مصر فى القرآن الكريم
مصر فى القرآن الكريم
1ـ نشرت مؤسسة أخبار اليوم هذا الكتاب فى سلسلة (كتاب اليوم) العدد 306 فى ابريل عام 1990 .
تمهيــــــــد
إلي: سحرة فرعون.. المثل الأعلى الذي ضربه المصريون في التضحية في سبيل الحق..
" قَالُوا: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى .. 72، 73 من سورة طه."
تمهيــــــــد
القرآن الكريم كتاب إلهي في الدعوة للهداية أساساً،وليس كتاباً متخصصاً في العلوم
أو في التاريخ ،إلا أنه من خلال دعوته للهداية حوى كل الأساليب من إيراد القصص
التاريخي وضرب الأمثلة والإتيان بالحقائق العلمية اليقينية.
وهكذا فالحقيقة التاريخية المذكورة في القرآن ليست هدفاً في حد ذاتها وإنما هي وسيلة للهدف الأساس وهو الهداية للحق . وتبعاً لذلك فإن منهج القرآن في إيراد القصص التاريخي يختلف عن المنهج التاريخي للمؤرخين ، فالمؤرخ حين يذكر حادثة تاريخية معينة لابد أن يهبط بها على أرض الواقع بأن يذكر المكان والزمان والأبطال ولا يهتم المؤرخ بإيراد العبرة من الأحداث بل ربما يتركها للقارئ.
أما القرآن فله شأن مختلف فالعبرة هي الأساس من إيراد القصص القرآني، يقول تعالى في نهاية سورة يوسف التي ركزت على قصة يوسف عليه السلام وآله " لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) .
وقد يكون من الأوقع في الاعتبار والإتعاظ أن تتحرر الحادثة التاريخية من قيود الزمان والمكان وأسماء الأشخاص لتتحول الحادثة المحددة بالزمان والمكان إلى قضية عامة تنطبق على كل عصر وكل مكان وكل شخص إذا انطبقت عليه ملابستها .
وتلك عظمة القصص القرآني الذي لم يتحدث عن كفار قريش مثلا بأن يحصرهم في الزمان والمكان بل عمم الوصف فقال " الذين كفروا" أو" الذين أشركوا. " لينطبق ذلك الوصف على كل من يستحقه يقول تعالى " أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ ؟ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ ؟،قُلْ :لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السماوات وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ " الزمر 43 :45 .
فالقرآن يحول عقيدة القرشيين في القرن السابع الميلادي إلى قضية عامة لم يرد فيها ذكر للتحديد بالزمان أو المكان وبذلك تنطبق الآية على جميع من وصفتهم الآية بالذين " لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ".
يحاول أن يستخلص الموعظة والعبرة من القصص القرآني عن مصر ، وذلك بعد أن يتتبع الإشارات القرآنية ليستضئ بها في رسم صورة تاريخية لأحوال مصر السياسية والاجتماعية في عصر الهكسوس والرعامسة " رمسيس الأول وخلفاؤه. "
|
التعليقات (7) |
| [42647] تعليق بواسطة عائشة حسين - 2009-10-04 |
|
مصر ومصرا هل هناك فرق بينها
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
. إذا كان الهدف الأساس من القصص القرآني العبرة والتخويف من الآخرة ، فإن القرآن يسمو بالقصص من محليتها لتعبر عن قضايا عامة تصلح لفهم كل عصر بفضل ما تحمله من أوصاف ودلالات عامة . لكن نعود إلى مصر في القرآن موضوع الكتاب هل كل لفظ مصر تعني مصر البلد التي نعرفها ؟ هل هناك فرق بين مصر و مصرا بالتنوين . شكرا أستاذنا الفاضل |
| [42667] تعليق بواسطة فتحي مرزوق - 2009-10-05 |
|
الأستاذ عبدالوارث الدسوقي ونصرة المظلوم
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
بالرغم من أن الأستاذ عبدالوارث السوقي وقف وقفة بطولية في معركة كانت تبدو في الوهلة الأولى غير متكافئة إلا أنه بشعوره بصدق القضية وإصراره على الوقوف وبإصرار كفل له النجاح في مهمته ،لأنه لا يبغي من وراء وقفته مصلحة شخصية أو ظهور لأنه يقنع بإعداد الكوادر الصحفية هانئا بما يراه من تفوقهم وتقلدهم للمناصب الرفيعة فرحم الله الرجل وأسكنه فسيح جنانه ولا عزاء للمنافقين الذين يلعبون على كل الأحبال على رأي حلم على حسب الريح ما تودي . |
| [42677] تعليق بواسطة محمود مرسى - 2009-10-05 |
|
مسجدين مباركين ودواماً لأمتين .
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
دائماً كتب ومقالات الدكتور منصور تثير فينا التأمل والتفكر في تاريخ أماكننا وأممنا ، فمن الملاحظ أن الله تعالى قد أكرم أمتين متجاورتين لأنهما يضمان على أرضيهما مسجدين مباركين مقدسين،هاتان الأمتان هما الأمة المصرية القبطية ، والأمة العربية في الحجاز التي يوجد بها مكة والتي تضم المسجد الحرام ،فقد استمر وجود هذه الأمة حول البيت الحرام ولم تندثر إلى وقتنا هذا ، وقد زقها الله تعالى الرزق الوفير رغم ما هم فيه من تجاوز لحدود الله في كثير من الأحيان ، وكانت دعوة إبراهيم عليه السلام في القرآن الكريم أن أجيبت وزيادة من عند الله تعالى {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }البقرة126إذن إكراماً للبيت الحرام فإن الله تعالى قد أمر ووعد بأن يرزق حتى الكافر المجاور للمسجد الحرام مادام للمسجد الحرام وجود وكيان ، وهذا يعني وجود واستمرارية الأمة المجاورة للمسجد الحرام .
|
| [42749] تعليق بواسطة عبدالمجيد سالم - 2009-10-07 |
|
بلاط صاحبة الجلالة والموقف المتحيز
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
كان الدكتور أحمد يكتب مجانا في الأخبار ورضيت مؤسسة ضخمة كالأخبارعلى نفسها أن تأخذ أجر من يستحق لتعطيه لكثيرممن لا يستحقون .. وكان يحارب الأستاذ الدسوقي طواحين الهواء لكي ينشر للدكتور مجانا في الوقت الذي ينشر غيره بدون حرب ناعما بالأجر المغدق ، ما هذه المفارقات التي تحدث في بلاط صاحبة الجلالة .حتى عندما شعر الرجل الطيب الأستاذ الدسوقي بقلة ذات اليد لدى الدكتور أحمد مع وفرة في ترفع نفسه وتعففها ، رحب باقتراحه بتأليف كتابا هادئا على حد تعبيره وحتى بعد طبعه لم يتم تسويقه بالطريقة المعتادة وتمت محاربته رغم إيرادته المرتفعة وطبع مؤلفات أخرى رغم خسارةالجريدة الفعلية !!! |
| [42816] تعليق بواسطة سوسن طاهر - 2009-10-09 |
|
المساومة وركوب الموجة
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
رفض الدكتور منصور أن يكون سلاحا رخيصا في يد مجموعة تحاول التغلب على أخرى في الجامعة بالرغم من أن عودته لوظيفته المرموقة في الجامعة مصدر الرزق الوحيد لديه وهو صاحب أسرة .جاء الرفض عن قناعة لأن من يقفون معه الآن كانوا هم نفسهم ضده . وهم لا يشاركونه نعتقده وإنما تحركهم نار الانتقام فقط وكل الأسلحة مباحة في الحرب كما يقولون ، حتى في المناظرة رفضها هي الأخرى لأسباب لا تتعلق بالمال أو الأجر إنما كان الرفض لأن الصحفي لم يعطه وعدا بعدم تغيير أو حذف في أقواله ، وهذا لإيمانه الصادق بأن الرزق ليس بيد هؤلاء أو أولئك ولكن هو بيد الله فقط . كم من الرجال قابلت في حياتي !! أن مصرنا بخير طالما أن بها وسيظل إن شاء الله أصحاب مبادئ وقيم رغم ما يمرون به من صعوبات تجعل البعض يتنازل أو يغمض عينيه حتى تمر الموجة بعدها يعود وقد استفاد من مرتين واحدة من سكوته وأخرى بعد الموجة .وهو قطعا لم يقل إني أغرق لأن مثله لايمكن أن يغرق نظرا لأن في حوزته الكثير من التجارب والزوارق التي تنجيه من الموج الأزرق الذي يصيب العينين .. |
| [42829] تعليق بواسطة نورا الحسيني - 2009-10-09 |
|
إتاحة قراءة هذه الكتب القيمة.
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
كنت أجول في أحد أماكن بيع الكتب القديمة وأثناء بحثي وجدت هذا الكتاب ( مصر في القرآن الكريم ) للدكتور أحمد صبحي منصور . وعلى الرغم من امتلاكي نسخة أحتفظ بها اشتريته وأهديته لإحدى صديقاتي التي أعجبت أشد أعجاب بالكتاب وبطريقة المؤلف في الكتابة واعتماده على القرآن الكريم . وظللت بعدها أبحث علّي أجد كتب أخرى منسية لم يتم مصادرتها ولكني لم أجد. ولكن بنشر الكتب على موقعكم أهل القرآن أتحتم لنا قراءتها فجزاكم الله خيراً وقواكم على هذا الجهاد السلمي ونشر الفكر بطريقة ميسرة لنا . |
| [42883] تعليق بواسطة sara hamid - 2009-10-10 |
|
مسكين يا دكتور احمد ما هذه المحنة التي مررت بها
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
والله قلبي يتقطع الما وانا اقراء المقدمة يا ساتر عبالك كنت عايش في غابة وحوش
|
الفصـل الأول :
أولا : كلمة مصر في القرآن الكريم :
ا ـ
" وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَ&Ccl;كُمَا بِمِصْرَ بُيُوتا : يونس87ً "
و " وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ.. يوسف21 "
و" وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ : يوسف99 "
و" وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ.. 51 الزخرف "
وفي قوله تعالي في قصة موسي قال : " اهْبِطُوا مِصْرًا.. البقرة 61 "
وواضح أن كلمة " مصر" قد وردت في سياق قصتي يوسف وموسي إلا أن الأمر الذي يستدعي إيضاحا هو قوله تعالي علي لسان موسي لقومه . " اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ .. 61 البقرة "
فكلمة " مصر" هنا لا تدل علي مصر الوطن وإنما تعني المدينة المتحضرة أي مدينة متحضرة في أي مكان . ودليلنا أن كلمة " مصر" في الآية جاءت مفعولا به منصوبا وهي منونة " مصرا " أي ليست ممنوعة من الصرف ، وفي موضع آخر يقول تعالي علي لسان يوسف " وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ :99 يوسف " فجاءت الكلمة هنا " مصر " تدل علي الوطن وهي مفعول به أيضا ومنصوب ولكن بدون تنوين لأنها ممنوعة من الصرف حيث تدل علي( مصر) الوطن الأعجمي.
وهذه التفرقة اللغوية الدقيقة بين كلمة " مصر" في الآيتين توضح لنا أن كلمة "مصر" لها معنيان :
وفي القاموس في معاني كلمة مصر : " مصروا المكان تمصيرا جعلوه مصرا فتمصر " ومصر أي المدينة التي تتميز عما حولها من بوادي. ونفهم ذلك من قولهم عن عمر بن الخطاب أنه الذي " مصر الأمصار " أي " أنشأ الأمصار" أو أنه بعث العمال أو الولاة علي "الأمصار" أي الولايات . وقد أطلقوا علي الكوفة والبصرة لقب "المصران" مثني " مصر" . وقد بدأ التمدن في العالم ببناء المدن في مصر لذا نحتت اللغة العربية كلمة مصر" لتدل بها علي قيام الدولة أو المدينة المتحضرة التي تحيط بها البوادي .
وكلمة " مصر" بمعني البلد المتمدن أو الدولة تعتبر اعترافا من اللغة العربية بقدم العمران المصري والحضارة المصرية. فالعرب حين عرفوا النطق باللغة العربية استعاروا كلمة " مصر " لتدل علي المدينة والحضارة ،ثم جاء القرآن فيما بعد يسجل هذا المعني ويميزه بفارق لغوي دقيق حين يجعل كلمة " مصر" الوطن ممنوعة من الصرف باعتبارها علما ـ وذلك في أربعة مواضع ، ثم تكون كلمة " مصر" الدالة علي المدينة منونة في موضع وحيد في القرآن الكريم .
" وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ.. القصص 6" ، " إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ.. القصص 19" "وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ.. القصص 39"
ونسير مع قصة موسي في سورة الأعراف لنجد القرآن أيضا يعبر عن مصر باسم الأرض في قوله تعالي: " وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْض : الأعراف 127 " ، " قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ: الأعراف 128 " ، " قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ .. 129 الأعراف "
إلي أن يقول تعالي عن نهاية فرعون ويصف مصر بأروع وصف : " وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا.. 137 الأعراف "
وفي قصة يوسف يقول تعالي عن تطور مكانة يوسف في مصر " وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ : يوسف 56 " وحين طلب وظيفة من الملك قال له " قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ: يوسف 55 " فكانت خزائن مصر هي خزائن الأرض جميعا .
وفي الوقت نفسه كان فرعون يخشى من دعوة موسي أن تتمخض عن انهيار حضارة مصر فيقول لقومه: " إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ: غافر 26 " .
وعبر القرآن الكريم عن اعتزاز المصريين بوطنهم ويتجلى ذلك في قولهم لموسي أو عن موسي وأخيه. " قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ.: طه 63 "
" قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى ؟ : طه 57 "
فقالوا " أرضنا" و " أرضكم " تمسكا منهم بوطنهم .
| تعديل | To English |
|
التعليقات (2) |
| [43058] تعليق بواسطة عائشة حسين - 2009-10-18 |
|
ليت التميز يعود يوما
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
. أي أن نسبة ذكر مصر في القرآن بصفتها الوطن الأعجمي( الممنوعة من الصرف) هي الأكثر عددا،حيث أن كلمة مصر تذكر أربع مرات بينما تذكر كلمة مصر مرة واحدة للدالة على المدينة في موضع وحيد على لسان موسى عليه السلام: ( اهبطوا مصرا ) وحتى في هذه المرة الوحيدة لا يمنع أن يكون الهبوط في مصر الوطن أيضا، ضمن البلاد المصرح النزول بها في ذلك العهد حيث التقدم والحضارة و الزراعة حيث سيجدون ما طلبوا من نبي الله موسى من طعام لم يكن متوفرا لديهم وبصرف النظر عن الدروس المستفادة من هذه القصة وبما تصفه من حالة عدم الرضا بما لديهم مع أنه خير بوصف القرآن :
|
| [43066] تعليق بواسطة نورا الحسيني - 2009-10-18 |
|
مؤمن آل فرعون .
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
مؤمن آل فرعون من الأمثلة الحسنة التي يجب الاقتداء بها، شهد شهادة حق في وقت ضيق وفى أشد الاحتياج إليها، ليتنا نأخذه قدوة في استنكاره لقومه حينما أرادوا أن يقتلوا نبي الله موسى لمجرد أن قال ربي الله في وقت غلبت فيه القسوة ، مما ينبهنا إلى ضرورة عدم كتمان شهادة الحق وخاصة إذا كانت مرتبطة بتوحيد الله تبارك وتعالى . {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ }غافر28 |
|
||||||
|
||||||
|
|
لمحات قرآنية عن الدولة المصرية
ثانيا :
1 ـ رأينا إشارة قرآنية لعظمة الدولة المصرية منذ ا&aatilde;ية منذ القدم من خلال ورود كلمة (مصر) في القرآن ومن خلال الإشارة إليها علي أنها " الأرض " ، ومن الطبيعي أن هذه العظمة الدنيوية تتجلي أساسا في نظام الحكم السياسي وقوة الدولة المصرية القديمة .
ويمكن أن نتخيل شخصية الملك الهكسوسي من خلال قصة يوسف ، فهو ملك له " ملأ " أي مجلس مشورة يستشيرهم ، وإن كانت علاقته بذلك الملأ لا ترقي إلي العلاقة العضوية التي كانت بين فرعون موسي وملائه، فبينما يجد فرعون موسي كل التأييد من ملائه نري الملك الهكسوسى يفتقد حماس أتباعه حين قص عليهم رؤياه (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ، قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ) " يوسف 43 "
ومن دراسة النصوص القرآنية التي تتناول علاقة فرعون موسي بملائه يمكننا أن نتوقع رد فعل مناقضا ، فلو تخيلنا أن فرعون موسي قص علي ملائه رؤياه وقال لهم : (يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) لسارعوا بتفسير للرؤيا يعرفون أنه يتفق مع هوي الفرعون ، ولربما أحضروا له سريعا السحرة والمنجمين والعرافين . وما كانوا بالتأكيد سيقولون له في تثاؤب وكسل " قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ.. يوسف: 44 "
* * *
ومع ذلك فالملك الهكسوسي فى قصة يوسف كان لا يخلو من فراسة صادقة ومعرفة بأقدار الرجال ، ويتجلى ذلك في اختياره ليوسف الذي تم بعد تفكير ودراسة نعرفها من خلال الآيات . فالملك حين خاب أمله في الملأ الذي عجز عن تعبير رؤياه رشح له الساقي ـ زميل يوسف في السجن من قبل ـ يوسف ليأخذ منه تعبير الرؤيا ، وأرسله الملك إلي حيث يوسف في السجن ، ثم عاد الساقي بتفسير الرؤيا ، وعرضها علي الملك .
وأرسل الملك رسولا خاصا من لدنه إلي يوسف في السجن ، وذلك تكريم خاص ليوسف لا يحلم به سجين في تلك العصور . ولكن يوسف أصر أن يخرج من السجن وصفحته نقية من تلك التهمة الكاذبة التي ألصقوها به ظلما . وأدي ذلك الموقف من يوسف إلي تصعيد جديد آثار اهتمام الملك بيوسف أكثر ، ولا ريب أن الساقي قد حدث الملك من قبل عن شخصية يوسف من خلال احتكاكه به في السجن ، ثم جاء رفض يوسف للخروج من السجن إلا بعد إثبات براءته ليجعل الملك يقوم بنفسه بالتحقق من ملابسات الحادث الذي مضي عليه سنوات .
ولذلك فالملك يستدعي النسوة ويحقق معهن ويبدأ التحقيق باتهامهن بأنهن اللاتي راودن يوسف عن نفسه ، أي يبدأ التحقيق باتهامهن بدلا من اتهام يوسف ، أي أنه من البداية نصب الملك نفسه مدافعا عن يوسف البريء، ولذا يعترفن ببراءة يوسف وتعترف امرأة العزيز أمام الملك بأنها المذنبة .
* * *
4 ـ ويقول مؤرخو مصر القديمة بأن الهكسوس لم يعاملوا المصريين إلا بالعنف والقسوة ، ولكن هذا الاتهام يعوزه الدليل الحاسم ، ولكن القرآن يعزز ذلك الرأي ..
فهناك شخص بريء دخل السجن ظلما ليستر فضيحة امرأة العزيز والنسوة المترفات في المدينة، وكل الذنب الذي وقع فيه يوسف عليه السلام أنه تمسك بالعفة مع تهديدهن له بالسجن إن لم يستجب لنزواتهن. "ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ : يوسف 35 "
وكان من الممكن أن ينسوا يوسف في السجن فيظل فيه إلي أن يموت لولا أن مسار الأحداث اتجه إلي رؤية الملك والتداعيات بعدها ..
لقد رأي كلاهما رؤيامستوحاة من مهنته الأصلية ، فالخباز رأي أنه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه ، والساقي رأي أنه يعصر خمرا.
وانشغل الساقي بهموم الطبقة العليا وحياة القصور ونسي ذكريات السجن والسجين المظلوم الذي كان يستضيء به في ظلمات السجن ، ولم يتذكره إلا عندما اقتضت مصلحة الملك ذلك عندما عجز الملأ عن تفسير الرؤيا. "وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ.. يوسف 45 "
والذي يعنينا هنا أن الساقي الذي ينتمي للطبقة الحاكمة قد خرج من السجن ووجد وظيفته في البلاط بجانب الملك ، هذا بينما الخباز المسكين يلقي حتفه مصلوبا ،والخباز بحكم مهنته لابد أن ينتمي للطبقة الشعبية . والمفهوم أن جريمته قد لا تتعدي السرقة مما تقع عليه يداه من دقيق وخبز . وذلك ما يعكسه المنام الذي رآه وهو يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه ، أي أنه جوزي بسرقته الخبز فصلبوه بسبب ذلك ..
وإمرأة العزيز تهدد يوسف بالسجن أمام زوجها " قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : 25 يوسف "
وتهدده بالسجن أمام النسوة " وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ.. يوسف 32 "
ويرضي يوسف بالسجن "قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ: يوسف 33 "
وتظل رابطة السجن قوية في نفس يوسف فيخاطب رفيقيه بقوله: "يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ : يوسف 39 " وحتى بعد أن أصبح يوسف عزيز مصر وله فيها مطلق السلطات فإن ذكريات السجن ظلت تلاحقه ، وهو في تمام النعمة يقول : "وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ :100 يوسف "
وارتبط السجن بالعذاب الجسدي والنفسي وذلك ما تلحظه في قول امرأة العزيز. "إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : يوسف 25 " ".لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ: 32 يوسف"
ويكفي في قسوة السجن أن يوسف قال للساقي الذي تنبأ له بالخروج. "اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ: 42 يوسف "
ونسي الساقي فلبث يوسف "فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ : 42 يوسف " .
وظل السجن المصري مرعبا بعد يوسف . ففي قصة موسي نري الفرعون يهدده قائلا:
"لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ.. الشعراء 29 " .
6 ـ وإلي جانب الملك الهكسوسي نلمح وظيفة سياسية أخري رفيعة المنزلة وهي " عزيز مصر" وجاء هذا اللقب مرتين في حديث القرآن عن المرأة التي راودت يوسف عن نفسه وهي امرأة العزيز، وجاء مرتين وصفا للمكانة التي احتلها يوسف بعد أن مكن الله له في الأرض .
لقد عبر القرآن الكريم عن تخاذل شخصية عزيز مصر الذي تربي يوسف في بيته فجعله يتوارى خلف شخصية زوجته اللعوب "وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ.. يوسف 30" "قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ.. يوسف 51"
وعبر القرآن الكريم عن قوة شخصية يوسف حين تولي هذا المنصب بجدارة ، فقد قام يوسف بأعباء المنصب إلي درجة أن أخوته حين دخلوا عليه لم يعرفوه بينما عرفهم . "وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ : يوسف 58"
وقد أخذتهم هيبة يوسف فأخذوا يرجونه حين أخذ أخاه "قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ : يوسف 56 "
ثم حين رجعوا له قالوا خاضعين . "يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ: يوسف 88."
ومن خلال المهام التي قام بها يوسف تعرف أن منصب عزيز مصر هو الإشراف الكامل علي شئون مصر الزراعية والاقتصادية ، فبذلك المنصب مكن الله تعالي ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء . أو أن يوسف كان يشارك في حكم المملكة ونلمح ذلك من قوله وهو يشكر ربه تعالي: "ربِّ قَدْ آَتََيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ: يوسف 101" .
وكان المصريون في عصر يوسف يقولون عنه باللغة المصرية القديمة" عزيز مصر" وإلي عهد قريب كان من ألقاب التشريف أن يقال بالعربية التركية ( عز تلو) وبالعربية الفصيحة " صاحب العزة" .
ونفهم من ذلك أن الحدود المصرية الشرقية كانت لها بوابات متفرقة . وأن عليها حرساً شديدي الملاحظة ، وقد خشي يعقوب عليه السلام أن يرتابوا في أبنائه فيحدث لهم مالا تحمد عقباه فنصحهم بما يستطيع ولم يبق عليه إلا أن يتوكل علي الله ويسلم أمره إليه .
وحين قدم يوسف نفسه لأخوته وقال لهم " "وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ :يوسف 93 " سافر بعدها ينتظرهم عند الحدود المصرية الشرقية ، وهناك استقبل يوسف أبويه وأهله وساروا معه إلي مصر آمنين ، حيث لم يعد مجال للخوف من يعقوب علي أبنائه "فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ.. يوسف 99 " ،أي كانوا يطلقون علي العاصمة اسم ( مصر) .
| تعديل | To English |
|
التعليقات (7) |
| [43044] تعليق بواسطة ايناس عثمان - 2009-10-16 |
|
ايعد غياب الطبقة الوسطى دليل على الظلم
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
ما أروع هذه اللمحات القرآنية فهي ترسم صورة لحياة المصريين القدماء الذين اكتووا بنار الهكسوس برغم من أن الهكسوس كانوا يتعاملون بطيبة وعفوية أو ديمقراطية مع الطبقة العليا أو الحاشية . وهذا كما ورد في المقال في قصة الرؤيا وتفسيرها وأنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن التفسير مع كل هذا الاهتمام من الملك بالرؤيا وقلقه الشديد منها ، بل وصفوا الرؤيا بأنها ( أضغاث أحلام ) وصرحوا بأنهم غير قادرين على تفسيرها .
|
| [43062] تعليق بواسطة عائشة حسين - 2009-10-18 |
|
هل تم إكراه المصرييين في دينهم في زمن الهكسوس
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
هذا الجزء من مقال للدكتور منصور منشور على الموقع ( الكفر السلوكي وملامحه )
|
| [43063] تعليق بواسطة أيمن عباس - 2009-10-18 |
|
ما الذي يعنيه غياب الطبقة الوسطى من المجتمع .
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
لقد أثارت الأستاذة /إيناث عثمان سؤال عن غياب الطبقة الوسطى، وحسب فهمي المتواضع أن غياب الطبقة الوسطى من أي مجتمع أن هناك ظلم بيّن واقع فالطبقة العليا ( طبقة الحكام ) تستبد بالطبقة الدنيا ( طبقة المحكومين) وهذا يعني الظلم والجور وغياب العدل،والذي نفهمه أن بداية اختفاء الطبقة الوسطى كان من عصر الملك ،أيام يوسف عليه السلام ،واستمر إلى يومنا هذا مع زيادة مطردة وهذا ما أصبح واضحاً في مجتمعاتنا العربية ، وفي مصر على وجه التحديد . |
| [43095] تعليق بواسطة نورا الحسيني - 2009-10-20 |
|
بعض خطوط للإجابة
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
لا أستطيع الإجابة على عموم الإكراه في الدين في عهد الهكسوس والذي عاصر يوسف عليه السلام ، فلم أذكر أن القرآن قد حكى لنا عن هذا الإكراه كما حكى لنا عمه في أيام موسى عليه السلام والفرعون الذي ادعى الألوهية كما ورد في التعليق السابق ولعل ذلك هو السبب أنه احتكر الألوهية لنفسه وشاط غضبا من موسى لأنه قال بوجود إله آخر غيره، وحاول أن يأخذ مجموعة من رعاياه بني إسرائيل، لكن ملك الهكسوس لم يدعي الألوهية ولم يرصد لنا القرآن هذا الادعاء بل نراه يرصد لنا صفات ليست سيئة في مجملها مثل الشورى وإن كانت خاصة بحاشيته كما أنه لا يخلو من فراسة صادقة ومعرفة بأقدار الرجال لكن فرعون لم يمنعه علمه بأن نهايته ستأتي على يد أحد أبناء بني إسرائيل كما كان شائعا أن يتخذ لنفسه طريقا للرجعة بأن لا يعادي موسى وقومه كما فعل ملك الهكسوس مع يوسف وأهله ونصره في قضيته وأصبح يباشر التحقيقات بنفسه . هذا بحسب علمي والله أعلم |
| [43110] تعليق بواسطة عائشة حسين - 2009-10-21 |
|
هل تم صهر بني إسائيل في قومية أو قبيلة ما
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
الدكتور أحمد صبحي يقول : وبنو إسرائيل لا علاقة لهم ـ من حيث الأصل العرقى ـ باليهود البيض في دولة إسرائيل اليوم الذين يمثلون في الحقيقة سلالة قبائل الخرز التي اعتنقت اليهودية في العصور الوسطي ثم هاجرت لأوربا ثم كونوا في العصر الحديث عماد دولة إسرائيل الراهنة .
|
| [43113] تعليق بواسطة أيمن عباس - 2009-10-21 |
|
لكن رؤيا الملك غير مستوحاة من مهنته أو حياته
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
كلا من الخباز والساقي رأى رؤيا مستوحاة من مهنته الأصلية فهل هذه قاعدة في تفسير الرؤيا لا تخرج عنها ؟ لكننا في رؤية الملك نراها غير مستوحاة من حياته لآنه لم يكن يعمل في زراعة الأرض وما يخص السنبلات فجاءت الرؤيا غير مستوحاة من حياته على ما أظن فما تفسيرك لذلك جزاكم الله خيرا |
| [43125] تعليق بواسطة طارق سلايمة - 2009-10-22 |
|
هل الأرض التي طلب
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
أستاذنا الفاضل
|
ثالثا : فرعون موسى
بين ملك الهكسوس وفرعون مصــــــر :
1 ـ من القرآن نلمح عناية النظام الهكسوسي في مصر بأبناء يعقوب ( إسرائيل) فاستقدمهم أخوهم يوسف بن&Yute;وسف بنفسه ، ودعاهم وهو علي الحدود لأن يدخلوا مصر آمنين .
تقول التوراة " ثم قام ملك جديد علي مصر لم يكن يعرف يوسف،
من هو فرعون موسي ؟
1 ـ وهناك اختلاف في تحديد شخصية فرعون موسي مابين تحتمس الأول وسيتي الأول وامنحوتب الأول ورمسيس الثاني ورمسيس الثالث، وهناك من يري أن الفرعون الذي اضطهد بني إسرائيل هو رمسيس الثاني أما فرعون الذي غرق فهو ابنه منفتاح .
2 ـ لقد كان الفراعنة معروفين بعدم تسجيل النكسات والهزائم ، في نفس الوقت الذي ينسب كل فرعون أمجاد السابقين لنفسه ، وذلك يمثل عامل شك كبير في صدق المصادر التاريخية الفرعونية ، خصوصا عندما نحاول أن نتعرف منها علي حقيقة الكارثة التي حدثت في عصر موسي ونتج عنها غرق الفرعون وجنده في البحر.
وأولئك القوم الآخرون هم بنو إسرائيل فتقول الآيات الأخرى من سورة الشعراء.
"فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) " أي ورث بنو إسرائيل جنات فرعون ومزارعه وكنوزه وأملاكه ، وملكه حينا من الزمان.
وذلك كله يكفي لأن تتجاهل المصادر التاريخية الفرعونية تسجيل ذلك الحدث الجلل إلي أن يأتي القرآن الكريم ويثبته .
وفي البداية فإن المنهج القرآني كما أسلفنا ـ هو عدم تحديد الأشخاص . بل وتحويل الشخص المعروف باسمه إلي رمز كي يصبح عبرة لكل زمان ومكان ، ولذلك تحول ( أبولهب) مثلا و(آزر) إلي رمز للسقوط والتردي حتى لو كان ذلك الخاسر من أقارب النبي وبذلك تسقط دعاوى النسب الشريف التي تعطي حصانة لصاحبها .
وقوله تعالي عن فرعون وملائه "إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) القصص "
إلي أن يقول تعالي : " فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ : القصص 8 "
والسياق القرآني يقتضي أن يكون فرعون هو نفسه الذي اضطهدهم وهو نفسه الذي لقي عقوبته ، ومعه وزيره هامان وجنده. وفرعون الذي تربي موسي في كنفه تعرف علي موسي حين جاءه نبيا فقال له : " قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ،َفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ " ( الشعراء 18 : 19 )
* وليس منتظرا أن يكون فرعون موسي هو رمسيس الثاني الذي دحر الحيثيين في قادش بالشام وأرغمهم علي عقد أول معاهدة في التاريخ . وذلك لسبب بسيط ، أن موسي حين قتل المصري وهرب من فرعون اتجه إلي مدين بالشام ، فكيف يهرب موسي من فرعون إلي فرعون ؟
إذ أن رمسيس الثاني قد احكم سيطرته علي الشام فكيف يهرب موسي من يد فرعون اليمنى إلي يد فرعون اليسرى ؟
* لقد تحدث القرآن الكريم عن بني إسرائيل في عصر موسي وهم يرفضون دعوته لدخول فلسطين لأن فيها ( قوما جبارين) وأولئك القوم لهم دولة ذات حدود وأبواب .
"قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ "( المائدة ـ 23 ). والمعني المقصود أنه كانت هناك دولة قوية في الشام أرهبت بني إسرائيل ، وليس متصورا أن تقوم مثل هذه الدولة في يوم وليلة ، وإنما المنتظر أن يكون بناؤها قد توطد بعد انهيار النظام الفرعوني. ومعناه أن فرعون موسي الذي انشغل ببني إسرائيل قد سمح بوجود كيانات مستقلة استقلالا ذاتيا في الشام أتيح لها أن تقوي وتتوطد بعده.
وبسبب تقاعس بني إسرائيل عن الجهاد حكم الله عليهم بأن يظلوا تائهين في الصحراء أربعين عاما حتى ينقرض ذلك الجيل المتهالك ويأتي جيل آخر . ومات موسي في فترة التيه كما يذكر كاتب التورا ة ،وبعد موسي بعث الله نبيا إلي بني إسرائيل وتم في عهده تعيين جالوت ملكا وهو الذي هزم طالوت ، وكان داود هو الذي قتله ، وتأسس بذلك ملك بني إسرائيل.
لقد تعاقب بعد رمسيس الثالث ثمانية من الملوك كل منهم يحمل اسم رمسيس ولا نسمع عنهم كثيرا علي حد قول مؤرخي مصر القديمة . وأحدهم هو المرشح لأن يكون فرعون موسي.
ويعزز ذلك أن مصر قد دخلت في دور من الضعف والإنقسام والإنهيار وتولي السلطة الليبيون والنوبيون وفراعنة ضعاف ثم تولي الآشوريون ثم الفرس ، ومعناه أن فرعون مصر في عصر موسي هو آخر الفراعنة العظام وقد لقي مصيره في اليم وحقت اللعنة علي حلفائه الذين يسيرون علي منواله. وذلك ما أثبته القرآن، يقول تعالي: " وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ ، قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا. " ( يونس 88 : 89 )
استجاب الله لدعوة موسي وهارون فطمس علي أموال الفراعنة وأذاقهم العذاب الأليم وأذهب ملكهم ، وذلك ما حدث فعلا ، وهو ما يمكن أن يحدث إذا ظهر في التاريخ المصري فرعون يدعي الألوهية ويقول (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)
فرعــون موسـي : ملامـح شخصيته :
1 ـ ألوهية فرعون هي السمة البارزة في شخصيته، والتي استمد منها سلطانه المطلق ، والتي من أجلها اضطهد بني إسرائيل ولهم عقيدتهم التي ليس فيها عبادة الفرعون.
ولقد فرض الفرعون مراسم تأليهه علي بني إسرائيل ، واستغرب فرعون وآله من دعوة موسي كيف يدعوه للحق بينما قوم موسي مجبورون علي عبادة الفرعون، نفهم ذلك من قولهم:
" فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ " ( المؤمنون 47 )
ولاريب أن فرعون افتخر بفعله ذلك أمام موسي وامتن عليه بأن قوم موسي يدينون له بالعبودية ، ولذلك قال له موسي: " وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ؟ " ( الشعراء 22 )
وأدت دعوة موسي لأن يخشى فرعون علي عقيدته التي يقوم علي أساسها سلطانه فقال للملأ " إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ " ( غافر26 )
وعقد فرعون مؤتمرات شعبية تم فيها حشد الجماهير ووقف بينهم يعلن ألوهيته العظمي:
" فَحَشَرَ فَنَادَى ،َقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى "( النازعات 23 : 24 )
وواصل فرعون مسيرة التطرف الديني فقال في احدي تصريحاته:
" يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى.." ( القصص 38 )
وباعتباره إلها معبودا كان المصريون في عصره يذكرون اسمه تبركا به عند القيام بأي عمل هام. ونفهم ذلك من فعل السحرة حين افتتحوا المباراة بذكر اسم فرعون، يقول تعالي عنهم:
" فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الغالبون "( الشعراء 44 ) .
2 ـ وما حكاه القرآن اكتشفه علم المصريات، إذ يسجل أن المصريين في المباريات كانوا يحرصون علي ذكر اسم الفرعون ،كأن يقول أحدهم لرفيقه أثناء المبارزة. " اعلم تماما أنك أمام فرعون له الحياة والصحة والقوة ، مولانا الطيب "
وحين يلقي أحدهم في المصارعة برفيقه يقول له: " سوف أرميك ممزق الأضلاع أمام فرعون "
وفي أثناء التحطيب ـ المباراة بالعصي ـ يصرخ أحدهما :
" إن فرعون معي ضدك فله الصحة والحياة والقوة ، إنه مولاي. "
3 ـ ويقول الله تعالي يصف موقف فرعون حين آمن السحرة بموسي:
" قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ " ( الاعراف 123 ) (قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ )( الشعراء 49 )
أي أن فرعون يعتبر نفسه مالكا للقلوب والأفئدة لا ينبغي أن تؤمن إلا بعد إذنه ، ومعناه أن فرعون بسلطانه الديني والزمني السياسي اعتبر نفسه يملك الأرض والبشر، وهي قمة التطرف في الاستبداد.
ويذكر مؤرخو الحضارة المصرية القديمة أن عصر الدولة الحديثة ـ خصوصا الرعامسة ـ شهد تركيز السلطة في يد فرعون ، وبدأ ذلك في عهد أحمس ، فقد تآمر علي أحمس بعض أمراء الإقطاع لذا عمل أحمس علي الاستحواذ علي جميع أملاك النبلاء وضمها لأملاك الفرعون .
وبذلك استحدثت الأسرة 18 تركيز الثروة والسلطة والقوة تركيزا فعليا في يد الفرعون مما ساعد علي تكوين جيش قوي منظم متطور . وبذلك انتهي عصر الأسرات الإقطاعية الحاكمة في الأقاليم وانتهت اللامركزية في الإدارة ، وسيطرت علي البلاد حكومة مركزية قوية .
وما أسهب المؤرخون في شرحه عبر عنه القرآن الكريم بإيجاز وإعجاز حين يذكر خطبة فرعون في قومه يبين استحقاقه بالألوهية والسلطان المطلق. " وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ ؟" (الزخرف 51 )
فالآية الكريمة تعبر عن تركيز السلطة في يد فرعون بقوله : " أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ؟"
ثم تضيف الآية عنصرا آخر يبين الخلفية الجغرافية السياسية للبيئة المصرية وهو قوله:
" وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي.."
فالنيل هو الأساس الذي بني عليه الفرعون استبداده السياسي وملكيته لمصر.
فالنيل يشق الصحراء ويتجمع المصريون علي شاطئيه طلبا للاستقرار والزراعة والهدوء.
ونهر بهذا الطول يستلزم سلطة مركزية تقوم علي مراعاة الري والصرف والزراعة وحراسة الوادي من الطامعين . وأبناء النيل علي ضفافه يتعودون علي السكون والهدوء والاستمتاع بخيره وجناته ومناخه الرائع ، وهم علي استعداد للصبر علي جور الحاكم الفرعون طالما يتحمل عنهم مشقة الإشراف علي الداخل والدفاع عنه .
لقد استمد الفرعون من النيل وسيطرته عليه أساس سلطانه وافتخر بذلك فقال:
" أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ؟"
فالذي يملك النيل يملك مصر معه ، ومصر كما يقال " هبة النيل "
4 ـ وتكاتفت عوامل الجغرافيا والتاريخ والسياسة لتجعل من استبداد فرعون المطلق ملمحا مميزا من ملامح الشخصية المصرية القديمة وبدونه فلا وجود لمصر .
وأصبح الرأي المستقل المخالف لمنطق فرعون تهديدا للنظام وإنذارا بانهياره مما يستلزم معه ضرورة الإتحاد بين فرعون والملأ ضد ذلك الرأي النشاز، ومن هذا المنطلق نظر فرعون وآله إلي النغمة الجديدة التي جاء بها موسي ، اعتبروها تهديدا خطيرا لكيانهم ووجودهم. " قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى؟" ( طه 57 )
وكرر فرعون مقالته للملأ : "قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ،يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ؟" ( الشعراء 34 : 35 )
وكرر الملأ فيما بينهم نفس المقالة :"فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ،قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ،فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى " ( طه 62 : 64 )
وحتى بعد أن أعلن السحرة إيمانهم انبهارا بما شهدوه من موسي قال لهم فرعون :
"إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا " ( الاعراف 123 )
فمنطق فرعون والملأ الذي يعيش معه وبه أن الأرض أرضهم وأن سلطانهم علي هذه الأرض يقوم علي أسس دينية وفكرية تتجمع كلها لتؤكد الرأي الواحد للفرعون ، وأن الرأي الآخر هو تهديد لهذا النظام وكل رموزه وأعوانه .
ومن هذا المنطلق فإن فرعون في حواره لا يطيق المعارضة ، وهو إن كان يقول للملأ: " إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ،يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ " فلا يعني ذلك أنه يقبل مبدأ المشورة أوأنه يحكم بالديمقراطية ويقبل الاختلاف في الرأي ، إذ أنه يعرف الملأ الذين معه قد ارتبط وجودهم بوجوده . والأمر الحقيقي ليسوا هم مصدره ، وهو حين يقول لهم " فَمَاذَا تَأْمُرُونَ؟" لا يعني أن لهم الأمر ، بل هو يعطيهم الفرصة لكي يقولوا له ما يريد الاستماع له .
ولذلك فإن اقتراحاتهم في النهاية هي نفس ما اقترحه الفرعون من الدخول في مباراة مع موسي. إن فرعون حين يدير حوارا مع ملائه ينتظر منهم أن يفكروا في أحسن طريقة يتملقونه بها ولذلك فهو عن طيب خاطر يجعلهم أصحاب الأمر والنهي ، أما إذا اشتم راحة غريبة فإنه سرعان ما يعود إلي طبيعته الدكتاتورية ، وقد حدث ذلك حين قام واحد من الملأ وهو في الحقيقة من آل فرعون ولكن آمن بالحق وكتم إيمانه ، ومن منطلق مكانته أخذ يحاور الفرعون فلن يحتمل الفرعون ذلك الحوار المستقل ، كان الرجل المؤمن يقول : " يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ " ( غافر 29 )
وهكذا أسفر فرعون عن حقيقة الحوار الذي يجري مع الملأ، فقال في النهاية أنه لا يريهم إلا ما يراه بعقله ولا يدلهم إلا علي الرشاد.
* * *
5 ـ والشخصية المصرية التي تميل للسخرية والتندر كانت تتغلب أحيانا علي فرعون موسي وهو يحاور موسي وهو في سلطانه وبين أعوانه إلا أنه سرعان ما يعود للجد بعد الهزل إذا تطرق الحوار إلي الدين ، دين فرعون وتأليهه ــ حينئذ تتبدل السخرية بموسي إلي تهديد له .
والقرآن الكريم يرسم لوحة حية لذلك الحوار : " قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ،قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ،قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ،قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ،قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ،قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ،قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ َ"( الشعراء 23 : 29 )
إن المصريين القدماء كانوا يعرفون الله ــ وذلك ما سنعرض له فيما بعد ــ ومعني ذلك أن سؤال فرعون لموسي " وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ " كان مقصودا به السخرية والتندر ، وحين أجابه موسي يصف رب العالمين بأنه رب السماوات والأرض قال فرعون لمن حوله مستهزئا " أَلَا تَسْتَمِعُونَ " ولابد أن الضحكات ارتفعت من هنا وهناك تنافق فرعون إلا أن موسي رد علي استهزائهم بقوله لهم عن رب العالمين. " قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ"
وحول فرعون السخرية لتنال من موسي فوجه حديثه للملأ . " قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ "
ورد موسي بنفس التحدي يوجه حديثه للجميع. " قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ "
أي أن موسي يتهمهم بعدم التعقل ويدعوهم لأن يكونوا عقلاء ليعرفوا رب العالمين، وبذلك وصل الحوار مع فرعون إلي نقطة النهاية فتحول إلي تهديد باستخدام القوة. " قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ " .
ولم يتوقف فرعون عن السخرية بموسي في مؤتمراته الشعبية ففي المؤتمر الذي قال فيه لقومه . " أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ؟"
كان يقصد عقد مقارنة بينه وبين موسي وفيها قال : " أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ،فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ." ( الزخرف 52 : 53 )
أي عاب علي موسي أنه لا يحسن النطق ووصفه بالمهانة ، وبالطبع فهو يصف نفسه بالفصاحة والعزة .
ولكن إذا كان موسي عند فرعون بهذه الصفات فلماذا تنازل الفرعون الذي يعتقد الألوهية في نفسه ورضي أن يعقد مقارنة بينه وبين موسي ؟إن فرعون يريد أن يذكر قومه بمكانته وهو الذي يملك عندهم كل شيء في مقابل موسي الذي لا يملك شيئا.
وهذا التأكيد والتذكير يحتاج إليه فرعون لأن ملكه يقوم علي أسس دينية وفكرية مكانها في الحقيقة في اعتقاد الناس فقط.
فطالما هم يعتقدون أحقيته في الألوهية والسلطان فإن مركزه السياسي والديني في أمان .
وقد جاء موسي بدعوة دينية نقيضة فيها كل الخطر علي الأسس الدينية والفكرية التي يقوم عليها ملك فرعون . وحتى لا تنتشر دعوة موسي بين قوم فرعون لابد من الاستخفاف بموسي والاستهزاء به ليسقط في أعين المصريين وتسقط معه دعوته .
وهكذا استجاب آل فرعون وقومه فاستهزأوا موسي ودعوته يقول تعالي عنهم: ".فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآَيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ "( الزخرف 47 )
لقد تحكم الفرعون في عقلية القوم ، لذلك فإن القرآن بعد أن قص مؤتمر فرعون الذي قال فيه أليس لي ملك مصر قال تعالي يعقب علي قوم فرعون : ""فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ"( الزخرف 54 )
6 ـ وتأكدت النزعة الدكتاتورية عند فرعون أكثر بوجهه العسكري، يقول مؤرخو الحضارة المصرية القديمة أن الفرعون في عصر الرعامسة كان رأس الدولة وقائد الجيش الذي يقود الجنود ويتقدمهم في ساحة الوغى والذي يرأس كثيرا المجالس الحربية
والقرآن الكريم يربط فرعون موسي بهذه الصيغة العسكرية ويجعله قائدا للجنود، ويجعل الجنود في أثره دائما ، يقول عن مطاردته لبني إسرائيل ،(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا) ( يونس 90 ) ، ويقول عن زهوه العسكري" واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق" ( القصص 39 )وكان هامان قائد الجيش والوزير الأكبر لفرعون تعرف ذلك من قوله تعالي: " وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ " " إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ "( القصص 6 ، 8 )
ويقول عن نهاية فرعون مع جنوده " فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ." ( القصص 40 )
ووصف فرعون بأنه جندي محارب فقال: " وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ "( الدخان 24 )
وقال: " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُود" ( البروج 17 ).
| تعديل | To English |
|
التعليقات (16) |
| [43135] تعليق بواسطة رضا عامر - 2009-10-23 |
|
أرجو قراءة كمال صليبى
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
احترامى, لا أدرى لماذا هذا التعتيم على نظرية أستاذ التاريخ الدكتور كمال صليبى التى وضعها فى كتاب (the Bilble came from Arabia) والتى تقول بأن قصة النبى موسى وفرعون لم تحدث على أرض مصر التى نعيش عليها الآن وانما حدثت فى جنوب الجزيرة العربية فى منطقة عسير. الكاتب يسوق الكثير من البراهين التى تثبت نظريته والتى لا أرى فيها أى تعارض مع القرآن الكريم. أعتقد أن هذه النظرية لا ترضى الاسرائيليين وأيضا هى لا ترضى السعوديين الوهبيين ذلك أنها تقول لليهود: اذا كنتم تبحثون عن وطنكم التاريخى حسنا اذهبوا الى الجنوب. وشكرا |
| [43137] تعليق بواسطة محمد الحداد - 2009-10-23 |
|
أين يمكنني من قراءة أبحاث د.كمال صليبي على الانترنت رجاءا ؟
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
الأخ رضا عامر المحترم
|
| [43139] تعليق بواسطة عصام عمر - 2009-10-23 |
|
الأستاذ العزيز محمد الحداد
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
الأستاذ الفاضل محمد الحداد
|
| [43141] تعليق بواسطة محمد الحداد - 2009-10-23 |
|
حياك الله أخي العزيز عصام عمر المحترم
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
|
| [43145] تعليق بواسطة رضا عامر - 2009-10-24 |
|
الى الاستاذ محمد الحداد
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
تحياتى, الكتاب الاصلى كاملا لم أجده على النت. وهو موجود على موقع (amazon) باللغه الانجليزيه والفرنسيه. يمكن أيضا قراءة عرض الكتاب و آراء النقاد من مؤيدين ومعارضين عن طريق التصفح فى موقع جوجل. وقد أصدرت هيئة الامر بالمعروف والنهى عن المنكر كتابا كبيرا بعنوان (الرد على افتراءات الصليبى) يمكنك بعد الانتهاء من قراءته أن تتأكد من صحة النظريه لأن الكتاب لا يحتوى الا السباب. هناك أيضا عرض وتحليل نقدى للنظرية فى كتاب (رب هذا الزمان) للدكتور سيد محمود القمنى. تحياتى
|
| [43146] تعليق بواسطة محمد الحداد - 2009-10-24 |
|
بارك الله فيك أخي د.رضا عامر المحترم
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
|
| [43149] تعليق بواسطة عائشة حسين - 2009-10-24 |
|
ألوهية فرعون هي السبب في اضهاده بني إسرائيل
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
ولأن لهم عقيدة مغايرة والتي ليس فيها عبادة للفرعون فقد أرغمهم على عبادته ولذلك جاء القرآن بلفظ معجز حين قال:( عبّدت بني إسرائيل )فهي تختلف باتأكيد عن: ، عبد بدون تشديد الباء
|
| [43208] تعليق بواسطة AMAL ( HOPE ) - 2009-10-25 |
|
القانون لا يحمي المغفلين , والقارئ لا يعذر الكاتب الجاهل
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
كتب السيد عصام عمر في بداية تعليقه :
|
| [43209] تعليق بواسطة AMAL ( HOPE ) - 2009-10-25 |
|
تكملة
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
(((((لابدَّ أن الأمر أكبر من هذا.. لعل السريانية أو الآرامية أو العبرية ليست لهجات بل هي فعلا لغات؟ .... نظر أسامة إلى أبيه وقال: هل سمعت أحدًا قط يتكلم السريانية أو ما يسمى بالآرامية أو ما يسمى بالعبرية؟ .... فكّر الأب قليلا وقال: العبرية نعم, عبر البرامج الفضائية الخاصة بأخبار اليهود, وهي والحق يقال قريبة جدًا من اللغة العربية .. أمّا السريانية أو الآرامية فلم أسمعهما قط!.. فلعل أبونا إبراهيم كان يتحدث السريانية أو الآرامية.... قال أسامة مازحًا: لك ما ترى يا أبتي العزيز.. فحتى أبجدية السريانية أو ما تسمى بالآرامية غريبة جدًا على العربية وهي صدق أو لا تصدق "أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت" هل سمعت بهذه الأحرف الغريبة؟ وبهذا الترتيب الغريب من قبل يا أبي العزيز؟! ..... نظر الأب لابنه مندهشًا وقال: من أين لك هذا !؟ ..... ؟ .. فلا يّدرس ذلك حسب علمي في المدارس عندنا في الخليج ولا أحسب أنَّك تعلمته في دراساتك الجامعية بالخارج ولا يوجد في مكتبة منزلنا كتاب بهذا الخبر!
|
| [43211] تعليق بواسطة AMAL ( HOPE ) - 2009-10-25 |
|
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
3- ويضيف الاب ,ولا أحسب أنَّك تعلمته في دراساتك الجامعية بالخارج ......( وأقول , الحمد لله عرفتنا على ان ابنك قد درس في الخارج ولم تقل لنا اين وما اختصاصه وخاصة وما نسمعه عن شهادات الغالبية من ااولاد الخليج الذين يدرسون بالخارج ...كلام وخواطر خيالية جدا جدا (: )
|
| [43213] تعليق بواسطة AMAL ( HOPE ) - 2009-10-25 |
|
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
ملاحظة اخيرة لاسامة , الشاب المتخرج من الجامعة في الخارج , يا اسامة , جمعت الحروف السريانية في ست كلمات وبالترتيب وهي :ابجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت
|
| [43214] تعليق بواسطة AMAL ( HOPE ) - 2009-10-25 |
|
تكلمة
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
السيد عصام عمر , عفوا , فما كتبته اعلاه موجه لكاتب البحث وليس لك , فأن كنت حضرتك هو كاتب البحث فمن حقك التعقيب على ما كتبت, والا فمن حقك فقد التعقيب على ما كررته أنا أكثر من مرة وهو (( البحث العملاق )) وكان هذا راي حضرتك فيه , واود أن اسألك وطبعا على هذه الجزئية من البحث الذي انت رايته عملاق , وحسب علمي فأنت من الاردن أو من فلسطين ( لست متأكدة , قد تكون مصريا او سوريا ) ومن اي من هذه الدول كنت فلا لا بد ان سمعت المطربة الكبيرة فيروز والعملاق وديع الصافي والمطربة الكبيرة ايضا ماجدة الرومي (الفلسطينية اصلا ) وهم يتغنون بالتراتيل الكنسية السريانية , ام انك من الجائز لم تسمع بها وهذا وارد ولكنك هل تستطيع نفي وجود اللغة الارامية والسريانية الان لمجرد :
|
| [43215] تعليق بواسطة AMAL ( HOPE ) - 2009-10-25 |
|
وأخيرا
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
ملخص ما كتبه الكاتب ( أجاب أسامة قائلا: هل تعلم يا أبتي أن علماء الألسن وصلوا إلى حقيقة مفادها أن العربية والسريانية وما يسمى بالعبرية وباقة أخرى من ما كان يسمى يوما "لغات" ما هي واقعا إلا لهجات من أصل لغة واحده كانت مهيمنة في شبه الجزيرة العربية قرونا عديدة قبل عصر أبينا إبراهيم.)
|
| [43216] تعليق بواسطة محمود مرسى - 2009-10-25 |
|
نشكر الأخت أمل على هذه الإطلالة
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
الحقيقة إن العالم على اتساعه يتسع لهؤلاء المدعيين للمعرفة الذين يحكمون جزافا وفق قوانين وهمية لا أساس لها من الصحة . ويجدون من يروج لهم من كارهي الثقافة والعلم الذين يحافظون على سياج من الجهل والتخلف يبقونه في المجتمع لأهداف خاصة بهم ولعل بعضها يكون قد وصل إلى الفطناء أمثالك يا أخت أمل ، ولازال لديهم العديد من ملهيات تنتظر الوقت للظهور لعلها تشغل الرأي برهة من الزمن أو تقلل من عمل لا يستطيعون مجاراته أو ، أو ...كثيرا من ألأوات . دمت بخير والسلام عليكم ورحمة الله |
| [43219] تعليق بواسطة AMAL ( HOPE ) - 2009-10-25 |
|
الاخ الفاضل محمود مرسي
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
طاب يومك ,
|
| [43237] تعليق بواسطة رضا عامر - 2009-10-26 |
|
الساده المحترمون
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
لقد ذهبتم بنا بعيدا عن الموضوع الذى أثرته فى البدايه وهو موضوع بحث الدكتور كمال صليبى. ألا تدلون بدلوكم.
|
رابعا : قوم فرعون
1 ـ بعد أن قضت الدولة الحديثة منذ عهد أحمس علي أمراء الإقطاع المحليين نبتت
أرستقراطية جديدة ، وهم الموظفون الملكيون الذين وصلوا إلي قمة النظام الإداري
والعسكري، وكافأهم الفرعون بالهدايا والمنح ،وكان فرعون يملك الأرض ويقوم
الفلاحون بزراعتها لصالح التاج تحت إردارة بعض موظفى التاج الفرعونى ، وهم من ( الml; ( الملأ ) .
ويفصّل القرآن قولهم ــ ومنهم قارون بالطبع ــ (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ)( غافر 25 )وفي موضع آخر يقول تعالي عن قارون: "إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ)( القصص 76 )
ومعناه أن قارون كان من بني إسرائيل ولكنه بغي عليهم وخانهم فأصبح من ملأ فرعون، وحين جاءت دعوة موسي كان قارون في خندق واحد مع فرعون وآله ضد موسي وقومه.
ويذكر القرآن أن قارون اتخذ نفس الموقف مع فرعون فأشار مع هامان بقتل أبناء الذين آمنوا مع موسي . ولكن قارون ـ شأن كل خائن لقومه ــ آثر في الوقت العصيب أن يمسك بالعصا من منتصفها فلم يشترك في الحملة التي طارد فيها فرعون بني إسرائيل وموسي . أى ظل فى مصر تاركا سيده الفرعون يطارد بنى اسرائيل ثم يغرق فى البحر الأحمر بجنده وملئه.
وهكذا نجا قارون من نهاية فرعون ولكن إلي حين .
وقد اغتر قارون بهذا(العلم) فاستحق نهايته المفجعة ، وحلّت به اللعنة ، وتحققت فيه دعوة موسى حين قال (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا ) ( يونس 88 : 89 ). أى تحققت دعوة موسى على فرعون وملئه فى مرحلتين : الأولى فى غرق فرعون وجنده ، والثانية فى الخسف بقارون وما سلبه من الكنوز الظاهرة فى القصور الفرعونية بعد غرق فرعون وملئه .
وحين جاء السحرة " العلماء" انتهزوا الفرصة ليلحقوا بطبقة الصفوة من ملأ فرعون.
" فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ،قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ "( الشعراء 41 ـ )
وحين خيب السحرة أمل فرعون فأعلنوا أمامه إيمانهم بموسي ورسالته كافأهم فرعون بالصلب وتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف، فالذي يقترب من فرعون ثم يناله غضب الفرعون لابد أن يتحمل سوء العاقبة ، وذلك هو الدين الذي يعرفه كل الملأ الذي يحوم حول كل فرعون .
إن الوصول للدائرة الضيقة حول فرعون لا تسمح لأحد باختراقها إلا لمن كان ذا موهبة خاصة فإذا ساء حظه جاء حتفه.
وجاء كلمة" ملئه " ست مرات ، بينما جاءت كلمة " ملئهم " مرة واحدة في قوله تعالي:
" فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ "( يونس 83 )
ومجيء كلمة الملأ مضافة إلي ميم الجمع تعني أن الملأ االلفرعونى كانوا طبقات ودرجات ومجموعات، أو ما يعرف الآن بمراكز القوي التي تنشأ حول الحاكم المنفرد بالسلطة وتتشعب ذيولها فى كل قرية ومدينة .
وحين قتل موسي ذلك الرجل المصري وصل النبأ إلي " الملأ المحلى " فتآمروا علي قتل موسي. ولاشك أن أولئك الملأ كانوا في المستوي الأدنى الذي يشرف علي مجريات الشارع المصري في العاصمة، بدليل أن الأمر لم يصل إلي فرعون في حينه ، وأولئك الملأ المحليين أخذوا علي عاتقهم أن يتآمروا علي موسي ويقتلوه بأنفسهم ، وعلم بالأمر واحد من الرجال في أطراف المدينة فجاء وحذر موسي :(وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) ( القصص 20 ).
لو كان أولئك الملأ من الطبقة العليا القريبة من إذن الفرعون لأسروا إليه بما حدث ولأصدروا حكم الإعدام علي موسي واعتقلوه ونفذوا فيه الإعدام قبل أن يصل الخبر إلي رجل يعيش في حواري العاصمة فيأتي ليحذر موسي .
لقد كان الملأ ـ أو زعماء قوم فرعون ـ طبقات ودرجات ، ولكنهم جميعا كانوا رهن إشارته فاتبعوا أمره فأوردهم التهلكة في الدنيا ، وسيأتي يوم القيامة إماما لهم يتقدمهم إلي النار.
وبهذا أخبر رب العزة " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ،إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ،يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ "( هود 97 : 98 )
يقول تعالي: " وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ." ( الأعراف 127 )
فالملأ هنا هم أحرص من فرعون علي ملك فرعون أو هم ملكيون أكثر من الملك.
ويقول تعالي: " فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ " ( غافر 25 ) .نفس الرأى قاله فرعون وقاله ملأ فرعون.
إن هذه النوعية من الحاشية الملكية تفرش الورود أمام كل فرعون في طريقه للهلاك السريع..!!
1 ـ لقد كان الملأ هم قادة الجند الفرعوني وكبار موظفيه في العاصمة والأقاليم.
أما حين نتحدث عن قوم فرعون فالقوم حينئذ يشملون جند فرعون مع ملأ فرعون ، فقوم فرعون هم الجند والملأ معا.
ويقول تعالي عن (قوم ) فرعون .
" فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ،فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ " ( الزخرف 54 ) إذن أغرق الله (قوم) فرعون ( أجمعين) ويقول تعالي عن (جند) فرعون. " وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ،فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ .."( القصص 39 : 40 )
إذن غرق(جند) فرعون الذين هم (قوم) فرعون.
1ـ ومعني ذلك أننا أمام نظام الإقطاع العسكري حيث يقوم جيش الفرعون بالإشراف علي زراعة الأرض التي تقسم علي القادة والجنود ويتم تسخير الفلاحين في زراعتها في مقابل ما يقيم أودهم . وقد استمر الإقطاع العسكري الزراعي في مصر في فترات لاحقه كان آخرها في العصر المملوكي ( 1250ــ 1517م) وعاش الإقطاع العسكري فترات طويلة في أوربا فى العصور الوسطي.
وكانت بدايته في مصر في عصر الرعامسة ..
ويقول تعالي يصف نوعية الحشد العسكري الفرعوني الذي يضم كل المدن المصرية والقرى الزراعية ، يقول جل وعلا: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ،فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ،إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ،وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ،وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ،فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ،وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ،كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) ( الشعراء 53 : 56 )
أي أن فرعون أرسل منشورا إلي قادة الجيش في كل أنحاء المدائن المصرية ليحشروا ـ أو ليحشدوا ـ قواتهم ويسيروا بها إلي فرعون ، وذلك المنشور يقول أن بني إسرائيل شرذمة قليلة ولكنهم يسببون الضيق للفرعون وأنه يحذرهم ، وطبقا لذلك الأمر خرج كل الجنود من اقطاعاتهم الزراعية وكنوزهم التي يديرونها ويشرفون عليها ، ووصفها القرآن بقوله:
" فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ،وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ. "( الشعراء 57 : 58 )
ويتكرر نفس المعني في قوله تعالي: " كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ،وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ،وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ،كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ " ( الدخان 25 ـ ).
4 ـ ويعتبر فريدا فى وقته هذا الحشد العسكرى القادم من جميع العمران المصرى ليتجمع فى نقطة واحدة مركزية هى الفرعون . ويمكن أن يكون موجودا قبل الرعامسة حيث كان أمراء المقاطعات والحكم اللامركزى فى مصر يشاركون الفرعون فى الحكم، إلا إن الجديد هنا هو تحكم قبضة فرعون المركزية فى الحكم ، فالحكام فى المقاطعات هم ملؤه التابعون المخلصون له ، وهو الذى يملك تعيينهم وعزلهم وقتلهم . ثم ـ وهذا هو الأهم ـ إنه لا بد من وسائل اتصال قوية ومرنة و مستمرة تعزز من التواصل والاتصال بين االفرعون وأؤلئك القادة ، وتجعل الفرعون كأنه موجود فى كل مكان . ووسائل الاتصال تلك من أهم وسائل السلطة المركزية المستبدة فى التحكم فى كل اطراف دولتها.
إذن ذهبت الرسل إلي كل المدائن تجمع أمهر السحرة وتنقلهم إلي العاصمة في وقت محدد .
هنا يتحدث الفرعون بلهجة الواثق من نفسه ، فيطلب من موسى أن يحدد ساعة الصفر مقدما ، ولأن موسى يعرف قدرة الفرعون على الحشد و الحشر فإنه يقول للفرعون: (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ) ، وبسرعة يتصرف الفرعون مستغلا إمكانات الدولة فى الحشر وفى الحشد ،أو بالتعبير القرآنى (فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى ). فالقرآن يصف أجهزة فرعون في الاتصال والتأثير في الجماهير بأنه " كيد" وهو أفضل تعبير عن الأجهزة السرية التي تخدم الحاكم المطلق.
5 ـ وهناك عنصر حاضر غائب فى الموضوع ، وهذه هى طبيعة عمله. نتحدث هنا عن الأجهزة السرية للفرعون ، فمن الطبيعي أن يكون للفرعون عملاء سريون ، وإن كانت إشارات القرآن هي المصدر الوحيد ـ حسبما نعرف في هذا الشأن. ومن القرآن الكريم نستشف تنوع عمل الجهاز السرى للفرعون .
وتطلب الأمر أن يوحي الله تعالي لموسي يحذره من أولئك الجواسيس ، وجاء ذلك الوحي قبيل اللحظة الحاسمة" ساعة الصفر" أي وقت هروبهم من مصر للشرق.
يقول تعالي: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ )( الشعراء 53 ) (فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ )( الدخان 23 )
أي كان بنو إسرائيل " متبعون" أي خلفهم جواسيس فرعون يتبعونهم حيث تحركوا .ومع إنهم تحركوا في ظلمات الليل سرا فإن البوليس السري الفرعوني ما لبث أن اكتشف السر وسارع بإبلاغه إلي فرعون ، وسرعان ما أرسل فرعون بالمنشور الذي يحشد به كل قواته من كل أنحاء مصر . ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ..)"
واضح هنا أن النظام السري لفرعون كان يتكون من درجات مختلفة السرية .
ودليلنا علي ذلك ـ أيضا ـ ما نستشفه من قوله تعالي: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآَ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ."( يونس 87 )
فالله تعالي يأمر بني إسرائيل بأن يقيموا الصلاة في بيوت سرية خاصة في أنحاء مصر ، وقد جاءت هذه الآية بعد آيات أخري تفيد خوفهم من اضطهاد فرعون إلي درجة أن ذرية قليلة من بني إسرائيل هي التي آمنت لموسي ووثقت به . وتطلب الأمر أن يعتصموا بالله ويتوكلوا عليه ليستعينوا به في كربهم أمام اضطهاد الفرعون: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ) ( يونس 83 ) .
ومعني ذلك أن رموز الإرهاب كانت تحيط ببني إسرائيل من الشرطة العلنية ونصف السرية.
وبعد أن كانوا يصلون لله في بيوت سرية فإن الأعين الفرعونية شديدة السرية كانت تلاحقهم. وحذر الله موسي من ذلك النظام السري الجهنمي . وفي النهاية كان مكر الله أسرع ، فأسرع فرعون بكيده إلي حتفه.
الزراعية عامرة بما فيها من كنوز وجنات وعيون.
ومعناه أن الفلاحين المصريين كان لا شأن لهم بما يجري من السياسة الفرعونية وتطوراتها.
ولم يكن منتظرا أن يتركوا حقولهم ليحضروا مؤتمرا لفرعون في العاصمة، ولم يكونوا مؤهلين ليشتركوا في أعمال عسكرية. كان الفلاحون من ضحايا الفرعون شأنهم في ذلك شأن بني إسرائيل فنجوا من الغرق ورضوا بتحمل الظلم ـ ولا يزالون.
وعندما تبدأ سنابل القمح في الاصفرار يري الفلاح سادته ومعهم عدد كبير من الكتبه والمساحين والموظفين ورجال الشرطة يبدأون عملهم بمسح الحقل ثم يقدرون كمية الحبوب بالكيل ، ويكونون فكرة دقيقة عما يستطيع الفلاح أن يقدمه إلي مندوبي الخزينة ، وبعد إتمام الحصاد يحضر الكتبة والكيالون فيستولون علي المحصول ويعاقبون الفلاح الذي يخفي جزءا من المقرر عليه. ثم يتم تجميع المحاصيل كلها في صوامع ضخمة علي شكل أقماع السكر".
3 ـ لقد اختار الفلاح المصري أن يتحمل الظلم فاستحق الخلود الدنيوي مع النيل والتربة
.. بينما دفع الفراعنة الظلمة الثمن من حياتهم وسلطانهم.، وليس هذا بشىء مقابل الخلود فى النار يوم القيامة ، يقول جل وعلا : " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ، إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ، يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ، وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ"
لقد حكم فرعون موسي بالحديد والنار وكان الاضطهاد للضعفاء أبرز سياسته الداخلية.
أى كان المصريون ينقسمون قسمين فقط بدون وسط أو ( طبقة وسطى )، ألأولى هم فرعون وملؤه وجنده ( قوم فرعون ) ، ثم الشعب المصرى الكادح فى الحقول وفى أطراف و حواشى المدن . وبينما كان الضجيج وصنع الأحداث والظلم يأتى من فرعون وقومه كان الشعب المصرى مستكينا خاضعا يكدّ فى إنتاج الخير لفرعون وقومه ..
| تعديل | To English |
|
التعليقات (5) |
| [43155] تعليق بواسطة عائشة حسين - 2009-10-24 |
|
نجاة موسى عليه السلام عند العودة أيضا
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
vإن فرعون قد ربى موسى في القصة التي نعرفها جميعا عندما قالت زوجة فرعون :(قرة عين لي ولك ) فربما كان تحذير موسى ـ وهذا إرادة الله أيضا ـ من قبيل رجل من أقصى المدينة من عيون فرعون الذين يعملون لحسابه ،لأنه في تلك الفترة لم يكن على خلاف معه أليس كذلك ؟ حتى بعد عودة موسى مرة أخرى كان من الممكن أن يُقتل بهذه الفعلة ،التي عبر عنها القرآن بقوله تعالى على لسان موسى (فعلتها إذن وأنا من الضالين) لكن ذلك لم يحدث لأكثر من سبب ،أولهما : يقيني وهو أن هذه هي إرادة الله وقضاؤه ولا راد لقضاؤه .
|
| [43201] تعليق بواسطة نورا الحسيني - 2009-10-25 |
|
قارون ومن ينهجون نهجه .
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
يقول تعالي عن قارون: "إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ)( القصص 76 )
|
| [43205] تعليق بواسطة طارق سلايمة - 2009-10-25 |
|
نعم أختنا العزيزة ...
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
فليس هماك قانون " العرق " بدين الله ، فكما هو قارون من قوم موسى ، هناك الرجل الذي يكتم إيمانه من " آل فرعون " هو من آل فرعون قد آمن مع موسى ، وهناك " السحرة " الذين آمنوا مع موسى فهم من " آل فرعون " أيضاً ولو كان الأمر غير ذلك لكان قول فرعون للسحرة عن موسى بأنه " كبيرهم الذي علمهم السحر " فيه نظر ، أليس كذلك ؟؟
|
| [43207] تعليق بواسطة محمود مرسى - 2009-10-25 |
|
العملاء لهم أساس قديم قدم فرعون مصر .
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
العملاء السريون لهم وجود في مصر منذ القدم ، فهم قدماء قدم فرعون مصر ،فهم عنصرأساسي في عصرنا هذا كنا نظن أنهم اختراع حديث أو من اختراع التتار أو الفرس أو الرومان وما لحقهم ،ولكننا نراهم موجودون منذ القدم ، ويقومون بنفس الوظائف المنوط بهم القيام بها منذ القدم إلى يومنا هذا .
|
| [43249] تعليق بواسطة طارق سلايمة - 2009-10-26 |
|
أخي العزيز محمود مرسي مع التحية
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
أحسبك يا سيدي تقصدني بتعليقك أو تقصد مداخلتي حين أشرت لما أسميتهم " العملاء السريون " ؟؟؟!!!
|
خامسا : ســـياسة الفرعون الداخلية :
1 ـ من الواضح أن فرعون موسي كان متفرغا لشئونه الداخلية، استخدم جيشه القوي في إحكام سيطرته علي مصر وفي إرهاب الضعفاء أو من لا يثق في ولائهم .
ومن الواضح أن فرعون قد أجاد استخدام عناصر قوته من حشد قواته واستنفار أعوانه وعقد المؤتمرات ، وتبدو من النصوص القرآنية مقدرته الفائقة ;ئقة علي الحديث مع الجماهير وسيطرته عليهم ، وفهمه لطبيعة الشعب المصري الذي قد ينسي الآلام حين يستمع إلي نكته يلقيها الفرعون الظالم ، وكل ذلك تصوره الآيات القرآنية الكريمة:" وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ ؟ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ ؟ فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ، فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ "( الزخرف 51 : 54 )
وربما كان موسي يحس بمقدرة الفرعون علي الحوار وفصاحته في الجدل ، وخشي من التعلثم أمامه فطلب من الله أن يعينه بإرسال هارون معه، وربما كانت إقامة موسي الطويلة في مدين أضعفت لسانه عن النطق الفصيح باللغة المصرية، كل ذلك مع خوفه من جبروت فرعون جعل موسي يقول فيما يحكيه القرآن : قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ، وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ" ( القصص 33 : 34 : ) ، " قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ، وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ ، وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ"( الشعراء 12 : 14 ) ،" قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ، يَفْقَهُوا قَوْلِي ،وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ،هَارُونَ أَخِي ،اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي" ( طه25 : 32 ).
يقول تعالي عن نفوذ فرعون في مصر : " إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ" ( القصص 4 ) . وقد جعل القرآن من بني إسرائيل طائفة من أهل مصر فقد عاشوا فيها قرونا قبل مجيء ذلك الفرعون .
وأبان القرآن عن جانب من سياسة الفرعون وهي تقسيم أهل مصر إلي طبقات:" وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا " وكيف أنه اضطهد الضعفاء منهم.
وطالما ( استضعف)فرعون بني إسرائيل فقد تجرأ علي قتل أبنائهم واستحياء نسائهم.
ولو كانوا أقوياء ما جرؤ علي التفكير في ذلك. فالمستبد لا يضطهد إلا من يظهر فيه الضعف . وفرعون موسي حين لم يجد أحدا يقف أمامه ازداد غرورا بقوله وتطرفا في ظلمه . والمثل الشعبي يصور ذلك: " يا فرعون من فرعنك ؟ قال مالقيتش حد يقف قصادي.."
إن فرعون استهان ببني إسرائيل ـ أي استضعفهم ـ وكانت النتيجة أن نصر الله تعالى اولئك المستضعفين على المستبد الظالم فورثوا ملكه وثرواته (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ) ( الأعراف 137 ). ونفس الجرم وقع فيه بنو إسرائيل بعد سنوات حين ( استضعفوا) هارون في غيبة موسي فعبدوا العجل، واعتذر هارون لأخيه فقال: " إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي " ( الأعراف 150 )
4 ـ لقد استمر اضطهاد الفرعون لبني إسرائيل حتى بعد رسالة موسي :
" قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ،قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا "( الأعراف 128 : 129 )
بل إن رسالة موسي كانت حافزا علي مواصلة الاضطهاد الفرعوني :
"فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ" ( غافر 25 )
وأدي ذلك الاضطهاد إلي خوف الأغلبية من بني إسرائيل من الالتفاف حول موسي:
" فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الْمُسْرِفِينَ " ( يونس 83 ).
وحتى بعد أن أرسل الله هارون مع موسي ظل الخوف مسيطرا علي الأخوين وشكيا ذلك لله تعالي فجاءتهما البشري من الله أنه معهما " اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ،فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ،قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى ،قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى.. "( طه : ـ 46 )
وبالتمعن في الآيات الأخيرة نلحظ مدي بأس فرعون والخوف الذي زرعه في القلوب ، ولكن الله تعالي أحاط موسي وهارون برعايته فأخاف منهما فرعون ، ولقد فكر فرعون في قتل موسي واقترح ذلك علي الملأ لأن فرعون الرهيب ( يخاف) من موسي أن يبدل دين قومه ، ولأول مرة يقف رجل من الملأ يعارض دعوة فرعون . " وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ ، وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ، وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ " ( غافر 26 ـ ).
لقد استعاذ موسي بالله من طغيان فرعون ،والله تعالي قد وعد موسي وهارون أن يحفظهما من كيد فرعون وآذاه. " قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا"(القصص 35 )
وتحقق وعد الله لهما فلم يستطع جبروت فرعون أن يصل إليهما .. لم يستطع فرعون أن ينال شيئا من موسي برغم حقده وجبروته وطغيانه وبرغم أن موسي يتحداه داخل أرضه ويهدد سلطانه ، والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
يقول تعالي يحكي عن بداية موسي بعد إلقائه في اليم " وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ " ( القصص 11 )فأخت موسي كانت تقص أثر التابوت الذي يسبح في النيل ، وهي تحاذر أن يراها أحد. ولا ريب أن التابوت قد وصل إلي منطقة محرمة حيث يقع قصر الفرعون مما استوجب علي أخت موسي أن تتواري حتى لا يشعر بها أحد من الملأ المحيطين بقصور الفرعون .
وانتهت القصة بأن تبنّت امرأة فرعون الطفل موسي ثم عاد موسي إلي أمه كي ترضعه
" فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ،وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا "( القصص 13 : 15 )
ونستفيد من الآيات أن موسي نشأ مع أهله رضيعا ثم شب معهم إلي بلوغه الشباب تحت رعاية القصر الفرعونى ، ويعدها دخل مدينة الفرعون ،أو بالأحري تسلل إليها علي حين غفلة من أهلها . ولو كان موسي قد عاش في قصر الفرعون ما دخل المدينة علي حين غفلة من أهلها ، إذن لا بد حينئذ أن يكون معروفا ذا نفوذ.
ويبدو من الآية أن مدينة فرعون كانت أشبه بالثكنة العسكرية لا يدخلها غريب عنها إلا متسللا وأن من يتسلل إلي هذه المدينة من غير المصريين يكون عرضة للظلم .
وهكذا فإن موسي وجد شجارا في المدينة أو بمعني آخر وجد شخصا من شيعته الذين تربوا معه في الحي الإسرائيلي يدافع عن نفسه أمام بغي واحد لابد أن يكون من جند فرعون .
واستغاث المظلوم بموسي، ولأن ذلك الرجل المصري يمثل السلطة الفرعونية التي يستطيل بها علي الإسرائيلي فإن موسي كان أقرب إلي حالة الدفاع الشرعي عن النفس ، وبهذه الحالة النفسية استخدم موسي كل قوته وكراهيته للظلم في ضربة واحدة قضي بها علي خصمه.
"وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ " ( القصص 15 )
لقد عرف موسي منذ اللحظة الأولي من هو عدوه ومن هو شيعته ومعناه أن ذلك المصري كان من الملأ المتخصصين في إيقاع الأذى ببني إسرائيل ، ولذلك تآمر رفاقه علي قتل موسي، وبعدها كانت الإشاعات بقتل موسي للمصري قد انتشرت ، أو ربما كان الملأ قد حققوا في الأمر ووصل إليهم ممّن سمع مقالة الإسرائيلي لموسي " أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ"( القصص 19 )
وهكذا جاء الرجل الآخر ونرجح أنه كان مصريا ـ يحذر موسى " وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ "( القصص20 ).
والقرآن الكريم يصف ذلك المصري بالرجولة ويكتفي بذلك عن ذكر اسمه ليحوله إلي رمز ، وكذلك فعل القرآن مع " رجل " آخر قال كلمة حق لقومه وأوذي في سبيلها. " وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ" ( يس 20 )
ووصف القرآن بعض المؤمنين حول الرسول محمد صلي الله عليه وسلم وقت محنة الأحزاب بقوله : "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا " ( الأحزاب 23 )
أما بعض (الذكور) من قوم لوط فقد قال لهم لوط : " يا قوم هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ؟" ( هود 78 )
فليس كل الذكور رجالا ..!!
ثم نعود إلي موسي بعد أن حذره الرجل المصري وهو يتسلل من المدينة التي حولها الإرهاب الفرعوني إلي ثكنة عسكرية.
ولانجد أبلغ من وصف القران لحال موسي وحال تلك المدينة " فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ "( القصص 21 ) أى هم ظالمون ، والرجل الذى قتله موسى خطأ كان ظالما لأنه يخدم فرعون الظالم ولأنه من ملأ فرعون الظالم ومن أدواته فى الظلم ، ويستخدم سلطته علنا فى ضرب شخص مستضعف ، وهذا المستضعف يحاول الدفاع عن نفسه فلا يستطيع فيستغيث . وليس جرما مقاومة الظلم والدفاع عن النفس ، وليس ظلما أن تعين المظلوم الذى يدافع عن نفسه حتى لو أدى ذلك لقتل الظالم. فهكذا فعل موسى عليه السلام.
إذن نحن أمام ( رجل) مصري آخر ليس من قاع المدينة بل من داخل البيت الفرعوني.
وكان فرعون يخشى من دعوة موسي السلمية التي تتلخص في بساطة شديدة في أن يخرج بقومه من مصر ، والعقل الحصيف لا يري خطرا في أن يتخلص الفرعون من أولئك الذين يكرههم ويستضعفهم ، ولكن أوهام فرعون ومخاوفه من أن تنتقم منه أشباح الضحايا السابقين من بني إسرائيل جعلته يرفض ذلك بل يعتبرها دعوة لتخريب نظامه القائم علي الإرهاب المطلق . وكان العلاج أن يقتل المزيد من الضحايا حتى يشعر بالأمن ويطرد عنه الخوف :"وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ "( غافر 26 )
وبلغ الخوف بفرعون درجة الغيظ من هذه الشرذمة القليلة التي هربت بنفسها من جحيمه .
" فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ،إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ،وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ،وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ " ( الشعراء 53 ـ )
تكاثرت مخاوف فرعون من هذه الشرذمة القليلة التي بالغ في اضطهادهم إلي أقصي مدي ولم يكتف بذلك بل طاردهم بغيا وعدوا إلي أن وصل بظلفه إلى حتفه.
ويعلمنا القرآن أن نخشى الله وحده كي نشعر بالأمن وإلا أخافنا الشيطان من كل شيء ومن لا شيء. "إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " ( آل عمران 175 )
لقد سيطر الشيطان علي فرعون فأخافه من بني إسرائيل حيث لا محل للخوف منهم مطلقا ، وزين له أن يتطرف في اضطهادهم وفي كفره في نفس الوقت ، يقول تعالي: " وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ " ( غافر 37 ).
كان السجن والصلب من وسائل العقوبة والاضطهاد في عصر يوسف حيث كان الهكسوس يحكمون .
وفي عصر فرعون أضيف للصلب تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف لأن فرعون أراد أن يثبت للسحرة انه أشد عذابا وأبقي من رب العزة . " قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى " (طه 71 ) إذن حرص فرعون علي إيقاع الإيلام في العذاب ليؤكد دعواه في الألوهية والاستبداد وتحدي رب العباد.
وبالإضافة إلي ذلك كانت هناك عقوبات أخري مثل السجن والرجم وقتل الأبناء واستحياء البنات.
ففرعون هدد موسي بالسجن" قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ"(الشعراء 29 )
وكان موسي يخاف منهم أن يرجموه لذا قال لهم: " وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ، وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ " ( الدخان 20 : 21 )
أي إن اعتزالهم له ومجرد أن يتركوه فى حاله كان في حد ذاته أمنية له ..
وتحدث القرآن عن اضطهاد بني إسرائيل وتعذيبهم ، ولكن السؤال هل اقتصر ذلك علي قتل الأبناء واستحياء البنات ليكنّ خدما لفرعون وقومه .
لقد عمل فرعون علي إضعاف بني إسرائيل ، وكان من وسائله في ذلك أن يقضي علي نسلهم بتلك الطريقة المبتكرة ، ولكن كانت له وسائله الأخرى في تعذيبهم .. يقول تعالي: "وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ"
و(الواو) التي جاءت في قوله تعالي " ويذبحون" " ويستحيون" تفيد أنهم كانوا يعانون من العذاب بالإضافة إلي ماكان يحدث لأبنائهم وبناتهم.
ولو كان عذابهم في أن يروا ما يحدث لأبنائهم وبناتهم لكفي .
ولا ريب أنه كان يحاول أن يصلح خطأه حين تركهم أحياء ، وكان يسارع مخلصا في
إصلاح هذا الخطأ ، إلي أن استيقظ وموج البحر يحتويه فأعلن توبته وإسلامه في الوقت الضائع يقول تعالي:"وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ،أالآن ؟ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ ؟ ،فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ " ( يونس 90 : 92 )
15 ـ وصدق الله العظيم .. " وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ "
| تعديل | To English |
|
التعليقات (3) |
| [43240] تعليق بواسطة عائشة حسين - 2009-10-26 |
|
الخوف مرض ولا شفاء منه إلا بالاقتراب من الله سبحانه
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
هذه مقولة سليمة لأن الخوف سريعا ما يتسلل إلى القلوب، فهو لا يحتاج إلى وقت بينما الأمن يأخذ وقتا طويلا ،حتى يستطيع الوصول إلى الأنفس الخائفة فالخوف مرض كما أن الأمن هو الشفاء من ذلك المرض ولا سبيل إلى الأمن إلا بطاعة الله والقرب منه ، وتخيل أنك في مبنى آيل للسقوط ، أو هكذا تخيلت أنت ومن معك ماذا سيكون الموقف ؟ سيكون محاولات إعطائك أمان غير مجدية إلا إذا تماسكت وكان هذا التماسك من داخلك، وتستطيع به أن تتغلب على ما يقابلك من مصاعب: فمثلا في حالة سقوط المبنى تستطيع التفكير السليم في طرق النجاة أما إذا سيطر الخوف عليك حتى وإن كان المبنى سليما معافا فكثرة التزاحم تؤدي يقينا لحدوث كوارث لا تقل عن في خطورتها عن سقوط المبنى الفعلي وهذا ما كان يحدث في الزلاول عندما يسطر الخوف على الناس فيسقط بهم الدرج أو يسقط الضعفاء منهم فتدوسهم الأقدام ،أو يلقي البعض نفسه من النوافذ أو الفتحات فيلقى حتفه، الخ ومن واقع قصة فرعون موسى كان يعرف طبيعة الشعب المصري ويتعامل معه وفقها، وكان لا يتوارى في المبالغة في التعذيب وإعلان ذلك صراحة أمام الناس ، متبعا المثل الذي لازال مستعملا إلى الآن : اضرب المربوط يخاف السايب ، ولكن في كل فئة كان يظهر له من يتغلب على خوفه ومرضه رغم جبروته ، وأدل مثال على ذلك هو السحرة فكيف أنهم برغم علمهم لما يخبؤه لهم الفرعون من عذاب، إلا أنهم اختاروا طريقهم وقالوا:( {قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا }طه72 ) إذن هم قضوا على مرض الخوف بتوقع أقصى العقوبة،وهي القضاء عليهم في الحياة الدنيا ، بل هم يتمنون أن ينعموا بنعمة غفران الذوب والخطايا من الله ، لأنهم كانوا مكرهين على هذه الأعمال السحرية المخالفة لشرع الله :( إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى )
|
| [43244] تعليق بواسطة أيمن عباس - 2009-10-26 |
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
الأستاذ الدكتور/ أحمد صبحي منصور نشكرك على حرصك على إفادتنا بكل ما تكتب فوضعك الكتاب على هيئة مقالات هكذا يعطينا فرصة أفضل للقراءة والتعليق والاستفادة، هناك كثير من النقاط في هذا المقال لفتت انتباهي ،ولكن أكثر نقطة كانت عن المستضعفين من بني إسرائيل ،شعرت بطمأنينة على القرآنيين وما شابههم من فئات مستضعفة مسالمة ولا تثير الشغب ، وفي نفس الوقت يقع عليها الاضطهاد بشكل عنيف ويسخر منها في وسائل الإعلام مما يؤدى إلى تشويه محتوى الفكر وأخذ صورة سيئة عنه .وتقاوم لمجرد أنها تعتنق أفكاراً مغايرة لأفكار السلطة القائمة والمتعارف عليها بين العامة . ولكن شعرت أن نصر الله أت لا محالة : |
الفصل الثانى … ثانيا :الحياة الدينية
1 ـ وقفنا عند قوله جل وعلا فى الحكاية عما حدث فى المجلس الملكى الذى اقيم للتحقق من الاتهامات الظالمة التى ادخلوا يوسف من أجلها السجن : (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ ع&oacuUacute;َنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ ، ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ، وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ". ( يوسف 51 ـ ) وفي الآيات الكريمة مدخل جيد للحياة الدينية في مصر القديمة.. فالواضح أن النسوة في مصر القديمة كن يعرفن اسم الله تعالي وينطقن به عند الدهشة والاستغراب والمفاجأة .. فالنسوة المترفات حين أخذهن جمال يوسف قلن فجأة . "حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ " وحين حقق الملك معهن قلن :" حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ".. إذن كانت عبارة " حاش ـ لله" انسابت علي لسانهم حتى في المفاجآت والأوقات الصعبة .
2 ـ وما سجله القرآن منذ ألف وأربعمائة عام اكتشفه علماء المصريات .
يقول أرمان في كتابه " ديانة مصر القديمة " ومما يبعث علي الدهشة أن المصريين كثيرا ما تحدثوا ـ علاوة علي آلهتهم المعنية ـ عن إله عام ويحدث ذلك في الأدب عندما يفكرون في تلك القوة التي تتحكم في مصائر الناس فمثلا يقولون . " ما يحدث هو أمر الله ، " صائد الطيور يسعى ويكافح ولكن الله لا يجعل النجاح من نصيبه " " ما تزرعه وما ينبت في الحقل هو عطية من عند الله "،" من أحبه الله وجبت عليه الطاعة"، " الله يعرف أهل السوء"،" إذا جاءتكم السعادة حق عليكم شكر الله،". ثم يقول "أرمان" :" وهناك فقرة وردت في كتاب قديم من كتب الحكمة تقول : إن الله خفي ولذلك وجب علي الناس تقديس صورته كبديل له "، ثم يعقب (أرمان) بقوله: " هؤلاء القوم الذين كان هذا هو شعورهم وحديثهم لم يكونوا بمنأى عن العقيدة الحقة ، ولو أنهم في الواقع تعلقوا أيضا بدينهم الموروث وبقوا عبادا أمناء لآلهتهم "
3 ـ والعبارات التي ذكرها ( أرمان) مازال المصريون يقولونها ويذكرون اسم الله تعالي ولكن باللغة العربية بدلا من الهيروغليفية .
ويبدو أن القرآن حكي بعض الألفاظ المصرية القديمة في قصة يوسف ومنها كلمة " هيت لك"، ولازال أهل سيوه في لغتهم الخاصة المنحدرة من الفرعونية يقولون "هت" بكسر الهاء وتعني عندهم تعال ، وتتكرر علي ألسنتهم بعض الألفاظ والتعبيرات مثل " حاش لله" ، وتعني عندهم "لم يحدث " ومثل " حصحص " وتعني عندهم تأكد.
وتلك الألفاظ لم تأت في القرآن إلا في قصة يوسف ثم دخلت في اللغة العربية تبعا لذلك .
4 ـ وتنفرد قصة يوسف بين القصص القرآني بورودها متصلة الأحداث والمشاهد في سورة واحدة قائمة بذاتها لتكون كنزا لا ينفذ من الإعجاز التاريخي والقصصي والإنساني . ولتعطينا مؤشرا من ناحية أخري علي أن ذلك النبي الكريم قد أثري الحياة الإنسانية المصرية خلقيا ودينيا ولم يكن مجرد منقذ لهم وقتت المجاعة .
5 ـ ونحن نري أثر قصة يوسف وتجربته الإنسانية في قول الحكيم المصري القديم " آني" لابنه خنسو ـ حتب من الأسرة الثانية والعشرين ـ بعد يوسف بخمسة قرون تقريبا ، يقول:
" لا تترك قلبك ألعوبة في الميل نحو النساء فإن ذلك يذهب بقوة دينك وعلو شرفك وأدب نفسك ، فالمرآة بما أوتيت من الدهاء وتأثير الأنوثة من أقوي حبائل الشيطان " وفي نفس العصر يقول الحكيم المصري بتاح حتب :" إن مس الأعراض وخيانة الأمانة ومحاولة الإفساد مع من حزت ثقته وعول علي صداقتك جريمة كبري يتضاعف عليها العقاب عند الله جلت قدرته "
وهذه النصائح الأخلاقية يمكن نسبتها إلى أئمة المسلمين في الورع دون أن نحس بأي فارق في اللهجة والأسلوب..
لذلك لا نستغرب أن تقف امرأة العزيز تعلن توبتها وندمها أمام الملك والملأ والنسوة وتقول : "الآن حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ،ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ،وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ " فذكرت اسم الله تعالي علي انه ربها الغفور الرحيم ، وهو موقف صادق للتوبة كفي شرفا لصاحبته أن يذكره رب العزة في القرآن..
ولكن هل خفتت معرفة المصريين القدماء بالله في عصر فرعون موسي الذي ادعي الألوهية واضطهد المؤمنين "؟
1 ـ القرآن ينفي ذلك .. إن عناد فرعون وقومه كان يخفي إيمانا بالله تعالي منعه التكبر والحرص علي الدنيا من الظهور ، يقول تعالي عنهم: "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا " (النمل 14 )
وعندما اختبرهم الله بالمحن كانوا يفزعون إلي موسي ليطلب من الله أن يكشفها عنهم معترفين بقدرته جل وعلا : "وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمْ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمْ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ " (الأعراف 134 ـ )
وموسي حين بدأ دعوته ذكرهم باسم الله الذي يوقرونه فقال لهم: " أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آَتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ " وأستحلفهم بالله ألا يرجموه : وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ"( الدخان 18 ـ ) .
أي كانوا يعرفون أن الله هو ربه و ربهم .
2 ـ وعلى نفس النسق من التذكير بالله والتخويف منه كان مؤمن آل فرعون يعظ قومه بما يعرفون وممن يخافون ويخشون :"وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ ْ وقد جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ " ،" يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ؟ " ،" وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ ، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ " ويبدو إيمانه باليوم الآخر إيمانا صحيحا من قوله " وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ" " "يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ، مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ "
لقد كان عامة المصريين القدماء يؤمنون بالآخرة إيمانا مبهما، ولكن القلة منهم كانوا يؤمنون بها حق الإيمان .
لقد كان حوار ذلك الرجل المؤمن دليلا علي درجة من الرقي الديني والأخلاقي لا تتوفر إلا للصفوة من الصديقين ،وإذا كان ( أرمان) قد اندهش لأنه عثر علي بعض عبارات للمصريين القدماء يذكرون يها اسم الله في أحاديثهم وكتاباتهم كيف به إذا عثر علي تسجيل لأقوال ذلك الحكيم الفرعوني المؤمن الذي شرفه القرآن ؟.
لقد كان ذلك الرجل مؤمنا بالله الواحد الأحد وليس مثل الأغلبية الذين يؤمنون بالله ويؤمنون بغيره ، وقد حاولوا معه أن يؤمن أيضا بتلك الآلهة مع الله فرفض قائلا : "تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ "..
أى في مقابل الأغلبية المشركة التي تؤمن بالله وبغير الله كانت هناك أقلية يمثلها ذلك الرجل المؤمن من آل فرعون .
وهذه المرأة المؤمنة هي التي فاضت حنانا علي موسي وهو في التابوت وأنقذته ومازالت بزوجها حتى وافق علي إنقاذه ورعايته " وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ " ( القصص 9 )
4 ـ والمتوقع أن يكون وجود موسي رضيعا في البلاط الفرعوني قد جعل هناك صلة ما نتج عنها تسرب الإيمان إلي امرأة فرعون ثم إلي ذلك الرجل المؤمن من آل فرعون ، مما يرجح وجود تيار سري من الإيمان وخلايا من المؤمنين ، داخل وخارج القصر الفرعوني، ومنه ربما كان تحرك ذلك الرجل الذي جاء من أقصي المدينة يسعى لينقذ موسي ويحذره . ثم انضم للأقليات المؤمنة مجموعة السحرة الذين جاءوا ليهزموا موسي وهم يحلمون بالقرب من فرعون ولكنهم فوجئوا ببرهان عملي علي نبوءة موسي فلم يترددوا في السجود لله إعلانا بإيمانهم علي رءوس الأشهاد.
ورفضوا أحلامهم القديمة واستهانوا بتهديدات فرعون وما ينتظرهم من تقطيع أيديهم وأرجلهم وصبهم علي جذوع النخل . وأجابوا علي تهديداته بأفضل ما يقوله المؤمن عند المحنة أمام الظلمة . "قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ "( الشعراء 50 ـ) " قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ، وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ" ( الأعراف 125 ـ ) ، " قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لكبير كم الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى ، قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ، إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا " ( طه 72 ـ )
5 ـ ومع ذلك فإن أغلبية المصريين القدماء ـ مع معرفتهم بالله ووجود مؤمنين موحدين بينهم ـ كانوا متمسكين بتقديس الآلهة وأصنامهم وقبورهم ، وكان غرامهم شديدا بإطلاق الأسماء علي تلك الآلهة ويترسب تقديس تلك الأسماء في الضمير الشعبي.
وقد كان يوسف عليه السلام رسولا للمصريين وقد بدأ دعوته في السجن ، وحين سأله رفيقاه إن يفسر لهما رؤياهما لم يبادر بالتفسير ، وإنما قدم نفسه وعقيدته لهما ثم أخذ يحاورهما في عبادة الأسماء ويدعوهما إلي عبادة الله الواحد الذي لا إله غيره .
نفهم ذلك من قوله تعالي: " وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ، قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ،
يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ؟ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ " ( يوسف 36 ـ )
وواصل يوسف دعوته حين أصبح له نفوذ وسلطان ولكن المصريين تمسكا منهم بآلهتهم ضاقوا به وأعرضوا عنه ، وفيما بعد كان مؤمن آل فرعون يذكر قومه بإعراضهم عن يوسف حين دعاهم لإخلاص دينهم لله وحده. يقول مؤمن آل فرعون : {وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً }"(غافر 34 )
أي أنهم حتى في رفضهم لدعوة يوسف كانوا يؤمنون بأنه رسول الله ، واستراحوا بموت يوسف قائلين: " لن يبعث الله من بعده رسولا " وذلك يذكرنا بمقالة أرمان عنهم إنهم مع معرفتهم بالله فإنهم ظلوا أمناء مخلصين لآلهتهم الموروثة.
6 ـ لقد كانوا يعرفون الله والملائكة ..!!
والنسوة في عصر يوسف قلن حين رأينه " حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ " (يوسف 31 ) وفرعون فيما بعد تندر علي موسي قائلا "فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ "( الزخرف 53 ). أي كان المصريون يعرفون الله والملائكة ، ولكنهم كانوا متمسكين بعبادة الآلهة الأخرى مع الله .. وتلك هي مشكلة البشر في كل زمان ومكان ، يقول جل وعلا فى نفس السورة : . {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ } ( يوسف 106)
ثانيا
1 ـ قد يبدو ذلك العنوان غريبا لأن بني إسرائيل من ذرية أنبياء عظام هم إبراهيم واسحق ويعقوب والأسباط ويوسف ، ثم شهدوا من آيات الله ونعمائه في عصر موسي مالم يتيسر لأي شعب آخر .. ومع ذلك فإن تأثرهم بالعقائد المصرية كان أبعد أثرا إلي درجة أن القرآن أشار إلي ذلك في أكثر من موضع .. إلا أنه لم يكن من نواحي تأثرهم بالعقائد المصرية تقديس الفرعون ولعل ذلك سبب نقمة الفرعون عليهم ، وحتى بعد ذلك فقد كان لبني إسرائيل موقف محدد يرفض تقديس الأنبياء الذي تقع فيه أغلبية البشر ، وذلك شيء في حد ذاته محمود لولا أن بعضهم وقع في المحظور فقتلوا الأنبياء وحرفوا الوحي.
2 ـ ولقد بدأ حنين بني إسرائيل للمعابد المصرية وأصنامها بمجرد أن جاوز بهم موسي البحر ، يقول تعالي: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } " ( الأعراف 138 )
نسوا معجزات موسي ونعمة الله حين أنجاهم وانتقم لهم من فرعون وجنده ، وحين رأوا معبدا فرعونيا في سيناء طلبوا من موسي أن يقيم لهم معبدا مماثلا ..
3 ـ وتركهم موسي وذهب يتلقى الألواح من ربه وحين عاد وجدهم قد عبدوا عجل أبيس .. جمع السامري الذهب المصري الذي سلبوه وتوارثوه وصاغ منه عجلا فعكفوا عليه يعبدون بمثل ما
اعتادوا من قبل ، واعترض هارون فكادوا يقتلونه ، ورجع موسي فاشتد به الغضب فالقي الألواح التي كتب الله فيها التوراة وكاد يبطش بأخيه لولا أن اعتذر له . ودمر موسي العجل الذهبي وألقاه في البحر وطرد السامري ، ومع ذلك كان غضب الله عليهم شديدا..
يقول تعالي:"وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ،وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ ، وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ؟ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ يا ابن أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِي الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ "( الأعراف 148 ـ )،
ويوضح القرآن أن عبادة العجل الذهبي ـ الفرعوني الأصل ـ قد تمكنت من شغاف قلوب بني إسرائيل ضمن باقي المؤثرات المصرية التليدة التي لوثت عقيدتهم: " وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (البقرة93)"
ويقول تعالي : " وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30التوبة )"
أي أن اليهود حين قالوا أن عزيرا ابن الله قد رددوا مقالة الذين كفروا من قبل ، والواضح أنهم عاشوا قرونا في مصر القديمة وتأثروا بعقائدهم ، إذن عبارة ( الذين كفروا من قبل) مقصود بها أهل مصر القديمة .
3 ـ ولكن من هو (عزير) هذا الذي ردد اليهود مقالة المصريين القدماء في اعتباره ابنا لله ـ تعالي عن ذلك علوا كبيرا.؟.
إنه الإله ( أوزيريس) الذي كان أشهر معبود مصري يقول عنه ( أرمان):
" أنه محور الديانة المصرية " وأن " علاقته بالحياة والموت جعلته يحتل مكان الصدارة بين الآلهة فأصبح من أهم الآلهة المصرية " " ومن أجل الحياة والموت اعتبر أوزيريس بعد ذلك إلها للموتى وسيدا لهم وهذه الصفة أبرز الصفات التي عرفت عنه ومن أجل ذلك أصبح في العصور التاريخية عند المصريين إلها للموتى "
إلا أن المصريين لم يكونوا ينطقون اسم ( اوزيريس) بل كانوا يقولون عنه ( عزير) بنفس ماهو مكتوب في القرآن . ولكن أسطورة إيزيس وأوزيريس ما لبثت أن انتشرت في أوربا عبر بلاد الإغريق ولأن اللغات الأوربية تخلو من حرف العين ، ولأن اللغة اليونانية تضيف حرف السين إلي آخر الأسماء فقد تحول ( عزير) إلي ( أوزيريس) وانتشر الاسم الجديد عندما بدأت عمليات الكشف عن الآثار المصرية وقيام علم المصريات . وبدأنا نحن المصريين ننطق ( أوزيريس) و ( إيزيس) وهو نفس الأصل المصري " عزير . عزي ".
ونعود إلي بني إسرائيل وقد حملوا معهم تقديس "عزير " أو "أوزيريس" علي أنه " ابن الله " تعالي الله عن ذلك .
وقد ذكرنا كيف كان المصريون القدماء يعرفون الله . إذن كان الأساس في تقديسهم لعزير أنه ابن الله ـ والذي يقوم عنه بقبض الأنفس عند الموت ثم حسابها في القبر.
* * *
وأضاف بنو إسرائيل ملامح لغتهم العبرية علي اسم عزير فأصبح " عزرائيل " وكلمة
" ئيل" تعني عندهم ( اله) ومنها ( إسرائيل ) أي عبد الله .
وانحدر إلينا " عزرائيل" في صورة مخففة تعني ملك الموت وهو الطبعة الحديثة من أوزيريس . أي أن بضاعتنا ردت إلينا فاسم عزرائيل لم يرد في القرآن ، وذلك يكفي.
| تعديل | To English |
|
التعليقات (2) |
| [43601] تعليق بواسطة محمود مرسى - 2009-11-16 |
|
دعوة الموحدين على مر العصور. ربنا أفرغ علينا صبراً
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
الشكر والتقدير للدكتور / أحمد منصور على هذا الثراء المعرفي بالقرآن والذي لا يبخل به علينا ومن هذا السخاء هذا البحث وهذا الكتاب الرائع "مصر في القرآن الكريم" فعندما آمن السحرة ووعوا قضية التوحيد كان أن ألهمهم الله هذا الدعاء فرددوه عندما اشتد بهم الكرب وهم معرضون للقتل والتعذيب والتنكيل والصلب ! فدعوا الله بهذا الدعاء بأنهم أول المؤمنين وقد تعرضوا للبطش من الفرعون المصري والملأ الموالي له يقول تعالى وصفا لحالهم وتكرارا لقولهم {"قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ "( الشعراء 50 ـ) " قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ، وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ" ( الأعراف 125 ـ )} نعم الدعاء في قمة المحنة أن يفرغ الله عليهم الصبر لأن الصبر هو الذي سوف يجعلهم يحتملون آلام التعذيب والصلب والقتل ، فالصبر هو المر أو كالمر في الطعم ولأن مسكنات الألم القوية جدا تكون ذات طعم مر ، إلا أنها تطيح بالألم وتثبت القلب عند مواجهته ، نعم المؤمن والموحد عندما يتعرض للقتل والقهر والسجن يتألم كثيرا جسديا ونفسيا وأخشى ما يخشاه أن يخضع لقاهريه وقاتليه وأن يترك عقيدته التي آمن بها فيخسر رضوان الله تعالى لذللك يدعوا هذا الدعاء بأن يفرغ الله على عليه هذا الصبر، والصبر هو المواد المسكنة للألم والمخدرة التي يفرزها الجسم والعقل بالذات في منطقة معينتة . هكذا فهم المؤمن والموحد طبيعة الألم وفهم كيف يتغلب عليه بالدعاء إلى الله خالق هذا المخ وهذا العقل بأن يجعله يفرز ما يخفف الألم كي يواجه الطغاة عند ملاقاتهم . |
| [43602] تعليق بواسطة محمود مرسى - 2009-11-16 |
|
يتبع .
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
وما فعله مؤمنوا بنوا اسرائيل عندما تعرضوا لهذا اليوم العصيب مع هذا النبي وهذا الجيش الذي يضم هذا الملك طالوت وهذا القائد العسكري داوود الذي سوف يصبح بعد ذلك رسولا ونبيا ، كان المؤمنون الموحدون أقلية في العدد والعدة ، وشعروا بقرب النهاية وأنهم هالكون لا محالة وأن سيوف العدو وسهامه وحرلبه سوف تعمل في أجسادهم كل ما يوصف في المعارك غير المتكافئة وأن من يقع في الأسر منهم سوف يلاقي الأمرين ، إنه الألم بكل معانبه والخوف والهلع بكل معانيه ، فماذا يتبقى لهم غير اللجوء إلى الله والركون إليه والأخذ بالأسباب بأن يهبوا أنفسهم قربابنا وتقربا إلى الله تعالى ، وأن يدخلوا معركة غير متكافئة من الناحية الواقعية والنظريه !! معتمدين على الله وعلى قوة إيمانهم التي فرضت عليهم أن يطلبوا من إفراغ الصبر وقد حدث بالفعل ، وقاتلوا ببسالة وعندهم من التاريخ الإيماني ما يثبت لهم أنه {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} فدعوا هذا الدعاء المطابق لدعاء السحرة عندما لاقوا فرعون وتوعدهم بالموت والصلب ، فقال الملأ من بني اسرائيل : يقول تعالى { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ، ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وأنصرنا على القوم الكافرين } |
من ملامح الحضارة المصرية فى القرآن
1 ـ الحياة العقلية العلمية :
إن الدين هو حجر الزاوية في الشخصية المصرية وهو الحاضر الغائب في النشاط المصري القديم والحديث . لقد تضاءل نفوذ السلطة الهكسوسية لأن الحاكم كان مجرد ملك بينما تعاظم الفرعون لأن له ركنا في الدي&al;لدين المصري القديم. ونمت الأخلاق الاجتماعية ودارت الحياة الاجتماعية حول محور الدين ، وبالدين كان أعظم المعمار المصري القديم معابد وبيوتا للآخرة ..
ومن الطبيعي بعد هذا أن تكون علوم المصريين القدماء فرعا من دينهم المتوارث.
ومعني التوارث لصيق بمصر أقدم حضارة وأكثرها استمرارية ،لذلك فمن المنتظر أن يرفضوا دعوة موسي لأنها تخالف ما توارثوه عن الأسلاف . {فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ }(القصص 36)
* ومن الدين كان نبوغ المصريين القدماء في السحر ، ومن نبوغهم في السحر كانت نظرتهم إلي معجزات موسي ، وكان اعتقادهم في إمكانية أن يفوزوا عليه إذا جاءوا بكل السحرة العلماء من كل المدائن المصرية . " َقالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ يأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ َ"(الأعراف 111 ـ )
وقد عقد ( أرمان) في كتابه ( ديانة مصر القديمة ) فصلا كاملا عن السحر وارتباطه بالدين ومهارة السحرة ولكننا لا نجد أبلغ من الآيات القرآنية القليلة التي تحدثت عن سحرة فرعون , يقول تعالي عنهم:" قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ " ( الأعراف 116 )
إذن كان عمل السحرة مجرد التأثير البصري علي أعين المشاهدين ، وبقوة الإيحاء النفسي وما في أنفس المصريين من استعداد للتصديق رأوا ما يريده السحرة لهم أن يروه ، رأوا الحبال والعصي قد تحولت إلي ثعابين ، بينما هي في الحقيقة لا تزال حبالا وعصيا ملقاة علي الأرض بلا حياة .
يقول القرآن بإيجاز وأعجاز عنهم ." { سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ } "ليشير من طرف خفي إلي أن مهارة السحرة في السيطرة علي مراكز الحس عند المصريين تستند إلي عقيدة دينية يحتل فيها السحر مكانة هامة ، وأن هذه المكانة الهامة تحجب العقل عن رؤية الأشياء علي حقيقتها ، وتجعل المشعوذين المهرة " علماء".
وهناك أكثر من ذلك في القرآن ، يقول تعالي : قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى{65} قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى{66} فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى{67} قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى{68} وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى"( طه 65 ـ )
وعبارات القرآن أقوي من أي تعليق .
* ويقول تعالي عن فرعون وآله : {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً "( النمل 14 )
ومعني ذلك أنهم عرفوا حدود السحر وأن ما جاء به موسي أكبر من السحر العادي إذن فهو صادق . وذلك ما كتموه في قلوبهم حرصا منهم علي أن يكونوا عالين في الأرض.
* ومن الممكن أن نأخذ مؤمن آل فرعون مقياسا لمستوي العلم الحقيقي عند المصريين القدماء . فمن خلال حواره مع قومه تظهر لنا معرفته بالتاريخ القديم للأمم البائدة منذ عصر نوح فهو يقول لقومه: " يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ ، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ " ويقول : {وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً.." ومن حقنا أن نستنتج أنه كانت لديهم حوليات تاريخية سجلت تاريخ الأمم السابقة وتاريخ الأسرات الحاكمة في مصر ، وأنهم حتى عصر موسي كانوا لا يزالون في شك في دعوة يوسف وجدال حوله .
إن من حق كل مصري وكل مؤمن أن يفخر بموقف السحرة وبذلك الرجل المؤمن الراقي ثقافته وعلمه وحواره ...
* * *
2 ـ العمارة في مصر القديمة:
فكلمة (مدائن) لم تأت في القرآن إلا وصفا للمدن المصرية فقط : { قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ " ( الأعراف 111 )"{ قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ " ( الشعراء 36 ) " فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ " ( الشعراء 53 )
* وعلي كثرة ماهو مكتوب علي العمارة الفرعونية فإن الاهتمام انصب علي المعابد والآثار الدينية الباقية ، ولكن القرآن يعطينا معلومة هامة عن رقي العمارة في المدن المصرية إلي درجة أنها لم تعد مجرد( مدن) بل ( مدائن) وأن هذه ( المدائن) كانت منتشرة علي طول العمران المصري آهلة بالسكان وبالسحرة وبالجنود.
* وكلمة (المدينة) جاءت في القرآن أربع عشرة مرة ، جاءت أربع مرات عن يثرب المدينة ، وجاءت خمس مرات عن مدن متفرقة ، وجاءت خمس مرات عن المدن المصرية في عصري يوسف وموسي .
وإذا أضيف ذلك إلي كلمة (مدائن) المصرية لأصبح لدينا شاهد من القرآن علي رقي العمارة والمدنية في مصر القديمة.
* و(الصرح) يعني البناء الشاهق ، ووجود تلك النوعية من ناطحات السحاب أمر غير متوقع في العصور القديمة ، ولذلك وردت كلمة ( صرح) في القرآن أربع مرات فقط ؛ مرتان منهما عن سليمان ، وقد كانت الجن تخدمه يعملون له مالا يستطيع البشر الإتيان به ، وجاءت كلمة مرتين عن ذلك البناء الشاهق الذي أمر الفرعون وزيره هامان ببنائه كي يناطح السحاب ويستطيع أن يري رب موسي : " وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ ، أَسْبَابَ السماوات فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى "(غافر 36 ـ ) " وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى " ( القصص 38 )
وبغض النظر عن كفر فرعون فإننا نستفيد من الآيتين أن العمارة المصرية القديمة بلغت شأوا بعيدا فى التقدم ، ولولا أن فرعون كان يعرف مقدرته في إنشاء مثل ذلك البرج العالي ما طلب ذلك من هامان علي رؤوس الأشهاد.
وربما كانت مقدرته علي ذلك هي التي دعته إلي التطرف في ذلك القول الكافر.
ويكفي أن تلك المقدرة علي إنشاء الصرح لم تأت في القرآن إلا لسليمان الذي كانت الجن يعملون له ما يشاء ومنها ذلك الصرح الزجاجي الممرد من قوارير والذي أدهش ملكة سبأ .( قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ( النمل 44 )
أما عن الصرح الذي طلب فرعون إنشاءه فقد كان من الأحجار الحمراء. " َفأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحاً "
أي كانت صناعة الأحجار معروفة في مصر منذ آلاف السنين ..
* وكلمة ( الأوتاد) جاءت في القرآن ثلاث مرات ، مرة واحدة فى وصف جبال الأرض التي تمنع القشرة الأرضية من أن تميد بمن عليها. " أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادا وَالْجِبَالَ أَوْتَادا "(النبأ 6 : 7 )
وفي المرتين الأخريين جاءت الكلمة وصفا لفرعون موسي : " كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ " ( ص 12 ) " وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ " ( الفجر 10 )
فالقرآن يصف بعض المنشآت الفرعونية بأنها أوتاد مثل الجبال .
الحصول علي بيت في الجنة ـ بلا فرعون فيه ـ أول ما بدأت به دعاءها .
ويبدو أن فرعون موسي كان مهتما بالعمارة قدر اهتمامه بتخويف الناس حتى زوجته ..
" وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ " ( الأعراف 137 )
وكل عمائر فرعون وقومه وجنده وآله أصبحت خرابا بعده وانطبق عليها قوله تعالي عن ثمود :" فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ، فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " ( النمل 51 : 52 )
لم يتعظ فرعون وقومه بنصيحة مؤمن آل فرعون حين قال لهم :
" يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ " .دمر الله ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون .بينما ترك وادي النيل سليما بما فيه" من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين" ( الدخان 25 ـ )
* * *
ولا تزال ـ بكمية المياه المتاحة من الفيضان ، وحين رأي الملك الهكسوسي رؤياه جاء تعبير يوسف عنها أنه : " قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ ،ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ " ( يوسف 47 ـ )
وأنتهي الأمر بأن أسند الملك ليوسف شئون الأشراف على الزراعة والتموين في مصر
" قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ، وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ " ( يوسف 55 )
والمفهوم من الآيات أن تقام مخازن ضخمة تستوعب إيراد مصر من القمح والشعير والأرز خلال سبع سنوات يتم فيها تخزين السنابل لكي تحفظ الحبوب داخلها من احتمالات التسوس والفساد. ويستلزم ذلك إشرافا كاملا دقيقا علي جمع المحاصيل من كل مكان وعلي نقلها إلي صوامع التخزين ، وقد كانت تلك الصوامع مثل أقماع السكر كما يذكر مؤرخو الحضارة المصرية القديمة.
ويستلزم ذلك ـ أيضا ـ عمالة ضخمة وإدارة متكاملة في التجميع والتخزين ثم في أمور البيع والتسويق ، ثم في تقدير الوارد والمنصرف والاحتياجات الفعلية والاحتياطي والإنتاج المستهدف والاستهلاك اليومي والشهري والسنوي ، والمنتظر أن يتم تسجيل ذلك كله في حسابات وخطط وبرامج طيلة زمن يقدر بأربعة عشر عاما.
ويتم بذلك عبور هذه السنوات الخطيرة حين يضطر المصريون إلي الاقتصاد من سنوات الرخاء السبع الأولي ، ثم يأتي عام بعد سنوات المجاعة يهل فيه الخير ويأكلون ويعصرون المشروبات " ثمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ " ( يوسف 48 )
* * *
2 ـ وإشارات أخري عن التجارة وردت في قصة يوسف، فالبيع والشراء كان بالنقد بالدراهم وكان بتبادل البضاعة ببضاعة أخري .
* ويوسف نفسه حين القي في الجب وعثرت عليه القافلة باعوه بدراهم معدودة ، وكان الذي اشتراه رجلا من مصر " وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ "( يوسف 20 ) وواضح أنه لم تكن هناك تسعيرة بدليل أن صبيا في مثل جمال يوسف بيع بثمن بخس لأن القافلة كانت فيه من الزاهدين أي ترغب في التخلص منه بأي طريقة.
* وحين كان يأتي أخوة يوسف كانوا يحضرون معهم بضائع يبادلونها بالحبوب.
ثم كانت البضائع ثمنا للحبوب بطريق التبادل .
وحتى يجعل يوسف أخوته يعودون أوعز إلي عماله برد بضاعتهم اليهم مع الحبوب التى اشتروها ،أى أعطاهم الحبوب مجانا ( يوسف 62 )وفيما بعد : " وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَـذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ".( يوسف 65 )
ونفهم أن الحبوب كانت تكال بالكيل ، وكانت أدوات الكيل هي السقاية والصواع ، وأن المعروف أن المشتري يستسمج في أن يوفي له البائع الكيل.
" َلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ".( يوسف 88 )
وحين خطط يوسف لاحتجاز أخيه الشقيق عول علي اتهامه بالسرقة .
" فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ، قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ ؟ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ" ( يوسف 70 ـ )
ويبدو أن وحدة البيع والشراء في عهد يوسف كانت حمولة البعير، وأنها كانت النصاب المسموح به لكل فرد يقدم للتزود من الحبوب ، أي أن نظام البيع بالبطاقة التموينية بدأ به يوسف في ذلك الزمن السحيق. ودليلنا أن أخوة يوسف ترجوا أباهم أن يسمح لهم بأن يبعث معهم بأخيهم ـ شقيق يوسف ـ حتى يزدادوا بوجوده كيل بعير:"قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ" ( يوسف 65 )
* * *
وقد تكرر مجيء إخوة يوسف طلبا للمؤونة مما يدل علي أن المجاعة لم تؤثر علي مصر وقتها قط وإنما أثرت علي الأقطار المجاورة التي تعيش علي التبادل التجاري مع مصر.
وكانت تلك القرى المصرية تحت الإشراف المباشر ليوسف وقد قال لأخوته يستميلهم
"ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ"( يوسف 59 )
أي أنه استمالهم بالكيل الوافي وأنزلهم في منزل مريح.
وحين اتهمهم بالسرقة ـ وأثبت التهمة علي أخيه الشقيق قال أخوهم الأكبر لأخوته .
"ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ، وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ " ( يوسف 81 )
فالقوافل كانت تتوقف عند القرى التي علي الحدود وهناك يقيمون فيها ويحدث التعارف وتنتشر الأخبار ، ولذلك طلب أبناء يعقوب منه أن يذهب بنفسه إلي تلك القرية المصرية التي كانوا ينزلون فيها ويستوثق من أهلها أن أبناءه صادقون فيما يخبرونه به عن اتهام أخيهم بالسرقة.
* * *
* ومع الضجيج الذي أحدثه فرعون موسي فإننا نستطيع أن نتلمس في الآيات بعض الإشارات عن الحياة الاقتصادية في عصر الرعامسة ، وأهمها بالطبع ذلك الرخاء الاقتصادي الذي تركه خلفه فرعون وجنده ، وقد وصفه القرآن أروع وصف فقال:
" فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ، وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ "( الشعراء 57 ـ ) " كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ، وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ، وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ " (الدخان 25 ـ )
فالقرآن يصف الحقول المصرية وقتها بأنها كانت جنات، ويصف وفرة المياه بأنها عيون أي كان الري بلا مجهود حيث يغطي النيل الحقول فتكون مثل عيون الأرض . والمحصول كان كنوزا والوضع كان مقاما كريما . وبدلا من أن يقوم فرعون بشكر النعمة افتري وتجبر وقد أذاقه الله بعض المحن حتى يرجع ، ولكنه كان لا يرعوي ولا يتوب، يقول تعالي "وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ"( الأعراف 130 )
والشاهد في الآية قوله تعالي : " وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ "
ونفهم منه أن فرعون وآله كانوا يملكون الأرض والثروة ويتحكمون في المحصول ، فإذا حدث نقص فيه تناقصت ثروتهم ... أما الفلاح المصري وقتها فقد كان ملكيته لأدوات الإنتاج لا تزيد كثيرا عما تملكه ماشية الحقل .
* * *
3 ـ وفي الوقت الذي كان فيه الفلاح يجلد بالسياط إذا أخفي قدرا من المحصول لطعامه ، فإن الفرعون وآله كانوا يتجملون بالحلي في أبهي زينتها ويصحبونها معهم إلي قبورهم.
ويذكر مؤرخ عصر الرعامسة أن رمسيس الثالث كان له ضابط خاص لحمل الإمدادات من الشراب والطعام في إناء كبير من الذهب سعته ثلاثة لترات .
لذلك لا تعجب من فرعون موسي وهو يتندر عليه قائلا : "فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ " ( الزخرف 53 )
لأن فرعون يعتبر التحلي بالذهب من دلائل علو المكانة ، ويشاركه في الرأي قومه بالطبع، ولذلك فإن فرعون وقومه حين كانوا يطاردون بني إسرائيل كانوا يرتدون أبهي وأثمن مالديهم من حلي وجواهر ، كأنهم ذاهبون الى نزهة أو حفل استقبال.!.
والقي الموج بجثثهم إلي الشاطيء وعليها ما عليها من ذهب ، وصارت من نصيب بني إسرائيل ، وسول لهم السامري أن يجمعوا ذلك الذهب الفرعوني ليصيغوا منه عجلا ذهبيا يسترجعون به عبادة العجل الأبيسي، يقول تعالي : " {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ " ( الأعراف 148 )
واعتذر بنو إسرائيل لموسي قائلين: " قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيّ " ( طه 87 )
* * *
وإذا كان الفرعون يتزين بالحلي فلابد أن يتفنن الصناع في إتقانها والآثار الذهبية خير شاهد علي ذلك .
* * *
أن المجتمع المصري ـ الذي يبدو ساكنا ـ قد طيع بني إسرائيل بطابعه الديني الاجتماعي الاقتصادي، وحين تركوه حملوه في قلوبهم ليس فقط في حنينهم للآلهة المصرية القديمة حين رأوا المعبد الفرعوني ، ولا في اتخاذهم العجل وتقديسهم لاوزيريس ـ عزيرـ ولكن في طبيعة السلوك المتواكل الذي يعتمد علي الحاكم أو الحكومة في كل شيء. فتراهم يطلبون من موسي كل شيء، بل يطلبون منه أن يدعو ربه ليجيب لهم مطالبهم. وحين أكرمهم الله بالمن والسلوي ضجروا منهما واشتاقوا إلي الطعام المصري والمحاصيل الزراعية المصرية فقالوا:
" يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ" ( البقرة 61 )
في سبيل العدس المصري تناسوا المن والسلوي ..!!
لقد كانت المؤثرات المصرية في ذلك الجيل الاسرائيلى أعمق من أن تتأثر بكل معجزات موسي ، لذا كان العلاج الوحيد أن يظلوا تائهين أربعين عاما حتى ينقرض ذلك الجيل وينقرض معه تأثره بالمجتمع المصري القديم..
ترى كم عاما نحتاجها نحن لننهض ونلقي عنا رواسب التواكل ..و(معلهش) ؟ ..
| تعديل | To English |
|
التعليقات (7) |
| [43559] تعليق بواسطة محمود دويكات - 2009-11-13 |
|
سؤال قد حيّرني
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
شكرا ً جزيلاً لك أيها الدكتور الجليل على هذه المقالات الجميلة... بخصوص هذا المقال .. كان و لا يزال هناك أسئلة تراودني حول ردود ملأ فرعون على موسى.. أحد هذه الأسئلة متعلق هنا... فموسى عندما اخبرهم عن الله و توحيد العبودية له كان جوابهم انهم ما سمعوا بهذا في آبائهم الأولين (فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) .. و كما قلت أنت صادقا ً أن مصر هي من أطول (إن لم تكن هي الأطول) حضارة عرفها البشر استمرارية و تواصلاً ... فكيف يقولون ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين لرسالة من المفروض أن الله كان يبعث برسله اليهم من قبل؟ لا أرى حلاً لهذا التساؤل سوى واحدة من اثنتين: إما أن الله لم يبعث الى مصر رسلاً من قبل موسى عليه السلام.. أو أن الذي يتحدث عنه ملأ فرعون في الأية السابقة مخصوص بشيء خاص جداً و ليس عن الرسالة كلها. أرجو أن نسمع منكم أستاذنا الفاضل حول هذه النقطة.
|
| [43562] تعليق بواسطة طارق سلايمة - 2009-11-14 |
|
أخي محمود دويكات ، بإلإذن من دكتورنا الفاضل
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
ستزول حيرتك ياسيدي إذا تذكرت قول الرجل الذي يكتم إيمانه لقوم فرعون عندما قال لهم ولقد جاءكم يوسف بالبينات من قبل فكفرتم به ولما هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً أبداً كذلك يطبع الله على قلب كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب وهذا دليل أن " المصريين القدامى" من أيام " يوسف قد جاءتهم البينات من ربهم ولكن لما تطاول عليهم العهد فحرفوا الدين وجاء آباؤهم بدين " إفك " بديلاً للدين الحنيف الذي جاءهم به " يوسف " فمن المنطقي أن يقولوا " ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين " .
|
| [43563] تعليق بواسطة طارق سلايمة - 2009-11-14 |
|
أخي محمود دويكات ، بإلإذن من دكتورنا الفاضل
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
ستزول حيرتك ياسيدي إذا تذكرت قول الرجل الذي يكتم إيمانه لقوم فرعون عندما قال لهم ولقد جاءكم يوسف بالبينات من قبل فكفرتم به ولما هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً أبداً كذلك يطبع الله على قلب كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب وهذا دليل أن " المصريين القدامى" من أيام " يوسف قد جاءتهم البينات من ربهم ولكن لما تطاول عليهم العهد فحرفوا الدين وجاء آباؤهم بدين " إفك " بديلاً للدين الحنيف الذي جاءهم به " يوسف " فمن المنطقي أن يقولوا " ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين " .
|
| [43566] تعليق بواسطة احمد صبحي منصور - 2009-11-14 |
|
شكرا أخى محمود دويكات .. وشكرا استاذ طارق سلايمة .. وأقول
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
شكرا للاستاذ طارق سلايمة فقد غطى ناحية هامة فى الاجابة.
|
| [43570] تعليق بواسطة محمود دويكات - 2009-11-14 |
|
شكراً جزيلاً
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
للأخ الكريم طارق فجوابك قد أعجبني ، و بناءً عليه يكون تفسير قولهم "ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين" هو من باب الكذب و العنجهية و العجرفة .. الخ .. و من الأسئلة الأخرى حول ردود فرعون هو مثلا: لماذا كان فرعون مهتم بمعرفة أخبار القرون الأولى؟ في سورة طه ( قال فما بال القرون الأولى؟ قال علمها عند ربي في كتاب ) في غمرة النقاش الدائر ما بين موسى و فرعون من الأمور التي شدت انتباهي هو ظهور ذلك السؤال فجأة هكذا! فما بال القرون الأولى؟! .. عن أي قرون يتحدث فرعون ؟ و لماذا يسأل موسى الذي من المفروض أنه مفـترٍ بنظر فرعون...هل هي أيام يوسف ؟ أم أن سؤال فرعون كان فلسفيا بالدرجة الاولى معتقداً أن إله موسى قد ظهر مع موسى و بالتالي تساءل عن ما كان يحدث للقرون الاولى؟
|
| [43595] تعليق بواسطة محمود مرسى - 2009-11-15 |
|
ومازال للوراثة دور فعال .
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
نشكرك دكتور منصور على هذه المقالات البحثية والتي نتعلم منها الكثير عن حياة المصريين قديماً وحديثاً ، وإن كانت الوراثة تنتقل بالجينات من جيل لآخر عند المصريين قديماً ،كذلك العقائد انتقلت عبر خمسين قرناً من الزمان ، حتى ورثناها في يومنا هذا متنكرة في زي الإسلام أو المسيحية لدى المصريين جميعاً بعنصريهما ، ومن هذه العقائد الموروثة والتي يشترك فيها المسلمون والمسيحيون عادة الختان فقد أصلوا لها دينياً وهى عادة موروثة من المصريين القدماء ، بل وتأثر بها اليهود عندما كانوا يقطنون مصر في ذلك العصر ، وأضافوها إلى شروح التوراة ومنها انتقلت إلى المسيحية ثم إلى الإسلام في صورة أحاديث رويت منسوبة لأم المؤمنين عائشة تروي عن الرسول أنه أمر إحدى الصحابيات التي تقوم بعمليات الختام أنه أمرها بأن لا تجور وقال لها " اخفضي ولا تنهكي " .فالختان نراه من أحد ملامح الحضارة المصرية القديمة ورأينا كيف لنتقل عبر الديانات الثلاث وكيف أصبح حتى اليوم جزءً من ثقافتهم الدينيه . |
| [43642] تعليق بواسطة طارق سلايمة - 2009-11-18 |
|
أخي العزيز محمود دويكات مع الشكر
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
أخي العزيز شكراً لك على إطرائك الذي أفرحني على مداخلتي وسأحاول أن أجيبك بما أعرف أرجو أن يوفقني الله لذلك
|
|
||||||
|
||||||
|
|
الفصل الثالث * مواعــــــــــظ ودروس
أولا :
1 ـ قصة فرعون تطرح قضية الاستخلاف التي تدور حولها علاقات الدول وصراعاتها..
كل دولة قوية في العالم تطمح في أن تسيطر علي المنطقة التي تقع فيها ، وربما إلي السيطرة علي العالم . وفي عصر فرعون كان العالم المتحضر المعروف محصورا في مصر وما حولها ،
وترجم فرعون قوته إلي ظلم فحفر قبره بيديه ، قال بنو إسرائيل لموسي.
" قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ " ( الأعراف 129 ).. وحدث فعلا أن تحقق وعد الله لبني إسرائيل : " وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ "( القصص 5 )..
يقول تعالي عن تحقيق وعده: " وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ " ( الأعراف 137 ).
2 ـ لقد مكن الله في الأرض لإمبراطوريات كثيرة فاستخدمت قوتها في الظلم فتحولت عناصر قوتها إلي بؤر ضعف قضت عليها في النهاية . وهذا هو الدرس الهام في سقوط الإمبراطوريات.
ولكن تظل قصة فرعون أهمها لأن العنصر القوي الظالم بالغ القوة عنيف الظلم ولأن العنصر الضعيف بالغ الضعف ، ثم أتت القوة الإلهية لتنحاز إلي جانب المظلوم الذي وقف يواجه الظالم بالصبر والصلاة ..!!
في مواجهة طغيان فرعون وقف موسي يوصي قومه بالصبر والتوكل علي الله ـ وهم عزل من كل قوة إلا الصبر والاستعانة بالله. " قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ "( الأعراف 128 )
وحين تطرف فرعون في إيذائهم إلي درجة أخاف أغلبية قوم موسي من الالتفاف حوله أقام موسي الصلاة مع قومه داخل بيوت سرية ، وواصل مسيرة الصبر والتوكل علي الله.
" وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ، فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ، وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنْ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ "( يونس 84 : 86 )
ثم بدأت مجموعات الصلاة وتبعتها البشري للمؤمنين. "وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ " ( يونس 87)
وفي هذه الصلاة كان موسي يدعو الله علي فرعون وآله ، وهارون يؤمن علي دعائه .
" وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ "
وأجاب الله دعائهما: " قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا" ..( يونس 88 ـ )
انتصر بنو إسرائيل علي فرعون بالصبر والصلاة " وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ "( الأعراف 137 ) ..
وعندما انجي الله بني إسرائيل من فرعون عادوا إلى عقائدهم الخاسرة فأهلكهم الله في التيه .
3 ـ ونعود إلي فرعون وقد عاقبه الله بالنعم التي منحها الله له فاغتر بها ..
اغتر فرعون بالنيل يجري من تحت قدميه " َقالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ؟"( الزخرف 51)
ولكن الله تعالي جعل النيل يعمل ضد فرعون.
بدأ ذلك حين حمل النيل التابوت ـ وبه موسي رضيعا ـ إلي قصر فرعون ليقوم فرعون نفسه بتربية موسي ورعايته.
ثم واصل النيل مؤامراته ضد فرعو ن فحمل إلي فرعون وآله الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، وكانت تلك مجرد إنذارات فلما لم يتعظ بها فرعون وآله كان غرقه أخيرا في (اليم ).
* ويلاحظ أن كلمة " اليم" لم تأت في القرآن إلا في قصة موسي بمعني النيل وبمعني البحر .
* وعموما فالبحر في القرآن يعني النهر والبحر المالح : " وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ "( فاطر 12 )
* والقرآن يستعمل كلمة "اليم" وصفا للنيل وللبحر معا في قصة موسي فيقول :
" أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ "( طه 39 )
ويقول أيضا عن غرق فرعون وآله " وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ "( يونس 90 )
* ذلك قد يعني احتمالا ضئيلا بأن يكون غرق فرعون وآله في النيل وليس في البحر الأحمر، خصوصا وأنه كانت هناك أفرع للنيل يمتد بعضها الى داخل سيناء،أى كان نهر النيل ( أنهارا) وليس نهرا واحدا ، ونتذكر فخر فرعون بالنيل وهو يقول "يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ؟"( الزخرف 51) .
* ومهما يكن من أمر فإن المفهوم الشائع أن يكون غرقهم في البحر الأحمر ، يعزز ذلك أن فرعون طاردهم وهم يفرون أمامه ناحية الشرق " فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ، فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ، فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ"( الشعراء 60 : 63 )
* والمعتقد أن مصر شهدت فيضانا أو طوفانا في نفس الوقت وذلك يعني أن النيل قد شارك في عملية تدمير فرعون وآله ومنشآته ، وذلك الرأي يجد دليلا في القرآن : " وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ " ( الأعراف 137).
والذي نريد التذكير به أن النيل كان نعمة من الله لفرعون فلما طغي حوله الله إلي نقمة عليه .
* وفي ذلك درس آخر للذين يتوكلون علي الله ويثقون في وعده الذي لابد أن يتحقق..
حين خافت أم موسي علي وليدها الرضيع أوحي الله لها : " أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ " ، لم يقل لها فإذا خفت عليه فخذيه في أحضانك .. !! بل ارميه في النيل ، وكان النيل وقتها في الفيضان لأن القرآن وصفه بجريان اليم ..
ثم جاء وعد الله للأم الخائفة فقال " إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ " ..
وحمل النيل الأمانة إلي قصر فرعون ، َفالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً "
هل هناك سخرية أكبر من ذلك ؟ ..
وهكذا فإن أم موسي بعد أن ألقت بفلذة كبدها في النيل أمرت أخته أن تتبع التابوت ، وظل قلبها علي لهفته " وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.. وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ "..
ثم كانت النهاية أن رفض الرضيع جميع المرضعات ، وبذلك عاد لأمه يتربى في كنفها ومع قومه ولكن تحت رعاية الفرعون نفسه ، وبذلك تحقق وعد الله لأم موسي .. " وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ، فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ"
وصدق الله العظيم " ولكن أكثر الناس لا يعلمون"..( القصص 7 : 13).
1 ـ لقد ذكر القرآن كلمة فرعون أربعا وسبعين مرة .. فهو أكثر المشركين نصيبا في حديث القرآن.. بل هو في الواقع إمام خطير للمشركين الطغاة إلي قيام الساعة وصاحب وضع خاص يستحق أن نتوقف معه ..
* إن فرعون هو آخر الذين أهلكهم الله ، وسبقه علي الطريق أقوام نوح وعاد وثمود ولوط .. وبعده نزلت التوراة بصائر للناس، ولذلك فإن فرعون بهذا يكون إماما لكل مشرك يأتي بعده . ومعه بالطبع جنوده ، يقول تعالي : " فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ . َوجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ ". إلي أن يقول تعالي : " َلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ "( القصص 40 : 43 )..
* كان فرعون في مجده يسأل موسي عن القرون الأولي : " قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى ، قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى.."( طه 51 : 52 )وذكّره مؤمن آل فرعون بمصير الأحزاب من القرون السابقة فلم يتعظ إلي أن لحق بهم وصار إماما لكل الضالين بعده..
لقد استحق فرعون بجدارة هذه المكانة حين طغي وتطرف في الكفر إلي درجة إنكار الفطرة وإنكار الألوهية ، وواصل مسيرة العناد إلي آخر الشوط ، حتى كان في آخر حياته يطارد إثنين من أنبياء الله جل وعلا والمظلومين معهما ..
*ـ فالله قد أنجي جسده ليكون عبرة لمن يأتي بعده ، وقد قيل له عند موته " فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ "( يونس 92)
الجسد الإنساني بعد الموت يعتبر سوءة ينبغي إخفاؤها عن الأعين بالدفن ، وقد تعلم ابن آدم حين قتل أخاه كيف يدفن جثة أخيه.. " فَبَعَثَ اللّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي "؟ ( المائدة 31)
من إكرام الله لبني آدم أن تدفن الجثة الآدمية ، ولكن فرعون موسي محروم من ذلك، وجثته معروضة حتى الآن في المتحف يراها الناس.
*ـ وترك فرعون جسده ودخلت نفسه إلي البرزخ وهناك يتعرض لنوع من العذاب يستمر إلي قيام الساعة ومعه آله، أما حين تقوم الساعة فيدخل أشد العذاب . " وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ، النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ .." ( غافر 45 : 46 ) إذن في البرزخ لهم سوء العذاب .. ويوم القيامة لهم أشد العذاب.!!
إذ يكون البرزخ بالنسبة لهم موتا يفقدون الإحساس أثناءه بكل شيء إلي يوم البعث.
" حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ " ( المؤمنون 99 : 100 )
وعند البعث يستيقظ المشركون في رعب ودهشة:" وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنْ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ، قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ "( يس 51 : 52)
وعند البعث يسألون متعجبين بعد نومهم الطويل الذي مر عليهم كأنه ساعة من الزمان.
" وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ .. وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ، فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ "( الروم 55 : 56 )
حرّم الله علي فرعون ذلك النوم في البرزخ وجعله يقضيه حيا في عذاب مستمر إلي أن تقوم الساعة.
كان فرعون في حياته يحذر من بني إسرائيل لأنهم لا يعتقدون في ألوهيته ولم ير في حياته إلا تعذيبهم علي يديه ، ولكن بعد غرقه رأي في البرزخ منهم ماكان يحذر في حياته وفي سلطانه.
لقد أضاع فرعون حياته في سبيل الشيطان ومات في سبيل الشيطان يطارد ضعافا من البشر بينهم مؤمنون واثنان من أنبياء الله.
* وفي المقابل فهناك من المؤمنين من يموت في سبيل الله ، وأولئك لا ينبغي أن نعتبرهم موتي بل هم في البرزخ أحياء عند الله يرزقون. " وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ"( البقرة 154 ) "وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ "( آل عمران 169 ـ )
* فالمقتولون في سبيل الله يحسون بإخوانهم في الدنيا ويتمنون لهم نفس النعيم.
* أما فرعون وآله في البرزخ فهو يعيش في حسرة وقد رأي كيف أن كيده قد أوقع به.
* وماعدا الفريقين فالبرزخ موت يصحو منه البشر فجأة عند البعث فيظنون أنهم ماتوا بالأمس القريب ، لأن فترة البرزخ لا زمن فيها فتستوي الألف عام في البرزخ مع الألف دقيقة ، كلها يوم أو بعض يوم أو كلها نوم مؤقت. " وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ "( يونس 45 ) "كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا " ( النازعات 46).
*ـ ثم يأتي فرعون يوم القيامة إماما لقومه يدخل بهم النار : "يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ" ( هود 98 )
ثالثـا :
1 ـ إن فرعون هو السلف غير الصالح لكل مشرك.
وكان القرآن يصف المشركين العرب بأنهم يسيرون علي درب فرعون . " كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ " ، " كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ ""( الأنفال 52 ، 54 )"كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ" ( آل عمران 11 ).
* كان قوم فرعون يؤمنون بألوهية فرعون ولكن يؤمنون بوجود آلهة لفرعون نفسه معه وقد قالوا له . " أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ "( الأعراف 127 )أى إن لفرعون آلهة يعبدهم فرعون نفسه .!!
* ولكن فرعون ما لبث أن تطرف في كفره ليواجه دعوة موسي وليحاول أن يقتلع من قومه الإيمان بالخالق تعالي، فأعلن في مؤتمره إنكار الوهية الله جل وعلا : " يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي "( القصص 38 )، وأعلن ربوبيته العظمى : .. " َفحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى "( النازعات 23 : 24)
* ولكن عندما أحاطت الأمواج بفرعون عاد سريعا إلي فطرته الأولي مثل كل إنسان عند الشدة ، فقال لا إله إلا الله .. " حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ:آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ". وذلك الإيمان جاء متأخرا فلا محل له من الإعراب .. لذلك قيل له " "أالآن ؟ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ " ( يونس 90 : 91 )
* وعلي طريق فرعون يسير كثير من البشر يظل في عصيانه حتى إذا جاء الموت أعلن لملائكة الموت إيمانه بلا جدوى " وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ" ( النساء 18 )
* وعلي طريق فرعون يتطرف بعضهم إلي القول بإنكار الألوهية مع أنه لم يصل إلي درجة فرعون من القوة والتمكين ، ومصيره إذا جاءه بعض الإسهال أو الإمساك أو المغص أن يصرخ قائلا : يارب .. ثم إذا شفاه الله عاد لكفره كأن شيئا لم يكن .. " وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ " ( يونس 12 )
* حقيقة الأمر أنه لا يوجد إنسان ينكر الألوهية مهما أعلن بلسانه ، وذلك لأن الفطرة في داخله تؤمن بالله إلها واحدا لا شريك له .. "فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ " ( الروم 30 ).
3 ـ لقد فطر الله الناس علي الإيمان بالله وحده إلها ، ولكن لا يلبث الشيطان أن يغطي هذه الفطرة السليمة بالاعتقاد في آلهة أخري مع الله . وذلك هو ( الكفر ) وهو أيضا( الشرك) ..
وهو أيضا " مشرك" لأنه جعل الألوهية شركة بين الله وغير الله ولأنه أشرك مع الله آلهة أخري . فالكافر في الحقيقة يؤمن بالله ولكن يغطي فطرته التوحيدية بالإيمان بآلهة أخري مع الله .
لذا يجتمع مع الكفر إيمان ، ولكن ذلك الإيمان في الكافر ناقص لا ينفع يوم القيامة عند الله لأن الله يطلب الإخلاص له وحده ، يقول تعالي عن إيمان الكافر وعدم جدواه " قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ " ( السجدة 29 )
والمشرك أيضا يؤمن مع الله بآلهة أخري ، لذلك فالله تعالي يقول عن أغلبية البشر ..
" وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ " ( يوسف 106 )
وهكذا فالكفر ليس الإنكار المطلق للألوهية ولكنه الشرك بالله ، فالشرك والكفر مترادفان ، ولذلك يقول ذلك الرجل الحكيم من آل فرعون ." تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ "( غافر 42 )
فالكفر بالله هو الشرك به ولا فرق، يقول تعالي : " مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ " ( التوبة 17 )
وذلك درس آخر نتعلمه من قصة فرعون ..
لقد فهم مؤمن آل فرعون الدرس .. ولكن فرعون تذكره فقط في النهاية فضاع ..
رابعـا :
نعم .
والإسلام هو فى العقيدة الانقياد التام لله وحده . وإلي ذلك كانت دعوة الأنبياء بكل اللغات.
" وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ :الأنبياء25 "
ونطق الإسلام باللغة الهيروغليفية في عصر موسي :
" وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا "( ابراهيم 4 : 5 )
2 ـ وقبل موسي كان كل نبي يعلن إسلامه أو انقياده لله وحده باللغة التي يتحدث بها هو وقومه . قالها نوح " وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ " ( يونس 72 ) وقالها إبراهيم " إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ " ( البقرة ) وكان إبراهيم يوصي أبناءه بالإسلام ويتواصى أبناؤه بالإسلام . " وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ".
إن واقع مصر التاريخي يجزم بوجود أنبياء لم يرد ذكرهم في قصص القرآن ، بالإضافة إلي نصيبها من الأنبياء الذين عاشوا فيها مثل يعقوب ويوسف وموسي وهارون .
عاش يعقوب أواخر حياته في مصر وتجمع حوله الأسباط ـ أولاده ـ فأوصاهم بالتمسك بالإسلام ، وتلك فضيلة إسلامية أن يوصي الأب أبناءه ـ وهو يموت ـ بالإسلام. يقول تعالي: " أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ " (البقرة : 131 : 133 ).
والسحرة حين آمنوا أعلنوا إسلامهم ورفضوا تهديدات فرعون قائلين " وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ"( الأعراف 126)
وطبعا قالوا : " وتوفنا مسلمين " باللغة المصرية القديمة وليس باللغة العربية.
وكان موسي يشجع قومه ليواجه اضطهاد فرعون فيقول لهم " يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ "( يونس 84 ) لم يقلها بالعربية بل باللغة المصرية المستعملة وقتها.
لذلك لا نستغرب أن يعلن فرعون إسلامه عند الموت علي أنه دين بني إسرائيل .." حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ "( يونس 90 ). نطقها فرعون بنفس لغة موسى .
وأخيرا ..
خامسا :
1 ـ ونستريح في النهاية مع قصة يوسف :
ذلك النبي الذي ذاق الظلم والسجن فصبر حتى أنعم الله عليه بجزاء المحسنين ..
لقد رأي يوسف رؤيا صادقة " إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ " وتحقق المنام فسجد له أخوته الأحد عشر ومعهم والده
" وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا "
ورأي رفيقا يوسف في السجن منامين وتحققا حسبما فسرهما يوسف لهما .. ورأي الملك رؤيا تحققت وأشرف يوسف علي تنفيذ المطلوب من تفسيره لتلك الرؤيا ..
لم يكن رفيقا يوسف أوالملك منالمسلمين أو من الصالحين حين رأوا المنام ـ علي الأقل ـ
وذلك يعني أن الرؤيا الصادقة قد يراها النبي أو يراها أي إنسان آخر .
2 ـ وتأتي الرؤيا في صورة رمزية تستلزم تفسيرا .
فيوسف رأي أحد عشر كوكبا والشمس والقمر يسجدون له وكان التفسير أن يسجد له أخوته ووالداه ..
ورفيقاه في السجن رأي أحدهما أنه يعصر خمرا ، وكان التفسير أنه سيكون ساقيا للملك.
ورأي الآخر أنه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه وكان التفسير أن سيصلب لتأكل الطير من رأسه ..
ورأي الملك سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات عجاف ، ورأي سبع سنابل يابسات يأكلن سبع سنابل خضر ..
وكان التفسير سبع سنوات رخاء يستهلكهن سبع سنوات من المجاعة ثم عام يزداد فيه الرخاء بعد سنوات المجاعة ..
إن الرؤيا الصادقة إخبار بالغيب الذي سيتحقق في المستقبل ، لذا ففيها جانب من الإعجاز الذي قد يؤتيه الله لبعض الأنبياء .. وقد أوتي يوسف هذه المقدرة دليلا علي نبوته .. يقول تعالي عنه : "و َكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ "
وشكر يوسف ربه فقال : " رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ " ( يوسف 12 ، 100 ، 21 ، 101 )
وكان تعبير يوسف للرؤيا الصادقة صحيحا وصادقا لأنه كان نبيا آتاه الله المقدرة علي ذلك واجتهادنا في تأويل الرؤيا الصادقة أو غير الصادقة يجوز فيه الصواب والخطأ.
4 ـ لقد عمل يوسف النبي في خدمة ملك كافر.
* * *
ولايزال هناك متسع لمزيد من البحث والدروس من قصة يوسف وقصة موسي عليهما السلام .. والقرآن أعظم من أن يحيط بكنوزه عقل إنسان واحد مهما أوتي من علم وذكاء ..
لذا فعطاء القرآن متجدد ومستمر ..
ولكن المشكلة أن القرآن كتاب لم يقرأ بعد .. لأننا انشغلنا عنه بأشياء كثيرة ..
" اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ .."( الزمر 23 )
| تعديل | To English |
|
التعليقات (6) |
| [43646] تعليق بواسطة عائشة حسين - 2009-11-18 |
|
أم موسى والصبر
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
.. * علي أن التوكل علي الله لا يعني أن يتكاسل الإنسان ويتواكل ، بل أن يتغلب الإنسان علي أحزانه ومخاوفه وان يتحرك ويسعى ويثابر ، وأن يتصرف ما استطاع متوكلا علي الله .
|
| [43652] تعليق بواسطة أيمن عباس - 2009-11-18 |
|
القرآن كتاب لم يقرأ بعد
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
صدقت أستاذنا العزيز في قولك : أن القرآن أعظم من أن يحيط بكنوزه عقل إنسان واحد ،مهما أوتي من علم وزكاء .. ولكن المشكلة فعلا يا سيدي أن القرآن كتاب لم يقرأ بعد ..لأننا انشغلنا عنه بأشياء كثيرة غيره ،. للأسف نقوم بحفظ آيات القرآن وترديدها فقط ونتفنن في تلاوتها بما يسمى القراءات ،دون أن تدخل إلى عقولنا ولا تمسسها أنفسنا . إذن مازال القرآن كتاب لم يقرأ بعد .وصدق الله العظبم في محكم التنزيل عند قوله على لسان رسوله " يارب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا " . |
| [43670] تعليق بواسطة طارق سلايمة - 2009-11-19 |
|
أخي أيمن عباس صدقت صدقت صدقت
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
مع أن عنوان مداخلتي قد تبدوا خروجاً عن مضمون المقالة التي أوردها مشكوراً أستاذنا الجليل الأستاذ أحمد منصور لكنها في الحقية ـ أي مداخلتي ـ تؤيد ماجاء بهذه المقالة الشاملة من دعوة كريمة لتدبر آيات القرآن وعدم إعتبار الإعجاز التاريخي الذي ورد بنص القرآن بديلاً عن تدبرنا لآيات الله واتبعانا لما هدانا الله بها فقط ، فكيف والحال هذه مع من يتعامل مع الروايات التاريخية المجلوبة من خارج النص القرآني كلياً
|
| [43694] تعليق بواسطة نعمة علم الدين - 2009-11-20 |
|
ما أعظم الدروس المستفادة من قصتى موسى ويوسف
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
ما أعظم الدروس المستفادة من قصتى موسى ويوسف
|
| [43771] تعليق بواسطة محمود مرسى - 2009-11-24 |
|
ما أعظم هذه الدروس المستفادة .
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
الأستاذ الدكتور أحمد صبحي منصور / السلام عليكم ورحمة الله ، دائماً وأبداً حريص علينا وتحاول إيقاظنا من فترة لأخرى بهذه الدروس وغيرها في مقالاتك وأبحاثك النافعة والمفيدة لنا فجزاك الله عنا خير الجزاء ، فهذ الدروس التي بين أيدينا و التي تعلمناها من قصة يوسف عليه وعلى جميع الرسل السلام تنبهنا إلى حقيقة لابد لنا من الانتباه إليها وهى أن الشيطان لنا بالمرصاد ـ ويدخل لكل منا من طرق مختلفة، لقد فطر الله الناس علي الإيمان بالله وحده إلها ، ولكن لا يلبث الشيطان أن يتدخل ويوسوس ويقنعه أن يغطي هذه الفطرة السليمة بالاعتقاد في آلهة أخري مع الله . فيقتنع الإنسان أنه على حق وعلى هدي بما أنه يعترف بالألوهية لله ، ولكن لا يضير أن يشرك مع الله آلهة أخرى كالبخاري على سبيل المثال ويشرك مع كتاب الله كتب أخرى كصحيح البخاري |
| [43784] تعليق بواسطة فتحي مرزوق - 2009-11-26 |
|
بارك الله فيك أستاذنا الفاضل .
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
كل عام وأنتم جميعاً بخير أستاذنا الفاضل دكتور / أحمد صبحي منصور أعاده الله عليكم بالخير والبركة . فمن بين الدروس المستفادة من قصة فرعون موسى عدم الغرور والتعالي على الآخريين وخاصة إذا كان هؤلاء الآخرين ضعفاء، فعندما اغتر فرعون وادعى أن له ملك مصر وأن هذه الأنهار تجري من تحته َقالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ؟"( الزخرف 51) نرى ما الذي حدث له بعدها من ملكه لمصر ومن النيل الذي كان يفتخر بأنه ملكه ويجري من تحته. |
الخاتمة
وكتابة التاريخ منذ أن بدأت وهي تسير في ركب السلطان تلهث وراءه لتكتب ما يحلو له أن يقال عنه . وقد يقال أن الوثائق قد تكون أقرب للصدق ولكن الوثائق لا تسد كل الفراغات ، ولا تحكي ما قبلها وما بعدها ولا نعرف ظروف كتابتها ولا نستطيع التأكد اليقيني من صدقها .
وهكذا تظل هناك فجوة هائلة ببين التاريخ الحقيقي الذي دار في الدهاليز وعمق الظلام ، وبين التاريخ المكتوب الذي وصل إليe;ينا يعبر عن وجهة نظر المؤرخ وعواطفه..
ومن هنا تظل الحقيقة التاريخية في كتابات البشر حقائق نسبية يجوز عليها الصدق والكذب ولا يمكن التأكد من صدقها .
فعلي سبيل المثال يقول المؤرخ مثلا :" إن السلطان أرسل رسالة إلي الملك الفلاني " هذه حقيقة تاريخية ذكرها مؤرخ قد يكون قريبا من السلطان مطلعا علي سره مما أعطاه الفرصة لكي يورد هذه الواقعة التاريخية ، ولكن وجود المؤرخ إلي جوار السلطان يعطينا الحق في التشكك في وفي انحيازه للسلطان وتعبيره عنه أكثر من تعبيره عن الحقيقة التاريخية ..
وقد يكون المؤرخ بعيدا عن السلطة .. إذن فكل ما يكتبه عن السلطان يدخل في إطار الشائعات والتقولات مما يزيد في التشكك في روايته ..
ثم تبدأ الاحتمالات ربما يكون السلطان قد أرسل الرسالة وربما كانت مناورة ، وربما لا علم للسلطان مطلقا بهذه الرسالة .. وربما وربما ، وهكذا تظل الفجوة بين التاريخ الحقيقي والتاريخ المكتوب .
وتزيد هذه الفجوة في التأريخ للمؤامرات السياسية ما نجح منها وما لم ينجح .. والتاريخ السياسي في أغلبه مؤامرات واتصالات سرية وعلاقات مريبة ومناورات وتحركات وهمية ، والمكتوب عنها قد يذكر شيئا طفا علي السطح ومن وجهة نظر الكاتب ، ولكن تظل أغلبية الحقائق بمنأى عن قلم المؤرخ .
ثم إذا افترضنا أن مؤرخا عثر علي الحقيقة بأكملها ودونها . هنا ينتقل الشك إلي المؤرخ نفسه وإلي أمانته في النقل وموقفه السياسي والحزبي والعقيدي والعاطفي من أبطال الحدث التاريخي .. الأمر الذي يجعل الشك هو الأصل في النظرة للمؤلفات التاريخية ، وتظل بها حقائق نسبية..
* * *
(2) وتختلف الحال بالنسبة للقصص القرآني ، فبالإضافة إلي أنه حقيقة مطلقة لا شك فيها ، فهو ينفذ للغيب .
ففي مكان ما وفي وقت محدد عقد أخوة يوسف مؤتمرا سريا للتآمر علي أخيهم يوسف بسبب حسدهم له . لأن أباهم يحبه أكثر من حبه لهم ، لم يعلم الأب بذلك الاجتماع السري ولا بالذي دار فيه . ولكن الله كان محيطا بنجواهم وتآمرهم .. وذكر ذلك بتفصيلاته " يوسف 7: 10 " ثم بعد أن قص سيرة يوسف وأخوته قال في النهاية يخاطب خاتم المرسلين من الله:
" ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ" (12/102).
ما ذكره القرآن كان غيبا ، وما كان خاتم النبيين حاضرا له ولم يشهد ذلك الاجتماع السري لأخوة يوسف وهم يمكرون بأخيهم.
" مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ ولا أكثر إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"(58/ 7)
التاريخ الحقيقي لكل إنسان ولكل مجموعة من البشر يعلمه الله ويسجله علينا . ثم تأتي نسخ من هذا التاريخ لكل أمة ولكل فرد يوم القيامة ، وأحدنا حين يقرأ تاريخ حياته الدنيا يتذكر مانسي .
"يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ"(58/6)
ومن هذا التاريخ المسجل في علم الله كان قصص القرآن ينبيء عن غيب لا يعرفه إلا علام الغيوب ..
وهذه ناحية يتميز بها القصص القرآني عن روايات المؤرخين السطحية..
(3) والقصص القرآني يخبرنا بالأقوال والأفعال وبالأحاسيس التي أفصحت أو لم تفصح عنها الأقوال .. ويكفي أن نتابع التطور الطبيعي لمشاعر امرأة العزيز حين فاجأها زوجها فتنطق بين كرامتها المجروحة وببين خوفها علي يوسف .. ومحاولة تبرئة نفسها :
"مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ "(12/25)
لم تطلب إعدامه ولكن أرادت عقابه ..
ثم حين تذهب مع رغبتها للنهاية انتصارا لكرامتها وأنوثتها :
"فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ "(12/32)
ثم في النهاية حين تتوب في أروع ما يكون موقف التوبة وأمام شهود من علية القوم وفي بلاط الملك : " قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ ، ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ، وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ " (12/51: 53).
(4) وبلاغة اللفظ القرآني في القصص إعجاز تاريخي مستقل .
حين اتهم يوسف ـ وهو عزيز مصر ـ أخاه بالسرقة لكي يستبقيه معه ، كان تعليق أخوة يوسف علي اتهام أخيهم بالسرقة : " قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ " (12/77)
ثم يقولوا " فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ " لنا من قبل " فالقرآن يعبر بلفظة موجزة عن استمرار كراهيتهم ليوسف .. بعد أن أضاعوه بسنين طويلة ..
وحين قالوا ليوسف ـ وهم لا يعرفونه ـ " يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه " قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظَالِمُونَ"(12/79)
لم يقل "معاذ الله أن نأخذ إلا من سرق متاعنا " .. لأن أخاه لم يسرق في واقع الأمر ..!!
ويستمر حقد الأخوة علي يوسف الغائب إلي قبيل النهاية " وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ "(12/94: 95)
يواجهون أباهم الضرير الحزين علي ابنه المفقود بقولهم " تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ "
أي أن حقدهم علي يوسف تتأجج ناره كلما شهدوا أن حب أبيهم ليوسف يزداد تأججا..
ومنذ أن عقدوا مؤتمرهم الآثم منذ كان يوسف طفلا" إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ " (21/8)
أي وصفوا آباهم النبي بأنه في ضلال مبين واستمر هذا رأيهم فيه إلي قبيل النهاية.
* * *
وقد تأتي لنا بلاغة القرآن بحكمة بين السطور :
فالقرآن يتحدث عن الاتهام من يوسف لأخيه بالسرقة وماجري فيها فيقول :
" فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ " (12/76)
الله تعالي يقول عن حيلة يوسف " كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ " وحيلة يوسف كانت لا تخلو من تحايل.! ألم يقل تعالي عن يوسف :"فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ" (12/70)
وما كانوا سارقين .. !!
(5) وبلاغة القرآن في القصص تظهر أيضا عند حذف اللفظ والاستدلال عليه بالقرينة يقول تعالي:"فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ واعتدت لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ " (12/31)
لقد أرادت امرأة العزيز أن تفاجيء النسوة بيوسف .وصورت الآية هذه المفاجأة في أسلوبها التصويري حين أوجزت وحذفت بعض الفقرات لتعطي طابع المفاجأة . تقول الآية :
" وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً "
وتترك القاريء يتخيل أولئك النسوة المترفات في صخبهن وثرثرتهن وهن لا يعلمن شيئا عن المفاجأة وتأتي النقلة إلي داخل القصر وامرأة العزيز تأمر يوسف بعيدا عن مكان النسوة
" وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ " ثم تنتقل الآية مباشرة إلي مكان النسوة " فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ " لم تقل فدخل عليهن فلما رأينه أكبرنه لأن ذلك يضعف من تأثير المفاجأة .. ثم تصور الآية ذهول النسوة حين رأين جمال يوسف فتعلقت به أبصارهن وأخذت السكاكين في أيديهن تمارس عملها في الأيدي الناعمة بدلا من الفاكهة وهن ينطقن " وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ " لم تذكر الآية كل هذه التفصيلات وتركتها تنمو في عقل القاريء وخياله ..
* * *
والأمثلة أكثر من أن تحصي وهي أدخل في باب الفصاحة القرآنية ..
* أحمــد صبحي منصور *
* * *
الفهــــرس
التمهيد :
الفصل الأول :
الحياة السياسية في مصر القديمة من خلال آيات القرآن الكريم
أولا : كلمة مصر في القرآن الكريم
ثانيا : لمحات قرآنية عن النظام السياسي المصري في عصر يوسف
عليه السلام
ثالثا : لمحات قرآنية عن النظام السياسي المصري في عصر موسي عليه السلام
ببين ملك الهكسوس وفروعون مصر
من هو فرعون موسي
فرعون موسي : ملامح شخصية
أتباع فرعون
سياسة فرعون الداخلية
الفصل الثاني :
المجتمع المصري القديم في القرآن الكريم
لمحة عامة
الحياة الدينية
تأثر بني إسرائيل بالديانة المصرية القديمة .
الحياة العقلية العلمية
العمارة في مصر القديمة
الحياة الاقتصادية
الفصل الثالث :
مواعظ ودروس :
الخاتمـــه
| تعديل | To English |
|
التعليقات (4) |
| [43851] تعليق بواسطة نورا الحسيني - 2009-11-30 |
|
ولنا في امرأة فرعون المثل الأعلى .
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
الدكتور أحمد صبحي منصور/ كل عام وأنت والجميع بخير ، كتاب مصر في القرآن الكريم من الكتب المفيدة والسهلة في أسلوبها ، وبه كثير من المعلومات عن ماضي مصر وحاضرها فهو بذلك يساعدنا على فهم بعض الأحداث ولماذا تحدث بهذه الطريقة .
|
| [43862] تعليق بواسطة عائشة حسين - 2009-12-01 |
|
قراقوش وظلم التاريخ له
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
نرى أحيانا التاريخ أو أقلام المؤرخين قد ظلمت بعض الناس واشتهر هذا الظلم حتى أصبح يضرب به المثل ، ونجد ذلك حدث لابن قراقوش القائد الذي ظلمه التاريخ وجعله مضرب المثل للحاكم الظالم " ولا حكم قراقوش " فالبشر ينسون أن التاريخ يجانبه الصواب أحيانا لآن من يكتبوه ليسوا معصومون ، وأن الحقيقة التاريخية في كتاباتهم البشرية نسبية تحتمل الصدق والكذب ، مثل الجمال ما هو نسبي أيضا كما بقولون .
|
| [47243] تعليق بواسطة عبدالمجيد سالم - 2010-04-18 |
|
نصف قلم ولكنه مؤثر جدا
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
يقول الدكتور أحمد في نهاية عرضه للكتاب ( أرجو أن يراجع القارىء الكريم أول مقال فى هذه السلسلة وهو بعنوان ( قبل أن تقرأ هذا الكتاب ) ويوجز ظروف تأليفه ونشره ، لأننى كنت أكتب بنصف قلم حتى لا اسبب إحراجا للاستاذ عبد الوارث الدسوقى فلم أتعرض لكل شىء وقتها يخص (مصر فى القرآن الكريم ).
|
| [47253] تعليق بواسطة فتحي مرزوق - 2010-04-18 |
|
بين القصص القرآني والتأريخ البشري
|
| حذف التعليق |
| تعديل التعليق |
|
بين القصص القرآني والتأريخ البشري ...
|
سيناء المصرية فى القرآن الكريم
( ملاحق مضافة لم تكن فى الكتاب الأصلى )
الملحق الأول :
سيناء المصرية في القرآن الكريم :
أرض الوادي المقدس طوى:
حقائق أغفلها المسلمون و المصريون
مقدمة
1 ـ من الأماكن القليلة التى تحدث عنها القرآن الكريم وكانت موجودة قبل نزوله واستمرت بعده حتى الان : مصر . ليس مصر فقط ، بل هناك جزء خاص منها يحتل مكانة خاصة فى الدين الالهى. وتلك الأهمية الخاصة كانت قبل نزول القرآن الكريم ، وصاحبت نزول القرآن الكريم ، وستستمر بعده الى يوم الدين . هذه المنطقة هى سيناء .
2 ـ " سيناء" ذلك الجزء الآسيوي من مصر شهد انتقال بعض الأنبياء من فلسطين إلى مصر ، تذكر التوراة مسيرة إبراهيم خليل الله من الشام إلى مصر عبر سيناء ، ويذكر القرآن الكريم رحلة يوسف وهو طفل اشترته قافلة وسارت به إلى مصر ، كما يذكر استقبال يوسف لأبيه يعقوب عند الحدود الشرقية – أي سيناء – وقوله لأبويه وأهله : ( وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ.)( يوسف – 99) .
3 ـ ولكن ما ذكرته التوراة والمصادر المسيحية عن سيناء مع أهميته لا يعادل مكانة سيناء في القرآن الكريم .. وتتجلى هذه الأهمية في قصة موسى عليه السلام وانعكاساتها على نزول القرآن الكريم مرة واحدة على قلب خاتم المرسلين فى جبل الطور حيث كان المسجد الأقصى .
أولا :. كلمة عامة عن أهمية سيناء فى دين الله جل وعلا :
1 - ويمكن أن نلمح هذه الأهمية في قوله تعالى فى هذه السورة الكريمة : ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ) فالله تعالى يقسم فى بداية السورة بالتين والزيتون وهما من منتجات سيناء ، ثم يقسم بجبل الطور وبنسبه إلى سيناء " وطور سينين " ثم يقسم بمكة البلد الأمين .. والمعنى أن سيناء جاءت في الترتيب قبل مكة في موضوع يقسم به رب العزة على خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وما يحدث له بعدها حين يتحول الى أسفل سافلين ،إلا من إعتصم بالوحى الالهى الذى نزل فى طور سيناء وفى مكة .
وأهمية سيناء تتلخص في مكان واحد هو جبل الطور .. ولذلك انتسبت سيناء . أو ( سينين ) إلى الطور " وطور سيناء " .، وهى أهمية عالمية ترتبط بالانسان نفسه ، لذا جرى الربط بين خلق الانسان فى أحسن تقويم ثم سقوطه فى الأسفل إلا من آمن وعمل صالحا ،والعبرة بالفلاح هى فى إتباع الوحى الالهى الذى بقى منه لنا ما جاء فى التوراة و ما جاء فى القرآن الكريم . وتأكد هذا الربط بالقسم الالهى بسيناء وما تنتجه وبالبلد الأمين مكة المكرمة المشار اليه فى قوله جل وعلا : (وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ ) .
2 ـ ولم تات كلمة ( الطور ) فى القرآن الكريم إلا فى الحديث عن طور سيناء ، وقد تكررت الكلمة فى القرآن الكريم عشر مرات ، دار الحديث خلالها عن الوحى الأول لموسى ، وفى أخذ العهد على بنى اسرائيل ورفع جبل الطور فوقهم ، ثم أهمية جبل الطور فى سيناء وشجرة الزيتون المباركة فيه ، مع الربط بين جبل الطور و ( المسجد الأقصى ) و البيت المعمور أو المسجد الحرام .
3 ـ ووصف الله جل وعلا أو سمّى جبل الطور : طوى، ويأتى هذا الوصف ملحقا بوصف آخر للجبل ، هو الوادى المقدس (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) (طه 12 ) (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) ( النارزعات 15 : 16)
4 ـ والعجيب أن كلمة ( جبل ) جاءت فى القرآن الكريم فى ستة مواضع ، ثلاثة منها جاءت نكرة ، وثلاثة جاءت فيها معرفة تدل على جبل الطور فقط .
جاء نكرة فى قصة ابراهيم حين طلب من ربه جل وعلا أن يريه كيف يحيى الموتى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا) ( البقرة ـ 260 ) وفى قصة نوح وغرق قومه المشركين وقول ابنه (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء ) ( هود 43 ) وفى سياق الوعظ بالقرآن الكريم (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) ( الحشر 21 ) . وكلمة الجبل هنا نكرة تدل على أى جبل .
ولكن الله جل وعلا حين يتكلم عن جبل الطور فإنه يجعل معرفا بالأف واللام ،اى( الجبل المعروف المشهور ) ، وقد ورد هذا فى ثلاث مرات فى سورة الأعراف (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ )( وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (الأعراف 143 ،171 ).
أى من بين جبال الكرة الأرضية ينفرد من بينها جبل واحد مبارك مشهور معروف شهد الوحى الالهى لموسى ، وشهد نزول الرسالة الالهية والأخيرة للبشرية قبيل قيام الساعة.
هذا الجبل فى مصر ..
5 ـ بل يأتى التحديد بموضع معين فى الجبل ، وذلك فى معرض التذكير بالجبل واللقاء الذى حدث عنده بترتيب رب العزة فيقول تعالى لبنى إسرائيل : "( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ )(طه 80 ). وجانب الطور الأيمن هو نفسه الذي قال فيه تعالى عن موسى : (وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ) (مريم 52) .. أى فى ذلك الجانب الأيمن من جبل الطور كان أول وحى وحوار جرى بين موسى مع ربه جل وعلا ، كما كان ذلك اللقاء الذى رفع الله جل وعلا الجبل فوق بنى اسرائيل وأخذ عليهم فيه العهد والميثاق.
بل يأتى التحديد بدقة أكثر فى المكان الذى جرى فيه أول حوار بين رب العزة وموسى عليه السلام : (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(القصص29 : 30 ). التحديد الدقيق هنا فى قوله تعالى (مِن شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ ) أى كان موسى يسير بزوجه مارا بجبل الطور فرأى نارا تخرج من شجرة تلوح له من بعيد . الله جل وعلا يصف البقعة بأنها مباركة ، وأنها فى ناحية من الشجرة . وهذه البقعة المباركة ، وذلك الوادى المقدس طوى هو أرض مصرية ، لو كنتم تتذكرون ..!!
وذلك المكان المقدس بالشجرة المباركة حرص القرآن على تحديده بدقة يقول تعالى : " فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ " القصص 30 .
ومع ان الله تعالى يكرر إسم جبل الطور ،فإنه يشير اليه ضمنا باسم الجبل :(وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ) أو باسمه ( الطور ) (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ )، أو باسم الوادى المقدس طوى (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى )(طه 9- ) . كما جاءت سورة كاملة باسم ( الطور ) .
6 ـ وفى سورة " الطور " نسبة لطور سيناء يقسم الله تعالى بالطور أو جبل الطور في سيناء فيقول: (وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ) وموضوع القسم هنا هو قرب قيام الساعة و مجىء العذاب للمكذبين بوحى الله جل وعلا الذى نزل فى جبل الطور على النبى موسى ، ثم على قلب النبى محمد حين نزل القرآن كله كتابا مكتوبا مرة واحدة على قلبه حين رأى جبريل بفؤاده ، على نحو ما جاء تفصيله فى بحث ( ليلة الاسراء هى ليلة القدر فى شهر رمضان ).
يقول تعالى (وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِن دَافِعٍ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ )
ومع وجود الربط بين جبل الطور و الكعبة البيت المعمور إلا إن ( الطور) مذكور قبل الكعبة البيت المعمور ، والترتيب هنا يشير إلى أن الطور شهد نزول التوراة على موسى ، ثم شهد نزول القرآن الكريم كتابا مكتوبا فى قلب النبى محمد ، وبعدها شهدت مكة فيما بعد نزول القرآن ـ متفرقا ـ على محمد عليهما السلام حسب الأحداث.
وهو نفس الترتيب فى سورة التين :( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ )
ثانيا : سيناء و الوحى الالهى لموسى عليه السلام
1 ـ كانت سيناء المسرح الكبير لقصة موسى عليه السلام ، عبرها إلى مدين هاربا من السلطات الفرعونية ، ثم عاد إلى مصر ومعه زوجه . ثم بعد فصول من قصة موسى وفرعون انتقل موسى بقومه إلى سيناء حيث دار الفصل الأخير في ربوعها واحتضنت سيناء رفات موسى ، وظل فيها ـ وحولها ـ بنو إسرائيل أربعين سنة يتيهون في الأرض.
2 ـ لقد تميز موسى عليه السلام بخصوصية الحوار مع رب العزة جل وعلا ، يقول تعالى : (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)( النساء )164، وكل هذا التكليم أو الحوار بين موسى وربه جل وعلا جرى فى أرض مصر فقط ، بداية من الوحى اليه فى سيناء وجبل الطور، مرورا بلقائه بقومه وصراعه مع فرعون الى خروجه بقومه الى سيناء ومشاكله مع قومه فيها ، حيث ظل بها الى أن مات ، فلم يدخل موسى فلسطين أبدا بعد أن صار نبيا يوحى اليه . بل إن إسم مصر ورد فى بعض هذا الوحى يؤكد وقوعه فى أرض مصر ، يقول جل وعلا (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ) ( يونس 87 )
ومن بين هذا الوحى ( التوجيهى ) نتوقف مع أربعة منها ، كلها عند جبل الطور فى سيناء : الوحى الأول حين ناداه ربه لأول مرة ، ثم تلقى الألواح ، ومجىء موسى بسبعين رجلا من قومه للتوبة عند الطور فأخذتهم الرجفة ،وأخيرا أخذ الميثاق عليهم حين رفع جبل الطور فوقهم.
3 ـ لقد شهد جبل الطور في سيناء – فيما نعلم – أول وحى مباشر من الله تعالى إلى رسول من رسله وهو موسى عليه السلام، ونزل ذاك الوحي بدون جبريل أي بدون واسطة ملك من الملائكة.
في ذلك الوقت كان موسى عائدا بزوجته فرأى نارا بجانب شجرة تلوح من بعيد ، فقال لزوجته امكثي هنا ، وذهب إلى النار ، وحين اقترب منها سمع كلام الله تعالى له ، وفى ذلك يقول تعالى : ( فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) وتتابع كلام الله جل وعلا لموسى (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) وردّ موسى على ربه جل وعلا ( قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ) وجاءه الرد من رب العزة (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ )( القصص 29ـ ) .
نحن هنا امام حوار بين الخالق جل وعلا ومخلوق من خلقه ، وليس مجرد وحى من طرف واحد.
وجرى هذا الحوار فوق أرض مصرية هى سيناء.
وهذه الخصوصية للوادي المقدس طوي انعكست على مكانة موسى بين الأنبياء نلمح هذا من قوله تعالى عنه : ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولا نَّبِيًّا وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا )( مريم 51 ). فالله تعالى يقول عن رسوله موسى انه ناداه من جانب الطور الأيمن وقربه إليه يناجيه ويحدثه ويكلمه .. وقوله تعالى " وقربناه نجيا " فيها من الحب ما فيها ... وفى هذا الموقف استجاب الله تعالى لرغبة موسى فجعل معه اخاه هارون نبيا ووزيرا ليشد من أزره .
4- وشهد جبل الطور أيضا نزول ألواح أو كتاب التوراة حيث واعد الله جل وعلا موسى أربعين ليلة وفيها تلقى الألواح من الله ، وجاءت التفصيلات في سورة الأعراف ( 142 : 147 ).
5 ـ ثم كان جبل الطور مسرحا لأحداث أخرى جرى فيها الوحى الالهى مع موسى . وكان هذا فى الميقات الثانى الذى حضره بنو اسرائيل فى نفس المكان ( جبل الطور ).
إذ بعد أن أخذ موسى الألواح عاد الى قومه بنى اسرائيل فوجدهم قد عبدوا العجل ( نموذجا من عجل أبيس الفرعونى بسبب تأثرهم بالعبادات المصرية الفرعونية ) . وغضب موسى وفى ثورة غضبه كسّر الألواح وكاد أن يبطش بأخيه هارون الذى استخلفه عليهم فى غيابه (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) ، ثم هدأ موسى (وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ )( الأعراف 148 ـ ). وتعبيرا عن توبة بنى اسرائيل إختار موسى من بينهم سبعين رجلا ذهبوا معه الى جبل الطور فأخذهم الله جل وعلا بالرجفة.
6- كما شهد جبل الطور إعطاء العهد والميثاق على بني إسرائيل ، وفيه رفع الله جبل الطور فوق رؤوسهم فسجدوا لله تعالى رعبا وهم ينظرون إلى الجبل المرفوع فوقهم كأنه ظلة ، وفى ذلك الموقف الرهيب أخذ الله عليهم العهد والميثاق ، ويقول الله تعالى يصف ذلك الحدث (وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ( الأعراف 171 )
ثالثا :الوحى الالهى بين المسجد الأقصى فى طور سيناء والمسجد الحرام.
ومن أبرز ملامح التجاهل لأهمية سيناء تلك المؤامرة التى جعلت مسجد الوليد بن عبد الملك فى القدس هو المسجد الٌأقصى ، وتناست جبل الطور الذى سماه الله جل وعلا ( طوى ) و سماه ( المسجد الأقصى ). وتجاهلت أن طور سيناء هو محل الاسراء حيث نزل القرآن الكريم فى ليلة القدر مرة واحدة على قلب خاتم المرسلين .
إذ بعد أن أخذ موسى الألواح عاد الى قومه بنى اسرائيل فوجدهم قد عبدوا العجل. وتعبيرا عن توبة بنى اسرائيل إختار موسى من بينهم سبعين رجلا ، وأعدهم للقاء عند جبل الطور فأخذهم الله جل وعلا بالرجفة ، وغضب موسى وانفعل كالعادة ، ثم هدأ كالعادة :( وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ) أى طلب موسى من ربه أن يكتب لهم حسنة فى الدنيا ، وجاء الرد من رب العزة (قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) فى ذلك الحوار بين رب العزة وموسى عليه السلام أخبر الله جل وعلا مقدما بمجىء خاتم المرسلين بتلك الرحمة للعالمين ، أى نزول القرآن الكريم نورا للعالمين (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )(الأعراف 150 ـ)
أى هى رحمة تفتح ذراعيها للعالمين جميعا ،( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ )( الأنبياء 107 ) ولكن لا ينالها إلا من آمن و عمل عملا صالحا ، واتبع النور القرآنى .
وتحقق وعد الله جل وعلا فكان فيما بعد بقرون أن حدث الاسراء بخاتم المرسلين من المسجد الحرام فى مكة الى المسجد الأقصى فى جبل الطور فى سيناء ، وتلقى محمد عليه السلام الكتاب فى قلبه كما تلقى من قبل فى نفس المكان موسى عليه السلام الواح التوراة بيده، يقول جل وعلا يربط بين هذا وذاك : (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ) ( الاسراء 1 : 2 ) فهنا ربط بين الاسراء وبين إيتاء موسى الكتاب ، والجامع بينهما جبل الطور و المسجد الأقصى فيه حيث توجد أطهر بقعة فى الأرض ، لو كنتم تعلمون .
ويتكرر هذا الربط فى قوله جل وعلا عن نزول القرآن الكريم :(وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ) بالآية التالية التى تتحدث عن موسى وأول وحى جرى له فى نفس المكان فى جبل الطور ( إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ) ويأتى وصف هذا المكان بالبركة (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا) ( النمل 6 : 8 ) أى فهو المسجد الأقصى (الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) أو الذى (بُورِكَ) فيه وما حوله، والذى رأى فيه موسى آيات الله من العصا ويده التى تخرج بيضاء من غير سوء (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ)( وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ) وتكرر هذا فيما بعد فى نفس المكان مع خاتم المرسلين حين رأى من آيات ربه الكبرى (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ )( الاسراء 1 : 2 )( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى )( النجم 18 )
رابعا : سيناء ارض الطهر والتقديس .. المجهولة
1ـ والله جل وعلا يصف منطقة الوحي في جبل الطور بأنها " بقعة مباركة "( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ ). وفى موضع آخر يصفها رب العزة جل وعلا بالوادى المقدس أى الذى تقدس وتطهر بذلك الحوار بين الله تعالى وموسى عليه السلام ، يقول تعالى : ( وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى )(طه 9- ) ولأن جبل الطور هو " الوادي المقدس طوي " فإن الله جل وعلا يأمر موسى بأن يخلع نعليه حين يدخله ، لان ذلك الوادي اكتسب قدسية بكلام رب العزة المقدس .
لقد واعد الله جل وعلا موسى أربعين ليلة وفيها تلقى الألواح من الله ، وجاءت التفصيلات في سورة الأعراف ( 142 : 147 ). وأثناء الحوار طلب موسى أن يرى ربه: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)( الأعراف 143 ).
نحن هنا أمام ظاهرة فريدة جرت أحداثها فوق أرض مصرية فى جبل الطور ، حيث تجلى الله تعالى للجبل فجعله دكّا وخرّ موسى صعقا ، ولم يحدث هذا فى أى مكان فى الكون إلا فى مصر.
لو حدث هذا فى بلد آخر فى الكرة الأرضية لظل يفخر به على العالمين ، ولكن المؤرخين المسلمين تجاهلوا هذا الحدث الذى جاء فى القرآن الكريم ، وانشغلوا بأكاذيب واسرائليات حيكت حول مسجد أقامه الخليفة الوليد بن عبد الملك فوق الآثار المتبقية من هيكل سليمان وأطلق عليه زورا وبهتانا ( المسجد الأقصى ) ، وعزفوا ـ ولا يزالون يعزفون ـ فوقه أغانى وأوبريتات تجعل من الاسراء أضحوكة وتنشىء اسطورة المعراج الخرافية ، ومنها ذلك (البراق ) وهو بزعمهم حيوان فوق الحمار ودون الحصان، أى (بغل ) ولكنه بغل يتكلم ، فقلبوا الحق باطلا والباطل حقا ، وألهوا الناس عن حق مصر فى حقائق قرآنية والاهية يجب أن يفخر بها كل مصرى.
2 ـ لذا تكرر فى القرآن تذكير بني إسرائيل بذلك الموقف شديد الخصوصية : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة 63 ) ولكن أغلبهم ما لبث أن نقض العهد و الميثاق ، فقد تغلب على أكثرهم عبادة الذهب أو ما يرمز اليه العجل الذهبى الذى تشربت قلوبهم عبادته (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) ( البقرة 93) ، وبسببه تناسوا العهد والميثاق ،بل تناسوا جبل الطور ، وكان تركيزهم ـ ولا يزال ـ على هيكل سليمان الذى يرمز الى الجاه و القوة. وانتقلت من بنى اسرائيل للمسلمين عدوى النسيان و تجاهل سيناء و المسجد الأقصى فيها وجبل الطور و الوادى المقدس طوى بسبب الاسرائليات ومواويل وأغانى واناشيد الاسراء و المعراج ، فقد تبعهم المسلمون فى تقديس المبنى المقام على هيكل سليمان المدعو زورا بالمسجد الأقصى ،وتناسوا كل ما ذكره لرب العزة عن سيناء المصرية وجبل الطور فيها .
خامسا : شجرة الزيتون المباركة فى جبل الطور فى سيناء
1 - وذلك المكان المقدس بالشجرة المباركة حرص القرآن على تحديده بدقة يقول تعالى : " فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين " القصص 30 .. وتلك الشجرة التي شهدت وحى الله كانت شجرة زيتون . واقسم الله تعالى بها " والتين والزيتون وطور سنين " .. - وجعل الله تعالى فيها سرا وبركة اقتصادية يمكن أن نلمحها من قوله تعالى : " ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين ، وأنزلنا من السماء ماء بقدر فاسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون ، فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون " . فهنا يتحدث الله تعالى عن خلق السماوات السبع والبشر وإنزال الماء من السماء وجنات النخيل والأعناب ، وبعدها يقول تعالى : " وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين " المؤمنون 17- 20 . أي جعل شجرة الزيتون التي تنبت في جبل الطور – في الوادي المقدس – من نعم الله تعالى على الخلق شأن النعم التي سبقتها في الآيات . وجعل نعمة هذه الشجرة مستمرة متجددة شأن المطر والجنات والبساتين والسماوات السبع وجاء التعبير بالمضارع فقال : " وشجرة تخرج " " تنبت بالدهن " . واعتقد أن هناك خيرا اقتصاديا يكمن في زيتون سيناء .. وان هذا الخير الإلهي مستمد من ذلك الوادي المقدس الذي شهد وحده كلام الله تعالى لأحد الأنبياء .. وان هذا الخير وضعه الله لكفاية البشرية .. " وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين " .
ويلفت النظر هنا ماذا حدث لجبل الطور وهو يشهد كل تلك التطورات الالهية ، من رفع ودك ،ولا يزال باقيا .
2 ـ كما يلفت النظر موقع جبل الطور فى قصة بنى آدم .
أن الله جل وعلاقد ضرب مثلا لنور الهداية فى هذه الايةالكريمة :(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لّا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) ( النور 35 ).وهنا يذكر جل وعلا شجرة الزيتون السيناوية المباركة التى يكاد زيتها يضىء ولو لم تمسسه نار .وهنا ربط بين النور المعنوى ( الهداية ) وزيت الزيتون باعتباره طاقة لم يتم استغلالها بعد ضمن عناصر الطاقة المعروفة لدينا.
وهو ربط يشير الى إعجازا مدخر للمستقبل عن سيناءو شجرة الزيتون فى جبل الطور .
والله جل وعلا ، هو الأعلم .
قصص القرآن الكريم ومكتشفات الآثار
ملحق (2) لكتاب ( مصر فى القرآن الكريم )
قصص القرآن الكريم ومكتشفات الآثار
1 ـــ القصص القرآنى من حيث موضوعاته قسمان ، نوع ذكرته التوراة مع إختلاف فى المنهج وبعض التفصيلات ، وقد ناقشنا ذلك من قبل . ونوع إختص به القرآن الكريم ولم تذكره التوراة ، مثل قصص الأنبياء العرب وقبائل العرب البائدة . مثل النبى هود مع قومه عاد ، والنبى صالح مع قومه ثمود والنبى شعيب مع قومه مدين.
بعض الأمم البائدة التى أهلكها الله تعالى كانت آثارهم لا تزال باقية تشهد على صدق حديث الله تعالى عنهم ، وكان بعضها يقع فى طريق القوافل ، يمر عليها العرب فى سيرهم فاتخذ الله تعالى من رؤيتهم لتلك الآثار حجة عليهم .
وعموما فإن الله تعالى يأمر بالسير فى الأرض والتنقيب عن آثار الأمم السابقة التى أهلكها بسبب عصيانها ، ولتتحقق العظة والعبرة من سرد أخبارهم فى القرآن الكريم ، وهنا ننبه على التناقض بين الأمر القرآنى بالسير فى الأرض بحثا عن الآثار القديمة والثقافة السلفية الوهابية التى تعتبر تلك الآثار رجسا يجب تدميره ، وتعتبر الصور والرسوم التشكيلية والتماثيل عملا شيطانيا يجب الإبتعاد عنه.
هذه الأوامر الالهية لنا بالسير فى الأرض هو أمر بالبحث علميا عن آثار الأمم السابقة، والتقدم العلمى الراهن يجعل من السهل الكشف عما تخفيه الرمال والتراب من آثار فى الجزيرة العربية ، وانفرد القرآن الكريم بالحديث عنها وحكاية تاريخها ، مثل عاد وثمود ومدين ، وتلك أمم بادت وانتهت ولولا ذكر القرآن الكريم لما سمع عنها أحد ، ولقد ذكر القرآن الكريم الإزدهار الحضارى الذى عاش فيه قوما عاد وثمود ، وكيف كانت مناطقهم فى الجزيرة العربية الصحراوية جنات من البساتين والعيون المائية ومساكن وقصور ومصانع . كل ذلك إندثر تحت الرمال ، وكل ذلك يمكن كشفه بالأقمار الصناعية، وبالاستشعار عن بعد ، وأولئك العرب النفطيون إذا كانت فيهم بقية خير فعليهم تمويل برنامج بحثى للكشف عن آثار عاد وثمود ومدين تحت الرمال .
2 ـــ المشكلة هى تلك الفجوة بين قصص القرآن والتوراة ، وبين مكتشفات الآثار ، فمن يشكك فى القصص القرآنى يحلو له دائما أن يتسائل ، أين موسى ؟ وأين يوسف فى الآثار المكتشفة ؟ وأين هما فى الكتابات العلمية فى علم المصريات ؟ وحيث أنه لا وجود لهما - حتى الآن – فتلك حجة للمشككين فى وجودهما من الأساس .
حقيقة الأمر أن الكشف عن الآثار ـ عموما ـ والمصرية منها خصوصا ـ يخضع لثلاثة ملامح : العشوائية والتزوير والتدمير .
2 / 1ـــ العشوائية :-
أولئك الذين يشككون فى القصص القرآنى لأن مكتشفات الآثار ليس فيها موسى ولا يوسف ربما تكون حجتهم قاطعة لو أن عملية الكشف عن الآثار تمت بصورة منهجية منظمة مرتبة من بداية ما قبل التاريخ إلى التاريخ القديم ( الدولة المصرية القديمة فى مصر ) ثم الدولة الوسطى ثم الدولة الحديثة إلى عصرسقوط الحكم الفرعونى ، ودخول مصر تحت الإحتلال الفارسى واليونانى والبيزنطى والعصر القبطى ثم تنتهى الإكتشافات الأثرية بحصر كل هذه الآثار ومراجعتها بكل تفصيلاتها ، الصحيح منها والزائف ....
بعدها يمكن الحكم على وجود موسى ويوسف .
ولكن الذى حدث ويحدث أن عملية البحث عن الآثار المصرية القديمة مرت بمراحل متداخلة من البحث الفردى التخريبى، بدأ به اللصوص والأفراد العاديون والباحثون عن الثروات من المصريين و العرب القاطنين بمصر وغيرهم ممن اتخذ نهب الآثار حرفة للمعاش ، حيث لم تهتم السلطات الحاكمة وقتها بالعناية بتلك الآثار على اتساعها و امتلائها.
وعندما بدأت النهضة الأوربية وفدت بعثات لتتعرف على جغرافية الشرق الأوسط التى ورد ذكر بعض معالمها فى العهدين القديم و الحديث ، وبتوالى البعثات انبهر اولئك بثراء وغنى الآثار المصرية واحتواء الموميات على الذهب ،ووصلت أصداؤها الى اوربا فتكونت عصابات أوربية تخصصت فى سرقة ىلآثار خصوصا الموميات لتجريدها من الذهب ، وتأسست من وقتها تجارة وبيع الآثار المصرية للهواة فى الغرب ، ولم يكن ذلك يعد وقتها جريمة تهريب إذ أننا نتحدث عن العصر العثمانى والخلافة العثمانية حيث سادت الفوضى وعمّت، متسلحة بالتخلف الحضارى فى وقت بدأ فيه الغرب حضارته الحديثة.
ثم نبت على هامش هذا الجشع الأوربى إهتمام علمى ـ ليس دينيا يتحقق من جغرافية الكتاب المقدس ـ ولكنه اهتمام علمى علمانى وقع اسير الهيام بالحضارة الفرعونية ، حيث تطورت وسائل التنقيب وتسلحت بالعلم والمعلومات والخرائط والخبراء والمهندسين ،ونشأ علم ( المصريات ) ، وإن لم تنته التجارة بالآثار محليا وعالميا فلا يزال التهريب للآثار المسروقة قائما على قدم وساق ، يشارك فيها ولاة الأمور فى مصر الذين تخصصوا فى سرقة الأحياء والأموات على السواء.
ولكن تبقى الحقيقة ماثلة لا مراء فيها ، وهى ان مكتشفات الآثار لا يمكن أن تكون إلا عشوائية ، تخضع للحظ ، بحيث لا يعرف الباحثون ماذا سينتهى بهم الأمر وهم يحفرون تحت الأرض :هل الاكتشاف سيدخل بهم الى التاريخ أم الى خيبة الأمل . وهذه العشوائية تجعل البحث مشتتا هنا وهناك حسب الظروف .
2 / 2: التزوير :-
التاريخ المصرى أطول تاريخ ممتد فى العالم، تتابعت فيه الدول والأسر الحاكمة من قديمة لمتوسطة لحديثة ، وتعاقب فيه مئات الملوك والحكام والفراعين ، ومع تنوعهم وإختلافهم إلا أنه تجمعهم جميعا عادة سيئة واحدة وهى أنه مستبدون لايرون إلا أنفسهم ، وبالتالى يحلو لكل مستبد منهم أن يكون هو الأول الذى لم يسبقه أحد ، وتفسير هذا من ناحية الآثار يتجلى فى أن بعض الفراعنة إعتاد أن يضع بطاقتة – أى أسمه – على المنشئات التى أقامها أجداده وأسلافه ، وأن يمحو الكتابات السابقة ليضع مكانها ما يثبت ملكيته لذلك المعبد أو ذلك الهرم .
وكان العمران المصرى ترصعه عشرات الأهرام الصغيرة التى صمدت حتى العصر العثمانى ، وقد أمكن تفكيك معظمها ودخلت صخورها فى بناء القلعة فى عهد صلاح الدين الأيوبى وفى بناء المؤسسات الدينية فى العصر المملوكى ، وفى بناء القناطر الخيرية فى عهد محمد على ، ومن الممكن أن تجد كتابات فرعونية على قطعة صخرية تحولت إلى طوبة فى قلعة صلاح الدين الأيوبى أو فى بناء خانقاه صوفيه تنتمى للعصر المملوكى ، وربما تكون تلك الكتابة الفرعونية شهادة زور كتبها فرعون سابق أراد أن ينسب لنفسه مجدا يعود فى الأصل لفرعون أسبق .
لم يقتصر التزوير على الفراعنة القدماء ، لأنه عادة سيئة ترتبط بالإستبداد ، ولذلك فإن سرقة منشئات السابقين ظلت سياسة ثابتة لكل من يحكم مصر ، وحتى فى عصرنا الراهن ، فقد محى عبد الناصر كل منقبة لأسرة محمد على ،وجاء السادات فمحى إسم عبدالناصر من فوق السد العالى وبحيرة ناصر ومئات المدارس التى تحمل إسم ناصر قد تغيرت ووضع إسم السادات على أغلبها، ووضعوا إسم السادات على السد العالى ،وبحيرة ناصر أصبح أسمها بحيرة السد العالى .وجاء حسنى مبارك فمحى معظم هذا وذاك ووضع أسمه عليه .
2/ 3 : التدمير
توجد أغلب المكتشفات فى الصحراء المصرية غير المسكونة حيث يسهل الكشف عنها، ولا يزال القسم الأكبر من الآثار المصرية مدفونا فى طبقات رأسية أسفل العمران المصرى حول النيل ، ولكى نكتشفه لابد من إزالة مبانى مدن وقرى بأكملها .
فيما بين مدينتين فرعونتين لا تزالان تحملان نفس الاسم وهما ( بلبيس ) و ( فاقوس ) كانت تقع أشهر مدينة فرعونية فى شرق الدلتا ، كانت عاصمة لعبادة الالهة (بست ) أى (القطة )، ثم طمرتها الأتربة فتحولت الى خرائب بقى منها أطلالئه معبد ( بست ) . وقد أقيم فوقها عاصمة محافظة الشرقية فى مصر ( الزقازيق ) التى تم بناؤها كمركز حكومى لتجميع الفلاحين وإرسالهم لحفر قناة السويس فى منتصف القرن 19 تقريبا ، وكانت الخرابات الأثرية الواسعة تملؤها المستنقعات التى تحوى سمك الزقزوق فسميت بــ ( الزقازيق ) . وتم تجفيف تلك البرك والمستنقعات وإزالة الخرائب (الأثرية ) وتجميعها حول بقايا معبد بوبسطة ، ولأن تلك الخرائب كونت جبلا فقد أطلقوا عليها اسم (تل بسطة ) وظل (تل بسطة) مهجورا بينما تحولت الأرض التى مهدوها الى مدينة الزقازيق .
وحين عشت فى مدينة الزقازيق فى الستينيات من القرن الماضى كانت لا تزال هناك خرابات تفصل بين أحياء الزقازيق وبين ما تبقى من أعمدة (تل بسطة )، وظلت خرائب مهجورة الى عهد السادات الذى أرسى سياسة الانفتاح فارتفع ثمن الأرض،وتوسعت المدن و القرى على حساب الأراضى المزروعة و الخرائب، وخلال عشر سنوات فقط توسعت مدينة الزقازيق فوصلت إلى الآثار الظاهرة لمعبد ( تل بسطة ) فتضاءلت مساحتها وتناقص المعروف منها بزحف المساكن ،واكتفوا بإقامة سور حول ما بقى من تلك الآثار متجاهلين الآثار التى تحت التراب . ولا يشعر أحد ان مدينة الزقازيق بكل عمرانها وميادينها ترقد فوق آثار مدينة كانت أشهر منها منذ عشرت القرون .
ومن الزقازيق إنتقلت للعيش فى القاهرة ، فأقمت فى المطرية شرق القاهرة منذ عام 1974 وكانت منطقة المسلة أقرب ما يكون لمنزلى ، ومنطقة المسلة تحوى مسلة فرعونية وسط خرائب أثرية لا تقتصر شواهدها الظاهرة على قرى عزبة الحصن والخصوص بل تمتد منها إلى حى عين شمس والزيتون . وشهدت بعينى خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضى تحول خرائب منطقة المسلة الأثرية لعمارات سكنية ... مع أنه معروف أن التراب فى تلك المنطقة يغطى على مدن أثرية كاملة كانت موجودة حتى قبل النهب الكبير للآثار الفرعونية فى العصر العثمانى .
واقع الأمر ان الأثار المصرية من حيث الموضع تنقسم إلى نوعين ، نوع فى الصحراء يسهل إكتشافه ، إذ غطته الرمال ، وليست الصحراء من المناطق التى تشجع على السكنى فيها ، ولذلك يتركز التنقيب عن فى مناطق صحراء الهرم وسقارة بجوار القاهرة ، وليس فى داخل القاهرة .أما النوع الثانى فيقع تحت العمران المصرى الحالى .
ويعرف د. زاهى حواس ـ أشهر عالم آثار مصرى حاليا ـ أن مدينة " نزلة السمان " بالقرب من الهرم الأكبر تربض فوق طبقات من الآثار ، ولكنه يكتفى بالتنقيب فى الصحراء المحيطة بالأهرامات ، ولا يمكن أن يطلب إزالة نزلة السمان للتنقيب عما تحتها ،لأن مدينة نزلة السمان تمثل النوع الثانى من الآثار المصرية ، وهى الآثار المدفونة تحت العمران المصرى وتحت الحقول المصرية الخضراء على ضفاف النيل والدلتا .
وفى سنة 595 هـ زار مصر الطبيب الفيلسوف عبد اللطيف البغدادي وكتب عن رحلته كتابه " الإفادة والاعتبار" وكان أروع ما فيه وصفه الدقيق للآثار الفرعونية في ذلك الوقت وما كان يحدث فيها من تدمير وتخريب يومئذٍ, وحين نقرأ هذا الوصف في كتابه ونقارنه بما تبقى لدينا اليوم من آثار نتعجب من ذلك التدمير الذي لحق بآثارنا من عهد عبد اللطيف البغدادي وحتى الآن ..
* وطبقاً لما ذكره عبد اللطيف البغدادي كان للأهرام ومنطقة الأهرام وضع مختلف عنها اليوم كانت هناك مدينة كاملة للآثار بازاء الضفة الشرقية للآهرام الثلاثة . وقد امتلأت هذه المدينة بمغارات كثيرة العدد عميقة ومتداخلة الأغوار, وبعضها يرتفع إلى ثلاث طبقات ويمكن أن يسير فيها الانسان يوماً كاملاً ولا يراها كلها , وعلى أحجارها الكتابات الفرعونية التي تغطي أيضاً الأهرام الثلاثة, ويقول عبد اللطيف البغدادي إن هذه الكتابات كثيرة جداً حتى لو تم نقل ما على الهرمين فقط إلى صحف لكانت زهاء عشرة آلاف صفحة, ويقول عن هرم خوفو وهرم خفرع أنهما مبنيان بالحجارة البيضاء أما الثالث فهو مبني بحجارة الصوان الأحمر شديد الصلابة .
* ويتحدث عن أبي الهول ونعرف منه أن جسد أبي الهول كان مدفونا في الأرض ولا يظهر منه إلا الرأس والعين فقط وقد غطاهما دهان أحمر لامع , ومعنى ذلك أن التدمير الذي حدث بعد عصر عبد اللطيف البغدادي قد كشط سطح الأرض وأظهر المدفون من جسد أبي الهول وأظهر إلى جانبه آثار كثيرة تم نهبها و ضياعها .. !! وقد شهد عبد اللطيف البغدادي في رحلته جانباً من ذلك التدمير, إذ أن ملك مصر وقتها العزيز عثمان الأيوبي حاول هدم الأهرام وبدأ بالهرم الأصغر فحشر جيشاً من العمال والمهندسين والآلات وظلوا ثمانية أشهر يهدمون كل يوم حجراً واحداً, ثم وهنت قواهم فتركوا العمل يأساً ولكن بعد أن قاموا بتشويه جانب من الهرم الأصغر .
* ولكن التدمير لحق بعشرات الأهرام الأخرى , إذ كانت هناك كثير من الأهرام تبدأ من الجيزة وتمتد مسافة يومين سيراً على الأقدام, وكان معظمها صغير الحجم , وقد هدمها قراقوش وبنى منها سور القاهرة والقلعة وقناطر الجيزة وقد بقى من أنقاضها ردم كثير وصفه عبد اللطيف البغدادي الذي وصف ايضاً أهراماً كثيرة في منطقة أبي صير, وبعضها كان انهدم وكانت بقاياه تؤكد أنه كان في حجم الهرم الأكبر في الجيزة, وما بقى من أهرام أبي صير كان مختلف الأحجام والأشكال منه المدرج ومنه المخروطي .
* وذلك الفيلسوف الحكيم وصف آثار مدينة منف وصفاً يبعث فينا الحسرة حين نقارنه بالآثار الهزيلة الباقية في البدرشين, لقد أثارت مدينة منف القديمة وآثارها إعجاب ذلك الفيلسوف وجعلته ينسى أسلوبه العلمي الرصين المتزن الهاديء فانطلق يشيد بتلك الآثار في انبهار وحماس وكيف بقيت شامخة بعد آلاف السنين, وما كان يعلم أن التدمير سيفنيها بعد بضع مئات من السنين !!
وقد وصف من تلك الاثار ما أطلق عليه الناس وقتها بالبيت الأخضر وهو حجر ضخم قد حفر في وسطه بيت , وقد وصف تفصيلاته و ما لحقه من تدمير , ووصف التماثيل الضخمة في تلك المدينة وتوازنها وتصميمها ونقوشها ودقائقها, ووصف تمثالين لأسدين, ووصف سور المدينة وما لحقه من تدمير , وأسهمت في أعمال التخريب للبحث عن الكنوز والمطالب واستخراج الموميات وبعثرة أحشائها للعثور على ما قد يكون فيها من كنوز مخبأة .
* في تلك القرون الوسطى نظر الحكام والأجانب إلى الآثار على أنها أصنام لا مانع من إزالتها , وكان الذهب هو المقصود الأعظم من البحث والتدمير لتلك الآثار, وتلك مهمة تركها الحكام لكل من شاء وبدون رقيب , وصحيح أن المعابد الوثنية كانت تشكل الجزء الأكبر من الآثار الفرعونية إلا أنها أصبحت مهجورة وزالت عنها القداسة بعد أن انصرف عنها المصريون إلى المسيحية, والغريب أن العصور الوسطى كانت عصور تقديس الأضرحة والقبور المقدسة والأولياء الأحياء والأموات ومع ذلك احتقروا التماثيل والتصاوير الفرعونية التي لم تعد مقدسة ولم يعد أحد يحج إليها على سبيل التبرك , وفيما عدا عبد اللطيف البغدادي فإننا لا نشهد مؤرخاً اهتم بالآثار المصرية اهتماماً علمياً , والمقريزي – أعظم المؤرخين المصريين – تحدث عن الآثار المصرية بما يشبه قصص المصاطب وحكاوي القهاوي , مما يعكس إهمال المثقفين لتلك الحضارة الخالدة .
* إن تاريخ الانسانية مدفون في أرضنا , ونحن نعيش فوق متحف طبيعي لتطور الحضارة الانسانية , ولا يخلو مقرر دراسي في العالم كله من البدء بالحضارة الفرعونية, ولا يتحدث إثنان في أي مكان في العالم عن الآثار القديمة إلا و كانت آثارنا الفرعونية هىّ بيت القصيد .. ومع ذلك فقد توارثنا عن القرون الوسطى تلك العادة السيئة في عدم الإهتمام بالآثار الفرعونية التي تنال حظها من اهتمام الدنيا كلها إلا نحن فقط .. !!
* إن التدمير الذي لحق بالآثار المصرية في القرون الوسطى تبدو بعض ملامحه فيما نعثر عليه من أحجار فرعونية في العمائر الفاطمية والأيوبية والمملوكية ومن عملات ذهبية فرعونية في الكنوز التي ترجع للقرون الوسطى ، ثم حين فتحت مصر أبوابها للأجانب تركتهم ينهبون أهم الآثار والتحف إلى بلادهم , ولا تزال سرقات الآثار تجارة رابحة لها عصابات متخصصة في الداخل والخارج, ونخشى أن يأتي أحفادنا في المستقبل يعيبون علينا ما نعيبه الآن على أجدادنا في العصور الوسطى .. !!
3 ـ ونعود الى موضوعنا :
مع كل هذا التدمير للآثار الفرعونية تظل مناطق واسعة فى التاريخ الفرعونى ضائعة لا نعرف عنها شيئا . ويزيد جهلنا بالتاريخ المصرى ونحن لا يمكن أن نعرف حجم الآثار المدفونة التى لم نكتشفها بعد ،وحتى لا نعرف خريطة توزيعها فى القطر المصرى .
ومع كل ذلك التزييف فلايمكن الوثوق بأننا نعرف التاريخ الحقيقى نقلا عن تلك الآثار المكتشفة .
ومع الاضطرارللعشوائية فى البحث والتنقيب فإن ما نكتبه فى تاريخ المصريات يظل محاولات عشوائية لبعض المناطق ،أو لبعض الأماكن .
4 ـ وبتطبيق ما سبق على القصص القرآنى للأنبياء يوسف وأبيه وموسى وأخيه لا بد أن نتذكر الآتى :
4 /1 : إن أولئك الأنبياء ظهروا فى عصور لم تكن مبعث فخر للفراعنة اللاحقين ، أى كان لا بد من تدمير بقايا تلك العصور على يد الفراعنة اللاحقين .
يوسف عاش فى عهد الاحتلال الهكسوسى ، وقد أزاله الفراعنة المصريون ، وبالتالى كان لا بد من تدمير آثار ذلك المحتل الأجنبى ، ومنها آثار كان يمكن ان تعطى تاريخا ليوسف وأهله .
موسى ارتبط عهده بتدمير فرعون وملكه تحت سطح البحر ، وهى هزيمة اعتاد الفراعنة تجاهل هزائم أقل منها ، فكيف بزوال فرعون وجنده وقومه وآله فى لحظة تحت أمواج البحر الأحمر ، ثم وقوع مصر تحت سيطرة بنى اسرائيل وفقا لما ذكره القرآن الكريم .
4 / 2 : ثم إن القرآن الكريم سبق الجميع فأكّد أن الله جل وعلا قد دمّر كل ماكان قد بناه فرعون موسى ، أى من البداية لا توجد آثار لفرعون موسى ، وليس من مصدر تاريخى عنه سوى ما جاء فى القرآن الكريم والتوراة .
وفى الخاتمة :
نتدبر قوله جل وعلا: (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ) (الأعراف 136 ـ)
صدق الله العظيم .!!