مكتبة منصور أرشيف دائم
EN / AR
الكتب 2010

شخصية مصر بعد الفتح الإسلامي

مقدمة

لأن التهديدات بالقتل تنهال علينا فقد أوقفت مؤقتا وقليلا البحث فى الموضوعات الجديدة واستكمال سلاسل المقالات لأتفرغ لنشر ما سبق تأليفه أو نشره فى القرن الماضى لأعيد نشره فى موقعنا (اهل القرآن ) وموقع الحوار المتمدن .

وهو حق متاح مجانا لكل من أراد اعادة النشر لكل مؤلفاتنا ، ولكن بدون احتكار للنشر .

.

ونبدأ بكتاب ( شخصية مصر ربعد الفتح الاسلامى ) وقد كان منشورا ومقررا على طلبة قسم التاريخ بجامعة الأزهر عام 1984 .

وهو يناقش قضية هامة : إلى أى حد أثّر الفتح (الاسلامى ) فى مصر دينيا ، واستراتيجيا وسياسيا ؟

نترككم مع هذا الكتاب والذى ننشره على حلقات .

والله جل وعلا هو المستعان

الفهرس

شخصية مصر بعد الفتح الإسلامي

دكتور : أحمد صبحي منصور

قسم التاريخ الإسلامي والحضارة الاسلامية - جامعة الأزهر

1984

كل الحقوق محفوظة للمؤلف

الفهرس

المقدمة

الفصل الأول : الفتح الإسلامي والاستراتيجية السياسية لمصر بعد الفتح

أولا:     استراتيجية مصر قبل الفتح الإسلامي

في العصر الفرعوني , في العصر البطلمي

ثانيا:     الفتح الإسلامي لمصر:

فتح مصر بعد فتح الشام , حوادث الفتح , محاولات الاسترداد الرومية

ثالثا:     مصر والأمويون

في الحرب الأهلية بين معاوية , في الحرب بين الأمويين والزبيريين, مصر وانهيار الأمويين

رابعا:     مصر والدولة العباسية

مصر في عصر قوة العباسيين : مصر الطولونية:

ابن طولون يدعم نفوذه في مصر, ابن طولون والسيطرة على الشام ,خمارويه والسيطرة على الشام ، نهاية الدولة الطولونية .

الدولة الإخشيدية:مصرقبل الدولة الإخشيدية , الإخشيد وتأكيد سلطانه على مصر والشام .

خامسا:     مصر الفاطمية

             قيام الدولة الفاطمية في المغرب وتطلعها نحو مصر , الخلفاء الفاطميون في القاهرة ,

             الفاطميون والشام , الدولة الفاطمية بين القوة والضعف , نهاية الدولة الفاطمية في الشام ومصر .

سادسا:     مصر الأيوبية

             صلاح الدين يوطد نفوذة في مصر , صلاح الدين يستولى على الشام , صلاح الدين

             والصليبيون في مصر والشام

             بعد صلاح الدين : خلفاء صلاح الدين في مصر والشام، الصراع بين أبناء صلاح الدين في مصر والشام العادل يستغل الصراع لصالحة،الحملة الصليبية على مصر،استفادة

             الصليبين من تنافس أبناء العادل، حملة لويس التاسع.

سابعا:     مصر المملوكية

خطوات إقامة وتوطيد الدولة المملوكية في مصر , المماليك والشام , استعراض الدولة المملوكية الشام ونهاية الدولة المملوكية

الفصل الثاني : الفتح الإسلامي  الحياة الدينية المصرية

أولا:     الإسلام ومصر قبل الفتح الإسلامي 

معنى الإسلام , معرفة مصر بالإسلام قبل الفتح الإسلامي التمصير والتصدير ,

مناحي التأثير المصري علي غير المصريين، بداية المسيحية، بولس وانحراف المسيحية

دخول المسيحية مصر وتمصيرها.

ثانيا:     الإسلام ومصر بعد الفتح الإسلامي

مراحل اعتناق المصريين للإسلام: المرحلة الأولى: انتشار الإسلام في هذة المرحلة، المرحلة الثانية سماتها. انحراف التشيع العقيدي

التشابه والاشتراك في الحياة الدينية بين المسلمين والأقباط في مصر .

اتجاهات الاشتراك الديني بين المسلمين والأقباط .

ثبت المصادر

الفهرس

مقدمة الطبعة الأولى

الفصل الأول : الفتح الإسلامي والاستراتيجية السياسية لمصر بعد الفتح

أولا:     استراتيجية مصر قبل الفتح الإسلامي

في العصر الفرعوني , في العصر البطلمي

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

1 ـ (الفتح الإسلامي لمصر ) مصطلح تاريخي يضم عناصر ثلاثة : الفتح ، وكونه فتحا إسلاميا ، وكونه جرى على أرض مصر.

نقول ( الفتح ) وليس كما يقول الآخرون ( الغزو ) ، فالغزو هو هجوم أو هجمات لا ينشأ عنها مثل ذلك الذى ينشأ عن الفتح من احتلال مستمر ثابت ومستقر مع تغيير فى سلطة الحكم ، وإقامة دولة جديدة تستمر وتترك بصماتها على الشعب التى احتلت أرضه ، و تحكمت فيه . فالعرب كانوا يغزون جنوب العراق قبل ظهور الاسلام ، و هذه الغزوات تختلف عن الفتح العربى لكل تلك المناطق ، والفاطميون كانوا يرسلون غزوات للهجوم على مصر فى حكم الدولة الاخشيدية ، واختلف الوضع بعد أن قاموا بفتح مصر و تأسيس الدولة و الخلافة الفاطمية فيها ، وبنفس المنطق نقول ( الفتح العثمانى ) مع إنه (فتح ) لبلاد إسلامية ، ولكنه فتح دخلت به تلك البلاد فى عصر جديد استمر قرونا ، وترك بصماته على التاريخ المحلى و التاريخ العالمى .

ونقول الفتح الإسلامى وليس الفتح العربى لأن العرب بدون رفع راية الإسلام لم يكن لهم أن يحلموا ـ مجرد حلم ـ بفتح معظم العالم المعروف وقتها . راية الاسلام التى رفعوها فى حروبهم هى التى قامت بتوحيدهم وتكوين دولة قوية لهم توسعت و فتحت كل تلك المصار ، ومنها مصر.

2 ـ الفتح الإسلامي لمصر له وجه سياسي تحولت به مصر من ولاية رومية إلى ولاية تتبع الدولة العربية الإسلامية التي هزمت الروم في الشام وطاردتهم في مصر فكان فتح مصر .. وبه استمرت مصر تؤدي دورها خلال الدولة الأموية ثم العباسية إلى أن تعاظم هذا الدور بالدولة الفاطمية وما تلاها .

والفتح الإسلامي لمصر له وجه ديني أصبحت به ( مصر المسيحية ) دولة إسلامية وظلت تحمل هذه اللافتة ، حتى يومنا هذا .

3 ـ بيد أن (مصر ) التي شهدت (الفتح الإسلامي ) سنة 640 م كان لها تاريخ سابق متصل الحوادث سبق الفتح الإسلامي بنحو خمسين قرنا من الزمان .

لقد بدأ التاريخ الإنساني بمصر , فالمصري أول من عرف الاستقرار والزراعة وتكوين الدولة وإقامة الحضارة والكتابة والتدوين والنظم السياسية والفن والعمارة . وأقام المصريون حضارات راقية قبل التاريخ تمثلت في عشرات المقاطعات التي تناثرت حول النيل في الوادي الخصيب , ثم بدأ التاريخ لمصر المتحدة حين استطاع ( مينا ) أن يوحد الشمال والجنوب في مملكة واحدة هي مملكة منف وذلك قبل الميلاد بنحو 3200 سنة , وقبل الفتح الإسلامي بنحو 3840سنة .  

وقبل الفتح الإسلامي لمصر تتابعت منذ عصر (مينا ) ست وعشرون أسرة حاكمة بعشرات من الحكام الفراعنة عبر ثلاث دول ( القديمة -  الوسطى - الحديثة ) إلى أن سيطر الفرس على مصر سنة 525 ق.م . وتبعهم اليونان 332 ق. م . ثم الرومان 30 ق. م . ثم كان الفتح الإسلامي سنة 642 م .

فالفتح الإسلامي لم يكن أول فتح لمصر , فقد فتح مصر الهكسوس ثم الفرس ثم اليونان ثم الرومان واستمرت مصر ولاية رومانية من (30 ق. م : 642  م ) فإلى أي حد أثر الفتح الإسلامي على الاستراتيجية السياسية لمصر ؟ هذا هو موضوع الفصل الأول من خلال بحثنا عن (شخصية مصر بعد الفتح الإسلامي).

لقد واجهت مصر قبل الفتح الإسلامي كثيرا من الغزوات والفتوحات وخضعت لأمم شتى من شرقيين وغربيين , من برابرة ومتحضرين .. إلا إن مصر كانت قد استكملت بنيانها الحضاري والثقافي والديني عبر تاريخ طويل متصل بلغ عشرات القرون , وساعد عليه ذلك الانعزال النسبي للمصريين , فالصحاري تحيط بهم من الشرق والغرب وهم ملتصقون بالنيل يجدون فيه الوفرة والأمن والاستقرار والارتباط بالمكان والأرض ، وبذلك نمت الحضارة المصرية وترعرعت وتبلورت شخصيتها وتميزت عن غيرها من الحضارات ، بل وأثرت فيما حولها من حضارات ناشئة .

ولم يكن لحضارة بهذا التراث وذلك التفرد أن تتأثر بغزوات الفاتحين , بل صار العكس وهو أن الحضارة المصرية استطاعت أن تبهر الغزاة وان تهضم ما جاءوا به من مؤثرات جديدة وتضفي عليها الطابع المصري لتصبح بعد حين رافدا من روافد الحضارة المصرية ومعبرا عنها , وذلك ما يعرف في التاريخ المصري بالتمصير , فقد خضع الغزاة لمصر لهذا التمصير , برابرة كانوا أم متحضرين , فالهكسوس ما لبثوا أن عبدوا الآلهة المصرية وتشبهوا بالفراعنة ,والاسكندر الأكبر الفاتح  المثقف دارس الفلسفة ذهب بنفسه خاضعا لمعبد (آمون ) في سيوة , وسار على نهجه خلفاؤه البطالمة في مصر فغلبت عليهم الصبغة الفرعونية أكثر من الصبغة اليونانية .

لقد جاء الفتح الإسلامي بدين جديد يخالف الدين الذي يمثل الشخصية الحقيقية للحضارة المصرية , فإلى أي حد أثر الإسلام في شخصية مصر ؟ وإلى أي حد استطاع ( التمصير ) أن يضفي الطابع المصري على نوعية التدين عند المصريين بعد اعتناقهم للإسلام ؟ ..  ذلك هو موضوع الفصل الثاني من بحثنا عن ( شخصية مصر بعد الفتح الإسلامي ) .

3 ـ إن الفتح الإسلامي لمصر وغيرها لم يكن شيئا عاديا في التاريخ العالمي بالمقياس العسكري أو بالمعيار الديني , فلم يشهد مثله التاريخ العالمي على امتداده انتصارات عسكرية على أقوى دولتين في العالم وقتها ( الفرس والروم ) بحيث تنتهي من الوجود نهائيا قوة الفرس الرهيبة وتنحسر فيما وراء البحار قوة الروم , ثم تتسع الانتصارات وتتعاظم الفتوحات  لتصل من حدود الصين شرقا إلى حدود فرنسا غربا, وفي زمن قياسي لم يعرف التاريخ له نظيرا إلا في الفتوحات الإسلامية .

وبالمعيار الديني فقد عرفت شعوب الأرض على طول الفتوحات الإسلامية في القارات الثلاث - العالم القديم -  شهادة التوحيد والقرآن الذى فيه العدالة الاجتماعية والمساواة , واهم من ذلك كله أن أصبح لهم كتاب سماوي معجز بدستور يبين الحق من الباطل يحكم على القوى والضعيف والأمير والأجير ، ويظهر انحراف الحاكم ويبطل ادعاءات الحكم المطلق والإلهي , فيه الحجة على كل منحرف وضال مهما تخفى وتلون .

وإذا كان الفتح الإسلامي شيئا فريدا فإن مواجهته مع شخصية مصر ( الفريدة ) يغري الباحث بتعقب الآثار الناجمة عن المواجهة والالتحام بينهما.

 لقد عاشت الحضارة المصرية 3840 عاما على تراث يناقض الدين الذي جاء به الفتح الإسلامي , وتعودت الحضارة المصرية أن تمصر كل وافد جديد إليها , وعاشت مصر بحضارتها تلك مع الإسلام اقل من ثلث المدة التي قضتها قبل الإسلام .. ولم يكن الإسلام والفتح الإسلامي بالشيء الهين .. فهل كانت شخصية مصر بعد الفتح الإسلامي استمرارا لشخصيتها قبله ؟ آم كان هناك تغيير ؟ وإلى أي مدى .. هذا ما نحاول الإجابة عليه فى هذا الكتاب المقرر على أبنائنا الطلبة فى قسم التاريخ و الحضارة الاسلامية فى جامعة الأزهر .            

والموضوع عسير وشائك , إلا إن ذلك لا ينبغي أن يكون حائلا يمنع الوصول للحقيقة , وحتى إذا كان ثمة خطئ فإن الكمال لله وحده , ويكفي المجتهد إذا أخطأ انه حاول الوصول للحق بإخلاص وإذا حرم من الوصول إليه فلن يحرم -  بكرم الله من أجر المجتهد المخطئ..     

( ربنا لا تؤاخذنا أن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا, كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به , واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ) . 

د. أحمد صبحى منصور

القاهرة 1984 .

الفصل الأول

الفصل الأول

الفتح الإسلامي

والاستراتيجية السياسية لمصر

بعد الفتح

أولا -  استراتيجية مصر السياسيةقبل الفتح الإسلامي

استراتيجية مصر السياسية في العصر الفرعوني :

بدأ الإنسان بالاستقرار وتكوين الدولة المكتملة على أرض وادي النيل في مصر , وفي هذا العصر المبكر منذ أكثر من خمسين قرنا من الزمان قامت الأسر الحاكمة في الدولة القديمة بمصر وعرف المصريون الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي والنبوغ المعماري حيث أقيمت الأهرامات في عصر الأسرة الرابعة (2720- 2560 ق0م) 0

وفي هذا العصر المبكر عرف الإنسان لأول مرة أن لكل دولة دورة تبدأ بالضعف ثم القوة ثم تعود للضعف و الاضمحلال ، وهذا ما حدث في الدولة المصرية القديمة (3200-2250ق0م )الذي بدأ (مينا) تاريخه بتوحيدها ثم وصلت إلى مرحلة القوة والازدهار في عصر الأسرة الرابعة ثم بدأ الضعف والانهيار إلى أن جاء الانهيار التام في نهاية الأسرة السادسة حوالي 2250 ق0م 0 وبدأت دورة تالية في عصر الدولة الوسطى بتجميع البلاد وإتحادها ثم كان الازدهار في الأسرة الثانية عشرة (2000-1790) ثم تنتهي الدورة الحتمية بانهيار الدولة الوسطى بنهاية الأسرة الثالثة عشرة (1700 ق0م ) 0

فالأمم كالأفراد تبدأ من ضعف ثم تقوى وتشتد ثم تذبل وتموت ، وهذا ما عرفته الإنسانية لأول مرة في مصر حيث قامت فيها أولى الدول في العالم في وقت كان الإنسان فيه يحترف الصيد والرعي ولما يعرف بعد الاستقرار وتكوين الدول .

وقد انهارت الدولة القديمة في مصر وتفككت مصر إلى مقاطعات وأجزاء وسادها الاضطراب الذي استمر من الأسرة السادسة في الدولة القديمة إلى الأسرة الثانية عشرة (2250 ق0م – 2000 ) حيث أمكن ثانيا توحيد القطرين . ومع هذا فإن انهيار مصر وتفككها إلى مقاطعات في ذلك الوقت لم ينجم عنه غزو خارجي ، لأنه في ذلك العهد المبكر لم توجد على حدود مصر قوة تهددها . 

وتمر الأيام وتنتهي الدورة الحتمية بالدولة الوسطى في مصر بالانهيار التام وتظهر قوة الرعاة في الشرق فينحدرون إلى مصر عبر الشام وسيناء ويبدأ حكم الهكسوس حوالي سنة 1700 ق0م 0

ويبدأ مع  تحكم الهكسوس في المصريين أول صفحة من صفحات الغزو والاستعمار في التاريخ العالمي ، ويبدأ المصريون في طيبة في كتابة أول صفحة في سفر المقاومة ضد المستعمر .. وينجح أحمس الأول في طرد الهكسوس وتحرير مصر ولكن لم تعد مصر أحمس كمصر السابقة ، لقد بدأ في مصر (في الدول الحديثة) عصر القوة والفتح وصارت لها إستراتيجيتها السياسية منذ عهد أحمس وحتى الآن . 

في الدولة القديمة لم يكن يوجد خطر خارجي يهدد حدود مصر لذا فإن انهيار الدولة القديمة لم ينتج عنه طمع الأمم المجاورة في مصر لأنه لم توجد بعد أمم مجاورة . ولكن تمر الأيام ويصبح لمصر جيران من الممكن أن يستثمروا ضعفها وهذا ما حدث بعد انهيار الدولة الوسطى في غزو الهكسوس لمصر الذين استولوا على الشام ثم عبروا منه لمصر ..

من هنا تتكون الإستراتيجية السياسية لمصر والتي تتلخص في ( أن حماية مصر هي في السيطرة على الشام لأن الخطر يأتي لمصر عبر الشام، فمن يتحكم في الشام لا يحس بالأمن إلا إذا سيطر على مصر ) .

 وقد طبق أحمس الأول هذه الاستراتيجية حرفيا فلم يكتف بطرد الهكسوس من مصر وإنما طاردهم في الشام إلى حدود العراق واخضع لسيطرته المنطقة مابين سيناء والفرات لتأمين حدود مصر . أي أن (أحمس ) فهم أن الشام ضروري لأمن مصر والحاكم القوي في مصر لابد له أن يسيطر على الشام حماية لمصر . لأن ضعف قبضة مصر على الشام معناها أن يتحكم في الشام حاكم قوي يهدد حدود مصر .

لقد وضع أحمس لمصر أسس الاستراتيجية السياسية وحولها إلى أمة حربية فاتحة تسيطر على الشام وتنقل معارك الدفاع عن مصر إلى الشام , وسار على نهج أحمس خلفاؤه من بعده وأهمهم تحتمس الثالث من الأسرة الثامنة عشر ورمسيس الثاني من الأسرة التاسعة عشر , وخلد التاريخ معاركهم في الشام وأهمها مجدو وقادش .

إلا إن هذه الدولة الحديثة التي أقامها أحمس وبلغت ذروة عظمتها في عهد تحتمس الثالث ورمسيس الثاني لم تلبث أن أتمت دورتها بالانهيار والضعف حتى لقد تحكم في مصر حكام ليبيون في الأسرة الثانية والعشرين (1950 - 740 . ق.م) وتهيأت مصر بهذا الانهيار لاستقبال الغزاة الآشوريين .

وقد توسع الآشوريون في العراق على حساب العيلاميين وفي غضون ألف عام توسعوا في كل اتجاه على حساب الحيثين في الغرب والجنوب الغربي , ثم اتجهوا للشام وقد كان تابعا لمصر فاستولوا عليه إلى فلسطين وأتم الملك الآشوري بنحريب فتح مصر سنة 760 ق . م وكان أعظم ملوك آشور هو آشور باينبال الذي تولى 669 ق. م وقد ركز كل قوته لإخماد ثورات المصريين إلى درجة أن أعداءه العيلاميين انتهزوا فرصة انشغاله بإخماد الثورات المصرية فهاجموه في مملكته ببابل وحملوا منها الغنائم [1] وتخلصت مصر من السيطرة الآشورية إلا إنها لم تتخلص من عوامل الضعف إبان حكم الأسرة السادسة والعشرين (663 - 525 ق. م ) مما أوقع مصر تحت سيطرة غزو آخر قادم من الشرق عبر الشام . ففي منتصف القرن السادس قبل الميلاد ظهرت دول فارسية جديدة هي دولة ميديا التي قضت على الدولة البابلية وورثت أملاكها بين النهرين وتوسعت إلى  فينيقيا وفلسطين .. وكان لابد أن تنحدر إلى  مصر. وتم فتح مصر على يد كابوجيه ( قمبيز ) سنة 525 [2] ق.م. ومنذ ذلك الوقت دخلت مصر -  كالعهد بها في مقاومة الغزو الأجنبي -  في صراع مع الفرس حتى عام 332 ق.م حين حضر الاسكندر الأكبر.

المهم أن ضعف مصر في الداخل وزوال سيطرتها عن الشام في الخارج مكن الآشوريين ثم الفرس من السيطرة على الشام ثم فتح مصر . وأكد ذلك أن الشام هو البوابة الآسيوية لمصر التي يأتي منها الخطر والتحكم في هذه البوابة الشرقية كفيل بحماية مصر من مخاطر الغزو الشرقي .

وما لبث الضعف أن أصاب الإمبراطورية الفارسية في عهد دارا الثالث , وشهد عهده نمو قوة الاسكندر الأكبر وتوحيده للإغريق, والإغريق هم العدو التقليدي للفرس وقتها . وقد استطاع الاسكندر الأكبر أن يثأر من عدوه الفارسي في معركة أيسوس سنة 323 ق. م في آسيا الصغرى . وكان منتظرا أن يطارد الاسكندر عدوه الفارسي إلى العاصمة الفارسية (صوص) ولكنه غير اتجاهه فانحدر جنوبا واستولى على ممتلكات الفرس في الشام , حتى يؤمن ظهره , ويحصر الأسطول الفارسي في البحر المتوسط ويقطع الصلة بينه وبين قوة الفرس البرية , وبعد استيلائه على الشام دخل الاسكندر مصر بدون مقاومة ووجد من المصريين ترحيبا إذ خلصهم من الحكم الفارسي البغيض لنفوسهم , كما إن الصلات كانت وثيقة بين اليونانيين والمصريين . وقد وجد المصريون عونا من اليونانيين في ثورتهم ضد الفرس [3] .

وبعد أن أستخلص الاسكندر مصر من عدوه الفارسي وبعد أن أخضع لسيطرته الشام مع مصر استأنف غزوه فتحرك من مصر قاصدا الفرات سنة 331 فأجهز على الإمبراطورية الفارسية وظل في توسعه إلى أن مات [4] . 323 ق. م بعد أن خلق إمبراطورية واسعة الأرجاء . وكانت مصر من نصيب قائده بطليموس وأسس فيها دولة ( البطالمة) .    

استراتيجية مصر السياسية في العصر البطلمي:  

كان النزاع أهم ما يميز خلفاء الاسكندر الأكبر الذين اقتسموا أملاكه في مقدونيا واليونان وآسيا الصغرى ومصر والشام والعراق . وما يهمنا من هذا الصراع هو ما دار بين السلوقيين في الشام والبطالمة في مصر . فقد أسفرت القسمة عن انفراد سيلوقس بالشام والعراق وبطليموس بمصر, ومصر والشام وحدة استراتيجية واحدة لا تتسع إلا لحاكم قوي واحد . فالحاكم القوي في الشام لا يأمن على نفسه إلا بالسيطرة على مصر , والحاكم القوي في مصر لابد أن يكون الشام في حوزته . ومن هنا كان لابد من الصراع بينهما لكي يتمكن الأقوى منهما من التحكم في مصر والشام معا .

وقد فهم بطليموس الأول استراتيجية الموقع المصري وحدد هدفه منذ البداية في تأمين سلطانه بمصر ورأى الوسيلة المثلى لتحقيق ذلك في ضم جنوب الشام لمصر بالإضافة إلى السيطرة على بعض الجزر في بحر ايجه اليوناني ليأمن منافسيه من الإغريق في مقدونيا واليونان . وقد اتبع خلفاء بطليموس الأقوياء سياسته فدخلوا مثله في صراع حربي مستمر في سبيل السيطرة على سوريا أو جنوبها لتأمين مصر . ونتتبع هذا الصراع على النحو التالي :

1 - في عهد بطليموس الأول (23 3 - 283 ق. م ) : كان بطليموس ينتهز الفرصة للاستيلاء على سوريا , وقد وجدها إبان النزاع الذي جد بين ورثة الاسكندر بعد موت انتيباثروس سنة 319 ق. م وفي غمرة التحالفات والحروب زحف بطليموس إلى سوريا فاستولى على جنوب الشام ولكنه ما لبث أن تراجع عنها أمام ضغط خصومه وأبرزهم انتيجوس في آسيا الصغرى .

ثم توسع انتيجوس في أملاك الاسكندر الآسيوية وضيق الخناق على سيليقوس في الشام , فاضطر سيليقوس للفرار إلى غريمه بطليموس في مصر , وبذلك أصبحت الإمبراطورية الفارسية سابقا والتي افتتحها الاسكندر الأكبر تحت سيطرة خليفته انتيجوس - ما عدا مصر .

وتشبث بطليموس بموقعه في مصر إذ إن سيطرة انتيجوس على الشام معناها أن سلطانه سيمتد إلى مصر , وجمع بطليموس تحالفا من القواد الإغريق وأرسلوا إنذارا موحدا إلى انتيجوس بالتنازل عن معظم المناطق التي استولى عليها أخيرا وأن تعود بابل إلى سيليقوس وسوريا الجنوبية إلى بطليموس في مصر . 

والمهم هنا أن التحالف الإغريقي الذي أفلح بطليموس في تجميعه ضد انتيجوس - اعترف لبطليموس في حقوقه على سوريا الجنوبية تأمينا لموقعه في مصر .  

                                                                                                                                                               ودارت الحرب بين انتيجوس من جهة وبطليموس ومن معه من جهة أخرى , وقد زحف انتيجوس إلى سوريا الجنوبية ورد عنها بطليموس , ثم قام بطليموس بشن هجوم جديد على سوريا الجنوبية فانتصر في موقعة غزة سنة 312 ق. م وتابع بطليموس انتصاراته فاستولى على فلسطين وفينقيا , ثم حاقت به الهزيمة في شمال سوريا سنة311 ق . م فاضطر للانسحاب من فلسطين . وعقد اتفاق تنازل فيه بطليموس عن سوريا الجنوبية . 

ثم اشتعل الخلاف مرة ثانية وعزم انتيجوس سنة 306 على الاستيلاء على مصر , فزحف برا عن طريق سوريا وفلسطين بينما تقدم ابنه ديمتريوس بأسطول بحري . وفشلت الحملة برا وبحرا .

وفي سنة 302 ق م تكون حلف جديد ضد انتيجوس كان أهم أعضائه بطليموس وسيليوقس , وبينما انشغل باقي الحلفاء بحرب انتيجوس في آسيا الصغرى فإن بطليموس أسرع بالاستيلاء على سوريا الجنوبية للمرة الثالثة . ثم أسرع بالانسحاب عنها بسبب إشاعة كاذبة عن انتصار انتيجوس على الحلفاء في آسيا الصغرى , ولكن الحلفاء كانوا قد انتصروا عليهم في موقعة فاصلة عند أبسوس سنة 301 وفيها قتل انتيجوس وفر ابنه ديمتريوس . وبسبب غياب بطليموس عن هذه الموقعة فقد تم توزيع أملاك انتيجوس أضيفت فيه سوريا لسلوقس في بابل ولم يعط بطليموس أكثر من مصر .

ولم يعترف بطليموس بذلك الاتفاق واحتل سوريا للمرة الرابعة وطالب بحقوقه فيها بينما تمسك سليوقس بالاتفاق وأعلن أن بطليموس فقد حقوقه في سوريا لأنه لم يشترك فعليا في القضاء على انتيجوس كما انه انسحب من سوريا بمجرد سماعه إشاعه . ولهذا طالب سليوقس حليفه بطليموس بالانسحاب من سوريا . وظل الحال على ما هو عليه إلى أن توفى بطليموس الأول سنة 283 ق. م .

2- في عهد بطليموس الثاني (285 – 246 ق . م ) :

استمرت في عهده الحروب بينه وبين السلوقيين حول جنوب الشام . ففي سنة 267 ق. م تقدمت قواته فاحتلت دمشق ولكن الملك السلوقي انتيجوس الأول استخلص دمشق ورد قوات بطليموس الثاني إلى فلسطين .

ثم توفى الملك السلوقى انتيجوس الأول وخلفه ابنه انتيجوس الثاني فهبت الحرب السورية الثانية وقد تحالف فيها مع السلوقيين كل من مقدونيا ورودس وافيسوس وملطية . تلاحقت الهزائم البحرية والبرية على بطليموس الثاني ، وانتهت الحرب بصلح تزوج به انتيوجس الثاني من ابنة بطليموس الثاني . وكانت لانتيوجس الثاني زوجة سوريه .

3- في عهد بطليموس الثالث (246 - 221  ق. م ):

بسبب النزاع الأسرى بين زوجتي انتيوجس الثاني تمكنت الزوجة الأولى من قتل زوجها انتيوجس ، ودار الصراع بين الزوجتين في بداية عهد بطليموس الثالث ، وهب الأخير لحماية أخته وصيانة حقوق ابنها على العرش بعد مقتل والده ، وقبل أن يتحرك بادرت الزوجة الأولى بقتل بنت بطليموس وابنها . وبذلك اشتعلت الحرب السورية الثالثة .

وزحف بطليموس الثالث سنة 246 ق.م فوصل للفرات وعبره إلى سيلوقية على نهر دجلة ، إلا إنه اضطر للعودة لمواجهة أزمة داخلية في مصر فانتهز سليوقس الذي تولى العرش في سوريا واستخلص سوريا الشمالية وبقيت في أيدى المصريين سوريا الجنوبية بما فيها فينيقيا وفلسطين .

واكتفى بطليموس الثالث بتوطيد نفوذه في جنوب الشام واستغل الحرب الأهلية التي اشتعلت بين صفوف خصومه في الدولة السلوقية في تحريض الطرفين كل على الآخر فبقيت الدولة السلوقية منقسمة على نفسها وبقيت سوريا الجنوبية في يد بطليموس الثالث حتى وفاته .

4- في عهد بطليموس الرابع ( 221- 205 ق.م ) .

كان خاملا مترددا سيطر عليه أحد أتباعه وهو سوسيبيوس . وقد عاصره في الدولة السيلوقية انتيوجس الثالث الذي ورث دولة مفككة فاستطاع توحيدها وعزم على الاستيلاء على سوريا الجنوبية من مصر وهو يعلم ضعف بطليموس الرابع . ولكن القائد البطلمي في فينقيا استطاع رده عنها .

وتولى سوسيبيوس أمر الإعداد للحرب الرابعة ، فعمل على ازدياد الخلاف داخل الدولة السلوقية استمرارا  لسياسة بطليموس الثالث عن طريق الرشوة والمؤامرات . وكي يكسب الوقت بعث يفاوض الملك السلوقى ويوهمه بأن يكون الاتفاق في صالحه ثم يماطل في هذه المفاوضات اعتمادا على انشغال الملك السلوقى بمواجهة الثورات الداخلية التي يشعل نارها سوسيبيوس من خلف ظهره . وفى هذه الأثناء أعد سوسيبيوس جيشا من الفلاحين المصريين الأشداء دربه في عامين بواسطة ضباط مقدونيين في سرية تامة .

وبعدها كان انتيوجس الثالث قد أكمل توحيد دولته ويأس من مماطلات سوسيبيوس فتقدم بقواته حتى وصل غزة , فوجد الجيش المصري في انتظاره عند رفح سنة 217 ق.م تحت قيادة الملك البطلمى نفسه .

وفى بداية المعركة انهزم الفرسان البطالمة وهرب بطليموس الرابع إلا إن الجنود المشاة المصريين ثبتوا في أول معركة يخوضونها منذ قرون طويلة . وحولوا الهزيمة إلى نصر وعاد الفارون وفى مقدمتهم بطليموس الرابع واحتفظت مصر بسيادتها على جنوب الشام.

5- في عصر الضعف البطلمي :

ودخلت الدولة البطلمية في عهد الضعف فتمكن انتيوجس الثالث سنة 200 ق. م من انتزاع جنوب الشام من مصر . ثم ازداد ضعف البطالمة وازدادت تبعيتهم غير الرسمية لروما التي أخذت تتدخل في الصراع الأسري داخل البيت البطلمي (من سنة 180 ق. م _ 51ق. م )  وفي هذه الأثناء أصبح السلوقيون في الشام خطرا على مصر بعد انتزاعهم لجنوب الشام من البطالمة وازدياد ضعف البطالمة , وهكذا زحف انتيوجس الرابع السلوقي سنة 170 ق. م فاستولى على مصر وتوج في ممفيس فرعونا مصريا حسب التقاليد المصرية . ثم حدث نزاع أسري في أسرة البطلمية في الاسكندرية نتج عنه فرار بطليموس السادس ووقوعه في أسر الملك السوري المقيم في ممفيس واستعدت الاسكندرية لمواجهة الغزو المرتقب لانتيوجس , ولكن بعض السفراء الإغريق تمكنوا من حمل انتيوجس على الرحيل عن مصر . لكنه عاد سنة 168 فاستولى على مصر وحاصر الإسكندرية إلا إن الروم أجبروه على الرحيل [5]  .

وظلت روما تتدخل في شئون البطالمة إلى أن تمكنت من ضمها رسميا بعد مقتل كليوباترا ( 30ق.م ) . 

في العصر الروماني :

كانت مصر آخر قطر في شرق البحر المتوسط سقط في أيدي الرومان عقب موقعة أكتيوم البحرية ودخول أكتافيوس – أغسطس مصر سنة 30 ق.م وإن كانت مصر قبل ذلك قد وقعت تحت النفوذ الروماني في عصر الضعف البطلمي إلى أن انتهى بمصرع كليوباترا .

وأصبحت مصر ولاية رومانية شأنها في ذلك شأن الشام وباقي الولايات الرومانية , ومن ثم لم يعد لها تاريخ مستقل في ذلك العهد أو سياسة مستقلة , وإنما كانت سياستها وأحداثها رد فعل للسياسة التي ترسمها  روما .

على إن  المصريين لم يذعنوا للاستعمار الروماني فلم يكد اكتافيوس - أغسطس - يغادر مصر حتى اشتعلت نيران الثورة سنة 29 ق . وانتشرت في الدلتا والاسكندرية وطيبة والصعيد وتمكن أول وال روماني - هي جالوس - من إخماد الثورة بالكثير من العنف .

أثناء تبعية مصر للرومان تعاقب على حكم روما بعد أغسطس : الإمبراطور تيريوس , ثم كاليجولا ثم كلوديوس ثم نيرون ثم فسبسيان وهكذا إلى أن حل بروما في القرن الثالث الميلآدى محنة كبرى من التنازع على العرش وتدخل الجيش الروماني في تولية الأباطرة وعزلهم أو قتلهم , وكان المصريون من ناحيتهم يبيدون كل ثائر على الحكم الروماني كراهية في الرومان . وأملا في تدمير الإمبراطورية الرومانية .

وقد بلغت الفوضى السياسية والعسكرية في روما أوجها فيما بين ( 252- 268 م ) حيث كثر التتطاحن بين أدعياء العرش واشتد ضعف السلطة المركزية في روما . فأعلنت بعض الولايات استقلالها عن روما وكان من بينها مصر سنة 260 م . ثم تمكنت روما من استعادة سيطرتها على مصر بعد كثير من المذابح .

استيلاء زنوبيا ملكة تدمر على مصر :

أثناء القرون الثلاثة من الإمبراطورية ازدهرت في الشرق إمارة تدمر في الصحراء التي تفصل بين سوريا وبابل واعتمد نشاطها على النقل التجاري  بين الشرق والغرب , ثم خضعت تدمر لسلطان روما وإن تمتعت بنوع من الاستقلال الداخلي .

واستطاع أ ودينات التدمرى أن يكون جيشا بماله من عدة وعتاد وساعد بجيشه الإمبراطور جالينيوس فعينه الإمبراطور قائدا عاما على ولايات الشرق . وتوفى أودينات فخلفته زوجته ( زنوبيا ) التي طمحت لتكوين إمبراطورية منتهزة فرصة الضعف الذي حل بالإمبراطورية الرومانية .

ومن ثم أرسلت زنوبيا جيشا ضخما سنة  269 احتل مصر واقتطعها عن الإمبراطورية الرومانية ، و اضطرت روما للاعتراف بالأمر الواقع فاعترفت بوهب اللات بن زنوبيا شريكا في الحكم , وبعد عام واحد رفض وهب اللات الحكم المشترك وأعلن نفسه إمبراطورا , وهبت الحرب بين روما وتدمر وتمكنت روما من تدمير تدمر إذ أرسلت جيشا من الشمال عبر آسيا الصغرى وجيشا آخر إلى مصر وعادت مصر من جديد للرومان سنة 27 م[6] .

في مصر البيزنطية :

وقد حاول دقلدياقوس ( 284 - 305 م ) إجراء بعض الإصلاحات في الدولة الرومانية لينقذها من الاضمحلال بوضع قواعد جديدة , وقد ظلت تلك القواعد معمولا بها إلى عهد الإمبراطور البيزنطي جستنيان في القرن السادس إلا إن أوضاع الإمبراطورية استعصت على الحل وانهارت روما أمام غارات البرابرة وقبلها انتقل مركز الحكم إلى القسطنطينية التي بناها الإمبراطور قسطنطين . واحتفظت الإمبراطورية البيزنطية بالسيطرة على مصر والشام تاركة أملاكها في أوربا للبرابرة من الهون والجرمان والفرنجة من القبائل المتبربرة [7]  .

إلا إن نمو القوة الرومية في القسطنطينية واجه نمو قوة أخرى في فارس حيث قوي الأكاسرة من بنى ساسان ودار الصراع بين القوتين الشرقية الفارسية والغربية الرومية حيث كان خلفاء جستنيان أقل مقدرة منه فانتشرت الفوضى داخل الإمبراطورية البيزنطية خصوصا مع الانقسام الديني المسيحي مما مكن كسرى من هزيمة فوكاس الرومي وتوغل في الشام واستولى على بيت المقدس وتمكن قائده شهر براز من فتح مصر ودخل الإسكندرية سنة 616 م . بينما وصل جيش فارسي آخر إلى القرب من القسطنطينية . وبهذا تم استيلاء الفرس على كل بلاد آسيا الصغرى وسوريا وفلسطين ومصر وحاول - هرقل - الذي خلف فوكاس - الهرب يأسا .

وهناك في مكة بعيدا عن مجرى الأحداث كان خاتم الأنبياء عليه السلام وأصحابه في إشفاق على ما أصاب الروم من هزائم  وهم أهل كتاب أمام مجوس الفرس ونزل قوله تعالى ( آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ) .

وفعلا في بضع سنين عبر هرقل بجيشه الدردنيل وانتصر على الفرس في أرمنيا سنة 622 م ثم انتصر عليهم مرة ثانية  داخل إيران , وعلى مدى عشر سنوات تمكن هرقل من استعادة الشام ومصر [8] .

ولم ينعم الروم بمصر طويلا إذ هبت قوة جديدة من داخل الجزيرة العربية تحمل الإسلام الدين العالمي ولا يمر وقت طويل حتى تحيل سيوف المسلمين إمبراطورية كسرى إلى أثر بعد عين وتطرد الروم إلى ما وراء البحار . وتصبح مصر مع الشام إمارات إسلامية ,ويدخل تاريخ العالم في منعطف جديد .

وقبل أن نعيش مع مصر في وضعها الجديد تحت حكم المسلمين نتوقف لنستعيد عناصر الاستراتيجية السياسية لمصر قبل الفتح الاسلامى لنرى بعدئذ هل استمرت تلك الاستراتيجية أو تغيرت . .

1- فمصر - شأنها شأن كل البلاد - شهدت عصورا من القوة والضعف في دورة تاريخية تمر بها الأمم تبدأ بالضعف ثم تقوى وتتحد وتزدهر ثم تضمحل وتضعف وتنقسم .

           &nb">  



[1]
حسن بيرنيا: تاريخ إيران القديم. ترجمة د. نور الدين عبد المنعم, د. السباعي محمد السباعي : 44 , 47 . مكتبة الانجلو سنة 1979 .    

[2] حسن بيرنيا: تاريخ إيران القديم. ترجمة د. نور الدين عبد المنعم ,د. السباعي محمد السباعي:87 ,88 . مكتبة الانجلو سنة 1979 .

[3] ألعبادي : مصر من الاسكندر إلى الفتح العربي. 18 ,19 مكتبة الانجلو. سنة 1972 .   

[4] تاريخ إيران القديم : 138 . 

[5] ألعبادي : مصر من الإسكندر إلى الفتح : 32 , 41 ,55 :60 , 65 :67 , 72 : 75 ,78 : 79 , 86 : 87 .

[6] ألعبادي : مصر من الإسكندر إلى الفتح  :  164 , 191 , 197 ,  198 : 199 .

[7] ويلز : موجز تاريخ العالم : 182 :   192 , العبادى : مصر من الإسكندر إلى الفتح : 290 .

[8] ويلز : موجز تاريخ العالم : 192 : 196 , العبادى : مصر من الإسكندر إلى الفتح  : 309 , 310 , وتاريخ إيران القديم 272 .

الفصل الأول

الفتح الإسلامي والاستراتيجية السياسية لمصر بعد الفتح

ثانيا- الفتح الإسلامي لمصر

فتح مصر بعد فتح الشام

بدأ الفتح الإسلامي بالشام والعراق حيث لا توجد موانع طبيعية بين شبه الجزيرة العربية وبين الشام, إذ إنهما امتداد للجزيرة العربية وقد تعودت قريش في الجاهلية أن تقوم بالنقل التجاري بين الشام واليمن في رحلتي الشتاء والصيف,وقد وجه النبي عليه السلام إلى تخوم الشام غزو مؤته وقاد بنفسه غزوة تبوك .

وهكذا فالشام والعراق لم يكونا غريبين بالنسبة للعرب فكان منتظرا أن تبدأ بهما الفتوحات الإسلامية . واختلف الحال بالنسبة لمصر فهناك حائل منيع يفصل مصر عن الحجاز يتمثل في البحر الأحمر وما تحيطه من مرتفعات على جانبيه الشرقي والغربي , فلم يكن ثمة اتصال على نطاق واسع بين العرب ومصر قبيل الفتح الإسلامي .

ولم يفكر العرب المسلمون في فتح مصر إلا بعد أن وصلت جيوشهم الفاتحة إلى جنوبي الشام بعد الانتصار في معركة اليرموك الفاصلة . وقد تولى عمرو بن العاص فتح جنوب الشام فاستولى على بيت المقدس ( 15هـ – 636 م ) وشهد عمرو فلول الروم المنهزمين مع قائدهم أرطبون يفرون إلى مصر فأيقن عمرو ضرورة فتح مصر لتأمين الفتح الاسلامى في الشام .

وقد كان لعمرو بن العاص علم بأحوال مصر إذ زارها في الجاهلية ولمس ما فيها من خيرات وثراء , ثم إذ تولى بنفسه فتح جنوب الشام أدرك أن بقاء مصر في يد الروم يشكل خطورة على المسلمين في الشام , ومن هنا فرضت استراتيجية الموقع المشترك بين مصر والشام فتح مصر بعد فتح الشام .

ولم يكن الخليفة عمر بن الخطاب متحمسا للمزيد من الفتوحات خصوصا مصر التي يفصلها عن الحجاز بحر منيع لا طاقة للمسلمين به , وكان الفاروق يرى ضرورة التريث وعدم التسرع حتى لا يغرر بالمسلمين في مواضع لا علم لهم بها , إذ إن حياة المسلم عنده أثمن من عروش كسرى وقيصر , وقد تقابل الخليفة مع عمرو بن العاص حين قدم الخليفة من المدينة ليتسلم بنفسه بيت المقدس بعد أن استولى عليه عمرو ابن العاص . وفى اللقاء بينهما استأذنه عمرو في فتح مصر وأبان له أن فتح مصر ضروري لحماية أرواح المسلمين والفتوحات الإسلامية في الشام ووافق الخليفة على الفتح بشرط إذا وافاه كتاب منه في الطريق قبل أن يدخل مصر فلابد أن يعود أما إذا دخلها فليمض في سيره فاتحا مستعينا بالله حتى لا يطمع فيه الروم .

وحين وصل كتاب الخليفة إلى عمرو أثناء زحفه نحو مصر فإنه لم يتسلمه إلا بعد أن أيقن أنه دخل حدود مصر فعلا وبذلك بدأ الفتح الاسلامى لمصر .

 بدأ فتح مصر أساسا لتأمين المسلمين في الشام ، وقدر لمصر أن تلعب نفس الدور طيلة الدولة الأموية التي استقرت بالشام .

حوادث فتح مصر :-

سار عمرو في نفس الطريق الذي سار فيه قبله فاتحو مصر عبر الطريق الساحلي لسيناء ، ولم يكن معه حين تحرك من فلسطين أكثر من أربعة ألاف جندي فاستولى بهم على العريش بسهولة في أواخر ( سنة 18 هـ 632 م ) ثم قصد الفرما وقد كان موقعا حصينا للرومان – شرقي

 بور سعيد الآن – وحاصرها شهرا وأمكنه أن يستولى عليها في أوائل سنة 19هـ 640م .

واجتاز عمرو سيناء بعد أن أمن مواصلاته مع الشام والحجاز فاخترق شرق الدلتا إلى بلبيس وحاصرها وقد أقام فيها ارطبون بحامية للروم . واستمر القتال بينهما شهرا استسلمت بعده المدينة في مارس 640 م .  ثم تقدم عمرو جنوبا واشتبك مع الروم في قتال مرير عند قرية ( أم دنين ) وموقعها الآن حديقة الازبكية  ولم يسفر القتال عن نتيجة في بادىء الأمر ورأى عمرو قلة جيشه فبعث للخليفة يطلب المدد . وقبل وصول المدد هزم عمرو الروم في أم دنين  ففرو إلى حصن بابليون .

ولم يشأ عمرو الهجوم على حصن بابليون المنيع بقواته المحدودة ، ولم يشأ أيضا أن يظل بلا حراك منتظرا وصول المدد فعبر النيل بجنده ليفا جيء الروم في الصعيد وليحصل على المؤن اللازمة . وانتصر على جيش رومى في معركة الفيوم ، وقبل أن يستولى على الفيوم علم بوصول المدد الذي ينتظره فعاد إلى عين شمس  وهو يستاق أمامه ما وجده في طريقه من الأنعام . وفى عين شمس التقى بالمدد وهو يتكون من جيش باثني عشر ألفا يقودهم أربعة من أبطال المسلمين وقوادهم هم الزبير ابن العوام والمقداد بن الأسود وعبادة بن الصامت وخارجه بن حذافة والواحد منهم بألف كما قال عمر بن الخطاب ، وبذلك تم جيش عمرو ستة عشر ألف جندي .

واستعد عمرو لمعركة حاسمة مع الروم فاختبر مكان المعركة في عين شمس ووزع قواته فزرع  كمينا في الجبل الأحمر ، وكمينا أخر قرب أم دنين ووقف مع بقية الجيش ينتظر تيودور قائد الروم ومعه عشرون ألف مقاتل . وبدا عمرو هجومه بمن معه على الروم فتراجع جناح الروم نحو الجبل الأحمر ففوجئوا بالكمين يخرج عليهم فحاولوا التراجع إلى أم دنين فحصرهم الكمين الأخر فيها فحاقت بهم الهزيمة ومن نجا منهم اعتصم بحصن بابليون .

وكان حصن بابليون أعظم الحصون الرومانية بناه الإمبراطور ترا جان سنة 100 م على انقاض حصن قديم كان يقيم به بعض الأسرى البابليين فنسب إليهم . وقد لجأ إلى حصن بابليون جموع الروم الفارين أمام عمرو فبلغت عدتهم خمسة آلاف ، وكانت المياه تحيط بالحصن من جهاته الثلاثة ، ولم يكن مع العرب  أدوات للحصار فطالت مدة الحصار حتى بلغت سبعة اشهر .

ودارت المفاوضات بين عمرو و الروم أثناء حصاره للحصن إذ أيقن المقوقس – حاكم مصر الروميةــ تصميم المسلمين على فتح الحصن . وصمم المسلمون على أن يختار الروم واحدا من ثلاثة إما الإسلام وإما الجزية وإما القتال . ومال المقوقس إلى الموافقة على الجزية وبعث يستشير الإمبراطور فاتهمه بالعجز وعزله ونفاه .

ومات هرقل فارتفعت الروح المعنوية للمسلمين وانحصرت مياه الفيضان حول الحصن وردم المسلمون جانبا من الخندق المحيط بالحصن ، وتسلل الزبير بن العوام للحصن فعلاه وهتف ( الله أكبر ) فارتاع الروم بداخل الحصن وتحمس المسلمون وتبعوه في اقتحام الحصن بعد أن فتح لهم الباب ، وبذالك سقط الحصن وتسلمه المسلمون من قائده وخرج منه  الروم وليس معهم سوا زاد يكفى بضعة أيام .

وبسقوط حصن بابليون لم يبق أمام العرب من تجمعات للروم إلا في الإسكندرية وهي العاصمة يومئذ وكانت ثاني المدن في الإمبراطورية البيزنطية في التحصين والمنعة , فالبحر المتوسط يحميها من الشمال بالأسطول البيزنطي وبحيرة مريوط تحميها من الغرب والجنوب الغربي , أما من الشرق والجنوب حيث وصل عمرو فكانت تحيط بها أسوار عالية ذات أبراج قوية وليس لدى عمرو من أدوات للحصار . وبذلك أمتد الحصار للإسكندرية أربعة شهور , ولم يحتمل عمرو الوقوف ساكنا أمام أسوار المدينة فترك قوة من جيشه مقيمة على الحصار وتجول في شمال الدلتا يقضي على الجيوب الرومية حتى وصل دمياط ثم عاد للاسكندرية .

وأبطأ الفتح على الخليفة فكتب يحث عمروا على فتحها وقال ( ما أبطأ بفتحها إلا لما أحدثوا ) وبعث لعمرو يقول له ( أما بعد فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر إنكم تقاتلون منذ سنتين ما ذاك إلا لما أحدثتم أحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم وإن الله لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم .. ) .

واستعد عمرو لاقتحام الإسكندرية ولكن الظروف في الإمبراطورية البيزنطية ساعدته إذ توفى خليفة هرقل في نفس العام الذي مات فيه هرقل سنة 641 وظهر انقسام في الجيش وفتن مع تولى الإمبراطور قنسطانز فأصدر أوامره للمقوقس بأن يفاوض المسلمين ليتسلم الإسكندرية حتى يتفرغ قنسطانز لمشاكله الداخلية .

وعقد المقوقس مع عمرو معاهدة في أكتوبر 641 تضمنت عقد هدنة إحدى عشر شهرا يتم جلاء الروم خلالها نهائيا عن مصر وألا يحاول الروم استرداد مصر فيما بعد وأن يقدم الروم رهائن للمسلمين لضمان تنفيذ المعاهدة ودفع الأقباط الجزية دينارين ويدفعها جنود الروم إذا سافروا برا وتأمين المسيحيين وكنائسهم وكذلك اليهود .

وبعد انقضاء الهدنة ورحيل الروم دخل المسلمون  الإسكندرية في سبتمبر 642 وصارت مصر ولاية إسلامية وصار المصريون أهل ذمة في حماية المسلمين .

محاولات الاسترداد الرومية :-

ولم يسكت قنسطانز عن سقوط مصر والشام في أيدي المسلمين , ورأى أن يبدأ باستعادة مصر وبعدها يمكنه استرداد الشام, وخطط للاستيلاء على الإسكندرية كبداية لاسترداد مصر , ولم يكن للمسلمين في الإسكندرية إلا ألف جندي فاستطاع أسطول الروم في الإسكندرية أن يقضي عليهم وسهل على الأسطول البيزنطي أن يعزز الوجود الرومي في الإسكندرية إذ لم يكن للعرب عهد بركوب البحر ولا القتال فيه.

وبعد استيلائهم على الإسكندرية تقدموا إلى الداخل ,وكان الوالي وقتها عبدالله بن أبى السرح في خلافة عثمان بن عفان , ولم يستطع صدهم فاضطر الخليفة عثمان لإرسال عمرو بما له من خبرة في قتال الروم .

وتمكن عمرو من هزيمة الروم عند منوف ثم طاردهم فتحصنوا في الإسكندرية وأغلقوا أبوابها في وجه عمرو , واستمر الحصار للمرة الثانية حتى أقسم عمرو ليهد من أسوارها إذا أمكنه الله منها , وبر بقسمه بعد أن فتحها عنوة وطرد الروم منها .

وأدرك عبد الله بن أبى السرح أهمية تكوين بحرية إسلامية حتى لا يظل البحر المتوسط حكرا على الأسطول الرومي يهدد سواحل المسلمين في الشام ومصر , وتعاون ابن أبى السرح مع معاوية والي الشام في تكوين أول اسطول إسلامي بمعونة أبناء البلاد الساحلية الذين دخلوا في الإسلام .

ورأى قسطنطين أن يقوم بإجهاض البحرية الإسلامية الناشئة عله يتمكن من العودة للشام ومصر عن طريق البحر ودارت معركة ذات الصواري ( 34هـ _ 654م ) بين الأسطول الإسلامي يقوده عبد الله بن أبي السرح وتعداده مائتا سفينة, والأسطول البيزنطي يقوده الإمبراطور قسطنطين الرابع بنفسه وتعداده خمسمائة سفينة . وانتصرت البحرية الإسلامية الناشئة وهرب أسطول الروم وجرح الإمبراطور ولجأ إلى صقلية حيث قتله أتباعه لتخاذله أمام المسلمين , وبذلك أصبح البحر المتوسط بحرا إسلاميا وضاع أي أمل للبيزنطيين في استرجاع مصر والشام .

وبدأت مصر والشام عهدا جديدا في الدولة الإسلامية .

وبعد فقد كان الاستيلاء على الشام مقدمة للاستيلاء على مصر في الفتوح الإسلامية, وهذه حقيقة ظهرت قبل ذلك في الفتوح التي أتت لمصر في العصور السابقة  للفتح الإسلامي . بدءا من الهكسوس ومرورا بالاشورين والفرس , فقد استولوا على الشام وانحدروا منه إلى مصر .

لقد كانت مصر في بداية الفتوح عمقا استراتيجيا للفتوح الإسلامية في الشام, وكان الشام وقتها مع العراق يشكل واسطة العقد في البلاد المفتوحة , وحتى بعد أن وصلت الفتوحات الإسلامية غربا إلى المغرب والأندلس فقد ظلت مصر عمقا للأمويين في الشام يحمي ظهورهم أمام منافسيهم الذين يتركزون في العراق والشرق والحجاز .

كان ذلك دور مصر طيلة العصر الأموي بل منذ الحرب الأهلية بين على ومعاوية .

المراجع عن الفتح الإسلامي لمصر:

*ابن عبد الحكم فتوح مصر : 56: 73 .

* تاريخ الطبري : 4/ 104 : 111  بتحقيق أبو الفضل إبراهيم .دار المعارف .

* خطط المقريزي 1 / 353 : 315 ,54 : 551 ط. دار الشعب .

* السيوطي: حسن المحاضرة : 1 / 106 : 124 تحقيق أبو الفضل  

الفتح الإسلامي والاستراتيجية السياسية

الفصل الأول

الفتح الإسلامي والاستراتيجية السياسية لمصر بعد الفتح                  

   ثالثا- مصر والأمويون

في الحرب الأهلية بين على ومعاوية :- 

انفتح العرب على العالم الخارجي حين ورثوا أملاك الروم والفرس وتحكموا في بلاد  زراعية ثرية مترفة. وبعد مقتل ( عمر ) الذي ساسهم بالحزم والصرامة تولى (عثمان ) وهو مشهور باللين والحياء والتردد والسخاء فانشغل العرب بالدنيا ووقع بينهم التنافس وتلاطمت أمواج الفتنة والشقاق وأودت بحياة ( عثمان ) . 

وتفتحت شهية العرب للتمتع بثمار الفتوح ولم يكن ( علي ) بالشخص المناسب لذلك العهد , (فعلي ) يمثل الرعيل الأول من الصحابة واقرب الناس إلى طريقة ( عمر ) وحتى (عمر ) نفسه في عهده قد أحس بأن الناس قد ملت صرامته , ثم تطور الأمر بفتح (عثمان ) الأبواب أمامهم للتمتع فاغترفوا منها ولم يعد بوسعهم العودة لمنهج (عمر ) أو منهج (علي ) السائر على طريق (عمر ) .

لقد تبدل الناس غير الناس في خلافة (علي ) , لقد كان ( علي ) من رعية ( عمر ) فأصبح أبناء الدنيا والفتن والشقاق هم رعية (علي ) . من هنا فإن العصر لم يعد عصر (على ) وإنما عصر معاوية , عصر ملك يحكم ولا يتقيد بالدين إلا فيما يخدم سياسته ولا يتعارض معها , بهذا كانت سياسة معاوية الملك – بعد عصر الخلفاء الراشدين .

وقد عارض (أبو سفيان ) الإسلام في مكة وكان رأس حربة ضده بعد الهجرة للمدينة وذلك حرصا منه على مصالحه فلما تم فتح مكة وأصبح (أبو سفيان ) وآله الأمويون من مسلمة الفتح صمم على أن يتقدم الصفوف بأبنائه حرصا منه على بقاء مصالحه في الوضع الجديد , وكانت الفتوح فرصة أثبت فيها الأمويون جدارتهم الحربية ثم السياسية , وخرجوا من الفتوح وهم يحكمون الشام ومصر باسم الإسلام . وتعاظمت فرصة الأمويين بتولي (عثمان ) الخلافة وهو أموي الأصل , فسيطروا عليه في حياته واستغلوا مقتله في توطيد نفوذهم في الشام ومناوأة (علي ) حين تولى الخلافة بعد (عثمان ) وبادر بعزل ولاة (عثمان ) من الأمويين الذين افسدوا عليه الأمر وكانوا السبب الحقيقي في الفتنة وفي مقتله .

وأثناء انشغال (علي ) بأهل الجمل الثائرين عليه كان (معاوية ) في الشام يعد العدة للاستيلاء على مصر , لقد فهم (معاوية ) استراتيجية المنطقة وأيقن أن مصيره في الشام مرتبط بسيطرته على مصر , وأكد له ذلك الرأي حليفه ( عمرو بن العاص ) الذي بايعه على الخلافة . و(عمرو بن العاص ) هو فاتح مصر بعد فتحه جنوب الشام وأول من أدرك أهمية الموقع الجغرافي بين مصر والشام .

لذا فإن (عمرو ) و (معاوية) تعاونا معا في قتل ( ابن أبى حذيفة ) الناقم على الخليفة ( عثمان ) والذي أخرج من مصر واليها ( عبد الله بن أبى السرح ) في الوقت الذي تولى فيه ( على ) الخلافة , ولم يتريث ( معاوية ) و ( عمرو ) بل أسرعا – وقت انشغال ( علي) بمعركة الجمل -  فحاولا دخول مصر للاستيلاء عليها, فلم يتمكنا فلجأ ( عمرو ) للخديعة وما زال ( بابن حذيفة ) يخادعه حتى أخرجه إلى العريش في ألف رجل وتحصن بها وحاصره فيها ( عمرو ) و ( معاوية ) ونصبا عليه المنجنيق حتى نزل في ثلاثين من أصحابه فقتلوهم .

وبعث ( على ) واليا من قبله على مصر هو ( قيس بن سعد بن عبادة ) المشهور بالدهاء فدخل مصر , واستقام له أمر الناس وكان في مصر جماعة من أتباع ( عثمان ) اعتصموا بقرية يقال لها ( خربتا ) ورأى ( قيس ) مهادنتهم فاستجابوا له قائلين ( إنا لا نقاتلك فابعث عمالك فالأرض أرضك لكن أقرنا على حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس ) ودعا – مسلمة بن مخلد الانصارى ) للأخذ بثأر عثمان وأيده جماعة من الأنصار , فبعث إليه ( قيس بن سعد ) وهو أنصارى مثله – يقول له ( ويحك على تثب ؟ فوالله ما أحب أن لي ملك الشام إلى مصر وأنى قتلتك ) فبعث إليه مسلمة ( أنى كاف عنك ما دمت أنت في مصر ).

ولم يكن ( معاوية ) ليهدأ وهو يرى ( عليا ) ينتصر في الجمل ويرى والى ( علي ) في مصر يمهد أمرها  له , فأيقن بالهلاك إن لم يسيطر على مصر لأنه إن لم يفعل فأمامه (علي) في العراق وخلفه( قيس بن سعد بن عبادة) في مصر وسيحاصرانه بينهما . فحاول بالدهاء والتهديد أن يسير حال ( قيس ) فكتب إليه ( قيس يلاطفه ويباعده ولم يقتنع معاوية فكتب لقيس . أما بعد فقد قرأت كتابك فلم أرك تدنو فـأعدك سلما ولم أرك تباعد فأعدك حربا . ليس مثلي يصانع المخادع ولا يتنزع للمكايد ومعه عدو الرجال وبيده أعنة الخيل . لما  قرأ  قيس كتاب معاوية ورأى أنه لا يقبل المهادنة والملاطفة كتب إليه بموقفه الصريح في الولاء ( لعلى ) والخصومة له ومن معه .

ولما لم يفلح ( معاوية ) مع ( قيس ) عزم على الإيقاع بينه وبين ( علي ) ليعزله ( علي ) عن مصر . فقال ( معاوية ) لأهل الشام ( لا تسبوا قيس بن سعد ولا تدعوا إلى غزوه فإنه لنا شيمة يأتينا كيس نصحه سرا , ألا ترون ما يفعل بإخوانكم الذين عنده من أهل خربتا يجرى عليهم اعطياتهم .. ويؤمن سربهم ويحسن إلى كل راكب قدم عليه منكم ) وبلغ ذلك جواسيس ( علي ) بالشام فأوصلوا الحديث ( لعلي ) .

واختلق ( معاوية ) كتابا من ( قيس بن سعد ) ادعى أن ( قيسا ) كتبه إليه فقرأه على أهل الشام فيه التأييد( لمعاوية ) أقتنع ( علي) بأن قيس بن سعد يماليء معاوية , إذ أرسل (علي ) إليه يطالبه بقتل أهل خربتا ولكن (قيس بن سعد) رفض قائلا (أتأمرني بقتال قوم كافين عنك مفرغيك لقتال عدوك , وإنك متى حاربتهم ساعدوا عليك عدوك ) .

وهكذا أفلحت خدعة معاوية فجعل عليا يعزل قيسا عن مصر ويستريح معاوية من وال حازم داهية كان شوكة في جنبه بمصر .

فيما بعد التقى (قيس ) بالخليفة ( علي ) وفهم ( علي)  جلية الأمر ولكن بعد فوات الأوان وعين (علي ) (الاشتر النخعي ) واليا على مصر (والاشتر) هو قائد ( علي ) في معركة صفين والذي استطاع أن يصل بخيله إلى فسطاطا (معاوية) في المعركة , أي أن (عليا) يقصد أن يقهر (الاشتر) ( معاوية) في مصر كما قهره في صفين , ويتمكن (علي) من الضغط على(معاوية) من الشرق ويضغط عليه (الاشتر) من الغرب , وأحس معاوية بالخطر إذا وصل(الاشتر) إلى مصر و(الاشتر ) شديد البأس والحماس فدس معاوية له من سقاه سما في الطريق كان فيه حتفه .

وأرسل (علي) واليا آخر على مصر هو (محمد بن أبي بكر الصديق ) ومكانته معروفة باعتباره ابنا (لأبي بكر الصديق) صاحب رسول الله عليه السلام وأول الخلفاء الراشدين  وكان (محمد بن أبي بكر ) من مؤيدي (علي ) من البداية للنهاية, إلا إن (محمد بن أبي بكر ) لم يكن في دهاء (قيس بن سعد ) وحكمته في التعامل مع أصحاب (خربتا) الناقمين على قتل( عثمان) والمطالبين بثأره , والذين وادعهم (قيس بن سعد ) في ولايته وكف شرهم عنه.

وقد بادر (محمد بن أبي بكر ) بالهجوم عليهم ونهب دورهم فشبت بينهم الحرب , وعقد صلح بينهم وسمح لهم بمقتضاه أن يلحقوا  بمعاوية في الشام , وبذلك أدت سياسة (محمد بن أبي بكر) إلى تعضيد (معاوية ) في حربه ضد( علي) بإرسال مقاتلين جدد هم أصحاب (خربتا ) .

أحس معاوية بأن الأحوال مناسبة له لينتزع مصر من ( محمد بن أبى بكر ) فأرسل إليه من يفوقه دهاء ومقدرة حربية ودراية بأحوال مصر , وهو فاتحها ( عمرو بن العاص حليفه في الخلاف ضد ( علي ) , والذي بمشورته في صفين استطاع أن ينجو من هزيمة ساحقة وأن يبث الخلاف بين أتباع ( علي ) فيخرج عليه ( الخوارج ) حين أشار بتحكيم كتاب الله .

أي وأنه وكما تنازل ( علي ) عن قائده ( الاشتر ) وهو في أشد الحاجة له في مواجهة الخوارج وفضل إرساله إلى مصر نكاية في معاوية , فان معاوية .. بعد التخلص من ( الاشتر ) أرسل لمصر حليفه ( عمرو ) وثاني رجل بعده في الخلاف  ليستحوذ على ( مصر ) من ( محمد بن أبى بكر ) وقد تمكن ( عمرو ) من هزيمة ( محمد بن أبى بكر ) و قتله سنة 38هـ [1] .

ويلاحظ (أن معاوية) بعث (عمروا) لمصر على انه إذا  فتحها تكون طعمة له أي ضيعة خاصة يجنى خيرها لنفسه, ومعناه أن ثراء مصر المشهور وما تضيفه إلى بيت المال من خراج وجزية لا يعدل عند (معاوية) أهميتها الاستراتيجية , فتنازل عن مواردها المالية الوفيرة (لعمرو) في نظير أن تكون مصر له عمقا استراتيجيا في مواجهة (علي) بالعراق , أي انه أيقن أن بقاء الشام مرتبط بمصر وتلك استراتيجية الموقع التي أحسها كل من غزا الشام وأدرك أن بقاءه فيه لا يتم بدون مصر . ومن هنا كانت الفتوحات والغزوات الآتية من المشرق تتم غزوها بالعبور لمصر .. هذا ما فعله ( عمرو ) بعد فتحه جنوب الشام , وهو عين ما يفعله الآن لصالح ( معاوية ) الذي استقر بالشام وجعله قصبة ملكه ولن يأمن على ملكه أمام عدوه (علي ) في العراق إلا بعد أن تكون ( مصر) تابعة له ولو بدون ايراد مالي .

ومن سمات استراتيجية الموقع بين مصر والشام أن يكون هناك تنافس بين حاكمي الإقليمين إذا تساويا في القوة , أما إذا تفوق أحدهما فلابد أن يعبر للآخر ويخضعه , وهذا ما شهدناه في العصر الفرعوني منذ الدولة الوسطى وفي العصر البطلمي في الصراع بين (البطالمة) في مصر و(السيلوقيين ) في الشام .  

ومن الطريف أن ما يشبه ذلك التنافس حدث بين ( معاوية ) و(عمرو ) بعد أن استقرت الخلافة ( لمعاوية ) في الشام وتوطد نفوذه في الدولة الإسلامية وفي عاصمته دمشق . هذا مع أن (عمرو ) كان واليا تابعا ( لمعاوية ) والفسطاط تابعة لدمشق . ذلك أن استقرار الأمور ( لعمرو) في مصر جعل معاوية يخشاه خصوصا وأن ( عمرو ) تمتع بحب المصريين بما قام به من اصلاحات زراعية وضريبية وهو نفس الولاء الذي كان يكنه الشاميون (لمعاوية).

  
وكان ( عمرو )  من ناحيته يطمع في الخلافة بعد ( معاوية )ولم يمنعه دهائه المعروف من أن يعرض لمعاوية بذلك أمامه , فقد دخل مرة على ( معاوية ) وقد ورد إليه كتاب فيه تعزية في بعض الصحابة فاسترجع ( معاوية ) فقال له عمرو: 

تموت الصالحون وأنت حي               تخطاك المنايا لا تموت

فأجابه معاوية     

أترجو أن أموت وأنت حي               فلست بميت حتى تموت

ويبدو أن (عمرو ) كان يمهد لنفسه فعلا بعد( معاوية ) فقد نجح في جعل ( معاوية ) يولي على الكوفة ابنه (عبد الله بن عمرو ) ليسيطر بذلك ( عمرو ) على شرق البلاد الإسلامية وغربها ويحصر (معاوية ) في الشام بينه وبين ابنه . وقد فطن لذلك ( المغيرة بن شعبه ) الطامع في ولاية الكوفة فقال لمعاوية " يا أمير المؤمنين استعملت عبد الله بن عمرو على الكوفة وأباه على مصر فتكون أميرا بين نابي الأسد " فعزل (معاوية ) (عبد الله بن عمرو ) وولى (المغيرة ) مكانه .

وسير (عمرو ) الحملات لفتح الشمال الإفريقي التي كانت تخرج من مصر , ولم تتحقق آمال ( عمرو ) إذ مرض مرض الموت وهو لا  يزال واليا (لمعاوية ) على مصر لم يأخذ منها سوى ما جمعه من مال أصبح لا يغني عنه وهو يحتضر – شيئا فاستحضر ما جمعه من دنانير وقد بلغ مائة وأربعين إردبا وقال لأولاده : من يأخذه ؟ فأبى ولداه أخذه وقالا: حتى ترد إلى كل ذي حق حقه وبلغ معاوية فأخذ المال [2] .

لقد ندم ( عمرو ) حين الموت على أن حالف معاوية ضد من يستحق الأمر وهو ( علي ) وكانت النتيجة أنه حرم من آماله في تولي الخلافة بعده ولم يجن من مسعاه إلا أكواما من الدنانير جاءته من مصر التي أعطاها  معاوية له ضيعة خاصة ,ولم يحاول معاوية أن يكافىء أولاد (عمرو ) فعزل عبد الله بن عمرو عن مصر التي ارتبطت باسم (عمرو ) بعد اشهر من ولايته وأسرع فولى عليها أخاه (عتبة بن أبي سفيان ) حتى يضمن السيطرة التامة لنفسه على مصر والشام .

في الحرب بين الأمويين وعبد الله بن الزبير : - 

عهد( معاوية ) بالخلافة لابنه يزيد مخالفا بذلك ما عهده المسلمون في الاستخلاف , ومن الطبيعي أن ينقم أعيان المسلمين على تحويل معاوية الاستخلاف إلى ملك يورثه لابنه , وهكذا تولى يزيد الخلافة ليشهد عهده القصير ثلاثة فواجع : قتل الحسين , وموقعة الحرة ونهب المدينة , وغزو مكة وضرب الكعبة بالمجانيق ..

واستغل عبد الله بن الزبير مأساة مصرع الحسين وأهله واستياء الرأي العام الإسلامي فدعا لنفسه بالخلافة , ثم تطور أمره بموت ( يزيد بن معاوية ) وتولى ابنه ( معاوية بن يزيد ) الذي تنازل عن الخلافة وما أعقب ذلك من صراع بين الأمويين لتولى الخلافة بعد ( معاوية بن يزيد ) . فأسرع الكثيرون في الدخول في بيعة عبد الله بن الزبير .

وفى مصر نقم الناس على واليها من قبل ( يزيد ) وهو ( سعيد بن يزيد الازدى ) ولما ظهرت دعوة ( أبن الزبير ) بعد موت ( يزيد بن معاوية تطوع الكثيرون في مصر بإظهار الدعوة له بغضا في ( سعيد بن يزيد ) والى الأمويين , وبعث ( ابن الزبير ) واليا على مصر وهو ( عبد الرحمن بن جحدم الفهرى ) فأظهر أمره وبايعه الجند .

واستفحل أمر الزبير إذ انضم إليه العراق وولى عليه أخاه ( مصعب ابن الزبير ) بل قبيلة ( قيس ) المؤيدة للأمويين في الشام خلعت طاعة الأمويين وانضمت ( لابن الزبير ) بزعامة قائدها ( الضحاك بن قيس الفهرى ) وأكثر من ذلك انضم فريق آخر من قبيلة كلب اليمنية لابن الزبير عامة ( زفر بن الحارث الكلابي ) الذي وثب على قنسرين وبايع فيها لابن الزبير وتبعه النعمان بن بشير في حمص و ( نائل بن قيس ) في فلسطين .

هذا في الوقت الذي يتنازع  فيه كبار الأمويين الطامعين في الخلافة وهم ( مروان بن الحكم ) و ( عمرو بن سعيد بن العاص ) ( وخالد بن يزيد بن معاوية ) حتى يئس ( مروا ن بن الحكم ) وهم بالسير للحجاز ليبايع ( ابن الزبير ) وينسحب , إلا إن ( عبيد الله بن زياد ) عامل الأمويين على العراق والذي فر أمام الزبيرين من العراق للشام أقنع ( مروان بن الحكم ) بألا  ييأس وفى النهاية تم الاتفاق في مؤتمر الجابية على تولية ( مروان بن الحكم ) ثم ( خالد بن يزيد ) ثم ( عمرو بن سعيد بن العاص ) بالترتيب . وإذ اجتمعت كلمة الأمويين وأنصارهم وتولى الخلافة ( مروان بن الحكم ) فقد بدأ باستخلاص الشام من دعاة ( ابن الزبير ) فهزم ( الضحاك بن قيس ) في موقعه ( مرج راهط ) وقتل الضحاك وكثيرين من قومه وفر ( النعمان بن بشير) و ( زفر بن الحارث ) وخلت الشام للأمويين .

وبعد ( مرج راهط ) واستخلاص الشام أسرع ( مروان بن الحكم ) بالمسير إلى مصر وبعث بابنه ( عبد العزيز بن مروان ) بجيش آخر يدخل مصر من ناحية ( آيلة ) . وأجمع ابن ( جحدم ) على حربه وحفر خندقا ونشبت الحرب بينهما ثم اصطلحا ودخل ( مروان ) مصر وبايعت له سنة 65 . وقتل ثمانين رجلا رفضوا البيعة . وولى ( مروان ) ابنه ( عبد العزيز ) على مصر وجعلها طعمة له . كشأن ( عمرو ) في خلافة ( معاوية ) .

وبعد أن استخلص (مروان ) مصر لنفسه وأمر عليها ابنه جهز حملتين للقضاء على ابن الزبير أحداهما للعراق الذي يسيطر عليه ( مصعب بن الزبير ) والأخرى للحجاز معقل ابن الزبير . إلا إن المنية عاجلت ( مروان ) فمات بعد أن عهد بالخلافة إلى ابنيه ( عبد الملك بن مروان ) ثم ( عبد العزيز ابن مروان ) مخالفا بذلك قرارات مؤتمر الجابية .

وما كان ( مروان ) ليجرى على اغتصاب ولاية العهد من ( خالد بن يزيد ) ( وعمرو بن سعيد بن العاص ) ولهما أعوان لولا أنه أمن على موقفه بعد أن تمت له السيطرة على مصر والشام وجعل ابنه الأكبر ولى عهده الأول ( عبد الملك ) في الشام وابنه الآخر الذي يليه في العهد – في مصر ( وهو عبد العزيز ).

وتولى الخلافة ( عبد الملك بن مروان ) وهو آمن على ظهره بوجود أخيه ( عبد العزيز بن مروان ) في مصر . فاتجه إلى العراق حيث ( مصعب ابن الزبير ) وقد أنهكته حرب الخوارج والشيعة فهزمه وقتله . ثم وجه الحجاج بن يوسف في جيش إلى (ابن الزبير ) في مكة فحاصره وأجهده ثم اقتحم مكة وقتله [3] . وبهذا أعاد ( عبد الملك بن مروان ) وحدة الدولة الإسلامية تحت قيادة الأمويين للمرة الثانية . وكانت البداية استخلاص مصر والشام وتوحيد قيادتهما في يد واحدة .

تم ملك ( عبد الملك بن مروان ) بالقضاء على ( ابن الزبير ) إلا أنه لم يسترح لوجود أخيه ( عبد العزيز بن مروان ) بمصر وهو الوالي عليها المتصرف فيها وهو ولى عهده فيما بعد حسب قرار أبيهما ( مروان بن الحكم ) وقد ألمحنا إلى حتمية التنافس بين حاكمي مصر والشام وقد ألقى ذلك التنافس بظلال ثقيلة على علاقة الأخوين أبناء ( مروان بن  الحكم ) في دمشق والفسطاط . وربما حالت مشاكل ( عبد الملك ) مع العراقيين وثوراتهم المتعاقبة من خوارج وشيعة وموالى كما في فتنة عبد الرحمن بن الأشعث – من اتخاذ إجراء معين ضد أخيه(عبد العزيز بن مروان ) في مصر خصوصا وأن عبد الملك يريد أن يخلع أخاه من ولاية العهد ليحل محله ابنه ( الوليد ابن عبد الملك ) إلا أن ( عبد العزيز ) رفض وتمسك بحقه .

ولما لم يرد ( عبد الملك ) أن يثير المشاكل لنفسه في مصر اكتفاء بمشاكله مع العراق فقد اكتفى بانتزاع ولاية أفريقية من عبد العزيز – وكانت قبلا تتبع والى مصر . فولى ( عبد الملك ) ( زهير بن قيس ) برقة وأمره باسترداد المغرب الأقصى . وبعد مقتل زهير وهزيمته أرسل قائدا آخر هو ( حسان بن النعمان ) الذي استرد شمال أفريقيا ووطد نفوذ المسلمين هناك .

وظل الجفاء بين الأخوين إلى أن مات ( عبد العزيز ) سنة 86 هـ بعد ولايته لمصر مدة عشرين سنة . فاستراح ( عبد الملك ) وعهد بالخلافة لابنيه ( الوليد ) ثم ( سليمان ). وبعث واليا على مصر ابنه الآخر ( عبد الله بن عبد الملك ) [4]. وضمن بذلك أن يكون حكم مصر والشام – ومن ثم الدولة الإسلامية كلها – في أيدي أبنائه . وذلك ما حدث تقريبا .

مصر وانهيار الدولة الأموية : 

انهارت الدولة الأموية في ريعان شبابها لعدة أسباب تتجمع في سياسة واحدة استخدمها الأمويون في وصولهم للحكم واستمرارهم فيه وهي ( العصبية ) ولقد خدمت العصبية الأمويين طالما كانوا أقوياء . فلما ضعفوا ارتد سلاح العصبية إلي عنق الدولة فأصابها في مقتل .

والأمويون عرب بالسليقة والسلوك ولم تكن لهم ملازمة بالرسول أو بمدرسة المدينة حتى يتشربوا التربية الإسلامية شأن الصحابة السابقين في الإسلام – بل على العكس كان الأمويون في مكة حرب على الإسلام بدافع التعصب الأسري إلى أن تم فتح مكة فأسرعوا يقفزون إلى الصف الأول في الفتوح حتى يكونوا في الصدارة دائما .

والإسلام يشجب العصبية بشتى أنواعها , العصبية للجنس أو للقبيلة أو للأسرة أو للابن على حساب الأخ وقد مارس الأمويون العصبية بجميع أنواعها . تعصبوا جنسيا للعرب ضد الموالي فأثاروا عليهم الموالي فلم يتخلف الموالي عن نصرة كل ثائر ضد الأمويين سواء كان ذلك الثائر من الشيعة أومن الخوارج أو حتى كان بلا انتماء مثل ثورة ( ابن الأشعث ) على( الحجاج بن يوسف ) .

ومارس الأمويون ( العصبية القبلية ) التي أماتها الإسلام فانحازوا لليمنيين ضد( قيس ) في مرج راهط ثم انحازوا فيما بعد إلى ( قيس ) و (مضر ) في خلافة ( يزيد بن عبد الملك ) إبان ثورة ( ابن المهلب ) , وانقلب الحال في عهد ( يزيد بن الوليد ) فأيد ( اليمنية ) ضد ( القيسية ) ثم جاء آخر الخلفاء (مروان بن محمد ) فأيد ( القيسية ) ضد ( اليمنية ) وتحول الصراع في أواخر الدولة إلى سلاح أجهز على حياتها وحياة آخر خلفائها [5].

وفي داخل الإطار القبلي – في قريش – مارس الأمويون عصبية أسرية على نطاق ضيق , فالأمويون يجمعهم مع الهاشميين ( عبد مناف ) . ولكنهم وقفوا ضد الإسلام في مكة تعصبا منهم ضد( محمد) الهاشمي , حتى إن غزوة( بدر) كانت في حقيقة الأمر مواجهة بين الأمويين والهاشميين , ثم كانت ( أحد ) انتقاما من الهاشميين , وحين تولى أبو بكر الخلافة حاول أبو سفيان إثارة (علي ) لان ( بيت أبي بكر ) في نظر أبي سفيان أقل بيوت قريش , ولكن ( عليا ) صده . ثم واتت الأمويون فرصتهم في خلافة ( عثمان ) فاعتبروه ملكهم وزايدوا على قتله حتى أقاموا دولتهم على جثث المسلمين وفي مقدمتهم آل البيت من بني هاشم وأبناء ( علي ) بالذات .

وحتى في داخل الأسرة الأموية مارس الأمويون عصبية أخرى على نطاق أضيق , فالخليفة يعزل أخاه ويولي ولديه تعصبا لأولاده ضد أخيه , وهذا ما أرسته قرارات مؤتمر الجابة استمر معمولا به إلى نهاية الدولة الأموية وسبب انشقاق الأسرة إلى أحزاب يستعين كل حزب بالقبيلة التي تناصره مما أدى بالدولة في النهاية إلي مقتل .

وبينما كان ( مروان بن محمد ) يقاتل خصومه من قبائل كلب اليمنية في حمص والغوطة وطبرية وتدمر وبينما كان يواجه العلويين في العراق والخوارج في العراق والحجاز واليمن إذ  بالخطر العباسي يأتيه من خراسان يرفع السواد داعيا للرضى من آل محمد .  

وتمكن أبو مسلم الخراساني قائد العباسيين من استمالة قبائل اليمن بخراسان وأفتتح فارس ثم العراق حيث بويع أبو العباس السفاح أول خليفة عباسي في الكوفة ( 132 هـ - 749 م ) وبعث الخليفة العباسي بجيش أوقع بالخليفة الأموي في الزاب . وهرب ( مروان بن محمد ) آخر خلفاء الأمويين فأين موقع مصر من ذلك كله ؟

بعد هزيمة ( مروان بن محمد ) أمام العباسيين تراجع لا للشام ولكن لمصر إذ إنه أدرك أن بقاءه بالشام لا يضمن له مصر ولا الشام وأعداؤه أمامه في العراق . فترك صهره وابن عمه ( الوليد بن معاوية ) واليا على دمشق باسمه وتراجع إلى مصر , وكان يأمل أن يصمد ابن عمه في دمشق أمام جيش العباسيين ريثما يوطد ( مروان ) أموره في مصر ويجعلها عمقا آمنا له يمكن به مواجهة العباسين في العراق .

ولكن العباسين لم يتيحوا وقتا ( لمروان بن محمد ) إذ طاردوه من بلد إلى بلد ولم يتركوا له فسحة من الوقت في مصر إذ إن الخليفة العباسي ( أبا العباس ) ولى على مصر والشام ( صالح بن على بن عبد الله بن عباس ) فتعقب ( مروان ) حتى قتله في الجيزة . وكان أول ولاة بنى العباس على مصر وجنوب الشام .

ودخلت مصر في عهد جديد . وقبل أن نودع الدولة الأموية نذكر خصائص الموقع الاستراتيجي الذي يجمع مصر بالشام والذي أثر على سياسة الدولة الأموية بالشام نحو مصر :

1- فقد كان فتح مصر تأمينا للفتوح الإسلامية بالشام , واستمر دور مصر في تأمين الوجود الأموي في الشام أمام أعدائهم في العراق على وجه الخصوص .

2- لذلك رأينا ( معاوية ) يحرص على امتلاك مصر أثناء نزاعه مع ( على ) ولا يستريح إلا إذا أعاد حليفه ( عمرو بن العاص ) فتح مصر لصالحه .

3- ورأينا في فترة الصراع الأموي الزبيري أن ( مروان بن الحكم ) بادر بعد استخلاص الشام من دعاة بن الزبير بغزو مصر فاستخلصها منهم وبعدها تمكن ابنه من مواجهة أعدائه في العراق و الحجاز .

4- وحين انهزم ( مروان بن محمد ) آخر خلفاء بنى أمية أمام العباسيين فإنه تراجع لمصر وترك دمشق لإدراكه أن الشام لا يجدي بدون مصر , إلا إن العباسيين أدركوا خطته فلم يضيعوا وقتا فعقدوا ولاية الشام والعراق ( لصالح بن على ) الذي استمر في مطاردة ( مروان ) إلى أن قتله قبل أن ينفذ خطته .

5- ونظرا لأن الشام وحدة إستراتجية واحدة مع مصر , وأن مصر هي صاحبة الثقل في الإستراتجية فإن والى مصر إذا كان طموحا فإنه يمثل تهديدا للخليفة الأموي في الشام مع أنه تابع له و المسافة بينهما قريبة لا تشجع الوالي على الاستقلال . ولكن قيمة مصر بالنسبة لحماية الشام كانت تجعل مركز الوالي فيها أثقل من مركز الخليفة في دمشق . ولمسنا بعض ذلك في علاقة ( معاوية ) ( بعمرو ) وعلاقة الأخوين ( عبد الملك وعبد العزيز ابني مروان ) أثناء خلافة ( عبد الملك بن مروان ) .

6- وكان العراق موطن المعارضة ضد الأمويين منذ الصراع بين ( على ومعاوية ) إلى الحرب بين ( العباسيين والأمويين ) في الزاب . وقد حرص الأمويون في ذلك الصراع على وجود مصر عمقا دفاعيا لهم أمام المعارضة في العراق حتى إن ( مروان بن محمد ) حين فقد النصر في موقعة وحيدة أمام العباسيين أسرع باللجوء إلى مصر وكان لم يفقد الشام بعد .

ومن الطبيعي أن يتغير موقف مصر الاستراتيجي بعد انتقال العاصمة للعراق في ( الكوفة ) ثم ( بغداد ) . فالشام الآن أصبح – بعد زوال الحكم الأموي– منطقة خامدة سياسيا أي لابد أن يعود إلى وضعه الطبيعي تابعا لمصر وحرما لها في وقت تستطيع فيه مصر أن تنهض لتنافس بغداد , ويكون الشام هو المجال الذي يدور فيه الصراع بين بغداد ومصر .وهذا ما حدث في الدولة العباسية .[6]



[1]
تاريخ الطبري 4 / 546 : 558 , خطط المقريزى 1 / 562 : 565 .حسن المحاضرة 1 / 581 : 585 .

[2] تاريخ ابن الأثير 3/ 210 تاريخ ابن كثير 8/138 . خطط المقريزي 1 /564  .

[3] تاريخ الطبري 5 / 530 : 544 , 609 , 6 /151 :   162 , 174 :  175  , 187: 193 خطط المقريزى 1 / 566 .      

[4] تاريخ الطبري 6 / 412 : 417 , خطط المقريزى 1 / 567 , حسن المحاضرة 1 / 586 .

[5] أحمد صبحي منصور : أثر العصبية القبلية في الدولة الأموية 50 : 52 بحث ماجستير غير منشور . كلية اللغة العربية , قسم التاريخ

[6] تاريخ الطبري  7 / 432 : 435 , 437 : 443 . خطط المقريزى 1 / 571  .

الفتح الإسلامي والاستراتيجية السياسية

الفصل الأول

الفتح الإسلامي والاستراتيجية السياسية لمصر بعد الفتح     

رابعا- مصر والدولة العباسية

مصرفي عصر قوة العباسيين :

قامت الدولة العباسية على أكتاف الفرس فولت وجهها شطر الشرق وأصبحت عاصمتها أقرب للشرق وأبعد عن الفتوحات الأموية التي أوغلت في الغرب حتى جنوب فرنسا . وبينما ظلت الدولة الأموية محافظة على أملاكها في الشرق والغرب حتى مع وجود صراعتها التي لا تنتهي فإن الدولة العباسية ضاع منها الأندلس في بداية العهد بها , ووقع على كاهل ( أبي جعفر المنصور ) عبء توطيد الدولة العباسية فأفنى الأمويين ولم ينج منهم إلا الأقلون كان منهم ( عبد الرحمن الداخل ) الذي كون دولته في الأندلس ولم يستطع أبو جعفر المنصورمع ما أوتي من قوة وحيلة أن ينال منه .

وشهدت الدولة العباسية عصرها المزدهر في عهد المنصور المهدي والهادي والرشيد حيث كان الخليفة العباسي يملك ويحكم , وكان هذا العهد المزدهر للخلفاء العباسيين عصر بؤس الوزراء , فالوزير منفذ لرغبات الخليفة وإذ حاقت به الشكوك فالقتل مصيره . ومع قوة الخلفاء العباسيين وقتها إلا أن بعد المسافة بين بغداد وغرب الدولة العباسية مكن الأطراف في شمال أفريقيا من الاستقلال فقامت دولة الاغالبة في عصر قوة العباسيين إذ إنه برضى الرشيد استقرت ولاية إبراهيم بن الأغلب في نظير أن يؤدي للخلافة العباسية أربعين ألف دينار سنويا, وفي المغرب الأقصى قامت دولة الأدارسة ولم يفلح الرشيد في القضاء عليها .    

أما في مصر فإن بعض الأعراب تشجع بإعلان الثورة في الحوف الشرقي ( شرق الدلتا ) ولكن الدولة العباسية تمكنت من إخماد ثورتها , ولا ريب أن تلك الثورة شجعها ما تموج به شمال أفريقيا من حركات استقلالية عن الخلافة حملت الوالي العباسي ( هرثمة بن أعين ) على أن يطلب من الرشيد استعفاءه عن أفريقيا لأنه لا يستطيع ضبطها فأجابه الخليفة إلى مطلبه , ثم وجهه الرشيد لقمع ثورة الأعراب في الحوف الشرقي فنجح في ذلك .

لم تستطع مصر في العهد الأول من الدولة العباسية أن تخرج عن التبيعية الكاملة لبغداد , وتمكنت الدولة العباسية من قمع الثورات التي شبت في مصر سواء كانت ثورات عربية أو قبطية .

وتركزت الثورات العربية في شرق الدلتا حيث تسكن قبائل من قيس واليمن وأولئك كانوا يثورون إذا  ظهر خارجي على الدولة العباسية كما حدث في ثورة( دحية بن المصعب من ولد عبد العزيز بن مروان الأموي ) . وكانت ثوراتهم في الأغلب بسبب دفع الخراج . وهو نفس السبب الذي كان يثور من أجله الأقباط كثورتهم في سخا سنة150 هـ , وهيب سنة 156 هـ.

وفي عهد المأمون اجتمع المصريون عربا وأقباطا على الثورة لعسف الوالي العباسي ( عيسى بن منصور ) واضطر (المأمون ) للمجيء بنفسه وأخمد الثورة وأعاد النظام للبلاد , وقام بعدة إصلاحات ثم عاد بعد أربعين يوما .

في هذه الفترة كان من أبرز الولاة العباسيين في مصر ( عبد الله بن طاهر ) الذي أخمد فيها ثورة ( عبد الله بن السري بن الحكم ) وقد حاول الاستقلال بمصر بتشبهها بالاغالبة في أفريقيا . ونظم ( عبد الله بن طاهر ) شئون مصر وبقي يحكمها إلى أن استدعاه ( المأمون ) بعد أن كافأه بإيراد مصر كاملة وقد بلغ ثلاثة ملايين دينار [1]

لم تفلح محاولات الاستقلال بمصر طالما كان الخلفاء العباسيون أقوياء فلما درات الدولة الحتمية على الدولة العباسية وبدأت مشوار الضعف عرفت مصر الاستقلال الذاتي في إطار الدولة العباسية وذلك في عهد الدولتين الطولونية ثم الإخشيدية .

مصر الطولونية : ( 254 – 292 / 868 – 905 )

في عصر قوة بنى العباس لم يسمحوا لأى نفوذ بأن يطغى على الخليفة , فكان ( المنصور ) يقتل وزراءه عند أدنى شبهة ثم إذا أصبح ( للبرامكة ) نفوذ في عهد ( الرشيد ) بادر بالتخلص منهم . استغل الخلفاء الأقوياء الصراع بين العرب والعجم في صالح الدولة وحرصوا على التوازن بين العنصرين وضرب كل عنصر بالآخر خدمة للنفوذ المطلق للخليفة .

إلا إن الصراع بين العرب والفرس أسفر عن وجهه في الحرب بين ( الأمين ) و( المأمون) فقد عهد الرشيد للأمين وأمه عربية هاشمية عباسية ثم ( للمأمون ) وأمه فارسية , وتغلب النفوذ العربي في خلافة ( الأمين ) وشجعوه على عزل أخيه من ولاية العهد , وهى عادة سيئة أن يبادره الخليفة بعزل أخيه لصالح ابنه – بدأتها الدول الأموية وتبعهم العباسيون على ما فيها من خطر محقق على الأسرة الحاكمة .

ولم يسمح الفرس بأن يعزل ( الأمين ) ( المأمون ) , مع أنها سنة جرت قبل ذلك كثيرا على أيدي الخلفاء , إلا إن الفرس وجدوها فرصة لتثبيت نفوذهم ومحو النفوذ العربي في الدولة , وتمت المواجهة بين العرب والفرس في إطار الصراع بين ( الأمين ) و ( المأمون ) , وبهزيمة ( الأمين ) انحلت قوة العرب في الدولة العباسية وسيطر الفرس منفردين على الدولة .

وجاء الخليفة ( المعتصم ) العباسي فسأم من العرب والفرس معا واستقدم عنصرا جديدا هم الأتراك الذين استكثر منهم بالشراء , ولكن الغلمان الأتراك ما لبثوا أن قتلوا ( المتوكل ) ثم قتلوا بعده أبنه ( المنتصر ) وتعاظم نفوذهم على حساب الخلفاء . وتقاسموا فيما بينهم الولايات .. وكان الأمير التركي يفضل البقاء في بغداد ليواجه مكائد خصومه ويرسل من يحكم الولاية باسمه , وهذا ما فعله ( باكباك ) التركي حين أوفد نائبه ( أحمد بن طولون ) ليحكم مصر باسمه بينما بقى هو في بغداد إلى جوار الخليفة . وتمكن ( أحمد بن طولون ) من تكوين دولة مستقلة بمصر في إطار الخلافة العباسية .

ابن طولون يدعم نفوذه في مصر :

وكانت الدولة العباسية قد وزعت السلطة في مصر حتى لا يعمد الوالي للاستقلال وعندما أتى أحمد بن طولون واليا على الصلاة سنة 254 م كان هناك عامل على الخراج من قبل الدولة العباسية هو ( ابن المدبر ) وهو صاحب نفوذ كبير وإلى جانب صاحب البريد واسمه ( شقير ) وهو غلام لأم الخليفة المعتز وكانت صاحبة نفوذ في الدولة العباسية , وكانت مهمة صاحب البريد التجسس على الولاة حتى لا يتمكن أحدهم من الانفراد بمصر , فكان يبعث بأخبارهم على البريد إلى مقر الخلافة , ثم الإسكندرية مستقلة عن مصر وتابعة لوالى برقة .

هذا إلى جانب الثورات العلوية التي شبت في الصعيد تنشد اقتطاع مصر من الدولة العباسية . وثبت ابن طولون نفوذه على النحو التالي :

1- كانت مواجهته الأولى مع ( ابن المدبر وشقير ) . فقد استقبله ( ابن المدبر ) مع ( شقير ) وسط مظاهرة من غلمانه وبعث له بهدية قيمتها عشرة آلاف دينار ليتعرف على شخصية ( ابن طولون ) ورد ( ابن طولون ) الهدية فتخوف منه ( ابن المدبر ) واتفق مع ( شقير ) صاحب البريد على مكاتبة الخلافة بإزالة (ابن طولون ) . ثم بعث ( ابن طولون ) ( لابن المدبر ) يعتذر عن قبول الهدية ويطلب عوضا عنها الغلمان الذين يحيطون ( بابن المدبر ) ويجعلون له هيبة وموكبا , نظرا لأنه يحتاج إليهم أكثر منه , فاضطر( ابن المدبر ) لإرسالهم إليه , وزاد تخوفه منه ,وزالت هيبة( ابن المدبر )  في قلوب الناس بقدر ما زادت هيبة (ابن طولون ) وكتب ( ابن المدبر وشقير ) للخلافة يحرض على عزل ( ابن طولون ) ولكن ( ابن طولون ) كان له أعوان في قصر الخلافة ببغداد وأولئك كانوا يحجبون رسائل ( شقير وابن المدبر ) من الوصول لأولى الأمر ويطلعون عليها ( أحمد بن طولون ) أولا بأول .

2- كانت الإسكندرية تابعة لوالي برقة كما أسلفنا . وحدث تطور في النزاع بين زعماء الأتراك نتج عنه قتل ( باكباك ) الوالي الرسمي لمصر والذي يحكم (ابن طولون ) باسمه نائبا عنه , وكانت الظروف في صالح ( احمد بن طولون ) إذ إن الذي تولى مصر رسميا بعد ( باكباك ) هو ( ماجور ) التركي حمو (ابن طولون ) وصهره فكتب إليه يقول ( تسلم من نفسك إلى نفسك ) وأضاف إليه الإسكندرية فأسرع (ابن طولون ) بالاستيلاء عليها .  

3- وظهر في فلسطين (أحمد بن عيسى الشيباني ) الذي استبد بها واستولى على المال الذي بعثه ( ابن المدبر ) من مصر للخلافة وكانت الأمور مضطربة في بغداد فطمع ( الشيباني ) في الاستيلاء على مصر , وانتهت اضطرابات بغداد بقتل الخليفة ( المهتدى ) وتولية ( المعتمد ) ورفض ( الشيبانى ) الاعتراف ( بالمعتمد ) إلا بعد أن تولى ارمينيا  مع الشام . وتحارب ( ماجور ) صهر ( ابن طولون ) مع ( الشيبانى ) وانهزم ( الشيبانى ) وتولى ( ماجور ) الشام . فأمن ( ابن طولون ) على نفسه في مصر وسنحت فرصة ( لابن طولون ) في التخلص من ( ابن المدبر ) حيث استحثه الخليفة ( المعتمد ) على إرسال المزيد من الأموال فكتب إليه ( ابن طولون ) ( لست أطيق ذلك والخراج بيد غيري ) فولاه ( المعتمد ) الخراج وتخلص بذلك من ( ابن المدبر ) وكان ابن طولون قد تخلص قبلا من ( شقير ) صاحب البريد بعد زوال نفوذ ( قبيحة ) أم الخليفة ( المعتز ) وهكذا جمع ابن طولون في يده السلطة في مصر .

4- واستطاع ( ابن طولون )  القضاء على ثورات الشيعة في مصر وأهمها ثورة ( ابن الصوفي العلوي ) في الصعيد وقد استطاع هزيمة جيش ( ابن طولون ) ولكن تمكن منه ( ابن طولون ) في اخميم , وواجه ( ابن طولون ) ثورة ( ابن طباطبا ) العلوي في الساحل الشمالي بين برقة والإسكندرية فتحول ( ابن طباطبا)  إلى  الصعيد وهزمه ( ابن طولون ) وقتله .

ابن طولون والسيطرة على الشام :

1- بعد انفراده بالسلطة في مصر عزم ( ابن طولون ) على تأمين وضعه في مصر بالسيطرة على الشام شأن الحاكم القوى في مصر , وقد ساعده انشغال الدولة العباسية بمواجهة ثورة الزنج التي  استمرت من ( 255 : 270 هـ ) وأنهكت الدولة العباسية وشتتت جهد ( الموفق ) أخ الخليفة ( المعتمد ) وصاحب السيطرة عليه وعلى الخلافة . وكان ( أحمد ابن طولون ) يؤيد الخليفة المقهور ( المعتمد ) ضد أخيه ( الموفق ) المسيطر عليه , لذلك عهد ( المعتمد ) ( لابن طولون ) بالشام والثغور , ورفض ( الموفق ) تولية ( ابن طولون ) للشام وعهد لقائده ( ابن بغا ) بأن يحول بين ( ابن طولون ) والسيطرة على الشام فاستعد ( ابن طولون ) في مصر فبنى حصنا بالجزيرة وكان قد ابتنى قبلا ( القطائع ) عاصمة له واستقر فيها بجنده .

ولم يستطع ( ابن بغا ) قائد ( الموفق ) السير لمصر وما لبث أن مات , ومات في نفس العام ( 264 هـ ) ما جور صهر ابن طولون والوالي على الشام . فتحرك ( ابن طولون ) في هذه الظروف المواتية للاستيلاء على الشام .

2- وكانت العلاقات وثيقة بين ( ابن طولون ) و ( ابن ماجور ) الذي تولى الشام بعد أبيه . فتلقاه ( ابن ماجور ) في دمشق وأقام له الدعوة بها وحكمها باسمه , ومضى ( ابن طولون ) إلى حمص فتسلمها ورفض ( سيما الطويل ) حاكم إنطاكية الخضوع ( لابن طولون )   فانهزم وقتل . ودخل ( طرسوس ) وكانت من ثغور الجهاد ضد البيزنطيين فاستثقلوا وجوده فاتفق معهم على أن ينهزم أمامهم ليرفع من شأنهم أمام الروم , فيقتنع الروم أن أهل طرسوس هزموا ( ابن طولون ) بجيوشه التي استولت على الشام , وأصبحت تبعيتها ــ طرسوس – ( لابن طولون ).

3- لم يستطع ( الموفق ) مواجهة ( ابن طولون ) في الشام فلجأ للمكيدة . فأغرى ( لؤلؤ ) غلام ( ابن طولون بالانحياز إليه ) وكان ( ابن طولون ) قد بعث غلامه  ( لؤلؤا ) في جيش للشام فانحاز بجيشه إلى ( الموفق ) وفق ما اشترطه عليه من شروط . وفيما بعد لم يف ( الموفق ) بالشروط بل اعتقل لؤلؤا وصادر أمواله , فعاد لمصر فقيرا في نهاية الدولة الطولونية . واتجه ( ابن طولون ) بجيش للشام فبلغه أن ( المعتمد ) يريد الفرار إليه فتوقف ليتلقاه فقد بلغت سطوة الموفق بأخيه ( المعتمد ) حدا لم يحتمله الخليفة , فانتهز فرصة انشغال ( الموفق ) بحرب الزنج وخرج من بغداد كأنه يتصيد فبلغ أمره أخاه ( الموفق ) فأعاده معتقلا وعقد ( لابن كنداح ) على مصر وشبت الحرب بين ( الموفق وابن طولون ) في مكة .

4- بلغت المواجهة بين ( ابن طولون ) و ( الموفق ) إلى الحد الذي دعا ( ابن طولون ) إلى إعلان أن ( الموفق ) قد نكث بيعة أخيه ( المعتمد ) ودعا عليه في خطبة الجمعة . وأعلن خلعه من ولاية عهد ( المعتمد ) وكتب ( أن أبا أحمد الموفق خلع الطاعة وبرئ من الذمة فوجب جهاده على الأمة . ) وأسقط اسمه من العملة .

ورد ( الموفق ) فكتب بلعن ( أحمد بن طولون ) على المنابر وأجبر أخاه الخليفة ( المعتمد ) بإعلان ذلك . 

ولم تقع مواجهة حربية بين ( ابن طولون ) و( الموفق ) فقد مات ( أحمد ابن طولون ) سنة 270 وهو يحكم مصر والشام والثغور الشامية وتولى بعده ابنه خمارويه .

خمارويه والسيطرة على الشام :-

1- بادر ( خمارويه ) بإرسال حملة برية وبحرية لتأكيد نفوذه على الشام يقودها ( الواسطي ) , ولكن استماله ( الموفق ) فانضم إليه , وتعاون مع ( ابن كنداح ) و ( ابن أبى الساج ) قواد ( الموفق ) فهزم جيش ( خمارويه ) ودخل دمشق باسم ( الموفق ) .

2- وخرج ( خمارويه ) بجيش قابل ( أحمد بن الموفق ) في فلسطين فانهزم ( خمارويه ) مع كثرة جيشه وقلة جيش العباسيين ولكن كمينا ( لخماروية ) استطاع صد ( أحمد بن الموفق ) , ولكن دمشق استعصت على جيش ( خمارويه ) .

3- ثم عاد ( خمارويه ) بجيش فاقتحم دمشق سنة 273 وسار لقتال ( ابن كنداح ) قائد ( الموفق ) , وانهزم أصحاب خمارويه ولكنه ثبت موقعه إلى أن تم له النصر وطارد ( ابن كنداح ) إلى عاصمة العباسيين ( سر من رأى ) .

4- وتم الصلح بين ( خمارويه ) والعباسيين فاعترفوا بولايته وولده على مصر والشام ثلاثين سنة . ودعا ( خمارويه )  (للموفق ) في الخطبة واعترف بالتبعية للعباسين مع استقلاله الذاتي في مصر والشام .

5- وتوفى ( الموفق ) سنة 278 وبويع ( أحمد بن الموفق ) بالخلافة تحت لقب ( المعتضد ) فكتب (المعتضد ) بولاية ( خمارويه ) وأولاده على مصر ( من الفرات إلى برقة ) لمدة ثلاثين عاما جعل له فيها كل السلطات من الصلاة والخراج والقضاء في نظير أن يؤدى في كل عام مائتي ألف دينار , وتزوج ( المعتضد ) ( قطر الندى ) بنت ( خمارويه ) وحديث جهازها مشهور . وقتل ( خمارويه ) بيد خدمه سنة 282 في دمشق بعد حكم استمر اثنتى عشرة سنة .

نهاية الدولة الطولونية :

خلف ( خمارويه) ذرية ضعافا فكان على أيديهم نهاية الدولة الطولونية في مصر والشام . إذ تولى  جيش( اين خمارويه ) وساءت سيرته وقتل عمه ( مضر بن أحمد بن طولون ) فخلعه جنوده سنة 283 وتولى ( هارون بن خمارويه ) وتنازع مع عمه ( ربيعة بن أحمد بن طولون ) وقتله , ومات ( المعتضد ) وتولى ( المكتفي ) وظهر القرمطي بالشام وهزم جيش المصريين سنة 290 , وعزمت الدولة العباسية على استرداد مصر والشام بحمله بحرية برية فملكت تنيس ودمياط . وسار ( هارون بن خمارويه ) للقائهم ولكن تفرق عنه جنده وقتله عمه ( شيبان بن أحمد بن طولون ) وتولى مكانه سنة 292 وتحالف قادة الطولونيين على ( شيبان ) لقتله ( هارون ) وانضموا للعباسيين فأمكنوهم من دخول الفسطاط فاستباحوها واستأصلوا ذرية أحمد بن طولون , وأعادوا ( مصر) للخلافة العباسية .

                                          الدولة الإخشيدية

( 323 – 358  هـ ) ( 935 – 969 م )

مصر قبل الدولة الإخشيدية :-

ارتبكت الأحوال بمصر بعد انهيار الدولة الطولونية , وأبرز ولاة مصر للعباسيين – بعد الدولة الطولونية – كان ( النوشري ) ت 297 . وقد واجه ثورة ( ابن الخليج ) الذي طمح في الاستقلال بمصر تشبها ( بابن طولون ) ولكن قضت عليه الدولة العباسية بقائدها ( فاتك المعتضدي ) بعد أن حكم  ( ابن الخليج ) مصر أكثر من سبعة أشهر . وصارت مصر بعد ولاية ( النوشري ) مجالا للصراع المستمر بين القواد الأتراك ولم يستطع الخلفاء العباسيون بسط نفوذهم الكامل عليها نظرا لضعفهم الزائد أمام طغيان الأتراك .

وتحرج الموقف أمام العباسيين بظهور القرامطة في جنوب العراق وتهديدهم الحجاز والشام والعراق , ثم كانت محنة العباسيين بظهور الدولة الفاطمية بالمغرب وإرسال حملاتها لمصر عن طريق البحر المتوسط والواحات .

كانت الدولة العباسية تتخوف من إرسال قائد حازم لمصر يضبط الأمر فيها حتى لا يستقل بمصر عن الدولة العباسية كما فعل ( أحمد ابن طولون ) ولكن ظهور الدولة الفاطمية بخلافة شيعية على حدود مصر الغربية وطمعها في انتزاع مصر من الدولة العباسية وهى قريبة من مصر – كل ذلك شجع الدولة العباسية على إرسال قائد محنك يتولى الأمر في مصر وكان ( محمد بن طغج الإخشيد) .

                                                                                                                                                                                       الإخشيد :-

ولم يكن ( محمد بن طغج ) بعيدا عن مجريات الأمور في مصر , فأبوه ( طغج بن جف ) كان أحد قواد خمارويه وعين واليا على الشام للدولة الطولونية , وولد ابنه ( محمد) سنة 268 وبدأ حياته موظفا في الإدارة المصرية بعد سقوط الدولة الطولونية . 

وحينما زحف الفاطميون سنة321 اشتهر(محمد بن طغج ) بشجاعته في صدهم فعينه الخليفة ( القاهر ) واليا على مصر سنة 321 هـ إلا إن اضطراب الأمور في مصر والشام وتنازع الأمراء الترك بها بين مصر والشام جعل الدولة العباسية تعينه للمرة الثانية سنة 323 واستطاع بعدها أن يؤكد سلطانه على الأمراء الترك وأن يؤكد سلطانه بها . بعد أن أعلن استقلاله بمصر سنة 323 في إطار الخلافة العباسية التي اعترفت بولايته على مصر والشام معا سنة 324 .  

تأكيد سلطان الإخشيد على مصر والشام : -

1 – دخل  ( الإخشيد ) مصر بجيشه سنة323 فحارب( ابن كيغلغ ) وهزمه وقبض على الأمور وتتبع أصحاب ( ابن كيغلغ ) فأخرجهم عن البلاد ودان له الجيش العباسي في مصر . وحاز (محمد بن طغج ) إعجاب الخليفة (الراضي ) فلقبه( بالإخشيد) ودعى له بذلك على المنابر سنة 327 بعد أن صد حملة فاطمية .   

فقد التقى أتباع كيغلغ بالخليفة الفاطمي بالمغرب وهو القائم بأمر ( الله ) فحرضوه على أخذ مصر نكاية في الإخشيد فجهز الفاطمي جيشا ولكن الإخشيد هزمه . 

2 – ازداد عجز الخلافة العباسية في عهد ( الراضي ) فتجرأ الولاة على قطع الأموال التي يؤدونها إلى بغداد , وتغلب ( بنوبويه ) على فارس وضغطوا على العراق فاضطر الخليفة ( الراضي ) للاستعانة ( بابن رائق ) وكان متغلبا على واسط فاستقدمه إلى بغداد وقلده إمارة                                                      الجيش والخراج والديوان وجعله أمير الأمراء . 

وقبض ( ابن رائق ) على ناصية الأمور في بغداد واستبد بالأمر فيها بدون وزير ومشير , ورأى ذلك حكام الولايات فاستقل كل منهم بولايتة كما فعل ( البريدي ) في خوزستان و ( عماد الدولة بنو بويه ) في فارس و ( ابن الياس ) في كرمان أما الري وأصبهان فتغلب عليها ( ركن الدولة بنو بويه ) , وتغلب ( بنو حمدان ) على الموصل وديار بكر و مضى وربيعة , وسبقهم ( الإخشيد ) باستقلاله بمصر والشام .

ثم دارت الأيام ( بابن رائق ) فغلبه على بغداد خصمه ( البريدي ) ثم جاء بعد ( البريدي ) بجكم , وحدث أن الخليفة ( الراضي ) سار مع ( بجكم ) إلى الموصل لتأديب بنى حمدان لتأخيرهم الأموال , ولما ابتعدا عن بغداد ظهر ( ابن رائق ) واحتلها , وتمت المفاوضات بين ( ابن رائق ) والخليفة و ( بجكم ) بتولية ( ابن رائق ) الشام . هذا مع تبعية الشام للإخشيد باعتراف الخليفة الراضي نفسه , فكان محتما أن ينشب الصراع بين الخصمين القويين ( ابن رائق ) و ( الإخشيد ) .

3- تقدم ( ابن رائق ) في الشام فاحتل حمص ثم احتل دمشق واخرج منها والى الإخشيد وتقدم من دمشق إلى الرملة فملكها ,وإذ وصل ( ابن رائق ) إلى جنوب الشام وفلسطين عزم على أخذ مصر فدخل العريش فتلقاه فيها الإخشيد ودارت معركة سنة 328 هـ . انهزم فيها ( الإخشيد ) أولا ثم انتهز انشغال ( ابن رائق ) بالسلب فهزمه وفر ( ابن رائق ) بسبعين رجلا إلى دمشق .

وأرسل ( الإخشيد ) جيشا آخر لدمشق تمكن ( ابن رائق ) من هزيمته وقتل قائده وتم بينهما الصلح على أن تكون مصر وجنوب الشام مما يلي الرملة ( للإخشيد ) وباقي الشام ( لابن الرائق ) ويؤدى ( الإخشيد ) جزية ( لابن رائق ) عن الرملة .

وقد أضطر ( الإخشيد ) إلى دفع الجزية عن الرملة ( لابن رائق ) ليمد حدود الدفاع عن مصر إلى الرملة ويأمن على حدوده الشرقية من ( ابن رائق ) بعد عقد الصلح بينهما , ثم يتفرغ لمواجهة الضغط الفاطمي الآتي من الغرب . ولا يريد الإخشيد أن يحارب في جبهتين في وقت واحد .

4- وقتل ( الحمدانيون ) ابن رائق سنة 330 هـ فدخلت جيوش ( الإخشيد ) دمشق , وحارب ( الحمدانيين ) واستخلص منهم حلب . واضطر الخليفة المطيع للاعتراف بفتوحات ( الإخشيد ) , ومات ( الإخشيد ) سنة 334 وعهد لابنه ( نوجور ) تحت وصاية ( كافور )

5- واستأثر ( كافور ) بالسلطة من دون أبناء ( الإخشيد ) وسار على سياسته طيلة حكمه الذي استمر ثلاثا وعشرين سنة ( 334 – 357 هـ ) . وقد استطاع ( كافور ) أن يهزم سيف الدولة                                                                                                                                                                                 الحمداني ويسترد منه دمشق وكان استولى عليها عندما توفى ( محمد بن طغج الإخشيد)  [2].

ومع أن ( كافور ) هزم ( سيف الدولة ) إلا أنه صالحه على دفع جزية نظير الاحتفاظ بدمشق وذلك حتى يأمن على حدود مصر الشرقية في جنوب الشام ويرد الخطر الفاطمي عن غرب مصر .

واستطاع ( كافور ) أن يهزم ملك النوبة الذي أغار على مصر سنة 345 وأمن حدود مصر الجنوبية . وأقتنع الفاطميون في المغرب بالتغلغل السلمي بين المصريين دون الحملات الحربية التي تثير الحنق ضدهم , وأحسن ( كافور) استقبال الدعاة الشيعة [3], إذ كان لا يهتم بمن يحكم مصر بعده فهو خصي لا ولد له . وقد أيقن أن مصير الأمر من بعده للفاطميين وهم أقرب لمصر وأكثر تلهفا على امتلاكها .. وبقى ( كافور ) يحكم مستبدا بالأمر إلى أن مات 357 وحدود مصر منيعة ما بين برقة إلى دمشق .

ثم تولى بعده حفيد للإخشيد هو ( أحمد بن على بن محمد ) وكان في الحادية عشرة من عمره وحدثت في أيامه مجاعة وتهيأت مصر للوقوع بسهولة تحت حكم الفاطميين سنة 358 ودخلت في عصر جديد .

وقبل أن نعيش مع ( مصر الفاطمية ) نتوقف مع فترة التبعية التي عاشتها مصر مع الدولة العباسية لنتعرف على أهم خصائصها الاستراتيجية .

1- فقد عاد الوضع الطبيعي لمصر بالتدريج وأصبح الشام حرما دفاعيا لها في مواجهة الخلافة العباسية . وقد سيطر ( أحمد بن طولون ) ثم ( خمارويه ) على الشام كخط دفاعي أمام الدولة العباسية , وفى دولة ( الإخشيد ) سيطر على جنوب الشام بالحرب وبالجزية مع وجود الضغط الفاطمي على حدود مصر الغربية . أي أنه مع وجود مصر دولة مستقلة في إطار الخلافة العباسية فقد عادت تبعية الشام الاستراتيجية لمصر وحين ضعف الحكام من الدولتين الطولونية والإخشيدية انهار بناء الدولة في مصر والشام في وقت واحد باعتبارهما وحدة استراتيجية واحدة .

2- وكان وجود حاكم قوى طموح في الشام خطرا على مصر إذ يسارع بالتفكير في غزوها كما فعل ( الشيباني ) في فلسطين أثناء بداية ( أحمد بن طولون ) في مصر,وكما حدث من القرمطي   بالشام أثناء ضعف الدولة الطولونية وفى فترة الضعف بين انتهاء الدولة الطولونية وقيام الدولة الإخشيدية ( 292 – 323 هـ ) ساعد الارتباط الموقعى بين مصر والشام على زيادة حدة التنافس بين الأمراء الترك في الاقليمين إذ كان الأمير في الشام أو في مصر يتنازع مع جاره لإتمام سيطرته على مصر والشام لان المنطقة لا تتسع إلا لحاكم قوي واحد يتبعه الآخرين . وبعد أن ظهر ذلك الحاكم القوى في شخص الإخشيد انتصر على خصومه في مصر والشام وأصبحت المنطقة في حوزته وفى دولته .

ثم إذا ظهر ( ابن رائق ) في الشام طمع في مصر وكانت حربه مع ( الإخشيد ) وبعده كان ( بنو حمدان ) وصراعهم مع الإخشيدين , ونجحت الدولة الإخشيدية في فرض سلطانها على الشام طالما بقيت قوية فلما مات ( كافور ) انتهت الدولة الإخشيدية في مصر والشام في وقت واحد .

3- ويلاحظ أن الخطر الفاطمي على حدود مصر الغربية كان مؤثرا في سياسة الدولة الإخشيدية . حتى إن لقب( الإخشيد ) الذي اشتهر به ( محمد بن طغج ) كان بسبب الفاطميين . بل إن خطر الفاطميين على مصر هو الذي جعل الدولة العباسية تتسامح في ظهور دولة الإخشيد القوية لتواجه الخطر الفاطمي المعادي للعباسيين على طول الخط  , وقد حمل( الإخشيد) معه همومه من الخطر الفاطمي أثناء انتصاراته في الشام , فكان بعد الانتصار يكتفي بالصلح وإعطاء الجزية ليحتفظ بدمشق أو بالرملة مع تحييد خصمه في الشرق حتى لا يحارب أعداءه العباسيين في الشرق وأعداءه الفاطميين في الغرب في وقت واحد . وذلك ما التزم به ( كافور ) .

وبعد سقوط الدولة الإخشيدية سقطت مصر ثمرة ناضجة في يد( جوهر الصقلي ) بدون مقاومة . 

وأصبحت مصر لأول مرة بعد الفتح الإسلامي تواجه عاصمة الخلافة مواجهة الند للند بخلافة شيعية ونظام مختلف . فإلى أي حد أفلحت مصر القاهرة في مواجهة بغداد . هذا ما سنتعرف عليه.



[1]
خطط المقريزى  1 / 578  :  589  .

المصادر

[2]تاريخ ابن الأثير 8/ 123 , 136 , 140 , 148 , 179 . 7/ 73 ، 95 ، 104 ، 125 ، 128 ، 157 ، 158 ، 164 ، 169 ،171، 189 ، 211

خطط المقريزى 1/613 . ،1/ 590، 592 ، 600: 607، 2/234 . 1/ 590 ، 592 ، 600 ، 607 ، حسن المحاضرة 1/ 594 : 596 . 2/234 .

السيوطى : حسن المحاضرة 1/ 594: 596 ، 596 : 598

[3]خطط المقريزى 2/234 .

الفتح الإسلامي والاستراتيجية السياسية

الفصل الأول

الفتح الإسلامي والاستراتيجية السياسية لمصر بعد الفتح     

                              خامسا – مصر الفاطمية

في أعقاب سقوط الدولة الطولونية في مصر بدأت الدعوة الشيعية الإسماعيلية في المغرب وأثمرت قيام الدولة الفاطمية بها , تلك الدولة التي زحفت إلى مصر واتخذتها قاعدة لنشر سلطانها ودعوتها في الشام والعراق . 

قيام الدولة الفاطمية في المغرب وتطلعها نحو مصر :

بدأت الدولة الفاطمية بالدعوة الشيعية التي بثها في شمال أفريقيا ( أبو عبد الله الحسين الشيعي ) , وقد التقى في موسم الحج بزعماء قبيلة (كتامة) واستمالهم إليه فصحبوه إلى موطنهم حيث كان يحكم ( زيادة الله الاغلبي ) ونشر عبد الله الشيعي دعوته فتم له الأمر وهزم ( زيادة الله الاغلبي ) وملك القيروان , وبعث يطلب ( المهدي ) صاحب الدعوة وكان يقيم في سلمية بالشام , وعرفت الدولة العباسية بأمره فحاولت القبض عليه قبل أن يرتحل إلى المغرب ولكنه أفلت , ومر بمصر حيث كان واليها ( عيسى النوشري ) من قبل الدولة العباسية بعد سقوط الدولة الطولونية وأفلت (المهدي) من يد (النوشري)  ووصل إلى سلجماسة فاعتقله واليها من قبل الأغالبة ولكن تمكن  ( أبو عبد الله الشيعي ) من اقتحام سلجماسة وأخرج ( المهدي ) من سجنه , وبويع بالخلافة سنة 297 هـ [1] .

منذ أن استقر الملك المهدي في شمال أفريقيا تطلع إلى غزو مصر ليتمكن بها من إرهاق الخلافة العباسية والقضاء عليها : ففي سنة 301 أرسل ابنه( أباالقاسم ) بجيش أخذ برقة والإسكندرية والفيوم وتحارب مع مؤنس الخادم قائد الجيش العباسي , وفي العام الثاني  سنة302 بعث بجيش آخر قاده جباسة زعيم كتامة واستولى على الإسكندرية إلى حين وفي عام 306 قام ابنه أبو القاسم باحتلال الإسكندرية وأجزاء من الصعيد وبعد حروب مع العباسيين انسحب , وكانت حملة أخرى سنة 315 .

 ومات المهدي سنة 322 هـ وتولى ابنه أبو القاسم بلقب القائم بأمر الله وبعد أن مكن لنفوذه بعث جيشا لمصر في ولاية الإخشيد فصده عنها ,وانشغل القائم بثورة أبي يزيد الخارجي عليه إلا إن الحملات الفاطمية استمرت إلى أن تم فتح مصر بسهولة على يد جوهر الصقلي بعد موت كافور الإخشيدي وذلك في عهد المعز لدين الله الفاطمي بن المنصور بن القائم بن المهدي سنة 358 .                                                                                                                         

وبعد أن وطد جوهر الصقلي نفوذه في مصر بعث للمعز فأتى وقد حمل معه جثث آبائه [2] لتدفن في مصر دليلا على أن مصر هي الهدف الأصلي التي كان يطمح له الخلفاء الفاطميون منذ أن قامت دولتهم في شمال إفريقيا , ولهذا أقاموا لهم عاصمة جديدة هي القاهرة وأسسوا معهدا لنشر عقائدهم هو الأزهر .

الخلفاء الفاطميون في القاهرة : -

الخلفاء الفاطميون أربعة عشر خليفة , ثلاثة منهم بالمغرب وهم المهدي تولى( سنة 297 هـ ) والقائم تولى ( سنة 322 هـ ) والمنصور تولى (سنة 334 هـ ) وكان رابعهم ( المعز ) تولى سنة 341 ، وهو أول من دخل مصر ومات بها عام 365.  

وقد زينت الفسطاط لمقدم ( المعز ) فلم يدخلها ودخل القاهرة وقد  أتم ( جوهر الصقلي ) بناءها وبناء الجامع  الأزهر فيها وأحاطها بسور كبير وفى عهده انتقلت الدعوة الفاطمية للشام والحجاز .          

وتولى بعده ابنه ( العزيز بالله نزار ) سنة 365 وقد امتدت الدولة  من أقصى المغرب إلى شرق الحجاز ومن اليمن إلى أعالي الفرات , وظل في الخلافة إحدى وعشرين سنة .

وتولى بعده ابنه ( الحاكم بأمر الله ) سنة 386 , وكان صبيا فسيطر عليه معلمه ( برجوان ) ولما شب ( الحاكم ) قتله , واشتهر ( الحاكم ) بأطواره الغربية و أوامره المتناقضة وادعائه الألوهية . وقتل ( الحاكم ) سنة 411 وتولى ابنه ( الظاهر ) وتدهورت الأحوال في عهده بالمجاعات والفتن في الشام , وانغماسه في اللهو والخمر مع كثرة تولى الوزراء وعزلهم وفسادهم , ومع هذا وصلت الدعوة الشيعية في عهده للعراق , ومات بعد حكم استمر خمس عشر سنة .

تولى المستنصر سنة 427 وظل خليفة ستين سنة , واشتهر عهده بمجاعة سنة 464 التي أصبح الخليفة نفسه فيها فقيرا معدما , وفى عهده خرجت عن الدولة الفاطمية سوريا وصقلية وولايات من شمال أفريقيا , واستقدم ( المستنصر ) ( بدر الجمالي ) حاكم عكا لإصلاح الأحوال فقضى على الفتن وقام ببعض الإصلاحات .

وتولى ( المستعلي بن المستنصر ) سنة 487 بنفوذ ( الأفضل ), وكان ( نزار ) بن ( المستنصر ) هو صاحب الحق والنص ففر ( نزار) للإسكندرية وحاربه ( الأفضل ) وقتله , وترتب على ذلك انقسام الدعوة الشيعية إلى ( نزارية ) و ( مستعلية ) وقد هاجرت النزارية إلى فارس حيث كون ( الحسن الصباح ) منظمة ( الباطنية ) الفدائية التي  أشاعت الرعب في فارس والعراق والشام إلى أن قضى ( هولاكو ) عليهم .

واستمرت سيطرة الأفضل أثناء تولية الآمر(  بن المستعلي ) سنة 495 وقد شهد عصر الآمر إقامة الإمارات الصليبية في الشام . وتولى بعد ( الآمر ) خلفاء ضعاف وقعوا تحت سيطرة وزراء أكثر ضعفا , وانتهى الآمر بأن تصارع على فتح مصر خصمان يتحكمان في الشام هما الدولة الزنكية ومملكة بيت المقدس الصليبية . وأسفر الصراع بينهما على سيطرة قائد الجيش الزنكي وهو ( شيركوه ) على مقاليد الأمور في  القاهرة , ولكنه لم يلبث أن توفى وتولى بعده ابن أخيه ( صلاح الدين الايوبى ) الذي أنهى الدولة الفاطمية وأقام مكانها الدولة الأيوبية سنة 567 هـ .

ولا ريب أن أحوال الشام تأثرت بأحوال الفاطميين قوة وضعفا , كما أن مصير الخلافة الفاطمية في القاهرة تأثر بالقوتين المتنازعتين في الشام فلنتجه للشام لنتعرف فيه على قوة الدولة الفاطمية وضعفها ونهايتها .

الفاطميون والشام : -

بعد أن استقرت أمور ( جوهر الصقلي ) في مصر بعث بحملة لضم الشام بقيادة ( جعفر بن فلاح الكتامى ) فهزم ( الحسن بن عبد الله بن طغج ) واستولى على الرملة , وسار إلى طبرية فوجدها قد انضمت للفاطميين , ثم استولى على دمشق بعد عدة مصادمات مع أهلها قادهم فيها الشريف ( ابن يعلى الهاشمي ) [3].

إلا أن النفوذ الفاطمي في الشام واجه – إبان قوة الدولة – كثيرا من الصراعات من المتغلبين على الشام والطامعين فيه . وأهمهم :-

1-    القرامطة : -

كانوا شيعة مغالية انشأوا دولة في الإحساء وعاثوا في الأرض فسادا بين العراق والحجاز والشام , وكانت الصلة وثيقة في البداية بين الفاطميين في المغرب والقرامطة في الإحساء , حتى لقد كانت تحركات القرامطة العسكرية في جنوب العراق متناغمة مع بداية الدولة الفاطمية في المغرب [4] .

ولكن استيلاء الفاطميين على الشام بعد هزيمة ( ابن طغج ) اغضب القرامطة حيث كان الشام مجالا خصبا لغاراتهم وكان ( ابن طغج ) في الرملة يدفع لهم جزية سنوية قدرها ثلاثمائة ألف دينار , من هنا تحالف القرامطة مع ( بختيار ) المسيطر على الخلافة العباسية وتحركوا نحو دمشق بعد أن استولى عليها القائد  الفاطمي ( جعفر بن فلاح ) . واستهان بهم ابن فلاح وربما لم يصدق إنهم يقصدون حربه فعلا وهم رفاقه في الدعوة الشيعية , ولأنه لم يحترز منهم فقد سهل عليهم أسره , وتحركوا بعد دمشق للرملة وبعد أن ملكوها ساروا إلى مصر وقد اجتمع معهم الكثيرون من العرب وأتباع الاخشديين فوصلوا إلى عين شمس وردهم ( الفاطميون ) بصعوبة وكان ذلك سنة 360 .

وبلغ ذلك ( المعز ) فسارع بالرحيل إلى مصر وبعد استقراره بها أرسل للقرامطة – وقد تأهبوا لغزو مصر – كتابا يذكر فيه ( أن الدعوة واحدة وأن القرامطة إنما كانت دعوتهم إليه والى آبائه ) إلا إن القرامطة واصلوا زحفهم إلى عين شمس وتكاثرت جموعهم بالأعراب المنضمين إليهم , ولما رأى ( المعز ) كثرتهم لجأ للحلية فأرسل إلى ( حسان بن الجراح ) زعيم قبيلة طىء  المتحالف مع القرامطة – مائة ألف دينار فانسحب ( ابن الجراح ) حين القتال , وسهل على ( المعز ) أن يهزم القرامطة .

واستعاد الفاطميون دمشق إلا إن الفتن ثارت بينهم وبين الدمشقيين فعزل (المعز) الوالي الفاطمي عن دمشق بيد أن الثورات المتتابعة في دمشق سهلت وقوعها تحت يد (آفتكين ) التركي .

وحاول الفاطميون استمالة (آفتكين) ففشلوا فأرسل (العزيز) الفاطمي حملة يقودها (جوهر الصقلي) لاسترداد دمشق والشام ، واحتل(جوهر) فلسطين وطرد عنها جماعات (القرامطة ) ،إلا أن (القرامطة ) اتحدوا مع (آفتكين) وهزموا(جوهر الصقلي) هزيمة منكرة في عسقلان ، واضطر (العزيز) للخروج بنفسه للشام فهزم (أفتكين) و(القرامطة)[5]

2- ابن الجراح أمير  طئ :

كانت قبيلة طئ العربية تتوزع في نواح مختلفة في الشام وقد صاحبت القرامطة في هجومهم على مصر في بداية الحكم الفاطمي ، وبعد زوال القرامطة عن الشام استولى (المخرج بن الجراح ) على الرملة وما حولها وأظهر الطاعة(للعزيز) الفاطمي إلا أنه سرعان ما خلع الطاعة سنة 371 وتمكنت حملة فاطمية من هزيمته فالتجأ للروم ثم عاد ملتمسا الأمان من (العزيز) فعفا عنه .

وفي عصر الحاكم عاد (ابن الجراح) فاستولى على الرملة سنة 388 إلا أن (برجوان) وزير الحاكم بعث بحملة استعادت الشام وهرب (ابن الجراح) وعاد يطلب الأمان فأمنه (برجوان) .

وفي سنة 400 خرج (ابن الجراح) على الطاعة وبايع أمير مكة بالإمامة واستقدمه للرملة وجعله خليفة تحت لقب (الراشد بالله) ولم يستطع (الحاكم ) مواجهة هذه الحركة بالقوة فاستمال (آل الجراح ) حتى تخلوا عن (الراشد) ففر (الراشد ) إلى مكة واعتذر للحاكم فقبل عذره وارجع الخطبة في مكة (للحاكم) وأرسل (الحاكم (لابن الجراح) من قتله بالسم وبعث حملة وطدت نفوذ الدولة على عرب (طئ) طيلة خلافة( الحاكم) . 

إلا إن( طيء ) عادت للشغب تحت قيادة ( حسان بن مفرج بن الجراح ) الذي سيطر على فلسطين واقتسم الشام مع قبيلة ( كلب ) وحاولوا الاستعانة بالروم . وبعث الوزير ( الجراجرائي ) المسيطر على الخليفة الظاهر بحملة هزمت أعراب كلب وطيء ودخلت دمشق وحلب وكان قائد الحملة ( الدزبري ) .

وحدث خلاف بين الدزبري قائد الجيش الفاطمي وحاكم الشام وبين ( الجراجرائي ) الوزير الفاطمي القوي في القاهرة , وانتهى الخلاف بإبعاد ( الدزبري ) عن الشام فعادت سطوة ( حسان بن المفرج الطائي ) في فلسطين واستولى عرب ( كلب ) على ( حلب ) .

ثم اضطربت الأحوال في مصر وكثر تولية الولاة وعزلهم وكثرت ثورات أهل دمشق فوجد السلاجقة الفرصة في ضم الشام للدولة العباسية .

3ــ الحمدانيون: -

ينتمون إلى قبيلة (تغلب ) وقد أقطعتهم الدولة العباسية شمال الشام والجزيرة لترمي بهم الروم ولكن استطاع إمبراطور الروم ( تقفور فوكاس ) الاستيلاء على حلب وفر أمامه ( سيف الدولة الحمداني ) وطلب الهدنة , وبعد موت ( سيف الدولة ) كان ابنه سعد الدولة  يدفع الجزية للروم مع خضوعه الأسمى للعباسيين .

وانغمس سعد الدولة في اللهو فثار عليه ( قرعويه ) قائده واستولى على حلب . فانضم (سعد الدولة)  للفاطميين ليتمكن من مساعدتهم له في استرداد حلب , ولكنه استردها بمساعدة قائده ( بكجور ) فانقلب على الفاطميين , ثم حدث خلاف بين ( سعد الدولة وبكجور ) فانضم بكجور للفاطميين فولاه ( العزيز ) دمشق . إلا إن بكجور عصي بدمشق فانتزعتها منه الدولة الفاطمية وهرب للرقة وبعث يستميل ( العزيز ) للاستيلاء على حلب من (سعد الدولة الحمداني ) ووافقه ( العزيز ) وبعث بحملة إلا إن ( بكجور ) قتل [6] . وفشلت الحملة بسبب الكراهية بين ( بكجور) ووزير ( العزيز) .

                                                                                                                الروم البيزنطيون :

في عهد الإمبراطور (تقفور فوكاس ) انتهز فرصة الضعف العباسي في بغداد والتنازع بين الحمدانيين والاخشديين فغزا الشام سنة 351 واستولى على أهم الثغور وفتح حلب وهرب أمامه سيف الدولة الحمداني ثم عادوا عنها , في عام 353 حاصروا المصيصة وقتلوا خمسة عشر ألفا ولم يتعرض لهم أحد , ثم حاصروا طرسوس واستولوا في العام التالي عليها وعلى المصيصة, في العام التالي سنة 355 حصروا ( آمد ) وتوغلوا في الجزيرة والشام  .

وفي عام 358 استولى الفاطميون على مصر وغزا (جوهر الصقلي )  دمشق ,  وفي نفس العام وصل غزو الروم في الشام إلى طرابلس وقتلوا الكثيرين وأرغموا جماعة منهم على التنصر , واستولوا على أنطاكية وضموها إليهم. لكن قتل تقفور في نفس العام بيد زوجته ومساعده زمسكيس أو ( ابن الشمشيق ) في المراجع العربية , وقد أعاد غزو الشام سنة 363 بمساعدة سعد الدولة بن سيف الدولة واستولى( زمسكيس ) على دمشق وكان ( آفتكين ) قد تغلب عليها ولم يستطع الصمود أمام الروم .

وصمم ( العزيز الفاطمي ) على الاستيلاء على الشام ليأمن على نفسه في مصر من الروم أنهم استولوا فعلا على الشام , فبعث بجوهر الصقلي ولكنه هزم أمام ( آفتكين ) والقرامطة في عسقلان , فذهب( العزيز)  بنفسه وهزمهم [7] سنة368 ووطد نفوذه في جنوب الشام حتى دمشق .

واهتم ( العزيز الفاطمي ) بالقضاء على ( الحمدانيين ) في حلب لتحالفهم مع البيزنطيين فأرسل إليهم قائده منجوتكين فحاصر حلب واشتد في حصارها فاستغاث ( الحمدانيون ) بالروم طبقا للمعاهدة بينهم , وانتهز ( باسيل ) الثاني الفرصة , وكان قد تولى بعد   (زمسكيس) وعزم ( باسيل) على ضم الشام فغزاه بجيش بلغ مائة ألف يساعده أسطول كبير فاستولى على حلب وحمص , إلا أن ظروفا داخلية أرغمته على الرحيل .

وجهز ( العزيز الفاطمي ) أسطولا يواجه الروم في البحر ولكن عملاء للروم في القاهرة احرقوه فبنى غيره وتأهب للمسير للشام على رأس جيش قوي ولكنة مات في الطريق وتولى الأمر بعده ( برجوان ) وصيا على (الحاكم بأمر الله ) فاستأنفت الحملة البرية المسير وأحرزت انتصارات هائلة على الروم في البر والبحر , وتم الصلح بين الفريقين وعقدت هدنة عشر سنوات وقبض ( الحاكم ) على أمور الدولة بعد أن قتل برجوان وأدت سياسته المتناقضة إلى هدم كنيسة القيامة التي يحج إليها الروم مخالفا بنود المعاهدة بينه وبين باسيل الثاني  ومع ذلك فان (باسيل ) تمسك بالهدنة وبعد مقتل (الحاكم ) فكر (باسيل الثاني) في الانتقام ولكن (ست الملك) أخت الحاكم والوصية على (الظاهر) بن (الحاكم) أسرعت باسترضاء (باسيل الثاني ) وجددت الكنائس في الدولة وأعادت بناء كنيسة القيامة مما جعل (باسيل الثاني) يتراجع عن نقض الهدنة .

وجدد (الجرجرائى) وزير (الظاهر) الفاطمي الهدنة مع الروم على أن يخطب (للظاهر) بالمساجد التي في بلاد الروم وفتح جامع في القسطنطينية تابع للفاطميين وفى المقابل سمح (الظاهر) الفاطمي بارتداد من يريد ممن أسلم كرها أيام  ( الحاكم) إلا أن (حلب) كانت بؤرة المشاكل بين ا لفاطميين و الروم, إذ حرص الروم على سيطرتهم عليها بعد أن أخضعوا الحمدانيين  فيها لسيطرتهم , ولكن استطاع (ابن لؤلؤ) غلام الحمدانيين الاستئثار بحلب من دونهم , وخطب للفاطميين بها في عهد (الحاكم الفاطمي الذي سماه مرتضى الدولة ) ثم خرج عن طاعة الحاكم . فطمع في حلب (ابن مرداس) زعيم قبيلة كلب في الشام. وكانت بينهما حروب, وكان (الحاكم) هو الذي شجع (ابن مرداس) الكلبي على مناوأة (ابن لؤلؤ), وهرب (ابن لؤلؤ) عن حلب ولجأ للروم في أنطاكية , وتملك (ابن مرداس) حلب, إلا إنه لم يلبث أن خلع الطاعة للفاطميين فأرسل الفاطميون حملة للشام يقودها (الدزبرى) وبعث الروم بجيش سنة 420 للاستيلاء على حلب ولكن حدث تمرد في الجيش الرومي أرغم الإمبراطور على العودة , وعاد الروم ومعهم (حسان من مفرج الطائي) فاستولوا على فامية ولكن ظلت حلب مع الفاطميين.

وجدد (الجرجرائى) – الوزير القوى في عهد (الظاهر) الفاطمي – الهدنة مع الروم سنة 427 لمدة عشر سنوات, وحين حاول حاكم حلب الخروج عن طاعة الفاطميين والاستعانة بالروم في أول خلافة المستنصر نصح إمبراطور الروم حاكم حلب باستمراره في طاعة الفاطميين.

وفى سنة 432 اتفق الروم مع عرب (بنى مرداس) الكلبيين على نقض الهدنة وجهزوا جيشا للاستيلاء على حلب ولكن (الدزبرى) حاكم الشام الفاطمي هزمهم و(أتكف الروم عن الأذى بعدها) حسبما يقول ابن الأثير[8] .

                          الدولة الفاطمية بين القوة والضعف

ربما تختلف الدولة الفاطمية عن غيرها من الدول في ارتباط ضعفها وقوتها بالعقيدة الشيعية التي قامت على أساسها الدولة , فالعقيدة الشيعية الإسماعيلية تبتعد بالإمام أو الخليفة الفاطمي عن صفات البشر بقدر ما تقترب من صفات الإله- وهذا ما سنعرض له في الفصل الثاني- ويهمنا هنا في الناحية السياسية أن الخليفة الفاطمي يطالب رعاياه بأكثر مما يطالبهم به الحاكم العادي, فالحاكم العادي لا يطلب من رعاياه أكثر من الولاء والسمع والطاعة أما الخليفة الفاطمي- حسب العقيدة الشيعية – فيطالب مع الولاء أن يعتبره الناس إماما معصوما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, وذلك مجرد مظهر من مظاهر الإمام الشيعي في العقيدة الإسماعيلية ومطلوب من الرعية أن تؤمن بهذا, ولتحقيق هذا الهدف كانت للدولة الفاطمية ومؤسساتها العلنية في نشر الدعوة الشيعية كالأزهر وجهاز للدعاية الشيعية يقوم على رأسه (داعي الدعاة) يعاونه جيش من الدعاة العلنيين والسريين موزعين توزيعا دقيقا في داخل الدولة الفاطمية وخارجها وسبل الاتصال بينهم مستمرة ومستقرة .

يقول باحث متخصص في تاريخ الشيعة وعقائدهم (إنى لا أغالى أن قلت أن حضارتهم في العصر الفاطمي في مصر كان أساسها الدعاية قبل كل شي..) وقد لمست من بعض مقابلاتي مع بعض المستشرقين الامريكين أنهم يريدون معرفة أسرار نظم الدعوة الإسماعيلية, ونحن نعرف أن الأمريكيين يجيدون فن الدعاية ويتخذون لها وسائل مختلفة غير أنهم لم يبلغوا بعد ما بلغته دعاية الطائفة الإسماعيلية بالرغم من أدوات الدعاية الأمريكية والمخترعات الحديثة والدولارات الأمريكية [9] .

وقد تحدث (المقريزى) عن وظيفة (داعي الدعاة ) في الدولة الفاطمية في كتابه الخطط فذكر أسلوب الداعية في التأثير على الناس من خلال تدرج يصل بهم إلى اعتناق الدعوة, وفى كل مرحلة يصعد إلى التعرف بداعية ارقى إلى أن يصل إلى لقاء (داعي دعاة الجزيرة) ذلك أن الشيعة قسموا العالم الإسلامي إلى ( جزر) يتولى كلا منها (داعي للدعاة) يعاونه طاقم متدرج من الدعاة لكل منهم منزلته ولقبه من ( المأذون) إلى (المكاسر). وهم بين ظاهرين ومحجوبين أي مستترين  [10]  .

وقد تغلغل الدعاة الشيعة بعد فتح مصر سنة 358 في الشام والعراق وفارس وكثفوا دعوا تهم للتشيع في نفس الوقت الذي كان فيه الجيش الفاطمي يتوغل ناشرا النفوذ الفاطمي في الشام وعلى حدود العراق وقد نجح الدعاة الفاطميون في الدولة العباسية أكثر من نجاح الجيش الفاطمي فاعتنق الدعوة الفاطمية بعض الحكام مثل الأمير نصر بن أحمد الساماني علي يد الداعي النسفي والملك أبي كليجار البويهي ملك فارس على يد الداعي ( هبة الله بن موسي) بل استطاع الفاطميون اجتذاب (البساسيري) قائد القوات العباسية بالعراق فأقام الدعوة (للمستنصر الفاطمي) بالبصرة وواسط وتملك البساسيري بغداد وخطب للمسنتصر بها أربعين خطبة إلى أن قدم بغداد طغريل التركي فأعاد الخليفة العباسي (القائم بأمر الله) وقتل البساسيري[11] .

ويلاحظ أن الوقت الذي وصلت فيه الدعوة الفاطمية إلي بغداد كانت أحوال الفاطميين في القاهرة في اضطراب أثناء عهد المستنصر الفاطمي , ومعني هذا أن الدعوة الفاطمية كانت أنجح وأشد فعالية من النظم العلنية للدولة الفاطمية في القاهرة وخارجها .

على أن هناك أسباب ساعدت على نجاح الدعوة الفاطمية واجتذبت لها الأنصار فقد أستغل الدعاة ما كانت تقاسيه الشعوب من فساد الحكام المتغلبين والمتصارعين الذين يحكمون باسم الخلافة العباسية ويتحكمون في الخلفاء فكان الدعاة يبشرون بأن الإمام الفاطمي سليل النبوة هو الذي سيملأ  الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا , وفي هذه المناطق انتشرت قبل الإسلام أساطير عودة المسيح الذي سيعيد العدل و الحق, ثم بعد  الفتوح الإسلامية وعودة العسف مع الدولتين الأموية والعباسية عادت نفس العقيدة في صورة (مسيح آخر الزمان) ونسج الشيعة على منواله ( المهدي) وتواترت الروايات عن (نزول المسيح) و(المهدي المنتظر) بفعل الدعاة الشيعة المتنكرين حتى أدخلت في الحديث وصارت كالمعلوم من الدين بالضرورة .

وهكذا دارت الدعاية الفاطمية حول المهدي المنتظر وأنه الخليفة أمل الشعوب المقهورة في حكم عادل يعيد عهد الخلفاء الراشدين فدخل في الدعوة الكثيرون تحت هذا الوهم . ثم إن بعض المتغلبين أعتنق الدعوة الفاطمية سلاحا في وجه الدولة العباسية ( كالبساسيري) الذي يعتبره بعض المؤرخين قائدا مغامرا طموحا غضب عليه خليفته فأراد أن يكيد له فانضم للفاطميين [12] . ومثل البساسيري كان بعض الأمراء من بني حمدان وكلب وطيء وأولئك كانوا يتبادلون الولاء للفاطميين أو العباسيين حسب مصالحهم الذاتية, بل انضموا للروم ضد الفاطميين إذا هددتهم الدولة الفاطمية .

وثمة سبب هام ساعد الدعوة الفاطمية وأيد دعوتها منذ أن ثبتت أقدامها في مصر والشام , وهم بنو بويه الذين سيطروا على بغداد والخلافة العباسية وكانوا شيعة وقد أمر معز الدولة البويهي بأن يكتب على مساجد بغداد  بلعن معاوية وأبي بكر وعمر وعثمان وأمر بالبكاء يوم عاشورا في ذكرى مقتل الحسين وأحتفل كالشيعة الفاطميين بعيد غدير خم [13] يقول ابن الأثير عن حال الخلفاء العباسيين إبان تحكم البويهيين فيهم (وازداد أمر الخلافة أدبار ولم يبق لهم من الأمر شيء البتة , وقد كانوا يراجعون ويؤخذ أمرهم فيما يفعل والحرمة قائمة بعض الشيء فلما كان أيام معز الدولة- البويهي – زال ذلك جميعه بحيث أن الخليفة لم يبق له وزير إنما كان له كاتب يدبر أقطاعه وإخراجاته لاغير وصارت الوزارة لعز الدولة يستوزر لنفسه كما يريد, وكان من أعظم الأسباب في ذلك أن الديلم – قبيلة البويهين –كانوا يتشيعون ويغالون في التشيع ويعتقدون أن العباسيين قد غصبوا الخلافة وأخذوها من مستحقيها فلم يكن عندهم باعث ديني يحثهم على الطاعة حتى لقد بلغني أن معز الدولة أستشار جماعة خواص أصحابه في إخراج الخلافة من العباسيين والبيعة للمعز لدين الله العلوي أو لغيره من العلويين) . وأقلع معز الدولة عن الفكرة حرصا على سلطانه في بغداد[14] , وكانت العلاقة بين البويهيين والفاطميين علاقة مودة وتشاور بحكم الاتفاق بينهما في العقيدة وخلال تحكم البويهيين في الدولة العباسية أتيح للدعاة الفاطميين والنفوذ الفاطمي الاستمرار والاستقرار .

وبعد انقراض البويهيين وتحكم السلاجقة وهم سنيون بدأ أمر الفاطميين في التخاذل بالشام بحيث إن الخلافة العباسية تجرأت على كتابة محضر بالطعن في نسب الفاطميين للرسول عليه السلام وذلك سنة 402 , وحين أعلن العقيلي في الموصل انضمامه للحاكم بأمر الله الفاطمي أهاب الخليفة العباسي (القادر بالله) ببهاء الدولة السلجوقى أن يحاربه [15] .

ثم حل بالدولة الفاطمية ما يحل بالدول من ضعف بعد قوة , وكما ارتبطت قوة الدولة الفاطمية بقوة الدعوة الشيعية , فإن ضعفها أرتبط بضعف الدعوة . وكما أن الإمام الفاطمي يطالب رعاياه بأكثر ما يطالب به الحاكم العادي فإن الرعية من جانبهم يأملون في الإمام الفاطمي أكثر مما يأملون في الحاكم العادي وينظرون إليه نظرة تختلف عن باقي الحكام وما يجوز على الحاكم العادي ينبغي في عرف الناس واعتقادهم أن يسمو عنه الأمام الفاطمي المعصوم عالم الغيب صاحب التصريفات والعلم بالتأويل .. إلى آخر ما يشيعه الدعاة عن الأمام الشيعي .

إلا إن الأحداث أثبتت أن الخليفة الفاطمي شأنه لا يختلف عن الخليفة العباسي في تصاغره أمام الوزراء المتحكمين فيه, أو في تخبطه في سياسته إلى درجة الخبل والجنون, ثم ظهر عجز الخلفاء والدولة الفاطمية أمام قوتين ظهرتا في الشام وهما السلاجقة السنيون والصليبيون وعلى أيديهما كانت نهاية الدولة الفاطمية في الشام ومصر .

لقد أسهمت عوامل كثيرة في دحض مقولة الإمام الفاطمي المعصوم التي أشاعها الدعاة حول الخلفاء الفاطميين منها:- ما أتى به الحاكم بأمر الله من أفعال متناقضة مثل هدم الكنائس ثم إعادة بنائها و بناء المدارس ثم تخريبها , وإغلاق الأسواق نهارا وفتحها ليلا ونفي الكلاب ومنع أكل الملوخية ( وكان يعمل الحسبة بنفسه يدور في الأسواق على حمار له وكان لا يركب إلا حمارا فمن وجده قد غش في معيشته أمر عبدا أسود معه يقال له مسعود أن يفعل به الفاحشة العظمي .. وله رعونات كثيرة لا تنضبط) .[16] ثم كانت الطامة الكبرى حين ادعي الحاكم الألوهية (فأمر الرعية إذا ذكره الخطيب على المنبر أن يقوموا على أقدامهم صفوفا إعظاما لذكره .. فكان يفعل ذلك في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين .. ثم زاد ظلم الحاكم وعن له أن يدعي الربوبية فصار قوم من الجمال إذا رأوه يقولون: يا واحد يا أحد يا محي يا مميت)[17] وكان على رأس الدعاة لتأليه الحاكم بأمر الله حمزة والدرزي وخوتكين. وقد ثار الكثيرون على دعوة تأليه الحاكم فقتلوا خوتكين وبعض أتباعه, فهرب الدرزي وحمزة إلى بلاد الشام حيث نشرا هذه العقائد بين قبائل كلب وأوجدا فرقة الدروز في سورية ولبنان وشمال فلسطين [18] .

والمهم أن جهر الحاكم بمقوله التأليه صدمت مشاعر الناس , وأفزعتهم ,مع أن ما قام به الحاكم بهذا الخصوص لا يختلف عن عقائد الشيعة الإسماعيلية في تأليه الإمام وسنعرض لذلك في الفصل الثاني , وقد كان المعز الفاطمي حسبما يذكر ابن الأثير (جاريا على منهاج أبيه من حسن السيرة وإنصاف الرعية وستر ما يدعون إليه إلا عن الخاصة , ثم أظهره وأمر الدعاة بإظهاره إلا أنه لم يخرج فيه إلى حد يذم به [19] .

والمعز الفاطمي هو الذي مدحه الشاعر ابن هانيء الاندلسي بقصيدة أولها

ما شئت لا ما شاءت الأقدار                فاحكم فأنت الواحد القــهار

ويقول فيه :

وإذا تمثل راكبا في موكب                  عاينت تحت ركابه جبريلا [20]

والشاعر لا يمدح إلا بما يرضي الممدوح ويسعده, وقد ادعي المعز الفاطمي العلم بالغيب – وهو أحد خصائص الإمام عند الشيعة – فقابله المصريون بالسخرية واستمرت سخريتهم بأبنه العزيز حتى أنه صعد المنبر ليخطب فوجد فيه رقعة كتب فيها :

بالظلم و  الجور قد  رضينا          وليس بالكفر والحماقة

إن كنت قد أعطيت علم غيب         فقل لنا من كاتب البطاقة [21]

وتصاعدت السخرية المصرية بالحاكم الذي ادعي الألوهية وتخبط في أعماله إلى درجة الخبل, ومن كان هذا شأنه فهو مدعاة للسخرية والضحك خصوصا من المصريين , وقد أتعبوه  بسخريتهم وتندرهم به في أوراق كانت تكتب له في صورة قصص وظلامات حتى عملوا صورة امرأة من ورق بخفها وإزارها في يدها قصة- أي عريضة شكوى – فيها من الشتم شيء كثير , فلما رآها ظنها امرأة فذهب من ناحيتها وأخذ القصة من يدها فلما رأي ما فيها غضب وأمر بقتلها, فلما تحققها من ورق أزداد غضبا إلى غضبه وأمر العبيد من السودان أن يحرقوا مصر وينهبوا ما فيها من الأموال والحريم ففعلوا وقاتلهم أهل مصر قتالا عظيما ثلاثة أيام [22] .

ومع ذلك فقد كان للخلفاء الأوائل شخصياتهم القوية كالمعز والعزيز بالله والحاكم بأمر الله فكان الوزراء منفذين لرغبات الخليفة وأوامره [23], والحاكم تولى الخلافة صغيرا فتحكم فيه برجوان وابن عمار إلا أن الحاكم بعد أن شب قتل برجوان وأتباعه . ثم قتل ابن عمار وأفنى أتباعه . وحكم مستبدا .

إلا إننا نفتقد الشخصية القوية في الخلفاء الفاطميين اللاحقين فبعد قتل الحاكم تولى ابنه الظاهر (وشرب الخمر ورخص فيه للناس وفي سماع الغناء فاقبل الناس على اللهو) وسيطر على الظاهر الفاطمي وزيره الجرجرائي ومعه الشريف العجمي وابن بدوس والقائد معضاد وتعاهدوا ( ألا يدخل على الظاهر أحد غيرهم , وكانوا يدخلون كل يوم خلوة ويخرجون فيتصرفون في سائر أمور الدولة , والظاهر مشغول بلذاته )[24] .

 وتولى بعد الظاهر ابنه المستنصر وكان في السابعة , وظل في الخلافة ستين عاما , حكم فيها الوزراء المتغلبون عليه , وفي بداية عهده حكم وزراء أقوياء فبقوا في الوزارة مدة طويلة مثل الجرجرائي الذي حكم سنتين في خلافة الظاهر ثم استمر وزيرا مع المستنصر سبع عشرة سنة , وحكم اليازوري ثماني سنوات . 

ثم تعاقب على الوزراة وزراء متنافسون فيما بينهم , فكانت مدة احدهم لا تزيد عن خمسة اشهر وربما لا تصل إلى أكثر من يوم واحد مثل ابن خلف الذي تولى يوم واحد هو( 16 : 17 محرم 457 ) وتنازع أولئك الوزراء فيما بينهم جعل البعض منهم يتولى الوزارة عدة مرات ولا يبقى في كل مرة إلا بضع أيام أو بضع اشهر , ومنهم ابن كدينة الذي ولي الوزارة ثلاث عشرة مرة فيما بين عامي 455 إلى عام 466 , وكان يحدث أن يتولى في السنة الواحدة ثلاث مرات كما حدث في سنة 457 وفي سنة 460 وبلغ مجموع المدة التي قضاها في وزاراته الثلاث عشرة حوالي السنتين , ومثله كثيرون من وزارء الشهور والأيام الذين تولوا الوزارة أكثر من مرة خلال هذه الفترة من الضعف , منهم الفارتي ( تولى الوزارة ست مرات ) والمليجى ( أربع مرات ) وابن خلف ( ثلاث مرات ) وابن العجمي ( ثلاث مرات ) .

وهكذا إلى أن أتى بدر الجمالي فقبض على السلطة بيد من حديد واستمر وزيرا أكثر من واحد وعشرين عاما في حياة المستنصر وتولى بعده ابنه الأفضل بن بدر فقضى جزءا يسيرا في خلافة المستنصر ثم استمر بعده مع المستعلي ثم الآمر لمدة زادت على ثمانية وعشرين عاما . ( 487 – 515 هـ ) وكان الحاكم الفعلي طيلة هذه المدة , وعادت فيما بعد سيرة الوزراء الضعاف المتنازعين منذ خلافة الحافظ حتى العاضد آخر الخلفاء إلى أن تولى صلاح الدين الأيوبي .. وتصاغر الإمام الفاطمي المعصوم أمام وزرائه العظام أو الضعاف بدد الصورة السامية التي ترسمها الدعوة الإسماعيلية للإمام في عقل الجمهور , فبدأ الكثيرون ينفضون عن الدعوة الفاطمية وصاحبها الذي لاحول له ولا قوة أمام وزرائه .

بل كان بعض الوزراء يقرن تحكمه بالخليفة بإعلان استهانته به وتندره بالإمام المعصوم الذي يتحكم الوزير في توليته وعزله في واقع الأمر بينما ينشر الدعاة الفاطميون حوله هالة من التقديس , وكان بعض أولئك الوزراء سني المذهب فوجد في تلاعبه بالإمام الفاطمي متنفسا لإظهار عقيدته المخالفة للتشيع , ومن أولئك كان ابن الولخشي وزير الحافظ الذي كان يقدح علنا في مذهب الخليفة بل هم فعلا بخلعه بحجة أنه ليس بخليفة ولا إمام , وأنشأ الوزير ابن السلار- وهو سني ـ مدرسة للشافعية سنة 546 في الإسكندرية مع مخالفة ذلك المذهب للدولة وسياستها , ولم يتخلف الوزراء الشيعة عن أزد راء الخلفاء الفاطميين فالوزير عباس بن باديس الصهناجي الذي قتل الخليفة الظافر بالله وولى بعده الفائز بنصر الله يقول لندمائه (تبا لمن يعتقد أمامه هيلاء , ويقول أنه لا يكون إمام إلا بوصية, والله لقد قتلت الظافر ولا علم عنده بذلك حتى يوصي , ولقد استعرضت أقاربه كالغنم إهانة وذبحا وقدمت هذا الملقب بالفائز وعمره خمس سنين وعلى أيدينا ذهبت دولتهم بالمغرب, وكذلك تذهب بالمشرق ) .

والوزير الفاطمي طلائع بن رزيك هو الذي ولى العاضد الخلافة (فلما بويع العاضد بالخلافة وركب طلائع من القصر سمع ضجة عظيمة , فقال: ما الخبر ؟ فقيل بأنهم يفرحون بالخليفة , فقال  كأني بهؤلاء الجهلة يقولون ما مات الأول حتى استخلف هذا, وما علموا أني كنت من ساعة أستعرضهم استعراض الغنم) .

وقد أدى تدخل الوزراء في تعيين الخلفاء الفاطميين الضعاف إلي إهمال ناحية أساسية في العقيدة الشيعية الإسماعيلية وهى النص أي ضرورة أن يكون تولية الخليفة بالنص من الأب للابن دون الأخ , وفي غمرة اهتمام الوزير بنفوذه أهمل تلك القاعدة الأساسية في العقيدة الشيعية . فالأفضل تجاهل ما نص عليه المستنصر من توليه ابنه نزار وتمكن الأفضل من إزاحة نزار صاحب الوصية والحق الرسمي وبايع المستعلي بن المستنصر لان المستعلي صغير السن يمكن السيطرة عليه , ثم إنه زوج أخت الأفضل . وهرب نزار وتمكن الأفضل من اعتقاله وقتله .

وترتب على ما فعله الأفضل بنزار أن غضب لنزار جماعة من الشيعة اعتبروه صاحب الحق في الخلافة غصبه منه الأفضل والمستعلي , وعرف أولئك بالنزارية وقد فارقوا الدعوة الفاطمية في مصر وأنشأوا لهم مركزا في الموت بزعامة الحسن بن الصباح وكانت بين الفريقين خصومات عقيدية ومؤامرات دموية , منها أن أتباع ابن الصباح قتلوا الخليفة الفاطمي الآمر سنة 524 هـ . وأشتهر الوزير الفاطمي ابن البطائجي بتتبع جواسيس الحسن بن الصباح الذين كان يرسلهم من قلعته في الموت ليخربوا ويدمروا فكان ابن البطائجي يبث عيونه عليهم في كل مكان منذ نزولهم من حصن الموت إلى أن يقبض عليهم في بلبيس فيحملون إليه ويقتلون [25] .

وتبع الآخرون الأفضل في عزل صاحب النص الوصي وتولية غيره خصوصا في خلافة الآمر ثم الحفاظ ثم الظافر إلى الفائز العاضد .

وزاد في اهتزاز صورة الخليفة المعصوم ما حدث في العصر الفاطمي من مجاعات وكوارث اقتصادية خصوصا ما عرف بالشدة العظمي التي استمرت في البلاد سبع سنين في عصر المستنصر الفاطمي ووزرائه الضعاف .

وجدير بالذكر أن (المعز) الفاطمي في بداية دولته بمصر حمل إليها الغلال لينقذها من مجاعة كان يقاسى منها المصريون قبيل مجيء الجيش الفاطمي . إلا أن المجاعة بدأت في عهد (الظاهر) الفاطمي سنة 414 فاضطرب الناس ثم  أشتد الغلاء وفشت الأمراض وتفاقم الأمر فاستغاث الناس بالإمام الفاطمي المعصوم وصاحوا بالظاهر الفاطمي (الجوع .. الجوع يا أمير المؤمنين , لم يصنع بنا هذا أبوك ولا جدك فالله الله في أمرنا ) .

لقد فشل الظاهر الفاطمي في دور المهدي المنتظر والمنقذ من المحن وهو الدور الذي أشاعته الدعاية الفاطمية حول الخلفاء الفاطميين وصدقها العوام فانتظروا غوثه ونجدته كما رآها من سبقهم في بداية عهد المعز بملك مصر . ولكن تبين لهم أن الدعوة الشيعية أطمعتهم في سراب . من هنا تحول الناس للنهب ليردوا عنهم غائلة الجوع , فنهبت الأرياف وتتبع الجند العبيد الذين اجتمعوا من جوعهم لنهب القاهرة ( وجرت أمور من العامة قبيحة) على حد  قول المقريزي [26] .

ثم كانت الشدة العظمى منذ سنة 446 بالغلاء ثم الجوع والوباء وحدثت الفتنة بين الأتراك والسودان وضعف الوزراء وكان الخليفة المستنصر أضعف من الجميع ولم يستطع أن يوقف المذابح المستمرة بين الأتراك والسودان بين القاهرة والصعيد , وكثر قطاع الطرق وفشا الموت في الناس من المجاعة وانتشر الوباء من كثرة الجثث ورحل عن مصر أهل القوة إلى الشام والعراق برغم أمن الطريق وتفرق عن المستنصر جميع أولاده وأقاربه من الجوع , حتى إن أعداءه من الأتراك المتغلبين على الدولة بعد انتصارهم على السودان – حين ملكوا القاهرة بقيادة زعيمهم ابن حمدان وجدوا المستنصر في بيت على حصير وقد ذهب كل ما عنده, فبكى بعضهم رأفة به . وبسبب هذا الغلاء خربت الفسطاط ووهن أمر الدولة الفاطمية إلى أن استوزر المستنصر بدر الجمالي وكانت المجاعة  قد أنهت دورتها فأصلح الأحوال الاقتصادية وقضى على أسباب الفساد فتراجعت الأسعار وتحسنت ميزانية الدولة . وتابع ابنه الأفضل سياسته الاقتصادية  فبلغ الخراج في عهده خمسة ملايين دينار  [27] .

لقد كادت الدولة الفاطمية في عهد بدر الجمالي وابنه الأفضل أن تسترجع قوتها القديمة لو لا أن الأفضل خلع نزار وجعل الدعوة الفاطمية تنقسم إلى نزارية ومستعلية ولو لا أن الشام في عصر الضعف الفاطمي ظهرت فيه قوتان متنافسان هما السلاجقة والصليبيون وقد توسعتا على حساب الفاطميين في عهد الأفضل وبعده ازدادت الدولة ضعفا فكان لابد أن يصل التوسع إلى مصر نفسها وأن تنفرد بمصر أحدى القوتين المتصارعتين السلاجقة أو الصليبيون .

                                    نهاية الدولة الفاطمية في الشام ومصر

انتهاء النفوذ الفاطمي في الشام :

عندما تولى بدر الجمالي الوزارة سنة 466 انشغل بالقضاء على الفتنة وتوطد نفوذه فانتهز السلاجقة الفرصة فاستولوا على عكا سنة 467 وكانت تابعة للفاطميين , ثم رجعت للطاعة بتدبير أهلها دون تدخل من مصر , ثم استولى اتسز على دمشق سنة 486 , بل حاول   اتسز غزو مصر فاستولى علي الدلتا وقت أن كان بدر الجمالي يوطد نفوذه في الصعيد , ولكن تمكن بدر الجمالي من هزيمته هزيمة  ساحقة سنة 469.

وبعد أن وطد بدر الجمالي نفوذه في مصر تطلع لاستعادة الشام فحاول فتح دمشق مرتين سنة 470 هـ وسنة 472 ولم يفلح , واستولى على دمشق تتش بن ألب أرسلان كما استولى على بعلبك ووطد نفوذه , فحاول بدر الجمالي استمالته بالمصاهرة فلم تتم , ثم أرسل حملة لاستعادة دمشق سنة 478 ففشلت , ثم نجح فى الاستيلاء على موانئ ساحلية مثل صور وصيدا وعكا وجبيل .

وتجمع السلاجقة للاستيلاء على أملاك الفاطميين في الشام ثم مصر فتجمعت جيوشهم من دمشق وحلب والرها وامتلكوا حمص وبعض القلاع الفاطمية إلا إنهم فشلوا أمام طرابلس وعاد كل إلى بلده ونشب الخلاف بين السلاجقة فقامت الحرب بين تتش وأخيه بركياروق وأنتهت بقتل تتش وأقتسم أبناء  تتش أملاكه فاستقل رضوان بحلب وملك دقاق بدمشق , وقام النزاع بينهما, ولم يحاول الأفضل بن بدر الجمالي الاستفادة من الخلاف السلجوقي بسبب ثورة نزار صاحب الحق الشرعي في الخلافة الفاطمية وما أدى إليه ذلك من انقسام الشيعة الفاطمية إلى نزارية ومستعلية .

ولكن قوة أخري استفادت بالصراع القائم بين رضوان ودقاق في حلب ودمشق . إنهم الصليبيون الذين قهروا قلج أرسلان في آسيا الصغرى وانحدروا للشام في طريقهم إلى بيت المقدس وبدءوا بحصار انطاكية وكانت تابعة لرضوان صاحب حلب , إلا إن رضوان كان ناقما على حاكم إنطاكية ياغي سيان لأنه ناصر دقاق في نزاعه معه . ولأجل ذلك تثاقل عن نصرة ياغي سيان حين حاصره الصليبيون في انطاكية .

أما في مصر فقد عول الأفضل على الاستفادة بالوجود الصليبي على أنه حاجر بينه وبين السلاجقة الطامعين في مصر ولذلك أرسل إليهم وفدا للتفاوض وهم يقيمون على حصار أنطاكية وعرض عليهم تقسيم الشام – وهم لم يستولوا على مدينة فيه بعد- وأن يكون شمال سوريا من نصيب الصليبين وتستولى مصر على فلسطين ولكى يجعل لاقتراحه قوة استولي على بيت المقدس في رمضان 491 . ورفض الصليبيون عرض الأفضل لأن هدفهم الأساسي هو بيت المقدس وأملوا في نجاح غزوهم للشام بعد سفارة الأفضل وتقاعس السلاجقة عن نصرة المسلمين في أنطاكية .

واستولى الصليبيون على أنطاكية وواصلوا سيرهم على الطريق الساحلي فاستولوا على أهم المدن الساحلية , ثم حاصروا بيت المقدس واقتحموه وقتلوا سبعين ألفا من المسلمين في المسجد الأقصى . ودخلوا بذلك في عداء سافر مع الفاطميين ورجلهم القوي الأفضل بن بدر الجمالي .

ودار الصراع بين الصليبين والأفضل في موقعة الرملة الأولي  492 وفيها هزم الأفضل وفر ونجا بنفسه بأعجوبة من سيوف الصليبين وقائدهم بلدوين الأول الذي حاصر عسقلان وكانت تابعة للفاطميين ولم ينقذها منهم إلا الخلاف والتنافس بين بلدوين وريموند الصنجيلي [28] أحد القادة الكبار من الصليبين .

ودخلت مصر في دور الضعف بعد الأفضل ففشلت حملاتها التي وجهت لحرب الصليبين سنة 517 وسنة 545 . ثم حلت بالبلاد حالة من الفوضى منذ بدأ الصراع على الوزارة بين شاور وضرغام  وتدخل في النزاع بينهما الصليبيون والدولة الزنكية في شخص القائد نور الدين زنكي .

انتهاء الفاطميين في مصر :

ظهر صنف جديد من الحكام السلاجقة اهتم أساسا بالجهاد ضد الصليبين دون النزاع مع جيرانه من الحكام المسلمين , وتمثل هذا الصنف في عماد الدين زنكي ثم ابنه نور الدين زنكي . وقد تملك عماد الدين زنكي حماه ووسع نفوذه في الشام من حلب حتى جنوب حمص ثم حاول الاستيلاء على دمشق مرتين , وفي أثناء ذلك كله أرهق الوجود الصليبي بهجمات متتابعة أمتدت من الرها وإنطاكية شمالا إلى بيت المقدس جنوبا . ويعزى له الفضل في إسقاط إمارة الرها الصليبية [29] مما سبب مجيء الحملة الصليبية الثانية .

وتولى ابنه نور الدين محمود زنكي وكان من نصيبه أملاك أبيه الغربية التي تجاور الصليبين فتابع الجهاد ضدهم في أنطاكية وتل باشر فقتل ريموند صاحب أنطاكية وجوسلين أمير الرها السابق , ثم اهتم كأبيه بالاستيلاء على دمشق .  وكانت متحالفة مع الصليبين نظرا لموقعها الهام بالنسبة لمملكة بيت المقدس الصليبية , واستطاع نور الدين الاستيلاء على دمشق[30]  وبهذا تساوت كفة نور الدين مع أعدائه الصليبين في إماراتهم الساحلية ومملكة بيت المقدس  .

ولابد لكي ينتصر أحدهما على الآخر – وهما معا في جنوب الشام – أن يستولي على مصر لترجح كفته وينتصر . وبدأ الصليبيون التفكير في مصر الفاطمية .

وبسبب وجود الصليبين في الجنوب الشامي قبل السلاجقة – أدركوا أهمية السيطرة على مصر وقد بدأوا باحتلال عسقلان الذي كان ميناء فاطميا على الساحل الشامي , وكان مركز السلاجقة (آل زنكي ) في الموصل وحلب في شمال الشام , ثم اقترب نور الدين من الجنوب حين استولى على دمشق , وبذلك اقترب من مصر كالصليبين ودار بينهما الصراع حولها , وطبيعي أن الذي يضمن مصر إلى جانبه سيضمن لنفسه البقاء في مصر والشام معا .  

وإذ تولى الحاكم عموري الأول فقد رأى أن الرد المناسب على توحيد سوريا تحت حكم نور الدين زنكي لا يكون إلا باحتلال مصر قبل نور الدين , فتوجه عموري إلى الفرما وحاصرها إلا أن ضرغام حطم بعض سدود النيل فاضطره للانسحاب خوف الغرق . وتنازع شاور وضرغام فعرض شاور أن يؤيده نور الدين بجيش يعود به للحكم في مصر مقابل تنازله على مناطق الحدود والجزيرة فأرسل إليه جيشا يقوده شيركوه وصلاح الدين , وتمكن الجيش من تثبيت شاور في الوزارة إلا أنه نكث عهده بشيركوه واستغاث بعموري الصليبي فجاء بجيشه ودارت بينهما وقائع ثم اتفق شيركوه وعموري على الجلاء عن مصر , ثم توجه شيركوه بجيش آخر سنة 1167 للانتقام من شاور فانحاز إليه الصليبيون وقدم عموري بجيش لنجدته وتعهد له شاور بفدية كبيرة , ورحل الجيشان إلا أن عموري أرغم شاور على دفع جزية سنوية باهظة .

ثم طمع عموري في مال أكثر فقدم مصر في العام الثاني ونقض عهده مع شاور واقتحم بلبيس وذبح سكانها فاستنجد الخليفة الفاطمي بنور الدين فأرسل شيركوه للمرة الثالثة فاضطر عموري للانسحاب وقتل صلاح الدين شاور وتولى شيركوه الوزارة للخليفة الفاطمي, وما لبث شيركوه أن مات فتولى ابن أخيه صلاح الدين الوزارة [31] بعده فبدأ عهد جديد وقامت دولة جديدة هي الأيوبية , ولا شك أن تاريخها سيتأثر بتاريخ الصليبين في الشام إن سلما أو حربا. سينعكس ذلك على الحاكم الأيوبي إن كان ضعيفا أو قويا . 



[1]
 تاريخ ابن الأثير 8/ 12 : 19  . خطط المقريزي 2/21 : 23  .

[2] تاريخ أبن الأثير 8/32 ,34 ,42 , 66 , 107 , 179 , 196  . خطط المقريزي 2/ 24 : 26  . 

[3] تاريخ ابن الأثير / 233 .

[4] أحمد صبحي منصور : السيد البدوي  بين الحقيقة والخرافة  24 : 26 .

[5] تاريخ ابن الأثير 8/242 ، 252 إلى 254 ،260 ،262 .

[6] المناوي : الوزارة والوزراء في العصر الفاطمي 194 : 200  .

[7] تاريخ ابن الأثير 8/ 212 , 217 , 218 , 220, 226 , 235 , 237 , 239 , 243 , 247 , 260 .

[8] تاريخ ابن الأثير 9/ 36 , 37 , 48 : 51 , 205  .

[9] د . محمد كامل حسين : طائفة الإسماعيلية 131 , 132  . د. أحمد صبحي منصور . السيد البدوي 28 , 30 . 

[10] خطط المقريزى 2/ 197 إلى 106 . محمد كامل حسين طائفة الإسماعيلية 132 : 139 .

[11] تاريخ ابن الأثير 9/267 : 272 , خطط المقريزي 2/33 .

[12] المناوي : الوزارة , والوزارة في العصر الفاطمي 209  .

[13] تاريخ ابن الأثير 8/ 214 , 216 .

[14] تاريخ ابن الأثير 8/177 , النجوم الزاهرة لأبي المحاسن 4/124 : 125 .

[15] تاريخ ابن الأثير 9/92, 98 .

[16] السيوطي: حسن المحاضرة 1/ 602 .

[17] السيوطي : حسن المحاضرة : 1/ 601 : 602 , 603 . 

[18] محمد كامل حسين : طائفة الإسماعيلية 42 : 43 .

[19] تاريخ ابن الأثير 8/ 263.

[20] حسن المحاضرة : 1/599: 600 , محمد كامل حسين : طائفة الإسماعيلية 159 .

[21] محمد كامل حسين : طائفة الإسماعيلية 151 .

[22] حسن المحاضرة  1/602 : 603 .

40 خطط المقريزي 2/29 , 30 .

[25] عن: المناوي: الوزراء والوزراء في العصر الفاطمي : 138: 141 .

[26] خطط المقريزي 2/30 ,31 .

[27] خطط المقريزي : 1/ 629 : 634 , المناوي : الوزراء 146 , 150 .

[28] تاريخ ابن الأثير 10/41 , 42 , 45 , 51 , 72 , 83 , 92 , 111 , 118 ،127 ,135  , 152 , 165 ,202 ,203 ,206 .

[29] تاريخ ابن الأثير 10 /280 , 282 , 283, 284 . 11/5 , 9 ,23 , 25 ,33 , 44 ,49 .

[30]تاريخ ابن الأثير 11/55 , 65 , 69 , 73 , 88 , 90 , 93 , 98 , 152 , 127 .  ،

48 تاريخ ابن الأثير  ، 133 ، 145 : 146 ، 150 ، 153 ، خطط المقريزى 2 / 36 : 39  

[31] تاريخ ابن الأثير 11/129 , 133 , 145 , 146 , 150 , 153 , .  خطط المقريزي 2 /36 :39 .

الفتح الإسلامي والاستراتيجية السياسية

الفصل الأول الفتح الإسلامي والاستراتيجية السياسية لمصر بعد الفتح  

سادسا – مصر الأيوبية ( 546 – 648 هـ )

صلاح الدين يوطد نفوذه في مصر:

كان تولي ( صلاح الدين ) للوزارة الفاطمية بداية لعهد جديد في تاريخ مصر والشام إذ إن طموح ( صلاح الدين ) وخبرتة بأحوال المنطقة وعزمه على مواجهة الخطر الصليبي كل ذلك حدد هدفه في توحيد مصر والشام تحت قيادته ليتمكن من دحر الصليبين .

ولتحقيق هدفه في توحيد الشام ومصر تحت قيادته اتبع ( صلاح الدين ) الخطوات التالية :

أولا : تأكيد وضعه الجديد في مصر على حساب الدولة الفاطمية المحتضرة في القاهرة.

ثانيا : تحديد موقفه من قائده ( نور الدين ) الذي يحكم الشام والذي لا يسمح بأن يعلو نفوذ تابعه ( صلاح الدين ) على حسابه.                                                                                                                             

 ثالثا: أن يواجه الصليبين في أكثر من موقع وهم بالتأكيد لن يسمحوا له بتحقيق أغراضه فى مصر أوالشام , ثم إن وجودهم في الشام خطر عليه وهو في مصر , كما إن وجوده بمصر خطر عليهم وهم بالشام .

وهكذا فأن توطيد صلاح الدين لنفوذه في مصر معناه بكل بساطة أن يطمح ببصره لتأمين وضعه المصري بتأكيد نفوذه في الشام .. ومعناه من الناحية المقابلة أن القوتين المتصارعتين في الشام ( نور الدين والصليبيين ) لن يسمحا معا له بأن يهددهما من مصر وهما ( أي نور الدين والصليبيون ) مع عراكهما متفقان على مناهضة طموح ( صلاح الدين ) في مصر تلك هي الظروف التي تفرض أثقالها على من تحكم في الشام أو في مصر ..

ومن الطريف أن الخليفة الفاطمي – ( العاضد ) – كان يؤيد تولية ( صلاح الدين ) في الوزارة خلفا لعمه ( شيركوه ) – مع أن بعض القادة في الجيش الزنكي كان ينظر بامتعاض لتولية ( صلاح الدين ) هذا المنصب وهو حدث السن .. إلا إن الخليفة ـــ وهنا تكمن الطرافة – كان يأمل في نوع من النفوذ على حساب ( صلاح الدين ) على أساس انه صغير السن وقليل الخبرة وبتوليته لن ينجوا من حقد الكبار في الجيش .. وفي نهاية الأمر فإن التنافس بين صلاح الدين وكبار القادة معه – لن يكون إلا في صالح الخليفة الفاطمي المغلوب على أمره  

ولم يدر الخليفة الفاطمي أن (صلاح الدين) هو الذي أغري عمه (شيركوه) بقتل (شاور) ليس فقط للاستراحة من مكائده وغدره وتقلبه ولكن أيضا لاحتلال مركزه في الوزارة, وأن (صلاح الدين ) هو الذي خطط لقتل (شاور) وقام بتنفيذ ما خطط , وأن شيركوه لم تكن له أطماع فهو لم يعدُ أن يكون قائدا ماهرا نشيطا وفيا لسيده (نور الدين  زنكي) , أما (صلاح الدين) فيطمح ببصره إلى أبعد من ذلك ولن تكون بداية طموحه إلا على حساب (العاضد) نفسه ودولته الفاطمية .

والحقيقة أن (العاضد) استراح بموت (شيركوه) إذ رأي فيه خطرا على دولته ولم يدرك أن الخطر الحقيقي يكمن في ابن أخيه الهاديء الطموح (صلاح الدين) .

وكان البلاط الفاطمي مدرسة للدسائس والمؤامرات .. ففيه تخرج كبار الوزراء الذين تحكموا في الخلفاء ودارت بينهم أخس الوسائل للوصول للحكم أو الاحتفاظ به  وكانت الاستعانة بالصليبين بعض هذه الوسائل كما رأينا من ( شاور )  .

وكان السودان يكونون جانبا هاما من البلاط والحرس الفاطمي , وكانت لهم يد في تدبير المؤامرات .. وقد رأى كبيرهم مؤتمن الخلافة- وهو كبير الطوايشة – الخطر في( صلاح الدين ) كامنا فبادر وبعث من لدنه رسالة سرية إلى (عموري ) الصليبي يعده بالمساعدة إذا غزا مصر وطرد منها ( صلاح الدين ) .

وكان ( صلاح الدين ) قد زرع قصر الخلافة وما حوله بجواسيسه , وقد رأى احدهم أحد أعوان القصر يسير بحذاء أكبر من المعتاد فشك فيه , وقبض عليه فاكتشف الرسالة مخبأة في النعل . وأمر صلاح الدين باعتقال مؤتمن الخلافة وأعدمه وعزل كل موظفي القصر الفاطمي الموالين للخليفة وأحل مكانهم صنائعه . 

ولم يكن منتظرا أن يسكت الخليفة الفاطمي على ما فعله ( صلاح الدين ) , ولم يكن حرسه من السودان ليسكتون عما حل بكبيرهم المؤتمن . ولم تكن تحركاتهم لتخفى عن عيون ( صلاح الدين ) وهكذا فإنهم بمجرد أن هجموا على معسكر ( صلاح الدين ) كان أخوه (توران شاه ) يحرق بيوتهم بمن فيها من أطفال ونساء .. فتركوا المعسكر وهرعوا لإنقاذ بيوتهم فانقض عليهم الجيش وأفناهم عن أخرهم .. وكان الخليفة يشهد هذه المعركة من قصره فأسرع لصلاح الدين يؤكد له الولاء والطاعة . 

ولم يكتف صلاح الدين بما فعل بل عول على القضاء على الحرس الارمني الذي لم يشترك في القتال فأحرقه في ثكناته [1] .

وهكذا أخمد صلاح الدين المعارضة الفاطمية وأراح نفسه من دسائس البلاط الفاطمي ولم يبق أمامه إلا الخليفة العاضد نفسه .

وكان العاضد شابا في السابعة والثلاثين من عمره .. إلا إنه ما لبث أن أصيب بمرض غامض بعد القضاء على حرسه وتقليص نفوذه – وفي أثناء تلك الوعكة الطارئة – اسقط صلاح الدين ذكره من الخطبة وخطب للخليفة العباسي . ومات العاضد وانتهت الدولة الفاطمية بهدوء [2] . وموت (العاضد ) يرفع علامة استفهام عن حقيقة مرضه المفاجىء وموته السهل , وقد نفهم ذلك إذ أعدنا قراءة الموضوع من أوله وبدايته وعنوانه .

ثانيا : صلاح الدين يستولى على الشام :

( أ ) علاقة صلاح الدين بنور الدين زنكي :

كان ( نورا لدين ) يثق في ( شيركوه ) غير إنه ارتاب في إطماع ( صلاح الدين ) , وحاول ( صلاح) أن يزيل شكوك سيده ( نور الدين ) فأرسل إليه أباه ( نجم الدين أيوب) مع بعض الأجناد في قافلة كبيرة ليدلل على ولائه له , إذ عرف عن والد ( صلاح الدين ) بالإخلاص ( لنور الدين ) وكان صمام الأمان لطموح ابنه وخير من يزيل سوء الفهم بينهم ..

ومع ازدياد سطوة ( صلاح الدين ) بمصر وتحركاته ضد الصليبين فإنه تخوف من ( نور الدين )الذي كان في صراع مستمر مع المرض , وتنفيذا لنصيحة( نجم الدين ) فقد كان ( صلاح الدين ) يتحاشى لقاء ( نور الدين ) لأنه يعرف أن الجنود الذين يحاربون إلى جانبه هم في الأصل جنود ( نور الدين) وولاؤهم  له فإذا أمرهم ( نور الدين ) في حضرة ( صلاح الدين ) باعتقاله سارعوا بتقديم ( صلاح الدين ) إلى سيدهم , وهكذا فلن يجد من يحميه إذا أراد به ( نور الدين ) شرا فالحل الامثل هو في التهرب من لقاء ( نور الدين ) . ( ونور الدين ) من ناحيته كان يحرص على الالتقاء ( بصلاح ) حين يأتي للشام .. فحين كان ( صلاح الدين ) يحاصر الصليبين في حصن الشوبك  وأوشك الحصن على التسليم ظهر ( نور الدين ) فجأة على الطريق المؤدي للكرك فأسرع ( صلاح الدين ) بالرحيل واخطر ( نور الدين ) بأن هروب إخوته بالصعيد أرغمته على التعجيل بالعودة . ولم يكن ( نور الدين ) ليقتنع بهذا العذر .. فاعتبرها خيانة من تابعه تستوجب العقاب . وتكرر نفس الموقف حين كان ( صلاح الدين ) يحاصر حصن الكرك وهبط إليه ( نور الدين ) بجيشه من دمشق فرفع ( صلاح الدين) الحصار ورجع قبل وصول ( نور الدين ) متعللا بمرض أبيه ( نجم الدين ) , فاشتد غضب ( نور الدين ) واقسم أن يغزو مصر لتأديب صلاح الدين . ولكن ( نور الدين ) مات فاستراح ( صلاح الدين ) وخلا  له الجو في مصر وفي الشام أيضا [3]  .

صلاح الدين يستولي على ممتلكات أبناء نور الدين زنكي :

في نفس العام الذي توفي فيه (نور الدين) توجه (صلاح الدين) للاستيلاء على (حلب) حاضرة الدولة الزنكية . وفي طريقة إليها ترك فرقة تقوم على حصار (حمص) .. ووصل إلى أسوار (حلب) فاستنجد حاكمها بالصليبين والباطنية , فحاول بعض الباطنية اغتيال صلاح الدين في عسكره فقتلوا .. وهرع الصليبيون للهجوم على جيش (صلاح الدين ) المقيم على حصار (حمص) فحصره بين حاميتها وبينهم , فاضطر ( صلاح الدين ) للانسحاب من (حلب) واتجه للصليبين الذين يحاصرون جيشه عند (حمص) فانسحب الصليبيون قبل وصوله إلى (حمص) فأقام على حصارها حتى استسلمت له ثم أتم فتح الشام الزنكي حتى خضع له جميع أطراف الشام الداخلية حتى حماه- بدون حلب ..

وأوقع (صلاح الدين ) بجيش (سيف الدين زنكي) صاحب الموصل وقد حاول نجدة حلب حين حصارها واتخذ (صلاح الدين) لقب ملك مصر والشام واعترف له الخليفة العباسي بذلك .

وتوفي (سيف الدين زنكي ) صاحب الموصل ثم توفى (الصالح إسماعيل زنكي) صاحب حلب .. وتولى (عز الدين زنكي )  آمر الموصل وحلب إلا أنه وقع في خلاف مع أخيه (عماد الدين زنكي) صاحب سنجار وتمكن ( صلاح) من استغلال فرصة الخلاف بين ورثة (نور الدين زنكي) فامتد  ملكه إلى حلب والموصل وأصبح ورثة ( نور الدين ) من أتباعه فحكم  ( عماد

الدين زنكي) سنجار ونصين وسروج باسم ( صلاح الدين ) بينما ولى ( صلاح الدين )( عز الدين زنكي) على إمارته الأصلية الموصل بعد أن افتتحها وأخذها منه ثم اتفقا على أن يحكمها باسمه [4] .

وهكذا امتد ملك ( صلاح الدين ) من الموصل وحلب إلى دمشق ومصر .. ولم يبق أمامه إلا الصليبيون .

( ب ) صلاح الدين والصليبيون في مصر والشام :

لم يدع الصليبيون ( لصلاح الدين ) وقتا يوطد فيه مركزه في مصر , إذ أن (عموري) أسرع بالتوغل إلى الفرما (وصلاح الدين ) وقتها كان يواجه مؤامرات حاشية الفاطميين .. وقد تحصن في بلبيس إلا أنه لم يترك مكانه في القاهرة خوف مؤامرات (العاضد) , إلا إن الفرنجة اجتازوا الفروع الشرقية للنيل على سفن بيزنطية ووصلوا إلى  دمياط  فأرسل (صلاح الدين ) بالإمدادات  إلى دمياط واستغاث ( بنور الدين ). ولم يستطع الصليبيون احتلال دمياط وتناقصت مؤنهم في الوقت الذي يمد فيه الأسطول المصري دمياط بالمؤن وهطلت الأمطار فتحول المعسكر الصليبي إلى مستنقع فاضطروا للجلاء في  نظير أن يؤدوا لصلاح الدين تعويضا ماديا , وأغرقت العواصف السفن الصليبية في طريق العودة .

ثم عقدت هدنة بين ( صلاح) والصليبين إلا أن (رينالد شاتيون) (ارناط) أغار على قافلة إسلامية ضخمة كانت تمر بالقرب من حصنه بالكرك محتمية بالهدنة فطالبه ( صلاح) بإطلاق الأسرى  والتعويضات فرفض استقبال رسل (صلاح الدين ) , فتوجه الرسل إلى بيت  المقدس وكان يتولاه الملك (جاي لوزنجيان) الذي تهاون بسبب صلاته مع ( رينالد ) . وكان معسكر الصليبين منقسما على نفسه ومع أنهم بادروا بالاتحاد إلا أن أسس الخلاف فيما بينهم لم تنته .. فقد كان ( ريموند ) صاحب طرابلس والخليل وثيق الصلة ( بصلاح الدين ) وعلى خلاف مع (جاي) ملك بيت المقدس لان الأخير اغتصب منه أحقيته في عرش بيت المقدس ... وتمكن جيش ( صلاح الدين ) من عبور الجليل بموافقة ( ريموند) وذبح الفرسان الداوية والاسبتارية في معركة كريسون فاضطر( ريموند ) لقطع الهدنة مع ( صلاح الدين ) والانضمام إلى ( جاي ) (ورينالد ) وانضم ( بوهميند ) صاحب إنطاكية إليهم .. وحشد الصليبيون كل قواتهم في عكا وكان أساسها من الاسبتارية والداوية ..

موقعة حطين :

وفى ذلك الوقت تجمعت جيوش (صلاح الدين) في حوارن وأتته الإمدادت من الشام وتجمعت لديه أخبار الصليبين فتحرك نحو طبرية ليستدرج الصليبين من عكا . ورأى ( ريموند) صاحب طبرية أن الأصلح البقاء وعدم التحرك فاتهمه خصومه بالجبن – وممالأة  المسلمين وتحركوا – كيفما يريد ( صلاح الدين ) – إلى طبرية ..

وعسكر الصليبيون في موقع ممتاز .. فكان أن حاصر المسلمون طرابلس وفيها زوجة (ريموند) فاستنجدت بزوجها والصليبين , ورفض (ريموند) إخلاء الموقع الممتاز في صفورية إلا إنهم في المرة الثالثة عصوه وتحركوا نحو إنطاكية وطرابلس وحققوا غرض (صلاح الدين ) . وكانت عيون ( صلاح الدين ) ترقبهم على امتداد الطريق الشمالي حتى وصلوا حطين .. وحينئذ رفع (صلاح الدين ) حصاره عن طرابلس وتوجه إلى حطين ..

وتولى ( ريموند) قيادة الجيش وظل جاي في القلب و ( رينالد) والفرسان الرهبان في المؤخرة .. وكان ( صلاح الدين ) قد استولى على الموقع المناسب وحرم الصليبيون من الماء وقاسوا من العطش مع قسوة الحرارة وشدة الإجهاد من المسير وحين توقفوا تعبا وعطشا كانت جيوش ( صلاح الدين ) تطوقهم من كل الجهات وهكذا تحددت نتيجة المعركة مقدما .. وقد أحس بذلك (ريموند ) إذ صاح ( يا الله لقد انتهت الحرب وهلكنا وزالت المملكة ) ..

وبدأ هجوم صلاح الدين ولم يكن لدى الصليبين مطمع إلا في الوصول للماء . فأباد المسلمون من حاول الوصول منهم للآبار .. فاشتد إجهادهم من الجوع والعطش والحرارة ثم أشعل المسلمون النار في الأعشاب الجافة المحيطة بمعسكر الصليبين .. فاستحر فيهم القتل حرقا وعطشا وقتلا ..

وبقيت بعض فلول الصليبين في أعلى التل لتحمي الملك وحين أشتد بهم التعب رقدوا على الأرض ولم يستطيعوا تسليم سيوفهم .. وتم أسرهم وكان من بينهم الملك (جاي) و (رينالد) (ارناط) .. بينما تمكن (ريموند) من الهرب .. وقتل (صلاح الدين )(ارناط) بيده وفاء لندره .. وأكرم الملك(جاي) وأمر بإعدام الأسرى من الفرسان الرهبان (الداوية والاسبتارية) .. وأبقي (صلاح الدين) على حياة البارونات العلمانيين .. وتحرك المنتصرون إلى دمشق حيث بيع الأسرى وقد انخفض سعرهم حتى أصبح في إمكان المسلم أن يشتري أسرة كاملة بثمانين ديناراًً ..

وهكذا أباد صلاح الدين أقوي جيش صليبي واستولى على أقدس مقدساتهم (صليب الصلبوت ) ..

بعد حطين :

استسلمت طبرية وعكا وباليان وتبين ويافا وصيدا وبيروت وعسقلان وغزة ثم توجه إلى بيت المقدس فحاصره وكان اللاجئون الصليبيون من المدن السابقة قد ملأوا القدس وأصبحوا عالة عليها مع تناقص القوة الحربية والمؤن , فلم تصمد المدينة للحصار فاستسلمت على أساس دفع الفدية .. وكان صلاح الدين كريما فعفى عن كثير من الفقراء [5] ..

( بعد صلاح الدين ) 589 – 648 هـ

وحين مات (صلاح الدين) ترك دولة قوية تسيطر على مصر والشام عدا بعض المدن الساحلية الصليبية وكان ممكنا أن ينتهي ذلك الوجود لو كان خلفاء صلاح الدين على شاكلته من قوة .. إلا إن أبناء صلاح الدين في مصر والشام اختلفوا فيما بينهم واستغل أخوه العادل ذلك الخلاف بين أبناء أخيه ليأكل التركة فاستولى على مصر والشام وحين مات زرع  أولاده حكاما في المنطقة , وهم بدورهم قضوا حياتهم في تنافس , فأحدهم إذا حكم في جنوب الشام طمع في مصر , وإذا حكم الأخر مصر طمع في الشام , ولأنهم جميعا ضعاف فقد أطعموا فيهم الصليبين الذين استردوا معظم ما فقدوه أمام (صلاح الدين). بل لم يتورع بعضهم في خلافه مع إخوانه عن الاستعانة بالصليبين ..

وشهدت هذه الفترة توافد حملات صليبية على مصر . إذ إن  الصليبين تأكدوا أن مفتاح النصر وتأمين وجودهم في الشام لا يكون إلا بالاستيلاء على مصر وهكذا مع عدم وجود الشخصية القوية بعد (صلاح الدين) انتهت الوحدة الاستراتيجية بين مصر والشام وعاد التنازع بين الملوك الصغار في مصر والشام وقد شارك الصليبيون في ذلك النزاع تحالفا مع هذا ضد ذلك أو هجوم على مصر .

وذلك ملخص التاريخ الأيوبي بعد (صلاح الدين ) إلى أن استولى مماليكهم على دولتهم . 

ثالثا : خلفاء صلاح الدين في مصر والشام

الخط الأساسي لتاريخ خلفاء صلاح الدين هو الصراع فيما بينهم وتدخل الصليبين في ذلك الصراع . لصالح البعض دون البعض , مع اتجاه الحروب الصليبية نحو مصر (دمياط) لتأكيد الوضع الصليبي في الشام ..

                                  الصراع بين أبناء صلاح الدين في مصر والشام

توفى (صلاح الدين) سنة 589 وقد خلف سبعة عشر ولدا ذكرا . وكان ( صلاح الدين ) قد اعتمد في تأسيس ملكه على إخوته وأظهرهم ( العادل ) فلما شب أولاده أخذ في احلالهم محل إخوته . حتى إذا مات كان ( الأفضل بن صلاح الدين ) يحكم دمشق والساحل وما يتبعه . وعهد ( لابنه عبد العزيز عثمان ) بحكم مصر وابنه ( غازي ) يحكم حلب .. ونقل أخاه ( العادل ) إلى الكرك والشوبك وشرق الفرات وكان ( الملك الأفضل ابن صلاح الدين ) أكبر أولاده والمعهود له من بينهم بالسلطنة .                                                      

وحين قدم ( صلاح الدين) مصر مع عمه ( أسد الدين شيركوه ) كان يؤيده مماليك (شيركوه ) الذين عرفوا بالمماليك ( الأسدية ) وحين وطد ( صلاح الدين ) نفوذه إشترى لنفسه مماليك آخرين عرفوا بالمماليك ( الصلاحية ) نسبة إليه .. وقد علا نفوذهم في عهده على حساب نفوذ الأسدية .

وبموت ( صلاح الدين ) أزداد نفوذ المماليك ( الصلاحية ) فازدادت شقة الخلاف بينهم وبين المماليك ( الأسدية) وساعد على تحويل التنافس إلى صراع ضعف شخصيات ( الأفضل ) و( العزيز ) و( غازي ) كبار أبناء صلاح الدين المتحكمين في دمشق ومصر وحلب إلى جانب تعدد العصبيات التي يتكون منها الجيش الأيوبي من أكراد وأتراك وخوارزمية وعرب وهذه العصبيات لا تخضع إلا لسلطان قوي على مثال ( صلاح الدين ) كما ينبغي ألا نغفل دور الكتاب المستشارين كالقاضي الفاضل وضياء الدين بن الأثير في ازدياد الشقاق بين الإخوة .

                                  العادل يستغل الصراع لصالحه

واستغل (العادل الأيوبي ) هذه الظروف فلعب بأبناء أخيه ليمهد لنفسه فبدا بالاتصال بالمماليك الأسدية  المتذمرين , وعمل على أن يصل النزاع بين أبناء صلاح الدين إلى درجة الحرب خاصة بين (الأفضل) صاحب دمشق والشام (والعزيز عثمان ) صاحب مصر .. فلما نضجت المؤامرة استعان (بالأسدية ) فاختاروه أتابكا للطفل الصغير (المنصور بن العزيز عثمان ) صاحب مصر وما لبث أن عزله وتولى مكانه وأصبح بعد القضاء على (الأفضل والعزيز ) يتحكم في دمشق ومصر بالإضافة إلى شرق الفرات .. وهكذا توحدت مصر والشام تحت قيادته ولم يبق خارجا عنه إلا حلب التي يتحكم فيها أبناء الملك ( غازي بن صلاح الدين ) .. ويقول (العادل) مبررا استئثاره بالملك دون أبناء أخيه ( أنه قبيح بي أن أكون أتابكا لصبي مع الشيخوخة والتقدم , مع أن الملك ليس هو بالميراث وإنما هو لمن غلب . ولقد كان يجب أن أكون بعد أخي السلطان الملك الناصر رحمه الله صاحب الأمر غير أني تركت ذلك إكراما لأخي ورعاية لحقه ) . إلا أن ذلك مجرد تبرير حاول به العادل أن يمتص الغضب من معاصريه ودليل ذلك أنه تمسك بمبدأ الوراثة فقسم ملكه بين أولاده الثلاثة: الكامل والمعظم والأشرف قبل وفاته .. وظل ملك مصر وراثيا في عقبه إلى أن انتهت الدولة .. و (الكامل) حكم مصر و(المعظم) حكم دمشق و ( الأشرف) في الشرق [6] .

وكان (العادل) – قبلا- يحكم تابعا لأخيه ( الناصر صلاح الدين ) الذي استقر في دمشق متابعا لحروبه الصليبية وبذلك أدرك (العادل) أهمية موقع مصر والتحامه بالشام فعمل على إضافتها إلى ملكه شرق الفرات .. وفي سبيل ذلك حرص على تأكيد الهدنة واستمرارها مع الصليبين في الشام .. وعموما فقد عرف (العادل) بتسامحه الزائد مع الصليبين وحب السلم معهم . حتى إبان حكم أخيه فقد كان يتولى المفاوضات ممثلا لأخيه مع (ريتشارد) قلب الأسد وحين فتح بيت المقدس استوهب أخاه ألفا من الأسرى فأعطاهم له فأطلقهم تطوعا .

وساعد على استمرار العادل في سياسته السلمية أن الصليبين في ذلك الوقت كانوا يعانون الانهيار والشقاق الداخلي إثر كسرهم في حطين إلا إن الحملة الصليبية الخامسة الآتية من أوربا سنة 615 / 1217 قطعت أحلام العادل في السلام والهدنة .

                                    الحملة الصليبية على مصر – الحملة الخامسة

كان الصليبيون – (كالعادل) – يدركون أهمية موقع مصر لتأمين الإمارات الصليبية المتداعية في الشام وكان ( العادل ‘ قد أقام ابنه ( المعظم عيسي ) في دمشق – وأقام في مصر ابنه الآخر ( الكامل محمد ) وفي هذه الآونة تآزر الأخوان ( المعظم والكامل ) في مواجهة الصليبين .. فوصل جيش من سوريا وسير ( الكامل) جيشا من القاهرة ..

وقد وصلت الحملة الصليبية إلى دمياط وهاجمتها بر وبحرا فاستولت عليها وكان العادل لا يزال حيا , وحين علم العادل بسقوط دمياط انهارت أحلامه ومات حزنا سنة 615 , إذ إنه بسقوط دمياط أمكن للصليبين التقدم عبر النيل للقاهرة وإذا ضاعت القاهرة  ومصر فقد ضاعت دمشق وانهارت الدولة التي أقامها مع أخيه صلاح الدين واستأثر بها بعده ..

وفشل الكامل في هجوم بحري عبر النيل على الصليبين .. في وقت قدمت فيه الإمدادات للصليبين يقودها الكاردينال بيلاجيوس إلا إن العواصف وفيضان النيل أغرقت معسكر الصليبين وحطمت سفنهم وأهلكت سدس الجيش وكان الصليبيون في ذلك الوقت قد استولوا على حصن دمياط دون المدينة نفسها ولم يستطع الكامل استغلال الفرصة بسبب تآمر ابن المشطوب عليه فانسحب العادل من العادلية حيث تمركز فاحتلها الصليبيون .. وأنقذ العادل مجيء المعظم عيسي بجيشه فاخضع المتآمرين وقتل ابن المشطوب .

وتقاسم الفريقان المعاناة .. فالمسلمون في مدينة دمياط محاصرون جوعي مرضي والقنوات والخلجان استحال معها أن ينتصر أحد الفريقين نصرا  حاسما فالصليبين فشلوا في هجوم على مدينة دمياط , ووقع الخلاف بين الملك حنا برين ملك بيت المقدس والكاردينال بيلاجيوس قائد الإمدادات ومندوب البابا .. وصد المسلمون هجوما صليبيا بريا فلاذوا بالفرار إلى معسكرهم .. إلا إن الأشرف هدد ممتلكات أخيه المعظم في الشام وعاني الكامل من انخفاض النيل وخطر المجاعة مع معاناة المسلمين في دمياط .. وفي هذه الظروف تحتم عقد هدنه فعقدت إلا إن الإمدادات الصليبية نقضتها , ومع ذلك كان الأفضل يأمل في الصلح فعرض عليهم الجلاء عن دمياط مقابل إعادة صليب الصلبوت وبيت المقدس وقلب فلسطين والجليل وأن يؤدي جزية لحصون ما وراء  الأردن .. أي يتنازل لهم باختصار عن كل ما فتحه صلاح الدين , وتحت ضغط بيلاجيوس والفرسان الرهبان رفض الصليبيون ذلك العرض المغري ..

وازداد المرض والموت في دمياط فتمكن الصليبيون من اقتحامها بسهولة واختلفوا في أحقية كل منهم في أخذها فتأخروا في زحفهم جنوبا وفي ذلك الوقت عاد المعظم عيسي إلى دمشق وحاصر حصن عثليت معقل الداوية الصليبية فأجبر فريقا منهم على الانسحاب من مصر , وازداد الخلاف بين الصليبين برحيل حنا برين وعصيان جنده بيلاجيوس .. ثم استعاد الكامل قوته فانتصر جنده على فرقة صليبية أغارت على البرلس ودمر أسطول الصليبين في قبرص إلا إن الكامل رغم ذلك أعاد عرضه الأول بالتنازل عن بيت المقدس ورفض بيلاجيوس إذ كان يأمل في وصول حملة الملك فريديريك الثاني وقد وصلت طلائع من تلك الحملة فاستدعى بيلاجيوس حنا برين وتحركت جموعهم إلى فارسكور في ستمائة وثلاثين سفينة محملة بالجنود , وخلفوا في دمياط حامية ضخمة .. وتقدم جيش الكامل للقائهم إلا إنه انسحب حين وقف على تفوقهم العددي , واستولى الصليبين على شر مساح وأصر بيلاجيوس على التوغل بعدها  حتى وقف قبالة  الجيش المصري على امتداد البحر الصغير , وفى هذه الأثناء أتت  قوات الأيوبيين يقودها المعظم عيسي وأخوه الأشرف – بعد تصالحهما – فحصروا الصليبين بينهم وبين الكامل وقطع الكامل بأسطوله عليهم طريق العودة ..

ونفذت المؤن من الصليبين وهم محاصرون , فتراجعوا في غير انتظام ففتح عليهم الكامل القناطر فأغرقت طريقهم بالأوحال ولم ينج منهم في المعركة إلا شراذم يقودها بيلاجيوس الذي هرب إلى دمياط ومنها طلب الصلح , وتم الصلح وفق شروط الكامل بالجلاء عن دمياط وعقد هدنة ثماني سنوات يصدق عليها الإمبراطور .. وإعادة صليب الصلبوت وتبادل الأسرى [7] ..

وهكذا فشلت الحملة الصليبية الخامسة بإتحاد أبناء العادل . ولكنهم لم يعوا الدرس وكانت ظروف المنطقة أقوى منهم فأخضعتهم لمؤثراتها ولم يخضعوها لواحد منهم , إذ إن المنطقة تتطلب قائدا فذا يستطيع أن يحكمها منفردا ويخضع له الجميع .. ليتمكن من مواجه الصليبين , وإذ لم يوجد ذلك القائد الفذ في أبناء العادل . كان لابد أن تتعدد بينهم المنافسات الصغيرة , وكان لابد أن يستفيد منها الصليبيون وتجلى ذلك في التنازل عن بيت المقدس سلميا لإمبراطورية فريدرك الثاني ..

           (استفادة الصليبين من تنافس أبناء العادل )

حملة فريدريك الثاني والتنازل عن بيت المقدس:

تثاقل الإمبراطور فريدريك الثاني في تجهيز حملته الصليبية فأعلن البابا جريجوري التاسع حرمانه وقطعه من الكنيسة , وأدى ذلك لإسراع الإمبراطور في تجهيز حملته للبابا ولم يرحب الصليبيون بقدومه إليهم – وكانت حملته قليلة العدد , وفي ظروفه تلك اضطر أن يتجه اتجاها دبلوماسيا لا حربيا وببراعته استطاع اللعب على الخلافات الأيوبية حتى حقق هدفه سلميًا , فقد عاد الخلاف بين ( الإخوة الأعداء ) الكامل والمعظم والأشرف . وكأنه بندا مقررا في سياستهم الخرقاء أن يتحالف اثنان ضد الثالث , ويصبح حليف اليوم عدو الأمس وتتغير الأدوار من يوم لآخر .

وفي هذه الأثناء كانت الدولة الخوارزمية في الشرق تضغط على الدولة العباسية نتيجة للضغط المغولي عليها من الشرق , وقد تحالف المعظم عيسى مع جلال الدين الخوارزمي ليغيظ أخويه الكامل والأشرف  ومعني ذلك أن تتهدد أملاك الأيوبيين في الشام بالخطر الخوارزمي المتجه غربا , فأرسل الكامل للإمبراطور فريدريك يتحالف معه ضد الخطر القادم في نظير أن يعطيه بيت المقدس وهو تابع لأخيه المعظم عيسي ..

وحدث أن مات المعظم عيسي وتولى ابنه داود فتجهز الكامل للقضاء عليه والاستيلاء على دمشق وجنوب الشام .. فاستنجد داود بعمه  الاشرف ضد عمه الكامل , فما كان من الاشرف والكامل إلا أن اتفقا معا على اقتسام أملاك ابن أخيهما داود – وحاصراه في دمشق .

وكان لابد أن يحصل فريدريك على نصيب من الغنيمة . وهو في سبيل استحقاقه المنتظر قام بحركات مسرحية ومظاهرات عسكرية , وتم الاتفاق بينه وبين الكامل بحصوله على بيت المقدس وبيت لحم وشريط من الأرض بين اللد إلى يافا على البحر مع الناصرة وغرب الجليل , على أن يظل للمسلمين قبة الصخرة والمسجد الأقصى وحريتهم في التردد والعبادة وإطلاق سراح الأسرى من الجانبين وهدنة عشر سنوات [8] ...

وبذلك تمكن فريدريك المحروم من الكنيسة من استعادة بيت المقدس للكنيسة وإن لم يستطيع بذلك كسب البابا أو متطرفي الصليبين والمهم أن صغار الأيوبيين أ ضاعوا بتنافسهم ما حققه الكبار ..

هذا وإذ كان للخوارزمية دخل في ضياع بيت المقدس حين تحالفوا مع المعظم عيسي فجعلوا الكامل يفاوض فريدريك ويتخلى في النهاية عن بيت المقدس .. فان الخوارزمية بعد سقوط دولتهم وفدوا للمنطقة وتمكنوا من انتزاع بيت المقدس نهائيا من يد الصليبين وأفنوهم في المدينة ودمروا مقدساتهم .. وتحالفوا مع الأيوبيين في مصر ..

                          التحالف مع الصليبين بعد الكامل

صار التحالف مع الصليبين سمة أساسية في سياسة الأيوبيين طبقها الكامل حين تحالف مع فريدريك لينقض على سلطان ابن أخيه الناصر داود ابن المعظم عيسي وفي سبيل ذلك أعطاه بيت المقدس سلما .. وتقلصت أملاك الناصر داود إلى مجرد احتفاظه بالكرك ولكنه طبق سياسة أعمامه فتحالف مع الصليبين وقدم لهم خدمات جليلة من ذلك أن الخوارزمية حين وفدوا للمنطقة واستولوا على بيت المقدس استغاث الصليبيون بالمدينة به فتوسط الناصر داود بينهم وبين الخوارزمية على أساس تسليم المدينة مقابل رحيلهم عنها بأمان ..

وتحالف مع الصليبين أيضا حاكم حمص الأيوبي  , إلا إن أبرز من أخلص في تحالفه معهم كان الصالح إسماعيل صاحب دمشق .

وفي مصر مات الكامل سنة 635 . ووقع النزاع بين ولديه العادل الثاني والصالح أيوب وكان النفوذ في مصر لأم العادل الثاني فتمكنت من إبعاد الصالح أيوب إلى الفرات , وعهدت لابنها بحكم مصر مع أنه الأصغر سنا والأقل شأنا , ورفض الممالك الكاملية توليته وانتهزوا فرصة خروجه لحرب أقاربه فاعتقلوه في بلبيس وخلعوه سنة 637 واستدعوا الصالح أيوب لتولى السلطنة في مصر . وقد استكثر الصالح أيوب من شراء الممالك ليستعين بهم على أقاربه , وتحالف في نفس الوقت مع ( الخوارزمية ) [9] .

الصليبيون والصدام بين الأيوبيين في مصر والشام

وكان لابد أن يقع الصدام بين الصالح أيوب في مصر وابن عمه الصالح إسماعيل في دمشق وهو زعيم الأيوبيين المتحالفين مع الصليبين , ويذكر أن الصالح أيوب عرض التحالف مع الصليبين إلا إنهم فضلوا التحالف مع إسماعيل نظرا لعمق صلتهم به ونفوذه في المنطقة وتأكد تحالفهم مع الناصر داود في الكرك وحاكم حمص الأيوبي .  

قاد الجيش المصري ركن الدين بيبرس وانحاز له الخوارزمية تنفيذا لتحالفهم مع الصالح أيوب وعقد الحلفاء من الصليبين والأيوبيين مجلسا اتفقوا فيه على القيام بهجوم مباشر على المصريين , وبينما كانت العساكر المصرية تصد هجوم الفرنجة حمل الخوارزمية على المسلمين المتحالفين مع الصليبين فولوا الإدبار فتحول الخوارزمية عنهم إلى الصليبين فحصروهم بين المصريين وأفنوهم عن أخرهم بحيث لم ينج من الصليبين إلا القليل , وتلك هي معركة غزة , وتخوف الصالح أيوب من أطماع الخوارزمية بعد انتصارهم في بيت المقدس وغزة , فأعطاهم الحرية في الشام ومنعهم من دخول مصر , ودار صراع بينه وبينهم تمكن فيه من الانتصار عليهم [10] , وارتفع شأنه في مصر إلا إن الصليبين لم يدعوه وشأنه فكانت حملة لويس التاسع

                  حملة لويس التاسع ( 647 – 648  هـ, 1249 – 1250 م )

أتي لويس التاسع بحملة وفاء لنذره إذ اشتهر بالتقوى والتقشف حتى لقب بالقديس وقد وصلت جموعه إلى قبرص وشتتت العاصفة سفنه أثناء رحلته من قبرص إلى مصر , فوصلت الحملة على دفعات . وكان الصالح أيوب يحاصر ابن عمه في حمص وحين علم بالحملة الصليبية رفع الحصار وعجل بالعودة , ولأنه كان يعاني مرض السل فقد عهد لفخر الدين بن شيخ الشيوخ بمهمة الدفاع عن دمياط وحشدها بكميات ضخمة من المؤن والسلاح والرجال وفيهم عرب بني كنانة المشهورين بالشجاعة .

وأسرع لويس بالنزول إلى دمياط رغم أن جموعه لم تكتمل بعد , واستطاع التغلب على المدافعين فتراجع فخر الدين إلى دمياط التي سادها الفزع فجلا عنها فخر الدين وهرب معه كل من فيها فدخلها الصليبيون بسهولة , واستراح لويس في دمياط  وقرر البقاء فيها لحين قدوم أخيه كونت بواتو بالإمداد وحول دمياط إلى مدينة صليبية ووزعها إقطاعات على أمرائه وفرسانه .

وعرض الصالح أيوب على لويس استرداد دمياط في مقابل التنازل عن بيت المقدس الذي أعاده الخوارزمية إليه , وهو نفس العرض الذي تقدم به أبوه الكامل في الحملة الصليبية السابقة التي استولت على دمياط قبلا , وقد رفض لويس التاسع لأنه أساسا يرفض التعامل مع مسلم , وكان الصالح قد أعدم قبلا أمراء بني كنانة وعزل فخر الدين لهروبهم وثار بعض الممالك لعزل فخر الدين إلا إنه رفض ثورتهم وتقديرا لموقفة فقد أعاده الصالح لمنصبه , وانسحب الصالح بجيوشه إلى جوار طلخا في موقع مدينة المنصورة الحالي حيث شيد تلك المدينة واتخذها معسكرا وبعث بالعصابات تجوب تخوم دمياط تتخطف الصليبين التائهين فاضطر لويس لأن يحمي منطقته بالحواجز والخنادق .

ووصل شقيق لويس كونت بواتو بإمداد فرنسا وقرر لويس الزحف على الإسكندرية ليفا جيء المصريين وليسيطر على البحر المتوسط , إلا إن كونت بواتو أصر على الزحف للقاهرة أولا , فاتجه الفرنسيون جنوبا بعد أن تركوا بدمياط حامية مع الملكة وبطريرك بيت المقدس . وفي هذه الأثناء مات الصالح أيوب وكان وريثه توران شاه في الجزيرة فأخفت ( شجرة الدر) نبأ الوفاة حتى أخذت البيعة لتوران شاه وحين شاع خبر موته كانت الأمور توطدت لشجرة الدر بمعونة الطواشي جمال الدين محسن . وتشجع الفرنجة بأنباء موت الملك . فواصلوا زحفهم على طريق دمياط المنصورة .

وعلى ذلك الطريق الذي تعترضه الترع والقنوات دارت معارك صغيرة  كثيرة جعلت الصليبين يتقدمون في بطء وحذر حتى عسكروا تجاه الجيش المصري عبر البحر الصغير , وحاول لويس إقامة كوبري يستطيع العبور عليه إلى الجيش المصري في الضفة الأخرى فكانت النار المصرية تهدم كل ما يبنيه الصليبيون حتى اضطر لويس إلى إيقاف العمل .

وسنحت للصليبين فرصة العمر إذ أرشدهم خائن لمخاضة يمكن العبور عليها فشرع الصليبيون في عبورها بعد أن أبقوا فرقة في معسكرهم ليشغلوا المصريين , وفوجيء المصريون بهجوم الصليبين عليهم من الخلف فأخذتهم المفاجأة حتى قتل فخر الدين وهو بملابس الحمام وفر معظم الجيش  إلى المنصورة , وكان لويس قد حذر أخاه كونت أرتو من الهجوم بدون إذن إلا إن الكونت المتهور هاجم المعسكر قبل أن يأذن له الملك وإذ تشجع بانتصاره فقد طور هجومه ونقله للمنصورة حيث المعسكر السلطاني والحاشية والحريم , وكان المماليك السلطانية بقيادة بيبرس يتولون الدفاع عن المنصورة وقد أخذوا مواقعهم في تقاطع الشوارع انتظروا خيالة الفرنجة وهى تتدفق على المدينة حتى بلغوا أسوار القلعة وفوجيء الصليبيون بهجوم المماليك يتخطفهم من الشوارع الضيقة التي لا يتيح لهم مجالا للمناورة فوقعت بينهم الفوضى ولم يفلت منهم إلا القليل وهذا القليل غرق في النيل .

وحين علم لويس بالكارثة ومقتل أخيه حصن معسكره لدفع الهجوم المتوقع وبدا فعلا هجوم المماليك بوابل من السهام وصد الفرنجة الهجوم فتراجع المماليك بنظام , وأصبح الصليبيون في موقع لا يمكنهم إلا من الدفاع فقط ضد الهجوم المصري المتزايد , وبدا الهجوم المملوكي الشامل بعد أن وصلت الإمدادات واتخذ لويس طريقة الانتظار فتحمل رجاله الهجوم المركز بالسهام إلا إن السهام زعزعت ميمنته وقتلت مقدم الدواية , وبعد أن أوقع المصريون بميمنة الصليبين انسحبوا إلى مواقعهم بنظام رائع , ثم وصل توران شاه فأمر بصنع السفن وحملها على ظهور الإبل إلى شمال المنصورة حيث أنزلت في القنوات وأخذت تعترض سفن الفرنجة ومنعت عنهم المؤن فتعرض لويس ومعسكره للجوع وتفشى بينهم المرض , وأضطر لويس للانسحاب  وعرض على توران شاه أن يترك دمياط مقابل بيت المقدس فرفض توران شاه إذ علم بضعف موقف خصمه , وأخذ الصليبيون في الانسحاب شمالا , وطاردهم المماليك وأحاطوا بهم من كل جانب وأسر الجيش الصليبي بأكمله ومعه لويس , ولكثرة الأسرى فقد أعدم المرضي منهم واعتقل لويس في دار لقمان واعتقل كبار الأمراء في قصر كبير .

وفرض على  لويس أن يفتدي نفسه بمبلغ كبير وتسلموا دمياط وانتصر المصريون على حملة لويس [11] .

بعد هزيمة لويس

علا شأن المماليك فقد تم إحراز النصر بجهودهم , وكان منتظرا أن يقابل توران شاه جهدهم وجهد شجرة الدر بالشكر , إلا إنه قابله بالجحود فأخذ في مقاهرة أرملة أبيه, ونمي إلى علم المماليك البحرية أن توران شاه ينوي الإيقاع بهم , فاتفقوا مع شجرة الدر على اغتياله , وهجم عليه بيبرس في برجه فقتله [12] .

وتمت سلطنة شجرة الدر وحولها رؤس المماليك ( أقطاي زعيم البحرية وأيبك رأس المماليك السلطانية في القصر الأيوبي ) , وبدأ عصر جديد هو العصر المملوكي .



[1]
تاريخ ابن الأثير 11 /155 : 156  .

[2] تاريخ ابن الأثير 11/ 164 : 165  .

[3]  تاريخ ابن الأثير 11 /158 , 166 , 176 , 180 : 182  .

[4] تاريخ ابن الأثير 11/187 , 188 , 189 , 190 , 194 , 195 , 218 , 222 , 224 .

[5] تاريخ ابن الأثير 11/157 , 163 , 191 , 198 , 212 , 215 , 221 , 228 , 238 , 239 , 240 , 241 : 253 .

[6] تاريخ ابن الأثير : 11/236 , 12 / 44 , 45 , 51 , 55 , 65 , 67 , 72 , 75 , 161 ,

 ابن واصل : مفرج الكروب – تحقيق الشيال 2 /10 : 14 , 28 : 33 , 41 : 55 , 61 : 65 , 68 : 70 , 75 : 77 , 82 : 83 , 87 : 101 , 108 : 114 .

[7] تاريخ ابن الأثير 11 / 147 : 150, 162  .  مفرج الكروب : 3 /254 : 256 , 258 : 261 , 265 . المقريزي, السلوك تحقيق زيادة : 1 /1 /221 : 226 , 230 : 234 , 237 : 246 .

[8] تاريخ ابن الأثير : 11/ 213 , 218 , 220 , 221 , 223 , 225 , السلوك 1 / 1 : 250 : 253 , 256 : 260 , 261 : 265 , 266 : 270 .

[9] السلوك : 1 / 1 / 277 : 279 , 294 , 295 : 299 , 302 : 303 , 1 / 2 / 269 : 271 , 275 : 299 .302 : 303، 1/ 2 / 333 : 339 ، 346 : 351 ، 353 : 356 ، 362 : 363 .

[10]السلوك  1 / 2 / 302 : 305 , 314 : 317 , 322 : 325 .

[11] السلوك : 1 / 2 / 333 : 339 , 346 : 351 , 353 : 256 , 362 : 363 .

[12] السلوك : 1 / 2 / 358 : 361 .

الفتح الإسلامي والاستراتيجية السياسية

الفصل الأول : الفتح الإسلامي والاستراتيجية السياسية لمصر بعد الفتح

سابعا – مصر المملوكية         ( 648 هـ - 921 هـ ) – ( 1250 م -1517 م )

يعتبر قيام الدولة المملوكية حدثا فريدا في التاريخ الإسلامي, حيث حكم المماليك وهم رقيق الأيوبيين – أملاك أسيادهم الأيوبيين , وتقودهم في مبدأ الأمر امرأة كأول وآخر سلطانه في التاريخ الإسلامي .

وهذا الوضع لم يكن له ليستمر إلا بقوة المماليك ودهائهم وضعف الأيوبيين وتناحرهم وقوة مركز مصر في العالم الإسلامي على أنها الملجأ الوحيد لإنقاذ المنطقة من الصليبين والخطر المغولي القادم , وقد استطاع المماليك تأكيد نفوذهم بإرهاق الوجود الصليبي ثم إزالته نهائيا في نفس الوقت الذي قضوا فيه على الخطر المغولي وبمطاردة المغول في الشام لم تقم للدولة الأيوبية قائمة في الشام بعد أن انتهت من مصر . وهكذا ورثت الدولة المملوكية الفتية العروش الأيوبية في الشام ومصر .

أولا : خطوات إقامة وتوطيد الدولة المملوكية في مصر

يظهر أن المماليك لم يفكروا في الخروج على طاعة الأيوبيين إذ بذلوا كل ما في وسعهم في القضاء على حملة لويس التاسع , وحفظوا السلطة كاملة لتوران شاه في وقت كان أبوه الصالح أيوب ميتا وهو بعيد في العراق . ولو كان لديهم طموح لاستغلوا تلك الجروح القاسية في مصلحتهم , إلا إن أقصي ما كانوا يطمعون فيه هو التقدير والعرفان بالجميل , ففوجئوا

 وتوجسوا شرا من السلطان الجديد توران شاه وهو لا يختلف في شيء عن صغار الأيوبيين فعاجلوه بالقتل قبل أن يوقع بهم ,  فقتل توران شاه كان عملا وقائيا في بدايته كما يظهر من استقراء وقائع التاريخ , إلا إن القضاء على توران شاه أوقع المماليك البحرية في مشكلة من يخلفه ولإنقاذ الموقف فقد توجت شجرة الدار أرملة الصالح أيوب , وهي امرأة أ"RTL"> وبعد أن فرغ أيبك من الخطر الأيوبي الخارجي قام بتوطيد سلطته في الداخل فأرسل أقطاى زعيم المماليك البحرية بجيش تمكن من هزيمة الأعراب في بلبيس وطلب حصن الدين الأمان فأمنه المعز أيبك ثم اعتقله وقتل أصحابه وعامل الأعراب بالعسف حتى ذلوا وقلوا على حد قول المقريزي [3] .

والواقع أن توطيد الدولة المملوكية بدأ حقيقة في عهد قطز الذي انتصر على الخطر المغولي وفي عهد الظاهر بيبرس الذي قلم أظافر المغول والصليبين لأن الشام هو بوابة الخطر الذي يأتي لمصر في عهد الانتقال من دولة إلى دولة .

                                    ثانيا : المماليك والشام

كان الشام الخطر الأكبر على الدولة المملوكية الناشئة ففيه الصليبيون ومفهوم أنهم أعداء للسلطة الجديدة التي أبادت حملة لويس التاسع , وفيه الملوك الأيوبيون وهم لن يسامحوا في سقوط مصر بين مماليكهم وعبيدهم بعد أن قتلوا توران شاه .

ثم كان الخطر الأكبر على الجميع وهم المغول الذين اكتسحوا في الجولة السابقة الدولة الخوارزمية ثم عادوا في هذه الجولة فاكتسحوا قلاع النزارية الباطنية في آل موت ثم دمروا بغداد والخلافة العباسية سنة 658 وتهاوت أمامهم العروش الورقية لأبناء أيوب وسلجوق في الشام والعراق , ووقع على كاهل المماليك في بداية دولتهم أن يتعاملوا مع ذلك الخطر بعد أن انحدر للشام واتجه لمصر .

وقد أفلحت الدولة المملوكية في مد سلطانها على الشام حتى الفرات بل وصلت إلى أبعد ما وصل إليه صلاح الدين في عهد الظاهر بيبرس الذي اخضع الأرمن ودمر عاصمتهم وامتد ملك الدولة في عهده إلى أقصي اتساعه .

ولتتبع خطوات المماليك في ضم الشام وتعاملها مع تلك القوي .

1-    الورثة الأيوبيون في الشام :

تزعمهم الناصر داود الذي استولى على دمشق في الصراع ضد المماليك بعد تولي شجرة الدر السلطنة ذلك أن الناصر داود كان أكبر الورثة الأيوبيين ثم إن مركزه الجديد في دمشق يفرض عليه أن يحدد موقفه من القاهرة . وتحالف الناصر داود مع الصليبين . وبدا الصراع بينه وبين المماليك في غزة سنة 648 فهزمه أقطاي كبير المماليك البحرية .

ولم ييأس الناصر داود فجمع أقاربه من الملوك الأيوبيين وزحف بهم إلى مصر ودارت معركة كبيرة عند الصالحية وانهزم فيها الناصر داود مع كثرة عساكره لان المماليك الذين كانوا في جيشه انحازوا إلى الجيش المملوكي المصري , وأسر المعز أيبك جملة من الملوك الأيوبيين في المعركة والأمراء المتعاونين معهم  .

وفي سنة 649 استولى أقطاى  على الساحل الشامي ونابلس إلى نهر الشريعة فسير الناصر داود حملة من دمشق إلى غزة فخرج المعز أيبك بجيش إلى الصالحية وترددت الرسل بينه وبين الناصر داود وبعث الخليفة العباسي الشيخ الدردرائي ليصلح بين المعزأيبك والناصر داود ودارت مفاوضات طالب فيها المماليك بجزء من الساحل الشامي الجنوبي بالإضافة إلى مصر .

وسنة 651 تقرر الصلح على أن يكون للمصريين حتى  الأردن وللناصر ما وراء ذلك وأن يدخل فيما للمصريين غزة والقدس ونابلس والساحل كله وأن يطلق المماليك الملوك الأيوبيين الأسرى [4] .

وواضح أن المماليك نجحوا في مد سلطانهم إلى جنوب الشام مع الساحل , وقد وافقهم الناصر داود ونال لنفسه الشام الشمالي وطبعا كان ذلك على حساب أقاربه الأيوبيين المأسورين عند المماليك منذ معركة الصالحية وقد اشترى الناصر حريتهم من أسر المماليك بعد أن اتفق مع المماليك على اقتسام الشام .

ثم كان الامتحان الأكبر للدولة المملوكية الناشئة أمام المغول .

                                         (( المماليك والمغول ))

وكان المغول أكبر خطر هدد المنطقة تحركوا من أقصي الشرق يدمرون كل جزء من العالم يمرون به فقضوا على إمبراطورية الصين وتجمعات الترك الرعويين وما لبثوا أن هزموا  الدولة الخوارزمية بعد عدة جولات . ومنها انفتح الطريق أمامهم للدولة العباسية فدمروا بغداد وقتلوا الخليفة العباسي وسكان بغداد ... وسار الرعب في ركابهم وسبقهم في القدوم ... واستسلم لهم بعض الأمراء الأيوبيين كحاكم حمص الذي خدم هولاكو وسار في صحبته والناصر داود حاكم دمشق وحماه ... وخضع للمغول الصليبيون في إنطاكية والأرمن  في ارمنيا ... وتوغل المغول في الشام وبعث هولاكو للمماليك يطلب خضوعهم ... كان قطز يتولى نيابة السلطنة للسلطان الصبي ابن أيبك . وأنتهز الفرصة فأعلن نفسه سلطانا وأخذ في الاستعداد وأرسل مقدمته إلى غزة يقودها بيبرس فهزم حاميتها المغولية وفي هذه الأثناء هلك منكوخان الخان الأكبر فانسحب هولاكو بجزء من الجيش إلى الشرق وترك الباقي تحت قيادة كتبغا ليواجه المماليك ...

وسار قطز قرب عكا ثم جاءته أنباء بأن كتبغا عبر نهر الأردن وأنه نفذ إلى الجليل الشرقي فسار مسرعا إلى الجنوب الشرقي فوصل عين جالوت ...

معركة عين جالوت : ( 658 هـ 1260 م ):

وقدم كتبغا ولم يكن يعلم أن جيش المماليك قد سبقه وكان قطز يدرك تفوق قواته في العدد فاخفي الجانب الأكبر منها في التلال ولم يعرض للعدو إلا المقدمة التي يقودها بيبرس ووقع كتبغا في الفخ فهجم على مقدمة الجيش بكل قوته فتقهقرت أمامه واستدرجته إلى التلال فأحاطت به جموع المماليك وطوقته , وأبلى كتبغا في القتال دون جدوى إذ إن الهزيمة حاقت بالمغول [5] لأول مرة في تاريخهم .

وتعتبر عين جالوت من المعارك الفاصلة في التاريخ العالمي إذ بها اندحر المغول شرقا واكتسبت السلطة المملوكية الجديدة احترام العالم الإسلامي فقد أنقذوا المسلمين ليس في الشرق الأوسط فحسب وإنما في أفريقيا ... ومن ناحية أخرى عجل القضاء الحربي على المغول بدخول بعضهم في الإسلام حين أسلمت القبيلة الذهبية التي تحكمت في العراق  وكونت به دولة مغولية مسلمة واستولى قطز على سائر بلاد الشام حتى الفرات وخضع له أمراء الشام الأيوبيون وعجلت هذه المعركة بزوال الصليبين إذ إن المسلمين المنتصرين عزموا على التخلص النهائي من أعداء الدين فتابع بيبرس الذي قتل قطز وخلفه – الجهاد ضد المسلمين والمغول في نفس الوقت وتأكدت بذلك سلطة المماليك كأكبر قوة في  مصر والشام .

الظاهر بيبرس والمغول :

تمكن بيبرس بعد أن تسلطن من الاستحواذ على إمارات الأيوبيين في الشام وعاقب المسيحيين الذين تحالفوا مع المغول مثل ملك أرمنيا وأمير إنطاكية الصليبي ... وفي هذه الآونة أعلن بركة خان زعيم القبيلة الذهبية إسلامه  وتحالف مع بيبرس وتعاونا معا على إمداد كيكاوس السلجوتي بجند تمكن به من استعادة ملكه في الأناضول ...

ولم يستطع هولاكو الانتقام من المماليك مع تحالفه مع الأرمن والصليبين , وانشغل بهجوم بركة خان عليه وتمكن بيبرس بذلك من توفير وقته لإجهاد الوجود الصليبي في عكا [6] إلى أن انتهي نهائيا في عهد الاشرف خليل بن قلاوون ...

وحتى تستكمل مصر مظاهر زعامتها للعالم الإسلامي فقد دعا بيبرس أحد أقارب  الخليفة العباسي ونصبه خليفة في القاهرة إلا إن بيبرس تخوف من الخليفة الجديد فحجز عليه ثم بداله أن يتخلص منه فبعثه بجيش صغير ليحارب المغول فهزم وقتل ... وعين آخر محله ... واقتصر دور الخليفة على مبايعة كل سلطان [7] … وأصبح من جملة شعائر الدولة المملوكية التي أضحت بها القاهرة حاضرة العالم الإسلامي بعد بغداد .

                               3- المماليك والصليبيون …

ارتفع شأن المماليك بانتصارهم على حملة لويس التاسع وارتبط توطيد الحكم المملوكي في عهد الظاهر بيبرس بحروب نشطة ضد الإمارات الصليبية في الشام على إن جهد بيبرس اتجه إلى ناحية الصليبين والأرمن مع المغول في نفس الوقت .

ومن ذلك أن بيبرس هزم الأرمن ونهب مدنهم ليؤمن ملكه في حلب وشمال الشام ولم يترك الفرنجة يستريحون فأكثر من الإغارة عليهم حتى أصبحت حياتهم في عكا لا تطاق ثم فاجأ إنطاكية واقتحمها ودمرها بمن فيها , وبسقوط إنطاكية في يد بيبرس أنهار الصليبيون في شمال الشام حتى إن الدواية تخلوا عن قلاعهم المجاورة لإنطاكية [8] ..

وتابع قلاوون جهد سلفه بيبرس فاستولى على حصن المرقب الحصين واخرج عنه الاستبارية ثم أتم الاستيلاء على اللاذقية وفتح طرابلس ... ونقضت عكا الهدنة فتجهز للقضاء عليها – وكانت المعقل الأخير للصليبين إلا إنه مات قبيل تحقيق غرضه فأتم ابنه ذلك العمل – عملا بوصية أبيه .. وباستيلاء الاشرف خليل بن قلاوون على عكا سلمت صور وبيروت وطرطوس وعثيلت وارواد وظلت جيوش المماليك تزرع الساحل الشامي من أقصاه إلى أقصاه بضعة شهور تدمر كل أثر للفرنجة في المنطقة وأنهي المماليك بذلك الحروب الصليبية [9] التي بدأت قبلهم بنحو قرن ونصف القرن وخلصت لهم سيطرتهم على الشام .

                             استعراض الدولة المملوكية

                  الفتن والمؤامرات كأساس للسياسة المملوكية وتولي السلطة

مفتاح الشخصية المملوكية – كنظام سياسي – هو المساواة بينهم جميعا في الأصل والنشأة والتفاضل بينهم يكون بالمقدرة القتالية والدهاء السياسي ... فكلهم جيء به من بلاده الأصلية رقيقا لينخرط في سلك المماليك ثم ليتدرج بكفاءته السياسية والحربية حتى يصل إلى السلطنة ولا عبرة إلا بملكات المملوك وقدراته لذا نجد بعض الغرائب فالظاهر بيبرس كان في الأصل مملوكا لأحد الأمراء الأمير البند قداري ونسب الله فقيل بيبرس البند قداري . واعتقه سيده ثم وصل بيبرس بدهائه وقدرته إلى أن أصبح سلطانا وسيده السابق أصبح مجرد تابع صغير له في دولته .. ومهارة بيبرس تتجلى في قدرته الفائقة على المؤامرات والدهاء مع نشاطه الحربي .... 

وحين يصل مملوكا ما بدهائه وحذقه في المؤامرات إلى السلطنة فإنه يواجه مؤامرات الآخرين إلى أن يموت نتيجة المؤامرة . وهكذا تدور السياسة المملوكية في حلقة لا تنتهي من الدسائس والمؤامرات ...    

وقبل أن نعرض للتفاصيل نضع بعض الملاحظات التي تقعد سياسة المؤامرات المملوكية : 

1- إن معرفة المماليك بفن المؤامرات بدأ قبل قيام الدولة المملوكية رسميا, أي أن المماليك تعلموا فن المؤامرات في المدرسة الأيوبية , حيث برع الأيوبيون في حياكة المؤامرات ضد بعضهم البعض , وهذا ما فعله المماليك – مماليك السلاطين الأيوبيين إذ كانوا عنصرا في تدبير المؤامرات , والمماليك البحرية شاركوا في مؤامرات الصالح أيوب ثم ضد ابنه توران شاه , وقامت دولة المماليك البحرية واستكثر احد أعلامها السلطان قلاوون في شراء المماليك واسكنهم أبراج القلعة وهم ( المماليك البرجية ) وكثر المماليك البرجية ومارسوا لعبة المؤامرات في سلطنة أبناء وأحفاد سيدهم قلاوون , إلى أن قامت دولتهم وقد تمرسوا – أي البرجية – بفن المؤامرات خلال الدولة المملوكية البحرية إلى أن أقاموا دولتهم البرجية تماما كما فعل البحرية أثناء دولتهم الأيوبية .   

2- قد تنتهي المؤامرة بقتل السلطان – وحينئذ يتولى القاتل السلطنة طالما كان كفئا , وبذلك يصبح قتل السلطان مسوغا شرعيا عندهم لصلاحية القاتل كسلطان شأن مجتمع الغاب , وذلك هو الأغلب في السلطات العسكرية فالأقوى هو الأغلب , ومعنى ذلك أن الأمراء لا يخضعون للسلطان إلا لأنه أقواهم , وهو قرين لهم وند فإذا ما مات فحظ ابنه أن يكون مجرد فترة انتقالية ليظهر فيها الأكفاء من بينهم ليتغلب على السلطنة ويمسك بزمام الأمور ويعزل السلطان الصغير أو يقتله , ومن عجب أن أكثر السلاطين كان يخدع نفسه ويصدق نفاق أتباعه فيخيل إليه أنهم سيرعون حقه عليهم بعد موته في رعايتهم لابنه فيأخذ عليهم العهود والمواثيق ويمكن لابنه في حياته ما استطاع ومع ذلك فإن أخلص ممن يقوم بأمر ابنه في حياته يكون هو نفسه الذي يعزله بعد فترة انتقالية معقولة ويتسلطن , وينشيء أتباعا جددا من المماليك الذين يشتريهم , ويبعد عنه رفاقه السابقين في المؤامرات , وأعداءه طبعا , وبعد أن تقترب منيته يظن أن الأمور استتبت له فيأخذ العهد لابنه ويأتمن عليه أخلص أتباعه إلا أن القصة تتكرر بحذافيرها , ويعزل التابع ابن سيده السلطان السابق وتتكرر القصة وهكذا , وتستمر المؤامرات وبهذا قامت الدولة المملوكية البحرية وبهذا استمرت وبذلك قامت الدولة المملوكية البرجية وبذلك استمرت إلى أن سقطت , وبعد أن سقطت استمر المماليك في الحكم في إطار الدولة العثمانية فاستمرت مؤامراتهم , حتى قضى عليهم ( محمد علي ) في مذبحة القلعة فأراح واستراح .    

ونعود إلى استعراض سريع للدولة المملوكية من خلال أمرائها وحكامها :

1- أثناء الدولة الأيوبية : وقبل أن تقوم دولة المماليك شارك أمراء المماليك في حوادث الخلاف المستمرة بين أبناء البيت الأيوبي , فالمماليك ( الصلاحية ) – الذين اشتراهم صلاح الدين – علا  شأنهم على حساب المماليك ( الأسدية ) – أتباع أسد الدين شيركوه , وقد تذمر الأسدية إبان حكم صلاح الدين إلا أن شخصيته القوية لم تسمح بتطور الأمور , وبعد موته استغل العادل استياء الأسدية من علو نفوذ الصلاحية فتحالف معهم حتى ضم مصر وبه علا شأن الأسدية وضعفت المماليك الصلاحية , وكون العادل مماليك له عرفوا بالعادلية , وأولئك كان لهم دور بعد موت العادل فقد كرهوا تولى ابنه الكامل فاضطهدهم , وكون مماليك له عرفوا بالكاملية وبدورهم فقد كره الكاملية تولية ابن سلطانهم الكامل واسمه العادل الثاني فاعتقلوه وبعثوا لأخيه الأكبر الصالح أيوب فجاء إلى مصر وتسلطن , وعمل الصالح أيوب على الإكثار من شراء المماليك وأسكنهم في الجزيرة فعرفوا ( بالبحرية) , وأولئك البحرية كرهوا ابن سلطانهم الصالح أيوب – وهو توران شاه إذ كان على شيمة أسلافه يضطهد مماليك أبيه ويعول على إنشاء عصبة مملوكية جديدة تدين بالولاء له وعلى ذلك فلم يكافئهم على جميلهم حين حفظوا له ملكه وأظهر لهم العداء والتآمر فقتلوه , وانفردوا بالحكم من دونه ومن دون الأيوبيين جميعا . فالمماليك منذ بداية الدولة الأيوبية وهم الاعرف بفنون المؤامرات ولا ريب وأن وصولهم للسلطة تم بمؤامرة أطاحت بحياة توران شاه , وعلى ذلك الدرب سيسيرون في دولتهم .     

2- وبتولى المماليك السلطنة اتخذت مؤامراتهم طابعا محليا داخليا فيما بين المماليك أنفسهم للوصول للحكم أو للاحتفاظ به من أنياب الطامعين من بينهم . فبعد قتل توران شاه بتدبير شجرة الدر وتنفيذ المماليك البحرية بزعامة أقطاي وبيبرس اتفق على تولية شجرة الدر أرملة الصالح أيوب ( أم ولده خليل ) , واحتج الخليفة العباسي على أن تتولى امرأة حكم المسلمين في مصر , فكان لابد لشجرة الدر أن تتزوج وكان على رأس المماليك اثنان أقطاي زعيم البحرية وأيبك كبير المماليك السلطانية . ورأت شجرة الدر أن نفوذها يمكن أن يستمر مع زعيم البحرية ايبك دون اقطاي القاتل الخشن فتزوجت ايبك , وبذلك أصبح المماليك قسمين يتآمر كل منهما ضد الأخر , فاقطاي أتبع أسلوب البدء بالهجوم فظل جنوده ينشرون الفساد ليثبت أن السلطان الجديد عاجز عن إقرار الأمن , وفي نفس الوقت خطب إلى نفسه أميره أيوبية وطلب من شجرة الدر أن تترك لها مكانا في القلعة , وتآمرت شجرة الدر وايبك على قتل اقطاي وشارك في المؤامرة قطز الساعد الأيمن لايبك . وكان قطز صديقا لبيبرس وأقنعه بسلامة النية في دعوة اقطاي لمقابلة شجرة الدر , وحين دخل أقطاي القصر السلطاني أحيل بينه وبين حرسه وقتل . وألقيت رأسه إلى أتباعه ففروا وهربوا من مصر وكان من بينهم بيبرس .     

وصفا الجو لايبك وشجرة الدر , إلا أن الخلاف ما لبث أن اشتد بينهما إذ كانت شجرة الدر امرأة طموحا تنشد الاستقلال بالسلطة وترى في زوجها – الذي كان تابعا سابقا لها – مجرد أداه لتنفيذ مآربها , وايبك من ناحيته عزم على التحرر من قبضتها والاستئثار بالنفوذ واستوحش كل منهما الآخر , وأعلن أيبك انه سيخطب إلى نفسه نفس الأميرة الأيوبية التي كان أقطاي يخطبها لنفسه سابقا وليزيد من إغاظة شجرة الدر رجع إلى زوجته السابقة ( أم علي ) , واستعملت شجرة الدر كل دهائها حتى أقنعت أيبك بالصلح معها , وحين جاء يقضى معها الليل كانت ليلته الأخيرة , وثارت المماليك على شجرة الدر ونصبوا أبنه عليا الطفل سلطانا , وشفت أم علي غليلها من غريمتها شجرة الدر إذ أمرت الجواري أن يقتلنها ضربا بالقباقيب , وتولى قطز الوصاية على السلطان الطفل علي بن أيبك وأقبل الزحف المغولي فعقد مجلسا أعلن فيه أن البلاد في خطر وان السلطان الجديد لا يستطيع النهوض بالأمر وعزله وتولى مكانه , ولتوحيد الجهود ضد المماليك فقد بعث السلطان قطز لصديقه السابق بيبرس وأمراء البحرية الفارين ليتعاونوا معه ضد الخطر المغولي ,فأتوا إليه من الشام , وبعد انتصار قطز على المغول تأمر عليه البحرية بقياده بيبرس انتقاما لمقتل سيدهم أقطاي وقتلوا قطز في طريق العودة , وتم تنصيب بيبرس سلطانا , ولقد قام بيبرس بتوطيد الدولة المملوكية ورفعة شأنها في الشام والعراق والحجاز وحاول في أخريات حياته أن يوطد الأمر لابنه سعيد بركة فولاه العهد من بعده . وحتى يضمن ولاء المماليك له من بعده فقد زوجه من ابنة كبير المماليك قلاوون الألفي وجعل قلاوون نائبا له , وأخذ العهد لابنه في احتفال كبير أقسم فيه المماليك على الإخلاص ( لسعيد بركة بن الظاهر بيبرس ) حين يتولى العرش بعد أبيه .       

ولكن ذلك كله لم يجد نفعا . إذ تآمر على (سعيد بركه ) من قام بأمره بعد أبيه , ولم تغن المصاهرة أو الأيمان المغلظة شيئا عند (قلاوون) الذي اضطر سعيد بركة للتنازل – سنة 678 وتولى مكانه .. وأقامت أسرة قلاوون في حكم مصر نحو قرن أو يزيد 678 – 784 .. المهم أن متاعب قلاوون لم تنته باعتقال المماليك الظاهرية – أتباع – الظاهر بيبرس – وإحلال أنصاره محلهم , وإنما ثار عليه – أقرانه من الأمراء كما فعل الأمير سذقر نائب الشام , مما جعل قلاوون ينشيء لنفسه عصبة خاصة من المماليك الذين أكثر من شرائهم وأقام لهم أبراجا خاصة بالقلعة فعرفوا( بالمماليك البرجية) وأولئك هم الذين تآمروا على اغتصاب السلطة من أبناء وأحفاد السلطان قلاوون ثم استطاع أحدهم في النهاية وهو برقوق إقامة الدولة المملوكية البرجية .

3- وأسهم المماليك البرجية في الفتن في دولة أبناء قلاوون – أو في نهاية الدولة المملوكية البحرية . وشاركوا في ذلك بقايا المماليك البحرية , وقد تآمر بعض البحرية على قتل الاشرف (خليل بن قلاوون) الذي فتح عكا وأزال الوجود الصليبي نهائيا , فقتل بيدرا الاشرف خليل وأعلن نفسه سلطانا إلا إن أمره لم يتم فقد تمكن المماليك البرجية – أتباع البيت القلاوونى من قتل الأمير بيدرا  , وبدأ الصراع بين المماليك البرجية حول تولية السلطان , وكالعادة اتفق على تولية الصبي (محمد بن قلاوون ) السلطة باسم الناصر محمد . وتحكم النائب كتبغا في الناصر محمد ,ثم عزله ونفاه إلى الكرك وأعلن نفسه (كتبغا) سلطانا سنة 694 ثم تآمر على كتبغا حليفه الأمير لاجين (وكان لاجين احد قتلة الاشرف خليل بن قلاوون ) وقد اختفي ثم ظهر وتحالف مع كتبغا وبتأييده تولى كتبغا السلطنة وتمكن لاجيه من الانتصار على كتبغا فآثر كتبغا السلامة وهرب متنازلا عن العرش فتولى لاجين السلطنة , حتى قتله بعض الطموحين من صغار الأمراء ولم يتمتعا باحترام الكبار فاعدم القاتلان , واتفق على أن يعود الناصر محمد بن قلاوون للسلطنة للمرة الثانية ( 698 – 708 ) .  

إلا أن الناصر محمد وقع للمرة الثانية في قبضة الأميرين المتحكمين فيه ( بيبرس وسلار )  ولما لم يستطع ممارسة نفوذه اضطر للفرار بنفسه إلى الكرك , فتسلطن بيبرس الجاشنكير , إلا إن أمره لم يتم فقد ثارت عليه العامة والجند وتمكن الناصر من الرجوع واسترداد عرشه وقتل بيبرس الجاشنكير وسلار وحكم مستبدا بالأمر حتى وفاته , وهكذا, بدأ المماليك البرجية في المؤامرات أثناء – الدولة القلاوونية البحرية , وقد اتخذ تدخلهم في بداية الآمر مظهر الدفاع عن آل قلاوون بقتلهم بيدرا قاتل الاشرف خليل ثم ما لبثوا أن تحكموا في أخيه الناصر محمد وتمتعوا بالامتيازات على حساب بقايا الأمراء المماليك البحرية , ثم تطور نفوذهم أخيرا فتولى احدهم – وهو بيبرس الجاشنكير – السلطة كأول سلطان برجي في الدولة البحرية ومع تهاوي عرشه سريعا إلا إن ذلك كان إرهاصا بقيام الدولة البرجية على يد برقوق .

ولقد انعكس نفوذ المماليك البرجية على مصير السلاطين من أبناء وأحفاد الناصر محمد بن قلاوون بعد وفاته فكثر توليهم وعزلهم تبعا لمؤامرات كبار الأمراء البرجية , حتى انه في العشرين سنة الأولى التي أعقبت وفاة الناصر محمد بن قلاوون تسلطن ثمانية من أولاده ( 741 – 762 ) وفي العشرين سنة التالية تسلطن أربعة من أحفاده , وبعضهم تسلطن وعمره عام واحد كالسلطان الكامل شعبان بن ناصر محمد وبعضهم لم يبق في الحكم إلا شهرين مثل الناصر أحمد بن الناصر محمد , وفي ظل الاضطراب وعدم الاستقرار أتاح لكبار المماليك البرجية الوصول للسلطنة بعد أن جربوا التحكم في صغار السلاطين من أبناء الناصر محمد بن قلاوون وتلاعبوا بهم وفي النهاية تولوا الحكم وساروا بنفس أسلوب المؤامرات .

4- وقد عمرت دولة المماليك البرجية أكثر من مائة وأربعة وثلاثين سنة (784 – 922 ) حكم فيها ثلاثا وعشرين سلطانا ,ومنهم تسعة حكموا مائة وثلاث سنوات ارتبط بهم تاريخ الدولة البرجية وهم برقوق مؤسس الدولة وابنه فرج شيخ وبرسباى , وجقمق وأينال , وخشقدم وقايتباى وقنصوة الغوري .

وقد تمكن برقوق بسلسلة من الدسائس والمؤامرات أن يقيم الدولة البرجية وتغلب على مصاعب عديدة وصلت إلى درجة عزله من السلطنة إلا إنه عاد وانتصر , فلقد غدا أبناء الناصر محمد بن قلاوون لعبة  في أيدي الأمراء البرجية الذين تنافسوا على الوصول إلى درجة الاتابك أي أن نائب السلطنة للسلطان الصغير , وتبلور النزاع أخيرا بين أميرين كبيرين هما بركة وبرقوق , وانتهي الصراع بينهما بانتصار برقوق على منافسه ومن يتبعه والتزم بركة أمام القضاة الأربعة بألا يتحدث في شيء من أمور الدولة وأن يترك ذلك لبرقوق بمفرده , وأصبح برقوق  هو المرشح عن البرجية أو الجراكسة للتحكم في السلطان القلاووني الصغير , إلا إن برقوق طمع في المزيد فقد كان يريد أن يخلع السلطان المغلوب على أمره ويحكم هو فعلا ورسميا , ولذلك خشي منافسه القديم بركة فاعتقله في الإسكندرية وأوعز إلى واليها فقتل بركة في السجن . وثار أتباع بركة فأعلن لهم برقوق أن قتل بركة تم بدون علمه وسلم لهم والي الإسكندرية فقتلوه واسترضاهم بذلك .

وتفرغ برقوق بعدئذ لخلع السلطان علي , وكان الرأي العام يعطف على أبناء البيت القلاووني ولا يميل إلى خلعهم من السلطة رسميا, وقد سبق أن الجنود والعامة ثاروا على بيبرس الجاشنكير حين خلع الناصر محمد بن قلاوون وتعاطف معه حين هرب إلى الكرك حتى رجع وانتصر على غريمه .

وبرقوق يدرك ذلك جيدا لذا عمد إلى تخدير الرأي العام فاستضاف شيخا صوفيا , معتقدا – أي يعتقد الناس ولايته – وهو الشيخ على الروبي . وقد أعلن الروبي أن برقوق سيلي السلطنة يوم الأربعاء تاسع عشر من رمضان 785 , وأن الطاعون – وكان وقتها ساريا – سيرتفع عن القاهرة ثم يموت الطفل على , ومعلوم أن الصوفي يحظى باعتقاد العامة في علمه للغيب , وإذ هيأ برقوق الأذهان لما سيحدث قتل السلطان الصغير وأشيع موته ودفن في يومه ثم عين بعده أخاه أمير حاج ثم عقد مجلسا بالخليفة العباسي والقضاه الأربعة والأمراء فعزلوا أمير حاج وبايعوا برقوق في التاسع عشر من رمضان سنة 784 أي في نفس الوقت الذي أعلنه الشيخ الروبي سابقا .

ثم عمد برقوق للتخلص من الأمراء الذين ساعدوه فقضى عليهم بالقتل والنفي واعتقل الخليفة العباسي وفي هذه الظروف مات الشيخ الروبي مما يعزر الشك في – أن لبرقوق يدا في موته وبذلك ضمن برقوق لنفسه أن ينفرد بالأمر ولا يكون لأحد عليه فضل أو نفوذ باعتباره شريكا له في المؤامرة .

إلا أن برقوق أخذ من مأمنه كما يقال فقد ثار الأمير يلبغا بالشام فوجه إليه برقوق مملوكة منطاش على رأس جيش لإخضاعه , إلا أن بلبغا اتفق مع منطاش على عزل برقوق , وبذلك استدار منطاش بجيشه ومعه بلبغا بجيشه إلى القاهرة لحرب برقوق , ولما لم يكن لبرقوق جيش يقابل به الأميرين فقد هرب إلى الكرك , ودخل منطاش وبلبغا إلى القاهرة وأعيد السلطان أمير حاجي وكما كان متوقعا دب الخلاف بين منطاش وبلبغا وانتصر منطاش ,وفي هذه الأثناء هرب برقوق من الكرك وأعد جيشا وأنضم إليه أنصاره والتقى مع مملوكه السابق منطاش في موقعة شقحب فانتصر عليه وعاد للسلطنة للمرة الثانية سنة 797 .

5- ومات برقوق سنة 801 وتولى ابنه الناصر فرج , وقد اضطر فرج للاختفاء بسبب مؤامرة  حتى أعاده الأمير يشبك , ثم ثار عليه الأميران شيخ ونوروز فتنازل لهما وثار النزاع بين شيخ ونوروز وانتهي بمصرع نوروز سلطنة شيخ , بعد موت السلطان شيخ تولى ابنه أحمد تحت وصاية الأمير ططر إلى أن ططر سلبه السلطنة وتولى بعده , ومات ططر واخذ العهد لابنه محمد بن ططر تحت وصاية برسباى إلا أن برسباى ما لبث أن عزل ابن السلطان ططر   وتولى مكانه , وتوفي الاشرف برسباى وعهد لابنه يوسف ابن برسباى تحت وصاية الأمير جقمق وتسلطن جقمق وحين مات جقمق عهد لابنه عثمان بن جقمق بوصاية اينال فعزله أينال وتسلطن مكانه .     

وسادت فترة من الضعف في الدولة البرجية وتولى سلاطين ضعاف وكثر فيهم العزل والتولية حتى إن بعضهم كالسلطان خير بك لم يمكث سلطانا إلا ليلة واحدة سنة 872 , ثم انتعشت الدولة مؤقتا بتولي السلطان قايتباى الذي حكم تسعة وعشرين عاما تنازل في السنة الأخيرة لابنه محمد ابن قايتباى الذي دفع حياته ثمنا لمؤامرات الكبار وتعاقب جملة من السلاطين الضعاف حتى تولى الغورى سنة 906 فأعاد الأمر إلى حين [10], وانتهي أمره وأمر الدولة المملوكية في مرج دابق سنة 922 .

                                    (( الشام ونهاية الدولة المملوكية ))

بدأ توطيد الدولة المملوكية بتأكيد نفوذها في الشام مع الناصر داود ثم بعد هزيمة المغول في عين جالوت . وفي الشام أيضا كانت نهاية الدولة المملوكية بعد قتل الغورى وهزيمة جيشه في مرج دابق أمام العثمانيين .

وبين قيام الدولة ونهايتها لم يخل الشام من وجود أمراء مماليك طموحين للسلطة حاولوا الانفصال بالشام عن مصر واتخاذه موطيء قدم للاستحواذ على مصر أثناء الفتن المملوكية التي كانت أساس تولى الحكم والاحتفاظ به في الدولة المملوكية .  

وقد عرضنا لبعض أولئك الأمراء مثل الأمير سنقر نائب الشام الذي ثار على قلاوون بعد أن خلع عن السلطنة أبناء الظاهر بيبرس وتولى باسم المنصور قلاوون . ومثل الأمير يلبغا الذي ثار بالشام حين خلع برقوق السلطان الصغير من أحفاد قلاوون وتولى السلطة رسميا الظاهر برقوق وبعث إليه برقوق بمملوكه منطاش فكان أن أتفق منطاش ويلبغا على برقوق واستدار الجيشان إلى مصر فهرب برقوق للكرك , ومن الكرك تمكن من استعادة عرشه . 

وفي فترات القلاقل التي كثرت مع ضعف الدولة البرجية كان أمير الشام يثور طمعا في الوصول للسلطنة في القاهرة . مثل الأمير جكم الذي ثار في حلب سنة 809 وفرض نفوذه على الشام وانتهي أمره بالفشل والقتل [11] , ونحوه كان الأمير جانم في الشام قال عنه المؤرخ أبو المحاسن كان جانم نائب الشام يطمع في السلطنة مما أوحي إليه الكذابون من أقوال الفقراء – الصوفية – ورؤية المنامات فتحقق المسكين أنه لابد أن يلي السلطنة فكان في ذلك نهايته [12] أي أن بعض الصوفية استغلوا فيه طموحه للسلطة وموقعه في الشام فتقرب إليه بادعاء المنامات الكاذبة والتبشير بالسلطة  إلى أن صدقهم وثار وفشل وقتل .     

وفي سلطنة الغوري كان يتخوف من سيباي نائبه في الشام حتى إنه أصر على أن يصهر إليه ليطمئن [13] , ولم يدر الغوري أن نهايته في الشام فعلا ولكن على يد أمير آخر هو خاير بك الذي تآمر على سلطانه واتفق مع السلطان سليم العثماني . 

ومهما يكن فأن نهاية الدولة المملوكية كانت بسبب حمق الغوري حين تلاعب به الشاه إسماعيل الصفوي حاكم فارس الشيعي , وضرب به السلطان سليم العثماني . وقد كان سليم العثماني حليفا للغورى ضد إسماعيل الصفوي .    

وقد بدا إسماعيل الصفوي بتأسيس ملكه في فارس على أساس من التصوف الشيعي المتطرف حتى أن لقبه في المصادر التاريخية في القرن العاشر إسماعيل الصوفي . وبعد أن وطد الصفوي ملكه في فارس بدأ ينشر مذهبه على حدود الدولتين المجاورتين له وهما الدولة المملوكية والدولة العثمانية , وقام بتحركات عسكرية ضد الدولتين معا وهما  تعتنقان المذهب السني المخالف للتشيع مذهب الصفويين . من هنا كان لابد أن يتعاون الغوري مع سليم العثماني لمواجهة الخطر المذهبي والحربي للشاه إسماعيل الصفوي .

ولم يسكت إسماعيل الصفوي على تحالف عدويه ضده فتمكن عن طريق مبعوث سري من استمالة الغوري إليه وعقد معه معاهدة سرية حتى إذا خرج السلطان سليم العثماني لحرب الصفوي أرسل إليه الصفوي في الطريق  بالغوري فتكون معركة مرج دابق بين القوتين السنيتين واحداهما قوة شابة وهى الدولة العثمانية والأخري قوة هرمة وهي الدولة المملوكية , ويتفرج إسماعيل الصفوي على خصميه يقتتلان ولا يتدخل لإنقاذ الغوري الذي أخرجه من مأمنه إلى مقتله .  

وكان الذي تولى عقد المعاهدة السرية بين الصفوي والغوري مبعوثا غامضا اسمه الشريف العجمي الشنقجي يقول (ابن إياس عن خروج الغوري للحرب ذلك الخروج الذي لم يعد بعده لمصر) حضر إلى الأبواب الشريفة الشريف العجمي الشنقجي نديم السلطان الذي كان قد توجه بأفيال إلى نائب الشام ونائب حلب للاستعانة بها في حرب العثمانيين وقد أبطأ مدة طويلة حتى أشاعوا موته غير ما مرة  فظهر أن السلطان – الغوري – كان أرسله إلى شاه إسماعيل الصوفي في الخفية في خبر سر للسلطان  بينه وبين الصوفي كما أشيع بين الناس ذلك . فلما كان يوم السبت خامس عشر ربيع الآخر خرج السلطان [14] .

ويقول الغزي – وهو مؤرخ معاصر للأحداث في القرن العاشر – ( قبل معركة مرج دابق قرب الغوري إليه أعجميا كان ينسج المودة في الباطن بينه وبين شاه إسماعيل حتى أخرجه من مصر لقتال سليم بحجة الإصلاح بينه وبين الصوفي ) [15]

لم يكن السلطان سليم العثماني يفكر في حرب المماليك إلا حين تحتم عليه أن يجابه الغوري في مرج دابق وكان سليم خارجا لحرب إسماعيل الصفوي ففوجيء بالحليف السابق الغوري أمامه وعرف أنه انضم للصفويين وكان موقفة دقيقا إن ترك المواجهة مع المماليك واستمر في طريقه للقاء الصفويين فمعني ذلك أنه سيحاصر بين الحليفين الصفوي والغوري لذا عجل بالحرب مع الغوري ولما انهزم الغوري وقتل وجد بلاد الشام تتساقط أمامه وقد انحاز إليه بعض أمراء الشام المماليك مثل خاير بك وجان بردي الغزالي فحسنوا له الاستمرار في فتح الشام ثم مصر . وهكذا .. كان الفتح العثماني للشام ثم مصر هدية مفاجئة للسلطان سليم الأول الذي خرج لمواجهة الصفويين فتملك مصر والشام وتوسع في البلاد العربية , بعد أن كان اتجاه العثمانيين قبل ذلك – نحو الفتوح في أوربا [16] .   

وبالفتح العثماني لمصر أصبحت ولاية عثمانية بعد أن كانت القاهرة عاصمة المسلمين ومركز القوة منذ إنشائها في الدولة الفاطمية سنة 360 إلى الفتح العثماني سنة 921 .

ونسترجع بعض السمات الاستراتيجية لمصر والشام من الفتح الفاطمي إلى الفتح العثماني:

1- فقد أكتملت السيادة السياسية لمصر (القاهرة) في العصرين الفاطمي والمملوكي بقدر ما أضمحلت قوة بغداد إلى أن دمرها المغول وتحولت عنها الخلافة العباسية للقاهرة , أي أن  الوضع الطبيعي لمصر في قيادة المنطقة قد رجع إليها منذ الدولة الفاطمية وتأكد في الدولة المملوكية , وأصبح الحجاز مع الشام بما فيها من مقدسات إسلامية تتبع الدولة المصرية التي تتقدم الدول الإسلامية وتفرض سلطانها على الشام وما وراءه وتواجه عن المسلمين أخطار الأعداء وتقضي عليهم كما فعل المماليك مع الصليبين والمغول .      

2- وكان الشام مركز الخطورة على الدولة الفاتحة في مصر خصوصا إبان فترات الانتقال التي تلي موت السلطان وقيام سلطان محله , وذلك ما يتضح أكثر في الدولة المملوكية , ويعظم خطر الشام على مصر حين تنتهي الدولة المسيطرة لترثها دولة أخرى كما حدث عند احتضار الدولة الفاطمية ثم الدولة الأيوبية . ففي احتضار الدولة الفاطمية تنازع امتلاك مصر قوتان متصارعتان هما الصليبيون والزنكيون وفاز القائد الزنكي صلاح الدين وأقام بمصر الدولة الأيوبية وضم لمصر الأمارات الإسلامية في الشام ليؤكد نفوذه في المنطقة أمام أعدائه الصليبيين حتى انتصر عليهم انتصاره الحاسم في حطين .          

وحين ضعفت الدولة الأيوبية وتنازع أبناؤها الحكام بين مصر والشام جاء الغزو الصليبي لدمياط في عهد الصالح أيوب بقيادة لويس التاسع وبعد أن صده المماليك وأقاموا دولتهم على حساب سادتهم الأيوبيين , وطد المماليك نفوذهم في الشام وقهروا قوى كثيرة  كالأيوبيين والصليبيين والمغول وبعدها امتدت سيطرتهم إلى العراق والشام .  

ثم حين ضعفت الدولة المملوكية وظهرت قوتان شابتان هما الصفويون في فارس والعثمانيون في آسيا الصغرى , وقام التنازع بينهما وقعت الدولة المملوكية فريسة للأقوى منهما فجاء الفتح العثماني لمصر عبر الشام .   

3- وحين يتساوى حكام مصر مع حكام الشام في الضعف يستمر التنازع بينهما إلى أن يظهر الأقوى فيتغلب على المنطقة بأكملها لأنها لا تتسع إلا لحاكم قوي واحد , وتجلى ذلك في الصراع المستمر بين حكام بني أيوب في مصر والشام , إلى أن خضعت المنطقة كلها للقوة المملوكية .  

4- ومعلوم أن ذلك جميعه حدث في مصر والشام أثناء الدولتين الطولونية والإخشيدية . ثم قبلها في العصر الأموي ثم قبله في العصر الرومي والبطلمي . أي إن استراتيجية مصر قبل الفتح الإسلامي هي نفسها بعد الفتح الإسلامي . فالشام – أو على الأقل جنوب الشام – ضروري لأمن مصر , والفتح الأتي للشام لابد أن يصل لمصر , وفتح مصر غربا لابد أن يصل للشام . والحاكم القوى في مصر لابد أن يسيطر على الشام , والحاكم الطموح في الشام لابد أن يطمع في مصر خصوصا إذا كانت ضعيفة . هذا ما تأكد عبر وقائع التاريخ إلى  أن كان الفتح العثماني لمصر عبر الشام والذي تحولت به مصر من دولة رائدة إلى ولاية تابعة .        

5- ولم تتغير إستراتجية مصر بعد الفتح العثماني كما لم تتغير بعد الفتح الإسلامي , فظل الشام مرتبطا بمصر أمنيا واستراتجيا , ونضرب   لذلك عدة أمثلة من التاريخ الحديث في العصر العثماني وبعده  :

( أ) محاولات إسماعيل الصفوي استرداد الشام ومصر : 

  فبعد سقوط الشام ومصر أمام العثمانيين عمل الشاه إسماعيل الصفوي عدو العثمانيين على إفساد الأمر عليهم في مصر والشام فاتصل بأتباعه من الأمراء الشيعة في الشام مثل ابن جنش وابن حرفوش والدرزي وقاموا بالثورة , ولكن فشلوا , فاتصل الصفوي بالأمير المملوكي جان بردي الغزالي نائب الشام , والذي خان الغوري وانضم لسليم العثماني , وخان الغزالي العثمانيين فثار عليهم ولكن فشلت حركته , وكان الصفوي يأمل في قيام حكم قوي في الشام موال  له يستطيع به أن يأخذ مصر . فلما فشل اتجه لمصر ليأخذها ويأخذ معها الشام . واستطاع عميل له وهو ظهير الدين الاردبيلي أن يسيطر على الوالي العثماني في مصر وهو أحمد باشا وأن يدفعه للثورة على العثمانيين وأن يستميله للتشيع , وفشلت ثورة أحمد باشا وقتل [17] .  

(ب) في حركة على بك الكبير (1170 – 1187 هـ) ( 1756 – 1773 م ) .

استولى على بك الكبير على السلطة في القاهرة بعد أن أخضع خصومه المماليك ثم أخضع القبائل العربية في الشرقية والبحيرة والصعيد , وبعد أن أكد نفوذه في مصر طرد الوالي العثماني في مصر وأعلن استقلاله الذاتي . ولكي يؤمن نفسه في مصر تحالف مع ثائر آخر في جنوب الشام هو الشيخ ظاهر العمر وسير على بك الكبير عدة  حملات لتأمين استقلاله  , واتخذت هذه الحملات طريق الشام لاستخلاصه من العثمانيين منتهزا فرصة انشغال الدولة العثمانية بالحرب مع روسيا بل وطلب معونة روسيا ضد الدولة العثمانية .

وكما استغل على بك الشام معبرا يصل به ليتأكد نفوذه أمام العثمانيين , فان العثمانيين اتصلوا بقائد على بك وهو محمد أبو الذهب وهو في الشام وجعلوه ينقلب على  سيده على بك وينسحب من الشام ليواجه على بك في مصر . وهزم على بك أمام خصمه أبو الذهب ففر إلى الشام ليحاول به أن يستعيد مصر , ومن الشام قدم على بك بجيش ليستعيد نفوذه من أبو الذهب إلا إنه انهزم وقتل في معركة الصالحية .

(ج) ثم روعت مصر بمقدم الحملة الفرنسية يقودها نابليون بونابرت وبعد أن وطد نابليون نفوذه في مصر اتجه لغزو الشام إلا إنه فشل أمام أسوار عكا . ثم كان تحطيم أسطوله في أبو قير نهاية لآماله في مصر التي اتخذها قاعدة لإقامة ملك في الشرق.  

(د) وبعد أن أكد محمد على نفوذه في مصر بالقضاء على المماليك والزعامة الشعبية وبقايا الجند العثمانيين , وبعد أن كون جيشا جديدا من المصريين وأعلن انفصاله عن الدولة العثمانية – أسرع يغزو الشام ووصل إلى كوتاهية في آسيا الصغرى . ولولا تدخل انجلتره وأوربا لدخلت المنطقة في تاريخ جديد .    

(هـ) وبعد شق قناة السويس عملت انجلتره  على احتلال مصر وتم لها ذلك سنة 1882 م . وكانت لفرنسا مطامع في سوريا ولبنان , وتهيأت لهما الفرصة بعد الحرب العالمية الأولى وهزيمة تركيا فاقتسما أملاكها في الشام في اتفاق ( سايكس بيكو) وفيه كان لانجلتره الأردن وجنوب الشام ولفرنسا سوريا .  

وكان كتشنر أثناء وجوده في مصر قد فطن لأهمية فلسطين بالنسبة لمصر فضغط على حكومته حتى لا يصل النفوذ الفرنسي إلى جنوب الشام ويهدد مصالح انجلتره في مصر والسويس . وكان لذلك أثره في اتفاقية سايكس بيكو حيث رفض الجانب البريطاني بشدة الموافقة على مطالبة فرنسا بفلسطين [18] .

(و) ثم كان زرع إسرائيل في جنوب الشام هدفا يحقق مصالح بريطانيا على المدى البعيد , ففي سنة 1907 تكونت لجنة علمية تاريخية برئاسة كامبل باترمان لبحث الوسائل الكفيلة بتفادي انهيار الإمبراطورية البريطانية وكانت الشمس لا تغيب عنها حينئذ – وقد تحدث التقرير عن الخطر الذي يتهدد الاستعمار في الشرق فذكر أنه يكمن في السواحل الجنوبية والشرقية للبحر المتوسط – أي الشام ومصر وشمال أفريقيا أو الوطن العربي – وعلى الخصوص في الجسر البري الذي يصل آسيا بإفريقيا وتمر فيه قناة السويس – أي مصر وفلسطين – وجاء في التقرير أن ضربة قاصمة ستحل بالإمبراطوريات الاستعمارية إذا ما تحرر الشعب العربي ونهض فلا سبيل إلى تفادي ذلك إلا بالعمل على تجزئة المنطقة وتخلفها ومحاربة اتحاد سكنها . وأوصي التقرير بضرورة فصل الجزء الإفريقي عن الجزء الآسيوي بإقامة حاجز بشري قوي وغريب بحيث يشكل في المنطقة وقرب قناة السويس قوة حليفة للاستعمار [19]  .     

وبهذا حقق الاستعمار ما يتمني لنفسه بإقامة إسرائيل التي تهدد الأمن المصري القائم على ضم جنوب الشام , وتعوق تنمية المنطقة وتقدمها وتزرع بين حكامها الشقاق والخصام , ومن خلال جولات الحرب و السلام بين مصر وإسرائيل تحرص إسرائيل دائما على احتلال سيناء أو بقائها منزوعة السلاح لتهدد بها العمق السكاني لمصر وتعمل على انعزال مصر عن جاراتها ليتسنى لإسرائيل   أن تبقي قوية  .    

وبعد .. فلقد سرنا مع أثر الفتح الإسلامي على إستراتجية الموقع السياسي لمصر ولمسنا ارتباط الموقع المكاني لمصر والشام قبل الفتح الإسلامي وبعده حتى إلى عصرنا الراهن . وبقي أن نبحث من الناحية الاخري التي جاء بها الفتح الإسلامي وهى انتشار الإسلام في مصر لنري إلى أي حد تأثرت به مصر بعد الفتح الاسلامى عنها قبل الفتح الإسلامي .      



[1]
السلوك : 1 / 2 / 368 .

[2] السلوك : 1 / 2 / 380 , 404 .

[3] السلوك : 1 / 2 / 386 : 338 .

[4] السلوك : 1 / 2 / 370 , 372 : 379 , 381 , 382 , 385 : 386 .

[5] السلوك : 1 / 2 / 414 , 415 , 416 , 417 : 419 , 422 : 425 , 427 : 433 .

[6] عن غزوات بيبرس ضد المغول : السلوك 1 / 2 / 465 , 473 : 474 , 495 , 497 , 600 , 602 , 604 : 607 , 628 : 629 , 633 .

[7] السلوك  : 1 / 2 / 448 : 449 , 451 , 453 : 457 : 463 , 467 , 477 : 479 .

[8] عن غزوات بيبرس ضد الصليبين : السلوك 1 / 2 / 483 : 487 , 488 : 491 , 510 , 513 , 524 : 530 , 543 , 533 , 577 : 560 , 564 : 571 , 585 : 588 , 590 : 595 , 618 : 628 .

[9] السلوك : 1 / 3 / 747 , 753 : 754 , 762 : 766 .

[10] أحمد صبحي منصور : ( أثر التصوف في مصر العصر المملوكي ) رسالة دكتوراه غير منشورة بكلية اللغة العربية بالقاهرة, 16 : 19 , 29 : 30 .

[11] العيني :عقد الجمان , مخطوط . حوادث 809 .

[12] النجوم الزاهرة : 16 / 229 : 230 .

[13] الفقي : تاريخ سليم والغورى . مخطوط , ورقم 7 . 

[14] أحمد صبحي منصور : ( أثر التصوف في مصر العصر المملوكي ) 87 : 88 , (السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة ) 182 : 183 .

[15] تاريخ ابن  اياس 5 / 35  ,  38 .  

[16] الغزى : الكواكب السائرة : 1 / 297 .

[17] أحمد صبحي منصور (أثر التصوف ..) الكواكب السائرة : 87 : 88 .

[18] الغزى : الكواكب السائر 1/ 216 , 159 , تاريخ ابن طولون 2 / 78 : 79 , 74 : 75 . أحمد صبحي منصور ( أثر التصوف) المرجع السابق87 , 88 . 

[19] د. محمود منسي : تصريح بلفور : 49 , 100 , دار الفكر العربي .

الفصل الثاني :الفتح والحياة الدينية

الفصل الثاني :الفتح الإسلامي والحياة الدينيةالمصرية

أولا  الإسلام ومصر قبل الفتح الإسلامي

معني الإسلام : الإسلام الظاهري والإسلام الحقيقي : 

الإسلام معناه العقيدى هو الانقياد , والانقياد قد يكون ظاهريا بالتزام السلام و المسالمة مع الناس فكل من عاش مسالما فهو مسلم ، خصوصا إذا أعلن شهادة الإسلام ، فليس لنا إلا الحكم على الظاهر ، وهو السلوك المسالم . وعلى هذا الأساس كانت نظرة القرآن الكريم للأعراب الذين أعلنوا الإسلام وكانوا أشد كفرا ونفاقا , يقول تعالى ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم . الحجرات 14 ) والرسول عليه السلام كان يعامل المنافقين على أساس ما يعلنونه من انقياد ومسالمة ، وترك الحكم على سرائرهم لله سبحانه وتعالى .      

وقد يكون الانقياد ظاهريا وباطنيا وهو المعنى الحقيقي للإسلام الذي أساسه يكون حساب الآخرة , فالإسلام الذي ينجو به المؤمن من عذاب الآخرة هو  أن تنقاد لله جوارح المؤمن المسلم وخواطره وسرائره وعلانيته وسلوكياته ، وأن يخلص لله عبادته ونسكه وحياته ومماته ،أى يخلص عبادته وحياته لله وحده فلا يعرف الرياء أو تقديس غير الله , وعلى أساس التوحيد الخالص يسير بحياته منقادا لله وحده :  ( قل : إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين . الإنعام 162 ،163 ) . 

فالإسلام الحقيقي فى العقيدة هو القائم على التوحيد الخالص بمعنى ألا تكون هناك واسطة بين الله والمسلم , فالمسلم لايتخذ له وليا مع الله , أي يكتفي بالله وليا ( وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا . النساء 45 ) ( قل : أغير الله أتخذ وليا ؟ فاطر السموات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين . الأنعام 14 ) .   

  بيد أن الإسلام الحقيقي شيء وتطبيقه شيء آخر , ومن هنا تبدأ الفجوة بين الإسلام الحقيقي والإسلام الظاهري , ومن خداع النفس أن يخلط المرء بينهما فيحسب أن لافتة الإسلام التي يتميز بها في الدنيا قد تغنيه عن مراعاة الإسلام الحقيقي الذي يحاسب على أساسه في الآخرة .

وإن اعتقد المرء أن إعلان إسلامه في الدنيا سيضمن له الجنة في الآخرة فقد وقع في الوهم والتمني , فالله يحاسب على أساس العمل الصالح والعقيدة الخالصة ولا ينجو من العذاب إلا من اتقي وخاف وخشي بغض النظر عن الشعارات المرفوعة في الدنيا ( فأما من طغي وآثر الحياة الدنيا فان الجحيم هي المأوى  وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى. النازعات 37 : 41 ) .       

ومهما تنوعت الأسماء والمدلولات فالأديان لا تخرج عن نوعين : إما دين الله وهو الإسلام الذي جاء به الرسول ( إن الدين عند الله الإسلام ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه . آل عمران 18 ,85 ) وإما دين الشرك وهو الانحراف عن منهج الله الذي أرسل به الرسل .

وكل الرسل كانوا يقررون شيئا واحدا هو التوحيد الإسلامي (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون . الأنبياء 25 ) فكل الرسل أوحي إليهم   بالتوحيد , غاية ما هنالك أن كل رسول تكلم بلغة قومه  حتى يفهموا دعوته  , أي أن كل رسول عبر عن الإسلام والتوحيد بلغة قومه ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم . إبراهيم 4 ) . وكان التعبير الأخير عن الإسلام والتوحيد باللغة العربية ( فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون . الدخان 58 ) .       

مع أن الرسل كانوا يقولون شيئا واحدا هو الإسلام القائم على التوحيد الخالص , فإن الأتباع بمرور الزمن يتباعدون عن الإسلام الحقيقي ويكتفون باللافتة التي يضعونها ويحسبون أنهم مهتدون . ومن هنا فإن دراسة الواقع الديني لشعب ما مما يعين على توضيح الفجوة بين الإسلام الحقيقي والإسلام المعلن الظاهري العلمي .

وهذا ما نرجو أن يوفقنا الله إليه في هذا المبحث عن الحياة الدينية المصرية بعد الفتح الاسلامى . ولكي تكون الدراسة الدينية بمنجاة من الوقوع في المزالق – وما أكثرها في مباحث الدين – فإن الحصن الحصين الذي نلجأ إليه ونعول عليه هو القرآن الكريم الصادق المصدوق الذي يحكم على المشركين  في كل عصر وأوان مهما تخفوا خلف أسماء ومسميات ولافتات . وبعد تحديد المرجع الوحيد وهو القرآن – نأتي لكتب المناقب وكتب المزارات التي تصور أفكار الناس وعقائدهم وطقوسهم بالإضافة إلى كتب التاريخ التي ترصد حياة الناس ونشاطاتهم .        

معرفة مصر بالإسلام قبل الفتح الإسلامي :

1 ـ يقول تعالى ( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير . فاطر 24 ) والنذير أعمّ وأشمل من الرسول ، فقد يكون النذير شخصا داعية لا يوحى اليه و ليس نبيا مرسلا ، ولكنه تطوع بالدعوة الى الحق ، فيكون نذيرا لقومه مع انه ليس مرسلا من الله جل وعلا.

والنذير بمعنى الرسول النبى و غيره يشير الى أن الله تعالى قد أرسل رسلا لكل أمة أو جماعة من الناس عاشت على مكان معين فترة معقولة من الزمان ، كما أنه لا تخلو أمة من دعاة الاصلاح الدينى ، حتى لو تقاصر التاريخ عن ذكرهم .

ومعناه أيضا أن الله تعالى أرسل لمصر قبل الفتح الإسلامي رسلا طيلة التاريخ المصري الممتد عبر خمسين قرنا من الزمان . 

والقرآن الكريم لم يذكر لنا جميع الأنبياء ( ورسلا قد قصصناهم عليك من قبلك ورسلا لم نقصصهم عليك .. النساء 164 ) . ومن بين الرسل الذين ذكروا في القرآن الكريم وكانت لهم علاقة بمصر  يوسف وموسى عليهما السلام . وذكرت الروايات أن إبراهيم عليه السلام وفد إلى مصر إبان  حكم الهكسوس وأهداه الملك جاريةــ أو أهداها لزوجه سارة ــ وكانت هاجر المصرية وهي  أم إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام . ومن نسل إسماعيل كانت العرب المستعربة , وفيهم النبي الخاتم محمد صلي الله عليه وسلم . وأنجب إبراهيم من سارة إسحق ورزق أسحق بيعقوب , وبهذا جاءت البشرى من قبل لإبراهيم وسارة  ( وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب هود 71 ) .    

وقد أنجب يعقوب الأسباط – وهم شعب إسرائيل إذ إن يعقوب اسمه إسرائيل – وقد تآمر أولاد يعقوب على أخيهم يوسف فألقوه في الجب وانتهي به الأمر إلى أن صار يوسف عزيز مصر ووفد إليه أخوته و انتهت القصة بمجيء يعقوب عليه السلام وأهله إلى مصر , وتكاثروا فيها ونعموا برعاية الهكسوس – وهم أيضا وافدون من الشرق .      

ويتخلص المصريون من استعمار الهكسوس فيتحول النعيم الذي يعيش فيه بنوا إسرائيل إلى نقمة وعذاب على أيدي الفراعنة ، فكان فرعون يقتل أبناءهم ويستحي نساءهم إلى أن بعث الله من بينهم موسي عليه السلام برسالة إلى فرعون أن يعود ببني إسرائيل إلى فلسطين وتنتهي القصة بغرق فرعون وانتقال بني إسرائيل إلى فلسطين .    

2- وفي القرآن ما يثبت أن يوسف عليه السلام أرسل نبيا إلى المصريين وأنه بدأ دعوته منذ كان في السجن ( يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ؟  ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم  وآباؤكم ما أنزل الله  بها من سلطان . يوسف 40 )

ويوسف عليه السلام كان رسول الإسلام للمصريين وقد دعا ربه أن يتوفاه مسلما وأن يلحقه بالصالحين ( رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت ولى في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين  . يوسف 101 ).

وموسي عليه السلام  لم يكن رسولا إلى بني إسرائيل وحدهم وإنما كان لفرعون أيضا والمصريين , يقوم تعالى ( ولقد أرسلنا بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملائه فاتبعوا  أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار .. هود 96 : 98 ) .    

وموسي عليه السلام طالب أتباعه بأن يكونوا مسلمين ( وقال موسي يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا أن كنتم مسلمين  . يونس 84 ).

3- ولكن إلى أي حد كانت استجابة المصريين للرسل ودعوة التوحيد ؟؟ إن الإجابة معروفة رددتها آيات القرآن الكريم خلال القصص  التي دارت  حول طغيان فرعون وملأه , ونستخلص من القرآن الكريم بعض الحقائق عن خصائص التدين المصري الفرعوني : 

(أ) أن فرعون لم يكتف بمجرد ادعاء الألوهية وإنما ادعى الألوهية العظمي (فقال أنا ربكم الأعلى . النازعات 24 ) بل تطرف فانكر الفطرة وانكر وجود الله تعالى ( وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسي وأني لأظنه من الكاذبين . القصص 38 ) .      

(ب) أن الرأي العام كان يؤيد فرعون في تطرفه , بدليل أن القرآن كان يقرن فرعون بملأه وجنود وقومه .

وكان فرعون يعلن ادعاءاته المتطرفة أمام جمع من قومه بدليل قوله تعالى( فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى ) أي أنه حشر الناس وادعى فيهم بألوهيته العظمي , ونحس بالتجاوب بين فرعون وقومه في استشارته لهم وكيف يتصرف مع الإسلام الذي جاء به موسي ( وقال فرعون ذروني أقتل موسي وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد . غافر 62 ) ( ونادي فرعون في قومه فقال يا قومي أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين ) ويعلق القرآن على استخفاف فرعون  بعقلية قومه واتباعهم مع ذلك له فيقول ( فاستخف قومه فأطاعوه أنهم كانوا قوما فاسقين . الزخرف 51 , 55 , 54 ) .    

(ج) وواضح أن فرعون يدافع عن كيانه السياسي والديني باعتباره فرعون معبودا من قومه وأن دعوة موسي ستقضي على نظامه الديني الكهنوتي السياسي , ولكن من غير المفهوم تأييد المصريين لفرعون وادعاءاته وهم ليسوا أصحاب مصلحة في القضية إلا إذا كان تأليه الفرعون عنصرا أساسيا في العقيدة الدينية في ذلك العصر . أو بمعنى آخر إلا إذا كان الشرك هو القاعدة الأساسية في التدين المصري القديم . 

ويتضح قيام التدين المصري على أساسي الشرك في موقفين للمصريين رفضوا فيهما الرسالة الإسلامية .

* فالمصريون أيقنوا بصدق دعوة موسي ولكنهم جحدوها إصرارا منهم على عقائدهم الثابتة منذ آلاف السنين ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا . النمل 13 ) . ولا يقال أن ذلك كان منهم اخلاصا للحكم الوطني الذي يمثله  فرعون ، إذ إن ذلك الموقف تكرر منهم أبان حكم الهكسوس حين بعث إليهم يوسف عليه السلام فرفضوا رسالته وكرهوها مع أيمانهم بأنه رسول من لدن الله تعالى ، وذلك ما ذكرهم به مؤمن من آل فرعون حين قال في معرض الوعظ لقومه ( ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا . غافر 34 ) أي أنهم يعرفون الله ويعرفون أن يوسف رسول الله ومع ذلك أعرضوا عنه , لم يكن لديهم وقتها حاكم فرعونى مصري يدينون له بالولاء والتقديس ، بل حاكم غريب مكروه , إذن فكراهيتهم  لدعوة التوحيد نابعة من الوجدان الديني لا الوطني .       

ولم يكن يوسف عليه السلام رسولا مستضعفا بل كان وقتها عزيز مصر والمتصرف في خزائنها في وقت الشدة , ومع أهمية منصبه واستحواذه بالعدل والأمانة على حب المصريين وإعجابهم إلا أنه لم ينجح في جذبهم إلى دعوة التوحيد فظلوا منها في شك حتى إذا هلك قالوا لن يبعث الله من بعده رسولا .

( د) على أن قيام التدين المصري على أساس الشرك لم يمنع من وجود موحدين , وأولئك قابلوا التطرف الفرعوني في ادعاء الألوهية بزيادة التمسك بالتوحيد والإصرار عليه والدعوة إليه . وقد ذكر القرآن بعض مواقفهم :

* مثل السحرة الذين سارعوا بالإيمان حين ألقى موسي عصاه فأكلت حياتهم , وقد أنكر فرعون عليهم أنهم آمنوا قبل أن يأخذوا منه تصريحا كما لو كانت مفاتيح قلوبهم بيده . وهذا التطرف من فرعون قابله السحرة بمزيد من التمسك بالحق ولم يأبهوا بتعذيب فرعون لهم بالصلب وتقطيع الأيدي والأرجل , وأقرأ معنى ذلك في قوله تعالى ( فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسي . قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم  الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقي , قالوا : لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض أنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقي . طه 70 : 73 ) .      

* ثم ذلك الأمير الفرعونى الذي آمن من آل فرعون , ومن موقعه داخل قصر فرعون أخذ يدعو للتوحيد ويجادل قومه ويرد كيدهم عن موسي ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم . إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب .. غافر 28 ) ويظل يحاورهم فلا ينجح معهم ، بل يتكاثرون عليه بدعواهم المضادة فيقول لهم ( وياقوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا ادعوكم إلى العزيز الغفار ) إلى أن يقول يائسا ( فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد . غافر 41 , 42 , 44 ) .   

*وعلى سرير فرعون كانت زوجته موحدة مؤمنة مما يوحي بأن هناك في معقل الشرك المتطرف كان يوجد إيمان متمسك بالحق .

وهذا من طبائع الأشياء أن التطرف يدفع إلى تطرف مقابل .  

* وفي عصر يوسف عليه السلام حيث الجو العام يرفض التوحيد نرى  موفقا فريدا لامرأة العزيز وهى تقر بالذنب تائبة مستغفرة على أعين الناس وسط شهود من الأعداء والأصدقاء والشامتين ، وهو موقف إنساني قلّ أن يصدر من امرأة ذات مكانة في قومها وبكامل حريتها واختيارها ، إلا إذا كان ذلك دليلا على إيمان عميق يشع من خلال كلماتها ( قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبريء نفسي أن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم , يوسف 51 : 53 ) .        

ولم يرد في القرآن الكريم نموذج عن التطرف في الكفر يماثل فرعون الذي جعله إماما مع أتباعه لكل من يلحقهم من المشركين حتى قيام الساعة , يقول تعالى عنه وعن ملأه ( وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار.. القصص 41 ) .   

كما لم يرد في القرآن نموذج يماثل صبر السحرة على العذاب وتمسكهم بالتوحيد أمام طغيان فرعون ذلك الطغيان الذي جعل موسي يخشى من مواجهته فيقول له ربه ( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى قال ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغي قالا لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى . طه 44 – 46 ) .   

وبسبب طغيان فرعون وكفرانه بنعمة ربه فقد حقت عليه وعلى قومه اللعنة في الدينا والآخرة . ففي الدنيا استجاب الله دعوة موسي ( وقال موسي ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة و أموالا في الحياة الدنيا , ربنا ليضلوا عن سبيلك ؟ ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال : قد أجيبت دعوتكما . يونس 88 , 89 ) .   

واستجاب الله دعاء موسي وهارون إذ انهار حكم الفراعنة في الدولة الحديثة ولم تعرف مصر بعدهم حكاما أقوياء من أبنائها . ويبدو أن المصير الذي واجهه فرعون موسى ينتظر أي فرعون يأتي في المستقبل يسير على نهج رمسيس الثالث الذي يري أكثر المؤرخين أنه فرعون موسى . 

والخزي والعذاب الذي حاصر فرعون في نهايته لم ينجه من عذاب القبر ولن ينجيه من عذاب الآخرة . وفرعون فيهما إمام لأتباعه , يقول ( يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار  وبئس  الورد المورود واتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد الموفود . هود 98 , 99 )  ( ويقول تعالى عن مؤمن آل فرعون وعن فرعون وملائه ( فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب . غافر 45 – 46 ) . 

4 ـ إن مفتاح الحضارة المصرية القديمة يكمن في الدين . وعلى أساس الدين دارت الحضارة والحياة المصرية القديمة . 

فالنظام السياسي الفرعوني في حقيقته نظام ديني يتمتع فيه الفرعون بالألوهية , والنظام المعماري فيها ديني وصل فيه فن بناء المعابد والأهرامات إلى درجة الإعجاز , بينما لم يبق من مساكن المصريين والفراعنة وملاعبهم ما يضارع أي  حضارة متواضعة , أي أن المصري ركز اهتمامه على المعابد والمقابر وأهمل المساكن والملاعب والمسارح . وهي التي نجدها في آثار اليونان والفينيقيين بل واليمنيين ..  وحتى الأنشطة الثقافية والفنية في مصر القديمة دارت داخل المعابد وعلى أيدي الكنهة الذين احتكروا العلم والثقافة وتحكموا فيها إلى درجة أن العلم المصري القديم اندثر وانمحي لتوقفه على الكهنة . وبينما استمرت الثقافة اليونانية لأنها علمانية وعامة في متناول الجميع فان العلم المصري القديم بل واللغة المصرية القديمة اندثرت مع الكهنة بحيث أننا احتجنا إلى شامبليون في العصر الحديث لكي يفك لنا رموز اللغة المصرية ونعرف من خلالها تاريخنا السابق .   

وفي ضوء الدين أيضا يمكن أن نفهم الثورات السياسية للمصريين ، فهي ثورات دينية تهب لسبب ديني وتتوقف لسبب ديني أيضا , ينطبق ذلك على الثورات المصرية ضد الرومان ثم ضد نابليون  وانجلتره بزعامة الأزهر . وتوقفت الثورات ضد الاسكندر والبطالمة حين عبدوا آلهة المصريين , ولم يقم المصريون بثورة ضد العثمانيين لأنهم حماة الإسلام .. وهكذا ..      

وبسبب قيام الحضارة المصرية والحياة المصرية على أساسي الدين وجدنا نموذجين لا يتكرران , ( فرعون ) المتطرف في الكفر وادعاء الألوهية العظمي وهو الإمام للكفرة في كل عصر , ثم ( السحرة) الذين تمسكرا بما يعتقدونه حقا وصبروا على الصلب وتقطيع الأيدي والأرجل وهزئوا بالعذاب (..  أقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقي ) وهم أئمة للأتباع المتمسكين بالحق .    

ولقيام الحضارة المصرية والحياة المصرية على أساس الكهنوت الديني وجدنا رفضا مستمرا للتوحيد الإسلامي الذي جاء به يوسف وموسي عليهما السلام , وهو أمر منتظر من حضارة قامت واستمرت على مبدأ معين طيلة آلاف السنين قبل يوسف وموسي وبعدهما ..  

التمصير والتصدير :

ولقيام الحضارة المصرية على أساس الدين الخاص بها وجدناها تبذل عبقريتها في الحفاظ على دينها الوطنى القومى من كل مؤثرات خارجية وافدة , وما أكثر المؤثرات الخارجية الوافدة لمصر , وهى بموقعها وثرائها تجذب القوى الخارجية وتغريها بالتوافد إلى مصر , من هنا كانت الحضارة المصرية تعامل المؤثرات الأجنبية الوافدة بما يمكن أن نطلق عليه ( التمصير ) أي أنها ( تمصر) الأديان القادمة أو تضفي عليها المسحة المصرية , ثم بما للحضارة المصرية من نبوغ وتأثير على جيرانها تعيد ( تصدير) هذه الأديان وقد أصبحت مصرية تحمل سمات التدين المصري  .                                      

وعلى أساس ( التمصير) و ( التصدير) تعاملت الحضارة المصرية الدينية مع المسيحية كما تعاملت قبلها مع اليهودية والفلسفات والديانات اليونانية والرومانية .

1 ـ مع اليهودية :

تكاثر بنو اسرائيل في مصر منذ أن استقر بهم يعقوب بعد أن استقدمه يوسف عليهما السلام . ثم كانت رسالة موسى عليه السلام وخروجه بهم من مصر إلى أرض كنعان . ومع أن بنى اسرائيل  قاسوا الشدائد من فرعون والمصريين إلا إنهم ظلوا على إخلاصهم للدين المصري بدليل أنهم حين أنجاهم الله تعالى من فرعون وأغرقه ، أسرعوا في أول فرصة – وقد شعروا بالحنين للآلهة المصرية – فطلبوا من موسي أن يجعل لهم آلهة ( وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسي أجعل لنا ألها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون . الأعراف . 138 ) . نسي بنو إسرائيل معجزات موسي التي خلصتهم من عذاب فرعون , واستيقظت فيهم فجأة ما ألفوه في البيئة المصرية عندما مروا على معابد وثنية تشبه معابد المصريين فطلبوا من موسي أن يجعل لهم آلهة  .         

ثم تركهم موسي وذهب ليكلم ربه وعاد ليجدهم وقد اتخذوا لأنفسهم عجلا على نسق عجل أبيس يعبدونه كما كانوا يفعلون في مصر(وأتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا  جسدا  له خوارألم يرو أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين . الأعراف 148 ) .

وإذا كانوا قد فعلوا ذلك في حياة موسي فقد تخصصت بعد موسى فرقة منهم فى الضلال والزيغ ، أطلق الله تعالى عليهم لقب اليهود ، كانوا أضل  سبيلا .  ولم يجدهم  نفعا كونهم من سلالة نبي هو يعقوب عليه السلام  ,  وكون الرسل تتابع فيهم بالهداية , لان تأثرهم بالدين المصري غلبهم على أنفسهم إلى درجة إقدامهم على قتل أنبيائهم فضرب الله عليهم الذلة والمسكنة ( وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق  . البقرة 61 ) . ويمكن لمن يراجع القرآن الكريم أن يلاحظ الفارق بين (بنى اسرائيل ) و ( اليهود ) من خلال الانتقاد المستمر لليهود جميعا مع مدح مؤمنين من بنى اسرائيل . 

وقد تحدث بعض الباحثين عن تأثر العقائد والطقوس اليهودية بالديانة المصرية القديمة ووضح ذلك في العجل الذهبي واتخاذ الآلهة التي تتشابه مع الآلهة المصرية. ولم تنج التوراة من تحريفات يهودية مستمدة من العقائد المصرية القديمة خصوصا في سفر التكوين وبعض فقرات المزامير . ثم كان لليهود ( قدس الأقداس ) الذي كان للمصريين [1]  .  

مع اليونان :

وإذا كان اليهود شعبا مستعبدا من المصريين تأثر بهم فإن اليونانيين حين حكموا مصر – في عهد الاسكندر والبطالمة – لم ينجوا من التأثر بالديانة المصرية . مما ينهض دليلا على عمق المؤثرات الدينية المصرية على الوافدين لمصر سواء كانوا مستضعفين أو متحكمين ..

 فالاسكندر الأكبر حين فتح مصر بادر بتقديم الولاء للإله المصري آمون وحج إليه في واحة سيوه وهناك نصبه الكهنة إبنا للإله . والبطالمة حين حكموا مصر تخلوا في عقائدهم القديمة وجعلوا عبادة الملوك السابقين عبادة رسمية – وهي تقليد فرعوني – وطبق ذلك البطالمة فعبدوا الاسكندر الأكبر وأسلافهم ممن حكموا مصر . بل إن بطليموس الثالث أعاد للمصريين تماثيل الآلهة التي سلبها منهم الفرس فارتفع شأنه لدى الكهنة المصريين . فرسموه مع الملكة ( الهين خيرين )، وقد عرف بطليموس الثالث باهتمامه ببناء المعابد المصرية فقد أتم معبد ( إيزيس)  وأقام معبدا آخر في الكرنك ، وثالثا في إسنا ثم بدأ في إنشاء المعبد الضخم للإله حورس في ادفو وقد استغرق بناء هذا المعبد مائه وثمانين سنة وانتهي البناء في عهد بطليموس الثاني عشر[2] .    

مع الرومان :

ولم ينج الرومان أيضا من التأثر بالديانة المصرية على ما فيهم من قوة وعنجهية , فالإمبراطور الروماني تيتوس زار مصر وشهد حفل تكريس عجل أبيس إلها , ثم انشأ الإمبراطور دومينيان ( 81 – 96 ) معابد في روما ذاتها لكل من إيزيس وسرابيس , وكانت إيزيس معروفة ومعبودة في الإمبراطورية الرومانية إلا إن أنشاء معابد رسمية لها في عاصمة الإمبراطورية يعد اعترافا بها بصورة  رسمية بعد أن كانت تعبد بصورة غير رسمية [3]  . 

مناحي التأثير الديني المصري – على غير المصريين :

ويمكن أن نميز ثلاث اتجاهات للمؤثرات الدينية المصرية برزت في الحياة الدينية خارج مصر :

1-      الآلهة والثالوث الإلهي :

السمة العامة في الديانة المصرية القديمة هو تعدد الآلهة المحلية ثم تجمع أكبر الآلهة في ثالوث , فكل مقاطعة لها إلهها أو مجموعة الآلهة , ثم يكون تجمع الآلهة المشهورة في ثالوث من زوج وزوجة وولد . يرمز للخلود الاستمرار الذي استوحاه المصريون من بيئتهم الزراعية حيث تنمو الحبة من الزرع ثم تموت بعد ازدهار ثم تبعث بعد موت وهكذا .     

وأشهر ثالوث عرفه المصريون وتأثر به غير المصريين كان ( اوزيريس / إيزيس / حورس /) وقد استمر هذا الثالوث في العصر البطلمي تحت  رعاية البطالمة تحت اسم ( اوزيريس / إيزيس / حورس ) وكان القسم الرسمي للدولة البطليمة ( اقسم باوزيريس وإيزيس و بسائر الآلهة الأخرى).

وانتشرت في اليونان – قبل غزو الاسكندر – عبادة إيزيس ، وعرف من أصول الديانة اليونانية ( أسرار الوزيس ) وهو ليس إلا أسرار الالهة إيزيس المصرية لابسة ثوبا أغريقا ، كما أن الإله الإغريقي ( ديونيوس ) ليس إلا ( اوزيريس ) المصري ولكن بثوب إغريقي . ثم دخل في الثالوث المصري الإله الإغريقي ( زيوس ) مع ( سيرابيس ) الذي حمل محل ( اوزيريس ) وبقيت معهما ( إيزيس)  [4]  .     

إلا إن ( إيزيس ) بالذات كانت لها مكانتها الخاصة لدى المصريين وغيرهم , فانتشرت خارج مصر محتفظة بطابعها المصري دون تغيير , وربما يرجع ذلك إلى المسحة الإنسانية في اتخاذها باعتبارها ( أم الإله ) التي  تشقى من أجل ابنها وزوجها . فغزت إيزيس روما وانتشرت عبادتها بسرعة البرق داخل الإمبراطورية الرومانية وخارجها بعد أن سهلت المواصلات البرية والبحرية سبل الاتصال بين أجزاء العالم المعروف وقتها . فمن الإسكندرية كانت السفن الرومانية البعيدة تحمل معها صورة إيزيس وتنشر عبادتها . وليس أدل على ذلك من بردية مشهورة من البهنسا ترجع إلى القرن الثاني الميلادي تذكر الأماكن التي انتشرت فيها عبادة إيزيس في إرجاء المعمورة . هذه الأماكن تشمل معظم مدن مصر إذ إن هناك ذكرا لسبع وستين مدينة في الدلتا فقط ، أما خارج مصر فتذكر أسماء خمس وخمسين مدينة مرتبة حسب البلاد التي تقع فيها . ومن دراسة هذه البردية نتبين   أن سلطان الآلهة إيزيس شمل الهند وبلاد العرب شرقا وسينوب على البحر الأسود شمالا وروما وايطاليا غربا , وانتشر معها حورس بصفته أبن إيزيس الملتصق بها , وإن دخل اسمه بعض التحوير بخلاف أمه التي ظلت محتفظة باسمها وشخصيتها [5]  .               

ويذكر القرآن الكريم أن الجاهلين كانوا يعبدون ( العزى) ضمن ثالوث ( اللات – العزى – مناة ) (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى النجم 18 , 19 )، واضح أن( العزى ) هي ( إيزيس) ولابد أن المصريين القدامى كانوا ينطقون ( إيزيس ) ( بالعزى ) ثم نطق اليونان حرف العين بالهمزة نظرا لخلو اللغة الأغريقية من حرف العين، ثم أضافوا لها السين على عادة اللغة اليونانية فصارت ( إيزيس ) . ونقلنا نحن الترجمة اليونانية كما هي ( Isis)  وأصلها ( عزي ) .  

ومن روما انتقلت عبادة إيزيس إلى أجزاء كثيرة في أوربا ، واحتفظت الشعائر اليومية في المعابد الاوربية لإيزيس بالصيغ القديمة التي كانت لها في مصر من طقوس الكهنة والأعياد والأغاني الدينية [6] .

ولم يكن في الإمبراطورية الرومانية الواسعة الأرجاء مقاطعة واحدة لم تعبد فيها الآلهة المصرية من شمال أفريقيا إلى الدانوب إلى فرنسا وانجلتره والألب وألمانيا واستمر سلطانها حتى نهاية القرن الثاني لميلاد المسيح [7] , ثم تدهور سلطانها بعض الشيء.

إلا أنها عادت بعد انتشار المسيحية متجسدة شخصية العذراء التي تحمل طفلها ( يسوع ) ابن ( الله) تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا , وذلك الانقلاب في المسيحية كانت مصر الرائدة فيه . ويتحدث مؤرخ أوربي عن صورة إيزيس التي انتشرت بها من مصر إلى العالم  فيقول ( أما إيزيس فهي أيضا هاتر .. وتحمل إيزيس طفلا هو حورس .. وصورة إيزيس تمثلها وهي تحمل بين ذراعيها طفلها الرضيع حورس وقد وقفت في وسط الهلال ) تلك الصورة لإيزيس تتطابق مع صورة العذراء وطفلها يسوع عند المسيحيين في مصر وخارجها، يقول الكاتب : ( أما إيزيس فكانت تجتذب إليها كثيرا من الأنفس المتعبدة القانتة وتماثيلها المقامة في معابدها كانت تمثلها في صورة ربة السماء وهي تحمل بين ذراعها طفلها حورس , وكانت الشموع  توقد أمامها كما كانت النذور تقدم إليها , على حين أن الكهان الحليقين  الناذرين أنفسهم للعزوبة كانوا يقومون على خدمة هيكلها) [8] .            

وبعد انتشار المسيحية في مصر انتشرت معها المعابد الخاصة بالعذراء التي تحمل طفلها الإلهي على نفس النسق الذي ألفه المصريون آلاف  السنين قبل المسيحية حين عبدوا إيزيس ونشروا معابدها في مصر وخارجها . وقد أشرنا إلى أن عبادة إيزيس شملت معظم مدن مصر وشملت سبعا وستين مدينة في الدلتا فقط , وبعد انتشار المسيحية عادت إيزيس معبودة في صورة العذراء،  وأنشئت لها عشرات الكنائس والأديرة . وقد عد المقريزي في الخطط المقريزية عشرات الأديرة والكنائس المقامة على اسم العذراء في العصر المملوكي وقبله على امتداد العمران المصري ، وقد صورت فيها صورة العذراء والطفل والهالة التي تحيط برأسيهما , وكانت تقام موالد سنوية لهذه الأديرة والكنائس ويقصدها المصريون من أقباط و مسلمين [9] بنفس النمط الذي اعتاده أسلافهم مع معابد إيزيس وأعيادها .   

ولتعزيز الصلة بين إيزيس والعذراء يعتقد المسيحيون المصريون أن العذراء قد هربت إلى مصر بطفلها الرضيع بسبب اضطهاد الوالي الروماني هيرودس , وكما جاء فى كتاب ( تاريخ الكنيسة القبطية ) فانهم  يجلعونها في رحلتها في البلاد المصرية تمر على أهم الأديرة [10] التي أنشئت فيما بعد بقرون , ثم عادت إلى فلسطين. ومعناه أن العقل المصري المتأثر بعقيدة إيزيس مدة آلاف السنين يريد أن يضفي على العذراء السيدة مريم الاسرائيلية المسحة المصرية , وبهذه المسحة المصرية تحولت ( مريم ) عليها السلام إلى ( إيزيس) في اعتقاد المصريين وانتقلت بهذا الشكل إلى خارج مصر في آسيا وأوربا .   

وفي العصر العثماني انتشر التصوف وتسيد الحياة المصرية وحظيت الخرافات بالتقديس فأتيح للعقل المصري أن يستعيد ( إيزيس ) في صورة إسلامية , كما استعادها قبلا في صورة مسيحية , وبهذا كان الادعاء بقدوم ( زينب بنت على بن أبي طالب ) إلى مصر وأقيمت على ذكراها مقبرة سنة 955 هـ سنة 1548 ولقبوها ( بالسيدة ) وهو اللقب الفرعوني لإيزيس .

هذا مع أن حقائق التاريخ تنكر قدوم ( زينب ) رضي الله عنها إلى مصر.

 لقد انتقلت إلى دمشق مع رأس الحسين بعد مصرعه ثم عادت إلى المدينة , وحين عدتها ثارت المدينة على الأمويين وحدثت موقعة الحرة , وظلت ( زينب بنت على ) معتكفة عن الناس تعتني بالبقية الباقية من أولاد أخويها الحسن والحسين الذين نجوا من مذبحة كربلاء . إلى أن ماتت ودفنت في البقيع سنة 62 هـ .

وطيلة العصور الإسلامية التي توالت على مصر لم يرد ذكر ( لزينب بنت على ) على أنها قدمت إلى مصر أو ماتت فيها , وعلى كثرة وكتب الطبقات المصرية التي تؤرخ للصحابة المشاهير وكتب المزارات التي تصف الأضرحة الشهيرة وكتب الخطط التي تختص بالآثار والتراجم  لم يرد ذكر لضريح منسوب ( لزينب بنت على ) في العصرين الفاطمي والمملوكي , وهما أكثر العصور اهتماما بتشييد الأضرحة والتأريخ لها . على سبيل المثال لا يوجد ذكر ضريح ( السيدة زينب) في (تحفة الأحباب) للسخاوى  و( الكواكب السيارة ) لابن الزيات وهما أشهر الكتب في المزارات في العصر المملوكي , كما لا يوجد ذكر لذك الضريح في ( خطط المقريزي ) وهو عمدة هذا  الباب , كما لم يوجد في كتاب السيوطي ( حسن المحاضرة ) وقد عد فيه من أتي لمصر من الصحابة وآل البيت والتابعين والأضرحة والمزارات , وقد توفي السيوطي في أواخر العصر المملوكي سنة 911 .     

وكان اختراع مجيء السيدة زينب قد بدأ في العصر العثماني في صورة رؤيا منامية  رآها صوفي مشهور يحظى باعتقاد الوالي العثماني فأنشأ على ذكرها ضريحا سنة 955 ثم جدده عبد الرحمن كتخدا سنة 1173 هـ سنة 1759 , ثم جددته وزارة الأوقاف سنة  1940  . ومع أن ضريح ( السيدة ) لا يتجاوز في عمره أربعة قرون ونصف القرن إلا أنه حظي بالتقديس وكثرت إليه الوفود والحجيج , وعم التوسل به وأصبح معلما دينيا هاما في التدين المصري , بل ما لبثت ( السيدة زينب) أو ( السيدة )  أن صارت رئيسة الديوان في العقيدة المصرية , وذلك يذكرنا ( بديوان المحكمة )  محكمة ( إيزيس واوزيريس ) التي تفصل بين الناس ويحتكم إليها الآلهة والأولياء .

بل إن العقل المصري يطلق عليها لقب ( السيدة ) وإذا ذكر لقب ( السيدة ) ينصرف المعني إلى ( زينب بنت على ) وضريحها في حي ( السيدة ) . ولقب ( السيدة ) ورئيسة المحكمة كانا أهم ما يميز إيزيس في المعتقدات الفرعونية التي انتقلت بحذافيرها إلى أوربا , فكانوا يقولون عنها هناك أنها سيدة جميع العناصر، والآلهة العليا ، وملكة الموتى ،ورئيسة أهل السماء [11]  .

والمصريون أولي بعقيدتهم المحلية لذا أطلقوا – في العصر المسيحي – علي العذراء لقب ( السيدة ) وعلى العائلة لقب ( العائلة المقدسة ) ثم فيما بعد في العصر العثماني أشاعوا أسطورة مجيء ( زينب بنت على ) وأطلقوا عليها لقب (السيدة ) ومنحوها اختصاصات إيزيس ،وهي لا شأن لها بإيزيس ولم تر مصر طيلة حياتها .     

وجدير بالذكر أن إيزيس عادت ثانيا للظهور في معتقدات الأوربيين في القرن الثاني عشر الميلادي , في وقت انتشر فيه التصوف والكهنوت في العصور الوسطي في العالمين المسيحي والإسلامي , ووجد من مفكري أوربا من احتج على الفتنة بتلك المعبودة المصرية , مثل جوته القائل ( أي إيزيس وازوريس لو أني أستطيع التخلص منكما؟  )  [12] .

وإذا كان هذا حال أوربا فما بال المصريين و( إيزيس) في الأصل صناعة مصرية !!

2-      الرهبنة :

عرف المصريون القدماء نظام الرهبنة والتحنث نظريا وعمليا , ففي الفصل الرابع والستين من كتاب الموتى ما نصه ( هذا الفصل سيقرؤه  رجل نظيف لم يأكل لحم الحيوان أو السمك ولم يخالط النساء ) وفي الفصل السابع والثلاثين بعد المئة ما يشبه هذا النص , وفي طقوس إيزيس وازويريس ينذر الكهنة صوما , وفي بردية برلين يناقش رجل روحه ويتأمل في أسرار الكون , وبعضهم ترهبن في معبد سيرابيس وتقبل الهدايا التي كان يقدمها الناس إلى العجل المقدس , وبعضهم وصل بالترقي إلى التكهن وادعاء علم الغيب [13]

وفي العصر البطلمي اليوناني أثبتت أوراق البردي وجود حركة رهبنة حول معبد السرابيوم في ممفيس , ومن دراسة هذه الوثائق يتبين أن بعض الناس كانوا ينذرون للآلهة نسكا أو عبادة منفردين في أديرة منقطعين عن المجتمع ومنهم من بقي طوال حياته متنسكا . وقد وجدت حركة تنسكية أخري بين طبقة الكهنة في هليوبولس قبل المسيحية . وكان أولئك الكهنة ينقطعون عن الاتصال بالناس للتعبد والتأمل مع التقشف والمبالغة في العبادة  والصلاة  .

وانتقلت الرهبنة لليهود فوصف الفيلسوف اليهودي فيلون جماعة من اليهود كانوا يعيشون بالقرب من الإسكندرية وتشابهت حياتهم مع من جاء بعدهم من الرهبان المسيحيين [14] .

وبعد انتشار المسيحية في مصر ازدهرت الرهبنة مع اضطهاد الرومان للمسيحيين وأصبحت حركة جماعية بقيادة انطونيوس وهو مصري صميم أضفي على التدين المصري المسيحي الطابع المصري الذي عرف به الأقباط والمهم أن الرهبنة المسيحية انتشرت من مصر إذ وفد على مصر كثيرون من مسيحيي أوربا درسوا نظام الرهبنة بها ونشروه في أنحاء العالم المسيحي [15]  .

وفي العصر الإسلامي سلك المسلمون سنن من كان قبلهم من اليهود والنصارى فاتبعوا الرهبنة وسموها زهدا ، ولجأوا للأديرة وسموها خوانق وربطا وزوايا .. 

3-      فلسفة الاتحاد بين الإله والناس :

وقد تميزت مصر منذ القدم بشمسها الساطعة الدافئة ونيلها الغني , وعلى أساس الشمس والفيضان دارت الحياة المصرية , ونبعت العقيدة الدينية وتوزعت الآلهة بين اله للشمس واله للحصاد , وتخصص كل اله بعمل معين يساعد المصريين – في اعتقادهم – فيما يؤدونه في حياتهم اليومية . 

ومن شأن الشمس أن تشرق وتغرب , ومن شيمة النيل أن يفيض وأن يغيض , ومن سمات الزرع أن ينمو ويزدهر ثم يصفر ويندثر , ومن هنا تعمق في  الإحساس الديني المصري فكرة موت الإله وبعثه على نحو ما سجلته عقيدة الثالوث ( إيزيس واوزيريس وحورس ) فكان أوزيريس يموت ثم يبعث حيا بمجهود إيزيس ثم يعود للموت باختياره  بينما يكمل الابن حورس مسيرة أبيه .    

ونظر المصريون في حياة الإنسان فوجدوها لا تختلف عما ألفوه من حياة ثم موت , ومن المشابهة التي اعتقدوها بين الآلهة والناس اعتقد المصريون أنه يمكن ببعض الطقوس والصلوات أن تكون ( النجاة) الإنسانية ،أو ( الخلاص ) للانسان بأن يتم اتحاد الإنسان بالإله الذي يحبه ويعبده . وحول معني الاتحاد بالله دارت عقائد المصريين وتسربت إلى الفلسفة اليونانية التي تأثرت بالحضارة المصرية وأخذت عنها ،وأهم  تلك  الفلسفات الرواقية والغنوصية والافلاطونية الحديثة ,وكلها تدور حول إمكانية تنقية النفس وصعودها للامتزاج في الإله وحينئذ تشعر بالكمال وتعلم الغيب وتصبح خيرا محضا .                                                                                      

إن فلسفة الاتحاد الدينية ذات الأصل المصري قد انتشرت خارج مصر في إطار فلسفي ضمن الفلسفة الغنوصية أو في إطار ديني يهودي كان أبرز القائلين به الفيلسوف اليهودي فيلون . وكان الشام – القريب لمصر – أبرز المواطن التي تأثرت بالحضارة المصرية دينيا وفلسفيا . ومن الشام وفدت المسيحية إلى مصر وقد طبع عليها ( بولس الرسول ) بصمات  الأفكار السائدة في عصره ،فلم تكن غريبة عن العقلية المصرية ولسان حالها يقول ( بضاعتنا ردت إلينا ) . 

بداية المسيحية :

أرسل الله عيسي عليه السلام رسولا بالإسلام الذي جاء به موسى والأنبياء من قبل , وكانت العبرية هي اللغة التي تحدثت بها رسالة عيسى القائمة عن التوحيد الخالص ( ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم . آل عمران 50 ,51 )  .

تجمع حول عيسى الحواريون وناصبه اليهود العداء , ولم يكن الحواريون – على قلتهم – قلبا واحدا في الأيمان  بالتوحيد الذي جاء به عيسى عليه السلام , بل كان منهم من خان ونافق , والمصادر المسيحية تتحدث عن يهوذا الذي خان المسيح ووشى به . والقرآن يقول ( فلما أحس عيسى منهم الكفر قال : من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون ) أي شهدوا بإسلامهم أي بانقيادهم لله الحق , ثم قالوا ( ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ) ويعلق القرآن على قولهم ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين  آل عمران 52 : 54 ) . 

وبعد أن توفى الله عيسى ورفعه إليه كان من الطبيعي أن يزداد الانحراف كلما تباعد الزمان والمكان عن المسيح عليه السلام وعصره.وقد شمل التغيير والانحراف جانبي الشكل والمضمون من رسالة الإسلام التي جاء بها عيسى علية الصلاة والسلام.

في الجانب الشكلي : كان عيسى مرسلا إلى بني إسرائيل فقط ( ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم .. آل عمران 49 ) . والمصادر المسيحية تتحدث عن انتظار بني إسرائيل ( للمسيا )أو النبي المنتظر وترى أن ( يوحنا المعمدان) كان مبشرا برسالة عيسى . أي أن عيسى كان رسولا محليا إلى بني إسرائيل وحدهم .. إلا إن التغير الشكلي الذي نعنيه هو انتشار المسيحية في خارج النطاق اليهودي إلى الولايات الرومانية وفي روما نفسها .

ومن هنا حملت المسيحية في انتشارها آثارا من العقائد الوطنية , وكانت الديانة المصرية هي المؤثر الأصلي في تلك العقائد. وتجلى ذلك في بولس الرسول الذي انتقلت به المسيحية إلى خارج النطاق اليهودي وأصبح عيسى في العقيدة الجديدة التي نشرها بولس إلها أو ابنا للإله , وذلك هو التغير الأساسي في رسالة عيسى وهو تغيير انصب على المضمون والأساس .  

بولس وانحراف المسيحية عن تعاليم عيسى عليه السلام :

وقد كان بولس يهوديا متعصبا ضد المسيحية ، مثقفا بالثقافة اليونانية ، مشبعا بالجو الديني المنتشر في موطنه والمتأثر بالحضارة الدينية  المصرية حيث اشتقت الآلهة في الشام من أصول مصرية .

وقد وفد بولس من دمشق للقدس يحمل رسالة للفتك بالمسيحيين ، وعلى الطريق تقول الأساطير أن المسيح ظهر له في النهار فانقلب من التعصب ضد المسيحية للتعصب لها . وبه انتقلت المسيحية إلى طور جديد فانتقلت إلي أمم أخرى ودخلتها العقائد الوثنية من الثالوث المقدس والكهنوت والرهبنة والطقوس الأخرى من التعميد والعشاء الرباني , وكلها من أصول وثنية فرعونية . 

وقد يكون من الأوفق أن نورد عن بولس كتابات الباحثين المسيحيين لنتعرف على الانقلاب الذي أحدثه في المسيحية . يقول كاتب مصري مسيحي ( كافح بولس كفاحا مريرا مع بني جلدته من اليهود ومع المتزمتين من متنصري اليهودية لجعل المسيحية دينا جامعا متحررا من قيود الشرعية اليهودية وقد افلح في ذلك , حتى قال بعض المعلقين : أنه واضع أركان اللاهوتية المسيحية .. ولا ننكران أن بولس أدخل على علم اللاهوت المسيحي الشيء الكثير من اليهودية واختباراته اليونانية .. ويمكن القول أن بولس اللاهوتي يرسم للمسيح صورة تختلف نوعا ما عن صورته في بشائر الإنجيل [16]  .. أي حوله من رسول إلى اله ..

ويتحدث جون لوريمر عن اثر بولس في المسيحية فيقول ( نأتي الآن إلى شخصية عملاقة في تاريخ المسيحية .. هذه الشخصية هي الرسول بولس الذي كتب حوالي ثلث العهد الجديد – الأناجيل – وصارت أفكاره اللاهوتية نهائية لكل العصور [17]  ، أي اتبع الناس مقولته بتأليه المسيح عليه السلام .

وهناك أستاذ فرنسي متخصص في الأديان أسهب في توضيح المؤثرات التي حملها بولس من بيئته وطبع بها المسيحية ونشرها على هذه الصورة في أرجاء الإمبراطورية الرومانية , انه الأستاذ شارل جينيبير رئيس قسم الأديان بجامعة باريس , وفي كتابه ( المسيحية : نشأتها وتطورها ) يتحدث عن بولس وأثره في المسيحية من خلال ثلاثة فصول , ويؤكد فيها على عدة حقائق منها : أن بولس لم يلتق بعيسي مدة حياته , وأن أفكاره اللاهوتية وليدة البيئة التي عاش فيها والثقافة اليونانية اليهودية التي تشربها وخصوصا فكرة (النجاة ) القائمة على شفاعة اله يموت ثم يبعث – وتلك فكرة مصرية الأصل – ويقول ( والشيء الذي يبدو لنا غير قابل للجدل هو أن تطور بولس نحو المسيحية لم يتم بالقدس وأن مذهبه لم ينشأ من الاتصال بالحواريون) ويقول عن رؤيا بولس التي تحول بها من عدو للمسيحية إلى أكبر داع لها ( ولنؤكد هنا أن رؤيا طريق دمشق لم تغير من ذات بولس بل دفعته فحسب إلى تطبيق مبادئه القديمة في اتجاه جديد ..) [18] .

ويشير جينيبير إلى حقيقة خطيرة تحول بها المسيح من عبد الله إلى ابن الله في العقيدة المسيحية التي نشرها بولس ، فيقول أن اليهود كانوا يطلقون عبارة ( خادم يهوه) على كل إنسان يظنون لديه إلهاما من لدن الله , وحين ترجمت هذه العبارة إلى اليونانية ترجمت إلى لفظ يحتمل معنيين في وقت واحد هما (خادم) أو(طفل) وتحول بذلك (خادم الله) الذي يلهمه الله إلى (طفل الله ) وذلك باختيار بولس [19] . أى من خادم أو عبد الله الى إبن لله ، تعالى الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا.!

وفي فصل عن تطور المسيحية المذهبية يتحدث (ويلز) عن دور بولس في نشر المسيحية وانحرافها فيقول (وكان القديس بولس من أعظم من انشأوا المذهب المسيحي وهو لم ير عيسي قط ولا سمعه يبشر الناس , وكان اسم بولس في الأصل شاؤول وكان في بادي الأمر من أبرز و انشط المضطهدين لفئة الحواريين القليلة العدد ، ثم اعتنق المسيحية فجأة وغير اسمه فجعله بولس .أوتى  ذلك الرجل قوة عقلية عظيمة كما كان شديد الاهتمام لحركات زمانه  الدينية فتراه على علم عظيم باليهودية المثيرائية وديانة ذلك الزمان التي تعتنقها الإسكندرية فنقل إلى المسيحية كثيرا من أفكارهم ومصطلحات تعبيرهم ، ولم يأت إلا بالقليل في توسيع أو تنمية فكرة يسوع الأصلية .. ولكنه علم الناس أن موت عيسي كان تضحية – مثل سمات الضحايا القديمة المقربة للالهة في الحضارات البدائية من أجل خلاص البشرية ) . 

ثم يتحدث عن بعض نواحي التأثر بالعقائد الوثنية فيما أضافه بولس فيقول (أنها استعارت أشياء شكلية كالقسيس الحليق وتقديم النذور والهياكل والشموع والتراتيل والتماثيل التي كانت لعقائد متراس والإسكندرية ، بل تبنت أيضا حتى عباراتها وأفكارها  للاهوتية ) ثم يشير الكاتب إلى الصلة بين مسيحية بولس والعقائد الفرعونية فيقول ( وراح القديس بولس يقرب إلى عقول تلاميذه الفكرة الذاهبة إلى أن شأن عيسى كشأن اوزيريس كان ربا مات  ليبعث حيا وليمنح الناس الخلود[20]  .)

ولم يدر بولس أنه بنشره فكرة ألوهية المسيح قد أوقع أتباعه في انقسام لابد منه حول طبيعة المسيح ومدى حظه من الألوهية .. وهي مشكلة خالدة لدى المسيحيين , ولا يمكن أن يصلوا من خلالها إلى حل طالما أن البداية خاطئة وهي اعتبارهم المسيح إلها ، واتباعهم لبولس الذي حرف المسيحية وأنحرف بها ونشرها بتلك الصورة ، فكانت تجديدا للعقائد الوثنية المصرية ولكن تحت أسماء وشعارات جديدة ، ولولا ذلك ما انتشرت بين الناس , إذ إن أكثر الناس كما حكم القرآن الكريم لا يؤمنون بالله إلا وهم مشركون (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون . يوسف 106 ) بل إن أكثر الناس يضلون عن سيل الله ( وإن تطع أكثر من الأرض يضلوك عن سبيل الله . الانعا م 116 )

من هنا توافقت مسيحية بولس مع أهواء الأكثرية من البشر , وكان منتظرا أن تكون أكثر توافقا مع المصريين إذ هم الأصل الذي أخذ عنه بولس .

دخول المسيحية مصر وتمصيرها :

من المعتقد أن المسيحية وصلت إلى مصر في عصر مبكر في القرن الأول الميلادي . وتري المصادر المسيحية أن مرقس  كان أول الدعاة لها في مصر . ثم ظهرت في مصر منذ القرن الثاني الميلادي كتابات مسيحية , فقد حفظت أوراق البردي نصا من أنجيل يوحنا يرجع للنصف الأول من القرن الثاني , كما عثر على انجيل مسيحي جديد غير الأناجيل الأربعة التي اعتمدتها الكنيسة ويرجع تاريخه إلى نفس الفترة [21] .

ثم دخلت المسيحية  في دور الاضطهاد حين تبين للرومان أن المسيحيين لا يؤلهون الإمبراطور الروماني ولا يقبلون التعايش مع الديانات الاخري ويعتبرونها وثنية . ولذلك عرف المسيحيون المصريون الاضطهاد الروماني منذ سنة 203 في عهد الإمبراطور سيفيروس . ثم حدث اضطهاد ثان في منتصف القرن الثالث في عهد الإمبراطور ديكيوس ، حيث تمت محاولة منظمة لابادة المسيحية نهائيا , ثم سمح الإمبراطور جالينوس للمسيحيين بحرية العبادة ، ثم تجدد الاضطهاد في عهد دقلديانوس ( 284- 305 ) إذ بعد فترة من المحاولات السلمية مع المسيحيين ليرجعهم عن دينهم قام بأقسى اضطهاد استمر بعد اعتزاله الحكم إلى أن تولي قسطنطين 323- 337 فاعتنق المسيحية واعترف بها ديانة رسمية للإمبراطورية .  

وإبان الاضطهاد ظهر المسيحيون صفا واحدا فلما نعموا بالأمان في عهد قسطنطين ظهرت فيما بينهم الاختلافات والانقسامات حول طبيعة المسيح [22] .

وقد عقدت عدة مجمعات دينية لرأب الصدع بين الآراء المتعارضة ، وقد تزعمت مصر رأيا خاصا بها حول طبيعة المسيح ، وأصرت عليه وناصبت من أجله الامبراطورية الرومانية العداء وتحملت في سبيل عقيدتها في المسيح صنوفا من الاضطهاد بسبب الخلاف المذهبي ، وذلك الرأي هو الألوهية الكاملة للمسيح في إطار الثالوث الإلهي .  

وأهم مراحل الخلاف المذهبي ما حدث في عهد الامبراطور قسطنطين ثم في عهد الإمبراطور ثيودورسوس 379 – 395 ,ففي عهد قسطنطين ظهرت الدعوة الاريوسية يتزعمها أريوس وهو من أصل ليبي رأى أنه لا يمكن لابن المسيح أن يكون إلها بنفس درجة الأب ولا يمكن أن يكون معه من طبيعة واحدة . وقد واجه دعوته أسقف الإسكندرية وبرز في مقاومة الاريوسية اثناثيوس الذي واجه اضطهاد السلطات الحاكمة في مصر وأصر على عقيدته وآزره المصريون الذين لا يتصورون أن يكون المسيح إلا جزءا  أساسا من الله , وهي نفس العقيدة المتوارثة عن الثالوث عند الفراعنة (ولم  يكونوا يعدونها أربابا منفصلة بل هيئات ثلاثا لإله واحد ) على حد قول مؤرخي العصر الفرعوني , وربما كانت لفظة أقانيم في اللاهوات المسيحي مأخوذة عن ذلك الأصل الفرعوني . والمهم أن الأقباط اعتقدوا مثل أسلافهم أن الثالوث الاب والابن ,والروح القدس ) أقانيم لا تتجزأ. ومن هنا أصر المصريون على أن المسيح من طبيعة واحدة مع أبيه الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا . بل هو الله هبط إليهم في صورة المسيح ليخلصهم .    

وفي عهد ثيودوسيوس عاد الاختلاف إذ أصر نسطور على وجود جانب بشري في المسيح مع الجانب الإلهي فقاوم المصريون هذه الدعوة في عهد الأسقف كيرلس ,وكان المذهب المصري في الوهيه المسيح الكاملة قد انتشر في سوريا وصار له أنصار حتى في داخل القسطنطينية فنجح كيرلس الأسقف المصري في مجمع أفسوس سنة   431 في إصدار قرار ضد نسطور نفسه, ثم عقد مؤتمر خلقدونية سنة 451 وقد أكد على وجود طبيعتين للمسيح وحاول الامبراطور ماركيانوس تطبيق قرارات خلقدونية بالقوة في مصر مما أدي إلى اضطرا بات عنيفة في مصر وسوريا حيث تعتنق الولايتان مبدأ الطبيعة الإلهية الواحدة للمسيح مما أدى لانفصال الكنيسة المصرية عن القسطنطينية، وكان العداء الديني بين الكنيستين المصرية والرومية من عوامل نجاح الفتح العربي الإسلامي لمصر [23] .   

لقد اعتقد الأقباط أنهم على حق في التمسك بعقيدتهم عن الوهية المسيح الكاملة ، ليس فقط لأن تلك العقيدة تراثهم الديني الفرعوني ، ولكن أيضا لأنهم المصدر الاساس في تألية المسيح واعتباره ابنا لله ، فعن المصريين انتشرت وانتقلت للخارج شتي الرموز العقيدية ، وكانت سوريا أقرب البلاد وأكثرها تأثرا بالدين المصري ، لذا كانت تؤيد مصر في مذهب الطبيعة الواحدة حتى إن ذلك المذهب أطلق عليه لقب اليعاقبة نسبة إلى زعيم السوريين المنادين بذلك المذهب المصري وهو يعقوب البرادعي . وقبل ذلك بقرون ظهر في سوريا بولس المتأثر بالعقائد المصرية الأصل وأحدث الانقلاب في المسيحية . من هنا أمكن لمصر وهي مجرد ولاية رومانية أن تتزعم المعارضة الدينية ضد الامبراطورية وعاصمتها القسطنطينية .     

إن بصمات مصر على المسيحية أكثر مما تحصي ، ليس فقط في الرهبنة والثالوث والفلسفات الاتحادية التي تداخلت مع التدين المسيحي ، ولكن وصل التأثر بمصر إلى دقائق فرعية مثل التعميد والمأدبة ولها أصل في الفرعونية أشار له الأستاذ شارل جنيبيير [24] وعلق عليه بقوله (هل نحن بحاجة إلى إيضاح أوجه الشبه الساطعة بين هذه الطقوس والشعائر المختلفة وبين طقوس وشعائر التعميد والقربان عند المسيحيين ؟ إن كبار رجال الكنيسة من القديس بولس إلى القديس أوغسطين أي من القرن الأول إلى القرن الخامس الميلادي لم يتجاهلوا هذا التشابه . إلا إنهم فسروه حسب أهوائهم فقالوا أن الشيطان أراد أن يتشبه بالمسيح وأن شعائر وطقوس الكنيسة كانت مثلا أراد المشركون أن يحتذ وه في أسرارهم ، وتلك نظرية لا يمكن الدفاع عنها لأن الأساطير الجوهرية والمراسيم الدينية كانت سابقة في تلك الديانات على مولد المسيحية) [25] .

لقد تمثلت الرموز المسيحية في الديانة القبطية في اثنين من كبار رجالاتها وهما اثناثيوس وانطونيوس . أما اثناثيوس فهو الأسقف المصري الأكبر الذي وقف ضد مذهب أريوس والإمبراطورية الرومانية وتعرض للنفي والاضطهاد والمحاكمات والمؤامرات يؤيده في ذلك المصريون ، وقد امتد به العمر فظل يتزعم الأقباط نحو خمسين عاما, وبسبب نضاله ضد الإمبراطورية اشتهر عنه المثل القائل (كل العالم ضد اثناسيوس واثناسيوس ضد العالم) [26]

أما انطونيوس فقد كان زعيم الرهبان المصريين وفي جبهة واحدة مع اثناسيوس في الخلاف مع القسطنطينية وأصحاب مذهب الطبيعيتين . والسمات الفرعونية واضحة في شخصيه انطونيوس فقد كان أيضا لا يتكلم غير اللغة المصرية القبطية ، وبعد أن تربي تربية مسيحية مصرية على يد أبويه اعتزل وانتشرت على يديه الرهبنة في الصحراء الشرقية . وكان يقطع عزلته لمناصرة الأقباط واثناسيوس في نضالهم ضد القسطنطينية ، وأشتهر انطونيوس بالتطواف في البرابي الفرعونية وعاش في أحد المعابد الفرعونية [27]

وتلك سمة اشتهر بها فيما بعد صوفي مصري ذو ميول فرعونية ظهرت في العصر الإسلامي وهو ذو النون المصري وكان له تأثير كبير على التصوف عند المسلمين على نحو ما سنتعرض له في أوانه.

لقد عبر أثناسيوس وانطونيوس عن تصميم المصريين على عقائدهم لأنها في الأصل ثوابت قومية وطنية موروثة ، ولم يكن من السهل عليهم أن يغيروا منها إلا القشور والأسماء دون الأصل والمضمون ، وقد أفاض في شرح ذلك التصميم القبطي على التمسك بتراث الأسلاف كاتب قبطي وشرح كيف أن الديانة القبطية لم تعرف الانقسامات الداخلية كما عرفتها كنيسة الروم والكاثوليك ، ثم كيف تمسك الأقباط باستقلالهم الديني بعد الاستعمار الإنجليزي [28] .

وكان الصعيد بالذات أبرز موطن للفرعونية , كان يفر إليه دعاة القبطية حين الأزمات مع السلطة مثل اثناسيوس الذي فر إلى طيبة ومثل بنيامين الذي اختفى في الصعيد , وقبل ظهور المسيحية كان الصعيد معقلا للوثنية الفرعونية إلى أن تحول للمسيحية القبطية في أصولها الفرعونية فأصبح معقلا للقبطية , يقول كاتب قبطي عن الصعيد ( كان أهله معروفين بالغيرة الدينية فازدهرت فيه المسيحية .. ولهذا السبب نجد الآن أن اغلب الأقباط يسكنون الوجه القبلي [29] .

وفي العصر الفاطمي انتشر التشيع في الصعيد وظل مركزا له بعد انتهاء الدولة الفاطمية , وقد أعاد التشيع الفاطمي كثيرا من الرموز الفرعونية , ثم ساعد على انتشار التصوف وبهما عادت الفرعونية تحت رداء الإسلام .. وذلك موضوع جديد .



[1]
أحمد بدوي : تاريخ مصر الاجتماعي , 38 : 42 . لوريمر : تاريخ الكنيسة 33 .

[2] ألعبادي : مصر من الاسكندر إلى الفتح العربي : 53 , 63 , 69 : 70 , 179 : 180 , 274 .  

[3] ألعبادي : مصر من  الاسكندر إلى الفتح العربي : 53 , 63 , 69 : 70 , 179 : 180 , 274 . 

[4] ألعبادي : مصر من لاسكندر إلى الفتح العربي : 50 , أحمد بدوي  تاريخ مصر الأجتماعى:  28 , 95 , 96 . 

[5] ألعبادي : مصر من لاسكندر إلى الفتح العربي : 274 .    

[6] أرمان : ديانة مصر القديمة : فصل بعنوان ( الديانة المصرية في أوربا ) من ص 479 وما بعدها . 

[7] أرمان : ديانة مصر القديمة : 486 , 487 . وانظر عن إيزيس في انجلتره تاريخ الكنيسة القبطية : منسي القمص ص 20 ط 3 سنة 1982 .  

[8] ويلز : موجز تاريخ العالم : فصل بعنوان ( التطورات الدينية في ظلال الإمبراطورية الرومانية ) من ص 168 : 169 . 

[9] خطط المقريزي : 3/ 551 , 554 , 558 , 559 , 560 , 561 , 563 , 565 , 568 , 599 , 580 , 581 , 582 , 583 . 

[10] تاريخ الكنيسة القبطية 17 : 19 .

[11] أرمان : تاريخ الكنيسة القبطية : 483 , 101 .

[12] أرمان : تاريخ الكنيسة القبطية : 483 , 101 .

[13] حكيم أمين عبد السيد : الجماعات الرهبانية في وادي النطرون . رسالة ماجستير غير منشورة بجامعة القاهرة سنة    1955  ،  7: 8 .

[14] منسي القمص : تاريخ الكنيسة القبطية , 92 , ألعبادي : مصر ( مصر من الأسكندر إلى الفتح العربى ) , حبيب سعيد : تاريخ المسيحية 178 . 

[15] تاريخ الكنيسة القبطية : 198 , 207 : 211 .

[16]  حبيب سعيد : تاريخ المسيحية  45 .

[17]  جون لوريمر : تاريخ الكنيسة 61  . من فصل بعنوان ( الرسول بولس ومسيحية الأمم ) . 

[18] المسيحية : نشأتها وتطورها : شارل جينيير , ترجمة عبد الحليم محمود : 89 , 90 , 103 , 111 ,112 , 127 . 

[19] المسيحية : نشأتها وتطورها : شارل جينير , ترجمة عبد الحليم محمود : 135 .

[20] موجز تاريخ العالم : 178 – 179 .

[21] العبادي : مصر, 277 , 282 : 283 , 293 , 294 , 295 . 

[22] العبادي : مصر, 277 ,282 :283 ,293 ,294 ,295 .

[23] ألعبادي : مصر , 294 : 306 . 

[24] المسيحية : نشأتها وتطورها , 97 : 100 .

[25] المسيحية : نشأتها وتطورها,  97 : 100 .

[26]منسي القمص : تاريخ الكنيسة القبطية : 166 .

[27] منسي القمص : تاريخ الكنيسة القبطية :99 : 100 ..

[28] منسي القمص:تاريخ الكنيسة القبطية : 348 , 372 , 568 , 575 .

[29] منسي القمص: تاريخ الكنيسة القبطية : 222 , 372 .

ثانيا : الإسلام ومصر بعد الفتح الإسلامي

الفصل الثاني : الفتح الإسلامي والحياة الدينيةالمصرية

ثانيا : الإسلام ومصر بعد الفتح الإسلامي

       مراحل اعتناق المصريين للإسلام :

صارت مصر بعد الفتح الإسلامي ولاية تتبع الدولة الإسلامية وتتأثر بمجريات الحوادث التي تقع في عاصمة الدولة الإسلامية . وقد أتى الفتح الإسلامي لمصر بمؤثرات جديدة منها انتشار اللغة العربية على حساب اللغة القبطية ، وقد تقهقرت اللغة القبطية تدريجيا أمام اللغة العربية خصوصا بعد تعريب الدواوين في عهد الوليد بن عبد الملك وهشام , إلى درجة اضطر معها الكتبة الأقباط إلى تعلم اللغة العربية ليستمروا في وظائفهم , ثم طغت اللغة العربية فاضطر الأساقفة الأقباط إلى تعلمها وترجمة النصوص الدينية لها , وظلت اللغة القبطية حية كلغة عامية للاستعمال داخل الصعيد حتى عصر المقريزي [1] خصوصا في الأديرة المسيحية والقرى المنقطعة عن الاتصال بالعالم الخارجي , إلى أن بطل استعمالها نهائيا واندثرت .

وكان من السهل على الحضارة المصرية أن تضحي باللغة في سبيل استمرارية أساسها الذي تقوم عليه منذ آلاف السنين وهو الدين الذي دافعت عنه من المؤثرات الخارجية بالتمصير والتصدير , وقد رأينا موقف المصريين من دعوة يوسف وموسى وصراعهم من أجل أن يكون المسيح جزءا لا يتجزأ من الله استمرارا منهم لعقيدتهم الثابتة في الثالوث , خصوصا وأن التوحيد في العقيدة المصرية يعني وحدة الألوهية في الثالوث وأن يكون الثلاثة واحد وذلك ما نفته الآيات الكريمة في سورة الإخلاص ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) . فالله أحد أي لا يتجزأ ولم يولد ولم يلد سبحانه وتعالى الفرد الصمد . 

واللغة في نهاية الأمر مجرد وسيلة تظهر من خلالها المعتقدات , فالمعتقدات أصل واللغة شكل , ومن السهل أن يضحى بالشكل والعرض محافظة على الجوهر والأصل والمضمون.

وباللغة العربية الجديدة التي وفدت مع الفتح الإسلامي يمكن للمصريين أن يعبروا عن عقائدهم الفرعونية القديمة بأسماء وأشكال إسلامية تخفي المضمون القديم، فاعتناق المصريين الإسلام هو التغير الذي يستحق التسجيل باعتباره أهم مؤثر جاء به الفتح الإسلامي ويستحق وقفة معه .       

ولقد انتشر الإسلام بين المصريين على يد العرب المسلمين الفاتحين الحاكمين , ومن الطبيعي  أن يرتبط اعتناق المصريين للإسلام بعلاقتهم بحكامهم العرب المسلمين ، خصوصا في الخلافتين الأموية والعباسية.      

ويمكن أن نرصد بداية الانحراف عن منهج الإسلام لدى المسلمين في مرحلتين متعاقبتين :

المرحلة الأولى : انحراف سلوكي بدأ بالفتوحات (الاسلامية ) التى حملت اسم الاسلام لأغراض سياسية توسعية ، ثم أدت الفتوحات وما صاحبها من غنائم وثروات الى   نزاع العرب المسلمين فيما بينهم سياسيا وحربيا حول الحكم ومشكلة الخلافة ,وقد بدأ ذلك النزاع في الفتنة الكبرى التي حدثت في عهد عثمان ووصلت إلى ذروتها بقتله وبالحروب الأهلية بين زعماء المسلمين في الجمل وصفين والنهروان ، وتمخضت عن ضياع مبدأ الشورى في انتخاب الخليفة وأصبحت البيعة شكلية يتم بمقتضاها توارث الحكم في بني أمية .

ولأن الأمويين أسسوا ملكهم العضود بالقوة والحيلة فقد استخدموا أساليب ينكرها الإسلام مثل العصبية القبلية وإخماد الثورات بالقسوة والشدة حتى ولو كان الزعماء من آل البيت وحتى ولو كان الثائرون في المدينة أو حول الكعبة , ثم نظروا باستعلاء لغير العرب فساموهم الخسف والعنف وكان من بينهم المصريون بطبيعة الحال ، ولتمسكهم بدينهم أطلق عليهم العرب لفظ ( الأقباط ) أى اسم دينهم أو عقيدتهم الدينية ، هذا مع معرفتهم بأنهم ( مصريون ) وورود اسم مصر و بعض تاريخها فى القرآن قبل فتح مصر.

وقد ترتب على الفتوحات العسكرية باسم الاسلام فرض الجزية باسم الاسلام أيضا على أهالى   

 البلاد المفتوحة. وفيما بعد تفنن الفقهاء المسلمون فى العصر العباسى فى تقعيد الفتح هل هو ( عنوة ) أى بالقوة و الانتصار العسكرى أم بالعهد والصلح خوفا من أصحاب البلد من الغزو والهزيمة العسكرية .

وفى كل الأحوال نسى أولئك الفقهاء الحقائق القرآنية التالية :

1 ـ أن الحرب فى الاسلام ليست للاعتداء ولكن لمجرد رد العدوان فقط  ( البقرة 190: 194 )

2 ـ وتأسيسا على هذه القاعدة الاسلامية فإن فرض الجزية يكون فقط عند هزيمة المعتدي فى حرب دفاعية للمسلمين ، ومن حقهم حينئذ أن يلزموه بدفع جزية ـ جزاء على عدوانه ـ أى غرامة حربية ، كما يحدث الآن وفقا للقانون الدولى . وفى كل الأحوال فالجزية لا تعنى السماح باحتلال أرض العدو ، ولكن يظل فى أرضه ودولته ، ويدفع بالعدل غرامة اقترافه للعدوان ، وهذا هو المستفاد من آية فرض الجزية على المعتدين من أهل الكتاب ( التوبة 29 ).

ولكن المسلمين تنكبوا سنة النبى محمد عليه السلام حين كان يكتفى فى نشر الاسلام بارسال الرسائل و الكتب فقط الى الحكام ومنهم المقوقس فى مصر ، وكان أيضا ملتزما فى الحرب بعدم الاعتداء وفقا لما جاء فى القرآن الكريم .

حاد المسلمون فى عصر الخلفاء الراشدين عن هذا وسلكوا مسلك الامبراطوريات الكسروية و الرومية ، فى شن الحرب لأغراض دنيوية توسعية واقتصادية. ومثلهم فرضوا الجزية على أهل البلاد المفتوحة .

وهنا ننقل عن المقريزى بعض ما جاء عن فرض الجزية على المصريين :

(وقال ابن عبد الحكم عن عبيد اللّه بن لهيعة‏:‏ لما فتح عمرو بن العاص مصر صولح علىجميع من فيها من الرجال من القبط من راهق الحلم إلى ما فوق ذلك ليس فيهم امرأة ولاصبيّ ولاشيخ ـ على دينارين دينارين ، فبلغت عدتهم ثمانية آلاف ألف ) ( الخطط 1 / 140 ) أى كان عدد المصريين الذين يدفعون الجزية 8 مليون وقتها ، فضلا عن النساء و الصبيان و الشيوخ .

ويقول المقريزى فى رواية أخرى : ( وعن يزيد بن أسلم‏:‏ أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كتب إلى أمراءالأجناد‏:‏ أن لا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه الموسى وجزيتهم أربعون درهمًاعلى أهل الورق وأربعة دنانير على أهل الذهب ، وعليهم من أرزاق المسلمين من الحنطةوالزيت مدّان من حنطة وثلاثة أقساط من زيت في كل شهر..) ( ..وكان لا يضرب الجزية على النساء والصبيان وكان يختمفي أعناق رجال أهل الجزية) ‏.‏

ولم يكن للعرب علم بتلك الأمور لذلك ساروا على (سنّة الروم ) وترتيباتهم الادارية و المالية خصوصا فى جباية الجزية و الخراج . يقول المقريزى : ( وكان عمرو بن العاص لما استوثق له الأمر أقرّ قبطها علىجباية الروم)  (خطط 1 / 140 ـ   ) ومع ذلك كان عمرو أرأف بحال المصريين من الخليفة عمر بن الخطاب الذى كان يلحّ على عمرو يستعجل الخراج و يطلب زيادته ، وترادفت المراسلات بينهما  ونكتفى منها بما ننقله عن المقريزى : (فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ من عمر بن الخطاب إلى عمروبن العاص‏:‏ سلام عليك فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو‏.‏أما بعد‏:‏ فإني قد عجبت من كثرة كتبي إليك في إبطائك بالخراجوكتابك إلى بثنيات الطرق وقد علمت أني لست أرضى منك إلا بالحق البين ولم أقدّمك إلىمصر أجعلها لك طعمة ولا لقومك ولكني وجهتك لما رجوت من توفيرك الخراج وحسن سياستكفإذا أتاك كتابي هذا فاحمل الخراج فإنما هو فيء المسلمين وعندي من قد تعلم قوممحصورون والسلام‏.‏

فكتب إليه عمرو بن العاص‏:‏ بسم اللّه الرحمن الرحيم لعمر بن الخطابمن عمرو بن العاص سلام عليك فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو أما بعد‏:‏فقد أتاني كتاب أمير المؤمنين يستبطئني في الخراج ويزعم أني أحيد عن الحق وأنكث عنالطريق وإني والله ما أرغب عن صالح ما تعلم ولكن أهل الأرض استنظروني إلى أن تدركغلتهم فنظرت للمسلمين فكان الرفق بهم خيرًا من أن نخرق بهم فيصيروا إلى بيع ما لاغنى بهم عنه والسلام‏.‏) ويقول المقريزى :  (وقال الليث بن سعد رضي اللّه عنه‏:‏ جباها عمرو بن العاص رضي اللّهعنه اثني عشر ألف ألف دينار وجباها المقوقس قبله لِسَنة عشرين ألف ألف دينار‏.‏فعند ذلك كتب إليه عمر بن الخطاب بما كتب وجباها عبد الله بن سعد بنسرح حين استعمله عثمان رضي اللّه عنه على مصر أربعة عشر ألف ">[2] على حد قول المقريزي .

   ومن الطبيعي أن يتكون لدى المصريين في العهد الأموي فكرة سيئة عن الأمويين وولاتهم بسبب القسوة التي عوملوا بها منهم , من هنا كان الأمويين وولاتهم مثلا سيئا في الدعاية للإسلام الذي يحكمون باسمه.  وقد كان انتشار الإسلام محدودا خلال الدولة الأموية, إلا إن الضغط القاسي الذي  مارسه الأمويون على الوالي والأقباط جعل الكثيرين يحاولون النجاة منه بإعلان إسلامهم هربا من الجزية وأملا في وضع أفضل. وقد فطن الأمويون إلى هدفهم الذي أعلنوا من أجله الإسلام فألزموهم بدفع الجزية مع اعتبارهم مسلمين ، وقد أنكر عمر بن عبد العزيز على والى مصر ذلك الصنيع وكتب إليه (أن الله بعث محمدا هاديا ولم يبعثه جابيا) وتم رفع الجزية عمن أسلم ، إلا أن الأمور عادت إلى ما كانت عليه ، وفرضت عليهم الجزية بعد عهد ( عمر بن عبد العزيز) القصير الذي لم يتجاوز ثلاث سنوات. 

وننقل عن المقريزى قوله فى الخطط (قال الليث‏:‏ وضع عمر بن عبد العزيز الجزية على من أسلم من أهلالذمّة من أهل مصر وألحق في الديوان صلح من أسلم منهم في عشائر من أسلموا على يديهوكانت تؤخذ قبل ذلك ممن أسلم وأول من أخذ الجزية ممن أسلم من أهل الذمّة‏:‏ الحجاجبن يوسف ثم كتب عبد الملك بن مروان إلى عبد العزيز بن مروان‏:‏ أن يضع الجزية علىمن أسلم من أهل الذمّة فكلمه ابن حجيرة في ذلك فقال‏:‏ أعيذك بالله أيها الأمير أنتكون أوّل من سنّ ذلك بمصر فواللّه إن أهل الذمّة ليتحملون جزية من ترهب منهم فكيفنضعها على من أسلم منهم فتركهم عند ذلك‏.‏

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى حيان بن شريح‏:‏ أن تضع الجزية عمن أسلممن أهل الذمة فإن الله تبارك وتعالى قال‏:‏ ‏"‏فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتواالزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم‏"‏ التوبة 5 وقال‏:‏ ‏"‏قاتلوا الذين لا يؤمنونباللّه ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرّم اللّه ورسوله ولا يدينون دين الحق منالذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون‏"‏ التوبة29‏.‏

وكتب حيان بن شريح إلى عمر بن عبد العزيز‏:‏ أما بعد‏:‏ فإن الإسلامقد أضر بالجزية حتى سلفت من الحارث بن ثابتة عشرين ألف دينارًا تمت بها عطاء أهلالديوان فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بقضائها فعل فكتب إليه عمر‏:‏ أما بعد‏:‏فقد بلغني كتابك وقد وليتك جند مصر وأنا عارف بضعفك وقد أمرت رسولي بضربك على رأسكعشرين سوطًا فضع الجزية عن من أسلم قبح الله رأيك فإن الله إنما بعث محمدًا صلىالله عليه وسلم هاديًا ولم يبعثه جابيًا ولعمري لعمر أشقى من أن يدخل الناس كلهمالإسلام على يديه‏.)(‏الخطط 1 / 142 )

لقد ارتبطت حوادث الاضطهاد في العصر الأموي باعتناق الكثيرين من الأقباط للإسلام خصوصا من الفقراء الذين طمعوا في وضع أفضل .

وكان الأساقفة والرهبان يفرون عند الاضطهاد إلى الأديرة في الصحاري تمسكا منهم بعقيدتهم. إذ حرص كبار المسيحية على الثبات إلى درجة شراء الأسرى الرومان حتى لا يرغموا على الإسلام .

ومع ذلك فإن اضطهاد الأمويين للأقباط وإغراءهم أحيانا لهم بالدخول في الإسلام جعل الكثير منهم يدخلون في الإسلام دون رغبة حقيقية في اعتناقه أو فهم صحيح لمبادئه وإنما مجرد النطق بالشهادتين وأداء فرائض الإسلام بلغة لم تكن بعد مفهومة لديهم . وبعدها يتيسر لهم الحصول على المنافع من استيلاء على الأرض أو ترق في الوظائف. وتظل العقائد كما هي خصوصا في مجتمعات الفلاحين وهم أكثر الناس تمسكا بما ألفوه في واقعهم الذي تعود الرتابة عبر ألاف السنين وحتى إن الفلاح المصري حتى الآن لا يزال يستعمل المحراث والشادوف بنفس الشكل المعروف عند الفراعنة .               

وبعض المصريين الأقباط حين يأس من العجز، ولم تجده الثورة فى التحرر من الحكم العربى الأموى فاضطر لدخول الإسلام وطوي القلب على حقد دفين عبر المقريزي عنه بقوله(فرجعوا من المحاربة للمكايدة واستعمال المكر والحيلة ومكايدة المسلمين) فاستخدموا نفوذهم في الانتقام من المسلمين يقول عنهم المقريزي (فصار الذليل منهم بإظهار الإسلام عزيزا يبدي من اذلال المسلمين التسلط عليهم بالظلم ما كان يمنعه نصرانيته من إظهاره , وما هو إلا ما كتب به بعضهم إلى الأمير بيدرا النائب :     

اسلم الكافرون بالسيف قهرا            وإذا ما خلوا فهم مجرمونا [3]

سلموا من رواح مال وروح               فهم سالمون لا مسلمونا

ولا ريب أن انحراف المسلمين السلوكي هو المسئول عن تصرفاتهم ضد الأقباط , فالإسلام نزل لحرب الظلم ، وليس لاستخدام اسمه فى الاعتداء على الشعوب الأخرى واحتلال بلادهم واستعمال العسف ،  بل إن الأمويين ومن تلاهم في عسفهم للأقباط خالفوا شروط الصلح التي أبرمها (عمرو) مع المقوقس بعد فتح مصر.ولقد كان (عمرو) أرفق الولاة بالمصريين لذا تمتع بحبهم وولائهم طلية المدة التي حكم فيها مصر للخلفاء (عمر وعثمان ومعاوية).

هذا مع  إن ما عمله لا يقره الاسلام ، خصوصا أكله أموال المصريين بالباطل .

وننقل عن المقريزى قوله فى ( الخطط ) عن سياسة عمرو فى مصادرة أموال الأقباط:

تحت عنوان : ( ما عمله المسلمون عند فتح مصر) يقول : (أنعمرو بن العاص لما فتح مصر قال لقبط مصر‏:‏ إن من كتمني كنزًا عنده فقدرت عليهقتلته وإنّ قبطيًا من أرض الصعيد يقال له‏:‏ بطرس ذكر لعمرو‏:‏ إن عنده كنزًا فأرسلإليه فسأله فأنكر وجحد فحبسه في السجن وعمرو يسأل عنه‏:‏ هل تسمعونه يسأل عن أحدفقالوا‏:‏ لا إنما سمعناه يسأل عن راهب في الطور فأرسل عمرو إلى بطرس فنزع خاتمه ثمكتب إلى ذلك الراهب‏:‏ أن ابعث إليّ بما عندك وختمه بخاتمه فجاء الرسول بقُلَّةشامية مختومة بالرصاص ففتحها عمرو فوجد فيها صحيفة مكتوب فيها‏:‏ ما لكمَ تحتالفسقية الكبيرة فأرسل عمرو إلى الفسقية فحبس عنها الماء ثم قلع البلاط الذي تحتهافوجد فيها اثنين وخمسين أردبًا ذهبًا مصريًا مضروبة فضرب عمرو رأسه عند باب المسجدفأخرج القبط كنوزهم شفقًا أن يبغي على أحد منهم فيقتل كما قتل بطرس‏.‏وعن يزيد بن أبي حبيب‏:‏ إن عمرو بن العاص استحل مال قبطيّ من قبطمصر لأنه استقرّ عنده أنه يُظهر الروم على عورات المسلمين ويكتب إليهم بدلك فاستخرجمنه بضعًا وخمسين أردبًا دنانير‏.‏وقال هشام بن أبي رقية اللخمي‏:‏ قدم صاحب أخنا على عمرو بن العاصرضي اللّه عنه فقال له‏:‏ أخبرنا ما على أحدنا من الجزية فنصير لها‏.‏فقال عمرو وهو يشير إلى ركن كنيسة‏:‏ لو أعطيتني من الأرض إلى السقفما أخبرتك ما عليك إنما أنتم خزانة لنا إن كثر علينا كثرنا عليكم وإن خفف عنا خففناعنكم) ( الخطط المقريزية 1 / 140 ) .

ولذلك تضخمت أموال عمرو بن العاص عند موته في سنة ثلاث وأربعين وتوفي ليلة الفطر ، يقول المقريزى ( فغسلهعبد الله بن عمرو وأخرجه إلى المصلى وصلى عليه فلم يبق أحد شهد العيد إلا صلى عليهثم صلى بالناس صلاة العيد وكان أبوه استخلفه) وعن ثروته يقول المقريزى (  وخلف عمرو بن العاص سبعين بهارًادنانير والبهار‏:‏ جلد ثور ومبلغه أردبان بالمصري ، فلما حضرته الوفاة أخرجه وقال‏:‏من يأخذه بما فيه؟  فأبى ولده أخذه وقالا‏:‏ حتى ترد إلى كل ذي حق حقه ، فقال‏:‏ واللهما أجمع بين اثنين منهم ، فبلغ معاوية فقال‏:‏ نحن نأخذه بما فيه‏.‏) ( الخطط 1 / 564 )

ثم إن الإسلام ينهي عن الإكراه في الدين (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي . البقرة 265 ).ويقول تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟ يونس 99 ) .

وكان نشر الاسلام بالسيف أحد الأسباب المعلنة ، وكان القائد المسلم يعرض على العدو قبل القتال أن يختار بين ثلاث : أن يسلم فيكون مثل المسلمين له مالهم وعليه ما عليهم ، أو أن يعطى الجزية أو أن يحارب. وحين يقول هذا قائد حربى يقف مستعدا بجيوشه للقتال فليس فى الأمر تخيير ، وإنما هو إجبار وإكراه ، والقاعدة الاسلامية أنه لا اكراه فى الدين كما أنه لا اعتداء على المسالمين لأن الله جل وعلاا لا يحب المعتدين .

ثم يزداد الظلم حين تقابل ثورات المظلومين بالعسف و الاخماد بقسوة ، مع إنهم من حقهم اسلاميا أن يثوروا ( الشورى 39 ، 41 ) ( الحج 60 ) .

وبهذا فإن الحكام المسلمين قد خالفوا منهج الله في الفتوحات لمصر وغيرها وما نتج عن الفتوحات من إكراه بعض الأقباط  وغيرهم على الإسلام وقمع ثوراتهم بالقوة والعسف وهم ما ثاروا إلا لرفع الظلم وقسوة الضرائب ومخالفة شروط المعاهدة .

وبسبب هذا الظلم والاكراه فى الدين فقد كادوا للمسلمين حين تولوا المناصب وتحكموا بجاههم في أصحاب المصالح والحوائج من المسلمين .

سمات المرحلة الثانية :  انحراف التشيع العقيدي :

إذا كان العرب قد انحرفوا عن الإسلام سلوكيا بالفتوحات و الفتنة الكبرى فإن هذا الانحراف السلوكى ما لبث أن بحث عن مبرر دينى يسوغ به الانحراف ، فكان أن عزز المتحاربون فى الفتنة الكبرى مواقفهم باحاديث نسبوها للنبى محمد عليه السلام ، وبدأ بهذا وضع وصناعة الأحاديث مبكرا فى رواية شفهية تصاعدت فى العصر الأموى ، ثم أتيح لها أن تتشعب و يتم تدوينها فى العصر العباسى .

على أن بعض الموالى قد سبق فى الانحراف العقيدى مع الفتنة الكبرى نفسها مستغلا الاختلافات السياسية بين العرب المسلمين حول الخلافة , وأبرز أولئك الشيعة الذين حولوا أحقية (علي) بالخلافة إلى تأليه له وفق عقائدهم القديمة ولكن بأشكال إسلامية .

وقد بدأ التشيع في عهد (علي ) بدعوة ابن سبأ اليهودي الذي زعم أن في على جزء إلهيا وأنه سيعود بعد مقتله, وفي خلافة علي قتل جماعة من غلاة الشيعة وأحرقهم بالنار وأنشد :

            لما رأيت الأمر أمرا منكرا              أججت ناري ودعوت قنبرا

وقنبر هو مولى علي .

وبعد مقتل علي انتشرت دعوة (ابن سبأ) وتشعبت أصناف الشيعة المتطرفة .

وكان في مصر أتباع لابن سبأ في عهد مبكر من تاريخ التشيع في عهد خلافة(عثمان) وتكاثرت فوق الشيعة حتى بلغت ثلاثمائة فرقة ، كان منهم معتدلون مثل الزيدية وأكثرهم متطرفون مثل الأمامية القائلة بأن ( جعفر بن محمد العلوي)  لم يمت وهو حي ينتظر وأن الله تعالى فوض خلق العالم وتدبيره إلى ( محمد ) أو إلى ( علي) ، وقالت الخطابية بأن الأئمة أنبياء ، وأباحت طائفة منهم الخمر والزنا والمحرمات وتركوا الصلاة وقالوا بالتناسخ وان الجنة والنار في الدنيا لا في الآخرة , وزعمت البزيغية أن ( جعفر بن محمد العلوي ) اله ، وأن منهم من هو خير من الملائكة ومن محمد عليه السلام ,وعلى ذلك النسق قالت طائفة من الشيعة مثل العميدية والمفضلية والكاملية والبيانية والمغرية والهشامية والزرارية والجناحية والمنصورية والغرابية والذمية والعليانية ..  الخ وقد عرض المقريزي [4] لأقوالهم الكافرة مما يستحي القلم من كتابته . 

المقريزي مع تعاطفه مع الفاطميين ودفاعه عنهم وعن انتسابهم لآل البيت يقر أن مذهبهم الشيعي متطرف مثله في ذلك مثل الفرق المغالية السابقة, فقد عدد معتقدات الشيعة التي تشعبت عن ابن سبأ ثم قال(وعلى هذا الرأي كان اعتقاد دعاة الخلفاء الفاطميين في مصر) [5] ثم حين يبدأ حديثه عن أعياد الفاطميين في مصر يقول(أعلم أن القوم كانوا شيعة ثم غلوا حتى عدوا من غلاة أهل الرفض)[6] و(الرفض) هو التعبير الذي كان سائدا عن غلاة الشيعة .

واكتفى المقريزي بتلك الإشارات ولم يسهب القول في عرض آراء الفرقة الإسماعيلية التي ينتسب إليها الفاطميون اكتفاء بوضعهم ضمن الشيعة المغالية .                                         

وقد تحدث باحث متخصص في عقائد الشيعة عن الأصول العقيدية للدعوة الإسماعيلية التي قامت على أساسها الدولة الفاطمية من عصمة الإمام  وعلمه بالغيب إلى صفات إلهية (بحيث أصبح الائمة عندهم في مرتبة لا تمت للبشرية بصلة بالرغم من إلحاح كتاب الإسماعيلية في القول بأن ألائمة من البشر وإنهم خلقوا من الطين .. ولكننا نجد في تأويلاتهم الباطنية أن الإمام هو (وجه الله) و (يد الله) و( جنب الله) وأنه هو الذي يحاسب الناس يوم القيامة .. ولهم في ذلك كله أدلة يسوقونها لكل صفة من الصفات [7]

ولعل الشعراء أصدق في التعبير عن العقيدة الفاطمية في الائمة .

مثل قول ابن هاني في المعز .

         ما شئت لا ما شاءت ا لاقدار                 فاحكم فأنت الواحد القهار

ويقول أبي الحسن الاخفش في مدح الخليفة الآمر:                                                                                              

       بشر في العين إلا إنه                          عن طريق العقل نور وهدى

       جل أن تدركه أعينـنا                          وتــــعالى أن نــــراه جسـدا

      تدرك الأفكار فيه بأنه                          كــاد من إجــلاله أن يعـــبدا

ويقول الأمير تميم بن المعز يمدح أخاه العزيز بالله :

     ما أنت دون ملوك العالمـــين                 سوي روح من القدس في جسم من البشر

     نور لطيف تناهى مثله جوهرة                تنــــاهيا جــاز حــد الشــمس والقــمر[8]

ثم كان ادعاء الحاكم الألوهية تصريحا رسميا وعمليا بالعقيدة الفاطمية , وقيام الدعاة الرسميين للدولة بهذه الدعوة رسميا في مصر، ثم نشأة الدروز على أساس من تأليه الحاكم ، كل ذلك مما يجسد الدعوة الفاطمية الخارجة عن تعاليم الإسلام نصا وحرفا .

لقد عرضنا لأثر الدعاية الفاطمية في نشر النفوذ الفاطمي في مصر والشام والعراق , وقد كانت تلك الدعاية تقوم على أساس العقائد الاسماعيلية التي ألمحنا إليها , والذي يهمنا أن الفاطميين حين حكموا مصر فقد جعلوا منها قاعدة لنشر عقائدهم المخالفة للإسلام ، فأنشاوا الأزهر لتخريج الدعاة الشيعة ، وأسسوا جهازا للدعاة العلنيين والسريين وفق ترتيب هرمي على رأسه داعي الدعاة بأتباع منشرين في كل أنحاء مصر وخارجها ، ثم التفتوا للنظم الإدارية في مصر فحولوها إلى ما يتفق مع دعوتهم ، فأحلوا التشريع الشيعي مكان التشريع السني في القضاء والفتوى ، وغيروا في نظام المواريث على أساس مبدأ الشيعة ، وعاقبوا الفقهاء السنيين حين احتجوا . وجعلوا الأذان (بحي على خير العمل بدلا من ) (حي على الفلاح) واسقطوا شرط رؤية الهلال في بداية شهر رمضان [9]  . 

ومهما يكن من أمر فإن الانقلاب الخطير الذي أحدثه الفاطميون يتجلى في العقيدة الصافية وهى الأساس الذي يقوم عليه بناء الإسلام ويتقبل الله به أعمال الإنسان في الدنيا ويدخله به الجنة في الآخرة , أما من أشرك بالله فلا عبرة بأعماله الصالحة فيحبطها الله (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا.. الفرقان 23 )(والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا .. النور 39 ) ثم إن العقيدة التي يعتنقها الإنسان لابد أن تؤثر على ممارساته الدينية على وجه الخصوص ، وقد رأينا الفاطميين مدفوعين بقيادتهم الشيعية يغيرون في القضاء والتشريع والأذان بما يناسب عقائدهم . 

والواقع أن الفاطميين حين حكموا مصر قد أحدثوا فيها انقلابا دينيا بما ادخلوه من بدع في العقيدة والسلوك الديني والفلسفات الدينية ظلت مصر متأثرة بها حتى اليوم , واتسعت بها الفجوة بين الإسلام الحقيقي الذي ينبغي أن نلتزم به عقيديا وسلوكيا وبين الإسلام الظاهري الذي نحمل لافتته , وعلى الفاطميين يقع هذا الوزر وحسابهم عند ربهم .

البدع الفاطمية :

ويمكن أن نحصر البدع الفاطمية من خلال ثلاثة اتجاهات :

1-    الاتجاه العقيدي :

وهو الأصل الذي صدرت منه عقائد تأليه الأئمة وفق المذهب الإسماعيلي , وإذا كان تأليه الائمة الاثنا عشرية أو الإسماعيلية قد انمحي من أذهان المصريين فإن أخطر ما خلفته الدولة الفاطمية في عقيدة المصريين هو تقديس الأضرحة والعكوف عليها والتوسل بها . وأبرز الأضرحة التي أقامها الفاطميون ولا تزال إلى الآن محل تقديس الناس هما مشهد السيدة نفيسة ومشهد الحسين .

ويذكر المقريزي [10] أن الخليفة الفاطمي المستنصر أقام ضريحا على السيدة نفيسة في ربيع الآخر سنة 482 هـ. وكانت قد توفيت سنة 208 هـ وحظيت السيدة نفيسة أثناء حياتها بتقدير المصريين وإعجابهم بخلقها ودينها , ثم دفنت في قبر عادي على عادة الناس وقتها , فلما أن جاءت الدولة الفاطمية أقامت على قبرها  قبة وضريحا . ونشرت الدعاية الفاطمية حول القبر كثيرا من  أساطير الكرامات حتى إن المقريزي فيما بعد يعده(احد المواضع المعروفة بإجابة الدعاء بمصر ) ومعناه أن المصريين تعودوا التوسل بذلك القبر والعكوف عليه والتبرك به من العصر الفاطمي للعصر المملوكي .

ويلفت النظر أن الفاطميين في عصر قوتهم لم يلتفتوا لإقامة الأضرحة، بحيث أنهم أقاموا مدينة كاملة هي القاهرة ومسجدا فخما هو الأزهر ولم يقيموا وقتها ضريحا هائلا حتى لرفات الخلفاء الفاطميين الذين ماتوا بعد أن أسسوا الدولة في المغرب وقد حملها معه المعز حين قدم لمصر .

إلا إن الدولة الفاطمية حين ضعفت وانفض عنها الكثير من المصريين بسبب الكوارث الاقتصادية وضعف الخلفاء أمام الوزراء – لجأت الدولة إلى التلاعب بأهواء المصريين فجددت مقبرة السيدة نفيسة ، بل وأقامت ضريحا للإمام الشافعي وهو يخالفهم في المذهب والعقيدة – ولكن تقربا منهم للمصريين وهم محبون للشافعي متبعون لمذهبه،و قد سبق أنهم اشترطوا على جوهر الصقلي ضرورة احترامه للمذهب السني الشافعي .  

وقد وقع على عبء (الأفضل) ـ الوزير الفاطمي القوى المسيطر على الخلافة الفاطمية ـ مهمة بعث الحياة في الدولة الفاطمية الضعيفة أمام الخطر الصليبي القادم من الشرق مع خطر الأتراك السلاجقة السنيين المتحكمين فى الدولة العباسية ، وكان السلاجقة معروفين بتعصبهم للسنة وكراهيتهم للتشيع ، هذا مع اهتزاز ثقة المصريين في الخلافة الفاطمية بعد المجاعة أو الشدة العظمي التي واجهتها مصر في عهد المستنصر. كان الوزير الأفضل يواجه كل هذه التحديات فى الداخل و الخارج ، وبعضها عسكرى ، والآخر دعوي  ، واقتصادى. وكان لا بد من حل ينقذ به الدولة والخلافة الفاطمية الآيلة للسقوط .

وقد خرج الأفضل على رأس جيش ضم به بيت المقدس الى الدولة الفاطمية ، قبل أن يقع فى أيدى الصليبيين ، وكان تابعا للأتراك السلاجقة المسيطرين على الخلافة العباسية ، ثم فاوض الصليبيين وهم يقيمون على حصار إنطاكية ، ثم فيما بعد دخل معهم في معارك بعد أن احتلوا بيت المقدس وأسسوا في القدس مملكة صليبية ، صارت رأسا للإمارات الصليبية الأخرى .

وإثناء خروج الأفضل من الشام عثر على قبر منسوب للحسين في عسقلان تنتشر إشاعات تقول أن فيه رأس الحسين ، مع إنه لا علاقة مطلقا بين رأس الحسين وعسقلان ، ولكنها أوحت للوزير الفاطمى الأفضل بفكرة إقامة ضريح للحسين أو(رأس الحسين ) فى مصر تكون ( أفضل) فرصة لاستمالة المصريين. وإذا كان أبوه (بدر الجمالي) قد أقام مقبرة السيدة نفيسة فليكن الأفضل منشئ قبر الحسين في القاهرة .

وهكذا عاد الأفضل من عسقلان تسبقه الدعاية الفاطمية بالعثور على رأس الحسين ، وتتواتر الدعاية بالكرامات التي أحاطت بالرأس ، ثم حولوا مشهد الحسين إلى نصب مقدس تنحر عليه الذبائح بمثل ما كان الجاهليون يفعلون ،  يقول المقريزي عن طقوسهم عنده ( فكان كل من يدخل الخدمة يقبل الأرض أمام القبر , وكانوا ينحرون في يوم عاشوراء عند القبر الإبل والبقر والغنم ويكثرون النوح والبكاء ويسبون من قتل الحسين , ولم يزالوا على ذلك حتى زالت دولتهم [11] .  

وزالت الدولة الفاطمية وبقي ضريح الحسين حتى اليوم دليلا على عمق التأثر بالبدع التي أدخلتها تلك الدولة في عقائد المصريين , يقول الإمام ابن تيمية عن ضريح الحسين في العصر المملوكي (لم يحمل رأس الحسين للقاهرة فقد دفنت جثته حيث قتل ، وروى البخاري في تاريخه أن رأس الحسين حمل إلى المدينة ودفن في البقيع عند قبر أمه فاطمة .. فبين مقتل الحسين وبناء القاهرة نحو مائتين وخمسين سنة وقد بني الفاطميون مشهد الحسين في أواخر سنة 550هـ , وانقرضت دولتهم بعد هذا البناء بنحو أربع عشرة سنة وهذا مشهد الكذب [12] .

وأصبحت الأضرحة بعد العصر الفاطمي سنة متبعة لا تستوجب إنكارا بل تقديسا , بل أصبحت أحد الرموز الأساسية في التدين العملي للمسلمين بحيث أن المسلم اليوم يفضل المسجد ذا الضريح على المسجد الخالي من الضريح , وكلما كان الضريح مقدسا ومشهورا ومقصودا كلما تكاثر المصلون في المسجد التابع له طامعين في نيل البركات والشفاعات من صاحب الضريح.  

هذا مع أن الإسلام الحقيقي يعتبر الأضرحة رجسا من عمل الشيطان يدعو المسلمين للابتعاد عنه إذا أرادوا الفلاح في الدنيا والآخرة, يقول تعالى(يا أيها الذين أمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون . المائدة 90 ) فقد كانت الأضرحة معروفة في العصر الجاهلي باسم(الأنصاب). و (النصب) هو المكان المرتفع القائم فوق القبر , وكان الجاهليون يقدسون الأنصاب وينحرون عليها ويعكفون عليها متبركين ، فحرم الإسلام الأكل مما ذبح على النصب مما أهل لغير الله به(حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ... وما ذبح على النصب . المائدة 3 ) وكان الجاهليون يقدسون الولي المدفون  تحت النصب مع أنه ميت لا يشعر بأحد ولا ينفع ولا يضر , يقول في ذلك ربنا جل وعلا ( والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون , إلهكم اله واحد. النحل  20 : 22 ) . ويقول عن عبادة الأولياء الموتي (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم أن كنتم صادقين . الهم أرجل يمشون بها ؟ أم لهم أيد يبطشون بها ؟ أم لهم أعين يبصرون بها ؟ أم لهم آذان يسمعون بها؟ قل : أدعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون . إن وليي الله . الأعراف 194 , 195 ) .

2-    الطقوس الفاطمية :

وقد دارت حول إضفاء هالة التقديس على شخص الخليفة الفاطمي حين يراه الناس مصليا لله أو مستقبلا للوفود أو مشاركا في الاحتفالات والأعياد .

فالخليفة الفاطمي يجلس في (قاعة الذهب) في موكب يومي الاثنين والخميس ، وبها سرير الملك وهو من الذهب الخالص ، ثم يدخل عليه  الأشراف أولا ثم الأولياء ثم الوجهاء, ويقوم الوزير بترتيب دخول الناس بين يدي الخليفة.وقد أفاض المقريزي في وصف الجواهر والذهب الذي يقدم هدايا للخلفاء أو يرصع به سرير الملك .

 ثم لجلوس الخليفة علي السرير طقوس, فإذا تهيأ للجلوس استدعى الوزير إلى باب المجلس وعليه ستر فيقف الوزير بحذائه وعن يمينه وعن يساره يقف زمام القصر وزمام بيت المال, فإذا وقف الخليفة يرفع كلاهما الستر فيظهر الخليفة فيستفتح بقراءة القرآن بين يديه ويقبل الوزير يديه ورجليه ثم يتأخر , ثم يدخل الناس على طبقاتهم.

وللسلام على الخليفة هيئة مخصوصة وتقاليد مرعية , ثم إذا خرجوا يكون الوزير آخرهم بعد أن يقبل يدي الخليفة ورجليه , ثم يرخي الستر ويغلق باب المجلس .  

وإذا جاء للخليفة رسول من الروم كان عليه أن يراعي الطقوس الفاطمية منذ أن ينزل من باب الفتوح إلى القصر الفاطمي فيقبل الأرض وهو ماش , وكذلك كان يفعل كل من يغضب عليه الخليفة فإنه يخرج إلى باب الفتوح يكشف رأسه ويستغيث بعفو  أمير المؤمنين حتى يؤذن له بالمسير إلى القصر [13].

وبهذه الكيفية الكهنوتية كان الخليفة يسير إلى صلاة الجمعة والعيدين بحيث تحولت الصلاة الإسلامية إلى طقوس لتأليه الحاكم الفاطمي لا أن يكون لله عبدا خاضعا يقف أمام الله بخشوع كشأن أصغر الرعية .

وقد ذكر المقريزي تحت عنوان(هيئة صلاة الجمعة في أيام الخلفاء الفاطميين ) طقوس الفاطميين في صلاة الجمعة ، إذ يسبق المختصون بفرش المحراب وفق طقوس معينة ، ثم يصعد قاضي القضاة المنبر في هيئة خاصة ليبخر الغشاء الذي سيجلس عليه الخليفة ، ثم يأتي الخليفة في هيئة  موقرة من الطبل والبوق وحول ركابه القراء وهم قراء الحضرة من الجانبين يطربون بالقراءة نوبة بعد نوبة يستفتحون بذلك من ركوبة من الكرسي طول طريقه إلى قاعة الخطابة ..) ويستطرد المقريزي في  وصف طقوس الدخول والجلوس والمشي والوضوء والصعود للمنبر والخطبة وكيفية النزول من المنبر والصلاة .. وكل ذلك في الجمعة الأولي من رمضان أما في الجمعة الثالثة منه فتزين له الشوارع على طول الطريق الذي يمشي فيه برعاية الوالي (ويهتمون بذلك ثلاثة أيام بلياليهن والوالي مار وعائد بينهم ) ثم تكون له طقوس أثناء مروره على الشوارع وعودته منها [14] وهناك طقوس أخري ذكرها المقريزي عن (هيئة صلاة العيد وما يتعلق بها) كانت تضاف فيها المآدب والأسمطة [15]وفي أعيادهم التي استحدثوها في مصر مارسوا نفس الطقوس [16]  .  

3-    الأعياد والموالد :

وقد أحدثت الدولة الفاطمية بدعة الموالد والأعياد وشاركت فيها رسميا وجعلتها عنصرا أساسيا في الحياة الدينية ضمن سياستها في الدعاية لعقيدتها وتقربا  للمصريين من مسلمين وأقباط

وتنوعت الأعياد الفاطمية بين أعياد شيعية مثل عيد الغدير وعاشوراء وليالي الوقود في رجب وشعبان ، وأعياد قبطية مثل ميلاد المسيح والغطاس وخميس العهد والنوروز، وأعياد مصرية مثل فتح الخليج ، واحتفالات بمناسبات إسلامية مثل غرة رمضان والسحور , واحتفالات سياسية مثل عيد النصر الذي عمله الخليفة الحافظ بمناسبة خروجه من محبسه ، بالإضافة إلى موالد الخلفاء والأئمة ومولد النبي .

وقد أسهب المقريزي في وصف احتفالاتهم بهذه الأعياد وطقوسهم فيها ومشاركه الناس لهم ، ولا يزال اتخاذ الأعياد في شتى المناسبات عملا مألوفا لدينا يكلفنا الشيء الكثير من المال والجهد وساعات العمل الضائعة .

الفلسفات الدينية:

وتسلل الفاطميون للعقل المصري بعد العقيدة ، فنشطت في أيامهم الفلسفات الدينية التي أسموها ( علم الحقائق ) وقد اعتمد عليها إعداد الدعاة واستمالتهم , وأحاطوها بالرموز والتأويلات الباطنية وحاولوا التوفيق بين الفلسفة اليونانية والآراء الشيعية الخاصة بالإمام خصيصا وهم رواد الفكر الفلسفي كما يظهر من خلال ( رسائل إخوان الصفا) التي اعتبرها البعض من تأليف أئمة الشيعة وعلمائها.  

والذي نلفت النظر إليه هنا أن جهد الشيعة الفلسفي قد أسفر عن قيام التصوف الفلسفي متأثرا بالتشيع ، حتى إن رواد التصوف المتفلسف في العصور اللاحقة مثل ابن عربي وابن سبعين كانوا متأثرين بأفكار شيعية مثل ( الفاطمي المنتظر) وقد أشار لذلك ابن خلدون في مقدمته.

التصوف :-

 يبدو أن التصوف كان اختراعا شيعيا بدأ في المشرق حين كان معروف الكرخي أول رائد صوفي مريدا للشيعة وقائدهم الرضى في عهد الخليفة المأمون , وبسبب ما لاقاه التشيع في الدولة العباسية من اضطهاد فإن بعض الصوفية الشيعة مثل الحلاج لقي مصرعه في ظروف سياسية أكثر منها عقيدية , وترتب عليه أن انفصل التصوف عن التشيع وأن ظل يحمل رموزه ورسومه  من عقائد وطقوس ، وأسهب في تفصيل التشابه بينهما باحث معاصر في كتاب ضخم بعنوان الصلة بين التصوف والتشيع [17] .

وحين قامت الدولة الفاطمية في مصر لم تغفل عن الاستعانة بالتصوف ،خصوصا عندما انتشر التصوف بين أهل السنة ممن يناصبون الدولة الفاطمية الشيعية العداء, وأولئك وصلت إليهم الدعاية الفاطمية عن طريق التصوف وعملائه من الفاطميين المتسترين بالتصوف , وكان إنشاء ضريح الحسين في القاهرة في نهاية الدولة الفاطمية حلقة من حلقات التأثير على المتصوفة المصريين غير المتشيعين للدولة الفاطمية إذ إن الحسين يحتل مكانة هامة في عقيدة الصوفية والشيعة وهو عند الصوفية سيد الأولياء وعند الشيعة كبير ألائمة [18] .

واستمر الفكر الشيعي مستمرا في مصر من خلال الأفكار الصوفية التي ظلت في الانتشار طيلة العصور اللاحقة حتى سيطرت على الحياة الدينية إلى وقتنا هذا بدليل أن ضريح الحسين لا يزال يحظى بالتقديس لمجرد أن زعم بأن رأس الحسين موجود فيه , وذلك زعم يفتقر للصحة وحتى إن كان الحسين رضي الله عنه مدفونا بجسده كله في مصر فلن يغني عنا شيئا إذ إن الرسول نفسه صلي الله عليه وسلم يقول له ربه ( ليس لك من الأمر شيء .. آل عمران28  ).

ذو النون المصري بين الفرعونية والتصوف :-

إلا إن مصر التي عرفنا تراثها الديني لم تكن بحاجة للفاطميين لكي ينشروا فيها ما أحدثوه من عقائد ، فقد رأيناها تحول المسيح وهو عبد الله ورسوله إلى جزء أساسي من الله تعالى بل إلى الله تعالى , وذلك ما عناه القرآن إذ قال ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم . المائدة 72 ).

ولأن المسيح عندهم هو الاله الكامل بلا أى مسحة بشرية فقد ناضل الأقباط بقوة ضد من يجعل للمسيح جانبا بشريا مع الجانب الإلهي . ومن هنا فإن الحضارة المصرية ـ المترسخة بدينها فى العقلية المصرية بعد الفتح الاسلامى ـ قد سبقت العصر الفاطمي المشار اليه ، إذ اخترعت لها تصوفا تبدو فيه الأفكار الفرعونية من خلال ذو النون المصري الذي احتل مكانة هامة في الفكر الصوفي ولم تخل شخصيته من بصمات فرعونية . 

وقد عرضنا  لانطونيوس أكبر رهبان مصر الرومانية وكيف أنه كان يطوف بالبرابي  والمعابد والقصور الفرعونية ووصف بأنه مصري صميم لا يعرف إلا اللغة القبطية , ونجد تلك الصفات واضحة في ذي النون المصري بعده بقرون ، فقد كان مصريا صميما لم يحاول الانتساب للعرب أو الأشراف كعادة الصوفية, ووصف بأنه مع تأثيره علي الحركة الصوفية عامة فقد كان إماما للتصوف المصري الصميم وذا تأثير قوي على المصريين الأقباط في عهده  [19].

وقد ذكر المؤرخون عنه أنه كان كثير التطواف بالبرابي والمعابد المصرية القديمة ويدعي العلم بها وفك رموزها [20] ثم كان مشهورا بعلم الكيمياء أو السحر الفرعوني المأخوذ عن الكهنة المصريين القدماء , ثم كان يحيا حياة مستخفية بين المعابد والبرابى الفرعونية [21] .

وقد سلك ذو النون في الدين طريقة خاصة كما يقول المسعودي فاتهم بالزندقة وحمل للخليفة المتوكل في بغداد ، ولكن الصوفية هناك توسطوا له فأفرجوا عنه وكان أهل مصر – المسلمون – يسمونه الزنديق [22] .                                               

ولسنا في مجال تمحيص الآثار الفرعونية في فكر ذي النون الصوفي ولكننا نقرر على عجل أنه أول من رتب الأحوال والمقامات ودرجات الولاية وفق الكهنوت المصري القديم ، وأول من أستحدث فكرة الاسم الأعظم في تراث المسلمين الصوفية ، وحملت الكرامات التي نسبت إليه بصمات  الحياة المصرية القديمة من تقديس النيل والحيوانات المقدسة وغيرها .

وقد احتفل الصوفية بذي النون واعتبروه رأس الطائفة وأن الكل أخذ عنه وانتسب إليه [23] وقد مات سنة 245 هـ فيكون بذلك أول من تحدث في التصوف بصورة متكاملة خصوصا وأن الحضارة المصرية القديمة التي أنجبت ذا النون في العصر الإسلامي – كانت تعرف التصوف في عصورها المتأخرة قبل المسيحية [24]

وبعد ..يمكن القول بأن الفاطميين وجدوا لهم بيئة صالحة لنشر معتقداتهم, وحتى من أعرض عن الفاطميين سياسيا فقد استجاب لهم عقيديا خصوصا وأن الفاطميين تسامحوا مع الأقباط وأرضوا كل الغرائز الدينية للمصريين ، وكان ترتيب الدعوات الفاطمية يجعل المريد الفاطمي يتشكك في كل المعتقدات ثم بعد أن يسهل لهم التحكم فيه يجعلونه يعتقد فيما يقولونه من  آراء وعقائد على نحو ما فصل المقريزي في ترتيب الدعوات لدى الدعاة الفاطميين [25]

ثم كانت هناك أوجه شبه عديدة بين عقائد الإسماعيلية والفرعونية تتجمع حول تقديس الملوك و الكهنوت والأسرار المقدسة والفلسفات الدينية ، وإذا كان الإسماعيليين قد تأثروا بالفلسفة الإغريقية فإن الإغريق أنفسهم كانوا تلامذة في مدارس الحكمة المصرية القديمة ، يقول باحث متخصص في الطائفة الفاطمية الإسماعيلية ( والذين يدرسون عقائد الإسماعيلية يستطيعون أن يدركوا أن هذه العقائد مزيج عجيب من مجموعة من المذاهب والديانات والآراء الفلسفية القديمة التي عرفت وانتشرت في الأقطار الإسلامية منذ زمن بعيد بتأثير امتزاج المسلمين بغيرهم من أصحاب الديانات المختلفة والآراء المتباينة ، وأن الإسماعيلية أخذوا هذه الآراء والمعتقدات وأخضعوها لفكرتهم عن الأمامة بعد أن صبغوها بالصبغة الإسلامية ، حتى إن الباحث يستطيع أن يتعقب أكثر عقائد الإسماعيلية ويردها إلى أصولها القديمة ، فمثلا قال المصريون بانتقال روح فرعون بعد موته إلى العالم العلوي فتصبح من الآلهة المؤثرة في العالم وبهذه المقولة ذهب الإسماعيلية بأن روح الإمام تصبح بعد وفاته ملكا أو عقلا من العقول الروحانية المدبرة لعالم الكون الفاسد [26] .

ونحن نقول أن كل الأسس التي تقوم عليها مذاهب الشرك واحدة مهما اختلفت الأسماء والأماكن والأزمنة ، وكلها تدور حول تقديس غير الله وإضفاء صفات التأليه عليه من تصريف في الكون وعلم الغيب واتجاه له بالتوسل والتبرك والدعاء . وذلك كله أوضحه القرآن الكريم في حديثه عن الذين أشركوا والذين كفروا فعبر القرآن بلفظ (الذين) لينطبق الاسم الموصول على كل من يأتي بعد نزول القرآن الكريم ويفعل أفعال الذين كفروا أو يعتقد معتقداتهم في العصر الفاطمي أو في العصر العثماني .

ولكن إلى أي حد أثر العصر الفاطمي على اعتناق المصريين للإسلام ؟

انتشار الإسلام في المرحلة الثانية :-

اعتنق أغلب المصريين الإسلام مع بداية الدولة الفاطمية ، ومن الطبيعي أن يتأثر تمسكهم بالإسلام بما أحدثته تلك الدولة من بدع في العقيدة والسلوك الديني بحيث تشابهت الرسوم والمعتقدات بين المصريين المسلمين والأقباط ، خصوصا وأن الدولة الفاطمية تأخذ عقيدة الإسماعيلية من كل النحل والأهواء في سبيل أن تنتشر دعوتها وأن يتمتع أئمتها بتقديس الناس ، ومن هنا كان اهتمامهم بالمشاركة الرسمية في كل الأعياد من قبطية وإسلامية وشيعية ومصرية نيلية .

وقد ظلت بصمات الحياة الدينية الفاطمية مستمرة خصوصا في العصور اللاحقة كالعصرين الأيوبي والمملوكي  .

لقد أنشأ صلاح الدين الأيوبي دولته على أنقاض الدولة الفاطمية وحارب الدعوة الشيعية الفاطمية بأن نشر التصوف الموالي له ، فأنشأ الخوانق الصوفية خصوصا خانقاه سعيد السعداء واستقدم الصوفية الموالين له وأرسلهم للصعيد ليحاربوا الشيعة هناك بالدعاية المضادة ، إذ إن الدعوة الشيعية وأنصارها تركوا القاهرة وتراجعوا أمام صلاح الدين الى الصعيد فتعقبهم هناك.

 وبعد صلاح الدين أستمر خلفاؤه في نهجه في تشجيع التصوف الموالى وحرب التصوف الشيعي واستمر ذلك الاتجاه في الدولة المملوكية . 

ومعنى ذلك أن التصوف الذي أدخلته الدولة الفاطمية قد استمر بعدها في صورة دينيه عقيدية خاليا من الانتماء السياسي للحكم الفاطمي الذي انتهي وأفل.

وتشابهت عقائد التصوف مع عقائد التشيع , وتشابه الاثنان مع المباديء الأساسية في العقيدة التي كانت للمسيحية , يقول أستاذنا د . محمد البهي(أما التصوف الإسلامي فقد نال نوعه المتأخر استحسان الغرب من جانب وسخط المسلمين عليه من جانب آخر, كان التصوف زهدا فأصبح ضربا من ضروب الفلسفة , ثم مال إلى (وحدة) البراهمية و(حلول) المسيحية , وهذا المآل الذي آل إليه هو موضع الاختلاف في التقدير بين الاستحسان والتجريح . أما استحسان علماء الغرب له لأنه يميل بالإسلام نحو المسيحية ..فوق أنه يقرب الله بفكرة الحلول إلى الإنسان على نحو تأليه عيسي المسيح وجعله طبيعة مزدوجة إلهية الباطن وإنسانية الظاهر , وهذا ما ينشده الغرب ويبتغيه من الدين .. أما المسلمون فيرون أن فكرة الحلول تنقض رسالة الإسلام في وحدة الله وتنزيهه.. وهي لكونها تستتبع فكرة التناسخ تجعل من الله موجودا متنقلا , وذلك يتنافى مع بعض صفاته تعالى كالبقاء والقيام بالنفس , فالمسلمون يرون الصوفية المتأخرة ضربا من تحريف الإسلام إلى المسيحية المحرفة وهي مسيحية الحلول ) [27] .           

وبسبب التشابه بين العقائد منذ العصر الفاطمي كان من السهل أن يغير الناس عقائدهم فالتغيير منصب على الإشكال والأسماء أما المضمون فهو واحد في كل أحواله .  

وجدير بالذكر أن الحكام منذ العصر الفاطمي كانوا متسامحين مع الأقباط – في أغلب الأوقات ومع وجود حوادث اضطهاد فقد كانت فردية وشعبية يقودها الصوفية والعامة دون تأييد من السلطة المركزية , ومعظمها كان بسبب تغالي الوزارء الأقباط في الجور بالمسلمين [28] .

ولانقشاع الاضطهاد الرسمي فقد وقع الأقباط فيما بينهم في تنافس وشقاق بسبب المصالح والمناصب وسجلت ذلك المصادر القبطية [29] بينما كانوا قبل ذلك صفا واحدا أمام الاضطهاد الرسمي في عصر الأمويين .

التشابه والاشتراك في الحياة الدينية المصرية بين المسلمين والأقباط :

يقرر القرآن الكريم أن عقيدة الحلول  التي قالها اليهود والنصارى إنما هي مستمدة من أفكار وثنية سبقت اليهود والنصارى , يقول تعالى (و قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل . التوبة ) 31 . 

ويقرر تعالى أن اليهود والنصارى قدسوا رجال دينهم  وأتخذوهم واسطة (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من ون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدو الها واحدا لا اله إلا هو سبحانه عما يشركون . التوبة 31 )

وقد أسلفنا القول في تأثر اليهودية والنصرانية بالعقائد الفرعونية , وقد أشار لذلك القرآن الكريم حين جعل فرعون وأتباعه أئمة للكافرين من بعده إلى يوم القيامة, يقول تعالى (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فأنظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار. القصص 40 , 41 ) .

ودخل الإسلام بعد الفتوح في مناطق كانت مسيحية ويهودية ، ثم ما لبث أن انتشر باعتناق أبناء اليهود و النصارى  ذلك الدين الجديد لأغراض معظمها دنيوى ، ولكن بعد أن تم تغيير جوهر الاسلام الحقيقى فى الوحدانية الى الثوابت الأساسية التى سار عليها المصريون ، ومن أجلها قاموا بتمصير اليهودية ثم المسيحية ، وجاء الدور على الاسلام.

وإذا كان اليهود والنصارى قد تابعوا عقائد فرعون وأصبح لهم إماما فلا شك أن من يسلك نحلة اليهود والنصارى لابد أن يكون فرعون إمامه الأكبر . وقد شهدنا الدعوة الفاطمية تأخذ عن عقائد المصريين القدماء , وقد برز ذلك الاتجاه صراحة عند الصوفية المتشيعين مثل الحلاج وابن عربي الذين صرحوا بأن فرعون هو رب موسي وسيده وأنه إمامهم الذي يتبعونه ، حتى لقد ألف الصوفية رسائل في تبرئة فرعون من العذاب وقام ابن عربي بتأويل آيات القرآن التي تتحدث عن عذاب فرعون [30] .

وحتى في المصادر الصوفية المعتدلة نجد احتفالا بادعاء فرعون للألوهية فيقول الواسطي في الرسالة القشيرية (أدعى فرعون الربوبية على الكشف) [31] والكشف هو علم الغيب عند الصوفية ومعناه أن فرعون أوتي علم الغيب  - شأن الصوفي الذي كشف عنه الحجاب – فادعي الألوهية وقال ( أنا ربكم الأعلى ) واتبعه الصوفية بقول شطحاتهم المشهورة المعروفة ،مثل : (أنا الله , ما في الجبة إلا الله, أنا من أهوى ومن أهوى أنا .. ) الخ .    

والغزالي في (إحياء علوم الدين) يذكر مقالة الصوفية بأنه ( ما من إنسان إلا وفي باطنه ما صرح به فرعون من قوله أنا ربكم الأعلى ولكن ليس يجد  له مجالا ) [32]  ومعناه أن فرعون لا لوم عليه طالما صرح بما هو في باطن كل إنسان , وإذا كان الناس قد عجزوا عن التصريح بالألوهية فإن فرعون الحاكم وجد لنفسه مجالا في ادعائه بالألوهية فلا تثريب عليه .   

وهكذا فمن الأصل الفرعوني أعاد التشيع الفاطمي والتصوف العقائد القديمة بأشكال إسلامية في مصر الفاطمية وما بعدها من عصور إلى أن صحا المسلمون في مصر في بداية القرن الماضي .  

ولسنا في مجال التفصيل لأوجه الشبة بين العقائد الفرعونية وطقوسها وبين عقائد المصريين اللاحقين خصوصا في العصرين القبطي والمملوكي. ولكننا نقرر على عجل الخطوط الرئيسية لذلك التشابه على النحو التالي :-

1- فالفراعنة كانوا يعرفون الله, وكان اسم الله يتردد على ألسنتهم في الحديث العادي وخصوصا عند المفاجآت ، ولعل في قصة يوسف عليه السلام ما يثبت هذا فإن النسوة من الطبقة المثقفة كن يصحن عند الدهشة (حاش لله) يقول تعالى عنهم حين رأين جمال يوسف (فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم . يوسف 2 ) وحين حقق معهن الملك (قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن : حاش لله ما علمنا عليه من سوء . يوسف 51) وحين رفض المصريون رسالة التوحيد التي جاء بها يوسف عليه السلام فقد تمنوا إلا يبعث الله رسولا من بعده (ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا .. غافر 34 .أي فهم يعرفون الله وينطقون باسمه حتى في معرض الكراهية للتوحيد . 

وقد أثبت علم المصريات أن المصريين كانوا يؤمنون بوجود الله ويتكرر ذكره تعالى على ألسنتهم ، يقول أرمان فى كتابه ( ديانة مصر القديمة ) : (مما يبعث على الدهشة أن المصريين كثيرا ما تحدثوا علاوة على ألهتهم المعينه عن اله عام .. فمثلا يقولون (ما يحدث هو من أمر الله ) صائد الطيور يسعى ويكافح ولكن الله لا يجعل النجاح من نصيبه، وما نزرعه وما ينبت في الحقل هو عطية من عند الله ، من أحبه الله وجبت عليه الطاعة ، الله يعرف أهل السوء ) ويعقب أرمان بقوله أنهم لم يكونوا بمنأي عن العقيدة الحقه ، لولا أنهم تعلقوا أيضا بدينهم المعروف وبقوا عبادا أمناء لألهتهم ، ويقولون أن الله خفي ولذا وجب على الناس تقديس صورته كبديل له [33] .   

وبنفس الكيفية لم تمنع معرفة المصريين بالله من اتخاذ الوسائط التي تقربهم له زلفى , سواء كان أولئك الوسائط أحبارا  أم رهبانا أم أولياء وأئمة في العصرين المسيحي الإسلامي الفاطمي والمملوكي . 

2- وعرف الفراعنة فكرة الاتحاد بالله وحلول الله في الأولياء وفق مراسيم معينة معتقدين أن القلب هو محل القبس الإلهي ويمكن تنمية القبس الإلهي في الروح عن طريق ترديد آيات التزكية , وكان الذي يتولى عملية التزكية كاهن لقبه سخن آخ بمعني متعهد النورانية [34]

ويرتبط بالاتحاد والحلول معرفة الإنسان بالاسم الأعظم وإذا عرفه اكتسب مقدرة سحرية إلاهية . كما فعلت إيزيس[35]  .  

وفى العصر القبطي راجت الفلسفات الاتحادية مثل الغنوصية والافلاطونية الحديثة ، وكلها متأثرة بالعقيدة الفرعونية في إمكان الاتحاد بالله عن طريق الادعيه  والرياضيات وتنقية النفس. وأشهر فلاسفة المسيحيين المصريين كان اوريجانوس ، وقد انتشرت آراؤه في الشام والعراق  , ووصلت للمسلمين بعد أن ترجمت للعربية ، ودارت عليها فلسفات الاتحاد عند الغزالي وابن عربي وابن سبعين وعبد الكريم الجيلي.

 وانتشر مع بداية المسيحية مصطلح اللوجوس أو الاسم الأعظم ،والذي به يمكن الاتحاد بالله ( جل وعلا عن ذلك ) أوحلول الله فى الشخص ( جل وعلا عن ذلك ).وردد بولس ذلك في أعمال الرسل. وكان بامكانهم العلم بالغيب وشفاء المرضي طالما حل فيهم الروح القدس (راجع : أنجيل متى 5 /9 , أعمال : 4 / 31 , 6 /5 , 5 / 32 , 7 / 55 , 4 / 6 : 12 , 3 / 6 : 9 , 2    5 , 17 ) .   

وفي عصور التصوف عند المسلمين راجت عقائد الاتحاد بنفس الصيغ المسيحية , فالغنوصية تتحدث عن المعرفة وتسمي الولي (عارفا) فيتابع الصوفية نفس التعبير ويصير الصوفي عارفا يعلم الغيب ، حتى إن صوفيا معتدلا مثل الجنيد يقول أن العارف هو من نطق عن سرك وأنت ساكت ويرجع علمه بالتصوف إلى وحي الهي [36] وهي نفس فكرة الهاتف التي تغلف كتابات الصوفية والمسيحيين [37] لذا يدور تخصص الولي المسيحي والولي الصوفي حول علمه بالغيب الإلهي مع أن الغيب لا يعلمه إلا الله (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون . النمل 65 ) .      

وانتشر في عصور التصوف عند المسلمين إدعاء العلم بالاسم الأعظم، وأشهر من ادعاه الشاذلية.والشعراني يزعم أن من منن الله عليه أنه يعرف الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب ، ولكنه لا يعلمه لمن طلبه إلا بشروط مستحيلة التنفيذ،  ولولا أن غيره سبقه إلي كتمانه لذكره ،  ثم يقول(وبالجملة فلا يطلع عليه أحد إلا من طريق الكشف ) [38] أي الغيب الذي يدعيه الصوفية .  

وترتبط الكيمياء بالاسم الأعظم أو اللوجوس , والكيمياء مصطلح يعني تحويل المعادن إلى ذهب عن طريق القوة النفسية ، لذا تداخلت مع الكرامات وادعاء السحر , ووصف بها كثيرون من أعلام القبطية [39] والتصوف [40] . وجدير بالذكر أن الكيمياء بهذا المفهوم مشتقة من اسم (مصر) إذا اشتهر الكهنة في مصر القديمة بمعرفة أسرارها السحرية .   

3- واعتقد المصريون القدماء أن الإنسان إذا اتحد بالله أو حلت فيه روح الإله أصبح متمتعا بالتصريف في الكون , وقد عرف الفراعنة عبادة أنصاف الآلهة من البشر الواصلين للاتحاد بالله ممن اشتهروا بالحكمة مثل آمتونس بن حابوا وامحوتب بل تسمى الكهنة بأسماء إلهية مثل الذي يرى  سر السماء ورئيس أسرار السماء وتضاءلت الفروق بين البشر والآلهة  , حتى أضيفت لها خصائص البشر من ضعف وعجز وتنافس وصراع  وأأقيمت لهم تماثيل بشرية وحيوانية, وصار لها تخصص في التصريف [41]  .  

وفي العصرين القبطي والصوفي كان الأقباط يعتقدون في تصريف القديسين والمسلمون يؤمنون بكرامات الأولياء , ويكاد الاتفاق بين الفريقين يصل للتفصيلات , ولسنا في مجال التفصيل , ولكن نذكر أمثلة سريعة. فالأقباط اعتقدوا بمقدرة القديسين على شفاء الإمراض , وأدخل بولس ذلك في الإنجيل (أعمال الرسل 4 / 6 : 12 , 3 / 6 : 9 ) وفي انجيل متى 8 / 13 , 10 / 2 . ورددته الأساطير القبطية [42] , وتردد عند المسلمين الاعتقاد في الشفاء على أيدي الأولياء ومن تراب القبور المقدسة حتى أصبح عادة اجتماعية  في العصر المملوكي [43]  .

ومن يقرأ في كتب المناقب الصوفية التي تتحدث عن كرامات الأولياء ويطالع كتب المسيحيين في معجزات الآباء والقديسين يجد تشابها عجيبا في الأفكار والأساطير والمعتقدات لأنها كلها نبعت من منبع واحد هو المعتقدات الفرعونية القديمة التي عاشت في بؤرة الشعور المصري آلاف السنين .                                                     

وقد أهتم الفراعنة بالقبور إلى أن جعلوها أهرامات , وتبعهم الأقباط فانشأوا الأديرة والكنائس على ذكرى القديسين والشهداء في اعتقادهم . وقد يحتوي المكان على جثة المقبور أو رأسه وقد تقام له عدة أضرحة , وذلك ما كان متبعا في مصر القديمة حيث أقيمت لجثة أوزيريس أربعين ضريحا. وترسب في الاعتقاد المصري عدد (أربعين ) حتى سمي به ولي أقيمت له أضرحة كثيرة هو شيخ الأربعين .

ومنذ العصر الفاطمي ارتفعت قباب كثيرة على قبور حقيقية أو وهمية ، وكتبت في القبور المشهورة في القرافة مؤلفات ترشد الزائرين إلى طريق القرافه حين يزورون الأضرحة المشهور بها , مثل تحفة الأحباب والكواكب السيارة، وتخصص من الصوفية من عرف باسم مشايخ الزيارة وهم مثل المرشد السياحى فى عصرنا ،أى أدلاء للزوار يرشدونهم للقبر الذي يقصدونه للتبرك والتوسل . وحفلت بالأضرحة كتب الخطط التي سجلت أهم القبور المقصودة بالزيارة من المسلمين والأقباط ، وتخصص كل ضريح بنوع من الأساطير [44] والمزاعم التي تجعل صاحبه صاحب باع طويل في التصريف في ملك الله .          

وإلى جانب الأضرحة أشبهت أديرة النصارى معابد الفراعنة من حيث الكهنوت والنظم , ثم أشبهت الخوانق والربط الصوفية مثيلتها الأديرة المسيحية , وتشابه الصوفية المنقطعون في الخوانق بالرهبان والمعتزلين في الأديرة , حتى في الدقائق الصغيرة مثل تعبيرات الفقر والسياحة والعزلة والزى والحضرة الإلهية , بل إنه من الطريف أن باخومنيوس أبا الرهبنة في العصر المسيحي القبطي كان ينهي أتباعه في الأديرة عن الثرثرة في الكلام ويأتي الشعراني بعده بقرون يعيب على الصوفية المنقطعين انشغالهم بالغيبة والنميمة والكلام عن الولاة ، أى الكلام فى السياسة ،او بتعبيره ( جرّ قوافي الولاة) [45] .

بل كانت هناك أديرة خاصة للمسيحيات و( ربط) ( جمع رباط )  خاصة للنساء المسلمات وبنفس النسق [46] .

الاشتراك بعد التشابه :-

اتجاهات الاشتراك الديني بين المسلمين والأقباط :

ومن الطبيعي بعد ذلك التشابه في المعتقدات والطقوس بين المصريين من أقباط ومسلمين أن يشترك الفريقان في طقوس ومعتقدات مشتركة ، طالما أن الدين فى حقيقته واحد فى جوهره وأساساته ، وصدر من بيئة واحدة ومنبع مشترك.

ويمكن أن نحدد اتجاهات المشاركة الدينية بين الأقباط والمسلمين في الآتي :-

1-    في الأماكن :-

فالكثير من المعابد القبطية كان في الأصل معبدا فرعونيا تحول إلى دير أو كنيسة [47]و بعضها أقيمت فيه مؤسسات صوفية خصوصا في الصعيد ،  مثل ما حدث مع دير الرسل ، يقول المقريزى : (دير الرسل‏:‏ تحت دير منساك ويعرف بدير الأثل وهو لأعمال بوتيج وديرمنساك لأهل ربقة هو ودير ساويرس ودير كرفونة لأهل سيوط ودير بوجرج لأهل أدرنكة وديرالأثل كان في خراب فعمر بجانبه كفر لطيف عرف بمنشأة الشيخ لأن الشيخ أبا بكرالشاذليِّ أنشأه وأنشأ بستانًا كبيرًا وقد وجد موضعه بئرًا كبيرة وجد بها كنزًاأخبرني من شاهد من ذهبه دنانير مربعة بأحد وجهيها صليب وزنة الدينار مثقال ونصف‏.‏) [48].

وحظي جبل المقطم بتقديس الأقباط والمسلمين إذ كان المكان المفضل لدفن القديسين والأولياء ، ويقال أن عمرو بن العاص قد اقتسم مع المقوقس حق الدفن فيه لصالح المسلمين .ورويت أقاويل في فضله وخرافات عن امتداده عبر البحار والقارات . وحكى المقريزي الإجماع على أنه ليس في الدنيا مقبرة أعجب منها مقدسة في جميع الكتب، وننقل عن المقريزى قوله (سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين ألف دينار فعجب عمرو من ذلكوقال‏:‏ اكتب في ذلك إلى أمير المؤمنين فكتب بذلك إلى عمر رضي الله عنه فكتب إليهعمر سله لم أعطاك به ما أعطاك وهي لا تزدرع ولا يستنبط بها ماء‏ولا ينتفع بها‏.‏فسأله فقال‏:‏ إنا لنجد صفتها في الكتب أنّ فيها غراس الجنة.فكتببذلك إلى عمر رضي اللّه عنه فكتب إليه عمر إنّا لا نعلم غراس الجنة إلاّ المؤمنينفاقبر فيها من مات قبلك من المسلمين ولا تبعه بشيء‏.‏.. وعن ابن لهيعة أن المقوقس قال لعمرو‏:‏ إنا لنجد في كتابنا أن مابين هذا الجبل وحيث نزلتم ينبت فيه شجر الجنة‏.‏فكتب بقوله إلى عمر بن الحطاب رصي الله عنه فقال‏:‏ صدق فاجعلهامقبرة للمسلمين فقبر فيها ممن عُرف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة نفرعمرو بن العاص السهميّ وعبد الله بن حذافة السهمي وعبد الله بن جزء الزبيديّ وأبوبصيرة الغفاري وعقبة بن عامر الجهنيّ‏.‏ويقال ومسلمة بن مخلد الأنصاريّ انتهى‏.‏..وروى أبو سعيدعبد الرحمن بن أحمد بن يونس في تاريخ مصر من حديث حرملة بن عمران قال‏:‏ حدّثنيعمير بن أبي مدرك الخولانيّ عن سفيان بن وهب الخولاني قال‏:‏ بينما نحن نسير مععمرو بن العاص في سفح هذا الجبل ومعنا المقوقس فقال له عمرو‏:‏ يا مقوقس ما بالجبلكم هذا أقرع ليس عليه نبات ولا شجر على نحو بلاد الشام فقال‏:‏ لا أدري ولكنالله أغنى أهله بهذا النيل عن ذلك ولكنه نجد تحته ما هو خير من ذلك‏.‏

قال‏:‏ وما هو قال ليدفنن تحته أو ليقبرنّ تحته قوم يبعثهم اللّهيوم القيامة لا حساب عليهم قال عمرو‏:‏ اللهم اجعلني منهم‏.‏قال حرملة بن عمران‏:‏ فرأيت قبر عمرو بن العاص وقبر أبي بصيرة وقبرعقبة بن عامر فيه‏.‏وخرج أبو عيسى الترمذي من حديث أبي طيبة عبد الله بن مسلم عن عبدالله بن بريدة عن أبيه رفعه‏:‏ ‏"‏ من مات من أصحابي بأرض بُعث قائدًا لهم ونورًايوم القيامة ‏)  [49]

وواضح أن المسلمين تأثروا بما كتب عن المقطم في التراث القبطي وجعلوها روايات لأحاديث رفعوا بعضها ونسبوه الى النبى محمد عليه السلام. . وبسبب الصلة بين الأماكن الإسلامية والقبطية وبين تاريخها الفرعوني فإن الأساطير شاعت حول  اكتشاف كنوز فرعونية في بعضها[50].

2-    في الأعياد والموالد :-

وشارك المسلمون الأقباط في أعيادهم حيث كانوا يقصدون الأديرة وهناك يتحول العيد إلى موسم للسرور والحبور مثل الأعياد الموسمية في أديرة أخميم ونهيا وطمويه والسويس .يقول المقريزى عن دير مرحنا : (‏:‏ دير مرحنا على شاطئ بركة الحبش وهوقريب من النيل وإلى جانبه بساتين أنشأ بعضها الأمير تميم بن المعز ومجلس على عمدحسن البناء مليح الصنعة مسور أنشأه الأمير تميم أيضًا وبقرب الدير بئر تُعرف ببئرمماتي عليها جميزة كبيرة يجتمع الناس إليها ويشربون تحتها وهذا الموضع من مغانياللعب ومواطن القصف والطرب وهو نزه في أيام النيل وزيادة البحر وامتلاء البركة حسنالمنظر في أيام الزرع والنواوير لا يكاد حينئذِ يخلو من المتنزهين والمتطربين وقدذكرت الشعراء حسنه وطيبه وهذا الدير يُعرف اليوم بدير الطين بالنون‏.‏)

 ويقول عن دير ناهيا (دير نهيا‏:‏ قال الشابشتي‏:‏ ونهيا بالجيزة وديرها هذا من أحسن ديارات مصر وأنزههاوأطيبها موضعاَ وأجلها موقعًا عامر برهبانه وسكانه وله في أيام النيل منظر عجيب لأنالماء يحيط به من جميع جهاته فإذا انصرف الماء وزرعت الأرض أظهرت أراضيه غرائبالنواوير وأصناف الزهر وهو من المنتزهات الموصوفة والبقاع المستحسنة وله خليج يجتمعفيه سائر الطير فهو أيضًا متصيد ممنع وقد وصفته الشعراء وذكرت حسنه وطيبه قلت وقدخرب هذا)

ويقول عن دير طمويه (دير طمويه‏:‏ قال ياقوت‏:‏ طَمويه - بفتح الطاء وسكون الميم وفتح الواو ساكنة- قريتان بمصر إحداهما في كورة المرتاحية والأخرى بالجيزة قال الشابشتي‏:‏ وطمويه فيالغرب بإزاء حلوان والدير راكب البحر حوله الكروم والبساتين والنخل والشجر وهو نزهعامر آهل وله في النيل منظر حسن وحين تخضرّ الأرض يكون في بساطَينِ من البحر والزرعوهو أحد منتزهات أهل مصر المذكورة ومواضع لهوها المشهَورة‏.‏  )

وبعض الأعياد كان ذا صبغة مشتركة لقيامه على النيل مثل عيد الشهيد وكان أنزه الفرج في مصر ويزعمون  أن النيل لا يزيد في كل سنة حتى يلقى النصارى فيه تابوتا من خشب فيه إصبع من أصابع أسلافهم الموتى  .. ويخرج عامة أهل القاهرة ومصر على اختلاف طبقاتهم وينصبون الخيم على شطوط النيل، يقول المقريزى عن (عيد الشهيد ) الذى كان يشارك فيه المصريون جميعا : (ذكر عيد الشهيد:

ومما كان يعمل بمصر عيد الشهيد وكان من أنزه فرج مصر وهو اليومالثامن من بشنس أحد شهور القبط ويزعمون أن النيل بمصر لا يزيد في كل سنة حتى يُلقيالنصارى فيه تابوتًا من خشب فيه أصبع من أصابع أسلافهم الموتى‏.‏

ويكون ذلك اليوم عيدًا ترحل إليه النصارى من جميع القرى ويركبون فيهالخيل ويلعبون عليها ويخرج عامّة أهل القاهرة ومصر على اختلاف طبقاتهم وينصبونالخيم على شطوط النيل وفي الجزائر ولا يبقى مغن ولا مغنية ولا صاحب لهو ولا ربملعوب ولا بغيّ ولا مخنث ولا ماجن ولا خليع ولا فاتك ولا فاسق إلا ويخرج لهذا العيدفيجتمع عالم عظيم لا يحصيهم إلا خالقهم‏.‏

وتصرف أموال لا تنحصر ويتجاهر هناك بما لا يحتمل من المعاصي والفسوقوتثور فتن وتقتل أناس ويباع من الخمر خاصة في ذلك اليوم بما ينيف على مائة ألف درهمفضة عنها خمسة آلاف دينار ذهبًا وباع نصرانيّ في يوم واحد بإثني عشر ألف درهم فضةمن الخمر وكان اجتماع الناس لعيد الشهيد دائمًا بناحية شبرى من ضواحي القاهرة وكاناعتماد فلاحي شبرى دائمًا في وفاء الخراج على ما يبيعونه من الخمر في عيد الشهيد‏.‏

ولم يزل الحال على ما ذكر من الاجتماع كذلك إلى أن كانت سنة اثنتينوسبعمائة والسلطان يومئذٍ بديار مصر‏:‏ الملك الناصر محمد بن قلاوون والقائم بتدبيرالدولة الأمير‏:‏ ركن الدين بيبرس الجاشنكير وهو يومئذ أستًا دار السلطان والأميرسيف الدين سلار نائب السلطنة بديار مصر فقام الأمير بيبرس في إبطال ذلك قيامًاعظيمًا وكان إليه أمور ديار مصر هو والأمير سلار والناصر تحت حجرهما لا يقدر علىشبع بطنه إلا من تحت أيديهما فتقدم أمر الأمير بيبرس أن لا يرمي أصبع في النيل ولايعمل له عيد وندب الحجاب ووالى القاهرة لمنع الناس من الاجتماع بشبرى على عادتهموخرج البريد إلى سائر أعمال مصر ومعهم الكتب إلى الولاة بإجهار النداء وإعلانه فيالأقاليم بأن لا يخرج أحد من النصارى ولا يحضر لعمل عيد الشهيد فشق ذلك على أقباطمصر كلهم من أظهر الإسلام منهم وزعم أنه مسلم ومن هو باق على نصرانيته ومشى بعضهمإلى بعض وكان منهم رجل يعرف‏:‏ بالتاج بن سعيد الدولة يعاني الكتابة وهو يومئذ فيخدمة الأمير بيبرس وقد احتوى على عقله واستولى على جميع أموره كما هي عادة ملوك مصروأمرائها من الأتراك في الانقياد لكتابهم من القبط سواء منهم من أسرّ الكفر ومن جهربه‏.‏

وما زال الأقباط بالتاج إلى أن تحدث مع مخدومه الأمير بيبرس في ذلكوخيل له من تلف مال الخراج إذا بطل هذا العيد‏.‏

فإن أكثر خراج شبرى إنما يحصل من ذلك وقال له‏:‏ متى لم يعمل العيدلم يطلع النيل أبدًا‏.‏ويخرب إقليم مصر لعدم طلوع النيل ونحو ذلك من هتف القولوتنميق المكر فثبت الله الأمير بيبرس وقوّاه حتى أعرض عن جميع ما زخرفه من القولواستمرّ على منع عمل العيد‏.‏

وقال للتاج‏:‏ إن كان النيل لا يطلع إلا بهذا الأصبع فلا يطلع وإنكان الله سبحانه هو المتصرف فيه فنكذب النصارى فبطل العيد من تلك السنة ولم يزلمنقطعًا إلى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة‏.‏ )  [51]

3- في التداوي :-

وكان بعض المسلمين يعتقد في الشفاء على أيدي القديسين ولو كانت الوصفة تضم لحم الخنزير الذي يحرمه الإسلام ،يقول المقريزى عن دير سرياقوس : (دير سرياقوس‏:‏ كان يُعرف بأبي هور وله عيد يجتمعفيه الناس وكانفيه أعجوبة ذكرها الشابشتي وهو أن من كان به خنازير أخذه رئيس هذا الدير وأضجعهوجاءه بخنزير فلحس موضع الموجع ثم أكل الخنازير التي فيه فلا يتعدّى ذلك إلى الموضعالصحيح فإذا نظف الموضع ذرّ عليه رئيس الدير من رماد خنزير فعل مثل هذا الفعل منقبل ودهنه بزيت قنديل البيعة فإنه يبرأ ثم يؤخذ ذلك الخنزير الذي كل خنازير العليلفيذبح ويحرق ويعدّ رماده لمثل هذه الحالة فكان لهذا الدير دخل عظيم ممن يبرأ من هذهالعلة وفيه خلق من النصارى‏.‏ ) 

وفي المقابل فإن كثيرا من الأقباط كان يعتقد في إمكانية الشفاء على أيدي الأولياء الصوفية المشهورين ، والشعراني افتخر بذلك فقال ( وما أنعم الله تبارك وتعالى به على : اعتقاد كثير من الإنس والجن واليهود والنصارى في الصلاح وإجابة الدعاء .. ووقائعي في ذلك كثيرة شهيرة ، ومن جملة اعتقاد اليهود والنصارى أنهم يطلبون مني كتابة الحروز لأولادهم ومرضاهم فأعطي أحدهم القشة فيبخر بها مريضه فيحصل له الشفاء فأتعجب في اعتقادهم مع اختلاف الدين وكثيرا ، ما أقول لهم : لم لا تسألون رهبانكم وعلماءكم فيقولون أنت أعظم عندنا من البطريرق ومن جميع أهل ديننا) [52].                                                                                                 

وتلك مجرد أمثلة للتشابه والتشارك في تفاصيل الحياة الدينية لمصر بعد الفتح الإسلامي يبدو فيها واضحا تباعد الفجوة بين الإسلام الحقيقي الذي ينبغي أن يكون والإسلام المعلن الواقعي الذي تسجله وقائع التاريخ . والنصوص الدينية في القرآن الكريم تقرر ما يجب أن يكون . والوقائع التاريخية تسجل ما هو كائن , ووظيفة البحث التاريخي أن ينبه للفجوة بين المفروض والواقع , بين المثل ( بضم الميم والثاء ) والتطبيق , ويهدف البحث التاريخي بذلك لان تضيق الفجوة بقدر الامكان  حتى يصبح اللاحقون خيرا من أسلافهم وحتى يتقدم الإنسان المصري ويتطهر من الخرافات. 



[1]
المقريزي الخطط : 1 /138 , 3 /561 , 581 .

[2] المقريزي الخطط: 3 / 536 : 538 . 

[3] المقريزي الخطط : 3 / 546 : 547 .

[4] المقريزي الخطط : 3 / 293 : 298 , 303 .

[5] المقريزي الخطط : 3 / 303 .

[6] المقريزي الخطط : 2 / 278 .

[7] محمد كامل حسين طائفة الإسماعيلية 151 : 153 , 156 : 157 .

[8] محمد كامل حسين : طائفة الاسماعيلية  159 , 160 .

[9] عبد المنعم ماجد : الحاكم بأمر الله : 74 : 75 . 0

[10] الخطط المقريزي 3 / 448 : 449 .

[11] الخطط المقريزي 2 / 161 : 162 .

[12] تكسير الأحجار : مخوط بدار.  الكتاب ورقة 146 , 147 رقم المخطوط 404 مجاميع تيمورية رقم 6 في المجموعة .  

[13] خطط المقريزي  2 \ 86 : 88 , 2 \ 482

[14] خطط المقريزي 3 \ 170 : 172 .

[15] خطط المقريزي 2 \ 204 : 215 .

[16] خطط المقريزي 2 \ 170 : 174 , 230 : 255 , 274 : 282 , 91 : 95 , 168 : 170

[17]مصطفى الشيبي : كتاب (الصلة بين التصوف والتشيع ) دار المعارف

[18] أحمد صبحي منصور : السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة 22 : 32 .

[19] محمد مصطفي حلمي : دائرة المعارف 9 \ 411 : 412 .

[20] خطط المقريزي  1/ 56 , المسعودي . مروج الذهب 2 / 401 نشر بارتييه ورمنياه

[21] دائرة المعارف 9 \ 409 , نيكلسون (في التصوف الإسلامي) 12 ,10 , 9 , القفطي : إخبار الحكماء 127 .

[22] المسعوي 2 \ 401 , حسن المحاضرة للسيوطي 1\ 511 : 512 .

[23] إلجامي : نفحات الإنس 26 . الطبقات الكبرى للمناوي مطبوع 1 \ 223 , 224 . 

[24] ماسون , أور سيل : الفلسفة في الشرق 63 .

[25] خطط المقريزي : 2 / 97 : 104

[26] محمد كامل حسين : طائفة الإسماعيلية 174 : 175 .

[27] محمد البهي : في الفكر الاسلامي . الطبعة الرابعة 1962 – 1381 . ص 16 .

[28] خطط المقريزي : 3 \ 188 , 541 , 570 وما بعدها حسن المحاضرة 1 \ 601 . 

[29][29] تاريخ الكنيسة القبطية : 455 , 457 , 461 , 471 , 475 , 476 , 482 , 484 , 514 : 522 : 525 .

[30][30] رسالة (إيمان فرعون ) لجلال الدين الدوانى وقد نشرها ابن الخطيب, وقد سجل ابن عربي آراءه عن فرعون في كتابه ( فصوص الحكم ) 248 : 264 بتعليق القاشاني . مطبعة الحلبي .

[31] الرسالة القشرية 8 . ط. صبيح  .

[32] أحياء . علوم الدين 3 \ 243 : 244 . المطبعة العثمانية . 

[33] ديانة مصر القديمة : 70 .

[34] عبد العزيز صالح : حوليات القاهرة 27 \ 159 , 195 , 196 .

[35] أستندروف : ديانة قدماء المصريين 84 : 86

[36] الرسالة القشيرية : 31 , 32 .

[37]عن الهاتف عن المسحيين (إعمال 8 / 26 , 9 / 3 ) تاريخ الكنيسة القبطية :- 422 , 593 , 594 , 650 وعن الغيب : (  أعمال 5 / 1 :11 , 11 / 27) تاريخ الكنيسة القبطية : 142 , 167 , 196 , 198 , 201 , 205 , 301 , 369 , 385 , 400 , 401 , 423 , 466  وتلك مجرد أمثله , أما الكشف أو الغيب عند الصوفية فهو أكثر من أن  يحصي في المراجع الصوفية .  

[38] لطائف المنن 508 , طبقات الشاذلية للكوهن  253 د . عبد الحليم محمود : الشاذلي : 44 سلسلة اعلام العرب .

[39] عن أعلام الأقباط في ادعاء الكيمياء : تاريخ الكنيسة القبطية 294 , 395 , 438 , 509 وما بعدها .

[40] عن الكيمياء عند الصوفية :- عن الشاذلية : التنوير لابن عطاء 82 , تعطير الأنفاس مخطوط 48 , 31 وعند باقي الصوفية : الطبقات الكبرى للشعراني : 2 \ 73 , 586 لطائف المنن للشعراني 750 . مجرد أمثلة .

[41] استندروف : ديانة قدماء المصريين 22 , 56 : 57 كورنيل : الحياة في عهد الفراعنة : 13 , أحمد زكي بدوي تاريخ مصر الاجتماعي 28 .

[42] تاريخ الكنيسة القبطية : 27 , 126 , 229 , 356 , 388 , 393 , 420 , 421 , 424 , 647 , 650 . 425 , 473 .

[43] المنهل الصافي لأبي المحاسن : مخطوط 1 / 93 , 2 / 405 . الكواكب السيارة : 144 , 207 , 244 , 245 , 294 , 233 ,197 , 119 , 184 , 291 . 

[44] خطط المقريزي : عن المسلمين : 3 / 448 وما بعدها , 2 / 161 , 3 478 , 485 , 437 , 446 , 449 , 479 عن الأقباط : خطط 3 / 552 : 569 , تاريخ الكنيسة القبطية : 224 , 361 , 376 , 444 . مجرد أمثلة وعن الأساطير الخاصة بالأضرحة عن المسلمين : خطط 3 / 426 , 437 , 446 , 2 / 161 . والأساطير الخاصة بالأضرحة المسيحية خطط 3 / 554 , 558 , 559 , 560 , 563 , 564 , 566 .. الخ .      

[45] تاريخ الكنيسة القبطية : 195 , لطائف المنن للشعراني 316 , 302 , 340 .

[46] تاريخ الكنيسة القبطية : 194 , 196 , خطط المقريزي 3 / 423 : 467 , 3 / 565 . 

[47] تاريخ الكنيسة القبطية : 141 ، 175 ، 200 ، 210 ، 309  خطط المقريزي 3 / 559

[48] خطط المقريزي 3/  560 : 561 .

[49] خطط المقريزي 3/450 : 453 ، 454 .

[50] خطط المقريزي 3/568 ، 561 ، 569 ، 581 .

[51] خطط المقريزي 1/125 ، 3 /555 ، 556 ، 557 ،558 ،579 .

[52] خطط المقريزي 3/ 562 ولطائف المنن للشعراني  272 : 274 ط . عالم الفكر .

الخاتمة

  الخاتمة :

1 ـ لقد وضح من تلك العجالة أن الفتح الاسلامى لمصر لم يؤثر على وضعها الاستراتيجى وعلاقتها بالشام باعتباره الساحة الشرقية لمصر .

أي أن استراتيجية مصر قبل الفتح الإسلامي هي نفسها بعد الفتح الإسلامي .

فالشام – أو على الأقل جنوب الشام – ضروري لأمن مصر , والفتح الأتي للشام لابد أن يصل لمصر , وفتح مصر غربا لابد أن يصل للشام ليدعّم وضعه فى مصر. والحاكم القوى في مصر لابد أن يسيطر على الشام , والحاكم الطموح في الشام لابد أن يطمع في مصر إذا كانت ضعيفة . هذا ما تأكد عبر وقائع التاريخ .

ولكون الشام فسيفساء عرقية ودينية ومذهبية تستعصى على التوحد فإن العادة أن يكون الشام تابعا لمصر وضروريا لحمايتها من الخطر الآتى من الشرق . ولكون مصر و الشام وحدة عضوية استراتيجية فإن قوة مصر وانصهارها مع الشام ضرورية استراتيجية للطرفين ، وبنفس القدر فإن تفككهما بسبب ضعف مصر يدفع ثمنه الشام مع مصر وربما قبل مصر ، لأن الحروب والقلاقل ستسيطر على المنطقة .

ومصر فى عصرها الراهن خير دليل .

بخلق دولة اسرائيل تم الفصل بين الشام ومصر، واصبح الخطر الاسرائيلى يهددهما معا. ولأن المنطقة ( مصر والشام ) لا تسع سوى قوة اقليمية واحدة ينبغى أن تكون مصر فإن الصراع تركز بين اسرائيل ومصر . ولقد حاول عبد الناصر عقد الوحدة بين سوريا ومصر ليواجه اسرائيل وحلفها السرى مع الاردن ، ولكن سقطت الوحدة ثم سقط عبد الناصر ومشروعه ، وأصبحت اسرائيل هى القوة الكبرى فى المنطقة ، وتم تهميش مصر لتصبح تابعا لامريكا أو إسرائيل وللسعودية .

وتهميش مصر و تقزيمها دفع ثمنه العرب جميعا لأنه أتاح الفرصة لزعامات فردية عربية لتحاول ملء الفراغ المصرى ، دون أن تتوفر لها البنية الاستراتيجية والحضارية والتاريخية التى تؤهلها للعب هذا الدور، سواء نظام الحكم فى السعودية أو العراق أو ليبيا ، وقد كانت تلك المناطق أو معظمها تابعة لمصر فى العصور الوسطى ، ثم  أصبح لها كيان سياسى من وقت قريب ، فكيف لها أن تلعب الدور المصرى الذى يبلغ عمره عشرات القرون ؟ لذا فإن هذه المحاولات للعب الدور المصرى لن ينتج عنها سوى المزيد من القلاقل التى تصب فى إزدياد ضعف العرب و قوة اسرائيل .

هنا لا بد أن تكون مصر قوية لأنها صمام أمن المنطقة .

وفى الماضى كان ضعف مصر وقوتها مرتهن بشخص الحاكم الفرعون حيث كان الاستبداد هو ثقافة العصور السابقة . وأثبتت تجربة عبد الناصر أن الاستبداد لا يمكن أن يخلق دولة قوية فى عصرنا الراهن ، مهما بلغ حسن نوايا الحاكم المستبد .

ثقافة عصرنا الراهن تجعل الديمقراطية هى السبيل الوحيد للتقدم والقوة بحيث لا يكون فى مصر سوى شخص واحد هو عبد الناصر بل يكون فيها ملايين الأشخاص الفاعلين المتفاعلين النشطين مثل عبد الناصر . ولو تحققت لمصر الديمقراطية لتخلصت ليس فقط من خطر اسرائيل بل من خطر الحكم الدينى القادم الذى يمثله الاخوان المسلمون .وخطرالاخوان المسلمون فى الداخل واسرائيل فى الخارج يستمران ويتزايدان نفوذا ليس بمجرد القوة الذاتية ولكن أساسا بسبب ضعف مصر داخليا وخارجيا . والديمقراطية هى الحلّ.

هذا هو الدرس المستفاد من تاريخ مصر والشام . لا بد أن تتقدم مصر وتقوى بالديمقراطية لتنقذ نفسها وتنقذ الشام والعرب .

هذا هو ما يخص  اللاتغيير الذى أحدثه الفتح الاسلامى لمصر من الناحية الاستراتيجية .

2 ـ كما وضح أيضا أن الفتح الاسلامى الذى جاء تحت شعار الاسلام لم يؤثر كثيرا فى الدين المصرى العتيد المتوارث من مصر القديمة لأن  المصريين بعد الفتح الإسلامي لم يتغيروا بالإسلام بالقدر الكافي ، وتلك حقيقة تاريخية تعد من طبائع الأشياء ، فهناك دائما فجوة بين أوامرالدين الالهى وبين تطبيق الناس لها. وتتجلى هذه الفجوة واضحة فى التاريخ المصرى الممتد والموغل فى القدم والذى يقدس الموروث والمتوارث والثوابت ، وسبق توضيح تناقض تلك الثوابت المصرية مع عقيدة الاسلام فى أنه لا اله إلا الله وعدم تقديس البشر. ومع هذا تظل مصر تحتفظ بمفاجأة أن يظهر فيها مؤمنون موحدون يسيرون على طريق سحرة فرعون وإمرأة فرعون ومؤمن آل فرعون ، مهما بلغ طغيان و كفر الفرعون.

ولهذا بدأت الصحوة في مصر، وبدأت سحب الخرافات في الانقشاع رويدا رويدا ،وبدأ الاتجاه نحو الإسلام الحقيقي في القرآن الكريم ، ونأمل أن تستمر هذه الصحوة لتتطهر بها العقيدة المصرية الدينية من شوائب الشرك والخرافة .

3 ـ وقبل أن نختم هذه الدراسة عن الحياة الدينية في مصر قبل وبعد الفتح الإسلامي نقرر حقيقة هامة هي أن الضجيج السابق عن المعتقدات الشركية بين المسلمين والأقباط منذ العصر الفاطمي ليست إلا أحكاما نسبية ، فالتاريخ لا يرصد إلا ما ظهر وبان للعيان ، ولا يظهر لعيون التاريخ إلا ما تفعله الأكثرية والأغلبية من الشعب ، والأغلبية مدانة باتباع الهوى ومسايرة الشيطان ، ويكفى أن تراجع لفظ أكثر في القرآن الكريم لتجده دائما صفة للكفر والشرك وعدم الفهم وعدم البصيرة . (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ )( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ)( يوسف 103 ، 106) (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا )( الفرقان ) (43 : 44) .

لقد حادت أكثرية أهل الكتاب عن منهج الله ولكن بقيت منهم بقية مؤمنة (لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) ( وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) ( آل عمران  113 : 115 ، 199 ) .

وهو نفس الحال مع المسلمين المصريين لأنهم ببساطة أبناء أهل الكتاب ، ومن الطبيعى أن يسلكوا مسلك آبائهم ، ولو تحت أسماء اسلامية ومظاهر إسلامية تعيد إنتاج الثوابت العقيدية الراسخة ، وهذه الثوابت ( المصرية)هى التى تمصّر كل وافد الى مصر سواء كان من البشر أو من العقائد والأديان .

لقد كانت مصر ولا تزال مجتمعا دينيا له سماته الدينية المستمدة من حضارة مستمرة لأكثر من خمسين قرنا قبل الفتح الإسلامي وبعده, وإذا كان من المصريين من اقتدي بفرعون وسار على نهجه فان منهم من اقتفي أثر مؤمن آل فرعون الداعية للتوحيد وتمسك بدين الله , ومعناه أنه مهما تعاظم البعد عن منهج الله فلا يمكن أن يمحى الإيمان والتوحيد في هذا البلد , إلا إنه مع الأسف فإن أصحاب الحق وإن كانوا موجودين فعلا في العصور القبطية والفاطمية والصوفية إلا أن التاريخ لم يفرد لهم مكانا بين صفحاته,و  كنا نتمنى أن نتعرف عليهم بين سطور الحوليات والخطط لنعطيهم حقهم من التنويه ولكن شأن التاريخ دائما أن يهتم بالظواهر والعموميات والأغلبية والأكثرية , وأصحاب الجاه وأبناء الدنيا , وفي النهاية فيكفي أولئك الذين نحس بوجودهم أن القرآن الكريم أشار إليهم ونوه بهم ونص على وجودهم (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ )( سبا 13 ). (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ )( ص 24 ) (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ  )( الواقعة 10 : 14 ) .       

وليكن عزاؤنا في عدم عثورنا على تلك الأقلية المصرية المؤمنة في عصورنا  القبطية والفاطمية والصوفية أن القرآن الكريم ضرب لهم أمثالا رائعة في شخص مؤمن آل فرعون (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ )( غافر 45 ) وفي الصمود الرائع للسحرة المصريين (قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى )( طه 72 : 75 ).

بل وجعل من النساء المصريات المؤمنات مثلا أعلى لكل المؤمنات (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْ"RTL"> الغزالي .. إحياء علوم الدين : المطبعة العثمانية .

عبد الكريم الجيلي : الإنسان الكامل . جزءان . مطبعة الحلبي .

ابن عربي فصوص الحكم : تعليق القاشاني . مطبعة الحلبي .

الشعراني : لطائف المنن ط . دار الفكر , ط 1288 هـ ,

الطبقات الكبرى . ط صبيح .

القشيري : الرسالة القشيرية . ط . صبيح

خامسا – الدراسات العامة والمتخصصة :

أحمد زكي بدوي : تاريخ مصر الاجتماعي

أحمد صبحي منصور : أثر التصوف في مصر العصر المملوكي : رسالة دكتوراه غير منشورة :  كلية اللغة العربية جامعة الأزهر ,

 أثر العصبية القبلية في الدولة الأموية بحث ماجستير غير منشور  لكلية اللغة العربية .

السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة : الطبعة الأولى  1982 .

حسن بيرينا : تاريخ إيران القديم : ترجمة د . نور الدين عبد المنعم والسباعي محمد السباعي . مكتبة الانجلو .

عبد المنعم ماجد : الحاكم بأمر الله : مكتبة الأنجلو  1959.

العبادي : مصر من الاسكندر الى الفتح العثمانى . مكتبة الانجلو 1975

المناوي : الوزارة والوزراء في العصر الفاطمي . دار المعارف .

محمد كامل حسين : طائفة الإسماعيلية ., مكتبة النهضة , الطبعة الأولى 1959 .

ويلز . موجز تاريخ العالم . ترجمة عبد العزيز جاويد 1958 .