآن وقيام الليل والتعفف عن المنكرات والفروج حتى أنه كان فى شهر رمضان يختتم القرآن الكريم كل ليلة فى ركعتين، أما سجوده وتضرعه فكان إليه المنتهى، وكانت له أوراد هائلة دوما فكان بمجرد فراغه من ورده يعود إلى تسليطه على خلق الله وعباده[127]. فذلك القاضى صريع التصوف جعل من أوراده وعبادته طريقا للغلو فى الظلم والبذاءة على الخلق.

     وفي خصومات القضاة ومناقشاتهم كان الأمر يتطور سريعا إلى الفحش والسب العنيف حتى لو كان في حضرة السلطان.. ويذكر المقريزي في حوادث سنة 821 أنه حدث تنافس بين القاضيين الهروى والديري أمام السلطان" وخرجا عن الحد حتى تسابا سبابا قبيحاً بحضرة السلطان " وقد اجتمع من طوائف الناس خلق كثير يقول المقريزي " فكان هذا مما لايليق" وفي مجلس آخر بحضرة السلطان أيضا تسابا وعدد الديري مساوئ الهروى وأنه كان من أتباع تيمور لنك وحجر عليه وعلى الفتوى، ونفذ القاضيان الآخران حكمه في الهروى يقول المقريزي " فكان مجلسا غاية في القبح"[128].

     ويذكر الصيرفي في حوادث سنة 821 أيضاً ما وقع من الاستادار وناظر الخاص من كلام فاحش أمام السلطان المؤيد شيخ ، يقول الصيرفي " وانفتح القاضي – ناظر الخاص – على فخر الدين – الاستادار- ورماه بأمور عظيمة ولم يلتفت السلطان إلى ذلك وأصلح بينهما " وفي حوادث 822  تشاجر الوزير والاستادار "وافحشا الكلام وآخر ذا أخلع عليهما السلطان وألزمهما بحمل مائة ألف دينار"[129].

     ويذكر العينى في حوادث 822 ( أفحش كل من الهروى وابن المغلى في حق بعضهما" "أفحش الديري في حق الهروى "[130] . وفي قراءة سريعة لبعض صفحات من إنباء الغمر لابن حجر نرى الآتى" وفيه تشاجر الوزير والاستادار وتفاحشا" " وتقاول القاضيان الشافعى والحنفى حتى تسابا وأفحش الديري في أمر الهروى" "وتحامى كثير من النواب الركوب مع الهروى خوفا من البلقينى ومما يقاسونه من السب الصريح من أتباعه" " وحضر السلطان في خاصته في الجامع بباب زويلة واجتمع عنده القضاة فتنافس كل من القاضيين الهروى والديري وخرج عن الحد في السباب والفحش في القول ثم سكن السلطان ما بينهما فسكنا " " وعظم الشر بين فخر الدين الاستادار وبدر الدين بن نصر الله وتفاحشا بحضرة السلطان" "وفي مجلس السلطان واجه الشيخ ابن المغربي صدر الدين العجمى بأنه يتمنى ورث السلطان ويدعو عليه ، وتفاحشا في القول " " وعقد مجلس بسبب زيادة الجوامك لمدرسي المنصورية وقام في ذلك القمنى وحصل بينه وبين المحتسب كلام سيئ وتساقطا ً فقام السلطان [131]وتركهم ".

     وفي تاريخ ابن إياس يكثر قوله " أفحش فلان " كما لو كان الكلام المتداول بين خواص الناس كله فحشاً، ويقول في حوادث سنة 912 أنه وقع تشاجر بين قاضى القضاة الشافعى ابن النقيب والحنفى عبد البر بن أبى الشحنة " حتى خرجوا في ذلك عن الحد" وأمر هذه الواقعة اشتهر بين الناس" وعندما ذهب لتهنئة السلطان بالشهر "ربيع أول" أصلح بينهما [132].

     وفي حوادث 922 "وقع بين القاضيين الشهاب الرملى والقارئ بسبب إمامة الجامع الأموى كلمات قبيحة لاتصدر من مثلهما ولا من أقل منهما يؤدى أمرها إلى شئ عظيم حتى بقى جماعات من الترك وغيرهم يستهزئون بأهل الشرع فلما كثر ذلك عزلهما موليهما"[133]. هذا ما يذكره ابن طولون عن قضاة دمشق.

المماليك :

     ومن الطبيعي أن يمتد الأمر للمماليك وقد امتاز برسباى عن غيره من السلاطين بعفة لسانه، يقول فيه أبو المحاسن"كان برسباى يعيب على المؤيد – شيخ – سفه لسانه أما الأشرف – برسباى – فإنه كان لايسفه على أحد من مماليك ولاخدمه..فكان أعظم ما شتم به أحداً أن يقول له حمار،وكان ذلك في الغالب مزحاً ولقد داومت خدمته من أوائل سلطنته إلى أن مات فما سمعته أفحش في سب واحد بعينه كائن من كان". وفي نفس الوقت يصف أبو المحاسن الكثيرين من الأمراء المماليك بالفحش والبذاءة ومنهم الأمير تمر باى ت 853 الذى وصفه بحدة الخلق وبذاءة اللسان، وذكر أن ابن العطار ت853 خدم عند الزيني عبد الباسط ناظر الجيش "فملأه سباً وتوبيخاً عند مباشرته إلى أن ملَ ذلك وترك التوقيع" أما الأمير سيف الدين ايتمش فقد وصفه أبو المحاسن بكثرة الكلام فيما لا يعنيه ومخاطبة الرجل بما يكره وتوبيخ الشخص بما فيه من المعايب بلا عداوة بينمها مع البادرة والجرأة والإفحاش في اللفظ"[134] .

     وامتدت البذاءة إلى نساء المماليك ويذكر المقديسي أنه لما مات السعيد ناصر الدين بركة ت678 "خرجت الخواندات حاسرات واسمعن المنصور قلاوون الكلام القبيح من سب وغيره وهو لا يتكلم"[135].

العوام :

     وتوارث المصريون حتى الآن من التصوف بذاءته ، فالعوام يحتفظون بالآثار السيئة ويحافظون عليها، وفي إحدى موجات الغلاء في القرن التاسع اجتمع جمهور من العامة"من داخل باب زويلة إلى تحت القلعة وأكثروا من الاستغاثة والصياح والشنعة مع السب واللعن والتهديد والتصريح بالعيب الذي له من مزيد من غير إفصاح بمراد ولا إيضاح شيئ مستقر في الفؤاد،لكثرة غوغائهم ولغطهم ودعائهم إلى أن اجتاز بهم المحتسب .. فأخذوه بتلك الألسنة وأوسعوه من الإساءة المعلنة ولم يتحاشوا عن القذف بالتصريح والإيماء..إلى أن طلع القلعة بعد أن ملأ من السوء سمعه"[136].

     والمثل الشعبي يشير إلى الأصل الصوفي الذي تعتمد عليه البذاءة عند المصريين وهو "البساط أحمدى" يضرب في طرح التكليف والإحتشام بين الحاضرين"[137].

     وفي العصر العثمانى يصور كلوت بك ذلك الملمح  في الحياة الإجتماعية المصرية يقول" تثور المنازعات بأسباب تافهة ، وتتبادل فيها ألفاظ السب والشتم واللعنات ويتراشق الفريقان بالمخازى والمعاير فيتبادر للذهن أن الشجار لسوف يفضي إلى أوخم العواقب ، إلا أنه قلما ينقلب الشجار بين المصريين من التنابذ بالقول إلى التضارب بالأيدي، بل أنه سرعان ما تهدأ النفوس وتسكن ثورة الغضب فيها بعد تنازل أحد الخصمين عن حقه بقوله للآخر: الحق علىّ .. وقد يتعانقان  تعانق الوئام والوداد" أى أن الشجار في معظمه سباب وبذاءة لا حد لها دون تضارب.

     ويقول كلوت بك عن معجم السباب عند المصريين "ومعجم الشتائم عندهم غني بكثرة الألفاظ ومنها ما يندى الجبين خجلاً.. وهم يتظاهرون أحيانا بالبصق على الذين يشتمونهم لأن البصق في نظرهم أبلغ فى الإهانة والتحقير"[138]. وفي العصر الحديث يقول أحمد أمين " معجم المصريين في السباب معجم وافٍ ذو ألفاظ متعددة وكلما مضى زمن زيدت هذه الألفاظ ، وكثيراً ما يستعملون في السباب أسماء  بعض الحيوانات كالخنزير والكلب والحمار،وربما كان أشنع السباب عندهم السباب بالدين كابن النصرانى وابن اليهودى ويا كافر"[139].

     وأقول أن "سب الدين" انتشر حتى لم يعد عيباً ،ومع سب الدين انتشر سب الأم في كرامتها وشرفها بألفاظ واضحة مكشوفة والمفجع في الأمر أن سب الدين أو سب الأم لا يستعمل دائماً عند الغضب بل تعدى إلى مناسبات الفرح والمداعبة بل والإعجاب ..وهذا يذكرنا بمدح الشعرانى لأشياخه بأنهم أصحاب شطح عظيم.. وهكذا عندما يسود الفساد لا يصبح عيباً..بل قد يكون مسوغاً للمدح والإعجاب ..

" الغيبة والنميمة"

        1ـ حدد القرآن الكريم أسلوب التعامل بين المسلمين في القول " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكنَ خيراً منهن، ولا تلمزوا أنفسكم ، ولا تنابزوا بالألقاب ، بئس الإسم الفسوقُ بعد الإيمان، ومن لم يتُبْ فأولئك هم الظالمون، يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظنِ ، إن بعضَ الظن إثم ، ولا تجسسوا ، ولايغْتب بعضكم بعضاً ، أيحب أحدكم أنْ يأكل لحم أخيه ميْتاً؟ فكرهْتموهْ .واتقوا الله ، إن الله توَابٌ رحيمٌ .. الحجرات 11، 12".

بين التصوف والغيبة والنميمة:

      2 ـ  والصوفية لم يكن في حياتهم ما يشغلها بخطير الأمور وإنما عاشوا في فراغ عالة على الناس وفي تنافس مستمر فيما بينهم على المريدين والنذور مما جعل عملهم وتسليتهم الأساسية في الغيبة والنميمة.

    منذ بدأ التصوف بدأت معه دولة الغيبة والنميمة حتى نصح بعض الأشياخ بشغل الصوفية عن الغيبة بمغنى يقول أبوالقاسم النصراباذى" أنا أقول إذا اجتمع القوم فيكون معهم قوَال يقول، خيرا لهم من أن

 يغتابوا "[140]. وانتشر التصوف فتعاظمت دولة الغيبة والنميمة حتى يقول الدلجى إن من آفات الفلاكة ـ أى الفقر والتصوف ـ " الغيبة والطعن فى أعراض الناس والغض منهم"[141]. ويقول السيوطى عنهم " ومنهم من تراه يتتبع عيوب الخلق فيذكرها"[142].

المؤسسات الصوفية :

        وكانت مؤسساتهم مراكز أساسية لهذا النشاط حتى يقول الشعرانى " وقبيح على شيخ الزاوية مثلا أن يجلس فى مجالس الغيبة والنميمة أو يقر أحدا على ذلك ، فإنه يصير فاسقا، وهذا أمر قد استهان به الناس ، مع أنه أقبح من بيع الحشيش، ومع ذلك فلا يكاد أحد أن يستقبحه كل القبح"[143]. أى صار عادة شائعة لاتستوجب إنكارا. بل كانوا يمارسون الغيبة والنميمة أثناء قراءة القرآن، يقول السبكى" القراء قد يتحدثون مع بعضهم البعض أثناء قراءة الجزء من الربعة، فلا هم يقرأون القرآن ولاهم يسكتون من اللغو فى الكلام، فإن انضم إلى ذلك أن قراءة الجزء شرط الواقف وأن حديثهم فى النميمة فقد جمعوا حراما"[144]. ذلك أن من أقام للصوفية الخوانق والربط والزاوية كان يشترط فى حجج الوقف أن يقرأوا القرآن ، وماكان يدرى أنها ستتحول إلى دروس للغيبة والنميمة.

      واشتهر كثيرون من الأشياخ الصوفية فى مجال الغيبة والنميمة، مثل الفخر الصوفى ت622" كان بذىء اللسان كثير الوقيعة فى الناس"[145]. على حد قول الصفدى الذى يمدح صوفيا آخر هو ابن الفخر ت731 بأنه " كان متعبدا ممتنعا من الغيبة وسماعها"[146]. أى أن الغيبة والنميمة من عادات الصوفية ، ومن نجا منهما مدحوه بذلك والقضاة شاركوا فى الميدان فقاضى قضاة حلب " شهاب الدين بن أبى الرضات791 كان مولعا بسلب أعراض الناس مستهزئا بأقوال الأكابر من العلماء والصالحين مواظبا على النفاق وإساءة الأدب والإساءة لمن أحسن إليه[147]. والشيخ تقى الدين المصرى ت834 تفقه وتكسب بالشهادة واشتهر بمعرفة الملح" وسلب أعراض الناس خصوصا الأكابر فكان بعض الأكابر يقربه لذلك"[148].

         وفى القرن العاشر سادت دولة الغيبة والنميمة إلى حد أكلت أعراض الأشياخ الصوفية أنفسهم، وإلى حد شارك فيها المريدون فى الوقيعة بين الأشياخ الذين تكاثروا عددا، وتعاظم التنافس والحقد بينهم ولم يعد لهم من عمل إلا أكل لحوم بعضهم البعض.

       والشعرانى أبرز الأشياخ فى عصره افتخر بحفظه لمقام أصحابه ومن أكل معه عيشا وملحا مع أن هذا خلق غريب فى أيامه ، يقول" ومما أنعم الله تبارك وتعالى به على حفظى لمقام صاحبى ومن أكلت معه لقمة ملح فى ووقت من الأوقات ولا أخونه بالغيب لأجل تلك اللقمة"، أى تهاوت كل الروابط ماعدا رباط اللقمة والعيش والملح،ثم يقول"وهذا  الخلق قد صار فى هذا الزمان أعز من الكبريت الأحمر ، فربما أكل الشخص مع صاحبه نحو عشرة أرادب من الخبز فلا يحفظ له مقاما، بل يجعل فيه العجر والبجر إذا وقع بينه وبينه نفس"[149].

والأشياخ الصوفية كانوا أشياخ الغيبة والنميمة :

        وقد سأل الشعرانى فقيرا يوما " لم لم تأخذ عن فلان " وذكر له واحدا من الأشياخ فأبى وقال: لأن شرط المسلم أن يسلم المسلمون من لسانه ويده وهذا لم يسلم أولاد شيخه من لسانه ويده فكيف بغيرهم"[150]. ويقول الشعرانى " وقد رأيت شخصا عاد مريضا فلما مرض هو لم يأت إليه فمزق عرضه فى الآفاق، وقد مرض شخص من مشايخ العصر فطلب من سيدى على المرصفى أن يعوده فلم يجبه إلى ذلك وقال إنما يطلب عيادتى طلبا للشهرة عند الأمراء الذين يعتقدونه ويقول الناس أن المرصفى زار سيدى الشيخ اليوم، ثم أن ذلك الشيخ صار ينقض عرض الشيخ المرصفى".

       ويحكى الشعرانى عن مجالس الغيبة والنميمة فيقول عن الأشياخ" بل رأيت بعض المشايخ يستجلب كلام اللغو من الداخلين عليه، يقول لهم إيش أخبار الناس اليوم ؟ فينفتح الزائر كأنه جسر وانقطع ، ويحكى له ماجمعه فى تلك الغيبة كلها من غيبة ونميمة وقذف عرض وذكر نقائص الناس من سائر أصناف الخلائق ثم يقول للزائر: والله ماأنت إلا حكيت لى، إيش بقى معك أيضا؟ كأنه ماكفاه ماوقع فيه من الإثم حيث لم ينكر عليه شيئا مما قاله فى الناس من الغيبة لاسيما غيبة العلماء والمشايخ، وكيف ينكر عليه وهو الذى استجلب منه ذلك".

         وأولئك الأشياخ تربى عليهم جيل من المريدين يرتزق بالوقيعة بين الأشياخ بنقل الأخبار أو يصنعها، والشعرانى كان يتخوف من هذا الصنف من المريدين ولايثق فيهم لأنهم عرفوا طبيعة الأشياخ فىالأمُارة بالسوء والباحثة عن مطاعن الناس، وإذا تلاعبوا بالأشياخ فمن الطبيعى ألا يعتقدوا فيهم الصلاح، والشعرانى فهم فيهم ذلك لذا كان يحذرهم وينافقهم يقول أن من المنن " حسن سياستى للمقاريض الذين يقرضون فى أعراض الناس بغير حق، فأقدم لأحدهم الطعام إذا ورد على وأبش له فى وجهه وأباسطه وكثيرا ماأعطيه ردائىوقميص أو شيئا من الدنيا ونحو ذلك مما يحببه فىَ" ولاريب أن براعة الشعرانى فى اكتشاف طبيعة هذا الصنف كانت تجعله أثناء مباسطته معه يأخذ منه الأخبار دون أن يعطيه من أخباره شيئا، ثم يقول الشعرانى عن سياسته تلك مع المقاريض " وهذا الخلق قل من يفعله من الناس فإنهم إماينكروا على ذلك المقراض ويعبسوا فى وجهه فيخرج مقراضا فيهم كذلك وإما أنهم يشاركونه فى الغيبة فى الناس وإما أن يسكتوا على تلك الغيبة".

          ويحذر الشعرانى الأشياخ من هذا الصنف من المريدين " فإياك ياأخى أن تذكر أحدا ممن يبايعك على النصح بسوء تنقصه به فى المجالس فإنه ربما عاملك بنظير ذلك وصار يقطع فى عرضك وينقصك فى أعين الناس كما نقصته، وكثيرا مايبلغ الشيخ الكبير القدر أن فلانا يقطع  فى عرضك فيتكدر لذلك" وغالب مريدى هذا الزمان غير صادقين مع أشياخهم " ومعناه أن أغلبية المريدين تحولوا فى عصر الشعرانى إلى مقاريض فى  أعراض الأشياخ باعتراف الشعرانى." فربما عاهد أحدهم شيخه على أنه ينصحه سرا وجهرا أى من ورائه لمن يبلغه ومواجهته وهو كاذب، فليحذر الشيخ من التهور فى ذلك وعدم التفتيش ، فربما ظن أن مريده مقيم على العهد ولا غير ولا بدل والحال أنه غير وبدل فيفجر على الشيخ، كما وقع لى ذلك كثيرا مع أصحابى وصار بعضهم يمزق فى عرضى فى أى مكان حل فيه، وبعضهم يصرخ فى وجهى أنه ليس من جماعتى ثم أنه إذا احتاج إلى حاجة عند الولاة يكبر فى غاية التكبر ويجعل نفسه من جملة المريدين حتى تقضى حاجته، ويبلغنى عنه ذلك وأقره عليه غصبا على،فتارة يجعلنى متفعلا ـ أى منتحلا مدعيا ـ وتارة يجعلنى قطبا"[151].

         وتجربة الشعرانى فى التعامل مع أساطين الغيبة والنميمة يمكن أن تكون درسا لمصلحى الصوفية فى عصرنا إذ لاتزال رحى الغيبة والنميمة فى مجالس التصوف .. فالصوفية أداروا رحاها فما لبث أن طحنت أعراضهم.


[1] ـ الرسالة القشيرية 49،54.

[2] ـ الرسالة القشيرية 54، 49

[3] ـ. ـالاحياء جـ4/347، 350.

[4] ـ المدخل جـ2/201: 202

[5] ـ المدخل ج2/201: 202.

[6] ـالطبقات الكبرى للشعرانى ج1/138، 177.

[7] ـ لطائف المنن 173، 351 ط عالم الفكر.

[8]- لطائف المنن 173 ، 351 ط عالم الفكر .  

[9] - أبو المحاسن : حوادث الدهور ج3 / 591 .

[10] - التبر المسبوك 203 ، 204 .

[11] - حوادث الدهور ج3 / 594 .

[12] - إنباء الغمر ج3 / 21 .

[13] - الضوء اللامع ج4 / 19 .

[14] - العيدروس : أخبار القرن العاشر 74 .

[15] - الضوء اللامع ج3 / 135 .

[16] - المناوى . الطيقات الكبرى 255 ، مخطوط .

[17] - الشعرانى . تنبيه المغترين 108 .

[18] - الطالع السعيد 428 .

[19] - الوافي يالوفيات جـ1 / 164 .

[20] - إنباء الغمر جـ2 / 285 .

[21] - إنباء الهصر 82 .

[22] - أخبار القرن العاشر 29 .

[23] - عقد الجمان 387 .

[24] - إنباء الهصر 248 .

[25] - ذيل ابن العراقى 158 .

[26] - النجوم الزاهرة جـ 16 / 207 .

[27] -  التبر المسبوك 287 .

[28] - إنباء الغمر ج2 / 368 .

[29] - تاريخ الخلفاء 135 .

[30] - تأييد الحقيقة العلية47 .

[31] - وثيقة وقف جمال الدين الاستادار .

[32] - التبر المسبوك 48 .

[33] - حوادث الدهور جـ 3 / 519

[34] تاريخ البقاعى 53 ، 59 .

[35] ـ تاريخ البقاعى 53 ، 59

[36] - الرسالة 297 .

[37] - الاحياء جـ3 / 257 ، 344 .

[38] - الاحياء ج4 / 194 ، 350 .

[39] - الرسالة القشيرية 189 .

[40] - إحياء ج4 / 200 ،292 .

[41] - الجواهر السنية ، 32 ، 33 ، 34 .

[42] - المناوى . الطبقات الصغرى 89 .

[43] - الكوهن . طبقات الشاذلية 115 : 116 .

[44] - الرسالة القشيرية 237 : 238 .

[45] - الجواهر والدرر 112 .

[46] - الطبقات الكبرى للشعراني ج2 / 115 .

[47] - الرسالة القشيرية 119 .

[48] - العبر فى خبر من غبر ج5/ 240 .عقد الجمان للعين 54 /422.

[49] - عبد الصمد الأحمدى 38 الجواهر السنية .العلوى النصيحة العلوية 300 .

[50] ـ المنهل الصافى. مخطوط جـ15/191.

[51] ـ عقد الجمان وفيات 797.

[52] ـالطبقات الكبرى جـ2/129 ،130 ،93 .

[53] ـ الطبقات الكبرى جـ2/129 ،130 ،93.

[54] ـ الطبقات الكبرى جـ2/   129 ، 130 ،93 .

[55] ـ الشعرانى. آداب العبودية 31.

[56] ـ النجوم الزاهرة جـ15/328: 329.

[57] ـ طيف الخيال161. تحقيق ابراهيم حمادة.

[58] ـالطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/168،167.

[59] ـ الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2/167، 168.

[60] ـ الغزى. الكوكب السائرة جـ1/311.

[61] ـ تاريخ ابن الوردى جـ2/291.

[62] ـ المدخل جـ2/202.

[63] ـ الكواكب السائرة جـ1/213.

[64] ـ الشعرانى. الطبقات الكبرى ج2ـ/157، 132، 130، 134، 169، 157، 167.

[65] ـ الشعرانى  الطبقات الكبرى جـ2/157، 132، 130، 134، 169، 157، 167.

[66] ـ الشعرانى . الطبقات الكبرىجـ2/157، 132، 130، 134، 169، 157، 167.

[67] ـ الشعرانى. الطبقات الكبرىجـ2/ 157 ، 132، 130، 134، 169، 157، 167.

[68] ـ الشعرانى . الطبقات الكبرىجـ2/157، 132، 130، 134، 169، 157، 167.

[69] ـ الشعرانى. الطبقات الكبرى جـ2/157، 132، 130، 134، 169، 157، 167.

[70] ـ الشعرانى. الطبقات الكبرى جـ2/157، 132، 130، 134، 169، 157، 167.

[71] ـ الشعرانى. الطبقات الكبرىجـ2/157، 132، 130، 134، 169، 157، 167.

[72] - الكواكب السائرة جـ1 / 283 .

[73] - البدر الطالع جـ2 /149 .

[74] - النجوم الزاهرة جـ15 / 525 .

[75] - الطبقات الكبرى جـ2/ 130 ، 129 .

[76] - لمحة عامة إلى مصر جـ2 / 82 .

[77] - عبدالصمد. الجواهر 12 .

[78] - مناقب المنوفى 16 .

[79] - الطيقات الكبرى للشعرانى جـ2 / 135 . ، 169 ،168 .

[80] - الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2 / 135 ، 169، 168 .

[81] - الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2 / 135 ، 169 ، 168 .

[82] - الرسالة القشيرية 119.

[83] - الإحياء جـ4 / 296 .

[84] - الإحياء جـ4 / 192.

[85] - الرسالة القشيرية 211 ، 212 .

[86] - آداب العبودية 34.

[87] - الوافي بالوفيات .جـ2 / 320 ، 321 .

[88] - عقد الجمان حوادث سنة 792 .لوحة 410 .

[89] - الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2 / 92 .

[90] - العيدروس : أخبار القرن العاشر 177 .

[91] - كلوت بك . لمحة عامة إلى مصر جـ1 / 581 .

[92] - أبو المحاسن: المنهل الصافي ج3ـ / 249 .

[93] - تاريخ ابن كثير جـ14 / 119 .

[94] - تاريخ الجذرى. مخطوط 369 .

[95] - النجوم الزاهرة جـ16 / 178 .

[96] - العيدروس. أخبار القرن العاشر 101 .

[97] - الغزى . الكواكب السائرة جـ1 / 167 .

[98] - المناوى . الطبقات الكبرى 384 أ ، 386 ب .

[99] - المناوى . الطبقات الكبرى 384 أ، 386 ب .

[100] - الطبقات الكبرى للشعرانى جـ2 / 130.

[101] - تاريخ الذهبى 31. ،47 .

[102] - مناقب المنوفى 16، 17 .

[103] - التبر المسبوك 36 .

[104] - نزهة النفوس . مخطوط 835 .

[105] - تاريخ البقاعى : 7 .

[106] - أحمد أمين. قاموس العادات والتقاليد 32، 135 .

[107] ـ أحمد أمين . حياتى : 31، 32، مكتبة النهضة المصرية .

[108] ـ قاموس العادات 397: 398.

[109] ـ الغزى . الكواكب ج1/311.

[110] ـ أخبار القرن العاشر 185.

[111] ـالتبر المسبوك،30.

[112] ـاحياء ج2/166.

[113] ـ الرسالة القشيرية 50، 41.

[114] ـ خطط المقريزى 3، 430، 431.

[115] ـ المدخل ج2/198.

[116] ـ التبر المسبوك 227.

[117] ـ وثيقة وقف خانقاه ، جمال الاستادار.

[118] ـ التبر المسبوك 315، 316، 90.

[119] ـ الطبقات الكبرى للمناوى 258، 259.

[120] ـالطبقات الكبرى للمناوى 258، 259.

[121] ـ تكسير الأحجار : 155.

[122] ـ تاريخ البقاعى 9ب .

[123] ـ لطائف المنن 348.

[124] ـ النجوم الزاهرة جـ16/5.

[125] ـ الضوء اللامع جـ14/31: 32، 34.

[126] ـ النجوم الزاهرة جـ16/5،209

[127] ـ حوادث الدهور جـ1/ 157، النجوم الزاهرة ج15/557.

[128] - السوك جـ4 / 1 / 471 ، 479 : 480 .

[129] - نزهة النفوس جـ2/ 428 : 429 ، 446 .

[130] -  عقد الجمان حوادث 821 ، 822 لوحة 469 ، 480 .

[131] - إنباء الغمر جـ3 / 165 ، 190 ، 192 ، 174 ، 214 ، 217 .

[132] - تاريخ ابن اياس ج4 / 95 ، 96 .

[133] - تاريخ ابن طولون ج2/ 10: 11 .

[134] - النجوم الزاهرة ج15/ 109 ،543 ،545 ، 499 .

[135] - تاريخ المقدسي 40 .

[136] - السخاوى. التبر المسبوك 260 .

[137] -  تيمور .الأمثال الشعبية 140 ،141 .

[138] - لمحة عامة إلى مصر : ج1 /556 ،597 : 598 .

[139] - قاموس العادات والتقاليد 227 .

[140] ـ احياء ج2/266.

[141] ـ الدلجى. الفلاكة والمفلوكون16

[142] ـ تأييد الحققةالعلية 47.

[143] ـ تنبيه المغتربين 215.

[144] ـ السبكى . معيد النعم 144: 145.

[145] ـ الوافى بالوفيات ج2/9، ج3/139.

[146] ـ الوافى بالوفيات ج2/9، ج3/139.

[147] ـ العينى . عقد الجمان لوحة 378.وفيات 791.

[148] ـ إنباء الغمر ج3/465: 466.

[149] ـ لطائف المنن ط. دار الفكر: 378، 407: 408، 313، 361، 256، 310.

[150] ـ لطائف المنن ط. دار الفكر : 378، 407: 408، 313، 361، 256، 310.

[151] ـ لطائف المننط. دار الفكر: 378، 407: 408، 313، 361، 256، 310.

” الخاتمـــة”

" الخاتمـــة"

        1 ـ هناك فرق بين الباحث التاريخى والروائى، الروائى يستطيع أن يؤلف رواية بأشخاصها وظروفها كما يحلو له، أما الباحث التاريخى فهو ملتزم بالحقائق التاريخية المكتوبة عن العصر الذى يبحثه.

        فالباحث فى التاريخ المملوكى ـ مثلا ـ  يدخل حجرة التاريخ المملوكى بكل مافيها من أشخاص واحداث ومؤلفات تعكس الحياة التى كانت سائدة فى العصر المملوكى ، ولا يملك الباحث الملتزم بالأمانة العلمية أن يفترى وقائع أو يتجاهل ماتصرخ به حقائق العصر، خصوصا إذا كانت تلك الحقائق تظهر فى سطور التايخ المملوكى كلها، وفى عناونيه ، بحيث إذا تجاهل سطرا فضحته باقى السطور ، وإذا تعامى عن مصدرنطقت بالحقائق باقى المصادر.

          والمشكلة التى واجهها كاتب هذا البحث أنه ارتاد ـ لأول مرة ـ طريقا جديدا فى البحث التاريخى، هو بحث الحياة الدينية للمسلمين لتوضيح الفجوة بين دين الإسلام ونوعيات التدين لدى المسلمين فى العصر المملوكى، واختار مصر مسرحا تاريخيا لهذا البحث، حيث ساد التصوف وسيطر، فأضاف بذلك مشكلة أخرى ، وهى أن البحث فى التصوف يتوقف عادة عند بداية العصر المملوكى ، أو بانتهاء التصوف النظرى الفلسفى، ويتجاهل باحثو التصوف الفلسفى تحليل تاريخ التصوف بعدها،لأن التصوف بعدها تحول إلى طرق صوفية ، وأصبح البحث فيها ادخل فى مجال التاريخ والحضارة منه إلى البحث الفلسفى والفكرى، علاوة على مايقتضيه البحث التاريخى فى هذا الموضوع من خلفية علمية وتخصص فى العقائد الإسلامية والصوفية لكى يستطيع الباحث المتخصص فى التاريخ المملوكى أن يتعرف على أثر التصوف فى الأحداث التاريخية والاجتماعية فى العصر المملوكى.

          وقد تغلب الباحث على كل هذه المشاكل ، فاستعد علميا لريادة هذا البحث المحفوف بالمخاطر، ولكنه واجه مشكلة أخرى لاشأن له بها، وهى أن آثار التصوف الدينية والسياسية والاجتماعية كلها تدخل فى مجال السلبيات، وواجب الأمانة العلمية يقتضيه أن ينقل الصورة كما هى، ثم يقوم بتحليلها علميا ويتتبع جذورها العقيدية والتاريخية ، ولكن هذه الأمانة العلمية لاترضى أولئك الذين يقدسون الأجداد والأسلاف، أو يقدسون التصوف وأولياءه، ويرون للتاريخ وظيفة وحيدة وهى التغنى بالأمجاد والمناقب، وعدم كشف العيوب والمساوىء ، حتى نظل نقع فى الخطا ولانستفيد من تجارب التاريخ ومواعظه. وأولئك لايعرفون أن نهضة أوربا الحديثة ارتبطت بمنهجها النقدى للتاريخ والأفكار، ولا يعرفون أن القرآن العظيم نفسه تحدث فى قصص الأنبياء عن أخطاء الأنبياء وأخطاء البشر من آدم إلى خاتم النبيين عليهم السلام. وجعل هذا القصص عبرة وعظة، كى نستفيد من الدروس ونتجنب أخطاء السابقين .ومن أسف أن يتبع الأوربيون المنهج القرآنى فى التاريخ ، ونظل نحن نسبح بحمد الأسلاف ونرتكب نفس أخطائهم، لكى نظل بالتالى عبيد القرن الحادى والعشرين.

        2 ـ إن هذا البحث قد أعيدت كتابته اكثر من مرة خلال خمسة عشر عاما، حتى ينجح فى المواءمة بين الأمانة العلمية (التى تستلزم نقل الحقائق كما هى وتحليلها تحليلا علميا) وبين ذوق عصرنا الذى يستفظع ماكان سائدا فى عصرالتصوف المملوكى ولا يستطيع تصديقه، إذ عاش تحت ضغط طاحونة هائلة من غسيل المخ تركز على عبادة السلف ولاتذكر إلا الجانب المضىء، فإن لم تجده اخترعته اختراعا. وبسبب هذه المواءمة فقد اضطر الباحث إلى حذف أغلبية النصوص ( البذيئة) وهى تشكل ظاهرة عادية فى المصادر المملوكية المنشورة والمخطوطة،( والمخطوطة منها أفظع وأضل سبيلا) واكتفى الباحث ببعض النماذج التى تعطى فكرة عن العصر ، وقدم عن استشهاده بتلك النماذج الكثير من الإعتذار .. ولايزال.

         كما أن الباحث نقل مباشرة عن المصادر الصوفية، وأغلبها مصادر منشورة ومشهورة وفى متناول من يريد قراءتها، كما أنها كانت مكتوبة فى تمجيد التصوف والصوفية والافتخار بما يفعلون أو محاولة إصلاح بعض مايفعله الشيوخ المعاصرون لصاحب الكتاب، أى أن الباحث اعتمد على مصادر حية لأصحاب الشأن أنفسهم، ونقل عنهم مايؤكد الحقائق التاريخية للعصرالمملوكى وتصوفه، فإذا كانت تلك الحقائق تدين التصوف وتشينه فليس ذلك ذنب الباحث، بل هو فضل للباحث طالما يريد ببحثه توضيح الحقائق للمسلمين من الصوفية وغيرهم، وتلك هى مهمة البحث التاريخى، أن ندرس حقائق التاريخ لنتعلم من الأخطاء.

        كما حرص الباحث على الاحتكام إلى كتاب الله ليوضح حقائق الإسلام ، ويسلط بها الضوء علي روايات التصوف وتشريعاته، وقد ألصقها أصحابها بالإسلام زورا مع تناقضها مع القرآن ، والباحث يهدف بذلك إلى تصحيح عقائد المسلمين من الصوفية وغيرهم فى عصرنا الراهن.

       وقد قام الباحث بحذف أغلب تعلقياته القديمة وحاول  بقدر الإمكان ان خفف من تعليقاته ومن تحليلاته، إذ لايريد أن يتهم أحدا بالكفر فى هذا الموضوع الشائك ، مع أنه يعتمد على مصادر صوفية أصلية مشهورة ، ولكن التكفير لايحل أى مشكلة بل يزيد اشعالها، علاوة على أن التكفير ليس من أخلاق الباحث أو من هواياته، لأن كل مايرجوه هو الاصلاح ، ومراجعة النفس، وترك الحكم لله تعالى يحكم بين الناس فيما هم فيه مختلفون.

        ولذلك ركز الباحث على توضيح حقائق الإسلام والفجوة بينها وبين الحقائق التاريخية للتدين الصوفى ، ليبرىء دين الإسلام من أعمال بعض المسلمين ، ولكى يدعو المسلمين فى عصره إلى الالتصاق بالإسلام الحق، والابتعاد عن الاحتراف الدينى الذى أوجد كل السيئات والإنحرافات فى تاريخ المسلمين. إذ يمكن إيجاد النتيجة التى نخرج بها من هذا الكتاب فى قضية أساسية فى تاريخ الأديان وهى الاحتراف الدينى ، فالاحتراف الدينى هو المسئول عن كل تغيير وتحوير فى تاريخ الرسالات السماوية ، وهو السبب فى شقاق أصحاب الدين الواحد إلى طوائف ومذاهب متصارعة ، وهو السبب فى تحول الشقاق الدينى إلى تعصب دينى ومحاكمات دينية وحروب دينية وطائفية . والاحتراف الدينى هو العامل الحاضر الغائب فى موضوع هذا البحث  .

د. أحمد صبحى منصور

مصادر البحث

                                             مصادر البحث

                                أولا الوثائق 

وثائق وقف منشورة

1ـ وثيقة وقف الأشرف بارسباى نشرها دكتور / أحمد دراج .ط المعهد العلمى الفرنسى 1963 .

2ـ وثيقة وقف السلطان قايتباى نشرها . ماير بدون تحقيق أو تعليق تحت أسم

Mayer . the builing of quyed – bay as discribed in his emdowmcmned london1938   ( عمائر قايتباى كما هو مدون فى وثيقة ).

3ـ وثيقة وقف مسرور الشبلى الجمدار فى دوريات القاهرة مجلد 21 جـ 2 ـ 1959 نشر د./ عبداللطيف إبراهيم .

4ـ نصان من وثيقة الأمير سرغتمش دوريات القاهرة مجلد 28 / 1966 نشر د./ عبد اللطيف إبراهيم .

وثائق أخرى منشورة : وثائق عن التركية أوردها فؤاد متولى فى ملحق كتابه عن الفتح العثمانى .

جـ) وثائق غير منشورة :

1ـ وثيقة وقف الغورى .. وهى رسالة دكتوراه للدكتور عبد اللطيف ابراهيم .

2ـ أجزاء من وثائق وقف ورد ذكرها فى ثنايا وملاحق الرسائل العلمية فى جامعة القاهرة وأهم الوثائق :

وثيقة جمال الاستادار الملحقة برسالة الخوانق للدكتورة دولت صادق ثم وثائق السلاطين لاجين والجاشنكير وقلاوون وبرقوق والأمير جوهر اللالا إلخ ..

                        ثانيا : المصادر المخطوطة

فكرة عنها ومدى استفادة البحث منها :

                                      (أ)

* ابن اسحاق : خليل المالكى ت 767 .

1ـ مناقب عبد الله المنوفى ت 749 أو 746 . مخطوط بالدار تحت رقم 1454  تاريخ تيمور ، كان المؤلف معاصرا ومعتدلا بالنسبة لكتاب الذين أتوا بعده .

                                     (ب)

* البتنونى : على بن على . أواخر القرن التاسع .

2ـ السرو الصفى فى مناقب الحنفى . مخطوط بالدار تحت رقم 1164 تاريخ تيمور ، 1035 تاريخ ، كان المؤلف معاصرا يقول عن حكاية الشيخ الحنفى ( وكنت حاضرا ذلك المجلس ورقة 400 ) من أكثر الكتب الصوفية التى استفاد بها البحث .

* ابن برهان الدين ابراهيم : من أصحاب ابن تيمية .

3- تكسير الأحجار التى افتتن بها أهل الجهل والإغترار. رسالة مخطوطة بالدار تحت رقم 404 مجاميع تيمور رقم 6 في المجموعة،وهي تفصيل للأزمات التى واجهها ابن تيمية مع نصر المنبجى خاصة.

* البغدادى : أحمد بن عبد الله ت 1102 .

4- عيون الأخبار مخطوط مصور ، جزءان في مجلد تحت رقم10 38 تاريخ وهو تاريخ لما قبل الإسلام وما بعده فهو مختصر.

* البقاعى ابراهيم بن عمر ت 885 .

5- تاريخ البقاعى مخطوط مجلد رقم 5631 تاريخ يهتم فيه بأخبار الفقهاء والقضاة وهو تاريخ دقيق مفصل معاصر للأحداث متفاعل معها مع صعوبة تحقيقه لأن النسخة المخطوطة أقرب إلى أن تكون مسودة بخط المؤلف فيما اعتقد فهى كثيرة الحواش والتنقيح والزيادة وخطها ردئ ويبدو أنها كانت تكتب على فترات،ويبدو تعرضها لطمس بعض كلماتها عن عمد وساعد في قراءة الخط فيه ما ورد من مواضع متشابهة في كتابي البقاعى : تنبيه الغبي ، تحذير العباد وهما محققان ، هذا بالإضافة إلى عدم ترتيب سنوات الأحداث فيه وقد اعتد السخاوى في الضوء اللامع على تاريخ البقاعى في مواضع كثيرة جدا .

* البكرى : شمس الدين أبى السرور بن محمد من رجال العصر العثمانى .

6- الروضة الزهية في ولاة مصر المعزية.مخطوط بالدار تحت رقم 2407 تاريخ تيمور وهو تاريخ مختصر لولاة مصر وصل به إلى ولاية على باشا ت 1602 ويليه تذييل يظهر أنه بخط شرف الدين من حقدة الشيخ زكريا الأنصارى.

* البكرى : محمد توفيق من شيوخ العصر العثمانى .

7- تراجم بعض رجال الصوفية مخطوط بالدار تحت رقم 3736 تاريخ واستفاد البحث من تأريخه للرفاعى وتلاميذه.

* ابن بهادر: محمود بن محمد بن محمود ابن بهادر المومنى.

8- فتوح النصر في تاريخ ملوك مصر 2ج في مجلدين.مخطوط مصور بالدار رقم 2399 تاريخ كتبه سنة 877 وأهمية هذا المرجع في تعبيره عن تفكير القرن التاسع حيث أن مؤلفه قام بتلخيصه عن كتب السابقين ومع هذا فقد ظهر أثر تفكيره وعقليته في هذا التلخيص والجمع.

* بيبرس الداودار ت 725 .

9- زيدة الفكرة في تاريخ الهجرة .. وهو الجزء التاسع من تاريخ بيبرس الداودار وأهميته في معاصرته للأحداث وهو مصور بمكتبة جامعة القاهرة تحت رقم 24028 وأرخ للفترة فيما بين 656 : 709 والمؤرخ مملوك ينافق سلطانه الناصر محمد بن قلاوون إلى درجة أنه أهمل تاريخ من اغتصبوا الحكم منه أسوة بإهماله تاريخ المغول المعاصرين له .

(ت)

* ابن تيمية : أحمد بن عبد الحليم .تقي الدين ت 728

10- قاعدة في التنفير من المردان، رسالة جمعت بين الفقه والتاريخ مخطوطة بالدار تحت رقم 404 مجاميع تيمور رقم 11 في المجموعة .

(ج)

* الجزرى : شمس الدين محمد بن ابراهيم (658-739).

11- تاريخ الجزرى 3 مجلدات .مخطوطة بالدار تحت رقم 5422 تاريخ وهوتاريخ معاصر لسنى حياته حيث أنهاه إلى 738 ورغم إقامته بالشام كما يفهم من تاريخه إلا أنه حرص على تتبع أخبار مصر وإسنادها إلى من رواها له ويقول (كتب إلىَ فلان)..

(ح)

*ابن حبيب : الحسن بن عمر بن الحسن بن عمر بن حبيب ت779 .

12- درة الأسلاك في دولة الأتراك .. 3ج في 3 مجلدات .مخطوط مصور بالدار تحت رقم 670 ، يهتم فيه بالسجع والمحسنات والإستطراد الإنشائى وإيراد الأشعار ، وأهميته أنه معاصر للأحداث ابتداءا من منتصف الجزء الثانى إلى نهاية الجزء الثالث .

* ابن حجر (العسقلانى) شهاب الدين أحمد بن على بن محمد بن على (773-752).

13- إنباء الغمر بأبناء العمر : مخطوط بالدار تحت رقم 8844 ح.اعتمدت على السنوات العشر الأخيرة من التاريخ والتى لم تحقق (من سنة840 إلى سنة 850 ).

14- تاريخ المائة التاسعة أو ذيل الدرر الكامنة: مخطوط بالدار تحت رقم 641 تاريخ تيمور وهناك نسخة مصورة عنها تحت رقم 4767 تاريخ .. وهى نسخة خطية بيد المؤلف نفسه وصعبة القراءة مع أهميتها حتى أن المؤرخين المعاصرين نقلوا عنها ..

* ابن حجر (الهيثمى) شهاب الدين بن محمد بن بدر الدين ت 974 .

15- أخبار الخلفاء (إتحاف إخوان الصفا بنبذ من أخبار الخلفا) مجلد بالدار تحت رقم 276 تاريخ .. وهو تاريخ للخلفاء العباسيين بالقاهرة .

* الحلبى: شهاب الدين أحمد( كان موجود سنة 1018 كما في ص 88 في المخطوطة ) .

16- النصيحة العلوية في بيان حسن طريق السادة الأحمدية. مخطوط بالدار رقم 1129 تاريخ تيمور.. واعتمد أساساً على الجواهر السنية لعبد الصمد الأحمدى..

(د)

* ابن دقماق :صارم الدين ابراهيم بن محمد ت 809 .

17- الجوهر الثمين في سير الملوك والسلاطين مخطوط في مجلد بالدار تحت رقم 1522 تاريخ .. ورغم أنه مختصر إلا أنه معاصر يعبر عن عقلية العصر .

(ذ)

* الذهبى : شمس الدين بن محمد ت 748 .

18- تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام.. مجلد 31 .مخطوط بالدار تحت رقم 42 تاريخ، ولا أدل على أهميته من نقل المؤرخين منه. إلا أن الأجزاء المخطوطة في الدار ضائعة أو متفرقة..

(ر)

* الرجائى: أبو الفتح المقدس الرجائى.. من رجال القرن التاسع .

19- العقد المفرد في حكم الأمرد أو المنازعة في حكم المطاوعة.. رسالة مخطوط بالدار تحت رقم 40 مجاميع تيمورية رقم 5 في المجموعة .. وهى عن الشذوذ الجنسى لدى الصوفية .

* الرشيدى: محمد بن اسماعيل بن محمود بن محمد .

20- الألفاظ المكفرة .مخطوط رقم 103 مجاميع تيمور رقم 3 في المجموعة.. وكتبها سنة 892 ويمثل في تلك الرسالة تطرف الفقهاء والإنكار على انحلال الصوفية العقائدى .

(ز)

* الزركشى :بدر الدين من رجال القرن التاسع.

21- زهر العريش في أحكام الحشيش (مخطوط بالدار تحت رقم 83 مجاميع تيمور رقم 6 في المجموعة) عن انتشار الحشيش بأثر الصوفية..

* زكريا الأنصارى : من أعلام القرنين التاسع والعاشر ..

22- تحفة الراغبين في بيان أمر الطواعين .مخطوط رقم 134 مجاميع تيمورية رقم 1 في المجموعة وهو يسجل الطواعين وبعض أخبارها في العصر المملوكى .

(س)

السيوطى : جلال الدين عبدالرحمن ت911.. ومخطواته التى استفاد منها البحث على نوعين: كتب ورسائل:

      أ) الكتب :

        23 ـ كوكب الروضة تاريخ تيمورية 521 بدار الكتب فرغ من كتابته سنة 815.

        24 ـ تاريخ قايتباى ، مخطوط بالدا رقم 61 تاريخ.

     ب) الرسائل:   

        25 ـ الأساس فى مناقب بنى عباس : مخطوطة ضمن مجموعة 201 تيمورية رقم 8 فى  

المجموعة .     

26 ـ الأسفار عن قلم الأخطار : مخطوطة ضمن مجموعة 201 مجاميع تيمورية رقم 10 فى

                المجموعة.

27 ـ احياء الميت فضائل آل البيت مخطوطة ضمن مجموعة 72 مجاميع تيمورية رقم 7

فى المجموعة.

28 ـ إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء ، مخطوطة ضمن مجموعة 11مجاميع تيمورية رقم11فى

       المجموعة.

29 ـأكام العقيان فى احكام الخصيان مخطوطة ضمن مجموعة 139 مجاميع تيمورية رقم5 فى

       المجموعة.

30 ـ الانتصار بالواحد القهار(فى وضع الحديث) مخطوطة ضمن مجموعة 202 مجاميع تيمورية

رقم 20 فى المجموعة.

31 ـ بذل المجهود فى خزانة محمود( استعارة الكتب) مخطوطة ضمن مجموعة 139 مجاميع

        تيمورية رقم 23 فى المجموعة.

32 ـ بلوغ المارب فى قص الشارب مخطوطة ضمن مجموعة 1 مجاميع تيمورية رقم2فى

     المجموعة.

33 ـ أسئلة السلطان قايتباى ، مخطوطة ضمن مجموعة 255 مجاميع تيمورية رقم56 فى

    المجموعة.

   34 ـ تحفة العجلان فى فضل عثمان ، مخطوطة ضمن مجموعة 201 مجاميع تيمورية

  رقم3 فى المجموعة.

35 ـ حسن المقصد فى عمل المولد، مخطوطةضمن مجموعة 201مجاميع تيمورية رقم 6 فى

المجموعة.

36 ـ حصول الرفق بأصول الرزق ، مخطوطة ضمن مجموعة 209 مجاميع تيورية رقم6فى

المجموعة.

37 ـ الدرر فى فضل عمر، مخطوطة ضمن مجموعة201 مجاميع تيمورية رقم5فى المجموعة.

38 ـ حياة الأنبياء مخطوطة ضمن مجموعة 201 مجاميع تيمورية رقم1 فى المجموعة.

39 ـ الروض الأنيق فى فضل الصديق ، مخطوطة ضمن مجموعة 201 مجاميع تيمورية رقم1

فى المجموعة.

40ـ رشف الزلال من السحرالحلال ، مخطوطة ضمن مجموعة 72 مجاميع تيمورية رقم14 فى

المجموع.

41 ـ الرسالة السلطانية مخطوطة ضمن مجموعة 139 مجاميع تيمورية رقم 19 فىالمجموعة.

42ـ شقائق الأترج فى دقائق الغنج مخطوطة ضمن مجموعة 72 مجاميع تيمورية رقم 14فى

المجموعة.

43 ـ الفتاش على القشاش: مخطوطة ضمن مجموعة 202 مجاميع تيمورية رقم 4 فىالمجموعة.

44 ـ عمل اليوم والليلة مخطوطة ضمن مجموعة 72 تيمورية رقم 6 فى المجموعة

45 ـ العجاجة الزرعية فى السلالة الزينبية مخطوطةضمن مجموعة 42 تيموريةرقم 6 فى

المجموعة.

46 ـ الفاشوش فى أحكام قراقوش ، مخطوطة ضمن مجموعة  139تيمورية رقم 24 فى المجموعة.

47 ـ الطرثوث فى فوائد البرغوث مخطوطة ضمن مجموعة 139 تيمورية رقم 26 فىالمجموع.

48 ـ القول الجلى فى فضل على، مخطوطة ضمن مجموعة 201 تيمورية رقم 4 فى المجموعة.

49 ـ القول الجلى فى تطور الولى، مخطوطة ضمن مجموعة 72 تيمورية رقم 11 فىالمجموعة.

50 ـ كشف الصيانة عن مسألة الاستنابة ، مخطوطة ضمن مجموعة201 تيمورية رقم 5 فى المجموعة

51 ـ مارواه السادة فىالإتكاءعلىالوسادة،مخطوطة ضمن مجموعة201 تيموريةرقم 7 فىالمجموعة

52 ـ المنحة فى السبحة ، مخطوطة ضمن مجموعة 72 تيمورية رقم 4 فى المجموعة.

(ش)

الشرنوبى: أحمد.

 53 ـ طبقات الشرنوبى.نقلها عنه الإمام أحمد البلقينى، وتقول دائرة المعارف أن الشرنوبى توفى

       سنة 950 هـ . ويقول فى طبقاته أنه اجتمع مع الأولياء سنة 670 فوق سطح الكعبة(الطبقات

       6، 7). واعتقد بصحة ماقالته دائرة المعارف. وهى مخطوطة بمكتبة جامعة القاهرة تحت              رقم 21846.

الشبلى: بدر الدين محمد ت 769

  ـ أكام المرجان فى أحكام الجان ، مخطوط بالدار تحت رقم 2412تاريخ ، جمع بين الفقه

          والأخبار.

 الشعرانى : عبدالوهاب أبوالمواهب(898 ـ 973).

    55 ـ ارشاد المغفلين من الفقهاء والفقراءإلى شروط صحبة الأمراء مخطوط بمكتبة القاهرة رقم

           15359. 

    56 ـ القول المبين لدليل لبس الخرقة والتلقين. مخطوط بمكتبة القاهرة رقم 15359.

    57 ـ المنن الصغرى: الدرر واللمع فى بيان الصدق فى الزهد والورع ، مخطوط بالدار رقم

            921 تصوف طلعت.

  الشطنوفى : علىبن يوسف بن جرير ت713.

    58 ـ بهجة الأسرار ومعدن الأنوار فى مناقب السادة الأخيار من المشايخ الأبرار 2ج فى مجلد،

    مخطوط بالدا رقم 4506 تاريخ

    شمة. حسن بن على بن على ( من رجال العصر العثمانى).

59 ـ مسرة العينين بشرح حزب أبى العينين . مخطوط بالدار تحت رقم تصوف 1095 تصوف  

        طلعت.

(ص)

الصاغاتى : أبو الفضايل حسن بن محمد فى القرن التاسع.

    60 ـ رسالة فى الأحاديث الموضوعة.122 مجاميع تيمورية بالدار.آخر رسالة فى المجموعة،

          جمع فيها الأحاديث الموضوعة المتداولة فى القرن التاسع.

الصفدى : صلاح خليل بن أيبك ت 764.

    61 ـ أعيان العصر، مخطوط مصور من 6أجزاء بالدار تحت رقم 1091 تاريخ الموجود ج6 قسم1، قسم2، ج9  قسم1،قسم2.

     ولاحظ أن الأقسام السابقة بمجلداتها الأربعة مصورة عن النسخة الموجودة فى تركيا، وتوجد نسخة مصورة من الدار عن مخطوط الأسكوريال ووضعت تحت رقم (1091 تاريخ) على أن هذه النسخة قد تعرضت لبعض الشخصيات التى تعرضت لها النسخ السابقة مع اختلافات ليست فقط فى الخط وإنما فى إيراد المعلومات وعلى سبيل المثال ترجمة ابن دقيق العيد فى نسخة استانبول (6/2/309) تختلف عن نظيرها فى نسخة الاسكوريال ( لوحة26) ويبدو أن النسخة الموجودة فى الاسكوريال هى الأصلية بما فيها من توقيت وترك الفراغ وسرعة الخط.

        وقد عرض المؤلف لأعيان عصره مع الاهتمام بالنواحى الأدبية والأشعار ، خصوصا حين ترجم للمعاصرين له.

الصيرفى :على بن الجوهرى الصيرفى (819 ـ 900).

   62 ـ نزهة النفوس والأبدان .مخطوط بالدار تحت رقم 116 تاريخ م، 12861ح الجزء الأخير الذى لم يحقق وقد توقف سنة 850 حيث انتهى العينى فىعقد الجمان، ولم يؤرخ بعد ذلك للمعاصرين اكتفاءا بتاريخه الآخر إنباء الهصر أما فى نزهة النفوس فقد نقل عن العينى والمقريزى دون أن يضيف.

(ع)

عبدالباسط بن خليل( 844 ـ 920).

   63 ـ الروض الباسم فى حوادث العصر والتراجم 4ج فى 4 مجلدات ، مخطوط مصورو بالدار تحتت رقم2403  تاريخ تيمور.

   64 ـ ابن العراقى: ولى الدين أبوزرعة بن عبدالرحيم بن الحسين العراقى.

65 ـ الذيل .. وهو ذيل على تاريخ والده الذى ذيُل على ذيل العبر للحافظ الذهبى، وابتدأ فيه التأريخ

          بسنة مولده 762، ويهتم فيه بتاريخ الشام وهو مخطوط بالدار تحت رقم 5615 تاريخ.

ابن عطاء السكندرى.

   66 ـ تاج العروس. رسالة مخطوطة فىمجاميع تيمورية رقم 209 رقم الرسالة 1.

العلوى : خالد بن عيسى بن أحمد إبراهيم.

   67 ـ رحلة العلوى.. مخطوطة بخط مغربى(صعب القراءة) تحت رقم 400 جغرافيا بالدار وقد ابتدأ رحلته فى 18 صفر 736 فى طريقه لحج وسجل مشاهداته فى مصر.

العينى : بدر الدين 762 ــ 855.

   68 ــ عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان . مخطوط مصور بالدار تحت رقم 1584 تاريخ 8203ح. واعتمد البحث على المجلد الذى ابتدا سنة 656: سنة 850 ويقع فى 15 مجلدا موجودة بالدار وهى فى دور التحقيق.. وفى تاريخه للسنوات الأخيرة كان مختصرا على غير العادة فى الحوليات.

(ف)

ابن فارس: أبو اللطايف خادم الوفائية( من القرن العاشر).

  69 ـ المنح الإلهية من مناقب السادة الوفائية .. مخطوط بالدار رقم 874 تاريخ تيمور ..

الفقى: من رجال القرن العاشر ..

   70 ـ تاريخ واقعة السلطان الغورى والسلطان سليم .. مخطوط بالدار رقم 376 تاريخ تيمور.. واعتمد علىتاريخ ابن زنبل الرمال.

ابن قاضى شهبه : أبوبكر أحمد بن محمد بن عمر ت851.

     71 ـ الإعلام بتاريخ أهل الإسلام ، تاريخ مصور فى 7 مجلدات بالدار تحت رقم 392 تاريخ،  تراجم للأشخاص والحوادث ومع اهتمام أكثر بالشام.

(ك)

الكتبى: ابن شاكر : صلاح الدين محمد بن أحمد ت764.

     72 ـ عيون التواريخ الموجود منه مجلدات مصورة بالدار تحت رقم 1497 يهتم فيه بأخبار الشام مع إيراد الأشعار لمن يترجم لهم .

(م)

مجهــول.

      73 ـ تشريف الأيام والعصور بسيرة الملك المنصور ( قلاوون) . حوادث 681 ـ 689 مجلدان مخطوط بالدار تحت رقم 226 تاريخ تيمور.

      74 ـ شرح صلاة ابن بشيش ..رسالة فى مجموعة رقم120 مجاميع تيمور رقم 3 فى المجموعة.

      75 ـ مناقب أبى العباس بن وفا. مخطوط بالدار تحت رقم 1785 تاريخ تيمور.

      76 ـ مناقب السيوطى. لم يعلم مؤلفها ومنقولة عن رواية الشيخ يحيى الدين المالكى. مخطوط بالدار تحت  رقم567 تاريخ.

      77 ـ مناقب القطب الأمثل سيدى محمد بن أحمد الفرغل . مخطوط بالدار تحت رقم 1729 تاريخ تيمور.

ابن محسن : أبو الصلاح على الصعيدى الشاذلى.

      78 ـ تعطير الأنفاس بمناقب أبى الحسن وأبى العباس . فرغ من جمعة 1110 مخطوط بالدار رقم 357 تاريخ تيمور.

أبوالمحاسن:  ابن تغرى بردى.

      79 ـ المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى .مخطوط فى خمسة أجزاء بالدار تحت رقم 1209 تاريخ تيمور.وهو قصر على التراجم.

مرعى الحنبلى : ت1033.

      80 ـ نزهة الناظرين فى تاريخ من ولى مصرمن الخلفاء والسلاطين .. مخطوط فى مجلد بالدار تحت رقم  تيمور. وهوتاريخ مختصر ينقل عن السابقين.

المقدس: مرعى بن يوسف بن أبى بكر بن أحمد المقدسى.

      81 ـ نزهة الناظرين فى تاريخ من ولى مصر من الخلفاء والسلاطين . فرغ من كتابته سنة 1142 ، مجلد  مخطوط بالدار تحت رقم 2076 تاريخ ، وهو منقول حرفيا عن تاريخ مرعى الحنبلى السابق فى مواضع كثيرة ويبدو فيه ميل صاحبه للخلفاء العباسيين بالقاهرة.

المقريزى:تقى الدين أحمد بن على ( 766ـ 845).

      82 ـ حل لغز الماء .. رسالة فى مجموعة رقم 33 مجاميع تيمورية رقم 5 فىالمجموعة .

المقفى.

      83 ـ 4ج فى 4 مجلدات ، مخطوط مصور بالدار تحت رقم 5372 تاريخ، ومن الصعب قراءة خطه  وهويترجم فيها لشخصيات مصرية أو أتت لمصر قبل وأثناء العصر المملوكى.

المناوى : عبدالرؤوف ت 1031.

      84 ـ الطبقات الكبرى ..مخطوط بالدار تحت رقم 1589. تاريخ تيمور.

      85 ـ الطبقات الصغرى. مخطوط بالدار تحت رقم 476 تاريخ تيمور.

(ن)

النويرى : شهاب الدين أحمد بن عبدالوهاب بن محمد ، عبدالدايم البكرى ت 733.

      86 ـ نهاية الأرب : الأجزاء 28، 29، 30، 31 . مخطوط مصور بالدار تحت رقم 549 معارف. كان يتهرب من التاريخ المباشرلعصره خوفا وتملقا للناصر محمد بن قلاوون كما يظهر فى الجزء الأخير..

النويرى : محمد بن قاسم بن محمد ت 775 هجرية.

      87 ـ الإلمام بالأعلام فيما جرت به الأحكام والأمور المقضية فى واقعة الإسكندرية جزءان فى مجلدين،مخطوط مصور بالدار تحت رقم 3942 تاريخ وجمع فيه بين التاريخ والفقه والتصوف والمعارف  العامة.

(ى)

اليمنى: محمد الشبلى: من رجال القرن الحادى عشر.

     88 ـ السنا الباهر بتكميل النور السافر فى أخبار القرن العاشر. مخطوط مصور بالدار تحت رقم 1586تاريخ..

ثالثا: المصادر المطبوعة

(أ)

الأبشيهى : شهاب الدين محمد بن أحمد 790ـ 850.

      1 ـ المستطرف فى كل فن مستظرف 2ج المكتبة التجارية الكبرى. مطبعة الاستقامة 1379.

الأدفوى: جعفر بن ثعلب بن جعفر ت 748.

       2 ـ الطالع السعيد فى أخبار نجباء الصعيد. المطبعة الجمالية 1914، وبتحقيق سعد محمد حسن طبعةسنة   1966   .

    *   ابن إياس : محمد بن أحمد . من مخضرمى الدولتين المملوكية والعثمانية.

      3 ـ بدائع الزهورط بولاق الطبعة الأولى 1311 هـ ج1، ج2 حتى سنة 906 وبتحقيق محمد مصطفى الجزء  الرابع ( 906ـ 921) نشر جمعية المستشرفين الألمان 1971.وبتحقيق محمد مصطفى الجزء الخامس(922 ـ928) الطبعة الثانية القاهرة 1961، وحقق محمد مصطفى أيضا ماطبع فى مطبعة بولاق نشره فى الجزء الأول فى قسمين من بداية الكتاب حتى سنة 815هـ 1974، الجزء الثانى(815 ـ 873)ونشره 1972.

ابن أيبك الداودارى: أبوبكر بن عبد الله ( معاصر للناصر محمد بن قلاوون)

      4 ـ الدور القاهر فى سيرة الملك الظاهر. وهو الجزء التاسع من كنز الدور وجامع الغرر تحقيق هانس ارفست، اروبر رويمر نشر سامى الخانكى. مطبعة لجنة التأليف والترجمة1960.

(ب)

ابن بطوطة :

      5 ـ رحلة ابن بطوطة 2ج الطبعة الثانية مطبعة التقدم.

البقاعى: برهان الدين البقاعى(809 ـ 885).

      6 ـ تنبيه الغبى إلى تكفير ابن عربى.

      7 ـ تحذير العباد من أهل العناد. تحقيق وتعليق عن الرحمن الوكيل الطبعة الأولى 1953.

البهاء زهير: بهاء الدين زهير بن محمد بن على.

      8 ـ ديوان البهاء زهير نشر مكتبة المليجى. الطبعة الأولى1322.

البوصيرى: شرف الين محمد بن سعيد ت694.

    9 ـ ديوان البوصيرى، تحيق محمد سيد كيلانى. نشر البابى الحلبى الطبعة الأولى1955.

(ت)

ابن تيمية: الحافظ أبوالعباس أحمد بن عبدالحليم (ت)728  هـ .

     10 ـ الصوفية والفقراء: مكتبة المنار. المطبعة الأولى 1327.

     11 ـ مجموعة الرسائل والمسائل. المطبعة العامرية الطبعة الولى1323.

     12 ـ أحاديث القصاص تحقيق محمد الصباغ.

(ج)

الجويرى: زين الدين عبدالرحيم بن عمر الدمشقى.

      13 ـ المختار فى كشف الأسرار طبع دمشق 1302.

 ابن الجوزى: الحافظ جمال الدين عبدالرحمن ت597.

      14 ـ تلبيس إبليس، مطبعة النهضة 1928، المطبعة المنيرية.

(ح)

ابن الحاج: محمد بن محمد العبدرى(ت737)

      15 ـ المدخل: مدخل الشرع الشريف على المذاهب، 4 أجزاء ط1320 هـ، المطبعة الشرقية.

ابن حجر (العسقلانى): أحمد بن على محمد بن على(733 ـ 852).

      16 ـ إنباء الغمر بأبناء العمر 3ج، تحقيق د./حسن حبشى المجلس الأعلى لشئون الإسلامية(1969ـ 1972).

       17 ـ الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة. الأجزاء1، 2، 3، 4، نشر دار الكتب وتحقيق محمد سيد جاد الحق، الطبعة الثامنة 1966 والأجزاء الرابع والأخير من طبعة دائرة المعارف العثمانية فى الهند ج1 الأول 1350 هـ.

        18 ـ رفع الأصر عن قضاة مصر ، تحقيق حامد عبدالحميد مراجعة إبراهيم الإبيارى وزارة الثقافة 1961.

(خ)

الخفاجى: عبده حسن راشد الخفاجى( العصر العثمانى)

      19 ـ النفحات الأحمدية . الطبعة الأولى. مطبعة التقدم1321.

ابن خلدون: عبدالرحمن(ت808).

      20 ـ شفاء السائل لتهذيب المسائل. نشر وتعليق أغناطيسون اليسوعىبحوث دراسات معهد الآداب الشرقية  رقم11 الطبعة الكاثولوكية بيروت.

      21 ـ المقدمة: المكتبة التجارية ومطبعتها. مصطفى محمد.

(د)

الدسوقى: ابراهيم ت669

      22 ـ الجوهرة: مراجعة طه عبدالرؤوف سعد، نشر مكتبة الكليات الأزهرية 1972، ومكتبة الجمهورية.

ابن دقماق: إبراهيم بن محمد ت 809.

      23 ـ الإنتصار لواسطة عقد الأمصار. 5 أجزاء، الطبعة الأولى ، المطعة الأميرية ببولاق 1309.

الدلجى: أحمد بن على(شهاب الدين ، ويقول عنه السخاوى فى كتابه التبر المسبوك:عبدالوهاب بن عبدالمؤمن القرشى الدلجى ت845.

       24 ـ الفلاكة والمفلوكون. مطبعة الشعب 1322.

الدميرى: كمال الدين أبوالبقاء محمد بن موسى بن عيسى 808.

        25 ـ حياة الحيوان الكبرى 2ج مطبعة الأستقامة 1963، المكتبة التجارية.

(ذ)

الذهبى : شمس الدين محمد بن قايماز التركمانى ت748.

       26 ـ تذكرة الحفاظ، المجلد الرابع طبع حيدر أباد بدون تاريخ.

       27 ـ دول الإسلام 2ج، الطبعة الثانية. الطبعة العثمانية بالدكن1365.

       28 ـ العبر فى خبر من غبر.تحقيق د./صلاح الدين المنجد 5 أجزاءنشر التراث العربى بالكويت1966.

(ز)

ابن زنبل الرمال :

       29 ـ تاريخ السلطان سليم مع قنصوه الغورى. طبعة 1278.

ابن الزيات : شمس الدين محمد بن الزيات ت 814.

       30 ـ الكواكب السيارة فى ترتيب الزيارة فى القرافتين الكبرى والصغرى.المطبعة الأميرية 1907.

(س)

السبكى: تاج الدين عبدالوهاب بن تقى الدين السبكى ت771.

        31 ـ طبقات الشافعية الكبرى 6ج. الطبعة الأولى.

        32 ـ معيد النعم ومبيد النقم، على هامش تفريج المهج. طبعة الخانجى بدون تاريخ، طبعة لندن1908.

السخاوى: الحافظ شمس الدين محمد بن عبدالرحمن بن محمد أبى بكر (831 ـ 902).

        33 ـ الذيل على رفع الأصر تحقيق جودة هلال، محمد صبيح ، تراثنا، التأليف النشر 1966.

        34 ـ الضوء اللامع لأهل القرن التاسع ، مطبعة ومكتبة القدس(1353 ـ 1355).

السخاوى : نور الدين على بن أحمد بن عمر ( ت900).

        35 ـ تحفة الأحباب وبغية الطلاب فى الخطط والمزارات والتراجم والبقاعات المباركات ، الطبعة الأولى بالمطبعة الأزهرية 1302 علىهامش الجزء الرابع من نفخ الطب للمقرى.

السيوطى : جلال الدين عبدالرحمن ت 11.

         36 ـ أنيس الجليس طبع 1302.

         37 ـ بشرى الكئيب بلقاء الحبيب . ونشر البابى الحلبى الطبعة الأولى 1960.

         38 ـ تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية ، تحقيق عبدالله الغمارى 1934.

         39 ـ تنوير الفلك فى رؤية النبى والملك مطبعة السعادة بمصر 1328.

         40 ـ حسن المحاضرة فى أخبار مصر والقاهرة ط 1299.

         41 ـ اللآلىء المصنوعة فى الأحاديث الموضوعة: 2ج الطبعة الأولى المطبعة الأدبية 1317.    

         42 ـ نظم العقيان فى أعيان الأعيان تحقيق فيليب حتى نيويورك 1927.

(ش)

*الشاب الظريف:شمس الدين محمد بن العفيف التلمسانى (661-688).

 43- ديوان الشاب الظريف: تحقيق شاكر شكر .ط.  العراق:1967.

أبو شامة شهاب الدين عبد الرحمن بن اسماعيل ت 665.

44- الباعث في الإنكار على الحوادث،تصحيح محمد فؤاد من قارة الطرابلسى،المطبعة المنيرية1374 -1955 .

* شاهين الظاهرى :غرس الدين خليل .

45- زبدة كشف المماليك وبيان الطرق والمسالك.تصحيح بولس راويس طبع باريس 1893.

* الشحنة: محب الدين محمد بن الشحنة (ولد سنة 800).

46- الدر المنتخب في تاريخ مملكة حلب ،طبع وتعليق يوسف سركيس،بيروت المطبعة الكاثوليكية 1909.

* الشربينيى:يوسف بن محمد بن عبد الجواد بن خضر.

47- هز القحوف في شرح قصيدة أبى شاذوف.المطبعة السعدية 1289 بالأسكندرية،وطبعة بولاق1890.

* الشعرانى :عبد الوهاب أبو الدهب (898-973).

48- الأنوار في صحبة الأخبار،تحقيق عبد الوهاب عميرة،طلعت غنام مجمع البحوث عدد64 سنة 1973.

49- الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية.تحقيق عبد الرحمن عميرة طلعت غنام الطبعة الأولى 1962.

50- آداب العبودية.الطبعة الأولى .المجلة اتلشرقية 1317 .

51- البحر المورود في المواثيق والعهود.المطبعة الميمنية بمصر 1380.

52- تنبيه المغفلين.مطبعة شاهين 1278.

53- درر الغواص على فتاوى على الخواص.بهامش كتاب الإبريز.الطبعة الأولى.المطبعة الأزهرية 1306هـ .

54- الطبقات الصغرى.تحقيق عبد القادر عطا.الطبعة الأولى 1970 مكتبة القاهرة.

55- الطبقات الكبرى 2ج المطبعة الشرقية 1315،طبعة صبيح.

56- الكبريت الأحمر.على هامش اليواقيت والجواهر. المطبعة الأزهرية.الطبعة الثانية 1308.

57- كشف الحجاب والران عن وجه أسئلة الجان.نشر عبدالله عبدالرازق.الطبعة الأولى1356.

58- لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية،على هامش البحر المورود.

59- لطائف المنن ط88 ص12 .

60- الميزان الخضرية طبعة قديمة في مكتبة القاهرة تحت رقم 2959عقليات في قاعة(ب).

61- الوصية المتبولية.المنح السنية على الوصية المتبولية بدون تاريخ..

62- اليواقيت والجواهر.المطبعة الأزهرية الطبعة الثانية1308 .

(ص)

* الصفدى،خليل بن أيبك ت 764.

63- شرح لامية العجم 2ج.طبعة1290.

64- نكت الهيمان في نكت العميان.طبعة الجمالية 1911.

65- الوافى بالوفيات.نشر رتيتر1931والنشريات الإسلمية 1949، 1953.

* ابن الصيرفى :على بن داود الجوهرى الصيرفى (819-900).

66- إنباء الهصر بأنباء العصر.تحقيق د/حسن حبشى.دار الفكر العربى1970.

67- نزهة النفوس والأبدان في تواريخ الزمان،تحقيق حسن حبشى دار الكتب(1970-1973).

(ط)

* الطوسى: أبو النصر،

68- اللمع تحقيق عبدالحليم محمود ط1967القاهرة.

* ابن طولون:شمس الدين محمد بن أحمد (880-953).

69- مفاكهة الخلان في حوادث الزمان(تاريخ ابن طولون). تحقيق محمد مصطفى.القسم الأول(884-921) والقسم الثانى(922-926)،وزارة الثقافة(1962، 1964).

(ظ)

* ابن ظهيرة:

70- الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة.تحقيق مصطفى السقا.كامل المهندس وزراة الثقافة ط دار الكتب 1969.

(ع)

* ابن عبد الظاهر: عبدالله بن عبد الظاهر كاتب السر.

71- الألطاف الخفية من السيرة الشريفة السلطانية الملكية الأشرفية(سيرة الأشرف خليل) طبعة لبيسك1902.

* ابن عطاء السكندرى:

72- التنوير في إسقاط التدبير. المطبعة الحمدية1321.

73- الحكم العطائية ،ملحقة بكتاب إيقاظ الهمم لإبن عجيبة.مطبعة الجمالية 1913 الطبعة الثانية.

74- لطائف المنن المطبعة البهية 1322 الطبعة الأولى مطبعة السعادة.

* ابن العماد الحنبلى :أبو الفلاح عبد الحى ت1089.

75- شذرات الذهب في اخبار من ذهب .الأجزاء من 5 :9، نشر مكتبة القدس 1351 .

* عبد الصمد الأحمدى:

76- الجواهر السنية والكرامات الأحمدية.ألف الكتاب سنة 1027.طبعة 1287 .

* العيدروس : أبوبكر بن عبدالله : من علماء القرن العاشر .

77 ـ النجم الساعى فى مناقب القطب الكبير الرفاعى ، الطبعة الأولى 1970 .

* العيدروس : محيى الدين عبد القادر بن عبد الله المهندى1038.

78- النور السافر في أخبار القرن العاشر .تصحيح رشيد الصفار بغداد 1934.

* العينى: بدر الدين (762-855).

79- الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر ططر .تحقيق هانس أرنست:نشر البابى الحلبى1962.

80- السيف المهند في سيرة الملك المؤيد شيخ المحمودى،تحقيق فهيم شلتوت مراجعة د/ زيادة.دار الكاتب.1966-1967.

(غ)

* الغزالى:(ت505).

81- إحياء علوم الدين المطبعة العثمانية إشكالات الاحياء على هامش الأحياء.

* الغزى : نجم الدين ت 1061.

82- الكواكب السائرة بأعيان المائةالعاشرة،الجزء الأول فقط المطبعة الأمريكية ببيروت 1945.

(ف)

* ابن الفارض: عمر ت 632:

83- ديوان ابن الفارض: مكتبة القاهرة 1979.

* أبو الفدا :المؤيد اسماعيل أبو الفدا ت 714

84- تاريخ أبو الفدا: 4ج المطبعة الشاهانية بالقسطنطينية1286.

* ابن الفرات: ناصر الدين محمد بن عبد الرحمن بن الفرات(735 -807).

85- مجلدات 7، 8، 9 القسم الأول والقسم الثانى تحقيق قسطنطين رزيق، نجلاء عزالدين، المطبعة الأمريكانية ببيروت 1936 -1939 .

(ق)

* القاشانى(كمال الدين عبد الرازق)ت 735 :

86- اصطلاحات الصوفية: تحقيق د/كمال جعفر، الهيئة العامة للكتاب 1981.

* القشيرى عبد الكريم بن هوزان القشيرى (376- 465 ).

87- الرسالة القشيرية. تحقيق د/عبدالحليم محمود الشريف،دار الكتاب الحديث.

* القلقشندى أبو العباس أحمد بن على ت 822 .

88- صبح الأعشى:14 جزءاً المطبعة الأميرية بالقاهرة 1913 .

* ابن قيم الجوزية.

89- المنار المنيف في الصحيح والضعيف: تحقيق حامد الفقى.

* عبد الفتاح أبو غدة مكتب المطبوعات الإسلامية 1390، 1970 ،691 .751 .

90- إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان تحقيق حامد الفقى 2ج دار العدل بالإسكندرية.

(د)

* الكتبى :محمد بن شاكر بن أحمد.ت 764

91- فوات الوفيات.تحقيق محيى الدين عبدالحميد ،مكتبة النهضة 2ج 1951.

* ابن كثير : عماد الدين اسماعيل بن عمر بن كثير القرشي ت 774 .

92- البداية والنهاية ج13 ،ج 14 مطبعة السعادة 1358 ،طبعة بيروت 1966 .

(ل)

* اللخمى:علىبن محمد الأشبيلى اللخمى.

93- سيرة سليم،كتبه سنة 923 تحقيق هانس أرنست. عيسى البابى الحلبى 1962.

(م)

* أبو المحاسن: جمال الدين يوسف بن تغري بردى 874 .

94- النجوم الزاهرة . الأجزاء(7، 8،  9، 10، 11، 12 ،13، 14، 15، 16)،(1938 _1972)، ج13 تحقيق فهيم شلتوت،ج14 تحقيق فهيم شلتوت وجمال محرز ج15 تحقيق على طرخان، ج16 تحقيق الشيال ، فهيم شلتوت.

95- المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافى:نشر دار الكتب.الجزء الأول بتحقيق أحمد يوسف نجاتى 1956 .

96- منتخبات من حوادث الدهور، حررها وليم بيبر 1930.طبعة باريس.

* مجهول:

97- تاريخ السلاطين المماليك من (690-741 هـ) والمؤلف معاصر للناصر محمد بن قلاوون نشر زيتر ستين ليدن 1919.

* المقريزي: تقى الدين أحمد بن على (766- 845 ).

98- إغاثة الأمة بكشف الغمة.نشر زيادة د/الشيال .لجنة التأليف والترجمة والنشر 1940.

99- تجريد التوحيد المفيد: علق عليه وصححه طه الزيني الطبعة الأولى1373، المطبعة المزينة بالقاهرة

100- الخطط المقريزية 4ج مطبعة النيل بمصر 1326هـ ،1324 ،مطبعة بولاق 1270،

101- السلوك لمعرفة دول الملوك:الأجزاء 1، 2 ،بأقسامهما تحقيق محمد مصطفى زيادة مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر.الأجزاء 3، 4 بأقسامهما تحقيق د/ عاشور(1970- 1972 ).

102- فضل آل البيت تحقيق وتعليق محمد أحمد عاشور دار الإعتصام الطبعة الثانية 1973.

* المناوى: عبد الرؤوف 1031.

103- الكواكب الدرية(الطبقات الكبرى).الجزء الأول المطبعة الأولى تصحيح محمود حسن ربيع 1938.

(ن)

* ابن نباتة :جمال الدين بن نباتة المصرى ت 768.

104- ديوان ابن نباتة. الطبعة الأولى مطبعة التمدن 1323- 1905 .

(و)

* ابن الوردى: زين الدين الدين عمر ت 705هـ .

105- تاريخ ابن الوردى: تتمة المختصر في أخبار البشر، مطبعة الوهبية بمصر 1285.

(ي)

*اليافعى : عفيف الدين عبدالله بن أسعد اليافعى 768.

106- فضل مشايخ الصوفية على هامش الكرامات للنبهانىمطبعة دار الكتب العربية.

107- روض الرياحين في حكايات الصالحين.المطبعة الميمنية بمصر 1307 .

108- مرآة الجنان وعبر اليقظان 4ج .بيروت الطبعة الثانية 1970.

رابعاً المراجع المطبوعة المنشورة:

(أ)

* أبو العلا عفيفى

1- التصوف الثورة الروحية في الإسلام: دار المعارف 1963 .

* أحمد أمين

2- حياتى : مكتبة النهضة المصرية.الطبعة السادسة1978 .

3- قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية،الطبعة الأولى 1953 .

(ت)

* التفتازانى : أبو الوفا غنيمي .

4- أبن عطاء السكندرى وتصوفه، مكتبة القاهرة الحديثة، الطبعة الأولى 1958.

5- مدخل إلى التصوف دار الثقافة طبعة 1974.

* تيمور أحمد :

6- الأمثال العامية: الطبعة الأولى 1949 .،الطبعة الثانية 1956.

(ش)

* شعلان ابراهيم أحمد :

7- الشعب العربي في أمثاله العامية، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1972 .

* الشوكانى محمد بن على ت 1250 :

8- البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، 2ج الطبعة الأولى 1348.

* الشيبي ( مصطفى كامل):

9- الصلة بين التصوف والتشيع،الطبعة الثانية،دار المعارف 1971 .

10- الفكر الشيعي والنزعات الصوفية مكتبة النهضة ببغداد 1966 .

(ط)

* الطويل : توفيق:

11- التصوف في مصر في العهد العثمانى مكتبة الآداب بالجماميز 1946.

(ع)

* عاشور /سعيد عبد الفتاح:

12- السيد أحمد البدوى،دار الكاتب العربى سنة 1967 أعلام العرب الطبعة الثانية .

* عبد الباقى (محمد فؤاد) :

13- المعجم المفهرس للقرآن الكريم طبعة كتاب الشعب .

* عبد الحليم محمود:

14- أبو العباس المرسي .أعلام العرب عدد 84 /1969.

15- الشاذلى أعلام العرب العدد 72 /1967 .

                                    (ق)

* قاسم غنى :

16 ـ تاريخ التصوف فى الإسلام . ترجمة صادق نشأت . مكتبة النهضة المصرية 1970 .

                                   (د)

* كلوت بيك :

17 ـ لمحة عامة إلى مصر ترجمة محمد مسعود 2ج مطبعة أبى الهول .

* الكوهن / الحسن بن محمد بن قاسم الشاذلى :

18 ـ طبقات الشاذلية ، الطبعة الأولى 1347.

                                 (ل)

* لين بول :

19 ـ سيرة القاهرة ترجمة حسن وعلى إبراهيم حسن ، الطبعة الثانية مكتبة النهضة .

                               (م)

* ماير :

20 ـ الملابس المملوكية ترجممة صالح الشيبى ، الهيئة العامة للكتاب 1972 .

* متولى ، أحمد فؤاد :

21ـ الفتح العثمانى للشام ومصر ومقدماته من واقع الوثائق والمصادر التركية والعربية المعاصرة له. دار النهضة  1976 .

                                (ن)

* نيكلسون / أرنولد :

22 ـ فى التصوف الإسلامى وتاريخه ، ترجمة وتعليق أبو العلا عفيفة 1947 .

                             " كتب صدرت للمؤلف" من 1982 الى 1996

م

         اسم الكتاب

          الناشر

   سنة الإصدار

     ملاحظات

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

السيد البدوى بين الحقيقة والخرافة

البحث فى مصادر التاريخ الدينى

شخصية مصر بعد الفتح الإسلامى

التاريخ والمؤرخون ( دراسة تمهيدية ) .

التاريخ والمؤرخون ( دراسة فى المادة التاريخية ).

أسس البحث التاريخى

حركات انفصالية فى التاريخ الإسلامى .

دراسات فى الحركة الفكرية فى الحضارة الإسلامية .

حركات انفصالية فى التاريخ الإسلامى .

العالم الإسلامى بين عصر الخلفاء الراشدين وعصر الخلفاء

العباسيين.

الأنبياء فى القرآن الكريم : دراسة تحليلية .

المسلم العاصى : هل يخرج من النار ليدخل الجنة ؟

مصر فى القرآن الكريم.

حقائق الموت فى القرآن الكريم .

حرية الرأى بين الإسلام والمسلمين .

حد الردة : دراسة أصولية تاريخية .

عذاب القبر والثعبان الأقرع دراسة أصولية تاريخية .

قضية الحسبة : دراسة أصولية تاريخية .

مقدمة كتاب : إعادة قراءة القرآن  تأليف جاك بيرك

لا ناسخ ولا منسوخ فى القرآن .

على نفقة المؤلف

على نفقة المؤلف 

على نفقة المؤلف

على نفقة المؤلف

على نفقة المؤلف

على نفقة المؤلف

على نفقة المؤلف

على نفقة المؤلف

على نفقة المؤلف

على نفقة المؤلف

على نفقة المؤلف

على نفقة المؤلف

سلسلة كتاب اليوم العدد 306

دار الشرق الأوسط للنشر

المنظمة المصرية لحقوق الإنسان ضمن كتاب حرية الرأى والعقيدة .

دار طيبة للنشر

دار طيبة للنشر

المحروسة للنشر

مركز النديم

مركز المحروسة

      1982

1984

1984

1984

1984

1984

1985

1985

1985

1985

1985

1987

إبريل 1990

مايو 1990

1993

1993

1994

1995

1996

1996

كانت منشورة داخل جامعة الأزهر

كانت منشورة داخل جامعة الأزهر.

كانت منشور داخل جامعة الأزهر.

تعرض المؤلف بسبب هذه الكتب الخمسة للمحاكمة داخل جامعة الأزهر.

وتسببت فى خروجه من الجامعة بعد عامين من المحاكمات (1985_1987)

كان سببا فى دخول المؤلف السجن .

 

                          " هذا الكتاب "

1ـ أخطر رسالة دكتوراه نوقشت فى جامعة الأزهر " قسم التاريخ والحضارة " كانت للمؤلف تحت عنوان " أثر التصوف فى مصر العصر المملوكى " وتتناول أثر التصوف السياسى والثقافى والحضارى والاجتماعى فى مصر المملوكية ، ولم تناقشها جامعة الازهر إلا بعد حذف أهم فصول الرسالة ، وهى التى تتحدث عن أثر التصوف فى الحياة الدينية والحياة الخلقية .

2ـ وخلال خمسة عشر عاما أعاد المؤلف صياغة الأجزاء المحذوفة من الرسالة لتكون كتابا فريدا فى بابه هو هذا الكتاب " التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية " وهو يناقش أثر التصوف الدينى والأخلاقى فى المجتمع المصرى المملوكى فى العقائد والعبادات الدينية والسلوكيات الخلقية ، وذلك لأول مرة وبصورة علمية منهجية موثقة .

3ـ والعادة أن يهتم الباحثون بالتأريخ للسلاطين والحكام والمشاهير ، ولا يهتمون بأحوال المجتمع ، والعادة أن يهتم باحثوا التصوف بالجانب النظرى الفلسفى فيه دون أن يناقشوا تأثيره فى المجتمع وأحواله السياسية والحضارية ، والعادة أيضا أن يتجاهل الباحثون مناقشة الأحوال الدينية للمجتمعات الدينية كما لو أن تلك المجتمعات تمسكت بالإسلام الحنيف كما هو دون أى زيف أو تحريف ، ولكن الباحث فى هذا الكتاب خرج عن كل تلك العوائد ، وقام بالتأريخ للشعب المصرى فى العصر المملوكى من خلال ظاهرة التصوف التى سيطرت عليه، وقدم لنا صورة تاريخية للعقائد الدينية الصوفية السائدة وكيفية تأدية الفرائض الإسلامية والصوفية ، والسلوكيات الخلقية وما فيها من إنحلال وإنحراف ، وربط الظواهر التاريخية بجذورها الفكرية العقيدية ، ولم ينس ـ كباحث مسلم ـ من أن يوضح الفجوة بين تلك الوقائع التاريخية وبين الإسلام الحنيف وعزز كل أقواله بالأسانيد والأدلة ..

4ـ ومع أنه أول بحث فى هذا الطريق الشائك الوعر..إلا أن المؤلف لم يترك لغيره مجالا للإضافة أو الابتكار .. فهو بحث فريد وأصيل وسابق .. ولم يترك شىء للاحقين إلا أن يسيروا على خطاه منبهرين أو غاضبين .